مواهب الرحمن فی تفسیر القرآن جلد 7

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

بطاقة تعريف:سبزواري، سیدعبدالاعلی، 1288؟ - 1372.

عنوان واسم المؤلف: مواهب الرحمن في تفسیر القرآن/ عبدالاعلی موسوی السبزواري.

تفاصيل المنشور: موسسه اهل البیت - بیروت 1414

مواصفات المظهر:11‌ج.

الموضوع: التفسيرات الشيعية -- قرن 14

ترتيب الكونجرس: BP98/س23م8 1372

تصنيف ديوي: 297/179

رقم الببليوغرافيا الوطنية: م‌74-426

معلومات التسجيلة الببليوغرافية: فاپا

اشارة

بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ‌

تتمة تفسير سورة آل عمران

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اَللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ.......

اشارة

فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اَللّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ (159) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ (160) خطاب إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) يبين فيه عز و جل فضله العظيم و ما من اللّه عليه من الصفات الكريمة و يذكّره نعمة اللّه تعالى عليه و على المسلمين أن جعل قلبه رحيما بهم ولينا معهم، و قد مدح رسوله الكريم بالعفو و ترك الفظاظة و الخشونة مع المؤمنين و انهم كانوا مستحقين لأكثر من اللوم و العتاب بعد ما صدر منهم ما أوجب الفشل و الهزيمة و قد ضعفوا امام إغراء الغنيمة و وهنوا عن الجهاد في سبيله تعالى و قد ارشدهم سبحانه و تعالى في الآيات المتقدمة إلى ما ينفعهم و يسعدهم في دنياهم و ترك ما يوجب شقائهم في الدنيا و الآخرة.

و الآيات المباركة تشتمل على أهم الحقائق و الصفات التي لا بد لمن يتصدى امور المؤمنين من التحلي بها و هي العفو عنهم، و المشاورة

معهم، و التوكل على اللّه لان فيها اظهار العبودية فتكون حياتهم و اتجاهاتهم حسب ما قرره سبحانه و تعالى.

و فيها وعدهم عز و جل بالنصر على الأعداء لأنه لا يعطى النصر إلا لمن يستحق و لا يكتب الهزيمة و الخذلان إلا على من خالف أوامره و نواهيه تعالى و إلا فليس له الا الخذلان و الردى، و أمرهم بالتوكل عليه.

التفسير

قوله تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اَللّهِ‌ .

التفات من خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) لان الخطاب يتضمن اللوم و العتاب لما صدر عنهم في احد و قد استحقوا بسببه التوبيخ من النبي (صلى اللّه عليه و آله) و التعنيف فقد فعلوا ما أوجب الهزيمة و ما يمس النبي (صلى اللّه عليه و آله) بالاعتراض عليه فإنهم قالوا ان النبي هو الذي أورد من قتل منهم إلى ذلك و لكن عظمة رحمة اللّه تعالى التي أنزلها على رسوله الكريم شملت الجميع فخاطب رسوله الكريم لأنه أرسله رحمة للعالمين كما قال عز شأنه «وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ‌» الأنبياء - 107.

و مما ذكرنا يظهر ان الفاء في قوله تعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ‌» هو لترتيب مضمون الكلام على ما سبق، و المعروف ان «ما» زائدة جاءت مؤكدة للكلام، و ادعي الإجماع عليه. و لكنه موهون لأنه ليس في القرآن الكريم حرف زائد مضافا إلى ذهاب جمع إلى الخلاف في المقام و سيأتي في البحث الادبي ما يتعلق بذلك.

قوله تعالى: لِنْتَ لَهُمْ‌ .

مادة (لين) تدل على ضد الخشونة و الصلابة و في حديث أوصاف المؤمنين «يتلون كتاب اللّه لينا» اي سهلا على ألسنتهم لكثرة تلاوتهم له.

و المعنى: مع كون المؤمنين على ما وصفناهم فبرحمة من اللّه تعالى عليك حيث جعلك متصفا بمكارم الأخلاق لان جانبك و رؤفت بالمؤمنين و صرت تحتملهم و تعطف عليهم و تعفو عنهم و تشاورهم في الأمر مع ما هم عليه من اختلاف الآراء و الأحوال و ما صدر عنهم مما أوجب اللوم و العتاب و التعنيف و عدم رضاء اللّه تعالى عنهم و بسبب هذه الرحمة العظيمة التي من بها عز و جل عليهم و بواسطة الفيض دخلوا تحت لوائه و اهتدوا بهداه و أقيم عمود الدين و انتظمت شؤون الإسلام و انقمعت شوكة الكفر و الطغيان.

قوله تعالى: وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‌ .

الفظاظة: هي الخشونة و الشراسة في الأخلاق. و غليظ القلب:

اي قسيّ القلب و الثاني سبب للأول فان غلظة القلب و قساوته سبب للفظاظة، و قدمها لظهورها في بادئ الأمر.

و انما أكد عليهما عز و جل لأنه يتبعهما كل صفة ذميمة، و الانفضاض التفرق قال تعالى: «وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً» الجمعة - 11 و تستعمل في موارد التفرق الموجب للسقوط في الهاوية و الردى.

و الآية المباركة ترشد إلى أهم ما يجب على الزعيم الروحي ان يتحلى به و هو نبذ كل ما يوجب نفرة الناس منه قولا أو فعلا فانه مهما كثرت فضائله و عمت نوائله و فواضله لكنهم يتفرقون عنه و يتركونه و شأنه إذا رأوا منه ما يوجب تنفيرهم عنه فلا ينتظم أمره و لا يستقيم شأنه و تفوته الغاية التي بعث الأنبياء لأجلها و هي الهداية و الإرشاد و الدعوة إلى الطاعة و العبودية.

و هكذا يقرر الإسلام صفات القائد الإلهي كالرسول العظيم الذي هو متصف بمكارم الأخلاق و بالمؤمنين رؤوف رحيم مهتم بإرشادهم و حريص على هدايتهم.

قوله تعالى: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ‌ .

بيان لسيرته (صلى اللّه عليه و آله) مع المؤمنين و تقريره تعالى لها و قد امره عز و جل بعدم الترتيب على أفعالهم اثر المعصية إذا خالفوه في امر الجهاد و القتال و ما يرجع إلى نفسه المقدسة و يطلب لهم من اللّه تعالى المغفرة في ذلك.

قوله تعالى: وَ شاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ .

المشاورة المناظرة و المراجعة في أخذ الرأي و استخلاصه من الغير قيل انه مأخوذ من شرت العسل إذا اجتباه و استخرجه من موضعه و الاسم الشورى و المشورة بسكون الشين و فتح الواو.

و المراد بالأمر هو ما يهتم بشأنه كالحرب و ما يتعلّق بها، كما هو المنساق من الآيات الشريفة و لا تشمل الآية المباركة امور الدين و ما يتعلق به أو ما انزل فيه الوحي من امور الدنيا.

يعني: و شاورهم في ما يعرض عليك من الأمور في ما يهتم بشأنه

لمصالح كثيرة منها استصلاحهم و تطميعا لهم في الدخول في مكارم الإسلام و التخلق بفضائل الأخلاق و استمالة لقلوبهم و تعليما لامته بعدم تركها في أمورهم. و إلا فانه (صلى اللّه عليه و آله) لم يكن بحاجة إليهم و لم تفده المشاورة - علما أو سدادا أو صلاحا - كيف و هو المسدد من قبل اللّه تعالى و قد قال عز و جل في شأنه «وَ ما يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى‌» و النجم - 4 و عن الحسن بن علي (عليهما السلام) «قد علم اللّه انه ما به إليهم حاجة و لكن أراد ان يستن به من بعده» و عن ابن عباس عنه (صلى اللّه عليه و آله): «اما ان اللّه و رسوله لغنيّان عنها - اي المشاورة - و لكن جعلها اللّه تعالى رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشدا و من تركها لم يعدم غيا».

و الآية الشريفة تدل على إمضاء سيرته عز و جل مع المؤمنين كالآية السابقة في المشاورة معهم، و اللّه تعالى راض عنه، و قد استشار مع أصحابه في عدة مواطن منها غزوة بدر الكبرى حين ما نزل عند ادني ماء بدر فأشاروا عليه ان ينزل ادنى ماء من القوم. و كاستشارته في غزوة أحد عند ما كان رأيه ان يبقى في المدينة و يحارب فيها و قد اشاروا عليه الخروج عنها إلى أحد.

و كيف كان فللشورى فوائد جمة و مصالح كثيرة، و قد وردت روايات كثيرة في مدحها ففي الحديث عنه (صلى اللّه عليه و آله) «ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم» و عن علي (عليه السلام) «لا ظهير كالمشاورة و ما ندم من استشار».

قوله تعالى: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ‌ .

إرشاد الهي بعدم الاتكال على المشاورة. و العزم: عقد القلب

و الإمضاء على إتيان الفعل بعد المشورة و عزم قلبه (صلى اللّه عليه و آله) انما يكون بنور اللّه تعالى و تسديده له.

و التوكل على اللّه: هو تفويض الأمر اليه عز و جل فانه الأعلم بمصالح العباد و هو يقضي ما يشاء و يحكم ما يريد، و المشورة و الفكر و إحكام الرأي و إمضائه لا تكفي في النجاح إلا بتوفيق من اللّه تعالى و تسديد منه و لا تؤثر الأسباب إلا به تعالى، فان الموانع كثيرة لا يعلمها و لا يقدر احد ان يزيلها إلا اللّه عز و جل.

و من ذلك يعرف ان التوكل انما يتم إذا استحكم الإنسان امره و استكمل العدة و راعى الأسباب العادية الظاهرية و لكن لا يعول عليها و لا يتكل على حوله بل على حول اللّه و قدرته عز و جل فلا ينافي التوكل مراعاة الأسباب العادية.

و للتوكل فوائد جمة ايضا منها اظهار العجز و العبودية و غيرها كما ياتي في البحث الاخلاقي ان شاء اللّه تعالى.

و انما اتى عز و جل اسم الجلالة لبيان ان هذه الذات المستجمعة لجميع الصفات الكمالية تستدعي التوكل عليه و لا ينبغي للإنسان ان يتكل على نفسه و هو العاجز عن تدبيرها.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌ .

المنقطعين اليه الواثقين به و إذا أحب اللّه تعالى أحدا كان و ليسا و ناصرا له و لم يخذله بحال، و محبة اللّه تعالى هي من أعظم الكمالات التي يسعى الإنسان إليها و هي الخير بجميع معنى الكلمة.

قوله تعالى: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ‌ .

جملة مستأنفة ترغب المؤمنين الى طاعة من يستمد منه النصر و تحذّرهم عن عصيان من يكون عصيانه سببا للخذلان، و الخطاب فيها تشريفا للمؤمنين يدعوهم الى التوكل بيان وجه من وجوه الحكمة في وجوب التوكل على اللّه تعالى و هو ان الإنسان إذا استعد للعمل و هيئ مقدماته على قدر المستطاع و هو لا يعلم عواقب الأمور فتوكل على من يعلمها و يدبرها على النحو الأحسن فلا محالة تحصل في نفسه ثقة و اطمينان بتحققه، و قد اقتضت حكمته محبة المتوكلين عليه و نصرتهم فإذا نصرهم فلا يغلب احد عليه.

و قوله تعالى: «فَلا غالِبَ لَكُمْ‌» يبين نفي الجنس بنفي جميع افراد الغالب ذاتا و صفة و هذا ابلغ من قول «لا يغلبكم احد» لأنه يدل على نفي الصفة فقط.

قوله تعالى: وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ‌ .

اي: و ان أراد تعالى خذلانكم بسبب معاصيكم و عدم توكلكم عليه فلا احد يملك نصركم بعد خذلانه. و الاستفهام إنكاري يفيد نفي التأخير، و الكلام في قوله تعالى: «فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ‌» على حد قوله تعالى «فَلا غالِبَ لَكُمْ‌» من نفي الجنس بنفي جميع افراد الناصرين ذاتا و صفة.

و انما لم يذكر سبحانه النفي صريحا في هذه الآية المباركة كما ذكره في جواب الشرط الاول تلطفا بالمؤمنين حيث لم يصرح سبحانه بانه لا ناصر لهم و اكتفى بعدم الغلبة لهم و ان كان هذا يفيد ذلك أيضا.

قوله تعالى: وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ‌ .

اي: ان ايمان المؤمنين يستدعي التوكل على اللّه تعالى فانه لا ناصر و لا معين لهم إلا هو عز و جل المستجمع لجميع صفات الكمال و هو الذي وعد المؤمنين بالنصر يوفقهم الى ذلك و اليه يكون التجائوهم.

بحوث المقام

بحث ادبي:

تقدم ان المعروف بين المفسرين ان «ما» في قوله تعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اَللّهِ‌» زائدة جاءت مؤكدة، و ادعى الطبرسي و الزجاج الإجماع عليه، و لكنه موهون لذهاب جمع إلى الخلاف حيث ذهب جماعة إلى انها نكرة بمعنى (شيء) و «رحمة» بدل منها. و قال جمع آخر:

ان «ما» لتفخيم قدر الرحمة التي لان بها لهم و يرجع هذا إلى قول من قال بأن (ما) استفهامية للتعجب و التقدير. و التنوين في رحمة للتفخيم يضاف إلى ذلك انه لم يرد شيء في القرآن الكريم إلا لمعنى مفيد و لم يكن حرف من حروف القرآن زائدة.

و الفاء في قوله تعالى: «فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ‌» لبيان ترتيب ما بعدها على ما تقدم من غلبة المؤمنين على تقدير نصر اللّه لهم أو مغلوبيتهم و خذلانه إياهم و العلم بذلك يستدعي قصر التوكل عليه عز و جل.

و قد اشتملت الآية الشريفة «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ‌ فِي اَلْأَمْرِ» على أسلوب لطيف و ترتيب حسن يقبله الذوق السليم و الطبع المستقيم فقد امر عز و جل بالعفو عن الحقوق التي ترجع إلى نفسه (صلى اللّه عليه و آله) ثم طلب الاستغفار من اللّه تعالى لهم فيما يتعلق بحقوقه عز و جل، فإذا زال المانع عنهم و استعدوا للمشاورة امر عز و جل بالمشورة معهم، ثم امر بإظهار العبودية للّه تعالى و عدم الاعتماد على غيره عز و جل بالتوكل عليه تعالى و الانقطاع اليه فانه لا ملجأ إلا اليه و لا منجا إلا به.

و قد اشتملت الآية الشريفة «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ‌ فِي اَلْأَمْرِ» على أسلوب لطيف و ترتيب حسن يقبله الذوق السليم و الطبع المستقيم فقد امر عز و جل بالعفو عن الحقوق التي ترجع إلى نفسه (صلى اللّه عليه و آله) ثم طلب الاستغفار من اللّه تعالى لهم فيما يتعلق بحقوقه عز و جل، فإذا زال المانع عنهم و استعدوا للمشاورة امر عز و جل بالمشورة معهم، ثم امر بإظهار العبودية للّه تعالى و عدم الاعتماد على غيره عز و جل بالتوكل عليه تعالى و الانقطاع اليه فانه لا ملجأ إلا اليه و لا منجا إلا به.

بحث دلالي
يستفاد من الآيات الشريفة امور:
الاول:

يستفاد من قوله تعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اَللّهِ لِنْتَ لَهُمْ - إلى أخر الآية الشريفة -» ان النبوات السماوية تتقوم بأمرين:

الاول: المظهرية التامة لأخلاق اللّه تعالى و المرآتية الكاملة للوحي المبين.

الثاني: اجتماع جميع الجهات الانسانية في النبي من دون نقص فيها و بالأول يستفيض من اللّه تعالى، و بالثاني يخالط الناس و يعاشرهم فيفيدهم، و تدل على ما قلناه الادلة العقلية و النقلية قال تعالى: «وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ‌» الانعام - 9 و قال تعالى: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ‌» * الكهف - 110 و قال تعالى حكاية عن الكافرين: «ما لِهذَا اَلرَّسُولِ يَأْكُلُ اَلطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي اَلْأَسْواقِ‌» الفرقان - 7 و هذا الأمر لا يختص بني دون آخر فهو جار في جميع الأنبياء و المرسلين بل يجري بالنسبة الى اولياء

اللّه الداعين اليه المستمدين علومهم من قوله تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اَللّهُ‌» البقرة - 282 و اما سيد الأنبياء و خاتمهم فمقامه الجمع الجمعي من أجل المقامات و أعلاها ففي كل آن له سفران سفر من الخلق إلى الحق المطلق لأن يأخذ منه الكمالات المعنوية التي بها يربّي العباد تربية حقيقية كاملة، و سفر من الحق إلى الخلق لتربية النفوس المستعدة، و أسفاره الجسمانية و ان كانت محدودة و لكن أسفاره الروحانية لا تعد و لا تحصى كيف و هو (صلى اللّه عليه و آله) يقول: «أبيت عند ربي يطعمني و يسقيني ربي» بل قول خليل اللّه: «اَلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَ اَلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَ يَسْقِينِ وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ‌» الشعراء - 80 يدل على ان لهم صلوات اللّه عليهم عالما خاصا غير ما نحن فيه و ان كانوا يشتركون معنا في كثير من الأمور.

و الآيات الشريفة التي تقدم تفسيرها تدل على ما ذكرناه فهو (صلى اللّه عليه و آله) مظهر الرحمة الإلهية و اخلاق اللّه تعالى؛ كما انه بشر كسائر البشر و قد أمر بأن يخالط الناس و يتشاور معهم.

الثاني:

الآيات الشريفة تدل على ان الرحمة و اللين مع الخلق و التودد معهم و الرحمة لهم من أجلّ صفات اللّه تعالى فأفاضها على نبيه (صلى اللّه عليه و آله) فصارت من سيرته (صلى اللّه عليه و آله) كما ان العفو عنهم، و الاستغفار لهم، و المشاورة معهم كانت كذلك و اللّه سبحانه و تعالى راض عن فعله.

الثالث:

يتضمن قوله تعالى: «وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ - الآية -» على شروط التوكل على اللّه تعالى و هي المخالطة مع الناس بأحسن وجه و تهيئة الأسباب و المقدمات و المشاورة معهم و تبيين الوجه الصحيح

و عزم النية و عقد القلب ثم التوكل عليه عز و جل في إصلاح الأمور و إنجاحها و سيأتي في البحث الاخلاقي تفصيل ذلك

الرابع:

يدل قوله تعالى: «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ‌» على ان الأثر المهم المترتب على التوكل على اللّه هو النصر على الأعداء و الظفر بالمراد، و لا يمكن ان يدفع ذلك احد مهما كانت مرتبته أو عظمت سلطته، لأنه يدخل في سلطان اللّه تعالى و هو القوي الذي لا يغلب.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ‌» ان شأن المؤمن ان يتوكل على اللّه و لا ينبغي له التخلي عنه بعد أن آمن به عز و جل و علم بانه مسبب الأسباب و ان الأمور تحت ارادته و مشيته و لا ناصر له غيره عز و جل فلا محيص من التوكل عليه و لذا كان التوكل من شأن جميع الأنبياء و المرسلين و اولياء اللّه الصالحين.

السادس:

يدل قوله تعالى: «فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اَللّهِ لِنْتَ لَهُمْ‌» على ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مثال الانسانية الكاملة و المرآتية الكبرى للّه جلّ جلاله و قد خلق من رحمته عز و جل كما أرسله رحمة للعالمين فصار لينا لهم كما هو شأنه عز و جل فقد سبقت رحمته غضبه و على هذا يكون قوله تعالى: «وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‌» قضية فرضية امتناعية كما هو شأن غالب استعمالات كلمة «لو» فان صدقها انما يكون بصدق لزوم ترتب الجزاء على الشرط لا الوقوع الخارجي، فتصدق هذه القضية مع الامتناع للشرط مهما كان ترتب الجزاء على الشرط لازما و لو امتنع الشرط.

و كيف كان فهذا الخطاب البليغ مع إيجازه يبين أقصى مراتب الانسانية الكاملة.

بحث روائي

في الخصال عن عبد اللّه بن الفضل الهاشمي قال: «سألت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) عن قوله عز و جل: «وَ ما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللّهِ‌ » و قوله عز و جل: «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ‌» » فقال (ع): إذا فعل العبد ما أمره اللّه عز و جل به من الطاعة كان وفقا لأمر اللّه سمي العبد موفقا، و إذا أراد العبد ان يدخل في شيء من معاصي اللّه فحال اللّه تبارك و تعالى بينه و بين المعصية فتركها كان تركه لها بتوفيق اللّه تعالى و متى خلى بينه و بين المعصية فلم يحل بينه و بينها حتى يركبها فقد خذله و لم ينصره».

أقول: مثل هذا الحديث يبين حقيقة الايمان و كيفية انسلاخ العبد عنه و بيان مراتب التوفيق له، فيكون كل ذلك بمنشأية نفسه و الإمدادات الغيبية، فالخذلان من نفس العبد إذا تجرى على المعاصي، كما ان الوصول الى المراتب يكون من نفسه أيضا.

و في تفسير العياشي عن علي بن مهزيار: «كتب إليّ ابو جعفر الجواد (عليه السلام) ان اسأل فلانا يشير عليّ و يتخير لنفسه فهو يعلم ما يجوز في بلده و كيف يعامل السلاطين فان المشورة مباركة قال اللّه تعالى لنبيه في محكم كتابه «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌ » فان كان ما يقول مما يجوز كنت أصوب رأيه، و ان كان غير ذلك رجوت ان أضعه على الطريق الواضح ان شاء اللّه. «وَ شاوِرْهُمْ فِي اَلْأَمْرِ»

قال (ع): يعني الاستخارة».

أقول الاستخارة من المؤمن من احدى مراتب التوكل لفرض ان المستخير يكل امره إلى اللّه تعالى و المراد من قوله (عليه السلام) «و يتخير لنفسه» اي: اختيار. مورد المشورة لنفسه و بيانه لغيره.

بحث اخلاقي
اشارة

التوكل: فضيلة من الفضائل السامية و خلق كريم من مكارم الأخلاق و خصلة حميدة، و منزل شريف من منازل الايمان و مقام رفيع من مقامات الموقنين بل أفضل مقامات الانسانية الكاملة، به يظهر المؤمن صدق إيمانه و ثبات اعتقاده و يجتمع فيه كثير من الفضائل و الخصال الحميدة فهو قرين الصدق و العز و الاستعانة باللّه العظيم و غيرها و به ينتظم العلم و الحال و العمل. و كفى به فضلا و منقبة ان اللّه تعالى يحب المتوكلين و هو من اخلاق الأنبياء العظام، و لمكانته السامية فقد امر به عز و جل نبيه الكريم (صلى اللّه عليه و آله) بالتحلي به في عدة مواطن من كتابه الكريم، و قد ورد في فضل التوكل و مدحه و الترغيب اليه من الكتاب الكريم و السنة الشريفة الشيء الكثير و نحن نذكر في هذا البحث ما ورد في التوكل من الفضل، و معنى التوكل، و حقيقته، و شروطه، و آثاره،

فضل التوكل:

قد ورد في مدح التوكل و فضله و الترغيب اليه و الحث على التحلي

به في الكتاب الكريم و السنة الشريفة ما يبهر منه العقول.

التوكل في الكتاب الكريم:

وردت مادة (وكل) في القرآن المجيد على ما يناهز السبعين موضعا و غالب استعمالاتها تدل على مدحه و الترغيب اليه قال تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‌» الطلاق - 3، و قال تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَإِنَّ اَللّهَ «عَزِيزٌ حَكِيمٌ‌» الأنفال - 50 و قال تعالى: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌» آل عمران - 159.

و قد ورد قوله تعالى: «وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ‌» آل عمران - 160 في عدة مواضع و كذا قوله تعالى: «وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ‌» ابراهيم - 12 و قال تعالى: «وَ عَلَى اَللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‌» المائدة - 23 و يستفاد منه ان الايمان منوط بالتوكل و قال تعالى: «فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَمَتاعُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‌» الشورى - 36 و هذه الآية المباركة تبين حقيقة التوكل على ما ستعرف.

و يستفاد من الآيات الواردة في شأن الأنبياء ان التوكل كان من سيرتهم و أنه فضيلة مشتركة بينهم قال تعالى حكاية عن ابراهيم (ع) و الذي معه «رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ اَلْمَصِيرُ» الممتحنة - 4 و قال تعالى حكاية عن يعقوب (عليه السلام): «وَ قالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَ اُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَ ما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اَللّهِ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ عَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ‌»

يوسف - 67 و قال تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام): «وَ قالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقالُوا عَلَى اَللّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ اَلظّالِمِينَ‌» يونس - 85 و قال تعالى حكاية عن شعيب: «وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْ‌ءٍ عِلْماً عَلَى اَللّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْفاتِحِينَ‌» الأعراف - 89 و قال تعالى حكاية عن هود (عليه السلام): «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اَللّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‌» هود - 56 و قال تعالى حكاية عن صالح (عليه السلام):

«إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ اَلْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ‌» هود - 88 و قال تعالى حكاية عن نوح (عليه السلام) «إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَ تَذْكِيرِي بِآياتِ اَللّهِ فَعَلَى اَللّهِ تَوَكَّلْتُ‌» يونس - 71. و قد تحدث سبحانه و تعالى عن جمع من الرسل (عليهم السلام) و حكى عن شأنهم و ذكر ان التوكل من عمدة صفاتهم و من سيرتهم و هو و الصبر قرينان لديهم قال تعالى:

«قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَ لكِنَّ اَللّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ ما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اَللّهِ وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ ما لَنا أَلاّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللّهِ وَ قَدْ هَدانا سُبُلَنا وَ لَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ‌» ابراهيم - 12.

و يكفى في فضله ان اللّه تعالى قد امر به نبيه الكريم (صلى اللّه عليه و آله) في مواضع كثيرة من كتابه الكريم قال تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً» النساء - 81 و قال تعالى:

«فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ‌» التوبة - 129 و قال تعالى: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ‌ عَلَى اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌» آل عمران - 159. و المستفاد من جميع ذلك ان التوكل فضيلة سامية و انه من أعلى مقامات التوحيد و هو يدل على كمال ايمان المؤمنين و لذا كان من صفات الأنبياء الكرام و المؤمنين المخلصين بل هو توحيد عملي يكشف عن درجة الايمان و شدة اعتمادهم على اللّه عز و جل قال تعالى: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اَللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‌» الأنفال - 2. و يستفاد منه ان التوكل اجلى برهان و احكم علامة على ثبات عقيدة المؤمن و رسوخ التوحيد في قلبه لأنه لا يرى لغيره عز و جل سلطة و شأنا فهو خاضع له يطلب منه وحده تهيئة الأسباب و تدبيرها قال تعالى في الشيطان: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‌» النحل - 90 و سيأتي مزيد بيان.

«فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ‌» التوبة - 129 و قال تعالى: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ‌ عَلَى اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌» آل عمران - 159. و المستفاد من جميع ذلك ان التوكل فضيلة سامية و انه من أعلى مقامات التوحيد و هو يدل على كمال ايمان المؤمنين و لذا كان من صفات الأنبياء الكرام و المؤمنين المخلصين بل هو توحيد عملي يكشف عن درجة الايمان و شدة اعتمادهم على اللّه عز و جل قال تعالى: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اَللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‌» الأنفال - 2. و يستفاد منه ان التوكل اجلى برهان و احكم علامة على ثبات عقيدة المؤمن و رسوخ التوحيد في قلبه لأنه لا يرى لغيره عز و جل سلطة و شأنا فهو خاضع له يطلب منه وحده تهيئة الأسباب و تدبيرها قال تعالى في الشيطان: «إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‌» النحل - 90 و سيأتي مزيد بيان.

التوكل في السنة الشريفة:

وردت أحاديث كثيرة عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) و الائمة الهداة (عليهم السلام) تدل على فضل التوكل على اللّه و جميعها - سواء القولية و الفعلية - تحكي سيرتهم التي تدل على شدة اعتمادهم على اللّه تعالى و تفويضهم الأمر اليه و تحريض الناس عليه ففي الحديث عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه قال: «من انقطع إلى اللّه عز و جل كفاه اللّه كل مؤونة و رزقه من حيث لا يحتسب، و من انقطع إلى الدنيا وكله اللّه إليها».

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «لو انكم تتوكلون على اللّه حق

توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا».

و قال (صلى اللّه عليه و آله): «من سره ان يكون اغنى الناس فليكن بما عند اللّه أوثق منه بما في يده».

و روي عن الصادق (عليه السلام): «اوحى اللّه تعالى إلى داود ما اعتصم عبد من عبادي بي من خلقي عرفت ذلك من نيته ثم تكيده السموات و الأرض و من فيهن إلا جعلت له المخرج من بينهن و ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلق عرفت ذلك من نيته إلا قطعت اسباب السموات و الأرض من يديه و أسخت الأرض من تحته و لم أبال باي واد هلك».

و عنه (عليه السلام): «ان الغنى و العز يجولان فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا».

و عن الكاظم (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‌» قال: «التوكل على اللّه على درجات منها ان تتوكل على اللّه في أمورك كلها فما فعل بك كنت عنه راضيا تعلم انه لا يألوك خيرا و فضلا و تعلم ان الحكم في ذلك له فتوكل على اللّه بتفويض ذلك اليه وثق به و في غيرها».

و قال الصادق (عليه السلام): «من اعطي ثلاثا لا يمنع ثلاثا من اعطي الدعاء اعطي الاجابة، و من اعطي الشكر اعطي الزيادة و من اعطي التوكل أعطي الكفاية ثم قال: أ تلوت كتاب اللّه عز و جل «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‌» ، و قال: «و لئن شكرتم لأزيدنكم»، و قال تعالى: «اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ‌» . إلى غير ذلك من الأحاديث الكثيرة الدالة على فضل التوكل و مدحه و الترغيب اليه و انه خلق كريم يجب على المؤمن التحلي به و يدل عليه العقل ايضا.

معنى التوكل:

التوكل مشتق من الوكالة يقال و كل فلان الأمر إلى غيره اي فوضه اليه و اكتفى به لاعتماده عليه انه ينجزه و وثق به و يسمى المفوض اليه متكلا و متوكلا عليه، و اما الوكيل فانه فعيل يأتي بمعنى المفعول - و هو الذي يوكل الأمر اليه أو موكول اليه الأمر. و يأتي بمعنى الفاعل فيكون بمعنى الحافظ و الناصر و الرقيب و المطلع لأنه الذي يرعى الأمور و يحفظها و يتعهدها و ينصر من يركن اليه و منه قوله تعالى: «وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ‌» آل عمران - 173 لأنه هو الذي يتعهد الأمور التي وكلت اليه من عباده و ناصره و حافظه و الاسم التكلان (بضم التاء).

و إذا رجعنا إلى اللغة نرى ان التوكل تارة يطلق و يراد منه التولي للغير، يقال توكلت لفلان إذا صرت وكيلا عنه و توليت له، و منه الوكالة (بفتح الواو) أو (بالكسر على لغة) و هي الوكالة المعروفة في الفقه.

و يطلق اخرى و يراد به الاعتماد على الغير و الوثوق به. و التوكل على اللّه تعالى هو تفويض الأمر اليه عز و جل و الاكتفاء به و يشبه التوكل التفويض من هذه الجهة فهما يشتركان في تسليم الأمر اليه عز و جل قال تعالى حكاية عن شعيب: «فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ» غافر - 44 أي اسلم الأمور اليه عز و جل فهو الذي يكفيكها، و في الحديث ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان يدعو فيقول: «اللهم اني أسلمت نفسي و فوضت امري إليك».

لكن التوكل يزيد على التفويض في انه يتضمن طلب النصرة منه و الوثوق بأنه ينجزها و يحفظ من يكل اليه أمره و الرضاء بفعل اللّه عز و جل بعد الاعتراف بالعجز و لقصوره امام عظمته و كبريائه.

حقيقة التوكل:

التوكل على اللّه تعالى هو الاعتماد عليه عز و جل قلبا و اطمينان النفس به و الوثوق بأنه لم يهمله بعد الاعتراف بعجز الإنسان امام قدرته و علمه و إحاطته و قيموميته، و الاعتقاد بانه تعالى هو الفاعل لا غيره و ان لا رب غيره فيعلم علما قطعيا بانه لا حول و لا قوة إلا باللّه. يضع الأشياء في مواضعها بحكمته و هو القادر على كل شيء في السموات و الأرض.

و من ذلك يظهر السر في ذكره عز و جل العزة و الحكمة في قوله تعالى «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَإِنَّ اَللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‌» لان الاعتقاد بأنه حكيم يضع الأشياء في مواضعها و عزيز قادر لا يمتنع عليه شيء إذا أراد فلا محالة يذعن المؤمن بأنه تعالى ناصره و معينه و هو حسبه و كافيه و يحصل له الاعتقاد بأن كل ما يسوقه اليه ربه هو طيب و كريم و حسن و خير و يعتمد عليه في جميع أموره و تحصل الثقة باللّه العظيم فيتوكل عليه عز و جل.

فالتوكل إنما هو ارتباط عالم الشهادة المتناهية من كل جهة بعالم الغيب غير المتناهي كذلك و لذا نرى انه و التوحيد قرينان لا يتحقق أحدهما من دون الآخر فمن لا توحيد له لا توكل له و من لا توكل له لا ايمان له و يدل عليه قوله تعالى: «وَ عَلَى اَللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‌»

بل يمكن ان يقال بأن التوكل طريق لمعرفة ايمان المؤمن بل هو محقق له لأنه لا يرى لغير اللّه تعالى أثرا فالجميع مسخر تحت ارادته و انما جعل لها نظاما معينا أقام امور العالم به فتجرى وفق قانون الأسباب و المسببات خاضعة له لا تتخلف عنه، إلا انها عاجزة عن اي نفع و ضرر لأنها لا تفعل شيئا الا بإرادته و مشيته عز و جل و المؤمن يذعن بهذا النظام الذي أقام اللّه تعالى هذا العالم به و يطلب كل شيء عن طريق سببه و يعمل و يكافح على إيجاد الأسباب الظاهرية المنوطة بها المسببات و يطلبها وفق ما امره اللّه تعالى طلبا تكوينيا أو تشريعيا و لكنه يعترف بالعجز امام قدرة اللّه تعالى و يذعن بالجهل امام المقادير التي قدرها عز و جل و يعلم بأن الأسباب الظاهرية التي عمل لأجلها شيء و المقادير و القضاء و القدر و الأسباب الخفية التي يجهلها شيء آخر و جميعها خاضعة له عز و جل مسخرة امام ارادته و مشيته و هو عاجز عنها فيوكل امره اليه معتقدا بانه حسبه و ناصره و معينه.

و من جميع ذلك يعلم بأن التوكل لا ينافي الأسباب الظاهرية بل الاعتقاد بها و العمل عليها من جملة اساسيات فضيلة التوكل و يدل على ذلك قوله تعالى: «فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَمَتاعُ اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‌» الشورى - 36.

و يستفاد من هذه الآية الشريفة أمران: الاول ان الإنسان لا يمكن له التغاضي عن متاع الحياة الدنيا الذي هو من نعم اللّه تعالى عليه فهو الذي يقضى به مآربه و يحقق مقاصده و يعيش عليه في هذه الحياة الدنيا و أما ما عند اللّه فهو خير من هذا المتاع القليل في الكمية و الكيفية و انما جعل اللّه هذه الدنيا وسيلة لنيل ما هو أعظم منها و لا يمكن تحصيل هذا المتاع الا بأسباب خاصة معروفة يجري عليها نظام هذا العالم فالتوكل

على اللّه تعالى و الاعتماد على الأسباب الظاهرية قرينان بل هي من طرق تحصيل التوكل عليه عز و جل كما عرفت و يدل عليه قوله (صلى اللّه عليه و آله): «اعقلها ثم توكل».

الثاني: ان التوكل من شروط الايمان الصحيح بل هو من أعلى مقامات التوحيد فانه التوحيد العملي الذي اعتنى به اللّه تعالى في كتابه الكريم و اهتم به الأنبياء و المرسلون فهو يبين الجانب العملي في الايمان لأن التوكل وظيفة من وظائف القلب فان به تطمئن النفس و يسكن القلب و به يدخل المؤمن تحت الآية المباركة «يا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ اُدْخُلِي جَنَّتِي» الفجر - 30.

و بالجملة: لما كان هذا العالم متقوما بالأسباب و المسببات الطولية و العرضية و لا بد من انتهاء تلك إلى سبب غيبي و ربوبية عظمى لا يعقل فوقها ربوبية و قيمومية كبرى ليس ورائها قيم أصلا، فيكون الجميع مسخرا تحت ارادته و مشيته التامة، فلا الماديات تعوق مشيته و لا التكثرات تمتنع قهاريته، و لا ريب في تحقق ما ذكر في هذا النظام الأحسن و آثار عظمته و ابداعه و وحدانيته ظاهرة في كل شيء، و التوحيد عبارة عن الاعتقاد بهذه الحقيقة، و التوكل هو الاعتماد على مدبر هذا العالم و خالقه و صانعه، فان طابق الاعتقاد مع الواقع على ما هو عليه تتجلّى حقيقة التوكل و إلا فلا توكل.

و من ذلك يظهر السر في ما ورد عن الائمة (عليهم السلام):

«ان قول القائل لو لا ان فلانا لهلكت شرك قيل له (عليه السلام) فكيف نقول‌؟ قال (عليه السلام) تقول لو لا ان منّ اللّه عليّ بفلان لهلكت» كما يظهر السر في قوله تعالى: «وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاّ وَ هُمْ مُشْرِكُونَ‌» يوسف - 106 فالتوكل الحقيقي هو الاعتقاد

باستناد الكل اليه عز و جل و انبعاث الجميع منه تعالى، و يستلزم ذلك الاعتقاد بتسبيب الأسباب و السعي في تحصيلها، فان التوكل بدون ذلك لا ثمرة فيه بل هو لغو و باطل، فترجع حقيقة التوكل إلى إرجاع الأمور - لا يتعلق بها عقولنا من تحصيل المقتضيات - إلى اللّه تعالى لأنه مسبب الأسباب و مسهل الأمور الصعاب.

و من ذلك كله يظهر ان التوكل عنوان التوحيد و هو داع اليه فهما متلازمان و به ينتظم حال الإنسان و علمه و عمله. و بما ذكرناه يرتفع الغموض من حيث ان ملاحظة الأسباب و الاعتماد عليها شرك في التوحيد و التباعد عنها خلاف طريقة العقل و الشرع، و التوكل يرفع الغموض و العسر عن ذلك كله.

شروط التوكل:

للتوكل على اللّه تعالى شروط لا يتحقق إلا بها تظهر من التمعن في ما ذكرناه في حقيقة التوكل و هي:

الاول: الاعتقاد باللّه تعالى و انه الرب القيوم المدبر لجميع ما سواه و انه العزيز لا يمنعه شيء، الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها وفق ارادة و علم بجميع الخصوصيات.

الثاني: الاعتقاد بانه لا فاعل في هذا العالم إلا اللّه تعالى و ان ما سواه مربوب له و مقهور تحت قهاريته العظمى، فهو الذي يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.

الثالث: الإذعان بأن هذا العالم ينتظم بقانون خاص لا يمكن التخلف فيه، و ان اللّه تعالى هو الذي جعل هذا القانون و هو قانون

الأسباب و المسببات و لا يمكن فيه التغيير و التبديل و لا التخطي عنه.

الرابع: تحصيل الأسباب و المعدات و المقتضيات التي تقع تحت تصرف الإنسان و السعي في تهيئتها و اعدادها و اما غيرها من الأمور الخفية التي لا يعلمها إلا اللّه تعالى فلا بد من الرجوع فيها إليه تعالى و التضرع لديه في تحقيقها كما عرفت.

الخامس: حسن الظن باللّه تعالى و استسلام القلب له عز و جل و الخضوع لديه في رفع الموانع و العوائق في ترتب النتيجة على المقدمات و المسبب على الأسباب.

السادس: ان يكون التوكل على من يكون قادرا على جميع الأمور و مستجمعا لجميع الشرائط و هو ينحصر في اللّه تعالى قال عز و جل في عدة موارد من كتابه الكريم: «وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً» * الأحزاب - 3 و قال تعالى محكيا عن المؤمنين: «وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ‌» آل عمران - 173 فينحصر التوكل عليه عز و جل قال سبحانه: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً» النساء - 81.

السابع: تفويض الأمر إلى اللّه تعالى و توكيله في جميع الأمور و الشؤون فانه القادر على تحقيقها يضعها وفق حكمته المتعالية لأنه العالم بحقائق الأمور و جميع خصوصياتها.

و إذا تحققت جميع هذه الشروط تحصل للإنسان راحة نفسية و اطمينان قلبي فتحصل له حالة التوكل عليه عز و جل و يدخل في زمرة المتوكلين الذين يحبهم اللّه تعالى، كما ورد في جملة من الآيات الشريفة قال تعالى:

«إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌» آل عمران - 159 و قال عز و جل: «وَ عَلَى اَللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‌» المائدة - 23.

درجات التوكل:

للتوكل درجات و منازل تختلف حسب شدة اليقين و ضعفه و حسب كثرة الأمور المتوكل فيها و قلتها و هي:

الاولى: ان يكون المتوكل على درجة كبيرة من اليقين و الثبات في العقيدة و الخضوع و الطاعة للّه تعالى بحيث لا يرى شيئا إلا يرى اللّه تعالى معه يثق بكرمه و عنايته، و يعبر بعض علماء الأخلاق عن هذه الدرجة بتوكل خاص الخاص، و في هذا المنزل يفوض المتوكل جميع أموره إلى اللّه تعالى و يرضي بحكمه فيكون بين يديه تعالى كالميت الملقى بين يدي الغاسل، و لعل الآية المباركة تشير إلى هذه الدرجة:

«وَ مَنْ يَتَّقِ اَللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اَللّهُ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدْراً» الطلاق - 3 فان من اتقى اللّه تعالى و وثق به عز و جل و توكل في جميع أموره عليه عز و جل اطمأنت نفسه بأن اللّه ناصره و هو حسبه، و هذه المرتبة عزيزة الوجود في الناس تختص و بالأنبياء و اولياء اللّه تعالى المخلصين له و قد حكى اللّه جل شأنه عن الأنبياء و المرسلين في كتابه الكريم ما يشهد لذلك.

الثانية: ان لا يكون على الدرجة من اليقين و الثبات في العقيدة و الاطمينان بما قسمه اللّه تعالى لعباده و لكن يعتمد في أموره على اللّه تبارك و تعالى يفزع اليه و يعتمد عليه و لا يترك الدعاء و التضرع في كل مسألة و امر مثل الصبي الذي يفزع إلى أمه و يتعلق بها و قد فنى في امه و لا يرى غيرها و في هذه الحالة يفني المتوكل في الموكل عليه

و لا يلاحظ الواسطة، و يعبر بعض علماء الأخلاق عن هذه الدرجة بتوكل الخواص.

و تفترق هذه الدرجة عن الدرجة السابقة في ان المتوكل في الاولى لا يرى شيئا إلا اللّه تعالى قد وثق بكرمه و لطفه و عنايته فربما يترك الدعاء و المسألة وثوقا منه به عز و جل في قضاء الحوائج كما قال ابراهيم الخليل (عليه السلام): «حسبي من سؤالي علمه بحالي» و في هذه الدرجة لا يترك الدعاء و المسألة و التضرع و إلى هذه الدرجة يشير قوله تعالى: «إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌» آل عمران - 159 فقد توكلوا في جميع أمورهم عليه عز و جل و أفنوا جميع حيثياتهم في اللّه تعالى و قد اعرضوا عن غيره.

الثالثة: ان يكون كثير الاعتناء بالأسباب فيرى للتدبير و الاختيار في تهيئة الأمور الأثر الكبير و لكن لا يترك التوكل عليه عز و جل و هو يعتمد على توكله و يلتفت اليه دائما في أموره لا يغض النظر عنه و هذا هو الشغل الصارف عن الموكل اليه، و لأجل ذلك اختلفت هذه الدرجة عن سابقتها في ان المتوكلين في الدرجة الثانية يعتمدون على المتوكل عليه وحده كما يعتمد على التضرع لديه بالدعاء و الابتهال اليه عز و جل. و الى هذه الدرجة يشير قوله تعالى: «وَ عَلَى اَللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ‌» آل عمران - 160.

و تختلف أيضا عن السابقة في ان هذه الحالة قد تدوم أياما كثيرة أو في جميع الحالات لدى المؤمنين بينما في الدرجة الثانية لا تدوم إلا أياما قليلة.

و قد عبر بعض العلماء (رحمة اللّه تعالى عليه) عن هذه الدرجة بتوكل العامي، و ربما يكون توكلهم في جميع الأمور و ربما يكون في بعضها.

و بالجملة: ان درجات التوكل تختلف باختلاف قوة الايمان باللّه عز و جل و الاعتقاد به تعالى و تفويض الأمور اليه و التسليم بقضائه و قدره و الرضا بما قسمه على عباده، كما انها تختلف باختلاف تفويض جميع الأمور أو بعضها و شدة الاعتماد على الأسباب و قوة الاعتقاد بها.

آثار التوكل:

إذا حصل التوكل على اللّه تعالى فانه يخلف آثارا كبيرة على المتوكل نحن نذكر بعضا منها:

الاول: التوكل يحقق معنى الايمان و يزيد فيه و يثبت دعائمه في المؤمن و يثبت عقيدة التوحيد في قلبه قال تعالى: «وَ عَلَى اَللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‌» المائدة - 23.

الثاني: التوكل سبب إلى النصر و الفوز بالمراد قال تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ‌» الطلاق - 3.

الثالث: التوكل يفتح أمام صاحبه طريقا إلى الجنة فيدخل و يرزق فيها بغير حساب قال تعالى: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ اَلْعامِلِينَ اَلَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ‌» العنكبوت - 59.

الرابع: ان التوكل يورث محبة اللّه تعالى و الرضاء الالهي للمتوكل قال تعالى: «إِنَّ اَللّهَ يُحِبُّ اَلْمُتَوَكِّلِينَ‌» آل عمران - 159 و كفى بذلك فخرا.

الخامس: التوكل يجعل كل ما يسوقه اللّه تعالى الى العبد حسنا طيبا و خيرا.

السادس: التوكل يورث الاطمينان في قلب المتوكل و الراحة في نفسه.

هذا موجز ما أردنا ان نذكره في هذه الفضيلة الكبيرة و هو غيض من فيض فان كل ما يقال في هذا الخلق الكريم قليل و كفى بذلك داعيا في التخلق بهذه الفضيلة و المسارعة الى هذا الخير العظيم.

وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ.......

اشارة

وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ (161) أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اَللّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اَللّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللّهِ وَ اَللّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اَللّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (164) الآيات الشريفة تبين جانبا آخر من الجوانب المتعددة في غزوة أحد فإنها تظهر حقيقة المنافقين و ضعفاء الايمان الذين لم يألوا جهدا من النيل من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقد و صموا هذا النبي الأمين بالخيانة و نفى اللّه تعالى عنه هذه التهمة و وصفه بأحسن الأوصاف و ذلك اتباع رضوانه جلّت عظمته الذي هو أهم الغايات و لا يعدوه مؤمن فضلا عن خاتم الأنبياء و المرسلين.

و قد أعلن سبحانه و تعالى انه من اتهم الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و خالفه

فقد باء بسخط من اللّه تعالى كما بين عز و جل ان من يتبع رضوان اللّه تعالى في درجة و من باء بسخط من اللّه في درجة اخرى.

ثم ذكر سبحانه انه من على المؤمنين بموهبة عظيمة و هو النبي العظيم الذي اتصف بمكارم الأخلاق بل انه المنة الكبرى و النعمة العظمى و قد جعله أمينا على وحيه و مبلغا لأحكامه لينقلهم من الضلال الذي كانوا فيه إلى الهداية و يطّهرهم من دنس الشرك و المعصية و يخرجهم من الجهالة الى المعرفة و يعلمهم الكتاب و الحكمة و مثل هذا النبي العظيم الأمين كيف يمكن ان يتصف بالخيانة!! و الآيات الشريفة مرتبطة بما قبلها من الآيات كما هو معلوم.

التفسير

قوله تعالى: وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ‌ .

مادة غلل تدل على الخروج عن الحد المقرر أو الدخول في شيء من غير حل سواء كان في المال أو العقيدة أو غيرهما، و في حديث صلح الحديبية: «لا إغلال و لا إسلال». و الأغلال: السرقة الخفية، و الإسلال سل البعير في جوف الليل. و في حديث أبى ذر:

«غللتم و اللّه» اي: خنتم في القول و العمل و لم تصدقوا. و التجاوز إذا كان في الفيء و المغنم تكون خيانة.

و قيل: ان غل يختص بالأخذ خفية و ان كان في ما يضمره الناس في صدورهم يقال رجل غلّ صدره إذا كان ذا غش أو حقد أو ضغن و يقال رجل غل (مجهولا) اشتد عطشه أو كان في جوفه حرارة. و تغلل في الشيء دخل فيه و اختفى في باطنه. و الغلول و الغل

(بالفتح) هو السرقة و الأخذ خفية سمي بذلك، لأنها تجري في الملك خفية. و قيل: انها تختص بالمغنم و الفيء.

و المعنى: حاشا لنبي من أنبياء اللّه تعالى ان تقع منه خيانة مطلقا سواء كانت في ما يتعلق باحكام اللّه تعالى أو ما يتعلق بشئون الناس فان الخيانة معهم خيانة مع اللّه أيضا لأنه ليس من شأنهم ذلك و لا يصح منهم.

و الخطاب ينزه ساحة الأنبياء عن الخيانة بأبلغ وجه و أبدع أسلوب، لأنه يتضمن حكما مع دليل متين فهو ينفي الوقوع بنفي الشأن و الصحة، و لان الأنبياء معصومون و هم أمناء اللّه تعالى في ارضه و قد تقدم نظير هذا الخطاب في قوله تعالى: «ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اَللّهُ اَلْكِتابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي» آل عمران - 79 و مر الكلام فراجع. و ذكر العلماء في شأن نزول هذه الآية بعض الروايات لا يخلو عن ضعف سيأتي في البحث الروائي نقلها.

و قد ذكر بعض المفسرين ان الغل انما هو في الوحي و كتمانه عن الناس لا الخيانة في المغنم. و لكن ظاهر الآية المباركة التعميم لا الاختصاص، و مما يهون الخطب ان الآية الشريفة تنزه ساحة الأنبياء عن الخيانة و تطهرهم عنها و عن كل سوء و فحشاء و قد ذكرنا ان الخيانة مع الناس خيانة مع اللّه تعالى أيضا.

قوله تعالى: «وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» .

جملة حالية تبين الجزاء المترتب على الفعل و الخيانة اي: ان الخائن يلقى ربه بخيانته يوم القيامة و هو يوم ظهور حقائق الأعمال للناس فيفضحه اللّه تعالى من حين حشره.

و الآية الكريمة تدل على تجسم الأعمال في يوم الجزاء، و المراد بإتيان اللّه تعالى بما غل هو الحضور لديه عز و جل و ظهوره للناس و إيجاد تلك الحالة في ذلك العالم بما يناسبه.

قوله تعالى: ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ‌ .

اي: إذا احضر الغال للجزاء و الحساب فيوفى و ينال جزاء ما كسب غلا كان أو غيره كما توفى كل نفس وفاء تاما بما كسبت ان خيرا فخير و ان شرا فكذلك.

و الآية الشريفة تدل على ان الغال كما ينال جزاء فعله ينال المغلول منه حقه فان ذلك هو الوفاء التام الذي يعطى لكل نفس يوم الجزاء.

و في ذكر «ثم» لبيان التفاوت بين يوم عرض الأعمال و يوم الجزاء.

قوله تعالى: وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‌ .

بيان لتمامية الوفاء من كل جهة اي: و الحال انهم المحسنون و المسيئون لا يظلمون في جزائهم فلا يظلم المسيء بأن يجازي بغير ما كسب كما لا يظلم المحسن بنقصان جزائه و لا يعاقب العاصي بأكثر و لا ينقص ثواب المحسن.

قوله تعالى: أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اَللّهِ‌ .

هذه الآية الشريفة من جلائل الآيات القرآنية الراجعة إلى تهذيب الإنسان و تربيته - علمية و عملية - و هي تبين اختلاف الناس في الهداية و الضلال و الدخول في رضوان اللّه تعالى و اختيار سخطه على رضوانه تبعا لاختلاف الطينات و الاستعدادات فان هذا الاختلاف مما لا يسع لاحد إنكاره إلا ان ذلك هل هو امر ذاتي غير قابل للتغيير و التبديل، أو هو اقتضائي

فقط قابل لهما و الأفعال انما تنبعث عن كل واحد منهما حين تثبت الغالبية أو المغلوبية لكل واحد منهما؟ و الحق هو الثاني لأدلة كثيرة يأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام فيها و القول بالأول يستلزم بطلان الثواب و العقاب و محاذير كثيرة لا يقبلها العقل.

و الآية الكريمة صريحة في المطلوب فإنها تدعو الناس إلى ابتغاء رضوان اللّه عز و جل في الأعمال و الأقوال و الاعتقادات و أطاعته عز و جل و الاهتداء بهدى الداعين إلى الصلاح من الأنبياء و المرسلين و اولياء اللّه الصالحين و لا بد رسوخ هذا الأمر الاقتضائي الذي يدعو الى رضوان اللّه تعالى في النفس ليغلب على الطرف الآخر الذي يدعو إلى سخط اللّه تعالى و ان لم يوجب زواله بالكلية و لا يتحقق ذلك إلا بازالة الحجب و الموانع عن النفس و ما تدعو اليه الفطرة و ما يرشد إلى الهداية و هذا من أهم الطرق التي اتبعها الأنبياء في تربية النفوس الانسانية و بها يقوم النظام الأحسن الانساني.

و يمكن ان يقال: ان ذلك لا يختص بالتربية الإلهية بل تجرى في غيرها من الأمور الشرعية و العقلية فان في الإنسان الفطرة المستقيمة و نور العقل و ركيزة الجهل و حياة العزم و الخيال، و العالم قائم بذلك كله.

و الرضوان: مصدر كالرضا مصدر رضي و الصحيح انه اسم مصدر فان معناه أوفر من الرضا و فيه من المزية ما لا توجد في مجرد الرضا قال تعالى: «يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّهِ وَ رِضْواناً» * الحشر - 8 و قال تعالى: «وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌» التوبة - 72.

و الآية المباركة تدعو الناس إلى جعل رضوان اللّه تعالى مقصودهم في جميع أمورهم و شؤونهم فانه السعادة العظمى و الصراط المستقيم و هو لا يتحقق الا بمطابقة ما يصدر من الإنسان مع دين الحق و شريعة اللّه

عز و جل و اسباب الفوز بالرضوان كثيرة و قد ذكر سبحانه و تعالى في كتابه الكريم جملة منها كما ورد في السنة الشريفة جميعها.

و في الآية الشريفة رد على مزاعمهم و ابطال لدعواهم في نسبة الخيانة إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فان الذي يتبع رضوان اللّه تعالى في جميع أموره و لا يعدو عن رضا ربه كيف يتحقق فيه الخيانة لان الخائن قد باء بسخط من اللّه تعالى.

قوله تعالى: كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اَللّهِ‌ .

باء بمعنى رجع و استقر و في الحديث: «من طلب علما ليباهي به العلماء فليتبوّأ مقعده في النار» اي لينزل و يستقر فيها.

و السخط: هو الغضب العظيم و المراد من سخط اللّه تعالى هو الدخول في ما يوجب غضبه كالمعاصي و الموبقات و ما نهاه عز و جل و يجمعها متابعة الشيطان و النفس الامارة.

و المعنى: ليس من اتبع رضوان اللّه تعالى في اعتقاده و أفعاله و أقواله كمن دخل في سخط اللّه عز و جل بسبب أفعاله و أقواله و اعتقاده و خروجه عن النهج القويم و الصراط المستقيم و استوجب السخط و العقاب بفعل المعاصي و الموبقات.

و الآية الكريمة ترجع الأمر الى الفطرة التي تحكم بالفرق بينهما، و ان قياس أحدهما على الآخر قياس باطل بل هو جائر و نظير ذلك قوله تعالى: «أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‌» السجدة - 18.

و انما لم يقل سبحانه و تعالى كمن اتبع سخط اللّه كما قال في رضوان اللّه، لان ترك متابعته يستلزم الدخول في سخط اللّه تعالى لأنهما من قبيل الضدين اللذين لا ثالث لهما مضافا إلى ان اسباب الرضوان هي

الصراط المستقيم و اعلام الهداية و هي مما يحكم العقل باتباعه بخلاف اسباب السخط فإنها شرور و قبائح فلا وجه لاتباعها.

قوله تعالى: وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ .

بيان لحال من باء بسخط من اللّه تعالى. اي: ان المأوى الذي يريد ان يأوى اليه ليستريح فيه انما هي جهنم و قد ساء ذلك المصير الذي يصار اليه.

و انما عبر عز و جل بالمصير لان المكان الذي يصار اليه هو أسوأ حالا إذا قيس بالمكان الذي هو عليه في الدنيا، و لان الرجوع الى سخط اللّه يكون مصيره التكويني النار، فالآية المباركة من قبيل القضايا التي قياساتها معها.

و قد قال بعض العلماء الفرق بين المصير و المرجع ان الاول يستعمل في مورد يقتضي مخالفة ما صار اليه على ما كان عليه في الدنيا بخلاف المرجع فانه يقتضي انقلاب الشيء الى حال قد كان عليها.

و هو مردود لاستعمال كل واحد منهما في الآخر قال تعالى: «وَ إِلَى اَللّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ» * الأنفال - 44 و قال تعالى: «إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً» يونس - 4 إلا ان يريد اختلاف الجهات و الحيثيات.

و لم يذكر سبحانه و تعالى جزاء من اتبع رضوان اللّه لعظمته و ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن فان رضوان اللّه اكبر و هو يستلزم كل نعيم و هو غير متناه من كل جهة.

قوله تعالى: هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللّهِ‌ .

مدح بليغ لمن ابتغى رضوان اللّه تعالى و بيان لمقاماتهم العالية و مآلهم الحميد الذي يرجعون اليه.

و الضمير «هم» عائد الى الموصول الاول و هو «أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اَللّهِ‌» و اما الطائفة الثانية و هي من باء بسخط من اللّه تعالى فقد ذكر سبحانه حكمها و حالها في يوم الجزاء في قوله عز و جل «وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ» مع ان سياق لفظ الدرجات ظاهر في الاختصاص.

و انما أتى عز و جل بضمير الجماعة العائد إلى ذوي العقول لبيان ان درجات الرضوان عند اللّه تعالى لها حياة ابدية و من اشرف انواع العقول و ان كانوا متفاوتين في ما بينهم و لا يعلم احد خصوصيات ذلك و جهاته إلا اللّه عز و جل قال تعالى في شأن الأنبياء العظام:

«وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ‌» البقرة - 253.

و ظهر مما ذكرناه انه لا حاجة إلى ما قاله جمع من المفسرين: من ان الآية الشريفة على سبيل الاستعارة بأن شبههم بالدرج في تفاوتهم علوا و سفلا، أو انها على سبيل المبالغة في جعلهم نفس الدرجات فيكون تشبيها بليغا بحذف الأداة كقولهم زيد عدل، أو زيد أسد، أو انه على تقدير المضاف اي: ذووا درجات. و قال بعضهم: بأن الآية المباركة تشمل الطائفتين الا ان فيها تغليب الدرجات على الدركات فان الاول لمن اتبع رضوان اللّه تعالى و الثاني لمن باء بسخط من اللّه.

و الجميع كما ترى فان ظاهر الآية المباركة على خلاف ذلك كما قلنا.

و يستفاد من قوله تعالى: «عِنْدَ اَللّهِ‌» عناية خاصة بهم لا تستفاد من غير هذا اللفظ فان ما عند من هو غير متناه لا يعقل ان يكون متناهيا؛ كما لا يعقل ان يكون محدودا بحد خاص من الكمال و الجلال و العظمة و الكبرياء.

و الآية الكريمة مطلقة تشمل الدرجات في الدنيا و الآخرة، اما الدرجات في الدنيا فقد قال تعالى فيها «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ‌ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ‌» الزخرف - 32 و قال تعالى: «وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ اَلْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اَلْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‌» الانعام - 165 و اما في الآخرة فالآيات فيها كثيرة قال تعالى: «وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ اَلصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ اَلدَّرَجاتُ اَلْعُلى جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى» طه - 76 و قال تعالى: «يَرْفَعِ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اَللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» المجادلة - 11 و اما قوله تعالى: «اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلاً» الإسراء - 21 فانه يشمل درجات الآخرة قال تعالى: «وَ فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ عَلَى اَلْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كانَ اَللّهُ غَفُوراً رَحِيماً» النساء - 96 و الآيات في سياق ذلك كثيرة و هي تبين بعض اسباب رفع الدرجات و موجبات نيلها.

و الآية الكريمة مطلقة تشمل الدرجات في الدنيا و الآخرة، اما الدرجات في الدنيا فقد قال تعالى فيها «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ‌ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَياةِ اَلدُّنْيا وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ‌» الزخرف - 32 و قال تعالى: «وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ اَلْأَرْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ اَلْعِقابِ وَ إِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ‌» الانعام - 165 و اما في الآخرة فالآيات فيها كثيرة قال تعالى: «وَ مَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ اَلصّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ اَلدَّرَجاتُ اَلْعُلى جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكّى» طه - 76 و قال تعالى: «يَرْفَعِ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَ اَللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» المجادلة - 11 و اما قوله تعالى: «اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلاً» الإسراء - 21 فانه يشمل درجات الآخرة قال تعالى: «وَ فَضَّلَ اَللّهُ اَلْمُجاهِدِينَ عَلَى اَلْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كانَ اَللّهُ غَفُوراً رَحِيماً» النساء - 96 و الآيات في سياق ذلك كثيرة و هي تبين بعض اسباب رفع الدرجات و موجبات نيلها.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ‌ .

بيان بأن نيل تلك الدرجات لا يكون على التمني و الوهم و الخيال و انما هو على الحقيقة و الأعمال، فان اللّه تعالى لا يغيب عنه شيء و لا يفوت عنه الحقير من خير أو شر فهو عليم بما في الضمائر و النيات و دقائق الأمور و الأعمال فيجازى بحسبها.

قوله تعالى: لَقَدْ مَنَّ اَللّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ‌ .

ذكر لأفضل افراد من اتبع رضوان اللّه تعالى و بيان لأهم سبيل من سبل الدخول في رضوانه عز و جل.

و المنة: و هي النعمة العظيمة التي تفاجئ الإنسان من دون سبق سؤال و من صفات اللّه العليا: «يا من مننه ابتداء و عطيته فضل» و من أسمائه جلت عظمته «المنان» اي المنعم المعطي.

و لا خير في الممكنات مطلقا أعلى و أكمل و اشمل من تكميل النفوس الناقصة المستعدة فهو الخير المطلق في الدنيا و الآخرة، بل لا آخرة إلا بذلك فيكون أعظم صنع اللّه تعالى و لم يخلق ما سواه الا لأجله، و لذا أجمل سبحانه هذه المنة العظيمة في المقام و أهملها فان أنبياء اللّه تعالى و ان خلقوا في هذا العالم لكنهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين) شوارق غيب يستمدون من الفيض الرباني غير المتناهي و يفيضون على الأعيان المستعدة فهم بوجودهم الجمعي ليسوا الا العقل الكلي المجرد يظهر تارة في صورة خليل اللّه تعالى ابراهيم و اخرى في صورة حبيب اللّه احمد (صلى اللّه عليه و آله) فالحقيقة واحدة و الشوارق مختلفة، و من ذلك يظهر السر في أقوالهم (عليهم السلام): «من لا عقل له لا ايمان له و من لا ايمان له لا عقل له» و الآيات الشريفة ناصة في هذا التلازم كما ستعرف ذلك إن شاء اللّه تعالى.

ان قلت: ان ما ذكر من ان إفاضة الخير من دون سبق سؤال تسمى منة مخالفة لظاهر قوله تعالى حكاية عن ابراهيم (عليه السلام) «رَبَّنا وَ اِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ‌» البقرة - 129 و قول سيد الأنبياء «انا دعوة أبي ابراهيم».

قلت: ان المراد من دون سبق سؤال من نفس المفاض عليه لا ممن يكون من طرق الفيض و في سلسة الافاضة.

قوله تعالى: إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌ .

بيان لمنته العظمى التي من بها اللّه تعالى على المؤمنين و تأكيد لها فقد ابتدأ عز و جل بالنعمة ان بعث فيهم رسولا عظيم الشأن جليل القدر. و (إذ) ظرف - ل‍ من - و يتضمن التعليل.

و قد وصف سبحانه و تعالى هذا الرسول بأوصاف تدل على جلالة قدره و تؤكد المنة عليهم و ان كل واحد منها نعمة جليلة تستوجب الشكر، و هي اربع:

الاول: انه رسول من أنفسهم اي: من جنسهم فلم يكن من غير الإنسان و لا من غير العرب ليستأنسوا به كما يستأنس الرجل بأبيه و أخيه فيفهموا كلامه و يسهل التلقي منه و ليتأكدوا على أحواله و كماله و ملكاته العظيمة الفائقة و أخلاقه الفاضلة و غيرها مما يدعو الى الإقبال عليه و الانقياد اليه و التصديق به؛ و لئلا تأخذهم النخوة و العصبية أو العزة بالإثم من الايمان به لو كان من غيرهم، فكان من عظيم المنة على العرب ان سهل عليهم التعرف على الرسول و يسّر لهم الايمان به و ازدادوا بذلك شرفا و عزة، و قد أكد عز و جل هذه المنة في مواضع متعددة في القرآن الكريم قطعا للمعاذير و إتماما للحجة قال تعالى:

«هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‌» الجمعة - 2.

قوله تعالى: يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ‌ .

وصف ثان. الآيات جمع آية و المراد بها الآيات التي أوحاها اللّه تعالى عليه المشتملة على جميع المعارف الإلهية و العلوم الحقيقية الواقعية.

و التلاوة هي القراءة مع التدبر و التمعن ليسهل عليهم فهم تلك الآيات

و يدركوا معانيها و حقائقها و إشاراتها و قد جعل اللّه تعالى معجزة هذا الرسول العظيم و الدليل على رسالته في القرآن الكريم الذي نزل بلغتهم.

قوله تعالى: وَ يُزَكِّيهِمْ‌ .

وصف ثالث و هو تزكية نفوسهم و تطهيرها من العقائد الزائفة و الآراء الباطلة و الأخلاق الذميمة و الصفات الرذيلة التي كانوا عليها قبل بعثته فان مع وجود تلك الملكات الفاسدة في النفس لا يمكنها التحلي بالمعارف الإلهية و هي حجب ظلمانية تعوق عن الوصول الى الفيض الالهي، و التخلية متقدمة على التحلية.

قوله تعالى: وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌ .

وصف رابع و هو تعليمهم الكمالات الانسانية و جهات الحكمة العلمية و العملية، و الحكمة بأي معنى أخذت مما يفتقر إليها الإنسان و يعجز عن الاحاطة بها البيان.

و التعليم و ان كان مترتّبا على التلاوة الا انه لا بد من التزكية التي هي عبارة عن تخلية النفس عن الرذائل و الحجب و تصفية النفس و تهذيبها بالفضائل ثم تكميلها بالعلم و التعليم المترتبين على التلاوة، و نظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: «رَبَّنا وَ اِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ‌» البقرة - 129 إلا ان الفرق بينهما في تقديم التزكية على التعليم و تأخيرها عنه و يأتي في البحث الدلالي ما يتعلق بذلك.

و الآية المباركة تدل على ان جهات تكميل الانسانية الواقعية تكون مفوضة الى اللّه تعالى و ليس للجهات الامكانية دخل فيها ابدا.

قوله تعالى: وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‌ .

جملة حالية تبين حالتهم السابقة التي كانوا عليها قبل البعثة و قد وصفها اللّه تعالى بالجاهلية في مواضع متعددة من القرآن الكريم، و يتضمن هذا اللفظ على جهات الفساد في العقيدة و العمل.

و المراد من قوله تعالى: «مِنْ قَبْلُ‌» القبلية الرتبية اي قبل العمل بالشريعة فيشمل ما بعد البعثة و قبلها.

بحث دلالي

يستفاد من الآيات الشريفة امور:
الاول:

يستفاد من سياق قوله تعالى: «وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ‌» تنزيه ساحة الأنبياء و طهارتهم عن السوء و الفحشاء و عصمتهم عن كل معصية و رذيلة فيصح ان تجعل هذه الآية الكريمة من جملة الادلة الدالة على عصمة الأنبياء و لو عن معصية الخيانة فتتم في غيرها بالقول بعدم الفصل، و كذا نقول في القائمين مقامهم.

الثاني:

يدل قوله تعالى: «وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» على تجسم الأعمال و ظهور الملكات بما يناسبها من الصور و الحقائق في يوم القيامة و الظالم المذنب يتحمل تبعات تلك المعاصي فيحاسب عليها و يوفي جزاؤه.

الثالث:

يرشد قوله تعالى: «وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ‌» على ان نسبة الخيانة إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) ظلم و لا بد من التنزه عنها كما تنزه عز و جل عنه فلا يظلم عباده يوم الجزاء مطلقا.

الرابع:

يدل قوله تعالى: «أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اَللّهِ‌» على ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا يمكن رميه بالخيانة، و الخائن باء بسخط من اللّه تعالى.

و في الآية المباركة الموعظة للمؤمنين و إرشادهم الى اتباع رضوان اللّه تعالى و التعريض لهم بأن هذه الأقوال و الأعمال من التعرض بسخط اللّه و لا بد من الابتعاد عنه.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللّهِ‌» ان لمن اتبع رضوان اللّه تعالى منازل كريمة و اجرا عظيما، و قد عبر عز و جل في موضع آخر: «لَهُمْ دَرَجاتٌ‌» الأنفال - 4 و لعل الاختلاف في التعبير باعتبار الاضافة الى اللّه تعالى التي هي الأصل لجميع خيرات الدنيا و الآخرة فقال «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللّهِ‌» و من حيث الاضافة الى نفس العاملين الموفين فقال: «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللّهِ‌» و الجميع صحيح لا اشكال فيه، مع انه يصح ان يقال ان اللام في قوله تعالى: «لَهُمْ دَرَجاتٌ‌» للاختصاص الذاتي كما يقال: للجنة أشجار و أوراد و رياحين.

السادس:

يستفاد من قوله تعالى: «أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اَللّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اَللّهِ‌» أهم اصل من أصول التعليم و التربية في الإسلام و هذه الآية المباركة مع إيجازها تتضمن أعظم المقومات في السير و السلوك في الأخلاق و هي تدل على ان المتبع لها يتصف بفضيلة الصلاح و هي توجب الفوز بالسعادة الفردية و الاجتماعية لمن عمل بها، كما انها تبين الحد الفاصل بين الحقيقة و الوهم و الخيال، فان كل من لم يتبع رضوان اللّه تعالى انما هو قشر بدون لب و جسد بلا روح، و ان كان الظاهر مليحا و لكنه سراب زائل و ضال و لم يبين سبحانه سبل رضوان

اللّه تعالى لأنها ذكرت في القرآن الكريم و السنة الشريفة و هي معلومة يحكم بحسنها العقل و الفطرة المستقيمة، و لذا ورد في الحديث «ان الذين اتبعوا رضوان اللّه تعالى هم الأئمة (عليهم السلام) لأنهم يدعون الى الكمال المطلق و هم مثال للأخلاق الفاضلة و الأصل في جميع الاحكام.

السابع:

يبين قوله تعالى «لَقَدْ مَنَّ اَللّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌» ان جهات تكميل الإنسان لا بد ان تكون من اللّه تعالى و ان مكمل الانسانية يجب أن يكون مبعوثا من قبله عز و جل لان جهات التكميل الواقعية مما لا يمكن ان يحيط بها العقل.

و بمثل هذه الآية الشريفة يمكن ان يستدل على ان وصي الرسول لا سيما خاتم الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) لا بد ان يكون باختيار اللّه تعالى و تنصيص من النبي (صلى اللّه عليه و آله) عليه لان ما يتمم الانسانية الواقعية مثل المكمل للانسانية لا دخل لاختيار الناس فيه فلا بد و ان يكون باختيار من اللّه عز و جل و تعيين من واسطة الفيض بطريق التنصيب و سيأتي في الآيات اللاحقة تفصيل الكلام ان شاء اللّه تعالى.

الثامن:

انما خص المؤمنين بالذكر في قوله تعالى، «لَقَدْ مَنَّ اَللّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ‌» مع ان رسول اللّه تعالى و أنبيائه مبعوثون إلى كافة الناس لبيان مزيد المنة و تماميتها عليهم لأن تعليق الحكم على الوصف يشعر بالعلية و لأنهم مستعدون لنيل الإفاضات الربوبية، و قد تقدم في قوله تعالى: «هُدىً لِلْمُتَّقِينَ‌» ما يرتبط بالمقام فراجع.

التاسع:

انما قدم عز و جل التزكية على التعليم في المقام و أخرها في قوله تعالى: «وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ‌» البقرة - 129

لبيان التلازم بين التخلية و التحلية في النفوس المستعدة فلا ينافي تقديم احد المتلازمين على الآخر في موضع مع تأخره عنه في موضع آخر، أو لأن التزكية و التعليم الواقعين لا بد ان يدعو كل واحد منهما الى الآخر و إلا فليسا من التخلية و التحلية بشيء.

بحث روائي

اشارة

في تفسير القمي في قوله تعالى: «وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ‌» قال (عليه السلام): «فصدق اللّه لم يكن اللّه ليجعل نبيا غالا «و من يغلل يأت بما غل يوم القيامة» و من غل شيئا رآه يوم القيامة في النار ثم يكلف ان يدخل اليه فيخرجه من النار».

أقول: الحديث ينص على تجسم الأعمال و ان العامل مأخوذ بعمله في الدار الآخرة.

و في المجالس عن الصادق (عليه السلام): «و إن رضاء الناس لا يملك و ألسنتهم لا تضبط، ألم ينسبوه - أي نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) - يوم بدر الى انه أخذ لنفسه من المغنم قطيفة حمراء حتى أظهره اللّه على القطيفة و برّأ نبيه من الخيانة، و انزل في كتابه:

«وَ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» .

أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة مروية من الخاصة و الجمهور، و يستفاد منها انهم قد نسبوا ذلك اليه (صلى اللّه عليه و آله) في عدة مواضع.

في الكافي عن عمار الساباطي قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع)

عن قول اللّه عز و جل: «أَ فَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اَللّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اَللّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللّهِ‌» فقال (عليه السلام): الذين اتبعوا رضوان اللّه هم الأئمة، و هم و اللّه يا عمار درجات للمؤمنين، و بولايتهم إيانا يضاعف اللّه لهم أعمالهم و يرفع اللّه لهم الدرجات العلى».

أقول من كان مع الحق و في الحق في جميع أفعاله و أقواله تنطبق عليه الآية الشريفة فتكون الرواية من باب التطبيق.

و في تفسير العياشي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى: «هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللّهِ‌» قال (ع): «الدرجة ما بين السماء الى الأرض».

أقول: لا ريب في اختلاف الدرجات اختلافا كثيرا بل ربما تكون التفاوت غير متناهية.

أَ وَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اَل.......

أَ وَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اَللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (165) وَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اَللّهِ وَ لِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ (166) وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاَتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اَللّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) اَلَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ‌

وَ قَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) الآيات الشريفة تبين جانبا من الجوانب المتعدّدة في غزوة احد فقد كشفت عن شبهات المنافقين و كيدهم في إضلال المؤمنين عن القتال و تعرضت للرد عليهم و بينت الحقيقة فيهم و انهم على الكفر و الضلال.

و الآيات المباركة تكشف عن الموازنة بين ما أصابهم من خسارة و هزيمة حصلت من عند أنفسهم و بين تلك النعمة العظمى و المنة الكبرى بما تحقق لهم من اتباع الرسول العظيم الذي هو من أنفسهم.

التفسير

قوله تعالى: أَ وَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها .

بيان لحقيقة واقعية و هي ان ما يصيب الإنسان من المصائب إنما يكون بسبب المعاصي التي تقع منه جريا على قانون الأسباب و المسببات و قد تقدم في الآيات السابقة بيان الكبرى فراجع قوله تعالى: «وَ تِلْكَ اَلْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ اَلنّاسِ‌» آل عمران - 140.

و الاستفهام للتقريع فيكون السؤال الاستنكارى في موضعه. و الواو عاطفة و قد تقدمت عليها همزة الاستفهام لان لها الصدارة في الكلام و «ما» ظرف بمعنى حين و «قَدْ أَصَبْتُمْ‌» صفة لمصيبة و قيل في محل نصب على انه حال.

و المصيبة هي التي اصابتهم يوم أحد إثر عصيان الرسول (صلى اللّه عليه و آله)

و مخالفتهم لأوامره و عدم التقوى عندهم و الفشل و التنازع بينهم مما كان سببا لهزيمتهم و توبيخهم و تقريعهم. و المشهور بين المفسرين ان المراد بالمثلين: المثلان في غزوة بدر الكبرى فإنهم قتلوا من المشركين سبعين و أسروا منهم سبعين فكان ذلك مثل ما أصاب المسلمين يوم أحد من قتل سبعين منهم. و الظاهر انه أعم من ذلك و مما أصاب المسلمون من المشركين في غزوة احد فقد هزموهم أول الأمر و قتلوا منهم جمعا و لكن عصيانهم للرسول و فشلهم و تنازعهم كان السبب في هزيمتهم و قتل المشركين لهم. و كيف كان ففي هذا التوصيف تسكين لقلوبهم و تحقير للمعصية و لما يورث السكون و هذا كاف في الجواب عن سؤالهم.

و المعنى: أ تدرون لما ذا أصابكم تلك المصيبة فإنها كانت من عند انفسكم و نتيجة حتمية لأعمالكم لأنكم خالفتم أوامر الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و فشلتم و اختلفتم و تنازعتم فكان ذلك سببا في إفساد الفتح و الظفر اللذين كانا من نصيبكم.

قوله تعالى: قُلْتُمْ أَنّى هذا .

سؤال عن سبب المصيبة تعجبا منهم و استيحاشا و استعظاما و استبعادا للحادثة مع مباشرتهم لسببها و الجملة جواب «لما» و هذه واحدة من تلك الشبهات التي ذكروها في المقام بعد ما رأوا النصر الباهر في بدر فاعتبروا أن ذلك لأجل كونهم مسلمين و لكنهم ذهلوا عن الحقيقة.

قوله تعالى: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ‌ .

بيان للحقيقة الّتي غفلوا عنها و تأكيد لما بينه عز و جل سابقا من ان ما يصيب الإنسان انما هو آثار أفعاله و نتائج اعماله.

و المعنى: قل يا رسول اللّه في جوابهم انكم أخطأتم في الرأي فان الذي أصابكم انما هو بسبب أعمالكم و أفعالكم حيث خالفتم أوامر الرسول

(صلى اللّه عليه و آله) و فشلتم و تنازعتم في الرأي، و انكم اخترتم هذه المصيبة لأنكم طمعتم بفداء الأسرى مع ان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) انذرهم بأنه يقتل منهم بعددهم و اشترط عليهم ذلك فرضوا به. و هذا محمول على الغالب من الذين كانوا معه (صلى اللّه عليه و آله) و اما أعاظم الصحابة مثل علي (عليه السلام) و نحوه فلا تشملهم الآية الشريفة فلا وجه لإشكال بعض المفسرين في المقام.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ .

اي: ان اللّه تعالى قادر على الظفر عند المطاوعة و الصبر و الخذلان عند المخالفة. و ما وقع انما كان بسوء اختياركم و جريا على سنة الأسباب و لكنه تعالى قادر على اللطف بكم.

و في الآية الشريفة كمال العناية بهم و تطييب لأنفسهم حيث قرن مرارة التقريع بحلاوة الوعد و فيها درس من دروس الحكمة التي يعلّمها اللّه تعالى للمؤمنين.

قوله تعالى: وَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اَللّهِ بيان لقدرته الكاملة، و ذكر لاحد مصاديقها فان كل شيء لا بد ان ينتهي الى اذن اللّه تعالى و قدرته «وَ ما كانَ اَللّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْ‌ءٍ فِي اَلسَّماواتِ وَ لا فِي اَلْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً» فاطر - 45 فكل ما أصاب المسلمين يوم التقى جمعهم بجمع المشركين في احد من قتل و جراح إنما كان باذن اللّه تعالى و ارادته الازلية و تقديره و قضائه فانه جرت إرادته على امتحان المؤمنين و تمحيصهم ليكمل ايمانهم بذلك و ينال من قتل منهم بدرجة الشهادة.

و ذكر بعض المفسرين ان هذه الآية الشريفة تؤيد المراد من الآية السابقة لان المستفاد من قوله تعالى: «قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ‌»

اختيارهم الفداء من اسرى يوم بدر، و شرطهم على أنفسهم للّه ما شرطوا فأصابهم هذه المصيبة باذن اللّه تعالى.

و فيه: ان ظاهر هذه الآية المباركة يبين القدرة الكاملة و الارادة التامة الازلية التي قضى بها عز و جل على اجراء سنة الأسباب في هذا العالم و يمكن ان يكون لما أصابهم اسباب كثيرة قد بين جملة منها في الآيات السابقة و يدل على ما ذكرناه ذيل الآية الشريفة.

قوله تعالى: وَ لِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ‌ .

غاية اخرى من الغايات المترتبة على ما أصابهم من المصائب و هي وقوع المعلوم في الخارج ليطابق علمه الازلي اي: أصابتكم المصيبة ليعلم حال المؤمنين في قوة ايمانهم و ضعفه. و ليعلم الذين صبروا و ثبتوا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في ميدان القتال و الذين آثروا الفرار و خذلوا الرسول الكريم، فهذه الآية الشريفة لبيان وجه الحكمة و الغاية و الآية الاولى لبيان السبب.

و كيف كان فهذه الآيات الشريفة تبين جانبا من الجوانب المتعددة في غزوة احد التي اشتملت على وجوه من الحكمة و تضمنت غايات متعددة قلما اجتمعت في غزوة اخرى.

و انما ذكر عز و جل المؤمنين ابتداء تشريفا لهم عن الانتظام و الدخول في الطائفة الاخرى فان الفريقين مختلفان من جميع الجهات، و يمكن ان يكون ذكر اسم الفاعل الدال على الثبوت و الاستمرار للاشارة الى ما ذكرناه.

قوله تعالى: وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ نافَقُوا .

تمهيد لذكر احوال المنافقين الذين ظهروا في غزوة احد بأقبح

صورة سواء في أقوالهم أو أفعالهم. و الجملة عطف على قوله تعالى:

«فَبِإِذْنِ اَللّهِ‌» و انما أعاد عز و جل الفعل للتأكيد على هذه الغاية و اعتناء بهذه العلة.

و المراد من «اَلَّذِينَ نافَقُوا» هم الذين أظهروا الايمان و ابطنوا الكفر، اي انما أصابتكم المصيبة ليظهر المنافق و يميز بينه و بين المؤمن.

و انما ذكر عز و جل هذه الطائفة بموصول صلة فعل، للدلالة على الحدوث و عدم الثبوت بانه قد يتوب منهم بعد ذلك و يرجع الى الايمان و قد ذكرهم تعالى بعد ذكر المؤمنين للعبرة بسوء عاقبتهم و الاحتراز عن أفعالهم و أقوالهم و عدم التشبه لهم.

قوله تعالى: وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَوِ اِدْفَعُوا .

بيان لوجوه نفاقهم منها ان الذين نافقوا قد دعوا الى القتال في سبيل اللّه و نصرة دينه لينالوا الشهادة فيفوزوا بدرجاتها العالية و لو لم تقاتلوا كذلك فادفعوا عن انفسكم و أهليكم حمية أو ابتغاء للغنيمة و الكسب و غير ذلك من المقاصد الدنيوية و لكنهم تكاسلوا و راوغوا بنفاقهم.

و انما ذكر عز و جل «تعالوا» لما فيه من الدلالة على التظاهر و التعاون ترغيبا لهم عليهما و المشاركة مع المؤمنين في نيل السعادة.

قوله تعالى: قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاَتَّبَعْناكُمْ‌ .

مظهر من مظاهر نفاقهم فإنهم قالوا لو كنا نعلم انكم تلقون العدو لأجل القتال في سبيل اللّه و اقامة الحق لذهبنا معكم و لكن لا نرى قتالا حقا في البين، و هذا تعلل منهم نفاقا و استهزاء بالمؤمنين، فان القتال معلوم حيث نزل العدو بساحتهم بجميع عدده و عدته و قد

حنق غيظا على الحق و على المؤمنين به. و قد رد عز و جل عليهم و بيّن كذبهم.

و المراد باتبعناكم هو الذهاب مع المؤمنين للقتال و لم يفصحوا بالقتال لكمال معاندتهم مع الحق و غيظهم و احجامهم عن ذكره.

قوله تعالى: هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ‌ .

اي: هم يوم إذ قالوا «لو نعلم قتالا» اقرب إلى الكفر منهم قبل ذلك إلى الايمان لظهور إمارته عليهم فان هذه المقالة كفر باللّه العظيم و استهزاء بالنبي الكريم فإنهم يميلون إلى الكفر اكثر من ميلهم إلى الايمان.

و انما ذكر عز و جل «يَوْمَئِذٍ» مع انهم لم يؤمنوا لرفع شأن ذلك اليوم الذي ظهر فيه الحق و تميّز المؤمن عن المنافق.

كما انه سبحانه و تعالى قال: «هم اقرب» لبيان ظهور كفرهم الصريح و اما النفاق فأمره واضح لأنهم واقعوه قبل ذلك و ظهر على أفعالهم و أقوالهم، و لترغيبهم إلى الإسلام و الدخول فيه و لو كانوا على خلاف الحق و عدم ايئاسهم.

قوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ‌ .

بيان لحال المنافقين مطلقا، و الجملة مستأنفة تبين حقيقة نفاقهم.

اي: انهم لم يؤمنوا بالحق و لم يتبعوكم و لو علموا به لأنهم على الكذب دائما و اظهار خلاف ما يضمرون و ذلك عادتهم و سيرتهم، فهم مستمرون عليه. و الأفواه: جمع فاه و انما ذكره عز و جل للتأكيد و مقابلة للقلوب و زيادة في التقريع و نظير ذلك قوله تعالى: «سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ‌ فِي قُلُوبِهِمْ‌» الفتح - 11.

اي: انهم لم يؤمنوا بالحق و لم يتبعوكم و لو علموا به لأنهم على الكذب دائما و اظهار خلاف ما يضمرون و ذلك عادتهم و سيرتهم، فهم مستمرون عليه. و الأفواه: جمع فاه و انما ذكره عز و جل للتأكيد و مقابلة للقلوب و زيادة في التقريع و نظير ذلك قوله تعالى: «سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَ أَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ‌ فِي قُلُوبِهِمْ‌» الفتح - 11.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ‌ .

اي: انهم غافلون عن الحقيقة فان اللّه تعالى اعلم بما يكتمونه من الكفر و النفاق و الشر و الفساد و هو يحاسبهم به و يجازيهم عليه.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَ قَعَدُوا .

مظهر آخر من مظاهر نفاقهم و انما صدر منهم هذا القول بعد القتال، كما ان القول السابق صدر منهم قبله كما هو واضح. و الجملة بدل.

و المراد بإخوانهم: الاخوان في النسب، و انما ذكره بالخصوص لأنهم يدعون الاخوة الظاهرية و مع ذلك يخالفونها و لم يفوا بدعواهم فإنهم قعدوا عن مساعدتهم حين ابتلائهم بالقتال و هذا أقبح تعيير في الجاهلية فضلا عن الإسلام.

قوله تعالى: لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا .

هذا من من المثبطات التي كان المنافقون يتوسلون بها في تضعيف المؤمنين و بث روح الشك و الارتياب في نفوسهم.

و المعنى: انهم قالوا لإخوانهم لو أطاعونا بالقعود عندنا و عدم الذهاب إلى ما دعاهم اليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من الجهاد مع اعداء اللّه تعالى ما قتلوا كما لم يقع علينا القتل. و قولهم هذا يرجع إلى جحودهم للقضاء و القدر و اعتقادهم بأن الموت يستند إلى اسباب معلومة إذا اتقاها الإنسان سلم عنه و ان الموت مما يمكن ان يستدفع عنه و يتحرز منه و هذا مكابرة منهم و انكار للوجدان الذي يحكم بأن الموت و الحياة و ان كانا أمرين طبيعين لهما اسباب معلومة

لكنهما كسائر الحوادث الكونية تحت ارادة اللّه تعالى و قضائه و قدره كما أكد عز و جل ذلك في الآيات السابقة.

قوله تعالى: قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ‌ .

تثبيت لإرادة اللّه تعالى و تأكيد بان الأمور تحت قضائه و قدره.

و الدرء هو الدفع.

اي: قل يا محمد في جوابهم تبكيتا لهم و إظهارا لكذبهم فادفعوا عن انفسكم الموت فان القعود لا ينجيكم منه لأنه امر محتم يحل إذا حلّ الأجل و ان طال بلا فرق بين القاعد و المجاهد، و الحذر عن سبب معين لا يقي عن باقي الأسباب التي تقع بارادة اللّه تعالى.

قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‌ .

قضية شرطية معلقة على امر ممتنع فيكون الصدق منهم ممتنعا في ذلك. و في الآية الشريفة التأكيد على كذبهم فانه يمتنع ان يكونوا صادقين في أقوالهم و أفعالهم.

اي: فان كنتم صادقين فادرأوا عن انفسكم جميع اسباب الموت.

بحوث المقام

بحث ادبي:

«ما» في قوله تعالى: «وَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اَللّهِ‌» اسم موصول مبتدأ و «أَصابَكُمْ‌» صلته «فَبِإِذْنِ اَللّهِ‌» خبره

و انما دخل عليه الفاء لتضمن الموصول معنى الشرط و قيل انه للسبب.

و انما ترك العاطف بين «تعالوا» و «قاتلوا» في قوله تعالى:

«تَعالَوْا قاتِلُوا» لبيان التلازم بينهما و ان المقصود بهما واحد.

قوله تعالى: «وَ قَعَدُوا» إما حالية من ضمير قالوا بإضمار (قد) و إما معطوفة بالواو التي هي لمطلق الجمع فتكون جملة معترضة بين قالوا و مقوله و هو قوله تعالى: «لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا» .

الظرفان في قوله تعالى: «هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ‌» قيل ان كليهما متعلقان ب‍ «اقرب» و ذكروا أن من القواعد في باب الظروف انه لا يتعلق حرفا جر، أو ظرفان بمعنى واحد بمتعلق واحد إلا في ثلاث صور:

الاولى: ان يتعلق أحدهما به مطلقا ثم يتعلق به الآخر بعد تقييده بالأول.

الثانية: ان يكون الثاني تابعا للأول ببدلية أو عطف بيان أو نحوهما.

الثالثة: ان يكون المتعلق افعل تفضيل لتضمنه الفاضل و المفضول اللذين يجعلانه بمنزلة تعدد المتعلق كما في المقيد و المطلق، و المقام من هذا القبيل.

و الجامع في جميع ذلك لحاظ الوحدة الاعتبارية فكلما لوحظ فيه هذه الجهة يصح ذلك و لا يختص بتلك الصور الثلاث.

بحث دلالي
يستفاد من الآيات الشريفة امور:
اشارة

الاول:

يستفاد من قوله تعالى: «أَ وَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها» واقع الإنسان بعد إصابة المصيبة بانه يلتمس أسبابا لتلك و إلقاء تبعاتها على الغير تخفيفا للوعة المصاب و لما فيه الأثر النفسي الكبير. و الآية الشريفة لا تنفي ذلك بل تبين الطريق الصحيح و تهدي الإنسان إلى الصراط المستقيم و تبين ان الأسباب لتلك المصائب و الهموم انما تكون من عند الإنسان نفسه و قد أتى الجواب عن جميع تلك الأسئلة و الشبهات واضحا يبين الحقيقة قال تعالى: «قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ‌» و قال تعالى: «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» الشورى - 30 و على الإنسان التفكر في عقيدته و أفكاره و أفعاله و أقواله فان فيها الأسباب التي تقتضي حدوث المصائب على الإنسان و كيفية التحرز عنها بالالتزام بالشرع و الاتكال على اللّه تعالى.

الثاني:

يدل قوله تعالى: «إِنَّ اَللّهَ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ» على ان قانون الأسباب و المسببات الذي بني عليه هذا النظام لا يخرج عن قدرة اللّه تعالى و قضائه و قدره فانه عز و جل المدبر لهذا النظام الكياني و هو المهيمن على جميع ما يجرى فيه فان الأسباب و ان اقتضت المسببات المعلومة إلا انها تؤثر بارادة اللّه عز و جل و اذنه.

و من ذلك يعلم السر في تعقيب ذلك بقوله تعالى: «وَ ما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اَللّهِ‌» و أكد ذلك بقوله عز و جل: «وَ لِيَعْلَمَ اَلْمُؤْمِنِينَ‌» الذي يدل على ان الاعتقاد بذلك من الايمان.

الثالث:

يدل قوله تعالى: «وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ نافَقُوا» إلى أهم ما كان يريد المنافقون من أقوالهم و أفعالهم و هو تثبيط المؤمنين عن القتال و بث روح الشك في نفوسهم و الاحجام عن تنفيذ أوامر اللّه تعالى و ترك طاعة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و قد فند عز و جل مزاعمهم و أبطل

دعاويهم و أعلن كفرهم و اظهر كذبهم و حقيقة أمرهم و هي انهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم و أن ذلك صار من عادتهم و سيرتهم.

الرابع:

يستفاد من قوله تعالى: «قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ اَلْمَوْتَ‌» حسن المحاورة و المحاجة مع المنافقين و الكافرين و اقامة البرهان لهم حتى يرجعوا إلى الايمان و حيث لا بد ان تكون بالتي هي احسن و إلا خرج عن الحدود الشرعية و هذه الآيات كلها تعليم للحكمة التي وردت في الآية السابقة «وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ‌» .

بحث روائي

في تفسير العياشي في قوله تعالى: «أَ وَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها» قال الصادق (عليه السلام): «كان المسلمون قد اصابوا ببدر مائة و أربعين رجلا قتلوا سبعين رجلا و أسروا سبعين رجلا، فلما كان يوم أحد أصيب من المسلمين سبعون رجلا فاغتموا بذلك فانزل اللّه تعالى: «أَ وَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها» .

أقول: قد روى الجمهور مثل ذلك ايضا و الرواية على فرض صحتها ترشد إلى استنكار التعجيب منهم بعد وصول مثلي ما أصابهم إليهم في يوم بدر.

و في تفسير القمي في قوله تعالى: «وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ نافَقُوا وَ قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ‌» قال: فهم ثلاثمائة منافق رجعوا مع عبد اللّه بن أبي سلول، فقال لهم جابر بن عبد اللّه أنشدكم في نبيكم و دينكم و دياركم فقالوا و اللّه لا يكون القتال اليوم و لو نعلم ان يكون القتال لاتبعناكم، يقول اللّه: «هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ‌» .

أقول: بيان لبعض مصاديق النفاق و قد تقدم في التفسير ما يتعلق بذلك.

وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ .......

اشارة

وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اَللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ (171) اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنّاسُ إِنَّ اَلنّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اِتَّبَعُوا رِضْوانَ اَللّهِ وَ اَللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّما ذلِكُمُ اَلشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) بعد ما بين سبحانه و تعالى مكر المنافقين و ضعف نفوسهم و تحداهم بأمر واقع لا نكران فيه بأن الموت كما يصيب المجاهدين في سبيله تعالى كذلك يصيب القاعدين و لا يستطيعون درء الموت عن أنفسهم بقعودهم.

بين في هذه الآيات الشريفة المائز و الفارق بين ميتة القاعدين و بين ما يصيب المجاهدين في سبيله تعالى و لا يموتون ميتتهم فإنهم ليسوا

أمواتا و لا تكون حياتهم محدودة فلا تنتهي و انما لهم الحياة عند ربهم متصفين بأكمل الصفات و أسماها، فرحين، و مستبشرين، لا يطرأ عليهم خوف و لا حزن لأنهم عند «مليك مقتدر».

و الأحياء عند ربهم هم الذين استجابوا للّه و الرسول و لم تزلزلهم المحنة و لم تقعدهم الجراحات عن الجهاد في سبيله و لم يخشوا من تجمع الأعداء و لم يرهبهم ارجاف الناس بل زادهم كل ذلك ايمانا به تعالى و تسليما لأمره فاعتمدوا عليه و ساروا على النهج الذي فيه رضوان اللّه تعالى و يستبشرون خيار المؤمنين بكمال سعادتهم.

و قد كشف سبحانه و تعالى عن منشأ الخوف و هو الشيطان الذي يخوف أولياءه تعالى و لكنهم لا يخافون سواه تعالى و ان قلوبهم مملوءة بالثقة باللّه العظيم و الايمان به.

التفسير

قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً .

بيان لحقيقة من الحقائق الواقعية التي غفل عنها جميع من قصر نظره على المادة و الماديات و اعرض عن الواقع و الحقيقة، و لأجل اهمية المضمون تحقق الالتفات في الآية المباركة عن خطاب المؤمنين إلى خطاب الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فكأن هذه الحقيقة لا يمكن دركها بسهولة و لا يتقبلها عقول سائر الناس المأنوسة بالماديات إلا من كان متصلا بالفيض الربوبي و متربيا بالتربية الإلهية و مهتديا بهدى اللّه تعالى.

و الآية المباركة رد لجميع مزاعم المنافقين و الكافرين و كل متوهم

يتوهم ان الموت هو سبب لصيرورة الميت كالجماد روحا و بدنا و انعدام كل منهما فلا حياة بعد ذلك وراء هذه الحياة الدنيا و لا بعث. و التعبير بالحسبان للاعلان ببطلان هذا الزعم و فساده.

و المراد بسبيل اللّه كل سبيل شرع لإقامة الحق و إزاحة الباطل و قمعه سواء كان من الجهاد الأكبر أو الجهاد الأصغر، و تعلم المعارف الربوبية و الاحكام الشرعية، و تهذيب النفس بما يرتضيه اللّه تعالى، بل و يشمل السعي في قضاء حوائج المؤمنين تقربا إلى اللّه تعالى؛ فكل من قتل في سبيل تلك تشمله الآية الشريفة.

كما ان المراد بالموت هنا هو الموت الظاهري و سقوط الإدراك لأجل مفارقة تلك الحياة الحيوانية المعروفة.

و الحياة الثانية هي الحياة الواقعية المعنوية، فالشهيد بالحق و في الحق تصعد روحه الى الجنة و تعيش في المقامات المعدة لها، فتكون أرواح الشهداء من مظاهر تجليات الحق بالحق و من شوارق اشعة الذات غير المحدودة بحد أبدا.

فالآية الشريفة تبين حقيقة من الحقائق الواقعية و هي الحياة بعد الموت و ان الإنسان بروحه لا بجسده فحسب فهي التي تشقى أو تسعد و المنافقون و غيرهم غفلوا عن هذه الحقيقة و اقتصروا على ما هو المحسوس و كان قصدهم من ذلك تثبيط المؤمنين عن الجهاد في سبيل اللّه تعالى و تقنيطهم عن مأمولهم و ما كانوا يرجونه في جهادهم و قتلهم في سبيل اللّه تعالى لكن الوجدان الانساني يعلن بطلان أقوالهم و يحكم عليهم بالخزي و العار و ان نصيبهم من ذلك الحرمان و الشقاء.

فالآية المباركة ترشد إلى أمر وجداني يذعن الإنسان به بعد أدنى تفكر و روية، و لعل ذلك كله هو الوجه في تأكيد هذه الحقيقة في القرآن

الكريم و تكرارها في مواضع متعددة منه و قد تقدم في قوله تعالى:

«وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ‌» البقرة - 154 فقد نفى عز و جل عنهم الشعور لكثرة انسهم بالماديات و غفلتهم عن الحقائق و المعنويات و بعد التفكير و عدم الاقتصار على الجانب المادي فقط في هذه الحياة تنكشف الحقيقة بوضوح هذا و للإذعان بهذه الحقيقة فوائد كثيرة فانه يوجب الاعتقاد ببقاء الروح و انها تنتقل من عالم الى عالم آخر، كما انه يقتضي زوال كثير من الهموم و الغموم التي تصيب الإنسان في الحياة الدنيا و شدة الاقدام و المثابرة في تحمل المكاره للعلم بأنها إذا كانت في سبيل اللّه تعالى فان لها الجزاء الأوفى و هي توجب السعادة و العيش الهنيء في العقبى.

و لذا نرى ان هذه الحقيقة انما تذكر بعد آيات الجهاد و القتال في سبيل اللّه لما لها الأثر الكبير على الصبر في ميدان القتال و المثابرة عند النزال.

كما ان الاعتقاد بهذه الحقيقة يكون من اسباب استكمال الإنسان و اعداد نفسه لحياة اخرى بوجه أتم و أكمل كما تدل عليه ذيل الآية الشريفة و آيات اخرى في مواضع متعددة، يضاف إلى ذلك ان لها الأثر الكبير في النفس فتجعلها مطمئنة راضية بما قسمه اللّه تعالى و ما ينزل عليها من المصائب.

قوله تعالى: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‌ .

إبطال لما زعموه في المقتولين في سبيل اللّه تعالى بأنهم أموات قد انتهت حياتهم بل هم احياء بحياة خاصة و مقربون عند ربهم يتغمون بأنواع الرزق في تلك الحياة الكريمة و سعداء في ذلك العالم الحميد، و قد كرمهم عز و جل بذكر (عند) و الربوبية و اضافتها إلى ضمير

(هم) و فيه غاية التكريم و التبجيل و قد تقدم في آية (154) من سورة البقرة بعض الكلام فراجع.

قوله تعالى: فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ‌ .

الفرح: السرور و هو ضد الحزن اي: انهم مسرورون بما وجدوه من فضل اللّه الذي كان حاضرا مشهودا عندهم، و الفضل هذا يكون زائدا على الرزق فانه ما كان من غير مقابلة قال تعالى: «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ» فاطر - 30.

و هذه الآية الشريفة تثبت الحياة الكاملة لهم بعد قتلهم، و تبين نهاية السعادة و رفعة الدرجات.

قوله تعالى: وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ‌ .

مزيد بيان لتلك الحياة فإنهم في تنعمهم في فضل اللّه تعالى يفرحون بأخبار خيار المؤمنين الباقين في الحياة الدنيا و يستبشرون بسعادتهم و صلاحهم في الآخرة. و انما عبر تعالى: «مِنْ خَلْفِهِمْ‌» لبيان انهم على طريقة الشهداء و يقتفون أثرهم.

قوله تعالى: أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‌ .

بيان لصلاحهم في الآخرة اي: انهم يستبشرون بمن خلفهم بأنهم لا خوف عليهم من المتوقع و لا هم يحزنون من الواقع و انما كان ذلك منهم مشاهدة و إرشادا للمؤمنين بأن لا يخافوا مما يصيبهم و لا يحزنوا مقابل تلك المقامات العالية.

و قد أبهم الخوف و الحزن لتدل على التعميم من كل جهة يمكن ان تفرض، لان النكرة في سياق النفي تفيد العموم.

قوله تعالى: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّهِ وَ فَضْلٍ‌ .

جملة مستقلة لم يذكر فيها حرف العطف اهتماما و تعظيما لأن مفادها نعمة عظيمة فوق جميع النعم.

و الاستبشار هو الخبر السار الظاهر سروره على البشرة و هذا الاستبشار أعم من الاستبشار بحال أنفسهم و الاستبشار بحال غيرهم، و انما حصلت هذه الفضيلة لهم من مجاهداتهم في سبيل اللّه تعالى و الاصطبار عليها.

و النعمة: هي الأجر الجزيل الذي اتحفهم تعالى به و خصهم بولايتهم، و الفضل هو الكرامة التي حباهم عز و جل زيادة على أجرهم و جزائهم نظير قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنى وَ زِيادَةٌ‌» يونس - 26.

و انما جمع عز و جل بين الاستبشار بانتفاء الخوف و الحزن، و الاستبشار بنعمة من اللّه و فضل لبيان تمامية النعمة و كمال الحياة بعد الموت، و الإرشاد الى ان أعمالهم مشكورة و مقبولة عند اللّه و هي محفوظة لهم قال تعالى: «وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اَللّهِ‌» * البقرة - 110 و لعله لأجل ذلك كله كرر سبحانه و تعالى الاستبشار و الفضل في الآيات المتقدمة.

و قد أبهم عز و جل النعمة و أضافها الى نفسه جلّ جلاله ليقترن الفخامة الذاتية لفخامة الاضافية، و ليذهب ذهن السامع كل مذهب ممكن، كما انه عز و جل جمع بين النعمة و الفضل لبيان ان النعمة التي أنعمها اللّه تعالى عليهم مضاعفة و لا نهاية لسرورهم و لذّاتهم و لا حد لعناياته عز و جل بهم.

قوله تعالى: وَ أَنَّ اَللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ اَلْمُؤْمِنِينَ‌ .

تأكيد آخر بتوفية اللّه اجر المؤمنين من الشهداء و غيرهم من غير

نقصان، و الآية الشريفة تبين وجه نفي الحزن و الخوف عنهم فان الإنسان انما يخاف إذا كانت النعمة التي هو فيها في معرض الزوال، و يحزن إذا علم بفقدان السعادة التي اكتسبها فإذا تيقن بأن الأعمال محفوظة عند اللّه تعالى و انه عز و جل لا يضيع الأجر عنده فيرتفع الخوف و الحزن عنه و هذا هو الفضل الذي ذكره تعالى ابتداء و إذا كان عز و جل هو الذي يتولى أمرهم و يمنحهم الفضل الكبير لا وجه للحزن و الخوف عنده.

و انما ذكر عز و جل المؤمنين تنويها بمقامهم السامي و ان تلك المقامات التي ذكرها عز و جل انما تنال بالإيمان. فما ذكره تعالى في هذه الآيات انما هو لبيان تمام النعمة و الدخول في حياة كاملة لا ينغصها شيء من الكدورات و قد خصهم عز و جل بولايته و منحهم انواع النعم.

و الآيات الشريفة المتقدمة من أجل الآيات التي وردت في اثبات الحياة للروح بعد الموت و اثبات عالم البرزخ و تنعم أرواح الشهداء و ابطال مزاعم الكفار و المنافقين في هذا المجال و هي في غاية الفصاحة و البلاغة بأسلوب جذاب لطيف في منتهى الجمال و الروعة و قد ذكر عز و جل فيها من الدقائق و الرموز التي لا يمكن ان يدركها عقول سائر الناس إلا بواسطة الوحي المبين و ارشاد واسطة الفيض الربوبي و هي تدل على امور نحن نذكر جملة منها في المقام.

منها: انه عز و جل ذكر ابتداء الأمر بطلان كل ما قيل من السوء أو يقال في هذا المجال و بين فساد مزاعم المنافقين في أرواح الشهداء و المؤمنين و أدرج جميع ذلك في قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ‌» و يستفاد من ذلك ان الاعتقاد بخلاف ما ذكره عز و جل من مجرد الحسبان الذي لا واقع له.

و منها: ثبوت الحياة الكاملة لأرواح الشهداء التي شرّفها عز و جل و انها حاظت مقام القرب لديه الذي هو من أجل المقامات و لا يعقل محمدة فوق هذه المحمدة لان الشهداء بذلوا أعز الأشياء عندهم و هي الروح فإذا فدّى الإنسان ما هو أعز الأشياء لديه في سبيله جلت عظمته كان الجزاء عظيما و ينال ذلك المقام العظيم و هو مقام القرب و لذا ورد في الحديث انه «فوق كل بر بر إلا القتل في سبيل اللّه فليس فوقه بر» و العندية المذكورة في الآية المباركة ليس المراد بها العندية الظاهرية بل العندية الواقعية الحقيقية التي لا يعقل لها حد. و ليس لجلالها و لا لكمالها غاية فهي خارجة عن الحدود الامكانية و إدراكات العقول و رزقنا اللّه تعالى لمحة من لمحاتها و شارقة من شوارقها.

و منها: انها تتنعم في تلك الحياة بأنواع الرزق الظاهرية و المعنوية بجميع مراتبها فلا ينقص من تلك الحياة شيء من اسباب العيش الهنيء و قد منحهم عز و جل ذلك الرزق العظيم لأنهم حرموا في هذه الحياة المحدودة الفانية عن تلك الأرزاق ببذل أعز شيء عندهم في سبيل اللّه تعالى و كانوا في جهاد مستمر مع النفس الأمارة و اعداء اللّه تعالى.

و منها: انهم فرحون بما أتاهم اللّه تعالى من فضله لأنهم وجدوا جزاء أعمالهم تاما كاملا قد منحهم اللّه تعالى الفضل الكبير، و هذا الفرح مما يزيد في بهجة تلك الحياة، و انما كانوا فرحين فيها لأنهم كانوا محزونون في الحياة الدنيا بسبب افعال الكافرين و المنافقين و أقوالهم و ما كان يصيبهم من شدة البلاء و المثابرة في سبيل اللّه تعالى.

اتصال مع خيار المؤمنين الباقين بعدهم في الدنيا يستخبرون عن أحوالهم و يصل إليهم اخبارهم و يسألون عن شؤونهم و يسرون بصلاحهم، و يفرحون بنجاتهم عن سوء العقاب.

و منها: انهم بمشاهدتهم جزاء أعمالهم و اعمال المؤمنين فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون و بذلك كملت حياتهم لان الحياة التي اشتملت على جميع اللذات و اسباب الفرح و خلصت من جميع ما يوجب الحزن و الخوف لا يعقل فوقها كمال و إذا كان ذلك على وجه الدوام و الخلود و لم يكن في معرض الزوال فلا نقمة من هذه الجهة ايضا، فهذه هي السعادة العظمى، و لذا نرى ان اللّه تعالى يؤكد على هذا الجانب في آيات اخرى قال تعالى: «وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ وَ أَبْقى‌» * القصص - 60 و قال تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اَللّهِ باقٍ‌» النحل - 96.

و منها: انهم في ولاية اللّه تعالى يرعى شؤونهم و يفيض عليهم ما يوجب استبشارهم في كل آن لأنهم رأوا جزاء ما عملوا حاضرا قد زانه الفضل من اللّه تعالى و بعد اجتماع تلك الخصوصيات في هذه الحياة لا يعقل حياة و لا سعادة فوقها.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ‌ .

الآية الشريفة باسلوبها اللطيف تبين كيفية تأثير التربية الحقيقة الملهمة في نفوس المؤمنين بعد ان وعوا تلك الدروس الهائلة التي مرت بهم في معركة احد، و بعد ما لاقوا من الشدائد و الصعاب بسبب المخالفة و العصيان، فكانت حصيلة تلك التعليمات الإلهية و الارشادات الربوبية انهم هبّوا من غفلتهم، و أفاقوا مما لحقهم من تبعات المعصية

و التفرق و الاختلاف، و رجعوا إلى الحق و الصراط المستقيم فاجتمعت فيهم صفات الثبات و الصمود و العزيمة و التوكل على اللّه تعالى فأطاعوا اللّه و الرسول و استجابوا له عند ما دعاهم إلى قتال الكفار إثر المعركة السابقة فقد لاحقوا جيش المشركين في رجوعهم من معركة احد على ما هم عليه من الجراح و هم لا يزالون يقاسون الآلام التي انهكت قواهم و أصروا على ان لا يعودوا إلى العهد السابق حذرا من العتاب و الخروج عن الحق فأدوا العمل على أكمل وجه و اتقوا التقصير الذي حصل منهم في تلك المعركة فكانوا في صورة مقابلة للصورة السابقة التي حكى عنها عز و جل في قوله: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ‌» - 153 هذه هي التربية الإلهية التي تؤثر في النفوس و تغيرها إلى صورة اخرى مخالفة للتي كانت عليها قبلها، و هؤلاء هم المؤمنون الذين حكى عنهم عز و جل آنفا بان الشهداء يستخبرون عن أحوالهم و يستبشرون بجزائهم الجزيل و مقامهم الرفيع.

و انما ذكر سبحانه و تعالى «لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ‌» مع ان اطاعة أحدهما اطاعة للآخر لبيان أن ما صدر منهم في أحد قد تضمن مخالفة اللّه و عصيان الرسول كليهما اما الاولى فقد خالفوا اللّه تعالى في أوامره بالصبر و الثبات فعصوه بالفرار و التولي. و اما عصيان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فقد كان بمخالفة امره بالصمود في فم الشعب و لزوم مراكزهم.

و في هذه الواقعة قد استجابوا للّه و الرسول فاستحقوا الثناء الجميل و الأجر الجزيل.

قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ‌ .

ثناء جميل لمن احسن ممن استجاب للّه و الرسول و اتقى في أقواله

و أفعاله و امتثل أوامر اللّه تعالى و الرسول بحسن نية و اخلاص و احترز عن كل ما يوجب البعد عنه عز و جل، فان اللّه تعالى و ان وصف الجميع بالاستجابة إلا انها أعم من الإحسان و التقوى اللتين عليهما مدار هذا الثناء و الأجر الجزيل.

و الاستجابة امر ظاهري تشمل جميع من لبّى دعوة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) إلا ان وراء ذلك امرا خفيا لا يمكن ان يطلع عليه إلا اللّه تعالى و هو تحري الإخلاص، و مراقبة العمل و التحذر مما يشينه فانه الإحسان الذي أمرنا اللّه تعالى بابتغائه في جميع الأحوال.

و إذا لازم ذلك التقوى و التحرز عما يوجب سخط اللّه تعالى في الأقوال و الأفعال، فقد استحق العامل ذلك الثناء الجميل و عظيم الأجر، و هذا مما يختص به طائفة معينة.

فالآية المباركة تقسم المستجيبين إلى طائفتين إحداهما ما حصل منهم الاستجابة الظاهرية التي خلت عن الإحسان و التقوى، و الثانية كانت محسنة و متقية فاستحقت عظيم الأجر.

و من ذلك يظهر ان «من» في قوله تعالى: «مِنْهُمْ‌» تبعيضية و قيل ان «من» بيانية و عليه الأكثر. كما في قوله تعالى: «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى اَلْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ - إلى ان قال تعالى - وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً» الفتح - 29 و عليه يكون المستجيبون للّه و الرسول كلهم محسنين و متقين، و الجمع بين الوصفين انما يكون للمدح و التعليل لا التقييد، و يمكن تقريب هذا الاحتمال على ما يوافق الاول بأن الآية الشريفة في الموردين و ان كانت صورتها جارية على النوع إلا ان المراد منها البعض بالتقريب المتقدم و في غيره يكون التأويل خلاف السياق و يأتي

في البحث الادبي ما ينفع المقام.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنّاسُ إِنَّ اَلنّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ‌ .

اثر من آثار التربية الحقة الحقيقية انهم لا يتأثرون بأقاويل المرجفين و تحذير المنافقين بل ان اثر ذلك يكون على الخلاف فيزيد في ايمانهم باللّه تعالى و توكلهم عليه عز و جل و الثبات و العزيمة و قد كان ذلك فضلا كبيرا من اللّه تعالى عليهم و لذا لمّا عرف المشركون عزم المؤمنين و ذلك الثبات لم يصدقوا بأن فلول الجيش المتفرقة المضطربة في الأمس تريد القتال مع ما بهم من الجراح فأرهبتهم هذه العزيمة فآثروا الفرار على القرار.

و المراد بالذين هم الذين استجابوا للّه و الرسول فهي بدل من قوله تعالى «اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا» . كما ان المراد من الناس الاول هم الخاذلون المثبطون للعزيمة الذين قد اشاعوا خبر اجتماع العدو ليخذلوا المؤمنين عن القتال و المراد بالناس الثاني المشركون.

و الظاهر من الآية المباركة انهم في كلا الموردين جماعة لا واحد و اختلفوا في المراد من الناس الاول فقيل انه نعيم بن مسعود الأشجعي قبل إسلامه فيكون اللفظ عاما و يراد به الخاص، و قيل انه ركب من قريش و قيل غير ذلك.

قوله تعالى: فَزادَهُمْ إِيماناً .

اي: ان هذا القول زادهم ايمانا باللّه تعالى و برسوله لأنهم أخلصوا للّه عز و جل عن جميع ما سواه و أحسنوا ظنهم به جلت عظمته و صدقوا بوعده فأثرت فيهم التربية الحقة و جنبوا أنفسهم من الرذائل و المعاصي فتجلت في قلوبهم الأنوار الربوبية فلا يبقى موضوع حينئذ

لتأثرها بما كان من غير الحق قولا أو فعلا فيزيد التحذير و التخويف في اشتداد الايمان بربهم و لم يعد يؤثر في نفوسهم فان الإنسان إذا لم يحسن الظن بأحد و اعتقد بكونه على الخلاف و يريد الإضلال و الإفساد من أقواله و أفعاله فانه لا يلتفت إلى تخويفه و كل ما أصر عليه زاد في تصميمه و المضي على ما يريد و قوي العزم عنده على طاعة اللّه و الرسول و ثبت على دين الحق لأنه يرى نفسه محقا و انه على يقين من نصر اللّه تعالى و على علم من ان اللّه عز و جل لم يتمّ لهم أمرهم إلا مع ملاقاة الأهوال و ان النصر لا يكون إلا في الجهاد مع اعداء اللّه تعالى و القتال معهم.

و انما يظهر اثر هذه الزيادة في الايمان في اعتقاده و أقواله و أفعاله و يشتد بذلك كله عزيمته على الاقتحام في الشدائد و تحملها في جنب اللّه فلا يخاف فيه لومة لائم.

قوله تعالى: وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ‌ .

هذا أثر من آثار زيادة الايمان فيهم و اشتداده في قلوبهم فإنهم صدقوا في أقوالهم و عبَّروا عما يجيش في نفوسهم و اعتقدوا بأن اللّه تعالى يكفيهم من الأمور و قد اعرضوا عن ما سوى اللّه تعالى، و هو نعم الوكيل الذي يدبر أمورهم و يكفيهم أعداؤهم و ينصرهم عليهم لأنه لا يعجزه شيء في السموات و الأرض فاجتمعت النية الصادقة و الفعال الحسان و القول الحق فيهم.

و حسبنا مأخوذ من الإحساب و هو الكفاية يقال احسبني الشيء اي كفاني. و قيل انه مصدر مأول باسم الفاعل اي فحسبنا. و الحق هو الاول.

قوله تعالى: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ‌ .

ترتب هذه الآية الشريفة على الآية السابقة من قبيل ترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة، فان المؤمن إذا و كل امره إلى اللّه تعالى و اعتقد انه عز و جل يكفيه و يعطيه اللّه تعالى الجزاء العظيم.

و قد ذكر عز و جل أمورا اربعة هي، الانقلاب بنعمة من اللّه، و الفضل، و صرف السوء، و اتباع الرضا.

اما النعمة: فهي عودة المؤمنين إلى التربية الحقة و الاستجابة للّه و الرسول (صلى اللّه عليه و آله)، و الطاعة بعد المعصية و الصمود بعد الخذلان و هذه هي نعمة كبرى، فجزاهم اللّه تعالى بان صرف عنهم الأسواء و المهالك، فما ذكره بعض المفسرين في هذه النعمة من ان المراد منها السلامة و العافية و الرجوع عن حمراء الأسد بدون قتال انما هو تخصيص بلا مخصص نعم هي من لوازم تلك النعمة الكبرى.

و اما الفضل فهو زيادة الايمان و ثبات العقيدة و الخروج عن العصيان و الخذلان كما حصل منهم في غزوة أحد و هذا الانقلاب كان واضحا عندهم و قد استشعروا برد تلك النعمة و الفضل في نفوسهم و ظهرت آثارهما على أقوالهم و أفعالهم.

و من زيادة النعمة عليهم انهم لم يمسسهم سوء فلم يصبهم قتل أو نكبة و برأهم اللّه تعالى عن السوء الذي لاقوه في معركة احد.

قوله تعالى: وَ اِتَّبَعُوا رِضْوانَ اَللّهِ‌ .

ثناء جميل و مدح عظيم لهم، و اتباع رضوان اللّه تعالى هو السعادة العظمى و مناط كل خير و قد مدح عز و جل من اتبع رضوان اللّه تعالى في الآيات السابقة، و في هذه الآية الشريفة يبين تعالى حقيقته و هي

الاستجابة للّه و الرسول، و شرطها الإحسان و التقوى.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ‌ .

لأنه تعالى وفقهم لهذه التربية الصالحة و من عليهم ان استجابوا للّه و الرسول، و أخرجهم عن ما هم عليه في معركة أحد فعادوا إلى الصراط المستقيم و زاد ايمانهم و قويت عزيمتهم و اشتد توكلهم على اللّه تعالى و من الفضل عليهم انهم مع ما هم عليه من الجراح و الشدّة ان العدو لما رأى فيهم العزيمة على القتال خشي ان ينقلب عليه الأمر فتقع عليه الهزيمة و الفرار دون القتال و هذا هو الفضل العظيم على المؤمنين في هذه الحال.

قوله تعالى: إِنَّما ذلِكُمُ اَلشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ‌ .

بعد ما اثبت سبحانه و تعالى ان المؤمنين خرجوا عن غفلتهم و عصيانهم بالاستجابة للّه تعالى و الرسول و انقلبوا عن التفرق و الاختلاف و الطاعة و تفضل عليهم ربهم ان من عليهم و ثبتهم و هداهم إلى الصراط المستقيم فعادوا أقوى عزيمة و أتم ايمانا و أشد توكلا على اللّه تعالى إلا ان الشيطان يلعب دورا هاما في حياة الإنسان يتربص بالمؤمنين الدوائر و يريد إغواءهم و يبث أولياءه و أعوانه ليقوموا بهذه المهمة فينشروا الفساد في الأرض و يروّجوا الضلال، فكان ذلك النداء الشيطاني بالخشية من العدو حفظا لأوليائه و حماية للكفر و الضلال و تثبيطا للمؤمنين عن القتال بإلقاء الرعب و الخوف في نفوسهم ليخضعوا لهم.

و الآية الشريفة ترشد المؤمنين الذين كمل ايمانهم و اهتدوا بهدى اللّه تعالى و توكلوا عليه عز و جل حق التوكل إلى امر مهم يمس عقيدتهم و سعادتهم في الدارين و هو ترك الرهبة و الخوف من الشيطان و أوليائه

و عدم الوقوع في حبائله و وساوسه لان الخوف يستوجب الوهن في العزيمة و يلزم ذلك الطاعة لمن يخاف منه فمن خاف اللّه تعالى فانه لا محالة يتبع أحكامه فيبتعد عن الشيطان، و إذا خاف الشيطان و أولياءه فانه يطيعه و يقيم حكمه فيبتعد عن اللّه تعالى و هذا هو السبب للتأكيد على ترك خوف الشيطان بقوله تعالى: «فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ‌» .

و اسم الإشارة في قوله تعالى: «إِنَّما ذلِكُمُ اَلشَّيْطانُ‌» إما راجع إلى الناس المذكور في قوله تعالى: «اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنّاسُ‌» فيكون من اطلاق الشيطان على الشياطين. و إما ان يرجع إلى الوساوس الحاصلة بين الناس من الشيطان، و انما اتى بضمير ذوي العقول ترجيحا للموسوسين على نفس الوسوسة.

قوله تعالى: فَلا تَخافُوهُمْ وَ خافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‌ .

لان الايمان يستلزم خوف اللّه تعالى، و الخوف يوجب الطاعة كما عرفت و اللّه تعالى هو ولي المؤمنين و ناصرهم و قد وعدهم النصر و حسن الجزاء فلا ينبغي الخوف من غيره فالسعادة في خوف اللّه جلت عظمته و تقواه دون غيره.

و في الآية الشريفة الذم لإبليس و أوليائه و البشرى للمؤمنين و من اتبع رضوان اللّه تعالى بالأمن من شر الشيطان و أوليائه، و لا تختص الآية الكريمة بخصوص مشركي قريش و غيرهم للعموم في الطرفين.

بحوث المقام

بحث ادبي:

المفعول الاول في قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً» محذوف و هو أنفسهم.

و قوله تعالى: «عِنْدَ رَبِّهِمْ‌» قيل انه في محل رفع على انه خبر ثان للمبتدأ المقدر، أو صفة ل‍ (احياء)، أو في محل نصب على انه حال من الضمير في «أحياء».

و قوله تعالى: «فَرِحِينَ‌» منصوب إما على انه حال من الضمير في «يرزقون» أو يكون على المدح أو الوصفية.

و يستبشرون عطف على «فرحين» و يحتمل ان تكون جملة استينافية أو على تقدير (و هم يستبشرون) فتكون حالا في الضمير من (فرحين).

و قوله تعالى: «أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ‌» بدل اشتمال من «الذين من خلفهم» مبين للاستبشار.

و الذين في قوله تعالى: «اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ‌» مبتدأ و الخبر قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ‌» . و قيل انه منصوب بإضمار اعني و قيل انه في موضع رفع على إضمار «هم».

و منهم في قوله تعالى «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ‌» حال من الضمير في أحسنوا. و من للتبعيض، كما عرفت.

و قيل انها للبيان. و يرد عليه ان التي للإبهام لا بد ان تكون مباينة

فيه إبهام في جنسه و يكون في مجرورها بيان يرفع ذلك الإبهام، و لا إبهام في الآية الشريفة حتى يرفع ب‍ من و مجرورها. و مما يهون الخطب انه يمكن إرجاع ذلك إلى القول الاول كما عرفت في التفسير.

و قيل ان «من» للتبعيض و الضمير يرجع إلى المؤمنين في آخر الآية السابقة اي: ان من المؤمنين من لم يخرج إلى حمراء الأسد.

و على هذا لا بد من نصب (الذين) على المدح في أول الآية المباركة إذ لا يستقيم ذلك على كون (الذين) مبتدأ و الخبر جملة «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ‌» إذ تبقى الجملة بلا رابط.

و يرد على نصب (الذين) على المدح انه لا عطف يدل على المغايرة مضافا إلى ان جعلها منصوبا على المدح بعيد، إذ لا دليل عليه.

و الذين في قوله تعالى: «اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنّاسُ‌» بدل من «اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا» أو صفة.

و المخصوص بالمدح في قوله تعالى: «وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ‌» محذوف هو ضميره تعالى و الجملة الخبرية، و في الآية الكريمة كلام طويل في عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية.

و الحق ان كل ذلك تطويل بلا طائل تحته، بل ان جميع هذه الآيات جمل مستقلة وردت في مقام مدح المؤمنين و بيان صفاتهم و جيء بالواو لتزيين الكلام.

و جملة «يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ‌» جملة مستأنفة مبينة لشيطنة الشيطان، أو حال.

و خاف يتعدى إلى مفعول واحد، و يتعدي بالتشديد إلى مفعول ثان، و قد يحذف المفعول الاول كما في الآية الشريفة فان الأصل يخوفكم أوليائه. و قد يحذف المفعول الثاني كما تقول خوفني عمرو.

بحث دلالي
تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول:

يدل قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً» على حقيقة من الحقائق الواقعية التي كشف عنها القرآن و أكد عليها في مواضع متفرقة و هي تجرد الأرواح و حياتها بعد الموت و قد كانت هذه الحقيقة مورد البحث و النظر من أول حدوث العالم، فالروح جوهر مجرد مختلف التكون عن غيرها و هي من شعاع الذات المقدسة غير المتناهية.

و الآية المباركة رد على شبهات المنافقين و المشركين من ان الإنسان يموت حين القتل في سبيل اللّه و الموت نهاية الحياة في الأرض فتذهب ذكراه و لا يبقى له اسم و لا رسم بعد فترة تطول أو تقصر.

و المستفاد من الآية الشريفة انها تثبت الحياة بعد القتل، و تبين أجر المؤمنين و هو الرزق عند اللّه تعالى، و انه نعمة من اللّه تعالى و فضل منه، و زاد عز و جل عليهم انه لا خوف عليهم و لا هم يحزنون و هذه كلها من أهم مقومات الحياة الكاملة السعيدة الهنيئة في عالم البرزخ.

الثاني:

يستفاد من قوله تعالى: «فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ‌» ماهية هذه الحياة السعيدة و حقيقتها التي تتقوم بالفرح و الاستبشار و نفي الحزن و الخوف، و هي مرزوقة عند اللّه تعالى و هذا هو الحد الفاصل في ما يقال في هذه الحياة، فلا يصغي إلى ما قد قيل فيها من ان أرواح المؤمنين في حواصل طير خضر، فان أرواح المؤمنين اجلّ قدرا من ان

يجعلهم اللّه تعالى في تلك الحواصل، بل هو نحو من التناسخ الذي ثبت بطلانه.

و قد أنعم تعالى عليهم بأنواع الرزق، و أعزهم بأن جعلهم (عنده).

الثالث:

يدل قوله تعالى: «عِنْدَ رَبِّهِمْ‌» على سنخية أرواح المؤمنين لعالم القدس كيف لا و ان اللّه تعالى خلقها من روحه قال عز و جل: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» * ص - 72 فنزلت من المحل الأرفع لتتحد مع البدن برهة من الزمن و بعد الموت أو القتل تصعد الى محلها فتكون عند ربها، و هذه العندية أعظم قدرا من العندية المكانية أو الزمانية بل هي تبين حقيقة تلك الأرواح المقدسة التي خلقت من روح اللّه جلت عظمته.

فاختلاف العلماء و المفسرين في المراد من قوله تعالى «عِنْدَ رَبِّهِمْ‌» لا وجه له بعد ملاحظة سياق الآية الشريفة و ما ورد في هذا المضمار في مواضع متعددة من القرآن الكريم قال تعالى: «وَ اَللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ اَلْمَآبِ‌» آل عمران - 14 و قال تعالى: «وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ اَلْمُصْطَفَيْنَ اَلْأَخْيارِ» ص - 47 و غيرهما من الآيات الشريفة.

الرابع:

يدل قوله تعالى: «اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ‌» على ان القرح و ما يصيب المؤمنين في ميدان القتال مع اعداء اللّه تعالى في اثبات الحق و إعلاء كلمة الدين و إزهاق الباطل له الأثر الكبير في تهذيب المؤمنين و إرجاعهم الى الصواب بل له دخل في النظام الأحسن فان ما لاقاه المؤمنون من المصائب و المتاعب بسبب عصيانهم و فشلهم و العتاب الشديد العنيف تارة و الخفيف اللطيف اخرى كان السبب في زيادة ايمانهم و الرجوع الى التربية الحقة و الانقلاب عن التفرق و الاختلاف الى الطاعة و الاتحاد و شدة العزيمة و التوكل على

اللّه تعالى فهو من المقتضيات في إعداد الإنسان نفسه بالدخول في السير التكاملي. و لأجل ذلك كانت المصائب و القرح الذي لحقهم في معركة أحد من أهم طرق التربية الإلهية الحقة. و لذا عدّ سبحانه و تعالى تلك نعمة ربانية و فضلا من اللّه تعالى عليهم لأنها كانت من الأسباب المهمة في تقويم النفوس و احياء القلوب فقد رجعت الى الحق و خلصت في إيمانها و اشتد توكلها عليه تعالى فكان في الخذلان و الهزيمة و المعصية دروسا كبيرة اثرت في نفوسهم بل كانت معركة أحد أهم مدرسة للمؤمنين عبر التاريخ.

الخامس:

يمكن ان يجعل قوله تعالى: «اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ‌» من الآيات الدالة على لزوم مراعاة الاستقامة الحقيقية للحق في الحق نظير قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اَللّهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ اَلْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ‌» فصلت - 30 و قوله تعالى:

«فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَ مَنْ تابَ مَعَكَ‌» هود - 112 و قوله تعالى:

«وَ أَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى اَلطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً» الجن - 16 إذ لا ريب في ان بناء الشيطان و أوليائه انما هو التشكيك في عقيدة المؤمنين و بث الأشواك و المزالق في طريق الوافدين الى اللّه تعالى لان العبد حينئذ انما أزال جميع الحجب الظلمانية عن نفسه بالصبر و المثابرة حتى وصل إلى معدن النور و العظمة فلم يبق في البين إلا سرادق الجلال و الجمال التي قال فيها جبرائيل أعظم الاملاك: «لو دنوت انملة لاحترقت» و لعل المراد بالاحتراق انطماس الحدود الامكانية بالكلية.

السادس:

يدل قوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ‌» ان الإحسان و التقوى هما المناط في القرب الى اللّه تعالى و احراز

الأجر العظيم و الثناء الجميل و هذان الأمران لا يتوفران في كل احد لان المؤمنين على درجات متفاوتة و الإحسان و التقوى يكشفان عن شدة الخلوص للّه تعالى فيهم و كمال الايمان عندهم و شدة ارتباطهم مع اللّه تعالى و ذلك هو السبب في استحقاقهم لهذا الأجر العظيم الذي أبهمه تعالى ليذهب ذهن السامع إلى كل مذهب أمكن.

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: «اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنّاسُ إِنَّ اَلنّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً» حقيقة من الحقائق القرآنية و هي دأب المنافقين و اهل الباطل على التشكيك في معتقدات المؤمنين و اهل الحق و السعي في فسخ عزائمهم و نقض هممهم و إلقاء الرعب و الخوف في نفوسهم و هما مصدران لكل الفساد و الخروج عن الطاعة، و الطغيان على الأوامر الإلهية و الاحكام الربوبية.

و تبين الآيات الكريمة ان ذلك ناشئ من المضادة التي هي بين الطرفين كما ان اهل الحق يسعون في ابطال مزاعم المنافقين و إفساد مكرهم و كيدهم بالطاعة للّه تعالى و الرسول و الاستجابة لاوامرهما، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الارشادات الحقة و لا تزول تلك المضادة إلا باضمحلال احد الضدين كما هو واضح بالوجدان.

الثامن:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ‌» كمال ايمانهم و خلوصهم فيه و انهم كانوا مخلصين للّه تعالى مسلّمين أمرهم اليه عز و جل قد اكتفوا باللّه سبحانه عن غيره من الأسباب، و اعتقدوا بأن اللّه ناصرهم و مؤيدهم؛ كما قال تعالى: «وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اَللّهَ بالِغُ أَمْرِهِ‌» الطلاق - 3 فلا يخشون غير اللّه تعالى و لا يخافون لومة لائم و قد صدق اللّه وعده فيهم بأن قال:

«فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ‌» و اعطاهم الأجر العظيم.

التاسع:

يستفاد من ظاهر الآية الشريفة: «فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اَللّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ‌» ان مضمونها لا تختص بحالة دون اخرى و لا بعالم دون آخر.

و المراد بالانقلاب المعنى العام الشامل للتحولات الدنيوية و البرزخية و الاخروية، كما ان المراد بالنعمة و الفضل ايضا كذلك، و تشمل النعم الدنيوية و المثالية و الاخروية و الوجه في ذلك ان الموضوع كلما اتسعت جهات كماله و فضله اتسع جميع جهات الاضافة إلى اللّه تعالى و المنعم إذا كان محيطا و وسيعا من جميع الجهات المفروضة فيه، فلا يعقل وجه للتخصيص حينئذ، و جهة التعميم تارة مأخوذة في الكلام كما إذا قيل: لا تأكل الرمان لأنه حامض فيشمل الكلام كل حامض، و اخرى مأخوذة في السياق العام من الكلام، و الثانية اولى من الاول بمراتب، و قد اشتهر في العلوم الادبية ان الكناية ابلغ من التصريح و القرآن العظيم مشتمل على أنحاء الكنايات و الاستعارات و التشبيهات البليغة وفقنا اللّه تعالى للتدبر فيها.

العاشر:

يستفاد من قوله تعالى، «وَ اَللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ‌» ان من لم يتصف بما ذكر في الآيات السابقة قد فوت على نفسه امرا عظيما لا يمكن ان يتدارك و هو جدير بأن يتحسر على ما فاته.

الحادي عشر:

يستفاد من قوله تعالى: «إِنَّما ذلِكُمُ اَلشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ‌» ان الخوف الناشئ من الأمور الدنيوية انما يكون منشأه الشيطان الذي يريد ان يخرج الإنسان بسببه عن طاعة اللّه تعالى و الاحجام من تنفيذ أوامره و أحكامه عز و جل و الخوف الذي يكون مصدره الشيطان هو من أهم سبله التي يتوصل بها لإغواء الإنسان و لذا أمرنا عز و جل بعدم الخوف و حصره اللّه تعالى في نفسه، فان الخوف منه عز و جل

مصدر كل خير و مبعث كل سعادة فالآية المباركة ترشد المؤمنين إلى الصراط المستقيم و الكمال العظيم الذي لا كمال فوقه كما انها تنبه المؤمنين إلى الموازنة بين وليّ الكافرين و المشركين و المنافقين و اهل الباطل الذي عجز عن نصرهم و بين ولي المؤمنين الذي لا يعجزه أمر و هو القادر على كل شيء.

الثاني عشر:

يدل قوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ‌» على ان الايمان جنة واقية تحرس صاحبه من الخوف عن غير اللّه تعالى. و ان الايمان مع الخوف من غير اللّه تعالى هما ضدان لا يجتمعان فمن يرجح الخوف من اولياء الشيطان فان إيمانه مشكوك فيه، فهذه الآية الشريفة من الآيات التي ينبغي ان يوزن الإنسان نفسه و إيمانه و اعماله بها.

بحث عرفاني

يستفاد من قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ‌» كمال العناية بالشهداء الذين قتلوا في سبيل اللّه فقد أرادوا من جهادهم و بذل أرواحهم الغالية في إعلاء كلمة اللّه و احياء الحق و اماتة الباطل فأعطاهم اللّه تعالى الأجر الجزيل و الثناء الجميل، و الذكر الحميد، و منحهم السعادة الكبيرة ان جعلهم عنده يرزقون و يستبشرون و يفرحون قد خلت حياتهم عن كل ما ينغصها من الخوف و الحزن و الآلام، فإذا كان الجهاد الأصغر له هذه الحظوة عند خالق الأرواح، فما ظنك بالجهاد الأكبر مع النفس الأمّارة لكسر سورتها، و قمع الهوى بالصبر و الاصطبار و كان العبد معه مطيعا لمولاه مخالفا لهواه مراقبا لنفسه

و اعماله و أقواله فان له الفضل العظيم و المنزلة الكبرى عند اللّه عز و جل قال تعالى: «وَ اَلَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» العنكبوت - 69 و الجهاد الأصغر و ان كان في وقت معين معلوم اما الجهاد الأكبر فان مدته أطول و معاناته أشد و أعظم.

و المجاهدون مع النفس الامارة لهم الحياة الحقيقة لان الأرواح لها نحو تعلق خاص بالمبدأ الفياض، و الحي القيوم فإذا اشتد ارتباطها معه اشتاقت اليه، و ان حبها له قد تصل إلى مرتبة لا تحس بآلام الجراح و وقع السيوف مثل ما نسب إلى علي (عليه السلام) من عدم توجهه إلى إخراج السهم من بدنه حين اشتغاله بالصلاة و قد نظم هذه القضية جملة من العرفاء باشعار لطيفة و ما نسب الى الصادق (عليه السلام) من مشيه على النار و قوله (عليه السلام): «انا ابن ابراهيم الخليل» الى غير ذلك من آثار ذلك العالم الوسيع الذي لا يمكن ان يحيط به بيان فانه لا يهدي من الجنة إلا بعض ثمارها لإتمام أشجارها. و حينئذ يقدر العبد المجاهد المؤمن على الخلع و اللبس، و من حيث شروق نوره على هذا البدن يتحرك البدن بقدر ذلك الشارق، و مع درك هذه المرتبة قد يصل الى مرتبة جمع الجمع بأن يكثر بدنه كما نسب الى بعض الأولياء من وجودهم في زمان واحد في امكنة متعددة، و قد رأينا بعض مشايخنا (رضوان اللّه تعالى عليه) و رآه بعض أصحابه في عين هذا البدن في محل آخر، و لكن لا يعد ذلك شيئا في مقابل تلك المجاهدات لشدة تفانيه في مرضاة اللّه تعالى و من هنا تنكشف أبواب من المعارف.

و يمكن ان يكون قوله تعالى: «اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ‌» اشارة الى بعض مقامات العارفين باللّه في سيرهم

و سلوكهم، و هم الذين طرحوا جميع الجهات الجسمانية للوصول الى المعشوق الحقيقي و المحبوب الواقعي، فيكون ألم النبال و السهام في ذلك يسير و وقع الصمصام على أبدانهم سهلا حقيرا، بل وجدوا في ذلك التذاذا كبيرا، و هم الذين سمعوا زئير جهنم بآذانهم و رأوا الحور المقصورات في الخيام بأعينهم، فتجاوزوا عن ذلك كله و خرقوا جميع الحجب الظلمانية بهممهم العالية و طرحوا حدود الامكانية فوصلوا الى حد الوجوب و رأوا ان الاملاك قد وضعت أجنحتها تبركا بمقدمهم و وصلوا الى ما لا عين رأت و لا اذن سمعت و لا خطر على قلب بشر، فنزلت عليهم أنوار الجمال و استشرقوا من مشارق الجلال الى غير ذلك من جذبات الحبيب التي يبهر فيها كل عاقل لبيب. رزقنا اللّه تعالى رشحة من تلك الرشحات و نسمة من تلك النفحات.

و خلاصة الكلام ان هذه الطائفة من المخلصين (بفتح اللام) هم الذين تابعوا نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) حيث قيل له:

«هل لك شيطان يا رسول اللّه‌؟ قال (صلى اللّه عليه و آله): نعم و لكن أسلمت شيطاني بيدي».

بحث روائي

في المجمع في قوله تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً - الآيات -» عن الباقر (عليه السلام) «نزلت في شهداء بدر و أحد معا».

أقول: وردت في ذلك روايات متعددة في بعضها انها نزلت في

شهداء أحد خاصة و في بعضها في شهداء بئر معونة و قصتهم مشهورة و ذكر كل ذلك من باب المثال لا التخصيص كما هو كذلك في شأن نزول الآيات.

و في تفسير القمي في قوله تعالى: وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً - الآية -» عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «هم و اللّه شيعتنا إذا دخلوا الجنة و استقبلوا الكرامة من اللّه استبشروا بمن لم يلحق بهم من إخوانهم من المؤمنين في الدنيا».

أقول: المراد من الشيعة هنا من تابع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في اعتقاده و أفعاله و أقواله حتى في قوله (ص): «انى تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي اهل بيتي» و قوله (ص): «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» الى غير ذلك من الأحاديث التي رواها المسلمون في شأن ذلك.

و في تفسير العياشي في الآية المتقدمة ايضا عن الصادق (عليه السلام) «هم و اللّه شيعتنا حتى صارت أرواحهم في الجنة و استقبلوا الكرامة من اللّه عز و جل و استيقنوا انهم كانوا على الحق و على دين اللّه عز و جل فاستبشروا بمن لم يلحقوا بهم من خلفهم من المؤمنين».

أقول: المراد من الشيعة من تابع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فان متابعته متابعتهم ايضا كما مر في الرواية السابقة.

و في تفسير العياشي ايضا عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اتى رجل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: إني راغب نشيط في الجهاد في سبيل اللّه قال (ص): فجاهد في سبيل اللّه فإنك إن تقتل كنت حيا عند اللّه ترزق و ان مت فقد وقع أجرك على اللّه و ان رجعت خرجت من الذنوب إلى اللّه هذا تفسير «وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً» .

و في تفسير العياشي ايضا عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «اتى رجل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: إني راغب نشيط في الجهاد في سبيل اللّه قال (ص): فجاهد في سبيل اللّه فإنك إن تقتل كنت حيا عند اللّه ترزق و ان مت فقد وقع أجرك على اللّه و ان رجعت خرجت من الذنوب إلى اللّه هذا تفسير «وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً» .

أقول: لا منافاة بين هذا التفسير و ما مر من قول الصادقين (عليهما السلام).

و في اسباب النزول عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما أصيب إخوانكم بأحد جعل اللّه أرواحهم في أجواف طير خضر ترد انهار الجنة، و تأكل من ثمارها و تأوى إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مآكلهم و مشربهم و (حسن) مقيلهم قالوا: من يبلغ إخواننا (عنا) انا في الجنة نرزق لئلا يزهدوا في الجهاد و لا ينكلوا في الحرب‌؟ فقال اللّه عز و جل انا أبلغهم عنكم فانزل اللّه تعالى: «وَ لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ‌» .

أقول: رواه في الدر المنثور و قال اخرج احمد و ابن داود، و ابن جرير، و ابن المنذر، و الحاكم - صححه - و البيهقي من الدلائل و غيرهم رووا جميعا عن أبي سعيد الخدري، و عبد اللّه بن مسعود، و أبي العالية و ابن عباس و غيرهم، و هي و ان اختلفت في بعض الألفاظ و لكنها متقاربة في المعنى. و هذه الروايات لا بد من تأويلها على نحو تساوق القواعد العقلية و النقلية، و المؤمن أعز على اللّه تعالى من ان يحصره في حواصل الطير، و يمكن ان يراد بحواصل الطيور الخضر الأبدان المثالية التي تكون لهم في ذلك العالم، و قد تقدم ما يتعلق بهذه الروايات في سورة البقرة آية - 153.

و في الدر المنثور في قوله تعالى: «اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ‌» اخرج ابن إسحاق و ابن جرير، و البيهقي في الدلائل «انها نزلت

في حمراء الأسد» و في تفسير القمي أيضا انها نزلت في حمراء الأسد.

و في المجمع عن الباقر (عليه السلام) في الآية المباركة انها نزلت في غزوة بدر الصغرى.

أقول: يأتي في البحث التاريخي تفصيل الكلام.

و في اسباب النزول في قوله تعالى: «اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنّاسُ إِنَّ اَلنّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ‌» عن قتادة: «ذلك يوم بعد القتل و الجراحة و بعد ما انصرف المشركون - أبو سفيان و أصحابه - قال نبي اللّه لأصحابه ألا عصابة تشدد لأمر اللّه فتطلب عدوها فانه أنكى للعدو، و أبعد للسمع، فانطلق عصابة على ما يعلم اللّه تعالى من الجهد حتى إذا كانوا بذي الحليفة جعل الاعراب و الناس يأتون عليهم فيقولون: هذا أبو سفيان مائل عليكم بالناس؛ فقالوا: حسبنا اللّه و نعم الوكيل فانزل اللّه تعالى فيهم قوله: «اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنّاسُ إِنَّ اَلنّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ‌» ، و في المجمع و تفسير القمي عنهما (عليهما السلام) في الآية يعنى نعيم بن مسعود الأشجعي.

أقول: انه على تقدير كون الغزوة هي غزوة بدر الصغرى و إلا فان الناس المحذرين هم غيرهم و يحتمل ان يكون هذا الشخص قد حذر المؤمنين في الغزوتين فلا منافاة في البين.

و في الدر المنثور اخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا «حسبنا اللّه و نعم الوكيل».

و فيه أيضا عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انه قال:

«حسبي اللّه و نعم الوكيل أمان كل خائف».

أقول: على فرض صحتهما فإنهما تدلان على اهمية الآية الشريفة على كل تقدير.

بحث تاريخي
اشارة

تقدم ان قوله تعالى: «اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ‌» يشير إلى وقعة اخرى من وقعات الرسول (صلى اللّه عليه و آله) التي كانت مع المشركين و الكفار و اعداء اللّه تعالى لتثبيت الإسلام و الدفاع عنه و عن المؤمنين من كيد المشركين و الكافرين و المنافقين و ابطال مزاعمهم و تقدم في أحد مباحثنا السابقة ذكر عدد غزوات الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و سراياه، و تكلمنا عن غزوة احد مفصلا و نذكر في المقام ما يتعلق بغزوة حمراء الأسد و موقعها، و اسبابها، و اهدافها.

و قبل ان نذكر ذلك لا بد من التنبيه على أمر و هو ان المعروف بين العلماء و المفسرين أن الآيات المتقدمة نزلت في شأن غزوة حمراء الأسد على ما عرفت و قد وردت في ذلك أحاديث من الفريقين، و ذهب جمع من المفسرين إلى ان الآية الكريمة نزلت في خروج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بمن معه لموعد أبي سفيان في غزوة بدر الصغرى في السنة الرابعة في شهر ذي القعدة رأس الحول من وقعة أحد على ما رواه الواقدي، أو في شعبان من السنة الرابعة في رواية الدر المنثور عن مغازي ابن عقبة، و دلائل البيهقي. و في تاريخ ابن جرير عن ابن إسحاق، و في الدر المنثور عن ابن شهاب قال:

«ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرا فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس يخوفونهم و قالوا:

قد أخبرنا ان العدو قد جمعوا لكم من الناس مثل الليل يرجون ان يواقعوكم فيثبتوكم فالحذر الحذر، فعصم اللّه المسلمين من تخويف الشيطان فاستجابوا للّه و رسوله و خرجوا ببضائع لهم، و قالوا: ان لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، و ان لم نلقه اتبعنا بضائعنا و كان بدر متجرا يوافي كل عام فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر فقضوا منه حاجتهم، و اخلف أبو سفيان الموعد فلم يخرج هو و لا أصحابه، و مرّ عليهم ابن حمام فقال من هؤلاء؟ قالوا رسول اللّه و أصحابه ينتظرون أبا سفيان و من معه من قريش فقدم على قريش فأخبرهم فارعب أبو سفيان و رجع إلى مكة و انصرف رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى المدينة بنعمة من اللّه و فضل فكانت تلك الغزوة تعد غزوة جيش السويق و كانت في شعبان من السنة الرابعة» و روي قريب منه عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) و في المجمع رواه أبو الجارود عنه (عليه السلام) أيضا.

و لكن الاول هو المعروف بين العلماء و المفسرين و رواه القمي في تفسيره بطريق معتبر، و الشيخ الطوسي في التبيان و قد نسب الثاني إلى القيل. و كيف كان فان تسمية هذه الوقعة بالغزوة باعتبار خروج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بنفسه الشريفة على ما اصطلح عليه العلماء، و إلا فانه لم يكن في هذه الوقعة قتال، بل كان المقصود منها مطاردة المشركين، و ابطال نواياهم، و إفساد ما كانوا يشنونه من الحرب الدعائية ضد المسلمين، فإنهم كانوا يذكرون نتائج غزوة احد و يظهرونها بمظهر يرفع من قدرهم و الحط من قدر المسلمين على ما ستعرف، فتسميتها بقوة مطاردة لها اهداف معينة غير القتال لما كان يعلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انه لم يقع قتال اولى و قد تحققت تلك الأهداف بأحسن وجه.

الموقع و الزمان:

حمراء الأسد: سوق للعرب على ثمانية أميال من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت ذا الحليفة، و المعروف انه انتهى إليها رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في اليوم الثاني من يوم أحد، فان وقعة أحد كانت في السنة الثالثة من الهجرة و في اليوم الثاني من يوم أحد اي اليوم الخامس عشر من شوال، و لما كان الغد أذّن مؤذن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بالغزو، و قال: «لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس» فاستجاب المؤمنون للّه و الرسول فخرجوا إلى حمراء الأسد فأقاموا بها ثلاثة ايام ثم رجعوا إلى المدينة حين علم (صلى اللّه عليه و آله) ان قريشا قد استمرت إلى مكة و قال: «و الذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها كانوا كأمس الذاهب».

العدد:

عدد المسلمين الذين خرجوا للحرب كما في تفسير العياشي: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بعث عليا (عليه السلام) في عشرة استجابوا للّه و الرسول من بعد ما أصابهم القرح» و في اسباب النزول للواحدي: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) استنفر الناس بعد أحد حين انصرف المشركون فاستجاب له سبعون رجلا» و يمكن رفع الاختلاف بان رواية الواحدي وردت في مجموع الذين

استجابوا للّه و الرسول. و رواية القمي وردت في خصوص المحسنين و المتقين منهم.

و في تفسير القمي: «فلما دخل رسول اللّه المدينة نزل عليه جبرئيل فقال: يا محمد إن اللّه يأمرك ان تخرج في إثر القوم و لا يخرج معك إلا من به جراحة، فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مناديا ينادي يا معشر المهاجرين و الأنصار من كانت به جراحة فليخرج و من لم يكن به جراحة فليقم، فاقبلوا يضمدون جراحاتهم و يداوونها فانزل اللّه تعالى على نبيه: «وَ لا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ اَلْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اَللّهِ ما لا يَرْجُونَ‌» و هذه الآية (المباركة) في سورة النساء و يجب ان تكون في هذه السورة قال عز و جل: «إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ اَلْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ اَلْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ اَلنّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ‌» فخرجوا على ما بهم من الألم و الجراح، فلما بلغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بحمراء الأسد و قريش قد نزلت الروحا قال عكرمة بن أبي جهل، و الحارث ابن هشام، و عمرو بن العاص، و خالد بن الوليد نرجع فنغير على المدينة فقد فقد سراتهم و كبشهم يعني حمزة فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر، فقال تركت محمدا و أصحابه بحمراء الأسد يطلبونكم جدّ الطلب، فقال أبو سفيان: هذا النكد و البغي قد ظفرنا بالقوم و بغينا و اللّه ما أفلح قوم قط بغوا، فوافاهم نعيم بن مسعود الأشجعي فقال أبو سفيان اين تريد؟ قال المدينة لامتار لأهلي طعاما، قال هل لك ان تمر بحمراء الأسد و تلقى اصحاب محمد و تعلمهم ان حلفاءنا و موالينا قد وافونا من الأحابيش حتى يرجعوا عنا و لك عندي عشرة قلائص (الإبل) املئوها تمرا و زبيبا؟ قال: نعم، فوافى من غد ذلك اليوم حمراء

الأسد فقال لأصحاب محمد (صلى اللّه عليه و آله) اين تريدون قالوا:

قريش، قال: ارجعوا فان قريشا قد اجنحت إليهم حلفاؤهم و من كان تخلف عنهم و ما أظن إلا و أوائل القوم قد طلعوا عليكم الساعة فقالوا «حسبنا اللّه و نعم الوكيل» و نزل جبرئيل على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: ارجع يا محمد فان اللّه قد ارهب قريشا و مروا لا يلوون على شيء و رجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إلى المدينة و انزل اللّه: اَلَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَ اَلرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ اَلْقَرْحُ‌» .

أقول: قوله (عليه السلام): «و يجب ان تكون في هذه السورة» ليس المراد الوجوب الاصطلاحي حتى يستلزم التحريف و لعل المراد المناسبة السياقية كما يدل عليه ذيل الحديث أيضا.

الأسباب:

اما اسباب هذه الوقعة فهي متعددة و يمكن تلخيصها في امور:

الاول: الخشية من مداهمة العدو المدينة استغلالا منهم لضعف المسلمين و ما أصابهم في أحد ففي الدر المنثور اخرج النسائي و ابن أبي حاتم و الطبراني عن عكرمة عن ابن عباس قال: «لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدا قتلتم و لا الكواعب أردفتم بئس ما صنعتم فسمع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بذلك فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد - إلى ان قال - فقال المشركون نرجع قابل فرجع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فكانت تعد غزوة.

الثاني: بلوغ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ان المشركين قد

ازمعوا على الرجعة، ففي الدر المنثور عن عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حرم قال: «خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بحمراء الأسد، و قد اجمع أبو سفيان بالرجعة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و أصحابه، و قالوا: رجعنا قبل ان نستأصلهم لنكون على بقيتهم، فبلغه ان النبي (ص) خرج في أصحابه يطلبهم فثني ذلك أبا سفيان و أصحابه».

الثالث: الحرب الدعائية التي شنها المشركون بإظهار نتائج غزوة احد بمظهر يرفع من قدرهم و يحط من قدر المسلمين، و من المعلوم ان لذلك أثرا كبيرا في وهن العزيمة، و تفكيك القوى و إلقاء الخلاف في الصفوف و هو زوال الهيبة التي اكتسبها المسلمون في غزوة بدر.

الرابع: إعادة الكرة في التطهير العام لإعادة النظام و تمييز المؤمن المستسلم عن غيره و إلقاء الرعب في قلوب الأعداء.

الاهداف:

كانت لهذه الوقعة اهداف معينة و قد حصلت جميعها و هي متعددة منها: إزالة اثار الهزيمة عن نفوس المؤمنين، فانه لو استقرت في قلوبهم لأورثت الرعب في قلوبهم و بقيت اثار الخوف في نفوسهم فلا يعودون يقتحمون ميدان الجهاد بسهولة، و كانت لهذه الوقعة الأثر الكبير في ازالة تلك الآثار و تشجيعهم على القتال، و إلقاء الرعب و الخوف في قلوب الأعداء فإنهم لم يصدقوا ان افرادا من الطائفة التي منيت بالهزيمة بالأمس و قتل صناديدهم و شجعانهم قد تجمعت اليوم لتقاتلهم

و هي مثخنة بالجراح فأرهبتهم هذه العزيمة فخشوا ان تنقلب عليهم الدائرة فيذهب ما أحرزوه من النصر بزعمهم.

و في اسباب النزول: «قال نبي اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لأصحابه ألا عصابة تشد لأمر اللّه فتطلب عدوها فانه أنكى للعدو و أبعد للسمع فانطلق عصابة على ما يعلم اللّه تعالى من الجهد - الحديث -».

و منها: ظهور التربية الإلهية فيهم فتراهم يلبون دعوة اللّه و الرسول من دون شك و ارتياب و قد أخذوا من الدروس الماضية عبرا و وعوها و جعلوها محط نظرهم و صغت لها قلوبهم، فخرجوا من غفلتهم و غسلوا نفوسهم من آثار المعصية و التفرق و الاختلاف و عادوا إلى الصورة التي ينبغي ان يكونوا عليها.

و منها: ان هذه الوقعة بينت للمشركين ان المسلمين على ما هم عليه من الجراح ففيهم القوة الكافية لمجابهتهم ورد كيدهم فأورثت رعبا في نفوس الأعداء قال ابن إسحاق و «انما خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مرهبا للعدو و ليبلغهم انه خرج في طلبهم، ليظنوا به قوة و ان الذي أصابهم لم توهنهم عن عدوهم».

وَ لا يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اَللّهُ أَلاّ يَجْعَلَ .......

اشارة

وَ لا يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اَللّهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي اَلْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (176) إِنَّ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (177) وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (178)

ما كانَ اَللّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ وَ ما كانَ اَللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَ لكِنَّ اَللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) الآيات الشريفة ترشد المؤمنين إلى امور تهمهم في حياتهم الدنيوية و الاخروية و تمس عقيدتهم، فهي تحذرهم من المنافقين و الكافرين و أكاذيبهم و قبائح افعاهم و مكرهم فإنهم لم يتحرجوا من إعلان الكذب على اللّه عز و جل و رسوله (صلى اللّه عليه و آله) و ما يوجب و هن العزيمة و الحط من قدر المسلمين، و الشك في عقيدتهم و تنفيرهم عن الإسلام.

و الآيات المباركة تسلي النبي الكريم من ما يوجب حزنه، و تعلن ان اللّه تعالى لن يتركه و المؤمنين فهو يرعاهم و يحفظهم، و تبين ان ذلك كله سنة الهية جارية في خلقه فلا بد من تمييز المؤمنين من المنافقين و الخبيث من الطيب، و تأمر المؤمنين بالإيمان باللّه و رسله و التقوى و التسليم لأمره ليفوزوا بالأجر العظيم.

و الآيات الكريمة مرتبطة بما تقدم من الآيات التي وردت في بيان الجوانب المتعددة في غزوة احد و قد تقدم ذكر المنافقين و بعض كيدهم و في المقام يبين سبحانه و تعالى نوعا آخر منه، و يحذّر المؤمنين منه.

التفسير

قوله تعالى: وَ لا يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ .

تسلية للنبي الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و مواساة له من الحزن الذي كان يصيبه من افعال المنافقين و أقوالهم مما يوجب و هن عزيمة المؤمنين و إيقاع الشك في عقيدتهم و الوقوع في الكفر. و كل ذلك مما يوجب الحزن.

و الآية المباركة توجه الخطاب للنبي (صلى اللّه عليه و آله) تشريفا له و لأنه واسطة الفيض، و لأنه المسؤول عن أمته و يرعى مصالحهم و هو يكشف عن ان الشغل الشاغل للرسول العظيم هو امر الدين و المؤمنين به و هي ترفع الحزن بنفي أسبابه و ترشد المؤمنين بازالة الحزن عن أنفسهم ببيان الواقع في المقام و هو انهم لن يضروا اللّه.

و قد أسند الحزن إلى ذواتهم باعتبار كونها مظاهر الفساد و الغواية و الضلال فتراهم يسارعون في الكفر و يقعون فيه سريعا من دون ترّيث و يجتهدون فيه و يمارسونه في أقوالهم و أفعالهم و نياتهم لأنهم استقروا في الكفر و تمكن في قلوبهم و لأجل ذلك كله تعدت المسارعة ب‍ (في) و لم تتعد ب‍ (إلى) و مثل ذلك ما ورد في حق المؤمنين قال تعالى:

«وَ يُسارِعُونَ فِي اَلْخَيْراتِ‌» آل عمران - 114 فان من شدة ايمانهم باللّه تعالى و كمالهم أنهم حريصون على الخير و راغبون فيه، و قد داوموا على ملابستهم له و استقروا فيه. و لعل تعدي المادة ب‍ إلى في قوله تعالى «وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّماواتُ وَ اَلْأَرْضُ‌ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‌» آل عمران - 133 باعتبار ان المغفرة و الجنة منتهى سيرهم و مسيرهم الاستكمالي.

«وَ يُسارِعُونَ فِي اَلْخَيْراتِ‌» آل عمران - 114 فان من شدة ايمانهم باللّه تعالى و كمالهم أنهم حريصون على الخير و راغبون فيه، و قد داوموا على ملابستهم له و استقروا فيه. و لعل تعدي المادة ب‍ إلى في قوله تعالى «وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّماواتُ وَ اَلْأَرْضُ‌ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ‌» آل عمران - 133 باعتبار ان المغفرة و الجنة منتهى سيرهم و مسيرهم الاستكمالي.

قوله تعالى: إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً .

بيان لحقيقة من الحقائق الواقعية فان اللّه تعالى غني عن العالمين لا يغلبه شيء في السموات و الأرض و لا يضره كيد المنافقين و الكافرين و غيرهم و تظاهرهم على اطفاء نور اللّه تعالى و إيقاع الضرر بالمؤمنين لا يوجب اطفاء ذلك النور و طمس الحق، فهم لا يضرون إلا أنفسهم لأنهم يحاربون اللّه تعالى و قد خرجوا بسبب ذلك عن اهلية اللطف و حرموا أنفسهم عن كل خير فلا يبقى موضوع للتحزن و الأسى، و هم مسخرون تحت ارادته و مشيته عز و جل فقد تعلقت ارادته بأن يحرمهم من حظ الآخرة و يسلك بهم إلى أسوء العذاب فكانت عاقبة مسارعتهم في الكفر و بالا عليهم.

و في تعليق الضرر به تعالى كمال التسلية للنبي (صلى اللّه عليه و آله) و التشريف للمؤمنين، و لبيان ان مضارتهم مضارته تعالى و هي غير معقول في الواقع و هذا أيضا كذلك.

قوله تعالى: يُرِيدُ اَللّهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي اَلْآخِرَةِ‌ .

تعليل و تأكيد لعدم مضارتهم له تعالى و اعلام بأن المضارة الحقيقية هي التي كانت في الآخرة دون ما يتوهموه و هم قد سلكوا مسلكا.

اختاروا فيه الملذات الدنيوية الفانية على الدرجات الرفيعة الاخروية و نعيمها و حرموا على أنفسهم نصيب الآخرة، و تعلقت ارادة اللّه تعالى الاقتضائية على طبق اختيارهم. و يأتي في الآيات التالية تفسير كيفية تعلق ارادته عز و جل بحرمانهم من نصيب الآخرة.

قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‌ .

اي و لهم مع الحرمان من كل ثواب و نعيم في الآخرة عذاب عظيم لا يتقدر بقدر جزاء ما كانوا يكفرون.

و قد وصف سبحانه و تعالى العذاب بانه عظيم إما باعتبار ان المسارعة في الكفر تدل على عظم قدره عند المسارع اليه و تعلق كل ارادته به و صرف جميع حيثياته في سبيله، فوصف تعالى عذابه بالعظيم تنبيها على حقارة ما سارعوا اليه، أو لأجل ان القصد عظيم لأنهم قصدوا إضرارا عظيما لا منتهى لعظمته فيترتب عليه العظيم.

و لم يقيد سبحانه و تعالى العذاب بالآخرة كما قيد الحرمان بها لكون عذابه أعم و لا مانع في ذلك فقد ورد في المنافقين: «سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ‌» التوبة - 101. و استحقاق العذاب العظيم هو نتيجة الحرمان من نصيب الآخرة لان كل من لم يكن له نصيب في الآخرة يكون سعيه في الدنيا و ان بلغ ما بلغ سببا في زيادة العذاب.

قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ‌ .

تعميم لجميع الكافرين بعد تخصيص الآية السابقة بالمسارعين في الكفر فيصح ان تكون علة اخرى تعم لنفي ضرر جميع الكافرين و فيهم المسارعون في الكفر تقديرا للحكم السابق و تأكيدا له و لزيادة التسرية عن قلب سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) و التسلية له.

و انما ذكر سبحانه لفظ الاشتراء زيادة في التقريع لأنهم بمعاملتهم في تبديل الايمان بالكفر قد استبدلوا الشريف العظيم بالدني الحقير، و لبيان انهم قد أخذوا الكفر رغبة منهم في ما أخذوا و إعراضا عما تركوا فيكون اظهر على سوء الاختيار و كمال الرضاء منهم، و لا يتأتى

ذلك في لفظ آخر و يستفاد منه علمهم بالخسران الكلي و الحرمان الأبدي فيكون الضرر عليهم عظيما.

و يصح ان يكون المراد بالكفر في المقام جميع مراتبه من الاعتقادي و القولي و العملي، و يشهد لهذا التعميم بعض الآيات الشريفة قال تعالى: «وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ اَلْفاسِقُونَ‌» البقرة - 99 و قال تعالى: «وَ قَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ اَلْحَقِّ‌» الممتحنة - 1 كما ان الايمان كذلك.

قوله تعالى: لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً .

اي: ان الكافرين جميعا لن يضروا اللّه شيئا و هذه العلة عامة يمكن تعليل الخاص و هم المسارعون في الكفر بها أيضا.

و الآية المباركة تبين قضية عقلية حقيقية هي عين الواقع لان من كان جامعا للصفات الكمالية و الجلالية بالذات و مسلوبا عنه جميع النواقص الواقعية و الادراكية لا يعقل في حقه النقص و النفع و إلا يلزم الخلف المحال و لعله لذلك عبر تعالى بالنفي التأبيدي و عن مولانا السجاد (عليه السلام) في صحيفته الملكوتية «يا من يستغنى به و لا يستغنى عنه و يا من يرغب اليه و لا يرغب عنه و يا من لا تفني خزائنه المسائل و يا من لا ينقطع عنه الوسائل».

قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‌ .

جزاء لتمردهم على اللّه تعالى، و هو يدل على شدة العذاب و فظاظته بذكر أحد آثاره و هو غاية الإيلام.

و قد وصف سبحانه و تعالى العذاب في الآية السابقة بالعظيم و هنا بكونه أليما لتفاوت الطائفتين فان الاولى كانوا مسارعين في الكفر

فكان الجزاء المترتب على فعلهم عظيما و قد حرموا أيضا من نعيم الآخرة و لذاتها و استحقوا العذاب العظيم.

قوله تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ‌ .

بيان لحقيقة من الحقائق الواقعية التي كشف عنها القرآن الكريم، و هي سنة من السنن الحكيمة في الاجتماع البشري، فإنها تدل على السير التكاملي الجاري عليه هذا النظام الأحسن. و تتضمن التوجيه للمؤمنين في ما يدور في نفوسهم إثر كل انتصار للباطل على الحق في الظاهر كما انها توجه الحديث إلى الكفار لتنذرهم بعدم الاغترار بما يحرزونه من النصر الظاهر المؤقت و ما يمليه لهم اللّه تعالى عليهم من انواع نعمه في الاعمار و الأولاد و الأموال فان ذلك ليس لأجل عناية خاصة من اللّه تعالى بهم، بل انما هو سنة جارية في الخلق فلا يعتبروه خيرا لكل واحد منهم بحسب نفسه و لا يضمرون في نفوسهم الخبيثة بأنهم خير من المؤمنين، أو ان الباطل الذي هم عليه خير من الحق ففي الواقع يكون الإملاء سببا لاسترسالهم في الغي و الضلال و الفجور و علة لغرورهم فتزيد آثامهم و جرائمهم لتكون خاتمة اعمارهم و أعمالهم العذاب المهين فان العبرة بالخواتيم لا بالمبادي، فالآية الشريفة قطع لأعذار المبطلين، و ازالة لكل وهم و حديث نفس من البين، فان ما املى اللّه تعالى به لكل فرد لا بد ان يصرف في التوجه إلى المحبوب الحقيقي و المطلوب الواقعي حتى يصل إلى الدرجة العالية من الكمال و الحياة الابدية و النعم السرمدية، و ان غير ذلك يكون وبالا على صاحبه و غيّا و ضلالا فاملاء اللّه تعالى للكافرين و العصاة انما يكون وفق

سنة حكيمة و لعل من بعض اسرارها أعمار نظام الدنيا الظاهري حتى تظهر دولة الحق فان اللّه تعالى أراد ان يعمرها بهذا النحو لأجل مصالح كثيرة، و ان اللّه تعالى ينعم على الكافرين ليميز الخبيث من الطيب و يزيد في درجات المؤمنين أو يرجع الكافر من العصيان الى الطاعة و الايمان فإذا اختاروا صرف ما املى به اللّه تعالى لهم في الطغيان و العصيان فهم في غضب اللّه تعالى و سخطه ما لم يرجعوا فإذا رجعوا إلى الايمان و الطاعة دخلوا في رحمته و رضوانه فالاملاء ليس علة تامة للمعصية بل هي تصدر بعمد الفاعل و اختياره.

و لا يختص مضمون هذه الآية الشريفة بالذين كفروا أو بشخص معين بل يجري في النوع و في كل من يعصى اللّه تعالى.

و مادة (ملل) تدل على رفع القيد، و منه أملى لفرسه إذا أرخى الطول ليرعى كيف شاء و منه الملأ: الحين الطويل و الأرض الواسعة لأنه يرجع إلى رفع القيد و الإطالة أيضا، و إلى هذا يرجع الملوان و هما الليل و النهار لطول تعاقبهما.

و المعنى: لا يحسبن الكافرون إن املاءنا لهم بالإمهال و ازالة القيود المانعة عن الاستفادة من أموالهم و أولادهم و شؤونهم خير لأنفسهم لان الإنسان بطبعه يحب الخير لنفسه و الشيء انما يكون خيرا إذا صرفه الإنسان في تهذيب نفسه و تزكيتها من مساوي الأخلاق أو كسب به عملا صالحا ينتفع به دائما و لكنهم صرفوها في الخيرية الموقتة الزائلة و لا ريب انه ليس بخير بل الخير ما كان نفعه دائما و ابدا.

قوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً .

بيان لإحدى المصالح و الحكم التي اقتضت إملاء اللّه تعالى لهم

و هي تعلق ارادة اللّه تعالى بأن يكون امهالا لهم و استدراجهم إلى زيادة الإثم بسوء اختيارهم و إضرارا بأنفسهم جهلا منهم.

و اللام في قوله تعالى: «لِيَزْدادُوا» للعاقبة نظير قوله تعالى:

«فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» القصص - 7.

و الحصر المستفاد من «انما» باعتبار العاقبة لانحصار الحكمة في ذلك فقط.

اي: ليس لهم عاقبة خير ما داموا على الكفر و العصيان كما عرفت.

قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‌ .

بيان لسوء حالهم في الآخرة بعد بيان حالهم في الدنيا اي وراء ذلك عذاب معه الهوان جزاء كفرانهم و انما كان عذابا مهينا باعتبار تعززهم و تجبرهم في الدنيا بما املى اللّه تعالى به لهم من انواع النعم و إطالة الاعمار فاورثتهم ذلك في الآخرة عذابا مهينا لهم.

قوله تعالى: ما كانَ اَللّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ‌ .

ذكر تبارك و تعالى في هذه الآية الكريمة جملة من القضايا الحقيقة الثابتة في الطبيعة التي هي مسخرة تحت ارادته و مشيته جلّت عظمته و هي من أهم القوانين الجارية في مسير التكامل و الاستكمال، و لا تختص بنوع معين بل هي جارية في جميع الماديات من الجماد و النبات و الحيوان و الإنسان لان المهم لافراد الإنسان في عالم المادة هو تمييز الخبيث من الطيب لأغراضهم العقلائية و نرى ذلك في الاعشاب و النبات و الأثمار و المعادن و الأحجار إلى غير ذلك مما لا يحصى و أوكل اللّه تعالى كل ذلك إلى بني آدم كما في قوله تعالى: «سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي اَلسَّماواتِ وَ ما فِي اَلْأَرْضِ‌» * لقمان - 20 على حسب مراتبهم في العقول و الأفكار.

و اما نفس الإنسان فقد تصدى الباري عز و جل تمييز خبيثهم عن

طيبهم بواسطة أنبيائه و رسله الذين هم ادلة مقاله و تراجمة وحيه، و كفى بذلك فخرا لهم على غيرهم من الممكنات.

و في هذه الآية الشريفة التفات إلى المؤمنين و إعراض عن خطاب الكافرين الذين بين سبحانه و تعالى حقيقة الأمر بالنسبة إليهم، و فيها أرشد عز و جل المؤمنين إلى انهم لم يخرجوا عن سنة الابتلاء التي هي من أهم سبل التكميل.

و المراد بقوله تعالى: «عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ‌» اي: بما هم عليه من اشتباه الحال و اختلاط بعضهم ببعض. و في الآية الشريفة الوعد بالنسبة إلى المؤمنين و الوعيد بالنسبة إلى الكافرين و المنافقين. و قد ذكر المفسرون في المراد من الآية الكريمة اقوالا لا ترجع إلى محصل.

قوله تعالى: حَتّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ‌ .

غاية للنفي السابق اي: ان اللّه تعالى ما كان يذر المؤمنين على اشتباه الحال و اختلاط المخلص في الايمان بغيره حتى يفرق بين الخبيث و الطيب فانه لا بد من التمييز لان الأمور لا تستقيم إلا إذا تميز الخبيث من الطيب لان الخبيث لا اهلية له بالاختلاط مع الطيب و لا اهلية له لحمل الأمانة الملقاة على المؤمنين و لا تستقيم حالهم إذا خالطهم الخبيث فانه يعوقهم عن إقامة الحق و يوهن عزائمهم و يعوج لهم الطريق المستقيم فالخبيث بمنزلة المرض الذي يوجب الهلاك و الفناء.

و المراد بالخبيث كل من كان منقادا للشيطان و تابعا لهواه و لم يتنور قلبه بنور الايمان فيسرع الى فعل الموبقات و ارتكاب الآثام و يسعى إلى البغي و الفساد و الانقلاب على الأعقاب.

و الطيب بخلافه و هو المطيع للّه تعالى المخالف لهواه و المتبع للحق.

و يميز - بفتح الياء و كسر الميم و سكون الياء - فعل مضارع و ماضيه ماز، و قرئ بالتشديد فيكون ماضيه ميّز، و هما لغتان بمعنى، كما عن جمع من اللغويين، و ليس التضعيف لتعدي الفعل لأنهما يتعديان إلى مفعول واحد يقال: مرّت الشيء بعضه من بعض أميزه، و ميزته تمييزا و قال بعضهم: مزت الشيء اميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين، فان كانت أشياء قلت ميزتها تمييزا نظير (فرق) فانه إذا جعلت الواحد شيئين يقال: فرقت بينهما (مخففا). و منه فرق الشعر و إذا جعلت بين الأشياء يقال فرقت (مشددا) تقريبا. و امتاز القوم اي تميز بعضهم عن بعض و في الحديث: «من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة».

و الطيب و الخباثة قد ينسبان إلى الذوات، و قد ينسبان إلى الأفعال و الأعمال و الصفات، و لمشيته تبارك و تعالى و ارادته دخل في تمييز الخبيث من الطيب بنحو الاقتضاء كما ان لإرادة العبد أيضا دخلا كذلك، فإذا اجتمعت جميع مقتضيات الخباثة فإلى النار لا محالة، كما إذا اجتمعت جميع مقتضيات الطيب فالى الجنة لا محالة، و المقتضيات في كل واحد منهما كثيرة لا يحصيها الا اللّه تعالى، و لعل تعقيب هذه الآية الشريفة بقوله تعالى: «وَ ما كانَ اَللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ‌» اشارة إلى ذلك.

و طرق تمييز الخبيث من الطيب كثيرة و لا يتعين في طريق خاص فاما الإخبار بالطيبين و الخبثاء و الاطلاع عليهم بالوحي من دون مقاساة الأهوال و البلايا و لكن ذلك خلاف حكمته تعالى فانه لا يطلع على غيبه احد و ما اقتضته السنة الاجتماعية و النظام الأحسن. أو الابتلاء الذي يكشف عن خفايا النفوس و غير ذلك.

و كيف كان فلا بد من تدبير ربوبي و معية قيومية و لا يمكن ان يقوم به غير اللّه تعالى و هو من علم الغيب الذي استأثر اللّه تعالى به نفسه فلا يطلع عليه احد إلا من اجتبى من رسله فيطلعه على ذلك بالوحي و في ذلك يقول تعالى: «وَ ما كانَ اَللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَ لكِنَّ اَللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ‌» .

و التمييز هذا يقترن مع الشدة و الجهاد و بذل الأنفس و الأموال و فيها مقاساة البلاء و مشاهدة مختلف الأهوال و المتاعب و المشاكل الكثيرة و يحتاج الى الصبر و المثابرة، فان جميع ذلك مقدمة للسعادة العظمى و الفوز الأكبر في الدنيا و العقبى، بل مقدمة لوصول العاشق المتيم الى المعشوق الحقيقي و ليست متاعب هذه المرتبة محدودة بحد خاص و درجة مخصوصة و قد وصف علي (عليه السلام) المؤمنين الممتحنين بالامتحان الربوبي في خطبته المباركة الواردة في وصف المتقين بأحسن وصف.

و لكن لا بد ان يعلم ان التمييز الذي يوجب الحمد و استحقاق عظيم الأجر و الثواب انما هو ما كان بالاختيار الحاصل من الايمان باللّه تعالى و رسله، و العمل الصالح و التقوى، فالطيب و الخباثة انما يدوران مدار الأمر الاختياري و هو الايمان و الكفر و لذا كانا أمرين اختياريين، و لعل ذيل الآية الشريفة يرشد إلى ذلك قال تعالى: «فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‌» آل عمران - 179.

قوله تعالى: وَ ما كانَ اَللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ‌ .

اي ان اللّه تعالى لا يليق بحكمته و جلالة شأنه ان يطلع أحدا من عباده على الغيب إلا من يجتبي من رسله من يشاء فيطلعه على الغيب بالوحي.

و المراد بالغيب الشريعة و شؤونها و موارد الامتحان و خصوصياته و درجاته فانه كما عرفت له شأن كبير ليس كل احد أهلا له، بل قيام كل فرد به اختلال النظام و لأن عالم المادة هو عالم الحجب الظلمانية و عالم الغيب مباين له فكيف يمكن ان يطلع المحجوب بالحجب الظلمانية على الغيب المكنون. نعم لو أمكن لعبد ازالة تلك الحجب باختياره لعلم ما لا يعلمه غيره و هو يختص بمقام الأنبياء و المرسلين حيث أشرقت على نفوسهم المقدسة الشوارق الازلية و كانوا أهلا للكمال فعرجوا بهممهم العالية عن الأمور الدنيئة فتتابعت عليهم الفيوضات الإلهية فصاروا قسيمي الجنة و النار.

قوله تعالى: وَ لكِنَّ اَللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ‌ .

اي: ان الطريق الذي اختارته الحكمة الإلهية و الذي يكشف به خبايا النفوس و يتميز الطيب من الخبيث هو ان يرسل اللّه من يجتبيه من رسله و يدعوا الناس الى الايمان باللّه و رسله و الطاعة له و الجهاد في سبيله تعالى و الصبر على الايمان فانه الطريق الذي يميز به الخبيث من الطيب. و قد بين سبحانه و تعالى في موضع آخر من القرآن الكريم ان الحياة الدنيا هي محل الابتلاء قال تعالى: «اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً» الملك - 2.

و الاستدراك في الآية المباركة «وَ لكِنَّ اَللّهَ يَجْتَبِي» لبيان كيفية وقوع التمييز على سبيل الإجمال و اشارة الى امر مهم لا يمكن ان يتصدى له احد الا هو عز و جل و هو الاصطفاء و الاجتباء من عباده للانذار و التبشير و تصديه للتمييز بين الخبيث و الطيب بأمره تبارك و تعالى، و لعل في ذكر اسم الجلالة إيماء الى ان تلك الأمور يتصف بها هو عز و جل لكونه الها.

قوله تعالى: فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ‌ .

أتم بيان للتمييز بين الخبيث و الطيب اي: آمنوا مخلصين في ايمانكم باللّه و رسله الذين اجتباهم تعالى لهدايتكم. و التفريع باعتبار ان الايمان باللّه تعالى و الرسل مادة الطيب و روح الحياة الطيبة كما قال تعالى: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‌» النحل - 97 و هو يدل على ان ثمرة الايمان هي الحياة الطيبة، و المستفاد من ذلك ان الطيب و الخباثة يدوران مدار الايمان و الكفر، و قد امر سبحانه و تعالى باكتساب سبب الطيب و مادته بالاختيار لان الايمان امر اختياري.

قوله تعالى: وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‌ .

إعلام بأن آثار الحياة الطيبة مترتبة على العمل الصالح و الأجر متفرع على الايمان و التقوى بعد بيان أن الايمان روح الحياة الطيبة و هو مادة الطيب فالاجر العظيم المعدّ للمؤمنين انما يكون لمن آمن باللّه تعالى و رسله و اتقى ما يوجب مخالفته عز و جل و هذا ما يدل عليه جملة كثيرة من الآيات الشريفة. و لذا كرر عز و جل الأمر بالإيمان فان الاول كان لدرك طيب الحياة، و الثاني لدرك الأجر العظيم الذي لا يعرف كنهه و خصوصياته الا اللّه تعالى لان الابتلاء عظيم و هو شاق على النفوس فيكون أجره عظيما ايضا.

بحوث المقام

بحث ادبي:

قوله تعالى: «وَ لا يَحْزُنْكَ‌» بفتح الياء و ضم الزاي، فان (يحزن) بفتح الياء و الزاي للقاصر، و بضم الزاي للمتعدي و في المصباح انها لغة قريش و عليها استعمال القرآن الكريم في تسعة موارد منها المقام و اسم المفعول (محزون) في العامة من هذه اللغة.

و شيئا في قوله تعالى: «لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً» واقع موقع المصدر اي شيئا من الضرر و هو يفيد العموم لوقوعه في حيز النفي اي لا واقعا و لا وهما.

و قوله تعالى: «وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ‌» عطف على قوله تعالى: «وَ لا يَحْزُنْكَ‌» و الفعل مسند الى الموصول و (ان) و معمولها ساد مسدّ مفعوليه لحصول المقصود و هو تعليق افعال القلوب بنسبة بين المبتدأ و الخبر، و قيل المفعول الثاني محذوف و (ما) إما مصدرية أو موصولة؛ و الضمير في (نملي) محذوف أو التقدير عليه و كان الحق ان تكتب (ما) في الوجهين مفصولة و لكنها كتبت موصولة في المصاحف، و لعل الوجه هو المشاكلة لما بعده. و «خير» خبر و قرئ «خيرا» بالنصب على ان يكون لأنفسهم هو الخبر. و «لهم» بيان أو حال من «خير» هذا.

و قرئ و «لا تحسبن» بالتاء و الخطاب إما للنبي (صلى اللّه عليه و آله)

أو لكل من يتأتى منه الحسبان فيكون الموصول مفعولا و «انما نملي» بدل اشتمال من «الذين» فيسد مسد المفعولين كما عرفت.

و اللام في قوله تعالى: «ما كانَ اَللّهُ لِيَذَرَ» قيل انها متعلقة بمحذوف هو الخبر و الفعل يذر منصوب بأن مضمرة اي: و ما كان اللّه مريدا لان يذر المؤمنين.

و قيل إن اللام مزيدة للتأكيد و ناصبة للفعل، و الخبر هو الفعل و أشكل عليه بأن الزائدة كيف تعمل و يجاب عنه بانه لا يقدح زيادتها فان الزائد قد يعمل كما في حروف الجر.

و الحق ان اللام لا تكون زائدة بل هي للتأكيد و تنصب الفعل لأنه لا معنى للزيادة في القرآن و لو بحرف واحد كما عرفت.

و «يذر» من يوذر حذفت الواو منها تشبيها لها بيدع و ليست العلة التي أوجبت حذفها موجودة في الأخيرة و لكنها موجودة في «يذر» إذ لم تقع بين ياء و كسرة و لا ما هو في تقدير الكسرة بخلاف (يدع) كما هو معلوم.

و انما فتحت الذال تشبيها بيدع فان الدال فيه فتحت لان لامه حرف حلقي مثل يسع، و يقع، و لم يستعملوا من «يذر» ماضيا و لا مصدرا، و لا اسم الفاعل، استغناء بتصرف مرادفه، و هو يدع.

و من في قوله تعالى: «وَ لكِنَّ اَللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ‌» لتبين الصفة لا التبعيض لان الأنبياء كلهم مجتبون كما في قوله تعالى: «ما يَفْتَحِ اَللّهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ‌» فاطر - 2، و كما في قولك: (عندي عشرون من الدراهم) إذا قصد بالدراهم جنسها دون دراهم معينة، و قد أوضح ذلك الشيخ الرضي في شرح الكافية.

و قيل: إن (من) في المقام لابتداء الغاية و تعميم الاجتباء لسائر

الرسل للدلالة على ان شأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في هذا الباب له اصل اصيل و أمر مبين له و جار على سنة اللّه تعالى الجارية في جميع الرسل (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و لا فرق بين الوجهين من حيث النتيجة لان الأنبياء في كل من الوجهين يكونون من المجتبين للّه تعالى، و لكن الوجه الأخير من الوحدة في الكثرة باعتبار ان مقام سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) مقام جمع الجمع بخلاف الاول فانه بلحاظ الكثرة بنفسها.

و قيل: ان (من) للتبعيض لان الاطلاع على المغيبات مختص ببعض الرسل بما فضل اللّه تعالى به بعضهم على بعض لا بأصل الرسالة و لكنه بعيد عن السياق خصوصا بملاحظة التفريع في قوله تعالى:

«فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ‌» .

و طلع في قوله تعالى: «لِيُطْلِعَكُمْ‌» لازم و متعد يقال: طلعت على كذا، و اطّلعت عليه، و اطلعت عليه غيري فهو لازم و متعد.

بحث دلالي
تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول:

يدل قوله تعالى: «وَ لا يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ» على ان إعراض الناس عن الايمان موجب لحزن سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) و نظير ذلك قوله تعالى: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا اَلْحَدِيثِ أَسَفاً» الكهف - 6 و قوله تعالى: «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اَللّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ‌»

فاطر - 8 فهو الحريص على ايمان الناس جميعهم و الدخول في رحمة اللّه عز و جل و لا يبقى بغي و ظلم على وجه الأرض.

و الآية الشريفة تسلي النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك و ترشده الى الحزن لأنه ليس له الا البلاغ قال تعالى: «فَإِنَّما عَلَيْكَ اَلْبَلاغُ وَ عَلَيْنَا اَلْحِسابُ‌» الرعد - 40، مضافا الى أن المستفاد من الآية الكريمة أن سبب حزنه (صلى اللّه عليه و آله) هو مسارعتهم في الكفر و خوف الإضرار بالمؤمنين، و لذا ورد في علة النهي «إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً» .

الثاني:

يدل قوله تعالى: «إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ شَيْئاً» على كمال عنايته عز و جل بالرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين حيث جعل مضرتهم مضرته عز و جل، و هو يعدهم بأن إضرار الكافرين لا يصل إليهم كما ان اضرارهم لا يصل الى اللّه تعالى فانه الغني عن العالمين و القادر على أن يغني المؤمنين و يعزهم بعزته، و يمنحهم الصبر و يجزيهم الجزاء الأوفى، و يقمع كيد الكافرين و يرده عليهم قال تعالى:

لَهُ مَقالِيدُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌» * الزمر - 63. و من مظاهر استيلاء اللّه تعالى عليهم و عدم إمكان اضرارهم له أن حرمهم اللّه تعالى من حظ الآخرة الذي هو عظيم امره، و أوعدهم العذاب العظيم الذي أعده اللّه تعالى الكافرين جزاء مسارعتهم في الكفر و كانت ارادته تعالى لذلك مستمرة معهم لا تبديل لها و هم اختاروا ذلك.

الثالث:

يدل قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ اِشْتَرَوُا اَلْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اَللّهَ‌» ان كل من اعرض عن الايمان سواء كان من المسارعين في الكفر أم من غيرهم لن يضروا اللّه تعالى و المؤمنين فإنهم معززون بعزته.

و الآية المباركة تدل على كمال غبنهم في هذا التبديل حيث بدّلوا أعز الأشياء و أعظمها و خيرها بأخسّها و أقبحها و شرها و في هذه الحالة كيف يمكن ان يضروا اللّه تعالى و هو القيوم و العزيز الذي لا يضام و العظيم الذي لا يدانيه احد.

و هذه الآيات تدل على أعظم الحقائق الواقعية التي غفل عنها جميع اهل الباطل، فان انغماسهم في المادة و غرورهم في الدنيا و تجبرهم على الحق و اهله أوجبت أن يظنوا باللّه العظيم الظنون الباطلة التي أوقعتهم في المهلكة و الشقاء.

الرابع:

يؤتون خيرا مما أوتوه في الدنيا قال تعالى: «وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً» الكهف - 36.

و قد بين عز و جل في موضع آخر ان هذا الاستدراج من كيده المتين، قال تعالى: «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ‌» * الأعراف - 183 فاعتبر عز و جل أن ذلك الاستدراج من جزاء الكيد الذي اراده الكافرون للّه و للمؤمنين فهو يسوقهم به الى ازدياد الإثم الموجب لاستحقاق العذاب المهين و لا يخرج جميع ذلك عن سنة متقنة جارية في الحياة و هي سنة التكميل و ابتلاء المؤمنين و تمييز الخبيث من الطيب، قال تعالى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ» آل عمران - 186 هذه هي الحقيقة في استدراج الكافرين و بيان الواقع في إملاء اللّه تعالى لهم في الأموال و الأولاد.

الخامس:

يستفاد من التفنن في وصف العذاب في المواضع الثلاثة - بين عظيم و اليم و مهين - ان كل وصف يناسب مضمون الآية التي ورد فيها الوصف، ففي المسارعة في الكفر يكون العذاب عظيما لان الكفر قد خلب لبهم و استولى على جميع احاسيسهم، و اشتد تسرعهم فيه، فكان ذلك عظيما و كان الجزاء كذلك ايضا.

و في اشتراء الكفر بالإيمان يكون العذاب أليما لأنهم تركوا الإيمان و رغبوا في الكفر بسوء اختيارهم فإنهم بعد معرفتهم حقيقة الحال لا بد من تألمهم كما يتألم المشتري المغبون إذا عرف مقدار الغبن الكبير و لا محيص عن دفعه عنه.

و في الإملاء للكافرين يكون العذاب مهينا فإنهم كانوا يتجبرون بما

املاهم اللّه تعالى لهم و يطلبون بذلك العز و الكرامة فآتاهم اللّه عز و جل العذاب المهين و كل ذلك من دقائق الأمور التي لا يعلمها إلا اللّه جلت عظمته.

السادس:

يستفاد من قوله تعالى: «ما كانَ اَللّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ‌» ان التكميل و الابتلاء في طريقه و توارد الآلام و المحن في ابتغائه مما لا بد منه و لا محيص عنه فان من أراد ان يسلك في سلك الطيبين فلا بد له من تحمل البلاء و الصبر عليه.

و تدل الآية الشريفة على ان التمييز بين الخبيث و الطيب في الإنسان منحصر في الايمان باللّه تعالى و التقوى و العمل الصالح، فالدخول في الطيبين طريقه منحصر في الايمان باللّه تعالى و لكن ذلك لا يكفي في نيل الأجر العظيم بل لا بد من البقاء و الاستمرار عليه و حفظ طيبه و هو منحصر في العمل الصالح و التقوى.

و بالجملة: ان من كان مؤمنا بنحو ما اراده اللّه تعالى من العبد فهو من الطيب فإذا وافق العمل الاعتقاد كان طيبا بالذات و بالفعل، و يستتبع ذلك سعادة الدنيا و الآخرة. و من كان غير ذلك فهو خبيث إما اعتقادا أو عملا أو هما معا.

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: «حَتّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ‌» انهما أمران اختياريان لأنهما يدوران مدار الايمان و الكفر و هذه حقيقة قرآنية و يترتب عليها امور مهمة منها جزاء الأعمال، و منها تكشف اسرار التوحيد و لعلنا نتعرض لذلك في موضع مناسب ان شاء اللّه تعالى.

الثامن:

يدل تكرار لفظ الجلالة - في قوله تعالى: «ما كانَ اَللّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ وَ ما كانَ اَللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَ لكِنَّ اَللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‌» ، مع ان الثلاثة الأخيرة من وضع الظاهر موضع المضمر - على ان اللّه تعالى هو مصدر الجلال و الجمال، و ان تلك الأمور التي في الآية الشريفة من مختصات الإله الواحد المتصف بالالوهية و ان الرسل وسائط الفيض.

يدل تكرار لفظ الجلالة - في قوله تعالى: «ما كانَ اَللّهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ وَ ما كانَ اَللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى اَلْغَيْبِ وَ لكِنَّ اَللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‌» ، مع ان الثلاثة الأخيرة من وضع الظاهر موضع المضمر - على ان اللّه تعالى هو مصدر الجلال و الجمال، و ان تلك الأمور التي في الآية الشريفة من مختصات الإله الواحد المتصف بالالوهية و ان الرسل وسائط الفيض.

التاسع:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ ما كانَ اَللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ‌» ان طريق الإنسان الى العلم بالحقائق إنما هو منحصر بالاستدلال، و الحاصل من نصيب العلامات و اقامة البراهين، و انه لا مطمع لاحد في الاطلاع على الغيب فانه منحصر باللّه تعالى و بمن يجتبيهم عز و جل.

و تعقيب هذه الآية الكريمة بقوله تعالى: «وَ لكِنَّ اَللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ‌» يدل على فضل الرسل و مزيتهم على سائر الخلق و قصور رتبة غيرهم عن الاطلاع على الغيب و الوقوف على خفايا الأمور و الأسرار التي لا بد من إصدارها عن طريق الوحي.

العاشر:

الآية الشريفة لا تبين طرق التمييز بين الخبيث و الطيب و إنما تدل على انه من الأمور التي تختص باللّه تعالى و قد بين عز و جل في مواضع اخرى من القرآن الكريم تلك الطرق و لعل ذكر اجتباء الرسل بعد ذلك فيه الدلالة على ان جميع مجاهدات الأنبياء و غزواتهم و حروبهم ليس الا للتمييز بين الخبيث و الطيب، فتكون هذه الآية الكريمة بمنزلة العلة لجميع ما ذكر في غزوة أحد و سائر الغزوات و اللّه تعالى هو العالم بما مضى و بما هو آت.

الحادي عشر:

يدل قوله تعالى: «وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ‌» على ان الايمان لا يكمل الا بالتقوى و ان الأجر انما يكون على حسب الايمان المقترن بالتقوى و العمل الصالح.

بحث روائي

في تفسير العياشي عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له: أخبرني عن الكافر الموت خير له أم الحياة‌؟ فقال (ع): الموت خير للمؤمن و الكافر قلت: و لم‌؟ قال لان اللّه تعالى يقول: «وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ» و يقول: «وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‌» .

أقول: روي قريبا منه في الدر المنثور عن ابن مسعود، و حيث انه ذكر الأبرار في مقابل الذين كفروا صح ان يراد به مطلق المؤمنين لا طائفة خاصة، و يشهد لذلك جملة من الآيات و الاخبار التي وردت في بيان درجات الجنة للمؤمنين.

و في اسباب النزول للواحدي قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «عرضت عليّ امتي في صورها كما عرضت على آدم و أعلمت من يؤمن بي و من يكفر، فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزأوا، و قالوا يزعم محمد انه يعلم من يؤمن به و من يكفر، و نحن معه و لا يعرفنا فانزل اللّه تعالى هذه الآية «وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ‌» .

أقول: على فرض صحة الحديث لا بعد فيه بحسب القواعد العقلية لان المستفيض قابل لجميع أنحاء الاستفاضة و المفيض بالنسبة اليه لاحد لإفاضته، فعرض صور الامة عليه يكون كعرض أعمالها عليه في كل يوم الاثنين و الخميس كما نطقت به الأحاديث.

وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوّ.......

اشارة

وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ وَ لِلّهِ مِيراثُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) لَقَدْ سَمِعَ اَللّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ اَلْحَرِيقِ (181) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اَللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (182) اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ اَلنّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ اَلزُّبُرِ وَ اَلْكِتابِ اَلْمُنِيرِ (184) تضمنت الآيات الشريفة المتقدمة ما يتعلق ببذل النفس في الجهاد في سبيل اللّه تعالى و قد ذكر جلت عظمته فيها ما يرتبط بغزوة احد و ما لاقاه المؤمنون المجاهدون في سبيله عز و جل من البلاء و المحن و ما صدر عنهم فيها من الفشل و الجبن و المخالفة و ما ترتب على ذلك من اللوم و العتاب و الآثار الكبيرة و بيّن سبحانه و تعالى جميع الجهات التي تعلقت

بها، فكانت غزوة أحد درسا عظيما للمؤمنين و فيها من العبر المهمة لهم و حث جلّ شأنه على الرجوع الى الحق و بذل النفس و الصبر و المثابرة و وعدهم الجزاء العظيم، و ذكر الكافرين و المنافقين و بيّن حقيقة الحال فيهم. ثم ذكر تعالى ان إملائه للكافرين ليس إلا استدراجا لهم ليزدادوا إثما و لهم عذاب مهين.

و يذكر عز و جل في هذه الآيات المباركة بعض اقسام الإملاء و الاستدراج و هو الإملاء في جمع المال و ضرب مثلا في الذي يبخل عن إنفاقه في سبيل اللّه تعالى فكان حاله حال إملاء الكافرين و أرشده سبحانه إلى الواقع و بين أشد انواع الوعيد بالنسبة اليه ثم عطف الكلام الى اليهود الذين كانوا مع النصارى موضوع الحوار في هذه السورة و بين خطيئة اليهود و انهم جمعوا كثيرا من صفات السوء و الشر ما لم تجتمع في غيرهم فقد أساءوا الظن باللّه تعالى و كذبوا بآياته عز و جل و نسبوا الفقر اليه و عادوا أنبياء اللّه و كذبوهم و كتموا الحق و الميثاق الذي أخذ منهم و قد أمروا ببيانه، و أوعدهم اللّه تعالى العذاب جزاء اعتقادهم و أعمالهم.

و الآيات المباركة خاتمة الآيات الكريمة التي وردت في غزوة أحد و هي تأمر بالصبر و الثبات و تستنهض الناس الى متابعة الحق و الجهاد في سبيل اللّه و تحرضهم على الانفاق في سبيل اللّه تعالى و الحذر من كيد اليهود، و تسلّي النبي (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين من تكذيبهم.

التفسير

قوله تعالى: وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ‌ .

تحريض على بذل المال في سبيل اللّه تعالى بعد التحريض على بذل النفس في الجهاد، و توكيد لما ذكره عز و جل آنفا من إملاء الكافرين ببيان اظهر مصاديقه و هو الإملاء بالمال، فيكون حال الذين يبخلون بالمال و عدم إنفاقه في سبيل اللّه تعالى كحال الذين املى لهم اللّه تعالى و كلا الفريقين يعيش في الوهم و الخيال و واقع في أعظم الشر في الحقيقة و بيان لحال البخيل و سوء عاقبته و تخطئة لما يتوهمه هو و اهله من دعوى الخيرية ببيان حال الدنيا، و هي ان جملة من معتقداتهم التي يهتمون بها و يرتبون الآثار عليها تكون وزرا عليهم و وبالا في دار القرار و نظير هذه الآية قوله تعالى: «وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ‌» البقرة - 216 فالبخيل عن انفاق المال في سبيل اللّه تعالى و ان كان يجمع المال و هو خير بحسب الظاهر له و لكنه طوق ثقيل يحمله الإنسان في عنقه في الواقع و يظهر ذلك يوم ظهور الحقائق قال تعالى: «وَ اَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ اَلذَّهَبَ وَ اَلْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اَللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ‌» التوبة - 35.

الآيات الشريفة المتقدمة صريحة في تجسم الأعمال كما دلت

عليه الادلة العقلية و النقلية، و التجسيم يحصل بعمل نفس الإنسان و إعداده له كما تدل عليه هذه الآية. على ان الغنى و المال انما هو من فضل اللّه تعالى يؤتيه من يشاء من عباده و فعل المكلف في ذلك انما يكون مقتضيا فيترتب عليه اثر فعله لا اثر فضله جلت عظمته.

قوله تعالى: بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ‌ .

فيه كمال الاحتجاج على الباخلين، و فيه التوبيخ و الذم لهم فان ما يبخلون به إنما هو من عطاء اللّه تعالى و فضله، و الآية الكريمة لا تختص بنوع معين فان عموم قوله تعالى: «بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ‌» يشمل المال و العلم و الجاه و كل فضل من اللّه تعالى يمكن ان ينتفع به الناس فان الامتناع عن بذله و البخل به يكون مرجوحا و تشمله الآية المباركة و في الحديث عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله):

«من سئل عن علم فكتمه ألجم من نار».

قوله تعالى: هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ‌ .

بيان لواقع الحال في ان ما توهموه خيرا انما هو في الحقيقة شر لان ما زعموه في وجه الخيرية في البخل هو حفظ المال لمنافعهم و شؤونهم و هذا في مقابل الشر العظيم المترتب على ذلك عدم محض، و هو يكشف عن رذيلة خلقية و هي رذيلة الشح و سوء الظن باللّه العظيم، و ينبئ عن فسق صاحبه لان فيه خسة المعصية و بعده عن مكارم الأخلاق لأنه يخسر فضيلة الطاعة و حسن السماحة و الرحمة، و الإعانة للضعيف، و التكافل الاجتماعي، مضافا إلى انه موجب للحرمان عن الثواب الجزيل المترتب على البذل و العطاء في سبيل اللّه تعالى و لعله لأجل ذلك جاء النص على كونه شرا مبالغة فيه و دفعا لكل توهم في قوله تعالى:

«بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ‌» مع كفاية ما تقدم في نفي الخيرية على ذلك.

قوله تعالى: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌ .

إخبار عن عواقب الحال و تعليل لكون البخل شرا لهم ببيان ذكر أهم العلل و الآثار. و «سَيُطَوَّقُونَ‌» من الطوق و السين للتأكيد، و المراد به أن ما بخلوا سيتمثل يوم القيامة كالحمل الثقيل الذي يجعل في عنقهم كالطوق فيزيد في تعبهم و فزعهم فوق ما يحملونه من الأوزار فيكون من طوق التكليف (المشقة) لا من طوق التقليد و منه قول الشاعر:

(كل امرئ مجاهد بطوقه) و قد ذكر المفسرون في بيان ذلك وجوها و الظاهر انها ترجع إلى امر واحد و هو تصوير الحمل الثقيل في يوم القيامة و هو إما ان يكون طوقا في التكليف اي تكلفوا ان يأتوا بمثل ما بخلوا أو طوقا على وجه التقليد كالثعبان و به روايات و في الحديث عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «من ظلم شبرا من ارض طوقه اللّه من سبع ارضين» و على اي حال فالمراد به ما ذكرناه.

قوله تعالى: وَ لِلّهِ مِيراثُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌ .

اي: و هم لا يعلمون انهم عن قريب يتركون ما بخلوا به و ما اكتنزوه لأنفسهم فيرثه اللّه تبارك و تعالى الذي له ميراث السموات و الأرض وحده فلا هم ينتفعون به و لا هم ينجون من تبعاته و آثامه يوم القيامة فتبقى الحسرة عليهم و الندامة لهم لا تنفك عنهم.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ .

تهديد و توعيد لهم بانه لا يخفى على اللّه تعالى شيء و هو يعلم

ما يعملون فيجازيهم عليه. و اظهار اسم الجلالة لبيان المهابة و زيادة في التهديد.

قوله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اَللّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ‌ .

بعد أن كان الخطاب عاما يشمل اليهود و غيرهم و بين لهم حقيقة الحال في البخيل و ما يزعمه في ما يدخره و يبخل به.

ذكر سبحانه و تعالى في هذه الآية الشريفة مظهرا آخر من مظاهر سوء الظن باللّه العظيم و البعد عنه عز و جل و هو نسبة الفقر الى اللّه تعالى و هي تنبئ عن ان قائلها لا يعرف اللّه أصلا و لا يخشاه عز و جل.

و القائلون بهذه المقالة هم اليهود بقرينة السياق في تعداد مثالبهم و جرائمهم فهم الذين صدرت عنهم تلك الأقوال البذيئة و الأفعال الشنيعة و السبب في صدور هذا القول منهم متعدد فاما ان يكون تهكما بالقرآن الكريم في قوله تعالى: «مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللّهَ قَرْضاً حَسَناً» * البقرة - 245 أو استهانة بفقراء المؤمنين و تعريضا بفقرهم و فاقتهم، أو استهزاء بالإيمان و اهله، فإنهم عرفوا بالاستهزاء و الوقاحة و الجرأة على اللّه تعالى و الحق. و لا يقدح ان يجتمع جميع تلك الأسباب فيهم كما يأتي في البحث الروائي نقل بعض الروايات.

و انما ذكر عز و جل السماع دون غيره لبيان شناعة القول و فيه التوعيد و التهديد لقائله فهو سماع علم و تهديد و اثبات للعذاب الأليم لهم لا سماع قبول و رضا.

و اما وجه القسم فهو تأكيد لشناعة قولهم و صدوره عنهم فإنهم بمقالتهم هذه كأنهم ينكرون السمع للّه تعالى أو ينكرون المقال أصلا

فأكده عز و جل بالتأكيد القسمي على السماع و ترتب الجزاء على ما سمع.

قوله تعالى: سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ‌ .

تأكيد آخر. اي: نحفظ ما قالوا و نثبته في صحائف أعمالهم لوصول جزائهم إليهم، كما أثبتنا قتلهم الأنبياء بغير حق علما منهم بأنهم أنبياء و ظلما و عدوانا عليهم.

و انما قرن بين قولهم و فعلهم لتثبيت شناعتهما من كل جهة و لبيان فساد كل واحدة منهما و المراد بالكتابة هو الحفظ لأجل الجزاء عليه و السين للتأكيد و الخطاب يدل على عظم ما قالوه.

و في نسبة القتل الى الحاضرين منهم إما لأجل رضائهم بفعل السلف أو لان الامة تستوي في التكافل الاجتماعي و انهم على حد سواء في الأمور العامة التي لا بد من الالتزام بها و مراعاتها، و الاعتراض على من أنكرها، و من تلك الأمور الإنكار على فاعل المنكر من افراد تلك الأمة، و الا كانوا متساوين في الجريمة و استحقاق العذاب و قد تقدم في سورة البقرة ما يتعلق بذلك أيضا فراجع و في الحديث عن الصادق (عليه السلام): «ان بين القائلين ان اللّه عهد إلينا - و هم الذين قالوا: ان اللّه فقير و نحن اغنياء - و بين القاتلين للأنبياء خمسمائة عام، فألزمهم اللّه القتل برضاهم بما فعلوا».

أقول: لعل التقدير بالخمسمائة من باب المثال للكثرة.

قوله تعالى: وَ نَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ اَلْحَرِيقِ‌ .

الذوق معروف و هو ما يكون باللسان لمعرفة طعم الطعام و أصله في ما يقل تناوله دون ما يكثر ثم اتسع استعماله لإدراك سائر المحسوسات و الحالات يقال: ذاق الأمرّين إذا وقع في الشدائد و كابد أحوالها

و قاسى آلامها. و قال بعضهم: إن كلمة (ذق) تستعمل لمن آيس عن العفو، و هي تؤذن بأن ما هم فيه من العذاب و الهوان يعقبه ما هو أشد من ذلك و ادهى.

و الحريق إما بمعنى المحرق فتكون اضافة العذاب اليه بيانية أو تكون الاضافة للسبب لتنزيله منزلة الفاعل فيقال عذاب الحريق النار أو اللهب.

و الانتقام بهذا القول لبيان ان العذاب قد تحقق و وجد و لا يمكن الخلاص منه و هو ينبئ عن كمال الغضب.

و في الآية الشريفة وجوه تدل على المبالغة في الوعيد و الشدة في العذاب، فقد ذكر فيها القول، و العذاب، و الحريق، و الذوق.

قوله تعالى: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‌ .

الاسم (ذلك) إشارة الى العذاب الذي نزل منزلة المحسوس المشاهد لتحققه و لتهويل الأمر و تعظيم شأنه في الفظاظة. و الباء للسببية.

و المراد بالأيدي الأنفس و الأشخاص، و انما ذكرت لأنها آلة للتقديم غالبا و لبيان ان ذلك مما جنته أيديكم و أنتم تتحملون مسؤوليته فتفيد النسبة إلى يد الفاعل الصاق العمل بعامله و تمام مسؤوليته عليه ما لا يفيد غيرها ذلك.

و المعنى: ان ذلك العذاب انما هو بسبب ما قدمتم من العمل و هو الجزاء المختص لهذه النفوس الآثمة الوقحة على اللّه تعالى و رسله.

قوله تعالى: وَ أَنَّ اَللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ .

تعليل لجميع ما تقدم اي: ان ذلك العذاب و الكتابة و الحفظ لأجل ان اللّه تعالى ليس بظلام للعبيد، و يستفاد منه انه لو لم يكن ذلك الحفظ و الجزاء لكان إهمالا لقانون الجزاء المبني عليه النظام

الأحسن، و نفي الظلم الكثير حسب تعدد الأعمال و الجزاء فيكون ظلاما كما أن نفي الظلم عنه عز و جل يستلزم اثبات العدل فيه فهو عدل في حكمه و فعله و جزائه و عذابه.

و هيئة «ظلام» تأتي اما للنسب كعطار، أو للمبالغة، و كلاهما صحيح في المقام اما الاول اي لا ينسب اليه ظلم أصلا لأن من كان على نهاية الكمال و العظمة و كانت كل صفة فيه في أعلى مراتب الكمال لا يعقل الظلم بالنسبة اليه لان الظلم يستلزم النقص و المفروض انتفاؤه فيه جلّ شأنه فلو كان سبحانه و تعالى ظالما كان ظلاما.

و اما الثاني فلان المنفي عنه الظلم الكثير فإذا ترك الظلم الكثير مع زيادة نفعه في حق من يجوز عليه النفع و الضر كان لقليله مع قلة نفعه اكثر تركا و أشد امتناعا. و تقدم آنفا انه يمكن ان يكون التكثير و المبالغة لأجل تعدد الأعمال و الجزاء.

و من ذلك يعلم انه لا وجه للاشكال بأن نفي الظلم ابلغ من نفي الاكثرية لان الأخير لا ينفي أصله، بل ربما يشعر بوجوده. و أنت بعد الاحاطة بما ذكرناه تعلم الجواب عنه فان التعبير بالكثرة لبيان ان ساحته تبارك و تعالى منزهة عن اي ظلم و انه بلغت نزاهته الى حد الكمال و لشدة كماله و تماميته كان الظلم القليل يعد بالنسبة اليه ظلما كثيرا فيصير ظلاّما فكماله المطلق يوجب عدم ثبوته له مطلقا.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ‌ .

الجملة في موضع خفض بدلا من الذين في الآية الكريمة المتقدمة أو نعتا له. و المراد بالعهد هو الأمر و التوصية.

و الآية الشريفة تبين زعما آخر من مزاعم اليهود الفاسدة، فقد

زعموا أن رفضهم الايمان برسول - يدعي برسالة من اللّه تعالى و هم لا يعترفون برسالته حسب اهوائهم - كان بوصية من اللّه تعالى و إطاعة لأمره عز و جل.

و انما قالوا «لرسول» مداهنة و مغالطة و الافهم لا يعترفون برسالة أحد إلا من يعلقون الايمان به على ما قالوه.

قوله تعالى: حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ اَلنّارُ .

القربان: فعلان من القربة و هو يأتي اسما كالبرهان و السلطان و مصدرا كالعدوان و الخسران و هو كل ما يتقرب به الى اللّه تعالى من نعم و غيرها. و أكل النار كناية عن إحراق القربان و احالته إلى رماد و كان ذلك معجزة خاصة تدل على صدق المدعي في دعواه.

و يستفاد من الآية الشريفة و ذيلها انها كانت شائعة عندهم و في بعض الأحاديث انها كانت لأنبياء بني إسرائيل و في قصة ابني آدم دلالة على وقوعها كما حكى اللّه تعالى ذلك في سورة المائدة آية 27.

و ذكر بعض المفسرين ان إحراق القربان كان بفعل أنفسهم و بأيديهم و لم يكن معجزة خارقة للعادة و استشهد ببعض الفقرات من الفصل الاول من سفر اللاويين. و لكن ما ذكره مخالف لظاهر الآية الشريفة بل صريحها في ان إحراق القربان كان بسبب غيبي فهي معجزة دالة على صدق مدعي الرسالة و استشهاده بالتوراة الرائجة غريب جدا فإنها مضافا إلى معلومية تحريفها بحيث لا يبقى مجال للاستشهاد بها معارض بما دل على نزول النار من السماء. و قد كفانا مؤونة الرد عليه شيخنا البلاغي (قدس اللّه نفسه) فراجع.

و كيف كان فهي معجزة خارقة للعادة و هؤلاء زعموا ان ايمانهم

بالرسول (صلى اللّه عليه و آله) متوقف على مجيء النار لتأكل القربان الذي يقدمونه و ما دام الرسول لم يأتهم بذلك فهم لا يؤمنون به إطاعة لأمر اللّه تعالى لهم فيكون طلبهم لهذه المعجزة على سبيل التعنت لا الاسترشاد و لذا جاء الرد عليهم بالتكذيب.

قوله تعالى: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ‌ .

تكذيب لهم في دعواهم على اللّه تعالى و الزام لهم بالإيمان. اي:

قل لهم يا رسول اللّه قد جاءكم رسل من اللّه تعالى قبلي و جاءكم بالبينات الواضحات الدالة على صدق دعواهم و حقية رسالتهم خصوصا ذلك الذي قلتم و هو القربان الذي تأكله النار.

قوله تعالى: فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ‌ .

اي: انكم لم تكتفوا بالعصيان و عدم الايمان بهم بل تجرأتم عليهم فقتلتموهم و هو يدل على خبثهم و جرأتهم على الحق و اهله.

قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‌ .

زيادة تقريع لهم بأنهم كاذبون في ما زعموه و ما نسبوه الى اللّه تعالى فكل ما ذكروه هي من مفتعلاتهم التي أرادوا منها الاعراض عن الايمان مع انه قد أمرهم انبياؤهم بالإيمان بالرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله).

قوله تعالى: فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ‌ .

تسلية للرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) في تكذيبهم له اي:

فان كذبوك يا رسول اللّه مع ما جئت به من الحجج الباهرة و المعجزات الكثيرة فقد كذّبوا رسلا من قبلك جاءوا بمثل ما جئت به فلا تحزن

لكفرهم فإنهم أبوا الا على العصيان و لا تعجب من فساد أمرهم.

قوله تعالى: جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ اَلزُّبُرِ وَ اَلْكِتابِ اَلْمُنِيرِ .

البينات: هي الحجج الباهرات و المعجزات الواضحات، و الزبر جمع زبور و قد ذكر لمادة (زبر) معان متعددة و لكن يمكن جعلها من متحد المعنى - و ما ذكروه انما هو من ذكر المصاديق لا الاختلاف في اصل المعنى - و هو القطع و الفصل يقال: زبرت اي كتبت لان الكتابة تستلزم تقطيع الحروف و الكلمات، و منه زبر الحديد اي قطعها و اجزائها، و منه ايضا زبرت الرجل اي: انتهرته و هو يستلزم قطعه عما زبر عنه.

و المراد بها تلك الكتب التي تشمل على الحكم و المواعظ التي تزجر الإنسان عن المعاصي و تمنعه عن ارتكاب الآثام.

و الكتاب المنير اي المضيء بشرائعه و معارفه و أحكامه، و المراد به جنس الكتاب و هو الكتب المنزلة من السماء لإنارة الطريق و هداية الناس الى الصراط المستقيم: و انما جمع بين الزبر و الكتاب و هما بمعنى واحد لاختلاف اصلهما و الآثار المترتبة عليهما.

بحوث المقام

بحث ادبي:

خيرا في قوله تعالى: «هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ‌» مفعول ثان ليحسبن، و المفعول الاول هو البخل المدلول بقوله تعالى «يَبْخَلُونَ‌»

أو الذي بخلوا به مما آتاهم اللّه. و «هو» ضمير فصل و الفاعل «الذين» هذا بناء على القراءة المشهورة «لا يحسبن» بالياء و اما من قرأ بالتاء فالفاعل هو المخاطب إما النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو من يستحق الخطاب، و «الذين» مفعول أول على تقدير حذف مضاف و اقامة (الذين) مقامه و هو فاصلة و خيرا مفعول ثان.

و الالتفات في قوله تعالى: «وَ اَللّهُ بِما تَعْمَلُونَ‌» الى الخطاب للمبالغة في التهديد لان تهديد العظيم بالمواجهة أشد و قرئ «بما يعملون» بالياء على الغيبة. و انما قال تعالى: «سَنَكْتُبُ ما قالُوا» دون (كتبنا ما قالوا) لان الكتابة في الماضي ربما تحتمل العفو فكان الخطاب الاول ابلغ في الوعيد.

و نظير قوله تعالى: «جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ اَلزُّبُرِ وَ اَلْكِتابِ اَلْمُنِيرِ» قوله عز و جل: «وَ إِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتابِ اَلْمُنِيرِ» فاطر - 25 و لكن الفرق بينهما من جهتين:

الاولى: انه جعل لفظ الماضي و مبني للمجهول في الشرط مقام لفظ المستقبل في آية آل عمران قال تعالى: «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ‌» بخلاف الآية الشريفة الواردة في سورة فاطر فان الشرط فيها بلفظ المستقبل و الفاعل مذكور مع الفعل.

الثانية: ان الآية المباركة في سورة آل عمران قد ذكر فيها (باء) واحدة «بِالْبَيِّناتِ وَ اَلزُّبُرِ وَ اَلْكِتابِ اَلْمُنِيرِ» إلا في قراءة ابن عامر و الآية الشريفة الواردة في سورة فاطر قد ذكر فيها باءات ثلاثة «بِالْبَيِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْكِتابِ اَلْمُنِيرِ» و لعل الوجه في ذلك انه قد ذكر فيها الشرط بلفظ المستقبل و ذكر الفاعل أيضا فاقتضى ذكر الباءات

الثلاثة لبيان ان كل رسول كان من الرسل كان له واحدا من الثلاثة و الآية الشريفة الواردة في سورة آل عمران كان الأمر فيها بيان ان الرسل كان من شأنهم إقامة الحجة على أقوالهم و إعطاء المواعظ الزاجرة و إنارة الطريق بالكتب بمعارفها الفاخرة.

بحث دلالي
تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول:

يدل قوله تعالى: «وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ‌» على ذم البخل و انه من رذائل الأخلاق بل من مهلكاتها فهو يجلب الشر و الشقاء للفرد البخيل و يضر الاجتماع و هو مانع عن الخير و السعادة الفردية و الاجتماعية، و يكفي في بعد صاحب هذه الرذيلة عن الكمال ان اللّه تعالى أوعد على من يبخل من ما تفضل اللّه تبارك و تعالى عليه بأن يجعله في شدة و عذاب و سيتمثل ذلك له حملا ثقيلا يكون كالطوق في عنقه مضافا إلى الفزع الأكبر الذي هو فيه، و قد ترك ما ادخره و ما بخل به فلم يأخذوا منه شيئا و يرثه اللّه تعالى الذي له ميراث السموات و الأرض، فكان ذلك و بالا عليه لم ينتفع به لا في الدنيا و لا في الآخرة.

و البخل تارة يكون عن عدم إعطاء الحقوق الواجبة على الإنسان - كالزكاة و الخمس - و غيرهما. و اخرى يكون عن عدم الانفاق في الجهات الراجحة غير الواجبة و ثالثة يكون عن عدم الانفاق في الأمور المباحة غير المرجوحة شرعا و اطلاق الآية الكريمة يشمل الجميع و سيأتي

في الموضع المناسب تفصيل الكلام في هذه الرذيلة الخلقية ان شاء اللّه تعالى.

الثاني:

يدل قوله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» على تجسم الأعمال و قد دلت عليه الادلة العقلية و النقلية كما عرفت.

و لم يبين سبحانه الطوق الذي يتمثل لهم يوم القيامة في هذه الآية الشريفة لتهويل الأمر، و لاختلافه باختلاف درجات البخل و كمية ما بخل به و سائر خصوصياته و قد ورد في بعض الأحاديث «يطوق ماله شجاعا اقرع» و لعله في مقام بيان احد المصاديق،

الثالث:

يدل قوله تعالى: «وَ لِلّهِ مِيراثُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌» ان كل ما يعطاه الإنسان من مال و جاه و قوة و فضل و علم بل كل ما في الأرض و السموات عرض زائل لا يبقى و صاحبه يفنى و لا وجه للبخل به و استبقاء ما هو فان و زائل، و عليه ان يقرضه الى من يبقى ملكه و يدوم و ان يبذله في المواضع اللائقة له و ما أمره اللّه تعالى به و ما هو مطلوب منه و بذلك قد أدرك رضاء اللّه تعالى فيكون محسنا و اللّه يحب المحسنين.

الرابع:

يدل قوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اَللّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ‌» على ان القائلين بهذه المقالة قد اجتمع فيهم من صفات السوء و خصال الشر ما لم تجتمع في غيرهم من سوء ادب مع اللّه تعالى و الجرأة عليه و تكذيب الرسل و البخل و قتل الأنبياء، و معاندة الحق.

و الآية الشريفة تعدد تلك الخصال و تبين جرائمهم و تندد بها و توعد عليها و تقلل من شأن المتصفين بها في نفوس المؤمنين.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ‌» ان الرضا بالمعصية معصية فمن رضي بقتل الأنبياء بغير حق من متأخري اليهود يكون مع المتقدمين الذين وقع القتل على أيديهم على حد سواء

في المعصية و هم مشتركون في الجزاء و العذاب الحريق. و يدل عليه قوله تعالى: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ‌» فكأن تلك الأفعال المنكرة قد حصلت منهم جميعا مباشرة مع العمد. و يرشدنا اللّه تعالى في مثل هذه الآيات إلى النظر في افعال المتقدمين و العبرة منها و استحسان ما استحسنوه و تقبيح ما فعلوه من القبائح و الا كانوا شركاء معهم في الإثم.

السادس:

يمكن ان يستفاد من قوله تعالى: «وَ أَنَّ اَللّهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ» ان كثرة الظلم انما هو من جهة كثرة ما يجزى على المعاصي الصادرة من العبيد فيكون التعدد و الكثرة بحسب تعدد المتعلق و قد تقدم في التفسير وجه آخر فراجع.

و يستفاد منه انه لا يمكن ان ينسب الظلم اليه تعالى لفرض انه الذات المستجمعة لجميع الكمالات الواقعية و الادراكية و مسلوب عنه جميع النقائص الواقعية و الادراكية و الظلم نقص و اي نقص أشد منه فيمتنع ان ينسب اليه و الا كان خلفا. و هذا البرهان يأتي في كل النقائص الواقعية و الادراكية و لا يختص بالظلم فقط.

و من الآية الشريفة يستفاد بطلان فلسفة اليهود و النصارى و اشتمالها على امور لا تطابق العقل و فسادها أوضح من أن يخفى مع ان الفلسفة الاسلامية قد فتحت عليهم ابوابا من المعارف و الحقائق و لكنهم اعرضوا عنها و حرفوا الكلم عن مواضعه.

السابع:

يدل قوله تعالى: «سَنَكْتُبُ ما قالُوا» على كمال الحفظ لما فيه من أمن النسيان، و فيه من التوعيد ما لا يكون في غيره.

و قد شاع استعمال لفظ الكتابة في التوعيد على الذنب و ارادة العقوبة عليه.

الثامن:

يستفاد من قوله تعالى: «جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ اَلزُّبُرِ وَ اَلْكِتابِ اَلْمُنِيرِ» ان الرسل انما بعثوا بهذه الأمور الثلاثة: البينات

و هي الدلائل الواضحات التي تدل على صدق دعواهم و إثباتها مقابل كيد الكافرين و أباطيلهم. و الزبر و هي المواعظ المشتملة على مكارم الأخلاق و فضائلها و ما يكون موجبا لتهذيب النفس و تطهيرها من الرذائل و المفاسد. و الكتاب المنير المشتمل على اصول المعارف و الاحكام الإلهية التي تهدي الإنسان الى الكمال المنشود و السعادة في الدارين و هو اسم جنس يشمل جميع الكتب السماوية كما تقدم.

و انما ذكرها عز و جل لبيان شدة التنكير و قبح العمل فان الذين كذبوا الرسل انما حرموا أنفسهم من السعادة و ما هو الصالح، و للاعلام بأن جميع المعارف الإلهية و الاحكام الشرعية و الأصول الاعتقادية لا بد و ان تنتهي الى وحي السماء.

بحث روائي

في الكافي عن الصادقين (عليهما السلام) في قوله تعالى:

«سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» قال (عليه السلام): «ما من احد يمنع من زكاة ماله شيئا الا جعل اللّه ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب و هو قول اللّه عز و جل سَيُطَوَّقُونَ - الآية -».

و في تفسير العياشي في قوله تعالى: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ما من ذي مال نخل و لا زرع و لا كرم يمنع زكاة ماله إلا قلدت ارضه في سبع ارضين يطوق بها الى يوم القيامة».

أقول: الأحاديث في مضمون ذلك كثيرة مروية في كتب الفريقين و قد ذكرنا انها من باب المثال لكل ثقل يطوق به في عنق الذي بخل بما تفضل اللّه عليه و ذكر الزكاة و المال انما هو من ذكر أهم المصاديق و إلا فالآية المباركة عامة تشمل مطلق ما تفضل اللّه تعالى على الإنسان و لا بعد في تقليد الأرض في عنق مانع الحق لان تقليل الكثير و تكثير القليل واقعان تحت قدرته فهو يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد.

و في الدر المنثور اخرج ابن المنذر و ابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اَللّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا» قال: «ذكر انها نزلت في حيي بن اخطب لما نزل «مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً‌» قال: يستقرضنا ربنا انما يستقرض الفقير الغني».

أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة و في بعضها ان الذي قال ذلك رجل من اليهود و يقال له فنحاص و كان من علمائهم؛ و في آخر ان الذي قاله هم اليهود لما أتت الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).

و في تفسير العياشي في قوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اَللّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ‌» قال: «و اللّه ما رأوا اللّه حتى يعلموا انه فقير و لكنهم رأوا أولياء اللّه فقراء فقالوا: لو كان غنيا لا غنى أولياءه و فخروا على اللّه بالغنى».

أقول: مثله ما رواه القمي في تفسيره و يستفاد منه ان الأسباب لهذه المقالة متعددة و مقصود اليهود من ذلك معروف و هو تطميع المؤمنين بالمال و الإيحاء إليهم بأنهم هم الأغنياء و المال عندهم فقط فلا ينفعهم الايمان، و يدل على ما ذكرناه ما ورد في المناقب عن الباقر (عليه

السلام) قال: «هم الذين يزعمون أن الامام يحتاج الى ما يحملونه اليه» فلو كان الامام - الذي هو من باب المثال - يحتاج الى مال اليهود فكيف بالمؤمنين و هذا هو أسلوب من الاساليب الخبيثة التي اتبعها اليهود عبر التاريخ لصد الناس عن الايمان بالرسل و الأنبياء.

و قد أبطل سبحانه و تعالى مزاعمهم بأحسن وجه و ابلغ أسلوب، و كل ذلك يدل على عدم فهمهم للكنايات و لوازم الكلمات.

في تفسير القمي في قوله تعالى: «أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ اَلنّارُ» قال: «كان عند بني إسرائيل طست كانوا يقربون القربان فيضعونه في الطست فتجيء نار فتقع فيه فتحرقه فقالوا لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لن نؤمن لك حتى تأتينا بقربان تأكله النار كما كان لنبي إسرائيل فقال اللّه تعالى: قل - لهم يا محمد - «قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‌» .

أقول: الوارد في جملة من كتب التواريخ ان محل قبول القربان كان في بيت المقدس و لعل ذكر الطست مثال لذلك المحل الخاص.

و في الكافي في قوله تعالى: «وَ قَتْلَهُمُ اَلْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ‌» عن الصادق (عليه السلام): «أما و اللّه ما قتلوهم بأسيافهم و لكن أذاعوا أمرهم و أفشوا عليهم فقتلوا».

أقول إذاعة اسرار أنبياء اللّه تعالى أسرع في التسبب الى قتلهم من المباشرة في القتل و لعل ذلك هو السر في بيان الامام (عليه السلام) له.

و في تفسير القمي في قوله تعالى: «فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَ اَلزُّبُرِ وَ اَلْكِتابِ اَلْمُنِيرِ» قال أبو جعفر

(عليه السلام) الزبر هو كتب الأنبياء، و الكتاب المنير الحلال و الحرام».

أقول: يمكن ان يكون ذلك بيانا لبعض المصاديق فلا ينافي ما تقدم في التفسير.

بحث فقهي

الآية الشريفة «وَ لا يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ - الآية -» تدل على حرمة البخل و قبح جمع المال و ادخاره، و لكن المستفاد من مجموع الأدلة الواردة في الكتاب و السنة ان جمع المال و ادخاره ينقسم حسب الاحكام الخمسة التكليفية.

الأول: ما إذا كان واجبا و هو ما إذا جمعه الإنسان لأن يصرفه في النفقات الواجبة - خالقية كانت او خلقية - و هي كثيرة كالانفاق على الأولاد أو إعطاء الدين و غيرهما مما ذكر في الكتب الفقهية.

الثاني: ما إذا كان مندوبا و هو الجمع للصرف في الخيرات و المبرات الراجحة شرعا.

الثالث: ما إذا كان مكروها و هو الجمع و الادخار للإنفاق في الأغراض المرجوحة شرعا غير البالغة حد الحرمة كجملة من الانفاقات التي تنفق لأجل التفاخر بين الناس و المراءاة معهم.

الرابع: ما إذا كان محرما و هو الجمع للصرف في الأغراض المحرمة شرعا.

الخامس: ما إذا كان مباحا و هو ما إذا لم يترتب عليه أية جهة راجحة أو مرجوحة لو لم نقل بأن جمع المال من حيث هو مرجوح

شرعا كما يستفاد من جملة من الأخبار كقول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله). «الدنيا جيفة و طلابها كلاب» و قول مولانا الصادق (عليه السلام): «و اللّه ما تناولت من دنياكم إلا ما اضطررت إليها»: الى غير ذلك مما روي عن المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

بحث عرفاني

جمع المال بلا شوق و محبة اليه غير ممكن لما ثبت في محله ان كل فعل معلول الشوق و المحبة و بدونهما يكون المعلول بلا علة و هو باطل بالضرورة و لا ريب في انه ينافي محبة اللّه تعالى و الشوق اليه و هو من أهم الموانع التي تصد الإنسان عن ذكر اللّه تعالى و القيام بوظائفه الشرعية، و هو من العوائق التي تعيق عن الاستكمال و التخلق بأخلاق اللّه عز و جل اللهم الا ان يكون الجمع لأجل الانفاق في ما يرتضيه اللّه تعالى فيرجع الى حب اللّه تعالى.

و من ذلك يظهر السر في ما ورد في القرآن الكريم من الانفاق في سبيل اللّه تعالى فانه الطريق الأمثل للوصول الى أعلى المقامات و التنزه عن جملة من الرذائل كرذيلة الشح و البخل و نحوهما.

و لكن مع ذلك جمع المال بنفسه من المبعدات عن حظيرة القدس و ساحة الرحمن و لعل السر في كثرة تنزه الأنبياء (عليهم السلام) و الأولياء عن الدنيا هو ذلك.

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنّارِ وَ أُدْخِ.......

اشارة

كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا اَلْحَياةُ اَلدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ اَلْغُرُورِ (185) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ (186) وَ إِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (187) لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ اَلْعَذابِ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (188) وَ لِلّهِ مُلْكُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ (189) رجوع إلى استنهاض الناس إلى الجهاد في سبيل اللّه تعالى و الصبر و المثابرة في ميدان القتال و ان المعركة مع اعداء اللّه تعالى حتمية لا بد منها و اثبات كلمة التوحيد مما لا يمكن التخلّي عنه و الموت الذي يصيب كل ذي حياة لا يمكن الفرار منه فلا بد ان لا يخاف منه و لا يكون حائلا عن تطبيق ذلك الهدف الأسمى و اللّه جلت عظمته يوفي الأجور في يوم يحتاج إليها الإنسان و ليست الدنيا محلها فإنها المتاع الذي يستمتع به الإنسان في ايام قلائل ثم يزول عنها، فهذه الآيات الشريفة تحرض

المؤمنين الى الجهاد بأبلغ أسلوب.

ثم ذكر سبحانه و تعالى ان السنة في هذه الحياة الفانية هي التمحيص و التمييز و الابتلاء و لا يمكن لاحد التخطي عن هذا الامتحان الالهي و هي سنة حتمية لا يمكن الفوز بالسعادة في الدنيا و الآخرة و نيل الأجر الحقيقي و العبودية الكاملة الا مع العبور على هذه القنطرة و الدخول في تلك السنة الربانية.

و قد ذكر عز و جل من الابتلاء ما يناله المؤمنون من اعداء اللّه تعالى من الأذى قولا و العدوان فعلا ثم وعدهم الحسنى ان هم صبروا و اتقوا و هما من عزائم الأمور التي يحتاج إليها كل فرد في مواجهة المشاكل و المكايد.

و أخيرا بين سبحانه و تعالى مفاسد اخلاق اهل الكتاب الذين أمرهم اللّه جلت عظمته ببيان الحق و أخذ عليه الميثاق منهم و لكنهم خالفوه و عاندوه فكتموه و حرفوه و أوعدهم النار و سوء العذاب.

كما بين سبحانه و تعالى ان ما سواه عز و جل هو ملك له يتصرف فيه بما يريد جلت عظمته و بما يشاء و هو على كل شيء قدير لا يمنعه عن ارادته احد.

التفسير

قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌ .

قضية حقيقية طبيعية وجدانية، فان بناء هذا العالم على تجدد الأمثال و تبدل الأحوال، و ان دار الدنيا دار الكون و الفساد و مقتضى ذلك ان

التبدل و الموت و الفناء من مقومات حقيقة هذا العالم و لذا بدأ بالحكم العام المقضي له في حق كل ذي حياة و لا يستثنى من ذلك احد فاصل القضية وجداني لكل ذي حياة. نعم عامة الناس محرومون عن ترتيب الأثر على هذا الأمر الوجداني قال تعالى: «اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ‌» الأنبياء - 1 و في الحديث: «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا».

و الآية الشريفة تنبه الناس الى المصير المحتوم، و تزجرهم عن ما هم عليه من الغفلة و الذهول، و تحرض المؤمنين الى القتال مع اعداء اللّه تعالى، و تبين أن هذه المعركة حتمية فلا ينبغي الخوف لان كل نفس ذائقة الموت، فمن يقعد عن القتال لا ينجو من الموت فلا عذر في القعود، ثم هي توعد الكافرين و المنافقين الذين قعدوا عن القتال فان الموت لا بد منه و هو ملاقيهم و لا مفر منه قال تعالى: «قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ‌» الجمعة - 9 و ليست الدنيا إلا متاعا يستمتع به الإنسان ثم يزول مهما طال الزمن فهم لا بد لهم من الورود على اللّه عز و جل الذي يجازيهم على أعمالهم، فالآية المباركة تتضمن الوعد للمصدق و الوعيد للمكذب.

و هي تسلي النبي (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين بأن حياة الظالمين منتهية لا محالة و سينتهي ما يلاقونه منهم من البلاء و العذاب، و ليس عليكم من أوزارهم شيئا.

و المراد بالنفس ما به الحياة و عمومها يشمل كل ذي حياة من الإنسان و الحيوان و النبات و الملائكة قال تعالى: «فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّماواتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اَللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ‌ يَنْظُرُونَ‌» الزمر - 68 و المنساق من الاستثناء خصوص فرد واحد و هو ملك الموت و لكنه يموت بعد ذلك بمشية الهية كما هو مفصل في الحديث.

و المراد بالنفس ما به الحياة و عمومها يشمل كل ذي حياة من الإنسان و الحيوان و النبات و الملائكة قال تعالى: «فَصَعِقَ مَنْ فِي اَلسَّماواتِ وَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اَللّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ‌ يَنْظُرُونَ‌» الزمر - 68 و المنساق من الاستثناء خصوص فرد واحد و هو ملك الموت و لكنه يموت بعد ذلك بمشية الهية كما هو مفصل في الحديث.

و قد يقال ان الآية المباركة بعمومها تشمل الباري عز و جل لإطلاق النفس عليه قال تعالى حكاية عن عيسى بن مريم: «تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ اَلْغُيُوبِ‌» المائدة - 116. و لكنه فاسد لاختصاص لفظ النفس بالأجسام، و ان النفس التي تضاف اليه عز و جل ليست النفس الاصطلاحية المعروف فان مثل هذه النفس لا يعقل ذوق الموت بالنسبة إليها بل هي بمعنى الذات، و اطلاق النفس عليه جلت عظمته لحسن المشاكلة و مراعاة الفصاحة و البلاغة.

و ذوق النفس للموت باعتبار انفصال تدبيرات النفس عن البدن و مفارقة الروح عنه و لذا عبر سبحانه و تعالى بالذوق لأنه انما يكون عن شعور و هو يختص بالنفس و هي باقية ببقاء اللّه تعالى إما في زمرة السعداء أو في زمرة الأشقياء، و اما البدن فلا شعور و لا احساس له بعد انفصال الروح عنه بالموت و ان كان اصل المادة باقية، و اما الصور فهي تتبدل حسب مرور الدهور و الأيام إلى ان يحشر في يوم القيامة.

قوله تعالى: وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ‌ .

التوفية العطاء الكامل يقال وافاه اجره اي: أعطاه إياه تماما و لم ينقص منه شيئا و في الحديث: «انكم وفيتم سبعين امة أنتم خيرها» اي. تمت العدة بكم سبعين.

و المعنى: من ذاق الموت يوفى اجره تاما سعيدا كان أو شقيا لأن كلا منهما يستحق جزاء عمله و يوفى اجره اليه فنتائج الأعمال لا تنفك عن العامل.

قوله تعالى: يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌ .

القيامة مصدر و يوم القيامة هو وقت قيام الناس لرب العالمين من القبور و الأجداث و انما خصه عز و جل بالذكر لبيان انه مهما نال الإنسان من الأجر فان التوفية انما تكون في ذلك الوقت و للاعلام بأن الأجور فيه هي الأجور الحقيقية التي يستحق الإنسان ان يسعى إليها دون ما يتمتع في الحياة الدنيا فإنها ناقصة فانية، فيستوفي الجميع أجورهم اما الكفار و المنافقون فيأخذون جزاء أعمالهم وافيا من دون عفو و مغفرة من اللّه تعالى و أما المؤمنون فإنهم يستوفون جزائهم في الأجر الذي يعطيهم اللّه تعالى كاملا و أما جزاء السيئات فهو في معرض المسامحة و الغفران.

قوله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ .

تفصيل لتوفية الأجر بعد الإجمال. و الزحزحة تكرير الزح و هو الجذب بعنف و عجلة.

و هذه الآية الشريفة بعبارتها البليغة الموجزة و اسلوبها الجذاب لها الأثر العظيم في نفوس المؤمنين و الوقع الكبير عليهم فان عندها تسكب العبرات و تحل المخاطر و المهالك و تزل فيها أقدام الرجال و تحط دون الوصول إليها الرحال و يشيب في تصور معناها الصغير و يهرم الكبير، فهي تبين هول النار و شدتها و انها تجذب الإنسان إليها بعنف فيحتاج الى الجهد الكبير للابتعاد عنها و الفك من قيودها، و تستوقفنا كلمة (زحزح) فإنها تدل على شدة البلاء و الجهد الكبير و المشقة العظيمة التي لا بد منها في الابتعاد عن النار، فكأن لكل فرد جذورا عميقة في النار لا يمكن بسهولة قلعها إلا مع الزحزحة ببذل جهد عظيم،

و الوجه في ذلك معلوم لان الإنسان محفوف بما يجذبه إلى النار من جهات فان جاذبية الشهوات و النفس الامارة بالسوء اللتين تشدان الناس إلى النار شدا. و الحجب الظلمانية التي حجبت النفس عن الكمال كل ذلك تسوق إلى النار و تدفعه إليها و هي تجذبه إليها جذبا عنيفا، و في الحديث «حفت الجنة بالمكاره، و حفت النار بالشهوات» فكل فرد من افراد الإنسان فيه الموجبات الكثيرة للدخول في النار قال تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا وَ نَذَرُ اَلظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» مريم - 72 بناء على رجوع الضمير إلى النار.

و لذلك لا بد من جهاد مرير و مشقة عظيمة للابتعاد عن دائرة جذبها و الانفلات من إسارها إلى ان يدخل في الجنة فان ذلك هو الفوز العظيم الذي لا نهاية لعظمته إذ لا اجر في الحقيقة غير ذلك و البقية خسران محض لان فيه السلامة من النار و النجاة منها و قد كاد ان يبقى فيها. و السلامة عن المكروه أهم ما يطلبه المرء في جميع الأحوال ناهيك انه يدخل الجنة و يفوز بنعيمها الدائم في دار الخلود.

و ليس الدخول في الجنة قيدا زائدا على الزحزحة عن النار، فانه لا واسطة بينهما، فان النجاة من النار ليس الا الدخول في الجنة كما يستفاد من الآيات الشريفة و السنة المباركة.

و لكن الآية الكريمة تبين معنى دقيقا آخر في الخروج من النار الذي هو مطلوب كل فرد و الدخول في الجنة الذي لا برفوقه فان التعبير بالمجهول في كل من «زحزح و أدخل» يوحى بأن الإنسان لا يتزحزح من قبل نفسه بل هناك أيد خفية تجذب الإنسان جذبا عنيفا لتزحزحه عن النار و تدخله الجنة و لولاها لبقي في النار و هذه الايدي قد مدت في دار الدنيا لتنقذ عباد اللّه من المهالك و المخاطر و من الدخول في النار.

و هي كثيرة كأيدي الرسل و الأنبياء (عليهم السلام)، و كتاب اللّه العظيم، و الاحكام الإلهية، و ايدي الملائكة الذين و كلوا للاستغفار لمن في الأرض و اعانتهم، و أهمها يد اللّه الرحيمة سبحانه و تعالى التي بسطت على جميع خلقه، و الشفاعة العظمى.

قوله تعالى: وَ مَا اَلْحَياةُ اَلدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ اَلْغُرُورِ .

الدنيا مؤنث الأدنى صفة للحياة، و حياة الدنيا هي الحياة السفلى أو القربى و هي الحياة ما قبل الموت التي نعيش فيها و نتمتع بما فيها من الملذات، و قد وصفها اللّه تعالى في القرآن الكريم بأوصاف متعددة جميعها تدل على دنائتها بالنسبة إلى الحياة الآخرة منها انها متاع للغرور لأنها تغرّ صاحبها فيخدع لها فتشغله عن إعداد نفسه إلى الكمال الواقعي.

و المتاع ما يتمتع به الإنسان و ينتفع به، و الغرور هو الخداع، و متاع الغرور اي المتاع الذي يظهر بمظهر جميل ليغتر به المغترون، و الآية المباركة تبين حقيقة الواقع على ما هو عليه.

و الدنيا تضاف تارة الى اللّه و اخرى تلحظ بحسب نفسها، و ثالثة بحسب الأعمال التي تقع فيها.

و الاولى: محمودة لأنه لا يصدر من الخير المحض إلا الخير كما هو معلوم و هذه قاعدة فلسفية أسسها الفلاسفة جميعهم - الطبيعيون منهم و الإلهيون - خصوصا بناء على ملاحظة السنخية بين العلة و المعلول، و لكنا أثبتنا بطلان ذاك بالنسبة إلى الفاعل المختار في احد مباحثنا المتقدمة.

و اما الثانية: فهي أيضا حسنة لا نقص فيها لأنها دار عبادة اللّه تعالى و محل أوليائه و أنبيائه، و مهبط نزول الكتب الإلهية، و مقام إظهار مكارم الأخلاق و تربية الإنسان و إعداد المؤمن نفسه للكمال الذي لا يكون شيء أعز منه في الدارين.

و اما الثالثة: فان الأعمال تارة تكون من المؤمنين السعداء و هي

حسنة و تعد من مفاخر الدنيا و الآخرة و اما من الأشقياء فلا شبهة في مبغوضية أعمالهم السيئة و الدنيا من حيث الاضافة إليها مبغوضة أيضا و بتعبير آخر: الدنيا من هذه الجهة اما ان تكون من النعيم الاخروي يظهر في الدنيا بالوجود المناسب لها و اما من الجحيم، و من هذه الجهة تكون متاع الغرور و بذلك يمكن الجمع بين ما ورد في مدح الدنيا و ما ورد في ذمها.

و كيف كان فانه يستفاد من الحصر الوارد في الآية الشريفة «وَ مَا اَلْحَياةُ اَلدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ اَلْغُرُورِ» ان كل فعل و عمل في هذه الدنيا سواء صدر من الأخيار أو من الفساق الفجار فانه لا محالة محدود لا بقاء له هذا إذا جعلنا عمل الخير من متاع الدنيا، و اما إذا جعلنا من الآخرة في الدنيا كما تقدم آنفا فالحصر مختص بعمل الشر، فالآية المباركة تبين ان الدنيا لا بد ان لا تغر الإنسان بمظاهرها الخلابة فتمنعه عن ذكر اللّه تعالى و الايمان به و العمل الصالح و تكميل نفسه بمكارم الأخلاق و لا يصح ان يجعل متاع الدنيا غاية تمنعه عن الكمال، كأنه لا نهاية له بل هي وسيلة لطلب السعادة و زيادة الأجر، لان الأجر الحقيقي هو ما ذكره عز و جل من الزحزحة عن النار و الدخول في الجنة فلا سعادة وراء ذلك و لا بد من السعي إليها، كما ان الأجر الحقيقي ليس هو أياما في هذه الدنيا يستمتع فيها ثم يزول فيرد على عذاب ابدي لا خلاص منه و ذلك هو الخسران المبين.

قوله تعالى: لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ‌ .

بعد ما ذكر عز و جل جريان سنة البلاء و الابتلاء في المؤمنين و ما يوجب الوهن في عزيمتهم، يبين سبحانه و تعالى في هذه الآية الكريمة

ان ذلك الابتلاء مستمر و سيتكرر من الكافرين و المنافقين و سيلقون منهم الأذى بكل ما يمكنهم، و انما أعلمهم عز و جل به قبل وقوعه ليوطنوا أنفسهم على احتماله فتستعد نفوسهم و يتقبلوا الابتلاء بصبر و عزيمة و رضى فلا يحزنوا على ما يفوتهم من متاع الدنيا، فيكون ترتب هذه الآية الشريفة على سابقتها من قبيل ترتب المعلول على العلة أو المقتضى (بالفتح) على المقتضي (بالكسر) لان من لوازم متاع الغرور الابتلاء بالنسبة الى من هو مؤمن و ليس من اهل الاغترار فلا بد من التمييز و اظهار الثابت على الحق و المطيع عن غيرهما، بل يمكن ان يعد وجود من يهتم بإصلاح نفسه و يطلب وجه اللّه تعالى و الآخرة في دار الغرور ابتلاء و في الحديث: «ان أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» و على هذا يكون ما ورد في هذه الآية الشريفة من قبيل القضايا الحقيقية.

و كيف كان ففي الآية المباركة التسلية للنبي (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين بعد التسلية بقوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» .

و البلاء و الابتلاء بمعنى واحد و هو الاختبار بما يصعب تحمله أو فعله و يأتي في الخير و الشر قال تعالى: «وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ اَلسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‌» الأعراف - 168 و قال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ‌» الأنبياء - 35 و قال تعالى: «فَأَمَّا اَلْإِنْسانُ إِذا مَا اِبْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَ أَمّا إِذا مَا اِبْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ‌» الفجر - 16 و الابتلاء في الأموال و الأنفس هو الوقوع في تكاليف خاصة حسب المصالح، و مثال الاول هو التكاليف الآمرة ببذل الأموال في الصدقات و قضاء الحوائج و ما يتطلبه الدعوة على المؤمن من بذل المال، و ما يفقد

في أثناء الحروب و القتال. و الثاني مثل التكليف ببذل النفس و من يحب من الأهل و الأولاد في سبيل اللّه تعالى و يدخل فيه التسليم للامراض و الآفات.

و انما قدم عز و جل الأموال إما لان الابتلاء فيها اكثر من الأنفس أو لأجل ان تحمل الرزايا فيها أصعب و أشد و في الحديث عن علي (عليه السلام): «ينام الإنسان على الثكل و لا ينام على الحرب» أو على سبيل الترقي إلى الأشرف.

و يدخل في النفس الرزايا في الأولاد و الأهل و من يحبه الإنسان من الأصدقاء. و التأكيد بالقسم المحذوف «لتبلون» للاعلام بان ذلك سنة حتمية لا مفر منها و قد تقدم ما يدل على ذلك في الآيات السابقة.

قوله تعالى: وَ لَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً .

ابتلاء آخر بالأقوال بعد الابتلاء بالافعال و قد ذكره بالخصوص لأهميته. و بيان أن الابتلاء بالعدوان صادر من طائفة خاصة و هم الذين أوتوا الكتاب من قبلكم - اليهود و النصارى - و من الذين أشركوا.

و الأذى: اسم جمع يأتي بمعنى الضرر و العدوان و منه الحديث «ادنى الصدقة إماطة الأذى عن الطريق» و هو ما يؤذي فيها كالشوك و الحجر و النجاسة و غيرها و عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) «كل مؤذ في النار» و هو وعيد لمن يؤذي الناس في الدنيا بعقوبة النار في الآخرة.

و ما ورد في الآية الشريفة من القضايا الفطرية فان من ذكر فيها هم الأعداء للحق و المؤمنين، و ما يلاقيه كل فرد من عدوه من

الأذى معلوم.

و انما ذكر عز و جل «مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ‌» تعريضا بهم بأن من أوتي الكتاب لا ينبغي ان يصدر منه ذلك فانه لا بد ان يكون زاجرا له و يؤكد ذلك ذكر «مِنْ قَبْلِكُمْ‌» و أما ما صدر منهم من الأذى بحق الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و الدين الحق و المؤمنين فهو معلوم و لا يزال يصدر ذلك منهم على مر العصور.

قوله تعالى: وَ إِنْ تَصْبِرُوا وَ تَتَّقُوا .

بيان لاهم ما ينتظم به نظام الدين و الدنيا و هو الصبر على الشدائد و الأهوال و ما يرد عليهم من المكاره و الآفات في الأنفس و الأموال و لو كانت من ناحية التكاليف و المقادير الإلهية.

و التقوى للّه تعالى بالطاعة له عز و جل و باجتناب نواهيه و ما يوجب سخطه، و بهما تستعد النفوس لتلقى الأهوال و الأذى الكثير و العصمة من الوهن و الفشل. كما ان بهما تنال الدرجات العالية و الثواب العظيم فلو تجسم الصبر لكان في احسن مثال و أتم حال كما انه لو تجسمت التقوى في الدنيا لكانت في أفضل نعيم الآخرة. و انما قرن عز و جل بين الصبر و التقوى لما ذكرناه و لبيان ان العمل لا بد و ان ينبعث عن القلب فيكون من عزم الأمور.

قوله تعالى: فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ .

عزم مصدر بمعنى المعزوم يقال: عزم الأمر بالنصب على المفعولية و قيل عزمت على الأمر ايضا. و هو يرجع الى عقد القلب، و الجزم في العمل لما فيه من كمال الشرف و المزية. و عزائم الأمور محكماتها و متقناتها التي لا تصدر الا من ذوى الألباب الذين وصفهم اللّه تعالى

بأحسن أوصاف. و في الحديث: «خير الأمور عوازمها»، و صاحب العزم هو الثابت في الارادة و الكمال و الفضيلة قد اتصف بالفضل و الكمال بحيث نال آخر مقامات الانسانية الكاملة و لو عبر عنه بآخر مقام الوفاء بالعهد و أول مرتبة التفاني في مرضات المعبود لكان حسنا و جديرا و لذا صار الأنبياء العظام من اولي العزم.

و المعنى: ان الصبر و التقوى لهما من الكمال و المزية ما لا يمكن اقتناؤهما بسهولة و يسر بل لا بد من عقد القلب و جزم الارادة عليهما و بصيرة بهما فلا بد من عزيمة لمواجهة كيد الأعداء و المكابرة.

و انما أشار سبحانه و تعالى إليهما بالإشارة البعيدة إيذانا بعلو درجتهما و بعد منزلتهما كما انه عز و جل اتى بالمفرد «ذلك» لبيان انهما متلازمان فلا يتحقق أحدهما بدون الآخر، فان الصبر في الدين للدين يلازم التقوى كما ان التقوى تلازم الصبر و في الحديث: «ان الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد».

قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ‌ .

رجوع الى اليهود و النصارى. و الميثاق - كما تقدم - هو العهد المؤكد و قد تقدم اشتقاق الكلمة في قوله تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثاقَ اَلنَّبِيِّينَ‌» آل عمران - 81 و المراد من الذين أوتوا الكتاب هم اليهود و النصارى، و يحتمل ان يكون اليهود، و انما خصهم بالذكر لأنهم عرفوا بالعناد و كتمان الحق، و انما ذكر إيتاء الكتاب تقبيحا لأفعالهم و تذكيرا لهم بأنهم أهل الكتاب فلا ينبغي ان يصدر منهم ذلك و قد تقدم ما يتعلق بأخذ الميثاق فراجع.

قوله تعالى: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ‌ .

النبذ: الطرح و النبذ وراء الظهر كناية عن الإهمال و عدم الاعتناء لترك العمل، بل هو أشد من الكتمان، و ضده «نصب العين» الذي يكنى به عن الاعتناء بالشيء و الاهتمام به.

و انما نبذوه قضاء لأطماعهم الشريرة و نواياهم الفاسدة و ليكونوا مطلقي العنان في فعلهم و كيدهم فلا يقاومهم احد و لا يستنكر عليهم فلذلك كتموه و اهملوه لئلا يحكم به عليهم.

قوله تعالى: وَ اِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً .

لأنهم آثروا الحياة الدنيا فباعوا الحياة الآخرة بها فهي ممن قليل بالنسبة الى الجزاء الذي أعد لمن بين الكتاب و الحق. و فيه من الذم و التوعيد ما لا يخفى.

و الضمير في (به) يرجع الى الحق الذي وجب بيانه.

قوله تعالى: فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ‌ .

تقبيح لهم و تسفيه لعقولهم فإنهم جعلوا الفاني الزائل بدلا عن النعيم الدائم الباقي، و قد ذكر سبحانه و تعالى في عدة مواضع من القرآن الكريم كتمان الحق و تبديله بالثمن القليل.

قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا .

بيان لبعض الصفات الذميمة التي اتصف بها الذين ذكرهم اللّه تعالى في الآية المتقدمة و هي الفرح بما فعلوه من التحريف و التدليس و كتمان الحق و الظن السوء بأن ذلك شرف لهم و قد من اللّه به عليهم و هو من الفرح

بالباطل، فانه يكشف عن استحكام رذيلة العجب في نفوسهم و الغرور بالفعل، و انما حكى عز و جل هذه الخصلة الباطلة لتحذير المؤمنين منها فإنهم عرضة لذلك.

قوله تعالى: وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا .

صفة اخرى من صفاتهم الذميمة اي: انهم يحبون ان يمدحهم الناس على الذي لم يفعلوه و هو الوفاء بالميثاق و اظهار الحق فإنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك و انما فعلوا نقيضه من كتمان الحق و تحريف الكتاب بما يوافق أهواءهم الباطلة.

و هذه الصفة اكثر ما تكون في العلماء غير العاملين بعلمهم كالرهبان و حفاظ الكتاب فإنهم يحبون ان يحمدوا بالدين و الفضل و حفظ الكتاب و لكنهم في الحقيقة مراءون و لم يفعلوا شيئا مما يرضي اللّه تعالى.

و يستفاد من الآية الشريفة ان حب المحمدة بما لم يفعل باطل و من الصفات الذميمة فانه يكشف عن الغرور و العجب و الرياء و سوء الأخلاق. و أما إذا كان بالحق فهو خلق حسن بل من الأمور الفطرية فان الإنسان يحب المحمدة على الفعل النافع و قد ورد في الكتاب و السنة ما يدل على ذلك قال تعالى محكيا عن نوح: «قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اَللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ‌» الأعراف - 62. و قال تعالى حكاية عن هود: «قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ اَلْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ‌» الأعراف - 68.

و في هذه الآية الشريفة استعمل لفظ الحمد في غير اللّه تعالى، و هذا هو المورد الوحيد في القرآن الكريم، و قد ذكرنا في سورة الفاتحة

انه لم يرد استعمال مادة الحمد في غيره عز و جل إلا في هذا الموضع و تقدم الجواب عن ذلك فراجع.

و نزيد هنا انه يمكن ان يكون لأجل انهم جعلوا أنفسهم حفاظ الشريعة و القائمين بأمور الدين و ورثة الأنبياء فأحبوا لأنفسهم حمد الناس و هذا من مجرد الزعم الباطل و قد ذمهم اللّه تعالى على ذلك حيث لم يصدر منهم فعل اللّه تعالى حتى يستحقوا المدح و الثناء.

و في الآية المباركة التنبيه العجيب للعلماء و إنذار لهم بالاحتراز عما يوجب انطباق مضمون هذه الآية عليهم.

قوله تعالى: فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ اَلْعَذابِ‌ .

بيان لسوء عاقبتهم بعد بيان خستهم في الدنيا، و انما أعاد عز و جل كلمة «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ‌» للتأكيد.

و المفازة مصدر ميمي بمعنى الفوز و النجاة و التاء ليست للوحدة و سمي موضع المخاوف مفازة على جهة التفاؤل. و احتمل بعضهم ان يكون المفازة اسم مكان اي محل فوز فيكون «مِنَ اَلْعَذابِ‌» صفة له لان اسم المكان لا يعمل فيقدر المتعلق خاصا أو عاما.

و لكنه بعيد.

و المعنى: انهم ليسوا بناجين من العذاب بل ليس لهم عذاب محدود. و انما لم يبين عز و جل نوع العذاب لأنه اما ان يكون بما يطابق سجاياهم الفاسدة و ملكاتهم الخسيسة او يكون عذابا إليها ناشئا عن سخطه عز و جل لأنه لا ولاية للحق عليهم بعد ما تعلقت نفوسهم بالباطل و فسدت أخلاقهم.

قوله تعالى: وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‌ .

تأكيد في التوعيد بالعذاب في الآخرة جزاء كفرهم و عنادهم للحق و التنكير في العذاب و وصفه بكونه أليما، لبيان انه لا أمد له و لا نهاية لشدته.

قوله تعالى: وَ لِلّهِ مُلْكُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌ .

تعليل لجميع ما ورد في الآيات السابقة، و احتجاج على من عاند الحق و نسب الفقر اليه تبارك و تعالى.

أي: له تعالى وحده ملك جميع العالم - ما سواه - يتصرف فيه بما يشاء و يريد إيجادا و افناء، و رحمة و عذابا، و هو الذي يملك امر عباده فيدبرهم وفق حكمته المتعالية.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ .

فلا يعجزه شيء، و لا يقهره احد. و من قدرته انه يجازي كل انسان حسب عمله و يعذب الظالمين بظلمهم.

بحوث المقام

بحث ادبي:

كل نفس في قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» مبتدأ، و الابتداء بالنكرة جائز هنا لما فيه العموم، و «ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» خبر. و «كل»

إذا أضيف الى نكرة كان الحكم في الخبر و الإضمار لتلك النكرة، كقوله تعالى «ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» ، و قوله عز و جل «كُلُّ اِمْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ‌» الطور - 21، و قوله تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ‌» الإسراء - 71. و كل رجلين قاما، و كل امرأتين قامتا، فالتذكير و التأنيث و الإفراد و التثنية و الجمع بحسب النكرة التي أضيف إليها كل.

و قرئ «ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» بالتنوين و نصب الموت على الأصل و قرئ «ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» بطرح التنوين مع النصب.

و عزم الأمور في قوله تعالى: «مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ» من اضافة المصدر الى فاعله.

و انما لم يؤكد «وَ لا تَكْتُمُونَهُ‌» بالنون كما في «لتبيننه» للاكتفاء بالتأكيد في الاول.

و قوله تعالى: «لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ‌» الفاعل هو الضمير المخاطب سواء كان الرسول الكريم أو من له أهلية الخطاب. و «اَلَّذِينَ‌» المفعول الأول و المفعول الثاني محذوف لتهويل الأمر، فيقدره المخاطب بما يليق بهم من العذاب و الذم لدلالة مفعولي «تحسبنهم» الآتي عليه.

و أما قوله تعالى: «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ اَلْعَذابِ‌» فقد ذكر فيه المفعول الثاني فالأول (الهاء و الميم)، و الثاني هو «بمفازة» لبيان نوع العذاب الذي حذف في الاول فيكون الفاء للتفريع.

بحث دلالي
يستفاد من الآيات الشريفة أمور:
الاول:

يدل قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» على تجرد النفس و انها غير البدن فهي لا تموت بموته لان الذوق لا يكون الا عن شعور.

و في ذكر هذه الآية الشريفة بعد حكاية احوال المنافقين و الكافرين و المشركين و تكذيبهم للرسل و أذاهم في الفعل و القول التسلية العظيمة و للإرشاد الى تذكر الموت مما يزيل الهموم و الأشجان الدنيوية و لذا أمرنا بزيارة القبور إذا غلبت علينا الغفلة قال تعالى: «أَلْهاكُمُ اَلتَّكاثُرُ حَتّى زُرْتُمُ اَلْمَقابِرَ» التكاثر - 2. و في الحديث «أكثروا ذكر هادم اللذات فانه ما ذكر في كثير إلا قلله و لا في قليل الا كثره» فان ذكر الموت و التفكر فيه يهون كل خطب.

الثاني:

عموم قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» يدل على ان كل ذي نفس لا بد لها من ذوق الموت سواء كانت النفس حيوانية أو نباتية أو من الملائكة، فكل حي لا بد ان يموت إلا اللّه تعالى فانه حي لا يموت و هو الأول و الآخر.

و هذه الآية الشريفة وردت في القرآن الكريم في مواضع متعددة قال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ اَلْخَيْرِ فِتْنَةً وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ‌» الأنبياء - 35. و قال تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ‌» العنكبوت - 57. و تختلف الآية الكريمة التي تقدم

تفسيرها عن الآيات الاخرى في انها قد ذكر فيها توفية الأجر و نوعه و كيفيته فتكون كالتفسير لتلك الآيات المباركة لأنه عز و جل اكتفى بكونه مرجعا للعباد فقال «إِلَيْنا تُرْجَعُونَ‌» .

الثالث:

انما عبر سبحانه و تعالى بالذوق في قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» لبيان ان الموت يسري في جميع البدن كما يسري المذوقات فيه كما إذا شرب سما، و للكناية عن الاحساس بمرارة خروج الروح، و للاعلام بان ذوق الموت شيء و ذات الموت شيء آخر، و لذا ورد في بعض الاخبار ان المقتول يرجع ليذوق الموت و قد تقدم في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي اَلْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَ ما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اَللّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَ اَللّهُ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ اَللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» آل عمران - 156.

الرابع:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا اَلْحَياةُ اَلدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ اَلْغُرُورِ» على إيجازه البليغ المعجز ان لكل نفس جزاء معينا إما خيرا أو شرا. و نوعية الجزاء و انها إما الجنة أو النار، و كيفيته و هي هول النار و شدتها، و راحة الجنة و النجاة فيها.

و انما ذكر عز و جل ذلك عقيب ذلك الحكم الكلي العام المقضي في حق كل نفس للاعلام بأن وراء الموت حياة اخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء و يرى كل منهما جزاء عمله، فان العلم بذلك يهون كل خطب و يسهل كل صعب.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: «إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ‌» ثبوت حياة البرزخ و ان الأرواح فيها إما ان تكون معذبة أو متنعمة

فان التوفية انما تكون في ما إذا سبق بعض العطاء، و ان في يوم القيامة العطاء الوافي الكامل و في الحديث: «القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران».

السادس:

يدل قوله تعالى: «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ» على عظمة الموقف و شدة الهول، فان لكل انسان موقفا في النار لا يمكن إزاحته عنه إلا بعد الزحزحة و مقاساة الشدائد و الأهوال و الصبر عليها حتى يتحقق الفوز و الدخول بالجنة.

و حذف المتعلق في الفوز يفيد العظمة و التعميم، فانه فوز عن كل مكروه و سلامة من كل شدة و نجاة من النار، كما انه الفوز بالمحبوب و الدخول في الجنة و ان فيها النعيم الدائم.

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ مَا اَلْحَياةُ اَلدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ اَلْغُرُورِ» على خسة هذه الحياة في مقابل الحياة الاخرى، و ان في هذه الحياة يتعين مصير الإنسان في العقبى، ففي هذه الحياة تتحقق الزحزحة عن النار و الدخول في الجنة، و في الآية الشريفة الترغيب الى العمل الذي يوجب ذلك و الاعراض عن زخارف الدنيا و مباهجها التي تبعد الإنسان عن كل خير و سعادة فإنها تغره و تلقيه في الشقاء و الخسران.

الثامن:

يستفاد من قوله تعالى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ‌» ان الزحزحة عن النار و الفوز بالجنة و النعيم الدائم لا يتحققان إلا بالبلاء و الابتلاء و الصبر على البلايا و الرزايا و الأذى الكثير و تقوى اللّه تعالى و أن في الصبر و التقوى النجاة فتعتبر هذه الآية الشريفة كالعلة بالنسبة الى الآية السابقة مضافا الى ان الآية المباركة ترغب المؤمنين الى الصبر و التقوى، فإنهما الأساس لكل سعادة.

التاسع:

يدل قوله تعالى: «فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ» على

ان عزائم الأمور هي التي تنجي الإنسان و تهيئه لنيل السعادة و الفوز بالأجر العظيم و قد اهتم سبحانه و تعالى بها فذكرها في مواضع متعددة من القرآن الكريم و جعلها من صفات الأنبياء العظام، فلهذه الأمور التي لا بد فيها العزم منزلة عظيمة و شأن كبير. و قد رغب القرآن الكريم إليها و هي من أهم السبل الى سعادة الإنسان.

العاشر:

يستفاد من قوله تعالى: «إِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ‌» ان بيان الحق و ما أنزله اللّه تعالى في الكتب الإلهية مما أخذ اللّه عليه الميثاق بلا اختصاص له بقوم خاص و ملة معينة و في الحديث عن علي (عليه السلام): «ما أخذ اللّه على اهل الجهل ان يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم ان يعلموا» و بمضمون ذلك وردت أحاديث كثيرة.

و انما أكد سبحانه و تعالى على وجوب البيان بعدم الكتمان لرفع كل التباس من البين، فتشمل الآية الشريفة كل شبهة و تحريف و نفاق، و تزييف فانه قد يتصور متصور انه من البيان للكتاب إذا كان فيه تحريف و تزييف؛ و لكن الآية الشريفة تضع الحد الفاصل في جميع ذلك و تعتبر ان البيان و اظهار الكتاب لا بد ان يكون واضحا و جليا من دون التباس و تحريف.

الحادي عشر:

يستفاد من قوله تعالى: «لا تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا» ذم الفرحين بأفعالهم التي لا تطابق الواقع مع بعدهم عن الحق و يدل على انه رذيلة تنطوي تحتها مساوئ من الأخلاق، فان الفرح الذي لا يكون عن حق و في حق ينبئ عن الغرور و العجب و التجري على المولى و كل ذلك مذموم بل من المهالك.

و أما إذا كان الفرح عن حق فلا ذم فيه، ففي الحديث: «من

سرته حسنة و سائته سيئة فهو مؤمن» و الآية الشريفة لا تختص بطائفة خاصة بل هي تشمل كل من كان فعله مخالفا للواقع إذا فرح بما فعل.

الثاني عشر:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا» ان حب محمدة الناس أمر فطري لا يسع لاحد إنكاره، و ان المذموم منها هو ما إذا لم يكن عن سبب و منشأ صحيح عقلائي في البين فانه يكشف عن غرور صاحبه و جهله بالواقع و اعتماده على النفس الامارة، و يستفاد من قوله تعالى: «بِما لَمْ يَفْعَلُوا» ان كل فعل إذا لم يكن مرضيا للّه تعالى و لم يكن مطابقا لقواعد الشرع، فلا أثر يرجى منه و لا فائدة فيه. فلا موجب للمحمدة بالنسبة اليه فما يصدر من الكافرين و المنافقين و أصحاب الأهواء الباطلة و غيرهم من الأفعال و لم تكن مطابقة للشريعة المطهرة و مرضية عند اللّه تعالى فان حب المحمدة من الناس عليها باطل و لا وجه لها، لأنه لم يصدر منهم شيء يستحق عليه المحمدة و أما إذا كان ذلك بالحق و في الحق، فلا ذم فيه. و في الحديث: «من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق» و هو يدل على ان مطلق الثناء على الأفعال الحسنة ممدوح بل هو من حمد اللّه تعالى، و يمكن ان يكون هذا وجها آخر في استعمال لفظ الحمد في المقام حيث اعتبروا حمدهم من حمد اللّه تعالى و هو عز و جل أبطل مزاعمهم و بيّن انه إذا كان بالحق و في الحق فانه من حمده عز و جل.

الثالث عشر:

يدل قوله تعالى: «فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ اَلْعَذابِ‌» على ان الخصال المذمومة و الملكات الرذيلة سبب للدخول في العذاب و عدم نجاتهم منه فلا بد للإنسان من السعي لتهذيب النفس عنها و جعلها مرآة لمكارم الأخلاق لتجلى اخلاق اللّه تعالى فيها فان في ذلك الفوز و السعادة.

بحث روائي

في الكافي عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «يموت اهل الأرض حتى لا يبقى احد ثم يموت اهل السماء حتى لا يبقى أحد إلا ملك الموت و حملة العرش و جبرائيل و ميكائيل قال: فيجيء ملك الموت حتى يقوم بين يدي اللّه عز و جل فيقال له من بقي - و هو اعلم - فيقول يا رب لم يبق إلا ملك الموت و حملة العرش و جبرائيل و ميكائيل، فيقال له قل لجبرائيل و ميكائيل فليموتا، فيقول الملائكة عند ذلك يا رب رسولاك و اميناك فيقول: إني قد قضيت على كل نفس فيها الروح الموت، ثم يجيء ملك الموت حتى يقف بين يدي اللّه عز و جل فيقال له: من بقي - و هو اعلم - فيقول يا رب لم يبق إلا ملك الموت و حملة العرش فيقول: لحملة العرش فليموتوا ثم قال يجيء كئيبا حزينا لا يرفع طرفه فيقال له من بقي - و هو اعلم - فيقول يا رب لم يبق إلا ملك الموت فيقال له: مت يا ملك الموت فيموت ثم يأخذ الأرض بيمينه، و يقول: اين الذين كانوا يدعون معي شريكا؟ أين الذين كانوا يجعلون معي إلها آخر».

أقول: مثل هذا الحديث كثير و هي تدل على ان كل كائن حي لا بد و ان تنقضي حياته في دار الإمكان لأنه كتب الفناء على الجميع بل لا معنى للإمكان إلا ذلك فتنحصر الحياة في ما هو حي بالذات، و عموم الآية الشريفة «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» يدل على ذلك أيضا.

و في تفسير العياشي عن زرارة عن ابي جعفر (عليه السلام) في

قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ‌» قال (ع): «لم يذق الموت من قتل، و قال: لا بد من ان يرجع حتى يذوق الموت».

أقول: يستفاد من ذلك أمران: الاول: ان ذات الموت شيء و القتل شيء آخر و ان كان القتل سببا له و قد تقدم في الآية الشريفة «وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اَللّهِ تُحْشَرُونَ‌» آل عمران - 158 ما يرتبط بالمقام.

الثاني: الرجعة كما يأتي الكلام فيها مفصلا ان شاء اللّه تعالى.

و في الدر المنثور في قوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» اخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: «لما توفى النبي (صلى اللّه عليه و آله) و جاءت التعزية جاءهم آت يسمعون حسه و لا يرون شخصه فقال: السلام عليكم يا اهل البيت و رحمة اللّه و بركاته «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ اَلْمَوْتِ وَ إِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» إن في اللّه عزاء من كل مصيبة، و خلفا من كل هالك و دركا من كل ما فات، فباللّه فثقوا، و إياه فارجوا، فان المصاب من حرم الثواب، فقال علي (عليه السلام): هذا الخضر».

أقول: لا عجب في حضور الخضر للتسلية بعد حضور سادات الملائكة لأجل ذلك.

و في الكافي عن الصادق (عليه السلام): «خياركم سمحاؤكم و شراركم بخلاؤكم، و من خالص الايمان البر بالإخوان و السعي في حوائجهم و ان البار بالإخوان ليحبه الرحمن و في ذلك مرغمة الشيطان و تزحزح عن النيران و دخول الجنان».

أقول: الحديث يبين بعض مصاديق الزحزحة عن النار و الدخول في الجنة.

و في الدر المنثور اخرج ابن مردويه عن سهل بن سعد قال:

«قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا و ما فيها ثم تلا هذه الآية: فمن زحزح عن النار و ادخل الجنة فقد فاز».

أقول: يبين (صلى اللّه عليه و آله) بعض مراتب الفوز و إلا فهي غير متناه.

و في العلل عن الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى: «لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ‌» قال (عليه السلام): «في أموالكم بإخراج الزكاة و في انفسكم بالتوطين على الصبر».

أقول: ما ورد في الحديث من باب ذكر احد المصاديق.

و في تفسير القمي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى:

«وَ إِذْ أَخَذَ اَللّهُ مِيثاقَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ‌» قال (عليه السلام):

«في محمد (صلى اللّه عليه و آله) «لتبيّننه للناس» إذا خرج و لا تكتمونه «فنبذوه وراء ظهورهم» يقول نبذوا عهد اللّه وراء ظهورهم».

أقول: لا فرق في رجوع الضمير إلى العهد أو الكتاب لتلازم كل منهما مع الآخر.

و في تفسير القمي أيضا في قوله تعالى: «بِمَفازَةٍ مِنَ اَلْعَذابِ‌» عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ببعيد من العذاب».

أقول: لا بأس به لان معنى المفازة النجاة من العذاب و هو يحصل بالبعد عنه.

بحث فلسفي

الحياة و الموت أمران وجدانيان لكل ذي حياة و لكن الكلام في حقيقة الحياة التي لم تكتشف بعد و ان بذل العلماء غاية الجهد في دركها و معرفة حقيقتها و خصوصياتها مع ان آثارها مشاهدة بالحس و درك أصلها وجداني لكل ذي حياة.

كذلك حقيقة الموت فانه و ان كان معلوما لكل ذي حياة سواء كان الموت نباتيا أو حيوانيا أو انسانيا. نعم الذي تدل عليه الكتب السماوية و اقوال المحققين من الفلاسفة ان موت الإنسان ليس انعداما لروحه، بل هو نقل الروح من عالم إلى عالم آخر يرى فيه نتائج اعماله و آثار أفعاله و أقواله هذا بالنسبة إلى موت الإنسان.

و اما بالنسبة إلى موت الحيوان و النبات فهل هو من انتقال الروح إلى عالم آخر من سنخه أو انعدامها كما ينعدم نور السراج باطفائه، أو من قبيل تبدل صورة إلى صورة اخرى مناسبة جوهرا كانت أو عرضا أو غير ذلك. كل ذلك محتمل و لم يرد في الفلسفة القديمة و لا الحديثة شيء يروي الغليل و يشفي العليل، و يمكن اختيار الاحتمال الأخير و القول بالتبدل لما عليه من الشواهد النقلية و التجربية بل العقلية أيضا و يأتي في الموضع المناسب تتمة الكلام ان شاء اللّه تعالى.

بحث عرفاني

يمكن ان يكون المراد من عن النار في قوله تعالى: «فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ اَلنّارِ وَ أُدْخِلَ اَلْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ» نار الشهوات المادية الجسمانية التي هي اصل النار الكبرى و مادتها. و يراد بالجنة جنة التفاني في مرضات اللّه تعالى التي هي أعلى من جنة عدن بمرات كثيرة قال تعالى «وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌» التوبة - 72 فانه لا فوز أعظم من ذلك و ان جميع الممكنات دونه نزر يسير. فتكون الآية الشريفة في مقام بيان حقيقة اولياء اللّه تعالى الذين أماتوا أنفسهم بالاختيار، و استخرجوا النفس الامارة من جحيم الشهوات ففازوا بلقاء اللّه تعالى و شربوا من عيون الحياة المعنوية و استشرقوا بشوارق الأنوار الازلية، و جعلوا متاع الغرور تحت اقدامهم فابتهجوا بابتهاجات غير متناهية في المدة و العدة كما ابتهج العرش الأعلى بوجودهم.

و الآيات الشريفة المتقدمة من آيات السير و السلوك إلى اللّه تعالى فإنها ترشد الإنسان إلى الكمال و تبين ان الوصول اليه صعب المنال فلا بد من الصبر و التقوى و خلع النفس الامارة بالسوء التي لها منابت في النار.

كما انها ترشد المؤمنين إلى التحلي بمكارم الأخلاق و تذكرهم فيها ببعض مساوي الأخلاق التي تبعدهم عن الواقع و توقعهم في المهالك و الردى.

بحث اخلاقي

من أحسّ الرذائل النفسانية حب الثناء و المحمدة بل يعتبره علماء الأخلاق أم الفساد و اصل المهلكات و قد ورد في ذمه شيء كثير من الأحاديث ففي الحديث «احثوا في وجوه المداحين التراب» لان مدح الناس يوجب الغرور و صرف النفس عن نيل الكمال، و لذا ورد انه يستحب ان يقول الممدوح عند سماع المدح: «اللهم اجعلني فوق ما يظنون و اغفر لي ما لا يعلمون» هذا إذا كان منشأ المدح موجودا في الإنسان و الا فالخطب أعظم و الرزء أكبر.

إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبابِ (190) اَلَّذِي.......

اشارة

إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبابِ (190) اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ اَلنّارِ (191) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ اَلنّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (192) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَ تَوَفَّنا مَعَ اَلْأَبْرارِ (193) رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ اَلْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ اَلْمِيعادَ (194)

فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اَللّهِ وَ اَللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ اَلثَّوابِ (195) الآيات الشريفة من جلائل الآيات و اعاظمها التي تدعو الناس إلى التفكر و التدبر و التذكر، و ترشد المؤمنين إلى أهم طريق من طرق السير و السلوك و تعلمهم التربية الحقيقية و هي تطبيق المشاعر الايمانية في سلوك عملي و إبرازها في عمل واقعي.

و سياق الآيات المباركة يدل على انها نزلت من العرش العظيم على قلب الرسول الكريم، و هي تحكي الارتباط التام بين العابد و المعبود و عنايته بالعابد، فإذا اعترف في مقام عبوديته بالقصور و التقصير و التسليم للمعبود تجلّى له بكل ما يطلبه و يبغيه.

و العناية الظاهرة في قوله جلت عظمته «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ‌» مما لا يمكن ان يظهر بلسان و ان جذبات المحبوب لحبيبه في هذه الآيات متوالية، و لو لم يكن لمقام العبودية إلا هذا المقام لكفاه فخرا و عزا.

و قد مدح عز و جل أولي الألباب الذين يذكرون اللّه تعالى و يتفكرون في خلقه و يسلّمون أمرهم اليه سبحانه و تعالى و يقرون له بالطاعة و العبودية فهم عباد ربانيون لا يفترون عن ذكر اللّه تعالى في جميع حالاتهم قياما و قعودا و على جنوبهم يرجون رحمته و ما وعدهم اللّه تعالى على لسان رسله.

و ذكر جل شأنه انه لا يضيع عملهم فهو محفوظ لديه و سيكفّر اللّه تعالى عنهم سيئاتهم و يدخلهم الجنات العظيمة و ذلك جزاء ما لاقوه في سبيله عز و جل من الأذى و ذلك الجزاء العظيم ينتظرهم يوم الحساب.

التفسير

قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌ .

دعوة إلى التفكر في خلق اللّه تعالى بعد بيان ان جميع خلقه ملك له عز و جل و هو على كل شي قدير، فان انضمام هذه الآية الشريفة الى الآيات السابقة يثبت الوحدانية الكبرى و الربوبية العظمى و لذا ترك العطف بينهما، فان في خلق السموات و الأرض الآيات الدالة على قدرته عز و جل و اعتنائه تعالى بخلقهما على ما فيهما من العجائب و البدائع التي ترشد اصناف العباد إلى المبدأ و المعاد و تجذبهم إلى الحي القيوم.

و الآية الشريفة باسلوبها الجذاب و مضمونها الخلاب تدعو الناس إلى النظر و التفكر في الآيات الكونية و تفتح لهم أبواب الفلسفة العلمية و العملية، فان آثار رحمته عز و جل فيها واضحة، و دلالات إحاطته تعالى و قيموميته العظمى الكاملة مشهودة.

و المراد بخلق السموات و الأرض الآيات الكونية المحسوسة التي ظهرت في جميع موجودات السموات و الأرض من الجواهر و الاعراض و العرضيات و الروحانيين و الاملاك و الكواكب و الأفلاك، و ما في الأرض من الآيات الكثيرة في الإنسان و الحيوان و النبات و ما في البر و البحر و الجو، فان فيها الآيات التي تبهر منها العقول و قد بذل الإنسان غاية الجهد

في معرفتها و لم يبلغ معشار ما فيها، و في كل يوم يبرز علما جديدا و معرفة مستجدة و ما جهله اكثر مما علمه بمراتب.

و انما اتى عز و جل لفظ الأرض مفردا لان الأرض التي يعيش عليها الإنسان و يستفيد منها انما هي واحدة كما دلت عليه الادلة العقلية و اما النقلية فسيأتي البحث فيها.

قوله تعالى: وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ .

آية من الآيات الكونية التي يحسها كل أحد و معنى اختلافهما تعاقبهما و مجيء كل واحد منهما عقيب الآخر على حد قوله تعالى: «يُولِجُ اَللَّيْلَ فِي اَلنَّهارِ وَ يُولِجُ اَلنَّهارَ فِي اَللَّيْلِ‌» * فاطر - 13 و اختلاف الليل و النهار يأتي وفق نظام دقيق له آثار كبيرة و خواص عجيبة محسوسة ظاهرة في النباتات و الحيوانات و في الإنسان. و الأعجب من الجميع ان هذا النظام المتسق الموزون في العالم الكياني و ترتيب الفصول يبتني على ذلك الاختلاف، فان ذلك يدل على عظمة الصنع الدالة على عظمة الصانع و علمه و حكمته التامة.

و هذه الآيات الكونية ذات وقع على الحس الانساني لا يمكن لأحد التنصل منها و انما يستفيد كل فرد من افراد الإنسان بمقدار فهمه وجودة فكره.

قوله تعالى: لَآياتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبابِ‌ .

الآيات العلامات و الدلالات التي تدل على عظمة الخالق و وحدته عز و جل و كمال علمه و قدرته و حكمته التامة المتعالية.

و الآيات جمع قلة لكنه يقوم مقام جمع الكثرة و لعل مجيئه لأجل ان الآيات المحسوسة قليلة في جنب ما خفي منها.

و الألباب جمع اللب و هو خالص كل شيء يقال لب يلبّ مثل عضّ يعض و هذه لغة اهل الحجاز و اهل نجد يقولون لبّ يلب على وزن فرّ يفر و في الحديث: «ان اللّه منع بني مدلج لصلتهم الرحم و طعنهم في الباب الإبل» اي خالص ابلهم و كرائمها. و لب العقل ما خلص عن شوائب الأوهام مطلقا.

و قد ورد لفظ اولي الألباب في القرآن الكريم في ما يقرب من ستة عشر موضعا كلها مقرونة بالمدح و الثناء و التعظيم، فقد عرفهم عز و جل بأنهم اصل الهداية و الايمان باللّه تعالى، و التقوى و الطاعة، و الخضوع، و الانابة اليه عز و جل، و هم الذين يتبعون احسن القول و هم اهل الذكر و التذكير و التفكر.

و قد وصفهم تعالى في الآيات التالية بالصفة التي تميزهم و لا يبقى مجال إلى تفسير آخر فهم الذين يذكرون اللّه تعالى في جميع الحالات لا يفترون عن ذكره و هم عباد ربانيون مرتبطون مع عالم الغيب بكل معنى الارتباط علما و عملا و قولا و فكرا و قلوبهم متعلقة به يرجون رحمته و يخافون عذابه.

و انما خص اولى الألباب لأنهم لا يقصرون نظرهم على الماديات و المظاهر الخارجية فقط و لا يوصدون قلوبهم عن الغوص في أعماق الموجودات بل يتفكرون و يتدبرون و يستفيدون منها، فهم يلتفتون بقلوبهم و عقولهم إلى ما في ذلك من الوجوه و الحكم الدالة على الوحدانية و الحكمة و العلم و القدرة.

قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ‌ .

وصف بليغ لأولى الألباب، و شرح لأحوالهم شرحا وافيا فقد

وصفهم تعالى بأوصاف متعددة و هي:

الاول: انهم اهل الذكر في جميع الحالات لا يفترون عن ذكر اللّه تعالى و لا يغفلون عنه في حال. و المراد من «عَلى جُنُوبِهِمْ‌» اي مضطجعين و نظيره قوله تعالى: «دَعانا لِجَنْبِهِ‌» يونس - 12 أي دعانا مضطجعا على جنبه.

و هذا الذكر أعم من الذكر اللفظي و الذكر العملي و هو الصلاة، و قد ورد في بعض الروايات ما يدل على التعميم، فهم يذكرون اللّه جلت عظمته مع حضور القلب، فان الذكر ما كان عن خضوع و خشوع و إنابة و الا لا يسمى ذكرا.

و انما خص تعالى هذه الحالات الثلاثة القيام، و القعود، و على جنوبهم لان الإنسان لا يخلو عن احداها، فيكون المراد ان معظم حركاتهم و سكناتهم في ذكر اللّه تعالى و بذكر اللّه عز و جل و هذا يسير على اولي الألباب لأنهم لا يرون للدنيا قيمة أصلا حتى يجعلوا شيئا للدنيا، فهم في حال كونهم في الدنيا جعلوا الآخرة نصب أعينهم، و هذه هي الفلسفة العملية التي اتعب الفلاسفة و علماء الأخلاق و السير و السلوك أنفسهم فيها و جعلوا لها قواعد و اصولا و افردوا لها كتبا مستقلة و اللّه تبارك و تعالى جمعها في جملة واحدة.

قوله تعالى: وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌ .

وصف ثان لأولي الألباب. اي: انهم ينظرون في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار فيذكرون اللّه تعالى بل يذكرونه في جميع أحوالهم لا يفترون عن ذكره و قد ملأ الايمان قلوبهم و تفكروا في خلق السموات و الأرض مهتدين إلى وحدانيته و حكمته التامة و قدرته

الكاملة و علمه الأتم فاهتدوا إلى ان اللّه تعالى لم يخلقها باطلا و عبثا.

و الآية المباركة تدل على ان الفكر إذا لم يستند على اللب فلم يهتد بنور الايمان و كان عرضة للضلال، فكم ضلت عقول الذين يتفكرون في خلق السموات و الأرض و يغوصون في عجائبها و اسرارها و لكنهم كانوا غافلين عن الخالق العليم المدبر القادر قال تعالى: «وَ ما خَلَقْنَا اَلسَّماءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنّارِ» ص - 27 و لكن أولوا الألباب تفكروا في خلقها و اهتدوا إلى ان اللّه تعالى لم يخلقها باطلا و انها من صنع الإله القادر الحكيم فاكملوا نورانية فكرهم بذلك و اعترفوا بأن الخلق بالحق و في الحق.

و الفكر من أهم خصائص الإنسان و به ينتظم شؤونه و يقوم نظام الدنيا و الآخرة، و قد حثت الكتب الإلهية الناس الى التفكر و التدبر، و وردت مادة (فكر) في القرآن الكريم في اكثر من ستة عشر موضعا جميعها تدل على عظمة هذه النعمة الربانية و الموهبة الإلهية، و هي من الحقائق المعدودة التي يجهلها الإنسان لحد الآن و ان عرف مفهومها فهو من الأمور التي:

مفهومها من اعرف الأشياء و كنهها في غاية الخفاء.

و المعروف بين الفلاسفة انه توجه النفس بمبادئ معلومة ليستنتج منها نتائج مطلوبة تترتب عليها قهرا، و هل هذا الترتب من قبيل الأسباب التوليدية أو انه من مجرد الاقتضاء كما في جميع المقتضيات، أو انه عملية كيمياوية كما يدعيها الماديون، أو انه من مجرد الاتفاق من دون دخل للأسباب في البين، أو انه من الإفاضات الغيبية حفظا للنظام و تسهيلا على الأنام قال بكل جمع من الفلاسفة و ان كان الحق هو الأخير فتكون النتائج الفكرية كالمصابيح الكهربائية التي لا تضيء إلا

مع الاتصال باسلاك تربط بالمحل المولد لتلك القوة، و في الفكر لا بد من الاتصال بالمبدأ الفياض.

و لكن لا يمكن لاحد انكار ان بعض الأقسام منها تكويني بديهي الإنتاج و هذا لا ينافي ما ذكرناه، ففي مثل المقام التفكر في خلق السموات و الأرض يورث التذكر و الإذعان بأنها حادثة و كل حادث يحتاج إلى مؤثر و المؤثر هو اللّه تعالى و لان فيها بدائع من النظم العجيب و الإبداع الفريد و الأسرار و الدقائق و الرموز و الحكمة التي لا يمكن ان تصدر إلا عن عليم حكيم، فلا بد ان يكون الخالق عليما حكيما متصفا بصفات الجمال و الجلال، و هذا النحو من الاستدلال يسمى عندهم بالبرهان الإني اي العلم من المعلول بالعلة و يقابله البرهان اللمي اي العلم من العلة بالمعلول و القرآن الكريم مشحون بالقسمين و يأتي في قوله تعالى: «أَ فِي اَللّهِ شَكٌّ فاطِرِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌» ابراهيم - 10 بعض الكلام ان شاء اللّه تعالى.

و في كلمات المعصومين الشيء الكثير من ذلك قال علي بن الحسين (عليهما السلام): «بك عرفتك و أنت دللتني عليك و دعوتني إليك و لو لا أنت لم أدر ما أنت» و قال (عليه السلام) ايضا: «و ان الراحل إليك قريب المسافة و انك لا تحتجب عن خلقك إلا ان تحجبهم الأعمال دونك» و سئل عن بعض الأولياء فقيل له: ما قدر المسافة بين العبد و معرفة اللّه تعالى‌؟ قال: «قدمان. قدم يضعها على الممكنات و قدم يضعها في مقام العرفان» و سئل آخر عنها؟ فقال: قدم واحدة يضعها على نية نفسه يتجلّى له ربه فان من عرف نفسه فقد عرف ربه» و البحث في ذلك طويل عقلا و نقلا و عرفانا و شهودا.

و يستفاد من الآية المباركة الترغيب إلى التفكر و التدبر و في الحديث

عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة» كما ان المستفاد من الادلة الدالة على حسن التفكر و الحث عليه ان التفكر الحسن المرغوب اليه لا بد ان لا يكون منهيا عنه شرعا ففي الحديث: «تفكروا في آلاء اللّه تعالى و لا تتفكروا في اللّه تعالى» و في حديث آخر «تفكروا في الخلق و لا تتفكروا في الخالق» فان التفكر في المبدأ تعالى لا بد ان يكون من جهة خلقه و صفاته الفعلية و اما التفكر في ذاته المقدسة و صفاته التي هي عين ذاته فلا يفيد إلا تحيرا بل ربما ضلالا و قد ورد في تفسير قوله تعالى: «وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ اَلْمُنْتَهى‌» النجم - 41 انه «إذا انتهى الكلام الى اللّه تعالى فأمسكوا» و اما النظر و التفكر في ما هو منهي عنه شرعا فلا يكون منتجا بل ان تسميته بالفكر مجاز لأنه في الحقيقة و هم باطل أو النكراء أو الشيطنة أو من ايحاء الشيطان قال تعالى: «وَ إِنَّ اَلشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ‌» الانعام - 121 فلا بد للمتفكر ان يتأمل في مقدمات فكره بان لا تبتني على الأوهام و الخيالات، و الا فيحرم من الفيض الأقدس الالهي، و يكون من الذين كان للشيطان عليه سبيلا و كل ما كان الفكر بريئا من الخيال و الأوهام و خاليا من الوسوسة كان إلى الواقع اقرب و الا فانه يؤدي إلى اختلال القوة الفكرية و انطفاء هذا النور الالهي الذي أودعه اللّه تعالى في الإنسان، فلا بد من أن يلتمس سببا صحيحا اليه و هذا من شؤون الأنبياء و المرسلين و من يقوم مقامهم فإنهم يستنيرون بنور اللّه تعالى كما في الحديث «اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور اللّه».

ثم ان الخلق في قوله تعالى: «فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌» إما بمعنى المخلوق فتكون الاضافة إما بمعنى (في) اي يتفكرون في ما خلق في السموات و الأرض أو تكون الاضافة بيانية اي: يتفكرون في

المخلوق الذي هو في السموات و الأرض. أو يكون بالمعنى المصدري اي: يتفكرون في انشائهما و إبداعهما.

و انما لم يذكر سبحانه و تعالى اختلاف الليل و النهار في المقام إما لأجل اندراج اختلاف الليل و النهار في خلق السموات و الأرض فانه من شؤونهما أو لبيان ان اولي الألباب بسبب فكرهم الثاقب بمثابة بحيث إذا تفكروا في بعض الآيات تنسبق الى ذهنهم الآيات الاخرى فتترتب عليها النتيجة لا محالة.

قوله تعالى: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً .

اي: انهم يتفكرون في خلق السموات و الأرض فيبهرون من عظمة الخلق و يعترفون بالعجز و التقصير أمام الخالق العظيم فينطلق لسانهم بالثناء و الدعاء فيقولون: ربنا ما خلقت هذا المخلوق باطلا لأنك العليم الحكيم.

و انما اهتدوا الى هذه الحقيقة الكبرى لأنهم رأوا آثار عظمة الخالق و حكمته فأذعنوا بأن خلقه تعالى بالحق و في الحق و لا يمكن ان يكون هذا الصنع العجيب باطلا و بلا غاية، و هي الرجوع الى اللّه تعالى و ترتب الجزاء إما درجات الجنان التي وعد بها رسوله للصلحاء أو دركات النيران التي هي جزاء الظالمين لأنهم لما اعترفوا بأن خلق الدنيا و ما فيها لم يكن عبثا و باطلا فلا بد ان يكون الرجوع الى اللّه تعالى و الحشر اليه عز و جل و الحساب على ما تحقق في الحياة الدنيا من الأعمال فهناك الثواب و العقاب قال تعالى: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ‌» المؤمنون - 115 و الا كان من العبث الذي يتنزه الخالق منه و الباطل الذي ينفى عن كل عاقل فضلا عن الحكيم المطلق فانطلق لسانهم بالتنزيه و قد ملئت قلوبهم بالدهشة منه و تعاقب عليها

الخوف و الرجاء.

قوله تعالى: سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ اَلنّارِ .

اي: انهم لما بهرتهم عظمة الخالق قالوا «سبحانك» يعنى تنزيها لك من كل ما لا يليق بك و تقديسا لك من الباطل و العبث و هم يستغيثون به من عذاب النار و يتوسلون اليه بالنجاة منه لأنهم علموا بأن الظالمين سيحشرون اليه فيجازيهم على أعمالهم فطلبوا منه التوفيق الى الأعمال التي تقيهم من عذاب النار.

قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ اَلنّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ‌ .

توسل منهم الى اللّه تعالى الذي رباهم ان يجيرهم من النار و مبالغة منهم في استدعاء الوقاية عنها اعترافا منهم بقبح ما يوجب دخول النار و ان ذلك هو الخزي المبين.

و انما قالوا ذلك مبالغة في التضرع الى الرب الذي عودهم على الإحسان و عرفوه بالانعام و الإكرام على خلقه بعد التفكر في مخلوقاته فان آثار الكرم و النعمة عليها ظاهرة.

و أخزيته من الخزي و هو الافتضاح و الإذلال يقال: اخزاه اللّه اي اذله و مقته و الاسم الخزي و يستفاد من الآية المباركة ان الدخول في النار هو أشد انواع الخزي مع قطع النظر عن إحراقه بالنار، لان دخول النار فيه البعد عن لقاء اللّه تعالى و احبائه و الابتلاء بعذاب الفراق و هو أشد و أقوى من العذاب الجسماني.

قوله تعالى: وَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ .

بيان للسبب الموجب لدخولهم في النار. اي: ان الذين يخزون

يدخلون في النار لأنهم ظلموا أنفسهم و الظالم ليس له ناصر ينصره من النار لأنه حرم نفسه من الفيض الالهي و قطعها عن رحمته بالكفر و العصيان، و ان النصر في يوم الجزاء لا بد أن يكون منه تعالى و هو لا يشمل غير المؤمن به عز و جل. و هذا اعتراف منهم بأن الظلم على النفس من أشد أنحاء الظلم و اقرار منهم بأن النصر لا بد ان يكون من اللّه تعالى، و الظالم قد حرم نفسه منه بسبب ظلمه.

و الظلم هنا أعم من الكفر و المعاصي التي توجب الدخول في النار.

قوله تعالى: رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ‌ .

و إنما أكدوا ايمانهم بإيراد لفظ الايمان و مشتقاته ثلاث مرات ليؤهلهم الى الفيض الربوبي، و لبيان ان الايمان شغلهم الشاغل و انهم احبوه و قد ملأ مشاعرهم.

و ذكرهم للرب حثا منهم له عز و جل بالعطف عليهم لأنهم عبيد مربوبون له عز و جل.

و انما اسرعوا الى الايمان بمجرد ان سمعوا المنادي ينادي للايمان باللّه تعالى لأنهم رأوا آثار عظمته في الخلق بعد النظر و التفكر.

قوله تعالى: رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا .

زيادة في التضرع و توجه منهم الى اللّه تعالى بالدعاء لطلب المغفرة و التكفير للسيئات لأنهم آمنوا باللّه تعالى و رسله الذين يخبرون عن اللّه عز و جل بما يوجب سعادتهم و يحذرونهم عن ما يوجب سخطه و عقابه و شقائهم فاعترفوا بالقصور و التقصير و الرهبة مما يصدر منهم من الذنوب داعين - عند من لا يعقل حد لعظمته و رحمته - المغفرة للذنوب و التكفير للسيئات.

و الغفران للذنوب يحصل بالتوبة و الاستغفار عنهما بخلاف التكفير للسيئات فانه ربما يحصل بإتيان الحسنات قال تعالى: «إِنَّ اَلْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئاتِ‌» هود - 114 أو باجتناب الكبائر قال تعالى: «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً» النساء - 31 فيكون التكفير للسيئات أعم من الاستغفار لها.

و المعنى وفقنا للتوبة عن الذنوب و السيئات إما بالاستغفار أو بفعل ما يوجب التكفير عن السيئات.

قوله تعالى: وَ تَوَفَّنا مَعَ اَلْأَبْرارِ .

اي: اجعلنا عند أخذك لنا من هذه الدنيا و انتقالنا من هذا العالم في زمرة الأبرار و في صحبتهم. و الأبرار جمع بار و قيل جمع بر و قد تقدم معناه في الآيات السابقة و للأبرار شأن خاص و منزلة رفيعة عند اللّه تعالى.

قوله تعالى: رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ‌ .

زيادة ترغيب في التقرب الى اللّه تعالى بعد ما أبدوه من الرهبة من المعاصي و الذنوب التي تستوجب النار و دعاء بالثبات و الاستقامة على الايمان فان الثواب مشروط بالموافاة على الايمان.

و المعنى: ربنا و اعطنا ما وعدتنا و ما أنزلته من التبشيرات على رسلك، و في الحقيقة انهم سألوا اللّه تعالى التوفيق للايمان و التقوى و العمل الصالح ليكونوا أهلا لوفاء الوعد لهم و هو الجزاء الحسن الذي أوحاه عز و جل الى رسله.

و من ذلك يعلم الجواب عن ما ذكره بعضهم من انه كيف يسألون اللّه تعالى شيئا قد وعد به و هم يعلمون انه لا يخلف الميعاد.

و هذا الدعاء منهم يدل على نهاية الخضوع و عدم الاعتماد على النفس و الاعتراف بالتقصير و عدم الثقة بالثبات الا بتوفيق منه عز و جل.

و عموم الآية المباركة يشمل الدعاء لتنجيز كل ما وعده عز و جل للمؤمنين سواء في الدنيا أو في الآخرة قال تعالى: «وَعَدَ اَللّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌» التوبة - 72 و قال تعالى: «وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ‌ فِي اَلْأَرْضِ‌» النور - 55 و قال تعالى: «إِنْ تَنْصُرُوا اَللّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ‌» محمد - 7 و غير ذلك من الآيات الشريفة التي تضمنت الوعد و البشرى للمؤمنين.

و عموم الآية المباركة يشمل الدعاء لتنجيز كل ما وعده عز و جل للمؤمنين سواء في الدنيا أو في الآخرة قال تعالى: «وَعَدَ اَللّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌» التوبة - 72 و قال تعالى: «وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ‌ فِي اَلْأَرْضِ‌» النور - 55 و قال تعالى: «إِنْ تَنْصُرُوا اَللّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ‌» محمد - 7 و غير ذلك من الآيات الشريفة التي تضمنت الوعد و البشرى للمؤمنين.

و انما ذكر عز و جل «عَلى رُسُلِكَ‌» لبيان ان ذلك وحي منزل من اللّه تعالى على الرسل و قد تناقله أنبياؤه الكرام (عليهم السلام) خلفا عن سلف و هم شاهدون على ذلك مع ضمانهم لذلك عليه عز و جل.

قوله تعالى: وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌ .

مبالغة في الدعاء و الإلحاح فيه بما استولى عليهم الرهبة.

و المراد بالخزي في المقام هو عدم وفاء الوعد الموعود به المؤمنون بقرينة ذيل الآية المباركة فيستلزم الهلاك و الوقوع في البلية.

و انما خصوا ذلك بيوم القيامة لما فيه من الأهوال العظيمة فطلبوا النجاة منها و عدم الخزي على رؤوس الخلائق فما أشد على من يخال نفسه من المؤمنين في الدنيا و هو في القيامة من المفضوحين يستحيي مما ورد عليه من الذل و الهوان فهذه الفقرة من الدعاء تأكيد للدعاء المتقدم و طلب للنجاة من الخزي و الفضيحة يوم القيامة الذي تظهر نتائج الأعمال فيه.

قوله تعالى: إِنَّكَ لا تُخْلِفُ اَلْمِيعادَ .

ثناء جميل و تمجيد للّه تعالى و تقديس منهم له بما هو حقه، و قد ختموا به دعاءهم ليكونوا على اطمينان بالاجابة فان الدعاء الذي يتضمن التقديس و التمجيد للّه تعالى أقرب الى الاستجابة.

قوله تعالى: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ‌ .

الفاء للترتيب و ما بعده مترتب على السابق ترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة و تدل عليه هيئة الماضي الدالة على تحقق الاستجابة و تقررها و ذيل الآية المباركة «أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ‌» تقرير لقولهم «إِنَّكَ لا تُخْلِفُ اَلْمِيعادَ» .

و الاستجابة هي الجواب مع حصول المقصود و المراد، بخلاف الاجابة فإنها تطلق على مجرد الجواب بالرد ايضا. و هذه الاستجابة تكوينية ذكرها عز و جل لإبراز العناية بالداعين و التلطف معهم. بل ان أولى الألباب بذواتهم القدسية مراتب استجابة اللّه تعالى بجميع أطوارهم و شؤونهم في أي عالم ورد عليهم.

و في ذكر الرب مضافا إليهم دلالة على كمال العطف بهم و اختصاصهم بالرحمة الإلهية.

قوله تعالى: أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ‌ .

زيادة تلطف في الكلام، و كمال تحبب معهم، و الاعتناء بشأنهم و تشريف الداعين بشرف الخطاب و لذلك جاء الالتفات في الكلام بقوله تعالى (اني) للتكلم و الخطاب بقوله جل شأنه (منكم).

و الضياع: بمعنى الهلاك و الابطال اي: اني احفظ لكم أعمالكم و استجب لكم بشرط العمل الصالح.

و الآية المباركة تدل على ان الاستجابة لم تكن الا لأجل العمل فهو المدار فيها، فلم تكن تلك المشاعر الايمانية الصادقة التي لازمت الدعاء كافية في الاستجابة حتى تتحول الى العمل فكانت الاستجابة بالنسبة الى العاملين هي توفية جزاء أعمالهم فتكون هذه الآية الشريفة بيانا

للاستجابة و كيفيتها.

قوله تعالى: مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‌ .

بيان لجنس العامل اي: انه لا يفرق عنده تعالى حينئذ بين الذكر و الأنثى فالجميع بالنسبة الى سبب الاستجابة على حد سواء و ان المناط هو العمل مع الإخلاص سواء كان العامل ذكرا أم أنثى.

قوله تعالى: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ‌ .

بيان لسبب التساوي بين العاملين الذكور و الإناث. و في الآية الشريفة كمال العناية و التحبب و اللطف بهم، اي: انكم في الثواب و التقرب و سائر الصفات و الخصوصيات سواء عندي بعد ان كنتم جميعا من أولي الألباب.

قوله تعالى: فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ‌ .

بيان للأعمال التي يثبت فيها الجزاء الموعود، و تفصيل لما أجمله آنفا بذكر أهم أفراد العمل و أفضلها و لبيان ان المثوبة التي أكد اللّه تعالى عليها في مواضع متعددة من القرآن الكريم لا يمكن ان ينالها احد الا مع العمل، فلا يطمعن احد فيها بدونه.

و لما كانت السورة مشتملة على الجهاد في سبيل اللّه تعالى و المعركة في تثبيت كلمة التوحيد، و إعلاء شأن دين اللّه تعالى كانت الامثلة المضروبة للأعمال الصالحة لها ارتباط بهذا المضمار مع المدح و الثناء و التعظيم. فمنها الهجرة في سبيل اللّه تعالى و إيثار الدين الحق سواء كانت الهجرة عن الشرك أو الوطن أو الذنوب فتكون الهجرة أعم من الإخراج من الديار.

و منها إخراج المؤمنين من ديارهم و أوطانهم ظلما و عدوانا لأنهم آمنوا باللّه تعالى و اعرضوا عن الباطل.

و انما ذكر الهجرة لأنها أشق شيء على النفس فإنها مجبولة على حب الوطن الذي نشأت فيه، و يمكن ان يكون الإخراج من الديار تغييرا للهجرة و تفصيلا بعد إجمال و لكنه بعيد عن ظاهر الآية المباركة و يحتمل ان يكون لبيان ان ترك الديار انما كان عن ظلم و عدوان و أما الهجرة عن الأوطان فلأجل انهم لم يتمكنوا من اقامة الدين.

و الآية الشريفة تبين اهمية الهجرة الى اللّه تعالى و هو يشمل الهجرة اليه عز و جل كما مر سواء كانت مكانية أو زمانية او عملية فالمهاجر عن المعاصي مهاجر اليه جلت عظمته و كذا ورد في بعض الأحاديث «ان المؤمن مهاجر» لأنه يهجر عن المعاصي.

قوله تعالى: وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي .

اي و تحملوا الأذى في سبيل اللّه تعالى و هو يشمل كل ما يصيب المؤمن من المشركين و غيرهم قولا و فعلا.

قوله تعالى: وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا .

اي: و قاتلوا الكفار و المشركين و اعداء اللّه تعالى فقتلوا و استشهدوا في سبيل اللّه تعالى فان من جمع فيه هذه الصفات له المثوبة العظيمة المؤكدة.

قوله تعالى: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ‌ .

اي: من اتصف بتلك الأوصاف لأسترن عليهم سيئاتهم و أمحوها و هي صغائر المعاصي لأنهم تركوا الكبائر و هجروها بالترك أو التوبة.

و يحتمل ان يكون ذلك جوابا عن ما طلبوه من اللّه تعالى: «وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» .

و يحتمل ان يكون ذلك جوابا عن ما طلبوه من اللّه تعالى: «وَ لا تُخْزِنا يَوْمَ اَلْقِيامَةِ‌» .

قوله تعالى: وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ .

أي: و أتفضل عليهم بأن أدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار قد جمعت فيها موجبات البهجة و السرور و هذا هو الذي طلبه الداعون في قولهم «و آتنا ما وعدتنا على رسلك».

قوله تعالى: ثَواباً مِنْ عِنْدِ اَللّهِ‌ .

اي: ان جميع ذلك كانت نتائج أعمالهم و هي محفوظة عند اللّه تعالى.

و إنما قال ذلك عز و جل لأنه أكمل في اللذة و للتنبيه بأنه من عظيم لا نهاية لعظمته.

و انما ذكر اسم الجلالة تنويها بشرفه و كرامته، و ثوابا مصدر مؤكد لما قبله.

و هذه الآية المباركة مبينة لقوله تعالى: «أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ‌» فان الأعمال محفوظة لديه عز و جل و يثيب عليها اللّه تعالى.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ اَلثَّوابِ‌ .

تأكيد لما سبق، و لبيان أن الثواب من رحمة اللّه الواسعة و من فضله العظيم، و للاعلام بأن الثواب قد تشرف بحضرته، و انه محفوظ عنده لا يصيبه الهلاك و الفناء.

و قد ذكر عز و جل في هذه الآية المباركة أمورا ثلاثة: الاول محو السيئات و غفران الذنوب و هو الذي طلبوه في قولهم «رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَ كَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا» و انما لم يذكر عز و جل غفران الذنوب و قال «لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ‌» فقط لأنها غفرت بالهجرة و التوبة.

الثاني: الثواب العظيم و هو الدخول في الجنات التي تجري من تحتها الأنهار و هو الذي طلبوه في قولهم «وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ‌» .

الثالث: ان ذلك ثواب من عند اللّه تعالى لأنه لا يضيع عمل عامل منكم، فالاعمال محفوظة لديه و يكون الثواب نتائج أعمالهم و هذا الثواب مقرون بالتعظيم و التجليل و يكفي في شرفها انه من عند اللّه تعالى.

بحوث المقام

بحث ادبي:

انما حذف العطف بين قوله تعالى: «لِلّهِ مُلْكُ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَللّهُ عَلى كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ» ، و قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ» لان الأخير يبين كمال قدرته و علمه و حكمته في ملكه فهو مؤكد للأول.

و الآيات في قوله تعالى: «لَآياتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبابِ‌» اسم ان و قد دخله اللام لتأخره عن الخبر، و للتأكيد و التنوين فيه للتفخيم اي:

آيات عظيمة.

و قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ‌» في موضع جر نعت لأولي الألباب و يجوز ان يكون في موضع رفع او نصب على المدح.

و قوله تعالى: «قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ‌» منصوب على الحال في يذكرون أو في موضع الحال.

و قوله تعالى: «رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ اَلنّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ‌» انما وضع

الظاهر (النار) موضع المضمر للتهويل.

و الخزي: هو الخسران و قيل انه بمعنى الهلاك او الاهانة او الافتضاح و منه قوله تعالى: «وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي» هود - 78 او الابعاد و لكن جميع ذلك متقاربة.

و النداء: في قوله تعالى «رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ‌» لما كان مخصوصا بما يؤدى له و منتهيا اليه تعدى باللام تارة كما في المقام و اخرى ب‍ (الى) فلا حاجة الى صرف اللام عن ظاهرها و جعلها بمعنى الى او غيرها و قال بعضهم ان جملة ينادي مفعول ثان ل‍ (سمع) و قال آخرون ان سمع تعدت الى واحد و ينادي صفة له و انما حذف المفعول الصريح في «ينادي» إيذانا بالتعميم.

و قوله تعالى: «أَنْ آمِنُوا» إما تفسير لينادي إذا جعل ان مصدرية أو بأن آمنوا فيكون متعلقا ب‍ (ينادي) و قال بعضهم انه بدل من الايمان و لكنه ليس بشيء.

بحث دلالي
تدل الآيات الشريفة على أمور:
الاول:

يدل قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ» على حقيقة من الحقائق الواقعية التي طالما أكد عليها القرآن الكريم في مواضع متعددة بل انها مراده، و هي الاستدلال بآيات اللّه تعالى في مخلوقاته العلوية و السفلية على عبادة اللّه الواحد الأحد و نبذ الشرك و الأنداد و عبادة الآيات الكونية و الخوارق

و هذه هي دعوة الأنبياء و الرسل.

و الآية الشريفة تضمنت المبدأ و المعاد فان قوله تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌» يدعو الى المبدأ المتصف بجميع صفات الكمال من العلم و القدرة و الحياة و الحكمة و الربوبية، و اما قوله تعالى «وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ» فانه يدل على المعاد لما في هذه الآية من الدلالة على القدرة الإلهية و ان اختلاف الليل و النهار لا يخلو من المشابهة للموت و الحياة فالليل فيه الإشارة الى الخمود و السكون و النهار اشارة الى الحركة و الظهور و النشور، و الموت خمود و سكون و الحياة ظهور و حركة. كما ان اختلاف الليل و النهار سنة الهية طبيعية و الموت و الحياة سنة إلهية كذلك.

و من ذلك يعرف السر في تقديم الليل على النهار فان الموت اسبق على الحياة فإنها الإيجاد من العدم.

الثاني:

يستفاد من ذكر اختلاف الليل و النهار بعد خلق السموات و الأرض ان اختلاف الليل و النهار من شؤون خلق السموات و الأرض و تابع له.

الثالث:

يستفاد من قوله تعالى: «لَآياتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبابِ‌» المنزلة العظيمة لأولي الألباب فهم الذين ينظرون في الآيات و يتعمقون فيها و يدركون تلك الآيات الكونية و يستفيدون منها و يعتبرون بها و اما سائر الناس فلا حظ لهم منها إلا المناظر البديعة و ما فيها من الحسن و الروعة و البهجة دون التعمق و الاعتبار.

الرابع:

يدل قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ‌» ان ذكر اللّه تعالى له الأثر الكبير في استفادة ذوي الألباب من آيات اللّه تعالى و له المنزلة العظيمة في الاهتداء به الى

الحقيقة فقد ملأ الذكر جميع مشاعرهم و تمام حالاتهم فلا يغفلون عن اللّه تعالى لأنهم شاهدوا آثار عظمته في خلقه و أيقنوا أن ما سواه من فيض رحمته فاستغرقت سرائرهم في مراقبته فلا يشاهدون حالا من الأحوال في الآفاق و في الأنفس الا و هم يعاينون شأنا من شؤونه و مظهرا من مظاهره تعالى.

و اطلاق الذكر يشمل جميع انحائه من حيث الذات أو الصفات أو الأفعال فكانوا في طاعة اللّه تعالى دائما مما أوجب استعداد أنفسهم لقبول الفيض الالهي.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ‌» ان التفكر الصحيح انما يكون بعد تهذيب الروح و تطهير النفس من الرذائل و ذكر اللّه تعالى إنما يقوم بتلك الوظيفة؛ و لذا قدمه عز و جل على التفكر في خلق السموات و الأرض و هو يعد النفس لهذه الموهبة، و يستفاد من الآية المباركة اختصاص التفكير في السموات و الأرض دون الذات المقدسة لعدم الوصول الى كنه ذاته و قد ورد النهي عن التفكر في الذات، يضاف الى ذلك ان ذكر اللّه تعالى يغني عن التفكر في الذات، و هذه الآية المباركة ترشد الناس إلى التفكر في أفعاله تبارك و تعالى.

السادس:

يمكن ان يراد بالقيام في قوله تعالى: «قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ‌» مطلق القيام بالوظائف العبودية لا خصوص القيام حال الصلاة، فكل من سعى في قضاء حوائج المؤمنين أو في تعظيم شعائر اللّه تعالى، أو في معاش العيال و نحو ذلك مما هو كثير داخل في الآية الشريفة لقوله (عليه السلام): «الكاد لعياله مجاهد في سبيل اللّه» و قوله (عليه السلام): «الكاسب حبيب اللّه» و قوله (عليه السلام)

«جهاد المرأة حسن التبعل» و قوله (عليه السلام): «من سعى في قضاء حاجة كان له اجر الشهيد»، كما يمكن ان يراد بالقعود:

القعود عن كل ما لا يرتضيه اللّه تعالى و عدم الحركة فيه أصلا و ان يراد بالجنوب الحالات الحاصلة للعبد عند التوجه الى القهار العظيم:

و من ترتيب التفكر على ما ذكر في هذه الآية الشريفة يستفادان التفكر الصحيح المنتج انما يكون بعد العمل الصالح و يدل عليه قوله تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اَللّهُ‌» البقرة - 282 و لكن الإنسان غفل عن ذلك كله فجعل نفسه مقيدة بأمور اصطنعها فما أقبح ذلك منه.

السابع:

يستفاد من قوله تعالى: «رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ‌» ان الرب الذي خلق الخلق بهذا النظم العجيب و دبر أمورهم هو حق و لا يصدر منه الا الحق و هو منزه عن الباطل و انى للعقول ان يحيطوا بآثار حكمته، و ان الخلق مهما تفكروا في مخلوقاته فلن يعرفوا حقيقتها و ليس لهم الا الإذعان بانه لم يخلقها باطلا لأنه منزه عنه و هو الحق و لا يصدر منه الا الحق، فان لم يدرك العقل آثار الحكمة و العظمة لا يمكنه انكار هذا الأمر و هو انه لم يخلقه باطلا و يستفاد منه ادب الدعاء و المناجاة مع اللّه تعالى و فيه تعليم المؤمنين كيفية المخاطبة مع اللّه تعالى فلا بد من الثناء و التنزيه و الدعاء و الابتهال.

الثامن:

يستفاد من سياق قوله تعالى: «رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ اَلنّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ‌» العلية و المعلولية اي: ان دخول النار لا يكون الا لأجل ظلم الإنسان على نفسه و لا ناصر للظالم على النفس فيترتب الخزي لا محالة: أما ان دخول النار لا يكون إلا لأجل الظلم فهو معلوم لأنه مترتب على المعصية و الطغيان، و اما انه لا ناصر للظالم على النفس فلانة منحصر في اللّه تعالى لأنه إما الشفاعة أو التوبة و المفروض عدم

تحققهما فلا محالة يترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة.

التاسع:

يستفاد من قوله تعالى: «رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ‌» ان ايمانهم مبني على أمرين أحدهما الدليل العقلي الذي اعتمد على التفكر في خلق اللّه تعالى و الادلة القطعية و الثاني الدليل السمعي عند ما سمعوا المنادي يناديهم الى الايمان باللّه تعالى و هم بعد تأملهم في هذا الدليل السمعي وقعت منهم الاجابة بلا فاصلة و فتور.

و يمكن ان يكون المراد بالسمع هنا الاجابة الحقيقية كما في قول «سمع اللّه لمن حمده» فالمنادى داع الى اللّه تعالى و شاهد على تحقق الدعوة الحقة و بعد فناء العالم ينتفي موضوع الدعوة و تبقى موضوع الشهادة.

و هذه الآية الشريفة على اختصارها تبين المبدأ و المعاد و استدل على الاول بالمعلول على وجود العلة و تسمى هذه الطريقة في الاصطلاح بالبرهان الاني و استدل على الثاني مع قطع النظر عن الملازمة بينهما بالإقرار و الاعتراف الذي هو من أقوى الادلة في القوانين الجزائية.

العاشر:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ تَوَفَّنا مَعَ اَلْأَبْرارِ» ان مقام الأبرار من أعلى المقامات الذي لا مقام أعلى و ارفع عند اللّه تعالى منه قال جل شأنه: «إِنَّ كِتابَ اَلْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ‌ ... يَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ‌» المطففين - 18 و قال تعالى: «إِنَّ اَلْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ‌ ... يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ اَلْمُتَنافِسُونَ‌» المطففين - 22 و يكفي في عظمة شأنهم ان هؤلاء الداعين مع علو شأنهم يطلبون من اللّه تعالى ان يتوفاهم مع الأبرار و يجعلهم معهم. فتكون حالاتهم من سنخ حالات الأبرار، و ان تكون عوالمهم كعوالمهم.

و الحاصل: ان هذه الآية الكريمة تبين ان اولي الألباب هم الذين يكونون مع الأبرار في جميع النشآت و في مرضاة اللّه تعالى و الأبرار

هم شهداء الخلق و قادة أهل الجنة.

الحادي عشر:

يستفاد من قوله تعالى: «بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ‌» ان الجامع بين الجميع - الذكور و الإناث - كونهم من اولي الألباب و هو بمنزلة المادة الواحدة التي تجمع الجميع و الخصوصيات الفردية بمنزلة الصور المتعددة، فتكون (من) نشوية حينئذ اي: ان منشأهم واحد و هو كونهم أولي الألباب و هذه الخصوصية هي التي أوجبت اشتراك النساء مع الرجال في هذا الأمر المهم، و يدل على ذلك قوله تعالى: «وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ اَلْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكاةَ وَ يُطِيعُونَ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اَللّهُ إِنَّ اَللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‌» التوبة - 71 و إذا انتفت هذه الخصوصية كان الآمر على خلاف ما اراده اللّه عز و جل و كذا الأمر في ضد المؤمنين و هم المنافقون كما في قوله تعالى:

«اَلْمُنافِقُونَ وَ اَلْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ وَ يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اَللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ اَلْمُنافِقِينَ هُمُ اَلْفاسِقُونَ‌» التوبة - 67.

الثاني عشر:

يستفاد من قوله تعالى: «فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا» ان اولي الألباب لم يبلغوا تلك المقامات العالية و لم يتصفوا بتلك الصفات الكريمة الا لأنهم تحملوا الأذى في سبيل اللّه تعالى و هجروا المعاصي و الملذات و الأهل و العيال و الديار ليقيموا دين الحق، و جعلوا أنفسهم وفقا لمرضاة اللّه عز و جل فعند ما طلب منهم الشهادة لم يتوانوا في ذلك فقدموها اليه عز و جل و أذعنوا ان سعادتهم انما هي بإقامة دين الحق.

الثالث عشر:

انما لم يذكر سبحانه و تعالى اسماء هذه الطائفة في

الآيات و اقتصر جل شأنه على ذكر حالاتهم و صفاتهم و ابتهالاتهم لأجل انهم القدوة و الأسوة بعملهم و سيرتهم و انهم ينيرون لنا الطريق و ان حالاتهم و ابتهالهم هي طريق السير و السلوك الى اللّه تعالى:

بحث روائي
اشارة

الآيات الشريفة من جلائل الآيات القرآنية و قد تضمنت مضامين عالية في التوحيد و العرفان و اعتبرها علماء السير و السلوك من أهم الآيات التي وردت في هذا الطريق و نحن نذكر ما وردت في فضلها من الروايات ثم ما وردت في تفسير المفردات منها.

فضل الآيات:

في المجمع عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) انه لما نزلت هذه الآيات قال: (صلى اللّه عليه و آله): «ويل لمن لاكها بين فكيه و لم يتأمل ما فيها».

و في تفسير البرهان عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال:

«ويل لمن قرأ الآية ثم مسح بها شبكته» اي تجاوز عنها من غير فكر فيه و ذم المعرضين عنها.

و في التهذيب عن معاوية بن وهب قال: «سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول في صلاة النبي (صلى اللّه عليه و آله): «كان يؤتى بطهور

فيخمر عند رأسه، و يوضع سواكه تحت فراشه ثم ينام ما شاء اللّه فإذا استيقظ جلس ثم قلب بصره في السماء ثم تلا الآيات من آل عمران: «إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبابِ‌» ثم يستن و يتطهر، ثم يقوم الى المسجد فيركع اربع ركعات على قدر قراءة ركوعه و سجوده على قدر ركوعه، و يركع حتى يقال متى يرفع رأسه و يسجد حتى يقال متى يرفع رأسه ثم يعود الى فراشه فينام ما شاء اللّه ثم يستيقظ فيجلس فيتلوا الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء ثم يستن و يتطهر و يقوم الى المسجد و يصلي الأربع ركعات كما ركع قبل ذلك ثم يعود الى فراشه فينام ما شاء اللّه ثم يستيقظ و يجلس و يتلو الآيات من آل عمران و يقلب بصره في السماء ثم يستن و يتطهر و يقوم الى المسجد فيوتر و يصلي الركعتين ثم يخرج الى الصلاة».

أقول يستفاد من الرواية فضل الآيات المباركة و اهميتها لأنه (ص) كان يكرر قراءتها و يواظب عليها.

و في الدر المنثور اخرج ابن حيان في صحيحه و ابن عساكر و غيرهما عن عطاء قال: «قلت لعائشة اخبرني بأعجب ما رأيت من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قالت: و أي شأنه لم يكن عجبا؟!! إنه أتاني ليلة فدخل معي في لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي، فقام فتوضأ ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى، ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقال يا رسول اللّه ما يبكيك و قد غفر اللّه تعالى لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟! قال (صلى اللّه عليه و آله):

ا فلا أكون عبدا شكورا و لم لا افعل‌؟ و قد انزل اللّه تعالى عليّ في

هذه الليلة: «إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبابِ اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ اَلنّارِ» ثم قال: (صلى اللّه عليه و آله) ويل لمن قرأها و لم يتفكر فيها».

و في الدر المنثور أيضا عن علي (عليه السلام): «انه (صلى اللّه عليه و آله) إذا قام تسوك ثم ينظر الى السماء ثم يقول «ان في خلق السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب».

و اخرج الشيخان، و أبو داود، و النسائي و غيرهم عن ابن عباس قال: «بت عند خالتي ميمونة فنام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حتى انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده بقليل ثم استيقظ فجعل يمسح النوم عن وجهه بيديه، ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة آل عمران حتى ختم».

أقول: الروايات متفقة المضمون على جلالة هذه الآيات و الاهتمام بشأنها و كثرة التدبر في مضامينها و الحث في الإتيان بها في أهم الأوقات و هو السحر الذي يكون الدعاء فيه اقرب الى الاستجابة و القبول.

تفسير مفردات الآيات:

في الكافي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أفضل العبادة إدمان التفكير في اللّه تعالى و في قدرته».

أقول: المراد بالتفكر في اللّه تعالى التفكر في خلقه و صفاته لا

التفكر في الذات فانه منهي عنه و لا يوجب الا التحير قال تعالى:

«وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» طه - 110 و عن علي (عليه السلام):

«تاهت العقول في كنه معرفته» و اما التفكر في الصفات و الأفعال فقد ورد في الأمثال الكثيرة و السنة الشريفة الحث عليه قال تعالى:

«وَ تِلْكَ اَلْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ‌» الحشر - 21.

و في الكافي ايضا عن معمر بن خلاد قال: «سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول ليس العبادة كثرة الصلاة و الصوم إنما العبادة التفكر في امر اللّه عز و جل».

أقول: الحديث شاهد على ما ذكرناه أيضا.

و فيه أيضا عن الصادق (عليه السلام) قال امير المؤمنين (ع):

«التفكر يدعو الى البر و العمل به».

أقول: لان الفكر الصحيح المنتج يوجب تهييج النفس و تحرك القوى الارادية الى العمل.

و في الدر المنثور اخرج ابو الشيخ في العظمة عن ابي هريرة قال:

«قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فكر ساعة خير من عبادة ستين سنة».

أقول في بعض الروايات عنه (صلى اللّه عليه و آله): «تفكر ساعة خير من قيام ليلة» و في رواية اخرى من عبادة سنة و هي المروية من طرق الامامية و يمكن حمل الاختلاف على مراتب اختلاف الفكر و قربه و بعده نحو اصابة الواقع.

و في الدر المنثور ايضا عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) تفكروا في خلق اللّه و لا تفكروا في اللّه».

أقول: قد تقدم في التفسير ما يبين ذلك لان التفكر في اللّه تعالى

لا يزيد إلا تحيرا فانه لا يمكن ان يحيط احد به علما.

و في الكافي عن الحسن الصيقل عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «سألته كيف يتفكر؟ قال (عليه السلام) يمر بالخربة، أو بالدار فيقول اين ساكنوك‌؟ اين ساكنوك‌؟ مالك لا تتكلمين».

أقول: هذا بيان لبعض مصاديق الفكر الممكنة لعامة الناس و الا فللتفكر مراتب كثيرة حسب درجات المتفكرين من العرفاء.

و في تفسير العياشي عن ابي حمزة الثمالي عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «لا يزال المؤمن في صلاة ما كان في ذكر اللّه إن كان قائما أو جالسا أو مضطجعا لان اللّه تعالى يقول «اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ‌» .

أقول هذا محمول على مراتب قدرة الذاكر للّه تعالى على ما يأتي في البحث الفقهي.

و في تفسير العياشي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «الموت خير للمؤمن ان اللّه تعالى يقول: «وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ» .

أقول: في جملة من الاخبار انه خير للمؤمن و الكافر أما المؤمن فلاستراحته عن همّ الدنيا و غمها و وروده الى رحمة اللّه تعالى. و اما الكافر فلاستراحة الناس منه فتكون الخيرية باعتبار عدم زيادة عقوباته في الآخرة.

و في الدر المنثور في قوله تعالى: «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ‌» قالت أم سلمة: «يا رسول اللّه لا اسمع اللّه ذكر النساء في الهجرة بشيء فانزل اللّه تعالى الآية».

و في الأمالي في قوله تعالى: «فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ‌» نزلت الآية في علي (عليه السلام) لما هاجر و معه الفواطم: فاطمة بنت اسد. و فاطمة بنت محمد (صلى اللّه عليه و آله) و فاطمة بنت الزبير، ثم لحق بهم في ضجنان أم ايمن، و نفر من ضعفاء المؤمنين فساروا و هم يذكرون اللّه في جميع أحوالهم حتى لحقوا بالنبي و قد نزلت الآيات».

و في الأمالي في قوله تعالى: «فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ‌» نزلت الآية في علي (عليه السلام) لما هاجر و معه الفواطم: فاطمة بنت اسد. و فاطمة بنت محمد (صلى اللّه عليه و آله) و فاطمة بنت الزبير، ثم لحق بهم في ضجنان أم ايمن، و نفر من ضعفاء المؤمنين فساروا و هم يذكرون اللّه في جميع أحوالهم حتى لحقوا بالنبي و قد نزلت الآيات».

أقول: ورد من طرق الجمهور انها نزلت في المهاجرين و كيف كان فالآية المباركة عامة الى يوم القيامة و ما ورد في شأن النزول بيان لبعض المصاديق.

بحث قرآني

مما أكد عليه القرآن الكريم و اهتم به اهتماما بليغا الدعاء و التضرع الى اللّه تعالى و الاستمداد منه في قضاء الحوائج، و قد ذكرنا في أحد مباحثنا ما يتعلق بهذا الموضوع المهم الذي يمس الإنسان من جميع جهاته الدنيوية و الاخروية بل دخيل في سعادته الابدية و بيّنا الجوانب المتعددة فيه و في المقام نذكر ما يستفاد من الآيات الشريفة المتقدمة في هذا الأمر فإنها اشتملت على امور مهمة تكشف عن بعض الجهات المقومة للدعاء و تبين ادب الدعاء.

و يستفاد من تلك الآيات المباركة ان الدعاء داخل في صميم حياة أولي الألباب و لا يهملونه في حالة من الحالات، و يعتبرونه من أهم الأسباب في نيل المطلوب و نجح المقصود، و الآيات الشريفة قد اشتملت على دقايق و رموز تكون دخيلة في استجابة الدعاء التي قلما توجد في

آيات أخرى، و نحن نذكر جملة منها في المقام. و الأمر المهم هو ان الدعاء هنا صدر عن قلوب مؤمنة صادقة في إيمانها تفكرت و تدبرت و تذكرت و اهتدت الى الحق فتوجهت الى اللّه تعالى بمشاعر ايمانية خالصة، و توسلت اليه عز و جل و جعلت إيمانها وسيلة لقبول دعائهم و هذا الدعاء الحار الذي صدر منهم يدل على كمال العرفان الالهي فيهم و نراهم انهم يكررون لفظ «ربنا» خمس مرات في دعواتهم على سبيل الاستعطاف و طلب رحمته و قد ذكروا هذا الاسم لما فيه من الأثر العظيم في استجابة الدعاء.

و قد تكرر هذا الاسم المبارك كثيرا في دعوات الأنبياء و المرسلين و ذلك لأن في هذا الاسم الدلالة النفسية على حرارة التوجه و صدق الرغبة في التكرار لدلالته على الإلحاح في المسألة و كثرة الطلب من اللّه سبحانه و تعالى، فهم لا يزالون يلحون في الدعاء و يقولون «ربنا» حتى استجاب لهم ربهم و عطف عليهم و رحمهم ثم إنهم دخلوا في هذا الميدان بعد تطهير أنفسهم من الذنوب و الآثام و الاشتغال بذكر اللّه تعالى و ملأوا مشاعرهم من عظمته و قد كرروا لفظ الايمان و مشتقاته لتوكيد ايمانهم و تقديمه امام طلبهم لما فيه الأثر في الاستجابة.

و قد اشتمل دعاؤهم على كمال الخضوع و الخشوع و شدة التوجه اليه عز و جل. فقدموا الثناء على الطلب و الدعاء ثم طلبوا الوقاية من النار فإنها أهم مطلب لأولي الألباب لما علموا من تقصيرهم و ما يصدر عنهم مما يوجب سلب التوفيق و الخزي فالتمسوا منه عز و جل العناية و التوفيق و السلامة من كل خزي و طلبوا منه النصرة ثم أكدوا على طلب غفران الذنوب و تكفير السيئات بعد ما قدموا ما يؤهلهم للاستجابة و هو الايمان ثم لم يقتصر دعاؤهم على خصوص الدنيا بل

طلبوا منه عز و جل ان يجعلهم مع الأبرار الذين لهم المقام المعلوم و المنزلة العظيمة.

و أخيرا طلبوا منه عز و جل أن يوفيهم ما وعده لهم و هو لا يخلف الميعاد.

و قد اشتمل دعاؤهم على الأدب المعهود بين اللّه تعالى و عباده المخلصين و ما تضمنه دعاؤهم على الثناء و التنزيه و الإلحاح في الطلب و موجبات الاستجابة فاستجاب لهم ربهم لان فيهم ما يوجب ذلك و هو العمل الصالح الذي هو العمدة في ذلك هذا فيض من غيض ما تشتمل عليه الآيات المتقدمة من الرموز و الدقائق و أدب الدعاء و لا بد لكل داع ان يجعل ما في هذه الآيات نصب عينيه و يجعلها منهاجا لكل دعواته لتحصل له الاستجابة.

بحث فقهي

من المسلمات في الفقه ان التكاليف تتنزل على مراتب القدرة و الاستطاعة فليس تكليف العاجز و المضطر في الصلاة - مثلا - تكليف القادر المختار، و استدلوا على ذلك بحكم العقل المقرر بالكتاب و السنة قال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اَللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» البقرة - 286 و قال تعالى: «وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي اَلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‌» الحج - 78 الى غير ذلك من الآيات الشريفة و عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله) «إذا امرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» و قد تقدم في احد مباحثنا السابقة تفصيل الكلام فيه.

و قوله تعالى: «اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ‌» حسب ما ورد في تفسيرها من السنة الشريفة من ادلة توسعة التكليف تبين مراتب التكليف تبعا لأحوال المصلين فالصحيح يصلي قائما و المريض يصلي جالسا، و من لا يقدر على الجلوس يصلي على جنبه، ففي الكافي عن ابي حمزة الثمالي عن ابي جعفر (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل: «اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ‌» قال (عليه السلام): «الصحيح يصلي قائما و قعودا و المريض يصلي جالسا؛ و على جنوبهم الذين يكون الأضعف من المريض الذي يصلي جالسا».

أقول: المراد من قوله (عليه السلام) «قياما و قعودا» بالنسبة الى صلاة النافلة فان المكلف مخير في إتيانها قائما أو قعودا و اما الصلاة الواجبة فانه يتعين فيها القيام ان كان صحيحا.

و في تفسير العياشي عن ابي جعفر (عليه السلام): «في قول اللّه عز و جل: «اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً» الأصحاء «و قعودا» يعنى المرضى «و على جنوبهم» قال (عليه السلام): اعلّ ممن يصلي جالسا و أوجع».

أقول: الروايات في ذلك كثيرة قد فصلنا القول في كتابنا (مهذب الاحكام) فراجع.

بحوث عرفانية

الآيات الشريفة المتقدمة تشتمل على مضامين عالية في السير و السلوك

و يعتبرها اهل الذوق و العرفان دستورا و منهاجا لهم في عروجهم العرفاني و نحن نشير الى بعض ما تقتضيه الحال:

الأول تتضمن الآيات الشريفة على مخاطبة المربوب مع الرب و مثل هذه المخاطبة تستلزم الحضور اي حضور المخاطب لدى المتكلم و هو من طرف مخاطبة اللّه تعالى مع عباده و خلقه صحيح لا ريب فيه لأنه حضور احاطي فعلي من كل جهة و أما من طرف المربوب مع الرب فهو حضور وجداني و هو من أعظم مراتب تجليات الرب العظيم على القلوب و الضمائر و يبين مثل هذا الحضور الوجداني قول ابي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) في بعض حالاته الانقطاعية مع ربه «سيدي ماذا وجد من فقدك و ما الذي فقد من وجدك» و يشير الى ذلك قول علي (ع) في الدعاء المعروف «الهي صبرت على عذابك فكيف اصبر على فراقك» و هذه هي الرابطة الاختيارية للعباد مع معبودهم الحقيقي.

و لعل من أعظم أسمائه الحسنى تأثيرا على القلوب و أشدها حضورا عند المخاطب اسم (الرب) و لذا نرى ان الأنبياء العظام يتوسلون بهذا الاسم المبارك في دعواتهم الشريفة و حالاتهم الانقطاعية، و هو يدل على كمال الخضوع و الخشوع لربهم و يستميلون عطفه و عنايته عز و جل الذي خلقهم و رباهم و منّ عليهم بجميع النعم الظاهرية و المعنوية.

اليه، و هذه الحالة هي غاية آمال المجاهدين و المرتاضين في الحق بالحق، و قد اسموه بالسفر في النفس بالنفس، و لا منتهى لهذا السير الا ما أشار اليه سيد الأنبياء بقوله (صلى اللّه عليه و آله): «من رآني فقد رأى الحق» و هذا هو المعراج الروحاني الذي هو العلة التامة لاستكمال النفوس المستعدة.

و إن شئت قلت هو إيجاد تمام العوالم في عالم واحد و هو عالم الانسانية الكبرى بالاختيار، فتصير النيران تحت ارادته و الجنان تحت اقدامه فتخاطبه النار بقولها: «جز يا مؤمن فان نورك يطفئ لهبي» و هذه كلها لمحة يسيرة من سير الإنسان الى الكمال غير المتناهي من كل جهة.

كما انها من تجليات أولي الألباب بعد ما لاقوا أشد المصاعب في هذه الدار الفانية فقد هجروا الأهل و الديار و تركوا المعاصي لأجل رب الأرباب و قاتلوا النفس الامارة فقتلوها بالسيطرة عليها و توجيهها الى ما يرضي خالقها و لأجل ذلك كانت عنايات اللّه جل شأنه بهم عظيمة لا حد لها لأنهم مظاهر أخلاقه و هم الصور المرئية من العقل الكلي في هذا العالم و في عالم البرزخ و في عالم الآخرة و قد أعد لهم جنات عظيمة لا نهاية لعظمتها و هذه الجنات هي جنة الأعمال، و جنة الرضوان و جنة اللقاء و هي منتهى الغايات و أعلى الكمالات.

الثالث: غلبة ذكر اللّه تعالى على العبد توجب تجلي عظمة اللّه جل جلاله عليه فيصير طوع ارادته فلا يعمل الا بما يرتضيه، و لا يرى و لا يسمع الا ما يشاء اللّه تعالى و يصبح بذلك مرآة لوحي السماء و لا معنى لأولي الألباب الا ذلك، فترى انهم يسرعون الى الايمان عند ما يسمعون المنادي ينادي اليه لان النداء جلب مشاعرهم بعد ما

كانت مشغولة بذكر اللّه تعالى، و هذا هو السمع الحقيقي الذي يغير العبد عما عليه من الغفلة.

و بعبارة اخرى: هي الجذبة الملكوتية التي تحصل للنفس و كم لأولي الألباب من هذه الجذبات الى رب الأرباب، و لا بد من الارتباط مع هؤلاء بالمعنى الذي ذكره عز و جل لان العالم خلق لتكميل الانسانية و لا يحصل إلا بذلك و هذا هو غاية دعوة الأنبياء العظام خصوصا سيدهم (صلى اللّه عليه و آله).

بحث فلسفي

تختلف الفلسفة الاسلامية عن غيرها من المذاهب الفلسفية في معالمها و مناهجها و اسلوبها في بيان المسائل العقلية و تفصيل ذلك لا يناسب المقام و المهم ما يستفاد من الآيات الشريفة المتقدمة في الفلسفة الاسلامية فإنها من الآيات المعدودة التي وردت في بيان معالم هذه الفلسفة الجامعة لكثير من المعارف و العلوم و أهم ما تمتاز به عن غيرها ذلك الذوق العرفاني و بيان المسائل المتعلقة بما وراء الطبيعة و العمق الفلسفي في البحث و التحقيق.

و المستفاد من الآيات الشريفة ان الفلسفة الاسلامية تتميز بأمور ثلاثة:

الأول: ابتناء هذه الفلسفة على التفكر و التدبر و النظر كسائر المذاهب الا ان الفرق ان الفلسفة في الإسلام تعتمد على التفكر الذي يدعو الى العمل و يتحول الى سلوك و منهج تطبيقى في الحياة فلا تعتمد على التفكر من حيث هو تفكر فقط كالفلسفة اليونانية التي تعتمد على

التفكر و التدبر لأجل التفكر و التدبر فقط قال تعالى: «إِنَّ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اِخْتِلافِ اَللَّيْلِ وَ اَلنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي اَلْأَلْبابِ اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اَللّهَ قِياماً وَ قُعُوداً وَ عَلى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً» .

الثاني: الاعتماد على التجربة و الاستقراء، و يعتبر الإسلام هو الذي انشأ المنهج التجريبي و سبق الفلسفة المعاصرة و البحث العلمي في في القرون المتأخرة.

الثالث: انها تعتمد على الفلسفة العملية و تجعلها جزء لا يتجزأ عن الفلسفة العلمية و تعتبرهما الأصل في كل كمال انساني في الدنيا و الآخرة.

الرابع: ان الفلسفة الاسلامية تمتاز عن غيرها بأنها منهج اخلاقي تطبيقي فهي تعتمد على التخلية و هذه هي أهم معالم الفلسفة الاسلامية التي يمكن استفادتها من الآيات الشريفة المتقدمة التي اشتملت على مضامين عالية في الفلسفة و العرفان.

و حقيق لهذه الآيات المباركة ان تجعل خاتمة سورة الاصطفاء فانه لا اصطفاء إلا من اولي الألباب و تعتبر هذه الآيات الشريفة تفسيرا لمعنى اولي الألباب و تشرح أحوالهم.

و السر اللطيف الذي في هذه الآيات الكريمة انه لم يشر فيها الى شيء من الدنيا بوجه من الوجوه و لعل الوجه في ذلك التباين الكلي بين مقام اولي الألباب و الدنيا الفانية فإنها جيفة و طلاّبها كلاب كما في الحديث و اين ذلك من المقام الرفيع لأولي الألباب و المنزلة العظيمة لهم.

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمِها.......

اشارة

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلادِ (196) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمِهادُ (197) لكِنِ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اَللّهِ وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (198) وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اَللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اَللّهَ سَرِيعُ اَلْحِسابِ (199) بعد ما ذكر سبحانه و تعالى بعض احوال اولي الألباب و بعض صفات الأبرار و أعمالهم الحسنة و الجزاء الحسن الذي وعده تبارك و تعالى لهم أشار في هذه الآيات الشريفة الى ما يتعلق بمن يضادهم و ينافيهم لما ارتكز في النفوس من ان الأشياء انما تعرف بأضدادها، و التمييز بين الأبرار و الكفار، و لبيان ما ابتلى به المؤمنون ذلك البلاء الشاق من الهجرة و الإخراج من الديار و الإيذاء و القتل و القتال انما هو للتمييز و التمحيض الذي هو سنة الهية كما عرفت، و للاعلام باستحقاقهم ذلك الثواب الجزيل فلا يقاس حالهم بحال الكفار الذين يتمتعون متاعا قليلا ثم لهم سوء العقاب.

و في هذه الآيات المباركة الموعظة الكبيرة للمؤمنين و النهي عن الاغترار بحال الكفار الذين يتنعمون في نعم ظاهرية بل لا بد ان يجعل الأمر في نظرهم أبعد من ذلك فان لهم الثواب العظيم و النعيم الحقيقي

التفسير

قوله تعالى: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلادِ .

تسلية للنبي الكريم (صلى اللّه عليه و آله) و المؤمنين الذين تحملوا البلاء و الأذى في سبيل الحق. و الخطاب و ان كان موجها الى النبي لكنه خطاب للأمة باعتبار ان النبي (صلى اللّه عليه و آله) واسطة الفيض و انه الوجود الجمعي للأبرار فهو (صلى اللّه عليه و آله) من حيث كونه واسطة الفيض الالهي مبدأ فاعلى لهم، و من حيث كونه صاحب المقام المحمود غاية لهم، ففي وجوده اجتمعت العلة الفاعلية و الغائية للأبرار.

و مادة (غرر) تدل على الأثر الظاهر على الشيء سواء كان سببه الغفلة أو امر آخر و منه غرة الفرس، و غرار السيف اي حده، و غر الثوب أثر كسره، يقال اطوه على غره اي اطوه على طياته الاولي و جمع الغر على غرور، و يقال: غره خدعه و أطمعه بالباطل فكأنه ذبحه بالغرار.

و التقلب هو التحول من حال الى حال و يستعمل غالبا في الحركات المنطبعة غير الارادية و المراد به كون الكفار في رفاه الحال و شرف الحياة يتقلبون في البلاد آمنين متنعمين بالصحة و الامهال، و لكن مع ذلك فقد وصفهم تبارك و تعالى بأخسّ الأوصاف فقال عز و جل «مَتاعٌ قَلِيلٌ‌» .

و المراد بالكفر في المقام هو الأعم من الكفر الاعتقادي و العملي

مقابلته للأبرار.

و انما نهى عز و جل عن الغرور بتقلب الذين كفروا لان الحقيقة غير ما هم عليه، و لا ينبغي ان يكون المظهر سببا للغرور و الإغماض عن الحقيقة، و لعل سبب النهي هو ان المؤمنين لما تحملوا تلك المشقات الكثيرة و ذلك الابتلاء العظيم كما حكى عنهم عز و جل في الآية السابقة بينما ان الذين كفروا يتقلبون في البلاد يتحولون من نعمة الى نعمة اخرى مطمئنين آمنين يمكن ان يوسوس لهم الشيطان ان الكفار اولى منهم لأجل اولوية حالهم في الدنيا، فكانت هذه الآية الشريفة بمنزلة دفع الدخل و التقدير، و لرفع ذلك الهاجس البشرى و تزيل الاسى في نفوسهم الحاصل من الوسوسة.

قوله تعالى: مَتاعٌ قَلِيلٌ‌ .

بيان لعلة النهي عن الغرور. اي: ان تقلبهم في البلاد انما هو متاع قليل لا دوام له، و هذا من أخس الأوصاف و لا يمكن ان يقابل ذلك الثواب العظيم الذي أعده اللّه تعالى للأبرار، بل ان متاع الأرض كله لا يمكن ان يقابل ذلك لان حركات غير الأبرار لما كانت للدنيا و في الدنيا، فان الدنيا و ما فيها قليل من جميع الجهات بالنسبة الى الآخرة و في الحديث: «ما الدنيا في الآخرة الأمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما ذا يرجع». و المتاع يمثل به عن الشيء الحادث الزائل خصوصا إذا اتصف بالقلة.

قوله تعالى: ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمِهادُ .

اي: ثم مصيرهم - الذي يأوون اليه و قد مهدوه بكفرهم و سوء أعمالهم - هو جهنم و هي اسم لدار مجازاة الكفار و المذنبين في الآخرة.

و المهاد: المكان الممهد كالفراش و انما ذكره عز و جل تهكما بهم اي: ان تلك الدار التي يأوون إليها و ذلك المصير مما جنته أيديهم و قد مهدوها لأنفسهم بسوء اختيارهم و يبين هذه الآية قوله تعالى في موضع آخر: «أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ‌» الشعراء - 207.

قوله تعالى: لكِنِ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ‌ .

بيان لمصير الأبرار و سعادتهم مقابلة لمصير الكفار و شقائهم فانه لا يقاس أحدهما بالآخر لأن حال الطائفة الاولى ابتلاء و مقاساة للأهوال مدة قصيرة و نعيم الخلد في الآخرة و حال الطائفة الثانية متاع قليل و مأواهم جهنم و بئس المهاد.

و الكفار و ان استمتعوا بملاذ الدنيا و نعيمها لكنهم حرّموا أنفسهم من نعيم الآخرة التي لا نهاية لعظمتها و احلوها دار البوار، و اما الذين اتقوا ربهم و ان حرموا من نعيم الدنيا و تحملوا المشاق و الأذى في سبيل اللّه لكن جزاؤهم كبير و عظيم، فالاستدراك انما هو لأجل طمأنينة قلوب المتقين و الأبرار و المجاهدين في سبيل اللّه تعالى فلا يوهن عزائمهم للجهاد بتمتع الكافرين في الأرض و لا يشغلهم تنعم هؤلاء و رفاههم و تقلبهم في البلاد و لا ينبغي ان يكون سببا لوهن عزائمهم و نشاطهم في سبيل الدين و إعلاء كلمة اللّه تعالى فان مصيرهم أعظم و أعلى من مصير الكافرين.

قوله تعالى: لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ .

اي: ان مصيرهم الى نعم لا نهاية لبهجتها و سرور ساكنيها و هي جنات تجري من تحتها الأنهار و هذه الجنات تعددت لأنهم قاسوا

اهوال الدنيا و مرارة العيش فيها، و هي الجنات التي وعدها اللّه تعالى لأولي الألباب جزاء جهادهم و كفاحهم في الدنيا، و يمكن ان تكون الجنات متعددة باعتبار حالات الإفراد و شدة تفانيهم في اللّه تعالى و ضعفه فإنهم متفاوتون في ذلك.

قوله تعالى: نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اَللّهِ‌ .

النزل - بضمتين أو بتسكين الزاي - ما يهيأ للنزيل أول نزوله من المنزل و الزاد و الفرس و النزيل هو الضيف قال الشاعر:

نزيل القوم أعظمهم حقوقا *** و حق اللّه من حق النزيل

و خص بعضهم النزل بالزاد مطلقا و يأتي مصدرا و جمعا و هو منصوب على الحال و قيل انه منصوب على التفسير.

و جعل الجنات نزلا لهم فيه الكرامة العظمى للمتقين لا سيما إذا كانت من عند اللّه تعالى فان فيه الشرف العظيم لهم و فيه اشارة الى عدم تناهي ذلك النزل كمية و كيفية و مدة فانه من عند من لا تناهي له من كل جهة.

قوله تعالى: وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ .

نعمة اخرى لا نهاية لها. اي: ان ما عند اللّه تعالى خير للمتقين الأبرار مما عند الكافرين من المتاع القليل أو خير مما كان المتقون فيه في الدنيا.

و التفنن في النعم لبيان ان الاولى من النعم الجسمانية كالجنات التي تجري من تحتها الأنهار، و هذه من النعم المعنوية كالقرب الى اللّه تعالى و الحظوة لديه و لقائه عز و جل و رضوان اللّه اكبر و هذه النعمة لا يوازيها أية نعمة اخرى من نعم الجنة فهذه كرامة اخرى للأبرار زائدة

عما كانت للمتقين.

قوله تعالى: وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ‌ .

بيان لمشاركة بعض اهل الكتاب مع المؤمنين في الايمان باللّه و اجره العظيم، و عدم اختصاص السعادة الاخروية بطائفة خاصة و لتشجيع اهل الكتاب الى الدخول في الايمان و متابعة الحق.

و في ذلك إيماء إلى ان هؤلاء مع ما هم عليه من السعة قد اختاروا ثواب المؤمنين الأبرار و آثروا ما عند اللّه تعالى على المتاع الدنيوي و ان كان المؤمنون في ضيق فانه خير من سعتهم.

و قد وصف سبحانه و تعالى هذه الطائفة بخمس صفات هي الأصل في كل سعادة الاولى: الايمان باللّه جلّ شأنه ايمانا صحيحا داعيا إلى العمل الصالح لا يشوبه شرك و فساد.

الثانية: الايمان بما انزل إلى المسلمين و هو القرآن الكريم، و الايمان به يستلزم الايمان بمن انزل عليه و هو الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله).

و انما قال تعالى: «إِلَيْكُمْ‌» باعتبار ابتداء الدعوة بهم و إلا فان القرآن الكريم منزل لكل البشر و هو المهيمن على سائر الكتب الإلهية يدعو الناس إلى السعادة و دين الحق و لعله لذلك قدم الايمان بالقرآن على الايمان بما انزل إليهم و ان كان الأخير مقدما في الوجود و لبيان ان الايمان بما انزل إليهم لا فائدة فيه إذا لم يكن معه ايمان بما انزل إلى المؤمنين.

الثالثة: الايمان بما انزل إليهم و هو ما اوحى اللّه تعالى إلى أنبيائهم من غير تحريف فانه يدعو إلى اللّه تعالى و إلى ما انزل إلى المؤمنين و هاتان الصفتان تدعوان اهل الكتاب إلى عدم التفريق بين رسل اللّه

تعالى كما ذمهم اللّه تعالى به في ما تقدم من الآيات.

قوله تعالى: خاشِعِينَ لِلّهِ‌ .

وصف رابع و هو منصوب على الحال. و الخشوع فوق الخضوع و هو نوع انكسار يعرض على القلب و على جوارح الإنسان عند الطاعة للّه تعالى و قد تقدم في قوله تعالى: «وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاّ عَلَى اَلْخاشِعِينَ‌» البقرة - 45 و الخشوع انما هو اثر الخشية من اللّه تعالى و الخوف منه و هذا من ثمرة الايمان الصحيح.

قوله تعالى: لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اَللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً .

وصف خامس و هو عدم كتمان الحق و الاشتراء بآيات اللّه تعالى ثمنا قليلا مما ذم اللّه تعالى به اهل الكتاب و الكافرين في مواضع متعددة من القرآن الكريم قال تعالى: «اِشْتَرَوْا بِآياتِ اَللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ‌» التوبة - 9 و قال تعالى:

«فَلا تَخْشَوُا اَلنّاسَ وَ اِخْشَوْنِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً» المائدة - 44.

و قد نفى عن هؤلاء هذه الخصلة و هي كتمان الحق و الاشتراء بآيات اللّه ثمنا قليلا و هو يدل على صدقهم في الايمان و خلوصهم فيه.

قوله تعالى: أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ‌ .

اي: ان أولئك المتصفين بتلك الصفات الحميدة لهم أجرهم المعلوم و هو ثواب طاعتهم. و انما أضاف الأجر إلى الرب الذي رباهم بنعمه في الدنيا للتشريف و كمال العناية بهم.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ سَرِيعُ اَلْحِسابِ‌ .

اي: ان اللّه يحاسب العباد و يعلم ما لكل احد من الثواب و العقاب

فلا يعقل التأخير بالنسبة اليه عز و جل لإحاطته بجميع جزئيات اعمال عباده فيوفيهم أجورهم بلا امهال و تأخير.

بحث دلالي

تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول:

يدل قوله تعالى: «لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلادِ» على ان ما عند الكافرين من الحظوظ الدنيوية مهما بلغت في العظمة في الكم و الكيف لا تقابل ما للمؤمنين من الجزاء العظيم الذي أعد اللّه تعالى لهم في يوم الجزاء مضافا إلى مصير الكافرين السيء الذي هو نتيجة أعمالهم و جهدهم في الدنيا و ما كسبته أيديهم و ان كان لتقلبهم دخل في نظم البلاد و لكنه حقير ضئيل خصوصا إذا لوحظ بالنسبة إلى النظام الأحسن لو كان الأنبياء و المؤمنون هم الذين يتصدون لنظم الدنيا قال تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ اَلسَّماءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‌» الأعراف - 96.

الثاني:

يدل قوله تعالى: «مَتاعٌ قَلِيلٌ‌» على دناءة المتاع الذي يتمتعون به و قلته من جميع الجهات فهو قليل في المدة، و قليل بالقياس إلى مؤونة السعي و الجهد الذي يبذلونه في سبيله، و قليل بالنسبة إلى ما أعد اللّه تعالى للمؤمنين من الأجر العظيم و الثواب الجزيل، كما دلت عليه الآية السابقة.

الثالث:

يدل قوله تعالى: «لكِنِ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ‌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اَللّهِ وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ» على ان المناط في كل خير و نفع هو التقوى، و ان الدنيا و ما فيها انما هي وسيلة إلى النعمة العظيمة الابدية التي لا يمكن نيلها إلا بالتقوى، فالآية الكريمة رد لمزاعم الكفار و المنافقين في انهم متمتعون و المؤمنون في خسران.

يدل قوله تعالى: «لكِنِ اَلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ‌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اَللّهِ وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ» على ان المناط في كل خير و نفع هو التقوى، و ان الدنيا و ما فيها انما هي وسيلة إلى النعمة العظيمة الابدية التي لا يمكن نيلها إلا بالتقوى، فالآية الكريمة رد لمزاعم الكفار و المنافقين في انهم متمتعون و المؤمنون في خسران.

و انما ذكر عز و جل التقوى للدلالة على أن حرمان المؤمنين من بعض حظوظ الدنيا من سبل التقوى، فلا يتوهم احد بأنه من موجبات شقائهم. و ذكر المتقين بعد الكافرين من احسن وجوه البلاغة في بيان الصنفين المختلفين المتضادين.

الرابع:

يدل قوله تعالى: «وَ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ» على ان للأبرار منزلة عظيمة فوق منزلة سائر المؤمنين المتقين و انهم طائفة خاصة من الذين اتقوا و لهم شأن عظيم عند اللّه تعالى و قد شرفهم اللّه تعالى بأن حباهم ما هو اكثر و أدوم، و أعظم، و أوصلهم الى مقام القرب الذي لا يوازيه شيء من نعيم الجنة قال تعالى: «إِنَّ كِتابَ اَلْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ اَلْمُقَرَّبُونَ إِنَّ اَلْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى اَلْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ اَلنَّعِيمِ‌» المطففين - 24.

الخامس:

يدل قوله تعالى: «وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ‌» على ان الوحدة الجامعة لجميع الأديان الإلهية هي الايمان باللّه تعالى و ما انزل الى المؤمنين و ما انزل إليهم ما لم تمسه يد التحريف و التزوير، و الخشوع للّه تعالى و عدم كتمان الحق فمن كان من اهل الكتاب متصفا بهذه الصفات الحميدة كان له الأجر العظيم المحفوظ عند ربهم الذي يرعى شؤونهم و مصالحهم، و من تخلف كان

اللّه سريع الحساب فهو الذي يعلم الأسرار و من هو مطيع خاشع له تعالى و غيره، و يعلم خصوصيات الثواب و العقاب.

بحث روائي

روى الواقدي في أسباب النزول في قوله تعالى: «لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي اَلْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمِهادُ» انهم كانوا في رجاء و لين من العيش و كانوا يتجرون و يتنعمون فقال بعض المؤمنين: ان اعداء اللّه تعالى في ما نرى من الخير و قد هلكنا من الجوع و الجهد فنزلت هذه الآية».

أقول: روي غير ذلك في شأن نزول الآية الشريفة و على فرض اعتبارها تكون من باب التطبيق لا التخصيص.

و في الدر المنثور عن ابن عباس في قوله تعالى: «وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اَللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اَللّهَ سَرِيعُ اَلْحِسابِ‌» ان الآية «نزلت في النجاشي و نفر من أصحابه لما مات هو فصلى عليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و هو في المدينة فطعن فيه بعض المنافقين انه يصلي على من ليس في دينه فانزل اللّه تعالى: «وَ إِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتابِ‌ الآية -».

و قيل انها نزلت في أربعين رجلا من اهل نجران من بني الحارث ابن كعب إثنين و ثلاثين من ارض الحبشة و ثمانية من الروم كانوا جميعا على دين عيسى (عليه السلام) فآمنوا بالنبي (صلى اللّه عليه و آله).

أقول: انها على فرض اعتبارها من باب التطبيق أيضا.

يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) الآية الشر.......

اشارة

يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اِتَّقُوا اَللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) الآية الشريفة خاتمة لجميع الوصايا و الكلمات و الحقائق التي تضمنتها هذه السورة و هي تدعو الى المحافظة عليها و مراعاتها و هي مع ايجازها تشمل على أهم الوصايا و الكمالات الانسانية و هي الصبر و المصابرة و المرابطة في سبيل اللّه تعالى في إقامة جميع احكام اللّه تعالى و التقوى فان ذلك يعد الإنسان اعدادا علميا و عمليا لنيل الفلاح و السعادة في الدارين.

و هذه الآية المباركة خلاصة ما ورد في هذه السورة العظيمة تبين السر في النجاح و الفلاح فهي أعظم آية وردت لبيان نظامي التكوين و التشريع.

و قد بدأت هذه السورة بالتوحيد و ذكر فيها آية الاصطفاء و ختم سبحانه و تعالى السورة بهذه الآية المباركة للاعلام بأن الاصطفاء لا يتحقق الا بالصبر و المصابرة و المرابطة و ان المرابطة لا يمكن الا بالتوحيد الخالص.

التفسير

قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا .

أمر بأهم ما يعتمد عليه المؤمن عند طاعته لربه و إرشاد الى أهم الأسس في نجاح الإنسان في كفاحه و عيشه في حياته و بيان لحقيقة من الحقائق الواقعية من ان كل فلاح و سعادة سواء في الدنيا أم في الآخرة إنما تعتمد على الصبر و المصابرة.

ثم إن الصبر فضيلة سامية، و خصلة حميدة، و خلق كريم، بل هو أم الفضائل و لا يستقيم سائرها الا به، فله منزلة عالية و مقام رفيع بينها، و قدم في قوله تعالى: «وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاةِ‌» البقرة - 45 ما يتعلق به فراجع.

و انما اطلق سبحانه الأمر ليشمل جميع أقسام الصبر و هي الصبر على الشدائد، و الصبر على طاعة اللّه تعالى، و الصبر عن المعصية» و لبيان ان موضوع الصبر يرجع تحديده الى المؤمنين فالصبر انما يكون على ما يحمد عليه الصبر و في ما يحمد مطلقا، و الأمر بالصبر لأجل ان جميع ما ورد في هذه السورة من الحقائق و الكمالات و الدروس و العبر لا يمكن تحصيلها الا بالصبر و لذا قدمه عز و جل في الآية الشريفة على غيره.

قوله تعالى: وَ صابِرُوا .

المصابرة من باب المفاعلة و هي المغالبة في الصبر، و يلزم ذلك مقابلة الصبر بالصبر و تضاعف تأثيره و تقوى الحال به. و انما يظهر هذه الخصلة الحميدة في الجماعة في حال الاجتماع و التعاون.

و المستفاد من الآية الشريفة أن الاول كان بلحاظ حال الانفراد، و الثاني انما هو بلحاظ حال الجمع و الاجتماع، و الأمر بالمصابرة لأجل وقوف الجماعة امام المشاكل الاجتماعية و التعاون في حلها و تحمل الأذى في إعلاء كلمة الحق و اقامة احكام اللّه تعالى. و المصابرة في ميدان القتال مقابلة الأعداء الذين يريدون اطفاء نور اللّه تعالى و خذلان الحق و الغلبة على المؤمنين.

قوله تعالى: وَ رابِطُوا .

المرابطة الملازمة و الثبات و المواظبة اي: واظبوا على تكميل انفسكم بالكمالات الواقعية، و اثبتوا في تنفيذ احكام اللّه تعالى، و لازموا الحق في جميع حالاتكم في الشدة و الرخاء.

و هذه الخصلة الحميدة تبين كيفية استمرار السعادة و تثبيتها بعد اصل ثبوتها فإنها لا تحصل إلا بالمرابطة. و الأمر ايضا مطلق ليشمل جميع أنحاء المرابطة و منها المرابطة في سبيل اللّه تعالى في ثغور الإسلام و مباراة الأعداء و الترصد للغزو.

قوله تعالى: وَ اِتَّقُوا اَللّهَ‌ .

اشارة الى ان كل ذلك إنما تحصل بالتقوى المنبث على جميع ذلك بحسب الحالات و الظروف و الخصوصيات، فالتقوى قوام الصبر و المصابرة و المرابطة و ان السعادة الحقيقة لا تحصل الا بها.

قوله تعالى: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‌ .

اي ان جميع ذلك من اسباب الفلاح بل لا فلاح إلاّ بذلك.

و انما ذكر «لعل» بداعي الترغيب الى ذلك بحسب أذهان المخاطبين.

بحث روائي

في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل «اِصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا» قال (عليه السلام): «اصبروا على

الفرائض و صابروا على المصائب و رابطوا على الائمة».

أقول: الروايات في هذا المضمون كثيرة من الفريقين، و قد ذكرنا معنى المرابطة و هي الالتزام بما يشرحون به كتاب اللّه تعالى مطلقا.

و في الغنية عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا» قال: «اصبروا على أداء الفرائض و صابروا عدوكم و رابطوا إمامكم المنتظر».

أقول: هذا من أحد المصاديق لمعنى المرابطة و الا فكل من دعا الى الحق في الحق لا بد من المرابطة معه في اي زمان كان.

و في المعاني عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا» قال (ع): «اصبروا على المصائب، و صابروهم على الفتنة، و رابطوا على من تقتدون به».

أقول: المراد من المصابرة على الفتنة التقية مع الأعداء و اجتناب مضلات الفتن.

و في تفسير القمي عن الرضا (عليه السلام): «إذا كان يوم القيامة ينادي مناد أين الصابرون‌؟ فيقوم فئام - جماعة - من الناس ثم ينادي أين المتصبرون فيقوم فئام من الناس. قلت: جعلت فداك و ما الصابرون‌؟ قال (ع): على أداء الفرائض و المتصبرون على اجتناب المحارم».

أقول: هذا الحديث قرينة على أن المراد من الفتنة في الحديث السابق المحارم و كل ما يسخط اللّه تعالى.

و في المجمع عن علي (عليه السلام): «رابطوا الصلوات اي انتظروها لان المرابطة لم تكن حينئذ».

أقول: الحديث يفسر المعنى الأعم من المرابطة الخاصة.

و في الدر المنثور أخرج ابن جرير و ابن حيان عن جابر بن عبد اللّه قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ألا أدلكم على على ما يمحو اللّه به الخطايا، و يكفر به الذنوب قلنا بلى يا رسول اللّه قال:

إسباغ الوضوء مع المكاره، و كثرة الخطا إلى المساجد، و انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط».

أقول: الحديث كسابقه يبين المعنى العام للمرابطة.

بحث قرآني

اشارة

المرابطة: من أهم الموضوعات في الإسلام و هي تؤمن بقاء الشريعة و الحفاظ عليها بعد حدوثها، و تحدد المسؤولية الاجتماعية و الفردية اتجاه الحق و احكام اللّه تعالى، و لا بد من بيان معنى المرابطة في الإسلام و حدودها و آثارها في المجتمع الاسلامي اجمالا.

معنى المرابطة:

المرابطة المأمور بها في الكتاب و السنة: هي الالتزام العملي بالحفاظ على الشريعة و دوام العمل بها و تحديد مسؤولية كل فرد بالنسبة إلى الاجتماع و هي التي تقوي الروابط بين الفرد و المجتمع و توجب اشتراك كل واحد منهما في الهدف و سائر الشؤون و الخصوصيات، و لذا نرى ان الإسلام يهتم بالمجتمع كاهتمامه بالفرد فهما في نظره على حد سواء

من الأهمية. و يعتبر أحدهما مكملا للآخر فلا يمكن استغناء أحدهما عن الآخر و ان كليهما ينشدان الكمال المشترك بينهما و هي السعادة الحقيقية و القرب الى اللّه تعالى و الحظوة لديه، و المرابطة من أهم الأسباب التي تؤمن هذه السعادة و الغرض، فهي روح المجتمع الاسلامي و بدونها يتبعد الفرد و الاجتماع عن الصراط المستقيم.

اهمية المرابطة:

المرابطة بمعناها العام من الأمور النظامية الاجتماعية بين افراد الإنسان و بدونها يختل النظام و لا يمكن تحصيل السعادة و الفلاح و هي المراد من قول قدماء الفلاسفة: ان الإنسان مدني بالطبع بحسب التعاون و التعاضد و يسعى الى الكمال، فهي المدينة الفاضلة - كما عبر بها بعض الفلاسفة - التي اهتم بها الإنسان من بدء الخليقة و قد دعت الكتب السماوية و الشرائع الإلهية إلى المرابطة و اهتمت بها من جهات شتّى و بينت جميع خصوصياتها، و قد تكفلت الشريعة المقدسة الاسلامية شرح المرابطة و بيان مقوماتها و خصوصياتها المطلوبة و ان القرآن الكريم و السنة الشريفة مشحونان بذلك.

متعلق المرابطة:

ذكرنا ان المرابطة من أهم الواجبات النظامية بل لا يتحقق النظام إلا بالمرابطة و لا يظهر أثرها إلا في المجتمع فهي من أهم الأمور

التكوينية في الاجتماع فلا اجتماع إلا بالمرابطة، و لا مرابطة إلا فيه فهما متلازمان حدوثا و بقاءا و ارتفاعا، و قد تقدم ان الإسلام يهتم بالمجتمع، كما يهتم بالفرد و يعتبر أحدهما مكملا للآخر، و يدل على ذلك القرآن الكريم و السنة المقدسة، و شواهد من الادلة العقلية قال تعالى: «وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اَللّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‌» آل عمران - 103، و قال تعالى: «إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ‌» الحجرات - 10 إلى غير ذلك من الآيات التي تأمر ببناء المجتمع الاسلامي على الاتحاد و التعاون و التكافل و تأمر بالاهتمام بإتيان الاحكام الإلهية و مراعاة الشريعة فان في ذلك الصلاح و الفلاح، قال تعالى: «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرى آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ اَلسَّماءِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ‌» الأعراف - 96 و هو يدل على ان سعادة العيش انما تكون بالاجتماع دون الانفراد.

ما فيه المرابطة:

المرابطة انما تكون في ما فيه الخير و الصلاح للأمة و الإفراد و ما يجلب السعادة لهما فتشمل المرابطة جميع جوانب الحياة و ما يتعلق بالدنيا و الآخرة، فتكون المرابطة في ما يتعلق بالفرد مع خالقه فتشمل العبادات كالصلاة و الصيام و غيرهما كما تشمل المعاملات بين الإفراد و العلاقات الفردية و احكام الزواج و غير ذلك فان جميع ذلك انما أنزلها اللّه تعالى

لصالح الإنسان و هدايته إلى الكمال الذي أعده اللّه تعالى له.

منهج المرابطة:

بعد ما عرفت ان المرابطة انما تكون في الاحكام الإلهية و المعارف الربوبية و الشريعة المقدسة فلا بد و أن يكون منهج المرابطة مستندا إلى وحي مبين يتعلق بما فيه سعادة الناس و نجاحهم في الدنيا و الآخرة و يعلم جميع جهات الصلاح فيأمر بها و جميع جوانب الفساد فينهى عنها و الا فمع التخلف يكون خطأ محضا بل فيه الإثم و العصيان من كل جهة لفرض ان الموضوع امر اجتماعي و لا تثمر المرابطة في غير ذلك الثمرة المطلوبة منها.

و من ذلك يعلم ان مأخذ المرابطة لا بد ان يكون الثقل الأكبر اي كتاب اللّه تعالى و الثقل الأصغر اي العترة الشارحة للكتاب و إلى ذلك يشير الحديث المعروف بين المسلمين «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي اهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» - و ان من يقوم به المرابطة انما هو اللّه تعالى المطلع على الغيب و العالم بجميع الجزئيات و لا يمكن ان يكون نفس المجتمع كل فرد بحسب شخصه و ذاته، أو نفس المجتمع لا بحسب الإفراد بل فردا معينا باعتباره وكيلا عن جميع الإفراد، لان بطلان الأخير واضح لفرض عدم إحاطة ذلك الفرد بجميع الأمور، و لا الإفراد الذين يوكلونه في ذلك. و أما بطلان الاول فلاختلاف آراء الإفراد، كما هو معلوم، فتكون المرابطة أقرب إلى الفساد منه إلى الصلاح.

و ما عن بعض المفسرين من أن الخطابات القرآنية موجهة إلى الإفراد فيكون ذلك حقا لهم. مردود لان تعلق الخطاب بالجماعة انما هو لأجل ان القوانين المجعولة خطابات موجهة إلى الجماعة في مرحلة الجعل و التشريع، فما ذكره مغالطة بين إنشاء القانون و بين من يتصدى لجعل نفس القانون و لا ربط لأحدهما بالآخر. نعم في القوانين الجعلية القابلة للحل و النقض و الإبرام يمكن ان يتجه ما ذكره كما نشاهد ذلك في القوانين الوضعية حيث تجتمع أفراد المجتمع على انتخاب أفراد معينين أو تجتمع الرعية على نصب فرد رئيسا لهم و في كلتا الصورتين يحق لكل واحد منهما جعل القوانين، و لكن ذلك خارج عن بحثنا فان كلامنا في القوانين الإلهية و المرابطة فيها.

إن قلت: ان اجتماع الامة على جعل الرئيس و إعطاء الصلاحية له في جعل القوانين يكون بشروط خاصة، فإذا تخلّف أحدها ينعزل بنفسه بلا احتياج إلى عزل، كما هو المشهور بين الفقهاء من انه إذا اختلت عدالة الحاكم الشرعي ينعزل بنفسه.

قلت: اطلاق قوله تعالى: «وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اَللّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً» الأحزاب - 36 و كذا قوله تعالى:

«وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ سُبْحانَ اَللّهِ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ‌» القصص - 68 ينفي ذلك و هو يدل على ان نصب الحاكم انما يكون منحصرا في النصب الالهي، و يدل على ذلك ما ذكره الفقهاء في الحاكم الشرعي المنصوب من قبل الشرع مثل قولهم (عليهم السلام): «فاني جعلته حاكما» فلو فقد بعض الشروط منه يزول

الموضوع فيزول الحكم لا محالة و اما في غيره فمقتضى الأصل عدم حجية قوله و فعله و آرائه و تفصيل الكلام يطلب من موضعه راجع (مهذب الاحكام) كتاب القضاء هذا موجز ما أردنا ذكره في المرابطة.

(4) سورة النساء

اشارة

بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ

بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ يا أَيُّهَا اَلنّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَل.......

اشارة

بِسْمِ اَللّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ يا أَيُّهَا اَلنّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) هذه السورة من جلائل السور التي تضمنت الاحكام الإلهية التي نزلت لصالح الناس و جلب سعادتهم في الدنيا و الآخرة فقد اشتملت على معظم احكام الأحوال الشخصية و الاحكام الاجتماعية الجارية على حقيقة العدل و ناموس الفطرة و مراعاة الحقوق كالزواج و علاقات افراد الاسرة، و امور اليتامى و احكام المواريث، و جملة من احكام المعاملات كالتجارة و نحوها، و تعرضت لبعض العبادات كالصلاة و الجهاد و غيرهما و حثت على التضامن و التكافل و التراحم، كما ذكر فيها بعض الأمور العامة كالشهادات و احوال اهل الكتاب. و لما كانت الغاية القصوى من تلك الاحكام هي حصول ملكة التقوى في كل نفس و استقامتها في الخفاء و الظاهر و هي أساس كل كمال إنساني و لا يمكن تحصيل السعادة بدونها فلأجل ذلك كله امر اللّه تعالى بها و قدمها على سائر الأمور و ابتدأ بها في هذه السورة كما اختتم بها في السورة السابقة.

ثم ان الحكمة الربانية اقتضت ترويض النفوس التي اعتادت الباطل و استحكم فيها الجور و التعسف على قبول تلك الاحكام الإلهية و إجرائها على الحقيقة، فقد اقترنت تلك الآيات بالتذكير و الموعظة و الإرشاد الى جلال اللّه و عظمته و قدرته و علمه و اطلاعه على خفايا الأمور و مراقبته لاعمال الناس.

و أسلوب هذه السورة و مضامينها تشهدان على انها مدنية نزلت نجوما حسب مقتضيات الظروف و الحاجة و تحتوي على موضوعات متعددة كما عرفت تجمعها رابطة واحدة و هي تهذيب النفس، و التخلق بأخلاق اللّه تعالى، و تثبيت العقيدة و تطبيقها في العمل و معرفة امور الدين و أحكامه.

و ابتدأت هذه السورة بخلق الإنسان و الإعلان بانه خلق من نفس واحدة تحريضا للتعاون و الايتلاف و نبذ الاختلاف و توطئة لما سيذكره عز و جل من الاحكام كالزواج و احوال اليتامى و المواريث و علاقات الاسرة و المجتمع و أكد سبحانه على ملازمة التقوى لأنها روح تلك الاحكام و الغاية منها.

التفسير

قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلنّاسُ‌ .

الآية الشريفة باسلوبها الجذاب تحتوي على رموز و بدائع أهليّتها ان تكون مفتتح هذه السورة.

منها: الاقتران بين العلة المادية و الغائية و تقديم الأخيرة على الاولى

في الذكر لأهمّيّتها و هي التقوى لان خلق الإنسان و إنزال الكتب و الاحكام الإلهية لم تكونا إلا لها و لأجلها، و لأنها هي الأساس الذي يجب ان يقوم عليه كل علاقة سواء بين افراد الاسرة أو بين الزوجين أو بين جميع افراد المجتمع. ثم ذكر تعالى العلة المادية و هي خلق الإنسان من نفس واحدة، فإنها صارت لجمع افراد الإنسان و دخولهم في نفس واحدة فكأنهم بجميع اشتاتهم أعضاء نفس واحدة تتحكم فيهم روابط قويمة متكاملة.

و منها: انها تشير إلى الموضوع الرئيسي في هذه السورة و هو العلاقة الزوجية و علاقات الاسرة و المجتمع، فكانت توطئة لجميع تلك الاحكام التي وردت في هذه السورة فقد ذكر فيها النفس الواحدة التي وردت في هذه السورة فقد ذكر فيها النفس الواحدة التي خلقت منها زوجها. و ذكر الرجال و النساء و الأطفال، و أخيرا الأرحام التي تنشأ من التزاوج بين الرجال و النساء.

و منها: الإشارة إلى اصل الإنسان و الأسس الثابتة التي يرتكز عليها عيشه في هذه الحياة و انه لا يخرج عن ذلك الأصل القويم مهما طال الزمن و تغيرت الحياة و بذلك تبطل نظرية التطور التي لا تجعل للحياة أساسا و قواعد ثابتة فهي تسير في اتجاهات متعددة لا يتحكم فيها ضوابط خاصة بل يحكم عليها التغير و التطور و سيأتي في البحث العلمي ما يتعلق بذلك ان شاء اللّه تعالى.

و منها: الدلالة على ان للإنسان ربا يحوطه بالتربية و العناية، و ان من رحمته بهم ان هداهم إلى ما هو الأصلح لهم الذي فيه كمالهم و ارشدهم إلى ما يجلب سعادتهم في الدارين.

و الخطاب ب‍ (يا ايها الناس) عام إلى كل فرد من افراد البشر

و ليس للمؤمنين وحدهم كما ذكره بعض المفسرين و ذلك لان الخطابات الواقعية لا تختص بطائفة خاصة، و إذا ورد خطاب يتعلق بالمؤمنين خاصة فلأجل انهم اشرف الإفراد، كما ان دين الإسلام دين الانسانية و ان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) داع الهي مرسل إلى نوع الإنسان بلا استثناء، و للاشارة إلى ان القضايا التي وردت في هذه السورة هي قضايا فطرية تشمل جميع افراد البشر، و نزلت لسعادتهم فلا تخص مجتمعا معينا، و ان الخروج عنها خروج عن الصراط السوي و النهج المستقيم.

و الناس: اسم لجنس البشر و هو اسم جمع للإنسان يشمل الذكور و الإناث على حد سواء و قيل ان أصله (أناس) فحذفت الهمزة عند دخول الالف و اللام عليه، و هو يفيد العموم و هذه قرينة اخرى على تعميم الخطاب.

و المعروف ان خطاب «يا أَيُّهَا اَلنّاسُ‌» * لأهل مكة و قد ورد في السور المكية، و خطاب «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا» * لأهل المدينة كما ورد في السور المدنية. و لكن ذكرنا في احد مباحثنا السابقة ان ذلك مردود لان الخطابات القرآنية خطابات واقعية تشمل جميع افراد الناس، و خطاب المؤمنين انما هو باعتبار انهم اشرف الإفراد، مضافا إلى انه قد ورد كثيرا خطاب «يا أَيُّهَا اَلنّاسُ‌» * في السور المدنية منها المقام كما ورد الخطاب الثاني في السور المكية.

قوله تعالى: اِتَّقُوا رَبَّكُمُ‌ .

امر بتحصيل ملكة التقوى التي هي القضية الاولى في القرآن الكريم و الأصل الثابت الذي لا يقبل التغيير و التبديل و قد حكم بها عز و جل على جميع افراد البشر من لدن آدم (عليه السلام) إلى انقراض العالم

و قد تقدم الكلام في معنى التقوى مكررا.

و انما خص عز و جل اسم الرب بالذكر لتذكيرهم بانه خالقهم و يدبر أمورهم و يرعى مصالحهم، فلا بد ان يتقوه.

قوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ‌ .

هذه الآية الشريفة على ايجازها البليغ تتضمن وجوها من الحكم التي لها دخل في تشريع الاحكام و ما اشتملت عليه هذه السورة الكريمة.

الاول: الآية الشريفة تدل على ان للإنسان خالقا قديرا عليما حكيما، فان الخلق يقتضي ذلك كله فهو الذي خلقهم و يرعى مصالحهم و يرشدهم إلى الكمال فلم يكن خلق الإنسان وليد الصدفة من غير سبق تقدير، أو يكون خلقه ناشئا من التفاعل في الطبيعة كما يقول به بعض الفلاسفة الطبيعيون حيث ذكروا ان الطبيعة تخلق كل شيء و لا حد لقدرتها. و بطلان ذلك أوضح من ان يخفى فان الطبيعة العمياء التي لا عقل لها و لا فكر كيف يمكنها ان يخلق هذه المخلوق العجيب و هو الإنسان المفكر العاقل الدارك، و قد أكد سبحانه و تعالى في مواضع متعددة من القرآن الكريم ان خالق الإنسان هو اللّه تعالى و بين كيفية خلقه و نفى جميع المحتملات عنه قال تعالى: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ أَمْ هُمُ اَلْخالِقُونَ‌» الطور - 35.

و يستفاد من قوله تعالى: «اَلَّذِي خَلَقَكُمْ‌» انه تعالى هو الذي خلقهم و الخلق يقتضي الحياة و القدرة و العلم كما تضمن الرب الحكمة و القيمومية و الرحمة فكان الخالق مستجمعا لجميع صفات الكمال.

الثاني: ان الآية المباركة تدل على ان الإنسان خلق من نفس واحدة؛ و هي المادة الاولى لجميع افراد الناس و هذه قضية ثابتة اتفقت

عليها جميع الأديان السماوية و أثبتت بالأدلة القطعية فيكون للإنسان اصل واحد و هو الحقيقة الانسانية يتحد فيها جميع الإفراد و كل السلالات و الأقوام و المجتمعات بلا تفاوت بينها فهم كأعضاء نفس واحدة متفقون في الفطرة، و مشتركون في القيم و السير التكاملي، و بذلك ينفي نظرية التطور التي نادى بها بعض الفلاسفة الطبيعيون، فالإنسان نسيج وحده و هو اصل منفرد قد خلقه اللّه تعالى ابتداء و مباشرة بنفسه الأقدس و بيّن عز و جل كيفية خلقه في عدة مواضع من القرآن الكريم قال تعالى:

«وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ‌» السجدة - 8 و قال تعالى: «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ‌» ص - 71 و يأتي في البحث العلمي تفصيل ذلك.

و الآية الشريفة قد جعل فيها الأمر التكويني محور التشريعات السماوية و ان جميع الاحكام الإلهية تدور على هذا الأصل و هو الاتفاق في اصل الحقيقة و ان البشر لهم وحدة نوعية منبثقة من نفس واحدة يستوي فيها الرجل و المرأة الصغير و الكبير و الضعيف و القوي و غيرها و لأجل ذلك كان الخطاب موجها لجميع الناس دون المؤمنين خاصة.

الثالث: الآية المباركة تتضمن العلة التي أوجبت الأمر بالتقوى و إنزال الاحكام الإلهية و هي تهذيب الناس و تكميلهم اي ان الذي خلق الإنسان و رباه و أنعم عليه بأنواع النعم الظاهرية و الباطنية، و تكفل امره بالتربية و التكميل لجدير بأن يتقى و يطاع و لا يخالف له امر.

و من ذلك يظهر السر في تعليق التقوى بربهم دون غيره من أسمائه المقدسة فان هذا الوصف يعم جميع الناس من غير اختصاص بطائفة خاصة.

ثم ان المراد بالنفس هي تلك الحقيقة التي يمتاز بها الإنسان عن غيره و ما به يكون الإنسان إنسانا و هو الذي تعلق به الخلق كما ان

المراد بالوحدة الوحدة الفردية الشخصية و هي آدم (عليه السلام) أبو البشر الذي ورد اسمه و كيفية خلقه في القرآن الكريم مكررا، لا الوحدة النوعية كما ذكرها بعض المفسرين لكونها خلاف ظواهر الآيات الكريمة و السنة المقدسة الشارحة لها، و حينئذ لا بد ان يراد بالخلق في قوله تعالى: «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» الخلق التقديري لا الفعلي من كل جهة لفرض كون الخلق قبل خلق الروح، فيصير المعنى انكم تنتهون إلى نفس واحدة كانتهاء الصور الكثيرة إلى المادة الأولية و الهيولى الاولى. و في ذلك الامتنان و التذكير بالقدرة، و نوع استعطاف للناس بعضهم على بعض بما بينهم من النسب و الرحم، و وجوب قيام العلاقات بينهم.

و انما لم يقل تبارك و تعالى من أب واحد لفرض عدم تحقق الأبوة بعد مضافا إلى ان الآية المباركة في مقام بيان اتحاد افراد الإنسان في الحقيقة و انهم تشعبوا من اصل واحد، و هناك اقوال اخرى في تفسير هذه الآية الشريفة بعيدة عن الصواب، بل بعضها لا يليق بكرامة القرآن الكريم و لذلك أعرضنا عنها.

قوله تعالى: وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها .

الزوج اسم لكل واحد من القرينين سواء كانا من الحيوانات المتزاوجة، أو ما يقترن بآخر مماثلا أو مضادا. و المراد بها هنا.

اي: و خلق من تلك النفس الواحدة زوجها و هي منشأها فتفيدانها من نوع تلك النفس الواحدة و جنسها و ان الزوجين متماثلان في اصل الانسانية و قيمها و متحدان في العبودية للّه تعالى و جميع الاحكام إلا ما يختص طبع كل جنس ببعض الحقوق و الواجبات.

و نظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ‌ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها» الزمر - 6 و على هذا لا فرق بين ان يكون (من) نشوية أو تبعيضية فان كل واحدة منهما ترجع إلى الأخرى.

و نظير هذه الآية الشريفة قوله تعالى: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ‌ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها» الزمر - 6 و على هذا لا فرق بين ان يكون (من) نشوية أو تبعيضية فان كل واحدة منهما ترجع إلى الأخرى.

ثم إن خلق الزوج من النفس الواحدة يحتمل وجوها: الاول ان يكون خلق الزوج بعد تمامية خلق آدم (عليه السلام) و تعلق الروح به بأن يكون قد انفصل جزء من الحي فصار إنسانا آخر.

الثاني: ان يكون الخلق بمعني التقدير بأن يكون المعنى: خلق من نوعها و على طبعها زوجها و لو بعد حين فلا يكون انفصالا.

الثالث: انها خلقت من الطينة الزائدة التي خلق منها آدم (عليه السلام) قبل تعلق الروح بهما فيكون آدم (عليه السلام) و حواء موجودين مختلفين و لكنهما متحدان في اصل الطينة.

و الأولان لا وجه لهما كما يأتي فيتعين الأخير، و يشهد لذلك امور:

منها: تكرار كلمة الخلق في الآية المباركة «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» و هو يدل على تفاوت الخلقين.

و منها. التراخي في قوله تعالى في سورة الزمر: «خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها» - 6.

و منها: الأحاديث الكثيرة المعتبرة التي تنص على ان حواء (عليها السلام) خلقت من فاضل طينة آدم (عليه السلام) و اما ما نقل من ان حواء خلقت من الضلع الأيسر من آدم (عليه السلام) فهو مما لا دليل له يصح الاعتماد عليه اللهم إلا ان يراد من ذلك ان الطينة الفاضلة من خلق آدم (عليه السلام) لو جعلت في بدن آدم (عليه السلام) لكان موضعها الضلع الأيسر.

و مما ذكرنا يظهر ان هذه الآية الكريمة لا ربط لها بالآيات الكثيرة التي تدل على كون الزوج من انفسكم لإثارة المودة و المحبة قال تعالى:

«وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً‌» الروم - 21 و غيرها من الآيات الشريفة فان ذكر «انفسكم» فيها لبيان التماثل و إثارة المحبة و الرأفة نظير قوله تعالى:

«لَقَدْ مَنَّ اَللّهُ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌» آل عمران - 164 فيكون المراد من النفس السنخية النوعية لا الانفصال الحقيقي من النفس.

قوله تعالى: وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً‌ .

البث هو النشر و التفرق بالإثارة و السعة قال تعالى: «وَ أَلْقى فِي اَلْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ‌» لقمان - 10 و قال تعالى في وصف الناس في يوم الحشر انهم «كَالْفَراشِ اَلْمَبْثُوثِ‌» القارعة - 4 و قال تعالى حكاية عن يعقوب: «إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَ حُزْنِي إِلَى اَللّهِ‌» يوسف 86 فان الحزن بنفسه مبثوث يظهره الإنسان عند القادر على كشفه و رفعه.

و انما قدم الرجال على النساء لتقدمهم عليهن في الكتاب و السنة قال تعالى: «اَلرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى اَلنِّساءِ‌» النساء - 34 بل في التكوين أيضا لأنهم الأصل في نشو الإنسان و ان كانت النساء لهن الدخل الكبير فيه.

و توصيف الرجال بالكثرة ليس من باب الخصوصية و الاحتراز بل الوصف لهما و لكن حذف الوصف من النساء لدلالة الاول عليه.

و المعنى: اتقوا ربكم الذي نشر النسل الانساني بكثرة من آدم و زوجته.

قوله تعالى: وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌ .

أمر آخر بالتقوى و في تكرارها دلالة على الحث عليها. و المراد بالتساؤل سؤال الناس به بعضهم بعضا - و الإقسام - باللّه تعالى في مهمات

الأمور كما يقال: باللّه اسألك ان تفعل كذا و كذا. و هذا يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره و نواهيه لما في المسئول به من العظمة و الجلال و الكبرياء و العزة ما ليس في غيره حتى عند المشركين و الكفار و لذا يقسم و يتساءل به.

و انما خص التساؤل به تعالى لعموم جريانه في المجتمع و ان المسئول به كامل من جميع الجهات و من هو كذلك يستحق التقوى عن مخالفة أوامره و نواهيه.

و الأرحام جمع رحم و هو مستودع الجنين في المرأة و محل نمو النطفة قال تعالى: «هُوَ اَلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي اَلْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ‌» آل عمران - 6 و اطلق على من يمس الإنسان بالقرابة لانتهائه و مآله الى رحم واحد و انها عطف على لفظ الجلالة.

و المعنى: اتقوا مخالفة أوامر اللّه الذي له من العظمة و الجلال و العزة على حد تتساءلون به و اتقوا قطيعة الأرحام و ظلمها.

و الآية المباركة تدل على عظمة صلة الرحم و حقها و رفع شأنها على حد قارن تقوى الأرحام بتقوى نفسه فكما ان للّه تعالى حقوقا لا بد من مراعاتها كذلك للرحم حقوق لا بد من مراعاتها قال تعالى:

«أَنِ اُشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ إِلَيَّ اَلْمَصِيرُ» لقمان - 14 و قال تعالى: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ‌» محمد - 22.

و قيل ان الأرحام معطوف على محل الضمير في قوله تعالى «بِهِ‌» فهي مجرور فيكون المعنى و اتقوا اللّه الذي تتساءلون به و بالأرحام كما كان شايعا عند الناس بقولهم «باللّه أسألك و بالرحم ان تفعل كذا و كذا».

و لكن سياق الآية الشريفة يأبى ذلك لأنها في مقام رفع شأن صلة الأرحام و مقارنتها بشأن نفسه تعالى مع ان ذلك مخالف للقواعد

المرعية في الأدب لأنه يقتضي عطف المظهر على المضمر المجرور و هو بغير اعادة الجار لا يجوز لأنه بمنزلة الحرف و لا يجوز العطف عليه عند الأكثر. و على اي حال فالآية الكريمة تدل على عظمة مقام الرحم سواء كان معطوفا على اسم الجلالة أو على الضمير و ان كان المتعين هو الاول.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً .

الجملة في موضع التعليل للأمر بالتقوى و هي تتضمن التهديد و التوعيد لمن تمرد و عصى و خالف.

و الرقيب: هو المتفوق المطلع على الأعمال و الحركات عن كتب و عناية بخلاف الحارس.

و الإتيان بلفظ الجلالة بعد ذكر الرب في الآية الشريفة للدلالة على القدرة الكاملة و للتحذير و التهديد عن المخالفة لأنها توجب التفرق في الوحدة الاجتماعية الانسانية و بث الفساد فيها و هدم كيانها فالمخالفة عظيمة تستلزم غاية التحذير و كمال التهديد.

و المعنى: اتقوا اللّه الذي تعظمونه و تهيبونه فانه القادر الذي لا يخفى عليه شيء و لا يفوته و يحاسبكم و يجازيكم في امر الأرحام.

بحوث المقام

بحث ادبي:

الناس: في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا اَلنّاسُ‌» اسم جمع للإنسان كما مر و هو

يشمل كل بشر على الأرض و اللام فيه لام التعريف يفيد العموم و الاستغراق.

و التنكير في قوله تعالى: «مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ‌» لأجل تعظيم الأمر و تجليل مقام آدم أبي البشر (عليه السلام) و التقييد بواحدة للاحتراز.

و الزوج يطلق على كل واحد من القرينين كما تقدم و ان قال الراغب أن اطلاق الزوجة عليه رديّ‌.

و كثيرا في قوله تعالى: «رِجالاً كَثِيراً» صفة تؤكد لما يتضمنه التكثير من العدد أو غيره في الموصوف و قيل انه نعت لمحذوف اي بثا كثيرا.

و تسائلون أصله تتساءلون حذف احدى التائين للتخفيف و هذا مطرد عند العرب و هو من باب التفاعل و يرد بمعنى الفعل إذا تعدد فاعله و انه منسلخ عن التقوم بالطرفين لو اعتبرنا ذلك في باب المفاعلة مع ان هذه الدعوى أيضا لا دليل عليها كما تقدم في احد مباحثنا السابقة.

و خلق منها زوجها: إما عطف على محذوف اي خلقكم من نفس واحدة انشأها من تراب و خلق منها زوجها و انما حذف لدلالة المعنى عليه و إما عطف على الخلق و على اي منهما يكون المعنى واحدا.

و إتيان الفعل ماضيا في قوله تعالى «إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» للتأكيد و الاستمرار الدائمي في المراقبة.

بحث دلالي
تدل الآية الشريفة على امور:
الاول:

تعليل الأمر بالتقوى بكونه تعالى خالقا لهم يدل على

مطلوبية التقوى من جميع الناس لان العلة إذا كانت عامة فالحكم يكون كذلك لأنه يدور مدارها.

الثاني:

التعبير بالرب في قوله تعالى: «اِتَّقُوا رَبَّكُمُ‌» للدلالة على تربيته للعباد و الإحسان إليهم و انه خالقهم و مالك أمورهم و الرءوف بهم و المنفق عليهم و من كان كذلك يجب الاتقاء منه كما تقدم؛ فالامر الاول بالتقوى للترغيب كما يدل عليه لفظ الرب و الأمر الثاني بها للترهيب كما يدل عليه لفظ الجلالة.

الثالث:

تقديم خلق الناس على خلق الزوجة للدلالة على اظهار القدرة و العظمة و انه تعالى هو المنظم للخليقة و تفخيما لشأن أدم (ع) و انه الأصل في انحدار النسل منه.

الرابع:

التقييد بالوحدة في قوله تعالى: «مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ‌» للدلالة على أمرين:

الاول: ان خلق جميع الذرية و بثها لا يكون عند اللّه تعالى الا كخلق نفس واحدة كما يدل عليه قوله تعالى: «ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ‌» لقمان - 28، فيصح ان يراد من البث البث الدنيوي و البث الاخروي و هو الحشر و المعاد فهما متلازمان.

الثاني: ان المراد بالوحدة هي الشخصية الفردية فيصير المقام من الكثرة في الوحدة التي أثبتها الفلاسفة بقسميهم و قوله تعالى: «وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً‌» من الوحدة في الكثرة التي أثبتها الفلاسفة بقسميهم ايضا فيكون بث الوحدة في الكثرة و انطماس الكثرة في الوحدة نظير اتحاد الهيولى الاولى مع الصور الكثيرة غير المتناهية و اتحاد الوجود المطلق في الإفراد الشخصية الفردية، فتدل الآية الشريفة على الوحدة الاعتبارية بل الحقيقية في أدم (عليه السلام) و نسله من أول هبوطه

إلى آخر فنائه، فكما ان الجميع نوع واحد حقيقة فهذا النوع الواحد.

له افراد يكون بمنزلة الأعضاء للبعض الآخر فلا بد بينهم من الترابط و العناية الخاصة في جميع شئون الآدمية الحقيقية.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» لطيفة خاصة و هي ان الزوجة بمنزلة الجزء من الزوج فيحن الجزء الى الكل و يتقوم الكل بالجزء فالكل بدون الجزء ناقص و الجزء بدون الكل لا حيثية له فما أعلى شأن الزوجة في نظام التكوين.

السادس:

يصح ان يراد من الرجال و النساء في قوله تعالى:

«رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً‌» ذرية خاصة من نسل آدم (عليه السلام) و هم - الذين ناسبوا مقام ابوة أدم (عليه السلام) الذي هو مسجود الاملاك - يعني الأنبياء و الذين تابعوهم من الصالحين و الصالحات و يشهد لذلك ذكر التقوى في صدر الآية الشريفة، فيكون المراد من البث البث الظاهري و المعنوي و هم كثيرون في أنفسهم و ان كانوا قليلين بالنسبة إلى اصل الذرية و هم الذين حازوا مقام الانسانية الكبرى فصار من دونهم كالأنعام.

السابع:

الوجه في تكرار التقوى في الآية المباركة هو: ان التقوى الاولى لأجل انعامه بالخلق و بث الذرية و التقوى الثانية لأجل انه تعالى سبب التعاطف و التراحم بالتسائل بعض مع بعض.

الثامن:

ان التسائل الوارد في الآية الكريمة «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ‌» أعم من تساؤل بعض مع بعض كما تقدم و التسائل النفسي - اي ايقاظ الشعور الانساني الذي يسكن في كيان كل بشر فيهيج به لدواعي التطلع إلى اللّه العلي القدير و المسائلة فيما بينه و بين نفسه في ذاته تعالى و صفاته - فهو موجود في الفطرة و يدل عليه قوله تعالى: «وَ آتاكُمْ‌ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‌» ابراهيم - 34.

ان التسائل الوارد في الآية الكريمة «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ‌» أعم من تساؤل بعض مع بعض كما تقدم و التسائل النفسي - اي ايقاظ الشعور الانساني الذي يسكن في كيان كل بشر فيهيج به لدواعي التطلع إلى اللّه العلي القدير و المسائلة فيما بينه و بين نفسه في ذاته تعالى و صفاته - فهو موجود في الفطرة و يدل عليه قوله تعالى: «وَ آتاكُمْ‌ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ‌» ابراهيم - 34.

التاسع:

تدل الآية الشريفة على ان تقوى الأرحام من تقوى اللّه تعالى فيجب مراعاة حقوقها و ان جميع البشر من أبوين و ان بعضهم من بعض فهم كأسرة واحدة لا عنصرية و لا عصبية بينهم لأنهم من نسل واحد و يرجعون إلى أب واحد و هذا هو منهج الإسلام و الفطرة السليمة.

بحث علمي

اتفقت الأديان السماوية و محققوا الفلاسفة من المسلمين و غيرهم على ان الإنسان بجوهره و صورته الفعلية خلقه اللّه تعالى و انه من صنع الفاعل العليم المختار - و هو من اشرف الخليقة - و ليس وليد التطور و النشوء و قد انتشر النسل البشري على هذه الكرة الارضية من آدم و حواء و هو الذي اتفقت عليه كلمة الأنبياء و شرحه القرآن شرحا وافيا.

و ليس وجوده و تكوّنه من مجرد الصدفة و الاتفاق من دون فاعل ارادي مختار لما أثبتوه في الفلسفة ببراهين كثيرة من بطلان الصدفة و الاتفاق و تدل على البطلان الفطرة العقلية مع قطع النظر عن الكتب السماوية و مقتضيات نفس الطبيعة.

و اما انه وليد التطور و النشوء - فلا يكون منتسبا إلى الخلق بل ان صورته الفعلية حصلت من إبراد الأنواع في الخارج بالتحول كاقتضاء التكوين من بعض الحشرات السماوية ثم الارضية عند اقتضاء اسبابها - كما نسب إلى بعض علماء الغرب بابتنائه على قانون الوراثة التي هي الأساس لهذه النظرية - و ان كان قانون التنازع و بقاء الأصلح لهما المساس فيها الا ان الأصل و الأساس هو قانون الوراثة - و هي: ان

الصفات التي حدثت في الحيوان من اثر البيئة أو الاجتماع أو أواسط المعيشة أو غيرها قبل آلاف السنين صفات بسيطة كانت في الطبقة العليا ثم انتقلت إلى الطبقات اللاحقة لكنها اشتدت و تحولت على نحو تسببت نوعية خاصة في الحيوان و هي الإنسان فهو وليد تلك الصفات بالتحول و النشو.

و هو باطل من أساسه لان الصفات و ان كانت في هذا العالم موروثة الا انها لا تتمكن من انقلاب العرض إلى الجوهر (نوع) الا بتعدد العوالم - عالم الدنيا و الآخرة كما مر في البحث عن تجسم الأعمال - لان الجواهر أو الأنواع متباينة مع الاعراض و ان مواليد الطبيعة و متكوناتها في هذا العالم لا بد ان تكون من سنخ نفس مقتضياتها و مثل هذا الخلق البديع و الصنع العجيب كيف يعقل ان يكون من ملوّثات و دنيّاتها التي لا علم لها و لا شعور.

مع ان انقلاب النوع إلى نوع آخر بعد تحصّل النوعية غير ممكن إلا بالاستحالة و الأدوار حتى يصلح للمنقلب اليه. و هناك وجوه اخرى تثبت بطلان هذه النظرية لعلنا نتعرض لها في الآيات المناسبة ان شاء اللّه تعالى.

فالنظرية الواقعية الحقيقية هي ما تقدم من ان الإنسان مخلوق و ان البشرية انتشرت من نفس واحدة و هي آدم الذي هو من صنع الفاعل العليم القهار الغني بالذات.

بحث قرآني

الخطابات الواردة في القرآن الكريم المتضمنة ب‍ «يا أَيُّهَا اَلنّاسُ‌» *

خطاب إلى الكثرة و الجمع و هذه الكثرة و الجمع لا يعقل لها حد و لا نهاية فتكون الخطاب عام لجميع البشر من زمان صدور الخطاب - بل من زمان الهبوط - إلى زمان الخلود فهي نوع لاحد لأفراده و قد أثبتنا في علم الأصول ان الخطابات المشتملة على النداء لا يعتبر فيها وجود المنادى خارجا بل يكفي فيها الوجود العلمي الاعتباري.

و المراد من النفس المتصف بالوحدة الواردة في الآية الشريفة هو آدم (عليه السلام) كما هو معلوم من الآيات التي وردت في كيفية خلق أدم (عليه السلام) و شرح حالاته فما عن بعض المفسرين من التشكيك في ذلك غير صحيح و لا ينبغي ان يعتني به.

و لا شك ان القرآن و غيره من الادلة تثبت ان النسل الاول من الإنسان انحدر من أدم (عليه السلام) و لكن في تكثر الذرية من بعدهما و في أولادهما يتصور وجوه:

الاول: ان يكون التناسل و التكاثر من نكاح كل ولد ذكر مع امه.

الثاني: ان يكون ذلك بتزويج كل ذكر مع أخته.

الثالث: ان يكون ذلك بتزويج كل ذكر بروحاني متجسّد. و لا يتصور اكثر من ذلك.

و الاول باطل بالضرورة للاستقباح الفطري عند كل ذي شعور حتى الحيوانات. و كذا الثاني لان نكاح الاخت من المحرمات النظامية التي لا يختص بشريعة دون اخرى كقبح السرقة و قبح شرب الخمر و غيرهما مع ما كشفه العلم الحديث من ان نكاح المحارم يستعقب مفاسد كثيرة في النسل فيكون قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ‌» النساء - 23 قضية حقيقية تكوينية أبرزها اللّه تعالى على صورة التشريع كقوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ‌ بِالْباطِلِ‌» * النساء - 24 و قوله تعالى: «يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبائِثَ‌» الأعراف - 157 فان جميع ذلك من القضايا التكوينية أبرزت بصورة التشريع توافقا بين النظامين.

و الاول باطل بالضرورة للاستقباح الفطري عند كل ذي شعور حتى الحيوانات. و كذا الثاني لان نكاح الاخت من المحرمات النظامية التي لا يختص بشريعة دون اخرى كقبح السرقة و قبح شرب الخمر و غيرهما مع ما كشفه العلم الحديث من ان نكاح المحارم يستعقب مفاسد كثيرة في النسل فيكون قوله تعالى: «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَ بَناتُكُمْ وَ أَخَواتُكُمْ‌» النساء - 23 قضية حقيقية تكوينية أبرزها اللّه تعالى على صورة التشريع كقوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ‌ بِالْباطِلِ‌» * النساء - 24 و قوله تعالى: «يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبائِثَ‌» الأعراف - 157 فان جميع ذلك من القضايا التكوينية أبرزت بصورة التشريع توافقا بين النظامين.

و اما ما نسب إلى المجوس من تزويج الأخ مع لاخت و غيرها من المحارم فليس ذلك مستندا إلى كتابهم السماوي و انما هو من افتعالاتهم.

ان قيل: وضع الفقهاء مباحث في كتاب الميراث لإرث المجوس فلو كان مفتعلا يصير من الزنا و لا ارث لأولاد الزناء.

قلت: الافتعال الاول حصل بالجعل الاولي منهم و تبعه عوامهم فيصير كالوطى بالشبهة - جهلا بالحكم - فيتحقق موضوع الميراث.

و ما عن بعض المفسرين من ان قبح نكاح الأخ مع الاخت ليس من الفطريات الأولية بل من القبائح العرضية التي تزول لغرض الأهم و لذا لم يكن قبيحا لأجل بث النسل و الذرية.

غير صحيح لأن قبح نكاح الأخ مع الاخت مسلّم في الجملة و هذا مما لا شك فيه كما تقدم و مع إمكان رفع هذا القبح بأمر آخر لا قبح فيه أصلا كيف يتوسل بما هو قبيح و لو في الجملة. مع انا لا نسلم ان ذلك قبيح عرضي و انما هو قبيح ذاتي كما في بعض الروايات الآتية كالنكاح مع الام و اللواط و غيرهما.

و يصح ان يقال ان التجسد الروحاني كان بمثال الاخت في نظر الأخ لتحقق التناسب حسب هذه الطبيعة قال تعالى في قصة مريم العذراء: «فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا» مريم - 17 و قال تعالى: «وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ‌» الانعام - 9.

و اما ما قيل انه يستفاد من الآية الشريفة: «وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً‌» انحصار البث فيهما فلا بد من تزويج الأخ مع الاخت لأجل هذا الانحصار.

و اما ما قيل انه يستفاد من الآية الشريفة: «وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً‌» انحصار البث فيهما فلا بد من تزويج الأخ مع الاخت لأجل هذا الانحصار.

قلت: انه لا مفهوم للقب كما هو متفق عليه و قد أثبتناه في علم الأصول فراجع [تهذيب الأصول].

فتلخص من جميع ما تقدم ان بدو انتشار النسل كان بطريق معقول مشروع من غير تدخل ايّ منقصة في ذلك و هو التجسد روحاني و شروع النسل منه و من ولد آدم (عليه السلام) و لا فرق في تجسد الروحاني بين ان يتجسد بالذكر للأنثى كما في قصة مريم (عليها السلام) أو العكس كما في المقام و ان كان فرق بينهما في الجملة و لكن في الأصل التجسد و تهيج القوة الفاعلة و المنفعلة لا فرق بينهما.

بحث روائي
اشارة

و فيه نذكر الروايات الواردة في خلق حواء، و كيفية بث الذرية من نسل أدم و حواء، و ما وردت في شأن الأرحام.

في نهج البيان عن الشيباني: «سئل الصادق عن التقوى‌؟ فقال هي طاعته فلا يعصى و ان يذكر فلا ينسى و ان يشكر فلا يكفر».

أقول: هذا بيان بعض مراتب التقوى.

ما وردت في خلق حواء:

عن الصدوق باسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «سميت حواء لأنها خلقت من حي قال اللّه عز و جل «خَلَقَكُمْ‌ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» .

عن الصدوق باسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «سميت حواء لأنها خلقت من حي قال اللّه عز و جل «خَلَقَكُمْ‌ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها» .

أقول: هذه الرواية لا تدل على تبعض انفصال عضو من آدم (ع) و صيرورته حواء به باذن اللّه تعالى لان المراد من الحي هو مادة لها اقتضاء الحياة لا الحياة الفعلية من كل جهة إذ لو كان الحياة من كل جهة لاستلزم ان تكون حواء أختنا و أمنا لأنها متفرعة منه. و قد ذكرنا سابقا ان «من» لبيان الجنس كما في قوله تعالى: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‌» التوبة - 128 لا للتبعيض و على فرض ان يكون للتبعيض هو التبعيض في الجملة بحيث لا يكون بطريق التوليد.

عن الصدوق أيضا باسناده عن الصادق (عليه السلام) قال:

«سميت المرأة مرأة لأنها خلقت من المرء».

أقول: المراد من المرء الشخص و الكلام فيه عين الكلام في سابقه بل هو أهون كما لا يخفى.

و في نهج البيان عن أبى جعفر الباقر (عليه السلام): «انها خلقت من فضل طينة آدم عند دخول الجنة».

أقول: هذه الرواية شارحة لمعنى التبعيض المستفاد من لفظ «من» ان قلنا انها تبعيضية.

العياشي باسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «خلقت حواء من قصير جنب أدم و القصير هو الضلع الأصغر و أبدل اللّه مكانه لحما».

أقول: المراد من هذه الرواية طينة آدم (عليه السلام) قبل ان يجعل له ضلعا لا بعد تحقق الضلعية و نفخ الروح و الانفصال عن آدم (عليه السلام) بقرينة الرواية السابقة.

و عن العياشي أيضا باسناده قال (عليه السلام): «خلقت حواء من

جنب آدم و هو راقد».

أقول: معنى الرواية خلقت من طينة أدم بحيث لو كانت موضوعة في آدم (عليه السلام) لكانت في جنبه و هو راقد اي كان خلق حواء في حال رقود آدم (عليه السلام).

عن عمرو بن أبى المقدام عن أبيه قال: «سألت أبا جعفر (ع) من اي شيء خلق اللّه حواء؟ فقال اي شيء يقولون هذا الخلق‌؟ قلت يقولون ان اللّه خلقها من ضلع من أضلاع آدم فقال كذبوا أ كان اللّه يعجزه أن يخلقه من غير ضلعه‌؟ قلت جعلت فداك يا ابن رسول اللّه من اي شيء خلقها؟ فقال اخبرني أبى عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ان اللّه تبارك و تعالى قبض قبضة من طين فخلطها بيمينه و كلتا يديه يمين فخلق منها آدم و فضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء».

أقول: ذيل الرواية «كلتا يديه يمين» كناية عن القوة و الفعالية و الاستيلاء لان اليمين كناية عنها و البسيط الحقيقية بالوحدة الحقيقية تكون جميع جهاته الملحوظة كذلك فهو جلّ شأنه مستول و قوي و فعّال لما يريد فلا يعقل بالنسبة اليه يسار إن كان اليسار كناية عن جهة النقص كما هو كذلك.

و هذه الرواية معتبرة و شارحة لجميع روايات الباب و مفصلة لها فلا بد من رد جميعها إليها و هي مطابق لقانون العقل الذي قلناه.

عن أبى علي الواسطي قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) ان اللّه خلق آدم من الماء و الطين فهمة ابن آدم من الماء و الطين و ان اللّه خلق حواء من آدم فهمة النساء من الرجال فحصنوهن في البيوت».

أقول: حيث كانت طينة حواء قبل ان يخلق منها مقتضية لأن

يجعل في آدم فهذه الاقتضاء باقية للمرأة إلى الأبد فهي تهم إلى ما اقتضته منها.

ما وردت في كيفية بث النسل منهما:

عن أبى بكر الحضرمي عن أبى جعفر الباقر (عليه السلام) قال:

«ان آدم ولد له اربعة ذكور فاهبط اللّه إليهم أربعا من الحور العين فزوج كل واحد منهم فتوالدوا ثم ان اللّه رفعهن و زوج هؤلاء الاربعة أربعا من الجن فصار النسل فيهم فما كان من حلم فمن آدم (عليه السلام) و ما كان من جمال فمن قبل حور العين و ما كان من قبح أو سوء خلق من الجن».

أقول هذه الرواية تبين ما شرحناه في كيفية بث النسل. و يستفاد منها ان الإنسان بجميع ألوانه و صفاته كالبيض و السود و الحمر و الصفر و القصير و الطويل أو الجميل و القبيح و غيرها ينتهي إلى آدم (عليه السلام) و زوجته و لا دخل للصفات و الألوان في انحدار النسل منه و ما ورد في الرواية من قوله (عليه السلام): «فما كان من حلم فمن آدم (عليه السلام) و ما كان من جمال فمن قبل حور العين و ما كان من قبح أو سوء خلق فمن الجن» يمكن مثالا لكل تغير نوعي لونا كان أو غيره من الصفات فلا مجال للتشكيك في ان بعض الألوان لا ينحدر إلى آدم (عليه السلام) لأنه كان من غير ذلك اللون.

و عن العياشي عن أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال «قال لي ما يقول الناس في تزويج آدم ولده‌؟ قلت يقولون ان حواء كانت تلد لآدم في كل بطن غلاما و جارية فتزوج الغلام الجارية

التي من البطن الآخر و تزوج الجارية الغلام الذي من البطن الآخر الثاني حتى توالدوا فقال أبو جعفر (عليه السلام) ليس هذا كذلك يحجكم المجوس و لكنه لما ولد آدم هبة اللّه و كبر سأل اللّه ان يزوجه فانزل اللّه له حوراء من الجنة فزوجها إياه فولدت له اربعة بنين ثم ولد لآدم (ع) ابن آخر فلما كبر امره فتزوج الى الجان فولد له اربع بنات فتزوج بنو هذا بنات هذا، فما كان من جمال فمن حور العين و ما كان من حلم فمن قبل أدم و ما كان من حقد فمن قبل الجان فلما توالدوا صعدت الحوراء إلى السماء».

أقول: هذه الرواية تبين بعض ما ذكرناه في التفسير و يمكن حمل الاختلاف على تعدد الواقعة.

عن الصدوق باسناده إلى زرارة قال: «سئل أبو عبد اللّه (ع) كيف بدأ النسل من ذرية آدم‌؟ قال عندنا أناس يقولون ان اللّه تبارك و تعالى اوحى إلى أدم (عليه السلام) ان يزوج بناته من بنيه و ان هذا الخلق كلهم أصله من الاخوة و الأخوات قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) سبحان اللّه تعالى عن ذلك علوا كبيرا من يقول هذا؟! ان اللّه عز و جل جعل اصل صفوة خلقه و احبائه و أنبيائه و رسله و المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات من حرام و لم يكن له من القدرة ما يخلقهم من الحلال!! و قد أخذ ميثاقهم على الحلال و الطهر الطاهر الطيب و اللّه لقد نبئت ان بعض البهائم تنكرت له أخته فلما نزا عليها و تزل كشف له عنها و علم انها أخته اخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه ثم قلعه ثم خر ميتا قال زرارة ثم سئل عن خلق حواء و قيل له ان أناسا عندنا يقولون ان اللّه عز و جل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى قال سبحان اللّه تعالى عن ذلك علوا كبيرا يقول من

يقول هذا ان اللّه تبارك و تعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه و جعل للمتكلم من اهل التشنيع سبيلا إلى الكلام يقول ان آدم كان ينكح بعضه بعضا إذا كانت من ضلعه ما لهؤلاء حكم اللّه بيننا و بينهم ثم قال ان اللّه تبارك و تعالى لما خلق آدم من طين امر الملائكة فسجدوا له و القى عليه السبات ثم ابتدع له خلقا ثم جعلها في موضع النقرة التي بين ركبتيه و ذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل فأقبلت تتحرك فانتبه لتحركها فلما انتبه نوديت ان تنحى عنه فلما نظر إليها نظر إلى خلق حسن يشبه صورته غير انها أنثى فكلمها فكلمته بلغته فقال لها من أنت‌؟ فقال خلق خلقني اللّه كما ترى فقال أدم (ع) عند ذلك يا رب من هذا الخلق الحسن الذي قد آنسني قربه و النظر اليه فقال اللّه هذه أمتي حواء أ فتحب ان تكون معك فتؤنسك و تحدثك و تأتمر لأمرك‌؟ قال نعم يا رب و لك بذلك الشكر و الحمد على ما بقيت فقال اللّه تبارك و تعالى فاخطبها اليّ فإنها امتي و قد تصلح أيضا للشهوة فالقى اللّه عليه الشهوة و قد علم قبل ذلك المعرفة فقال يا رب اني اخطبها إليك فما رضاك لذاك‌؟ قال رضاي ان تعلمها معالم ديني، فقال ذلك يا رب ان شئت ذلك فقال عز و جل قد شئت ذلك و قد زوجتكها فضمها إليك فقال اقبلي، فقالت بل أنت فاقبل اليّ فأمر اللّه عز و جل لآدم ان يقوم إليها فقام و لو لا ذلك لكان النساء هن يذهبن الى الرجال حتى خطبن على انفسهن فهذه قصة حواء صلوات اللّه عليها».

أقول: هذه الرواية المعتبرة تتضمن أمورا هامة:

الاول: ان اصل التزويج الذي في شرع الإسلام هو من الميثاق الذي اخذه اللّه تعالى على جميع الأنبياء و المرسلين.

الثاني: ان ما يقال لخلق أدم (عليه السلام) من دون الرجوع

إلى السنة الوحي المبين هو لسان التشنيع على الدين فلا ينبغي الإصغاء اليه بوجه من الوجوه.

الثالث: لم يرد فيها ذكر انها خلقت من ضلع أو من فضالة طين آدم (عليه السلام) للاستغناء عن ذلك بقوله (عليه السلام) «ثم ابتدع له خلقا».

الرابع: ان تبعية المرأة للرجل تكوينية من بدء الخلقة إلى اخرها.

و عن الصدوق باسناده إلى زرارة قال: «سئل أبو عبد اللّه (ع) عن بدء النسل من آدم كيف كان و عن بدء النسل من ذرية آدم (عليه السلام) فان أناسا عندنا يقولون ان اللّه تبارك و تعالى اوحى إلى آدم ان يزوج بناته من بنيه و ان هذا الخلق كله أصله من الاخوة و الأخوات‌؟!! فقال أبو عبد اللّه: تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا يقول من قال هذا بأن جل و عز يخلق صفوة خلقه و احبائه و أنبيائه و رسله و المؤمنين و المؤمنات و المسلمين و المسلمات من حرام و لم يكن له من القدرة ما يخلقهم من حلال و قد أخذ ميثاقهم على الحلال الطهر الطاهر الطيب؛ فو اللّه لقد نبئت ان بعض البهائم تنكرت له أخته فلما نزا عليها و نزل كشف له عنها فعلم انها أخته اخرج غرموله ثم قبض عليه بأسنانه حتى قطعه فخر ميتا و أخر تنكرت له امه ففعل هذا بعينه فكيف الإنسان في انسيته و فضله و علمه غير ان جيلا من هذا الخلق الذي ترون رغبوا عن علم بيوتات أنبيائهم و أخذوا من حيث لم يؤمروا بأخذه فصاروا إلى ما قد ترون من الضلالة و الجهل بالعلم. كيف كانت الأشياء الماضية من بدأ فخلق اللّه ما خلق و ما هو كائن ابدا، ثم قال ويح هؤلاء اين هم عما لم يختلف فيه فقهاء اهل الحجاز و لا فقهاء اهل العراق فان اللّه عز و جل امر القلم فجزى على

اللوح المحفوظ بما هو كائن إلى يوم القيامة قبل خلق آدم بألفي عام و ان مما كتب اللّه كلها فيما جرى فيه القلم في كلها تحريم الأخوات على الاخوة مع ما حرم، و هذا نحن قد نرى منها هذه الكتب الاربعة المشهورة في هذا العالم - التوراة و الإنجيل و الزبور و القرآن - و أنزلها اللّه من اللوح المحفوظ على رسله صلوات اللّه عليهم أجمعين منها التوراة على موسى و الإنجيل على عيسى و الزبور على داود و الفرقان على محمد (صلى اللّه عليه و آله) و على النبيين (عليهم السلام) ليس فيها تحليل شيء من ذلك حقا أقول ما أراد من يقول هذا و شبهه الا تقوية حجج المجوس على موسى فما لهم قاتلهم اللّه - ثم انشأ يحدثنا كيف كان بدأ النسل من آدم و كيف كان بدأ النسل من ذريته - فقال ان آدم ولد له سبعون بطنا في كل بطن غلام و جارية إلى ان قتل هابيل فلما قتل قابيل هابيل جزع آدم (عليه السلام) على هابيل جزعا شديدا قطعه عن إتيان النساء فبقى لا يستطيع ان يغشى حواء خمسمائة عام ثم تجلى ما به من الجزع عليه فغشى حواء فوهب اللّه له شيثا (ع) وحده ليس معه ثان و اسم شيث هبة اللّه و هو أول وصي اوصى اليه من الآدميين في الأرض ثم ولد له من بعد شيث يافث ليس معه ثان فلما أدركا و أراد اللّه عز و جل ان يبلغ بالنسل ما ترون و ان يكون ما قد جرى به القلم من تحريم ما حرم اللّه عز و جل من الأخوات على الاخوة انزل اللّه بعد العصر في يوم الخميس حوراء من الجنة اسمها بركة (نزلة) امر اللّه عز و جل أدم ان يزوجها من شيث فزوجها منه ثم نزل بعد العصر حورا من الجنة اسمها بوكة (منزلة) فأمر اللّه عز و جل آدم ان يزوجها من يافث من ابن شيث ففعل ذلك فولد الصفوة من النبيين و المرسلين من نسلهما و معاذ اللّه ان يكون ربك على ما قالوا من

الاخوة و الأخوات».

أقول: هذه الرواية من مفصلات الروايات الشارحة فتكون حاكمة على جميع ما تقدم و موافقه لحكم الفطرة.

و عن الصدوق باسناده عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) لاي علة خلق اللّه عز و جل آدم من غير أب و أم و خلق عيسى من غير أب، و خلق سائر الناس من الآباء و الأمهات‌؟ فقال ليعلم الناس تمام قدرته و كما لها و يعلموا انه قادر على ان يخلق خلقا من أنثى من غير ذكر كما هو قادر على ان يخلقه من غير ذكر و أنثى، و انه عز و جل فعل ذلك ليعلم انه على كل شيء قدير».

أقول تبين هذه الرواية كمال قدرته تعالى و انه على كل شيء قدير و صد عن السنة من يقول بغير علم ففي مثل هذه الرواية دقايق و اشارة لا يفهمها إلا من تأمل فيها حق التأمل.

و عنه أيضا باسناده عن عبد الحميد بن الديلم عن الصادق (ع) في حديث طويل قال: «سمي النساء نساء انه لم يكن لآدم (ع) انس غير حواء».

أقول: هذه الرواية تبين وجه الاشتقاق.

و في الاحتجاج عن علي بن الحسين (عليهما السلام) في حديث له مع قرشي: «يصف فيه تزويج هابيل بلوزا اخت قابيل و تزويج قابيل باقليما اخت هابيل فقال له القرشي فأولداهما؟ قال: نعم فقال له القرشي فهذا فعل المجوس اليوم فقالوا إن المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من اللّه ثم قال له: لا تنكر هذا انما هي شرائع اللّه جرت أليس اللّه قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له‌؟ فكان ذلك شريعة من شرائعهم ثم انزل اللّه التحريم بعد ذلك».

أقول: هذه الرواية مضافا إلى قصور سندها و معارضتها بما هي اكثر منها لما تقدم ان المراد من الاخت الواردة فيها الروحانية المتجسدة بشباهة اخت قابيل و كذا تزويج قابيل اخت هابيل. و اما قول القرشي نحو توهم و قول الامام (عليه السلام) للقرشي جواب إسكاتي له و ذيل الرواية محمول كما تقدم مع ان متن الرواية يشهد بعدم صدوره عن المعصوم (عليه السلام) فلا بد من طرحها.

ما وردت في تعدد خلق آدم طولا:

في التوحيد للصدوق عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال:

«لعلك ترى ان اللّه لم يخلق بشرا غيركم‌؟ بلى و اللّه لقد خلق ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين».

أقول: لم يدل دليل عقلي على ان أبانا آدم (عليه السلام) هو أول خلق آدمي في الممكنات، فمقتضى اصالة الإمكان جواز تعدد الآدميين قبله. و ما عن بعض المفسرين من سوء المقال في المقام ظاهر في انه غير مطلع على القواعد العقلية و لا على الشواهد الخارجية.

و في الخصال عن الصادق (عليه السلام) قال: «ان اللّه تعالى خلق عشر ألف عالم كل عالم منهم اكبر من سبع سماوات و سبع ارضين ما يدرى عالم منهم ان للّه عز و جل عالما غيرهم».

أقول: لا ريب في الإمكان الذاتي بالنسبة إلى هذه العوالم كما لا ريب في قدرة اللّه تبارك و تعالى غير المتناهية بالنسبة إلى خلق هذه العوالم و لا دليل من عقل أو نقل على امتناع وقوعها بل الشواهد الكثيرة تدل على وقوعها و انكار بعض المفسرين يدل على قصور فهمه و عدم

دركه بما جعله الفلاسفة من الأوليات من قولهم: «كل ما قرع سمعك من العجائب و الغرائب فذره في بقعة الإمكان ما لم يمنعك عنه قائم البرهان» مع ان جمعا كثيرا من قدماء الفلاسفة اثبتوا الأدوار و الأكوار في هذا العالم، و تسالم الكل على قدم الهيولى و الصور المتوالية المتتابعة.

و في الخصال عن أبي جعفر (عليه السلام): «لقد خلق اللّه عز و جل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه ثم خلق اللّه عز و جل آدم أبا البشر و خلق ذريته منه».

أقول لا تنافي بين هذه الرواية و بين الروايات السابقة لان الروايات السابقة لم تبين كيفية المخلوقات في تلك العوالم. و الحصر في هذه الرواية اضافي لا ان يكون حقيقيا حتي يحصل التنافي. مع انه يمكن ان تكون الرواية الاولى بالنسبة إلى نوع آخر.

ما وردت في شأن صلة الرحم:

في الكافي عن جميل بن دراج قال: «سألت أبا عبد اللّه (ع):

عن قول اللّه عز ذكره: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» فقال يعني أرحام الناس ان اللّه عز و جل امر بصلتها و عظمها ا لم تر ان اللّه جعلها معه».

أقول: هذه الرواية تدل على تعظيم صلة الأرحام و نظيرها كثيرة:

و في الكافي أيضا عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال:

«قال أمير المؤمنين (عليه السلام) صلوا أرحامكم و لو بالتسليم يقول اللّه تبارك و تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌ إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» .

«قال أمير المؤمنين (عليه السلام) صلوا أرحامكم و لو بالتسليم يقول اللّه تبارك و تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌ إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» .

أقول لصلة الرحم مراتب كثيرة أدناها التسليم.

و عن عمر بن حنظلة عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه تعالى:

«اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌» قال: «هي أرحام الناس ان اللّه امر بصلتها و عظمتها الا ترى انه جعلها معه».

عن جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«سألته عن قول اللّه: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌» قال: «هي أرحام الناس امر اللّه تبارك و تعالى بصلتها و عظمتها الا ترى انه جعلها معه».

أقول تقدم ما يتعلق بهما.

في الكافي باسناده عن محمد بن الفضيل الصيرفي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «ان رحم آل محمد الائمة المعلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني و اقطع من قطعني ثم هي جارية في المؤمنين ثم تلا هذه الآية: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌» .

أقول: لا ريب في ان رحم آل محمد (صلوات اللّه عليهم أجمعين) هي المتيقنة مما ورد في صلة الأرحام من الكتاب و السنة و الادلة العقلية. و معنى التعلق بالعرش كونهم بوجودهم النوراني موجودين في هذا المقام العظيم يدعون لمن وصلهم و على من قطعهم.

و في الدر المنثور اخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله تعالى «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌» قال ابن عباس قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «يقول اللّه تعالى صلوا أرحامكم فانه أبقى لكم في الحياة الدنيا و خير لكم في آخرتكم».

أقول: قريب منه غيره من طرقنا و ما ذكره (صلى اللّه عليه و آله) من الآثار الوضعية من المقتضي لا العلية التامة.

و في الكافي باسناده عن جميل بن دراج قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه تبارك و تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌» قال هي أرحام الناس ان اللّه امر بصلتها و عظمتها الا ترى انه جعلها معه».

أقول: تقدم ما يدل على ذلك و لا تنافي بينها و بين ما تقدم من تفسير صلة الرحم برحم آل محمد (عليهم السلام) لان هذه الرواية تبين بعض اقسام الرحم و ليست في مقام الحصر الحقيقي حتى يتحقق التنافي.

العياشي عن الأصبغ بن نباتة قال: «سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول. «ان أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه فان الرحم إذا مسها الرحم استقرت و انها متعلقة بالعرش ينقضه انتقاض الحديد فينادى اللهم صل من و صلني و اقطع من قطعني و ذلك قول اللّه في كتابه «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً» و أيما رجل غضب و هو قائم فليلزم الأرض من فوره فانه يذهب رجز الشيطان».

أقول: لا تنافي بين هذه الرواية و بين ما دلت على ان رحم آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) متعلقة بالعرش لان مراتب التعلق متفاوتة جدا.

و معنى تعلق سائر الأرحام بالعرش حضورهن بالحضور العلمي لدى اللّه تبارك و تعالى و الدعاء لمن وصلهم و على من قطعهم.

و اما ان مس كل رحم بالرحم يوجب هبوط فوران الغضب فلما أثبته العلم الحديث من انتهائهم إلى شيء واحد فتستولى الوحدة و تنطفي الغضب.

و اما ذيل الرواية فلان القعود يوجب سكون فوران الدم في الجملة فيتوجه إلى نفسه فيحصل له التعوّذ من الشيطان.

و عن ابن شهر آشوب باسناده عن ابن عباس في قوله تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌» نزلت في رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و اهل بيته و ذوي أرحامه و ذلك ان كل سبب و نسب منقطع يوم القيامة الا ما كان من سببه و نسبه صلى اللّه عليه و آله».

و عن ابن شهر آشوب باسناده عن ابن عباس في قوله تعالى: «وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اَلْأَرْحامَ‌» نزلت في رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و اهل بيته و ذوي أرحامه و ذلك ان كل سبب و نسب منقطع يوم القيامة الا ما كان من سببه و نسبه صلى اللّه عليه و آله».

أقول: يستفاد منه ان الرحم ما كان متصلا إلى يوم القيامة و كان رحما فيها ايضا و هو مختص بنسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لان ما سواه ينسون أنفسهم في تلك الأهوال و الشدائد فضلا عن أرحامهم قال تعالى: «يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ‌» عبس - 37.

و في تفسير علي بن ابراهيم قال: «تسائلون يوم القيامة عن التقوى هل اتقيتم‌؟ و عن الأرحام هل وصلتموها».

أقول: هذا من التفسير بأكبر المصاديق.

و عن علي بن ابراهيم في تفسيره ايضا عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) «الرقيب الحفيظ».

أقول: حيث ان رقابته جلّ جلاله من الحضور العلمي الاحاطي و هذا يستلزم الحفظ بما يراه من المصالح.

و في المجمع عن الباقر (عليه السلام): «اتقوا الأرحام ان تقطعوها».

أقول: الروايات في حرمة قطع الرحم كثيرة جدا و هي من المعاصي الكبيرة كما ذكرناه في الفقه.

بحث فقهي

إطلاق الآية الشريفة و غيرها من الآيات و الروايات يشمل كل رحم

• ذكرا كان أو أنثى صغيرا كان أو كبيرا - نسبيا كان أو سببيا وارثا كان أو غير وارث قاطعا كان أو وصولا بل صلة القاطع أحب عند اللّه تبارك و تعالى من صلة الرحم الوصول لدلالة الروايات المتواترة على ذلك.

و المراد من الرحم ما ينتهي إلى رحم واحد بحسب الاجتماع العرفي الا إذا دل دليل من الشرع على الخلاف كما في رحم آل محمد (صلوات اللّه عليهم) الذي وسع فيه إلى يوم القيامة بل و فيها و لذا أكد في الشرع اولوية الأرحام في إيصال الصدقات و الخيرات و تقدمهم على غيرهم و هناك موارد تفضيل ذكرناها في كتاب (مهذب الاحكام).

بحث عرفاني

في خلق أدم (عليه السلام) جهتان: الاولى: الجهة النورانية المعنوية و تستفاد هي من قوله تعالى: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» * و هي من ارفع الجهات و أعلى الدرجات و ليس في الممكنات ما يفوقها.

الثانية: الجسمانية و هي الطين و الصلصال و الحمأ المسنون و قد اعتنى سبحانه و تعالى بكل منها اعتناء بليغا لم يعتن بشيء من الممكنات بمثله لأنه أول خليقته و أب الأنبياء.

اما الجهة الاولى فيكفيك قوله تعالى: «وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» * ص - 72 و بأي معنى لوحظ ذلك لا يدرك كنه عظمته و رفعته.

و اما الجهة الثانية فيكفى فيها قوله تعالى: «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ‌» ص - 75 و اظهر منها إسجاد الاملاك لهذا الخلق

العجيب الذي تحير الأفكار في مغزى درك حقيقته و درك واقعيته.

و الجهتان متلازمتان في الجملة في هذا الموجود العظيم في اي مرتبة من مراتب ظهوره و بروزه.

و هذه المراتب غير محدودة و ان أمكن تحديد كلياتها في الجملة، فالاولى مرتبة العلم الازلي و هي أعلى المراتب و أسماها.

الثانية: مرتبة المشيئة الكلية و هي: «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ‌» ص - 71.

الثالثة: مرتبة الارادة الفعلية الحتمية و هي: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» * ص - 72.

الرابعة: مرتبة الإيجاد بالأمر و هي: «وَ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ‌» البقرة - 117.

الخامسة: مرتبة تعليم الأسماء و هي: «وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْماءَ كُلَّها» البقرة - 31.

السادسة: مرتبة التقصير و هي: «فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَ طَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ اَلْجَنَّةِ‌» طه - 121.

السابعة: مرتبة الهبوط: «وَ قُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي اَلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ» البقرة - 36.

الثامنة: مرتبة التوبة و قبولها و هي «قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلْخاسِرِينَ‌» : الأعراف - 23 و قال تعالى: «فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوّابُ اَلرَّحِيمُ‌» البقرة - 37.

التاسعة: عالم الاصطفاء قال تعالى: «إِنَّ اَللّهَ اِصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى اَلْعالَمِينَ‌» آل عمران - 33.

العاشرة: عالم الذر بقسميه في السماء و في الأرض في بطحاء بمكة قال تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ‌» الأعراف - 172.

الحادية عشر: مرتبة انتشار النسل و بثه بالتدرج الزماني.

الثانية عشر: مرتبة أصلاب الآباء و أرحام الأمهات و ادوارها.

الثالثة عشر: مرتبة خروج الروح و تحقق الموت.

الرابعة عشر: عالم البرزخ قال تعالى: «وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ‌» المؤمنون - 100.

الخامسة عشر: عالم الخلود.

هذه كليات ما يرد على هذه اللطيفة الربانية. و ان قيل ان هذا الموجود العظيم أعظم عمل رباني لا بأس به و يأتي تتمة المقال في مستقبل الكلام.

وَ آتُوا اَلْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إ.......

اشارة

وَ آتُوا اَلْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (2) وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (3) وَ آتُوا اَلنِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4) وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ قِياماً

وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيها وَ اُكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (5) وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا اَلنِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى بِاللّهِ حَسِيباً (6) الآيات المباركة من جلائل الآيات التي تتعلق بالقواعد النظامية و هي تبين أهم القوانين التي لها دخل في حياة الاسرة و المجتمع الانساني من تنظيم الروابط بينهم و حفظ العلاقات - بين افراد الاسرة - التي أهمها رعاية اليتامى و حفظ أموالهم و تحديد النكاح باليتيمات اللواتي تحت الوصاية بعدم التقصير في حقوقهن. و تعدد الزوجات المراعى بعدم الجور و الظلم عليهن و حفظ حق المرأة في صداقها و عدم التعدي فيه.

و المنع من تصرف السفهاء - الذين لا يحسنون التصرف - في أموالهم و ان كان لهم الحق منها في الرزق و الكسوة الا إذا تبين الرشد و الأهلية منهم فيرجع إليهم أموالهم. و الآية الكريمة تقرر الاشهاد حين تسليم المال إليهم دفعا للشبهة و الخصومة، فهذه الآيات في مقام الردع عن الأخلاق الجاهلية و من يحذو حذوهم في الإسلام.

و من أجل اهمية هذه القوانين و ارتباطها بنظام الاسرة و المجتمع سبقت الآيات الشريفة بانه جل شأنه رقيب و ختمت بانه تعالى محاسب ما يصدر عن عباده من الأعمال.

و ارتباط هذه الآيات الشريفة بما قبلها هو ان القيام بشئون الأيتام

و غيرها مما تقدم من أهم مصاديق التقوى و في عرض صلة الأرحام بلا فرق بين ان يكون اليتيم من الأرحام أ و لم يكن منهم مع انها توطئة لما يأتي من احكام الإرث.

التفسير

قوله تعالى: وَ آتُوا اَلْيَتامى أَمْوالَهُمْ‌ .

هذه الآيات الكريمة مشتملة على اصول نظامية فطرية متينة ترتبط بحياة الاسرة و المجتمع كما تقدم و قد قررها الوحي المبين و هي امور:

الاول: ما يتعلق بأموال اليتامى. و الخطاب في الآية الشريفة عام يشمل الأوصياء و الأولياء - الجعليين و الشرعيين - و غيرهم المتصدين بشئون اموال اليتامى.

و الأمر بإيتاء اليتامى أموالهم من التفصيل لموارد الاتقاء و انما بدأ بهم إظهارا لشأنهم و عناية خاصة بهم لأنهم الضعفاء في الاسرة و المجتمع و اليتيم من اليتم و هو الانفراد عن المثل و في الإنسان هو: الصغير الذي مات أبوه و في سائر الحيوانات هو فاقد الام.

و المراد بالإيتاء إيصال أموالهم إليهم - اما صرفا عليهم أو عينا - و التعبير باليتيم حين الإيصال باعتبار ان الاستيلاء على المال كان حين اليتم اي كان يتيما. و يمكن ان يراد باليتامى كل مظلوم و مقهور استولى على ماله - يتيما كان بالمعنى المصطلح أولا - ثم ارتفع عنه ذلك كما يأتي في البحث العرفاني.

و المعنى: ان من استولى على اموال اليتامى - بحق كان كالوصي

و الولي أو بغير حق كالظالم - يجب دفعها إليهم ان بلغوا الرشد و الكمال بقرينة الآية الآتية.

قوله تعالى: وَ لا تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ‌ .

الثاني من تلك الأصول: ما يتعلق بتبديل الخبيث بالطيب الذي هو من المستنكرات الفطرية العقلية.

و التبديل هو جعل شيء مكان الآخر و الخبيث هو ما تتنفر عنه الطبائع و الطيب ما رغبت اليه الطبائع.

و المعنى: لا تبدلوا الردي من أموالكم بالطيب من اموال اليتامى أو لا تأكلوا اموال اليتامى فهو الخبيث اي الحرام بدلا عما طيب اللّه لكم من أموالكم اي الحلال.

و القدر الجامع بين الاحتمالين هو عنوان تبديل الحرام بالحلال سواء كان بالمعنى الاول أو بالثاني فيوخذ به و ان كان المعنى الاول اقرب الى الذهن و لكن ذيل الآية المباركة كالقرينة للمعنى الثاني.

قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ‌ .

الثالث من الأصول المتقدمة: الخلط بين اموال اليتامى و اموال المتصدين ثم أكل الجميع و هذا ايضا من المستنكرات.

و النهي في الآية الشريفة تعلق بمطلق التصرف و هو المراد بالأكل فيها.

و المعنى: لا تتصرفوا في اموال اليتامى سواء كان التصرف بالأكل أو الانتفاع أو المشاركة مع أموالكم لان الواجب عليكم حفظ اموال اليتامى و صيانتها و استثمارها لصالح الأيتام.

قوله تعالى: إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً .

الضمير يرجع الى مطلق التصرف. و الحوب: هو الإثم و توصيفه بالكبر للتهويل و العظمة لأن في الفعل و الارتكاب جرأة عظيمة.

و المعنى: من تصرف في اموال اليتامى - اي تصرف كان - فقد ارتكب إثما كبيرا الا إذا كان باذن من الشرع كما فصل في الفقه.

قوله تعالى: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ‌ .

الرابع: مما تقدم من الأصول كيفية القسط و المعاشرة بين نفس اليتامى.

و القسط هو النصيب بالعدل بعد ما بين سبحانه و تعالى حكم اموال اليتامى شرع فيما يتعلق بأنفس اليتامى و انما اخره لان الاول اكثر شيوعا من الثاني.

و الآية الشريفة تحتمل صورا: الاولى: ان يكون المراد التزويج من اليتيمات - اللواتي لهن مال - واحدة كانت أو متعددة - و كان التزويج موجبا لتحقق القسط بين اليتامى في انفسهن و أموالهن فلا ريب في جواز هذه الصورة و صحتها و حينئذ لا اشكال في ارتباط صدر الآية الشريفة مع ذيلها.

الثانية: التزويج بيتيمة ليس لها مال مع تحقق القسط من قبل الرجل بنفسه في التزويج سواء تعددت الزوجات منهن أم لم تتعدد و حكمها حكم الصورة الاولى.

الثالثة: التزويج باليتيمات مع خوف عدم القسط سواء كان التزويج بواحدة منهن أو بمتعددة و ان كان الخوف في صورة التعدد أشد

و الآية الشريفة تنفي هذه الصورة.

الرابعة: التزويج بامرأة ذات أب و عندها يتيم.

الخامسة: ما إذا كانت اليتيمات في معرض الزواج و كانت نساء من غيرهن في معرض الزواج ايضا و يخاف الإنسان إن تزوج من اليتيمات ان لا يقسط بينهن فيدعهن و يتزوج من سواهن و هذه الصورة هي المشهورة بين المفسرين.

السادسة: ان تكون الآية المباركة في مقام الإرشاد و دفع التوهم اي: انكم لو خفتم من التزويج باليتيمات و لأجله منعتموهن من التزويج بأنفسكم أو بغيركم خوفا من ان لا تقسطوا فيهن و تظلموهن فتزوجوا منهن و ان كنتم ذوي زوجات فإنهن حلال لكم و لغيركم فان اللّه تعالى يرشدكم الى ذلك.

و هذه الصور الثبوتية تتوافق مع ذيل الآية الشريفة و هو «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ‌» .

و اما في مقام الإثبات و الظهور فيجتمع مع اكثر الصور و ان كانت الخامسة مشهورة بين المفسرين كما قلنا.

و ظهر مما ذكرنا فساد ما ذهب اليه بعض المفسرين من عدم ارتباط صدر الآية الشريفة بذيلها و قد عرفت كمال الربط بينهما.

قوله تعالى: مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‌ .

هذه الألفاظ تدل على اعداد مكررة و هي: اثنين اثنين، و ثلاثا ثلاثا؛ و أربعا أربعا. و انها ممنوعة من الصرف.

و الخطاب متوجه الى الجميع و العطف بمعنى التخيير فيكون المعنى المراد بلحاظ الخطاب و العطف و بقرينة ذيل الآية الكريمة: لكل واحد

من المؤمنين ان يختار واحدة ان خاف من الجور و التعسف و الا اثنتين أو ثلاث أو اربع.

و لا يستفاد من الآية الشريفة الجمع بين التسع منهن كما توهمه بعض لعدم دلالتها بوجه على ذلك، بل انه غير محتمل أصلا فلو قال احد جاء القوم مثنى و ثلاث و رباع لا يستفاد أصلا مجيئهم تسعة مع ان لفظ (و) بمعنى التخيير بقرائن قطعية منها ضرورة الدين كما يأتي في البحث الفقهي.

قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً‌ .

المراد من الخوف في هذه الآية المباركة العلم العادي المعبر عنه بالاطمينان، و انما عبر بالخوف لكون المورد و المتعلق منشأ للخوف عرفا.

و المعنى: ان حصل لكم الاطمينان في عدم تسوية حقوقهن و ان لا تعدلوا بين المتعددات فانكحوا و تزوجوا واحدة منهن.

قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‌ .

اي: من خاف من عدم التقسيط فيهن فينكح واحدة من الحرائر أو ما يختار من الإماء ما شاء إذ ليس لهن شيء من حقوق الزوجية الثابتة للحرائر حتى يستلزم الجور و التعسف الا إذا كان نكاحهن على وجه الزوجية كما فصل في الفقه.

و الآية الشريفة لا تدل على تجويز الظلم و التعدي على الإماء - فانه تعالى ليس بظلام للعبيد فلا يرخص بالظلم - و انما في مقام بيان ان الإماء ليست محدودة بحد الحرائر لان الإماء يتحملن من المشاق و المتاعب ما لا تتحمل الحرائر فليست الآية الكريمة في مقام تجويز الظلم عليهن.

قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا .

العول: هو الميل اي تميلوا الى الجور و المشار اليه في «ذلِكَ‌» ما تقدم من الاحكام النظامية فيتضمن نكاح الإماء و غيره.

و المعنى: انكم إذا عملتم بما تقدم من الاحكام و الأصول النظامية تكونون اقرب الى الحق و عدم الميل الى الباطل.

و يمكن إرجاع الخطاب «ذلِكَ‌» الى خصوص تملك الإماء لعدم التحديد في تملكهن و التمتع بهن و عدم لزوم التسوية بينهن و ان كان الاولى ما تقدم لشموله لهن بالعموم ايضا.

قوله تعالى: وَ آتُوا اَلنِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً‌ .

الخامس من الأصول النظامية المتقدمة: ما يتعلق بمهور النساء - اللواتي كاليتامى في الضعف - دفعا و أخذا منهن.

و الأمر متوجه الى من استولى على صدقاتهن و مهورهن زوجا كان أو غيره بدفع ما استولى منها إليهن.

و الصدقات: جمع صدقة بفتح الصاد و ضم الدال و هي كالصداق بمعنى المهر و هو المال - أو اي شيء له اعتبار عرفي و لم ينه الشرع عنه - يملّكه الزوج المرأة عند الازدواج لعادة استمرت بين الناس و قررتها الشرائع السماوية الا عند بعض المليين.

و النحلة هي العطية المقصود منها الانتفاع بلا عوض و التعبير بها للترغيب.

و المعنى: اعطوا النساء مهورهن التي جعلتم لهن نحلة و عطية أو جعل اللّه تعالى لهن عطية و لا تمنعوهن من مهورهن شيئا.

قوله تعالى: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً .

إي ان وهبن لكم شيئا من صداقهن و طابت نفوسهن إلى الهبة لكم - غير كارهات و لا لشكاسة أخلاقكم أو لسوء معاشرتكم - حل لكم اخذه و اكله.

و الضمير في (منه) يرجع إلى الصداق و الأمر للاباحة المشروطة بطيب النفس.

و الهنيء و المريء صفتان الاولى النعمة بلا نكد و لا تعب، و الثانية السائغة بلا غصة. و في حديث الاستسقاء «اللهم اسقنا غيثا مريثا».

قوله تعالى: وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ قِياماً .

بيان للأصل السادس من الأصول الفطرية العقلائية المطابقة للوجدان و هو التحفظ على المال عن الفساد و الانهيار إذ لولاه لاختل النظام و قد علل هذا الأصل في الآية الشريفة بأمتن تعليل و شهد به العقل و هو ان المال قيام لمعاش الناس، و مع وقوع الاختلال فيه يختل المعاش و مع اختلال المعاش يختل المعاد أيضا لقولهم (عليهم السّلام): «من لا معاش له لا معاد له».

و الخطاب (النهي) متوجه إلى الناس بأجمعهم وليا كان أو غيره كان المال للسفيه أو لغيره مخلوطا كان المال الذي هو مال السفيه مع غيره أو خالصا، ففي جميع ذلك لا يجوز دفع المال إلى السفيه فهذه الآية المباركة تشمل الآيات الشريفة المتقدمة شمول الكلي لأفراده.

و السفهاء: جمع سفيه، و السفه الخفة في العقل على نحو لا يضع

الأمور في مواضعها و ليس عنده حالة باعثة على حفظ ماله و الاعتناء به يصرفه في غير موقعه و يتلفه بغير محله و ليست معاملاته مبنية على المكايسة و التحفظ عن المغابنة و لا يبالي بالانخداع فيها و تقدم في آية 142 من سورة البقرة ما يتعلق بالمقام.

و اضافة الأموال إلى المخاطبين في قوله تعالى «أَمْوالَكُمُ‌» أعم من ان يكون للولي أو غيره مال و يريد ان يدعه عند سفيه أو يكون المال للسفيه و هو وليه يصرفه عليه يريد ان يعطيه و يرده اليه فحينئذ تكون الاضافة بالعناية و التنزيل أو غيرها. و في جميع ذلك يراعى فيه المصالح المقررة الشرعية التي أوجبها اللّه تعالى على عباده و حينئذ ان لم يراع فيه تلك المصالح المقررة الشرعية يكون من الصرف في الباطل و يستلزم الاختلال و حينئذ يخرج النظام عن الاستقامة إلى الانحراف و نظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: «لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‌» * النساء - 29 و قوله تعالى: «وَ كُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا» الأعراف - 31.

و المعنى: لا تعطوا السفهاء أموالكم التي جعل اللّه لكم قياما و سببا لمعاشكم و قضاء مآربكم.

قوله تعالى: وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيها وَ اُكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً .

الأصل السابع من تلك الأصول المتقدمة يتضمن العناية الخاصة منه جلّ شأنه بالنسبة إلى السفهاء لئلا يقعوا في الحرج و الشدة - و لا يقع الناس منهم في الحرج - لحرمانهم في التصرف في أموالهم فأمر جلت عظمته بالقيام بشئونهم من أموالهم.

و المراد من رزقهم فيها الانفاق عليهم و تغذيتهم و تنظيم معاشهم. كما ان المراد من كسوتهم هي اللباس و المقصود من القول المعروف هو المعاملة الحسنة تألفا لهم و رفعا لحزازة حبس الأموال عنهم لأنهم بشر أمثالكم يتأثرون بالقول الخشن و قد تغير المعاملة الحسنة و الأخلاق الحميدة سلوكهم و يزيل السفه عنهم و هذا هو الأصل الثابت من الأصول المتقدمة.

قوله تعالى: وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا اَلنِّكاحَ‌ .

الثامن: من الأصول المتقدمة في تمحيص اليتامى و اختبارهم لإحراز صلاحيتهم و اهليتهم لدفع أموالهم إليهم و هو متقوم بأمرين:

الاول: البلوغ في السن و هو المراد ببلوغ النكاح اي المرحلة التي جعلها اللّه تعالى لنوع البشر و هي الحالة التي تحدث فيها مادة النسل في الذكر و دم الحيض في الأنثى بحيث يكونان صالحين للأزواج و الانجاب و لها امارات كالاحتلام و الإنبات و السن على ما فصلناه في الفقه فراجع كتاب الحجر من (مهذب الاحكام) اي: امتحنوا اليتامى بعد بلوغهم و اختبروا حالاتهم.

قوله تعالى: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ‌ .

الأمر الثاني: احراز الرشد و الاهتداء لحفظ المال.

و الجملة جواب لإذا الظرفية الذي هو «إِذا بَلَغُوا اَلنِّكاحَ‌» اي:

إذا وجدتم من اليتامى البالغين رشدا و اهتداء في حفظ أموالهم و ضبطها بعد كبرهم و بلوغهم فادفعوا إليهم أموالهم، فدفع الأموال لا يكون إلا بعد البلوغ و وجدان الرشد فيهم.

قوله تعالى: وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ يَكْبَرُوا .

الأصل التاسع في المنع عن التعدي في اموال اليتامى. و الاكل معروف و المراد منه مطلق الاستيلاء. و الإسراف: تجاوز الحد.

و البدار: المسارعة إلى الشيء.

و المعنى: لا تأكلوا اموال اليتامى بالتجاوز و التعدي و لا تبادروا في أكلها بحيث لو بلغ اليتيم رشيدا لمنعهم عن ذلك.

قوله تعالى: وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌ .

الأصل العاشر: في تحديد تملك من يتصدى لأموال اليتيم من أموالهم لاجرة عمله اي من كان غنيا ذا مال و ثروة فليكف عن الاكل و التصرف في اموال اليتامى و من كان فقيرا و كان عمله في صلاح اموال اليتامى فليأكل منها و ليتصرف بالمعروف بحسب اجرة مثل عمله.

و الأمر و ان كان للاباحة إلا انه مقيد بالمعروف فالاكثار منه فيه محذور فولي اليتيم - أو من يتصدى لأمواله - ان استغنى عف و ان افتقر أكل بالمعروف.

قوله تعالى: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ‌ .

الأصل الحادي عشر: في الاستيثاق عند دفع الأموال إليهم و هو الشهادة تحكيما للأمر و دفعا للاختلاف.

و المعنى: إذا سلّمتم إليهم أموالهم بعد توفر الشروط السابقة و قبضوها منكم فاشهدوا عليهم بالقبض.

و الأمر ارشادي محض لأنه لو فرض الاستيثاق و الاستيمان في القبض بلا الشهادة لا تجب شهادة حينئذ كما هو واضح.

قوله تعالى: وَ كَفى بِاللّهِ حَسِيباً .

تعليل لجميع ما تقدم من الاحكام و الأصول النظامية و في ذكر اسم اللّه تعالى تنبيه على انه محيط و مسلط على جميع ذلك و كفى به محاسبا عليكم في جميع أعمالكم و ما صدر و يصدر منكم.

بحوث المقام

بحث ادبي:

اليتامى في قوله تعالى: «وَ آتُوا اَلْيَتامى‌» جمع يتيم و هو فعيل - صفة - و هي قد تجمع على فعال - مثل كريم و كرام - أو على فعلاء - كشريف و شرفاء - أو فعل كنذير و نذر أو فعلى مثل مريض و مرضى و لا يأتي على فعالي إلا في مثل هذه الآية الشريفة و في قوله تعالى: «وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى‌» - سورة البقرة - 85 و لعله انه جمع أولا على يتمى كمرضى ثم جمع يتمى على يتامى.

أو يكون ذلك بالقلب فان يتيم صفة جار مجرى الأسماء فجمع يتيم يتائم ثم قلب إلى يتامى كنديم و ندامى و جميع ذلك على وجه السماع.

و التبدل في قوله تعالى: «وَ لا تَتَبَدَّلُوا» من باب التفعل و مجيئه بمعنى الاستفعال غير عزيز.

و الباء في قوله جلّ شأنه «بِالطَّيِّبِ‌» للبدلية دخلت على المبدل منه كما في قوله تعالى: «وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ اَلْكُفْرَ بِالْإِيمانِ‌» البقرة - 108.

و إلى في قوله تعالى: «وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ‌» بمعنى مع كما في قوله تعالى: «مَنْ أَنْصارِي إِلَى اَللّهِ‌» * آل عمران - 52 اي مع اللّه و قوله تعالى: «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرافِقِ‌» المائدة - 6.

و ما في قوله تعالى: «ما طابَ‌» كما تقع لما لا يعقل كذلك تقع لنعوت ما يعقل و في المقام وقعت لنعت ما يعقل اي فانكحوا الطيب من النساء.

و مثنى و ثلاث و رباع في موضع نصب بدلا من (ما) و قد وردت هذه الجملة في القرآن الكريم في موردين أحدهما المقام و الثاني قوله تعالى: «جاعِلِ اَلْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‌» فاطر - 1 و يستفاد من الآية الاخيرة ان هذه الكلمات الثلاث نكرات لأنها جاءت صفة للنكرة و النكرة لا توصف بالمعرفة.

و النصب فيها بدل عن التنوين فان كل منهما تمييز و حق التمييز النصب بالتنوين و لكنها ممنوعة من الصرف للتأنيث و العدول فإنها معدولة عن الاعداد المكررة اثنين اثنين، و ثلاث ثلاث، و اربع اربع فنصب بالفتح فقط، و قيل انها صفة.

و المشهور ان العرب لا تجاوز في هذا الباب عن رباع الى ما فوق فلا يقولون خماس.

و من في قوله تعالى «مِنْهُ نَفْساً» للتبيين و ليس للتبعيض مثل قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثانِ‌» الحج - 30 و النصب في (نفسا) للتمييز.

و افراد (التي) في قوله تعالى: «وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ قِياماً» لان الأموال جمع لا يعقل و يجري فيه لفظ الواحد كقوله تعالى: «فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ اَلَّتِي» سورة هود - 101 و قال

تعالى: «جَنّاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي» * مريم - 61 بخلاف ما لو كان لما يعقل كقوله تعالى:

«وَ أُمَّهاتُكُمُ اَللاّتِي» النساء - 22 و قوله تعالى: «وَ رَبائِبُكُمُ اَللاّتِي» . النساء 22 و الباء في قوله تعالى: «كَفى بِاللّهِ حَسِيباً» للحصر.

بحث دلالي
يستفاد من الآيات الشريفة امور:
الاول:

ان التعبير بآتوا في قوله تعالى «وَ آتُوا اَلْيَتامى‌» يدل على عناية خاصة منه تعالى للأيتام لم تكن في التعبير بغيره مثل اعطوا أو ارجعوا لان الإيتاء هو إعطاء خاص لا مطلق الإعطاء.

الثاني:

انما عبر جلّ شأنه بالخبيث دون غيره حتى يشمل الفاسد و المحرم و غيرهما فانه كما تقدم عام يشملهما و يشمل الردي و الفاسد و ما سواهما و كذا الطيب يشمل المباح و الواجب و المندوب.

الثالث:

ان الاختلاف في التعبير بقوله تعالى: «أَلاّ تُقْسِطُوا» و قوله تعالى: «أَلاّ تَعْدِلُوا» لان الاول وقع موقع الخوف من عدم الاقساط الذي هو بمعنى العدل اي: خفتم من ترك العدل في اموال اليتامى و نسائهم و الثاني بمعنى الجور يعني: ان خفتم ان تجوروا و تميلوا في النفقة عن الحق فواحدة منهن.

الرابع:

يستفاد من الآية الشريفة «مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‌» الجمع في الحكم اي يجوز للرجل التزويج بتسع نساء طولا لان الواو و إن بقيت على حالها لكنها لا يستلزم الجمع بين تسع نسوة عرضا لان الجمع في الحكم لا يستلزم الجمع في الزمان الواحد و ذلك بقرينة ما ورد

في الكتاب و السنة من عدم جواز الجمع بأكثر من اربع منهن.

الخامس:

يدل قوله تعالى: «مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‌» على مشروعية تعدد الزوجات و التخيير بين التزويج بواحدة منهن أو اثنتين أو ثلاث أو اربع و هذه الآية من الآيات المعدودة التي تقرر مبدأ تعدد الزوجات الى اربع و تبيح ذلك و لكن الاباحة مقيدة بقيود تحددها الى الحد المطلوب و الذي تستقيم به الحياة كما تدل عليه الآية الشريفة و سيأتي الكلام في هذا المجال في البحث الآتي.

و انما عدل سبحانه و تعالى عن الاثنين و الثلاث و الأربع الى مثنى و ثلاث و رباع لان الخطاب للجميع فالمعنى ان كل من يريد الجمع من المخاطبين اثنتين اثنتين فقط أو ثلاث ثلاث أو اربع اربع و لو أفردت لما أفاد هذا المعنى.

و من ذلك يعلم الوجه في إتيان حرف العطف ب‍ (و) دون (او) فانه يدل على جواز الجمع بين انواع القسمة التي دلت عليه الواو اي: ان شاء الجميع ان يتفقوا في اي عدد من تلك الاعداد أو يختلفوا في تلك الاعداد.

و ذهب بعض الى ان الآية الكريمة تدل على جواز الجمع بين تسع نسوة التي هي مجموع اثنتين و ثلاث و اربع لمكان الواو و لكنه مردود بما ذكرناه.

السادس:

انما خص النهي عن أكل مال اليتامى مع اموال الأولياء أو الأوصياء أو غيرهما و لم ينه عن الاكل وحده مع ان ذلك حرام أيضا لان أكل مال اليتيم كذلك أقبح لان فيه الاستغناء حيث لغير اليتيم مال و هو مستغن به و لذلك خصه بالنهي. و ان الاكل كذلك فيه نحو خفاء و تستر بخلاف الاكل وحده، كما أنه جاء النهي على ما وقع منهم.

السابع:

يدل قوله تعالى: «وَ آتُوا اَلنِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً‌» على ان النكاح ليس من المعاوضة الحقيقية فالصداق نحو نحلة و هدية من الزوج إلى المرأة.

كما ان التعبير ب‍ (طبن) يدل على اعتبار ان يكون اعطائهن الصداق للزوج عن جزم و عزم نفساني غير قابل للتبدل لا مجرد الاذن الظاهري فذلك لا يتحقق إلا بهذا التعبير (طبن).

الثامن:

يدل قوله تعالى: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً» على كثرة المعاشرة مع اليتامى و معاشرة اليتامى معهم بحيث صار ذلك مغروسا في النفس و حصل الاطمينان الكامل بالرشد كما في قوله تعالى حكاية عن موسى بن عمران (عليه السّلام): «إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً» .

التاسع:

يدل قوله تعالى: «وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً» على اختلاف كيفية المقاولة معهم بحسب الازمنة و الأمكنة و الحالات كما في قوله تعالى: «وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ‌» فان ذلك يختلف اختلافا كثيرا و كذا في قوله تعالى: «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌» .

العاشر:

يدل قوله تعالى: «وَ كَفى بِاللّهِ حَسِيباً» على التهويل و اهمية ما تقدم من الاحكام و الأصول النظامية على نحو ان الحي القيوم المحيط بجميع العوالم بكلياتها و جزئياتها هو يتكفل الحساب و يحاسبكم على أعمالكم و ما صدر منكم.

بحث روائي

في تفسير علي بن ابراهيم في قوله تعالى: «وَ آتُوا اَلْيَتامى أَمْوالَهُمْ‌ وَ لا تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ‌» يعني: «لا تأكلوا مال اليتيم ظلما فتسرقوا و تبدلوا الخبيث بالطيب» و الطيب ما قال اللّه: «وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌ ... وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ‌» يعني مال اليتيم إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً . اي إثما عظيما».

في تفسير علي بن ابراهيم في قوله تعالى: «وَ آتُوا اَلْيَتامى أَمْوالَهُمْ‌ وَ لا تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ‌» يعني: «لا تأكلوا مال اليتيم ظلما فتسرقوا و تبدلوا الخبيث بالطيب» و الطيب ما قال اللّه: «وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌ ... وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ‌» يعني مال اليتيم إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً . اي إثما عظيما».

أقول: هذه الروايات من باب بيان أهم المصاديق للآية الشريفة و كذا في تبديل الخبيث بالطيب.

و في نهج البيان للشيباني في قوله تعالى: «وَ لا تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ‌» قال ابن عباس: «لا تتبدلوا الحلال من أموالكم بالحرام من أموالهم لأجل الجودة و الزيادة فيه قال و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام)».

أقول: ما ورد في الرواية من باب ذكر احد المصاديق و أهمها و انطباق الكلي عليه و الا فالآية الشريفة عامة لها مصاديق اخرى يأتي في البحث العرفاني و تقدم في التفسير أيضا.

و في مجمع البيان قال: «روى انه نزلت هذه الآية» (وَ آتُوا اَلْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ‌» .

كرهوا مخالطة اليتامى فشق ذلك عليهم فشكوا ذلك إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فانزل اللّه سبحانه: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَ إِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ‌» قال و هو المروي عن السيدين الباقر و الصادق «عليهما السلام».

أقول: هذه الرواية و أمثالها ارشاد إلى لزوم الجادة الوسطى في كل الأمور و عدم الإفراط و التفريط.

و في تفسير العياشي عن سماعة عن الصادق (عليه السّلام) قال:

«سألته عن رجل أكل مال اليتيم هل له توبة‌؟ فقال يؤدي الى اهله

لان اللّه يقول: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» و قال: «إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً» .

أقول: هذه الرواية موافقة للقاعدة لان التوبة لا تتحقق الا بعد أداء حق الناس إليهم.

و في الفقيه باسناده عن أبى بصير قال: «قلت لأبى جعفر (عليه السّلام) ما أيسر ما يدخل العبد النار؟ قال: من أكل من مال اليتيم درهما و نحن اليتيم».

أقول: هذه الرواية من باب بيان أهم المصاديق.

و في اسباب النزول للواحدي في قوله تعالى: «وَ آتُوا اَلْيَتامى أَمْوالَهُمْ - الآية -» نزلت في رجل من غطفان كان عنده مال كثير لابن أخ له يتيم. فلما بلغ اليتيم طلب المال فمنعه عمه فترافعا الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فنزلت الآية فلما سمعها العم قال: اطعنا اللّه و اطعنا الرسول، نعوذ باللّه من الحوب الكبير فدفع اليه ماله فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله) من يوق شح نفسه و يطع ربه فانه يحل داره يعني جنته فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل اللّه فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله) ثبت الأجر و بقي الوزر فقالوا يا رسول اللّه قد عرفنا انه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر و هو ينفق في سبيل اللّه فقال (ص): ثبت الأجر للغلام و بقي الوزر على والده».

أقول: لا ريب في ان ذلك من باب بيان بعض المصاديق فيجري الحكم في الجميع مطلقا و ذيل الرواية موافق لقوله تعالى: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى‌» النجم - 39 فكأن والده حمل أوزارا في جمع المال.

و في تفسير العياشي عن سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السّلام) «إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً» قال: «هو مما قال يخرج الأرض من اثقالها».

أقول: هذه الرواية تدل على عظمة هذا الإثم.

و في حديث الدعاء «تقبل توبتي و اغسل حوبتي» اي اثمي و فيه ايضا «اللهم اغفر لنا حوبنا» اي إثمنا.

و في تفسير علي بن ابراهيم قال: «نزلت مع قوله تعالى:

«وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي اَلنِّساءِ قُلِ اَللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي اَلْكِتابِ فِي يَتامَى اَلنِّساءِ اَللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ‌ ...

فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‌» فنصف الآية في أول السورة و نصفها على رأس المائة و عشرين آية و ذلك انهم كانوا لا يستحلون ان يتزوجوا بيتيمة قد رأوها فسألوا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن ذلك فانزل اللّه تعالى «يَسْتَفْتُونَكَ فِي اَلنِّساءِ - الى قوله - مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‌» و قوله تعالى «ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا» اي لا تتزوجوا ما لا تقدرون ان تعولوا».

أقول: يمكن ان يكون التفكيك في كيفية سماع الناس من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مرتين لا في اصل نزول الوحي.

و في اسباب النزول للواحدي: «أنزلت هذه الآية «وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا» في الرجل يكون له اليتيمة و هو وليها، و لها مال و ليس لها احد يخاصم دونها فلا ينكحها حبا لمالها و يضّربها و يسيء صحبتها فقال اللّه تعالى: «وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ‌» ما أحللت لك ودع هذه».

أقول: و قريب منه ما رواه المسلم في صحيحه و ان ذلك من باب ذكر أهم المصاديق.

و في الكافي باسناده عن نوح بن شعيب قال: «سأل ابن أبي

العوجاء هشام بن الحكم فقال أو ليس اللّه حكيما؟ قال بلى هو احكم الحاكمين قال فاخبرني عن قوله عز و جل «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً‌» أ ليس هذا فرض‌؟ قال بلى قال فاخبرني عن قوله عز و جل: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ‌» ايّ حكيم يتكلم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب فرحل إلى المدينة إلى أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقال يا هشام في غير وقت حج و لا عمرة‌؟ قال نعم جعلت فداك لأمر اهمني ان ابن أبي العوجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيء قال و ما هي‌؟ قال فأخبره بالقصة فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام) اما قوله عز و جل: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً‌» يعني بالنفقة و اما قوله تعالى: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ‌» يعني في المودة قال فلما قدم عليه هشام بهذا الجواب و أخبره قال و اللّه ما هذا من عندك».

أقول: يمكن رفع التهافت و ردّ قول ابن أبي العوجاء بالاختلاف الجهتي المعقول و ما قاله (عليه السّلام) من احدى تلك الجهات.

و في تفسير علي بن ابراهيم: «سأل رجل من الزنادقة أبا جعفر الأحول فقال: أخبرني عن قول اللّه عز و جل: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً‌» و قال في آخر السورة: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ‌» فبين القولين فرق‌؟ فقال أبو جعفر الأحول فلم يكن عندي في ذلك جواب فقدمت المدينة فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و سألته عن الآيتين فقال اما قوله:

«فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً‌» فإنما عنى به النفقة و قوله «لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ‌» فإنما عنى به في المودة فانه لا يقدر احد ان يعدل بين المرأتين في المودة فرجع ابو جعفر الأحول إلى الرجل فأخبره فقال هذا حملته الإبل من الحجاز».

أقول: ما قاله (عليه السلام) رفع معقول للتنافي كما تقدم في الرواية السابقة.

و في الكافي باسناده عن محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) إذا جمع الرجل أربعا فطلق إحداهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلق و قال لا يجمع ماء في خمس».

و في تفسير العياشي باسناده عن منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يحل لماء الرجل ان يجري في اكثر من اربعة أرحام من الحرائر».

أقول: هذا بناء على ما هو المتسالم بين المسلمين من ان المطلقة الرجعية زوجة فلا بد من حمل الطلاق فيها على الطلاق الرجعي دون البائن و من لا عدة له.

و عن ابن بابويه باسناده عن محمد بن سنان ان أبا الحسن الرضا (عليه السلام) «كتب اليه فيما كتب من جواب مسائله: علة تزويج الرجل اربع نسوة و تحريم ان تزوج المرأة اكثر من واحد لان الرجل إذا تزوج اربع نسوة كان الولد منسوبا اليه و المرأة لو كان لها زوجان أو اكثر من ذلك لم يعرف الولد لمن هو إذ هم مشتركون في نكاحها و في ذلك فساد الأنساب و المواريث و المعارف».

أقول: هذه الرواية محمولة على ما إذا كان الزوجان في زمان واحد عرضا لا طولا بان تزوجت برجل ثم فارقته و اعتدت منه

فتزوجت بآخر و هكذا.

و عن ابن بابويه باسناده عن محمد بن الفضيل عن سعد الجلاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ان اللّه عز و جل لم يجعل الغيرة للنساء و انما تغار المنكرات منهن فاما المؤمنات فلا انما جعل اللّه عز و جل الغيرة للرجال لأنه قد أحل اللّه عز و جل له أربعا و ما ملكت يمينه و لم يجعل للمرأة الا زوجها وحده و ان بغت معه غيره كانت عند اللّه زانية».

أقول: يشهد لذلك روايات اخرى تدل على ما ورد فيها.

و عن العياشي باسناده عن الصادق (عليه السلام) قال: «في كل شيء اسراف الا في النساء قال اللّه تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ‌» و قال: «و أحل اللّه ما ملكت ايمانكم».

أقول: المراد من عدم الإسراف في النساء جواز التعدد الى الأربع في العقد الدائم و إلى ما لا حد له في ملك اليمين و الانقطاع كما فصلناه في كتابنا (مهذب الاحكام).

و في الكافي باسناده عن سعيد بن يسار قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) جعلت فداك المرأة دفعت إلى زوجها مالا من مالها ليعمل به و قالت حين دفعت اليه أنفق منه فان حدث بك حدث فما أنفقت منه كان حلالا طيبا فان حدث بي حدث فما أنفقت منه فهو حلال طيب فقال أعد عليّ يا سعيد المسألة فلما ذهبت ان أعيدها عليه عرض فيها صاحبها و كان معي حاضرا فأعاد عليه مثل ذلك فلما فرغ أشار بإصبعه إلى صاحب المسألة فقال: يا هذا ان كنت تعلم انها قد أفضت بذلك إليك فيما بينك و بين اللّه فحلال طيب ثلاث مرات ثم قال يقول اللّه عز و جل: «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» .

أقول: يستفاد من الرواية ان ما أعطته المرأة أعم من ان يكون من صداقها أو من غيره.

و في الكافي عن عدة من أصحابنا باسناده عن زرارة عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا يرجع الرجل فيما يهب لامرأته و لا المرأة فيما تهب لزوجها اجيزت أو لم تجز ا ليس اللّه تبارك و تعالى يقول:

«وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً» و قال: «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» و هذا يدخل في الصداق و الهبة».

أقول: يستفاد من هذه الرواية ان الهبة غير المعوضة في الزوج و الزوجة لازمة كما ذكرنا في الفقه و ان الصداق داخل في الهبة من باب الدخول الحكمي لا الموضوعي.

و في تفسير العياشي عن زرارة قال: «لا ترجع المرأة فيما تهب لزوجها حيزت أو لم تحز ا ليس اللّه يقول: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» .

أقول: يستفاد ذلك من روايات كثيرة تقدم بعضها و قد ذكرنا أن الهبة بين الزوج و الزوجة لازمة.

و في تفسير العياشي ايضا باسناده عن سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه تعالى «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» يعنى بذلك أموالهن في أيديهن مما ملكن».

أقول: الرواية تشمل الصداق و غيره مما ملكن.

و في تفسير العياشي عن عبد اللّه بن القداح عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام) قال: «جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال يا أمير المؤمنين بي وجع في بطني فقال أمير المؤمنين (عليه السلام)

أ لك زوجة‌؟ قال نعم قال استوهب منها شيئا طيبة به نفسها من مالها ثم اشتر به عسلا ثم اسكب عليه من ماء السماء ثم اشربه فاني سمعت اللّه يقول في كتابه: «وَ نَزَّلْنا مِنَ اَلسَّماءِ ماءً مُبارَكاً» و قال «يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ‌» و قال «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» شفيت ان شاء اللّه تعالى ففعل ذلك فشفى».

أقول: اقتباس حسن لطيف من الآيات المباركة و لعل الشفاء من الآثار الوضعية لما قرره في تلك الآيات الشريفة و قريب منها غيرها.

و في تفسير علي بن ابراهيم عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ‌» فالسفهاء النساء و الولد إذا علم الرجل ان امرأته سفيهة مفسدة و ولده سفيه مفسد لم ينبغ له ان يسلط واحدا منهما على ماله الذي جعل اللّه له قياما يقول: «وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيها وَ اُكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً» المعروف العدة».

أقول: المراد بالعدة الوعد بالإحسان، و توصيف السفيه بالمفسد بيان لبعض مراتب السفاهة.

و في تفسيره ايضا باسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): شارب الخمر لا تصدقوه إذا حدث و لا تزوجوه إذا خطب و لا تعودوه إذا مرض و لا تحضروه إذا مات، و لا تأتمنوه على امانة؛ فمن ائتمنه على امانة فأهلكها فليس على اللّه ان يخلفه عليها و لا ان يأجره عليها لان اللّه يقول: «وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ‌» و اي سفيه أسفه من شارب الخمر؟!».

أقول: قد ورد في كثير من الاخبار تفسير السفيه بشارب الخمر و هو صحيح من باب ذكر اللازم و ارادة الملزوم فان شرب الخمر

ملازم لزوال العقل و عدم إصلاح المال خصوصا إذا غلب عليه ذلك و صار مدمنا و يمكن الحمل على السفه الواقعي لا ما هو موضوع حكم السفه شرعا و على هذا كل من ارتكب المعاصي سفيه من هذه الجهة و لا اختصاص بشرب الخمر لان «العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان» و كل ما كان خلافه فهو سفه.

و في تفسير علي بن ابراهيم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«إذا حدثتكم بشيء فاسألوني من كتاب اللّه ثم قال في بعض حديثه ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نهى عن القيل و القال و فساد المال و كثرة السئوال فقيل له يا ابن رسول اللّه اين هذا من كتاب اللّه‌؟ قال ان اللّه عز و جل يقول «لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ اَلنّاسِ‌» و قال: «لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ قِياماً» و قال: «لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ‌» .

أقول: الروايات في ذلك كثيرة و ما ذكره (عليه السلام) استفادة حسنة من الآيات الشريفة.

و في تفسير العياشي عن يونس بن يعقوب قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه: «وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ‌» قال:

من لا تثق به».

أقول: المراد من عدم الوثوق عدم تدبيره لأجل خفة في عقله كما مر في التفسير.

و عن علي بن ابراهيم في تفسيره عن علي بن أبى حمزة عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه و لا تؤتوا السفهاء أموالكم قال هم اليتامى لا تعطوهم حتى تعرفوا منهم الرشد فقلت فكيف يكون أموالهم أموالنا؟ قال إذا كنت أنت الوارث لهم».

أقول: مفاد الرواية التنزيل بإضافة المال إلى كل من الوارث و المورّث.

و عن علي بن ابراهيم قال: أمير المؤمنين (عليه السلام) من كان في يده مال بعض اليتامى فلا يجوز له ان يعطيه حتى يبلغ النكاح و يحتلم، فإذا احتلم وجب عليه الحدود و اقامة الفرائض، و لا يكون مضيعا و لا شارب خمر و لا زانيا فإذا انس منه الرشد دفع اليه المال و اشهد عليه و ان كانوا لا يعلمون انه قد بلغ فانه يمتحن بريح إبطه و نبت عانته فإذا كان ذلك فقد بلغ فيدفع اليه ماله إذا كان رشيدا و لا يجوز ان يحبس عنه ماله و يعتل عليه بانه لم يكبر بعد».

أقول: يظهر من هذه الرواية ان إتيان كل كبيرة سفه و هو كذلك و ان لم يعمل مشهور الفقهاء بذلك و ما ورد من الاختبار بريح الإبط مهجور لدى الأصحاب و لم يعمل به احد.

و في اسباب النزول للواحدي في قوله تعالى: «وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتامى - الآية -» نزلت في ثابت بن رفاعة و في عمه و ذلك؛ «ان رفاعة توفى و ترك ابنه ثابتا و هو صغير فاتى عم ثابت إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال له: ان ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله‌؟ و متى ادفع اليه ماله‌؟ فانزل اللّه تعالى هذه الآية».

أقول: الرواية من باب ذكر المصداق و الا فالآية الشريفة عامة إلى يوم القيامة.

و في الفقيه باسناده عن الصادق (عليه السلام): «انه سئل عن قول اللّه عز و جل: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ‌» قال إيناس الرشد حفظ المال».

أقول: قريب منها ما عن العياشي في تفسيره و مثل هذه الروايات تبين اظهر مصاديق الرشد و آثاره.

و في الفقيه ايضا باسناده عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ‌» قال:

«إذا رأيتموهم يحبون آل محمد فارفعوهم درجة».

و قال ابن بابويه «ان الحديث غير مخالف لما تقدم و ذلك انه إذا أونس منه الرشد و هو حفظ المال دفع اليه ماله و كذلك إذا أونس منه الرشد في قول الحق اخبر به و قد تنزل الآية في شيء و تجرى في غيره».

أقول: قريب منها ما عن العياشي في تفسيره و يظهر من مثل هذه الرواية ان ترك كل كبيرة مأخوذ في معنى الرشد و ان رفع الدرجة أخص من دفع المال لهم.

و في الفقيه أيضا باسناده عن منصور بن حازم عن هشام عن الصادق (عليه السلام) قال: «انقطاع يتم اليتيم الاحتلام و هو أشده و ان احتلم و لم يونس منه رشد و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله».

أقول: المراد من الضعف ضعف التدبير في أموره و ان لم يبلغ مرتبة السفه.

و عن ابن بابويه باسناده عن صفوان عن عيص بن القاسم عن الصادق (عليه السلام) قال: «سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها؟ قال:

إذا علمت انها لا تفسد و لا تضيع، فسألته ان كانت قد تزوجت‌؟ فقال:

إذا تزوجت فقد انقطع ملك الوصي عنها».

أقول: المراد من التزويج الكناية عن بلوغها تسع سنين.

و في الكافي باسناده عن عثمان بن عيسى عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل: «وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌» قال:

«من كان يلي شيئا لليتامى و هو محتاج ليس له ما يقيمه فهو يتقاضى أموالهم و يقوم في ضيعتهم فليأكل بقدر الحاجة و لا يسرف فان كانت

ضيعتهم لا تشغله عما يعالج لنفسه فلا يزرأ من أموالهم شيئا».

أقول: ان العامل في مال اليتيم - وليا كان أو غيره - من يستحق اجرة مثل عمله ان لم يقصد الاباحة المطلقة هذا بحسب القواعد الشرعية و ما ورد من الاخبار الدالة على غير ما ذكرنا كما تقدم فهي محمولة على الفضل و الفضيلة.

و في الكافي أيضا باسناده عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل: «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌» قال: «المعروف هو القوت و انما عنى الوصي أو القيم في أموالهم و ما يصلحهم».

أقول: قريب منه ما عن الشيخ في التهذيب و المراد من القوت هو القوت الغالب فتنطبق الرواية على اجرة المثل غالبا.

و في التهذيب باسناده إلى أبي الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل: «مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌» قال:

«فذاك رجل يحبس نفسه عن المعيشة فلا بأس ان يأكل بالمعروف إذا كان يصلح لهم فان كان المال قليلا فلا يأكل منه شيئا».

أقول: هذه الرواية و أمثالها محمولة على مراتب الفضل.

و في تفسير العياشي عن عبد اللّه بن أسباط عن الصادق (عليه السلام) قال: «سمعته يقول ان نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقضي يتمه‌؟ فكتب اليه اما اليتيم فانقطاع يتمه و هو الاحتلام إلا ان يونس منه رشدا بعد ذلك فيكون سفيها أو ضعيفا فليشد عليه».

أقول: معنى ذيل الرواية اي لا يعطى ماله اليه.

و في تفسير العياشي باسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه: «وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌» فقال هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية و يشغل فيها نفسه فليأكل منه بالمعروف و ليس ذلك في الدنانير و الدراهم التي عنده موضوعة».

و في تفسير العياشي باسناده عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) في قول اللّه: «وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ‌ بِالْمَعْرُوفِ‌» فقال هذا رجل يحبس نفسه لليتيم على حرث أو ماشية و يشغل فيها نفسه فليأكل منه بالمعروف و ليس ذلك في الدنانير و الدراهم التي عنده موضوعة».

أقول: ان الدراهم و الدنانير لو كانتا بنحو الامانة و الا فحكمهما حكم غيرهما.

و عن العياشي في تفسيره باسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سألته عن قول اللّه: «وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌» قال: ذلك إذا حبس نفسه في أموالهم لا يحترث لنفسه فليأكل بالمعروف من أموالهم».

أقول: هذه الرواية محمولة على الفضل و الا يجوز له أخذ اجرة المثل و ان كان محترثا لنفسه ايضا.

و عن رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌» قال كان أبي يقول انها منسوخة».

أقول: و في الدر المنثور: نسختها إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلْيَتامى ظُلْماً - الآية» و المراد من النسخ الإطلاق و التقييد لا النسخ المصطلح.

و عن زرارة و محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) انه قال:

«مال اليتيم ان عمل به من وضع على يديه ضمنه و لليتيم ربحه قال قلنا له قوله «وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌» قال انما ذلك إذا حبس نفسه عليهم في أموالهم فلم يتجر لنفسه فليأكل بالمعروف من مالهم».

أقول: انها محمولة على الفضل و الفضيلة كما تقدم في الروايات السابقة.

و في مجمع البيان في قوله تعالى: «رُشْداً» قال: «المراد به العقل و إصلاح المال و هو المروي عن الباقر (عليه السلام) و قال في قوله

تعالى: «وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ‌» معناه من كان فقيرا فليأخذ من مال اليتيم قدر الحاجة و الكفاية على جهة القرض ثم يرد عليه ما أخذ قال و هو المروي عن الباقر (عليه السلام)».

أقول: اما الاول فقد تقدم انه من باب ذكر أهم المصاديق و الثاني محمول على الفضيلة و الا فيجوز له أخذ اجرة عمله كما مر.

بحث قرآني

مقتضى الروايات الواردة ان لكل واحد من الآيات الشريفة القرآنية آثارا وضعية و خواصا واقعية معلومة و هي واضحة لأهل العرفان بالتجربة و الاختبار بعد الخلوص و الإخلاص - و قد تقدم بعضها في البحث الروائي - و من تلك الآثار و الخواص شفاء المرضى و قضاء الحاجات و كشف الكربات و كانت الآيات المباركة في مدة من الزمن يستشفي بها في جملة كثيرة من المرضى و ذوي الأسقام عند الأخيار و لكن كثرة الحجب الظلمانية منعت عن تلك الآثار، فعدم الأثر لوجود المانع لا لعدم المقتضي.

و لعل السر في وجود تلك الخواص الأثر المعنوي الموجود في تلك الآيات الكريمة و انها عين الواقع و الحقيقة التي لا ريب فيها فهي واقع محض صدر عن واقع محض و من بيده مقاليد السموات و الأرض و من بيده ملكوت كل شيء و من عنده مفاتيح الغيب فلا بد من التأثير و تحقق تلك الخواص حينئذ لا محالة.

و لذا لا يختص الأثر في الآيات المباركة بطائفة خاصة و يعم الجميع

فان رحمته جلت عظمته غير محدودة و لا تختص بطائفة.

نعم تشخيص المورد له اهمية عظمى و رفع الحجب الظلمانية أهم منه بمراتب فعدم الأثر في بعض الموارد اما لعدم التشخيص أو لوجود الحجب (المانع) و الا فان المقتضي تام.

و لا فرق في ذلك بين ان يكون الأثر مترتب على نفس الآيات الشريفة كما ذكروه في كتب خواص الآيات الكريمة أو على ما يستفاد منها كما علّمه علي (عليه السلام) على ما تقدم في البحث الروائي.

و ينبغي ان يعد هذه الآثار و الخواص من معجزات الآيات الكريمة و كراماتها الباهرة التي تظهر بعد القرون و الدهور.

و انما لا تظهر لبعض النفوس لغلظة الحجب الظلمانية عليه و لعله بعد ظهور شمس الحقيقة عن أفق الغيبة ينحصر علاج المرضى بالقرآن و آياته المباركة و انكشاف المهمات و قضاء الحاجات بها و لا بد و ان يكون كذلك لان القرآن لم يتجلّ بعد بحقيقته النورانية و لم ينطق به الا الشفاه و لم تلج بها الا الالسنة و كيف يكون مورد التجلي الأعظم في كتابه الكريم بذلك!!.

و يشهد لما تقدم شواهد كثيرة معلومة منها: الدعوات الكثيرة المأثورة عن الائمة الهداة (عليهم السلام) لشفاء بعض الأمراض و الأسقام الواردة فيها الآيات الكريمة من القرآن.

و منها: ما تقدم في البحث الروائي و في تفسير العياشي قال:

«اشتكى رجل الى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: سل من امرأتك درهما من صداقها فاشتر به عسلا فاشربه بماء السماء ففعل ما امر به فبرئ فسأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك أ شيء سمعته من النبي (صلى اللّه عليه و آله) قال: لا و لكني سمعت اللّه

يقول في كتابه «فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‌ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً» و قال: «يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ‌» و قال: «نَزَّلْنا مِنَ اَلسَّماءِ ماءً مُبارَكاً» فاجتمع الهنيء المريء و البركة و الشفاء فرجوت بذلك البرء».

و منها: الروايات الواردة في خواص الآيات الكريمة و آثارها المذكورة في الكتب المعدة لها و بعض التفاسير.

بحث فقهي

يستفاد من الآيات المباركة المتقدمة احكام:

الاول: ان اطلاق الآية الشريفة «وَ آتُوا اَلْيَتامى أَمْوالَهُمْ‌» يشمل كل يتيم ذكرا كان أو أنثى صغيرا كان أو كبيرا ان كان محجورا عليه.

كما لا فرق بين من عيّن الأب له قيّما أولا. نعم لو كان الجد موجودا فالولاية له.

و لا فرق في مال اليتيم بين ما إذا وصل اليه بإرث أو غير ذلك من الهدايا و المنح فان جميع ذلك ماله فتشمله الآية الكريمة.

الثاني: مقتضى الآية الشريفة و ما وردت من الروايات انه يجوز لليتيم التصرف في أمواله مع تحقق الشرائط و هي: ان يكون التصرف باذن الولي - شرعيا كان الولي أو تكوينيا. و ان يكون فيه المصلحة لليتيم كما فصلناها في كتابنا (مهذب الاحكام) و ان يكون التصرف سائغا شرعا كما يجوز للولي التصرف في اموال اليتيم بشرط عدم المفسدة بل مع وجود المصلحة كل ذلك كما فصلناه في الفقه.

الثالث: لا تختص حرمة تبدل الخبيث بالطيب بأموال اليتامى بل يجري ذلك في تبدل كل مال كذلك و لو كان من الكبير و الرشيد مع عدم مجوز شرعي لان ذلك أكل بالباطل و قال تعالى: «وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ‌» البقرة - 188 و قال تعالى: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ اَلَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى اَلنّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ‌» المطففين - 3 و لكن في اموال اليتامى تكون الحرمة أشد و اكثر تنفرا من غيرها و لذا أكّد النهي فيها.

و لو فعل ذلك احد لا يملك الطيب و تشتغل ذمته برده الى صاحبه و مع التلف ينتقل الى العوض بالمثل أو القيمة.

الرابع: ان قوله تعالى: «أَلاّ تَعُولُوا» عام يشمل النفقة و غيرها و التودد الخارجي بل الميل القلبي أيضا نعم ما كان خارجا عن الاختيار في القسم الأخير فهو معفوّ عنه و ان كان تحت الاختيار و ترتب عليه الأثر يكون داخلا في احد الأولين.

الخامس: مقتضى اطلاق الآية الشريفة و ما ورد من الروايات ان السفيه كما هو محجور عليه في ذمته فلا يصح ان يتعهد مالا أو عملا كذلك لا يصح اقتراضه و ضمانه و لا بيعه و لا شراؤه بالذمة و لا تزويجه، و كذا لا يصح ان يجعل نفسه اجيرا و عاملا للمضاربة و المزارعة و المساقاة و غير ذلك للحجر عليه شرعا.

كما ان المراد من عدم نفوذ تصرفات السفيه هو عدم استقلاله في ذلك فلو كان باذن الولي صح و نفذ.

السادس: لو احرز رشد السفيه سلّم اليه أمواله كما نصت عليه الآية الشريفة و غيرها من الروايات و لو لم يحرز رشده و اشتبه حاله يختبر السفيه بما يناسب شأنه بتفويضه البيع و الشراء و الاجارة و غيرها

مما يناسبه و كذا السفيهة و قد فصلنا ذلك في الفقه و من شاء فليراجع كتابنا (مهذب الاحكام).

السابع: يجب دفع اموال السفيه اليه فورا بعد تحقق الرشد و إحرازه لاصالة فورية دفع مال الغير اليه كما أثبتها الفقهاء و ذكرناها في الفقه.

الثامن: الاستعفاف لأولياء اليتامى عن التصرف في اموال اليتامى حسن و ليس بواجب شرعا لأنه يجوز أخذ اجرة عمله و ان كان غنيا كما أثبتناه في الفقه.

و كما ان الاكل بالمعروف كذلك ليس بواجب عليه بل له ان يرفع اليد عن ذلك و يعطى الجميع لليتيم.

بحث فلسفي

من أهم الأصول النظامية التكوينية الثابتة في علم الفلسفة التزاوج بين المادة الفاعلية و المادة المنفعلة بلا فرق في ذلك بين الإنسان و الحيوان و النبات كما بينه تعالى: «وَ أَرْسَلْنَا اَلرِّياحَ لَواقِحَ‌» الحجر - 22 فالتزاوج بينهما من الأصول التكوينية التي يقوم بها هذا العالم و له حدود و قيود لا يحيط بها الا اللّه تعالى و ان ظهر بعض منها بالتجربيات في ممر العصور و الدهور و بقيت جملة كثيرة اخرى منها في الخفاء و الكمون و سيظهر بعد ذلك ان شاء اللّه تعالى.

و يختص الإنسان من بين الحيوانات في هذا التزاوج و السفاد بمراسم خاصة قررها الشارع بمقتضى ان الإسلام دين الفطرة و عبر عنها في الكتب السماوية بالنكاح و أكد الترغيب اليه قال تعالى «وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيامى مِنْكُمْ وَ اَلصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ‌ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ‌» النور - 32 و في السنة المقدسة اخبار متواترة ترغب اليه مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله): «النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني» و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «تناكحوا و تناسلوا فاني اباهي بكم الأمم» إلى غير ذلك من الروايات.

و يختص الإنسان من بين الحيوانات في هذا التزاوج و السفاد بمراسم خاصة قررها الشارع بمقتضى ان الإسلام دين الفطرة و عبر عنها في الكتب السماوية بالنكاح و أكد الترغيب اليه قال تعالى «وَ أَنْكِحُوا اَلْأَيامى مِنْكُمْ وَ اَلصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَ إِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ‌ اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ‌» النور - 32 و في السنة المقدسة اخبار متواترة ترغب اليه مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله): «النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني» و قوله (صلى اللّه عليه و آله): «تناكحوا و تناسلوا فاني اباهي بكم الأمم» إلى غير ذلك من الروايات.

كما نهى عن النكاح الذي لا يتوفر فيه تلك الشروط و عبر عنه بالزنا و أكد سبحانه و تعالى في النهي عنه كقوله تعالى: «وَ لا تَقْرَبُوا اَلزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلاً» الإسراء - 32.

و قد حدد الشارع الأقدس الزواج الدائم باعداد معينة و هي اربع و في غيرها بقيود اخرى كما تقدم في الآية الشريفة و سيأتي في البحث الآتي وجه التشريع في ذلك.

كما قرر نكاح جميع الملل و النحل فيما بينهم لأنه امر طبيعي بين البشر لا يختص بملة دون اخرى و لا يمكن التخلي عنه الا ان الشارع حدده بقيود لأجل تنظيم النظام و حفظ الأنساب و غيرهما من الحكم.

بحث اجتماعي
اشارة

الآيات الشريفة المتقدمة تدل على اباحة تعدد الزوجات في الإسلام و هذا الموضوع طالما اعترض اعداء الإسلام عليه و اتخذوه نحو قدح فيه، و قد استنكرت الجاهلية المعاصرة تعدد الزوجات و اعتبرته من عوائق التقدم الحضاري، و ان التعدد خلاف المصلحة بل موجب لسلب السعادة. و نحن في هذا البحث نذكر جملة مما ذكره اعداء الإسلام من المناقشات و الإشكالات على هذا الموضوع ثم الجواب عنها ثم نعالج الموضوع على ضوء ما ورد في الكتاب في هذا المضمار.

الإشكالات:

قد استشكلوا على حكم تعدد الزوجات باشكالات متعددة نحن نذكر المهم منها.

الاول: ان تعدد الزوجات خلاف الطبيعة فان التجربة و الإحصاء يدلان على تساوي عدد الذكور و الإناث في جميع الأمم و القبائل و يستفاد من ذلك ان الطبيعة اقتضت ان يكون الواحد من الذكور لواحدة من الإناث و خلاف ذلك يكون خلاف الطبيعة.

الثاني: ان حكم تعدد الزوجات ينافي الغرض المنشود من المجتمع الذي لا بد ان يسوده الحب و التعاون و التآلف بين الإفراد و إنه يعكس روح الانتقام في النساء من الرجال الذين أساءوا إليهن.

و يوجب الإهمال و التثاقل في تربية الاسرة و الأولاد و اشاعة الفساد و الخيانة هو مما يوجب انحطاط المجتمع الى الشقاء و الغواية.

الثالث: ان تعدد الزوجات استهانة لحرمة النساء في المجتمع فان معادلة الأربع من النساء بالواحد من الرجال تعريض لحقوقهن للخطر و أعراض عن عواطفهن.

الرابع: ان هذا التشريع يوجب ازدياد الشهوة في الرجال و ترغيبهم إلى الشره و بالاخرة انه يوجب تقوية هذه القوة في المجتمع.

هذه هي أهم الإشكالات التي أوردوها على هذا التشريع الالهي.

الجواب عن الإشكالات:
اشارة

و يمكن الجواب عن تلك الإشكالات بوجوه:

الاول:

ان ما ذكروه من ان التشريع خلاف الطبيعة فهو باطل اما أولا فان تساوي عدد الذكور و الإناث امر يكذبه الوجدان و الإحصاءات المتعددة التي اعلنت و تعلنها الجهات المختصة في مختلف العصور فان الحروب و الحوادث و كذا الموت تصيب المجتمعات فتفنى من الرجال اكثر من النساء و هذا امر ثابت بالوجدان.

و ثانيا: ان امر الزواج لا يستند على ما ذكروه من ان الطبيعة ساوت بين الرجال و النساء في العدد، بل ان هناك أمورا اخرى، فان النساء يختلفن عن الرجال في التهيؤ إلى النكاح و صلاحهن للازدواج و المضاجعة و الانجاب و لهذا اعتبر الإسلام سنّ التكليف في النساء بلوغ العشر، و في الرجال بلوغ الست عشرة من السنين و ذلك لاختلاف الطبائع في الطائفتين و هذا يكشف عن ان الطبيعة تقتضي التعدد كما هو واضح.

الثاني:

ان ما ذكروه من ان التعدد يميت عواطف النساء و تخيب آمالهن فهو باطل. لان الإنسان مركب من أمرين التعقل و العواطف و الاحساس. و السعيد هو الذي يمسك زمام العواطف و الاحساس و يجعلها تحت ادارة التعقل، و الإسلام و سائر الأديان السماوية أرادت من تعاليمها وضع الإنسان في مسير التعقل. و تهيئة المجتمع الانساني على نحو تقرره الحياة التعقلية دون الاحساس و العواطف التي لا تهدي إلى الكمال المنشود، و على هذا فالمرأة التي هذبتها الأخلاق الفاضلة، و قومتها التعاليم الاسلامية الرشيدة فإنها تجعل التعقل مقام العواطف و النزوات الشهوانية فهي ترى السعادة في ذلك.

و ما ذكروه قياس بين المجتمعات الغربية التي هي قائمة على تلك العواطف و الشهوات الحيوانية البغيضة و المجتمع الاسلامي الذي قوامه

التعقل، و من ثم نرى ما عليه من التفكك و الانحطاط الخلقي و انواع الشر و الفساد المتداول بينهم لأنهم خرجوا عن الفطرة التي خلقهم اللّه تعالى عليها و الصراط الذي أعدته التعاليم الإلهية لهم فترى ان المنكر الذي يعترف به العقل يكون معروفا عندهم. و انهم يشرعون القوانين في اباحة الفساد و الدمار و هذا لم يكن قبيحا عندهم و لا تجرح العواطف و لكن تعدد الزوجات يمسها و يميت الآمال هذه هي المدنية الحاضرة التي وصلت إلى الطريق المسدود.

الثالث:

ان ما ذكروه من ان تعدد الزوجات تضييع لحقوق النساء و عدم الاحترام لعواطفهن باطل، لما ذكرناه مرارا من ان الإسلام اعطى لكل ذي حق حقه، و انه احترم النساء و راعى حقوقهن بما لم يكن في ملّة اخرى و يتبين ذلك بوضوح عند معرفة منزلة النساء في المجتمعات الاخرى غير المجتمع الاسلامي. هذا مضافا إلى ان تعدد الزوجات لم يكن تضييعا لحقوق احد فان الإسلام في تشريعه هذا كان ينظر إلى أبعد من ذلك كما ستعرف ان شاء اللّه تعالى.

الرابع:

ان ما ذكروه من ان تعدد الزوجات يزيد في شره الرجال و الترغيب إلى الشهوة فهو مغالطة واضحة فان التربية الاسلامية الحقيقية تضع الرجال و النساء في هذا الموضوع في احسن تقويم فان النساء اللائي لا تقل شهوتهن عن شهوة الرجال لو اثرت التربية الواقعية فيهن جميعا فإنهن يضعن تلك الشهوة الغريزية في الطريق المستقيم الذي حدده الإسلام فتراه يعطي لهذه الحاجة الغريزية حقها و يفتح لها سبل معالجتها و الحد من سورتها و يمنع الكبت و الحرمان و لكنه يحرم الفجور و الفحشاء و الاسترسال في الأهواء الباطلة و كل ما يوجب إثارة الشهوة، فهو قد وضع هذه الغريزة الجامحة تحت سيطرة التعقل فلا يمنعها حتى يوجب

الكبت و الحرمان و لا يطلقها و يبسطها كل البسط ليزيد الفحشاء و الفجور فكان هذا التشريع الجديد من أهم السبل في تحديد هذا الغرض.

يضاف إلى ذلك ان الإسلام لم ينظر إلى النكاح بانه مجرد قضاء حاجة وقتية بل كان نظره إلى انه من سبل التربية الحقيقية فقد تحقق فيه جميع أساليب التربية الخلقية و النفسية و هذا ما يمتاز به هذا الدين القويم عن سائر الأديان الإلهية. و سيأتي في الموضع المناسب بيان ذلك ان شاء اللّه تعالى.

و على هذا يكون التشريع مشتملا على وجوه الحكمة و الصواب فانه أباح ذلك حفظا للمجتمع الانساني و تكثيرا للنسل و الأولاد و مراعاة للحقوق من الضياع و مدرسة للتربية الواقعية و غير ذلك مما اعترف به الخصم و أقرت به بعض الجمعيات التي رأت في تشريع تعدد الزوجات الخير و السعادة.

و مما ذكرنا يظهر الوجه في ادعاء بعض من اننا نرى ان الذي تزوج بزوجتين أو اكثر في شقاء دائم و صراع مستمر بين الضرتين أو الضرائر مما يسلب الهناء من العيش و الصلاح من الحياة و ربما يبلغ من شدة الحال انه يكون الأمر على خلاف المرجو من هذا التشريع فان ذلك مغالطة بين الواقع و الخيال.

و بتعبير آخر: انه خلط بين التشريع و التطبيق فان الإسلام راعى في هذا التشريع المصالح العامة و اما إذا اصطدمت هذه المصالح مع العادات و النزوات الشخصية فان الاحكام الشرعية تتبع المصالح و المفاسد الواقعية و اما مرحلة العمل و التطبيق فإنها راجعة إلى المكلف نفسه فان اللازم على المكلف ان يراعي جميع ما اعتبر في التكليف و التطبيق بين ما اراده الشارع المقدس و عمل المكلف و في هذه الحالة يؤثر التشريع اثره المطلوب و الا فان الأثر السيء الذي يقع خارجا يكون

نتيجة عمل المكلف و سوء تربيته و هذا الوجه جار في جميع التشريعات الإلهية بل التشريعات الوضعية أيضا، و ليس لاحد العذر في انها لم تؤثر أثرها لان الناس لم يراعوا حقها و لم يعملوا بها على ما اراده المشرع فمرحلة العمل و التطبيق امر يرجع إلى الناس و مرحلة التشريع امر آخر فانه يرجع إلى الشارع الذي يلاحظ المصالح العامة.

نظر الإسلام في هذا التشريع:

الآية الشريفة المتقدمة التي تضمنت خطابا موجها للعموم كسائر الخطابات القرآنية التي تكفلت تربية الناس تربية حقيقية واقعية فإنها تجعل الاباحة أو الترخيص أصلا ثم تورد القيود على هذا الأصل على حد يكون موجبا لتضييق مجالها إلى الحد الذي تستقيم به الحياة و يتحقق الكمال المنشود و هذا الأسلوب من أهم الاساليب التربوية التي تؤثر في النفس و تستلفت النظر الى المضمون، فقد جعلت هذه الآية الشريفة اباحة التعدد و جوازه هو الأصل ثم أوردت القيد الذي يضيق هذا الأصل الى الحد الذي يتحقق به الكمال و ينتظم به الحياة، و هو العدل بين الزوجات و انه لا يتحقق و لن يتحقق إذا لم يترب الفرد بالتربية الإلهية و لم يقم بالوظائف الشرعية فيكون هذا التشريع جامعا لمكارم الأخلاق و أهم الاحكام الاجتماعية و أعظم الأسس التربوية.

و من توجه الخطاب إلى العموم «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا» يستفاد ان التعدد لا بد ان يحدث في المجتمع الذي يسوده العدل بحيث يتزوج رجل واحد عدة نساء في ظل العدل و الإنصاف يسودهم الإخاء و المحبة فإذا توفرت تلك الشروط جاز التعدد و الا كانت الوحدة أفضل

فيستفاد من الآية المباركة ان الوحدة هي المطلوبة و ان كان التعدد مباحا بلا ريب و لا اشكال و إذا تحققت القيود التي ذكرها الشارع كانت الحياة معها أفضل و اهنأ.

تعدد ازواج النبي (صلى اللّه عليه و آله):

بعد ما عرفت الوجه في تشريع تعدد الزوجات في الإسلام و الحكمة فيه يتضح لك الوجه في تعدد زوجات الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله) فقد كان (ص) المتفرد بامتثال هذا التكليف الالهي بأكمل وجه فصار أسوة في هذا المجال حتى عد من مختصاته المعروفة حسن المعاشرة مع نسائه و رعاية حقوقهن و العدل بينهن و كفى به حجة على اعداء الإسلام الذين اعترضوا على هذا الترخيص الالهي و مع ذلك فقد اعترض بعضهم على تعدد زوجات النبي (صلى اللّه عليه و آله) بانه لا يخلو عن الشره و الانقياد لداعي الشهوة، مع انه (صلى اللّه عليه و آله) لم يقنع بما شرعه لامته فتعدى منه إلى الازدواج بالتسع من النسوة.

و لكن المتأمل في حياة هذا الرجل العظيم الذي يعتبر بحق انه مثال للكمال المطلق و الذي مدحه الجليل الأعلى بقوله تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‌» القلم - 4 انه بعيد عن ما نسبوه اليه كل البعد و لم يظهر اي أثر من آثار الشره و الانقياد إلى الشهوة عليه في تمام مدة حياته و في معاشرته مع النساء و هو الذي امره اللّه تعالى بان يخير أزواجه بين التمتيع و الطلاق ان كن يردن الدنيا و زينتها على ما نزل عليه في كتابه المجيد من امره له فقال تعالى: «يا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ‌ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَياةَ اَلدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدّارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً» الأحزاب - 29 و كيف ينطبق عليه و قد زهد عن الدنيا و زخارفها و اعرض عن كل ما يلهيه عن ذكر اللّه تعالى.

و لكن المتأمل في حياة هذا الرجل العظيم الذي يعتبر بحق انه مثال للكمال المطلق و الذي مدحه الجليل الأعلى بقوله تعالى: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‌» القلم - 4 انه بعيد عن ما نسبوه اليه كل البعد و لم يظهر اي أثر من آثار الشره و الانقياد إلى الشهوة عليه في تمام مدة حياته و في معاشرته مع النساء و هو الذي امره اللّه تعالى بان يخير أزواجه بين التمتيع و الطلاق ان كن يردن الدنيا و زينتها على ما نزل عليه في كتابه المجيد من امره له فقال تعالى: «يا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ‌ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَلْحَياةَ اَلدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلدّارَ اَلْآخِرَةَ فَإِنَّ اَللّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً» الأحزاب - 29 و كيف ينطبق عليه و قد زهد عن الدنيا و زخارفها و اعرض عن كل ما يلهيه عن ذكر اللّه تعالى.

و من ذلك كله يستفاد انه (صلى اللّه عليه و آله) أراد من زواجه بهن غير الذي ذكروه فهو قد أراد إماتة العادات الجاهلية أولا، و اظهار منزلة النساء التي أهملوها عندهم ثانيا، و بيان كيفية المعاشرة معهن ثالثا، و ليعطي الاهداف الخاصة في زواج كل واحدة منهن رابعا. هذا موجز الكلام و سيأتي في الموضع المناسب تفصيله.

بحوث عرفانية

الاول: يصح ان يراد باليتيم في الآية المباركة كل ذي حق واجب لا بد في نظام التكوين و التشريع مراعاة ذلك الحق و ان لم يكن من اليتم اللغوي كالأنبياء و الائمة المعصومين (عليهم السلام) و العلماء العاملين بعلمهم و التاركين للهوى مطلقا فإنهم بين الورى محرومون لا يعرف حقهم و لا يتخلقون بأخلاقهم، و هم يعيشون منفردين في مجتمع لا يهتمون إلا بالماديات الصرفة و الظواهر الحسية و لا يعرفون من وراء ذلك شيئا و يدل عليه قول أبى جعفر الباقر (عليه السلام) «نحن اليتيم» فهم أيتام بهذا المعنى و يتيمة جميع العوالم الامكانية. و كل من يرشد الى الحق بالحق في الخلق يتيم بين الخلق الذين هم لا يعرفونه حق معرفته و غرباء في بلدهم كما في الحديث «المؤمن غريب في بلده

لا يستأنس الا بإيمانه» فلا بد من الاهتمام بإيتاء حقوقهم و التخلق بأخلاقهم.

الثاني: إذا كانت الماديات لا تتحصل لها صورة نوعية و لا تدخل لها في النظام الأحسن الكياني الا بالترابط بينها بارتباط القوى الفاعلية بالقوى المنفعلة فالمعنويات اولى بذلك فما لم يرتبط من له مقاليد السموات و الأرض و من عنده مفاتح الغيب و المعية القيومية مع الممكنات لا وجه لتحققها في اي مرتبة من مراتب التحقق قال تعالى: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ‌» الحديد - 4 و قال تعالى: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ» ق - 16 و قال علي (عليه السلام): «ما رأيت شيئا إلا و رأيت اللّه قبله و بعده و فيه» فلا يمكن تحقق اي امر معنوي إلا بذلك قال نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «للّه في ايام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها» و ليست تلك النفحات من الجواهر و الاعراض أو الوهميات بل هي شوارق غيبية تتدفق من عالم الغيب على القلوب المستعدة و مثله قوله (صلى اللّه عليه و آله) في شأن اويس القرني:

«اني أشم نفس الرحمن من ناحية اليمن» ففي ارتباطات النفوس المقدسة مع معدن الكبرياء و العظمة تتحقق ينابيع من المعنويات يصفو عندها كل معدن و يهيج. و كيف لا يكون كذلك و الإنسان الكامل هو مفخر الاملاك و غاية حركات الأفلاك و طاوس الكبرياء و حمام الملكوت.

الثالث: يصح ان يراد من الخبائث في قوله تعالى: «وَ لا تَتَبَدَّلُوا اَلْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ‌» جميع حرمات اللّه تعالى سواء كانت من الماديات أو من غيرها مما حرمه اللّه تعالى فإنها توجب البعد عن ساحته و القرب إلى الشيطان و للخبائث مراتب شدة و ضعفا.

و المراد من الطيب ما يوجب القرب إلى ساحته عز و جل و له ايضا مراتب شدة و ضعفا كما يكون القرب و البعد كذلك.

و الفطرة السليمة تأبى من تبدل الخبيث بالطيب إلا إذا عميت عين البصيرة و عطبت الفطرة المستقيمة بالحجب الغليظة و حينئذ تختار النفس الامارة بالسوء الخبيث على الطيب.

فالآية المباركة تجري في جميع الأقوال و الأفعال و الحركات بل المعتقدات فان جميعها تتصف بهما و تطبيقهما على المال من باب الكلي على الفرد.

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُ.......

اشارة

لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (7) وَ إِذا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى وَ اَلْيَتامى وَ اَلْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً (8) وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (9) إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10) الآيات الشريفة تشتمل على أهم حكم من الاحكام الاجتماعية التي تبتني على شريعة الحق و هو حكم الإرث و نظرا لأهميته فقد ذكر سبحانه و تعالى من المقدمات تمهيدا و تثبيتا له بعد ما سادت تقاليد و عادات جاهلية.

و قد بين عز و جل ان الجميع رجالا و نساء لهم النصيب من الإرث

و لا حرمان لأحد إذا ثبتت الولادة أو القرابة. و قد حذر الناس من تحريم الأيتام عما فرض اللّه تعالى لهم و أكل أموالهم ظلما و عدوانا، و أوعد سبحانه و تعالى على آكل أموالهم بالخزي و سوء العذاب.

و قد تعرضت الآيات الشريفة لحكم أدبي اجتماعي و هو رزق اولي القربى و اليتامى و المساكين - إذا حضروا قسمة التركة - غير ذوي النصيب منهم.

التفسير

قوله تعالى: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ‌ .

النصيب: الحظ و السهم و يجمع على أنصباء و انصبة. و المراد به مطلق السهم سواء كان بالفرض كالسهام الستة المعروفة أم بالقرابة كما في غيرها كالولد إذا انفرد فان المال كله له بالقرابة أو انضم اليه بنت أو بنات فان للذكر مثل حظ الأنثيين.

و المراد من الرجال ايضا مطلق الذكر و ان كان صغيرا فان الصغار كالكبار لهم النصيب من التركة. و لعل التعبير بالرجال لبيان ان المناط في تسليم المال كون الوارث بالغا مبلغ الرجال كما ذكره عز و جل في الآية السابقة و هذا وجه آخر من وجوه الارتباط بين هذه الآيات الكريمة.

و الظرف في «مِمّا تَرَكَ‌» متعلق ب‍ «نَصِيبٌ‌» و قيل متعلق بمحذوف صفة للنكرة. و التركة اسم لكل ما يخلفه الميت و ما بقي من ماله كأنه تركه و ارتحل.

قوله تعالى: «وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ‌» .

الحكم عام كسابقه لا يختص بوصف معين أو حال و المراد من النساء مطلق الإناث من غير اختصاص بالكبار، و الوجه في التخصيص ما تقدم من ان المناط هو بلوغهن مبلغ الإناث البالغات.

و الإظهار في موقع الإضمار لدفع كل لبس و احتمال، و لبيان ان السبب في التوارث هو الولادة و القرابة و هذا هو اصل من الأصول المهمة في الفقه الاسلامي، و هذا الأصل بيّن الشريعة الحق في قانون الإرث و العدل الالهي في هذا الحكم و الإسلام يرد بذلك على تلك العادات و التقاليد.

الجاهلية التي كانت تحرم المرأة و بعض الوارثين عن حقوقهم و الإسلام يبين هذا الأصل المبتني على دعائم قوية و هي الاخوة الايمانية و الحب في اللّه و القرابة الشرعية دون العصبية و الأهواء الباطلة و لذلك نرى ان المؤمنين تقبلوا هذا الحكم بمجرد التشريع لموافقته للفطرة و العدل.

و الآية الشريفة تبين ان الرجال و النساء مشتركون في تركة مورثهم و ان لكل واحد منهم نصيبا فيها، و اما توزيع المال الموروث فسيأتي بيانه في الآيات اللاحقة من هذه السورة.

قوله تعالى: «مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ» .

تأكيد للحكم السابق، و زيادة في التوضيح لأنه يستفاد ذلك من اطلاق قوله تعالى: «مِمّا تَرَكَ‌» و لدفع كل توهم في تحريم بعض الورثة من القليل أو الحقير دون الكثير و العظيم أو بالعكس فإنهم سواء في جميع التركة قليلة كانت أو كثيرة بالنسبة الى اصل الوراثة، و اما الكمية فلها شأن آخر سيأتي بيانها بالتفصيل.

قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً» .

مفعول مطلق نوعي يبين النصيب المجمل الذي ذكره عز و جل في صدر الآية الشريفة و فيه التأكيد للمعنى السابق ايضا.

اي: ان ذلك النصيب للرجال و النساء مقطوع و مفروض من اللّه تعالى لا يقبل التغيير و التبديل و الاختلاط و الإبهام، و لعل تسمية المواريث بالفرائض لأجل هذه الآية الكريمة.

قوله تعالى: وَ إِذا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى‌ .

مقتضى السياق أن المراد بالقسمة قسمة التركة و الميراث، و يمكن ارادة التعميم و يكون قسمة التركة من باب المثال لكل قسمة فتشمل قسمة اموال اليتامى بعد البلوغ و الرشد، و الحضور عند الميت حين الوصية لان كل ذلك نحو إحسان وصلة لأولي القربى و يوجب التآلف و التعاطف و ان كان ظاهر السياق من الآية الكريمة هو الاول.

و المراد باولي القربى هم الفقراء من أقرباء الميت غير الوارث الأقربين و يدل على ذلك ذكر الورثة قبل ذلك و ذكر اليتامى و المساكين بعده.

قوله تعالى: وَ اَلْيَتامى وَ اَلْمَساكِينُ‌ .

المحتاجون من غير اولي القربى الذين يحضرون حين القسمة.

قوله تعالى: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ‌ .

اي: فأعطوهم شيئا من المال المقسوم المدلول عليه سابقا.

و ظاهر الخطاب للورثة و اولياء الميت الذين يقسمون المال وراثة.

و لم يعين سبحانه و تعالى المقدار إذ المناط تحقق هذا العنوان في اي مقدار تحقق ما لم يكن إجحاف في البين على الورثة و نظير هذه العبارة

تقدم في قوله تعالى: «وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ اَلَّتِي جَعَلَ اَللّهُ لَكُمْ قِياماً وَ اُرْزُقُوهُمْ فِيها» النساء - 5 و لعل الاختلاف في الظرف يرجع إلى استمرار الانفاق من الجماعة التي تولت حفظ اموال اليتامى فان المال لهم؛ و اما في الانفاق من التركة فانه يكون مرة واحدة ينتهي عند قسمة الميراث.

و ظاهر الخطاب و ان كان يفيد الوجوب في المقام و لكن مقتضى ما ورد في السنة في تفسير الآية الشريفة هو مطلق الرجحان.

قوله تعالى: وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً .

اي: و ليقل ارباب المال لهؤلاء المذكورين قولا طيبا دفعا للشحناء و البغضاء و ما يوجب الحسد لان المقام يستدعي كل ذلك. فإذا اعطوهم شيئا فلا يمنوا عليهم و يستقلوا ما اعطوهم و إذا لم يعطوهم شيئا فليدعوا لهم و يعتذروا من ذلك.

و ظاهر الخطاب الذي ورد مورد الاسترحام و الاسترفاق يدل على استحباب مؤداه و عليه اجماع الامامية.

و اختلف العلماء و المفسرون في ان الآية الشريفة محكمة أو منسوخة بآية المواريث. و من المعلوم انه لا نسبة بين هذه الآية و آية المواريث فان الاولى تعين فرائض الورثة، و هذه الآية تدل على استحباب الانفاق و الاسترحام على الوارث فلا موجب للنسخ و سيأتي في البحث الفقهي ما يتعلق بذلك ان شاء اللّه تعالى.

قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ‌ .

الخشية: هي خوف خاص فقيل انها خوف مع شائبة تعظيم و إكبار

و قيل: انها خوف في محل الأمل.

و المستفاد من موارد استعمال هذه الكلمة انها تأثر قلبي لما يخاف نزوله و يرجى منه الأمل.

و الضعاف جمع ضعيف و هو يشمل الصغير و غيره ممّن لا يتمكن دفع الضرر عن نفسه كالمعتوهين و النساء الضعيفات و وصف سبحانه الذرية بالضعاف ترغيبا للترحم عليهم. كما ان التصريح بكونهم من خلفهم مبالغة في تهويل الحالة.

و الجملة تبين غاية الرحمة و الرأفة على الذرية الضعاف الذين لا وليّ لهم يذود عنهم الذل و الهوان و لا كافل يتكفل أمرهم و يرعى شؤونهم و الآية في مقام التمثيل.

و انها تستلفت الناس إلى الفرض و التقدير لو حلّ ذلك في أيتامهم و ما يجرى عليهم من بعد ارتحال آبائهم و فقدان من يكفلهم فإنهم يتألمون و يقدرون له جميع ما يمكن أن يتصور من الحلول، فالآية المباركة جارية مجرى قوله (صلى اللّه عليه و آله): «كما تدين تدان» فهي من الأمور الوضعية السارية في كل خلف عن سلف. و هذا الأسلوب من الاساليب المثيرة للاحساس و العواطف و يظهر واقع الحال في مظهر المثال الخارجي الذي له الأثر الكبير على الإنسان.

و الآية الشريفة تبين واقع الحال سواء كانوا ذرية أم لا. و تبعث الرحمة و الرأفة في النفوس، و تثير الشفقة و الرحمة الكامنة في الإنسان لرعاية شؤون اليتامى و الاعتناء بشأنهم و ترك ظلمهم و اضطهادهم لان كل من يخاف ان يترك الذرية الضعفاء من خلفه لا يريد ذلك بالنسبة الى ذريته فلا بد من تركه من جميع الناس كما تقدم.

و مما زاد في عظمة ذلك و شدة تأثيرها على النفس ان اللّه تعالى

لم يأمر فيها بالترحم و العطف بل امر بالخشية و الاتقاء منه عز و جل فانه شديد الانتقام و فيه غاية التهديد و التوعيد.

و كيف كان فالآية المباركة تحث على مراعاة حال اليتامى و إصلاح أمورهم و ترك ظلمهم و إعطاء حقوقهم و تسوق التهديد لمن لم يتق اللّه تعالى و يحرم صغار الورثة من حقوقهم فهي متصلة بالآيات السابقة التي تأمر بحفظ اموال اليتامى. و الآية التي تبين ان للرجال نصيبا فإنها بعمومها تشمل الأيتام الصغار، فتكون مؤكدة لمضمون الآيات السابقة و قد ذكر المفسرون في المقام وجوها لم يقم عليها دليل.

قوله تعالى: فَلْيَتَّقُوا اَللّهَ‌ .

اي: فليتقوا اللّه في جميع أوامره بتنفيذها و نواهيه بتركها و الاجتناب عما نهى عنه، فان تقوى اللّه أهم الغايات و هي الكمال المطلق.

قوله تعالى: وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً .

السديد: هو الصواب المستقيم اي: فليكن القول و الرأي مطابقا للعمل في السداد و الصواب و يتحدان في تثبيت الاحكام و مراعاة حال اليتامى و إصلاح شؤونهم فان المقام يحتاج الى تطابق العمل مع القول في العدل و الصواب. و يشمل ذلك كل ما يوجب إرشادهم الى الصلاح و العمل باحكام الشريعة و ردعهم عن المنكر و الفساد، فان جميع ذلك يدخل في سداد القول، و الخطاب يرجع إلى تهويل امر اليتامى على الأولياء أو المجتمع الذي له قسط كبير في حفظ اليتامى و مراعاة حالهم و إصلاح شؤونهم.

قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلْيَتامى ظُلْماً .

جملة استينافية جيء بها تأكيدا لما ورد في الآية السابقة و تثبيتا لما فصل من احكام اليتامى سابقا.

و ظلما حال اي: ظالمين أو تمييز يرفع الإبهام عن محتملات الاكل اي: ان الذين يأكلون اموال اليتامى من غير وجه شرعي فهم ظالمون أو ان أكلهم كان على سبيل الظلم و انما يكون ظلما إذا لم يكن الاكل له سبب شرعي إما بالاقتراض على وجه شرعي أو ما يأخذه بلحاظ اجرة عمله أو على وجه التقدير لاجرة العمل كما تقدم و في غير ذلك يكون الاكل ظلما.

قوله تعالى: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً .

هذه الجملة كناية عن الإثم العظيم، و ملء البطن النار يدل على تجسم الأعمال فتمثل الواقع الذي يعيش عليه آكل اموال اليتامى و من هضم حقوقهم و ان لم نره بالعيان.

أو ان ما يوجب إلى الغاية المهوّلة المخزية تكون موجبة لاستحقار سائر الغايات فان النار التي تترتب على أكل اموال اليتامى هي غاية عظيمة مهولة يستحقر معها سائر الغايات فكأن الاكل نار محضة و لذا جيء بكلمة الحصر.

و على كلا الوجهين يكون الكلام على وجه الحقيقة دون المجاز.

و قيل: ان الكلام على المجاز دون الحقيقة لان المتبادر من «يَأْكُلُونَ‌» انه للحال دون الاستقبال بقرينة العطف عليه بقوله تعالى:

«وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» المشتمل على حرف الاستقبال، فلو كان المراد حقيقة الاكل و وقته يوم القيامة لكان الأنسب أن يكون لفظ الآية هكذا (فسيأكلون

نارا و يصلون سعيرا) فيراد به المعنى المجازي اي انهم في أكلهم مال اليتامى كمن يأكل في بطنه نارا فالأكل عذاب باطن البدن و الصلي عذاب ظاهره فهو جزاء اللباس و سائر التصرفات.

و لكن فساد هذا القول ظاهر، لأنه مخالف لظاهر الآية الشريفة إذ أن المتبادر هو حقيقة الأكل دون المعنى المجازي و النار الفعلية دون النار في المستقبل مضافا إلى انه يوجب خروج الآية المباركة عن مفادها الواقعي و هو تجسم الأعمال.

قوله تعالى: وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً .

الآية الكريمة تشير إلى العذاب الأخروي. و السعير من سعر النار و اسعرها إذا أوقدها، و هو فعيل بمعنى المفعول و يقال في المؤنث ايضا نحو كف خضيب. و النار المستعرة اي الملتهبة المشتعلة و هو من اسماء نار الآخرة، و يقال صلى النار يصلي صليا و صليا و صلّى و صلى (بالقصر فيهما) هو الاحتراق بالنار و مقاساة حرها و عذابها، و أصله يرجع إلى التسخن بقرب النار أو مباشرتها ثم توسع فيه و استعمل في الحرق و مقاساة اهوال النار.

و التنكير في السعير للتهويل اي: انهم سيدخلون نارا عظيمة لا يعلم احد وصفها إلا اللّه تعالى.

بحوث المقام

بحث ادبي:

قال بعضهم ان «نَصِيباً» في قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً» منصوب على الاختصاص اي اعني نصيبا مفروضا. و يرد بأن المنصوب بالاختصاص المصطلح عليه في النحو يشترط فيه ان لا يكون نكرة و «نَصِيباً» في المقام نكرة إلا ان يريد من الاختصاص معنى آخر.

و قيل: انه منصوب على انه مصدر مؤكد مؤول بمعنى العطاء أو القسمة و نحوهما من المعاني المصدرية، و إلا فهو اسم جامد.

و قيل: انه منصوب على الحالية جيء بها توطئة للوصف بكون النصيب مفروضا، و مؤكدة لما قبلها.

و قيل: انه منصوب على انه مفعول لفعل محذوف.

و القسمة مفعول مقدم لأنها المبحوث عنها، و لتعدد الفاعل، فلو روعي الترتيب لفات تجاذب أطراف الكلام.

و (الذين) في قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً» فاعل «لْيَخْشَ‌» و مفعوله محذوف لدلالة الكلام عليه. و «خافُوا» جواب ل‍ «لَوْ تَرَكُوا» و جملة «لَوْ» صلة للذين و يجوز حذف اللام في جواب (لو). و حذف الالف في «وَ لْيَخْشَ‌» للجزم بلام الأمر.

ثم ان الأسلوب في قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ‌ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً» من الأساليب الفصيحة التي تؤثر في النفوس و تستفزها نحو المطلوب و تصور الفرض و التقدير في لباس الواقع المحسوس لتعميم التعليم و زيادة تأثيره فمن يستمع هذا الخطاب يتصور المضمون و يفرض لنفسه ذرية ضعافا قد أحاط بهم جميع اسباب الذل و الهوان و يجعلهم نصب عينيه و هو من الاساليب التعليمية المثيرة.

ثم ان الأسلوب في قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ‌ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً» من الأساليب الفصيحة التي تؤثر في النفوس و تستفزها نحو المطلوب و تصور الفرض و التقدير في لباس الواقع المحسوس لتعميم التعليم و زيادة تأثيره فمن يستمع هذا الخطاب يتصور المضمون و يفرض لنفسه ذرية ضعافا قد أحاط بهم جميع اسباب الذل و الهوان و يجعلهم نصب عينيه و هو من الاساليب التعليمية المثيرة.

و السديد في قوله تعالى: «قَوْلاً سَدِيداً» هو العدل و الصواب كما عرفت، و السداد بالفتح هو الاستقامة و الصواب، و بالكسر هو البلغة و ما يسد به الحاجة، و لكن قال ابن السكيت في إصلاح المنطق انه لا فرق بين الفتح و الكسر و انهما بمعنى واحد يقال: سداد من عوز و سداد. و كذا حكاه غيره.

بحث دلالي
تدل الآيات الشريفة على امور:
الاول:

يدل قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ‌» على ان الأصل في التوارث هو الولادة أو القرابة و بذلك يرد القرآن الكريم على العادات و التقاليد التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي فإنهم كانوا يحرمون بعض الورثة و يمنعون حقوقهم عنهم من دون سبب معين سوى العصبية و بعض العواطف الظالمة، و القرآن في تأسيس هذا الأصل القويم يبين الشريعة الحقة في أهم حكم من الاحكام الاجتماعية الذي طالما كان مورد النزاع و الاختلاف في جميع المجتمعات.

و أسس الإسلام قاعدة معروفة هي المرجع في الإرث و هي: قاعدة الاقربية التي تقوم على العلقة النسبية و الاقربية في الرحم، و أكد

سبحانه و تعالى على هذه القاعدة في موارد متفرقة من القرآن الكريم قال تعالى: «وَ أُولُوا اَلْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ‌» الأنفال - 75 و قال تعالى: «اَلنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا اَلْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اَللّهِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُهاجِرِينَ‌» الأحزاب - 6 و الآيات التي تقدم تفسيرها تبين جهة الاقربية و هي الولادة، و النسب، و القرابة و من تقديم الولادة يستفاد انها الأصل للقرابة.

و لم يذكر سبحانه و تعالى في هذه الآية مقدار النصيب لما سيأتي في الآيات التالية ذكره و بيان سائر خصوصياته.

الثاني:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ‌» اشتراك النساء مع الرجال في الإرث و أكد عز و جل ذلك بالتصريح و التعميم و الإظهار في مقام الإضمار و نص عليه نصا قاطعا بقوله تعالى: «مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» فانه يدل على كون السهام مقطوعة لا إبهام فيها و لا خلط، و هذه الآية الشريفة تعطى للنساء حقوقهن قبل ان يطالبن بها، فان شريعة الحق و العدل الرباني يثبتان الحقوق لأهلها قبل المطالبة بها، و سيأتي في الآيات الكريمة التالية الكلام في مقدار حق المرأة في الإرث و بيان السبب في التفاضل بين الرجال و النساء فيه.

الثالث:

يدل عموم قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ‌» على شمول الحكم لجميع افراد الإنسان بلا استثناء فيدخل فيه تركة النبي (صلى اللّه عليه و آله) الا إذا قام دليل معتبر على التخصيص و هو مفقود كما ستعرف في الموضع المناسب ان شاء اللّه تعالى، كما ان عموم الآية

الشريفة يدل على بطلان التعصيب ايضا.

الرابع:

يدل قوله تعالى: «وَ إِذا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى وَ اَلْيَتامى وَ اَلْمَساكِينُ‌» على حكم ادبي تجتمع فيه الرحمة و الرأفة في حال يكون أقرباء الميت أحوج إليهما من غيرهم، فانه إذا قسنا هذا الحكم مع ما كانت عليه الحال في الجاهلية، و ما كان يقتضيه المقام من التعسف و الظلم بحقوق الآخرين يتجلى عظمة هذا الحكم الالهي الذي يثير العطف و الشفقة في قلوب الأولياء لا سيما بالنسبة إلى فقراء القربى و اليتامى و المساكين و الإحسان إليهم و مد يد العون إليهم فاجتمع في هذا الحكم الجانب الاخلاقي و الاجتماعي و التربوي و هذا هو شأن الاحكام الإلهية التي لا تقتصر على جانب معين.

الخامس:

يدل قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً» على ان النصيب يدخل في ملك الوارث قهرا بقرينة سياق الآيات الشريفة المشتملة على لفظ «اللام» الظاهر في الاختصاص و لعل ما ذكره الفقهاء من ان الإرث من النواقل القهرية غير الاختيارية مستفاد من مثل هذه الآيات المباركة و الروايات الواردة في السنة المقدسة.

السادس:

اطلاق قوله تعالى: «أُولُوا اَلْقُرْبى‌» يشمل قرابة الميت الأغنياء منهم و الفقراء، و قيده بعضهم بالفقراء و لكنه خلاف الظاهر نعم لا ريب في اولوية الفقير.

السابع:

يدل قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً» على حقيقة من الحقائق الواقعية التي كشف عنها القرآن الكريم و أكد عليها في مواضع متعددة و هي ارتباط الحوادث الخارجية مع الأعمال سواء كانت حسنة أو سيئة. و من مصاديق هذه الحقيقة ما ورد في الآية

الشريفة التي تقدم تفسيرها فإنها تبين ان الآثار الوضعية لظلم الأيتام سيعود إلى الظالم و لو على أعقابه و يؤكد هذا قوله تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‌» الزلزال - 8 و إطلاقه يشمل عود الجزاء إلى نفس العامل أو إلى ذريته و أعقابه و في بعض الروايات «يؤثر العمل السيء و لو إلى سبعين بطنا» و على هذا فربما يكون ما يصيب الإنسان من خير أو شر من انعكاس اعمال آبائه عليه.

و يمكن ان يقام الدليل العقلي على ذلك ايضا فان الذي يحسن إلى غيره انما يفعل ذلك لأجل انه رضي بالإحسان و ارتضاه لنفسه، فإذا احسن للأيتام فهو قد رضي ذلك لذريته ايضا و بالعكس اي إذا ظلم احد فإنما طلب ذلك لنفسه و رضي و ما يرتضيه لنفسه يتعلق بأولاده و أعقابه ايضا ان لم يتدارك. نعم هناك اسباب و عوامل قد تمنع انعكاس العمل على النفس و الذرية لا يعلمها إلا اللّه تعالى كما يدل عليه قوله تعالى: «وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ» الشورى - 30 و سيأتي في الموضع المناسب تفصيل الكلام ان شاء اللّه تعالى.

الثامن:

يمكن ان تكون من احد بطون قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً» الإشارة إلى كيفية المعاشرة مع اولياء اللّه تعالى إماما كان أو عالما عاملا هاديا، فان ترك المعاشرة معهم أو سوئها يؤثر في الذرية و الأعقاب و قد ادعي التجربة في ذلك فحينئذ يكون المراد من قوله تعالى: «قَوْلاً سَدِيداً» اي قولا مطابقا مع العمل بما يرشدون اليه فإنهم واسطة الفيوضات المعنوية.

التاسع:

يدل قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ اَلْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً» على تجسم الأعمال و هو صحيح - و يستفاد

ذلك من قوله تعالى: «وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً» و ان أكل اموال اليتامى سبب تام للدخول في النار - لان الحقيقة الواحدة يمكن اختلافها باختلاف العوالم و خصوصيات الإدراكات - مثلا - لو رأى احد في المنام انه يشرب اللبن يعبر عنه بالعلم بمناسبة ان اللبن مادة الحياة الجسمانية و العلم مادة الحياة المعنوية فأكل مال اليتيم حقيقة واحدة هي في عين وحدة تلك الحقيقة متعددة بحسب العوالم و المدركات فهي أكل للمال عند ذوي البصائر المستورة بالحجب الظلمانية الغليظة و عند ارتفاعها تعرف البصائر تلك النار و تظهر في النشأة الآخرة و لذا قال سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله): «الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا» و قال مولانا الرضا (عليه السلام): «كلما هناك لا يعلم إلا بما هاهنا» فكما ان آثار الدنيا تظهر في الآخرة بما يناسب ذلك العالم فلا بد ان تكون تلك الآثار ظاهرة في هذه الدنيا بما يناسبها لكن لأهل البصائر لا لكل احد و الامثلة و الشواهد كثيرة في القرآن الكريم و السنة الشريفة لعل اللّه تعالى يوفقنا لبيانها.

بحث روائي

في تفسير القمي في قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ - الآية» قال: «هي منسوخة بقوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‌» .

أقول: ليس المراد به النسخ المصطلح في علم الأصول بل المراد الإجمال و التفصيل كما عرفت.

و عن الطبرسي: اختلف الناس في هذه الآية على قولين أحدهما انها محكمة غير منسوخة و هو الصحيح.

أقول: ما ذكره مطابق للأصل و عليه اجماع الامامية.

و في الدر المنثور اخرج ابن جرير و ابن المنذر و ابن ابي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ‌» قال: نزلت في أم كلثوم و ابنة أم كحلة (كجة) أو أم كحلة و ثعلبة بن أوس و سويد و هم من الأنصار كان أحدهم زوجها و الآخر عم ولدها فقالت يا رسول اللّه توفي زوجي و تركني و ابنته فلم نورث من ماله فقال عم ولدها يا رسول اللّه لا تركب فرسا، و لا تنكى عدوا و يكسب عليها و لا تكتسب فنزلت الآية».

أقول: روى قريبا منه الواحدي في اسباب النزول و في بعض الروايات عن ابن عباس: «انها نزلت في رجل من الأنصار مات و ترك ابنتين فجاء ابنا عمه و هما عصبته فقالت امرأته: تزوجا بهما - و كان بهما دمامة - فأبيا فرفعت الأمر الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فنزلت آيات المواريث - الرواية».

أقول: يمكن تعدد منشأ النزول و لا تنافي بينهما.

و في تفسير العياشي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ إِذا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى - الآية -» قال:

«نسختها آية الفرائض».

و في المجمع في الآية: «وَ إِذا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى‌» : «اختلف الناس في هذه الآية على قولين أحدهما انها محكمة غير منسوخة قال و هو المروي عن الباقر (عليه السلام).

أقول: تقدم ما يتعلق بذلك في التفسير، و يأتي في البحث الفقهي

تتمة الكلام.

و في الكافي عن سماعة عن ابي عبد اللّه (عليه السلام): «أوعد اللّه تبارك و تعالى في مال اليتيم بعقوبتين إحداهما عقوبة الآخرة النار، و أما عقوبة الدنيا فيقول عز و جل: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ - الآية -» يعني: ليخش أن اخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى».

أقول: روى مثله العياشي عن الصادق و ابي الحسن (عليهما السلام) و في المعاني عن الباقر (عليه السلام) أيضا و الآيات و الروايات الدالة على وجود الآثار الوضعية في المعاصي كثيرة جدا و هذه من احدى مصاديقها، و يستفاد منها عظمة المعصية.

و في تفسير العياشي عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) مبتدءا: «من ظلم سلط اللّه عليه من يظلمه أو على عقبه و عقب عقبه فذكرت في نفسي. فقلت: يظلم و هو يتسلط على عقبه و عقب عقبه‌؟!! فقال لي قبل ان أتكلم ان اللّه يقول وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً» .

أقول: هذه الرواية منقولة متواترة من ان للظلم آثارا وضعية دنيوية و اخروية و لا بد من ظهورها في الدنيا سواء على الظالم أم على عقبه و مثل ذلك قولهم (عليهم السلام): «قطيعة الرحم و اليمين الفاجرة تذر الديار بلاقع من أهلها».

و في الكافي عن الباقر (عليه السلام): «ان آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة و النار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهب النار من فيه يعرفه اهل الجمع إنه آكل مال اليتيم».

و في تفسير القمي عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما اسري بي الى السماء رأيت قوما تقذف في أجوافهم النار و تخرج من ادبارهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل‌؟ فقال هؤلاء الذين يأكلون اموال اليتامى».

أقول: وجه ذلك انه (صلى اللّه عليه و آله) اسري الى عالم كشف الحقائق و ظهور السرائر و الضمائر و لا بد ان يرى الأشياء على ما هي عليه، و قد يحصل له (صلى اللّه عليه و آله) تلك الحالة في هذا العالم من دون ان يسرى به الى السماء و كذلك يحصل عند بعض أولياء اللّه تعالى.

و في الدر المنثور اخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: «ذكر لنا ان نبي اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: «اتقوا في الضعيفين:

اليتيم و المرأة ايتمه ثم اوصى به، و ابتلاه و ابتلى به».

أقول: و نظير ذلك ما عنه (صلى اللّه عليه و آله): «دخلت الجنة و رأيت اكثر أهلها النساء علم اللّه ضعفهن فرحمهن» و هو محمول على المؤمنات الصالحات.

بحث فقهي

الآية الشريفة: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» تبين وجه الإرث و السبب فيه و انه الولادة و الاقربية، و استفاد الفقهاء من مثل هذه الآية الشريفة الأصل الاول في الإرث

الذي هو النسب و هو يبتني على أمرين الولادة و الاقربية في الرحم، و الآية المباركة تدل على ان الرجال و النساء مشتركان في حصة من الميراث على الإجمال و يرثان النوعان معا إذا كانا متساويين في الدرجة و القرابة و الا فالأقرب يمنع الا بعد.

و من ذلك يظهر بطلان التعصيب فان اللّه تعالى فرض للنساء كما فرض للرجال في التركة و شرك بينهما و اختصاص بعض الورثة بها و حرمان الآخر عما زاد من الفرض خلاف مقتضى الآية الشريفة.

كما ان مقتضى قوله تعالى: «نَصِيباً مَفْرُوضاً» ان الإرث من النواقل القهرية و دخول النصيب في ملك الوارث يكون بغير الاختيار فلا يخرج عنه الا بسبب شرعي؛ ثم ان ظاهر قوله تعالى: «وَ إِذا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى وَ اَلْيَتامى وَ اَلْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً» ان الأمر بالرزق محمول على الندب لا على الوجوب كما في الأمر بالقول السديد ايضا لقرائن متعددة في الآية الشريفة و ما وردت في السنة من الروايات.

و المعروف بين الامامية انها غير منسوخة و ادعى الإجماع عليه و لكن في تفسير العياشي عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) انه قال: «نسختها آية الفرائض» و الظاهر انه لا منافاة بين آية الفرائض و هذه الآية الشريفة بعد ظهورها في الندب.

و على فرض الوجوب ان آية الفرائض تدل على تحديد الفرائض و تعيين السهام و هذه الآية الكريمة تدل على القسمة على الإجمال من غير تعيين سهم فلا موجب للنسخ.

و يمكن ان يكون المراد من النسخ في الحديث مطلق الرفع في الروايات لا النسخ المصطلح في علم الأصول فحينئذ تصح الرواية و لا

تنافي بين الآيتين الشريفتين.

و الخطاب في الآية المباركة للأولياء أو الأوصياء و غيرهم من القضاة ان يرزقوا اولي القربى غير الوارثين سواء كانوا اغنياء أم فقراء قبل قسمة التركة أو بعدها مما صار إليهم مع القول المعروف الحسن حين الإعطاء أو الرد بالإحسان إذا لم يعطوهم شيئا.

ثم إن مقتضى قوله تعالى: «وَ لْيَخْشَ اَلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اَللّهَ وَ لْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً» حرمة أكل مال اليتيم ظلما و اما إذا لم يكن على النحو المذكور فيجوز لوجود الاذن الشرعي فيه، و الخطاب في الآية الكريمة للأولياء و الأوصياء و من يتصدى امور اليتامى.

يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ .......

اشارة

يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (11) وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ اَلرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ

مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَ لَهُنَّ اَلرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي اَلثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اَللّهِ وَ اَللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اَللّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ (13) وَ مَنْ يَعْصِ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (14) الآيات الشريفة تتضمن احكاما الهية ترشد الناس الى الكمال و تسوقهم الى السعادة في الدارين، و هي احكام اجتماعية روعي فيها حفظ اموال الناس و توزيعها وفق نظام متين على ما بينه عز و جل دفعا للتشاجر و التخاصم. و حفظا لحقوق الإفراد و مراتبهم.

و قد ذكر سبحانه و تعالى عمدة احكام المواريث و الفرائض في هذه الآيات المباركة مرتبة على قاعدة الاقربية في الرحم التي هي أهم القواعد في الإرث و جرى عليها العمل في الفقه الاسلامي و هي من أجل و احسن نظام روعي فيه جميع الخصوصيات و أبطل بها عز و جل جميع

الاحكام الوضعية التي كانت سائدة في المجتمعات القديمة و منها المجتمع الجاهلي و ما وضعته القوانين المدنية و قد جعل عز و جل من يتبع تلك الاحكام السماوية مطيعا للّه و للرسول و قد وعد تعالى له الجزاء العظيم و السعادة العظمى في الدارين و أوعد تعالى على من خالف تلك الاحكام و تعدى حدودها و عصى اللّه و رسوله النار و العذاب المهين.

التفسير

قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‌ .

الوصية: العهد و الأمر، و منه الوصية المعروفة و هي ما يتعهد به الى الغير للعمل به و اليه يرجع ما ذكره الراغب في المفردات: انها التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنا بوعظ.

و المراد بها في المقام الفرض و التشريع و انما عدل إلى هذه اللفظة لأنها ابلغ في الاهتمام بما اوصى به و الاعتناء به و طلب حصوله بسرعة كما عدل من الأبناء إلى لفظ الأولاد لأنه يشمل من تولد من الرجل بواسطة أو بدونها و ان كان الأبناء أيضا كذلك إلا ان في التعبير ب‍ «أَوْلادِكُمْ‌» نحو استيناس اليه و فيه تعميم يشمل الذكور و الإناث كبارا أو صغارا. و ذكر بعضهم ان الولد حقيقة في أولاد الصلب و مجاز في غيرهم و لكنه فاسد كما هو واضح.

و انما ذكر الأولاد ابتداء لأنهم اقرب رحما إلى الميت من غيرهم.

و المعنى: ان اللّه تعالى فرض عليكم احكاما في ارث أولادكم، و الآية فيها إجمال تبينه الآيات الشريفة التالية.

قوله تعالى: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ‌ .

تفصيل بعد إجمال و بيان لاهم ما وصى به عز و جل و هي تتضمن قاعدة كلية من قواعد الإرث و لذا قدمها عز و جل على سائر أحكامه و استدل بها الفقهاء في كتبهم الفقهية في أكثر من مورد.

و الآية الشريفة بايجازها البليغ تتضمن تفضيل الذكر على الأنثى في الإرث إذا اجتمعا وجهة التفضيل، و الإشارة إلى تقرر نصيب الأنثى في الواقع و بيان سهم الأنثيين إذا انفردتا و لا يظهر ذلك المضمون لو كانت العبارة غير ما ذكره جلّ شأنه فسبحان من ظهرت آياته في محكم كتابه.

و أسلوب الخطاب ينبئ عن ابطال ما كانت عليه الجاهلية و بعض المجتمعات الاخرى من منع توريث النساء كما عرفت سابقا، و الإسلام بدأ أولا بابطال العصبيات و التقاليد و شرّك النساء مع الرجال في التركة كما تقدم ثم بين ان ارث الأنثى محفوظ و معروف و انه الأصل في تشريع ارث الذكر وعد كل واحد منه باثنتين من النساء إذا اجتمع الصنفان من الذكور و الإناث، فالإسلام يعطي نصيب الضعف للرجل، فيكون نصيب المرأة نصف الرجل في المال الموروث ثم فصل سهام الإناث بعد ذلك و لم يذكر سبحانه سهام الرجال مستقلا إلا مع سهام النساء، و ذلك لبيان اهمية الموضوع و قطعا لكل عصبية و إبطالا لكل عادة و تقليد و رفعا للإبهام و الإجمال.

و اما العلة في تفضيل حظ الذكر من المال الموروث على الأنثى مع كون هذا المال لم يبذل فيه جهد و مشقة من اي منهما فلوجوه عديدة، منها ما سيذكره عز و جل في قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اَللّهَ مِنْ فَضْلِهِ‌» النساء - 32 فان الرجل كلف بالإنفاق، و المرأة لم تكلف به فالتفضيل حق في مقابل هذا التكليف. و هناك وجوه اخرى يأتي بيانها.

و اما العلة في تفضيل حظ الذكر من المال الموروث على الأنثى مع كون هذا المال لم يبذل فيه جهد و مشقة من اي منهما فلوجوه عديدة، منها ما سيذكره عز و جل في قوله تعالى: «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اَللّهَ مِنْ فَضْلِهِ‌» النساء - 32 فان الرجل كلف بالإنفاق، و المرأة لم تكلف به فالتفضيل حق في مقابل هذا التكليف. و هناك وجوه اخرى يأتي بيانها.

و اللام في الذكر و الأنثيين للجنس. اي: جنس الذكر يعادل جنس الأنثيين إذا اجتمع الصنفان، و انما قدم الذكر على الأنثى لبيان زيادة حظ الذكر لا نقص حظ الأنثى فان الإشارة إلى جهة فضل الفاضل احسن في التعليل من الإشارة إلى جهة نقص المفضول كما ذكره بعض العلماء و هو حسن.

قوله تعالى: فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ‌ .

تخصيص لسهام النساء المنفردات لأهمية الموضوع و رفعا لكل إجمال و إبهام كما عرفت. و تأنيث الضمير الذي يرجع إلى الأولاد «كُنَّ‌» باعتبار الخبر.

أي إذا كن الوارثات نساء ليس معهن في طبقتهن ذكر واحد أو اي: متعدد فلهن ثلثا ما تركه المورث المعروف من سياق الكلام.

و قوله تعالى: «فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ‌» صفة نساء، أو خبر ثان. و المراد به الفوقية في العدد أي ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان و الباقي يرد على من اجتمع معهن مع تساوي الدرجة أو يرد عليهن إذا لم يكن معهن احد من نفس الدرجة.

و انما ذكر الثلثين لبيان انهما الميزان في الرد على غيرهن فيبقي مجال لسهم الوالدين أو أحدهما و الزوج أو الزوجة إذا كانوا مع البنات.

قوله تعالى: وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ‌ .

الضمير يرجع إلى المولودة المفهومة من الكلام، و اللام في النصف

عوض عن المضاف اليه اي نصف ما ترك. و النصف مثلث النون و قرئ بعضهم بالرفع لزوما قياسا على بقية الأعشار كالثلث و الربع و الخمس فان كلها مضمومة الأوائل و هي لغة اهل الحجاز. و النصف احد شقي الشيء و انما ذكر النصف لبيان انه الميزان في الرد على من يجتمع معها كالابوين أو أحدهما أو الزوج أو الزوجة فيعرف سهام كل واحد منهم.

و قد ذكر سبحانه سهم البنت الواحدة و هو النصف، و سهم فوق اثنتين من البنات و هو الثلثان و لم يذكر سهم البنتين و سيأتي في البحث الدلالي تفصيل الكلام.

قوله تعالى: وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ .

الضمير في (لأبويه) يرجع إلى الميت المعلوم من السياق و السدس خبر، و المراد بالأبوين هما الأب و الام تغليبا للفظ الأب فان العرب يجري المختلفين مجرى المتفقين فيغلب أحدهما على الآخر كالقمرين و الحسنين و الملوين.

و انما عطف حكم الأبوين على حكم الأولاد لبيان اشتراكهما مع الأولاد في الطبقة.

و المعنى: و لكل واحد من ابوي الميت السدس مما تركه الميت فهما في هذه الصورة في الفريضة سواء لا يتفاضلان كما يتفاضل الذكور و الآنات إذا اجتمعا.

و هذا الحكم مختص بالأب و الام و لا يتعدى إلى الجد و الجدة لعدم اطلاق الأب و الام على الجد و الجدة حقيقة و ان كان يشملهما لقرائن

خارجية كما في قوله تعالى: «كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ‌» الأعراف - 27 مضافا إلى ان تثنية الأبوين شاهد آخر على ان المراد هما القريبان لان الجد و الجدة في الطبقة الاولى يكونون اربعة لا إثنين كما هو معلوم، و يتضاعف العدد كلما علت الطبقة و يدل على الحكم المزبور اجماع الامامية ايضا. هذا إذا كان مع الأبوين ولد للميت ذكرا كان أو أنثى، منفردا أو متعددا للصلب أو غيره لان الولد جنس يشمل الجميع. نعم ان كان الولد بنتا واحدة فلها النصف و لكل واحد من الأبوين السدس، فما زاد يرد على الجميع أخماسا ان لم يكن حاجب و الا فارباعا كما هو معروف في فقه الامامية.

و لا يعطى للعصبة شيء خلافا للجمهور و هي مسألة التعصيب المعروفة في الفقه.

قوله تعالى: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ‌ .

بيان لصورة انحصار الوارث في الأبوين اي و ان لم يكن للميت ولد مطلقا كما عرفت آنفا و انحصر الوارث في الأبوين معا لا أحدهما فان الوارث ان كان الأب فقط فالمال كله له، و ان كانت الام فلها الثلث تسمية و الباقي ردا، فإذا اجتمع الأبوان معا و انحصر الوارث فيهما فللام الثلث مما تركه المورث و الباقي للأب و انما لم يذكره لكونه معلوما و لأنه لم يكن صاحب فرض غيرها و الكلام في اصحاب الفروض.

قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ‌ .

بيان لصورة الحجب اي: و ان كان للميت اخوة، فلام الميت السدس توفيرا على الأب، فيعطى الباقي له قرابة و يشترط في حجب الاخوة من الثلث إلى السدس امور ذكرها الفقهاء في الفقه من يشاء

فليراجع كتابنا (مهذب الاحكام).

و ذكر الاخوة بعد قوله تعالى: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ‌» فيه الدلالة على ان الاخوة في الطبقة الثانية بعد الطبقة الاولى التي فيها الأبناء و الآباء.

قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ‌ .

قاعدة اخرى من قواعد الإرث و هي: «ان الإرث انما يكون من اصل المال الذي تركه الميت إذا لم يوص بوصية أو لم يكن عليه دين فان كانت وصية أو دين فانه يجب اداؤهما أولا ثم التوريث مما بقي».

و الوصية - كما تقدمت - هي التعهد إلى الغير بعمل معين، و هو المراد بها في قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ‌» البقرة - 180 و انما وصف الوصية بأنها يوصى بها لبيان أهمية الوصية، و الدلالة على التأكد من ثبوتها و التحقق من نسبتها إلى الميت و لم يقيد الدين بما قيد به الوصية للدلالة على انه لا يعتبر في إخراج الدين الوصية به و لا حصوله عليه باختياره.

و انما قدم الوصية على الدين مع انها مؤخرة عنه في الترتيب لأنها اكثر وقوعا و للاهتمام بها و تنزيلها منزلة اصل الدين و الا فان الدين مقدم في الوفاء على الوصية فيخرج الدين أولا من تركة الميت ثم تخرج الوصية ثم الإرث و قد دل على هذا الترتيب السنة الشريفة و الإجماع المحقق، مع ان القصد في الآية الشريفة هو بيان تقديمها على الميراث من دون قصد بيان ترتيبهما في أنفسهما مضافا إلى انه يستفاد التأخير من كلمة «بَعْدِ» فإنها تدل على ان الميراث بعد إخراج الوصية و هي

تلو الدين فوافقت الآية الكريمة ما ورد في السنة الشريفة و الإجماع.

و الدين يشمل كل ما هو واجب مالي لازم الوفاء سواء كان دينا خالقيا - كالزكاة و الخمس و الحج - أو خلقيا كالقرض و غيره.

قوله تعالى: آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً .

بيان لحقيقة من الحقائق الواقعية و خطاب عام يبين خطأ الأوهام و التقاليد التي كانت متبعة عند الأمم في عصر نزول القرآن الكريم و دفعا لما قد يقال في هذا الموضوع المهم الذي هو في معرض التشاجر و التنازع و الجواب عن السبب في اختلاف السهام ببيان ان الإنسان مهما بلغ في الذكاء و الفطنة لا يعلم من هو الأقرب اليه نفعا في الدين و الدنيا و الآخرة فانه يقع تحت تأثير العواطف و النزعات النفسية و التقاليد و العادات الاجتماعية فكم من شخص يحرص الإنسان توريثه و توفير سهمه و لكن لو انكشف الأمر له لمنعه عن ذلك، و الإسلام ينظر في ذلك نظرة واقعية و يسنّ قانونا الهيا لا يقبل التغيير و هو بعيد عن الأوهام الباطلة و العواطف الانسانية و النزعات الشخصية. و يقسم السهام على افراد الورثة حسب ما ينظره من المصلحة العامة و ما يقتضيه تكوين الإنسان و فطرته كسائر الاحكام الاسلامية التي تبتني على الفطرة و المصلحة العامة. و يدل عليه تقديم الآباء على الأبناء في الآية الشريفة و هما يشيران الى الأصول و الفروع في باب التوارث، فتشمل الأب و الام و الجد و الجدة و الأبناء الذكور و الإناث، و الاخوة و الأخوات و يستفاد من تقديم الآباء على الأبناء ان الآباء اقرب نفعا من الأبناء.

و المراد من النفع: الأعم من النفع الدنيوي المادي أو النفع

الاخروي المعنوي، ففي الحديث المعروف «إذا مات الرجل انقطع عمله الا من ثلاثة صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» و الآية الكريمة تؤكد مضمون ما ورد في الآيات السابقة.

قوله تعالى: فَرِيضَةً مِنَ اَللّهِ‌ .

فريضة منصوب على انه مصدر مؤكد لنفسه اي: فرض عليكم فريضة، و قيل منصوب على انه حال من المواريث الموصى بها اى أوصى بتلك السهام حال كونها مفروضة.

و الآية المباركة تؤكد على ان تلك السهام مقدرة و معينة من اللّه تعالى وفق حكمة متعالية لا تقبل التغيير و التبديل.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً .

اي: ان اللّه تعالى المحيط بعلمه بجميع مصالحكم، و لحكمته المتعالية البالغة التي يضع الأشياء بها في مواضعها فانه شرع لكم تلك الاحكام و الوصايا وفق الحكمة التامة و المصالح العامة.

قوله تعالى: وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ .

بعد ما ذكر سبحانه و تعالى الموجب الأول للارث و هو النسب و القرابة و بين ما يتعلق بالطبقة الأولى و هو سهام الأولاد و الوالدين و بعض الاحكام كحجب الاخوة عن نصيب الأم.

يبين عز و جل في هذه الآية المباركة موجبا آخر و هو السبب فذكر قسما منه و هي الزوجية و انها تنص على انه يرث كل واحد من الزوجين من الآخر في جميع الحالات و لا يحجبهما عن النصيب الأعلى - و هو النصف للزوج و الربع للزوجة - الا الولد مطلقا، فيستفاد من

الآية الكريمة انهما يشاركان جميع الطبقات، فيشاركان الأولاد و ان نزلوا، و الآباء و ان علوا، و سائر الورثة بالأولوية.

و قد ذكر سبحانه جميع صور إرثهما و هي أربعة: الزوج مع عدم الولد للزوجة، و نصيبه النصف، و الزوج مع الولد لها، و نصيبه الربع، و الزوجة مع عدم الولد للزوج و نصيبها الربع، و الزوجة مع الولد له و نصيبها الثمن.

و المراد بالزوجة مطلق من تحققت بهن الزوجية الدائمية، سواء دخل بهن أم لا على ما فصل في الفقه؛ كما أن المراد بالولد مطلق من تولد منهن سواء كان ذكرا أم أنثى للصلب أم غيره و ان نزل واحدا كان أم متعددا. و يستفاد من قوله تعالى: «لَهُنَّ‌» ان المناط تحقق الولد منهن و ان لم يكن من الزوج الوارث لها.

قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ اَلرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ‌ .

هذه هي الصورة الثانية، و المراد من الولد تحققه منهن، سواء كان من الزوج أم من غيره، فان في هذه الحالة للزوج الربع.

قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ‌ .

اي: ان الزوج انما يرث في كلتا الحالتين بعد إخراج الدين و الوصية التي توصي بها الزوجة، فإذا فضل بعد ذلك شيء يخرج منه السهام، و منها سهم الزوج على ما تقدم من التفصيل.

قوله تعالى: وَ لَهُنَّ اَلرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ .

هذه هي الصورة الثالثة، و الكلام فيها كالكلام في الصورة الاولى و المستفاد من «لَكُمْ‌» ان المناط تحقق الولد منه و ان لم يكن ولدا

لها، و نصيب الزوجة في هذه الحالة الربع.

قوله تعالى: فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ‌ .

الصورة الرابعة، و هي ارث الزوجة من الزوج ان كان له ولد فلها الثمن مما تركه الزوج على ما تقدم من التفصيل.

و اطلاق الآية المباركة يقتضي عدم الفرق بين الزوجة الواحدة و المتعددة فإنهن يشتركن في الربع ان لم يكن للزوج ولد و في الثمن ان كان له ولد.

قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ‌ .

على ما تقدم من التفصيل، فان الزوجة انما ترث في الحالتين من تركة الزوج بعد وفاء الدين و إخراج الوصية التي اوصى بها الزوج.

قوله تعالى: وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ‌ .

بيان لبعض احكام الطبقة الثانية من الموجب الأول للارث، و هم الاخوة و الأجداد.

و «كانَ‌» تامة، و رجل فاعل، و جملة «يُورَثُ كَلالَةً‌» صفة له و «كَلالَةً‌» حال من الضمير في «يُورَثُ‌» و (امرأة) عطف على رجل. و قيل، في وجه الاعراب غير ذلك و لكنه لا يخلو عن تكلف.

و مادة كلل تدل على الاحاطة، و كلالة مصدر من كلّ يكلّ‌، و تكلّله النسب بمعنى احاطه، و منه الإكليل و هو التاج لإحاطته بالرأس و كذا الكل (بالضم) لإحاطته بالجزء. و قيل: ان الكلالة بمعنى الإعياء و سميت القرابة البعيدة كلالة لضعفها بالنسبة إلى القرابة القريبة و هم الأصول و الفروع. و قيل: إنها بمعنى البعد، و منه كلت الرحم

بين فلان و فلان إذا تباعدت القرابة، و سميت القرابة البعيدة بها لبعدهم عن الميت، و الكلالة ما خلا الوالدان و الولد سموا كلالة، لإحاطتهم بنسب الميت. و لم يرد لفظ الكلالة في القرآن الكريم إلا في موضعين أحدهما المقام، و الثاني في آخر هذه السورة و لم يقصد منهما إلا الاخوة و الأخوات. و هي اسم يجمع الوارث و المورث من جهة انتساب كل واحد منهما إلى الآخر، و هي تشمل الذكر و الأنثى، و لا تثنى و لا تجمع لأنها مصدر، كالوكالة و الدلالة.

و كيف كان فالمتفق عليه عند الجميع انها لا تشمل الآباء و الأولاد.

و المعنى: ان كان الميت المورث كلالة ليس له أب و لا ابن و الآية تختص بما إذا لم يكن للميت وارث من الطبقة الأولى في الإرث و هم الآباء و الأبناء و كان له أخ أو اخت، و المرأة حكمها حكم الرجل إذا كانت كلالة ليس لها أب أو ابن.

قوله تعالى: وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ‌ .

الضمير في «كَلالَةً‌» يرجع إلى الرجل اكتفاءا به عن المعطوف لاشتراكهما في الحكم. و الأخ أصله «أخو» لدلالة التثنية (اخوان) عليه فحذف منه الواو و نقلت الضمة الى الخاء على غير قياس. و أما اخت فقد حكى جمع انه ضم أولها لأن المحذوف منها واو، كما كسر أول بنت لان المحذوف منها ياء اي: و ان كان المنتسب الى الميت واحدا من الكلالة إما أخ أو اخت فله السدس مما تركه الميت.

قوله تعالى: فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي اَلثُّلُثِ‌ .

اي: و ان كان المنتسب اكثر من واحد اي أخوين فصاعدا أو أختين كذلك أو هما معا فلهم الثلث يقتسمونه بينهم بالسوية من دون تفاضل بين الذكر و الأنثى.

و الأخ و الاخت و ان كان مطلقا يشمل الاخوة من طرف الام و الاخوة من طرف الأبوين، أو الأب، و لكن اشتراكهم في الثلث بالسوية يدل

على ان المراد منهم خصوص كلالة الام فقط، و قد اجمع المسلمون على ذلك، و يشهد له الجمع بين هذه الآية و الآية الاخرى في الكلالة في آخر هذه السورة.

قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ‌ .

اي: انما ترث كلالة الأم السدس ان كانت واحدة، و الثلث ان كانت متعددة بعد وفاء الدين و إخراج الوصية من التركة، كما تقدم التفصيل.

قوله تعالى: غَيْرَ مُضَارٍّ .

جملة حالية من الفاعل، و العامل فيها (يوصى) اي يوصي الرجل و مثله المرأة حالكونه غير مضار للورثة بوصيته بان يوصي بأكثر من الثلث أو يضرهم بافتعال الدين لنفسه فيحرمهم من الإرث.

و المضارة من الإضرار و هذا القيد يعتبر في جميع الموارد التي ذكر فيها الوصية في ما تقدم من الآيات الشريفة ك‍ «يوصي و يوصين و توصون» و لكن حذف لدلالة ما بعده عليه، و انما ذكره في المقام لأنه مظنة الضرر، فان كلالة الأم كثيرا ما تكون ثقيلة على المورث.

قوله تعالى: وَصِيَّةً مِنَ اَللّهِ‌ .

مصدر منصوب بفعل مقدر اي: يوصيكم بذلك وصية من اللّه تعالى فيجب الإذعان بها و العمل بمضمونها، و انما نسبها اليه عز و جل للتأكيد على مضمونها و تعظيم شأنها و التحذير من مخالفتها.

قوله تعالى: وَ اَللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ‌ .

اي: و اللّه عليم بمصالحكم و نياتكم فيعلم المطيع منكم و العاصي

المتعدي على حدود اللّه تعالى، حليم لا يعاجل بالعقوبة، فعليكم بالتخلق بأخلاق اللّه تعالى.

و انما ذكر عز و جل هذين الاسمين المباركين لان أحدهما يبين حكمة التشريع، و الثاني يبين تنفيذ التشريع فانه شرع الاحكام لمصالحكم فيجب عليكم العمل بها و من يخالف يعاقب و ان يمهله اللّه تعالى لحلمه بكم.

قوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اَللّهِ‌ .

الحد هو الحاجز بين الشيئين بحيث يمنع اختلاط أحدهما بالآخر و التمايز بينهما، و المراد بها تلك الاحكام التي شرعها اللّه تعالى في المواريث و غيرها التي هي حدوده عز و جل فلا يجوز التعدي و التجاوز عنها.

قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ‌ .

تفريع على ما سبق فان كون الاحكام حدوده تعالى يستلزم الإطاعة و بيان الجزاء على الموافقة و المخالفة اي: و من يطع اللّه تعالى في العمل باحكامه على حدودها و يتبع ما ورد على لسان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) في تفسيرها و بيانها فانه واسطة الفيض و ما ينطق عن الهوى فانه يجزيه الجزاء الأوفى.

قوله تعالى: يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها .

اي: ان جزاء المطيع هو ان يدخله اللّه تعالى جنات في غاية البهجة و استكملت جميع اسباب السرور خالدين فيها لا ينغص عيشهم حزن الفراق.

و انما جمع «خالِدِينَ‌» مراعاة لمعنى «مَنْ يُطِعِ‌» لأنه من الألفاظ التي تدل على العموم و لبيان انهم مجتمعين فان في الاجتماع كمال اللذة.

كما انه أفرد الضمير في «يُدْخِلْهُ‌» مراعاة للفظ «مَنْ‌» .

قوله تعالى: وَ ذلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ‌ .

فانه عظيم بنفسه، لأنه في غاية البهاء و الصفاء و استكملت جميع اسباب البهجة و السرور و السعادة و خلي عن جميع المنغصات و الكدورات و عظيم بالإضافة لأنه من عند اللّه تعالى.

قوله تعالى: وَ مَنْ يَعْصِ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ‌ .

بعد ان ذكر أن المناط في الطاعة هو العمل بحدود اللّه تعالى و ما جاء به الرسول الكريم (صلى اللّه عليه و آله). بين عز و جل أن المناط في للعصيان هو التعدي عن حدود اللّه.

اي: و من يخالف احكام اللّه تعالى و لم يعمل بما أنزله عز و جل و ما جاء به الرسول العظيم (صلى اللّه عليه و آله).

قوله تعالى: وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ‌ .

تفسير العصيان، و فيه التأكيد على ترك المخالفة، و لبيان ان مخالفة الرسول من التعدي عن حدود اللّه تعالى. و للاشارة بان الزيادة عليها يكون من التعدي عن حدود اللّه، فيكون ردا على بطلان العول و التعصيب كما ستعرف.

قوله تعالى: يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها .

اي: ان جزاؤه هو الخلود في النار. و انما أفرد «خالِداً» لبيان انه لا يتمتع من منفعة الاجتماع، و هي الانس لشدة العذاب

و مقاساة أهوالها، فهم كالفرادى في النار.

قوله تعالى: وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ‌ .

اي: له مضافا إلى دخوله النار عذاب عظيم كنهه، مذل له، و انما اذله اللّه تعالى في العذاب لأنه اغتر بنفسه و تعدى حدود اللّه تعالى.

بحوث المقام

بحث دلالي:
تدل الآيات الشريفة على امور:
الأول:

يستفاد من الآيات المباركة المتقدمة اهمية الفرائض و احكام المواريث في الشريعة الاسلامية، فقد اعتنى القرآن الكريم بهذه الفرائض و اهتم بها اهتماما بليغا و تضمنت تلك الآيات رموزا و وجوها كثيرة تدل على ما قلناه.

منها: ان اللّه تبارك و تعالى شرّع تلك الاحكام و فرضها على الناس و أمرهم بمراعاتها و تعهدها حالا بعد حال، و في الوصية بالفرائض اهتمام بها و تأكيد على مراعاتها و العمل بها ما لم يوجد ذلك في غيرها.

و منها: انه ذكر عز و جل القواعد الكلية المتبعة في المواريث و لم يعهد مثل ذلك في غيرها، فمن تلك القواعد قاعدة «ان للذكر مثل حظ الأنثيين» و قاعدة «الأقرب يمنع الأبعد» و غيرهما من القواعد.

و منها: انه تعالى بسط السهام، و ذكر أصولها في هذه الآيات

و هي: النصف؛ و الربع، و الثمن، و الثلثان، و الثلث، و السدس.

و منها: انه جلّ شأنه عظّم أمر تلك الفرائض ببيان جزاء المطيع و العاصي فذكر الثواب على إطاعة اللّه تعالى و اطاعة الرسول (صلى اللّه عليه و آله) فيها و العذاب المهين على المخالفة و العصيان.

و منها: انه تعالى جعلها من حدوده التي لا يجوز التعدي عنها، و قد وردت أحاديث متعددة تدل على اهمية الفرائض و الأمر بتعلمها ففي الحديث المعروف عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) انه قال: «تعلّموا الفرائض و علّموها الناس فاني امرؤ مقبوض، و ان العلم سيقبض، و تظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة و لا يجدان من يقضي بها» و غيره من الأحاديث الكثيرة.

الثاني:

يدل قوله تعالى: «يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ‌» على ان حكم السهم و السهمين مخصوص بأولاد الصلب للميت مباشرا، و اما غيرهم فهم في حكم من يتصلون به فلبنت الابن سهمان و لأبن البنت سهم واحد إذا اجتمعا و لم يكن هناك من يتقدم عليهم في المرتبة، و كذلك حكم الاخوة و الأخوات و أولادهم. هذا بخلاف الابن و البنت فإنهما اعمان من ان يكونا بواسطة أو بغيرها.

الثالث:

يدل قوله تعالى: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ‌» بايجازه البليغ و أسلوبه الجذاب على أعظم حكم سنته الشريعة الإلهية في الفرائض و المواريث فانه يعلن أن جنس الذكر يعادل في النصيب سهم انثيين و هو يبين حقيقتين.

إحداهما: ارث الأنثى و انه امر مقرر معروف لا يمكن لاحد إنكاره و هو الأصل في ارث الذكر.

الثانية: ان للذكر مثل حظ الأنثيين. و بذلك يبطل جميع التقاليد

و العادات البائدة التي لم ينزل بها سلطان، و قد قيل في وجه الحكمة في هذا الحكم الالهي وجوه كثيرة بعضها لا تخلو من المناقشة. و المهم ان القرآن الكريم في هذا الأسلوب يبين جهة فضل الفاضل و لم يتطرق إلى جهة نقص حظ الأنثى.

الرابع:

قد ذكر سبحانه في الآيات المتقدمة من موجبات الإرث النسب - المتحقق في الآباء و الأبناء و الاخوة - و السبب المتحقق في الزوجية و قد ذكر الأبناء و الآباء في قوله تعالى: «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ وَ لِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَ وَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ‌» . و كلالة الأم من الاخوة. فاما السبب فقد ذكر عز و جل سهم الزوجين الأعلى و الأدنى على ما عرفت من التفصيل.

الخامس:

يستفاد من التفصيل في سهام البنات انه لا يستغرق فرضهن التركة، فان الواحدة منهن تأخذ النصف و المتعددة يأخذن الثلثين و اما الزائد فيرد عليهن بالتساوي. هذا إذا لم يكن معهن وارث ذكر، و الا فان للذكر مثل حظ الأنثيين و يعلم من هذا التفصيل ان الذكر الواحد أو المتعدد يأخذون التركة و يتساوون فيها.

السادس:

يستفاد من قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ‌» انه لا نصيب لذوي السهام في التركة قبل إخراج الدين و الوصية منها، فإذا اوفي الدين و أخرجت الوصية من التركة فما فضل منهما يتعلق به سهام ذوي الفروض.

و انما قدم الوصية لإثبات الاهتمام بها فان أداء دين المورث مفروغ عنه بين العقلاء بخلاف الوصية.

السابع:

يستفاد من نسبة السهام إلى التركة ان كل سهم من السهام الستة - و هي الثلث، و الثلثان، و السدس، و النصف، و الربع، و الثمن - يتعلق

بأصل التركة في عرض واحد و على حد سواء، فإذا اجتمع السدس و الربع مثلا فان السدس يخرج من اصل التركة كما يخرج الربع كذلك لا أن يخرج السدس أولا ثم يخرج الربع من ما بقي أو بالعكس و كذا في بقية فروض الاجتماع - كالثلث، و الثمن، أو الثلثان، و الربع - فالسهام كسور عشرية تتعلق بجميع المال و أصله فان كل جزء من اجزائه ينحل إلى كسور و كل كسر معين لصاحب فرض، فلا وجه لتقديم احد الفروض و إخراجه من المال المورث ثم إخراج فرض آخر من ما بقي و هكذا فان ذلك خلاف ظواهر الآيات الكريمة و خلاف المنساق من تعلق الكسور في مال معين.

الثامن:

يدل قوله تعالى: «آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» على ان تلك الاحكام الإلهية و القسمة الربانية تبتنى على مصالح واقعية يعم النفع بها لجميع افراد البشر.

بحث روائي

في اسباب النزول و الدر المنثور اخرج عبد بن حميد، و البخاري، و مسلم، و ابو داود، و الترمذي، و النساء، و ابن ماجة، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و البيهقي في السنن عن جابر ابن عبد اللّه قال: «عادني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و ابو بكر في بني سلمة ماشيين فوجدني النبي (صلى اللّه عليه و آله) لا اعقل شيئا بماء فتوضأ منه ثم رش عليّ فأفقت فقلت: ما تأمرني ان اصنع في مالي يا رسول اللّه‌؟ فنزلت. يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ‌» .

أقول: في ماء الوضوء آثار فكيف بماء وضوئه (ص) فانه قد يوجب احياء الموتى.

و في اسباب النزول ايضا عن جابر بن عبد اللّه الانصاري قال:

«جاءت امرأة إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بابنتين لها فقالت يا رسول اللّه هاتان بنتا ثابت بن قيس - أو قالت سعد بن الربيع - قتل معك يوم أحد و قد استفاء عمهما مالهما و ميراثهما فلم يدع لهما مالا إلا أخذه فما ترى يا رسول اللّه‌؟ فو اللّه ما تنكحان ابدا إلا و لهما مال فقال يقضى اللّه في ذلك فنزلت سورة النساء و فيها: «يُوصِيكُمُ اَللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ - الآية» فقال لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ادع لي المرأة و صاحبها فقال لعمهما: أعطهما الثلثين و اعط أمهما الثمن و ما بقي فلك».

أقول: الرواية لا تتعرض لحكم الزائد عن السهام و هناك روايات اخرى تتعرض له و ان الزائد يرد على البنتين.

و يمكن أن يكون منشأ النزول متعددا و النزول واحدا و لا بأس بذلك.

و في الدر المنثور عن ابن أبي حاتم عن السدي قال: «كان اهل الجاهلية لا يورثون الجواري و لا الضعفاء من الغلمان لا يرث الرجل من والده إلا من أطاق القتال فمات عبد الرحمن - أخو حسان الشاعر - و ترك امرأة له يقال لها أم كحة و ترك خمس جواري فجاءت الورثة فأخذوا ماله فشكت أم كحة ذلك إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فانزل اللّه تعالى هذه الآية «فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَ إِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا اَلنِّصْفُ‌» ثم قال في أم كحة: وَ لَهُنَّ اَلرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ‌» .

و فيه ايضا عن ابن عباس قال: «لما نزلت آية الفرائض التي فرض اللّه فيها ما فرض للولد الذكر و الأنثى و الأبوين كرهها الناس أو بعضهم و قالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن، و تعطى الابنة

النصف، و يعطى الغلام الصغير، و ليس من هؤلاء احد يقاتل القوم و لا يحوز الغنيمة و كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية لا يعطون الميراث الا لمن قاتل القوم و يعطونه الأكبر فالأكبر».

أقول: يعلم ان منشأ افتعال التعصيب في الإسلام و جذوره كانت من الجاهلية كما يعلم من ذلك ان قوله تعالى: «آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» كان ردا على جميع هذه الخرافات و الافتعالات الجاهلية منها و ما كانت في الإسلام.

و في الدر المنثور اخرج الحاكم و البيهقي عن ابن عباس قال:

«أول من أعال الفرائض عمر تدافعت عليه و ركب بعضها بعضا قال: و اللّه ما ادري كيف اصنع بكم‌؟ و اللّه ما ادري أيكم قدم اللّه و أيكم أخر؟ و ما أجد في هذا المال شيئا احسن من ان اقسمه عليكم بالحصص‌؟ ثم قال ابن عباس: و أيم اللّه لو قدّم من قدم اللّه و أخّر من أخّر اللّه ما عالت فريضة فقيل له و ايها قدم اللّه‌؟ قال: كل فريضة لم يهبطها اللّه من فريضة إلا الى فريضة فهذا ما قدم اللّه و كل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخّر اللّه فالذي قدم كالزوجين و الام، و الذي أخر كالاخوات و البنات فإذا اجتمع من قدم اللّه و أخر بدئ بمن قدم فأعطي حقه كاملا فان بقي شيء كان لهن و ان لم يبق شيء فلا شيء لهن».

و فيه ايضا اخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس قال. «ا ترون الذي احصى رمل عالج عددا جعل في المال نصفا و ثلثا و ربعا؟ إنما هو نصفان و ثلاثة أثلاث و اربعة أرباع».

و في الكافي عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة قال:

«جالست ابن عباس فعرض ذكر الفرائض من المواريث فقال ابن عباس

سبحان اللّه العظيم أ ترون الذي احصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا و ثلثا؟! فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث‌؟ فقال له زفر بن أوس البصري يا أبا العباس فمن أول من أعال هذه الفرائض فقال عمر بن الخطاب لما التفّت عنده الفرائض و دفع بعضها بعضا قال: و اللّه ما ادري أيكم قدم اللّه و أيكم أخر؟ و ما أجد شيئا أوسع من ان أقسم عليكم هذا المال بالحصص و أدخل على كل ذي حق حقه فادخل عليه من عول الفرائض. و ايم اللّه لو قدم من قدم اللّه و أخر من أخر اللّه ما عالت الفريضة فقال له زفر بن أوس: و أيهما قدم و أيهما أخر؟ كل فريضة لم يهبطها اللّه عن فريضة إلا الى فريضة فهذا ما قدم اللّه و اما ما أخر اللّه فكل فريضة إذا زالت عن فرضها لم يكن لها ما بقي فتلك التي أخر، فاما التي قدم فالزوج له النصف فإذا دخل عليه ما يزيله عنه رجع إلى الربع لا يزيله عنه شيء و الزوجة لها الربع فإذا زالت إلى الثمن لا يزيلها عنه شيء، و الام لها الثلث فإذا زالت عنه صارت إلى السدس و لا يزيلها عنه شيء فهذه الفرائض التي قدم اللّه عز و جل، و اما التي أخر ففريضة البنات و الأخوات لها النصف و الثلثان فإذا أزالتهن الفرائض عن ذلك لم يكن لها إلا ما بقي فتلك التي أخر اللّه فإذا اجتمع ما قدم اللّه و ما أخر بدئ بما قدم اللّه فاعطي حقه كاملا فان بقي شيء كان لمن أخر و إن لم يبق شيء فلا شيء له فقال له زفر فما منعك ان تشير بهذا الرأي على عمر؟ فقال هبته».

أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة و نفي العول مذهب اهل البيت (عليهم السلام).

و في الكافي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديث قال:

«كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ان الذي احصى رمل عالج ليعلم ان السهام لا تعول على ستة لا تبصرون وجهها لم تجز ستة».

و فيه ايضا عن الصادق (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) الحمد للّه الذي لا مقدم لما أخر و لا مؤخر لما قدم.

ثم ضرب بإحدى يديه على الاخرى ثم قال يا أيتها الامة المتحيرة بعد نبيها لو كنتم قدمتم من قدّم اللّه و أخّرتم من أخر اللّه و جعلتم الولاية و الورثة حيث جعلها اللّه ما عال ولي اللّه و لا عال سهم من فرائض اللّه، و لا اختلف اثنان في حكم اللّه و لا تنازعت الأمة في شيء من امر اللّه ألا و عند علي علمه من كتاب اللّه، فذوقوا وبال أمركم و ما فرضتم فيما قدمت أيديكم و ما اللّه بظلام للعبيد، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون».

أقول: الروايات في رد العول متضافرة، و اما كيفية تقسيم التركة على الوارث إذا كانت السهام اكثر منها فهي مذكورة في كتب الحديث و الفقه فليراجع إليها.

و في الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: «لا تحجب الام عن الثلث إلا اخوان أو أربع أخوات لاب و أم أو لاب».

أقول: الاخبار في ذلك كثيرة و قد تقدم ما يستفاد ذلك من الآية ايضا.

و في التهذيب عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«أول شيء يبدأ به من المال الكفن، ثم الدين، ثم الوصية، ثم الميراث».

أقول: الروايات في مضمون ذلك كثيرة و هي متفقة على ان الدين مقدم على الوصية و هي مقدمة على الميراث و الكفن من شؤون

الميت نفسه فلا بد من إخراجه أولا.

و في المجمع في قوله تعالى: «مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ‌» عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و انكم تقرأون في هذه الآية الوصية قبل الدين و ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قضى بالدين قبل الوصية.

أقول: رواه السيوطي و غيره ايضا و تقدم الوجه في تقديم الدين على الوصية.

و في تفسير العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ان اللّه ادخل الزوج و المرأة على جميع اهل المواريث فلم يقصها من الربع و الثمن».

أقول: هذه الاخبار و نظائرها دليل على عدم العول و التعصيب بالنسبة إليهما و اما الرد إليهما ففيه كلام ذكرناه في الفقه و من شاء فليرجع إلى (مهذب الاحكام).

و في الكافي في معنى الكلالة عن الصادق (عليه السلام): «من ليس بوالد و لا ولد».

أقول: تقدم معنى الكلالة و ذكرنا ان ذلك مستفاد من نفس الآية الشريفة.

بحث فقهي

يستفاد من الآيات المتقدمة - التي فرض اللّه تعالى فيها السهام بضميمة الآيات الاخرى الواردة في الإرث منها الآية التي تقدم تفسيرها «لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ اَلْوالِدانِ وَ اَلْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً» و الآية التي

في آخر هذه السورة و غيرها - احكام مهمة تعتبر كليات باب الفرائض و المواريث و قد اعتمد عليها الفقهاء في كتبهم الفقهية و نحن نذكر المهم منها في ضمن مسائل.

المسألة الاولى: قاعدة: «تفضيل الذكر على الأنثى» التي هي من القواعد في الفرائض و الإرث و الأصل فيها قوله تعالى: «لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ‌» فإنها تقضي تقسيم التركة إذا اجتمع الذكور و الإناث من الورثة و لم يكن لواحد فرض على تفضيل الذكر على الأنثى في النصيب. و إذا تأملنا في الفرائض التي فرضها اللّه تعالى في الإرث للرجال و النساء نرى ان سهم النساء ينقص عن سهام الرجال مطلقا إلا في مورد واحد و هو الأبوان إذا اجتمعا فان سهم الام قد يزيد على سهم الأب، كما إذا اجتمع الأب و الام و البنت الواحدة فان للبنت الواحدة النصف، و للأب و للام السدسان و الباقي يرد على البنت و الام دون الأب فيزيد سهم الام على الأب حينئذ، و لعل الوجه في ذلك ان الأم أمس رحما للولد من الأب لما تتحمله من المصاعب و تقاسي من الهموم في سبيل تربيته و حضانته، فلها المنزلة العظمى في الإسلام و في غير هذا المورد يكون نصيب المرأة اقل من نصيب الرجل، فالزوج له النصف مع عدم الولد للزوجة و الربع مع وجوده، و اما الزوجة فلها الربع مع عدم وجود الولد للزوج و الثمن لها مع وجوده و نحو ذلك.

و اما وجه الحكمة في كون سهم الرجل ضعف سهم الأنثى في الجملة فانه يبتني على أمرين: أحدهما اجتماعي اقتصادي و الآخر يرجع إلى الخلق و التكوين و يشير إلى كلا الأمرين قوله تعالى: «اَلرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى اَلنِّساءِ بِما فَضَّلَ اَللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَ بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ‌»

النساء - 34 فان المراد من الفضل الوارد فيها هو تعقل الرجال و استيلاء روح التعقل بحسب الطبع و التكوين عليهم و ما يمتاز به الرجل من زيادة البأس، و الصلابة و الشدة، و الغلظة و الخشونة. فان جميع ذلك امور يتطلبها المجتمع الانساني في مواطن الدفاع و الأعمال الشاقة، و في تحمل الشدائد و المحن، و الثبات في الأهوال و نحو ذلك مما هو ضروري في الحياة فالرجال على الأكثر يقومون بهذه الشؤون.

و اما المرأة فهي متصفة بالاحساسات و العواطف التي لا غنى للمجتمع عنها فان لهما آثارا عجيبة في الإنسان لما يتطلبه من الوداعة في العيش و السكن و المحبة و الانس و الرحمة و الرأفة مضافا إلى تحمل المرأة أثقال الحمل و الوضع و الحضانة و خدمة البيوت و لا يصلح لهذا الجانب إلا الرحمة و الرأفة و الاحساس اللطيف و العاطفة الرقيقة، فالرجل و المرأة يتبادلان هذين الأمرين الضروريين و يتعادل بهما الحياة و ينتظم شؤونها فإنها يتقوم بهما.

و اما الوضع الاجتماعي فان وضع الرجل الاجتماعي يقتضي الصرف و ادارة المعاش و السعي فيهما و يجب عليه الانفاق غالبا و ذلك يتطلب التدبير المالي في الإنتاج و الاسترباح فهذا إلى روح التعقل انسب إذ لا فائدة للاحساس و العواطف التي هي إلى روح التصرف و المصرف انسب و لذا كانت المرأة اكثر من الرجل فكانا متعاكسين في الملك و المصرف فإذا ملك الرجل الثلثين فان المرأة تذهب بنصف هذين الثلثين بينما تملك المرأة الثلث و لكنها تملك زمام ملكه و مصرفه. و يستفاد ما ذكرناه من عدة آيات كما مر و روايات.

منها: ما رواه هشام: «ان ابن أبي العوجاء قال لمحمد بن النعمان الأحول ما بال المرأة الضعيفة لها سهم واحد، و للرجل القوي الموسر

سهمان‌؟ قال فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: ان المرأة ليس عليها عاقلة و ليس عليها نفقة و لا جهاد، و عدّد أشياء غير هذا، و هذا على الرجل فلذلك جعل له سهمان و لها سهم» و في مضمونها وردت روايات اخرى.

المسألة الثانية: قاعدة «تقريب الأقرب و تقديمه، و ان القريب يمنع البعيد» و يدل عليها قوله تعالى: «آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» فانه اعتبر الاقربية إلى الميت امرا مفروغا عنه و لكن الإنسان يجهل خصوصيات الاقربية و بضميمة الآيات الاخرى يتبين الأقرب و الأبعد اللذان يكونان مؤثرين في زيادة السهم و قلته و يدل على ان الأقرب نسبا يمنع الا بعد قوله تعالى: «وَ أُولُوا اَلْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اَللّهِ‌» * الأحزاب - 6 فمن الآيات المتقدمة يستفاد:

ان اقرب الأقارب و الأرحام هو الأب و الأم و الإبن و البنت و مع وجودهما لا تصل النوبة إلى أولادهما، لأن الإبن و البنت يتصلان بالميت بدون واسطة و أولادهما يتصلون به بواسطتهما.

ثم بعد هذه الطبقة تأتي الطبقة الثانية و هم اخوة الميت و أخواته و جدودته فإنهم يتصلون بالميت بواسطة واحدة و هي الأب و الأم و أولاد الأخ و الأخت كأولاد الإبن و البنت فإنهم يتصلون بالميت بواسطة آبائهم، و أمهاتهم و هم يمنعون الأولاد.

ثم تأتي الطبقة الثالثة و هم أعمام الميت و عماته و خالاته و أخواله فإنهم يتصلون بالميت بواسطتين الجدودة و الأبوين و الأم و هكذا القياس في جميع الإفراد.

و من ذلك يظهر ان ذا السببين مقدم على ذي السبب الواحد فإذا اجتمع الأبوين مع كلالة الأب فان الاول مقدم على الثاني و اما كلالة

الأم فلا يزاحمها احد من كلالة الأبوين أو الأب لأدلة خاصة.

المسألة الثالثة: قاعدة الحجب و يستفاد تلك القاعدة من الآيات المباركة المتقدمة و السنة الشريفة فان بعض الإفراد يحجب صاحب سهم عن سهمه و هذا على نحوين فانه تارة يحجبه عن سهم إلى سهم آخر كحجب الاخوة لنصيب الأم من الثلث إلى السدس و يدل عليه قوله تعالى: «فَلِأُمِّهِ اَلثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ اَلسُّدُسُ‌» و في حجب الاخوة شروط مذكورة في كتب الفقه.

منها: ان يكون الاخوة متعددين سواء كانوا ذكرين أو أخا و أختين أو اربع أخوات، و يدل عليه ظاهر الآية الشريفة و بعض الاخبار و الإجماع المحقق.

و منها: ان يكونوا للأب و الأم أو للأب، و يدل عليه الاخبار كما عرفت و الإجماع ايضا.

و منها: ان يكون الأب حيا و غير ذلك من الشروط المذكورة في الفقه.

و اخرى: يكون الحجب من سهم معين و لكن لا ينتقل إلى سهم آخر مثل حجب الأبن و البنت لسهم الأب و الأم.

المسألة الرابعة: التركة إذا قيست مع السهام فتارة: تكون مساوية للسهام مثل بنتان و أب و أم فان للبنتين الثلثين و للأب السدس و للام السدس، فاستغرقت السهام التركة و المال الموروث أو زوج و اخت فان للاخت الواحدة النصف و للزوج النصف ايضا.

و اخرى: تكون السهام اكثر من التركة مثل زوج و أختين أو أخوات فان للزوج النصف و للاخوات الثلثين و كما إذا اجتمع ابوان و بنتان و زوج فان السهام سدسان و ثلثان و ربع و هي تزيد على التركة

بربع إذا هي لا تزيد عن السدسين الثلثين.

و ثالثة: تكون السهام انقص من التركة كما إذا اجتمع أب و بنت واحدة فان للأب السدس و للبنت الواحدة النصف و هي تنقص عن التركة بمقدار السدسين و كما إذا كان بنتا فقط أو بنتين فقط أو أختين فقط.

و الصورة الثانية: تسمى في اصطلاح الفقهاء بالعول، و الصورة الثالثة: تسمى بالتعصيب و فيهما النزاع المعروف بين الامامية و الجمهور فإنهم حكموا بورود النقص في مسألة العول على جميع الورثة؛ كما حكموا في مسألة التعصيب بأن الزائد يرد على عصبة الميت - و هم أقاربه من الذكور فقط - فحرموا الإناث منه.

و لكن الامامية شددوا النكير على ذلك تبعا لما ورد من ائمة اهل البيت (عليهم السلام) و اعتبروا ذلك خروجا عن حدود اللّه تعالى و تعد عليها، و يستفاد من تشديد التنكير في آخر الآيات المتقدمة على التعدي عن حدوده سبحانه و الاقتران بين عصيان اللّه و الرسول (صلى اللّه عليه و آله) و التعدي عن حدود الباري عز و جل ان ذلك خروج عما فرضه اللّه تعالى، و لعل ما ورد في السنة الشريفة من انكار العول و التعصيب مأخوذ من الآيات المتقدمة.

و كيف كان فان ائمة الهدى (عليهم السلام) حكموا في مسألة العول ان النقص يدخل على خصوص الذين لم يعين لهم الا سهم واحد و هم البنات و الأخوات دون غيرهم كالام و الزوج الذين عين لهم اللّه تعالى فرائضهما الأعلى و الأدنى في جميع الفروض و في مسألة التعصيب يكون الزائد للجميع حسب نسبة السهام و التفصيل يطلب من محله و تقدم في البحث الروائي ما يتعلق بذلك ايضا.

المسألة الخامسة: ظاهر اطلاق الآية الشريفة في الأولاد و غيرهم

ان الأولاد يقومون مقام آبائهم في مقاسمة الأبوين و يرث كل واحد منهم نصيب من يتقرب به كما تقدم في البحث الدلالي، و يدل عليه اخبار كثيرة و الإجماع المحقق.

المسألة السادسة: اطلاق الأزواج في قوله تعالى: «وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ اَلرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ‌» يشمل المعقود عليها و ان لم يحصل المقاربة و الدخول فترثه و يرثها، كما يتناول المطلقة طلاقا رجعيا لأنها بحكم الزوجة ما دامت في العدة. و بعد العدة إلى سنة يقع فيها الوفاة و يدل على ذلك الإجماع و الاخبار المستفيضة إلا انه استثنى من القسم الاول ما إذا تزوج المريض زوجة فلم يدخل بها حتى مات في مرضه الذي تزوج بها و يدل على ذلك الاخبار و الإجماع.

كما ان ظاهر اطلاق الآية الشريفة «وَ لَهُنَّ اَلرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ اَلثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ‌» ارث الزوجة من جميع التركة من العقار و البناء و نحو ذلك فلا تحرم من شيء منها و لكن الروايات المستفيضة و الإجماع المحقق يدلان على حرمانها من بعض الأشياء. و اختلف الفقهاء في تعيين ذلك تبعا لاختلاف الاخبار و المتفق بينهم انها تحرم من العقار بلا اشكال كما فصلناه في الفقه.

المسألة السابعة: ظاهر قوله تعالى: «وَ إِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَ لَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا اَلسُّدُسُ‌» ان الاخوة و الأخوات لا يرثون مع الوالدين و الأولاد، و لا مع واحد منهم، لما ذكرناه من ان طبقة الاخوة و الأخوات بعد طبقة الوالدين و الأولاد فإذا وجد واحد من الطبقة الاولى لا ترث الطبقة الثانية و هو متفق عليه عند الامامية، و لكن الجمهور يورّثون الاخوة مع الام و تعرضنا لذلك في الفقه فراجع (مهذب الاحكام).

بحث فلسفي

الوراثة على اقسام: الاول الوراثة المالية و هي كما تقدم ان الإنسان يورّث مالا للطبقات التي بعده و قد شرحها اللّه عز و جل بأحسن شرح و أفضل بيان و فصلتها السنة المقدسة بما لا مزيد عليه خصوصا في الموارد التي لها المعرضية للتشاجر و الاختلاف.

و علم هذا التشريع منحصر به جلت عظمته فهو تبارك و تعالى يبين أصولها و السنة المقدسة تبين شرائطها و قيودها و غيرهما مما يتعلق بها و اما الفروع و الاحكام فيبيّنها الأولياء العظام و الائمة الكرام، و هذا مما لا شك فيه لان الإنسان مهما بلغ من الكمال لا يمكن له درك الحقائق الواقعية و المصالح النوعية على ما هي عليه فلا بد و ان يرجع إلى وحي السماء و هو يبيّنها كما أنزلها تعالى بالترتيب المتقدم و يدل عليه قوله تعالى «آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» .

الثاني: الوراثة في الملكات الراسخة في نفس الموّرث - حسية كانت أو حدسية - و هي وجدانية لكل احد في الجملة فقد يؤثر ملكات الآباء أو الأجداد في الأولاد غالبا، و قد ثبت ذلك في العلم الحديث المعبر عنه ب‍ (قانون الوراثة).

و علم هذا القسم و خصوصياته منحصر به جلّ جلاله ايضا لأنه العالم بالواقعيات و المحيط بدقائق الأمور - كلياتها و جزئياتها - و من هذا القسم نشأت القبائل و العشائر و عليه بنيت اكثر الأمور الاجتماعية و الاعتبارية الشرعية على ما فصل في الفقه.

و هو من اقدم الأمور فكان مقارنا مع أول نسل آدم (عليه السلام)

و قد كشف العلم الحديث كشفا صحيحا بمشيته و اذنه تعالى و في السنة المقدسة ما يدل على ذلك و قد ورد بعضها في كتاب النكاح و غيره قال تعالى: «وَ بارَكْنا عَلَيْهِ وَ عَلى إِسْحاقَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ‌» الصافات - 113 بدعوى ان الإحسان في المحسن حصل من الملكات الموروثة و كذا ظلم الظالم لنفسه صار مقتضيا لظلم الذرية و قال تعالى: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِيمَ وَ جَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا اَلنُّبُوَّةَ وَ اَلْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ‌» الحديد - 26، و قال تعالى:

«آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» .

الثالث: الوراثة الروحانية و في بعض المعنويات في الجملة فيورثها الأب لذريته قال تعالى: «وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ اِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ‌» الطور - 21 و غيره من الآيات المباركة.

و هذا القسم يختص بأولياء اللّه تعالى يتقدمهم سيد الأنبياء و ذلك مشروط بعدم النقص و الخلل في الذرية فإنهما يمنعان عن تلك الوراثة بعد الاعتقاد بانه تعالى عليم حكيم.

و يمكن ان يجتمع في ولي من اولياء اللّه تعالى أو نبي من أنبيائه الوراثة في المال و الصفات الحسنة و الوراثة التشريعية الروحانية فما نسب إلى نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «إنا معاشر الأنبياء لا نورّث درهما و لا دينارا» ليس في مقام نفي الوراثة أصلا و إلا لخالف الآيات الشريفة بل في مقام ان الأنبياء ليسوا في مقام جمع المال و ادخاره لورّاثهم - كما يصنع أبناء الدنيا - فان شأنهم و مقامهم يجل عن ذلك نعم لو فرض شيء لهم ينتقل بعدهم إلى وارثهم و ان الورثة يصرفونه في ذوي الحاجات و هذا هو معنى ما الحق بذيل الحديث: «و ما تركناه صدقة» فمعنى صدر الحديث و ذيله ان النبي و وارثه الروحاني كل منهما

ليس في مقام ادخار المال بل أموالهم تصرف في ذوي الحاجات و إلا فإنهما كسائر الناس يرثون، فان وارث النبي يرث منه من جهتين الجهة المالية و الجهة الروحانية و لا يمكن التفكيك بينهما.

ثم إن اهتمام القرآن في تشريع اصول سهام الإرث بهذا التقسيم البليغ انما هو لأجل ان الموضوع كان مورد التشاجر و التخاصم في المجتمع فشرع السهام على وجه معقول و أكد الالتزام بها بقوله تعالى:

«وَ مَنْ يَعْصِ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ‌» و قوله تعالى: «آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» فهذه كلها لدفع التشاجر و التخاصم و الافتعالات الخاطئة و ان ما سوى ما شرعه اللّه تعالى يكون «كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اَلظَّمْآنُ ماءً حَتّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً» النور - 39.

بحث اجتماعي
اشارة

الإرث: من الأمور الاجتماعية التي لازمت المجتمع الانساني من أول حدوثه و قد مرت اطوار كثيرة على هذا الأمر المهم حتى وصل إلى الحالة التي نراها في الإسلام الذي يعتبر بحق احسن ما شرع فيه لأنه يبتني على حكمة متعالية و مصلحة عامة و نحن نذكر في هذا البحث ما يتعلق به:

بداية الإرث و تحوله:

الإرث من أقدم الأمور الاجتماعية بل يمكن ان نقول انه امر طبيعي لا يسع لاحد إنكاره و قد برز للوجود بظهور الملكية و التملك عند الإنسان فانه من مصادر الملكية، لكنه يختلف عن سائر المصادر بانه مصدر قهري للملكية، فان بموت احد يتملك غيره سواء كان قريبا له أو لا ما كسبه في حياته و تركه لغيره، اختلاف المجتمعات في هذه الظاهرة شدة و ضعفا لا يضر ان يكون الإرث من اقدم العهود و السنن الاجتماعية.

و من الطبيعي ان هذا الأمر الاجتماعي كان في بداية ظهوره بسيطا كسائر الأمور الاجتماعية فان الحياة كانت بسيطة و غير معقدة و لم يتكون المجتمع إلا من افراد قليلين و لم يكن المال الذي يرثه سوى بعض الأشياء البسيطة، و لكنه تطور و تحول تدريجيا و ان لم تصل إلينا كيفية ذلك.

تطور الإرث و تقسيمه:

بعد ما عرفت ان الإرث و التوارث هو امر طبيعي و قد كان بسيطا ثم تطور و كان في ابتداء امره مبنيا على القرابة و الولاء فان لكل فرد أبوين و اولادا و زوجة و قرابة و صديقا و رحما و هذه الإفراد تتفاوت في القرب و البعد و الأولوية و من هؤلاء تتشكل العشيرة و القبيلة و نحو ذلك فكانت قسمة الإرث تتفاوت في المجتمعات تبعا لاختلاف الآراء

في الأولوية و الاقربية، ففي المجتمع الجاهلي مثلا كانوا يحرمون كثيرا من الورثة عن التركة لأنهم كانوا يعتبرون القوة في الوارث فبعضهم كانوا يعتبرون القوي هو رئيس القبيلة، و الآخر يعتبره الأب و ثالث يعتبره أشجع القوم و ظل هذا الأمر الاجتماعي مختلفا فيه و يتحول من حال إلى حال آخر.

و لكن الأمر المتفق عليه انهم كانوا يحرمون الصغار و النساء و الضعفاء من الإرث. و بلغ هذا الأمر الاجتماعي أوج كماله في الشريعة الاسلامية لأنها تبتني على الفطرة و الحكمة بخلاف غيرها فإنها لا تنبع عن الفطرة بل تتبع العواطف و النزوات و الإحساسات حتى عند الأمم الراقية التي سنت القوانين في حياتها مثل اليونان و الرومان و لذا كان يطرأ عليها التغير و التبدل بخلاف ما شرعه الإسلام في الإرث فان المسلمين قبلوا هذا الحكم بمجرد نزوله على صاحب الشرع و اسرعوا إلى العمل به و ظلوا على ذلك منذ اربعة عشر قرنا.

مقارنة الإرث في الأمم المتمدنة:

أما اليونان فكانوا يحرمون النساء مطلقا الزوجة و البنت و الاخت من الإرث كما كانوا يحرمون صغار الأولاد و لكنهم كانوا يحتالون في توريث من حرموه من الميراث بالوصية إليهم.

و اما الرومان فإنهم كانوا يقسمون الإرث على القرابة التي يبتني عليها البيت عندهم و ما يريده أب البيت، فإنهم كانوا يعتبرون ان للبيت شخصية قانونية و استقلالا مدنيا عن المجتمع العام و كانت تشكيلة البيت من رب البيت و الزوجة و الأولاد و العبيد، و كان رب البيت

هو المعبود لأهله و هو يعبد رب البيت السابق من اسلافه كما انه المالك و غيره لا يملك و القيم عليهم و الأولاد ان بقوا في البيت بعد تأسيسهم لبيت جديد فانه تابع لرب البيت و إلا فهو رب للبيت الجديد بعد ما كان من افراد البيت القديم و اما إذا مات فانه يرثه احد ابنائه أو إخوانه و لا ترث النساء مطلقا الأم و البنت و الاخت و الزوجة بحكم القانون الذي يسنه أب البيت، فالنساء ذوات قرابة طبيعية دون القرابة الرسمية التي بموجبها يرث افراد البيت. و لعل السبب في ذلك انهم كانوا يحرمونهن من الإرث لئلا ينتقل مال الميت إلى بيت آخر بالازدواج، فان المال عندهم ملك للبيت الذي اكتسبه و لا يجوزون انتقال الثروة من بيت إلى بيت آخر.

و اما سائر الأمم - كالهند و الصين و غيرهما - فإنهم كانوا يحرمون النساء و ضعفاء الأولاد و يقتربون في ذلك إلى اليونانين و الرومانيين.

و اما الفرس فإنهم كانوا يحرمون بعض النساء في بعض الحالات مثلما كانوا يحرمون البنات المزوجات و الزوجات غير الكبيرات و اما الزوجة الكبيرة و البنت غير المزوجة فإنهما ترثان، و رب البيت قد يحب بعض النساء حبا بجعلها مقام الأولاد فترثه كما يرث الابن و الدعي لأنهم كانوا يجوزون الإرث للبنين و اما البنت فإذا لم تتزوج فهي ترث نصف الابن و اما إذا تزوجت فلا ترث شيئا لئلا تنتقل الثروة إلى خارج البيت.

و اما في العصر الجاهلي المعاصر لنزول القرآن فإنهم كانوا يورثون الأولاد تبعا للرشد و القوة، فحرموا النساء و صغار الأولاد فان لم يكن في الأولاد رشيد قوي فيرث المال العصبة.

الإرث في الإسلام:

بعد ما عرفت حال هذه السنة الاجتماعية قبل الإسلام و عصر نزول القرآن و قد اتفقوا على منع النساء و الضعفاء و من لا حول له و لا قوة من الإرث و الجميع أسسوا هذه القواعد و الاحكام على أساس العصبية و العواطف التي لا تهدى إلى السعادة و الحقيقة.

اما الإسلام فقد سن حكمه على الفطرة و الحكمة و التعقل و شرع قانون الإرث على أساس محكم متين و هو النسب و السبب و الولاء، و اعتبر ان القرابة تقوم على أساس الرحم الذي هو أم تكويني و الغي كثيرا من الأمور التي كانت متبعة عند المجتمعات قبل الإسلام منها التبنّي و الادعاء و القوة و النفوذ و الشجاعة و الرشد و نحو ذلك من الأوهام الخاطئة التي بها حرم كثير من الورثة، بل يمكن ان نقول ان الإرث مطلقا كان يبتني على ارادة رب البيت و ما تمليه العادات و التقاليد دون الحكمة و التعقل. و قد عرفت ان الإسلام يبني الإرث على اصلين جوهريين هما اصل القرابة و الرحم الذي هو الرابط بين الفرد و أقربائه و في هذا الأصل لا يختلف الذكور و الإناث و الكبار و الصغار بل حتى الجنين في بطن امه فإنهم جميعا يشتركون في الرحم و القرابة لكن الإفراد تختلف في القرب و البعد و لذلك سنّ قانون الاقربية و ان الأقرب يمنع الأبعد و على ذلك بنيت طبقات الإرث المتتالية و هي ثلاث طبقة الآباء و الأبناء، و طبقة الأجداد و الاخوة، و طبقة الأعمام و الأخوال على ما هو المعروف و لا ترث الطبقة اللاحقة عند وجود فرد من الطبقة السابقة و في كل طبقة تجري قانون أن الأقرب يمنع الا بعد. و كان أساس

ذلك أمر تكويني و حكم رباني مبني على الحكمة المتعالية و المصلحة العامة.

كما له اصل آخر قويم و هو: اختلاف الذكر و الأنثى في الإرث و أسس القانون العظيم و هو: «للذكر مثل حظ الأنثيين» و ذلك لاختلاف الطبائع في كل واحد منهما الموجب لاختلاف منزلتهما الاجتماعية و ان كان الجميع سواء في الشخصية الانسانية بلا اختلاف بينهما في هذه الجهة، و بذلك أبطل جميع التشريعات الوضعية التي أسست على العاطفة و الاحساس، فكانوا يحرمون النساء لأنهم كانوا لا يرون لهن منزلة في المجتمع الانساني و لكن الإسلام رد المرأة إلى منزلتها الطبيعية و ارجع لها الحقوق التي اغتصبت برهة من الزمن.

و اما ما تدعيه المدنية المعاصرة من تساوي الحقوق بين المرأة و الرجل فهذه ليست إلا بدعة أرادوا بها إذلال المرأة و جعلها لعبة يستفيد منها المغرضون في الميل عن الحق و اثبات أغراضهم الفاسدة و اعمال نواياهم السيئة فاي حق لها كان ضايعا في الإسلام حتى يردوه إليها.

و كيف كان فالإسلام بنى الإرث على هذين الأصلين و قسّمه على الكيفية المعهودة كما عرفت سابقا. و جاء رد الإسلام واضحا في قول اللّه تعالى: «آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً» فإنهم قصدوا المنافع الدنيوية من الإرث و في تقسيمه و لكنهم جهلوا خصوصياته فضلّوا و اضلّوا.

و من ذلك تعرف الفرق الجوهري بين النظامين الاسلامي و الوضعي فانه يفترق عن غيره في المنهج و القاعدة و الغرض كما عرفت مما سبق.

و من نافلة القول ان بعض من يدعي الفضل يرى ان قانون الإرث في الإسلام مأخوذ من الإرث الروماني، و كأنه غفل عن التباين الكلي بينهما و انه جهل أساس كل من القانونين و نحن في غنى عن التفصيل

بعد ما اتضح لك الحال.

الإرث في الأمم المعاصرة:

يختلف الإرث في الأمم المعاصرة المتمدنة عن قانون الإرث في الإسلام في الأصل و المنهج، و لكنها تتفق معه في توريث المرأة لاعتمادهم على تساوي الحقوق بين الرجل و المرأة و يدّعون انهم خالفوا بذلك جميع المجتمعات التي حرمت النساء من حقوقهن و لكن بعد التأمل في ما ذكرناه ترى ان فضل ذلك يرجع إلى الإسلام عند ما اعتبر المرأة جزء من الاجتماع و ان لها حقوقا كما للرجال.

و لقد ثارت في الجاهلية المعاصرة منذ القرن السادس عشر قضية المرأة و شغلت بال النساء و الرجال على حد سواء برهة من الزمن و كانت في بداية الأمر لا تتعدي عن بعض الأمور و لكنها اتسعت و تعدت حتى وصلت إلى المساواة المطلقة في كل شيء بل نادى بعضهم بالحرية للمرأة في ان تهب نفسها لمن تشاء. و شتان بين الجاهلية التي جعلت المرأة كالمتاع و حكّمت العواطف و الإحساسات على التعقل و الحكمة و بين ما أثيرت في عصر نزول القرآن من المسلمات المؤمنات اللواتي أردن المساواة بينهن و بين الرجال في الحقوق و درجة الشهادة و التساوي في الميراث فجاء الخطاب السماوي الذي يفصل بين الواقع و الخيال وردا على التمنيات التي توجب الفوضى و الفساد قال تعالى: «وَ لا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اَللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَ سْئَلُوا اَللّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اَللّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيماً» النساء - 32 فان اللّه خلق كل واحد من الجنسين لمهمة معينة تقوم

بها الحياة و ينتظم النظام الأحسن و جعل لكل جنس حكمه المختص به التي تتطلبه وظيفته الفطرية و في غيرها يشترك الجنسان في جميع الاحكام و الحقوق، و قد أسست في الفقه الاسلامي قاعدة معروفة يعتمد عليها الفقهاء و هي: «اشتراك الرجال و النساء في جميع الاحكام إلا ما خرج بالدليل» كما عرفت في احد مباحثنا السابقة. و تطبيقا لتلك المشاعر العاطفية و النعرات الجاهلية فقد وضعت القوانين الحديثة احكاما تشرك النساء مع الرجال في جميع المجالات منها تساوي الرجال و النساء في سهم الإرث فالاباء و الأمهات و البنات و البنون سواء فيه.

و قد سن القانون الوضعي في فرنسا في الإرث أمورا منها انه رتب الطبقات على اربع: الاولى البنون و البنات. الثانية: الآباء و الأمهات و الاخوة و الأخوات. الثالثة: الأجداد و الجدات. الرابعة: الأعمام و العمات و الأخوال و الخالات. و لم يجعل القانون موضعا للزوجية في هذه الطبقات لأن الجاعلين اعتبروا علاقة الزوجية من مجرد المحبة القلبية و لكنهم جعلوا الزوجة تحت قيمومة الزوج فلا يحق لها ان تتصرف في الأموال التي ترثها من أقاربها إلا باذن زوجها. إلا ان القوانين التي وضعت بعد ذلك أخرجت المرأة عن قيمومية الرجل و ساوت بينهما في الملك و التصرف. و بعد الاحاطة بما ذكرناه آنفا تعرف الفرق الكبير بين قانون الإسلام و القوانين الوضعية التي تباين الإسلام من جهات كثيرة، فان الشريعة التي وضعت على الحكمة و المصلحة العامة و أعرضت عن الاحساس و العواطف الوقتية لجديرة بالعمل بها و الاعراض عن غيرها.

وَ اَللاّتِي يَأْتِينَ اَلْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُو.......

اشارة

وَ اَللاّتِي يَأْتِينَ اَلْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَ اَلَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اَللّهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً (16) بعد ما ذكر سبحانه و تعالى بعض احكام اليتامى و احكام المواريث و بين شريعة الحق فيها ففي هاتين الآيتين يبين عز و جل حكما اجتماعيا يتعلق بالاجتماع و الإفراد معا، و هو النهي عن الفحشاء و التغليظ على من يأتي الفاحشة و يرتكب هذه المعصية الموبقة و إخلاء المجتمع منها لأنها توجب زوال الحياء و العفة و تستلزم إفساد النسل و الشقاء. و يبين سبحانه و تعالى لزوم اجراء الحد الشرعي على مرتكبها.

و يجمع هذه الآيات المباركة انها تشتمل على الاحكام الشرعية الإلهية التي نزلت لتكميل الإنسان و جلب السعادة له في الدارين، و هذا هو وجه الارتباط بين هاتين و ما سبقتهما من الآيات الكريمة و لا موجب لالتماس وجوه بعيدة عن السياق للتوفيق بينها.

التفسير

قوله تعالى: وَ اَللاّتِي يَأْتِينَ اَلْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ‌ .

اللاتي: احدى صيغ جموع (التي) السماعية و هو اسم مبهم للمؤنث و لا يتم إلا بصلته و لا ينزع الالف و اللام منه، و لذا أدخل بعض

الشعراء حرف النداء عليه كاسم الجلالة قال:

لأجلك يا التي تيمت قلبي *** و أنت بخلية بالوّدعني

و يأتي في البحث الادبي تتمة الكلام.

و (يأتين) من الإتيان و هو المجيء يكنى به عن الفعل، كما جاءت الكناية عن الفعل بالقرب في القرآن الكريم قال تعالى: «وَ لا تَقْرَبُوا اَلْفَواحِشَ‌» الانعام - 151 و انما عبر به عنه عز و جل لمزيد التهجين، و لبيان ان الفعل صدر عنهم مع القصد و الاختيار.

و الفاحشة: اسم لكل فعل قبيح، بل لكل ما اشتد قبحه من المعاصي و هي مصدر كالعافية و العاقبة و قيل اسم وضع موضع المصدر.

و هي إما تصدر من الذكرين و تسمى باللواط و التفخيذ أو تصدر من الأنثيين و تسمى مساحقة أو بين الذكر و الأنثى و تسمى بالزنا، و قد استعملت في القرآن الكريم في جميع تلك الموارد ففي الزنا قال تعالى: «وَ لا تَقْرَبُوا اَلزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلاً» الإسراء - 32 و في اللواط و السحق قال تعالى: «إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ اَلْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ اَلْعالَمِينَ‌» العنكبوت - 28.

ثم ان المحتملات في المراد من الفاحشة في الآيتين ثلاثة:

الاحتمال الاول: ان يكون المراد منها الزنا، و هذا هو المعروف بين المفسرين و الفقهاء و استدلوا على ذلك بأمور:

منها: ان الزنا هو المعهود من اطلاق لفظ الفاحشة.

و منها: مناسبة المقام تقتضي ان يكون المراد منها الزنا.

و منها: ظهور الآية المباركة في ان الحكم فيها مؤقت و انه منسوخ بالحد المفروض في سورة النور حيث قال تعالى في المقام «أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» و السبيل ما ورد في سورة النور: «اَلزّانِيَةُ وَ اَلزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ‌» سورة النور - 2.

و منها: ظهور الآية المباركة في ان الحكم فيها مؤقت و انه منسوخ بالحد المفروض في سورة النور حيث قال تعالى في المقام «أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» و السبيل ما ورد في سورة النور: «اَلزّانِيَةُ وَ اَلزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ‌» سورة النور - 2.

و منها: الروايات المتعددة التي تدل على ان المراد منها الزنا فقد روى كبار المحدثين من الجمهور عن عبادة بن الصامت في حديث:

«ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) اوحي اليه، و لما سرى عنه الوحي فقال (صلى اللّه عليه و آله): «خذوا عني قد جعل اللّه لهن سبيلا: الثيب جلد مائة و رجم بالحجارة، و البكر جلد مائة ثم نفي سنة» و مثله غيره.

و في الكافي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في حديث: «ان سورة النور نزلت بعد سورة النساء قال اللّه تعالى: «وَ اَللاّتِي يَأْتِينَ اَلْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» فالسبيل الذي قال اللّه تعالى هو: «اَلزّانِيَةُ وَ اَلزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ‌» و في تفسير العياشي عن جابر عن الباقر (عليه السلام). «جعل السبيل الرجم أو الجلد» و غير ذلك من الروايات.

و اصحاب هذا القول اختلفوا في تعيين المراد من الآيتين فقيل ان الاولى في زنا المحصنات لتخصيص النساء بالذكر دون الرجال، و شيوع اطلاق النساء على ذوات الأزواج لا سيما إذا أضيفت إلى الرجال كما في قوله تعالى: «مِنْ نِسائِكُمْ‌» و الآية الثانية متعرضة لحكم الزنا من غير إحصان، فيكون الحكم المذكور في الآية الاولى مؤجلا إلى ان يجعل اللّه لهنّ سبيلا، فان المراد من السبيل الحكم الالهي المبين بالوحي أو السنة المقدسة، و لا يسمى هذا نسخا. و المراد من قوله تعالى: «فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ‌» ترغيب الأولياء إلى النهي عن المنكر و ردعهن عن الفاحشة و تربيتهن تربية صالحة حتى يأتي حكم

آخر و حينئذ فان تابت فلا حد و إلا فيجري عليها الحد.

و المراد من الإيذاء مطلق ما يوجب الاذية من الضرب و الحبس و التعبير بالقول و الاهانة و نحو ذلك و على هذا تكون الآية منسوخة ببيان الحد في سورة النور و هو الجلد.

و قيل: ان الاولى تتعرض لبيان حكم الزنا في الثيب و الثانية لبيان حكم الأبكار؛ و حينئذ يكون المراد بالإيذاء الحبس ثم تخلية السبيل مع التوبة و الإصلاح.

و قيل: ان الآية الاولى متعرضة لحكم الزانيات و الثانية متعرضة لحكم الزاني من الرجال، و جميع الاحكام الواردة فيهما منسوخة بآية النور.

و قيل: ان المراد من الآيتين شيء واحد و هو بيان عقوبة الزنا و هي الإيذاء ثم نسخ بالحبس ثم نسخ بالجلد و الرجم و استقر الحكم على ذلك. و قيل غير ذلك.

و بالجملة: ان الآية الاولى تتعرض لحكم النساء الزانيات مطلقا على نحو الإجمال، و اما التفصيل فهو مذكور في آية سورة النور و السنة المقدسة سواء كن محصنات أم غير محصنات ثيبات أم أبكارا. و اما الآية الثانية فهي تتعرض لحكم من يصدر عنه الفاحشة كما ستعرف.

و لكن لا وجه للنسخ من الآية بل هي مفصلة و مشروحة بعضها في هذه السورة و البعض الآخر - و هو حكم غير المحصنات - في سورة النور.

الاحتمال الثاني: ان يكون المراد من الفاحشة في الآية الاولى خصوص المساحقة و في الآية الثانية اللواط و قد نسب هذا القول إلى أبي مسلم من الجمهور و بعض المفسرين، و أيده الاردبيلي في زبدة البيان فيكون حكم المساحقات الحبس و الإمساك في البيوت و المنع من مخالطة النساء مع المرأة التي اعتادت هذه الجريمة و الفاحشة حتى تتوب

أو يتوفاهن الموت. و اما اللواط فحكمه معلوم من السنة و هو القتل فيكون ما ورد في السنة تفسيرا للأذية الواردة في الآية الثانية فالآيتان غير منسوختين.

و لا دليل على تعيين هذا الاحتمال أصلا إلا ما يقال: من انه لو لم يكن المراد منها ذلك لم يذكر في الكتاب حكمهما و هو تبيان كل شيء.

و فيه: انه كذلك بلا ريب و لا اشكال لكن مع شرحه في السنة المقدسة و قد ورد حكمهما فيها مفصلا و تقدم سابقا ان القرآن الكريم يتكفل اصول الاحكام و جذورها و اما الشروط و القيود بل الفروع تتكفلها السنة.

او ما يقال: من ان لفظ «اَللاّتِي» يدل على المساحقة إذ ليس بينهن فاحشة غيرها.

و فيه: ان الآية الاولى الوارد فيها «اَللاّتِي» باعتبار غلبة افراد النساء الزانيات و لا مانع منهن من ارتكاب المساحقة و غيرها و سيأتي في البحث الدلالي ما يرتبط بالمقام.

الاحتمال الثالث: ان يكون المراد من الفاحشة في الآية الاولى المعنى الأعم من الزنا و المساحقة و هو احتمال حسن أخذا بالعموم الوضعي للفظ الفاحشة فيكون الحكم المذكور في الآية الشريفة مجملا تبينه الآيات التي وردت في الحدود و ما ورد في السنة الشريفة. و اما الآية الثانية فيجري فيها ما يجري في الآية الاولى ايضا كما عرفت إلا ان المراد بالفاحشة فيها إما اللواط أو التفخيذ أو الزنا، و الاولى هو التعميم ايضا كما تقدم فيكون الحكم فيها مجملا تبينه السنة المقدسة و ما ورد في سورة النور. و احتمال اختصاصها بخصوص اللواط يبعده ظاهر الآية الشريفة فان مجرد الإيذاء لا يناسب تلك المعصية العظيمة

التي ورد فيها التغليظ الشديد. فقد خسف اللّه تعالى قوم لوط لأجلها و كيف كان فالآيتان غير منسوختين.

ثم ان المراد من قوله تعالى: «مِنْ نِسائِكُمْ‌» هو النساء المؤمنات تشريفا لهن، و قيل ان المراد النساء ذوات الأزواج لشيوع هذا الاستعمال قال تعالى: «مِنْ نِسائِكُمُ اَللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ‌» النساء - 23 و قال تعالى: «وَ آتُوا اَلنِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً‌» النساء - 4 و من هنا قال بعض المفسرين باختصاص هذه الآية بالمحصنات ذوات الأزواج.

و فيه. ان اللفظ مطلق يشمل ذوات الأزواج و غيرهن و اختصاصه بالأولى لبعض القرائن لا يوجب تقييد بقية الموارد و قد ورد في القرآن الكريم استعماله في العموم قال تعالى: «زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ اَلشَّهَواتِ مِنَ اَلنِّساءِ وَ اَلْبَنِينَ‌» آل عمران - 14 و قال تعالى: «فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ‌» النساء - 3 و غير ذلك مما ورد في القرآن الكريم و السنة المقدسة.

قوله تعالى: فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ‌ .

اي: أقيموا اربعة من الشهداء الرجال عليهن باتيانهن الفاحشة.

و تخصيص الفاحشة بإقامة اربعة شهداء ذكور انما هو للتغليظ على المدعي و الستر على العباد و عدم شيوع الفحشاء.

و لا يختص الزنا بإقامة اربعة شهود بل يشترك معه اللواط و السحق ايضا فلا يستفاد من هذا الحكم اختصاص الفاحشة بالزنا في الآية كما عن بعض. كما لا يستفاد من الآية المباركة وجوب تحمل الشهادة و لزوم المراقبة لهن فان ذلك أمر آخر لا ربط له بالآية المباركة، فتشمل الآية الشريفة الشهادة الاتفاقية ايضا.

قوله تعالى: فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ‌ .

اي: و ان شهد الرجال الاربعة و ثبت الأمر عند الحاكم الشرعي باتيانهن الفاحشة فاحبسوهن في البيوت حائلين بينهن و بين الفاحشة.

و الظاهر ان هذا الحكم ادبي اجتماعي تربوي حيث تجعل المرأة التي اقترفت هذه الجريمة تحت المراقبة و للابتعاد عن مظان الجريمة و المواظبة على تهذيبهن و تربيتهن تربية صالحة.

و على هذا لا ينافي خروجهن من البيوت إذا تحقق المناط و هو المراقبة، و يستفاد ذلك من لفظ الإمساك ايضا حيث لم يعبر عز و جل بالحبس و السجن و نحوهما.

قوله تعالى: حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ اَلْمَوْتُ‌ .

اي حتى يستوفيهن الموت بانتهاء أجلهن و قد تقدم في قوله تعالى:

«يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ‌» آل عمران - 55 الكلام في مادة (و ف ي).

قوله تعالى: أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً .

اي: أو يشرع لهن حكما غير الحبس فيه المخرج لهن، و يستفاد من ذلك ان الحكم السابق مؤقت حتى يأتي الحكم الجديد. و السبيل هو الجلد أو الرجم كما ورد في القرآن الكريم و السنة الشريفة.

و قد راعى القرآن الكريم في من اقترف الفاحشة من النساء السماحة و التسهيل فقد جعل الإمساك في البيوت عقابا مؤقتا يسائر الضمير، و لوحظ فيه تربية من اقترف الفاحشة و تهذيبه بالإصلاح و ترك الفاحشة و الحيلولة بين المقترف و بينها ثم ينتقل الى حكم آخر روعي فيه قمع مادة الفساد، فكان كلا الحكمين جاريا على حكمة متعالية وفق المصلحة

العامة فان الحكم الاول بني على الفطرة و هي بعث العفة بين النساء التي طمست في الجاهلية، و اما الحكم الثاني فقد بني على المحافظة لناموس العفة و زوال مادة الفساد و هذه قرينة اخرى على عدم اختصاص الفاحشة بالزنا أو السحق، كما عرفت.

قوله تعالى: وَ اَلَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ‌ .

اللذان تثنية (الذي) و التثنية إما باعتبار الزانية و الزاني تغليبا كما عليه المشهور؛ أو الرجلين في اللواط كما عليه جمع، أو الرجلين في الفاحشة مطلقا اللواط و التفخيذ و سائر الفواحش بينهما.

و الضمير في «يَأْتِيانِها» يرجع الى الفاحشة و قد ذكرنا ان الفاحشة و ان كانت مطلقة في الآيتين لكنها تختلف في الآية الاولى عن الآية الثانية فراجع. و الضمير في «مِنْكُمْ‌» يرجع الى المسلمين لكونهم أهلا لإلقاء الخطاب و تلقي الاحكام الإلهية.

و هذه الآية المباركة تتعرض لحكم الرجال في الفاحشة اما الآية الاولى فهي تتعرض لحكم النساء كما عرفت آنفا.

و قيل: ان هذه الآية تتعرض لحكم زنا الأبكار و ان المراد بالأذية هي مطلق الحبس ثم تخلية السبيل مع التوبة. و فيه: انه لم يقم دليل عليه.

قوله تعالى: فَآذُوهُما .

بالقول أو الفعل بما هو المعتاد للردع عن الفاحشة، سواء كان بالحبس أم الضرب أم الاهانة أم بالتوبيخ و التعيير و نحو ذلك، و الحكم و ان كان مطلقا أول الأمر الا انه ورد تفسيره في السنة الشريفة بالحد المعين لفاحشة الرجال و هو القتل في اللواط و الجلد في التفخيذ، و لو حظ في هذا الحكم ابتداء جانب التربية و روعي فيه التسهيل و السماحة

و اثارة العفة و الحياء و الترغيب إليهما ثم ورد تفسيره بذلك قمعا لمادة الفساد على سبيل التدريج.

قوله تعالى: فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا .

هذه قرينة على ان الحكم كان مبنيا على السماحة و التسهيل فانه إذا تابا حقيقة و أصلحا أعمالهما بالرجوع عن الفاحشة. و عطف الإصلاح على التوبة لبيان تحقق حقيقتها دون مجرد اللفظ لو بقي في حالة معينة.

قوله تعالى: فَأَعْرِضُوا عَنْهُما .

اي: اصفحوا عنهما و كفوا عن ايذائهما بعد تحقق التوبة.

قوله تعالى: إِنَّ اَللّهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً .

اي: ان التوبة و الرحمة ثابتتان منه تعالى لعباده ازلا و ابدا.

بحوث المقام

بحث ادبي:

اللاتي احدى صيغ جموع التي كما عرفت و هي «اللات» بحذف الياء و إبقاء الكسرة، و «اللائي» بالهمز و اثبات الياء، و «اللاء» بكسر الهمز و حذف الياء، و «اللا» بحذف الهمزة، و اما جمع الجمع فاللاتي تجمع على «اللواتي» و «اللاء» على «اللوائي»، و قيل:

(اللوات) بحذف الياء و إبقاء الكسرة و (اللوا) بإسقاط التاء.

و تصغير «التي» اللتيا بالفتح و التشديد قال الراجز:

بعد اللّتيا و اللّتيا و الّتي *** إذا علتها نفس تردت

و اللتيا و التي اسمان للداهية. يقال: وقع في اللتيا و التي.

و اللذان تثنية الذي - كما تقدم و القياس ان يكون اللذيان كرحيان و مصطفيان و لكن قيل انه حذفت الياء تخفيفا و قيل: انه للفرق بين الأسماء المبهمة و الأسماء المتمكنة لان نون التثنية قد تنحذف فيها مع الاضافة نحو رحياك و مصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد بالاثنين. هذا بخلاف اللذان فان النون لا تنحذف فيه.

و قرئ بتخفيف النون و بالتشديد و هي قراءة قريش.

بحث دلالي
تدل الآيتان الشريفتان على امور:
الاول:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ اَللاّتِي يَأْتِينَ اَلْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» أطراف الفاحشة التي نهى عنها اللّه تعالى في مواضع متفرقة من القرآن الكريم و شدد النكير عليها و جعل على من ارتكبها حدا ردعا معينا عن اقترافها مرة اخرى و إصلاحا للمجتمع.

و المذكور في هذه الآية المباركة من المقومات و الأطراف هي الطرفان المرتكبان، و الفاحشة، و ثبوتها باربعة شهداء، و الحد.

و قد أجمل سبحانه و تعالى سائر الخصوصيات في هاتين الآيتين لأنهما في مقام قبح هذه الجهة (الفاحشة) و اعلام الناس بها، و بعث الضمير الانساني

على التجنب عنها، و هذه الآية الشريفة من اجمع الآيات الواردة في هذا الموضوع، و حملها على إطلاقها بحيث تشمل جميع اقسام الفاحشة اولى من اختصاصها ببعض الأقسام من غير دليل.

و قيل: ان الموصول في الآية الاولى «وَ اَللاّتِي» يدل على اختصاص الفاحشة بالتي ترتكبها النساء و هي المساحقة و الموصول في الآية الثانية «اَلَّذانِ‌» يدل على اختصاصها بالتي يرتكبها الرجال و هي اللواط و التفخيذ فلا اطلاق لها.

و يرد عليه: ان ذلك صحيح إذا لم يكن احتمال آخر يساويه و يمنعه عن الظهور فان اسم الموصول في الآية الاولى قد يراد به الطرف الانثوي في الفاحشة اي الإفراد منهن و الموصول في الآية الثانية يراد به الطرف المقابل لها و هو الرجل فتختص الفاحشة بالزنا كما ذكره جمع من الفقهاء و خصه عز و جل بالذكر لشيوع هذه الجريمة في المجتمع و هي ذات طرفين ذكر و أنثى فالآية الاولى تتعرض للثاني و الآية الثانية تتعرض للأولى، و انما قدم عز و جل الأنثى على الذكر في هاتين الآيتين لقوام هذه الجريمة بالمرأة نظير قوله تعالى: «اَلزّانِيَةُ وَ اَلزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ‌» النور - 2.

و يحتمل ايضا ان يكون إتيان اسم الموصول جمعا للمؤنث في الاولى لبيان مطلق الفاحشة الصادرة من النساء سرا و جهرا حتى انهن كن ذوات الأعلام في الجاهلية كما هو معروف، و إتيان التثنية مذكرا في الثانية باعتبار الفواحش الصادرة من الرجال و شناعتها بحيث فرض وجودها كالعدم و لم يعرف ذو علم بالنسبة إلى رجل فلا تختص الإتيان بفرد خاص من الفاحشة كما عرفت في التفسير فراجع.

الثاني:

يدل قوله تعالى: «فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ‌» على ان

المراد منه منع الخروج عن البيوت و الحيلولة بينهن و بين الفاحشة.

و بعبارة اخرى: ابقاؤهن في البيوت لغرض تربيتهن تربية صالحة.

و لعل ذلك هو السر في العدول عن التعبير بالسجن و الحبس. و يشهد على ان المراد من الإمساك منع الخروج قوله تعالى: «لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ‌» الطلاق - 1 و إن كان الإمساك في الموردين يختلفان في الغاية. و كيف كان فلا ينافي ذلك كونه حدا لهن في المقام، لما يقتضيه بعض النصوص. و كيف كان فالآية الشريفة تتضمن سماحة الإسلام و سهولته كما لا يخفى.

الثالث:

ذكر بعض المفسرين ان قوله تعالى: «حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ اَلْمَوْتُ‌» يشير الى عادة جاهلية و حمل قوله تعالى: «أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» على جعل الحكم الالهي و الحد الشرعي - الفاحشة و هو ما ورد في سورة النور و السنة المقدسة فيزول الحكم الالهي لا محالة بعد التشريع.

و يمكن ان يراد من قوله تعالى: «حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ اَلْمَوْتُ‌» المعنى الكنائي و هو اظهار النفرة عنها يعني ان المرتكبة لهذه الفاحشة لا يختلط و لا يعاشر معها حتى يأتيها الموت لقبيح فعلها، و لا بد ان يقيد ذلك بما قبل التوبة و اظهار الندامة و صدور العمل الصالح عنها، فيزول الموضوع لا محالة كما يدل عليه الآية الثانية.

الرابع:

يدل قوله تعالى: «يَأْتِينَ اَلْفاحِشَةَ‌» على ان الفعل صدر عنهن بالاختيار من دون جبر و اكراه فيكون للمكرهة حكم آخر.

الخامس:

يدل قوله تعالى: «أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» على ان الحكم مغيى بجعل حكم جديد فليس ذلك من النسخ المصطلح كما عرفت في التفسير لأنه يشترط في المنسوخ ظهوره في التأبيد.

السادس:

يدل قوله تعالى: «فَإِنْ تابا وَ أَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما»

على ان التوبة و الإصلاح مسقطان للحد على ما فصل في الفقه.

بحث روائي

في تفسير العياشي عن ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال:

«سألته عن هذه الآية: وَ اَللاّتِي يَأْتِينَ اَلْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ اَلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» قال (عليه السلام) هذه منسوخة قلت: كيف كانت‌؟ قال (ع) كانت المرأة إذا فجرت فقام عليها اربعة شهود أدخلت بيتا و لم تحدث، و لم تكلم، و لم تجالس و أوتيت بطعامها و شرابها حتى تموت قال «أَوْ يَجْعَلَ اَللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً» فقال (عليه السلام) جعل السبيل الجلد و الرجم و الإمساك في البيوت».

و في تفسير النعماني عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) في حديث ذكر فيه احكام هذه الآية - الى ان قال - «فلما قوي الإسلام انزل اللّه: «اَلزّانِيَةُ وَ اَلزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ‌» فنسخت هذه الآية الحبس و الأذى - الحديث».

و في تفسير القمي في قوله تعالى: «وَ اَللاّتِي يَأْتِينَ اَلْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي اَلْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ اَلْمَوْتُ‌» كان في الجاهلية إذا زنى الرجل يوذي و المرأة تحبس في بيت الى ان تموت ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: «اَلزّانِيَةُ وَ اَلزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ‌» .

و في المجمع: «و حكم هذه الآية منسوخة عند جمهور المفسرين و هو المروي عن ابي جعفر و ابي عبد اللّه (عليهما السلام).

أقول: ليس المراد بالنسخ هنا النسخ المعروف بين الفقهاء الذي يبحث عنه في علم الأصول و علم الكلام و هو: «رفع حكم شرعي ثابت بحكم شرعي آخر» بل المراد بالنسخ هنا ابطال الحكم الجاهلي بتشريع الهي جديد و لعل المراد من قول بعض المفسرين بالنسخ هذا المعنى فلا نزاع و يدل على ما ذكرناه ما تقدم من الحديث.

بحث عرفاني

ذكرنا في احد مباحثنا السابقة ان للقرآن الكريم بطونا ترتقي الى سبعة بطون كما في بعض الروايات او الى سبعين بطنا كما في بعضها الآخر، و لا بد أن يكون كذلك لأنه كلام من لا تناهي لعلمه و حكمته و تدبيره، و قد حكي عن بعض الفلاسفة الأقدمين انه كان يلقي على أصحابه كلمات الحكمة و هم يستفيدون من كل واحدة منها وجوها من الحكمة كلها صدق و صواب.

و ما يرتبط بالآيات التي تقدم تفسيرها انه ورد في بعض الروايات تفسير الفاحشة بحب الدنيا، كما ورد تفسير السفه في قوله تعالى:

«وَ لا تُؤْتُوا اَلسُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ‌» بحب الدنيا أيضا، و الجميع حق و صواب لقول سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله): «حب الدنيا رأس كل خطيئة» و قول سيد الأولياء و العرفاء علي (عليه السلام): «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» فإذا اجتمعا معا كانا من أفحش

الفواحش في إيجاب المفسدة المهلكة و الى ذلك أشار عز و جل في سورة العصر:

«وَ اَلْعَصْرِ إِنَّ اَلْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَواصَوْا بِالصَّبْرِ» و هذه السورة على صغرها تعين مبدأ الإنسان و منتهاه الاختياريين، كما ان قوله تعالى: «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‌» البقرة - 156 يعين مبدؤه و منتهاه غير الاختياريين، مع اننا إذا لاحظنا معنى قوله تعالى: «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ‌» بالملاحظة التفصيلية في المعتقدات و الأفعال و الحركات و السكنات يكون داخلا في قوله تعالى: «إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ وَ تَواصَوْا بِالْحَقِّ‌» و كيف كان فان اكبر الفواحش حب الدنيا الذي يجتمع مع الاهوية النفسانية، و حينئذ يكون الحد لهذه الفاحشة هو إماتة النفس الامارة و إصلاحها بالتوبة و العمل الصالح و ترويضها بالملكات الفاضلة و تزيين النفس بالأخلاق الحميدة و تزكيتها بالتقوى ليحصل القرب الى اللّه تعالى و البعد عن الدنيا و ما فيها فان ذلك هو الكمال المطلق.

إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوب.......

اشارة

إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اَللّهُ عَلَيْهِمْ وَ كانَ اَللّهُ عَلِيماً حَكِيماً (17) وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (18)

لما ختم سبحانه و تعالى الآيات السابقة بالتوبة و بيّن ان بها تسقط العقوبة و الحد الشرعي ذكر عز و جل في هاتين الآيتين الشريفتين حقيقة من الحقائق الإلهية التي امتاز بها الإسلام عن سائر الأديان السماوية، فبين عز و جل حكم التوبة و انها حق من حقوق العبد على خالقه و مربيه و قد وصف نفسه بالرحمة و ذكر شروط التوبة و مواردها التي تقبل من الإنسان و الموارد التي لا تقبل.

كما بين عز و جل ان التوبة انما تكون وفق النظام الربوبي المتقن المبني على الحكمة و العلم.

و الآية من الآيات المتعددة التي ترغب العاصين إلى هذه الموهبة الربانية و تحرضهم إلى التوبة قبل فوات الأوان. و انما ذكر عز و جل هذه الحقيقة ضمن الاحكام الإلهية لما لها من الأهمية الكبرى في تربية الإنسان و هدايته إلى السعادة و الكمال و لا تخلو الآيتان من الارتباط بالآيات الاخرى.

التفسير

قوله تعالى: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّهِ‌ .

بيان لحقيقة من الحقائق الإلهية التي كشف عنها القرآن الكريم بما لم يكشف عنها كتاب سماوي آخر، فانه بيّن حقيقة التوبة و شروطها و مواردها و آدابها و آثارها. و يمكن اعتبارها بحق من التعاليم المختصة بهذا الكتاب العزيز و انها لم تكن بهذه الخصوصية في سائر الشرائع الإلهية و قد اهتمّ القرآن المجيد بها اهتماما بليغا حتى ورد ذكرها فيه بما يزيد على ثمانين موردا، و سميت سورة من سور القرآن المجيد باسم التوبة.

و التوبة في نظر الإسلام من الأمور المعدودة التي لها جوانب متعددة فهي عملية تربوية تربّي الإنسان تربية دينية مبنية على الحقيقة دون الوهم و الخيال، كما انها عملية اصلاحية تصلح النفوس الفاسدة و تهذبها و تزكيها و تصلح المجتمع و تجعله في المسار الصحيح، كما انها فضيلة اخلاقية و هي من أجل مكارم الأخلاق. و نحن ذكرنا ما يتعلق بها في قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ اَلْبَيِّناتِ وَ اَلْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ فِي اَلْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّعِنُونَ إِلاَّ اَلَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا اَلتَّوّابُ اَلرَّحِيمُ‌» البقرة - 160 فراجع الآية الكريمة.

و مادة (توب) تدل على الرجوع سواء استعملت بالنسبة اليه عز و جل أم استعملت بالنسبة إلى العبد قال تعالى: «ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا» التوبة - 118 و توبة اللّه تعالى على العبد هي الرجوع عليه بالرحمة و التوفيق و غفران الذنوب و توبة العبد هي الرجوع إلى اللّه تعالى بالندامة و الانصراف عن المعصية.

و المستفاد من الآيات الواردة في هذا الموضوع أن توبة العبد محفوفة بتوبتين من اللّه تعالى إحداهما: التوفيق لها لان العبد محتاج بذاته و هو الفقير اليه عز و جل قال تعالى: «يا أَيُّهَا اَلنّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَراءُ إِلَى اَللّهِ وَ اَللّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ» فاطر - 15، فإذا وفقه اللّه تعالى للتوبة تاب و رجع اليه عز و جل بالندامة و الانصراف عن المعصية: الثانية:

توبة اللّه تعالى عليه بالقبول و الغفران فتكون مطهرة للعبد مما أصاب نفسه بسبب المعصية من القذارات و النجاسات المعنوية فيحصل بها التقرب اليه عز و جل.

و (على) في قوله تعالى: «عَلَى اَللّهِ‌» تفيد اللزوم و الثبوت و هو

يرادف الوجوب، و انما وجبت التوبة لأنها من افراد رحمته التي أوجبها على نفسه قال تعالى: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ اَلرَّحْمَةَ‌» الانعام - 54 و استعمال (على) في الوجوب و اللزوم كثير و لا ضير في ذلك.

الا ما يقال: من ان استعمال الوجوب بالنسبة اليه عز و جل امر مستنكر بل لا يصلح لأنه لا سلطة على اللّه تعالى يوجب بها عليه و لذا ذكر بعض المفسرين ان هذه العبارة و أمثالها التي هي ظاهرة في وجوب بعض الأشياء على اللّه قد جاءت على طريق العرب في التخاطب و لا يفهم منه إلا انه واقع لا محالة.

و لا يخفى ان ذلك تطويل لا طائل تحته و ما ذكره انما هو تغيير في ظاهر اللفظ، فلا مانع من إيجاب اللّه تعالى على نفسه أمورا تقتضيه حكمته المتعالية و قد نطق بها القرآن الكريم و شهد بها العقل السليم من دون ان يكون لغيره سلطة عليه يوجب عليه شيئا أو يكلفه بتكليف فإذا كانت التوبة من مصاديق الرحمة الإلهية التي وعد بها عباده» و اللّه لا يخلف الميعاد فيجب عليه قبول توبة عباده من هذه الجهة ايضا.

ثم ان اطلاق الآية الشريفة يشمل جميع اقسام التوبة من الكفر و الشرك و الضلال و أنحاء الفسق و العصيان الا ما يستثنيه سبحانه و تعالى بعد ذلك. نعم تختلف أنحاء التوبة ففي بعض المعاصي تكون بالإيمان باللّه تعالى و في البعض الآخر تكون بأداء الحقوق، و في ثالث بإيقاع الحد، و في رابع باجتناب الكبائر، و في خامس بالطاعة و المواظبة على الصلاة و قد ذكرنا جميع ذلك في مبحث التوبة فراجع آية 160 من سورة البقرة.

قوله تعالى: لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهالَةٍ‌ .

(للذين) خبر، و (التوبة) مبتدأ، و (على اللّه) متعلق بما تعلق به الخبر، و قيل غير ذلك و (بجهالة) حال من فاعل (يعملون) و الباء للسببية و (السوء) هو العمل القبيح الذي يسوء فاعله بارتكابه و هو لا يليق به سواء كان كفرا أم معصية كبيرة أم صغيرة و (الذين) عام يشمل المؤمن و الكافر معا فالجملة تبين حالهما، لأنهما معا يعملان السوء. و (العمل) أعم من الجوارح أو عمل القلوب. و التعبير به مع ان الكفر من اعمال القلوب لبيان ان الكفر سيئة و منشأ للأعمال السيئة.

و الجهالة من الجهل مقابل العلم و المراد بها إما عدم العلم بالموضوع أو الحكم أو هما معا، قصورا أو تقصيرا، و في الكل لا يتحقق العصيان حتى يتحقق موضوع التوبة، لان مقتضى ما هو المتواتر بين المسلمين عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله): «رفع عن امتي ما لا يعلمون» عموم الحكم لجميع افراد عدم العلم. إلا ان يدعى الانصراف عن مورد التقصير، كما عن جمع من العلماء من تحقق العصيان في الجهل التقصيري و هو مقتضى ظاهر بعض الاخبار ايضا فلا تكون الجهالة في المقام بهذا المعنى بلا إشكال.

أو المراد بالجهالة في المقام فعل كل ما لا ينبغي صدوره عن العاقل المتوجه إلى نفسه و العارف ببصيرته ما فيه صلاحه عن ما يسوؤه كما في قوله تعالى حكاية عن يوسف (عليه السلام): «قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‌» سورة يوسف - 89 فما يصدر حينئذ عن الفرد انما يكون من داع نفساني غالب على ما تقتضيه القوة العاقلة فيكون مغلوبا لنفس امارة و داعية شهوية أو غضبية،

و غواية الشيطان الذي يمني الإنسان بالسوء و حب العاجل و التغاضي عن الجزاء، فان جميع ذلك توجب الغفلة و الوقوع في الجهالة فيغفل عن وجه قبح الفعل و ذمه مع كون الفاعل انما يفعل عن علم و ارادة و على هذا تكون الجهالة قيدا توضيحيا لكل معصية تصدر عن الهوى و غلبة الشهوة و الغضب فتكون صادرة عن الجهالة، و لذا لو سكنت ثائرة الغضب و خمد لهيب الشهوة و رأى جزاء عمله عاد إلى العلم و زالت الجهالة و ندم على فعله و مما ذكرنا يظهر السر في قوله (صلى اللّه عليه و آله):

«كفى بالندم توبة».

هذا إذا لم يكن صدور الذنب عن المكابرة للحق و عناد معه و إلا فان ذلك يرجع إلى خبث الذات و رداءة الفطرة، و معهما لا يرجع إلى الحق بالتوبة و يستمر على ذلك طول حياته إلا إذا لحقته العناية الربانية فيرجع عن عناده و لجاجته و تلحقه الندامة و في غير هذه الحالة لا يكون المعاند نادما، و إن اظهر الندامة فإنما يكون لحيلة يحتالها لنفسه فرارا عن الجزاء و نحوه و يدل عليه رجوعه إلى غيه و لجاجته لو ارتفعت الضرورة كما قال تعالى: «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ‌» الانعام - 28.

و مما ذكرناه يظهر ان القيد يمكن أن يكون احترازيا ايضا فيكون المراد به ان لا يكون الذنب عن عناد و لجاجة و استعلاء على اللّه تعالى، و يشهد لذلك عدم تقييد عمل السيئات بالجهالة في الآية التالية فان المنساق منها هو التعمد و التجبر على اللّه تعالى كما يشهد له قوله تعالى: «وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّارٌ» فالحالة التي تكون بين الموت و عمل السيئة على اقسام.

الاول: ان يكون مبادرا إلى التوبة بعد عمل المعصية فهذا تقبل التوبة منه:

الثاني: ان يكون بانيا على الطغيان و العصيان إلى ان يحضر بعض علامات الموت فيتوب حينئذ، و المنساق من الآيات الشريفة عدم قبول التوبة حينئذ قال تعالى: «فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اَللّهِ اَلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ اَلْكافِرُونَ‌» غافر - 85 لان التوبة انما تقبل في ظرف اختيار العبد و تمشي القصد الجدي منه و هو لا يتحقق في وقت ظهور علامات الموت و ورود الإنسان في الأشراف على أول منازل الآخرة و هو البرزخ إذ لا اختيار له.

الثالث: ما إذا كان بانيا على التوبة بحسب الفطرة و لكن تساهل فيها لغلبة الشهوات الدنيوية حتى إذا حضر بعض علامات الموت التي لا تسلب الاختيار و يتحقق منه القصد الجدي في الطاعة و المعصية و يترتب عليهما الآثار الشرعية و العرفية فتاب عن قصد فحينئذ تقبل التوبة ان كانت جامعة للشرائط كما تقبل وصيته قال تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ اَلْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً اَلْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ اَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ‌» البقرة - 180 و الروايات الدالة على قبول التوبة حتى إذا بلغت النفس الحلقوم تختص بهذه الصورة فتقبل التوبة لتحقق موضوعها.

و بالجملة: بعد إرجاع بعض الآيات إلى بعض يستفاد منها ان عدم قبول التوبة إما لأجل عدم تحقق الموضوع كما في صورة العناد و اللجاج أو لأجل عدم تحقق ظرفها و هو الاختيار و القصد للطاعة و المعصية، و نرجو منه جلت عظمته ان يدخل عباده في قوله عز شأنه في القدسيات «أغفر و لا ابالي».

و قد ظهر من جميع ذلك ان الاحتمال الاول و هو كون القيد احترازيا و ان كان أوفق للقواعد فان المعروف ان الأصل في القيود ان يكون

احترازيا إلا ان كونه توضيحيا أوفق لسعة رحمته.

قوله تعالى: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ‌ .

القريب من الأمور الاضافية و له مراتب كثيرة، و قد استفاد العلماء من هذا اللفظ الفورية العرفية في التوبة و هي في نفسها حسن لان العصيان حجاب بين العبد و المعبود و درن للروح، و العقل يحكم بازالة الدرن و النجاسة عن اللباس و البدن فضلا عن الروح و هذا لا ينافي ان تكون الجملة اشارة إلى المسارعة و عدم التساهل، فيكون المراد من القريب الزمان القريب قبل ظهور الموت و بروز آيات الآخرة بحيث لا يعدّ تساهلا في امر التوبة حتى تفوت الفرصة بحضور علامات الموت.

و بالجملة: المراد من قوله تعالى: «مِنْ قَرِيبٍ‌» التوبة في عهد قريب من قبل ان تموت الشهوات و تسقط دواعي المعصية، بل تكون في حال صراع النفس مع القوة العاقلة فترغم النفس الامارة و يقلع عن المعصية ندما و يرغب في الطاعة شوقا إلى رضاء اللّه تعالى و طلبا لعفوه و غفرانه، و يؤدي حقوق الناس و حقوق اللّه سبحانه و تعالى لو كانتا عليه ففي كل وقت صح إبراز ما في الضمير و الارادة الجدية من القلب تقبل التوبة كما عرفت آنفا.

قوله تعالى: فَأُولئِكَ يَتُوبُ اَللّهُ عَلَيْهِمْ‌ .

أولئك اسم الإشارة الموضوع للبعيد و هو مبتدأ و خبره جملة «يَتُوبُ اَللّهُ عَلَيْهِمْ‌» و عديت التوبة ب‍ (عليهم) لتضمنها معنى العطف و الرحمة اي: انه تعالى يعطف عليهم بقبول التوبة و يعود بالرحمة.

و انما أشار إليهم بالبعيد اعلاما بعلوّ قدرهم و تعظيم شأنهم،

لأنهم تابوا على حقيقة التوبة و التفريع بالفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها و لبيان ان قبول التوبة من مصاديق ذلك الوعد الذي قرره تعالى في صدر الآية المباركة.

قوله تعالى: وَ كانَ اَللّهُ عَلِيماً حَكِيماً .

اي ان اللّه تعالى عالم بحقيقة الحال فيعلم شؤون عباده و مصالحهم و يعلم المخلص في توبته، حكيم في أفعاله قد وضع التوبة وفق نظام محكم، فلا تغره ظواهر الأحوال و صريف الأقوال.

و انما ذكر هذين الاسمين لبيان اهمية الموضوع و انه تابع لعلمه الأتم و حكمته المتعالية يضع التوبة في مواضعها و هو ارحم الراحمين.

قوله تعالى: «وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئاتِ‌» .

بيان لحال من لا تقبل توبتهم و هم طائفتان: إحداهما لأجل عدم تحقق موضوع التوبة منهم و هم الذين يعملون السيئات دوما و لا بتحقق منهم الندم حتى إذا حضرهم الموت و انتفى اسباب العمل فلا داعي فيهم لعمل السيئات لانقطاع آمالهم و موت شهواتهم فلا تقبل توبتهم.

و انما ترك عز و جل اعادة اسم الجلالة (على اللّه) لبيان انقطاع العناية الإلهية عنهم، و للاعلام بان التوبة الصحيحة لا تقع منهم لنفي موضوعها كما عرفت آنفا.

و انما جمع عز و جل السيئات و أفردها في الآية السابقة و قال «يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ‌» للدلالة على إحصاء سيئاتهم الكثيرة العديدة و استمرارهم على فعلها و إصرارهم على التكرار بلا فرق بين ان تكون السيئة المكررة من انواع مختلفة أو من نوع واحد فان التكرار يوجب التعدد لا محالة.

قوله تعالى: حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ‌ .

أي: حتى إذا حضر الموت برؤية علاماته لاهية قلوبهم، و الجملة تدل على استهانتهم بالتوبة و استحقارهم لموجبات الرحمة و المغفرة، فهم يدعون التوبة حال العجز و لم تتحقق حقيقتها عندهم و لم ترغب نفوسهم عن الذنب فإذا زال عنهم المهلكة عادوا إلى الذنب و رجعوا الى المخالفة و العصيان كما يخبر عن ذلك قوله تعالى: «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا» الانعام - 28.

قوله تعالى: قالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ‌ .

اي: انه في حال العجز و اليأس يردد على لسانه التوبة في تلك الحال فقط من دون ان يكون ذلك من حاق نفسه.

و الآية تدل على تحقق التوبة اللسانية مرة واحدة بلا استمرار عليها بخلاف الآية السابقة التي دلت على الاستمرار المستفاد من هيئة المضارع في قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ‌» و هذه تؤكد ما ذكرناه آنفا من ان التوبة منه ليست على الحقيقة فانه التجأ إليها عند مشاهدة سلطان الآخرة و انقطاع أمله عن الدنيا بحضور الموت و لذا ذكر عز و جل «قالَ إِنِّي» و لم يقل (تاب) و نحو ذلك تحاشيا عن تسمية ما قاله توبة، و نظير ذلك قوله تعالى حكاية عن المجرمين «وَ لَوْ تَرى إِذِ اَلْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَ سَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ‌» السجدة - 12.

قوله تعالى: وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّارٌ .

بيان لحال الطائفة الثانية و هم الذين يصدر عنهم الذنب عنادا و لجاجا و استكبارا على اللّه تعالى فلا توبة لهؤلاء كما لا توبة لأولئك

لأنهم تمادوا في الكفر فماتوا و هم كافرون فلم تصدر عنهم السيئات بجهالة بل عن عناد و لجاج فإذا مات الإنسان على هذه الحالة لا تنفعه التوبة و لا نجاة له بعد الموت و قد أكد القرآن الكريم ذلك في مواضع متعددة قال تعالى: «إِلاَّ اَلَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا اَلتَّوّابُ اَلرَّحِيمُ‌. إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اَللّهِ وَ اَلْمَلائِكَةِ وَ اَلنّاسِ أَجْمَعِينَ‌. خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ اَلْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ‌» البقرة - 162.

قوله تعالى: أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً .

اي: أولئك الفريقان قد اعتدنا لهم و هيّأنا لهم عذابا أليما مؤلما جزاء لاعمالهم السيئة التي قدموها في دار الأعمال. و قد ذكرهم باسم الإشارة للدلالة على بعدهم عن ساحة القرب و العناية الربانية.

بحوث المقام

بحث دلالي:
يستفاد من الآيات الشريفة امور:
الاول:

يستفاد من الحصر الوارد في قوله تعالى: «إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّهِ‌» ان التوبة من الأمور المختصة به عز و جل و من مظاهر ربوبيته العظمى و من مصاديق رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء، و هو رد على كل من يدعي ان هذا الأمر يمكن ان يتصديه بعض

الإفراد إما ولي من اولياء اللّه تعالى أو الكنيسة كما في الديانة المسيحية التي اعترفت لها غفران الذنوب حتى بلغ من افراط الكنيسة انها كانت تبيع صكوك الغفران بعد ما كانت التوبة في هذه الديانة من الأمور غير النافعة للإنسان لان المسيح (عليه السلام) فدّى بنفسه لأجل خلاص الإنسان على ما هو المعروف عندهم.

فالآية الشريفة رد على جميع المزاعم فإنها صريحة في ان التوبة من شؤون الباري عز و جل و انها محصورة عليه تبارك و تعالى لا شأن لاحد غيره فيها.

الثاني:

تدل الآية الشريفة على فضل التوبة و انها من مظاهر رحمته عز و جل و فضله العظيم و قد من بها على عباده و من المعلوم انه لا شيء يوجب رحمته عليه و لكن لا ينافي ذلك وجوب هذا القسم من الفضل عليه بإيجاب من نفسه على نفسه لا من إيجاب غيره عليه و قد ذكرنا ما يتعلق بذلك في مبحث التوبة في سورة البقرة آية - 162.

و اما ما ذكره بعض المفسرين من ان اللّه تعالى غير مجبور في قبول التوبة لأن له الأمر و الملك يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و استدل على ذلك بقوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ‌» آل عمران - 90 و قوله تعالى: «إِنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اَللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً» النساء - 137.

فانه يرد عليه ان اللّه تعالى قد وعد عباده بقبول التوبة - كما اعترف به هذا المستدل - و كل وعد منه عز و جل واجب الوفاء عليه كما قال في كتابه العزيز: «إِنَّ اَللّهَ لا يُخْلِفُ اَلْمِيعادَ» * آل عمران - 9 و الآيات الشريفة التي استدل بها تدل على عدم قبول توبة المتمادي في

الكفر و هذا ما استثناه عز و جل من القبول في المقام أيضا كما عرفت.

و كيف كان فالآية الشريفة من الآيات التي تعتني بشأن العاصين و تأمرهم بالتوبة من الشرك و الضلال و السيئات و المعاصي كلها.

و للتوبة اثار عظيمة فإنها من سبل الصلاح و التقوى و تجلب السعادة و تزيل درن الشقاء و الرذيلة من القلب الذي هو محل الصلاح و الفساد معا. و تصفى النفوس التي انكدرت بالعصيان، و تزيل الغشاوة عن القلوب و ترفع الموانع عن طريق سير الإنسان نحو السعادة و الكمال، و تخلّص الناس من بوار الذنب و هلاك المعصية و هي الوسيلة للفلاح قال تعالى: «وَ تُوبُوا إِلَى اَللّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا اَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‌» النور - 31.

و من آثار التوبة ايضا انها تجعل قلب المذنب متعلقا بالرحمة الإلهية و تبعث روح الرجاء بعد انخماد نور النفس بظلمة الذنب و تمحو الآثار السيئة التي تترتب على الحياة بسبب العصيان و عمل السيئات. و الآية المباركة تعد البشارة العظمى للمذنبين.

ثم ان التوبة مظاهر مختلفة كالندم، و الاستغفار و الانقلاع عن المعصية و إتيان الطاعة و التلبس بالعمل الصالح و أداء الحقوق و غير ذلك مما ذكره علماء الأخلاق و تقدم في مبحث التوبة و هي تبدل السيئات بالحسنات.

الثالث:

يستفاد من الآية الشريفة ان التوبة امر اختياري فإنها رجوع إلى اللّه تعالى بعد البعد عنه بسبب فعل السيئة و إتيان المعصية بالدخول في سلك الطاعة و العبودية بعد الاعراض عنه عز و جل و ذلك لا يتحقق إلا في ظرف الاختيار و كون العبد مخيرا بين طريقي الصلاح و السعادة، و الطلاح و الشقاوة، و في غير ذلك فلا توبة له لما يدل عليه ذيل الآية الشريفة.

الرابع:

يستفاد من قوله تعالى: «بِجَهالَةٍ‌» ان كل ذنب يصدر عن جهالة قابل للعفو و الغفران من اللّه تعالى، و بهذا القيد يخرج كل ذنب يصدر عن لجاج و عناد مع الحق و استكبارا على اللّه تعالى، و قد عرفت في التفسير ان الجهالة في المقام - و في باب الأعمال على العموم - هي الغفلة عن وجه قبح الفعل و فساده لغلبة الشهوة و استيلاء الهوى و لكن ذلك لا يسلب نسبة الفعل إلى الفاعل لأنه صدر عنه عن علم و ارادة كما يسمى الشاب قليل التجربة جاهلا لأجل غلبة العواطف و النزوات الشهوانية عليه.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ‌» ان المؤمن إذا صدر عنه الذنب ينبغي ان يبادر إلى التوبة بعده و لا يسوّف في ذلك فهو في صراع مع النفس الامارة و توبة مستمرة يرجو رحمة ربه و هذا ينبئ عن حسن السريرة و شدة الأمل باللّه تعالى، و لعل ما ورد في بعض الروايات: «طوبى لمن كان له تحت كل سيئة توبة» إشارة إلى ذلك و يستفاد من قوله تعالى: «ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اَللّهُ عَلَيْهِمْ‌» اولوية التوبة من الذنب من ترك الذنب رأسا فان اللّه تعالى مدح التائبين من الذنب و أدخلهم تحت رحمته و قرّبهم اليه. و قال بعض العلماء ان ترك الذنب مطلقا احسن و اولى من ارتكابه ثم التوبة عنه، لان اللّه تعالى مدح هؤلاء بما لم يرد في غيرهم و هم المختصون لمقام العبودية التشريفية.

و لكن يمكن اختيار الاول لكثرة ما ورد من الترغيب الى التوبة كتابا و سنة و قد ورد عن نبينا الأعظم (صلى اللّه عليه و آله):

«التائب من الذنب كمن لا ذنب له» فيصير التائب من الذنب مساويا له من هذه الجهة اي عدم الذنب و يكون تذلله مما في نفسه عند

ربه لتصوره لما صدر منه من المعصية موجبا لترجيح هذا المقام بنفسه عند اللّه تبارك و تعالى نعم من عصمه اللّه من الزلل كالأنبياء و الائمة الهداة (عليهم السلام) و الأولياء لهم مقام خاص وهبه اللّه تعالى لهم.

و في حديث آخر «لو لا انكم تذنبون اللّه ثم تستغفرونه لذهب بكم ثم يأتي بأقوام يذنبونه ثم يستغفرونه» و هذا هو المطابق لما هو المتسالم بين اذواق المتألهين من ان كل اسم من اسماء اللّه المقدسة لا بد له من مظهر خارجي و من أسمائه جلت عظمته التواب و الغفور و لا مظهر لذلك الا بعد الذنب و التوبة.

مع ان حالة الندامة و الاستحياء من اللّه تعالى من حالات العبد و أحسنها و لا يتحقق تلك الحالة الا بذلك.

السادس:

يدل قوله تعالى: «فَأُولئِكَ يَتُوبُ اَللّهُ عَلَيْهِمْ‌» على وعد منه عز و جل للمذنبين بقبول توبتهم و هو لا يخلف الميعاد. كما انه يدل على ان التوبة الصحيحة الجامعة للشرائط تمحو الذنوب و تزيلها.

السابع:

يمكن ان يكون المراد من قوله تعالى: «حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ‌» موت الأمزجة و القوى فمن كانت معاصيه من سنخ اعمال الشهوة الجنسية و وصل إلى سن الأربعين مثلا و ترك تلك المعاصي لأجل عوارض عرضت عليه فلا توبة له حينئذ و كذلك سائر القوى لأنه لا توبة بعد انتفاء القدرة على ارتكاب المعاصي، و هذا الاحتمال و ان كان مخالفا لما استفدناه من الآيات المباركة، و لكنه احتمال حسن يوجب المسارعة إلى التوبة و الاستعداد لها في حال القدرة.

الثامن:

اطلاق الآية الشريفة: «فَأُولئِكَ يَتُوبُ اَللّهُ عَلَيْهِمْ‌» يشمل التوبة من الشرك و جميع المعاصي و يشمل ايضا المؤمن و الكافر إذا تاب عن كفره فيكون إسلامه توبة لما صدر عنه في حال كفره لقوله (صلى

اللّه عليه و آله): «الإسلام يجب ما قبله» و اما توبته عن معصية فيها حق اللّه في حال كفره مع بقائه على الكفر فيشكل قبولها. نعم إذا كان الذنب من حقوق الناس كالسرقة و إيذاء الناس و نحوهما فأرضى الناس سقط هذا الذنب منه لزوال موضوعه و يمكن ان يستفاد ذلك من مفهوم قوله تعالى: «وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّارٌ» ان توبة الكافرين في حال حياتهم مقبولة إلا ان يستظهر ذلك بخصوص إسلامهم.

التاسع:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّارٌ» ان التوبة من اللّه تعالى تشمل العاصين من المؤمنين إذا استغفر لهم الأحياء و لو بعد مماتهم بخلاف الكافر المعاند الذي مات على الكفر بلا فرق بين اقسامه.

بحث روائي

في الكافي عن جميل بن دراج قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) «يقول: إذا بلغت النفس هاهنا و أشار بيده إلى حلقه لم يكن للعالم توبة ثم قرأ «إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهالَةٍ‌» .

أقول: أراد (عليه السلام) بالعالم هو اللجوج المستكبر على اللّه تعالى و اطلاق الآية الشريفة لا ينافي ما ذكرناه سابقا، و يمكن ان يجمع بذلك بين ما ورد من عدم قبول التوبة حين ظهور علامات الموت و ما ورد من قبولها حينها بحمل الاول على العالم العامد المستكبر على اللّه تعالى كفرعون و نحوه و الثاني على غيره.

و في تفسير العياشي عن أبي عمرو الزبيري عن الصادق (عليه السلام) قال: «كل ذنب عمله العبد و ان كان عالما» به فهو جاهل حين خاطر

لنفسه في معصية ربه و قد قال في ذلك تبارك و تعالى يحكي عن قول يوسف لإخوته «هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَ أَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ‌» فنسبهم إلى الجهل لمخاطرتهم بأنفسهم في معصية اللّه عز و جل».

أقول: يشهد ذلك على ما قلناه في معنى الجهالة.

و في تفسير العياشي ايضا عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا بلغت النفس هذه و أهوى بيده إلى حنجرته لم يكن للعالم توبة و كانت للجاهل توبة».

أقول: يشهد ذلك على ما جمعنا به بين الروايات آنفا.

و في الكافي عن محمد بن مسلم عن جعفر (عليه السلام) قال:

«يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب عنها مغفورة له فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة و المغفرة اما و اللّه انها ليست إلا لأهل الايمان قلت: فان عاد بعد التوبة و الاستغفار في الذنوب و عاد في التوبة‌؟ فقال يا محمد بن مسلم أ ترى العبد المؤمن يندم على ذنبه فيستغفر اللّه منه و يتوب ثم لا يقبل اللّه توبته‌؟! قلت: فان فعل ذلك مرارا يذنب ثم يتوب و يستغفر؟ فقال: كلما عاد المؤمن بالاستغفار و التوبة عاد اللّه تعالى عليه بالمغفرة و ان اللّه غفور رحيم يقبل التوبة و يعفو عن السيئات فإياك ان تقنط المؤمنين من رحمة اللّه».

أقول: ورد في بعض الروايات إلى سبعين مرة و يشهد لذلك تحذير الامام (عليه السلام) الراوي في ذيل الرواية و يستفاد ذلك من قوله تعالى: «قُلْ يا عِبادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللّهِ إِنَّ اَللّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ‌» الزمر - 53 إذ المراد بالجميع الكثرة العددية. ثم انه قد ذكرنا الروايات الواردة في التوبة في مبحث التوبة فراجع سورة البقرة الآية 160.

بحث عرفاني

التذلل لدى المعبود الحقيقي الجامع لجميع الكمالات غير المتناهية و الاعتراف بالقصور و التقصير عنده محبوبان لديه عز و جل. و العبودية التي هي غاية مقامات العارفين و اولياء اللّه المخلصين متقومة بهما فانه لا ريب في تحقق الارتباط بين الممكن و الواجب كالارتباط بين المعلول مع العلة التامة و المخلوق مع الخالق، و الأثر مع المؤثر بلا فرق في ذلك بين المجردات و الماديات و الاملاك و الأفلاك فان جميعها متعلقة بالإرادة الازلية حدوثا و بقاءا و بزوالها ينعدم جميع ما سوى اللّه تعالى، و لا يبقى إلا وجهه الواحد القهار و لكن الإنسان يرتبط مع اللّه جل جلاله بارتباطين:

الاول: الارتباط العام القهري الذي يعم جميع الخلق و ما سواه تعالى.

الثاني: الارتباط الاختياري اي الطاعة و الامتثال و الانقياد و هذا هو الأصل و الأساس في علاقة الإنسان مع اللّه عز و جل فإذا زال يبقى الارتباط الاول و هو يعم الجميع - الحيوان و الجماد - على حد سواء.

و الانسانية انما تظهر في الارتباط الثاني و لا يزول إلا بالطغيان و العصيان، و حينئذ لا بد من التوبة و الرجوع إلى اللّه تعالى ليعود الارتباط إلى ما كان عليه و تستكمل به الانسانية، و تزول الشقاوة و تحل محلها السعادة الابدية إذ القرب من ينبوع الحكمة و العلم و الكمال المطلق يوجب بلوغ الانسانية إلى الكمال و يتم به العقل و الدين، كما ان البعد عنه يوجب زوال ذلك كله، فللتوبة الحقيقية دخل في

استكمال الانسانية و الدين و العقل، و يكفي في فضلها ان فيها يتجلى المعبود الأعظم للتائبين بقوله عز و جل: «أَنَا اَلتَّوّابُ اَلرَّحِيمُ‌» فالعبد يعترف بما هو من زي العبودية، و المعبود يظهر بما هو من شأن الربوبية الواقعية و لذا ترى ان أحب حالات المتعبدين إلى اللّه تعالى هي حالة الاعتراف بالتقصير كما هو واضح في الدعوات المأثورة عن الائمة الاطهار (سلام اللّه تعالى عليهم) لا سيما الصحيفة الملكوتية السجادية على صاحبها و منشيها (أفضل الصلاة و السلام) و ليس الاعتراف بالتقصير مع عدم صدور ذلك عنهم كذبا لأنهم يعلمون ان تلك الحالة محبوبة للّه عز و جل و تقربهم اليه تعالى و يعترفون بذلك في جملة من دعواتهم الشريفة و هذا كاشف عن اشتياقهم إلى هذا المقام من العبودية.

ثم ان ظاهر الآية الشريفة: «وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ‌» انما هو في الموت الطبيعي الذي هو مسير كل ذي حياة و اما الموت الاختياري الذي هو غاية آمال العارفين و قرة عين اهل التقوى و اليقين فهو فوق التوبة بمراتب كثيرة إذا وفق له ولي من اولياء اللّه تعالى بشرطه و شروطه.

يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّساءَ كَرْهاً وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما.......

اشارة

يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّساءَ كَرْهاً وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19) وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (20) وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (21) الآيات الشريفة تشمل على احكام اجتماعية تهم المجتمع الاسلامي و قد تضمنت تشريعات الهية للحياة الزوجية و قد امر عز و جل الزوج بالمعاشرة بالمعروف مع الزوجة و نبذ الإحساسات و العواطف التي تهدد حياتهما و تجلب الشقاء لهما كما نهت الزوجة عن الخيانة و الفحشاء فالعمل بهذه الاحكام الإلهية تجلب السعادة و يهدى الى الكمال و هذه هي وجه الارتباط بين الآيات في هذه السورة.

التفسير

قوله تعالى: يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّساءَ كَرْهاً .

خطاب إلى المؤمنين الذين آمنوا باللّه و دانوا بشريعة الحق و اعرضوا

عن العادات الجاهلية و التقاليد الباطلة، فصاروا بذلك مستحقين للخطاب الالهي كما تشرفوا به منه تعالى.

و الآية الشريفة تشير إلى عادة جاهلية و هي انهم كانوا يجرون على النساء حكم المتاع و العروض بل يستفاد منها انها كانت في زعمهم بمنزلة الحيوانات العجم التي لا ارادة لها و لا اختيار كالإبل و الغنم و ذلك من اضافة الوراثة إلى النساء إلا ان وراثة النساء عندهم كانت وراثة خاصة لم تكن في عرض وراثة سائر الأموال.

و المعروف انهم كانوا يرثون النساء مع التركة إذا لم تكن المرأة اما للوارث فكان احد الوراث يلقى ثوبا على زوجة الميت فيرثها و يتسلط عليها فان شاء عضلها عن النكاح و حبسها حتى الموت فيرث أموالها و ان شاء يزوجها فينتفع من مهرها. و الآية المباركة تنهي عن تلك العادات التي لم ينزل بها سلطان، و تضمنت قوانين فطرية عقلية قررها الوحي المبين و هي امور اجتماعية يسعد بها الاجتماع و الحياة الزوجية.

منها: النهي عن ارث النساء كرها و هذا الحكم فطري يقرره كل عقل سليم. و كرها بالفتح كما هو المعروف و قرئ بالضم. و الكره بالضم و الفتح بمعنى عدم الرضا إما من الغير أو من قبل نفسه و قيل:

بالفتح الكراهية و بالضم الإكراه و قيل. غير ذلك و هو مصدر في موضع الحال إما نائب عن المفعول المطلق المستفاد من «تَرِثُوا» أو انه منصوب على انه حال من النساء. و هذا الحكم يتصور فيه وجوه:

الاول: ان يستوهب منها المال الذي يصل من المورث بالإكراه بأن تحرم من تركتها فيستقل الوارث بتمام التركة دونها.

الثاني: ان يؤخذ نفس النساء كسائر الأموال و هن مكرهات على ذلك أو انهن يكرهن ذلك.

الثالث: ان يستكرهها احد الوراث على ان تهب تركتها أو نفسها له دون سائر الورثة و غير ذلك من الحيل الإكراهية.

و على اى حال يكون القيد (كرها) لبيان الواقع الذي كان في الجاهلية، فتكون الآية في مقام الردع عن تلك العادة السيئة و حينئذ لا معنى للنزاع في ان هذا القيد هو قيد توضيحي أم احترازي و يستفاد من اضافة الوراثة إلى النساء انهن بمنزلة المال فيشمل نفسهن و المال الذي عندهن.

قوله تعالى: وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ‌ .

حكم فطري آخر عطف على قوله تعالى: «أَنْ تَرِثُوا» و مادة (عضل) تدل على التضييق و اليه يرجع الحبس و الشدة. يقال: أعضل الأمر اي:

اشتد و عضلت المرأة بولدها عسر عليها. و عضل المرأة يعضلها - مثلثة الضاد - منعها الزوج ظلما و قد وردت هذه المادة في موضعين أحدهما المقام؛ و الثاني في قوله تعالى: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ اَلنِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ‌» البقرة - 232 و قد تقدم الكلام هناك فراجع و المراد به هو المنع من حقوقهن في الحياة الزوجية بخلاف الآية الاولى التي كانت في المال الذي تمتلكها النساء.

و هذا ايضا يتصور على اقسام: فاما ان يكون العضل و المنع عن الزواج و هذا ما تقدم في سورة البقرة - 232 أو العضل عليهن في الطلاق حتى تفتدي بشيء من المال أو العضل عليهن من النكاح حتى تفتدي جميع الصداق أو ببعض منه.

و الآية المباركة تؤكد النهي عن منع المرأة من حقوقها المشروعة

التي قررها القرآن الكريم في مواضع متعددة منها قوله تعالى: «فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ‌» البقرة - 234 فان المنع و التضييق عليهن باي وجه كان هو خلاف قاعدة السلطنة المقررة عقلا و شرعا.

قوله تعالى: إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ‌ .

استثناء عن ما تقدم. و الفاحشة هي الفعل القبيح قد شاع استعمالها في الزنا و المبينة من البين و هو الواضح اي الفاحشة المعلومة الواضحة.

و المعنى: و لا تمنعوا النساء من النكاح و تضيقوا عليهن ليضطررن إلى بذل شيء من المال إما الصداق أو غيره مما دفعتموه إليهن لرفع الاضطرار إلا ان تأتي المرأة بفاحشة معلومة واضحة فله ان يعضلها حتى تدفع مالا له ليفارقها.

و نظير هذه الآية ما ورد في سورة البقرة قال تعالى: «وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاّ أَنْ يَخافا أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اَللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اَللّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا اِفْتَدَتْ بِهِ‌» البقرة - 229 و «إِلاّ» في المقام يفسر عدم اقامة حدود اللّه تعالى بإتيان الفاحشة هذا كله لو لم يكن رضاء منها في البذل.

و اما لو كان عن تراض منهما فلا اشكال في جوازه إذا لم تكن عن مفسدة شرعية. و من تقييد الفاحشة بالمبينة يستفاد ان مجرد صرف الوجود غير كاف ما لم تكن مبينة و واضحة.

قوله تعالى: وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ‌ .

بيان لأصل من اصول الحياة و هو الأساس للحياة السعيدة فان اللّه تعالى نهى عن ارث النساء كرها و عضلهن، و وضع حدا للظلم عليهن و بين في هذه الآية المباركة ان الطريق الصحيح هو المعاشرة مع النساء

بالمعروف بأن تكون المخالطة و المصاحبة و العيش معهن بما هو المعروف بين افراد المجتمع و لم يعين سبحانه و تعالى كيفية ذلك ليكون العرف الذي هو الشائع في كل عصر و زمان هو المعتمد في ذلك و هذا من المفاهيم الاسلامية القويمة التي تذكر في مجال التطبيق العملي و ان الجاهلية و الشقاء تتحققان بقدر الاعراض عمّا شرعه اللّه تعالى فيما بينته السنة المقدسة و الإسلام دين متكامل يعطي بقدر ما يترك و لا يصلح جانبا على حساب جانب آخر أو إهمال جهة معينة، ففي المقام الواجب على الرجل حسن المعاشرة مع النساء بالمعروف فإذا كان ذلك من جانب الرجل ففي جانب المرأة هو اطاعة الزوج و هما يتوازنان الأمر و تتأدى الحقوق و الواجبات.

قوله تعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً .

تأكيد لما ذكره عز و جل و هو المعاشرة مع النساء بالمعروف، و ايقاظ للشعور الانساني بأن دين اللّه تعالى لا بد ان يعمل به بجميع حدوده و قيوده في جميع اتجاهاته.

و تبين الآية الشريفة حكم الاستمرار في الحياة الزوجية و او كانت مع الكراهية فإنها تأمر بالمعاشرة حتى مع الكراهة و عدم فصم العلاقة الزوجية و قطعها عند ادنى تحول في المشاعر و الاحساس و يصلح حالها بالصبر و حسن المعاشرة لتعود حياتهما إلى الانتظام و تتهيأ اسباب السرور و البهجة فان اللّه تعالى قادر على ان يمنحهما السعادة و يتمتع الرجل - الذي وجد أمورا يكرهها في زوجته - بما فيه خير كثيرا مما يهون عند ما شاهد ما كرهه في زوجته.

و للخير الكثير مظاهر كثيرة منها: اظهار الحق و ابطال الباطل.

و منها: كثرة النسل و البركة فيه و في المال.

و منها: التخلق بأخلاق الكرام.

و منها: الهناء في العيش و البعد عن مشاكل الحياة.

و منها: السعادة في الدارين و غير ذلك مما لا يخفى.

و اسناد الكراهة إلى الزوجات انفسهن يدل على أن اسباب الكراهة توجد في انفسهن إما ذاتا كما كان عليه الناس في العصر الجاهلي أو لأمر خارجي كالعيب الخلقي أو الخلقي دون نفس الحياة الزوجية و نكاحهن، و الآية المباركة ترشد الى عدم المسارعة إلى مفارقتهن و مضارتهن.

و التعليل في الآية الشريفة عام لا يختص بمورد الآية فهو من الحقائق الواقعية التي كشف عنها القرآن الكريم و هي توقظ روح التعقل في الإنسان عند استيلاء القوى الشهوية و الغضبية عليه و ترشده إلى التفكر في عواقب الأمور و تروّض النفوس على التخلق بمكارم الأخلاق و حسن المعاشرة مع النساء و انه بعمله بما ورد في هذه الآية الشريفة يرتقى إلى المستوي المرغوب منه من المحل الواقعي له و يصل إلى الكمال الذي أعد له فانه أذعن بالحق و عمل به و أنكر الباطل و زيّغه.

و الآية المباركة تبعث الأمل و الرجاء عند اليأس في الحياة و عروض المشكلات على الإنسان و قد تقدم نظير ذلك في قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ اَلْقِتالُ وَ هُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ عَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَ هُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَ اَللّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‌» البقرة - 216 و تقدم البيان في ذلك ايضا فراجع.

قوله تعالى: وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ‌ .

الاستبدال: هو طلب البدل و اقامة زوج مكان زوج أخرى ترغبون عنها لكراهتكم لها كما يدل عليه قوله تعالى: «وَ إِنْ أَرَدْتُمُ‌» فان الارادة تستدعي ذلك بان تكون رغبة عن المبدل و رغبة في البدل.

و الآية الشريفة تحدد المسئولية عند تشكيل الحياة الزوجية و اقامة زوج آخر.

و من كلمة الاستبدال الواردة في الآية الشريفة نستفيد ان الأمر إذا بلغ الانفصام و الانفصال بينهما رغم التوصية في الآية السابقة على عدم مسارعة الرجل إلى فصم رباط الزوجية عند تحوّل المشاعر، فعسى ان يكره شيئا و يجعل اللّه فيه خيرا كثيرا فلا ينبغي ان يحدث ذلك و اما إذا أحدث فلا بد ان تقام الوحدة الاجتماعية مرة اخرى بزوج اخرى و تجتمع الاسرة لئلا تتعطل وظيفتها.

و الإسلام يؤكد على ذلك و هو شديد الحرص على تكوين الاسرة و ذلك لأسباب كثيرة منها سد أبواب الفحشاء، و جعل دوافع الفطرة في مسيرها الطبيعي و توحي كلمة الاستبدال منضمة بقوله «أَرَدْتُمُ‌» على ملء الفراغ في الحال و عدم الإهمال في هذا الأمر العظيم.

قوله تعالى: وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً .

القنطار: هو المال الكثير و قد تقدم تفسير هذه الكلمة في قوله تعالى: «وَ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ» آل عمران - 75 و أتي به مبالغة في كثرة ما يعطي من المهور و تأكيدا في الزجر فإذا دفع الزوج الصداق إلى الزوجة و لو كان كثيرا أو التزم به في الذمة فلا يجوز ان يأخذ منه شيئا و لو كان قليلا إذا بلغ الأمر إلى انفصام

علاقة الزوجية و الطلاق و لا يحل له ذلك.

قوله تعالى: أَ تَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً .

إنكار على أخذهم لذلك الشيء، و البهتان مصدر نصب على الحالية و هو ما يجعل الإنسان متحيرا، و غلّب استعماله في الافتراء الذي يبهت المكذوب عليه و يجعله متحيرا و الإثم: الذنب و هو حال ايضا و المبين الموضح، فيكون البهتان بمعنى الدعوى بغير حق و لا ريب ان أخذ شيء من صداق المرأة بعد كثرة علاقتها به بدون رضاها بهتان و اثم مبين واضح لا ريب فيه. نعم لو رضيت به لا اشكال فيه حينئذ كما في الخلع و غيره.

و قيل: البهتان في المقام نسبة المرأة إلى الفاحشة ليستلب أموالها و صداقها اي: أ تأخذون شيئا مما دفعتموه إليهن صداقا و لو كان السبب رميهن بالفاحشة باهتين لها أو ناسبين الكذب إليها كعدم اقامة حدود اللّه تعالى لتلتجأ إلى الافتداء.

و هذا و ان كان حسنا ثبوتا لكنه خلاف المنساق من الآية الشريفة.

و بناء على ما ذكرناه يكون «إِثْماً مُبِيناً» عطفا تفسيريا للبهتان كما هو واضح.

قوله تعالى: وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ‌ .

تعليل لمنع الأخذ من مال المرأة و انكار آخر له و إرجاع إلى الفطرة مبالغة في التنفير و هو من احسن الاساليب البلاغية فان الصداق انما يكون بإزاء الزوجية و الخلوة بها قضاء لما تدعو اليه الشهوة و الفطرة و هذا يؤكد ما ذكرناه من رجوع البهتان إلى نفس الأخذ و فيه كمال الذم و التوبيخ للآخذ.

قوله تعالى: وَ قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ‌ .

الإفضاء: هو المخالطة و الاتصال بالمماسة يقال افضى إلى الأرض يده إذا مسها في سجوده و يكنى به في النكاح عن الجماع غالبا. و الإفضاء من الكلمات التي تستعمل في الحياة الزوجية لأنها تشمل على الارتباط و التمتع و رفع الحشمة، و هي من احسن الكنايات في هذا المجال.

و المعنى: كيف تأخذون من مالها شيئا و قد ارتبطتم معها ارتباط اللباس باللابس كما في قوله تعالى: «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ‌» البقرة - 187 و اختلطتم معها و تحققت علاقة الزوجية فكأنهما حقيقة واحدة و في هذه الحالة لا يصح الظلم و البهتان و الرمي بالكذب و أخذ المال ظلما و عدوانا و هو مما يتعجب منه.

قوله تعالى: وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً .

الميثاق: هو العهد المؤكد المشدد، و الغليظ إما عطف بيان على «مِيثاقاً» فيكون المعنى و أخذن منكم شيئا غليظا و هو المني الذي يكون محترما بالعقد الواقع بينهما.

أو تكون وصف من قبيل ذكر الخاص بعد العام اي: العقد الغليظ الواقع غالبا بمحضر من الناس مقرونا بالطرب و السرور.

و كيف كان فهذه الآية الشريفة تدل على احترام العلاقة الزوجية و ان العقد الواقع بين الزوجين مما عظمه الإسلام و سائر الأديان الإلهية، و يجب الالتزام به بحسب الفطرة.

و قيل: ان الميثاق الغليظ هو العهد المأخوذ من الرجل للمرأة في ما ذكره عز و جل «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ‌» البقرة - 229 و قيل الحلية المجعولة شرعا في النكاح و قيل غير ذلك.

و لا يخفى بعد جميعها و يمكن إرجاعها إلى ما ذكرناه و الآية المباركة تدل على انكار الأخذ و انه بهتان.

بحث دلالي

يستفاد من الآيات الشريفة امور:
الاول:

يستفاد من قوله تعالى: «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّساءَ‌» ان في عصر نزول القرآن كان الناس يعتبرون النساء متاعا من الامتعة يتوارثونهن و يحكم الرجل عليها بما يريده و ان كان على كره منها و قد نهى القرآن الكريم عن هذه العادة السيئة و بيّن عز و جل حكمه الابدي فيها ورد عليها كرامتها و الزم الرجل معاشرتها بالمعروف و جعل تبارك و تعالى ذلك أصلا من الأصول النظامية فلا بد من مراعاتها و الا حصلت امور لا تحمد عقباها كما عرفت في التفسير.

الثاني:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ‌» حرمة الابتزاز و الاستبداد بالمرأة و النهي عن التضييق على النساء بكل وجه من وجوه التضييق و حرمة اضطهادهن ليستفيدوا منهن أية فائدة فان ذلك قبيح إلا ما استثناه عز و جل، و لا منافاة لهذه الآية الشريفة مع آية الخلع فانه انما يكون من جانب المرأة، فإذا رضيت بالفداء يجوز للزوج قبوله و مفارقتها. و في غير ذلك لا يجوز عضلها و منعها مطلقا إلا إذا أتت بفاحشة مبينة.

الثالث:

يستفاد من قوله تعالى: «إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ‌»

ان الفاحشة التي توجب العضل لا بد ان تكون معلومة ثابتة فلا يكفي الظن في هذا المقام الذي هو في معرض الخصومة و الجدال و سوء الظن فهذه الكلمة «مُبَيِّنَةٍ‌» لها موقعها العظيم في المقام و في هذه الحالة يجوز عضلها من باب النهي عن المنكر و الأمر بالمعروف.

الرابع:

يستفاد من قوله تعالى: «فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً» حقيقة من الحقائق الواقعية و هي تدل على جهل الإنسان بالواقع و ان ما يجهله اكثر مما يعلمه، فانه قد يقع تحت وقع المشاعر و الاحساس و العواطف التي قد تكون حجابا عن التفكر في عواقب الأمور.

فالآية الشريفة من الآيات الكثيرة التي نزلت لتربية الإنسان تربية حقيقية واقعية، و تحدد مسؤوليته اتجاه الحياة الزوجية التي بنيت على المحبة و تحكيم العقل دون المشاعر الوهمية الخاطئة التي تسبب كثيرا من المشاكل و المتاعب في هذه الحياة.

و الآية المباركة توحي إلى الإنسان بعدم التسرع في الحكم عند غلبة العواطف و لها وقع كبير في الحياة الزوجية التي لا تخلو من التنازع و الخصومة إذ ليس كل زوجة مطلوبة للزوج من كل جهة و كذا بالعكس.

الخامس:

يستفاد من قوله تعالى: «وَ إِنْ أَرَدْتُمُ‌» منضما إلى قوله تعالى: «فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ‌» ان الأخذ المحرم من الصداق هو ما كان بعنوان الإكراه و الإلجاء لها على ذلك و لو كان البذل بإرادتها و عن طيب نفس منها فلا بأس به و على هذا فلا منافاة بين هذه الآية و آية الخلع سورة البقرة - 229.

السادس:

يدل قوله تعالى: «وَ إِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ‌» على اهمية الاسرة و انه لا بد من تشكيل الاسرة بعد انفصام

الاولى لجهة من الجهات إعادة الوحدة الألفة التي يعطي لها الإسلام اهمية خاصة في بناء المجتمع. و توحي الآية الكريمة بانه لا يجوز تعطيل وظيفة الاسرة لاي جهة من الجهات.

السابع:

يدل قوله تعالى: «وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ‌» على أسلوب من الاساليب البلاغية البديعة فانه يرجع الإنسان إلى الضمير و تحكيمه على سائر المشاعر و العواطف فان الحياة التي بنيت قاعدتها على الترابط بين شخصين يكون أحدهما بمنزلة اللباس للآخر كيف يمكن جعل المال عوضا عن تلك الحياة الزوجية.

الثامن:

يدل قوله تعالى: «إِحْداهُنَّ قِنْطاراً» على انه لا تحديد في المهر بالنسبة إلى الكثرة كما انه لا تحديد فيه بالنسبة إلى القلة، و قد ورد في السنة المتواترة «ان المهر كل ما تراضيا عليه قليلا أو كثيرا» نعم لا ريب في ان الفضل في مهر السنة.

التاسع:

يدل قوله تعالى: «وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» على ان المرأة هي التي أخذت الميثاق من الرجل، و لكن المستفاد من الادلة الاخرى ان الميثاق مأخوذ من الطرفين و هو متقوم بالزوجين يأخذ الميثاق من المرأة على تمكينها من التمتع بها و قيامها بسائر الوظائف الزوجية الواجبة عليها و الزوجة تأخذ الميثاق من الرجل على العشرة بالمعروف أو التسريح بالإحسان: و عقد النكاح بينهما عند كل قوم ينحل إلى ذلك.

و لعل الوجه في تخصيص الزوجة بالأخذ في الآية الشريفة لأجل شدة عواطفها و سلطة الزوج عليها، فخصها عز و جل بالذكر لئلا تنقهر تحت تلك السلطنة، كما يمكن ان يكون لأجل انها أخذت مسئولية الحمل و الإرضاع و هو المراد ب‍ (المني) في بعض الروايات، و كيف

كان فالمستفاد من الآية الشريفة ان للمرأة شأنا عظيما في هذه الحياة و انها بمنزلة الهيولى و المادة و لولاها لما كان للميثاق موضوع ابدا، كما انه لو لم تكن الأرض لما كان للنبات موضوع أصلا.

بحث روائي

في تفسير القمي عن أبي الجارود عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّساءَ كَرْهاً» قال (عليه السلام): «كان في الجاهلية في أول ما اسلموا من قبائل إذا مات حميم الرجل و له امرأة القى الرجل ثوبه عليها فورث نكاحها بصداق حميمه الذي كان أصدقها فكان يرث نكاحها كما يرث ماله فلما مات ابو قيس بن الاسلب القى محصن بن أبي قيس ثوبه على امرأة أبيه و هي كبيشه بنت معمر بن معبد فورث نكاحها ثم تركها لا يدخل بها و لا ينفق عليها فأتت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقالت يا رسول اللّه مات أبو قيس بن الاسلب فورث ابنه محصن نكاحي فلا يدخل عليّ‌، و لا ينفق عليّ‌، و لا يخلي سبيلي فألحق باهلي‌؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ارجعي إلى بيتك فان يحدث اللّه في شأنك شيئا علمتك به فنزل: «وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ اَلنِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ مَقْتاً وَ ساءَ سَبِيلاً» فلحقت باهلها، و كانت نساء في المدينة قد ورث نكاحهن كما ورث نكاح كبيشه غير انه ورثهن من الأبناء فانزل اللّه «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّساءَ كَرْهاً»

و في الدر المنثور و اسباب النزول للواحدي عن عكرمة عن ابن عباس في الآية الشريفة «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا اَلنِّساءَ كَرْهاً» قال: «كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ان شاء بعضهم تزوجها، و ان شاؤوا زوجوها و ان شاؤوا لم يزوجوها و هم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية».

أقول: الروايات في مضمون ذلك متعددة من الخاصة و الجمهور و جميعها تنكر ما كان شايعا في الجاهلية و قد عرفت في التفسير ما يرتبط بالمقام.

و في تفسير العياشي عن هاشم بن عبد اللّه عن السري البجلي قال:

«سألته عن قوله تعالى: «وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ‌» قال: فحكى كلاما ثم قال: كما يقول النبطية إذا طرح عليها الثوب عضلها فلا تستطيع تزويج غيره و كان هذا في الجاهلية».

أقول: هذا يبين بعض مراتب العضل.

و في تفسير العياشي ايضا عن ابراهيم بن ميمون عن الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ لا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ‌» قال: «الرجل تكون له المرأة فيضربها حتى تفتدي منه فنهى اللّه عن ذلك».

أقول: هذا ايضا نحو من العضل.

و في المجمع عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: «إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ‌» قال، «كل معصية».

أقول: لا ريب انه كل معصية فاحشة إلا ان بعضها افحش من بعض.

و في الكافي عن الصادق (عليه السلام): «إذا قالت له لا اغتسل لك من جنابة و لا أبر لك قسما و لأوطين فراشك من تكرهه حل

له ان يخلعها و حل له ما أخذ عنها».

أقول: هذا من بعض مصاديق الفاحشة و الا فلو كانت موجبة لما هو مستنكر في المعاشرة بين الزوجين و قد نهى عنها الشرع تكون تلك فاحشة ايضا.

و في تفسير البرهان قال الشيباني: «الفاحشة يعني الزنا»، و ذلك إذا اطلع الرجل منها على فاحشة منها فله أخذ الفدية قال و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)».

أقول: هذا ايضا بيان لبعض المصاديق.

في الكافي عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» قال (عليه السلام) «الميثاق هي الكلمة التي عقد بها النكاح و اما غليظا فهو ماء الرجل يفضيه إلى امرأته».

أقول: كون المني غليظا باعتبار كونه منشأ الحياة و هو محترم إذا كان بعقد شرعي و الا فلا احترام له.

و في المجمع: الميثاق الغليظ هو العقد المأخوذ على الزوج حالة العقد من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان قال و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام).

أقول: لا منافاة بين التعبيرين فان الإمساك بالمعروف و التسريح بإحسان من الالتزامات الضمنية الداخلة في مفهوم العقد.

و في الدر المنثور اخرج ابن جرير عن جابر ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: اتقوا اللّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه، و ان لكم عليهن ان لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فان فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح و لهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف».

و في الدر المنثور ايضا اخرج ابن جرير عن ابن عمر: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: يا ايها الناس ان النساء عندكم عوان أخذتموهن بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه و لكم عليهن حق، و من حقكم عليهن ان لا يوطئن فرشكم أحدا، و لا يعصينكم في معروف و إذا فعلن ذلك فلهن رزقهن و كسوتهن بالمعروف».

أقول: كل ذلك بيان لمعنى الميثاق القولي الحاصل بين الزوجين.

و في الدر المنثور اخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عبد اللّه ابن مصعب قال «قال عمر: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين اوقية، فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال فقالت امرأة: ما ذاك لك قال و لم‌؟ قلت لان اللّه يقول: «وَ آتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً» فقال عمر امرأة أصابت و رجل اخطأ».

أقول: تقدم ما يدل على تحديد المهر كما و كيفا فراجع.

محتويات الكتاب

[سورة آل عمران الآية: 159-160] 5 الخطاب المتوجه الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) يذكر فيه نعمة اللّه عليه بأن جعل قلبه رحيما و بعيدا عن الفظاظة و الخشونة.

6 الوجه في التفات الخطاب من المؤمنين الى النبي (صلى اللّه عليه و آله).

7 مادة (لين) و معناها:

الفظاظة و معناها و ان سببها قساوة القلب.

8 المراد من الأمر الوارد في الآية الشريفة 9 العزم و معناه:

10 التوكل و معناه و آثاره.

11 كلمة «لا» الوارد في الآية المباركة لنفي الجنس.

بحوث المقام:

12 بحث ادبي يتعلق بالآية الشريفة:

بحث دلالي و فيه يستفاد من الآيات الشريفة امور:

(الاول): ان النبوات السماوية تتقوم بأمرين» 14 (الثاني): الآيات الشريفة تدل على ان الرحمة و اللين مع الخلق و التودد معهم و الرحمة لهم من اجلّ صفات اللّه تعالى افاضها على نبيه (ص) (الثالث): تتضمن الآية الشريفة شروط التوكل.

(الرابع): تدل الآية الكريمة على الأثر المهم المترتب على التوكل.

(الخامس): يستفاد من الآية الشريفة ان شأن المؤمن التوكل على اللّه و لا ينبغي له التخلي عنه.

(السادس): الآية المباركة تدل على ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) مثال الانسانية الكاملة.

16 - بحث روائي يتعلق بالآيات الشريفة.

17 بحث اخلاقي في التوكل.

فضل التوكل 18 التوكل في الكتاب الكريم.

20 التوكل في السنة الشريفة.

22 معنى التوكل.

23 حقيقة التوكل.

26 شروط التوكل.

28 درجات التوكل.

30 آثار التوكل.

[سورة آل عمران الآية 161-164] الآيات الشريفة مرتبطة بغزوة احد.

32 الغل و معناه و انه عام و لا يختص بالوحي.

33 الآية الكريمة تبين الجزاء المترتب على الغل.

34 الرضوان و معناه و ان الآية الشريفة من جلائل الآيات القرآنية.

36 السخط و معناه.

الوجه في التعبير ب‍ (المصير).

38 ما يتعلق بإتيان الضمير «هم» العائد الى ذوي العقول.

39 في بيان ان نيل تلك الدرجات لا يكون بالتمني و الوهم و الخيال و انما هو على الحقيقة و الأعمال.

40 المنة و معناها.

في ان تكميل النفوس الناقصة من أجل نعم اللّه تبارك و تعالى.

41 في بيان المنة الواردة في الآية الشريفة.

42 ما ورد في تعداد أوصاف النبي (صلى اللّه عليه و آله) في الآية الكريمة و انها تدل على جلالة قدره و توكد المنة عليهم.

43 المراد من «قبل» الوارد في الآية الكريمة.

بحث دلالي و فيه يستفاد من الآيات الشريفة امور:

(الاول): يستفاد من سياق الآية الكريمة تنزيه ساحة الأنبياء عن السوء و الفحشاء و عصمتهم عن كل رذيلة.

(الثاني): تدل الآية المباركة على تجسّم الأعمال.

(الثالث): نسبة الخيانة إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) ظلم و لا بد من التنزه عنها.

الشريفة أهم اصل من اصول التعليم و التربية في الإسلام.

45 (السابع): تبين الآية الكريمة ان جهات التكميل في الإنسان لا بد و ان تكون من اللّه تعالى.

(الثامن): في الوجه باختصاص المؤمنين بالذكر مع ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و سائر الأنبياء مبعوثون الى كافة الناس.

(التاسع): الوجه في تقديم التزكية على التعليم في المقام و تأخيرها في آية اخرى.

46 بحث روائي يتعلق بالآيات الشريفة.

[سورة آل عمران: 165-168] الآيات الشريفة تبين جانبا من الجوانب المتعددة في غزوة احد و تكشف الموازنة بين الخسارة و الهزيمة و بين تلك النعمة العظمى و المنة الكبرى.

48 الاستفهام في الآية الكريمة للتقريع و يكون السئوال الاستنكاري في موضعه.

49 المراد من المثلين الوارد في الآية الشريفة.

بيان المصيبة و الحقيقة التي غفلوا عنها.

معنى الآية الشريفة.

50 الآية الكريمة تبين القدرة الكاملة و تذكر احد مصاديقها.

51 غاية اخرى من الغايات المترتبة على ما أصابهم.

52 المراد من «الذين نافقوا» و بيان وجوه نفاقهم.

53 بيان لحال المنافقين.

54 الوجه في ذكر الاخوان في الآية الكريمة بالخصوص.

بحوث المقام.

55 بحث ادبي يتعلق بالآية الشريفة.

56 بحث دلالي و فيه يستفاد من الآية الشريفة امور:

(الاول): يستفاد من الآية الكريمة واقع الإنسان بعد اصابته بمصيبة.

57 (الثاني): تدل الآية الشريفة على ان قانون الأسباب و المسببات لا يخرج عن قدرة اللّه تعالى.

(الثالث): الآية المباركة تدل على أهم ما كان يريده المنافقون.

58 (الرابع): يستفاد من الآية المباركة حسن المحاورة و المحاجة مع المنافقين.

بحث روائي يتعلق بالآية الشريفة.

[سورة آل عمران 169-175] الآيات المباركة تبين المائز بين من مات من القاعدين و بين ما يصيب المجاهدين.

60 - صفات الأحياء عند ربهم.

وجه الالتفات من خطاب المؤمنين الى خطاب الرسول (صلى اللّه عليه و آله).

60 الآية الكريمة رد على من يزعم ان الموت سببا لانعدام الروح و البدن.

المراد من سبيل اللّه و من الموت.

63 الفرح و معناه.

64 الوجه في إبهام النعمة و اضافتها اليه جلّ شأنه و كذا الجمع بين الاستبشار بانتفاء الخوف و الحزن و الاستبشار بنعمة من اللّه و فضل.

تأكيد آخر بتوفية اللّه اجر المؤمنين و الشهداء و غيرهما.

الآية الشريفة تبين وجه الحزن و الخوف عنهم.

التخصيص بالمؤمنين في الآية الكريمة و تنويه بمقامهم السامي.

الآيات المباركة تدل على اثبات الحياة للروح و اثبات عالم البرزخ و غيرهما كما يستفاد منها امور تتعلق بالحياة للروح.

67 الآية المباركة تبين كيفية تأثير التربية الحقيقية الملهمة في نفوس المؤمنين.

68 ثناء جميل لمن استجاب اللّه و الرسول.

69 الآية الشريفة تقسم المستجيبين الى طائفتين.

ذكر بعض الآثار للتربية الحقة الحقيقية في الآية المباركة.

72 ترتب الآية الكريمة على ما قبلها من قبيل ترتب المعلول على العلة التامة المنحصرة.

بحوث المقام.

75 بحث ادبي يتعلق بالآية المباركة.

77 بحث دلالي و فيه ان الآيات الشريفة تدل على امور:

(الاول): تدل الآية الكريمة على تجرد الأرواح.

(الثاني): يستفاد من الآية الشريفة

ماهية حياة المؤمنين و الشهداء في الآخرة.

(الثالث): تدل الآية المباركة على سنخية أرواح المؤمنين لعالم القدس.

78 (الرابع): يستفاد من الآية الكريمة ان القرح و ما يصيب المؤمنين في ميدان القتال مع اعداء اللّه له الأثر الكبير في تهذيب النفس.

79 (الخامس): ان الآية الشريفة من الآيات التي يستفاد منها لزوم مراعاة الاستقامة للحق و الحقيقة.

(السادس): تدل الآية المباركة على ان الإحسان و التقوى هما المناط في القرب الى اللّه تعالى.

80 (السابع): يستفاد من الآية الكريمة حقيقة من الحقائق و هي أدب المنافقين و عاداتهم.

(الثامن): يستفاد من الآية الشريفة كمال ايمان من استجاب للّه و الرسول.

81 (التاسع): يستفاد من ظاهر الآية الكريمة ان مضمونها لا تختص بحالة دون اخرى و المراد بالانقلاب المعنى العام.

(العاشر): يستفاد من الآية المباركة من لم يتصف بما تقدم في الآيات السابقة قد فوت على نفسه امرا عظيما.

(الحادي عشر): يستفاد من الآية الشريفة ان الخوف من الأمور الدنيوية انما يكون منشأه الشيطان.

(الثاني عشر): تدل الآية الكريمة على ان الايمان جنة واقية تحرس صاحبه من الخوف.

82 بحث عرفاني يتعلق بمقام الشهداء و المجاهدين في سبيل اللّه و كذا المجاهدين مع النفس الامارة.

84 بحث روائي يتعلق بالآية المباركة.

88 بحث تاريخي و فيه ان الآيات الشريفة تشير الى وقعة حمراء الأسد.

90 موقع غزوة حمراء الأسد و زمانها.

عدد المسلمين فيها.

92 اسباب الغزوة.

93 اهداف الغزوة.

[سورة آل عمران: 176-179] الآيات الشريفة مرتبطة بما تقدمت و مع انها لإرشاد المؤمنين هي لتسلي النبي الكريم من ما يوجب حزنه.

96 توجه الخطاب الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) تشريفا له و تسلية له.

الوجه في اسناد الحزن الى ذواتهم و تعدى المسارعة ب‍ (في).

97 الآية المباركة تعليل لعدم مضارتهم.

98 الوجه في توصيف العذاب بالعظمة و عدم تقييده بالآخرة.

الآية نعم جميع الكافرين و الوجه في التعبير بالشراء و ان المراد بالكفر جميع مراتبه.

99 الآية الشريفة تبين قضية عقلية حقيقية الآية المباركة تبين جزاء تمردهم.

100 الآية الكريمة تكشف عن حقيقة من الحقائق الواقعية.

مادة (ملل) و معناها.

102 الآية المباركة تبين سوء حال الكفار في الآخرة.

الآية الكريمة تبين أهم القوانين الجارية في مسير التكامل.

103 المراد من الخبيث و الطيب و ان الآية غاية لما تقدمت.

104 اضافة كل من الطيب و الخبيث.

ظرف تمييز الخبيث من الطيب.

105 اختصاص الغيب باللّه و المراد منه.

106 الوجه في الاستدراك عما تقدم بالاجتباء.

107 الآية الكريمة تميز بين الخبيث و الطيب. و فيها إعلام بان الحياة الطيبة مترتبة على العمل الصالح.

108 بحوث المقام.

بحث ادبي يتعلق بالآية الشريفة.

110 بحث دلالي و فيه ان الآيات الشريفة تدل على امور:

(الاول): تدل الآية الكريمة على ان أعراض الناس عن الايمان موجب لجريان سيد الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) و انها تسلم له.

111 (الثاني): تدل الآية المباركة على كمال عنايته تعالى بالرسول (صلى اللّه عليه و آله) و الايمان.

(الثالث): الآية المباركة تدل على أعظم الحقائق و هو كل من اعرض عن الايمان به لن يضر اللّه.

112 (الرابع): تدل الآية الشريفة على ان الخير الحقيقي هو ما بينه عز و جل و غيره يكون من الاستدراج.

113 (الخامس): الوجه في التفنن في وصف العذاب.

114 (السادس): تدل الآية الكريمة على ان في طريق الاستكمال لا بد من الابتلاء و توارد الصعوبات و المحن و ان التمييز بين الخبيث و الطيب في الإنسان منحصر بالإيمان به تعالى.

(السابع): يستفاد من الآية المباركة ان الخبيث و الطيب أمران اختياريان.

(الثامن): في وجه تكرار لفظ الجلالة في الآية الشريفة.

115 (التاسع): تدل الآية الكريمة على انحصار علم الغيب باللّه تعالى و ان طريق الإنسان في العلم بالحقايق منحصر بالاستدلال.

(العاشر): في ان التمييز بين الخبيث و الطيب منحصر به تعالى.

(الحادي عشر): تدل الآية الشريفة على ان الايمان لا يكمل الا بالتقوى و العمل الصالح.

116 بحث روائي يتعلق بالآية المباركة.

[سورة آل عمران 180-184] 118 الآيات المباركة تبين بعض اقسام الإملاء كما تبين مآثم اليهود و تظهر نواياهم الشريرة و الآيات مرتبطة بما قبلها و هي تأمر بالصبر و الثبات و تستنهض الناس الى متابعة الحق و الجهاد.

119 تحريض على بذل المال في سبيل اللّه تعالى بعد التحريض على بذل النفس في الجهاد.

120 في الآية المباركة كمال التوبيخ و الذم على الباخلين و تبين واقع حالهم.

121 المراد من الطوق.

تتضمن الآية الشريفة التهديد و التوعيد للباخلين.

122 ذكر تعالى مظهرا آخر من مظاهر سوء الظن باللّه العظيم و هو نسبة الفقر اليه تعالى كما عن اليهود.

123 الآية الشريفة تتضمن التهديد لليهود و الوجه في نسبة القتل الى الحاضرين منهم الذوق و معناه.

124 الآية الكريمة بمنزلة التعليل لجميع ما تقدمتها من الآيات.

125 الوجه في إتيان صيغة المبالغة «ظلام»:

الآية المباركة تبين زعما آخر من

مزاعم اليهود الفاسدة.

126 القربان و معناه.

127 الآية الشريفة تتضمن تسلية للرسول الكريم.

بحوث المقام.

128 بحث ادبي يتعلق بالآيات الكريمة.

130 بحث دلالي و فيه يستفاد من الآيات المباركة امور:

(الاول): يستفاد من الآية الكريمة ذم البخل و اقسامه:

(الثاني): تدل الآية الشريفة على تجسم الأعمال.

131 (الثالث): تدل الآية المباركة على ان كل ما يعطي للإنسان و كل ما في الأرض عرض زائل.

(الرابع): الآية الكريمة تبين صفات السوء و خصال الشر التي في اليهود.

(الخامس): يستفاد من الآية المباركة ان الرضا بالمعصية معصية.

132 (السادس): يستفاد من الآية الكريمة ان كثرة الظلم لأجل تعدد متعلقه و انه لا يمكن انتساب الظلم اليه تبارك و تعالى.

(السابع): تدل الآية الشريفة على كمال الحفظ و الأمن من الضياع و فيها نحو توعيد.

(الثامن): في وجه انحصار بعثة الرسل بالبينات و الزبر و الكتاب المنير.

133 بحث روائي يتعلق بالآية الشريفة.

136 بحث فقهي و فيه ان البخل ينقسم حسب الاحكام الخمسة التكليفية.

137 بحث عرفاني يتعلق بالإنفاق.

[سورة آل عمران 185-189] الآيات المباركة تستنهض الناس الى الجهاد في سبيل اللّه تعالى و ان المعركة مع أعدائه عز و جل حتمية الإثبات لكلمة التوحيد و ان الموت الذي يصيب كل ذي حياة لا يمكن الفرار منه و تبين الآيات الكريمة ان التمحيص سنة الهبة و انها تبين مفاسد اخلاق اهل الكتاب و ان الملك لوحده تعالى.

139 الموت من مقومات هذا العالم و ان الآية المباركة تبين قضية حقيقية

طبيعية وجدانية و انها تسلي النبي (ص).

141 التوقية و معناه.

142 كلمة (زحزح) و معناها.

143 هل الدخول في الجنة غير التزحزح عن النار؟.

الوجه في إتيان الفعل مجهولا في الآية المباركة.

144 في لحاظ اضافة الدنيا الى اللّه و الى نفسها و الى الأعمال التي تقع فيهما.

146 ما يتعلق بالابتلاء في الأموال و الأنفس 147 الابتلاء بالعدوان الوارد في الآية المباركة.

148 العزم و معناه.

150 الآية المباركة تبين صفات ذميمة اتصف بها الذين ذكرهم اللّه تعالى في الآية السابقة.

153 الآية الكريمة تعليل لجميع ما ورد في الآيات السابقة.

بحوث المقام:

بحث ادبي يتعلق بالآيات الشريفة.

155 بحث دلالي و فيه يستفاد من الآيات الشريفة امور:

(الاول): ان الآية الكريمة تدل على تجرد النفس.

(الثاني): عموم الآية تدل على ان كل نفس لا بد لها من ذوق الموت، 156 (الثالث): الوجه في التعبير بالذوق.

(الرابع): يستفاد من الآية الشريفة ان لكل نفس جزاء معينا.

(الخامس): يستفاد من الآية الكريمة ثبوت حياة البرزخ.

(السادس): يستفاد من الآية المباركة عظمة الموقف.

157 (السابع): تدل الآية الشريفة على خسة الحياة الدنيا:

(الثامن): ان الفوز الدائم لا يتحقق الا بالبلاء و الابتلاء.

(التاسع): يستفاد من الآية الكريمة ان ما اخذه اللّه عليه الميثاق هو من الأنبياء و انه بيان الحق.

158 (الحادي عشر): يستفاد من الآية المباركة ذم الفرحين بأفعالهم التي لا تطابق الواقع.

159 (الثاني عشر): ما يستفاد من الآية الشريفة في حب المحمدة.

(الثالث عشر): يستفاد من الآية المباركة ان الخصال المذمومة و الملكات الرذيلة سبب للدخول في النار.

160 بحث روائي يتعلق بالآيات الشريفة.

163 بحث فلسفي يتعلق بالحياة و الموت.

بحث عرفاني يتعلق بنار الشهوات.

165 بحث اخلاقي يتعلق بمذمة حب الثناء و المحمدة.

[سورة آل عمران 190-195] الآيات الشريفة من جلائل الآيات و اعاظمها التي تدعو الناس الى التفكر و السير و السلوك و انها نزلت من مقام عظيم.

167 دعوة الى التفكر و المراد بخلق السموات و الأرض.

168 المراد من اختلاف الليل و النهار.

الآيات و معناها.

169 الألباب جمع لب و معناه و الوجه في ذكرهم في الآية الكريمة 170 في توصيف أولي الألباب بأوصاف متعددة 171 ما يتعلق بالفكر.

175 الخزي و معناه.

176 ما يتعلق بالنداء الوارد في الآية المباركة.

177 الفرق بين غفران الذنوب و التكفير للسيئات.

178 ما يتعلق بسؤالهم من اللّه تعالى عما وعدهم.

179 الوجه في تخصيص الخزي بيوم القيامة.

180 تدل الآية الشريفة على ان الاستجابة لم تكن الا لأجل العمل.

181 في بيان الأعمال التي يثبت فيها الجزاء الموعود.

183 في بيان ان الآية المباركة تضمنت أمورا ثلاثة.

بحوث المقام:

بحث ادبي يتعلق بالآيات الشريفة.

185 بحث دلالي و فيه ان الآيات الشريفة تدل على امور:

(الاول): الاستدلال بآيات اللّه تعالى في مخلوقاته العلوية و السفلية على عبادة اللّه تعالى.

الآية الشريفة تضمنت المبدأ و المعاد.

186 (الثاني): تدل الآية المباركة على ان اختلاف الليل و النهار من شئون خلق السموات و الأرض.

(الثالث): يستفاد من الآية الكريمة المنزلة العظيمة لأولي الألباب.

(الرابع): يستفاد من الآية الشريفة ان ذكر اللّه تعالى له الأثر الكبير و المنزلة العظيمة لذوي الألباب» و اطلاق الذكر فيها يشمل جميع اقسامه (الخامس): يستفاد من الآية الشريفة ان التفكر بعد تهذيب الروح و تزكية النفس.

(السادس): المراد من القيام مطلق القيام لا خصوص الصلاة.

188 (السابع): يستفاد من الآية الشريفة ان الرب الموصوف بتلك الصفات الكمالية منزه عن الباطل و لا يصدر منه الا الحق.

(الثامن): يستفاد من الآية الشريفة العلية و المعلولية.

(التاسع): تدل الآية الكريمة على ان ايمانهم مبني على أمرين.

189 (العاشر): تدل الآية الشريفة على عظمة مقام الأبرار.

190 (الحادي عشر): يستفاد من الآية الشريفة ان اولى الألباب بمنزلة المادة و غيرهم من قبيل الصورة، (الثاني عشر): تدل الآية الكريمة على ان اولي الألباب لم يبلغوا تلك المقامات الا بتحمل الأذى في سبيله تعالى.

191 بحث روائي و فيه ما ورد في فضل الآيات و تفسير مفرد كلماتها:

196 بحث قرآني يتعلق بالدعاء و التضرع.

198 بحث فقهي يتعلق بالقدرة في التكاليف 199 بحوث عرفانية في السير و السلوك.

202 بحث فلسفي و فيه ان الفلسفة الاسلامية تتميز بأمور:

[سورة آل عمران 196-199] الآيات المباركة تتضمن جزاء من يتضاد مع الأبرار و ينافيهم و فيها الموعظة الكبيرة و النهي عن الاغترار بحال الكفار.

مادة غرر و معناها و المراد من الكفر.

209 بيان لعلة النهي عن الغرور و مصير المغرورين.

207 بيان لمصير الأبرار.

208 النزل و معناه.

الوجه في التفنن بالنعم:

209 بيان لمشاركة بعض اهل الكتاب مع المؤمنين في خمس صفات.

(الاولى): الايمان باللّه تعالى.

(الثانية): الايمان بما انزل الى المسلمين و هو القرآن.

(الثالثة): الايمان بما انزل على أنبيائهم بغير تحريف.

210 (الرابعة): الخشوع للّه تعالى.

(الخامسة): عدم كتمان الحق في بيان أجر من اتصف بتلك الصفات الخمس.

بحث دلالي و فيه يستفاد من الآيات الشريفة امور:

211 (الاول): تدل الآية الشريفة على ان ما عند الكافرين من الحظوظ الدنيوية مهما بلغت في العظمة لا تقابل ما للمؤمنين.

(الثاني): تستفاد من الآية المباركة دناءة المتاع الذي يتمتع به الكافر.

(الثالث): يستفاد من الآية الشريفة ان المناط في كل خير و نفع هو التقوى.

(الرابع): يستفاد من الآية الشريفة ان للأبرار منزلة عظيمة متفوقة.

(الخامس): تدل الآية الشريفة على ان الوحدة الجامعة لجميع الأديان هي الايمان باللّه تعالى.

213 بحث روائي يتعلق بالآيات الشريفة [سورة آل عمران - 200] 214 الآية الكريمة خاتمة لجميع الوصايا و الحقائق التي تضمنتها هذه السورة و بدأت السورة بالتوحيد و الاصطفاء و اختتمت السورة بالصبر و المصابرة و المرابطة و انها لا يمكن الا بالتوحيد الأمر بالصبر لأنه المعتمد في كل سعادة و فلاح و كمال و لا تتحقق الاّ به.

215 المصابرة و معناها.

المرابطة و ما يتعلق بها.

216 بحث روائي يتعلق بالآية الشريفة.

217 بحث قرآني و فيه ان المرابطة من أهم الموضوعات في الإسلام.

218 معنى المرابطة.

اهمية المرابطة.

219 متعلق المرابطة.

ما فيه المرابطة.

220 منهج المرابطة.

[سورة النساء - 1] و هي من جلائل السور و أسماها لأنها تضمنت اكثر الاحكام الإلهية التي نزلت لصالح الناس و بسط العدل و ناموس الفطرة و مراعاة الحقوق و ان الغاية القصوى منها النقوى.

225 في ان أسلوب السورة و مضامينها تشهد انها مدنية.

الوجه في ابتداء السورة بخلق الإنسان الآية الكريمة التي هي مفتتح هذه السورة تحتوي على رموز و بدائع.

الوجه في الخطاب ب‍ (يا ايها الناس) و انه لا يختص اهل مكة.

227 الأمر بتحصيل التقوى في الآية الشريفة.

228 الآية المباركة تنضمن وجوها من الحكم.

229 المراد من النفس.

230 الزوج و المراد منه.

خلق الزوج من النفس الواحدة يحتمل وجوها.

البث و معناه و الوجه في تقدم الرجال على النساء.

الوجه في تكرار الأمر بالتقوى و المراد من التساؤل.

الآية الكريمة تدل على عظمة صلة الرحم.

234 الجملة في الآية المباركة في موضع التعليل.

بحث ادبي يتعلق بالآية الشريفة.

235 بحث دلالي و فيه ان الآية الشريفة تدل على امور:

(الاول): تدل الآية الكريمة على مطلوبية التقوى.

236 (الثاني): الوجه في التعبير بالرب في الآية المباركة.

(الثالث) في تقديم خلق الناس على الزوجة للدلالة على اظهار القدرة.

(الرابع): التقييد بالوحدة للدلالة على أمرين:

(الخامس): يستفاد من الآية المباركة ان الزوجة بمنزلة الجزء للزوج.

(السادس): يصح ان يراد من النساء و الرجال ذرية خاصة من نسل آدم (عليه السلام).

(السابع): الوجه في تكرار التقوى في الآية الشريفة.

(الثامن): الآية الشريفة تدل على ايقاظ الشعور.

(التاسع): تدل الآية الكريمة على ان تقوى الأرحام من تقوى اللّه تعالى.

238 بحث علمي يتعلق بخلق الإنسان.

239 بحث قرآني يتعلق بانحدار النسل من آدم (ع) و ان التناسل بواسطة روحاني متجسد.

242 بحث روائي و فيه ما وردت في خلق حواء و ما وردت في كيفية بث النسل من آدم و حواء و ما وردت في تعدد خلق آدم طولا و ما ورد في شأن صلة الرحم.

255 بحث فقهي يتعلق بصلة الرحم.

256 بحث عرفاني و فيه ما يتعلق بادوار خلق الإنسان و هي اربعة عشر دورا.

[سورة النساء: 2-6] الآيات الكريمة تبين القواعد النظامية التي تتعلق بنظام الاسرة و المجتمع و هي مرتبطة بما قبلها.

260 الاول: من الأصول النظامية ترتبط بحياة الاسرة و المجتمع ما يتعلق بأموال اليتامى.

261 الثاني: ما يتعلق بتبديل الخبيث بالطيب.

الثالث: في الخلط بين اموال اليتامى و اموال المتصدين لأموالهم.

262 الرابع: ما يتعلق بالقسط و المعاشرة.

و تحتمل في الآية المباركة صور:

263 في معنى «مثنى و ثلاث و رباع».

264 المراد من الخوف الوارد في الآية الشريفة.

265 العول و معناه.

الخامس: من الأصول النظامية ما يتعلق بمهور النساء.

266 معنى الهنيء و المري.

السادس: من تلك الأصول ما يتعلق بتحفظ اموال السفهاء.

السفيه و معناه.

267 الوجه في اضافة المال الى المخاطبين.

السابع من تلك الأصول ما يتعلق

بالعناية للسفهاء.

268 الثامن: من تلك الأصول ما يتعلق باختبار اليتامى.

في ان الاختبار متقوم بأمرين:

البلوغ و احراز الرشد.

269 التاسع: من تلك الأصول ما يتعلق بالتعدي في اموال اليتامى.

العاشر: من تلك الأصول ما يتعلق في تحديد تملك من يتصدى الأموال اليتامى.

الحادي عشر من تلك الأصول ما يتعلق بالاستيثاق.

270 الآية المباركة تعليل لجميع ما تقدم.

بحوث المقام:

بحث ادبي يتعلق بالآيات.

272 بحث دلالي و فيه يستفاد من الآيات الشريفة امور:

(الاول): الوجه في التعبير بآتوا في الآية الكريمة.

(الثاني): شمول الآية الشريفة للمحرّم و غيره.

(الثالث): الوجه في اختلاف التعبير في الآية المباركة.

(الرابع): يستفاد من الآية المباركة الجمع بين تسع نساء طولا لا في زمان واحد.

273 (الخامس): تدل الآية الشريفة على مشروعية تعدد الزوجات و الوجه في التعبير ب‍ مثنى و ثلاث و رباع.

(السادس): الوجه في تخصيص حرمة أكل مال اليتامى مع اموال الأولياء.

274 (السابع): تدل الآية الكريمة على ان النكاح ليس من المعاوضة.

(الثامن): تدل الآية المباركة على كثرة المعاشرة مع اليتامى.

(التاسع): تدل الآية الكريمة على كيفية المقاولة مع اليتامى.

(العاشر): تدل الآية الشريفة على التهويل و اهمية ما تقدم من الاحكام.

274 بحث روائي يتعلق بالآية المباركة.

288 بحث قرآني و فيه ان للآيات الشريفة القرآنية اثار وضعية و خواص معلومة.

290 بحث فقهي و فيه ما يستفاد من الآية

الشريفة احكام.

292 بحث فلسفي يتعلق بالتزاوج بين المادة الفاعلية و المادة المنفعلة.

بحث اجتماعي يتعلق بتعدد الزوجات 294 ما أشكل على تعدد الزوجات و الجواب عنه.

298 نظر الإسلام في تشريع تعدد الزوجات 299 تعدد ازواج النبي.

300 بحوث عرفانية تتعلق بالآيات الشريفة.

302 [سورة النساء 7-10] الآيات الشريفة تتضمن احكام الإرث التي هي من أهم الاحكام الاجتماعية.

303 النصيب و معناه.

304 الوجه في الإظهار في موقع الإضمار.

306 في ان الآية المباركة ليست منسوخة.

الخشية و معناها.

307 الآية الكريمة تبين غاية الرحمة و الرأفة 308 السديد و معناه.

الآية المباركة تدل على الإثم العظيم للذين يأكلون اموال اليتامى.

بحوث المقام:

311 بحث ادبي يتعلق بالآيات الشريفة.

312 بحث دلالي و فيه ان الآيات المباركة تدل على امور:

(الاول): تدل الآية الكريمة على اصل من اصول التوارث.

313 (الثاني): تدل الآية الشريفة على اشتراك النساء مع الرجال في الإرث.

(الثالث): عموم الآية المباركة يشمل جميع افراد الإنسان حتى النبي (صلى اللّه عليه و آله).

314 (الرابع): تدل الآية الشريفة على حكم ادبي.

(الخامس): تدل الآية الكريمة على ان النصيب يدخل في ملك الوارث (السادس): اطلاق الآية الكريمة يشمل جميع اقسام الأقرباء.

(السابع): تدل الآية المباركة ارتباط الحوادث الخارجية مع الأعمال 315 (الثامن): يمكن ان تكون الآية الشريفة اشارة الى كيفية المعاشرة مع اولياء اللّه تعالى.

(التاسع): تدل الآية الشريفة على تجسم الأعمال.

316 بحث روائي يتعلق بالآيات الشريفة.

319 بحث فقهي و فيه يستفاد من الآيات المباركة احكام شرعية.

[سورة النساء: 11-14] الآيات المباركة في كيفية تقسيم الإرث و قد أبطل فيها الاحكام التي كانت سائدة في المجتمع الجاهل.

323 الوصية و معناها و المراد منها.

324 الوجه في تفضيل الذكر على غيره في الإرث.

في بيان سهم البنات و سهم البنت الواحدة.

326 سهم الأبوين مع الولد و بدونه.

حجاب الاخوة الام من الثلث الى السدس.

328 قاعدة: «ان الإرث انما يكون من اصل المال الذي تركه الميت إذا لم يوص بوصية أو لم يكن عليه دين».

وجه تقديم الوصية على الدين.

329 في تقديم الأقرب على غيره.

330 ارث من تقرب الى الميت بالنسب.

331 ارث الزوجة و ما يتصور فيها من الصور.

332 في ارث الأخ و الاخت.

334 المضارة و معناها.

بحوث المقام:

337 بحث دلالي و فيه ان الآيات الشريفة تدل على امور:

(الاول): ما تضمنت الآيات المباركة من الرموز التي تدل على اهمية الفرائض و احكام المواريث.

328 (الثاني): تدل الآية الشريفة ان السهام تخص بالأولاد الصلبي.

(الثالث): تدل الآية الكريمة على جهة فضل الفاضل و لم تتطرق الى جهة النقص في المفضول.

(الرابع): تدل الآية الكريمة على موجبات الإرث من النسبة و السبب.

339 (الخامس): يستفاد من التفصيل في سهام البنات انه لا يستغرق فرضهن التركة.

(السادس): يستفاد من الآية لا نصيب لذوي السهام في التركة قبل إخراج الدين و الوصية و الوجه في تقديمها على الدين.

(السابع): يستفاد من نسبة السهام الى التركة ان كل سهم منها يتعلق

بأصل التركة في عرض واحد.

340 (الثامن): تدل الآية المباركة ان القسمة الإلهية تبتني على مصالح واقعية.

بحث روائي يتعلق بالآيات المباركة 345 بحث فقهي يستفاد من الآيات الشريفة احكام مهمة تعتبر كليات باب الفرائض.

341 قاعدة تفضيل الذكر على الأنثى.

348 قاعدة تقريب الأقرب و تقدمه.

349 قاعدة الحجب.

قاعدة العول و التعصيب.

350 ان الأولاد يقومون مقام آبائهم.

351 الزوج يشمل المعقود عليها و ان لم يحصل الدخول كما يشمل المطلقة الرجعية.

352 بحث فلسفي في ان الوراثة على اقسام.

354 بحث اجتماعي و فيه ان الإرث من من الأمور الاجتماعية.

بداية الإرث و تحوله.

355 تطور الإرث و تقسيمه.

356 مقارنة الإرث في الأمم المتمدنة.

358 الإرث في الإسلام.

360 الإرث في الأمم المعاصرة.

[سورة النساء 15-16] الآيات تتضمن حكما اجتماعيا يتعلق بالاجتماع و الإفراد.

363 الفاحشة و معناها.

المحتملات الواردة في المراد من الفاحشة المذكورة في الآيتين الكريمتين.

367 الاستشهاد لا يختص بالزنا.

368 في عقاب المقترفة للفاحشة.

369 في بيان حكم الرجال لو ارتكبوا الفاحشة.

بحوث المقام:

370 بحث ادبي يتعلق بالآية الكريمة.

بحث دلالي و فيه تدل الآيتان الشريفتان على امور:

(الاول): يستفاد من الآية المباركة حرمة جميع اقسام الفاحشة و لا وجه لاختصاصها ببعض اقسام الفاحشة.

(الثالث): تدل الآية الشريفة على الحيلولة بينهن و بين الفاحشة.

373 (الثالث): يمكن ان تكون الآية الشريفة اشارة الى عادة جاهلية.

(الرابع): تدل الآية الكريمة على ان الفعل الذي صدر عنهن كان بالاختيار.

(الخامس): تدل الآية المباركة على ان الحكم مغيى.

(السادس): تدل الآية الشريفة على ان التوبة و الإصلاح مسقطان للحد.

374 بحث روائي يتعلق بالآية الكريمة.

375 بحث عرفاني يتعلق بالآية الشريفة.

[سورة النساء 17-18] 377 تبين هاتين الآيتين الشريفتين حقيقة التوبة و شرائطها و ترغب العاصين إليها.

378 مادة توب و معناها في ان توبة العبد محفوفة بتوبتين.

379 في بيان ان التوبة على اللّه تعالى ثابتة الآية الكريمة تشمل جميع اقسام التوبة.

380 المراد من الجهالة و هل هي احترازي أو توضيحي‌؟.

381 في بيان أقسام الحالة التي بين الموت و عمل السيئة.

383 القريب و معناه.

ما يتعلق باسم الإشارة الواردة في الآية الكريمة.

384 في بيان الأشخاص الذين لا تقبل توبتهم.

بحوث المقام:

بحث دلالي و فيه يستفاد من الآيات الشريفة امور:

386 (الاول): تدل الآية الكريمة ان التوبة من مظاهر ربوبيته العظمى و من شؤونه عز و جل.

387 (الثاني): تدل الآية المباركة على فضل التوبة و انها من مظاهر رحمته تعالى.

388 في بيان آثار التوبة:

(الثالث): تدل الآية الكريمة ان التوبة امر اختياري.

389 (الرابع): تدل الآية الشريفة ان كل ذنب يصدر من جهالة قابل للعفو و الغفران.

(الخامس): تدل الآية الكريمة على المبادرة الى التوبة.

390 (السادس): تدل الآية المباركة على قبول توبة المذنبين.

(السابع): ما يتعلق بالآية الشريفة «حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ‌» .

(الثامن): اطلاق الآية المباركة يشمل التوبة من الشرك.

(التاسع): يستفاد من الآية الكريمة ان التوبة تتحقق لو استغفر الأحياء للعاصين بعد مماتهم.

391 بحث روائي يتعلق بالآية المباركة.

393 بحث عرفاني و فيه ارتباط الإنسان مع خالقه.

[سورة النساء 19-21] الآيات المباركة تشمل على احكام اجتماعية تهم المجتمع الاسلامي.

396 الآية المباركة تردع عن العادة السائدة في الجاهلية.

397 الآية الشريفة تؤكد النهي عن منع المرأة حقوقها و عضلها عنها.

العضل و معناه و اقسامه.

398 استثناء عن ما تقدم في الآية المباركة.

بيان اصل من الأصول الحياة السعيدة، 399 الآية المباركة تبين حكم الاستمرار في الحياة الزوجية.

400 في ان للخير مظاهر كثيرة.

الوجه في اسناد الكراهة الى الزوجات.

401 معنى الاستبدال الوارد في الآية الشريفة.

402 البهتان و معناه في الآية الكريمة.

403 الميثاق و معناه.

بحث دلالي و فيه يستفاد من الآيات الشريفة امور:

404 (الاول): تدل الآية الشريفة ان الناس في عصر نزول القرآن كانوا يعتبرون النساء بمنزلة المتاع.

(الثاني): تدل الآية الكريمة على حرمة التضييق على النساء.

(الثالث): يستفاد من الآية المباركة ان الفاحشة التي توجب العضل لا بد و ان تكون معلومة و ثابتة.

405 (الرابع): تدل الآية الكريمة على ان ما يجهله الإنسان اكثر مما يعلمه.

(الخامس): يستفاد من الآية المباركة حرمة الأخذ من صداق النساء الا بطيب انفسهن.

(السادس): تدل الآية الشريفة على اهمية الاسرة و لا بد من تشكيلها بعد الانفصام.

(السابع): يستفاد من الآية الكريمة الأسلوب البليغ في إرجاع الإنسان الى ضميره و تحكيمه.

406 (الثامن): تدل الآية المباركة على ان لا تحديد للمهر.

(التاسع): تدل الآية الشريفة على ان المرأة هي التي تأخذ الميثاق و الوجه في ذلك.

407 بحث روائي يتعلق بالآية الكريمة.

وافقت وزارة الأعلام على طبعه رقم الإجازة 339 تاريخها 1989/2/21 رقم الايداع في المكتبة الوطنية بغداد 989 لسنة 1989 سعر النسخة 7 دنانير/عدد النسخ المطبوعة 2000 مطبعة الآداب - النجف الأشرف - حي عدن