نهایة الدّرایة فی شرح الکفایة جلد 3

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

المؤلف: الشیخ محمّد حسین الإصفهانی

المحقق: الشیخ أبو الحسن القائمی

الناشر: مؤسسة آل البیت علیهم السلام لإحیاء التراث - قم

الطبعة: 1

الموضوع : أصول الفقه

تاریخ النشر : 1415 ه-.ق

ISBN (ردمک): 964-5503-41-8

 المکتبة الإسلامیة

اشارة

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله رب العالمین ، والصلاة والسلام علی أشرف الأنبیاء والمرسلین محمد المصطفی وعلی آله الطیبین الطاهرین.

وبعد :

فنحن إذ نقدم هذا الکتاب الجلیل بین یدی القارئ الکریم بعد الانتهاء من تحقیقه ونشره بحلّة قشیبة متوخین قدر الإمکان إخراجه بشکل یتناسب وأهمیته وحاجة الفضلاء إلیه ، فإنا ندرک مدی التأخیر الذی رافق عملیة التحقیق هذه ، والتی کان مبعثها حرصنا علی تقدیم الأفضل کما هو طموحنا فی إخراج کل الکتب التی نقوم بتحقیقها أو نشرها.

فبعد انتهاء العمل بتحقیق هذا الکتاب عثرنا علی نسخة مخطوطة قسمها الأخیر مکتوب بخط المؤلّف رحمه الله تعالی ، مما کان له الحافز الکبیر لإعادة مراجعة هذا الجزء علی هذه النسخة وإن سقطت بعض أوراقها إلا أنها کانت مفیدة لنا ، لا سیما إذا علمنا ما تمتلئ به النسخة الحجریة من الأخطاء المطبعیة التی لا تخفی علی ذهن اللبیب.

وهکذا ونحن نضع هذا السفر الجلیل أمام الملأ العلمی الکریم فإننا نقدم جزیل شکرنا لسماحة حجة الإسلام والمسلمین الشیخ أبو الحسن القائمی علی ما بذله من جهود کبیرة وقیّمة فی تحقیق هذا الکتاب.

کما ونتقدم بشکرنا ایضاً لجمیع الأفاضل الذین ساهموا بجهود مختلفة فی هذا العمل.

وفق الله تعالی الجمیع لمراضیه ، إنّه نعم الموالی ونعم النصیر.

مؤسسة أل البیت علیهم السلام لاحیاء التراث

صورة

6

صورة

7

صورة

8

صورة

9

صورة

10

به ثقتی

بسم الله الرّحمن الرّحیم

به ثقتی

الحمد لله رب العالمین والصّلاة والسّلام علی خیر خلقه وسیّد رسله محمّد وعترته الطّیبین الطّاهرین.

فی عدم کون حجّیة القطع من مسائل الفن

1 - قوله « مد ظله » : وإن کان خارجا عن مسائل الفن ... الخ (1).

حتی بناء علی تعمیم الغرض الباعث علی تدوین فن الأصول لما ینتهی إلیه أمر الفقیه فی مقام العمل ، فإن هذه المباحث لیست مما ینتهی إلیه أمر الفقیه فی مقام العمل ، کمباحث الأصول العملیّة التی ینتهی إلیها أمر الفقیه فی مقام العمل بعد الفحص والبحث عن الأدلة والأمارات ، وهو واضح ، فإن حجّیة القطع بأقسامه غیر منوطة بالفحص والبحث عن الدلیل ، کما أن منجّزیّته بأقسامه لا تکون واسطة فی استنباط حکم شرعی.

ومنه تبین أن الوجه فی خروج مباحث القطع عن الأصول ذلک ، لا عدم

مبحث القطع


1) 1. کفایة الأصول / 257.

إمکان أخذ القطع بالحکم فی موضوع نفسه ، فان اللازم وساطة نتیجة البحث ، لا وساطة نفس القطع ، لیتوهم عدم إمکانها.

لا یقال : إنما یصح ما ذکر من الوجه فی خروج مباحث القطع عن مسائل علم الأصول بناء علی أن الغرض من العلم المزبور ذلک.

وأما لو قلنا بأن الغرض منه أعم من ذلک ، وهو البحث عما یفید فی مقام إقامة الحجة علی حکم العمل شرعا فی علم الفقه کما بیناه فی أوائل الجزء الأول من التعلیقة لإدراج البحث عن حجیة الأمارات دلالة وسندا فی علم الأصول (1)، فیمکن إدراج البحث هنا أیضا فی المسائل ، لأن البحث عن منجّزیة القطع بأقسامه ، کالبحث عن منجزیة الأمارات ، وکلاهما یفید فی مقام إقامة الحجة علی حکم العمل فی الفقه.

لأنا نقول القطع بالحکم عین وصوله حقیقة إلی المکلف ، ولا یتوقف العلم بفعل المکلف من حیث الاقتضاء والتخییر وهو علم الفقه علی منجزیة القطع ، لیکون نتیجة البحث مفیدة فی الفقه.

بخلاف ما عدا القطع من أقسام الحجة ، فانه لیس وصولا حقیقیا للحکم ، فلا بد من کونه وصولا تنزیلیا ، أو وصولا من حیث الأثر ، وهو المنجّزیّة ، فیتوقف وصول الحکم إلی المکلف علی ثبوت وصوله تنزیلا ، أو من حیث الأثر ، وهو المبحوث عنه فی علم الأصول.

وکذا البحث عن منجّزیّة العلم الإجمالی واستحقاق العقوبة علی التجری ، فإنه خارج عن مسائل الفن علی جمیع التقادیر.

نعم إذا کان البحث فی التجرّی بحثا عن تعنون الفعل المتجری به بعنوان قبیح ملازم بقاعدة الملازمة للحرمة شرعا دخل فی مسائل الفن ، لکنه لم یحرّر بهذا العنوان فی الکتاب ، وغیره.


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 13.

وأما مسألة القطع الطریقی والموضوعی وقیام الأمارة مثلا مقامه « تارة » وعدمه « أخری » فهی خارجة عن مباحث القطع ، لأن إمکان قیام الأمارة مقام القطع بقسمیه فی تنزیل واحد من لواحق الأمارة لا من لواحق القطع ، إذ النتیجة بالأخرة ترتّب حکم الواقع علی ذات المؤدّی ، وترتّب حکم الواقع المقطوع به علی المؤدی بما هو مؤدّی من دون لحوق أثر للقطع ، فتدبر جیدا.

فی شباهة المسألة بمسائل الکلام

2 - قوله « مد ظلّه » : وکان أشبه بمسائل الکلام ... الخ (1).

حیث إن المسائل الکلامیة لیست مطلق المسائل العقلیة ، بل ما له مساس بالدّینیّات والعقائد ، فلذا لم یجعلها من مسائل الکلام ، لکنه حیث إن مرجع البحث إلی حسن معاقبة الشارع علی مخالفة المقطوع به صحت دعوی أنها أشبه بمسائل الکلام ، فتدبر.

3 - قوله « مد ظلّه » : متعلق به أو بمقلّدیه ... الخ (2).

وجه تخصیص المکلف بالمجتهد وتعمیم الحکم إلی حکمه وحکم مقلده هو أن عناوین موضوعات الأحکام الظاهریة لا ینطبق إلا علی المجتهد ، فإنه الذی جاءه النبأ ، أو جاءه الحدیثان المتعارضان ، وهو الذی أیقن بالحکم الکلی ، وشک فی بقائه ، وهکذا.

إلا أن محذوره عدم ارتباط حکم المقلد به ، فلا یتصور فی حقه تصدیق عملی ، وجری عملی ، ولا نقض عملی وإبقاء عملی ، فمن یتعنون بعنوان الموضوع لیس له تصدیق عملی لیخاطب به ، ومن له تصدیق عملی لا ینطبق

تشابه المسألة مع مسائل علم الکلام


1) 1. کفایة الأصول / 257.

2) 2. کفایة الأصول / 257.

علیه العنوان ، لیتوجه إلیه التکلیف.

ومنه تعرف أن المحذور لیس مجرد عدم تمکن المقلد من الفحص عن المعارض ، ومن الترجیح ، ومن البحث عن الأدلة ، لیدفع بقیام المجتهد مقام المقلد ، فیما ذکر ، بل المحذور ما ذکرنا.

ویندفع بما ذکرناه فی مباحث الاجتهاد والتقلید من أن أدلة الإفتاء والاستفتاء یوجب تنزیل المجتهد منزلة المقلّد ، فیکون مجیء الخبر إلیه بمنزلة مجیء الخبر إلی مقلّده ، ویقینه وشکه بمنزلة یقین مقلده وشکه ، فالمجتهد هو المخاطب عنوانا ، والمقلد هو المخاطب لبّا ، وإلا لکان تجویز الإفتاء والاستفتاء لغوا.

ومع هذا کله فتعمیم المکلف إلی المجتهد والمقلد ، وتعمیم الحکم أیضا أولی ، لأن جملة من أحکام القطع والأصول العقلیّة تعم المقلّد أیضا ، فلا وجه للتّخصیص بالمجتهد.

4 - قوله « مد ظلّه » : ولذلک عدلنا عما فی رسالة ... الخ (1).

ظاهره أن لزوم التعمیم من حیث الواقع والظاهر ولزوم التخصیص من حیث الفعلیّة هو السّبب للعدول لا خصوص الأول.

والوجه فی سببیتهما لذلک عدم امکان إرادة الأعم من الواقع والظاهر وخصوص الفعلی من الحکم الواقع فی الرسالة.

أما الأول فللزوم التکرار المستهجن ، لأن مفاد الأمارات والأصول الشرعیة داخل فی الحکم الظاهری المقطوع به ، فلا مقابلة حقیقة.

وأما الثانی فللزوم اجتماع الحکمین الفعلیین فی موارد الأمارات والأصول الشرعیّة ، فلا یعقل ترتیب الحکم الفعلی علی الظن بالحکم الفعلی أو الشک فیه ، فان الظن بالفعلیین والشک فیهما کالقطع بهما محال ، إذ الملتفت إلی تقابل الحکمین


1) 1. کفایة الأصول / 257.

الفعلیّین کما یستحیل منه القطع بهما کذلک یستحیل منه الظن بهما أو احتمالهما معا.

بخلاف ما إذا عممنا الحکم من حیث الواقع والظاهر وخصّصناه من حیث الفعلیّة ، فإنه یقتضی تحریر الأقسام کما حرّر فی المقام ، والمراد بعدم تثلیث الأقسام جعل الظن والشک مطلقا فی قبال القطع وإلا فالقسمة ثلاثیّة أیضا ، فإن الأقسام المختلفة فی الأحکام ثلاثة القطع بالحکم والظن الانسدادی علی الحکومة وعدمهما سواء کان ظن ولم یتم دلیل الانسداد علی الحکومة أو لم یکن.

والتحقیق إمکان إصلاح ما فی الرسالة مع حفظ التعمیم والتخصیص أما محذور التکرار مع تثلیث الأقسام ، فإنما یصح مع عدم اختلاف الاقسام فی الجهات والأحکام. ومن الواضح خلافه.

بیانه أن محمول الحکم المقطوع به واقعیّا کان أو ظاهریّا هی الحجّیة العقلیّة مثلا.

ومحمول الحکم المظنون مطلقا « تارة » وجوب ترتیب الأثر شرعا « وأخری » عدمه.

ومحمول الحکم المشکوک فیه « تارة » حرمة نقضه ، « وأخری » البراءة عنه.

فالحکم مطلقا بما هو مقطوع به له حکم غیر ما هو مرتب علیه بما هو مظنون أو مشکوک فیه.

فمفاد الأمارات الشرعیّة بما هو مظنون له حکم وبما هو مقطوع به بلحاظ دلیل اعتباره له حکم آخر.

وبالجملة الجهات المبحوث عنها مختلفة فتختلف باختلافها المحمولات لعدم تعقّل اختلاف المحمولات مع وحدة الموضوع ، وملاک تمایز المسائل تمایز الجهات المبحوث عنها.

وأما محذور احتمال الحکمین الفعلیّین فهو لازم علی أی حال مع قطع النظر عن تحریر البحث هنا ، فإن القائل بالبراءة الشرعیّة مثلا یقول : بالرخصة

والاباحة الشرعیّة فی مورد احتمال الحکم الفعلی سواء حرر المقام علی نحو ما فی الرسالة أو لا وسیأتی الجواب عنه إن شاء الله تعالی.

هذا مع أن فائدة التقسیم أن یکون کالفهرست لما یبحث عنه فی الکتاب فاللازم البحث عن أحکام القطع بالحکم والظن الانسدادی وعدمهما.

وعلیه فالبحث عن حجّیة الأمارات ومقتضیات الأصول الشرعیّة لیس بحثا عن عوارض القطع بالحکم الأعم من الواقعی والظاهری ، بل یکون بحثا عن أسباب القطع « تارة » وعن ثبوت المقطوع « أخری ».

مع أن مسائل هذا المقصد حسب الفرض منحصرة فی بیان الأمارات المعتبرة شرعا أو عقلا والبحث فیها عن اعتبارها ، وهی إنّما یصح جعلها من المسائل إذا کان الموضوع علی النهج المرقوم فی الرسالة کما هو واضح.

لا یقال : البحث عن أسباب القطع بحث عن عوارضه فان البحث عن کون الشیء ذا مبدأ بحث عمّا یلحقه ویحمل علیه کما أن الوجود والموجود موضوع للعلم الإلهی والبحث عن المبدأ فیه من أهم مقاصده وأعظم مسائله.

لأنّا نقول : هذا إنما یصح إذا کان عنوان البحث کون الأمارة بحسب دلیل اعتبارها سببا للقطع لا ما إذا کان البحث عن اعتبار الأمارة کما هو المفروض حتی فی هذا الکتاب.

فی بیان أن المانع من جریان الأصول هی الحجّة.

5 - قوله « مد ظلّه » : لئلا تتداخل الأقسام ... الخ (1).

توضیحه أن المانع من إجراء الأصول هو الحجّة کما أن مورد إجرائها ما لم یکن هناک حجّة فلا مقابلة بین الظن والشک بحسب الغرض المهمّ.

إلاّ أن هذا المعنی لیس من التّداخل فی شیء ، بل الإشکال أن ما جعل ملاکا لإجراء الأصول جوازا ومنعا لیس هو الظن والشک بل


1) 1. کفایة الأصول / 258.

الحجّة وعدمها ، وإلا فالظن بما هو ظن لا یلحقه حکم الشک بل بما هو غیر حجّة کما أنّ ما یفید الشّک لیس بما هو مفید له حجّة بل بما هو ناظر إلی الواقع فلا تداخل حقیقة والأمر سهل.

لکن التحقیق أن التقسیم لبیان فهرست موضوعات المباحث لا لبیان المانع من إجراء الأصول.

ومن الواضح أن موضوع البحث عن الاعتبار هو الطریق اللابشرط من حیث الاعتبار وعدمه لا الطریق المعتبر ، فإنه لا یعقل عروض الاعتبار وعدمه علی الطریق المعتبر.

فحق التّقسیم أن یقال : إن الملتفت إلی حکمه الشرعی إمّا أن یکون له طریق تامّ إلیه أولا ، وعلی الثانی إما أن یکون له طریق ناقص لوحظ لا بشرط أولا ، وعلی الثانی إما أن لا یکون له طریق أصلا ، أو یکون له طریق بشرط عدم الاعتبار ، وعلی أیّ تقدیر لیس له طریق لا بشرط.

فالأول هو القطع وهو موضوع التنجّز ، والثانی هو الطریق المبحوث عن اعتباره وعدمه ، والثالث موضوع الأصول ، فتدبّر.

ثم لا یخفی أن الغرض من التقسیم : إن کان بیان فهرست أصول الأبواب ، فما أفاده فی المتن وحرّرناه هنا واف بالمقصود.

وإن کان الغرض بیان فهرست أصناف موضوعات المسائل ، فلا وجه للاقتصار علی بیان مجاری الأصول ، بل ینبغی بیان أصناف الأمارات أیضا.

فی بیان معنی وجوب العمل بالقطع عقلا.

6 - قوله « مد ظلّه » : لا شبهة فی وجوب العمل علی وفق القطع عقلا ... الخ (1).

لا یذهب علیک أن المراد بوجوب العمل عقلا لیس إلاّ إذعان العقل


1) 1. کفایة الأصول / 258.

باستحقاق العقاب علی مخالفة ما تعلق به القطع ، لا أنّ هناک بعثا وتحریکا من العقل أو العقلاء نحو ما تعلّق به وإن کان هو ظاهر تعلیقة (1)أستادنا العلاّمة أدام الله أیّامه علی الرسالة ، ضرورة أنّه لا بعث من القوّة العاقلة وشأنها إدراک الأشیاء ، کما أنّه لا بعث ولا تحریک اعتباری من العقلاء.

والأحکام العقلائیّة کما سیجیء (2)إن شاء الله تعالی عبارة عن القضایا المشهورة التی تطابقت علیها آراء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع کحسن العدل وقبح الظّلم والعدوان.

ولا ینبغی الارتیاب من أحد من أولی الألباب أنه لیس فی هذا الباب حکم جدید من العقل ، بل الغرض تطبیق الکبری العقلیّة الحاکمة باستحقاق العقوبة علی المعصیة الحقیقیّة لأمر المولی ونهیه علی المورد بمجرّد تعلّق القطع به.

وحیث إن الکبری العقلیّة مسلّمة وانطباقها علی موضوعها قهریّ ، فلذا لا مجال للبحث إلاّ عن طریقیّة القطع وکونه موجبا لانطباق الکبری علی الصغری ، ولأجله علّله « قدس سره » فی الرسالة بطریقیّته ، الذاتیّة.

وعلی هذا نقول : حیث إنّ القطع حقیقة نوریّة محضة ، بل حقیقته حقیقة الطّریقیّة والمرآتیّة ، لا أنّه شیء لازمه العقلی الطریقیّة والانکشاف ، بداهة أنّ کل وصف اشتقاقی ینتزع عن مرتبة ذات شیء فمبدؤه ینتزع عنه قهرا وإلاّ لزم الخلف ، بل ذاته نفس الانکشاف وانتزاع الکاشف عنه باعتبار وجدانه لنفسه ، ولا معنی للطّریقیّة إلا وصول الشیء بعین حضوره للنّفس فالطّریقیّة عین ذاته لا من ذاتیّاته ، فلذا لا حالة منتظرة فی الإذعان بانطباق الکبری العقلیّة علی المورد ، فیتحقّق بسببه ما هو السبب التام لاستحقاقه العقاب بلا کلام.

وحیث إنّ طریقیّته ذاتیّة ، فجعل الطریقیّة له من الشارع غیر معقول ،

المراد من الاحکام العقلائیة


1) 1. التعلیقة علی فرائد الأصول / 5.

2) 2. التعلیقة 10 من هذا المجلّد.

لا بما هو جاعل الممکنات ، ولا بما هو شارع الشرائع والأحکام :

أما عدم قابلیّته للجعل بما هو جاعل الممکنات ، فلأن المعقول من الجعل نحوان بسیط ومرکّب ، والقطع بما هو قطع فی مرحلة ذاته وماهیّته غیر قابلة للجعل بنحویه علی ما هو التّحقیق من تعلّق الجعل بالوجود.

فالماهیّة لیست مجعولة ولا مجعولة بالجعل البسیط.

کما أن الجعل التّرکیبی بین الشیء ونفسه غیر معقول ، لأنّ وجدان الشیء لذاته وذاتیاته ضروریّ ، وقد فرضنا أن القطع حقیقته عین الانکشاف والنوریّة.

بل لو فرضنا أنه أمر لازمه النوریّة والمرآتیّة فهو من لوازمه الغیر المفارقة والجعل بین الشیء ولوازمه الغیر المفارقة أیضا محال.

وأما فی مرحلة وجوده ، فالجعل البسیط له عبارة عن إبداعه وتکوینه وإیجاده ، وهو أمر معقول ولا دخل له بمورد البحث ، إذ إیجاد القطع إیجاد الطریق وکل قطع وجد فی الخارج فهو بعلله مستند إلی جاعل هویّات الممکنات ، فجعل القطع جعل الطّریق ، لا جعل ما لیس بطریق بذاته طریقا کما هو محل البحث.

وأما جعله طریقا بمعنی تعلّق الجعل بوجوده الرابطی ، فهو محال بعد ما عرفت أن حقیقة القطع حقیقة الطّریقیّة والمرآتیّة ، فوجود الطریقیّة له وجود نفسیّ له لا رابطیّ ، فتدبّر جیّدا فإنه حقیق به.

وأمّا عدم القابلیّة للجعل منه تعالی بما هو شارع ، فالجعل المعقول منه من حیث هو شارع هو التّصرف فی الحکم ، حیث إنّ حیثیة الشارعیّة غیر حیثیّة الجاعلیّة.

وحینئذ نقول : إن الحکم المجعول ثانیا سواء کان موافقا لما تعلّق به القطع أو مخالفا له یوجب اجتماع المثلین فی الأول واجتماع الضدین أو المتناقضین فی الثّانی فی نظر القاطع وإن لم یوجبهما فی الواقع ، وکفی به مانعا لعدم تمکّن المکلّف من تصدیقه بعد تصدیقه بمثله أو ضده أو نقیضه ، فلا یعقل من المولی

حینئذ البعث والزّجر ، لأنّهما لجعل الدّاعی والمفروض استحالته فی نظر المکلف.

مضافا إلی أنه إذن فی التجری فی صورة المخالفة وهو کالاذن فی المعصیة الواقعیّة قبیح عقلا.

بل التحقیق أن حدیث التضاد والتماثل أجنبی عمّا نحن فیه لما فصّلناه فی مسألة اجتماع الأمر والنهی (1)أن الحکم سواء کان بمعنی الإرادة والکراهة أو البعث والزجر الاعتباریّین لیس فیه تضادّ وتماثل ، فانهما من صفات الأحوال الخارجیة للموجودات الخارجیة فراجع.

بل المانع من اجتماع البعثین إمّا صدور الکثیر عن الواحد لو انبعث البعثان المستقلان عن داع واحد أو صدور الواحد عن الکثیر لو انبعثا عن داعیین ، فان الفعل الواحد عند انقیاد المکلف لمولاه لو صدر عن بعثین مستقلّین لزم صدور الواحد عن الکثیر ، کما أن صدور مقتضی البعث والزجر لازمه اجتماع المتناقضین فیلغوا البعث بداعی إیجاد الفعل والزجر بداعی ترکه.

وأما النقض بالمنع عن الظن القیاسی فغیر وارد ، فإن الإشکال فیه « تارة » : من حیث إنّ الظنّ بالحکم الفعلی مع التّرخیص فی خلافه فعلا یوجب الظن باجتماع النقیضین أو الضدین.

والظن بغیره وإن صح المنع عنه إلاّ أن القطع به أیضا کذلک.

وأخری من حیث إن العقل مستقل بعد الانسداد بمنجزیّة الظن بما هو ظن فاذا صح الترخیص فی مخالفته شرعا صحّ فی القطع الذی یستقلّ العقل بمنجّزیّته لوحدة الملاک منعا وجوازا.

ویندفع الأول بأن المراد من الحکم الفعلی هو الانشاء بداعی جعل الداعی وهو عقلا متقیّد بالوصول بنحو من الأنحاء ، والقطع به حیث إنه وصوله حقیقة یکون الواصل مصداقا للبعث حقیقة ، فلا یعقل بعث حقیقی آخر ولا


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 62.

زجر حقیقیّ عنه ، وحیث إن الظن لیس وصولا حقیقیّا فلا مانع من البعث الحقیقی علی وفاقه أو الزجر علی خلافه.

ویندفع الثانی بما سیأتی إن شاء الله تعالی فی محله من أن الحکم العقلی فی الظن تعلیقیّ دون القطع.

کما أن الإشکال علی اجتماع المثلین فی البعثین بأن البعث الثانی یوجب التّأکّد فلا یلزم اجتماع المثلین ولا محذور اللّغویة.

مدفوع : بأن الغرض : إن کان الانشاء بداعی التأکید فهو خلف فان المفروض کون الانشاء الثانی کالأول بداعی جعل الداعی مستقلا.

وإن کان خروج البعث الأول من حد الضعف إلی حد الشدّة ، ففیه أنه معقول فی مثل الإرادة القابلة للاشتداد.

لکن خروجها عن الضعف إلی الشدّة بوجود ملاک آخر فی المراد ، لا بحدوث إرادة أخری ، فإنه غیر معقول حتی یؤثّر فی الاشتداد.

وأما البعث الاعتباری ، فلا یجری فیه الحرکة والاشتداد لاختصاصه بالمقولات لا بالاعتباریات.

مع أن المفروض حدوث بعث آخر فی الموضوع فلا یعقل حدوثه حتی یؤثّر فی التّأکّد.

ثم إنّ هذا کله فی الانشاء بداعی جعل الداعی.

وأما إذا کان بداعی تنجیز الواقع بالقطع ، فلیس فیه شیء من المحاذیر کما سیأتی إن شاء الله تعالی.

7 - قوله « مد ظلّه » : وتأثیره فی ذلک لازم وصریح الوجدان به ... الخ (1).

أی تأثیر القطع فی تنجّز التّکلیف واستحقاق العقوبة علی مخالفته.

وذلک لما سیجیء إن شاء الله تعالی أن استحقاق العقاب مترتب علی


1) 1. کفایة الأصول / 258.

مخالفة المولی حیث إنها هتک لحرمته ، فالسبب للاستحقاق هی مخالفة التکلیف.

إلاّ أن مخالفة التکلیف المجهول لمّا لم تکن موجبة لاستحقاق العقاب فالقطع به وانکشافه له دخل بنحو الشرطیّة فی تأثیر المخالفة فی استحقاق العقاب.

ولکن لیعلم أن استحقاق العقاب لیس من الآثار القهریّة واللوازم الذاتیّة لمخالفة التکلیف المعلوم قطعا ، بل من اللوازم الجعلیّة من العقلاء ، لما سیأتی عمّا قریب إن شاء الله تعالی أنّ حکم العقل باستحقاق العقاب لیس ممّا اقتضاه البرهان ، وقضیّته غیر داخلة فی القضایا الضروریّة البرهانیّة بل داخلة فی القضایا المشهورة التی تطابقت علیها آراء العقلاء لعموم مصالحها ومخالفة أمر المولی هتک لحرمته وهو ظلم علیه والظلم قبیح أی مما یوجب الذم والعقاب عند العقلاء ، فدخل القطع فی استحقاق العقوبة علی المخالفة الداخلة تحت عنوان الظّلم بنحو الشرطیّة جعلی عقلائیّ لا ذاتیّ قهریّ کسائر الأسباب الواقعیّة والآثار القهریّة.

ومنه ینقدح ما فی البرهان الآتی من أن الجعل التألیفی لا یکون بین الشیء ولوازمه ، فإنه فی المتلازمین واقعا لا جعلا ولو عقلا (1).

ولا یرد کل ذلک علی ما سلکناه فی الحاشیة المتقدّمة من البحث عن الطریقیّة وأنها فی القطع حیث کانت ذاتیة فلذا لا یعقل الجعل کما تقدم تفصیله.

وحیث عرفت أن الحجّیة بمعنی المنجّزیّة من اللوازم الجعلیّة العقلائیّة ، فبناء علی أن جعل العقاب من الشارع یصح القول بجعل المنجّزیّة للقطع شرعا من دون لزوم محذور.

وتوهم لزوم التسلسل نظرا إلی أن الأمر بمتابعة القطع لا یوجب التّنجّز


1) 1. عقلا ، هکذا ورد فی المخطوطة بغیر خط المصنف قده لکن الصحیح : عقلاء.

بوجوده الواقعی بل لا بد فیه من العلم وهو أیضا کالسابق یحتاج فی تنجّزه إلی الأمر باتباعه.

مدفوع : بأن الأمر الثانی أمر بداعی تنجّز الواقع المقطوع به ، فهو لا تنجّز له ، فوصوله وإن کان مما لا بد منه فی صیرورة الأمر الواقعی المعلوم منجزا ، لکنه مفروض الحصول ولیس لهذا الواصل تنجّز فی نفسه حتی یحتاج إلی الأمر بداعی تنجّزه بالعلم به.

مضافا إلی أنه لو فرضت القضیّة طبیعیّة لعمت نفسها أیضا من دون لزوم التسلسل.

ومما ذکرنا من دخل القطع جعلا فی التنجّز یظهر صحة إطلاق الحجّة علیه بالمعنی المتعارف فی عرف أهل المیزان ، لکونه واسطة فی التنجز فی القیاس المطلوب منه تنجّز الحکم بالقطع ، کما یظهر صحة إطلاق الحجّة علیه فی باب الأدلة إن أرید منها ما ینجّز الواقع.

نعم إن أرید منها ما یثبت الحکم الفعلی بعنوان أنه الواقع فلا یطلق علیه الحجة ، إذ القطع بالحکم عین ثبوت الواقع لدی القاطع ، فلا یکون علّة لثبوت الواقع وللتّصدیق به.

ومنه یظهر أن القطع لیس حجة فی باب الأدلّة أیضا بهذا المعنی ، إذ لا حکم علی طبق الواقع فعلا أصلا فضلا من أن یکون بعنوان أنه الواقع.

بخلاف الأمارة المعتبرة ، فإنها بضمیمة دلیل اعتبارها مفیدة للحکم المماثل بعنوان أنه الواقع ، فیقع وسطا فی القیاس المطلوب منه ثبوت الحکم الفعلی وفی القیاس المطلوب منه ثبوت الواقع عنوانا.

وأما القطع الموضوعی فلا یطلق علیه الحجّة إلاّ بالمعنی المتداول فی المیزان لا فی باب الأدلّة فتدبّر جیّدا.

فی مراتب الحکم.

8 - قوله « مد ظلّه » : أنّ التکلیف ما لم یبلغ مرتبة البعث والزجر لم یصر فعلیا ... الخ (1).

لا بأس بتوضیح ما للحکم من المراتب عنده « دام ظله » فنقول : مراتب الحکم عنده « دام ظله » أربع :

إحداها : مرتبة الاقتضاء ، وربما یعبّر عنها بمرتبة الشأنیّة.

وجعل هذه المرتبة من مراتب ثبوت الحکم لعلّه بملاحظة : أن المقتضی له ثبوت فی مرتبة ذات المقتضی ثبوتا مناسبا لمقام العلّة لا لدرجة المعلول.

أو لأن المقبول له ثبوت فی مرحلة ذات القابل بما هو قابل ثبوتا مناسبا لمرتبة القابل لا المقبول.

إلا أن هذا المعنی من شئون المقتضی بمعنی العلّة الفاعلیّة لا المقتضی بمعنی الغایة الداعیة إلی الحکم.

کما أن القابل الذی یوصف بأنه نحو من وجود المقبول ما کان کالنطفة إلی الإنسان (2)، حیث إنها فی صراط المادیّة والتّلبّس بالصورة الانسانیّة لا المصلحة ولا الطبیعة القابلة للوجوب ، فإن الفعل کالمصلحة لیسا فی سبیل المادّیة والترقّی إلی الصورة الحکمیّة ، کما لا یخفی کل ذلک علی العارف بمواقع الکلام.

نعم استعداد الطبیعة بملاحظة اقتضاء ما یترتب علیها من الفائدة للوجوب مثلا وصیرورتها واجبا فعلیّا لا ینبغی انکاره ، والاستعدادات الماهویّة لا دخل لها بالاستعدادات المادّیة.

والطبیعة فی مرتبة نفسها حیث إنها ذات مصلحة مستعدّة باستعداد ماهوی للوجوب.

مراتب الحکم


1) 1. کفایة الأصول / 258.

2) 2. هکذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف قده لکن الصحیح : کالنطفة بالإضافة إلی الإنسان.

وحیث إن المانع موجود فهو واجب شأنیّ وواجب اقتضائی.

ولیس هذا معنی ثبوت الحکم فی هذه المرتبة ، إذ لا ثبوت بالذات للمصلحة حتی یکون للحکم ثبوت بالعرض بل له شأنیّة الثبوت.

وعبارته مد ظلّه فی مبحث الظن من تعلیقته (1)الأنیقة أنسب حیث عبّر عن هذه المرتبة بشأنیّة الثبوت بخلاف عبارته « دام ظلّه » فی مبحث العلم الإجمالی من فوائده (2)حیث عبّر عنها بثبوته بثبوت مقتضیه ، ولعلّه یراد به ما ذکره فی التعلیقة ، والأمر سهل بعد وضوح المقصود فافهم جیّدا.

ثانیتها : مرتبة انشائه وقد بیّنا حقیقة الإنشاء فی حواشینا علی الطلب والارادة (3).

وملخّصه أن الإنشاء إیجاد المعنی باللفظ إیجادا لفظیّا بحیث ینسب الوجود الواحد إلی اللفظ بالذات وإلی المعنی بالعرض ، لا إلیهما بالذات ، فانها غیر معقول ، کما أن وجود المعنی حقیقة منفصلا عن اللفظ بآلیّته غیر معقول کما حقق فی محلّه.

وعلیه ینبغی تنزیل ما قیل : من أن الإنشاء قول قصد به ثبوت المعنی فی نفس الأمر ، وإنّما قیّد بنفس الأمر مع أن وجود اللفظ خارجی وهو المنسوب إلی المعنی بالعرض ، لأن المعنی بعد الوضع کانه ثابت فی مرتبة ذات اللفظ فیوجد بوجوده فی جمیع المراحل. وبقیّة الکلام تطلب من غیر المقام.

ثالثتها : مرتبة الفعلیّة وفی هذه المرحلة یبلغ الحکم درجة حقیقة الحکمیّة ویکون حکما حقیقیّا وبعثا وزجرا جدّیا بالحمل الشائع الصناعی ، وإلاّ فمجرّد الخطاب من دون تحریم وإیجاب إنشاء محض ، وبین الوجود الإنشائی الذی هو


1) 1. التعلیقة علی فرائد الأصول / 36.

2) 2. آخر التعلیقة / 321.

3) 3. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة : 150.

نحو استعمال اللفظ فی المعنی وبین الوجود الحقیقی مباینة تباین الشیء بالحمل الأولی وبالحمل الشائع.

ومن الواضح أن الوجود لا یکون فردا ومصداقا لطبیعة من الطبائع إلاّ إذا حملت علیه حملا شائعا صناعیّا.

وإذا بلغ الإنشاء بهذه المرتبة تمّ الأمر من قبل المولی ، فیبقی الحکم وما یقتضیه عقلا من استحقاق العقاب علی مخالفته « تارة » وعدمه « أخری ».

وما لم یبلغ هذه المرتبة لم یعقل تنجّزه واستحقاق العقاب علی مخالفته وإن قطع به ، لا لقصور فی القطع وفیما یترتّب علیه عقلا ، بل لقصور فی المقطوع ، حیث لا إنشاء بداعی البعث وجعل الداعی حتی یکون القطع به مصحّحا لاستحقاق العقاب علی مخالفته.

رابعتها : مرتبة التّنجّز وبلوغه إلی حیث یستحق علی مخالفته العقوبة.

وجعلها من درجات الحکم ومراتبه مع أن الحکم علی ما هو علیه من درجة التّحصّل ومرتبة التّحقق بلا ترقّ إلی درجة أخری من الوجود إنما هو بملاحظة أنّ ما تمّ أمره من قبل المولی واستوفی حظّه الوجودی منه لم یکن بحیث ینتزع عنه أنه منجز ، ولم یکن من حقیقة التکلیف الموجب لوقوع المکلف فی کلفة البعث والزّجر.

وبلوغه إلی حیث ینتزع عنه هذا العنوان نشأة من نشآت ثبوته ، وإلاّ فربما یتم الأمر فیه من قبل المولی قبل بلوغه مرتبة البعث الجدی ، کما إذا أنشأ بداعی البعث الجدّی وکان فعلیّة البعث موقوفة علی شرط ، فإن الإنشاء الصادر من قبل المولی قد تمّ أمره من قبله واستکمل نصیبه من الوجود ، لکنه لیس حینئذ بحیث ینتزع عنه عنوان البعث الحقیقی.

فکما أن بلوغه بهذه المرتبة مع عدم الانقلاب عما هو علیه نحو من الترقّی ، فکذلک بلوغه لمرتبة التّنجّز. هذا علی مختاره « دام ظلّه » فی مراتب الحکم.

وسیجیء (1)إن شاء الله تعالی ما عندنا من أن المراد بالفعلی ما هو الفعلی من قبل المولی لا الفعلی بقول مطلق ، فمثله ینفکّ عن المرتبة الرابعة لکنه عین مرتبة الإنشاء حیث إن الإنشاء بلا داع محال وبداع آخر غیر جعل الداعی لیس من مراتب الحکم الحقیقی ، وبداعی جعل الداعی عین الفعلی من قبل المولی ، وإن أرید من الفعلی ما هو فعلیّ بقول مطلق ، فهو متقوّم بالوصول وهو مساوق للتّنجّز ، فالمراتب علی أی حال ثلاث.

9 - قوله « مد ظله » : وإن کان ربما یوجب موافقته استحقاق الثواب ... الخ (2).

إن کان الفرق بین الثواب والعقاب بلحاظ خصوص الحکم الفعلی فقط فالثواب کالعقاب ، إذ کما لا بعث ولا زجر فلیست المخالفة عصیانا ، کذلک لا جعل للدّاعی من المولی بالفعل کی یدعوا العبد بالفعل لیستحق الثواب علی الفعل من حیث صدوره عن أمر المولی.

فکما لا یستحق العقاب علی مخالفة الحکم الفعلی حیث لا حکم فعلیّ ، کذلک لا یستحق الثواب علی موافقة الحکم الفعلی لعدمه فعلا.

وإن کان الفرق لا بلحاظ الحکم الفعلی بل کلّیة بمعنی أنه یمکن التفکیک بین العقاب والثواب ، فلا یترتب العقاب إلا علی مخالفة الحکم الفعلی ، دون الثواب فانه یمکن ترتّبه علی الفعل ولو لم یکن هناک حکم فعلی ، کما إذا أتی به بداعی المصلحة التامة الموافقة لغرض المولی أو بداعی حب المولی ونحوه.

ففیه أن العقاب کالثواب فلا یدور مدار خصوص مخالفة الحکم الفعلی ، بل یترتّب علی ترک تحصیل المصلحة التامّة الملزمة مع عدم البعث لمانع عنه


1) 1. فی التعلیقة 30 و 42.

2) 2. کفایة الأصول / 258.

بالخصوص ، کغفلة المولی أو اعتقاد عجز العبد عن امتثاله.

وتفصیله أن المصلحة : قد تکون قاصرة عن اقتضاء اللزوم والبعث ، فالعلم بها لا یوجب تحصیلها فی نظر العقلاء.

وقد تکون تامة الاقتضاء ولکن لها مانع عن التأثیر فی البعث ، وهو علی قسمین : فقد یکون المانع اشتمال البعث علی مفسدة ، فمثل هذه المصلحة غیر ملزمة لأنها علی الفرض مغلوبة ، لأن کون العبد ملزما بتحصیل المصلحة ذا مفسدة غالبة ، فکیف یعقل أن یکون مثل هذه المصلحة ملزمة فی نظر العقلاء.

وقد یکون المانع نظیر غفلة المولی أو اعتقاد عجز العبد عن الامتثال فمثل هذه المصلحة ملزمة علی حدّ ذاتها لا مغلوبة غیر ملزمة ، فالعلم بها یوجب استحقاق العقوبة علی ترک تحصیلها.

فی التجرّی.

10 - قوله « مد ظله » : الحق أنه یوجبه لشهادة الوجدان بصحة مؤاخذته ... الخ (1).

تفصیل ذلک أن استحقاق العقاب علی معصیة حکم المولی إمّا بجعل الشارع أو بحکم العقل :

فان کان بجعل الشارع کما هو أحد طرقه فی محلّه علی ما أفاده الشیخ الرئیس فی الاشارات (2)وغیره فی غیرها ، فحینئذ لا مقتضی لاستحقاق العقاب حیث إن الشارع لم یجعل العقاب إلاّ علی المعصیة الحقیقیّة لحکمه ، وحیث لا حکم فی المورد فلا عقاب ولم یرد من الشارع جعل العقاب علی مجرّد التّجرّی.

وببیان أو فی جعل العقاب - علی فعل طائفة من الأفعال وترک جملة منها من جهة ردع النفوس عن فعل ما فیه المفسدة وترک ما فیه المصلحة - واجب


1) 1. کفایة الأصول / 259.

2) 2. شرح الاشارات للمحقق الطوسی : 3 / 371.

بقاعدة اللطف ، وما فیه المفسدة ذات شرب الخمر ، لا هو بعنوان کونه مخالفة لنهی المولی.

فاذا وصل هذا الجعل الواقعی صار فعلیّا وإلاّ فلا ، إذ کما أنّ مقتضی قاعدة اللطف جعل العقاب کذلک مقتضاها إیصاله وتبیینه للمکلف ، والمفروض أن ما فعله المتجری لم یشتمل بذاته علی مفسدة واقعا ، فلا عقاب علیه من الشارع وإن اعتقده من جهة اعتقاد الحرمة.

وإن کان الاستحقاق بحکم العقل کما هو ظاهر المشهور ، فحینئذ لا ینبغی الشبهة فی استحقاق العقاب علی التجرّی لاتحاد الملاک فیه مع المعصیة الواقعیّة.

بیانه أن العقاب علی المعصیة الواقعیّة لیس لأجل ذات المخالفة مع الأمر والنهی ، ولا لأجل تفویت غرض المولی بما هو مخالفة وتفویت ، ولا لکونه ارتکابا لمبغوض المولی بما هو لوجود الکل فی صورة الجهل (1).

بل لکونه هتکا لحرمة المولی وجرأة علیه ، إذ مقتضی رسوم العبودیّة اعظام المولی وعدم الخروج معه عن زیّ الرقیّة ، فالاقدام علی ما أحرز أنه مبغوض المولی خلاف مقتضی العبودیّة ومناف لزیّ الرقیّة وهو هتک لحرمته وظلم علیه.

وهذا الحکم العقلی من الأحکام العقلیّة الداخلة فی القضایا المشهورة المسطورة فی علم المیزان فی باب الصناعات الخمس ، وأمثال هذه القضایا ممّا


1) 1. لا یقال : یمکن أن یکون المخالفة مقتضیة لاستحقاق العقاب والعلم شرطا نظیر الکذب فانه مقتض للقبح.

تطابقت علیه آراء العقلاء لعموم مصالحها وحفظ النظام وبقاء النوع بها.

وأما عدم کون قضیّة حسن العدل وقبح الظلم بمعنی کونه بحیث یستحق علیه المدح أو الذم من القضایا البرهانیّة ، فالوجه (1)فیه أن مواد البرهانیّات منحصرة فی الضروریات الستّ ، فإنها : إما أوّلیّات ، ککون الکل أعظم من الجزء وکون النفی والإثبات لا یجتمعان.

أو حسّیات سواء کانت بالحواس الظاهرة المسماة بالمشاهدات ، ککون هذا الجسم أبیض أو هذا الشیء حلوا أو مرّا ، أو بالحواس الباطنة المسماة بالوجدانیّات وهی الأمور الحاضرة بنفسها للنفس ، کحکمنا بأن لنا علما وشوقا وشجاعة.

أو فطریّات وهی القضایا التی قیاساتها معها ، ککون الأربعة زوجا لأنها منقسمة بالمتساویین ، وکل منقسم بالمتساویین زوج.

أو تجربیات وهی الحاصلة بتکرر المشاهدة ، کحکمنا بأن سقمونیا مسهل.

أو متواترات کحکمنا بوجود مکة لإخبار جماعة یمتنع تواطؤهم علی الکذب عادة.

أو حدسیّات موجبة للیقین ، کحکمنا بأن نور القمر مستفاد من الشمس للتّشکّلات البدریّة والهلالیّة واشباه ذلک.

ومن الواضح أن استحقاق المدح والذم بالإضافة إلی العدل والظلم لیس من الأولیات بحیث یکفی تصوّر الطرفین فی الحکم بثبوت النسبة ، کیف وقد وقع النّزع فیه من العقلاء؟.

وکذا لیس من الحسّیات بمعنییها کما هو واضح ، لعدم کون الاستحقاق مشاهدا ولا بنفسه من الکیفیات النفسانیّة الحاضرة بنفسها للنفس.

وکذا لیس من الفطریات ، إذ لیس لازمها قیاس یدل علی ثبوت النسبة.

قضیة الحسن والقبح لیست من القضایا البرهانیة


1) 1. وسیجیء إن شاء الله تعالی فی دلیل الانسداد تفصیل ذلک بوجه برهانی أیضا. منه عفی عنه.

وأما عدم کونه من التّجربیّات والمتواترات والحدسیّات ، ففی غایة الوضوح. فثبت أن أمثال هذه القضایا غیر داخلة فی القضایا البرهانیّة بل من القضایا المشهورة.

وأما حدیث کون حسن العدل وقبح الظلم ذاتیا : فلیس المراد من الذاتی ما هو المصطلح علیه فی کتاب الکلّیات ، لوضوح أن استحقاق المدح والذم لیس جنسا ولا فصلا للعدل والظلم.

ولیس المراد منه ما هو المصطلح علیه فی کتاب البرهان ، لأن الذاتی هناک ما یکفی وضع نفس الشیء فی صحة انتزاعه منه ، کالإمکان بالإضافة إلی الانسان مثلا وإلاّ لکان الإنسان فی حد ذاته إمّا واجبا أو ممتنعا.

ومن الواضح بالتأمل أن الاستحقاق المزبور لیس کذلک ، لأن سلب مال الغیر مثلا مقولة خاصة بحسب أنحاء التصرف : وبالإضافة إلی کراهة المالک الخارجة عن مقام ذات التصرف ینتزع منه أنه غصب. وبالإضافة إلی ترتّب اختلال النظام علیه بنوعه وهو أیضا خارج عن مقام ذاته ینتزع منه أنه مخل بالنظام وذو مفسدة عامّة ، فکیف ینتزع الاستحقاق المتفرع علی کونه غصبا وکونه مخلا بالنظام عن مقام ذات التصرف فی مال الغیر؟

بل المراد بذاتیة الحسن والقبح کون الحکمین عرضا ذاتیّا ، بمعنی أن العدل بعنوانه والظلم بعنوانه یحکم علیهما باستحقاق المدح والذم من دون لحاظ اندراجه تحت عنوان آخر.

بخلاف سائر العناوین ، فانها ربما تکون مع حفظها معروضا لغیر ما یترتب علیه لو خلی ونفسه کالصدق والکذب ، فانهما مع حفظ عنوانهما فی الصدق المهلک للمؤمن والکذب المنجی للمؤمن یترتب استحقاق الذم علی الأول بلحاظ اندراجه تحت الظلم علی المؤمن ، ویترتب استحقاق المدح علی الثانی لاندراجه تحت عنوان الإحسان إلی المؤمن ، وإن کان لو خلی الصدق والکذب ونفسهما

یندرج الأول تحت عنوان العدل فی القول والثانی تحت عنوان الجور فضلا عن سائر الأفعال التی فی نفسها لا تندرج تحت عنوان ممدوح أو مذموم.

ثم إن استحقاق العقوبة هل هو علی الفعل أو علی مقدماته کالعزم والإرادة ، وهذا التردید جار فی المعصیة الواقعیّة لوحدة الملاک علی الفرض.

والتحقیق هو الأول ، لأن العزم علی الظلم من دون تحقق الظلم لیس بظلم ، إذ لیس مخلا بالنظام ولا ذا مفسدة نوعیّة یوجب تطابق آراء العقلاء علی قبحه.

وبالجملة العبد بفعل ما احرز انّه مبغوض المولی یخرج عن رسم العبودیّة وزیّ الرقیة ، لا بمجرّد عزمه علی الفعل.

ویؤیده أن الهتک أمر قصدی وإلا لم یستحق علیه العقاب ولم یتصف بالقبح ، لأنه من صفات الأفعال الاختیاریّة ، فلو انطبق الهتک علی مجرد العزم والقصد لزم إما عدم کون الهتک قصدیّا أو کون القصد قصدیّا ، وإمکان کونه کذلک وکفایته فی ذلک کما (1)نبهنا علی ذلک فی أوائل الکتاب لا یوجب الوقوع دائما.

مع أنه یستحق العقاب علی هتکه فی جمیع موارد التجری.

وأما الإشکال (2)علی المصنف بأن عنوان الهتک والجرأة علی المولی کما یصدق علی القصد والعزم کذلک علی الفعل.

فغیر وجیه ، إذ بعد فرض صدقه علی القصد یستلزم ترتّب عقابین ، لتحقق الملاک فی کل من القصد والفعل وهما مقولتان متباینتان لیس بینهما اتصال علی حد اتصال الأمور التّدریجیّة لیکون الکل هتکا واحدا ، بل هناک علی الفرض معنونان بهذا العنوان وکل من الفعلین فیهما ملاک استحقاق العقوبة فالصحیح

فی التجری


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 171.

2) 2. کما عن المحقق العراقی قده. نهایة الأفکار : 3 / 38.

منع انطباق العنوان الموجب للاستحقاق إلا علی الفعل الاختیاری.

فان قلت : ما ذکرت من انطباق عنوان الهتک علی الفعل المتجری به إنما یستتبع استحقاق العقوبة إذا صدر عن اختیار ، حیث إن الحسن والقبح العقلیّین من صفات الأفعال الاختیاریّة ، مع أن المتجری إنما قصد هتک مولاه بشرب الخمر الواقعی والمفروض عدم حصوله ، فلم یصدر منه هتک اختیاری.

بل سیأتی (1)إن شاء الله من الأستاد العلاّمة « أدام الله أیّامه » موافقا لما فی تعلیقته (2)المبارکة أنه لم یصدر منه فعل اختیاری أصلا ، إذ ما تصوّره وهاجت رغبته إلیه واشتاقه وهو شرب الخمر لم یصدر منه ، وما صدر منه وهو شرب الماء فلم یتصوّره ولم یمل إلیه ولم یقصده ، فکیف یکون اختیاریّا مع عدم مبادی الاختیار؟

قلت : الحرکة لا تخلو عن کونها إمّا بقسر القاسر أو بالطبع أو بالإرادة وشرب هذا المائع الشخصی المشار إلیه بالإشارة الحسیّة لیس معلولا لقسر القاسر ولا للطبع قطعا بل معلول للإرادة.

غایة الأمر أنّ تعلّق الإرادة الشخصیّة بهذا المائع الحسّی بواسطة اعتقاد أنّه الخمر وتخلّفه لا یوجب کون هذا الشّرب الشخصی بلا إرادة.

وبالجملة الشوق الکلی إلی شرب الخمر یتخصّص بشرب هذا المائع الخاص بواسطة اعتقاد أنه الخمر ، والخطأ فی التطبیق لا یخرج هذا الشرب عن کونه إرادیّا.

فهذا هو الوجه فی کون هذه الحرکة إرادیّة لا بواسطة أن العام بتبع إرادة الخاص إرادیّ حتی یشکل بأن الحصة التی کانت فی ضمن الخاص وإن کانت إرادیّة لکنها لم توجد والحصة الأخری فی ضمن غیر ذلک الخاص لا وجه


1) 1. کفایة الأصول / 260.

2) 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 13.

لإرادیّتها ، فان ما بالتّبع لا بد من أن ینتهی إلی ما بالأصالة.

ولا إرادة فی الخاص الآخر حتی تکون الحصة المتحققة فی ضمنه إرادیّة تبعا ، کما أن العام بما هو لم یتعلّق به إرادة بالأصالة.

وأما توهم (1)أن الجامع اختیاری لمجرّد کونه ملتفتا إلیه والقدرة علی فعله وترکه وإن لم یکن محط الإرادة الأصلیة نظیر ما إذا شرب الخمر لأجل کونه مائعا باردا لا لأجل کونه خمرا ، فإنه یستحق عقاب شرب الخمر مع أن شرب الخمر لیس محط الإرادة الأصلیّة ، فکذا فیما نحن فیه فان الجامع وإن لم یکن محط الإرادة الأصلیّة لکنه یکفی فی اختیاریّته الالتفات إلیه والقدرة علی ترکه.

فمدفوع : بأنه کلام مجمل فإنه : إن أرید کفایة الالتفات والقدرة فی اختیاریّة الفعل ، ففیه أن الفعل الاختیاری ما صدر عن شعور وقدرة وإرادة ، لا مجرّد الشعور والقدرة فقط.

وإن أرید أن الجامع مراد بالعرض أو بالتّبع قیاسا للجامع هنا بالخصوصیّة فی المثال المزبور ، ففیه أن الإرادة التّبعیّة لا توجد إلاّ فی فعلین مترتّبین کالمقدمة وذیها لا کالجامع وخصوصیّته ، والإرادة العرضیّة وإن کانت توجد فی الجامع وخصوصیّته إلا أن ما بالعرض لا بد من أن ینتهی إلی ما بالذات.

والمفروض أن الخصوصیّة التی أریدت فنسبت إلی الحصّة المتحققة بها تلک الإرادة بالعرض لم توجد من رأس ، والخصوصیة الأخری لم یتعلق بها الإرادة حتی تنسب إلی الحصّة الموجودة فی ضمنها ، والمفروض أیضا عدم إرادة الجامع بما هو.

وأما الوجه فی اختیاریّة المثال المذکور ، فهو أن الشوق المتعلّق بالتبرید بالمائع قد انبعث عنه شوق إلی مقدّمة التّبرید ، فشرب الخمر مراد بتبع إرادة التبرید ، والحرام لا یتفاوت اختیاریّته بتفاوت الأغراض الداعیة ، لا أن شرب


1) 1. کما فی درر الفوائد / 336.

المائع البارد متعلّق الإرادة ومجرد الالتفات إلی خمریّته والقدرة علی ترکه مصحح اختیاریّة شرب الخمر ، ولا أن الإرادة المتعلّقة بالجامع منسوبة إلی الخصوصیّة الغیر المتخلفة عنه بالعرض ، فإن الإرادة العرضیّة لا تصحح التکلیف ، فانّها فی الحقیقة لیست إرادة مستقلّة فی جنب إرادة الجامع ، بل إرادة متعلّقة بالجامع ومنسوبة بالعرض والمجاز إلی الخصوصیّة نظیر العرض الذاتی والغریب بل هو هو بالدّقة بل النسبة بین التبرید بالمائع وشرب الخمر نسبة المسبب إلی سببه والفعل التولیدی بالإضافة إلی ما یتولّد منه ، فالتّبرید مشتاق إلیه بالأصالة وشرب الخمر المبرّد بالتّبع.

فان قلت : إذا شرب الخمر ملتفتا إلی خمریّته مشتاقا إلی میعانه فهو مرید للجامع وهو المائع ، والخمریّة غیر مرادة وإنما هی ملتفت إلیها ، ولا إرادة تبعیّة لمکان الاتحاد وإن کان الخاص والفرد مجری الفیض بالإضافة إلی العام والکلّی ، والإرادة العرضیّة غیر مصحّحة للتکلیف.

قلت : تخصّص الشوق إلی المائع بما هو مائع بخصوص الحصّة المتخصّصة بالخمریّة لا یکون إلا عن شوق بهذه الحصّة بما هی حصة ، ولا نعنی بالخمر إلا هذه الحصة من المائع.

وقد عرفت أن اختلاف الأغراض لا یوجب التفاوت فی إرادیّة ما یترتب علیه الغرض.

هذا کله فی إرادیّة أصل الفعل.

وأما الهتک فلا واقع له إلا الفعل الذی أحرز أنّه مبغوض المولی ، فیتوجّه القصد إلیه بتوسط الإحراز المخالف للواقع ، ولا واقع للعنوان القصدی إلا ما یتقوّم بالقصد.

ومن الواضح أن هتک حرمة المولی بشرب ما اعتقده خمرا أمر معقول وهو واقع الهتک الاختیاری.

وتوهم (1)أن عنوان هتک حرمة المولی والظلم علیه لا یتحقق إلا فی فرض وصول التکلیف ، فمخالفة التکلیف الواصل مصداق الهتک والظلم ، ولا علم هنا بالتکلیف بل هو جهل مرکّب ، ولا موجب لتسریة حکم العلم إلی الجهل.

مدفوع : بأن التکلیف بوجوده الواقعی کما لا یمکن أن یکون مناط الهتک والظلم ، إذ لیس من رسوم العبودیّة أن لا یخالف التکلیف الواقعی ، کذلک لا یمکن أن یکون بوجوده الواقعی دخیلا فی تحقق الهتک والظلم ، بل الموضوع لحکم العقل ما هو الحاضر عنده فی وعاء وجدانه ، فنفس الحرکة علی خلاف ما أحرز أنّه مبغوض مولاه بما هو محرز فی موطن الوجدان هو الموضوع لحکم العقل فتدبّر جیدا.

11 - قوله « مد ظله » : مع بقاء الفعل المتجری به ... الخ (2).

قد عرفت حال الفعل من حیث عنوان هتک الحرمة ونحوه.

وأما من حیث وقوع التّزاحم بین الجهة الواقعیّة والجهة الطارئة کما علیه فی الفصول (3)، فتحقیق القول فیه : أنّ التزاحم بین الجهتین تارة من حیث إنهما ملاکان لحکمین مولویّین.

وأخری من حیث إنهما ملاکان للحسن والقبح العقلیّین بمعنی استحقاق المدح والذم.

وأما إذا کان إحداهما ملاکا للحکم المولوی والأخری للمدح والذّم ، فلا تزاحم بینهما : حیث لا منافاة بین الوجوب الواقعی واستحقاق الذم علی فعله لدخوله تحت عنوان قبیح بالذات.

ولا بین الحرمة الواقعیّة واستحقاق المدح علی فعله لدخوله تحت عنوان


1) 1. کما فی أجود التقریرات 2 / 30.

2) 2. کفایة الأصول / 259.

3) 3. الفصول فی الأصول / 426.

حسن بالذات.

ولا تکون ملاکات الحسن والقبح بهذا المعنی مناطات للأحکام المولویّة حتی یتحقّق التزاحم بالواسطة ، وذلک لأن الحکم المولوی لا یصلح للدّعوة ، إلاّ باعتبار ما یترتب علی موافقته ومخالفته من المثوبة والعقوبة عقلا.

ومع حکم العقل ، باستحقاق المدح والثواب أو الذم والعقاب لا یبقی مجال لاعمال المولویّة بالبعث والزجر.

ومنه تعرف عدم المزاحمة بین جهة التجری التی هی ملاک استحقاق العقاب والجهة التی هی مناط الوجوب المولوی.

وأما إذا فرض الملاکان من سنخ واحد : فإن کانا ملاکین للمدح والذم ، فمن البیّن أن ملاک التجرّی والانقیاد إنما یؤثر لعدم صلاحیّة الجهة الواقعیّة للتأثیر فی خلافه ، لأن الحسن والقبح من صفات الأفعال الاختیاریّة ، فما لم یصدر بعنوانه المؤثر فی حسنه أو قبحه بالاختیار لا یتصف بالحسن والقبح فعلا.

وإن کانا ملاکین للحکم المولوی ، فهو لا یتصور فی مثل عنوان التجرّی ونحوه کما عرفت ، بل فی مثل عنوان مقطوع الوجوب والحرمة إمّا بنفسهما أو من حیث ملازمتهما لعنوانین واقعیّین هما ملاکان للحکم المولوی.

فإن کان نفس عنوانی مقطوع الوجوب أو مقطوع الحرمة ملاکا ، فهو کما سیأتی إن شاء الله تعالی. حیث إنه عنوان محض ، لا أنّه غرض من المأمور به أو المنهی عنه فلا محالة یجب أن یصدر بعنوانه بالاختیار حتی یتحقق الإطاعة والعصیان وسیجیء إن شاء الله أنه لیس کذلک دائما بل أحیانا.

وإن کان العنوان الملازم ملاکا : فان کان أیضا عنوانا محضا ، فهو أیضا غیر قابل للتأثیر فضلا عن المزاحمة للجهل به فضلا عن صدوره بالاختیار.

وإن کان غرضا فهو قابل للتأثیر ، إذ لا یشترط فی الأغراض الواقعیّة التی هی ملاکات الأحکام المولویّة أن تکون معلومة وأن تصدر بالاختیار ، بل

یکفی فی اختیاریّة الفعل المتعلق للحکم صدوره بنفسه بالاختیار.

لکن حیث إن العنوان الطاری الملازم لعنوان المقطوع کالعنوان الواقعی المؤثّر بذاته فی الحکم المولوی مجهول ، فلا یمکن إحراز الغالب والمغلوب منهما ، فتصور عنوان واقعی مجهول لا یکاد یجدی شیئا إلا فی امکان الحکم المولوی ، لا فی مقام تحقق التزاحم والحکم بغلبة أحدهما علی الآخر.

ومن جمیع ما ذکرنا تبیّن أن ما أفاده - شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » (1)فی هذا المقام أن قبح التجرّی ذاتی بمعنی العلّة التامة أو بمعنی الاقتضاء من دون مانع عن تأثیره لعدم صلاحیّة العنوان الواقعی المجهول للتأثیر حیث لم یصدر بعنوانه بالاختیار - إنما یصح فیما إذا کان التزاحم بین ملاکین للحسن والقبح العقلیین ، وأما فی غیره فالصحیح ما ذکرنا.

وأما توهم (2)أن جهة التجری غیر منتزعة عن مقام ذات الفعل بل من حیث المخالفة للأمر والنهی وهی فی طول الجهة الواقعیّة المنتزعة عن ذات الفعل فتؤثّر کل واحدة منهما أثرها لتعدّد منشأ الانتزاع.

فمدفوع بأن الغرض : إن کان عدم التّضاد بین الأثرین لتعدد الموضوع ، ففیه أنّ بناء الامتناع علی أن وحدة الهویّة المعنونة بعنوانین یوجب التضاد سواء کان العنوانان طولیّین أو عرضیّین.

وإن کان عدم التزاحم لأن الجهة السابقة لا مزاحم (3)فی مرتبتها فتؤثر أثرها ولا تصل النوبة إلی تأثیر الجهة اللاحقة.

ففیه ما مر مرارا فی مباحث الألفاظ وسیأتی إن شاء الله تعالی أنّ ملاک التمانع فی التأثیر هی المعیّة الوجودیّة ، والمانع هو التقدم والتأخر فی الوجود.


1) 1. فرائد الأصول المحشی 1 / 17 - 20.

2) 2. کما فی نهایة الأفکار 3 / 33.

3) 3. هکذا وردت فی النسخة المطبوعة ولکن الصحیح : لا مزاحم لها.

وأما التقدم والتأخر بالطبع والذات فلا یعقل أن یجدی شیئا بعد کون المتقدم والمتأخر بالطبع لهما المعیّة فی الوجود الحقیقی.

12 - قوله « مد ظله » : ضرورة أن القطع بالحسن أو القبح لا یکون من الوجوه والاعتبارات ... الخ (1).

اما عدم کونه من الوجوه المحسّنة أو المقبّحة عقلا فواضح إذ لا واقع للحسن والقبح عقلا ولا لکون شیء وجها موجبا لهما إلا فی ظرف وجدان العقل.

وعدم کون عنوان مقطوع الوجوب والحرمة من العناوین الحسنة والقبیحة بالذات کالعدل والظلم مما لا شبهة فیه.

وکذا عدم کونهما من العناوین العرضیّة المنتهیة إلی العناوین الذاتیّة کالصّدق والکذب ، لعدم کونهما ذا مصلحة ومفسدة فی نظر العقل ، لا بنحو العلّیة التامة کما فی الأولی ، ولا بنحو الاقتضاء کما فی الثّانیة.

لکنک قد عرفت آنفا أنّ عنوان هتک الحرمة من عناوین الفعل ووجوهه ، فلا حاجة إلی إحراز عنوانیّة مقطوع الحرمة مثلا للفعل لإثبات استحقاق العقاب علی الفعل المتجرّی به.

وأما عدم کونه ملاکا للمحبوبیّة والمبغوضیّة الشرعیّة : فان أرید کونه ملاکا فی نظر العقل فیکون ملاکا فی نظر الشارع ، لأن الحکم الشرعی تابع للمصالح والمفاسد الواقعیّة ، لا للأغراض النفسانیّة والاقتراحات الغیر العقلائیّة.

ففیه أنّه قد تبیّن عدم کونه من العناوین ذوات المصلحة والمفسدة بقسمیها فی نظر العقل ، فلا ملاک من هذه الجهة فی نظر الشارع کی یحکم علی طبقه.

وإن أرید کونه ملاکا فی نظر الشارع وإن لم یدرکه العقل لقصوره عن


1) 1. کفایة الأصول / 260.

الإحاطة بجمیع الخصوصیات.

ففیه أنّ الفعل إذا کان ملاکه معلوما وکان الملاک مثل عنوان المقطوع عنوانا محضا لا غرضا خارجیّا قائما بذات الفعل کما هو المفروض ، فلا بد أن یصدر بماله من الملاک المعنون به الفعل عن اختیار.

والقطع حیث إنه فی مرحلة الامتثال ملحوظ آلیّ لا استقلالیّ ، فلا یکاد یصدر الفعل بما هو مقطوع الوجوب أو الحرمة بالاختیار ، فلا یتصف بالحسن والقبح عقلا ، کما لا یتصف بالوجوب والحرمة شرعا.

ودعوی أن القطع صفة حاضرة بنفسها ، فلا حاجة فی حضورها إلی الالتفات إلیها استقلالا ، وإلا لزم سد باب القطع الموضوعی.

مدفوعة بأن عنوان مقطوع الوجوب والحرمة إذا کان عنوانا للفعل وموردا للتکلیف ، فلا بد من أن یصدر

بعنوانه بالاختیار ، ولا یجدی مجرد وجوده ، ولا یقاس بالقطع الموضوعی ، فانه عنوان للموضوع لا لمتعلق التکلیف ، فلا یلزم منه سد باب القطع الموضوعی.

نعم احتمال ملازمة هذا العنوان لملاک واقعی قائم ، وصدوره بماله من العنوان عن قصد غیر لازم ، کیف والأحکام الشرعیة الغیر المستندة إلی الأحکام العقلیّة لها ملاکات واقعیّة ، وهی غالبا مجهولة ، وموضوعاتها اختیاریّة بنفسها ، لا بعناوینها المنتزعة عن ملاکاتها؟

ولا دافع لهذا الاحتمال ، إلا عدم معقولیّة البعث بعد البعث ، إذ الغرض من البعث جعل الداعی للعبد وبعد القطع به ولو کان مخالفا للواقع لا مجال لجعل الداعی ، فإنه تحصیل للحاصل.

مضافا إلی لزوم اجتماع المثلین فی نظر القاطع وإن لم یلزم فی الواقع ، فیلزم لغویّة الحکم حیث لا یتمکّن من تصدیقه ، إلا علی وجه الخلف بانعدام الحکم المقطوع به.

إلاّ أنه یجدی بالإضافة إلی البعث والزّجر ، لا بالنسبة إلی الإرادة

والکراهة بناء علی أصالة الوجود وبقاء حقیقة الأعراض کالسواد والبیاض عند الحرکة والاشتداد ، فذات الارادة ، المقطوع بها إذا حدث فیها مصلحة موجبة لإرادتها تأکدت الإرادة ، فلا یلزم اجتماع المثلین أو الخلف.

13 - قوله « مد ظله » : قلت : العقاب إنما یکون علی قصد العصیان والعزم علی الطغیان ... الخ (1).

قد عرفت أن الفعل المتجری به معنون بعنوان هتک الحرمة وقد صدر عن اختیار بواسطة إحراز الحکم ولو کان مخالفا للواقع فراجع ، وإلا قصد العصیان لیس معنونا بأحد العناوین القبیحة بالذات کالظلم ، لما عرفت أن العزم علی الظلم لیس بظلم ، لعدم کونه ذا مفسدة مخلّة بالنظام حتی یکون موردا لتطابق الآراء علی قبحه.

ولا یخفی علیک أن الکلام هنا فی ما یوجب استحقاق الذم والعقاب عند العقلاء من دون فرق بین أوامر الشارع والموالی ، ولیس الکلام فی ما یقتضی إجراء العقاب ، کی یورد علیه باستحالة التشفی فی حقه تعالی ، وسیجیء ما ینفعک إن شاء الله فی دفعه.

14 - قوله « مد ظله » : إن القصد والعزم إنما یکون من مبادی الاختیار ... الخ (2).

قد عرفت ما یغنیک عن ذلک لعدم ترتب العقاب علی القصد ، بل علی الهتک الاختیاری.

نعم إشکال انتهاء کل فعل اختیاری إلی ما لا بالاختیار بل انتهاء کل ذلک إلی الإرادة الأزلیّة والمشیّة الالهیّة أمر آخر لا اختصاص له بالمقام. وقد


1) 1. کفایة الأصول / 260.

2) 2. کفایة الأصول / 260.

أشبعنا الکلام فیه فی مبحث الطلب والإرادة (1).

15 - قوله « مد ظله » : مضافا إلی أن الاختیار وإن لم یکن بالاختیار ... الخ (2).

إذ الإرادة لا توجد عن إرادة متعلّقة بنفسها.

لکن لیس ذلک مناط الإرادیّة والاختیاریّة ، بل الموجود یتصف بالاختیاریّة ، إما بواسطة تعلّق القصد به ، أو بما یتوقف علیه.

والإرادة من قبیل الثانی ، فإن المقدمات المؤدّیة إلی إرادة الفعل إنّما تکون علّة تامّة لها إذا لم یحدث مانع عنها.

والتأمّل فیما یترتب علی متابعة الهوی ومخالفة المولی مانع اختیاری عن تأدیة المقدمات إلی إرادة الفعل ، وعدمه أیضا اختیاری موجب لاختیاریّة إرادة الفعل.

ومثل المقام یکفی فیه سبق الإرادة بالإرادة ، ولا یجب عدم انتهائها إلی ما لا بالاختیار ، إذ المفروض أن استحقاق العقاب مترتب علی قصد الحرام وإرادة الطغیان علی المولی بفعل ما أحرز أنه مبغوض له ، وهذه الخصوصیّة لا توجد فی الإرادة السّابقة ، کی تکون مثل اللاّحقة فی إیجاب العقاب ، فیجری فیها ما جری فی لاحقها.

مع أن الکلام فی التّسویة بین المعصیة الحقیقیّة والتجرّی ، فکما کان یکفی فی الاختیاریّة مجرّد صدور الفعل عن إرادة ، کذلک یکفی فیها حدوث الإرادة عن إرادة وإن لم یوجب کون کل إرادة عن إرادة.

لکنه قد أشرنا (3)سابقا إلی أن مجرد إمکان حدوث القصد عن قصد لا


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 152.

2) 2. کفایة الأصول / 260.

3) 3. التعلیقة 10.

یجدی فی المقام ، إذ الکلام فی موارد التجرّی بفعل ما اعتقد حرمته عن قصد وإن لم یکن القصد عن مقدمات قصدیّة فما أفاده فی استحقاق العقاب علی القصد لا یفید إلاّ فی موارد مخصوصة.

نعم إذا کان الإشکال فی اختیاریّة القصد من حیث عدم کونه مقدورا لترتّبه علی مبادیه الغیر الاختیاریّة قهرا ، فالجواب عنه بالتّمکن من التّأمل إلی آخر ما أفاده وجیه.

إلاّ أنّ الاختیاریّة لا تتوقّف علی مجرّد القدرة ، بل الشعور والقصد أیضا ، فتدبر.

مع أن إشکال التسلسل یناسب عدم الاختیاریّة من حیث القصد لا من حیث القدرة.

16 - قوله « مد ظله » : انّ حسن المؤاخذة والعقوبة إنّما یکون من تبعة بعده عن سیده ... الخ (1).

قد أشرنا آنفا إلی أن الکلام : تارة فی ما یوجب استحقاق الذم والعقاب عند العقلاء.

وأخری فیما یقتضی إجراء العقاب ممن خولف أمره ونهیه وأحد الأمرین لا دخل له بالآخر.

والکلام هنا فی مرحلة الاستحقاق عقلا کما هو مقتضی تحریر البحث منه دام ظلّه ، وموضوعه کما عرفت بالبرهان لیس إلا الهتک الاختیاری المنطبق علی فعل ما أحرز أنه مبغوض المولی.

وانتهائه إلی الإرادة الأزلیّة غیر ضائر إذ انتهاء سلسلة الاختیار إلیه تعالی کما یصحّح عند العقلاء الذم والعقاب لمولی عرفی بالنّسبة إلی عبده کذلک


1) 1. کفایة الأصول / 261.

له تعالی بالإضافة إلی عبیده وإلاّ لما صحت المؤاخذة للموالی العرفیّة بالإضافة إلی ممالیکهم کما هو واضح.

وأما فعلیّة التعذیب وإجراء العقاب من ربّ الأرباب مع استحالة التّشفّی منه تعالی ، فقد تعرضنا لها فی حواشینا علی الطلب والإرادة بما لا مزید علیه فلا حاجة إلی الإعادة (1).

فما أفاده « دامت إفاداته » فی المقام من أن العقوبة من تبعة التجرّی ولو کان غیر اختیاری : إن أراد ما هو الجواب فی باب إجراء العقاب من أنه من تبعات الأقوال ولوازم الأعمال کما یساعده البرهان وظواهر القرآن ، فهو وإن کان أحد الأجوبة الصحیحة ، إلاّ أن الکلام هنا فی استحقاق العقاب عقلا وهو مشترک بین الواجب وسائر الموالی العرفیّة ، فلا معنی لتعلیل الاستحقاق بذلک.

وإن أراد « مد ظلّه » أن الاستحقاق یترتب علی ما ینتهی إلی الذات والذّاتیّات وإن کان بلا اختیار کیف وینتهی بالأخرة إلی ما لا بالاختیار؟

ففیه أن الاستحقاق العقلی لا بد من أن یترتب علی أمر اختیاری ، وإن انتهی بالأخرة إلی ما لا بالاختیار ، فیترتب علی الفعل الإرادی دون نفس الإرادة.

مع أن الانتهاء إلی الذات والذاتیّات وانقطاع السؤال یناسب ترتب نفس العقاب لا استحقاقه العقلائی.

مع أن إشکال استحالة التشفی منه تعالی وعدم داع فی نشأة الآخرة لإجراء العقاب لا ربط له بالانتهاء إلی ما لا بالاختیار ، بل لو لم یکن فی العالم فعل غیر اختیاری لجری الإشکال ، بل الإشکال من حیث الاختیاریّة یناسب الاستحقاق عقلا.

وأما وجه فعلیّة العقاب فی الآخرة وسرّ إفاضة الوجود علی المواد القابلة ،


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 154.

فهو استعداد النفوس بملکاتها الرذیلة الحاصلة من الأعمال المتکررة للصورة التی یظهر بها فی الآخرة ، وإفاضة تلک الصور من واهب الصّور بتوسط ملائکة الرحمة والعذاب عدل منه تعالی وصواب.

وبقیّة الکلام یطلب من حواشینا علی الطلب والارادة ، ومن الهوامش التی علقناها علیها ، والله الهادی.

17 - قوله « مد ظله » : وعدم تحققه فیه لعدم مخالفته أصلا ... الخ (1).

إذ عدم المعلول بعدم علته من غیر دخل فیه للاختیار والاضطرار بعد فرض کون العلة علة والمعلول معلولا.

18 - قوله « مد ظله » : بل عدم صدور فعل منه فی بعض أفراده بالاختیار ... الخ (2).

قد عرفت وجهه ودفعه ، إذ الحرکة اما بقصر القاسر ، أو بالطبع ، أو بالارادة ، وانتفاء الأولین واضح ، فلا محیص عن الأخیر ، فراجع (3).

19 - قوله « مد ظله » : فلا وجه لاستحقاق عقابین متداخلین کما توهم ... الخ (4).

المتوهم صاحب الفصول « رحمه الله » وهذه عبارته فان التحقیق أن التجری علی المعصیة معصیة أیضا لکنه إن صادفها تداخلا ، وعدّا معصیة واحدة انتهی (5).

ویمکن توجیه کلامه « زید فی علوّ مقامه » بدعوی أنه لم یظهر منه رحمه


1) 1. کفایة الأصول / 262.

2) 2. کفایة الأصول / 262.

3) 3. التعلیقة 10 / 33.

4) 4. کفایة الأصول / 262.

5) 5. الفصول فی الأصول ، طبع هاشم / 89.

الله سببیّة کل من التّجری والمعصیة الواقعیّة للعقاب لیورد علیه بأن المراد من التداخل إن کان وحدة العقاب ، فهو مناف لسببیّة کل منهما وإلا فلا معنی للتداخل ، بل لم لا یکون مراده أن المصحح للعقاب هتک حرمة المولی ، سواء تحقق بالمعصیة الواقعیّة أم لا ، فلیس فی مورد المصادفة ، إلاّ سبب واحد ، ومراده من التداخل هو التداخل بحسب الأثر کما هو ظاهر کلامه ، وظاهر قوله عدّا معصیة واحدة أی بحسب الأثر فان شرب الخمر الذی علم به مبغوض للمولی وهتک الحرمة أیضا مبغوض ، لکن هذین المبغوضین فی حکم مبغوض واحد من حیث السببیة والتأثیر فی الاستحقاق فتأمل.

فی القطع الموضوعی بقسمیه

20 - قوله « مد ظله » : بما هو صفة خاصّة وحالة مخصوصة بالغاء جهة کشفه ... الخ (1).

ملخصه أن إحدی الجهتین فیه وإن لم ، تنفک عن الأخری ، لکن للحاکم لحاظ إحدی الجهتین واعتبارها فی حکمه دون الأخری ، فالتفکیک فی مقام الاعتبار لا دخل له بالتفکیک فی حقیقته.

قلت : لا ریب أن للقطع جهات عدیدة :

منها أنّه عرض ، فلو اعتبر فی موضوع الحکم بهذا الاعتبار کان سائر الأعراض حالها حاله.

ومنها أنه من مقولة الکیف ، وحینئذ یشارکه جمیع أنواع مقولة الکیف إذا اعتبر فی الحکم بهذه الحیثیة.

ومنها أنه من نوع الکیف المختص بذوات الأنفس ، فتشارکه سائر

القطع الموضوعی بقسمیه


1) 1. کفایة الأصول / 263.

الکیفیات القائمة بالأنفس.

ومنها أنه کیف نفسانی له إضافة إلی طرفه ، إضافة إشراقیّة ، فحینئذ یشارکه الظن والاحتمال ، بل التصور المحض أیضا.

ومنها أنه کاشف وطریق کشفا تصدیقیا ، فحینئذ یشارکه خصوص الظن.

ومنها أنه کاشف تام بحیث لا یبقی بینه وبین المطلوب حجاب ، وهذا هو الذی یکون به القطع قطعا ، ولا شبهة فی أن القطع المأخوذ من حیث الکاشفیّة والطریقیة یراد به هذه المرتبة الأخیرة من الکشف ، دون مطلق الکاشف ، وإلاّ لعم الدلیل للظن من دون حاجة إلی التنزیل.

وأما ملاحظة القطع من حیث إنه طریق معتبر ، فیکون موضوعیا علی وجه الکاشفیة ، ومن حیث کشفه الخاص ، فیکون علی وجه الصفتیة ، کما عن بعض الأجلة (1)قدس سره.

فمدفوعة بأن الظاهر تقسیم العلم بنفسه ولو بلحاظ حیثیاته الذاتیة کالأمور المتقدمة ، وهذا تقسیم بلحاظ حکمه وهو اعتباره عقلا.

مع أن لازمه ورود الأمارات علی الأصول ومسلک الشیخ قدس سره حکومتها علیها ، فلا یصح حمل کلامه « قدس سره » علیه.

وعلیه فلا یبقی لأخذ القطع من حیث خصوصیّة کونه صفة من الصفات القائمة بالشخص معنی معقول إلا أخذه من إحدی الجهات المزبورة ولا یقول به أحد.

وأما حفظ القطع بمرتبته الأخیرة التی بها یکون القطع قطعا ، ومع ذلک لا تلاحظ جهة کشفه التام ، فغیر معقول ، لأن حفظ الشیء مع قطع النظر عما به هو هو محال ، کحفظ الإنسان بما هو إنسان مع قطع النظر عن انسانیّته.


1) 1. وهو المحقق الحائری درر الفوائد / 330.

وقد عرفت سابقا أنّ حقیقة القطع عین الانکشاف لا أنه شیء لازمه الانکشاف ، فملاحظة القطع بنفسه مع قطع النظر عن حیثیّة کشفه قطع النظر عن حقیقته. کما أن ملاحظة الانکشاف بنفسه من دون ملاحظة انکشاف الشیء غیر معقولة ، لأن حقیقة الانکشاف مقولة لا یعقل إلا متعلّقة بشیء.

ولا ینافی ذلک کون العلم نورا لنفسه ونورا لغیره کما فی المتن ، فان معنی کونه نورا لنفسه أنه عین النور فلا یحتاج فی حضوره للنفس إلی حضور آخر ، لکن هذا النور عین حضور الغیر ، کما لا یخفی ذلک علی الخبیر.

ومنه یعلم أن إرجاع (1)القطع علی وجه الصفتیّة إلی ملاحظته ، من حیث إنه نور لنفسه ، وعلی وجه الکاشفیّة إلی ملاحظته من حیث کونه نورا لغیره لا وجه له ، فان معنی کونه نورا لنفسه أن حقیقته عین النور ، وهذا النور عین ظهور الغیر ، إذ حقیقة الانکشاف حقیقة تعلقیّة بذاتها ، نظیر قولهم واجب الوجود لذاته أی وجوب الوجود عین ذاته وبهذا الوجه یقال : إن الوجود موجود بنفسه أی نفسه هو الوجود ، وإلا فلو فرض ملاحظة الحضور والوجود الذهنی بما هو من دون لحاظ تعلّقه بأمر خاص لزم کفایة کل حضور ووجود ذهنی فی ترتب الحکم مع أنه لیس کذلک قطعا.

إلا أن یلاحظ نفس الحصّة الملازمة للماهیّة الخاصة لا الحضور بما هو کلی ، فیکون الحکم مقصورا ذاتا علی خصوص الحضور والملازم لحاضر خاص وهو الخمر مثلا.

لکنه بعید جدا عن مساق کلام الشیخ الأعظم قدس سره فان اعتبار القطع من حیث إنه صفة خاصّة قائمة بالشخص کما فی عبارته هو اعتبار العلم


1) 1. کما عن المصنف ( قده ) فی المتن.

المتقوم بالمعلوم بالذات ، لا خصوص الوجود الذهنی.

مضافا إلی أن اعتبار القطع کذلک کالغاء جهة کشفه أصلا عدیم المورد فی الشرعیّات ، والأمثلة المذکورة فی کلام شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » (1)غیر منطبقة علیه ، فإن اعتبار الیقین فی الأوّلتین من الرّباعیّة وفی الثلاثیّة والثنائیّة لیس قطعا علی القول به إلا من جهة اعتبار حدّ خاص من الکاشف وهو الکاشف التّام الذی لا یبقی معه تزلزل واحتمال الخلاف فی نفس المصلی ، وأین هذا من الغاء جهة کشفه عن الغیر أو مطلقا.

وکذلک اعتبار العلم بخصوصه فی مقام الشهادة ، فإنه من جهة اعتبار أعلی مراتب الکشف ، لا إلغاء جهة کشفه عن الغیر أو مطلقا ، وکذلک ما جعله ثمرة فی آخر کلامه من نذر التصدق إذا کان ولده حیّا أو تیقّن بحیاته ، فإن ظاهره أن اعتبار الیقین بما هو یقین هو الفارق ، لا إلغاء ما به الیقین یقین أو بالغیر.

وربما یقال (2)فی الفرق بأن المراد من العلم علی وجه الصفتیّة نفس الصورة المتقوّمة بالمعلوم بالذات والمراد من العلم علی وجه الکاشفیّة تلک الصفة باعتبار کشفها عن المعلوم بالعرض.

ویندفع بأن ملاحظة تلک الصورة المتقوّمة بالمعلوم بالذات عین ملاحظة کشفها الذاتی ، وأما ما فی الخارج ، فهو مکشوف بالعرض باعتبار مطابقتها لما فی الخارج.

فملاحظة الکشف الذاتی فقط محقّقة للعلم المأخوذ علی وجه یکون تمام


1) 1. فرائد الأصول المحشی : 1 / 4 - 5.

2) 2. القائل هو المحقق النائینی ( قده ). فوائد الأصول : 3 / 10.

الموضوع ، وملاحظة الکشف العرضی معه محققة للعلم المأخوذ علی وجه الجزئیّة للموضوع.

ومنه یندفع أیضا توهم (1)أن العلم المأخوذ علی وجه الکاشفیّة لا یتصور فیه التمامیّة ویتمحّض فی الجزئیّة.

ومنشأ هذه الأوهام تخیّل أن العلم له إضافة إلی ما فی الخارج ، فملاحظته بماله من الإضافة مصحّحة لاعتبار کاشفیّته عن الغیر ، وعدم ملاحظة إضافته معنی إلغاء جهة کشفه.

مع أن الإضافة المقولیّة إلی ما فی الخارج لیست من لوازم العلم لإمکان العلم ولا معلوم فی الخارج.

والإضافة الإشراقیّة مقوّمة له ، وطرفها ماهیّة المعلوم فی أفق النفس فقط.

بل الأولی أن یقال : إن مراد الشیخ الأجل « قدس سره » من التقسیم أن المأخوذ فی القضیّة اللفظیّة تارة طریق محض لبّا ، وأخری جزء الموضوع حقیقة ، فلیس للعلم الموضوعی حقیقة إلا قسم واحد.

ویؤیده ما حکی عن بعض نسخ الکتاب بعد الفراغ عن حکم الشق الأول من القطع الموضوعی ما لفظه ، ویظهر ذلک إمّا بحکم العقل بکون العلم طریقا محضا ، وإمّا بوجود الأدلة الأخر علی کون هذا الحکم المنوط بالعلم ظاهرا معلقا علی نفس المعلوم کما فی غالب الموارد. انتهی.


1) 1. کما فی کلام المحقق النائینی ( قده ). فوائد الأصول : 3 / 11.

فی البحث عن قیام الأمارة مقام القطع الطریقی والموضوعی 21 - قوله « مد ظله » : ولحاظهما فی أحدهما آلیّ وفی الآخر استقلالی ... الخ (1).

لا یذهب علیک أن القطع والظن حین تعلقهما بشیء طریق صرف ، ولیس الملحوظ فی تلک الحال علی وجه الأصالة والاستقلال إلاّ ذلک الشیء ، والقطع مثلا نحو حضور المعنی عند النفس وهو معنی لحاظه.

ولیس للقطع لحاظ لا آلیّا ولا استقلالیّا بل هو عین لحاظ الغیر ، فلیس کالمرآة حتی یعقل أن ینظر فیها إلی شیء فتکون (2)منظورة بالتبع ، بل القطع عین لحاظ الذهن ونظره إلی المعلوم.

بل القطع کما لا یکون ملحوظا آلیّا کذلک لیس آلة ، لعدم تعقل کون لحاظ الشیء آلة للحاظه ، کما لا یعقل أن یکون آلة لذات الشیء أو لوجوده الخارجی.

إذا عرفت ذلک ، فاعلم أن القطع إنما یتصف بالطّریقیّة والمرآتیّة عند تعلّقه حقیقة بالشیء ، وفی غیر تلک الحال لا یعقل أن یلاحظ إلا استقلالا ، ولیس القطع بما هو من وجوه متعلقه وعناوینه حتی یعقل لحاظه تارة بنحو الفناء فی المعنون وذی الوجه ، وأخری بنفسه بمعنی أن یکون تارة ما به ینظر ، وأخری ما فیه ینظر.

وکیف یعقل لحاظ صفة القطع علی الوجه الذی هو علیه حال تعلقه

قیام الأمارة مقام القطع الطریقی والموضوعی


1) 1. کفایة الأصول / 264.

2) 2. هکذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف قده لکن الصحیح أن ینظر فیه إلی شیء فیکون منظورا بالتبع فان مرجع الضمائر هو القطع لا المرآة.

بشیء حقیقة فی مقام تنزیل شیء منزلته ، إذ الآلة لا یعقل أن یکون طرفا؟

نعم : یمکن تقریب الاشکال بوجه آخر ، وهو أن القطع والظن حیث إنهما متقوّمان بذات المقطوع والمظنون ، فثبوت أحدهما یستلزم ثبوت الآخر.

فالأمر بترتیب الأثر علی الظن : یمکن أن یکون علی وجه الکنایة أمرا بترتیب الأثر علی لازمه وهو ذات المظنون.

کما یمکن أن یکون علی وجه الأصالة والحقیقة أمرا بترتیب الأثر علی نفسه.

ولا یعقل ملاحظة الظن ، قنطرة للانتقال إلی لازمه وهو ذات المظنون وملاحظته لا علی هذا الوجه بل علی وجه الحقیقة والأصالة ، فلا یعقل أن یکون القضیّة الواحدة کنائیّة وحقیقیّة ، فیکون نظیر الجمع بین اللحاظ الآلی واللحاظ الاستقلالی فی الاستحالة.

فان قلت : بعد فرض التلازم بین الظن والمظنون لا حاجة إلی الکنایة ، بل تدل القضیّة بالمطابقة علی ترتیب الأثر علی الظن وتدل بالالتزام علی ترتیب الأثر علی لازمه وهو ذات المظنون ، کما أخبر جدّا فی قوله زید کثیر الرماد عن کثرة رماده بالمطابقة وعن جوده بالالتزام فهناک قضیّتان حقیقیّتان إحداهما بالمطابقة والأخری بالالتزام.

قلت : حیث إن ثبوت أحد المتلازمین یستلزم ثبوت الآخر ، فلا محالة یکون الدال علی ثبوت أحدهما بالمطابقة دالا علی ثبوت الآخر بالالتزام ، سواء کانت الدلالة تصوریّة أو تصدیقیّة.

بخلاف موضوعیة أحدهما لحکم ، فانه لا یستلزم موضوعیة الآخر لذلک الحکم أو لحکم آخر بوجه من الوجوه ، بل لا بد من فرض الاستلزام بین التّنزیلین والتّعبّدین ، کما فی التّقریب الآتی فی کلامه من دون دخل للتلازم بین الظن والمظنون کما هو مبنی هذا التقریب.

ویمکن أن یقال : إن ما هو لازم نفس صفتی القطع والظن هی الماهیّة فی

مرحلة تقوّم الصفتین بها وهی فی مرحلة الذّهن وهذه لا حکم لها ، وما لها حکم وهی الماهیّة المقطوعة أو المظنونة بالعرض لا لزوم لها مع القطع أو الظن إلاّ بلحاظ متعلقهما اللازم لهما فی الحقیقة فانیا فی مطابقه ، فالأمر بالملزوم أمر بلازمه الفانی فی مطابقه بنحو الکنایة ، فتدبّر جیّدا.

ویمکن أیضا توجیه الإشکال المزبور حقیقة فیما إذا کان المظنون منزّلا منزلة المقطوع دون الظن منزلة القطع ، فإن المظنون والمقطوع حیث إنهما عنوانان ووجهان لمتعلق الظن والقطع ، فیمکن ملاحظتهما فانیا فی ذات المظنون والمقطوع ، کما یمکن ملاحظتهما بنفسهما ، فلحاظ العنوانین علی الأوّل آلیّ وعلی الثانی استقلالی.

إلا أن الآلیّة والاستقلالیّة فی اللحاظ إنما یصح إذا کان الحکم علی الثانی مرتبا علی عنوانی المظنون والمقطوع ، مع أن موضوع الحکم جزما ما هو مظنون ومقطوع بالحمل الشائع ، لا ما هو کذلک بالحمل الأولی ، فموضوع الحکم سواء کان ذات المظنون والمقطوع أو بما هو مظنون ملحوظ بالاستقلال ، کما أن العنوانین بلحاظ فنائهما فی ذات المعنون أو فی المعنون بما هو معنون ملحوظان باللحاظ الآلی ، فلا جمع بین اللحاظ الآلی والاستقلالی علی أی حال لیقال : بأنه محال.

کما أنه لا ینبغی الاشکال من حیث وقوع الظن والقطع موضوعا فی الأدلة لا المظنون والمقطوع.

وذلک لأن الصورة الحاصلة باعتبار اتّحاد الماهیّة والوجود کما أنها مطابق الظن أو القطع کذلک مطابق تلک الماهیة ، فیمکن ملاحظة تلک الماهیّة الحاضرة فانیة فیما هو کذلک بالحمل الشائع وترتیب الأثر علیها ، فتدبّر.

بل الاشکال أن العنوان : إذا لوحظ فانیا فی ذات المعنون بملاحظته معرفا محضا له فلا تنزیل إلا بالإضافة إلی ذات المؤدّی ، وإطلاقه لصورة انضمامه إلی مبدأ العنوان وانفراده عنه بنحو الجمع بین المراتب غیر معقول ، وبنحو

إلغاء الانضمام عن القیدیّة وکذا الانفراد غیر مفید لتنزیل المؤدّی بانضمام المبدأ إلیه منزلة الواقع بانضمام القطع إلیه.

وإذا لوحظ العنوان فانیا فی المعنون بما هو معنون أی الذات القائم بها المبدأ بنحو العنوانیّة المحضة ، فهو لا یفید إلا تنزیل المؤدّی بما هو مؤدّی منزلة المقطوع بما هو مقطوع من دون تنزیل لذاته منزلة الواقع.

ولا یعقل الإطلاق حینئذ من حیث الانفراد والانضمام ، إذ الإطلاق فی شئون الماهیّة ولواحقها لا فیما تتقوّم به ، کما هو واضح ، والجمع بین المعرفیّة المحضة والعنوانیّة المحضة محال ، لا لکونه جمعا بین اللحاظ الآلی والاستقلالی ، بل لکونه جمعا بین المتناقضین وهو ملاحظة المبدأ مع الذات وعدم ملاحظته معها أو ملاحظة عدمه معها.

وتوهم أن الخاص إذا لوحظ فقد لوحظت الذات والخصوصیّة معا ولو لانحلاله إلیهما ، فهما ملحوظان بالاستقلال ، وینحل التّنزیل الوحدانی إلی التّنزیلین ، فیکون أمرا بالبناء علی الذات وعلی الخصوصیّة معا.

مدفوع : بأن لحاظ الخاص بما هو لحاظ أمر واحد وقبوله للانحلال إلی شیئین غیر انحلاله فعلا إلیهما.

وما لم یلحظ الذات والخصوصیّة کل منهما بالفعل بلحاظ یخصه لا معنی لاختصاص کل منهما بحکم فعلا ، بداهة أن تعدد الحکم بالفعل یستدعی تعدد الموضوع بالفعل.

ومعنی قبول الحکم الوحدانی للتعدد بالتحلیل تعدد انتسابه إلی أجزاء موضوعه عند ملاحظة کل جزء بنفسه ، لا أن الحکم الواحد فی الحقیقة أحکام متعددة لموضوعات متعددة.

ولیس التنزیل أمرا قهریّا لیتوهم انحلاله قهرا إلی تنزیلین حقیقیّین مع لحاظ الوحدة فی طرف الموضوع حقیقة.

وملاحظة الخاص بما هو غیر ملاحظة الذات والخصوصیّة بنحو الجمع فی العبارة حتی لا ینافی مصداقیّة الإنشاء الواحد لأحکام حقیقیّة متعددة عقلا ، کما فی الحکم المتعلّق بالعام الاستغراقی بنحو الکل الأفرادی.

ولا یقاس ما نحن فیه أیضا بالمطلق الشمولی مثل ، أکرم العالم بلحاظ طبیعی العالم بحدّه وترتیب طبیعی الحکم علیه ولازمه عقلا تعلق کل فرد من طبیعی الحکم بفرد من طبیعی الموضوع ، لأن الفارق وجود الجهة الجامعة بین تلک الأفراد دون ما نحن فیه حیث لا جامع بین الذات والخصوصیّة بحیث ینطبق علیهما ، فتدبّر جیّدا.

ومن جمیع ما ذکرنا تبیّن عدم إمکان تکفّل الدلیل لتنزیلین بالإضافة إلی الواقع والقطع الموضوعی.

ولیعلم أن الاشکال إنما یتوجه بناء علی أن حجیة الأمارة ترتیب الأثر علی مؤدیها.

وأما لو کانت الحجیة بمعنی جعلها منجّزة للواقع ، فالأثر المجعول أثر الخبر مثلا لا ذات المخبر به ، فلا مانع من تنزیل الظن مثلا منزلة القطع فی جمیع الآثار ، فیکون تنجیزا للظن ، کما أن القطع منجّز ، وتوسعة للموضوع بجعل الظن مکان القطع فی کونه تمام الموضوع تارة ، وجزءه أخری.

فقوله الظن کالقطع مطلقا کنایة عن جعل الحجّیة للظن ، کما للقطع حقیقة ، وعن دخله فی موضوع الحکم بترتیب ما للقطع المتعلق بشیء من الوجوب والحرمة ، فالمکنّی عنه حکم طریقی وحکم نفسی حقیقی.

ولا بأس به بعد عدم لزوم محذور الجمع بین اللحاظین حیث إن موضوع الأثر علی أی حال هما القطع والظن لا الواقع حتی یجب لحاظهما بنحو الفناء فی المظنون والمقطوع بالحمل الشائع.

ولا یخفی علیک أن الظن والقطع ملحوظان علی أیّ تقدیر من حیث الطریقیّة لأن الکلام فی القطع المأخوذ علی وجه الکاشفیة.

وربما یقال (1)فی مقام إشکال الجمع بین اللحاظین بأنه مبنی علی کون الحجّیة بمعنی التنزیل وجعل الحکم حقیقة ، مع أنه لیس کذلک بتقریب أن العلم وإن اختلفوا فیه من حیث کونه من مقولة الانفعال أو الفعل أو الکیف أو الإضافة إلاّ أن الحق أنه فیه جهات کل منهما ، إذ أوّل مراتبه استعداد النفس وتأثّرها من المعدّات لإیجاد صورة فی صقعها ، وهذا هو جهة الانفعال ، ثم توجد فیها تلک الصورة ، وهی جهة الفعل ، ثم تتصف النفس بکونها واجدة لتلک الصورة ، وهی جهة الکیف ، ثم إن تلک الصورة المعلومة بالذات للنفس لها إضافة إلی المعلوم بالعرض وهو ما فی الخارج ، وهذه جهة الإضافة.

وما عدا هذه المرتبة الأخیرة أمور تکوینیّة غیر قابلة للجعل التشریعی ، وأما هذه المرتبة ، فهی فی صفة القطع أیضا ذاتیّة غیر قابلة للجعل التشریعی ، وفی غیرها کالأمارات قابلة للجعل التشریعی.

ومعنی جعلها التشریعی إعطاء صفة الطریقیّة والکاشفیّة لها واعتبارها إحرازا شرعا ، فإذا کان الواقع محرزا باعتبار الشارع ترتب علیه جمیع آثاره من دوم لزوم جعل الحکم ، ولا توسعة الموضوع للحکم الواقعی ، کما فی الحکومة الواقعیّة فی مواردها.

والجواب مبنی علی مقدمة هی ان اعتبارات الشارع ومجعولاته التشریعیّة علی ثلاثة أقسام.

أحدها : اعتبار البعث والزجر ونحوهما ، فان الإنشاء بداعی جعل الداعی یصحّح اعتبار الدعوة ، ویصحّح انتزاع الباعثیّة عنه وهو فی الحقیقة إیجاد الداعی اقتضاء بحیث یکون داعیا فعلیّا عند انقیاد العبد.

فهو فی الحقیقة جعل تکوینی للداعی الاقتضائی ، لکنه حیث صدر من الشارع بما هو ناظر إلی المصلحة الواقعیّة ، فهو جعل تشریعی منه.


1) 1. القائل هو المحقق النائینی ( قده ). أجود التقریرات : 2 / 9.

ثانیها : اعتبار الملکیّة والزوجیّة وشبهها من الأمور الوضعیّة ، وحقیقتها اعتبار معنی مقولی بحیث لو وجد بوجوده الحقیقی کانت مقولة من المقولات ، کما حققناه فی محله.

ومثل هذا الاعتبار محقّق للموضوع الذی یترتب علیه الآثار ، ولیس بابه باب التنزیل ، إذ لیس للملک المقولی أثر عرفی أو شرعی حتی یکون من باب تنزیل المعتبر منزلة المقولة فی الأثر ، بل تمام ما هو موضوع حقیقی للأثر نفس هذا المعنی المعتبر.

ثالثها : اعتبار المؤدّی واقعا أو اعتبار الأمارة علما بإنشاء الحکم المماثل للواقع أو للأثر المرتب علی العلم بعنوان أنه الواقع أو بعنوان أنه علم ، وبابه باب تنزیل المؤدی منزلة الواقع فی الأثر أو تنزیل الأمارة منزلة العلم فی أثره.

ولا یخفی أن المتمحّض فی کونه اعتباریّا هو القسم الثانی دون الأوّل والأخیر ، فإن الأول إنشاء بداعی البعث لا أنه اعتبار البعث ابتداء ، کما أن الأخیر جعل الحکم بلسان أنه الواقع لا اعتبار المؤدّی واقعا ، فالاعتباری المحض هو القسم الثانی الذی هو وجود اعتباری لمعنی مقولی.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إن اعتبار الإحراز فی مورد الأمارة من القسم الثانی دون الأول وهو واضح ، ودون الأخیر فانه خلف ، إذ المفروض أنه فی قبال التنزیل.

ومن الواضح أن اعتبار أیّ معنی کان فی نفسه خفیف المئونة ، ولا یصح إلا بلحاظ أثر یترتب علیه ، وإلا فجمیع الاعتبارات متعلّقة بمعان لو تحققت فی الخارج لکانت من الأمور التکوینیّة ، فلا اختصاص للاعتبار بخصوص الإحراز وإضافة العلم إلی الخارج.

هذا مع قطع النظر عن فساد جمیع ما ذکر من الجهات المزبورة فی صفة

العلم ، کما أشرنا إلی بعضها (1)فیما تقدم ، وتفصیل القول موکول إلی فنه.

ثم إن الاعتبار الذی هو من القسم الثانی لا یصح إلا إذا کان هناک أثر بحیث یکون نفس الاعتبار موضوعا له ، فیکون تحقیقا لموضوع الأثر لا من باب اعتبار موضوع ذی أثر.

ومن الواضح أن الإحراز الحقیقی له آثار عقلیّة وآثار شرعیّة ، فاعتبار ذلک الموضوع حیث إنه لا أثر مجعول له بما هو اعتبار لا یوجب ترتب تلک الآثار العقلیّة أو الشرعیّة إلاّ بالخلف بجعل الآثار لشیء بعنوان أنّه موضوعها الحقیقی.

وتوضیح ذلک أن الأثر المترتب علی العلم بما هو إحراز حقیقی بذاته إما عقلی أو شرعی ، فالأوّل کالتنجّز واستحقاق العقوبة علی مخالفة التکلیف الواصل والثانی کالحرمة والنجاسة مثلا المرتبتین علی ذات الخمر أو علی الخمر المعلوم.

فان کان من قبیل الأول : وإن کان (2)موضوع استحقاق العقوبة مخالفة التکلیف المعلوم حقیقة ، فاعتبار الإحراز فی الأمارة إذا لم یستتبع جعل التنجز شرعا لا یجدی شیئا حیث لا یترتب علی مخالفة التکلیف المحرز بالاعتبار شیء ، فلا یکون الاعتبار محقّقا لموضوع ذی أثر ولا کاشفا عن موضوع ذی أثر ، وفرض کلام هذا القائل أن اعتبار الإحراز لا یوسع دائرة الموضوع فی مقام الثبوت والواقع ولو کشفا ، بل یوسّعها فی مقام الإثبات ، ولا معنی للتوسعة فی مقام الإثبات إلا اعتبار الأمارة بعنوان الإحراز الذی هو موضوع الأثر ، فهو جعل الأثر بعنوان إثبات موضوعه.

وإن کان موضوع الاستحقاق عقلا مخالفة التکلیف المحرز بالمعنی


1) 1. التعلیقة 20.

2) 2. کذا فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف ( قده ) ، والصحیح : فان کان.

الأعم من الحقیقی والاعتباری فبابه باب تحقیق الموضوع بنفس اعتبار الإحراز لا باب التنزیل.

لکنه مع اختصاصه بمثل هذا الأثر العقلی هو خلاف مفروضه من عدم التوسعة فی الواقع وأن الحکومة ظاهریّة لا واقعیّة.

وإن کان من قبیل الثانی سواء کان العلم طریقا أو مأخوذا علی وجه الطریقیّة والکاشفیّة ، فالأثر المترتب علی ذات المعلوم أو علی المعلوم بما هو معلوم جعل شرعی ، وفرض الحکومة الظاهریّة دون الواقعیّة فرض عدم کون الموضوع الواقعی وسیعا بل مضیّقا ، فکیف یجدی فرض الإحراز واعتباره فی الأمارة فی ترتب الأثر الشرعی علی مؤدی الأمارة قهرا؟ بل هو اعتبار بلا أثر علی الفرض ، فلا معنی لکون الاعتبار محققا للموضوع أو کاشفا عن سعته حتی لا تحتاج إلی جعل الأثر.

وإن فرض بالخلف أن الموضوع الحقیقی هو أعم مما أحرز حقیقة أو اعتبارا ، فهو محقق للموضوع.

لکنه خلاف مفروضه من الحکومة الظاهریّة بل ورود تحقیقی.

فالتحقیق أن اعتبار المؤدّی واقعا أو اعتبار الأمارة إحرازا لا یصحّ إلا علی الوجه الثالث من دون لزوم کون الحکومة واقعیّة ، فإن التوسعة أو التضییق عنوانی لا حقیقی ، فهو جعل الحکم الماثل علی طبق المؤدّی بذاته أو بما هو مؤدّی بعنوان أنه الواقع أو الواقع المعلوم فی ظرف الجهل بالواقع من دون لزوم توسعة أو تضییق فی الموضوع للحکم الواقعی تحقیقا أصلا ، فهی حکومة لا ورود ، وظاهریّة لا واقعیّة ، فتدبّره فإنه حقیق به.

وأمّا ما ذکرناه من التّردید فی التّنجز العقلی من أن موضوعه مخالفة التکلیف المحرز حقیقة أو أعم مما إذا کان محرزا اعتبارا ، فتوضیح القول فیه أن استحقاق العقوبة : إن کان من اللوازم الواقعیّة القهریّة للمخالفة لا الجعلیّة ، وکان عقلیّة باعتبار إدراک العقل النظری لهذا اللازم الواقعی ، فهو ممّا لا یختلف

حاله باختلاف الاعتبارات حیث لا یتقوّم بالاعتبار کسائر الواقعیّات ، فلا معنی لدخل الاعتبار فیه.

وإن کان من اللوازم الجعلیّة العقلانیّة وعقلیّة من حیث إدراک العقل العملی لهذا اللازم الجعلی الذی بنی علیه العقلاء عملا کما مرّ منّا سابقا ، فلا یمکن ترتیبه علی مخالفة التکلیف الغیر المحرز حقیقة إلاّ بجعل الاستحقاق شرعا ، فان جعل الاستحقاق من العقلاء لیس بنحو إنشاء القضایا الحقیقیّة لیتصور أنها ذات موضوع کلی له أفراد محقّقة الوجود وأفراد مقدرة الوجود ، فباعتبار الوصول والإحراز فقط من الشارع یتحقّق عنوان مخالفة التکلیف المحرز علی الوجه الکلی.

بل قد عرفت سابقا أن مسألة استحقاق المدح والثواب واستحقاق الذم والعقاب داخلة فی القضایا المشهورة المسطورة فی باب الصناعات الخمس من علم المیزان وهی القضایا التی بنی علیها العقلاء عملا من مدح فاعل طائفة من الأفعال وذم فاعل طائفة أخری حفظا للنظام وإبقاء للنوع.

ومقدار سعة هذا الموضوع وضیقه یتقدّر بالبناء العملی من العقلاء ، فان فرض أن عملهم فی ذم المخالف للتکلیف المحرز بالعلم وبخبر الثقة مثلا ، فلا عمل لهم فی مورد الأمارة التی یعتبرها الشارع حتی یکون استحقاق الذم والعقاب علی مخالفتها عقلائیّا حتی یکتفی من الشارع بمجرد اعتبار الأمارة إحرازا ، بل لا بد من الإنشاء بداعی تنجیز الواقع بجعل الشارع ، فتدبر جیدا.

22 - قوله « مد ظله » : فإن ظهوره فی أنه بحسب اللحاظ ... الخ (1).

فمثل قوله علیه السلام : نعم (2)بعد السؤال عن أن یونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم دینی یفید تنزیل المأخوذ منه منزلة معالم الدین ، وهو


1) 1. کفایة الأصول / 264.

2) 2. رجال الکشی / 306.

تنزیل منزلة الواقع لا الواقع المعلوم.

وتوهم أنه یفید تنزیل المأخوذ من الراوی بما هو مأخوذ منه منزلة الواقع الواصل نظرا إلی أن الأخذ لازمه الوصول ، فیکون کنایة عن الوصول.

مدفوع بأن الدلیل إن کان متکفلا لتنزیل الأخذ من الراوی منزلة أخذ الواقع صح أن یتوهم ترتّب الأثر علی الوصول.

وکذا لو دل علی ترتیب الأثر علی الأخذ بأن یقول رتب أثر أخذ الواقع علی الأخذ من الراوی مثلا أمکن أن یکون کنایة عن ترتیب أثر وصول الواقع.

وأما إن کان الدلیل متکفلا للأمر بالأخذ ، فلا ، لأن الوصول الذی هو لازمه غیر قابل للأمر به حتی یکون الأمر بالأخذ کنایة عن الأمر بلازمه.

والمفروض أن قوله علیه السلام : نعم بعد السؤال المذکور فی قوّة قوله خذ معالم دینک من یونس بل الأمر بالأخذ کنایة عن الأمر بالعمل ، حیث إن العمل لا یکون بلا أخذ والأخذ للعمل ، فیکون الأخذ العملی کالتصدیق العملی ، وکالنقض عملا أو الإبقاء عملا.

مع أن اعتبار الأخذ فی المنزل علیه بلا وجه ، بل غایته تنزیل المأخوذ بما هو مأخوذ منزلة معالم الدین ، لا منزلة معالم الدین المأخوذة لیکون تنزیلا للواصل منزلة الواصل.

والعمدة فی الفرق بین تنزیل المؤدّی منزلة الواقع أو منزلة الواقع الواصل ملاحظة حال المنزل علیه ، وإلا فیمکن أن یکون التنزیل بلحاظ الواقع فقط ، ومع ذلک کان لقیام الأمارة دخل فی جعل الحکم المماثل ، کما هو کذلک بناء علی سببیّة الأمارات فی قبال طریقیّتها.

وکذا فی دلالة التنزیل منزلة الواقع قوله علیه السلام فما أدّیا عنّی فعنّی یؤدّیان (1)فانّ نفس التأدیة من الامام علیه السلام واضحة لا یحتاج إلی التنزیل ،


1) 1. الأصول من الکافی : 1 / 330.

فقول القائل ما یخبر به عنی فهو ما یخبر به عنی لیس إلاّ لبیان واقعیّة المخبر به ، لا واقعیّة الإخبار به ، فتصدیقه علیه السلام لکونه عنه ، لیس بلحاظ کون الخبر عنه فان هذه النسبة قطعیة والمشکوکة کون المخبر به عنه ، فیکون تصدیقا منه علیه السلام لهذه النسبة ، لا لتلک النسبة ، فتدبّر جیّدا.

لا یقال : فحینئذ لا أثر لکونه عنه علیه السلام فما فائدة هذا التنزیل.

لأنّا نقول : کونه عنه علیه السلام لیس بلحاظ أثر وصوله عنه علیه السلام بل لبیان واقعیّة المخبر به حیث لا یقول علیه السلام إلا صدقا.

وأما الآیات ، فآیة النبأ أیضا تدل علی التنزیل منزلة الواقع.

وتوهم التنزیل منزلة الواقع الواصل بدعوی أن خبر العادل حیث إن مؤدّاه کان مبینا شرعا تنزیلا لم یجب فیه التبین ، وخبر الفاسق حیث إنه لم یکن کذلک وجب فیه التبین ، فالمدار علی الواقع المبیّن.

فاسد فان التبین لیس لتتمیم موضوع الحکم ولا لتنجیز الواقع بالعلم بصدقه ، بل لظهور الواقعیّة وعدمها ، وعدم کونه لتتمیم الموضوع واضح ، وکذا عدم کونه للتنجیز ، فإن الردع علی الاعتماد علی نبأ الفاسق لیس لأجل رعایة حال المکلف من حیث عدم تنجّز الواقع بنبإ الفاسق ، بل من حیث إنه یوجب وقوعه فی خلاف الواقع وإصابة القوم بجهالة.

وأمّا آیة النفر ، فوجوب التحذر وإن کان یدل علی ترتب العقاب علی ما أنذروا ، لکنه کما یحتمل أن یکون لتنجز الواقع بالخبر عنه ، کذلک یحتمل أن یکون لجعل الحکم المماثل علی طبق ما أنذروا ، وعلی أیّ حال لیست الآیة فی مقام تتمیم موضوع الحکم ، بل إمّا فی مقام جعل الحکم المماثل علی طبق المخبر به ، أو تنجیز المخبر به بالخبر ، وکذا غیرهما من الآیات.

وأما بناء العقلاء ، فقد مر مرارا أن بناء العقلاء عملا علی مؤاخذة العبد إذا خالف ما أخبر الثقة به عن مولاه مثلا لا علی جعل الحکم المماثل.

ولکن علی أی تقدیر لیس الخبر عندهم متمّما لموضوع الحکم ، فاحتمال

تکفّل أدلة حجّیة الخبر مثلا لتنزیل المخبر به منزلة القطع الموضوعی أو تکفّلها لتنزیله منزلة القطع الموضوعی والطریقی معا باطل.

نعم الأدلة تختلف من حیث دلالتها علی تنزیل المخبر به منزلة الواقع بجعل الحکم المماثل أو تنزیله منزلة وصول الواقع من حیث التنجّز فقط لا من حیث الجزئیّة للموضوع أیضا.

23 - قوله « مد ظله » : لوضوح أن المراد من قیام ... الخ (1).

بل المراد من قیام شیء مقام القطع إمّا هو القیام من حیث المتعلق بمعنی قیام مؤدی الأمارة مقام الواقع أو قیام نفس الأمارة مقام القطع فی التّنجیز.

وتوهم قیام الأصول مطلقا مقام القطع لأنها المرجع بعد فقد العلم.

لا وجه له ، إذ حقیقة قیام شیء مقام القطع هو القیام بما له من الآثار والأحکام لا مجرد الرجوع إلیه بعد فقده.

24 - قوله « مد ظله » : إمّا بلحاظ المتیقّن أو بلحاظ نفس الیقین ... الخ (2).

فالأول للقطع الطریقی ، والثانی للموضوعی.

لکنک قد عرفت آنفا أن طریقیّة الیقین وصیرورته مرآة للمتیقّن وملحوظیّته ، آلیا إنّما هی فی مقام تعلّقه بالمتیقّن ، وأما الیقین الواقع طرفا لحرمة النقض ، فلا یعقل إلا لحاظه استقلالیّا.

نعم بناء علی أنه کنایة عن إبقاء حکم المتیقّن یجری الإشکال فی أن المکنی عنه هل هو المتیقن بما هو متیقن أو ذات المتیقن والجمع بینهما فی لحاظ واحد محال.

وأما إذا کان بعنوان إبقاء الیقین فی جمیع آثاره من المنجّزیة للحکم ومن


1) 1. کفایة الأصول / 265.

2) 2. کفایة الأصول / 266.

کونه جزء الموضوع ، فلا بأس بالجمع کما تقدم نظیره ، فیکون جعلا للمنجّزیّة لا حقا وجعلا للحکم المماثل المرتب علی الیقین ومتعلقه ، فتدبّر.

وتوهم الفرق بین دلیل الأمارة ودلیل الاستصحاب من حیث إن الأول فی مقام تتمیم کشفها دون الثانی.

مدفوع بأنه أیضا فی مقام إبقاء الکاشف ، فتدبر.

25 - قوله « مد ظله » : وما ذکرنا فی الحاشیة فی وجه تصحیح لحاظ واحد ... الخ (1).

توضیحه أن وفاء خطاب واحد وإنشاء واحد بتنزیلین وإن کان مستحیلا کما عرفت.

إلا أن تنزیلین بإنشاءین فی عرض واحد یدل دلیل الاعتبار علی أحدهما بالمطابقة وعلی الآخر بالالتزام لیس محالا ، وهنا کذلک ، لدلالة دلیل الأمارة مثلا علی ترتیب آثار الواقع مطلقا ومنها الأثر المترتب علی الواقع عند تعلق القطع به حتی فی صورة کون القطع تمام الموضوع ، إذ لمتعلقه دخل شرعا ولو بنحو العنوانیة المحفوظة فی جمیع المراتب.

وهذا التنزیل وإن کان یقتضی عقلا تنزیلا آخر ، حیث إن الواقع لم یکن له فی المقام أثر بنفسه حتی یعقل التّعبّد به هنا ، وتنزیل المؤدّی منزلة الواقع بلحاظه.

لکنه لا یقتضی عقلا أن یکون المنزل منزلة الجزء الآخر هو القطع بالواقع الجعلی ، لإمکان جعل شیء آخر مکانه.

إلا أنه لا یبعد عرفا أن یکون هو القطع بالواقع الجعلی ، فصون الکلام عن اللغویّة بضم الملازمة العرفیّة یدل علی تنزیل آخر فی عرض هذا التنزیل للجزء الآخر.


1) 1. کفایة الأصول / 266.

وإنما قلنا بأن اللازم أن یکون التنزیل الآخر مقارنا لهذا التنزیل ، لا سابقا ولا لاحقا ، لأن الأثر الذی کان بلحاظه التنزیلان واحد ، فلا یعقل التعبد بذلک الواحد ، إلا إذا کان أحد الجزءین محرزا حقیقة ، بحیث لا حالة منتظره المتعبد بذلک الأثر وترتیبه علی الواقع ، أو کان التنزیلان متقارنین ، لیکون مرجعهما إلی التعبد بالوجوب أو الحرمة.

وأما مع سبق أحد التنزیلین ولحوق الآخر ، فلا یصح التنزیل فی کل منهما ، إذ الاثر واحد والموضوع واحد مرکبا کان أو مقیدا ، ولیس للجزء أو ذات المقید أو القید حکم شرعی حتی یصح التعبد به بعنوان التعبد بجزء موضوعه.

فظهر من جمیع ما مر أن تنزیل مرکب منزلة مرکب آخر لا یکاد یصح إلا بأحد وجهین ، إما بالمطابقة أو بالالتزام ، ولکن بنحو المقارنة.

وقد عرفت أن التنزیل بالمطابقة غیر معقول هنا لمکان الجمع بین اللحاظین کما تقدم ، فلم یبق مجال إلا للالتزام.

26 - قوله « مد ظله » : فإنه لا یکاد یصح تنزیل جزء الموضوع ... الخ (1).

بعد ما عرفت أن تنزیل الجزء الآخر وهو القطع بالواقع التنزیلی الذی قلنا به بدلالة الاقتضاء والملازمة العرفیّة لا بد من أن یکون فی عرض تنزیل المؤدی منزلة الواقع تعرف استحالة تحقق تنزیلین کذلک ، إذ القطع بالواقع التنزیلی متأخر طبعا عن الواقع التنزیلی.

والمفروض أن دلالة الدلیل علی تنزیل المؤدّی یتوقف علی دلالته بالملازمة علی تنزیل القطع بالواقع التنزیلی ، مع أنه لا واقع تنزیلی إلا بهذا الدلیل.

فکیف یعقل أن یکون أحد التنزیلین المتأخر رتبته عن موضوعه المتأخر رتبته عن التنزیل الآخر فی عرض التنزیل الآخر؟

وتمام السر فیه أن مرجع التنزیلین إلی تنزیل واحد وإثبات حکم مرکب


1) 1. کفایة الأصول / 266.

لمرکب آخر ، فلا بد من أن یکون الموضوع بجمیع أجزائه وقیوده متقدما فی مرحلة موضوعیّته علی الحکم ، مع أن بعض هذا المرکب لا ثبوت له فی حد موضوعیّته إلا بلحاظ هذا الحکم.

وبعبارة أوضح معنی تنزیل المائع الذی أخبر البیّنة بخمریّته منزلة الخمر تحریمه ، ومعنی القطع بالواقع التنزیلی بما هو کذلک هو القطع بخمریّته شرعا أی القطع بحرمته ، ومن البدیهی أن القطع بالحرمة لا یعقل أن یؤخذ فی موضوع تلک الحرمة.

ولیعلم أن تقدم الموضوع علی حکمه لیس تقدّما خارجیّا حتی یدفع بکفایة التقدم اللحاظی بل تقدم طبعی سیأتی إن شاء الله تعالی ما هو الملاک فیه.

والتحقیق أن الحکم المرتب علی المنزّل المماثل لحکم المنزل علیه : إن کان قابلا للتحلیل امکن تعدد التنزیل ، ومعه لا یلزم من أخذ القطع بالواقع التنزیلی دور ولا محال آخر ، فإن الأثر علی الفرض متعدد ، والقطع بأثر یمکن أن یؤخذ فی موضوع أثر آخر ، ولا یجب أن یکون موضوع الحکم جمیع أجزائه عرضیّة بحیث لا یکون بینها تأخر وتقدّم طبعی.

وإن لم یکن الحکم قابلا للتحلیل ، فلا معنی لتعدد التنزیل ، حیث لا معنی للتنزیل إلا جعل الحکم والمفروض وحدته ، ولیست الجزئیّة للموضوع قابلة للجعل الاستقلالی.

وعلیه فنفس الوحدة مانعة عن أخذ القطع بالواقع التنزیلی جزء للموضوع بتنزیل آخر طولا کان أو عرضا ، لا أن لزوم الدور مانع.

کما أن التحقیق عدم قبول الحکم هنا للانحلال إلی المتعدد ، إذ القابل له ما إذا کان متعلقه المطلوب به مرکبا ذا أجزاء أو مقیدا ذا تقیّد ، فیمکن الأمر بأجزاء الصلاة بدلا عن الأمر بنفس الصلاة ، کما یمکن الأمر بالصلاة وبجعلها عن طهارة بدلا عن الأمر بالصلاة عن طهارة ، بخلاف ما نحن فیه ، فان القطع بالخمریّة ، التعبدیة جزء الموضوع ، لا جزء المتعلّق حتی یکون مطلوبا بطلبه ،

فتدبّر.

کما أن (1)دفع الإشکال بکفایة الأثر التعلیقی فی تنزیل المؤدّی منزلة الواقع ، وتوقف فعلیّة الأثر علی تحقق المعلّق علیه ، فالموقوف غیر الموقوف علیه.

مدفوع بأن المعلّق علیه هو القطع بالواقع التنزیلی ، ومثله لا یعقل أن یکون قیدا لأول الأمر إلی تعلیق الحرمة للمائع مثلا علی القطع بالحرمة.

والتعلیقیّة والفعلیّة من شئون شخص الحرمة المنشئة لا أن الأثر متعدد ، إذ لیس الکلام فی أخذ القطع بمرتبة من الحکم فی موضوع مرتبة أخری منه حتی یکون معقولا واقعا وظاهرا ، بل فی کون القطع بالواقع التنزیلی جزء لموضوع الواقع التنزیلی علی حدّ جزئیّة القطع بالخمریّة لموضوع الحکم فی جمیع مراتبه.

ومنه یعلم أن أخذ (2)القطع الموضوعی من حیث کونه طریقا معتبرا مشترک الحال من حیث الإشکال مع مسلکه « قدس سره » لأن دلیل التنزیل بالإضافة إلی المؤدّی فقط وإن کان محققا لحیثیّة اعتبار الطریق من دون حاجة إلی تنزیل ، آخر ، إلا أن المؤدّی لا بد من أن یکون ذا أثر ، والأثر التعلیقی أیضا لا یدفع المحذور ، لأن حیثیّة طریقیّته إلی الواقع وإن لم یتوقف علی تنزیل المؤدی منزلة الواقع ، إلا أن حیثیّة اعتباره یتوقف علی هذا التنزیل ، إذ لا معنی لاعتبار الأمارة إلا الحکم علی مؤداها بمثل الحکم علی الواقع فعلیّا کان أو تعلیقیّا.

نعم لو کان للمؤدّی أثر آخر غیر ما هو أثر المجموع من المؤدی وحیثیّة قیام الطریق المعتبر علیه اندفع المحذور وکان دلیل التنزیل تنزیلا ومحققا للطریق ، المعتبر ، فتدبّر جیّدا.


1) 1. الدافع للاشکال بما فی المتن هو المحقق الحائری قده. درر الفوائد / 332.

2) 2. کما عن المحقق الحائری قده. درر الفوائد / 331.

فی القطع وأقسامه

27 - قوله « قده » (1): لا یکاد یمکن أن یؤخذ القطع بحکم فی موضوع نفس الحکم ... الخ (2).

بداهة أن الموضوع لا بد منه فی مرتبة موضوعیّته وتعلّق الحکم به ، والمفروض أن الموضوع سنخ موضوع لا ثبوت له مع قطع النظر عن حکمه.

ولو لا شخص هذا الحکم لا یعقل تعلّق القطع به بشخصه ، وتعلّقه بصورة مثله عند الخطأ خلف.

ولو لا تعلق القطع به لم یتحقق ما هو مقطوع الوجوب مثلا بشخص هذا الوجوب بالحمل الشائع حتی یکون موضوعا لشخصه ، فیلزم توقف الشیء علی نفسه.

والتحقیق أن العلم الموقوف علیه شخص الحکم : إذا لوحظ بالإضافة إلی متعلّقة المتقوّم به العلم فی مرتبة وجوده فی النفس ، فمتعلّقه ماهیة الحکم دون وجوده ، لاستحالة تقوّم العلم بأمر خارج عن أفق النفس ، ولیس العلم إلا وجود الماهیة فی النفس ، إذ الوجود لا یقبل وجودا آخر ، لا من سنخه ، ولا من غیر سنخه.

ومن الواضح أن العلم وإن کان متوقفا علی المعلوم بالذات ومتأخرا عنه ، لکنه لا توقف لماهیّة الحکم علیه ، بل لوجوده فلا دور ، لعدم التوقف من الطرفین.

مضافا إلی عدم التعدد فی الوجود المبنی علیه الدور المصطلح علیه.

وإذا لوحظ العلم بالإضافة إلی المعلوم بالعرض وهو المطابق للمعلوم

أقسام القطع


1) 1. یبدو أن الشیخ الآخوند الخراسانی کان حیّا لغایة کتابة التعلیقة السابقة 26.

2) 2. کفایة الأصول / 266.

بالذات أی الحکم بوجوده الحقیقی ، والحکم (1)وإن کان متوقفا بالفرض علی العلم توقف المشروط علی شرطه ، إلا أن شرطه وهو حقیقة العلم کما عرفت لا یتوقف علی وجود الحکم بل علی ماهیّته.

ومنه تعرف أنه کما لا دور کذلک لا خلف ولا اجتماع المتنافیین من حیث التقدم والتأخر الطبعیین ، فإن العلم له التأخر الطبعی عن ذات متعلقه تأخر العارض عن معروضه ولا تأخر لمعروضه عنه ، وحقیقة الحکم لها التأخر الطبعی عن حقیقة العلم تأخر المشروط عن شرطه ، لکنه لا تأخر للعلم عن حقیقة الحکم ، بل عن ماهیّة (2)المقوّمة له فی أفق النفس ، فلم یلزم خلف ولا اجتماع المتنافیین.

ولا یخفی علیک أن الشرط وإن کان حقیقة العلم المطابق للواقع بحیث یکون المعلوم صورة شخص الحکم لا صورة مثله ، إلا أنه لا توقف للمعلوم بالذات علی المعلوم بالعرض ، فلا دور بالواسطة.

والمفروض هنا تحقق الحکم حال تحقق العلم ، لأن الشرطیة لا تقتضی إلا تحقق العلم المطابق ، سواء کان مطابقه مقارنا له زمانا أو سابقا علیه أو لا حقا.

ومما مرّ یندفع الدور بتقریب آخر : هو أن العلم موضوع الحکم لا متعلّقه المطلوب به ، والموضوع لا بد من أن یکون مفروض الثبوت ، فیلزم فرض ثبوت الشیء قبل ثبوته ، وهو ملاک الدور المحال.

ویندفع بأن مقتضاه فرض ثبوت العلم لا فرض الثبوت المعلوم ، وثبوت العلم لا یقتضی ثبوت المعلوم بالعرض کما عرفت.

مع أن ثبوت الشیء فرضا غیر ثبوته التحقیقی ، فلا یلزم من فرض ثبوت الشیء هنا ثبوت الشیء قبل ثبوت نفسه ، فلا مانع من توقّف ثبوته التّحقیقی


1) 1. کذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف قده ، لکن الصحیح : فالحکم.

2) 2. کذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف قده ، والصحیح : عن ماهیته.

علی ثبوته الفرضی.

نعم یمکن فرض الخلف من وجه آخر ، وهو أن فرض تعلیق الوجوب علی العلم به هو فرض عدم الوجوب لطبیعی الصلاة مثلا ، وفرض نفس القید وهو العلم بوجوب الصلاة هو فرض تعلق الوجوب بطبیعی الصلاة.

لا یقال : هذا إذا کان العلم قیدا للواجب ، وأما إذا کان الواجب ذات الحصة الملازمة للعلم ، فالوجوب متعلّق بذات الصلاة بحیث لا یتعدی إلی ما لا یلازم العلم.

لأنّا نقول : طبیعی الصلاة لا یتخصّص (1)بالعلم بالوجوب والجهل به ، بل الواجب بما هو واجب یتخصّص بالمعلوم والمجهول ، وفرض العلم بوجوب الصّلاة فرض تعلق الوجوب بطبیعی الصّلاة لا بحصة منه ، ولازمه الخلف.

والتحقیق أن جعل الإیجاب واقعا علی طبق ما اعتقده القاطع من الوجوب بحیث لا یکون وجوب واقعا قبل حصول القطع به من باب الاتفاق لیس فیه محذور الخلف.

بخلاف جعل الوجوب علی المعلوم الوجوب بنحو القضیّة الحقیقیّة حتی یصیر الحکم فعلیّا بفعلیّة موضوعه ، فان فیه محذور الخلف إذ یستحیل حصول العلم بالوجوب بوصول هذه القضیّة مع ترتّب الوجوب علی العلم بالوجوب کون فعلیّة الحکم بفعلیّة موضوعه ، والمبنیّ علی أمر محال محال ، فجعل الحکم هکذا محال ، بل القسم الأول محال من وجه آخر ، فان جعل الحکم بعثا وزجرا لجعل الداعی ، ومع فرض العلم بالوجوب من المکلف یلغو جعل الباعث له ، فتدبّر.

28 - قوله « مد ظلّه » : ولا مثله للزوم اجتماع المثلین ... الخ (2).

قد أشرنا سابقا إلی أن اجتماع المثلین مبنیّ علی أن یکون الحکم هو


1) 1. کذا فی النسخة المطبوعة ، لکن الصحیح : لا یتحصّص ، وکذلک فی العبارة الآتیة.

2) 2. کفایة الأصول / 267.

البعث والتحریک الخارجی بخارجیّة منشأ انتزاعه.

وأما لو کان الحکم عبارة عن نفس الإرادة والکراهة ، فلا یلزم منه اجتماع المثلین بناء علی أصالة الوجود وبقاء حقیقة العرض عند الحرکة والاشتداد ، فان ذات الإرادة المقطوع بها باقیة عند تأکدها ، فلا یلزم الخلف بانعدامها ولا اجتماع المثلین ببقائها وتأکدها ، والإرادة الموجودة من الأول إلی الآخر موجود واحد مستمرّ ینتزع عنها مرتبة ضعیفة فی أول أمرها ومرتبة شدیدة فی آخر أمرها.

ولا یخفی علیک أن التحریک التنزیلی المنتزع عن الإنشاء بداعی جعل الداعی وإن کان یصح اعتبار الشّدّة والضعف فیهما (1)کما فی التحریک الحقیقی الخارجی لکن لا بنحو الحرکة والاشتداد ، بداهة أن الإنشاءین الصادرین لجعل الداعی لیس بینهما اتصال فی الوجود الوحدانی ، کی یجری فیهما الحرکة والاشتداد ، وإن کان یختلف قول الطبیعة علی أفراد التحریک التنزیلی بالشدة والضعف ، فیقال : إن وجوب الصلاة أشد وأقوی من وجوب غیرها.

ولو فرض فیما نحن فیه تأکد الداعی وتأکد الإرادة وصدور التحریک المنزل منزلة التحریک الشدید ، وسقوط الإنشاء السابق عن کونه محرکا کان خلفا ، وإلا لکان من اجتماع المثلین.

وأما انتزاع البعث الأکید عقلا من مجموع الإنشاءین ، فلا یلزم الخلف ولا اجتماع المثلین غیر (2)صحیح ، لأن خارجیّة الأمر الانتزاعی بخارجیّة منشأ انتزاعه ومجموع الإنشاءین واحد بالاعتبار لا بالحقیقیة فلا منشأ انتزاع (3)البعث الأکید حقیقة حتی یتحقّق البعث الأکید انتزاعا.

وانتزاع معنی من منشئه لیس جزافا بل لاقتضاء المنشأ فکان المعنی


1) 1. والصحیح : فیه.

2) 2. والصحیح : فغیر.

3) 3. هکذا فی المطبوع لکن الصحیح : لانتزاع.

الانتزاعی موجودا بالقوّة ومنشأ (1)موجود بالفعل ، ونحو وجود الأمر الانتزاعی نحو وجود المقبول بوجود القابل خارجا وفعلیّة ، بحیث یکون له نحو وجود یختص به بفعلیّة الاعتبار والانتزاع ، وبهذه الملاحظة یکون من الاعتباریات لا من الواقعیات.

والمفروض أن المنشأ لیس إلا الإنشاء بداعی جعل الداعی فقط ، وحیث لا منشأ حقیقة لانتزاع البعث الأکید ، فلا هو موجود بوجوده ، ولا یعقل انتزاع ما لا منشأ له ، فتدبّر جیّدا.

29 - قوله « قده » : فی مرتبة أخری منه أو مثله ... الخ (2).

فاذا کان القطع بالإنشاء الواقعی من متممات السبب السابق کان الحکم الفعلی فعلیّة ذلک الحکم المنشئ.

وإن کان بنفسه سببا من غیر دخل للمصلحة الداعیة إلی الحکم الواقعی کان هذا الحکم مماثلا للحکم الفعلی الذی کان المورد فی سبیل الترقّی والبلوغ إلیه.

لکنه یشکل بأن الإنشاء الذی قطع به السبب لحکم فعلی مماثل : إن کان انشاء بلا داع فهو محال ، لأنه من الأفعال الاختیاریة فیستحیل صدوره بلا داع.

وإن کان انشاء بداعی جعل الداعی فلا محالة إذا قطع به یبلغ مرتبة الفعلیة ، فیلزم اجتماع الحکمین الفعلیّین.

وإن کان إنشاء لغیر داعی جعل الداعی من سائر الدواعی ، فهو مصداق لذلک الداعی.

فالإنشاء بداعی الإرشاد إرشاد وبداعی الامتحان امتحان ، ویستحیل أن ینقلب عما هو علیه ، فیصبر بعثا حقیقیّا وحکما فعلیّا.


1) 1. هکذا فی المطبوع والصحیح : ومنشأه.

2) 2. کفایة الأصول / 267.

فالإنشاء المزبور لیس من مراتب الحکم الحقیقی حتی یندرج تحت عنوان أخذ القطع بمرتبة من الحکم فی مرتبة أخری منه ، أو فی مرتبة أخری من مثله أو من ضده.

فان قلت : هذا إذا أرید من المرتبة مرتبة الإنشاء ، وأما إذا أرید مرتبة الاقتضاء فلا محذور فیها ، لأن القطع بالمقتضی لا یستدعی فعلیّة مقتضاه ، بل یمکن أن یکون المقتضی المقطوع به فاقد الشرط أو واجد المانع ، بخلاف المقتضی للحکم المماثل ، لإمکان فقدانه للمانع ، ووجدانه للشرط.

قلت : المقتضی بمعنی السبب الفاعلی کذلک ، لثبوت مقتضاه فی مرتبة ذاته ، فیتعدد المقتضی بتعدد المقتضی ، ولکل تعین ، فی مرتبة مقتضیه بتعین المقتضی.

بخلاف المقتضی بمعنی الغایة الداعیة ، فان المدعو إلیه لا ثبوت له فی مرتبة ذات غایته ، بل الغایة أثر لذیها لا العکس.

وإذ لا ثبوت له فی مرتبة الغایة فلا تعیّن له بتعیّن الغایة ، کی یتعدّد ذو الغایة بتعدّد الغایة ، فلا معنی لأن یقال : إن الحکم الفعلی المعلول لعلّة غائیّة مماثل لما لا تعین له فی مرتبة الغایة الغیر الداعیة بالفعل ، بل لا مدفع للإشکال.

إلا أن یقال : إن الإنشاء بداعی جعل الداعی المقطوع به یمکن أن یکون منوطا شرعا بأمر غیر حاصل ، فلا یبلغه إلی مرتبة الفعلیة ، بخلاف الحکم الفعلی المماثل ، فان مجرد القطع بالإنشاء المزبور سبب تام له ، فلا یلزم اجتماع المثلین ، فتدبّر.

30 - قوله « قده » : یمکن أن یکون الحکم فعلیّا بمعنی أنه لو تعلق به القطع علی ما هو علیه ... الخ (1).

تحقیق المقام أن حقیقة الحکم : إن کانت عبارة عن الإرادة والکراهة ، فلا

حقیقة الحکم


1) 1. کفایة الأصول / 267.

یکاد یعقل تصور فردین من الإرادة ، أو الإرادة والکراهة فی موضوع واحد.

وإن کانت عبارة عن البعث والتحریک ونحوهما : فإن کانت لحقیقة الحکم الفعلی مرتبة واحدة ذات جهات موجبة لبلوغها إلی درجة الفعلیّة ، ومرتبة التّمامیة ، فمن البیّن حینئذ أن ما یستحق أن یکون مصداقا للحکم الحقیقی هو ما اجتمعت فیه جمیع جهات الفعلیّة ، بداهة أن الفاقد لبعضها باق علی الشأنیة ولم یبلغ درجة الفعلیّة ، والفعلیّة تنسب إلی نفس تلک الجهة لا إلی الحکم.

ولا بد حینئذ من جعل العلم مثلا مبلّغا إلی درجة الفعلیّة ، فیکون مرتبة الفعلیّة والتّنجّز فیه واحدة ، وهو مما لا یقول به المصنف العلامة « رفع الله مقامه » إلا فی الأحکام الطریقیّة دون النفسیّة الحقیقیّة.

وإن کانت لحقیقة الحکم الفعلی مراتب ودرجات مع وجدان جمیعها لما هو ملاک الفعلیّة ومناط حقیقة الحکمیّة ، فمن الواضح أن فردین من طبیعة واحدة مثلان ، ومن طبیعتین ضدان ، سواء کانا متفاوتین فی القوّة والضّعف أم لا ، فیستحیل اجتماعهما.

نعم إنما یمکن إبداء الفرق فیما لو کان استحالة اجتماع الحکمین الفعلیّین بأمر خارج من حقیقة الحکم الفعلی ، وذلک بدعوی أن الحکم : إن کان الغرض الباعث إلیه بحدّ یوجب علی الحاکم القیام علی رفع موانع تنجّزه علی المکلف بنصب طریق موافق أو بجعل احتیاط ملزم ، فلا محالة یستحیل منه نصب طریق لا یوافق أو أصل مخالف لمنافاته للغرض.

وإن کان الغرض الداعی إلی جعل الداعی لا بذلک الحد ، فکما لا یجب علیه رفع موانع تنجّزه علی المکلف کما هو کذلک قطعا فی الغالب ، کذلک یجوز له إبداء المانع عن تنجّزه بنصب طریق غیر موافق أو أصل مخالف ، إذ المفروض کون الغرض بحیث لا یوجب رفع المانع ، فلا یمنع عن إبدائه ، إذ لا فرق بینهما فی نظر العقل حیث إن عدم رفعه إبقاء منه والإبقاء والإبداء علی حد سواء.

لکن لا یخفی علیک أن الغرض إنما یتفاوت فیما إذا کان غرضا من

المأمور به لا غرضا من الأمر ، وإلا فالغرض الباعث علی الأمر واحد لا یختلف ، فإن الغرض من التکلیف الحقیقی جعل الداعی حقیقة ، وهو مناف لجعل داع آخر مماثل أو مضاد من حیث الغرضیة.

کما أن نفس جعل حکمین کذلک أیضا محال ، ضرورة أن معنی إمکان الدعوة هنا تمامیّة الداعی من قبل الأمر فیبقی المأمور ومقتضی عقله ، وهواه ، فإذا خلی العبد عما ینافی رسوم العبودیّة یخرج الداعی من حد الإمکان إلی الوجوب ، ولا یعقل اجتماع حکمین کذلک ، بداهة عدم إمکان انقداح داعیین متماثلین ، أو متضادین فی نفس المأمور بالإضافة إلی فعل واحد.

وأما إذا أرید من الحکم الفعلی الإنشاء بداعی إظهار الشوق إلی الفعل فهو فعلی من قبل هذه المقدمة وإن لم یکن فعلیّا من قبل غیرها ، فلو قطع به أو قامت الحجة علیه من باب الاتفاق لتنجّز.

ففیه أن الشوق ما لم یصل إلی حد بحیث لو کان فعلا مباشریّا للمشتاق لتحرکت عضلاته نحوه لا یکون مصداقا للإرادة التّکوینیّة فی المثال ، وللإرادة التّشریعیّة فیما نحن فیه.

ومن الواضح أن بلوغ الشوق إلی هذا الحد علّة تامّة للبعث الجدی والتحریک الحقیقی.

مضافا إلی منافاة نفس الإرادة التشریعیة للإرادة الأخری فی طرف ضدها.

وإذا لم یصل الشوق إلی هذا الحد فمثله لو قطع به لا یکون مؤثرا فی تحریک العبد فکیف یتنجّز.

نعم یمکن تقریب ما أفاده « قدس سره » بأن الحکم الواقعی هو الإنشاء بداعی جعل الداعی ، لا بغیره من الدواعی ، فإنه لا یعقل أن ینطبق علیه عنوان البعث والزجر.

وهذا الحکم وإن لم یکن قبل الوصول بنحو من الأنحاء مصداقا للبعث

والزجر الفعلیّین ، لکنه فعلیّ بمعنی آخر أی هو تمام ما بید المولی وتمام ما یتحقق من قبله.

ومثله لو قطع به أو قامت علیه الحجّة کما یصیر بعثا فعلیّا ، کذلک یتنجز.

بخلاف ما إذا ظن به ، فإنه لا یصیر مصداقا للبعث الفعلی کما لا یصیر منجّزا ، فلذا یعقل جعل بعث فعلی أو زجر فعلی فی مورده ، إذ المماثلة بین البعثین الفعلیین ، والمضادة بین بعث فعلیّ وزجر فعلیّ ، لا بین ما لا یکون مصداقا للبعث بالفعل وما یکون کذلک بالفعل ، وسیجیء (1)إن شاء الله تعالی تفصیل القول فیه.

( فی وجوب الموافقة الالتزامیة وعدمه )

31 - قوله « قده » : یقتضی موافقته التزاما والتسلیم له ... الخ (2).

لا یخفی علیک أن تحقیق حقیقة الالتزام الباطنی لا یخلو عن خفاء وغموض ، لأنه خارج عن المقولات التی هی أجناس عالیة للماهیات ولا شیء من موجودات عالم الإمکان کذلک.

ووجه الخروج أن المقولة المناسبة له مقولة الکیف النفسانی أو مقولة الفعل وهو خارج عن کلتیهما :

أما عن الأولی ، فلأن المفروض أن نسبة النفس إلیه بالتأثیر والإیجاد لا بالتّکیّف والقبول والانفعال مع أن الکیفیات النفسانیة مضبوطة محصورة لیس بشیء منها کما لا یخفی علی الخبیر بها.

وأما عن الثانیة ، فلأنها عبارة عن الحالة الحاصلة للشیء عند تأثیره التدریجی فی غیره ، کالتسخین للنار فی قبال مقولة الانفعال. ومن البین أنه لیس هنا شیئان لأحدهما حالة التأثیر التدریجی وللآخر حالة التأثر التدریجی کالنار

فی وجوب الموافقة الالتزامیة وعدمه


1) 1. نهایة الدرایة 4 : التعلیقة 71.

2) 2. کفایة الأصول / 268.

والماء.

لکنا قد ذکرنا فی مبحث الطلب والإرادة (1)مفصلا أن الفعل القلبی ضرب من الوجود النوری ، والوجود فی قبال المقولات ، وهذا الفعل قائم بالنفس قیاما صدوریا فهو من العلوم الفعلیة دون الانفعالیة ، ونسبة النفس إلیه بالتأثیر والإیجاد.

وبالجملة الأفعال القلبیة أمور یساعدها الوجدان ، فان الانسان کثیرا ما یعلم بأهلیة المنصوب من قبل من له النصب ، لکنه لا ینقاد له قلبا ولا یقرّبه باطنا ، لخباثة نفسه أو لجهة أخری ، وإن کان فی مقام العمل یتحرّک بحرکته خوفا من سوطه وسطوته.

وهکذا کان حال کثیر من الکفار بالنسبة إلی نبیّنا صلّی الله علیه وآله حیث إنهم کانوا عالمین بحقیّته کما نطق به القرآن ومع ذلک لم یکونوا منقادین له قلبا ولا مقرّین به باطنا.

ولو کان ملاک الایمان الحقیقی نفس العلم التصدیقی لزم أن یکونوا مؤمنین به حقیقة ، أو جعل الإیمان الذی هو أکمل کمالات النفس مجرد الإقرار اللسانی ، وکلاهما مما لا یمکن الالتزام به فافهم جیّدا.

32 - قوله « قده » : الحق هو الثانی لشاهدة الوجدان ... الخ (2).

قد عرفت فی مبحث التجری (3)أن ملاک استحقاق العقوبة انطباق عنوان هتک الحرمة والظلم علی المخالفة للتکلیف.

ومن الواضح أن عدم الالتزام قلبا مع کمال الالتزام عملا لا یکون هتکا ولا ظلما ، إذ الغرض من التکلیف انقداح الداعی إلی فعل ما هو موافق لغرض


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 149.

2) 2. کفایة الأصول 268.

3) 3. التعلیقة 10.

المولی.

وعدم المبالاة بأمر المولی إنما یکون هتکا وظلما إذا انجر إلی ترک ما یوافق غرض المولی أو فعل ما ینافیه.

نعم إذا کان الالتزام قلبا واجبا شرعا کان ترکه هتکا وظلما.

والحاصل أن الغرض عدم اقتضاء التکلیف بفعل للالتزام به قلبا عقلا ، لا عدم وجوبه شرعا ، ولا عدم وجوب الالتزام بما ورد منه تعالی أو من رسوله شرعا أو عقلا ، فالکلام فی مقتضیات التکلیف المعلوم عقلا ، وإلا فلزوم الالتزام بما جاء به النبی صلّی الله علیه وآله غیر مختص بالثابت فی حق المکلف ، بل ولو کان فی حق الغیر.

مع أن لزوم تصدیق النبی صلّی الله علیه وآله فیما أتی به معناه أن ما أوجبه صلّی الله علیه وآله واجب من قبله تعالی وهو یجتمع مع عدم الالتزام بما أوجبه تعالی ، فتدبّر جیّدا.

ثم إن هذا کله لو کان الغرض من هذا البحث بیان شئون التکلیف المعلوم من حیث الإطاعة والمعصیة عقلا.

وأما إن کان الغرض بیان المانع من إجراء الأصل وعدمه کما هو المناسب لمباحث الأصول العملیّة ، فلا فرق بین أن یکون وجوب الموافقة الالتزامیّة وحرمة المخالفة الالتزامیة من مقتضیات التکلیف المعلوم عقلا وأن یکون بدلیل آخر عقلا ونقلا (1)، فانه یمنع عن جریان الأصل علی القول به ، ولو ثبت بدلیل آخر کما هو واضح.

ومنه یظهر الفرق بین البحث من حیث کونهما من شئون التکلیف ، والبحث من حیث المانعیّة عن إجراء الأصول من وجه آخر : وهو عدم اختصاص الأول بالتوصلیات بل یعم التعبدیات أیضا.


1) 1. کذا فی النسخة المطبوعة ، لکن الصحیح : أو نقلا.

غایة الأمر أن المخالفة الالتزامیة فیها لا تنفکّ عن المخالفة العملیّة وتنفک المخالفة العملیّة عن المخالفة الالتزامیة ، لأن الالتزام بالحکم لا یلازم العمل ، والعمل العبادی یلازم الالتزام بالحکم.

ویختص الثانی أعنی البحث من حیث المانعیة بالتوصلیات حتی یتمحّض المانع فی المخالفة الالتزامیة مستلزمة (1)للمخالفة العملیّة التی لا کلام فی مانعیّتها.

33 - قوله « قده » : للتمکن من الالتزام بما هو الثابت واقعا ... الخ (2).

بل یتمکن من أزید من ذلک بناء علی ما سیجیء إن شاء الله من أن طرف العلم دائما مبیّن تفصیلا ، وإنما الإجمال والتردّد فی طرف الطّرف ومتعلّقه ، بداهة أن طرف العلم یتشخص به العلم فی مرحلة النفس ، وهو أمر جزئی غیر مردد ، وهنا کذلک ، لأن المعلوم هو الإلزام من الشارع أما أنّ متعلّقه الفعل أو الترک ، فهو مجهول أی غیر معلوم والإلزام المعلوم یستتبع علی الفرض الالتزام به باطنا والانقیاد له قلبا.

34 - قوله « قده » : وإن أبیت إلاّ عن لزوم الالتزام به بخصوص ... الخ (3).

إذ کل تکلیف کما یقتضی إطاعته عملا لا إطاعة الأعم منه ومن غیره کذلک یقتضی الالتزام به بحده ، لا الالتزام بعنوان أعم أو بالجهة الجامعة بینه وبین ضده فافهم.

35 - قوله « قده » : لما کانت موافقته القطعیّة الالتزامیّة ... الخ (4).

لعدم تبیّنه تفصیلا حتی یلتزم به بعنوانه.


1) 1. هکذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف ، لکن الصحیح : استلزامها.

2) 2. کفایة الأصول / 268.

3) 3. کفایة الأصول / 268.

4) 4. کفایة الأصول / 268.

وأما الالتزام بهذا بعینه وبذاک بعینه حتی یتحقق الالتزام بالواقع بعنوانه ، فهو محال إلا علی وجه باطل ، لان الالتزام الجدی بشیئین من قبله تعالی مع القطع بأن أحد الشیئین لم یرد منه تعالی مما لا ینقدح فی نفس العاقل إلاّ بنحو التشریع المحرم عقلا ونقلا.

ومنه ظهر أنّ الالتزام بأحدهما بخصوصه مع عدم العلم بوروده بخصوصه غیر ممکن إلاّ تشریعا.

مضافا إلی عدم إحراز الالتزام اللازم حینئذ.

وهکذا الأمر فی الالتزام بهما تخییرا ، فإن الغرض : إن کان علی نحو الالتزام بالواجب التخییری ، فهو غیر معقول ، للقطع بأن الثابت الزام تعیینی لا تخییری ، فیکون تشریعا غیر مفید.

وإن کان بنحو التخییر فی نفس التزامه بمعنی أن العقل یخیره بین الالتزام بالوجوب أو الالتزام بالحرمة ، فهو جزاف لا یعقل حکم العقل به ، لأن الالزام الواقعی کما یقتضی إطاعة نفسه عملا کذلک یقتضی إطاعة نفسه التزاما ، فالتخییر بین الالتزام بالثابت والالتزام بغیر الثابت لا یعقل أن یکون من مقتضیات التکلیف الثابت ، فلا یحکم به العقل.

فان قلت : هذا إذا أرید من التخییر ما هو کالتخییر بین الواجبین المتزاحمین ، حیث إن اقتضاء کل منهما للجری علی وفق مقتضاه محقق ، والجری علی وفق کلا الاقتضاءین غیر ممکن ، ولا ترجیح لأحدهما علی الآخر ، فیحکم العقل بالتخییر بینهما.

وأما إذا أرید من التخییر ما هو کالتخییر بین محتملات تکلیف واحد ، فانه لا مانع منه ، ولا یجب أن یکون باقتضاء ذلک التکلیف الواحد عقلا لیقال : بأنه غیر معقول.

قلت : وجه التخییر بین محتملات تکلیف واحد کالصلاة إلی إحدی

الجهات مع عدم التمکن إلا من صلاة واحدة هو أن التکلیف بعد تنجّزه یکون کل من محتملاته محتمل العقاب.

ومع عدم التمکن من رعایة تمام المحتملات وعدم المرجح لبعضها علی بعض یحکم العقل بالتخییر.

وهذا غیر جار فیما نحن فیه حیث لا یعقل تنجّز التکلیف ، لا من حیث العمل ، ولا من حیث الالتزام.

أما من حیث العمل ، فلعدم التمکن من رعایة التکلیف عملا وعدم خلوه من الفعل والترک موافقة احتمالیّة قهریّة لا عقلیّة.

وأما من حیث الالتزام ، فلأن الالتزام الجدی بکل منهما غیر معقول مع عدم العلم به إلا بنحو التشریع المحرم عقلا ونقلا ، وحیث لا موافقة التزامیة فلا معنی لتخییر العقل بین أنحاء محتملاته من حیث الالتزام.

ومنه یعلم أن الأمر کذلک بناء علی وجوب الالتزام شرعا فتدبر.

36 - قوله « قده » : ومن هنا قد انقدح أنه لا یکون من قبل لزوم الالتزام ... الخ (1).

إذ علی فرض لزوم الالتزام بالحکم بعنوانه لا لزوم فی مفروض البحث علی أی تقدیر حتی یکون مانعا.

بخلاف ما لو قلنا بلزوم الالتزام بالحکم ولو بنحو الإجمال ، فانه مانع عن جریان الأصول.

لا لما أفاده شیخنا العلامة الأنصاری (2)« قدس سره » فی الرسالة من أن لازمه الإذن فی المخالفة العملیّة للتکلیف بالالتزام ، فانه مختص بما إذا کان هناک


1) 1. کفایة الأصول / 268.

2) 2. فرائد الأصول المحشی : 1 / 38.

تکلیف مولوی بالالتزام.

بل لأن المخالفة الالتزامیّة معصیة التزامیّة للتکلیف کالمخالفة العملیّة ، والإذن فی المعصیة کائنة ما کانت قبیح.

والتحقیق أنّا إن قلنا : بعدم المنافاة بین الحکم الواقعی والظاهری فلا منافاة بین الالتزام بالواقعی والالتزام بالظاهری ، فلا یلزم من إجراء الأصول الإذن فی المخالفة الالتزامیّة ، فتدبّر جیّدا.

فان قلت : لا یدور لزوم المخالفة الالتزامیّة مدار تنافی الحکمین ، وإلاّ لکان نفس تضاد الحکمین أولی بالاستناد إلیه فی استحالة التعبد بالإباحة مثلا.

وکذا استحالة الالتزام الجدّی بالمتنافیین ، فانها أولی بالاستناد إلیها فی المقام ، بل المخالفة الالتزامیّة لازمة ولو قلنا بعدم تضاد الحکمین وعدم استحالة الالتزامین ، فان نفس الالتزام بالإباحة التزام بخلاف ما یجب الالتزام به من الحکم المعلوم بالإجمال ولو لم یکونا متضادین.

قلت : الفرض عدم لزوم المخالفة الالتزامیة بناء علی عدم تنافی الحکمین ، إذ المخالف للوجوب الواقعی عدم الوجوب واقعا أو الإباحة واقعا ، فالالتزام بالإباحة الظاهریّة لیس التزاما بالحکم المخالف حتی یندرج تحت المخالفة الالتزامیّة ممن یری المانع منحصرا فی المخالفة العملیّة أو الالتزامیّة کالعلامة الانصاری « قدس سره » فی غالب کلماته.

37 - قوله « قده » : کما لا یدفع بها محذور عدم الالتزام ... الخ (1).

هذا ناظر إلی ما أفاده شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » (2)فی دفع محذور عدم الالتزام بأن الأصول تحکم فی مجاریها بانتفاء الحکم الواقعی فلا


1) 1. کفایة الأصول / 269.

2) 2. فرائد الأصول المحشی : 1 / 38.

موضوع للزوم الالتزام.

وأورد علیه فی المتن بلزوم الدور ، وتقریبه أن جریان الأصل موقوف علی عدم المانع من جریانه.

والإذن فی المخالفة الالتزامیّة الذی هو لازم التعبد بعدم الحکم المعلوم بالإجمال حیث إنه قبیح فهو مانع.

وعدم لزوم هذا المانع موقوف علی نفی الحکم المعلوم بالإجمال لئلا یکون له المخالفة الالتزامیّة.

وعدم الحکم المعلوم بالإجمال موقوف علی جریان الأصل.

فصحّة جریان الأصل یتوقف علی نفسها ، کما أن عدم الحکم کذلک.

ویندفع الدور بأن مفاد الأصل بنفسه رفع الحکم من الوجوب أو الحرمة ، لا أنه یتوقف علی رفعه.

ولیس لازم رفع الحکم الإذن فی المخالفة الالتزامیّة المحرّمة فانها لا تحرم ، بل لا تتحقّق إلا مع ثبوت الحکم ولا مانعیّة لحرمة المخالفة الالتزامیّة أو قبح الإذن فیها إلاّ علی تقدیر ثبوت موضوعها ، وما لا مانعیّة له إلاّ علی تقدیر ثبوت موضوعه کیف یمنع عن رفع موضوعه.

فان قلت : هذا بالإضافة إلی الحکم الفعلی ، فإنه مرفوع بالأصل ، وأما الحکم الواقعی فلو وجب الالتزام بالحکم الواقعی المعلوم بالإجمال مع ثبوته حتی مع جریان الأصل یلزم من جریانه الإذن فی المخالفة الالتزامیّة.

قلت : أوّلا لا نسلّم حرمة المخالفة الالتزامیّة للواقعی المحکوم بعدمه تنزیلا ، ومفاد الأصل رفعه تنزیلا ، فلا یمنع إلا حرمة المخالفة الالتزامیّة لما له ثبوت ولم یکن منفیّا ولو تنزیلا.

وثانیا : حیث إن مفاد الأصل رفع الوجوب الفعلی أو الحرمة الفعلیّة ، فلازمه عدم الالتزام بالوجوب الفعلی أو الحرمة الفعلیّة ، لا عدم الالتزام

بالوجوب الواقعی أو الحرمة الواقعیّة حتی یکون بلحاظ هذا اللازم قبیحا.

لکنه یناسب ما سلکناه فی عدم المانعیّة ، لا ما سلکه « قدس سره » فی عدمها بلحاظ عدم الموضوع لوجوب الموافقة الالتزامیّة.

وبناء علی هذا الجواب لا حاجة إلی قصر وجوب الموافقة الالتزامیّة علی الحکم الفعلی الذی لم یرفع تنزیلا ، بل یجتمع مع وجوب الالتزام بکل ما ثبت من الشارع علی حسب مرتبته من الثبوت ، فتدبّر.

فان قلت : الأصل لا یرفع إلا الوجوب الفعلی أو الحرمة الفعلیّة ، لأن کل واحد منهما فی نفسه مشکوک.

وأما الالزام المعلوم بالتفصیل ، فلا یعقل أن یرفعه الأصل المتقوم موضوعه بالشک ، فیجب الالتزام بهذا الالزام ، ویلزم من التعبد بالإباحة الإذن فی عدم الالتزام بالالزام.

قلت : أصالة عدم الوجوب وعدم الحرمة تنفی الوجوب والحرمة الفعلیّین بالذات والالزام الفعلی بالتّبع ، إذ یستحیل الالزام الجدی إلاّ متقوّما بالبعث والزجر الجدّیین ، فلا موضوع لوجوب الالتزام أیضا.

والعلم بالالزام الواقعی لا یقتضی إلا الالتزام به وهو کما عرفت لا یمنع من عدم الالتزام بالالزام الفعلی ، کما لا یمنع من عدم الالتزام بالوجوب أو الحرمة الفعلیّین ، فتدبّر.

38 - قوله « قده » : إلاّ أن یقال إن استقلال ... الخ (1).

سیجیء إن شاء الله تعالی أن حکم العقل لو فرض ثبوته تنجیزیّ لا تعلیقیّ.


1) 1. کفایة الأصول / 269.

39 - قوله « قده » : إلاّ أن الشأن حینئذ فی جواز جریان ... الخ (1).

المراد من الأصل الجاری فی أطراف المعلوم بالإجمال : إما أصالة عدم الوجوب وأصالة عدم الحرمة ، وإما أصالة الإباحة وأصالة الحل المستفادة من قوله علیه السلام : « کل شیء لک حلال » وأشباهه.

فإن أرید أصالة عدم الوجوب وعدم الحرمة فوجه الإشکال أنه لا یترتب علیها فائدة بحیث لم تکن لو لا جریان الأصلین المزبورین ، لمکان استقلال العقل بعدم الحرج فی الفعل والترک ، فهو المستند للفعل المحتمل حرمته وللترک المحتمل وجوب نقیضه.

وفیه أولا أن جریان الاستصحاب منوط بوجود أرکانه من الیقین والشک الموجودین هنا ، وکون المتعبد به حکما عملیا مجعولا أو موضوعا ذا حکم عملی ، والمفروض أن الوجوب والحرمة حکمان عملیان مجعولان إثباتا ونفیا ، وعدم حصول الغایة العقلیّة ، لأن مثل هذا العلم الإجمالی علی الفرض غیر منجّز لا للوجوب والحرمة بعنوانهما ولا للالزام الجامع بینهما کما عرفت.

وثانیا بأن حکم العقل إنما یکون مستندا للفعل والترک ما لم یکن التکلیف فعلیا إثباتا أو نفیا ، فکما أنه لا مجری له إذا صار الحکم فعلیّا ، کذلک إذا صار عدمه فعلیّا ، ومع فعلیّة عدم الحکم بلسان الأصل لا مجری لحکم العقل ، فهو المستند للفعل والترک دون حکم العقل کما سیأتی نظیره إن شاء الله تعالی فی أوائل البحث عن تأسیس الأصل فی الظن.

وإن أرید أصالة الحل والإباحة المستفادة من أدلة البراءة ، فوجه الإشکال : إن کان مجرد الاضطرار إلی أحد الأمرین من الفعل والترک ، فهو موجود فی تمام موارد الاباحات لعدم خلو الانسان من الفعل والترک ، وهو غیر

المراد من الأصل الجاری فی أطراف العلم الإجمالی


1) 1. کفایة الأصول / 269.

الاضطرار المانع عن مطلق التکلیف ، لصدور کل من طرفی الفعل والترک بالاختیار.

مع أنه إنما یمنع عن الإباحة إذا کانت الإباحة عبارة عن الترخیص فی الفعل والترک معا.

بل الإباحة کالوجوب والحرمة یتعلق بطرف الفعل ، وترک المباح کترک الواجب وترک الحرام لیست محکومة بالأحکام ، بل معنی ترک الواجب أنه ترک ما یجب فعله فیستحق به العقوبة وترک المباح معناه ترک ما لا منع من فعله ، لا أنه محکوم شرعا بحکم مثل حکم فعله کما فی الواجب والحرام فتفطن.

وإن کان عدم التمکن من مراعاة الواقع علی أی تقدیر ، فهو مضطر إلی عدم مراعاة الواقع ، فمن البین أنه یمنع عن إیجاب الاحتیاط لا عن الإباحة والترخیص لیقال : إن الإباحة ضروری الثبوت.

وإن کان استقلال العقل بالتخییر وعدم الحرج فی فعله وترکه ، فلا یکون الحکم مولویا حینئذ ، فیندفع أن مجرد ذلک لا یمنع عن الحکم المولوی ، فانه لا شبهة فی استقلال العقل بقبح العقاب بلا بیان ، ومع ذلک لا إشکال فی صحة الحکم بالإباحة الشرعیّة فی مورده.

وکما أن إعمال المولویة هناک من جهة إمکان الأمر بالاحتیاط ، فکذلک هنا من جهة إمکان التعبد بأحد الطرفین شرعا لحکمة نوعیّة ، فلیست الإباحة الشرعیّة ضروریّ الثبوت ، وإنّما یحکم العقل بالرخصة من جهة عدم وجدان المرجح فی نظره لأحد الطرفین.

وإن کان قصور أدلة الإباحة الظاهریة للمورد حیث إنه لا شک فی عدم إباحته واقعا فکیف یعمه قوله علیه السلام : « کل شیء لک حلال » ، فهو له وجه ، لکنه مختص بصورة دوران الأمر بین الوجوب والحرمة ، ولا یعم کلّ الصّور ، فانه لا بأس بشموله لما إذا دار الأمر بین حرمة شیء وحرمة ضده ، فإن کلا منهما

مشکوک الحلیة والحرمة.

ویمکن أن یقال : - بعد شمول قوله علیه السلام کل شیء لک حلال للشبهة الوجوبیة نظرا إلی أنه مما یحرم ترکه ، فیعمه الغایة ، وبعد شمول الخبر لصورة دوران الأمر بین المحذورین ، لعدم دخولها فی الغایة ، نظرا إلی أنها غایة عقلیّة لا تعبّدیّة ، ومثل هذا العلم لا ینجز الحکم عقلا ، وبعد شموله للشبهات الحکمیّة کالموضوعیّة بالإغماض عن کونه جزء روایة مسعدة بن صدقة الواردة فی الشبهات الموضوعیّة - إنه علی هذا لا مانع عقلا ولا نقلا من شموله لما لا یحتمل فیه الحلّیة واقعا :

أما عقلا فواضح ، إذ لا یشترط فی جعل الحکم الظاهری موافقته للواقع ، فللشارع أن یقول : إذا شککت فی وجوب شیء فهو محرم علیک وبالعکس.

نعم فیما کان فیه نظر ، إلی الواقع وکان دلیل الاعتبار بعنوان تصدیقه فی نظره أو إبقاء الواقع ، فلا محالة یعتبر فیه أن یکون الحکم المماثل مماثلا للمحتمل.

وأما لفظا (1)، فمن الواضح عدم تقییده باحتمال الحلّیة المقابلة لسائر الأحکام ، والحلّیة بمعنی عدم الوجوب الذی هو موجود فی الشبهة الوجوبیّة موجودة هنا أیضا ، فتدبر.

وسیأتی إن شاء الله تعالی تحقیق القول فی جمیع ما ذکرنا فی البحث عن دوران الأمر بین الوجوب والحرمة من مباحث البراءة (2).

40 - قوله « قده » : نعم ربما یتفاوت الحال فی القطع المأخوذ فی الموضوع ... الخ (3).

لکن لا یخفی علیک أن تقیید القطع الموضوعی بما إذا حصل من سبب


1) 1. هکذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف قده ، لکن الصحیح : نقلا.

2) 2. نهایة الدرایة 4 : التعلیقة 58 و 62.

3) 3. کفایة الأصول / 269.

ینبغی حصوله منه بهذا العنوان لا یکاد یجدی فی الردع عن ترتیب أثر القطع حال حصوله ولو مع التفات القاطع بأنه کثیرا ما یقطع من سبب لا ینبغی حصوله منه ، إذ حال حصوله یقطع بأن هذا السبب ینبغی حصوله منه ، وإلا یؤول الأمر إلی حدوث المعلول بلا علّة فی نظره إلا إذا عقد القاطع مزیّة لنفسه فی الالتفات إلی مزایا السبب بحیث یوجب احتفافه بها القطع لکل من التفت إلیها ، فهو عالم بأنه سبب غیر متعارف ، لکنه یعتقد جهل متعارف الناس بمزایاه الموجبة لحصول القطع.

نعم تقیید القطع بذوات الأسباب المتعارفة خال عن الإشکال ، لأنه غیر مناف لحصول القطع من غیرها والردع عنه کما لا یخفی.

41 - قوله « قده » : فهل القطع الإجمالی کذلک فیه إشکال ... الخ (1).

تحقیق المقام برسم أمور : منها أن حقیقة الحکم الحقیقی الذی علیه مدار الاطاعة والعصیان هو الإنشاء بداعی البعث والتحریک وجعل الداعی ، ولا یتصف الإنشاء بشیء من الأوصاف المزبورة وهی کونه باعثا ومحرّکا وداعیا حتی یصل إلی من أرید انبعاثه وتحرکه وانقداح الداعی فی نفسه.

لا لتلازم البعث والانبعاث والتحریک والتحرک کتلازم الإیجاد والوجود ، بداهة دخالة اختیار العبد وإرادته فی ذلک ، مع أن البعث الحقیقی موجود أراد العبد امتثاله أم لا.

بل ، لکون المراد من البعث الحقیقی الذی أمره بید المولی جعل ما یمکن أن یکون باعثا ومحرکا وداعیا للعبد ، بحیث إذا خلا عما ینافی رسوم العبودیة وینافر مقتضیات الرقّیّة لخرج من حد الإمکان إلی حد الوجوب وتحقق البعث


1) 1. کفایة الأصول / 272.

والانبعاث خارجا.

ولا یتصف الانشاء بهذه الأوصاف موجها بجهة الإمکان إلا بعد وصوله إلی العبد ، وسیجیء (1)إن شاء تعالی توضیحه فی مبحث الاشتغال ، وإلا فلا یمکن أن یکون الإنشاء الواقعی باعثا ومحرکا وداعیا وزاجرا وناهیا بما هو أمر واقعی ، بل ولا بما هو ملتفت إلیه من دون قیام الحجة علیه ، إذ لا یکون الإنشاء المزبور بعثا علی أی تقدیر إلاّ بلحاظ باعثیّته فی أفق النفس ، فما فی أفق النفس هو الباعث بالذات ، وما فی الخارج باعث بالعرض ، کالمعلوم بالذات والمعلوم بالعرض.

ولا یعقل أن یکون ما فی أفق النفس باعثا علی أیّ تقدیر ، إلاّ بوجوده العلمی التصدیقی ، ففرض جعل الإنشاء الخارجی داعیا علی أیّ تقدیر بوجوده النفسانی هو فرض جعل وجوده العلمی التصدیقی داعیا ، فإنه الداعی علی أیّ تقدیر.

مضافا إلی أن الإنشاء المزبور لا یکون باعثا لزومیّا فی نفوس العامة ، إلاّ إذا کان بحیث یستحق علیه العقاب ، فکونه کذلک محقق لدعوته بنحو اللزوم.

ومنه علم أن مرتبة الفعلیّة والتنجّز فی مطلق الأحکام الحقیقیّة من النفسیّة والطریقیّة واحدة.

ومنها أن حقیقة العلم الإجمالی المصطلح علیه فی هذا الفن لا تفارق العلم التفصیلی فی حدّ العلمیّة ، ولیسا هما طوران من العلم نظرا إلی تعلق العلم الإجمالی بالمردد أعنی أحد الأمرین ، بل ربما یبنی علیه إمکان تعلق الصفات الحقیقیّة بالمردد فضلا عن الاعتباریّة کما فی کلمات استادنا العلامة « رفع الله

حقیقة العلم الإجمالی لا تفارق التفصیلی


1) 1. نهایة الدرایة 4 : التعلیقة 71.

مقامه » (1)، بل التحقیق أن طرف العلم ینکشف به تفصیلا لا مجال للتردد فیه بما هو طرف للعلم ، إذ القائم بالنفس الذی به تشخّص مقولة العلم أمر جزئی شخصی بحسب هذا الوجود ، والمردد بما هو مردد لا ثبوت له ماهیّة ولا هویّة ، إذ کل ماهیة لها نحو من التعیّن الماهوی الذی به یمتاز عن سائر الماهیات ، وکل هویّة بنفسها ممتازة عن سائر الهویات ، کیف والوجود نفس التشخّص والوحدة رفیق الوجود تدور معه حیثما دار.

نعم متعلق طرف العلم مجهول أی غیر معلوم ، فلم یلزم تعلّق صفة حقیقیّة ولا اعتباریة بالمردد ، بل ضم الجهل إلی العلم صار سببا لهذا الاسم ، وإلا فالعلم علم دائما ، ومتعلّقه بحده منکشف به تفصیلا من غیر تردید فی نفس ما هو طرف العلم.

وممّا ذکرنا تبین أن الوجه فی عدم إمکان تعلق صفة بالمردد هو عدم ثبوت وشیئیّة للمردد بالحمل الشائع حتی یمکن تعلق صفة ، به لا أن العرض یحتاج إلی موضوع یقوم به حتی یقال : بأنه مختص بالأعراض المتأصّلة دون مثل الملکیّة التی هی من الأمور الاعتباریّة کما عن العلاّمة الانصاری « قدس سره » (2)فی بیع صاع من الصبرة ، ولا ما یقال : من أن الصفة إذا کانت موجبة لتشخص شیء فی الخارج ، فحیث إن ما فی الخارج معیّن لا مردد ، فلا یمکن تعلقها بالمردد دون غیرها ، ولذا یفرق بین الإرادة التکوینیّة والتشریعیّة ، فإن الأولی جزء أخیر من العلّة التامّة لوجود شیء فی الخارج دون الثانیة کما عن غیر واحد ، فتدبر.

ومنها قد عرفت فی مبحث التّجرّی (3)أن ملاک استحقاق العقاب هتک


1) 1. کما نبه علیه فی هامش الکفایة : 141.

2) 2. المکاسب المحشی بحاشیة السیّد : 1 / 333.

3) 3. راجع التعلیقة 10.

حرمة المولی والظلم علیه بالخروج عن رسوم الرّقیّة ومقتضیات العبودیّة ، لا المخالفة وتفویت الغرض وارتکاب المبغوض ، لوجود الکل فی صورة الجهل مع عدم الاستحقاق عقلا ، بداهة أن زیّ الرقیّة ورسم المملوکیّة لیس یقتضی موافقة أمر المولی ونهیه مع الجهل بهما ، ولیس عدمها ظلما علیه وهتکا لحرمته ، بخلاف ما إذا انکشف المطلوبیّة وتبیّن المحبوبیّة.

ومنها أن هتک حرمة المولی والظلم علیه من العناوین القبیحة بالذات وتخلف الذاتی عن ذی الذاتی محال.

بداهة أن کل عنوان محکوم علیه بالقبح إما أن یکون بنفسه وبعنوانه موجبا للذم والعقاب ، أو بما هو منته إلی عنوان کذلک ، للزوم انتهاء کل ما بالعرض إلی ما بالذات.

وعنوان الظلم من العناوین التی بنفسها وبعنوانها من غیر انتهائها إلی عنوان آخر یحکم علیه بالقبح ، فلو فرض حفظ عنوانه دون حکمه لزم التخلف وهو خلف.

بخلاف عنوان الکذب ، فإنه لو خلّی وطبعه یقتضی القبح ، ولکن إذا عرض علیه عنوان الإصلاح کان حسنا ، مع أن عنوانه محفوظ عند طروّ العنوان الحسن.

ومنه تبین أن مخالفة المولی ما لم تتصف بعنوان الهتک والظلم لا یوجب الذم والعقاب ولو اقتضاء ، لما عرفت فی معنی الاقتضاء ، حیث إنها لو خلیت ونفسها لا تندرج تحت عنوان الظلم ، بل إذا قامت الحجة علی التکلیف.

ولا معنی للاقتضاء المساوق للسببیة حتی لا ینافی الاشتراط بشیء کالوصول هنا ، لأن نسبة هذه العناوین الحسنة أو القبیحة إلی حکم العقلاء بحسنها أو قبحها لیست نسبة الأسباب إلی مسبباتها ، بل نسبة الغایة إلی ذی الغایة.

ففی الموصوفة بالقبح مفسدة نوعیّة مخل (1)بالنظام ، فلذا دعت العقلاء إلی البناء علی ذم فاعلها.

فقولهم الموضوع مقتض لحکمه یراد به هذا المعنی من الاقتضاء لا السّببیّة.

وعلی ما ذکرنا ، فما لم یتصف المخالفة بعنوان الظلم لا موضوعیّة لها للحکم بالقبح أصلا ، ومع اتصافه بعنوان هتک الحرمة والظلم یستحیل التخلف ، فلا یکون هذا الحکم العقلی علی نحو الاقتضاء ، بل علی نحو العلیّة ، بنحو التّنجیز لا بنحو التعلیق.

إذا عرفت هذه الأمور ، فاعلم أن الحکم الذی ینبغی أن یکون محل الکلام ما عرفت فی الأمر الأول ، وهو ما بلغ درجة حقیقة الحکمیّة کی یتمحّض البحث فی تفاوت نفس العلم التفصیلی والإجمالی فی التّنجیز وعدمه.

وحیث إن العلم الإجمالی لا یفارق التفصیلی فی حقیقة انکشاف أمر المولی ونهیه ، فلا محالة یتمحّض البحث فی أن الجهل التفصیلی بمتعلق طرف العلم یعقل أن یجعل عذرا شرعا أو عقلا أم لا.

وحیث إن ملاک استحقاق العقاب کما فی الأمر الثالث هتک حرمة المولی وهو منطبق علی المخالفة للحکم المعلوم فی البین ، ولو لم یعلم طرف المعلوم تفصیلا ، فلا فرق بین العلمین فی التنجیز.

وحیث إن هذا الحکم العقلی علی نحو العلیّة التامّة کما عرفت فی الأمر الرابع تعرف أنه لا یعقل جعل الجهل التفصیلی عذرا عقلا ولا شرعا ، إلاّ مع التصرف فی المعلوم وهو خلف.

ومرجعه إلی جعل العلم التفصیلی شرطا فی بلوغ الإنشاء الواقعی إلی


1) 1. هکذا فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف ، لکن الصحیح : مخلّة.

درجة الحکم الفعلی الحقیقی ، أو جعل الجهل التفصیلی مانعا عن بلوغه کذلک ، وهو فی حدّ ذاته أمر معقول لا یخص العلم الإجمالی ، بل یمکن إجرائه فی العلم التفصیلی أیضا بأن یکون العلم التفصیلی الخاص. شرطا فی بلوغ الحکم إلی درجة الفعلیّة ، وإلا فالوصول الذی هو عند التحقیق شرط البعث الحقیقی هو الأعم من التفصیلی والإجمالی کما عرفت. وعلی أیّ حال لا ربط لهذا المعنی بتعلیقیّة الحکم العقلی واقتضائیّته.

فان قلت : مقتضی عدم تعلق العلم الإجمالی بالمردد بما هو مردد وعدم تعلقه بالواقع بخصوصه - إذ لا وعاء لتعلقه به إلا فی أفق النفس والمفروض عدم العلم بالخصوصیّة - عدم تنجز الحکم إلا بمقدار تعلق العلم به ، فإنه المنجّز دون الاحتمال.

وتنجز الوجوب المتعلق فی وجدان العقل بما لا یخرج عن الطرفین یستدعی حرمة المخالفة القطعیّة فقط ، دون الاحتمالیّة أیضا ، فان مخالفة التکلیف الواقعی بما هو لا أثر لها ، ولیست مصداقا للظلم ، لأنه بخصوصه غیر واصل لیکون مخالفته ظلما فی وجدان العقل.

ولیس الظلم من العناوین التی تنطبق علی الواقع لا فی وجدان العقل ، لأن ما یقتضیه رسوم العبودیّة هو ترک ما أحرز أنه مبغوض المولی فی وجدان العقل ، لا ترک ما هو مبغوض المولی واقعا.

وحیث إنه لم یحرز أن هذا بخصوصه مبغوض المولی ، فلا یکون خروجا عن ذی الرّقیّة ، فلا یکون ظلما ، فلا یستحق علیه الذم عقلا ولا العقاب شرعا.

بخلاف ما إذا أتی بالفعلین معا فإنه بهما خارج عن زیّ الرّقیّة ، لعدم انزجاره بالزجر المعلوم المتعلق بما لا یخرج عما فعله.

ولا یمکن دعوی أن فعل ما یحتمل أنه مبغوض المولی إذا اقترن باحتمال آخر ظلم بنفسه ، فإن مقتضاها استحقاق العقاب علی کلیهما معا ولا یقولون ، به.

والموافقة القطعیّة بترک کلا الفعلین المعلوم حرمة أحدهما أو بفعل کلا الأمرین المعلوم وجوب أحدهما وإن کانت عدلا حسنا ، لکنه لیس ترک الحسن قبیحا ، بل القبیح ما یندرج تحت عنوان الظلم کما عرفت.

قلت : لا ینحصر الظلم فی مخالفة التکلیف المعلوم بالإجمال لیقال : بعدم إحراز المخالفة وعدم الأثر لمخالفة التکلیف الواقعی.

بل نفس عدم المبالاة بالتکلیف اللزومی وعدم الانبعاث ببعثه وعدم الانزجار بزجره فی وجدان العقل ظلم علی المولی ، لخروجه عن زی الرقیّة ورسم العبودیّة ، وهذا جامع بین المخالفة القطعیّة للتکلیف وترک الموافقة القطعیة ، إذ کما أن مخالفته فی وجدان العقل ظلم کذلک ترک موافقته فی وجدان العقل إذا کان لزومیا ظلم ، فإن کلیهما من عدم المبالاة عملا بالتکلیف المعلوم.

ومن المعلوم أن المبالاة بالوجوب المتعلق بما لا یخرج عن الطرفین فی وجدان العقل لیست إلا بالانبعاث عنه ، والانبعاث عن المعلوم لا عن الواقع لا یکون إلا بفعلهما معا فإن الانبعاث عن المعلوم المحکوم بالحسن عقلا لیس إلا الانبعاث فی وجدان العقل ، وفعل أحدهما وإن کان یحتمل أن یکون انبعاثا ، لکنه انبعاث عن الواقع المحتمل لا انبعاث عن المعلوم.

ففعل أحدهما وعدمه فی عدم الانبعاث عن المعلوم فی وجدان العقل علی حد سواء ، فهو تارک للمبالاة بأمر المولی فی وجدان العقل ، فیکون ظالما مستحقا للذم والعقاب.

ولیس ترک کل محتمل مصداقا لعدم المبالاة أو محققا له لیستحق عقابین ، بل الذی یضاف إلیه المبالاة وعدمها نفس التکلیف الواحد المعلوم ، ولیس للأمر أو نهی واحد (1)إلا شأن واحد ، فلیس له إلا انبعاث واحد وانزجار


1) 1. هکذا فی النسخة المطبوعة ، لکن الصحیح : لأمر أو نهی واحد.

واحد.

نعم لازم هذا المبنی استحقاق العقاب علی عدم المبالاة بالبعث المعلوم ولو مع فعل أحدهما المصادف مع الواجب الواقعی ، ولا بأس به بعد الالتزام بأن ملاک استحقاق العقاب تحقق الظلم القبیح عقلا سواء صادف الواقع أم لا کما عرفت فی مبحث التجری (1)مفصلا. هذا کله إن کان استحقاق العقاب بحکم العقل.

وأما إن کان بحکم الشارع وجعله کما هو أحد الطریقین فی باب الاستحقاق ، فلازمه استحقاق العقاب علی مخالفة التکلیف الواقعی بعد قیام الحجة علیه.

توضیحه أن قاعدة اللطف کما تقتضی بعث الشارع نحو ما فیه صلاح العباد وزجره عما فیه الفساد ، کذلک تقتضی جعل العقاب علی ترک ما فیه الصلاح وفعل ما فیه الفساد تحقیقا للباعثیّة والزاجریّة.

ومن الواضح أن جعل العقاب ما لم یصل ولو بوصول ملزومه وهو التکلیف لا یکون محققا للدعوة بعثا أو زجرا.

وعلیه ، فالعلم بالتکلیف علم بلازمه وهو العقاب المجعول علی مخالفته من حیث إنه مخالفة لا من حیث الاندراج تحت عنوان الظلم حتی ترد المحاذیر المتقدمة ، کما أنه بملاحظة العلم المزبور یحتمل العقاب علی فعل کل واحد لاحتمال حرمته واقعا.

وعلیه ، فإذا ارتکب أحدهما وصادف الواقع فقد وقع فی عقابه ، وإلا فلا ، وهذا الاحتمال هو الحامل للعبد علی الفرار من العقاب من دون حاجة فیه إلی حکم من العقلاء أو الشارع.

ومما ذکرنا تعرف الخلط فی کثیر من الکلمات بین المسلکین ، فتارة یرتبون


1) 1. التعلیقة 10.

آثار المسلک الأول ، وأخری آثار المسلک الثانی ، وعلی أی حال ، فالعلم الإجمالی منجز للتکلیف مطلقا.

42 - قوله « قده » : وکانت مرتبة الحکم الظاهری معه ، محفوظة ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن انحفاظ المرتبة : إن کان بلحاظ تعلیقیّة حکم العقل بالاستحقاق علی عدم المؤمّن من الشارع مطلقا أو فی بعض الأطراف کما توهم.

ففیه أولا ، أن هذا المعنی لا ربط له بانحفاظ المرتبة ، لأنه إنما یلتزم به دفعا للتنافی بین نفس الحکمین الواقعی والظاهری ، لا دفعا للتنافی بین آثارهما ، وحکم العقل وورود المؤمّن شرعا مربوط بالثانی دون الأول.

نعم من لا یری منافاة بین نفس الحکمین مطلقا بل یری المنافاة بینهما من قبل آثارهما ، فله أن یقول بانحفاظ المرتبة بهذا المعنی ، إلا أنه أجنبی عن مسلک شیخنا الأستاد « قدس سره ».

وثانیا قد عرفت أن مخالفة التکلیف المعلوم بل عدم المبالاة به بالانبعاث عنه والانزجار به ظلم علیه ، وهو قبیح بالذات ، وتخلف الذاتی عن ذی الذاتی محال ، فلا حکم من العقل هنا بنحو الاقتضاء والتعلیق ، بل بنحو العلیّة والتنجیز کما فصلناه آنفا.

وإن کان انحفاظ المرتبة بلحاظ إناطة الإنشاء الواقعی بوصوله تفصیلا فی صیرورته بعثا وزجرا شرعا.

ففیه أن الکلام فی العلم الطریقی المحض لا فی العلم المأخوذ فی الموضوع ، وإلا فالعلم التفصیلی أیضا یمکن أن لا یکون منجّزا ، لإناطة الإنشاء فی الباعثیّة والزاجریة بعلم تفصیلی حاصل من سبب خاص أو فی مورد مخصوص.


1) 1. کفایة الأصول / 272.

وقد عرفت أن الکلام هنا متمحض فی الفرق بین العلم التفصیلی والإجمالی.

وإن کان انحفاظ المرتبة بلحاظ فعلیّة الحکم الواقعی من وجه وفعلیّة الحکم الظاهری من جمیع الوجوه ولا منافاة بین الفعلیّة المطلقة ومطلق الفعلیّة بل بین الفعلیّین من کل وجه وهو الفعلی بقول مطلق وهذا هو المراد هنا کما نص علیه فی مبحث الاشتغال (1).

ففیه أن الفعلی من وجه لا معنی له إلا ما ذکرناه سابقا فی شرح کلامه وتصحیح مرامه « زید فی علو مقامه » (2)من أنه الإنشاء بداعی جعل الداعی دون غیره من الدواعی ، لاستحالة صیرورته بعثا وزجرا للزوم الانقلاب ، ومثل هذا الإنشاء هو تمام ما بید المولی وتمام ما یتحقق منه بالفعل ، وقیام الحجة علیه یجعله مصداقا للبعث والزجر فعلا ، فیکون فعلیّا من جمیع الوجوه.

إلا أن الفعلی من وجه بهذا المعنی إنما یمکن جعل حکم فعلی مطلق علی خلافه أو علی وفاقه إذا کان محتملا أو مظنونا ، فانه ما لم تقم الحجة علیه لا یکون فعلیا مطلقا کی یلزم اجتماع الضدین والمثلین ، وأما إذا قامت الحجة علیه ، فلا.

وقد بینا أن العلم الإجمالی فی حدّ العلمیّة کالعلم التفصیلی ، ولا فرق فی الوصول المقوم للباعثیّة الفعلیّة والزاجریّة الفعلیّة بین الوصول التفصیلی والإجمالی.

ومع کفایة هذا المقدار من الوصول عقلا فی تحقق البعث والزجر ، فلا یعقل بعث آخر أو زجر آخر أو ترخیص علی خلاف الحکم الواصل.

وأما ما أفاده شیخنا العلامة « قدس سره » فی البحث وأشار إلیه فی (3)


1) 1. کفایة الأصول / 9 - 358.

2) 2. التعلیقة 30.

3) (3) قد تعرض له المصنف قدس سره فی التنبیه الرابع حیث قال فی جواب إشکال أورد علی نفسه

أوائل هذه المباحث فی تقریب الفعلی من وجه والفعلی بقول مطلق بأن الغرض من التکلیف : تارة یکون بحدّ یوجب قیام المولی مقام البعث وإیصاله إلی المکلف ولو بنصب طریق موافق وإیجاب الاحتیاط ، فمثله لا یجوز الترخیص فی خلافه ، فإنه نقض للغرض.

وأخری لا یکون بذلک الحد ، بل بحیث إذا وصل من باب الاتفاق لتنجّز ، وکان سببا لتحصیل الغرض من المکلف ، فمثله یجوز الترخیص فی خلافه وسدّ باب وصوله.

وأدلة الأصول الشاملة لموارد العلم الإجمالی کاشفة عن أن الغرض من سنخ الثانی ولیس مثلها فی مورد العلم التفصیلی.

فمندفع ، أما أولا ، فبأن هذا التفصیل إنما یجدی فی دفع شبهة نقض الغرض من التعبد بالظن وغیره علی خلاف الواقع کما سیجیء إن شاء الله تعالی فی محله لا فی مقام دفع المنافاة بین الحکم الواقعی والحکم الظاهری من حیث نفسهما والکلام فی الثانی.

وأما ثانیا ، فإنه یجدی فی الحکم علی خلاف الحکم الواقعی ، لا علی خلاف الحکم الواصل من باب الاتفاق مع حکم العقل بعدم الفرق بین أنحاء الوصول.

وأما ثالثا ، فبأنه یجدی فی عدم لزوم نقض الغرض من المکلف به لا فی عدم لزوم نقض الغرض من نفس التکلیف ، فإن الغرض من نفس التکلیف فی جمیع الموارد سنخ واحد.

ومن البیّن أن الغرض من نفس التکلیف جعل الداعی والباعث فعلا ، والترخیص الفعلی نقض لهذا الغرض.

====

فی القول بإمکان أخذ الظن بحکم فی موضوع مثله أو ضده یمکن أن یکون الحکم فعلیا بمعنی أنه لو تعلق به القطع علی ما هو علیه من الحال لتنجز واستحق علی مخالفته العقوبة. کفایة الأصول / 267

ومن جمیع ما ذکرنا تبین عدم انحفاظ المرتبة رأسا بین الغرض من الحکمین وبین نفس الحکمین وبین آثارهما ، فهما متنافیان نفسا ومن حیث المبدأ والمنتهی.

43 - قوله « قده » : ضرورة عدم تفاوت فی المناقضة بین التکلیف الواقعی ... الخ (1).

یمکن إبداء الفرق بین ما نحن فیه وبین موارد النقض : أما فی الشبهة البدویّة ، فبما عرفت فی تحقیق حقیقة الحکم الحقیقی (2)، وأنه جعل ما یمکن أن یکون داعیا ، والخطاب الواقعی بما هو واقعی لا یمکن أن یکون داعیا بحیث لو مکن العبد نفسه عن امتثاله أمکن أن یکون ذلک الخطاب داعیا ، فالخطابات الواقعیّة ما لم تصل إلی المکلف بنحو من الوصول ولو بالحجّة الشرعیّة أو الأمر الاحتیاطی لا یعقل أن تتصف بکونها باعثا وداعیا ، أو زاجرا وناهیا ، وبهذا ترتفع المناقضة والمضادة بین الأحکام الواقعیّة ومفاد الأصول الشرعیّة.

ومنه علم أن عدم فعلیة الحکم الواقعی المجهول لیس من جهة الاستکشاف من أدلة الأصول ، بل مطابق للقاعدة الحاکمة بدوران الفعلیّة مدار الوصول.

وأما الشبهة الغیر المحصورة ، فلما سیجیء (3)إن شاء الله تعالی أن القدر المتیقن من موردها ما إذا لزم من الاحتیاط فیها عسر مخل بالنظام أو کان بعض أطرافها خارجا من مورد الابتلاء کما هو کذلک غالبا ، وعدم فعلیّة الحکم فیهما عقلی ، بداهة عدم موقع للبعث والزجر الحقیقیین مع لزوم اختلال النظام أو خروج بعض الأطراف عن مورد الابتلاء ، فلا علم إجمالی بالحکم الفعلی حتی


1) 1. کفایة الأصول / 272.

2) 2. التعلیقة 30.

3) 3. نهایة الدرایة 4 : التعلیقة 81.

یحکم العقل بامتثاله ویکون الإذن هناک إذنا علی خلاف الحکم العقلی.

44 - قوله « قده » : ضرورة أن احتمال ثبوت المتناقضین ... الخ (1).

هذا إذا کان الوجه فی التنجز مضادة الحکم الواقعی مع الحکم الظاهری کما نص علیه فی مبحث الاشتغال (2)، إلا أنه من القطع بثبوت المتنافیین لا احتماله ، وذلک لأن الترخیص فی کل واحد بدلا ترخیص تخییری ینافی الحرمة التعیّنیّة قطعا.

نعم إذا کان الترخیص بالإضافة إلی أحدهما المعین کان ثبوت الحکمین المتنافیین محتملا ، لا (3)مقطوعا.

مضافا إلی أن التنافی إنما یکون إذا کان الترخیص شرعیّا ، وأما إذا کان عقلیّا ، فلا حکم مجعول من العقل أو العقلاء بحیث یضاد حکما مجعولا آخر ، بل غایته إذعان العقل بعدم الاستحقاق علی ارتکاب کل واحد من المشتبهین بدلا عن الآخر.

وأما إن کان الوجه فی التنجز من حیث المخالفة القطعیّة هو کونها ظلما ، فیستحق علیه العقاب ، بخلاف الموافقة القطعیّة ، فإن إلزام العقل بها من باب حکمه بدفع الضرر المحتمل ، ومع تأمین الشارع بترخیصه فی أحد الطرفین لا یحتمل الضرر کی یجب دفعه عقلا.

ففیه : إن کان ترک الموافقة القطعیّة لعدم الانبعاث بالبعث المعلوم وعدم الانزجار بالزجر المعلوم فی وجدان العقل ظلما ، کما قربناه ، فالإذن فیه إذن فی الظلم وهو قبیح کالإذن فی المخالفة القطعیّة.

وإن لم یکن کذلک ، بل کان مخالفة التکلیف المعلوم واقعا ظلما ، فالإذن فی


1) 1. کفایة الأصول / 273.

2) 2. کفایة الأصول / 358.

3) 3. کلمة « لا » زیادة منا لیست فی المطبوع ولا فی المخطوط بغیر خطه قده.

ترک کل واحد من الأطراف أیضا حیث إنه إذن فی المخالفة الواقعیّة للتکلیف المعلوم ، فهو أیضا إذن فی الظلم وهو قبیح.

وإن قلنا بأن العقاب بجعل الشارع علی مخالفة التکلیف الواقعی ، فالإذن فی کل طرف مساوق لرفع العقاب عن مخالفة التکلیف الواقعی المعلوم ، وهو مناف لثبوت العقاب علی الواقع وهو المصحح لاستحقاق العقاب علی مخالفة التکلیف المعلوم واقعا ، وإلا فضمّ غیر الواقع إلی الواقع لا یحدث عقابا بل بالعرض مناف لفعلیّة التکلیف المعلوم ، لما عرفت من أنه یتقوّم الباعثیّة والزاجریّة بکونه یستحق العقاب علی مخالفته.

ومما ذکرنا تبین أن التأمین الواقع (1)لموضوع قاعدة دفع الضرر المحتمل دافع للتکلیف الفعلی بأثره فیسوغ المخالفة القطعیّة أیضا ، ومع بقاء التکلیف الفعلی بأثره علی حاله یکون موضوع القاعدة محفوظا ، وتخلف الحکم عن موضوعه التام خلف.

وبالجملة ، فمحصّل الکلام أن الترخیص إن کان شرعیّا وکان استحقاق العقاب بحکم العقل ، فالمحذور زیادة علی المنافاة بین الحکم المعلوم بالإجمال والترخیص الشرعی لزوم الإذن فی الظلم وهو قبیح. وقد عرفت وجه کون ترک الموافقة القطعیّة ظلما.

وإن کان الترخیص شرعیّا والعقاب بجعل الشارع ، فالمحذور الزائد علی المنافاة بین نفس الحکمین هو التنافی بین جعل العقاب ورفعه وإثباته ونفیه کما بیناه ، حیث إن ضمّ غیر الواقع إلی الواقع لا یحدث عقابا للواقع.

ولا مورد للمحذور المتقدم وهو الإذن فی الظلم ، إذ العقاب کما عرفت لیس بملاک کونه ظلما.


1) 1. کذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خطه قده ، والصحیح : الرّافع.

وإن کان الترخیص عقلیّا والعقاب بحکم العقل ، فلیس فیه محذور المنافاة بین الحکمین ، إذ لیس الترخیص العقلی من مقولة الحکم ، بل مجرد الإذعان بالمعذوریّة ، وکونه معذورا عند العقلاء وعدم کونه معذورا لکونه مذموما علیه بملاک الظلم متنافیان.

وإن کان الترخیص عقلیا وجعل العقاب شرعیّا ، فلیس فیه محذور المنافاة بین الحکمین ولا الإذن فی الظلم ، إذ لیس هناک مقولة الإذن ولا العقاب بملاک الظلم ، بل المعذوریّة عند العقل مع فرض کونه معاقبا علیه شرعا ولازمه عدم المعذوریّة لا یجتمعان.

45 - قوله « قده » : أن المناسب للمقام هو البحث عن ذلک ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن کل ما کان من شئون العلم ومقتضیاته ، فهو المناسب للمقام ، وکل ما کان من شئون الجهل ، فهو من مقاصد المقصد الآتی فی البراءة والاشتغال ، وهذا ینطبق علی ما أفاده « قدس سره » إذ الاقتضاء لاستحقاق العقاب من شئون العلم والمانعیّة من شئون الجهل ، وعلی ما ذکرنا سابقا (2)من عدم التفاوت بین العلمین التفصیلی والإجمالی فی حد العلمیّة وأنهما لیسا طورین من العلم یتمحض البحث فی إمکان جعل الجهل التفصیلی عذرا عقلا وشرعا ، فلا مجال للبحث عنه إلا فی المبحث الآتی.

لکنک قد عرفت سابقا (3)أن الاقتضاء بمعنی السببیة القابل لمنع المانع غیر معقول هنا ، لأن نسبة الموضوع إلی حکمه العقلائی أو حکمه الشرعی لیست نسبة السبب إلی مسببه حتی یتصور المانعیّة والاشتراط.

وقد عرفت أیضا أن مخالفة الحکم المعلوم بالإجمال من دون انحلاله


1) 1. کفایة الأصول / 273.

2) 2. ذیل قول المصنف قدس سره فهل القطع الإجمالی کذلک فیه إشکال التعلیقة 41.

3) 3. فی التعلیقة 41.

موضوع تام للقبح عقلا ، أو لجعل العقاب شرعا ، وأنها لیست لو خلیت ونفسها کذلک حتی یمکن عدم لحوق حکمها لها بعروض ، عارض ، بل القابل لارتفاع الحکم المزبور عنه موضوع آخر ، وهی مخالفة المعلوم بالإجمال المنحلّ ولو حکما.

وحینئذ فالبحث هنا لیس راجعا إلی البحث عن الاقتضاء بوجه أصلا ، بل المبحوث عنه استحقاق العقوبة علی مخالفة الحکم المعلوم إما عقلا أو شرعا.

والمبحوث عنه فی باب البراءة والاشتغال هو أن المجهول تفصیلا غیر محکوم بالجواز فعلا أو بنفی المؤاخذة عنه لرجوعه إلی رفع العقاب المجعول علی مخالفة المعلوم ، وهو ینافی بقاء التکلیف الفعلی علی حاله.

وقد حقق فی محله أن مجرد ترتب المسألة علی مسألة لا یوجب وحدة المسألة ، بل تعدد المسائل بتعدد القضایا موضوعا أو محمولا أو هما معا وتعددهما هنا واضح بالبیان المزبور.

ومن جمیع ما ذکرنا یظهر أن تخصیص المقام بالبحث عن حرمة المخالفة القطعیّة وتخصیص البحث الآتی بوجوب الموافقة القطعیّة کما عن شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » لا وجه له (1).

وتوجیهه بأن البحث عن حرمة المخالفة القطعیّة بحث عن أصل اقتضاء العلم والبحث عن وجوب الموافقة القطعیّة بحث عن مقدار الاقتضاء وکیفیته لا عن أصله.

غیر وجیه ، إذ مقدار الاقتضاء وکیفیته لو لم یکونا من مقتضیات الشک والجهل لا وجه للبحث عنهما فی ما أعد للبحث عن مقتضیات الجهل وأحکامه.

وتوهم أن وجوب الموافقة القطعیّة من مقتضیات احتمال العقاب ووجوب دفع الضرر المحتمل عقلا لا من آثار العلم بالتکلیف حیث لا علم بالإضافة إلی


1) 1. فرائد الأصول المحشی : 1 / 30.

کل واحد من الأطراف فله مساس بالاحتمال لا بالعلم.

مدفوع بأن معنی منجزیّة العلم ترتب استحقاق العقاب عقلا علی مخالفة التکلیف الفعلی المعلوم بملاحظة انطباق عنوان قبیح علیه کعنوان هتک حرمة المولی ونحوه أو من جهة جعل العقاب شرعا علی مخالفة التکلیف الواقعی المعلوم.

وهذا منشأ ترتب استحقاق العقاب علی مخالفة التکلیف بارتکاب بعض الأطراف عند المصادفة ، لا أن استحقاق العقاب من آثار احتماله ، ولا من آثار قاعدة دفع الضرر المحتمل ، إذ مع عدم استحقاق العقاب علی المخالفة الواقعیّة للتکلیف المعلوم فی البین لا موضوع لقاعدة دفع الضرر ، ومع ثبوته لا حاجة إلیها ، إذ الوقوع فی العقاب علی تقدیر المصادفة من آثار کونه علی الفرض مخالفة موجبة للعقاب لا من آثار مخالفة قاعدة دفع الضرر المحتمل ، فالاحتمال لا ضرر علیه ، ولا أثر له لا عقلا ولا شرعا ، فتدبر.

ولا نعنی بحرمة المخالفة القطعیّة ووجوب الموافقة القطعیّة إلا اقتضاء المخالفة مطلقا لاستحقاق العقاب عقلا ، فتدبر. فانه حقیق به.

ولیعلم أن هذه المسألة علی جمیع التقادیر مسألة عقلیّة وإدراجها فی الکلام باعتبار حسن المعاقبة من الشارع وإلا فلیس کل مسألة عقلیة کلامیة.

وأما دعوی (1)أن فی المسألة جهتین بإحداهما تکون کلامیّة وهی حیثیة اقتضاء العلم الإجمالی لاستحقاق العقوبة وبالأخری أصولیّة وهی حیثیة انحفاظ مرتبة الحکم الظاهری باعتبار التوصل بها إلی الترخیص شرعا فی ارتکاب بعض الأطراف أو جمیعها وأن الجهة الأولی من مبادی الجهة الثانیة.

فمندفعة بأن انحفاظ المرتبة من شئون المجهول تفصیلا لا من شئون


1) 1. کما فی کلام المحقق النائینی قده. أجود التقریرات : 2 /1. 48.

المعلوم إجمالا ، بمعنی أنه مع الجهل التفصیلی هل یمکن جعل حکم ظاهری کما فی سائر موارد الجهل أم لا ، ولیس من مقتضیات العلم بما هو علم ، فهو من مسائل مباحث الشک والجهل لا من مباحث القطع.

مع أن الجهة الأولی لا مبدئیّة لها إلا لانحفاظ المرتبة من حیث أثر الحکم الظاهری لا من حیث انحفاظها من حیث نفس الحکم ، فإن حیثیة الاقتضاء لاستحقاق العقاب أجنبیة عن مضادة الترخیص للوجوب والحرمة فافهم جیّدا.

46 - قوله « قده » : مما لا یمکن أن یؤخذ فیها ... الخ (1).

قد ذکرنا (2)فی مباحث الألفاظ أن وجه الاستحالة لیس توقف الحکم علی ثبوت موضوعه ، فإن ثبوت الموضوع خارجا یسقط الحکم لا أنه مصحّح لعروضه علیه ، وثبوته الذهنی غیر مقوم لمطلوبیّته بل یستحیل ذلک ، لأن صفة العلم التی هی مناط الثبوت الذهنی لا یعقل أن تکون مقومة لصفة الشوق النفسانی المتقوّمة بمتعلقه ، وإلا لزم اتحاد الفعلیّین فی التحصل وهو محال.

فکما أن مقوم صفة العلم نفس الماهیة ، کذلک مقوم صفة الشوق نفس الماهیة ، غایة الأمر بنحو فناء العنوان فی المعنون ، کما حققناه (3)فی مبحث اجتماع الأمر والنهی وغیره.

بل المانع ما ذکرنا غیر مرّه أن الحکم متأخر عن موضوعه طبعا ، فلو أخذ فی موضوعه لزم تقدم المتأخر بالطبع ، وهو خلف.

نعم التحقیق الذی یقتضیه النظر الدقیق فعلا عدم المانع من هذه الجهة أیضا ، لأن الأمر لیس بوجوده الخارجی داعیا لأن الشوق المحرّک للعضلات


1) 1. کفایة الأصول / 274.

2) 2. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 167.

3) 3. نهایة الدرایة 2 : التعلیقة 168.

لا بد من أن یکون علّة واقعة فی أفق النفس ولیس إلا الأمر بوجوده العلمی ، فالأمر بوجوده الخارجی موقوف علی موضوعه ، ومتأخر عنه وبوجوده العلمی مأخوذ فی الموضوع المتقدم علیه ، ووجوده العلمی غیر متقوّم بوجوده الخارجی ، بل بماهیّته الشخصیّة ، کما (1)شرحناه فی مبحث أخذ القطع بشخص الحکم فی موضوعه ، فراجع وتدبر.

وأما شبهة لزوم الخلف من وجه آخر وهو أن فرض نفس اتیان الشیء بداعی أمره وبعنوان أنه واجب فرض عدم تعلق الأمر بالمجموع من الشیء وقصد الامتثال وقصد الوجه وفرض تعلق الأمر بالمجموع فرض عدم تعلقه بذات الشیء وهو المراد بأنه یلزم من أخذه فی المتعلق عدم أخذه فیه وما یلزم من وجوده عدمه فهو محال.

فهی مدفوعة بما أشرنا إلیه فی مبحث أخذ القطع بشخص الحکم فی موضوع نفسه (2)من أن المأمور به لیس هو المأتی به بداعی أمره بما هو کذلک حتی یلزم منه الخلف ، بل الصلاة مثلا نوع له أصناف وطبیعی له حصص ، فالصلاة المأتی بها بداع الأمر حصة وصنف ، والصلاة المأتی بها بغیره من الدواعی حصة وصنف آخر ، فیمکن تعلق الأمر بذات تلک الحصة وذلک الصنف الملازم لذلک الداعی الخاص ، فلم یلزم من الأمر بذات هذه الحصة عدم الأمر بها.

ومنه یعلم أیضا أن المقید بما هو لیس مأمورا به حتی لا یکون لذات المقید أمر ، ولیس قصد القربة وقصد الوجه مأخوذا فی عرض الصلاة حتی یلزم دعوة الأمر إلی جعل نفسه داعیا لیلزم علّیة الشیء لعلّیة نفسه ، بل قصد القربة والوجه غیر مأخوذ فی المتعلق بأی وجه کان مع قصر الأمر علی ما لا ینفک عنهما ، فتدبر.


1) 1. التعلیقة 27.

2) 2. التعلیقة 27.

47 - قوله « قده » : ولا یکون إخلال حینئذ ... الخ (1).

قد صرح (2)« قدس سره » فی مبحث الأقل والأکثر من مباحث البراءة والاشتغال بإمکان قصد الوجه غایة وتوصیفا إجمالا تارة وتفصیلا أخری : فإن کان الجزء الزائد زیادة لم یؤخذ عدمها فی المرکب فقصد الوجه إجمالا معقول ولا إخلال إلا بالتمیز.

وإن کان الجزء الزائد جزء مستحییا ومن أجزاء الفرد کانت طبیعة الواجب منطبقة علی الأکثر بتمامه وکماله لصدق الطبیعة علی الفرد بمشخصاته ، فیقصد باتیان الأکثر اتیان الواجب بما هو مفصلا لا الواجب المردّد بین الأقل والأکثر.

أقول : أما قصد الوجه بنحو الغایة الداعیة ، فلا ریب فیه ، لإمکان دعوة الأمر النفسی بما هو وجوب نفسی إلی اتیان متعلقه الذی هو إما تمام الأکثر أو فی ضمنه.

وأما قصد الوجه توصیفا ، فلیس معناه إتیان الموصوف بأنه واجب خارجا بإتیان الأکثر کما هو صریح کلامه « قدس سره » حیث قال « رحمه الله » وإتیان الواجب مقترنا بوجهه غایة وتوصیفا بإتیان الأکثر بمکان من الإمکان إلی آخره (3)لما مر مرارا أن (4)الوجوب لا یعرض المأتی به حتّی یوصف بعنوان الواجب لیؤتی به مقترنا بوجهه ، بل معروض صفة الوجوب هی الطبیعة الفانیة فی مطابقها قبل وجودها فی الخارج ، وأما بعده فیسقط الوجوب فکیف یعرضه.

بل المراد من قصد الوجه بنحو التوصیف أنه یتمکن من قصد الصلاة الواجبة بما هی واجبة ، فیأتی بمطابقها فی الخارج بإتیان الأکثر.

إمکان قصد الوجه إجمالا وتفصیلا


1) 1. کفایة الأصول / 274.

2) 2. کفایة الأصول / 365.

3) 3. کفایة الأصول / 365.

4) 4. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 167. نهایة الدرایة 2 : التعلیقة 4. وفی التعلیقة المتقدمة.

وأما قصد الوجه فی الأکثر تفصیلا إذا کان الزائد جزء الفرد نظرا إلی صدق الطبیعة علی الفرد بمشخصاته ، فقد بینا فی محله أن مشخص الطبیعة فی الصلاة وغیرها علی حد سواء ، والمشخص الاعتباری لا معنی له.

إلا أن فضیلة الطبیعة وکمالها لا یعد أمرا فی قبالها ، فیکون کالمشخص الحقیقی الذی لا یزید علی وجود الطبیعة.

وعلیه فنقول : إن صدق الطبیعة علی الفرد بمشخصاته مع وضوح أن زیدا انسان بنفسه وبدنه لا بکمّه وکیفه ووضعه وأشباهها بملاحظة أن صحة حمل الانسان علی زید بما هو زید لیس إلا بلحاظ الاتحاد فی الوجود الساری من الشخص إلی الطبیعة النوعیة ، فإنه مجری فیض الوجود بمعنی أن هویّة زید الممتازة بنفسها عن هویّة عمرو حیث إن الوجود عین التعیّن والتّشخّص مطابق الانسان من حیث تفرّد حصة من الطبیعة النوعیّة فی مرتبة ذات هذه الهویّة.

فالوجود الواحد وجود هذه الحصة بالذات ووجود طبیعی الانسان بالعرض وإلا فکمّه وکیفه ووضعه فرد طبیعی الکم والکیف والوضع ولا یعقل أن یکون فردیّة فرد لطبیعة مناطا لفردیّة شیء آخر لطبیعة أخری.

فصدق الطبیعی علی الفرد بمشخصه الحقیقی وهو الوجود الذی هو التعین والتشخص صحیح ، وصدقه علی الفرد بلوازمه من کمّه وکیفه ووضعه غیر صحیح.

والعنایة المصححة فی الأول اتحاد الطبیعی وحصته فی الوجود وهذه العنایة مخصوصة بما کان کذلک من الاتحاد فی الوجود الساری ، لا فی مثل الصلاة وأجزائها المستحبة المکملة لها المغایر لها وجودا ، فتدبر جیّدا.

بل لو قلنا باتحاد الأعراض وموضوعاتها فی الوجود کما هو المحقق عند جملة من أهل التحقیق ، فصدق الطبیعی علی الفرد بعوارضه صحیح أیضا.

إلا أن الأجزاء المستحبة لیست کالأعراض بالنسبة إلی المرکب

الاعتباری من الأجزاء الواجبة لیکون لها اتحاد فی الوجود الساری ، فتأمل جیّدا.

48 - قوله « قده » : ضعیف فی الغایة وسخیف إلی النهایة ... الخ (1).

وجه الضعف أن من یقول باعتبار قصد الوجه إنما یعنی الوجه النفسی دون الغیری أو العرضی ، إذ منشؤه أن الأعراض القائمة بموضوعات الأحکام واقعا عناوین لها فی نظر العقل ، حیث لا یذعن العقل بحسن شیء إلا بما له من الوجه الحسن المنطبق علیه بلحاظ قیام الجهة المحسنة به قیام العرض بموضوعه.

وهذا الفعل بماله من الوجه العقلی موضوع للحکم الشرعی واقعا لتنزّه ساحة الشارع عن الأغراض النفسانیّة والاقتراحات الغیر العقلائیّة.

ومع معلومیّة الوجه العقلی یجب إتیان الفعل بذلک الوجه حتی یصدر عنه بما هو فعل حسن بالاختیار.

ومع عدم معلومیّته یجب إتیانه بالوجه الشرعی المحاذی للوجه العقلی حتی یصدر الحسن بما هو حسن عن هذا الوجه بالاختیار.

ومن الواضح أن الوجه الشرعی المحاذی للوجه العقلی لیس إلاّ الوجوب النفسی دون الغیری والعرضی أو الجزئیّة المنتزعة عن کل واحد بلحاظ الوجوب النفسی المتعلق بالکل.

وربما یتوهم أن جزء العبادة عبادة ولا فرق بین عبادة وعبادة فی نظر من یری وجوب قصد الوجه فی العبادة.


1) 1. کفایة الأصول / 274.

ولا یخفی فساده : أما أولا فلما ذکرنا فی مسألة النهی عن العبادة أن جزء العبادة من حیث الجزئیة للعبادة لیس بعبادة بأیّ معنی کان ، لأن العبادة إمّا یراد بها العبادة الذاتیّة أی ما هو حسن بنفسه وبذاته ، أو یراد بها ما لا یسقط أمره إلا إذا أتی به بداعی أمره ، ولا یجب أن یکون جزء العبادة معنونا بعنوان حسن ، بل اللازم تعنون الواجب النفسی الشرعی بالعنوان الحسن العقلی ، والجزء مقوّم المعنون بالعنوان الحسن لا أنه معنون به ، وإلا لکانت الأجزاء واجبات نفسیّة.

کما أن الأمر النفسی الواحد حیث تعلق بالمجموع فالمجموع بحیث لو لم یأت به بداعی أمره لم یسقط أمره ، لا کل واحد من الأجزاء ، وفساد العبادة مع عدم إتیان بعض أجزائها بداع الأمر النفسی لیس من حیث نفس ذلک الجزء ، بل من حیث عدم إتیان المجموع الذی هو متعلق الأمر النفسی بداع الأمر.

وأما ثانیا فلأنا فرضنا أن الجزء عبادة بالمعنی الثانی ، إلا أن قصد الوجه لیس من حیث کونه عبادة بأی معنی کان ، بل من حیث لزوم قصد العنوان الحسن العقلی بقصد ما یحاذیه من العنوان الشرعی ، ولیس ذلک إلا المرکب المعنون بالعنوان الحسن العقلی الذی تعلق به وجوب نفسی واحد.

نعم إن کان احتمال اعتبار قصد الوجه لا لذلک الوجه بل لمجرد دخله فی الغرض فمقتضی الأصل لزومه حتی فی الجزء سواء کان جزء العبادة عبادة أم لا.

فی تکرار العبادة وما یتعلق به من النقض والإبرام

49 - قوله « قده » : إنما یضر إذا کان لعبا بأمر المولی ... الخ (1).

وذلک إذا فعل استهزاء وسخریّة بأمر المولی ، فلا یصدر العمل عن داع الهی بل داع شیطانی.

بخلاف ما إذا کان داعیه أمر المولی وکان اللعب والعبث فی نحو امتثال أمر المولی وکیفیة إطاعته ، فإن الفعل علی أیّ حال ینشأ عن داع الهی.

وتحقیق المقام أن المانع ، إمّا عدم صدور العمل عن داع الهی بل عن غیره ، أو التشریک فی الداعی بحیث لا یکون الأمر مستقلا فی الدعوة ، أو تعنون الفعل بنفسه بعنوان اللعب ، أو تعنون الفعل المأتی بداعی الأمر بعنوان اللعب والکل مفقود :

أما الأول ، فلأن المفروض أن المحرک لفعل کل من المحتملات هو الأمر المحتمل تعلقه به.

وأما الثانی ، فلأن المفروض عدم محرک إلی ذات کل واحد من المحتملات سوی الأمر المحتمل ، فلا تشریک فی الداعی ، وإلا فلو فرض التشریک لم یکن فرق بین الداعی العقلائی وغیره فی المفسدیّة وعدم صدور العمل عن داع الهی مستقل فی الدعوة.

وأما الثالث ، فلأن المفروض أن ذات العمل صلاة واتصافها باللعب والعبث باعتبار صدورها عن داع نفسانی شهوانی ومع فرض صدورها عن داع الأمر المستقل فی الدعوة لا معنی لتعنون ذات الصلاة باللعب والعبث.

فی تکرار العبادة


1) 1. کفایة الأصول / 274.

وأما الرابع ، فبان اتصاف المأتی به بداع الأمر بوصف اللعب والعبث بأن یکون الداعی إلی جعل الأمر داعیا غرضا نفسانیا غیر عقلائی ، والمفروض أن داعیه إلی امتثال أمر المولی ما هو الداعی فی غیره من توقع الثواب أو تحصیل مرضات المولی أو غیرهما.

وتوهم أن اتصاف مثله بعنوان اللعب غیر ضائر ؛ لفرض صدور العمل عن داع الأمر وهو حسن بذاته.

مدفوع بأن المأتی به بداع الأمر أو بقصد التعظیم إنما یکون حسنا بذاته ، بمعنی أنه لو خلی ونفسه یندرج تحت عنوان الانقیاد للمولی وعنوان الاحسان إلیه ، لا أن حسنه کحسن العدل والاحسان ذاتی لا یتخلّف عنه.

بل التعظیم فی مورد یعرف به المولی فیقتل اساءة الیه ولو مع حفظ عنوانه ، کانحفاظ عنوان الصدق فی المهلک للمؤمن ، مع أن الصدق حسن بذاته بذلک المعنی فلو فرض اتصاف المأتی به بداع الأمر بعنوان اللعب من حیث کون داعی الداعی غرضا شهوانیا نفسانیا لا یصدر ممدوحا علیه بل مذموما علیه.

ومن جمیع ما ذکرنا یتضح أیضا أن الداعی إلی تحصیل الیقین باطاعة الأمر أیضا هو الداعی فی غیر هذا المورد وهو اسقاط العقاب فی وجدان العقل مثلا.

بل لو کان هناک لعب ولغو لکان فی کیفیة تحصیل الیقین باطاعة الأمر. وهو أجنبی عن اتصاف الاطاعة بعنوان اللعب ، بل هو عنوان تحصیل الیقین ، لا عنوان الفعل المتولد منه الیقین باطاعة الأمر.

توضیحه أن لتحصیل الیقین باطاعة الأمر طریقان :

أحدهما معرفة الواجب واتیان الواجب بعینه فیحصل له الیقین باطاعة الأمر واسقاطه.

ثانیهما اتیان محتملات الواجب الواقعی ، فإنه یوجب حصول الیقین باطاعة الأمر الواقعی وسقوطه.

فاختیار الطریق الثانی علی الأول لأحد أمور ثلاثة : فتارة یختاره لداع محبوب وهو الاشتغال بالانقیاد المحبوب عقلا فی مدة مدیدة.

وأخری یختاره لداع عقلائی وهو فیما إذا کان تحصیل معرفة الواجب أکثر مئونة من اتیان المحتملات فسهولة الطریق تدعوه إلی اختیاره.

وثالثة لا لذا ولا لذاک بل لمجرد غرض نفسانی ، فتحصیل الیقین من أصله وإن کان کما فی سائر الموارد إلا أن تحصیل الیقین من هذا الطریق الخاص لغرض نفسانی ، فیصدق اللعب علی تحصیل الیقین من هذا الوجه ، لا علی نفس الفعل الذی هو سبب لحصول الیقین بالاطاعة.

ومنه تعرف أنه کما لا لعب ولا عبث فی الأمر کذلک فی کیفیّة إطاعته ، وإنما اللعب فی تحصیل الیقین حیث لا مرجح عقلائی لتحصیل الیقین من هذا الوجه ، الخاص ، فتدبره جیدا فإنه دقیق جدّا.

وربما یقال (1): بلزوم تقدیم الامتثال التفصیلی علی الإجمالی لا من حیث اعتبار قصد الوجه ، بل من أجل عدم استقلال العقل بحسن الامتثال الإجمالی ، إلا مع عدم التمکن من الامتثال التفصیلی ، نظرا إلی أنه یجب الانبعاث عن شخص أمر المولی وإرادته مع امکانه ، وأن الانبعاث فیما نحن فیه انبعاث عن احتمال البعث ومرتبة الأثر متأخرة عن مرتبة العین ، وأنه مع الشک فی ذلک لا مجال ، إلا للاشتغال لا البراءة ، وإن قلنا بها فی مثل قصد الوجه ، إذ الشک هنا فی کیفیة الاطاعة الموکولة إلی حکم العقل ، لا فیما یمکن اعتباره شرعا ولو بأمر آخر ، فلیس هنا مجعول شرعی مجهول حتی یحکم برفعه.


1) 1. القائل هو المحقق النائینی قدس سره أجود التقریرات : ج 2 / 44.

وفیه : أما أولا فبأن عنوان الانقیاد المنطبق علی کل فعل من المحتملین من العناوین الحسنة بالذات أی لو خلی وطبعه کالصدق الحسن بهذا المعنی ، ومن المعلوم أن ما کان حسنا بذاته یکون حسنا بالفعل ، إلا إذا انطبق علیه عنوان قبیح کانطباق عنوان المهلک للمؤمن علی الصدق.

ومن الواضح أن مجرد التمکن من الامتثال التفصیلی لا یوجب تعنون الامتثال الاجمالی بعنوان قبیح ، ولا عدم التمکن مقوم حسنه ، فلا معنی لعدم استقلال العقل بحسنه.

وأما ثانیا فبأن الداعی الموجب لانقداح الارادة هو البعث بوجوده فی أفق النفس ، لاستحالة دعوة البعث بوجوده الخارجی.

فصورة البعث الحاضر فی النفس سواء کانت مقرونة بالتصدیق العلمی أو بالتصدیق الظنی أو بالتصدیق الاحتمالی هی الداعیة بالذات ومطابقه فی الخارج داع بالعرض.

فإن کانت الصورة مطابقة لما فی الخارج کان الانبعاث عن شخص الأمر بالعرض.

وإن لم یکن مطابقة کان الانبعاث عن مجرد الصورة.

والأول اطاعة حقیقیة والثانی انقیاد محض ، فالاتیان بالمحتملین متضمن للانبعاث عن شخص البعث قطعا.

وأما ثالثا ، فلأن الانبعاث التفصیلی إما أن یحتمل دخله فی الغرض أم لا ، فان احتمل دخله کان حاله حال قصد القربة والوجه من حیث امکان اعتباره شرعا ، بأمر آخر ، فیکون مرفوعا عند الجهل ، وإن لم یحتمل دخله فیه نقطع بسقوط الغرض بمجرد الموافقة الاجمالیة ، فیقطع بسقوط الأمر ، فلا موجب للاشتغال.

المقدمة الثانیة : فی الأمارات الغیر العلمیة

50 - قوله « قده » : بیان ما قیل باعتباره من الأمارات ... الخ (1).

لکن هذا العنوان لا یعم مباحث الظن بما هو ظن کما هو الموضوع للمسألة حقیقة.

وتوهم أن جعل الظن عنوانا لهذا المقصد کی یعم الجمیع غیر صحیح ، لظهور الظن فی الفعلی ، مع أن المبحوث عنه فی غیر مباحث الظن الانسدادی ظنون نوعیة.

مدفوع بأن معنی ظهور الظن فی الفعلی ظهوره فی معنی ثبوتی والمعنی الثبوتی مطابقه حیثیة ذاته حیثیة طرد العدم وهو لا ینافی کون الأسباب مفیدة له ، بطبعها وبنوعها لو لا الموانع ، فالشخصیة والنوعیة من أوصاف أسبابه لا من أوصافه ، وظهوره فی ماله مطابق فعلی لا یکون إلا بالقرینة کما لا یخفی.

نعم الحجیة والاعتبار فی الأمارات وصف لها بحال نفسها ، فلو جعل الظن عنوانا لهذا المقصد کان الوصف بحال متعلقه أعنی سببه ، فتدبر جیّدا.

ومما ذکرنا تبین أنه لا جامع بین الأمارات والظن بما هو ، فلا بد جعل (2)الأمارات بابا ، وجعل الظن بما هو بابا آخر.

ولیعلم أیضا أن ما ذکره « قدس سره » هنا عنوانا لموضوع هذا المقصد لا ینطبق علیه شیء من التقسیمین اللذین ذکرهما فی أول القطع (3)، إذ بناء علی تقسیمه الأول ینبغی البحث عن لواحق القطع بالحکم الظاهری الفعلی ولو بالبحث عن سببه وأنه یتولد من الأمارة شرعا أم لا ، وبناء علی تقسیمه الثانی

الأمارات الغیر العلمیة


1) 1. کفایة الأصول / 275.

2) 2. هکذا فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف ، لکن الصحیح : فلا بد من جعل ...

3) 3. کفایة الأصول / 257.

فالموضوع هناک هو الطریق المعتبر ، فالبحث عن اعتباره هنا بحث عن ثبوته ، لا عن ثبوت شیء له ، ولذا قلنا (1)هناک إن اللازم جعل الطریق الناقص موضوعا حتی یصح البحث عن اعتباره شرعا هنا ، فراجع.

51 - قوله « قده » : لا ریب فی أن الأمارة الغیر العلمیة لیس کالقطع ... الخ (2).

قد عرفت فی أوائل (3)مبحث القطع معنی حجّیة القطع بنحو العلّیة.

ومجمله أن انکشاف التکلیف الفعلی حقیقة له دخل بنحو الشرطیّة فی استحقاق العقاب المترتب علی مخالفة التکلیف المعلوم المنطبق علیه عنوان هتک حرمة المولی وغیره من العناوین القبیحة بالذات أی الموجبة لاستحقاق الذم والعقاب.

فدخل القطع فی استحقاق العقوبة بنحو الشرطیّة جعلیّ عقلائی ، بداهة أن استحقاق الذم والعقاب عقلا لیس مما اقتضاه البرهان ، بل هو داخل فی القضایا المشهورة المیزانیة التی تطابقت علیها آراء العقلاء حفظا للنظام وابقاء للنوع.

بل التعبیر بالشرطیّة أیضا مسامحة ، فإن حقیقة الشرطیّة هی الدخالة فی فعلیّة التأثیر ، فالشرط إما مصحّح لفاعلیّة الفاعل أو متمّم لقابلیّة القابل ، وحیث لا تأثیر ولا تأثّر ، فلا معنی لحقیقة الشرطیّة.

نعم ، العلم من علل قوام الموضوع المحکوم بالتقبیح العقلائی ، فإن الموضوع مؤتلف من المخالفة والتکلیف والعلم وفعلیة وصفه (4)بفعلیة الموصوف.


1) 1. التعلیقة 5.

2) 2. کفایة الأصول / 275.

3) 3. التعلیقة 7.

4) 4. والصحیح وصف.

لا یقال : حیث إن المترتب علیه الغایة الداعیة إلی التقبیح العقلائی هی المخالفة للتکلیف المعلوم ، فللعلم دخل فی تحقق العلة الغائیة ، فصح أن ینسب العلیّة إلی العلم ، لکونه علّة للعلّة الغائیة.

لأنّا نقول : للعلم دخل فی تحقق نفس الغایة المترتبة علی المخالفة ، والغایة علة بوجودها العلمی ، لا بوجودها العینی المتأخر عن ذیها ، هذا بالنسبة إلی الموضوع للحکم العقلائی.

وأما فعلیّة الذم والعقاب ، فعن حکمة داعیة الیهما لا أنهما مترشحان من مقام ذات المخالفة الخاصة.

مع أن الکلام فی الحکم بالاستحقاق لا فی فعلیّة الذم والعقاب.

ومنه تعرف أن حجیة القطع لیست حکما آخر من العقلاء فی خصوص القطع ، بل الظلم قبیح عند العقلاء ، ولا ینطبق إلا علی مخالفة التکلیف المنکشف تمام الانکشاف ، وحیث إن القطع حقیقته (1)نوریّة محضة یتحقق به موضوع الحکم العقلی (2)قهرا ، فینطبق علیه حکمه.

وحیث إن الظن لیس حقیقته (3)نوریّة محضة فلذا لا یتحقق به موضوع الحکم الفعلی بنفسه إلا بعنایة زائدة من الشرع أو العقل.

وبما ذکرنا یظهر ما فی عبارات المتن من أنحاء المسامحات کما لا یخفی.

52 - قوله « قده » : ولا سقوطا وإن کان ربما یظهر ... الخ (4).

ظاهره وجود القول بسقوط الواقع بالظن بسقوطه وحجّیة هذا الظن والظاهر أن مراده « قدس سره » ما أفاده المحقق الخوانساری « قدس سره » فی باب الاستصحاب ، حیث قال : إذا کان أمر أو نهی بفعل إلی غایة معینة مثلا


1) 1. کذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف قده ، والصحیح : حقیقة.

2) 2. کذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خطه قده ، والصحیح : الفعلی.

3) 3. کذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف قده ، والصحیح : حقیقة.

4) 4. کفایة الأصول / 275.

فعند الشک فی حدوث تلک الغایة لو لم یمتثل التکلیف المذکور لم یحصل الظن بالامتثال والخروج من العهدة ، وما لم یحصل الظن لم یحصل الامتثال إلی آخره (1)

فإن ظاهره کفایة الظن بسقوط الواقع بعد العلم بثبوته. وإلا لقال لو لم یمتثل التکلیف المذکور لم یحصل القطع بالخروج عن العهدة والله العالم.

53 - قوله « قده » : فی بیان امکان التعبد بالأمارة ... الخ (2).

ظاهره کما یدل علیه تتمة العبارة أن الامکان المبحوث عنه هنا هو الامکان الوقوعی ، أی ما لا یلزم من فرض وقوعه ولا وقوعه محال فی قبال الامکان الذاتی أی ما کان بالنظر إلی نفس ذاته لا اقتضاء بالنسبة إلی الوجود والعدم ، أی ما لیس بذاته ضروری الوجود ولا ضروری العدم.

ویقابلهما الوجوب والامتناع الذاتیّان والوقوعیّان فرب ممکن بالذات واجب الوقوع کالمعلول الأول للعلة الأولی الواجبة بالذات ، فان وجوبه (3)الذاتی من حیث العلّیة یقتضی ضرورة وجود معلوله دون سایر المعالیل لسائر العلل ، فانها واجبة بالغیر لا أنها واجبة الوقوع حیث یلزم من فرض لا وقوعها محال.

ومنه علم أن الوجوب بالغیر والامتناع بالغیر غیر الوجوب الوقوعی والامتناع الوقوعی ، وربّ ممکن بالذات ممتنع الوقوع کصدور معلولین من العلة الأولی البسیطة بذاتها ، فانهما فی حد ذاتهما ممکنان ، إلا أن لازم وقوعهما ترکب العلة الأولی من خصوصیتین ذاتیّتین والمفروض بساطتها فی ذاتها.

وعن بعض اجلة العصر (4)أن المراد عن (5)المحذور العقلی الذی فرض


1) 1. مشارق الشموس / 76.

2) 2. کفایة الأصول / 275.

3) 3. والصحیح : وجوبها ومعلولها.

4) 4. درر الفوائد / 349.

5) 5. فی المصدر من المحذور.

عدم لزومه فی الامکان الوقوعی إنما هی الموانع العقلیّة لا عدم المقتضی ، لأنه لو کان المراد أعم من المقتضی وعدم المانع لکان العلم بالامکان فی شیء مساوقا للعلم بوجوده.

أقول : هذا خلط بین الامتناع الوقوعی والوجوب الوقوعی والامتناع بالغیر والوجوب بالغیر وعدم العلة التامة سواء کان بعدم المقتضی أو بوجود المانع یوجب امتناع المعلول امتناعا بالغیر ، کما أن وجوب وجود المعلول بوجود علّته التامة وجوب بالغیر.

نعم إذا فرض امتناع المقتضی أو وجوب المانع کان امتناع المعلول امتناعا وقوعیّا.

ومنه تعرف أنه مع فرض وجود العلّة التامة یجب وجود المعلول ، کما أنه مع عدمها یمتنع وجوبا وامتناعا بالغیر ، ولیس فی قبال الوجوب بالغیر والامتناع بالغیر امکان بالغیر کما یتصور فی قبال الوقوعیین منهما امکان وقوعی ، إذ ما کان امکانه بالغیر فهو فی حد ذاته واجب أو ممتنع ، ویستحیل انقلابه عما هو علیه بذاته بسبب الغیر.

إذا عرفت ما ذکرناه ، فاعلم أن المعروف أن الامکان المتنازع فیه هنا هو الامکان الوقوعی نظرا إلی أنه لا یتوهم أحد من العقلاء أن التعبد بالظن بذاته یأبی عن الوجود کاجتماع النقیضین.

إلا أنه لیس بذلک الوضوح ، فإن التعبد بالظن إذا کان معناه جعل الحکم المماثل ، فجعل المثل فی مورد وجود المثل أو الضد واقعا عین الجمع بین المثلین أو الضدین فی موضوع واحد ، لا أنه یلزم من ایجاد المثل فی مورد الابتلاء بالمثل جمع بین المثلین غیر ایجاد المثل فی موضوع مبتلی بمثله.

نعم إن کان التعبد بالظن معنی لازمه جعل حکم مماثل لا عینه ، فحینئذ لازمه الجمع بین المثلین کما سیجیء فی تحقیق حقیقة دلیل التعبد.

54 - قوله « قده » : ولیس الامکان بهذا المعنی بل مطلقا ... الخ (1).

الاطلاق بلحاظ الامکان الذاتی.

وتحقیق القول فی المقام أن الشیء : تارة یطلب فیه الجزم به کما فی أصول العقائد والمعارف الیقینیّة ، بناء علی اعتبار الیقین فیها دون مجرد عقد القلب والبناء علی ثبوتها ، فمثله لا یعقل الجزم بثبوته إلا مع الجزم بامکانه ، فلا یجامع احتمال الاستحالة.

وأخری یطلب منه الجری علی وفقه والعمل علی طبقه دون الجزم بتحققه کالحکم العملی ، ومنه التعبد بالظن ، فانه لا یعتبر فیه الجزم بثبوته لئلا یجامع احتمال استحالته ، فمثله یکفی فیه مجرد وجود الحجة علی ثبوته.

فالدلیل المتکفل لحجیة الخبر مثلا سواء کان ظاهر الکتاب أو الأخبار المتواترة معنی أو سیرة العقلاء مع عدم ردع الشارع عنها یکون حجة علی حجیة الخبر من دون منافاة لاحتمال الاستحالة ، إذ الحجة لا یزاحمها إلا الحجة ، واحتمال الاستحالة لیس بحجة.

فاتضح أن مستند الکفایة لیست القاعدة الموروثة عن الشیخ الرئیس حتی یقال : إن الغرض مجرد عدم الانکار دون الاعتقاد.

کما أنه اتضح أن وجه الکفایة لیس حکما جدیدا من العقلاء فی الحکم بالامکان ما لم یقم فی الوجدان علی استحالته برهان کما هو ظاهر شیخنا العلامة الأنصاری (2)« قدس سره » وبعض أجلة المعاصرین (3)رحمه الله ، لما یرد علیه ما أفاده المصنف قدس سره فی المتن.

بل الوجه ما مر من کفایة وجود الحجّة علی حجّیة الخبر مثلا حیث لا


1) 1. کفایة الأصول / 276.

2) 2. فرائد الأصول المحشی 1 : 45.

3) 3. وهو المحقق الهمدانی قده. تعلیقته المطبوعة بانضمام فرائد الأصول : / 17.

یطلب من الحجّیة الیقین بها بل الجری علی وفقها.

کما أنه ظهر مما ذکرنا أن هذا الوجه مختص بما إذا کان المورد من العملیات دون الاعتقادیات.

فتصحیح ما صدر عن بعض المتکلمین من التمسک بأصالة الامکان لتصدیق ما ورد فی المعاد الجسمانی وأشباهه بمثل ما ذکرنا غیر صحیح ، إذ المطلوب فیه الاعتقاد والیقین دون العمل کی یکون الظهور حجة فیه وکی لا یمنع عن حجّیته احتمال الاستحالة.

مع أن ما ذکرنا مرجعه إلی أصالة الظهور ونحوه ، والمرجع فی کلامهم ومرامهم إلی أصالة الامکان استنادا إلی القاعدة الموروثة من الحکماء.

فی الجمع بین الحکم الواقعی والظاهری

55 - قوله « قده » : والجواب أن ما أدعی لزومه إما غیر لازم ... الخ (1).

تحقیق الجواب أن حقیقة الحکم خصوصا فی الأحکام الشرعیّة عبارة عن البعث والزجر أعنی الانشاء بداعی جعل الداعی من دون لزوم ارادة أو کراهة بالنسبة إلی فعل المکلف فی المبدأ الأعلی ، ولا فی سائر المبادی العالیة ، بل فی مطلق من کان بعثه أو زجره لأجل صلاح الغیر.

بداهة أن الشوق النفسانی لا یکون إلا لأجل فائدة عائدة إلی جوهر ذات الفاعل أو إلی قوة من قواه ، وإلا فحصول الشوق الأکید بالاضافة إلی الفعل علی حد المعلول بلا علة ، وإنما یتصور الشوق الأکید إلی فعل الغیر إذا

فی الجمع بین الحکم الواقعی والظاهری


1) 1. کفایة الأصول / 277.

کان ذا فائدة عائدة إلی المرید إیاه.

وحیث إن أفعال المکلفین لا یعود صلاحها وفسادها إلا إلیهم ، فلذا لا معنی لانقداح الارادة فی النفس النبویّة والولویة فضلا عن المبدأ الأعلی.

مع اختصاصه تعالی بعدم الارادة التشریعیة من جهة أخری تعرضنا لها (1)فی مبحث الطلب والارادة مستوفی ، ولعلنا نشیر إلیها عما قریب إن شاء الله تعالی.

وأما الارادة المتعلقة بنفس البعث والزجر ، فهی ارادة تکوینیة لتعلقها بفعل المرید لا بفعل المراد منه ، ولا ترد علی ما ورد علیه البعث کما لا یخفی.

وعلیه فلیس بالنسبة إلی فعل المکلف إرادة أصلا فضلا عن الارادتین ، بل لو فرضنا انبعاث الارادة التشریعیة عن فائدة عائدة إلی المراد منه لم یلزم ثبوت ارادتین تشریعیتین ، لما مر مرارا من أن الشوق ما لم یصل إلی حد ینبعث عنه العضلات أو ینبعث منه البعث الحقیقی لا یکاد یکون مصداقا للارادة التکوینیة أو التشریعیّة ، وسیأتی إن شاء الله تعالی عدم مصداقیة الانشاء الواقعی للبعث الحقیقی ، فکما لا بعث حقیقی واقعا لا ارادة تشریعیة واقعا.

وأما الکلام فی اجتماع المثلین أو الضدین من حیث الحکم المجعول واقعا وظاهرا ، فاعلم أن البعث والزجر لیسا جعل ما یدعو إلی الفعل أو الترک بالضرورة ، بداهة دخالة ارادة العبد واختیاره فی حصول أحدهما ، بل المعقول کما نبهنا ، علیه سابقا جعل ما یدعو بالامکان.

وقد عرفت أن الانشاء بداعی جعل الداعی الذی هو تمام ما بید المولی لا یعقل أن یتصف بصفة الدعوة إمکانا ، إلا بعد وصوله إلی العبد بنحو من أنحاء الوصول ، ضرورة أن الأمر الواقعی وإن بلغ ما بلغ من الشدة والقوة لا یعقل


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 151.

أن یتصف بصفة الدعوة ویوجب انقداح الداعی فی نفس العبد وإن کان فی مقام الانقیاد ما لم یصل إلیه.

فلا یعقل أن یکون الانشاء بالداعی المزبور داعیا بالامکان إلا بعد وصوله حتی یکون بحیث یترتب علی مخالفته العقاب لیکون محققا للدعوة علی أی تقدیر ، فمجرد الالتفات والاحتمال لا یصحح الدعوة علی أی تقدیر ، ویخرج من الامکان إلی الوجوب إذا خلا العبد عن منافیات العبودیة.

ومن الواضح أن التضاد والتماثل بین البعثین والزجرین والبعث والزجر فان استحالة داعیین متماثلین أو متضادین إنما هی مع وجود الموجب لهما ، والمفروض أن الأمر الواقعی الغیر الواصل لا یوجب الدعوة ، فلا منافی للبعث والزجر الحقیقین علی طبق الأمارة المتضمنة للتکلیف أو الترخیص علی خلاف الحکم الواقعی ، فالأمر فی الأحکام الظاهریة من قبیل المقتضی وفی الواقعیة من قبیل اللاّاقتضاء.

وینطبق هذا التوجیه علی ما هو المشهور من کون الأحکام الظاهریة مطلقا أحکاما حقیقیة بخلاف بعض التوجیهات الآتیة ، والفرق بینه وبین حمل الحکم الظاهری علی الفعلی والواقعی علی الانشائی المحض لا یکاد یخفی ، کما سنوضحه إن شاء الله تعالی.

56 - قوله « قده » : والحجیة المجعولة غیر مستتبعة لانشاء ... الخ (1)

توضیح المقام أن الحجیة بمعنی الوساطة فی الإثبات تارة تلاحظ بالإضافة إلی الواقع وأخری بالإضافة إلی أثر الواقع ، وحیث إن اثبات الواقع حقیقة غیر معقول فلا محالة یراد اثبات الواقع عنوانا.

المراد من الحجیة


1) 1. کفایة الأصول / 277.

والوساطة بکل من الوجهین إمّا مجعولة بالاستقلال ، فیکون (1)وساطة اعتباریة وإما مجعولة بتبع جعل حکم طلبی ، فتکون وساطة انتزاعیة ، فقوله الخبر حجة مثلا اظهار لاعتبار وساطته ، وقوله صدق العادل مثلا جعل للحکم علی طبق المؤدی بعنوان أنه الواقع ، فالخبر واسطة فی اثبات الواقع العنوانی ومصحح انتزاع هذه الوساطة ذلک الحکم المزبور بالعنوان المذکور.

کما أن الحجیة بمعنی الوساطة فی تنجز الواقع تارة تثبت اعتبارا بقوله الخبر حجة ، وأخری تثبت انتزاعا بقوله صدق إذا أنشأ بداعی تنجیز الواقع.

فنقول أما الحجیة المجعولة بالاستقلال اعتبارا ، فهی : إما اعتبار المنجّزیّة للواقع کما لا یأبی عنه عبارة الکتاب.

وإما اعتبار وصول الواقع بالخبر ومحرزیة الخبر.

وإما اعتبار نفس مفهوم الحجیة وهو کون الشیء بحیث یصح الاحتجاج به.

أما الأول : فإن أرید جعل الخبر موجبا للعقوبة علی مخالفة الواقع المخبر به فهو کجعل العقاب ابتداء علی مخالفة ما قام علیه الخبر ، فإنه أیضا یصحح انتزاع الحجیة بمعنی المنجّزیة والموجبیة للعقاب.

وکلاهما غیر معقول ، إذ لا عقاب علی مخالفة الواقع مع عدم الحجة علیه عقلا أو شرعا ، فجعل الحجیة بنفس جعل العقاب المتوقف علی وجود الحجیة دوریّ.

وإن أرید من المنجزیة جعل حیثیة یترتب علیها تنجز الواقع ، فالکلام فی تلک الحیثیة.

إلا أن التعبیر بالمنجّزیة لا یأبی عن جعل حیثیة یترتب علیها الوقوع فی تبعة المخالفة ، فان التنجیز لیس إلا إتمام العمل وجعل الواقع علی حد یترتب


1) 1. هکذا فی المطبوع والمخطوط بغیر خط المصنف قده ، والصحیح : فتکون ، کما فی العبارة الآتیة.

علی مخالفته العقوبة.

وأما الثانی وهو اعتبار الوصول والإحراز ونحوهما ، فقد مر بعض الکلام فیه فی بحث القطع الموضوعی والطریقی (1)

وملخص القول فیه أن اعتبار الوصول : إمّا بعنوان تنزیل الوصول الظنی منزلة الوصول القطعی.

وإما بعنوان تحقیق الموضوع لأثر الوصول.

فإن کان المراد هو التنزیل فمقتضاه جعل أثر المنزل علیه للمنزل ، وهو إما جعل الحکم المماثل ، أو جعل التنجیز الذی لا یقول بشیء منهما من یقول باعتبار الوصول کما مرّ سابقا (2).

وإن کان المراد هو تحقیق الموضوع فمقتضاه أن یکون الأثر العقلی مرتبا علی الأعم من الوصول الحقیقی والاعتباری.

مع أنه لیس ترتب الأثر علی الوصول من باب ترتب الحکم الکلی علی الموضوع الکلی بنحو القضایا الحقیقیة حتی یکون القطع من أفرادها المحققة الوجود والظن مثلا من أفرادها المقدرة الوجود التی یحققها الشارع باعتباره وصولا.

بل هذا الأثر إنما أستفید من بناء العقلاء عملا علی المؤاخذة علی التکلیف الواصل قطعا أو الواصل بخبر الثقة.

ففی ما لا بناء عملی لهم علی اتباعه لا معنی لتحقیق الموضوع.

وفیما کان لهم بناء عملی کخبر الثقة لا حاجة إلی اعتباره لترتیب ذلک الأثر إلا بعنوان الإمضاء.

ولا معنی لإمضاء الاعتبارات إلا باعتبار یماثل ذلک الاعتبار وترتیب أثر


1) 1. التعلیقة 21.

2) 2. فی التعلیقة 21.

یوافق ذلک الأثر ، وإلا فترتب الأثر العقلائی لا یتوقف إلا علی بناءهم واعتبارهم لا علی اعتبار الشارع ، فتدبره جیدا ، وسیجیء إن شاء الله تعالی تتمة الکلام.

وأما الثالث وهو اعتبار نفس معنی الحجیة ، فتوضیح القول فیه أن الحجیة مفهوما لیست إلا کون الشیء بحیث یصح الاحتجاج به.

وهذه الحیثیة : تارة تکون ذاتیة غیر جعلیة کما فی القطع ، فإنه فی نفسه بحیث یصح به الاحتجاج للمولی علی عبده.

وأخری تکون جعلیة إما انتزاعیّة کحجّیة الظاهر عند العرف وحجّیة خبر الثقة عند العقلاء ، فإنه بملاحظة بنائهم العملی علی اتباع الظاهر وخبر الثقة والاحتجاج بهما یصح انتزاع هذه الحیثیّة من الظاهر والخبر.

وأمّا اعتباریّة کقوله علیه السلام هم حجّتی علیکم وأنا حجة الله فإنه جعل الحجیة بالاعتبار.

والوجه فی تقدیم هذا الوجه علی سائر الوجوه - مع موافقته لمفهوم الحجّیة فلا داعی إلی اعتبار أمر آخر غیر هذا المفهوم - هو أن المولی إذا کانت له أغراض واقعیّة وعلی طبقها أحکام مولویة ، وکان إیکال الأمر إلی علوم العبید موجبا لفوات أغراضه الواقعیّة ، إما لقلّة علومهم ، أو لکثرة خطئهم ، وکان إیجاب الاحتیاط تصعیبا للأمر منافیا للحکمة وکان خبر الثقة غالب المطابقة ، فلا محالة یعتبر الخبر بحیث یصح الاحتجاج به.

وکل تکلیف قام علیه ما یصح الاحتجاج به اعتبارا من المولی کان مخالفته خروجا عن زیّ الرقیّة ورسم العبودیّة وهو ظلم علی المولی والظلم مما یذم علیه فاعله.

ولا حاجة بعد تلک المقدمات إلی اعتبار الخبر وصولا وإحرازا : إذ لو لم تکن تلک المقدمات لم یجد اعتبار الوصول ، إذ کل اعتبار لا بد من أن ینتهی إلی حقیقة تقتضی ذلک الاعتبار.

وإذا کانت هذه المقدمات کفی اعتبار الخبر بحیث یحتج به من دون لزوم توسط اعتبار آخر.

وکفی بهذا شاهدا ملاحظة حجیة الظاهر وخبر الثقة عند العرف والعقلاء ، فإن تلک المقدمات تبعثهم علی العمل بالظاهر والخبر ، لا أنها تقتضی اعتبار الوصول والإحراز منهم جزافا للعمل بالظاهر والخبر. هذا کله فی الحجیة المجعولة بالاستقلال.

وأما المجعولة بالتبع ، فتارة یراد بها الوساطة فی اثبات الواقع عنوانا ، وأخری الوساطة فی اثبات الواقع بعنوان آخر ، وثالثة الوساطة فی تنجز الواقع :

فنقول : أما الوساطة فی اثبات الواقع عنوانا ، فهی بجعل الحکم علی طبق المؤدی بعنوان أنه الواقع کما هو مقتضی ظاهر التصدیق وأنه الواقع ، فهو حکم مماثل للواقع الذی قام علیه الخبر ، لکنه لا بما هو هو بل بما هو الواقع ، فوصوله بالذات وصول الواقع عنوانا وعرضا.

وأما الوساطة فی إثبات الواقع بعنوان آخر ، فهی بجعل الحکم المماثل بداعی إیصال الواقع بعنوان آخر بمعنی أن وجوب صلاة الجمعة وإن لم یصل بعنوانه ، لکنه وصل بعنوان کونه مما قام علیه الخبر ، نظیر ما إذا قیل أکرم زیدا وحیث لم یعرفه یقال : له أیضا بداعی جعل الداعی أکرم جارک ، فالغرض من جعل الداعی إیصال الجعل الأول بعنوان آخر.

وأما الوساطة فی تنجز الواقع ، فهی کما إذا قال صدق العادل بداعی تنجیز الواقع بالخبر ، فالأولان إنشاء بداعی جعل الداعی ، والثالث إنشاء

بداعی تنجیز الواقع ، وسیأتی إن شاء الله تعالی الاشکال فی الثالث.

وأما الأولان ، فربما (1)یشکل بأن الحجیة إذا کانت منتزعة من جعل الحکم التکلیفی نظیر الجزئیة والشرطیة المنتزعة من تعلق الحکم بالمرکب والمقید لزم دوران الحجیة مدار بقاء الحکم التکلیفی کما هو شأن الأمر الانتزاعی ومنشأ انتزاعه ، مع أن الحکم التکلیفی یسقط بالعصیان والخبر لا یسقط عن الحجیة ، کما أن الجزئیة بمعنی کون الشیء بعض المطلوب یدور مدار بقاء المطلوبیة ، فإذا سقط الطلب لیس ذات الجزء موصوفا بالجزئیة للمطلوب فعلا.

ویندفع بأنه : إن لوحظ الدلیل المتکفل للحکم الکلی المرتب علی الموضوع الکلی فهو باق ما لم ینسخ کما هو شأن القضایا الحقیقیة ، فالحجیة المنتزعة من هذا الجعل الکلی الذی لا یزول بالعصیان کذلک.

وان لوحظ الحکم الفعلی بفعلیة موضوعه فهو وإن کان یسقط بالعصیان إلا أن الاشکال لا یختص بالحجیة المنتزعة من الحکم التکلیفی بل الحجیة الفعلیة بمعنی الوصول الاعتباری کذلک ، إذ مع سقوط الحکم علی أی حال لا معنی لفعلیة اعتبار وصول الواقع ، کما لا معنی لاعتبار منجزیة الخبر فعلا.

نعم ما لا یسقط أصلا سواء لوحظ الحکم الکلی أو الفعلی هی الحجیة بمعنی کونه مما یحتج به المولی ، فان مورد الاحتجاج فعلا هو فی وعاء العصیان ، فالخبر ، من أول قیامه علی الحکم مما یصح الاحتجاج به عند المخالفة ولا یسقط عن هذا الشأن ، وهذا من الشواهد علی أن الحجیة بهذا المعنی الصالح للبقاء ، فتدبر جیدا.

إذا عرفت ما ذکرناه فی معنی الحجیة الاعتباریة والانتزاعیة ، فاعلم أن


1) 1. المستشکل هو المحقق النائینی قده. أجود التقریرات : 2 : 76.

الحجیة المجعولة بالاعتبار حیث إنها أمر وضعی لیس بینه وبین الحکم الواقعی تماثل ولا تضاد.

وأما الحجیة المجعولة بجعل الانشاء الطلبی ، فالإنشاء بداعی تنجیز الواقع علی فرض معقولیته أیضا لیس مماثلا ولا مضادا للحکم الحقیقی أی البعث والزجر بالحمل الشائع وإن اشترکا فی مفهوم البعث النسبی الانشائی ، إلا أن أحدهما بعث بالحمل الشائع والآخر تنجیز بالحمل الشائع.

وأما الانشاء بداعی جعل الداعی سواء کان علی طبق المؤدی بعنوان أنه الواقع أو علی طبق المؤدی بداعی إیصال الواقع بعنوان آخر ، فنفی المماثلة والمضادة مبنی علی ما قدمناه فی الحاشیة المتقدمة من عدم اتصاف الحکم الواقعی بکونه بعثا وزجرا بالحمل الشائع إلا بعد وصوله ، ولا تماثل ولا تضاد إلا بین البعثین بالحمل الشائع أو بین بعث وزجر بالحمل الشائع لا بینهما بالوجود الإنشائی ، وسیأتی إن شاء الله تعالی بقیة الکلام.

57 - قوله « قده » : وأما تفویت مصلحة الواقع أو إلقاء (1)... الخ (2).

وذلک لأنهما لیسا من العناوین القبیحة بالذات بل من العناوین المقتضیة ، فاذا وجد فیهما جهة أقوی کان الحسن أو القبح تابعا لتلک الجهة.

ولزوم التدارک من الخارج غیر مجد فی ارتفاع صفة القبح ، إذ التدارک من الخارج لا یکون من جهات التعبد بالأمارة ، کی ینقلب عما هو علیه من صفة القبح.

واشتمال المؤدی علی مصلحة یتدارک بها خلف علی فرض الطریقیة.


1) 1. فی المصدر : أو الإلقاء.

2) 2. کفایة الأصول / 277.

مع أنه غیر لازم إلا لاتصاف التعبد بصفة الحسن وهو غیر موقوف علی وجود ما یتدارک به ، لإمکان جهة أخری فی نفس التعبد ، کما إذا کان فی التعبد به صرف العبد عن تحصیل العلم الذی فی کلفة ومفسدة غالبة علی ما یفوته من المصلحة أو ما یقع فیه من المفسدة.

فجهة الحسن فی التعبد الصارف عن تحصیل العلم أقوی من جهة القبح لتفویت مصلحة الواقع أو للإلقاء فی المفسدة.

ومما ذکرنا تقدر علی دفع شبهة لزوم نقض الغرض من التعبد بالظن.

توضیحه : أن المراد بالغرض إن کان الغرض من الواجب والحرام أی المصلحة والمفسدة ، فمرجع الاشکال إلی لزوم تفویت المصلحة أو الإلقاء فی المفسدة وقد عرفت الجواب.

وإن کان المراد الغرض من الإیجاب والتحریم أی البعث والزجر أی جعل الداعی إلی الفعل أو الترک ، فهی شبهة قویّة.

والجواب عنها أن مفاد دلیل التعبد : إن کان حکما طریقیا ، فمن الواضح أن تنجیز الواقع یؤکد جعل الداعی ، والتعذیر عن مخالفة الواقع لیس منافیا لجعل ما یمکن أن یکون داعیا بالفعل ، لأن جعل المکلف معذورا فی المخالفة لا یسقط ما یمکن أن یکون داعیا عن إمکان دعوته حقیقة ، ولذا لو حصل له العلم به من باب الاتفاق لم یکن مانع عن فعلیّة دعوته.

وبالجملة کون المکلف معذورا وإن کان یوجب عدم قیامه مقام تحصیل العلم حتی یتحقق فعلیة ما یمکن دعوته ، لکنه یمنع عن فعلیة الدعوة لا عن إمکان الدعوة ، وما هو شأن البعث جعل ما یمکن أن یکون داعیا لا جعل ما هو داع بالفعل.

وإن کان مفاد الدلیل حکما حقیقیا کالحکم الواقعی ، فالاشکال إنما یرد :

إذا کان الغرض من الواجب بحد یوجب قیام المولی مقام جعل الداعی وإیصاله لیتحقق الدعوة بالفعل ولو بالأمر بالاحتیاط أو بنصب طریق موافق.

أو إذا کان الغرض بحد بحیث إذا وصل عادة یکون الأمر محرکا ، فان جعل الداعی الواصل إلی خلافه سد باب وصوله العادی (1)، ففی هاتین الصورتین یلزم نقض الغرض.

نعم إذا کان جعل الداعی المخالف فی فرض عدم وصول العادی (2)للحکم الواقعی فلا یلزم نقض الغرض فی هذه الصورة.

وأما إذا لم یکن الغرض بذلک الحد بل بحد یوجب قیام المولی مقام جعل الداعی بحیث لو اتفق العلم به لکان محرکا فحینئذ لا یمنع مثل هذا الغرض عن جعل الداعی إلی خلافه ، فإن جعل الداعی إلی الخلاف لا یمنع من اتفاق حصول العلم به حتی یکون نقضا للغرض.

وکون الغرض بهذا الحد کما یکون تارة لضعف اقتضائه فی ذاته کذلک قد یکون لابتلائه بمزاحم أقوی ، فانه إذا کان فی تحصیل العلم مفسدة غالبة علی مصلحة الواقع الذی اخطأ عنه الطریق ، فلا محالة لا یکون البعث المنبعث عن مثل هذه المصلحة المزاحمة لغرض جعل الداعی بنحو یجب علی المولی إیصاله ، ولا بنحو مرهون بوصوله العادی ، بل بنحو مخصوص بوصوله من باب الاتفاق ، فإنه الذی لا کلفة فیه ولا مفسدة فیه ، فتدبر جیدا.

هذا کله بناء علی الطریقیة المحضة.

وأما علی الموضوعیة والسببیة ، فلا یلزم تفویت المصلحة ، إلا أن الکلام فی الالتزام بالمصلحة علی نحو لا یلزم منه التصویب ، والشیخ الأعظم « قدس سره »


1) 1. فی النسخة المطبوعة : وصول العادی والصحیح ما أثبتناه.

2) 2. کذا فی النسخة المطبوعة ، لکن الصحیح : عدم الوصول العادی.

فی فرائده جعل السببیة علی وجوه ثلاثة وحکم بأن لازم وجهین منها هو التصویب الباطل ، ولا یلزم فی الوجه الثالث تصویب (1).

وقبل الشروع فیما أفاده « قدس سره » ینبغی التنبیه علی مقدمة وهی أن الواجب الواقعی إن کان هی الظهر مثلا وقامت الأمارة علی وجوب الجمعة والتزمنا بسببیة الأمارة والمصلحة فی مؤداها فالمصلحتان إما متغایرتان وجودا فقط وإما متضادتان وجودا وإما متسانختان.

فإن کانتا متغایرتین فقط من دون مضادة ، فحیث إن المفروض وحدة الفریضة فی الوقت وأنه لا یجب فعلا فریضتان فی وقت واحد ، فلا محالة یقع التزاحم بین الملاکین.

وحیث إن المفروض فعلیّة وجوب الجمعة بقیام الأمارة علیه فیعلم منه أن مصلحتها أقوی تأثیرا من مصلحة الواقع ، فیزول الحکم الواقعی وهو التصویب ، لأن لازمه دوران بقاء الحکم الواقعی وتأثیر مصلحته فیه مدار عدم قیام الأمارة المخالفة علی حد التصویب اللازم من دوران الحکم الواقعی مدار قیام الأمارة علیه.

غایة الأمر أن الحکم لا ثبوت له حتی بثبوت المقتضی فی هذا الشق دون الشق المتقدم ، فإن مجرد المزاحمة فی التأثیر لا یقتضی سقوط الملاک بنفسه بل سقوطه عن التأثیر فقط.

إلا أن التحقیق أن فرض التزاحم فرض أمر غیر معقول ، لأن تزاحم الملاکین المقتضیین لجعل الحکم فرع تنافی مقتضاهما ، ومقتضاهما غیر متنافیین إلا بملاحظة انتهاء الجعلین إلی حکمین فعلیین ، مع أن أحد الحکمین بنفسه وبملاکه مرتب علی عدم وصول الحکم الواقعی.


1) 1. فرائد الأصول المحشی : 1 / 51.

فلنا دعویان : إحداهما ترتّب الحکم وملاکه علی عدم وصول الحکم الآخر.

ثانیهما عدم فعلیة الحکم الواقعی إلا بفعلیة موضوعه وبوصوله لا بفعلیة موضوعه کما قیل (1).

أما الأولی ، فمن البین أن حجیة الأمارة سواء قلنا بالطریقیة أو بالموضوعیة منوطة بکون المورد مورد التعبد بها ، ولیس مورد التعبد إلا فی صورة الجهل بالواقع وعدم وصوله ، ولا محالة یکون هذا الحکم عن ملاک یقتضی مثل هذا التعبد ، فمصلحة الجمعة متقیدة قهرا بعدم وصول وجوب الظهر.

وأما الثانیة ، فقد مرّ منا مرارا أن فعلیّة الموضوع دخیلة فی فعلیّة حکمه المجعول علیه بنحو القضیة الحقیقیّة لا أن فعلیّتها تمام العلة فی فعلیّة الحکم ، إذ یستحیل أن یکون الإنشاء الواقعی المتعلق بالمکلف الذی هو تمام الموضوع لهذا الحکم المجعول مصداقا لجعل الداعی وموصوفا بالباعثیّة حقیقة.

وما لم یصل الإنشاء إلی حد الباعثیة لا یضاد الزجر ولا یماثل بعثا آخر ، لیلزم اجتماع الضدین أو اجتماع المثلین ، ومجرد تعلق الحکم المجعول برقبة المکلف بفعلیة موضوعه لا یضاد حکما حقیقیّا آخر متعلّقا برقبته بعد عدم مصداقیّته للباعثیّة فعلا.

ولا یلغو هذا الانشاء الذی هو بداعی جعل الداعی بسبب عدم فعلیّته بعدم وصوله ، لإمکان وصوله ، وتفاوت أفراد المکلفین فی الوصول وعدمه.

وإناطة الفعلیّة بالوصول عقلیّة لا شرعیّة لیکون تمامیّة الموضوع وفعلیّته منافیا لعدم فعلیّة الحکم ، بل فعلیّة الموضوع یخرج الحکم المجعول علی کلی المکلف عن حد القضیّة الحقیقیّة ویکون کالقضیّة الخارجیّة.

إلا أن مجرد تعلق ذلک الحکم الکلی بهذا الموضوع لا یجعله مصداقا


1) 1. القائل هو المحقق النائینی قده. فوائد الأصول 1 و 2 : 175.

للباعث وما لم یکن کذلک لا یجری حدیث التنافی بالتضاد والتماثل مثلا. هذا کله إن کانت المصلحتان متغایرتین فقط.

وإن کانتا متضادتین وجودا بحیث لا یمکن قیام المصلحة خارجا بالظهر الواجب واقعا مع القیام المصلحة بالجمعة التی أدی الخبر إلی وجوبها ، فمع فرض أقوائیّة مصلحة الجمعة تؤثر فی وجوبها ، ولا یعقل ترتب المصلحة علی الظهر حتی تقتضی وجوبها واقعا.

فیلزم منه التصویب أیضا وإن کان یستلزم الإجزاء بمعنی عدم وجوب الإعادة بعد کشف الخلاف ، حیث إن الأمر بها لتحصیل ملاکها وهو الغرض ممتنع الحصول.

إلا أن التحقیق عدم لزوم التصویب ، لأن جعل الحکمین مع تضاد المصلحتین إنما یکون مستحیلا إذا لزم منه التسبیب إلی إیجاد المتضادتین ولا تسبیب جدا إلا بلحاظ انتهاء الإنشاءین إلی الفعلیّة معا.

وحیث عرفت أن أحد البعثین فی طول الآخر بحیث لا ینتهی الأمر دائما إلا إلی فعلیة بعث واحد تعرف أنه لا یستلزم إیجاد المتضادین تسبیبا.

فالإنشاء الواقعی بنحو القضایا الحقیقیّة موجود فی الطرفین.

وأما عدم فعلیّة الحکم الواقعی حتی مع وصوله بعد موافقة الأمارة ، فهو لا یستلزم التصویب ، لأن سقوط الحکم بعد ثبوته إلی حال حصول ملاکه أو إلی حال امتناع ملاکه بوجود ضده أجنبی عن التصویب ، بمعنی عدم الحکم المشترک بین العالم والجاهل.

ولیس جعل الحکم لغوا لاحتمال وصوله قبل موافقة الحکم الظاهری ولو بالإضافة إلی بعض أفراد المکلفین.

وإن کانتا متسانختین ، فلا محالة تقوم مصلحة موافقة الأمارة مقام مصلحة الواقع من دون تصویب ، لأنه من باب سقوط الأمر بحصول ملاکه.

ولا یجب التخییر لما مر من ترتب أحد البعثین علی الآخر وعدم انتهاء الأمر إلی فعلیتهما فی عرض واحد حتی یجب التخییر بینهما.

إذا عرفت هذه المقدمة فنقول : إن للشیخ الأعظم العلامة الأنصاری « قدس سره » فی فرائده طورا آخر من الکلام یناسب ذکره للمقام قال : « قدس سره » فی مسألة التعبد بالأمارة علی الموضوعیة واشتمال المؤدی علی مصلحة وراء مصلحة الواقع إنه یتصور علی وجوه :

أحدها : أن الحکم الواقعی مطلقا تابع لقیام الأمارة بحیث لا یکون مع قطع النظر عن قیام الأمارة حکم أصلا حتی یشترک فیه العالم والجاهل ، وذکر أن هذا القسم هو التصویب الباطل الذی قام الاجماع علی بطلانه وتواتر الأخبار به (1).

ثانیها : أن یکون الحکم الفعلی تابعا لقیام الأمارة الموافقة ، بمعنی ثبوت الحکم المشترک بین العالم والجاهل لو لا قیام أمارة علی الخلاف ، بتقریب أن مصلحة العمل بالأمارة غالبة علی مصلحة الواقع والحکم الواقعی فعلی فی حق غیر الظان بخلافه وشأنی فی حقه بمعنی المقتضی لذلک الحکم.

ومقتضی تصریحه هنا أن ثبوت الحکم المشترک بمعنی ثبوت المقتضی بثبوت مقتضیه لا الثبوت المضاف إلی نفسه ولو إنشاء.

وعلیه فالفرق بین هذین الوجهین أن الأول لا ثبوت للحکم فیه حتی بثبوت المقتضی بخلاف الثانی ، فانه له هذه النحو من الثبوت العرضی ، فهو بملاحظة عدم ثبوت الحکم المجعول یشارک الأول وهو التصویب الباطل.

وربما یتخیل (2)أنه تصویب بقاء لا حدوثا بمعنی أن قیام الأمارة المخالفة موجب لسقوط الحکم المجعول لمزاحمته لملاکه من حیث البقاء.


1) 1. فرائد الأصول المحشی 1 : 48.

2) 2. کما فی أجود التقریرات 2 : 67.

ویندفع بأن جعل الأحکام : إن کان بنحو القضایا الخارجیّة أمکن دعوی أنه لا مانع عن تأثیر ملاک الحکم الواقعی إلا عند قیام الأمارة المخالفة الموجب لصیرورة العمل علی طبقها ذا مصلحة غالبة.

وأما إن کان بنحو القضایا الحقیقیّة ، فمن حین جعل الحکم الواقعی لا یعقل تأثیر ملاکه إلا فی الحکم فی غیر صورة قیام الأمارة المخالفة وظاهر کلام الشیخ أیضا ذلک ، حیث قال « رحمه الله » إن الصفة (1)المزاحمة بصفة لا تصیر منشأ الحکم إلی آخره.

إلا أنک قد عرفت فی المقدمة أن المصلحتین بأی وجه کانت لا تزاحم بینهما فی التأثیر حتی یخلو الواقع عن الحکم وفرض تقیید مصلحة الواقع فی نفسها بعدم قیام الأمارة المخالفة خلف وخلاف ظاهر کلامه « قدس سره ».

ثالثها أن تکون المصلحة فی سلوک الأمارة وتطبیق العمل علیها لا أن قیامها تحدث مصلحة فی الفعل. بیانه أن التدبر التام فیما أفاده « قدس سره » فی هذا المقام بملاحظة صدر کلامه وختامه یقضی بأن الفارق بین الوجه الثانی والثالث هو أن الأمارة علی الثانی سبب لحدوث مصلحة فی ذات الفعل فلا محالة یقع الکسر والانکسار بین الملاکین القائمین بذات الفعل من حیث التأثیر.

وأما علی الثالث فالفعل علی ما هو علیه واقعا من الملاک القائم به ، وإنما الملاک الآخر فی أمر آخر وهو سلوک الأمارة وتطبیق العمل علیها ولعل نظره الشریف « قدس سره اللطیف » إلی أن المصلحة الأخری علی الثانی حیث إنها فی نفس الفعل ، فالحکم المنبعث عنها حکم واقعی لذات الفعل وهو مختص بمن قامت عنده الأمارة فلا حکم واقعی مشترک بین الکل بخلاف الوجه الثالث ، فان المصلحة فی سلوک الأمارة الحاکیة عن الحکم الواقعی ، وفی تطبیق العمل علیها من حیث إن مدلولها حکم واقعی ، فعنوانها مقتض لثبوت الحکم الواقعی


1) 1. فرائد الأصول المحشی 1 : 48.

لا مناف له ، ولذا قال (1)« رحمه الله » فی أواخر کلامه إن هذا من وجوه الرد علی المصوبة لا أنه تصویب.

والتحقیق أن الفارق إن کان مجرد ثبوت الحکم الواقعی عنوانا علی الوجه الثالث حیث إن الأمر بتطبیق العمل علی الأمارة بملاحظة کون مدلولها حکم الله ، دون الوجه الثانی الذی لا شأن للامارة إلا الوساطة فی ثبوت مصلحة فی ذات الفعل کسائر الأسباب.

ففیه أن ثبوت الحکم عنوانا مع عدم ثبوته الواقعی إنشاء وفعلا غیر مجد ، لخلو الواقع حقیقة عن الحکم بمرتبة إنشائه وفعلیته.

وإن کان الفارق قیام المصلحة علی الوجه الثانی بذات الفعل وعلی الثالث بعنوان آخر فلا تزاحم.

ففیه أن ذلک العنوان إن کان منطبقا علی الفعل فلا فرق فی باب التزاحم بین الملاکین بین ما إذا کانا قائمین بذات الفعل أو بذات الفعل وبعنوانه المتحد معه وجودا.

وأما تخیل (2)أن المصلحة فی الاستناد إلی الأمارة وهو لیس من عناوین الفعل.

فمدفوع بأن المراد : إن کان قیام المصلحة بالعمل المستند إلی الأمارة ، فهو غیر مجد ، إذ الفعل بذاته له ملاک ، وبما هو متحیث بحیثیته له ملاک آخر ، لکنه لا یجوز اجتماع الحکمین أیضا ، فان الحکمین فی المتحیث بذاته وبعنوانه.

وإن کان المراد قیام الملاک بنفس الاستناد فهو فعل قلبی لا یجب فی غیر التعبدیّات المحقق لدعوة الأمر فیها.

مع أن قیام المصلحة بشیء یدعو إلی البعث نحوه لا إلی غیره وإن کان


1) 1. فرائد الأصول المحشی 1 : 51.

2) (2) کما فی أجود التقریرات 2 : 70

ملزوما له فمن أین وجوب فعل الجمعة ظاهرا مثلا.

ومنه تبین أن ما فی بعض نسخ فرائد الشیخ الأجل « قدس سره » من فرض المصلحة فی الأمر غیر صحیح.

أما أولا ، فلأن مصلحة الأمر غیر استیفائیة للمکلف حتی یدعو إلی البعث ویکون موجبة لتدارک ما فات من مصلحة الواقع.

وأما ثانیا ، فلأن متعلق الأمر إذا لم یکن فیه بنفسه مصلحة یستحیل أن یتعلق به بعث ، فإن البعث إیجاد تسبیبی من المولی لفعل المکلف المحصل للملاک الموافق لغرض الآمر ، والغرض متعلق بحیثیة صدوره عن المکلف لا بحیثیّة صدوره من المولی وبقیة الکلام فی محله.

58 - قوله « قده » : نعم لو قیل باستتباع جعل الحجیة للأحکام التکلیفیّة ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن استتباع الحجیة للحکم التکلیفی إما بنحو استتباع الموضوع لحکمه ، وإما بنحو استتباع منشأ الانتزاع للأمر الانتزاعی ، وکلاهما محل الاشکال :

أما الأول ، فلأن الحجیّة لیست کالملکیّة ذات آثار شرعیّة ولم یرتب علی الحجیّة شرعا وجوب العمل علی طبقها حقیقة ، بل لا یعقل ترتبه علیها ، سواء کان الحکم المرتب حقیقیّا أو طریقیّا ، إذ بعد جعل الحجیة اعتبارا بأحد الوجوه المتصورة لا یبقی مجال لجعل الداعی ، ولا للإنشاء بداعی تنجیز الواقع ، إذ کفی بالحجّة الشرعیّة حاملا للمکلف علی ما قامت علیه ، وکفی بها منجزا للواقع.

وبعد حصول الغرض من الحکم بأی معنی کان یکون الحکم بلا ملاک ، وهو علی حد المعلول بلا علة.

استتباع الحجیة للأحکام التکلیفیة


1) 1. کفایة الأصول / 277.

وأما الثانی ، فلأن الحکم الوضعی وإن کان یصح انتزاعه بلحاظ حکم تکلیفی کالجزئیة والشرطیة بلحاظ التکلیف بالمرکب والمقید لکونه فی نفسه أمرا انتزاعیا.

إلا أن الحکم التکلیفی لا یصح جعله إلا بالإنشاء بداعی جعل الداعی.

واعتبار أمر وضعی لا یعقل أن ینشأ منه إنشاء بداعی جعل الداعی حتی یستتبع الأمر الوضعی حکما تکلیفیّا ، وترتب الدعوة والباعثیّة علیه غیر استتباعه لمقولة الحکم التکلیفی.

وأما الاستتباع فی مقام الإثبات بطور استتباع المعنی الکنائی للمعنی المکنی عنه ، فهو مع أنه غیر مناسب لجعل الحجیّة حقیقة واستتباعها للحکم التکلیفی.

یرد علیه أن الاستتباع فی مقام الاثبات یتوقف علی اللزوم فی مقام الثبوت ، وقد عرفت عدم اللزوم ثبوتا.

نعم جعل الحجیة عنوانا للانتقال من اللازم إلی ملزومه وهو الحکم الطلبی المصحح لانتزاع الحجیة معقول فنقول : الخبر حجّة للانتقال إلی ملزوم الحجیة وهو الحکم التکلیفی المصحح للحجیة الحقیقیة لا من باب الانتقال من الملزوم إلی لازمه ، وهو مع منافاته للمقام مخالف لظاهر الاستتباع ، فانه أخص من الاستلزام.

ثم إن الجواب الذی أجاب به شیخنا الاستاد « قدس سره » فیما یأتی مبنی علی أن مجرد کون الانشاء بعثا مفهومیا انشائیا لا یلازم اجتماع المثلین والضدین بل فیما إذا کان کالحکم الواقعی بداعی جعل الداعی.

وأما إذا کان بداع آخر من الدواعی ، فهو لیس مصداقا لجعل الداعی حقیقة ، ولا تماثل إلا بین فردین من طبیعة واحدة لا بین فرد من الارشاد مثلا وفرد من جعل الداعی ، وکذلک التضاد ، فإنه لیس بین کل طبیعتین متغایرتین بل

بین طبیعتین لا یمکن اجتماعهما فی وجود واحد لبعد الخلاف بینهما.

وما تصوره « قدس سره » هنا هو الحکم الطریقی أی الإنشاء بداعی تنجیز الواقع لا بداعی البعث الجدی.

وفی تصور هذا السّنخ من الإنشاء بهذا الداعی إشکال.

محصّله أن الإنشاء کما مر مرارا بأی داع کان هو مصداق لذلک الداعی ، مثلا الإنشاء بداعی جعل الداعی مصداق لجعل الداعی ، وبداعی الإرشاد إرشاد ، وبداع الاختبار اختبار وهکذا.

ومن الواضح أن مفاد الهیئة وهو البعث النسبی المتحقق بوجود إنشائی یتعلق بمادة مخصوصة ، فهو تعجیز بالإضافة إلی تلک المادة ، أو إرشاد بالإضافة إلیها أو تحریک بالنسبة إلیها.

فالإنشاء بداعی التنجیز مصداق لتنجیز الواقع ، وجعله بحیث یستحق العقوبة علی مخالفته.

والبعث الإنشائی الذی هو مصداق التنجیز لا یعقل وروده إلا علی مادة قابلة للتّنجیز والتّنجّز والقابل للتّنجیز مثلا هو الخبر وللتنجّز هو الحکم الواقعی المخبر به ، وهما لا یعقل تعلق البعث الانشائی بهما.

وما تعلق به البعث الإنشائی کالصلاة أو کتصدیق العادل الذی هو منطبق علیها أو لازمها ، وشیء منهما غیر قابل للتنجّز ولا للتنجیز ، إذ القابل للتنجز حکم الصلاة لا نفسها ، والقابل للتنجیز الحاکی عن حکمها لا نفسها ولا لازم نفسها ، إذ لا معنی لتنجّز اظهار الصدق ولا لتنجیزه.

وبهذا البرهان تعرف أن الإنشاء بداع التنجیز بحیث یکون مصداقا له غیر معقول.

نعم استفادة تنجز الواقع من مثل صدق العادل معقولة بوجه آخر ، وهو أن المراد من التصدیق هو التصدیق الجنانی کما هو ظاهره لا التصدیق العملی

وحیث إن اعتقاد الصدق الخبری ملازم لاعتقاد الواقع ، فالأمر بالتصدیق الجنانی یمکن أن یکون کنایة عن الأمر بلازمه وهو الاعتقاد بالحکم.

وهذا الأمر کما یمکن أن یکون حقیقة لجعل الداعی إلی تحصیل العلم بالفحص عن الخبر ویمکن أن یکون أمرا بترتیب الأثر المرتب علی الاعتقاد فیما إذا کان له أثر عملی ، کذلک یمکن أن یکون هذا الأمر بداعی إظهار معلومیة الواقع فی المؤدی لیترتب علیه أثره وهو التنجز ، ضرورة أن الاعتقاد بواقعیة المؤدی یلازم معلومیّة المؤدی ، فهذا تنجیز للواقع إثباتا لا ثبوتا ، فإنه متکفل لإظهار تنجز الواقع.

وأما تنجیز الواقع ثبوتا فیما (1)یمکن جعله متنجزا من جعل الحجیة أو جعل العقاب أو جعل الحکم المماثل الذی لا یلزم منه محذور کما سلکناه سابقا فی مقام دفع الاشکال.

ولا یخفی أن هذا البیان لا یجری فی التصدیق العملی فإن إظهار الصدق وظهور الصدق بالعمل ناش من العمل ، ولیس من ظهور الحکم الذی یترتب علیه تنجز الحکم الموجب للحرکة نحو العمل ، فلا تغفل.

وقد عرفت مما تقدم أن الأمر الطریقی بوجه آخر وهو جعل الحکم المماثل بداعی إیصال الواقع بعنوان آخر معقول.

لکنه غیر مراد من العبارة لأن ظاهرها أن الحکم الطریقی حیث إنه لیس جعلا للداعی لا یکون فردا مماثلا للحکم الواقعی فلا یراد منه إلا الإنشاء بداعی تنجیز الواقع.

فی وجه آخر للجمع بین الحکمین

ثم إن هنا تقریبا آخر فی رفع التماثل والتضاد بحمل الأمر الظاهری علی

وجه آخر للجمع بین الحکمین


1) 1. والصحیح : ففیما.

الإرشاد حکاه بعض أجلة (1)العصر عن استاده « قدس سره » وهو أن الأمر بالعمل بالطریق فی صورة انفتاح باب العلم الموافق للواقع إنما یعقل فیما إذا کان فی تحصیل العلم بالواقعیات مفسدة غالبة علی مصلحة ما لا یؤدی إلیه الطریق ، فیجب علی الحکیم مراعاة ، ما هو أقوی ، وصرف المکلف عن تحصیل العلم بالأمر بالعمل بالطریق.

وحیث إن بعض الطرق أقرب إلی الواقع من غیره ، فللمولی إرشاد العبد إلی کون الخبر أقرب إلی الواقع من غیره ، فالأمر بتصدیق العادل لیس حکما مولویا وجعلا للحکم المماثل حقیقة ، بل إرشاد إلی أن قول العادل أقرب إلی الواقع.

وفیه أولا : أن البعث الإنشائی إلی شیء لا بد من أن یکون إرشادا إلی ما فی متعلقه من الأثر المترقّب منه المرشد إلیه ، فالأقربیة صفة فی الخبر لا فی تصدیق العادل ، والمفروض تعلق الأمر الإرشادی بتصدیق العادل لا بنفس قول العادل وإخباره.

وثانیا : سلمنا أن معنی الإرشاد هنا هو أن العمل بالخبر عمل بالأقرب وهو عنوان للعمل یرشد إلیه.

لکنه لیس کل بعث إنشائی إرشادا إلی أی شیء ، مثلا إذا قیل اعمل بالخبر دون غیره أمکن أن یکون إرشادا إلی أقربیة الخبر من غیره.

وأما مجرد الأمر بالعمل بالخبر ابتداء فلا یکون إرشادا بمدلوله إلی کون الخبر أقرب من غیره ، وتخصیص الأمر بالعمل بخصوص الخبر وإن کان یدل بدلالة الاقتضاء وأن التخصیص بلا مخصص محال علی أنه أقرب إلی الواقع من غیره ، لکنه لا دخل له بالإرشاد إلی الأقربیّة بنفس البعث.

وثالثا : سلمنا کونه إرشادا إلی الأقربیّة لکنه غیر متکفّل لحجّیة الخبر لا


1) 1. درر الفوائد / 354.

جعلا ولا کشفا ، إذ المفروض عدم کونه بصدد جعل الحجیة ولا بداعی إظهار تنجز الواقع ، بل بداعی الإرشاد إلی الأقربیّة.

وکون الخبر واقعا أقرب من غیره لا یقتضی عدم تحصیل العلم واستحقاق العقاب علی عدم العمل بالخبر إلا بدلالة الاقتضاء وهو أنه لو لم یکن للخبر الأقرب إلی الواقع شأن وأثر لم یکن معنی لقیامه مقام الإرشاد إلی الأقربیة لکونه لغوا.

لکنه غیر مفید لأن الکلام فی الدلیل المتکفل لحجیة الظن ورفع التماثل والتضاد عنه مع کونه کذلک.

والأولی بعد فرض الإرشاد جعل الإنشاء بداعی الإرشاد إلی ما فی تصدیق العادل والأخذ به واستماع قوله من الخروج من تبعة رده وعدم العمل علی طبقه ، فیکشف بدلالة الاقتضاء عن حجّیته.

إلا أن الکلام بعد فی أن الحجیة فی مقام الثبوت بأی معنی حتی لا یلزم منه اجتماع المثلین أو الضدین ، فمجرد حمل الإنشاءات علی الإرشادیة لا یجدی شیئا ، فتدبّر جیّدا.

فی دفع التنافی فی خصوص الأمارات.

59 - قوله « قده » : لأن أحدهما طریقی عن مصلحة فی نفسه ... الخ (1)

فی قبال المصلحة فی المؤدی.

ولا یخفی علیک أن الطریقیّة متقوّمة بعدم مصلحة ما وراء مصلحة الواقع فی متعلقه لا بکون نفسه ذا مصلحة ، وإلا فالإنشاء مطلقا یکون الغرض منه قائما به ، وهو : تارة جعل الداعی ، وأخری جعل المنجز مثلا.

قوام الطریقیة


1) 1. کفایة الأصول / 277.

وهو غیر الغرض من الواجب وهی المصلحة القائمة بذات الواجب.

وحیث إنه لیس فی مورد الأمر الطریقی مصلحة زائدة علی مصلحة الواقع ، فلا یعقل أن یکون فی مورده إرادة تشریعیّة أخری ، فلا یعقل أن یکون فی مورده بعث آخر ، فلا محالة یکون الإنشاء بداعی تنجیز الواقع ، لا بداعی البعث مثلا. وحیث إن البعث الطریقی بداعی تنجیز الواقع وإیقاع المکلف فی کلفة الواقع ، فلا دعوة لنفسه بما هو ، ولذا لیس لهذا الأمر الطریقی بما هو مخالفة أو موافقة ، لأن الغرض منه جعل الخبر منجزا للواقع لا جعل الداعی إلی العمل.

نعم هو موجب لدعوة الأمر الواقعی ، وکونه منجزا له بلحاظ أن مخالفة التکلیف الذی قام علیه طریق منصوب من قبل المولی - بحیث جعله الشارع محققا لدعوة تکلیفه الواقعی - کمخالفة التکلیف الواصل بالحقیقة خروج عن زیّ الرقیّة ورسم العبودیّة ، فیکون ظلما علی المولی ، وموجبا لاستحقاق الذم والعقاب.

نعم یمکن تصور الأمر الطریقی کما تقدم بوجه آخر ، وهو الإنشاء بداعی جعل الداعی لکنه بداعی إیصال الواقع بعنوان آخر ، فلا مصلحة إلا مصلحة الواقع ولا إرادة تشریعیّة إلا الإرادة الواقعیّة ، ولا بعث حقیقی فی قبال البعث الواقعی ، ویترتب علیه تنجز الواقع بهذا العنوان الواصل.

لکن خروجه عن المماثلة المستحیلة مع الإنشاء الواقعی مبنی علی دخل الوصول فی فعلیّة الباعثیّة کما قدمناه فی أول (1)البحث ، فمجرد عدم تعدد المصلحة وعدم تعدد الإرادة لا یجدی ، بل لا بد من فرض عدم تعدد البعث بالحمل الشائع أیضا.

وحیث إن المصنف العلامة « قدس سره » بصدد إثبات أمر غیر مماثل


1) 1. التعلیقة 55.

للبعث فلا محالة لا ینطبق علی ما أفاده هذا التقریب بل التقریب المتقدم.

60 - قوله « قده » : وإن لم یحدث بسببها إرادة أو کراهة فی المبدأ ... الخ (1).

ظاهر العبارة وإن کان عدم ثبوت الإرادة والکراهة مطلقا حتی فی الحکم الحقیقی فی المبدأ الأعلی إلا أن غرضه « قدس سره » کما یکشف عنه آخر کلامه وما تقدم منه فی مبحث الطلب والإرادة ، وصرح به فی مباحث أخر أن حقیقة الإرادة والکراهة لیست إلا العلم بالمصلحة والمفسدة : فان کانتا بلحاظ نظام الکل کانت الإرادة والکراهة تکوینیّتین. وإن کانتا بلحاظ خصوص أفعال المکلفین کانت الإرادة والکراهة تشریعیّتین ، فلیس للإرادة والکراهة مطلقا مصداق فیه تعالی ، إلا العلم بالمصلحة والمفسدة.

وقد نبهنا علی ما فیه فی مبحث الطلب والإرادة مفصلا (2). ومجمله أن المفاهیم متخالفة لا مترادفة ، والرجوع الواجب فی صفات الواجب هو الرجوع من حیث المصداق ، ومرجع جمیع الصفات ذاته الأقدس تعالی وتقدس.

وکما أن حقیقة العلم نحو من الحضور ، وهو تعالی حاضر ذاته لذاته وبتبع حضور ذاته لذاته یعلم مصنوعاته ، کذلک هو عزّ اسمه وجود صرف والوجود المحض محض الخیر والخیر المحض محض الرضا والابتهاج والمحبة ، ومن أحب شیئا أحب آثاره (3)


1) 1. کفایة الأصول / 277.

2) 2. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 151.

3) 3. فإن المراد بالذات فی مرتبة الذات نفس الذات ولا یعقل أن یکون شیء مرادا بالعرض إلا ما یوجد فی دار الوجود بتبع الذات فما یکون مأمورا به إنما یکون مرادا بالإرادة الذاتیة إذا کان مما یوجد فی الخارج لدخله فی النظام التام وهو حینئذ مراد بالإرادة التکوینیّة.

ومنه یعرف الخبیر أنه لا أثر للإرادة التشریعیة فی صفاته تعالی ، ثم إنزال الکتب وإرسال الرسل والبعث والزجر من جملة النظام التام الذی لا أتم منه نظام ، فتکون مرادة بالإرادة التکوینیة ، کما فی غیره تعالی علی ما عرفت سابقا ، فافهم أو ذره فی سنبله ، فکل موفق لما خلق له.

61 - قوله « قده » : فلا محالة ینقدح فی نفسه الشریفة ... الخ (1).

قد عرفت سابقا أن الإرادة التشریعیة تمتاز عن التکوینیة بتعلقها بفعل الغیر ، وذلک إنما یعقل إذا کان للفعل المراد فائدة عائدة إلی المرید.

بداهة أن الشوق النفسانی إلی شیء بنفسه لا یعقل ، إلا عن فائدة عائدة إلی ذات الفاعل أو قوة ، من قواه ، وهو غیر ثابت فی الأحکام الشرعیة ، فإن مصالح متعلقاتها تعود إلی المکلفین دون الشارع.

نعم إرادة البعث والزجر معقولة حتّی فی المبدأ الأعلی وهی إرادة تکوینیّة کما عرفت.

وأما ما أفاده « قدس سره » من أن الحکم الموحی به حکم شأنی فلا معنی لظاهره ، إلا الحکم الثابت بثبوت المصلحة نحو ثبوت المقتضی ، بثبوت المقتضی ، فیرجع الأمر إلی أن الموحی به نفس المصلحة الباعثة علی الحکم.

ولیس الحکم الموحی به کلیّة کذلک ، ولا خصوصیة فی المقام تقتضی ذلک وإن امکن ذلک أحیانا بتفویض الأمر إلی النبی صلّی الله علیه وآله وفی نعوته صلّی الله علیه وآله المفوّض إلیه دین الله ، وإلا فالکتاب الالهی مملو من الأحکام الإنشائیة.

====

2. کفایة الأصول / 277.

1) الذات إذ لیس من آثاره ومعالیله ومجعولاته حتی ینبعث من الذات وابتهاجه الذاتی ارادة وابتهاج بما له التخصّص فی مرتبة الذات کی یعقل أن یکون الابتهاج الذاتی ابتهاجا به بالعرض وبالتب�1. فافهم جیدا فإنه دقیق. منه عفی عنه.

نعم یمکن أن یراد بالحکم الشأنی ما یقابل الفعلی وهو الحکم الانشائی وحینئذ یراد من قوله الموجبة لإنشائه بعثا وزجرا البعث منه صلّی الله علیه وآله فعلا علی طبق الإنشاء الموحی به والأمر سهل.

62 - قوله « قده » : ولا مضادة بین الإنشاءین فیما إذا اختلفا ... الخ (1).

إذ لم یجتمع فردان مما هو تحریک وبعث بالحمل الشائع أو بعث وزجر کذلک بالإضافة إلی فعل المکلف وإن اتفقا فیما هو بعث أو زجر بالحمل الأولی ولا تماثل ولا تضاد إلا بین الشیئین بنحو وجودهما الحقیقی الذی یترتب علیه أثر (2)المرغوب منه.

63 - قوله « قده » : إلا بالنسبة إلی متعلق الحکم الواقعی ... الخ (3).

لا یقال : حمل المکلف علی خلاف ما هو المراد منه جدا محال ، ولا شبهة أن البعث وإن کان طریقیا یوجب اتصاف الخبر بصفة موجبة لحمل المکلف علی الفعل.

فمع المخالفة للحکم الواقعی یوجب حمل المکلف ولو بالواسطة علی خلاف ما هو المراد منه جدا.

لأنّا نقول : الداعی إلی الفعل والحامل علیه نفس التکلیف الواقعی الواصل بتوسط الحجة الشرعیة.

ومع مخالفة الأمارة للواقع لا تکلیف فی موردها کی یکون داعیا ، واحتمال ثبوت التکلیف بواسطة قیام ما ینجّزه علی تقدیر ثبوته وإن کان حاملا له علی الفعل ، إلا أنه لا حامل ولو بالواسطة من الشارع للعبد علی خلاف ما هو المراد


1) 1. کفایة الأصول / 278.

2) 2. کذا فی النسخة المخطوطة بغیر خطه قده ، والصحیح : الاثر.

3) 3. کفایة الأصول / 278.

منه جدا ولعلّه « قدس سره » أشار إلی ذلک بقوله فافهم.

64 - قوله « قده » : فلا محیض فی مثله إلا ... الخ (1).

الإباحة إنما تنافی الإرادة والکراهة النفسانیّتین بالعرض لا بالذات ، إذ لا مقابلة بینهما ، بل الإرادة حیث إنها ملزومة للبعث ، وهو مناف بالذات للترخیص فینافی ملزومه بالعرض.

وکذا تنافیها من حیث المبدأ ، فان الإرادة منبعثة عن کمال الملاءمة للطبع ، والکراهة عن کمال المنافرة للطبع ، والإباحة تنبعث غالبا عن عدم کون المباح ملائما ومنافرا ، وبین الملاءمة وعدمها والمنافرة وعدمها منافاة بالذات ، وبین لازمهما بالعرض.

نعم حیث إن الإباحة هنا منبعثة عن مصلحة موجبة لها لا عن عدم المصلحة والمفسدة فی الفعل ، وإلا لم یعقل مزاحمة بین الاّ اقتضاء والمقتضی ، فلذا ینحصر وجه المنافاة فی الجهة الأولی ، فلو أمکن انفکاک الإرادة عن البعث الفعلی لم یکن الإباحة هنا منافیة للإرادة أو الکراهة الواقعیّة بوجه لا ذاتا ولا عرضا بمعنی أنه لو لم یکن هناک تکلیف فعلی من جمیع الجهات والمفروض أنه المنافی للإباحة فلا منافاة للإباحة مع الإرادة حتی لا تنقدح بسببها ، فتدبّر جیّدا.

ثم إنه « قدس سره » لم یتعرض لسائر الأصول کالاستصحاب مثلا ، فإنه لا یتعین فیه جعل الحکم التکلیفی حتی یرد فیه محذور المماثلة والمضادة ، بل یمکن أن یکون بعنوان اعتبار بقاء الکاشف التام ، أو جعل المنجز فی السابق منجزا فی اللاحق ، فیکون کالحکم الطریقی فی الأمارات.

وربما یقال (2): بکون مثل الاستصحاب برزخا بین الأمارات ومثل أصل


1) 1. کفایة الأصول / 278.

2) 2. القائل هو المحقق النائینی قده. أجود التقریرات 2 : 78.

البراءة بتقریب أن المرتبة التی یکون بها تلک الصفة النفسانیّة علما لها حیثیتان :

إحداهما حیثیّة الإضافة إلی ما فی الخارج ، وبهذا الاعتبار یکون وصولا وانکشافا لما فی الخارج.

وثانیتهما حیثیة الجری العملی علی وفق الیقین بمقتضی الطبع والعادة.

والمجعول اعتبارا فی باب الأمارات هی الحیثیة الأولی من العلم.

والمجعول اعتبارا فی باب الاستصحاب مثلا هی الحیثیّة الثانیة منه من دون جعل حکم تکلیفی فی البابین ، فلا یلزم اجتماع المثلین والضدین.

وانت خبیر بأن مرجع اعتبار العلم بما له من الحیثیّة اعتبار تلک الحیثیّة للأمارة أو لمورد الأصل کما هو واضح بملاحظة اعتبار العلم من حیث الانکشاف والوصول ، فان مرجعه إلی اعتبار الانکشاف والوصول التام ، فإن الوصول والانکشاف الأعم من الحقیقی والاعتباری هو الموضوع الذی یترتب علیه حکم العقل بتنجّز الواقع.

مع أن اعتبار العلم بالحیثیة الثانیة لا معنی له ، إذ الجری العملی عنوان العمل ، ولیس موضوعا لأثر عقلا ولا شرعا حتی یکون اعتبار الجری العملی تحقیقا لموضوع ذلک الأثر ، بل قابل لتعلق التکلیف به کالتصدیق العملی فی باب الخبر.

وإن أرید اعتبار المتحیّث بما هو متحیّث ومرجعه إلی اعتبار الکاشفیّة والموصلیّة فی باب الأمارات واعتبار المحرکیّة والسببیّة للجری عملا فی الاستصحاب.

ففیه أن اعتبار الکاشفیة تحقیق لما به یتنجّز الواقع ، فیکون تحقیقا لموضوع الحکم العقلی.

بخلاف اعتبار المحرکیّة والاقتضاء للجری عملا ، فإنه لیس تحقیقا لموضوع ذی أثر عقلا ولا شرعا.

أما شرعا فواضح.

وأما عقلا ، فلأن تنجّز الواقع أثر الوصول والانکشاف ، لا أثر وجود المحرک بما هو حتی یکون اعتباره تحقیقا للموضوع ، بل هو فی الحقیقة تحقیق للتحریک الاعتباری نحو العمل وفیه نتیجة محذور اجتماع المثلین مثلا ، فان اجتماع بعثین وتحریکین نحو فعل واحد إذا کان محالا لم یکن فرق بین أنحاء التحریک الاعتباری.

ومنه یعلم أیضا أن تخصیص کل من الأمارة والاستصحاب بحیثیّة من الحیثیّتین یوجب عدم تنجّز الواقع بالاستصحاب ، حیث لم یعتبر فیه الانکشاف ، واعتباره مع اعتبار المحرکیة فیه یوجب أن یکون الاستصحاب أقوی من الأمارة ، لمکان اشتماله علی ما فی الأمارة وزیادة.

65 - قوله « قده » : بمعنی کونه علی صفة ونحو لو علم به المکلف ... الخ (1).

قد عرفت سابقا أنه : لو أرید من ذلک الفعلیّة من جهة لا من جمیع الجهات.

ففیه أن الفاقد لبعض جهات الفعلیّة باق علی الشأنیّة ، والشیء ما لم ینسد جمیع أبواب عدمه لم یوجد ، فهو حکم غیر فعلی.

ولو أرید من ذلک کون الفعلیة ذات مراتب فالفعلی من مرتبة لا ینافی الفعلی من مرتبة أخری.

ففیه أن الشدة والضعیف فی الطبیعة لا یرفع تماثل فردین من طبیعة واحدة ولا تضاد فردین من طبیعتین متقابلتین ، کما یظهر لمن أمعن النظر فی اجتماع سواد ضعیف مع سواد قوی أو سواد ضعیف مع بیاض قوی فی موضوع واحد.


1) 1. کفایة الأصول / 278.

وأما إذا أرید من الحکم الفعلی من جهة الحکم بداعی إظهار الشوق المطلق لا بداع البعث والتحریک فهو فعلی من قبل هذه المقدمة.

ففیه ما تقدم سابقا أن الشوق إذا بلغ حدا ینبعث منه جعل الداعی کانت إرادة تشریعیّة ، وهی منافیة لإرادة أخری علی خلافها أو الاذن فی خلافها ، وإذا لم یبلغ هذا الحد ، فلا یکون القطع به موجبا للامتثال ولا مثل الإنشاء بداعی إظهار الشوق المطلق جعلا للداعی ، إذ لا ینقلب الشیء عما هو علیه کما مر مرارا.

نعم ما أفاده « قدس سره » یتجه علی ما اخترناه فی حقیقة الحکم الفعلی من أنه الإنشاء بداعی جعل الداعی فی قبال سائر الدواعی وما یکون أمره بید المولی هو هذا المعنی.

إلا أن هذا الإنشاء لا یعقل أن یکون باعثا وداعیا أو زاجرا وناهیا ، إلا إذا وصل إلی العبد کما مر غیر مرة.

فإن أرید من الفعلیة تمام ما بید المولی فی مقام تحریک العبد کان ما أفاده « قدس سره » وجیها.

والفعلیّة الحقیقیّة الموجبة لاتصاف الشیء بالباعثیّة موجها بجهة الإمکان إنما تکون بالوصول إلی العبد.

وعلیه ، فمرتبة الفعلیّة والتنجّز فی جمیع الأحکام واحدة ، وحینئذ فالحکم علی خلاف الحکم الواقعی علی طبق القاعدة ، لا من جهة اللابدّیة والجمع بین الحکم الواقعی والظاهری.

66 - قوله « قده » : ضرورة عدم لزوم امتثال الأحکام الإنشائیة ... الخ (1).

هذا - بناء علی کون الحکم الواقعی إنشائیا محضا لا بداعی البعث


1) 1. کفایة الأصول / 278.

والتحریک کما بنی « قدس سره » علیه فی غیر مورد من تعلیقته الأنیقة علی رسائل شیخه العلامة الأنصاری « قدس سره » - فی غایة الوضوح.

إلا أن الإنشاء المحض بلا داع هو فی نفسه محال ، لاستحالة صدور الفعل الاختیاری بلا إرادة ، والإرادة بلا داع.

والانشاء بداع غیر داعی جعل الداعی لا یترقب منه فعلیّة البعث والزجر ، فلا یکون فعلیّته إلا فعلیّة الإرشاد أو الامتحان أو جعل القانون ونحوها ، فلا تصل النوبة علی أی تقدیر إلی هذا المحذور.

وأما الإنشاء بداعی البعث أو الزجر مع عدم کونهما بعثا وزجرا بالحمل الشائع ، إلا بعد الوصول بنحو من أنحائه إلی العبد ، فلا یرد علیه هذا المحذور ، إذ عدم الفعلیّة لعدم الوصول ، ومعه فهو حکم بعثی أو زجری.

وحیث إن الفرض فرض الوصول فلا محالة یستحق علی مخالفته العقوبة.

وکما أن الوصول بالعلم الذی هو الوصول بلا عنایة یوجب إمکان الدعوة ، کذلک الوصول بالخبر الذی اعتبر له وصف الحجیة بنحو من الأنحاء المتقدمة یوجب إمکان الدعوة ، ویستحق بمخالفته العقوبة.

نعم بناء علی المشهور من إنشاء أحکام مماثلة علی طبق ما تضمنه الخبر یکون الداعی نفس هذا الحکم المماثل ، وهو علی الفرض واصل.

وکونه هو الحکم الواقعی تعبّدا لا یقتضی عدم الفعلیّة ، لما عرفت من أن عدم الفعلیّة لیس لأجل خلل فیما یکون أمره بید الآمر بل لاعتبار الوصول عقلا فی إمکان الدعوة ووصول الحکم الظاهری لیس بالتعبد بل بالحقیقة.

67 - قوله « قده » : فإنه یقال لا یکاد یحرز ... الخ (1).

بیانه أن الأمارة : إذا کانت مبلغة للحکم الإنشائی إلی مرتبة الفعلیّة


1) 1. کفایة الأصول / 278.

ودلت الأمارة علی حکم أدت الأمارة إلیه بهذا العنوان ، فلا محالة یکون عنوان الأمارة الحکایة عن حکم فعلی بحسب العنوان.

ومقتضی الحجیة جعل الحکم المماثل علی طبق المحکی بها والمماثل لحکم فعلی عنوانا حکم فعلی تعبدا ، فیترتب علیه آثار وصول الحکم الفعلی تعبدا.

وأما إذا اختلت إحدی المقدمتین ، فلا موجب للالتزام بجعل الحکم الفعلی تعبدا.

ومن البین أن المقدمة الأولی محل المنع ، حیث لا دلیل علی کون الأمارة مبلغة للحکم الإنشائی إلی مرتبة الفعلیة ، ومجرد الاحتمال والإمکان غیر مجد.

والمقدمة الثانیة باطلة وجدانا ، إذ الأمارة لا تحکی إلا عن الواقع ، لا الواقع الذی أدت إلیه الأمارة ، بل یستحیل إذا کان المراد تأدیة شخص تلک الأمارة الحاکیة.

لا یقال : لم لا تکون من قبیل الموضوعات المرکبة التی أحرز أحد جزأیها بالوجدان والآخر بالتعبد ، وقیام الأمارة وجدانی ، والحکم الإنشائی تعبدی ، فیکون مصداقا للبعث الفعلی بحسب الفرض لا بالتعبد بحکم فعلی.

لأنا نقول : لا مساس للأمارة بالحکم التعبدی بل یحکی عن حکم واقعی محض ولا تعبد بکون الواقع مؤدی هذه الأمارة بل مجرد ثبوت الواقع تعبدا بسبب قیام الأمارة علی نفس الواقع.

68 - قوله « قده » : وأخری بأنه کیف یکون التوفیق ... الخ (1).

توضیحه أن حمل الأحکام الواقعیة علی الإنشاءات الغیر الفعلیة للفرار عن اشکال القطع بثبوت المتنافین فی صورة الموافقة والمخالفة معا.


1) 1. کفایة الأصول / 279.

وهذا إنما یجدی مع عدم احتمال أحکام بعثیة أو زجریة فی موارد الأصول ، والأمارات ، وإلا فلا یجدی ، ضرورة أن احتمال ثبوت المتنافیین کالقطع بثبوت المتنافیین فی الاستحالة.

فلا مناص لمن یوفق بین الواقعی والظاهری ، إلا إنکار هذا الاحتمال رأسا ولا مجال لإنکاره فی نفسه إلا ممن لا یمکنه التوفیق إلا بذلک.

وأما مع حمل الحکم الواقعی علی الفعلی من وجه والظاهری علی الفعلی بقول مطلق فلا یضره هذا الاحتمال کما أنه لا یرد علیه اشکال عدم لزوم الامتثال.

69 - قوله « قده » : بأن الحکمین لیسا فی مرتبة واحدة ... الخ (1).

بداهة تقدم الحکم الواقعی کالمصلحة المقتضیة له طبعا علی الجهل به والجهل به مأخوذ فی موضوع الحکم الظاهری المتقدم علیه طبعا فهو متأخر عن الحکم الواقعی طبعا بمرتبتین إنما الکلام فی ارتفاع المنافاة بالتقدم والتأخر الطبعیّین.

وربما یوجه ذلک بأن اشتمال الفعل المجهول حکمه الواقعی علی مصلحة مقتضیة للحکم علی خلافه أمر ممکن.

وحیث إن هذا المقتضی مرتب علی الجهل بالحکم الواقعی الثابت بحیث لولاه لم یکن اقتضاء ، فلا محالة لا یعقل أن یکون مانعا عن تأثیر المقتضی للحکم الواقعی ، إذ المرتب علی شیء إما أن یوجد مترتبا فقد أثر المقتضی فی کلیهما أثره وإما أن لا یوجد فلا مانعیّة ، إذ المانعیّة بعد الوجود.

وأما المقتضی للحکم الواقعی ، فهو أیضا لا یمنع عن تأثیر المصلحة المقتضیة للحکم الظاهری ، لأن المصلحة المزبورة لا تقتضی فی مرتبة الجهل شیئا


1) 1. کفایة الأصول / 279.

ینافی مقتضی المصلحة المقتضیة للحکم الظاهری والمانعیة تنشأ من التنافی ، إذ المفروض ترتب اقتضاء المصلحة للحکم الظاهری علی الحکم الواقعی ، فلم یکن من قبل الحکم الظاهری مانعیة حتی یقتضی المصلحة الواقعیة خلاف مقتضی المصلحة الظاهریة فیتنافیان ویتمانعان.

ولا تقتضی المصلحة الواقعیة فی مرتبة الجهل بالحکم الواقعی شیئا حتی تکون المانعیة مختصة بها ، إذ : کما أن موضوع الحکم الواقعی لا یعقل أن یتقیّد بالجهل بالحکم ولا بالعلم به ولا بالأعمّ منهما ، إذ کل ذلک من عوارض عارض الموضوع ، فیلزم عروض الشیء لنفسه.

کذلک المصلحة المقتضیة للحکم الواقعی لا یعقل أن یتقید (1)بشیء من عوارض مقتضاه (2)للزوم توقف اقتضاء الشیء علی اقتضائه ، فالمصلحة الواقعیة لا تقتضی فی مرتبة الجهل بالحکم الواقعی شیئا أبدا حتی یعقل التنافی والمانعیة.

ولا یخفی علیک أن المصلحة المقتضیة للحکم الظاهری کما أفید لا یعقل أن تکون مانعة ، إذ المانعیة بعد الوجود وفرض وجود مقتضاها وتمامیتها فی الاقتضاء التزام باجتماعهما.

لکنها لا یعقل تمامیة اقتضائها لمکان مانعیة المصلحة المقتضیة للحکم الواقعی عنها لعدم توقف مانعیتها علی اقتضائها شیئا فی مرتبة الجهل بالحکم الواقعی.

بیانه أن معنی التقدم والتأخر فی المرتبة هو التقدّم والتأخر بالطبع وملاک التقدم بالطبع کما أشرنا إلیه فی بعضی الحواشی السابقة أن للمسمی بالمتقدم إمکان الوجود ولا وجود للمتأخر بخلاف المتأخر ، فإنه لیس یمکن أن یوجد إلا


1) 1. والصحیح : أن تتقیّد ، بالتأنیث.

2) 2. والصحیح : مقتضاها.

والمتقدم موجود کالواحد ، فإنه متقدم علی الاثنین بالطبع حیث لا یوجد الاثنان إلا والواحد موجود بخلاف الواحد فإن له إمکان الوجود ولا وجود للاثنین ، وهکذا کل علة ناقصة بالإضافة إلی معلولها فإنها متقدمة علیه بهذا النحو من التّقدم.

ومن البدیهی أن هذا المعنی من التقدم والتأخر لا ینافی المعیة فی الوجود الخارجی ، فقولهم المصلحة المقتضیة للحکم الواقعی لا تقتضی فی مرتبة الجهل شیئا غایته عدم اقتضائها حکما له المعیة بالطبع مع الحکم الظاهری لاستحالته کما تقدم ، وذلک لا ینافی اقتضائها حکما له المعیة فی الوجود الخارجی مع الحکم الظاهری کما هو کذلک قطعا.

فحینئذ یتمحض البحث فی أن الاجتماع المستحیل فی المتضادین یکفی فیه المعیة فی الوجود الخارجی ، أو لا بد فیه من المعیة بالطبع ، أو عدم کون أحدهما متقدما علی الآخر تقدما طبعیّا.

ومن راجع فطرته السلیمة یقطع بأن المعیة الوجودیّة الزمانیّة کافیة فی الاجتماع المستحیل إذ المعاندة والمطاردة بین الضدین وغیرهما من أنحاء المتقابلین إنما یکون بحسب الوجود ، ولیس مرتبة الطبع من المراتب الوجودیة الخارجیة کی یقال : إنه لا مزاحم للموجود فی هذه المرتبة ، کیف وربما یکون المتقدم والمتأخر بالطبع متساویین فی نیل الوجود الخارجی الزمانی؟

ویمکن تقریب هذا الوجه بنحو آخر لا یتوقف علی لزوم المعیة بالطبع فی التضاد وملخصه أن کل مقتضیین لم یکن بینهما تمانع فی التأثیر ، فلا محالة یؤثّر کل منهما.

وهنا کذلک ، لأن مقتضی الحکم الظاهری لإناطته بثبوت الحکم الواقعی والجهل به لا یعقل أن یمنع عما یتوقف علیه.

ومقتضی الحکم الواقعی إنما یمنع عما یزاحمه فی التأثیر ، وحیث فرض عدم

مزاحمته فی التأثیر ، فکیف یعقل أن یمنع عما لا یزاحمه؟

ویندفع بأن إناطة مقتضی الحکم الظاهری بما ذکرنا تارة یکون بنحو الشرط المتقدم وأخری یکون بنحو الشرط المقارن.

أما علی الأول ، فالفرض المذکور یقتضی عدم المزاحمة فی التأثیر ، لکنه یقتضی تأثیر مقتضی الحکم الواقعی ، حیث إنه بلا مانع ، وبعد تأثیره أثره لا یعقل تأثیر مقتضی الحکم الظاهری لا لوجود المزاحم فی التأثیر ، إذ لا یترقب من مقتضی الحکم الواقعی تأثیر آخر بعد تأثیره ، بل لعدم قابلیة المحل للحکم الظاهری لاشتغاله بضده ، والمانع من الاجتماع غیر منحصر فی تزاحم السببین.

وأما علی الثانی ، فمقتضاه المقارنة الزمانیّة بین الشرط والمشروط فیکون تأثیر کل منهما مقارنا لتأثیر الآخر ، فیقع المزاحمة بین المؤثّرین ، إذ کما أن التقدم الطبعی لا یرفع التضاد بین الحکمین کذلک لا یرفع التزاحم بین السببین وعلیه فأصل الإناطة محال : فتدبره فإنه حقیق به.

فی بیان وجه آخر للجمع بین الحکمین :

وهنا تقریب آخر لا من حیث ترتب الحکمین ولا من حیث ترتب السببین بل من حیث تعدد موضوع الحکم الواقعی والحکم الظاهری حکی عن بعض الأجلة (1)« قدس سره » ملخصه أن الأحکام لا تتعلق بالموجودات الخارجیة حتی یتوهم أن الشرب الخارجی المجهول حکمه مجمع لموضوع الحکم الواقعی وموضوع الحکم الظاهری ، فیلزم اجتماع المتضادین مثلا فی موضوع واحد ، بل تتعلق بالموجودات الذهنیّة من حیث إنها حاکیة عن الخارج ، والعنوان المتعلق للحکم الواقعی مع العنوان المتعلق للحکم الظاهری لا یجتمعان فی الوجود الذهنی حتی یکون هناک مجمع عنوانی لموضوعی الحکمین ، وذلک لأن


1) 1. وهو السید المحقق الفشارکی الاصفهانی قدس سره حکاه عنه تلمیذه المحقق الحائری قدس سره. درر الفوائد :1. 351.

موضوع الحکم الواقعی نفس الفعل المجرد عن لحاظ العلم بحکمه والشک فیه ، وموضوع الحکم الظاهری هو الفعل بوصف کونه مشکوک الحکم ، فکیف یجتمع لحاظ التجرد ، ولحاظ الاتصاف؟

وبعبارة أخری موضوع الحکم الواقعی الفعل من حیث نفسه ، وموضوع الحکم الظاهری الفعل بملاحظة ثبوت الحکم له ولحاظه من حیث نفسه ولحاظه من حیث ثبوت الحکم له متنافیان.

وهذا بخلاف الصلاة والغصب فان مجمعهما عنوان الصلاة فی الغصب ولیس أحدهما ملحوظا بنحو لا یجتمع مع الآخر.

والجواب عنه یتوقف علی تمهید مقدمة وهی أن الماهیة : تارة تلاحظ بنفسها بحیث یکون النظر مقصورا ذاتا علی ذاتها وذاتیاتها من دون إضافتها وقیاسها إلی الخارج عن ذاتها ، وهی فی هذه الملاحظة لیست إلاّ هی غیر واجدة بوجدان ماهوی إلا لذاتها وذاتیاتها ، وفی هذه الملاحظة لا تصلح إلا للحکم علیها بذاتها وذاتیاتها لا بالخارج عنها ، فإنه خلف ، إذ المفروض عدم مقایستها وإضافتها إلی الخارج عن ذاتها.

وأخری تلاحظ مقیسة ومضافة إلی الخارج عن ذاتها وهی فی هذه الملاحظة لها اعتبارات ثلاثة.

أحدها : ملاحظتها واعتبارها مع ذلک الشیء ومقترنة به کالکتابة مثلا ویسمی بالماهیة بشرط الشیء.

ثانیها : اعتبارها مع عدم الکتابة وتسمّی بالماهیة بشرط لا.

ثالثها : اعتبارها بحیث لا تکون مقترنة بالکتابة ولا مقترنة بعدمها وتسمی بالماهیة اللابشرط القسمی. فاللابشرط المقسمی إنما یکون لا بشرط بالإضافة إلی هذه الاعتبارات الثلاثة دون غیرها ، ولا تعین للماهیة إلا أحد هذه التعینات الثلاثة وإلا لم یکن مقسما ، إذ المقسم لا یکون منحازا عن أقسامه ، وإلا لزم

الخلف.

واللابشرط القسمی هو اللابشرط من حیث القید الذی تکون الماهیة باعتباره بشرط شیء تارة وبشرط لا أخری.

فاتضح أن الماهیة من حیث هی والماهیة المهملة غیر اللابشرط المقسمی ، وأن اللابشرط المقسمی غیر اللابشرط القسمی ، وأن اللابشرط من حیث قید الکتابة والضحک وأشباههما وجودا وعدما هو اللابشرط القسمی دون المقسمی.

وعلیه ، فموضوع کل محمول خارج عن مقام ذات الماهیة وإن کان لازم ذاتها لا بد من أن یکون له أحد التعینات الثلاثة.

فشرب التتن مثلا لا یعقل أن یتقید بالعلم بحرمته عند الحکم علیه بتلک الحرمة ، للزوم الخلف علی التحقیق.

وکذا لا یعقل أن یتقیّد بعدم العلم بحرمته للزوم الخلف ، مضافا إلی أنه لا یعقل أن یعلم بها مع الالتفات إلیها لکون العلم بها طاردا لموضوع الحرمة فکیف یعقل العلم بحکمه؟

ومنه یعلم أن تجرد الموضوع عن العلم بمعنی کونه بشرط لا من حیث العلم غیر معقول.

ولا یعقل أیضا أن یکون شرب التتن مهملا من حیث العلم وعدمه ، لما عرفت أن الماهیة المهملة ومن حیث هی لا اعتبار لها إذا قیست إلی الخارج من ذاتها کما فی المقام ، فإنه مقام الحکم علیها بالحرمة مثلا.

ولا یعقل أیضا أن یکون اعتباره اعتبار اللابشرط المقسمی لما عرفت أن اللابشرط المقسمی لا تعین له إلا أحد التعینات الثلاثة ، فلا محالة یکون تعینه تعین اللابشرط القسمی أی ملاحظة شرب التتن بحیث لا یکون مقترنا بالعلم بحکمه ولا بعدمه ، وحیث إنه کذلک یکون الموضوع محفوظا عند العلم بحکمه وعند عدمه.

فان قلت : المعروف أن ما یستحیل التقیید به یکون الإطلاق مستحیلا من جهته لتقابل الإطلاق مع التقیید تقابل العدم بالإضافة إلی الملکة ، فالإطلاق عدم التقیید بما من شأنه التقیید به ، ومع استحالة التقیید به یستحیل عدم ما من شأنه التقیید.

قلت : القید إذا کان مما یمکن التقیید به کالإیمان فی الرقبة کان عدمه عدم الملکة ، وإذا لم یمکن التقیید به کان عدمه من باب السلب المقابل للإیجاب ، فإن ما یمتنع التقیید به یجب عدمه ، لا أنه یستحیل عدمه ، ولا موجب لکون الإطلاق دائما بالإضافة إلی التقیید من باب العدم بالنسبة إلی الملکة حتی إذا امتنع التقیید امتنع الإطلاق.

فان قلت : إذا کانت الرقبة مطلقة من حیث الإیمان والکفر ، فالرقبة المؤمنة والرقبة الکافرة کلتاهما محکوم (1)بالحکم ، ولیس الأمر کذلک فی الشرب المطلق من حیث العلم بحکمه وعدمه ، فإنه یستحیل عروض الحکم علی معلوم الحکم وعدمه.

قلت : لیس الإطلاق جمعا بین القیود بل لدفع قیدیة الإیمان والکفر ، فذات الرقبة هی المحکومة بالحکم والإیمان والکفر لازم الموضوع لا مقوم الموضوع وإلا لزم الخلف ، فکذا شرب التتن محکوم بالحرمة ، ولازم الموضوع تارة العلم بحکمه وأخری عدمه لا أنهما مقومان للموضوع حتی یمتنع عروض الحکم.

ولا یخفی علیک أنه لا فرق فی الإطلاق بنحو اللابشرط القسمی بین ما إذا کان الإطلاق بلحاظ لوازم الموضوع وعوارضه أو بالإضافة إلی نفس محموله.

فکما أن الرقبة مطلقة من حیث الإیمان والکفر فی ترتب وجوب العتق علیه ، کذلک مطلق من حیث وجوب العتق وعدمه ، فإن ما یجب عتقه لا یجب


1) 1. هکذا فی المطبوع ، لکن الصحیح محکومتان.

عتقه ما لا یجب (1)عتقه یستحیل بأن یحکم علیه بعدم وجوب عتقه ، نظیر الماهیة بالإضافة إلی حمل الوجود أو العدم علیها فإن الماهیة المحمول علیها الوجود أو العدم لا بشرط من حیث الوجود والعدم.

غایة الأمر أن الإطلاق : إن کان من حیث لوازم الموضوع فالغرض دفع القیدیة لعروض الحکم علی الموضوع.

وإن کان من حیث نفس المحمول ، فالغرض إثبات الصلاحیّة لعروض المحمول علیه نفیا واثباتا ، فلیحفظ کل ذلک ، فإنه حقیق به.

إذا عرفت هذه الجملة ، فاعلم أن الحکم علی شرب التتن المجهول حکمه بحکمین أحدهما علی ذات الشرب وأخری علیه بما هو مجهول الحکم (2)محال ، فإن الشیء فی لحاظ واحد لا یعقل أن یلاحظ بما هو وبنحو اللابشرط القسمی وأن یلاحظ بما هو مجهول الحکم وبنحو اللابشرط شیء أو بشرط لا فانهما تعیّنان متقابلان واجتماعهما فی واحد محال.

ولذا قلنا خلافا لشیخنا الأستاد العلامة « أعلی الله مقامه » إن قوله کل شیء طاهر لا یعقل أن یکون دلیلا علی الطهارة الواقعیّة للأشیاء بعناوینها الأولیّة وعلی الطهارة الظاهریة لها بما هی مشکوکة الطهارة.

وأما إذا کان إنشاء الحرمة لشرب التتن من حیث نفسه غیر إنشاء الحلیة له بما هو مشکوک الحرمة ، فلا یلزم منه اجتماع لحاظین متباینین.

ولیس اللحاظ اللابشرطی دخیلا فی موضوعیّته للحکم بل لتسریة


1) 1. والصحیح : وما لا یجب.

2) 2. لا یصح الاتیان بکلمة أخری فی قبال أحدهما وإنما الصحیح ثانیهما وعلی فرض العدول عن الطریقة المألوفة کان اللازم هو الاتیان بقوله وآخر فاستعمال أخری غلط قطعا. نعم لو کان الکلام هکذا فتارة علی ذات الشرب کان یصح الاتیان بکلمة أخری لکن المفروض أن الموجود فی العبارة هو أحدهما.

الحکم إلی جمیع أفراد الموضوع وحصصه بلحاظ عوارضه المتأخرة عن الحکم ، فذات المحکوم بالحرمة محفوظة فی ضمن المجهول علی الفرض ، فیلزم اجتماع الحکمین فی شرب التتن المجهول حکمه ، فافهم واستقم.

70 - قوله « قده » : إلا أنه یکون فی مرتبته أیضا ... الخ (1).

ینبغی حمله علی المعیّة الوجودیّة لا المرتبة الاصطلاحیّة ، إذ لا یعقل اجتماع المتقدم والمتأخر فیما هو ملاک التقدم والتأخر ، بداهة أن المتقدم والمتأخر متضایفان ، وملاک التقدم بالطبع والتأخر بالطبع ما عرفت ، فکیف یعقل اجتماع المتأخر مع المتقدم فی المرتبة التی بها یکون متقدما طبعا ، فلا محیص عن حمل اجتماع الظاهری فی بعض مراتب الواقعی معه علی الاجتماع فی مرتبة الوجود الخارجی الزمانی ، وهو ملاک الاستحالة.

فی تأسیس الأصل عند الشک فی حجیة الأمارة.

71 - قوله « قده » : أن الأصل فیما لم یعلم اعتباره بالخصوص ... الخ (2).

ما أفاده « قدس سره » بناء علی ما اختاره فی معنی الحجیة فی غایة الوضوح.

وکذا علی ما ینسب إلی المشهور من التعبّد بالمماثل للحکم الواقعی بعد التأمل ، وذلک لأن التعبد بالمماثل للواقع لیس أجنبیا عن الواقع بل بلسان أنه الواقع وبداعی التحفظ علی الواقع بالتعبد به بعنوان آخر ، فالحکم المماثل وإن لم یکن طریقیا حیث إنه لا ینجز الواقع علی تقدیر الإصابة ، لکنه إیصال للواقع بعنوان آخر لا أنه فی عرض الواقع.

ومن الواضح أن هذه الآثار أیضا لا یترتب علی التعبد الواقعی ، بل علی


1) 1. کفایة الأصول / 279.

2) 2. کفایة الأصول / 279.

التعبد الواصل حتی یکون إیصالا للواقع بالعنایة وموجبا لحفظ الأغراض الواقعیّة ، فیترتب العقوبة علی مخالفته لا علی مخالفة الواقع ، لأنه الواصل فی الحقیقة دون الواقع.

فان قلت : إذا لم یکن مجال لأصالة عدم الحجیة وکفایة الشک فیها فی الحکم الجزمی بعدمها لم یکن مجال أیضا لاستصحابها ضرورة أن ما لم یکن بید الشارع نفیه لم یکن بیده إثباته مع أنه لا شبهة فی استصحاب حجّیة ما ثبت حجّیته وشک فی بقائها.

قلت : ما بید الشارع جعل الحجیة واعتبارها بأحد المعانی والوجوه المتقدمة غیر مرة ، وترتب الآثار علی هذا الجعل الشرعی موقوف علی إحرازه ولو بالأصل.

فما یکون أمره بید الشارع إثباتا ونفیا نفس الجعل الواقعی ، وما هو الجعل الفعلی بالحمل الشائع هو الواقعی المحرز ، ومن أنحاء إحرازه التعبد ببقائه فیترتب علیه أثره.

وأما عدم الأثر ، فیکفی فیه عدم الإحراز لانتفاء الموضوع المقید حقیقة بانتفاء قیده.

ومنه ظهر الفرق بین استصحابها واستصحاب عدمها.

لا یقال : غایة الأمر عدم الحاجة إلی استصحاب عدمها لا عدم الصحة.

لأنا نقول : إثبات عدمها الواقعی ظاهرا لإثبات عدم الفعلیّة ظاهرا ، إذ لا أثر للواقع بما هو وإن کان مقتضیا له.

ومع القطع بعدم الفعلیّة واقعا لا مجال لإثبات عدم الفعلیة ظاهرا ، فتدبر جیّدا.

والتحقیق : أن عدم الصحة لعدم الأثر إنما یتم إذا لم یکن المستصحب أثرا مجعولا ، والمفروض أن الحجّیة المجعولة سواء کان معناها أمرا وضعیّا أو بعثا

بداعی تنجیز الواقع وکلاهما فی الحقیقة منشأ للعقوبة علی المخالفة قابل للشک ، فأرکان الاستصحاب تامة.

وأما مع عدم الحاجة إلیه بعد حکم العقل ، فیلغو التعبّد بعدم الحجّیة.

فمدفوع بأنه لا بقاء لحکم العقل مع مثله ، لأن العقل إنما یحکم بالفعلیّة للوصول وبعدمها بعدم الوصول ، فکما أنه لو وصل الجعل من الشارع یکون واردا علی حکم العقل کذلک لو وصل عدمه ولو ظاهرا وحکم العقل حینئذ بعدم الفعلیّة من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، إذ لا حکم حینئذ حتی یقال : بأنه فعلی أو غیر فعلی.

وقد عرفت فی بعض (1)الحواشی السابقة أن حکم الشارع بالإباحة فی مورد حکم العقل بقبح العقاب بلا بیان حکم مولوی لحکمة داعیة إلیه ، ولیست الإباحة ضروری الثبوت لإمکان الحکم بالاحتیاط مولویا ، فکذلک هنا ، إذ عدم الحجیة فعلا لیس ضروری الثبوت بل ما لم یصل ولو بعنوان الأمر بالاحتیاط ، فتدبر جیّدا.

72 - قوله « قده » : وأما صحة الالتزام بما أدی إلیه من الأحکام ... الخ (2).

توضیحه أن تحریم العمل بالظن من حیث الاستناد قلبا والإسناد قولا : إما بملاحظة أن جواز الاستناد والإسناد من مقتضیات الحجّیة وآثارها ، فیستکشف بطریق الإنّ عدم الحجیة بعدم آثارها.

وإما بملاحظة أن وجوب العمل بالظن لیس إلا وجوب الالتزام بمؤدی الظن ، ومع عدم الدلیل علیه یحرم الالتزام بالحکم بالأدلة الأربعة.


1) 1. مبحث حجیة القطع ، التعلیقة : 39.

2) 2. کفایة الأصول / 280.

فان کان بملاحظة الأول ، ففیه أن الحجیة : إن کانت بمعنی تنجیز الواقع علی تقدیر ثبوته ، فلیس هنا حکم شرعی یحرز حتی یکون القطع بالحجیة موجبا لترتب جواز الإسناد والاستناد کی یستکشف عدمها بعدمهما عند الشک فیها.

وإن کانت بمعنی إنشاء الحکم المماثل ، فمن البین أن الواصل نفس الحکم المماثل دون الواقع ، فإنه بالحقیقة غیر واصل ، فلا یترتب جواز الإسناد والاستناد بالنسبة إلی الواقع علی القطع بالتعبد به حتی یستکشف عدمه من عدمهما فی صورة الشک.

مع أن جواز الإسناد والاستناد لیسا من آثار الواقع المعلوم ومقتضیاته ، بل الإسناد فی صورة القطع بالواقع صدق ، وهو جائز ، وفی صورة القطع بعدمه کذب ، وهو حرام وفی صورة الشک فیه افتراء ، وهو حرام أیضا.

فکون القطع به محققا للصدق وبعدمه محقّقا للکذب وعدمه مطلقا محققا للافتراء أمر ، وترتب أحکام هذه الأمور علی الواقع بلحاظ حالاته المزبورة أمر آخر.

وکذا الاستناد فی صورة القطع به نحو من الانقیاد ، وفی صورة عدمه مطلقا تشریع لا أن جوازه تارة وحرمته أخری من مقتضیات الواقع وآثاره بلحاظ شئونه وأطواره.

وإن کان بملاحظة الثانی ، ففیه أن الحجیة لیست بمعنی وجوب الالتزام بمؤدی الخبر مثلا.

بل إما بمعنی تنجیز الواقعیات بالخبر ، أو جعل الحکم المماثل علی طبق مؤدّاه إیصالا له بعنوان آخر ، إذ لیست الحجیة إلا لأجل التحفظ علی الواقعیات بأحد وجهین.

ومن الواضح أن تنجیز الواقع علی تقدیر ثبوته لا ربط له بالأمر بالالتزام بمؤدی الخبر ، وجعل الحکم المماثل لیس إلا کنفس الحکم الواقعی حکما عملیا

یطلب منه العمل وإن وجب الالتزام به کسائر الأحکام عقلا أو نقلا ، إلا أنه لا دخل له باقتضاء حکم العمل حتی یکون الحکم المماثل المجعول أمرا بالالتزام أو بالعمل بعنوان الالتزام بحکمه.

فلو فرض دلالة دلیل الحجیة علی الأمر بالالتزام لکان أمرا بالعمل بنحو الکنایة ، فإن البناء علی ثبوت الحکم کنایة عن ثبوته.

مضافا إلی أن الالتزام بمؤدی الخبر جدا محال ، لفرض عدم إحرازه وعدم جعل حکم مماثل لیکون الالتزام الجدی متعلقا به ، لأن المفروض أن معنی الحجیة هو الأمر بالالتزام جدا لا جعل الحکم المماثل.

والأمر بالالتزام بمؤدی الخبر بناء لا جدا أمر بالتشریع ، والأمر به لا یخرج المورد عن کونه تشریعا ، لأن المفروض عدم جعل الحکم المماثل ، ولا یعقل أن یعم الأمر بالالتزام بمؤدی الخبر نفسه لیکون أمرا بالالتزام بنفس هذا الأمر ، فصح أن یقال : حینئذ أن الالتزام بمؤدی الخبر واقعا باق علی حرمته وإن وجب لإتیان بما تعلق به الحکم المماثل المجعول.

وأما وجوب الالتزام بالحکم المماثل المجعول - وإن کان مفاد دلیل الحجّیة وجوب الالتزام بالمؤدّی من باب دلالة الاقتضاء لما مر من استحالة الالتزام لجدّی بالواقع وعدم صحة الأمر بالالتزام بناء لکونه أمرا بالتشریع وعدم ثبوت حکم ظاهری قابل للالتزام به ، فصونا للکلام عن اللغویة یقال : بجعل الحکم المماثل علی طبق المؤدی ، فیکون الأمر بالالتزام متوجها إلیه ، حیث إنه الواقع تنزیلا وجعلا - ، فهو علی فرض صحته لا ینافی حرمة الالتزام بمؤدّی الخبر أی بالحکم الواقعی الذی هو المطلوب من تأسیس الأصل.

مضافا إلی أن مناط ثبوت الواقع تنزیلا الذی هو مقتضی الحجّیّة جعل

الحکم المماثل لا إیجاب الالتزام به فتفسیر الحجّیة به وکشف جعل الحکم المماثل به بدلالة الاقتضاء کالأکل من القفا.

وأما ما أورد علیه شیخنا الأستاد فی تعلیقته (1)الأنیقة من أن الفعل بواسطة الالتزام بحکم الله والبناء علیه لا یتغیر عما هو علیه بل هو إثم قلبی لأنه بهذا البناء والالتزام تصرف فی ما هو سلطان المولی من تشریع الأحکام.

فتقریبه وتوضیحه أن ما هو شأن المولی وتحت سلطانه تشریع الأحکام بالبعث والزجر لا فعل المبعوث إلیه أو ترک المزجور عنه ، فالتشریع إنما یتصور من العبد إذا بعث وزجر غیره بعنوان أنه شارع وبعنوان أنه بعثه وزجره منه ، فحینئذ قد تزیّا بزیّ المولی وتشأنّ بشأنه وتصرف فی سلطانه.

وأما الفعل بل وکذا مجرد البناء علی صدور أمر من المولی ، فلیس شیء منهما من شئون المولی لیکون هتکا لحرمته بالتلبس به.

وعلیه فکما لا إثم بحسب فعل الجوارح کذلک لا إثم بحسب فعل القلب أیضا لما عرفت من أن فعل المولی المختص به هو البعث والزجر لا الفعل ولا فرض صدورهما.

ویمکن دفعه بما مر (2)منا فی مسألة النهی فی العبادات محصله أن بعثه وزجره تعالی إیجاد تسبیبی منه لفعل العبد وإعدام تسبیبی منه لفعله بحیث لو تمّت الدعوة وأثّرت العلة وانتهت إلی معلولها کان الفعل الخارجی فعلا مباشریا من العبد وفعلا تسبیبیّا من المولی ، فإذا فعل بعنوان أنه موجود تسبیبیّ منه تعالی ، فقد شرع فی جعله تسبیبا منه تعالی ، حیث إن الإیجاد التسبیبی شأنه وداخل


1) 1. التعلیقة علی الرسائل ص 40.

2) 2. نهایة الدرایة 2 : التعلیقة 239.

تحت سلطانه ، فبهذا الاعتبار یصح جعل الفعل الخارجی معنونا بعنوان التشریع المحرم عقلا.

هذا ، وأما اتصافه بالافتراء والکذب علیه تعالی ، فهو إنما یکون إذا کان فی مقام الحکایة عن إیجاب فعله المأتی به بعنوان أنه واجب ، فإن الحاکی یتصف بالصدق والکذب والافتراء قولا کان أو فعلا وباعتبار قیامه بالقائل والفاعل یوصف الشخص بأنه صادق أو کاذب.

73 - قوله « قده » : فلو فرض صحتهما شرعا ... الخ (1).

لا یعقل فرض صحتهما إلا : بالتوسعة فی دائرة الصدق الجائز شرعا بإلحاق الشبهة الموضوعیة من حیث الصدق والکذب بالصدق حکما.

وبالتضییق فی دائرة التشریع المحرم بتخصیصه بما علم أنه لیس من الدین.

وإلا فمع عدم التوسعة والتضییق لا یعقل الترخیص فی النسبة والالتزام ، إلا مع جعل الحکم المماثل للمؤدی لیکون ترخیصا فی نسبة المؤدّی التنزیلی والالتزام به ، حیث لا یعقل تعلقهما بالواقع الحقیقی علی أی حال.

وبالجملة لا یقاس عدم صحتهما الغیر الملازم لعدم الحجّیة بصحّتهما التی لا یمکن فرضهما علی وجه صحیح إلا مع الکشف عن الحجّیة بمعنی جعل الحکم المماثل ، وإلا فالحجیة بمعنی تنجیز الواقع أیضا غیر نافع.


1) 1. کفایة الأصول / 280.

فی حجیة الظواهر

74 - قوله « قده » : ولا لعدم (1)الظن کذلک علی خلافها ... الخ (2).

إذ عدم الظن بالخلاف إنما یعتبر إما من حیث إنه جزء المقتضی ، أو من حیث إن الظن بالخلاف مانع :

لا مجال للأول ، إذ الظاهر إنما یکون حجة من حیث الکاشفیة عن المراد ، والمعتبر من الکشف إما هو الکشف الفعلی أو الکشف الذاتی ، ولا یعتبر عدم الظن بالخلاف فی الکشف الذاتی قطعا ، لتحققه معه ، وکذا فی الکشف النوعی ، واعتباره فی الکشف الفعلی الشخصی راجع إلی اعتبار الظن الفعلی بالوفاق ، والکلام فی عدم الظن بالخلاف لا فی الظن بالوفاق.

ویمکن تقریب المنع بوجه آخر ، وهو أن عدم الظن بالخلاف إما هو بنفسه جزء المقتضی أو لازم الجزء.

والأول محال ، إذ المقتضی لا یعقل أن یکون عدمیّا ، فلا یعقل أن یتقوم بالعدمی.

والثانی خلف ، إذ عدم الظن بالخلاف إنما یکون لازما لأمر ثبوتی وهو الظن بالوفاق حیث یستحیل اجتماع الظنین ، مع أن الکلام فی اعتبار عدم الظن بالخلاف لا فی اعتبار الظن بالوفاق.

ولا مجال للثانی ، إذ الظن بالخلاف إنما یعقل أن یکون مانعا إذا کان حجة حیث لا یعقل مزاحمة ما لیس بحجة للحجّة.

ومع فرض الحجّیة فالظن بالخلاف إنما یعتبر عدمه حیث إنه حجة علی

فی حجیة الظواهر


1) 1. فی المصدر : بعدم.

2) 2. کفایة الأصول / 281.

خلاف الظاهر ، وسقوط الظاهر عن الحجّیة مع قیام الحجة علی خلافه أمر مسلم بین الطرفین.

غایة الأمر أن الظن علی الفرض حجة مطلقا عند العقلاء ، فیسقط معه الظاهر عن الحجیة ، وحیث إنه لیس شرعا کذلک ، فلا یسقط معه عن الحجیة.

وفیه أنه خلط بین المقتضی فی مقام الثبوت والمقتضی فی مقام الإثبات ، وکذا بین المانع فی مقام الثبوت والمانع فی مقام الإثبات ، فعدم الظن بالخلاف لا یصح أن یکون جزء المقتضی فی مقام الثبوت لا فی مقام الإثبات ، کما أنه لا یصح أن یکون مانعا فی مقام الإثبات لا فی مقام الثبوت.

بیانه أن المقتضی لحجیة الظهور إثباتا بناء العقلاء عملا ، ویمکن أن یکون بناء العقلاء علی العمل بالظاهر الذی لا ظن علی خلافه ، فیکون البناء العملی علی اتباع الظهور متقیدا بعدم الظن علی الخلاف ، وإن کان المقتضی لبنائهم کون اللفظ کاشفا نوعیا عن المراد من دون اعتبار شیء آخر فیما یدعوهم إلی العمل بالظاهر ، فإن الجهة الجامعة بین جمیع موارد اتباع الظهور هو الکشف النوعی.

وأما المانع عن حجّیة الظهور إثباتا فإنما یتصور إذا کان المقتضی للحجّیة للإثبات تاما ، وهو إنّما یصح إذا کان للعقلاء بناءان بنحو العموم والخصوص بأن یکون بنائهم علی اتباع الظهور مطلقا وبنائهم الآخر علی اتباع الظن بالخلاف ، فیقدم الخاص علی العام من باب تقدیم أقوی الحجتین علی أضعفهما ، کما فی حجیة الخبر بالدلیل اللفظی مطلقا وحجیة خبر الأعدل فی مقام التعارض بالخصوص ، فمع تمامیة المقتضی فی مقام الإثبات فی کلا الطرفین یتصور المانعیّة لأحد الطرفین عن الآخر.

وأما إذا لم یعقل العموم والخصوص فی البناء العملی ، بل العمل إمّا علی طبق الظاهر الذی لا ظن علی خلافه أو کان وإن ظن علی خلافه.

فالمقتضی فی مقام الإثبات : إما متقید فلا اقتضاء لما کان ظن علی خلافه أصلا.

وإما مطلق فما کان ظن علی خلافه مع ما لم یکن علی خلافه ظن علی حد سواء ، فلا مانعیّة فی مقام الإثبات أصلا حتی یقال : إن رفع الید عن الحجة بقیام الحجّة علی خلافه أمر مسلم بین الطرفین.

وأما المانعیّة فی مقام الثبوت فمعقولة ، لإمکان أن یکون للظن بالخلاف خصوصیّة مانعة عن تأثیر الکشف النوعی وصیرورته داعیا للعقلاء علی العمل بالظاهر سواء کان المانع فی مقام الثبوت حجة فی نفسه ، أو لم یکن حجة ولکن کان فیه خصوصیة مانعة عن تأثیر مقتضی البناء العملی من العقلاء.

فعدم الظن بالخلاف یمکن أن یکون جزء المقتضی فی مقام الإثبات ، کما یمکن أن یکون مانعا عن المقتضی فی مقام الثبوت ، وما لا یعقل کونه جزء المقتضی فی مقام الثبوت ، کما أن ما لا یضر بحجیة الظاهر مانعیّته فی مقام الإثبات ، فإنه یؤکد تمامیّة المقتضی فی مقام الإثبات.

وعلیه فلو فرض کون الأمارة المفیدة للظن بالخلاف حجة عند العقلاء ، فلا محالة بنائهم العملی علی عدم اتباع الظاهر الذی قامت الحجة عندهم علی خلافه ، وعدم حجیة الأمارة المزبورة شرعا لا یجدی ، لأن عدم المانع إنما یفید مع وجود المقتضی. وحیث لا بناء من العقلاء علی اتباع مثل هذا الظاهر ، فلا مقتضی لحجّیّته ، لما عرفت من عدم معقولیّة بناءین منهم بنحو العموم والخصوص ، والمتیقن من عدم اعتناء العقلاء بالظن بالخلاف إنما هو فیما إذا لم یکن هناک أمارة معتبرة عندهم. ففی مثل هذه الصورة یشکل الأمر ، إلا أن یجعل المنع عن اتباع مثل ذلک الظن شرعا منعا عن ترتیب کل أثر علیه حتی رفع الید به عن الظهور ، فإنه أمر بالملازمة باتباع الظهور ، فمثل هذا الظاهر حجة شرعا لا ببناء العقلاء وإطلاق دلیل المنع لمثل هذا الأثر مشکل ، فتدبر.

75 - قوله « قده » : کما أن الظاهر عدم اختصاص ... الخ (1).

یمکن تقریب الاختصاص بأن المتکلم إذا اعتمد فی إرادة خلاف الظاهر من کلامه علی قرینة حالیة بینه وبین المخاطب الذی قصد إفهامه لم یکن مخلا بمرامه ، بخلاف ما إذا لم یکن قرینة أصلا ، فإنه یکون ناقضا لغرضه وهو إفهامه بکلامه.

وأما غیر المخاطب الذی لم یقصد إفهامه فإنه لم یلزم منه نقض للغرض إذا لم یکن بینه وبین من لم یقصد إفهامه قرینة معهودة ، إذ المفروض أنه لم یتعلق الغرض بإفهامه حتی یلزم نقض الغرض من عدم إیصال القرینة إلیه.

والجواب یبتنی علی مقدمة هی أن الإرادة استعمالیّة وتفهیمیّة وجدیّة ، فمجرد إیجاد المعنی باللفظ بنحو الوجود العرضی متقوم بالإرادة الاستعمالیة سواء قصد بهذا الإیجاد إحضار المعنی فی ذهن أحد أم لا ، فإذا قصد بهذا المعنی کانت الإرادة تفهیمیّة.

وهذا المعنی الموجود المقصود به الإحضار ربما یکون مرادا جدّیا ، وربما یکون لانتقال المخاطب مثلا إلی لازمه المراد جدا أو ملزومه کما فی باب الکنایة ، والملاک فی کل واحدة غیر الملاک فی الأخری ، والکاشف عن کل واحدة غیر الکاشف عن الأخری.

فالجری علی قانون الوضع یقتضی إیجاد المعنی بلفظه ، وهو وجه بناء العرف عملا علی حمل اللفظ علی الاستعمال فی معناه.

ولزوم نقض الغرض لو لم یکن الکلام الصادر وافیا بالمرام یقتضی عدم قصد الإفهام ، إلا بما یکون وافیا بالمرام.

وکون جدّ الشیء کأنه لا یزید علی نفس الشیء یقتضی حمل کلّیة


1) 1. کفایة الأصول / 281.

الأقوال والأفعال علی الجدّ حتی یظهر خلافه.

وعلیه نقول بناء العقلاء عملا علی حمل الکلام علی ما یوافق قانون الوضع بعد کشفه النوعی عن المعنی هو معنی حجّیة الظهور.

وحکم العقل بقبح نقض الغرض الذی هو غیر مربوط ببناء أهل المحاورة هو الدلیل علی أن المعنی المختص باللفظ هو الذی قصد إفهامه.

وبناء العقلاء العام لجمیع الأقوال والأفعال هو الدلیل علی حمل کلیّة الأفعال والأقوال علی الجد.

فالفرق المعلوم بین الظاهر الملقی إلی من قصد إفهامه ومن لم یقصد إفهامه لوجه مخصوص لا یقتضی الفرق فی المقام الأول. وحجیة الظاهر بحمله علی مقتضاه من کشفه النوعی من معناه الوضعی ، والخلط بین المقامین أوهم الفرق بین من قصد إفهامه ومن لم یقصد إفهامه هذا کله.

مع أن قصر الخطاب علی شخص لا یقتضی قصد إفهامه ، بل ربما یقصد إفهام غیره کما فی إیاک أعنی واسمعی یا جارة فضلا عن اقتضاء قصر قصد الإفهام علی المخاطب.

مضافا إلی أن الکلام إذا کان متضمنا لتکلیف عمومی فمقام عموم التکلیف بهذا الکلام یقتضی وصول التکلیف العمومی نفسا ومتعلقا وموضوعا بشخص هذا الکلام ، فلا یمکن التعویل علی ما یختص بالمخاطب من القرینة الحالیة.

وعلی فرض کون المخاطب واسطة فی التبلیغ ، فاللازم علیه فی إیصال التکلیف العمومی بحدّه التنبیه علی ما یقتضی توسعته وتضییقه ، فعدم التنبیه منه دلیل علی عدمه. بل الکلام المقصور علی المخاطب إذا کان متکفلا لتکلیف خصوصی وکان عمومه لغیره بقاعدة الاشتراک أیضا کذلک ، إذ الطریق إلیه نقله روایة أو کتابة ، ومقتضی عدم الخیانة فی نقله بأحد الطریقین هو التنبیه علی

القرینة الحالیة الموسّعة لدائرة التکلیف والمضیّقة لها ، ومع عدم نصب الدال علیها یحکم بعدمها ، فتدبر جیدا.

76 - قوله « قده » : فللمنع عن کون الظاهر من المتشابه ... الخ (1).

لا یخفی علیک أنه لا یمکن إثبات المانعیة بظهور لفظ المتشابه فیما یعم الظاهر فضلا عن احتمال شموله إلا بنحو الجدل وإلا لزم من إثباته نفیه ، لأن لفظ المتشابه من جملة الظواهر القرآنیّة ، فتدخل تحت المتشابه الذی لا یجوز التمسک به. وأما مع مجرد احتمال شمول المتشابه للظاهر ، فلا یجوز المنع من باب الجدل ، بل لا بد من الأخذ بالمتیقن منه وهو المجمل.

نعم لو کانت الدعوی کون لفظ المتشابه محکما فی معناه الشامل للظاهر والمجمل لصح الاستدلال حقیقة لا من باب الجدل ، ولا منافاة بین کون الشیء متشابها بالحمل الأولی ومحکما بالحمل الشائع.

فان قلت : إنما لا یصح الاستدلال بدلیل المنع عن العمل بالمتشابه بناء علی ظهوره فیما یعم الظاهر إلا جدلا إذا اعتقد المستدل عدم حجیة ظواهر الکتاب حتّی هذا الظاهر.

وأما إذا قال بعدم حجیة سائر الظواهر بهذا الدلیل الذی لا یعقل شموله لنفسه ، فلا یکون الاستدلال حینئذ من باب الجدل ، ولا یلزم من نفی حجیة الظواهر بخصوص هذا الظاهر ثبوتها لیکون محالا.

قلت : أما الخصم ، فلا فرق عنده بین ظواهر الکتاب ، وإنما لا یمکنه القول بعدم حجیة هذا الظاهر لمکان الاستدلال به.

فالقول بعدم حجیة هذا الظاهر بنفسه یلزم من عدمه وجوده ، فلا محالة یستدل به جدلا وإلزاما علینا بما نعتقد حجّیته ببناء العقلاء.


1) 1. کفایة الأصول / 283.

بل التحقیق أنه لا یصح الاستدلال به حتی من باب الجدل ، إذ الغرض : إن کان نفی حجیة جمیع الظواهر حتی نفس هذا الظاهر ، فیلزم من وجوده عدمه فانه مقتضی شموله لنفسه.

وإن کان الغرض نفی حجیة سائر الظواهر بهذا الظاهر الذی بنی العقلاء علی حجیته ، فهو وإن لم یلزم منه المحال من حیث شموله لنفسه بمدلوله اللفظی.

إلا أنه لما کان نفی حجیة سائر الظواهر بملاک التشابه الشامل للظاهر ، فیلزم من نفی حجیة الغیر بهذا الملاک نفی حجیة نفسه.

وحیث لا یعقل نفی حجیة الغیر إلا بنفی حجیة نفسه لاتحاد الملاک ، فیسقط هو عن الحجیة لعدم معقولیة حجیته فی مدلوله بالملاک المأخوذ فی مدلوله ، وبغیر هذا الملاک لا دلالة له أیضا ، فیبقی سائر الظواهر بلا مانع.

ولا بد من التصرف فی هذا الظاهر ، لأنه وإن کان لا یعم نفسه بمدلوله ، لکنه یعمه بملاکه المأخوذ فی مدلوله ، فیلزم من حجیته فی مدلوله عدم حجیته فی مدلوله ، فلا مناص إلا عن دعوی کونه محکما فی مدلوله کما أشرنا إلیه.

77 - قوله « قده » : فیما إذا لم ینحل بالظفر بالروایات (1)... الخ (2).

سیجیء إن شاء الله تعالی فی محله (3)أن الانحلال : تارة بصیرورة المجمل مفصلا حقیقة ، کما إذا علم الواجب أو الحرام بعینه.

وأخری بصیرورته کذلک حکما ، کما إذا علمنا بنجاسة إناء زید واشتبه بین إناءین فان البینة إذا قامت علی تعیّن إناء زید فلازمه نفی النجاسة عن غیرها.


1) 1. فی نسخة المصنف : فی الروایات.

2) 2. کفایة الأصول / 283.

3) 3. نهایة الدرایة 4 : التعلیقة 35.

ومن الواضح أن مجرد جعل الحکم المماثل أو تنجیز الواقع لا ینفی الواقع عن غیر موردهما.

وأما دعوی احتمال الانطباق قهرا بتقریب أن الواقع المعلوم إجمالا لا تعین له من ناحیة العلم ، فلا مانع من انطباق مؤدّی الطریق علی الواقع ، المعلوم ، ومع احتمال الانطباق لا علم إجمالا بتکالیف أخر فی موارد الأمارات أو غیرها ، بل مجرد احتمال.

فهی فاسدة ، فان احتمال الانطباق : إن کان بلحاظ مدلول الأمارة فهو موجود بمجرد قیامها سواء کانت الأمارة حجة أم لا ، وهذا لا یوجب زوال العلم ولا زوال أثره.

وإن کان بلحاظ حکمها وهو جعل الحکم المماثل ، فلا انطباق قطعا ، فان الحکم المماثل مغایر للحکم الواقعی وجودا وإن کان مماثلا له ماهیة.

بل التحقیق فی الانحلال کما سیجیء إن شاء الله تعالی فی محله (1)أن الحجیة : إن کانت بمعنی جعل الحکم المماثل ، فالحکم الفعلی المماثل علی طبق مؤدی الأمارة موجود قطعا ، ویستحیل أن یکون فی موردها حکم فعلی آخر واقعا ، لاستحالة اجتماع الحکمین الفعلیّین ، فلا علم إجمالی بحکم فعلیّ علی أی تقدیر ، بل مجرد احتمال الحکم فی غیر مورد الأمارة ، والأصل حینئذ سلیم عن المعارض.

وإن کانت بمعنی تنجیز الواقع بالأمارة ، فلا أثر للعلم حینئذ ، فإن المنجّز لا یقبل التّنجّز ، فیستحیل أن یؤثر العلم الإجمالی فی تنجیز الواقع علی أی تقدیر.

ولا فرق بناء علی الوجهین من الحجّیة بین سبق العلم الإجمالی علی الظفر بالحجة وعدمه ، فان الحجة الواقعیّة إذا کانت بحیث لو تفحص عنها لظفر بها کانت موجبة لفعلیّة التکلیف وتنجّزه ، وإنما السبق واللحوق فی الظفر بها.


1) 1. نهایة الدرایة 4 : التعلیقة 35.

فالعلم الاجمالی قد تعلق بما فی أحد طرفیه تکلیف فعلی بالأمارة أو الواقع المنجز بها وتمام الکلام فی محله.

78 - قوله « قده » : إما باسقاط أو بتصحیف ... الخ (1).

لا یخفی علیک وضوح الفرق بینهما ، إذ التصحیف سواء کان بتغیّر فی هیئة الکلام أو مادته یوجب خروجه عن الکلام المنزل ، ولیس فی صورة احتماله کلام صادر من المولی حتی یتبع ظهوره الفعلی أو الذاتی.

بخلاف الإسقاط ، فإن الساقط سواء کان منفصلا عن الظاهر أو متصلا به لا یخل بظهوره الفعلی علی الأول ، وبظهوره الذاتی علی الثانی ، کالقرینة المنفصلة أو المتصلة ، کما سیجیء إن شاء الله تعالی.

79 - قوله « قده » : لعدم حجیة ظاهر سائر الآیات ... الخ (2).

لخروجها عن محل ابتلاء المکلف کما فی تعلیقته (3)المبارکة علی الرسائل. ولعل المراد منه أن الکلام الغیر المتضمن للتکلیف لا معنی لحجیة ظاهره علی المکلف ، حیث لا معنی للحجیة إلا کون الشیء بحیث یحتج به فی مورد المؤاخذة بالذم والعقاب ، ولا معنی لذلک إلا فیما یشتمل علی التکلیف ، والآیات المتضمنة للقصص وشبهها لا حجیة لظهورها ، بل الآیات المتضمنة للعقائد والمعارف لا حجیة لظهورها أیضا وإن کانت متضمنة للتکلیف بالأصول ، إذ المطلوب فیها الاعتقاد لا التعبد والعمل کی یتصور فیه حجیة الظاهر فتأمل (4).


1) 1. کفایة الأصول : 284.

2) 2. کفایة الأصول : 285.

3) 3. التعلیقة علی الرسائل ص 50.

4) 4. إشارة إلی أن المطلوب فی الاعتقادیات : إن کان المعرفة والیقین أو عقد القلب علی ما جزم به النفس ، فلا محالة لا معنی لحجیة الظاهر لعدم إفادته الیقین.

80 - قوله « قده » : فافهم ... الخ (1).

لعله إشارة إلی أن مجرّد ضم ظاهر إلی سائر الظواهر لیس ملاک الطرفیة للعلم الإجمالی بمخالفة بعض الظواهر لیقاس بظواهر الکتاب ، بل بحیث یتقوم به العلم فینعدم بخروجه ، ولیس کل ظاهر کذلک.

أو إشارة إلی أن الاشکال هنا بملاک إجمال بعض أطراف العلم ، وخروجه عن محل الابتلاء لا یجدی فی رفع الإجمال ، وإن کان مجدیا فی عدم تنجز التکلیف علی خلاف الظاهر.

ویندفع بأن الظهور الذاتی محفوظ فی الجمیع ، وإنما المعلوم بالإجمال أنّ بعضها غیر حجة لا لارتفاع ظهوره حیث لا یرتفع الظهور بعد انعقاده ، إذ الواقع لا ینقلب عما هو علیه ، ولا یرتفع کشفه عن المراد الجدی الذی هو ملاک الحجیة أیضا ، بل حجّیته لحجّة أقوی.

وإذا کان بعض الأطراف بنفسه غیر حجّة ، فلا جرم لا علم إجمالی بورود الحجّة علی خلاف الحجّة ، هذا فی القرینة المنفصلة.

وأما فی المتصلة فربما یتوهم الفرق بین المجمل وغیره نظرا إلی سرایة إجماله إلی الظاهر ، فلا ظهور کی یکون حجة بخلاف غیره.

وفیه أن الظهور الذاتی محفوظ حتی فی المجمل ، والظهور الفعلی مرتفع حتی فی المبیّن.

والفرق بینهما بانعقاد الظهور الفعلی فی غیر الموضوع له إذا کان المتصل مبیّنا دون ما إذا کان مجملا.

والمیزان فی اتباع الظهور هو الفعلی وهو مشکوک فی کلیهما.

فلا بد من دعوی بناء العقلاء علی المعاملة مع هذا العلم الإجمالی معاملة


1) 1. کفایة الأصول / 285.

الشک البدوی ، نظرا إلی خروج أحد الظاهرین عن محل الابتلاء ، فالقرینة المحتملة هنا یبنی علی عدمها ، فیتم الظهور الفعلی کما فی غیر ما نحن فیه ، فتدبر.

81 - قوله « قده » : فلا وجه لملاحظة الترجیح ... الخ (1).

إلا أن یفصل بین حکایة نفس الآیة وحکایة قراءة المعصوم لها ، فانها علی الثانی حکایة فعل المعصوم فتدخل فی السنة المحکیة فتدبر.

82 - قوله « قده » : فان أحرز بالقطع ... الخ (2).

إن أرید من الظهور المقطوع به ظهوره الذاتی الوضعی ، فلا یقابله إلا الصورة الثالثة من الشق الثانی.

وإن أرید ما هو أعم من الظهور الذاتی الوضعی ، ومن الظهور الاستعمالی الفعلی فالتقابل صحیح ، فإن بعض تلک الصور الثلاث ظهورها الذاتی معلوم وبعضها غیر معلوم ، إلا أن مقتضاه عدم إحراز الظهور الفعلی فی الشق الثانی فیخرج احتمال القرینة المنفصلة لمعلومیة ظهوره النوعی ، الفعلی.

مع أن احتمال القرینة المنفصلة کالمتصلة فی الحاجة إلی اصالة عدم القرینة.

مضافا إلی أن احتمال القرینة منفی فیما إذا قطع بعدمها ، ومع ذلک أراد خلاف الظاهر مع عدم نصب قرینة لحکمة أو لغفلة ، فیخرج مثل هذه الصورة عن کلا الشقین فتدبر.

83 - قوله « قده » : لا أنه یبنی علیه بعد البناء علی عدمها ... الخ (3).

بل هذا هو الظاهر إذ الحجة لا بد من أن تکون مناسبة لمورد المحاجّة


1) 1. کفایة الأصول / 285.

2) 2. کفایة الأصول / 286.

3) 3. کفایة الأصول / 286.

والمخاصمة : فاذا ادعی المولی إرادة خلاف الظاهر مع الاعتراف بعدم نصب قرینة لحکمة أو لغفلة کانت الحجة علیه ظهور کلامه.

وإذا ادعی إرادة خلاف ظاهر ما وصل من الکلام لمکان نصب القرینة وإن لم تصل کانت الحجة علیه أصالة عدم القرینة ، والمراد بناء العقلاء علی العدم عند الشک فی الوجود.

وأما ظهور الکلام فلا مساس له بالمقام ، إذ المولی لا یحتج علیه بارادته الواقعیة کی یحتج العبد علیه بظهور کلامه فی خلاف مرامه ، بل یحتج بنصب ما یوافق مرامه من کلامه ، فلا بد من دفعه ببناء العقلاء فی مثله علی عدمه ، ولعله أشار إلیه بقوله فافهم.

فلیس الأمر کما أفاده شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » (1)من رجوع الأصول الوجودیة إلی الأصول العدمیة ، ولا کما أفاد شیخنا (2)العلامة الاستاد « قدس سره » فی تعلیقته الأنیقة وأشار إلیه هنا من رجوع الأصول العدمیة إلی أصالة الظهور.

والتحقیق أن مدرک حجیة الظواهر بما لها من الخصوصیات کما مر مرارا بناء العرف والعقلاء عملا ، فهو المتبع فی أصل الحجة (3)وخصوصیاتها.

ومن البین کما مر أنه لیس من العقلاء بناءان أحدهما علی اتباع الظاهر مطلقا ، والآخر علی أمر آخر بحیث یکون أحد البنائین مقیدا للآخر.

بل العمل علی الظاهر الذی لیس علی خلافه ما هو أقوی منه کشفا ، فمع عدم الکاشف الأقوی یکون العمل علی طبق الظاهر ، ومع وجوده یکون


1) 1. فرائد الأصول المحشی : 1 / 59.

2) 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 44.

3) 3. هکذا فی النسخة المطبوعة ، لکن الصحیح : الحجیة.

العمل علی طبق الأقوی کشفا.

ومن الواضح أن الکاشف المتقیّد بعدمه البناء العملی علی اتباع الظاهر لیس الکاشف بوجوده الواقعی حتی یجدی عدمه الواقعی من باب عدم المانع ویکون احتماله احتمال المانع لیقال بأن بناء العقلاء عند احتمال وجوده علی عدمه.

بل حیث إن الاقتضاء من الطرفین فی مرحلة التأثیر فی نفوس العقلاء من حیث البناء العملی علی اتباع الظاهر وعدمه ، فلا محالة لا تأثیر من الطرفین ثبوتا إلا بلحاظ وجودهما الواصل لا وجودهما الواقعی ، فتأثیر وجوده الواقعی فی قبال تأثیر الظاهر الواصل مستحیل جدا.

وأما تأثیر احتمال وجوده فی قبال الظاهر الواصل ، فهو خلف ، إذ المفروض أن الظاهر حجة مع احتمال وجود کاشف أقوی فلا یعقل اعتبار مانعیّته مع بناء العقلاء علی اتباع الظاهر حتی مع احتمال کاشف أقوی ولو ببناءین لکونهما متنافیین ، ولیس کمانعیة وجوده الواقعی القابل للبناء علی عدمه عند احتماله.

مع أن تأثیر وجود الکاشف احتمالا فی قبال وجود کاشف آخر قطعا بعید جدا.

مع أن مقتضی مانعیّة وجوده الاحتمالی هو بناء العقلاء علی عدم مانعیة وجوده الاحتمالی لا البناء علی عدم المحتمل ، لأن وجوده الواقعی لا أثر له حتی یبنی علی عدمه ، بل وجوده الاحتمالی له الأثر ، فلا بد من البناء علی عدم مانعیته لا علی عدمه.

فاتضح من جمیع ما ذکرنا أن المانع عن اتباع الظهور ثبوتا عند العقلاء هو الکاشف الأقوی الواصل ، فمع عدم وصوله الوجدانی لا مانع قطعا ، فلا مقتضی فی مقام الإثبات لحجیة الکاشف الأقوی جزما حیث لا بناء عملی منهم

إلا علی اتباع الکاشف الواصل علی خلاف الظاهر.

فمع احتمال القرینة إنما لا یعتنی به لا لبناء من العقلاء علی عدمها کما هو معنی أصل عدم القرینة ، بل لعدم البناء منهم علی اتباعها حیث إن مورد بنائهم وجودها الواصل ، فلا یعقل مانعیة وجودها الواقعی عن اتباع الظاهر لیحتاج دفعها إلی البناء علی عدمها.

وعلیه فالظاهر الذی یحتمل وجود قرینة علی خلافه إنما یتبع لوجود الحجة علی اتباع الظاهر ، وعدم الحجة علی القرینة لا للحجة علی عدمها.

لکنک قد عرفت أن عدم الحجة علی اتباعها من باب السلب المقابل للإیجاب لا العدم فی قبال الملکة لما مر من عدم معقولیة مانعیة وجودها الواقعی ثبوتا حتی یعقل بناء من العقلاء علی اتباعها فی قبال الظاهر إثباتا.

نعم قد أشرنا إلی أن الحجة حیث إنها لا بد من أن تکون مناسبة لمورد المحاجّة : فتارة یحتج بالظاهر ، وأخری بغیره.

فمع القطع بعدم نصب القرینة واحتمال استناد عدم نصبها إلی حکمة أو إلی غفلة ، فالحجة لیست إلا ظهور کلام المولی ، إذ لیست غفلة المولی حجة علی عبده لیصح الاحتجاج بها من المولی علی عبده حتی یستند العبد إلی أصالة عدم الغفلة. وکذا لیست الحکمة الداعیة حجة للمولی علی عبده حتی یستند العبد إلی أصالة عدمها ، بل یحتج المولی بارادته الواقعیة ویحتج العبد بظهور کلامه علی خلاف مرامه.

وأما مع احتمال نصب القرینة : فتارة یعترض المولی علی عبده فی إتیانه للحیوان المفترس ، فحجة العبد ظهور لفظ الأسد فیه.

وأخری یعترض علیه فی عدم إتیانه للرجل الشجاع مع نصب القرینة علیه واقعا ، فالمناسب حینئذ الاحتجاج علیه بعدم الحجة علی القرینة ، لا بالحجة علی عدمها لما مر ، ولا بظهور کلامه فی خلاف مرامه ، حیث إنه لا یحتج علیه

بمرامه الواقعی ، بل بنصب القرینة علی ما یوافق مرامه.

ثم اعلم أنه لا فرق فیما ذکرنا بین احتمال القرینة المنفصلة والمتصلة ، فإن الکلام وإن استقر ظهوره فی الأول دون الثانی ، لکنه حیث إن بناء العقلاء فی کلا الاحتمالین علی العمل بالمقدار الواصل من الکلام یعلم منه أن مدار العمل لیس علی الظهور الفعلی.

إذ لیس أیضا بناءان من العقلاء ، أحدهما علی اتباع الظهور الفعلی ، والآخر علی اتباع الظهور الوضعی ، بل بناء واحد علی الأعم من الظهور الفعلی بحیث یکون فعلیته وعدمها علی حد سواء.

إذ من الواضح أن بناءهم علی عدم القرینة لا یوجب فعلیة الظهور والبناء علی عدم المانع إنما یجدی مع وجود المقتضی ، فلو کان المقتضی هو الظهور الفعلی ، فمع عدمه لا فرق بین وجود المانع وعدمه ، فانه لا یعقل الحکم بثبوت مقتضاه.

بل موضوع بناء العرف والعقلاء هو الظهور الوضعی الذاتی بضمیمة هذه المقدمة ، وهی أن مقتضی الجری علی قانون الوضع عدم التفهیم بنفس اللفظ إلا نفس معناه الموضوع له بحیث لو أراد تفهیم غیره به لکان بمعونة غیره.

وهذا غیر دعوی أن مقتضی طبع اللفظ استعماله فیما وضع له لیورد علیها مخالفة هذا الطبع کثیرا ، بل ربما یکون استعمال اللفظ فی معناه المجازی اکثر من معناه الحقیقی ، فانا لا ندعی أن تفهیم المقاصد لا بد من أن یکون بالحقایق.

بل ندعی أن الجری علی قانون الوضع یقتضی أن لا یفهم بنفس اللفظ إلا نفس معناه ، فلا ینافی کثرة تفهیم غیره ، به بمعونة غیره ، ولم تظفر إلی الآن بمخالفة هذه الطریقة ممن یجری علی قانون الوضع.

وعلی هذا فالکلام الواصل وإن لم یعلم قالبیّته لما وضع له لاحتمال قرینة

تساعد علی تفهیم غیره به. إلا أن الکلام الواصل یمکن أن یکون آلة لتفهیم نفس معناه ، ووجود القرینة واقعا لا یکون صالحا لتفهیم غیره به ، فهذا المقتضی الواصل یؤثر فی نفوس العقلاء من حیث بنائهم علی استکشاف المراد به ، ووجود القرینة واقعا لا یصلح للصارفیة ، ونفس الاحتمال لیس صارفا حیث إنه لیس مفهما لغیره.

وأما مع احتفاف الکلام بما یحتمل قرینیّته فالموجود وإن لم یکن مفهما لغیره ، إلا أن الکلام المحفوف به أیضا لا یصلح بالفعل لتفهیم نفس معناه وإن کان ظهوره الوضعی محفوظا ، لأن الذی یصلح لتفهیم معناه به هو اللفظ المجرد من غیره لا المحفوف بغیره ، وهذا معنی کون المجمل العرضی کالمجمل الذاتی.

نعم إن کان مدار عمل العقلاء علی اتباع الظهور الذاتی لا لما ذکرنا ، بل لوجه آخر لا طریق لنا إلیه أمکن حجیة هذا الظاهر المحفوف وهذا معنی التعبد حیث إنه لم یعلم وجه العمل کما فی التعبد الحقیقی.

84 - قوله « قده » : بناء علی حجیة أصالة الحقیقة ... الخ (1).

غرضه « قدس سره » أنه بناء علی حجیة الظاهر من باب الکشف النوعی لا شبهة فی عدم حجیته ، إذ مع هذا الاحتفاف لا کشف أصلا.

وکذا بناء علی اتباع الظاهر من باب أصالة عدم القرینة ، إذ لا شک فی وجودها هنا ، بل فی قرینیة الموجود.

وأما بناء علی حجیته تعبدا من العقلاء ، ففیه الإشکال لامکان تعبدهم فی مثله أیضا علی اتباع الظهور الذاتی وجعل الموجود کالمعدوم.

إلا أن الظاهر أن العقلاء یعاملون معه معاملة المجمل ، فیعلم أن بناءهم علی اتباع الظاهر وإن لم یکن لحیثیة ظهوره ، إلا أن موضوع حکمهم الظاهر


1) 1. کفایة الأصول / 286.

المحض الذی لم یعرضه الإجمال ، وهذا الظاهر عندهم بمنزلة المجمل ذاتا.

فی الإجماع المنقول

85 - قوله « قده » : کما هو طریقة المتأخرین فی دعوی الإجماع ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن مدارک الحکم الشرعی منحصرة فی غیر الضروریات وما أشبهها من المسلمات فی أربعة وهی الکتاب والسنة والاجماع والدلیل العقلی الذی یتوصل به إلی الحکم الشرعی.

وحیث إن الکلام فی نفس الاجماع ، فما یستند إلیه المجعول لا محالة غیره من المدارک الثلاثة الأخر.

ومن الواضح أن المدرک لهم لیس هو الکتاب ، وعلی فرض استظهارهم من آیة خفیت علینا جهة الدلالة لم یکن فهمهم حجة علینا.

وکذا لیس مدرکهم الدلیل العقلی ، إذ لا یتصور قضیّة عقلیة یتوصل بها إلی الحکم الشرعی کانت مستورة عنّا ، فینحصر المدرک فی السّنة.

وحیث لا یقطع بل ولا یظن بسماعهم لقول الامام علیه السلام ، أو برؤیتهم لفعله علیه السلام أو لتقریره علیه السلام ، بل ربما لا یحتمل ذلک فی زمان الغیبة إلا من الأوحدی ، فلا محالة ینحصر المدرک فی الخبر الحاکی لقوله علیه السلام أو فعله علیه السلام أو تقریره.

وفیه المحذور من حیث السند والدلالة : أما من حیث السند ، فبان المجمعین لو کانوا مختلفی المشرب من حیث حجیة الخبر الصحیح عند بعضهم والخبر الموثق عند بعضهم الآخر والخبر الحسن عند آخرین لدل اتفاقهم علی الحکم علی أن المستند فی غایة الصحة.

الکلام فی الإجماع


1) 1. کفایة الأصول / 288.

وأما لو کانوا متفقی المسلک بأن کانوا یعتقدون حجیة الخبر الموثق فمن لا یعتقد إلا بالخبر الصحیح لا مجال له فی الاستناد إلی هذا الاجماع فضلا عما إذا کانوا یعتقدون حجیة الخبر الحسن ، فإن الغالب لا یمکن استنادهم إلیه.

وأما من حیث الدلالة ، فان الخبر المفروض : إن کان نصا فی مدلوله صح الاستناد إلیه منا أیضا إلا أنه نادر واحتماله غیر مانع ، لأنه لا یتعین أن یکون نصا فی مدلوله لحجیة الظاهر أیضا.

وإن کان ظاهرا فی مدلوله فلا یجدی أیضا ، إذ ظهور دلیل عند طائفة لا یستلزم الظهور عند آخرین وفهمهم لیس حجة علینا ، بل قد وجدنا المشهور من المتقدمین علی استفادة النجاسة من أخبار البئر مع أن الأمر عند المتأخرین بالعکس ، فلعل الخبر إذا نقل إلینا لم یکن ظاهرا عندنا.

مع أنهم لو عثروا علی هذه الأخبار الصحاح الظاهرة الدلالة فی موارد اجماعهم ، فلم لم یتعرّضوا لها لا فی مجامیع الأخبار ولا فی الکتب الاستدلالیة.

86 - قوله « قده » : وأما إذا کان نقله للمسبب لا عن حسّ ... الخ (1).

الفارق بین ما إذا کان السبب تاما فی نظر المنقول إلیه ، وما لم یکن کذلک مع الاشتراک فی الإخبار عن المسبب بالالتزام وعن السبب بالمطابقة وجوه :

أحدها ما عن شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » فی الرسائل (2)أن مقتضی الفرق بین العادل والفاسق فی آیة النّبأ - التی هی عمدة الآیات من حیث الدلالة علی حجیة الخبر ومقتضی التعلیل بقیام احتمال الندم مع عدم التبیّن عن خبر الفاسق - هو عدم الاعتناء باحتمال تعمد کذبه ، لا وجوب البناء علی اصابته فی حدسه.


1) 1. کفایة الأصول / 289.

2) 2. فرائد الأصول المحشی : 1 / 79.

فانه لیس غرضه « قدس سره » اختصاص احتمال تعمد الکذب بالخبر الحسی دون الحدسی ، ضرورة أن الانسان کما یمکن أن یخبر عما لم یحسّ کذلک یمکن أن یخبر عمّا لم یحدس ، بل غرضه أن واقعیّة المخبر به بعدم تعمّد الکذب وعدم الخطأ والآیة متکفّلة لنفی احتمال تعمد الکذب وأصالة عدم الخطأ لنفی احتمال الخطأ.

وحیث إن بناء العقلاء علی عدم الاعتناء باحتمال الخطأ فی الحس دون الخطأ فی الحدس ، فالآیة بضمیمة أصالة عدم الخطأ فی الحس دلیل الحجّیة فی الخبر الحسی.

وحیث إن هذه الضمیمة غیر متحققة فی الخبر الحدسی ، فالآیة وإن کانت نافیة لاحتمال تعمد الکذب ، لکنه لا أثر بالفعل لنفی احتمال تعمد الکذب إلا مع نفی احتمال الخطأ ، فلا تعم الآیة التی هی دلیل الحجیة بالفعل لما لا أثر له بالفعل وهو الخبر الحدسی ، فهی وإن کانت بحسب الاقتضاء قابلة لشموله ، لکنها لا تعمه بالفعل.

ثانیها أن کون المخبر صادقا فی خبره غیر کونه صائبا فی نظره ، والدلیل متکفل لتصدیق الخبر لا لتصویب النظر.

بیانه أن دلیل التصدیق وإن لم یکن ناظرا إلی خصوص التصدیق المخبری کما أفاده الشیخ الأعظم « رحمه الله » بل کان ناظرا إلی التصدیق الخبری والحکم بواقعیة المخبر به لا إلی مجرّد نفی احتمال تعمد کذبه.

إلا أن تصدیقه فی حسّه واقعا تصدیقه فیما أحسّ به ، ولیس تصدیقه فی حدسه واقعا تصدیقه فیما حدس به ، فان القطع بسماعه لقول الامام علیه السلام إنه یجب صلاة الجمعة یستلزم القطع بصدور هذا القول من الامام علیه السلام ، ولکن لا یستلزم القطع بحدسه لرأی الامام علیه السلام القطع برأیه.

فتصدیقه فی سماعه وأنه أخبر عما له واقعیّة یستلزم تصدیقه فی واقعیّة

المسموع ، ولکن لیس تصدیقه فی خبره عن حدسه مستلزما لتصدیقه فیما حدس به ، بل یترتب علی تصویبه فی حدسه.

وبالجملة فواقعیّة السماع یستلزم واقعیّة المسموع بخلاف واقعیّة الحدس ، فانه لا یستلزم واقعیّة ما حدس به ، فتأمل جیدا.

ثالثها أن بناء العقلاء علی حجیة الخبر لکونه کاشفا نوعیّا فعلا إذا صدر ممن یوثق بقوله ولم یکن فیه آفة فی حاسّته ، فهذه الکاشفیة النوعیّة الفعلیة عن الواقع هو المقتضی ثبوتا لبناء العقلاء علی اتباع الخبر.

ومن الواضح أن خطأه الواقعی فی احساسه لخروجه عن الطبع أحیانا لا یعقل أن یکون مانعا عن تأثیر المقتضی ومزاحما له لما عرفت فی مسألة (1)حجیة الظاهر ، فاحتماله لیس من احتمال المانع حتی یتوقف الحکم بالمقتضی علی بناء العقلاء علی دفع المانع ، ونفس الاحتمال غیر مانع علی الفرض ، بل المستبعد جدا أن یزاحم الاحتمال الکاشف النوعی الفعلی.

ومنه تبیّن عدم الحاجة إلی أصالة عدم الخطأ ، بل عدم الاعتناء باحتماله لعدم البناء علی وجوده ، لا للبناء علی عدمه. هذا فی الخبر الحسی أو ما هو کالحسی.

وأما الخبر عن حدس محض ، فمجرد کون الشخص ممن یوثق بقوله وعدم کونه ذا آفة فی حاسّته لا یوجب الکاشفیة الفعلیّة لخبره ، بل یتوقف علی تصویب حدسه ونظره.

فإذا کان الخبر حجة ببناء العقلاء فالمقتضی لبنائهم هو الکشف النوعی الفعلی المختص بالخبر الحسی أو ما هو کالحسی. ولعله لذلک حکم فی آیة النبأ علی أن العمل بخبر الفاسق من دون تبین عنه إصابة للقوم بجهالة ، حیث لا


1) 1. فی التعلیقة 83.

کاشفیة فعلا نوعا مع کون المخبر ممن لا یوثق به.

ومنه یظهر أن خبر العادل عن حدس إذا کان عما لا سببیّة له عادة کان مستندا إلی ما لا طریقیة له عادة إلی الواقع ، فالعادل والفاسق حینئذ علی حد سواء من کون الاعتماد علی خبرهما اعتمادا علی الجهل المحض.

وهذا وجه انصراف آیة النبأ إلی الخبر عن حس أو ما هو کالحس لا من حیث إن النبأ عن حدس غیر معمول به عند العقلاء فلا یکون رافعا للجهالة کما توهم ، بل من حیث استناده إلی ما هو فی نفسه لا سببیة له للوصول إلی الواقع ، فکیف یکون الخبر المستند إلیه کاشفا فعلا عن الواقع حتی یبنی علیه العقلاء أو یتعبد به الشارع ، فافهم جیدا.

87 - قوله « قده » : وهم کما یعملون بخبر الثقة إذا علم ... الخ (1).

قد عرفت أن مقتضی بناء العقلاء هو الکشف النوعی الفعلی عن الواقع ، فمع کونه ممن یوثق بقوله ولم یکن آفة بحاسّته وعدم استناد العاقل بحسب المتعارف إلا إلی سبب عادی متعارف لا ریب فی کاشفیة خبره نوعا عن الواقع.

وأما إذا اختل هذا الظهور الأخیر ، - وهو ظهور حال العاقل فی دعوی الجزم بشیء أنه مستند إلی سبب عادی متعارف ، بحیث وجدنا غالب المدعین للإجماع مستندین إلی سبب غیر عادی أو وجدنا خصوص هذا المدعی یستند إلی سبب غیر متعارف ، - فلا کاشفیة ، نوعیة لخبره ، وإن احتمل استناده فی خصوص هذه الدعوی إلی سبب متعارف ، کما إذا احتملنا أنه مع فرض غلبة کذبه یکون صادقا فی خبره الشخصی أو مع وجود الآفة بحاسته ما اخطأ فی خصوص هذا المورد ، فکما لا یفید هذا الاحتمال فی تحقق الکشف النوعی کذلک ذلک الاحتمال.


1) 1. کفایة الأصول / 289.

88 - قوله « قده » : وأما من جهة نقل السبب فهو فی الاعتبار ... الخ (1).

یمکن أن یناقش فیه بأن تنزیل شیء منزلة شیء لا یعقل إلا بلحاظ ما لذلک الشیء من الأثر شرعا ، لا بلحاظ ما لغیره من الأثر وإن کان ملزومه أو ملازمه ، بداهة أن وجه الشبه لا بد من أن یلاحظ بین المشبه به والمشبه دون ما هو أجنبی عنهما ، وهو من القضایا التی قیاساتها معها.

وهذا لا ربط له بحجیة الأمارة فی الشیء بأطرافه من لازمه وملزومه وملازمه ، بداهة أن مرجعه إلی حجیتها فی مدالیلها المطابقیّة والتضمنیّة والالتزامیة ومصحح التعبد بکل واحد نفس أثرها الشرعی ، لا أن الخبر حجة فی مدلوله المطابقی بلحاظ ملزومه أو ملازمه.

وعلیه ، فلا وجه لحجیة الخبر فی مضمونه الذی هو فتوی جماعة بکذا بلحاظ ملازمه وهو رأی الامام علیه السلام فی نظر المنقول إلیه لما عرفت. ولا أثر شرعی لفتوی الجماعة بکذا واقعا کی ینزل الإخبار عنها منزلتها فیه.

وکونه سببا للقطع برأی الامام علیه السلام وملازما له واقعا فی نظر المنقول إلیه لیس بشرعی حتّی یصح التعبّد بلحاظه.

ومنه یظهر الفرق بینه وبین ما تتضمنه الأخبار من الأسئلة التی تعرف منها أجوبتها والأقوال والأفعال التی تعرف منها تقریر الإمام علیه السلام لها ، فانها مشتملة علی موضوعات الأحکام ومتعلقاتها وخصوصیاتها الموجبة لضیقها وسعتها ، والتعبد بها بلحاظ ما لها من الأحکام مما لا ینبغی الریب فیها.

وکذا کون السائل مدنیّا مثلا فالرطل المذکور فی کلامه مدنی أیضا ، فان له دخلا فی الموضوع سعة وضیقا ، إذ لو لا کونه مدنیّا لم یرتب حکمه علیه


1) 1. کفایة الأصول / 290.

السلام علی الرطل المدنی ، فهو أیضا بهذا الاعتبار دخیل فی الحکم الشرعی.

بخلاف فتوی الجماعة ، فانها لا دخل لها فی رأی الامام علیه السلام حکما وموضوعا سعة وضیقا.

فلیس الاشکال فی الفتاوی المنقولة أنها أمر غیر معلوم عن غیر معصوم حتی ینتقض بما ذکره الشیخ المحقق التستری (1)« قدس سره » وأشرنا إلیه آنفا.

بل المحذور عدم کونها موضوعا لحکم ولا جزء الموضوع ولا قیده بخلاف المذکورات آنفا.

وهذا المحذور وإن لم یکن له أثر عملی فی صورة نقل السبب التام ، لأنه یلازم الخبر عن رأی الامام علیه السلام ، لکنه له الأثر فی نقل جزء السبب ، فإنه لا حکایة عن رأی الامام علیه السلام بالالتزام حتی یتعبّد به وینضم إلیه البقیّة.

نعم یمکن دفع المحذور عن حجیة نقل السبب بأن اللازم کون المنزل ذا أثر شرعی دون المنزل علیه.

وحیث إن الفتاوی المحصلة سبب عادی للقطع المنجز لرأی الامام علیه السلام عقلا ، والتّنجّز قابل للجعل عن الشارع بجعل نقل الفتاوی منجزا اعتبارا للفتاوی المنتهیة إلی رأی الإمام علیه السلام ، فیکون کالخبر القائم علی خبر متعلق بحکم من الأحکام.

فکما أن الخبر منجز للخبر المنجز للحکم ، والکل فی حکم منجز واحد للحکم ، کذلک نقل الفتاوی منجز للفتاوی المنجزة لرأی الامام علیه السلام ، لکونها سببا للقطع المنجز ، فهی منجزة أیضا بالعرض.

ولا یضر هذا المقدار من الفرق من حیث کون الحجیة فی المنزل علیه


1) 1. کشف القناع عن وجوه حجیة الإجماع / 2 - 401.

بالعرض ، وفی المنزل بالذات بالتنزیل ، نظیر ما إذا نزل الخبر الواحد منزلة الخبر المتواتر فی الحجیة ، فان الحجة بالذات فی المتواتر هو القطع الحاصل منه ، ویتصف المتواتر بالحجیة بالعرض ، ومع ذلک یصح بلحاظ أصل الأثر تنزیل الخبر الواحد منزلة المتواتر.

وفیه أنه إنما لا یضر إذا کان الواسطة واسطة فی الثبوت ، لا فیما إذا کان واسطة فی العروض ، فإنه لا أثر لذی الواسطة حقیقة بل بالعنایة والمجاز بل بالحقیقة ولو تبعا.

ومن الواضح أن اتصاف الفتاوی الواقعیة بالمنجزیة من جهة اتصاف معلولها وهو القطع برأی الامام علیه السلام بالمنجزیة ، فالقطع هو المنجز حقیقة والسبب له منجز بالعنایة لا بالتبع ، فلا أثر لها حقیقة حتی یکون المنقول کالمحصل فیما له من الأثر ، فافهم جیدا.

89 - قوله « قده » : فلا یکون التعارض إلا بحسب المسبب ... الخ (1).

لأنهما خبران بالالتزام من حکمین متباینین من الامام علیه السلام ، لکنه مبنی علی حصر وجه الحجیة فی الاستلزام العادی لرأی الامام علیه السلام.

وأما إذا کان أحد وجهی الحجیة الکشف عن وجود حجة معتبرة ، فلا تعارض فی النقل لإمکان صدق النقلین ، لإمکان استناد کل طائفة إلی حجة معتبرة.

والتعارض إنما بین الحجتین بحسب مدلولهما لا بین النقلین لحجّتین ذاتیّتین.

إلا أن هذا المقدار من الفرق غیر فارق ، لاشتراک النقلین فی عدم تعمد


1) 1. کفایة الأصول / 291.

الکذب ، کما أنهما مشترکان فی عدم إمکان واقعیة الحکمین الواقعیین فی الأول ، وعدم إمکان واقعیة الحکمین المماثلین الفعلیین فی الثانی ، وتمامیة المقتضی فی مقام الإثبات بالإضافة إلی الحجتین لا تنافی التعارض ، کما فی الخبرین الذین یعمّهما دلیل الحجیة فی نفسه ، فتدبر جیدا.

90 - قوله « قده » : لکن نقل الفتاوی علی الإجمال ... الخ (1).

لیس الوجه فی عدم الصلاحیة لکونهما سببا أو جزء سبب کونهما متعارضین بالعرض فلا أثر لهما ، فإنه غیر مختص بما إذا نقلت الفتاوی علی الإجمال ، بل إذا نقلت علی التفصیل لا یعقل ذلک ، کما إذا نقلت فتاوی جماعة یستلزم عادة القطع برأی الإمام علیه السلام ، ونقلت فتاوی جماعة آخرین کذلک ، فانهما متنافیان من حیث السببیة للقطع برأی الإمام علیه السلام ، بل الظاهر أن نقلی الفتاوی علی الإجمال علی طرفی النقیض فی نفسهما متنافیان ، فان الظاهر من الإجماع اتفاق الکل علی الحکمین [ وهو ] (2)خلاف الواقع ، فأحدهما کاذب بحسب الواقع ، فلا یصلح لأن یکون کاشفا عن رأی الامام علیه السلام أو عن حجة معتبرة ، ولا یمکن أن یکون الکاذب جزء السبب أیضا.

نعم إذا کان الاتفاق المنقول مفصلا أمکن أن یکون ذا خصوصیة فی نظر المنقول إلیه ، لجلالة المفتین وعلوّ قدرهم علما وعملا بالإضافة إلی الآخرین المنقولة فتاویهم مفصلة فی نقل آخر.

وأما مع الإجمال وعدم تعیّن الأشخاص ، فلا سبیل إلی إحراز هذه المزیّة.

ویمکن أن یقال : إن موارد اطلاق الإجماع مختلفة ، فاذا کان فی مقام تحریر الوفاق والخلاف فی المسألة ، فدعوی الإجماع ظاهرة فی الاتفاق التام الذی


1) 1. کفایة الأصول / 291.

2) 2. بین المعقوفین زیادة منّا تقتضیها العبارة.

لا خلاف فیه ، فیکون النقلان متعارضین ، وإذا کان فی مقام الاستدلال ، فلا یراد من الإجماع إلا المقدار الکاشف عن حجة معتبرة ، وصدقهما من حیث وجود الکاشف فی الطرفین بمکان من الإمکان.

فی حجیة خبر الواحد

91 - قوله « قده » : أن الملاک فی الأصولیة صحة وقوع ... الخ (1).

لکن لا یخفی علیک أنا وإن جعلنا الموضوع أعم من الأدلة الأربعة إلا أنه یجدی فی صیرورة المسألة أصولیة بهذا المعنی ، إذ الثابت بأدلة الاعتبار إما حکم مستنبط أو لا ینتهی إلی حکم مستنبط أصلا ، فإن معنی حجیة الخبر إما إنشاء حکم مماثل علی طبق المخبر به کما هو المشهور ، أو جعل الخبر بحیث ینجز الواقع علی تقدیر المصادفة کما هو التحقیق فلا بد من جعل الغرض أعم مما یقع فی طریق الاستنباط أو ینتهی إلیه أمر الفقیه فی مقام العمل.

وقد أسمعناک فی تعلیقتنا (2)علی أوائل الجزء الأول من الکتاب أنه لا مناص من التعمیم ، وإلا لزم کون جل المباحث الأصولیة استطرادیا.

أما المباحث المتعلقة بالأدلة الغیر العلمیة ، فلما سمعت آنفا لوحدة الملاک.

وأما المباحث اللفظیة ، فلأنها وإن لم تکن مربوطة فی بدو الأمر بهذا المحذور ، إلا أنها لا تقع فی طریق الاستنباط إلا بضمیمة حجیة الظواهر فیجیء المحذور المزبور ، مع وضوح أن حجیة الظاهر علی الوجه الثانی وهو ظاهر.


1) 1. کفایة الأصول / 293.

2) 2. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 13.

وربما یتوهم عدم لزوم التعمیم بالنسبة إلی ما یکون حجة شرعا بمعنی المنجزة للواقع نظرا إلی الإلزام العقلی علی طبقه ، فیکون مجعولا بجعل الحجیة شرعا ، وحاله حینئذ حال الجزئیة المجعولة بجعل منشأ انتزاعها ، فیکون الحجّیة واقعة فی طریق استنباط المجعول التبعی وهو الإلزام العقلی.

بل هکذا الأمر فیما یکون حجة ببناء العقلاء کالظواهر أو کالخبر بناء علی حجیته ببناء العقلاء ، فانه لا بد من إمضائها شرعا ، ولیس إمضاء الاعتبارات العقلائیة إلا باعتبار الشارع لها علی حد اعتبار العقلاء إیاها ، فیکون الإلزام العقلی مجعولا بتبع جعل الحجیة ابتداء أو إمضاء.

لکنه توهم فاسد : أما أولا فبأن الالزام العقلی لا یعقل ، إذ لا بعث ولا زجر من القوة العاقلة ، بل شأنها التعقل ، ولیس الحکم العقلی العملی إلا ادراک ما ینبغی أن یؤتی ، به أو لا ینبغی أن یؤتی به ، والأحکام العقلائیة فی باب التحسین والتقبیح لیست إلا بناء العقلاء علی مدح فاعل بعض الأفعال وذم فاعل بعضها الآخر.

وأما ثانیا ، فبأن الحکم العقلائی المزبور نسبته إلی الحجیة نسبة الحکم إلی موضوعه ، لا نسبة الأمر الانتزاعی إلی منشأ انتزاعه حتی یکون مجعولا بجعله تبعا ، کیف وهو مجعول من العقلاء ، غایة الأمر أنه مرتب علی موضوعه المجعول شرعا.

وأما ثالثا ، فبأن الوجوب المتعلق بالکل حیث إنه مستنبط من الدلیل المتکفل له ، فکذلک الجزئیة مستنبطة منه بتبع استنباط منشأ انتزاعها.

بخلاف الإلزام العقلی أو الحکم العقلائی ، فانه وإن کان لازما للحجیة المستنبطة من دلیلها ، إلا أنه غیر مستنبط من هذا الدلیل بالتبع ، ولیس مجرد ملازمة شیء لشیء ملاک الاستنباط.

ولا ینتقض بما سیجیء من استلزام وجوب تصدیق العادل لوجوب صلاة

الجمعة حیث نکتفی به فی مرحلة الاستنباط ، لأن الخبر القائم علی وجوب صلاة الجمعة لا یستنبط منه الوجوب ، إلا بواسطة حجیة الخبر الملازمة لجعل الحکم المماثل بلسان أن المؤدی هو الواقع ، فحیث إنه یجعل المؤدی واقعا.

یقال باستنباط الحکم الواقعی من الخبر بضمیمة دلیل الحجیّة ، وأین هذا من مجرد الملازمة بین حکم العقلاء والحجیة الشرعیة.

ویمکن الاشکال علی التّعمیم من حیث الوقوع فی طریق الاستنباط ومن حیث انتهاء أمر الفقیه إلیه فی مقام العمل بوجهین :

أحدهما لزوم فرض غرض جامع بین الغرضین لئلا یکون فن الأصول علمین ، لأن المفروض ترتب کل غرض علی طائفة من المسائل ، والمفروض أیضا علی مسلکه « قدس سره » أن ملاک وحدة العلم وتعدده وحدة الغرض وتعدده.

وثانیهما أن القواعد التی ینتهی إلیها أمر الفقیه بعد الفحص والیأس عن الدلیل هی الأصول العملیّة فی الشبهات الحکمیة ، فانها المرجع بعد الفحص والیأس عن العلم والعلمی ، دون الأمارات التی تکون حجة شرعا ابتداء أو إمضاء ، فانها الأدلة علی حکم العمل من دون تقییدها بالیأس عن العلم.

وأجبنا (1)عنه فی أوائل الحاشیة علی الجزء الأول من الکتاب بوجهین :

الأول أن دلیل الحجیة بمعنی جعل الحکم المماثل کوجوب تصدیق العادل لیس عین وجوب صلاة الجمعة ، بل إیجاب صلاة الجمعة بلسان إیجاب تصدیق العادل فان لازم فعل صلاة الجمعة تصدیق العادل بمعنی إظهار صدقه بعمله علی طبقه ، فإیجاب تصدیق العادل لازم إیجاب صلاة الجمعة بعنوان الکنایة ، فالمبحوث عنه فی علم الأصول هو الإیجاب الکنائی لإثبات ملزومه فی الفقه ، وهو حکم العمل حقیقة.


1) 1. التعلیقة 13 فراجع.

وحیث إن إیجاب التصدیق بلسان أن المؤدی هو الواقع ، فلا محالة الخبر المتکفل لوجوب صلاة الجمعة واقعا یستنبط منه الحکم حقیقة بضمیمة دلیل الحجیة کما مر آنفا.

وهذا المقدار من التوسیط کاف فی وقوع نتیجة البحث فی طریق استنباط الحکم.

وعلیه ینبغی تنزیل ما أفاده شیخنا الأستاد « قدس سره » فی أول (1)الاستصحاب من أن البحث عن الحجیة بحث أصولی حیث لا تعلق لها بحکم العمل بلا واسطة ، فان الغرض منه أنه حکم کنائی للانتقال إلی حکم حقیقی للعمل.

وإلا فلو أرید منه الحکم الحقیقی للعمل بواسطة انطباق عنوان فهو مع أنه یوجب التطبیق المحض دون الاستنباط - إن لم یکن لذات المعنون حکم یبحث عنه فی الفقه ، واجتماع الحکمین إن کان لذات المعنون حکم یبحث عنه فی الفقه - لا یخرج مع ذلک عن کون البحث فقهیا ، إذ لا فرق فی الحکم المبحوث عنه فی الفقه بین أن یترتب علی العمل بلا واسطة کوجوب الصلاة ، أو بواسطة عنوان کعنوان الوفاء بالنذر ونحوه ، وعنوان تصدیق العادل کذلک. هذا بناء علی انطباق عنوان التصدیق علی العمل.

وأما بناء علی کونه متولدا من العمل فهو حکم شرعی لفعل تولیدی ، ولا فرق فی الحکم المبحوث عنه فی الفعل بین أن یتعلق بفعل تولیدی أو غیر تولیدی ، فالغرض منه ما ذکرناه.

وأحسن من هذا التقریب أن الحجیة لیست بمعنی جعل الحکم المماثل ولا بمعنی جعل المنجزیة ، بل بمعنی الوساطة فی الإثبات أو التنجز ، فالحکم


1) 1. کفایة الأصول / 385.

المماثل مصحح الحکم علی المؤدی بأنه الواقع ، فوساطة الخبر لإثبات الواقع عنوانا هو معنی حجیته ، فالمبحوث عنه فی الأصول وساطة الخبر فی الإثبات ، والمبحوث عنه فی الفقه ثبوت الحکم عنوانا أو اعتبارا.

وهذا الوجه یجدی فیما کان حجیته بمعنی جعل الحکم المماثل بلسان وجوب تصدیق العادل أو حرمة نقض الیقین بالشک.

وأما ما کان بمعنی تنجیز الواقع کحجیة الظواهر فلا.

الثانی أن الاستنباط لا یختص بتحصیل العلم الحقیقی بالحکم الشرعی لیحتاج إلی جعل الحکم المماثل ، بل الاستنباط والاجتهاد تحصیل الحجة علی الحکم ، فالبحث عن منجزیة الأمارات یفید فی تحصیل الحجة علی الحکم فی علم الفقه.

وعلیه فعلم الأصول هو العلم بالقواعد الممهدة لتحصیل الحجة علی الحکم ، الشرعی ، بل قد ذکرنا فی أول مبحث الاجتهاد والتقلید شیوع إطلاق العلم علی مجرد الحجة القاطعة للعذر.

وعلیه ، فجمیع مباحث الأمارات سواء کانت حجیتها بمعنی جعل الحکم المماثل أو تنجیز الواقع داخل فی علم الأصول.

وهکذا الاستصحاب سواء کان مفاد دلیل حجّیته جعل الحکم المماثل أو تنجیز الواقع یدخل البحث عنه فی علم الأصول.

نعم ما کان مفاده ابتداء هو الحکم الشرعی کقاعدة الحل وشبهها من دون جعل الملزوم بجعل اللازم ولا إثبات المعذر عن الواقع ، فهو بحث فقهی ولا بأس بالاستطراد فی مثله.

92 - قوله « قده » : بل عن حجیة الخبر الحاکی عنها ... الخ (1)

هذا إذا کانت الحجیة ، بمعنی تنجیز الواقع.


1) 1. کفایة الأصول / 293.

وأما إذا کانت بمعنی التعبد بالواقع وإنشاء الحکم علی طبقه ، فیمکن أن یجعل الموضوع نفس السنة بوجودها الأعم من الحقیقی والحکائی ، فان وجودها فی الحکایة وجودها بالعنایة ، فیرجع البحث إلی أن السنة المحکیّة هل وقع التعبد بها أم لا.

93 - قوله « قده » : فان التعبد بثبوتها مع الشک فیها ... الخ (1).

لم یتعرّض « قدس سره » للثبوت الواقعی کما تعرض له فی أول الکتاب (2)لوضوح عدم إرادة المجیب له.

مضافا إلی وضوح بطلانه لا لما أفاده « قدس سره » فی غیر مقام من رجوعه إلی البحث عن ثبوت الموضوع وهو لا بد من الفراغ عنه فی کل علم ، لما مر (3)فی أول التعلیقة من أن البحث عن ثبوت شیء بشیء غیر البحث عن ثبوت الشیء ، فالبحث فی الحقیقة عن وساطة الخبر ، ووساطته ثبوتا أو إثباتا لا یوجب رجوع البحث إلی ثبوت الموضوع.

أما وساطة الخبر ثبوتا فلوضوح أن البحث عن کون الشیء ذا مبدأ بحث عن عوارضه ، ألا تری أن الموضوع فی فن الحکمة هو الوجود أو الموجود ، والبحث عن کونه ذا مبدأ من أعظم مسائله وأهم مطالبه.

وأما وساطة الخبر إثباتا ، فلأن التصدیق بثبوت السنة بالخبر مرجعه إلی التصدیق بانکشافها به ، کانکشافها بالتواتر وبالقرینة ، وانکشاف الشیء من عوارضه.

بل الوجه فی بطلانه أن وساطة الخبر بما هو خبر ثبوتا وإثباتا محال ، بداهة


1) 1. کفایة الأصول / 293.

2) 2. کفایة الأصول / 8.

3) 3. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 7.

أن الخبر لیس واقعا فی سلسلة علل السنة بل یستحیل وقوعها ، لتأخر رتبة الحکایة عن المحکی ، کما أن الخبر بما هو محتمل للصدق والکذب ، فلا یعقل کونه بما هو سببا لانکشافها واقعا ، فتدبر جیدا.

94 - قوله « قده » : لیس من عوارضها بل من عوارض مشکوکها ... الخ (1).

یمکن أن یقال : إن السنة المشکوکة أو المحکیة ثبوتها بما هی مشکوکة أو محکیة واقعی حقیقی لا تعبدی تنزیلی.

وکذا الحکم المماثل ، فإنه أیضا له ثبوت حقیقی کنفس السنة الواقعیة ، وکونه عین التعبد لا یقتضی کون ثبوته تعبدیا ، إذ التعبد ثبوته حقیقی لا تعبدی تنزیلی ، بل هو مصحح لتنزیل المؤدی منزلة السنة الواقعیة ، وإنما الثابت تعبدا وتنزیلا نفس السنة الحقیقة ، فانها التی تنسب إلیه الثبوت تارة تحقیقا ، وأخری تعبّدا وتنزیلا.

توضیحه أن إیجاب تصدیق العادل حیث إنه بعنوان أن المؤدی هو الواقع کما هو مقتضی عنوان التصدیق ، فلا محالة یکون المؤدی وجودا عنوانیا للواقع ، والواقع موجود عنوانا به.

فاذا کان موضوع المسألة هی السنة صح البحث عن عارضها ، وهو ثبوتها العنوانی بالخبر.

کما أن الموضوع للمسألة إذا کان هو الخبر صح البحث عن عارضه وهو کونه ثبوتا عنوانیا للسنة ، فان الثبوت العنوانی له نسبة إلی الطرفین.

إلا أن ما ذکرنا یصحّح إمکان جعل المسألة باحثة عما ینطبق علی عوارض السنة ، وإلا فالبحث المتداول فی الأصول هو البحث عن عارض الخبر ،


1) 1. کفایة الأصول / 293.

فانه الموضوع للمسألة ، فتدبره فانه حقیق به.

ونظیر الثبوت التعبدی إشکالا وجوابا تنجز السنة بالخبر : أما إشکالا ، فمن حیث إن المنجّزیّة صفة جعلیّة للخبر ، فهی من عوارض الخبر.

وأما جوابا فمن حیث إن المنجّزیّة والمتنجّزیّة متضایفتان ، فکما أن الخبر منجّز کذلک السنة الواقعیّة متنجّزة.

فإذا کان موضوع العلم بحیث ینطبق علی الخبر صح البحث عن کون الخبر منجّزا.

وإذا لم ینطبق إلا علی السنة الواقعیّة لزم البحث عن تنجّز السنة بالخبر. نعم جعل البحث فی ثبوت السنة تعبّدا أولی من تنجزها بالخبر ، لأن الثبوت التعبدی بالإضافة إلی السنة کالوجود إلی الماهیة ، والتنجز بالنسبة إلیها کالعرض بالنسبة إلی الموضوع ، فالثبوت التعبدی أشد مساسا بالسّنة من التنجّز ، بل التنجز أکثر مساسا بالخبر حیث إنه وصف مجعول ابتداء للخبر ، فتدبر.

95 - قوله « قده » : مع أنه لازم لما یبحث عنه فی المسألة ... الخ (1).

هذا لا یجری بناء علی الحجّیة بمعنی کون الخبر بحیث ینجّز الواقع ، إذ لا ثبوت تعبّدی هنا ، وإنما الثابت هی السنة بوجودها الحقیقی عند مصادفة الخبر لها. وإنما یجری بناء علی إنشاء الحکم المماثل کما هو مبنی الدعوی ، وذلک إنما هو بلحاظ لسان الدلیل حیث إن وجوب تصدیق العادل وسماع قوله لیس عین وجوب صلاة الجمعة ، بل لازمه وجوب ما أخبر بوجوبه العادل ، فالحکم المماثل لازم ما هو لسان الدلیل ، وهو المبحوث عنه لا وجوب صلاة الجمعة.

ولذا تکون المسألة أصولیة لا فقهیة حیث لا تعلق للحجّیة بحکم العمل


1) 1. کفایة الأصول / 293.

بلا واسطة ، بل هی وحکم العمل متلازمان ، وإن کان التلازم بنحو الکنایة لا بنحو الجد ، وهذا المقدار من التوسیط کاف فی مقام الاستنباط ، ویخرج به عن تطبیق الحکم الکلی علی مورده.

والتحقیق أن هذا المعنی وإن أمکن الالتزام به فی جعل المسألة أصولیة لا فقهیّة ، لکنه لا یجدی فی دعوی أنه لازم الحجیة ، لما عرفت من أن الحکم المماثل له ثبوت تحقیقی لا تعبدی تنزیلی ، بل ما له ثبوت تعبدی نفس السنة لا لازمه (1).

فی آیة النبأ

96 - قوله « قده » : من وجوه أظهرها ... الخ (2).

منها ما حکاه المحقق الأنصاری « قدس سره » فی (3)رسائله وهو تعلیق الحکم علی أمر عرضی متأخر عن الذاتی.

وتوضیحه بحیث یکون دلیلا للمطلوب هو أن العلة لوجوب التبین إما مجرد الخبریة أو هی مع الفسق بنحو الاشتراک أو کل منهما مستقلا أو مجرد فسق المخبر ، وبعد ظهور الآیة فی دخل الفسق فی وجوب التبین کما هو مفروض الرسائل ینفی الاحتمال الأول ، کما أن الثانی یثبت المطلوب لانتفاء المعلول بانتفاء أحد جزءی العلة.

وأما احتمال قیام خصوصیة العدالة أو خصوصیة أخری فی مقام الفسق فالعلة غیر منحصرة.

فمدفوع : بمنافاته للبرهان إن کان کل منهما بخصوصه علة لوجوب

الکلام فی آیة النبأ


1) 1. والصحیح : لازمها.

2) 2. کفایة الأصول / 296.

3) 3. فرائد الأصول المحشی : 1 / 107.

التبین ، إذ المتباینان لا یؤثران أثرا واحدا. وبمنافاته للظاهر إن کانا مؤثرین بجامع یجمعهما ، إذ الظاهر من الآیة علّیة خبر الفاسق من حیث عنوانه الخاص.

والاحتمال الثالث مناف للظاهر ، لأن بیان الخبریة مغن عن الفسق ، إذ لا یلزم من الاکتفاء علی تعلیل الحکم بالخبریة إخلال بثبوت الحکم فی مورد من الموارد ، فتقیید الخبر بکون الجائی به فاسقا لیس لبیان العلّیة.

لا یقال : إذا کان کل منهما علة فعند اجتماعها (1)یکونان معا علة واحدة ، فالحکم الواحد حیث کان منبعثا عنهما رتّبه علیهما.

لأنا نقول : هذا بالنسبة إلی شخص الحکم ، وأما إذا کان المرتب علیهما کلی الحکم کما هو مقتضی القول بالمفهوم ، فلا محالة یلزم من ترتیبه علیهما الإخلال لعلّیة الخبریة فی غیر هذا المورد ، ففرض علّیة الخبریّة یستلزم عدم التقیید بالفسق ، وإلا لازم اللغویّة.

وحمله علی نکتة أخری مناف لتسلیم ظهور الآیة فی علّیة الفسق ، فلم یبق من المحتملات إلا علّیة الفسق اشتراکا أو استقلالا بنحو الانحصار.

نعم کل ذلک مبنی علی تسلیم ظهور الآیة بمناسبة الحکم والموضوع فی علّیة الفسق للحکم لا للتنبیه علی فسق المخبر وهو الولید فی خصوص المورد.

وأما ما أفاده المحقق المقدم « رحمه الله » من أن التعلیل بالذاتی أولی لحصوله قبل حصول العرضی فانما ینفی العلیة بالاستقلال للخبریة لا الاشتراک مع الفسق فی التأثیر.

مضافا إلی أن قبلیّة الذاتی علی العرضی قبلیّة ذاتیّة طبعیّة ، لا قبلیّة زمانیّة وجودیّة حتی لا ینتهی النوبة فی التأثیر إلی العرضی المتأخر ، فتدبر جیّدا.

ثم إن تقریب الاستدلال علی المشهور بالمفهوم مبنی کما أفاده المحقق


1) 1. کذا فی النسخة المطبوعة ، لکن الصحیح : اجتماعهما.

الأنصاری « قدس سره » علی کون وجوب التبین نفسیا لا علی کونه شرطیا ، إذ لا یتوقف الوجوب الشرطی علی المقدمة الخارجیة القاضیة بأنه لو لا وجوب قبول خبر العادل لکان أسوأ حالا من الفاسق ، وجه عدم التوقف أن وجوب العمل بخبر الفاسق مشروط بالتبیّن ، فینتفی فی غیره.

والوجوب الشرطی عبارة عن لابدیّة المشروط فی تحققه من الشرط ، لا الوجوب المقدمی حتی یقال : إن عدم وجوب التبین مقدمة للعمل کما یمکن أن یکون لعدم المقدمیة ، کذلک یمکن أن یکون لعدم وجوب ذیها وهو العمل بالخبر ، فإنه لا مقدمیة للتبین للعمل حتی یتوهم وجوبه المقدمی.

وکذا الوجوب الشرطی بمعنی وجوب العمل بخبر الفاسق مقیدا بالتبیّن فیجب التبین لأخذه فی الواجب وإن لم یکن بنفسه مقدمة وجودیة للعمل بالخبر ، فإنه بناء علیه یجب التبین مطلقا تحصیلا للعمل الواجب مع أنه لا ریب فی عدم وجوب التبین لو لم یرد ترتیب الأثر علی الخبر.

کما أن ما أفاده الشیخ الأعظم فی رسائله من وجوب التبین عند إرادة العمل لا مطلقا فانه : إن أرید منه وجوب التبین نفسیّا غایة الأمر مشروطا بإرادة العمل علی طبق الخبر ، فهو التزام بالوجوب النفسی المشروط لا بالوجوب الشرطی المقابل للوجوب النفسی.

وإن أرید منه اشتراط وجوبه الغیری بإرادة العمل علی طبق الخبر ، فهو محال ، لأن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذیها إطلاقا واشتراطا ، ولا یعقل اشتراط وجوب العمل علی طبق الخبر بإرادة العمل ، للزوم تعلیق الحکم علی مشیّة المکلف.

بل المراد من الوجوب الشرطی ما ذکرناه من أن حرمة العمل بخبر الفاسق مقیّدة بعدم التبین وجوازه بالتبین ، فأصل الجواز منوط بالتبین ، فلا بد فی جواز العمل من التبین ، لا أن التبین واجب شرعی بنحو من الوجوب الحقیقی

هذه غایة تقریب الوجوب الشرطی للتبین.

والتحقیق أن التبین لیس کالفحص المشروط به العمل بالعام أو إجراء الأصول ، بل معناه طلب العلم بالواقع ، ویکون مدار العمل علیه لا علی خبر الفاسق بعد التبین.

ومن البین أن وجوب طلب العلم بالواقع لا یکون بوجه مرتبا ومعلّقا علی مجیء الفاسق بالخبر حتی ینتفی بانتفائه ، بل المراد والله أعلم لزوم الإعراض عن خبر الفاسق وصرف المکلف إلی تحصیل العلم بالواقع لترتیب آثار الواقع.

فبناء علی ثبوت مفهوم الشرط للآیة یکون المعلق علی مجیء الفاسق هو عدم حجیة الخبر بمعنی عدم جعل الحکم المماثل أو عدم المنجزیة للواقع ببیان لازمه وهو تحصیل العلم ، إذ لا یطلب تحصیل العلم بالواقع ، إلا مع عدم الحجة علی الواقع بعدم ثبوته تنزیلا أو عدم تنجزه بمنجز.

فالمنتفی بانتفاء مجیء الفاسق عن النبأ هو ملزوم التبین أی عدم الحجیة ، وانتفائه عن النبأ الذی جاء به العادل هو حجیة خبر العادل ، لاستحالة ارتفاع النقیضین.

فتبین أن المعلّق حقیقة علی مجیء الفاسق بناء علی المفهوم هو ملزوم وجوب التبین لا نفسه ، فوجوب التبین لم یکن منوطا به شیء ولا منوطا بشیء ، بل المعلّق هو عدم جعل الحکم المماثل أو عدم المنجزیة للواقع ، فهو المنتفی عند انتفاء مجیء الفاسق من دون حاجة إلی ضم مقدمة خارجیة.

97 - قوله « قده » : علی کون الجائی به الفاسق ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن ظاهر الآیة من حیث وقوع مجیء الفاسق بوجوده الرابط فی تلو الشرطیة أن المعلق علیه مجیء الفاسق بنحو وجوده الرابط ،


1) 1. کفایة الأصول / 296.

فینتفی الحکم بانتفائه لا فسق الجائی به بوجوده الرابط کی ینتفی الحکم بانتفاء کونه فاسقا مع حفظ مجیء الخبر ، فان الواقع موقع الفرض والتقدیر هو مجیء الفاسق لا فسق الجائی ، فکیف یکون المجیء مفروغا عنه.

وبالجملة : فرق بین ما لو قیل إن کان الجائی بالخبر فاسقا وما لو قیل إن کان الفاسق جائیا بالخبر ، ومفاد الآیة تحلیلا هو الثانی ، وما یجدی فی المقام هو الأول.

لا یقال : إذا کان النبأ بعنوانه لا بما هو مضاف إلی الفاسق موضوعا للحکم ، فلا فرق فی إفادة المفهوم علی النحو المطلوب بین کون المعلّق علیه مجیء الفاسق أو کون الجائی به فاسقا ، فان النبأ الذی جاء به العادل نبأ لم یجیء به فاسق ، فلا یجب التبیّن عنه من حیث إنه لم یجیء به فاسق.

لأنا نقول : معنی إن جاءکم فاسق بنبإ فی الحقیقة إن نبّأکم فاسق ، لا أن المجیء أمر آخر حتی یکون أحدهما موضوعا والآخر معلقا علیه.

ویمکن أن یقال : بالفرق بین مورد الآیة والموارد التی یکون الشرط فیها محققا للموضوع ، فان الولد لا یکون إلا مرزوقا ولا الدرس إلا مقروءا ولا الرکاب إلا عند الرکوب ، بخلاف النبأ فإنه ربما یکون ولا انتساب له إلی الفاسق ، فلو کانت العبارة إن نبّأکم فاسق لأمکن أیضا القول بدلالتها علی المطلوب ، حیث إن الهیئة وإن کانت مقیّدة من حیث الفاعل بالفاسق ، إلاّ أن مادّة النّبأ مطلقة فلنا التمسک بإطلاق مادّته وجعله موضوعا ، وجعل انتسابه إلی الفاسق معلّقا علیه ، فینتفی وجوب التبیّن بانتفائه.

فان قلت : لا یعقل أن یکون الإضافة والنسبة إلی الفاسق معلقا علیها والنبأ موضوعا للحکم ، لأن المعلق علیه کالمعلق لا بد من أن یکون ملحوظا بلحاظ استقلالی لیعقل تعلیق شیء علی شیء.

وکذا وقوع مدخول الأداة موقع الفرض والتقدیر أو موقع العلّیة أو

العلّیة المنحصرة ، فإن هذه المعانی حیث إنها معان حرفیة فلا بد من أن یکون الملحوظ بالأصالة معنی اسمیا ، ولا یعقل أن تکون النسبة بما هی نسبة ملحوظا استقلالا لتلاحظ العلّیة وأشباهها فیها بالتبع.

قلت : لیس الإشکال بحسب مقام الثبوت لإمکان دخل الإضافة إلی الفاسق فی وجوب التبین عن النبأ ، وإنما الإشکال بحسب مقام الإثبات ، فان کان إیجاب التبین بمثل ما عبّرنا به وهو إن نبّأکم فاسق فتبیّنوا ، فمفاد الهیئة وهی النسبة الحقیقیّة معنی حرفی لا یعقل أن تکون معلقا علیها وموصوفة بالأوصاف المذکورة.

وأما مثل قوله تعالی إن جاءکم فاسق بنبإ فمجیء الفاسق معنی اسمی له قبول التعلیق والعلّیة والوقوع موقع الفرض والتقدیر ، کما أن النبأ الوارد علیه النسبة فی مثل المثال أیضا قابل لذلک ، لکنه یتحد المعلق علیه والموضوع.

نعم التحقیق أن تجرید النبأ عن الإضافة إلی الفاسق لا یخرج المعلق علیه عن کونه محققا للموضوع ، إذ لا حقیقة للنبإ إلا بصدوره من مخبر وکون المعلق علیه ذا بدل لا یخرجه عن کونه محققا للموضوع فان المناط انتفاء الموضوع بانتفاء المعلق علیه.

ومن الواضح انتفاء النبأ بانتفاء مجیء الفاسق والعادل ، بخلاف مثل إن جاءک زید فاکرمه فان زیدا محفوظ ولو مع انتفاء المجیء وانتفاء کل ما یفرض بدلا للمجیء.

وربما یورد علی جعل النبأ بنفسه موضوعا وجعل مجیء الفاسق به معلقا علیه بأن الموضوع : إمّا هو طبیعی النبأ المقسم بین نبأ الفاسق ونبأ العادل أو النبأ الموجود الخارجی :

فان کان الأول کان اللازم علی تقدیر تحقق الشرط وجوب التبین عن نبأ العادل أیضا لفرض کون الموضوع طبیعة النبأ المتحققة فی ضمن نبأ

العادل أیضا.

وإن کان الثانی فیجب أن یکون التعبیر بأداة الشرط باعتبار التردید ، لأن النبأ الخارجی لیس قابلا لأمرین ، فعلی هذا ینبغی أن یعبر بما یدل علی المضی لا الاستقبال.

أقول : أما علی تقدیر جعل الموضوع طبیعی النبأ ، فلیس المراد من الطبیعة المطلقة بنحو الجمع بین القیود بحیث یکون المراد منه الطبیعة المتحققة فی ضمن نبأ العادل والفاسق معا.

بل المراد هو اللابشرط القسمی أی طبیعی النبأ الغیر الملحوظ معه نسبة إلی الفاسق ولا عدمها وإن کان هذا الطبیعی یتحصص من قبل المعلق علیه وجودا وعدما ، فیتحقق هناک حصتان ، إحداهما موضوع وجوب التبین ، والأخری موضوع عدم وجوب التبین.

ولا منافاة بین أن یکون الموضوع الحقیقی لکل حکم حصة مخصوصة ، وأن یکون الموضوع فی الکلام رعایة للتعلیق المفید لحکمین منطوقا ومفهوما نفس الطبیعی الغیر الملحوظ معه ما یوجب تحصّصه بحصّتین وجودا وعدما.

وأما علی تقدیر إرادة النبأ الخارجی ، ففیه : أولا أن شأن الأداة لیس جعل موضوع الحکم قابلا لأمرین ومنقسما إلی قسمین ومتحصّصا بحصّتین ، ضرورة أنه شأن ما کان الموضوع فیه کلیّا ، لا مثل إن جاءک زید فأکرمه.

بل شأن الأداة جعل مدخولها واقعا موقع الفرض والتقدیر ، وهو کما یجتمع مع کلیة الموضوع کذلک مع جزئیة الموضوع ، وإن کان وجود بعض أفراد الموضوع الجزئی ملازما لأحد طرفی المعلق علیه کما فیما نحن فیه ، حیث إن النبأ الموجود بالفعل إما مضاف إلی الفاسق أو إلی العادل.

إلا أن وقوع الشیء موقع الفرض والتقدیر یجتمع مع کون المحقق عدمه فضلا عن موافقة الفرض للواقع ، کما فی حرف لو الشرطیة فان دلالتها علی

امتناع الجزاء بملاحظة أن فرض وجود شیء فی الماضی لکون المحقق عدمه ففرضه فرض أمر محال ، وما یترتب علیه أیضا محال.

وثانیا لا وجه لاختصاص التردید بالماضی إلا توهم أن الموجود بالفعل فی الخارج حیث إنه جزئی متشخص ، فلذا لا یکون قابلا لأمرین بل واقع لا محالة علی أحد الوجهین ، بخلاف ما لم یوجد بعد ، فانه غیر متشخص وغیر واقع علی وجه حتی لا یکون هناک مجال إلا للتردید.

ویندفع بأن المفروض فی المستقبل إذا کان واحدا شخصیا لا نوعیا فهو أیضا بحسب الفرض جزئی لا یقع إلا علی وجه واحد ، فهو غیر قابل لأمرین ، بل أمره مردد بین أمرین بلحاظ جهل الشخص بحاله ، فالجزئیة المانعة عن قبول الأمرین لا تختص بما وقع ، بل تعم ما سیقع أیضا ، فتدبر جیدا.

98 - قوله « قده » : إلا أنها ظاهرة فی انحصار موضوع ... الخ (1).

توضیحه : أن أداة الشرط ظاهرة فی انحصار ما یقع تلوا لها فیما له من الشأن بالإضافة إلی سنخ الحکم المنشئ ، لأن انتفاء شخص الحکم بانتفاء شخص موضوعه أو شخص علّته لا یحتاج إلی دلالة علی الحصر ، فالحصر بالإضافة إلی سنخ الحکم :

فان کان الواقع عقیبها معلقا علیه حقیقة الحکم کانت السببیة منحصرة ، ومقتضی انحصار العلة انتفاء المعلول بانتفائها.

وإن کان محققا للموضوع کان الموضوع الحقیقی منحصرا فیما وقع عقیب الأداة ، ومقتضی انحصار موضوع سنخ الحکم فی شیء انتفاؤه بانتفائه وإن کان هناک موضوع آخر.

بل یمکن تقویته بدعوی أن أداة الشرط شأنها التعلیق دائما غایة الأمر


1) 1. کفایة الأصول / 296.

أن المعلق علیه : ربما لا یعقل له بدل یمکن أن ینوب عنه سواء کان علة کما فی مثل إن سأل زید فاجبه أو محققا للموضوع کما فی مثل إن رزقت ولدا فاختنه وأشباهه ، فالانتفاء عند الانتفاء عقلی.

وربما یعقل له بدل ، لکنه یؤخذ فی القضیة علی نحو المحقق للموضوع بالعدول عن جعل الفسق معلقا علیه کما فی التقریب الأول من المتن إلی جعل المجیء معلقا علیه مع کونه ذا بدل ، فیکون النکتة فیه إظهار حصر الموضوع فی ما أخذ الشرط فیه محققا له بدعوی انه کالمحقق الذی ینتفی الحکم بانتفائه من سائر القضایا الشرطیة التی یدعی دلالتها علی المفهوم.

99 - قوله « قده » : لأن التعلیل بإصابة القوم بالجهالة ... الخ (1).

حیث إن إصابة القوم بجهالة علّة وهی متقدّمة علی معلولها وهو وجوب التبین وعدم جواز العمل بخبر الفاسق ، فالعمل بخبر الفاسق من حیث نفسه جهالة لا بما هو غیر حجة ، بل حیث إنه جهالة لم یکن حجة ، فالعلة مشترکة بین خبر الفاسق وخبر العادل لعدم العلم فی کلیهما.

ویمکن أن یقال : إن ظاهر التعلیل هنا وفی غیر مورد من الموارد عدم کونه تعبدیّا بل یذکر العلة غالبا لتقریب الحکم إلی أفهام عموم الناس.

ومن الواضح أن العمل بخبر من یوثق به لیس عند العقلاء من شأن أرباب الجهل ، کما أن العمل بخبر من لا یبالی بالکذب من زی أرباب الجهل ، وبعید عن طریقة أرباب المعرفة والبصیرة.

وإنما اغتر أصحاب النبی صلّی الله علیه وآله بظهور إسلام الولید المقتضی للتجنب عن الکذب غفلة منهم عن عداوته لبنی المصطلق الداعیة إلی الافتراء علیهم بارتدادهم فنبههم الله تعالی علی فسقه المقتضی لعدم المبالاة


1) 1. کفایة الأصول / 297.

بالکذب ، فیقتضی التبین عن خبره ، لأن الاعتماد علی خبر من لا یبالی بالکذب من شأن أرباب الجهل.

لا یقال : ظاهر التعلیل بإصابة القوم کون الحکم لخصوص الواقعة ، لعدم سریان هذه العلة فی جمیع موارد العمل بخبر الفاسق.

لأنا نقول : لو کان الحکم لخصوص الواقعة لکان اللازم تکذیب الولید لعلمه تعالی بکذبه مع قیامه مقام إظهار فسقه ، لا إیجاب التبین والتعلیل بخوف إصابة القوم ، فیعلم منه أن الغرض إعطاء الکلیة ، لأن الکاذب قد یصدق ، وحیث کان المقصود تطبیق الکلیة علی المورد أیضا فلذا طبق کلی المفسدة علی خصوص مفسدة المورد وهی إصابة القوم بجهالة والله أعلم.

ومرجع هذا الجواب إلی أن المراد هی الجهالة العملیة دون الحقیقیّة النفسانیة کما فی قوله تعالی : ( أَعِظُکَ أَنْ تَکُونَ مِنَ الْجاهِلِینَ ) (1)، وقوله تعالی : ( یَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ) (2)إلی غیر ذلک.

إلا أن کون العمل بخبر العادل من زی أرباب البصیرة والعمل بخبر الفاسق من زی أرباب الجهالة لیس بمجرد کون الفاسق لا یبالی بالکذب دون العادل ، فان الاعتماد علی ما لیس بحجة لیس من زی أرباب البصیرة ، وإنما یکون العمل بخبر العادل مع قطع النظر عن هذه الآیة من شأن أرباب البصیرة لبناء العقلاء علی العمل بخبر من یوثق به ، فالآیة حینئذ مبنیّة علی حجّیة خبر العادل وکاشفة عنها لا أنها مبیّنة للحجّیة وجاعلة لها کما هو المقصود هنا.

وربما یجاب (3)بأن العلة لیس مطلق الجهالة بل جهالة خاصة توجب


1) 1. هود : 46.

2) 2. النساء : 17.

3) 3. کما عن المحقق العراقی قده. نهایة الأفکار : 3 / 115.

الندامة وهی مخصوصة بخبر الفاسق ، وأما العمل بخبر العادل فعلی فرض المخالفة للواقع یوجب المعذوریة لا الندامة.

وجوابه ما مر آنفا من أنه مع قطع النظر عن الحجیة کلاهما یوجب الندم ، فالآیة مبنیة علی الحجیة الموجبة للمعذوریة ، لا متکفلة لها.

وأما الجواب (1)عن التعلیل بحکومة المفهوم الموجب لحجیة خبر العادل وأنه محرز للواقع اعتبارا ، فالجهالة وإن کانت بمعنی عدم العلم إلا أنها منزلة منزلة العدم بمقتضی المفهوم.

فمندفع بأن حکومة سائر الأدلة علی هذا التعلیل المشترک وجیهة ، وأما حکومة المفهوم المعلل منطوقه بنحو یمنع عن اقتضاء المفهوم المثبت لحجیة خبر العادل حتی یرتفع به الجهالة تنزیلا ، فهو دور واضح ، فتدبّر جیّدا.

فی إشکال الخبر مع الواسطة

100 - قوله « قده » : فإنه کیف یمکن الحکم بوجوب التصدیق ... الخ (2).

وببیان آخر لا ریب فی أن حجیة الخبر إما بمعنی إنشاء الحکم المماثل علی طبقه أو بمعنی جعله بحیث ینجز الواقع.

فان کان الأول فمن البیّن أن إیجاب ما أخبر بوجوبه العادل وتحریم ما أخبر بتحریمه لا یکاد یعم بلفظه ما إذا أخبر عن موضوع محکوم بهذا الحکم الإیجابی أو التحریمی المماثل ، وإلا لزم کون الحکم موضوعا لنفسه ، حیث إن

فی إشکال الخبر مع الواسطة


1) 1. کما عن المحقق النائینی قده. فوائد الأصول : 3 / 172.

2) 2. کفایة الأصول / 297.

الحکم متأخر طبعا عن موضوعه ، فلا ثبوت له فی مرتبة موضوعه بما هو موضوعه ، ومعنی شمول الإخبار عن الوجوب والتحریم للإخبار عن الوجوب والتحریم التنزیلیّین الثابتین بنفس آیة النبأ وشبهها شمول الموضوع لحکمه وثبوت الحکم فی مرتبة موضوعه.

وإن کان الثانی : فان اقتصرنا فی التنجیز علی کون الخبر موجبا لاستحقاق العقوبة علی المخالفة عند المصادفة ، فلا مجال للتعدّی عن الخبر المتکفل لحکم شرعی نفسی بنفسه ، وهو خلاف المطلوب.

وإن عممنا التنجیز ولو بلحاظ انتهائه إلی ذلک ومجرد إیقاع المکلف فی کلفة التکلیف طریقیّا کان أو حقیقیّا ، فلا محالة یرد المحذور المزبور علی الوجه المسطور ، فان جعل الخبر منجزا لا یکاد یعم تنجیز نفسه.

مع أن قیام الخبر علی الخبر لا أثر له إلا تنجیز الخبر ، فتدبر.

ومما ذکرنا تبین أن ملاک الإشکال اتحاد الحکم مع موضوعه فی مرتبة موضوعیته له ، لا عدم فردیة الحکم (1)لطبیعة الأثر حال تعلقه بها ، فکیف یعمّ نفسه فانه یندفع بجعل القضیة حقیقیّة ، لشمول القضیة الحقیقیّة لأفرادها المحقّقة والمقدرة ، فالحکم بنفسه من الأفراد المقدّرة الوجود المحققة بعد تعلقه بموضوعه.

کما أنه لیس ملاک الإشکال لحاظ الحکم فی موضوعه بشخصه تفصیلا ،


1) 1. کما عن المحقق النائینی قده حیث إن صریح کلامه فی الوجه الرابع ان وجوب التصدیق فی الوسائط وإن کان نفسه من الآثار الشرعیة إلا أنه لیس أثرا یکون وجوب التصدیق بلحاظه فلا یکون فردا من طبیعة الأثر الذی بلحاظ یجب تصدیق المخبر بل هو أثر یترتب علی الخبر مع الواسطة بنفس دلیل الاعتبار وهو صدق العادل لأول السلسلة فیلزم أن یکون الدلیل مثبتا لنفسه وموجدا لفرد آخر مثله. فوائد الأصول 3 :1. 180.

حتی یتوهم أن مفاد دلیل الحجیة إذا کان عاما أصولیا لا مانع من شموله لحکمه ، لعدم لحاظه تفصیلا فی موضوعه بل إجمالا فی ضمن العموم ، فیصح أن یقال : رتب کل أثر أو کل ما هو فرد لعنوان الأثر ، فیعم نفس الحکم المتعلق بالعام قیاسا بالقضیة الطبیعیة التی یجاب بها الإشکال بتخیل أن الحکم فیها حیث إنه ملحوظ بالإجمال یندفع به الإشکال (1).

وسیجیء إن شاء الله تعالی فساد هذا التخیل وأن الجواب بالقضیة الطبیعیّة غیر منوط بالفرق بین اللحاظ الإجمالی والتفصیلی ، لضرورة أن اتحاد الحکم مع موضوعه فی مرتبة موضوعیته إذا کان مستحیلا لم یکن فرق فیه بین أن یکون هذا المحال ملحوظا بنحو التفصیل أو الاجمال.

وربما یتوهم أن الاشکال مبنیّ علی تعلق الحکم بالموضوعات الخارجیة والهویات العینیّة ، فانه یقتضی سرایة الحکم إلی موضوعه المتقوم بشخص الحکم ، فیلزم سرایة الحکم إلی نفسه.

وأما إذا قلنا بأن الحکم لا یتعلق بالخارجیات بل یتعلق بالطبائع والعناوین ، فموضوع الحکم حینئذ لیس متقوما بحقیقة الحکم بل بعنوانه ، فلا یلزم سرایة الحکم إلی نفسه ، بل بین الحکم ومقوّم موضوعه التفاوت بالحقیقة والعنوان ، وکفی به مغایرة بین الحکم وموضوعه ، فلا یلزم عروض الشیء لنفسه ، ولا اتحاده بنفسه وسرایته إلی نفسه.

ویندفع هذا التوهم : أولا بأن المبنی وإن کان صحیحا عندنا للبراهین


1) 1. لم نجد القائل بأن ملاک الإشکال لحاظ الحکم فی موضوعه بشخصه تفصیلا والمجیب بأن مفاد دلیل الحجیة هو العموم الأصولی فیمکن شموله لحکمه مع أنا لم نأل جهدا فی الرجوع إلی کلمات الأصولیین فیما یحضرنا من الکتب واعادة النظر والتأمل والدقة فیها مرة بعد أخری فلم نحصل علی شیء.

القاطعة المذکورة فی مسألة (1)اجتماع الأمر والنهی ، إلا أن جمیع تلک البراهین غیر جار هنا ، لأنها :

إما کون الفعل الخارجی مسقطا للحکم فلا یعقل أن یکون معروضا له.

وإما کونه معلولا للحکم والمعلول متأخر طبعا عن علته فلا یعقل أن یکون معروضا له فإن المعروض متقدم طبعا علی عارضه.

وإما کون البعث موجودا مع أن الفعل معدوم والموجود لا یتعلق بالمعدوم ولا یتقوم به.

وإما کون الحکم : إما بمعنی الإرادة وهی کیفیّة نفسانیّة وهی الشوق الأکید والشوق المطلق لا یوجد بل یوجد متعلقا بشیء ومتعلّقه المشخّص له لا یعقل أن یکون أمرا خارجا عن أفق النفس بل أمر واقع فی أفق النفس فکیف یمکن أن تکون الحرکات العضلانیّة مقوّمة لصفة الشوق النفسانی.

وإما بمعنی البعث الاعتباری الانتزاعی عن الإنشاء بداعی جعل الداعی.

ومن الواضح أن البعث المطلق لا یوجد بنحو وجوده الاعتباری العقلائی بل یوجد متعلقا بمتعلقه ویستحیل أن یکون الأمر الخارجی المتأصل المغایر لأفق الاعتبار مقوّما ومشخّصا لأمر اعتباری.

فالمناسب للأمر الاعتباری لیس إلا الطبیعة والعنوان لا الشخص الخارجی والمعنون.

وهذه البراهین برمّتها أجنبیة عما نحن فیه ، لأن الطبیعة التی تعلق بها الوجوب الحقیقی الذی یصح (2)انتزاع عنوان الواجب منها إنما هی قبل


1) 1. نهایة الدرایة 2 : التعلیقة 62.

2) 2. هکذا فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف قد ، لکن الصحیح : یصحح.

وجودها الحقیقی خارجا ، فهذه الطبیعة الواجبة مع فرض کونها واجبة إذا تعلق بها شخص الوجوب المأخوذ فیها الملحوظ معها لا یلزم منها (1)شیء من المحاذیر المتقدمة ، لأنها لا تسقط الحکم فی مرتبة طبیعیّتها ، ولا هی معلولة له فی هذه المرتبة ، ولا معدومة فی هذه المرتبة ، ولا منافیة لأفق النفس ، ولا لأفق الاعتبار ، لعدم خارجیتها.

بل إنما لا یعقل أخذ شخص هذا الوجوب فی متعلق نفسه للزوم عروض الشیء لنفسه ، فلا موجب لأخذ العنوان مقوما للموضوع إلا نفس هذا المحذور ، لا محذور تعلق الحکم بالخارجیات حتی یتوهم أن الموضوع لا محالة هو العنوان ، فلا یبقی مجال للاشکال.

فان قلت : لا ینحصر المانع عن تعلق الحکم بالموضوع الخارجی فی ما ذکر ، بل الحکم حیث إنه بالإضافة إلی موضوعه من قبیل عوارض الماهیة لا من قبیل عوارض الوجود ، فلا بد من أن یکون فعلیّة موضوعه بفعلیّة نفسه لا بفعلیة أخری ، لأن کل فعلیة تأبی عن فعلیة أخری ، فیجب انسلاخ الموضوع عن الفعلیة فی نفسه وفی قیده ، فلا یعقل أخذ حقیقة الوجوب فی طرف الموضوع مطلقا.

قلت : هذا أیضا غیر جار هنا ، لأن الفعلیة المتصورة فی طرف الموضوع هنا من طرف شخص الحکم المتعلق به ، فلیس الاشکال هنا اتحاد فعلیة مع فعلیة أخری بل عروض فعلیة واحدة لنفسها ، فتدبره فانه حقیق به.

هذا کله فی بیان عدم المانع من تعلق الحکم الشخصی بما أخذ فیه نفسه إلا من حیث الاشکال المبحوث عنه هنا.

وثانیا أن المقتضی لتعلق الحکم هنا بالمعنون موجود ، وذلک لأن وجوب


1) 1. بصورة التأنیث فی النسختین ، والصحیح : منه.

تصدیق العادل إما بعنوان جعل الحکم المماثل أو بعنوان تنجیز الواقع بالخبر ومقتضی کلیهما أن یکون الدلیل ناظرا إلی حقیقة الأثر لا إلی عنوانه :

إما إذا کان من باب جعل الحکم المماثل ، فلأن المماثلة إما أن یلاحظ بین الحکم المماثل الظاهری والحکم الواقعی ، أو بین الحکم الظاهری ومؤدّی الخبر :

والحکم الواقعی ، أو بین الحکم الظاهری ومؤدّی الخبر :

فإن کان الأول کما هو التحقیق لأن جعل الحکم المماثل بعنوان إیصال الواقع بعنوان آخر ، فلا محالة یجب لحاظ المماثلة بین الحکم المماثل الواصل بالحقیقة والحکم الواقعی الواصل بالعرض ، والمفروض هنا وحدة الحکم ، ومع فرض الوحدة لا یعقل المماثلة لشیء مع شیء آخر.

وإن کان الثانی فمؤدی الخبر وهو عنوان الحکم المأخوذ فی طرف الموضوع وإن کان غیر حقیقة الحکم ، فالاثنینیّة المصحّحة لاعتبار المماثلة حاصلة ، إلا أن جعل الحکم المماثل حیث إنه بعنوان تنزیل المؤدی منزلة الواقع ، ومصححه جعل الحکم علی طبق المؤدی بعنوان أنه الواقع ، فیحتاج إلی منزّل ومنزّل علیه ومصحح التنزیل.

وحیث إن المنزل هنا عنوان شخص الحکم والمنزل علیه حقیقة شخص الحکم وهو بعینه مصحح التنزیل ، فلا یعقل التنزیل ، لأن المنزل علیه محقق لا یحتاج إلی التنزیل ، کما أن الحکم الواقعی لو کان فعلیا واصلا لا معنی لتنزیل شیء منزلته.

وأما إذا کان من باب جعل المنجّز للواقع ، فالأمر أوضح لأن المتنجّز بالخبر حقیقة الأثر لا عنوانه فیتحد المنجّز والمتنجّز وهو محال لرجوعه إلی علّیة الشیء لنفسه.

101 - قوله « قده » : نعم لو أنشأ هذا الحکم ثانیا فلا بأس ... الخ (1).

لکن لیعلم أنّ جعلا آخر لا یعقل أن یتکفل إلاّ لمرتبة من الخبر وهو الخبر عن الخبر المتکفل للحکم الواقعی دون المراتب الأخر ، للزوم المحذور المزبور فی شمول الجعل الآخر لجمیع مراتب الخبر حتی المتکفل ، لموضوع محکوم بهذا الجعل.

وعلیه فلا یکاد ینضبط الجعل المصحح لجمیع مراتب الخبر تحت ضابط ، ولعله أشار « قدس سره » إلیه بقوله فتدبر.

فی دفع الإشکال عن الخبر مع الواسطة

102 - قوله « قده » : إذا لم تکن القضیّة طبیعیّة والحکم فیها ... الخ (2).

فی جعل القضیّة هنا طبیعیّة مسامحة بحسب العبارة لوضوح أن الموضوع فی القضیّة الطبیعیّة نفس الطبیعة الکلّیة من حیث هی کلیة ، وهی وإن کانت فی قبال الشخصیة فیناسب عدم لحاظ الشخص هنا ، إلا أن الآثار الشرعیة غیر مترتبة علی الطبیعة بما هی کلیة لا موطن لها إلا الذهن.

بل مراده « قدس سره » ما أوضحه بعد ذلک وهو مجرد کون الموضوع نفس الطبیعة والقضیّة حینئذ إذا کانت مسورة بأدوات العموم محصورة کلیة علی مذاق التحقیق.

والفرق بین الطبیعیّة والمحصورة بعد اشتراکهما فی کون الموضوع نفس

فی دفع الاشکال عن الخبر مع الواسطة


1) 1. کفایة الأصول / 297.

2) 2. کفایة الأصول / 297.

الطبیعة أن الطبیعة فی الطبیعیّة ما فیها ینظر والمرئی بالذات ، وفی المحصورة ما بها ینظر وفی حکم المرآة ، ولذا لا تسری فی الأولی إلی الأفراد بخلاف الثانیة.

وحیث إن المحصورة مختلف فیها من حیث کون الحکم فیها علی الأفراد أو علی الطبیعة الساریة إلی الأفراد فلذا تعارف الحکم علی أمثال ما نحن فیه بأنها علی نحو القضیّة الطبیعیّة.

والمراد بکون الطبیعة آلة ملاحظة الأفراد لیس کون لحاظها واسطة فی ثبوت لحاظ الأفراد ، فان الأفراد حیث إنها غیر متناهیة ، فهی غیر قابلة للحاظ لا بلا واسطة ولا مع الواسطة ، بل المراد لحاظ الأفراد بلحاظ جامعها المنطبق علیها قهرا.

لکن حیث إن الحکم غیر مترتب علی الجامع بما هو جامع ذهنی بل بما هو منطبق علی الأفراد ، فاذا لوحظ فانیا فی معنونه المتحد مع الأفراد بنحو الوحدة فی الکثرة کان الحکم مترتبا علی المعنون بواسطة العنوان.

هذا فی مثل القضایا الحقیقیّة الشاملة للأفراد المحقّقة والمقدّرة فانها غیر متناهیة ، فیجب الحکم علی الطبیعة الساریة.

وأما فی مثل القضیة الخارجیة المخصوصة بالأفراد المحقّقة کقولنا قتل کل من فی العسکر فالأفراد لا محالة متناهیة ، فلا بأس بالحکم علی الأفراد ، فالمحصورة لا یتعین فیها الحکم علی الطبیعة دائما بل فی قضایا العلوم.

والعام الأصولی : إذا أطلق فی قبال العام المنطقی فهو یعم المحصورة بأقسامها.

وإذا أطلق فی قبال القضیّة الطبیعیّة المذکورة فی الأصول ، فیختص بالمحصورة التی کان الحکم فیها علی الأفراد کما فی القضایا الخارجیّة. وأداة العموم علی أی حال للتوسعة : فتارة للدلالة علی ملاحظة الطبیعة وسیعة بحیث لا یشذ عنها فرد.

وأخری للدلالة علی جمیع الکثرات والممیّزات للطبیعة کما سیجیء إن شاء الله تعالی بیانه ، فافهم ولا تخلط.

وأما وجه اندفاع الاشکال بجعل القضیة طبیعیّة فهو أن المفروض لحاظ نفس الطبیعة لا بمشخصاتها ومفرّداتها ، فأشخاص الآثار غیر مجعولة موضوعا للحکم لا تفصیلا ولا إجمالا ، فلا یلزم فی هذه المرحلة تعلق شخص الحکم بما هو هو متقوّم بشخصه لیلزم عروض الشیء لنفسه.

وصیرورة شخص الحکم المرتّب علی الطبیعة فردا لها بعد تعلقه بها أمر وجدانی ، بداهة أن شخص هذا الأثر فرد من أفراد طبیعة الأثر.

ومن الواضح أنه لا تعلق للحکم بشخصه بعد صیرورته فردا لذات موضوعه ، إذ لا تعلق للحکم إلاّ فی مرتبة ترتیبه جعلا علی موضوعه ، ولا تأخر للحکم عن موضوعه طبعا ، ولا تقدم لموضوعه علیه طبعا ، إلاّ فی مرتبة کونه حکما وذاک موضوعا.

والحکم بترتیبه علی ما صار فردا من طبیعة الأثر من العقل ، فانه بعد تعلق الحکم بالطبیعة والمفروض أنه بلا اشکال فرد للطبیعة ، فلا محالة یحکم العقل بترتیب الحکم علی کل ما هو فرد للطبیعة.

ومما ذکرنا تبین الفرق بین القضیة الطبیعیّة والعام الأصولی المقابل لها ، فانه لیس الوجه فیه ما توهم من عدم کون الحکم فی الطبیعیّة ملحوظا تفصیلا ، وأنه ملحوظ إجمالا لیقال : بأن العام الأصولی کذلک.

بل الوجه عدم لحاظ أشخاص الآثار مطلقا لا إجمالا ولا تفصیلا فی القضیة الطبیعیة.

بخلاف العام الأصولی ، فان أشخاص الآثار ملحوظة بنحو الجمع والإجمال ، بداهة أن الحکم علی العام الملحوظ بنحو الکل الأفرادی مترتب علی کل واحد من الکثرات المجموعة فی اللحاظ ، فان الحکم وإن کان بحسب

الإنشاء واحدا ، لکن الموضوع حیث إنه لبّا متعدد ، فلا محالة یکون الحکم لبّا متعددا ، بتقریب أن البعث الانشائی المضاف إلی کل واحد واحد من الکثرات المجموعة فی اللحاظ مصداق للبعث الحقیقی فهو بعث حقیقی بالإضافة إلی کل واحد من أفراد العام.

وقد بینا فی محله کیفیّة إفادة المتکثر بالذات بمثل کل عالم الذی هو مفهوم وحدانی الموجب لتوهم وحدة الموضوع وحکمه حقیقة ، وهو أن العالم له مفهوم واحد ، ومطابقه من حیث إنه مطابقه واحد ، وأداة العموم مثل لفظة کل لا یوجب تغییر مفهوم العالم عما هو علیه من الوحدة ولا جعله فانیا فی مطابقه وفی غیر ما هو مطابقه من المفرّدات والممیّزات ، بل شأن أداة العموم التوسعة فی ذات المطابق.

فالمتکلم یفید المطابق بما هو مطابق للمفهوم بجعل العالم بمفهومه فانیا فیه ، ویفید تعدده وتکثره الحاصل له بسبب الممیزات والخصوصیات بأداة العموم ، فتدبره فانه حقیق به.

ولا یخفی أن دفع الاشکال بجعل القضیة طبیعیّة وأن الحکم وصف لازم للموضوع وإن کان مما أفاده شیخنا العلامة الأنصاری (1)« قدس سره » والأستاد العلامة « قدس سره » هنا ، بل اشتهر الجواب به فی أمثال المقام.

لکنه لا یخلو عن شوب الإشکال والإبهام : بیانه أن حکم العقل بترتیب شخص هذا الحکم علی موضوعه من حیث کونه فردا لطبیعة الأثر المحکوم بترتیبه علی الخبر لا یکون إلا باقتضاء من نفس هذا الحکم المرتب علی طبیعة الأثر ، لا من حیث عدم الفرق فی نظر العقل بین هذا الأثر وسائر الآثار أو هذا الخبر وسائر الأخبار ، فانه راجع إلی تنقیح المناط ، وهو جواب آخر فی هذا


1) 1. فرائد الأصول المحشی : 1 / 113.

الباب.

واقتضاء هذا الحکم المرتب علی الطبیعة لترتیب نفسه الذی هو فرد من الطبیعة غیر معقول ، للزوم الخلف من عدم لحاظ الأشخاص لا تفصیلا ولا إجمالا.

بل لا محالة بتحلیل من العقل للحکم وموضوعه ، إذ الحکم المرتب علی الطبیعة لا بد من أن یکون موافقا لها سعة وضیقا ، فالحکم المرتب علی الوجود السعی من الطبیعة وجود سعی من الحکم.

فکما یعقل إیجاد شخص البعث الحقیقی بالإنشاء بداعی جعل الداعی بأن یلاحظ إیجاد شخص من الداعی بإیجاد منشأ انتزاعه ، کذلک یعقل إیجاد سنخ البعث المسانخ لسنخ الموضوع بالإنشاء بداعی جعل الداعی سنخا ونوعا لیتوافق الحکم مع موضوعه ، فعند التحلیل یکون کل فرد من سنخ الحکم بإزاء فرد من سنخ الموضوع.

فإذا فرض أن من أفراد طبیعة الموضوع هذا الحکم ، فیستحیل أن ینحل هذا الحکم إلی فرد یکون من أفراد الموضوع تحلیلا ، لأن هذا الفرد التحلیلی من الحکم بعینه الفرد التحلیلی من الموضوع ، فانه وإن لم یلزم بحسب الفرض اتحاد الحکم مع موضوعه ولا عروض الشیء لنفسه ، لکنه یلزم منه بحسب التحلیل اقتضاء الشیء لنفسه ، وعلیة الشیء لنفسه ، حیث إن الحکم البعثی علة لایجاد موضوعه فی الخارج ، ویستحیل أن یکون الأمر بترتیب الأثر أمرا بترتیب نفسه.

والتحقیق أن الأمر بتصدیق نفس الأمر به من حیث إنه أمر بما له تعلق بنفسه لا محذور فیه : لا من حیث الدور ، لما مر مرارا من اتحاد الحکم وموضوعه فی الوجود ، ولا تعدد فی الوجود لیلزم الدور.

ولا من حیث الخلف لما مر أیضا من أن الحکم إذا لوحظ فی الموضوع بوجوده العنوانی لم یکن المتقدّم عین المتأخر ، لأن المتأخّر هو الحکم بنحو وجوده

الحقیقی دون المتقدّم.

ولا من حیث علّیة الشیء لعلیّة نفسه کما فی باب قصد القربة ، فان أخذ الاتیان بداع الأمر فی موضوع الأمر وإن لم یلزم منه دور ولا خلف لکون الأمر بوجوده العلمی داعیا وبوجوده الحقیقی مرتبا علی موضوعه.

لکن الأمر إنما هو لجعل الداعی إلی متعلقه ، فاذا أخذ جعله داعیا فی متعلقه کان الأمر به جعلا للداعی إلی جعل نفسه داعیا ، وهو معنی علیة الشیء لعلیة نفسه أی بحسب مقام الدعوة.

وهذا المحذور أیضا غیر وارد هنا ، إذ الأمر تعلق بتصدیق نفسه لا بجعل الأمر بالتصدیق داعیا إلی الأمر بتصدیق نفسه بل داعیا إلی تصدیق نفسه ، نظیر ما إذا قال : المولی لعبده أخبر الناس عن أمری هذا بالإخبار ، فإن الأمر متعلق بالإخبار عن نفسه ولیس فیه شیء من المحاذیر.

نعم الأمر بتصدیق نفس هذا الأمر لا یعقل لوجه آخر ، وهو أن التصدیق الجنانی وهو اعتقاد صدقه وتحققه حاصل بنفس وصوله المفروض ، فالبعث نحو تصدیقه طلب الحاصل.

وأما التصدیق العملی وهو اظهار صدق العادل بعمله ، فلا یعقل إلا بالإضافة إلی أمر آخر حتی یکون هناک عمل بالأمر الآخر بعنوان اظهار صدق المخبر عنه.

وأما نفس الأمر بالتصدیق العملی ، فلا تصدیق عملی له.

لا یقال : مع تعدد التنزیل فی الخبر مع الواسطة کیف یعقل الأمر بالتصدیق متعددا.

لأنا نقول : حیث إن الأمر بالتصدیق أمر لبّا بصلاة الجمعة فیکون حکم الخبر بلا واسطة ایجاب صلاة الجمعة تنزیلا ، فیتحقق له تصدیق عملی فی الخبر مع الواسطة ، وهو أیضا بالإضافة إلی ما بعده إیجاب تنزیلی لصلاة الجمعة ، وهکذا

إلی آخر السلسلة.

وحیث إنه هنا لا أمر آخر ، فلا معنی للتصدیق العملی ولا للإیجاب التنزیلی ، إذ لا یعقل أن یکون مصحح التنزیل نفس المنزل علیه ، حیث إن وجود الأمر بالتصدیق تحقیقی لا أنه محتمل لیقبل التعبدیة ، والتنزیل هنا بحسب الحقیقة.

وأما بحسب العنایة ، فحیث إن الأمر بالتصدیق إیجاب للفعل بهذا العنوان فیکون وصوله وصول الواقع ، وفعلیّته فعلیّة الواقع ، وباعثیّته باعثیّة الواقع ، فإذا فرض وحدة المنزل علیه والمصحح للتنزیل کان وصوله وصولا بالعرض لنفسه وباعثیّته باعثیّة بالعرض لنفسه ، فیرجع الأمر إلی کون الأمر بالتصدیق بالعنایة باعثا لباعثیّة نفسه وداعیا لدعوة نفسه فیکون بالعنایة علّة لعلیّة نفسه.

هذا کله فی بیان الجواب بالقضیة الطبیعیة والإشکال علیه.

فی دفع الإشکال بوجه آخر

وعن بعض أجلّة العصر (1)دفع الإشکال بما محصله أنه بین الخبر من حیث إنه مفید للظن نوعا والمخبر به ملازمة نوعیة واقعیة ، والطریق إلی أحد المتلازمین طریق إلی الآخر ، فالخبر مع الواسطة کما أنه طریق إلی الخبر بلا واسطة کذلک طریق إلی لازمه وهو الأثر الشرعی أو الموضوع المرتب علیه الأثر.

فیکون حال الخبر مع الواسطة من حیث الکشف عن الحکم الشرعی

دفع الإشکال بوجه آخر


1) 1. وهو المحقق الحائری الیزدی قده. درر الفوائد / 388.

الذی هو لازم واقعی نوعی للخبر بلا واسطة ، کالخبر بلا واسطة من حیث الکشف المزبور.

والشارع جعل هذه الملازمة النوعیة بمنزلة الملازمة القطعیة ، لا أنه جعل أصل الملازمة لیکون دلیل التعبّد مثبتا لهذه الملازمة بل حال هذا الملازمة النوعیة حال الملازمة العقلیة والعادیة من حیث عدم النظر لدلیل التعبد إلیها وإنما شأن دلیل التعبّد تنزیل هذه الملازمة النوعیة منزلة القطعیة وجعل الطریق الظنی إلی الأثر الشرعی بمنزلة الطریق القطعی. هذا ملخص ما أفاده بتوضیح منی.

والجواب أن التلازم بین شیئین لا یکون إلا بعلیّة ومعلولیّة أو المعلولیّة لثالث.

ومن البدیهی أن الخبر لیس من مبادئ وجود المخبر به ، ولا المخبر به من مبادئ وجود الخبر ، ولا هما معلولان لعلّة واحدة ، بل لکل منهما علّة مباینة لعلة الآخر ، فلا ملازمة واقعیة بین الخبر والمخبر به.

وقد اعترف أیضا فی أثناء کلامه بعدم الملازمة العقلیّة والعادیّة بینهما ، وإنما ادعی الملازمة النوعیة الواقعیة بینهما.

ولیست هذه الملازمة إلا باعتبار إفادة الخبر للظن نوعا بثبوت المخبر به ، فیکون المخبر به ثابتا عند ثبوت الخبر نوعا ظنا.

مع أنه لا ملازمة فی مرتبة الکاشف إلا مع الملازمة فی المنکشف.

ولا یقاس ذلک بکشف اللفظ عن المعنی ، لمکان الملازمة الجعلیة الوضعیّة بین اللفظ والمعنی ، فلذا یکون حضور اللفظ فی الذهن ملازما لحضور المعنی فیه.

وأما ثبوت الحکم فی مرتبة ثبوت الظن ، فهو قطعی لتقوّم الظن به ، فلا حاجة إلی التعبد والتنزیل.

وتنزیله منزلة ثبوته فی مرتبة القطع لا أثر له ، إذ لا أثر لثبوته العنوانی قطعا ، بل لثبوته واقعا ، فتدبره جیدا.

والملازمة الجعلیة هنا بین الخبر وثبوت المخبر به لیس إلا التعبّد بالمخبر به إما بمعنی جعل الحکم المماثل علی طبقه أو جعله منجزا للواقع.

والمفروض دعوی التلازم مع قطع النظر عن دلیل التعبّد حتی یکون الطریق إلی الطریق طریقا حقیقة إلی ذی الطریق حتی یجدی تعبد واحد.

والتحقیق أن الخبر بما هو خبر لا یکون له کشف تصدیقی قطعی ولا ظنی عن ثبوت المخبر به بالذات ، ولذا اشتهر أن الخبر یحتمل الصدق والکذب ، فالکشف التصدیقی له بالعرض ، وما بالعرض ینتهی إلی ما بالذات.

ولا یعقل کشف شیء عن شیء آخر بالذات إلا مع التلازم بینهما ، نحو کشف العلة عن المعلول وبالعکس وشبههما ، فلا محالة إذا کان للخبر فی مورد کشف تصدیقی قطعی أو ظنّی فمن أجل ثبوت الملازمة العقلیّة أو العادیّة هناک.

فنقول : إذا فرض فی المخبر عصمة أو ملکة رادعة فعلیّة تکون تلک العصمة أو الملکة علّة لعدم التعمّد بالکذب.

وربما تکون فیه حالة مقتضیة لعدم تعمد الکذب مع قبول المانع ، فاذا فرض عدم المانع وجد المعلول حقیقة ، وإلا فاقتضاء ، فالملازمة الفعلیة بین تلک الحالة مع فرض عدم المانع وبین عدم تعمد الکذب موجودة ، وإلاّ فالملازمة الاقتضائیة ثابتة بینهما.

وعلیه فالخبر الصادق - الموجود بوجود علّته وهی الإرادة لأصل الخبر وتلک الصفة المانعة عن الکذب لجهة صدقه - یکشف - من باب تضایف المضمون المطابق مع ما فی اعتقاد المخبر - عن ثبوت المخبر به فی اعتقاد المخبر.

وهذا هو الصدق المخبری ، وبضمیمة عدم الخطأ الموجود بوجود علّته ینکشف مطابقة معتقد المخبر لما فی متن الواقع وهو الصدق المخبری.

ومنه تعرف أن الملازمة فی مرتبة الکشف لأجل الملازمة الواقعیّة الحقیقیّة فی مرتبة المنکشف وأن الخبر بأیّة ملاحظة یتصف بالکشف عن ثبوت المخبر به

فی اعتقاد المخبر.

فاذا قطع بالخبر الصادق للقطع بوجود علّته فلا محالة یقطع من باب التضایف بثبوت المخبر به فی اعتقاد المخبر.

وإذا ظنّ بوجود العلّة للخبر الصادق سواء کانت العلّة بجمیع أجزائها مظنونة أو ببعضها ، فلا محالة یظن بالمعلول ، فیظن بثبوت الحکم فی اعتقاد المخبر.

وعلیه ، فاذا ظن من خبر محقّق بصدور خبر متکفّل للحکم مع إحراز الحالة المقتضیة لعدم الکذب وظن بعدم المانع ، فلا محالة یظن بثبوت الحکم فی اعتقاد المخبر.

فهذا الخبر المحقّق حیث إنه مفید للظن بثبوت الحکم لمکان الظن بعلته یعمه دلیل التعبد من دون حاجة إلی شموله للواسطة فإنه کنفس الواسطة مفید للظن بالحکم.

غایة الأمر أن الحکم هناک مطابق المدلول المطابقی وهنا مدلول التزامی.

هذه غایة التقریب للجواب المزبور.

والجواب أن لزوم قول الإمام علیه السلام لخبر زرارة عنه علیه السلام غیر مفروض فی خبر محمد بن مسلم عن إخبار زرارة بقول الإمام علیه السلام ، إذ خبر زرارة غیر محقق وجدانا ، وهو واضح ، ولا تعبدا ، إذ المفروض عدم ترتب وجوب التصدیق إلا علی الخبر بالالتزام عن قول الإمام علیه السلام.

وأصالة عدم الخطأ فی خبر زرارة فرع تحققه ، ففی الحقیقة لیس خبر محمد ابن مسلم خبرا عن قول الإمام علیه السلام إلا علی تقدیر ، فانه خبر عن لازم أمر غیر مفروض الثبوت ، لا وجدانا ، ولا تعبدا ، ولا معنی لوجوب تصدیق الخبر تحقیقا عن لازم علی تقدیر.

ثم إن التحقیق فی الجواب عن الإشکال أنه مبنی علی وحدة وجوب التصدیق وحدة شخصیة ، فانه المستلزم لوحدة الحکم والموضوع أو المحاذیر

الأخر المتقدمة.

وأما إذا قلنا بأنه وإن کان واحدا إنشاء ودلیلا لکنه متعدد لبّا وحقیقة کما لا مناص عن تعدده لبّا بالإضافة إلی الآثار الشرعیة العرضیّة ، فلا یلزم محذور ، لإمکان الالتزام بجعل إیجابات للتصدیق طولا کما کانت کذلک عرضا.

فیکون الخبر عن الإمام علیه السلام محکوما بوجوب التصدیق ، والخبر عن الخبر المحکوم بذلک الحکم محکوما بوجوب تصدیق آخر إلی أن ینتهی إلی الخبر بلا واسطة فی مبدأ السلسلة المتصلة بالمکلف ، فبعدد الأخبار الواقعة إیجابات تنزیلیة بجعل واحد والمحذور المتصور فیه أمور :

منها أن إیجاب التصدیق لیس إلا بلحاظ أثر شرعی ما عدا نفسه کما فی الآثار العرضیة.

وأما وجوب التصدیق فهو (1)سواء کان واحدا أو متعددا فهو بهذا الجعل المتکفل له دلیل واحد ، فمع قطع النظر عنه لا أثر أصلا ، فکیف یکون ناظرا إلی نفسها ولو بعضها إلی بعض.

والجواب أن موضوع الحکم وهو الخبر عن الحکم سواء کان وجوب صلاة الجمعة أو وجوب التصدیق موضوع للحکم بوجوده العنوانی لا بوجوده الحقیقی حتی یقال إنه لا حکم حقیقی مع قطع النظر عن هذا الجعل.

ولذا قلنا : بأن جعل الحکم الظاهری قبل الواقعی معقول ، لأن مشکوک الحرمة لم یؤخذ بوجوده الحقیقی موضوعا للحکم الظاهری.

بداهة أن العلم والظن والشک فی الحکم قائم بالمکلف والحکم قائم


1) 1. فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف وأما وجوب التصدیق فهو سواء کان واحدا أو متعددا لکن الصحیح وأما وجوب التصدیق سواء کان واحدا أو متعددا فهو بهذا الجعل الخ بدون قوله فهو الأول.

بالحاکم ، فکیف یعقل أن یکون مقوّما للحکم فی مرتبة نفس الحاکم.

مضافا إلی البراهین القاطعة المذکورة فی محلها وقد أشرنا إلیها فیما نقدم ، فالمولی یتصور الخبر المحتمل کونه واجب التصدیق ویجعل له حکما ، فلا حاجة إلی جعل وجوب التصدیق قبل هذا الجعل بل نفس هذا الجعل متکفل لأحکام طولیّة تنزیلیّة لما تصوره من الأخبار.

ومنها أن الواحد وإن انحل إلی المتعدد ، إلا أنه دفعی الوجود ، فکیف یعقل أن ینحل إلی أمور مرتبة فی الوجود.

والجواب أن ترتب هذه الأحکام التنزیلیة فی أصل جعلها طبعیّة لا خارجیّة. وقد مر مرارا أن المتقدّم والمتأخّر بالطبع یمکن أن یکون لهما المعیة فی الوجود الخارجی ، بل لا یأبی عن الاتحاد فی الوجود کالعلم والمعلوم بالذات والإرادة والمراد بالذات وأشباهها.

فالآثار المترتّبة طبعا من حیث الموضوعیّة والحکمیّة متقارنات فی الوجود لا ترتب لبعضها علی بعض فی الوجود ، فهی من حیث کون الحکم للخبر المتصل بالإمام علیه السلام موضوعا للحکم فی الخبر الثانی متقدم علیه طبعا ، لکنه من حیث الفعلیة بالعکس ، فان الخبر الأخیر یکون حکمه من حیث کون موضوعه محتمل الحکم فعلیّا ، وبتبعه یکون الحکم المحتمل فعلیّا إلی أن ینتهی إلی حکم الخبر المتصل بالإمام علیه السلام ، والحکم المنقول عنه علیه السلام علی النحو الذی بیناه فی مسألة جعل الطریق.

ومنها أن التعبد حیث إنه بلسان إیجاب التصدیق : فان کان التصدیق جنانیا أمکن تعدده بعدد الأخبار.

وأما إن کان عملیا ، فلیس القابل للتصدیق العملی إلا الخبر المتصل بالإمام علیه السلام ، فان وجوب صلاة الجمعة إذا أخبر عنه له تصدیق عملی بفعل صلاة الجمعة ، بخلاف نفس وجوب التصدیق ، فانه سنخ حکم لیس له

تصدیق عملی ، بل تصدیق جنانی فقط.

ولذا ربما یتوهم أن الخبر الأخیر المتصل بالمکلف لیس له من حیث مدلوله المطابقی تصدیق عملی ، بل من حیث مدلوله الالتزامی فقط ، وهو الخبر عن حکم الإمام علیه السلام کما أشرنا إلیه فیما تقدم.

والجواب عنه أن إیجاب التصدیق لسانا إیجاب فعل صلاة الجمعة لبّا ، فخبر زرارة محکوم لبّا بوجوب صلاة الجمعة تنزیلا ، فالخبر الحاکی عن هذا الخبر یحکی عن وجوب صلاة الجمعة تنزیلا ، فله تصدیق عملی إلی آخر السلسلة ، فکلها إیجابات تنزیلیّة لفعل صلاة الجمعة ، والفعلی منها هو الإیجاب الواصل بالذات ، والباقی فعلی بالعرض لوصولها بالعرض ، لاستحالة فعلیات حقیقیّة ، کما فی الخبر بلا واسطة أیضا.

103 - قوله « قده » : بلا محذور لزوم اتحاد الحکم ... الخ (1).

لا یقال : الطبیعی متحد مع فرده ، فیلزم اتحاد الموضوع مع حکمه.

لأنا نقول : الممنوع اتحاد الحکم مع موضوعه فی مرتبة موضوعیته ، فانه المنافی لتأخر الحکم عن موضوعه طبعا.

وأما صیرورة الحکم بعد تعلقه بموضوعه فردا لموضوعه فلا محذور فیه.

104 - قوله « قده » : ما هو المناط فی سائر الآثار فی هذا الأثر ... الخ (2).

حیث إن المفروض قصور العبارة عن شمول الخبر مع الواسطة حیث لا أثر له إلا ما لا یمکن لحاظه فی هذا الجعل ، فلا محالة یجب تنقیح المناط من جهة الخبر ، کما یجب تنقیحه من جهة الأثر ، وإلا فالتوسعة من جهة الأثر لا ربط له


1) 1. کفایة الأصول / 297.

2) 2. کفایة الأصول / 297.

بالتوسعة من جهة الخبر.

وأما بناء علی جعل الأثر طبیعة الأثر ، فلا حاجة إلی جعل الخبر طبیعة الخبر ، إلا إذا کان کل شخص من أشخاص طبیعة الأثر بإزاء شخص من أشخاص طبیعة الخبر ، فإن لحاظ الطبیعة فی الأثر تنافی لحاظ الشخص فی الخبر ، لکنه من باب لزوم ما لا یلزم ، فتدبر جیدا.

105 - قوله « قده » : بأنه لا یکاد یکون خبرا تعبدا ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن الموضوع لکل حکم تنزیلی هو الواقع المحتمل لا الموضوع التعبّدی التنزیلی ، فإن المائع الذی قامت البیّنة علی خمریّته إنما یکون خمرا تعبّدیّا بلحاظ حکم البیّنة لا بلحاظ نفسه ، وإنما هو مائع محتمل الخمریة.

فکذلک ما قام الخبر علی خبریته إنما یجب أن یکون محتمل الخبریة ، فیکون خبرا تعبدیّا بقیام الخبر علی خبریّته بلحاظ أنه موضوع واقعی له حکم واقعی ، وکون الحکم الواقعی والتّنزیلی ثابتین بجعل واحد هو الإشکال السابق وقد عرفت جوابه.

فی آیة النفر

106 - قوله « قده » : وهو الترجی الإیقاعی الإنشائی ... الخ (2).

قد أسمعناک (3)فی الجزء الأول من التعلیقة أن الأغراض المترتبة علی إنشاء الترجی والاستفهام ونحوهما باعتبار کشف إنشاءاتها عن ثبوتها لا بلحاظ

فی آیة النفر


1) 1. کفایة الأصول / 298.

2) 2. کفایة الأصول / 298.

3) 3. نهایة الدرایة التعلیقة : 150.

نفس وجوداتها الإنشائیة الّتی لیست إلاّ نحوا من استعمال اللفظ فی المعنی ، والمحال فی حقه تعالی ثبوت الترجّی والاستفهام واقعا لا إظهار ثبوتهما ، وما هو شأن الإنشاء إظهار المعنی باللفظ ، لا إظهار الحقیقة باللفظ المستعمل فی معناه ، ولا یلزم الکذب ، فإن إظهار الثبوت لیس بداع الإعلام بالثبوت ، بل بداع التلطف أو الترغیب أو غیرهما ، فلا تغفل.

کما أنه یمکن أن یقال : إن کلمة لعل لجعل مدخولها واقعا موقع الرجاء وموردا لتوقّع الخیر مثلا ، وهو بالإضافة إلیه تعالی لا یقتضی انبعاثه عن ترجّیه تعالی لیقال : باستحالته بل جعله تعالی معرضا لتوقّع الخیر ترغیبا وتحریصا علی فعله.

ویمکن أن یقال : بأن ثبوت الترجی فی مقام ذاته تعالی غیر معقول ، لأنه لا یکون إلا مع الجهل بالحصول المستحیل فی حقه تعالی ، إلا أنه بالإضافة إلی المرتبة الأخیرة من مراتب فعله تعالی أمر معقول ، کالعلم المنطبق علی الموجود الخارجی ، فإنه من مراتب علمه الفعلی ، فکذا کون الفعل مرجوّ الحصول بلحاظ تأدیة الأسباب المنتهیة إلی مسبّب الأسباب له نحو من الانتساب إلیه تعالی کما فی البداء والتردّد المنسوبین إلیه تعالی فی الآیات والرّوایات ، فافهم ذلک إن کنت أهلا لذلک.

ثم إن الظاهر وإن کان مخالفا للجمهور عدم کون کلمة لعل للترجی لوضوح استعمالها کثیرا فیما لا یلائم الترجی کقوله تعالی : ( فَلَعَلَّکَ تارِکٌ بَعْضَ ما یُوحی إِلَیْکَ ) (1)( فَلَعَلَّکَ باخِعٌ نَفْسَکَ ) (2)وکقوله علیه السلام : « لعلک وجدتنی فی مقام الکذابین وفی مجالس الباطلین » (3)أو لعل زیدا یموت بهذا المرض


1) 1. هود : 12.

2) 2. الکهف : 6.

3) 3. أو : لعلک رأیتنی الف مجالس البطالین ، مفاتیح الجنان : 191.

وغیرها من الموارد الکثیرة التی لا شک فی عدم التجوز فیها ، وعدم ملائمة إظهار الرجاء فی مثل هذه الأمور المنافرة للنفس فی غایة الظهور.

وربما یتفصّی من ذلک بدعوی أن الرجاء لیس بمعنی یساوق الأمل وتوقّع المحبوب فقط ، بل یکون للاشفاق وتوقّع المخوف أیضا کما نقل عن بعض أئمة اللغة وعلیه حمل قوله تعالی : ( لا یَرْجُونَ لِقاءَنا ) (1)أی لا یخافون وقوله تعالی : ( لا یَرْجُونَ أَیَّامَ اللهِ ) (2)أی لا یخافون.

والعجب أن الفراء مع مکانته فی اللغة والأدب ینکر هذه الکلیة ویقول لا یقال : رجوتک ای خفتک. وإنما یکون بمعنی الخوف فی مورد النفی کما فیما سمعت من الآیات.

مع أنه لا معنی لتغیر مادة اللفظ معنی بتفاوت الإثبات والنفی وأظنّ أنّ کل ذلک من عدم التمکن من تطبیق موارد الاستعمالات علی معنی جامع ربما یجامع توقع المحبوب وربما یجامع توقع المخوف والمکروه من دون دخل للمحبوبیّة والمخوّفیة والعلیة التی قال بها بعضهم فی المعنی الموضوع له.

والظاهر أن هذه الکلمة إنما یقال فیما کان الشیء فی معرض احتمال الوقوع سواء کان مرجوا أم لا کما لا یخفی علی المنصف.

وفی صحاح الجوهری : لعل کلمة الشک فیوافق ما استظهرناه ویؤکده أن مرادف هذه الکلمة فی الفارسیة کلمة ( شاید ) لا کلمة ( امید ) فتدبر ، وحینئذ یسقط الوجه الأول عن الدلالة علی المقصود.


1) 1. یونس 7 و 11 و 15.

2) 2. الجاثیة / 14.

107 - قوله « قده » : بأن التحذر لرجاء إدراک الواقع ... الخ (1).

تقریبه أن التحذر وإن کان مستندا إلی الإنذار ، والإندار وإن کان بما تفقّه فیه ، إلا أنهما إنما یناسبان الواجب والحرام بملاحظة ما یترتب علیهما من الأمور التی یخاف ترتبها علی الفعل والترک.

وهی کما یمکن أن تکون العقوبة علی المخالفة ، کذلک یمکن أن یکون فوت المصلحة والوقوع فی المفسدة.

فکما یصح الإنذار بملاحظة العقوبة ، فیدل علی وجوب التحذر ، کذلک یصح الإنذار بملاحظة فوت المصلحة والوقوع فی المفسدة ، فیحسن التحذر.

إلاّ أن الإنصاف أن الإنذار والتّحذّر بملاحظة ترتب العقوبة أنسب ، إذ المتعارف من الإنذار من المبلغین للأحکام فی مقام الحث علی العمل بها بیان ما یترتب علی الفعل أو الترک من العقوبات الأخرویة دون المصالح والمفاسد ، فیکون التّحذر المنبعث عنه تحذّرا من العقوبة.

وأما توهم أن جعل التحذر باعتبار فوت المصلحة والوقوع فی المفسدة یوجب الاختلال فی تمام أنحاء الاستدلال ولا یختص بالوجه الأول کما هو ظاهر المتن لأن التحذر بهذا المعنی علی أی حال مستحسن عقلا لا معنی للکشف عن الحجّیة بسببه مطلقا.

فمدفوع بأن الوجه الأول حیث کان مبنیّا علی دلالة کلمة لعل علی محبوبیة التحذر من دون النظر إلی صدر الآیة ، فلذا اختص بهذا الإیراد.

بخلاف الوجهین الأخیرین ، فانهما یتمان ولو لم تدل کلمة لعل علی المحبوبیة ، بل ولو لم یکن فی الآیة عنوان التحذر أیضا ، فان الوجه الثانی بملاحظة وجوب الإنذار ، فیکون التحذر به بدلالة الاقتضاء واجبا ، وإلا لزم


1) 1. کفایة الأصول / 298.

اللغویة ، والوجه الثالث أیضا مع الفراغ عن وجوب الإنذار ، فغایته واجبة ، لأن غایة الواجب واجبة ، فیکون وجوب الإنذار علی کلا الوجهین کاشفا عن وجوب التحذر ، فیکون المراد منه التحذر عن العقوبة دون غیرها.

ولا یخفی أنه بناء علی ما استظهرناه من عدم کون کلمة لعل للترجی وأنها کلمة الشک کما فی الصحاح ، فشأنها جعل مدخولها واقعا موقع الاحتمال ، فیکون نفس جعل التحذر واقعا موقع الاحتمال کاشفا عن حجیة الإنذار ، إذ یستحیل مع وجود قاعدة قبح العقاب بلا بیان أن یکون مجرد الإخبار بالتکلیف أو بملازمه وهو العقاب المجعول موجبا لحدوث الخوف ، فجعله موجبا لحدوث الخوف بنحو الاقتضاء دلیل علی فعلیة العقاب المجعول بمجرد الإخبار عنه ، فیکون الخبر منجّزا للعقاب المجعول ، وسیأتی إن شاء الله تعالی بقیة الکلام.

108 - قوله « قده » : لعدم إطلاق یقتضی وجوبه علی الاطلاق ... الخ (1).

التّحذر وإن لم یکن له فی نفسه إطلاق ، نظرا إلی أن الآیة غیر مسوقة لبیان غایتیّة الحذر لیستدل بإطلاقه ، بل لإیجاب النفر للتفقه.

إلا أن إطلاقه یستکشف بإطلاق وجوب الإنذار ، ضرورة أن الإنذار واجب مطلقا من کل متفقّه سواء أفاد العلم للمنذر أم لا ، فلو کانت الفائدة منحصرة فی التحذر کان التحذر واجبا مطلقا ، وإلاّ لزم اللغویة أحیانا.

کما أن التحذر إذا کان هی الغایة للإنذار فوجوب الإنذار مقدّمیا إذا کان مطلقا یکشف عن إطلاق وجوب ذی المقدمة ، لاستحالة إطلاق أحدهما واشتراط الآخر ، وتبعیّة وجوب المقدمة لوجوب ذیها أصلا وإطلاقا وتقییدا بحسب مقام الثبوت لا ینافی تبعیة وجوب ذی المقدمة لوجوب المقدمة بحسب


1) 1. کفایة الأصول / 299.

مقام الإثبات ، کما فی کل علّة ومعلول ثبوتا وإثباتا.

نعم هنا وجهان لمنع إطلاق وجوب الإنذار حقیقة ولبّا :

أحدهما ما عن بعض أجلّة العصر (1)من أن الإنذار الواجب من باب المقدمة هو الإنذار المفید للعلم ، فیکون الوجوب فی المقدّمة وذیها مقیدا.

إلا أن ذلک الإنذار الخاص حیث لا تمیز له من بین سائر الإنذارات أوجب المولی کل إنذار مطلقا للتوصل إلی مقصوده الأصلی ، وهو الإنذار الخاص الذی هو المقدّمة للتّحذر الخاص.

ففی الحقیقة لا إطلاق لما هو الواجب المقدمی تبعا لذی المقدمة ، وإن کان الإنذار المطلق واجبا لغرض التّوصل إلی ما هو المقدمة واقعا.

والجواب أن ما عد الإنذار الخاص لیس فیه ملاک المقدمیة ولا ملاک نفسی علی الفرض فعدم التمیّز سواء کان بالإضافة إلی المکلف بالإنذار أو إلی المکلف بالتحذر لا یمنع ، إلا عن العلم بتلک المقدّمة الخاصة.

فإیجاب الإنذارات من مکلف واحد راجع إلی إیجاب المقدمة العلمیّة وهو وجوب عقلی إرشادیّ ، لا إیجاب مولوی شرعی.

کما أن إیجاب الإنذارات علی المکلفین - لحصول العلم للمکلف بالتحذر بما هو مکلف به من التحذر العلمی ، نظرا إلی عدم تمییزه للإنذار المفید للعلم عن غیره من الإنذارات ، بل بعد تحققها جمیعا یعلم بحصول التحذر العلمی من أحدها - یرجع إلی إیجاب المقدّمة العلمیّة بالتکلیف النفسی ، وهو التّحذر عن علم.

وکلاهما خلاف ظاهر وجوب الإنذار شرعا مولویّا.

وأما إیجاب الإنذارات من المکلفین لعدم تمییز المولی ما فیه ملاک المقدمیة


1) 1. هو المحقق الحائری ، درر الفوائد 390.

عن غیره ، فخطأ فی حق الشارع.

ثانیهما ما عن شیخنا الاستاد « رحمه الله » هنا وفی تعلیقته (1)الأنیقة علی الرسائل من منع الإطلاق تارة بأن النفر الواجب حیث کان لأجل التفقّه والعلم بمعالم الدین وأحکام الله الواقعیّة ، وقضیّة ذلک التّحذر بالإنذار بما أحرز أنه من معالم الدین ، فالقرینة علی التقیید موجود (2)فی الطرفین.

وأخری بأن الفائدة غیر منحصرة فی التحذر ، بل لإفشاء الحق وظهوره بکثرة إنذار المنذرین ، فالغایة قهرا یلازم العلم بما أنذروا به ، فالتحذر بما علم غایة لظهور الحق وإفشائه ، وهو غایة لإنذار المنذرین بحیث یکون إنذار جملة من المکلفین علة لحصولها وإنذار کل واحد مقدمة لحصول العلّة التامة لظهور الحق ، فلا ینافی وجوب کل واحد من باب المقدمیة هذا مع توضیح منی.

والجواب عن الأول أن کون الإنذار بما علم لا یقتضی أن یکون الإنذار مفیدا للعلم لیتقیّد به الإنذار فیتقیّد به التّحذّر.

وعدم إحراز کون الإنذار إنذارا بما علم لیجب قبوله.

مدفوع بإطلاق وجوب الإنذار من حیث إفادة العلم ، فیکشف عن کون الموضوع لوجوب التحذر مجرد حکایة العقاب المجعول بالمطابقة أو الالتزام ، ومطابقته للواقع تعبّدا یعلم من وجوب القبول ، فالذی یجب إحرازه فی مرحلة فعلیّة وجوب القبول نفس ذلک الوجوب الحکائی.

ولا یخفی علیک أنه لا بد فی صحة هذا الجواب من الالتزام بإطلاق وجوب الإنذار لإفادة العلم وعدمها ، وإلاّ فللخصم أن یدّعی أنّ الآیة لیست فی مقام جعل الحجة وإیجاب التحذر مولویّا حتی یکتفی فی موضوعه بوجوده الحکائی ، بل فی مقام إیجاب الإنذار العلمی لیترتب علیه التّحذر قهرا ، فتدبره فانه حقیق به.


1) 1. التعلیقة علی الرسائل ص 67.

2) 2. هکذا فی النسخة المخطوطة بغیر خطه قده ، لکن الصحیح : موجودة.

وعن الثانی بأن ظاهر الآیة أن الغایة المترتبة علی الإنذار والفائدة المترقّبة منه هو التّحذر لا إفشاء الحق وظهوره.

فالمراد والله أعلم لعلهم یحذرون بالإنذار ، لا بافشاء الحق بالإنذار.

کما أن ظاهرها التحذّر بما أنذروا ، لا بالعلم بما أنذروا به ، بل نقول : إن نفس وجوب الإنذار کاشف عن أن الإخبار بالعقاب المجعول إنذار ، ولا یکون ذلک إلا إذا کان حجة ، وإلا فالإخبار المحض لا یحدث الخوف ولو اقتضاء حتی یکون مصداقا للإنذار حتی یجب شرعا.

ومنه ظهر أن التحذر لو کان نتیجة إفشاء الحق بکثرة إخبار المخبرین عن العقاب المجعول کان المجموع إنذارا واحدا ، لأن المجموع هو المقتضی للعلم المقتضی للخوف.

مع أن کل واحد مکلف بالإنذار الذی لا یصدق علی إخباره بالعقوبة إلاّ مع فرض حجّیته.

ومن غریب الکلام ما عن بعضهم (1)من قصر التفقه فی الدین علی العلم بدقائق الدین مما یتعلّق بأسرار المبدأ والمعاد وتبلیغ الدعوة والنبوة وأشباه ذلک مما یطلب فیه العلم دون الأحکام الشرعیّة العملیة. وفی أخبار الأئمة علیهم السلام شواهد کثیرة علی صدق التّفقه علی تعلم الحلال والحرام ، فلیراجع.

مع أن صریح الآیة إنذار النافرین للمتخلفین أو بالعکس ، لا تبلیغ الدعوة إلی عامة الناس ونشر أعلام الهدایة فی البلاد النائیة ، کما توهمه هذا المتوهم ، فافهم واستقم.

بقی هنا أمران ، أحدهما : قد تکرر فی کلماتهم أن وجوب الإنذار مقدمی ، ولذا جعل فی الإطلاق والاشتراط تابعا لوجوب التحذر.


1) 1. محجّة العلماء 1 : 261.

لکنا قد ذکرنا فی المبحث عن مقدمة (1)الواجب أن الواجب النفسی ما وجب لا لواجب آخر وأن الواجب الغیری ما وجب لواجب آخر ، فما کان وجوبه منبعثا عن وجوب غیره کان واجبا غیریّا مقدمیّا ، وإلاّ فهو واجب نفسی.

وبه أجبنا عن شبهة کون الواجبات النفسیّة واجبات غیریة ، لانبعاث وجوبها عن غرض ، فهو الواجب ومحصّله واجب مقدمی ، فینحصر الواجب فی مثل المعرفة الواجبة بذاتها.

فان ملاک الواجب النفسی لیس عدم انبعاثها عن غرض زائد علی ذاته ، بل عدم انبعاث وجوبه عن وجوب آخر.

وعلیه فالإنذار من مکلف والتّحذر من مکلف آخر لیس وجوب أحدهما منبعثا عن وجوب آخر ، فالإنذار مراد من المتفقّه لا لمراد آخر منه حتی یکون واجبا مقدّمیا ، وإن کان الغرض منه راجعا إلی الآخر ، فافهم وتدبّر.

نعم مسألة التبعیّة فی الإطلاق والتقیید جاریة بلحاظ مقام الغرض ، فان الغرض لو کان قائما بالتحذّر عن علم لا یعقل أن یکون الإنذار بقول مطلق واجبا لغرض التحذر الخاص.

ثانیهما : أن الآیة هل هی متکفّلة لجعل الحجّیة أو مبنیّة علی الحجّیة : فان کان التحذر غایة شرعیة کان الدلیل متکفلا للحجیة.

وإن کان غایة عادیّة واقعیّة کان الدلیل مبنیّا علی الحجّیة.

والتحقیق أن کلمة لعل : إن کانت للترجی المراد منه تعالی (2)فیه مجرد


1) 1. لم نعثر علی العبارة المزبورة فی مبحث مقدمة الواجب وإنما الذی وجدناه فیه هو قوله فالواجب النفسی بناء علیه هو المراد من المکلف لا لأجل مراد آخر منه والواجب الغیری هو المراد منه لأجل مراد آخر منه. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 372.

2) 2. هکذا وردت العبارة فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر الخط المصنف قده ، لکن الصحیح : المراد منه فیه تعالی.

المحبوبیّة فالغایة تعبّدیة ، إذ حاصل المعنی حینئذ أنه یجب الإنذار علی المتفقهین إرادة أن یحذروا.

وحیث إن الإرادة لیست تکوینیة وإلا لما تخلف عنها التحذر فیه تعالی ، فلا محالة تکون تشریعیة ، فیفید وجوب التحذر ، وهو کنایة عن وجوب لازمه ، وهو العمل.

وإن کانت کلمة لعل لجعل مدخولها واقعا موقع الاحتمال کما هو الأظهر علی ما مر ، فالغایة عادیة واقعیة ، فالحاصل من الآیة حینئذ إیجاب الإنذار لاحتمال تأثیره فی التحذر ، فإن الإنذار مقتض عادة للتّحذر فالآیة حینئذ مبنیّة علی حجیة الخبر ، إذ لولاها یقطع بعدم العقاب کما تقدّم.

109 - قوله « قده » : علی الوجهین فی تفسیر الآیة ... الخ (1).

توضیح المقام أن ظاهر سیاق الآیة من حیث ورودها فی ضمن آیات الجهاد وظاهر صدرها وهو قوله تعالی.

( وَما کانَ الْمُؤْمِنُونَ لِیَنْفِرُوا کَافَّةً ) (2)وظاهر بعض التفاسیر أن المراد النفر إلی الجهاد ، وأن التفقّه وظیفة المتخلّفین عند النبیّ صلّی الله علیه وآله ، فمرجع الضمیر حینئذ فی قوله تعالی ( لِیَتَفَقَّهُوا ) هی الفرقة دون الطائفة.

وظاهر جملة من الأخبار أن المراد النّفر للتّفقه کما یساعده ظاهر نفس الآیة ، حیث إن مقتضی لو لا التحضیضیّة الحث علی النفر للتفقّه لا الحث علی التخلّف للتفقّه وإن کان نفر طائفة ملازما لتخلّف الباقین.

والاستدلال لوجوب الإنذار بوجوب النفر الواقع فی تلو لو لا التحضیضیّة یتوقف علی إثبات هذا المعنی.


1) 1. کفایة الأصول / 299.

2) 2. التوبة : 122.

والتحقیق کما یساعده بعض الأخبار ویشهد له الاعتبار أن الآیة لیست فی مقام المنع عن النفر إلی الجهاد کافة فی قبال تخلف جماعة ، بل فی مقام المنع عن قصر النفر علی الجهاد نظرا إلی أنه کما أن الجهاد مهمّ کذلک التفقّه ، فلیکن نفر جماعة إلی النبی صلّی الله علیه وآله للتفقّه ونفر الباقین إلی الجهاد ، وهو المستفاد من روایة العلل (1)عن الصادق علیه السلام قیل له : إن قوما یروون أن رسول الله صلّی الله علیه وآله قال : اختلاف أمتی رحمة فقال : صدقوا فقلت : إن کان اختلافهم رحمة فاجتماعهم عذاب قال : لیس حیث تذهب وذهبوا ، إنما أراد قول الله عزّ وجل : ( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ کُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِیَتَفَقَّهُوا فِی الدِّینِ ) إلی آخر الآیة. فأمرهم أن ینفروا إلی رسول الله لیتعلموا ثم یرجعوا إلی قومهم فیعلموهم. إنما أراد اختلافهم من البلدان الحدیث.

ویوافقه الاعتبار أیضا ، فانّ النافرین إلی الجهاد من المدینة کان رجوعهم إلی رسول الله ، فیتعلمون منه صلّی الله علیه وآله کما کان کذلک فی زمان حضوره من دون حاجة إلی تخلف جماعة لهذه الغایة ، بخلاف النافرین من الأطراف فانهم محتاجون إلی تعلّم الأحکام إذا رجعوا إلی بلادهم والله أعلم.

110 - قوله « قده » : ولا شبهة فی أنه یصح منهم التخویف ... الخ (2).

إن کان الغرض صحة التخویف بنفس ما سمعوه من الإمام أو المجتهد فیئول الأمر إلی صدق الإنذار علی حکایته.

وإن کان الغرض صحة التخویف استنادا إلی ما سمعوه ، فلا مجال له ، إلا بناء علی حجیة رأیهم.

وإلاّ فلا وجه لصحة إنذارهم بما رأوه استنادا إلی ما رووه ، کما لا وجه


1) 1. ج 1 ص 85 الطبعة الثانیة.

2) 2. کفایة الأصول / 299.

لقبول الإنذار بما هو إنذار.

وظاهر الآیة وجوب الإنذار ، لأجل التحذر بما هما إنذار وتحذّر لا بما هما إخبار وتصدیق.

لکن الظاهر أن الشیخ الأجل « قدس سره » لا ینکر صدق الإنذار علی حکایة العقاب المجعول ، وکیف (1)وصریح کلامه « قدس سره » فی رسائله (2)أن الخبر فیه حیثیّتان حیثیة إنشاء التخویف بنقل ما سمعه من الإمام علیه السلام ، وحیثیة حکایته لما سمعه منه علیه السلام ، وإنما نظره الشریف « قدس سره » اللطیف إلی أن حیثیّة إنشائه التخویف راجعة إلی فهمه واستفادته من کلام الإمام علیه السلام.

والآیة ظاهرة فی حجیة هذه الحیثیة ، لما مر من أن ظاهرها وجوب الإنذار والتحذر بما هما إنذار وتحذر لا بما هما إخبار وتصدیق.

وأما الانذار بحکایة العقاب المجعول ، فهو أمر معقول ، ولا یستلزم حجیة الإنذار بنقل ما سمعه حجیة نقله ، إذ لا فرق بین أنحاء إظهار الفتوی فی الحجیة سواء کان ابتداء أو بنقل خبر أو بطریق آخر.

ولیس هذا مقام عدم القول بالفصل کما فی المتن ، إذ الذی لا فصل فیه جزما هو حجیة الخبر من حیث کون الناقل مجتهدا أو مقلدا ، لا حجیة الخبر عن الرأی أو فی مقام إظهار الرأی ، فالخبر حینئذ حجة لا من حیث إنه کاشف عن قول المعصوم علیه السلام ، بل من حیث إنه مظهر لفتوی المفتی.

فالتحقیق أن فی آیة النفر لا بد من التعمیم من وجهین : أحدهما تعمیم التفقّه لما إذا علم بالحکم من دون إعمال نظر ورأی ، کما إذا سمع الحکم من


1) 1. کذا فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف قده ، لکن الصحیح : کیف.

2) 2. فرائد الأصول المحشی 1 / 119.

المعصوم علیه السلام بکلام صریح فصیح لا یتوقف استفادة الحکم علی إعمال رأی ونظر وإلا فلو قلنا : إن التفقّه هو العلم الحاصل للفقیه باعمال النّظر والرأی ، فالآیة تکون متکفّلة لحجّیة خبر الفقیه من حیث إنه خبر عما تفقّه فیه بإعمال رأیه ونظره ، وإن کان بنفس نقل ما سمعه من المعصوم علیه السلام. وقد عرفت حال عدم القول بالفصل.

ثانیها التعمیم من حیث الإنذار بأن یکون الإخبار عن العقاب المجعول المسموع من الإمام علیه السلام بکلام صریح فصیح إنذارا حقیقة ، من دون اختصاص للإنذار بما إذا کان لرأیه ونظره دخل فی تحقق الإنذار منه ، فان حجیة إنذاره حینئذ لیس إلا حجیة خبره عن جعل العقاب لا حجیة خبره عما استفاده برأیه ونظره ، فانه علی الفرض لا رأی له ولا نظر.

ولیس المراد من الإنذار بحکایة العقاب المجعول إنشاء التخویف المقابل للإخبار الذین هما من وجوه استعمال اللفظ فی المعنی ، فانه تستحیل کون قضیة واحدة خبریة وإنشائیة معا.

بل بمعنی أن المراد من حکایة العقاب والداعی إلیها تخویف المنقول إلیه ، فهذه الحکایة بالعنوان الثانوی إنذار وتخویف ، فتدبر.

ومنه علم أن دفع ما أورده الشیخ الأجل (1)« قدس سره » لیس بدعوی صحة التخویف من الراوی ولو مع عدم حجیة رأیه ونظره ، بل بدعوی تحقق الإنذار منه بلا إعمال نظر ورأی ، فتدبر جیدا.


1) 1. فرائد الأصول 1 / 119.

فی آیة الکتمان

111 - قوله « قده » : وتقریب الاستدلال بها أن حرمة الکتمان ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن الآیة أجنبیة عما نحن فیه ، لأن موردها ما کان فیه مقتضی القبول لو لا الکتمان ، لقوله تعالی من بعد ما بیناه للناس فی الکتاب (2)فالکتمان حرام فی قبال إبقاء الواضح والظاهر علی حاله ، لا فی مقابلة الإیضاح والإظهار.

وما هو نظیر ما نحن فیه آیة کتمان النساء ما خلق الله فی أرحامهن (3)، فالملازمة إنما تجدی فی مثلها لا فیما نحن فیه.

112 - قوله « قده » : فانها تنافیهما ... الخ (4).

للزوم اللّغویة فی الجملة علی تقدیر حرمة الکتمان مطلقا ووجوب القبول مشروطا. ولا یخفی أن وجوب الإنذار والحذر کذلک بناء علی الملازمة ، ولزوم اللغویة مع عدمها ، فان الإطلاق فی أحد المتلازمین ینافی الاشتراط فی الآخر.

إلا أن یکون نظره « قدس سره » إلی انحصار جهة الاستدلال فی الملازمة هنا دون آیة النفر ، فالإیراد بالإهمال أو الاختصاص له وجه هناک دون المقام کما هو واضح.

فی آیة الکتمان


1) 1. کفایة الأصول / 299.

2) 2. البقرة : 159.

3) 3. البقرة : 228.

4) 4. کفایة الأصول / 300.

113 - قوله « قده » : لأجل وضوح الحق بسبب کثرة ... الخ (1).

لا یقال : مثل هذه الفائدة لا یعقل أن تکون غایة للتکلیف بالإظهار هنا ، وبالإنذار هناک بالنسبة إلی کل واحد من المکلفین ، مع أن مقتضی إطلاق التکلیف ثبوته علی کل مکلف وإن عصی الآخر.

لأنا نقول : هذا هو الغرض الأصیل وما یقوم بإظهار کل مکلف أو بإنذاره غرض مقدمی ، ولا یجب الإیصال إلی ذی المقدمة فیما هو ملاک الإیجاب المقدمی ، فتدبر جیدا.

فی آیة السؤال عن اهل الذکر

114 - قوله « قده » : وقد أورد علیها بأنه ... الخ (2).

قد مرّ الإیراد (3)علیها وعلی أمثالها بأن الظاهر منها التّعبّد بقول من لعلمه وفقهه دخل فی التعبد بقوله ، ولذا قیده به.

والجواب عنه بعد تسلیمه بأن الغالب فی الصدر الأول هو الإفتاء أو الإنذار بعنوان الروایة ، وإذا وجب التعبد بروایة المفتی وجب التعبد بروایة غیره لعدم الفصل.

مخدوش بما عرفت مفصلا.

وقد عرفت إمکان تعمیم العلم والتفقه ونحوهما لصورة معرفة الحلال والحرام من دون إعمال نظر ورأی ، فلا یکون لقوله إلاّ حیثیّة الخبر عن الحکم (4).

فی آیة السؤال عن اهل الذکر


1) 1. کفایة الأصول / 300.

2) 2. کفایة الأصول / 300.

3) 3. تقدم الإیراد فی التعلیقة 110.

4) 4. تقدم الخدشة وإمکان تعمیم التفقه والعلم لصورة معرفة الحلال والحرام فی التعلیقة : 110.

وأما دعوی (1)أن ظاهر الآیة هو السؤال لکی یعلموا ، فلا یعم ما إذا لم یعلموا.

فمدفوعة بأن الظاهر هو السؤال لکی یعلموا بالجواب لا بأمر زائد علی الجواب ، فیکشف عن حجیة الجواب ، فانه علی فرض الحجیة یکون حجة قاطعة للعذر مصححة لإطلاق العلم علیه ، وإلا فلا.

نعم بین هذه الآیة والآیتین المتقدمتین فرق حیث إنه لا أمر بالجواب هنا حتی یتمسک بإطلاقه لصورة عدم إفادة العلم کما فی إیجاب الإنذار وحرمة الکتمان ، فیمکن إیجاب السؤال إلی أن یحصل العلم بالجواب ولو بجواب جماعة.

هذا کله بالنظر إلی ظاهر هذه الآیة مع قطع النظر عن تفسیر أهل الذکر بالأئمة علیهم السلام فی غیر واحد من الأخبار.

مع أن قصر مورد الآیة علی خصوص الأئمة علیهم السلام لا یلائم مورد الآیة کما لا یخفی علی من راجعها.

وظنی والله أعلم أن أهل الذکر فی کل زمان بالنسبة إلی ما یطلب السؤال عنه مختلف : فالسؤال ، عن کون النبی صلّی الله علیه وآله لا یجب أن یکون ملکا أو ملکا وأنه لا یمتنع علیه الطعام والشراب لا بد من أن یکون من غیر النبی صلّی الله علیه وآله وعترته علیهم السلام لأنهم محل الکلام ، بل عن العلماء العارفین بأحوال الأنبیاء السابقین.

والسؤال عن مسائل الحلال والحرام فی هذه الشریعة المقدسة لا بد من أن ینتهی إلی الأئمة علیهم السلام ، فانهم عیبة علم النبی صلّی الله علیه وآله وحملة أحکامه ، فالمصداق حیث إنه فی هذا الزمان منحصر فیهم من حیث لزوم انتهاء الأمر إلیهم ، فلذا فسر أهل الذکر بهم علیهم السلام ، والله أعلم.


1) 1. کما فی المتن حیث قال : وفیه أن الظاهر منها إیجاب السؤال لتحصیل العلم لا للتعبد بالجواب.

فی آیة الأذن

115 - قوله « قده » : المراد بتصدیقه للمؤمنین هو ترتیب خصوص ... الخ (1).

بملاحظة سیاق الآیة من حیث کونه صلّی الله علیه وآله أذن خیر لهم فیصدقهم فیما هو خیر لهم وعن الصادق (2)علیه السلام یصدق المؤمنین لأنه صلّی الله علیه وآله کان رءوفا رحیما بالمؤمنین ، لا بملاحظة تعدیة الفعل باللام المشعر بأن المراد تصدیقه لهم فیما ینفعهم ویکون لهم لا علیهم. وذلک لأن الإیمان یتعدّی بالإضافة إلی متعلقه دائما بالباء وإلی من یدعو إلیه باللام قال تعالی : ( لَنْ نُؤْمِنَ لَکَ ) (3)( وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ) (4)و ( أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَیْنِ مِثْلِنا ) (5)( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ) (6)و ( قالَ آمَنْتُمْ لَهُ ) (7)( وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِینَکُمْ ) (8)، فکون الإیمان متعدیا باللام هنا بالإضافة إلی المؤمنین علی طبق طبعه ومقتضاه ، فهو یقرّ لهم ویذعن لهم ویصدق لهم ، واللام فی الجمیع لام الصلة ، لا لام الغایة ، ولو ذکر ما وقع علیه الإیمان لعدی بالباء.

فی آیة الأذن


1) 1. کفایة الأصول / 301.

2) 2. نور الثقلین نقلا عن العیاشی ج 2 ص 237.

3) 3. الإسراء : 90.

4) 4. یوسف : 17.

5) 5. المؤمنون : 47.

6) 6. العنکبوت : 26.

7) 7. طه : 71.

8) 8. آل عمران : 73.

إنما الکلام فی تعدیته بالباء فی الفقرة الأولی ، مع أن الواقعة علی ما ورد فی سبب نزول الآیة واحدة ، فإنه تعالی أخبره علیه السلام بأن فلانا ینمّ علیک فقبله ثم أخبره النمّام وحلف له بأنه لم ینمّه فقبله أیضا فعیب علی ذلک وقیل هو أذن. ومقتضی القاعدة أن یتعدّی بالإضافة إلی المخبر باللام وإلی المخبر به بالباء.

ولعل الوجه فیه - مضافا إلی لحاظ التعمیم وعدم خصوصیة المورد - أن مرجع الإیمان بما أنزله الله وأخبر به إلی الإیمان به کالإیمان بصفاته واقعا له تعالی ، فلا مغایرة بالحقیقة فالإیمان دائما یتعلق به تعالی من حیث ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أخباره وإن کان تعالی هو الداعی إلیه ، وحیث کان المناسب لمقام النبوة عند تعرض إیمانه بالإضافة إلیه تعالی عدم تخصیصه بخصوص شیء مما یتعلق بجنابه تعالی ، فلذا أضاف إیمانه إلیه تعالی مطلقا کسائر الموارد ، فتدبره فانه حقیق به.

فی الاستدلال بسیرة العقلاء

116 - قوله « قده » : إنما یکفی فی حجیته بها عدم ثبوت ... الخ (1).

لعل غرضه « قدس سره » أن إثبات عدم رادعیة الآیات بسبب مخصصیة السیرة لها وإن کان دوریّا کاثبات رادعیّة الآیات بسبب عدم مخصصیة السیرة لها فانه دوری أیضا ، لکن إثبات الرادعیة یتوقف علی إحراز الردع بالآیات.

وأما عدم رادعیتها ، فلا یحتاج إلی الثبوت لعدم تقوّم حجیة السیرة بثبوت عدم الردع ، بل متقوّمة بعدم ثبوت الردع.

فتزاحم الآیات فی الرادعیة والسیرة فی المخصّصیّة وإن کان یوجب

الاستدلال بسیرة العقلاء


1) 1. کفایة الأصول / 303.

سقوطهما عن التأثیر ، إلا أنه لا یضر بعدم ثبوت الردع فعلا ، فانه محقق لمکان استحالة الرادعیة والمخصّصیة ، وإن کان بعد عدم ثبوت الردع لا مانع من حجیة السیرة ، فلا مانع من مخصّصیّتها للآیات ، فیثبت بها عدم الردع أیضا.

إلاّ أن الحجیة لم یثبت من (1)ناحیة مخصصیة السیرة لیلزم الدور ، بل من ناحیة عدم ثبوت الردع الذی لا مساس له بالمخصصیة.

ومنشأ عدم ثبوت الردع تزاحم الآیات والسیرة فی الرادعیة والمخصصیة ، فلا رادع ، کما لا مخصّص من قبل نفس الآیات والسیرة.

والجواب أن الرادعیة وإن کانت موقوفة علی الإحراز المستلزم للدور ، لکنه کما أن حجیة السیرة متقومة فی نفسها بعدم ثبوت الردع ، کذلک حجیة العام منوطة بعدم ثبوت المخصّص لا بثبوت عدمه لیستلزم الدور.

فکما أنه بعد التزاحم والسقوط یقال : لم یثبت الردع ، فالسیرة حجة ، کذلک یقال : لم یثبت المخصص ، فالعام حجة فی مدلوله العمومی ، وفعلیة المتنافیین محال.

وربما یورد کما عن بعض أجلة العصر (2)« قدس سره » علیه بأن حجیة السیرة منوطة بالعلم برضاء الشارع وإمضائه ، فعدم العلم به الحاصل من قبل کاف فی عدم حجیة السیرة وإن کان ثبوت الردع بالآیات مستلزما للدور.

ومبناه علی أنه لا ملازمة بین حجیة شیء عند العقلاء وحجیته عند الشارع ، فلا بد من إمضاء الشارع ، فالمقتضی للحجیة إمضاء الشارع ، وثبوت عدم الردع أحد الطرق الکاشفة عن إمضائه.

ومبنی شیخنا الأستاد « قدس سره » فی الاکتفاء بنفس عدم ثبوت الردع هو أن الشارع أحد العقلاء بل رئیسهم ، فهو بما هو عاقل متحد المسلک مع العقلاء فهذا مقتض لاتحاد المسلک ، وردعه الفعلی کاشف عن اختلافه فی


1) 1. هکذا وردت فی النسخة المخطوطة بغیر خطه قده ، لکن الصحیح : لم تثبت.

2) 2. هو المحقق الحائری قدس سره ، درر الفوائد 395.

المسلک ، وأنه بما هو شارع له مسلک آخر.

ومن الواضح أن ردعه الواقعی لا یکون کاشفا عن اختلاف المسلک لیختل به الکاشف الطبعی عن اتحاد مسلکه مع العقلاء من حیث إنه منهم ، فعدم وصول الردع کاف فی الحکم باتحاد المسلک ، لعدم المانع عن الحکم بالاتحاد ، وهذا هو الصحیح.

ویمکن أن یقال : فی دفع الدور عن رادعیة الآیات بأن مزاحمة العمومات مع السیرة الدالة علی حجیة خبر الثقة من باب مزاحمة تام الاقتضاء وغیر تام الاقتضاء ، لأن العام حجة بالذات فی مدلوله العمومی لظهوره فیه ، وتقدیم الخاص علیه من باب تقدیم أقوی الحجتین علی أضعفهما ، بخلاف السیرة ، فإن أصل حجیتها الذاتیّة متقومة (1)بعدم الردع الفعلی فی مقام الإثبات ، فمقتضی الحجیة فی السیرة فی مقام الإثبات متقومة (2)بعدم الردع الفعلی ، فعدم الرادع جزء مقتضی الحجّیة إثباتا ، لا أنه مانع عن الحجة المفروغ عن حجّیتها.

وعلیه ، فمقتضی الحجّیة فی العام تام ، ولا مانع من تأثیره إلا السیرة التی یتوقف مانعیتها علی تمامیة اقتضائها ، ویتوقف تمامیة اقتضائها علی عدم رادعیة العمومات عنها ، ویتوقف عدم رادعیّتها مع وجود مقتضیها علی مانعیة شیء عن تأثیرها ، ولا مانع إلا السیرة التی عرفت حالها ، فمانعیّة السیرة یتوقف (3) علی مانعیّتها.

وبالجملة إثبات الرادعیة الفعلیة یتوقف علی إثبات المقتضی وعدم المانع ، والمقتضی علی الفرض موجود ، والمانع مستحیلة المانعیة ، فیقطع بالردع الفعلی ، وعدم تمامیة المقتضی فی السیرة.

نعم یمکن إبداء الفرق بین العام المقارن مع السیرة والمتأخر عنها ، فإن


1) ( 1 و 2 ) هکذا وردت فی النسخة المخطوطة بغیر خطه ، والصحیح : متقوم.

2) 2. الصحیح : تتوقف.

المقارن یتقوّم بعدمه المقتضی ، بخلاف المتأخر عنها ، فإنه یستحیل أن یکون المتأخر رادعا فعلیّا عن المتقدم.

فعدم الرادع فی موطن انعقاد السیرة هو المقوم لحجّیتها ، والمفروض عدم الرادع هناک ، فیتمّ اقتضائها ، فیکون حجة.

ویدور الأمر فی العام المتأخر والسیرة المتقدمة بین أن یکون السیرة المتقدمة مخصصة له أو العام المتأخر ناسخا للحکم الإمضائی ، ورافعا لحجیتها ، ومع عدم الترجیح یکفی استصحاب حجیة السیرة الثابتة قبل نزول الآیات الناهیة.

ومما ذکرنا یظهر أن مساق الآیات وإن کان عدم اعتناء الشارع بالظن ولو من أول الأمر ، ولذا یتوهم أنه مع تأخرها کاشفة عن عدم إمضاء الشارع لها ، وأنه لا یقین حینئذ بالحجیة سابقا حتی تستصحب.

لکنه توهم باطل لما عرفت من أن عدم الرضا الواقعی بل الردع الواقعی لا یمنع عن الحجیة ، وإنما یمنع عن الحجیة الردع الواصل حین انعقاد السیرة وثبوت الحجیة هذا.

إلا أن یقال : أن عدم الردع فی زمان یمکن فیه الردع هو المناط فی حجیة السیرة ، وحیث کان بناء التبلیغ علی التدریج فلعل زمان نزول الآیات أول أوقات إمکان الردع خصوصا عن مثل ما استقرت علیه سیرة العقلاء فی کل ملّة ونحلة.

والتحقیق أنه لا فرق بین العام المقارن والمتأخر إلا من حیث جریان الاستصحاب فی صورة تأخر العام بناء علی لزوم الدور من الطرفین لا بناء علی تقدیم الآیات للوجه المزبور ، وإلا فلا مجال للأصل مع وجود الدلیل.

وأما من حیث المزاحمة ، فلا لأن أصل حجیة السیرة متقومة بعدم الردع حدوثا وبقاء ، فهی وإن کانت حدوثا تام الاقتضاء ، لکنها بقاء غیر تام الاقتضاء

فتکون المزاحمة بین تام الاقتضاء وغیر تام الاقتضاء من حیث البقاء ، ولذا لم یفرق « قدس سره » فی إشکال الدور من هذه الجهة کما لم یفرق غیره أیضا.

مع وضوح أن العام دائما متأخر عن ما بنی (1)العقلاء بما هم عقلاء علی العمل بشیء ، فانه لا یختص بزمان دون زمان ولا بملّة ونحلة خاصة.

وربما یتوهم تقدیم الآیات الرادعة بوجه آخر وهو أن حجیة السیرة بحکم العقل التعلیقی ، فلا محالة یرتفع بوجود الحجة التنجیزیّة ، نظرا إلی أن حجیة السیرة :

إما من باب حکم العقل بقبح المؤاخذة علی أزید مما استقرت علیه سیرة العقلاء من دون استکشاف رضا الشارع وإمضائه ، فیکون کحکم العقل من باب الحکومة فی صورة الانسداد.

وإما من باب حکم العقل بقبح نقض الغرض ، حیث إن بناء العقلاء بمرأی من الشارع ، فلو لم یکن راضیا به وأمکنه الردع ولم یردع لکان ناقضا لغرضه ، وهو قبیح عقلا.

وأنت خبیر بما فی الوجهین : أما فی الأول ، فلأن حکم العقل استقلالا بقبح المؤاخذة علی أزید مما بنی علیه العقلاء لا بد من أن یکون بمقدمات توجب الانتهاء إلی هذا الحکم العقلی کمقدمات الانسداد الموجبة له هناک ، وعدم هذه المقدمات من الوضوح بمکان ، ولا جزاف فی الأحکام العقلیة.

وأما فی الثانی ، فلأن الکبریات الشرعیة التی بلحاظها یکون الحکم شرعیا دائما منتهیة إلی الکبریات العقلیة ، ومع ذلک لم یکن تلک الکبریات الشرعیة داخلة تحت الکبریات العقلیة ، فلو فرض أن الشارع قال : صریحا بأن السیرة حجة لأمکن إدراجه تحت کبری عقلیة بأن یقال : لو لم یکن الشارع فی


1) 1. کذا فی النسخة المخطوطة بغیر خطه ، والصحیح : عما بنی.

کلامه هذا راضیا بالعمل بالسیرة لکان ذلک منه إغراء بالجهل وهو قبیح عقلا ولا یتوهم متوهم أن حجیة السیرة حینئذ من باب قبح الإغراء بالجهل.

وبالجملة تقریر الشارع بعدم ردعه کفعله أو قوله دلیل الحجّیة شرعا وإن کانت حجیة قوله وفعله وتقریره عقلیّة فلا تغفل. هذا کله فی تقریب رادعیّة الآیات الناهیة.

والتحقیق حجّیة الخبر بالسیرة وعدم رادعیّة الآیات ، فان ما ذکرنا من کون المعارضة والمزاحمة من قبیل مزاحمة تام الاقتضاء وغیر تام الاقتضاء غیر تام من حیث البناء والمبنی :

أما من حیث البناء ، فلأن ما ذکر إنما یسلم إذا لم یکن عدم تمامیة الاقتضاء مستندا إلی تأثیر تام الاقتضاء ، ولم یکن تمامیة الاقتضاء مساوقة لفعلیة التأثیر.

وأما السیرة ، فعدم تمامیّة الاقتضاء فیها مستند إلی رادعیة العام فعلا ، لا إلی غیر تأثیر العام حتی لا تکون صالحة للمزاحمة ، سواء کان هناک عام أو لا.

کما أن تمامیة اقتضائها بعدم تأثیر العام مساوق لحجیتها ، إذ لا مانع علی الفرض ، والرادع مفروض العدم.

وإذا کان کذلک فتأثیر العام منوط بعدم تأثیر السیرة إناطة المشروط بشرطه ، وتأثیر السیرة منوط بعدم تأثیر العام من باب إناطة المقتضی بمقوّمه ، فکلاهما فی المنع عن فعلیّة التأثیر علی حد سواء.

وأما من حیث المبنی ، فلما تقدم فی مبحث حجیة الظواهر ولو مع الظن بالخلاف من وقوع الخلط بین المقتضی فی مقام الثبوت والمقتضی فی مقام الإثبات : وما هو المفروغ عنه فی العام هو المقتضی ثبوتا وهو ظهوره العمومی وکشفه النوعی.

وأما المقتضی إثباتا فهو بناء العقلاء ، فلو کان للعقلاء بناءان بنحو العموم والخصوص بفرض بناء علی العمل بالعام مطلقا وبناء آخر علی العمل بخبر الثقة فی قبال العموم لأمکن أن یقال : بأن الشارع أمضی البناء العمومی

ولم یمض البناء الخصوصی.

وأما إذا کان البناء العملی إما علی اتباع الظهور العمومی مطلقا ولو کان فی قباله خبر ، أو علی اتباعه ما لم یکن فی قباله خبر کما هو الواقع ، فلا محالة لا مقتضی لحجیة الظهور العمومی فیما یتعلق بخبر الثقة ، وإذا لم یکن منهم بناء عملی ، فلا موقع للامضاء ، فهذا الظهور العمومی لا مقتضی لحجیته فی بعض مدلوله ، فلا رادع عن البناء العملی علی اتباع خبر الثقة.

وما ذکرناه (1)فی مبحث حجّیة الظواهر أن نهی الشارع عما بنی العقلاء علی اتباعه یمکن أن یکون بإطلاقه نهیا عن رفع الید به عن الظهور الذی فی قباله ، فیکون بالملازمة أمرا باتباع الظهور ، فیکون إثباتا لحجیة هذا الظاهر الخاص ابتداء لا إمضاء.

غیر جار هنا ، فان النهی الذی یکون أمرا بالملازمة هو هذا الظهور الذی لا مقتضی له ، فکیف یکون هو أمرا باتباع نفسه ، فتدبره ، فانه حقیق به.

ولکنه سیجیء إن شاء الله تعالی فی مبحث (2)الاستصحاب أن عدم بناء العقلاء علی العمل بالعمومات الرادعة لیس بملاک العام والخاص ولا بملاک الظاهر والظن بالخلاف کما قدمناه (3)، بل بملاک بنائهم علی اتباع الخبر ، ولا یعقل بنائهم عملا علی طرحه ، ولذا لو ورد ظاهر بالخصوص علی المنع عن الخبر لم یکن متبعا عندهم أیضا ، ومع ذلک إذا سئل العقلاء من لزوم اتباع الظهور العمومی أو الخصوصی المانع عن العمل بالخبر علی المکلف الملقی إلیه ذلک الظهور من قبل مولاه مع عدم حجة أخری أقوی من قبله یحکمون بلزومه


1) 1. فی آخر تعلیقة 74 حیث قال إلا أن یجعل المنع عن اتباع مثل ذلک الظن شرعا إلی آخره فراجع.

2) 2. نهایة الدرایة 5 - 6 : التعلیقة 11.

3) 3. فی التعلیقة 74.

علیه ، وأن مخالفته ظلم علی المولی.

وقد أجبنا عن (1)الآیات من حیث قصورها فی نفسها أو من حیث الحکومة فی مبحث الاستصحاب ، فراجع.

ثم اعلم أن تقریب الدور فی المقام وأشباهه لیس بملاحظة مقام الثبوت ، فان الوجوب والحرمة أو الوجوب وعدمه أو الحرمة وعدمها أو المنجّزیة وعدمها والمبرئیّة والمعذریّة وعدمها (2)جمیعا إما متناقضان أو متضادّان ، ولا توقف للنقیض علی عدم نقیضه ، ولا للضد علی عدم ضده ، ولا لعدم الضد علی وجود ضده.

بل بملاحظة مقام الإثبات ، ولکنه لا من حیث سببیّة الظهور أو الخبر للکشف التصدیقی ولو ظنّیا ، إذ لا یعتبر فی شیء منهما فعلیّة الکشف التصدیقی ولو ظنّیا ، والکشف النوعی محفوظ فی الدلیلین المتعارضین ، ولا یختل الکشف النوعی بورود کاشف نوعی آخر ولو کان أقوی.

بل بلحاظ أن الظهور أو الخبر باعتبار دلیل اعتبارهما سبب للکشف القطعی إما عن الحکم المماثل أو عن المنجزیة للواقع ، وسببیّة کل منهما للکشف التصدیقی عن أحد الأمرین وتأثیره فیه مشروط بعدم تأثیر الآخر ، فافهم وتدبر.

فی أول الوجوه العقلیّة علی حجیة الخبر

117 - قوله « قده » : أحدها أنه یعلم إجمالا بصدور کثیر ... الخ (3).

تقریبه علی وجه لا یرد علیه ما أورده شیخنا العلامة الأنصاری (4)« قدس سره » هو أن العلم الإجمالی وإن کان حاصلا بثبوت تکالیف واقعیّة فی مجموع

أول الوجوه العقلیة علی حجیة الخبر


1) 1. نهایة الدرایة 5 - 6 : التعلیقة 11.

2) 2. والصحیح : عدمها.

3) 3. کفایة الأصول / 304.

4) 4. فرائد الأصول المحشی 1 / 146.

الروایات وسائر الأمارات من الإجماعات المنقولة والشهرات وأشباهها ، ضرورة أن دعوی عدم العلم بمطابقة بعض الإجماعات المنقولة والشهرات للواقع خلاف الإنصاف جدا.

إلا أن مجرد تضمن بعض الإجماعات المنقولة وبعض الشهرات لتکالیف واقعیّة لا یجدی ، لاحتمال توافقها مع ما تضمنه الأخبار الصادرة واقعا بحیث لو عزلت الإجماعات المنقولة والشهرات المتوافقة ، مع جملة من الأخبار لم یکن منع العلم الإجمالی بثبوت تکالیف واقعیّة فیما عداها بعیدا ، فالالتزام بالعلم الإجمالی فی مجموع الروایات وسائر الأمارات لا یقتضی الاحتیاط فی تمام الأطراف لمکان احتمال الانطباق علی ما تضمنه الأخبار ، فلا علم إجمالی بتکالیف أخر زیادة علی ما فی الأخبار.

ومما ذکرنا یظهر أن ما أفاده شیخنا الأستاد « قدس سره » هنا وفی تعلیقته (1)الأنیقة علی الرسائل لیس مبنیّا علی إنکار العلم الإجمالی فی الروایات وغیرها بل ، مبنی علی عدم تأثیره لمکان احتمال الانطباق الراجع إلی قصور العلم الإجمالی عن التأثیر فی التنجز ، لا مانعیة العلم الإجمالی فی خصوص الروایات عن اقتضاء العلم الإجمالی الکبیر للتنجز کما هو کذلک فیما إذا قامت الحجة المعتبرة علی بعض الأطراف ، فان حجیتها : إن کانت بمعنی تنجیز الواقع ، فالعلم الإجمالی لا یعقل أن یکون منجزا للمعلوم علی أی تقدیر ، إذ أحد التقادیر کون الحکم فی مورد الحجّة المعتبرة ، والمنجّز لا یتنجّز.

وإن کانت بمعنی جعل الحکم المماثل ، فالعلم الإجمالی لا أثر له ، إلا إذا تعلق بحکم فعلی علی أی تقدیر ، ولا یعقل أن یکون الواقع فی مورد الحجة فعلیّا ، لاستحالة اجتماع حکمین بعثیین فعلیین فی مورد واحد.


1) 1. التعلیقة علی الرسائل / 72.

بخلاف ما نحن فیه ، فان نسبة العلمین إلی ما تضمنه الأخبار من التکالیف علی حد سواء من حیث الفعلیة والتنجّز.

بل احتمال انطباق مورد العلم الإجمالی الکبیر علی مورد العلم الإجمالی الصغیر یوجب قصور العلم الاجمالی الکبیر عن تعلقه بتکالیف فعلیّة زیادة علی ما فی مؤدّیات الروایات. فهو من قبیل ما إذا علم بوجود غنم موطوء فی قطیع الغنم وبوجود غنم مغصوب فی ذلک القطیع ، مع احتمال أن یکون المغصوب هو الموطوء ، فلو علم تفصیلا ذلک الموطوء لم یبق إلا احتمال المغصوب فی ما عداه.

ومما ذکرنا تبین أن ما أفاده « قدس سره » فی تعلیقته (1)المبارکة فی ذیل مانعیة احتمال الانطباق عن تأثیر العلم الإجمالی الکبیر من حجیة الأخبار الصادرة وتنجز التکالیف بها مستدرک قال « قدس سره » إلا أن احتمال انطباقها علی الموارد التی نهض علی التکلیف فیها خصوص الأخبار الصادرة ، مع بداهة حجیتها وتنجز التکالیف المدلول علیها وفعلیتها ظاهرا مطلقا أصابت الواقع أو أخطأت عنها یکون مانعا عن تنجزها فیما صادفت غیر تلک الموارد من الأطراف إلی آخره.

ومن البین أن الموجب للانحلال مجرد احتمال الانطباق الذی معه لا علم إجمالا بتکالیف فعلیة أخری حتی تتنجز بالعلم بها ، لا تعلق العلم الإجمالی بالحجة المنجزة للتکالیف ، فان حجیة الأخبار الواقعیة أول الکلام ، والمفروض أن المستدل بصدد إثبات کونها بحیث یعامل معها معاملة الحجة ، والمنجز بالحقیقة لتلک التکالیف هو العلم الاجمالی.

مضافا إلی أن العلم بصدور کثیر من الأخبار لیس علما بالحجة ، إذ الخبر المفروض صدوره عن الإمام علیه السلام لیس حجة تعبدیة حتی یکون العلم


1) 1. التعلیقة علی الرسائل / 72.

به تفصیلا أو إجمالا علما بالحجة ، ومع ذلک کله فهو مستدرک کما أشرنا إلیه ، لما عرفت من أن الموجب للانحلال احتمال الانطباق لا غیر ، فتدبر جیدا.

والتحقیق فی حسم مادة النزاع أنه لا بد من مراجعة الفقه وملاحظة لأخبار المدونة والإجماعات المنقولة والشهرات وإن (1)کان بعد عزل کثیر من الأخبار أو أکثرها الذی ادعی الشیخ الأعظم قدس سره فی رسائله العلم بصدوره وملاحظة الإجماعات المنقولة والشهرات المطابق مضمونها لتلک الأخبار وإن کان (2)بعد عزل مقدار المعلوم بالإجمال من الأخبار وعزل ما یطابقه من الإجماعات المنقولة والشهرات کان (3)ضم البقیة القلیلة من الأخبار إلی بقیة لإجماعات والشهرات موجبا لحدوث علم إجمالی فی هذه الطوائف المنضمة ، فهو شاهد علی أن العلم الإجمالی الکبیر یشتمل علی تکلیف زائد علی ما یتضمنه العلم الإجمالی الصغیر ، فلا مانع من تنجیزه لتلک التکالیف فی أطرافه.

وإن لم یکن الضم بعد العزل موجبا لعلم إجمالی بالتکلیف صح ما ادعاه شیخنا الأستاد « قدس سره » ، ولا أظن بعد وفاء المعلوم بالإجمال من الأخبار بمعظم الفقه وقلة الباقی أن یوجب الضم علما إجمالیا کما یدعیه الشیخ الأجل (4)« قدس سره » والله أعلم.

ثم إنه بعد ما فرضنا من انحصار الاحتیاط فی موارد الروایات بخصوصها نقول : إنها : تارة تکون فی قبال الأصول العملیة.


1) 1. هکذا وردت العبارة فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف قده ، لکن الصحیح : فان کان.

2) 2. هذه العبارة تکرار لما قبلها إلی قوله والشهرات.

3) 3. کلمة کان وردت فی النسختین لکن الصحیح زیادتها کما قبلها علی ما نبهنا به فضم البقیة متعلق بکان الاولی وموجبا خبرها والباقی من العبارة تکرار.

4) 4. فرائد الأصول المحشی 1 / 145 و 146.

وأخری فی قبال الأصول اللفظیة.

فان کانت فی قبال الأصول العملیة ، فاما أن تکونا متوافقتین فی الإثبات أو النفی ، وإما أن تکونا متخالفتین :

فإن کانت الأخبار مثبتة للتکالیف والأصول أیضا ، کذلک سواء کانت مثبتة لما یماثلها أو لما یضادها موضوعا أو حکما ، فلا ینجز العلم الإجمالی بالإضافة إلی تلک الأخبار المثبتة لما أشرنا إلیه آنفا أن مفاد الأصل سواء کان حکما فعلیا أو تنجز الحکم الواقعی لا یعقل تأثیر العلم فی مورده ، لامتناع فعلیة الواقع مع فعلیة الحکم المجعول علی طبق الأصل ، ولامتناع تنجّز المتنجّز.

وبه یندفع توهم تأثیرهما فی الحکمین المتماثلین لموضوعین أو المتضادین لموضوع واحد بالاحتیاط فی الأول والتخییر فی الثانی ، إذ مع فعلیة وجوب الجمعة مثلا باستصحابه لا علم إجمالی بتکلیف فعلی للظهر أو بالحرمة للجمعة حتی یجب الاحتیاط فی الأول ویتخیّر فی الثانی.

وإن کانت الأخبار مثبتة والأصول نافیة : فان کانت الأصول النافیة بحد یعلم إجمالا بمخالفتها للواقع للعلم الإجمالی بصدور جملة من الأخبار المثبتة المنافیة لها فلا مجال للعمل علی طبق الأصول ، للزوم المخالفة القطعیة العملیة ، واجراء بعضها دون بعض ترجیح بلا مرجح.

وإن لم یکن بهذا الحد فالمسألة مبنیّة علی جریان الأصول فی بعض أطراف العلم الإجمالی وعدمه ، نظرا إلی أنها مغیاة بعدم العلم ولو إجمالا بخلاف الحالة السابقة ، وسیأتی إن شاء الله تعالی تحقیق القول فیه فی دلیل الانسداد (1)وفی آخر الاستصحاب (2).


1) 1. فی التعلیقة 132.

2) 2. نهایة الدرایة 5 - 6 : التعلیقة 123.

وإن کانت الأخبار نافیة والأصول نافیة ، فحالها حال المثبتین ، غایة الأمر أنّ المحذور هناک امتناع الحکمین الفعلیین وتنجّز المنجّز ، وهنا لغویة جعل عدم الوجوب فعلا مرتین ولغویة جعل العذر حقیقة مرّتین ، فلا أثر للعلم الإجمالی حینئذ.

وإن کانت الأخبار نافیة والأصول مثبتة سواء کانت بحد یعلم إجمالا بمخالفتها للواقع أولا بذلک الحد یتبنی جریانها علی شمول أدلة الأصول لصورة العلم الإجمالی بالخلاف.

نعم مثل قاعدة الاشتغال الغیر المغیّاة بذلک تکون منجزة للحکم ، ولا أثر حینئذ للعلم الإجمالی ، إذ بعد تنجز الواقع فی طرف بالقاعدة یستحیل تعلق العلم الإجمالی بعدم فعلیّته لیترتب علیه المعذوریة.

بقی الکلام فی أثر الخبر النافی حتی یکون العلم به إجمالا مؤثرا ، فان ظاهر الشیخ (1)الأجل « قدس سره » فی الرسائل اختصاص تأثیر العلم الإجمالی بصورة قیام الخبر علی ثبوت التکلیف لا نفیه ، وظاهر شیخنا الأستاد « قدس سره » أنه کالخبر المعلوم تفصیلا (2)فیما له من الأثر ، فأثر العلم به تفصیلا أو إجمالا جواز العمل علی طبقه.

وتحقیق القول فیه أن وصول التکلیف اللزومی تفصیلا أو إجمالا یوجب التنجز بمعنی أنه یحقق عنوان مخالفة التکلیف الواصل المندرجة تحت عنوان الظلم المحکوم عقلا باستحقاق الذم والعقاب ، وعدم استحقاق العقاب بعدم علّته التامة ، وعدمها تارة بعدم المخالفة ، وأخری بعدم التکلیف حقیقة ، وثالثة


1) 1. فی أواخر الوجه الأول من الوجوه العقلیة التی أقیمت علی حجیة خبر الواحد.

2) 2. یعنی فی المتن حیث قال قدس سره : ولازم ذلک لزوم العمل علی وفق جمیع الأخبار المثبتة وجواز العمل علی طبق النافی منها فیما إذا لم یکن فی المسألة أصل مثبت له من قاعدة الاشتغال أو الاستصحاب إلی آخره. کفایة الأصول / 305.

بعدم وصوله ، وهذا الأخیر هو المراد بقاعدة قبح العقاب بلا بیان.

ومن الواضح أن وصول عدم التکلیف تفصیلا محقق لنقیض ما هو جزء العلة التامة لاستحقاق العقاب ، ووصوله بالحجة الشرعیة محقق للنقیض تنزیلا.

بخلاف وصوله (1)إجمالا فانه یجتمع مع احتمال التکلیف ، فلا یکون محققا للنقیض ، ویجتمع مع الحجة علی التکلیف ، فلا یکون معذرا عن مخالفة التکلیف ، فلا بد فی دفع احتمال التکلیف من حیث التأثیر فی العقوبة بالتشبث بعدم وصوله لا بوصول عدمه الغیر المنافی لاحتماله بل للحجة علی ثبوته ، فالعلم الإجمالی بعدم التکلیف لا أثر له عقلا ولا شرعا.

وقد عرفت آنفا أن العلم الإجمالی بصدور کثیر من الأخبار لیس علما بوجود الحجة ، بل علم بصدور المخبر به ولهذا العلم یراد أن یعامل مع الخبر معاملة الحجة ، فلیس العلم الإجمالی بالخبر النافی علما بالمعذر الشرعی ، فتدبر جیدا.

ومما ذکرنا تبین أن ما أفاده (2)الشیخ الأجل « قدس سره » من أن مقتضی


1) 1. یعنی بخلاف وصول عدم التکلیف اجمالا فانه لا یترتب علیه الأثر وهو تحقق نقیض ما هو جزء العلة التامة لاستحقاق العقاب مع انه کان یترتب فیما کان وصوله تفصیلا ولذا یجتمع مع الحجة الشرعیة علی التکلیف کما اذا علم اجمالا بنجاسة أحد الکأسین مع العلم بطهارة الآخر فان عدم التکلیف واصل اجمالا لکن لا یترتب علیه الاثر لوجوب الاجتناب عن النجس فی البین شرعا وبما انه غیر معلوم تفصیلا فیجب الاجتناب عن الکأسین عقلا لیحصل الموافقة القطعیة وعلیه فاذا علم بعدم التکلیف اجمالا کما اذا علم بعدم نجاسة احد الکأسین وطهارته وشک فی نجاسة الآخر وطهارته لم یصح التمسک بوصول عدم التکلیف اجمالا لدفع احتمال التکلیف من حیث التاثیر فی العقوبة لأنه لا ینافی احتمال التکلیف ولا یرفع اثره بل لا ینافی الحجة علی ثبوت التکلیف بالنسبة الی الکأس الآخر وحینئذ فاللازم فی دفع احتمال التکلیف هو التمسک بعدم وصول التکلیف فانه الذی یرفع أثر الاحتمال لا وصول عدم التکلیف اجمالا فانه لا یترتب علیه أثر لا شرعا ولا عقلا.

2) 2. تقدم الإشارة إلیه فی التعلیقة حیث قلنا فی أواخر الوجه الأول إلی آخره.

هذا الدلیل وجوب العمل بالخبر والخبر النافی لا یجب العمل به.

مدفوع بأن أثر العلم لیس الوجوب عقلا ولا شرعا حتی لا یعقل فی الخبر النافی ، بل أثره التنجز ، وعدمه لیس مستندا إلی العلم الإجمالی بالنفی ، بل إلی عدم العلم بالتکلیف ، کما أن المعذریّة أثر الحجة الشرعیة المجامعة مع احتمال التکلیف.

کما أن ما أفاده (1)شیخنا العلامة الأستاد « رحمه الله » من جواز العمل علی طبق الخبر النافی لا یرجع إلی محصل ، فان الجواز التکلیفی من العقل بما هو غیر معقول کسائر الأحکام التکلیفیة منه. وبمعنی المعذریّة کذلک ، لأنه أثر الحجة الشرعیة کما عرفت. وبمعنی عدم التنجز مستند إلی عدم وصول التکلیف حقیقة وتنزیلا ، لا إلی وصول عدمه إجمالا کما عرفت مفصلا هنا. هذا کله إذا کانت الأخبار المعلومة الصدور إجمالا فی قبال الأصول العملیّة.

وإن کانت فی قبال الأصول اللفظیة من عموم أو إطلاق أو نحوهما ، فلا أثر للعلم الإجمالی بالإضافة إلی الخبر النافی ، لأن الظهور حجة إلی أن تقوم حجة أقوی علی خلافه.

ومن البین أن أطراف العلم الإجمالی یؤخذ بها من باب الاحتیاط لا من حیث الحجیة حتی یکون من قبیل قیام أقوی الحجتین علی أضعفهما.

فی الوجه الأول عقلا علی حجیة الظن

118 - قوله « قده » : وأما الکبری فلاستقلال ... الخ (2)

لا یذهب علیک أن ترتب الأثر المهم من الحجیة إما أن لا یحتاج إلی

فی الوجه الأول عقلا علی حجیة الظن


1) 1. قد عرفت التنبیه علیه.

2) 2. کفایة الأصول / 308.

کبری عقلیة أصلا ، وإما أن یحتاج إلی کبری عقلیة بملاک الحسن والقبح ، وذلک لأنه : إن أرید بالضرر العقوبة ، فمن الواضح أن تسلیم الصغری وهو الظن بالعقوبة للظن بالحکم کاف فی المقصود من دون إضافة کون الضرر المظنون مما یفر عنه کل ذی شعور أو مما التزم بدفعه العقلاء عملا ، ضرورة أن المراد من الحجیة تنجز الواقع عند إصابة الطریق ، والظن بالحکم لو سلم کونه ملازما للظن بالعقوبة کان کذلک وإلا لم یکن ظنا بالعقوبة ، فلا حاجة فی ترتبها عند إصابة الظن إلی حکم من العقلاء أصلا.

وإن أرید بالضرر المفسدة ، فمن البین أن مجرد کون الضرر مما یفر عنه کل ذی شعور أو مما التزم بدفعه العقلاء عملا من حیث إنهم ذوو شعور لا یجدی فی ترتب العقوبة علی مخالفة المظنون ، إلا إذا اندرج فی القضایا العقلیّة بملاک الحسن والقبح حتی یکون فعله مما یذم علیه عند العقلاء فیکون مما یعاقب علیه شرعا.

119 - قوله « قده » : إلا أن یقال إن العقل وإن لم یستقل ... الخ (1).

قد مر غیر مرة أن استحقاق الذم والعقاب عقلا مترتب علی هتک حرمة المولی وهو ظلم علیه.

ومن الواضح أن عنوان الظلم والخروج عن زی الرقیة ورسم العبودیة لا یصدق إلا إذا کانت مخالفة التکلیف مخالفة لما قامت علیه الحجة عقلا أو شرعا ، والظن بمجرده لیس کذلک ، إذ المفروض أنه فی نفسه لیس حجة عقلائیة والغرض معاملة الحجة معه بکبری دفع الضرر المظنون المتوقف علی حجیته فی نفسه حتی یتحقق موضوع القاعدة وهو الظن بالعقوبة.

وأما کونه حجة شرعا واقعا ، فلا یحقق موضوع القاعدة ، لأن الحجیة


1) 1. کفایة الأصول / 309.

الشرعیة سواء کانت بمعنی جعل الحکم المماثل أو بمعنی تنجیز الواقع یتقوم بالوصول عقلا :

أما علی الأول ، فواضح ، لأن الحکم المماثل کنفس الحکم الواقعی من حیث عدم الأثر إلا بعد الوصول ، وإلا لکفی نفس وجود الحکم الواقعی فی استحقاق العقوبة علی مخالفته من دون حاجة إلی جعل الحکم المماثل علی طبقه.

وأما علی الثانی ، فلأن وجود الحکم المجعول لو کان کافیا فی تنجزه بمجرد الظن به أو احتماله لما کانت حاجة إلی جعل التنجز من الشارع ، فجعل التنجز واقعا کجعل الحکم واقعا لا أثر له عقلا.

هذا إذا کانت العقوبة بحکم العقل.

وأما إذا کانت بجعل الشارع ، فکما أن مقتضی قاعدة اللطف البعث إلی ما فیه المصلحة والزجر عما فیه المفسدة لإیصال العباد إلی مصالحهم ودفع وقوعهم فی المفاسد کذلک مقتضی قاعدة اللطف إیصال البعث والزجر تحصیلا لذلک الغرض.

وکما أن جعل العقاب لغرض تمامیة اقتضاء البعث والزجر للدعوة فی نفوس العامة ، کذلک عین هذا الغرض یقتضی إیصال جعل العقاب تحقیقا للدعوة ، وإلا فوجوده الواقعی لا یحقق الدعوة.

وعلیه ففعلیّة استحقاق العقوبة عقلا وشرعا بفعلیّة الحجّة الشرعیّة المحقّقة لعنوان الظلم المحکوم باستحقاق الذم والعقوبة علیه فی الأول ، وبفعلیة جعل العقاب بوصوله فی الثانی فلا معنی لعدم استقلال العقل باستحقاق العقوبة وعدم استقلاله بعدم استحقاقها ، بل إما یحکم بالاستحقاق أو بعدمه. بل الاستحقاق حیث إنه علی فرضه « قدس سره » بحکم العقل کما هو المعروف أیضا ، فلا معنی لعدم الجزم بأحد الطرفین ، لأن هذا الحکم من العقلاء ، لیس مترتبا علی عنوان یعلم صدقه تارة ویشک فیه أخری ، بل هو عبارة عن بناء

العقلاء عملا علی المدح والذم ، وبنائهم فی مخالفة التکلیف المظنون إما علی الذم أو لا ، فلا تغفل.

120 - قوله « قده » : ودعوی استقلاله بدفع الضرر المشکوک ... الخ (1)

قد عرفت (2)أن مجرد فرار العقلاء عملا عن الضرر المقطوع أو المظنون أو المشکوک : إما مستدرک إذا کان المراد به العقوبة ، إذ المفروض ترتبها لو کانت ثابتة واقعا سواء کان حکم من العقلاء علی دفعه أم لا.

وإما لا یجدی مجرد فرارهم عنه إذا کان المراد به غیر العقوبة من المضار الدنیویة ، إذ لا یتم أمر الحجّیة إلا بعد ترتب استحقاق العقوبة علی عدم دفعه ، وهو بمجرد بناء العقلاء علی دفعه عملا غیر ثابت کما لا یخفی.

بل التحقیق أنه لیس من موارد قاعدة التحسین والتقبیح : أما إذا أرید به العقوبة ، فلأن الإقدام علی ما یترتب علیه العقوبة بحکم العقل أعنی المعصیة لیس موردا لذم آخر أو لعقوبة أخری من العقل والشارع.

مع خروجه عما فیه ملاک الحسن والقبح من جهة أخری ، إذ استحقاق الذم والعقاب لیس مما اقتضاه البرهان بل داخل فی القضایا المشهورة المیزانیّة التی تطابقت علیها آراء العقلاء حفظا للنظام وابقاء للنوع.

ومن البین أن الإقدام علی ما یستحق العقاب علیه إذا قطع النظر عن الجهة المقتضیة لاستحقاق العقاب لا یؤدی بنوعه إلی اختلال النظام وفساد النوع ، إذ الأمر المترتب علی هذا الإقدام غیر مربوط بهذا النظام ، بل لو ترتب العقاب لکان فی الآخرة ، فتدبره فانه دقیق.


1) 1. کفایة الأصول / 309.

2) 2. فی التعلیقة : 118.

وأما إذا أرید به الضرر الدنیوی ، فلأن تحمل المضار لا یؤدی إلی اختلال النظام وفساد النوع بخلاف الإضرار بالغیر ، ولذا لا شبهة فی عدم القبح فی تحمل المضار لجلب منفعة ، بخلاف إضرار الغیر لإیصال نفع إلیه فلیس الوجه فی عدم قبح إضرار الشخص بنفسه جبره بمنفعة عائدة إلیه ، وإلا جاز مثله بالنسبة إلی الغیر.

نعم إدخال الضرر بلا نفع یعود إلی الشخص لغو لا یقدم علیه العقلاء لا أنّهم یذمّون المقدم علیه بملاک إخلال ذلک الإقدام بالنظام.

ومنه تعرف أن دفع الضرر المقطوع فضلا عن غیره غیر واجب بملاک الحسن والقبح.

121 - قوله « قده » : إلا أنها لیست بضرر علی کل حال ... الخ (1).

بل یکفی کونها ضررا فی بعض الأحوال بناء علی ما تقدم (2)منه « قدس سره » من استقلال العقل بدفع الضرر المشکوک کالمظنون ، فان الظن بالمفسدة یجامع احتمال کونها مضرة ، فیجب دفعها من حیث لزوم دفع الضرر المحتمل.

122 - قوله « قده » : مع منع کون الأحکام تابعة للمصالح والمفاسد ... الخ (3).

هذا إنما یجدی لو قیل : بکفایة مجرد المصلحة وعدم المفسدة فی التکلیف ، فانه حینئذ لا یلازم الظن به الظن بهما فی متعلقه.

بخلاف ما إذا قیل : بلزومهما فی التکلیف زیادة علی المصلحة والمفسدة فی المأمور به والمنهی عنه ، فان الظن بالتکلیف الفعلی یلازم الظن بوجود کل ما له


1) 1. کفایة الأصول / 309.

2) 2. کفایة الاصول : 308.

3) 3. کفایة الأصول / 309.

دخل فی فعلیّة التکلیف نفسا ومتعلقا ، ولیس الظن متعلقا بدوا بالمصلحة أو المفسدة فی الفعل حتی لا یجدی فی وجوب الاستیفاء أو الاحتراز شرعا ، لإمکان عدم تمامیة مصلحة التکلیف بنفسه أو وجود مفسدة فیه ، بل المفروض الظن بهما من جهة الظن بالتکلیف الفعلی.

ولا یخفی علیک أن مسلکه « قدس سره » هو الثانی.

123 - قوله « قده » : ولا استقلال للعقل بقبح ما فیه احتمال المفسدة ... الخ (1).

نعم عن الشیخ « قدس سره » فی العدة (2)إلحاق ما لا یؤمن مفسدته بما علم مفسدته فی قبح الإقدام علیه مستشهدا بقبح الإخبار بما لا یعلم کقبح الإخبار بما علم عدمه.

والقیاس بلا وجه لأن القبیح عقلا فی باب الکذب هو الکذب المخبری دون الخبری ، لاستحالة إناطة استحقاق الذم عند العقلاء بالخارج عن الاختیار.

ومن الواضح أن القول بغیر علم کالقول بما علم عدمه من حیث مناط القبح ، وهو عدم العلم الوجدانی بالمخبر به ، فالقول بغیر علم بحسب اعتقاد المخبر قول بغیر الواقع بحسب اعتقاده ، إذ لا واقع للموجود فی اعتقاد المخبر إلا ظرف وجدانه ، وهو معدوم فیه قطعا.

وأما حکم العقل بدفع المفسدة المحتملة ، فقد عرفت سابقا أنه إن کان الحکم العقلی بملاک التحسین والتقبیح العقلیین ، فهو مجد فی ترتب الأثر المترقب من الحجیة ، وإلا فلا.

ومن المعلوم أن المفسدة لیست ضررا کما عرفت ، وعلی فرضه لیست


1) 1. کفایة الأصول / 310.

2) 2. عدة الأصول : 118.

داخلة تحت الکبری العقلیّة بملاک التحسین والتقبیح.

وأما وجوب دفع المفسدة بملاحظة وجوب تحصیل الغرض وحرمة تقویت الغرض ونقضه.

ففیه أن الغرض الواقعی لا یجب تحصیله عقلا ولا یحرم نقضه ، فحال الغرض الواقعی حال البعث والزجر المنبعثین عنه واقعا ، فکما أن مخالفة البعث الذی لا حجة علیه لیست ظلما یستحق علیه الذم والعقاب ، کذلک عدم تحصیل الغرض الواقعی ونقضه ، فانه ما لم یقم حجة علیه لا یکن (1)ظلما مذموما.

بل التحقیق أن القطع بالمفسدة والمصلحة الواقعیّتین کذلک ، لما مر أنهما من قبیل المقتضی للبعث والزجر ، لا العلة التامة لهما.

ومع احتمال المفسدة الغالبة فی البعث والزجر لا تکون المصلحة والمفسدة غرضا ملزما حتی یکون القطع بهما قطعا بالغرض الملزم لیجب تحصیله ویحرم نقضه. وقد مر تحقیقه فی أوائل مباحث القطع (2)فراجع.

فی الوجه الثانی عقلا

124 - قوله « قده » : لو لم یؤخذ بالظن لزم ترجیح ... الخ (3).

لا یخفی علیک أن المراد من الراجح والمرجوح ما هو کذلک بحسب الأغراض المولویة لا الأغراض الشخصیة ، فانه محال لا قبیح ، لاستحالة تأثیر الأضعف دون الأقوی.

فالتردید هنا بین إرادة الراجح بحسب غرض الفاعل والراجح بحسب

فی الوجه الثانی عقلا


1) 1. هکذا وردت فی المخطوط بغیر خطه قده والصحیح لا یکون.

2) 2. فی التعلیقة 9 فراجع.

3) 3. کفایة الأصول / 310.

الغرض المولوی بلا وجه.

کما أن موافقة المرجوح بحسب الغرض المولوی للغرض العقلائی لا تخرجه عن المرجوحیة ، بتوهم أنه راجح عقلا ، فلا معنی لحکم العقلاء بقبحه ، وذلک لأن الغرض العقلائی یوجب الرجحان فی حد ذاته لا الرجحان بالفعل ، إذ مقام العبودیة والمولویة محفوظ عند العقلاء أیضا ، فلیس للعبد ترجیح ما یوافق الغرض العقلائی علی الغرض المولوی.

فحینئذ نقول : إن الظن بوجوب شیء وإن کان یقتضی رجحان الوجوب علی غیره ، لکنه بالاقتضاء لا بالفعل ، وإنما یصیر الراجح بالذات راجحا بالفعل ما لم تکن أمارة معتبرة مقتضیة لغیره أو أصل معتبر مقتض لغیره ، وإلا لکان الراجح بالفعل غیره. فتمامیة هذا الدلیل یبتنی علی مقدمات الانسداد حتی یتمحض المسألة فی الظن والوهم مثلا لیقال : إن الامتثال الظنی أرجح من الامتثال الوهمی. ومرجع الجواب حینئذ إلی منع الصغری وأنه لم یعلم قبل تمامیة مقدمات الانسداد أن موافقة الظن راجحة بالفعل لتدخل تحت عنوان ترجیح المرجوح علی الراجح.

مضافا إلی ما مر من أن الأثر المهم من الحجّیة استحقاق العقوبة علی المخالفة ، فالکبری العقلیة لا بد من أن تکون بملاک التحسین والتقبیح العقلیّین بملاحظة اندراج الموضوع المحکوم بالقبح تحت عنوان یکون بنوعه مخلا بالنظام.

ولیس کل راجح بحسب الغرض المولوی کذلک ، إذ لیست المصالح والمفاسد الباعثة علی الإیجاب والتحریم من المصالح العامة التی ینحفظ بها النظام أو المفاسد العامة التی یختل بها النظام.

ولیس مجرد عدم إقدام العقلاء علی ما لا یوافق الأغراض العقلائیة موجبا لاتصافه بالقبح ملاک الإخلال بالنظام کما عرفت فی قاعدة دفع الضرر.

وسیجیء إن شاء الله تعالی بقیّة الکلام فی البحث عن دلیل الانسداد.

فی دلیل الانسداد

125 - قوله « قده » : الرابع دلیل الانسداد وهو مؤلف ... الخ (1).

ربما یقال : إن وجه عقلیة الدلیل هنا کون الکبری عقلیة ، لکون المقدمة الأخیرة بمنزلة الکبری للقیاس المرکب من الصغری المتوقف علی المقدمات السابقة ، فان تلک المقدمات تحقق الدوران بین العمل بالظن أو الشک أو الوهم ، والعقل یحکم حکما کلیّا بأنه کلما دار الأمر بین الظن ومقابلیه یجب تقدیم الظن علیهما ، لقبح ترجیح المرجوح علی الراجح.

وفیه أن الاحتیاط وسائر الأصول من أطراف الدوران ، فإبطالها وحصر الدوران فی الظن ومقابلیه بلا وجه.

ومنه تعرف أنه لا وجه لجعل المقدمة الرابعة محققة للصغری وجعل الخامسة کبری.

نعم المقدمات الثلاثة الأول ، محققة للدوران بین الظن وغیره من مقابلیه والأصول الشرعیة والعقلیة.

ومن المعلوم أن کبری إبطال بعضها شرعیة وبعضها عقلیة ، والعقلیّة أیضا لا تختص بکبری قبح ترجیح المرجوح علی الراجح.

مع أن المقدمات السابقة مبادی تحقق الدوران الذی هو کالصغری للمقدمة الأخیرة والذی هو صغری القیاس نفس الدوران لا مبادی تحققه ، فلا وجه لجعلها جزء القیاس کما هو واضح.

دلیل الانسداد


1) 1. کفایة الأصول / 311.

وجعل أستادنا (1)العلامة « رفع الله مقامه » فی الحاشیة عقلیة الدلیل بلحاظ عقلیة النتیجة حیث إنها حکم عقلی استقلالی بعد تحقق المقدمات الخمسة.

ویمکن أن یقال : إن النتیجة من أفراد الکبری الکلیة فیتبعها فی العقلیة والشرعیة ، ولا معنی لکون النتیجة بما هی عقلیة مع قطع النظر عن الکبری الکلّیّة ، ولیس لمجموع المقدمات الخمسة کبری کلیة ، بل لکل واحدة کبری تخصها کما لا یخفی.

مع أن العبرة فی العقلیة لو کانت بکون النتیجة وهی حجیة الظن عقلیة لکان الدلیل عقلیا بناء علی الحکومة ، لا مطلقا ولو علی الکشف ، إذ علی الکشف لیست النتیجة إلا وجوب العمل بالظن شرعا ، بخلاف ما إذا کان مناط العقلیة ما سیجیء إن شاء الله ، فانه لا فرق فیه بین القولین.

والتحقیق فی تألیف القیاس فی هذا المورد أن یقال : إن المقدمات الخمسة بنحو القیاس الاستثنائی مقدم القضیة ، وتعین العمل بالظن من باب التالی لها ، والعقلیة حینئذ بلحاظ استلزام المقدم للتالی ، لا بلحاظ استلزام المقدمتین للنتیجة حتی یقال : إن استلزام القیاس للنتیجة عقلی دائما.

نعم حیث إن أطراف الدوران غیر منحصرة عقلا فی الأصول الأربعة والظن ومقابلیه ، لإمکان أصل آخر عقلا ، فلا محالة لا یکون استلزام المقدم للتالی عقلیا ، ولکن بعد ضمّ عدم مرجعیة أصل آخر غیر الأصول المعمولة إجماعا یکون الاستلزام عقلیا قطعیا ، إذ بعد فرض المقدم لو لم یتعیّن الظن یلزم الخلف أو التکلیف بما لا یطاق ، واللازم أن یکون التلازم عقلیا ، لا ذات اللازم والملزوم.

ومن البین أنه بعد انسداد باب العلم والعلمی لا یبقی إلا الظن والشک


1) 1. التعلیقة علی الرسائل / 76.

والوهم والأصول المطابقة لأحدها ، بمعنی أن الأمر دائر بین العمل بأحد هذه الأمور من حیث هی أو بأصل یطابق أحدها کائنا ما کان.

وحیث إنّ التنزل من الظن إلی مقابلیه قبیح ، وإلی ما یطابق أحد هذه الأمور باطل إجماعا قطعیّا کغیر هذه الأصول الأربعة ، أو لأدلة خاصة کنفس هذه الأربعة ، فلا محالة یتعین العمل بالظن عقلا ، فتدبر جیدا.

ثم إن هذا الدلیل علی ما أفاده « قدس سره » مؤلف من مقدمات خمسة.

وأما ما عن شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » من جعلها أربعة بإسقاط المقدمة الأولی : فإن کان لأجل عدم المقدمیة ، فمن الواضح أنه لولاها لم یکن مجال للمقدمات الأخر إلا بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

وإن کان لوضوح هذه المقدمة لدلالة سائر المقدمات علیها ، فمن الواضح أن وضوحها لا یوجب عدم مقدمیتها ولا الاستغناء بذکر الباقی عن ذکرها ، وإلا کان بعضها الآخر کذلک بل بعضها أوضح.

وأما ما عن بعض أجلّة العصر (1)دام بقاه من جعلها أربعة بإدراج المقدمة الثانیة فی الرابعة المذکورة هنا بتقریب أنه لا یجب الامتثال العلمی مطلقا أما التفصیلی فلعدم التمکن لانسداد باب العلم والعلمی وأما الاجمالی فللزوم الاختلال أو العسر والحرج.

ففیه أن تعدد مصادیق المقدمة وإن لم یوجب تعدد المقدمة ، إلا أن انتزاع جامع من المقدمات أیضا لا یوجب وحدتها إذا لم یکن الجهة الجامعة من حیث نفسها لها المقدمیة ، بل لا بد من ملاحظة الجهة التی بها تکون مقدمة ، فاذا تعددت الجهات تعددت المقدمات ، وإلا فلا. ومن الواضح أن عدم وجوب الامتثال العلمی التفصیلی من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، دون عدم لزوم الامتثال

مقدمات دلیل الانسداد


1) 1. هو المحقق الحائری قدس سره ، درر الفوائد / 400.

العلمی الإجمالی ، ففی الحقیقة ما له دخل فی النتیجة عدم التمکن من الامتثال العلمی التفصیلی لا عدم وجوبه ، بخلاف المقدمة الرابعة ، فان الدخیل فی النتیجة حقیقة عدم لزوم الامتثال الإجمالی ، فالجهة التی لها دخل فی النتیجة بحسب المقدمة الثانیة غیر الجهة التی لها دخل فیها بحسب المقدمة الرابعة وإن أمکن انتزاع جامع عن الجهتین ، فافهم وتدبّر.

126 - قوله « قده » : خامسها أنه کان ترجیح المرجوح ... الخ (1).

هذا دلیل المقدمة الخامسة لا نفسها ، بل اللازم أن یقال : أنه لا یجوز التنزل إلی الشک أو الوهم ، لقبح ترجیح المرجوح علی الراجح کما فی المقدمات السابقة فانها علی هذا النسق.

127 - قوله « قده » : هذا إنما یلزم لو لم یعلم بإیجاب الاحتیاط ... الخ (2).

یمکن أن یقال : إذا کان العلم بالاهتمام صالحا للکشف عن وجوب الاحتیاط شرعا - وکان منجزا له ، حیث إنه حکم طریقی لا یکون فعلیا منجزا للواقع إلا بعد وصوله إلی المکلف - کان صالحا لتنجیز الواقع من دون حاجة إلی جعل الاحتیاط شرعا ، إذ لا نعنی بالبیان الرافع لقبح العقوبة بدونه ، إلا ما یصلح لتنجیز الواقع ، ونفس العلم بالاهتمام صالح للاحتجاج به فی المؤاخذة علی الواقع المجهول ، ویندفع به نقض الغرض اللازم من عدم تنجیز ما له الاهتمام به.

مضافا إلی أن إیجاب الاحتیاط فی هذه المقدمة إما عقلا بسبب العلم الإجمالی بالأحکام کما قیل ، أو شرعا بکاشفیة العلم بالاهتمام کما أفید ، فیه أحد محذورین : إما المناقضة مع المقدمة الرابعة إذا أرید الاحتیاط من حیث المخالفة


1) 1. کفایة الأصول / 311.

2) 2. کفایة الأصول / 312.

القطعیة والموافقة القطعیة معا.

وإما التفکیک بین حرمة المخالفة القطعیة ووجوب الموافقة القطعیة ، وهو مناف لمسلکه « قدس سره ».

لا یقال : هذا إذا کان القول بحرمة المخالفة القطعیة فی هذه المقدمة من باب منجزیة العلم الإجمالی.

وأما إذا کان من باب وجوب هذا المقدار من الاحتیاط شرعا ، فلا محذور فی التفکیک.

لأنا نقول : نعم إذا کان وجوب الاحتیاط شرعا وجوبا نفسیا. وأما إذا کان طریقیا بداعی تنجیز الواقع ، فمحذور التفکیک علی حاله ، لاستحالة رفع عقاب الواقع علی تقدیر المصادفة فی أی طرف کان مع ثبوت عقاب الواقع.

فالتحقیق أن عدم جواز إهمال الامتثال لیس من ناحیة منجزیة العلم الإجمالی من حیث حرمة المخالفة القطعیة ولا من حیث وجوب الاحتیاط شرعا من تلک الحیثیة ، بل عدم جواز إهمال الامتثال المعلوم بالضرورة هو الجامع بین الأمور المحتملة هنا ، وهی إما الاحتیاط ، وإما الأصل المثبت للتکلیف ، وإما العمل بالمشکوک والموهوم ، وإما العمل بالظن ، والمقدمة الرابعة متکفلة لإبطال الأول والثانی ، والمقدمة الخامسة متکفلة لإبطال الثالث ، فتعین الرابع ، فتدبر.

128 - قوله « قده » : فیما یوجب عسره اختلال النظام ... الخ (1).

إذ الحاکم بالاحتیاط هو العقل ومع الالتفات إلی أن مثله مخل بالنظام ویوجب تفویت غرض أقوی ، فلا محالة لا یحکم بلزومه ، بل ذکرنا فی محله أن مثله یوجب سقوط التکلیف عن فعلیّة الباعثیّة والزاجریّة ، لأن الغرض من البعث والزجر انقداح الداعی فی نفس المکلف ، ومع عدم حکم العقل بامتثاله


1) 1. کفایة الأصول / 313.

لا یعقل بقاؤه علی حاله حیث لا یترقب منه حصول هذا الغرض.

129 - قوله « قده » : إذا کان بحکم العقل ... الخ (1)

فان الموضوع الذی له حکم شرعی قابل للرفع لا عسر فیه ، وإلا لزم رفعه لو کان معلوما بالتفصیل. وأما إذا وجب الاحتیاط شرعا ولو طریقیّا کما فیما ذکرنا آنفا إذا کان عسرا ، فلا ریب فی تقدیم دلیل نفی الحرج علیه ، لأن نفس الاحتیاط المتعلق به الوجوب الشرعی عسر ، فیرفع.

وربما یورد (2)علیه « قدس سره » بأن العسر والحرج کالاضطرار إلی أحدهما لا بعینه ، فکما أن دفع الاضطرار بما یختاره مع مصادفة مختاره للتکلیف یمنع عن تنجزه فی المصادف ، مع أنه غیر مضطر إلیه بعینه ، کذلک رفع الحرج بما یختاره من الترک مع مصادفته للتکلیف یمنع عن فعلیته وإن لم یکن حرجیا بعینه.

ویندفع بأن القدرة علی إتیان المحتملات لازمة عقلا فی تنجز التکلیف علی أی تقدیر.

ومع عدمها لمکان الاضطرار إلی أحدهما لا بعینه - الرّاجع إلی عدم القدرة علی إتیان المحتملات رعایة للتکلیف المنجز - یرخصه العقل فی کل من الأطراف ، ولا یعقل الرخصة فیما اختاره مع تنجز التکلیف فیه واستحقاق العقوبة علیه.

بخلاف حرجیّة المحتملات ، فانها لیست مانعة شرعا حتی یستتبع الرخصة فی ترک کل واحد حتی یمنع عن فعلیة التکلیف فیما یختاره فی مقام دفع الحرج عن نفسه ، فالقیاس باطل ، والفارق واضح.


1) 1. کفایة الأصول / 313.

2) 2. المورد هو المحقق النائینی قدس سره. فوائد الأصول 3 / 257 و 258.

وأما ما أفاده « قدس سره » من منع حکومة دلیل العسر والحرج علی حکم العقل بالاحتیاط ، فالمراد عدم حکومته علی حد حکومته علی الأدلة المتکفلة للأحکام المجعولة بقصرها علی غیر مورد الحرج ، فان حکم العقل لیس من المجعولات شرعا.

وأما جریان دلیل الحرج فی رفع حکم شرعی یکون رعایته موجبة لحکم العقل بالاحتیاط فرفع موضوع حکم العقل فیصح دعوی الحکومة لدلیل نفی الحرج علی قاعدة الاحتیاط ، فهو أجنبی عن نفی الحکومة بالوجه الذی ذکرنا ، وقد تبین من عدم حرجیة نفس موضوع التکلیف الواقعی عدم جریان الحکومة علی الوجه الآخر ، فتدبر.

130 - قوله « قده » : لأن العسر حینئذ یکون من قبل التکالیف المجهولة ... الخ (1).

التکلیف وإن کان مقتضیا لامتثاله ، إلا أن العسر لیس فی امتثاله ، بل فی تحصیل العلم بامتثاله بالجمع بین محتملاته ، وهو لیس من مقتضیات التکلیف ولو بواسطة أو وسائط ، والتکلیف المجهول لیس بما هو تکلیف مجهول حکما شرعیا وتکلیفا إلهیا حتی یقال : إن لزوم العلم بامتثاله من مقتضیاته ولیس هنا إطلاق یفید إرادة الأعم من اقتضاء العسر أو الموضوعیة لأمر عقلی لازمه العسر بل الظاهر من قوله علیه السلام : لا ضرر (2)أو قوله تعالی : ( ما جَعَلَ عَلَیْکُمْ فِی الدِّینِ مِنْ حَرَجٍ ) (3)بناء علی ارادة الحکم الموصوف بالضرر أو العسر هو کونه موصوفا بهما ولو بالواسطة والاقتضاء لا أن یکون من باب الوصف بحال المتعلق وهو لازمه العقلی أعنی لزوم تحصیل العلم بامتثاله عند الجهل به ، فتدبر.


1) 1. کفایة الأصول / 313.

2) 2. فروع الکافی 5 : 3 - 292.

3) 3. الحج : 78.

بل یمکن أن یقال : بناء علی تعمیم الاقتضاء أن کل تکلیف من التکالیف الواقعیّة لا عسر ولا حرج فی الجمع بین محتملاته فی مقام تحصیل العلم بامتثاله ، وإنما العسر والحرج فی الجمع بین محتملات مجموع التکالیف. ولیس مجموعها تکلیفا وحدانیا یکون العسر فی الجمع بین محتملاته ، بل حاله حال مجموع تکالیف یکون العسر حقیقة فی امتثال المجموع ، فانه لا یرتفع الجمیع ، بل یجب الامتثال لکل واحد واحد منها إلی أن یتحقق العسر ، فیسقط الباقی. وکذا الأمر إذا کان الاحتیاط واجبا شرعا ، فانه فی الحقیقة أحکام متعددة للاحتیاطات المنطبقة علی الجمع بین محتملات کل تکلیف ، فلا یرتفع الوجوب کلّیة بتوهم أنه حکم واحد حرجی لموضوع واحد ، بل یجب امتثال کل تکلیف إلی أن یتحقق الحرج الرافع لوجوب الاحتیاط بالإضافة إلی بقیة التکالیف فتأمل.

131 - قوله « قده » : لا وجه لدعوی استقلال العقل ... الخ (1).

لما مر من لزوم التفکیک بین حرمة المخالفة القطعیّة ووجوب الموافقة القطعیّة ، بخلاف ما إذا وجب الاحتیاط شرعا ، فان الواجب شرعا هذا المقدار من الاحتیاط.

لکنک عرفت آنفا أنه یصح إذا کان الاحتیاط واجبا نفسیا لا إذا کان طریقیا لتنجیز الواقع ، فان محذور التفکیک علی حاله حینئذ فراجع.

132 - قوله « قده » : ولو قیل بعدم جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی ... الخ (2).

ینبغی التکلم أولا فی جریان الاستصحاب فی أطراف العلم الإجمالی کلّیة وعدمه.


1) 1. کفایة الأصول / 313.

2) 2. کفایة الأصول / 313.

وثانیا فی جریانه وعدمه فی خصوص المقام : فنقول : المانع من الجریان تارة بلحاظ مقام الثبوت ، وأخری بلحاظ مقام الإثبات :

أما بحسب مقام الثبوت ، فالمانع عند شیخنا الأستاد « قدس سره » تبعا لشیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » منحصر فی لزوم المخالفة العملیة ، فإذا علم إجمالا بنجاسة أحدهما وکانا مسبوقی الیقین بالطهارة ، فاستصحاب الطهارة فیهما یوجب الإذن فی ارتکابهما ، مع فرض تنجیز العلم بوجوب الاجتناب الذی هو لازم العلم بالنجاسة ، والإذن فی المخالفة العملیة قبیح عقلا.

لکنا ذکرنا فی محله أن تنجیز العلم وإن کان مقصورا علی صورة تعلق العلم بتکلیف إلزامی ، فما لا مخالفة عملیة له لا تنجیز له ، إلا أن المانع عقلا عن جریان الاستصحاب فی الأطراف غیر منحصر فی المخالفة العملیة ، فان نفس تنافی الحکمین أعنی وجوب الاجتناب عنهما معا وعدم وجوب الاجتناب عن أحدهما محذور عقلی.

ومنه یعلم أن هذا المحذور العقلی فیما إذا کان الأصل علی طبق العلم الإجمالی کما فی الأصول المثبتة للتکلیف المعلوم بالإجمال جار أیضا ، إذ اجتماع المثلین کاجتماع الضدین والمتناقضین فی الاستحالة.

وبالجملة عدم وجوب الاجتناب فعلا مناقض لوجوب الاجتناب فعلا وإن لم یکن أثر لعدم الوجوب المعلوم بالإجمال ، فالمانع العقلی عن جریان الأصول غیر منحصر فی لزوم المخالفة العملیة.

وأما بحسب مقام الإثبات ، فالمانع لزوم المناقضة بین صدر الروایة وذیلها من شمولها للأصول الجاریة فی أطراف العلم الإجمالی بناء علی شمول الیقین فی قوله علیه السلام : ولکن تنقضه بیقین مثله (1)للیقین الإجمالی ، فان مقتضی صدرها


1) 1. تهذیب الأحکام 1 / 8 - 9 وعبارة الروایة : ولکن ینقضه بیقین آخر ولیس فیها مثله.

بملاحظة نفس الیقین والشک حرمة نقض الیقین بالشک فی کل من الطرفین ، ومقتضی ذیلها بملاحظة اطلاق الیقین المحدّد للشک بصورة عدم الاقتران بالعلم الإجمالی عدم حرمة نقض الیقین بالشک فی هذه الصورة.

وهذا البیان أولی من دعوی أن مقتضی الصدر لزوم الأخذ بالحالة السابقة فی کلا الطرفین ، ومقتضی الذیل لزوم الأخذ بخلاف تلک الحالة فی أحدهما کما عن شیخنا الأستاد « قدس سره » فی التعلیقة (1).

وجه الأولویة أنه مع العلم بالتکلیف تفصیلا أو إجمالا لا یعقل جعل حکم مماثل علی طبقه ، فلیس هناک وجوب النقض حقیقة ، بل حیث إن الیقین رافع للموضوع حقیقة أو اعتبارا ، فلا محالة یرتفع به حرمة النقض.

مضافا إلی أن تخصیص الذیل بالأخذ بخلاف الحالة السابقة یوجب عدم جریان الأصول المخالفة للعلم ، لا الأعم منها ومن الموافقة ، وهو بلا موجب ، بل إذا کان الذیل محددا للموضوع فلا محالة یکون الشک المقرون بالعلم الإجمالی مغایرا لموضوع حرمة النقض ، سواء کان الحکم المجعول مخالفا للمعلوم بالإجمال أو موافقا له وعنوان النقض لا یستدعی مغایرة الناقض والمنقوض من حیث المتعلق بعد إرادة جعل الحکم المماثل فی موضوع الشک الغیر المقرون بالعلم الإجمالی من حرمة النقض ، وإرادة عدم جعله عند تحقق الیقین بالحکم بالفعل.

مع أن حرمة نقض الیقین لیست إلا بمعنی حرمة رفع الید عن الیقین والتمسک بالشک.

ومن المعلوم أنه بعد الیقین بالحکم بالفعل لا معنی للتمسک بیقینه السابق بل یتمسک بیقینه الفعلی.

ولا یخفی علیک أنه بعد عدم تکفل الذیل لحکم شرعی لعدم معنی


1) 1. تعلیقته علی الرسائل / 257.

للتعبد مع العلم سواء کان مماثلا للمتیقن السابق أو منافیا له یدور أمر الذیل بالمآل إلی تأکید الصدر أو تحدیده بما إذا لم یکن الشک من أطراف العلم الإجمالی.

ومن الواضح أنه بناء علی التأکید لا مقابلة بین الصدر والذیل لیکون للذیل إطلاق فی قبال الصدر ، بل المؤکد تابع للمتأکد إطلاقا وتقییدا. کما أنه بناء علی التحدید لا إطلاق ولا تقیید للمحدود إلا بتبع ما یتحدّد به ، فالعمدة تحقیق أن الذیل من باب التأکید أو من باب التحدید.

ومنه تعرف أنه لو کان الذیل محددا ، فلا یجدی خلو بعض الأخبار عن قضیة الذیل لأنه لا یکون مقیدا لإطلاقه ، کما أنه بناء علی التأکید لا معارضة بین ما یشتمل علی الذیل وما لا یشتمل علیه.

نعم بناء علی الإجمال وعدم تشخیص التأکید والتحدید تجدی الأخبار الخالیة عن الذیل لانفصال المجمل فلا یسری إجماله إلی غیره.

فان قلت : ارتفاع المتیقن واقعا لا یکون ناقضا ، لفرض حصر الناقض فی الیقین وجعل الحکم المماثل فی موضوع الیقین والشک ، والعلم الإجمالی لا یکون ناقضا لکلا الیقینین لأنه خلاف مقتضاه ، إذ لا یقین بکل منهما نفیا أو إثباتا. ولیس ناقضا لأحدهما بخصوصه ، إذ الخصوصیة مشکوکة ، فیؤول إلی نقض الیقین بالشک ، لا بالیقین. ولیس ناقضا لأحدهما المردد ، إذ العلم الإجمالی غیر متعلق بالمردد لما مر منا مرارا أن مقوم صفة العلم أمر جزئی معین ، والمردد بما هو لا ثبوت له ماهیة ولا هویة ، وما لا ثبوت له لا یعقل أن یکون مقوما لصفة العلم ، کما أن الیقین المنقوض لا یعقل أن یکون مرددا لعین البرهان المذکور ، فلا الناقض متعلق بالمردد ، ولا المنقوض مردد ، فالناقض ینحصر فی الیقین التفصیلی برهانا.

قلت : العلم الإجمالی وإن کان عندنا لا یغایر العلم التفصیلی فی حد العلمیّة ، وأن طرف العلم دائما مفصل ومنکشف به ، إلا أن متعلق الطرف مجهول ،

وضم الجهل إلی العلم صار سببا لهذا الاسم ، إلا أن العلم الإجمالی ، بالنجاسة مثلا بضم العلم بعدم خروج متعلقها من الطرفین یوجب العلم بنجاسة ما لا یخرج عن الطرفین ، لا بنجاسة احدهما المردد ، فهو وإن لم یکن مناقضا لکل واحد من الیقینین فی الطرفین ، لکنه مناقض لمجموع الیقینین ونسبته إلی کل منهما علی السویة.

فالتعبد الاستصحابی بکلیهما مع وجود الناقض للمجموع لا معنی له ، والتعبد بأحدهما بخصوصه بلا موجب ، والتعبد بأحدهما بلا عنوان نظرا إلی أن نسبة المانع إلی المقتضیین علی السویة فیسقط أحدهما بلا عنوان ویبقی أحدهما بلا عنوان أیضا محال ، لأن جعل الحکم علی طبق المردد وما لا تعین له یوجب إما تعین المردد أو تردد المعین ، وکلاهما محال ، فالتعبد الاستصحابی بأنحائه غیر ممکن ، وهذا معنی سقوط الأصول فی أطراف العلم.

ولا یخفی أن هذا البیان لیس بیانا للمانع العقلی فی مقام الثبوت لیخرج عن محل الکلام ، بل بیان المانع فی مقام الإثبات عن جریان الأصل فی الطرفین بعد تعمیم الیقین إلی الإجمالی ، إذ لو کان متعلق العلم الإجمالی أحدهما المردد ، فأحدهما مشکوک والآخر معلوم ، فیسقط عن طرف ویبقی فی طرف.

وأما إذا کان متعلق العلم مفصلا دائما وطرفه مشکوکا فی العلم الإجمالی ، فکل منهما مشکوک من حیث کونه متعلق طرف العلم واقعا ، فلو کان مثل هذا الشک بمقتضی إطلاق الذیل خارجا ، فلا محالة لا یجری الأصل فی طرف أصلا.

والتحقیق أن مجموع الیقینین أمر اعتباری لا وجود له خارجا ، ولیس محکوما بحکم حتی یکون الیقین الإجمالی ناقضا له.

وأما انتزاع الجامع من الیقینین ومن المتیقّنین ومقابلة الیقین الإجمالی المتعلق بالجامع للیقین الجامع. فهو أیضا بلا وجه ، إذ الجامع الانتزاعی لا أثر له.

مع أن الیقین بالطهارة بنحو الجامع مع الیقین الإجمالی بالنجاسة یجتمعان

للقطع بهما فی اللاحق.

ومما ذکرنا تبین أنه لیس للیقین الإجمالی اعتبار الناقضیة لشیء من الیقینین المرتب علیهما حرمة النقض حتی یکون الیقین الإجمالی محددا للشک کما سیجیء تحقیقه إن شاء الله تعالی فی مبحث الاستصحاب (1). هذا کله فی جریان الأصل فی أطراف العلم الإجمالی وعدمه عموما.

وأما الکلام فیه خصوصا فظاهر شیخنا الأستاد « قدس سره » فی المتن عدم المانع خصوصا وإن منع عنه عموما ، نظرا إلی أن الموضوع هو الشک الفعلی والمجتهد لمکان تدریجیة الاستنباط لا شک فعلی له إلا فیما ابتلی باستنباطه ، والوقائع الأخر ربما تکون مغفولا عنها ، فلا یقین ولا شک ، فلا موضوع کی یجری فیه الأصل لیعارض الأصل الجاری حتی لا یعمه دلیل التعبد للزوم التناقض فی مدلوله من شموله لهما.

بل یمکن أن یقال : مضافا إلی ما أفاد أن الوجه فی الجریان تدریجیة فعلیة الأحکام بتدریجیة الابتلاء بالوقائع التی لها حکم ، فان علم المجتهد بالأحکام المستنبطة ویقینه وشکه فی الأحکام من قبیل العلم بالقضایا الحقیقیّة التی تناط فعلیة محمولاتها بفعلیّة موضوعاتها.

فلا أثر لعلمه الإجمالی بمثل هذه المحمولات بالفعل ، بل یکون له الأثر عند تعلقه بالمحمولات الفعلیّة بفعلیة موضوعاتها.

وکذا یقینه بحکم کلی سابقا وشکه فی بقائه لا حقا ، فان نتیجة ذلک العلم بالتعبد الاستصحابی عند ترتّب فعلیة الحکم الاستصحابی وفی موقع الابتلاء والعمل ، حیث إنه لیس جمیع الأحکام أو التعبدیات الاستصحابیة مورد الابتلاء ، فلا علم بأحکام فعلیة علی الإجمال ولا تعبدات استصحابیة فعلیة منافیة للعلم


1) 1. فی التعلیقة 123 من مبحث الاستصحاب فراجع.

الإجمالی بالحکم الفعلی.

ومنه ظهر أنه لا مانع من جریان الأصل فی موقع الابتلاء من وجهین :

أحدهما عدم العلم الإجمالی المانع.

وثانیهما عدم جریان أصلین متمانعین.

ولو کان الوجه خصوص ما أفاده « قدس سره » من تدریجیّة الاستنباط لما کانت التدریجیّة مجدیة ، إذ بعد استنباط جملة من الأحکام باجراء الأصول شیئا فشیئا یحصل له العلم بمخالفة بعض هذه الأصول لعلمه الإجمالی ، فلا یمکنه العمل بفتاویه المطابقة للأصول التی اعتقد جریانها حال الاستنباط.

کما لا یمکنه الفتوی علی طبقها جمیعا لمقلدیه ، بخلاف ما إذا کان الوجه ما ذکرنا من تدریجیة فعلیة الأحکام ، فانه فی کل واقعة عملیة وإن کان یعلم إجمالا بحکم علی خلاف الأصل لکنه لا أثر له ، لأنه یعلم إجمالا بحکم علی خلاف ما ابتلی به وما هو خارج عن مورد ابتلائه ، إما لعدم موقع للابتلاء به ، أو للابتلاء به سابقا.

ومما ذکرنا یعلم أنه کما لا مانع إثباتا ، کذلک لا مانع ثبوتا ، إذ لا علم اجمالی بحکم فعلی مضاد أو مماثل أو مناقض کما لا یخفی.

والتحقیق أن الشکوک وإن لم تکن فعلیّة والأحکام وإن لم تکن فعلیة دفعیّة ، إلا أنه لیس من شرائط اعتبار ناقضیّة الیقین للیقین فعلیّتهما ودفعیّتهما ، بل علم المجتهد بأن فی مواقع ابتلائه بالاستنباط تعبدات استصحابیة بلحاظ موارد فعلیتها بفعلیة موضوعاتها کاف فی العلم بأن الاستصحابات فی مواقعها مخالفة للواقع الذی علمه إجمالا.

ومن الواضح أن هذا العلم الإجمالی الموجود من أوّل الأمر هو عین الیقین الإجمالی الناقض فی موقع فعلیّة الاستصحاب بفعلیّة موضوعه لا أنه یحدث له عند إجراء الاستصحابات أو بعده علم إجمالی ناقض.

وإنما الفرق بین ما قبل الاستنباط وما بعده بکون أطراف العلم الإجمالی ملحوظا بنحو الکلیة والجمع قبلا وصیرورة الأطراف بنحو الجزئیّة والفرق والتفصیل عند التعرض لاستنباط تلک الأحکام المعلومة بالإجمال بنحو الجمع والکلیة.

فالیقین الناقض موجود قبل الاستنباط ، فیمنع عن جریان الأصل فی أول مرحلة الاستنباط لعلمه بمخالفته أو مخالفة الأصل المبتلی به فی واقعة أخری ، وتدریجیة الفعلیة لا یمنع عن ترتیب الأثر فعلا کما سیأتی (1)إن شاء الله تعالی فی بحث الاشتغال.

133 - قوله « قده » : کان خصوص موارد الأصول النافیة مطلقا ولو من مظنونات ... الخ (2).

توضیحه أن نتیجة هذه المقدمات لیس عنده « قدس سره » حجیة الظن المطلق کما علیه أهله ، ولا تبعیض الاحتیاط فی محتملات التکلیف برفع الید عنه فی موهومات التکلیف وإبقائه فی مظنوناته ومشکوکاته ، کما علیه شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره » ، بل عدمهما علی وجه والتبعیض فی موارد الأصول النافیة من مظنونات التکلیف علی وجه آخر ، وذلک لأن التنزل إلی الظن أو التبعیض علی الوجه الأول یتوقف علی إبطال إجراء الأصول المثبتة والنافیة حتی یتمحض الأمر فی حیثیة الظن (3)ومقابلیه ، ولا محذور فی إجراء الأصول بعد تمامیة مقتضیها فی مقام الإثبات کما فی المتن وشیدناه فی الحاشیة السابقة ، إلا لزوم الحرج من العمل بالأصول المثبتة للتکلیف ، والمخالفة للاحتیاط اللازم

نتیجة مقدمات الانسداد


1) 1. فی التعلیقة 73 من مبحث البراءة والاشتغال.

2) 2. کفایة الأصول / 314.

3) 3. فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف قده حیثیة الظن لکن الصحیح حجیة الظن.

عقلا أو شرعا من العمل بالأصول النافیة کما عن شیخنا العلامة الأنصاری (1)« قدس سره ».

ومن الواضح أن شیئا منهما علی فرض الصحة لا یقتضی سقوط الأصول من الاعتبار مطلقا ، بل یجب دفع الحرج بضم مقدار من موارد الأصول المثبتة إلی موارد الأصول النافیة بترک العمل بمحتملات التکلیف فیهما ، کما یجب دفع محذور مخالفة الاحتیاط اللازم بضم مقدار من موارد الأصول النافیة من محتملات التکلیف إلی موارد الأصول المثبتة للتکلیف ، ثم العمل علی طبق الأصول المثبتة فی الأول وعلی طبق النافیة فی الثانی فی غیر ذلک المقدار الخارج لدفع محذور الحرج أو لدفع محذور مخالفة الاحتیاط الواجب ، لا إبطال الأصول بالکلیة ومراعاة التبعیض بالإضافة إلی محتملات التکالیف.

مع أن شیئا من المحذورین غیر وارد : أما لزوم الحرج ، فلبداهة کثرة موارد الأصول النافیة وقلة موارد الأصول المثبتة.

وأما لزوم مخالفة الاحتیاط ، فلضرورة وفاء العلم والعلمی وموارد الأصول المثبتة بالمعلوم بالإجمال ، بحیث لا یبقی مجال للزوم الاحتیاط عقلا ، ولاستکشاف إیجابه شرعا.

مضافا إلی ما فی الجمع بین المحذورین ، إذ مقتضی کثرة موارد الأصول المثبتة حتی لزم منها الحرج عدم بقاء ما یلزم من إجراء الأصول النافیة فیه کثرة المخالفة القطعیة کما لا یخفی.

ویمکن أن یقال : فی وجه الجمع بعدم وفاء المطابق من الأصول المثبتة للواقع بالمعلوم بالاجمال بضم العلم والعلمی ، فتکون بقیة المعلوم بالإجمال فی موارد الأصول النافیة ، وهذه الدعوی بلحاظ وجود أمارات کثیرة علی خلاف


1) 1. فی المقدمة الثالثة من مقدمات الانسداد من کتاب الرسائل فراجع.

الأصول المثبتة ، بحیث یعلم إجمالا بصدور جملة منها واقعا ، فلا تکون الدعوی جزافا.

وعلیه فحیث إن الموافق من الأصول المثبتة قلیل فلا یکون وافیا بالمعلوم بالإجمال ، والأخذ بجملتها مستلزم للحرج ، وحیث إن الأصول المثبتة الموافقة للواقع لا تفی بالمعلوم بالإجمال ، فالواقع المعلوم (1)فی موارد الأصول النافیة ، فالعمل بها مستلزم للمخالفة القطعیة العملیة.

134 - قوله « قده » : وأما المقدمة الخامسة فلاستقلال العقل ... الخ (2).

تحقیق المقام أن قبح ترجیح العمل بالمشکوک أو الموهوم علی العمل بالمظنون إمّا أن یکون متفرعا علی حجّیة الظن ، فیقبح التنزل عنه حیث إنّه حجّة وإمّا أن یکون مقدمة لها بمعنی أنه حیث یقبح الترجیح فالظن حجة :

أما الأول ففیه أولا أنه خلف ، إذ المفروض أن المقدمة الخامسة من مقدمات حجیة الظن لا من متفرعاتها.

وثانیا أن الغایة المقصودة من هذه المقدمات هی حجیة الظن ، فمع حصولها بدون هذه المقدمة فکون ترجیح المشکوک (3)والموهوم قبیحا أو غیر قبیح مستدرک إذ لیس الکلام فی تعداد القبائح العقلیة.

وثالثا أن مخالفة الحجة حیث إنه خروج عن زی الرقیة ، فهو ظلم ، وهو قبیح یستحق علیه الذم والعقاب ، ولیس الإقدام علی القبیح المذموم المعاقب


1) 1. قوله : فالواقع المعلوم ، مبتدأ بلا خبر فان مقتضی القاعدة أن یکون خبره باق علی حاله أو لم یرتفع بأن یقال فالواقع المعلوم فی موارد الأصول النافیة باق علی حاله أو لم یرتفع أو نحو ذلک.

2) 2. کفایة الأصول / 315.

3) 3. هذا الکلام غیر مرتبط بما قبله فلا بدّ من کونه تفریعا علی محذوف أو یکون فی العبارة تصحیف بأن کان فی الأصل یکون ترجیح المشکوک والموهوم قبیحا أو غیر قبیح مستدرکا.

علیه قبیحا آخر بملاک التحسین والتقبیح العقلیین لوجهین قدمنا ذکرهما (1)عند التعرض لقاعدة دفع الضرر المظنون.

ورابعا أن حجیة الظن المفروغ عنها هنا إمّا شرعیّة أو عقلیّة : لا مجال للأولی ، إذ المفروض عدم الدلیل علی الحجیة من قبل الشارع ، وبلحاظ ما عدا هذه المقدمة یکون المقدمات بضمیمة قبح نقض الغرض کاشفة عن الحجّیة شرعا لا من باب استقلال العقل ، والمفروض ترتیب المقدمات علی نحو تنتج حکومة العقل بحجیة الظن.

ولا مجال للثانیة ، إذ المراد بالحجیة عقلا لیس کما یتوهم من کونها مفاد حکم العقل العملی فی قبال حکم العقل النظری ، إذ لیس شأن العاقلة إلا التعقل کما فی سائر القوی ، ولا بعث ولا زجر من العاقلة.

ولیس تفاوت العقل النظری مع العقل العملی من حیث ما هو وظیفة القوة العاقلة ، بل التفاوت بالمدرک.

فالمدرک : إذا کان له مساس بالعمل وکان ینبغی أن یؤتی به أو لا یؤتی به سمی حکما عقلیا عملیا.

وإذا کان مما ینبغی أن یعلم سمی نظریا.

وکونه کذلک من غیر ناحیة الإدراک والقوة المدرکة ، بل لا بد من أن یکون من تلقاء الشارع أو العقلاء ، فما تطابقت علیه آراء العقلاء حفظا للنظام وإبقاء للنوع کحسن العدل وقبح الظلم إذا أدرکه العقل دخل فی حکم العقل العملی.

وأما نفس کون العدل حسنا یمدح علی فاعله وکون الظلم قبیحا یذم علی فاعله ، فمأخوذ من العقلاء.


1) 1. فی التعلیقة 120 فراجع.

وعلیه ، فلیس المراد بکونه حجة عقلا إلا کونه حجة عند العقلاء.

وقد بینا فی (1)مبحث حجیة الظواهر أن المراد بحجیة شیء عند العقلاء لیس جعل الحکم المماثل منهم علی طبقه ، ولا الإنشاء بداعی تنجیز الواقع ، بل بنائهم عملا علی اتباع خبر الثقة أو ظاهر الکلام والاحتجاج بهما هو مدرک الحجیة ، فما لا عمل علی طبقه منهم لا معنی لحجیته عندهم.

ومن الواضح أنه لا عمل منهم علی طبق الظن مطلقا وهو واضح ، ولا عمل علی طبقه فی فرض المقدمات المزبورة حیث لم یقع هذه المقدمات فی أمورهم العادیة وأوامرهم المولویة لیکون لهم عمل علی طبقه فیکون إمضاء الشارع علی وفقه.

والبناء الفرضی مع أنه فی نفسه غیر مفید لا یحقق إمضاء من الشارع ، حیث لا عمل لیتحقق التقریر والإمضاء ، فاتضح أن تفرع قبح العمل بغیر الظن علی حجیته فاسد من جمیع الوجوه.

وأما الثانی وهو کون قبح ترجیح المرجوح علی الراجح من مقدمات حجیة الظن ، فنقول : إن المراد من الراجح والمرجوح : تارة ما یوافق الغرض المولوی وما لا یوافقه ، أو ما یوافق الغرض العقلائی وما لا یوافقه.

وأخری مجرّد المظنون والمشکوک والموهوم. فالأول راجح من حیث الغرض ، والثانی راجح من حیث وقوعه فی أفق النفس.

فإن أرید الأول ، ففیه أن قبحه إنما یسلّم إذا کان الموافق للغرض بنحو یکون ترکه مخلا بالنظام حتی یکون قبیحا بحیث یذم علیه عند العقلاء ویکون


1) 1. لم نجد فی مبحث حجیة الظواهر أن المراد بحجیة شیء عند العقلاء لیس جعل الحکم المماثل ولا الانشاء بداعی جعل الداعی وإنما ذکر فی مبحث الجمع بین الحکم الظاهری والواقعی أن الثابت من العقلاء هو العمل بالظاهر أو خبر الثقة لا اعتبار الوصول والاحراز نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 56.

ذم الشارع عقابه ، والحال أن الأغراض المولویة أی مصالح الأفعال ومفاسدها لا دخل لها بالمصلحة العامة التی ینحفظ بها النظام أو المفسدة العامة التی یختل بها النظام کما مر مرارا.

وکذلک الأغراض العقلائیة لیست دائما من المصالح العامة التی ینحفظ بها النظام أو المفاسد العامة التی یختل بها النظام ، ضرورة أن الغرض الداعی لهم إلی اتباع خبر الثقة أو ظاهر الکلام لیس بحیث یکون ترکه مخلا بالنظام کالظّلم.

مع أن هذا فیما إذا تمحض أحد الأمرین فی کونه موافقا للغرض المولوی أو العقلائی فی قبال الآخر ، لا فی مثل ما نحن فیه الذی یحتمل موافقة کل منهما للغرض.

وإن أرید الثانی فالأمر فی عدم الملاک للقبح أوضح ، إذ المظنون بما هو مظنون لا ملاک للقبح فی ترکه بنفسه إذا لم ینطبق علیه عنوان قبیح ، وانطباق عنوان الظلم موقوف علی حجیة الظن حتی یکون خلاف ما قامت علیه الحجة ظلما قبیحا ، والمفروض أن ما عدا المقدمة الخامسة لا یقتضی حجیة الظن حتی ینطبق علیه عنوان قبیح ، وإلاّ لرجع الأمر إلی الشق الأول الذی فصلنا القول فیه.

فان قلت : هذه المقدمات محققة ، لصغری الظن بالعقاب.

ومن الواضح أن طبع کل ذی شعور وجبلته یقتضی تقدیم مظنون العقاب علی محتمل العقاب إذا دار الأمر بینهما ، فیفر من المظنون دون غیره ، ولا یفر من المشکوک ، ویقدم علی المظنون ، بل یستحیل أن یؤثّر الاحتمال المساوی أو المرجوح فی فرارهم ، ولا یؤثّر الاحتمال الراجح والمفروض عدم خصوصیة فی طرفهما ، فهذه المقدمة الخامسة لبیان هذا المعنی الجبلی الطبعی ، فالتعبیر بالقبح هنا کالتعبیر باللزوم فی قولهم بلزوم دفع الضرر المظنون عقلا.

قلت : أولا إن هذا عین القول بالتبعیض فی الاحتیاط دون حجیة الظن علی الحکومة ، إذ الأثر المترقب من الحجیّة وهو تنجز الواقع علی تقدیر وجوده فی ضمن المظنونات مفروض الحصول ، فلا معنی لحجیة الظن عقلا ، بل خصوصیة الظن بالعقاب عند الدوران توجب تعیّن المظنونات للاحتیاط.

وتوهم الحکومة بتقریب أنه بعد تحقق المقدمات المفروض فیها تنجز الواقع یستقل العقل بلزوم الإطاعة الظنّیة ، وتقدمها علی الإطاعة الاحتمالیّة والوهمیّة بعد عدم التمکن من الإطاعة العلمیّة.

مدفوع بأنه بعد تنجز الواقع بوصول التکلیف تفصیلا أو إجمالا بحکم العقل باستحقاق العقاب علی مخالفة التکلیف الواصل لا حکم آخر من العقل فی باب الإطاعة والامتثال ، بل بعد تحقق العقاب فی مخالفة التکلیف یفر کل عاقل ذی شعور عن العقاب المقطوع أو المظنون أو المحتمل ، وبعد عدم إمکان الفرار من العقاب علی أی تقدیر ، والتردد بین المظنون وغیره ، فلا محالة یفر من المظنون دون غیره.

وثانیا إن قلنا : بتنجز الأحکام المعلومة بالعلم الإجمالی أو بایجاب الاحتیاط شرعا طریقیا وکانت المقدمات مضیقة لدائرة التنجز إلی أن دار الأمر فیه بین المظنونات والمشکوکات والموهومات صح دعوی أن المظنونات یظن بالعقاب فیها ، والمشکوکات یحتمل العقاب فیها ، والموهومات یحتمل العقاب فیها احتمالا مرجوحا ، فالمقدمات الأربعة تحقق صغری مظنون العقاب ومحتمله ، فیصح الإیکال إلی مقتضی الجبلّة والطبع.

وأما إذا قلنا بعدم منجّزیّة العلم الإجمالی - وعدم إیجاب الاحتیاط الطریقی شرعا ، لما ذکرنا من المحاذیر ، وأن مقتضی المقدمة الثالثة العلم بعدم رفع الید عن الأحکام بجعلها فعلیة علی أحد الوجوه : إما فعلیّة علی أی تقدیر یقتضی الاحتیاط التام ، أو فعلیّة علی طبق الأصول الموردیة ، أو فعلیة علی طبق

المظنون ، أو علی طبق المشکوک والموهوم ، وقد أبطلنا الأولین بمقتضی المقدمة الرابعة ، فیدور الأمر بین جعلها فعلیّة علی طبق المظنونات بخصوصها أو علی طبق المشکوکات والموهومات بخصوصهما ، - فتعیّن فعلیّة الحکم علی طبق المظنون دون المشکوک والموهوم یحتاج إلی معیّن حتی یکون الظن بالحکم ظنا بالحکم الفعلی لیتنجّز بالظن.

فالظن بالحکم الفعلی نتیجة تعیّن الحکم الفعلی فی طرف المظنون ، ولا یتعیّن إلاّ بالقطع بصلاحیّة الظن للاحتیاج به علی الحکم علی تقدیر ثبوته حتی یظن بثبوته فعلیّا بقول مطلق.

وقد عرفت عدم الدلیل علی صلاحیّة الظن للاحتجاج به المبلّغ للحکم إلی مرتبة الفعلیّة والتنجّز لا شرعا ولا عقلا ، فلا یتحقق بالمقدمات ظن بالعقاب واحتمال العقاب حتی یصح الإیکال إلی ما هو مقتضی الجبلة والطبع بالمقدّمة الخامسة إلا بتقریب ینتج حجیة الظن علی وجه الکشف ، وهو أن الشارع حیث لا طریق له فی إیصال أحکامه التی لا یمکنه رفع الید عنها إلاّ الظن والاحتمال ، فان الخصوصیّة الواقعیّة المحتملة فی طرف المشکوک أو الموهوم بوجودها الواقعی غیر صالحة لجعل الحکم فی طرف المشکوک أو الموهوم بالغا مرتبة الفعلیّة ، فلا بد من بیانها.

فلو کان الغرض فعلیّة الحکم فی طرفهما مع عدم بیان تلک الخصوصیّة کان الشارع ناقضا لغرضه ، فیستکشف قطعیّا عدم خصوصیّة مبلّغة للحکم مرتبة الفعلیة فی خصوص المشکوک والموهوم ، فینحصر أمر المبلغ فی الظن وما یقابله.

وإذا فرض أن مقتضی البلوغ إلی مرتبة الفعلیة إما الاحتمال الراجح أو غیره ، فلا محالة یؤثّر الاحتمال الراجح فی فعلیّة الحکم لاستحالة تأثیر الأقوی (1)


1) 1. فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف قده لاستحالة تأثیر الاقوی دون الاضعف لکن الصحیح لاستحالة تأثیر الأضعف دون الأقوی وهو واضح.

دون الأضعف ، ویقبح من الحکیم جعل حکمه فعلیّا علی طبق المرجوح دون الرّاجح.

فالمقدّمة الخامسة کاشفة عن أن الشارع لا یجعل الاحتمال الغیر الرّاجح مبلّغا لحکمه دون الراجح لفرض انحصار المبلغ فی الاحتمال بما هو. ونتیجة هذه المقدّمات بضمیمة قبح نقض الغرض جعل الشارع للظن مبلّغا للحکم فی طرفه إلی مرتبة الفعلیّة والتّنجّز. وسیجیء بعض الکلام فی محله إن شاء الله تعالی.

135 - قوله « قده » : لعدم التفاوت فی نظر العقل ... الخ (1).

لأن المهم عنده بعد ما کان تحصیل الظن بالفراغ کان هو المعتبر تحصیله لا الظن بالواقع الذی اقتضت المقدمات تحصیل خصوصه لقصورها بنفسها عن الأعم منه.

والتحقیق أن مورد الظن بالطریق الذی نقول بحجّیته من حیث الظن بالفراغ محتملات التکلیف من مشکوکاتها وموهوماتها ، وإلا لو کان الطریق مفیدا للظن بالتکلیف لکان الظن بالتکلیف حجّة سواء کان الطریق مظنون الحجّیة أم لا ، ومحتمل التکلیف من حیث نفسه لا یوجب إلاّ احتمال الفراغ وهو غیر لازم التحصیل.

فسببیّة الظن بالطریق للظن بالفراغ لیست إلاّ بلحاظ أن الظن بالحجّیة :

إمّا ظن بالبدلیّة بناء علی جعل الحکم المماثل عن مصلحة یتدارک بها مصلحة الواقع.

وإمّا ظن بالمعذریّة بناء علی کون الحجّیة بمعنی الإنشاء بداعی تنجیز الواقع عند المصادفة والعذر عند المخالفة.

وإمّا ظن بأنه هو الواقع اعتبارا بناء علی أن الحجّیة بمعنی اعتبار وصول


1) 1. کفایة الأصول / 316.

الواقع وأنه هو الواقع.

فیکون العمل بالطریق المظنون الحجّیة موجبا للظن بالفراغ عن عهدة الواقع إمّا بإتیان بدله أو بما یعذر معه علی تقدیر المخالفة أو بما هو الواقع بنظر الشارع.

وعلیه ، فیرد علیه : أولا أن البدلیّة والمعذریّة إنما تعقل فی مثل دوران الأمر بین وجوب أحد الفعلین من الظهر والجمعة مثلا.

وأمّا فی غیره ، فلا واقع کی یتخلف عنه ، ویکون بدلا عنه تارة ، ومعذّرا عنه أخری ، مثلا إذا ظن بحجیة طریق أدّی إلی وجوب الدعاء عند رؤیة الهلال ، فانه إذا لم یکن واجبا واقعا ، فلیس هناک عمل آخر یکون واجبا واقعا لیکون الدعاء بدلا عنه ، والطریق معذّرا عنه ، فلیس الظن بالطریق مفیدا للظّن بالبدلیّة أو بالمعذّریّة لیستلزم الظن بالفراغ دائما ، حیث لا یعقل البدلیّة والمعذریّة دائما بل أحیانا.

وثانیا أنه لا دلیل علی البدلیّة واشتمال المؤدّی بما هو مؤدّی علی مصلحة یتدارک بها مصلحة الواقع حتی یکون الظنّ بالطریق ظنّا بالفراغ لمکان الظن ببدلیّة المؤدّی عن الواقع ، وذلک لأن غایة ما یقتضیه دلیل الحجّیة ظهور الإنشاء فی جعل الحکم المماثل وانبعاثه عن مصلحة زائدة علی مصلحة الواقع ، وإلاّ کان جعل الحکم المماثل مقصورا علی مطابقة الواقع.

وأما کون تلک المصلحة مسانخة لمصلحة الواقع یتدارک بها مصلحة الواقع ، فلا دلیل علیه إلاّ توهّم قبح تفویت مصلحة الواقع بجعل الطریق المخالف له من دون تدارک.

وهو مدفوع بما تفردنا به فی محلّه من أنّه ربما یکون إیکال العبد إلی طرقه العلمیّة موجبا لفوات الواقعیّات أکثر من العمل بالأمارات ، وموجبا لوقوعه فی مفسدة أعظم من فوات مصلحة الواقع أحیانا.

مع أن تفویت مصلحة الواقع بإیصال مصلحة أخری مساویة أو أقوی لا قبح فیه ، وإن لم تکن تلک المصلحة مسانخة للفائتة.

ولذا ذکرنا فی محله من أن القول بحجیة الأمارة من باب السببیة (1)والموضوعیة دون الطریقیة لا یستلزم الإجزاء ، وتمام الکلام فی محلّه.

وثالثا أن فرض البدلیة لا یستلزم الظن بها الظّن بالفراغ عن عهدة الواقع المنجز علی وجه یکتفی به العقل.

بیانه أن البدلیّة بمعنی اشتمال المؤدّی علی مصلحة یتدارک بها مصلحة الواقع لا تتقوّم إلاّ بقیام ذات الطریق علیه ، لا بقیام معلوم الطریقیّة ومقطوع الحجیة ، لأن الحجیة منبعثة عن البدلیّة ، لا أن البدلیّة منبعثة عن الحجّیة ، وإلاّ لزم جعل الحجّیة بلا سبب وعلّة.

فما عن ظاهر بعض أجلّة العصر (2)من أن بدلیّة مفاد الطریق تابعة للعلم بحجیته لا وجه له بظاهره ، إلا أن یراد خلاف ما هو ظاهر البدلیّة بأن یراد المعذریة عن الواقع کما سیأتی الکلام فیه إن شاء الله تعالی.

لکنه مع أن البدلیّة بالمعنی المزبور غیر متقوّمة بالحجیة ولا بالعلم بالحجیة فرق بین الظن بالفراغ المنبعث عن الظن بالواقع والظن بالفراغ المنبعث عن الظن بالطریق ، لأن المفروض فی الظن بالواقع سقوط الواقعیات فی غیر المظنونات عن التّنجّز وتضیّق دائرة الواقعیات المنجّزة وانحصارها فی مظنونات التکلیف.

فاذا أتی المکلف بمظنونات التکلیف یقطع بخروجه عن عهدة الواقعیّات المنجّزة للقطع بسقوط ما عدا المظنونات بمقتضی المقدمات السابقة


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 214.

2) 2. المحقق الحائری قدس سره ، درر الفوائد / 408.

عن التنجّز وإتیان ما تنجّز علیه فی المظنونات.

وإنما عبر هنا بالظن بالفراغ عن الواقع المنجّز ، للظن بثبوت التکلیف ، وإلاّ فیقطع بالفراغ علی تقدیر ثبوت المظنون فی الواقع.

وهذا بخلاف الظن بالطریق ، لأن مورده إن کان محتمل التکلیف بحیث یدور الأمر بین وجوده وعدمه ، فهو خارج عن دائرة المعلومات الإجمالیة المنجزة علی الفرض ، والمفروض أیضا عدم اندراج التکالیف الغیر الواقعیة تحت العلم الإجمالی وعدم جریان المقدمات فیها ، فلا منجّز لها حتی یجب عقلا تحصیل الظن بالفراغ عنها.

وإن کان محتمل التکلیف یدور أمره بین فعلین یعلم بوجوب أحدهما کالظهر والجمعة سواء کان أحدهما مظنون الوجوب واقعا فی نفسه أو لا ولکن کان الجمعة مثلا ما قام علی وجوبها طریق مظنون الحجیة ، فهناک واقع منجز ، إما بالخصوص کما إذا ظن بوجوب الظهر أو بالاجمال ، والاتیان بالجمعة لا یوجب الخروج عن عهدة الواقع المنجّز ، إذ علی فرض عدم حجیة الطریق واقعا لا بدل عن الواقع المنجّز بالتفصیل أو بالإجمال کما کان فی الظن بالواقع ، فلا ظن. بالفراغ عن الواقع المنجز بسبب العلم الإجمالی أو بسبب الظن بالواقع بحیث یکتفی به عند العقل عن الواقع المنجّز ، فان العقل إنما یکتفی به إذا کان الواقع فی ضمن غیره ساقطا عن التّنجّز ، وهنا لیس کذلک إلاّ إذا فرض جریان المقدمات فی الطریق أیضا ، فیکون مؤدّیاتها فی ضمن مظنوناتها منجّزة بحیث یکتفی بها عن الواقع. هذا کله بناء علی أن الحجّیة بمعنی جعل الحکم المماثل المنبعث عن مصلحة بدلیّة.

وأما إذا کانت بمعنی الإنشاء بداعی تنجیز الواقع عند المصادفة والعذر عند المخالفة ، فالأمر أوضح لأن الأحکام الطریقیّة مرتبة فعلیّتها وتنجّزها واحدة ، فما لم یصل الحکم الطریقی لا یکون منجّزا ولا معذّرا.

فالظن به فی الحقیقة ظن بالإنشاء بداعی تنجیز الواقع لا ظن بالمنجّز والمعذّر بالحمل الشائع حتی یفید فائدة الظن بالواقع.

بل قد ذکرنا فی مسألة جعل الطریق أن جعل الحکم المماثل إن کان بداعی إیصال الواقع بعنوان آخر ، فهو أیضا کذلک من حیث وحدة مرتبة فعلیّته وتنجّزه ، إذ لو کفی وجود الحکم واقعا فی الباعثیة والزاجریّة لما کانت حاجة إلی جعل الحکم المماثل بهذا العنوان.

ومما ذکرنا تبین حال الحجّیّة بمعنی اعتبار وصول الواقع وأنه هو ، فان الاعتبار المزبور لا یجدی مع عدم وصوله علما أو علمیا ، إذ ما لا وصول له بنفسه لا یعقل أن یکون موصلا لغیره.

ورابعا إنما یکون المهم الظن بالفراغ لأن المفروض عنده « قدس سره » وعند الشیخ الأعظم « قدس سره » فی الرسائل إجراء مقدمات الانسداد فی کیفیّة إطاعة الاحکام المنجّزة ، فإنه یصح أن یقال : حینئذ إن الغرض لیس امتثال الأحکام باتیان متعلقاتها ، بل المهم الفراغ عنها والخروج عن عهدتها.

وأما بناء علی ما سلکناه من إجراء المقدمات فی جعل الأحکام الواقعیة فعلیّة منجزة بالظن ، فالظن بالفراغ أجنبی عن هذا المهم ، بل یحتاج منجزیة الظن بالطریق إلی مقدمات تقتضی منجزیّته کما اقتضت منجزیة الظن بالواقع.

136 - قوله « قده » : قال فیها إنّا کما نقطع بأنا مکلفون ... الخ (1).

لا یخفی علیک أن کلام صاحب الفصول (2)« قدس سره » مبنیّ علی مقدمتین :

إحداهما انحلال العلم الإجمالی الکبیر بتکالیف کثیرة فی المحتملات


1) 1. کفایة الأصول / 316.

2) 2. فصول / 279 طبع هاشم.

بمظنوناتها ومشکوکاتها وموهوماتها بالعلم الإجمالی الصغیر بمؤدّیات طرق مخصوصة.

ثانیتهما دوران فعلیة التکالیف ووصولها إلی حدّ حقیقة الحکم من الباعثیّة والزاجریّة مدار وصولها بعد تعذّر العلم بتلک الطّرق المنصوبة.

ومن البین أنه بعد هاتین المقدمتین لا ظن بالحکم الفعلی البعثی والزجری الذی هو مدار الإطاعة والعصیان ، إلا فی دائرة تلک الطرق المعلومة بالإجمال.

وأما فی غیرها ، فلا ظن إلاّ بالحکم الواقعی فقط ، ومثله لا أثر له کما سیجیء إن شاء الله تعالی تحقیقه عند تعرض شیخنا الأستاد « قدس سره » للإشکال علی دلیله وسنبین إن شاء الله تعالی أن الدوران المزبور مما لا بد منه لا أنه محال أو مجمع علی بطلانه إلی غیر ذلک من المحاذیر کما سنبین إن شاء الله تعالی انحلال العلم الإجمالی الکبیر بهذا العلم الإجمالی الصغیر.

137 - قوله « قده » : لا الاحتیاط فی خصوص ما بأیدینا ... الخ (1).

ویشهد لعدم لزوم المحذور من الاحتیاط فی هذه الطرق أن بناء الفقهاء علی العمل بکل خبر موثوق به ولو کان ضعیفا استند إلیه المشهور وبالإجماعات المنقولة بل بالشهرات أیضا ، وعلیها یدور رحی الفقه ، ولم یلزم من العمل بها اختلال النظام ولا عسر ولا حرج ، فلا معنی لأن یکون الاحتیاط فیها موجبا لأحدهما ، إذ لا یعقل التفاوت بسبب وجه العمل من کونه بعنوان الاحتیاط أو بعنوان قیام الحجة الشرعیة ، فلا مقایسة للعمل بمؤدّیات هذه الطرق المتداولة بالعمل بتمام المحتملات.


1) 1. کفایة الأصول / 317.

138 - قوله « قده » : فان قضیة هذا الاحتیاط هو جواز رفع الید ... الخ (1).

غرضه بیان الموارد التی لا یقتضی العلم الإجمالی بالطرق الاحتیاط فیها فی المسألة الفرعیّة ، ولا اقتضاء المورد من حیث الأصل الجاری فیه للعمل لیوجب انضمامه إلی الاحتیاط فی الطرق عسرا مخلا بالنظام أو حرجا مرفوعا فی الإسلام :

فمنها الموارد التی لا طریق علیها ولو إجمالا سواء کان علیها طریق غیر معتبر شرعا أم لا ، وحیث إنها خارجة عن أطراف العلم بالطریق ، فلا احتیاط فیها من قبل العلم الإجمالی ، وحیث لا حجة علیها ولو إجمالا ، فلا مانع من جریان الأصل مثبتا کان أو نافیا.

نعم إذا کان فیها استصحاب مثبت للتکلیف ، فربما یتوهم لزوم الحرج منه بانضمامه إلی الاحتیاط فی الطریق.

لکنه حیث إن هذه الموارد فی نفسها قلیلة ، لأنها بحیث یقطع بعدم طریق علیها واقعا ، وهو قلیل الوقوع جدا ، ولو فرض فکونها مسبوقة بالتکلیف قلیل ، دون سبقها بعدم التکلیف ، فلذا یندفع توهم لزوم الحرج منه.

إلا أنه لو کان المهم عدم منافاة العلم الإجمالی للأصل لصح أن یقال کما فی المتن ولو کان الأصل نافیا لأنه الذی یتوهم منافاته للعلم الإجمالی.

لکنه حیث إن المهم عدم الاحتیاط فی المسألة الفرعیة بحیث یلزم منه الحرج لم یکن هذا التعبیر وجیها ، بل الأنسب أن یقال : ولو کان الأصل مثبتا.

ومنها ما إذا نهض الکل علی نفیه أی قامت جملة من الامارات التی یعلم إجمالا بحجیة إحداها علی نفی تکلیف شخصی ، فانه لا احتیاط من قبل الأخذ


1) 1. کفایة الأصول / 317.

بالأمارات ، لأنها نافیة لا عمل لها لیلزم من انضمامها إلی غیرها عسر.

وحیث یعلم بقیام الحجة علی نفی التکلیف لا مجال لاستصحاب مثبت له لعدم الشک فی الحکم الفعلی لاستحالة اجتماع المتناقضین ، بل ولا شک فی بقاء الحکم الفعلی السابق أیضا لاستحالة بقائه علی فعلیّته مع فعلیة نقیضه.

وبهذا البیان تعرف عدم جریان الأصل الموافق أیضا لتقومه بالشک واستحالة اجتماع المثلین کالنقیضین.

وعطف هذا المورد علی سابقه بلحاظ عدم لزوم الاحتیاط فقط ، لا بجمیع شئونه حتی من حیث جریان الأصل.

وأما حمل العبارة علی توافق الأمارات علی نفی التکلیف نوعا لیکون مجری للأصول المثبتة للتکلیف أو النافیة له ، فلا مجال له لتعرضه « رحمه الله » له فی الموارد الأخیرة کما سیأتی إن شاء الله تعالی.

ومنها ما إذا تعارض فردان من بعض الأطراف کفردین من الخبر أو کفردین من الإجماع المنقول مثلا وکانا متعارضین بالنفی والإثبات ، فلا احتیاط من ناحیة الأمارة المثبتة التی هی من أطراف العلم لسقوطها بالمعارضة بمثلها فی غیر الخبرین.

والتخییر فی الخبرین المتعادلین علی وجه دون وجه ، وعدم محذور الاحتیاط فیما إذا کان الخبر الراجح نافیا لعدم العمل له.

فلم یبق من صورة الاحتیاط إلا ما إذا کان الخبر المثبت راجحا ، وإلا ففی غیرها إمّا لا عمل ، أو لا یتعیّن العمل لیلزم منه العسر.

وأما من حیث جریان الأصل موافقا کان أو مخالفا ، فظاهر المتن عدم المانع من الجریان لعدم الحجة علی التکلیف إثباتا أو نفیا لمکان المعارضة بالمثل.

والتحقیق أن المانع من جریان الأصل ثبوتا أمران :

أحدهما : لزوم المناقضة أو المضادة أو المماثلة بین مفادی الأصل والأمارة.

ثانیهما : لزوم الإذن فی المخالفة العملیة.

وإثباتا لزوم المناقضة بین صدر الروایة وذیلها.

فاذا کان المتعارضان فردین من غیر الخبر ، فهما متساقطان ، فلا تکلیف فعلی أصلا غیر ما هو علی طبق الأصل مثبتا کان أو نافیا ، فلا مضادة ولا مماثلة ولا مناقضة.

وحیث إن الحجة معارضة بمثلها ، فلا مخالفة عملیة ولو احتمالیة حتی یلزم من جریان الأصل النافی الإذن فی المخالفة العملیة ، فلا مانع ثبوتا أصلا فی غیر الخبرین.

وأما إثباتا ، فلأن الناقض للیقین هو الیقین أو الحجّة القاطعة للعذر تفصیلا کان أو اجمالا.

والمتعارضان وإن کانا من أطراف ما علم اعتباره ، إلاّ أن ملاک المناقضة کون المجری مما قامت الحجة علی خلافه أو علی وفاقه ولو إجمالا بحیث یکون أصل قیامه مقطوعا به ، وهنا لا قطع بقیام الحجة علی خلاف مجری الأصل أو علی طبقه ، بل یحتمل عدم حجیة أصل الأمارة التی تعارض فردان منها.

بل علی الفرض یقطع بعدم حجّیتهما فعلا ، فلا حجة علی خلاف الأصل الجاری فی المورد ، ولا علی طبقه.

هذا کله إن کان المتعارضان من غیر سنخ الخبر.

وأما إذا کانا فردین من الخبر وکان الخبر النافی راجحا ، فجریان الأصل المثبت أو النافی وإن لم یلزم منه الإذن فی المخالفة العملیة حیث لا عمل للخبر ، إلا أن محذور مناقضة الحکمین أو مماثلتهما مانع عقلی کما قدمناه سابقا (1)، والحجیة الفعلیة وإن کانت محتملة ، إلا أن احتمال المتناقضین والمتماثلین کالقطع بهما فی


1) 1. فی التعلیقة 132.

الاستحالة.

نعم حیث لا حجة علی خلاف المجری ولا علی وفقه ولو إجمالا لاتحاد المجری لا یلزم منه المناقضة بین الصدر والذیل.

لا یقال : حیث إنه لا معارض للأصل ، فینحل العلم الإجمالی إمّا بحجّیة الخبر النافی او حجّیة غیره للعلم بالحکم الفعلی الاستصحابی ، کما فی غیر ما نحن فیه.

لأنا نقول : نعم إذا جری أصل غیر معارض فی بعض الأطراف ینحل العلم ، لکنه هنا لیس کذلک ، إذ لا أصل غیر معارض فی الخبر کلیّة ، وبالإضافة إلی هذا الخبر الخاص لا یوجب الانحلال ، للقطع بالملازمة فی الحجّیة بین هذا الخبر وسائر الأخبار.

فالحق أنه کما أفاده « قدس سره » لا مانع من جریان الأصل ثبوتا وإثباتا ، إلاّ بلحاظ المناقضة فی مقام الثبوت ، وهو « قدس سره » کالشیخ الأعظم « قدس سره » لا یری المانع ثبوتا إلاّ الإذن فی المخالفة العملیة ، وحیث إن الخبر ناف لا یلزم من إجراء الأصل الغیر المعارض لوحدة المجری إذن فی المخالفة العملیة ، سواء کان الأصل مثبتا أو نافیا.

نعم إذا کان الخبر الراجح مثبتا ، فلا مجری للأصل النافی حیث یلزم منه الإذن فی المخالفة العملیة ولو احتمالیة ، لا من جهة النقص فی أرکان الاستصحاب أو من جهة الناقض للیقین.

وعلیه تعلم أن المتعارضین إذا کانا فردان من طرفین وکان تعارضهما بالنفی والإثبات أیضا لا یقتضیان عملا ، لتساقطهما وإن کان أحدهما خبرا ، لأن الترجیح للخبر علی الخبر والتخییر بین الخبرین.

ومع سقوطهما بالمعارضة لا حجة علی خلاف الأصل حتی یلزم منه الإذن فی المخالفة العملیّة.

إلا أن یقال : إنّ وجه اعتبار کون المتعارضین فردین من بعض الأطراف سقوطهما علی تقدیر حجیتهما الذاتیة.

بخلاف ما إذا کانا من طرفین یعلم بحجیة أحدهما بالذات ، فان المقام لیس من تعارض الحجّتین لیتساقطا بالمعارضة بل من اشتباه الحجّة باللاّحجّة ، وفی مثله ربما یقال : بالاحتیاط ، ولازمه الأخذ بالامارة المثبتة المانعة من جریان الأصل ، للزوم الإذن فی المخالفة العملیة.

بل حیث إن أحدهما حجة واقعا فالأصل غیر جار لاحتمال التناقض وهی الحجة ، فالتمسک بعموم لا تنقض فی المورد تمسک بالعموم فی الشبهة المصداقیة.

والوجه الأول وهو لزوم الاحتیاط وإن کان غیر صحیح إلاّ فیما إذا کانت الأمارتان متعلقتین بتکلیفین متضادّین کوجوب الجمعة والظهر ، لکن الوجه الثانی لا بأس به.

وأما إذا کان الخبران متعادلین : فان قلنا بأن معنی حجیة الخبر لزوم الالتزام بمؤدّاه ، فیمکن التخییر بین الخبر المثبت والنافی من حیث التخییر بین اللزومین.

وإن قلنا : بأن معنی الحجیة جعل الحکم المماثل علی طبق المؤدی : فاذا کان مؤدّی أحد الخبرین وجوب الظّهر ومؤدّی الآخر وجوب الجمعة صح التخییر بمعنی جعل حکمین مماثلین للمؤدّی بنحو التخییر ، فیجب کل منهما فعلا إلی بدل.

وإذا کان مؤدّی : أحدهما وجوب شیء ومؤدّی الآخر عدم وجوبه کما هو المفروض فی المقام ، فلا یعقل التخییر حیث لا بدل للواجب حتی یعقل الوجوب التخییری ، فیؤول إلی الخلف ، فان التخییر بین فعل شیء لزوما وترکه لا إلی بدل مناف لجعل طبیعة الوجوب.

الوجوه المتصورة فی مقام جعل الأحکام

فما عن بعض أجلة العصر (1)من التخییر بین الخبرین المتعادلین فی فرض التعارض بین النفی والإثبات لا بد من أن یحمل علی الوجه الأول.

إلا أن الوجه الأول فی نفسه غیر صحیح ، إذ أدلة الحجّیة للتحفظ علی الأحکام العملیة المطلوب منها العمل إمّا بتنجیزها أو بجعل أحکام مماثلة لها لیکون إیصالا لها بعنوان آخر ، وإن وجب الالتزام بها من الخارج عقلا أو نقلا.

وإلا لو فرض أن معنی الحجیة هو الأمر بالالتزام فهو التکلیف المجعول ، ولیس هناک تکلیف آخر إلاّ الواقع والالتزام الجدی بالواقع الذی لم یحرز لا حقیقة ولا تعبدا غیر معقول ، والواقع غیر محرز حقیقة وهو واضح ولا تعبدا ، إذ المفروض عدم جعل الحکم المماثل ، فالأمر بالالتزام الجدی غیر معقول.

والمراد من الالتزام لو فرض الأمر به صریحا البناء علی ثبوته کنایة عن أصل ثبوته ، فهو أمر بالالتزام کنایة ، وجعل للحکم المماثل حقیقة. وبقیة الکلام فی محله.

ومنها ما إذا تعارض فردان من نوعین یعلم بحجیة أحدهما ذاتا وکان أحدهما متکفلا للوجوب والآخر للحرمة ، فان الأمارة وإن کانت من حیث نفسها قابلة لاقتضاء الاحتیاط لفرض وجود الحجّة الذاتیّة بینهما.

لکن المورد غیر قابل للاحتیاط بوجه ، لا من حیث الموافقة القطعیة ، ولا من حیث الموافقة الاحتمالیة : أما من الحیثیة الأولی ، فواضح لاستحالة خلو المکلف عن الفعل والترک.

وأما من الحیثیة الثانیة ، فالموافقة الاحتمالیة فی کل واقعة حاصلة قهرا ، فلا معنی لالزام العقل بها بالإضافة إلی وقائع متعددة ، وإن کان یتصور المخالفة القطعیة تدریجا ، لکنه لیس للوقائع المتعددة تکلیف واحد لیتصوّر تنجزه من حیث


1) 1. هو المحقق الحائری قدس سره ، درر الفوائد / 409.

المخالفة القطعیة ، بل تکالیف متعددة لا یعقل تنجزها ، لا من حیث وجوب الموافقة القطعیة ، ولا من حیث حرمة المخالفة القطعیة وبقیة الکلام فی محله.

ومما ذکرنا تعرف عدم المانع من جریان الأصول النافیة ، حیث لا علم إجمالی بتکلیف فعلی ، فلا مانع ثبوتا ولا إثباتا.

ومنها ما إذا کانت أمارات نافیة لتکالیف متعددة وکانت فی موردها استصحابات مثبتة ، فان الأمارات حیث کانت نافیة فلا عمل حتی یلزم من جریان الأصول المثبتة الإذن فی المخالفة العملیة.

وأما من حیث المانع فی مقام الإثبات ، فظاهر شیخنا « قدس سره » هنا عدم جریانها بناء علی شمول الیقین فی قوله علیه السلام ولکن تنقضه بیقین آخر للیقین الإجمالی أو للحجة المعتبرة إجمالا : إما لأولها إلی الأول نظرا إلی أن مفاد الحجیة جعل الحکم المماثل ، فیقطع بسبب قیام الحجة بالحکم علی خلاف الحالة السابقة إمّا تفصیلا أو إجمالا.

أو لأن المراد من الیقین مطلق ما ینجز الواقع ویکون قاطعا للعذر ، فیعم الحجة القاطعة للعذر.

وفی تعلیقة شیخنا « قدس سره » تفصیل بین العلم بانتقاض الحالة السابقة إجمالا (1)والعلم بقیام الأمارة المعتبرة إجمالا ، بعدم جریان الأصول فی الأول ، وجریانها فی الثانی تارة ، وعدمه أخری.

توضیحه أنه مع العلم بانتفاض الحالة السابقة إجمالا وشمول الیقین فی الذیل للإجمالی لا یصح التعبد الاستصحابی بوجه ، لأن التعبد بالجمیع مناقض لاعتبار ناقضیّة الیقین الإجمالی ، والتعبد بأحدهما المعین تخصیص بلا مخصص ، فانه لا ناقض له بالخصوص لعدم العلم التفصیلی بخلافه ، والتعبد بأحدهما المردد


1) 1. التعلیقة علی الرسائل / 87.

مفهوما لیس من أفراد العام ، والمردد مصداقا مستلزم لاستعمال اللفظ فی المعنیین ، وهو کون لزوم النقض فی الیقین التفصیلی تعیینیّا وفی الإجمالی تخییریّا.

واستعماله فی الجامع مع أنه خلاف الظاهر مستلزم لعدم دلالة الأخبار علی حرمة النقض تعیینا ولا تخییرا فیحتاج إلی دلیل آخر علی التعیین. هذا کلّه فی صورة العلم بانتقاض الحالة السابقة.

وأما فی صورة العلم بوجود الحجة المعتبرة إجمالا ، فاعتباره اعتبار العلم بوجود الناقض ، لا اعتبار العلم الناقض کما فی الأول : فحینئذ إن علم إجمالا بوجود الحجة المعتبرة إجمالا مع العلم بعدم حجیة الباقی ، فللناقض تعیّن واقعی فیسقط الأصل فی مورده فقط دون الباقی ، وحیث إنه مردد بین الأمارات التی هی أطراف العلم ، فالتمسک بعموم لا تنقض تمسک بالعام فی الشبهة المصداقیة ، حیث لا یعلم أن رفع الید عن الیقین السابق من باب نقض الیقین بالحجة أو بالشک ، وحیث إن هناک فی الواقع تکالیف لزومیة استصحابیة فیجب الاحتیاط.

وإن علم إجمالا بوجود الحجة المعتبرة إجمالا مع احتمال حجّیة الجمیع ، فحیث إنه علی فرض حجیة الجمیع لا تعین لواحد منها لینطبق علیه المعلوم بالإجمال لیکون هو الناقض دون غیره ، فلا محالة یسقط الاستصحاب فی الجمیع ، إذ فرض اعتبار الناقض الإجمالی یمنع عن ثبوت الاستصحاب فی الجمیع ، وفرض عدم التمیز الواقعی المانع من انطباق المعلوم بالإجمال یمنع عن سقوط الأصل فی واحد معین واقعا ، فلا یمکن التعبد الاستصحابی بوجه ، وارتفاع الحالة السابقة فی بعضها المعین واقعا مناف لحصر الناقض فی الیقین ، بل مناف لأصل التعبد الاستصحابی المتقوّم بالیقین والشک. فالفرق بین هذین الوجهین جریان الاستصحاب فی ما عدا المعلوم فی الأول واقعا ، وعدم جریانه فی الجمیع فی الثانی واقعا هذه غایة توضیح ما أفاده « قدس سره » فی تعلیقته الأنیقة.

أقول : أما ما أفاده قدس سره فی صورة العلم الإجمالی بالانتقاض.

ففیه أن قوله علیه السلام : « ولکن تنقضه بیقین آخر » : إن کان محددا للموضوع لا حکما شرعیا مولویا ، لما مر من البرهان علی استحالة جعل الحکم المماثل علی طبق الیقین بحکم فلا محالة یرتفع الموضوع بفرض العلم الإجمالی ، لأن الموضوع هو الشک المحض ، لا المقرون بالعلم الإجمالی.

فلیس اعتبار الیقین اعتبار الناقض ، بل اعتباره اعتبار تحدید الموضوع ، فعدم التعبد الاستصحابی لا بالبرهان المتقدّم بل بعدم موضوعه ، وهذا هو الصحیح کما مر مفصلا.

وإن لم یکن محددا للموضوع بل کان الموضوع نفس الیقین السابق والشک اللاحق بما هما یقین وشک وکان اعتبار الیقین بالخلاف من باب اعتبار الناقض ، فمعناه اعتبار شیء شرعا یمنع عن فعلیّة التعبد الاستصحابی مع تمامیّة موضوعه فی حد ذاته ، فحرمة النقض فی کل واحد تعینه ذاتا.

ولزوم النقض بالیقین التفصیلی تعیینی بتعیّن موضوعه للناقضیّة لأمر معیّن ، وبالیقین الإجمالی لزوم غیر تعیینی لتردد موضوعه لفرض تعلقه عنده « قدس سره » بالمردد المصداقی ، والأمر لنفس طبیعی الالزام ، والتعیّنیّة وعدمها تستفاد بالبرهان من تعلقه بنحوین من الموضوع.

وإذا کان المقتضی لحرمة النقض ذاتا فی کل واحد موجودا والمانع لم یکن مانعا عن الجمیع اذ لا یقین علی خلاف کل واحد ولا علی خلاف واحد معین فی الواقع ، إذ بخصوصه لیس طرف العلم ، بل المانع متساوی النسبة إلی المقتضیات ، فمقتضاه ثبوت أحدهما بلا عنوان وسقوط أحدهما بلا عنوان کما هو مسلکه « قدس سره » فی أمثال المقام لا سقوط الجمیع.

نعم تعلق صفة حقیقة أو اعتباریة عندنا بأحدهما المردد مصداقا غیر معقول ، فثبوت أحدهما بلا عنوان وسقوط أحدهما بلا عنوان غیر معقول ، کما

أن سقوط الجمیع مع تعلق العلم الإجمالی بأحدهما المردد غیر صحیح.

فاعتبار ناقضیّة الیقین الإجمالی غیر معقول ، واعتبار تحدیده للموضوع معقول بل بناء علی التعمیم یجب جعله محددا للموضوع بالبرهان المتقدم سابقا.

وأما ما أفاده « قدس سره » من الفرق بین صورتی العلم بوجود الحجة المعتبرة.

ففیه أن الحجة بوجودها الواقعی غیر ناقض بل بوجودها الواصل ، فالعلم بها مقوم لناقضیّتها ، فحجیة الأمارات واقعا بعضا أو کلا لا أثر لها بل للعلم بها ، وبحسب الوجود العلمی الإجمالی دائما لا تمیّز لها ، وتمیّزها الواقعی لا یوجب تمیّزها من حیث وجودها العلمی حتی یتفاوت الحال من حیث حجّیتها کلا أو بعضا بحسب الواقع ، بل العلم الإجمالی بالحجة والعلم الإجمالی بارتفاع الحالة السابقة علی حد سواء ، خصوصا إذا کانت الحجّیة بمعنی جعل الحکم المماثل فان العلم بالحجة لیس إلاّ العلم بخلاف المتیقن سابقا.

139 - قوله « قده » : ولا ما هو من أطراف العلم به علی خلافه فافهم ... الخ (1).

نعم هو کذلک إلا فی الخبر النافی الراجح ، فانه من أطراف العلم بالطریق علی خلاف الاستصحاب المثبت ، لکنه حیث لا یلزم من إجراء الأصل إذن فی المخالفة العملیّة ، فلا مانع ثبوتا ، وحیث لا حجة ولو إجمالا علی خلاف المجری کما قدمنا بیانه ، فلا مانع منه إثباتا ، ولعلّه أشار ( رحمه الله ) إلیه بقوله فافهم.

140 - قوله « قده » : بسبب العلم به ... الخ (2).

فیه مسامحة ، إذ العلم بالانتقاض لا یکون سببا للعلم به.


1) 1. کفایة الأصول / 317.

2) 2. کفایة الأصول / 318.

والصحیح أن یقال للعلم بالانتقاض ، أو بقیام أمارة معتبرة علیه فی بعض أطرافه.

141 - قوله « قده » : وثانیا لو سلم أن قضیّته لزوم التنزل ... الخ (1).

ینبغی تقدیم مقدمة نافعة للمقام وهی أن الوجوه المتصوّرة فی مقام جعل الأحکام علی أقسام :

أحدها : أن لا یکون قبل العلم أو الظن بالحکم حکم مجعول ، وإنما یحدث بالعلم به أو بالظن به بجعل الحکم علی طبق العلم به أو الظن به.

والمعروف فیه أنه محال لاستلزامه الدور نظرا إلی توقف العلم أو الظن بالحکم علی الحکم وتوقف الحکم علی العلم به أو الظن به.

وقد مر فی (2)مباحث القطع أنه لا دور أصلا بل یستلزم الخلف من تأخر المتقدم بالطبع وتقدم المتأخر بالطبع.

وقد ذکرنا هناک عدم لزوم هذا المحذور أیضا ببیان برهانی فی الجمیع فراجع.

ثانیها : أن لا یکون لکل واقعة حکم مجعول خاص ، بل جعل أحکاما کثیرة قبلا بعدد الظنون والآراء لا مترتبة علیها ، فکلها أحکام واقعیة ، وإن کان لو لم تکن تلک الآراء لم یجعل للواقعة حکم ، لکنها لما کانت محفوظة فی علمه تعالی جعلت علی طبق مؤدیاتها أحکام فی الواقع ، لا أنها أحکام أخر زیادة علی الأحکام الواقعیة.

وهذا هو الذی یقال بالإجماع وتواتر الأخبار علی خلافه.

والدور المتقدم لو کان صحیحا لجری فی هذا القسم أیضا ، لأن تلک

الوجوه المتصورة فی مقام جعل الأحکام


1) 1. کفایة الأصول / 318.

2) 2. فی التعلیقة 27 و 46.

الأحکام وإن کانت قبل الآراء قبلیة بالزّمان ، لکنها بعدها بالطبع وبالعلیة ، إذ المفروض أنه لو لا تلک الآراء والظنون لم یجعل تلک الأحکام ، فلتلک الآراء نحو من الشرطیة لثبوتها قبلا.

مع أنها لمکان تعلیقیّتها متأخرة عن تلک الأحکام ، خصوصا إذا کانت تلک الأحکام المجعولة مترتبة علی ظن المجتهد بها نحو القضیة الحقیقیّة ، فان محذور توقف الحکم علی موضوعه وتوقف الموضوع علی حکمه جار فیه أیضا.

بل لا یبقی حینئذ فرق بینه وبین القسم الأول إلا بکون الجعل هنا بنحو القضیّة الحقیقیّة ، والجعل هناک بنحو القضیّة الخارجیّة ، وهو کذلک لفرض عدم الحکم هناک رأسا وحدوثه بالعلم والظن به ، فتوقف الحکم هناک علی العلم به توقف المشروط علی شرطه ، وتوقفه هنا توقف العارض علی معروضه ، فتدبر جیدا.

ثالثها : أن یکون لتلک الأحکام ثبوت واقعی للوقائع من دون توقف لأصلها علی العلم والظن بوجه أصلا ، إلاّ أن فعلیّتها منوطة بقیام الطریق علیها ، وهو علی قسمین : أحدهما أن یکون تلک الأحکام مصروفة إلی مؤدیات الطرق بحیث لو قام طریق علی خلافه لسقط الحکم الفعلی من أصله.

فالفرق بینه وبین القسم الثانی أن الحکم من الأول لم یجعل علی خلاف طریق من الطرق فی الأول ، وهنا جعل حکم مخالف لما أدی إلیه الطریق ، لکنه سقط من أصله بقیام الطریق علی خلافه ، بدعوی أن ما قام علیه الطریق ذو مصلحة غالبة مضادة للمصلحة المقتضیة للحکم الواقعی ، وإذا سقطت المصلحة المغلوبة عن التأثیر سقط مقتضاها وهو الحکم ، فالأول تصویب حدوثا ، وهذا تصویب بقاء لکنه لیس فیه توهم الدّور.

وهذا أیضا إذا کان جعل الحکم المخالف بنحو القضیة الخارجیة ، وإلا إذا کان بنحو القضیّة الحقیقیّة ، فلا محالة یتقیّد الحکم الواقعی بما إذا لم یقم علی

خلافه طریق ، فلیس لمن قام عنده طریق مخالف حکم من الأول ، فهو تصویب حدوثا لا بقاء فقط ، لفرض عدم المشترک فی حقه لیکون مستحیلا.

ثانیهما : الصرف بنحو التقیید بأن یکون الحکم الواقعی الذی أدی إلیه الطریق فعلیّا بعثیّا أو زجریّا أو منجّزا بناء علی انفکاک مرتبة البعث والزجر عن التّنجّز بحیث إذا لم یقم علیه طریق لا یسقط من أصله ، بل لا أثر له عقلا وشرعا من حیث الإطاعة والعصیان ، فلا تصویب حیث لم یسقط الحکم الواقعی ، لکن موضوع الأثر هو الواقع المقید بقیام الطریق علیه بما هو کذلک لا بما هو واقع.

وعلیه فالصّرف المطلق غیر الصرف المقید ، وجامعه مطلق الصرف ، والأول تصویب ولا استحالة فیه ، والثانی یرد علیه ما یرد علی الأول من حیث إن إتیان ما تعلق به القطع یجزی بما هو واقع لا بما هو مؤدی القطع ، فقوله « قدس سره » إذ الصرف لو لم یکن تصویبا محالا فلا أقل إلی آخره یراد به الصرف المطلق لا مطلق الصرف ، کما یشهد له مقابلته بالتقیّد (1)بقوله « رحمه الله » ومن هنا انقدح أن التقیید أیضا غیر سدید إلی آخره.

نعم لا استحالة فی الصرف المطلق کما عرفت لوضوح أن الصرف فی مرتبة الفعلیة بعد جعل الحکم لا بلحاظ أداء الطریق إلیه.

ومنه یعلم ما فی عبارة المتن من المسامحة حیث قال « قدس سره » إذ الصرف لو لم یکن تصویبا محالا فلا أقل من کونه مجمعا علی بطلانه إلی آخره ، فان ظاهره أن الصرف المطلق تصویب محال ومع قطع النظر عنه یکفی فی بطلانه الإجماع.


1) 1. هکذا فی النسخة المخطوطة بغیر خط المصنف قده ، وفی المطبوعة : التعبد ، تصحیف من ( التقیّد ) لکن الصحیح : بالتقیید.

مع أنه کما عرفت لیس بمحال حتی یقطع النظر عنه ویکتفی فی بطلانه بالإجماع علی خلافه ، وما هو محال لیس من مقولة الصرف ، فانه لا واقع حتی یصرف إلی الطریق.

نعم لو کان التعبیر هکذا إذ الصرف ولو لم یکن محالا لکنه تصویب مجمع علی بطلانه لسلم عن هذه الخدشة ، کما أن قوله « قدس سره » ضرورة أن القطع بالواقع إلی آخره وجه آخر لبطلان الصرف ، بل لمطلق الصرف فلا بد فی مقام التعلیل به من العاطف ، لسبق تعلیل بطلان الصرف بقوله إذ الصرف إلی الآخر (1)، ولیس علة للاجماع کما هو واضح حتی یکون علة للعلة والأمر سهل.

ثم إنه تبین مما ذکرنا أن فعلیّة الواقع بقیام الطریق علی قسمین :

أحدهما : أن یکون قیام الطریق علیه موجبا لفعلیة الحکم من قبل الشارع ، بحیث یکون تمامیّة اقتضائه من تلقاء الشارع منوطة بقیام الطریق کالواجبات المشروطة بغیر قیام الطریق من سائر القیود المعلقة علیها التکالیف ، ومثل هذا القید لا یعقل أن یقوم مقامه شیء ، والواقع بما هو غیر فعلی من قبل المولی حتی یکون الظن به ذا أثر عقلا.

ثانیهما : أن یکون الحکم تام الاقتضاء من قبل الشارع وفعلیا من قبله لکن فعلیّته البعثیة والزجریة منوطة عقلا بنحو من أنحاء الوصول إما عقلا کالقطع أو شرعا کالطرق المنصوبة لبلوغ الحکم إلی مرتبة البعث والزجر ، وهو أیضا علی قسمین :

أحدهما : الفعلیّة ذاتا بأن یکون اعتبار الحجّیة بمعنی الاحتجاج به علی التکلیف کما إذا أمر بداعی تنجیز الواقع ، فالواقع علی تقدیر ثبوته یکون بالغا مرتبة البعث والزجر المساوقة لمرتبة التنجز کما مر مرارا.


1) 1. کذا فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف قده ، لکن الصحیح : إلی آخره.

ثانیهما : الفعلیة بالعرض بأن یکون اعتبار الحجّیة بمعنی جعل الحکم المماثل علی طبق الطریق الموافق ، فالحکم المماثل حیث إنه بنفسه واصل یکون فعلیّا حقیقة ، وحیث إنه بلسان أنه الواقع ، فینسب الوصول والفعلیّة إلی الواقع ، فیقال : بفعلیة الواقع عرضا.

إذا عرفت ما ذکرنا ، فاعلم أن غرض القائل بالظن بالطریق کصاحب الفصول رحمه الله من کون المکلف به هو العمل علی طبق الطریق وتقیید الواقع به لیس بمعنی الصرف المطلق المستلزم للتصویب ، ولا الفعلیّة من تلقاء الشارع بحیث یتمّ اقتضائه من قبل الشارع بقیام الطریق ، کیف وقد فرض فی صدر کلامه القطع بأنا مکلفون بأحکام فعلیة. بل المراد دخل الطریق فی فعلیة التکلیف بعثا وزجرا ، بحیث یکون له إطاعة وعصیان بأحد الوجهین من الفعلیة الذاتیة أو العرضیّة ، حیث إن التکلیف بالطریق إمّا بمعنی جعل الحکم المماثل أو الانشاء بداعی تنجیز الواقع ، ودوران فعلیّة الواقع مدار الثانی واضح ، وکذا مدار الأول ، إذا کان الحکم المماثل بعنوان إیصال الواقع بالعرض ، بحیث لا یکون منبعثا إلا عن مصلحة الواقع.

وعلی هذین التقدیرین فوجه دعوی اختصاص حجیة الظن بالظن بالطریق هو أن الواقع الذی لم یبلغ مرتبة البعث والزجر لا أثر له ، فالظن به ظن بما لا أثر له ، بخلاف الظن بالفعلی منه وهو الظن بما قام علیه الطریق المنصوب.

ومنه یتضح الفرق بین قیام الظن بالطریق مقام القطع به وعدم قیام الظن بالواقع مقام القطع به ، إذ الظن والقطع علی الأول تعلّقا بالحکم الفعلی ، فیقوم الظن به مقام القطع به ، بخلاف الظن والقطع علی الثانی ، فان القطع هو بنفسه موجب لفعلیّة الواقع ومحقق لموضوع الأثر ، والظن بالواقع المقطوع به غیر معقول ، وبنفس الواقع ظن بما لا أثر له.

والتحقیق أن تقیّد فعلیّة الواقع وبلوغه مرتبة البعث والزجر بالحمل الشائع بقیام الطریق علیه وإن کان مما لا بد منه عندنا خلافا لمن یجعل الفعلیّة بفعلیّة موضوعه فقط ، إلا أن استنتاج هذه النتیجة المهمة متوقف علی أمرین.

أحدهما : انحلال العلم الإجمالی الکبیر ، وإلا لکانت التکالیف الواقعیّة فعلیّة بوصولها بالعلم الإجمالی ، لما مر مرارا أنه لا فرق فی الوصول المبلغ للحکم إلی درجة الفعلیّة بین العلم التفصیلی والإجمالی.

وحینئذ فالظن بالواقع ظن بالحکم الفعلی ، کما أن الظن بمؤدّی الطریق المنصوب ظن بالحکم الفعلی.

ثانیهما : عدم انحلال العلم الإجمالی الصغیر برفع الید عن الموافقة القطعیّة کما هو المفروض من عدم وجوب الاحتیاط فی الطرق ، وإلا لو قلنا بانحلاله کما هو مقتضی التحقیق ، لاستحالة الانفکاک بین حرمة المخالفة القطعیة ووجوب الموافقة القطعیة کان الظن بمؤدی الطریق ظنا بحکم غیر فعلی ، فیکون کالظن بالواقع ، لوضوح أن الحکم الطریقی کالحکم الحقیقی لا بد فی فعلیّته وترتب الأثر المترقب منه من وصوله علما أو علمیّا.

ومع فرض انحلال العلم یکون التکلیف الطریقی بلا وصول علمی ، فکیف یکون موصلا للواقع ومبلّغا له إلی مرتبة الفعلیّة.

أما الأمر الأول ، فهو صحیح ، لأن قیام الحجّة علی بعض أطراف العلم الإجمالی بمقدار المعلوم إجمالا یوجب الانحلال کما حقق فی محلّه.

ولا فرق فی وصول الحجة بین العلم التفصیلی بقیامها علی بعض الأطراف والعلم الإجمالی بقیامها ، کما لا فرق فی وصول التکلیف الواقعی بین العلمین.

وهذا هو الفارق بین ما نحن فیه وبین ما تقدم فی الدلیل العقلی علی حجیة الخبر ، حیث إن العلم الإجمالی بصدور أخبار کثیرة لیس علما إجمالیا

بوجود الحجة الشرعیة ، بل علم إجمالی بصدور تکالیف واقعیّة من الإمام علیه السلام ونسبة العلم الإجمالی بکلیّة التکالیف ونسبة العلم الإجمالی بخصوص هذه التکالیف علی حد سواء ، فلا معنی لکون هذا العلم الإجمالی منجزا لها دون العلم الإجمالی الکبیر ، فلا یکون العلم الإجمالی الصغیر موجبا لانحلال العلم الإجمالی الکبیر.

وأما الأمر الثانی ، فهو غیر صحیح ، لما مر من استحالة الانفکاک بین وجوب الموافقة وحرمة المخالفة ، فمع عدم وجوب الاحتیاط ینحل هذا العلم الإجمالی الصغیر ، ولا محالة ینحل العلم الإجمالی الکبیر من ناحیة العلم الإجمالی الصغیر ، وإن کان ینحل بالوجه المشترک بینهما وهو عدم الانفکاک بین وجوب الموافقة وحرمة المخالفة.

وقد عرفت سابقا انتهاء الأمر إلی حجّیة الظن من باب الکشف وسیجیء إن شاء الله تعالی أنّه لا فرق حینئذ بین الظن بالواقع والظن بالطریق من حیث کون کل منهما موجبا لفعلیة الحکم الواقعی والحکم الطریقی فتدبر جیدا.

وأما ما أفاده شیخنا الأستاد العلامة « رفع الله مقامه » من وجوه الإیراد ، فلا یخلو من نوع من الانتقاد.

فمنها أن الصرف ولو بنحو التقیید غیر سدید ضرورة أن القطع بالواقع یجدی فی الإجزاء بما هو واقع لا بما هو مؤدّی طریق القطع ، لما ذکره « قدس سره » سابقا أن القطع لا تناله ید الجعل من الشارع إثباتا ونفیا حتی یکون علی طبق المقطوع حکم شرعی لیکون مدار الامتثال والإجزاء علی إتیانه بما هو مقطوع به.

والجواب أن مدار الامتثال علی البعث والزجر ، والقطع والطریق المنصوب حیثیّة تقییدیّة للحکم الواقعی ، وحیثیّة تعلیلیّة للبعث والزجر ، ولا منافاة بینهما.

فالتقیید فی مرتبة لا ینافی إجزاء المأتی به عن المبعوث إلیه بما هو مبعوث إلیه من دون قید ، والقطع والطریق المنصوب فی هذه المرحلة علی حد سواء ، فکل منهما مبلغ للحکم الواقعی الی مرتبة الباعثیة والزاجریة ، فالحکم الواقعی الواصل بما هو مصداق البعث لا أن البعث الواصل بما هو بعث واصل مدار الامتثال والإجزاء ، وما هو ضروری هو الثانی دون الأول الذی یقتضی البرهان تقیّد الواقع به فی صیرورته بعثا حقیقیّا وزجرا جدّیا.

ومنها أن الالتزام بالتقیید غیر مفید ، فان الظن بالواقع فی التکالیف العامة البلوی لا یکاد ینفک عن الظن بأنه مؤدی طریق معتبر ، وجه التلازم أن التکالیف العامة البلوی عادة مما قام علیها طریق معتبر من قبل الشارع ، کما أن الطرق المتداولة غالبا تؤدّی إلی الواقع ، وحیث إن الظن بالواقع فی أمثال هذه المسائل یستلزم الظن بأنه مؤدّی الطریق المعتبر ، فلا وجه لقصر حجیة الظن علی الظن بالطریق.

والجواب أن منشأ التلازم هی الغلبة المزبورة ، وهی مفیدة للظن نوعا لا فعلا ، ونتیجة دلیل الانسداد حجیة الظن الفعلی لا الظن النوعی.

مضافا إلی أن الظن بالطریق أو بکون الواقع مؤدّی الطریق إنما یکون حجة فی دائرة العلم الإجمالی ، إذ الطریق المنصوب لو لم یصل حکما وموضوعا ولو بالعلم الإجمالی لا أثر له فی جعل الحکم الواقعی فعلیا.

وعلیه ، فکما إذا ظننا بحجّیة طریق حکما فقط من دون الظن بقیامه علی شیء لا أثر له ، کذلک إذا ظننا بأن هذا الحکم الواقعی مؤدّی طریق معتبر غیر واصل ، إذ مع فرض وصوله موضوعا بقیام خبر أو إجماع منقول أو شهرة مثلا علی هذا الحکم المظنون لکان هناک یقین بأنه مؤدّی أحد أطراف الطرق المعلومة بالإجمال ، فلا یتصور الظن بأنه مؤدّی طریق من الطرق المعتبرة إلا بفرض عدم وصوله خارجا فی ضمن ما بأیدینا من الطرق ومعه فلا أثر للظن به ، حیث لا أثر

للطریق الغیر الواصل موضوعا کغیر الواصل حکما ، فتدبر جیدا.

ومنها أن مقتضی التقیید حجّیة الظن بأنه مؤدّی الطریق المعتبر وإن لم یظن تفصیلا بحجّیة طریق من الطرق ، وأما الظن بحجیة الطریق ، فلا یجدی فی الظن بالمقید ، فان ذات المقید إذا لم یکن مظنونا لا فائدة فی الظن بالقید فقط ، إلا إذا ظن من الطریق المظنون الحجّیة بالواقع لیکون القید والمقیّد مظنونین ، فمجرد الظن بحجیة الطریق لا یجدی بناء علی التقیید ، دون الظن بأنّه مؤدّی الطریق المعتبر ، والظن بالطریق المتداول وإن کان عادة تؤدّی إلی الواقع ، إلا أن صاحب الفصول لا یفرق بین الظن بالطریق المتداول وغیره.

والجواب أن مقتضی القطع بحجّیة الطریق الدخیل فی فعلیّة الواقع بعثا أو زجرا لیس القطع بالواقع ولا الظن به ، بل الطریق المنجّز ینجز الواقع علی تقدیر ثبوته ، فالقطع بالحجّیة یوجب القطع بفعلیّة الواقع علی تقدیر ثبوته ، والظن بها یوجب الظن بفعلیّته علی تقدیر ثبوته.

ومنه تبین أن التقیید علی الوجه الذی ذکرناه ، وهو الوجه المعقول فی حمل کلام صاحب الفصول « قدس سره » لا یقتضی الظن بالواقع فی صورة القطع بالحجیة فضلا عن صورة الظن به ، بل الأمر کذلک بناء علی الحجّیة بمعنی جعل الحکم المماثل ، فان الحکم المماثل إذا کان مجعولا علی أی تقدیر ، کما هو الحال بناء علی السببیة والموضوعیة ، فلا محالة یکون القطع بها قطعا بالحکم المماثل ، والظن بها ظنا بالحکم المماثل.

وأما بناء علی الطریقیة المحضة فلازمه قصر الحکم المماثل علی صورة موافقة الطریق للواقع ، فلا محالة یکون حاله حال الإنشاء بداعی تنجیز الواقع لا قطع ولا ظن بفعلیة الواقع عرضا إلا علی تقدیر ثبوته فی الواقع علی طبق مؤدّی الطریق.

ومنها أن نصب الطریق وجعل التکلیف الفعلی دائرا مدار قیام الطریق

لا یوجب إلا رجوع العلمین إلی علم واحد وانحلال العلم الإجمالی بالتّکالیف الواقعیة.

وهذا التقریب أولی مما فی المتن من أن نصب الطریق لا یساعد علی الصرف والتّقیید ، لما مر من أن الوجه الوجیه فی التقیید ما ذکرنا من دوران وصول التکلیف الفعلی من قبل المولی مرتبة البعث والزجر - الذین علیهما مدار الاطاعة والعصیان - مدار قیام الطریق المنصوب.

لکنه لا یجدی إلا فی الانحلال ، وهو إنما یوجب الاختصاص للظن بالطریق إذا کانت حجیة الظن من ناحیة منجزیة العلم الإجمالی بعد عدم اقتضائه للاحتیاط مطلقا کما هو مسلک القوم.

وأما علی ما سلکه شیخنا « قدس سره » من سقوط العلم الإجمالی عن التأثیر وأن الموجب لرعایة أطراف العلم هو إیجاب الاحتیاط شرعا المستکشف بسبب العلم بالاهتمام ، فلا محالة ینتج حجّیة الظن بقول مطلق ، إذ لا اختصاص للعلم بالاهتمام بهذه الطائفة من الأحکام ، بل لاهتمام الشارع بأحکامه نصب الطریق إلیها ، لا أن مؤدیات الطرق من أحکامه موارد اهتمامه.

لکنک قد عرفت منا أن إیجاب الاحتیاط إذا کان طریقیّا بداعی تنجیز الواقع کان حاله حال العلم الإجمالی فی محذور التفکیک بین حرمة المخالفة القطعیّة ووجوب الموافقة القطعیّة ، وأن مقتضی المقدمة الثالثة وهو عدم جواز إهمال الأحکام هی الجهة الجامعة لوجوب الاحتیاط والعمل بالأصول والعمل بالظن أو الشک والوهم ، ولا محالة یکون مورد عدم جواز الإهمال ما تعلق به العلم الإجمالی ، فمع فرض تضییق دائرته بمؤدیات الطرق لا بد من الاحتیاط فیها ، أو العمل بالظن أو بغیره فیها.

والتحقیق أنّ تقیید التکالیف الواقعیة بما قام علیه الطریق لأجل وصولها به لیبلغ درجة الفعلیّة لیمتاز الظن بالطریق عن الظن بالواقع من حیث کون

الأول ظنا بالحکم الفعلی دون الثانی ، مع أن الحکم الطریقی کالحکم النفسی لا فعلیة له إلاّ بوصوله ، وما هو غیر واصل فعلا لا یکون موصلا فعلا.

وبعد فرض سقوط العلم الإجمالی الصغیر عن التأثیر لم یصل الطریق وصولا صالحا لفعلیّة التکالیف الواقعیة ، والظن به کالظن بالواقع ، وکما یصلح الظن بالحکم الطریقی لفعلیة الواقع باعتباره شرعا من باب الکشف ، کذلک الظن بالحکم النفسی ، فلا موجب للاختصاص بالأول بعد عدم الموجب لتضییق دائرة المعلوم بالإجمال ، فتدبر جیدا.

ثم إنه فی قبال ما أفاده شیخنا « قدس سره » من التعمیم بلحاظ الانحلال تقریب آخر للتعمیم مبنیا علی عدم الانحلال عن بعض أجلّة العصر (1). محصّله أن العلم الإجمالی إذا قام علی بعض أطرافه طریق معتبر شرعا فأثر الإجمال باق فی النفس ، وإنما الشارع نزّل مؤدّی الطریق منزلة الواقع ، فهو بدل عن الواقع شرعا ، فیکون امتثاله بدلا عن امتثال الواقع عقلا ، فلا یسقط عقاب الواقع المنجّز بسبب العلم إلا بإتیان الواقع أو بدله ، وإلا لو سقط العلم عن التأثیر وکان الطریق مخالفا للواقع لم یستحق عقابا أصلا إذا خالف الطریق ، إذ الواقع سقط عقابه ، ومؤدّی الطریق لا واقع فی ضمنه.

وعلیه فحیث إن نصب الطریق لیس إلاّ جعل البدل للواقع ، فالمکلف مخیر عقلا بین الإتیان بالواقع أو ببدله علما أو ظنا عند تعذر العلم.

وقد مر فی تضاعیف ما قدمناه أن الحجّیة سواء کانت بمعنی جعل الحکم المماثل أو بمعنی تنجیز الواقع لا یعقل أن یکون العلم الإجمالی متعلقا بتکلیف فعلی علی أیّ تقدیر للزوم اجتماع الحکمین الفعلیّین فی مورد الطریق ، ولا یعقل أن یکون منجزا للحکم علی أی تقدیر ، لأنه إذا کان فی طرف الطریق کان منجزا


1) 1. هو المحقق الحائری قدس سره ، درر الفوائد / 411.

به ، والمنجّز لا یتنجّز ، فلا محالة ینحل العلم الإجمالی إمّا حقیقة أو بحسب الأثر.

وأما حدیث جعل البدل ، فلا یصح إلاّ علی الموضوعیة.

وأما علی الطریقیة فلا ، إذ بناء علی جعل الحکم المماثل لا حکم حقیقة إلاّ علی تقدیر موافقة الطریق ، وبناء علی التنجیز لا تنجیز إلاّ فی صورة الموافقة ، فلا معنی لجعل البدل ولا لتنجز الواقع أصلا أو بدلا ، ومجرد کون لسان الدلیل بعنوان أنه الواقع لا یستدعی البدلیّة ، کما شرحناه مرارا.

وأما سقوط عقاب الواقع مطلقا أو بشرط الإتیان بمؤدّی الطریق فنقول یمکن القول بعدم السقوط إلاّ بموافقة الطریق ، لکنه لا لأجل البدلیّة ، بل لأن الحجّیة متقوّمة بالمنجّزیّة علی تقدیر الموافقة والمعذریّة علی تقدیر المخالفة للواقع ، فان الحجّة بالاعتبار الأول حجة للمولی علی عبده ، وبالاعتبار الثانی حجة للعبد علی مولاه.

ومن الواضح أن المنجّزیّة والمعذّریّة وإن کانتا صفتین للطریق ، إلا أن المنجّزیّة بلحاظ استحقاق العقوبة علی المخالفة ، والمعذّریّة بلحاظ موافقة الأمارة ، فالمولی یحتج علی عبده بالطریق فی مقام معاقبته علی مخالفة ما قام علیه الطریق ، والعبد یحتج علی مولاه بالطریق فی مقام موافقته له وتخلفه عن الواقع ، وإلا فلا معنی لاستناد العبد فی دفع العقوبة عن نفسه بتخلّف الأمارة ، لأنه غیر معلوم له کی یکون مستندا له فی عدم إتیان الواقع ، بل یمکنه الاعتذار بموافقة ما قام علیه الطریق وإن کان فی الواقع مخالفا للواقع ، وتمام الکلام فی محلّه.

142 - قوله « قده » : ثانیهما ما اختص به بعض المحققین ... الخ (1).

تقریب ما أفاده (2)« قدس سره » ببیان أمرین :


1) 1. کفایة الأصول / 319.

2) 2. هدایة المسترشدین ، مبحث الإجماع.

أحدهما : أن الذی لا بد منه ولا محیص عنه فی مقام امتثال التکالیف الواقعیّة هو تحصیل الفراغ عنها فی حکم الشارع دون تحصیل الواقع ، فتحصیل العلم بالواقع وإن کان موجبا لسقوط عقاب الواقع ، إلا أنه لیس بحیث یکون لا بد منه ، بل الذی لا بد منه تحصیل الفراغ عنه فی حکم الشارع.

وتوضیحه أن المهم عند العقل أولا إذا کان تحصیل الیقین بفراغ الذمة فی نظر ، المولی ، فلا تعیّن حینئذ لتحصیل العلم بأداء الواقع بالخصوص ، کما لا تعیّن لسلوک الطریق المقرّر من الشارع بالخصوص ، بل هما فردان للواجب عقلا ، وهو تحصیل الیقین بالفراغ فی نظر الشارع ، فالأول مفرّغ فی نظره العمومی المشترک مع غیره ، والثانی مفرّغ فی نظره الخصوصی.

ویمکن أن یرید « قدس سره » تعین سلوک الطریق المقرّر بالخصوص کما هو ظاهر تفریغ الذمة فی حکمه.

والوجه فیه ما أفاده « قدس سره » من أن تحصیل العلم بالواقع بحیث لا یتطرق إلیه بجمیع خصوصیاته احتمال مدفوع بالأصل نادر الوقوع جدا ، کما إذا سمع التکلیف من المعصوم علیه السلام شفاها بنص صریح لا یحتاج فی الاستفادة منه إلی إعمال أصالة الظهور ، ولا إلی اعمال أصل فی جهة صدوره ، ومثله لا یوصف إلا بالامکان ، ولعله لم یتّفق لأحد ، فمثله لا یکون مناطا للوظیفة العقلیّة فی مرحلة الامتثال ، بل باب العلم الذی یدّعی انفتاحه فی أزمنة حضور النبی صلّی الله علیه وآله والأئمة علیهم السلام باب العلم بهذه التکالیف الفعلیّة التی هی مؤدّیات الطریق ، وإلاّ فباب العلم بالواقع بجمیع خصوصیاته منسدّ علی العموم ، بل علی الخصوص من أول الأمر.

وعلیه فالانسداد الذی هو محل الکلام ما هو بدیل ذلک الانفتاح.

ثانیهما : أن قوله « قدس سره » فی حکم المکلّف أی الشارع إمّا متعلّق بتفریغ الذمة ، وإمّا متعلق بقوله الواجب أولا ، فعلی الأول یراد أن الوظیفة

الفعلیة من أول الأمر تحصیل الفراغ بما هو مفرغ فی نظر الشارع عموما أو خصوصا أو الأخیر فقط علی التقریبین المتقدمین ، أو تحصیل الفراغ بما هو مفرّغ غیر جعلی وبما هو مفرغ جعلی ، إذ الحجّیة بمعنی المعذّریّة لیست إلاّ أن موافقتها مفرّغة للذمة ومبرئة لها ، فجعل الحجّیّة جعل المفرّغیّة والمبرّئیة.

والفرق بین هذین الوجهین أنه علی الأول لیس من الشارع جعل المفرّغیّة واعتبارها ، بل حیث إن الطریق المنصوب غالب الإصابة عنده ، فهو مفرّغ للذّمة فی نظره بالخصوص ، کما أن العلم طریق فی جمیع الأنظار ومنها نظر الشارع.

بخلاف الثانی ، فان المفرّغیّة جعلیّة شرعیّة. هذا إذا کان قوله فی حکمه متعلّقا بتفریغ الذمة.

وعلی الثانی وهو تعلّقه بالواجب ، فالمراد منه أن الواجب تفریغ الذمة بسلوک الطریق شرعا ، أی الواجب بحکم الشارع هو تفریغ الذمة بسلوک الطریق ، فلیس بعد نصب الطریق باعتبار وصول الواقع به حکم مولوی من الشارع ، إلا الأمر بتفریغ الذمة عن الواقع بسلوکه ، فقوله مثلا : اعمل بالطریق یستلزم فراغ ذمتک عن الواقع.

وهذا المعنی وإن لم یکن مراد المحقق « قدس سره » ، بل مراده « قدس سره » أحد الوجهین الذین یجمعهما تعلّق قوله علیه السلام فی حکمه بتفریغ الذمة والوجوب المتعلق بتفریغ الذمة حینئذ هو الوجوب الفعلی ، إلا أن الغرض من إبداء هذا الاحتمال أنه لا یرد علیه بناء علی إرادته ما أورد علیه من أن الأمر بالتفریغ عقلی إرشادی ، کما سیجیء إن شاء الله تعالی.

إذا عرفت ما ذکرناه ، فاعلم أن الوظیفة الأولیّة سواء کانت تحصیل العلم بالفراغ بالمفرغ الأعم من الواقعی والجعلی ، أو خصوص المفرغ الجعلی لا تصل النوبة بعد انسداد باب العلم بالفراغ ، إلا إلی خصوص الظن بالمفرغ الجعلی ،

دون الظن بالواقع أو الأعم من الواقع والطریق :

أما علی الأول ، فلأن أداء الواقع بما هو واقع لا أثر له عند العقل ، بل لأثر لأدائه فی ظرف وجدان العقل ، فالمفرغ هو أداء الواقع المعلوم ، حتی یکون مفرغا فی وجدان العقل.

فلیس الظن بأداء الواقع ظنا بما هو مفرّغ فی جمیع الأنظار ، ولا ظنا بما هو مفرّغ فی نظر الشارع أو باعتبار الشارع.

بخلاف الظن بالطریق ، فانه یوجب الظن بالفراغ بما هو مفرّغ فی نظر الشارع أو بحسب اعتباره.

وأما علی الثانی ، فالأمر أوضح لأن الوظیفة الأولیة کانت تحصیل العلم بالفراغ فی نظر الشارع أو فی اعتباره بالخصوص ، فلا یتنزل إلاّ إلی الظن بما کان العلم به علما بالفراغ منه. وهذا ما یمکن أن یوجه به کلامه « رفع مقامه ».

ومما ذکرنا یظهر اندفاع ما أورده شیخنا الأستاد « قدس سره » من عدم کون تفریغ الذمة بحکم الشارع مولویا بل بحکم العقل إرشادا.

وجه الاندفاع أن هذا المعنی راجع إلی جعل الحجّیة بمعنی المنجّزیّة تارة والمعذّریّة أخری ، وهو جعلی مولوی ، لا عقلی إرشادی.

وأوضح اندفاعا منه ما أورده ثانیا من تسلیم الحکم المولوی والتسویة بین الظن بالواقع والظن بالطریق فی حصول الظن بالفراغ بحکم الشارع بدعوی أن الاستلزام المزبور بملاحظة أن النصب یستلزم الحکم بالفراغ ، والتکلیف بالواقع أیضا یستلزمه ، ضرورة أن الإتیان بما کلف به واقعا یلزمه حکم المولی بالفراغ ، وإلاّ لزم عدم إجزاء الأمر الواقعی ، وهو واضح البطلان ، کما أوضحه فی تعلیقته علی الکتاب (1).


1) 1. حیث علق علی قوله قلت : الظن بالواقع أیضا یستلزم الظن بحکمه بالتفریغ ، فقال : وذلک لضرورة الملازمة بین الإتیان بما کلف به واقعا وحکمه بالفراغ إلی آخره فراجع.

وأنت خبیر بأن جعل الحجّیّة جعل المبرئیّة والمعذّریّة مولویّا ، بخلاف جعل التکلیف بالصلاة ، فانه لیس إلاّ إیجاب الصلاة مولویّا ، ولا یعقل أن یکون هذا الجعل جعل المعذّریّة والمفرّغیّة ، ولا جعل تبعی لهذا الجعل ، إذ جعل المعذّر والمفرّغ عن الواقع فرع ثبوت الواقع ، فلا معنی لجعله بجعل الواقع ، بخلاف جعل المفرّغ بلسان صدّق العادل بعد ثبوت التکلیف الواقعی.

نعم الحکم بالفراغ بالمعنی الآخر بأن یکون الإتیان بالواقع مجزیا فی نظر الشارع وغیره لا ریب فیه. لکنه لیس من مقولة الحکم لا إرشادیّا ولا مولویّا.

هذا بناء علی ما هو التحقیق فی تقریب ما أفاده شیخ المحققین (1)« رحمه الله » من کون الحکم بالمفرّغیّة عبارة عن جعل المفرّغیّة بموافقة الطریق لا عبارة عن الحکم بالتفریغ والأمر بتحصیله کما یساعده عباراته وهو الذی فهمه من کلامه « رحمه الله » شیخنا العلامة « رفع الله مقامه » ولذا حکم بأن الحکم بتفریغ الذمة عقلی إرشادی وهو کما أفاده.

إلاّ أنه بعد تسلیم المولویة أیضا لا مجال للتسویة بین الظنین بدعوی أن هذا الحکم لازم التکلیف الحقیقی والطریقی ، بتقریب أنه لا فرق فی نظر الشارع من حیث إطاعة أمره الواقعی وأمره الظاهری ، فاذا کان له حکم مولوی بالتفریغ کان له فی المقامین ، وإلاّ فلا.

والوجه فی عدم التسویة أنه لیس الحکم بالتفریغ اللازم للأمر بالطریق الحکم بامتثال هذا الأمر الظاهری لئلا یکون فرق بین الأمرین.

بل هو الحکم بتفریغ الذمة عن الواقع بموافقة الطریق ، فالأمر بالعمل بالطریق بالمطابقة أمر بالالتزام بتفریغ الذمة عن الواقع بسلوک الطریق وهذا غیر الأمر بامتثال التکالیف لیکون إرشادیّا أو لازما لکل أمر واقعیّا کان أو


1) 1. وهو الشیخ محمد تقی صاحب هدایة المسترشدین قدس سره.

ظاهریّا.

والتحقیق أن الظن بالطریق وإن کان یختص بالظن بالفراغ فی حکم الشارع بکل واحد من محتملات الحکم بالفراغ ، فهو : من حیث جعل الحجّیة ظن بالمعذّریّة ، والخروج عن عهدة الواقع بموافقة الطریق.

ومن حیث انطباق عنوان التفریغ المأمور به شرعا یکون العمل به مفرّغا شرعا.

ومن حیث کون الطریق المنصوب مؤدّیا إلی الواقع فی نظر الشارع یکون سلوکه مفرغا للذمة فی نظر الشارع.

إلاّ أن هذا الفرق غیر فارق ، وهذا الاختصاص غیر مخصّص للحجیة الفعلیة بالظن بالطّریق دون الظن بالواقع.

أما بناء علی الوجه الأول وهو کون الظن بالحجّیة ظنّا بالمعذّریّة والمبرئیّة ، فقد مرّ فی الحاشیة السابقة (1)أن الطریق بوجوده الواقعی لا یکون منجّزا ولا معذّرا ، والحجة الواقعیة ما لم تکن واصلة لا تتّصف بفعلیّة المنجّزیّة والمعذّریّة ، فالظن بالحجّیّة لیس ظنّا بالمنجّزیّة والمعذّریة فعلا حتی یکون ظنا بالمفرّغیّة شرعا.

فمجرد کون متعلق أحد الظنین مفرّغا جعلیّا مع عدم کونه فعلیّا لا یجدی ، إذ الحکم الطریقی کالحکم الواقعی غیر فعلی مع عدم الوصول.

ومع العلم الإجمالی بوجود طرق وافیة واصلة بأطرافها کما ادّعاه صاحب الفصول ، وإن کان الظن بها ظنا بالمفرّغ بالحمل الشائع. إلاّ أن الکلام فی بقائه علی حاله بعدم انحلاله وإلا لعاد المحذور ، کما أنه إنما یمتاز عن الظن بالحکم


1) 1. حیث قال فی التعلیقة 141 إذ الطریق المنصوب لو لم یصل ولو بالعلم الإجمالی لا أثر له فی جعل الحکم الواقعی فعلیّا.

الواقعی إذا انحل العلم الإجمالی الکبیر وإلا لکان الظن بالتکالیف الواقعیّة ظنّا بالتکالیف الفعلیّة المنجّزة.

وبالجملة مع عدم فرض العلم الإجمالی بالطرق الوافیة بأیدینا لا أثر للمفرّغیّة الجعلیّة ، ومع فرضه یکون حاله حال ما أفاده صاحب الفصول نقضا وإبراما ، فراجع.

وأما بناء علی الوجه الثانی وهو کون الظن بالطریق ظنا بالأمر بتفریغ الذمة عن الواقع بموافقة الطریق ، فهو لا یوجب إلا کون العلم بالطریق معنونا بعنوان التفریغ المأمور به شرعا دون العلم بالظن بالواقع ، فانه غیر معنون بعنوان التفریغ المأمور به شرعا.

ومن الواضح أن هذا العنوان إذا لم یکن متمّما لاقتضاء الحکم الواقعی من قبل الشارع لا یجدی شیئا ، إذ لو کان متمّما لاقتضاء الحکم لکان الظن به ظنا بالحکم الفعلی دون الظن بالواقع لفرض توقف تمامیّة اقتضائه علی قیام الطریق الموجب لتمامیة اقتضائه.

لکنه خلف لفرض فعلیّة الحکم من قبل الشارع ، وبعد فرض فعلیّة الحکم وعدم دخل هذا العنوان فیها فوجود هذا العنوان وعدمه علی حد سواء ، لأنه إنما یتوهم الفرق بین وجوده وعدمه فیما لو کان العمل بالطریق معنونا حقیقة بالتفریغ لا عنوانا.

وقد عرفت أن تحقق التفریغ موقوف علی وصول المفرّغ حقیقة وأن وجوده الواقعی الغیر الواصل سواء لوحظ عنوانا للعمل أم لا غیر مفید أصلا.

مضافا إلی أن وجوده العنوانی إذا کان مجدیا فوجوده العنوانی غیر متقوّم بأمره ، لأن المفروض الأمر بالتفریغ ، لا الأمر بالتفریغ المأمور به ، والعمل بالطریق واسطة فی التفریغ ، لا حیثیّة تقییدیة له ، لأن الغایة المقصودة تفریغ الذمة عن الواقع الذی قد اشتغلت به الذمة ، وعنوان التفریغ منطبق علی إتیان

الواقع أیضا ، وإن لم یکن علی الفرض مأمورا به بهذا الأمر الذی هو لازم الأمر بالطریق.

ومنه تبین الجواب بناء علی الوجه الثالث وهو کون العمل بالطریق تفریغا للذمة عن الواقع فی نظر الشارع ، فان العمل بالظن بالواقع وإن لم یکن تفریغا للذمة فی نظر الشارع بالخصوص ، لعدم العلم بطریقیّته ولا الظن بها فی نظر الشارع إلا أن الواقع متساوی النسبة إلی الشارع وغیره ، فاتیانه یوجب الظن بالفراغ فی نظر الشارع وغیره ، دون العمل بما ظن طریقیّته ، فانه یوجب الظن بالفراغ فی نظر الشارع فقط ، وهذا لا یوجب الاختصاص.

تنبیه ذکر بعض الأجلة (1)« رحمه الله » فی شرح کلام والده المحقق « قدس سره » أن غرضه حجّیة الظن بالطریق الفعلی دون الطریق الواقعی وأن الحجة هو الظن بالبراءة الظاهریة دون الواقعیة بتقریب أن الظن بالبراءة الفعلیّة الظاهریّة لا یکون إلاّ إذا کانت جمیع مقدماته ظنّیة أو بعضها قطعیّة ، دون ما إذا کان بعضها غیر ظنّیة أو مقطوعة العدم ، فان النتیجة تابعة لأخسّ المقدمات.

فالظن بالواقع أو بالطریق الواقعی الذی لا دلیل ظنی علی اعتبارهما أو کان الدلیل علی عدم اعتبارهما کالحاصل من القیاس خارجان موضوعا وإن حصل منهما الظن بالبراءة الواقعیّة أو بالطریقیّة والحجّیة الواقعیّة.

بخلاف الطریق الذی قام دلیل ظنی علی اعتباره ، فانه یوجب الظن بالبراءة الفعلیّة الظاهریّة ، ولا یعقل أن یجامع الشک فی الحجّیة الظاهریّة فضلا عن القطع بعدمها.


1) 1. وهو المحقق الشیخ محمد باقر ابن المصنف صاحب الحاشیة علی المعالم وقد ذکره فی شرح مبحث الانسداد من کتاب والده هدایة المسترشدین وهو مطبوع منضما علی الکتاب المزبور فی بعض طبعاته.

وفیه أن الغرض : إن کان حجّیة الظن المظنون الاعتبار ، وتقدیمه مع وفائه بمعظم الفقه علی الظن المشکوک الاعتبار ، فهو صحیح.

إلا أنّه تفصیل بین أنحاء الظن بالواقع وبالطریق ، لا تفصیل بین نوعین من الظن وهما الظن بالواقع والظن بالطریق ، مع أنه خلاف ظاهر کلام والده العلامة « قدس سره » فی جملة من الموارد ، حیث ذکر أن الظن بالطریق حجة سواء أفاد الظن بالواقع أم لا.

وإن کان الغرض حجّیة الطریق المظنون الاعتبار فی قبال الظن بالواقع الذی هو تارة مشکوک الاعتبار وأخری مقطوع العدم.

ففیه أن نتیجة دلیل الانسداد حجیة الظن الفعلی دون المفید له نوعا. فالطریق المظنون الاعتبار بلحاظ نفسه غیر داخل فی نتیجة دلیل الانسداد ، فلا دوران بین الطریق المظنون الاعتبار والظن بالواقع لیقدم الأول علی الثانی ، فتدبر.

وإن کان الغرض حجیة الظن بالاعتبار فی قبال الظن بالواقع ، فهو عین ما فهمه الجماعة من کلام المحقق « قدس سره » وبسطنا القول فیه ، ولیس الظن بالاعتبار بنفسه مظنون الاعتبار لیقدم علی الظن بالواقع.

وما أفاده من أن الظن بالاعتبار الفعلی لا یجامع الشک فی الاعتبار بل لا بد من أن ینتهی إلی مقدمات ظنیة أو بعضها قطعیة صحیح.

إلا أن المناط لو کان ذلک لما تحقق له موضوع أصلا لاستحالة انتهائه إلی الظن بالاعتبار ، بل لا بد من أن ینتهی إلی القطع بالاعتبار أو الشک فیه ، إذ لیس علی کل أمارة أمارة أخری مظنونة الاعتبار ، بل الغرض من الدلیل المفید للظن بالاعتبار فی قبال الشک فیه ما کان بلحاظ نفسه مفیدا للظن باعتباره واقعا ، وإن کان بنفسه مشکوک الاعتبار.

143 - قوله « قده » : قلت : الظن بالواقع أیضا یستلزم الظن بحکمه بالتفریغ ... الخ (1).

هکذا فی النسخة المصححة بخطه الشریف « قدس سره » اللطیف بیانه أن الظن الفعلی بالفراغ لا یجامع القطع الفعلی بعدمه ولکنّه یجامع القطع بعدمه علی تقدیر التخلف ، ولیس معنی عدم الحجّیة عدم الإصابة واقعا ، بل عدم المعذّریّة عند الخطأ.

نعم هذا الجواب بناء علی مسلک المحقق غیر وجیه ، فان الظن القیاسی ظنّ بالفراغ واقعا لا بالفراغ فی حکمه بجمیع محتملاته.

بل الوجه فی رده أنه لا یجب تحصیل الظن بالفراغ فی حکمه ، وإلاّ فمن الواضح أن الظن بالواقع من القیاس لیس ظنا بالمعذر الجعلی ، ولا بالمعذر فی نظر الشارع بما هو ، وإن کان ظنا بالفراغ عن الواقع الذی یتساوی نسبته إلی الشارع وغیره کما عرفت مفصلا.

وأما کون موافقة الظن القیاسی تجرّیا ، فبملاحظة أن مخالفة النهی الطریقی کمخالفة الأمر الطریقی معنونة بعنوان التجرّی ، وإن أصاب الظن فی الأول وأخطأ فی الثانی.

144- قوله « قده » : لا یخفی عدم مساعدة مقدمات الانسداد ... الخ (2).

قد ذکرنا فی ذیل المقدمة الخامسة بعض ما یتعلّق بالمقام ونزیدک هنا أن العلم الإجمالی بالأحکام إن کان منجّزا لها أو کان إیجاب الاحتیاط الطریقی الذی هو بداعی تنجیز الواقعیات - بمقدار لا یتحقق معه مخالفة قطعیة - منجّزا


1) 1. کفایة الأصول / 320.

2) 2. کفایة الأصول / 321.

لها بذلک المقدار ، فبقیّة المقدمات یوجب تضییق دائرة الأحکام المنجّزة إلی أن تنحصر فی المظنونات ، فحینئذ لا یبقی مجال للتصرف المولوی من قبل الشارع ، فإنه إما یتصرف بجعل الداعی بعثا أو زجرا أو بالإنشاء بداعی تنجیز واقعیّاته. والمفروض بلوغ واقعیّاته بسبب العلم الإجمالی أو بایجاب الاحتیاط الطریقی مرتبة الباعثیة والزاجریة والتنجز. فجعل الداعی وجعل المنجز مع فرض حصول الداعی والتنجز تحصیل الحاصل ، وجعل داعیین لموضوع واحد أو منجّزین لموضوع واحد من قبیل اجتماع المثلین ، وهو مستحیل علی المشهور.

وحینئذ لم یبق إلا حکم العقل بلزوم الإطاعة الظنّیة ، ومرجعه کما فی الإطاعة العلمیّة إلی الإذعان باستحقاق العقاب علی مخالفة التکلیف المنجّز.

ولیس للشارع تصرف مولوی هنا لا من حیث الأمر والنهی ، ولا من حیث جعل العقاب :

أما الأول ، فواضح ، إذ المؤاخذة واستحقاق العقاب فی نفسهما غیر قابلین لتعلق الأمر والنهی ، فان الثانی لیس من الأفعال ، والأول فعل الشارع ، وکلاهما مما لا یعقل تعلق التکلیف به.

وأما الثانی ، فلما تسالموا علیه من أن الحکم باستحقاق العقاب من العقل ، کما مر الکلام فیه وسیجیء إن شاء الله تعالی.

وعلی فرض کون استحقاق العقاب بجعل الشارع ، فهو غیر مختص بالمقام لیکون فارقا بین الکشف والحکومة.

بل مخالفة التکلیف الذی قامت علیه حجة شرعیة أو عقلیة توجب استحقاق العقاب شرعا.

هذا کله إن قلنا : بمنجزیة العلم الإجمالی أو إیجاب الاحتیاط الطریقی وتضییق دائرة الواقعیّات المنجّزة وحصرها فی المظنونات.

وحینئذ فالفرق بین تبعیض الاحتیاط فی خصوص المظنونات ، وحجیة

الظن علی الحکومة بالاعتبار ، فان القائل بالتبعیض یعمل بالظن رعایة للاحتیاط اللازم بهذا المقدار ، والقائل بحجیة الظن یعمل به من باب کفایة الامتثال الظنی بعد التنزل عن الامتثال العلمی للواقعیات المنجّزة ، وإن کان لازم کلا القولین سقوط الواقعیّات عن التنجّز فی غیر دائرة المظنونات.

وأما إن قلنا : بسقوط العلم الإجمالی عن التأثیر کلّیة - بعد عدم رعایة الموافقة القطعیّة ، لما مر مرارا من عدم إمکان التفکیک بین حرمة المخالفة القطعیّة بسبب العلم الإجمالی المؤثّر ، ووجوب الموافقة القطعیّة ، وقلنا : بعدم إمکان إیجاب الاحتیاط الطریقی بداعی تنجیز الواقع لعین ذلک المحذور ، کما قدمناه (1)- فلا محالة لا منجز للواقعیّات المعلومة بالإجمال بالعلم الغیر المنجز لها علی الفرض.

والعلم بعدم جواز ترک امتثال الأحکام بالمرة المعلوم بالإجماع والضرورة غیر صالح فی نفسه لتنجیزها فان هذا العلم کالعلم الإجمالی وایجاب الاحتیاط الطریقی من حیث لزوم المحذور من تنجیزه للواقعیات مطلقا ، أو بمقدار المخالفة القطعیّة ، ولیس متعلقا بأحکام أخر غیر تلک الأحکام علی الفرض.

ولا معنی للعلم بعدم جواز ترک الامتثال بمعنی استحقاق العقاب علی مخالفتها من دون مبلغ لها إلی مرتبة البعث والزجر والتّنجّز.

نعم هو صالح للکشف عن تنجّزها بمنجّز شرعی أو عقلی فی مقدار منها.

ولذا ذکرنا سابقا أن معنی المقدمة الثالثة المتکفلة لعدم جواز ترک الامتثال بالمرة هو العلم بالجهة الجامعة المنتزعة من وجوب الاحتیاط کلیّة ، ومن العمل علی طبق الأصول الموردیة ، ومن العمل علی طبق المشکوکات والموهومات ، ومن العمل علی طبق المظنونات ، بمعنی أن الشارع جعل أحکامه


1) (1) فی التعلیقة 127

فعلیة منجزة بأحد الوجوه ، فأبطلنا الأول والثانی بمقتضی المقدمة الرابعة ، وأبطلنا الثالث بمقتضی المقدمة الخامسة ، فبقی الرابع ، فهو الحجة شرعا.

فیعلم أن الشارع جعل الاحتمال الراجح مبلّغا لأحکامه الواقعیة إلی مرتبة الباعثیّة والزاجریّة والتنجز ، لما عرفت فی ذیل المقدمة الخامسة أن الظن حیث لا یعقل أن یکون منجزا عقلا - إذ لا شأن للعقل إلاّ التعقّل ، ولا یکون منجّزا عند العقلاء مطلقا وهو واضح ولا فی فرض الانسداد إذ الفرض غیر واقع عند العقلاء لیکون لهم بناء عملی علی اتباعه حتی یکون تقریر من الشارع لیدل علی إمضائه.

وقد مر أن العقلاء لیس لهم حکم کبروی بنحو القضایا الحقیقیة حتی یتحقق منهم حکم.

مع أنه علی فرضه غیر مفید ، إذ لا تقریر إلاّ للعمل لا للإنشاء الکلی الصادر من العقلاء - فلا محالة یکون الاحتمال الراجح منجزا شرعا ، فتکون مقدمات الانسداد علی هذا المبنی کاشفة عن کون الظن منجّزا للواقعیّات التی یتعلّق بها شرعا.

ومما ذکرنا تبیّن أنه لیس هنا أمر واحد یقبل الکشف والحکومة إذ القابل لهما کون الظن منجزا عقلا أو شرعا ، والمفروض علی الحکومة لیس کون الظن منجّزا عقلا لیقال : بجواز اجتزاء الشارع فی مقام تنجیز واقعیّاته بالظن بحکم العقل بمنجّزیّته ، لما عرفت أن الواقعیات منجزة بسبب العلم الإجمالی أو إیجاب الاحتیاط الطریقی ، وأنه لم یبق إلا حکم العقل بلزوم الامتثال أی استحقاق العقاب علی مخالفة الواقع المنجّز فی المظنونات ، ومثله غیر قابل للتصرف الشرعی حتی یستکشف بالمقدمات ، فالحجّیة بمعنی المنجّزیّة لیست بحکم

العقل ، وأثر الحجّیة وهو استحقاق العقاب علی مخالفة التکلیف المنجز لا مدخل للشارع فیه.

ومنه یظهر ما فی تعبیره « قدس سره » لجواز اجتزائه بما استقل به العقل ، فتدبر.

145 - قوله « قده » : لقاعدة الملازمة ضرورة أنها ... الخ (1).

قد عرفت الوجه فیه.

وأما ما اشتهر من أن الأمر بالإطاعة لو کان مولویا للزم التسلسل أو التخصیص من غیر مخصص.

فإنه مندفع بأن الأمر بالإطاعة لو کان بنحو القضیّة الطبیعیّة لأمکن أن یعمّ نفسه.

مع أنه لا محذور هنا من وجود أوامر غیر متناهیة ، لأن محذور التسلسل حقیقة لا یتحقق إلاّ إذا کان بین الأمور الغیر المتناهیة ترتب علی ومعلولیّ ، ولیس کذلک لا بین الأوامر ولا بین الاطاعات والموافقات الغیر المتناهیة.

أما الثانیة ، فلأن عنوان الموافقة وإن کان ینتزع من الصلاة الخارجیّة بالنسبة إلی الصلاة العنوانیّة التی تعلّق بها الأمر بلحاظ موافقة العنوان والمعنون ، فکذلک من الموافق بالحمل الشائع ینتزع عنوان الموافقة لعنوانه ، لموافقة أیّ عنوان کان لمعنونه ، وهکذا إلی ما لا یتناهی.

لکنه تسلسل فی الأمور الاعتباریّة وینقطع بانقطاع الاعتبار.

وأما الأولی ، فلأن الأوامر وإن کانت خارجیّة ، لکنه لیس شیء منها معلولا للآخر بنحو من أنحاء العلیّة ، وإن کان بین عنوان الأمر ومعنون أمر آخر ترتب طبعی لکون عنوان موافقة الأمر موضوعا للحکم لکنه لیس بین

الأمر بالإطاعة مولوی أو إرشادی


1) 1. کفایة الأصول / 321.

الخارجیّات منها ترتب علی ومعلولیّ.

وذهاب الأوامر إلی غیر النهایة مع صدورها ممن هو غیر متناه فی القوة والقدرة غیر ضائر ، ولیست مقتضیة لامتثالات غیر متناهیة ، لأن الاطاعات والموافقات کلها منتزعة من فعل واحد وهی الصلاة الخارجیّة ، فالاستناد إلی التسلسل أو إلی ذهاب الأمر إلی غیر النهایة لا وجه له.

ثم إنه لا بأس بعطف عنان القلم إلی بیان حقیقة الأحکام العقلیّة المتداولة فی الکتب الکلامیّة والأصولیّة.

فنقول : ومن الله التوفیق - : إن القوة العاقلة کما مر مرارا شأنها التعقّل ، وفعلیّتها فعلیّة العاقلیّة کما فی سائر القوی الظاهرة والباطنة ، ولیس لها ولا لشیء من القوی إلا فعلیة ما کانت القوة واجدة له بالقوة ، وأنه لیس للعاقلة بعث وزجر وإثبات شیء لشیء.

بل شأنها تعقّل ما هو ثابت من ناحیة غیر الجوهر العاقل ، وأن تفاوت العقل النظری مع العقل العملی بتفاوت المدرکات ، من حیث إن المدرک مما ینبغی أن یعلم ، أو مما ینبغی أن یؤتی به أو لا یؤتی به فمن المدرکات العقلیة الداخلة فی الأحکام العقلیّة العملیّة المأخوذة من بادئ الرأی المشترک بین العقلاء المسماة تارة بالقضایا المشهورة وأخری بالآراء المحمودة قضیّة حسن العدل والإحسان وقبح الظلم والعدوان.

وقد بینا فی مبحث التّجرّی (1)من مباحث القطع فی کلام مبسوط برهانی أن أمثال هذه القضایا لیست من القضایا البرهانیة فی نفسها ، وأنها فی قبالها.

ونزیدک هنا : أن المعتبر عند أهل المیزان فی الموادّ الأولیّة للقضایا البرهانیّة المنحصرة تلک المواد فی الضّروریّات الستّ مطابقتها للواقع ونفس الأمر.


1) 1. فی التعلیقة 10.

والمعتبر فی القضایا المشهورة والآراء المحمودة مطابقتها لما علیه آراء العقلاء ، حیث لا واقع لها غیر توافق الآراء علیها.

قال : الشیخ الرئیس فی الإشارات (1)ومنها الآراء المسماة بالمحمودة ، وربما خصصناها باسم المشهورة ، إذ لا عمدة لها إلا الشهرة ، وهی آراء لو خلی الإنسان وعقله المجرّد ووهمه وحسّه - ، ولم یؤدّب بقبول قضایاها والاعتراف بها ، ولم یمل الاستقراء بظنه القوی إلی حکم لکثرة الجزئیّات ، ولم یستدع إلیها ما فی طبیعة الإنسان من الرحمة والخجل والأنفة والحمیّة وغیر ذلک - لم یقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه ، مثل حکمنا أن سلب مال الإنسان قبیح ، وأن الکذب قبیح لا ینبغی أن یقدم علیه إلی آخر کلامه.

وعبّر عنها أخیرا بأنها من التأدیبات الصلاحیّة ، وجعل منها ما تطابق علیه الشرائع الإلهیّة ، ومنها الناشئة عن الخلقیات والانفعالات.

وقال العلامة (2)الطوسی « قدس سره » فی شرح کلامه ومنها أی المشهورات کونه مشتملا علی مصلحة شاملة للعموم ، کقولنا العدل حسن وقد یسمی بعضها بالشرائع الغیر المکتوبة ، فان المکتوبة منها ربما یعم الاعتراف بها ، وإلی ذلک أشار الشیخ بقوله وما تطابق علیه الشرائع الإلهیّة.

ومنها کون بعض الأخلاق والانفعالات مقتضیة لها ، کقولنا الذب عن الحرم واجب ، وإیذاء الحیوان لا لغرض قبیح إلی أن قال « رحمه الله » والآراء المحمودة هی ما یقتضیه المصلحة العامة أو الاخلاق الفاضلة إلی آخره.

وسلک هذا المسلک العلامة قطب الدین صاحب المحاکمات فذکر (3)


1) 1. شرح الإشارات للمحقق الطوسی 1 : 219 - 220.

2) (2) شرح الإشارات 1 / 221

3) (3) شرح الإشارات 1 / 220

أیضا أن هذا القسم من المشهورات من التأدیبات التی یکون الصلاح فیها ، کقولنا العدل حسن ، والظلم قبیح ، وما یتطابق علیه الشرائع کقولنا الطاعة واجبة ، وإما خلقیات وانفعالیات کقولنا کشف العورة قبیح ، ومراعاة الضعفاء محمودة إلی آخره.

وتوضیح ذلک بحیث یکون کالبرهان علی صحة ما ذکروه هو أن کون العدل والإحسان مشتملا علی مصلحة عامة ینحفظ بها النظام وکون الظلم والعدوان مشتملا علی مفسدة عامة یختل بها النظام - ولدا عم الاعتراف بهما من الجمیع - أمر مدرک بحسب تفاوت أفراد الإحسان والاساءة من حیث تعلقهما بما یناسب قوة من القوی. وکذا کون کل عاقل محبا لنفسه ولما یرجع إلیه وجدانی یجده کل إنسان من نفسه. وکذا کون کل مصلحة ملائمة للشخص ، وکل مفسدة منافرة له أیضا وجدانی یجده کل إنسان عند مساس المصلحة والمفسدة ، فلا محالة یحب الإحسان ویکره الاساءة. وهذا کلّه من الواقعیّات ، ولا نزاع لأحد فیها.

إنما النزاع فی حسن العدل وقبح الظلم بمعنی صحة المدح علی الأول وصحة الذم علی الثانی ، والمدعی ثبوتهما بتوافق آراء العقلاء ، لا ثبوتهما فی الفعل علی حد اشتماله علی المصلحة والمفسدة.

ومن الواضح أن اقتضاء الفعل المحبوب والفعل المکروه للمدح والذم علی أحد نحوین إمّا بنحو اقتضاء السبب لمسبّبه والمقتضی لمقتضاه ، أو بنحو اقتضاء الغایة لذی الغایة.

فالأول فیما إذا أساء إنسان إلی غیره ، فانه بمقتضی ورود ما ینافره علیه وتألمه منه ینقح فی نفسه الداعی إلی الانتقام منه والتشفّی من الغیظ الحاصل بسببه بذمّه وعقوبته ، فالسببیة للذم هنا واقعیّة وسلسلة العلل والمعلولات مترتبة واقعا.

والثانی فیما إذا کان الغرض من الحکم بالمدح والذم حفظ النظام وبقاء

النوع بلحاظ اشتمال العدل والإحسان علی المصلحة العامة ، والظلم والعدوان علی المفسدة العامة.

فتلک المصلحة العامة تدعو إلی الحکم بمدح فاعل ما یشتمل علیها ، وتلک المفسدة تدعو إلی الحکم بذم فاعل ما یشتمل علیها ، فیکون هذا التحسین والتقبیح من العقلاء موجبا لانحفاظ النظام ورادعا عن الإخلال به.

وما یناسب الحکم العقلائی الذی یصح نسبته إلی الشارع بما هو رئیس العقلاء هو القسم الثانی ، دون الأول الذی لا یناسب الشارع ، بل لا یناسب العقلاء بما هم عقلاء ، وهو الذی یصح التعبیر عنه بالتأدیبات الصلاحیّة ، فان الحکم بالمدح والذم علی العدل والظلم موجب لما فیه صلاح العامة ، دون المدح والذم المترتب علیهما لداع حیوانی ، فانهما لا یترتب علیهما مصلحة عامة ، ولا یندفع بهما مفسدة عامة.

فالاقتضاء بهذا المعنی لیس محل الکلام وثبوته وجدانی.

والاقتضاء بالمعنی الثانی هو محل الکلام بین الأشاعرة وغیرهم ، وثبوته منحصر فی الوجه المشار إلیه مرارا من أن حفظ النظام وبقاء النوع المشترک بین الجمیع محبوب للجمیع ، وخلافه مکروه للجمیع ، وهو یدعو العقلاء إلی الحکم بمدح فاعل ما فیه المصلحة العامّة وذم فاعل ما فیه المفسدة العامّة.

وعلی ما ذکرنا فالمراد بأن العدل یستحق علیه المدح والظلم یستحق علیه الذم هو أنهما کذلک عند العقلاء وبحسب تطابق آرائهم ، لا فی نفس الأمر کما صرح به المحقق الطوسی « قدس سره » حیث قال إن المعتبر فی الضروریات (1)


1) 1. شرح الإشارات 1 / 221 لکن بتغییر یسیر بین العبارتین فان التی فی الشرح کما تلی کما أن المعتبر فی الواجب قبولها لکونها مطابقة لما علیه الوجود فالمعتبر فی المشهورات کون الآراء علیها مطابقة ولم نعثر علی عبارة غیرها فی الشرح فراجع.

مطابقتها لما علیه الوجود والمعتبر فی هذا القسم من المشهورات کون الآراء علیها مطابقة وقال (1)فی مورد آخر وذلک لأن الحکم إما أن یعتبر فیه المطابقة للخارج أولا ، فان أعتبر وکان مطابقا قطعا ، فهو الواجب قبولها ، وإلا فهو الوهمیات.

وإن لا یعتبر فهو المشهورات إلی آخره.

وعلیه ، فمن الغریب ما عن المحقق الحکیم السبزواری فی شرح الأسماء من دخول هذه القضایا فی الضروریات (2)، وأنها بدیهیّة ، وأن الحکم ببداهتها أیضا بدیهی ، وأن جعل الحکماء إیاها من المقبولات العامة التی هی مادة الجدل لا ینافی ذلک ، لأن الغرض منه التمثیل للمصلحة أو المفسدة العامتین المعتبر فیه قبول عموم الناس لا طائفة مخصوصین ، وهذا غیر مناف لبداهتها ، إذ القضیّة الواحدة یمکن دخولها فی الیقینیّات والمقبولات من جهتین ، فیمکن اعتبارها فی البرهان والجدل باعتبارین بهذه الأحکام من العقل النظری بإعانة من العقل العملی کما لا یضر إعانة الحس فی حکم العقل النظری ببداهة المحسوسات.

هذا وقد سبقه إلی کل ذلک بعینه المحقق اللاهجی فی بعض رسائله الفارسیة.

لکنک قد عرفت صراحة کلام الشیخ الرئیس (3)والمحقق الطوسی والعلامة قطب الدین صاحب المحاکمات فی خلاف ما ذکره ، وأنه لیس الغرض مجرد التمثیل.

وأما دخول القضیة الواحدة فی الضروریات والمشهورات ، فهو صحیح ،


1) 1. شرح الاشارات 1 / 213.

2) 2. شرح الأسماء الحسنی 107.

3) 3. قبیل هذا فراجع.

لکنه لا فی مثل ما نحن فیه.

بل مثاله کالأولیات التی یحکم بها العقل النظری ، ویعترف بها الجمیع ، فمن حیث الأولیّة یقینیّة برهانیّة ، ومن حیث عموم الاعتراف بها مشهورة بالمعنی الأعم.

قال الشیخ الرئیس فی الإشارات (1)فأما المشهورات فمنها أیضا هذه الأولیّات ونحوها مما یجب قبولها لا من حیث إنه یجب قبولها بل من حیث عموم الاعتراف بها ثم ذکر بعده المشهورات بالمعنی الأخص وقد ذکرنا عین عبارته سابقا.

وأما تنظیر إعانة حکم العقل العملی لحکم العقل النظری بإعانة الحس له.

فالجواب عنه إن أرید بالعقل العملی نفس القوة المدرکة ، فلیس شأنها إلا الإدراک ، وثبوت المدرک لیس من ناحیة الجوهر العاقل.

وقد عرفت نحو ثبوت (2)الحسن والقبح فلا یقاس بثبوت المحسوس فی الخارج.

وإن أرید بالعقل العملی نفس المعقولات أی الآراء المحمودة والمقدمات المقبولة ، فاطلاق العقل علیها فی کتب الکلام شایع ، حیث یقولون هذا ما یوجبه العقل أو یردّه العقل أی تلک الآراء والمقدمات.

فحینئذ لا شهادة له علی شیء ، لما عرفت من نحو ثبوت هذه الأمور المعقولة ، وأنها لیست من الضروریات بل من غیرها.

ولا یخفی علیک أن عدم کون هذا القسم من المشهورات من الضروریّات


1) 1. شرح الإشارات للمحقق الطوسی 1 / 219.

2) 2. فی نفس هذه التعلیقة.

لا یوجب دخولها فی المظنونات کیف والمظنونات یقابلها فی التقسیم.

بل الفرق بین هذه المشهورات المتوافقة علیها آراء العقلاء والبرهانیّات الضروریّة أنها أی الضروریات تفید تصدیقا جازما مع المطابقة لما فی الواقع ، وهو المعبر عنه بالحق والیقین. بخلاف هذا القسم من المشهورات ، فانها تفید تصدیقا جازما ولا یعتبر مطابقتها لما فی الواقع ، بل یعتبر مطابقتها لتوافق آراء العقلاء علیها فافهم ولا تغفل.

ومما ذکرنا فی تحریر محل النزاع تعرف أن ثبوت العلاقة اللزومیة بین الأفعال الحسنة والأعمال القبیحة والصور الملاءمة والمنافرة فی الآخرة کما یکشف عنها الکشف الصحیح والنص الصریح خارج عن محل النزاع ، فان الکلام فی التحسین والتقبیح بمعنی استحقاق المدح والذم عند العقلاء المشترک بین مولی الموالی وسائر الموالی.

فالإیراد علی الأشاعرة بثبوت العلاقة اللزومیة علی النهج المزبور عن المحقق (1)المذکور خارج عن محل الکلام ومورد النقض والإبرام ، وإن کان صحیحا فی باب إجراء الثواب والعقاب ، بل فی باب الاستحقاق والاقتضاء بالتأمل أیضا ، لکنه بمعنی آخر من الاستحقاق.

وأما ما عن شیخنا العلامة (2)« رفع الله مقامه » فی فوائده فی تقریب عقلیة الحسن والقبح من أن الأفعال بذواتها أو بخصوصیّاتها متفاوتة سعة وضیقا ، کمالا ونقصانا بالإضافة إلی القوی ومنها القوة العاقلة ، فانه یلائمها بعض الأفعال فیعجبها أو منافرة لها فیغربها ، وأن انبساطها وانقباضها أمر وجدانی ، وهما بالضرورة یوجبان صحة المدح والقدح فی الفاعل إذا کان مختارا علی تفصیل


1) 1. شرح الأسماء / 106.

2) 2. التعلیقة علی الرسائل / 339.

ذکره « قدس سره ».

فمورد المناقشة من وجهین :

أحدهما ما أفاده « قدس سره » من الالتذاذ والتألم والاستعجاب والاستغراب للقوة العاقلة علی حد سائر القوی کیف وهی رئیسها.

وذلک لما مر منا من أن القوة العاقلة لا شأن لها إلا إدراک المعانی الکلّیة.

والتذاذ کل قوة وتألّمها إنما یکون بإدراک ما یناسب المدرک أو یضاده.

مثلا التذاذ الحواس الظاهرة بتکیّف الحاسة بالکیفیّة الملموسة الشهیّة أو الحلاوة أو الرائحة الطیّبة أو النغمة المطربة.

وتألمها بعکس ذلک.

کما أن التذاذ القوة المتخیّلة بتخیل اللذات الحاصلة أو المرجوّة الحصول.

وتألّمها بتخیّل أضدادها.

والتذاذ القوة المتوهمة بإدراک الآمال المطلوبة والأمانی المرغوبة.

وتألمها بإدراک أضدادها.

وأما لذة العاقلة بما هی عاقلة ، فبأن یتمثّل لها ما یجب تحصیله من الکمالات من أنواع المعارف والمطالب الکلیّة النافعة فی نظام أمور دینه ودنیاه ، وآخرته.

وتألّمها بفقدها مع القدرة علی تحصیلها وإهمالها ، فان فقد ما هو کمال للقوة العاقلة یؤلمها دون ما هو أجنبی عنها ، وإدراک الظلم الکلی والعدل الکلی بتجریدهما عن الخصوصیات ودخولهما فی المعقولات المرسلة إن لم یکن کمالا للقوة العاقلة لم یکن نقصا لها حتی یؤلمها.

وبالجملة أفراد الإحسان أو الاساءة خارجا کل منهما له مساس بقوة من القوی وعند نیله خارجا یحصل لتلک القوة انبساط من نیل الإحسان خارجا أو انقباض من نیل الاساءة ، سواء کان مستحقا لذلک الإحسان أو لتلک الاساءة

أم لا.

وهذا أمر واقعی ، ولا دخل له بإدراک القوة العاقلة لکلی الإحسان وکلی الاساءة ، فهو نظیر نیل القوة الذوقیة للحلو أو المرّ ، وإدراک القوّة العاقلة لکلیّ الحلو والمرّ ، فان الأول هو الموجب للانبساط والانقباض مما هو حلو أو مرّ دون الثانی.

وأما إدراک الإحسان الجزئی أو الاساءة الجزئیّة بقوّة الخیال أو الوهم ، فمع کونه أجنبیّا عن القوة العاقلة بما هی قوة عاقلة لیس تأثیره فی الانقباض والانبساط من جهة اشتمالها علی مصلحة عامة أو مفسدة عامّة.

بل یؤثّر تصور الإحسان إلیه إعجابا وانبساطا ، وإن لم یستحق إحسانا ، وکذا تصوّر الضرب والشتم یؤثّر فی انقباضه وتألّمه ، وإن کان مستحقا لهما ، وتصور ورودهما علی الغیر وإن کان یؤلمه ، لکنه بسبب الرقة وشبهها ، لا من جهة کونه ذا مفسدة عامة.

ومنه یظهر أن حمل کلامه « قدس سره » علی مطلق الادراک لتصحیح التأثیر فی الالتذاذ والتألّم لا یجدی شیئا ، ولا یوجب کون الاستعجاب والاستغراب بالملاک الذی هو محل الکلام.

ثانیهما ما أفاده « قدس سره » من أن الملاءمة والمنافرة للعقل توجبان بالضرورة صحة المدح والذم.

وذلک لما عرفت من أن دعوی الضرورة لا تصح إلا بالإضافة إلی ما هو خارج عن محل الکلام ، وهو تأثیرهما أحیانا فی انقداح الداعی إلی مجازاة الإحسان بجزاء الخیر ، ومجازاة الاساءة بجزاء الشر کما مر تفصیله.

وأما دعوی الضرورة بالنسبة إلی حکم العقلاء بصحة المدح والذم ، فهی صحیحة ، لکنها تؤکّد ما ذکرناه ، من أنه لا واقعیّة لهما إلا بتوافق آراء العقلاء علیهما.

وحیث عرفت حقیقة التحسین والتقبیح العقلیین.

فاعلم أن المراد بکونهما ذاتیّین أو عرضیین لیس کونهما ذاتیین بالمعنی المذکور فی باب الکلیات الخمس ولا کونهما ذاتیّین بالمعنی المسطور فی کتاب البرهان کما بیّنا وجهها فی مبحث التجری مفصلا (1).

بل بمعنی عدم الحاجة إلی الواسطة فی العروض ، والحاجة إلیها ، فمثل العدل والإحسان والظلم والعدوان بنفسهما لا من حیث اندراجهما تحت عنوان آخر محکومان بالحسن والقبح ، بخلاف الصدق والکذب فانهما مع حفظ عنوانهما یوصفان بخلافهما.

نعم کونهما ذاتیّین لهما بمعنی آخر ، وهو أنهما لو خلّیا وطبعهما یوصفان بهما ، لاندراج الصدق تحت العدل فی القول واندراج الکذب تحت الجور فی القول ، دون غیرهما مما لا یتصف بشیء لو خلی ونفسه ، فراجع مبحث التجری.

وهذا بناء علی کون الحسن والقبح من قبیل الحکم بالإضافة إلی موضوعه واضح ، فکیف یعقل أن یکون الحکم المجعول منتزعا عن مرتبة ذات موضوعه.

وأما بناء علی أنهما من الأمور الواقعیّة ، فهما من قبیل العرض الغیر المفارق والعرض المفارق والعرض مطلقا لا یکون ذاتیّا لموضوعه کما هو واضح.

کما أنا ذکرنا غیر مرة أن المراد من العلیّة والاقتضاء هو اقتضاء الموضوع لحکمه بنحو اقتضاء الغایة لذی الغایة ، لا بنحو اقتضاء السبب لمسبّبه.

بداهة أن الحکم لا یترشح من موضوعه ، بل السبب الفاعلی له هو الحاکم ، وإنما الموضوع لمکان الفائدة المترتّبة علی وجوده یدعو الحاکم إلی الحکم علیه : فبعض الموضوعات حیث إنه یترتب علیها بنفسها مصلحة عامة أو مفسدة


1) 1. التعلیقة 10.

عامة تدعو العقلاء إلی الحکم بحسنها أو قبحها ، ولا محالة لا تتخلف الحکم عن موضوعه التام ، فیعبر عنه بالعلیّة التامة.

وبعضها حیث إنه یترتب علیها المصلحة العامة أو المفسدة العامة لو خلیت ونفسها لاندراجها کذلک تحت عنوان محکوم بنفسه بالحسن والقبح ، فیعبّر عنه بالاقتضاء ، لمکان اندراجه بلحاظ العوارض تحت عنوان آخر محکوم بضد حکم عنوانه لو خلی ونفسه ، وإلا ففی الحقیقة لا علیّة ولا اقتضاء.

وحیث إن المصلحة العامة قائمة بالعدل والمفسدة العامة قائمة بالظلم ، فالصدق بما هو عدل ذو مصلحة عامة ، والکذب بما هو جور ذو مفسدة عامة ، لا أن الصدق مقتض للمصلحة ، واندراجه تحت عنوان العدل شرط لتأثیره فیها ، وأن إهلاک المؤمن مانع عن تأثیره فی المصلحة العامة ، ولیست المعنونات بالإضافة إلی عناوینها مقتضیات بالنسبة إلی مقتضیاتها ، حیث لا جعل ولا تأثیر ولا تأثّر بینها.

فاتضح أنه لا علیّة ولا اقتضاء حقیقة فی شیء من المراتب ، لا من حیث العناوین ومعنوناتها ، ولا من حیث المصالح والمفاسد العامة بالنسبة إلی الصدق والکذب ، ولا من حیث العناوین الذاتیّة والعرضیّة بالإضافة إلی الحسن والقبح العقلیّین ، فتدبّر جیّدا.

وبعد ما عرفت حقیقة التحسین والتقبیح العقلیّین ومعنی کونهما ذاتیّین أو عرضیّین ، فلا بأس بالإشارة إلی الملازمة بین حکمی العقل والشرع وبیان المورد القابل للحکم المولوی وعدمه.

فنقول : الکلام فی الملازمة : تارة فی أن ما حکم به العقل هل یمکن أن یحکم الشارع علی خلافه أم لا ، وعلی الثانی هل یحکم علی طبقه مولویّا أو لا.

وأخری فی أن ما حکم به الشارع هل یحکم العقل علی وفقه أو لا حکم له.

أما الأول ، فحیث عرفت أن التحسین والتقبیح العقلیّین مما توافقت علیه آراء العقلاء للمصلحة العامة أو للمفسدة العامة ، فلا محالة لا یعقل الحکم علی خلافه من الشارع ، إذ المفروض أنه مما لا یختص به عاقل دون عاقل ، وأنه بادی رأی الجمیع لعموم مصلحته ، والشارع من العقلاء ، بل رئیس العقلاء ، فهو بما هو عاقل کسائر العقلاء ، وإلا لزم الخلف من کونه بادی رأی الجمیع ، فالعدل بما هو عدل حسن عند جمیع العقلاء ومنهم الشارع ، والظلم بما هو ظلم قبیح عندهم ومنهم الشارع.

نعم تفاوت الأنظار فی کون الفعل الکذائی عدلا أو ظلما أمر معقول لا یوجب انتفاض هذه الکلیة ، ففی موضوعی العدل والظلم لا یعقل الحکم من الشارع بما هو شارع علی خلافه ، لتنزّه ساحته عن الاقتراحات الغیر العقلائیّة ، فلا یعقل مع انحفاظ حیثیة العاقلیّة أن لا یکون حاکما بما یحکم به العقلاء.

وأولی بذلک ما إذا قیل بثبوت استحقاق المدح والذم فی الواقع ونفس الأمر ، فان ثبوت شیء فی نفس الأمر متساوی النسبة إلی العقلاء وإلی الشارع ، ففرض استحقاق الذم والمدح واقعا وعدم ثبوته عند الشارع متنافیان.

وأما ما عن المحقق الحکیم السبزواری (1)« رحمه الله » من أن کل ما هو ممدوح أو مذموم فی نفس الأمر ، فهو ممدوح أو مذموم عند الله ، وإلا لزم جهله بما فی نفس الأمر.

فهو إنما یتوجه إذا کان المراد من ثبوتهما عند الشارع کثبوتهما عقلا بنحو الثبوت العلمی ، فانه الذی یلزم من عدمه جهله تعالی بما فی نفس الأمر.

وأما إذا کان الغرض من هذا النزاع استحقاق الثواب والعقاب من الشارع بعد حکم العقل باستحقاقهما واقعا فاللازم الفاسد من عدمه هو


1) 1. شرح الأسماء ص 107.

الخلف ، لأن الاستحقاق المزبور متساوی النسبة إلی الشارع وإلی سائر العقلاء.

هذا کله فی عدم معقولیة الحکم من الشارع علی خلاف ما تطابقت علیه آراء العقلاء ومنهم الشارع.

وأما إمکان الحکم المولوی علی طبقه ، فقد مر مرارا أن التکلیف المولوی هو الإنشاء بداعی جعل الداعی ، وقد مر أیضا أن التکلیف لا یمکن أن یکون داعیا علی أیّ تقدیر ، ولکل مکلف عموما ، إلا بلحاظ ما یترتب علی موافقته من الثواب وعلی مخالفته من العقاب.

وحیث إن المفروض أن العدل یوجب استحقاق المدح والظلم یوجب استحقاق الذم عند العقلاء ومنهم الشارع ، فهو کاف فی الدعوة من قبل الشارع بما هو عاقل ، ولا مجال لجعل الداعی بعد ثبوت الداعی من قبله ، فان اختلاف حیثیّة العاقلیّة وحیثیّة الشارعیّة لا یرفع محذور ثبوت داعیین متماثلین مستقلین فی الدعوة بالإضافة إلی فعل واحد ، لأن الواحد لا یعقل صدوره عن علّتین مستقلّتین فی الدعوة ، وإن لم یلزم هنا اشکال تعدّد البعث من حیث اجتماع المثلین ، لعدم البعث الجعلی فی الأحکام العقلائیة.

مع أنا ذکرنا فی (1)محله أن منشأ الاستحالة أیضا هناک ما ذکرناه هنا ، لعدم التماثل والتضاد فی الأحکام التکلیفیّة لوجه تفردنا به فی محله ، فراجع.

نعم إذا قلنا : بأن ما تطابقت علیه آراء العقلاء نفس استحقاق المدح والذم دون استحقاق الثواب والعقاب أمکن أن یقال : بأنه لا یدعو علی أی تقدیر ولکلّ مکلف لإمکان عدم المبالاة بالمدح والذم فلا بد من البعث والزجر المترتب علیهما الثواب والعقاب فحینئذ للمولویة مجال.

إلا أن المدح والذم الذین یترتّب علیهما حفظ النظام عند العقلاء ما یعم


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 62.

الثواب والعقاب أعنی المجازات بالخیر والمجازات بالشر.

ولذا جزم غیر واحد من أرباب النزاع فی المسألة بأن مدح الشارح ثوابه وذمّه عقابه.

مع وضوح أن ترتب الثواب والعقاب عند الجمهور من الأصولیین بل المتکلمین علی موافقة البعث والزجر ومخالفتهما بحکم العقلاء لا بنصب الشارع.

ولیس الوجه فیه إلا أن موافقة التکلیف الواصل عدل فی العبودیة فیستحق المدح والثواب ومخالفته خروج عن زیّ الرّقیّة فیکون ظلما علی المولی فیستحق الذم والعقاب وإلا فلا حکم آخر من العقل فی باب الثواب والعقاب بالخصوص.

فیعلم منه أن استحقاق المدح عندهم یعم الثواب واستحقاق الذم عندهم یعم العقاب.

فان قلت : غایة ما ذکرت من المحذور المانع عن التکلیف المولوی لزوم ثبوت داعیین مستقلّین ، مع أنه متحقق فیما إذا کان للمکلف داع من قبل نفسه إلی ما یوافق التکلیف ، أو إلی ما ینافیه ، والحال أنه لا شبهة فی صحة التکلیف التوصلی إلی من کان له داع فی نفسه إلی ما یوافق التکلیف ، کما لا شبهة فی صحة التکلیف إلی العاصی الذی له الداعی إلی خلاف التکلیف.

قلت : لیس المراد من جعل الداعی جعل ما یدعوا بالفعل حتی یستحیل اجتماع داعیین فعلیّین لعدم معقولیّة انبعاث واحد عن باعثین فعلیّین ، بل المراد جعل الداعی بالإمکان ، أی جعل ما یکون داعیا بحیث لو انقاد العبد ، ومکّن المولی من نفسه خرج البعث الإمکانی من حد الإمکان إلی الوجوب ، فیتحقق الانبعاث الفعلی وهذا المعنی محفوظ مع وجود الداعی من تلقاء المکلف إلی ما یوافق التکلیف ، أو إلی ما ینافیه.

بخلاف ما إذا کان الداعی من قبل المولی موجودا سواء کان بما هو مولی وسیدا أو بما هو عاقل ومرشد ، فانه مع وجود الداعی من قبله یستحیل جعل داع آخر ، فانه یستحیل مع انقیاده لمولاه أن یؤثّر البعث مع وجود الدّاعی من قبل مولاه ولو منه بما هو عاقل.

ولا یعقل التفکیک بین انقیاده لمولاه بما هو مولی وبما هو عاقل حتی یبقی مجال لتأثیر البعث مولوی وإلا لأمکن أن یتصور فی جعل بعثین حقیقیّین بإمکان انقیاده لأحدهما بخصوصه دون الآخر.

مع أن عدم انقیاده لبعث خاص لا یصحّح بعثا آخر ، لأن ملاک صحّة البعث إمکان الداعی بإمکان الانقیاد ، وهو محفوظ مع عدم فعلیّة الانقیاد.

وحینئذ لا یعقل جعل داع بالإمکان بعد وجود داع آخر من قبله بالإمکان حیث لا یمکن خروجهما من الإمکان إلی الفعلیّة الحقیقیّة ، لاستحالة انبعاث واحد من باعثین حقیقیین ، فتدبر.

فاتضح من جمیع ما ذکرنا أن ما یستقل العقل بحسنه أو قبحه وإن لم یمکن جعل الحکم من الشارع علی خلافه ، لکنه لا یعقل أن یحکم مولویّا علی وفاقه أیضا ، بل یحکم بحسنه أو قبحه علی حد سائر العقلاء.

وهذا فیما کان کالظلم والعدل بذاتهما محکوما بالحسن والقبح واضح.

وأما فیما کان کالصدق والکذب حسنا أو قبیحا بالعرض ، فالحکم المولوی بالإضافة إلی الصدق والکذب بذاتهما أی لو خلّیا وطبعهما أو بعنوان معلوم الحسن والقبح عند العقلاء فکذلک ، لأن الصدق والکذب من حیث نفسهما عدل فی القول وجور فی القول.

وقد عرفت حال العدل والجور.

وکذا الصدق المعنون بعنوان اهلاک المؤمن ظلم علیه ، والکذب المنجی له إحسان إلیه ، فحالهما حال العدل والظلم.

نعم إذا کان الصدق فی مورد معنونا بما فیه غرض مولوی للشارع یدعوه إلی تحریمه ، أو الکذب معنونا بعنوان فیه غرض مولوی للشارع یدعوه إلی تجویزه ، فحیث إنه بذلک العنوان غیر معلوم للمکلف بما هو عاقل أمکن للشارع التکلیف المولوی علی خلاف الحکم العقلی الطبعی لعدم المنافاة بین الحکم الطبعی والحکم العقلی ، کما لا مانع من المولویة لانه بسبب العنوان الطاری الواقعی لم یتحقق داع من قبل العقل حتی لا یبقی مجال لمولویة الشارع.

بقی هنا أمران : أحدهما : أن القضایا المشهورة المتمحضة فی الشهرة علی أقسام :

منها : ما فیه مصلحة عامة کالعدل حسن والجور قبیح وعبّر عنها بالتأدیبات الصلاحیّة.

ومنها : ما ینبعث عن الأخلاق الفاضلة ، کالحکم بقبح کشف العورة لانبعاثه عن الحیاء ، وهو خلق فاضل.

ومنها : ما ینبعث عن رقّة أو حمیّة أو أنفة أو غیر ذلک.

واستلزام الحسن والقبح عقلا للحکم الشرعی بالمعنی المتقدم فیما کان منشئه المصالح العمومیة واضح لأن الشارع یری المصالح العمومیّة.

وکذا ما ینبعث عن الأخلاق الفاضلة لأن المفروض أنها ملکات فاضلة ، والمفروض انبعاث الحکم بالحسن والقبح عنها.

وأما ما ینبعث عن انفعالات طبعیّة من رقّة أو حمیّة أو أنفة أو غیر ذلک ، فلا موجب لاشتراک الشارع مع العقلاء.

ولذا تری إن الشارع ربما یحکم لحکمة ومصلحة خاصّة بما لا یلائم الرقّة ، البشریّة کالحکم بجلد الزانی والزانیة غیر ذات البعل مع کمال التراضی ، وکالحکم بجلد شارب الخمر بمقدار لا یوجب السکر فعلا ، أو الحکم بقتل الکافر وسبی ذراریه وأشباه ذلک.

ثانیهما أن ما ذکرناه إلی هنا إنما هو لعدم استتباع حکم العقل حکم العقل العملی للحکم الشرعی المولی.

وأما استتباع حکم العقل النظری للحکم الشرعی المولوی فمجمل القول فیه أن مصالح الأحکام الشرعیّة المولویّة التی هی ملاکات تلک الأحکام ومناطاتها لا تندرج تحت ضابط ، ولا تجب أن تکون هی بعینها المصالح العمومیّة المبنی علیها حفظ النظام وإبقاء النوع.

وعلیه فلا سبیل للعقل بما هو إلیها.

نعم إن اتّفق إدراک مصلحة خاصّة لبعض الأحکام بحیث کانت فی نظر العقل تامة الاقتضاء ، فهل یحکم العقل بحکم الشارع علی طبقها أم لا.

والتحقیق أن المصلحة وإن کانت تامة الاقتضاء ، إلاّ أن الغرض من الواجب غیر الغرض من الإیجاب ، فربما یکون الواجب تام الاقتضاء بحیث لا یتوقف ترتب الغرض منه علیه علی أمر آخر ، إلاّ أن الإیجاب فیه مفسدة ، فلا یکاد یصدر من الحکیم ، والإیجاب إنما یتحقّق بتحقّق علّته التامّة من المقتضی الموجود فی الواجب الباعث علی إیجابه من عدم المانع من إیجابه.

فمجرّد إحراز المقتضی لا یکفی فی إحراز مقتضاه فعلا ، بل اقتضاء أی بنحو ثبوت المقتضی بثبوت مقتضیه ، وهو المعبّر عنه بالحکم الاقتضائی فی لسان شیخنا العلامة الأستاد « قدس سره ».

لا یقال : هذا فی البعث الفعلی بنحو القضیّة الخارجیّة وأما فی البعث الکلی القضیّة الحقیقیّة ، فلیس فی تلک المرحلة مفسدة تتصور فی جعل الحکم علی موضوعه.

لأنا نقول : حیث إن جعل الحکم الکلی أیضا بداعی جعل الداعی بحیث یکون فعلیّا بوصوله وبفعلیّة موضوعه ، فلا محالة إذا کان فعلیّة البعث مستتبعة للمفسدة لا یعقل الإنشاء بهذا الداعی إلا متقیدا بما لا یستتبع مفسدة عند فعلیّته ، فتدبر.

وأما إن اتّفق إحراز المصلحة وإحراز عدم المفسدة المانعة من البعث ،

فربما یتوهّم الحکم بثبوت البعث والزجر المولویّین نظرا إلی أن إحراز العلة التامة یستلزم إحراز المعلول.

إلاّ أنه بناء علی ما قدمناه من أن حقیقة البعث والزجر المولویّین هو الإنشاء بداعی جعل الداعی ، فمع العلم بالمصلحة الغیر المزاحمة بشیء یجب عقلا تحصیلها ، فان ترک تحصیل الغرض اللزومی الذی لا مانع من الالتزام به خروج عن زیّ الرقیّة وهو ظلم علی المولی ، ولیس نتیجة البعث وصلاحیّته للدعوة إلا باعتبار أن مخالفة البعث الواصل خروج عن زیّ الرقیة وهو ظلم فجعل الداعی مع تحقق الداعی عقلا لغو.

ولا یلزم منه انفکاک المعلول عن علّته التامة ، إذ کما أن المفسدة المترتبة علی البعث مانعة شرعا عن فعلیّة البعث کذلک وجود الداعی مانع عقلا عن فعلیّته وإن لم یمنع عن جعل الحکم الکلی البالغ درجة الفعلیّة عند من لا مانع من فعلیّة البعث بالنّسبة إلیه.

فان قلت : فعلیه یستحیل البعث والزجر دائما لانهما یکشفان عن المصلحة الملزمة والمفسدة الملزمة ، ومع انکشافهما بنحو العلّیة التامّة لا یعقل صیرورة الإنشاء الکاشف داعیا.

وتوهم الفرق بأن وصول العلة فرع وصول المعلول ، فما یتوقف ثبوته علی ثبوت شیء لا یعقل أن یکون مانعا عن ثبوته.

مدفوع بما حرّرناه فی محله من أن العلم بالعلّة لیس علّة للعلم بالمعلول ، ولا العلم بالمعلول علّة للعلم بالعلّة بل بینهما التلازم ، والعلم بالملازمة هو العلة للعلم بأحدهما عند ثبوت الآخر ، فهو من قبیل وجود المانع مقارنا لوجود الممنوع لا مترتبا علیه لیستحیل مانعیّته.

قلت : أولا إن المفروض کون الإنشاء الکاشف بعثا فعلیّا ، ولذا کشف عن العلّة التامّة ، ففرض مانعیّة العلّة المنکشفة خلف ، ففرض مانعیّتها فرض

عدم صلاحیّتها للدعوة ، فیلزم من وجوده عدمه.

وثانیا : إنه لیس المانع حقیقة عن البعث بعد البعث أو جعل بعثین دفعة أو جعل البعث بعد وجود ما یمکن أن یکون داعیا عقلا عدم إمکان تعدّد ما یمکن أن یکون داعیا لأن مجرّد تعدّدهما یمنع عن تحققهما بوصف الدعوة الفعلیّة فی الخارج امتناعا بالغیر والامتناع الغیری لا ینافی الإمکان الذاتی والوقوعی کما لا یخفی علی الخبیر.

بل المانع هو أنه مع وجود الداعی مولویّا أو عقلیّا یستحیل جعل الداعی لحصول الغرض من جعل الداعی وتحصیل الحاصل محال.

وأما إذا لم یکن هناک داع مولوی ولا عقلی ، فلا مانع من جعل الداعی وإن حصل به ما یمکن أن یکون داعیا أیضا وهو الغرض المنکشف بالبعث قهرا لأن إمکانه غیر مانع.

لا یقال : فجعل داعیین متماثلین دفعة لا مانع منه.

لأنّا نقول : فرق بین جعل الداعی وتحقق الداعی قهرا ، فان الإنشاء بداعی جعل الداعی یترقّب منه الفعلیّة عند انقیاد العبد ، وفعلیّتهما معا عند انقیاده غیر معقول.

بخلاف الإنشاء الواحد الملازم لتحقق داع آخر قهرا ، فان الداعی الآخر وإن کان یمکن دعوته لکنه غیر مجعول لیترقّب منه الدعوة حتی یکون لغوا أو محالا.

فاتضح الفرق بین صورة إحراز المصلحة الملزمة من طریق البعث وصورة إحرازها من غیر طریق الأمر ، فان الثانی یمنع عن جعل الداعی مولویّا دون الأول ، فافهم جیّدا.

هذا تمام الکلام فی الشق الأول من شقی الملازمة.

وأما الثانی وهو أن ما حکم به الشارع هل یحکم علی طبقه العقل أم لا ،

فمختصر القول فیه أن الحکم الشرعی لا یکشف عن المصلحة والمفسدة إلاّ إجمالا فلا یعقل الحکم من العقل بحسنه أو قبحه تفصیلا.

وأما الحکم بحسنه أو قبحه إجمالا بأن یندرج تحت القضایا المشهورة بقسمیها ، فلا دلیل علیه لأن المصالح والمفاسد التی هی ملاکات الأحکام الشرعیّة المولویّة لا یجب أن یکون من المصالح العمومیّة التی ینحفظ بها النظام ویبقی بها النوع.

کما أن الأحکام الشرعیّة غیر منبعثة عن انفعالات طبعیّة من رقّة أو حمیّة أو أنفة أو غیرها ولا ملاک للحسن والقبح العقلیّین إلا أحد الأمرین.

نعم العقل یحکم بأن الأحکام الشرعیّة لم تنبعث إلا عن حکم ومصالح خاصة راجعة إلی المکلفین بها ، فالحکم بالعلّة لمکان إحراز المعلول أمر والحکم بالحسن والقبح العقلائیین أمر آخر.

هذا هو الحق الذی لا محیص عنه بناء علی ما عرفت من حقیقة الحسن والقبح العقلیّین ، وأن قضیّتهما داخلة فی القضایا المشهورة لا القضایا البرهانیّة وأن حقیقتهما بلحاظ توافق الآراء لا واقعیة لهما غیر ذلک ، فتدبره جیّدا وإن کان خلاف ظاهر کلمات الأصولیین بل غیر واحد من أهل المعقول إلا أن المتّبع هو البرهان.

فان قلت : قد اشتهر بین العدلیّة أن الواجبات الشرعیّة الطاف فی الواجبات العقلیّة وأن المندوبات الشرعیة ألطاف فی المندوبات العقلیّة ، فیعلم منه أن موارد التکالیف الشرعیّة واجبات عقلیّة أو مندوبات عقلیّة ، ولا نعنی بالملازمة إلا ذلک.

قلت : وجوبها العقلی واقعا لیس إلاّ بمعنی حکم العقل بوجوبه علی تقدیر إحراز ما فیه من المصلحة الملزمة.

وعلیه فالحکم بوجوب تحصیلها : تارة من حیث اشتمال الفعل علی

المصلحة الموافقة لغرض المولی سواء کانت راجعة إلی المولی أو إلی العبد. وأخری من حیث اشتماله علی نفس المصلحة من دون نظر إلی الموافقة للغرض المولوی.

فان أرید الأول فهو أجنبی عما نحن فیه ، فان وجوب تحصیلها بملاحظة أن ترک المصلحة الموافقة للغرض اللزومی المولوی خروج عن زیّ الرّقیّة کنفس مخالفة التکلیف المولوی فهو بعنوان الظلم قبیح عقلا لا من حیث کونه ذا مصلحة ملزمة أو ذا مفسدة کذلک ویناسب اللّطف بمعنی القرب إلی الطاعة فان البعث حینئذ مقرّب إلی موافقة الغرض المولوی.

وإن أرید الثانی فقد عرفت أن المصالح الواقعیّة وإن صحت علّیّتها للأحکام المولویة لکنها لا تجب أن تکون من المصالح العمومیّة الباعثة علی تطابق آراء العقلاء علی مدح فاعلها وذم تارکها.

نعم هنا وجوب عقلی بمعنی آخر غیر التحسین والتقبیح العقلائیّین ، فان بعض الأعمال حیث إنه یؤثّر فی کمال النفس وصقالة جوهرها لتجلی المعارف الإلهیة التی هی غایة الغایات من خلق الخلق فلا محالة لا یری العقل بدّا منه فالمراد باللزوم العقلی لیس هو البعث ولا التحسین والتقبیح العقلائیّین ، بل الضّرورة العقلیّة واللاّبدیّة الفعلیّة ، وهذا أیضا أجنبی عما نحن فیه.

ولعلّه إلیه یرجع ما أفاده (1)السید العلامة الداماد « قدس سره » فی شرح هذه القضیّة المعروفة من أن الواجبات السمعیّة الطاف فی الواجبات العقلیّة بملاحظة أن الأعمال البدنیة والمناسک الجسدیّة توجب استعداد النفس لاشراق المعارف الربوبیّة والعلوم الحقیقیّة التی هی واجبات عقلیّة ، فالواجبات السمعیّة تقرّب النفس إلی الواجبات العقلیّة وأن المندوبات السمعیّة تقرّبها إلی المندوبات


1) 1. لم نجده فیما عندنا من کتبه ورسائله.

العقلیّة مستشهدا فی ذلک بقوله تعالی فی الحدیث القدسی : لا یزال العبد یتقرّب إلیّ بالنوافل حتی أحبه فاذا أحببته کنت سمعه الذی یسمع به وبصره الذی یبصر به.

هذا ما یقتضیه النظر القاصر فی استتباع الحکم الشرعی للحکم العقلی إثباتا ونفیا.

وأما ما قیل (1): فی نفی الاستلزام من أنه مبنیّ علی تبعیة الأحکام الشرعیة للمصالح والمفاسد فی متعلقاتها وهی غیر مسلّمة بل یکفی فی حسنها کونها بنفسها ذوات مصالح ، فلا کاشفیّة لها عن مصالح فی متعلقاتها لتکون واجبات عقلیة مستشهدا لذلک بالأوامر الامتحانیة ، حیث إنه لا مصلحة فی متعلّقاتها بل ربما یکون ذوات مفسدة ، وبأوامر التّقیّة حیث إنه لا مصلحة فیما یوافق المخالفین : وبالأوامر التعبّدیة حیث إن المصلحة مترتبة علی إتیان متعلقاتها بداعی الأمر ، فلا مصلحة فی ذوات المتعلقات.

فالجواب عنه أما عن أصل المبنی فبأن حقیقة الحکم هو الإنشاء المنبعث عن إرادة حتمیّة أو غیر حتمیّة بداع البعث والتحریک مثلا فانه الذی یدور علیه الإطاعة والعصیان الموجب لاستحقاق الثواب والعقاب دون الإنشاء بداع آخر کالتعجیز والتسخیر والإرشاد وأشباه ذلک.

فنقول : أما الإرادة التشریعیّة وهو الشوق الأکید المتعلق بفعل الغیر الموجب لجعل الداعی نحوه حیث إن فعل الغیر تحت اختیاره ولا یمکن تحصیله منه لا بجعل الداعی المنبعث عنه الشوق المحرک للعضلات نحو الفعل ، فلا یعقل تعلّقها بما لا یرجع منه فائدة إلی جوهر ذات الفاعل أو إلی قوّة من قواه ، فان طبیعة الشوق سنخ طبیعة لا تتعلّق إلا بما یلائم المشتاق ، ولیس الشوق من


1) 1. القائل هو صاحب الفصول قده / 338 الی 340.

الأفعال ذوات المصالح حتی یمکن إیجاده لمصلحة فی نفسه.

فتعلّق الارادة بفعل من دون جهة موجبة لها ترجّح بلا مرجّح لا ترجیح بلا مرجّح ، والمفروض انه لا جهة مرجّحة للارادة فیه تعالی شأنه إلاّ الحکمة والمصلحة.

وأمّا الإنشاء بداعی البعث والتحریک فحیث إنه من الأفعال ذوات المصالح والمفاسد فیمکن أن یوجد لمصلحة فی نفسه ، ودخل الفعل الخاص المقوّم له فی مصلحته غیر کون الفعل ذا مصلحة باعثة علی الإنشاء بداع البعث فلا یجری فیه البرهان الجاری فی الإرادة.

لکنه أیضا لا یعقل انبعاثه عن مصلحة فی نفسه من دون مصلحة فی الفعل المبعوث إلیه لوجه آخر ، وهو أن الغرض الباعث علی الإنشاء ربما یکون مقصودا بالذّات وبالأصالة بحیث لا یکون له ما وراء هذا الغرض الحاصل بالإنشاء غرض آخر کالانشاء بداعی الإرشاد فانه بنفس الإنشاء المزبور یحصل إظهار الرشد والخیر العائد إلی المخاطب من دون أن یکون هناک حالة منتظرة ، وکالانشاء بداعی التعجیز فانه بإنشائه الخاص یظهر عجزه من متعلقه ، وکالإنشاء بداعی التسخیر فانه یسخره بنفس إنشائه.

بخلاف الإنشاء بداعی جعل الداعی فان إمکان الدعوة وإن کان غرضا قائما بالإنشاء المزبور ، إلا أنه سنخ غرض تبعی یراد منه التسبیب إلی إیجاد فعل الآخر.

ومع عدم الغرض فی فعل الغیر یستحیل التسبیب إلی إیجاده وتحصیله منه ، فالبعث الحقیقی والتّحریک الجدی إلی فعل لا یعقل إلا بلحاظ ما فی الفعل من الغرض الموجب لقیام المولی مقام إیجاده التسبیبی.

وبهذا یظهر تبعیّة الأحکام الشرعیة للاغراض المولویّة المنحصرة فی المصالح والمفاسد القائمة بمتعلّقاتها ، وإن قلنا بخلوّ التکالیف الشرعیّة عن

الإرادة التشریعیّة کما بیناه مفصلا فی مبحث الطلب (1)والإرادة وأشرنا إلیه فی مسألة (2)جعل الطریق.

وأما الجواب عن الأمثلة المستشهد بها فی المقام ، فنقول : أما عن الأمر الامتحانی ، فتحقیق القول فی الامتحان والاختبار منه تعالی مع عدم جهله بشیء هو أنّه لیس المراد من ظهور انقیاد العبد لأوامره تعالی وهو الغرض من الأمر الامتحانی هو الظهور العلمی فی مقام ذاته المساوق للعلم فی مرتبة الذات ، بل الظّهور المساوق للفعلیّة والتحقق المساوی للعلم الفعلی ، وهو العلم حال الإیجاد ، فان وجود کل شیء فی نظام الوجود من مراتب علمه الفعلی فان وجود کل شیء بلحاظ ارتباطه بالعرض بالمبدإ الأعلی هو نحو حضوره له تعالی فکل موجود علم ومعلوم باعتبارین ، ومثل هذا العلم الفعلی الذی هو عین الحضور والربط والوجود مسبوق بالعدم ویساوق التحقق والثّبوت ویتّصف بالسبق واللحوق الزمانیّین کما أسمعناک فی مبحث (3)المشتق ، فیمکن أن یکون حصوله غرضا من الأمر.

وظهور الانقیاد والتمکین خارجا لا یمکن أن یؤمر به بعنوانه لوجهین : أحدهما عدم حصول الغرض من الأمر الامتحانی ، لأنه إذا التفت إلی أن الفعل غیر مطلوب منه جدا ، وأن الغرض استعلام حاله ولو بالاشتغال بالمقدمات لم یکن إیجاد المقدمات مهمّا عنده ، فلم یحصل الغرض من کونه جدّا منقادا لإیجاد الفعل الذی یمتحن به لمکان صعوبته علیه.

وثانیهما أن الانقیاد للأمر لا یعقل إلا مع إحراز الأمر فی نظره ، فاذا قطع


1) 1. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 151.

2) 2. نهایة الدرایة 3 : التعلیقة 55.

3) 3. نهایة الدرایة 1 : التعلیقة 106.

بأنه لا غرض له فی إیجاد الفعل وأنه لا أمر بذات الفعل حقیقة لا معنی لانقیاده له ، فلا محالة لا یعقل الأمر الامتحانی إلا بالنسبة إلی الإنشاء الظاهر فی نفسه فی البعث الحقیقی إلی الفعل ، فبمثل هذا الإنشاء یمتحن عبده ویختبره.

فهذا الإنشاء الخاص وإن لم یکن کالإنشاء بداع الإرشاد من حیث حصول الغرض بنفس الإنشاء ، بل الغرض لا یحصل إلاّ بقیام العبد مقام امتثال ما اعتقده بعثا.

لکنه لیس کالبعث الحقیقی بحیث یکون الغرض منه حصول ما تعلّق البعث به ، بل الغرض قیامه مقام الامتثال وفعلیّة ما فیه بالقوّة من الانقیاد والتمکین للمولی ولو بفعل بعض المقدمات القریبة.

فبالإضافة إلی ذات الفعل الذی لا غرض فیه لا بعث حقیقی أیضا ، لفرض کون الأمر واقعا للامتحان لا للتّحریک الجدی. وبالإضافة إلی ما فیه الغرض وهو قیام العبد مقام الانقیاد للمولی وفعلیّة ما فیه بالقوّة من السعادة والشقاوة لا بأس بالأمر به حیث لم یلزم منه عدم تبعیة الحکم لمصلحة فی متعلقه.

لکنه لا بعث بالنسبة إلیه واقعا أیضا لوجهین : أحدهما أنه بعد ظهور الإنشاء فی البعث الحقیقی کفی به داعیا فی نظر المکلف فیحکم العقل بلزوم الامتثال فیحصل به الغرض المولوی وهو قیامه مقام الامتثال ومع حصول الغرض من البعث فی نظر المکلف لا موجب للبعث الواقعی نحو تحصیل الانقیاد.

وثانیهما : أن الإنشاء بداعی جعل الداعی واقعا إلی الانقیاد بعنوانه غیر معقول ، فان انقداح الداعی إلی المجهول عنوانه المبعوث إلیه محال فجعل الداعی محال ، وقد عرفت أن ایصال البعث نحو الانقیاد بعنوانه یلزم منه المحذوران المزبوران فراجع.

وأما عن الأمر الصادر علی نحو التقیّة ، فنقول : إن التقیّة تارة فی الأمر ،

وأخری فی الفعل المأمور به.

وبعبارة أخری تارة یکون الأمر من باب التقیّة ، وأخری یکون الأمر بالتقیّة.

فعلی الأول لا أمر حقیقة بذات الوضوء الخاص مثلا ، بل إمّا أمر حقیقة بغیره بنحو التوریة ، أولا أمر حقیقة بشیء أصلا ، بل یقصد مجرد التلفظ أو مع معناه الإنشائی المفهومی بداعی حفظ نفسه المقدسة عن شر المخالف.

وعلی الثانی فالأمر حقیقی منبعث عن مصلحة فی الفعل لا بذاته ، بل من حیث إنه ینحفظ به نفس المکلف أو عرضه أو ماله فلم یلزم عدم تبعیّة الأمر الحقیقی للمصلحة فی متعلقه فی شیء من الفرضین.

وأما عن الأوامر التعبّدیّة ، فتحقیق القول فیها أن ذوات الأفعال التعبّدیّة لها مصالح خاصّة قائمة بنفسها من باب قیام المقتضی بالمقتضی ، وأن الشرائط ومنها قصد القربة إمّا من مصحّحات فاعلیّة الفاعل أو من متمّمات قابلیّة ، القابل ، فهی لیست دخیلة فی مرحلة الاقتضاء ومن علل قوام المقتضی ، وإلا لکان جزء لا شرطا بل ، دخیلة فی فعلیّة المقتضی من المقتضی.

والشوق إلی الفعل باعتبار ما یترشّح منه من الفائدة القائمة به ، فکذا البعث المنبعث من الشوق المزبور ، وینبعث من الشوق إلی ما فیه الغرض شوق تبعی إلی ما له دخل فی فعلیّة الغرض ، وکذا ینبعث بعث مقدّمی من البعث الأصیل إلی ما له دخل فی فعلیّة المبعوث إلیه بماله من الفائدة المترقبة منه ، فتوقّف فعلیّة المصلحة علی قصد القربة لا یوجب عدم تعلق الأمر بما فیه المصلحة ، وعدم انبعاثه عن مصلحة فی متعلّقه.

وأما ما أجاب به شیخنا العلامة رفع الله مقامه فی فوائده (1)من أن الأمر


1) 1. الملحقة بالتّعلیقة علی فرائد الأصول / 344.

فی التعبّدیّات قد تعلق بالراجحات بأنفسها فلم یتعلّق الأمر بغیر ما هو حسن عقلا.

فلا یخلو عن شیء أمّا أولا : فلأن کل التّعبّدیّات لیست راجحات بذاتها عقلا وإن کان بعضها من العبادات الذاتیّة التی لو لم یؤمر بها لأمکن إتیانها عبادة کالصلاة المرکّبة من أجزاء کلها راجحات عقلا.

وأما ثانیا : فلأن الأمر بالصلاة لم ینبعث عن رجحانها الذاتی بل عن المصلحة المترتّبة علیها ، فالرکوع مثلا وإن کان تعظیما للمولی وهو حسن لأنه عدل فی العبودیّة وإحسان إلی المولی ، إلا أنه لم یؤمر به من حیث کونه إحسانا إلی المولی ، بل من حیث کونه استکمالا للعبد وموجبا للانتهاء عن المنکر والفحشاء مثلا ، والمفروض ترتب هذه المصلحة علی الرکوع المأتی به بداع الأمر مثلا ، فمجرّد حسن الرکوع ذاتا لا دخل له بتبعیّة الأمر به لمصلحة فیه.

وأما ثالثا ، فلأن الراجح بالذات لو لم یقصد بعنوانه لم یقع حسنا ولا راجحا فالرکوع إذا لم یؤت به بعنوان التعظیم مثلا لا یقع حسنا ، وإتیانه بداعی أمره لا یوجب وقوعه تعظیما فان قصد عنوانه الواقعی لا یوجب وقوعه معنونا بعنوانه.

ولذا لو أمر برکوع مردّد بین کونه مقصودا به التعظیم أو السخریة لا یقع الرکوع تعظیما ولا سخریّة إذا أتی به بداعی أمره علی ما هو علیه واقعا ، مع أنه لا شبهة فی ترتب الأثر علیه إذا أتی به بداعی الأمر.

فیعلم منه أن الرکوع المأمور به لیس من حیث عنوانه التعظیمی مأمورا به ، کما علم أن قصد عنوان التعظیم من طریق الأمر إجمالا غیر معقول ، فلیس اعتبار قصد الأمر للتّوصل إلی تحقق ذلک العنوان الحسن.

فالصحیح فی دفع الاشکال ما ذکرناه ، وبقیّة الکلام تطلب من غیر المقام.

ولقد خرجنا بهذا المقدار عن وضع التّعلیقة إلا أن المسألة لمّا کانت مهمّة

معضلة ولم یتعرض لها أستادنا العلامة « رفع الله مقامه » فی هذا الکتاب أحببنا التکلم فیها بأدنی مناسبة.

146 - قوله « قده » : وصحة نصبه الطریق وجعله فی کل حال ... الخ (1).

حاصله أن نصب الشارع للظن : تارة بملاک حکم العقل بحجّیته ، فهذا هو الذی یکون بلا موجب لحصوله بحکم العقل.

وأخری بملاک آخر ، فهذا لا مانع منه لعدم حصول موجبه بحکم العقل ، بل لا یعقل مانعیّة حکم العقل عنه لأنه مبنی علی عدم نصب الشارع له ، فمع نصبه له لملاک آخر غیر مقدّمات الانسداد لا یعقل تمامیّة مقدّمات الانسداد الموجبة لاستقلال العقل.

ولا یخفی علیک أن هذا البیان صحیح علی تقدیر إرادة المنجّزیة والمعذّریّة من الحجّیة.

وأما إذا أرید جعل الإطاعة الظنّیة بدلا عن الإطاعة العلمیّة فلا ، إذ الإطاعة بحکم العقل دائما ولا مجال لتصرف الشارع فیها بوجه کما مرّ (2)مفصّلا.

وقد مر سابقا (3)أن الکشف عن الحجّیة بالمعنی الأول هو الصحیح ولا استقلال للعقل بالحجّیة بالمعنی الأول والکشف بالمعنی الثانی فی نفسه غیر صحیح حیث إن أمر الإطاعة والعصیان واستحقاق الثواب والعقاب بحکم العقل العملی کما مر وجهه ، فالحجّیة بهذا المعنی شرعا غیر صحیحة لا بملاک حکم العقل ولا بغیره.

ملاک نصب الشارع للظن


1) 1. کفایة الأصول / 321.

2) 2. فی التعلیقة 144.

3) 3. فی التعلیقة 144.

فی نتیجة دلیل الانسداد من حیث الإهمال والتعیّن

147 - قوله « قده » : وعلیها فلا إهمال فی النتیجة أصلا ... الخ (1).

تقریر الحکومة تارة من باب حکومة العقل فی مرحلة التّبعیض فی الاحتیاط.

وأخری فی مرحلة حجّیة الظن والتّنزل عن الإطاعة العلمیّة إلی الإطاعة الظنّیة.

أما الأولی ، فمورد التّعمیم والتّخصیص هی الظنون النافیة للتکلیف فانها التی یرفع الید فیها عن الاحتیاط اللازم بحکم العقل ، دون الظنون المثبتة الموافقة للاحتیاط ، فاذا فرض (2)أن العسر یرتفع برفع الید فیها عن الاحتیاط اللازم بحکم العقل دون الظنون المثبتة الموافقة للاحتیاط.

وإذا فرض أن العسر یرتفع برفع الید عن الاحتیاط فی طائفة من الظنون المقابلة للاحتیاط : فإن کانت متساویة غیر متفاوتة موردا ومرتبة وسببا ، فتعیّن بعضها دون بعض ترجیح بلا مرجّح.

وإن کانت متفاوتة من إحدی الجهات ، فلا محالة یتعیّن تلک الطائفة الراجحة من حیث المرتبة والمورد والسبب لرفع الید عن الاحتیاط فی موردها بنفس قاعدة قبح ترجیح المرجوح علی الراجح التی هی من جملة المقدمات

فی نتیجة دلیل الانسداد من حیث الإهمال والتعیین


1) 1. کفایة الأصول / 322.

2) 2. کذا فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف قدس سره ، لکن الصحیح : وإذا فرض ، کما أثبتناه ، وجواب إذا الشرطیة الأولی محذوف ، فلا بدّ من تقدیر ( فهو ) قبل قوله ( وإذا ) بناء علی التصحیح المزبور ، کما أنه یجب زیادة ( یرتفع ) بعد قوله ( أن العسر ).

المؤدّیة إلی التبعیض فی الاحتیاط.

فنقول : أما الترجیح من حیث المرتبة ، فلأن احتمال الواقع فی ضمن الظنون القویّة لعدم التکلیف حیث إنه أضعف من احتماله فی غیرها ، فهو أولی برفع الید عن الاحتیاط فی غیره وإلاّ لزم ترجیح المرجوح علی الراجح.

وأما التّرجیح من حیث المورد ، فلأن موارد الدماء والفروج ، وشبهها حیث إنه علم اهتمام الشارع بها أزید من غیرها ، فرفع الید عن الاحتیاط فی غیرها أولی ، وإلاّ لزم ترجیح المرجوح.

وأما التّرجیح من حیث الأسباب ، فلأن الظن بالاعتبار وإن لم یستلزم قوّة فی مقام الاثبات کما فی الأول ولا قوّة فی مقام الثبوت کما فی الثانی ، لکنه یمکن التّرجیح به نظرا إلی أن الظن بحجّیة الظن بعدم التکلیف مقتضاه الظن بعدم فعلیّة التکلیف وإن کان ثابتا فی الواقع.

بخلاف الظن بعدم التکلیف فقط فانه لا ظن بعدم فعلیّته علی تقدیر ثبوته واقعا.

فما یظن بعدمه وبعدم فعلیّته علی تقدیر ثبوته أولی برفع الید عن الاحتیاط فیه مما لیس کذلک.

هذا ما یقتضیه حکومة العقل فی مرحلة التبعیض فی الاحتیاط.

وأما الثانیة وهی حکومة العقل فی مرحلة حجیّة الظن بمعنی لزوم التنزل من الاطاعة العلمیّة إلی الاطاعة الظنّیة دون الشکیّة والوهمیّة ، فنقول : إن مورد التعمیم والتخصیص هنا هی الظنون المثبتة للتکلیف لا غیر فان ما له إطاعة علمیّة تارة وإطاعة ظنّیة أخری هی الواجبات والمحرمات المتنجّزة بالعلم الإجمالی أو بإیجاب الاحتیاط الطریقی دون عدمها (1)الذی لا تنجّز له ولا


1) 1. هکذا فی المطبوعة ، وفی المخطوطة بغیر خط المصنف قدس سره : دون عدمهما ، لکن الصحیح : دون غیرهما.

إطاعة له أصلا.

ولا یخفی علیک أن وجه لزوم التّرجیح مع وجود الرجحان لبعض الظنون علی بعض : إمّا وفاء الظنون الراجحة بالمعلوم بالإجمال فلا مانع من جریان الأصول الموردیّة فی غیرها.

وإمّا وفاء الظّنون الراجحة بمعظم الفقه فلا تتمّ المقدّمة القائلة بعدم جواز إجراء الأصل فی معظم الفقه لکونه خلاف الضرورة وخروجا عن الدین.

وکلاهما غیر صحیح : أما الأول ، فلأنه مبنی علی إمکان زیادة الظنون المثبتة التی هی طرق إلی التّکالیف المعلومة بالإجمال المتنجزة بسبب العلم الإجمالی علیها.

مع أنه محال لأن العلم الإجمالی بمائة تکلیف لا یجامع الظن التفصیلی بأن تلک التکالیف مائة وخمسون.

وإذا فرض عدم زیادة الظنون المثبتة علی مقدار المعلوم بالإجمال ، فلا موقع للتّرجیح وإن کان بعض الظنون أرجح من بعض.

سلمنا إمکان زیادة المظنونات علی مقدار المعلوم لکنه تجب الإطاعة الظنّیة بدلا عن الاطاعة العلمیّة بالنسبة إلی التکالیف المظنونة جمیعا لا بمقدار المعلوم بالإجمال إذ کما تجب الاطاعة العلمیة فی أطراف العلم لا بمقدار المعلوم ، کذلک یجب التنزّل إلی الاطاعة الظّنّیة فی أطراف الظن لا بمقدار المعلوم بالإجمال وإلاّ لم یحصل منه إطاعة ظنّیة للمعلوم بالإجمال ، وما لم یرتفع أثر العلم الإجمالی بإتیان ما یستقل العقل به لا مجال لإجراء الأصول الموردیّة.

والتحقیق : أنه إذا فرض تعلق العلم الإجمالی بمائة تکلیف والعلم بعدم الزیادة واقعا ، فلا محالة یستحیل الظن التفصیلی بأزید من مائة تکلیف ، وحیث لا یزید المظنون تفصیلا علی المعلوم بالإجمال فلا مجال للترجیح.

وإذا فرض تعلق العلم الإجمالی بمائة تکلیف مع احتمال مائة أخری ،

فحینئذ لا تعیّن للمعلوم بالإجمال فی نظر المکلف ، کما لا تعیّن له واقعا إذا کان التکالیف الواقعیّة مائتین ، فهو من المبهم لا من المجهول.

ولا أثر لهذا العلم إلاّ وقوع المکلّف فی مائة عقاب إذا ترک المحتملات ، ولا یقطع بسقوط مائة عقاب إلاّ بإتیان تمام المحتملات من حیث إن مائة تکلیف منجّز لا علی التعیین فیها.

وحینئذ یعقل فرض زیادة الظنون علی مقدار المعلوم بالإجمال ، لکنه لا یعقل الظن بمائة وخمسین تکلیف منجّز لا علی التعیین.

ولیس المورد من موارد الجهل والاشتباه حتی یجب رعایة جمیع الظنون لاشتباه المنجّز بغیره لفرض الإبهام وعدم التعیین واقعا.

وحینئذ لا یقتضی التنزل من الاطاعة العلمیّة إلی الاطاعة الظنّیة رعایة جمیع المظنونات ، بل اللازم رعایة مائة منها ، فیظن معه بسقوط عقاب مائة تکلیف علی تقدیر المصادفة.

وعلیه فیمکن فرض الترجیح موضوعا کما یجب عقلا فتدبّر جیدا.

وأما الثانی : فلأن حدیث الوفاء بمعظم الفقه أجنبی عن مسألة التنزل من الاطاعة العلمیّة إلی الاطاعة الظنّیة وإنّما هو علی الکشف بالمعنی الذی نقول به کما سیجیء إن شاء الله تعالی ، وشأن المقدمة المزبورة لیس إلاّ بیان أن عدم الاطاعة العلمیّة لا یقتضی عدم الاطاعة رأسا ، بل لا بد من رعایة العلم الإجمالی عقلا بنحو من أنحاء الاطاعة إما ظنّیة أو شکّیة أو وهمیّة.

وقد عرفت أن التنزل إلی الاطاعة الظنّیة عقلا یقتضی إطاعة المعلوم بالإجمال ظنا من دون اختصاص بمعظم الفقه. فعند (1)تحقق بما ذکرنا أنه بناء علی حجیة الظن من باب حکومة العقل لا مجال إلاّ للتّعمیم سواء کانت الظنون


1) 1. کذا فی النسخة المخطوطة بغیر خطه قده والمطبوعة ، ولعله تصحیف : فقد.

متفاوتة أو لا.

ومما ذکرنا فی تقریب الحکومة بناء علی التبعیض وبناء علی حجیة الظن تعرف أن ما أفاده أستادنا العلامة « رفع الله مقامه » فی المتن من الترجیح من حیث المورد والمرتبة یناسب الحکومة فی مرحلة التبعیض لا فی مرحلة الظن ، کما أن بعض کلمات الشیخ الأعظم « قدس سره » فی الرسائل کذلک ، فراجع.

ثم إنه علی فرض التنزل ودوران الأمر عقلا بین العمل ببعض الظنون ، فالترجیح من حیث المرتبة والمورد وجیه.

أما من حیث المرتبة فانه بعد انتهاء الأمر إلی العمل بالظن من حیث رجحان الاحتمال فیه وقبح ترجیح المرجوح علی الراجح ، فکذا أرجح الظنین لاستحالة تأثیر الأضعف دون الأقوی ، فیتعیّن الظن الأرجح بنفس الملاک الذی یتعیّن به عقلا أصل الظن فی قبال غیره.

وأما من حیث المورد ، فلاشتراک المهمّ وغیره فی المظنونیّة وزیادة الأول علی الثانی بالأهمیّة ، فیختص الأول بالاطاعة الظنّیة ویعمل فی الثانی بالأصول الموردیّة.

وأما الترجیح بالأسباب ، فظاهر شیخنا « قدس سره » هنا عدم الترجیح ، کما صرح به الشیخ الأعظم « قدس سره » مرارا ، إلا أن صریح شیخنا « قدس سره » فی تعلیقته (1)المبارکة علی الرسائل إمکان الترجیح بخصوص التفاوت بالظن بالاعتبار.

وما یمکن أن یقال : فی وجه الترجیح به بناء علی الموضوعیّة والطریقیّة فی ما ظنّ اعتباره شرعا. أنه علی الأولی یظن بمصلحة بدلیّة فیه زیادة علی مصلحة الواقع المظنونة فی کل ظن بالواقع.


1) 1. التعلیقة علی فرائد الأصول / 95 و 96 و 99.

وعلی الثانی یظن بمبرئیّته ومعذّریّته شرعا دون ما لم یظن باعتباره.

فالعبرة إن کانت بالغرض المظنون المولوی ، فلمظنون الاعتبار رجحان علی غیره فی الأولی.

وإن کانت بتفریغ الذمة وسقوط تبعة الواقع ، فلمظنون الاعتبار رجحان علی غیره فی الثانیة فالمرجّح ثابت علی أی تقدیر.

ولا یخفی علیک أن الأمر علی الموضوعیّة علی ما مر ، إلاّ أن المبنی غیر مسلم.

وأما علی الطریقیة المحضة ، فقد مر مرارا أن المبرئیّة والمعذّریّة الواقعیّة الجعلیّة بوجودها الواقعی لا أثر لها ، فالظن بها ظن بما لا أثر له ، فوجوده کعدمه.

نعم إذا فرض القطع بنصب الطریق المبرئ والمعذّر وظنّ تفصیلا بالتطبیق ، فهو ظن باستحقاق العقاب علی مخالفته ، فاذا دار الأمر بین ترک مظنون العقاب ومحتمله کان اتّباع مظنون العقاب أولی.

إلا أن التحقیق أنه غیر مفید أیضا ، فانه إنما یفید إذا کانت الحجّیة بحکم العقل بمعنی استقلال العقل بمنجّزیة الظن ، فحینئذ یصح أن یقال : إنّ مظنون الاعتبار فی مثل الفرض المتقدم مظنون العقاب فی نفسه فیقدّم علی محتمله.

وأمّا اذا کانت الحجّیة بمعنی لزوم الاطاعة الظنّیة بدلا عن الاطاعة العلمیّة وأن الأحکام الواقعیّة متنجّزة بالعلم الإجمالی ، وأنه بعد إبطال الاحتیاط کلیّة یدور الأمر بین حصر الأحکام المنجّزة فی دائرة المظنونات أو غیرها من المشکوکات والموهومات بالتنزل إلی الاطاعة الظنّیة أو إلی الاطاعة الشکّیة والوهمیّة ، فاستحقاق العقاب فی دائرة المظنونات بسبب تنجّز الأحکام فی نفسها بالعلم الإجمالی مفروض ، فلا یوجب الظن باعتبار الظن شرعا تبعة أخری للواقع حتی یوجب رجحان مظنون الاعتبار علی غیره فتدبّر جیّدا.

148 - قوله « قده » : وأما علی تقریر الکشف فلو قیل ... الخ (1).

اعلم أن الکشف یقرّر علی وجهین : أحدهما علی الوجه الذی سلکناه وشیّدنا أرکانه وهو جعل المقدمات کاشفة عن نصب الشارع للظن بمعنی جعله منجّزا لواقعیّاته التی فرض عدم رفع الید عنها لئلا یلزم نقض الغرض من عدم نصب الطریق ، وحیث إن الطریق بوجوده الواقعی لا یعقل أن یکون منجّزا ، فلا بد من وصول ما یعتبر منجّزا للواقع ، ولیس الواصل بذاته المتعیّن فی نفسه فی وجدان العقل إلاّ الاحتمال الراجح أو المساوی أو المرجوح ، وحیث لا یعقل تأثیر الأضعف أو المساوی دون الأقوی ، فلا محالة یؤثّر الاحتمال الراجح فی تنجیز الواقع.

فبهذا البیان ذکرنا أن أصل الظن هو المتعین للمنجّزیة شرعا فی نظر العقل وهذا البیان بعینه جار فی خصوصیّاته ، فما کانت متعیّنة فی نظر العقل أمکن دخلها فی المنجّزیة شرعا فی نظر العقل لوصولها بنفسها ، وما لم تکن متعیّنة فی نظر العقل وإن احتمل دخلها بملاک آخر غیر هذه المقدّمات فی منجّزیة الظن لا یصح اعتبارها فی المنجّزیة لعدم الوصول المعتبر فی المنجّز بخصوصیّاته.

فان قلت : المعتبر مطلق الوصول سواء أکان بهذه المقدمات لحجّیة أصل الظن أو مقدمات انسداد أخری ، فیکفی فی الوصول وصولها ولو بطریقها لا بنفسها.

قلت : حیث إن أصل الخصوصیّة بملاک آخر غیر هذه المقدمات غیر معلوم فلا یجری فیها دلیل الانسداد ، ومن مقدماته العلم بأصل الخصوصیّة حتی یجب تعیینها تفصیلا بالظن ، ووجودها الواقعی لا اثر له حتی یکون احتماله مؤثّرا ، فلزوم التعیین بإجراء مقدمات أخری فرع التّعیین.

تقریر الکشف


1) 1. کفایة الأصول / 322.

ومما ذکر یظهر أن الکشف بهذا المعنی یساوق الحکومة فی إلغاء الخصوصیات التی لا تعیّن لها فی وجدان العقل ، وأنّ مقتضاه التعمیم من هذه الجهة.

نعم یفترق الکشف عن الحکومة فی الخصوصیّات المتعیّنة فی نظر العقل بحیث تکون موجبة لرجحان بعض الظنون علی بعض فی مقام الدوران ، لما مرّ من عدم الدوران علی الحکومة للزوم التنزل إلی الاطاعة الظنّیة بقول مطلق.

بخلاف تقریر الکشف علی هذا الوجه ، فإن مقتضاه لیس لزوم التنزل إلی الاطاعة الظنّیة شرعا بعد فرض تنجز الأحکام الواقعیّة ، بل مقتضاه جعل الظن شرعا منجّزا للواقعیّات فلا موجب للنّصب إلا بمقدار لا یلزم من جراء الأصول الموردیة فیما عداه خلاف الضّرورة من الدین ، فاذا فرض وفاء الظنون القویّة بمعظم الفقه لم یکن موجب بمقتضی هذه المقدمات لجعل ما عداها منجّزا للباقی.

ومنه تعرف أنّ حدیث جعل الظّن حجة بمقدار یفی بمعظم الفقه إنما یناسب الکشف بهذا التقریر لا الکشف بتقریر آخر فضلا عن الحکومة کما أشرنا إلیه.

ثانیهما الکشف علی الوجه الذی سلکه القوم وهو الکشف عن جعل الشارع للاطاعة الظنّیة بدلا عن الاطاعة العلمیّة للواجبات والمحرمات المنجّزة بسبب العلم الإجمالی أو بإیجاب الاحتیاط الطریقی.

فان کان الکشف بملاک هذه المقدّمات فقط ، فلا محالة یساوق الکشف للحکومة تعمیما وتخصیصا ، لأن الکشف بهذا الوجه من باب الکشف اللّمی وهو کشف العلة عن المعلول لاستحالة التلازم فی مرحلة الکشف من دون تلازم بین المنکشفین.

ومن الواضح أن سعة المعلول وضیقه وعمومه وخصوصه تابعة للعلة سعة

وضیقا عموما وخصوصا.

وقد مرّ أن الصحیح هو التعمیم علی الحکومة فکذا علی الکشف ، وحیث إن التعمیم بحکم العقل النظری باقتضاء نفس هذه المقدمات فلا یکون مؤکّدا للإهمال.

نعم لو کان بحکم العقل العملی المأخوذ من مقدمات أخری غیر مقدمات الانسداد لکان مؤکّدا للإهمال والوجه واضح.

وإن کان الکشف بملاک أعم من هذا الملاک نظرا إلی أنه لا ملزم بالالتزام بنصب الظن بهذا الملاک بل اللازم تأثیر هذه المقدمات بضمیمة قبح نقض الغرض فی نصب طبیعة الظن ، ولا ینافی اقتضاء ملاک آخر لأخذ خصوصیّة معه سببا وموردا ومرتبة.

فنقول حیث إن الخصوصیّة بملاک آخر غیر هذه المقدمات فاللازم حجّیة الظن الواصل ولو بطریقه لاستحالة وصوله بنفسه مع عدم اقتضاء هذه المقدمات لوصول الظن بخصوصیّته الغیر المتعینة بحکم العقل النظری.

وحیث عرفت سابقا أن مبنی الکشف علی مسلک القوم علی جعل الشارع للاطاعة الظنّیة بدلا عن الاطاعة العلمیّة للأحکام الواقعیّة المتنجزة ، فالمقتضی لجعل مطلق الاطاعة الظنّیة بدلا عن الاطاعة العلمیّة ثابت ، والاقتصار علی نوع خاص من الاطاعة الظنّیة کاشف عن رفع الید عن الأحکام الواقعیّة فی ضمن غیر ذلک النوع.

فما لم یقم دلیل علی رفع الید عنها فی غیر ذلک النوع یتعیّن الاطاعة الظنّیة لنصبها مطلقا بدلا عن الاطاعة العلمیّة.

وإجراء مقدمات دلیل انسداد أخری فی تعیین الخصوصیّة وإن کان کاشفا عن رفع الید عن غیر ذلک النوع الخاص من الاطاعة ، إلا أنه لا ملزم بإجرائها إلا بعد العلم باعتبار خصوصیّة غیر متعینة فی نظر العقل والمفروض

عدم العلم بأصل اعتبارها واحتمال رفع الید مع وجود المقتضی للاطاعة الظنیّة لا یجدی شیئا.

ومنه یتضح أن مقتضی الکشف علی هذا الوجه أیضا هو التّعمیم دون التّخصیص ولو بإجراء مقدمات انسداد أخری.

وقد عرفت أن حدیث الوفاء بمعظم الفقه واقتضائه الاقتصار علی حجّیة الظنون الخاصّة الوافیة أجنبی عن الکشف المساوق للحکومة فراجع. وسیأتی إن شاء الله تعالی موارد الاختلاف بین ما سلکناه وما سلکه شیخنا العلامة « قدس سره ».

149 - قوله « قده » : هو نصب الطریق الواصل بنفسه ... الخ (1)

لا بد أولا من بیان مبنی اعتبار الوصول وعدمه واعتبار الوصول بنفسه وکفایة الوصول ولو بطریقه ، ثم بیان ملاک الوصول بنفسه والوصول ولو بطریقه ، ثم بیان ملاک الإهمال وعدمه حتی یتضح ما أفاده « قدس سره » من أحکام الوجوه الثلاثة.

فنقول : أما من یقول بعدم اعتبار الوصول أصلا وکفایة نصب الطریق واقعا ، فنظره إلی أن إیجاب العمل بالظّن کسائر الأحکام الواقعیّة له مراتب من الإنشائیّة والفعلیّة والتّنجّز ، فکما أن إیجاب الصلاة فعلیّ فی حدّ وجوده الواقعی وبالعلم یتنجّز کذلک إیجاب العمل بالظن.

ووجه اعتبار الوصول علی مسلک القوم أن الأحکام الطریقیّة وظائف مجعول لرفع تحیّر المکلف فی امتثال الواقعیّات المجهولة ، فلا معنی لجعل حکم طریقی واقعی مثلها فی بقاء التّحیر علی حاله.

وعلی ما بیناه مرارا إن جعل الطریق سواء کان بمعنی جعله منجّزا


1) 1. کفایة الأصول / 322.

للواقعیات عند الإصابة ومعذّرا عنها عند عدم الإصابة ، أو کان بمعنی جعل الحکم المماثل بداعی التحفظ علی الأغراض الواقعیّة بایصالها بعنوان آخر کالعمل بالخبر ونحوه ، فلا محالة یتقوّم بالوصول ، إذ لا منجّزیّة ولا معذّریّة إلا بالوصول ، کما أنه لا تصل الواقعیّات بعنوان آخر إلا بوصول الحکم المماثل لیکون وصوله بالحقیقة وصول الواقع بالعرض.

وإلا فلو کان الحکم الطریقی بوجوده الواقعی قابلا للمنجّزیّة والمعذّریّة أو قابلا لأن تنحفظ به الأغراض الواقعیّة لکان نفس الحکم الواقعی قابلا له فیلغو الجعل الآخر.

وهکذا الأمر إذا کانت حجّیة الظن شرعا بمعنی جعل الاطاعة الظنّیة بدلا عن الاطاعة العلمیّة إجمالا ، فان مرجعه إلی تضییق دائرة الأحکام المنجّزة بسبب العلم الإجمالی وحصرها فی دائرة المظنونات ، فان الغرض إذا کان حصرها فی طائفة خاصّة من المظنونات ، فلا بد من وصول تلک الطائفة لیتضیّق به دائرة الأحکام المنجّزة فیها ، وإلاّ لما حصل هذا الغرض ، وکان اللازم علیه عقلا الاحتیاط فی أوسع من تلک الدائرة.

نعم إذا کان الغرض دفع کلفة الاحتیاط اللازم من الإطاعة العلمیّة بتعیین مرتبة من الإطاعة التی لا یلزم من الاحتیاط فی أطرافها عسر لم یکن مانع من عدم وصوله.

وأما من یقول بکفایة الوصول ولو بطریقه ، فلعلّ نظره إلی أن رفع التحیّر وتنجیز الواقع وتضییق دائرة الأحکام المنجّزة لا یدور مدار الوصول بنفسه بحیث لا یحتاج إلی إعمال طریق آخر ، بل له تنجیز الواقع بطریقین إلی ذات الظن بالمقدمات المزبورة وإلی خصوصیّته بمقدّمة أخری ، فالالتزام بخصوص الواصل بنفسه بلا ملزم وتخصیص بلا مخصص.

وأما من یقول باعتبار الوصول بنفسه ، فلعلّه لا ینکر إمکان نصب طریق

خاصّ بطریقین إلی ذاته وخصوصیته بنحو الکلیّة ، بل ینکره فی خصوص المقام من حیث إن لزوم التعیین بإجراء مقدمات انسداد أخری فرع التعیّن ، وإذا فرض عدم التعیّن لعدم العلم بأصل الخصوصیّة فلا یجب التعیین.

بخلاف المتعیّن فی نظر العقل أو بالاجماع علی الملازمة فانه لا بأس به.

ومجرد احتمال خصوصیّة لا یوجب جریان مقدّمات الانسداد الصغیر فی مرحلة التعیین إلا بتوهم أن احتمال الحجّة الواقعیّة بحیث لو تفحص عنها لظفر بها منجّز للحجّة الواقعیّة ومانع عن إجراء الأصول الموردیّة. وهو فاسد لان مورده ما إذا تفحّص عنها لظفر بها وهنا لیس کذلک إذ لیس هناک طرق واقعیّة قائمة علی حجّیة الظن الخاص واعتبار الخصوصیّة فی الظن علی تقدیر حجّیته بدلیل الانسداد حتی إذا تفحص عنها ظفر بها ، فاحتمال الخصوصیّة التی لا طریق إلیها لا یکون منجّزا حتی یمکن تشکیل مقدمات الانسداد بلحاظ تنجز الخصوصیّات الواقعیّة لیجب تعیینها بالظن.

فالصحیح من هذه الشقوق الثلاثة فی خصوص المقام هو حجّیة الظن الواصل بنفسه.

وأما میزان الوصول بنفسه والوصول ولو بطریقه علی ما یستفاد من مجموع کلماته فی الکتاب وفی تعلیقته الأنیقة (1)علی الرسائل ، فهو أن نفس طبیعة الظن واصلة بنفسها إنما الکلام فی خصوصیّاته بنظر الشارع ، فما لا یحتاج فی تعیینه إلی إجراء مقدمات انسداد أخری سواء کان متعیّنا فی نظر العقل کقوة الظن وکونه مظنون الاعتبار أو کان قدرا متیقنا من نتیجة دلیل الانسداد کالخبر الصحیح الأعلائی بسبب الإجماع علی التلازم بین حجیته شرعا وحجیّة الظن فی الجملة بدلیل الانسداد فهو داخل فی الواصل بنفسه ، فالخصوصیّة


1) 1. التعلیقة علی الرسائل / 92 و 93.

المتعیّنة بأحد أنحاء التعین واصلة بنفسها ، والخصوصیّة التی یجب تعیینها بإجراء مقدمات انسداد أخری ، فهی واصلة بطریقها.

والسر فی ذلک بحیث لا یؤول الأمر إلی مجرد التّسمیة والاصطلاح - أن دلیل الانسداد بلحاظ الاستلزام العقلی بین مقدّماته وحجّیة الظن شرعا - دلیل عقلی یتوصل به إلی حکم شرعی.

فکل خصوصیّة یکون دلیل الانسداد بالأخرة دلیلا علی حجّیة المتخصّص بها : إمّا لمکان ما هو کالقرینة الحافّة بالکلام بحیث یصح للمولی الاتّکال علیه کالمتعیّن فی نظر العقل الحاکم باستلزام المقدمات لحجّیة الظن شرعا کقوة الظن ، فدلیل الانسداد بلحاظ ما هو کالقرینة التی یصح الاتکال علیها - دلیل علی حجّیة الظن المتخصص بتلک الخصوصیّة المتعیّنة فی نظر العقل.

وإمّا لمکان التلازم المستفاد من الاجماع خارجا ، فانه وإن لم یکن کالقرینة الحافّة بالکلام لکنه حیث إن دلیل الملزوم عنده « قدس سره » کما سیجیء إن شاء الله تعالی دلیل علی اللازم ، فدلیل الانسداد دلیل بالأخرة علی حجّیة هذا الظن المتخصّص بالخصوصیّة المتیقّنة من نتیجة دلیل الانسداد.

وأمّا ما کان غیر متعین فی نظر العقل الحاکم بالاستلزام ولا لازما لحجّیة الظّن فی الجملة الثابت بدلیل الانسداد ، فلا محالة یکون الدلیل علیه غیر هذا الدلیل العقلی ، فلا یکون واصلا بنفسه بل بطریق آخر. هذا ما یقتضیه التدبّر فی مجموع کلماته « قدس سره » وسیجیء إن شاء الله تعالی ما عندنا.

وأما میزان الإهمال وعدمه عنده قدس سره فنقول : الإهمال بمعنی عدم التّعیین تارة یلاحظ من حیث الخصوص وأخری من حیث العموم ، فالنتیجة تارة متعیّنة من حیث کونها عامّة ، وأخری من حیث کونها خاصّة ، وفی قبالهما الغیر المتعیّنة من إحدی الجهتین ، وملاک التعیّن من حیث الخصوص عدم لزوم نقض

الغرض من إرادته وملاک التعیّن من حیث العموم لزوم الخلف من عدم إرادته.

توضیحه إن قلنا : بأن الحجّة واقعا هو الظن الواصل بنفسه بماله من الخصوصیّة فکل خصوصیّة کانت متعیّنة فی نظر العقل أو کالمتعیّن من حیث الملازمة التی مرّ ذکرها حیث إنها واصلة ، فیمکن دخلها واقعا وللشارع الاتکال علی وصولها عقلا فی دخلها شرعا.

وإن لم یکن الخصوصیّة المتعیّنة متعیّنة عقلا ، فلا محالة یکون النّتیجة عامّة عقلا وإلا لزم الخلف من إرادتها إذ المفروض تعلق الغرض بنصب الواصل بنفسه.

وإن قلنا : بأن الحجّة هو الظّن الواصل ولو بطریقه فیزید هذا الشق علی الشق السابق بصحّة دخل الظن بالاعتبار الممکن إثباته بإجراء دلیل انسداد صغیر فی تعیین الخصوصیّة المحتملة التی لا تعیّن لها بنفسها عقلا ، حیث لم یلزم من إرادتها نقض الغرض ، لتعلق الغرض بوصولها الأعم من وصولها بنفسها أو بطریقها والمفروض وصولها بطریقها.

نعم إذا کان الخصوصیّة المحتملة لا تتعیّن حتی بدلیل انسداد آخر کانت النتیجة عامّة وإلا لزم الخلف.

هذا کلّه فی العموم والخصوص من حیث الأسباب والموارد علی الوجهین.

وأما من حیث المرتبة ، فالنتیجة خاصّة دائما ، إذ فرض المرتبة فرض التّفاوت بالقوة والضعف ، دون فرض الأسباب والموارد فانه یجامع التعیّن من حیث العموم والخصوص معا. فهذا معنی الإهمال أی عدم التعیّن من حیث العموم.

وأما ما أفاده « قدس سره » هنا من اتّحاد الحکم فی المراتب بین الواصل بنفسه والواصل ولو بطریقه ، فهو بحسب الظاهر مناف لما سیجیء إن شاء الله تعالی منه « قدس سره » من ابتناء الترجیح بالقوّة علی حجّیة الواصل بنفسه

وابتناء المنع علی حجّیة الواصل ولو بطریقه ولو لم (1)یصل أصلا.

ویمکن دفع المنافاة بأن ما ذکره « قدس سره » هنا حکم طبعی للظن القوی بالنسبة إلی الضعیف أی الظن القوی بما هو قویّ یتعین فی قبال الضعیف ، وما سیأتی إن شاء الله تعالی منه « قدس سره » مبنیّ علی التّرجیح بملاحظة جمیع العوارض فانه ربما یکون الظن الضعیف مظنون الاعتبار مثلا.

فعلی القول بحجّیة الواصل ولو بطریقه یمکن إجراء دلیل انسداد آخر لتعیینه ، وتعیّن القوی من حیث صحّة اتّکال الشارع علیه بعدم نصب الدال علی خلافه ، فمع نصب الدال علی خلافه لوصوله بطریقه لا مجال للتعیّن الفعلی ، فانه دلیل حیث لا دلیل علی خلافه ، فتدبر جیّدا.

نعم إذا کان الظّن الضعیف مظنون الاعتبار شرعا وقلنا : بأن مظنون الاعتبار أیضا متعیّن فی نظر العقل فی قبال مشکوک الاعتبار ، فلکل من القویّ والضعیف جهة تعیّن فی نظر العقل ، ولا ترجیح لأحدهما علی الآخر عقلا ، فلا یتعیّن شیء منهما شرعا ، ومقتضی حجّیة الواصل بنفسه حجّیة الکل لعدم التّعین وللزوم الخلف من عدم الحجّیة.

وما ذکره رحمه الله فی حکم الظن القوی وما سیذکره فی حکم مظنون الاعتبار حکم طبعی بلحاظ نفسهما لا بلحاظ تعارض الجهتین أیضا.

هذا کلّه فی حکم النّتیجة بناء علی اعتبار الوصول بأحد الوجهین.

وأما بناء علی القول بحجّیة الظن ولو لم تصل خصوصیّته ، فقد عرفت إهمالها خصوصا وعموما ، فلا بد من الاحتیاط فی أطراف ما یحتمل اعتباره بعد العلم الإجمالی بنصب ما لا طریق إلی إثباته ولا إلی نفیه.


1) 1. هکذا وردت العبارة فی النسخة المطبوعة والمخطوطة بغیر خط المصنف قدس سره ، والصحیح قوله ( ولو بطریقه ) أو : الطریق ولو لم یصل أصلا ، کما فی عبارة الکفایة.

ومع لزوم العسر یجب التّنزل إلی حکومة العقل بالاستقلال ، ولیحمل کلامه « قدس سره » علی إرادة حکومة العقل فی باب تعیین المنصوب شرعا لا حکومته فی باب الحجّیة رأسا لئلاّ یورد علیه کما عن بعض أجلّة العصر (1)بأن القائل : بالکشف لا یری الحکومة للعقل ، وإلا لما التزم بلزوم نصب الظن شرعا ، بل غرضه ره حکومة العقل فی باب التعین بالأخرة کما أفاد نظیره فی الواصل بنفسه فی تعلیقته الأنیقة (2)حیث ذکر أن العقل هو الحاکم بالتعیین.

وأما ما ذکره المورد من لزوم إجراء مقدمات الانسداد أیضا فی تعیین الطریق المنصوب الواقعی.

فلعله غفلة عن مبنی القول بحجیة الطریق ولو لم یصل ، فإنه علیه لم یتعلق غرض بوصوله ، ولذا لا مانع من بقائه علی إهماله وإجماله.

فمجرّد انسداد باب العلم وإبطال الاحتیاط لا ینتج حجّیة الظن فی مرحلة التعیین ما لم ینضم إلیه قبح نقض الغرض من عدم حجّیة الظن فی مرحلة التّعیین وإلاّ لا موجب لنصبه.

وحیث إن المفروض عدم تعلّق الغرض بوصوله وإلاّ لکان داخلا فی نصب الواصل ولو بطریقه وهو خلف ، فلا مجال حینئذ لإجراء مقدّمات انسداد أخری لحجیة الظّن من باب الکشف.

هذا ما ینبغی بیانه فی توضیح مرامه زید فی علوّ مقامه.

وفیه مواقع للنظر : منها أن کاشفیّة المقدمات عن نصب الظن شرعا من باب الکشف اللّمی ، وهو کشف العلّة عن المعلول لاستحالة کشف شیء عن شیء حقیقة إلاّ بسبب الملازمة بینهما بالعلیّة والمعلولیة أو المعلولیة لثالث ، ولیس هنا إلاّ لاقتضاء هذه المقدمات لنصب الشارع علی القول بصحّة التقریر علی


1) 1. هو المحقق الحائری ، درر الفوائد / 417 و 418.

2) 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 90 و 91.

وجه الکشف کما هو المفروض هنا.

ومن الواضح أنه لا إهمال فی العلّة ، فلا إهمال فی المعلول لعدم تعقل الإهمال فی الواقعیات فیتبع المعلول سعة وضیقا لعلّته.

فاذا کانت المقدمات علّة لحکم العقل بحجّیة الظن ، فحیث إنه لا مجال لاحتمال ملاک آخر لإضافة خصوصیّة من الخصوصیات التی لا تقتضیها طبع تلک المقدمات وإلاّ لانضم إلی المقدمات ، فلا محالة یستقل العقل بحجّیة الظّن عموما أو خصوصا.

وإذ کانت المقدمات علّة لنصب الشارع للظن ، فنفس تعیّن الظّن للنصب دون غیره من الشک والوهم هی نتیجة المقدمات.

وأما إضافة خصوصیّة إلیه بملاک آخر فی نظر الشارع ، فهو أمر یعقل احتماله لکنها أجنبیّة عن المقدمات وعن مقتضاها.

فالمقدمات بالإضافة إلی نتیجتها ومقتضاها غیر قابلة للاهمال ، بل هی تقتضی تعیّن کل ظن بالإضافة إلی کل شک ووهم بما هما شک ووهم للنصب شرعا ، وبالإضافة إلی خصوصیّة أخری بملاک آخر أجنبی عن المقدمات لا اقتضاء لاستحالة کشفها عن تعیّن الظن بخصوصیّة واقعیّة مجهولة ، لعدم الملازمة بینها وبین الظّن المتخصّص بخصوصیّة مجهولة ، لاستحالة العلّیة لأمر مهمل.

بل قد عرفت تعیّن العلّة للعلّیة والمعلول للمعلولیّة فی نظر الحاکم بالعلّیة والمعلولیّة لأن النتیجة وإن کانت شرعیّة ، إلا أن الحاکم باستلزام هذه المقدمات لحجّیة الظن شرعا هو العقل.

ولا فرق فی عقلیة الدلیل بعقلیّة استلزام المقدم للتالی بین الحکومة والکشف کما تقدم (1)فی أوّل دلیل الانسداد.


1) 1. التعلیقة 125.

فلا کاشفیّة للمقدمات عن حجّیة الظّن المتخصّص بخصوصیّة واقعیّة حتی یتصور الإهمال بل بالإضافة إلی مقتضاها متعیّن عموما أو خصوصا ، وبالإضافة إلی غیره لا مقدمیّة ولا کاشفیّة حتی یتصوّر الإهمال.

ومنه یظهر أن حجّیة الطریق وإن کانت تنقسم إلی الأقسام الثلاثة : فی نفسها ، إلا أن نتیجة دلیل الانسداد لا تجری فیها الشقوق المتقدمة ، لأن الوصول بنفسه وبطریقه وعدمه مطلقا إنما یتصور هنا فی الخصوصیّات المنضمّة إلی الظن بملاک آخر.

وقد عرفت أن المقدمات أجنبیّة عن خصوصیّات الظن بملاک آخر ، ونتیجتها بنفسها تعیّن نفس الظن فی قبال الشک والوهم للنّصب شرعا ، وهو أمر مفروض الوصول ولا طریق إلی سعة الغرض من النصب وضیقه إلا هذه المقدمات ، وهی کما مرّ کاشفة لمّا من نصب الظّن بما هو ظنّ فی قبال الشک والوهم بما هما شک ووهم من دون إهمال لا فی طرف العلّة ولا فی طرف المعلول ، فتدبّره فإنّه حقیق به.

ومنها : سلّمنا أن معنی الإهمال لا اقتضائیّة المقدمات عن اعتبار الخصوصیّات إلا أنها مهملة بهذا المعنی عن اقتضاء الخصوصیّة وعن اقتضاء عدمها ، فکما أن إثبات الخصوصیّة إما بما هو کالقرینة الحافة بالکلام ، أو بالإجماع علی الملازمة أو بإجراء دلیل الانسداد ثانیا وثالثا ، فکذلک نفی تلک الخصوصیّة وإثبات التّعمیم بعدم خصوصیّة محتملة ، أو بعدم وصولها بنفسها ، أو بعدم وصولها بطریقها فان کل ذلک بضمیمة البرهان ، وهو لزوم الخلف عن اعتبارها ، فیحکم بالتّعمیم لا باقتضاء نفس المقدمات للتّعمیم.

ومنها : أن لزوم الاقتصار علی الظن الاطمئنانی الوافی بمعظم الفقه لإمکان اتّکال الشارع علی تعیّنه فی نظر العقل إنّما یصح علی الکشف بالوجه الذی ذکرناه ، وهو جعل الظن منجرا للواقعیات التی لم یرفع الشارع یده عنها

لکونه مخالفا للضّرورة من الدین کما قدّمنا بیانه.

وأما علی الکشف بمعنی جعل الاطاعة الظنّیة للأحکام المنجّزة بدلا عن الاطاعة العلمیّة ، فلا یصحّ ، وذلک لأن المتعیّن فی نظر العقل الاطاعة الظنّیة بعد التنزل عن الاطاعة العلمیّة ، فکما لا یجدی فی الاطاعة العلمیّة کونها بمقدار یفی بمعظم الفقه کذلک فی الاطاعة الظنّیة ، ومجرد کون الملاک فی الظن القوی أقوی من الظن الضعیف لا یوجب الاقتصار فی مقام الاطاعة علیه ، بل أقوائیّة الملاک إنما تجدی فی مقام الدّوران ولا دوران فی نظر العقل فی مقام الاطاعة حتی یتعین فی نظر العقل لکی یتّکل علیه الشارع فتدبّره جیّدا.

150 - قوله « قده » : ولا بحسب الموارد ... الخ (1).

لا یقال : ما الفرق بین الحکومة والکشف حیث حکم « قدس سره » بتفاوت الموارد فی نظر العقل علی الأول دون الثانی.

مع أن تعیّنه فی نظر العقل یکفی فی وصوله بنفسه کما فی الظن القوی.

لأنا نقول : مورد التفاوت هناک الظنون النافیة فی قبال رفع الید عن الاحتیاط فی الموارد الغیر المهمّة.

والکلام هنا فی الظنون المثبتة للتکلیف ، ولا موجب لتعیّن مورد دون مورد للتنزل إلی الاطاعة الظنّیة فی قبال الاطاعة الشکّیة والوهمیّة فلا تغفل.

151 - قوله « قده » : لکنک غفلت عن أنّ المراد ما إذا کان الیقین ... الخ (2).

لا یخفی علیک أن الإشکال فی المتیقّن من وجهین.

أحدهما أن کونه متیقّنا بسبب الإجماع علی الملازمة بین حجّیة الظن فی

الفرق بین الحکومة والکشف


1) 1. کفایة الأصول / 322.

2) 2. کفایة الأصول / 323.

الجملة وحجیة الخبر الصحیح الأعلائی یوجب دعوی الإجماع بالأخرة علی حجّیة الخبر المزبور ، فالدّلیل علی حجّیة الظن الخبری شرعی لا عقلی.

ثانیهما أن فرض کون المتیقّن الاعتبار موجودا ینافی فرض انسداد باب العلم والعلمی ، وهو الإشکال الذی تعرّض له شیخنا « قدس سره » هنا تبعا للشیخ (1)العلامة الأنصاری رحمه الله ، والأول أیضا اشکال تعرّض له (2)الشیخ الأعظم رحمه الله فی طی ما أورده علی تقریر الکشف.

وما أجاب به شیخنا الأستاد « قدس سره » یفی بدفع الإشکالین ، فان التّیقن حیث إنه بلحاظ دلیل الانسداد ، فلا یعقل أن یکون الدلیل مبنیّا علیه ومانعا عن جریانه. وحیث إن دلیل التّلازم وهو الإجماع لیس دلیلا علی اللازم لبداهة أن صدق الشرطیة یجامع کذب طرفیها ، فکیف یکون دلیلا علی أحدهما ، بل دلیل الملزوم دلیل اللاّزم ، فدلیل الانسداد دلیل المتیقّن ، فلا یلزم أن یکون الدلیل شرعیّا بل عقلی.

والتحقیق أن الأمر کما أفید بالنسبة إلی دفع الإشکال الثانی لأن حجّیة الخبر معلّقة علی حجّیة الظن بدلیل الانسداد ، فلا یعقل أن یکون ممّا یتوقّف علی عدمه الدّلیل.

إلا أنّ ما قیل : فی عقلیّة الدلیل من أن دلیل الملزوم دلیل اللازم غیر وجیه لأن مناط عقلیّة الدلیل کما مر (3)فی أول دلیل الانسداد کون الدلیل علی الکبری الکلّیة أو ما بمنزلتها عقلیّا ، والنتیجة من أفراد الکبری الکلیّة فتتبعها فی العقلیّة والشرعیّة ، فالمناط فی کون الاستلزام عقلیّا أو شرعیّا بالدلیل علی


1) 1. فرائد الأصول المحشی 1 / 195.

2) 2. فرائد الأصول المحشی 1 / 193.

3) 3. التعلیقة 125.

الملازمة.

ولذا قلنا : بأن المقدمات وإن کانت لکل منها کبری عقلیّة أو شرعیّة ، إلا أن المقدمات حیث إنها بنحو القیاس الاستثنائی مقدم القضیّة وحجیة الظن عقلا أو شرعا بمنزلة التالی فمناط عقلیّة الدلیل عقلیّة استلزام المقدم للتالی ، وهذا لا ربط له باستلزام المقدّمتین للنتیجة حتی یقال : إنه دائما عقلی بل استلزام المقدم للتالی بمنزلة الکبری الکلّیة ، فاذا کان استلزام المقدّم للتالی عقلیّا کان ما هو بمنزلة الکبری الکلیّة عقلیّا.

ومن الواضح أن وضع المقدم ربما یستند إلی شیء ووضع التالی إلی شیء آخر ، مثلا انخساف القمر مستند إلی الحسّ وحیلولة الأرض بینه وبین الشمس مستند إلی الحدس لدخول هذا الحکم فی الحدسیّات الیقینیّة ، وکذا تغیّر العالم مستند إلی الحس والحدوث مستند إلی البرهان.

فدلیل ذات الملزوم لیس دلیلا علی ذات اللازم ، بل دلیل الملازمة عند وجود أحد المتلازمین دلیل علی الآخر ، فان معنی الملازمة ثبوت أحد الأمرین عند ثبوت الآخر ، فبسبب الملازمة یحکم بثبوت أحدهما عند ثبوت الآخر ، وما یری من التلازم بین العلمین ، فهو من جهة ثبوت الملازمة بین المعلومین ، لا أن العلم بأحدهما علّة للعلم بالآخر لیکون سبب العلم بأحدهما سببا للعلم بالآخر.

لا یقال : لیس بابه باب التلازم لیرد علیه ما ذکر بل بابه باب تعیین ما هو الحجّة بدلیل الانسداد بالإجماع مثلا ، فیکون تعیینا لما هو مدلول الدلیل.

لأنا نقول : قد عرفت سابقا أن المقدمات عن اعتبار الخصوصیّات لا اقتضاء ، فلا یعقل الدلالة علیه واقعا حتی یکون الإجماع مثلا معیّنا لما هو مقتضی المقدمات ، فتدبّر جیّدا.

152 - قوله « قده » : لا یخفی أن الظن باعتبار ظن بالخصوص ... الخ (1).

قد عرفت سابقا (2)فی بیان مقتضی الدلیل علی الحکومة عدم تعین مظنون الاعتبار لعدم کون الملاک فیه أقوی لیکون کالظن القوی حتی یکون له تعیّن عقلی لیصح الاتّکال علیه شرعا علی الکشف.

ومنه ظهر ما فی دعوی القطع بکونه حجة علی أی حال فراجع ما تقدم.

153 - قوله « قده » : وکان منع شیخنا العلامة ... الخ (3).

قد مر (4)مفصلا منافاته لدعوی مساواة القول بحجّیة الواصل بنفسه والواصل ولو بطریقه فی الترجیح بالقوة ، وقد مرّ دفع المنافاة بینهما فراجع.

154 - قوله « قده » : إلا فیما إذا کان هناک ناف من جمیع ... الخ (5).

فانه مزیل للشک فی المسألة الفرعیّة ، فلا یجب الاحتیاط فیها ، بخلاف ما إذا لم یکن کذلک ، فانه لا یجوز رفع الید عن الاحتیاط فی المسألة الفرعیّة بالاحتیاط فی الأخذ بالظنون النافیة.

مع أن الاحتیاط فیها لأجل التحفّظ علی الواقعیّات المنجّزة بالعلم الإجمالی الموجب لجعل الظن حجة فیها حتی تمتثل امتثالا ظنّیا ، فتدبّر.


1) 1. کفایة الأصول / 323.

2) 2. التعلیقة 147.

3) 3. کفایة الأصول / 324.

4) 4. التعلیقة 149.

5) 5. کفایة الأصول / 324.

فی المنع عن الظن القیاسی

155 - قوله « قده » : وتقریره علی ما فی الرسائل (1)... الخ (2).

تعمیم الإشکال لصورة الاحتمال بملاحظة أنه لا ثمرة عملیّة لتوجیهه فی خصوص الظن القیاسی مع القطع بالمنع ، بخلاف ما إذا عمّمناه لصورة احتمال المنع فانه مناف لاستقلال العقل بحجّیة الظن مطلقا.

وتقریب الإشکال أن استلزام المقدمات لحجّیة الظن بنحو القیاس الاستثنائی من باب استلزام المقدم للتالی عقلی کما مر ، فلو لا علیة المقدم للتالی بنحو التمامیة لا یتحقق الاستلزام العقلی.

وحیث إن التالی قبح ترک الاطاعة الظنّیة ، فمنع الشارع عن الاطاعة الظنّیة بالظن القیاسی یلزم منه أحد محاذیر ثلاثة : إما عدم تمامیّة الملاک فی الظن بما هو ظن وهو خلف لفرض الاستلزام العقلی ووصول النوبة إلی حجیة الظن بما هو.

وإمّا انفکاک المعلول عن علّته التامة وهو محال.

وإمّا ارتکاب الشارع للقبیح بترجیح غیر الاطاعة الظنّیة علی الاطاعة الظنّیة ، مع أن المفروض أن الظن بما هو ظن مقدم علی الشک والوهم لرجحانه علیهما فتقدیمهما علیه ترجیح المرجوح علی الراجح.

وحیث یستحیل صدور القبیح من الحکیم تعالی ویستحیل انفکاک المعلول عن علّته التّامّة ، فلا محالة یکون الاختلال فی الملاک ، فیکشف عن عدم تمامیّة الملاک ، ومع عدم تمامیّة الملاک کیف یعقل الاستلزام العقلی بین المقدم

فی المنع عن الظن القیاسی


1) 1. فرائد الأصول المحشی 1 / 213.

2) 2. کفایة الأصول / 325.

والتالی.

ولا یخفی أن فرض التخصیص فی الدلیل العقلی بملاحظة المحذور الثانی دون الأول والثالث ، ففرض عدم قبحه من الشارع تخصیص فی الدلیل لا فرض عدم تمامیّة الملاک ولا فرض صدور القبیح بل الأول خلف والثانی محال آخر لمنافاته لفرض الحکمة المانعة عن اختیار القبیح.

ومنه تعرف أن مجرد الالتزام بوجود ملاک الحجّیة لا یستلزم التخصیص فی الدلیل العقلی ، لإمکان فرض الالتزام بقبحه حتی علی الشارع مع الالتزام بصدور القبیح منه ، فعدم الالتزام بقبحه علیه تخصیص لا الالتزام بصدور القبیح منه ، فإنه محال آخر لا ربط له بالتخصیص فی الدلیل العقلی ، فتدبّر جیّدا.

156 - قوله « قده » : بداهة أن من مقدمات حکمه عدم وجود علم وجود ولا علمی ... الخ (1).

فمع المنع عن الظن القیاسی ینفتح فیه باب العلم أو العلمی.

ومن الواضح أن ما کان ثبوته معلقا علی عدم شیء لا یعقل أن یکون مانعا عن ثبوته ، إذ لا مانعیّة له إلا فی فرض ثبوته ، ولا ثبوت له إلا فی فرض عدم الشیء المعلّق علیه ، فکیف یعقل ثبوته فی فرض ثبوت ذلک الشیء حتی یمنع عن ثبوته.

فمانعیّة حکم العقل عن المنع عن الظن القیاسی ممتنعة.

أن مانعیّة المنع عن الظن القیاسی عن استقلال العقل بحجّیة الظن مطلقا حتی الظن القیاسی ممتنعة إذ لا ثبوت لحکم العقل مطلقا مع فرض ثبوت المنع حتی یمنع عن ثبوته.

والجواب عنه أن فرض التعلیق علی عدم المنع وإن کان مقتضاه ذلک إلا


1) 1. کفایة الأصول / 325.

ان الکلام فی صحّة التعلیق.

توضیحه : أن ما هو مقدّمات دلیل الانسداد (1)هو الانسداد الکلّی فی معظم الأحکام الغیر المنافی للانفتاح الجزئی ، والظنون إذا کانت متساویة فی نظر العقل یکون کلها حجّة وإن زادت علی ما یفی بمعظم الأحکام للزوم الترجیح بلا مرجّح والتّعیین بلا معیّن من فرض العمل بما یفی بمعظم الأحکام فی ضمن طائفة خاصّة من الظنون.

فالمنع عن الظن القیاسی وإن کان یوجب الانفتاح الجزئی الموجب لخروجه عن المعظم الذی فرض انسداد باب العلم فیه.

إلا أن الکلام فی صحة المنع الموجب لذلک ، لا من حیث لزوم تفویت المصالح الواقعیّة فی صورة الإصابة أو اجتماع الحکمین المتنافیین وأشباه ذلک مما یتصوّر فی الأمر بالعمل ببعض الظنون فی صورة انفتاح باب العلم حتی یقال : بأنه إشکال برأسه یجری نظیره فی الأمر بالعمل بالظن شرعا أیضا ، بل من حیث إنّ تساوی نسبة الظنون فی نظر العقل مع فرض الانسداد الوافی بحجّیة الظّن عقلا یمنع عن المنع عن خصوص ظن وإخراجه عن دائرة الظنون المتساوی النسبة ، فإبداء التفاوت بنفس المنع یستلزم الدور ، حیث لا یصح المنع إلا مع التفاوت ، فکیف یحصل التفاوت بالمنع حتی یصح تعلیق حجّیة الظّن علی عدم المنع.

فلا محیص عن إبداء التفاوت الموجب لصحة المنع ولاختصاص الملاک العقلی بغیره.


1) 1. کذا وردت فی النسخة المطبوعة ، ولیس عندنا نسخة مخطوطة من هذا الموضع من التعلیقة ولو من غیر خط المصنف قدس سره لتکون مقیاسا فی مقام التصحیح ، لکن الصحیح : ما هو من مقدمات الانسداد.

فنقول : إن فی کل ظن من الظنون حیثیّتین شخصیّة ونوعیّة : الأولی غلبة احتمال ثبوت الواقع علی احتمال عدمه ، وهذه الحیثیة ذاتیّة للظن لا یعقل تفاوت ظنّ دون ظنّ فیها وإن کان یقوی الاحتمال الغالب ویضعف إلا أن أصل الغلبة علی احتمال العدم محفوظ فی الجمیع.

الثانیة غلبة صنف من الظنون من حیث المطابقة للواقع ، لا فی نظر الظان علی صنف آخر من الظنون ، فیکون صنف من الظن غالب المصادفة مع الواقع واقعا ، وصنف آخر منه غالب المخالفة للواقع واقعا ، وما یستحیل خلافه فی نظر الظان هو الأول دون الثانی ، فان من یظن من القیاس بثبوت شیء واقعا یظن بإصابته شخصا للواقع ، لا أنه یظن باصابة نوعه للواقع ، بل یقطع بمخالفة نوعه فی الواقع وإن کان هذا الشخص فی نظره مظنون المصادفة ، لکنه لا عبرة بظن إصابته المتقوم به الظن بالثبوت فانه شخصی لا نوعی.

ومن المعلوم أن حکم العقل بالتنزل من الاطاعة العلمیّة إلی الظنّیة لا من حیث مطلوبیّة صفة الظن بالاطاعة فی نفسه لکیلا تتفاوت فیه أفراد الظنون ، بل لأجل مراعاة الأحکام الواقعیّة المعلومة بالإجمال ، وإنما یکتفی بالاطاعة الظنّیة لأجل غلبة إتیان الواقعیات فی ضمن المظنونات لغلبة مصادفتها واقعا.

فاذا فرض أنّ صنفا مخصوصا من الظنّ غالب المخالفة مع الواقع واقعا فی نظر العقل ، فلا محالة لا یری موافقته للأحکام الواقعیّة غالبا حتی یستقل بالتنزل إلی مثل هذه الإطاعة الظنّیة ، بل یستقل بالاطاعة الظنّیة بالظنون الأخر التی بمقتضی طبعها غالب المصادفة مع الواقع.

وکما أن هذه الخصوصیّة إذا استقلّ بإدراکها العقل یستقلّ بالتنزل إلی الاطاعة الظنّیة بغیر الصنف المتخصّص بتلک الخصوصیّة کذلک إذا کشف عنها الشارع فما به التفاوت تلک الخصوصیّة المنکشفة بمنع الشارع لا نفس منعه فتمام ملاک الحجّیة فی نظر العقل غلبة الإصابة شخصا ونوعا لا خصوص الأولی

المقوّمة لکل ظن.

لا یقال : إذا کان همّ العقل الإتیان بالواقع فحیث یظن بالواقع فهو مع قطعه بأن صنف هذا الظن غالب المخالفة للواقع یظن بأن هذا الظن شخصا من الأفراد النادرة الموافقة للواقع فکیف یرفع الید عنه.

لأنا نقول : لیس ترک موافقة الواقع فی شخص ظن تحفّظا من الوقوع فی خلاف الواقع لعدم تمیّز الأفراد الغالبة من النادرة أمرا مستنکرا ، بل یری العقل أنه من اللازم عدم موافقة هذا الصنف من الظن ، فإنه وإن کان بحسب الصورة إطاعة للأحکام ظنا ، لکنه بحسب الواقع إضاعة للأحکام نوعا.

هذا کله فیما إذا کان النهی عن الظن القیاسی نهیا طریقیّا لم یلحظ فیه إلا غلبة مخالفته للواقع.

وأما إذا کان نهیا نفسیّا حقیقیّا منبعثا عن مفسدة فی العمل بالظن القیاسی کالأمر بالعمل بالخبر بناء علی الموضوعیّة والسببیّة حیث یکشف عن مصلحة فی العمل به بعنوان عرضی وإن لم یکن مؤدّاه ذا مصلحة فی حد ذاته فالوجه فی خروج الظن القیاسی عند العقل کشف النهی عن مفسدة عرضیّة فی جمیع أفراده.

وحیث إن حکم العقل بالاطاعة الظنّیة لتحصیل الواقعیّات المتضمّنة للاغراض المولویّة ، فاذا فرض إدراک العقل ولو بواسطة الشارع تضمن موارد الظنون القیاسیّة لأغراض ، مولویّة أخر غالبة علی الاغراض المولویّة الذاتیّة ، فلا محالة لا یستقل بموافقة الظنون القیاسیة المتضمّنة لاغراض مغلوبة لاغراض مولویّة أخر ، بل یحکم بترک موافقتها لزوما.

فما به التفاوت هذه الخصوصیّة المستکشفة بمنع الشارع لا نفسه فالاطاعة الظنّیة المتضمّنة نوعا للاحکام الواقعیّة المتضمّنة لاغراض مولویة غیر مغلوبة لاغراض مولویّة أخر هی التی یستقل بها العقل عند التنزل من الاطاعة

العلمیّة ، لا کلّ إطاعة ظنّیة وإن کانت نوعا غیر متضمّنة للأحکام الواقعیّة ، أو کانت متضمّنة لضد تلک الأغراض المولویة.

هذا ما هو التحقیق فی صحة المنع وعدم منافاته لحکم العقل بحجیّة الظن.

وأما ما یقال (1): فی وجه عدم المنافاة من أن وجه إلزام العقل بالعمل بما یظن کونه حکما واقعیّا تنجز الأحکام الواقعیّة بسبب العلم الإجمالی فما یظن کونه حکما منجزا مظنون العقاب ، فالعقل یلزم بدفعه ، ومع منع الشارع یقطع بعدم العقاب ، فلا موضوع لحکم العقل.

فیندفع بأن منع الشارع لا یکشف عن عدم کونه مظنون العقاب لیکون کاشفا عن تفاوت الظن القیاسی مع غیره فی ذاتهما ، بل بنفس المنع یزول الحکم ، فلا یبقی ما یظن بثبوته فعلا لیکون منجّزا معاقبا علی مخالفته ، والکلام فی صحة المنع المزیل للحکم المظنون فلا یقاس الظن بالعقاب بالخصوصیّة المستکشفة من النهی الطریقی أو النهی الحقیقی.

157 - قوله « قده » : فیما کان هناک منصوب ولو کان أصلا ... الخ (2).

لا یقال : کیف ویجوز العمل بالظن ولا تجری الأصول الموردیّة کما هو مبنی حجّیة الظن.

لأنا نقول : عدم جریانها غیر مستند إلی حجّیة الظن ، بل إلی العلم الإجمالی المانع عن جریان الأصول فی أطرافه ، فحجّیة الظن معلقة علی عدم جریانها لا أنها مانعة عن جریانها.


1) 1. القائل هو المحقق الحائری قدس سره ، درر الفوائد / 419.

2) 2. کفایة الأصول / 325.

158 - قوله « قده » : بل هو یستلزمه فیما کان فی مورده ... الخ (1).

أی یستلزم فعلیّة جریان الأصل المنصوب فی مورد الظن المنهی عنه لفرض رفع الاطاعة العلمیة والظنّیّة ، فلا مانع من جریان الأصل.

لا یقال : فعلیّة جریانه مستندة إلی رفع مانعة وهو تنجّز (2)العلم الإجمالی فرفع الاطاعة العلمیّة یصحح جریان الأصل.

لأنا نقول : قد مر (3)فی مقدمات دلیل الانسداد أن نتیجة المقدمات تضییق دائرة الأحکام المنجّزة فی المظنونات لا رفع التّنجّز الحاصل بسب العلم الإجمالی وإلا لم یکن مقتض للتنزل إلی الاطاعة الظنّیة ، فاذا فرض المنع عن الظن فی مورد کان معناه تضییق دائرة المنجزات فی غیر ذلک المورد فهو الموجب لفعلیّة جریان الأصول الموردیّة فیه.

159 - قوله « قده » : الا کالأمر بما لا یفیده ... الخ (4).

فان المانع لیس إلاّ استقلال العقل بلزوم الاطاعة الظنّیة بعد التّنزل عن الاطاعة العلمیّة.

فکما أن ترک الاطاعة الظنّیة مناف لحکم العقل کذلک لزوم الاطاعة الوهمیّة والشکّیة بالعمل علی طبق ما لا یفید الظن مناف لحکم العقل بالتّنزل إلی الاطاعة الظنّیة دون غیرها.

وکما یجاب عن الثانی بأنه لا حکم للعقل مع نصب الشارع کذلک یجاب عن الأول بأنه لا حکم للعقل مع منع الشارع.


1) 1. کفایة الأصول / 325.

2) 2. کذا فی نسخة المصنف ، والصحیح : تنجیز.

3) 3. التعلیقة 134 و 135.

4) 4. کفایة الأصول / 325.

ویمکن أن یقال : بالفرق بین المقامین فان مورد استقلال العقل بالاطاعة الظنّیة دون الوهمیّة والشکّیة صورة دوران الأمر فی باب إطاعة الواجبات والمحرمات المعلومة إجمالا بعد التّنزل عن الاطاعة العلمیّة بالاحتیاط فی جمیع الاطراف بین اطاعة تلک التکالیف فی دائرة مظنونات التکلیف واطاعة تلک التکالیف فی دائرتی الموهومات والمشکوکات من التکالیف ، فیرجح الأولی علی الثانیة لقبح ترجیح المرجوح علی الراجح.

وأما الاطاعة الوهمیّة أو الشکّیة زیادة علی العمل بمظنونات التکلیف بسبب نصب ما لا یفید الظن ، فلا ربط له بمورد الدوران الذی یحکم العقل بترجیح الاطاعة الظنّیة علی غیرها بخلاف ترک اطاعة الظن بالتکلیف فی مورد فانه مناف لاستقلال العقل بلزومها.

نعم إذا فرض دوران الأمر فی مورد بین وجوب القصر ووجوب الإتمام مثلا وکان وجوب القصر مظنونا وکان علی وجوب الإتمام أمارة لا تفید الظن فلا محالة یکون وجوب الإتمام موهوما.

فالأمر بالاطاعة الوهمیّة دون الظنّیة کالمنع عن الاطاعة الظنّیة مناف لاستقلال العقل بلزوم الاطاعة الظنّیة دون غیرها فی مورد الدوران.

لکن هذا الإشکال إنّما یتوجّه فی مثل هذا المورد بناء علی أن معنی حکومة العقل بحجّیة الظن جعله منجّزا فی هذه الحال کالعلم مطلقا ، فان منجّزیّة الأمارة التی لا تفید الظن فی قبال المفیدة للظن عین ترجیح المرجوح.

بخلاف ما إذا قلنا بأن تنجز التکالیف الواقعیّة بالعلم الإجمالی ، وأن معنی حکومة العقل حکمه بلزوم التّنزل إلی الاطاعة الظنّیة فی قبال الشکیّة والوهمیّة فباب المنجّزیّة شرعا غیر باب اطاعة التکالیف المعلومة ظنّا ، إذ مع الحجّة الشرعیّة علی طرف یخرج الطرف عن دائرة المعلوم بالإجمال فمنجّزیّة الأمارة فی غیر دائرة لزوم التّنزّل من الاطاعة العلمیّة إلی الاطاعة الظنّیة ، فافهم

وتدبّر.

160 - قوله « قده » : واستلزام إمکان المنع (1)لاحتمال المنع ... الخ (2).

قد مر مرارا أن الظنون إن لم تکن متفاوتة فی نظر العقل یکون الکلّ حجة وإن کان زائدا علی ما یفی بمعظم الفقه ، فان تعیین ما یفی بالمعظم من بین الکل بلا معیّن ، فمن باب الترجیح بلا مرجح یحکم العقل بحجّیة الکل ، فلا بد حینئذ من الالتزام بمانعیّة احتمال المنع عقلا حتی یتعیّن ما لا یحتمل فیه المنع للاقتصار علیه مع وفائه بالمعظم.

ومن الواضح أنه بناء علی مبناه « قدس سره » - من توجیه خروج الظن القیاسی بانتفاء مقدمة من مقدمات الدلیل بالنسبة إلیه وهو انسداد باب العلم والعلمی ، فمع المنع عنه شرعا قد انفتح باب العلم والعلمی فیه ، فیخرج عن مورد الاستلزام العقلی - لا یصح إلحاق احتمال المنع بالقطع به ، بداهة عدم انفتاح باب العلم والعلمی إلا بوصول المنع لا باحتماله فالمانع عن تمامیّة المقدمات هو المنع الواصل دون غیر الواصل ، فلا یندرج تحت عنوان عدم الحکم بالمقتضی عند وجود مقتضیه إلا مع إحراز عدم المانع ، فمع احتماله لا یحکم بوجود المقتضی حیث عرفت أن المانع هو المنع الواصل وهو جزما غیر حاصل.

وهکذا بناء علی ما ذکره « قدس سره » فی تعلیقته الانیقة (3)من أن همّ العقل تحصیل الأمن من تبعة الواقعیّات المنجّزة ، ومع منع الشارع لا یحصل الأمن من تبعة الواقع عند الاقتصار علی موافقة الظن القیاسی.


1) 1. فی نسخة المصنف : مکان المنع عنه.

2) 2. کفایة الأصول / 326.

3) 3. التعلیقة علی فرائد الأصول 97.

فلا یمکن إلحاق الظن بالمنع واحتماله بالقطع به أیضا ، لأن الاطاعة الظنیة فی حد ذاتها موجبة للظن بالفراغ عن تبعة الواقع.

فاذا قطع بالمنع شرعا کشف عن عدم کفایة الشارع بها فی امتثال واقعیّاته المنجّزة ، فلا یستقل العقل بالاقتصار علیها.

بخلاف ما إذا لم یکن کاشف عن عدم کفایة الشارع ، فان الإطاعة الظنّیة فی محتمل المنع وغیره علی حد سواء فی نظر العقل ، لأن الملاک فی نظر العقل تحصیل الظنّ بالفراغ عن الواقع ، وکل ظنّ بالواقع یستلزم الظن بالفراغ عنه.

واحتمال المنع لا یوجب إلاّ احتمال عدم الفراغ فی حکم الشارع ، لاحتمال المنع عنه شرعا ، لا أنه یستلزم عدم الظن بالفراغ عن الواقع الذی یتساوی نسبته إلی الشارع وغیره کما بیّناه (1)مفصلا فی مسألة الظن بالطریق.

والتحقیق ما قدمناه (2)من أن المنع إذا کان طریقیّا یکشف عن غلبة مخالفة الطریق الممنوع عنه شرعا للواقع.

وإذا کان حقیقیّا یکشف عن اشتماله علی غرض مناف للغرض الأولی الذّاتی : فبواسطة وصول المنع الطریقی أو الحقیقی ینکشف ما یتفاوت به الظن الممنوع عن غیره ، وما لم یصل سواء ظن بمنعه أو احتمل منعه لا ینکشف ما یتفاوت به ظنّ عن ظنّ فی نظر العقل لیجب الاقتصار علی ما لم یتطرّق إلیه احتمال المنع مع وفائه بمعظم الفقه ، للزوم الترجیح بلا مرجّح فی نظر العقل الحاکم بحجّیة الظن.

وسیجیء إن شاء الله تعالی تتمة الکلام فی المسألة الآتیة فانتظر.


1) 1. التعلیقة 142.

2) 2. التعلیقة 156.

161 - قوله « قده » : لم خصّصوا الإشکال ... الخ (1).

قد تقدم (2)ما یمکن أن یکون فارقا بین المقامین إلا أحیانا فراجع مع جوابه.

162 - قوله « قده » : ولا یکاد یجدی صحّته کذلک ... الخ (3).

صحة الشیء فی نفسه وإن لم تکن مقتضیة لصحّته من جهة عارضه ، لکنک قد عرفت أن ملاک صحّته فی نفسه واف بدفع الإشکال فی صحّته بلحاظ حکم العقل ، وقد مرّ تفصیله فراجع (4).

فی الظن المانع والممنوع

163 - قوله « قده » : إذا قام ظن علی عدم حجیة ظن بالخصوص ... الخ (5).

الإشکال : تارة بلحاظ أن الحکم بحجّیة کلا الظنین محال والحکم بحجّیة إحداهما بلا مرجح قبیح فإمّا أن یبیّن المرجّح لأحد الظنّین أو یحکم بتساقطهما لاستحالة حجّیة المتنافیین.

وأخری بلحاظ أنّ حجّیة الظن مع احتمال المنع عنه فضلا عن الظن لا یجتمعان بداهة منافاة القطع بالحجّیة مع احتمال عدمها.

فی الظن المانع والممنوع


1) 1. کفایة الأصول / 326.

2) 2. التعلیقة 159.

3) 3. کفایة الأصول / 327.

4) 4. فی التعلیقة 156.

5) 5. کفایة الأصول / 327.

ومن الواضح أن الاستقلال فی العنوان وتحریر البحث عنه بعد البحث عن المسألة السابقة یقتضی أن یکون محطّ النظر هی الجهة الأولی کما عن شیخنا العلامة الأنصاری « قدس سره ».

وعلیه یبتنی علی حجّیة الظن بالطریق وإلا فلا تمانع من تلک الحیثیّة حیث لا یترقّب دخول الظن المانع.

وأما بناء علی تحریر شیخنا العلامة الأستاد « قدس سره » بما یوافق الجهة الثانیة ، فهو وإن کانت خلاف الظاهر ممن تعرّض له بعد التّعرض للبحث السابق لکنه لا یبتنی علی حجّیة الظن بالطریق بل لا یبتنی علی حجّیة الظن بالواقع أیضا لإمکان قیام الظن المانع علی عدم حجّیة الظن الممنوع القائم علی حجّیة شیء.

وعلی أیّ حال فنحن نحرّر البحث بکلتا الجهتین ، فنقول : أما الإشکال من الجهة الأولی ، فیمکن أن یقال : فی تقریب حجّیة الظن المانع دون الظن الممنوع أن حجّیة الظن کلیة مقیّدة بعدم المنع الواصل بحیث لا ملاک ولا مقتضی تام الاقتضاء مع وجود المنع الشرعی الواصل فالظن المانع بفرض شمول دلیل الحجّیة له یوجب انتفاء الملاک والمقتضی التام فی طرف الظن الممنوع ، بخلاف الظن الممنوع فانه بفرض شمول دلیل الحجّیة له لا یوجب انتفاء الملاک فی الظن المانع ، بل غایة الأمر أن حجّیته مناف لحجّیة المانع ولا یجتمع معه ، لا أنه یوجب انتفاء الملاک فیه لأن وصوله لیس وصول المانع بل وصول المنافی بعین الملاک الذی هو موجود فی الظن المانع.

وإذا دار الأمر بین مقتضیین : أحدهما یکون تأثیره رافعا لوجود الآخر ومسقطا له عن تمامیة الاقتضاء والآخر یکون تأثیره منافیا لتأثیر الآخر لا لتمامیّة اقتضائه فی نفسه ، فالتأثیر للأول ، إذ لا یقبل المزاحمة من الثانی إلاّ بعد تمامیّة اقتضائه فی نفسه ، ولا یکون تامّ الاقتضاء إلاّ بفرض عدم تأثیر الأول ، ولا

مانع من تأثیر الأول إلاّ ما هو تامّ الاقتضاء فیتوقّف مزاحمة الثانی لتأثیر الأول علی عدم تأثیر الأول ، فکیف یکون مانعا عن تأثیره.

ولعل هذا مراد من جعل المسألة نظیر دوران الأمر فی العمومات بین التّخصیص والتّخصص ، لا أن غرضه أنه عینه لیقال : باختصاصه بالعمومات اللفظیّة لا بالأحکام العقلیة.

وبتقریب أوضح وأخفّ مئونة ممّا ذکر أنّ لکل من الظنّ المانع والظنّ الممنوع دلالة التزامیّة عقلیّة علی عدم حجّیة الآخر عقلا ، إذ حجّیة کل منهما یستلزم عقلا عدم حجّیة الآخر بهذا الدلیل العقلی ، لفرض تنافیهما فی الحجّیة بدلیل الانسداد وهذه الدّلالة الالتزامیّة العقلیّة مشترکة بین الظنّین من دون تفاضل من هذه الجهة بینهما.

ولکل من الظّنین مدلول مطابقی فالمدلول المطابقی للظن المانع هو المنع شرعا عن الظن الممنوع والمدلول المطابقی للظن الممنوع هو وجوب الصلاة مثلا ولازم هذا المدلول المطابقی عدم حرمة الصلاة لا المنع عن العمل بالظن المانع شرعا.

وعلیه فإذا فرض أنّ حجّیة الظن عقلا مقیّدة بعدم قیام الحجّة علی المنع شرعا عنه ، ففرض شمول دلیل الانسداد للظن المانع فرض قیام الحجة عقلا علی المنع عن الظن الممنوع شرعا ، فلا ملاک تامّ الملاکیّة لاستقلال العقل بحجّیته.

وفرض شمول دلیل الانسداد للظن الممنوع علی ما مرّ لیس فرض قیام الحجّة عقلا علی المنع عنه شرعا ، فالملاک فی الظن المانع علی تمامیّته وکماله.

فحکم العقل بحجّیة الظن الممنوع یوجب انفکاک المعلول عن علّته التّامّة وهو محال ، وحکم العقل بحجّیة الظن المانع لا یبقی معه تمامیّة ملاک الظن الممنوع ، فلا یلزم انفکاک المعلول عن علّته التّامّة ، فلا محالة یحکم العقل بحجیّة

ما لا یلزم منه محال.

ویستحیل أن یحکم بحجّیة ما یلزم منه محال من دون (1)توقف علی ضمیمة الدور أو أمر آخر.

هذا بناء علی تقیّد الحجّیة بعدم المنع شرعا.

وکذا بناء علی ما ذکرنا من أن ملاک الحجّیة غلبة الإصابة شخصا وعدم غلبة المخالفة نوعا ، فان الظن المانع یکون کاشفا ظنا عن غلبة مخالفة الظن الممنوع للواقع نوعا ، فبضمیمة دلیل الحجّیة یکون حجّة علی غلبة مخالفة الظن الممنوع شرعا.

بخلاف الظن الممنوع فانه بضمیمة دلیل الحجّیة لا یکشف عن ذلک ، بل ینافی حجّیة المانع مع فرض تمامیّة الملاک فیه ، فیجری فیه ما ذکرنا من المعارضة بین تام الاقتضاء فی فرض تأثیر الممنوع وغیر تام الاقتضاء فی فرض تاثیر الظن المانع.

إلا أن الاستناد إلی الکشف من هذه الجهة مختصّ بالظن القیاسی الذی دلت الأخبار والآثار علی غلبة خطئه ، دون غیره خصوصا إذا کان الظن المانع والممنوع من نوع واحد من الأمارات.

بل الأولی الاستناد إلی الکشف عن غلبة المفسدة فی العمل به علی المصلحة فی صورة اصابته للواقع من دون حاجة ملاحظة أقوی الظنین بعد فرض غلبة المفسدة کما لا یخفی وبما ذکرنا تقدر علی دفع جمیع ما یورد علی تقدیم الظن المانع.

وأما الإشکال من الجهة الثانیة ، فهو عین الإشکال المتقدم فی المسألة المتقدمة ، إذ المناط عدم استقلال العقل بوجود المقتضی ، مع عدم إحراز عدم


1) 1. علی ما ذکره المحقق الآشتیانی قدس سره ، بحر الفوائد 1 / 268 و 269.

مانعة سواء ظن بوجوده أو احتمل وجوده.

وقد عرفت (1)أن احتمال المانع غیر مانع وأن المنع الواصل یوجب عدم تمامیّة المقدمات بانفتاح باب العلم والعلمی أو یوجب عدم تمامیّة الملاک لفرض انکشاف غلبة الخطاء فی الظن الممنوع أو اشتماله علی ما ینافی الغرض المولوی کما قرّبناه ، وکل ذلک منتف فی فرض عدم وصول المنع.

وقد عرفت (2)أن الوفاء بمعظم الفقه لیس بنفسه موجبا للاقتصار علی الوافی لیقال : إنه لا موجب لحجّیة الظن الممنوع حتی یتکلّم فی أن الظن بالمنع یمنع عن حجّیته أم لا ، وذلک لأنه مع عدم تفاوت الظنون فی نظر العقل لا یتعیّن طائفة منها للحجّیة دون غیرها ولو کانت وافیة ، لأنه ترجیح بلا مرجّح وتعیین بلا معیّن ، فیکون الکل حجّة بل قد عرفت (3)سابقا أن الظّن القوی مع کون الملاک فیه أقوی لا یقتصر علیه إلا فی مقام الدوران لأن اللازم بحکم العقل التنزل إلی الاطاعة الظنّیة من الاطاعة العلمیّة ، فکما تجب الاطاعة العلمیّة مطلقا لا بمقدار الوفاء بمعظم الفقه ، کذلک تجب الاطاعة الظنّیة مطلقا لا بمقدار الوفاء بالمعظم ، وقد أوضحنا کل ذلک مرارا.

نعم من یجعل الحکومة بمعنی حکم العقل بمنجزیة الظن فی حال الانسداد کمنجّزیة القطع علی أی حال له أن یقتصر علی ما یفی بالمعظم إذ شبهة الخروج عن الدین باعمال الأصول الموردیّة تندفع بکون الظن منجّزا بهذا المقدار.

ولعلّ شیخنا « قدس سره » یمیل إلی هذا المبنی کما صرح بهذا المعنی فی


1) 1. فی التعلیقة 160.

2) 2. فی التعلیقة 160.

3) 3. فی التعلیقة 149.

غیر مورد ، إلا أن المبنی ضعیف کما بیناه مرارا.

وأما ما عن شیخنا الأستاد « قدس سره » فی تعلیقته المبارکة (1)فی هذا المقام والمقام السابق من عدم استقلال العقل بالأمن من العقوبة مع ظن المنع أو احتماله وهمّ العقل تحصیل الأمن من العقوبة فلذا یقتصر علی ما لا یحتمل المنع عنه شرعا إذا کان وافیا بمعظم الفقه.

فیوضح الجواب عنه أن مقتضی العلم الإجمالی بالأحکام عدم الأمن من عقوبتها إلاّ بموافقتها القطعیّة فی ضمن المظنونات والمشکوکات والموهومات.

ومقتضی بطلان الاحتیاط کلّیة عدم لزوم الموافقة القطعیّة فیما ذکر من الطوائف الثلاث.

ومقتضی بطلان ترجیح المرجوح علی الراجح عدم موافقة المشکوکات والموهومات وطرح المظنونات ، فیتضیّق دائرة الأحکام المنجّزة فی خصوص المظنونات.

وعلیه فیقطع بالأمن من عقوبة الواقعیّات المنجّزة بموافقة المظنونات.

فان کان المراد من عدم الأمن من العقوبة بموافقة الظن الذی یظن بالمنع عنه أو یحتمل المنع عنه موافقة ما یوازیها من المشکوکات والموهومات ، فالواقع فیهما غیر منجّز علی الفرض حتی یحتاج إلی تحصیل المؤمّن.

وإن کان المراد لزوم الاقتصار علی المظنونات التی لا یظنّ ولا یحتمل المنع عنها إذا کانت وافیة بمعظم الفقه.

ففیه : أولا ما عرفت مرارا من أن مجرّد الوفاء بمعظم الفقه لا یحقّق الدوران الموجب للاقتصار علی ما له تعیّن فی نظر العقل ، بل تجب الاطاعة الظنّیة


1) 1. التعلیقة علی فرائد الأصول / 99 - 100.

بدلا عن الاطاعة العلمیّة وإن کانت أزید مما یفی بمعظم الفقه.

وثانیا إن الظن بالمنع أو احتماله لا یوجب انتفاء الملاک الموجب لاستقلال العقل بلزوم الاطاعة الظنّیة ، فان الاطاعة الظنّیة توجب الظنّ بالفراغ عن الواقع المنجّز مطلقا ، وإنما یختلف ما یظن المنع عنه وما لا یظن المنع عنه بالفراغ فی نظر الشارع ، واعتبار الظن بالفراغ فی نظر الشارع راجع إلی حجّیة الظن المظنون الاعتبار ، ویلزمه عدم حجّیة ما لا یظن اعتباره وإن لم یحتمل المنع عنه.

وقد عرفت سابقا (1)عدم تعیّن الظن بالاعتبار فی نظر العقل أیضا.

فالتحقیق ما ذکرنا فی تحریر البحث بکلا وجهیه فتفطن.

خاتمه : فی الظن فی أصول الدین

164 - قوله « قده » : هل الظّن کما یتّبع عند الانسداد عقلا ... الخ (2).

توضیحه أن الواجب فی باب الأمور الاعتقادیّة إمّا تحصیل العلم والمعرفة أو عقد القلب علی المعلوم بما هو معلوم بنحو الواجب المطلق أو المشروط أو عقد القلب علی الواقع.

فان کان الواجب تحصیل العلم أو عقد القلب علی المعلوم بما هو ، فلا مجال لإجراء مقدمات الانسداد بل باب الامتثال منسد رأسا ، فان الواجب إمّا هو نفس تحصیل العلم الذی لا سبیل إلیه أو متقوّم بالعلم الذی لا سبیل إلیه لا أن باب الامتثال العلمی التفصیلی منسد فیتنزّل إلی الامتثال العلمی الإجمالی

فی الظن فی أصول الدین


1) 1. فی التعلیقة 147.

2) 2. کفایة الأصول / 329.

أو الظّنی التّفصیلی.

ومنه یعلم أنه لا مجال لحجّیة الظن بالخصوص فیه أیضا إذ لا أثر للواقع حتی یترتب علی المؤدّی تنزیلا له منزلة الواقع.

وأما إن کان الواجب عقد القلب علی الواقع ، فالعلم منجّز للتکلیف وطریق الامتثال عقلا.

فعند انسداد باب العلم وتمامیّة سائر المقدمات تصل النوبة إلی حجّیة الظن ولزوم عقد القلب عقلا علی الواقع المظنون من باب التنزل عن الاطاعة العلمیّة إلی الاطاعة الظنّیة.

وعدم وصول النوبة إلی الظن لا محالة لاختلال فی إحدی المقدمات. ومن المعلوم انسداد باب العلم وعدم جواز إهمال الامتثال رأسا ، وعدم التمکن من الاحتیاط التام ، لأن الاحتیاط التام بعقد القلب علی کلا الطرفین فی نفسه غیر معقول ، لعدم إمکان الالتزام الجدی بالشیء بنقیضه أو بضده أو بما یقطع بعدمه واقعا ، والواجب فی الواقع أحد الأمرین معیّنا فلا معنی للالتزام بنحو التخییر الشرعی لفرض تعیینیّة الواجب شرعا ، ولا للالتزام بنحو التخییر العقلی کما فی المتزاحمین ، لأن المفروض وجوب أحدهما معیّنا لا کلیهما لیتوهم أنه مع عدم القدرة علی امتثالهما معا یتخیّر عقلا بین امتثال هذا أو ذاک.

وأما عقد القلب علی الواقع إجمالا ، فلا معنی له إلاّ عقد القلب علی الجهة الجامعة والغاء الخصوصیّة.

واستحالة تعلّق عقد القلب بالواقع بخصوصه ، لما مر مرارا أن العلم والشوق وکذا عقد القلب لا توجد مطلقا غیر متعلّق بشیء فی النفس ولا یعقل تعلقها بما هو غیر حاضر فی أفق النفس.

کما لا یعقل تعلّقها بأحد الأمرین بخصوصه مرددا ، إذ المردد لا ثبوت له ذاتا ووجودا ماهیّة وهویّة ، فلم یبق إلا تعلّقها بالجهة الجامعة القابلة للانطباق علی

الحصة المتقررة فی کل واحد من الأمرین فالمعقود علیه بالذات نفس الجهة الجامعة عنوانا ، والمعقود علیه بالعرض ما یطابقها بما هی لا بما لها من الخصوصیة ، لاستحالة الاختلاف بین المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض والمعقود علیه بالذات والمعقود علیه بالعرض بالزیادة والنقصان أو بسائر جهات الاختلاف.

فیدور الأمر حینئذ بین عقد القلب علی الجهة الجامعة وهو الاحتیاط الناقص ، وعقد القلب علی المظنون بخصوصه ، فان الجهة الجامعة وإن کانت منطبقة علی المظنون أیضا.

إلا أن الالتزام بالمظنون بخصوصه لا یقتضی الالتزام بالجهة الجامعة حتی یرتفع الدوران ، بل یقتضی الالتزام بالحصة المتخصّصة بالخصوصیّة المظنونة فقط.

بخلاف الالتزام بالجهة الجامعة ابتداء فانها قابلة للانطباق علی الحصّة الأخری فی ضمن غیر المظنون.

ففی الالتزام بالجهة الجامعة موافقة قطعیّة بمقدار.

بخلاف الالتزام بالمظنون فانه یحتمل معه ترک الالتزام بأصل الواقع.

فیدور الأمر بین رعایة الخصوصیّة ظنّا ورعایة الجامع قطعا والثانی یتعیّن عقلا.

فهذا هو الوجه فی عدم التنزّل إلی الامتثال الظنی دون ما یتراءی من العبارة من عدم انسداد باب العلم بامتثال الواقع بما هو إجمالا لما عرفت من المحاذیر المتقدّمة بل لرجحان الالتزام بالجهة الجامعة المعلومة علی الالتزام بالخصوصیّة المظنونة.

ومما ذکرنا تعرف أن الواجب لو کان تحصیل العلم أو العقد علی المعلوم لأمکن القول بالاکتفاء بتحصیل العلم بهذا المقدار أو عقد القلب علی المعلوم بهذا المقدار من دون خصوصیّة فی هذه المرحلة لوجوب عقد القلب علی الواقع

فانه القدر المیسور علی جمیع التّقادیر ، فاذا وجب رعایته مع إمکانه وجبت علی أی تقدیر.

165 - قوله « قده » : من الاعتقاد به وعقد القلب علیه وتحمّله والانقیاد له ... الخ (1).

ظاهره « قدس سره » کصریح تعلیقته (2)المبارکة علی الرسائل أنه لا بد من عقد القلب زیادة علی العلم والمعرفة فی مورد وجودهما وأنه مناط الإیمان دون مجرّد العلم والیقین وإلا لزم ایمان الکفّار الموقنین باطنا المعاندین ظاهرا أو القول بأن ملاک الإیمان والکفر مجرّد الاقرار والإنکار لسانا من دون اعتبار الإقرار والإنکار جنانا.

وتوضیح المرام أن الکلام : تارة فی بیان حقیقة عقد القلب والإقرار النفسانی وما یقابلهما فی قبال العلم وما یقابله.

واخری فی أن ملاک الإیمان الحقیقی الموجب للنعیم الدائم والکفر الحقیقی الموجب للعذاب الدائم ما ذا.

أما المقام الأول ، فقد بیّنا فی مبحث (3)الطلب والإرادة من مباحث الجزء الأول من حاشیة الکتاب وفی مبحث (4)الموافقة الالتزامیّة من أوائل حاشیة الجزء الثانی ، أن عقد القلب والالتزام النفسانی والإقرار والإنکار الباطنی وما یشبهها من أفعال القلب ، ولها قیام بها قیاما صدوریّا بنحو قیام الفعل بالفاعل لا بنحو قیام العرض بموضوعه بنحو القیام الحلولی والوجود الناعتی ، فلیست هی داخلة


1) 1. کفایة الأصول / 329.

2) 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 101.

3) 3. نهایة الداریة / 1 التعلیقة 149.

4) 4. نهایة الدرایة / 3 التعلیقة 31.

فی المقولات العرضیّة لیقال : إن المقولة المناسبة لها مقولة الکیف النفسانی أو مقولة الفعل.

مع أن نسبة النفس إلیها بالتأثیر والإیجاد لا بالتّکیّف بها ، فکیف تکون کیفا لها وأنه لیس هنا أمران لهما حالتان تدریجیّتان بالتأثیر والتأثّر کالنار والماء من حیث حالتی التسخین والتسخن التدریجیتین ، فلا معنی لأن یکون من مقولة الفعل المقابلة لمقولة الانفعال ، بل هی إیجادات نفسانیّة وهی موجودات نوریّة من موجودات عالم النفس والوجود خارج عن المقولات فان مقسمها الماهیة فراجع ما قدّمناه فی المبحثین المزبورین.

وعلیه فعقد القلب وإن کان ربط الشیء بالقلب بربط وجود نوریّ زیادة علی الربط العلمی الذی بلحاظه یطلق الاعتقاد علی العلم الانفعالی ، بل هذا علم فعلیّ من منشآت النفس ووجوده الواقعی عین وجوده العلمی دون المعلوم بالعلم الانفعالی فان وجوده الواقعی غیر وجوده العلمی.

إلا أن الإشکال فیه من حیث إن هذا المعنی من الإقرار النفسانی والعقد القلبی لازم دائمی للعلم التصدیقی المقابل للتّصور ، فکل علم تصدیقی ملزوم لهذا الفعل القلبی ، فما معنی اعتباره زیادة علی العلم التصدیقی ، وقد بیّنا ملازمته فی مبحث الطلب والإرادة.

وتقریبه إجمالا أن العلم المطلق لیس إلاّ حضور ذات المعلوم عند القوة الادراکیّة سواء کان إدراکا تصوریّا أو تصدیقیّا.

والتفاوت بینهما لیس بتعلّق الأول بالمفردات وتعلّق الثانی بالنسبة ، لأن فرض ثبوت القیام لزید خارجا فی أفق النفس معقول ، ولیس الفرض إلا إحضار النفس فالنّسبة بالحمل الشائع حاضرة عند النفس ، مع أن هذا الحضور لیس إلا مجرد التصور ولا تصدیق فیه أصلا ، کما أن کون النسبة الحاضرة ذات مطابق فی الخارج أو لا لا یوجب تفاوتا فی ناحیة الصورة العلمیّة الادراکیة حتی یکون هناک

سنخان من العلم بما هو علم لیکون أحدهما تصوّرا والآخر تصدیقا.

بل التحقیق کما علیه أهله أن الحضور الساذج المحض تصور والحضور المتخصّص باقرار النفس تصدیق ، فان صورة هذا ذاک فقط تصور محض ، ونفس هذا ذاک عند النفس إقرار من النفس وتصدیق منها یوجب کون تلک الصورة الادراکیّة الملزومة له علما تصدیقیّا.

وعلیه فما من علم تصدیقیّ إلاّ ومعه إقرار النفس بأن هذا ذاک ، فالالتزام بعقد القلب والالتزام النفسانی - زیادة علی العلم والیقین فی باب الإیمان لئلا یلزم محذور الالتزام بإیمان الکفار الموقنین الجاحدین بما استیقنت به أنفسهم کما نطق به القرآن الکریم - لا یجدی شیئا ، والالتزام بأن عقد القلب بناء وفرضا علی خلاف الیقین الملزوم لإقرار النفس حقیقة ملاک الإیمان والکفر بعید جدّا ، فان عدم تأثیر ذلک الإقرار الحقیقی اللازم للیقین وتأثیر هذا الإقرار بالخلاف المبنیّ علی الفرض والبناء من باب ترجیح المرجوح علی الراجح لکون الأول کالذاتی والثانی کالعرضی. وسیجیء إن شاء الله تعالی حلّ هذه العقدة.

وأما المقام الثانی ، فتحقیق الحال فیه یقتضی بسطا وافیا فی المقال ربما یخرج عن وضع التعلیقة ، والذی لا بدّ منه علی الإجمال هو أن جوهر النفس ما لم یتجوهر بصورة نورانیّة أو هیئة ظلمانیّة باقیة فی دار البقاء لیسعد بها أو یشقی لا یکون مستحقّا للنّعیم الدائم أو للعذاب کذلک.

فالایمان الموجب للخلود فی النعیم والکفر الموجب للخلود فی الجحیم هیئة راسخة فی النفس إمّا نورانیّة أو ظلمانیّة ، وقد ورد التعبیر عنهما بالنور والظلمة فی الآیات والروایات والکلمات کما ورد التصریح بأن الإیمان أمر قلبی فی الآیات والروایات ، فکذا ما یقابله وهو الکفر ، وإلا فلا تقابل بین فعل القلب وفعل اللسان.

والمحقّق عند أهل التحقیق أن هذا الأمر القلبی هو المعبّر عنه بالعلم

والمعرفة والاعتقاد والتصدیق لما مر من أن الارتباط بالربط العلمی یصحّح صدق عقد القلب علیه ، ولذا شاع التعبیر عن العلم بالاعتقاد وکذا قد عرفت أن مقوم العلم الحقیقی هو التّصدیق الجدیّ القلبی.

وما ورد من أن : أوّل الدین معرفة الله وکمال معرفته التصدیق به ، لا یراد منه الکمال فی قبال النقص بل الکمال الأول الذی ینتفی ذو الکمال بانتفائه وهو مقوّم الشیء وما به الشیء یکون شیئا.

وما ورد فی بعض الأخبار فی تفسیر الإیمان الذی هو فرض القلب من عطف الرّضا والتّسلیم علی الیقین والتصدیق ، فهو بملاحظة أن الإیمان ینقسم إلی علم وحال وعمل والأوّلان من فرائض القلب والأخیر من فرائض الجوارح ، فالعلم والمعرفة والیقین من معارف القلب ، والرضا والتسلیم وشبههما المنبعث عن رسوخ العلم والمعرفة من أحوال القلب وملکاته ، لا أن الإیمان بلحاظ المقام الأول متقوّم بالرّضا والتّسلیم وأشباه ذلک.

وبالجملة حقیقة الإیمان - الذی هو هیئة نورانیّة یتجوهر بها جوهر النفس - هو العلم والمعرفة والیقین.

ولهذه الصفة مراتب إحداها العلم التصدیقی الحاصل للمقلّد لمکان علمه بصدق مقلّده ، فهو ما لم یشکّک علیه قاطع غیر محتمل للخلاف ، إلاّ أنّه غیر منشرح الصّدر بنور المعرفة حقیقة لعدم حصول العلم له من طریق البرهان ولا من طریق الشّهود والعیان والمقلّد بما هو مقلّد غیر عارف ولیس علی حد التقلید فی الفروع لیکون له قیاس برهانیّ یدل علی ثبوت الحکم الفعلی فی حقه لیقال : بأنّه عالم بهذا الحکم الفعلی حقیقة ، إذ لیس فی باب المبدا والمعاد ثبوت تعبّدی ، بل للمعارف ثبوت واقعی تعرف تارة وتجهل أخری ، وحال المقلّد فیها حال من یعتمد علی طبیب حاذق ، فانه من باب القطع بحذاقته وإن کان یعتقد أن ما وصفه له هو دواء دائه ، لکنه غیر عارف بمرضه ولا عارف بحقیقة الدواء وإنّما

یعرف ذلک الطبیب من الطّرق العلمیّة النظریّة.

إلاّ أن المقلّد حیث إنه تابع لمقلّده فله سعادة بتبعه ویکون محشورا معه وتحت رایته وفیه نکتة شفاعة العلماء للمتعلمین.

ثانیتهما (1)المعرفة الحاصلة بالبرهان فصاحبها منشرح القلب بنور المعرفة حقیقة ، وله السعادة بالأصالة والاستقلال ، وربما یقال : إنها مستحیلة الزوال لانبعاثها عن البرهان الذی لا یعقل له زوال.

ثالثها (2)المعرفة الشهودیّة المعبر عنها بعین الیقین المنبعثة عن مکاشفات روحیّة بامداد إلهی وتعریف ربّانی ، وفوق هذه المرتبة مرتبة حق الیقین وهی مرتبة الاستغراق فی شهود نور العظمة والکبریاء ومقام الفناء فی الله والبقاء به.

إذا عرفت معنی الإیمان فالکفر یقابله تارة بتقابل العدم والملکة وهو الجهل بالله تعالی وبما یجب معرفته وأخری بتقابل التّضادّ وهو اعتقاد خلاف الحق والواقع المعبّر عنه بالجهل المرکّب ، ففی کلیهما الاحتجاب عن نور الإیمان بالله وبرسوله إمّا بنفس عدم النور أو بما یضاد ذلک النور والکفر فی أصل معناه الستر والاحتجاب.

وأما الشبهة المتقدّمة الباعثة علی الالتزام بأمر قلبی آخر فی قبال المعرفة الذی قد عرفت أن حقیقته لا یتجاوز الفرض والبناء القلبی باحضار صورة أمر حق أو باطل فتحقیق دفعها أن النفس فی بدء فطرتها جوهر قابل لأن یتجلّی فیه صور حقایق الأشیاء فهو فی ذاته عقل هیولانی وبالتعقل یصیر عقلا بالفعل.

لکنها إما بالذات أو بالعرض متفاوتة فی غلبة سلطان العقل فیه علی سلطان الوهم وبالعکس : فاذا غلب سلطان العقل فیه کان باکتسابه المعقولات


1) 1. هکذا وردت فی المخطوط بخط المصنف قدس سره لکن الصحیح : ثانیتها ، لأنها المقابل لإحداها.

2) 2. والصحیح : ثالثتها.

الدائمة الفاضلة من العلم بالله وبصفاته وأفعاله وبرسله وبکتبه وبالیوم الآخر جوهرا عقلانیّا نورانیّا خارجا عن أفق الإنسان الطبیعی البشری إلی أفق الملأ الأعلی والملائکة المقرّبین.

وإذا غلب علیه سلطان الوهم الذی فعله الشّیطنة والتّمویه والتّلبیس والأغالیط والأکاذیب ودفع الحق بالتّشکیکات الوهمیّة ، فلا محالة یکون بتراکم هذه الوهمیات ورسوخ الشبهات شیطانا من جملة الشیاطین.

ومن البیّن عند کلّ ذی وجدان أنّ غلبة الوهم ربما یزیل أثر الیقین کما فی تخلیة صاحب الوهم الغالب بالمیّت ، فانه مع علمه بأنه لا یعود حیّا عادة ولو فرض لا یکون أقوی منه ولو فرض من جملة أحبّائه وأخلاّئه ، ومع هذا کلّه یخاف منه ولا ینام عنده وحده ، ولیس ذلک إلاّ لغلبة سلطان الوهم. فکذا من حصل له العلم بأمر حق من مبدإ أو معاد فإنه إذا غلبت علیه قوّته الوهمیّة لرسوخ الملکات الرّذیلة وأعانها حبّ الجاه والرّئاسة فانه تحدث فی نفسه شبهات وتمویهات تروّجها قوّة الشیطنة إلی أن یزیل أثر الیقین بل إلی أن یضعّف الیقین بل یزیله فان نور الیقین کنور الباصرة فانه بسبب تراکم الدّخان یزول أثره ، بل یضعف إلی أن یزول ، فکذا بسبب تراکم الشّبهات والتمویهات تزول تلک الهیئة النورانیّة وتقوم مقامها هیئة ظلمانیّة شدیدة راسخة ، فان العلم الحاصل من غیر البرهان قابل للزوال بالتّشکیکات سواء کانت من الغیر أو من القوة الوهمیّة المعوّدة علی دفع الحق بالأباطیل ، فان عدم احتمال الخلاف فی مثل هذا العلم بعدم الالتفات إلی موجبه ومقتضیه لا بالالتفات إلیه وعدم الاحتمال لقوّة مقتضی العلم ، فهو علم فی حد ذاته وبأدنی التفات إلی مقتضیات التشکیک الحاصلة من الغیر أو من القوّة الوهمیّة یتشکّک فلا منافاة بین کونه عالما طبعا ومحتملا للخلاف أو معتقدا له بأدنی تصرّف من القوّة الوهمیّة أو من الغیر.

وهذا البیان فی دفع الشبهة أولی من حمل الیقین علی الیقین بالاقتضاء

لتمامیّة الحجّة علیهم وإن لم ینظروا فیها لیحصل لهم الیقین الوجدانی فعلا ، فانه خلاف الظاهر بل خلاف الواقع أیضا.

ویمکن أن یقال : فی دفع الشبهة أیضا بأن المراد من الجحود هو الجحود لسانا لکنه باعتبار انبعاثه عن رذیلة باطنیّة وهی معاندته للحقّ ومعاداته للرّسول ( صلّی الله علیه وآله ) تحفّظا علی الجاه واستکبارا علی الله وعلی الرسول.

ومن الواضح أن المعاند للحق باطنا والمعادی للرسول قلبا محتجب عن الحق وعن نور الإیمان ، فان الإیمان بالبعض والکفر ببعض کالکفر المطلق.

فکفر الجاحد غیر مستند إلی عدم تصدیقه جنانا لما مرّ من ملازمته للعلم والیقین.

ولا لعدم عقد القلب فرضا وبناء لعدم الاهتمام بشأنه بعد عقد القلب حقیقة وربطه واقعا بما اعتقد به ، بل لمعاندته قلبا مع الحق ومعاداته باطنا مع الرسول ، وهما موجبان للکفر والاحتجاب عن الحق وعن الرسول.

هذا قلیل من کثیر مما ینبغی بیانه والله المستعان.

166 - قوله « قده » : من باب وجوب المعرفة لنفسها کمعرفة الواجب تعالی ... الخ (1).

یمکن أن یشکل وجوب المعرفة لنفسها من باب وجوب الشکر بأنّ الشکر إذا کان صرف النّعمة فی ما خلقت لأجله فوجوبها مقدّمی لا نفسیّ نظیر وجوب معرفة الآمر مقدّمة لامتثال أمره.

والتحقیق کما علیه أهله أنّ الشّکر وسایر مقامات الدّین لها مراتب ثلاثة علم وحال وعمل ، فمعرفة المنعم من الأوّل والتّخضع له قلبا من الثانی وصرف النعمة فیما خلقت لأجله باداء ما هو وظیفة السمع والبصر واللسان من الثالث ،


1) 1. کفایة الأصول / 329.

فمعرفة المنعم من أفضل مراتب شکر النعمة.

ولکنه لا یخفی علیک أن هذه المعرفة لیس مصداقا لهذه المرتبة من الشکر بل ما هو مصداقه معرفة المنعم بما هو منعم لا بذاته ، لأن الحیثیّة التّعلیلیّة وهی المنعمیّة لوجوب الشکر حیثیّة تقییدیّة له کما فی جمیع الأحکام العقلیّة ، فلا تجب معرفة الذات لإنعامه نفسا بل مرجعه إلی وجوب معرفة الذات مقدّمة لمعرفته بالمنعمیّة مع أن المقصود إثبات وجوب المعرفة لنفسها.

ثم إنّ اصل وجوب الشکر عقلا بحیث یستحق العقاب علی ترکه لا یثبت إلا بإدخاله تحت قاعدة التّحسین والتّقبیح العقلیّین.

ومن البیّن عند التأمّل أنّ شکر المنعم علما وحالا وعملا وإن کان تعظیما للمنعم وإحسانا إلیه ، إلاّ أنّه لا یثبت به إلا مجرّد الحسن واستحقاق المدح علی فعله بمراتبه ، ولیس ترک کلّ تعظیم وإحسان قبیحا إلا إذا کان ظلما من حیث کونه کفرانا ، ولیس ترک کلّ إحسان ولا ترک الإحسان إلی المحسن ظلما علیه.

نعم الاساءة خصوصا إلی المحسن ظلم فیشتدّ قبحه بالإضافة إلی المحسن إلیه ، فالجهل بالمنعم أو عدم التّخضّع له قلبا أو عدم القیام خارجا بوظائف المجازاة بالإحسان لیس إلا ترک ما هو حسن بذاته ، إذ لیس من هذه الحیثیّة عقلا فرق بین منعم ومنعم والأمر فی غیره تعالی کذلک ففیه تعالی أیضا من هذه الحیثیّة علی ما مرّ.

مضافا إلی أن الاستناد فی تحصیل المعرفة إلی وجوب شکر المنعم عقلا إنما یجدی بعد الفراغ عن انتهاء النعمة إلی مبدإ موجود لیتحقّق موضوع شکر المنعم لیجب عقلا فهو إنّما یفید فی معرفته من حیث کیفیة وجوده وصفاته لا فی التصدیق بوجوده.

وربما یستند فی وجوب شکر المنعم الذی هو الأصل فی وجوب المعرفة إلی قاعدة عقلیّة أخری وهی قاعدة دفع الضرر المحتمل لاحتمال الضرر فی ترک

الشکر إمّا لکمال عقل المنعم علیه أو لبلوغ دعوة نبیّ زمانه المقیّد به وجوب الشکر عقلا فی کلماتهم.

فاذا احتمل وجوب شکر مخصوص معیّن من قبل المنعم بالإضافة إلی کلّ نعمة بما یناسبها حتّی نعمة القلب بتحلیتها بالمعرفة نظرا إلی أن الشکر صرف النعمة فیما خلقت لأجله فلا محالة یحتمل العقاب علی ترک تلک الوظیفة المعیّنة من قبل المنعم فیجب دفعه عقلا.

وأما مجرّد زوال النعمة فلیس ممّا یتعقّبه عقاب ولا مما یستقلّ العقل بدفعه.

إلا أن نتیجة هذا الاستدلال لیس وجوب الشکر بما هو شکر عقلا ، بل بما هو ترک واجب شرعی کسائر الواجبات المولویّة ، فلا یحتاج الالزام بتحصیل المعرفة إلی الالتزام وجوب الشکر لاحتمال وجوبه مولویّا ، فان نفس هذا الاحتمال کما سیجیء إن شاء الله تعالی متحقّق فی نفس وجوب تحصیل المعرفة بعنوانها.

مضافا إلی ما مرّ وسیجیء أیضا أن دفع الضرر المحتمل بل المقطوع به لا الزام به عقلا ولا یندرج تحت قاعدة التحسین والتّقبیح العقلیّین ، لما مرّ مرارا من عدم کون الإقدام علی محتمل العقاب أو مقطوع العقاب موردا لذم آخر أو لعقاب آخر ، بل العقاب مقطوعا کان أو محتملا مما یفرّ عنه طبعا کل ذی شعور وسیجیء إن شاء الله تعالی بقیّة الکلام.

167 - قوله « قده » : فانّهم وسائط نعمه وآلائه ... الخ (1).

إن أرید لزوم معرفة وسائط النعم فی تحقّق شکر المنعم الحقیقی فهو مما لا برهان علیه لعدم التوقف عقلا.


1) 1. کفایة الأصول / 330.

وإن أرید لزوم معرفتهم لوجوب شکرهم لمکان وساطتهم للفیض فهو مناف بظاهره للتوحید فی الفعل ورؤیة وسائط النعمة بمنزلة الآلات وأنّه لا منعم بالحقیقة سواه تعالی فیکون رؤیة النعمة منهم وشکرهم علی حد شکر المنعم الحقیقی شرکا بالمنعم بما هو منعم.

قلت المراد هو الشق الثانی والشبهة ساریة فی شکر کل إنسان أنعم علی غیره ، فمن احتجب بالحق عن الخلق لا یری النعمة إلا من الحق ، فلا یشکر غیر الحق ومن احتجب بالخلق عن الحق فلا یری النعمة إلا من الخلق فلا یشکر إلاّ الخلق ومن لم یحتجب عن أحدهما بالآخر فیری الحق والخلق معا فیشکرهما معا.

غایة الأمر أن الحقّ هو منتهی سلسلة النعم ونسبتها إلیه بالوجوب وإلی غیره بالإمکان ، فهو المشکور أولا وغیره مشکور ثانیا ، فالنعمة أثر الوجود الذی هو عین إیجاده تعالی.

فکما أنّ وجوده وجوده حقیقة ومع ذلک إیجاده تعالی حقیقة کذلک إنعامه إنعامه حقیقة ومع ذلک فهو إنعامه تعالی حقیقة لانطواء فعله فی فعله تعالی بل بهذا النظر شکر الخلق شکر الحق أیضا. هذا هو القول الکلی فی شکر کلّ منعم غیره تعالی.

وأما وساطة الأنبیاء والأوصیاء علیهم أفضل التحیّة والثناء للنعم والآلاء سواء کانت بمعنی فاعل ما به الوجود بأن یکونوا مجاری فیض الوجود أولا وبالذات أو بمعنی العلّة الغائیّة بأن یکونوا الغایة المقصودة من الوجود والإیجاد فلیست کعلّیة الواجب فطریّة حتی تکون باعثة علی شکرهم المقتضی لتحصیل معرفتهم وإن کان بالنظر الدقیق البرهانی کذلک.

فیمکن أن یقال : بلزوم تحصیل معرفتهم من وجه آخر ، وهو أن شکر المنعم علی الوجه المعیّن من قبله لا یعلم إلا من قبلهم ، لکونهم علی الفرض وسائط

التشریع لبعد النفوس البشریّة بما هی عن تلقّی الوحی الإلهی المقتضی لوجود طائفة من الذوات النوریّة والنفوس القدسیّة لذلک ، فلا بدّ من معرفتهم لتحصیل وظائف الشکر بأنحائه علی النّعم بأقسامه منهم.

ولعله إلیه یرجع الشق الأول ، فان التصدیق بوجوده أو بجملة من صفاته وإن کان لا یتوقف علی معرفتهم ، إلا أن معرفته تعالی بصفاته العلیا حق المعرفة المقدورة للقوّة البشریّة ومعرفة فعله ووظائف النعم لا یتحقّق إلا بهم ، ولذا قالوا علیهم السلام : بنا عرف الله وبنا عبد الله ولولانا ما عرف الله ولا عبد الله.

إلا أنه غیر مراد من عبارته « قدس سره » ، فان صریحها أن وساطتهم للنعم هی المقتضیة لمعرفتهم ، لا وساطتهم لأداء الشکر لمکان انحصار المبلغ للوظائف التی هی مصادیق الشکر فیهم سلام الله علیهم.

168 - قوله « قده » : ولاحتمال الضرر فی ترکه ... الخ (1).

إما عطف علی قوله رحمه الله لذلک فیکون تعلیلا لخصوص معرفة النبی والوصی علیهما السلام کما هو أقرب الوجهین أو عطف علی قوله رحمه الله أداء لشکر بعض نعمائه إلی آخره فیکون تعلیلا لتحصیل المعرفة مطلقا کما هو أبعد الوجهین وإن کان صریح تعلیقته الأنیقة علی الرسائل (2)هو الثانی.

والمراد بالضرر : إن کان زوال النعمة وشبهه کما علل به وجوب الشکر فی کلماتهم فهو فی حد ذاته لا یستلزم العقاب ، بل غایة الضرر المترقّب منه زوال النعمة وشبهه.

وإن کان المراد من الضرر المحتمل فی ترک تحصیل المعرفة هو العقاب فالعقل یستقل بدفعه.


1) 1. کفایة الأصول / 330.

2) 2. التعلیقة علی فرائد الأصول / 103.

لکنّک عرفت فی هذا المبحث وفی المباحث المتقدمة أن لا بعث من العقل نحو ترکه ودفعه ، ولا یندرج مثله تحت قاعدة التّحسین والتّقبیح العقلیّین.

نعم کل ذی شعور بالجبلّة والطبع لا یقدم علی العقاب مقطوعا کان أو محتملا ومثله یکفی فی دعوته نحو تحصیل المعرفة.

إلاّ أنّه حیث لا یتم ذلک إلاّ بعدم جریان قاعدة قبح العقاب بلا بیان فربما یفترق تحصیل معرفة الله تعالی عن تحصیل معرفة النبی صلّی الله علیه وآله أو الوصی علیه السلام ، فان عدم جریان القاعدة بلحاظ أنّها لا تجری إلاّ بعد الفحص الموجب لحصول المعرفة لوجود أسبابها خارجا المقتضیة لحصولها ، وإنما لا تجری قبل الفحص عقلا لما مرّ وسیجیء إن شاء الله تعالی فی محلّه (1)من أن الاقتحام فی الفعل والترک - مع عدم البحث والفحص عن أمر المولی ونهیه اللذین لم یعلما عادة إلاّ بالفحص والبحث عنهما مع علمه بأنه غیر مهمل - خروج عن زیّ الرقیّة ورسم العبودیّة ، وهو ظلم علی المولی ، فیستحق به العقاب.

وهذا فی معرفة النبی صلّی الله علیه وآله أو الوصی لا غبار علیه.

وأمّا فی معرفته تعالی فمشکل إذ بعد لم یثبت مولویّة لأحد علیه حتی یقال : إنه بعدم الفحص عن معرفته ظالم علیه.

إلا أن یقال : إن احتمال وجود المولی وإعمال المولویّة منه یصحّح احتمال العقاب نظرا إلی أن الحجّة الواقعیّة علی ثبوت المولویّة وإعمالها إذا کانت بحیث لو تفحّص عنها لظفر بها یکفی فی تنجیز الواقع واستحقاق العقاب کما هو أحد الطریقین فی لزوم الفحص.

نعم فیه محذور آخر ، وهو أن المفروض أنه لا دلیل عقلی علی وجوب تحصیل المعرفة إلا قاعدة دفع الضرر المحتمل ، وهذه القاعدة متفرعة علی وجود


1) 1. نهایة الداریة / 4 التعلیقة 125.

تکلیف واقعا یتنجّز بمجرّد احتماله قبل الفحص.

ولا ایجاب فی هذا الفرض إلاّ من الشارع مع أنه لا یعقل الإیجاب المولوی الباعث نحو الفعل إذ قبل الوصول المتفرّع علی معرفة المولی بالمولویّة لا باعثیّة له ولا محرکیّة ، وبعد ثبوت المولی والمولویّة أیضا لا باعثیّة له ولا محرّکیة ، لأنه تحصیل الحاصل ، فلیس احتماله احتمال تکلیف صالح للدّعوة بوصوله حتی یتنجّز باحتماله.

والتحقیق أن منشئیّة الإیمان والمعرفة بالله تعالی للسّعادة الأبدیّة والنّعیم الدائم لیست من حیث کونه امتثالا للأمر بتحصیل المعرفة کما فی الواجبات العملیّة.

ومنشئیّة الکفر للشّقاوة السرمدیّة والعذاب المخلد لیست من جهة مخالفته للنهی عن الکفر کما فی المحرّمات العملیّة ، بل الایمان والکفر فی قبال الاطاعة والمعصیة من حیث اقتضاء النعیم والجحیم.

وعلیه فالضرر مترتب علی ترک الإیمان بما هو ، فاحتمال ترتّب الضرر علی ترک تحصیل المعرفة هو الحامل للعبد علی تحصیلها لدفع مثل هذا الضرر لا یوازیه ضرر أبدا من دون توسط إیجاب مولویّ شرعیّ. وهکذا الأمر فی معرفة النّبی ، وکذا فی ترک النّظر فی المعجزة.

فلزوم تحصیل المعرفة عقلا مرجعه إلی الضرورة العقلیّة واللابدیّة من تحصیل المعرفة للوصول إلی السّعادة الأبدیّة والبعد عن الشّقاوة الدائمیّة.

ولا یخفی أن احتمال العقاب المحرک بالجبلّة والطبع إلی تحصیل ما یحتمل الضرر فی ترکه وإن کان کافیا فی الدّعوة فی غالب النّفوس الغیر البالغة درجة تحصیل الحقائق بالبرهان.

إلا أنه لنا طریق برهانی إلی وجوب تحصیل معرفته تعالی ، وهو أن کل عاقل بالفطرة السلیمة یعلم بأنّه ممکن حادث معلول لمن لم یکن مثله فی الإمکان

والحدوث.

والشرائع الإلهیّة ما جاءت للتّصدیق بوجود المبدا والعلة ، بل لنفی الشّرک فی المعبود ، ولذا کان أول کلمة أمر بها النّبی صلّی الله علیه وآله شهادة أن لا إله إلا الله وهی أنه لا معبود إلا الله مع اعتراف المشرکین بأنّه تعالی خالق السموات والأرضین کما نطق به الکتاب المبین حیث قال عزّ اسمه : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَیَقُولُنَّ اللهُ ) (1)إلی غیر ذلک من الآیات.

ومن البیّن بعد التصدیق بوجود المبدأ أن النفس فی حد ذاتها قوّة محضة علی إدراک المعقولات التی هی کمالها ، واشرف الکمالات النّفسانیّة معرفة المبدأ بذاته وصفاته وأفعاله بالمقدار الممکن ، فان شرف کل علم وعقل بشرف معلومه ومعقوله وأفضل موجود وأکمله المبدأ.

فمعرفة المبدأ أشرف کمال وفضیلة للنفس ، وبها نورانیّتها وبها حیاتها کما أنه بعدم المعرفة أو بما یضادّها ظلمانیّتها وموتها ، والقرب الحاصل للجوهر النّفسانی من المبدأ صیرورته وجودا إضافیّا نوریّا للمبدا خصوصا إذا کان بنحو الشّهود الرّوحی وبالأخص إذا فنی فی مقام الاستغراق فی الله الموجب لبقائه بالله تعالی.

فهذه المرتبة عین السّعادة والابتهاج بشهود المبدأ ، کما أن عدمه عین البعد عن معدن النّور والتّخلد فی عالم الطّبیعة والحرمان عن ینبوع الحیاة وبقیّة الکلام فی محله.

169 - قوله « قده » : کمعرفة الإمام علی وجه آخر ... الخ (2).

فالإمامة علی هذا هی الرئاسة العامة فی أمور الدّنیا والدّین بحیث یجب


1) 1. لقمان : 25 والزمر : 38.

2) 2. کفایة الأصول / 330.

علی الأمّة تعیین شخص لها فتکون من الأمور المتعلّقة بأفعال المکلّفین ، وبهذا یدخل أمر الإمامة فی الفروع العملیّة.

وأمّا علی الوجه المتقدم فهو منصب إلهی یتعیّن من قبله تعالی.

والتحقیق أن الحاجة إلی الإمام علیه السلام : إمّا إلی مجرد تبلیغ الأحکام العملیّة والوظائف الشرعیّة.

وإمّا إلی ذلک بإضافة تعریف المعارف الإلهیة.

وإمّا إلی ذلک بإضافة الوساطة فی الفیض بأن یکون وجوده لازما فی نظام التّکوین والتّشریع معا. فان کان الأول : فتارة یراد مجرّد تبلیغ الأحکام الشرعیّة ولو کانت تعبدیّة ظاهریّة.

وأخری یراد تبلیغ الأحکام الواقعیّة النفس الأمریّة.

فالأولی یکفیها مجرد وجود ثقة یخبر عن الأحکام التعبدیّة من دون ملکة عصمة أو غیرها ، حتی أنه لو عرّفه بالصدق حقیقة لم یکن دالا علی إمامته بخلاف ما إذا بلّغ عن الله فان معرفته بالصدق معرفته بالنّبوّة ، إذ لا یبلّغ عن الله تعالی إلاّ من کان له نفس قدسیّة یتلقّی الوحی بلا توسّط معلّم بشریّ ، بخلاف المبلّغ عن النّبی صلّی الله علیه وآله فانه لا یجب أن یکون إماما لعدم مثل تلک الخصوصیّة لعدم انحصار التبلیغ عنه علیه السلام فی شخص خاصّ.

والثانیة لا یکفیها مجرّد الوثاقة ، بل لا یکون المبلّغ للأحکام الواقعیّة بحیث یکون الواصل بسببه حکما واقعیّا إلا إذا عرف صدقه وعصمته من الخطأ ، ولا یجب أن یکون المبلّغ صادقا ومعصوما عن الخطأ إلا النبی والإمام علیه السلام.

فالالتزام بوجود من لا بدّ من عصمته تبلیغا للأحکام الواقعیّة الحقیقیّة التزام بوجود الإمام علیه السلام دون الالتزام بوجود مجرّد مبلّغ للأحکام وإن کانت تعبّدیّة.

ومن البیّن أن اللازم قیامه مقام النبیّ صلّی الله علیه وآله من کان شأنه شأن النّبی فی تبلیغ الأحکام الواقعیّة لأن إیصال المصالح الواقعیّة الباعثة علی جعل الأحکام علی طبقها کما یستدعی إرسال الرسول لتبلیغها کذلک یقتضی نصب من یبلّغها بعد الرسول صلّی الله علیه وآله.

ومن الواضح أن من کان له ملکة العصمة بحیث لا بد من أن یکون کذلک لیس إلاّ من کان مؤیّدا من عند الله ، ولا یعرف مثله المتعارف من الناس ، بل لا بد من تعریفه بتنصیص من الله تعالی أو من الرسول أو من إمام مثله.

وإن کان الثانی فالأمر أوضح ، إذ العارف بالمعارف الإلهیّة لا یکون إلا ذا نفس قدسیّة متّصلة بالمبادی العالیة ، ولا یعرف مثله إلاّ بالنّص علیه من الله تعالی أو من الرسول أو إمام مثله فیجب نصبه علی الله تعالی علی لسان نبیّه صلّی الله علیه وآله.

ومن الواضح أن الغایة المقصودة من خلق الخلق بل من تشریع الشرائع هی معرفة المعارف الربوبیّة والتخلّق بالأخلاق الإلهیّة ، فلا محالة یجب وجود مثل هذا العارف الإلهی المتخلّق بأخلاق الله تعالی ، بل الأعمال أیضا مقدّمة للأحوال وهی مقدّمة للمعارف ، ولذا ورد عنهم علیهم السلام لولانا ما عرف الله ولولانا ما عبد الله.

وإن کان الثالث فالأمر فیه أوضح من السابقین ، إذ لیس مثله إلا من کانت قوّتاه العلاّمة والعمّالة فی غایة القوة والکمال ولا یکون ذلک إلا بعنایات إلهیّة وتأییدات ربانیّة وعلوم لدنیّة ومثله خلیفة الله فی أرضه علی عباده.

وأما لزوم وجود مثله فی کلّ زمان فلما تقرّر فی محلّه من أن نزول فیض الوجود بحسب قاعدة الإمکان الأشرف إلی عالم الجبروت ومنه إلی عالم الملکوت ومنه إلی عالم الناسوت إلی أن ینتهی إلی قوّة القوی والهیولی الأولی لا بد من أن یکون لأجل الصعود لاستحالة طلب العالی للسافل والحرکة من

الکمال إلی النقص ، وکما أن النّزول من الأعلی إلی الأدنی فالصّعود من الأدنی إلی الأعلی ، فکلّ نوع دان لأجل نوع عال ، فمن الهیولی إلی الصورة الامتدادیّة الجوهریّة الجسمیّة ومنها إلی النبات ومنه إلی الحیوان ومنه إلی الإنسان فکذا أفراد النوع الإنسانی بسبب تفاوت نفوسه فی الاستکمال العقلانی کالأنواع المختلفة فإفاضة الوجود علی هذه المختلفات لأجل وجود النوع الکامل منه.

فالإنسان الکامل فی کل ساعة وآن هی الغایة القصوی من إفاضة الوجود علی جمیع الأکوان ومقتضی قاعدة العلّیة والمعلولیّة عدم بقاء سائر الأکوان بفرض عدم بقاء الغایة المقصودة من وجودها ولذا ورد فی غیر واحد من الأخبار أن الأرض لو بقیت بلا إمام لساخت أی لانخسفت. هذا من حیث الوساطة بنحو العلّة الغائیّة.

وأما بنحو العلّة الفاعلیّة أی فاعل ما به الوجود لا ما منه الوجود ، فلما تقرّر فی محلّه من وساطة العوالم الطّولیّة من الفواعل الجبروتیّة والملکوتیّة لعالم الملک والطّبیعة بمقتضی قاعدة الإمکان الأشرف ، ومن انتهاء کل فاعل عقلیّ ونفسی إلی ما یحاذیه فی سلسلة الصعود.

فکل فاعل فی البدایات له غایة فی النهایات ویتّحد ذو الغایة بالغایة عند انتهاء الدّائرة واتّصال قوس الصعود بقوس النزول.

فالإنسان الکامل المحمّدی صلّی الله علیه وآله فی هذه الدائرة العظیمة وغیره من النّفوس القدسیّة فی سائر الدوائر بلحاظ اتحاده بالفواعل العالیة واسطة فی الإفاضة بروحانیّتها ونورانیّتها ، فالالتزام بعدم ما ینتهی إلیه الدائرة التزام بعدم ما تبتدئ به ، والالتزام بعدمه التزام بعدم فاعل ما به الوجود فیوجب الالتزام بعدم سائر العوالم التی هی فی طول هذا العالم. وبقیّة الکلام فی محلّه.

ومنه یظهر أن العمدة فی وجوب وجود الحجّة عجّل الله فرجه انتظام نظام التکوین بوجوده المقدّس وإن لم ینتفع بعلومه ومعارفه وأخلاقه.

ولعلّه المراد ممّا ورد عنه عجّل الله فرجه من أن الانتفاع به فی غیبته کالانتفاع بالشّمس مع استتارها بالسحاب عن الحسّ ، فکما أن السحاب لا یمنع إلا عن رؤیة جرمها مع ثبوت تأثیرها فی السّفلیّات ، کذلک شمس فلک الوجود وإن غاب عن الحسّ لکنّه له التأثیر فی نظام التکوین ، وإلاّ فعدم انتفاع العموم بعلومه بشخصه مما لا ینبغی إنکاره.

ثم إنه لو لم نقل بهذه المرتبة وقلنا بأن نصب الإمام لمجرد تبلیغ الأحکام فغیبة الإمام علیه السلام لا تنافی وجوب نصبه علی الله تعالی أیضا.

بیانه أن جعل التّکالیف وإرسال الرّسل ونصب الحجج علیهم السلام لإخراج الموادّ المستعدّة للسعادة الدائمیّة والشقاوة الأبدیّة إلی مرحلة الفعلیّة وحقیقة السعادة بالإقبال علی الله تعالی بالقیام بوظائف العبودیّة وحقیقة الشقاوة بالإعراض عن الله تعالی بعدم القیام بوظائف العبودیّة وهما معنیان متقومان بالاختیار وانبعاث الفعل والترک عن مقام القلب.

فاللازم فی هذا الباب جعل ما یمکن أن یکون داعیا وباعثا أو زاجرا وناهیا بالإمکان الذّاتی والوقوعی وإن لم یحصل الانبعاث أو الانزجار فی الخارج بسوء الاختیار ، وکذا بعث الرسول ونصب الإمام أیضا حیث إنه مقدمة لمثل هذا التکلیف فهو أیضا بهذه المثابة ، فاللازم بعث من یمکن تعلّم التّکالیف منه وکذا نصب من یکون کذلک.

فسدّ باب التعلّم ووصول الحکم عادة بسوء الاختیار کما لا یبطل حقیقة التکلیف إذا کان بمثابة بحیث لو تفحّص عنه لوصل کذلک لا یبطل نبوّة النبیّ وإمامة الإمام علیه السلام.

ومجرّد علمه تعالی بعدم امتثال المکلّف للتکلیف أو عدم الانقیاد للنبیّ صلّی الله علیه وآله أو للإمام علیه السلام لا یوجب لغویّة الجعل أو البعث أو النصب ، وذلک لأن آثار السّعادة والشقاوة ولوازمها تابعة لفعلیّة السعادة والشقاوة

وفعلیّتهما تابعة لفعلیّة التکلیف وفعلیّة بعث الرسول صلّی الله علیه وآله ونصب الإمام علیه السلام ، فالعلم بأن المادّة قابلة للسّعادة أو الشّقاوة لا توجب الاستغناء عن التّکلیف المبلّغ له إلی السعادة الفعلیّة أو الشقاوة الفعلیّة.

نعم سدّ باب الانتفاع بالنّبی صلّی الله علیه وآله أو بالإمام علیه السلام لا یوجب الإثم إلاّ علی من استند إلیه ولا إثم علی من لم یستند إلیه.

والکلام لیس فی ترتّب الإثم علی العموم بطغیان الخصوص ، بل فی عدم لغویّة نصبه وبعثه مع القطع بحبسه مثلا.

وسدّ باب الانتفاع به کما فی التّکلیف إمّا بسدّ باب وصوله أو بعدم امتثاله وبقیّة الکلام فی علم الکلام.

170 - قوله « قده » : ولا یجب عقلا معرفة غیر ما ذکر ... الخ (1).

صریح عبارته هنا عدم لزوم تحصیل المعرفة إلاّ بالإضافة إلی معرفة الله وأنبیائه والأئمّة علیهم السلام وأن ما عدا هذه الثلاثة لا یجب إلا شرعا إذا دلّ علیه الدلیل.

وظاهر عبارته فی تعلیقته علی الرسائل (2)أن ما یجب معرفته علی أقسام :

أحدها ما یجب معرفته عقلا بما هو هو.

ثانیها ما یجب معرفته کذلک لکونه مما جاء به النبیّ صلّی الله علیه وآله وأخبر به وإلا لم یعرف له خصوصیّة موجبة للزوم معرفته من بین سائر الأشیاء.

ثالثها ما یجب معرفته شرعا. انتهی کلامه رحمه الله.

وجعل من الأول معرفة الله ومعرفة أنبیائه وأوصیائهم سلام الله علیهم.

وجعل من الثانی المعاد لکونه من ضروریّات الدّین وممّا أخبر به سیّد

الواجب معرفته


1) 1. کفایة الأصول / 330.

2) 2. التعلیقة علی الرسائل / 3 - 102.

المرسلین صلّی الله علیه وآله.

أقول : إذا کان اللازم فی الأمور الاعتقادیّة مجرد التّدیّن والالتزام به قلبا وأنّ تحصیل العلم والمعرفة أمر به فی بعض الأمور الاعتقادیّة کما هو صریح کلامه وصحیح مرامه زید فی علوّ مقامه ، فالقسم الثانی مما لا محصّل له لأنه لا دلیل عقلا ولا نقلا علی وجوب تحصیل العلم بما أخبر به النّبی صلّی الله علیه وآله ، ولو فرض فاللازم تحصیل العلم بکل ما أتی به النّبی صلّی الله علیه وآله وأخبر به سواء کان من الأمور الاعتقادیّة أو الأحکام العملیّة ، فتخصیص بعض ما أخبر به بذلک بلا مخصّص.

نعم الالتزام بما أخبر به وعدم إنکاره حیث إنّه یرجع إلی عدم الإقرار بأنه رسول فیما أرسل به لازم ، ولیس الکلام فیه علی الفرض ، بل الکلام فی تحصیل العلم بما أخبر به وهو علی الفرض غیر الالتزام به علی الإجمال إذا لم یعلم به تفصیلا وعلی التّفصیل فیما إذا اتّفق العلم به تفصیلا.

وتحقیق المقام أن وجوب العلم بالمعاد والیوم الآخر یتصور علی وجوه ثلاثة :

أحدها العلم به علی حدّ معرفة الله تعالی بحیث یکون وجوبه نفسیّا بما هو هو.

ثانیها العلم به بعنوان عارض کعنوان أنّه من ضروریّات الدّین ومما أتی به الکتاب المبین وأرسل به سیّد المرسلین صلّی الله علیه وآله.

وثالثها العلم به من حیث إنه مقدّمة للاتیان بالواجبات والتّجنّب عن المحرّمات.

أما الأوّل فمعرفة الیوم الآخر بخصوصیاته لیس کمعرفة الله تعالی بحیث یکون کمالا نفسانیّا تکون صورة نورانیّة للنفس ، ویکون وجودا نوریّا إضافیّا للمبدا بصفاته وحیاة للنفس وموجبا للابتهاج بشهوده تعالی أبدا فی

النشأة الآخرة ، ولا کمعرفة النبی والأئمّة علیهم السلام حیث إنهم مشاکی نوره تعالی ومجالی ظهوره تعالی ، ولذا ورد عن أمیر المؤمنین علیه السلام : معرفتی بالنورانیّة معرفة الله ، وعن خاتم النّبیّین صلّی الله علیه وآله : من رآنی فقد رأی الحق.

ومن الواضح أن العلم وإن کان نورا وکمالا للجوهر العاقل لکن شرف العلم بشرف معلومه ، فلیس کل معلوم موجبا للسّعادة الأبدیّة بحیث یکون شهوده موجبا للابتهاج به لکونه أفضل موجود وأشرفه وأبهاه.

ومما یشهد لذلک أن الدّنیا مزرعة الآخرة وأن المعرفة هنا بذر المشاهدة هناک.

وهذا إنّما یکون فی ما إذا لم یعرف هنا لم یکن مشاهدا هناک کذاته وصفاته ومجالیها التامّة وأسمائه الحسنی وأمثاله العلیا.

وأما الآخرة بما لها من الخصوصیّات فسواء عرفها هنا أو جهلها تکون مشهودة لأهل النشأة الآخرة عیانا ، قال الله تعالی : ( ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَیْنَ الْیَقِینِ ) (1)فافهم جیّدا.

وأما الثانی فلا دلیل علیه عقلا ولا نقلا ، بل الدّلیل علی الالتزام به إجمالا إذا لم یعرف تفصیلا ، والالتزام به تفصیلا إذا علم به کذلک ، وأما تحصیل معرفته تفصیلا فلا ، والکلام فیه لا فی الأوّل.

وأما أن عدم الالتزام فیما ذکر سبب مستقل للکفر أو راجع إلی عدم الالتزام بالرسالة ففیه کلام بین الأعلام.

وربما یستظهر الأول نظرا إلی حکم المشهور بکفر النّواصب مع أن مودّة ذی القربی لیس عند النّواصب ضروریّة بل یتقرّبون ببغض أمیر المؤمنین علیه


1) 1. التکاثر : 7.

السلام فکیف یرجع إلی تکذیب الرّسول صلّی الله علیه وآله فی رسالته.

لکنّک عرفت فیما تقدّم (1)أن إیجاب بعض الأمور للخلود فی الجحیم لیس من باب إنکاره تعالی أو إنکار رسوله صلّی الله علیه وآله ، بل معاداة الحق عند تمامیّة الحجّة وإن لم ینظر فیها موجبة للاحتجاب عن الحقّ ، فالمعادی والمعاند للحق بنفس معاداته للحق محجوب عن الحق ومحروم عن ینبوع الحیاة الأبدیّة وتمام الکلام فی محله.

وأما الثالث فنقول : المعرفة والعلم بالنشأة الآخرة وأحوالها وأهوالها وأسرار الطاعات وکیفیّة تأثیرها وکذا المعاصی والملکات الفاضلة والرذیلة وکیفیة تأثیر التوبة وتطهیرها للنّفس وسرّ الشفاعة وأنّها تختصّ بأهلها کل ذلک لها دخل عظیم فی فعل الطاعة والمواظبة علیها والتّجنّب عن المعاصی والرغبة التامّة فی تخلیة النفس عن الرذائل وتحلیتها بالفضائل واکتساب المعارف الإلهیّة.

بل مرّ منّا مرارا أن دعوة التکالیف متقوّمة باستحقاق العقاب علی الفعل أو التّرک فی غالب النّفوس.

إلا أن الالتزام الجدّی بالواقع ولو لم یعلم به تفصیلا یکفی فی دعوة النفس إلی فعل کلّ واجب عملی أو غیره ، وکذا إلی ترک کلّ حرام ، کیف واحتمال الاستحقاق یکفی فی ذلک؟ سواء کان منشأ الاحتمال الجهل بالتکلیف أو بما یترتّب علیه مع الترتب علیه جزما لو کان ثابتا واقعا فلا یجب عقلا تحصیل المعرفة.

هذا کلّه إن کان المراد بالإیمان المطلوب فی باب العقائد مجرد الالتزام القلبی وعقد القلب ولو علی الواقع.

وأما إن کان المراد به العلم التصدیقی بشیء مع الثّبات علیه بعدم المیل


1) 1. التعلیقة 165.

إلی الشکوک والشبهات المزیلة لأثر العلم بل لنفسه أحیانا ، فالدلیل علی وجوب الإیمان بالیوم الآخر والعقاب علی عدمه من الآیات القرآنیّة فی غایة الکثرة ، بل ظاهر جملة منها عده فی عداد الإیمان بالله وبرسله وبکتبه.

ولا منافاة بین اعتباره فی الإیمان الموجب للخلود فی النعیم وعدم اعتباره فی الإسلام الموجب لحقن الدم وأشباه ذلک من الطهارة والتّناکح والمواریث فلا یضر به الجهل به ما لم ینکره بلسانه.

نعم العلم بالخصوصیّات غیر لازم وإن کان التدیّن بها بعد العلم بها لازما.

ومن المعلوم أن الآیات المتکفّلة للإیمان بالیوم الآخر تدلّ علی وجوب الإیمان به من حیث نفسه لا من حیث إن ثبوت الیوم الآخر مما أخبر به القرآن أو النبیّ أو کونه ضروریا ، فهذه العناوین إنّما یحتاج إلیها فیما لم یکن نصّ علی وجوب الإیمان به بنفسه لا کالإیمان بالیوم الآخر المنصوص بنفسه. وأما أن وجوبه نفسی أو أنه لما فیه من البعث علی الطاعة والتجنّب عن المعصیة ، فقد مرّ الکلام فیه.

لکنه یمکن أن یقال : إن الإیمان بالیوم الآخر راجع إلی الإیمان برجوع الکل إلی الله وکونه تعالی غایة الغایات ککونه مبدأ المبادئ من الکمالات النفسانیة الّتی بها حیاة النفس أبدا ، فوجوب معرفته عقلیّ علی حدّ وجوب معرفته بکونه الفاعل الذی ینتهی إلیه فعل کل فاعل ، وکذا کونه غایة ینتهی إلیها کلّ غایة.

وأما وجوبه عقلا بالمقدار الذی قالوا بوجوب معرفة الله تعالی ومعرفة رسله وأوصیائهم علیهم السلام من باب احتمال الضرر فی ترکه ، فهو ثابت هنا أیضا بعد ما ذکرنا من دلالة الآیات علی وجوب الإیمان به ، بل هو أولی بذلک لعدم جریان الإشکال المتقدّم فی لزوم تحصیل معرفته تعالی فیما نحن فیه.

بیانه أن احتمال الضّرر فی ترک معرفة الله تعالی مثلا من باب احتمال

وجوبها شرعا لا عقلا ، إذ المفروض عندهم أنه لا دلیل علی وجوبه العقلی إلا قاعدة دفع الضّرر المحتمل وهی لا تحقق موضوعها ، فلا بد من فرض وجوبها شرعا ، مع أنه لا معنی لإیجاب معرفة الله تعالی شرعا ، إذ قبل ثبوت المبدأ وثبوت المولویّة وثبوت النّبوّة للنبیّ المبلّغ لهذا الحکم لا باعثیة لهذا الحکم ولا محرکیّة له ، وبعد ثبوت المبدا والنّبوّة یکون إیجاب المعرفة تحصیلا للحاصل بخلاف إیجاب العلم بالیوم الآخر فانه بعد فرض المبدا والنّبوّة لا مانع منه.

171 - قوله « قده » : ضرورة أنّ المراد من ( لیعبدون ) هو خصوص عبادة الله تعالی ... الخ (1).

إذ لیس النون فی لیعبدون المفسر بلیعرفون نون الجمع حتی یقال بإطلاقه وعمومه من حیث حذف المتعلق بل نون الجمع ساقط بنصب الجمع بتقدیر أن والنون الثابت نون الوقایة فمعناه لیعبدونی أی لیعرفونی فیکون صریحا فی معرفته تعالی.

ثم إن فی کیفیة دلالة الآیة علی وجوب المعرفة عموما أو خصوصا کلاما لا بأس بذکره : هو أن العبادة والمعرفة التی جعلت غایة لخلق الجنّ والإنس لیست العبادة الذاتیّة لکل موجود إمکانی لانقیاد کل معلول لعلّته وتخضّعه لها ، ولا المعرفة الذّاتیّة سواء أریدت المعرفة الفطریّة أو التّجلّی الافعالی له تعالی فی مظاهر الأعیان کما هو محتمل قوله : کنت کنزا مخفیّا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لکی أعرف (2)حیث إنّ له تعالی التجلّی الذّاتی بذاته لذاته فی مقام ذاته والتّجلی الأسمائی فی مقام صفاته فأراد التجلی الأفعالی فی مقام فعله.

بل المراد فی خصوص الآیة هی العبادة التّشریعیّة والمعرفة الاکتسابیّة ،


1) 1. کفایة الأصول / 330.

2) 2. فی إحقاق الحق 1 / 431 ان هذا الحدیث من الموضوعات.

ولذا خصها بالإنس والجنّ ، وإلا فتلک العبادة الذاتیّة والتّجلی الأفعالی لا یختصّ بموجود دون موجود فظاهرها ما یختصّ بمورد التّکلیف من ذوی العقول.

وعلیه فالمعرفة التی هی غایة الخلق : إمّا المعرفة الحاصلة من العبادة بأن یراد من الآیة لیعبدون حتی یعرفون کقوله تعالی : ( وَاعْبُدْ رَبَّکَ حَتَّی یَأْتِیَکَ الْیَقِینُ ) (1).

وأمّا المعرفة السابقة علی العبادة بأن یکون المراد من قوله تعالی : ( لِیَعْبُدُونِ ) لیعرفون بتعلق الإرادة الجدیّة بالمعرفة إمّا بالتّجوز أو بنحو الکنایة.

أما علی الأول فحیث إنّ غایة الواجب واجبة ، فالمعرفة واجبة لکون العبادة واجبة.

وأمّا علی الثانی فضروریّة خلق الجنّ والإنس تدلّ علی ضروریة الغایة وهی المعرفة ، فتدل علی وجوبها بهذه الملاحظة.

وفی کلا التّقریبین لإفادة وجوب المعرفة خصوصا أو عموما نظر : أمّا التقریب الأوّل ففیه أنّ الکلام فی معرفة الله بمقدار الذی ینوط به الإیمان وهی المصحّحة للعبادة وهی مفروغ عنها هنا ، والمعرفة المنبعثة عن العبادة سواء کانت واجبة أو لا أجنبیة عن المعرفة التی توجب حصولها الخلود فی النعیم وعدمه الخلود فی الجحیم. ثم إن المعرفة المنبعثة عن العبادة أیضا لها مرتبتان : فمرتبة منها وهی المقصودة من العبادة الواجبة مرتبة لزومیّة توجب فقدها العقاب لا الخلود لکفایة ذلک المقدار من المعرفة السابقة فی النورانیّة والحیاة الأبدیّة.

ومرتبة منها وهی الحاصلة من العبادة المستحبّة مرتبة تورث درجة من القرب ولا یکون فی ترک تحصیلها إلا عدم تلک الدرجة لا درکة من العقاب.

وتشریع الواجبات والمستحبّات العبادیّة لهذه الغایة لا یقتضی - إلاّ وجوب مرتبة من المعرفة بالعبادة تارة واستحباب مرتبة أخری منها بمرتبة من


1) 1. الحجر : 99.

العبادة أخری - لا وجوب المعرفة بقول مطلق فضلا عن وجوب المعرفة السابقة علی العبادة بنصّ هذه الآیة.

ومنه یعلم أن المعرفة إذا کانت مطلقة فالمراد منها المعرفة الحاصلة من العبادة لا المعرفة فی نفسها ولو مع قطع النظر عن العبادة. وهذه أیضا غیر واجبة بقول مطلق.

وأمّا کیفیّة تصور المعرفة المطلقة من عبادته تعالی فلان العبادات کما مر سابقا (1)توجب صقالة مرآة النّفس بتکرّرها ، فیتجلّی المعارف وصور حقائق الأشیاء کلّها فیها بمقدار صفاء المادّة وقبولها لإفاضة الصّور العلمیّة من واهب الصّور.

وأما التقریب الثانی فلان المعرفة وإن کانت بنفسها غایة للخلق لا أنها من حیث کونها غایة للعبادة ، إلاّ أن من البدیهی أن غایة خلق الخلق لیست المعرفة بذلک المقدار اللازم فی باب الخلود وجودا وعدما ، کیف وإلا لزم فی تشریع الشرائع والأحکام الاقتصار علی الالزام بذلک المقدار ، بل المعارف بمراتبها سواء حصلت بمقدّمات برهانیّة أو بغیرها أو بالمواظبة علی الطّاعات کلها غایة مقصودة ومتعلّقة للغرض علی التفصیل المتقدم.

فالآیة بناء علی هذا التقریب مسوقة لبیان أن المهمّ فی نظره تعالی من خلق العباد حصول المعرفة منهم بمراتبها کما قیل : إن الأعمال مقدّمة للأحوال وإن الأحوال مقدمة للمعارف لأن الباقی فی النشأة الآخرة هی النفس بما لها من الهیئات النورانیّة أو الظلمانیّة والحرکات الأینیّة والوضعیّة والألفاظ الغیر القارة لا قرار لها فی هذه الدار فضلا عن تلک الدار.

وعلیه فلا دلالة للآیة علی وجوب خصوص معرفة کما لا دلالة علی وجوب عمومها.


1) 1. فی التعلیقة 145.

ثم اعلم أن لازم کون العبادة بنفسها أو المعرفة کذلک غایة لخلق الجنّ والإنس أن تکون الغایة ضرورة الحصول لا ضروریّة التحصیل والکلام فی الثانیة مع أن الأولی غیر مترتّبة أیضا إلا بالرجوع إلی العبادة الذاتیّة والمعرفة بمعنی التجلی الأفعالی وهو خلف.

ویندفع الإشکال بأن المراد حصول المعرفة والعبادة تسبیبا وتشریعا لا تکوینا کما دلت علیه الروایات الواردة من أهل بیت الوحی والتنزیل سلام الله علیهم ، فعن الصادق (1)علیه السلام أنه سئل عن هذه الآیة فقال علیه السلام خلقهم لیأمرهم بالعبادة قیل قوله تعالی ( وَلا یَزالُونَ مُخْتَلِفِینَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّکَ وَلِذلِکَ خَلَقَهُمْ ) قال : خلقهم لیفعلوا ما یستوجبون به رحمته فیرحمهم وفی تفسیر علی بن إبراهیم القمی (2)رحمه الله قال خلقهم للامر والنهی والتکلیف ولیست خلقة جبر أن یعبدوه ولکن خلقة اختیار لیختبرهم بالأمر والنّهی ومن یطع الله ومن یعصی.

وعلیه فالغایة بهذا المعنی ضروریة الحصول ، ضرورة وقوع التشریع والتسبیب إلی إیجاد العبادة بالاختیار ، ولا منافاة بین تشریع المستحبات وضروریة وقوعه ممن شأنه الإرشاد إلی ما یوجب استکمال نفوس العباد بالکمالات اللازمة أو المندوبة.

ولیعلم أن ما اشتهر من تفسیر العبادة بالمعرفة إمّا بإرادتها منها أو بکونها غایة لها مأخوذ من تفاسیر العامّة ، وإلا فما فی تفاسیر الخاصّة عن أهل بیت الوحی وحملة علم الکتاب هو ما نقلناه هنا وإن کانت المعرفة غایة للعبادة عقلا بل نقلا إلا أنّه لا دخل له بتفسیر الآیة فافهم ولا تغفل.


1) 1. علل الشرائع / 13.

2) 2. تفسیر علی بن إبراهیم 2 / 331. لکن بتغییر فی عبارة الروایة فراجع.

172 - قوله « مد ظلّه » : ومثل آیة النفر إنّما هو بصدد بیان الطریق ... الخ (1).

لا یخفی علیک أنّ آیة النّفر فی نفسها لها الدّلالة علی أصل وجوب التّفقّه فی الدین ، غایة الأمر أن الدّین حیث إنه یحتمل أن یراد منه خصوص الأحکام العملیّة ، فلذا استشهد شیخنا العلاّمة الأنصاری رحمه الله (2)بما ورد فی تفسیرها من شمول التّفقّه فی الدّین للتفقه فی الأمور الاعتقادیّة کمعرفة الإمام علیه السلام.

وما ورد فی هذا الباب مختلف : فبعضه کما أفاده شیخنا الأستاد « قدس سره » فی مقام بیان الطریق إلی المعرفة کما فی صحیحة (3)یعقوب بن شعیب قال قلت لأبی عبد الله علیه السلام : إذا حدث علی الإمام کیف یصنع الناس قال علیه السلام : أین قول الله عزّ وجل : ( فَلَوْ لا نَفَرَ ... ) إلی آخره.

وبعضه یدل علی وجوب المعرفة وعدم العذر فی ترکها کما فی صحیحة محمد بن مسلم (4)عن أبی عبد الله علیه السلام وفیها قلت : افیسع الناس إذا مات العالم أن لا یعرفوا الذی بعده؟ فقال علیه السلام : أمّا أهل هذه البلدة فلا ، یعنی أهل المدینة ، وأمّا غیرها من البلدان فبقدر مسیرهم إن الله عزّ وجل یقول : ( فَلَوْ لا نَفَرَ ... ) إلی آخره.

فظاهر صدرها السّؤال عن وجوب معرفته والمعذوریّة فی ترکها ، ومن المظنون قویّا أن الاستشهاد بالآیة لبیان المعذوریّة بمقدار المسیر الذی هو لازم


1) 1. کفایة الأصول / 330.

2) 2. فرائد الأصول المحشی 1 / 117 و 118.

3) 3. الأصول من الکافی 1 / 378.

4) 4. الأصول من الکافی 1 / 380.

النفر فی حال الجهل لا لبیان وجوب التّفقّه بالنّفر.

نعم بمناسبة الحکم والموضوع یعلم من الآیة أن ما کان من الدّین یجب التّفقّه فیه ، فإن ظاهرها لزوم التّفقّه فی الدّین حیث إنّه من الدّین ، والله أعلم.

173 - قوله « مد ظلّه » : ومع العجز کان (1)معذورا إن کان عن قصور ... الخ (2).

تحقیق المقام یستدعی بسطا فی الکلام لا یسعه المجال وربّما یخرج عن وضع التعلیقة والذی لا بد منه هو أن الجهل تارة یکون بسیطا وأخری مرکّبا وعلی أیّ تقدیر تارة یکون عن قصور وأخری عن تقصیر والکلام تارة فیما یترتّب علیه من الآثار فی هذه النشأة وأخری فیما یترتّب علیه فی نشأة أخری.

فنقول الإیمان مرتبة منه غیب ومرتبة منه شهادة ولهما آثار فی عالمی الغیب والشهادة ، فالإقرار بالشهادتین الّذی هو وظیفة اللّسان وهو مرتبة من الإیمان بحسب عالم الشهادة توجب ترتّب آثار کثیرة فی هذه النشأة مما یناسبها من طهارة بدنه وحقن دمه والمناکحة معه والتوارث وأشباه ذلک.

ومع عدم الإقرار لا یترتّب علیه شیء من تلک الآثار سواء کان جاهلا بسیطا أو مرکّبا قاصرا أو مقصّرا ، إذ هذه الآثار لمرتبة من الإیمان لا من آثار مرتبة أخری منه ولیس الکلام فیه هنا.

بل الکلام فی مرتبة غیب الإیمان المنوط بالمعرفة ومقابلها الجهل ، وآثار الإیمان بهذه المرتبة استحقاق الخلود فی النّعیم وعدم الخلود فی الجحیم بخلاف الکفر ، وهذه آثار عالم الغیب ومن لوازم مرتبة غیب الإیمان.

ولتحقیق المقام من هذه الحیثیّة ینبغی تقدیم مقدّمات : منها أن الإیمان

الجهل وأقسامه


1) 1. کذا فی النسخة المخطوطة بخط المصنف الشارح قدس سره ، لکن فی الکفایة المصحّحة : ومع العجز عنه کان معذورا.

2) 2. کفایة الأصول / 330.

بمعنی المعرفة یقابله الکفر بمعنی الجهل تارة بتقابل العدم والملکة وأخری بتقابل التّضاد ، فالجهل البسیط ممن شأنه أن یعلم ویعرف مقابل للعلم بتقابل العدم والملکة ، والجهل المرکّب المتقوّم باعتقاد غیر الحق یقابل الاعتقاد بالحقّ بتقابل التضاد.

فما عدا الإنسان من الحیوان وغیره لیس من شأن نوعه أن یعلم ، فلیس له جهل یقابل العلم بتقابل العلم بتقابل العدم والملکة.

ونوع الإنسان علی أصناف : فصنف منه أیضا لیس من شأنه بما هو صنف أن یعلم ویعرف کالمجانین والأطفال فلیس لهم جهل یقابل العلم بتقابل العدم والملکة وصنف آخر منه أیضا لیس من شأنه أن یعلم وإن کان کبیرا غیر مجنون کالمستضعفین من الرّجال والنسوان الذین عقولهم عقول الصبیان لقلّة استعدادهم ، فهؤلاء أیضا بحسب هذا الصّنف لیس من شأنهم أن یعلموا ویعرفوا.

وصنف آخر منه لبعده عن محیط المعرفة بهذا الأمر وعدم التفاتهم حتی یتمکّنوا من العلم به أیضا لیس من شأنهم أن یعلموا فلیس لهم جهل یقابل العلم بتقابل العدم والملکة. منها أن التذاذ کل قوة بنیل ما یلائمها وتألّمها بنیل ما یضادّها وینافرها أو بفقد ما یلائمها مع الالتفات إلیه وإلی ملائمته وإلاّ فمع عدم الالتفات لا یتألّم بفقده کغیر الملتفت إلی ملائمة الحلاوة للذائقة فإنه لا یتألّم بفقدها ، وکذلک الجوهر العاقل فإن التذاذه بنیل المعقولات النافعة فی نظام أمور دینه ودنیاه وتألّمه بفقده مع الالتفات إلی کونه کمالا للجوهر العاقل.

منها أن للإنسان بحسب ذاته وفطرته جهتین جهة نورانیّة وجهة ظلمانیّة.

فمن حیث نفسه النّاطقة التی هی من عالم الملکوت وهو عالم النور الذی لا تعلّق له بالمادّة الظلمانیّة جوهر مجرّد نورانی.

ومن حیث نفسه الحیوانیّة التی هی معدن القوی البهیمیّة والسبعیّة

والشیطنة الّتی فعلیّتها فعلیّة الشهوة والغضب والمکر والتّدلیس والتّلبیس ظلمانیّ محض.

وله جهتان اکتسابیّتان عرضیّتان ، وهی جهة نورانیّة المعارف الإلهیّة والملکات الفاضلة ، وجهة ظلمانیّة الاعتقادات الردیّة والجهالات الراسخة المنبعثة عن معادات الحق والملکات الرّذیلة ، وبهذین الاعتبارین والله أعلم یقول تعالی : ( اللهُ وَلِیُّ الَّذِینَ آمَنُوا یُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ وَالَّذِینَ کَفَرُوا أَوْلِیاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ یُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَی الظُّلُماتِ ) (1).

فإن المراد بالأول إخراجهم من ظلمات الطبیعة إلی نور المعارف والملکات الفاضلة ، والمراد بالثانی إخراجهم من نور الفطرة ومقام جوهر نفسه النّاطقة إلی ظلمات الاعتقادات الباطلة والملکات الرذیلة ، وإلا فهو فی الأصل إمّا نورانیّ أو ظلمانیّ ، فإن کان نورانیّا فما معنی إخراج المؤمن من الظلمات ، وإن کان ظلمانیّا فما معنی إخراجه من النور.

إذا عرفت هذه المقدّمات ، فاعلم أن الجاهل القاصر بالجهل البسیط وإن صدق علیه أنّه غیر عارف ولا عالم حیث إن الشیء لا یخرج عن طرفی السلب والإیجاب إلا أنّه : حیث لیس من شأنه العلم کما عرفت ، فلیس هو جاهلا فی الحقیقة ، وعدم العلم بهذا المعنی لیس ممّا یتألم به لما عرفت من أنّ غیر الملتفت إلی کمالیّة الشیء بوجه لا یتألّم بفقده.

وحیث إنّ جهله بهذا المعنی لیس اکتسابیّا فلیس فیه جهة ظلمانیّة ، بل لیس فیه إلا الظلمة الذاتیّة من حیثیّة والنورانیّة الذاتیّة من حیثیّة أخری ، فلا جهله بالمعنی المزبور ممّا یتألّم به فی النشأة الآخرة ولا الظّلمة الطبیعیّة أمر ما وراء ذاته ولا هو مناط العقوبة الأخرویّة ، ففی الحقیقة لیس فی الجاهل القاصر


1) 1. البقرة : 257.

إلاّ عدم ما لا یتألّم بفقده.

وأمّا الجاهل القاصر بالجهل المرکّب فمن حیث عدم الاعتقادات الحقّة قد عرفت حاله ، ومن حیث الاعتقادات الباطلة النّاشئة من عدم الالتفات إلی حقّ سواه یرجع أمره إلی أنه معتقد للحق ومخطئ فی التطبیق حیث إنه لا یری حقّا سواه لعدم التفاته أو لقصوره عن تصوّر حقّ سواه ، فهو غیر معاند للحقّ فالحق صورة اعتقاده ذاتا وما أخطأ فی تطبیقه علیه مطابقه بالعرض والعرضی یزول والذّاتی لا یزول ، فلا ظلمة اکتسابیّة ذاتیة له حتی یحترق بها.

هذه خلاصة الکلام فیما یقتضیه القواعد البرهانیّة الموافقة لما ورد فی الشریعة الإلهیّة الناطقة بأن المستضعف لیس بمؤمن ولا بکافر وفسر المستضعف فی روایة الکافی (1)عن الباقر علیه السلام : هو الذی لا یستطیع حیلة یدفع بها الکفر ولا یهتدی بها إلی سبیل الإیمان.

وفی الکافی (2)عن الکاظم علیه السلام قال سألته عن الضعفاء فکتب إلیّ الضعیف من لم ترفع إلیه حجّة ولم یعرف اختلاف الناس ، فاذا عرف الاختلاف فلیس بمستضعف ، هذا فتدبر.

174 - قوله « قده » : ومجمل القول فی ذلک أن العبرة ... الخ (3).

أما الکلام من حیث المرجّحیّة ، فتفصیل القول فیها موکول إلی مباحث التّعادل والترجیح.

وأمّا الکلام من حیث الجابریّة والموهنیّة فمجمل القول أما فی الجابریّة فبأنّ دلیل حجّیة الخبر حیث دل علی حجّیة الخبر الموثوق بصدوره ، فإذا حصل الوثوق بصدور الخبر ولو من طریق غیر معتبر ، فقد تحقّق موضوع الحکم وجدانا


1) 1. الاصول من الکافی : 2 / 404.

2) 2. الاصول من الکافی : 2 / 406.

3) 3. کفایة الأصول / 332.

قهرا ، فیعمّه دلیل الحجّیة ، ولا فرق بین الخبر المعلوم تحقق أصله تفصیلا أو إجمالا کما سیجیء إن شاء الله تعالی.

وأما الوثوق بأصل الخبر أو الوثوق بصدور الحکم من المعصوم ولو لم یصدر من الإمام علیه السلام نظیر الحدس القطعی برأی الإمام علیه السلام فی الإجماع فکلّ ذلک ممّا لا یعمّه دلیل حجّیة الخبر الموثوق بصدوره ، إذ هو بعد فرض تحقّق أصل الخبر وإنّما یصح ذلک بناء علی اعتبار أصل الوثوق والاطمئنان نظرا إلی أنه علم عادیّ عند العقلاء. هذا کله فی الکبری.

وأما الصغری فربما یجعل منها استناد المشهور إلی الخبر الضعیف وتحقیق القول فیه أن ضعف الخبر تارة یکون للجهل بحال الراوی وأخری لاتّصافه بما یمنع عن قبول خبره ، فالاستناد إلی الخبر علی الأول یمکن أن یکون لتبیّن حاله عندهم من حیث الوثاقة دون الثانی فإنه علی الفرض معلوم الحال فینحصر فی احتفافه بقرینة توجب الوثوق بصدقه ، فانّ الکذوب قد یصدق.

وأما الکشف عن صدور خبر آخر معتبر أو عن العلم بصدقه ، فخلاف الظاهر من الاستناد إلی الضعیف کما هو المفروض ، إذ علی الأول المستند خبر آخر لا ما استندوا إلیه ، وعلی الثّانی یکون المستند علمهم بالحکم لا الخبر.

ولا یخفی أن غایة ما یفیده الاستناد إلی الخبر الضّعیف هو الکشف إمّا عن کون الراوی موثوقا عندهم أو عن قرینة موجبة لوثوقهم بصدقه ، مع أن الاعتبار بتحقّق الخبر الموثوق به عندنا.

فکون الراوی ثقة عندهم غیر مفید. ولذا قالوا بأن روایة من لا یروی إلا عن ثقة لا توجب التوثیق بحیث یکون الروایة عن الثقة عندنا بل عن ثقة بنظره.

کما أن الکشف عن وجود قرینة توجب الوثوق بالصدور بنظرهم لا یوجب الوثوق بنظرنا وبالجملة لا بد من تحقق الوثاقة أو الوثوق بالصدور بنظر

العامل بالخبر لإمکان عدم الوثاقة إذا عرف الراوی أو عدم إفادة القرینة للوثوق إذا علم بها.

ولا یقاس استنادهم إلیه من حیث الوثاقة أو من حیث الوثوق بالشّهادة العملیّة بوثاقة شخص أو بنقل القرینة الموجبة للوثوق نوعا حیث إنّ الأول شهادة من المشهور التی هی أولی بالقبول من شهادة البیّنة والثانی إخبار جماعة من العدول الأعلام بجزء موضوع الحکم عن حسّ فلا ینافی عدم حجّیة خبرهم عن الحکم الواقعی لکونه عن حدس.

وجه عدم القیاس أمّا الأول فحیث إنّ الرجل مجهول الحال : فان کان الجهل بوصفه من حیث الوثاقة فشهادتهم مفیدة.

وأما إذا کان مجهول الحال لکونه مجهول الاسم فلا یعتبر شهادتهم ، إذ لعلّه إذا عرفناه باسمه لکان ممن شهد آخرون بفسقه.

مضافا إلی أن الاستناد إلی مجهول الحال لا یتعیّن فی وثاقته عندهم فلعلّه من أجل الوثوق بخبره لقرینة.

وأما الثانی فمن حیث إن نقل القرینة الموجبة للوثوق نوعا یوجب التعبّد بوجود جزء موضوع الحکم.

وأما استنادهم لوثوقهم فلعلّه لوثوقهم شخصا بقرینة لا توجب الوثوق نوعا ، فمجرّد العمل لا یکشف عن قرینة نوعیّة موجبة للوثوق ، بل عن وثوقهم شخصا فعلا وهو غیر حجّة إلا للشخص فتدبر.

نعم الإنصاف أن استناد المشهور إذا کشف عن ظفر الکل بموجب الوثوق کان ذلک مفیدا للوثوق نوعا ، لکنه غالبا لیس کذلک بل الغالب فی تحقّق الشهرة تبعیّة المتأخر للمتقدم فی الاستناد إلی ما استند إلیه لحسن ظنّه به ، والله أعلم.

هذا کلّه فی الجابریّة للسّند کبری وصغری.

وأما الجابریّة للدّلالة : فأما من حیث الکبری فالحجّة ببناء العقلاء هو الظهور ، والوثوق بظهور ما لا ظهور له بنفسه لا یحقق الظهور الذی هو موضوع الحکم.

وأما من حیث الصغری فعمل المشهور مستندا إلی دلالة الروایة : تارة یکون فی مقام یختلف الاستظهار بحسب الأنظار فاستظهارهم لا یجدی شیئا.

وأخری فی مقام لا یختلف أحد فی عدم ظهور نفس الکلام الواصل فاستظهارهم منه کاشف عن قرینة حافّة بالکلام موجبة لظهوره فی المرام.

فان کان کاشفا قطعیّا عن قرینة موجبة للظهور نوعا فلا شبهة فی تحقّق الظهور حینئذ.

وإن کان کاشفا ظنّیا فلا شبهة فی عدم الاعتبار به لعدم الدلیل علی حجیة الظن بالظهور أو المراد الجدی.

وأما إذا قلنا إن عملهم لا یکشف إلا عمّا یوجب الظّهور بنظرهم ، لا عمّا یوجب الظهور نوعا ، فلا یجدی فی القطع بالقرینة الموجبة للظهور النوعی ، إلا علی ما ذکرنا من أن کون القرینة موجبة للظهور فی نظر المشهور لا یصح. إلا فیما کانت موجبة له نوعا ، لبعد اتفاقهم مع اختلاف أنظارهم علی ظهور ما لیس له شأنیّة إفادة الظهور نوعا ، مع ما قدّمناه فیه فراجع. هذا کلّه فی الجابریّة للسّند والدّلالة.

وأما الکلام فی الموهنیّة فنقول أما الظن بعدم الصدور ، فلا یکون موهنا لعدم تقیّد حجّیة خبر الثّقة بعدم الظن بعدم الصدور ، کما لم یتقیّد بالظن الفعلی بصدوره ، وهو بالنّظر إلی حجّیة خبر الثّقة من باب الأخبار واضح.

وأما من باب بناء العقلاء علی العمل بخبر الثقة للوثوق بصدوره فنحن وإن قلنا بأن المعتبر کونه موثوقا به نوعا لا فعلا لکنه إذا لم یکن عدم صدوره موثوقا به فعلا ، إذ من البعید جدّا من عادة العقلاء اعتبار شیء من باب إفادته

بطبعه للوثوق وتقدیمه علی الوثوق الفعلی بعدمه خصوصا إذا کان الظن بعدم الصدور حجّة عند العقلاء ، لانبعاثه عن ما بنوا علی حجّیته وإن لم یکن حجّة شرعا ، فإنه وإن لم یکن له المانعیّة شرعا ، إلا أن عدم المانع شرعا إنّما یفید مع وجود المقتضی لحجّیته عند العقلاء.

وقد مرّ مرارا أن بناء العقلاء علی العمل بخبر الثقة مقیّد بعدم ما یکون حجّة عندهم علی خلافه ولیس للعمل إطلاق حتی یتوهّم أنه لهم بناءان أحدهما مطلق والآخر مقیّد حتی یرفع الید عن أحدهما شرعا ویبقی الثانی.

وأما الظن بعدم الظهور فهو أیضا علی المشهور غیر مانع عن حجّیة الظهور لعدم تقیّدها بالظن الفعلی علی وفاقه ولا بعدم الظن علی خلافه.

وقد ذکرنا (1)فی مبحث حجّیة الظواهر أنّه یمکن التقیید بالثانی وأن الظن بالخلاف إن کان حجة عند العقلاء یوجب انتفاء المقتضی إثباتا بالبیان المذکور آنفا ، فلا بدّ من التّکلّف بأن یجعل المنع عن اتّباع الظّن شرعا أمرا بالملازمة باتّباع الظاهر الذی قام الظنّ المنهیّ عنه علی خلافه ، فیکون الدلیل الشرعی بالملازمة دلیلا علی حجّیة الظّاهر شرعا ، ومثله أیضا جار فی المنع عن الظن بعدم صدور الخبر ، فافهم وتدبّر. هذا هو الکلام فی الکبری.

وأما الصغری فمنها إعراض المشهور عن الروایة سندا أو عدم الاعتناء بظهورها : فان کان کاشفا قطعیّا عن خلل فی سندها لا من حیث عدم وثاقة المخبر فانه خلف لفرض تمامیّة اقتضائها للاستناد إلیها ، بل من حیث احتفافها بقرینة موجبة للقطع بخطإ المخبر أو عن خلل فی الدلالة من حیث احتفافها بما لا یکون معه ظاهرا فیما هو ظاهر فیه بنفسها فلا کلام.

وأما إن کان کاشفا ظنّیا عن ذلک لاحتمال الاستناد إلی ما هو الأرجح دلالة منه بنظرهم لا من حیث خلل فی السّند أو الدّلالة فلا یکون الإعراض


1) 1. فی التعلیقة 74.

موهنا. وهذا آخر ما أردنا إیراده فی مباحث القطع والظن.

والحمد لله أوّلا وآخرا والصلاة علی محمد وآله باطنا وظاهرا.


الفهرس الموضوعی

مبحث القطع................................................................. 11

تشابه المسألة مع مسائل علم الکلام ............................................. 13

المراد من الاحکام العقلائیة ..................................................... 18

مراتب الحکم................................................................. 24

قضیة الحسن والقبح لیست من القضایا البرهانیة.................................. 30

فی التجری................................................................... 32

القطع الموضوعی بقسمیه....................................................... 46

قیام الأمارة مقام القطع الطریقی والموضوعی...................................... 51

أقسام القطع.................................................................. 68

حقیقة الحکم................................................................. 73

فی وجوب الموافقة الالتزامیة وعدمه .............................................. 76

المراد من الأصل الجاری فی أطراف العلم الإجمالی................................. 85

حقیقة العلم الإجمالی لا تفارق التفصیلی......................................... 89

إمکان قصد الوجه إجمالا وتفصیلا............................................ 107

فی تکرار العبادة............................................................. 111

الأمارات الغیر العلمیة........................................................ 115

فی الجمع بین الحکم الواقعی والظاهری......................................... 121

المراد من الحجیة ............................................................. 123

استتباع الحجیة للأحکام التکلیفیة............................................. 138

وجه آخر للجمع بین الحکمین................................................ 141

قوام الطریقیة................................................................ 143

فی حجیة الظواهر............................................................ 169

الکلام فی الإجماع........................................................... 185

الکلام فی آیة النبأ........................................................... 202

فی إشکال الخبر مع الواسطة ................................................... 212

فی دفع الاشکال عن الخبر مع الواسطة ......................................... 218

دفع الإشکال بوجه آخر...................................................... 224

فی آیة النفر ................................................................. 231

فی آیة الکتمان.............................................................. 244

فی آیة السؤال عن اهل الذکر................................................. 245

فی آیة الأذن................................................................ 247

الاستدلال بسیرة العقلاء...................................................... 248

أول الوجوه العقلیة علی حجیة الخبر........................................... 255

فی الوجه الأول عقلا علی حجیة الظن.......................................... 262

فی الوجه الثانی عقلا ......................................................... 268

دلیل الانسداد............................................................... 270

مقدمات دلیل الانسداد....................................................... 272

نتیجة مقدمات الانسداد...................................................... 284

الوجوه المتصورة فی مقام جعل الأحکام......................................... 308

الأمر بالإطاعة مولوی أو إرشادی............................................. 332

ملاک نصب الشارع للظن.................................................... 360

فی نتیجة دلیل الانسداد من حیث الإهمال والتعیین............................... 361

تقریر الکشف.............................................................. 367

الفرق بین الحکومة والکشف................................................. 379

فی المنع عن الظن القیاسی..................................................... 383

فی الظن المانع والممنوع ....................................................... 393

فی الظن فی أصول الدین...................................................... 399

الواجب معرفته.............................................................. 420

الجهل وأقسامه.............................................................. 430