ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته/ اعداد قسم القرآن لمجمع البحوث الاسلامیه؛ بارشاد و اشراف محمد واعظزاده الخراسانی.
مشخصات نشر : مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1419ق. = -1377.
مشخصات ظاهری : ج.
فروست : الموسوعةالقرآنیةالکبری.
شابک : دوره 964-444-179-6 : ؛ دوره978-964-444-179-0: ؛ 1430000 ریال (دوره، چاپ دوم) ؛ 25000 ریال: ج. 1 964-444-180-X : ؛ 30000 ریال: ج. 2 964-444-256-3 : ؛ 32000 ریال: ج. 3 964-444-371-3 : ؛ 67000 ریال (ج. 10) ؛ ج.12978-964-971-136-2 : ؛ ج.19978-600-06-0028-0 : ؛ ج.21978-964-971-484-4 : ؛ ج.28 978-964-971-991-7 : ؛ ج.30978-600-06-0059-4 : ؛ 1280000 ریال: ج.36978-600-06-0267-3 : ؛ 950000 ریال: ج.37978-600-06-0309-0 : ؛ 1050000 ریال: ج.39978-600-06-0444-8 : ؛ 1000000 ریال: ج.40978-600-06-0479-0 : ؛ ج.41978-600-06-0496-7 : ؛ ج.43978-600-06-0562-9 :
يادداشت : عربی.
يادداشت : جلد سی و ششم تا چهلم باشراف جعفر سبحانی است.
يادداشت : جلد سی و ششم با تنقیح ناصر النجفی است.
يادداشت : جلد سی و هفتم تا چهل و سوم با تنقیح علیرضا غفرانی و ناصر النجفی است.
يادداشت : مولفان جلد چهل و یکم ناصر نجفی، محمدحسن مومنزاده، سیدعبدالحمید عظیمی، سیدحسین رضویان، علیرضا غفرانی، محمدرضا نوری، ابوالقاسم حسنپور، سیدرضا سیادت، محمد مروی ...
يادداشت : ج. 2 (چاپ اول: 1420ق. = 1378).
يادداشت : ج. 3 (چاپ اول: 1421ق. = 1379).
يادداشت : ج.3 (چاپ دوم: 1429ق. = 1387).
يادداشت : ج. 10 (چاپ اول: 1426ق. = 1384).
يادداشت : ج.21 (چاپ اول: 1441ق.=1399) (فیپا).
يادداشت : ج.36 (چاپ دوم : 1440ق.=1398)(فیپا).
يادداشت : ج.37 (چاپ اول : 1440ق.=1397)(فیپا).
يادداشت : ج.39 (چاپ اول: 1441ق.=1399) ( فیپا).
يادداشت : ج.40 - 41(چاپ اول: 1442ق.= 1399) (فیپا).
يادداشت : جلد دوازدهم تا پانزدهم این کتاب در سال 1398 تجدید چاپ شده است.
يادداشت : ج.19 و 28 و 30 ( چاپ دوم: 1442ق = 1400 ) (فیپا).
يادداشت : ج.21 (چاپ دوم: 1399).
يادداشت : ج.38 (چاپ دوم: 1399).
يادداشت : ج.30 (چاپ دوم: 1399).
يادداشت : ج.29 (چاپ دوم: 1399).
يادداشت : ج.12 (چاپ چهارم: 1399).
يادداشت : ج.32 (چاپ دوم: 1399).
مندرجات : ج.3. الو - انس
موضوع : قرآن -- واژهنامهها
Qur'an -- Dictionaries
موضوع : قرآن -- دایرهالمعارفها
Qur'an -- Encyclopedias
شناسه افزوده : واعظ زاده خراسانی، محمدِ، 1385-1304.
شناسه افزوده : سبحانی تبریزی، جعفر، 1308 -
شناسه افزوده : Sobhani Tabrizi, Jafar
شناسه افزوده : نجفی، ناصر، 1322 -
شناسه افزوده : غفرانی، علیرضا
شناسه افزوده : بنیاد پژوهشهای اسلامی. گروه قرآن
شناسه افزوده : بنیاد پژوهشهای اسلامی
رده بندی کنگره : BP66/4/م57 1377
رده بندی دیویی : 297/13
شماره کتابشناسی ملی : 582410
اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا
الأعمال الخيرية الرقمية: جمعية الإمام زمان (عج) إصفهان المساعدة
المعجم في فقه لغة القرآن و سر بلاغته / تأليف و تحقیق قسم القرآن في مجمع البحوث الإسلامية: بإرشاد و إشراف محمد واعظ زاده الخراساني. - مشهد: مجمع البحوث الإسلامية، 1420ق. = 1378ش.
(ج24)9-629-971-964-978 ISBN
ISBN set 978-964-444-179-0
فهرست نویسی بر اساس اطلاعات فیپا.
عربی
57م / 4 / 66 BP
297/13
کتابخانه ملی جمهوری اسلامی ایران 8697 - 78 م
بنیاد پژوشهای اسلامی
آستان قدس رضوی
المعجم في فقه لغة القرآن و سر بلاغته
المجلد الرابع و العشرون
تأليف و تحقیق قسم القرآن في مجمع البحوث الإسلامية
إشراف:الأستاذ محمد واعظ زاده الخراساني
الطبعة الأولى 1434ق / 1392ش
1000 نسخة / الثمن: 250000ریال
الطباعة: مؤسسة الطبع والنشر التابعة للأستانة الرضوية المقدسة
مجمع البحوث الإسلامية، ص.ب 366-91735
هاتف و فاکس وحدة المبيعات في مجمع البحوث الإسلامية: 2230803
معارض بيع كتب مجمع البحوث الإسلامية، (مشهد) 2233923، (قم) 29 77330
info @islamic-rf.ir
www.islamic-rf.ir
حقوق الطبع محفوظة للناشر
المؤلفون الأستاذ محمد واعظ زاده الخراساني
ناصر النجفي
قاسم النوري
محمد حسن مؤمن زاده
حسین خاکشور
السيد عبد الحميد عظيمي
السيد جواد سيدي
السيد حسين رضویان
علي رضا غفراني
محمدرضا نوري
السيد علي صباغ دارابي
أبوالقاسم حسن پور
وقد فوض عرض الآيات و ضبطها إلى أبي الحسن الملكي و مقابلة النصوص
إلى خضر فيض الله و عبدالكريم الرحيمي وتنضيد الحروف إلى المؤلفين
کتاب نخبة
مؤتمر تكريم خدمة القرآن الكريم في ميدان الأدب المصنف.
الكتاب النخبة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
مؤتمر الكتاب المنتخب الثالث للحوزة العلمية في قم.
الدورة الثانية لانتخاب و عرض الكتب والمقالات الممتازة في حقل القرآن.
الملتقى الثاني للكتاب النخبة الذي يعقد كل سنتين في محافظة خراسان الرضوية.
ملتقى تكريم نخبة الحوزة العلمية في خراسان الرضوية.
تصدير 7 رس ل 629
رخ و 9 رس و 591
ردا 19 رش د 615
ردد 29 رص د 667
ردف 165 رص ص 707
رد م 187 رض ع 717
ردی 195 رض و 749
رذل 219 الأعلام المنقول عنهم بلاواسطة
رزق 237 وأسماء كتبهم 929
رس خ 379 الأعلام المنقول عنهم بالواسطة
رس س 411 939
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ وَ أفضل بَرِيَّتِهِ ، سَيِّدِ الأنبياء و المرسلين، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ خاتم التبيين،وَ عَلَى اله الطَّيِّبِينَ، و صحبه الْمُنْتَجَبِينَ، و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
و بعد، نشكر الله تعالى شكرا جميلا على أن وفقنا لطفا منه علينا بتأليف المجلد الرابع و العشرين من موسوعتنا القرآنية الكبرى «المعجم في فقه لغة القرآن و سربلاغته» الجامع للنصوص اللغوية و التفسيرية ،والدراسات البلاغية، و الرموز القرآنية، و الأسرار الإلهية.
أخذا من آثار القدماء و المتأخرين من علماء المسلمين، على اختلاف مذاهبهم رضوان الله عليهم أجمعين.
و إهداء إلى طالبي علوم القرآن الذين يتابعون و يرصدون بشوق وافر و جد بالغ سلسلة مجلدات هذا المعجم مجلدا بعد مجلد، شائقين إلى ما فيها من أسرار كتاب ربهم، و معرفة رموزه و دقائقه و فقه لغته و مدی بلاغته وإعجازه عرفائا كاملا.
وهؤلاء هم رواد العلوم القرآنية في العالم الإسلامية جمعاء، فإن هذا المعجم القرآني معجمهم جميعا.
و نشكرهم على إظهار ولعهم و اشتياقهم إليه مشافهة و كتابةمن داخل البلاد و خارجها مرة بعد أخرى شكرا جميلا.
وقد جمع فيه من حرف «الراء» سبعة عشرة مادة ابتداء ب (رخ و ) و انتهاء ب (رض و)، و هي أكبر مواده في 180 صفحة و بعدها (رسل) في 162 صفحة. و أصغرها (ر دم) في 8 صفحات.
وفي الختام وجب علينا أن نشكر المؤلفين المكرمين من أعضاء قسم القرآن في مجمع البحوث الإسلامية للآستانة الرضوية، و كل من له يد في طبع هذا المجلد و نشره من أعضاء المجمع و غيرهم.
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، و سلام على المرسلين
محمد واعظ زاده الخراساني
مدير قسم القرآن بمجمع البحوث الإسلامية
في الآستانة الرضوية المقدسة
16 جمادي الثاني، عام 1434 ه. ق
رخاء
لفظ واحد، مرة واحه،فی سوره مکیه
النصوص اللغوية
الخليل: الرخو و الرخو لغتان، و فيه رخاوة.
والرخاء: سعة العيش. يقال: هو في عيش رخي.
و هو رخي البال، أي في نعمة.
و استرخت به حاله، أي وقع في حال حسنة بعد الضيق.
و فعله: رخا یرخو رخاء، و هو راخي البال.
و تراخی فلان عتني، أي أبطأ.
و المراخاة: أن تراخي رباطا أو زناقا، و أرخیت له الحبل.
و الإرخاء: عدو فوق التقريب.
وناقة مرخاء في سيرها.
والرخاء من الرياح: اللينة السريعة التي لاتزعزع. (300:4)
الليث : التراخي: هو التقاعس عن الشيء.
و أرخت الناقة إرخاء، و إرخاؤها هو استرخاء صلویها، فهي مرخ (الأزهري 541:7 )
أبو عمرو الشيباني: الرخاء من الأرض: الرخوة. (292:1)
الرخاء: الريح اللينة. (312:1)
الفراء:« رخاء »: لينة من الرخاوة. (الحربي 680:2)
اللغة الجيدة: الرخو بكسر الراء، والرخؤ بفتح الراء مولد؛ و الأنثى: بالهاء.
مثله الأصمعي. (الأزهري 7: 540)
أبو عبيدة: الإرخاء: شدة العدو، وهي الخيل المراخي. (الأزهري 542:7)
أبو عبيد: الإرخاء: أن تخلي الفرس و شهوته في
العدو غير متعب له. يقال: فرس مرخاء من خیل مراخ.
وأتان مرخاء: كثيرة الإرخاء في العدو . (الجوهري 6: 2354)
ابن أبي اليمان: الرخاء: ضد الشدة. و الخاء: الريح السهلة، قال الله جل ذكره: «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ » ص : 36 (43)
ابن دريد: الرخاء: ضد الشدة.
والرخاء: الريح السهلة الهبوب.
و الإرخاء: من ركض الخيل بالخضر الملهب، فرس مرخاء من خيل مراخ. [ ثم استشهد بشعر إلى أن قال:]
و أرخيت الستر فهو مرخي، إذا أسبلته.
و فلان رخي البال. (237:3)
الأزهري: يقال: إنه في عيش رخي، و هو رخي البال، إذا كان ناعم الحال.
ويقال : إن ذلك الأمر ليذهب متي في بال رخي،إذا لم يهتم له.
ويقال : رخي يرخی رخاء فهو رخي، أي ناعم.
و هو راخي البال.
يقال: راخ له من خناقه، أي رقه عنه .
و أرخ له قيده، أي وسعه و لاتضيقه .
ويقال: أرخ له الحبل، أي وسع عليه الأمر في تصرفه حتى يذهب حيث شاء.
وقال غيره [غير أبي عبيدة ]: فرس مرخاء، و الإرخاء الأعلى: أشد الحضر. و الإرخاء الأدنى:
دون الأعلى.
قال الليث: و أرخيت الفرس، و تراخى الفرس.
قلت: لايقال: أرخيت الفرس، و لكن يقال: أرخي الفرس في عدوه، إذا أحضر.
ولا يقال: تراخي الفرس إلا عند فتوره في حضره.
والذي حكاه الليث لا أدري ما هو. و إرخاء الفرس مأخوذ من الريح الرخاء، و هي السريعة مع لين. و جائز أن يكون من قولهم: «أرخی به عنا»، أي أبعده عنا، و «هو متراخ عنا» أي بعيد عنا.
[و استشهد بالشعر مرتين] (540:7)
الصاحب: الرخو و الرخو: شيء فيه رخاوة. و الرخوة: الرخاء في العيش. وقالوا: حجر رخو با لضم .
الرخاء: سعة العيش. و عيش رخي .
و فلان رخي البال، إذا كان في نعمة، و راخي البال.
والرخاء من الرياح: الينة السريعة.
والتراخي: التقاعس عن الشيء، و الإبطاء .
و استرخي به الأمر.
و استرخت حاله، إذا حسنت بعد ضيق .
والمراخاة: أن تراخي رباطا. و أرخيت له الحبل.
و الإرخاء من العدو: فوق التقريب، ناقة مرخاء في سيرها، و أرخيتها أنا، و تراخی هو. و هو في الناقة: استرخاء صلاها فهي مرخی عنه.
و رخی الشيء بالشيء: خلط. (405:4)
الجوهري: شيء رخو و رخو، بكسر الراء
و فتحها، أي هش. و رخي الشيء يرخی، ورخو أيضا یرخو، إذا صار رخوا.
و فرس رخوة، أي سهلة مسترسلة.
و أرخيت الستر و غیره، إذا أرسلته .
و هذه أرخية: لما أرخیت من شيء. وقد استرخی الشيء .
و أرخت الناقة، إذا استرخی صلاها.
و الإرخاء: ضرب من العدو.
و تراخي السماء: أبطأ المطر.
و رجل رخي البال، أي واسع الحال بين الرخاء،ممدود.
ورخاء بالضم: الريح اللينة. [و استشهد بالشعر مرتين ] (2354:6)
ابن فارس: الراء و الخاء والحرف المعتل أصل،
يدل على لين و سخافة عقل. من ذلك: شيء رخو بكسر الراء. قال الخليل: رخو أيضا، لغتان. يقال منه: رخي یرخی، و رخو، إذا صار رخوا.
ويقال : أرخت الناقة، إذا استرخی صلاها.
و فرس رخو، إذا كانت سهلة مسترسلة. [ثم استشهد بشعر)
ويقال : استرخي به الأمر و استرخت به حاله، إذا وقع في حال حسنة غير شديدة.
و تراخی عن الأمر، إذا قعد عنه و أبطأ.
و من الباب: الرخاء، و هي الريح اللينة. قال الله تعالى: « فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ»ص : 36
والإرخاء من ركض الخيل ليس بالخضر الملهب.
يقال : فرس مرخاء من خیل مراخ، وهو عدو فوق التقريب.
وهذه أرخية، لما أرخيت من شيء. (501:2)
الهروي: في الحديث: «لیس کلُّ الناسِ مُرْخًی علیه »، أي موسع عليه. (3: 731)
الثعالبي: في تقسيم اللين على ما يوصف به: ريح رخاء (66)
أبوسهل الهروي: أرخيت الستر فهو مرخی إذا أسبلته. (التلويح : 43)
هو في رخاء من العيش، بالفتح والمد، أي سعة و لین.(التلويح : 43)
تقول: الشيء رخو، أي مسترخ لين . (التلویح: 50)
ابن سيده: الرخو، و الرخو، و الرخو: الهش من كل شيء؛ و الأنثي: بالهاء.
رخو رخاء، و رخاوة، و رخوة، الأخيرة نادرة، و رخي، و استرخی.
و أرخى الرباط، و راخاه: جعله رخوا.
و فيه رخوة، و رخوة، أي استرخاء.
وقولهم في الأمن المطمئن: أرخى عمامته، لأنه لا ترخى العمائم في الشدة.
وأرخى الفرس، و أرخى له : طول له من الحبل.
و الحروف الرخوة: ثلاثة عشر حرفا، و هي: الثاء والحاء، و الخاء، و الذال، و الزاي، والطاء، والصاد، والضاد، و الغين، والفاء، والسين، والشين، و الهاء.
والحرف الرخو: هو الذي يجري فيه الصوت. ألا ترى أنك تقول: المس، و الرش، والسح، و نحو ذلك، فتجد الصوت جاريا مع السين و الشين و الحاء.
والرخاء: سعة العيش. وقد رخو، و رخا یرخو و یرخی، فهو راخ و رخي.
وهو رخي البال، إذا كان في نعمة.
و ریح رخاء: طيبة لينة، وفي التنزيل: «تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ»ص: 36، أي حيث قصد و أراد.
و استرخی به الأمر: وقع في رخاء بعد شدة .
وأرخت الناقة: استرخی صلاها.
و راخت المرأة: حان ولادها.
و تراخی عني: تقاعس.
و راخاه: با عده .
و تراخي عن حاجتي: فتر.
و الإرخاء: شدة العدو. و قيل: هو فوق التقريب.
فرس مرخاء، وناقة مرخاء.
وأرخي الدابة: سار بها الإرخاء. [و استشهد بالشعر مرتين] (295:5)
الراغب : الرخاء: اللينة، من قولهم: شيء رخو، و قد رخي یرخي، قال تعالى: « فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ» ص: 36. و منه: أرخيت الستر.[ ثم استشهد بشعر]
وقيل: فرس مرخاء، أي واسع الجري من خیل مراخ، و قد أرخيته: خليته رخوا (192:1)
المديني: في الحديث: « استرخيا عني»، أي
انبسطا.
و الرخاء: السعة واللين، وشيء رخو: لين.
و استرخت حاله: حسنت بعد ضيق. (748:1)
ابن بري: و الأراخي: جمع أرخية، لما استرخی من شعر و غیره. (ابن منظور 314:14)
ابن الأثير: في حديث الدعاء: «اذْکُرِ اللهَ فِی الرَّخَاءِ یَذْکُرْکَ فِی الشِّدَّهِ».
و الحديث الآخر: « فلْیُکثُر الدعاءَ عند الرَّخَاء». «الرخاء»: سعة العيش.
والحديث الآخر: «اسْتَرْخِیَا عنّی» أي انبسطا واتسعا. (212:2)
الفیومي: الرخو: بالكسر اللین السهل. يقال: حجر رخو، و قال الكلابيون: رخو، بالضم. و الفتح لغة. قال الأزهري: الكسر كلام العرب، والفتح مولد.
ورخي ورخومن بابي: « تعب » و «قرب»، رخاوة بالفتح، إذا لان. و كذلك العيش رخي ورخو، إذا اتسع، فهو رخي على فعيل؛ و الاسم: الرخاء.
و زید رخي البال، أي في نعمة و خصب.
وأرخيت الستر بالألف فاسترخی.
و تراخى الأمر تراخیا: امتد زمانه.
وفي الأمر تراخ، أي فسحة. (224:1)
الفيروزابادي: الرخو مثلثة: الهش من كل شيء، و هي بهاء: رخو ککرم ورضي رخاء ورخاوة و رخوة بالكسر : صار رخوا کاسترخی.
وأرخاه و راخاه: جعله رخوا.
و فيه رخوة بالكسر والضم: استرخاء.
و أرخي عمامته: أمن و اطمأن، والفرس وله: طول له من حبله، و الستر: أسدله.
و الحروف الرخوة: سوى لم يرعونا.
و الرخاء بالضم: الريح اللينة، وبالفتح: سعة العيش. رخو ككرم، و دعا و رعا ورضي، فهو راخ ورخي.
و راخت: حان ولادها.
و تراخي: تقاعس.
و راخاه: باعده.
والإرخاء: شدة العدو أو فوق التقريب.
وأرخی دابته: سارها كذلك، فهي مرخاء بالكسر ، و الناقة: استرخی صلاها.
و تراخى السماء: أبطأ المطر.
والأرخية كأثفية: ما أرخي من شيء. (4: 335)
الطريحي: في الحديث: «الْمُؤْمِنُ شَکُورٌ عِنْدَ الرَّخَاءِ»، و أراد بالرخاء: سعة العيش و لینه، و يقابله الشدة. يقال : زید رخي البال، أي في نعمة و خصب.
و منه: « رَاخِ الْإِخْوَانَ فِی اللهِ » بالخاء المعجمة من المراخاة، و هي ضد التشدد.
و منه: «لَا تُمَلِّکَ الْمَرْأهَ مِنْ أمْرِهَا مَا جَاوَزَ نَفْسَهَا، فإنه أخي لبالها و أدوم لحسنها و جمالها، فَإِنَّ الْمَرْأَهَ رَیْحَانَهٌ وَلَیْسَتْ بِقَهْرَمَانَهٍ »
و أرخى الشيء بين كتفيه: سدله و أرسله.
وأرخيت الستر وغيره: أرسلته.
و شيء رخو بكسر الراء و فتحها، أي هش.
و فرس رخوة بالكسر، أي سهلة.
و رخي الشيء ورخو، من باب « تعب» و «قرب» رخاوة بالفتح.
و تراخى الأمر: امتد زمانه.
و في الأمر تراخ، أي فسحة. (180:1)
مجمع اللغة: رخو یرخو یرخي يرخی رخاء و رخاء: كان في نعمة و سعة عيش.
و ریح رخاء: لينة سريعة لاتزعزع شيئا.
(467:1)
العدناني: الرخو، الرخو، الرخو
و يخطئون من يسمي الهش اللين من كل شيء رخوا، و يقولون: إن الصواب هو الرخو والرخو،اعتمادا على ما جاء في الصحاح، و المختار، و دوزي.
والحقيقة هي أن راء الرخو مثلثة، كما قال معجم مقاييس اللغة الذي ذكر الفتح في الهامش، و المحكم، و الأساس، و اللسان، و المصباح، و القاموس، و التاج، والمد، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن الذي قال: إن كسر الراء أفصح. و قال الأزهري: إن الكسر هو كلام العرب.
واكتفى المرزوقي في « شرح الحماسة» و مفردات الراغب الأصفهاني بكسر الراء.
أما ضم الراء «الرخو» فقد أخذ عن الكلابيين.
و ذكر اللسان، والتاج، و المتن، أن فتح الراء
« الرخو »مولد. (257)
محمد إسماعيل إبراهيم: رخا العيش رخاء ،اتسع و صار هنيئا و لينا، ورخو و رخي المرء رخاء:صار في نعمة و سعة عيش .
والرخاء: ريح لينة غير عاصفة، مريحة في هبوبها و سیرها. (217:1)
المصطفوي: و التحقيق: أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو ما يقابل الشدة، و يعبر عنه بالفارسية بكلمة « سستی»، و الفرق بينها و بين مواد الیسر والضعف واللين و السهل والفسحة و الوسعة و الرحب: أن اليسر ضد العسر، و الضعف ضد القوة، واللين ضد الخشونة، و السهل ضد الصعوبة، و السعة والرحب و الفسحة في مقابل المضيقة.
فالرحب سعة في محل، والسعة أعم من أن يكون في محل أو موضوع آخر ماديا أو معنویا، و التفسح هو التوسع فيما يكون في محل، و يعبر عنه بالفارسية بكلمة «گشایش ». راجع: «الرحب».
و يدل على مفهوم المادة : استعمال الرخاء في الآية الكريمة: «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ» ص: 36، متعلقا بالريح، و المناسب بها هو الجريان في مقابل الشدة، لا ما يقابل الصعوبة و العسر والقوة و الخشونة و الضيق. وقد استعمل الشدة متعلقا بالريح في آية: « اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ »إبراهيم : 18.
فظهر لطف التعبير بالمادة دون نظائرها في الآية الكريمة، فتنبه.
ثم إن التفسير باللين و السهولة والاسترسال و الضعف والفتور والتأخر والاتساع و التنفيس و السدل و التباعد و التباطؤ و الفسحة و الامتداد و الفك و غيرها: كلها لتقريب الحقيقة باختلاف موارد
استعمالها متناسبا لها.
و المفهوم الحقيقي هو ما قلناه، و إذا رأيت إشکالا في التطبيق في مورد من موارد استعمال المادة: فهو من المجاز قطعا. (101:4)
النصوص التفسيرية
رخاء
فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ.
ص : 36
ابن عباس: لينة.(382)
مطيعة له. (الطبري 10: 584)
مثله الضحاك، والحسن. (الطبري 10: 584)
مجاهد: طيبة. (الطبري 583:10)
الحسن: ليست بعاصفة، و لاالهينة، بين ذلك رخاء. (الطبري 583:10 )
قتادة: سريعة طيبة، ليست بعاصفة و لابطيئة.
(الطبري 10: 583)
السدي: طوعا. (413)
ابن زيد: الرخاء: اللينة. (الطبري 583:10)
الفراء: الرخاء: الريح اللينة التي لا تعصف. (405:2)
نحوه الواحدي (3: 556)، والبغوي ( 73:4)
ابن قتيبة:أي رخوة لينة. (379)
الطبري: يعني: رخوة لينة، و هي من الرخاوة.
واختلف أهل التأويل في معنى الرخاء، فقال فيه بعضهم نحو الذي قلنا فيه.
وقال آخرون: معنى ذلك: مطيعة لسليمان.
(583:10)
الزجاج: «رخاء » لينة، و قيل: «تجري بأمره » ليست بشديدة كما يجب. (4: 333)
الثعلبي: لينة رطبة. (210:8)
الطوسي: الرخاء: الريح اللينة، وهو رخاوة المرور سهولته، و وصفت باللين، لأنها إذا عصفت لم يتمكن منها، و إذا لانت أمكنت. (564:8)
الزمخشري: لینة طيبة لا تزعزع، و قيل: طيعة له [مطيعة له] لاتمتنع عليه. (3: 375)
نحوه البيضاوي (311:2) ،و أبوالسعود (5: 363)، و شبر (5: 286).
ابن عطية: هي اللينة القوية المتشابهة، لاتأتي فيها دفع مفرطة فتحمله.(506:4)
القرطبي: أي لينة مع قوتها و شدتها حتى لاتضر بأحد، و تحمله بعسکره و جنوده و موكبه. ( 205:15 )
الفخر الرازي: رخاء، أي رخوة لينة، و هي من الرخاوة، والريح إذا كانت لينة لاتزعزع، ولاتمتنع عليه كانت طيبة.
فإن قيل: أليس أنه تعالى قال في آية أخرى: «وَلِسُلَیْمنَ الرّیحَ عَاصِفَهً تَجْرِی بِأَمْرِهِ» الأنبياء: 81؟
قلنا: الجواب من وجهين:
الأول: لا منافاة بين الآيتين، فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرياح العاصفة، إلا أنها لما جرت بأمره كانت لذيذة طيبة، فكانت رخاء.
والوجه الثاني من الجواب: أن تلك الريح كانت
لينة مرة و عاصفة أخرى، و لا منافاة بين الأمرين. (210:26)
نحوه النيسابوري (23 : 94)، والبروسوي 81: 36)، و الآلوسي (23 : 202)، و المراغي (23 : 121).
النسفي: لینة طيبة لاتزعزع، وهوحال من ضمير « تجری ». (42:4)
الشربيني: أي حالة كونها لينة غاية اللين، منقادة، يدرك بها مالاتدرك الخيل، غدوها شهر و رواحها شهر. (417:3)
ابن عاشور: الرخاء: اللينة التي لازعزعة في هبوبها. و انتصب «رخاء » على الحال من ضمير «تجرى » أي تجري بأمره لينة مساعدة لسير السفن. و هذا من التسخير، لأن شأن الريح أن تتقلب كيفيات هبوبها، و أكثر ما تهب أن تهب شديدة عاصفة، وقد قال تعالى في سورة الأنبياء : 81،«وَلِسُلَیْمنَ الرّیحَ عَاصِفَهً »
ومعناه: سخرنا لسليمان الريح التي شأنها العصوف، فمعنی «فسخرنا له» : جعلناها له رخاء. فانتصب «عاصفة » في آية سورة الأنبياء على الحال من «الريح » و هي حال منتقلة. ولما أعقبه بقوله: «تجري بأمره » علم أن عصفها يصير إلى لين بأمر سلیمان، أي دعائه، أو بعزمه، أو رغبته، لأنه لاتصلح له أن تكون عاصفة بحال من الأحوال. فهذا وجه دفع التنافي بين الحالين في الآيتين. ( 159:23)
مغنية: أي طيعة. (6: 379)
الطباطبائي: الرخاء: بالضم اللينة، والظاهر أن
المراد بكون الريح تجري بأمره رخاء، مطاوعتها لأمره و سهولة جريانها على ما يريده علیه السلام، فلايرد أن توصیف الريح هاهنا بالرخاء يناقض توصيفه في قوله: « وَلِسُلَیْمنَ الرّیحَ عَاصِفَهً تَجْرِی بِأَمْرِهِ» الأنبياء : 81، بكونها عاصفة.
و ربما أجيب عنه: بأن من الجائز أن يجعلها الله رخوة تارة وعاصفة أخرى، حسب ما أراد سليمان علیه السلام.(205:17)
مکارم الشيرازي: هنا يطرح سؤال، وهو: كيف يمكن أن تتطابق عبارة «رخاء »الواردة في هذه الآية، والتي تعني اللين مع عبارة «عاصفة » والتي تعني الرياح الشديدة، والواردة في الآية: 81، من سورة الأنبياء: « وَلِسُلَیْمنَ الرّیحَ عَاصِفَهً تَجْرِی بِأَمْرِهِ إِلَی الْأَرْضِ الَّتِی بَارَکْنَا فِیهَا ».
لهذا السؤال جوابان :
الأول: وصف الرياح با لعاصفة لبيان سرعة حرکتها، و وصفها بالرخاء لبيان حركتها الهادئة والرتيبة، أي إن سلیمان و أصحابه لم يكونوا يشعرون بأي انزعاج من جراء حركة الرياح السريعة، فهي کا لوسائل السريعة السير الموجودة حاليا، التي يشعر الإنسان معها، كأنه جالس في إحدى غرف بيته، بينما تسير به تلك الوسيلة بسرعة عالية جدا.
وقد ذكر بعض المفسرين جوابا آخر على ذلك السؤال، وهو: أن هاتين الآيتين تشيران إلى نوعين من الرياح سخرهما الله سبحانه و تعالى لسليمان، إحداهما: كانت سريعة السير، والثانية :
بطيئة .
فضل الله: أي تتحرك بإرادته و اختياره بسهولة و لين من دون أية مشكلة، وذلك على سبيل الكناية في التعبير عن مطاوعتها له و انقيادها لرغبته، في كل مشاريعه المتحركة في التنقل من مكان إلى مكان بسرعة، «حيث أصاب» أي حيث أراد مما يقصده، و يريد الوصول إليه من أهداف، لذا فلامنافاة بين هذه الكلمة في توصيف الريح بالخاء و بين التعبير عن الريح بأنها عاصفة في قوله تعالى: «وَلِسُلَیْمنَ الرّیحَ عَاصِفَهً تَجْرِی بِأَمْرِهِ »الأنبياء: 81، لأن التعبيرين واردان علی سبیل الكناية؛ إذ يراد من الرخاء الانقياد، و من العاصفة السرعة، و الله العالم.
(264:19)
الأصول اللغوية
1 - الأصل في هذه المادة الرخو: الهش من کل شيء، و هو الرخو والرخو أيضا. يقال: رخو الشيء
یرخو رخاء و رخاوة و رخوة، و رخي یرخی واسترخي، أي صار رخو ا. و فيه رخوة و رخوة: استرخاء .
والرخاء من الأرض: الرخوة.
والرخاء: الريح السهلة الهبوب و اللینة.
وأرخى الرباط و راخاه: جعله رخوا.
و أرخى الفرس و أرخى له: طول له الحبل.
وفرس رخوة : سهلة مسترسلة.
وأرخيت الشيء و غيره، إذا أرسلته .
وأرخيت الستر فهو مرخي، إذا أرسلته و أسبلته. و هذه أرخية: لما أرخيت من شيء،کالستر و غیره؛ و الجمع: الأراخي.
و أرخت الناقة إرخاء: استرخی صلاها، فهي مرخ.
و راخت المرأة: حان ولادها ، لاسترخاء فرجها.
و يقال مجازا: أرخ له الحبل، أي وسع عليه الأمر في تصرفه حتى يذهب حيث شاء.
و راخ له من خناقه: رفه عنه.
و من أمثال العرب : « أرخ يديك و استرخ، إن الزناد من مرخ»، يضرب لمن طلب حاجة إلى کریم، يكفيك عنده اليسير من الكلام.
ويقال في الأمن المطمئن: أرخى عمامته، لأنه
لأ ترخی العمائم في الشدة.
و التراخي: التقاعد عن الشيء. يقال : تراخي عن حاجته، أي فتر.
و ترای فلان عني: تقاعس و أبطأ عتي.
و تراخى السماء: أبطأ المطر.
و الحرف الرخو: هو الذي يجري فيه الصوت.
و الحروف الرخوة ثلاثة عشر حرفا، و هي: الثاء، والحاء، و الخاء، و الذال، و الزاي، و الظاء، و الصاد، والضاد، والغين، والفاء، والسين، والشين، و الهاء.
و منه أيضا : الرخاء: سعة العيش، و قد رخو و رخا یرخو و یرخی رخی، فهو راخ و رخي، و إنه في عیش رخي، أي ناعم.
وفي حديث الإمام علي علیه السلام في الدنيا: «لايدوم رخاؤها، و لا ینقضی عناؤها »(1)
و استرخي به الأمر و استرخت به حاله، إذا وقع في حال حسنة بعد ضيق و شدة.
و استرخى به الخطب: أرخاه خطبه و نعمه، و جعله في رخاء و سعة.
والإرخاء: شدة العدو. يقال: أرخي الفرس في عدوه، إذا أحضر . قال الأزهري : « مأخوذ من الريح الرخاء ، و هي السريعة مع لين».
والإرخاء: أن تخلي الفرس و شهوته في العدو غير متعب له. يقال : فرس مرخاء من خیل مراخ.
و أتان مرخاء: كثيرة الإرخاء. يقال: فرس مرخاة و ناقة رخاء في سيرهما.
و أخى الدابة: سار بها الإرخاء.
2 -و استعمل المولدون بعض مشتقات هذه المادة في معان مختلفة، و منها قولهم: استرخاء العضلات، أي هزالها. و الصواب: ضمور العضلات، لأن الاسترخاء خلاف الشدة، و كلاهما عامل طبيعي. و أما ضمورها فهو عامل مرضي يصيب عضلات الرجلين لدى الذكور والإناث في العقد الرابع.
و قولهم: أرخى عينيه بالدموع، و المأثور عن العرب: أذری دموعه، و أسبل عبرته، و نحوهما.
و طقس رخو، أي جو معتدل، و لا توصف حالة الجو بالرخاوة والشدة، و إنما توصف الريح بالرخاء، فيقال: ریح خاء، أي لينة. و يقال لها أيضا: نسیم،
1) نهج البلاغة - الخطبة: (230)
و رادة ، و مريضة.
الاستعمال القرآني
جاء منها المصدر مرة واحدة، في آية واحدة:
«فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ »ص، : 36 .
يلاحظ أولا: أنها فريدة في القرآن، جاءت في سورة مكية، و لعلها كانت خاصة بها، و فيها بحوث:
1- هذه من الآيات في قصة سليمان من سورة ص،، بدء من الآية : 30، «وَ وَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمنَ» و ختما بالآية : 40، « وَ اِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفى وَ حُسْنَ مَاب » .
2- واختلفت الأقوال في معنى «رخاء »: لينة مطيعة طيبة، ليست بعاصفة، و لا الهينة بين ذلك، سريعة طيبة، ليست بعاصفة ولابطيئة، طوعا، الريح اللينة التي لا تعصف، مطيعة لسليمان و نحوها، وهي من الرخاوة بمعنی سعة العيش.
3 - و هم بحث طويل في الفرق البين بين هذه الآية و الآية : 81، من سورة الأنبياء:«وَلِسُلَیْمنَ الرّیحَ عَاصِفَهً تَجْرِی بِأَمْرِهِ ...»، فإن اللينة ضد العصوف. و قد جمعوا بينهما بوجهين:
الأول: أنه لا منافاة بينهما، فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الريح العاصفة، إلا أنها لما جرت بأمر سليمان عليه السلام كانت لذيذة طيبة، فكانت رخاء .
الثاني: أن تلك الريح كانت لينة مرة و عاصفة أخرى، و لا منافاة بين الأمرين.
4- و قال ابن عاشور: « و معناه: سخرنا لسليمان
الريح التي شأنها العصوف، فمعنی «فَسَخَّرْنا لَهُ »جعلناها له رخاء. فانصب «عاصفة» في آية سورة الأنبياء على الحال من «الريح »و هي حال منتقلة. و لا أعقبه بقوله: « تَجْرِي بِأَمْرِهِ » علم أن عصفها يصير إلى لين بأمر سليمان، أي دعائه، أو بعزمه، أو رغبته، لأنه لاتصلح له أن تكون عاصفة بحال من الأحوال، فهذا وجه دفع التنافي بين الحالين في الآيتين»، و لاحظ سائر النصوص.
و ثانيا: أنها قصة مكية كأكثر القصص القرآنية.
وثالثا: ليس لهذه المادة نظائر في القرآن.
ردءا
لفظ واحد، مرة واحده،فی سوره مکیه
النصوص اللغوية
الخليل: الردء مهموز، و تقول: ردأت فلانا بكذا أو كذا، أي جعلته قوة له و عمادا، کالحائط تردوه بردء من بناء تلزقه به.
وأردائه، أي أعنته، و صرت له ردء، أي معينا. و الردوء: الأعوان، و تراد أوا، أي تعاونوا.
وقد أردأ هذا الأمر على غيره، أي زاد، یهمز و يلين، و أربأ و أرمأ مثله. [ثم استشهد بشعر]
و الرداءة: مصدر الشيء الرديء، و قد ردؤ الشيء يردؤ رداءة.
وإذا أصبت شيئا أو فعلته فعلا رديئا فأنت مردی. (67:8)
الضبي: أردأت الحائط بهذا المعنى. [الدعم بخشب]
والأرداء: الأعدال الثقيلة، كل عدل منها ردء.
وقد اعتكمنا أرداء لنا ثقالا، أي أعدالا.
(الأزهري 167:14)
الكسائي: أرديت على الخمسين، أي زدت عليها. [ثم استشهد بشعر] (الأزهري 167:14)
ابن شميل: ردأت الحائط أردؤه، إذا دعمته بخشب أو كبس يدفعه أن يسقط.
(الأزهري 46)
أبو عمرو الشيباني: أردائه: سكنته و آنسته، الولد و غیره. (288:1)
الناقة تألف الأباعر فتتبعها حتى تجر حملا فيردئها ما في بطنها: يسكنها. (1: 289)
الفراء: الصخرة يقال لها: رداة؛ و جمعها:ردیات. [ثم استشهد بشعر] (الأزهري 168:14)
ابن الأعرابي: أبوك رداؤك، و دارك رداؤك، و كل ما زينك فهو رداؤك. [ثم استشهد بشعر]
(الأزهري 169:14)
و أردا على الستين: زاد عليها، مهموز.
(ابن سيده 9: 375)
ابن السكيت: و هو شيء رديء بين الرداءة، ولا تقل: الرداوة. (إصلاح المنطق : 149)
وقد أردأت الرجل، إذا أعنته، قال الله جل و عز:« فَأَرْسِلْهُ مَعِی رِدْءاً »القصص : 34.
وقد أرديته إذا أهلكته. (إصلاح المنطق : 155)
فلان عمر الرداء، إذا كان كثير المعروف واسعه و إن كان رداؤه صغيرا.[ ثم استشهد بشعر]
(الأزهري 169:14)
ابن أبي اليمان: الردء: الرجل المعتمد عليه، قال الله جل ثناؤه: «فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي» القصص : 34، و كل معتمد عليه فهو ردء. (96)
الزجاج: ردؤ الرجل فهو رديء.
وأردأت الرجل بنفسي إرداء، أي أعنته و کنت له ردء .
(فعلت و أفعلت : 19)
ابن درید: ردؤ الشيء رداءة، إذا صار رديئا؛و الاسم: الرداءة.(241:3)
أردأت الرجل بنفسي إرداء، إذا كنت له ردء و هو العون. (269:3)
وردؤ الشيء رداءة، إذا صار رديئا فاسدا.(282:3)
القالي: الردء: العون، قال الله عزوجل«فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي»القصص : 34.
العرب تقول: فدى لك ردائي، وفدى لك ثوبي، يريدون البدن. (295:2)
الأزهري: فلان ردء لفلان، أي ينصره و يشد ظهره.
و تقول: أردأت فلانا، أي ردأته.
وصرت له ردء، أي معينا، الردء: المعين، و تراد أوا، أي تعاونوا.
و قال الليث: لغة للعرب: أردأ على الخمسين، إذا زاد.
قلت: لم أسمع الهمز في «أردي » لغير الليث، و هو غلط منه.
و روي عن علي أنه قال: من أراد البقاء ولابقاء فليبا کر الغداء و ليخفف الرداء.
قالوا له: و ما تخفيف الرداء في البقاء ؟ فقال: قلة الدين.
قلت: و يسمى الدين رداء، لأن الرداء يقع على المنكبين و مجتمع العنق، و الدين أمانة، و العرب تقول في ضمان الدين: هذا لك في عنقي ولازم رقبتي، فقيل للدين: رداء، لأنه لزم عنق الذي هو عليه، کالرداء الذي يلزم المنكبین إذا تردي به.
و منه قيل للسيف: رداء، لأن متقلده بحمائله مترد به.
ويقال للوشاح: رداء، و قد تردت الجارية، إذا توشحت: [و استشهد بالشعر مرتين] (14: 167)
الصاحب: الردءة مهموزة، من قولهم: ردأته بكذا، أي جعلته قوة له و عماد اتردوه به.
وأردأت فلانا: أعنته وصرت له ردء، أي معينا. و تراد أوا: تعاونوا.
والردء: العدل الثقيل؛ و جمعه: أرداء، بوزن أذراع.
وأردأ هذا الأمر على غيره مهموز، أي زاد، و منهم من يلينه.
وأردأت الستر: أرخيته، والحائط: دعمته بخشب أو بناء، و كذلك ردأته.
وأردأ الشيخ إلى الوسادة: أسند ظهره إليه. وأردأت إلى قوله: سكنت إليه.
و الراعي يرد الإبل، أي يحسن القيام عليها.
وردأوا علينا ردء: و هو أن يتحمل قوم على إبل ثم يردأوا على قوم آخرين ليتحملوا.
والرداءة : مصدر الشيء الرديء، ردؤ یردؤ. وهو مردئ، إذا فعل رديئا، و إذا أصاب شيئا رديئا.( 350:9)
الجوهري: ردؤ الشيء، يردو رداءة، فهو رديء، أي فاسد. وأردأته: أفسدته.
وأرد أته أيضا بمعنى أعنته. تقول: أردأته بنفسي، إذا كنت له ردء، و هو العون، قال الله تبارك
و تعالی: « فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ».(52:1)
ابن فارس : الراء و الدال والياء أصل واحد يدل على رمي أو ترام و ما أشبه ذلك. [ إلى أن قال : ]
فأما المهموز فكلمتان متباينتان جدا. يقال: أردأت أفسدت. و ردؤ الشيء فهو رديء.
و الكلمة الأخرى: أردأت، إذا أعنت، و فلان ردء فلان، أي معينه، قال الله جل جلاله في قصة موسي علیه السلام: « فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ».
(506:2)
أبو سهل الهروي: وقد ردو الشيء بضم الدال و الهمز، فهو رديء على فعيل، أي فسد.
(التلويح : 28)
ابن سيده: الردء: العون و المادة.
وردا الشيء بالشيء: جعله له ردء.
و أردأه: أعانه .
و ترادأ القوم: تعاونوا.
وردأ الحائط ببناء: ألزقه به.
وردأه بحجر: رماه، کرداه.
وردو الشيء رداءة، فهو رديء: فسد.
و رجل رديء كذلك من قوم أردءاء بهمزتين عن اللحياني وحده.
و أردأ الرجل : فعل شيئا رديئا، أو أصابه .
و أردأ هذا الأمر على غيره: أربي، یهمز و لا يهمز.
و الذي حكاه أبو عبيد: أردیت. [ثم استشهد بشعر] (374:9)
الراغب: الردء: الذي يتبع غيره معينا له. قال تعالى: «فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي» و قد أردأه.
والرديء في الأصل مثله، لكن تعورف في المتأخر المذموم. يقال: ردؤ الشيء رداءة، فهو رديء. (193)
ابن الأثير: في وصية عمر عند موته:«و أُوصیه بأَهل الأَمصار خیراً، فإنهم رِدْءُ الإِسلامِ و جُباهُ المالِ »، الذء: العون والناصر. ( 213:2)
الفيومي:ردو الشيء بالهمز رداءة فهو رديء على فعيل، أي وضیع خسیس.
والرداء بالمد؛ ما يتردى به، مذکر، و لايجوز تأنيثه، قاله ابن الأنباري، و التثنية: رداءان بالهمز . و ربما قلبت الهمزة واوا، فقيل: رداوان.
و ارتدی بردائه، و هو حسن الردأه بالكسر؛ والجمع: أردية بالياء، مثل سلاح و أسلحة.
و الردء مهموز، وزان جمل: المعين. و أردأته بالألف: أعنته. (225:1)
الجرجاني: الرداء: في اصطلاح المشايخ، ظهور صفات الحق على العبد. (48)
الفيروزابادي: الردء، بالكسر: العون، و المادة و العدل الثقيل.
وردأه به، كمنعه: جعله له ردء، و قوة و عمادا، و الحائط: دعمه، كأردأه، و بحجر: رماه به، و الإبل : أحسن القيام عليها.
وأردأه: أعانه، و علی مائة: زاد، والستر: أرخاه و سكنه، و أفسده، و أقره، و فعل رديئا، أو
أصابه.
و ردو، ک«کرم»رداءة: فسد، فهو رديء من
أردئاء، بهمزتين. (16:1)
الطریحی: قوله تعالى: « رِدْءاً یصَدِّقُنی » أي معينا. يقال : ردأته على عدوه، أي أعنته عليه.
و الردء: العون، فعل بمعنى مفعول، کالدفء لما يدفأ به
وفي الحديث: «الكبرياء ردائي و العظمة إزاري ». و المعنى على ما نقل عن بعض العارفين : إنهما صفتان لله اختص بهما، وضرب الرداء والإزار مثلا، أي لا يشركني في هاتين الصفتين مخلوق، كما لا يشرك الإنسان فيما هو لابسه من الإزار والرداء أحد.
و ذلك من مجازات العرب و بدیع استعاراتها، يكنون عن الصفة اللازمة بالثوب، يقولون: « شعار فلان الزهد، و لباسه التقوى »
و فيه تنبيه على أن الصفتين المذكورتين لايدخلهما المجاز، كما يدخل في ألفاظ بعض الصفات، مثل الرحمة والكرم.
و مثله في التوجيه: « اَلْعِزُّ رِدَاءُ اَللَّهِ وَ اَلْکِبْرِیَاءُ إِزَارُهُ ».والرداء بالكسر: مایسترأعالي البدن فقط؛ والجمع : أردیة، مثل سلاح و أسلحة.
و إن شئت قلت: الرداء: الثوب الذي يجعل على العاتقين و بين الكتفين فوق الثياب، و التثنية: ردا آن، و إن شئت رداوان، قاله الجوهري و غيره.
و هو حسن الردية بالكسر کالجلسة.
وفي حديث علي عليه السلام: «:مَن أرادَ البَقاءَ و لابَقاءَ فَلیُباکِرِ الغَداءَ ، و ليجود الحذاء، وَ لْیُخَفِّفِ الرِّدَاءَ وَ لْیُقِلَّ مُجَامَعَهَ النِّسَاءِ . قيل: و ما خفة الرداء ؟ قال: قلة الدين ». قيل: سمي رداء لقولهم: « دينك في ذمتي و في عنقي و لازم في رقبتي » و هو موضع الرداء.
و عن الفارسي: يجوز أن يقال: كتي بالرداء عن الظهر، لأن الرداء يقع عليه، فمعناه: فليخفف ظهره ولايثقله بالدين.
و ردؤ الشيء بالهمز و کحسن یحسن رداءة بالمد: فسد.
و الرديء على وزن فعيل: الفاسد.
و رجل رديء، أي وضیع خسیس. (1: 181)
مجمع اللغة:ردأ الشيء بالشيء يردؤه ردء: جعله قوة له و عمادا، و الردء: العون. (1: 467)
محمد إسماعيل إبراهيم:ردأته على عدوه: أعنته عليه، و ردأت الحائط: دعمته بخشبة حتى لا يسقط.
و الردء: الناصر و المعين و بمعنى العون. (217)
محمود شیت: ردأ الجيش قوات المجاهدين: دعمها و قواها.
تراد الجيش: تعاونت صنوفه.
الردء: القوة الاحتياطية. يقال: سرية الردء: سرية الاحتياط، لأنها معين الفوج و عماده. (286:1)
المصطفوي: التحقيق : أن الأصل الواحد في هذه المادة : هو صيرورة شيء ظهيرا لشيء آخر،
حتى يجبر استرخاءه و سقوطه، و يكون عمادا له.
فيقال أردأت الحائط، أي أدعمته بخشب، و أردأته بنفسي، إذا جعلت نفسك ظهیرا و قوة و ناصرا و عمادا له.
فالإعانة و النصرة و التقوية المطلقة ليست بمفهوم حقيقي للمادة، بل في مورد شد الظهر و الإدعام و التعميد بشيء.
و أما مفهوم الفساد أو الخسة أو الوضع أو الكراهة: فإنها من لوازم الأصل، فإن في الإدعام نوع استرخاء وضعة وضعف و فساد، و یکون العماد و الظهير تابعا للشيء المسترخي، و يجعل قوته مصروفة في إعانته، فهو ساقط و مسترخی با لتبع و في المرتبة الثانية.
و أيضا إن مادة الردي: سيجيء أن الأصل الواحد فيها هو الضعة و السقوط، و بين المادتين اشتقاق أكبر، و لا يخلو أحدهما من التأثر من مفهوم الآخر، و قد يختلط بين المفهومين في الاستعمال، و نظائره كثيرة.
و أما الرداء: فهو في الأصل مصدر مجرد أو من راد أمرادء و رداء، فكأن لبس الرداء و الارتداء به جعله ردء و ناصرا و جابرا للضعف، فإنه ساتر جمیل، و في ذيله يحمل الإنسان ما يحمل، و في ظاهره وقار و عظمة.
ولا يخفى من الاشتقاق بينها و بين مواد الردع: المنع، و الردغ: الاسترخاء، والردف: الإتباع واللحوق، والردم سد ثلمة. و يجمعها معنى الجبر
والاسترخاء واللحوق.
«وَأَخِی هرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّی لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِیَ رِدْءًا یُصَدّقُنِی » القصص : 34، أي بأن يكون ظهير الي يشد ظهري و يجبر ضعفي.
فظهر لطف التعبير بالكلمة، دون الإعانة و التعميد و الإدعام والنصر والتقوية، و أمثالها: فإن خصوصية مادة الردء غير ملحوظة في سائر المواد، و هي كما قلنا: ظهور ضعف و استرخاء في شيء، ثم صيرورة شيء آخر ظهيرا له حتی يجبر استرخاءه.
وأما النصر و الإعانة والتقوية: فهي تدل علی مطلق مفهومها، و التعميد و الإدعام أيضا مطلقة من تلك الحيثية، مع وجود قيد آخر في المادة وهو الضعف والاسترخاء. (103:4)
النصوص التفسيرية
ردءا
وَأَخِی هرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّی لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِیَ رِدْءًا یُصَدّقُنِی إِنّی أَخَافُ أَن یُکَذّبُونِ. القصص : 34
ابن عباس: معينا.
مجاهد: عونا.
مثله قتادة. (الطبري 10: 72)
الفراء: الردء: العون. تقول: أردأت الرجل: أعنته، و أهل المدينة يقولون: ( ردا يصدقني)، بغير همز. (306:2)
ابن قتيبة: أي معينا. يقال: أردأته على كذا،أي أعنته. (333)
الطبري: الردء في كلام العرب هو العون. يقال منه: قد أردأت فلانا على أمره، أي أكفيته و أعنته.
(72:10)
الزجاج : الردء: العون. تقول: ردأته أردؤه ، ردء، إذا أعنته، و الردء: المعين. (4: 144)
نحوه مکارم الشيرازي. (209:12)
الثعلبي: معينا، يقال: أردأته، أي أعنته، و ترك همزه عیسی بن عمر و أهل المدينة طلبا للخفة. (249:7)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: [قول مجاهد]
الثاني: زيادة، و الردء: الزيادة، و هو قول مسلم ابن جندب. [ثم استشهد بشعر ] (252:4)
الطوسي: قرأ نافع ( ردا) بفتح الدال من غير همز منونا. وقرأه أبوجعفر بألف بعد الدال من غير همز و غیر تنوین. الباقون بسكون الدال و بعدها همزة مفتوحة منونة.(147:8)
الواحدي: عونا، يقال: فلان ردء لفلان، إذا كان ينصره و يشد ظهره، يقال: أردأت فلانا، إذا اعنته. 0399:3)
نحوه الطبرسي. (253:4)
البغوي: عونا، يقال: ردأته، أي أعنته. قرأ نافع: ( ردا ) بفتح الدال من غير همز طلبا للخفة، وقرأ الباقون بسكون الدال مهموزا. (534:3)
نحوه شبر (22:5 )، والآلوسي ( 77:20)
الزمخشري: يقال : ردأته : أعنته، و الردء: اسم ما یعان به، فعل بمعنى مفعول به، كما أن الدفء اسم لما يدفأ به. [ثم استشهد بشعر ]
وقرئ ( ردا )على التخفيف، كما قرئ (الخب) النمل: 25. (176:3)
نحوه الفخر الرازي ( 249:24) ، و البيضاوي (193:2 )، و النيسابوري ( 42:20) ، و الشربيني (3: 99)، و أبوالسعود (5: 123)، و البروسوي (404:6).
ابن عطية: قرأ الجمهور «ردءا »بالهمز، و قرأ نافع وحده ( ردا) بتنوين الدال دون همز، وهي قراءة أبي جعفر و المدنيين، وذلك على التخفيف من ردء.
والردء: الوزر المعين و الذي يسند إليه في الأمر. و ذهبت فرقة إلى أنها من معنى الزيادة.
[ثم استشهد بشعر] (288:4)
نحوه القرطبي. (286:13)
النسفی: حال، أي عونا، يقال: رد أته: أعنته، و بلا همز مدني. (236:3)
أبو حيان: قرأ الجمهور: «ردءا» بالهمز، و أبوجعفر ونافع و المدنيان بحذف الهمزة، ونقل حرکتها إلى الدال، و المشهور عن أبي جعفر با لنقل : ولا همز ولا تتوین، و وجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف. (118:7)
ابن عاشور«ردي » با لتخفيف مثل « ردء» بالهمز في آخره: العون. قرأه نافع و أبوجعفر (ردي ) مخففا. و قرأه الباقون «ردءا »بالهمز على الأصل. (52:20)
مغنية: «ردءا»: معينا لي على بث الدعوة، و فيه إيماء إلى أنه لابد لكل دعوة من أنصار، و أن العلم وحده لا يكفي لإثبات الدفاع عن الحق، ما لم تقترن الحجة بطلاقة اللسان و فصاحة البيان.(64:6)
فضل الله: أي ناصر ینصرني و يشد ظهري . (293:17)
الأصول اللغوية
1 - لهذه المادة أصلان: الأول: الردء، أي العون والنصرة. يقال: ردأ الحائط ببناء يردؤه ردء و أردأه، أي ألزقه به.
و الردء: المعين. يقال: فلان ردء لفلان، أي معين ينصره و يشد ظهره.
و ردأت فلانا بكذا وكذا، أي جعلته قوة له و عمادا، کالحائط تردؤه من بناء تلزقه به.
و أردأت فلانا: ردأته و صرت له ردء، أي معينا.
و ترادأ القوم: تعاونوا.
والردء: العدل الثقيل، و الجمع: أرداء، لأنه ينصر العدل الآخر و يساويه في العمل. يقال: اعتكمنا أرداء لنا ثقالا، أي أعدالا.
و منه: الرداء: الذي يلبس، و تثنيته رداءان أو رداوان؛ و جمعه: أردية على التسهيل، وهو الرداءة ،
وقد تردی و ارتدی، أي لبس الرداء، لأنه يلزق بالجسم و يشده. يقال: إنه لحسن الردیة، أي الارتداء، و رديته أنا تردية.
والرداء: الغطاء الكبير، والوشاح، و قد تردت الجارية، إذا توشحت.
و امرأة هيفاء المردی: ضامرة موضع الوشاح.
والرداء: السيف، على التشبيه بالرداء من الملابس ، و قد تردی به وارتدی.
والرداء: القوس، لأنها تحمل موضع الرداء من العاتق.
والرداء: الدين، لأنه يلزم عنق الذي هو عليه، کالرداء الذي يلزم المنكبين إذا تردي به. و في حديث الإمام علي علیه السلام : « من أراد البقاء و لابقاء، فليبا کر الغداء، و ليخقف الرداء، و ليقل غشيان النساء » قالوا له: وما تخفيف الرداء في البقاء ؟ فقال : « قلة الدين».
و الرداء: العقل، و كل مازینك، حتی دارك و ابنك. يقال : أبوك داؤك، و دارك رداؤك، و بنيك رداؤك.
والرداء: الشباب، وهو حسنه و غضارته و نعمته.
و رجل غمر الرداء: واسع المعروف و إن كان رداؤه صغيرا.
و عیش غمر الرداء: واسع خصيب.
و أردأ على الستين: زاد عليها، و أردی غیر مهموز أيضا.
و الثاني: الرداءة، أي النكر والفساد. يقال : ردؤ الشيء يردؤ رداءة فهو رديء، أي فسد.
و هذا شيء رديء بين الرداءة ، و قد أرداته، أي أفسدته و جعله رديئا.
و يقال أيضا: رجل رديء، من قوم أردئاء.
و أردأ: فعل شيئا رديئا أو أصابه، فهو مردئ.
2 - و لعل الردء مقلوب الدرء، أي الدفع. قال ابن دريد: «درأته بحجر، إذا رميته به، و دريته، بغير همز»(1)وجاء في لسان العرب(2)أيضا: « دَرَأَ الحائطَ ببناءٍ: أَلزَقَه به. و دَرَأَه بحجر: رماه، کرَدَأَه» و لسنا منه على يقين.
و مما جاء مهموز او معتلا قولهم: أرءدأ هذا الأمر على غيره، و أرءدی: اربی و زاد.
و أردأ على الستين، و أردى على الخمسين والثمانين: زاد. قال الخليل: « يهمز و يلين »
و تعقبه الأزهري بقوله: «لم أسمع الهمز في « أردى » لغير الليث، و هو غلط منه». و لكن ابن الأعرابي ذكر لغة الهمز أيضا، و كلاهما - أي الخليل و ابن الأعرابي - شافه الأعراب ، فهما حجة عليه، لأنه لم يشافههم.
الاستعمال القرآني جاء منها المصدر ( ردءا ) مرة في آية واحدة:
«وَ أَخِی هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّی لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِیَ رِدْءًا یُصَدِّقُنِی إِنِّی أَخَافُ أَن یُکَذِّبُونِ»
القصص : 34
يلاحظ أولا أن فيها بحوثا:
1- هذه من جملة قصص موسی علیه السلام في سورة القصص بدء من الآية : 3، « نَتْلُوا عَلَیْکَ مِن نَّبَإِ مُوسَی وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ»، و ختما بالآية : 46، «وَمَا کُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَیْنَا ...» وهي من أطول قصص موسی و فرعون في القرآن .
2- و قبلها آيات في قصته بجانب الطور وما أمره الله به من ذهابه إلى فرعون؛ حيث قال موسی الله تعالى: « رَبِّ إنّی قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أن یَقْتُلُونِ* وَ أَخِی هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّی لِساناً..» فقال الله له: «سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ...»
3- وقال الطبرسي (4 : 253) «وَ أَخِی هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّی لِسَانًا...» : « و إنما قال ذلك لعقدة كانت في لسانه، و قد مر فيما مضى ذكر سببها، و قد كان الله تعالى أزال أكثرها، أو جميعها بدعائه.
«فَأَرْسِلْهُ مَعِی رِدْءا » أي معينا لي على تبليغ رسالتك. يقال: فلان ردء لفلان: إذا كان ينصره، ويشد ظهره...».
و ثانیا: إنها من جملة القصص في سورة مكية، وأكثرها كذلك.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
المعاونة: «قَالَ مَا مَکَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیْرٌ فَأَعِینُونِی بِقُوَّهٍ أَجْعَلْ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ رَدْمًا »
الكهف : 95
الناصرة: « ما لَکُمْ لا تَناصَرُونَ »
الصافات : 25
المؤازرة: «... وَمَثَلُهُمْ فِی الْإِنجِیلِ کَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فََازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَی عَلَی سُوقِهِ ...»
الفتح : 29
المعاضدة: «ما أشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وَ ما کُنْتَ مُتَّخِذَ المِضِلِّینَ عَضُداً» الكهف : 51
المظاهرة: «وَأَنْزَلَ الَّذِینَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْکِتَابِ مِنْ صَیَاصِیهِمْ وَقَذَفَ فِی قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِیقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِیقًا» والأحزاب : 26
37 لفظا، 60 مرة: 35 مکیه،25 مدنیه
في 40 سورة: 30 مکیه،10 مدنیه
رد 1:-1
ردها 1:1
ردوا 1:1
ردوه 1:-1
رددنا 1:1
رددناه 2:2
ردوا 4 :3-1
ردوه 1:-1
ردوها 2: 1-1
ردت 2:2
رددت 1:1
یردونکم 1:1
یردوکم 3:-3
فنردها 1:-1
یردون 2:-2
ترد 1:-1
تردون 3:-3
نرد 3:3
راد 1:1
لرادک 1:-1
رادی 1:1
رادوه 1:1
مردود 1:1
لمردودون 1:1
مرد 4: 3-1
مردنا 1:1
مردا 1:1
ردها 1:1
یرد 6: 4-2
ارتد 1:1
ارتدا 1:1
ارتدوا 1: -1
یرتد 3: 2-1
بردهن 1:- 1
یرتدد 1:- 1
ترتدوا 1:- 1
یترددون 1:- 1
النصوص اللغوية
الخليل: الرد: مصدر رددت الشيء.
و ردود الدراهم؛ واحدها: رد، و هو ما زیف فرد على ناقده بعد ما أخذ منه.
والد: ما صار عمادا للشيء الذي تدفعه و ترده.
والردة: مصدر الارتداد عن الدين.
والردة: تقاعس في الذقن.
و إن كان في الوجه بعض القباحة و يعتريه شيء
من جمال، يقال: هي جميلة، و لكن في وجهها بعض الرده.
و رداد: اسم الرجل المجبر، ينسب إليه المجبرون،لأنه يرد العظم المنكسر إلى موضعه. (7:8)
الكسائي: ناقة مرمد على مثال مكرم، و مرد مثال مقل، إذا أشرق ضرعها و وقع فيه اللبن.
(الأزهري 14: 64)
أبو عمرو الشيباني: الردی: المرأة المردودة المطلقة. (الأزهري 14: 64)
الأصمعي: المردودة من النساء: المطلقة. (الأزهري 14: 64)
والردة: امتلاء الضرع من اللبن قبل النتاج. [ثم استشهد بشعر]
و تقول منه: أردت الشاة و غيرها فهي مرد، إذا أضرعت .
وجاء فلان مرد الوجه، أي غضبان.
و رجل مرد، أي شبق .
و بحر مرد، أي كثير الموج.( الجوهري 2: 473)
أبو عبيد: في حديث النبي علیه السلام أنه قال لسراقة ابن جعشم: «ألا أدلك على أفضل الصدقة: ابنتك مردودة عليك ليس لها کاسب غيرك».
قال الأصمعي: المردودة: المطلقة. وإنما هذا كناية عن الطلاق، و كذلك حديث الزبير رضی الله عنه : إن الزبير جعل دوره صدقة، و للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضربها، فإن استغنت بزوج فلاشيء لها.(249:1)
الرديدی: من الرد في الشيء. (الأزهري 14: 64)
ابن الأعرابي: يقال للإنسان إذا كان فيه عيب : فيه نظرة وردة و خيلة. (الأزهري 63:14)
الردد: القباح من الناس. يقال: في وجهه ردة و هو راد
و ارتد الرجل عن دينه ردة، إذا كفر بعد إسلامه.
وأمر الله لامرد له، انتهى. و الله أعلم. (الأزهري 65:14)
أبو الهيثم : قال أبو ليلي: في فلان ردة، أي يرتد البصر عنه من قبحه. (الأزهري 63:14)
کراع النمل: و الرد: الكهف. (ابن سيده 268:9)
ابن درید: رددت الشيء أرده ردا فهو مردود.
و في وجه الرجل ردة، إذا كان قبیحا.
والردة: الرجوع عن الشيء، و منه: الردة عن الإسلام.
و أردت الناقة، إذا ورمت أرفاغها و حياؤها من كثرة شرب الماء، فهي مرة، والاسم: الردة.
و ناقة مرد أيضا، إذا برکت علی ندى فانتفخ ضرغها و حياؤها. [ثم استشهد بشعر]
ويقال: جاء فلان مرد الوجه، إذا جاء غضبان، أو ورم وجهه من بكاء.
وأرد البحر، إذا كثرت أمواجه و هاج. (1: 72)
أردت الناقة، إذا ورم ضرعها. (3: 481)
الأزهري: روي عن النبي صلی الله علیه و آله أنه قال لسراقة بن مالك: «ألا أدلك على أفضل الصدقة: ابنتك مردودة عليك لاكاسب لهاغيرك »، أراد أنها مطلقة من
زوجها، فأتفق عليها.
ناقة مرة، إذا شربت الماء فورم ضرعها و حياؤها من كثرة الشرب، يقال: تنوق مراد، و كذلك الجمال إذا أكثرت من الشرب فثقلت.
و رجل مرد، إذا طالت عربته فتراد الماء في ظهره.
ويقال: بحر مرة، أي كثير الماء.
وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: «لارديدي في الصدقة ». يقول: لاترد.
أبو تراب عن زائدة: يقال: رده عن الأمر ولده، أي صرفه عنه برفق. قال: و الرد: الظهر و الحمولة من الإبل.
قلت: سمیت ردا، لأنها ترد من مرتعها إلى الدار إذا احتمل أهلها. [و استشهد بالشعر مرنتین] ( 63:14)
الصاحب: الرد: مصدر رددت، و اسم لما رد بعد أخذه؛ و الجميع: الردود. ويقال: رددت الشيء و أرددته.
و ليس لأمر الله مرد و لامردود، أي رد .
و كلام ليست له رادة و لامردة، أي فائدة و مرجوع.
والرد: شبه الريع، و كذلك المرد. ويجوز أن يكون قوله عز وجل: «و خَيْرٌ مَرَدًّا » مريم : 76، من هذا.
و الرد: ما ترده الحمولة من الإبل والظهر.
و امرأة مردودة، أي مطلقة.
و الرد: ما صار عمادا للشيء يرده و يدفعه. والصناعة يحبس بها الماء؛ و جمعه: ردود.
والردة: مصدر الارتداد، و الصوت يرجع إليك من الجبل، و الفضيلة البقية من الشيء، و تقاعس في الذقن. و أن تشرب الإبل الماء علا. و أن ترتد الألبان في ضروعها.
و بحر مرد: كثير الماء.
و شاة مرة، إذا اجتمع اللبن في ضرعها، أردت إردادا.
و الإرداد: أن يرم ضرع الناقة عن شرب الماء فيثقل بدنها؛ ونوق مراد. من قولهم: رد وجهه، أي ورم.
و رجل مرد: طالت عزوبته فتردد ماء ظهره في صلبه و كثر.
و رداد: اسم رجل مجبر.
والردید: الجفل من السحاب. (257:9)
الجوهري: رده عن وجهه يرده ردا و مردا: صرفه، و قال الله تعالى: « فَلا مَرَدَّ لَهُ»الرعد : 11.
ورد عليه الشيء، إذا لم يقبله، و كذلك إذا خطأه.
و تقول: رده إلى منزله. ورد إليه جوابا، أي رجع.
و المردودة: المطلقة، و المردودة: الموسي، لأنها ترد في نصابها.
و المردود: الرد، و هو مصدر، مثل المحلوف و المعقول.[ثم استشهد بشعر]
و شيء رد، أي رديء.
وفي لسانه رد، أي حسبة.
و في وجهه ردة، أي قبح مع شيء من الجمال.
و ردده تردیدا و تردادا فتردد.
و رجل مردد: حائر بائر.
والارتداد: الرجوع، و منه المرتد.
و استرده الشيء: سأله أن يرده عليه.
و الردیدی: الرد. و في الحديث: «لاردیدی في الصدقة».
و راده الشيء، أي رده عليه.
و هما يتراد ان البيع، من الرد و الفسخ.
و هذا الأمر أرد عليه، أي أنفع له.
وهذا أمر لارادة له، أي لا فائدة له ولا رجوع.
والردة بالكسر: مصدر قولك رده یرده ردا وردة.
والردة: الاسم من الارتداد. (473:2)
ابن فارس: الراء و الدال أصل واحد مطرد منقاس، و هو رجع الشيء. تقول: رددت الشيء أرده ردا.
و سمي المرتد، لأنه رد نفسه إلى كفره.
والرد: عماد الشيء الذي يرده، أي يرجعه عن السقوط والضعف.
و المردودة: المرأة المطلقة. و منه الحديث: أنه قال السراقة بن مالك: «ألا أدلك على أفضل الصدقة: ابنتك مردودة عليك، ليس لها کاسب غيرك».
ويقال: شاة مرد و ناقة مردة، و ذلك إذا أضرعت، كأنها لم تكن ذات لبن فرد عليها، أو ردت هی لبنها.
ويقال : هذا أمر لارادة له، أي لا مرجوع له ولافائدة فيه.
و الردة: تقاعس في الذقن، كأنه رد إلى ما وراءه.
والردة: قبح في الوجه مع شيء من جمال، يقال: في وجهها ردة، أي إن ثم ما یرد الطرف، أي يرجعه عنها.
والمتردد: الإنسان المجتمع الخلق، كأن بعضه رد على بعض. و يقال: و فيه نظر إن المردودة الموسی، وذلك أنها ترد في نصابها.
ويقال : نهر مرد: كثير الماء. و هذا مشتق من ردة الشاۃ و الناقة.
و من الباب: رجل مرد، إذا طالت عزبته، و هو من الذي ذكرناه من ردة الشاة، كأن ماءه قد اجتمع في فقرته. [واستشهد بالشعر مرتين] (386:2)
أبوهلال: الفرق بين الرد و الرجع: أنه يجوز أن ترجعه من غیر کراهة له، قال الله تعالى: «فَإِنْ رَجَعَكَ اللّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ » التوبة : 83، ولا يجوز أن ترده إلا إذا كرهت حاله، و لهذا يسمى البهرج ردا و لم يسم رجعا، هذا أصله ثم ربما استعملت إحدى الكلمتين موضع الأخرى لقرب معناهما.
الفرق بين الرد و الرفع: أن الرد لا يكون إلا إلى خلف، و الرفع يكون إلى قدام و إلى خلف جميعا. (92)
الهروي: في الحديث: « و لا القصير المتردد » كأنه تردد بعض خلقه على بعض.
وفي الحديث: « ردو السائل و لو بظلف محرق » أراد بروه بشيء ولم يرد الحرمان، و هو كقولك: سلم فرددت عليه، أي أجبته، و کلمني فما رددت عليه سوداء و لابیضاء.
وفي الحديث: «لارديدي في الصدقة » أي لاترد التي تؤخذ في السنة مرتين. (733:3)
ابن سيده: الرد: صرف الشيء و رجعه، رده یرده
ردا و تردادا، و هو بناء للتكثير.
قال سيبويه : هذا باب ما تكثر فيه المصدر من « فعلت» فتلحق الزوائد، و تبنيه بناء آخر، كما أنك قلت في فعلت: فعلت حين كثرت الفعل، ثم ذكر المصادر التي جاءت على « التفعال » کالترداد ، و التلعاب، و التهذار، و التصفاق و التقتال، و التسيار، وأخواتها.
قال: و ليس شيء من هذا مصدر فعلت، و لكن لما أردت التكثير بنيت المصدر على هذا، كما بنيت فعلت على فعلت .
والمرد کالرد.
و ارتده کرده.
وفي التنزيل: «مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَ یَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ »الشوری : 47. قال ثعلب : يعني يوم القيامة، لأنه شيء لايرد.
و شيء ردید: مردود.
وقد ارتد، وارتد عنه: تحول. و في التنزيل: «مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ»المائدة : 54؛ و الاسم: الردة، و منه الردة عن الإسلام، أي الرجوع عنه.
و استرد الشيء، و ارتده: طلب رده عليه.
والاسم: الرداد، و الرداد.
و دود الدراهم: ما رد؛ واحدها : رد، و كل ما رد بعد أخذه: رد
والرد: ما كان عمادا للشيء، يدفعه و يرده.
والمردودة: المطلقة، و كله من الرد. و في حديث النبي صلی الله علیه و آله ، أنه قال لسراقة بن مالك بن جعشم: « ألا أدلك على أفضل الصدقه: ابنتك مردودة عليك ليس لها کاسب غيرك »
تردد و تراد: تراجع.
و ما فيه ردیدی، أي احتباس و لاترداد.
و رجل متردد: مجتمع قصير، ليس بسبط الخلق.
و عضو رديد: مكتنز مجتمع.
و الردد، و الردة: أن تشرب الإبل الماء علا، فترتد الألبان في ضروعها.
و كل حامل دنت ولادتها، فعظم بطنها و ضرعها: مرد.
والردة: أن يشرق ضرع الناقة، و يقع فيه اللبن، وقد أردت، و هي مرد.
و أردت الناقة: برکت علی ندی، فورم ضرعها و حياؤها، و قيل: هو ورم الحياء من الضبعة.
وقيل: أردت الناقة و هي مرد: ورمت أرفاغها و حياؤها من شرب الماء.
و الردد، و الردة: ورم يصيبها في أخلافها، و قيل: هو ورمها من الحفل.
وأرد الرجل: انتفخ غضبا، حكاها صاحب الألفاظ. قال أبو الحسن: و في بعض التسخ: اربد.
و الردة : البقية.
وأرد البحر: کثرت أمواجه و هاج.
و رداد: اسم، و رئي رجل يوم الكلاب يشد على قوم، و يقول: أنا أبوشداد ، ثم يرد عليهم و يقول: أنا أبوراد.
و رجل مرد: كثير الرد و الكر. [و استشهد بالشعر
9 مرات) (266:9)
الراغب: الرد: صرف الشيء بذاته، أو بحالة من أحواله. يقال : رددته فارتدت، قال تعالى: «وَلاَ یُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِینَ » يوسف : 110.
فمن الرد بالذات قوله تعالى : «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ » الأنعام : 28، «ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ» الإسراء: 6، وقال: «ردوها على »ص : 33، وقال: «فَرَددناهُ إِلَی أمِهِ » القصص : 13، «یا لَیْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُکَذِّبَ » الأنعام : 27
و من الرد إلى حالة كان عليها، قوله:«ی يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ »آل عمران: 149، و قوله:«وَإِن یُرِدْکَ بِخَیْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ» يونس : 107، أي لادافع ولامانع له، و على ذلك: « عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ » هود : 76.
و من هذا الرد إلى الله تعالى، نحو قوله: « وَلَئِنْ رُدِدْتُ اِلى رَبّى لاَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا » الكهف : 36، « ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَی عَالِمِ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَهِ»الجمعة: 8، «ثُمَّ رُدُّواْ إِلَی اللَّهِ مَوْلَیهُمُ الْحَقِّ» الأنعام: 62، فالرد كالرجع في قوله: «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » البقرة:28.
و منهم من قال: في الرد قولان :
أحدهما: ردهم إلى ما أشار إليه بقوله: «منْهَا خَلَقْنَاکُمْ وَفِیهَا نُعِیدُکُمْ » طه : 55.
والثاني: ردهم إلى الحياة المشار إليها بقوله: «وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى » طه : 55، فذلك نظر إلى حالتين كلتاهما داخلة في عموم اللفظ.
وقوله تعالى: «فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ» إبراهيم : 9، قيل: عضوا الأنامل غيظا، و قيل: أو مؤوا إلى السكوت و أشاروا باليد إلى الفم .
وقيل: ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء فأسكتوهم، و استعمال الرد في ذلك تنبيها أنهم فعلوا ذلك مرة بعد أخرى.
وقوله تعالى : « لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً » البقرة : 109، أي يرجعونكم إلى حال الكفر بعد أن فارقتموه، و على ذلك قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ »آل عمران :100.
و الارتداد و الردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكن الردة تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه و في غيره. [ثم ذكر الآيات و أضاف:]
ويقال: رددت الحكم في كذا إلى فلان: فوضته
إليه، قال تعالى: «و لَو رَدُّوُهُ إِلَی الرَّسُولِ وَإِلی أُولِی الأَمْرِ مِنْهُمْ »النساء : 83، و قال: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ والرَّسُولِ» النساء : 59.
ويقال : راده في كلامه.
و قيل في الخبر: «البيعان يتراد ان » أي يرد كل واحد منهما ما أخذ.
وردة الإبل: أن تتردد إلى الماء، و قد أردت الناقة.
و استرد المتاع: استرجعه. ( 192)
الزمخشري:رد السائل و رده عن حاجته.
و رد عليه الهبة. و رد عليه قوله. و رد إليه جوابا .
و هذا مردود قولك و ردیده، كقولك: مرجوعه.
و ارتد عن سفره و عن دينه، و هو من أهل الردة.
و ارتدهبته: ارتجعها، سمعته منهم سماعا واسعا.
و ليس لأمر الله مردود، أي رد.
و استرده الشيء: سأله أن يرده عليه.
وردد القول: كرره. ولاخير في القول المردد.
و راده القول: راجعه إياه و ترادا القول.
و راده البيع: قایله و ترادا.
و تراد الماء: ارتد عن مجراه الحاجز.
و تردد في الجواب، و تعثر لسانه.
و هو يتردد با لغدوات إلى مجالس العلم و يختلف إليها.
و من المجاز: امرأة مردودة: مطلقة، لأنه يردها إلى بيت أبويها.
و ما يرد عليك هذا، أي ما ينفعك.
وهذا أمر لارادة فيه: لافائدة.
وضيعة كثيرة الرد و المرد، و هو الريع.
و رجل مردد: حائر بائر شديد الحيرة.
وطم شعره بالمردودة، و هي الموسي، لأنها ترد في
نصابها.
وفي ذقنه ردة: تقاعس .
و هي جميلة و لكن في وجههاردة، و هي بعض القبح.
ولا تعطني من ردود الدراهم، و هي التي لا تروج.
وهذا درهم رد.
و سمعت ردة الصدی، و هي مايرد عليك من الصوت. [ثم استشهد بالشعر 4 مرات]
أساس البلاغة : 159)
[في حديث ]: « وَ یَرُدُّ عَلَیْهِمْ أَقْصَاهُمْ»، أي إذا دخل العسكر دار الحرب فوجه الإمام سرية، فما غنمت جعل لها ما سمي لها، و رد الباقي على العسکر،لأنهم ردء للسرايا. (الفائق 3: 265)
النبي صلی الله علیه و آله في صفته عن باب مدينة العلم علیهماالسلام : « لَمْ یَکُنْ بِالطَّوِیلِ الْمُمَّغِطِ وَ لَا الْقَصِیرِ الْمُتَرَدِّدِ ...».
المتردد: الذي تردد بعض خلقه على بعض فهو مجتمع. (الفائق 3: 377)
المديني: في حديث القيامة: «يقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم » أي متخلفين عن بعض الواجبات، ولم يرد ردة الكفر و لهذا قيده بأعقابهم، لأنه لم يرتد أحد من الصحابة، و إنما ارتدقوم من جفاة الأعراب.
قوله: «لا تردوا السائل و لو بظلف »، و في رواية: «ردوا السائل و لو بظلف »
و معناها: شيء واحد، و ليس يضاد أحدهما الآخر، أي لا تردوهم بلاشيء، واصرفوهم و لوبظلف.
في حديث الزبير: «أنه وقف دارا على المردودة
من بناته.».
قال الأصمعي : هي المطلقة، فأما التي مات زوجها فيقال لها: فاقد، و يشهد لقول الأصمعي حديثه حين ذكر الصدقة، فقال: « و ابنتك مردودة إليك ليس لها کاسب غيرك »، و لأن التي مات زوجهاربا أصابها من الميراث ما تحصل منه مسكنا و غير ذلك.
فأما المطلقة، فإذا سرحها زوجها فلامسكن لهافي الغالب، لأن الإنسان في العادة إذا جهزبنا أعطى غيرها من الأولاد بقدر ما جهزها به، فإذا رجعت کان قد أحرز إخوتها أنصباءهم فلا يكون لها شيء.
وفي حديث عمر بن عبد العزيز: «لاردیدی في الصدقة » أي لاثني فيها، ونحوه في المصادر قتیتی و نیمی.
وفي حديث أبي إدريس الخولاني قال لمعاوية: «إن کان داوى مرضاها، و رد أولاها على أخراها»، أي إذا تقدمت أوائلها، و تباعدت عن الأواخر لم يدعها تتفرق، و لكن يحبس المتقدمة حتى تصل إليها المتأخرة. (749:1)
ابن الأثير: فيه: « ردوا السائل ولو بظلف محرق » أي أعطوه و لو ظفا محرقا، ولم يرد رد الحرمان والمنع، كقولك: سلم فرد عليه، أي أجابه.
وفي حديث آخر: « لاتردوا السائل ولو بظلف محرق » أي لاتردوه رد حرمان بلاشيء، ولو أنه ظلف.
وفي حديث القيامة و الحوض: « فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم » أي متخلفين عن بعض الواجبات، ولم يرد ردة الكفر، ولهذا قيده بأعقابهم، لأنه لم يرتد أحد من الصحابة بعده، و إنما ارتد قوم من جفاة الأعراب.
وفي حديث الفتن: « و يكون عند ذلكم القتال ردة شديدة » هو بالفتح، أي عطفة قوية.
وفي حديث ابن عبد العزيز: «لارد یدی في الصدقة ». ردیدی با لكسر والتشديد و القصر: مصدر من رد یرد، کا لقتيتي و الخصصى، المعنى: أن الصدقة الاتؤخذ في السنة مرتين، كقوله عليه الصلاة و السلام : «لاثني في الصدقة ».(213:2)
الفيومي: رددت الشيء ردا منعته، فهو مردود. وقد يوصف بالمصدر، فيقال: فهو رد.
و رددت عليه قوله، و رددت إليه جوابه، أي رجعت و أرسلت؛ و منه: رددت عليه الوديعة.
و رددته إلى منزله فارتد إليه. و ترددت إلى فلان: رجعت إليه مرة بعد أخرى.
و تراد القوم البيع: ردوه.
وقول الغزالي: إلا أن يجتمع مترادان، مأخوذ من هذا، كأن الماء يد بعضه بعضا إذا كان را کدا.
و ارتد الشخص: رد نفسه إلى الكفر، والاسم: الردة. (224:1)
الفيروزابادي: رده ردا و مردا ومردودا و ردیدی: صرفه؛ و الاسم: کسحاب و کتاب.
وعليه: لم يقبله، و خطأه.
و المردودة: الموسی لردها في نصابها، و المطلقة، کالردی، کالحمى.
الرد: الرديء، و في «اللسان» : الحبسة، و بالكسر: عماد الشئ.
والردة: القبح، و بالكسر : الاسم من الارتداد، و امتلاء الضرع من اللبن قبل النتاج، وتقاعس في الذقن، و صدی الجبل، و أن تشرب الإبل عللا.
و الترداد: التردید. و المردد : الحائر البائر.
والارتداد: الرجوع.
و راده الشيء: رده عليه.
و هذا أرد: أنفع.
ولارادة فيه: لافائدة، کلامردة.
والمرد: الشبق، والمواج، والغضبان، والطويل العزوبة أو الغربة، كالمردود، وناقة انتفخ ضرعها و حياؤها لبروكها على ندی، و شاة أضرعت، و جمل أكثر من شرب الماء فثقل؛ جمعه: مراد.
والرد كعنق: القباح من الناس.
و كأمير: السحاب هریق ماؤه.
و استرده: طلبه، و سأله رده.
و رداد: اسم مجبر معروف، ينسب إليه، فيقال لكل مجبر: ردادي .
و الرادة: خشبة في مقدم العجلة، عرض بین التبعين. (304:1)
الطريحي: و الريدى: الرد، و منه الخبر: «لارديدي في الصدقة » أي لارد فيها.
وفي الحديث: «لايرد القضاء إلا الدعاء » أي لايصرفه و يدفعه و یهونه إلا الدعاء.
و فيه: «لا تردوا السائل و لو بظلف » أي لاتردوه رد حرمان بلاشيء و لو أنه ظلف.
و رد عليه الشيء، إذا لم يقبله.
و أمررد: أي مردود.
و ترد بها الفتى، أي تجمع ما ألفته من الأهل والوطن، و الأليف: الصاحب.
و «ردت عليه الشمس مرتين » قيل: ردت له صبيحة الأسراء و في الخندق، و ردت على علي مرتين أيضا، و هو مشهور متواتر.
والتردد في الأمر: معلوم.
وفي الحديث القدسي: « ما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، إنني الأحب لقاءه و يكره الموت فأصرفه عنه »
وحيث إن التردد في الأمر من الله محال، لأنه من صفات المخلوقين، احتیج في الحديث إلى التأويل، و أحسن ما قيل فيه هو أن التردد وسائر صفات المخلوقين کالغضب و الحياء والمكر إذا أسندت إليه تعالى، يراد منها الغايات لا المبادئ، فيكون المراد من معنى التردد في هذا الحديث: إزالة كراهة الموت عنه. و هذه الحالة يتقدمها أحوال كثيرة من مرض وهرم و زمانة و فاقة و شدة بلاء، تهون على العبد مفارقة الدنيا و يقطع عنها علاقته، حتى إذا أيس منها، تحقق رجاؤه بما عند الله، فاشتاق إلى دار الكرامة، فأخذ المؤمن عما تشبث به من حب الدنيا شيئا فشيئا بالأسباب التي أشرنا إليها، فضاهى فعل التردد من حيث الصفة، فعبر به عنه.
وفي حديث الفطرة: «يعطي بعض عياله ثم يعطي الآخر عن نفسه يرددونها بينهم»، أي يكررونها على هذه الصفة.
و «یردد عليه قل هو الله أحد» أي يكررها.
ولم يرد عليه شيئا، أي لم يرد عليه جوابا.
و استرده الشيء: سأ له أن يرده عليه.
و المرتد: من ارتد عن الإسلام إلى الكفر، وهو
نوعان: فطري و ملي.
وفي الحديث: « كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام و جحد محمد صلی الله علیه و آله نبوته و كذبه، فإن دمه مباح لكل من سمع ذلك منه، و امرأته باينة منه، فلا تقربه، و يقسم ماله على ورثته، و تعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، و على الإمام أن يقتله إن أتي به إليه و لا يستتيبه »
و فيه عن الباقر علیه السلام: «إن المرتد عن الإسلام تعزل عنه امرأته و لا تؤكل ذبيحته و يستتاب ثلاثا، فإن رجع و إلا قتل ». قال الصدوق رحمه الله : يعني ذلك المرتد الذي ليس بابن مسلمين.
وعن الصادق علیه السلام في المرتدة عن الإسلام؟ قال: «لا تقتل و تستخدم خدمة شديدة و تمنع من الطعام و الشراب إلا ما تمسك به نفسها و تلبس أخشن الثياب، و تضرب على الصلوات ».
وفي حديث آخر: «لم قتل و لكن تحبس أبدا ».
و الردة بالكسر والتشديد: اسم من الارتداد.
وأصحاب الردة على ما نقل كانوا صنفين:
صنف ارتدوا عن الدين و كانوا طائفتين: إحداهما: أصحاب مسيلمة، و الأخرى: ارتدوا عن الإسلام وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية. و اتفقت الصحابة على قتالهم و سبيهم، و استولد علي منهم الحنفية.
والصنف الثاني لم يرتدوا عن الإيمان، و لكن أنكروا فرض الزكاة، و زعموا أن «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ» التوبة: 103، خطاب خاص بزمانه صلی الله علیه و آله (48ک3).
مجمع اللغة: 1- رد الشيء یرده ردا و مردا.
أ-رجعه.
ب - صرفه.
و رد التحية: أجاب بمثلها. و رده: صيره.
و رده على عقبيه: رجعه إلى مكان ما كان عليه، و يستعمل هذا في الشر و الذم.
2 - تردد يتردد ترددا: تراجع.
و التردد: الذهاب و المجيء، و يراد به التحير، كناية أو مجازا، لأن المتحير لا يقر في مكان.
3- ارتد يرتد ارتدادا: رجع و عاد و تحول؛
والردة: اسم منه، و تختص بالكفر بعد الإسلام.
و الارتداد: يستعمل في الكفر و غيره .
و ارتد علی دبره: رجع إلى ما كان عليه، و يستعمل في الشر. (468:1)
العدناني: تردد إلى المكتبة .
و يقولون: تردد على المكتبة، والصواب: تردد إليها، أي جاءها المرة بعد أخرى.
وقد جاء في «الأساس» : و هو يتردد بالغدوات إلى مجالس العلم، و يختلف إليها. وقال المصباح: « ترددت إلى فلان: رجعت إليه مرة بعد أخرى».
راجع مادتي «لا يخفى على القراء» و «اعتقد »
رده إلى منزله
و يقولون: رده لمنزله، والصواب: رده إلى منزله، جاء في الآية 59، من سورة النساء:«فَرُدُّوهُ إِلَی اللّهِ وَالرَّسُولِ» و في الآية 70، من سورة النحل: «وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ».
راجع: مادتي «لا يخفى على القراء» و « اعتقد».
رددت على فلان قوله
و يقولون: رددت على قول فلان، والصواب: رددت على فلان قوله، لأنك لاترد على القول، فالقول لا عقل له حتى ترد عليه، بل ترد على القائل. ماقاله.
ذکر نهج البلاغة كتابا للإمام علي [ علیه السلام] إلى الحارث الهمداني، جاء فيه: «و لا ترد على الناس كل ما حدثوك به، فكفى بذلك جهلا »
(معجم الأخطاء الشائعة : 102)
محمد إسماعيل إبراهيم:رده عن كذا: صرفه و أرجعه. ورد فلانا: خطأه.
و تردد يتردد في الأمر: اشتبه فيه فلم يثبت.
ارتد على امره: رجع علی عقبه، وارتد عن دينه : ارجع عنه.
و راده الشيء: أرجعه إليه.
و المرد: المرجع والمصرف.
و ردوا أيديهم في أفواههم، أي عضوا على أناملهم غيظا، أو ردوا نعمة الرسالة التي جاء بها الرسل إلى أفواههم، كناية عن رفضها. (217:1)
محمود شیت: 1 - المرد: الكثير الرد و الكر و حبل طويل ترد به الماشية.
2-أ- رد الجيش الأعداء: أرجعهم على أعقابهم.
ب - ارتد العدو: تراجع.
ج - استرد: استرجع. يقال: استرد اللواء مواضعه: استرجعها.
د- الرادة : جزء من حديد في مقدم العجلة، سيارة أو مدرعة أو دبابة، تصونها من الإصدام من الأمام. و هناك ردادة خلفية و ردادة أمامية.
ه- الردة: هيئة الارتداد و التراجع و الانسحاب.
و - والمرد: الحاجز الذي يمنع من دخول الثكنات أو المعسكرات.(287:1)
المصطفوي: و التحقيق: أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو مطلق المنع على عقبه، و قد سبق في مادة درأ: أن الدفع مطلق الرد، سواء كان على العقب أو على جهة أخرى. و المنع في مقابل الفعل و الإيجاد، أي إيجاد ما يتعذر به الفاعل في العمل. و سبق في مادة « رجع »: أتها عود إلى مطلق ما كان عليه من قبل مكائا أو غير مكان.
فتفسير الرد بالمنع أو الراجع أو الاسترسال أو الدفع: تفسير تقريبي.
ثم إن الرد إما أن يكون كل من المردود و المردود إليه جسمانيا أو روحانیا، فيصير على أربعة أقسام:
1- «فَرَدَدْناهُ إِلی أُمِّهِ» القصص : 13، فهما جسمانیان.
2 - «لَئِنْ رُدِدْتُ إِلی رَبِّی» الكهف : 36، « يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ » البقرة : 217، فالمردود جسماني.
3- «إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ»فصلت : 47، فهما روحانیان.
4 - «وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ » هود: 76، فالمردود إليه جسماني.
« مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ » المائدة : 54،« إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى » محمد : 25،» الافتعال للمطاوعة، فيدل على اختيار الفعل.
ثم إن مفهوم الردزهوالدفع إلى جهة العقب في الجملة، و إذا أريد الرد إلى العقب تفصيلا، فلازم أن يصرح به، كما في «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ » محمد : 25، « وَنُرَدُّ عَلَی أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَینَا اللَّهُ » الأنعام: 71، « إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ» آل عمران: 149. (105:4)
النصوص التفسيرية
رد
وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً .
الأحزاب : 25
الواحدي: أي صدهم و منعهم عن الظفر بالمسلمين، يعني الأحزاب. (466:3)
ردوا
... فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِی شَکٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَیْهِ مُرِیبٍ.
إبراهيم :9
ابن مسعود: عضوا عليها تغيظا.
نحوه الثوري. (الطبري 7: 422)
[و في رواية أخرى ]: عضوا على أصابعهم.
[و في رواية] : عضوا على أطراف أصابعهم.
[و في رواية ]: أن يجعل إصبعه في فيه.
[و في رواية أخرى]: وضع شعبة أطراف أنامله اليسرى على فيه. (الطبري 422:7 )
ابن عباس: على أفواههم، يقول: ردوا على الرسل ما جاؤوا به.
ويقال : وضعوا أيديهم على أفواههم، وقالوا للرسل: اسكتوا و إلا سكتم. (211)
لما سمعوا كتاب الله عجبوا و رجعوا بأيديهم إلى أفواههم. (الطبري 7: 423)
مجاهد: ردوا عليهم قولهم و كذبوهم. (الطبري 7: 423)
ردوا نعمتهم بأفواههم. (الطوسي 6: 278)
الحسن: إنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل ردا لقولهم. (الماوردي 3: 125)
قتادة: يقول: قومهم كذبوا رسلهم و ردوا عليهم ما جاؤوا به من البينات، و ردوا عليهم بأفواههم، و قالوا: «إِنّا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ».
(الطبري 7: 423)
الكلبي: وضع الأيدي على الأفواه: إشارة إلى الرسل أن اسكتوا . (الواحدي 3: 25)
مقاتل: يقول: وضع الكفار أيديهم في أفواههم ثم قالوا للرسل: اسكتوا، فإنكم كذبة، يعنون الرسل، و أن العذاب ليس بنازل بنا في الدنيا. (399:2 )
ابن وهب: قال ابن زيد: في قوله: « فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ »، فقرأ: «عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ من
الْغَيْظِ» آل عمران: 119، قال: هذا، ردوا أيديهم في أفواههم، و قال: أدخلوا أصابعهم في أفواههم. و إذا اغتاظ الإنسان عض يده. (الطبري 423:7 )
أبو عبيدة: مجازه مجاز المثل، و موضعه موضع كفوا عما أمروا بقوله من الحق، ولم يؤمنوا به، و لم يسلموا. ويقال: رد یده في فمه، أي أمسك إذا لم يجب. (236:1)
نحوه الأخفش. (الثعلي 307:5 )
ابن قتيبة: قال أبو عبيدة: « تر کوا ما أمروا به ولم يسلموا ». و لا أعلم أحدا قال: رد یده في فيه، إذا أمسك عن الشيء، والمعنى: ردوا أيديهم في أفواههم،أي عضوا عليها حنقا و غيضا. [ثم استشهد بشعر] (230)
الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: فعضوا على أصابعهم، تغیظا عليهم في دعائهم إياهم إلى ما دعوهم إليه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتنهم لما سمعوا کتاب الله عجبوا منه، و وضعوا أيديهم على أفواههم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم كذبوهم بأفواههم. [و نقل کلام مجاهد و قتادة ثم قال:]
و كأن مجاهدا وجه قوله: «فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ »، إلى معنی ردوا أيادي الله التي لو قبلوها كانت أيادي و نعما عندهم، فلم يقبلوها. و وجه قوله: «فِي أَفْواهِهِمْ»، إلى معنی: بأفواههم، يعني بألسنتهم التي في أفواههم.
وقد ذكر عن بعض العرب سماعا: أدخلك الله بالجنة، يعنون: في الجنة. [ثم استشهد بشعر]
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل ردا عليهم قولهم، و تكذيبا لهم.
وقال آخرون: هذا مثل، و إنما أريد أتنهم كفوا عما أمروا بقوله من الحق، و لم يؤمنوا به و لم يسلموا .
و قال: يقال للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يجب: رد يده في فمه. و ذكر بعضهم أن العرب تقول: كلمت فلانا في حاجة فرد يده في فيه، إذا سكت عنه فلم يجب.
و هذا أيضا قول لا وجه له، لأن الله عز ذکره، قد أخبر عنهم أنهم قالوا: « إِنّا کَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ » فقد أجابوا با لتكذيب.
وأشبه هذه الأقوال عندي بالصواب في تأويل هذه الآية، القول الذي ذكرناه عن عبد الله بن مسعود: أنهم ردوا أيديهم في أفواههم، فعضوا عليها، غيظا على الرسل، كما وصف الله جل وعزبه إخوانهم من المنافقين، فقال: و«وَ إِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ» آل عمران : 119، فهذا هو الكلام المعروف، والمعنى المفهوم من رد اليد إلى الفم.(421:7)
الزجاج: قيل: أومأوا إلى الرسل أن اسكتواء و قيل: ردوا أيديهم، الهاء و الميم يرجعان على الرسل، المعنى: ردوا أيدي الرسل، أي نعم الرسل، لأن مجيئهم بالبينات نعم، تقول: لفلان عندي يد، أي نعمة. و معنی «فِي أَفْواهِهِمْ » بأفواههم، أي ردواتلك النعم بالنطق بالتكذيب لما جاءت به الرسل، والمعنى: أن الردجاء في هذه الجهة و في معناها، كما تقول: جلست في البيت
وجلست بالبيت. (156:6)
القمي: يعني في أفواه الأنبياء.(368:1)
الثعلبي: تقول العرب للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يجب و سکت: قد رد يده في فيه.
قال القيسي: إنا لم نسمع واحدا من العرب يقول: رد يده في فيه، إذا ترك ما أمر به، و إنما المعنى: إنهم عضوا على الأيدي حيفا وغيظا. [ثم استشهد بشعر]
(307:5)
الماوردي: فيه سبعة أوجه:
أحدها: [قول ابن مسعود المتقدم ]
الثاني: [قول ابن عباس المتقدم ]
الثالث: معناه: أنهم كانوا إذا قال لهم نبيهم إني رسول الله إليكم، أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم بأن اسكت، تكذيبا له و ردا لقوله، قاله أبوصالح.
الرابع: [قول مجاهد المتقدم ]
الخامس: [قول الحسن المتقدم]
السادس: أن الأيدي هي النعم، و معناه: أتهم ردوا نعمهم بأفواههم جحودا لها.
السابع: أن هذا مثل أريد به أنهم قواعن قبول الحق و لم يؤمنوا بالرسل، كما يقال لمن أمسك عن الجواب: رد في فيه(3: 124)
الطوسي: قيل في معناه خمسة أقوال:
أحدها: [قول ابن مسعود و ابن زيد المتقدم]
وثانيها: [قول الحسن المتقدم]
و ثالثها: [ قول مجاهد المتقدم]
و رابعها: (قول ابن عباس المتقدم]
وخامسها: قال قوم: ردوا ما لو قبلوه لكانت نعمة عليهم. «فِي أَفْواهِهِمْ» ، أي بأفواههم و ألسنتهم، كما يقولون: أدخلك الله بالجنة، يريدون في الجنة، و هي لغة طيء. [ثم استشهد بشعر] (278:6)
الواحدي والمعنى: أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ . (3: 25)
الزمخشري: غيظا و ضجرا مما جاءت به الرسل، كقوله: « عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ» آل عمران : 119، أوضحكا و استهزاء كمن غلبه الضحك، فوضع يده على فيه. أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم و ما نطقت به، من قولهم: «إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ » أي هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق. ألا ترى إلى قوله:«فَرَدّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ»و هذا قول قوي. أو وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء: أطبقوا أفواهكم و اسكتوا. أو ردوها في أفواه الأنبياء يشيرون لهم إلى السكوت. أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم ، و لا يذرونهم يتكلمون.(2: 369)
نحوه البروسوي (402:4) و القاسمي 10:3712).
ابن عطية: [ و نقل قول ابن مسعود و ابن عباس ثم قال:]
و مما ذكر أن يكون المعنى: أنهم ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم: إشارة على الأنبياء بالسكوت، و استبشاعا لما قالوا من دعوى التبوة. و مماذكر أن يكون المعنى: ردوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسل
تسکيتا لهم و دفعا في صدر قولهم، قاله الحسن. وهذا أشنع في الرد و أذهب في الاستطالة على الرسل، والنيل منهم. (326:3)
الطبرسي: اختلفوا في معناه على أقوال: [إلى أن ذكر قول الكلبي و قال :]
فيكون على هذا القول الضميران للكفار.
و رابعها: أن كلا الضميرين للرسل، أي أخذوا أيدي الرسل فوضعوها على أفواههم ليسكتوهم، و يقطعوا كلامهم فيسكتوا عنهم، لما يئسوا منهم. هذا كله إذا حمل معنى الأيدي والأفواه على الحقيقة.
و من حملها على التوسع والمجاز، فاختلفوا في معناه، فقيل: المراد با ليد: ما نطقت به الرسل من الحجج، والمعنى: فردوا حججهم من حيث جاءت، لأن الحجج تخرج من الأفواه، عن أبي مسلم.
وقيل: إن المعنى ردوا ماجاءت به الرسل و كذبوهم، عن مجاهد، وقتادة.
وقيل : معناه ترکوا ما أمروا له، و كفوا عن قبول الحق، عن أبي عبيدة، و الأخفش.
قال القتيبي: ولم يسمع أحد أن العرب تقول: رد يده في فيه، بمعنى ترك ما أمر به، و إنما المعنى: أتهم عضوا على الأيدي حنقا و غیظا.
وقيل: المعنى ردوا بأفواههم نعم الرسل، أي وعظهم و بيانهم، فوقع في موقع الباء، عن مجاهد. [و استشهد بالشعر مرتين] (305:3)
الفخر الرازي: و في معناه قولان: الأول: أن
المراد باليد و الفم : الجارحتان المعلومتان.
والثاني: أن المراد بهما: شيء غير هاتين الجارحتين، و إنما ذكرهما مجازا و توسعا.
أما من قال بالقول الأول: ففيه ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يكون الضمير في «ايديهم »و «افواههم » عائدا إلى الكفار، وعلى هذا ففيه احتمالات. [ثم نقل قول ابن عباس وابن مسعود والكلبي و أضاف: ]
والرابع: أنهم أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم و إلى ما تكلموا به، من قولهم: «إِنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ » أي هذا هو الجواب عندنا عما ذكرتموه، و ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق. ألا ترى إلى قوله: « فَرَدّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ » . [ ثم أدام الكلام في مرجع الضميرين والوجوه المتفرعة عليها] (89:19)
البيضاوی: فعضوها غيظا مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة و السلام، كقوله تعالى: «عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ» آل عمران : 119، أو وضعوها عليها تعجبا منه، أو استهزاء عليه، كمن غلبه الضحك، أو إسكاتا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، و أمرا لهم بإطباق الأفواه.
أو أشاروا بها إلى ألسنتهم و ما نطقت به، من قولهم: «انا كفرنا»تنبيها على أن لا جواب لهم سواه. أو ردوها في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التكلم، و على هذا يحتمل أن يكون تمثيلا. (526:1)
شبر: قوله تعالى: «فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ » عضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، لأنه ثقل عليهم(
مكان الرسول، كقوله: «عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ »، أو جعلوا أيديهم في أفواه الأنبياء تكذيبا و تسكينا لهم، و ردا لما جاؤوا به، أو أمر الهم بإطباق الأفواه.
أو وضعوا أيديهم في أفواههم مومئين بذلك إلى الرسل أن اسكتوا عما تدعونا اليه، أو وضعوها عليها تعجبا و استهزاء، كمن غلبه الضحك، أو وضعوا أيدي الرسل على أفواههم ليقطعوا كلامهم.
أو أريد بالأيدي النعم، و هي ما نطقت به الرسل من الحجج، أي ردوا حججهم في حيث جاءت بأن كذبوها. (348:3)
الآلوسي: أي أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم و ما نطقت به . [ إلى أن قال:]
والرد مجاز عن الإشارة، و هي تحتمل المقارنة والتقدم والتأخر.
وقال أبوصالح: المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم، مشيرين بذلك للرسل علیهم السلام أن يكفوا و يسكتوا عن كلامهم، كأنهم قالوا: اسكتوا فلاينفعكم الإكثار، و نحن مصرون على الكفر، لانقلع عنه.
فالضمير ان للكفار أيضا، و سائر ما في النظم على حقيقته.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن المراد أنهم عضوا أيديهم غيظا من شدة نفرتهم من رؤية الرسل و سماع كلامهم، فالضميران أيضا كما تقدم، واليد و الفم على حقيقته.
و الرد كناية عن العض، ولا ينافي الحقيقة كون المعضوض الأنامل، كما في قوله تعالى: «عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ» آل عمران : 119، فإن من عض موضعا من اليد يقال حقيقة: إنه عض اليد. (13: 192)
المراغي: أي عضوا بنان الندم غيظا لما جاءهم به الرسل، و ضجر لنفرتهم من استماع كلامهم؛ إذ سفهوا أحلامهم، و شتموا أصنامهم، و قد فعلت العرب مثل ذلك مع النبي صلی الله عله و آله کما قال سبحانه:« عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ»آل عمران : 119، و قال أبو عبيدة والأخفش - و نعما قالا : هو مثل، والمراد: أنهم لم يؤمنوا و لم يجيبوا، و العرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب و سکت: قد رد یده في فيه. ( 133:13)
ابن عاشور: يحتمل عدة وجوه، أنهاها في «الكشاف » إلى سبعة، و في بعضها بعد، و أولاها بالاستخلاص أن يكون المعنى: أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم إخفاء لشدة الضحك من كلام الرسل، کراهية أن تظهر دواخل أفواههم؛ وذلك تمثيل لحالة الاستهزاء بالرسل.
و الرد: مستعمل في معنی تکریر جعل الأيدي في الأفواه، كما أشار إليه «الراغب »، أي وضعوا أيديهم على الأفواه ثم أزالوها، ثم أعادوا وضعها، فتلك الإعادة رد.
و حرف ( في ) للظرفية المجازية، المراد بها التمكين، فهي بمعنی «على» كقوله: « أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» الزمر : 22، فمعنى «فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ» جعلوا أيديهم على أفواههم.
وعطفه بفاء التعقيب مشير إلى أنهم بادروا برد أيديهم في أفواههم بفور تلقيهم دعوة رسلهم، فيقتضي أن يكون رد الأيدي في الأفواه تمثيلا لحال المتعجب المستهزئ، فالكلام تمثيل للحالة المعتادة، و ليس المراد حقيقته، لأن وقوعه خبرا عن الأمم مع اختلاف عوائدهم و إشاراتهم، و اختلاف الأفراد في حركاتهم عند التعجب قرينة على أنه ما أريدبه إلا بیان عربي.
ونظير هذا، قوله تعالى حكاية عن أهل الجنة: «وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ» الزمر : 74، فميراث الأرض كناية عن حسن العاقبة، جریا على بيان العرب عند تنافس قبائلهم، أن حسن العاقبة يكون لمن أخذ أرض عدوه. ( 228:12)
مغنية: الضمير يعود إلى قوم نوح و من بعدهم متن تقدم ذكرهم، و رد اليد إلى الفم كناية عن شدة الغيظ و الإمعان في الإعراض، و مثله: «عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ» آل عمران: 119.(429:4)
الطباطبائي: و قوله: «جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَیِّناتِ فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْواهِهِمْ » الظاهر أن المراد به: أن رسلهم جاؤوهم بحجج بنينة تبين الحق و تجليه من غير أي إبهام و ریب، فمنعوهم أن يتفوهوا بالحق، و سدوا عليهم طريق التكلم.
فالضميران في «أيديهم و»و «افواههم» للرسل، و رد أيديهم في أفواههم كناية عن إجبارهم على أن يسكتوا و يكفوا عن التكلم بالحق، كأنهم أخذوا بأيدي رسلهم و ردوها في أفواههم، إيذانا بأن من الواجب عليكم أن تکفوا عن الكلام، و يؤيده قوله بعد: «وَ قالُوا إِنّا کَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنّا لَفِی شَکٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إِلَیْهِ مُرِیبٍ »فإن دعوى الشك والريب قبال الحجة البينة و الحق الصريح الذي لايبقي مجالا للشك لا تتحقق إلا من جاحد مکابر متحكم مجازف، لا يستطيع أن يسمع كلمة الحق، فيجبر قائلها على السكوت و الصمت. (24:12)
فضل الله: تعبيرا عن الغيظ، فقد ذكر أن رد اليد إلى الفم يمثل مظهرا حيا للإعراض و لشدة الغيظ.(86:13)
ردوه
وَ اذا جائَهُمْ امُرٌ مِنَ الْامْنِ اوِ الخَوفِ اذا عَوابِهِ ولَو رَدُّوُهُ إِلَی الرَّسُولِ وَإِلی أُولِی الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَیْکُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّیْطانَ إِلاّ قَلیلاً النساء : 83
الطبري: يقول: و لوسكتوا و ردوا الحديث إلى النبي صلی الله علیه و آله وإلى أولي أمرهم حتى يتكلم هو به.(4: 184)
الطوسي: بمعنى لو ردوه إلى ستته. (273:3)
ابن عطية: والضمير في «ردوه»عائد على الأمر. ( 84:2)
البيضاوي: و لو ردوا ذلك الخبر. (1: 233)
نحوه البروسوي . (246:2)
ولاحظ: أم ر: «الامر».
ردنا
ثُمَّ رَدَدْنا لَکمُ الْکرَّةَ عَلَیهِمْ وَ أَمْدَدْناکمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِینَ وَ جَعَلْناکمْ أَکثَرَ نَفِیراً الإسراء : 6
ابن عباس: قتل داود جالوت و عاد ملكهم كما
کان، و الكرة معناها: الرجعة و الدولة. (الواحدي 3: 97)
الفراء: يعني على بختصر، جاء رجل بعثه الله عز وجل على بختنصر فقتله، و أعاد الله إليهم ملكهم وأمرهم، فعاشوا، ثم أفسدوا و هو آخر الفسادین. (1169:2)
أبو عبيدة: أعقبنا لكم الدولة. (371:1 )
ابن قتيبة:أي الدولة. (251)
نحوه الزجاج (3: 228)، والثعلبي (6: 85)، والبغوي (3: 122)، و البيضاوي (1: 578)، و النسفي (307:2)، و الكاشاني (178:3)، و شبر (8:4).
الطبري: يقول تعالى ذكره: ثم أدلناكم يابني إسرائيل على هؤلاء القوم الذين وصفهم جل ثناؤه أنه يبعثهم عليهم، وكانت تلك الإدالة و الكرة لهم عليهم، فيما ذكر السدی في خبره أن بني إسرائيل غزوهم و أصابوا منهم، و استنقذوا ما في أيديهم منهم.
و في قول آخرین: إطلاق الملك الذي غزاهم ما في يديه من أسراهم، و رد ما كان أصاب من أموالهم عليهم من غير قتال.
و في قول ابن عباس الذي رواه عطية عنه:هي إدالة الله إياهم من عدوهم جالوت حتى قتلوه، و قد ذكرنا كل ذلك بأسانيده فيما مضى. (29:8)
الماوردي: يعني الظفر بهم، و في كيفية ذلك
ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن بني إسرائيل غزوا ملك بابل واستنقذوا ما في يديه من الأسرى و الأموال.
الثاني: أن ملك بابل أطلق من في يده من الأسرى، ورد ما في يده من الأموال.
الثالث: أنه كان يقتل جالوت حين قتله داود. (230:3)
الطوسي: يعني الرجعة و النصرة عليهم. (449:6)
الزمخشري: أي الدولة و الغلبة على الذين بعثوا عليكم حین ثبتم و رجعتم عن الفساد و العلو.
قيل: هي قتل بختنصر و استنقاذ بني إسرائيل أسراهم و أموالهم، و رجوع الملك إليهم.
وقيل: هي قتل داود جالوت.(2: 439)
ابن عطية:الآية عبارة عما قاله الله لبني إسرائيل في التوراة، و جعل «رددنا » موضع نرد؛ إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد، لكنه لما كان وعد الله في غاية الثقة أنه يقع، عبر عن مستقبله بالماضي.
و هذه الكرة هي بعد الجولة الأولى لما وصفنا، فغلبت بنو إسرائيل على بيت المقدس و ملكوا فيه ،و حسنت حالهم برهة من الدهر ، و أعطاهم الله الأموال والأولاد، و جعلهم إذا نفروا إلى أمر أكثر الناس.
(439:3)
الطبرسي:أي رددنا لكم يا بني إسرائيل الدولة، و أظهرناكم عليهم، و عاد ملككم على ما كان عليه. (399:3)
الفخر الرازي: أي أهلكنا أعداء کم، و رددنا الدولة و القوة عليكم. (156:20)
القرطبي: أي الدولة و الرجعة؛ وذلك لما تبتم وأطعتم. ثم قيل: ذلك بقتل داود جالوت، أو بقتل غيره، على الخلاف في من قتلهم. ( 217:10)
البروسوي: «ثم رددنا»أعدنا«لكم الكره عليهم »، أي الدولة و الغلبة، على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنة، حين تبتم و رجعتم من الإفساد والعلو، تلخيصه:بعد ظفر هم بکم أظفرناكم بهم.
«والكرة » في الأصل: المرة، و «عليهم» متعلق بها، لأنه يقال : کر عليه، أي عطف.
حكي أن كورش الهمذاني غزا أهل بابل، فظهر عليهم، و سكن الدار، فتزوج امرأة من بني إسرائيل، فطلبت من زوجها أن يرد قومها إلى أرضهم، فردهم إلى أرضهم بیت المقدس. ف «الكرة » هي قتل بختنصر، و استنقاذ بني إسرائيل أسراءهم، و رجوع الملك إليهم فمكثوا فيها، فرجعوا إلى أحسن ما كانوا عليه، ثم عادوا فعصوا الثانية. (133:5)
الآلوسي: «الكرة»، أي الدولة و الغلبة، و أصل معنى الكر: العطف والرجوع. و إطلاق «الكرة » على ما ذكر مجاز شائع، كما يقال: تراجع الأمر، و لام «لكم» للتعدية، و قيل: للتعليل.
وقوله تعالى: «عليهم »أي الذين فعلوا بكم ما فعلوا، متعلق ب«الكرة »لما فيها من معنى الغلبة، أو حال منها، وجوز تعلقه ب«رددنا» و هذا على ما في « البحر » إخبار منه تعالى في التوراة لبني إسرائيل، إلا أنه جعل «رددنا »موضع نرد، لتحقق الوقوع. و كان بين البعث و الرد على ما قيل مائة سنة، و ذلك بعد أن تابوا و رجعوا عما كانوا عليه.
و اختلف في سبب ذلك، فروي أن أردشیر بهمن ابن اسفندیار بن کشتاسف بن لهراسف لما ورث الملك من جده کشتاسف، ألقى الله تعالى في قلبه الشفقة على بني إسرائيل، فرد أسراء هم الذين أتی بهم بختنصر إلى بابل و سیرهم إلى أرض الشام، و ملك عليهم دانیال، فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر، و جعل بعضهم من آثار هذه الكرة قتل بختنصر، و لم يثبت. و في « البحر » أن ملكا غزا أهل بابل، و كان بختنصر قد قتل من بني إسرائيل أربعين ألفا ممن يقرأ التوراة، و أبقى عنده بقية في بابل، فلما غزاهم ذلك الملك و غلب عليهم، تزوج امرأة من بني إسرائيل، فطلبت منه أن يرد بني إسرائيل إلى ديارهم ففعل، و بعد مدة قامت فيهم الأنبياء و رجعوا إلى أحسن ما كانوا.
وقيل: رد الكرة بأن سلط الله تعالی داود علیه السلام فقتل جالوت، و تعقب بأنه یرده قوله تعالى «وَ لِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ...» الإسراء : 7، فإن المراد به بیت المقدس، و داود عليه السلام ابتدأ بنيانه بعد قتل جالوت و إيتائه النبوة، و لم يتمه و أتمه سلیمان علیه السلام، فلم يكن قبل داود علیه السلام مسجد حتى يدخلوه أول مرة. و دفع بأن حقيقة المسجد: الأرض لا البناء، أو يحمل قوله تعالى: «دخلوه » على الاستخدام، و هو كما ترى.
والحق أن المسجد كان موجودا قبل داود عليه السلام كما قدمنا. (18:15)
القاسمي: أي بعد هذه المؤاخذة الشديدة، رددنا
عند توبتكم، لكم الغلبة التي كانت لكم في الأصل عليهم.(3903:10)
ابن عاشور:«ثم» تفيد التراخي الرتبي و التراخي الزمني معا، والرد: الإرجاع، و جيء بفعل «رددنا »ماضيا، جریا على الغالب في جواب «إذا » كما جاء شرطها فعلا ماضيا في قوله: «فَإِذا جآءَ وَعْدُ أُولیهُما بَعَثْنا» الإسراء : 5، أي إذا يجيء يبعث.
و «الكرة »: الرجعة إلى المكان الذي ذهب منه.
فقوله: «عليهم» ظرف مستقر، هوحال من «الكرة» ، لأن رجوع بني إسرائيل إلى أورشليم، كان بتغلب ملك فارس على ملك بابل.
و ذلك، أن بني إسرائيل بعد أن قضوا نیفا و أربعين سنة في أسر البابليين، و تابوا إلى الله و ندموا على ما فرط منهم، سلط الله ملوك فارس على ملوك بابل الآشوريين، فإن الملك « کورش » ملك فارس حارب البابليين وهزمهم، فضعف سلطانهم، ثم نزل بهم « داریوس » ملك فارس و فتح بابل سنة: 538، قبل المسيح، و أذن لليهود في سنة: 530، قبل المسيح أن يرجعوا إلى أورشلیم و يجددوا دولتهم. و ذلك نصر انتصروه على البابليين؛ إذ كانوا أعوانا للفرس عليهم.
والوعد بهذا النصر ورد أيضا في كتاب أشعياء في الإصحاحات العاشر، و الحادي عشر، و الثاني عشر، و غيرها، و في كتاب أرميا في الإصحاح الثامن و العشرين و الإصحاح التاسع و العشرين. ( 27:14)
مکارم الشيرازي: يستفاد من ظاهر قوله تعالى: «ثُمَّ رَدَدْنا لَکُمُ الْکَرَّهَ عَلَیْهِمْ وَ أَمْدَدْناکُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِینَ وَ جَعَلْناکُمْ أَکْثَرَ نَفِیراً»أن الإفساد الأول على الأقل و الانتقام الإلهي من بني إسرائيل كان قد وقع في الماضي. (8: 361)
فضل الله: فهزمتموهم كما هزمو کم، و دمرتموهم واستبحتم ديارهم و نهبتم أموالهم، كما فعلوا معكم في ما رزقكم الله من نعمة العظيمة، و أغدق علیکم رحمته من جديد. (35:14)
(35:16)
رددناه
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ. التین:5
راجع: س ف ل: «اسفل».
ردوا
1- سَتَجِدُونَ آخَرِینَ یُرِیدُونَ أَنْ یَأْمَنُوکُمْ وَیَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ کُلَّما رُدُّوا إِلَی الْفِتْنَهِ أُرْکِسُوا فِیها ... النساء: 91
أبوالعالية:كلما ابتلوا بها، عموا فيها. (الطبري 4 : 203)
قتادة: كلما عرض لهم بلاء هلكوا فيه. (الطبري 4 : 203)
السدي: أي دعوا إلى الشرك (الآلوسي 5: 111)
الطبري: اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية:
فقال بعضهم: هم ناس كانوا من أهل مكة أسلموا، على ما وصفهم الله به من التقنية وهم كفار، ليأمنوا على أنفسهم و أموالهم و ذراريهم و نسائهم. يقول الله :
«کل ماردوا الی الفتنه ارکسوا فیها ، يعني كلما
دعاهم قومهم إلى الشرك بالله، ارتدوا فصاروا مشرکین مثلهم، ليأمنوا عند هؤلاء وهؤلاء. [ثم نقل بعض الأقوال و أضاف:]
فتأويل الكلام : كلما و إلى الاختبار ليرجعوا
إلى الكفر والشرك، رجعوا إليه. (204:4 )
الثعلبي: يعني إذا دعوا إلى الشرك رجعوا و عادوا إليه و دعوا عليه. (358:3)
نحوه البغوي. (674:1)
الماوردي :أي كلما ردوا إلى المحنة في إظهار الكفر رجعوا فيه. (517:1)
الواحدي : كلما ردوا إلى الشرك دخلوا فيه. (517:1)
الزمخشري: كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين. (552:1)
نحوه الفخر الرازي ( 225:10) ، و البيضاوي (1: 236)، و النسفي (1: 242)، و أبوالسعود (2: 177)،والبروسوي (2: 258)، و الشوكاني (1: 633).
الكاشاني: دعوا إلى الكفر و إلى قتال المسلمين. (446:1)
نحوه شبر. (81:2)
القاسمي:أي دعوا إلى الارتداد أو الشرك . (1441:5)
2- بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. الأنعام : 28
قتادة: لو وصل الله لهم دنیا کدنیاهم، لعادوا إلى أعمالهم أعمال السوء. (الطبري 176:5)
الطبري: يقول: و لو ردوا إلى الدنيا فأمهلوا. (176:5)
الزجاج: قال بعضهم : لو ردوا و لم يعاينوا العذاب، العادوا، كأنه يذهب إلى أنهم لم يشاهدوا ما يضطرهم إلى الارتداع، و هذا - عله - بين، لأن هذا القول منهم بعد أن بعثوا و علموا أمر القيامة، و عاينوا النار.
فالمعنى: أن أكثر من عاين من اليهود و المشركين قد علم أن أمر الله حق، فكن إلى الرفاهية، وأن الشيء متأخر عنه إلى أمد، كما فعل إبليس الذي قد شاهد من براهين الله ما لاغاية بعده، فأعلم الله عز و جل أنهم لو ردوا لعادوا، لأنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم.
وقال بعض المفسرين: إن النبي صلی الله علیه و آله سئل فقيل له: ما بال أهل النار عملوا في عمر قصير بعمل أهل النار فخلدوا في النار، و أهل الجنة عملوا في عمر قصير بعمل أهل الجنة، فخلدوا في الجنة ؟ فقال: إن الفريقين كان كل واحد منهما على أنه لو عاش أبدا عمل بذلك العمل. (240:2)
الثعلبي:إلى الدنيا. (143:4)
نحوه الواحدي (2: 263)، والبغوي (2: 119)، والزمخشري (13:2)، و البروسوي (3: 21).
الماوردي: يعني و لو ردوا إلى ما تمنوا من الدنيا؛ العادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر. (106:2)
الطوسي: قال بعضهم: لو ردوا و لم يعاينوا العذاب لعادوا، كأه ذهب إلى أنهم لم يشاهدوا
مايضطرهم إلى الارتداع. وهذا ضعيف، لأن هذا القول يكون منهم بعد أن يبعثوا و يعلموا أمر القيامة و يعاينوا النار، بدلالة قوله: و«وَلَوْ تَرَی إِذْ وُقِفُوا عَلَی النَّارِ». الأنعام : 27، و هذه الآيات كلها في المعاندین، لأنه قال في أولها: « اَلَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا» ثم قال بعد ذلك: «وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها».
وقال أبو علي الجبائي: الآية مخصوصة بالمنافقين، و ظهر لهم ما كانوا يخفونه من كفرهم الذي كانوا يضمرونه.
قال : و الآية الأولى و إن كان ظاهرها يقتضي جميع الكفار، و المنافقون داخلون فيهم، فيجوز أن يخبر عنهم بهذا الحكم.
قال: و يحتمل أن يكون أراد بها الكافرين الذين كان النبي يخوفهم بالعذاب على كفرهم، فلم يؤمنوا بذلك، لكن دخلهم الشك والخوف و أخفوه عن ضعفائهم و عوامهم، فإذا كان يوم القيامة ظهر ذلك و إن أخفوه في الدنيا، فيتمتون حينئذ الرد إلى حال الدنيا. و قيل: «بَلْ بَدالَهُمْ ما کانُوا یُخْفُونَ» معنی: «يخفون »: يجدونه خافيا. و معنی: «بل بدا » ليس تمنيهم الرجعة و إظهار الإنابة حقا للإيمان الصحيح، بل لما شاهدوه من العذاب الأليم.
وقوله: «ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه » معناه: إنهم لو ردوا إلى حال التكليف و إلى مثل ما كانوا عليه في الدنيا من المهلكة، والتمكين من الإيمان والتوبة والقدرة على ذلك، لعادوا لمثل ما كانوا عليه من الكفر الذي نهوا عنه. (119:4)
ابن عطية: إخبار عن أمر لا يكون كيف كان يوجد، و هذا النوع مما استأثر الله بعلمه، فإن أعلم بشيء منه علم، و إلا لم يتكلم فيه.(2: 282)
الطبرسي: أي لو ردوا إلى الدنيا، و إلى حال التكليف كما طلبوه، لعادوا إلى ما نهوا عنه من الكفر و التكذيب. ( 289:2)
القرطبي: قيل: بعد معاينة العذاب، و قيل: قبل معاينته. (410:6)
البيضاوي:أي إلى الدنيا بعد الوقوف و الظهور. (307:1)
نحوه الكاشاني. (115:2)
أبو السعود: أي من موقفهم ذلك إلى الدنيا،حسبما تمنوه، و غاب عنهم ما شاهدوه من الأهوال. (371:2)
نحوه القاسمي. (2281:6)
ابن عاشور: ارتقاء في إبطال قولهم حتی یکون بمنزلة التسليم الجدلي في المناظرة، أي لو أجيبت أمنيتهم و ردوا إلى الدنيا لعادوا للأمر الذي كان التي ينهاهم عنه، و هو التكذیب و إنكار البعث. وذلك لأن نفوسهم التي كذبت فيما مضى تكذيب مكابرة بعد إتيان الآيات البينات، هي النفوس التي أرجعت إليهم يوم البعث، فالعقل العقل والتفكير التفكير. و إنما تموا ما تمنوا من شدة الهول، فتوهموا التخلص منه بهذا التمتي، فلوتحقق تمنيهم و ردوا و استراحوا من ذلك الهول، لغلبت أهواؤهم يرشدهم فنسوا ما حل بهم،
و رجعوا إلى ما ألفوا من التكذيب و المكابرة.
و في هذا دليل على أن الخواطر الناشئة عن عوامل الحس دون النظر والدليل، لاقرارها في التفس، و لا تسير على مقتضاها، إلا ريثما يدوم ذلك الإحساس، فإذا زال زال أثره. فالانفعال به یشبه انفعال العجماوات من الزجر والسوط و نحوهما، ويزول بزواله حتى يعاوده مثله. (62:6)
الطباطبائي: تذكير لفعل ما تقرر في نفوسهم من الملكات الرذيلة في نشأة الدنيا، فإن الذي بعثهم إلى تمني الرجوع إلى الدنيا و الإيمان فيها، بآيات الله، و الدخول في جماعة المؤمنين، إنما هو ظهور الحق المتروك بجميع ما يستتبعه من العذاب يوم القيامة، و هو من مقتضيات نشأة الآخرة المستلزمة لظهور الحقائق الغيبية ظهور عیان. (54:7)
3- ثُمَّ رُدُّوا إِلَی اللّهِ مَولیهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُکْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبینَ. الأنعام : 62
الطبري: يقول تعالى ذكره: ثم ردت الملائكة الذين توفوهم فقبضوا نفوسهم و أرواحهم، إلى الله سيدهم الحق .(216:5)
الثعلبي: يعني الملائكة، و قيل: يعني العباد. (155:4)
نحوه البغوي. (130:2)
الماوردي: في متولي الردقولان:
أحدهما: أنهم الملائكة التي توفتهم.
والثاني: أنه الله با لبعث والنشور. وفي ردهم إلى الله وجهان:
أحدهما : معناه ردهم إلى تدبير الله وحده، لأن الله دبرهم عند خلقهم و إنشائهم، مكنهم من التصرف فصاروا في تدبير أنفسهم، ثم كفهم عنه بالموت فصاروا في تدبير الله کالحالة الأولى، فصاروا بذلك مردودین الیه.
والثاني: أنهم ردوا إلى الموضع الذي لايملك الحكم عليهم فيه إلا الله، فجعل الرد إلى ذلك الموضع ردا إليه.(124:2)
الطوسي: بين أن هؤلاء الذين تتوفاهم رسلنا يردون بعد الوفاة إلى الله، فيردهم إلى الموضع الذي لايملك الحكم عليهم فيه إلا الله، و لايملك نفعهم ولاضرهم سواه، فجعل ردهم إلى ذلك الموضع ردا إلى الله. (171:4)
الواحدي: يعني العباد يردون بالموت إلى الله. (281:2)
الزمخشري: أي إلى حكمه وجزائه. (2: 25)
نحوه البيضاوي (314:1)، و النسفي (16:2 )، و الكاشاني (126:2).
ابن عطية: رجح اللفظ في قوله: «ردوا»من الخطاب إلى الغيبة، و الضمير في «ردوا» عائد على المتقدم ذكرهم، و يظهر أن يعود على العباد، فهو إعلام برد الكل. (301:2)
الطبرسي: أي إلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه إلاهو. (313:2)
القرطبي: أي ردهم الله بالبعث للحساب. (7:7)
البروسوي: أي إلى حكمه و جزائه في موقف الحساب، فالرد إلى الله ليس على ظاهره، لكونه تعالى متعاليا عن المكان و الجهة، بل هو عبارة عن جعلهم منقادين لحكم الله تعالى، مطيعين لقضائه بأن يساقوا إلى حيث لاما لك و لاحاكم فيه سواه. (46:3)
شبر: إلى حكمه و جزائه في المواضع الذي لايملك الحكم غيره.(269:2)
الآلوسي: عطف على «توفتة »الأنعام : 61، و الضمير كما قيل: للكل المدلول عليه ب(أحد)، و هو السر في مجيئه بطريق الالتفات و الإفراد أولا، والجمع آخرا، لوقوع التوقي على الانفراد و الرد على الاجتماع.
و ذهب بعض المحققين: أن فيه التفاتا من الخطاب إلى الغيبة و من التكلم إليها، لأن الرد يناسبه الغيبة بلاشبهة و إن لم يكن الرد حقيقة، لأنهم ما خرجوا من قبضة حكمه سبحانه طرفة عين. و نقل الإمام القول بعود الضمير على الرسل، أي إنهم يموتون كما يموت بنو آدم. و الأول هو الذي عليه غالب المفسرین، و المراد: ثم ردوا بعد البعث و الحشر أو من البرزخ إلى الله، أي إلى حكمه و جزائه، أو إلى موضع العرض والسؤال. (177:7)
المراغي: أي ثم يرد أولئك الذين تتوفاهم الرسل إلى الله الذي هو مولاهم و ما لك أمورهم، و هو الحق الذي لا يقضي إلا بالعدل، ليحاسبهم و يجازيهم على أعمالهم.
و في الآية إيماء إلى أن ردهم إليه حتم، لأنه سيدهم الذي يتولى أمورهم، و يحكم بينهم بالحق .(102:7)
ابن عاشور: والضمير في قوله: «ردوا» عائد إلى (أحد) باعتبار تنکیره الصادق بكل أحد، أي ثم رد المتوفون إلى الله. و المراد: رجوع الناس إلى أمر الله يوم القيامة، أي ردوا إلى حكمه من نعیم و عذاب، فليس في الضمير التفات.(143:6)
4 -هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.يونس : 30
الطبري: فإنه يقول: و رجع هؤلاء المشركون يومئذ إلى الله الذي هو ربهم و مالكهم، الحق لاشك فيه، دون ما كانوا يزعمون أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد. (558:6)
الطوسی: فالرد هو الذهاب إلى الشيء بعد الذهاب عنه، فهؤلاء ذهبوا عن أمر الله فأعيدوا إليه. و الرد و الرجع نظائر، ويجوز أن يكون الرد معنی النشأة الثانية، وهو الأليق هاهنا. (425:5)
الواحدي: إلى حكمه، فينفرد فيهم بالحكم. (546:2)
ابن عطية: قرأ يحيى بن وثاب ( وردوا) بکسر الراء، و الجمهور «و ردوا إلى الله » أي ردوا إلى عقاب مالكهم وشديد بأسه، فهو مولاهم في الملك والإحاطة، لا في الرحمة والنصر و نحوه.(117:3)
الطبرسي: و ردوا إلى جزاء الله و إلى المواضع
الذي لا يملك أحد فيه الحكم إلا الله الذي هو مالكهم و سیدهم و خالقهم. (106:3)
نحوه شبر.(154:3)
الفخر الرازي: فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه، وهاهنا فيه احتمالات:
الأول: أن يكون المراد من قوله: « و ردوا إلى الله » أي و ردوا إلى حيث لاحكم إلا الله، على ما تقدم من نظائره.
والثاني: أن يكون المراد: «و ردوا »إلى ما يظهر لهم من الله من ثواب و عقاب، منبها بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا يتغير.
الثالث: أن يكون المراد من قوله: «و ردوا إلى الله »أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلهيته، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى، ولذلك قال «مواليهم الحق » أعني أعرضوا عن المولى الباطل و رجعوا إلى المولى الحق. ( 85:17)
البيضاوي: إلى جزائه إياهم بما أسلفوا. (446:1)
البروسوي: الضمير للذين أشركوا على أنه معطوف على «زیلنا » يونس : 28، و ما عطف عليه. (41:4)
الآلوسي: عطف على «زیلنا» والضمير اللذين أشركوا، و ما في البين اعتراض في أثناء الحكاية مقرر لمضمونها، و المعنى: ردوا إلى جزائه و عقابه أو إلى موضع ذلك، فالرد إما معنوي أو حسي. وقال الإمام: المعنى جعلوا ملجئين إلى الإقرار بألوهيته سبحانه و تعالى. (109:11)
القاسمي: الضمير للذين أشركوا، أي ردوا إلى الله المتولي جزاءهم بالعدل و القسط. (3344:9)
ابن عاشور: « و رُدُّوا إِلَی اللّهِ مَولیهُمُ الْحَقِّ»يجوز أن تكون معطوفة على جملة: «هُنالِکَ تَبْلُوا کُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ » فتكون من تمام التذييل، و یکون ضمير «ردوا» عائدا إلى «كل نفس». ويجوز أن تكون معطوفة على قوله: «وَیَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِیعاً »يونس : 28، الآية فلا تتصل بالتذييل، أي و نردهم إلينا، و یکون ضمير « ردوا»عائدا إلى الذين أشركوا خاصة. و المعنى: تحقق عندهم الحشر الذي كانوا ينكرونه. و يناسب هذا المعنى قوله: «موليهم الحق »، فإن فيه إشعارا بالتورك عليهم بإبطال مواليهم الباطلة.
والرد: الإرجاع، و الإرجاع إلى الله: الإرجاع إلى تصرفه بالجزاء على ما يرضيه وما لايرضيه، وقد كانوا من قبل حين كانوا في الحياة الدنيا، مهلين غير مجازین. (70:11)
ردوه
یَآ أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُواْ أَطِیعُواْ اللَّهَ وَأَطِیعُواْ الرَّسُولَ وَ أُوْلِی الْأَمْرِ مِنکُم فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِی شَیْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَی اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِن کُنتُم تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الْآخِرِ ذَ لِکَ خَیْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِیلاً . النساء: 59
مجاهد: يعني: إلى كتاب الله وسنة رسوله.
مثله قتادة. (الماوردي 500:1)
الرد إلى الله، هو النظر في كتابه العزيز، و الرد إلى الرسول، هو سؤاله في حياته والنظر في سنته بعد وفاته صلی الله علیه و آله.
مثله الأعمش وقتادة والسدي. (ابن عطية 71:2)
ابن قتيبة :بأن تردوه إلى سنته. (130)
الطبري: يعني بذلك : فارتادوا معرفة حكم ذلك الذي اشتجرتم أنتم بينكم، أو أنتم وأولوا أمركم فيه من عند الله، يعني بذلك من كتاب الله فاتبعوا ما وجدتم. (153:4)
الطوسي: معنى الرد إلى الله، هو إلى كتابه، و الرد إلى رسوله، هو الرد إلى سنته. وهو قول مجاهد، و قتادة، و میمون بن مهران، و السدي. و الرد إلى الأئمة يجري مجرى الرد إلى الله والرسول، و لذلك قال في آية أخرى «وَ لَو رَدُّوُهُ إِلَی الرَّسُولِ وَإِلی أُولِی الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ » النساء: 83، و لأنه إذا كان قولهم حجة من حيث كانوا معصومین حافظين للشرع، جروا مجرى الرسول في هذا الباب. (236:3)
الواحدي: فردوا الحكم فيما تنازعتم فيه إلى کتاب الله وسنة رسوله.(72:2)
نحوه الزمخشري. (535:1)
ابن عطية: [نقل کلام مجاهد و أضاف:]
و هو الصحيح.
و قال قوم: معناه: قولوا الله و رسوله أعلم، فهذا هو الرد . (71:2)
الطبرسي: معناه: فإن اختلفتم في شيء من أمور دینکم، فردوا التنازع فيه إلى كتاب الله وسنة الرسول، و هذا قول مجاهد، وقتادة، و السدی.
ونحن نقول: الرد إلى الأئمة القائمين مقام الرسول بعد وفاته، و هو مثل الرد إلى الرسول في حياته، لأنهم الحافظون لشريعته، و خلفاؤه في أمته، فجروا مجراه فيه. (65:2)
الفخر الرازي: اعلم أن قوله: « فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِی شَئْ فَرُدُّوهُ إِلَی اللهِ وَالرَّسُولِ»يدل عندنا على أن القياس حجة، و الذي يدل على ذلك أن قوله: «فَاِنْ تَنَازَعْتُمْ فى شَىْء » إما أن يكون المراد: فإن اختلفتم في شيء حكمه منصوص عليه في الكتاب أو الستة أو الإجماع، أو المراد: فإن اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة.
والأول باطل، لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته، فكان ذلك داخلا تحت قوله: « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»، و حينئذ يصير قوله: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِی شَیْ فَرُدُّوهُ إِلَی اللَّهِ وَالرَّسُولِ » إعادة لعين ما مضى، وإنه غير جائز و إذا بطل هذا القسم تعين الثاني، و هو أن المراد: فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والإجماع، و إذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله: « فَرُدُّوهُ إِلَی اللّهِ وَالرَّسُولِ » طلب حكمه من نصوص الكتاب و السنة.
فوجب أن يكون المراد: رد حكمه إلى الأحكام
المنصوصة في الوقائع المشابهة له، و ذلك هو القياس؛ فثبت أن الآية دالة على الأمر با لقياس.
فإن قيل: لم لايجوز أن يكون المراد بقوله: « فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّهِ وَ اَلرَّسُولِ » أي فوضوا علمه إلى الله و اسكتوا عنه و لا تتعرضوا له؟ و أيضا فلم لايجوز أن يكون المراد: فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لايحكم فيه إلا بالنص؟ و أيضا لم لايجوز أن يكون المراد: فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية؟
قلنا: أما الأول فمدفوع، و ذلك، لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين: منها ما يكون حكمها منصوصا عليه، و منها ما لا يكون كذلك، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد، و أمر في القسم الثاني بالرد إلى الله و إلى الرسول. ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السکوت، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك، بل لابد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات. و إذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك الواقعة، و بهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث.
(146:10)
القرطبي: أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في ستته بعد وفاته صلی الله علیه و آله. هذا قول مجاهد و الأعمش و قتادة، و هو الصحيح. و من لم ير هذا اختل إيانه، لقوله تعالى: « إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ» . و قيل: المعنى قولوا الله و رسوله أعلم، فهذا هو الرد. و هذا كما قال عمر بن الخطاب: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
والقول الأول أصح، لقول علي رضي الله عنه: ما عندنا إلا ما في كتاب الله و ما في هذه الصحيفة، أو فهم أعطيه رجل مسلم. و لو كان كما قال هذا القائل لبطل الاجتهاد الذي خص به هذه الأمة و الاستنباط الذي أعطيها، و لكن تضرب الأمثال و يطلب المثال حتی يخرج الصواب. قال أبو العالية: و ذلك قوله تعالى: « وَلَوْ رُدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِى الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» النساء : 83، نعم، ما كان مما استأثر الله بعلمه و لم يطلع عليه أحد من خلقه، فذلك الذي يقال فيه: الله أعلم. (261:5)
البيضاوي: فراجعوا فيه إلى الله إلى كتابه، و الرسول بالسؤال عنه في زمانه، و المراجعة إلى ستته بعده. و استدل به منکر و القياس، وقالوا: إنه تعالى أوجب رد المختلف إلى الكتاب و السنة دون القياس.
و أجيب بأن رد المختلف إلى المنصوص عليه إما يكون بالتمثيل و البناء عليه وهو القياس، و يؤيد ذلك الأمر به بعد الأمر بطاعة الله و طاعة رسوله، فإنه يدل على أن الأحكام ثلاثة: مثبت بالكتاب و مثبت با لسنة و مثبت بالرد إليهما، على وجه القياس. (226:1)
السفي:أي ارجعوا فيه إلى الكتاب و السنة. (232:1)
نحوه البروسوي ( 228:21 )، و القاسمي (1346:5)
شبر: إلى محكم كتابه. (58:2)
ابن عاشور: لما كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعية و بينهم و بين ولاة أمورهم، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالرد إلى الله و إلى الرسول. ومعنى الرد إلى الله : الرد إلى كتابه، كما دل على ذلك قوله في نظيره: « وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللّهُ» المائدة : 104.
و معنى الرد إلى الرسول: إنهاء الأمور إليه في حياته و حضرته، كما دل عليه قوله في نظيره: «إلى الرسول» النساء : 83، فأما بعد وفاته أو في غيبته، فالرد إليه: الرجوع إلى أقواله وأفعاله، و الاحتذاء بسته. روی أبوداود عن أبي رافع عن النبي صلی الله علیه و آله أنه قال: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر مما أمرت به أو نهيت عنه » فيقول: لاندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه.
وفي روايته عن العرباض بن سارية أنه سمع رسول الله يخطب، يقول: أيحسب أحدكم وهو متكئ على أريكته، و قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا مافي هذا القرآن، ألا وإني و الله قد أمرت و وعظت و نهیت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر، و أخرجه الترمذي من حديث المقدام و عرض الحوادث على مقياس تصرفاته و الصريح من سنته . [ إلى أن قال: ]
والرد هنا مجاز في التحاكم إلى الحاكم، و في تحکیم ذي الرأي عند اختلاف الآراء. و حقيقته: إرجاع الشيء إلى صاحبه مثل العارية و المغصوب، ثم أطلق على التخلي عن الانتصاف بتفويض الحكم إلى الحاكم، و عن عدم تصویب الرأي بتفويض تصويبه إلى الغير، إطلاقا على طريق الاستعارة . و غلب هذا الإطلاق في الكلام حتى ساوى الحقيقة. [إلى أن قال: ]
وذكر الرد إلى الله في هذا، مقصود منه مراقبة الله تعالى في طلب انجلاء الحق في مواقع التزاع، تعظيم الله تعالى، فإن الرد إلى الرسول يحصل به الرد إلى الله؛ إذ الرسول هو المنبئ عن مراد الله تعالى، فذكر اسم الله هنا هو بمنزلة ذكره في قوله:«فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ» الأنفال : 41، الآية.
ثم الرد إلى الرسول في حياة الرسول و حضوره ظاهر، و هو المتبادر من الآية. و أما الرد إليه في غيبته أو بعد وفاته، فبالتحاكم إلى الحكام الذين أقامهم الرسول أو أمرهم بالتعيين، و إلى الحكام الذين نصبهم ولاة الأمور للحكم بين الناس بالشريعة، ممن يظن به العلم بوجوه الشريعة و تصاريفها، فإن تعيين صفات الحكام و شروطهم وطرق توليتهم - فيما ورد عن الرسول - من أدلة صفات الحكام، يقوم مقام تعيين أشخاصهم. و بالتأمل في تصرفاته و ستته، ثم الصدر على ما يتبين للمتأمل من حال يظنها، هي مراد الرسول لو سئل عنها في جميع أحوال النزاع، في فهم الشريعة و استنباط أحكامها المسكوت عنها من الرسول، أو المجهول قوله فيها. (166:4)
فضل الله: میزان فض المنازعات في الإسلام
«فإن تنازعتم في شيء فردوده....»فقد يتنازع المؤمنون في قضاياهم الفكرية و الاجتماعية والسياسية و الاقتصادية و نحوها، فكيف يجب أن
يعالجوا أمثال هذه المنازعات؟ ومن هو المرجع؟
إن الآية تحدد لنا الميزان الذي يزن لنا الحقيقة، فيعرفنا الخط الفاصل بين الحق والباطل فليرجعوا إلى الله من خلال كتابه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و من خلفه، و ليهتدوا بهدي رسول الله صلی الله علیه و آله و ستته، في ما لا يستطيعون فهمه من القرآن، فهما المصدران المعصومان اللذان نستطيع من خلالهما الوقوف عند الحق لنعمل به، و الانطلاق ضد الباطل النجتنبه، و ذلك هو دليل الإيمان بالله و اليوم الآخر، في ما يفرضه على الإنسان من الالتزام بكتاب الله وسنة نبيه لأن الإنسان الذي لا يسير على هذا الخط هو إنسان لا يعيش الانتماء إلى خط الله و رسوله، لما يعنيه الانتماء من الابتعاد عن كل خط آخر غيره، سواء كان من وحي نفسه أو من وحي الآخرين.
و ربما كان من الضروري لهذا الحديث، الإشارة إلى أن الآية توجهنا إلى السير في هذا الخط في اتجاهين: الاتجاه الفكري، و الاتجاه العملي.
فإذا اختلفنا في الخطوط الفكرية السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية التي يرتكز عليها نظام المجتمع، فيجب علينا الانطلاق إلى الله والرسول،لنرسم الخطة على أساس المفاهيم و الأحكام والوسائل التي يتضمنها الكتاب والسنة، لنحدد الخط الإسلامي من غيره عند ما تشتبك الخطوط أمامنا و تشتبه، فهذا هو الذي يحفظ للرؤية الإسلامية وضوحها و سلامتها من الانحراف و الخلل، و هذا هو الذي يؤكد للمسيرة الإسلامية أصالتها و ثباتها و توازنها، ولهذا حضت الكثير من الأحاديث المسلمين على ضرورة تقديم الأساس بین صحيح الحديث و باطله، مما يروى عن رسول الله صلی الله علیه و آله و أئمة أهل البيت عليهم السلام، بإرجاعه إلى كتاب الله و سنة صلی الله علیه آله ، مؤكدة هذه الروايات بأن «كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف»(1)أو باطل، وما إلى ذلك من الكلمات التي تقترب من بعضها البعض.
وهذا ما ينبغي لنا مواجهته في ما يخوضه المفكرون المسلمون من صراعات فكرية، يتحرك بعضها في نطاق الإصرار على الرجوع إلى المصادر الأصيلة للإسلام في الفكر والتشريع و التخطيط و بناء الدولة و إقامة النظام، و يتحرك بعض آخر، ليوفق بين مفاهیم الإسلام القرآنية و النبوية، و بين المفاهيم الحديثة التي انطلقت في تفكيرالفلاسفة الأوروبيين، و ذلك من أجل المحافظة على تحديث الإسلام و عصريته حتى ينسجم مع مسيرة العصر الحضارية، و ربما يتحرك في كلا الاتجاهين متطرفون هنا و هناك، ليتجمد هؤلاء على النص في لفظه بعيدا عن روحه، و ليتحرر أولئك فيتركوا النص تماما ليستلهموا روحه بطريقة مائعة، و قد أثار هذا الاختلاف جو سلبيا في الساحة الإسلامية على مستوى الفكر والعمل.
والآية التي نحن بصددها ليست إلا نوعا من التذكرة، بأن التزاع في فهم الفكرة، و في طبيعة الخط
1) البحار، 2: 242، باب: 29 رواية: 37
قد يكون له مبرراتها لداخلية والخارجية، و لكن ذلك لا يتأتى بطريقة ذاتية، بل بالرجوع إلى القواعد الفكرية القرآنية والنبوية لتكون هي الميزان في الفكر الإسلامي الصحيح، في مواجهة الفكر الزائف فإن ذلك هو علامة الإيمان الحق. أما في الجانب التطبيقي الذي يحكم المسيرة، فالأمر لا يختلف عن الجانب الفكري لأن قضية الإسلام ليست الإيمان بالفكرة على أساس المعرفة فحسب، بل العمل على خط الإيمان في حركة الواقع، فلا يكفي في سلامة المسيرة أن يكون الفكر صحيحا، بل ينبغي أن يكون التطبيق سليما، لتتكامل الشخصية الإسلامية و تتوازن. و في ضوء ذلك، لا بد أن تحل مشاكل الاختلاف في التطبيق على هدى القرآن والسنة، ليعرف الإنسان المؤمن أن حياته لم تبتعد عن فكره و إيمانه. (326:7)
روها
1- وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ حَسِيباً. النساء : 86
راجع: ح ي ي: «حیيتم »
2 - رُدُّوها عَلَیَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ. ص : 33
السدي: الخيل. (الطبري 10: 579)
الطبري: يقول: ردوا على الخيل التي عرضت علي، فشغلتني عن الصلاة فكروها علي. (10: 579)
الماوردي: يعني الخيل، لأنها عرضت عليه،فكانت تجري بين يديه، فلا يستبين منها شيء لسرعتها، و هو يقول: اللهم أغض بصري، حتى غابت الحجاب، ثم قال: ردوها علي (93:5)
الطوسي:يعني الخيل، فلما ردت عليه « فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ »
وقيل: إن الخيل هذه حربها من غنيمة جيش، فتشاغل باعتراضها حتى غابت الشمس و فاتته العصر.
قال الحسن: کشف عراقييها و ضرب أعناقها. وقال: لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى.
وقيل: إنه إنما فعل ذلك على وجه القربة إلى الله تعالى، بأن ذبحها ليتصدق بلحومها لا لعقوبتها بذلك. وإنما فعل ذلك، لأنها كانت أعز ماله، فأراد بذلك ما قال الله تعالى: « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ » آل عمران: 92 (561:8)
الواحدي: أي أعيدوها علي. (552:3)
الزمخشري: فإن قلت: بم اصل قوله: «ردوها على » قلت: بمحذوف تقديره: قال: ردوها علي فأضمر، و أضمر ما هو جواب له، كأن قائلا قال: فماذا قال سليمان، لأنه وضع مقتض للسؤال اقتضاء ظاهرا، و هو اشتغال نبي من أنبياء الله بأمر الدنيا حتى تفوته الصلاة عن وقتها.(374:3)
الطبرسي: أي قال لأصحابه: ردوا الخيل علي، عن أكثر المفسرين. و قيل: معناه: أنه سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه، فردها عليه حتی صلى العصر. فالهاء في «ردوها »كناية عن الشمس، عن علي بن
أبي طالب عليه السلام. (475:4)
الفخر الرازي: قال تعالى: « وحتی توارت » أقول: الضمير في قوله: «حتى توارت»، و في قوله: «روها»يحتمل أن يكون كل واحد منهما عائدا إلى الشمس، لأنه جرى ذلك ماله تعلق بها، و هو العشي ويحتمل أن يكون كل واحد منهما عائدا إلى «الصافنات ». و يحتمل أن يكون الأول متعلقا بالشمس، والثاني ب « الصافنات »، و يحتمل أن يكون بالعكس من ذلك، فهذه احتمالات أربعة لامزيد عليها:
فالأول: أن يعود الضميران معا إلى « الصافنات» كأنه قال: حتى توارت الصافنات بالحجاب ردوا الصافنات علي.
والاحتمال الثاني: أن يكون الضمیران معا عائدين إلى الشمس، كأنه قال: حتی توارت الشمس بالحجاب ردوا الشمس، و روي أنه صلی الله علیه و آله لما اشتغل بالخيل فاتته صلاة العصر، فسأل الله أن يرد الشمس، فقوله: «ردوها على » إشارة إلى طلب رد الشمس، و هذا الاحتمال عندي بعيد، والذي يدل عليه وجوه:
الأول: أن «الصافنات »مذكورة تصريحا، والشمس غير مذكورة، و عود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدر.
الثاني: أنه قال : «إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» ص : 32، و ظاهر هذا اللفظ يدل على أن سليمان علیه السلام كان يقول: إني أحببت حب الخير عن ذکر ربي، و كان يعيد هذه الكلمات إلى أن توارت بالحجاب، فلو قلنا: المراد حتی توارت الصافنات بالحجاب كان معناه أنه حين وقع بصره عليها حال جريها، كان يقول هذه الكلمة إلى أن غابت عن عينه، و ذلك مناسب، و لو قلنا: المراد حتی توارت الشمس بالحجاب كان معناه أنه كان يعيد عين هذه الكلمة من وقت العصر إلى وقت المغرب، وهذا في غاية البعد.
الثالث: أنا لو حکمنا بعود الضمير في قوله: «حتى توارت» إلى الشمس، و حملنا اللفظ على أنه ترك صلاة العصر، كان هذا منافيا لقوله: « أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي »، فإن تلك المحبة لو كانت عن ذكر الله لما نسي الصلاة، و لما ترك ذكر الله.
الرابع: أنه بتقدير أنه علیه السلام بقي مشغولا بتلك الخيل حتى غربت الشمس و فاتت صلاة العصر، فكان ذلك ذنبا عظيما و جرما قوا، فالأليق لهذه الحالة التضرع و البكاء و المبالغة في إظهار التوبة. فأما أن يقول على سبيل التهور والعظمة لإله العالم و رب العالمين: ردوها علي بمثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقيب ذلك الجرم العظيم، فهذا لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير، فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المطهر المكرم.
الخامس: أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى، فكان يجب أن يقول: ردها علي و لايقول: «ردوها علي». فإن قالوا: إنما ذكر صيغة الجمع للتنبيه على تعظيم المخاطب، فنقول:
قوله: «ردو ها » لفظ مشعر بأعظم أنواع الإهانة، فكيف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم.
السادس: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لكان ذلك مشاهدا لكل أهل الدنيا، و لو كان الأمر كذلك لتوفرت الدواعي على نقله و إظهاره، و حيث لم يقل أحد ذلك علمنا فساده.
السابع: أنه تعالى قال: «إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ » ص : 31، ثم قال: «حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ » وعود الضمير إلى أقرب المذكورين أولى، و أقرب المذكورين هو «الصَّافِناتُ الْجِيادُ ». و أما «العشی» فأبعدهما، فكان عود ذلك الضمير إلى«الصَّافِناتُ » أولى، فثبت بما ذكرنا أن حمل قوله: «حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ» على تواري الشمس، وأن حمل قوله: «ردوها علی » على أن المراد منه طلب أن يرد الله الشمس بعد غروبها، كلام في غاية البعد عن النظم.( 204:26)
القرطبي: قد قيل: إن الهاء في قوله: «ردوها علي» للشمس لا للخيل.
قال ابن عباس: سألت عليها عن هذه الآية، فقال: ما بلغك فيها؟ فقلت سمعت كعبا يقول: إن سليمان لما اشتغل بعرض الأفراس حتی توارت الشمس بالحجاب و فاتته الصلاة، قال: و« إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ...» أي آثرت حب الخير عن ذکر ربي،«ردوها على » يعني الأفراس، و كانت أربع عشرة، فضرب سوقها و أعناقها بالسيف، و أن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوما، لأنه ظلم الخيل.
فقال علي بن أبي طالب: کذب کعب، لكن سلیمان اشتغل بعرض الأفراس للجهاد حتى توارت، أي غربت الشمس بالحجاب، فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس: «ردوها »يعني الشمس فردوها حتى صلى العصر في وقتها، و أن أنبياء الله لا يظلمون، لأنهم معصومون .
قلت: الأكثر في التفسير أن التي توارت بالحجاب هي الشمس، و تركها لدلالة السامع عليها بما ذکر مما يرتبط بها و متعلق بذکرها، حسب ما تقدم بيانه. و كثيرا ما يضمرون الشمس. [ثم استشهد بشعر]
والهاء في «ردوها»للخيل و مسحها، قال الزهري و ابن کیسان: كان يمسح سوقها و أعناقها، و یکشف الغبار عنها حبا لها، و قاله الحسن وقتادة و ابن عباس.
وفي الحديث: أن النبي صلی الله علیه و اله رؤي و هو يمسح فرسه بردائه. وقال: « إني عوتبت الليلة في الخيل »، خرجه الموطأ عن يحيى بن سعيد مرسلا. و هو في غير الموطأ مسند متصل عن مالك عن يحيى بن سعيد عن أنس. و قد مضى في الأنفال قوله علیه السلام : « و امسحوا بنواصيها و أكفالها » و روی ابن وهب عن مالك أنه مسح أعناقها و سوقها بالسيوف.
قلت: و قد استدل الشبلي و غيره من الصوفية في تقطيع ثيابهم و تخريقها بفعل سليمان هذا. وهو استدلال فاسد، لأنه لا يجوز أن ينسب إلى نبي معصوم أنه فعل الفساد.
و المفسرون اختلفوا في معنى الآية، فمنهم من قال:
مسح على أعناقها و سوقها إكراما لها، و قال: أنت في سبيل الله، فهذا إصلاح. و منهم من قال: عرقبها ثم ذبحها، و بح الخيل و أكل لحمها جائز، و قد مضى في التحل بيانه. وعلى هذا فما فعل شيئا عليه فيه جناح. فأما إفساد ثوب صحيح لا لغرض صحيح، فإنه لايجوز، و من الجائز أن يكون في شريعة سلیمان جواز ما فعل و لا يكون في شرعنا. و قد قيل: إنما فعل بالخيل ما فعل بإباحة الله جل و عز له ذلك.
وقد قيل: إن مسحه إياها وسمها بالكي و جعلها في سبيل الله، فالله أعلم. و قد ضعف هذا القول من حيث إن السوق ليست بمحل للوسم بحال. و قد يقال: الكي على الساق علاط، و على العنق وثاق. والذي في الصحاح للجوهري: علط البعير علطا: كواه في عنقه بسمة العلاط، و العلاطان: جانبا العنق.
قلت: و من قال: إن الهاء في «ردوها» ترجع للشمس، فذلك من معجزاته. و قد اتفق مثل ذلك لنبينا صلی الله علیه و آله.
خرج الطحاوي في مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين: أن النبي صلی الله علیه و آله كان يوحى إليه و رأسه في حجر علي، فلم يصل العصر حتی غربت الشمس، فقال رسول الله صلی اله علیه و آله: « أصليت يا علي» قال: لا، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله : « اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس » قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها بعدما غربت طلعت على الجبال و الأرض، و ذلك بالصهباء في خيبر. قال الطحاوي: و هذان الحديثان ثابتان، و رواتهما ثقات.(196:15)
النسفي: أي قال للملائكة: ردوا الشمس علي الأصلي العصر، فردت الشمس له و صلى العصر، أو ردوا الصافنات. (41:4)
أبوحيان: من غريب القول أن الضمير في
«ردو ها» عائد على الشمس. (397:7)
البروسوي: في «الفتوحات المكية » معنى الآية: أحببت الخير عن ذكر ربي، الخير بالخيرية فأحببته لذلك، و الخير هي الصافنات الجياد من الخيل.
وأما قوله : «فطفق مسحا»أي یمسح بيده علی أعناقها و سوقها فرحا و إعجابا بخیر ربه لا فرحا بالدنيا، لأن الأنبياء منزهون عن ذلك، وهذه شبه ما وقع الأيوب عليه السلام حين أرسل الله له جرادا من ذهب، فصار يحثو في ثوبه منه، و يقول: لاغنى لي عن بركتك یا رب. فما أحب سليمان الخير إلا لكونه تعالى أحب حب الخير، و لذلك اشتاق إليها لما توارت بالحجاب، يعني الصافنات الجياد، لكونه فقد المحل الذي أوجب له حب الخير عن ذكر ربه، فقال: «ردوها على ».
و ليس للمفسرين الذين جعلوا التواري للشمس دليلا، فإن الشمس ليس لها هنا ذكر و لا الصلاة التي يزعمون، و مساق الآية لا يدل على ماقالوه بوجه ظاهر ألبتة، انتهى كلام الفتوحات.
وعن علي علیه السلام اشتغل سلیمان علیه السلام بعرض الأفراس للجهاد حتی توارت بالحجاب، أي غربت الشمس، فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس: ردوها، يعني الشمس، فردوها إلى موضع وقت العصر
حتى صلى العصر في وقتها، فذلك من معجزات سلیمان علیه السلام. [ إلى أن قال: ]
واعلم أن حبس الشمس و ردها وقع مرارا، و معنى حبسها: وقوفها عن السير والحركة بالكلية، أو بطؤ حركتها، أو ردها إلى ورائها. و معنی ردها: إعادتها بعد غروبها و مغيبها، فقد حبست لداود علیه السلام وذلك في رواية ضعيفة، و ردت لسليمان على ما قرر. وحسبت أيضا لخليفة موسی علیه السلام و هو يوشع بن نون، فإنه سار مع بني إسرائيل لقتال الجبارين و كان يوم الجمعة، و لما كاد يفتحها كادت الشمس تغرب، فقال للشمس: أيتها الشمس إنك مأمورة و أنا مأمور بحرمتي عليك ألاركدت، أي مكثت ساعة من النهار. و في رواية اللهم أحبسها علي، فحبسها الله حتى افتتح المدينة. و إنما دعا بحبسها خوفا من دخول البيت المحرم عليهم فيه المقاتلة.
و ردت أيضا لعلي علیه السلام بدعاء نبينا علیه السلام على ما سبق، و حبست أيضا عن الغروب لنبينا علیه السلام، و ذلك أنه أخبر في قصة المعراج أن عير قریش تقدم يوم كذا، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون ذلك، وقد ولی النهار حتى كادت الشمس تغرب، فدعا الله تعالى، فحبس الشمس عن الغروب حتى قدمت العير، و في بعض الروايات حبست له عن الطلوع، لأنه علیه السلام قال: « و تطلع العير عليكم من الثنية عند طلوع الشمس » فحبس الله الشمس عن الطلوع حتى قدمت العير . و حبست أيضاله علیه السلام في بعض أيام الخندق إلى الاحمرار و الاصفرار ، و صلی حینئذ، و في بعضها لم تحبس، بل صلى بعد الغروب، و إليه الإشارة بقوله علیه السلام : « شغلونا عن الصلاة الوسطى » أي عن صلاة العصر.
و في كلام سبط بن الجوزي: إن قيل: حبسها و رجوعها مشكل، لأنها لو تخلفت أو ردت لاختلت الأفلاك و فسد النظام.
قلنا: حبسها و ردها من باب المعجزات، و لامجال للقياس في خرق العادات. (29:8)
شبر: أي الشمس «علي» أيها الملائكة الموكلون بها بأمر الله، فردت فصلی، كما ردت ليوشع و على علیه السلام، أو الضمير للخيل. (285:5)
الآلوسي: الضمير المنصوب في قوله تعالى: «ردوها على » ل «الصافنات» على ما قال غیر واحد، و ظاهر كلامهم أنه ل«الصافنات» المذكور في الآية، و لعلك تختارأنه للخيل الدال عليها المشاهدة، أو « الخير » في قوله: «اِنّى اَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ » الأن «ردوها» من تتمة مقالته عليه السلام و «الصافنات» غير مذكورة في كلامه بل في كلام الله تعالى لنبينا صلی الله علیه و آله.
و الكلام على ما قال الزمخشري: على إضمار القول، أي قال ردوها على، و الجملة مستأنفة استئنافا بیانا، كأنه قيل: فماذا قال سليمان؟ فقيل: قال: ردوها. و تعقبه أبو حيان بأنه لا يحتاج إلى الإضمار؛ إذ الجملة مندرجة تحت حكاية القول في قوله تعالى: «فقال انی...»، والفاء في قوله تعالى :« فطفق مسحا»فصیحة مفصحة عن جملة قد حذفت ثقة بدلالة الحال
عليها، و إيذانا بغاية سرعة الامتثال بالأمر، كما في قوله تعالى: «فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً »البقرة: 60، أي فدوها عليه. (192:23)
ابن عاشور: الخطاب في قوله: «ردوها علی»لسواس خيله، والضمير المنصوب عائد إلى الخيل بالقرينة، أي ارجعوا الخيل إلي. و قيل: هو عائد إلى الشمس و الخطاب للملائكة، وهذا في غاية البعد. و لولا كثرة ذكره في كتب المفسرين، لكان الأولى بنا عدم التعرض له. و أحسن منه على هذا الاعتبار في معاد ضمير الغيبة أن يكون الأمر مستعملا في التعجيز، أي هل تستطيعون أن تردوا الشمس بعد غروبها. (153:23)
الطباطبائي: قيل: الضمير في لو« ردوها» للشمس، وهو أمر منه للملائكة برد الشمس ليصلي صلاته في وقتها. [ إلى أن قال: ]
و قيل: الضمير للخيل، والمعنى قال: ردوا الخيل، فلما ردت شرع يمسح مسا بسوقها و أعناقها، و يجعلها مسبلة في سبيل الله، جزاء ما اشتغل بهاعن الصلاة.
وقيل: الضمير للخيل، و المراد بمسح أعناق الخيل و سوقها: ضربها بالسيف و قطعها، و المسح: القطع، فهو علیه السلام غضب عليها في الله، لما شغلته عن ذكر الله، فأمر بردها، ثم ضرب بالسيف أعناقها و سوقها، فقتلها جميعا.
و فيه: أن مثل هذا الفعل مما تتنزه ساحة الأنبياء صلی الله علیه و آله عن مثله، فما ذنب الخيل لو شغله النظر إليها عن الصلاة حتى تؤاخذ بأشد المؤاخذة، فتقتل تلك القتلة الفظيعة عن آخرها، مع ما فيه من إتلاف المال المحترم .
وأما استدلال بعضهم علیه برواية أبي بن كعب عن النبي صلی الله علیه و اله، في قوله تعالى: «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ » قطع سوقها و أعناقها بالسيف، ثم أضاف إليها، و قد جعلها بذلك قربانا لله، و كان تقريب الخيل مشروعا في دينه، فليس من التقريب ذكر في الحديث ولا في غيره.
على أنه علیه السلام لم يشتغل عن العبادة بالهوى بل شغلته عبادة عن عبادة، كما تقدمت الإشارة إليه.
فالمعول عليه هو أول الوجوه إن ساعده لفظ الآية، و إلا فالوجه الثاني. (203:17)
مکارم الشيرازي: استمر سليمان علیه السلام ينظر إلى خيله الأصيلة المستعدة لجهاد أعداء الله، وهو يعيش حالة من السرور، حتى توارت عن أنظاره «حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ».
كان هذا المشهد جميلا و لطيفا لقائد كبير مثل سلیمان، بحيث أمر بإعادة عرض الخيل مرة أخرى «ردوها على ». و عندما نفذت أوامره بإعادة الخيل، عمد سلیمان علیه السلام إلى مسح سوقها و أعناقها، «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ ». [ إلى أن قال:]
إذا انتهينا من هذا، فهناك إشكالات أخرى وردت بشأن هذا التفسير:
1- كلمة الشمس لم تأت بصورة صريحة في
الآيات، في حين أن الخيل «الصَّافِناتُ الْجِيادُ» جاء ذكرها صريحا، و نرى من المناسب أن نعود بالضمير على شيء صرحت به الآيات.
2 - عبارة «عَنْ ذِكْرِ رَبِّي » ظاهرها يعني أن حب هذه الخيل إنما هو ناشئ من ذكر و طاعة أمر الله، في حين - طبقا للتفسير الأخير - تعطي كلمة (عن) معنی «علی» و يكون معنى العبارة، إني آثرت حب الخيل على حب ربي، و هذا المعنى مخالف لظاهر الآية.
3-الأعجب من كل ذلك هي عبارة «رُدُّوها عَلَيَ» التي تحمل صفة الأمر، فهل يمكن أن يخاطب سليمان الباري عزو جل أو ملائكته بصيغة الأمر، أن ردوا علي الشمس، كما يخاطب عبيده أو خدمه.
4 قضية رد الشمس، رغم أنها في مقابل قدرة الباري عزو جل تعد أمرا يسيرا، إلا أنها تواجه بعض الإشكالات؛ بحيث جعلتها أمرا لايمكن قبوله من دون توفر أدلة واضحة عليها.
5 - الآيات المذكورة أعلاه تبدأ بمدح و تمجید سلیمان، في حين أن التفسير الأخير لها يعطي معنى الذم والتحقير.
6- إذا كانت الصلاة المتروكة واجبة، فتعليلها يعد أمرا صعبا، أما إذا كانت نافلة فلا داعي لرد الشمس.
السؤال الوحيد المتبقي هنا، هو أن هذا التفسير ورد في عدة روايات في مصادر الحديث، و إذا دققنا جيدا في إسناد هذه الأحاديث، يتضح لنا أنها جميعا تفتقد السند الموثوق المعتبر، و أن أكثر هذه الروايات موضوعة.
أليس من الأفضل صرف النظر عن تلك الروايات غير الموثوقة، و إرجاع علمها إلى أصحابها، و تقبل كل ما يبينه ظاهر الآيات بذهنية صافية و متفتحة، لنريح أنفسنا من عناء الإشكالات الفارغة. (454:14)
فضل الله: «رُدُّوها عَلَيَ» أي الخيل - على ما هو الظاهر في عملية استعادة للاستعراض ، و لكن بروحية أخرى «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ» قيل: في معناه: أنه شرع مسح بيده مسحا بسوقها و أعناقها، و يجعلها مسبلة في سبيل الله، جزاء ما اشتغل بها عن الصلاة.
و قيل: المراد بمسح أعناق الخيل و سوقها: ضربها بالسيف و قطعها، و المسح: القطع، فهو غضب عليها في الله، لما شغلته عن ذكره، فأمر بردها ثم ضرب بالسيف أعناقها و سوقها، فقتلها جميعا.
و يعلق صاحب الميزان على هذا الوجه، بأن « مثل هذا الفعل مما تتنزه ساحة الأنبياء عليهم السلام عن مثله، فما ذنب الخيل لو شغله التنظر إليها عن الصلاة حتى تؤاخذ بأشد المؤاخذة فتقتل تلك القتلة الفظيعة عن آخرها، مع ما فيه من إتلاف المال المحترم».
ويذكر في موضع آخر: أن الروايات التي تؤكد هذه القصة بهذا الشكل تنتهي إلى كعب الأحبار، بالإضافة إلى الإغراق في التفاصيل التي تدخل في دائرة الأعاجيب.
أما تعليقنا على ذلك، فإن الظاهر من الآية قد يؤكد فكرة ضرب أعناقها وسوقها، لأن مسألة
تسبيلها في سبيل الله لا يتوقف على «ردها عليه »، كما أنه لا يفسر مسح أعناقها وسوقها، فإن من المتعارف مسح الخيل على نواصيها، كما أن هذه الروايات تلتقي مع ظهور الآية في رد الفعل الذي قام به سلیمان، إزاء انشغاله بها عن الصلاة، مما جعله يفكر بالخلاص منها بقتلها، من غير ضرورة أن يكون ذلك على سبيل الانتقام منها، أو إتلافها كمال محترم لا يجوز إتلافه، بل قد يكون ذلك بمثابة ضغط على نفسه بغية إيلامها، لأنها أحبت الخيل و بهذه الطريقة، مع ملاحظة أن ذلك حلال في شريعته، لأن الخيل كانت ذبح کالأنعام للطعام، و الله العالم. ( 261:19)
ردت
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَیْهِمْ قَالُوا یَا أَبَانَا مَا نَبْغِی هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَیْنَا وَنَمِیرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ کَیْلَ بَعِیر ذَلِکَ کَیْلٌ یَسِیرٌ. يوسف : 65
الزجاج: قرأ ( ردت) بكسر الراء، و الأصل رددت، فأدغمت الدال الأولى في الثانية، و بقيت الراء مضمومة، و من كسر الراء جعل کسرتها منقولة من الدال، كما فعل ذلك في « قيل و بيع » لتدل أن أصل الدال الكسر. (118:3)
الثعلبي: « وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ » الذي حملوه من مصر « وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ » ثمن الطعام «رُدَّتْ إِلَیْهِمْ قَالُوا یَآ أَبَانَا مَا نَبْغِی» أي ماذا نبغي؟ و أي شيء نطلب وراء هذا، أو في لنا الكيل و رد علينا الثمن ؟ أرادوا بذلك أن يطيبوا نفس أبيهم. و ( ما ) استفهام في موضع نصب و يكون معناه جحدا، كأنهم قالوا: لسنا نريد منك دراهم. (236:5)
الماوردي: قوله عز وجل: «وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَیْهِمْ » أي وجدوا التي كانت بضاعتهم، و هو ما دفعوه في ثمن الطعام الذي امتاروه.
«هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَیْنَا»و احتمل أن يكون قولهم ذلك له تعريفا، و احتمل أن يكون ترغيبا، و هو أظهر الاحتمالين. (57:3)
الطوسي: أخبر الله تعالى عن إخوة يوسف أنهم لما فتحوا متاعهم، و المتاع: مبيع التجار مما يصلح للاستمتاع، فالطعام متاع، و البر متاع، و أثاث البيت متاع، و المراد به هاهنا: أوعية الطعام، «وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَیْهِمْ » أي أصابوا بضاعتهم التي كانوا و زنوها بشري الطعام، قد جعلت في وسط أمتعتهم، فلما رأوا ذلك قالوا: « یا أَبانا ما نَبْغِی».
وقيل: في معناه قولان:
أحدهما: قال قتادة: مانطلب؟ على وجه الاستفهام.
والثاني: قال الجبائي: «مانبغی » فيما أخبرناك به عن ملك مصر ليس بالكذب. و دلیله أن «هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا »، و أجاز القراء، و الزجاج كلا الوجهين. (165:6)
الواحدي: ( ما ) استفهام، والمعنى: أي شيء تريد و قد ردت علينا بضاعتنا ؟ و يجوز أن يكون نفيا كأنهم
قالوا: ما نبغي شيئا «هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَیْنَا » أي لسنا نطلب منك دراهم نرجع بها إليه، بل تكفينا في الرجوع إليه بضاعتنا هذه، و أرادوا هذا الكلام أن يطيبوا نفس أبيهم على الإذن لهم بالمعاودة. (2: 621)
نحوه البغوي . (501:2)
الزمخشري: قرئ ( ردت إلينا ) بالكسر ، علی أن كسرة الدال الدغمة نقلت إلى الراء، كما في «قيل و بيع »، و حکی قطرب ضرب زيد على نقل الكسرة الراء فيمن سكنها إلى الضاد. (231:2)
نحوه الفخر الرازي (170:18)
ابن عطية: قرأ جمهور الناس «ردت » بضم الراء على اللغة الفاشية عن العرب، و تليها لغة من يشم، و تليها لغة من یکسر. و قرأ علقمة ويحي بن وتاب ( ردت ) بكسر الراء، على لغة من یکسر، و هي في بني ضبة.
قال أبوالفتح: و أما المعتل نحو «قیل و بيع » فالفاشي فيه الكسر ثم الإشمام ثم الضم، فيقولون: « قول و بوع » قال الزجاج: من قرأ ( ردت ) بكسر الراء جعلها منقولة من الدال، كما فعل في «قیل و بيع » التدل على أن أصل الدال الكسرة. (260:3)
الطبرسي: أي ما نطلب في منع أخينا عنه.
و قيل : معناه: ما نطلب بما أخبرناك عن ملك مصر الكذب.
وقيل : معناه: أي شيء نطلب وراء هذا، أوفي لنا الكيل، و رد علينا التمن، عن قتادة. و أراد أن تطيب نفس يعقوب فيبعث ابنه معهم. و تم الكلام، ثم قالوا ابتداء: «هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا » أي فلا ينبغي أن نخاف على أخينا ممن قد أحسن إلينا هذا الإحسان.
وقيل: المراد ما نريد منك دراهم تعطيناها نرجع بها إليه، بل تكفينا في الرجوع إليه بضاعتنا هذه، فإن الملك إذا فعلنا ما أمرنا به في أخينا، يفي بما وعدنا، و أرسله معنا. (248:3)
البيضاوي: (نحو الزمخشري و أضاف: ]
«هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَیْنَا » استئناف موضح لقوله: «ما نبغي.. و نمير اهلنا » معطوف على محذوف، أي ردت إلينا فنستظهر بهاو نمير أهلنا بالرجوع إلى الملك. (501:1)
نحوه النسفي . (230:2)
أبوالسعود: « وَ لَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ »أي تفضلا، و قد علموا ذلك بما مر من دلالة الحال. وقرئ بنقل حركة الدال المدغمة إلى الراء، كما قيل: في « قيل وكيل ».[إلى أن قال:]
وقوله تعالى:«هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَیْنَا»جملة مستأنفة موضحة لما دل عليه الإنكار من بلوغ اللطف غايته، كأنهم قالوا: كيف لا، و هذه بضاعتنا ردها إلينا تفضلا من حيث لا ندري، بعدما من علينا من المنن العظام، هل من مزيد على هذا فنطلبه. ولم يريدوا به الاكتفاء بذلك مطلقا، أو التقاعد عن طلب بنظائره، بل أرادوا الاكتفاء به في استجاب الامتثال لأمره، والالتجاء إليه في استجلاب المزيد، كما أشرنا إليه.
وقوله تعالى: «ردت إلينا »حال من «بضاعتنا» و العامل معنى الإشارة، و إيثار صيغة البناء للمفعول،
للإيذان بكمال الإحسان اللاشئ عن كمال الإخفاء المفهوم من كمال غفلتهم عنه؛ بحيث لم يشعروا به ولابفاعله. (410:3)
البروسوي: «رُدَّتْ إِلَیْنَا»أي حال كونها مردودة إلينا تفضلا من حيث لاندري، بعدمامن علينا بالمنن العظام، هل من مزيد على هذا فنطلبه، أرادوا الاكتفاء به في استیجاب الامتثال لأمره، والالتجاء إليه في استجلاب المزيد. (291:4)
رددت
وَ مَا اَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ اِلى رَبّى لاَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا . الكهف : 36
الطبري: رجعت إليه، و هو غير موقن أنه راجع إليه. (224:8)
الزجاج: دل على أن صاحبه المؤمن قد أعلمه أن الساعة تقوم وأنه يبعث، فأجابه بأن قال له:« وَلَئِنْ رُدِدْتُ اِلى رَبّى » کما أعلمتني أن أبعث ليعطيني في الآخرة خيرا مما أعطاني في الدنيا، لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا و هو يزيدني إن كان الأمر على هذا في الآخرة. (285:3)
الثعلبي:صرفت. (170:6)
الزمخشري: إقسام منه على أنه إن رد إلى ربه على سبيل الفرض والتقدير، و كما يزعم صاحبه، ليجدن في الآخرة خيرا من جنته في الدنيا، تطمعا وثمنيا على الله، و ادعاء لكرامته عليه و مكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه و استئها له، و أن معه هذا الاستحقاق أينما توجه، كقوله: « إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى» فصلت : 50، « لَأُوتَيَنَّ مالاً وَ وَلَداً» مریم :77 . (484:2)
الطبرسي: معناه: و لئن كانت القيامة والبعث حقا كما يقوله الموحدون، لأجدن خيرا من هذه الجنة.[ثم نقل كلام الزجاج و أضاف: ]
وقيل: معناه: لأكتسبن في الآخرة خيرا من هذه التي اكتسبتها في الدنيا. (468:3)
القرطبي: أي وإن كان بعث فكما أعطاني هذه النعم في الدنيا فسيعطيني أفضل منه لكرامتي عليه، و هو معنى قوله: « لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً»، و إنما قال ذلك لما دعاه أخوه إلى الإيمان بالحشر والنشر. (404:10)
البيضاوي: با لبعث كما زعمت.(13:2)
نحوه الكاشاني (3: 242)، و الآلوسي (276:15).
أبوالسعود: با لبعث عند قيامها، كما تقول: « اِلى رَبّى لاَجِدَنَّ » (189:4)
البروسوي: و الله لئن رجعت «إلى ربی» بالبعث على الفرض والتقدير كما زعمت، فليس فيه دلالة على أنه كان عارفا بربه، مع أن العرفان لاينافي الإشراك، و كان كافرا مشرکا.
قال في «البرهان »: قال تعالى: « وَلَئِنْ رُدِدْتُ اِلى رَبّى » و في حم: «وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي » لأن الرد عن الشيء يتضمن كراهة المردود، ولما كان في الكهف تقديره: و لكن رددت عن جنتي هذه -التي
أظن أن لا تبيد أبدا - إلى ربي، كان لفظ الرد الذي يتضمن الكراهة أولى، و ليس في حم، ما يدل على کراهته، فذ کر بلفظ الرجع ليقع في كل سورة ما يليق بها. (246:5)
شبر: فرضا كما تزعم.(77:4)
یردوکم
1-... وَ لا یَزالُونَ یُقاتِلُونَکُمْ حَتّی یَرُدُّوکُمْ عَنْ دِینِکُمْ.... البقرة : 217
الثعلبي: يصد و کم و يصرفو کم. (141:2)
الطوسي: قال الجبائي: هو مجاز هاهنا، لأن حقيقته: حتى ترتدوا بإلجاءهم إياكم إلى الارتداد. و الأولى أن يكون حقيقة ذلك بالعرف. (208:2)
الواحدي: الإسلام إلى الكفر. (1: 322)
البغوي: يصرفو کم. (1: 276)
الزمخشري: إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين، و أنهم لا ينفكون عنها حتى یردوهم عن دينهم، و «حتى»معناها التعليل، كقولك: فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة، أي يقاتلونکم کي یردوکم. (357:1)
نحوه البيضاوي. (115:1)
ابن عطية: «یردوکم» نصب ب «حتى» لانها غاية مجردة. (291:1)
مثله القرطبي . (46:3)
الطبرسي: أي يصرفكم عن دين الإسلام و يلجؤوكم إلى الارتداد.(313:1)
الفخر الرازي: أي إلى أن يردوکم، و قيل:المعني: ليردو کم. (37:6)
البروسوي: أي كي يصرفو كم عن دینکم الحق إلى دينهم الباطل. (335:1)
2- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ . آل عمران : 149
الإمام علي علیه السلام: نزلت في المنافقين إذ قالوا للمؤمنين يوم أحد عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم و ارجعوا إلى دينهم. (الطبرسي 518:1)
السدي: يقول: إن تطيعوا أبا سفيان، يردكم كفارا. (الطبري 3: 467)
ابن إسحاق: أي عن دینکم، فتذهب دنیاکم و آخرتكم. (الطبري 3: 467)
الطبري: يقول: يحملوكم على الردة بعد الإيمان، والكفر بالله و آیاته و برسوله بعد الإسلام. ( 467:3 )
الواحدي: أي يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله.(502:1)
نحوه البغوي (521:1 )، و النسفي (187:1)
الزمخشري: إلى دينهم. و قیل هو عام في جميع الكفار، و إن على المؤمنين أن يجانبوهم و لا يطيعوهم في شيء، ولا ينزلوا على حكمهم و لاعلى مشورتهم، حتى لا يستجروهم إلى موافقتهم. (469:1)
نحوه البيضاوي. (186:1)
الطبرسي: أي يرجعوكم كفارا كما كنتم. (518:1)
الفخر الرازي: يعني يرتو كم إلى الكفر بعد الإيمان، لأن قبول قولهم في الدعوة إلى الكفر كفر. (30:9)
أبوالسعود: جوابا للشرط، مع كونه في قوة أن يقال : إن تطيعوهم، في قولهم: ارجعوا إلى إخوانكم و ادخلوا في دينهم، يدخلونكم في دينهم، باعتبار کونه تمهيدا لقوله تعالى: « فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرينَ ». (47:2)
البروسوي: يدخلوكم في دينهم، أضاف الرد إليهم لدعائهم إليه، والارتداد على العقب علم في انتكاس الأمر و مثل في الحور بعد الكور. (108:2)
الآلوسي: أي يرجعوكم إلى أول أمركم، و هو الشرك بالله تعالى، والفعل جواب الشرط، وصح ذلك بناء على المأثور عن علي كرم الله تعالى وجهه، مع أن الكلام معه في قوة «إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا » في قولهم: ارجعوا إلى إخوانكم و ادخلوا في دينهم يدخلوكم في دينهم، و يؤول إلى قولك: إن تدخلوا في دينهم تدخلوا في دينهم، و فيه اتحاد الشرط والجزاء، بناء على أن الارتداد على العقب علم في انتكاس الأمر، و مثل في الحور بعد الكور. (87:4)
ابن عاشور: و الرد على الأعقاب: الارتداد، و الانقلاب: الرجوع، وقد تقدم القول فيهما عند قوله: « اَفَاِئن ماتَ او قُتِلَ انقَلَبتُم علی اَعقابِکُم»آل عمران: 144، فالظاهر أنه أراد من هذا الكلام تحذير المؤمنين من أن يخامرهم خاطر الدخول في صلح المشركين و أمانهم، لأن في ذلك إظهار الضعف أمامهم و الحاجة إليهم، فإذا مالوا إليهم استدرجوهم رويدا رويدا، بإظهار عدم کراهية دينهم المخالف لهم، حتى یردوهم عن دينهم، لأنهم لن يرضوا عنهم حتی یرجعوا إلى ملتهم.
فالرد على الأعقاب على هذا يحصل بالإخارة و المآل، و قد وقعت هذه العبرة في طاعة مسلمي الأندلس لطاغية الجلالقة. و على هذا الوجه تكون الآية مشيرة إلى تسفيه رأي من قال: « لو كلمنا عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان » كما يدل عليه قوله: «بَلِ اللَّهُ مَوْلَیکُمْ» آل عمران: 150.
ويحتمل أن يراد من الطاعة طاعة القول و الإشارة، أي الامتثال؛ و ذلك قول المنافقين لهم: لو كان محمد نبينا ما قتل، فارجعوا إلى إخوانكم و ملتكم. و معنى الرد على الأعقاب في هذا الوجه أنه يحصل مباشرة في حال طاعتهم إياهم. (247:3)
فنردها
يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ اُوتُوا الْكِتَابَ امِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّ قًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ اَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلى اَدْ بَارِهَا اَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا اَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ اَمْرُ اللهِ مَفْعُولا. النساء: 47
راجع: ط م س: «نطمس ».
یرد
1 - فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. الأنعام : 147
الطوسي: معناه لايمكن أحدا أن يرده عنهم،
و هو أبلغ من قوله: بأسه نازل بالمجرمين، لأ ته دل على هذا المعنى، و على أن أحدا لايمكنه رده. (4: 333)
الواحدي: عذابه إذا جاء الوقت. (2: 333)
مثله الفخر الرازي ( 224:13 )
الطبرسي: أي لا يدفع عذابه إذا جاء وقته. (379:2)
مثله شبر. (330:2)
القرطبي: قيل: المعنى: ولايرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراد حلوله في الدنيا . (7: 128)
البيضاوي: «وَ لَایُرَدُّ بَأْسُهُ » لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم، مع الدلالة على أنه لازب بهم لايمكن رده عنهم. (336:1)
الآلوسي: أي لا يدفع عذابه بالكلية. (8: 49)
2- حتّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَ لا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ. يوسف : 110
الواحدي: لا يمنع عذابنا عن المشركين إذا بلغوا الأجل. (638:2)
ولاحظ: ب أس: « بأسنا».
3 - وَ اللّهُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ یَتَوَفّیکُمْ وَ مِنْکُمْ مَنْ یُرَدُّ اِلی اَرْذَلِ الْعُمُرِ لِکَیْ لا یَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَیْئا اِنَّ اللّهَ عَلیمٌ قَدیرٌ . النحل :70
راجع: رذل: « آرذل».
4-قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ یرَدُّ إِلی رَبِّهِ فَیعَذِّبُهُ عَذاباً نُکراً. الكهف : 87
الطبري: ثم يرجع إلى الله تعالى بعد قتله. (275:8)
الثعلبي: في الآخرة. (191:6)
مثله البغوي (3: 213)، و البروسوي(293:5)
الواحدي: بعد قتلي إياه. (165:3)
مثله الطبرسي.)490:3)
القرطبي: أي يوم القيامة. ( 52:11)
و لاحظ: ن ك ر: «نکرا»
ه ... وَ مِنْکُمْ مَنْ یُتَوَفّی وَ مِنْکُمْ مَنْ یُرَدُّ إِلی أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِکَیْلا یَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَیْئاً .. الحج: 5
راجع: رذل: «ارذل».
6- إِلَیْهِ یُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَهِ وَ ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَکْمامِه . فصلت : 47
راجع: ع ل م : «علم»، و : ك م م : « اکمامها».
يردون
1-... أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الکِتَابِ وَتَکْفُرُونَ بِبَعْض فَمَا جَزَاءُ مَنْ یَفْعَلُ ذَلِکَ مِنْکُمْ إلا خِزْیٌ فِی الحَیَاهِ الدُّنْیَا وَیَوْمَ القِیَامَهِ یُرَدُّونَ إلَی أشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ .البقرة: 85
الثعلبي:قرأ أبو عبد الرحمان السلمي و أبورجاء و الحسن ( ترون) بالتاء.(231:1)
الطوسي: أي أسوأ العذاب، يعني بعد الخزي
الذي يحل بهم في الدنيا، يردهم الله إلى أشد العذاب الذي أعده الله الأعدائه.
وقال بعضهم: يردهم يوم القيامة إلى أشد العذاب، يعني أشد من عذاب الدنيا. و الأول أقوى: إنه من أشد العذاب، يعني أشد جنس العذاب؛ وذلك يقتضي العموم و لايخص إلا بدليل. [إلى أن قال:]
وقوله: «وَ یَومَ القِیَمَهِ یُرَّدُّونَ » فالرد إلى هذا أقرب من قوله: «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْکِتابِ» فاتباع الأقرب أولى من إلحاقه بالأول. والكل حسن. والمعنى: و ما الله بسا عن أعمالهم الخبيثة بل هو محص لها و حافظ لها حتى يجازي عليها (1: 337)
الواحدي: يرجعون. (170:1)
القرطبي: «یُرَّدُّونَ » بالياء قراءة العامة، وقرأ الحسن (ترَّدُّونَ ) بالتاء على الخطاب. (23:2)
نحوه شبر.(119:1)
البروسوي: أي يرجعون، و الرد: الرجع بعد الأخذ. (175:1)
الآلوسي: أي يصيرون إليه، فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك في أشد العذاب. وقد يراد بالرد الرجوع إلى ما كانوا فيه، كما في قوله تعالى: «فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ» القصص:13، و كأنهم كانوا في الدنيا أو في القبور. [إلى أن قال: ]
وضمير «یُرَّدُّونَ» راجع إلى (من) و أوثر صيغة الجمع نظرا إلى معناها بعد ما أوثر الإفراد، نظرا إلى لفظها، لما أن الرد إنما يكون بالاجتماع...
و قرأ الحسن و ابن هرمز باختلاف عنهما و عاصم في رواية المفضل (ترَّدُّونَ )على الخطاب، و الجمهور على الغيبة، و وجه ذلك أن «یُرَّدُّونَ »راجع إلى «من يفعل»، فمن قرأ بصيغة الغيبة نظر إلى صيغة ( من) و من قرأ بصيغة الخطاب نظر إلى دخوله في «منکم»، لا أن الضمير حينئذ راجع إلى ( كم ) كما و هم.(314:1)
ابن عاشور: [نقل القراءات نحوالآلوسي وأضاف:]
وقد دلت هذه الآية على أن الله يعاقب الحائدین عن الطريق بعقوبات في الدنيا و عقوبات في الآخرة. (573:1)
2-وَمِمَّنْ حَوْلَکُمْ مِنَ الأعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أهْلِ المَدِینَهِ مَرَدُوا عَلَی النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَیْنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إلَی عَذَاب عَظِیم . التوبة : 101
راجع: ع ذب: « عذاب »
تردون
1- وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّه عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالُمؤْمِنُونَ وَسَتُردُّونَ إِلَا عَالِم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَ كُنْتُمْ تَعْمَلُون . التوبة : 105
الطبری: يوم القيامة. (467:6)
الطوسي: معناه سترجعون إلى الله الذي يعلم السر والعلانية. (341:5)
نحوه الطبرسي.(69:3)
ابن عطية:يريد البعث من القبور. (80:3)
البيضاوي: بالموت. (431:1)
نحوه أبوالسعود (3: 189)، و البروسوي 31:501)، والآلوسي ( 16:11)، و القاسمي (3258:8) .
ابن عاشور: جملة: «وَسَتُردُّونَ إِلَا عَالِم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ » من جملة المقول، و هو وعد و وعید معا على حسب الأعمال، و لذلك جاء فيه «بما كُنْتُمْ تَعْمَلُون ».(199:10)
2-قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِی تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِیکُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلی عالِمِ اَلْغَیْبِ وَ اَلشَّهادَهِ فَیُنَبِّئُکُمْ بِما کُنْتُمْ تَعْمَلُون. الجمعة :8
قتادة: إن الله أذل ابن آدم بالموت، لا أعلمه إلا رفعه. (الطبري 93:12)
مقاتل: في الآخرة. (327:4)
الطبري: ثم يردكم ربكم من بعد مماتكم إلى عالم الغيب والشهادة، عالم غیب السماوات و الأرض. (93:12)
الطوسي: معناه ثم ترجعون إلى الله تعالى يوم القيامة الذي يعلم سركم و علانيتكم و ظاهر کم و باطنكم، لا يخفى عليه شيء من أحوالكم. ( 7:10)
الزمخشري: «ثُمَّ تُرَدُّونَ» إلى الله فيجازيكم با أنتم أهله من العقاب. (103:4)
البروسوي: الرد: صرف الشيء بذاته أو بحالة من أحواله، يقال: رددته فارتد، و الآية من الرد بالذات، مثل قوله تعالى: «وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ » و من الرد إلى حالة كان عليها قوله تعالى: «یَرُدُّوکُمْ عَلی أَعْقابِکُمْ » آل عمران : 149.(520:9)
المراغي: أي ثم ترجعون بعد مماتكم إلى عالم غيب السماوات و الأرض. ( 100:28)
نرد
1- وَلَوْ تَرَیَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَی النَّارِ فَقَالُواْ یَا لَیْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُکَذِّبَ بِآیَاتِ رَبِّنَا وَنَکُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ. الأنعام : 27
الطبري: فقال هؤلاء المشرکون بربهم إذ حبسوا في النار: «یَا لَیْتَنَا نُرَدُّ»الی الدنيا، حتی نتوب، و نراجع طاعة الله. (174:5)
الزجاج: المعنى أنهم تمنوا الرد وضمنوا أتهم لايكذبون، المعنى: يا ليتنا نرد، و نحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أم لم نرد، و نكون من المؤمنين، أي قد عاينا و شاهدنا ما لانكذب معه أبدا. (239:2)
نحوه الواحدي . (105:2)
الماوردي: تمنوا الرد إلى الدنيا التي هي دار التكليف، ليؤمنوا و يصدقوا، و التمني لا يدخله صدق ولاكذب، لأنه ليس بخبر. (105:2)
الطوسي: فإن قيل: كيف يجوز أن يتمنوا الرد إلى الدنيا و قد علموا عند ذلك أنهم لايردون؟ قيل: عن ذلك أجوبة:
أحدها: قال البلخي: إنا لانعلم أن أهل الآخرة يعرفون جميع أحكام الآخرة، و إنما نقول: إنهم يعرفون الله بصفاته معرفة لايتخالجهم فيها الشك، لما يشاهدونه من الآيات والعلامات الملجئة لهم إلى المعارف. و أما التوجع والتأوه و التمني للخلاص
و الدعاء بالفرج، يجوز أن يقع منهم و أن تدعوهم أنفسهم إليه.
وقال أبو علي الجبائي و الزجاج: يجوز أن يقع منهم التمني للرد، و لأن يكونوا من المؤمنين، و لامانع منه.
وقال آخرون: التمني قد يجوز لما يعلم أنه لا يكون، ألا ترى أن المتمني يتمنى أن لا يكون فعل ماقد فعله و مضى وقته، وهذا لا حيلة فيه، فعلى هذا قوله في الآية الثانية: «وَإِنَّهُمْ لَکَاذِبُونَ » الأنعام : 28، يكون حكاية حال منهم في دار الدنيا، كماقال: «وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ» الكهف : 18، و كما قال: « وَإِنَّ رَبَّکَ لَیَحْکُمُ بَیْنَهُمْ یَوْمَ الْقِیمَهِ » النحل : 124، و إنما هو حكاية للحالة الآتية. [إلى أن قال:]
و استدل أبوعلي بهذه الآية: على أن القدرة قبل الفعل خلافا للمجبرة، بأن قال: تمنوا الرد إلى دار الدنيا إلى مثل الحالة التي كانوا عليها. و لايجوز من عاقل أن يتمنى أن يرد إلى الدنيا و يخلق فيه القدرة الموجبة للكفر، لأن ذلك لايخلصه من العذاب بل يؤديه إلى حالته التي كان عليها.
و هذا ضعيف، لأن لقائل أن يقول: إنهم تمنوا الرد و رفع التكذیب و حصول الإيمان بأن تحصل لهم قدرة الإيمان، و لا تحصل لهم قدرة التكذيب، و ليس في الآية أنهم سألوا الرد إلى الحالة التي كانوا عليها، فلا متعلق في ذلك. و استدل أيضا على أنه إذا كان المعلوم من حال الكافر أنه يؤمن، وجب تبقيته، بأن قال: أخبر الله أنه إما لم يردهم، لأنهم «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ»الأنعام: 28، و ظاهر ذلك يقتضي أنه لوعلم أنه لو ردهم لآمنوا، لوجب أن يردهم، و إذا وجب أن يردهم إذا علم أنهم يؤمنون، بأن يجب تبقيتهم إذا علم أنهم يؤمنون أولى.
وهذا أيضا ضعيف. لأن الظاهر أفاد أنهم لو ردوا العادوا لما نهوا عنه، و ليس فيه أنهم لو ردوا لآمنوا أو ماحكمهم، بل هو موقوف على الدلالة، لأنه دلیل الخطاب. على أن غاية مافيه أنه يفيد أنه لوعلم من حالهم أنه متى ردهم آمنوا يردهم، فمن أين أن ذلك واجب عليه؟! و هل هذا إلا كقوله: « وَ ما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً » الإسراء: 15، في أنه لا خلاف بين أهل العدل أنه كان يجوز له أن يعذب و إن لم يبعث رسولا، بأن لا تقتضي المصلحة بعثته، و يقتصر بهم على التكليف العقلي ؟ فإنهم متى عصوا كان له أن يعذبهم، فلا شبهة في الآية. (116:4)
الزمخشري: تم تمنيهم . ثم ابتدأوا« وَلا نُکَذِّبُ بِآیاتِ رَبِّنا وَ نَکُونَ مِنَ الْمُؤْمِنینَ» واعدين الإيمان، كأنهم قالوا: و نحن لا نكذب و نؤمن على وجه الإثبات. و شبهه سيبويه بقولهم: دعني ولا أعود، بمعنى: دعني و أنا لا أعود، تركتني أو لم تتركني. ويجوز أن يكون معطوفا على «نرد» أو حالا على معنی یا لیتنا نرد غير مكذبين و کائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني.
فإن قلت: يدفع ذلك قوله: « وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» لأن المتمني لا يكون كاذبا.
قلت: هذا تمن قد تضمن معنى العدة، فجاز أن
يتعلق به التكذيب، كما يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالا فأحسن إليك و أكافئك على صنيعك، فهذا متمن في معنى الواعد، فلو رزق مالا و لم يحسن إلى صاحبه ولم يكافئه کذب، كأنه قال: إن رزقني الله ما كافأتك على الإحسان.
و قرئ (و نكذب و نكون ) بالنصب بإضمار أن على جواب التمني، و معناه: إن رددنا لم نكذب و تكن من المؤمنين. (12:2)
ابن عطية: قرأ ابن كثير ونافع و أبوعمرو و الكسائي و عاصم في رواية أبي بكر ( ولانكذب و نكون ) بالرفع في كلها، و ذلك على نية الاستئناف، والقطع في قوله: (و نكذب ونكون ) أي يا ليتنا نرد و نحن على كل حال لانكذب و نکون، فأخبروا أنفسهم بهذا، و لهذا الإخبار صح تكذيبهم بعد هذا. ورجح هذا سيبويه و مثله بقولك: دعني ولا أعود، أي و أنا لا أعود على كل حال، و يخرج ذلك على قول آخر، و هو أن يكون ( ولا نكذب، و نكون ) داخلا في التمني على حد ما دخلت فيه.«نرد» كأنهم قالوا: يا ليتنا نرد و ليتنا لا نكذب، و ليتنا نكون.
و يعترض هذا التأويل بأن من تمني شيئا لا يقال: إنه: کاذب، و إنما يكذب من أخبر.
و ينفصل عن هذا الاعتراض بأن يكون قوله: «وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ»الأنعام : 28، حكاية عن حالهم في الدنيا كلاما مقطوعا مما قبله. و بوجه آخر وهو أن المتمني إذا كانت سجيته و طريقته مخالفة لما تمنى بعيدة منه، يصح أن يقال له: كذبت، علی تجوز، و ذلك أن من تمنى شيئا فتمنيه يتضمن إخبار أن تلك الأمنية تصلح له و يصلح لها، فيقع التكذيب في ذلك الإخبار الذي يتضمنه التمني، و مثال ذلك: أن يقول رجل شریر: ليتني أحج وأجاهد و أقوم الليل، فجائز أن يقال لهذا على تجوز: كذبت، أي أنت لا تصلح لهذا، و لايصلح لك. و روي عن أبي عمرو أنه أدغم باء «نکذب» في الباء التي بعدها.
وقرأ ابن عامر وحمزة و عاصم في رواية حفص و «لانكذب » و «نکون» بنصب الفعلين، و ذلك كما تنصب الفاء في جواب التمني، فالواو في ذلك و الفاء بمنزلة، و هذا تقدير ذكر مصدر الفعل الأول، كأنهم قالوا: يا ليتنا كان لنا رد و عدم تکذیب و کون من المؤمنين.
وقرأ ابن عامر في رواية هشام بن عمار عن أصحابه عن ابن عامر (ولانكذب) بالرفع و ( نكون) بالنصب، و يتوجه ذلك على ما تقدم في مصحف عبد الله بن مسعود ( يا ليتنا نرد فلا نكذب بایات ربنا ونكون ) بالفاء. و في قراءة أبي بن كعب ( يا ليتنا نرد فلانكذب بايات ربنا ابدا ونكون). و حکی أبوعمرو أن في قراءة أبي ( بايات ربنا و نحن نكون ) و قوله: «نرد»في هذه الأقوال كلها معناه: إلى الدنيا. و حکی الطبري تأويلا آخر، و هو: يا ليتنا نرد إلى الآخرة، أي نبعث و نوقف على النار التي وقفنا عليها مكذبين، ليت ذلك، ونحن في حالة لانكذب و نکون، فالمعنى: يا ليتنا نوقف هذا الوقوف غير مكذبين بآيات ربنا، کائنين من المؤمنين. و هذا التأويل يضعف من غير
وجه، و يبطله قوله تعالى: « وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ »، و لايصح أيضا التكذيب في هذا التمني، لأنه تمني ما قد مضى، و إنما يصح التكذيب الذي ذكرناه قبل هذا، على تجوز في تمني المستقبلات. (2: 281)
الطبرسي: إلى الدنيا. (289:2)
نحوه البروسوي (21:3)، و شبر . (248:2)
الفخر الرازي: ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: «یَالَیْتَنَا نُرَدُّ» يدل على أنهم قد تمنوا أن يردوا إلى الدنيا.
فأما قوله: «وَ لَانُکَذِّبَ بِایَاتِ رَبِّنَا وَ نَکُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ » ففيه قولان:
أحدهما : أنه داخل في التمني، و التقدير : أتهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكونوا مكذبين، و أن يكونوا مؤمنين.
فإن قالوا: هذا باطل، لأنه تعالى حكم عليهم بكونهم كاذبين بقوله في آخر الآية: «وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» و المتمني لايوصف بكونه کاذبا.
قلنا: لانستم أن المتمني لا يوصف بكونه کاذبا، لأن من أظهر التمني فقد أخبر ضما كونه مریدا لذلك الشيء، فلم يبعد تکذيبه فيه، و مثاله أن يقول الرجل: ليت الله يرزقني مالا فأحسن إليك، فهذا من في حكم الوعد، فلو رزق مالا و لم يحسن إلى صاحبه القيل: إنه كذب في وعده.
القول الثاني: أن التمني تم عند قوله: «یَالَیْتَنَا نُرَدُّ»وأما قوله: «وَ لَانُکَذِّبَ بِایَاتِ رَبِّنَا وَ نَکُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ » فهذا الكلام مبتدأ، و قوله تعالى في آخر الآية (1): «وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» عائد إليه، و تقدیر الكلام: یا لیتنا نرد، ثم قالوا: و لو رددنا لم نكذب بالدين و كنا من المؤمنين، ثم إنه تعالى كذبهم و بين أنهم لو ردوا لكذبوا و لأعرضوا عن الإيمان.
المسألة الثانية : قرأ ابن عامر(نرد و نکذب) بالرفع فيهما و «نکون ) بالنصب، و قرأ حمزة و حفص عن عاصم «نرد» بالرفع و «نکذب» و «نکون» بالنصب فيهما، والباقون بالرفع في الثلاثة، فحصل من هذا أنهم اتفقوا على الرفع في قوله:«نرد»؛ و ذلك لأنه داخلة في التمني لامحالة.
فأما الذين رفعوا قوله: «وَ لا نُکَذِّبَ و نَکُونَ» فيه وجهان:
الأول: أن يكون معطوفا على قوله:«نرد» فتكون الثلاثة داخلة في التمني، فعلى هذا، قد تمنوا الرد و أن لا يكذبوا، و أن يكونوا من المؤمنين.
والوجه الثاني: أن يقطع ( و لانكذب ) و ما بعده عن الأول، فيكون التقدير: يا ليتنا نرد و نحن لا نكذب بآيات ربنا، و نكون من المؤمنين، فهم ضمنوا أنهم لايكذبون بتقدير حصول الرد، والمعنى: يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب بآيات ربنا رددنا أو لم نرد، أي قد عاينا و شاهدنا ما لانكذب معه أبدا. قال سيبويه : و هو مثل قولك: دعني و لا أعود، فهاهنا المطلوب بالسؤال ترکه.
٫ فأما أنه لا يعود فغير داخل في الطلب، فكذا هنا
1) هذه في آية أخرى و لیست آخر الآية الأولى
قوله: «یَالَیْتَنَا نُرَدُّ»الداخل في هذا التمني الرد، فأما ترك التكذیب و فعل الإيمان، فغير داخل في التمني، بل هو حاصل سواء حصل الرد أو لم يحصل. وهذان الوجهان ذکر هما الزجاج.
و النحويون قالوا: الوجه الثاني أقوى، وهو أن يكون الرد داخلا في التمني، و يكون ما بعده إخبارا محضا. واحتجوا عليه بأن الله كذبهم في الآية الثانية فقال:«وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ»و المتمني لا يجوز تکذیبه، و هذا اختيار أبي عمرو. و قد احتج على صحة قوله بهذه الحجة، إلا أنا قد أجبنا عن هذه الحجة، و ذكرنا أنها ليست قوية.
وأما من قرأ «وَ لا نُکَذِّبَ و نَکُونَ »بالنصب ففيه وجوه:
الأول: بإضمار «ان» علی جواب التمني، والتقدير: يا ليتنا نرد و أن لا نكذب.
والثاني: أن تكون الواو مبدلة من الفاء، و التقدير : يا ليتنا نرد فلانکذب، فتكون الواو هاهنا بمنزلة الفاء في قوله: «لَوْ أَنَّ لِی کَرَّهً فَأَکُونَ مِنَ الْمُحْسِنِینَ » الزمر : 58. و يتأكد هذا الوجه بما روي أن ابن مسعود كان يقرأ (فلانكذب ) بالفاء على النصب.
والثالث: أن يكون معناه الحال، و التقدير : يا ليتنا نرد غير مكذبين، كما تقول العرب: «لا تأكل السمك و تشرب اللبن » أي لا تأكل السمك شارا للبن.
واعلم أن على هذه القراءة تكون الأمور الثلاثة داخلة في التمني. و أما أن المتمني كيف يجوز تكذيبه،فقد سبق تقريره. و أما قراءة ابن عامر، و هي أنه كان يرفع ( ولا نكذب) و ينصب «و نکون»فالتقدير: أنه يجعل قوله : ( ولانكذب) داخلا في التمني، بمعنى أنا إن رددنا غير مكذبين نكن من المؤمنين، و الله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله : « فَقَالُوا یَالَیْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُکَذِّبَ»لا شبهة في أن المراد تمني ردهم إلى حالة التكليف، لأن لفظ الرد إذا استعمل في المستقبل من حال إلى حال، فالمفهوم منه الرد إلى الحالة الأولى. والظاهر أن من صدر منه تقصير ثم عاين الشدائد و الأحوال بسبب ذلك التقصير، أنه يتمنى الرد إلى الحالة الأولى، ليسعى في إزالة جميع وجوه التقصيرات.
ومعلوم أن الكفار قصروا في دار الدنيا فهم يتمنون العود إلى الدنيا، لتدارك تلك التقصيرات؛ و ذلك التدارك لايحصل بالعود إلى الدنيا فقط، ولا بترك التكذيب، و لا بعمل الإيمان، بل إنما يحصل التدارك بمجموع هذه الأمور الثلاثة، فوجب إدخال هذه الثلاثة تحت التمني.
فإن قيل : كيف يحسن منهم تمني الرد مع أنهم يعلمون أن الرد يحصل ألبتة.
والجواب من وجوه
الأول: لعلهم لم يعلموا أن الرد لا يحصل.
والثاني: أنهم وإن علموا أن ذلك لا يحصل، إلا أن هذا العلم لا يمنع من حصول إرادة الرد كقوله تعالى: « يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ» المائدة: 37، و كقوله: « أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ» الأعراف : 50، فلما صح أن يريدوا هذه الأشياء معپ
العلم بأنها لا تحصل، فبأن يتمنوه أقرب، لأن باب التمني أوسع، لأنه يصح أن يتمني ما لا يصح أن يريد من الأمور الثلاثة الماضية. (191:12)
نحوه القرطبي (408:6) ، و أبوالسعود (371:2).
البيضاوي: تمنيا للرجوع إلى الدنيا. (307:1)
نحوه النسفي . (8:2)
ابن عاشور: معنى «نرد»نرجع إلى الدنيا، و عطف عليه (وَ لَانُکَذِّبَ بِایَاتِ رَبِّنَا وَ نَکُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ) برفع الفعلين بعد(لا ) الثانية، في قراءة الجمهور، عطفا على «نرد»، فيكون من جملة ما تمنوه، و لذلك لم ينصب في جواب التمني؛ إذ ليس المقصود الجزاء، و لأن اعتبار الجزاء مع الواو غير مشهور، بخلافه مع الفاء، لأن الفاء متأصلة في السببية، والرد غير مقصود لذاته، وإنما تمنوه لما يقع معه من الإيمان و ترك التكذيب. و إنما قدم في الذكر ترك التكذيب على الإيمان، لأنه الأصل في تحصيل المتمني على اعتبار الواو للمعية واقعة موقع فاء السبية في جواب التمني. (61:6)
الطباطبائي: قوله: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا...»، على قراءة الصب في «نکذب»و «نکون» تمن منهم للرجوع إلى الدنيا، و الانسلاك في سلك المؤمنين، ليخلصوا به من عذاب النار يوم القيامة. و هذا القول منهم نظير إنكارهم الشرك بالله، و حلفهم بالله على ذلك كذبا من باب ظهور ملكاتهم التنفسانية يوم القيامة، فإنهم قد اعتادوا التمني فيما لاسبيل لهم إلى حيازته، من الخيرات و المنافع الفائتة عنهم، و خاصة إذا كان فوتها مستندا إلى سوء اختيارهم و قصور تدبيرهم في العمل. و نظيره أيضا ما سيجيء من تحصرهم على ما فرطوا في أمر الساعة.
على أن التمني يصح في المحالات المتعذرة كما يصح في الممكنات المتعسرة، كتمني رجوع الأيام الخالية، و غير ذلك. [ثم استشهد بشعر] (52:7)
مکارم الشيرازي: يقظة عابرة عقيمة
في هاتين الآيتين إشارة إلى بعض مواقف عناد المشركين، و فيهما يتجسد مشهد من مشاهد نتائج أعمالهم، لكي يدركوا المصير المشؤوم الذي ينتظرهم فيستيقظون، أو تكون حالهم - على الأقل -عبرة لغيرهم، فتقول الآية : «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ»لتبين لك مصيرهم السيئ المؤلم.
إنهم في تلك الحال على درجة من الهلع؛ بحيث إنهم يصرخون: ليتنا نرجع إلى الدنيا لنعوض عن أعمالنا القبيحة، و نعمل للنجاة من هذا المصير المشؤوم، ونصدق آیات ربنا، و نقف إلى جانب المؤمنين « فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» . و الآية التالية تؤكد أن ذلك ليس أكثر من تمن كاذب، وإنما تمنوه لأنهم رأوا في ذلك العالم كل ما كانوا يخفونه - من عقائد و نیات و أعمال سيئة - مکشوفا أمامهم، فاستيقظوا يقظة مؤقتة عابرة:« بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» الأنعام : 28.
غیر ان هذه اليقظة ليست قائمة ثابتة، بل إنها قد
حصلت لظروف طارئة، و لذلك فحتى لو افترضنا المستحيل و عادوا إلى هذه الدنيا مرة أخرى، لفعلوا ما كانوا يفعلونه من قبل، و مانهوا عنه، « و لو ردوا العادوا لما نهوا عنه » الأنعام : 28، لذلك فهم ليسوا
صادقين في تمنياتهم و مزاعمهم «و إنَّهُم لَکَاذِبُونَ»(237:4)
فضل الله:«فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»و لكن هل هذا الموقف ناتج عن قناعة مرتكزة على أساس ثابت، بعيدا عن الأجواء الطارئة الضاغطة على المشاعر، أم أن الموقف هو موقف الصدمة المفاجئة التي تهز المشاعر، حتى إذا أفاق الإنسان منها رجع إلى مواقعه السابقة، كما لو لم يكن حصل أي شيء في حركة الموقف، و في مستوى المسؤولية؟!
قد لا تستطيع الحالة السريعة أن تعطينا فكرة عن هذا أو ذاك، و لكن ما يكمن في خلفية الشخصية و عمقها و امتدادها، يمكن أن يكشف عن الحقيقة الكامنة في الداخل، فنكتشف من خلالها أن هؤلاء لا يعيشون الجدية في مواجهة المسؤولية، بل يقابلونها باللامبالاة الوجدانية، و لذلك جمدوا فكرهم أمام كل مواقع الإثارة الفكرية و العملية، فلم يتوقفوا عند علامات الاستفهام العريضة التي كانت تخاطب فكرهم عندما كانوا في الدنيا، بالرغم من كل المؤثرات و الدلائل التي كانت تفرض التوقف عندها، بل كل ما فعلوه أنهم خضعوا للأجواء المثيرة المنفعلة بالجو الطارئ فيما يوحيه و يثيره، حتى إذا ابتعد عنهم - من جدید - أو ابتعدوا عنه، عادوا إلى سيرتهم الأولى.
وهذا ما أوضحه القرآن الكريم في قوله تعالى:« بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ» الأنعام: 28، فهم لم يكتشفوا في ما شاهدوه شيئا جديدا، بل كانوا يتوهمون الحقائق قبل ذلك و يخفونها، لئلا تقوم عليهم الحجة أمام الآخرين، فینکرونها من موقع القناعة بها، «وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» لأنهم لم ينحرفوا الشبهة عرضت لهم، و لالخطا وقعوا فيه، بل كان ذلك الاستسلامهم أمام شهواتهم و أطماعهم، ما كان يدفعهم إلى الإنكار في مواقع الحقيقة، و إلى التمرد في مقتضيات الطاعة، و إلى التسويف في مواقف التوبة، و لذلك فإن الصدمة أمام أهوال النار سوف تتضاءل عندما ينفصلون عن الجو تدريجيا، و يبتعدون عن تهاويله في الزمان و المكان، فيرجعون إلى ما كانوا عليه، لأن شخصيتهم لا تحتمل التأثر با لفكرة العميقة بل تتحرك تبعا لظروف الجو و مزاجية الرأي.
وقد يكون هذا اللون من أوضاع الشخصية الإنسانية، مثل طبيعة الظاهرة في أكثر من مجتمع، سواء في ذلك مجتمع الكافرين أم المجتمع الذي يتبني الإيمان كعقيدة . فقد نلجأ في حالات المرض و الخوف إلى الله، و نتوب إليه مما أسلفنا من ذنوبنا، و نعزم على تصحيح الموقف أملا في الشفاء من المرض، و الأمن من الخوف، فإذا كشف الله عنا ذلك كله، نسينا كل ما التزمنا به لله من موقف أو عمل، و عدنا إلى ما كنا فيه.
إن القضية التي تحكم هذه الظاهرة في الوجه السلبي أو الإيجابي منها، هي أن هناك فرقا بين أن
تكون خطوات الإنسان العملية منطلقة من قاعدة أساسية، في طريقة التفكير و الانتماء و العمل، و بین أن تكون خاضعة للأجواء الطارئة التي يعيشها الإنسان. ففي الحالة الأولى، نجد الثبات والصلابة و التركيز في الفكر و الموقف، بالرغم من كل مايهز الفكر أو يثير الشعور؛ حيث يزداد الموقف في هذا الحال قوة في الأجواء الملائمة، و يزداد توترا في الأجواء غير الملائمة، فيشعرهم بالحاجة إلى مواجهة التحدي بقوة ضاغطة.
وفي الحالة الثانية، نجد الاهتزاز و الضعف والانسحاق أمام أية حالة جديدة، مما يوحى إليهم بالانتقال إلى مواقع جديدة مضادة لمواقعهم الحقيقية، في الفكر والانتماء والعمل.
و ربما كان من الضروري للإنسان المؤمن أن يختبر نفسه، ليعرف في أي اتجاه يسير، و من أية قاعدة ينطلق، ليحدد لنفسه و للآخرين مسار تنمية القدرة الروحية و العملية في الخط الصحيح، فإن إهمال ذلك قد يجعل الرؤية غير واضحة، و ينتهي بالموقف إلى غير وجهته الطبيعية في الحياة. إن علينا أن ندخل هذا الجانب في حركة بناء الشخصية الإنسانية، فلانتعلق بالسطح الظاهر، بل نحاول دائما التفاذ إلى الأعماق، فإن الله يريد ما صناعة الشخصية التي تخلق الأجواء، ولاتحاول الخضوع للأمر الواقع، و تبريره مهما كان لونه. (70:9)
2 - قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا یَنْفَعُنَا وَلا یَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَی أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ کَالَّذِی اسْتَهْوَتْهُ الشَّیَاطِینُ فِی الأَرْضِ حَیْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ یَدْعُونَهُ إِلَی الْهُدَی ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَی اللهِ هُوَ الْهُدَی وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِینَ. الأنعام: 71
الكلبي: نرد وراءنا إلى الشرك بالله. (الواحدي 2: 287)
أبو عبيدة: يقال: رد فلان على عقبيه، أي رجع ولم يظفر بما طلب، ولم يصب شيئا. (196:1)
الطبري:يقول: و نرد إلى أدبارنا، فنرجع القهقرى خلفنا، لم نظفر بحاجتنا.
وإنما يراد به في هذا الموضع: ورد من الإسلام إلى الكفر. (231:5)
الزجاج: أي نرجع إلى الكفر، و يقال لكل من أدبر: قد رجع إلى خلف، و رجع القهقرى. (2: 262)
الثعلبي: إلى الشرك «بَعْدَ إِذْ هَدَینَا اللَّهُ».
و تقول العرب لكل راجع خائب لم يظفر بحاجته: رد على عقبيه، و نكص على عقبيه، فيكون مثله « كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ » أي أضلته. (4: 159)
الطوسي: « وَ نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا » بعد الهدى والرشاد، و بعد معرفتنا بالله و تصدیق رسله في الضلال، و ذلك مثل، يقال فيمن رجع عن خير إلى شر: رجع على عقبيه، و كذلك إذا خاب من مطلبه، يقال : رد على عقبيه. (183:4)
البغوي: إلى الشرك مرتدین.(134:2)
الزمخشري: راجعين إلى الشرك بعد إذ أنقذنا
الله منه و هدانا للإسلام.(28:2)
نحوه البيضاوي (316:1)، و النسفي (18:2).
ابن عطية: تشبيه؛ وذلك أن المردود على العقب هو أن يكون الإنسان يمشي قدما و هي المشية الجيدة، فيرد يمشي القهقرى و هي المشية الدينية، فاستعمل المثل بها فيمن رجع من خير إلى شر. و وقعت في هذه الآية في تمثيل الراجع من الهدى إلى عبادة الأصنام. (306:2)
الطبرسي: هذا مثل، يقولون لكل خائب لم يظفر بحاجته: رد على عقبيه، و نكص على عقبيه، و تقديره: أنرجع القهقرى في مشيتنا؟ والمعنى: أنرجع عن ديننا الذي هو خير الأديان ؟.(319:2)
الفخر الرازي: اعلم أن المقصود من هذه الآية الرد على عبدة الأصنام، و هي مؤكدة لقوله تعالى قبل ذلك: « قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ » الأنعام : 56، فقال: «قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ » أي أنعبد من دون الله النافع الضار ما لا يقدر على نفعنا ولا على ضرنا، و نرد على أعقابنا راجعين إلى الشرك بعد أن أنقذنا الله منه، و هدانا للإسلام؟ و يقال لكل من أعرض عن الحق إلى الباطل: إنه رجع إلى خلف، و رجع على عقبيه، و رجع القهقرى.
والسبب فيه أن الأصل في الإنسان هو الجهل، ثم إذا ترقی و تکامل حصل له العلم. قال تعالى:« وَاللَّهُ أَخْرَجَکُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِکُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَیْئًا وَجَعَلَ لَکُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَهَ » النحل: 78، فإذا رجع من العلم إلى الجهل مرة أخرى، فكأنه رجع إلى أول مرة، فلهذا السبب يقال: فلان ترد على عقبيه. (29:13)
القرطبي: أي نرجع إلى الضلالة بعد الهدى. يقال: رجع فلان على عقبيه، إذا أدبر. (17:7)
أبو حيان: [ نحو الفخر الرازي و أضاف:]
وجوز أبو البقاء أن تكون الواو فيه للحال، أي ونحن نرد، أي أيكون هذا الأمر في هذه الحال ؟ وهذا فيه ضعف لإضمار المبتدا، و لأنها تكون حالا مؤكدة، واستعمل المثل بها فيمن رجع من خير إلى شر.(156:4)
السمين: قوله: «و نرد » فيه وجهان، أظهر هما: أنه نسق على «ندعوا» فهو داخل في حيز الاستفهام المتسلط عليه القول.
والثاني: أنه حال على إضمار مبتدا، أي و نحن نرد. قال الشيخ بعد نقله هذا عن أبي البقاء: «و هو ضعيف لإضمار المبتدا، ولانھا تكون حالا مؤكدة» . و في كونها مؤكدة نظر، لأن المؤكدة ما فهم معناها من الأول، وكأنه يقول: من لازم الدعاء من دون الله الارتداد على العقب. (93:3)
أبو السعود: « نُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا » عطف على «ندعوا»داخل في حكم الإنكار و التفي، أي و نرد إلى الشرك. والتعبير عنه بالرد على الأعقاب، لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في القبح، مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد ترکت و نبذت وراء الظهر، و إيثار «و نرد» که علی «نرتد» لتوجيه الإنكار إلى الارتداد برد الغير، تصريحا بمخالفة
المضلين، و قطعا لأطماعهم الفارغة، و إيذانا بأن الارتداد من غير راد ليس في حيز الاحتمال، ليحتاج إلى نفيه و إنكاره. (400:2)
الكاشاني: نرجع عن دين الإسلام إلى الشرك.(129:2)
نحوه البروسوي. (52:3)
الآلوسي: في الآية تغلیب؛ إذ لا يتصور الرد على العقب المراد به: الرجوع إلى الشرك منه صلی الله علیه و آله، والمعنى: أيليق بنا معشر المسلمين ذلك.
وقيل: الرد على الأعقاب: بمعنى الرجوع إلى الضلال و الجهل شركا أو غيره. و الجمهور على الأول، والتعبير عن الرجوع إلى الشرك بالرد على الأعقاب - كما قال شيخ الإسلام - لزيادة تقبيحه بتصويره بصورة ما هو علم في القبح، مع ما فيه من الإشارة إلى كون الشرك حالة قد ترکت و نبذت وراء الظهر، و إيثار«نرد» على «نرتد» لتوجيه الإنكار إلى الارتداد برد الغير، تصريحا بمخالفة المضلين، و قطعا لأطماعهم الفارغة، و إيذانا بأن الارتداد من غیر راد ليس في حيز الاحتمال، ليحتاج إلى نفيه و إنكاره. (188:7)
ابن عاشور: قوله: « و نرد على أعقابنا » عطف على «ندعوا » فهو داخل في حيز الإنكار. و الرد الإرجاع إلى المكان الذي يؤتي منه، كقوله تعالى: «رودها على » ص : 33.
والأعقاب: جمع عقب، و هي مؤخر القدم، و عقب كل شيء: طرفه و آخره. ويقال: رجع على عقبه وعلى عقبيه، ونكص على عقبيه، معنی رجع إلى المكان الذي جاء منه، لأنه كان جاعلا إياه و راءه فرجع.
و حرف ( على ) فيه للاستعلاء، أي رجع على طریق جهة عقبه، كما يقال: رجعوراءه، ثم استعمل تمثيلا شائعا في التلبس بحالة ذميمة، كان فارقها صاحبها، ثم عاد إليها و تلبس بها: وذلك أن الخارج إلى سفر أو حاجة فإنما يمشي إلى غرض یریده، فهو يمشي القدمية، فإذا رجع قبل الوصول إلى غرضه فقد أضاع مشيه، فيمثل حاله بحال من رجع على عقبيه.
وفي الحديث: «اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا نردهم على أعقابهم » فكذلك في الآية، هو تمثيل الحال المرتد إلى الشرك بعد أن أسلم، بحال من خرج في مهم، فرجع على عقبيه، ولم يقض ما خرج له. وهذا أبلغ في تمثيل سوء الحالة من أن يقال: و نرجع إلى الكفر بعد الإيمان. (161:6)
مغنية: الرد على الأعقاب: كلمة تقال لمن يرجع القهقري، ولا أحد أكثر تأخرا، و رجوعا إلى الوراء من أعرض عن الحق إلى الباطل، و عن التوحيد إلى الشرك. (209:3)
الطباطبائي: و الرد على الأعقاب: كناية عن الضلال و ترك الهدى، فإن لازم الهداية الحلقة الوقوع في مستقيم الصراط و الشروع في السير فيه، فالارتداد على الأعقاب: ترك السير في الصراط، و العود إلى ما خلف من المسير و هو الضلال، و لذا قال: « وَنُرَدُّ عَلَی أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَینَا اللَّهُ »، فقيد الرد بكونه بعد الهداية الإلهية. (143:7)
حسنين مخلوف: أي نرجع إلى الشرك الذي كتا
فيه، يقال لمن رد عن حاجته و لم يظفر بها: قدردعلى عقبيه، مثل رجع القهقرى.(228:1)
مکارم الشيرازي: كان المشركون يصرون على دعوة المسلمين إلى العودة إلى الكفر وعبادة الأصنام، فنزلت هذه الآية، تأمر النبی صلی الله علیه و آله بالرد عليهم ردا يدحض رأيهم، و يفند دعوتهم، في جواب بصيغة الاستفهام الاستنكاري، أتريدون منا أن نشرك مع الله ما لا يملك لنا نفعا فنعبده لذلك، و لايملك لنا ضررا فنخافه؟! «قُلْ اَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا یَنْفَعُنا وَ لا یَضُرُّنا ».
هذه الآية تشير إلى أن أفعال الإنسان تنشأ عادة عن دافعين، فهي إما أن تهدف إلى استجلاب منفعة مادية كانت أم معنوية، و إما إلى دفع ضرر مادیا کان أم معنويا، فكيف يقدم الإنسان على أمر ليس فيه أي من هذين العاملين؟
ثم يأتي باستدلال آخر على المشركين، فيقول: إذا عدنا إلى عبادة الأصنام بعد الهداية الإلهية، نكون قد رجعنا القهقرى، و هذا يناقض قانون التكامل الذي هو قانون حياتي عام « وَنُرَدُّ عَلی اَعْقابِنا بَعْدَ اِذْ هَدینَا اللَّهُ»
ثم يضرب مثلا لتوضيح الأمر، فيقول: إن الرجوع عن التوحيد إلى الشرك أشبه بالذي أغوته الشياطين، أو غيلان البوادي التي كان عرب الجاهلية يعتقدون، أنها تكمن في منعطفات الطرق، و تغوي السابلة و تضلهم عن الطريق، فتاه عن مقصده و ظل حيرانا في البادية « کَالَّذِی اسْتَهْوَتْهُ الشَّیاطِینُ فِی الْأَرْضِ حَیْرانَ »بينما له رفاق يرشدونه إلى الصراط السوي المستقيم و ينادونه: هلم إلينا، و لكنه من الحيرة و التيه بحيث لا يسمع النداء، أو إله غير قادر على اتخاذ القرار « لَهُ أَصْحابٌ یَدْعُونَهُ إِلَی الْهُدَی ائْتِنا» . (315:4)
فضل الله: و هل يمكن للإنسان الذي أبصر الهدى بعينين مفتوحتين، أن يعيش الضلال في أفكاره و خطواته؟ وقد لا يكون من المفروض أن تكون الآية دليلا على وجود ضلال سابق على الهدى لهؤلاء القائلين، لأن الفقرة واردة على سبيل الكناية في التعبير عن طبيعة الضلال التي تمثل خطوة تراجعية، في مقابل الإيمان الذي يمثل خطوة متقدمة. (9: 160)
3- هَلْ یَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِیلَهُ یَوْمَ یَأْتِی تَأْوِیلُهُ یَقُولُ الَّذِینَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَنَا مِن شُفَعَاءَ فَیَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَیْرَ الَّذِی کُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا کَانُوا یَفْتَرُونَ. الأعراف : 53
ابن عباس: إلى الدنيا. (129)
نحوه مقاتل (41:2 )، والثعلبي (238:4 )، والواحدي (2: 375)، والبغوي (2: 196)، و الطبرسي (2: 426)، والكاشاني (203:2)، والبروسوي (172:3)، و شبر (2: 371).
الفراء: قوله: «أو نرد » ليس بمعطوف علی «فيشفعوا»، إنما المعنى: و الله أعلم: أو هل نرد فنعمل
غير الذي كنا نعمل؟ ولو نصبت «نرد» که علی أن تجعل ( أو ) بمنزلة « حتى»، كأنه قال: فيشفعوا لنا أبدا حتى نرد فنعمل، ولانعلم قارئا قرأ به. (380:1)
الطبري... أو نرد إلى الدنيا مرة أخرى، فنعمل فيها بما يرضيه و يعتبه من أنفسنا؟ [إلى أن قال: ]
إنما رفع قوله: «او نرد» و لم ينصب عطفا على قوله: « فيشفعوا لنا »، لأن المعني هل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا، أو هل نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل؟ و لم يرد به العطف على قوله: «فيشفعوا لنا ». (513:5)
الطوسي: «او نرد»عطف بالرفع على تأويل هل يشفع لنا شافع «أو نرد» و لونصب ( او نرد ) كان جائز ا. و معناه: فيشفعوا لنا إلا أن نرد، و ما قرئ به. (450:4)
الزمخشري: «نرد»جملة معطوفة على الجملة التي قبلها، داخلة معها في حكم الاستفهام، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء أو هل نرد؟ و رافعه وقوعه موقعا يصلح للاسم، كما تقول ابتداء: هل يضرب زید؟ و لايطلب له فعل آخر يعطف عليه. فلايقدر هل يشفع النا شافع أو نرد؟
وقرأ ابن أبي إسحاق: (او نرد) بالنصب عطفا على «فيشفعوا لنا » أو تكون ( او ) بمعنی «حتى أن»، أي يشفعوا لنا حتى ترد فنعمل. و قرأ الحسن بنصب (نرد) و رفع ( فنعمل ) بمعنى فنحن نعمل. (82:12)
نحوه النسفي. (56:22)
الفخر الرازي: والمعنى: إنه لا طريق لنا إلى الخلاص ما نحن فيه من العذاب الشديد، إلا أحد هذين الأمرين: و هو أن يشفع لنا شفيع، فلأجل تلك الشفاعة يزول هذا العذاب، أو يردنا الله تعالى إلى الدنيا حتى نعمل غير ما کنا نعمل، يعني: نوحد الله تعالى بدلا عن الكفر، و نطيعه بدلا عن المعصية. (95:14)
البيضاوي: «او نرد » أو هل نرد إلى الدنيا؟ و قرئ بالنصب عطفا على «فيشفعوا » أو لأن (أو) بمعنی « إلى أن»؛ فعلى الأول المسؤول أحد الأمرين: الشفاعة أو ردهم إلى الدنيا، و على الثاني أن يكون لهم شفعاء: إما لأحد الأمرين، أو لأمر واحد، وهو الرد. (351:1)
نحوه أبوالسعود. (497:2)
أبو حيان: قرأ الجمهور «او نرد»برفع الدال «فنعمل »بنصب اللام، عطف جملة فعلية على جملة اسمية، و تقدمهما استفهام فانتصب الجوابان، أي هل شفعاء لنا فيشفعوا لنا في الخلاص من العذاب، أو هل رد إلى الدنيا، فنعمل عملا صالحا. وقرأ الحسن - فيما نقل الزمخشري - بنصب الدال و رفع اللام، و قرأ الحسن فيما نقل ابن عطية و غيره برفعهما، عطف «فنعمل» علی «نرد». وقرأ ابن أبي إسحاق و أبو حيوة بنصبهما، فنصب (او نرد) عطفا على «فيشفعوا لنا » جوابا على جواب، فیکون «الشفعاء» في أحد أمرين: إما في الخلاص من العذاب، و إما في الرد إلى الدنيا، لاستئناف العمل الصالح، و تكون الشفاعة قد انسحبت على الرد أو الخلاص.
«وفنعمل »عطف على «او نرد».
ويحتمل أن يكون«او نرد »من باب لألزمتك، أو تقضيني حقي، على تقدير من قدر ذلك: حتی تقضيني حقي، أو كي تقضيني حقي، فجعل اللزوم مغیا بقضاء حقه، أو معلولا له لقضاء حقه، و تكون الشفاعة إذ ذاك في الرد فقط. و أما على تقدير سيبويه: ألا إني لألزمنك إلا أن تقضيني، فليس يظهر أن معنی ( أو ) معنی « إلا » هنا، إذ يصير المعنى: هل تشفع لنا شفعاء إلا أن نرد، و هذا استثناء غير ظاهر. (306:4)
نحوه السمين. (279:3)
الآلوسي: «او نرد»عطف على الجملة قبله، داخل معه في حكم الاستفهام، و ( من ) مزيدة في المبتدا. و جوز أن تكون مزيدة في الفاعل بالظرف، كأنه قيل: هل لنا من شفعاء، أو هل نرد إلى الدنيا، و رافعه وقوعه موقعا يصلح للاسم، كما تقول ابتداء: هل يضرب زيد. و لايطلب له فعل آخر يعطف عليه، فلايقدر هل يشفع لنا شافع أو نرد؟ قاله الزمخشري، و أراد کما في « الكشف » لفظا، لأن الظرف مقدار بجملة، و (هل) مما له اختصاص بالفعل، والعدول للدلالة على أن تمني الشفيع أصل و تمني الرد فرع،لأن ترك الفعل إلى الاسم مع استدعاء (هل) للفعل يفيد ذلك، فلو قدر لفاتت نكتة العدول معنى مع الغني عنه لفظا.
وقرأ ابن أبي إسحاق (او نرد) بالنصب عطفا على « فيشفعوا لنا » المنصوب في جواب الاستفهام، أو لأن ( أو ) بمعنى « إلى أن » أو « حتی أن » علی ما اختاره الزمخشري، إظهارا لمعنى السببية. قال القاضي: فعلى الرفع المسؤول أحد الأمرين: الشفاعة أو الرد إلى الدنيا. و على النصب المسؤول أن یکون لهم شفعاء: إما لأحد الأمرين من الشفاعة في العفو عنهم و الرد إن كانت (أو) عاطفة، و إما الأمر واحد إذا كانت بمعنی « إلى أن » إذ معناه: حينئذ يشفعون إلى الرد، و كذا إذا كانت بمعنی «حتى أن » يشفعون حتی يحصل الرد «فنعمل » بالنصب جواب الاستفهام الثاني، أو معطوف على «نرد»مسبب عنه، على قراءة ابن أبي إسحاق.
وقرأ الحسن بنصب (نرد) و رفع ( نعمل ) أي فنحن نعمل «غير الذي کنا نعمل» أي في الدنيا من الشرك و المعصية. (128:8)
المراغي: أي إنهم يتمنون الخلاص بكل وسيلة ممكنة: إما بشفاعة الشفعاء، و إما بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا فيها، غير ما كانوا يعملون في حياتهم الأولى، فيكونوا أهلا لمرضاة ربهم.
و إنما تمنوا الشفعاء و تساءلوا عنهم، من حيث كان من أسس الشرك أن النجاة عند الله إنما تكون بوساطة الشفعاء، و عند ما يستبين لهم الحق الذي جاءت به الرسل، و هو أن النجاة إنما تكون بالإيمان الصحيح و العمل الصالح، يتمنون لو يردون إلى الدنيا، ليعملوا بما أمرهم به الرسل. (167:8)
ابن عاشور: عطف فعل «نرد» ب ( آؤ ) على مدخول الاستفهام ، فيكون الاستفهام عن أحد الأمرين، لأن أحدهما لايجتمع مع الآخر، فإذا حصلت
الشفاعة فلا حاجة إلى الرد، وإذا حصل الرد استغني عن الشفاعة.
وإذ كانت جملة «لَنا مِنْ شُفَعاءَ » واقعة في حيز الاستفهام، فالتي عطفت عليها تكون واقعة في حيز الاستفهام، فلذلك تعين رفع الفعل المضارع في القراءات المشهورة، و رفعه بتجرده عن عامل النصب و عامل الجزم ، فوقع موقع الاسم، كماقدره الزمخشري تبعا للفراء، فهو مرفوع بنفسه من غير احتیاج إلى تأويل الجملة التي قبله، بردها إلى جملة فعلية، بتقدير: هل يشفع لنا شفعاء؟ كما قدره الزجاج، لعدم الملجئ إلى ذلك، و لذلك انتصب «فنعمل» في جواب «نرد» كما انتصب «فيشفعوا» في جواب«فهل لنا من شفعاء» . (120:8)
مکارم الشيرازي: إذا لم يكن هناك شفعاء لنا، أو إننا لا نصلح أساسا للشفاعة، أفلايمكن أن نرجع إلى الدنيا و نقوم بأعمال غير ما عملناه سابقا، و نسلم للحق و الحقيقة،« أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ ».
و لكن هذا التنبيه جاء - و للأسف – متأخرا جدا، فلا طريق للعودة، و لاصلاحية لهم للشفاعة، لأنهم قد خسروا كل رؤوس أموالهم، و تورطوا في خسران جمیع وجودهم «قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ » (64:5)
فضل الله: هل من شفعاء للذين نسوا الله في الدنيا؟
« فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا » کما کنا نفعل في الدنيا، إذا أخطأنا و واجهنا حساب المسؤولية، کنا نلجأ إلى الوسطاء الذين تربطنا بهم قرابة أو صداقة أو مصلحة، فيشفعون لنا لدى أولي الأمر، ونتخلص بذلك من النتائج السلبية لأعمالنا. فهل هناك وسطاء و شفعاء في الآخرة ليشفعوا لنا، « أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ » فيعطينا الله فرصة ثانية للعمل، من أجل أن نصحح هذا الخطأ، ونقوم هذا الانحراف، و نغير المنهج والبرنامج كله، لتكون حياتنا وفقا لأمر الله ونهيه، لنحصل من خلال ذلك على رضاه، فيدخلنا في رحمته ورضوانه؟ و لكن الله يرفض هذه التمنيات، لأن الشفعاء لا يملكون ذاتية التصرف في هذه الأمور. (137:10)
راد
وَإِن یَمْسَسْکَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ کَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن یُرِدْکَ بِخَیْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ یُصِیبُ بِهِ مَن یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ .يونس : 107
الطبري: يقول: فلايقدر أحد أن يحول بينك و بين ذلك، ولا يردك عنه و لايحرمكه، لأنه الذي بيده السراء والضراء ، دون الآلهة و الأوثان، و دون ما سواه.(618:6)
الثعلبي: فلا مانع لرزقه. (154:5)
مثله البغوي (2: 437)، و شبر (192:3).
الطوسي: و المعنى أنه لاراد لما يريد الله بخلقه، فإن أراد بهم سوء لا يقدر على دفعه أحد، و إن أراد هم بخير فلا يقدر أحد على صرفه عنهم، «يُصيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ » يعني بالخير. (508:5)
نحوه الطبرسي . (139:3)
الواحدي: لا مانع لما تفضل به عليك من رخاء
و نعمة. (561:2)
البيضاوي: لا دافع. (459:1)
مثله البروسوي. (87:4)
لرادک
إنَّ الَّذِی فَرَضَ عَلَیْکَ القُرْآنَ لَرَادُّکَ إلَی مَعَاد قُلْ رَبِّی أعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالهُدَی وَمَنْ هُوَ فِی ضَلال مُبِین. القصص : 85
راجع:ع و د: « معاد».
رادی
وَ اللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ. النحل: 71
السدي: فكما لايرد أحدكم على مملو که ما رزقه حتى يكون مثله، فكذلك لا يكون الله و الصنم الذي هو من خلقه و ملکه سواء. (الواحدي 73:3)
الطبري: يقول: مشركي مماليكهم فيما رزقهم من الأموال و الأزواج. (615:7)
الواحدي: يقول: لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق شيئا، حتى يكون المولى و المملوك في المال سواء. وهذا مثل ضربه الله للمشركين في تصييرهم عبادا له شرکاء له، فقال: إذا لم يكن عبید کم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون عبيدي معي سواء. (73:3)
الزمخشري: قيل: المعنى أن الموالي و المماليك أنا رازقهم جميعا، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق. فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم. (419:2)
الفخر الرازي: فيه قولان:
القول الأول: أن المراد من هذا الكلام تقرير ما سبق في الآية المتقدمة، من أن السعادة و النحوسة لايحصلان إلا من الله تعالى. والمعنى: أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا، فهم في رزقي سواء، فلايحسين الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق، و إنما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم.
وحاصل القول فيه: أن المقصود منه بيان أن الرازق هو الله تعالى، وأن المالك لايرزق العبدبل الرازق للعبد و المولى هو الله تعالى.
و تحقیق القول: أنه ربما كان العبد أكمل عقلا و أقوى جسما و أكثر وقوفا على المصالح و المفاسد من المولى؛ وذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد و عزة ذلك المولى من الله تعالى، كما قال: «وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ»آل عمران : 26.
والقول الثاني: أن المراد من هذه الآية الرد على من أثبت شريكا لله تعالى، ثم على هذا القول، ففيه وجهان:
الأول: أن يكون هذا ردا على عبدة الأوثان والأصنام، كأنه قيل: إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه، فلما لم تجعلوا عبید کم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية؟
والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت
هذه الآية في نصاری نجران حين قالوا: إن عیسی بن مريم ابن الله، فالمعنى: أنكم لا تشركون عبيد كم فيما ملکتم فتكونوا سواء، فكيف جعلتم عبدي ولدا لي و شريكا في الإلهية؟ (79:20)
القرطبي: [اكتفى بنقل كلام الطبري و شأن التزول، كما تقدم ] (141:10)
البيضاوي: بمعطي رزقهم. (563:1)
البروسوي: أي بمعطي رزقهم الذي رزقهم إياه.
أصله: رادین، سقط النون للإضافة. (57:5)
نحوه الآلوسي. (188:14)
ابن عاشور: قوله تعالى: « فَمَا الَّذِینَ فُضِّلُوا »نفي، و ( ما ) نافية، والباء في«بِرَادِّی رِزْقِهِمْ » الباء التي تزاد في خبر النفي ب( ما ) و ( ليس ).
والراد: المعطي، كما في قول النبي صلی الله علیه و آله: « و الخمس مردود عليكم » أي فما هم بمعطين رزقهم لعبيدهم إعطاء مشاطرة، بحيث يسوونهم بهم، أي فماذلك بواقع.
وإسناد الملك إلى اليمين مجاز عقلي، لأن اليمين سبب وهمي للملك، لأن سبب الملك إما أسر و هو أثر للقتال بالسيف الذي مسكه اليد اليمنى، و إما شراء و دفع الثمن، يكون باليد اليمنى عرفا، فهي سبب وهمي ناشئ عن العادة. ( 173:3)
رادوه
وأوحینا إلی أُمّ موسی أنْ أرضِعیهِ فإذا خِفتِ عَلیهِ فَألقیهِ فی الیَمِّ ولا تخافی ولاتَحزنی إنّا رادُّوهُ إلَیکِ وجاعِلوهُ مِنَ المُرسَلین.القصص : 7
مقاتل : إلى أهل مصر، فصدقت بذلك، ففعل الله عزو جل ذلك به، و بارك الله تعالی علی موسی علیه السلام و هو في بطن أمه - ثلاثمئة وستين بركة. (3: 337)
نحوه القرطبي . ( 252:13)
الطبري: يقول: إنا رادو ولدك إليك للرضاع،لتكوني أنت ترضعيه، و باعثوه رسولا إلى من تخافينه على أن يقتله، و فعل الله ذلك بها و به. (30:10)
الطوسي: وعدها بأنه يرده عليها بقوله: « إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ». ( 123:8)
الواحدي: لتمام رضاعه، لتكوني أنت ترضعينه.(391:3)
نحوه الفخر الرازي. ( 227:24)
الطبرسي: سالما عن قريب. (240:4)
البيضاوي: عن قريب، بحيث تأمنين عليه. (187:2)
مثله أبوالسعود (113:5)، و الكاشاني (81:4)
النسفي: بوجه لطيف لتربيته.(226:3)
الآلوسي: عن قريب، بحيث تأمنين عليه و يومئ إلى قرب السياق. و قيل: التعبير باسم الفاعل لأنه حقيقة في الحال، و يعتبر لذلك في قوله سبحانه: «وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » و لايضر تفاوت القربين. و الجملة تعليل للنهي عن الخوف و الحزن. و إيثار الجملة الاسمية و تصديرها بحرف التحقيق، للاعتناء بتحقيق مضمونها، أي إنا فاعلون رده، و جعله من المرسلين لامحالة. (45:20)
المراغي: أي إنا رادو ولدك إليك للرضاع، و تكونين أنت مرضعه، و باعثوه رسولا إلى هذا الطاغية، و جاعلو هلاکه و نجاة بني إسرائيل مماهم فيه من البلاء على يديه.
و هذه الآية اشتملت على أمرين: «أرضعيه » و «القيه»، و نهيين: « وَلاتَخافِی وَلاتَحْزَنِی »، و خبرین: «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَیْکِ وَجاعِلُوهُ»و بشارتين في ضمن الخبرين: و هما الرد و الجعل من المرسلين. (37:20)
ابن عاشور:[ نحو المراغي و أضاف:]
و جملة «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَیْکِ » في موقع العلة للنهيين، لأن ضمان رده إليها يقتضي أنه لا يهلك، وأتها لاتشتاق إليه بطول المغيب. ( 17:20)
الطباطبائي: قوله : «إِنَّا رَادُّوهُ إِلَیْکِ» تعليل للنهي في قوله: «لاتَحْزَنِی »كما يشهد به أيضا قوله بعد: « فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها». القصص : 13. (10:16)
مردود
یَا إِبْرَاهِیمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّکَ وَإِنَّهُمْ آتِیهِمْ عَذَابٌ غَیْرُ مَرْدُودٍ. هود : 79
الطبري: يقول: إن قوم لوط نازل بهم عذاب من الله غير مدفوع. (79:7)
الثعلبي: غير مدفوع، و لا ممنوع. (180:5 )
الطوسي: أي غير مدفوع، و الرد :إذهاب الشيء إلى حيث جاء منه. تقول: رده یرده ردا، فهو راد، والشيء مردود. والرد و الدفع واحد، و نقیضه الأخذ.
والفرق بين الدفع والد، أن الدفع قد یکون إلى جهة القدام و الخلف، والرد لا يكون إلا إلى جهة الخلف.(37:6)
البغوي: أي غير مصروف عنهم. (2: 458)
الطبرسي: يعني غير مدفوع عنهم، أي لايقدر أحد على رده عنهم. (181:3)
الفخر الرازي: أي عذاب لا سبيل إلى دفعه و رده . (31:18)
البيضاوي: [غير ]مصروف بجدال و لادعاء ولاغيرذلك. (457:1)
نحوه النسفي (198:2) ، و أبوالسعود (3: 335)، و الكاشاني (2: 461)، و البروسوي(6: 165)، و شبر (3: 235)، و القاسمي (3468:9).
الآلوسي: أي لا بجدال و لابدعاء ولا بغيرهماء إذ حاصل ذلك حينئذ شارفهم ثم وقع بهم. وقيل: لا حاجة إلى إعتبار المشارفة، و التكرار مدفوع بأن ذاك توطئة، لذکر کونه غیر مردود. ( 104:12)
المراغي:أي يا إبراهيم أعرض عن الجدال في أمر قوم لوط، و الاسترحام لهم، إنه قد نفذ فيهم القضاء، و حقت عليهم الكلمة بالهلاك، و حلول البأس الذي لايرة عن القوم المجرمين، و إنهم آتيهم عذاب لاسبيل إلى دفعه و رده بجدل، و لا شفاعة ولا بغيرهما. (62:12)
الطباطبائي: أي غير مدفوع عنهم بدافع. (327:10)
فضل الله: فلا مدفع له، و لامجال معه، لجدال مجادل، أو شفاعة شافع. ( 100:12 )
لمردودون
یَقُولُونَ ءَإِنَّا لَمَرْدُودوُنَ فِی الْحَافِرَهِ. النازعات : 10
راجع : ح ف ر: «الحافرة »
مرد
1 - فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ . الروم : 43
مقاتل: يعني لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم. (417:3)
نحوه الواحدي (3: 436) و البغوي (580:3 ) ،و البيضاوي (223:2 ) و أبوالسعود (179:5) و المراغي ( 56:21)
الطبري: يقول تعالى ذكره: من قبل مجيء يوم من أيام الله لامرد له لمجيئه، لأن الله قد قضى بمجيئه، فهو لامحالة جاء. (193:10)
المخشري: «من الله »إما أن يتعلق ب«یاتی »فيكون المعني: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد، كقوله تعالى « فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها » الأنبياء : 40، أو ب«مرد»على معنى لايرده هو بعد أن يجيء به، ولارد له من جهته. و المرد: مصدر الرد. (225:3 )
نحوه النسفي (274:3 )، و أبو حيان (176:7)
ابن عطية: معناه: ليس فيه رجوع لعمل و لالرغبة، ولاعنه مدخل. و يحتمل أن يريد لايرده راد حتى لا يقع، و هذا ظاهر بحسب اللفظ. (341:4)
الطبرسي: أي لا يرده أحد من الله. (307:4)
الفخر الرازي: يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون قوله: «من الله» متعلقا بقوله:«یاتی».
والثاني: أن يكون المراد «لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ » أي الله لايرد، و غیره عاجز عن رده، فلابد من وقوعه. (129:25)
القرطبي: أي لا يرده الله عنهم، فإذا لم يرده لم يتهيأ لأحد دفعه. و يجوز عند غير سيبويه: لامرد له، و ذلك عند سيبويه بعيد، إلا أن يكون في الكلام عطف. والمراد: يوم القيامة. (42:14)
السمين: المرد: مصدر رد، « من الله » يجوز أن يتعلق ب «یاتی» أو بمحذوف يدل عليه المصدر، أي لایرده من الله أحد. ولا يجوز أن يعمل فيه «مرد» لأنه كان ينبغي أن ينون؛ إذ هو من قبيل المطولات. (380:5)
البروسوي: لا يقدر أحد على رده، و لا ينفع نفسا إيمانها حينئذ. «من الله» متعلق ب «یاتی » أو ب«مرد» لأنه مصدر على معنى لايرده الله تعالى، التعلق إرادته القديمة بمجيئه، و قد وعد ولاخلف في وعده.(47:7)
نحوه الشوكاني. (286:4)
ابن عاشور : و المرد: مصدر ميمي من الرد، و هو الدفع، و (له) يتعلق به، و «من الله» متعلق
ب «یاتی » و ( من ) ابتدائية. و المراد ب «اليوم» يوم عذاب في الدنيا، و أنه إذا جاء لايرده عن المجازين(1)به راد، لأنه آت من الله . والظاهر أن المراد به: يوم بدر. (68:21)
وجاء بهذا المعنى
2 -اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ ما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ. الشوری : 47
3- وَ مَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَ تَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ.الشوری : 44
السدي: يقول: إلى الدنيا. (الطبري 158:11)
نحوه الثعلبي (8: 324)، و الواحدي (4:59)، والبغوي( 4: 151)، و البيضاوي (360:2) ، و النسفي (110:4)، و أبوالسعود (6: 22)، والبروسوي (8:338)، والآلوسي ( 50:25).
الطوسي: إخبار منه تعالى إليك يا محمد تری الظالمين إذا شاهدوا عذاب النار يقولون: هل إلى الرجوع و الرد إلى دار التكليف من سبيل، تمنيا منهم لذلك، و التجاء إلى هذا القول لما ينزل بهم من البلاء، مع علمهم بأن ذلك لايكون، لأن معارفهم ضرورية. (171:9)
الطبرسي: أي رجوع و رد إلى دار الدنيا.( 5: 34)
القرطبى: يطلبون أن يردو إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله فلايجابون إلى ذلك. (45:16)
القاسمي:أي رجعة إلى الدنيا، و ذلك استعتاب منهم في غير وقته. (5252:14)
المراغي: أي و ترى الكافرين بالله حين يعاينون العذاب يوم القيامة، يتمنون الرجعة إلى الدنيا و يقولون: هل من رجعة لنا إليها؟
و نحو الآية قوله: «وَ لَوْ تَرَی إِذْ وُقِفُواْ عَلَی النَّارِ فَقَالُواْ یَالَیْتَنَا نُرَدُّ وَ لَانُکَذِّبَ بِایَاتِ رَبِّنَا وَ نَکُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِینَ ... »الأنعام : 27 (58:28)
عزة دروزة: «مرد » هنا بمعنی رجعة أو عودة إلى الدنيا. (189:5)
ابن عاشور: والمرد: مصدر ميمي للرد، والمراد بالرد: الرجوع، يقال: رده، إذا أرجعه. ويجوز أن يكون «مرد» بمعنى الدفع، أي هل إلى رد العذاب عنا الذي يبدو لنا سبیل، حتى لا نقع فيه، فهو في معنى «إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ» الطور : 7، 8 . (182:25)
الطباطبائي: قوله:« لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ» (لا) النفي الجنس، و «مرد» اسمه، و (له) خبره، «ومن الله »حال من «مرد».، والمعنى: يوم لأرد له من قبل الله، أي إنه مقضي محتوم لا يرده الله ألبتة، فهو في معنى ما تكرر في كلامه تعالى من وصف يوم القيامة، بأنه لاریب فیه. (67:18)
مکارم الشيرازي: فقد تحدث القرآن المجيد عدة مرات عن طلب الكافرين و الظالمين العودة، فأحيانا عند الموت، مثل الآية 99 و 100 ، من سورة
1) كذا و الظاهر المجازين
المؤمنون «حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ ». و أحيانا عند القيامة عندما يقتربون من الجحيم، كما تقول الآية 27، من سورة الأنعام: « وَ لَوتَری اِذ وُقِفُوا عَلَی النّارِ فَقالُوا یالَیتَنا نُرَدُّ وَ لا نُکَذِّبُ بِآیاتِ رَبّنا وَ نَکونَ مِنَ المؤمِنینَ»
و لكن مهما كانت هذه الطلبات، فإنها ستواجه بالرفض، لأن العودة غير ممكنة أبدا. وهذه سنة إلهية لا تقبل التغيير، فكما أن الإنسان لا يمكنه الرجوع من الكهولة إلى الشباب، أو من الشباب إلى الطفولة، أو من الطفولة إلى عالم الأجنة، كذلك يستحيل الرجوع إلى الوراء و العودة إلى الدنيا من عالم البرزخ أو الآخرة. (515:15)
فضل الله : هذا هو الخط الإلهي الحاسم الذي يدعو الله فيه عباده، ليستجيبوا لدعوته في الأخذ بوحیه کمنهج لهم في الحياة، و کدستور لما يفعلونه، أو لما يتر کونه، مما يصلح حياتهم أو يفسدها، و ليتبعوا رسله في تحريك الموقف، في تنظيم شؤونهم العامة والخاصة، و تتحرك الدعوة لتطلب منهم الإسراع قبل فوات الأوان، عندما يأتي يوم القيامة الذي لامجال الرده، لأنه آت لا ريب فيه. ( 199:20)
مردنا
لاجرم أَنَّمَا تَدْعُونَنیِ إِلَیْهِ لَیْسَ لَهُ دَعْوَهٌ فیِ الدُّنْیَا وَ لَا فیِ الاَخِرَهِ وَ إن مَرَدَّنَا إِلیَ الله وَ إن الْمُسْرِفِینَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ.المؤمن : 43
الطبري: يقول: وإن مرجعنا و منقلبنا بعد مماتنا إلى الله. (64:11)
الزجاج: وجب مردنا إلى الله. ( 376:4)
نحوه الطوسي. ( 81:9)
الثعلبي: مرجعنا. (277:8)
مثله البروسوي (187:8) ، و شبر (5: 349).
الماوردي: مرجعنا بعد الموت إلى الله، ليجازينا على أفعالنا. (158:5)
نحوه الواحدي (15:4) ، و البغوي ( 4 : 113)، والطبرسي (525:4).
الفخر الرازي: فإن مردنا إلى الله، العالم بكل المعلومات، القادر على كل الممكنات، الغني عن كل الحاجات، الذي لايبدل القول لديه و ما هو بظلام اللعبيد، فأي عاقل يجوز له عقله أن يشتغل بعبادة تلك الأشياء الباطلة، و أن يعرض عن عبادة هذا الإله الذي لابدة، وأن يكون مرده إليه؟ ( 71:27)
البيضاوي: و أن مردنا إلى الله بالموت.( 2: 337)
النسفي: و أن رجوعنا إليه. (80:4)
أبوالسعود: أي بالموت، عطف على «انما تدعونني » داخل في حكمه. (421:5)
نحوه الآلوسي . (72:24)
فضل الله: «وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللّهِ » فهو الذي بدأ الخلق، فوجدوا من موقع إرادته، و هو الذي يعيدهم ليقفوا أمامه، ليحاسبهم على أعمالهم، و يدخل الذين آمنوا و اتقوا منهم في رحمته، فيكونوا من أصحاب الجنه. (47:20)
مردا
وَ يَزيدُ‘ اللهُ الَّذينَ‘ اهْتَدَوْ ا هُدًى وَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا. مریم: 76
مقاتل: يعني أفضل مرجعا من ثواب الكافر النار، و مرجعهم إليها. (2: 637)
الطوسي: أي خير نعيما ترده الباقيات الصالحات على صاحبه، كأنه ذاهب عنه لفقده له، فترته عليه حتى يجده في نفسه. (7: 146)
الواحدي: المرد هاهنا: مصدر مثل الرد، والمعنى: و خیر رد للثواب على عامليها، ليس كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت. ويقال : هذا الأمر رد عليك، أي أنفع لك، والمعنى: أنه يرد عليك ما تريد. (194:3)
نحوه القرطبي. (145:11)
الزمخشري: أي مرجعا و عاقبة، أو منفعة، من قولهم: ليس لهذا الأمر مرد. (2: 522)
الطبرسي: أي خير عاقبة و منفعة. يقال: هذا الشيء أرد عليك، أي أنفع و أعود عليك، لأن العمل الصالح ذاهب عنه بفقده له، فيرده الله تعالى عليه برد ثوابه إليه، حتى يجده في نفسه. (3: 528)
النسفي: أي مرجعا و عاقبة، تهتم بالكفار، لأنهم قالوا للمؤمنين: « أَیُّ الْفَرِیقَیْنِ خَیْرٌ مَقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِیّاً »مریم : 73. (3: 44)
البروسوي:مرجعا و عاقبة، لأن مآلها رضوان الله و النعيم الدائم، و مآل هذه، السخط والعذاب المقیم.(353:5)
الآلوسي: أي مرجعا و عاقبة، لأن عاقبتها المسرة الأبدية و النعيم المقيم، و عاقبة ذلك الحسرة السرمدية و العذاب الأليم. و في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى الله تعالى عليه و سلم من اللطف و التشريف ما لايخفی. (16: 128)
بردهن
.. وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً وَ لَهُنَّ مِثْلُ اَلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اَللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ .البقرة : 228
ابن عباس: مراجعتهن . (31)
يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو ثنتين و هي حامل، فهو أحق برجعتها ما لم تضع. (الطبري 2: 464)
عكرمة: و ذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته كان أحق برجعتها، و إن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك فقال: « اَلطَّلاقُ مَرَّتانِ( » البقرة : 229. (الطبري 2: 465)
مثله الحسن. (الطبري 2: 465)
الضحاك : ما كانت في العدة، إذا أراد المراجعة. (الطبري 2: 465)
قتادة: أي في القروء في الثلاث حيض، أو ثلاثة أشهر، أو كانت حاملا، فإذا طلقها زوجها واحدة أو اثنتين راجعها إن شاء، ما كانت في عدتها.
[و في رواية] كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر، فنهاهن الله عن ذلك، وقال: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ » أحق برجعتهن في العدة.
(الطبري 2: 465)
السدي : يقول: أحق برجعتها، صاغرة عقوبة لما كتمت زوجها من الحمل. (الطبري 2: 465)
الربيع: يقول: في العدة ما لم يطلقها ثلاثا. (الطبري 2: 465)
مقاتل: يقول: الزوج أحق برجعتها و هي حبلى، نزلت في إسماعيل الغفاري و في امرأته لم تشعر بحبلها. (194:1)
ابن زيد: أحق برجعتهن ما لم تنقض العدة . (الطبري 2: 465)
الفراء: في قراءة عبد الله ( بردتهن). (145:1)
ابن قتيبة: يريد الرجعة مالم تنقض الحيضة الثالثة. (87)
الطبري: فإن قال لنا قائل: فما لزوج طلق واحدة أو اثنتين بعد الإفضاء إليها، عليها رجعة في أقرائها الثلاثة، إلا أن يكون مريدا بالرجعة إصلاح أمرها و أمره؟
قيل: أما فيما بينه و بين الله تعالى، فغير جائز، إذا أراد ضرارها بالرجعة - لا إصلاح أمرها و أمره - مراجعتها.
و أما في الحكم، فإنه مقضي له عليها بالرجعة، نظير ما حكمنا عليه بطول رجعته عليها، لو كتمته حملها الذي خلقه الله في رحمها أو حيضها، حتى انقضت عدتها ضرارا منها له، و قد نهى الله عن كتمانه ذلك، فكان سواء في الحكم، في بطول رجعة زوجها عليها، و قد أثمت في كتمانها إياه ما كتمته من ذلك، حتی انقضت عدتها، هي، و التي أطاعت الله بترکها کتمان ذلك منه، و إن اختلفا في طاعة الله في ذلك و معصيته.
فكذلك المراجع زوجته المطلقة واحدة أو ثنتين بعد الإفضاء إليها و هما حران، و إن أراد ضرار المراجعة برجعته فمحكوم له بالرجعة، و إن كان آثما بريائه في فعله، و مقدما على ما لم يبحه الله له، والله ولي مجازاته فيما أتی من ذلك.
فأما العباد، فإنهم غير جائز لهم الحول بينه و بين امرأته التي راجعها بحكم الله تعالى ذكره له، بأنها حينئذ زوجته. فإن حاول ضرارها بعد المراجعة بغير الحق الذي جعله الله له، أخذ لها بالحقوق التي ألزم الله تعالى ذكره الأزواج للزوجات، حتى يعود ضرر ما أراد من ذلك عليه دونها.
و في قوله: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ»، أبين الدلالة على صحة قول من قال: إن المولي إذا عزم الطلاق فطلق امرأته التي آلتى منها، أن له عليها الرجعة في طلاقه ذلك. و على فساد قول من قال: إن مضي الأشهر الأربعة عزم الطلاق، و إنه تطليقة بائنة، لأن الله تعالى ذكره إنما أعلم عباده ما يلزمهم إذا آلوا من نسائهم، و ما يلزم النساء من الأحكام في هذه الآية بإيلاء الرجال و طلاقهم، إذا عزموا ذلك و تركوا الفيء . ( 465:2)
الزجاج: معنى «فی ذلك »أي في الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه، فأزواجهن قبل انقضاء القروء الثلاثة أحق بردهن إن بردهن على جهة الاصلاح؛ ألا ترى قوله: « إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً ». (306:1)
الثعلبي: أي برجعتهن . (2: 172)
الماوردي: أي برجعتهن، وهذا مخصوص في الطلاق الرجعي دون البائن. (1: 292)
الطوسي: يعني أزواجهن أحق برجعتهن، و ذلك يختص بالرجعيات، وإن كان أول الآية عاما في جميع المطلقات الرجعية و البائنة.(240:2)
القشيري: يعني من سبق له الصحبة فهو أحق بالرجعة، لما وقع في النكاح من الثلمة. (193:1)
الواحدي:أي إلى النكاح والزوجية، يعني أحق بمراجعتهن. (1: 333)
البغوي:أولى برجعتهن إليهم. (300:1)
نحوه المبيدي . (610:1)
الزمخشري: برجعتهن، في قراءة أبي ( بِرَدِّتهِنّ). (366:1)
ابن العربي: فيه ثلاث فوائد :
الفائدة الأولى: أن قوله تعالى: «المطلقات »عام في كل مطلقة فيها رجعة أو لارجعة فيها.
الثانية: أن قوله تعالى:«وَ بُعُولَتُهُنَّ»يقتضي أنهن أزواج بعد الطلاق. وقوله تعالى: «بِرَدِّهِنَّ»يقتضي زوال الزوجية، و الجمع بينهما عسير. إلا أن علماءنا قالوا: إن الرجعية محرمة للوطء، فيكون الرد عائدا إلى الحل. و أما الليث بن سعد و أبو حنيفة و من يقول بقولهما: في أن الرجعية محللة الوطء، فيرون أن وقوع الطلاق فائدته تنقيص العدد الذي جعل له، وهو الثلاثة خاصة، و أن أحكام الزوجية لم ينحل منها شيء و لا اختل، فيعسر عليه بیان فائدة الرد، لكونهم قالوا: إن أحكام الزوجية و إن كانت باقية، فإن المرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل الرد، و لكن بانقضاء العدة فالرجعة رد عن هذه السبيل التي أخذت في سلوكها، و هو رد مجازي، والرد الذي حكمنا به رد حقيقي؛ إذ لابد أن يكون هناك زوال منجز يقع الرد عنه حقيقة.
الفائدة الثالثة : قوله تعالى «في ذلك »:يعني في وقت التربص، و هو أمد العدة. (186:1)
ابن عطية: قرأ ابن مسعود ( بردتهن) بزيادة تاء و قرأ مبشر بن عبيد ( بردهن) بضم الهاء، و نص الله تعالى بهذه الآية على أن للزوج أن يرتجع امرأته المطلقة ما دامت في العدة.(305:1)
الطبرسي: يعني أن أزواجهن أولى بمراجعتهن، و هي ردهن إلى الحالة الأولى في ذلك الأجل الذي قدرلهن في مدة العدة، فإنه ما دامت تلك المدة باقية، كان للزوج حق المراجعة، و يفوت بانقضائها. و في هذا ما يدل على أن الزوج ينفرد بالمراجعة، و لايحتاج في ذلك إلى رضاء المرأة، ولا إلى عقد جدید، و إشهاد. وهذا يختص بالرجعيات، وإن كان أول الآية عاما في جميع المطلقات الرجعية والبائنة.
« إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا » إضرارا، و ذلك أن الرجل كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها واحدة و ترکھا، حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها و ترکها مدة، ثم طلقها أخرى، و ترکها مدة كما فعل في الأولى، ثم راجعها و ترکها مدة، ثم طلقها أخرى، فجعل الله الزوج أحق بالمراجعة على وجه الإصلاح، لاعلى
وجه الإضرار.
وإنما شرط الإصلاح في إباحة الرجعة لا في ثبوت أحكامها، لإجماع الأمة، على أن مع إرادة الإضرار يثبت أحكام الرجعة. (326:1)
ابن الجوزي: خاص في الرجعيات (261:1)
الفخر الرازي: فالمعنى أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص، و هاهنا سؤالات:
السؤال الأول: ما فائدة قوله: «أحق» مع أنه لاحق لغير الزوج في ذلك. [ثم أجاب عنه بتفصيل لاحظ: ح ق ق : « احق»]
السؤال الثاني: ما معنى الرد؟
الجواب: يقال: رددته، أي رجعته، قال تعالى في موضع: «وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلی رَبِّی» الكهف : 36، و في موضع آخر: «وَ لَئِنْ رُجعتُ إِلی رَبِّی...» فصلت : 50
السؤال الثالث: ما معنى الرد في المطلقة الرجعية؟ و هي ما دامت في العدة، فهي زوجته كما كانت.
الجواب: أن الرد و الرجعة يتضمن إبطال التربص والتحري في العدة، فهي ما دامت في العدة كأنه كانت
جارية في إبطال حق الزوج، و بالرجعة يبطل ذلك، فلاجرم سميت الرجعة ردا، لاسيما و مذهب الشافعي رضی الله عنه أنه يحرم الاستمتاع بها إلا بعد الرجعة، ففي الرد على مذهبه شيئان:
أحدهما: ردها من التربص إلى خلافه.
الثاني: ردها من الحرمة إلى الحل.
السؤال الرابع: ما الفائدة في قوله تعالى: «في ذلك»؟
الجواب: أن حق الرد إنما يثبت في الوقت الذي هو وقت التربص، فإذا انقضى ذلك الوقت فقد بطل حق الردة و الرجعة. (99:6)
القرطبي: فيه إحدى عشر مسألة:
الأولى: [في معنى «بعولتهن » لاحظ: ب ع ل :«بعولتهن»]
الثانية :قوله تعالى: «أحق بردهن» أي بمراجعتهن فالمراجعة على ضربين: مراجعة في العدة على حديث ابن عمر. و مراجعة بعد العدة على حديث معقل، و إذا كان هذا، فيكون في الآية دليل على تخصيص ما شمله العموم في المسميات، لأن قوله تعالى :« وَ الْمُطَلَّقاتُ یَتَرَبَّصْنَ بِاَنْفُسِهِنَّ ثَلثَهَ قُرُوءٍ» عام في المطلقات ثلاثا، و فيما دونها لا خلاف فيه.
ثم قوله: « و بعولتهن احق»حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث. و أجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة، و كانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها، و إن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها، فهي أحق بنفسها و تصير أجنبية منه، لاتحل له إلا بخطبة و نکاح مستأنف بولي و إشهاد ليس على سنة المراجعة، و هذا إجماع من العلماء.
قال المهلب: و كل من راجع في العدة فإنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح، غير الإشهاد على المراجعة فقط، و هذا إجماع من العلماء، لقوله تعالى: « فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِکُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَیْ عَدْلٍ مِنْکُمْ » الطلاق : 2،
فذكر الإشهاد في الرجعة و لم يذكره في التكاح ولافي الطلاق. قال ابن المنذر: و فيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم كفاية عن ذكر ما روي عن الأوائل في هذا الباب، و الله تعالى أعلم.
الثالثة: و اختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعا في العدة. [ثم بينه مع آراء الفقهاء ]
الرابعة من قبل أو باشر ينوي بذلك الرجعة كانت رجعة، و إن لم ينو بالقبلة و المباشرة الرجعة كان آثما و ليس بمراجع. [ثم بين آراء الفقهاء ]
الخامسة: قال الشافعي: إن جامعها ينوي الرجعة أو لا ينويها فليس برجعة، و لها علیه مهر مثلها. [ثم ذکر آراء غيره]
السادسة: و اختلفوا هل يسافربها قبل أن یرتجعها؟ [ثم بين حكمه]
السابعة: واختلفوا هل له أن يدخل عليها ويرى شيئا من محاسنها، و هل تتزين له و تتشرف؟. [ثم بين آراء الفقهاء ]
الثامنة: أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة: إني كنت راجعتك في العدة و أنكرت... [ثم بين حكمها ]
التاسعة: لفظ الرد يقتضي زوال العصمة، إلا أن علماءنا قالوا: [ ثم نقل أقوالهم]
العاشرة : لفظ «أحق»يطلق عند تعارض حقين، و يترجح أحدهما، فالمعنى: حق الزوج في مدة التربص أحق من حقها بنفسها، فإنها إما تملك نفسها بعد انقضاء العدة، و مثل هذا قوله علیه السلام: « الأيم أحق بنفسها من وليها ». و قد تقدم.
الحادية عشرة: الرجل مندوب إلى المراجعة و لكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار و تطويل العدة، والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح فمحرم،لقوله تعالى: «وَ لَاتُمْسِکُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا» البقرة: 231، ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة، و إن ارتكب النهي و ظلم نفسه، ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا (1)عليه. (120:3)
البيضاوي: إلى النكاح والراجعة إليهن، و لكن إذا كان الطلاق رجیعا للآية التي تتلوها، فالضمير أخص من المرجوع إليه، و لا امتناع فيه، كما لو كرر الظاهر و خصصه. (120:1)
نحوه الكاشاني. (236:1)
أبو حيان: و المعنى: أن الأزواج أحق لمراجعتهن. وقرأ أبي: (بردتهن) بالتاء بعد الدال، و تتعلق الباء، و (في) بقوله: «أحق»، و قيل: تتعلق: (في) «بردهن » و أشار بقوله: «في ذلك» ، إلى الأجل الذي أمرت أن تتربص فيه، وهو زمان العدة، وقيل: في الحمل المكتوم. والضمير في «بعولتهن »، عائد على«المطلقات»، و هو مخصوص بالرجعيات، و فيه دليل على أن خصوص آخر اللفظ لايمنع عموم أوله و لايوجب تخصيصه، لأن قوله: «والمطلقات » عام في المبتوتات و الرجعيات،« وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ »،
1) كذا ؟!!
خاص فی الرجعيات، و نظيره عندهم « وَ وَصَّیْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَیْهِ إِحْساناً» العنكبوت : 8، فهذا عموم، ثم قال: «وَإِنْ جَاهَدَاکَ » و هذا خاص في المشركين.
والأولى عندي أن يكون على حذف مضاف دل عليه الحكم، تقديره: و بعولة رجعياتهن، و«احق» هنا ليست على بابها، لأن غير الزوج لاحق له ولاتسليط على الزوجة في مدة العدة، إنما ذلك للزوج، ولاحق لها أيضا في ذلك، بل لو أبت كان له ردها، فكأنه قيل: و بعولتهن حقيقون بردهن، و دل قوله: «بردهن» على انفصال سابق، فمن قال: إن المطلقة الرجعية محرمة الوطء، فالرد حقيقي على بابه و من قال: هي مباحة الوطء، وأحكامها أحكام الزوجة، فلما كان هناك سبب تعلق به زوال النكاح عند انقضاء العدة، جاز إطلاق الرد عليه؛ إذ كان رافعا لذلك السبب. [ثم أدام نحو القرطبي] (188:2)
السمين: قوله: «بردهن» متعلق ب «أحق» و أما «في ذلك» ففيه وجهان:
أحدهما: أنه متعلق أيضا ب «أحق»، و یکون المشار إليه بذلك على هذا العدة، أي تستحق رجعتها ما دامت في العدة، و ليس المعنى: أنه أحق أن يردها في العدة، وإنما يردها في النكاح أو إلى النكاح.
والثاني: أن تتعلق به «الرد» و يكون المشار إليه بذلك على هذا التكاح، قاله أبو البقاء. (1: 556)
أبوالسعود: إلى ملكهم بالرجعة إليهن. (271:1)
البروسوي: إلى النكاح و الرجعة إليهن.
شبر: إلى النكاح و الرجعة إليهن، ف(أفعل) بمعنى الفاعل، «في ذلك» في زمان التربص. (229:1)
الشوكاني: أي برجعتهن، و ذلك يختص بمن كان يجوز للزوج مراجعتها، فيكون في حكم التخصيص لعموم قوله:« وَ الْمُطَلَّقاتُ یَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ » أو لأنه يعم المثلثات و غيرهن، وقوله: «في ذلك» يعني في مدة التربص، فإن انقضت مدة التربص فهي أحق بنفسها، ولا تحل له إلا بنکاح مستأنف بولي و شهود و مهر جدید، و لا خلاف في ذلك، و الرجعة تكون باللفظ و تكون بالوطء، ولا يلزم المراجع شيء من أحكام النكاح بلاخلاف.(300:1)
الآلوسي: إلى النكاح والرجعة إليهن، و هذا إذا كان الطلاق رجعا للآية بعدها، فالضمير بعد اعتبار القيد أخص من المرجوع إليه، ولا امتناع فيه، كما إذا کرر الظاهر. و قيل: بعولة المطلقات «أحق بردهن»و خصص بالرجعي. (134:2)
نحوه القاسمي . (583:3)
رشید رضا: قال الأستاذ الإمام قدس الله روحه: «هذا لطف كبير من الله سبحانه و تعالى، و حرص من الشارع على بقاء العصمة الأولى. فإن المرأة إذا طلقت الأمر من الأمور سواء كان بالإيلاء أو غيره، فقلما يرغب فيها الرجال، و أما بعلها المطلق فقد يندم على طلاقها، و يرى أن ما طلقها لأجله لايقتضي مفارقتها دائما، فيرغب في مراجعتها، ولاسيما إذا كانت العشرة السابقة بينهما جرت على طريقتها الفطرية، فأفضى
كل منهما إلى الآخر بسره حتى عرف عجره و بجره، و تمكنت الألفة بينهما على علاتهما.
وإذا كانا قد رزقا الولد فإن الندم على الطلاق يسرع إليهما، لأن الحرص الطبيعي على العناية بتربية الولد و كفالته بالاشتراك، تغلب بعد زوال أثر المغاضبة العارضة على النفس، و قد يكون أقوى إذا كان الأولاد إناثا، لهذا حكم الله تعالى لطفا منه بعباده بأن بعل المطلقة، أي زوجها، أحق بردها في ذلك، أي في زمن التربص و هي العدة.
و في هذا بيان حكمة أخرى للعدة، غیر تبين الحمل أو براءة الرحیم، وهي إمكان المراجعة، فعلم بذلك أن تربص المطلقات بأنفسهن فيه فائدة لهن و فائدة لأزواجهن. و إنما يكون بعل المرأة أحق بها في مدة العدة، إذا قصد إصلاح ذات البين و حسن المعاشرة.
وأما إذا قصد مضارتها و منعها من التزوج بعد العدة، حتی تکون کالمعلقة، لا يعاشرها معاشرة الأزواج بالحسنى، ولا يمكنها من التزوج، فهو آثم بينه و بين الله تعالى بهذه المراجعة، فلا يباح للرجل أن يرد مطلقته إلى عصمته إلا بإرادة إصلاح ذات البين، ونية العاشرة بالمعروف »
و إنما قال الإمام: و إنه آثم بينه و بين الله تعالى، الإفادة أن ذلك محرم لأمر خفي يتعلق بالقصد، فلم يكن شرطا في الظاهر لصحة الرجعة، و ما كل ما صح في نظر القاضي يكون جائزا تدينا بين الإنسان و ربه، لأن القاضي يحكم بالظاهر، و الله يتولى السرائر.
والطلاق الذي تحل فيه الراجعة قبل انقضاء العدة یسمی طلاقا رجعيا، وهناك طلاق بائن لاتحل مراجعة المطلقة بعده. (374:2)
نحوه المراغي. (165:2)
ابن عاشور: قوله: «في ذلك »الإشارة بقوله: «ذلك »إلى التربص بمعنى مدته، أي للبعولة حق الإرجاع في مدة القروء الثلاثة، أي لابعد ذلك، كما هو مفهوم القيد. هذا تقرير معنى الآية، على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في الطلاق ما دامت العدة.
و عندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة، بل الآية جامعة الأمرين: حكم المراجعة، و تحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات، وذلك أن المتفارقين لابد أن يكون لأحدهما أو لكليهما رغبة في الرجوع، فالله يعلم الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء، و أن يصفحوا عن الأسباب التي أوجبت الطلاق، لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال، والمرأة أهل الغضب والإباء.
و «الرد» تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: «حَتَّی یَرُدُّوکُمْ عَنْ دِینِکُمْ » البقرة : 217، و المراد به هنا : الرجوع إلى المعاشرة وهو المراجعة، و تسمية المراجعة ردا يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعا لعصمة النكاح، فهو إطلاق حقيقي على قول مالك، وأما أبوحنيفة و من وافقوه، فتأولوا التعبير بالرد بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة، فسميت المراجعة ردا عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه، و هو رد مجازي.
(375:2)
مغنية: قوله: « في ذلك» إشارة إلى زمن التربص، وهو أيام العدة، و محل المعنى: أن الله سبحانه، بعد أن بين وجوب العدة، ذكر في هذه الآية حق المطلق في الرجعة على مطلقته ما دامت في العدة إذا كان الطلاق رجعيا، و هذا الحق ثابت له، سواء أرضيت أم لم ترض، ولا تحتاج الرجعة إلى عقد و مهر، كما أنها لا تحتاج إلى شهود عند فقهاء الإمامية، و يأتي بيان ذلك مع دليلهم في سورة الطلاق.(342:1)
الطباطبائي: والضمير في «بعولتهن» للمطلقات، إلا أن الحكم خاص بالرجعيات، دون مطلق المطلقات، الأعم منها و من البائنات، و المشار إليه ب «ذلك» التربص الذي هو بمعنى العدة، والتقييد بقوله: « إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا »للدلالة على وجوب أن يكون الرجوع لغرض الإصلاح لا لغرض الإضرار المنهي عنه بعد بقوله: «وَلَا تُمْسِکُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا...» البقرة: 231.
و لفظ « أحق » اسم تفضیل، حقه أن يتحقق معناه دائما مع مفضل عليه، كأن يكون للزوج الأول حق في المطلقة و لسائر الخطاب حق، و الزوج الأول أحق بها لسبق الزوجية، غير أن الرد المذكور لا يتحقق معناه إلا مع الزوج الأول.
ومن هنا يظهر: أن في الآية تقديرا لطيفا بحسب المعنى، والمعنى: و بعولتهن أحق بهن من غيرهم، ويحصل ذلك بالرد والرجوع في أيام العدة. وهذه الأحقية إنما تتحقق في الرجعيات دون البائنات التي لارجوع فيها، وهذه هي القرينة على أن الحكم مخصوص بالرجعيات، لا أن ضمير «بعولتهن»راجع إلى بعض المطلقات بنحو الاستخدام، أو ما أشبه ذلك. والآية خاصة بحكم المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، و أماغير المدخول بها والصغيرة واليائسة و الحامل فلحكمها آيات أخر. (2: 231)
مکارم الشيرازي : الحكم الثالث المستفاد من الآية هو أن للزوج حق الرجوع إلى زوجته في عدة الطلاق الرجعي، فتقول الآية: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً».
و بهذا يستطيع الزوج استئناف علاقته الزوجية بدون تشریفات خاصة، إذا كانت المرأة في عدة الطلاق الرجعي، فإذا قصد الجوع يتحصل بمجرد كلمة أو عمل يصدر منه بهذا القصد، و جملة «إِنْ أَرادُوا إِصْلاحا» في الحقيقة هي لبيان أن هدف الرجوع يجب أن يكون بنية الإصلاح، لا كما كان عليه الحال في العصر الجاهلي من أن الزوج يستخدم هذا الحق لغرض الإضرار بالزوجة؛ حيث يتركها في حالة معلقة بين الزواج والطلاق.
فهذا الحق يكون للزوج في حالة إذا كان نادما واقعا، و أراد أن يستأنف علاقته الزوجية بجدية، ولم يكن هدفه الإضرار بالزوجة.
ضما يستفاد مما ورد في ذيل الآية من مسألة الرجوع، هو أن حكم العدة و الاهتمام بحساب أيامها يتعلق بهذه الطائفة من النساء. و بعبارة أخرى أن الآية تتحدث بشكل عام عن الطلاق الرجعي، ولهذا
فلامانع من أن تكون بعض أقسام الطلاق بدون عدة أصلا. (97:2)
فضل الله: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ» لأنها لم تخرج من حكم الزوجة، مما يجعل اختیار الزوج للرجعة، و العودة إلى الحياة الزوجية من جديد تماما، كما لو أخرج الزوجة من بيته ثم قرر استعادتها إليه، لأن المبادرة في الطلاق الرجعي كانت من خلاله، فله أن يصحح الخطأ الذي وقع منه، و يتراجع عن القرار الذي شعر بالندم عليه.
وهذا هو المنهج الإسلامي التربوي في العلاقات الإنسانية، الذي يفتح أكثر من نافذة للإنسان، للتراجع عن قراره الذي يشعر بالخطإ فيه « إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً» بحيث كان الأساس في الرجوع إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، من أجل إصلاح المسألة، إذا ما اكتشف الزوج خطأه تجاه الزوجة، أو اكتشفت الزوجة خطأها تجاه الزوج، سواء أكان ذلك بمبادرة ذاتية أم كان من خلال تدخل المصلحين بينهما.
أما إذا كان الهدف من الرجعة، أن يستزيد الزوج في الإمعان في تعذيبها و إيلامها و إرباك حياتها، للإضرار بها، حتى تبقى في حالة اهتزاز دائم، من أجل ابتزازها للحصول منها على تنازلات مادية أو معنوية، و كان الزوج إنسائا مضارا، فإن الظاهر من الآية أن الحق الذي للزوج في الرجعة، لن يكون له أية شرعية في حالة إرادة الإضرار، بحيث لا تصح الرجعة من الناحية الوضعية القانونية، كما لاتحل من الناحية التكليفية، و لكن الفقهاء لم يلتزموا بذلك، لأنهم اعتبروا الزوجة في العدة زوجة أو بحکم الزوجة، فتكون الحالة تماما كما هي حالة الزوجة، إذا أراد الإضرار بها في نطاق الحياة الزوجية. (282:4)
ارتد
فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِیرُ أَلْقیهُ عَلَی وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِیراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَکُمْ إِنِّی أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لاتَعْلَمُونَ. يوسف : 96
ابن عباس: انجلى البياض و ذهبت الظلمة. (الواحدي 2: 634)
الإمام الباقر عليه السلام : اذهبوا بقميصي هذا الذي بلته دموع عيني، فألقوه على وجه أبي يرتد بصيرالو قد شم ريحي، و أتوني بأهلكم أجمعين. و ردهم إلى يعقوب في ذلك اليوم، و جهزهم بجميع ما يحتاجون إليه. فلما فصلت عيرهم من مصر وجد يعقوب ريح يوسف، فقال لمن بحضرته من ولده: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون، و أقبل ولده يحثون السير بالقميص فرحا و سرورا بما رأوا من حال يوسف، و الملك الذي أعطاه الله و العز الذي صاروا إليه في سلطان يوسف، وكان مسیر هم من مصر إلى يعقوب تسعة أيام، فلما أن جاء البشير، ألقي القميص على وجهه فارتد بصيرا، و قال لهم: ما فعل ابن ياميل؟ قالوا: خلفناه عند أخيه صالحا، قال: فحمد الله يعقوب عند ذلك و سجد لربه سجدة الشكر، و رجع إليه بصره، و تقوم له ظهره، و قال لولده: تحولوا إلى يوسف في يومكم هذا بأجمعكم، فصاروا إلى يوسف و معهم
يعقوب و خالة يوسف یامیل، فحثوا السير فرحا وسرورا فساروا تسعة أيام إلى مصر. (الكاشاني 3: 45)
الطبري: يقول: رجع و عاد مبصرا بعينيه بعد ما قد عمي. (299:7)
ابن الأنباري: إنما قال: «ارتد»و لم يقل: ، لأن هذا من الأفعال المنسوبة إلى المفعولين، كقولهم: طالت النخلة، و الله أطالها، و تحركت الشجرة، و الله حرکها. (ابن الجوزي 4: 286)
الثعلبي :فعاد بصير بعد ما كان عمي. (256:5)
نحوه البغوي. (514:2)
الماوردی: ای رجع بصيرا، و فيه وجهان: أحدهما: بصيرا بخبر يوسف.
والثاني: بصيرا من العمى. (78:3)
الطوسي:فالارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها، و هو والرجوع بمعنى واحد. (194:6 )
الواحدي: معنى الارتداد: انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها، والمعنى: عاد و رجع إلى حال البصر.(634:2)
الزمخشري: فرجع بصيرا، يقال : رده فارتد،و ارتده إذا ارتجعه. (343:2)
نحوه النسفي. (237:2)
ابن عطية: معناه: رجع هو، يقال: ارتد الرجل، و رده غيره. (280:3)
الطبرسي: أي ألقي البشير قمیص یوسف علی
وجه يعقوب فعاد بصيرا . (3: 263)
النيسابوري: أي انقلب من العمى إلى البصر، أو من الضعف إلى القوة . (46:13)
المراغي: أي فلما جاء البشير، و هو ابنه يهوذا الذي يحمل القميص من يوسف، و هو الذي حمل إليه قميصه الملطخ بالدم الكذب، ليمحو السيئة بالحسنة، ألقاه على وجه يعقوب، فعاد من فوره بصيرا كما كان. بل قد قيل: إنه عادت إليه سائر قواه، و ليس ذلك بعجيب و لامنکر، فكثيرا ماشفي السرور من الأمراض، و جدد قوى الأبدان والأرواح، و التجارب و قوانين الطب شاهد صدق على صحة ذلك.
قال الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا: لا تتحسن أعراض مرض «الجولكوما » أو شدة توتر العين أو تقف شدته إلا بالعلاج، و منه العمليات الجراحية، و لكن شفاء سیدنا يعقوب بوضع القميص على وجهه هو معجزة من المعجزات الخارجة عن قدرة الإنسان، و ليس المهم هو القميص أو وضعه على وجهه، فقد كان ذلك لتسهيل وقع المعجزة على الحاضرين فحسب، و لكن المهم هو طريقة الشفاء، وهي إرادة الله المنحصرة في « کن فيكون »، و هي خارجة عن كل السنن الطبيعية التي أمر الإنسان أن يتعلمها. فعظمة المعجزة ليست في النتيجة فحسب، و لكن في طريق الشفاء. و ما أعظم إعجاز القرآن الذي وصف حالة مرضية خاصة و بين سببها، ولم يكن يعلم العالم شيئا عن هذا المرض في ذلك الوقت و لابعده بزمن طويل، انتهی. (37:13)
ابن عاشور:وارتد: رجع، وهو « افتعال » مطاوع، رده، أي رد الله إليه قوة بصره كرامة له
و ليوسف عليهماالسلام ، و خارق للعادة. وقد أشرت إلى ذلك عند قوله تعالى: «وَ ابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ» يوسف: 84. (116:12)
فضل الله: عادت إليه نعمة البصر، و فرح الحياة في ما أراد الله أن ينعم به على يعقوب من فرحة الشعور بحياة يوسف من جهة، و رؤيته إياه برد بصره، علی وجه الإعجازمن جهة أخرى. ( 265:12)
و راجع: ب ص ر: « بصیرا».
ارتدا
قال ذلك قَالَ ذلِکَ مَا کُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَی آثَارِهِمَا قَصَصاً . الكهف : 64
راجع: أث ر: «آثارهما».
ارتدوا
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلى لَهُمْ. محمد: 25
ابن عباس: هم أهل النفاق.
مثله الضحاك (الطبري 322:1)
قتادة: هم أعداء الله، أهل الكتاب يعرفون بعث محمد نبي الله صلی الله علیه و آله و أصحابه عندهم، ثم يكفرون به. (الطبري 322:11 )
الطبري: يقول الله عز وجل: إن الذين رجعوا القهقرى على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحق و قصد السبيل، فعرفوا واضح الحجة، ثم آثروا الضلال على الهدی عناد الأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم.
وقال آخرون: عنى بذلك أهل النفاق.
وهذه الصفة بصفة أهل النفاق عندنا أشبه منها بصفة أهل الكتاب؛ وذلك أن الله عز و جل أخبر أن ردتهم كانت بقيلهم: «لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ »محمد : 26، و لو كانت من صفة أهل الكتاب، لكان في وصفهم بتكذيب محمد صلی الله علیه و آله الكفاية من الخبر عنهم، بأنهم إنما ارتدوا من أجل قبلهم ما قالوا. (322:1)
نحوه المراغي. (69:26)
الزجاج : المعنى: رجعوا بعد سماع الهدی و تبينه إلى الكفر. (13:5)
نحوه النسفي. (154:4)
الطوسي: أي رجعوا عن الحق و الإيمان من بعد ما تبين لهم الهدى، أي ظهر لهم الطريق الواضح المفضي إلى الجنة.
و ليس في ذلك ما يدل على أن المؤمن على الحقيقة يجوز أن يرتد، لأنه لايمتنع أن يكون المراد: من رجع عن إظهار الإيمان بعد وضوح الأمر فيه، وقيام الحجة بصحته. (303:9)
الواحدي: رجعوا كفارا. (127:4)
مثله البغوي. (217:4)
الطبرسي:رجعوا عن الحق و الإيمان. (5: 104)
البيضاوي: أي إلى ما كانوا عليه من الكفر.(396:2)
نحوه أبو السعود (91:6)، و الكاشاني (28:5)، و شبر (6: 32)، و الآلوسي ( 74:26).
البروسوي: الارتداد والردة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكن الردة تختص بالكفر، و الارتداد يستعمل فيه و في غيره. (519:8)
الشوكاني: أي رجعوا كفارا كما كانوا. قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبی صلی الله علیه و آله بعد ما عرفوا نعته عندهم، و به قال ابن جرير. و قال الضحاك والسدی: هم المنافقون قعدوا عن القتال، وهذا أولى، لأن السياق في المنافقين. (48:5)
ابن عاشور: لم يزل الكلام على المنافقين، فالذين ارتدوا على أدبارهم منافقون، فيجوزأن يكون مرادا به قوم من أهل النفاق، كانوا قد آمنوا حقا، ثم رجعوا إلى الكفر، لأنهم كانوا ضعفاء الإيمان قليلي الاطمئنان.
وهم الذين مثلهم الله في سورة البقرة : 17، بقوله: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ...»
والارتداد على الأدبار على هذا الوجه: تمثيل للراجع إلى الكفر بعد الإيمان، بحال من سار ليصل إلى مكان، ثم ارتد في طريقه. ولما كان الارتداد سيرا إلى الجهة التي كانت وراء الستائر ، جعل الارتداد إلى الأدبار، أي إلى جهة الأدبار. و جيء بحرف (على) للدلالة على أن الارتداد متمكن من جهة الأدبار، كما يقال: على صراط مستقیم. ( 96:26)
الطباطبائي: الارتداد على الأدبار: الرجوع إلى الاستدبار بعد الاستقبال، و هو استعارة أريد بها الترك بعد الأخذ.(241:8)
يرتد
1- يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكافِرِينَ ... المائدة : 54
ابن عباس: بعد موت النبي صلی الله علیه و آله. (96)
الطبري: يقول: من يرجع منكم عن دينه الحق الذي هو عليه اليوم، فيبدله و يغيره بدخوله في الكفر، أما في اليهودية أو النصرانية أو غير ذلك من صنوف الكفر، فلن يضر الله شيئا. (622:4)
الزجاج: فيها من العربية ثلاثة أوجه:(من يرتدد ) و «من يرتد» بفتح الدال، و ( من يرتد منكم ) بكسر الدال، و لايجوز في القراءة الكسر، لأنه لم يرو أنه قرئ به. وأما ( من يرتدد ) فهو الأصل، لأن التضعيف إذا سكن الثاني من المضعفين ظهر التضعيف، نحو قوله: « إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ »، آل عمران : 140، و لو قرئت ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ )، كان صوابا، و لكن لا تقرأن به لمخالفته المصحف، ولأن القراءة سنه، و قد ثبت عن نافع و أهل الشام ( يرتد ) بدالين، و موضع «یرتد» جزم، و الأصل كما قلنا : ( يرتدد)، و أدغمت الدال الأولى في الثانية و حركت الثانية بالفتح لالتقاء الساكنين.
قال أبو عبيد: إنهم كرهوا اجتماع حرفين متحركين، و أحسبه غلط، لأن اجتماع حرفين متحركين من جنس واحد أكثر في الكلام من أن يحصى، نحو «شرر» و « مدد»، و « قدد » و « جدد».
والكسر في قوله: «من يرتد» يجوز لالتقاء الساكنين، لأنه أصل، والفاء جواب للجزاء، أي إن ارتد أحد عن دينه، أي الذي هو الإيمان. (2: 182)
نحوه ملخصا الواحدي. (2: 199)
أبو زرعة: قرأ نافع و ابن عامر (من يرتدد منكم) بدالين، و حجتهما إجماع الجميع في سورة البقرة : 217، «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ »بدالين. وقرأ الباقون«من يرتد» بدال مشددة .
اعلم أن الإظهار لغة أهل الحجاز وهو الأصل، لأن التضعيف إذا سكن الثاني من المضاعفين ظهر التضعيف نحو قوله:« إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ »، آل عمران : 140، و لو قرئت ( إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ ) كان صوابا، و الإدغام لغة غيرهم. والأصل كما قلنا: ( يرتدد) فأدغمت الدال الأولى بالثانية، و حرکت الثانية با لفتح لالتقاء الساكنين. (230)
الثعلبي: قرأ أهل المدينة و الشام ( ير تدد) بدالين على إظهار التخفيف « مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ » فيرجع إلى الكفر، و هذا المجاز للقرآن و للمصطفی صلی الله علیه و آله إذ أخبر عن ارتدادهم، و لم يكن ذلك في عهده، و كان عهده، و كان على ما أخبره بعد مدة. و أهل الردة كانوا أحد عشر قوما: ثلاثة على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله في آخر عمره، و سبعة على عهد أبي بكر، و واحد في عهد عمر.خثم سمى كل واحد، فلاحظ ] (76:4)
نحوه الآلوسي (6: 160)
الطوسي: قرأ نافع و أهل المدينة ( يرتدد) بدالين، و به قرأ ابن عامر، و كذلك هو في مصاحفهم.
الباقون بدال واحدة مشددة، و كذلك هو في مصاحفهم. من أظهر ولم يدغم قال: لأن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكنا، ولا يمكن الإدغام في الحرف الذي يدغم حتى يسكن، لأن اللسان يرتفع عن المدغم والمدعم فيه ارتفاعة واحدة، فإذا لم يسكن لم يرتفع اللسان ارتفاعة واحدة، و إذا لم يرتفع كذلك لم يكن الإدغام، فإذا كان كذلك لم يسغ الإدغام في الساكن، لأن المدغم إذا كان ساكنا و المدغم فيه كذلك التقى ساکنان، و التقاء الساكنين في الوصل في هذا النحو ليس من كلامهم، فأظهر الحرف الأول في حركة و أسكن الثاني من المثلين، وهذه لغة أهل الحجاز، فلم يلتق الساكنان. و حجة من أدغم أنه لما أسكن الحرف الأول من المثلين للإدغام لم يمكنه أن يدغمه في الثاني و الثاني ساکن، فحرك المدغم فيه لالتقاء الساكنين، و هذه لغة بني تميم. و في القرآن نظيره قال الله تعالى:« وَمَنْ یُشَاقِقِ الرَّسُولَ»، النساء : 115، و قال : «وَمَن یُشَاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ » الأنفال : 13. (554:3)
الزمخشري: قرئ «من يرتد » و ( من يرتدد) و هو في الإمام (1)بدالين و هو من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها. [ثم أدام نحو الثعلبي ] (620:1)
ابن عطية: و الإشارة بالارتداد إلى المنافقين، والمعنى: أن من نافق و ارتد، فإن المحققين من الأنصار
1) رسم المصحف
يحمون الشريعة، و يسد الله بهم كل ثلم.[ ثم نقل القراءتين] (208:2)
الطبرسي: لما بين تعالى حال المنافقين، و أنهم يتربصون الدوائر بالمؤمنين، و علم أن قوما منهم يرتدون بعد وفاته، أعلم أن ذلك كائن، و أنهم لاينالون أمانيهم، و الله ينصر دينه بقوم لهم صفات مخصوصة، تميزوا بها من بين العالمين، فقال:«يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ»، أي من يرجع منكم، أي من جملتكم، إلى الكفر بعد إظهار الايمان. (208:2)
الفخر الرازي: فيه مسائل:
المسألة الأولى: [وذكرت القراءات و کلام الزجاج، ثم ذكر نحو التثعلي] ( 18:12)
القرطبي: قوله تعالى: « مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ » شرط و جوابه «فَسَوْفَ» ، وقراءة أهل المدينة والشام ( مَنْ يَرْتَدَّ ) بدالين. الباقون «مَنْ يَرْتَدَّ ». و هذا من إعجاز القرآن، والنبي صلی الله علیه و آله ، إذ أخبر عن ارتدادهم، ولم يكن ذلك في عهده، و كان ذلك غيبا، فكان على ما أخبر بعد مدة، و أهل الردة كانوا بعد موته صلی الله علیه و آله.
قال ابن إسحاق: لما قبض رسول الله صلی الله علیه و آله ارتدت العرب إلا ثلاثة مساجد: مسجد المدينة، و مسجد مكة، و مسجد جواثى، و كانوا في ردتهم على قسمين: قسم نبذ الشريعة كلها و خرج عنها، و قسم نبذ وجوب الزكاة، واعترف بوجوب غيرها. قالوا: نصوم و نصلي و لا نزكي، فقاتل الصديق جميعهم، و بعث خالد بن الوليد إليهم بالجيوش، فقاتلهم و سباهم، على ما هو مشهور من أخبارهم. (219:6)
البيضاوي: قرأه على الأصل نافع و ابن عامر، و هو كذلك في الإمام، و الباقون بالإدغام. وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها قبل وقوعها، وقد ارتد من العرب في أواخر عهد رسول الله صلی الله علیه و آله ثلاث فرق، بنو مدلج، و كان رئيسهم ذا الخمارالأسود العنسي، تنبأ باليمن و استولى على بلاده، ثم قتله فیروز الديلمي ليلة قبض رسول الله صلی الله علیه و آله من غدهای وأخبر الرسول صلی الله علیه و آله في تلك الليلة فسر المسلمون، وأتى الخبر في أواخر ربيع الأول.
و بنو حنيفة أصحاب مسيلمة تنبأ و كتب إلى رسول الله صلی الله علیه و آله « من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله صلی الله علیه و آله أما بعد: فإن الأرض نصفها لي و نصفها لك » فأجاب: من محمد رسول الله صلی الله علیه و آله إلى مسيلمة الكذاب: « أما بعد: «فإِنَّ الأَرضَ للّهِ یُورِثُها مَن یَشاءُ مِن عِبادِهِ وَالعاقِبَهُ لِلمُتَّقِینَ » الأعراف : 128، فحاربه أبوبكر بجند من المسلمين، و قتله وحشي قاتل حمزة.
و بنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ ، فبعث إليه رسول الله صلی الله علیه و آله خالدا، فهرب بعد القتال إلى الشام ثم أسلم و حسن إسلامه.
وفي عهد أبي بكر رضی الله عنه سبع: فزارة قوم عيينة بن حصن، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، و بنو سلیم قوم الفجاءة بن عبد یالیل، و بنو یربوع قوم مالك بن نويرة، و بعض تمیم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة زوجة مسيلمة، و كندة قوم الأشعث بن قیس،
و بنو بکر بن وائل بالبحرين قوم الحطيم بن زيد. وكفى الله أمرهم على يده. و في إمارة عمر رضي الله تعالى عنه غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشام. (279:1)
نحوه أبوالسعود (2: 287)، و البروسوي(404:2)
النسفي: من يرجع منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر ( یرتدد) مدني و شامي. (1: 288)
أبو حيان: «من يرتد... » ابن کعب و الضحاك و الحسن وقتادة و ابن جريج و غيرهم: نزلت خطابا للمؤمنين عامة إلى يوم القيامة.و «من یرتد » جملة شرطية مستقلة، و هي إخبار عن الغيب. و تعرض المفسرون هنا لمن ارتد في قصة طويلة نختصرها. [ثم أدام الكلام نحو ما تقدم عن البيضاوي] (510:3)
السمين: قوله تعالى: نمن يرتد » (من) شرطية فقط لظهور أثرها، و قوله تعالى: «فسوف » جوابها، و هي مبتدأة. و في خبرها الخلاف المشهور، و بظاهره يتمسك من لا يشترط عودضمير على اسم الشرط من جملة الجواب، و من التزم ذلك قدر ضميرا محذوفا، تقديره: فسوف يأتي الله بقوم غيرهم ف «هم» في «غيرهم» يعود على (من) على معناها.
و قرأ ابن عامر ونافع ( يرتدد) بدالين. قال الزمخشري: و هي في الإمام، يعني رسم المصحف كذلك، ولم يبين ذلك.
ونقل غيره أن كل قارئ وافق مصحفه، فإنها في مصاحف الشام والمدينة،( يرتدد) بدالين، و في الباقية : «يرتد»، وقد تقدم أن الإدغام لغة تميم، و الإظهار لغة الحجاز، وأن وجه الإظهار سکون الثاني جزما أو وقفا، و لايدغم إلا في متحرك. و أن وجه الإدغام تحريك هذا الساكن في بعض الأحوال، نحو: ردا، ردوا، ردي، و لم يردا، و لم يردوا، و اردد القوم، ثم حمل لم يرد و رد على ذلك، فكأن التميميين اعتبروا هذه الحركة العارضة، و الحجازيين لم يعتبروها . (547:2)
الشوكاني:قرأ أهل المدينة و الشام (يرتدد) بدالين بفك الإدغام، و هي لغة تميم، وقرأ غيرهم بالإدغام. وهذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، وذلك نوع من أنواع الردة. (65:2)
عزة دروزة: و في هذه الآيات:
1- نداء للمؤمنين، فيه تحذير من الارتداد عن دينهم و إنذار لهم، و هوان ذلك على الله إن هم فعلوه، فارتدادهم لن يضر الله و إنما يضرهم. و إن الله لقادر في مثل هذه الحالة على الإتيان بمؤمنين آخرين مخلصي الإيمان يحبهم و يحبونه، رحماء مشفقين على إخوانهم، أشداء قساة على أعدائهم. يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم، و لادوران دائرة.
2 - و تقرير على سبيل التعقيب على النهي و التحذير، وجه فيه الخطاب إلى المؤمنين أيضا، فلا يصح أن يكون لهم ولي غير الله و رسوله، و المؤمنين المخلصين القائمين بجميع واجباتهم نحو الله والناس بالصلاة والزكاة. فهم فقط أولياؤهم حصرا.
وإن من يتولى الله و رسوله و المؤمنين المخلصين هو من حزب الله، و إن حزب الله هو الغالب.
3- و نهي آخر موجه للمؤمنين، كذلك بعدم اتخاذ أهل الكتاب و الكفار الذين يتخذون دينهم هزوا و لعبا أولياء. و حث لهم على تقوى الله إن كانوا مؤمنين حقا و التزام أوامره ونواهيه.
4- و بیان تذکیري ببعض تصرفات الذين ينهون عن اتخاذهم أولياء، فهم إذا أذن المؤذن إلى الصلاة اتخذوا ذلك وسيلة للسخرية و الغمز، وهم إنما يفعلون ذلك، لأنهم قوم قد ضلت عقولهم عن فهم الحق و اتباعه، والوقوف عنده.(11: 132)
ابن عاشور: جملة « یَاءَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا مَنْ یَرْتَدَّ مِنْکُمْ ..» معترضة بين ما قبلها و بين جملة «إنَّمَا وَلِيُّکُمَ اللهُ » المائدة : 55، دعت لاعتراضها مناسبة الإنذار في قوله: « وَمَنْ یَتَوَلَّهُمْ مِنْکُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ »المائدة : 51، فتعقيبها بهذا الاعتراض إشارة إلى أن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ذريعة للارتداد، لأن استمرار فريق على موالاة اليهود والنصارى من المنافقين و ضعفاء الإيمان، يخشى منه أن ينسل عن الإيمان فريق. و أنبأ المترددين ضعفاء الإيمان بأن الإسلام غني عنهم إن عزموا على الارتداد إلى الكفر.
[ثم نقل القراءتين إلى أن قال :]
والارتداد مطاوع الرد، و الرد هو الإرجاع إلى مكان أو حالة، قال تعالى: « ردوها علی » ص، : 33.
وقد يطلق الرد بمعنى التصيير «وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ » النحل: 70، وقد لوحظ في إطلاق اسم الارتداد على الكفر بعد الإسلام ما كانوا عليه قبل الإسلام من الشرك و غيره، ثم غلب اسم الارتداد على الخروج من الإسلام، و لو لم يسبق للمرتد عنه اتخاذ دين قبله. (134:5)
مغنية: الارتداد، هو الكفر بعد الإسلام، و ذكرنا المرتد و تقسيمه إلى مرتد عن ملة و فطرة، و حكم كل منهما عند تفسير الآية 217، من سورة البقرة ج:1 ص: 325. و النهي عن الارتداد بعد النهي عن موالاة أعداء الدين يشعر بأن هذه الموالاة قد تؤدي إلى الارتداد عن الإسلام. و في الحديث: «لو أن راعيا رعى إلى جنب الحمى لم يثبت غنمه أن يقع في وسطه».
وقال أهل السير والتاريخ: أن ثلاثة ارتدوا، و ادعوا النبوة، على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله بعد أن آمنوا به:
الأول: الأسود العنسي، تنبأ في اليمن، و أخرج عمال رسول الله صلی الله علیه و آله منها، و لكنه قتل قبل وفاة النبي صلی الله علیه و آله بيوم واحد.
الثاني: مسيلمة الكذاب، ادعى النبوة، و كتب إلى محمد صل الله علیه و آله: « من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني شريك معك في الأمر، و الأرض بيننا مناصفة ». و قتل في عهد أبي بكر.
الثالث : طلحة بن خویلد، ادعى النبوة، ثم عاد و أسلم.
أما سجاح فقد ادعت النبوة في خلافة أبي بكر،و تزوجها مسيلمة. [ثم استشهد بشعر]
و تسأل: أن بعض الشيوخ لا تتوافر فيهم شروط
المجتهد الذي عناه الإمام عليه السلام بقوله: «صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه »، و مع ذلك يدعي النيابة عن المعصوم في الفتيا و القضاء، و أن الراد علیه راد على الله، فهل حكم هذا - تماما - كحکم مسيلمة الكذاب، لأن كلا منهما يفتري على الله كذا؟
الجواب: يكون بحكم مسيلمة الكذاب بشرطين: الأول: أن يدعي النيابة عن المعصوم، و هو يعلم بأنه مفتر کذاب، وأنه ليس أهلا لهذه الدعوى.
الشرط الثاني: أن لايرى الاجتهاد و العدالة من الشروط الأساسية للنيابة عن المعصوم، مع علمه بأنهما واجبان بحكم البديهة الدينية، و هذا الفرض بعيد جدا، فإن من يدعي النيابة عن المعصوم یری نفسه من أهل العدالة و الاجتهاد، حتى ولو لم يكن مطيعا لمولاه، و مخالفا لهواه.
و ليس من شك أن هذا يفترق عن مسيلمة الكذاب من حيث الارتداد، و لكنه يلتقي معه من حيث الكذب و الغرور، و بديهة أن العلم و الغرور ضد ان لا يجتمعان تماما کالكذب و العدالة، لأن الغرور يبعد صاحبه عن واقعه، و يفصله عن نفسه، و ينتقل به إلى عالم الأوهام و الأحلام، و من كان هذا شأنه فلايهتدي إلى صواب.(76:3)
الطباطبائي: ارتد عن دينه: رجع عنه، وهو في اصطلاح أهل الدين الرجوع من الإيمان إلى الكفر، سواء كان إيمانه مسبوقا بكفر آخر، کالكافر يؤمن ثم يرتد، أو لم یکن، وهما المسمیان بالارتداد الملي والفطري، حقيقة شرعية أو متشرعية .
ربما يسبق إلى الذهن أن المراد بالارتداد في الآية هو ما اصطلح عليه أهل الدين، و يكون الآية على هذا غير متصلة بما قبلها، وإنما هي آية مستقلة تحكي عن نحو استغناء من الله سبحانه، عن إيمان طائفة من المؤمنين بإيمان آخرین.
لكن التدبر في الآية و ما تقدم عليها من الآيات، يدفع هذا الاحتمال، فإن الآية على هذا تذكر المؤمنين بقدرة الله سبحانه على أن يعبد في أرضه، و أنه سوف يأتي بأقوام لا يرتدون عن دينه، بل يلاز مونه، كقوله تعالى: «فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ »الأنعام: 89، أو كقوله تعالى: « وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» آل عمران: 97، و قوله تعالى: « إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ» إبراهيم : 8
والمقام الذي هذه صفته لايقتضي أزيد من التعرض لأصل الغرض، وهو الإخبار بالإتيان بقوم مؤمنين لايرتدون عن دين الله. (379:5)
مکارم الشيرازي: بعد الانتهاء من موضوع المنافقين، يأتي الكلام - في هذه الآية الكريمة - عن المرتدين الذين تنبأ القرآن بارتدادهم عن الدين الإسلامي الحنيف، وهذه الآية أتت بقانون عام يحمل إنذار لجميع المسلمين، فأكدت أن من يرتد عن دينه، فهو لن يضر الله بارتداده هذا أبدا، و لن يضر الدين ولا المجتمع الإسلامي أو تقدمه السريع، لأن الله كفيل بإرسال من لديهم الاستعداد في حماية هذا الدين؛ حيث تقول الآية الكريمة: « يَاءَ يُّهَا الَّذينَ امَنُوا من
يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ ». (40:4)
فضل الله: المؤمنون المخلصون و استبدالهم بالمرتدين.
هل كان هناك حالة ارتداد عن الدين، في مستوى الظاهرة، ليأتي هذا النداء الحاسم الذي يوحي بالتهديد من جهة، و الاستهانة من جهة أخرى؟ لأن هؤلاء الذين يواجهون الموقف بهذا الأسلوب قد يتخيلون أن ذلك يضعف الإسلام، ويوهن قوة المسلمين، لما يرونه لأنفسهم من الأهمية الكبرى في داخل المجتمع الإسلامي؛ بحيث لا يستطيع المجتمع أن يجد بديلا عنهم، کالكثيرين من الناس الذين يعطون الأنفسهم دورا أكبر من دورهم، في ما يخيل إليهم من ضخامة شخصيتهم، بالحجم الذي لا يسد مسده أحد؟
وقد لا يكون من الضروري أن يكون الموقف بهذه الخطورة، على هذا المستوى، بل قد تكون الآية تابعة للجو الذي انطلقت فيه الآيات السابقة التي كانت تشير - بطريقة إيحائية و تقريریه - إلى النماذج التي تقدم لغير المسلمين فروض الطاعة والولاء، في أساليب متنوعة مثل التنازل الفكري والعملي عن كثير من قضايا الإسلام المهمة، مما يوحي بارتداد واقعي عن الخط الإسلامي، و بالتالي ابتعاد عن الدين. و قد يؤدي ذلك إلى الخروج منه كلیا بشكل رسمي في الحالات الضاغطة التي تفرض عليهم الاندماج في المجتمع الآخر، نظرا إلى ضعف العقيدة و الوازع الديني في أنفسهم، و قوة الدافع الذاتي في نوازعهم. و ربما كان هذا أقرب إلى جوالآيات التي تعمل على أن تمارس ضد هؤلاء لونا من ألوان الضغط النفسي، بالإيحاء لهم بأنهم لايمثلون الكثير من مواقع القوة في المجتمع الإسلامي، بل هم مجرد مرحلة تافهة، لا قيمة لها في جوانبها السلبية والإيجابية!
فهناك أكثر من مرحلة من مراحل التطلع الإسلامي إلى المستقبل، في ما تبشر به خطوات الطلائع الإسلامية الجديدة التي عاشت الإسلام في أعماقها الفكرية و الشعورية حبا لله، و فناء في طاعته، و خوفا منه، وسارت على الخط المستقيم في الاتجاه السليم الذي يؤدي إلى رضوانه. و بذلك فلابد من أن يعرف هؤلاء و غيرهم من الذين يعتبرون الحياة خاضعة لمواقفهم السلبية والإيجابية في وجودها و فنائها، أن الله سيأتي بقوم لايشبهونهم في كل مواقف الاهتزاز و التذبذب، بل يمثلون الصدق في العقيدة، والثبات في الموقف، والاستقامة في الطريق، والوضوح في الرؤية. فهم قد حازوا محبة الله لهم، لأتهم أطاعوه حق طاعته، و عبدوه حق عبادته، و هم يحبون الله حبا ملك عليهم فكرهم و شعورهم، لأنهم عرفوه في آفاق عظمته و مواقع نعمه.
فإذا انطلقوا في الحياة الاجتماعية العملية، فإن مواقفهم تجاه الآخرين، تتحدد بالخط الذي يلتزم به هؤلاء الآخرون، فإذا كان الخط إيمانا وسلاما وصلاحا، فهم المتواضعون الذين يخفضون للمؤمنين جناح الذل، من دون أن يعانوا أية عقدة في ذلك كله، لأنهم لا يعيشون المشاعر الذاتية في علاقتهم بهؤلاء، لأن العلاقة بالله هي القاعدة التي يتمسك بها الجميع،
ولأن الإسلام اعتبر أفراد المجتمع المؤمن كالجسد الواحد، فلا اثنينية لتتحرك النوازع الفردية في نطاقها الذاتي المعقد. و إذا كان الخط كفرا و فساد او ظلما و شرا، فهم الأعزاء الذين لا يتنازلون بل يترفعون، لأن القضية ليست قضية إنسانية تتحرك في خطوات المشاعر، بل هي رسالیة تتميز في حساب المواقف. فليس هنا إنسان يترفع عن إنسان، بل عقيدة تعلو عقيدة، و حركة تواجه حركة، و رسالة ترتفع فوق استعراضات المنافع .
ومن هنا جاء هذا النداء الإلهي لهم: «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّهُ بِقَوْمٍ »فإذا واجهوا التحديات، و وقف الكفر في جانب ليحارب تعاليم الله و شرائعه، ويهاجم عقيدة الحق و رسالته، كانوا في المواقع الصلبة الصعبة شرارة من نار، و يقظة من نور، و حركة من فكر، و صرخة من حق، و موقفا من عدل، و جهادا في معركة، و انطلاقة في سبيل الله، فهم الأشداء الثابتون الذين لا يتزلزلون ولا يرتبكون، و هم الواثقون بالحق ثقتهم بالله.
فقد يسمعون اللائمين الذين يأخذون عليهم قسوة موقفهم و صلابة رأيهم، و يطلبون منهم التراجع عن ذلك ليحصلوا علی رضی هذا الفريق و ذاك، و لكنهم يرفضون ذلك بإباء و إيمان، لأن الموقف ليس ملك أيديهم، بل هو ملك الله، فلايملكون حرية الانسحاب لو أرادت منهم أنفسهم ذلك، ولاتأخذهم في الله لومة لائم، و ذلك هو فضل الله عليهم، بأن من عليهم بهدى الإيمان و إشراقة الحق؛ بحيث يتحول الإنسان إلى ينبوع من النور، يتدفق بكل أريحيات اللطف الإلهي، و الله واسع في رحمته و لطفه و رضوانه و رعايته لعباده المؤمنين، علیم بما يحتاجون إليه في المراحل الصعبة من جهادهم في طريق الله.
و لكن، هل تشير الآية إلى جماعة معينة من هؤلاء المؤمنين المخلصين؟ ربما كانت بعض الأحاديث أو التفاسير تتضمن الإشارة إلى ذلك، و لكن هذا داخل في عالم التطبيق، على بعض الأفراد الطليعيين الذين عاشوا في عصور الإسلام الذهبية، في عهد الدعوة و الجهاد، لأن الآية تسير مع الزمن، التوحي لكل جيل من أجيال المسلمين، أن الإسلام هو الرسالة التي يجب عليه أن يحتضنها و يرعاها بكل قوة، و أن يستمر عليها بكل إخلاص، و أن عليه أن يعي جيدا دوره، فلايغتر أبدا بحجم هذا الدور بالمستوى الذي يخيل إليه أن الإسلام سوف يموت و يزول إذا ابتعد - هو - عن الساحة، فإن هناك أكثر من جيل في علم الله، ينتظر الفرصة التي ينتصر فيها للإسلام، بعيدا عن كل زهو و عظمة و خيلاء.
و ربما كان لنا أن نستوحي من هذه الآية، كيف يجب أن تتركز التربية الإسلامية في علاقة القيادة بالقاعدة و بالعكس، فلا مجال للفكرة التي تقول إن غياب القيادة المعينة أو انحرافها أو ارتدادها، يلغي الدور المستقبلي للإسلام، لأن هذه القيادة أو تلك،
مثل القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها الإسلام. ولامجال – أيضا – للفكرة المماثلةالتي قد تعتبر اهتزاز القاعدة و ضياعها و ارتدادها، كفيلا باهتزاز الإسلام
و سقوطه، لأن الله سبحانه هو الذي يكفل مسيرة هذا الدين، و يخلق له - في كل زمن - أناسا مخلصين «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ»ليعرف كل إنسان و كل جيل حجمه الطبيعي أمام الله و أمام رسالته، « ذلِکَ فَضْلُ اللّهِ یُؤْتِیهِ مَن یَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِیمٌ». (222:8)
2- مُهْطِعِینَ مُقْنِعِی رُؤُسِهِمْ لَایَرْتَدُّ إِلَیْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ . ابراهیم : 63
ابن عباس: لا يرجع إليهم أبصارهم من الهول والفزع. (215)
شاخصة أبصارهم. (الطبري 7: 470)
الطبري: لا ترجع إليهم لشدة النظر أبصارهم. (470:7)
الماوردي: أي لا يرجع إليهم طرفهم. (141:3)
الطوسي: لا ترجع إليهم أعينهم ولا يطبقونها. (304:6)
نحوه الطبرسي . (321:3)
الواحدي: لا ترجع إليهم أبصارهم من شدة النظر، فهي شاخصة. (35:3)
نحوه البغوي (45:3)، و القرطبي (9: 377).
الزمخشري: لا يرجع إليهم أن يطرقوا بعيونهم، أي لا يطرفون، و لكن عيونهم مفتوحة ممدودة من غير تحريك للأجفان. أو لا يرجع إليهم نظرهم، فينظروا إلى انفسهم. (382:2)
البيضاوي: بل بقيت عيونهم شاخصة لاتطرف، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظرون إلى أنفسهم. (534:1)
نحوه النسفي(2: 265)، و الكاشاني (95:3) ، والمشهدي (209:5).
أبو السعود: أي لا يرجع إليهم تحريك أجفانهم، حسبما كان يرجع إليهم كل لحظة، بل تبقى أعينهم مفتوحة لاتطرف، أو لا ترجع إليهم أجفانهم التي هي مفتوحه آله الطرف، فيكون إسناد الرجوع إلى الطرف مجازیا أو هو نفس الجفن. (497:3)
نحوه البروسوي.(4: 431)، و الآلوسي (13:246)
شبر: لا يغمضون عيونهم بل هي شاخصة دائما. (366:3)
ابن عاشور: لا يرجع إليهم، أي لا يعود إلى معتاده، أي لا يستطيعون تحویله. فهو كناية عن هول ما شاهدوه بحيث يبقون ناظرين إليه، لاتطرف أعينهم. (267:12)
مغنية: أبصارهم شاخصة لا تغمض ولاتطرف من الدهشة والذهول. (455:4)
الطباطبائي: أي لا يقدرون على أن يطرفوا من هول ما يشاهدونه. (82:12)
حسنین مخلوف: أي لاترجع إليهم أجفانهم التي يكون فيها الطرف، أي التحريك.(415:1)
مکارم الشيرازي: لا يقدرون على أن يطرفوا من شدة الهول، و كأن أعينهم كأعين الأموات عاطلة
عن العمل. (467:7)
فضل الله: لا يطرفون بعيونهم من الخوف و الحذر. (123:13)
3- قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ... النمل: 40
ابن عباس: قبل أن يبلغ إليك الشيء الذي رأيته من بعيد. (318)
قبل أن يعود طرفك إلى مد بصرك.
مثله مجاهد. (الماوردي 4 : 213)
سعید بن جبير: من قبل أن يرجع إليك أقصى من تری، فذلك قوله: «قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ».
[و في رواية» ارفع طرفك من حيث يجيء، فلم يرجع إليه طرفه حتى وضع العرش بين يديه. (الطبري 9: 524)
يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من ترکت، و هو أن يصل إليك من كان منك على مد بصرك. (الثعلي 7: 211)
مجاهد: إذا مد البصر حتى یرد الطرف خاسئا. (الطبري 524:9)
يعني مد بصرك ما بينك و بين الحيرة، و هو يومئذ في كندة. (الثعلبي 212:7 )
إن ذلك على وجه المبالغة في السرعة. (الطوسي 8: 96)
وهب بن منبه: تمدة عينيك فلاينتهي طرفك إلى مداه حتى أمثله بين يديك.(الطبري 9 : 524)
قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. (الطبري 9: 524)
هو أن يبعث رسولا إلى منتهي طرفه، فلا يرجع حتى يؤتى به. (الثعلبي 212:7)
الفراء: يقول: قبل أن يأتيك الشيء من مد بصرك. (294:2)
ابن قتيبة: قيل في تفسير أبي صالح: قبل أن يأتيك الشيء من مد البصر. ويقال: بل أراد قبل أن تطرف. (324)
الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معناه: أنا آتيك به قبل أن يصل إليك من كان منك على مد البصر.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: من قبل أن يبلغ طرفك مداه و غايته.
وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: قبل أن يرجع إليك طرفك من أقصى أثره؛ وذلك أن معنى قوله: «يرتد إليك »: يرجع إليك البصر، إذا فتحت العين غير راجع، بل إنما يمتد ماضيا إلى أن يتناهی ما امتد نوره. فإذا كان ذلك كذلك، و كان الله إنما أخبرنا عن قائل ذلك: «أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ » لم يكن لنا أن نقول: أنا آتيك به قبل أن يرتد راجعا «اليك طرفك » من عند منتهاه. (524:9)
الزجاج: أي بمقدار ما يبلغ البالغ إلى نهاية نظرك ثم يعود إليك. و قيل: في مقدار ما تفتح عينك ثم تطرف. و هذا أشبه بارتداد الطرف، و مثله من الكلام: فعل ذلك في لحظة عين، أي في مقدار ما نظر نظرة واحدة. (121:4)
أبو مسلم الأصفهاني: قبل الوقت الذي تنتظر وروده فيه، من قولهم: أنا ممد الطرف إليك، أي منتظر لك. (الماوردي : 213)
الماوردي: فيه ستة أوجه:
أحدها: [قول سعيد بن جبير]
الثاني: [القول الثالث من ابن عباس ]
الثالث : قبل أن يعود طرفك إلى مجلسك، قاله إدريس
الرابع: [قول أبي مسلم الأصفهاني]
الخامس : قبل أن يرجع طرف رجائك خائبا، لأن الرجاء یمد الطرف، والإياس يقصر الطرف.
السادس: قبل أن ينقص طرفك بالموت، أخبره أنه سيأتيه قبل موته. (213:4)
الطوسي: قيل: في معناه قولان:
أحدهما: قال مجاهد: إن ذلك على وجه المبالغة في السرعة.
الثاني: قال قتادة: معناه: قبل أن يرجع إليك ما يراه طرفك. وقيل : قبل أن يرجع طرفك خاسئا إذا فتحتها و أدمت فتحها. وقيل : قبل أن تفتحها و تطبقها. و قيل: حمل العرش من مأرب إلى الشام في مقدار رجع البصر. و قيل: شقت عنه الأرض فظهر. وقيل يجوز أن يكون الله أعدمه ثم أوجده في الثاني بلافصل، بدعاء الذي عنده علم من الكتاب، و كان مستجاب الدعوة، إذا دعا باسم الله الأعظم. و يكون ذلك معجزة له. وقال قوم: كان ذلك معجزة لسليمان. و في الكلام حذف، لأن تقديره: أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك فأتاه به .(96:8)
الواحدي: قال سعيد بن جبير: قال لسليمان: انظر إلى السماء، فما طرف حتى جاء به، فوضعه بين يديه. والمعنى: حتى يعود إليك طرفك بعد مدة إلى السماء، و قال مجاهد: معنی ارتداد الطرف، إدامة النظر حتى يرتد إليه طرفه خاسئا. و على هذا معنى الآية أن سليمان يمد بصره إلى أقصاه، و هو يديم النظر، فقبل أن ينقلب إليه بصره حسیرا یكون قد أتي بالعرش.
قال محمد بن إسحاق: انخرق مكان العرش حيث هو هناك، ثم نبع بين يدي سليمان. و نحوهذا روی عكرمة عن ابن عباس، قال: جرى تحت الأرض حتى نبع بين يدي سليمان. و قال الكلبي: خر آصف ساجدا و دعا باسم الله الأعظم، فغار عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان.
وقال أهل المعاني: لا ينكر من قدرة الله أن يعدمه من حيث كان، ثم يوجده حيث كان سليمان بلافصل بدعاء الذي عنده علم من الكتاب، و یکون کرامة للولي، و معجزة للنبي. (378:3)
المیبدي: ارتداد الطرف، أن يرجع إلى الناظر من رؤية شيء كان ينظر إليه.(223:7)
الزمخشري: معنى قوله: «قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» أي أنك ترسل طرفك إلى شيء، فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك. ويروى: أن آصف قال لسليمان عليه السلام: مد عينك حتى ينتهي طرفك، فمد عينيه فنظر نحو اليمين، و دعا آصف فغار العرش في
مكانه بمأرب، ثم نبع عند مجلس سليمان عليه السلام بالشام بقدرة الله قبل أن يرد طرفه.
ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدة المجيء به، كما تقول لصاحبك: افعل كذا في لحظة و في ردة طرف، و التفت ترني، و ما أشبه ذلك، تريد السرعة.(149:3)
نحوه النسفي. (213:3)
الطبرسي: اختلف في معناه، فقيل: يريد قبل أن يصل إليك من كان منك على قدر مد البصر، عن قتادة. وقيل: معناه: قبل أن يبلغ طرفك مداه و غايته ويرجع إليك. قال سعيد بن جبير: قال: لسليمان انظر إلى السماء، فما طرف حتى جاء به فوضعه بين يديه، والمعنى: حتى يرتد إليك طرفك بعد مده إلى السماء. و قيل: إرتداد الطرف، إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا، عن مجاهد.
فعلی هذا معناه: أن سليمان مد بصره إلى أقصاه، و هو يديم النظر، فقبل أن ينقلب بصره إليه حسيرا، يكون قد أتی با لعرش. قال الكلبي: خر آصف ساجدا، و دعا باسم الله الأعظم، فغار عرشها تحت الأرض، حتى نبع عند كرسي سليمان.
وذكر العلماء في ذلك و جوها:
أحدها: أن الملائكة حملته بأمر الله تعالی.
والثاني: أن الريح حملته.
والثالث: أن الله تعالى خلق فيه حرکات متوالية .
والرابع: أنه انخرق مكانه حيث هو هناك، ثم نبع بين يدي سليمان.
والخامس: أن الأرض طويت له، وهو المروي عن أبي عبد الله علیه السلام.
والسادس: أنه أعدمه الله في موضعه، وأعاده في مجلس سليمان. و هذا لا يصح على مذهب أبي هاشم، و يصح على مذهب أبي علي الجبائي، فإنه يجوز فناء بعض الأجسام دون بعض. و في الكلام حذف کثیر، لأن التقدير : قال سليمان له: افعل، فسأل الله تعالى في ذلك، فحضر العرش. (223:4)
الفخر الرازي: : اختلفوا في قوله: «قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » على وجهين:
الأول: أنه أراد المبالغة في السرعة، كما تقول لصاحبك: افعل ذلك في لحظة، و هذا قول مجاهد.
الثاني: أن تجريه على ظاهره، والطرف تحريك الأجفان عند النظر، فإذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور العين امتد إلى المرئي، و إذا أغمضت الجفن فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين، فهذا هو المراد من ارتداد الطرف.
وهاهنا سؤال: و هو أنه كيف يجوز و المسافة بعيدة أن ينقل العرش في هذا القدر من الزمان، و هذا يقتضي إما القول بالطفرة أو حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في مكانين.
جوابه: أن المهندسين قالوا: كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة و أربعة وستين مرة، ثم إن زمان طلوعها زمان قصير، فإذا قسمنا زمان طلوع تمام القرص على زمان القدر الذي بين الشام واليمن، كانت اللمحة كثيرة، فلما ثبت عقلا إمکان وجود هذه الحركة
السريعة، و ثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات، زال السؤال. (198:24)
البيضاوي: و المعنى إنك ترسل طرفك نحو شيء، فقبل أن ترده أحضر عرشها بين يديك، وهذا غاية في الإسراع و مثل فيه. (177:2)
أبوالسعود: الطرف: تحريك الأجفان و فتحها للنظر إلى شيء، و ارتداده: انضمامها، و لكونه أمرا طبيعيا غير منوط با لقصد أوثر الارتداد على الرد، و لما لم يكن بين هذا الوعد و إنجازه مدة كما في وعد العفريت، استغني عن التأكيد، و طوي عند الحكاية ذكر الإتيان به، للإيذان بأنه أمر متحقق غني عن الإخبار به، و جيء بالفاء الفصيحة - لا داخلة على جملة معطوفة على جملة مقدرة دالة على تحققه فقط، كما في قوله عز وجل: «أَنِ اضْرِبْ بِعَصاکَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ » الشعراء: 63، و نظائره - بل داخلة على الشرطية؛ حيث قيل: « فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ » . (85:5)
نحوه البروسوي (6: 349)، و الآلوسي (19:204)
ابن عاشور: ارتداد الطرف حقيقته: رجوع تحديق العين من جهة منظورة تحول عنها لحظة. و عبر عنه بالارتداد، لأنهم يعبرون عن النظر بارسال الطرف و إرسال النظر، فكان الارتداد استعارة مبنية على ذلك. [إلى أن قال:]
والظاهر أن قوله: «قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِکَ »و قوله: « قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » مثلان في السرعة والأسرعية. (264:19)
الطباطبائي: ارتداد الطرف: وصول المنظور إليه إلى النفس و علم الإنسان به، فالمراد أنا آتيك به في أقل من الفاصلة الزمانية، بين النظر إلى الشيء و العلم به.
وقيل: الطرف، تحريك الاجفان و فتحها للنظر، و ارتداده، هو انضمامها، و لكونه أمرا طبيعيا غير منوط بالقصد، أوثر الارتداد على الرد، فقيل: «قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » و لم يقل: قبل أن يرد.
هذا وقد أخطأ، فالطرف كالتنفس من أفعال الإنسان الاختيارية، غير أن الذي يبعث إليه هو الطبيعة، كما في التنفس، و لذلك لا يحتاج في صدوره إلى ترو سابق، كما يحتاج إليه في أمثال الأكل والشرب، فالفعل الاختياري مايرتبط إلى إرادة الإنسان، و هو أعم مما يسبقه التروي. والذي أوقع هذا القائل فيما وقع ظنه التساوي بين الفعل الصادر عن اختیار و الصادر عن ترو، و لعل النكتة في إيثار الارتداد على الرد، هي أن الفعل لعدم توقفه علی التروي، كأنه يقع بنفسه لاعن مشية من اللاحظ.
و الخطاب في قوله : «أنا اتيك به قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » لسليمان علیه السلام فهو الذي يريد الإتيان به إليه، و هو الذي يراد الإتيان به إليه.
وقيل: الخطاب للعفريت القائل: «انا اتيك به قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِکَ »، و المراد بالذي عنده علم من الكتاب - عند هذا القائل - هو سليمان، و إنما قاله له إظهارا لفضل النبوة، و أن الذي أقدره الله عليه بتعليمه علما من الكتاب أعظم مما يتبجح به العفريت
من القدرة. فالمعنى: قال سليمان للعفريت لما قال ما قال: أنا آتيك بالعرش قبل ارتداد طرفك.
وقد أصر في «التفسير الكبير » على هذا القول، وأورد لتأييده وجوها، و هي وجوه رديئة، و أصل القول لا يلائم السياق، كما أو مأنا إليه. (15: 364)
مکارم الشيرازي: حضور العرش في طرفة عين. [ثم نقل قصة حضور العرش إلى أن قال: ]
كما أن للمفسرین احتمالات في جملة «قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ » لكن بملاحظة الآيات الأخر من القرآن، يمكن معرفة حقيقتها، ففي الآية من سورة إبراهيم نقرأ «لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ».
ونحن نعرف أن الإنسان عندما يستوحش و يذهل، تبقى عيناه مفتوحتان على وتيرة واحدة، كأنهما عينا ميت لا تتحركان.
فبناء على ذلك، فالمراد منه أنني سأحضرعرش ملكة بلقيس قبل أن يتحرك جفناك. (64:12)
يرتدد
وَلَا یَزَالُونَ یُقَاتِلُونَکُمْ حَتَّی یَرُدُّوکُمْ عَنْ دِینِکُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ یَرْتَدِدْ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ فَیَمُتْ وَهُوَ کَافِرٌ فَأُولَئِکَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِی الدُّنْیَا ...البقرة : 217
الطبري: من يرجع منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه: «فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً» الكهف : 64، يعني بقوله: «فَارْتَدّا»:رجعا. و من ذلك قيل: استرد فلان حقه من فلان، إذا استرجعه منه.
و إنما أظهر التضعيف في قوله: «یَرْتَدِدْ»لأن لام الفعل ساكنة بالجزم، و إذا سكنت فالقياس ترك التضعيف، و قد تضعف و تدغم و هي ساكنة، بناء على التثنية والجمع. (367:2)
الزجاج: «یَرْتَدِدْ» جزم بالشرط، و التضعيف يظهر مع الجزم، لسكون الحرف الثاني، وهو أكثر في اللغة. و قرئ (یاء یها الذين امنوامن يرتد) بالإدغام والفتح، و هي قراءة الناس إلا أهل المدينة، فإن في مصحفهم «من يرتدد»و کلاهما صواب، والذي في سورة البقرة لايجوز فيه إلا «من يرتدد » لإطباق أهل الأمصار على إظهار التضعيف، و كذلك هو في مصاحفهم، و القراءة سنة لاتخالف، إذا كان في كل المصحف الحرف على صورة لم تجز القراءة بغيره.
ويجوز أن تقول: (من يرتد )منكم فتكسر لالتقاء الساكنين، إلا أن الفتح أجود لانفتاح التاء، و إطباق القراء عليه.(290:1)
الماوردي: أي يرجع، كما قال تعالى: «فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً »الكهف : 64، أي رجعا، ومن ذلك قيل: استرد فلان حقه. (275:1)
الطوسي: فهو على إظهار التضعيف، لسكون الثاني. و يجوز (يرتد) بفتح الدال على التحريك، لالتقاء الساكنين، و الفتح أجود. (208:2)
الواحدي: يعني يبقى على الردة إلى أن يموت. (322:1)
الزمخشري: و من يرجع عن دينه إلى دينهم و يطاوعهم على رده إليه. (357:1)
ابن العربي: اختلف العلماء رحمة الله عليهم في المرتد، هل يحبط عمله نفس الردة أم لايحبط إلا على الموافاة على الكفر؟
فقال الشافعي: لا يحبط له عمل إلا بالموافاة كافرا. و قال مالك: يحبط بنفس الردة. و يظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم، فقال مالك: يلزمه الحج، لأن الأول قد حبط بالردة. وقال الشافعي لا إعادة عليه، لأن عمله باق.
و استظهر عليه علماؤنا بقول الله تعالى: « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ » الزمر : 65، وقالوا: هو خطاب للنبي صلی الله علیه و آله و المراد به أمته، لأنه يستحيل منه الردة شرعا.
وقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب للنبي صلی الله علیه و آله على طريق التغليظ على الأمة، و بيان أن النبي صلی الله علیه و آله- على شرف منزلته - لو أشرك لحبط عمله، فكيف أنتم ؟ لكنه لا يشرك لفضل مرتبته، كما قال الله تعالى: «(يا نِساءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا اَلْعَذابُ ضِعْفَيْنِ به الأحزاب:30، و ذلك لشرف منزلتهن، وإلا فلا يتصور إتيان فاحشة منهن، صيانة لصاحبهن المكرم المعظم.
قال ابن عباس، حين قرأ «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِینَ کَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ کَانَتَا تَحْتَ عَبْدَیْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَیْنِ فَخَانَتَاهُمَا »التحريم: 10: و الله ما بغت امرأة نبي قط، و لكنهما كفرتا.
وقال علماؤنا: إنما ذكر الموافاة شرطا هاهنا، لأنه علق عليها الخلود في النار جزاء، فمن وافي کافر خلده الله في النار بهذه الآية، و من أشرك حبط عمله بالآية الأخرى، فهما آیتان مفیدتان لمعنيين مختلفين و حکمين متغایرین، و ما خوطب به النبي صلی الله علیه و آله فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به، و ما ورد في أزواجه صلی الله علیه و آله فإنما قيل ذلك فيهن، ليبين أنه لو تصور لكان هتکا الحرمة الدين و حرمة النبي ، و لكل هتك حرمة عقاب، و ينزل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام، أو في البلد الحرام، أو في المسجد الحرام، فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات، و الله الواقي الارب غيره. (147:1)
ابن عطية: أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر. قالت طائفة من العلماء: يستتاب المرتد، فإن تاب وإلا قتل. و قال عبيد بن عمير وطاووس و الحسن - على خلاف عنه - والشافعي في أحد قوليه: يقتل دون أن يستتاب.
و روي نحو هذا عن أبي موسى الأشعري و معاذ بن جبل. و مقتضى قولهما: أنه يقال له: للحين راجع، فإن أبي ذلك قتل. وقال عطاء ابن أبي رباح إن كان المرتد ابن مسلمين قتل دون استتابة، و إن كان أسلم ثم ارتد استیب؛ و ذلك لأنه يجهل من فضل الإسلام ما الايجهل ابن المسلمين.
واختلف القائلون بالاستتابة، فقال عمر بن الخطاب رضی الله عنه : يستتاب ثلاثة أيام، و به قال مالك وأحمد و إسحاق و أصحاب الرأي والشافعي في أحد قوله. وقال الزهري يدعى إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قتل .
وروي عن علي بن أبي طالب علیه السلام أنه استتاب مرتا شهرا فأبى، فقتله. وقال النخعي والثوري: يستتاب محبوسا أبدا. قال ابن المنذر: و اختلفت الآثار عن عمر في هذا الباب.
كان رضی الله عنه ينفذ بحسب جرم ذلك المرتد أو قلة جرمه المقترن بالردة و حبط العمل، إذا انفسد في آخر فبطل...
وقال علي بن أبي طالب والحسن والشعبي والحكم والليث و أبو حنيفة و إسحاق بن راهويه: میراث المرتد لورثته من المسلمين. وقال مالك و ربيعة و ابن أبي ليلى و الشافعي و أبو ثور: ميراثه في بيت المال، و أجمع الناس على أن ورثته من أهل الكفر الايرثونه إلا شذوذا، روي عن عمر بن عبد العزيز و عن قتادة.
وروي عن عمر بن عبد العزيز خلافه. (291:1 )
الطبرسي: هذا تحذير عن الارتداد ببیان استحقاق العذاب عليه. (313:1)
الفخر الرازي: فيه مسائل:
المسألة الأولى : قال الواحدي: قوله: «ومن يرتدد » أظهر التضعيف مع الجزم لسكون الحرف الثاني، وهو أكثر في اللغة من الإدغام، و قوله: «فيمت» هو جزم با لعطف على «یرتدد»، و جوابه «فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ ».
المسألة الثانية: لما بين تعالى أن غرضهم من تلك المقاتلة هو أن يرتد المسلمون عن دينهم، ذكر بعده وعیدا شديدا على الردة، فقال: «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ»واستوجب العذاب الدائم في النار.
المسألة الثالثة: ظاهر الآية يقتضي أن الارتداد إنما يتفرع عليه الأحكام المذكورة إذا مات المرتد على الكفر، أما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت شيء من هذه الأحكام.
وقد تفرع على هذه النكتة بحث أصولي و بحث فروعي:
أما البحث الأصولي فهو أن جماعة من المتكلمين زعموا أن شرط صحة الإيمان والكفر حصول الموافاة، فالإيمان لا يكون إيمانا إلا إذا مات المؤمن عليه، والكفر لايكون كفرا إلا إذا مات الكافر عليه. قالوا: لأن من كان مؤمنا ثم ارتد- و العياذ بالله - فلو كان ذلك الإيمان الظاهر إيمانا في الحقيقة، لكان قد استحق عليه التواب الأبدي، ثم بعد کفره يستحق العقاب الأبدي، فإما أن يبقى الاستحقاقان و هو محال، و إما أن يقال: إن الطارئ يزيل السابق، و هذا محال لوجوه:
أحدها: أن المنافاة حاصلة بين السابق و الطارئ، فلیس کون الطارئ مزيلا للسابق أولى من کون السابق دافعا للطارئ، بل الثاني أولى، لأن الدفع أسهل من الرفع.
وثانيها: أن المنافاة إذا كانت حاصلة من الجانبين، كان شرط طریان الطارئ زوال السابق، فلو عللنا زوال السابق بطریان الطارئ لزم الدور، و هو محال.
وثالثها: أن ثواب الإيمان السابق و عقاب الكفر الطارئ، إما أن يكونا متساويين أو يكون أحدهما
أزيد من الآخر، فإن تساويا وجب أن يتحابط كل واحد منهما بالآخر، فحينئذ يبقى المكلف لا من أهل الثواب ولا من أهل العقاب، و هو باطل بالإجماع.
وإن ازداد أحدهما على الآخر، فلنفرض أن السابق أزيد، فعند طریان الطارئ لايزول إلا ما يساويه، فحينئذ يزول بعض الاستحقاقات دون البعض، مع كونها متساوية في الماهية، فيكون ذلك ترجیحا من غير مرجح و هو محال.
أو لنفرض أن السابق أقل، فحينئذ إما أن يكون الطارئ الزائد يكون جملة أجزائه مؤثرة في إزالة السابق، فحينئذ يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة و هو محال، و إما أن يكون المؤثر في إزالة السابق بعض أجزاء الطارئ دون البعض، و حينئذ يكون اختصاص ذلك البعض بالمؤثرية ترجیحا للمثل من غير مرجح، و هو محال.
فثبت بما ذكرنا أنه إذا كان مؤمنا ثم كفر، فذلك الإيمان السابق، وإن كنا نظنه إيمانا إلا أنه ما كان عند الله إيمانا، فظهر أن الموافاة شرط، لكون الإيمان إيمانا، والكفر كفرا. وهذا هو الذي دلت الآية عليه، فإنها دلت على أن شرط كون الردة موجبة لتلك الأحكام، أن يموت المرتد على تلك الردة.
أما البحث الفروعي: فهو أن المسلم إذا صلی ثم ارتد ثم أسلم في الوقت، قال الشافعي رحمه الله : لا إعادة عليه، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لزمه قضاء ما أدى، و كذلك الحج، حجة الشافعي رضی الله عنه ، قوله تعالى: «وَمَنْ یَرْتَدِدْ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ فَیَمُتْ وَهُوَ کَافِرٌ فَأُولَئِکَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ»شرط في حبوط العمل أن یموت و هو كافر، وهذا الشخص لم يوجد في حقه هذا الشرط، فوجب أن لايصير عمله محبطا.
فإن قيل: هذا معارض بقوله: « وَ لَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » الأنعام : 88، و قوله: « وَمَن یَکْفُرْ بِالْإِیمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» المائدة: 5، لايقال: حمل المطلق على المقيد واجب، لأنا نقول: ليس هذا من باب المطلق و المقيد، فإنهم أجمعوا على أن من علق حكما بشرطين، و علقه بشرط، أن الحكم ينزل عند أيهما وجد، کمن قال لعبده: أنت إذا جاء يوم الخميس، أنت حر إذا جاء يوم الخميس والجمعة، لا يبطل واحد منهما، بل إذا جاء يوم الخميس عتق، و لو كان باعه فجاء يوم الخميس ولم يكن في ملکه، ثم اشتراه ثم جاء يوم الجمعة و هو في ملکه، عتق بالتعليق الأول.
والسؤال الثاني: عن التمسك بهذه الآية، أن هذه الآية دلت على أن الموت على الردة شرط لمجموع الأحكام المذكورة في هذه الآية و نحن نقول به، فإن من جملة هذه الأحكام: الخلود في النار، و ذلك لا يثبت إلا مع هذا الشرط، و إنما الخلاف في حبط الأعمال، و ليس في الآية دلالة على أن الموت على الردة شرط فيه.
والجواب: أن هذا من باب المطلق و المقيد، لامن باب التعليق بشرط واحد و بشرطين، لأن التعليق بشرط و بشرطين إنما يصح لو لم یکن تعليقه بكل واحد منهما مانعا من تعليقه بالآخر، و في مسألتنا
لو جعلنا مجرد الردة مؤثرا في الحبوط، لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلا في شيء من الأوقات، فعلمنا أن هذا ليس من باب التعليق بشرط وبشرطين بل من باب المطلق و المقيد.
وأما السؤال الثاني: فجوابه: أن الآية دلت على أن الردة إنما توجب الحبوط بشرط الموت على الردة، و إنما توجب الخلود في النار بشرط الموت على الردة، وعلى هذا التقدير فذلك السؤال ساقط. (37:6)
القرطبي: أي يرجع عن الإسلام إلى الكفر، فأولئك حبطت، أي بطلت و فسدت، ومنه الحبط و هو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلا، فتنتفخ أجوافها، و ربما تموت من ذلك، فالآية تهديد للمسلمين، ليثبتوا على دين الإسلام.
واختلف العلماء في المرتد، هل يستتاب أم لا؟ وهل يحبط عمله بنفس الردة أم لا، إلا على الموافاة على الكفر؟ وهل يورث أم لا؟ [ثم أدام البحث في نقل آراء الفقهاء، فلاحظ ] (46:3)
البيضاوی: قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال، كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، والمراد بها: الأعمال النافعة. (115:1)
النسفي: من يرجع عن دينه إلى دينهم.(108:1)
أبو حيان: ارتد: « افتعل» من الرد، وهو الرجوع، كما قال تعالى: «فَارْتَدّا عَلی آثارِهِما قَصَصاً »، و قد عدها بعضهم فيما يتعدى إلى اثنين، إذا كانت عنده بمعنى: صير، و جعل من ذلك قوله: «فارتد بصيرا »، أي صار بصيرا، ولم يختلف هنا في فك المثلين، و الفك هو لغة الحجاز. و جاء « افتعل » هنا بمعنى التعمل و التكسب، لأنه متكلف؛ إذ من باشر دین الحق يبعد أن يرجع عنه، فلذلك جاء « افتعل » هنا، وهذا المعنى - وهو التعمل و التكسب - هو أحد المعاني التي جاءت لها « افتعل ».« و منکم»في موضع الحال من الضمير المستكن في: «يرتدد»العائد على ( من ) و (من)، للتبعيض، «وعن دینه»، متعلق ب «یرتدد»، و «الدین » هنا هو الإسلام، لأن الخطاب مع المسلمين، و المرتد إليه هو دين الكفر، بدليل أن ضد الحق الباطل، و بقوله: «فَیَمُتْ وَهُوَ کَافِرٌ» وهذان شرطان أحدهما معطوف على الآخر بالفاء المشعرة بتعقيب الموت على الكفر، بعد الردة و اتصاله بها. [ثم أدام البحث في أثر هذين الشرطين و أحكام المرتد، فلاحظ ] (150:2)
السمين: قوله: «ومن يرتدد» (من) شرطية في محل رفع بالابتداء، ولم يقرأ هنا أحد بالإدغام، و في المائدة: 54، اختلفوا فيه، فنؤخر الكلام على هذه المسألة إلى هناك إن شاء الله تعالى.
ويرتدد یفتعل من الرد وهو الرجوع، كقوله: «فَارْتَدّا عَلی آثارِهِما قَصَصاً » الكهف: 64. قال الشيخ : و قد عدها بعضهم فيما يتعدى إلى اثنين إذا كانت عنده بمعنى صير، و جعل من ذلك قوله: «فارتد بصيرا»أي رجع. و هذا منه سهو، لأن الخلاف إنما هو بالنسبة إلى كونها بمعنى صار أم لا، ولذلك مثلوا بقوله:«فارتد بصيرا » فمنهم من جعلها بمعنى صار، و منهم من جعل المنصوب بعدها حالا، وإلا فأين
المفعولان هنا؟
وأما الذي عدوه يتعدی لاثنين بمعنى صير، فهو «رد » لا «ارتد»، فاشتبه عليه «رد» ب«ارتد». و « صیر » ب «صار».(533:1)
أبوالسعود: تحذير من الارتداد، أي و من يفعل ذلك بإضلالهم و إغوائهم.(261:1)
البروسوي: إظهار التضعيف، لسكون الدال الثانية، و بالفتح والادغام على التحريك لالتقاء الساكنين بأخف الحركات و الارتداد: النكوص و هو تحذير من الارتداد، أي من يفعل ذلك بإضلالهم و إغوائهم. (335:1)
القاسمي: هو الإسلام، و بناء صيغة «الافتعال » من الردة المؤذنة بالتكلف، إشارة إلى أن من باشر دین الحق يبعد أن يرجع عنه، فهو متكلف في ذلك. (549:3)
مغنية: هذا تحذير و تهديد من الله سبحانه، لمن يستجيب لأعداء الدين و يرتد عن دينه، فإنه بذلك يخسر الدنيا و الآخرة، و ماله جهنم وبئس المصير. و قوله تعالى: «فَیَمُتْ وَهُوَ کَافِرٌ » يدل بصراحة على أن المرتد إذا تاب قبل الموت يقبل الله منه، و يسقط العقوبة عنه، و العقل حاکم بذلك، و لكن فقهاء الشيعة الإمامية قالوا: إذا كان المرتد رجلا، و كان ارتداده عن فطرة ثم تاب يسقط عنه العذاب الأخروي. أما العقوبة الدنيوية، و هي القتل فلاتسقط بحال. أما إذا تاب المرتد عن ملة، فيسقط القتل عنه مستندين في هذا التفصيل إلى روايات عن أهل البيت عليهم السلام (325:1)
ترتدوا
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَ لا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ . المائدة: 21
ابن عباس: أي لا ترجعوا إلى خلفكم. (91)
الجبائي: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته. (الطوسي 3: 484)
الطبري: هذا خبر من الله عز ذكره عن قيل موسی علیه السلام لقومه من بني إسرائيل؛ إذ أمرهم عن أمر الله عز ذكره إياه بدخول الأرض المقدسة، أنه قال لهم: امضوا أيها القوم لأمر الله الذي أمركم به من دخول الأرض المقدسة، «ولاترتدوا» يقول: لا ترجعوا القهقرى مرتدين «على آدبارکم » يعني إلى ورائكم، و لكن امضوا قدما لأمر الله الذي أمركم به، من الدخول على القوم الذين أمركم الله بقتالهم و الهجوم عليهم في أرضهم، و أن الله عز ذكره قد كتبها لكم مسكنا و قرارا. (514:4)
الماوردي: فيه تأويلان:
أحدهما: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته.
والثاني: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها. (25:2)
نحوه الطوسي (3: 484)، و الطبرسي (2: 178)، والقرطبي (6: 126).
القشيري: الارتداد على قسمين: عن الشريعة و إقامة العبودية، و ذلك يوجب عقوبة التفوس بالقتل، و عن الإرادة، و ذلك يوجب التی هی
الفراق على القلوب. (111:2)
الواحدي: لا ترجعوا إلى دينكم الشرك بالله و إلى معصيته. (173:2)
الزمخشري: ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرین من خوف الجبابرة جبنا و هلعا. وقيل: لما حدثهم النقباء بحال الجبابرة، و رفعوا أصواتهم بالبكاء، وقالوا: ليتنا متنا بمصر. وقالوا: تعالوا نجعل علينا رأسا ينصرف بنا إلى مصر. ويجوز أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دينكم، مخالفتكم أمر ربكم و عصیانكم نبيكم.(603:1)
نحوه البيضاوي (1: 269)، و النسفي (1: 278).
ابن الجوزي: فيه قولان:
أحدهما: لا ترجعوا عن أمر الله إلى معصيته.
والثاني: لا ترجعوا إلى الشرك . (324:2)
الفخر الرازي: فيه وجهان:
الأول: لا ترجعوا عن الدين الصحيح إلى الشك في نبوة موسی علیه السلام؛ وذلك لأنه علیه السلام لما أخبر أن الله تعالى جعل تلك الأرض لهم، كان هذا وعدا بأن الله تعالى ينصرهم عليهم، فلو لم يقطعوا بهذه النصرة صاروا شاكين في صدق موسى علیه السلام، فيصيروا کافرین بالإلهية و النبوة.
والوجه الثاني: المراد: لا ترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها إلى الأرض التي خرجتم عنها. روی أن القوم كانوا قد عزموا على الرجوع إلى مصر. (198:1)
أبو حيان: [نحو الزمخشري و أضاف:]
ويحتمل أن يراد: لا ترتدوا على أدباركم في دینکم، لمخالفتكم أمر ربکم، و انقلابهم خاسرين. إن كان الارتداد حقيقيا و هو الرجوع إلى المكان الذي خرج منه، فمعناه: يصيرون إلى الذل بعد العز والخلاص من أيدي القبط. و إن كان الارتداد مجازا وهو ارتدادهم عن دينهم، فمعناه: يخسرون خير الدنيا و ثواب الآخرة. و حقيق بالخسران من خالف ما فرضه الله عليه من الجهاد و خالف أمره. (3: 454)
الكاشاني: لا ترجعوا مدبرین.(25:2)
شبر: لا ترجعوا عن طاعة الله بعصيانكم. (161:2)
الآلوسي: أي لاترجعوا عن مقصدکم منقلبين خوفا من الجبابرة. وجوز أن يتعلق بنفس الفعل. و يحتمل أن يراد بالارتداد: صرف قلوبهم عما كانوا عليه من الاعتقاد صرفا غير محسوس، أي لا ترجعوا عن دینکم با لعصيان و عدم الوثوق بالله تعالى، و إليه ذهب أبوعلي الجبائي.(106:6)
المراغي: أي لا ترجعوا عما جئتكم به من التوحيد و العدل و الهدى، و الرشاد إلى الوثنية و الفساد في الأرض، بالظلم و البغي و اتباع الأهواء، فإن في هذا الرجوع خسرانا لكم؛ إذ تخسرون فيه هذه النعم، و منها الأرض المقدسة التي ستعطونها جزاء شکر کم، فتحرمون من خيراتها و بركاتها، وقد جاء في بعض أوصافها أنها تفيض لبنا و عسلال، و تعاقبون بالتيه أربعين سنة، ينقرض فيها المرتدون على ادبارهم. (90:6)
ابن عاشور: تحذير مما يوجب الانهزام، لأن ارتداد الجيش على الأعقاب من أكبر أسباب الانخذال.
والارتداد « افتعال » من الرد. يقال: رده فارتد. والرد: إرجاع الستائر عن الإمضاء في سيره و إعادته إلى المكان الذي سار منه.
والأدبار: جمع دبر، وهو الظهر.و الارتداد الرجوع، و معنى الرجوع على الأدبار، إلى جهة الأدبار، أي الوراء، لأنهم يريدون المكان الذي يمشي عليه الماشي، و هو قد كان من جهة ظهره، كما يقولون: نكص على عقبيه، و ركبوا ظهورهم، وارتدوا على أدبارهم، و على أعقابهم، فعدي ب( على ) الدالة على الاستعلاء، أي استعلاء طريق السير، نزالت الأدبار التي يكون السير في جهتها، منزلة الطريق الذي يسار عليه.(77:5)
يترددون
إِنَّمَا یَسْتَأْذِنُکَ الّذِینَ لا یُوَمِنُونَ بِاللهِ وَالیَوْمِ الآخِرِ و ارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِی رَیْبِهِمْ یَتَرَدّدَونَ. التوبة : 45
الإمام علي علیه السلام: من تردد في الريب سبقه الأولون و أدركه الآخرون، و وطأته سنابك الشياطين. (الكاشاني 346:2)
ابن عباس: يتحيرون. (158)
مثله البغوي (2: 355)، و البيضاوي ( 417:1)، و الكاشاني (2: 3469).
الطبري: يقول: في شكهم متحرون، و في ظلمة الحيرة مترددون، لا يعرفون حقا من باطل، فيعملون على بصيرة، و هذه صفة المنافقين. (382:6)
الثعلبي: متحیرین و لو أرادوا الخروج إلى الغزو. (50:5)
الطوسي:معناه: فهم في شكهم يذهبون و يرجعون. و التردد: هو التصرف بالذهاب و الرجوع مرات متقاربة، مثل المتحير، رده ردا و ردده تردیدا، و تردد ترددا وارتد ارتدادا، و راده مرادة، و تراد القوم تردادا، و استرده استردادا.
وقوله: «فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ » يدل على بطلان قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لأنه تعالى أخبر أنهم في شكهم يترددون، صفة الشاک المتحير في دينه الذي ليس على بصيرة من أمره. (266:5)
نحوه الطبرسي. (34:3)
الواحدي: في شكهم يتمادون.(501:2)
المبيدي: التردد: التصرف في الذهاب مرات متقاربة. (141:4)
الزمخشري: عبارة عن التحير، لأن التردد ديدن المتحير، كما أن الثبات والاستقرار دیدن المستبصر . (193:2)
نحوه النسفي (2: 128)، و أبوالسعود (3: 156)، و البروسوي (3: 442).
ابن عطية: أي يتحيرون، لا يتجه لهم هدی. و من هذه الآية نزع أهل الكلام في حدة الشك أنه تردد بين أمرين. و الصواب في حده أنه توقف بين أمرين. والتردد في الآية إنما هو في ريب هؤلاء المنافقين؛ إذ
كانوا تخطر لهم صحة أمر النبي صلی الله علیه و آله أحيانا، و أنه غير صحيح أحيانا، و لم يكونوا شاکین طالبين للحق، لأنه كان يتضح لهم لو طلبوه، بل كانوا مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، کالشاة الحائرة بين الغنمين. (39:3)
الفخر الرازي: معناه: أن الشاك المرتاب يبقى مترددا بين النفي و الإثبات، غير حاكم بأحد القسمين، و لا جازم بأحد النقيضين.
و تقريره: أن الاعتقاد إما أن يكون جازما أو لايكون، فالجازم إن كان غير مطابق فهو الجهل، و إن كان مطابقا، فإن كان عن يقين فهو العلم، وإلا فهو اعتقاد المقلد. و إن كان غير جازم، فإن كان أحد الطرفين راجحا، فالراجح هو الظن، و المرجوح هو الوهم. و إن اعتدل الطرفان فهو الرايب و الشك، وحينئذ يبقى الإنسان مترددا بين الطرفين. (16: 77)
نحوه النيسابوري. (97:10)
القرطبي: أي في شكهم يذهبون و يرجعون.(156:8)
نحوه شبر .(79:3)
أبو حيان: يتحيرون، لايتجه لهم هدى، فتارة يخطر لهم صحة أمر الرسول، و تارة يخطر لهم خلاف ذلك. (48:5)
نحوه الثعالبي . (52:2)
الشربينی: أي المنافقون يتحيرون، لا مع الكفار، ولامع المؤمنين. (618:1)
الآلوسي: أي يتحيرون، و أصل معنى التردد: الذهاب و المجيء، و أريد به هنا التحير مجازا أو كناية لأن المتحير لايقر في مكان. والآية نزلت - کماروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - في المنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر، و كانوا - على ما في بعض الروايات - تسعة وثلاثين رجلا. (110:10)
القاسمي: أي ليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حیاری هلکی، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. (3163:8)
رشید رضا: متحيرين في أمرهم، مذبذبين في عملهم.
ابن عاشور: فرع قوله: «فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ» على «وارتابت قلوبهم » تفريع المسبب على السبب، لأن الارتياب هو الشك في الأمر بسبب التردد في تحصيله، فلترددهم لم يصارحوا النبي صلی الله علی و آله بالعصيان لاستنفاره، ولم يمتثلوا له، فسلكوا مسلكا يصلح للأمرين، و هو مسلك الاستئذان في القعود، فالاستئذان مسبب على التردد، و التردد مسبب علی الارتياب، و قد دل هذا على أن المقصود من صلة الموصول في قوله: « الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالیَوْمِ الآخِرِ » هو قوله: «وَ ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ»لانه المنتج لانحصار الاستئذان فیهم.[ الی ان قال :]
و التردد حقيقته ذهاب و رجوع متكرر إلى محل واحد، و هو هنا تمثيل لحال المتحير بين الفعل و عدمه، بحال الماشي و الراجع. و قريب منه قولهم: يقدم رجلا
و يؤخر أخرى. والمعنى: أنهم لم يعزموا على الخروج إلى الغزو.
و في هذه الآية تصريح للمنافقين بأنهم كافرون، و أن الله اطلع رسوله عليه الصلاة و السلام و المؤمنين على كفرهم، لأن أمر استئذانهم في التخلف قد عرفه الناس. (109:10)
مغنية: أي إنهم يتظاهرون بالإسلام، أما في الواقع فهم مشککون لايجزمون بصدقه و لابكذبه. و هذا هو النفاق، لأن الصادق المخلص يتصرف بما يمليه عليه عقله، و يعلنه على الملإشکا کان أو يقينا.(50:4)
مکارم الشيرازي: و بالرغم من أن الصفات الواردة في الآيات آنفا، جاءت بصيغة الفعل المضارع، إلا أن المراد منها بیان صفات المؤمنين و صفات المنافقين و أحوالهم، ولافرق بين الماضي والحال والاستقبال في ذلك.
و على كل حال، فإن المؤمنين - بسبب إيمانهم - لديهم إرادة ثابتة و تصميم أكيد، لا يقبل التهاون و الرجوع؛ حيث يرون طريقهم بجلاء و وضوح، فمقصدهم معلوم و هدفهم واضح، و لذلك فهم يمضون بخطى واثقة نحو الأمام، و لا يترددون أبدا.
أما المنافقون، فلأن هدفهم مظلم و غير معلوم، فهم مترددون حائرون ذاهلون، و يبحثون دائما عن الأعذار والحجج الواهية، للتخلص و الفرار من تحمل المسؤولية الملقاة على عواتقهم.
و هاتان العلامتان لاتختصان بالمؤمنين والمنافقين في صدر الإسلام، و معركة تبوك فحسب، بل يمكن في عصرنا الحاضر أن نميز المؤمنين الصادقين من المدعين الكاذبين بهاتين الصفتين.
فالمؤمن شجاع ذو إرادة و تصميم و خطى واثقة، و المنافق جبان و خائف و متردد و حائر، و يبحث عن المعاذير دائما. (63:6)
فضل الله: فلايسكنون إلى قاعدة ولا يستريحون إلى حقيقة، بل هو الشك والحيرة و القلق و الضياع. (127:11)
الأصول اللغوية
1- الأصل في هذه المادة: الرد: صرف الشيء و رجعه. يقال: رده عن وجهه يرده ردا و مردا و تردادا، أي صرفه. وفي الحديث: « يوم لامرد له»، يعني يوم القيامة، لأنه شيء لايرد.
وارتده: رده.
و شيء رديد : مردود.
ورد عليه الشيء، إذا لم يقبله، و كذلك إذا خطأه.
و رده إلى منزله، و رد إليه جوابا: رجع.
و استرد الشيء و ارتده: طلب رده عليه. يقال: وهب هبة ثم ارتدها، أي استردها.
و المردودة : المطلقة، و هي الردي أيضا.
و المردودة : الموسي، لأنها ترد في نصابها.
و المردود: الرد، و هو مصدر، مثل: المحلوف و المعقول.
والرديدی: الرد، و هو مصدر أيضا. يقال : ما فيه
ردیدی، أي احتباس و لاترداد.
والرد: مارد من الدراهم، و هو ما زیف فرد علی ناقده بعد ما أخذه منه. و كل ما رد بغير أخذ رد؛ و الجمع: ردود.
و راده الشيء: رده علیه. يقال: هما يترادان البيع، أي من الرد و الفسخ.
و تردد و تراد: تراجع.
وهذا الأمر أرد عليه: أنفع له.
وهذا الأمر لارادة له: لافائدة له و لارجوع.
والردة: تقاعس في الذقن إذا كان في الوجه بعض القباحة، و يعتريه شيء من جمال. يقال: فيه نظرة وردة و خبلة.
ويقال للمرأة إذا اعتراها شيء من خبال و في وجهها شيء من قباحة: هي جميلة، و لكن في وجهها بعض الردة .
والردد: القباح من الناس. يقال: في وجهه ردة، و هو راد.
وفي لسانه رد: حبسة.
و رجل متردد: مجتمع قصير ليس بسبط الحلق.و في صفة النبي صلی الله علیه و آله : « ليس بالطويل البائن و لا القصير المتردد »، أي المتناهي في القصر، كأنه تردد بعض خلقه على بعض، و تداخلت أجزاؤه.
و عضو رديد: مكتنز مجتمع.
و رجل مردد: حائر بائر، و قد ردده تردیدا و تردادا فتردد.
و الرداد: المجبر، لأنه يرد العظم المنكسر إلى موضعه.
و رجل مرد: كثير الرد و الكر.
والرد: الظهر و الحمولة من الإبل، سمیت ردا لأنها ترد من مرتعها إلى الدار يوم الظعن.
والرد: ما كان عماد للشيء يدفعه و يرده.
والردة: اسم من الارتداد، وهو الرجوع عن الشيء، و منه: الردة عن الإسلام. يقال: رده یرده ردا و ردة.
وارتد و ارتد عنه: تحول. يقال: ارتد فلان عن دینه، إذا كفر بعد إسلامه، فهو مرتد.
والردة و الردد: أن تشرب الإبل الماء عل فترتد الألبان في ضروعها.
و الردة: أن يشرق ضرع الناقة و يقع فيه اللبن،و قد أردت فهي مرد.
والردة و الردد: ورم يصيب الناقة في أخلافها. يقال: أردت الناقة، أي ورمت أرفاغها و حياؤها من شرب الماء، فهي مرد ونوق مراد، و كذلك الجمال إذا أكثرت من الماء فثقلت.
و المرد: كل حامل دنت ولادتها، فعظم بطنها و ضرعها.
و رجل مرد، إذا طالت عزبته فتراد الماء في ظهره،تشبیها بردد الناقة.
و بحر مرد: كثير الماء. يقال: أرد البحر، أي كثرت أمواجه و هاج.
2 - و الرادود عند المولدين: من يرثي الإمام الحسين عليه السلام بنغمة، سموه رادودا، لأنه يردد بيتا أو
بيتين أو أبياتا من القصيدة التي يقرأها. و لم يشتقوا منه فعلا، غير أنهم إذا أرادوا ذلك، استعملوا فعلا آخر في هذا المعنى، فقالوا: قرأ الرادود قصيدة للشاعر فلان، و إذا أرادوا التعجب من فعله قالوا: ما أقرأه!
كما أنهم لم يطلقوا على الراية: رادودة ، بل قالوا: ردادة. قال صاحب « محيط المحيط »: «الردادة عندهم التي تجاوب النائحة، فتنوح بعد سکوتها في كل دفعة».
الاستعمال القرآني
جاءت من المجرد الماضي معلوماو مجهو، 13 مرة، و المضارمعلوما و مجهولا أيضا، 9 مرات، والأمر، 3 مرات، و اسم الفاعل، 4 مرات، و اسم المفعول مرتين، و المصدر ( رد) مرتين، و المصدر الميمي (مرد) 6 مرات.
ومن المزيد باب التفقل : المضارع ( يترددون) مرة، و باب الافتعال: الماضي، 3 مرات، و المضارع، 5 مرات.
ويلاحظ أو: أن هذه المادة تنقسم في الآيات - كما قلنا- إلى مجرد و مزيد، و كل منهما جاء بصيغ و مواضيع مختلفة، و نبحثها حسب الصيغ:
أما الماضي المعلوم ففي 6 آیات:
1- « وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً»النساء : 83
2- « أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْواهِهِمْ وَ قالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَ إِنَّا لَفي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُريبٍ» إبراهيم: 9
3- « ثمّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عليهم وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً» الإسراء:6
4- « وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذینَ کَفَرُوا بِغَیْظِهِمْ لَمْ یَنالُوا خَیْراً وَ کَفَی اللَّهُ الْمُؤْمِنینَ الْقِتالَ وَ کانَ اللَّهُ قَوِیًّا عَزیزاً » الأحزاب: 25
5- « فَرَددناهُ إِلَی أمِهِ کَی تَقَرَّعَینُها وَلا تَحزَنَ وَ لِتَعلَمَ أنَّ وَعدَ اللهِ حَقُّ وَ لکِنَّ أکثَرَهُم لا یَعلَمُون»القصص : 13
6- « لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ »التين : 4، 5
وفي كل منها بحوث
الأولى الآية: 83، من سورة النساء: «وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ..» و هي تعد من جملة آيات قبلها و بعدها في القتال، و قد جاءت عقيبها متفرعة عليها: «فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ ...».
وهي انتقاد للناس و اعتراض عليهم، بأنهم إذا أخبروا بشيء مما يوجب الأمن أو الخوف - يعني بخبر خير أو شر - أذاعوا به و أفشوه. و ينبغي أن لايفشوه، بل يردوه إلى النبي و إلى أولي الأمر، يعني الأئمة المعصومين - علی قولنا كما يأتي - أو أولياء القتال الذين يستنبطون باتخاذ النظر أو العمل المقتضي
لذلك الخبر، فإن لكل حادثة من حوادث القتال مايناسبها من التدبير.
2-وقال الطبرسي (82:2 ) «وإذا جاءهم »:«يعني هؤلاء الذين سبق ذكرهم من المنافقين.
وقيل: هم الذين ذكرهم من ضعفة المسلمين. « أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ » يريد ما كان يرجف به من الأخبار في المدينة: إما من قبل عدو يقصدهم - و هو الخوف أو من ظهور المؤمنین علی عدوهم - و هو الأمن - «اذاغوا به »، أي تحدثوا به، و أفشوه من غير أن يعلموا صحته. کره الله ذلك، لأن من فعل هذا، فلايخلو كلامه من كذب، ولما يدخل على المؤمنين به من الخوف.
ثم قال : «وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ » المعنى: ولو سكتوا إلى أن يظهره الرسول «وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ»
قال أبو جعفر - محمد بن علي الباقر - علیه السلام: هم الأئمة المعصومون.[ و هذا لعله تأويل من حمل المطلق على أفضل مصادیقه، كما يأتي في الآية : 59، من هذه السورة ]
وقال السدي، و ابن زید، و أبوعلي، والجبائي: هم أمراء السرايا والولاة - وهو الحق عندنا تنزيلا، كما ألهم الأئمة المعصومون تأويلا-.
وقال الحسن، وقتادة، وغيرهم : إنهم أهل العلم والفقه، الملازمون للنبي، لأنهم لوسألوه عن حقيقة ما أرجفوا به، لعلموه. و اختاره الزجاج، و أنكر أبوعلي الجبائي هذا الوجه، وقال: إنما يطلق « أولو الأمر »على من له الأمر على الناس.
«لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ »: أي لعلم ذلك الخبر الذين يستخرجونه، عن الزجاج. وقيل: يتحسسونه، عن ابن عباس، و أبي العالية. وقيل: يبتغونه و يطلبون علم ذلك، عن الضحاك. وقيل: يسألون عنه، عن عكرمة. قال: استنباطهم: سؤالهم الرسول عنه. و جميع هذه الأقوال متقاربة المعني.
«منهم » قيل: إن الضمير في «منهم » يعود إلى «أولي الأمر » - وهو الأظهر. وقيل:يعود إلى الفرقة المذكورة من المنافقين، أو الضعفة...).
3 - و سياق الآية هو وقوع حادثة في الحرب، تقتضي اتخاذ ما هو المصلحة من قبل الولاة، وليس السؤال عن حكم حتى يرجع إلى العالم والفقيه . فليس معنى « يستنبطونه » استنباط حكم من الفروع، كما يفعل الفقيه، بل هو جهد في العمل بما يقتضيه ذلك الخبر خيرا أو شرا من التدابير. [و سنبحثها في الآية: 59، من هذه السورة، ولاحظ: أم ر: « أولى الأمر»، ولاسيما نص الطباطبائي و فضل الله ]
والثانية: الآية: 9، من سورة إبراهيم: ».. جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَیِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ..»:
1- هذه أول آية - بعد ما سبقها من قصة موسی علیه السلام تحدث عن قوم نوح و عاد و ثمود، و تستمر إلى الآية: 18، «مَثَلُ الَّذِینَ کَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ کَرَمادٍ..».
2- و قال الطبرسي (3: 305) « فَرَدُّوا أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْواهِهِمْ »: « اختلفوا في معناه على أقوال:
أحدها: أن معناه عضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، لأنه ثقل عليهم مكان الرسل، عن ابن مسعود، و ابن عباس، و الجبائي.
و ثانيها: أن معناه جعلوا أيديهم في أفواه الأنبياء تكذيبا لهم، و ردا لما جاؤوا به. فالضمير في «ايديهم»للكفار، و في «أفواههم » للأنبياء، فكأنهم لما سمعوا وعظ الأنبياء و كلامهم، أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل تسکيتا لهم، عن الحسن، و مقاتل.
وثالثها: أن معناه وضعوا أيديهم على أفواههم مومين بذلك إلى الرسل أن اسكتوا عما تدعوننا إليه، كما يفعل الواحد منا مع غيره إذا أراد تسکيته، عن الكلبي. فيكون على هذا القول الضميران للكفار.
و رابعها: أن كلا الضميرين للرسل، أي أخذوا أيدي الرتسل فوضعوها على أفواههم ليسكتوهم، ويقطعوا كلامهم فيسكتوا عنهم، لما يئسوا منهم.
هذا كله إذا حمل معنى «الأيدي » و « الأفواه » على الحقيقة. و من حملها على التوسع والمجاز، فاختلفوا في معناه:
فقيل: المراد باليد: ما نطقت به الرسل من الحجج، والمعنى: فردوا حججهم من حيث جاءت، لأن الحجج تخرج من «الأفواه » عن أبي مسلم .
وقيل: إن المعنى ردوا ما جاءت به الرسل، و كذبوهم، عن مجاهد، وقتادة.
وقيل : معناه تر کوا ما أمروا له، و كفروا عن قبول الحق، عن أبي عبيدة، و الأخفش.
قال القتیبي: و لم يسمع أحد أن العرب تقول رد يده في فيه، بمعنى ترك ما أمر به. و إنما المعنى أنهم عضوا على الأيدي حنقا وغيظا، كقول الشاعر:
*يردون في فيه عشر الحسود *
يعني أنهم يغيظون الحسود حتی بعض على أصابعه العشر ...
وقيل: المعنی ردوا بأفواههم نعم الرسل، أي وعظهم و بيانهم، فوقع في موقع الباء، عن مجاهد ». ثم أدام الكلام فيه بذکر شعر أنشده الفراء...
3 - فانظر إلى معنى جملة من القرآن كيف توسعت إلى معان شتی، و هذا من مختصات القرآن.
والظاهر منها بقرينة ما بعدها: « قَالُواْ إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا اُرْسِلْتُم بِهِ وَ إِنَّا لَفِی شَکٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَیْهِ »، أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم، تشديدا و إنکارا منهم عن الإجابة و التسليم لما يدعوهم إليه، أي لانقول: نعم نقبل قولكم.
و الثالثة: الآية: 6، من سورة الإسراء: « ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ..»:
1- هذه من جملة قصص موسی علیه السلام بدء من 2: «و اتينا موسى الكتاب...»، و ختما بالآية:8 «عسى ربكم ان یرحمكم...».
2-وقد قال تعالى في 4: «وَ قَضَیْنا إِلی بَنِی إِسْرائِیلَ فِی الْکِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِی الْأَرْضِ مَرَّتَیْنِ...»، ثم قال في 5: «فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَیهُمَا بَعَثْنَا عَلَیْکُمْ عِباداً لَنَآ..» ثم قال: «ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ...»، فهذه نصر لهم بعد بأس شديد لهم.
3- والآيات - كما جاء في النصوص - تحكي
هجوم بخت نصر ملك بابل عليهم، ثم ردهم إلى بيت المقدس بسیطرة « کورش.» الفارسي علی بابل، فلاحظ
4- و قال الطبرسي (3: 339)«ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ»: «أي رددنا لكم يابني إسرائيل الدولة، و أظهرناكم عليهم، و عاد ملککم على ما كان عليه....».
و الرابعة: الآية: 25، من سورة الأحزاب: «وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِینَ کَفَرُوا بِغَیْظِهِمْ ..».
1- و هذه أيضا مثل الآية الأولى، من جملة آيات القتال في سورة الأحزاب التي سميت بها، لاشتمالها على غزوة الأحزاب التي بدأت في العام الخامس الهجري، من قبل المشركين و اليهود القاطنين في المدينة جميعا. و لكنهم لم يقفوا أمام المسلمين، بل رجعوا إلى بلادهم، و منهم مشرکو مكة رجعوا إليها، كما قال تعالى فيها: «وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِینَ کَفَرُوا ...»، و «وَ کَفَی اللّهُ الْمُؤْمِنِینَ الْقِتالَ...».
2- و آيات القتال فيها بدأت بالآية: 9، « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها...»، واستدامت إلى الآية: 27، «وَأَوْرَثَکُمْ أَرْضَهُمْ وَدِیَارَهُمْ...».
وقد ذكر الله فيها موقف المؤمنين و ضعفة الإيمان و المنافقين أمام الأحزاب، و ختمها باليهود الذين وافقوا المشركين في هذه الحرب؛ حيث قال فيهم: « فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً* وَ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَ دِيارَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ...».
3 - و قد حكى الطبرسي (340:4)قصة « غزوة الخندق» - و هي نفس غزوة الأحزاب - نقلا عن محمد ابن کعب القرظي و غيره من أصحاب السير، فلاحظ.
4- وقال في معنى الآية: « يعني الأحزاب أبا سفيان و جنوده و غطفان، و من معهم من قبائل العرب. «بغيظهم» أي بغمهم الذي جاؤوا به، و حنقهم، لم يشفوا بنيل ما أرادوا و «لم ينالوا خيرا»،املوه، و أرادوه من الظفر بالنبي و المؤمنين. و إنما سماه خير الأن ذلك كان خيرا عندهم.
وقيل: أراد ب «الخير »: المال، كما في قوله: «وَ اِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَديدٌ » العاديات : 8. « وَکَفَی اللَّهُ الْمُؤْمِنِینَ الْقِتَالَ » أي مباشرة القتال بما أنزل الله علی المشركين من الريح الشديدة الباردة التي أزعجتهم عن أماكنهم، وبما أرسل من الملائكة، وبماقذف في قلوبهم من الرعب.
وقيل: بعلي بن أبي طالب عليه السلام، و قتله عمرو بن عبد ود، و كان ذلك سبب هزيمة القوم، عن عبد الله بن مسعود، و هو المروي عن أبي عبد الله - جعفر بن محمد الصادق - علیه السلام...).
والخامسة: الآية: 13، من سورة القصص: «فَرَددناهُ إِلَی أمِهِ کَی تَقَرَّعَینُها وَلا تَحزَنَ ...» :
1- هذه من جملة قصة موسى علیه السلام في سورة القصص بدء من الآية: 3، « نَتْلُوا عَلَیْکَ مِن نَّبَإِ مُوسَی وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ ..»، و ختما بالآية: 46، « ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ..».
و قبلها آيات في أم موسى بدء من الآية: 7 ،«وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ....» ، و آخرها هذه الایه.
2-وقد أمر الله فيها أم موسى بأن ترضعه و تلقبه في اليم ففعلت، و التقطه آل فرعون فأصبحت أم موسی حزينة على ابنها، و حرم الله المراضع عليه حتى رجع إلى أنه لئلاتحزن، و لتعلم أن وعد الله برد ابنها إليها حق.
3- و قال الطبرسي ( 4: 242) «فَرَددناهُ إِلَی أمِهِ کَی تَقَرَّعَینُها وَلا تَحزَنَ...»: «يعني عين أمه. و انطلقت أخت موسى إلى أمها، فجاءت بها إليهم. فلما وجد موسی ریح أمه قبل ثديها، و سكن بکاؤه. وقيل: إن فرعون قال لأمه: كيف ارتضع منك، و لم ير تضع من غيرك؟
فقالت: لأني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن، لا أكاد أوتي بصبي إلا ارتضع مني. فسر فرعون بذلك. «وَ لِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ» أراد به ما وعدها الله به في الآية المتقدمة، لقوله: « اِنَّا رَادُّوهُ اِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلينَ» ...».
والسادسة: الآية: 5، من سورة التين خلال الآيات 4 - 6: «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ* إِلَّا الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ »:
1- بين الله تعالى فيها أول خلقة الإنسان و آخره، حيث خلقه في أحسن تقويم، ثم رده إلى أسفل السافلین.
2-وقال الطبرسي(511:5) «َقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ »: « هذا جواب القسم، و أراد جنس الإنسان، وهو آدم و ذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، عن إبراهيم و مجاهد و قتادة.
وقيل:«فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ » أي منتصب القامة، و سائر الحيوان مكب على وجهه إلا الإنسان، عن ابن عباس .
وقيل: أراد أنه خلقهم علی کمال في أنفسهم، و اعتدال في جوارحهم، و أبانهم عن غيرهم بالنطق والتمييز و التدبير، إلى غير ذلك مما يختص به الإنسان. و في ذلك إشارة أيضا إلى حال الشباب.
«ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ » يريد إلى الخرف، و أرذل العمر، و الهرم، و نقصان العقل. و السافلون هم الضعفاء و الزمني و الأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعا، عن ابن عباس و إبراهيم و قتادة.
وقيل: معناه: ثم رددناه إلى النار، عن الحسن و مجاهد و ابن زيد و الجبائي. والمعنى: إلى أسفل الأسفلين، لأن جهتم بعضها أسفل من بعض. و علی هذا فالمراد به الكفار، أي خلقناهم في أحسن خلقة أحرارا عقلاء مكلفين، فكفروا فرددناهم إلى النار في أقبح صورة.
ثم استثنى فقال: «الا الذين امنوا » أي صدقوا بالله. «وعملوا الصالحات » أي أخلصوا العبادة لله، وأضافوا إلى ذلك الأعمال الصالحة، فإن هؤلاء لايردون إلى النار.
و من قال با لقول الأول قال: إن المؤمن لايرد إلى
الخرف، و إن عمر عمرا طويلا.
قال إبراهيم: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز معه عن العمل، كتب له ما كان يعمل، و هو قوله: «فَلَهُمْ أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ ».
وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، کتب له صالح ما كان يعمل في شبابه، و ذلك «أَجْرٌ غَیْرُ مَمْنُونٍ » .
3- ثم أطال الكلام في نقل الأقوال و رواية الحديث، فلاحظ. هذا كله في الماضي المعلوم.
و أما الماضي المجهول فخمس آيات:
7- «سَتَجِدُونَ آخَرِینَ یُرِیدُونَ أَن یَأْمَنُوکُمْ وَیَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ کُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَی الْفِتْنِهِ أُرْکِسُواْ فِیِهَا فَإِن لَّمْ یَعْتَزِلُوکُمْ وَیُلْقُواْ إِلَیْکُمُ السَّلَمَ وَیَکُفُّوَاْ أَیْدِیَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَیْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِکُمْ جَعَلْنَا لَکُمْ عَلَیْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِینًا»النساء: 91
8- «بل بدالهم ما كانوا یخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لمانهوا عنه وانهم لكاذبون » الأنعام : 28
9- « وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ یُرْسِلُ عَلَیْکُمْ حَفَظَهً حَتَّی إِذا جاءَ أَحَدَکُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا یُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَی اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُکْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِینَ»الأنعام: 61، 62
10- «وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَیْهِمْ قَالُوا یَاأَبَانَا مَا نَبْغِی هَذهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَیْنَا وَنَمیرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ کَیْلَ بَعِیرٍ ذلِکَ کَیْلٌ یَسِیرٌ» يوسف : 65
11- «وَ ما أَظُنُّ السَّاعَهَ قائِمَهً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلی رَبِّی لَأَجِدَنَّ خَیْراً مِنْها مُنْقَلَباً»الكهف : 36
و في كل منها بحوث
الأولى الآية: 91، من سورة النساء: « سَتَجِدُونَ آخَرِینَ یُرِیدُونَ أَنْ یَأْمَنُوکُمْ وَ یَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ کُلَّما رُدُّوا إِلَی الْفِتْنَهِ...»:
1- هذه من جملة الآيات في المنافقين و ضعفة الإيمان، جاءت قبلها و بعدها في السورة. يقول الله تعالى في هذه: إن من هؤلاء الفرق جماعة يحبون أن يأمنو کم و يأمنوا قومهم، لكنهم إذا ردوا إلى الفتنة استسلموها. ثم أمر المؤمنين بقتال هؤلاء إن لم يعتزموا المؤمنين، ولم يلقوا إليهم السلم.
2-وقال الطبرسي (2: 89) في التزول: « اختلف في من عني بهذه الآية:
فقيل: نزلت في أناس كانوا يأتون النبي، فيسلمون رئاء، ثم يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا قومهم، و يأمنوا نبي الله، فأبي الله ذلك عليهم، عن ابن عباس، و مجاهد.
وقيل: نزلت في نعيم بن مسعود الأشجعي، كان ينقل الحديث بين النبي و بين المشركين، عن السدي.
وقيل: نزلت في أسد، و غطفان، عن مقاتل.
وقيل: نزلت في عيينة بن حصين الفزاري ؛وذلك أنه أجدبت بلادهم، فجاء إلى رسول الله، و وادعه على أن يقيم ببطن نخل، و لا يتعرض له، و كان منافقا ملعونا، و هو الذي سماه رسول الله صلی الله علیه و آله الأحمق المطاع في قومه، و هو المروي عن الصادقين عليهم السلام».
3- و قال في المعنى: «ثم بين تعالى طائفة أخرى منهم فقال: «سَتَجِدُونَ آخَرِینَ » يعني: قوما آخرین غير الذين وصفتهم قبل «يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ » فيظهرون الإسلام «وَ يَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ» فيظهرون لهم الموافقة في دينهم،« کُلَّ مَا رُدُّوا إِلَی الْفِتْنَهِ أُرْکِسُوا فِیهَا»المراد ب «الفتنة» هنا: الشرك، أي كلما دعوا إلى الكفر، أجابوا و رجعوا إليه. و الفتنة في اللغة: الاختبار، والإرکاس: الرد. قال الزجاج: «ارکسوا فيها »: انتكسوا في عقدهم.
فالمعنى: كلمادوا إلى الاختبار ليرجعوا إلى الكفر، رجعوا إليه...»، ثم فسر باقي الآية.
و الثانية: الآية: 28، من سورة الأنعام:« .. وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ...»، و قبلها: .. «فَقالُوا یالَیتَنا نُرَدُّ وَ لا نُکَذِّبُ...»، فجاء فيها من هذه المادة المضارع المجهول أيضا، فنبحثهما معا:
1- و هاتان الآيتان حجاج على المشركين كأكثر آیات هذه السورة الملكية التي هي حجاج عليهم أيضا: في المبدا والمعاد و الرسالة و غيرها، حتى ما جاء فيها من قصص الأنبياء.
2- ذكر الله تعالى فيهما أن المشركين لما يقفون في جهنم على النار يقولون: «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»، ثم قال: «بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ -هوالعذاب - وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ - من الكفر».
3- وقال الطبرسي (2: 289) في الإعراب: «و لوتری» جوابه محذوف، و تقديره: لرأيت أمرا هائلا، ونحوه قوله تعالى: « وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ » الرعد : 31، يريد لكان هذا القرآن. وهذه الأجوبة إنما تحذف لتعظيم الأمر و تفخیمه».[ثم استشهد بشعر]
4-و قال في المعنى: «ثم بين سبحانه ماينال هؤلاء الكفار يوم القيامة من الحسرة، و تمني الرجعة، فقال: «ولوتری »یا محمد، أو يا أيها السامع «اذ وقفوا على النار». فهذا يحتمل ثلاثة أوجه: جائز أن يكون المعنى عاينوا النار، وجائز أن يكونوا عليها و هي تحتهم.
قال الزجاج: و الأجود أن يكون معناه: أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها، كما تقول في الكلام: قد وقفت على ما عند فلان، ترید: قد فهمته و تبنته.
وهذا و إن كان بلفظ الماضي، فالمراد به الاستقبال. و إنما جاز ذلك، لأن كل ما هو كائن يوما مما لم يكن بعد، فهو عند الله قد كان. [ثم استشهد بشعر]
«فقالوا» أي فقال الكفار حين عاينوا العذاب، و ندموا على ما فعلوا«يا ليتنا نرد» إلى الدنيا، «وَ لَانُکَذِّبَ بِایَاتِ رَبِّنَا» أي بكتب ربنا و رسله، وجميع ما جاءنا من عنده، «وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »يعني من جملة المؤمنين بآيات الله...» ثم فسر الایه.
و الثالثة: الآية: 62، من سورة الأنعام: « ثُمَّ رُدُّوا اِلَی اللَّهِ مَوْلیهُمُ الْحَقِ...» ، و قبلها:«وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَیُرْسِلُ عَلَیْکُمْ حَفَظَهً...».
1- وهاتان أيضا كاللتين قبلهما في التوحيد
والمعاد، فصدرهما: «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ»توحید، وذيلهما: «وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِینَ » معاد.
2-وقال الطبرسي (312:2) «وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ »: «معناه: والله المقتدر المستعلي على عباده، الذي هو فوقهم، لابمعنى أنه في مكان مرتفع فوقهم، و فوق مكانهم، لأن ذلك من صفة الأجسام؟ و الله تعالى منزه عن ذلك. و مثله في اللغة : أمر فلان فوق أمر فلان، أي هو أعلى أمرا، و أنفذ حكما. و مثله قوله: « يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ» الفتح : 10، فالمراد به أنه أقوى و أقدر منهم، وأنه القاهرلهم. ويقال: هو فوقه في العلم، أي أعلم منه، وفوقه في الجود، أي أجود، فعبر عن تلك الزيادة بهذه العبارة للبيان عنها »، ثم ذكر تفسيرها إلى قوله تعالى: «ثُمَّ رُدُّوا إِلَی اللّهِ »، فقال: «أي إلى الموضع الذي لايملك الحكم فيه إلا هو «موليهم الحق » قد مر معناه عند قوله: «انت مولانا... » البقرة : 286.
و «الحق »: اسم من أسماء الله تعالى، و اختلف في معناه:
فقيل: المعنى: أن أمره كله حق لايشوبه باطل، وجد لايجاوره هزل، فيكون مصدرا وصف به، نحو قولهم: رجل عدل. [ثم استشهد بشعر]
وقيل: إن «الحق» بمعنى الحق، كما قيل: غیاث معنی مغيث.
وقيل: إن معناه: الثابت الباقي الذي لافناء له.
و قيل: معناه: ذو الحق، يريد أن أفعاله و أقواله حق.
« أَلا لَهُ الْحُکْمُ » أي القضاء فيهم يوم القيامة، لايملك الحكم في ذلك اليوم سواه، كما قد يملك الحكم في الدنيا غيره بتمليكه إياه.
«وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ » أي إذا حاسب فحسابه سریع، و قد مضى معناه في سورة البقرة عند قوله: «سريع الحساب » البقرة : 202». ثم ذكر حديثا عن علي علیه السلام في معناه.
والرابعة: الآية: 65، من سورة يوسف: « وَ لَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ...»:
1- هي من جملة الآيات من قصة يوسف علیه السلام التي شغلت أكثر هذه السورة. و جاءت فيها «ردت » مرتين.
2 - و هي تحمل قول إخوة يوسف لأبيهم علیه السلام بعد رجوعهم من قبل يوسف إليه، حاملين طلب يوسف منهم باتيانهم أخيه « بنیامین » في الآيتين 59 و 60، « وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونى بِاَخٍ لَكُمْ مِنْ اَبيكُمْ...»، و «فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي».
فإنهم لما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، التي أمر يوسف فتيانه في الآية 62، إذ قال لهم: « اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها...»، فقالوا لأبيهم: «يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَ نَمِيرُ أَهْلَنا وَ نَحْفَظُ أَخانا...».
3- وقال الطبرسي (248:3) «هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا »: « أي فلا ينبغي أن نخاف على أخينا من قد أحسن إلينا هذا الإحسان.
وقيل: المراد: ما نريد منك دراهم تعطيناها نرجع
بها إليه، بل تكفينا في الرجوع إليه بضاعتنا هذه، فإن الملك إذا فعلنا ما أمرنا به في أخينا، يفي بما وعدنا، و أرسله معنا.
«و نميراهلنا» أي نجلب إليهم الطعام «ونحفظ اخانا»في السفر حتی نرده إليك.«ونزداد كیل بعير» لأجله، لأنه كان يکال لكل رجل وقر بعير.
«ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ» أي ذلك كيل سهل، أي يسهل على الذي يمضي إليه، عن الزجاج.
والمعنى: إنه هين على الملك لا يصعب عليه، و لا يظهر في ماله.
وقيل: معناه: أن الذي جئناك به کیل قليل، لا يقنعنا، فنحتاج أن نضيف إليه کیل بعير أخينا، عن الجبائي.
و قيل: يسير على من يکتاله، لا مؤنة فيه، ولا مشقة، عن الحسن.
وهذا كله تنبیه منهم على وجه الصواب في إرساله معهم..».
و الخامسة: الآية: 36، من سورة الكهف: « وَمَا أظُنُّ السَّاعَهَ قَائِمَهً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلَی رَبِّی لاَجِدَنَّ خَیْراً مِنْهَا مُنقَلَباً»:
1- و هي قول أحد رجلين، ذکر هما الله تعالى في سورة الكهف: الآيات 32 إلى 44 بدء ب: «وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَیْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَیْنِ ...»، و ختما ب: «هُنَا لِکَ الْوَلایَهُ..».
2- و أحد الرجلين مؤمن و الآخر شاك أو كافر، وهذه قوله حيث شك في القيامة، وقال: «وَمَا أَظُنُّ السَّاعَهَ قَائِمَهً»، و مع ذلك تمنى أن يؤتيه الله في الجنة خيرا من جتتيه في الدنيا لو كانت الساعة حقا.
3- وقال الطبرسي (468:3) « وَمَا أَظُنُّ السَّاعَهَ قَائِمَهً... »: « أي و ما أحسب القيامة آتيه كائنة على ما يقوله الموحدون.
«وَلَئِنْ رُدِدْتُ اِلى رَبّى لاَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا » معناه: و لئن كانت القيامة و البعث حقا - كما يقوله الموحدون - لأجدن خيرا من هذه الجنة.
قال الزجاج: و هذا يدل على أن صاحبه المؤمن قد أعلمه أن الساعة تقوم، و أنه يبعث، فأجابه بأن قال له: «وَلَئِنْ رُدِدْتُ اِلى رَبّى»أي كما أعطاني هذه في الدنيا، سيعطيني في الآخرة أفضل منها، لكرامتي عليه. ظن الجاهل أنه أوتي ما أوتي لكرامته على الله تعالی.
وقيل: معناه: لاكتسبن في الآخرة خيرا من هذه التي اكتسبتها في الدنيا.
ومن قرأ : ( منهما ) رد الكناية إلى الجنتين، تقدم ذكرهما.
و في هذا دلالة على أنه لم يكن قاطعا على نفي المعاد، بل كان شا کا فيه».
وأما المضارع فجاء أيضا معلوما و مجهولا :
أما المعلوم فخمس آيات:
12 - «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»البقرة : 109
13 - یَسْئَلُونَکَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِیهِ قُلْ قِتالٌ فِیهِ کَبِیرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِیلِ اللَّهِ وَ کُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَکْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَ الْفِتْنَهُ أَکْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا یَزالُونَ یُقاتِلُونَکُمْ حَتَّی یَرُدُّوکُمْ عَنْ دِینِکُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَ مَنْ یَرْتَدِدْ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ فَیَمُتْ وَ هُوَ کافِرٌ فَأُولئِکَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَهِ وَ أُولئِکَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِیها خالِدُونَ» البقرة : 217
14- «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنْ تُطِیعُوا فَرِیقاً مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ یَرُدُّوکُمْ بَعْدَ إِیمانِکُمْ کافِرِینَ » آل عمران: 100
15 - «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ». آل عمران : 169
16 - «يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَ كانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً»النساء : 47
و في كل منها بحوث:
الأولى الآية: 109، من سورة البقرة: «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ...»:
1-هذه من جملة آيات كثيرة بشأن أهل الكتاب في هذه السورة قبلها و بعدها. و محتواها أن كثيرا من أهل الكتاب يودون أن يردون المؤمنين كفارا و نظيرها الآية: 217، منها - وسنبحثها: «وَلاَ یَزَالُونَ یُقَاتِلُونَکُمْ حَتَّیَ یَرُدُّوکُمْ عَن دِینِکُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ... ».
2- وقال الطبرسي (1: 184) في «النزول »:« نزلت الآية في حيي بن أخطب، و أخيه أبي ياسر بن أخطب، وقد دخلا على النبي صلی الله علیه و آله حين قدم المدينة، فلما خرجا قيل لحيي: أهو نبي؟ قال: هو هو. فقيل: فما له عندك ؟ قال: العداوة إلى الموت، و هو الذي نقض العهد، وأثار الحرب يوم الأحزاب، عن ابن عباس. و قيل: نزلت في كعب بن الأشرف، عن الزهري. و قيل: في جماعة اليهود، عن الحسن، و هذا صريح الآية: «وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ..».
و الثانية: الآية: 217، من البقرة أيضا: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ... » :
1- وقد جاءت فيها كلمتان من هذه المادة: «يردوكم » و «يرتد »فصدر الآية حكاية سؤالهم النبي صلی الله علیه و آله عن القتال في الشهر الحرام، وقد أكد الله أنه ذنب كبير وصد عن سبيل الله، و كفربه و بالمسجد الحرام، و أن إخراج أهله أكبر من القتال في الشهر الحرام، و أن الفتنة أكبر من القتل.
2- ثم ينتقل إلى مسألة أخرى، و هي أن المشركين لا يزالون يقاتلون المؤمنين حتى یردوهم عن دينهم إن استطاعوا. ثم ينتقل إلى ذم الارتداد بتعبير أكيد: «وَمَنْ یَرْتَدِدْ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ... ».و سيأتي في آيات الارتداد.
3- وقال الطبرسي ( 311:1)في «اللغة»: «الصد و المنع و الصرف نظائر. يقال: صد عن الشيء يصد صدودا و صدا، إذا أعرض و عدل عنه. و ص غیره يصده صدا، إذا عدل به عنه و منعه. والصدد: ما
استقبلك، وصار في قبالتك، لأنه يعدل إلى مواجهتك.
والصدان: ناحيتا الشعب و الوادي.
والصداد: ضرب من الجرذان يعدلك لشدة تحرزه. و الصداد: الوزغ، لأنه يعدل عنه استقذارا له. وأصل الباب: العدول.
«لا يزال » أصله من الزوال : وهو العدول. و معنی لايزال: يدوم موجودا. و ما زال، أي دام.
و حبط عمل الرجل بطا، و حبوطا، و أحبطه الله إحباطا.
والحبط: فساد يلحق الماشية في بطونها، لأكل الحباط: و هو ضرب من الكلا، يقال: حبطت الإبل تحبط حبطا، إذا أصابها ذلك، ثم سمي الهلاك حبطا و في الحديث: إن مما ينبت الربيع مايقتل حبطا، أو یلم».
4- وقال في «التزول »: « قال المفسرون: بعث رسول الله سرية من المسلمين، و أمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، و هو ابن عمة النبي صلی الله علیه و آله، و ذلك قبل قتال بدر بشهرين،على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة، فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش، في آخر يوم من جمادى الآخرة، و كانوا يرون أنه من جمادی، و هو رجب، فاختصم المسلمون، فقال قائل منهم : هذه غرة من عدو، و غنم رزقتموه، و لاندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا؟
وقال قائل منهم : لانعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام، و لانرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه.
فغلب على الأمر الذي يريدون عرض الحياة الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه، و غنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش. و كان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المشركين و المسلمين؛ وذلك أول فيما أصابه المسلمون. فركب وفد کفار قریش حتى قدموا على النبي صلی الله علیه و آله ، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله هذه الآية ». ثم فسر الآية، فلاحظ.
والثالثة: الآية: 100، من سورة آل عمران خطابا إلى المؤمنين: «ياء يها الذين امنوا...»:
1- هذه جاءت بعد الآيتين 98 و 99: خطابا إلى أهل الكتاب «قُلْ یا أَهْلَ الْکِتابِ لِمَ تَکْفُرُونَ بِآیاتِ اللّهِ..»، « و قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ ه..» ، و بعدها آيات كثيرة خطابا إلى المؤمنين.
2- والمراد بهذه الآية والتي بعدها التهي عن إطاعة أهل الكتاب، و أنها كفر.
3-وقال الطبرسي في «اللغة» (480:1 ): «الطاعة: موافقة الإرادة الجاذبة للفعل بالترغيب فيه، والإجابة: موافقة الإرادة الداعية إلى الفعل؛ ولذلك يجوز أن يكون الله مجيبا إلى عبده إذا فعل ما دعا العبد به، ولم يجز أن يكون مطيعا له.
وأصل الاعتصام: الامتناع، و عصمه يعصمه، إذا منعه. «لا عاصِمَ اَلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اَللّهِ » هود : 43، أي ولامانع .
والعصام: الجبل، لأنه يعتصم به. و العصم: الأوعال لامتناعها بالجبال »
4 - وقال في «النزول »: «نزلت في الأوس
والخزرج لما أغرى قوم من اليهود بينهم بذکر حروبهم في الجاهلية، ليفتنوهم عن دينهم، عن زيد بن أسلم والسدي .
وقيل: نزل قوله: «وكيف تكفرون » في مشر كي العرب، عن الحسن ». ثم فسر الآيتين، فلاحظ.
و الرابعة: الآية: 149، من سورة آل عمران أيضا: « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا»:
1- وهي في المنع عن إطاعة الكفار، و أنهم لو أطاعوهم يردوهم على أعقابهم کافرین.
والمراد بالكفار هنا: المشركون كما جاء بعدها في الآية: 151، «سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب بما اشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا..».
لكن الطبرسي (518:1) قال في «النزول »: « قيل: نزلت في المنافقين إذ قالوا للمؤمنين »
2 - وقد ذكر في «اللغة » معنى الإطاعة مثل ما ذكره في تلك الآية، إلا أنه أضاف: « و في الناس من قال : الطاعة هي موافقة الأمر. و الأول أصح، لأن من فعل ما يقتضي العقل وجوبه أو حسنه کان مطيعا لله، و إن لم يكن هناك أمر». ثم ذكر تفسيرها في « المعنی» فلاحظ.
و الخامسة: الآية: 47، من سورة النساء، خطابا إلى أهل الكتاب: «یاءيها الذين أوتوا الكتاب...»:
1- قد بين الله التشريع من أول سورة النساء إلى الآية: 49، ثم بدأ الله الحديث عن أهل الكتاب و اليهود في الآية: 46، «مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ...»، و استدام الحديث عنهم إلى الآية: 55، «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ...»، ثم رجع إلى التشريع - وفي خلالها آيات في المنافقين - إلى الآية : 152.
ثم بدأ الحديث مرة أخرى عن أهل الكتاب ولاسيما عن اليهود بقوله: «یَسْئَلُکَ أَهْلُ الْکِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَیْهِمْ کِتاباً مِنَ السَّماءِ ...»، إلى آخر السورة. وفي خلالها آيات في التشريع أيضا، و آخرها آية الكلالة، فلاحظ.
2- و قد ذكر في هذه الآية و بعدها خطابا إلى المؤمنين، أن أهل الكتاب يريدون أن يضلوهم، و أن الله أعلم بأعدائهم وأنه يكفيهم و ينصرهم.
3- وقال الطبرسي (53:2 )في «النزول »: « نزلت في رفاعة بن زید بن السائب، و مالك بن دخشم، کانا إذا تكلم رسول الله صلی الله علیه و آله لویا لسانهما، و عاباه، عن ابن عباس ».
4 - وقال في المعنى: « أَلَمْ تَرَ إِلَی الَّذِینَ أُوتُوا نَصِیباً مِنْ الْکِتَابِ »: «أي ألم ينته علمك إلى الذين أعطوا حظا من علم الكتاب يعني التوراة و هم اليهود، عن ابن عباس.
«يشترون الضلالة »: أي يستبدلون الضلالة بالهدى، و يكذبون النبی صلی الله علیه و آله بدلا من التصديق.
وقيل: كانت اليهود تعطي أحبارها كثيرا من أموالهم، على ما كانوا يضعونه لهم، فجعل ذلك اشتراء منهم، عن أبي علي الجبائي
وقيل: كانوا يأخذون الرشي، عن الزجاج»، ثم فسر باقي الآيات.
و أما المضارع المجهول فإحدى عشرة آية:
17-« ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَکُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَریقًا مِنْکُمْ مِنْ دِیارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَیْهِمْ بِاْلإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ یَأْتُوکُمْ أُساری تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَیْکُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْکِتابِ وَ تَکْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ یَفْعَلُ ذلِکَ مِنْکُمْ إِلاّ خِزْیٌ فِی الْحَیاهِ الدُّنْیا وَ یَوْمَ الْقِیامَهِ یُرَدُّونَ إِلی أَشَدِّ الْعَذابِ وَ مَا اللّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ»البقرة : 85
18 - « قُلْ أَ نَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا یَنْفَعُنا وَ لا یَضُرُّنا وَ نُرَدُّ عَلی أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ کَالَّذِی اسْتَهْوَتْهُ الشَّیاطِینُ فِی الْأَرْضِ حَیْرانَ لَهُ أَصْحابٌ یَدْعُونَهُ إِلَی الْهُدَی ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَی اللَّهِ هُوَ الْهُدی وَ أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِینَ»الأنعام: 71
19 - « هَلْ یَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِیلَهُ یَوْمَ یَأْتِی تَأْوِیلُهُ یَقُولُ الَّذِینَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَنَا مِن شُفَعَاءَ فَیَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَیْرَ الَّذِی کُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا کَانُوا یَفْتَرُونَ»الأعراف: 53
20 - « یَعْتَذِرُونَ إِلَیْکُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَیْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَکُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِکُمْ وَ سَیَرَی اللَّهُ عَمَلَکُمْ وَ رَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلی عالِمِ الْغَیْبِ وَ الشَّهادَهِ فَیُنَبِّئُکُمْ بِما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » التوبة : 96
21- « وَ مِمَّنْ حَوْلَکُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِینَهِ مَرَدُوا عَلَی النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَیْنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلی عَذابٍ عَظِیمٍ»التوبة : 101
22- « وقُلِ اعْمَلُواْ فَسَیَرَی اللَّهُ عَمَلَکُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلَی عَالِمِ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَهِ فَیُنَبِّئُکُم بِمَا کُنتُمْ تَعْمَلُونَ»التوبة : 105
23 - « و اللّهُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ یَتَوَفّیکُمْ وَ مِنْکُمْ مَنْ یُرَدُّ اِلی اَرْذَلِ الْعُمُرِ لِکَیْ لا یَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَیْئا اِنَّ اللّهَ عَلیمٌ قَدیرٌ »النحل: 70
24 - « قَالَ أمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ یُرَدُّ إلَی رَبِّهِ فَیُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُکْراً » الكهف : 87
25 - « يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ»الحج: 5
26 - « إِلَیْهِ یُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَهِ وَ ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَکْمامِها وَ ما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثی وَ لا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَ یَوْمَ یُنادیهِمْ أَیْنَ شُرَکائی قالُوا آذَنَّاکَ ما مِنَّا مِنْ شَهیدٍ»فصلت : 47
27 - « قُلْ إِنَّ اَلْمَوْتَ اَلَّذِی تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِیکُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلی عالِمِ اَلْغَیْبِ وَ اَلشَّهادَهِ فَیُنَبِّئُکُمْ بِما کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» الجمعة : 8
وفي كل منها بحوث :
الأولى: الآية: 85، من سورة البقرة: « ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَکُمْ .. وَ یَومَ القِیَمَهِ یُرَّدُّونَ اِلَی اَشَدِّ
العَذَابِ».
1 -هذه من جملة الآيات الخمس والتسعين من قصص اليهود في سورة البقرة - وهي أطولها بدء من الآية: 40، «يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ »و ختما بالآية: 123،«وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً »، و قد ذم الله اليهود في هذه الآية و فيما قبلها، على قتل النفس، و إخراج الناس من ديارهم.
2-وقال الطبرسي (153:1) في « الإعراب»:قوله: «ثم انتم هؤلاء » فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن «انتم » مبتدأ، و «هؤلاء » منادی مفرد، تقديره: يا هؤلاء. و «تقتلون» خبر المبتدا .
وثانيها: أن «هؤلاء » تأكید ل«وانتم».
وثالثها: أنه بمعنى «الذين »، و «تقتلون»صله له، أي أنتم الذين تقتلون أنفسكم. فعلى هذا يكون «تقتلون» لا موضع له من الإعراب، و مثله في الصلة قوله: «وما تلك بيمينك يا موسی » طه : 17، أي و ما التي بيمينك ؟» . [ ثم استشهد بشعر]
3- وقال في معنى « تقلون انفسكم »: «أي يقتل بعضكم بعضا، كقوله سبحانه:« فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ» النور : 61، أي ليسلم بعضكم على بعض. و قيل: معناه تتعرضون للقتل»، ثم فسر باقي الآية.
4- وقال: « و اختلف فيمن غني بهذه الآية. فروى عكرمة، عن ابن عباس أن قريظة و النضير كانا أخوين کالأوس والخزرج، فافترقوا. فكانت النضير مع الخزرج، و كانت قريظة مع الأوس. فإذا اقتتلوا عاونت كل فرقة حلفاءها. فإذاوضعت الحرب أوزارها، فدوا أسراها تصديقا لما في التوراة. و الأوس والخزرج أهل شرك، يعبدون الأوثان، لا يعرفون جنة ولا نارا، و لا قيامة ولا كتابا، فأنبأ الله تعالى اليهود بما فعلوه »، ثم نقل أقوال أبي العالية و غيره تفصيلا.
و الثانية: الآية: 71، من سورة الأنعام: «قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَا لا یَنْفَعُنَا وَلا یَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَی أَعْقَابِنَا»
1- هذه خطاب من الله إلى النبي عليه السلام بأن يقول للمشركين: أندعوا الأصنام و نرد على أعقابنا بعد أن هدانا الله ثم قال له: «قُلْ إِنَّ هُدَی اللَّهِ هُوَ الْهُدی...»، و أدام الكلام إلى الآية : 73، «وَهُوَ الَّذِی خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقّ....»
2-وقال الطبرسی(319:2) في «اللغة» في «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ»: « استهواه: من قولهم: هوی من حالق، إذا تردی منه، و يشبه به الذي زل عن الطريق المستقيم، كما أن قوله: « زل» إنما هو في المكان. قال : قام على منزعة زلج فزل. ثم يشبه به المخطئ في طريقته، في مثل قوله : «فاز لهما الشيطان»البقرة: 36، فكذلك هوى و أهواه غيره، فيقال: أهويته و استهويته بمعنی. كما يقال: أزله الشيطان و استزله بمعنی. و كذلك استجابه بمعنى أجابه، قال:
*فلم يستجبه عند ذاك مجيب *
والحيران: المتردد في أمر لا يهتدي إلى المخرج منه، و الفعل منه: حار يحار حيرة، و رجل حائر،
و حیران، و قوم حیاری ». ثم حدث عن الإعراب والمعنى في الآية، فلاحظ.
و الثالثة: الآية: 53، من سورة الأعراف: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ... أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَیْرَ الَّذِی کُنَّا نَعْمَلُ »:
1- و هذه تتمة لما قبلها بشأن القرآن: «وَ لَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»، ثم قال:«هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ...»به أي تأويل الكتاب، و المراد بالتأويل: الآخرة، كما قال: « يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ ...».
2-وقال الطبرسي (2: 426) في «اللغة» في الآيتين: «الكتاب: صحيفة فيها حروف مسطورة، تدل بتأليفها على معان مفهومة.
والتفصيل، والتبيين، و التقسيم نظائر.
«ينظرون»أي ينتظرون. والانتظار هو الإقبال على ما يأتي بالتوقع له، و أصله الإقبال على الشيء بوجه من الوجوه.
والتأويل: ما يؤول إليه حال الشيء.
و النسيان: ذهاب المعنى عن النفس، و اختلف المتكلمون فيه:
فقال أبوعلي الجبائي: إنه معنی.
و قال أبوهاشم: ليس بمعنی، و إنما هو من قبيل السهو.
وقال القاضي: هو ذهاب العلم الضرورية، و إليه ذهب المرتضی ».
3- وقال خلال تفسیرها: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ »:«أي هل ينتظرون إلا عاقبة الجزاء عليه، و ما يؤول مغبة أمورهم إليه، عن الحسن، وقتادة، و مجاهد، و السدي. و إنما أضاف إليهم مجازا، لأنهم كانوا جاحدين لذلك، غير متوقعين له. و إنما كان ينتظر بهم المؤمنون لإيمانهم بذلك، و اعترافهم به.
وقيل: إن تأويله ما وعدوا به من البعث و النشور،والحساب والعقاب، عن الجبائي.
«يوم ياتي تأويله» أي يوم يأتي عاقبة ما وعدوا به». ثم فسر باقي الآية.
و الرابعة، و الخامسة، و السادسة: الآيات: 94، و 101 و 105 من سورة التوبة:
1- وقد جاء في الأولى و الأخيرة بسياق واحد: «ثم تردون »، و «وَسَتُردُّونَ إِلَی عَالِم الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»، و جاء في الثانية: «ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلَی عَذَابٍ عَظِیمٍ ».
2- و الآيات الثلاث جاءت خلال الآيات التي نزلت في المنافقين، فقد جاء في صدر الآية الثانية: «وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ ...».
3- و قد قال الطبرسي ذيل الأولى: «قيل: نزلت الآيات في جد بن قیس، و معتب بن قشير، وأصحابهما من المنافقين، و كانوا ثمانين رجلا، ولما قدم النبي صلی الله علیه و آله المدينة راجعا من تبوك، قال: لاتجالسوهم، ولا تكلموهم، عن ابن عباس.
وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي، حلف للنبی صلی الله علیه و آله أن لا يتخلف عنه بعدها، و طلب إلى النبی صلی الله علیه و آله أن
يرضى عنه، عن مقاتل »
والسابعة: الآية: 70، من سورة النحل: «واللّهُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ یَتَوَفّیکُمْ وَ مِنْکُمْ مَنْ یُرَدُّ اِلی اَرْذَلِ الْعُمُرِ» :
1 - هذه من جملة آيات خاطب الله بها الناس في هذه السورة، بشأن المبدا و المعاد و غيرهما. و بعدها: «وَ اللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ ..»،«وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ..»، و في الآية: 80،« وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً ..»، و في الآية: 81، «وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمّا خَلَقَ ظِلالاً...».
2-وقال الطبرسي (3: 372) في «المعنى » «والله خلقكم »: «أي أوجدكم، و أنعم عليكم بضروب النعم الدينية والدنيوية.
«ثُمَّ یَتَوَفّیکُمْ» و يقبضكم أي يميتكم.
« وَ مِنْکُمْ مَنْ یُرَدُّ اِلی اَرْذَلِ الْعُمُرِ» أي أدون العمر و أوضعه، أي يبقیه حتی یصیر الهرم و الحرف، فيظهر النقصان في جوارحه، و حواسه، و عقله.
و رووا عن علي علیه السلام: « إن أرذل العمر خمس و سبعون سنة. و روي مثل ذلك عن النبي صلی الله علیه و آله ، وعن قتادة: تسعون سنة.
«لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً» أي ليرجع إلى حال الطفولة بنسيان ما كان علمه، لأجل الكبر، فكأنه لا يعلم شيئا مما كان علمه. وقيل: ليقل علمه بخلاف ما كان عليه في حال شبابه..».
والثامنة: الآية: 87، من سورة الكهف، حكاية عن ذي القرنين، جوابا لله تعالى: «قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ یرَدُّ إِلی رَبِّهِ ...»، و قصته جاءت في الآيات: 83 إلى 98، من سورة الكهف، و قبل هذه الآية حكاية عن الله : « قُلْنَا یَا ذَا الْقَرْنَیْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِیهِمْ حُسْناً ...»، و بعدها: « وَ أَمّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً ».
1- و قد استسلم ذو القرنين لقوله تعالى: «إما أن تعذب.. » فأعلن أنه يتخذ في الظالم و الصالح منهما طريقة العدل، فيعذب النظام، و يجازي الصالح .
2- و قال الطبرسي (3: 480) «أَمَّا مَنْ ظَلَمَ»: «أي أشرك ، عن ابن عباس.
«فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ »أي نقتله إذا لم يرجع عن الشرك.
«ثُمَّ یرَدُّ إِلی رَبِّهِ»بعد قتلي إياه.
«فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً» أي منكر اغير معهود، يعني في النار، و هو أشد من القتل في الدنيا».
3- وقال: « و اختلف فيه، فقيل: إنه نبي مبعوث، فتح الله على يديه الأرض، عن مجاهد، و عبد الله بن عمر. و قيل: إنه كان ملكا عادلا.
وروي عن علي بن أبي طالب علیه السلام: إنه كان عبدا صالحا، أحب الله، و أحبه الله، و ناصح الله و ناصحه، قد أمرقومه بتقوى الله، فضربوه على قرنه ضربة بالسيف، فغاب عنهم ما شاء الله. ثم رجع إليهم فدعاهم إلى الله، فضربوه على قرنه الآخر بالسيف، فذلك قرناه، و فیکم مثله، يعني نفسه علیه السلام.
و في سبب تسميته ب « ذي القرنين » أقوال أخر»،
وذكرها.
والحق أنه « کورش ملك فارس» - كما جاء في العهد القديم - و هو الذي هجم علی بابل فأسقط ملكها، وأذن للإسرائيليين بالرجوع إلى بلدهم الأرض المقدسة، فلاحظ.
و التاسعة: الآية: 5، من سورة الحج: «ياء ها الناس.. وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ ..»:
1- و هذه من تتمة الآيات قبلها، من أول السورة بشأن المعاد. و قد جاء فيها الاحتجاج على البعث بخلقة الإنسان بمراحلها إلى الوفاة، فإن الذي كان قادرا على ذلك فهو قادر على البعث.
2- و قال الطبرسي (70:4) في «النزول »: «قال عمران بن الحصين، و أبو سعيد الخدري: نزلت الآيتان من أول السورة ليلا في غزاة بني المصطلق، و هم حي من خزاعة...»، و شرحها.
3- و قال في المعنى: «وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» : «أي أسوأ العمر و أخبثه عند أهله. وقيل: أحقره وأهونه، و هي حال الخوف. وإما صار أرذل العمر، لأن الإنسان لا يرجو بعده صحة وقوة، وإنما يرتقب الموت والفناء، بخلاف حال الطفولية و الضعف الذي يرجى له الكمال و التمام بعدها »
و العاشرة: الآية: 47، من سورة فصلت: «إِلَیْهِ یُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَهِ...»:
1- هذه ثانية الآيات في البعث بعد الآية قبلها: «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَیْها وَ ما رَبُّکَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِیدِ».
و ثا لثتها: «وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا کَانُوا یَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِیص» ، ثم انتقل من البعث إلى الدعاء، و قال :«لا یَسْئَمُ الْإنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَیْرِ...».
2 - و قال الطبرسي (18:5) في «إِلَیْهِ یُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَهِ» : « التي يقع فيها الجزاء للمطيع و العاصي، و هو يوم القيامة...».
و الحادية عشرة: الآية: 8، من سورة الجمعة:«قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِی تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِیکُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَی عَالِمِ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَهِ».:
1- و هذه تتمة الآيتين قبلها، في الأمر بطلب اليهود الموت إن زعموا أنهم أولياء الله، و لكنهم لايطلبون الموت. فقال في هذه: إن الموت الذي يفرون منه فإنه ملاقيهم.
2- و قال الطبرسي (5: 287) في معناها: «أي إنكم و إن فررتم من الموت و کرهتموه، فإنه لابد أن ينزل بكم و يلقا کم ویدر ککم، ولاينفعكم الهرب منه».
3- ثم قال: «و إنما قال: «فانه ملاقيکم» بالفاء - سواء فروا منه، أو لم يفروا منه، فإنه ملاقيهم - مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه، لأنه إذا كان الفرار بمنزلة السبب في ملاقاته، فلا معنى للتعرض للفرار، لأنه لا يباعد منه. و إلى هذا المعنى أشار أمير المؤمنين علیه السلام في قوله: كل امرئ لاق مایفر منه، و الأجل مساق النفس، والهرب منه موافاته...». [ثم استشهد بشعر، و أدام في تفسير الآية]
و أما فعل الأمر، فجاء في ثلاث آيات:
28-«يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّهِ وَ اَلرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً »النساء : 59
29 - «وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْ ءٍ حَسِيباً» النساء : 86
30- «رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناق» ص : 33
و فيها بحوث:
الأولى الآية : 59، من سورة النساء: «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّهِ وَ اَلرَّسُولِ»، و قبلها: « إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً.»
1-وهذه الآية أمرت المؤمنين بإطاعة الله وإطاعة الرسول، و إطاعة أولي الأمر منهم، بعد أن أمر بأداء الأمانات بالحكم بين الناس بالعدل قبلها، إلا أن الله كرر «أطيعو» في كل من «الله »، و «الرسول» ولم يكررها في «أولى الأمر » اهتماما بأمر الله و الرسول، لأنه وحي من الله تعالى، دون ما أمر به أولي الأمر، فإنه حسب ما رأوه من المصلحة، بناء على أن يراد بأولى الأمر منهم، ولاة الأمر في القتال و نحوه و سنبحثها -.
2- و قال الطبرسي (2: 64): « لما بدأ في الآية المتقدمة بحث الولاة على تأدية حقوق الرعية، و النصفة والتسوية بين البرية، ثناه في هذه الآية بحث الرعية على طاعتهم، و الاقتداء بهم، والرد إليهم، فقال: «ياء يها الذين امنوا اطیعوا الله »: أي ألزموا طاعة الله سبحانه فيما أمركم به، و نهاكم عنه.
«و أطیعوا الرسول»، أي و ألزمواطاعة رسوله صلی الله علیه و آله أيضا.
و إنما أفرد الأمر بطاعة الرسول - وإن كانت طاعته مقترنة بطاعة الله - مبالغة في البيان، و قطعا لتوهم من توهم أنه لا يجب لزوم ما ليس في القرآن من الأوامر.
ونظيره قوله: «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ » النساء : 80، «.ما اتیکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهیکُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» الحشر : 7، « وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى».النجم :3.
وقيل: معناه: أطیعوا الله في الفرائض، و أطيعوا الرسول في السنن، عن الكلبي. والأول أصح، لأن طاعة الرسول هي طاعة الله، و امتثال أوامره امتثال أوامر الله.
وأما المعرفة بأنه رسول الله، فهي معرفة برسالته، ولا يتم ذلك إلا بعد معرفة الله، و ليست إحداهما هي الأخرى.
وطاعة الرسول واجبة في حياته، و بعد وفاته، لأن اتباع شریعته لازم بعد وفاته لجميع المكلفين. و معلوم ضرورة أنه دعا إليها جميع العالمين إلى يوم
القيامة، كما أعلم أنه رسول الله إليهم أجمعين.
وقوله: «أولي الأمر منکم» للمفسرين فيه قولان:
أحدهما: أنهم الأمراء، عن أبي هريرة، و ابن عباس، في إحدى الروايتين، و میمون بن مهران، والسدي، واختاره الجبائي، و البلخي، و الطبري.
والآخر: أنهم العلماء، عن جابر بن عبد الله، و ابن عباس، في الرواية الأخرى، و مجاهد، و الحسن، و عطاء ، و جماعة. وقال بعضهم: لأنهم الذين يرجع إليهم في الأحكام، و يجب الرجوع إليهم عند التنازع دون الولاة.
وأما أصحابنا فإنهم رووا عن الباقر، والصادق علیه السلام أن «أولي الأمر»هم الأئمة من آل محمد صلی الله علیه و آله أوجب الله طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعته، وطاعة رسوله. ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الإطلاق إلا من ثبتت عصمته، و علم أن باطنه كظاهره، و أمن منه الغلط، والأمر بالقبيح. و ليس ذلك بحاصل في الأمراء، ولا العلماء سواهم، جل الله عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل، لأنه محال أن يطاع المختلفون، كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه.
ومما يدل على ذلك أيضا، أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الأمر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته، إلا و أولوا الأمر فوق الخلق جميعا، كما أن الرسول فوق أولي الأمر، و فوق سائر الخلق. وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد صلی الله علیه و آله الذين ثبتت إمامتهم، وعصمتهم، و اتفقت الأمة على علو رتبتهم و عدالتهم.
«فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِی شَیْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَی اللَّهِ وَالرَّسُولِ» معناه: فإن اختلفتم في شيء من أمور دينكم، فردوا التنازع فيه إلى كتاب الله و سنة الرسول، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والسدی.
نحن نقول: الرد إلى الأئمة القائمين مقام الرسول بعد وفاته، هو مثل الرد إلى الرسول في حياته، لأنهم الحافظون لشريعته، و خلفاؤه في أمته، فجروا مجراه فيه.
ثم أكد سبحانه ذلك و عظمه بقوله: «إِن کُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْیَومِ الآخِرِ » فما أبين هذا و أوضحه...».
3- و نقول: جاءت« أولى الأمر منکم » في سورة النساء، خاصة في الآيتين 59 و 83، و قد قلنا في شرح الآية: 59، إن سياقها حسب قبلها و بعدها هو القتال و ما يحدث فيه من خير أو شر، و أن المرجع في ذلك الله و رسوله وأولوا الأمر في القتال، إلا أن الثابت عند« الشيعة الإمامية» بروایات متظافرة: أنهم أئمة أهل البيت المعصومون عليهم السلام في كلتا الآيتين.
و قد قيل في الآيتين: إن موضوعهما حوادث القتال خاصة، و أن التنازع في هذه الآية هو نفس الاختلاف في تلك الآية في حادثة منها. و ليس الكلام فيهما الاختلاف و التنازع في حكم فقهي فلاحظ :أم ر: « أولى الأمر».
فقد جاء فيها نصوص كثيرة في الآية: 83، في
المراد بها، و منها نصوص عن الأئمة علیهم السلام ، بأتهم هم أولي الأمر، و قلنا: «أولي الأمر »في حياة الرسول ولاة القتال، لأن أمرهم في حوادث القتال مطاع عند الجميع؛ إذ كانوا منصوبين من قبل الرسول، و أما بعد الرسول صلی الله علیه و آله فالأئمة من آل البيتعلیهم السلام هم الذين يتولون القتال و غيرها من الأمور في الدين و الحياة، و كذا المنصوبون من قبلهم في ذلك.
لكن قاطبة مفسري الشيعة اعتبروا تلك النصوص تفسيرا للآيتين، فسعوا في دفع ما يرد عليه من الشبهات. ومن تلك الشبهات أن الاختلاف و التنازع فيها من قبل ولاة الأمر في القتال إذا كانوا أكثر من واحد. وليس له معنى إلا اختلاف أولي الأمر. و حمل « أولى الأمر »على «الأئمة » فقط الايوافق سياق الآية.
والحل هو حمل تلك الروايات على أن الأئمة المعصومين هم المصداق الأتم ل «اولی الامر » بعد النبي صلی الله علیه و آله ، فلاحظ تلك النصوص، ولاسيما نص الطباطبائي هناك ونص فضل الله هنا في آخر النصوص التفسيرية.
والثانية: الآية: 86، من سورة النساء أيضا: «و إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها...»:
1 -هذه آية منفصلة عما قبلها و بعدها، جاءت في حكم التحية بين المؤمنين بأنهم يردوها بأحسن منها أو بمثلها، و أن الله كان حسيبا على كل شيء، فيحاسبهم حسب تحيتهم.
2-وقال الطبرسي (2: 84): « التحية: السلام، يقال حيى يحيى تحيه، إذا سلم، و التحية: البقاء. [ثم استشهد لهما بشعرين ]
3 - وقال في « المعنى » : « أمر الله المسلمين برد السلام على المسلم، بأحسن مما سلم، إن كان مؤمنا، و إلا فليقل: « و علیکم »، و لا يزيد على ذلك.
فقوله: «بأحسن منها» للمسلمين خاصة. و قوله: «او ردوها » لأهل الكتاب، عن ابن عباس.
فإذا قال المسلم: السلام عليكم. فقل: و علیکم السلام و رحمة الله. و إذا قال: السلام عليكم و رحمة الله، فقل: و علیکم السلام و رحمة الله و بركاته. فقد حیيته بأحسن منها، و هذا منتهى السلام.
وقيل: إن قوله: «او ردوها » للمسلمين خاصة أيضا، عن الدسدي، و عطاء ، و إبراهيم، و ابن جريج، قالوا: إذا سلم عليك المسلم، فرد عليه بأحسن مما سلم عليك، أو بمثل ما قال. و هذا أقوى لما روي عن النبي صلی الله علیه و آله أنه قال: إذا سلم عليكم أهل الكتاب، فقولوا: و علیکم.
وذكر علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين علیهم السلام : إن المراد بالتحتية في الآية: السلام وغيره من البر.
وذكر الحسن أن رجلا دخل على النبی صلی الله علیه و آله فقال: السلام عليك. فقال النبي صلی الله علیه و آله : وعليك السلام ورحمة الله. فجاءه آخر، فقال: السلام عليك و رحمة الله. فقال النبي: و عليك السلام و رحمة الله و بركاته. فجاءه آخر فقال: السلام عليك و رحمة الله و بركاته. فقال النبي : وعليك السلام و رحمة الله و بركاته.
فقيل: یا رسول الله ! زدت للأول و الثاني في التحية، ولم تزد في الثالث. فقال: إنه لم يبق لي من التحية شيئا، فرددت عليه مثله». و روی أحاديث أخرى فلاحظ.
ثم قال الطبرسي في «النظم»: « وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: أن المراد بالسلام: المسالمة التي هي ضد الحرب. فلما أمر سبحانه بقتال المشركين - قبله - عقبه بأن قال: من مال إلى السلم، و أعطى ذاك من نفسه، وحي المؤمنين بتحية، فاقبلوا منه »
والثالثة: الآية: 33، من سورة ص: «رُدُّوهَا عَلَیَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ»:
1- هذه من تتمة الآيات في قصة سليمان بدء من الآية: 30،« و وَ هَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمنَ...»، و ختما بالآية: 40، «وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفی ...»، و قبلها: «فَقَالَ اِنّى اَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبّى حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ».
2- و في الضمير «ردوها »، قال الطبرسي (475:4): «أي قال لأصحابه: ردوا الخيل على، عن أكثر المفسرين. و قيل : معناه: أنه سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه، فردها عليه حتى صلى العصر. فالهاء في «ردوها» كناية عن الشمس، عن علي بن أبيطالب علیه السلام.
3- و قال في: «فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ»: « قيل: فيه وجوه:
أحدها: أن «المسح » هاهنا القطع، والمعنى: أنه أقبل يضرب سوقها و أعناقها، لأنها كانت سبب فوت صلاته، عن الحسن، و مقاتل. وقال أبو عبيدة: تقول العرب: مسح علاوته، أي ضرب عنقه.
وقيل: إنه إنما فعل ذلك، لأنها كانت أعز ماله، فتقرب إلى الله تعالى بأن ذبحها، ليتصدق بلحومها. ويشهد بصحته قوله: « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ»آل عمران : 92.
وثانيها: أن معناه: فجعل يمسح أعراف خیله و عراقیبها بيده حبالها، عن ابن عباس، و الزهري، و ابن کیسان.
قال ابن عباس: سألت علیه السلام عن هذه الآية، فقال: ما بلغك فيها یا ابن عباس؟
قلت: سمعت كعبا يقول: اشتغل سلیمان بعرض الأفراس حتى فاتته الصلاة، فقال: « ردوها علي» يعني الأفراس کانت أربعة عشر، فأمر بضرب سوقها و أعناقها بالسيف فقتلها، فسلبه الله ملکه أربعة عشر يوما، لأنه ظلم الخيل بقتلها.
فقال علي علیه السلام: كذب کعب، لكن اشتغل سلیمان بعرض الأفراس ذات يوم، لأنه أراد جهاد العدو حتى توارت الشمس بالحجاب، فقال: بأمر الله تعالى للملائكة الموكلين بالشمس: «ردوها علي»، فردت فصلى العصر في وقتها، و إن أنبياء الله لا يظلمون، ولايأمرون بالظلم، لأنهم معصومون مطهرون .
و ثالثها: أنه مسح أعناقها وسوقها، و جعلها مسبلة في سبيل الله تعالى. وقيل الثغلب: إن قطربا يقول: مسحها و بارك عليها. فأنكر ذلك وقال: القول ما قال الفراء: إنه ضرب أعناقها و سوقها »
وأما اسم الفاعل فأربع آيات:
31- «وَإِنْ یَمْسَسْکَ الله بِضُرٍّ فَلاَ کَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَ إِنْ یُرِدْکَ بِخَیْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ یُصِیبُ بِهِ مَنْ یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ» يونس: 107
32 - « وَ اللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ»النحل: 71
33 - «وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» القصص : 7
34 - «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّی أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدی وَ مَنْ هُوَ فی ضَلالٍ مُبینٍ»القصص : 85
و في كل منها بحوث
الأولى: الآية: 107، من سورة يونس: «وَإِنْ یَمْسَسْکَ الله بِضُرٍّ... فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ»:
1- و قبلها: «وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَایَنْفَعُکَ وَلَا یَضُرُّکَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّکَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِینَ» فقد جاء فيها النفع و الضر. ثم صرح في الآية بعدها أن كلا من الضر و الخير من الله، و لا راد لهما إلا هو.
2-وقال الطبرسي (3: 139) في «اللغة »: « والكشف: رفع الساتر المانع من الإدراك، فكأن الضرهاهنا ساتر يمنع من إدراك الإنسان »
3- وقال في «المعنى » «وَإِنْ یَمْسَسْکَ الله بِضُرٍّ» « معناه: و إن أحل الله بك ضامن بلاء، أو شدة، أو مرض.
« فَلاَ کَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ» أي لا يقدر أحد على کشفه غيره، كأنه سبحانه لما بين أن غيره لا ينفع ولا يضر، عقبه ببيان كونه قادرا على النفع والضر.
«و ان يردك بخير» من صحة جسم، و نعمة، و خصب، و نحوها. «فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ » أي لا يقدر على منعه أحد، و تقديره: و إن يردك خيرا. ويجوز فيه التقديم والتأخير، يقال: فلان يريدك بالخير، ویرید بك الخير.
«يصيب به»أي بالخير. «من يشاء من عباده »فيعطيه على ما تقتضيه الحكمة، و يعلمه من المصلحة...».
والثانية: الآية: 71، من سورة النحل: «و الله فضل ...فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ»:
1- هذه من جملة آيات فيها بدأت ب« و الله» ، و قبلها: «وَاللَّهُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ یَتَوَفَّیکُمْ...» ، وبعدها: « وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ..»، و سياقها ذکر نعم الله على العباد، و ذكر فيها نعمة الرزق، و تفضیل بعض الناس على بعض في الرزق.
2-وقال الطبرسي (3: 373) في «الإعراب » «فهم فيه سواء »: «جملة اسمية، وقعت موقع جملة فعلية، في موضع النصب، لأنه جواب النفي بالفاء، والتقدير فيستووا »
3- وقال في «المعنى» «وَ اللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ »: « فوسع على واحد، و قتر على آخر، على ما توجبه الحكمة.
«فما الذين فضلوا ...» اختلف في معناه على
قولين:
أحدهما: أنهم لا يشركون عبيدهم في أموالهم وأزواجهم، حتى يكونوا فيه سواء، و يرون ذلك نقصا فلايرضون لأنفسهم به، وهم يشر کون عبیدي في ملكي و سلطاني، و يوجهون العبادة والقرب إليهم، كما يوجهونها إلي، عن ابن عباس، و مجاهد، و قتادة.
وقال ابن عباس: يقول: إذا لم ترضوا أن تجعلوا عبید کم شرکاء کم، فكيف جعلتم عيسى إلها معه، و هو عبده؟ و نزلت في نصاری نجران.
والثاني: أن معناه: فهؤلاء الذين فضلهم الله في الرزق من الأحرار، لايرزقون مماليكهم، بل الله تعالى رازق الملاك و المماليك، فإن الذي ينفقه المولى على مملوکه، إنما ينفقه مما رزقه الله تعالى، فالله تعالى رازقهم جميعا، فهم سواء في ذلك...».
والثالثة: الآية: 7، من سورة القصص: «... إِنَّا رَادُّوهُ إِلَیْکِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِینَ »:
1- هذه أول آية في السورة من قصة أم موسی؛ حيث أمرها الله بأن ترضع موسي و يلقيه في اليم و وعدها بأن يرده إليها، و يجعله من المرسلين. وقد وفي بوعده كما جاء في الآية:13، منها: «فرددناه إلى امه..».
2-وقال الطبرسي (240:4) في «المعنى »:«و اوحينا إلى أم موسی »: «أي ألهمناها، وقذفنا في قلبها، و ليس بوحي نبوة، عن قتادة و غيره.
وقيل: أتاها جبرائیل عیه السلام بذلك، عن مقاتل.
و قيل: كان هذا الوحي رؤيا منام عبر عنها من يثق به من علماء بني إسرائيل، عن الجبائي.
«أن أرضعيه » ما لم تخافي عليه الطلب. «فإذا خفت عليه »في القتل الذي أمر به فرعون في أبناء بني إسرائيل. «فالقيه في اليم» أي في البحر، و هو النيل، «ولاتخافي»عليه الضيعة. «ولاتحزني » من فراقه . «انا رادوه اليك » سالما عن قريب. «و جاعلوه من المرسلين » الأنبياء. و في هذه الآية أمران و نهیان، و خبران و بشارتان...».
والرابعة: الآية: 85، من سورة القصص أيضا: «إِنَّ الَّذِی فَرَضَ عَلَیک الْقُرْآنَ لَرادُّک إِلی مَعادٍ..»:
1- هذه من جملة آيات آخر السورة بشأن القرآن، و بعدها آيتان أيضا في ذلك: «وَمَا کُنْتَ تَرْجُوا أَن یُلْقَی إِلَیْکَ الْکِتَابُ إِلَّا رَحْمَهً مِن رَبِّکَ فَلاَ تَکُونَنَّ ظَهِیراً لِلْکَافِرِینَ (86) وَلاَ یَصُدُّنَّکَ عَنْ آیَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَیْکَ وَادْعُ إِلَی رَبِّکَ وَلاَ تُکُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِکِینَ».
2-وقال الطبرسي (268:4) في «النزول»: « قيل: لمانزل النبي صلی الله علیه و آله بالجحفة في مسيره إلى المدينة، لما هاجر إليها، اشتاق إلى مكة، فأتاه جبرائیل علیه السلام، فقال: أتشتاق إلى بلدك و مولدك؟ فقال: نعم. قال جبرائیل: فإن الله يقول: «إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ..»: يعني مكة ظاهرا عليها. فنزلت الآية بالجحفة، و ليست بمكية ولامدنية، و سميت مكة « معادا » لعوده إليها، عن ابن عباس».
و نقول: الآيات المدنية في الاصطلاح هي التي
نزلت بعد الهجرة، و المكية مانزلت قبل الهجرة، و سورة القصص مكية، فهذه الآية مكية.
3- و قال في «إِنَّ الَّذِی فَرَضَ عَلَیک الْقُرْآنَ ...»:« خطاب للنبي صلی الله علیه و آله ، والمعنى: أن الذي أوجب عليك الامتثال بما تضمنه القرآن، و أنزله عليك «لَرادُّک إِلی مَعادٍ» أي يردك إلى مكة، عن ابن عباس و مجاهد والجبائي .
وعلى هذا فيكون في الآية دلالة على صحة النبوة، لأنه أخبر به من غير شرط و لا استثناء، و جاء الخبر مطابقا للخبر.
قال القتيبي: معاد الرجل: بلده، لأنه يتصرف في البلاد، ثم يعود إليه.
و قيل: «إلى معاد »: إلى الموت، عن ابن عباس في رواية أخرى، و عن أبي سعيد الخدري.
وقيل: إلى المرجع يوم القيامة، أي يعيدك بعد الموت كما بدأك ، عن الحسن و الزهري و عكرمة وأبي مسلم.
وقيل: إلى الجنة عن مجاهد و أبي صالح، فالمعنى: إنه مميتك، و باعثك، و مدخلك الجنة.
والظاهر يقتضي أنه العود إلى مكة، لأن ظاهر العود يقتضي ابتداء، ثم عودا إليه، على أنه يجوز أن يقال: الجنة معاد، و إن لم يتقدم له فيها كون، كما قال سبحانه في الكفار: « ثم ان مراجعهم لالی الجحيم... ».
وأما اسم المفعول فآيتان:
35- «یَا إِبْرهِیمُ أَعْرِضْ عَنْ هذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّکَ وَإِنَّهُمْ ءَاتِیهِمْ عَذَابٌ غَیْرُ مَرْدُودٍ» هود : 76
36 - « یَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِی الْحَافِرَهِ » النازعات :10
و فيهما بحوث :
الأولى: الآية: 76، من سورة هود: «یَا إِبْرهِیمُ .. عَذَابٌ غَیْرُ مَرْدُودٍ»:
1- هذه آخر الآيات من قصة إبراهيم و لوط علیهماالسلام في هذه السورة. بدء بالآية: 69، «ولقد جاءت رسلنا ابرهيم بالبشری...»، فلما أخبر إبراهيم من ناحية ضيوفه بأ تهم جاؤوا لعذاب قوم لوط، و جادل الله في ذلك كما قال: «فَلَمَّا ذَهَبَ عَن إِبْرهِیمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَی یُجَادِلُنَا فِی قَوْمِ لُوطٍ»، فأجابه الله و أمره بالإعراض عن المجادلة، فقد جاء أمر الله بأن يأتيهم عذاب غیرمردود.
2-وقد مدح الله إبراهيم قبل أمره بالإعراض عن الجدال حفظا على كرامته؛ حيث قال بعد قوله: « يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ»:«إِنَّ إِبْرهِیمَ لَحَلِیمٌ أَوَّاهٌ مُّنِیبٌ »، كما قال: «جاء امرربک» بدل « أمر الله » زيادة في تكريمه و اللطف به.
3- لكنه شدد عذابهم بقوله: «وَإِنَّهُمْ ءَاتِیهِمْ عَذَابٌ غَیْرُ مَرْدُودٍ» بصيغة اسم الفاعل في «اتِیهِمْ» الدال على الدوام إلى المنتهى، و باسم المفعول في «غَیْرُ مَرْدُودٍ» الدال على الشدة. وهذه نکات بلاغية في هذه الآية، و كم لها من نظير في القرآن.
4- وقال الطبرسي (3: 178) في «اللغة » في « غَیْرُ مَرْدُودٍ»: « والرد والدفع واحد، و نقیضه
الأخذ، والفرق بين الرد و الدفع: أن الدفع قد یکون إلى جهة القدام و الخلف، و الرد لايكون إلا إلى جهة الخلف ).
5 - وقال في « المعني» « يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا »: هو حكاية ما قالت الملائكة لإبراهيم علیه السلام فإنها نادته بأن قالت: يا إبراهيم أعرض عن هذا القول، و هذا الجدال في قوم لوط، و انصرف عنه بالذكر والفكر. «إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ »با لعذاب، فهو نازل لامحالة. «وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ» يعني غير مدفوع عنهم، أي لا يقدر أحد على رده عنهم».
والثانية: الآية: 10، من سورة النازعات: «یَقُولُونَ ءَاِنّا لَمَرْدوُدوُنَ فِی الْحافِرَهِ» :
1- هذه من جملة جواب الأقسام الخمسة في صدر السورة: «وَ النّازِعاتِ غَرْقاً »، و بدأ بالجواب ب « يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ..»، فإن تلك الأقسام الخمسة تأكيد لمجيء يوم القيامة،و أن في هذا اليوم قلوب راجعة - أي مضطربة أيضا -و قلوب راجفة أبصارها خاشعة سائلين هل نحن مردودون إلى الحياة مرة أخرى في القبور -هي الحافرة - إذا كنا عظاما نخرة؟
وقال الطبرسي (5: 421): « والحافرة: بمعنى المحفورة، مثل: «ماء دافق»الطارق : 6، ماء دافق، أي مدفوق.
وقيل: الحافرة: الأرض المحفورة. و رجع الشيخ في حافرته، أي رجع من حيث جاء؛ وذلك کرجوع القهقرى ». [ثم استشهد بشعر]
5 - وقال في «المعنى » بعد أن فسر الأقسام الخمسة، ونقل الأقوال فيها: « و جواب القسم محذوف، فكأنه سبحانه أقسم فقال: وهذه الأشياء التبعثن، و لتحاسبن.
« يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ» يعني النفخة الأولى...«قُلُوبٌ یَوْمَئِذٍ واجِفَهٌ»... و معنى «الواجفة »:الشديدة الاضطراب... «یَقُولُونَ ءَاِنّا لَمَرْدوُدوُنَ فِی الْحافِرَهِ » أي يقول هؤلاء المنكرون للبعث من مشركي قريش وغيرهم في الدنيا، إذا قيل لهم: إنكم مبعوثون من بعد الموت -: أنرد إلى أول حالنا، و ابتداء أمرنا، فنصير أحياء كما کنا؟
و «الحافرة »عند العرب: اسم الأول الشيء، و ابتداء الأمر، قال ابن عباس و السدي: الحافرة: الحياة الثانية.
وقيل: الحافرة: الأرض المحفورة، والمعنى: أنرد من قبورنا بعد موتنا أحياء؟...».
وأما المصدر و اسم المصدر فلفظان: ( رد) و (مرد): أما «الرد» ففيه آيتان:
37- «وَ الْمُطَلَّقاتُ یَتَرَبَّصْنَ بِاَنْفُسِهِنَّ ثَلثَهَ قُرُوءٍ وَ لا یَحِلُّ لَهُنَّ اَنْ یَکْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فی اَرْحامِهِنَّ اِنْ کُنَّ یُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَ الْیَوْمِ الاْخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ اَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فی ذلِکَ اِنْ اَرادُوا اِصْلاحا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذی عَلَیْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجالِ عَلَیْهِنَّ دَرَجَهٌ وَ اللّهُ عَزیزٌ حَکیمٌ»
البقرة : 228
38 - «بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلايستطيعون ردها و لا هم ينظرون » الأنبياء : 40
و في كل منهما بحوث:
الأولى: الآية: 228، من سورة البقرة: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ... »:
1- هذه من جملة آيات الطلاق في السورة، تحكی وظائف المطلقات، و في خلالها تقول: «وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً...»، فهذه الجملة بيان لحالة رجوع كل من الزوجين إلى نکاحهما الأول، و أن الزوج أولى به من الزوجة بذلك.
2 - وقد قال الطبرسي (1: 325) في «اللغة»: « القروء: جمع قرء، و جمعه القليل: أقرؤ، و الكثير: أقراء وقروء -و أطال الكلام فيها إلى أن قال: - و «البعولة »: جمع بعل، و يقال: بل يبعل بعولة وهو بعل، و سمي الزوج بعلا، لأنه عال على المرأة بملکه لزوجيتها...».
ونقول: فالتعبير عنهم ب «بُعُولَتُهُنَّ »دون «أزواجهن» بمنزلة تعليل لأولوية الأزواج بردهن.
3 - وقال في « المعني»«وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ»: « یعني: أن أزواجهن أولى بمراجعتهن، وهي ردهن إلى الحالة الأولى في ذلك الأجل الذي قدر لهن في مدة العدة، فإنه ما دامت تلك المدة باقية كان للزوج حق المراجعة، و يفوت - هذا الحق - بانقضائها.
وفي هذا ما يدل على أن الزوج ينفرد بالمراجعة ولايحتاج في ذلك إلى رضاء المرأة، ولا إلى عقد جديد، و إشهاد. و هذا يختص بالرجعيات، و إن كان أول الآية عاما في جميع المطلقات الرجعية والبائنة.
«إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً»لا إضرارا، و ذلك أن الرجل كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها واحدة و ترکها، حتى إذا قرب انقضاء عدتها، راجعها و ترکها مدة، ثم طلقها أخرى، و ترکها مدة كما فعل في الأولى، ثم راجعها و ترکها مدة، ثم طلقها أخرى، فجعل الله الزوج أحق بالمراجعة على وجه الإصلاح، لاعلى وجه الإضرار.
وإنما شرط الإصلاح في إباحة الرجعة لافي ثبوت أحكامها، لإجماع الأمة على أن مع إرادة الإضرار يثبت أحكام الرجعة.
وقوله: «لهن»أي للنساء على أزواجهن «مثل الذي » لهم «علين»من الحق «بالمعروف».
وهذا من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمة. و إنما أراد بذلك ما يرجع إلى حسن العشرة، و ترك المضارة، و التسوية في القسم والنفقة و الكسوة، كما أن للزوج حقوقا عليها مثل الطاعة التي أوجبها الله عليها له، و أن لا تدخل فراشه غيره، و أن تحفظ ماءه فلا تحتال في إسقاطه....». ثم روى حديثا، و فسر باقي الآية، فلاحظ.
والثانية: الآية: 40، من سورة الأنبياء: «بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها...»:
1-هذه الآية الثالثة في هذه السورة في البعث يوم القيامة: أولاها: 38، «وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»، و ثانيتها: 39، «لَوْ یَعْلَمُ الَّذِینَ کَفَرُوا ...».
تقول الآية: إن الساعة تأتيهم بغتة، و إنهم لا يستطيعون ردها.
2-وقال الطبرسي (48:4) في « المعنى»: «أي « بغتته»فجأة«فتبهتهم »أي فتحيرهم، «فلايستطيعون ردها » أي فلا يقدرون على دفعها.
«ولاهم ينظرون» أي لايؤخرون إلى وقت آخر، ولايمهلون لتوبة أو معذرة».
و أما «المرد» ففي خمس آيات:
39 - «لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ یَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّی یُغَیِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِّنْ دُونِهِ مِنْ وٰالٍ»الرعد:11
40-«وَ یَزِیدُ اللَّهُ الَّذِینَ اهْتَدَوْا هُدیً وَ الْباقِیاتُ الصَّالِحاتُ خَیْرٌ عِنْدَ رَبِّکَ ثَواباً وَ خَیْرٌ مَرَدًّا»مریم: 76
41- «فَأَقِمْ وَجْهَکَ لِلدِّینِ الْقَیِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَ یَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ یَوْمَئِذٍ یَصَّدَّعُونَ» الروم : 43
42 - «لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِی إِلَیْهِ لَیْسَ لَهُ دَعْوَهٌ فِی الدُّنْیا وَ لا فِی الآْخِرَهِ وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَی اللَّهِ وَ أَنَّ الْمُسْرِفِینَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ»المؤمن : 43
43 - «اسْتَجِیبُواْ لِرَبِّکُم مِّن قَبْلِ أَن یَأْتِیَ یَوْمٌ لَّامَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَکُم مِّن مَّلْجَإٍ یَوْمَلِذٍ وَ مَا لَکُم مِّن نَّکِیرٍ»الشوری : 47
و في كل منها بحوث
الأولى: الآية: 11، من سورة الرعد: « وَ إِذا أَرادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ...»:
1- هذه من جملة آيات في التوحيد، من أول السورة إلى آخرها، و في خلالها آيات في القرآن والمعاد.
2- و هذه الآية تبين أصولا ثلاثة في التوحيد:
الأول: أن لله ملائكة محافظين لأعمال العباد.
الثاني: أن الله لايغير بالناس إلا مایغيروا بأنفسهم.
الثالث: أن الله إذا أراد بقوم سوء فلا راد له من قبل أحد.
وقال الطبرسي (3: 279) في «اللغة»: «و المعقبات: المتناوبات التي يخلف كل واحد منها صاحبه، و يكون بدلا منه.
وأصل التعقيب أن يكون الشيء عقيب آخر. والمعقب: الطالب دينه مرة بعد مرة. [ثم استشهد بشعر]
ومنه العقاب، لأنه يستحق عقيب الجرم و العقاب، لأنها تعقب الصيد: تطلبه مرة بعد مرة.
وقيل: إن واحد المعقبات: معقب؛ والجمع: معقبة، و معقبات جمع الجمع ، كما قالوا:رجالات، عن الفراء».
4-وقال ( 280:3) في «المعني» «له معقبات» :«اختلف في الضمير الذي في (له) على وجوه:
أحدها : أنه يعود إلى (من) في قوله: « مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ ».
والآخر: أنه يعود إلى اسم الله تعالى، و هو «عالم الغيب والشهادة ».
وثالثها: أنه يعود إلى النبي صلی الله علیه و آله في قوله: « إنَّما أنّتَ مُنذِرُ»، عن ابن زيد.
و اختلف في «المعقبات » على أقوال:
أحدها: أنها الملائكة يتعاقبون، تعقب ملائكة الليل ملائكة النهار، و ملائكة النهار ملائكة الليل، وهم لحفظة يحفظون على العبد عمله، عن الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، و مجاهد، و الجبائي. وقال الحسن : هم أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر، وهو معنى قوله: «إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً» الإسراء: 78، و قد روي ذلك عن أئمتناعلیهم السلام أيضا.
والثاني: أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير، فيحيلون بينه و بين المقادير، عن علي عليه السلام، و ابن عباس.
وقيل: هم عشرة أملاك على كل آدمي يحفظونه.
والثالث: أنهم الأمراء والملوك في الدنيا، الذين يمنعون الناس عن المظالم، و تكون لهم الأحراس والشرط و المواكب يحفظونه، عن عكرمة، والضحاك، و روي أيضا عن ابن عباس، و تقديره: و من هو سارب بالنهار، له أحراس و أعوان قدر أنهم يحرسونه، و لم يتجه أحراسه من الله...».
و أدام تفسير الآية إلى قوله : «وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ » فقال:
«أي لا مدفع له. و قيل : معناه إذا أراد الله بقوم بلاء من مرض و قسم، فلامرد لبلائه. « وَمَا لَهُم مِن دُونِهِ مِن وَالٍ» يلي أمرهم، و يمنع العذاب عنهم».
و الثانية: الآية: 76، من سورة مريم: «... وخير مردا»:
1- هذه من جملة آيات في الوعد والوعيد جاءت في السورة، عقيب قصص جملة من الأنبياء. و قد بدأت بقصة زكريا، ثم مريم، ثم عيسى، ثم إبراهيم، ثم إسحاق و يعقوب، ثم موسی، ثم إدريس علیهم السلام ، و كلها موجز. و قبلها و بعدها وعيد، و هذه وعد للمؤمنين الذين اهتدوا بأن الباقيات الصالحات من الأعمال خير عند الله ثوابا، و خير جزاء، و رد فعل منه تعالى.
2 - و قال الطبرسي (528:3) في « النزول» في آية بعدها: « روي في الصحيح عن خباب بن الأرت، قال: كنت رجلا غنيا، و كان لي على العاص بن وائل دین، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلی الله علیه و آله. فقلت: لن أكفر به حتى تموت و تبعث. قال: فإني لمبعوث بعد الموت، فسوف أقضيك دينك إذا رجعت إلى مال و ولد ! قال: فنزلت الآية: « أَفَرَأَیْتَ الَّذِی کَفَرَ بِآیاتِنا ».
3 - وقال في « المعنى »: «ثم بين سبحانه حال المؤمن ، فقال سبحانه: «وَ يَزِيدُ اللّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً » قيل : معناه: ويزيد الله الذين اهتدوا بالمنسوخ هدی بالناسخ، عن مقاتل.
وقيل: یزیدهم هدی بالمعونة علی طاعاته، والتوفيق لابتغاء مرضاته، و هو مايفتحه لهم من الدلالات، وما يفعله بهم من الألطاف المقربة من الحسنات.
«وَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا» قد مر تفسيره في سورة الكهف، و جملته، أن الأعمال الصالحة التي تبقى ببقاء ثوابها، و تنفع صاحبها في
الدنيا و الآخرة، خير ثوابا من مقامات الكفار التي يفتخرون بها كل الافتخار.
«و خیر مردا»أي خير عاقبة و منفعة. يقال : هذا الشيء أرد عليك: أي أنفع و أعود عليك، لأن العمل الصالح ذاهب عنه بفقده له، فيرده الله تعالى عليه برد ثوابه إليه حتى يجده في نفسه ».
والثالثة: الآية: 43، من سورة الروم : « فَأَقِمْ وَجْهَکَ لِلدِّینِ الْقَیِّمِ مِن قَبْلِ أَن یَأْتِیَ یَوْمٌ لَّامَرَدَّ لَهُو مِنَ اللَّهِ...»:
1- هذه الآية من جملة آيات في هذه السورة في الوعد والوعيد و التوحيد و نحوها، و فيها أمر النبي و من تبعه بإقامة الدين القيم من قبل مجيء يوم القيامة الذي لامرد له من الله .
2-وقال الطبرسي (4 : 307) في «اللغة »: « الصدع. الشق. و تصدع القوم: تفرقوا » [ثم استشهد بشعر]
3- وقال في «المعنى» « فَأَقِمْ وَجْهَکَ لِلدِّینِ: « أي استقم للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة، أي لا تعدل عنه يمينا، و لا شمالا، فإنك متى فعلت ذلك أداك إلى الجنة، و هو مثل قوله : « ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ »التوبة : 127، و قوله: « تَتَقَلَّبُ فِیهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ » النور: 37.
«مِن قَبْلِ أَن یَأْتِیَ یَوْمٌ لَّامَرَدَّ لَهُ» أي لذلك اليوم، و هو يوم القيامة.« من الله » أي لا يرده أحد من الله «یومئذ يصدعون »أي يتفرقون فيه فريق في الجنة و فريق في السعير، عن قتادة، و غیره »
و الرابعة: الآية: 43، من سورة المؤمن: «وَ أَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللّهِ.. »:
1- هذه من تتمة قول الرجل المؤمن من آل فرعون، كان يكتم إيمانه موسی علیه السلام، بدء من الآية: 28، «وَ قالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ...»، إلى الآية: 45، «فَوَقهُ اللَّهُ سَیَاتِ مَا مَکَرُوا..».
2-فيقول الرجل قبلها لفرعون و قومه: «تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللّهِ وَ أُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ »، ثم يعضل بین الأمرين، أي بين ما يدعونه إليه، و بين ما دعاهم إليه، فيقول: ما تدعونني إليه - أي الأصنام - ليس له دعوة في الدنيا و الآخرة، و أن مردنا إلى الله الذي له الدعوة الی الدین.
3- و قال الطبرسي ( 4: 524) «لاجرم »: «قيل: معناه حقا مقطوعا به من الجرم، وهو القطع. قال الزجاج حكاية عن الخليل: هو رد الكلام، والمعنى: وجب و حق .
« أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ »أي وجب بطلان دعوته، يقول: لابد أنما تدعونني إليه من عبادة الأصنام، أو عبادة فرعون، ليس له دعوة نافعة.
«فِی الدُّنیا ولا فِی الآخِرَهِ»فأطلق أنه« ليس له دعوة » ليكون أبلغ، و إن توهم جاهل أن له دعوة ينتفع بها، فإنه لا يعتد بذلك لفساده و تناقضه.
وقيل: معناه: ليست لهذه الأصنام استجابة دعوة أحد في الدنيا، و لا في الآخرة، فحذف المضاف، عن السدي و قتادة و الزجاج.
وقيل : معناه: ليست له دعوة في الدنيا، لأن الأصنام لاتدعو إلى عبادتها فيها، ولا في الآخرة، لأنها تبرأ من عبادها فيها.
«أَنَّ مَرَدَّنا إِلَی اللَّهِ » أي: و وجب أن مرجعنا ومصيرنا إلى الله، فيجازي كلا بما يستحقه.
«وَ أَنَّ الْمُسْرِفِینَ» أي و وجب أن المسرفين الذين أسرفوا على أنفسهم بالشرك، وسفك الدماء بغير حقها «هُمْ أَصْحٰابُ النّٰارِ» الملازمون ها».
و الخامسة: الآية: 47، من سورة الشوری: « اسْتَجِیبُواْ لِرَبِّکُم مِّن قَبْلِ أَن یَأْتِیَ یَوْمٌ لَّامَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ...»:
1- هذه من جملة آيات السورة التي شملت فنونا من التوحید و البعث والوعدو والوعيد، و كذلك القرآن - وقد صدرت به -: «کَذلِکَ یُوحِی إِلَیْکَ ، وَإِلَی الَّذِینَ مِنْ قَبْلِکَ ...».
2-وقد أمر الله الناس في هذه الآية بأن يستجيبوا لربهم من قبل مجيء يوم لامرد له، و ليس فيه للناس من ملجا يلجؤون إليه، و ليس لهم إنكاره.
3- و الذي يجلب النظر في هذه المادة: أن كل ما جاء فيها بلفظ «مرد » فأكثرها راجع إلى الدار الآخرة ثوابها و عذابها، فقد جاءت في الآيتين الثالثة و الخامسة بسياق واحد في عذابها: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللّهِ ».
وجاء في الثانية في ثوابها: «وَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا».
وجاء في ذيل الرابعة في عذابها:«وَ أَنَّ الْمُسْرِفِینَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ».
و أيضا جاء في المصدر ( رد) في الآية الثانية منها، قوله في البعث:« بَلْ تَأْتِیهِمْ بَغْتَهً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا یَسْتَطِیعُونَ رَدَّها وَ لا هُمْ یُنْظَرُونَ».
و كذلك جاءت في « اسم المفعول » آيتان في البعث و العذاب، في الآية الأولى منه: «غير مردود ».
و في الثانية: « ءَاِنّا لَمَرْدوُدوُنَ فِی الْحافِرَهِ ».
وأما اسم الفاعل فقد قيل - كما سبق - في الآية الرابعة منه: «لرادك إلى معاد »لرادك إلى المرجع يوم القيامة.
4-وقال الطبرسي (5: 35): « اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ »أي أجيبوا داعي ربكم، يعني محمد صلی الله علیه و آله فيما دعاكم إليه، و رغبكم فيه من المصير إلى طاعته، والانقياد لأمره.«مِن قَبْلِ أَن یَأْتِیَ یَوْمٌ لَّامَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ »أي لا رجوع بعده إلى الدنيا.
وقيل : معناه: لا يقدر أحد على رده و دفعه، وهو يوم القيامة، عن الجبائي.
و قيل: معناه: لايرد ولا يؤخر عن وقته، و هو يوم الموت، عن أبي مسلم .
«مَالَکُم مِن مَلْجَأٍ یَوْمَئِذٍ» أي معقل يعصمكم من العذاب، «ما لكم من نکیر»أي إنكار و تغيير للعذاب. و قيل: من نصير منکر ما يحل بكم».
هذا كله في المجرد، و أما المزيد فجاء من «الافتعال »في 8 آیات، و من «التفعل» في آية واحدة:
أما آیات الافتعال فهي:
44 - «یَسْئَلُونَکَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِیهِ قُلْ
قِتالٌ فِیهِ کَبِیرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِیلِ اللّهِ وَ کُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ إِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَکْبَرُ عِنْدَ اللّهِ وَ الْفِتْنَهُ أَکْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَ لا یَزالُونَ یُقاتِلُونَکُمْ حَتّی یَرُدُّوکُمْ عَنْ دِینِکُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَ مَنْ یَرْتَدِدْ مِنْکُمْ عَنْ دِینِهِ فَیَمُتْ وَ هُوَ کافِرٌ فَأُولئِکَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِی الدُّنْیا وَ الْآخِرَهِ وَ أُولئِکَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِیها خالِدُونَ» البقرة: 217 .
45 - «یا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولاتردوا على ادباركم فتنقلبوا خاسرين». المائدة : 21
46 - «یَاءَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا مَنْ یَرْتَدَّ مِنْکُمْ عَنْ دینِهِ فَسَوْفَ یَاْتِی اللّه ُ بِقَوْمٍ یُحِبُّهُمْ وَیُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اَللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اَللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» المائدة : 54
47- «فَلَمَّآ أَن جَآءَ الْبَشِیرُ أَلْقَیهُ عَلَی وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِیراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَکُمْ إِنِّی أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَاتَعْلَمُونَ ». يوسف : 96
48- «مُهْطِعِینَ مُقْنِعِی رُؤُسِهِمْ لا یَرْتَدُّ إِلَیْهِمْ طَرْفُهُمْ وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ»إبراهيم : 43
49 - «قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً» الكهف : 64
.5 - «قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَني أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَريمٌ » النمل:40
51 - « إِنَّ الَّذِینَ ارْتَدُّوا عَلی أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَیَّنَ لَهُمُ الْهُدَی اَلشَّیْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَ أَمْلی لَهُمْ »محمد: 25
52 - « إِنَّمَا یَسْتَأْذِنُکَ الَّذِینَ لایُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الاَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِی رَیْبِهِمْ یَتَرَدَّدُونَ» التوبة : 45
و في كل منها بحوث
الأولى: الآية: 217، من سورة البقرة: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ... و مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ ..»:
1- و قد سبق تفسيرها و شرح لغاتها في الآية الثانية من المضارع المعلوم: «یردوکم». أما « الارتداد » فنبحثه هنا.
2- قال تعالى: « و مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دينِهِ...» دلت الآية على أن من ارتد عن دينه ومات وهو کافر، فلا اعتبار بأعماله في الدنيا والآخرة، و هو من أصحاب النار.
3- و قال الطبرسي (313:1): « هذا تحذير عن الارتداد بیان استحقاق العذاب عليه. « فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ»يعني مات على كفره. «فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ»معناه: أنها صارت بمنزلة ما لم يكن لإيقاعهم إياها، على خلاف توجه المأمور به، لأن إحباط العلم و إبطاله، عبارة عن وقوعه، على خلاف الوجه الذي يستحق عليه
الثواب. و ليس المراد: أنهم استحقوا على أعمالهم التواب، ثم انحبط، لأنه قد دل الدليل على أن الإحباط على هذا الوجه لايجوز...».
و الثانية: الآية: 21، من سورة المائدة: «یاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَهَ الَّتِی کَتَبَ اللَّهُ لَکُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَی أَدْبارِکُمْ فَتَنقَلِبُوا خاسِرِینَ» :
1- هذه من جملة قصص موسى في هذه السورة، بدء من الآية:20، «وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ...»، إلى الآية : 26، «قال: فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ...» و هي قول موسى لقومه: « يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ...».
2-وقال الطبرسي (2: 172) في «اللغة»:«أصل التقديس: التطهير؛ ومنه قيل للسطل الذي يتطهر به: «القدس »؛ و منه تسبيح الله و تقديسه: و هو تنزيهه عما لايجوز عليه من الصاحبة، والولد، و فعل الظلم، والكذب »
3 - و قال في « المعنى »: «ثم كلفهم سبحانه دخول الأرض المقدسة بعد ذكرالنعم، فقال: «ياقوم »حكاية عن خطاب موسی علیه السلام لقومه: «ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ » وهي بیت المقدس، عن ابن عباس، و السدي، و ابن زيد.
وقيل: هي دمشق، و فلسطين، و بعض الأردن، عن الزجاج، و الفراء.
وقيل: هي الشام، عن قتادة.
وقيل: هي أرض الطور، و ما حوله، عن مجاهد.
و«المقدسة »: المطهرة، طهرت من الشرك، و جعلت مکانا و قرارا للأنبياء و المؤمنين.
« الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ» أي كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم.
وقيل: معناه: وهب الله لكم، عن ابن عباس.
وقيل : معناه: أمركم الله بدخولها، عن قتادة، والسدي.
فإن اعترض معترض فقال: كيف كتب الله لهم مع قوله: « فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ »المائدة : 26؟
فجوابه: أنها كانت هبة من الله لهم، ثم حرمها عليهم، عن ابن إسحاق.
وقيل: إن المراد به الخصوص، و إن كان الكلام على العموم، فصار كأنه مكتوب لبعضهم، و حرام على البعض. و الذين كتب الله لهم دخولها، هم الذين كانوا مع يوشع بن نون، بعد موت موسی علیه السلام بشهرين.
«وَ لَاتَرْتَدُّواْ عَلَی أَدْبَارِکُمْ » أي لاترجعوا عن الأرض التي أمرتم بدخولها، عن أكثر المفسرين.
وقيل: لا ترجعوا عن طاعة الله إلى معصيته، عن الجبائي.
« فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرينَ»: الثواب في الآخرة، وإنما قال ذلك لأنهم كانوا أمروا بدخولها، كما أمروا بالصلاة و غيرها، عن قتادة، والسدي.
وقيل: إنهم لم يؤمروا بذلك، فيكون المراد: فتنقلبوا خاسرين حظكم في دخولها، كما يقال: خسر في البيع فلان » ثم ذكر القصة فلاحظ.
والثالثة: الآية: 54، من سورة المائدة أيضا: «یا أ یُّها الّذینَ آمَنُوا مَن یَرتَدَّ مِنْکُم عن دینِهِ...»:
1- و هذه الآية جاءت عقيب آيات في أهل الكتاب و قد جاء في الآية: 51، «يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ امَنُوا لاتَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارى اَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ اَوْلِيَاءُ بَعْض وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَاِنَّهُ مِنْهُمْ اِنَّ اللهَ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمينَ»و الظاهر أن بين الآيتين مناسبة،لاشتمالهما على نوع اتباع المؤمنين لأهل الكتاب، فإن من تولاهم، فهم يدعونه إلى دينهم، فيرتدوا عن دينه إلى دينهم.
2- ثم بشرنا الله تعالى فيها بأن ارتداد من ارتد لايضر بالإسلام، لأن الله تعالى سوف يأتي بقوم يحبهم و يحبونه، أذلة على المؤمنين...
3- و بعد أن قال في تلك الآية: «لاتَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارى اَوْلِيَاءَ ...» قال في هذه الآيات: «إنَّمَا وَلِيُّکُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا...» أي لاتتخذوهم أولياء، إنما أولياؤکم هؤلاء المذكورون.
والشاهد عليه أنه قال بعدها في الآية: 57، « لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ الْكُفّارَ أَوْلِياءَ ...» فهذه الآيات من الآية: 51، إلى الآية: 57، تبحث عن ولاية الأولياء في الدين.
4-وقال الطبرسي (2: 207) في «اللغة»: « الذل بكسر الذال : ضد الصعوبة. وبضمها - ذل - ضد العز. يقال: ذلول بين الذل من قوم أذلة، و ذلیل بين الذل من قوم أذلاء. و الأول من اللين و الانقياد، والثاني من الهوان و الاستخفاف. والعزة: الشدة، يقال: عززت فلانا علی أمره، أي غلبته عليه.
والعزاز: الأرض الصلبة. وعز يعز الشيء، إذا لم يقدر عليه، و أصل الباب: الامتناع».
5 - وقال في « المعني»: «لما بين تعالی حال المنافقين، و أنهم يتربصون الدوائر بالمؤمنين، وعلم أن قوما منهم يرتدون بعد وفاته، أعلم أن ذلك كائن، وأنهم لا ينالون أمانيهم، و الله ينصر دينه بقوم لهم صفات مخصوصة، تميزوا بها من بين العالمين، فقال: «یا أ یُّها الّذینَ آمَنُوا مَن یَرتَدَّ مِنْکُم عن دینِهِ»: أي من يرجع منكم - أي من جملتكم - إلى الكفر بعد إظهار الإيمان، فلن يضر دين الله شيئا، فإن الله لايخلی دینه من أنصار يحمونه «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » أي يحبهم الله، و يحبون الله «أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ».
و الرابعة: الآية: 96، من سورة يوسف: « فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِیرُ أَلْقیهُ عَلَی وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِیراً ...»:
1- هذه ثمرة ما أمر يوسف إخوته في الآية: 93،«اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ...» فإن البشير ألقى قميص يوسف على وجه أبيه فارتد بصيرا. و قد جاء قبلها في الآية: 94، « وَلَمَّا فَصَلَتِ العِيرُ قَالَ أبُوهُم إنَّي لَأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ...» فقد اشتم أبوهم ريح يوسف من قميصه الذي كان بيد البشير في طريقهم إلى مدين. لكن إخوة يوسف أنكروا قول أبيهم، و قالوا له: «تالله إني لفي ضلالك القديم ».
2- و هذه المرة الثانية من حكاية قميص يوسف في هذه القصة، و المرة الأولى هي دلالة قميصه على
صدقه و کذب زلیخا، كما جاءت في الآيات: 25 - 28، «وَ اسْتَبَقَا الْبابَ وَ قَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ... »إلى: «فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ».
3- وقال الطبرسي (3: 263) «فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِیرُ ..»: « و هو يهوذا، عن ابن عباس، وفي رواية أخرى عنه أنه مالك بن ذعر.
«أَلْقیهُ عَلَی وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِیراً » أي ألقي البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، فعاد بصيرا. قال الضحاك: عاد إليه بصره بعد العمی، و قوته بعد الضعف، و شبابه بعد الهرم، و سروره بعد الحزن، فقال للبشير: ما أدري ما أثيبك به ! هون الله عليك سکرات الموت.
«قال» يعقوب لهم: « اِلْمِ اُقْلُ لَكُمِ اِنَّي اِعْلَمْ مِنَ اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ»أي إني كنت أعلم أن الله يصدق رؤيا يوسف، و یکشف الشدائد عن أنبيائه بالصبر، و کنتم لا تعلمون ذلك. قال الحسن : كان الله سبحانه أعلمه بحياته، ولم يعلمه بمكانه »
الخامسة: الآية: 43، من سورة إبراهيم: «مُهْطِعِینَ مُقْنِعِی رَءُوسِهِمْ لَایَرْتَدُّ إِلَیْهِمْ طَرْفُهُمْ...»:
1- هذه من جملة الآيات في هذه السورة في عذاب الآخرة، بدء من الآية: 42، «وَلا تَحْسَبَنَّ اللّهَ غافِلاً عَمّا یَعْمَلُ الظّالِمُونَ...» إلى الآية:52، و هي آخر السورة: «هذا بَلاغٌ لِلنّاسِ وَ لِيُنْذَرُوا بِهِ.. ».
2-وقال الطبرسي (3: 320) في «اللغة»: « الإهطاع: الإسراع. [ثم استشهد بشعر]
وقيل: إن الإهطاع مد العنق. و الهطع: طول العنق. قال أحمد بن يحي: المهطع: الذي ينظر في ذل و خشوع لايقلع بصره، و الإقناع: رفع الرأس. و قال الزجاج: المقنع: الرافع. و المقنع : المرتفع ».[ثم استشهد بأشعار]
3-وقال في «المعنى »: «مهطعين »: « أي مسرعين، عن الحسن، و سعيد بن جبير، و قتادة.
وقيل: يريد دائمي النظر إلى ما يرون، لا يطرفون، عن ابن عباس، و مجاهد.
«مقنعی رؤسهم » أي: رافعي رؤوسهم إلى السماء حتى لا يرى الرجل مكان قدمه من شدة رفع الرأس، و ذلك من هول يوم القيامة.
وقال مؤج: معناه نا کسي رؤوسهم بلغة قريش.
« لَایَرتَدُّ إِلَیْهِمْ طَرْفُهُمْ» أي لا ترجع إليهم أعينهم، و لايطبقونها، ولا يغمضونها، و إنما هو نظر دائم.
« وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ »أي قلوبهم خالية من كل شيء، فزعا و خوفا، عن ابن عباس.
وقيل: خالية من كل سرور و طمع في الخير، لشدة ما يرون من الأهوال، كالهواء الذي بين السماء والأرض.
وقيل: معناه: و أفئدتهم زائلة عن مواضعها، قد ارتفعت إلى حلوقهم، لاتخرج ولا تعود إلى أماكنها، بمنزلة الشيء الذاهب في جهات مختلفة، المتردد في الهواء، عن سعيد بن جبير، وقتادة. و قيل : معناه: خالية عن عقولهم، عن الأخفش »
السادسة: الآية: 64، من سورة الكهف: « قال
ذَلِکَ مَا کُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَی آثَارِهِمَا قَصَصًا ».
1- هذه من جملة قصة موسى مع الخضر في هذه السورة، بدء من الآية: 60، «وَإِذْ قالَ مُوسی لِفَتیهُ لا أَبْرَحَ حَتّی أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَینِ...» ، و ختما بالآية:
82، «وَ أَمَّا اَلْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي اَلْمَدِينَةِ ..».
2- وجاء فيها أنهما لما بلغا م:جمع البحرین نسيا حوتهما، فلما جاوزا قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا، فقال فتاه: « إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ»، فقال موسى: ذلك ما كنا نطلبه، فرجعا إلى المجمع، فاتصل موسی بالخضر هناك.
3-وقد أطال الطبرسي ( 480:3 و 481 الكلام في قصته، و الخلاف في أن موسى هذا هل هو موسی بن عمران، أو موسی بن میشا بن يوسف - كما قال أهل الكتاب و الخلاف في أن موسى والخضر أيهما كان أعلم، فلاحظ
4-وقال في تفسير الآية «ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ» : « قال موسى علیه السلام: ذلك ما كنا نطلب من العلامة «فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما » أي رجعا و عادا عودها على بدئهما في الطريق الذي جاءا منه، يقصان« آثارِهِما قَصَصاً» أي و يتبعانها، و يوشع أمام موسی علیه السلام، حتى انتهيا إلى مدخل الحوت »
السابعة: الآية: 40، من سورة النمل: «قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ... »:
1- هذه من جملة قصة داود و سلیمان و ملكة سبا في هذه السورة، بدء من الآية: 15،«وَ لَقَدْ اتَيْنَا ’دَاوُدَ وَ سُلَيْمنَ عِلْمًا ...»، و ختما بالآية: 44، «قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ... ».
2 - و قد طلب سليمان أصحابه أن يأتوه بعرش ملكة سبا:« قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ ..قالَ الَّذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ...».
3- و قال الطبرسي (223:4)«قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ » : « و هو آصف بن برخيا، و كان وزیر سلیمان و ابن أخته، و كان صديقا يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، عن ابن عباس.
وقيل: إن ذلك الاسم « الله »، والذي يليه « الرحمن ».
وقيل: هو «يا حي يا قيوم »، و بالعبرانية « اهي آشراهي »
وقيل: هو « يا ذا الجلال والإكرام»، عن مجاهد.
وقيل: إنه قال: يا إلهنا و إلاه كل شيء، إلاها واحدا لا إله إلا أنت، عن الزهري.
وقيل: إن الذي عنده علم من الكتاب، كان رجلا من الإنس، يعلم اسم الله الأعظم، اسمه « بلخيا» عن مجاهد.
وقيل: اسمه «اسطوم» عن قتادة.
وقيل: الخضر عليه السلام عن أبي لهيعة.
وقيل: إن الذي عنده علم من الكتاب هو جبرائیل عیه السلامل، أذن الله له في طاعة سلیمان علیه الاسلام، بأن يأتيه بالعرش الذي طلبه.
وقال الجبائي: هو سليمان عليه السلام، قال ذلك للعفريت، ليريه نعمة الله عليه. وهذا قول بعيد، لم يؤثر عن أهل التفسير.
وأما «الكتاب » المعرف في الآية بالألف واللام، فقيل : إنه اللوح المحفوظ.
وقيل: أراد به جنس كتب الله المنزلة على أنبيائه، و ليس المراد به کتابا بعينه، و الجنس قد يعرف بالألف واللام.
وقيل: إن المراد به کتاب سليمان إلى بلقيس.
« أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ» اختلف في معناه:
فقيل: يريد قبل أن يصل إليك من كان منك على قدر مد البصر، عن قتادة.
وقيل : معناه: قبل أن يبلغ طرفك مداه و غايته، و يرجع إليك.
قال سعيد بن جبير: قال لسليمان: انظر إلى السماء، فما طرف حتى جاء به فوضعه بين يديه، والمعنى: حتى يرتد إليك طرفك بعد مده إلى السماء.
وقيل: ارتداد الطرف إدامة النظر حتى يرتد طرفه خاسئا، عن مجاهد.
فعلی هذا معناه: أن سليمان مد بصره إلى أقصاه، و هو يديم النظر، فقبل أن ينقلب بصره إليه حسيرا، يكون قد أتی با لعرش.
قال الكلبي: خر آصف ساجدا، و دعا باسم الله الأعظم، فغار عرشها تحت الأرض، حتى نبع عند كرسي سليمان.
وذكر العلماء في ذلك وجوها:
أحدها: أن الملائكة حملته بأمر الله تعالى.
والثاني: أن الريح حملته.
والثالث: إن الله تعالى خلق فيه حرکات متوالية.
و الرابع: أنه انخرق مكانه حيث هو هناك، ثم نبع بين يدي سليمان.
والخامس: أن الأرض طويت له، وهو المروي عن أبي عبد الله - جعفر بن محمد -علیه السلام .
والسادس: أنه أعدمه الله في موضعه، و أعاده في مجلس سليمان.
وهذا لا يصح على مذهب أبي هاشم، و يصح على مذهب أبي علي الجبائي، فإنه يجوز فناء بعض الأجسام دون بعض.
وفي الكلام حذف کثير، لأن التقدير: قال سليمان له: افعل. فسأل الله تعالى في ذلك، فحضر العرش، فرآه سلیمان مستقرا عنده.
«فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ »أي فلما رأى سليمان العرش محمود إليه، موضوعا بين يديه في مقدار رجع البصر.
«قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّی» أي من نعمته علي، و إحسانه لدي، لأن تيسير ذلك و تسخيره مع صعوبته و تعذره، معجزة له، و دلالة على علوقدره، و جلالته، و شرف منزلته عند الله تعالى ...».
و الثامنة: الآية: 25، من سورة محمد: «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ ...».
1- هذه من جملة آيات في ذم المنافقين بدء من
الآية: 16، «وَ مِنهْم مَّن یَسْتَمِعُ إِلَیْکَ حَتیَّ إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِکَ قَالُواْ لِلَّذِینَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَا ذَا قَالَ ءَانِفًا...» إلى آخر السورة.
2- و قال الطبرسي (5: 104): « ثم قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ »: أي رجعوا عن الحق والإيمان.
« مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى » أي من بعد ما بان لهم طريق الحق -وهم المنافقون - عن ابن عباس والضحاك والسدي، كانوا يؤمنون عند النبی صلی الله علیه و آله، ثم يضمرون الكفر فيما بينهم، فتلك ردة منهم.
وقيل: هم كفار أهل الكتاب، کفروا بمحمد صلی الله علیه و آله و قد عرفوه، و وجدوا نعته مكتوبا عندهم، عن قتادة.
و ليس في هذا دلالة على أن المؤمن قد يكفر، لأنه لایمتنع أن يكون المراد من رجع في باطنه عن الإيمان، بعد أن أظهره، وقامت الحجة عنده بصحته.
« الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ »أي زين لهم خطاياهم،عن الحسن.
وقيل: أعطاهم سؤلهم و أمنيتهم، إذ دعاهم إلى ما يوافق مرادهم و هواهم، عن أبي مسلم.
«وَ أُمْلِي لَهُمْ » أي طول لهم أملهم، فاغتروا به. و قيل: أوهمهم طول العمر مع الأمن من المكاره، و أبعد لهم في الأمل و الأمنية »
هذا كله البحث في آيات « الافتعال »
و أما آية «التفقل » فهي الآية: 45، من سورة التوبة: «إِنَّمَا یَسْتَأْذِنُکَ الَّذِینَ لَایُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِی رَیْبِهِمْ یَتَرَدَّدُونَ»:
1- هذه من جملة الآيات بشأن ضعفاء الإيمان و المنافقين في هذه السورة بدء من الآية: 38، «یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا مالَکُم إِذا قِیلَ لَکُمُ انْفِرُوا فِی سَبیلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ ...» إلى آخر السورة. و فيها آیات بشأن المؤمنين المخلصين، مثل الآية: 40، «اِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذینَ کَفَرُوا ثانِیَ اثْنَیْنِ إذْهُمَا فیِ الْغَارِ إِذْ یَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ... ».
ومثل الآية: 71، «وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِیاءُ بَعْضٍ یَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ یَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْکَرِ ...»، وما بعدها: «وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ...» ، و الآية: 88، «لكِنِ اَلرَّسُولُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ ...»، و ما بعدها: «أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ...»، و كذا الآيات 99 و 100، و غيرهما، فلاحظ.
2 - و هذه من تتمة الآية: 42، بشأن استئذان المنافقين في تخلقهم عن الخروج مع النبي صلی الله علیه و آله إلى غزوة تبوك، فأذن لهم: «لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا لا تبعوك... »، إلى قوله بعدها: «عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ...» ، والآية: 44، «لَایَسْتَأْذِنُکَ الَّذِینَ یُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الْآخِرِ...».
و كذا الآيتين: 46 و 47، «وَ لَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً...» ، و « لَوْ خَرَجُوا فیکُمْ مازادُوکُمْ الّا خَبالاً...».
3- وقال الطبرسي (3: 43): «إِنَّمَا یَسْتَأْذِنُکَ»في التأخر عن الجهاد و التخلف عن القتال معك.
وقيل: في الخروج، لأن المنافق إنما يستأذنك في الخروج تملقا، ولا يتأهب كما يتأهب المؤمنون، عن أبي مسلم .
« الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ » أي لا يصدقون به.
«و الْيَوْمِ الْآخِرِ» يعني: بالبعث و النشور.
«وَ ارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ» أي اضطربت و شکت.
« فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ » فهم في شكهم يذهبونو يرجعون،
ويلاحظ ثانيا: أن 37 آية منها مكية و أكثرها قصص، أو ما يرجع إلى العقيدة في التوحيد و المعاد والرسالة. و 21 آية مدنية أو مختلف فيه، و أكثرها في القتال و الغزوات أو أهل الكتاب، مثل آیتي التوبة : «وَسَیَرَی اللَّهُ عَمَلَکُمْ وَرَسُولُهُ »، و «وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ »، والآية: 8، من سورة الجمعة في حال اليهود: «ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَی عَالِمِ الْغَیْبِ ..».
أو في التشريع مثل الآية: 86، من سورة النساء: «وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا ..».
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن: الرد : الإرجاع:
الصد: «ووَجَدْتُها وَ قَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ» النمل 24 .
المنع : «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّه أَن یذْکَرَ فِیها اسْمُه وَسَعَی فِی خَرَابِها أُوْلَئِکَ مَا کَانَ لَهمْ أَن یدْخُلُوها إِلاَّ خَآئِفِینَ لهمْ فِی الدُّنْیا خِزْی وَلَهمْ فِی الآخِرَهِ عَذَابٌ عَظِیمٌ »البقرة : 114
الرجوع: «وَ قالَ الَّذینَ کَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَ لا بِالَّذی بَیْنَ یَدَیْهِ وَ لَوْ تَری إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ یَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلی بَعْضٍ الْقَوْلَ یَقُولُ الَّذینَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذینَ اسْتَکْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَکُنَّا مُؤْمِنینَ»سبأ : 31
العودة: « وَأَمْرُهُ إِلَی اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِکَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِیهَا خَالِدُونَ»البقرة : 275
الصرف: «فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ کَیْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِیعُ الْعَلِیمُ » يوسف : 34
التردد: الدهش:
الحيرة: « إِذْ هَدَانَا اللّهُ کَالَّذِی اسْتَهْوَتْهُ الشَّیَاطِینُ فِی الْأَرْضِ حَیْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ یَدْعُونَهُ إِلَی الْهُدَی ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَی اللّهِ هُوَ الْهُدَی وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِینَ» الأنعام : 71
البهت: « قالَ اِبْرهیمُ فَاِنَّ اللّهَ یَأْتی بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذی کَفَرَ وَ اللّهُ لا یَهْدِی الْقَوْمَ الْظّالِمینَ» البقرة : 258.
البروق: «فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ» القيمة : 7
3 ألفاظ، 3 مرات: في 3 سور،2 مکیتان،1 مدینه
ردف 1:1 1:1الرادفة مردفین 1:-1
اللنصوص اللغوية
الخليل: الردف: ما تبع شيئا، فهو ردفه، و إذا تتابع شيء خلف شيء فهو الترادف؛ و الجميع: الردافي.
ويقال: جاء القوم ردافي، أي بعضهم يتبع بعضا.
و رديفك: الذي تردفه خلقك، و يرتدفك، ويردفه غيرك.
و نزل بالقوم أمر قد ردف لهم أمرأعظم منه.
و الرداف: هو موضع مرکب الردف.
ويقال : برذون لايردف و لايرادف، أي يدع رديفا يركبه.
و الرديف : کوکب قريب من النسر الواقع.
و الرديف في قول أصحاب النجوم: هو النجم
الناظر إلى النجم الطالع.
و الردف: الكفل.
وأرداف النجوم: تواليها، أي ترادفها.
والترادف: كناية عن فعل قبیح؛ وذلك أنه إذا عمل أحدهما عمل إثم ردفه الآخر. [و استشهد بالشعر 3 مرات] (22:8)
الكسائي: يقال: أتينا فلانا فارتدفناه، أي أخذناه من ورائه أخذا. (الجوهري 1364:4)
نحوه الأصمعي. (الأزهري 97:14)
أبو عمرو الشيباني:قد تردفوه، إذا ظهروا عليه. (3:2)
أبوزيد: يقال: ردفت الرجل و أردفته، إذا ركبت خلفه.[ثم استشهد بشعر] (الأزهري 96:14)
الأصمعي: تعاونوا عليه و ترادفوا، بمعنی . (الجوهري : 1364:4)
الرداقی: هم الحداة، لأنهم إذا أعيا أحدهم خلفه
الآخر. [ثم استشهد بشعر] (ابن فارس 2: 504)
ابن الأعرابي: يقال: ردفته و أردفته، بمعنى واحد. (الأزهري 96:14)
أبو حاتم: الرديف: الذي يجيء بقدحه بعد أن فاز من الأيسار واحد أو اثنان، و يسألهم أن يدخلوا قدحه في قداحهم. (ابن فارس 2: 504)
شمر: ردفت و أردفت، إذا فعلت بنفسك. فإذا فعلت بغيرك فأردفت لاغير. (الأزهري 97:14)
أبو الهيثم : يقال: ردفت لفلان، أي صرت له ردفا. و تزيد العرب اللام مع الفعل الواقع في الاسم المنصوب، فتقول: سمع له، و شكر له، و نصح له، أي سمعه و نصحه و شکره. (الأزهري 96:14)
المبرد: للرادفة موضعان:
أحدهما : أن يردفه الملك على دابته في صيد أو تریف، أو ما أشبه ذلك من مواضع الأنس.
والوجه الآخر: أنبل: وهو أن يخلف الملك إذا قام عن مجلس الحكم، فينظر بین الناس بعده.(360:2)
الزجاج:يقال: ردفت الرجل، إذا ركبت خلفه، وأردفته : أركبته خلفي. و يقال: هذه دابة لاترادف، ولا يقال: لاتردف.
ويقال: أردفت الرجل، إذا جئت بعده. (الأزهري 97:14)
ابن دريد: الردف: الذي يركب وراءك فهو ردفك و ردیفك.
و الردف: العجز.
و كل شيء جاء بعدك، فهو ردفك و ردیفك فقد ردفك، وفي التنزيل: «تتبعها الرادفة » النازعات : 7، و ردفتهم كتب السلطان بكذا و كذا، أي جاءت بعدهم.
وجاء القوم ردافي في وزن « فعالی»: بعضهم على إثر بعض.
و جمع ردف: أرداف.
و أرداف الملوك في الجاهلية : الذين كانوا يخلفون الملك، نحو صاحب الشرط في دهرنا هذا.
والرديف و الرادف: النجم الذي ينوء من المشرق إذا انغمس رقيبه في المغرب. [ثم استشهد بشعر] (251:2)
القالي: أردافه: ماخيره. (1: 174)
الأزهري: يقال للحداة : الردافي. و قيل: الدافي: الرديف.
وقال الليث: ويقال: هذا البرذون لايردف ولايرادف، أي يدع رديفا يرکبه.
قلت: كلام العرب: لايرادف، و أما لایردف فهو مولد من كلام أهل الحضر.
وقال غيره: أرداف الملوك في الجاهلية الذين يخلفونهم في القيام بأمر المملكة، بمنزلة الوزراء في الإسلام و هي الردافة.
و الروادف: أتباع القوم المؤخرون. يقال: هم روادف و ليسوا بأرداف.
والردفان: الليل والنهار، لأن كل واحد منهما ردف لصاحبه. (96:14)
الصاحب: الردف: ما تبع شيئا، وهو الترادف، و الجميع: الردافی.
و رديفك: الذي تردفه خلفك و یرتدفك.
و الرداف: موضع مركب الرديف.
و دابة لاترادف و لاتردف: أي لا تحمل رديفا.
و الردف : الكفل. و ملاح السفينة .
و ردفته و أردفته: ركبت خلفه.
وجئت مردافا لفلان، أي بعده.
و ردفت له كذا: جئته به.
و الرديف: کوکب قريب من النسر الواقع. والناظر إلى النجم الطالع.
وأرداف النجوم: تواليها.
و کوکب الردف يسميه المنجمون: ذنب الدجاجة و الترادف: كناية عن فعل قبیح.
و المترادف في القوافي : تتابع حركات.
و ترادف القوم: بمعنى تعاونوا.
و الردفان: الغداة و العشي.
و الرادف: الذي يجيء بقدحه بعدما اقتسموا الجزور. وقيل : هو الذي يجيء بقدحه بعد أن فاز من الأيسار واحد أو اثنان، فيسألهم أن يدخلوا قدحه في قداحهم.
وأرداف الملوك: أبناؤهم الذين يدفون آباءهم في الملك و الشرف؛ و الاسم: الردافة. و كانت الردافة من تميم في بني يربوع.
و الروادف: قوم لاديوان لهم، فيجيؤون رادفة لمن له دیوان.
و الردافي: الحداة الذين يتحدون بالظعن.
و جراد ردافي: إذا ارتدف الجراد أربعة أو خمسة .
و بهم ردفي: أي ولدت في الخريف و الصيف في آخر ولاد الغنم.
وأمر ليس له ردف، أي تبعة.
و الراكوب من النخل يسمى: الرادوف؛ و جمعه: رواديف و روادف.
والردف في القافية، سمي ردفا، لأنه خلف القافية.(289:9)
ابن جني: أصل الردف للألف، لأن الغرض فيه إنما هو المد. و ليس في الأحرف الثلاثة مايساوي الألف في المد، لأن الألف لا تفارق المد، و الياء والواو قد يفارقانه، فإذا كان الردف ألفا فهو الأصل، و إذا كان ياء مكسور ما قبلها، أو واوا مضموما ما قبلها، فهو الفرع الأقرب إليه، لأن الألف لا تكون إلاساكنة مفتوحا ما قبلها. (ابن سيده 304:9)
الجوهري: الردف: المرتدف، و هو الذي يركب خلف الراكب.
وأردفته أنا، إذا أركبته معك، و ذلك الموضع الذي یر کبه: رداف.
و كل شيء تبع شيئا فهو ردفه.
وهذا أمر ليس له ردف، أي ليس له تبعة.
و الردف في الشعر: حرف ساکن من حروف المد و اللين، يقع قبل حرف الروي، ليس بينهما شيء. فإن كان ألفا لم يجز معها غيرها، و إن كان واو ا جاز معها الياء.
والردفان: الليل و النهار.
و الردافة: الاسم من أرداف الملوك في الجاهلية .
و الردافة: أن يجلس الملك و يجلس الردف عن يمينه، فإذا شرب الملك شرب الردف قبل الناس، و إذا غزا الملك قعد الردف في موضعه، و كان خليفته على الناس حتى ينصرف، و إذا عادت كتيبة الملك أخذ الردف المرباع.
و كانت الردافة في الجاهلية لبني يربوع، لأنه لم يكن في العرب أحد أكثر غارة على ملوك الحيرة من بني يربوع، فصالحوهم على أن جعلوا لهم الردافة و يكفو عن أهل العراق الغارة.
والردف: الكفل و العجز.
والرديف: المرتدف؛ و الجمع: رداف.
و الرديف: نجم قريب من النسر الواقع.
والرديف: النجم الذي ينوء من المشرق إذا غاب رقيبه في المغرب.
و ردفه بالكسر ، أي تبعه. يقال: كان نزل بهم أمر فردف لهم آخر أعظم منه. قال تعالى: «تتبعها الرداوفة»النازعات : 7.
و الروادف: رواكيب النخلة.
و الردافی: علی «فعالي»بالضم: الحداة والأعوان، لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر.
وأردفه أمر: لغة في ردفه، مثل تبعه و أتبعه بمعنى. وأردفت النجوم، أي توالت.
و مرادفة الجراد: ركوب الذكر الأنثى و الثالث عليهما.
ويقال: هذه دابة لاترادف، أي لاتحمل رديفا.
و الارتداف: الاستدبار.
و استردفه، أي سأله أن يردفه. و الترادف: التتابع. [و استشهد بالشعر 3 مرات] (1363:4)
ابن فارس : الراء و الدال والفاء أصل واحد مطرد، يدل على اتباع الشيء. فالترادف: التتابع، و الرديف: الذي يرادفك. وسميت العجيزة ردفا من ذلك.
ويقال: نزل بهم أمر فردف لهم أعظم منه، أي تبع الأول ما كان أعظم منه.
و الرداف: موضع مركب الردف.
وهذا برذون لايرادف، أي لايحمل رديفا.
وأرداف النجوم: تواليها. ويقال: أتينا فلانا فارتدفناه ارتدافا، أي أخذناه أخذا.
والرديف: النجم الذي ينوء من المشرق إذا انغمس رقيبه في المغرب.
وأرداف الملوك في الجاهلية: الذين كانوا يخلفون الملوك.
والردفان: الليل والنهار. و في شعر لبيد: «الردف» و هو ملاح السفينة.
وهذا أمر ليس له ردف، أي ليست له تبعة.
ويقال : رادف الجراد. و المرادفة: ركوب الذكر الانثی.
والروادف: رواكيب النخل. (503:2)
الهروي: في الحديث: « لست من أرداف الملوك»، أرداف الملوك: هم الذين يخلفونهم في القيام بأمر
المملكة، بمنزلة الوزراء في الإسلام، و هي الرادفة. (735:3)
نحوه الثعالبي. (45)
أبوسهل الهروي:دابة لاترادف - بالألف - أي لا تحمل رديفا، و هو الذي يركب خلف الإنسان. (98)
ابن سيده: الردف: ما تبع الشيء.
و ردف كل شيء: مؤخره.
والردف: العجز. و خص بعضهم به عجيزة المرأة ؛والجمع: من كل ذلك: أرداف.
و الروادف: الأعجاز، لا أدري، أهوجمع ردف نادر، أم هو جمع رادفة؟ و كله من الإتباع.
و ترادف الشيء: تبع بعضه بعضا.
والترادف: كناية عن فعل قبيح، مشتق من ذلك.
و المترادف: كل قافية اجتمع في آخرها ساکنان، وهي « متفاعلان » و « مستفعلان » و « فاعلان » و « مفاعیل» و «فعلان » و «فعول» سمي بذلك، لأن غالب العادة في أواخر الأبيات أن يكون فيها ساکن واحد رویا، مقيدا كان أو وصلا، أو خروجا، فلما اجتمع في هذه القافية ساکنان سمي مترادفا، كأن أحد الساكنين ردف للآخر، ولاحق به.
وأردف الشيء بالشيء و أردفه عليه: أتبعه إياه.
و ردف الرجل، و أردفه: ركب خلفه.
و ارتدفه: جعله خلفه على الدابة.
و رديفك: الذي يرادفك، و الجمع: ردفاء، و ردافي.
و الردف: الراكب خلفك.
والردف: الحقيبة ونحوها، مما يكون وراء الإنسان کالردف.
و دابة لاتردف و لاترادف، أي لا تقبل ردیفا.
و الرداف: موضع مراكب الرديف.
و إرداف النجوم: تواليها.
والردف، و الرديف: کو کب يقرب من النسر الواقع.
والرديف: النجم الناظر إلى الطالع.
وأرداف الملوك في الجاهلية: الذين كانوا يخلفونهم، نحو أصحاب الشرط في دهرنا هذا.
والرداف: الذي يجيء بقدحه بعدما اقتسموا الجزور، فلایردونه خائبا، ولكن يجعلون له حظا فيما صار لهم من أنصبائهم.
و الردف: الألف والياء و الواو التي قبل الروي، سمي بذلك، لأنه ملحق - في التزامه، و تحمل مراعاته - بالروي، فجرى مجرى الردف للراكب، أي يليه، لأنه ملحق به، و كلفته على الفرس و الراحلة أشق من الكلفة بالمتقدم منهما، وذلك نحو الألف في كتاب و حساب، والياء في تليد و بليد، والواو في ختول و قتول.[ثم نقل قول ابن جني و أضاف: ]
فإن قلت: فإن الردف يتلو الراكب، و الردف في القافية إنما يجيء قبل حرف الروي لابعده، فكيف جاز لك أن تشبهه به، والأمر في القضية بضدما قدمته؟
قلت: فالجواب أن الردف و إن سبق في اللفظ الروي، فإنه لا يخرج مما ذكرناه، و ذلك أن القافية كما
كانت -وهي آخر البيت - وجها له، و حلية لصنعته، فكذلك أيضا آخر القافية زينة لها و وجه لصنعتها. فعلی هذا يجب أن يقع الاعتداد بالقافية، و الاعتناء بآخرها أكثر منه بأولها. و إذا كان كذلك فالروي أقرب إلى آخر القافية من الردف، فبه وقع الابتداء في الاعتداد، ثم تلاه الاعتداد بالردف. فقد صار الردف - كما تراه - و إن سبق الروي لفظا تبعا له تقديرا و معنی، فلذلك جاز أن يشبه الردف قبل الروي بالردف بعد الراكب.
وجمع الردف: أرداف، لا يكسر على غير ذلك. و ردفهم الأمر، و أردفهم: دهمهم.
وأتيناه فارتدفناه، أي أخذناه.
و ردفان: موضع. [واستشهد بالشعر 4 مرات] (302:9)
الراغب: الردف: التابع، و رذف المرأة: عجيزتها. والترادف: التتابع.
و الرادف: المتأخر، والمردف: المتقدم الذي أردف غيره. «إلى أن قال:]
وأردفته: حملته علی ردف الفرس، و الرداف: مركب الردف، و دابة لاترادف و لاتردف.
وجاء واحد فأردفه آخر.
وأرداف الملوك: الذين يخلفونهم. (193)
الزمخشري: هو ردیفه و ردفه، وقد ردفه وأردفه و ارتدفه و تردفه: ركب خلفه.
و استردفه : سأله أن يردفه فأردفه.
ويقال : ارتدفت: فلانا: جعلته رديفا.
وأتينا فلانا فارتدفناه، أي أخذناه و أركبناه وراءنا.
ووطأ له على رداف دابته و هو مقعد الرديف من قطاتها.
وهذه دابة لاتروف و لاترادف: لا تقبل الرديف.
و جاؤوا ركبانا و ردافی : جمع رديف. وجاؤوا ردافي: مترادفين ركب بعضهم خلف بعض إذا لم يجدوا إبلا يتفرقون عليها.
و رأيت الجراد ردافي، أي عظالی.
و ردفته و ردفت له و تردفته و أردفته: تبعته.
و تراد فوا: تتابعوا.
و بنو فلان مترادفون: مترافدون.
و لهن أرداف و روادف.
و غابت أرداف النجوم، و هي تواليها و أواخرها.
وهو من الروادف و ليس من الأرداف، أي من الأتباع المؤخرین، و ليس من الوزراء. و فيهم الردافة.
وجاؤوافرادی ردافی: واحدا بعد واحد مترادفين.
وأين الردافی و هم حداة الظعن.
و من المجاز: هذا أمر ليس له ردف، أي تبعة.
و ردفتهم كتب السلطان بالعزل، أي جاءت على أثرهم.
و كان نزل بهم أمر ثم ردف لهم أعظم منه.
ولاأفعل ذلك ما تعاقب الردفان، أي الملوان (أساس البلاغة : 160).
أبو هريرة رضي الله عنه: [ في حديث قال :]
(... على أكتافها أمثال النواجد شحما، تدعونه أنتم الروادف، محلس أخفافها شوکا من حديد...».
«النواجد»: طرائق الشحم، جمع: ناجدة، من النجد، و هو الارتفاع. والروادف: مثلها. (الفائق 3: 409)
ابن الأثير:[اكتفي بنقل الأحاديث المتقدمة ] (216:2)
الصغاني... الردف أيضا: الجبل.[ إلى أن قال: ]
و الردافي أيضا: جمع ردیف، کالفرادی من الفريد. وقيل: الردافي: الرديف.[ إلى أن قال: ]
و أمر ليس له ردف: لغة في الردف.
و الرادوف: راکوب النخل.
و في القوافي : المترادف، و هو اجتماع ساکنين في القافية. (476:4)
الفیومي: الرديف: الذي تحمله خلفك على ظهر الدابة. تقول: أردفته إردافا و ارتدفته، فهو ردیف و ردف؛ ومنه ردف المرأة و هو عجزها، و الجمع: أرداف.
و استردفته: سألته أن يردفني. و أردفت الدابة و رادفت إذا قبلت الرديف و قویت على حمله.
وجمع الرديف: ردافي على غير قياس.
وقال الزجاج: ردفت الرجل بالكسر ، إذا رکبت خلفه. و أردفته إذا أركبته خلفك، و ردفته بالكسر: لحقته و تبعته.
و ترادف القوم: تتابعوا.
و كل شيء تبع شيئا فهو ردفه. (224:1)
الفيروزابادي: الردف، بالكسر : الراكب خلف الراكب، کالمرتدف و الرديف و الردافي، کحباری، و كل ما تبع شيئا.
و کوکب قريب من النسر الواقع، و تبعة الأمر، - و يحرك -و جبل، و الليل، و النهار، و هما ردفان، و جليس الملك عن يمينه، يشرب بعده و يخلفه إذا غز.
و في الشعر: حرف ساکن من حروف المد و اللين، يقع قبل حرف الروي، ليس بينهما شيء.
و الرديف: نجم آخر قريب من النسر الواقع، والنجم الذي ينوء من المشرق إذا غرب رقيبه.
والذي يجيء بقدحه بعد فوز أحد الأيسار، أو الاثنين منهم، فيسألهم أن يدخلوا قدحه في قداحهم.
و النجم الناظر إلى النجم الطالع.
و بهم ردفی، کسکری: ولدت في الخريف والصيف في آخر ولاد الغنم.
و ككتاب: الموضع يركبه الرديف.
و الردافة بهاء: فعل ردف الملك، كالخلافة.
و الروادف: رواكيب النخل، وطرائق الشحم؛ الواحدة: رادفة.و رادوف.
والردافي، كحبارى: الحياة، والأعوان، و جمع ردیف.
وجاؤوا ردافي: يتبع بعضهم بعضا.
و ردفه، کسمعه و نصره: تبعه، كأردفه.
وأردفته معه: أركبته، و النجوم: توالت.
و مرادفة الملوك: مفاعلة من الردافة، و من الجراد:
ركوب الذكر الأنثى والثالث عليهما.
وهذه دابة لاترادف و لا تردف؛ قليلة أو مولدة: لا تحمل رديفا.
و ارتدفه: ردفه، و العدو: أخذه من ورائه أخذا.
و استردفه : سأله أن يردفه.
و ترادفا: تعاونا، و تناکحا، و تتابعا.
و المترادف من القوافي: ما اجتمع فيها ساکنان، و أن تكون أسماء لشيء واحد، و هي مولدة.
و ردفان، محركة: موضع. و ردفة بالكسر : موضع.(147:3)
الطريحي: الارتداف: الاستدبار. يقال : أتينا فلانا فارتدفناه، أي أخذناه من ورائه أخذ.
و ردفته: لحقته و تبعته.
و صلاة مترادفة، أي متتابعة.
والترادف: التتابع.
و تعاونوا عليه و ترادفوا: بمعنى.
و ردفته با لكسر، إذا ركبت خلفه.
و الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب، و مثله الرديف. تقول: أردفته إردافا و ارتدفته فهو ردیف.
و استردفه : سألته أن يردفني.
و الردف: الكفل و العجز.
و الردفان: الليل و النهار.(63:5)
مجمع اللغة: ردف الرجل يردفه، و ردفه و یردفه ردفا: ركب خلفه، أو تبعه و لحقه.
والرادفة: الواقعة، أو النفخة التي تردف و تتبع الأولى.
أردف الرجل: ركب خلفه، فهو بمعنی ردف.
وأردف الرجل أيضا: أركبه خلفه.
و اسم الفاعل منهما مردف، و جمعه: مردفون. (4770:1)
العدنانی: ردفته، ارتدفته، تردفته: ركبت خلفه ويخطئون من يقول: إن معنى أردفت فلانا: ركبت خلفه، و يقولون: إن معناه هو: أركبته خلفي، و كلتا الفئتين مصيبة.
جاء في النهاية: و في حديث وائل بن حجر: «أن معاوية سأله أن يردفه، و قد صحبه في طريق، فقال: لست من أرداف الملوك».
«الأرداف » هم الذين يخلفون الملوك في القيام بأمر المملكة، بمنزلة الوزراء في الإسلام.
و ممن قال أيضا إن أردفته تعني: أركبته خلفي: معجم ألفاظ القرآن الكريم، و شمر بن حمدويه، و الزجاج، و التهذیب، و الصحاح، و مفردات الراغب الأصفهاني، و الأساس، و المختار، واللسان، و المصباح، والقاموس، والتاج، والمد و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.
و ممن قال: إن أردفته تعني: ركبت خلفه: معجم ألفاظ القرآن الكريم، و أبو عبيدة، و شمر بن حمدويه، و أدب الكاتب، و التهذیب، و المحكم، و مفردات الراغب الأصفهاني، و اللسان، و حاشية القاموس، والتاج، و المدة، و المتن، و الوسيط .
وهنالك ثلاثة أفعال أخرى تعني: ركبت خلفه:
1- ردفته: معجم ألفاظ القرآن الكريم،
و أبوعبيدة، و ابن الأعرابي، و شمر بن حمدويه، و أدب الكاتب، و الزجاج، و الأزهري، و المحكم، و مفردات الراغب الأصفهاني، و الأساس، و العباب، واللسان، و المصباح، و حاشية القاموس، والتاج، والمد، و ذیل اقرب الموارد، و المتن، والوسيط .
فبعض هؤلاء ذكر أن الفعل هو: ردفه، و ذکر آخرون أنه: ردفه، و قالت فئة ثالثة: إنه ردفه و ردفه كليهما.
2 - و ارتدفه : لحن العوام لمحمد الزبيدي، و مفردات الراغب الأصفهاني، و الأساس، و المختار، و اللسان، و المصباح، و حاشية القاموس، والتاج، والمد، و ذیل اقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.
3- و تردفه: الأساس، و مستدرك التاج، و ذیل أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.
أما فعله فهو ردفه یردفه ردفا، و ردفه يردفه ردفا.
ويسمى الذي يركب خلف الراكب: ردفا. (285)
محمد إسماعيل إبراهيم: ردفه: تبعه أو ركب خلفه، فهو له ردف.
وأردفه: أركبه خلفه.
وأردف الشيء بالشيء: أتبعه عليه.
والرادفة: النفخة الثانية في الصور يوم القيامة،لمجيئها رادفة بعد الأولى.
والمردفون: الذين يأتون متتابعين فوجا بعد فوج.
و ردف له أمر: دهمه و لحقه. (218:1)
محمود شیت: ردفه ردفا: ركب خلفه.
و ردف جماعة المشاة: ركبوا خلفه في الدبابة.
أردف جماعة المشاة: ركبوا خلفه في الدبابة .
ارتدف جماعة المشاة: ركبوا خلفه في الدبابة.
الرداف: موضع ركوب الرديف في الدبابة .
الدف: الراكب خلف الراكب في الدبابة؛ جمعه: أرداف، و رداف.
الرديف: المسرح من الجيش العامل، ليكون مددا في النفير - التعبئة العامة، جمعه: أرداف، و ردفاء، و رداف، و ردافی. (289:1)
المصطفوي: التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة : هو وقوع شيء عقيب آخر؛ بحيث أن يكونا في سلك واحد، كما في الردفان. و بهذا يظهر الفرق بينها و بین مواد التبع والتلو و الطاعة و اللحوق و الوفاق والتأخر و أمثالها.
فإن الإتباع هو القفو و الحركة خلف شيء مادي أو معنوي عملا أو فكرا، كما سبق في التبع.
و التلو: هو الوقوع بعد شيء، بأن يجعله أمامه و يكون هو خلفه، و هو ناظر إلى جهة الظاهر فقط، كما سبق في التلو.
والطاعة: هو إتباع المدعو الداعي في أمره و نهیه، و النظر فيه إلى هذه الجهة فقط، وإن لم يقصد الإتباع، و هو في مقابل العصيان. والنظر في الموافقة إلى جهة التوافق بين الشيئين فقط، و ليس ناظرا إلى جهة الإتباع و التقدم والتأخر، و هو في مقابل المخالفة.
واللحوق: هو الوصول إلى شيء بعد أن كان منفصلا عنه، والنظر فيه إلى هذه الجهة فقط.
والنظر في التأخر إلى ما يقابل التقدم.
فمادة الردف: تدل على وقوع شيء عقيب آخرو في مسلکه، و يجمعهما نظام واحد، و ليس النظر فيها إلى جهة الإتباع أو الطاعة أو غيرها.
فظهر لطف التعبير بالمادة في هذه الموارد.
ولا يخفى التناسب بين المادة لفظا و معنی و بین مادة الدرء. (107:4)
النصوص التفسيرية
«قُلْ عَسی أَنْ یَکُونَ رَدِفَ لَکُمْ بَعْضُ الَّذِی تَسْتَعْجِلُونَ». النمل : 72
ابن عباس: قرب لكم. (321)
مثله السدي.(371)
مجاهد: أعجل لكم. (الطبري 11:10)
أزف. (الطبري 11:10)
مثله قتادة.(الواحدي 3: 384)
الضحاك : اقترب لكم. (الطبري 11:10)
نحوه الرماني . (الماوردي 4: 225)
قتادة: أردف لكم. (الطبرسي 4: 232)
الفراء: جاء في التفسير: دنا لكم بعض الذي تستعجلون، فكأن اللام دخلت إذ كان المعنى دنا. [ثم استشهد بشعر]
وأنت تقول: رميت بالشيء و طرحته، و تكون اللام داخلة، والمعنى: ردفكم، كما قال بعض العرب: نفذت لها مائة، و هو يريد: نفذتها مائة. (299:2)
أبو عبيدة: مجازه: جاء بعد کم. (299:2)
الأخفش: قال« ردف لكم» و نظنها « ردفكم»، و أدخل اللام فأضاف بها الفعل، كما قال: «للرءیا تعبرون » يوسف : 43، و «لربهم يرهبون » الأعراف :154، وتقول العرب: ردفه أمر، كما يقولون: تبعه» و «أتبعه ». (651:2)
ابن قتيبة:أي تبعكم. واللام زائدة، كأنه«رفكم». و قيل في التفسير: دنا لكم. (326)
نحوه المبرد. (الطوسي (8: 114)
الطبري: يقول جل جلاله: قل لهم يامحمد: عسى أن يكون اقترب لكم و دنا.[إلى أن قال:]
واختلف أهل العربية في وجه دخول اللام في قوله: «ردف لكم» و کلام العرب المعروف: ردفه أمر و أردفه، كما يقال: تبعه و أتبعه. فقال بعض نحويي البصرة: أدخل اللام في ذلك فأضاف بها الفعل، كما يقال: «للریا تعبرون »یوسف : 43، و «لربهم يرهبون » الأعراف : 154.
وقال بعض نحويي الكوفة: أدخل اللام في ذلك للمعنى، لأن معناه: دنا لهم، كما قال الشاعر:
*فقلت لها الحاجات يطرحن بالفتى *
فأدخل الباء في « يطرحن »، و إنما يقال: طرحته، لأن معنى الطرح: الرمي، فأدخل الباء للمعنى، إذ كان معنى ذلك يرمين بالفتي.
وهذا القول الثاني هو أولاهما عندي بالصواب
وقد مضى البيان عن نظائره في غير موضع من الكتاب، بما أغنى عن تكراره في هذا الموضع.( 10:10)
الزجاج: قيل في التفسير: عجل لكم، و معناه في اللغة: ردفكم، مثل رکبکم، و جاء بعد کم. (128:4)
القمي: أي قد قرب من خلفكم. (130:2)
السجستاني:ردفكم، بمعنی تبعكم و جاء بعد کم. (142)
نحوه الكاشاني. (73:4)
النحاس: هو من ردفه إذا اتبعه، و جاء في أثره، و تكون اللام أدخلت، لأن المعني: اقترب لكم ودنا الكم، أو تكون متعلقة بمصدر. (147:5)
الثعلبي: أي دنا و قرب لكم. و قيل: تبعكم.(221:7)
الماوردي: فيه ثلاثة أوجه: [إلى أن قال: ]
الثالث: تبعكم، قاله ابن شجرة؛ و منه ردف المرأة، لأنه تبع لها من خلفها. [ثم استشهد بشعر] (225:4)
الطوسي: المعنى: أن الذي وعدكم الله به لابد أن يردفكم، و الردف الكائن بعد الأول قريبا منه.
و الفرق بينه و بين التابع: أن في التابع معنى الطلب الموافقة الأول. و ترادف إذا تلاحق تلاحقا ترادفا، و أردفه إردافا..... و قيل: تبع لكم.[ إلى أن قال:]
و «ردف» من الأفعال التي تتعدى بحرف و بغير حرف، كما قال الشاعر:
فقلت لها الحاجات تطرحن *بالفتی و هم يعناني معنا ركائبه.
و قيل: إن الباء إنما دخلت للتعدية. وقيل: إنما دخلت لما كان معنی « تطرحن» ترمين، و كذلك لما كان معنی «ردف لكم » دنا، قال: «لكم ».(114:8)
الواحدي: يقال: ردفت الرجل و أردفته، إذاركبت خلفه. (384:3)
البغوي: أي: دنا و قرب «لكم»، و قيل: تبعكم. والمعنى: ردفكم، أدخل فيه اللام كما أدخل في قوله: « لِرَبِّهِمْ یَرْهَبُونَ» الأعراف : 154 . (512:3)
الزمخشري: ردفكم بعضه، وهو عذاب يوم بدر، فزيدت اللام للتأكيد، کالباء في «وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ » البقرة : 195، أو ضمن معنى فعل يتعدى باللام، نحو: دنا لكم، و أزف لكم، و معناه: و تبعكم و لحقكم، و قد غدي. ب ( من ) قال:
فلما ردفنا من عمير و صحبه *تولوا سراعا و المنية تعنق .
يعني دنونا من عمير.
وقرأ الأعرج ( ردف لكم) بوزن «ذهب»، و هما لغتان، والكسر أفصح. (158:3)
نحوه الفخر الرازي ( 214:24)، و البيضاوي (182:2) ، و النسفي (3: 221)، و النيسابوري ( 150:2)والشربيني (3: 72)، و أبوالسعود( 100:5) ، والبروسوي (6: 367)، و شبر ( 4: 439)، والطباطبائی (388:15).
ابن عطية: «ردف» معناه قرب و أزف، قاله ابن عباس و غیره، و لكنها عبارة عما يجيء بعد
الشيء قريبا منه، و لكونه معنى هذه الأفعال الواقعة تعدى بحرف، و إلا فبابه أن يتجاوز بنفسه.
وقرأ الجمهور بكسر الدال، وقرأ الأعرج ( ردف) بفتح الدال. (269:4)
القرطبي: [نحو التحاس وأضاف:]
وقيل: معناه: معكم. ( 230:13)
أبو حيان: أي تبعكم عن قرب و صار كالرديف التابع لكم. [إلى أن قال:]
وقيل: الفعل محمول على المصدر، أي الرادفة الكم، و بعض على تقدير : ردافه بعض ما تستعجلون. وهذا فيه تكلف ينزه القرآن عنه.
وقيل : اللام في «لكم» داخلة على المفعول من أجله، والمفعول به محذوف، تقديره: ردف الخلق لأجلكم. و هذا ضعيف. و قيل: الفاعل ب «ردف» ضمير يعود على الوعد. (95:7)
الآلوسي: [نحو الزمخشري ثم أدام نحو أبي حیان] (16:20)
ابن عاشور: «ردف »تبع بقرب. و عدي باللام هنا مع أنه صالح للتعدية بنفسه، لتضمينه معنى « اقترب »، أو اللام للتوكيد مثل: شكر له.
والمعنى: رجاء أن يكون ذلك قريب الزمن. و هذا إشارة إلى ما سيحل بهم يوم بدر. ( 300:19)
مغنية: ربما كان العذاب من وراء کم، و أنتم لا تشعرون، و في هذا المعنى الآية 51، من سورة الإسراء: « وَیَقُولُونَ مَتَی هُوَ قُلْ عَسَی أَنْ یَکُونَ قَرِیبًا ».(36:6)
عبد الكريم الخطيب: «ردف لكم» أي وقع الكم، و علق بكم بعض هذا العذاب الذي تنكرونه و تستعجلونه، و لكنكم لا تشعرون به، لأنكم في غمرة من جهلكم و ضلالكم.
وأصل الردف: ما يجيء في عقب غيره؛ و منه الرديف، و هو من يركب خلف الراكب، و منه سمي الردف، و هو مؤخرة الإنسان؛ و جمعه: أرداف.
و في التعبير بالفعل «ردف»دون غيره من الأفعال التي بمعناه، ما يشير إلى أمور؛ منها:
أولا: أن هذا العذاب سيجيء من وراء ظنونهم، و يقع من حيث لا يتوقعون، كما يجيء الرديف من الخلف، و كما يقع الردف من وراء.
و ثانیا: أن الردف، أو الرديف، يلتصق بصاحبه، و أن هذا العذاب هو ملتصق بهم، و ممسك بكيانهم، لايفلتون منه أبدا.
و ثالثا: أن الردف، أو الرديف، هو عبء ثقيل، قد يبهظ المتعلق به، و هذا العذاب المعجل لهم في الدنيا، سيلاقون منه بلاء و شدة. ( 279:10)
المصطفوي: أي من العذاب و آثار الغضب والقهر والبلاء، فتظهر واقعة في رديفهم. وهذا كما أن الملائكة كانوا مردفين لهم، و كانوا آثار لطف و رحمة. (108:4)
مکارم الشيرازي: «ردف»فعل مشتق من « الردف » على وزن «الحرف » و معناه: كون الشيء خلف الشيء الآخر، و لذا يطلق على من يركب الفرس خلف رقبته ردیف، كما يطلق الرديف على ما
یردف بعضه بعضا، فيكون خلفه.(114:12)
الرادفة
تتبعها الرادفة. النازعات: 7
ابن عباس: و هي النفخة الأخيرة. (500)
نحوه الفراء. (3: 231)
عطاء: «الرادفة» : البعث. (الثعلبي 124:10)
ابن زيد: «الرادفة »: الساعة. (الثعلبي 10: 124)
أبو عبيدة : كل شيء بعد شيء يردفه فهو الرادفة: الصيحة الثانية. (2: 284)
ابن قتيبة: أي تردفها أخرى، يقال: ردفته وأردفه، إذا جئت بعده. (512)
الزجاج: قيل: النفخة الثانية التي تبعث معها الخلق، و هو كقوله تعالى: «وَنُفِخَ فِی الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِی السَّمَواتِ وَمَن فِی الْأَرضِ إِلّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِیهِ أُخْرَی فَإِذَا هُمْ قِیَامٌ یَنظُرُونَ» الزمر : 68. (278:5)
الثعلبي: حين تنشق السماء و يحمل الأرضوالجبال، فدکتا دكة واحدة ...
و كل شيء ولي شيئا و تبعه فقد ردفه. (124:10)
المصطفوي: أي تتبع النفوس المضطربة المتزلزلة الذين كانوا في سلكهم و في رديفهم.
والتعبير ب «الرادفة » دون المتبعة أو المطيعة أو غيرهما، فإن من يتبع الرجف أو يطيعه فهو راجف أيضا، ولا يحتاج إلى تكرار ذكره. و هذا بخلاف من كان في مسلکه و ردیفه، و إن لم يكن مطيعا و متبعا، فهو مستقل في عمله. (108:4)
راجع: رج في: «الراجفة »
مردفين
إِذْ تَسْتَغِیثُونَ رَبَّکُمْ فَاسْتَجَابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِکَهِ مُرْدِفِینَ . الأنفال : 9
ابن عباس: متابعين بالنصرة لكم. (145)
نحوه قتادة و السدي. (الماوردي 2: 298)
مع كل ملك ملك، فتكون الألف ألفين.(الماوردي 2: 298)
مجاهد: بعضهم على إثر بعض. (الطبري 6: 190)
مثله الضحاك (الطبري 6: 190)، و أبو ظبيان (الطبري 6: 189)، و نحوه السدي (278)، و ابن زید الطبري( 6: 190).
أي ممدین، و الإرداف: إمداد المسلمين بهم. (الماوردي 2: 298)
الفراء: و يقرأ (مردفين)، فأما «مردفين » فمتتابعين، و ( مردفين) فعل بهم.(404:1)
أبو عبيدة: مجازه: مجاز فاعلين، من أردفوا، أي جاؤوا بعد قوم قبلهم، وبعضهم يقول: ردفني، أي جاء بعدي، و هما لغتان، و من قرأها بفتح الدال وضعها في موضع مفعولين، من: أردفهم الله من بعد من قبلهم و قدامهم. (241:1)
الأخفش: تقول العرب : بنو فلان يردفوننا، أي
يجيؤون بعدنا. (الفارسي 2: 290)
أبو حاتم: معناه: بألف من الملائكة جاؤوا على أثر المسلمين. (الطبرسي 2: 525)
ابن قتيبة: رادفين. يقال: ردفته و أردفته، إذا جئت بعده . (177)
نحوه السجستاني. (74)
الجبائي: أي متبعين ألفا آخر من الملائكة، لأن مع كل واحد منهم ردفا له. (الطبرسي 2: 25)
الطبري: اختلفت القرأة في قراءة ذلك: فقرأته عامة قرأة أهل المدينة ( مردفين)، بنصب الدال.
وقرأه بعض المكيين وعامة قرأة الكوفيين و البصريين: «مردفين» .
وكان أبوعمرو يقرؤه كذلك، و يقول فيما ذكر عنه: هو من «أردف بعضهم بعضا ».
وأنكر هذا القول من قول أبي عمرو بعض أهل العلم بكلام العرب، وقال: إنما «الإرداف »، أن يحمل الرجل صاحبه خلفه. قال: ولم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر.
واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى ذلك إذا قرئ بفتح الدال أو بكسرها، فقال بعض البصريين و الكوفيين: معنى ذلك إذا قرئ بالكسر : أن الملائكة جاءت يتبع بعضهم بعضا، على لغة من قال: «أردفته».و قالوا: العرب تقول: «أردفته». و «ردفته» بمعنى « تبعته» و «أتبعته »، [ثم استشهد بشعر ]
وقالوا: معناه: إذا قرئ (مردفين ): أنه مفعول بهم، كأن معناه: بألف من الملائكة يردف الله بعضهم بعضا.
وقال آخرون: معنى ذلك، إذا كسرت الدال: أردفت الملائكة بعضها بعضا. و إذا قرئ بفتحها: أردف الله المسلمين بهم.
والصواب من القراءة في ذلك عندي، قراءة من قرأ «بالف بين الملئكة مردفين »، بكسر الدال، الإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم، أن معناه: يتبع بعضهم بعضا، و متتابعين. ففي إجماعهم على ذلك من التأويل، الدليل الواضح على أن الصحيح من القراءة ما اخترنا في ذلك من كسر الدال بمعنى: أردف بعض الملائكة بعضا، و مسموع من العرب: جئت مردفا لفلان، أي جئت بعده.
وأما قول من قال: معنى ذلك إذا قرئ (مردفين ) بفتح الدال: أن الله أردف المسلمين بهم، فقول لامعنى له، إذ الذكر الذي في (مردفين ) من الملائكة دون المؤمنين. و إنما معنى الكلام: أن يمدكم بألف من الملائكة يردف بعضهم ببعض. ثم حذف ذكر الفاعل، وأخرج الخبر غير مسمى فاعله فقيل: (مردفين )، بمعنی: مردف بعض الملائكة ببعض.
و لو كان الأمر على ما قاله من ذكرنا قوله، وجب أن يكون في «المردفين » ذكر المسلمين، لاذكر الملائكة. و ذلك خلاف ما دل عليه ظاهر القرآن.
وقد ذكر في ذلك قراءة أخرى، و هي ما قال عبد الله بن يزيد: (مردفين)، و (مردفين ) و (مردفين)، مثقل على معنی: مرتدفين. (190:6)
الزجاج : معنى «مردفين» يأتون فرقة بعد فرقة
و يقرأ ( مردفين). و يجوز في اللغة: « مردفين، و يجوز مردفين، و مردفين». يجوز في الراء مع تشديد الدال کسرها و فتحها و ضمها، والدال مشددة مكسورة، على كل حال.
قال سيبويه : الأصل: مرتدفين، فأدغمت التاء في الدال فصارت مردفين، لأنك طرحت حركة التاء على الراء. قال: وإن شئت لم تطرح حركة التاء و کسرت الراء لالتقاء الساكنين، و الذين ضموا الراء جعلوها تابعة لضمة الميم. (402:2)
الفارسي: اختلفوا في فتح الدال و کسرها، من قوله جل و عز: «مردفين ».
فقرأ نافع وحده ( مردفين ) بفتح الدال، و قرأ ابن كثير و أبوعمرو، و عاصم و ابن عامر وحمزة والكسائي «مردفين » بكسر الدال. و روى المعلی بن منصور عن أبي بكر عن عاصم (مردفين) بفتح الدال.
من قال : «مردفين» احتمل وجهين:
أحدهما أن يكونوا مردفين مثلهم. كما تقول: أردفت زیدا دابتي، فيكون المفعول الثاني محذوفا في الآية، و حذف المفعول كثير.
والوجه الآخر في «مردفين » أن يكونوا جاؤوا بعدهم.
قال أبو عبيدة: «مردفين » جاؤوا بعد، و ردفني و أردفني واحد. وهذا الوجه كأنه أبين لقوله: * إِذْ تَسْتَغِیثُونَ رَبَّکُمْ فَاسْتَجَابَ لَکُمْ أَنِّی مُمِدُّکُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِکَهِ مُرْدِفِینَ»، أي جائين بعد لاستغاثتكم ربكم، وإمداده إياكم بهم ف«مردفین»على هذا صفة للألف الذين هم الملائكة.
و(مردفين ) على أردوفوا الناس، أي أنزلوا بعدهم، فيجوز على هذا أن يكون حالا من الضمير المنصوب في (ممدکم مردفين بالف من المملكة ). (290:2)
نحوه الطوسي. (97:5)
الثعلبي: قرأ أهل المدينة (مردفين ) بفتح الدال، و الباقون بكسره، لغتان: متتابعين بعضهم في إثر بعض، يقال: أردفه و ردفته، بمعنی تبعته. [ثم استشهد بشعر]
و من فتح فعلى المفعول، أي أردف الله المسلمين و جاءهم به، فأمدهم الله بالملائكة. (4: 331)
نحوه الواحدي (2: 446)، و البغوي (2: 273) .
الراغب: قال تعالى: « فَاسْتَجَابَ لَكُمْ اَنّى مُمِدُّكُمْ بِاَلْف مِنَ الْمَلئِكَةِ’مُرْدِفينَ‘ » الأنفال : 9، قال أبو عبيدة: «مردفين »: جائین بعد، فجعل ردف وأردف بمعنى واحد. [ثم استشهد بشعر]
وقال غيره: معناه مردفين ملائكة أخرى، فعلی هذا يكونون محمدين بألفين من الملائكة. وقيل: عنی بالمردفين: المتقدمين للعسكر، يلقون في قلوب العدی الرعب. وقرئ «مردفين » أي أردف كل إنسان ملكا، و ( مردفين) يعني مرتدفين، فأدغم التاء في الدال، و طرح حركة التاء على الدال. وقد قال: « اِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنينَ‘ اَلَنْ يَكْفِيَكُمْ اَنْ يُمِدَّ كُمْ رَ بُّكُمْ بِثَلثَةِ ’ ا لاف مِنَ الْمَلئِكَةِ’ مُنْزَلينَ...» آل عمران : 124، الآيات . (193)
الزمخشري: قرئ «مردفين »بكسر الدال و فتحها من قولك: ردفه، إذا تبعه؛ ومنه قوله تعالى: « رَدِفَ لَکُمْ بَعْضُ الَّذِی تَسْتَعْجِلُونَ ن» النمل: 72، بمعنی ردفكم. وأردفته إياه، إذا أتبعته. و يقال: أردفته، كقولك: أتبعته، إذا جئت بعده، فلا يخلو المكسور الدال من أن يكون بمعنی متبعين أو متبعين.
فإن كان بمعنی متبعين فلايخلو من أن يكون بمعنى متبعين بعضهم بعضا، أو متبعين بعضهم لبعض، أو بمعنى متبعين إياهم المؤمنين، أي يتقدمونهم فيتبعونهم أنفسهم، أو متبعين لهم يشيعونهم ويقدمونهم بين أيديهم، و هم علی ساقتهم، ليكونوا على أعينهم و حفظهم. أو بمعنى متبعين أنفسهم ملائكة آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة؛ و يعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران: « بِثَلَثَهِ آلافٍ مِّنَ الْمَلَئِکَه مُنزَلِینَ» آل عمران : 124، «بِخَمْسَةِ الاف مِنَ الْمَلئِكَةِ’ مُسَوِّمينَ‘ » آل عمران : 125.
و من قرأ ( مردفين ) بالفتح، فهو بمعنی متبعين أو متبعين. وقرئ (مردفين ) بكسر الراء وضمها و تشديد الدال:، و أصله: مرتدفين، أي مترادفين، أو متبعين من ارتدفه، فأدغمت تاء الافتعال في الدال، فالتقى ساکنان، فحركت الراء بالكسر على الأصل أو على إتباع الدال. و بالضم على إتباع الميم. [إلى أن قال: ]
فإن قلت: فبم يعتذر لمن قرأ على التوحيد ولم يفسر المردفين بإرداف الملائكة ملائكةآخرين و المردفين بارتدافهم غيرهم؟
قلت: بأن المراد بالألف من قاتل منهم أو الوجوه منهم الذين من سواهم أتباع لهم. (2: 146)
نحوه البيضاوي (386:1 )، و أبو السعود (81:3 ).
ابن عطية: «مردفين » معناه متبعين، و يحتمل أن يراد المردفين: المؤمنين، أي أردفوا بالملائكة ف«مردفين » على هذا حال من الضمير في قوله: «ممدكم ».و يحتمل أن يراد به الملائكة، أي أردف بعضهم ببعض، و هذه القراءة بفتح الدال وهي قراءة نافع و جماعة من أهل المدينة و غيرهم.
وقرأ سائر السبعة غير نافع «مردفين » بکسر الدال، و هي قراءة الحسن و مجاهد، و المعنى فيها: تابع بعضهم بعضا.
وروي عن ابن عباس خلف كل ملك و هذا معنى التابع. يقال : ردف و أردف، إذا أتبع وجاء بعد الشيء، و يحتمل أن يراد مردفين المؤمنين.
ويحتمل أن يراد مردفين بعضهم بعضا.
و من قال: «مردفين»بمعنى أن كل ملك أردف ملكا وراءه فقول ضعيف، لم يأت بمقتضاه رواية.
وقرأ رجل من أهل مكة رواه عنه الخليل:( مردفين ) بفتح الراء و کسر الدال و شدها.
وروي عن الخليل أنها بضم الراء كالتي قبلها و في غير ذلك، وقرأ بعض الناس بكسر الراء مثلهما في غير ذلك، حکی ذلك أبو عمرو عن سيبويه و حكاه أبو حاتم، قال: كأنه أراد مرتدفين فأدغم و أتبع الحركة. و يحسن مع هذه القراءة كسر الميم، و لا أحفظه
قراءة. [ ثم استشهد بشعر ]
(2: 504)
القرطبي: ( مردفين) بفتح الدال قراءة نافع. و الباقون بالكسر اسم فاعل، أي متتابعين، تأتي فرقة بعد فرقة؛ و ذلك أهيب في العيون. و (مردفين ) بفتح الدال على ما لم يسم فاعله، لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار. ف( مردفين ) بفتح الدال نعت ل «الف ».[ إلى أن قال: ]
و حکی أبو عبيدة: أن ردفني و أردفني واحد، و أنكر أبو عبيد أن يكون أردف بمعنی ردف، قال: لقول الله عز وجل: « تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ » النازعات: 7، ولم يقل: المردفة.
قال النحاس و مكي و غيرهما: قراءة كسر الدال أولى، لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسرون، أي أردف بعضهم بعضا، و لأن فيها معنى الفتح على ما حکی أبو عبيدة، ولأن عليه أكثر القراء. (7: 370)
الآلوسي: قال بعضهم: ردفت و أردفت، إذا فعلت ذلك، فإذا فعلته بغيرك فأردفت لاغير. وجاء أردف بمعني اتبع مشددا، و هو يتعدى لواحد، و بمعنى أتبع مخففا و هو يتعدى لاثنين، على ماهو المشهور، و بكل فسرهنا.
و قدروا المفعول و المفعولين حسبما يصح به المعنى و يقتضيه، و جعلوا الاحتمالات خمسة:
احتمالان على المعنى الأول:
أحدهما: أن يكون الموصوف جملة الملائكة، والمفعول المقدر المؤمنين، والمعنى: متبعين المؤمنين، أي جائین خلفهم .
وثانيهما: أن يكون الموصوف بعض الملائكة. والمفعول بعض آخر، والمعنى: متبعا بعضهم بعضا آخر منهم، کرسلهم علیهم السلام.
و ثلاثة احتمالات على المعنى الثاني:
الأول: أن یکون الموصوف کل الملائكة و المفعولان بعضهم بعضا، على معنى أنهم جعلوا بعضهم يتبع بعضا.
الثاني: كذلك، إلا أن المفعول الأول بعضهم، و الثاني المؤمنين، على معنى أنهم أتبعوا بعضهم المؤمنين فجعلوا بعضا منهم خلفهم.
والثالث : كذلك أيضا، إلا أن المفعولين أنفسهم و المؤمنين، على معنى أنهم أتبعوا أنفسهم و جملتهم المؤمنين، فجعلوا أنفسهم خلفهم.
وقرأ نافع و يعقوب (مردفين ) بفتح الدال، وفيه احتمالان: أن يكون بمعنى متبعین بالتشديد، أي أتبعهم غيرهم، و أن يكون بمعنی متبعين بالتخفيف، أي جعلوا أنفسهم تابعة لغيرهم، و أريد ب «الغير » في الاحتمالين: المؤمنون، فتكون الملائكة على الأول مقدمة الجيش، و على الثاني ساقتهم. و قد يقال: المراد ب «الغير»: آخرون من الملائكة، و في الآثار ما يؤيده. ثم أدام نحو الزمخشري
الطباطبائي: «مردفين» من الإرداف، و هو أن يجعل الراكب غيره ردفا له، و الردف: التابع.
و بهذا المعنى تلائم الآية ما في قوله تعالى، فيما يشير به إلى هذه القصة، في سورة آل عمران:
«...إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِینَ أَلَن یَکْفِیَکُمْ أَن یُمِدَّکُمْ رَبُّکُم بِثَلَثَهِ آلافٍ مِّنَ الْمَلَئِکَه مُنزَلِینَ * بَلَی إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَیَأْتُوکُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا یُمْدِدْکُمْ رَبُّکُم بِخَمْسَهِ آلافٍ مِّنَ الْمَلَئِکَه مُسَوِّمِینَ...»آل عمران : 124،125 .
فإن تطبيق الآيات من السورتين يوضح أن المراد بنزول ألف من الملائكة مردفين: نزول ألف منهم يستتبعون آخرين، فينطبق الألف المردفون علی الثلاثة آلاف المنزلين.
و بذلك يظهر فساد ماقيل: إن المراد بكون الملائكة مردفين، كون الألف متبعين ألفا آخر، لأن مع كل واحد منهم ردفا له، فيكونون ألفين. و كذا ما قيل: إن المراد کون بعضهم إثر بعض، و كذا ما قيل: إن المراد مجيئهم على إثر المسلمين، بأن یکون مردفين، بمعنى رادفين، و كذا ما قيل: إن المراد إردافهم المسلمين بأن يتقدموا عسكر المسلمين، فيلقوا في قلوب الذين كفروا الرعب. (20:9)
المصطفوي: أي جعلنا الملائكة في رديفهم، فهما في صفوف واحدة و في ترادف. وهذا التعبير غاية مرتبة الإمداد و الإعانة والتقوية. (108:4)
مکارم الشيرازي: كلمة «مردفين» من الإرداف، بمعنى اتخاذ محل خلف الشيء، فیکون مفهومها أن الملائكة كانت تتابع بعضها بعضا في النزول لنصرة المسلمين.
و احتمل معنى آخر في الآية، وهو أن مجموعة الألف من الملائكة كانت تتبعها مجموعات أخرى، ليتطابق هذا المعنى، والآية 124، من سورة آل عمران، والتي تقول عن لسان النبی صلی الله علیه و آله: « إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِینَ أَلَن یَکْفِیَکُمْ أَن یُمِدَّکُمْ رَبُّکُم بِثَلَثَهِ آلافٍ مِّنَ الْمَلَئِکَه مُنزَلِینَ ».
إلا أن الظاهر أن عدد الملائكة في بدر هو الألف، و كلمة «مردفين»صفة هذا الألف. و آية سورة آل عمران کانت وعدا للمسلمين من أنه إذا مااقتضی الأمر، فإن ملائكة أكثر، سوف تنزل لنصرتكم. (345:5)
فضل الله: [نقل كلام الطباطبائي في «الميزان »و قال :] و لعل هذا أقرب من الوجوه الأخرى التي ذكرها المفسرون. (341:10)
الأصول اللغوية
1 - الأصل في هذه المادة : الردف، وهو الكفل و العجز، و الجمع أرداف ، ثم أطلق على مؤخر كل شيء وما يتبعه.
والردف: المرتدف، أي الذي يركب خلف الراکب، وهو الرديف أيضا. يقال : ردف الرجل و أردفه، أي ركب خلفه، و ارتدفه خلفه على الدابة. ومنه قول الإمام علي علیه السلام في صفة النبی صلی الله علیه و آله : «یرکب الحمار العاري و يردف خلفه ».(1)
و ردفت فلانا: صرت له ردفا*و استردفه: سأله أن يردفه.
1) نهج البلاغة الخطبة: (160)
و دابة لاتردف و لاترادف: لا تقبل ردیفا. يقال: هذا البرذون لايردف و لايرادف، أي لايدع رديفا یرکبه.
و الرداف: موضع مركب الرديف.
و مرادفة الجراد: ركوب الذكر والأنثى والثالث عليهما.
والردف: الحقيبة و نحوها مما يكون وراء الإنسان کالردف.
و الردف في الشعر: الألف والياء و الواو التي قبل الروي ، سمي بذلك، لأنه ملحق في التزامه و تحمل مراعاته بالروي، فجرى مجرى الردف للراكب، أي يليه، لأنه ملحق به.
والردف و الرديف: کو کب يقرب من النسر الواقع.
والرديف: النجم الذي ينوء من المشرق إذا غاب رقيبه في المغرب.
و أرداف النجوم: تواليها و توابعها. يقال: أردفت النجوم، أي توالت.
والردفان: الليل و النهار، لأن كل واحد منها ردف صاحبه.
و الردف: ما تبع الشيء. يقال: هذا أمر ليس له ردف ، أي ليس له تبعة؛ و الجمع: ردافي. يقال: جاء القوم ردافي، أي بعضهم يتبع بعضا.
والردافي: الحداة و الأعوان، لأنه إذا أعيا أحدهم خلفه الآخر.
و الترادف: التتابع. يقال: ترادف الشيء، أي تبع بعضه بعضا.
والارتداف: الاستدبار. يقال : أتينا فلانا فارتدفناه، أي أخذناه من ورائه أخذا.
والردافة : الاسم من أرداف الملوك في الجاهلية، و هو أن يجلس الملك و يجلس الردف عن يمينه، فإذا شرب الملك شرب الردف قبل الناس، و إذا غزا الملك قعد الردف في موضعه، و كان خليفته على الناس حتى ينصرف، و إذا عادت كتيبة الملك أخذ الردف المرباع.
و الروادف: أتباع القوم المؤخرون. يقال لهم: روادف، و ليسوا بأرداف.
والروادف: رواكيب النخلة، و هو ما نبت في أصل النخلة و ليس في الأرض عرق.
والرداف: الذي يجيء بقدحه بعدما اقتسموا الجزور، فلایردونه خائبا، ولكن يجعلون له حظا فيما صار لهم من أنصبائهم.
و ردفهم الأمر و أردفهم: دهمهم . يقال: كان نزل بهم أمر فردف لهم آخر أعظم منه.
2-و الترادف في الاصطلاح: « هو الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد باعتبار واحد... کالحنطة و البر و القمح»،(1)و هو مولد، و لعل أول من سماه بهذه التسمية هو ابن فارس المتوفى عام (395 ه) في فقه اللغة. قال في باب القول على أن لغة العرب أفضل اللغات و أوسعها: «مما لايمكن نقله ألبتة أوصاف السيف و الأسد والرمح وغير ذلك من الأسماء
1) المزهر(402:1)
المترادفة »(1)
و يستعمل كثير من المعاصرين لفظ «المرادف » في معنى المترادف، فيقولون مثلا: أفل و غاب مرادفان، والصواب: مترادفان، لأن الترادف يعني التتابع ، فالألفاظ تتتابع في المعنى، بينما المرادفة ركوب الراكب و ردفه الدابة، أو قبول الدابة ركوب الرديف، كما تقدم.
الاستعمال القرآني
فيها ثلاث آیات: واحدة منها في السيرة و الجهاد، و اثنتان في البعث و المعاد، في ثلاث صيغ: المجرد منها اثنتان: الماضي و اسم الفاعل (ردف) و (الرادفة) في (2 و 3)، و المزيد منها واحدة في (1): (مردفين).
1- «اِذْ تَسْتَغيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ اَنّى مُمِدُّكُمْ بِاَلْف مِنَ الْمَلئِكَةِ’مُرْدِفينَ»الأنفال : 9
2- «قُلْ عَسی أَنْ یَکُونَ رَدِفَ لَکُمْ بَعْضُ الَّذِی تَسْتَعْجِلُونَ» النمل: 72
3- «يوم ترجف الراجفة *تتبعها الرادفه» النازعات:6، 7
و فيها بحوث:
ويلاحظ أولا: أن الآية الأولى هي الآية: 9، من سورة الأنفال النازلة بعد غزوة بدر، بیانا لما وقع للمؤمنين من الفتح الظاهر والنصر البين على المشر کین .
1- و هذه الآية تتمة لما قبلها من وعد الله إياهم بلقاء إحدى الطائفتين، و هي الطائفة المحاربة بقوله في الآية: 7، « وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ...»، و من وعد النصر لهم على تلك الطائفة بقوله في الآيتين: 7 و 8، «وَ يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَ يَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْباطِلَ..»، فقال: «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ».
2- و جاء فيها «مردفين» من «أردف». قال ابن عباس و غیره: متتابعين بالنصرة لكم، مع كل ملك ملك، فتكون الألف ألفين.
وعن مجاهد و غیره: بعضهم على إثر بعض.
و أيضا عن مجاهد: ممدین، و الإرداف: إمداد المسلمين بهم.
وعن أبي عبيدة: مجازه مجاز فاعلين، من «أردفوا»أي جاؤوا بعد قوم قبلهم. و بعضهم يقول: ردفني، أي جاء بعدي... .
وقال الأخفش: تقول العرب: بنو فلان يردفوننا، أي يجيؤون بعدنا، و نحوها عن آخرین.
وقال الطبري في كلام له: و أنكر هذا القول من قول أبي عمرو بعض أهل العلم بكلام العرب، وقال: إنما الإرداف، أن يحمل الرجل صاحبه خلفه. قال: و لم يسمع هذا في نعت الملائكة يوم بدر. ثم نقل اختلاف القراءة في «المردفين » بالفتح والكسر فلاحظ.
1) الصاحبی(43)
ثم قال: و الصواب من القراءة في ذلك عندي قراءة من قرأ: «بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئکَهِ مُرْدِفِینَ »،بكسر الدال، الإجماع أهل التأويل على ما ذكرت من تأويلهم، أن معناه: يتبع بعضهم بعضا، و متتابعين. إلى أن قال:
وأما قول من قال : معنى ذلك إذا قرئ( مردفين) بفتح الدال: أن الله أردف المسلمين بهم فقول لا معنى له.
4- وقال: وقد ذكر في ذلك قراءة أخرى، وهي ما قال عبد الله بن يزيد: (مردفين)،و (مردفين)، و (مردفين)، مثقل على معنی: مرتدفين.
وقد أطالوا الكلام في القراءة و في معناها فلاحظ.
و الثانية: الآية: 72، من سورة النمل: «قُلْ عَسی أَنْ یَکُونَ رَدِفَ لَکُمْ...»:
1- و هذه جواب لما قبلها من قول المشركين: «وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ» ، فقال الله تعالى للنبی صلی الله علیه و آله : « قُلْ عَسَی أَن یَکُونَ رَدِفَ لَکُم بَعْضُ الَّذِی تَسْتَعْجِلُونَ».
2-وقال الطبرسي (4: 231) في «اللغة »: « قال ابن الأعرابي: ردفت و أردفت، و لحقت و ألحقت بمعنى. و ترادفوا: تلاحقوا. قال المبرد: اللام في «ردف لكم »زائدة. و قيل: إنه إنما أتي باللام، لأن معنی: «ردف »: دنا، فكأنه قال: دنا لكم.[ثم استشهد بشعر]
3 - وقال في «المعنى »: «قل » یا محمد «عَسی أَنْ یَکُونَ رَدِفَ لَکُمْ» أي قرب لكم، عن ابن عباس.
وقيل: اقترب لكم، عن السدي.
و قيل: أردف لكم، عن قتادة.
«بَعْضُ الَّذِی تَسْتَعْجِلُونَ»من العذاب. وعسى من الله واجب، فمعناه: أنه قرب منكم، وسيأتيكم. وهذا البعض الذي دنالهم القتل والأسر يوم بدر، و سائر العذاب لهم فيما بعد الموت.
وقيل: هو الإنذار عند الموت و شدته، وعذاب القبر، عن الجبائي».
و الثالثة: الآية: 7، من سورة النازعات: «تتبعها الرادفه»:
1- هذه و التي قبلها: «يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ »جواب للأقسام الخمسة في صدر السورة. و للمفسرين أقوال في معنى تلك الأقسام، فلاحظها ولاسيما قول الطبرسي (429:5).
2 - أقسم الله بها على أن يوما تتحرك الأشياء، و تتبعها أشياء أخرى، قلوب مضطربة و أبصارها خاشعة.
3- وقال الطبرسي: «يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ »يعني النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق. والراجفة: صيحة عظيمة فيها تردد و اضطراب، کالرعد إذا تمخض «تتبعها الرادفة »، يعني التنفخة الثانية تعقب النفخة الأولى، وهي التي يبعث معها الخلق، و هو كقوله: «وَ نُفِخَ فی الصورِ فَصعِقَ مَن فی السمَوَتِ وَ مَن فی الأَرْضِ إِلا مَن شاءَ اللَّهُ ثمَّ نُفِخَ فِیهِ أُخْرَی فَإِذَا هُمْ قِیَامٌ یَنظرُونَ» الزمر : 68.
ويلاحظ ثانيا: الأولى منها مدنية نزلت في غزوة بدر، و الأخريان مکیتان موضوعهما المعاد و وعد العذاب.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
التبع: «تتبعها الرادفة»النازعات : 7
التلي: «وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها » الشمس : 2
القفو: « وَلاَ تَقْفُ مَا لَیْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ کُلُّ أُوْلَئِکَ کَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً » الإسراء : 36
القص: «وَقَالَتْ لاِخْتِهِ قُصِّیهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لاَیَشْعُرُونَ» القصص : 11
الخلاف: « وَإِن کَادُوا لَیَسْتَفِزُّونَکَ مِنَ الْأَرْضِ لِیُخْرِجُوکَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ یَلْبَثُونَ خِلاَفَکَ إِلَّا قَلِیلاً»الإسراء : 76
المواترة: «ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا کُلَّما جاءَ اُمَّهً رَسولُها کَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُم بَعْضاً وجَعَلناهُمْ أحادیثَ فَبُعداً لِقَوم لا یؤْمِنون»المؤمنون : 44
ردما
لفظ واحد، مرة واحد،فی سوره مکیع
النصوص اللغوية
الخليل: ردمت الثلمة، و الباب أردما ، أي سددته؛ و الاسم: الردم، و جمعه: ردوم.
و ثوب مردم و ملدم، إذا رقع. [ثم استشهد بشعر]
والردم: سد ما بيننا وبين يأجوج و مأجوج. (36:8)
أبو عمرو الشيباني: الوعل المردم: الشديد.
ترموا المكان، إذا أتوه، و قد أكل فيه.
و الردمة: الخلیق يأتزز به قدر مايواري عورته، و هي القذمحة. (312:1)
المردام: القليل الخير، ويقال: مؤخر. [ثم استشهد بشعر]
(314:1)
التردم: أن تعقب الخصم بالكلام بعد ما يرى أنه قد فرغ. [ثم استشهد بشعر]
(2: 4)
التردم: تعقبك الخصم. تقول: أما والله لأتردمنه ببعض ما لا يريد، و هذا بعد الخصومة. (6:2)
الردم: ضرط. تقول: ردم بها. (9:2)
الردم من الرجال: الفسل، و هو الردام أيضا. [ثم استشهد بشعر ]
(17:2)
الفراء: أردمت عليه الحمى، إذا لم تفارقه. مثله الأصمعي (الأزهري 118:14)
أبوزيد: يقال: ردم البعير يردم ردما، إذاضرط. (134)
ابن الأعرابي: الأردم: الملاح؛ و الجميع: الأردمون. [ثم استشهد بشعر ](الأزهري 118:14)
أبو الهيثم: الردام: ضراط الحمار، وقد ردم یردم، إذا ضرط. (الأزهري 118:14)
ابن أبي اليمان: الردم: السد. يقال: ردمت الباب، أي سددته. (633)
الزجاج: ردمت المكان بالحجارة، إذا سددته، وأردمت الحمى عليه، إذا دامت. (فعلت و أفعلت : 19)
ابن دريد: الردم: مصدر ردمت الشيء أردمه ردما، إذا سددته، نحو الباب وما أشبهه.
و الرديمة: ثوبان يخاط بعضهما ببعض نحو اللفاق، و كل شيء لفقت بعضه إلى بعض، فقد ردمته. [ثم استشهد بشعر]
وأدمت عليه الحمى، إذا دامت عليه، و الحمى مردم.
وردم الحمار، إذا ضرط؛ والاسم: الردام، و الواحدة : ردمة.
و الرديم: لقب ضرار بن عمرو الضبي جد زید الفوارس بن حصين بن ضرار، سمي بذلك لعظم خلقه، و كان إذا وقف موقفا ردمه فلم يجاوز.
والردم: السد الذي صنعه ذوالقرنين علیه السلام.
و ردمان: موضع باليمن. و بردمان مات المطلب ابن عبد مناف، و كتب النبی صلی الله علیه و آله إلى الأملوك أملوك ردمان، و الأملوك: قبيلة من حمير.( 256:2)
القالي: يقال: هدم ملدم و مردم، أي مرقع، وقد :ردم ثوبه، أي رقعه. [ثم استشهد بشعر ]
(148:2)
الأزهري: ثوب ردیم: خلق. و ثياب ردم. [ثم استشهد بشعر]
(118:14)
الصاحب: الردم: سدك بابا كله، و قد ردمته؛ والجميع: الردوم.
والردم: سد يأجوج ومأجوج.
و الردام و الردم: الفسل، و هو الضراط أيضا. يقال: ردم يردم ردما و رداما.
وردمت القوس، إذا أنبض عنها فصوتت.
والارتدام: الارتفاع في الثوب وغيره.
و أردمت عليه الحمى أي أغبطت عليه، وردمت: مثله.
و أرمت البعير و الرجل، إذا غمزته.
و أردمت الشجرة: إذا تخضبت بعد یبوستها، و ردمت ردما، فهي شجرة رادمة.
و أرض متردمة: قد تردمها الناس، أي أكلوا مرتعها.
و تردمت الرجل: تعقبه و اطلعت على ما هو فيه.
والتردم: بعد الخصومة، والبقية من كل شيء.
و المتردم في قول عنترة: بقية تتبع من كلام و شعر.
والردم: الثياب المرقعة؛ الواحد: ردیم.
و الردمة و الرزمة : ما يبقى في الجلة.
والرديمة: ثوبان يخاط بعضهما ببعض.
و ردمت المرأة على ولدها، أي تعطفت.
والأردمون: الملاحون؛ واحدهم: أردم.
و دارة المردمة: لبني مالك بن ربيعة. (304:9)
الجوهري: ردمت الثلمه أردمها بالكسر ردما،
ای سددتها، والردم أيضا: الاسم، و هو السد.
والردام با لضم: الحبق، وقد ردم يردم بالضم
رداما.
و الرديم: الثوب الخلق.
وردمت الثوب و ردمته تردیما، فهو ثوب ردیم و مردم، أي مرقع.
و تردم الثوب، أي أخلق و استرقع، فهو متردم.
والمتردم: الموضع الذي يرقع. [ثم استشهد بشعر]
يقال : تردم الرجل ثوبه، أي رقعه، يتعدى ولا يتعدی.
و أردمت الحمى: دامت. يقال: ورد مردم، و سحاب مردم. (1930:5)
ابن فارس : الراء و الدال و الميم أصل واحد، يدل على سد ثلمة. [ثم ذكر نحو الجوهري ]
(504:2)
ابن سيده: ردم الباب و اثلمة و نحوهما يردهما ردما: سده. و قيل: الردم أكثر من السد، لأن الردم: ما جعل بعضه على بعض، و الاسم: الردم؛ و جمعه: ردوم.
والردم: السد الذي بيننا وبين يأجوج و مأجوج.
والردم: ما يسقط من الجدار إذا انهدم.
و كلما لفق بعضه ببعض فقد ردم.
و الرديمة: ثوبان يخاط بعضهما ببعض، نحو اللفاق، و هي الردم، على توهم طرح الهاء.
و ثوب مردم، و مرتدم، و متردم: خلق مرقع .
و تردمت الناقة: عطفت على ولدها.
و الرديم: لقب رجل من فرسان العرب، سمي بذلك لعظم خلقه، و كان إذا وقف موقفا ردمه فلم يجاوز.
و تردم القوم الأرض: أكلوا مرتعها مرة بعد مرة.
و أردمت عليه الحمى، و هي مردم: دامت.
و أردم عليه المرض: لزمه.
و ردم البعير و الحمار يردم ردما: ضرط، والاسم: الردام.
وقيل: الردم: الضراط عامة .
و ردم بها ردما: ضرط.
والردم: الصوت. و خص بعضهم به صوت القوس.
و ردم القوس: صوتها بالإنباض.
و رجل ردم و دام: لا خير فيه.
و ردم الشيء يردم ردما: سال، هذه عن كراع.
و رواية أبي عبيد و ثعلب: رذم با لذال.
و الردم: موضع بتهامة.
و ردمان: قبيلة من العرب باليمن. [و استشهد بالشعر 4 مرات)
(326:9)
الراغب: الردم: سد الثلمة بالحجر، قال تعالى: «أَجْعَلْ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ رَدْماً» الكهف : 95.
والردم: المردوم، و قيل: المردم.[ ثم استشهد بشعر]
وأردمت عليه الحمى، و سحاب مردم. (193)
الزمخشري: ردم الثمة: سدها، و منه ردم يأجوج.
و ردم الثوب و ردمه: رقعه، وثوب ردیم و مردوم و مردم .
و تردمه: رقعه لنفسه.
و نظیر ردمه و تردمه: أثل المال و تأثله.
و من المجاز: ردم کلامه و تردمه: تتبعه حتی أصلحه و سد خلله.[ ثم استشهد بشعر]
(أساس البلاغة : 160)
المديني: الردم: سدك بابا، و سماه ردما بالمصدر.
والارتدام: الارتفاع في الثوب.
والرديم: الثوب المرقع، و المردم أيضا: الخلق المرقع. (753:1)
ابن الأثير: فيه: « فتح اليوم من ردم يأجوج و مأجوج مثل هذه، و عقد بيده تسعين ).
ردمت الثلمة، ردما إذا سددتها، والاسم والمصدر سواء: الردم.
وعقد التسعين من مواضعات الحساب، وهو أن تجعل رأس الأصبع السبابة في أصل الإبهام و تضمها، حتى لا يبين بينهما إلا خلل يسير. (216:2)
الفیومی: ردمت الثلمة و نحوها ردما، من باب «قتل» سددتها.
و في مكة موضع يقال له: الردم، كأنه تسمية بالمصدر، و ارتدم الموضع. (225:1)
الفيروزابادي: ردم الباب و الثلمة دمه: یردمه:سده كله أو ثلثه، أو هو أكثر من السد؛ و الردم: الاسم، جمعه: ردوم.
و بالتسكين: قرية بالبحرين، و موضع بمكة يضاف إلى بني جمح، و هو لبني قراد، و مايسقط من الجدار المتهدم، و السدبين يأجوج ومأجوج، وصوت القوس، أو عام، و من لاخير فيه کالمردام، والضرط کالردام بالضم فيهما، و تصويت القوس بالإنباض. و بالكسر : موضع .
و ثوب مردم كمعظم: مرقع.
و كأمير: خلق؛ جمعه: ككتب.
و تردم ثوبه: رقعه، و الثوب: استرقع و أخلق.
و المتردم: الموضع الذي يرقع منه، و الخصومة: بعدت و طالت، و فلانا: تعقبه و اطلع على ماهو فيه.
و أردمت السحاب و الورد و الحمی: دامت، والشجرة: اخضرت بعد يبوستها. کردمت فيهما، و البعير: غمزه.
والأردم: الملاح الحاذق؛ جمعه: أردمون.
و الردمة بالكسر : ما يبقى في الجلة.
وردت على ولدها تردیما و تردمت: تعطفت.
والرديمان: ثوبان يخاط بعضهما ببعض، نحو اللفاف؛ جمعه: ککتب.
و ردمان: موضع باليمن، و ابن ناجية، و ابن وائل، و ابن رعين: آباء قبائل.
و كأمير: من فرسانهم، سمي لعظم خلقه.
و دارة المردمة: لبني مالك بن ربيعة.
و ردم الشيء: سال. (120:4)
الطريحي: الردم بإهمال الدال الساكنة: السد. و قيل: الحاجز الحصين أكبر من السد، تسمية بالمصدر.
ومنه الردم بمكة، و هو حاجز يمنع السيل عن البيت المحرم، و يعبر عنه الآن بالمدعى؛ ومنه الحديث: « إذا انتهيت إلى الردم فكذا ».
و ردم يأجوج و مأجوج: سد بناه ذو القرنين. ويقال : قد انفتحت و إذا توسعت يخرجون منها، و ذلك بعد الدجال.
و في الحديث: « كانت العرب تحج البيت و كان ردما » أي كان لا حيطان له، كأنه من: تردم التوب، أي أخلق و استرقع، فكأنه متردم. (71:6)
مجمع اللغة: ردم الفرجة و الثلمة يردمها ردما: سدها. و الردم: السد. (1: 470)
نحوه محمد إسماعيل إبراهيم. (218:1)
محمود شیت: ردم ثلمة الموضع الدفاعي: سدها.
و ردم الحفرة: هال فيها التراب.
الأردم: الملاح الحاذق، جمعه: أردمون .
الردم: السد العظيم.
الردم: مانع ضد الدبابات لايمكن اجتيازه.
المتردم: الموضع الذي يرقع، و الذي يصلح.
يقال : موضع دفاعي متردم: شدت ثغراته بعد هجوم علیه و اختراقه. (290:1)
المصطفوي: التحقيق : أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو سد ما يكون من ثلمة أو خلل في مقابل فتحه. و بهذا الاعتبار يطلق على ترقيع يكون سدا لما فتح من الثلمة.
و في السحاب و الحمى باعتبار إحاطة السحاب و انسداد الهواء، و إطباق الحمى على البدن، كأنها سدت منافذه.
و في الجفنة، إذا كانت ممتلئة سائلة، فكأنها قد سدت ظرفيتها. و في تمامية الخمسين كذلك. و يطلق على الملاح فإنه يسد منافذ السفينة.
و السد أعم من أن يكون في ثلمة أو غيرها، والتلدم و الترقع يستعملان في إصلاح الثوب. (109:4)
النصوص التفسيرية
ردما
قالَ ما مَکنِّی فیهِ رَبِّی خَیرٌ فَأَعینُونی بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَینَکمْ وَ بَینَهُمْ رَدْماً .الكهف : 95
ابن عباس: سدا. (252)
هو كأشد الحجاب. (الطبري 285:8)
الطبري: الردم: حاجز الحائط و السد، إلا أنه أمنع منه و أشد. يقال منه: قد ردم فلان موضع كذا يردمه ردما و رداما.
و يقال أيضا: ردم ثوبه يردمه، و هو ثوب مردم،إذا كان كثير الرقاع. [ثم استشهد بشعر] (285:8)
نحوه الطوسي. (90:7)
الزجاج: الدم في اللغة أكثر من السد، لأن الردم ما جعل بعضه على بعض. يقال: ثوب مردم، إذا كان قد رقع رقعة فوق رقعة. (311:3)
نحوه النحاس.(293:4)
الثعلبي": حاجزا کالحائط والسد. (6: 199)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: أنه الحجاب الشديد.
الثاني: أنه السد المتراكب بعضه على بعض، فهو أكبر من السد. (3: 342)
الواحدي: سدا و حاجزا، و الردم: سد الباب والثلمة. (167:3)
الزمخشري: حاجزا حصينا موثقا. والردم أكبر من السد من قولهم: « ثوب مردم »: رقاع فوق رقاع.
وقيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، و جعل الأساس من الصخر و النحاس المذاب، و البنيان من زبر الحديد، بينهما الحطب و الفحم، حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت کالنار، صب النحاس المذاب على الحديد المحمي فاختلط و التصق بعضه ببعض، وصار جبلا صلدا. (499:2)
نحوه البيضاوي (2: 25)، والنسفي ( 25:3)، والشربيني (406:2) ، و أبوالسعود (4: 217)، والكاشاني (3: 263)، و البروسوي (298:5) ،و شبر (100:4).
ابن عطية: الردم: أبلغ من السد، إذ السد كل ما سد به، و الردم وضع الشيء على الشيء من حجارة أو تراب أو نحوه، حتى يقوم من ذلك حجاب منیع؛ و منه: ردم ثوبه، إذا رقعه برقاع متكاثفة بعضها فوق بعض. [ثم استشهد بشعر]
(542:3)
الطبرسي: أي سدا و حاجزا، وقيل: هو السد المتراكب بعضه على بعض. (3: 494)
الفخر الرازي: الردم هو السد، يقال: ردمت الباب، أي سددته، و ردمت الثوب: رقعته، لأنه يسد الخرق بالرقعة.
والردم أكثر من السد، من قولهم: ثوب مردوم، أي وضعت عليه رقاع. ( 171:2)
نحوه النيسابوري. (16: 26)
القرطبي: الردم: ما جعل بعضه على بعض حتى يتصل. يقال : ردمت الثلمة أردمها بالكسر ردما، أي سددتها؛و الردم أيضا الاسم و هو السد. [ثم ذكر نحو ابن عطية]
(59:11 )
الآلوسي: [نحو الزمخشري و أضاف: ]
و يقال: سحاب مردم، أي متكاثف بعضه فوق بعض، وذكر أن أصل معناه: سد الثلمة بالحجارة و نحوها، و قيل: سد الخلل مطلقا. ثم استشهد بشعر]
ثم أطلق على ما ذكر. وقيل: هو و السد بمعنى و يؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه قال: هو كأشد
الحجاب، و علیه یکون قد وعدهم بالإسعاف بمرامهم فوق ما يرجونه، و هو اللائق بشأن الملوك. (40:16)
المراغي: سدا منيعا، و حاجزا حصينا أمنع مما تريدون.(18:16)
المصطفوي: مصدر بمعنی سد منافذ عبورهم، لئلا يقدروا أن يظهروا.
وقد عبر بصيغة المصدر، فإن المقدور له في أول الأمر هو ذلك العمل مضافا إلى المبالغة، كما في: زید عدل، و لا نحتاج إلى الاسمية.
و أما لطف التعبير بها، فإن المورد يناسبها، بسبب منفذ عبورهم بين السدین، بين الصدفين.
ثم إن هذا الردم كان في جهة الشرق من آسيا مملكة الصين، و ذو القرنين هو من ملوك التبابعة اليمنيين « ذوین »، راجع التبع، القرن، السد. (110:4)
مکارم الشيرازي: كلمة «ردم » على وزن «طرد» و هي في الأصل تعني: ملء الشق بالأحجار، إلا أنها فيما بعد أخذت معنی واسعا بحيث شمل كل سد، بل و شمل حتى ترقيع الملابس.
يعتقد بعض المفسرين أن كلمة «ردم » تقال: للسد القوي، و وفقا لهذا التفسير، فإن ذا القرنين قد وعدهم بأكثر مما كانوا ينتظرونه. (9: 317)
فضل الله: فأسد الثغرة المفتوحة بين الجبلين، التي تفسح لهم المجال للنفاذ إلى مواقعكم. (390:14)
الأصول اللغوية
1- لهذه المادة أصلان: الأول: الردم ، و هو سد باب أو ثلمة أو مدخل أو نحو ذلك؛ و الجمع: ردوم. يقال: ردم الباب يردمه ردما، أي سده. و منه قول الإمام علي علیه السلام: « غم الضريح، و ردم الصفيح»(1)، أي سد القبر.
و الردم: ما يسقط من الجدار إذا انهدم، و كل ما لفق بعضه ببعض فقد ردم.
و الرديم: « فعيل » بمعنی « مفعول » من الردم، و هو الثوب الخلق؛ و الجمع: ردم، تشبيها بالجدار المنهدم. يقال: ثوب ردیم، أي خلق، و ثياب ردم، وصرت بعد الوشي و الخزفي ردم، و هي الخلقان.
و الرديمة: ثوبان يخاط بعضهما ببعض نحو النفاق، و هي الردم.
و ردمت الثوب و ردمته تردیما: رقعته، وهو ثوب ردیم و مردم، أي مرقع.
و تردم الثوب: أخلق و استرقع، فهو متردم.
و تردم الرجل ثوبه: رقعه.
والمتردم: الموضع الذي يرقع.
و ثوب مردم و مرتدم و متردم: خلق مرقع.
والثاني: الردام، وهو ضراط الحمار، و الواحدة: ردمة ، و قد ردم يردم ردما، إذا ضرط.
و قيل: الردم : الضراط عامة. يقال : ردم البعير والحمار يردم ردما، أي ضرط؛ و الاسم: الردام.
1) نهج البلاغة - الخطبة: (190)
و ردم القوس: صوتها بالإنباض، كأنه مأخوذ من الردام.
و يقال مجازا: رجل ردم و ردام، أي لا خير فيه.
2 - و تتعاقب الراء واللام لتكونا اشتقاقا أكبر بين مادتي «ردم» و «ل دم». يقال: ثوب ردیم و مردم و مردم ، و لديم و ملدم و متلدم، أي خلق، وقد ردمته و ردمته و تردمته ، و لدمته و لدمته و تلدمته : رقعته.
وأردمت عليه الحمى و ألدمت : دامت، وألذمت عليه أيضا. و لعل مادة «ل ذم» هي الأصل، لأن جميع مشتقاتها تفيد اللزوم.
الاستعمال القرآني
جاء منها مجرد ا المصدر : ( ردما ) مرة في آية:
« قَالَ مَا مَکَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیْرٌ فَأَعِینُونِی بِقُوَّهٍ أَجْعَلْ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ رَدْماً»الكهف : 95
ويلاحظ أولا: أتها الآية الوحيدة في القرآن من هذه المادة في سورة مكية.
و فيها بحوث:
1- هذه جواب ذي القرنين لقوم قالوا له: «إنَّ یَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مُفْسِدُونَ فِی الأرْضِ » فطلبوا منه أن يجعل بينهم و بين يأجوج ومأجوج سدا. و أرادوا أن يجعلوا له خرجا، فقال لهم: « مَا مَکَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیْرٌ فَأَعِینُونِی بِقُوَّهٍ أَجْعَلْ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ رَدْماً».
2 - وقال الطبرسي (3: 493) في « اللغة»:« و الدم: السد، و الحاجز. يقال : ردم فلان موضع كذا يردمه ردما. و الثوب المردم: الخلق المرقع. [ثم استشهد بشعر]
3- و قال في « المعنى » «مَا مَكَّنّى فيهِ‘ رَبّى خَيْرٌ »: «أي أعطاني ربي من المال، و مكنني فيه من الاتساع في الدنيا خير مما عرضتموه علي من الأجر.
«فاعينوني بقوة » أي برجال، فيكون معناه: بقوة الأبدان.
و قيل: بعمل تعملونه معي، عن الزجاج.
و قيل: بالة العمل و ذلك زبر الحديد، و الصفر.
« أَجْعَلْ بَیْنَکُمْ وَبَیْنَهُمْ رَدْماً » أي سدا و حاجزا.
قال ابن عباس: الردم: أشد الحجاب.
وقيل : هو السد المتراكب بعضه على بعض».
و ثانیا: هذه الآية من جملة قصة ذي القرنين في سورة مكية.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
السد: «قالُوا یا ذَا الْقَرْنَیْنِ إِنَّ یَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِی الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَکَ خَرْجاً عَلی أَنْ تَجْعَلَ بَیْنَنا وَ بَیْنَهُمْ سَدًّا»الكهف : 94
المصنع: « وَ تَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ» الشعراء: 129
الموبق: «وَیَوْمَ یَقُولُ نَادُوا شُرَکَائِیَ الَّذِینَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ یَسْتَجِیبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَیْنَهُمْ مَّوْبِقاً»الكهف : 52
6الفاظ،6 مرات،فی 6 سور،5 مکیه،1 مدنیه
فتردی 1:1 لتردین 1:1
ارداکم 1:1 تردی 1:1
لیردوهم 1:1 المتردیه 1:-1
النصوص اللغوية
الخليل: ردي یردی ردی فهو رد، أي هاك، وأرداه الله.
و التردي: التهور في مهواة.
و المتردية: التي تردت في بئر أو هوة فهلكت. و تأنيثه على معنى الشاة.
والأردية: جمع الرداء؛ و منه التردي والارتداء.
و الردي والرديان: في الإقبال و الإدبار.
و رأيت الخيل تردي رديانا و ردیا.
و الرديان: مشي الحمار من آريه إلى متمعكه .
والردی: ان تاخذ صخره او شیئا صلبا تردی به حائطا أو شيئا صلبا فتكسره.
و المرداة: صخرة يردى بها الشيء ليكسر.
و فلان مردی حرب، أي يصدم الحرب.
والمرادي: الذي يرادي حائطا بمرداته ليهده.
و قوائم الإبل مراد لثقلها، و شدة وطئها، نغت لها خاصة، وكذلك مرادي الفيل.[ و استشهد بالشعر مرتين] (67:8)
ابن شميل : المرداة: الحجر الذي لا يكاد الرجل الضابط يرفعه بیدیه، یزدی به الحجر، و المكان الغليظ يحفرون فيضربونه به فيلينونه، ویردی به جحر الضب إذا كان في قلعة، فيلين القلعة و يهدئها.
والردي إنما هو رفع بها و رمي بها. (الأزهري 170:14)
أبوعمر والشيباني: المرداة: الصخرة، ردیته
ردیا، للقذف من فوق إلى أسفل. و ردت الخيل تردي رديانا، و هو المشي السريع. (20:2)
الرداة: الصخرة. [ثم استشهد بشعر] (2: 25)
راديت الرجل و داجيه و داليته و فانيه، بمعنى واحد. (الأزهري 168:14)
الفراء: ردت غنمي و أردت: زادت. (ابن سيده 396:9)
تقول العرب: الغنم تردي على مائة، أي تزيدعليها. (الهروي 3: 731)
أبوزيد: رأيت فلانا يتتبع أرادئ التمر، أي أردأه. (139)
يقال: ردي بالرجل فرسه یردي ردیانا، و هو نحو الرقص في السير.(190)
يقال: ردري في البئر كما يقال: تردی. (ابن فارس 506:2)
ردي في القليب یردی، و تردی من الجبل تردیا.
و الجواري یردين، إذا رفعت إحداهن رجلها و مشت على رجل تلعب.
و الغراب يردي، إذا حجل. (الأزهري 168:14)
الأصمعي: سألت منتجع بن نبهان عن الرديان، فقال : هو عدو الحمار بين آريه و متمعکه. (إصلاح المنطق : 202)
إذا عدا الفرس فرجم الأرض رجما قيل: ردی يردي ردیا و ردیانا. (الأزهري 168:14)
أبو عبيد: و يقال: راودته على الأمر و راديته. [ثم استشهد بشعر] (الأزهري 196:14)
ويقال : راداه، معنی داراه.( الجوهري 6: 2355)
ابن الأعرابي: الردي: الهلاك، و الردي: المنكرالمكروه. (الأزهري 170:14)
الرداء: العقل، و الرداء: الجهل.[ ثم استشهد يشعر]
الرداء: كل ما زينك حتى دارك و ابنك. (ابن سيده 9: 395)
ابن السكيت: قد ردى الفرس يردي ردیا و ردیانا.
وقد رديت الحجر بصخرة و بمعول، إذا ضربته بها لتكسره. و المرداة: الصخرة التي تكسر بها الحجارة. و قد ردي الرجل یردی ردی، إذا هلك. (إصلاح المنطق : 202)
ابن أبي اليمان: الإرداء: مصدر أرديت فلانا، أي أهلكته.(75)
الردي: الهلاك. [ثم استشهد بشعر]
(93)
الحربي: [في الحديث:] « فأخذ مرداه.
المرداة » يعني الحجر. (286:1)
المبرد: أردي، أي أهلك. يقال: ردي يردى، إذا هلك، و الردي: الهلاك. (54:1)
و يردي: يهلك، يقال: ردي الرجل، إذا هلك، والردي: الهلاك، و الإرداء: الإهلاك. (1: 57)
والردي: الهلاك، و أكثر ما يستعمل في الموت، يقال: ردي يردی ردی. (1: 181)
[و في قصة:] «... أيها الكافر الردي».
و «الردي» عند الخوارج: الذي له عقدهم
و يظهر خلافه رغبة في الدنيا. (355:1)
[و في قصة: ]«... یا فاسق الردي».
و «الردي» عند الخوارج، هو الذي يعلم الحق من قولهم و يكتمه. (170:2)
الزجاج: و ردى الفرس يردي رديانا، و هو عدو بين الأري و التمعل.
و أرديت الرجل: أهلكته.(فعلت و أفعلت : 19)
ابن دريد: الردي: الموت، ردي الرجل يردي ردي فهو رد. [اثم استشهد بشعر]
(241:3 )
القالي: يقال: المال يربي علی کذا و کذا، و يرمي و یردي، أي يزيد. (2: 56)
الرديان: أن يرجم الأرض رجما بين المشي الشديد والعدو. (2: 255)
الأزهري: [نقل قول أبي زيد ثم قال:]
وقال غيره: رديت فلا تا بحجر أرديته ردیا إذا رميته به.
المرداده: الحجر الذي يرمي به؛ و جمعها المرادي؛ و منه قولهم: « عند جحر كل ضب مرداته » يضرب مثلا للشيء العتيد ليس دونه شيء؛ و ذلك أن الضب ليس يندل على جحره إذا خرج منه فعاد إليه، إلا بحجر يجعله علامة لجحره.
وقال المنتجع بن نبهان: الرديان: عدو الفرس بين آريه و متنمعکه.
وامرأة هيفاء المردی، أي ضامرة موضع الوشاح.
و رداء الشباب: حسنه و غضارته و نعمته.
يقال: ما بلغت ردى عطائك، أي زيادتك في العطية. و يعجبني ردي قولك، أي زيادة قولك. [او استشهد بالشعر ثلاث مرات]
(16814)
الفارسي: الرداء: القوس. (ابن سيده 9: 395)
الصاحب: الردي: الهلاك، و قد ردي فهو رد ،وأرداه الله، من قوله عزوجل: «تالله إن كدت التردین » الصافات : 56.
والتردي في مهواة: التهور فيها. و المتردية في القرآن: منه.
وردي من رأس الجبل و في الركية: تردى فيها.
والرداء: معروف، و منه التردي و الارتداء .
وفلان عمر الرداء، أي واسع المعروف. والسيف أيضا.
و الرداء: الدين، من قولهم: فلان خفيف الرداء، أي لادين عليه.
و يقولون: لیست رداءتي بالهاء، أي ردائي، و مرداتي أيضا.
و امرأة هيفاء المردي، أي ضايرة الموشح .
والردي: الرديان في الإقبال و الإدبار.
والخيل تردي، و أرديتها أنا. و الجواري يردین، و كذلك الغراب. و أن تردي بصخرة أو شيء طلب حائطا.
و المراده: الصخرة تنصبها علامة. و هي أيضا: صخرة يكسر بها الحجارة. و مثل: «كل ضب عنده مرداته ».
و فلان مردی حرب، أي به تصدم الحرب.
والمرادي: الذي يرادي الحائط بمراديه لیهده.
و تسمى قوائم الإبل: مرادي، لثقلها وشدة وطئها.
و المرداة : الناقة القوية.
والردادة: الصخرة؛ و جمعها: ردی.
و رادیت عن القوم، أي ناضلت عنهم.
و راديته عن الأمر: بمعنی راودته.
والمراداة: بمعنى المساهلة والمداراة، وهي المصاداة أيضا.
و ردت غنمك على الخمسين تردي، و أردت أيضا، أي زادت .
وردت القوم مائة رجل، أي زيادتهم.(350:9)
الخطابي: يقال: ردیت الرجل بالحجر، إذا رميته به، وأكثر ما يكون ذلك في الحجر الضخم الذي يشدخ بثقله؛ و منه المرداة یكسر بها الشيء الصلب.
فأما أرداه فمعناه: أهلكه، والردي: الهلاك، والردي: الهالك. [ثم استشهد بشع]
(220:2 )
الجوهري: وردیت على الخمسين و أردیت أي زدت.
و ردیته: صدمته.
ورديت الحجر بصخرة أو بمعول، إذا ضربته بها لتكسره.
و المردی: حجر یرمی به؛ ومنه قيل للرجل الشجاع: إنه لمردی حروب، و هم مرادي الحروب،و كذلك المرداة. و في المثل: «كل ضب عنده مرداته » و تشبه بها الناقة في الصلابة، فيقال: مرداة.
والراده: الصخرة؛ و الجمع: الردى.
و ردیته بالحجارة أرديه ردیا: رميته بها.
وردي الغلام، إذا رفع إحدى رجليه و قفز بالأخرى.
ويقال : ردي في البئر و تردي، إذا سقط في بئر، أو تهور من جبل.
يقال : ما أدري أين ردی؟ أي أين ذهب؟
و الرداء: الذي يلبس؛ و تثنيته: رداءان، وإن شئت رداوان، لأن كل اسم مهموز ممدود فلا تخلو همزته: إما أن تكون أصلية، فتتركها في التثنية على ما هي عليه، و لا تقلبها، فتقول: جزاءان و خطاءان.
و إما أن تكون للتأنيث، فتقلبها في التثنية واوا لاغير، تقول: صفراوان و سوداوان.
و إما أن تكون منقلبة من واو أو ياء مثل کساء و رداء، أو ملحقة مثل علباء و حرباء، ملحقة بسرداح و شملال، فأنت فيها بالخيار. فإن شئت قلبتها واوا، مثل التي للتأنيث، فقلت: کساوان و علباوان و رداوان، و إن شئت ترکتها همزة مثل الأصلية و هو أجود، فقلت: کساءان و علباءان و رداءان؛ و الجمع : أكسية و أردية.
و تردی و ارتدی بعی، أي لبس الرداء.
والردية کالركبة من الركوب، و الجلسة من الجلوس. تقول: هو حسن الردية.
و رديته أنا تردية.
و راديت عن القوم مراداة، إذا رميت بالحجارة.
ويقال أيضا: راديت فلانا، إذا راودته، وهو مقلوب منه.
وردي بالكسر یردی ردی، أي هلك، و أرداه غيره.
ورجل رد للمهالك، وامرأة ردية على « فعلة».
و المردي: خشبة تدفع بها السفينة، تكون في يد الملاح؛ و الجمع: المرادي. [و استشهد بالشعر مرتين]
(2354:6)
ابن فارس : الراء والدال والياء أصل واحد، يدل على رمي أو ترام و ما أشبه ذلك. يقال ردیته بالحجارة أرديه: رميته. و الحجر مرداة.
والردي: ثلاثة مواضع ترجع إلى قياس ما قد ذکرناه؛ فالأول: ردى الحجر، والثاني: ردی الفرس: أسرع. و ردت الجارية، إذا رفعت إحدى رجليها و قفزت بواحدة، و هو الثالث. و كل ذلك يرجع إلى الترامي.
والردیان: عدو الحمار بين آریه و متمعکه .
و من الباب: الردي، و هو الهلاك. يقال ردي یردى، إذا هلك. و أرداه الله: أهلكه.
و التردي: التهور في المهوى. يقال : ردي في البئر كما يقال: تردی و يقال: ما أدري أين ردی؟ أي أين ذهب؟ و هو من الباب، معناه: ما أدري أين رمى بنفسه؟ و من الباب الراداة: الصخرة؛ وجمعها: الردی.
و إذا قالوا لناقة: مردادة، فإنما شبهوها بالصخرة.
ويقال : راديت عن القوم، إذا راميت عنهم. فأما قول طفيل:
یرادي على فأس اللجام كأنما* یرادی علی مرقاۃ جذع مشذب
فليس هذا من الباب، لأن هذا مقلوب، و معناه يراود، وقد ذكر في موضعه .
و مما شذ عن الباب: الرداء الذي يلبس، ما أدري مم اشتقاقه؟ و في أي شيء قياسه؟ يقال: فلان حسن الردية، من لبس الرداء.
و مما شد أيضا قولهم: أردي على الخمسين، إذا زاد عليها. (506:2)
ابن سيده: الردي: الهلاك، ردي ردي، فهو رډ. وردي في الهوة ردی، و تردی: تهور.
وأرداه الله، و رداه فتردی: قلبه فانقلب.
والرداء: من الملاحف، والجمع : أردية، وهو الرداءة، كقولهم: الإزار و الإزارة. وقد تردی به و ارتدی.
و إنه لحسن الردية، أي الارتداء .
و رجل غمر الرداء: واسع المعروف و إن كان رداؤه صغيرا.
و عیش غمر الرداء: واسع خصيب.
و الرداء: السيف، أراه على التشبيه بالرداء من الملابس.
و قد تردى به، وارتدی.
وقال[ ابن الأعرابي ]مرة: الرداء: كل ما زينك حتی دارك و ابنك. فعلى هذا يكون الرداء: كل ما زان و ما شان.
والمرادي: الأردية، قال ثعلب: لا واحد لها.
و قوله: « من سره النساء (1)و لانساء، فلیباکر الغداء، و ليكر العشاء، و ليخفف الرداء، و ليحد الحذاء، و ليقل غشيان النساء». و الرداء هنا: الدين. قال ثعلب: أراد لو زاد شيء في العافية لزاد هذا، و لا يكون.
وردت الخيل ردیا، و ردیانا: رجمت الأرض بحوا فرها في سيرها و عدوها، و أرداها هو.
وقيل: الرديان: التقريب. وقيل: الرديان: عدو الحمار بين آریه و متمعکه .
و ردی الغراب: حجل.
والجواري يردین ردیا، إذا رفعن رجلا و مشين على أخرى يلعبن.
ورديت الشيء بالحجر: کسرته.
والمرداة: الصخرة تردي بها. وفي المثل : « کل ضب عنده مرداته »، و هي الصخرة التي يهتدي بها إلى جحره.
والمرادي: القوائم من الإبل والفيلة، على التشبيه.
والمرادي: المرامي.
و فلان مردی خصومة، و مردی حرب: صبور عليهما.
و رادى الرجل: داراه و راوده .
وردیت على الشيء، و أرديت: زدت .
وأردى على الخمسين، و الثمانين: زاد.
[واستشهد بالشعر 7 مرات] (394:9 )
الراغب: والردي: الهلاك، و التردي: التعرض للهلاك، قال تعالى: « وَ ما یُغْنِی عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّی » الیل: 11، وقال : «و اتبع هویه فتردی » طه : 16، و قال : « تَاللّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ »الصافات :56 .
والمرداة: حجر تكسر بها الحجارة فرديها.(193:1)
الزمخشري: أقيك من الردي، و قد ردي الشيء فهو رد. و أرداه الدهر.
و أقبلوا و الخيل تردي بهم: تعدو ردیانا.
و ارتدى بالثوب و تردی به.
وجاء و عليه المرداء والمردی، و جاؤوا و عليهم الأردية و المرادي.
و هو حسن الردية، و رديته أنا.
و ردیته بالحجارة، و ترادوا بها.
و تردى في الهوة. و تردی من الجبل.
و تقول: إن فلانا تردي لما تردى، أي للقضاء والتقدم.
ومن المجاز: فلان مردی حرب، و هم مرادي حروب.
والخيل تضرب الأرض بمرادها.
1) النساء: التأخير في الأجل
و هو يرادي عن قومه: يناضل عنهم.
و قنعه رداءه، أي سيفه.
يقال: عممه بسيفه و خمره بسيفه.
و فلان خفيف الرداء: لادین عليه. ومنه قول العرب: « من أراد البقاء و لابقاء، فلیباکر الغداء وليخقف الرداء و ليقل غشيان النساء».
و هو غمر الرداء و هو المعروف و العطاء.
و لبست المرأة رداءها، أي وشاحها.
و تردت و ارتدت: توشحت.
و هي هيفاء المردی: ضامر الموشح.
وحلت الشمس على وجهه رداءها، أي حسنها و بهاءها. [و استشهد بالشعر 5 مرات](أساس البلاغة : 160)
[في الحديث ]: « كانت ردیته التأبط »، هو أن يدخل رداءه تحت إبطه الأيمن، ثم يلقيه على عاتقه الأيسر.
الردية: اسم لضرب من ضروب التردي، کاللبسة و الجلسة، و ليست دلالتها على أن لام رداء ياء بحتم، لأنهم قالوا: قنية، وهو ابن عمي دنیا. (الفائق 191:1)
[و في الحديث:] «... علوت الجبل فرديتهم بالحجارة »، الردي: الرمي بالحجر، و هو المرداة. (الفائق 1: 85)
[في الحديث ]: «... فأقبل أبو سفيان فقال: من رداء؟ من رداه؟»، رداه: رماه بحجر.(الفائق 1: 101)
ابن الشجري: تردت: تفعلت من الردی، مصدر ردي يردى، إذا هلك، و إن شئت أخذته من التردي الذي هو السقوط من علو؛ و منه المتردية: الشاة التي تسقط من جبل أو حائط أو في بئر فتموت، و منه: «وَمَا يُغْنيِ عَنْهُ مَالُهُ إذِا تَرَدَّى » اليل : 11، أي إذا سقط على رأسه في جهنم.(25:1)
المديني: في حديث ابن مسعود: « من نصر قومه على غير الحق، فهو كالبعيرالذي ردي، فهو ينزع بذنبه ». أي تردى في موضع.
و معناه: أنه قد وقع في الإثم و هلك، كالبعير إذا ترى في البئر فصار ينزع بذنبه، فلايقدر على خلاصه.
و في حديث قس: «تردوا بالصماصم»، أي صيروها بمنزلة الأردية. (1: 753)
ابن بري: المردى: « مفعل » من الردي، و هو الهلاك. (ابن منظور 319:14)
المرداء بالمد: موضع. (ابن منظور 320:14)
ابن الأثير: فيه: «أنه قال في بعير تردى في بئر: ذکه من حيث قدرت».
« تردی » أي سقط. يقال: ردی و تردی لغتان، كأنه تفعل، من الردي: الهلاك، أي اذبحه في أي موضع أمكن من بدنه إذا لم تتمكن من نحره.
وفي حديثه [ابن مسعود] الآخر: « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ترديه بعد مابين السماء والأرض » أي توقعه في مهلكة.
وفي حديث ابن الأكوع: « فرديتهم بالحجارة »،
أي رميتهم بها. يقال : ردی یردي ردیا، إذا رمی.
والمردي و المرداة: الحجر، و أكثر ما يقال في الحجر الثقيل.
وفي حديث علي: «من أراد البقاء و لابقاء فليخفف الرداء. قيل: و ما خقة الرداء؟ قال: قلة الدين »سمي رداء لقولهم: دينك في ذمتي، و في عنقي، ولازم في رقبتي، و هو موضع الرداء، وهو الثوب، أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقیه و بين كتفيه فوق ثيابه، و قد كثر في الحديث.
و سمي السيف رداء، لأن من تقلده، فكأنه قد تردی به.
ومنه الحديث: «نعم الرداء القوس » لأنها تحمل في موضع الرداء من العاتق. (216:2)
الصغاني: أرديته: أهلكته و أعنته.
(ثلاثة كتب في الأضداد : 230)
الفيومي: وردا یردو، من باب «علا» لغة فهو ردي بالتثقيل، و ردي ردي من باب «تعب »: هلك، و يتعدى بالهمز.
و تردي في مهواة: سقط فيها، و ردیته تردية ونهي عن الشاة المتردية، لأنها ماتت من غير ذكاة. (225:1)
الفيروزابادي: ردى الفرس کرمی ردیا و ردیانا: رجمت الأرض بحوافرها، أو هو بين العدو و المشي، و أرديتها. و الغراب: حجل، و الجارية: رفعت رجلا و مشت على أخرى تلعب، والشيء: کسره، و غنمه: زادت كأردت، وفلانا: صدمه، و بحجر: رماه به، و هو المردی، و فلان: ذهب، و في البئر: سقط، کتردی، و أرداه غيره، و رداه.
وردي کرضي ردی: هلك، و أرداه.
والرداء: ملحفة و موضع کالرداءة، والمرداة، والسيف، و القوس، و العقل، و الجهل، و ما زان و ما شان؛ ضد، و الدين و الوشاح.
و تردت الجارية: توشحت، و لبست الرداء کارتدت.
و هو غمر الرداء: كثير المعروف واسعه.
و خفيف الرداء: قليل العيال والدین.
و راداه: راوده و داراه، و عن القوم: رمي عنهم بالحجارة.
و رجل رد:هالك، و هي: ردية.
والمردي بالضم والشد: خشبة دفع بها السفينة؛ جمعه: مرادي.
و الرادي: الأسد. والمرادي: الأزر، وقوائم الإبل و الفيل.
والرداية: الصخرة؛ جمعه: ردی. (4: 335)
الطريحي: ارتدی و تردی: لبس الرداء.
و في الحديث: «إن أردية الغزاة لسيوفهم »، سمي السيف رداء، لان من تقلده فكأنه قد تردی به.
و في الدعاء: « أعوذ بك من الهوى المردي »، أي المهلك.
و فيه: « أعوذ بك من مردیات سخطك»، أي ما يوجب الردى، أي الهلاك من سخطك.
و فيه: «لاتردني في هلكة» أي لأتوقعني
في هلاك.
و فيه: « أعوذ بك من التردي» أي من الوقوع في الهلاك.
وفي الحديث: « من تكلم بكلمة من سخط الله تردیه بعد ما بين السماء والأرض »، أي توقعه في مهلكة.
و فيه: « نهی عن الشاة المردية »؛ و ذلك لأنها ماتت من غير ذكاة.
وفي حديث: بعض أزواج النبی صلی الله علیه و آله « عشاء الليل لعينك ردي»، أي ضار مضر.
وردي بالكسر یردی، من باب « تعب »: هلك.
و ردا یردو، من باب «علا»لغة. (1: 182)
مجمع اللغة: 1 - ردي في الهوة يردی ردی: تهور فيها و انقلب.
وردي يردی ردی: هلك.
2- أرداه يرديه: أهلكه.
3- تردی: تهور، فانقلب في مهواة. (471:1)
محمد إسماعيل إبراهيم: ردي في الهوة: سقط، و ردي: هلك، و المردي: المهلك، و أرداه يرديه: أسقطه في المردى، أي المهلك.
و تردی: هلك، و المتردية: البهيمة التي سقطت من مرتفع فماتت، أو طاحت في بئر فهلكت، وهي محرمة، لأنها ماتت من غير ذبح. (1: 219)
محمود شیت: أردي: أهلك. يقال: أرداه قتيلا.
رادی عنه: دافع.
الرداء: السترة؛ جمعه: أردية .
المردي: خشبة طويلة ينحي بها الملاح السفينة عن الأرض؛ جمعه: مرادي. (1: 292)
المصطفوي: و التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو الضعة الشديدة و السقوط، و بهذه المناسبة قد ينطبق على الهلاكة و الموت.
و أما استعمالها في مفاهيم الذهاب و الرمي و الكسر و الصدم: فبلحاظ معنى السقوط والضعة، و بالنظر إليه لا مطلقا.
و أما المشي المخصوص برفع إحدى الرجلين و الوثوب بأخرى: فكأن الماشي بالوثوب يسقط على الأرض. و كذلك التجاوز عن الخمسين، فإنه سقوط في الجملة.
و قد سبق في مادة «الردء» وجود الاشتقاق بينها و بين الردي. (111:4)
النصوص التفسيرية
فتردی
فَلا یَصُدَّنَّکَ عَنْها مَنْ لا یُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَویهُ فَتَرْدی. طه : 16
ابن عباس: فتهلك. (260)
مثله الثعلبي (6: 241)، والواحدي (3: 203) ، والبغوي (3: 258)، و ابن عطية (40:4 ) ،و ابن الجوزي (5: 277)، و القرطبي ( 185:11)،والنسفي (50:3).
ابو عبيدة: فتهلك. يقال: رديت، تقدیر ها: شقیت.(17:2)
ابن قتيبة : أي تهلك، والردی : الموت والهلاك. (278)
الطبري: يقول: فتهلك إن أنت انصددت عن التأهب للساعة، و عن الإيمان بها، و بأن الله باعث الخلق لقيامها من قبورهم بعد فنائهم، بصد من كفر بها. (404:8)
الزجاج : معناه فتهلك. يقال: ردي يردی ردی، إذا هلك. (353:3)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: فتشقی.
الثاني: فتنزل. (398:3)
الطوسی: «فتردی » معناه فتهلك. يقال: ردي يردی ردی، فهو رډ، إذا هلك، أي إن صددت عن الساعة بترك التأهب لها هلكت، و تردی: هلك بالسقوط. (166:7)
نحوه الطبرسي.(6:4)
البيضاوي: فتهلك بالانصداد. [ أو ] بصده. (47:2)
نحوه الشربيني (2: 454)، والكاشاني (3:303) و شبر (146:4).
أبو حيان: « فتردی» يجوز أن يكون منصوبا على جواز النهي (1)، و أن يكون مرفوعا، أي فأنت تردی. و قرأيحي ( فتردی ) بكسر التاء. (6: 233)
أبوالسعود: أي فتهلك، فإن الإغفال عنها وعن تحصيل ما ينجي عن أهوالها، مستتبع للهلاك لامحالة. و هو في محل النصب على جواب النهي، أو في محل الرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، أي فأنت تردی. (274:4)
نحوه الآلوسي . (174:16)
البروسوي: «فتردی » من الردى و هو الموت و الهلاك، أي فتهلك، فإن الإغفال عنها و عن تحصیل ما ينجي من أحوالها مستتبع للهلاك لامحالة، و المراد بهذا النهي الأمر بالاستقامة في الدین، و هو خطاب له، و المراد غيره. (5: 372)
المصطفوي: أي فتسقط عن مقامك، فإن ضعف الإيمان بالآخرة: صد عن السلوك، و منع التنفس عن الكمال. (112:4)
فضل الله: لأنه يصل بك إلى الهلاك المحتوم في قضية المصير. (101:15)
اردیکم
وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ.فصلت : 23
ابن عباس: أهلككم. (402)
مثله السدي (428)، و ابن قتيبة (389)، والثعلي( 291:8)، والطوسي(119:9)، والواحدي (30:4)، و البغوي ( 4 : 131)، و الزمخشري (3: 451)، و الشربيني (514:3).
طرحكم في النار. (الواحدي 30:4)
1) كذا، و الظاهر: جواب النهي، و يؤيده قول أبي السعود: «و هو في محل النصب على جواب النهي
الطبري: (اردیکم» يعني أهلككم. يقال منه: أردی فلانا كذا و كذا، إذا أهلكه، و ردي هو، إذا هلك، فهو یردی ردی: [ثم استشهد بشعر إلى أن قال: ]
و موضع قوله: «ذلكم » رفع بقوله «ظنكم ».
و إذا كان ذلك كذلك، كان قوله:«اردیکم»في موضع نصب بمعنی مردیا لكم. وقد يحتمل أن يكون في موضع رفع بالاستئناف، بمعنى مرد لكم كما قال: « تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ *هدی ورحمة » لقمان : 2، 3، في قراءة من قرأه بالرفع.
فمعنى الكلام: هذا الظن الذي ظنتم بربكم من أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون هو الذي أهلككم، لأنكم من أجل هذا الظن اجترأتم على محارم الله فقدمتم عليها، و ركبتم ما نهاكم الله عنه، فأهلككم ذلك و أرداكم. (102:11)
الزجاج: «وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ»مرفوع بخبر الابتداء،و « اردیکم » که خبر ثان، و يجوز أن يكون«ظنکم»بدلا من «ذلكم»، و يكون المعنى: و ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم، و معنی « اردیکم »: أهلككم. ( 384:4)
نحوه النسفي ( 4 : 92)، و شبر (374:5) ،والآلوسي ( 117:24).
ابن عطية: قوله: «اردیکم» يصح أن يكون خبرا بعد خبر. و جوز الكوفيون أن يكون في موضع الحال، و البصريون لايجيزون وقوع الماضي حالا إذا اقترن با « قد »، تقول: رأيت زيدا قد قام، وقد يجوز تقديرها عندهم و إن لم تظهر. و معنی «اردیکم» : أهلككم، و الردي: الهلاك. (12:5 )
الطبرسي: «ذلکم»مبتدأ، و «ظنکم»خبره. و «اردیکم» که خبر ثان. ويجوز أن يكون «ظنکم» بدلا من «ذلکم»، و یکون المعنى: ظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لا يعلم كثيرا مما تعملون أهلككم، إذهون عليكم أمر المعاصي، وأدى بكم إلى الكفر. (10:5)
نحوه المراغي (24: 122)
القرطبي:أي أهلككم فأوردكم النار. (353:15)
نحوه البروسوي. (250:8)
ابن عاشور: الإرداء: الإهلاك، يقال: ردي کرضي، إذا هلك، أي مات، و الإرداء: مستعار للإيقاع في سوء الحالة بحيث أصارهم مثل الأموات، فإن ذلك أقصى ما هو متعارف بين الناس في سوء الحالة. و في الإتيان بالمسند فعلا إفادة قصر، أي ما أرداكم إلا ظنكم ذلك، و هو قصر إضافي، أي لم تردكم شهادة جوارحكم حتی تلوموها، بل أرداكم ظنكم أن الله لا يعلم أعمالكم، فلم تحذروا عقابه.(41:25)
مغنية: إن هذا الاعتقاد الباطل هو الذي قادكم إلى جهنم وبئس المصير. و هذا ينطبق أيضا على الذين يؤمنون باليوم الآخر نظریا، و يكفرون به عملیا؛ حيث يستخفون من الناس و لا يستخفون من الله، بل هم أسوأ حالا من أنكر البعث وقدرة
الله، لأنهم عصوا و هم على يقين بأن الله معهم يسمع ویری، و أنه لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. (486:6)
الطباطبائي: الإرداء من الردي بمعنى الهلاك، و «و ذلكم ظنکم» مبتدأ وخبر، و «اردیکم» خبر بعد خبر، و يمكن أن يكون«ظنکم» بدلا من «ذلکم».
و معنى الآية على الأول: و ذلكم الظن الذي ذکر ظن ظننتموه لا يغني من الحق شيئا، و العلم والشهادة على حالها، أهلككم ذلك الظن، فأصبحتم من الخاسرين.
وعلى الثاني: و ظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لايعلم كثيرا مما تعملون أهلككم؛ إذهون علیکم أمر المعاصي، و أدى بكم إلى الكفر، فأصبحتم من الخاسرين. (384:17)
المصطفوي: أي إن قولكم بأن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، أوجب طغيانكم و انحرافكم عن صراط الحق و الكمال.(112:4)
فضل الله: فلم تنتبهوا إلى حالة اللاواقعية واللاوعي التي تبعدكم عن الإحساس بالواقع من كل جهاته، الأمر الذي جعلكم تنحرفون عن الخط المستقيم. (109:20)
ليردوهم
وَکَذلِکَ زَیَّنَ لِکَثِیرٍ مِنَ الْمُشْرِکِینَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَکَاؤُهُمْ لِیُرْدُوهُمْ وِلِیَلْبِسُوا عَلَیْهِمْ دِینَهُمْ ... الأنعام : 137
ابن عباس: ليهلكوهم. (120)
مثله السدي (252)، و الطبري (5: 352)، و الثعلبي (195:4) ، و البغوي (2: 162)، و ابن عطية (350:2 ) ، والطبرسي (2: 371).
ابن قتيبة: ليهلكوهم، و الردي: الهلاك.(161)
الجبائي: واللام في قوله : «لیردوهم» هي لام العاقبة، كما قال:«فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» القصص : 8، لأنهم لم يكونوا معاندین فيقصدوا أن يردوهم و يلبسوا عليهم دينهم. (الطوسي 4: 311)
الماوردي: أي ليهلكوهم، و منه قوله تعالى: «وَما یُغْنِی عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّی» الیل : 11، يعني إذا هلك.
و في ذلك وجهان:
أحدهما: أنهم قصدوا أن يردوهم بذلك، كما قصدوا إغواءهم.
والثاني: أنهم لم يقصدوا ذلك و إنما آل إليه فصارت هذه لام العاقبة، كقوله: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» القصص : 8، لأن عاقبته صارت كذلك و إن لم يقصدوها. (2: 175)
نحوه ابن الجوزي. (130:3)
الطوسي: الإرداء: الإهلاك. تقول: أرداه يرديه إرداء، وردي يردی ردی، إذا هلك، و تردی تردیا، و منه قوله : «وَما یُغْنِی عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّی » اليل : 11، و المراد به : الحجر يتردى من رأس جبل.[و نقل کلام الجبائي ثم قال: ]
وقال غيره: يجوز أن يكون فيهم المعاند، و يكون ذلك على التغليب. (311:4)
الزمخشري: ليهلكوهم بالإغواء. (2: 54)
مثله البيضاوي (1: 333)، و النسفي (2: 35)، و أبوالسعود (2: 450)، و الكاشاني (160:2 )، والبروسوي (110:3 )، و شبر (319:21) ، والآلوسي (8: 34).
الفخر الرازي: الإرداء في اللغة: الإهلاك، و في القرآن « إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ » الصافات : 56.
واللام هاهنا محمولة على لام العاقبة، كما في قوله: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» القصص : 18 (206:13)
القرطبي: اللام لام كي، و الإرداء: الإهلاك. (94:7)
الشربينى: ليهلكوهم بذلك الفعل الذي أمروهم به. (451:1)
المراغي: أي إنهم زينوا لهم هذه المنكرات ليهلكوهم بالإغواء، و يفسدوا عليهم فطرتهم، فتنقلب عواطف ود الوالدين من رأفة و رحمة إلى قسوة و وحشية، فينحر الوالد ولده و يدفن بنته الضعيفة بيده، و هي حية. (44:8)
ابن عاشور: اللام في: «لیردوهم» لام العاقبة إن كان المراد بالشركاء الأصنام، أي زينوا لهم ذلك قصدا لنفعهم، فانكشف عن أضرار جهلوها.
وإن كان المراد بالشركاء الجن، أي الشياطين، فاللام للتعليل، لأن الإيقاع في الشر من طبيعة الوسواس، لأنه يستحسن الشر وينساق إليه انسياق العقرب للسع، من غير قصد إلى كون ما يدعوهم إليه مردیا و ملبسا، فإنهم أولياؤهم لا يقصدون إضرارهم، و لكنهم لمادعوهم إلى أشياء هي في نفس الأمر مضار، كان تزيينهم معللا بالإرداء و الإلباس و إن لم يفقهوه، بخلاف من دعا لسبب فتبين خلافه، والضمير للشركاء و التعليل للتزيين.
والإداء: الإيقاع في الردي، و الردي: الموت، و يستعمل في الضر الشديد مجازا، أو استعارة، و ذلك المراد هنا. (78:7)
مغنية: الواو يعود الى الكهنة ومن إليهم، و ضمير ( هم ) يعود إلى المشركين، و الرد هنا معناه: الهلاك، و اللبس: الخلط، واللام للعاقبة. والمعنى: إن الكهنة زينوا للمشركين أعمالهم، فكانت نتيجة هذا التزين هلاك المشركين، و ضياعهم عن الحق والدین القويم. (270:3)
الطباطبائي: الإرداء: الإهلاك، و المراد به إهلاك المشركين بالكفر بنعمة الله والبغي على خلقه، و خلط دينهم عليهم بإظهار الباطل في صورة الحق، فضمير (هم) في المواضع الثلاث جميعا راجع إلى كثير من المشركين.
وقيل: المراد به: الإهلاك بظاهر معنى القتل، و لازمه رجوع أول الضمائر إلى الأولاد، والثاني والثالث إلى الكثير أو الجميع إلى المشركين بنوع
من العناية، و معنى الآية ظاهر. (7: 361)
المصطفوي: شرکاءهم الذين يجعلونهم شركاء في أمورهم و أعمالهم، و مؤثرين فيها من الإنس والجن، و كذلك مؤثرين في عامة الأمور، راجع الشرك. فإنهم يلقون إليهم ما يخالف الصلاح و الحق، و يضلونهم عن الصراط و دینهم الحق، بتغيير خلق الله، و تحریف ما وجب لهم تكوينا و تشريعا، فيسقطونهم عمالهم. (112:4)
لتردین
قالَ تَاللّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ. الصافات : 56
ابن عباس: لتغوين عن الدين، و تهلكني لو أطعتك. (376)
السدي: لتهلكني، يقال منه: أردي فلان فلانا، إذا أهلكه، و ردی فلان، إذا هلك. [ثم استشهد بشعر] (الطبري 492:10)
نحوه الزجاج (306:4)، و النحاس (6: 31).
مقاتل : لتغوين، فأنزل، منزلتك في النار. (608:3)
الكسائي: أي لتهلكني. (القرطبي 84:15)
ابن قتيبة:أي لتهلكني. يقال: أرديت فلانا، أي أهلكته، والردي: الموت والهلاك. (371)
الطبري: يقول: فلما رأى قرينه في النار قال : تالله إن كدت في الدنيا لتهلكني بصدك إياي عن الإيمان بالبعث و الثواب والعقاب. (492:10)
نحوه الفخر الرازي (26: 139)، و الشربيني (378:3) ، و المراغي ( 60:23).
الثعلبی: ما أردت إلا أن تهلكوا، و أصله من التردي. (145:8)
الماوردي: هذا قول المؤمن في الجنة لقرينه في النار، و فيه وجهان:
أحدهما: [ قول السدي]
الثاني: لتباعدني من الله تعالى، قاله يحي. (50:5)
الطوسي: معنى «لتردین »: لتهلكني کهلاك المتردي من شاهق؛ ومنه قوله: «وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّي» الیل: 11، و تقول ري يردي، إذا هلك، و أرداه غيره إرداء، إذا أهلكه. (499:8)
الواحدي: الإرداء: الإهلاك، و من أغوى إنسانا فقد أهلكه. (526:3)
نحوه البغوي. (32:4)
الزمخشري: و الإرداء: الإهلاك. و في قراءة عبد الله : ( لتغوین ).(341:3)
نحوه القرطبي (15: 84)، و البيضاوي (2:293) ، و النسفی (21:4)، أبوالسعود (5: 327)، و الكاشاني ( 4 : 269)، و شبر (5: 252) و الآلوسي (93:23).
ابن عطية: أي لتهلكني بإغوائك، والردی: الهلاك. [ثم استشهد بشعر]
و في مصحف عبد الله بن مسعود ( إن کدت لتغوین ) بالواو من الغي، و ذكرها أبو عمرو الداني بالراء من الإغراء، و التاء في هذا كله مضمومة. (474:4)
الطبرسي: هذه (إن) المخففة من الثقيلة، بدلالة مصاحبة لام الابتداء لها في قوله: «لتردین» ، أقسم بالله سبحانه على وجه التعجب، إنك كدت تهلكني ما قلته لي، و دعوتني إليه، حتی یکون هلاکي کهلاك المتردي من شاهق. ومنه قوله: «وَ ما یُغْنِی عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدّی» الیل : 11، أي تردى في النار. (444:4)
أبو حيان: أي لتهلكني بإغوائك، و ( إن ) مخقفة من الثقيلة يلقى بها القسم، و «تالله »قسم فيه التعجب من سلامته منه، إذا كان قرینه قارب أن یردیه. (362:7)
البروسوي: أي لتهلكني بالإغواء، والردي: الهلاك، و الإرداء: الإهلاك، و أصله: ترديني بياء المتكلم، فحذفت اكتفاء بالكسرة. (462:7)
ابن عاشور: جملة « قَالَ تَاللَّهِ إِن کِدتَّ لَتُرْدِینِ»مستأنفة استئنافا بیانیا، لأن وصف هذه الحالة يثير في نفس السامع أن يسأل فماذا حصل حين اطلع؟ فيجاب بأنه حين رأی قرینه أخذ يوبخه على ما كان يحاوله منه، حتى كاد أن يلقيه في النار مثله. و هذا التوبيخ يتضمن تندیمه على محاولة إرجاعه عن الإسلام.
والقسم بالتاء من شأنه أن يقع فيما جواب قسه غريب، كما تقدم في قوله تعالى : «قالُوا تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ » في سورة يوسف : 73، و قوله: «وتالله لا كيدن أصنامكم» في سورة الأنبياء : 57، و محل الغرابة هو خلاصه من شبكة قرينه، و اختلاف حال عاقبتيهما، مع ما كانا عليه من شدة الملازمة والصحبة، و ما حفه من نعمة الهداية، وما تورط قرينه في أوحال الغواية.
و ( إن ) مخففة من الثقيلة، و اتصل بها الفعل الناسخ على ما هو الغالب في أحوالها إذا أهملت. واللام الداخلة على خبر «کاد » هي الفارقة بين ( إن ) المخففة و النافية. و «ترديني »: ثوقعني في الردي، و هو الهلاك، و أصل الردي: الموت، ثم شاعت استعارته لسوء الحال تشبيها بالموت، لما شاع من اعتبار الموت أعظم ما يصاب به المرء.
والمعنى: أنك قاربت أن تفضي بي إلى حال الردي بإلحاحك في صرفي عن الإيمان بالبعث، لفرط الصحبة. و لولا نعمة هداية الله و تثبيته، لكنت من المحضرین معك في العذاب.
وقرأ الجمهور «لتردین»بنون مکسورة في آخره دون ياء المتكلم على التخفيف، وهوحذف شائع في الاستعمال الفصيح، و هو لغة أهل نجد و كتب في المصاحف بدون ياء. وقرأه ورش عن نافع بإثبات الياء، ولا ينافي رسم المصحف، لأن كثيرا من الياءات لم تكتب في المصحف. و قرأ القراء بإثباتها، فإن كتاب المصحف قد حذفوا مدودا كثيرة من ألفات و یاءات.(35:23)
مغنية:أي تهلكني وتوقعني في الشك، بوسوستك و شكو كك. (341:6)
الطباطبائي: الإرداء: السقوط من مكان عال کالشاهق، و يكنی به عن الهلاك، والمعنى: أقسم بالله
إنك قربت أن تهلكني و تسقطني فيما سقطت فيه من الجحيم.(138:17)
نحوه مکارم الشيرازي. (14 : 294)
فضل الله: تلقيني في هاوية الهلاك، و تدفعني إلى التشكيك في عقيدتي أو في إنكارها. (19: 194)
تردی
وَمَا یُغْنِی عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّی. الیل : 11
ابن عباس: إذا مات، و يقال: إذا تردي في النار.(513)
نحوه الزجاج. (5: 336)
مجاهد: إذا مات فتردى في قبره.
مثله قتادة. (الماوردي 6: 289)
الإمام الباقر علیه السلام : يعني في نار جهنم. (الطوسي 10: 364)
نحوه قتادة (الطبري 617:12) ، و أبوصالح، وزيد بن أسلم (الماوردي 6: 289).
قتادة:هو لحد في جهنم.
مثله أبوصالح. (الثعلبي 218:10)
ابن قتيبة:«تردی»في النار، أي سقط. و يقال: «تردی»: « تفعل» من الردي، و هو الهلاك. (531)
الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: «إذا تردی »، فقال بعضهم: تأويله: إذا تردى في جهنم، أي سقط فيها فهوی.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا مات
و أولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: إذا تردى في جهنم، لأن ذلك هو المعروف من التردي. فأما إذا أريد معنى الموت، فإنه يقال: ردي فلان، و قلما يقال: تردی. ( 617:12)
الماوردي: فيه وجهان: [إلى أن قال: ]
و يحتمل ثالثا: إذا تردي في ضلاله، و هوى في معاصيه.(289:6)
الواحدي: مات و هلك. (504:4)
الزمخشري: « تفعل » من الردي، و هو الهلاك، يريد الموت، أو تردي في الحفرة إذا قبر، أو تردى في قعر جهنم. (261:4)
نحوه البيضاوي (562:2 ) ، و النسفي ( 4: 362)، و أبوالسعود (6: 437)، و البروسوي (449:10).
ابن عطية:...و قال قوم: معناه: تردى بأكفانه من الرداء. ثم استشهد بشعر ] (491:5 )
الفخر الرازي: و أما « تردی» ففيه وجهان: الأول: أن يكون ذلك مأخوذ من قولك: تردی من الجبل، قال الله تعالى:«وَالْمُتَرَدِّیَهُ وَالنَّطِیحَهُ» المائدة : 3، فيكون المعنى: تردى في الحفرة إذا قبر، أو تردى في قعر جهنم، و تقدير الآية: إنا إذا يسرناه للعسرى، وهي النار تردى في جهنم، فماذا يغني عنه ماله الذي بخل به وتر که لوارثه، ولم يصحبه منه إلى آخرته التي هي موضع فقره و حاجته شيء، كما قال: «وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» الأنعام :
94، و قال : «وَنَرِثُهُ مَا یَقُولُ وَیَأْتِینَا فَرْداً » مريم : 80، أخبر أن الذي ينتفع الإنسان به هو ما يقدمه الإنسان من أعمال البر و إعطاء الأموال في حقوقها، دون المال الذي يخلفه على ورثته.
الثاني: أن نتردی » تفعل، من الردى وهو الهلاك، يريد الموت. ( 202:31)
شبر: قال: والله ما تردى من جبل و لا من حائط ، و لا في بئر، و لكن تردى في نار جهنم. (419:6)
ابن عاشور: والترتي: السقوط من علو إلى سفل، يعني: لا يغني عنه ماله الذي بخل به شيئا من عذاب النار. (342:30)
مغنية : المراد بالتردي: السقوط في حضيض الرذائل و القبائح. (574:7)
الطباطبائي: التردي هو السقوط من مكان عال، و يطلق على الهلاك، فالمراد: سقوطه في حفرة القبر أو في جهنم أو هلاکه. (303:20)
نحوه عبد الكريم الخطيب ( 1595:15)، و مکارم الشيرازي (20: 237)، و فضل الله (296:24).
المصطفوي: أي سقط عن صراط الحق والسعادة إلى حفرة النار والعذاب و الشقاء. و «التفعل » يدل على المطاوعة للتفعيل، فیکون إشارة إلى كون السقوط بانتخابهم وسوء اختيارهم. (112:4)
المتردية
«حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ المَیْتَهُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِیرِ وَمَا اُهِلَّ لِغَیْرِ اللّهِ بِهِ وَالمُنْخَنِقَهُ وَالمَوْقُوذَهُ وَالمُتَرَدِّیَهُ وَالنَّطِیحَهُ»المائدة : 3
ابن عباس: هي التي تتردى من جبل أو من بئر فتموت. (88)
نحوه السدي (222)، و أبو عبيدة (151:1) ، و السجستاني (49)، و الماوردي (11:2 ) ، و الطوسي (3: 430)، و الواحدي (151:2) ، والبغوي (2: 10)، و الزمخشري (592:1) ، و البيضاوي (261:1)، و النسفي (1: 269)، و أبوالسعود (2: 237)، و شبر (2: 139)، والآلوسي (6: 57)، و ابن عاشور (5: 22)، و الطباطبائي (165:5) ، و مکارم الشيرازي (3:521) ، و فضل الله (8: 32).
الضحاك: التي تخرفي رکي، أو من رأس جبل، فتموت. (الطبري 409:4 )
قتادة: كانت تتردى في البئر فتموت، فيأكلونها. (الطبري 409:4)
الفراء: ما تردى من فوق جبل أو بئر، فلم تدرك ذكاته. (301:1)
ابن قتيبة: الواقعة من جبل أو حائط أو بئر. يقال: تردى، إذا سقط. (140)
الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: و حرمت عليكم الميتة تردیا من جبل أو في بئر، أو غير ذلك. و تردیها: رميها بنفسها من مكان عالي مشرف إلى
سفله. ( 409:4)
القمي: «المتردية »: كانوا يشدون عينها و يلقونها من السطح، فإذا ماتت أكلوها. ( 161:1)
القشيري: الإشارة من المتردية إلى من هلك في أودية التفرقة، و عمى عن استبصار رشد الحقيقة، فهو يهيم في مفاوز الظنون، و ينهك في متاهات المني. (95:2)
ابن عطية: هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت، كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه، هي متفعلة من الردى و هو الهلاك. و كانت الجاهلية تأكل المتردي، ولم تكن العرب تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحو ذلك، دون سبب يعرف. فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة، فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة، و بقيت هذه كلها میته. (151:2)
الفخر الرازي: و المتردي هو الواقع في الردى و هو الهلاك، قال تعالى: «وَمَا یُغْنِی عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّی » الیل : 11، أي وقع في النار، ويقال: فلان تردى من السطح، فالمتردية هي التي تسقط من جبل أو موضع مشرف فتموت.
وهذا أيضا من الميتة، لأنها ماتت و ما سال منها الدم، و يدخل فيه ما إذا أصابه سهم و هو في الجبل فسقط على الأرض، فإنه يحرم أكله، لأنه لا يعلم أنه مات بالتردي أو بالسهم.(133:11)
نحوه القرطبي (6: 49)، و النيسابوري (6: 37) ، و البروسوي(341:2).
الشربيني: أي الساقطة من علو، بأن سقطت من جبل أومشرف أو في بئر فماتت، ولو رمی صیدا في الهواء بسهم فأصابه فسقط على الأرض ومات حل، لأن الوقوع على الأرض من ضرورته. وإن سقط على جبل أو شجر ثم تردى منه فمات لم يحل، لأنه من المتردية، إلا أن يكون السهم ذبحه في الهواء، فيحل كيفما وقع، لأن الذبح قد حصل قبل التردية.(352:1)
المراغي: هي التي تقع من مكان مرتفع كجبل، أو منخفض كبئر و نحوها فتموت، وهي في حكم الميتة، لأنه لم يكن للإنسان عمل في إماتتها، ولا قصد به إلى أكلها. (50:6)
المصطفوي: أي الميتة بسبب السقوط من مکان عال إلى السفل. و التعبير ب « التفعل »، فإن الأغلب سقوط الحيوان بسوء اختياره و بنفسه، الا بالإسقاط و الإلقاء. (112:4)
الأصول اللغوية
1 - الأصل في هذه المادة: الردي، أي عدو الفرس. يقال : ردى الفرس يردي ردیا و ردیانا، إذا رجم الأرض رجما بين العدو و المشي الشديد.
و ردت الخيل رد یا و ردیانا: رجمت الأرض بحوافرها في سيرها و عدوها، وأرداها هو.
والرديان: مشي الحمار من آريه إلى متمعکه. و ردى الغراب يردي: حجل.
و ردى الغلام، إذا رفع إحدى رجليه و قفز
بالأخرى.
والجواري یردین ردیا، إذا رفعن رجلا و مشين على رجل أخرى يلعبن، و كل ذلك على التشبيه.
والردي: أن تأخذ صخرة أو شيئا صلبا تردي به حائطا أو شيئا صلبا فتكسره. يقال: رديت الحجر بصخرة أو بمعول ، إذا ضربته بها لتكسره.
والرداة: الصخرة؛ و الجمع: الردى.
و المرداة : صخرة تكسر بها الحجارة؛ والجمع: المرادي.
و المرداة و المرادي : الحجر الثقيل.
و المرداة : الحجر ترمي به؛ و منه قولهم في المثل : « عند جحر كل ضب مرداته »، يضرب مثلا للشيء العتيد ليس دونه شيء.
و المردی: حجر یرمی به؛ ومنه قيل للرجل الشجاع: إنه لمردی حروب ، و هم مرادي الحروب.
و فلان مردی خصومة و حرب: صبور عليهما.
و رادیت عن القوم مراداة، إذا رميت بالحجارة.
و المردي: خشبة تدفع بها السفينة، تكون في يد الملاح، و الجمع: المرادي ، على التشبيه بالمردی.
والمرادي: القوائم من الإبل و الفيلة على التشبيه. تسمى قوائم الإبل مرادي لثقلها وشدة وطئها.
والمرادي: المرامي.
والردی: الهلاك. يقال: ردي يردی ردی، أي هلك فهو رد. و أرديته: أهلكه، و كأنه رمي بحجر فهلك.
والردي: الهالك، و المرأة ردية.
و المردی : « مفعل » من الردي، أي الهلاك.
والردي: السقوط من شرف. يقال : ردي فلان في القليب يردی ، و تردی من الجبل تردیا.
و ردي في الهوة ردی و تردی: تدهور.
و أرداه الله و رداه فتردی: قلبه فانقلب.
و ما أدري أين ردی؟ أي أين ذهب. قال ابن فارس: «و هو من الباب، معناه: ما أدري أين رمی بنفسه »؟
2 - أما الرداء فهو «فعال» من « رد أ»، لأن همزته أصلية و ليست منقلبة عن الياء بدلیل الاشتقاق، غير أنه اشتق منه فعل يائي، كما تقدم.
و الردى و الإرداء: الزيادة. يقال: ردی علی المائة يردی، و أردي یردي، أي زاد. وهي لغة فيه، وأصله الهمز، كما في « ردأ »، لأن أغلب العرب يميلون إلى تسهيل الهمزة للخقة، و نظائره كثيرة في اللغه.
الاستعمال القرآني
إنها جاءت من المجرد مضارعا (تردی ) مرة، و من المزيد من باب الإفعال ماضيا مرة: (اردیكم )، و مضارعا مرتين (لتردین ) و ( ليردوهم)، و من باب التفعل ماضيا مرة ( تردی )، و اسم الفاعل مرة ( متردية ) في 6 آیات:
ويلاحظ أولا: أن من هذه الآيات الست آيتين
في المشركين، و آية في التشريع، و ثلاث آيات في الساعة:
المشركين:
1- « وَکَذلِکَ زَیَّنَ لِکَثِیرٍ مِنَ الْمُشْرِکِینَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَکاؤُهُمْ لِیُرْدُوهُمْ وَلِیَلْبِسُوا عَلَیْهِمْ دِینَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما یَفْتَرُونَ » الأنعام : 137
2-«وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَی * وَکَذَّبَ بِالْحُسْنَی * فَسَنُیَسِّرُهُ لِلْعُسْرَی * وَمَا یُغْنِی عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّی» اليل : 8-11
التشريع:
3- « حُرِّمَتْ عَلَیْکُمُ الْمَیْتَهُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِیرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَیْرِ اللّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَهُ وَ الْمَوْقُوذَهُ وَ الْمُتَرَدِّیَهُ وَ النَّطِیحَهُ وَ ما أَکَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَکَّیْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَی النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِکُمْ فِسْقٌ الْیَوْمَ یَئِسَ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْ دِینِکُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَوْنِ الْیَوْمَ أَکْمَلْتُ لَکُمْ دِینَکُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَیْکُمْ نِعْمَتِی وَ رَضِیتُ لَکُمُ الْإِسْلامَ دِیناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِی مَخْمَصَهٍ غَیْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ »المائدة : 3
الساعة:
4 - « إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى* فَلایَصُدَّنَّکَ عَنْها مَنْ لایُؤمِنُ بِها وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدی» طه : 15، 16
5- «فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِی سَواءِ الْجَحِیمِ * قالَ تَاللَّهِ إِنْ کِدْتَ لَتُرْدِینِ»الصافات : 55، 56
6- «وَذَلِکُمْ ظَنُّکُمُ الَّذِی ظَنَنْتُمْ بِرَبِّکُمْ أَرْدَاکُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِینَ»فصلت : 23
و في كل منها بحوث :
المشرکون آيتان:
الأولى: الآية: 137، من سورة الأنعام: « وَکَذلِکَ زَیَّنَ لِکَثِیرٍ مِنَ الْمُشْرِکِینَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ...».
1- هذه من جملة آيات في ما حرم المشرکون على أنفسهم، و ما جعلوه لشركائهم بدء من الآية:136، «وَ جَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ اَلْحَرْثِ وَ اَلْأَنْعامِ نَصِيباً»، و ختما بالآية: 140، وما بعدها من الآيات إلى آخر السورة، و هذه الآية خاصة بما زين لهم شركاؤهم قتل أولادهم.
2- قالوا في «لیردوهم »: ليهلكوهم، و أن اللام فيه لام العاقبة، كما قال تعالى: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً »القصص : 18 لأنهم لم يكونوا معاندین، فيقصدوا أن يردوهم و يلبسوا عليهم دينهم. و ذکر الماوردي فيه وجهين، فلاحظ.
3- وقال الطبرسي (2: 371) في «اللغة»: «الإرداء: الإهلاك. وردي يردی ردی، إذا هلك. و تردی تردیا. و المرادة: الحجر يتردى من رأس الجبل »
4- وقال في « المعنى »: «ثم بين الله خصلة أخرى من خصالهم الذميمة، فقال: «و كذلك »أي و كما جعل أولئك في الحرث و الأنعام ما لا يجوز
كذلك «زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»أي مشركي العرب « قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ »يعني الشياطين الذين زينوا لهم قتل البنات، و وأدهن أحياء خيفة العيلة، والفقر، والعار، عن الحسن، و مجاهد، والسدي .
وقيل: إن المزينين لهم ذلك قوم كانوا يخدمون الأوثان، عن الفراء، و الزجاج.
وقيل: هم الغواة من الناس.
وقيل: كان السبب في تزيين قتل البنات أن النعمان بن المنذر أغار على قوم فسبی نساءهم، و كان فيهن بنت قیس بن عاصم، ثم اصطلحوا، فأرادت كل امرأة منهن عشيرتها، غير ابنة قيس، فإنها أرادت من سباها، فحلف قیس لا يولد له بنت إلا وأدها، فصار ذلك ستة فيما بينهم.
«لیردوهم » أي يهلكوهم، واللام لام العاقبة [إلى آخر ما ذكر ]عن أبي علي الجبائي .
وقال غيره: يجوز أن يكون فيهم المعاند، فيكون ذلك على التغليب.
«وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ » أي يخلطوا عليهم، و يدخلوا عليهم الشبهات فيه».ثم أدام تفسير الایه.
و الثانية: الآية: 8، من سورة الليل: «وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّي ».
1-و قبلها: «فَأمَّا مَنْ أعَطىَ وَاتقَّى... وَ أَمّا مَنْ بَخِلَ وَ اسْتَغْنی*وَ کَذَّبَ بِالْحُسْنی * فَسَنُیَسِّرُهُ لِلْعُسْری * وَ ما یُغْنِی عَنْهُ ...».
فقد قسم الله الناس بعد قوله: «إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى » إلى قسمين: من أعطی و اتقی، و من بخل و استغنى، وذکر جزاء كل منهما، فقوله: «وَ ما یُغْنِی عَنْهُ .. »، جزاء من كذب و استغني.
2 - وقال ابن قتيبة: « و يقال: «تردی» تفعل من الردي، و هو الهلاك »
3- وقال الطبرسي (502:5) في «المعنى»: « أي سقط في النار، عن قتادة و أبي صالح.
و قيل: إذا مات و هلك، عن مجاهد.
و قيل للحسن: إن فلانا جمع مالا . فقال: هل جمع لذلك عمرا ؟ قالوا: لا، قال: فما تصنع الموتی بالأموال ».
4-وقال الزمخشري: « يريد الموت، أو تردی في الحفرة إذا قبر، أو تردي في قعر جهنم».
5 - وقد ذكر الفخر الرازي فيه وجهين، فلاحظ
وأما التشريع فالآية الثالثة من سورة المائدة: « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ.. والمتردية...» :
1- و في الآية قبلها ذکر ماحرم المشركون على أنفسهم من شعائر الله و الشهر الحرام و غيرهما. فهذه کالمستثنى مما قد حرمه الله تعالى، فهي أيضا راجعة إلى المشرکین بوجه من الوجوه.
2- قالوا في« المتردية»: هي التي تردى من جبل أو من بئر فتموت.
وقال القمي: « كانوا يشدون عينها و يلقونها من السطح، فإذا ماتت أكلوها »
وقال الفخر الرازي: و المتردي هو الواقع في الردى و هو الهلاك...».
3- وقال الطبرسي (3: 156) في «الغة»:« الردي: الهلاك، و التردي: التهور »، ثم ذكر معاني سائر الألفاظ في الآية.
4- وقال في « المعنى »:و «المترديه »و هي التي تقع من جبل، أو مكان عال، أو تقع في بئر فتموت، عن ابن عباس، و قتادة، و السدي. ومتى وقع في بئر، و لا يقدر على تذكيته، جاز أن يطعن و يضرب بالسكين في غير المذبح، حتى يبرد، ثم يؤكل ».
و أما آیات الآخرة: فالأولى: الآية:16، من سورة طه : «فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَ اتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى»:
1- هذه من تتمة ما قبلها: « إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى»، تقول: إذا كانت الساعة آتية فلايصرفك عنها من لا يؤمن بها، والذي اتبع هواه فهلك.
2- قالوا: الردي: الهلاك، و الموت، و الشقاء.
3- و قال الماوردي: « فيه وجهان: أحدهما: فتشقى. الثاني: فتنزل »
وقال الطبرسي (4: 4) في «اللغة»: « و الردي: الهلاك. وردي يردی ردی: إذا هلك. وتردى معناه ».
5 - وقال في « المعنى »«فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها»: «أي لا يصرفك عن الصلاة من لا يؤمن بالساعة.
و قيل: معناه: لا يمنعك عن الإيمان بالساعة من لا يؤمن بها.
و قيل: عن العبادة، و دعاء الناس إليها.
وقيل: عن هذه الخصال.
«واتبع هویه » و الهوى ميل النفس إلى الشيء، و معناه: و من بنى الأمر على هوى النفس دون الحق؛ وذلك أن الدلالة قد قامت على قيام الساعة.
«فتردی »أي فتهلك كما هلك، أي إن صددت عن الساعة بترك التأهب لها هلكت...».
ه - و إنما قال : فلايصدنك عن الصلاة، لأن قبلها خطاب إلى موسى علیه السلام: «وَ أَقِمِ الصَّلَوةِ لِذِكْرِي ».
و الثانية: الآية: 23، من سورة فصلت: «وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ... »:
1 -هذه من تتمة آيات الحشر بدء من الآية: 19، « وَ يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللّهِ إِلَى النّارِ ...»، و ختما بالآية : 25، «وَ قَیَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَیَّنُوا لَهُمْ... ».
2- و تقول هذه الآيات: إن أعداء الله يوم الحشر تشهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم بما كانوا يعملون، فقالوا لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ فقالوا: قد أنطقنا الله، و ظننتم أن الله لا يعلم أعمالكم. وقد كان هذا ظنكم بربكم، فهو قد أهلككم فصرتم من الخاسرين.
3- و قال الطبرسي (10:5) في «اللغة »: نظیر
ما قال في الآية الأولى. [ثم استشهد بشعر]
4 - و قال في «المعنى »: « و ذلكم كمه ظنکم»«ذلکم»مبتدأ، و «ظنکم»خبره، و «اردیکم »خبرثان.
ويجوز أن يكون «ظنکم» بدلا من «ذلكم ».و يكون المعنى: و ظنكم الذي ظننتم بربكم أنه لايعلم كثيرا ما تعملون أهلككم؛ إذهون عليكم أمر المعاصي، و أدی بكم إلى الكفر ...».
و الثالثة: الآية: 55، من سورة الصافات: «قالَ تَاللَّهِ إِنْ کِدْتَ لَتُرْدِینِ» :
1- هذه من جملة آيات كثيرة في هذه السورة في البعث و المعاد بدء بالآية: 16، منها: «ءَإِذا مِتْنا وَ کُنّا تُراباً وَعِظاماً ...»، و ختما بالآيتين: 73، 74:«فَانْظُرْ کَیْفَ کانَ عاقِبَهُ الْمُنْذَرِینَ *إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِینَ».
وهذه من تتمة الآیات قبلها: «قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّی کانَ لِی قَرِینٌ » إلى «فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِی سَواءِ الْجَحِیمِ»، فقال لقرينه لما رآه في الجحيم: «تَاللَّهِ إِنْ کِدْتَ لَتُرْدِینِ ».
2- قالوا في معنى «لتردین» : لتغويني،لتهلكني، لتباعدني، لتهلكني بإغوائك.
و قال فضل الله: «تلقيني في هاوية الهلاك، و تدفعني إلى التشكيك في عقيدتي، أو في إنكارها »
3- و لابن عاشور كلام كثير في إعراب الآية و قراءتها و معناها، فلاحظ.
4 - وقال الطبرسي في « المعنى»«تَاللَّهِ إِنْ کِدْتَ لَتُرْدِینِ»: « هذه (إن) المخففة من الثقيلة، بدلالة مصاحبة لام الابتداء لها في قوله: «لتردین » أقسم بالله سبحانه على وجه التعجب، أنك بردت تهلكني ما قلته لي، و دعوتني إليه، حتی یکون هلاکي کهلاك المتردي من شاهق.
ومنه قوله:«وَما یُغْنِی عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّی » أي تردى في النار».
ويلاحظ ثانيا: أن واحدة منها مدنية و هي تشریع، و الباقي مكي في العقيدة، من التوحيد و البعث.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في اللغة:
الردي: الهلاك
التبار: «رَبِّ اغْفِرْ لِی وَلِوَالِدَیَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَیْتِیَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِینَ وَالمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِینَ إلا تَبَاراً» نوح: 28
راجع الاستعمال القرآني: « ثالثا» من مادة «دم دم»، ففيه سائر النظائر.
الردي : الدهورة:
السقوط: «وَإِن یَرَوْا کِسْفاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً یَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْکُومٌ» الطور : 44
الوقوع: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَکُمْ ما فِی الْأَرْضِ وَالْفُلْکَ تَجْری فِی الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَیُمْسِکُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَی الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحیمٌ » الحج: 65
الخرور: « بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَ اللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ التّوبة:109 16- قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ
وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ » النحل : 26
الهوي: «وَ اَلنَّجْمِ إِذا هَوى »النجم : 1
الانهيار: «أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْیَانَهُ عَلَی تَقْوَی مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَیْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْیَانَهُ عَلَی شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِی نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا یَهْدِی الْقَوْمَ الظَّالِمِینَ» التوبة : 109
التهديم: «اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللّهُ وَ لَوْ لا دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَ بِيَعٌ وَ صَلَواتٌ وَ مَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللّهِ كَثِيراً وَ لَيَنْصُرَنَّ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ»الحج: 40
الكب: «وَمَنْ جَاءَ بِالسَّیِّئَهِ فَکُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِی النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا کُنتُمْ تَعْمَلُونَ »النمل: 90
الهد: « تَکَادُ السَّمَوَاتُ یَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا » مریم: 90
3 ألفاظ، 4 مرات، في 4 سور،3 مکیه،1 مدنیه
ارذل 1:2-1 الارذلون 1:1
ارذلنا 1:1
النصوص اللغوية
الخليل: الرذل: الدون من كل شيء، مصدره: الرذالة، وقد رذل، و الجميع: الأرذال، و الأرذلون و الرذلون.
و رذالة كل شيء: أردؤه.
و رجل رذل، أي وسخ، و امرأة رذلة.
و ثوب رذیل، أي رديء. (180:8)
الليث: الرذل: الدون من الناس في منظره و حالاته. و رجل رذل الثياب و النعل. (الأزهري 419:14 )
ابن السكيت : الرذال: ماتنقي جيده و بقي رديئه. (196)
رذل یرذل رذالة و رذولة، وهو رجل رذل، من قوم رذول و أرذال و رذلاء. (إصلاح المنطق : 110)
ابن أبي اليمان: و الرذل: الحقير. (621)
ابن دريد: الرذل و الرذال من الشيء: الدون، والقوم: أرذال و أرذلون و أراذل و رذال. وقد قيل: رجل رذیل. (311:2)
الأزهري: رذل یرذل رذالة، وهم الرذلون والأرذال.
ويقال: أرذل فلان دراهمي، أي فسلها، وأرذل غنمي، و أرذل من رجاله كذا و كذا رجلا، و هم رذالة الناس و رذالهم. (419:14)
الصاحب: الرذل: الدون من الناس في حالاته، رذل رذالة؛ و رذل.
و ثوب رذل: وسخ، و رذیل: رديء.
و رذله فهو مرذول.
وأرذل من غنمه كذا، أي نفاها.
والمرذل : الذي أصحابه أرذال أو دابته رذلة.
و الرذالة: النفاية.
و رد إلى أرذل العمر: أي أسوئه.(71:10 )
الجوهري: الرذل: الدون الخسيس. وقد رذل فلان بالضم يرذل رذاله و رذولة، فهو رذل و رذال بالضم، من قوم رذول و أرذال و رذلاء.
و ارذله غيره و رذله أيضا، فهو مرذول.
و رذال كل شيء: رديئه. (1708:4)
ابن فارس : الراء والذال واللام قريب من الذي قبله. فالرذل: الدون من كل شيء، و كذلك الرذال.(509:2)
ابن سيده: الرذل و الرذيل و الأرذل: الدون من الناس، وقيل : هو الرديء من كل شيء، و الجمع: أرذال و رذلاء و رذول و رذال؛ الأخيرة من الجمع العزيز، و الأرذلون، و لاتفارق هذه الألف واللام، لأنها عقیبة ( من ).
وقد رذل رذالة و رذولة، و رذله یرذله رذلا : جعله كذلك.
وحكى سيبويه: رذل، قال: كأنه وضع ذلك فيه، يعني: أنه لم يعرض لرذل، و لو عرض له لقال: رذ له، فشدد.
وثوب رذیل: وسخ: رديء.
و الرذال و الرذالة: ما انتقي جيده و بقي رديئه.
و الرذيلة: ضد الفضيلة. ( 60:10)
الراغب : الرذل والرذال : المرغوب عنه لرداءته، قال تعالى: «وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» النحل : 70، و قال: «إِلّا الْذینَ هُمْ اَرذِلُنا بادِی الرَّأی »
هود : 27، وقال تعالى: «قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَکَ وَ اتَّبَعَکَ الْأَرْذَلُونَ» الشعراء : 111، جمع الأرذل. (194)
الزمخشري: رجل رذل و مرذول، و هو الدون في منظره و حالاته، وقد رذل رذولة و رذالة و رذل و رذل.
وقوم أرذال، و هو من أراذلهم.
وامرأة رذلة.
و هم ذال الناس.
وهي ذال الغنم.
وهذا من رذال المتاع والتمر و رذالته:لخشارته ورديئه.
و رجل رذل الثياب.
و ثوب رذل: وسخ.
و درهم رذل: فسل.
وأرذل الصيرفي من دراهمي كذا درهما.
وأرذل فلان من غنمي كذا شاة.
وأذل من أصحابي كذا رجلا: لم يرضهم.
وردوا إلى أرذل العمر، و هو الهرم و الخرف.
و فلان مرذل: صاحبه أو دابته رذل. (أساس البلاغة :161)
ابن الأثير: فيه: « وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر » أي آخره في حال الكبر و العجز والحرف.
والأذل من كل شيء: الرديء منه. (217:2 )
الفيومي: رذل الشيء بالضم رذالة و رذولة معنی ردؤ، فهو رذل، و الجمع: أرذل، ثم يجمع على أراذل، مثل: كلب و أكلب وأكالب؛ و الأنتي: رذلة.
والرذال بالضم والرذالة بمعناه، وهو الذي أنتقي جيده و بقي أرذله.(225:1)
الفيروزابادي: الرذل والرذال و الرذيل و الأرذل: الدون الخسیس، أو الرديء من كل شيء؛ جمعه: أرذال و رذول و رذلاء و رذال و أرذلون، وقد رذل، ککرم و علم، رذالة و رذولة، بالضم، و رذله غيره و أرذله.
و الرذال والرذالة، بضمهما: ما انتقي جيده.
و الرذيلة: ضد الفضيلة.
واسترذله: ضد استجاده.
و أرذل: صار أصحابه رذلاء و رذالی، کحباری.
وأرذل العمر: أسوأه. (395:3)
الطريحي: و الأرذلون: هم أهل الضعة والخساسة.
والأراذل : جمع الأرذل، و هم الناقصون الأقدار؛ و منه «اراذلنا»هود: 27، أي ناقصوا الأقدار فينا.
والأراذل: جمع الرذل أيضا، وهو النذل و هو الدون الخسيس.
وقد رذل فلان بالضم يرذل رذالة، فهو رذل و رذال بالضم، من قوم رذول و أرذال و رذلاء و رذلة. (382:5)
مجمع اللغة: رذل الشي ء يرذل رذالة و رذولة: ردؤ و صار دونا خسیسا، فهو رذل.
والأرذل: أفعل تفضيل، و يجمع على الأرذلين والأراذل. (471:1)
محمد إسماعيل إبراهيم: رذل الشيء: قبح و صار خسیسا يستحق الاحتقار، فهو رذل، و الجمع: أرذلون.
و الأرذل: الدون الخسيس؛ و جمعه: أراذل.
و الرذيلة: ضد الفضيلة .
وأرذل العمر: آخره في حال الكبر والعجز والخرف. (219)
المصطفوي: و التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة : هو مطلق ما كان رديئا و خسیسا. يقال: هو رذل و رذیل و أرذل في نفسه، و هو ذو رذيلة في مقابل ذو فضيلة.
فهذا المفهوم يلاحظ بنفسه لا بالإضافة إلى غيره، و يعم الذوات و الصفات والحالات و العوارض والملابس و المشاغل.
وأما الدون و الصغارة والذلة والرداءة والضعة و الحقارة و الخسة، فكل واحد منها إنما يعتبر بلحاظ أمر آخر أو من جهة:
فالذ لة بلحاظ غلبة شيء عليه، و كونه مغلوبا، و هو في مقابل العزة. و الضعة بواسطة عمل نفسه بنفسه كوضع عنوان و تواضع. والرداءة بلحاظ سقوط شدید. و الدون يلاحظ فيه مفهوم التسفل مع قيد القرب. و الصغارة يلاحظ بالنسبة إلى ما هو أكبر منه. و الحقير ما نقص عن المقدار المعهود لجنسه، راجع الحقر و الخس و الدون والردي.
فظهر أن الرذل: ما كان حقيرا و ردیئا و خسیسا في نفسه، من دون أن يلاحظ فيه قيد أو نظر إلى أمر آخر.
فالتعبير في تفسيره بالخساسة و الرداءة والدون و أمثالها: إنما هو من باب التقريب و التجوز، و ليس من الحقيقة.
«أَنُؤْمِنُ لَکَ وَ اتَّبَعَکَ الْأَرْذَلُونَ » الشعراء : 111، «وَمَا نَرَیکَ اتَّبَعَکَ إِلَّا الَّذِینَ هُمْ أَرَاذِلُنَا»هود: 27،يراد الأفراد الذين ليست لهم فضيلة شخصية، ولا عناوین اجتماعية، بل هم ساقطون عن أنظار الناس.
«وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً» النحل: 70، إلى مرحلة نازلة ساقطة من طول الحياة، و هي المرحلة الدنيا من أدوار الحياة تنقلب القدرة و القوة الجسمانية و الحواس البدنية إلى الضعف، و تصير الأعضاء و الجوارح و قواها المدركة مسترخية متوانية.
و في هذه الآيات الكريمة إشارات:
1- أهل الدنيا هم لا ينظرون إلا إلى الاعتبارات الظاهرية و العناوين الدنيوية، ولا يتوجهون إلى المقامات المعنوية و الحقائق الروحانية، و لا يرون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا.
2 - أراذل الناس عند أهل الدنيا: هم النازلون عن التظاهرات المادية والتزينات الدنيوية، و إن بلغوا من المراحل الروحانية، و العلوم و المعارف الإلهية ما بلغوا و وصلوا.
3- رذالة العمر: باعتبار ظاهر من الحياة الدنيا، و بلحاظ المراحل الظاهرية من العيش المادي، و بالنظر إلى القوى البدنية الجسمانية، و إن وصل إلى أعلى درجات المقربين، و أسنی منازل أهل المعرفة واليقين.
فظهر لطف التعبير بالمادة في هذه الموارد، دون نظائرها. (113:4)
النصوص التفسيرية
آرذل
«وَاللَّهُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ یَتَوَفَّیکُمْ وَمِنکُم مَّن یُرَدُّ إِلَی أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِکَیْ لَایَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَیْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِیمٌ قَدِیرٌ » النحل: 70
الإمام علي علیه السلام: خمس و سبعون سنة. (الطبري 615:7)
ابن عباس: أسفل العمر. (227)
قتادة: أرذل العمر: تسعون سنة. (البغوي 87:3)
السدي: هو الخرف. (328)
مقاتل: يعني الهرم. (البغوي 3: 87)
قطرب : ثمانون سنة. (الماوردي 200:3)
ابن قتيبة: هو الهرم، لأن الهرم أسوأ العمر و شه. (246)
نحوه الكلبي. (الماوردي200:3)
الطبري: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، و هو أردؤه، يقال منه: رذل الرجل و فسل، يرذل رذالة و رذولة، و رذلته أنا. (615:7)
الزجاج: أي منكم من يكبر ويسن حتى يذهب عقله خرفا، فيصير بعد أن كان عالما جاهلا. (211:3 )
الأزهري: قيل : هو الذي يخرف من الكبر حتى لايعقل شيئا، و بينه بقوله: «لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً» و يجمع الرذل: أرذالا. ( 419:14)
الماوردي: فيه أربعة أقاويل:
أحدها : أوضعه و أنقصه، قاله الجمهور.
الثاني: أنه الهرم ، قاله الكلبي .
الثالث: ثمانون سنة، حكاه قطرب.
الرابع : خمس وسبعون سنة، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه. (200:3 )
الطوسي: و هو أردؤه و أوضعه. يقال منه: رذل الشيء يرذل رذالة، و أرذلته أنا إرذالا، يريد به حال الذم.(405:6)
القشيري: و هو أن يرد إلى الخذلان بعد التوفيق، فهو يكون في أول أحوال عمره مطيعا، ثم يصير في آخر عمره عاصيا.
ويقال: «أرذل العمر» : أن يرغب في عنفوان شبابه في الإرادة، و يسلك طريق الله مدة، ثم تقع له فترة، فيفسخ عقد إرادته، و يرجع إلى طلب الدنيا. و عند القوم هذه ردة في هذا الطريق.
و يقال: «ارذل العمر» : رغبة الشيخ في طلب.
ويقال : «ارذل العمر» : حب المرء للرئاسة.
ويقال : «ارذل العمر»: اجتماع المظالم على الرجل، و ألايرضي خصومه. (307:3)
الواحدي: هو أردؤه و أوضعه، يقال: رذل يرذل رذالة.(73:3)
البغوي: أردؤه. (87:3)
ابن عطية: آخره الذي تفسد فيه الحواس و يختل النطق. وخص ذلك بالرذيلة و إن كانت حال الطفولية كذلك، من حيث كانت هذه لارجاء معها، و الطفولية إنما هي بدأة، و الرجاء معها متمكن.
و قال بعض الناس: أول أرذل العمر: خمسة و سبعون سنة، روي ذلك عن علي رضي الله عنه. و هذا في الأغلب، وهذا لا ينحصر إلى مدة معينة، و إنما هو بحسب إنسان وإنسان.
والمعنى: منكم من يرد إلى أرذل عمره و رب من يكون ابن خمسين سنة، و هو في أرذل عمره، و رب ابن مائة أو تسعين ليس في أرذل عمره. (407:3 )
الطبرسي: أي أدون العمر و أوضعه، أي يبقيه حتى يصير إلى حال الهرم و الخرف، فيظهر النقصان في جوارحه و حواسه و عقله. (3: 372)
ابن الجوزي: و هو أردؤه، و أدونه، و هي حالة الهرم. (467:4)
الفخر الرازي: «ارذل العمر»، وهو أردؤه و أضعفه.
يقال: رذل الشيء يرذل رذالة، و أرذله غيره؛ و منه قوله: «إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا » هود : 27، و منه قوله: «واتبعك الأرذلون »الشعراء : 111( 77:20).
القرطبي: يعني أردؤه و أوضعه، وقيل: الذي ينقص قوته و عقله و يصيره إلى الخرف و نحوه. وقال ابن عباس: يعنى إلى أسفل العمر، يصير كالصبي الذي لاعقل له، و المعنى متقارب. ( 140:10)
البيضاوي: أخسه، يعني الهرم الذي يشابه
الطفولية في نقصان القوة و العقل. (562:1)
النيسابوري: و هو مقام الفناء في الله«لكى لا يعلم » بعد فناء علمه شيئا يعلمه، بل يعلم بربه الأشياء كما هي، و الله أعلم بالصواب. ( 95:14)
الخازن: يعني أردؤه وأضعفه، و هو الهرم.
قال بعض العلماء: عمر الإنسان له أربع مراتب:
أولها: من النشوء و النماء، و هو من أول العمر إلى بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، وهو غاية سن الشباب و بلوغ الأشد.
ثم المرتبة الثانية سن الوقوف، وهو من ثلاث و ثلاثين سنة إلى أربعين سنة، و هو غاية القوة و کمال العقل.
ثم المرتبة الثالثة سن الكهولة، و هو من الأربعين إلى الستين، و في هذه المرتبة يشرع الإنسان في النقص، و لكنه يكون نقصا خفیا لا يظهر.
ثم المرتبة الرابعة: سن الشيخوخة والانحطاط من الستين إلى آخر العمر، و فيها يتبين النقص، و یکون الهرم و الخرف.(84:4)
أبو حيان: [نحو ابن عطية وقال:]
و الظاهر أن من يرد إلى أرذل العمر عام، فيمن يلحقه الحرف و الهرم. (514:5)
الشربيني: أي، أخسته من الهرم و الخرف. (246:2)
أبوالسعود: أي أخسه و أحقره، وهو خمس و سبعون سنة.. وإيثار الرد على الوصول و البلوغ ونحوهما، للإيذان بأن بلوغه و الوصول إليه رجوع في الحقيقة إلى الضعف بعد القوة، كقوله تعالى: «وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ » یس، : 68، ولاعمر أسوأ حالا من عمر الهرم الذي يشبه الطفل في نقصان العقل والقوة. (76:4)
الطريحي: قوله تعالى : «ارذل العمر»، هو خمس وسبعون، عن عليه السلام . و في بعض الأخبار إذا بلغ الرجل المائة فذاك أرذل العمر، فمعنى أرذل : أخس و أحقر. (382:5)
البروسوي: أخسه و أحقره، و هو الهرم والحرف الذي يعود فيه كهيئته الأولى، في أوان طفوليته، ضعيف البنية، ناقص القوة و العقل، قليل الفهم، و ليس له حد معلوم في الحقيقة، لأنه رب ابن ستين انتهى إلى أرذل العمر، و رب ابن مائة لم يرد إليه.
وقال قتادة: إذا بلغ تسعين سنة يتعطل عن العمل والتصرف و الاكتساب، و الحج و الغزو و نحوها. (54:5)
الآلوسي: أخسه و أحقره، و هو وقت الهرم الذي تنقص فيه القوى، و تفسد الحواس،و یکون حال الشخص فيه كحالة وقت الطفولية، من ضعف العقل و القوة. و من هنا تصور الرد، فهذا كقوله تعالى: «وَ مَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ »یس، : 68، ففيه مجاز، و هو يختلف باختلاف الأمزجة، فرب معمر لم تنتقص قواه، و منتقص القوى لم يعمر، و لعل التقييد بسن مخصوص مبني على الأغلب عند من قید. (187:14)
سید قطب: و صورة الشيخوخة حين يرد
الإنسان إلى أرذل العمر، فينسى ما كان قد تعلم، و يرتد إلى مثل الطفولة من العجز والنسیان و السذاجة. هذه الصورة قد ترد النفس إلى شيء من التأمل في أطوار الحياة، وقد تغض من كبرياء المرء واعتزازه بقوته و علمه و مقدرته. (4: 2182)
ابن عاشور: والأرذل: تفضيل في الرذالة، و هي الرداءة في صفات الاستياء.
و العمر: مدة البقاء في الحياة، لأنه مشتق من العمر، و هو شغل المكان، أي عمر الأرض، قال تعالى: «وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها » الروم : 9. فإضافة «ارذل» إلى «العمر»التي هي من إضافة الصفة إلى الموصوف على طريقة المجاز العقلي، لأن الموصوف بالأرذل حقيقة هو حال الإنسان في عمره لانفس العمر. فأرذل العمر هو حال هرم البدن و ضعف العقل، و هو حال في مدة العمر. و أما نفس مدة العمر فهي هي، لاتوصف برذالة ولاشرف.
و الهرم لا ينضبط حصوله بعدد من السنين، لأنه يختلف باختلاف الأبدان و البلدان والصحة و الاعتلال، علی تفاوت الأمزجة المعتدلة. وهذه الرذالة رذالة في الصحة، لا تعلق لها بحالة النفس، فهي مما يعرض للمسلم والكافر فتسمى أرذل العمر فيهما، و قد استعاذ رسول الله صلی الله علیه و آله من أن يرد إلى أرذل العمر. (170:13)
مغنية: للإنسان أدوار و أطوار يمربها من الطفولة إلى المراهقة و الشباب، و من الشباب إلى الشيخوخة و الهرم. و لكل دور سببه الطبيعي المباشر، و يسند إليه تعالى، لأنه خالق الطبيعة و الكون.
و«ارذل العمر »هو الهرم الذي يضعف معه الجسم و العقل و الذاكرة، و بقية الحواس الظاهرة و الباطنة، و متی ضعف عضو من أعضاء الشيخ أو حاسة من حواسته انتهى أمرها، و لايرجی عودتها إلى الحال السابقة، بل تزداد ضعفا و وهنا مع الأيام. و بالخصوص الذاكرة؛ حيث يفقدها تماما، و يرجع إلى ما كان أيام الطفولة، حتى كأنه لم يتعلم شيئا من الدروس، ولامر بشيء من التجارب. (530:4)
فضل الله: و هو الهرم الذي يمثل حالة الوهن و الضعف والشيخوخة المتقدمة التي يستولي فيها الضعف على الجسم و العقل و الذاكرة. (13: 258)
الأرذلون
قالُوا أَنُؤْمِنُ لَکَ وَاتَّبَعَکَ الْأَرْذَلُونَ. الشعراء : 111
ابن عباس: سفلتنا و ضعفاؤنا اطردهم حتی نؤمن بك. (310)
مجاهد : أنهم الحائکون. (الماوردي4 :179)
عكرمة: يعنون الحاكة و الأساكفة.
مثله الضحاك . (الواحدي 3: 357)
عطاء: المساكين الذين ليس لهم مال ولاعز.(الواحدي 3: 357)
قتادة: سفلة الناس و أراذلهم. (الماوردي 4: 179)
مقال: السفلة.(272:3)
ابن بحر: أنهم الأساكفة. (الماوردي 4: 179)
الطبري: قالوا: أنؤمن لك يانوح، ونقربتصديقك فيما تدعونا إليه، و إنما اتبعك ما الأرذلون دون ذوي الشرف و أهل البيوتات. (9: 457)
الزجاج: و قيل: في قوله: «الأرذلون » نسبوهم إلى الحياكة و الحجامة، و الصناعات لاتضر في باب الديانات.(95:4)
الماوردي: فيه خمسة أقاويل:
أحدها: أنهم الذين يسألون ولا يقنعون.
الثاني: أنهم المتكبرون.
الثالث: سفلة الناس وأراذلهم، قاله قتادة .
الرابع : أنهم الحائکون ، قاله مجاهد .
الخامس: أنهم الأساكفة، قاله ابن بحر.
ويحتمل سادسا: أنهم أصحاب المهن الرذلة كلها.(179:4)
الطوسي: يعني السفلة و أوضاع الناس. والرذل الوضيع، و نقیض الرذيلة: الفضيلة؛ و جمعه: الرذائل.
وقيل: إنهم نسبوهم إلى صناعات دنيئة، كالحياكة و الحجامة. وأنهم مع ذلك أهل نفاق و رذالة، فأنفوا من اتباعه لما اتبعوه هؤلاء. و لم يجز من نوح أن يقبل قول هؤلاء فيهم، لأنهم كفار يعادونهم، فلا تقبل شهادتهم.
ويجوز أيضا أن يكونوا لما آمنوا تابوا من قبيح ما عملوا، لأن الإيمان يجب الخطايا، و يوجب الإقلاع عنها. و لم يجز استصلاح هؤلاء بإقصاء من آمن، كما لايجوز استصلاحهم بفعل الظلم، لأن في ذلك إذلالا للمؤمنين، و ذلك ظلم لهم، لا يجوز أن يفعل بأهل الإيمان، لأنه قبيح. (41:8)
القشيري: إن أتباع کل رسول إنماهم الأضعفون، لكنهم في حكم الله هم المتقدمون الأكرمون قال عليه السلام: «نصرت بضعفائكم». (17:5)
الزمخشري: و الرذالة والتنذالة: الخسة و الدناءة. و إنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم و قلة نصيبهم من الدنيا. و قيل : كانوا من أهل الصناعات الدنية كالحياكة و الحجامة.
و الصناعة لاتزري بالديانة، و هكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله، وما زالت أتباع الأنبياء كذلك حتى صارت من سماتهم و أماراتهم ألا ترى إلى هرقل حين سئل أبا سفيان عن أتباع رسول الله صلی الله علیه و آله فلما قال: ضعفاء الناس و أراذلهم، قال: مازالت أتباع الأنبياء كذلك.(120:3)
نحوه الشربيني. (3: 23)
ابن عطية : و قال بعض الناس «الأرذلون »:الحاكة، و الحجامون و الأساكفة. و في هذا عندي على جهة المثال، أي أهل الصنائع الخسيسة، لا أن هذه الصنائع المذكورة خصت بهذا. و «الأرذلون »: جمع الأرذل، و لايستعمل إلا معرفا أو مضافا أو به «من ».
و يظهر من الآية أن مراد «قوم نوح » بنسبة الرذيلة إلى المؤمنين تهجين أفعالهم، لا النظر في صنائعهم، يدل على ذلك قول نوح «ماعلمی ...»الشعراء: 112، لأن معنی کلامه ليس في نظري و علمي بأعمالهم و معتقداتهم فائدة، إنما أقنع بظاهرهم و أجتزئ به، ثم حسابهم على الله
تعالی. (237:4)
الطبرسي: و المعنى: أن أتباعك أراذلنا و فقراؤنا، و أصحاب الأعمال الدنيئة و المهن الخسيسة، فلو اتبعناك لصرنا مثلهم و معدودين في جملتهم. وهذا جهل منهم، لأنه ليس في إيمان الأرذلين به ما يوجب تكذيبه، فإن الرذل إذا أطاع سلطانه استحق التقرب عنده دون الشريف العاصي. (196:4)
ابن الجوزي: [نقل الأقوال المتقدمة و قال: ]
و هذا جهل منهم، لأن الصناعات لا تضر في بابالديانات. (134:6)
الفخر الرازي: و الرذالة: الخسة، و إنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم و قلة نصيبهم من الدنيا. و قيل: كانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحياكة والحجامة.
واعلم أن هذه الشبهة في نهاية الركاكة، لأن نوحا علیه السلام البعث إلى الخلق كافة، فلايختلف الحال في ذلك بسبب الفقر و الغنى و شرف المكاسب و دناء تها. (155:24)
النسفي: «الارذلون »: السفلة، والرذلة: الخسة والدناءة، و إنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم، وقلة نصيبهم من الدنيا. و قيل: كانوا من أهل الصناعات الدنيئة، و الصناعة لاتزري بالديانة، فالغنى غنی الدين و النسب نسب التقوى، ولا يجوز أن يسمى المؤمن رذ لاو إن كان أفقر الناس، أوضعهم نسبا ومازالت أتباع الأنبياء كذلك. (190:3)
النيسابوري: ويجوز أن يكون فر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال و فساد العقائد، فبني جوابه على ذلك، وقال: «ما علمی... »الشعراء :12، إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر.(19: 62)
أبوحيان: جملة حالية، أي كيف نؤمن و قد اتبعك أراذلنا، فنتساوى معهم في اتباعك؟و کذا فعلت قريش في شأن عمار و صهيب. و الضعفاء أكثر استجابة من الرؤساء، لأن أذهانهم ليست مملوءة بزخارف الدنيا، فهم أدرك للحق، و أقبل له من الرؤساء. (31:7)
أبوالسعود: أي الأقلون جاهاوما، جمع: الأرذل على الصحة، فإنه بالغلبة صار جاریا مجری الاسم، کالأكبر والأكابر. و قيل: جمع أرذل جمع رذل، كأكالب و أكلب و كلب. (52:5)
البروسوي: أي و الحال قد اتبعك الأقلون جاها ومالا ، أي و هذه حالك، كما تقول: لانصحبك و صحبك السفلة. « والأرذلون»: جمع الأرذل، و الرذالة: الخسة والدناءة، و الرذال: المرغوب عنه لرداءته. يعنون أن لاعبرة لاتباعهم لك؛ إذ ليس لهم رزانة عقل و إصابة رأي قد كان ذلك منهم في بادي الرأي.
وهذا من كمال سخافة عقولهم، و قصرهم أنظارهم على الدنيا، و کون الأشرف عندهم من هو أكثر منها حظا، والأرذل من حرمها. و جهلهم أنها لاتزن عند الله جناح بعوضة، و أن النعيم هو نعیم الآخرة، و الأشرف من فاز به، و الأرذل من كرمه.
و هكذا كانت قريش تقول في أصحاب رسول
الله، و ما زالت أتباع الأنبياء ضعفاء الناس، وقس أتباع الأولياء على أتباعهم، من حیث وراثتهم لدعوتهم و علومهم و أذواقهم و محنهم و ابتلائهم؛ و ذلك لأن الحقيقة من أرباب الجاه و الثروة لم تأت إلا نادرا.(292:6)
الشوكاني: و هم جمع أرذل، وجمع التكسير: أرذال؛ و الأنثى: رذلی، و هم الأقلون جاها و مالا، و الرذالة: الخسة والذلة، استرذلوهم لقلة أموالهم و جاههم، أو لاتضاع أنسابهم. (137:4)
الآلوسي: وهو جمع الأرذل على الصحة، والرذالة: الخسة والدناءة. والظاهر أنهم إنما استرذلوا المؤمنين علیه السلام لسوء أعمالهم. ( 107:19)
ابن عاشور: (الارذلون): سقط القوم موصوفون بالرذالة، و هي الخسة و الحقارة، أرادوا بهم ضعفاء القوم و فقراءهم، فتكبروا و تعاظموا أن يكونوا، و الضعفاء سواء في اتباع نوح. وهذا كما قال عظماء المشركين للنبي صلی الله علیه و آله: لما كان من المؤمنين عمار و بلال و زید بن حارثة: أنحن نكون تبعا لهؤلاء اطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فأنزل الله تعالى: «وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِینَ یَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاهِ وَالْعَشِیِّ یُرِیدُونَ وَجْهَهُ » الآيات من سورة الأنعام : 52.(168:19)
مغنية: طعنوا برسالة نوح لا لشيء، إلا لان الفقراء قد آمنوا بها، والفقراء لا قيمة لهم؛ إذن رسالة نوح لاقيمة لها.
و بكلام آخر: أن المترفين لايحيون حياة الفقراء،فكيف يؤمنون بما آمنوا به؟
وهكذا يفعل الترف في النفس المجرمة، يعميها عن الحق، و يخلق فيها الطغيان والكبرياء.(506:5)
الطباطبائي: «الأرذلون »: جمع أرذل على الصحة، و هو اسم تفضيل من الرذالة، والرذالة: الخسة والدناءة . و مرادهم بكون متبعيه أراذل، أنهم ذوو أعمال رذيلة و مشاغل خسيسة، و لذا أجاب عليه السلام عنه مثل قوله: « وَ ما عِلْمِی بِما کانُوا یَعْمَلُونَ» الشعراء : 112.
والظاهر أنهم كانوا يرون الشرف والكرامة في الأموال، و الجموع من البنين و الأتباع، كما يستفاد من دعاء نوح علیه السلام إذ يقول: «رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِی وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ یَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا» نوح: 21، فمرادهم بالأرذلين: من يعدهم الاشراف والمترفون سفلة، يتجنبون معاشرتهم، من العبيد والفقراء، و أرباب الحرف الدنيئة.(296:15)
مکارم الشيرازي: إن قيمة الزعيم ينبغي أن تعرف ممن حوله من الأتباع، و بعبارة أخرى: إن الولي يعرف من زواره، كما يقال، فحين نلاحظ قومك یانوح، نجدهم حفنة من الأراذل و الفقراء والحفاة و الكسبة الضعاف قد داروا حولك، فكيف تتوقع أن يتبعك الأثرياء الأغنياء الشرفاء و الوجهاء و يخضعوا لك ؟!
وصحيح أنهم كانوا صادقين و مصيبين، في أن الزعيم يعرف عن طريق أتباعه، إلا أن خطأهم الكبير هو عدم معرفتهم مفهوم الشخصية و معیارها؛ إذ
كانوا يرون معيار القيم في المال و الثروة و الألبسة و البيوت و المراكب الغالية و الجميلة، و كانوا غافلين عن النقاء و الصفاء و التقوى و الطهارة و طلب الحق، و الصفات العليا للإنسانية الموجودة في الطبقات الفقيرة، و القلة من الأشراف.
إن روح الطبقية كانت حاكمة على أفكارهم في أسوأ أشكالها، و لذلك كانوا يسمون الفقراء الحفاة بالأراذل. (367:11)
فضل الله: و أنت لا تملك جمهورا مميزا من الطبقة العالية في المجتمع، من أصحاب السلطة والمال والنفوذ، بل كل ما لديك هم هؤلاء السفلة الأراذل الذين يتميزون بالخسة والدناءة، فكيف تريدنا أن نتبعك و ليس معك أحد من طبقتنا؟ فكيف نقبل أن ندخلهم في مجتمعنا من خلالك، أو ندخل نحن في مجتمعهم، لحسابك؟.(135:17)
اراذلنا
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِینَ کَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاکَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنَا وَمَا نَرَاکَ اتَّبَعَکَ إِلَّا الَّذِینَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِیَ الرَّأْیِ... . هود : 27
ابن عباس: سفلتنا و ضعفاؤنا. (184)
يريد المساكين الذين لاعقول لهم ولاشرف ولامال. (الواحدي 2: 570)
ابن قتيبة: شرارنا؛ جمع: أرذل. يقال : رجل رذل و قد رذل رذالة و درذولة. (203)
الطبري: و ما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس، دون الكبراء و الأشراف فيما نرى و يظهرلنا.
القمي: يعني الفقراء والمساكين الذين تراهم بادع الرأي. (325:1)
السجستاني: الناقصو الأقدار فينا. (85)
النحاس: والأراذل: الأشرار الذين ليسوا برؤساء؛ واحدهم: أرذل. (341:3)
الماوردي: الأراذل: جمع أرذل، وأرذل : جمع رذل والرذل: الحقير، و عنوا بأراذلهم: الفقراء، و أصحاب المهن المتضعة. (465:2)
الطوسي: حكاية أيضا عما قاله قوم نوح، من أنه ما نرى من اتبعك إلا أنه رذل خسیس حقير من جماعتنا، تقول: رذل و جمعه: أرذال، و جمع الجمع: أراذل، مثل كلب و أكلب و أكالب. (540:5)
الواحدي: أي لم يتبعك الملاء منا، و إنما اتبعك أخساؤنا.
والرذل: الدون من كل شيء؛ و الجمع: أرذل، ثم يجمع على: أراذل، كقولك: كلب و أكلب و أكالب. (570:2)
ابن عطية: و الأراذل: جمع أرذل، و قيل: جمع أرذل، و أرذال جمع: رذل، و كان اللازم على هذا أن يقال : أراذيل. و إذا ثبتت الياء في جمع صيرف (1)، فأحرى ألا تزال في موضع استحقاقها. و هم سفلة الناس و من لا أخلاق له، و لا يبالي ما يقول، و لاما يقال له.(163:3)
القرطبي: والرذل: النذل، أرادوا اتبعك أخساؤنا
1) كذا و الظاهر : صرف
و سقطنا و سفلتنا.
الأراذل هنا: هم الفقراء والضعفاء، كما قال هرقل لأبي سفيان: أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل.
قال علماؤنا: إنما كان ذلك لاستيلاء الرئاسة على الأشراف، و صعوبة الانفكاك عنها، والأنفة من الانقياد للغير، والفقير خلي عن تلك الموانع، فهو سريع إلى الإجابة و الانقياد. و هذا غالب أحوال أهل الدنيا. (23:9)
البيضاوي: أخساؤناء جمع أرذل، فإنه بالغلبة صار مثل الاسم کالأكبر، أو أرذل : جمع رذل.(466:1)
الخازن: يعني سفلتنا، و الرذل: الدون من كل شيء. قيل: هم الحاكة و الأساكفة و أصحاب الصنائع الخسيسة. و إنما قالوا ذلك جهلا منهم أيضا، لأن الرفعة في الدين و متابعة الرسول لاتكون بالشرف ولا بالمال والمناصب العالية، بل للفقراء الخاملين و هم أتباع الرسل، و لا تضرهم خسة صنائعهم إذا حسنت سيرتهم في الدين. (186:3)
الشربيني:أي أسافلنا، کالحاكة و أهل الصنائع الخسيسة، و هو جمع أرذل بفتح الهمزة. (53:2)
أبوالسعود: أي أخساؤنا وأدانینا؛ جمع: أرذل، فإنه صار بالغلبة جاریا مجرى الاسم کالأكبر والأكابر، أو جمع أرذل جمع رذل، كأكالب و أكلب و كلب، يعنون أنه لا عبرة باتباعهم لك؛ إذ ليس لهم رزانة عقل و لا أصالة رأي، و قد كان ذلك منهم في بادئ الرأي، أي ظاهره من غير تعمق. (304:3)
البروسوي: أخساؤنا و أدانینا، کالحاكة و الأساكفة و أهل الصنائع الخسيسة، و لو كنت صادقا لاتبعك الأكياس و الأشراف من الناس. فالأراذل: جمع اسم تفضيل، أي أرذل، كقوله: «اکابر مجرميها »الأنعام: 133. و « أحاسنكم أخلاقا » جمع أكبر و أحسن.
فإن قلت يلزم الاشتراك إذا بين الأشراف و بينهم في مأخذ الاشتقاق الذي هو الرذالة.
قلت: هو للزيادة المطلقة، و الإضافة للتوضيح، فلا يلزم ما ذكرت. (117:4)
الآلوسي: أي أخساؤنا و أدانینا، وهو جمع أرذل، و الأغلب الأقيس في مثله إذا أرید جمعه أن يجمع جمع سلامة، كالأخسرون: جمع أخسر، لكنه کسر هنا لأنه صار بالغلبة جاريا مجرى الاسم، و لذا جعل في القاموس: الرذل و الأرذل بمعنی، و هو الخسيس الدنيء، و معنی جریانه مجرى الاسم: أنه لايكاد يذكر الموصوف معه كالأبطح والأبرق.
وجوز أن يكون جمع أرذل جمع رذل، فهو جمع الجمع، و نظير ذلك أكالب و أكلب و كلب، و کونه جمع رذل مخالف للقياس. و إنما لم يقولوا: إلا أراذلنا مبالغة في استرذالهم، و كأنهم إنما استرذلوهم لفقرهم، لأنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، كان الأشرف عندهم الأكثر منها حظا، و الأذل من حرمها، و لم يفقهوا أن الدنيا بحذافيرها لا تعدل عند الله تعالی جناح بعوضة، و أن النعيم إنما هو نعيم الآخرة.
و الأشرف من فاز به، و الأذل من حرمه. و مثل هؤلاء في الجهل كثير من أهل هذا الزمان، عافانا الله سبحانه مما هم فيه من الخذلان والحرمان. و كان القوم -على ما في بعض الأخبار - حاكة و أساكفة و حجامين. (37:12)
سید قطب: و هم يسمون الفقراء من الناس: أراذل، كما ينظر الكبراء دائما إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان و أولئك هم أتباع الرسل السابقون غالبا، لأنهم بفطرتهم أقرب إلى الاستجابة للدعوة التي تحرر الناس من العبودية للكبراء، و تصل القلوب بإله واحد قاهر عالي على الأعلياء، ولأن فطرتهم لم يفسدها البطر و الترف، ولم تعوقها المصالح و المظاهر عن الاستجابة، و لأنهم لا يخافون من العقيدة في الله أن تضيع عليهم مكانة مسروقة، لغفلة الجماهير و استعبادها للخرافات الوثنية، في شتى صورها. و أول صور الوثنية الدينونة و العبودية و الطاعة والاتباع للأشخاص الزائلة بدلا من الاتجاه بهذا كله لله وحده دون شريك.
فرسالات التوحيد هي حركات التحرير الحقيقية للبشر في كل طورو في كل أرض. ومن ثم كان يقاومها الطغاة دائما، و يصدون عنها الجماهير، و يحاولون تشويهها و اتهام الدعاة إليها بشرالتهم، للتشويش والتنفير.(1872:4)
ابن عاشور: فجعلوا أتباع الناس المعدودين في عادتهم أراذل محقورین، دليلا على أنه لاميزة له على سادتهم الذين يلوذ بهم أشراف القوم و أقوياؤهم، فنفوا عنه سبب السيادة من جهتي ذاته و أتباعه؛ و ذلك تعريض بأنهم لا يتبعونه، لأنهم يترفعون عن مخالطة أمثالهم، وأنه لو أبعدهم عنه لاتبعوه، و لذلك ورد بعده «وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِینَ آمَنُوا ...» هود: 29.
والأرذال : جمع أرذل المجعول اسما غير صفة كذلك على القياس، أو جمع: رذیل، على خلاف القياس، و الرذيل: المحتقر. و أرادوا أنهم من لفيف القوم غير سادة و لا أثرياء. و إضافة «اراذل » إلى ضمير جماعة المتكلمين لتعيين القبيلة، أي أراذل قومنا. و عبر عنهم بالموصول و الصلة دون أن يقال: إلا أراذلنا، لحكاية أن في كلام الذين كفروا إيماء إلى شهرة أتباع نوح علیه السلام بين قومهم، بوصف الرذالة والحقارة، و كان أتباع نوح علیه السلام من ضعفاء القوم و لكنهم من از کياء النفوس، ممن سبق لهم الهدی. (241:11)
مغنية: و الأراذل: في مفهومهم : الفقراء والمساكين الذين لآجاه لهم و لا مال، و المترفون أجل و أعظم من أن يؤمنوا بمن آمن به الأراذل. (225:4)
مکارم الشيرازي: والأراذل: جمع ل« أرذل » و تأتي أيضا جمع ل «رذل » التي تعني الموجود الحقير، سواء كان إنسانا أم شيئا آخر غيره.
و بالطبع، فإن الملتقين حول نوح علیه السلام والمؤمنين به، لم يكونوا أراذل و لاحقراء، و لكن بما أن الأنبياء ينهضون للدفاع عن المستضعفين قبل كل شيء، فأول جماعة يستجيبون لهم و يلبون دعوتهم هم الجماعة المحرومة و الفقيرة، و لكن هؤلاء في نظر المستکبرین الذين يعدون معيار الشخصية القوة والثروة، فحسب،
يحسبونهم أراذل و حقراء. (477:6)
الأصول اللغوية
1 - الأصل في هذه المادة: الرذالة أي الدون.
يقال: رذل فلان يرذل رذال و رذالة، أي ردو و دان فهو رذل و رذیل و ارذل و رذال.
و أرذله غيره و رذله یرذله رذلا : جعله كذلك، و هو مرذول؛ ومنه قول الإمام علي علیه السلام : « إذا أرذل الله عبدا حظر عليه العلم».(1)
وأرذل فلان در اهمي: فسلها، أي زيفها.
و رجل رذل الثياب و الفعل: رديئهما؛ و الجمع: أرذال و رذلاء و رذول و رذال و الأرذلون والرذلون؛ والأنثي: رذلة.
و ثوب رذل و رذیل: وسخ رديء.
والأرذل من كل شيء و رذاله و رذالته: الرديء منه.
2 - و يستعمل العامة في العراق «فعل» و « فعالة » من هذه المادة في معنى الإهانة والتحقير، غير أنهم یبد لون فيهما الذال زایا ، فيقال: رزلته رزالة، أي أهنته و حططت من قدره.
و هذا الاستعمال مخالف للقياس و السماع، فأما مخالفته للقياس فهو جعلهم «فعالة » مصدرا ل « فقل» وقياسه أن يأتي مصدرا ل «فعل» اللازم، مثل: فصح فصاحة .
و أما مخالفته للسماع فتوليدهم فعلا على وزن « فعل » من هذه المادة ، و لم يؤثر ذلك عن العرب.
و لكن إبدال الذال زايا مطرد في بعض الألفاظ، نحوقولهم: زرق الطائر وذرق، أي رمي بسلحه، و زبرت الكتاب و ذبرته، إذا كتبته.(2)
الاستعمال القرآني
قد جاء منها أفعل التفضيل مفردا مرتين ( آرذل)، و جمعا مرة ( الأرذلون)، و الصفة جمعا مرة (اراذلنا): جمع «رذيل» في أربع آيات:
ويلاحظ أولا أنها محوران: الخلقة مع البعث، و القصة:
الخلقة و البعث:
1- « وَ اللّه ُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ یَتَوَفّیکُمْ وَ مِنْکُمْ مَنْ یُرَدُّ اِلی اَرذَلِ الْعُمْرِ لِکَیْ لا یَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَیْئا اِنَّ اللّه َ عَلیمٌ قَدیر» النحل : 70
2- « يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ»الحج:5
القصة:
3- «فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِینَ کَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَیکَ
إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَ مَا نَرَیکَ اتَّبَعَکَ الَّا الَّذِینَ هُمْ ارَاذِلُنَا بَادِیَ الرَّأْیِ وَ مَا نَرَی لَکُمْ عَلَیْنَا مِنْ فَضْلِ بَلْ نَظُنُّکُمْ کَاذِبِینَ»هود : 27
4- «قالُوا أَنُؤْمِنُ لَکَ وَ اتَّبَعَکَ الأَرْذَلُونَ» الشعراء : 111
و فيها بحوث:
أ- الخلقة و البعث آيتان:
الأولى: الآية: 70، من سورة النحل، و الثانية: الآية: 5، من سورة الحج
1- قالوا: «ارذل العمر »: أسفل العمر، الهرم، الحرف، أردؤه، يذهب عقله خرفا، فيصير جاهلا بعد أن كان عالما، الذي يخرف من الكبر حتى لا يعقل شيئا، و قد بينه بقوله: «لِکَیْ لا یَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَیْئاً »، أن يرد إلى الخذلان بعد التوفيق، أخسه وأحقره و نحوها.
2 - و قال الماوردي: « فيه أربعة أقاويل:
أحدها: أوضعه و أنقصه، قاله الجمهور.
الثاني: أته الهرم، قاله الكلبي.
الثالث: ثمانون سنة، حكاه قطرب.
الرابع: خمس و سبعون سنة، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه »
3- و قال النيسابوري في الإشارة: « و هو الفناء في الله «لكيلا يعلم» بعد فناء علمه شيئا يعلمه، بل يعلم بربه الأشياء كما هي، و الله أعلم بالصواب »
ونقول: كيف عبر عن مقام الفناء في الله
ب«ارذل العمر» و هو أفضلها؟
4- و للمصطفوي (113:4)قول بأن في هذه الآية إشارات، فلاحظ.
5- و قد جاءت آية النحل في الخلقة فقط عقيب آيات في خلق الأنعام: 66 - 69، فسياقها ذكر نعم الله على العباد، و ليس فيها ذكر عن البعث.
أما آية الحج فصدرها في البعث و ذيلها في الحلقة: «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ ...» ، فجاء ذكر الخلقة فيها حجة على البعث.
6-و قال الطبرسي (3: 372) في آية النحل: «و الله خلقكم» أي أوجدكم، و أنعم علیکم بضروب النعم الدينية و الدنيوية.
«ثم يتوفيکم» و يقبضکم، أي يميتكم.
«وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ»أي أذون العمر و أوضعه، أي يبقيه حتى يصير إلى حال الهرم والخرف، فيظهر النقصان في جوارحه، و حواسه، و عقله - ثم روى أنها خمس و سبعون سنة عن عليه السلام و عن النبي صلی الله علیه و آله -.
«لكيلا يعلم بعد علم شیئا»أي ليرجع إلى حال الطفولية بنسيان ما كان علمه، لأجل الكبر، فكأنه لايعلم شيئا مما كان علمه.
وقيل: ليقل علمه بخلاف ما كان عليه في حال شبابه ..».
7- و قد ذكر نحو ذلك في آية الحج و أضاف: « و إنما صار أرذل العمر، لأن الإنسان لايرجو بعده صحة و قوة، و إنما يرتقب الموت و الفناء، بخلاف حال الطفولية و الضعف الذي يرجى له الكمال والتمام
بعدها...».
ب - القصة آيتان:
الأولى: الآية: 27، من سورة هود: «وَمَا نَرَیکَ اتَّبَعَکَ إِلَّا الَّذِینَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِیَ الرَّأْیِ...»:
1- و هذه من جملة آيات قصة نوح بدء من الآية: 25، «ولَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوحًا اِلى قَوْمِهِ ... »، و ختما بالآية: 49، « تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ...».
وقد بدأ نوح كلامه بقوله: « إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ* أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ ... »، و جاء بعدها جواب قومه له: «فَقَالَ المَلأُ الَّذینَ کَفَروا مِن قَومِهِ ما نَریکَ إلاّ بَشَرا مِثلَنا وَ ما نَریکَ اتَّبَعَکَ إلاّ الَّذینَ هُم أَراذِلُنا »ثم أعاد نوح قوله في الآيات بعدها إلى آخرها.
2- و قالوا في «اراذلنا»:سفلتنا و ضعفاؤنا، شرارنا، الفقراء والمساكين، الناقصو الاقتدار، الأشرار الذين ليسوا برؤساء، الفقراء و أصحاب المهن المتضعة، رذل خسیس فقير، أخساؤنا، سفلة الناس، من لا أخلاق له ولا يبالي، أسافلنا: الحاكة، و الأسافكة، و أصحاب الصنائع الخسيسة، أخساؤنا و أدانینا، و نحوها.
3-وقالوا: الأراذل : جمع أرذل، و قيل: جمع أرذل، و أرذال : جمع رذل، و جمع الجمع : أراذل. و كان اللازم على هذا أن يقال: أراذیل، و إذا ثبتت الياء في جمع فأحرى ألا تزال في موضع استحقاقها.
4- و قال الطبرسي (155:3) « مَا نَرَیکَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا»: ظنا منهم أن الرسول إنما يكون من غير جنس المرسل إليه، ولم يعلموا أن البعثة من الجنس قد تكون أصلح، و من الشبهة أبعد.
«وَمَا نَرَیکَ اتَّبَعَکَ إِلَّا الَّذِینَ هُمْ أَرَاذِلُنَا» أي لم يتبعك الملأ، و الأشراف، و الرؤساء منا، و إنما اتبعك أخساؤنا الذين لا مال لهم، و لا جاه...».
و الثانية: الآية: 111، من سورة الشعراء: «قالوا أنُؤمِنُ لَکَ واتَّبَعَکَ الأرْذَلُونَ »:
1- و هذه من جملة آيات قصة نوح أيضا، بدء من الآية: 105، منها: «کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِینَ» و ختما بالآية: 122، « وَ إِنَّ رَبَّکَ لَهُوَ الْعَزِیزُ الرَّحِیمُ ».
2-وقد بدأت الآيات بقول نوح لقومه:«الاتتقون »، وقولهم له: « أَنُؤْمِنُ لَکَ وَ اتَّبَعَکَ الأَرْذَلُونَ »: ثم جاءت بعدها المقاولة بينه و بينهم، إلى أن قال نوح: « قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ »، ثم جاء عذابهم بالغرق.
3- و قالوا في «الارزلون» نظير ما قالوا في آية هود من المعاني.
و من جملتهم قال الماوردي: « فيه خمسة أقاويل:
أحدها: أنهم الذين يسألون و لا يقنعون.
الثاني: أنهم المتكبرون.
الثالث: سفلة الناس و أراذلهم، قاله قتادة.
الرابع : أنهم الحائکون، قاله مجاهد.
الخامس: أنهم الأساكفة، قاله ابن بحر.
ويحتمل سادسا: أنهم أصحاب المهن الرذلة كلها».
وقال الطبرسي ( 4: 195) في «اللغة»: « الأرذلون و الأراذل: السفلة و أوضاع الناس. والرذل: الوضيع. و الرذيلة : نقيض الفضيلة».
5 - وقال في « المعنى »: « وَ اتَّبَعَکَ الْأَرْذَلُونَ » أي و قد اتبعك سفلة الناس، و أراذلهم، و خساسهم، عن قتادة.
و قيل: يعنون المساكين الذين ليس لهم مال، ولاعز، عن عطاء .
وقيل: يعنون الحاكة و الأساكفة، عن الضحاك، و علقمة.
والمعنى: أن أتباعك أراذلنا و فقراؤنا، و أصحاب الأعمال الدنيئة، والمهن الخسيسة، فلو اتبعناك لصرنا مثلهم، و معدودين في جملتهم.
وهذا جهل منهم، لأنه ليس في إيمان الأرذلين به ما يوجب تكذيبه، فإن الرذل إذا أطاع سلطانه استحق التقرب عنده دون الشريف العاصي..».
ويلاحظ ثانيا: أن ثلاثا منها مكية و واحدة - آية الحج ۔ مختلف فيها، و نرجح أنها مكية أيضا.
و عليه فيبدو أن هذه المادة بصيغها المختلفة كانت مستعملة في مكة.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
الخفض: «خافِضَهٌ رافِعَهٌ »الواقعة : 3
الدناءة: «... أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِی هُوَ أَدْنَی بِالَّذِی هُوَ خَیْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً ...» البقرة : 61
الدون: «وَ قَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَ مِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَ بَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَ السَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»الأعراف : 168
السفالة:« إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيا وَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» التوبة: 40
35 لفظا، 123 مرة: 72،مکیه،51،مدنیه
في 44 سورة:32 مکیه،12 مدنیه
رزقهم 4: 1-3 نرزقهم 1:1
رزقکم 9: 7-2 نرزقک 1: -1
رزقنی 1:1 نرزقکم 1: -1
رزقناه 1:1 یرزقون 2: 1-1
رزقماهم 13: 7-6 ترزقانه 1:1
رزقناکم 7: 3-4 ارزق 1: -1
رزقوا 1:-1 ارزقهم 1:1
رزقنا 1:-1 ارزقنا 1:-1
یرزق 4:1-3 ارزقوهم 2:-2
یرزقه 1:-1 رازقین 1:1
لیرزقهنم 1:-1 الرزاقین 5:2-3
یرزقها 1:1 الرزاق 1:1
یرزقکم 5:5 رزق 13: 7-6
ترزق 1:-1 الرزق 13: 10-3
رزقه 4: 3-4 رزقکم 2:2
رزقهم 2:2 لرزقنا 1:1
رزقها 3:3 رزقا 16: 9-7
رزقهن 1-1
النصوص اللغوية
الخليل: رزق الله يرزق العباد رزقا: اعتمدوا عليه. و هو الاسم، أخرج على المصدر، و قيل: رزق.
وإذا أخذ الجند أرزاقهم، قيل: ارتزقوا رزقة واحدة، أي مرة. (89:5)
الليث : الرزق: معروف، و رزق الأمير جنده فارتقوا ارتزاقا. (الأزهري 8: 430)
أبو عمرو الشيباني: الارزاق: الإيجاف.(300:1)
الرازقية: ثياب كتان بيض. (الأزهري 8: 430)
ابن دريد: الرزق: معروف، رزق الله تعالى،
والرزق: المصدر، وكل من أجريت عليه جراية فقد رزقته رزقا.
و الله عز و جل: الرزاق و الرازق.
وجمع الرزق: أرزاق.
والرزق: الشكر، لغة سروية؛ و منه:«و تجعلون رزقكم» الواقعة : 82، أي شکر کم.
وقد سمعت العرب رزیقا و مرزوقا. [و استشهد بالشعر 3 مرات]
(323:2 )
الأزهري: [قيل : ] الرازق والرزاق من صفة الله جل و عز، لأنه يرزق الخلق أجمعين. قال الله عز و جل: «وَمَا مِنْ دَابَّهٍ فِی الْأَرْضِ إِلَّا عَلَی اللَّهِ رِزْقُهَا» هود : 6 .
و أرزاق بني آدم مكتوبة مقدرة لهم، و هي واصلة إليهم، جدوا في طلبها أو قصروا.
وقال جل وعز: «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » الذاريات : 22، و قال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّهِ الْمَتِینُ » الذاريات : 58.
وفي حديث ابن مسعود عن النبي صلی الله علیه و آله« أن الله تعالى يبعث الملك إلى كل من اشتملت عليه رحم أمه، فيقول له: اكتب رزقه و أجله و عمله، و شقي أو سعید، فيختم له على ذلك».
ويقال : رزق الله الخلق رزقا و رزقا؛ فالرزق اسم،والرزق مصدر، و قد يوضع الاسم موضع المصدر.
ويقال : رزق الجند رزقة واحدة، و رزقوا رزقتين، أي مرتين.
وقوله: «و تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ»
الواقعة : 82، معناه: تجعلون شکر رزقكم التكذيب، فيقولون: مطرنا بنوء الثريا.
و ارتزق القوم، إذا أخذوا أرزاقهم.
[و قيل:] الرازقي من الأعناب، هو الملاحي. (429:8)
الصاحب : الرزق: معروف. وارتزق الجند أرزاقهم.
والرزقة: المرة الواحدة.
و الرازقي: الضعيف من كل شيء، و ثياب كتان بيض. (303:5)
الجوهري: الرزق: ما ينتفع به؛ و الجمع: الأرزاق.
والرزق: العطاء، و هو مصدر قولك: رزقه الله.
والرزقة بالفتح: المرة الواحدة؛ و الجمع: الرزقات. و هي أطماع الجند.
وارتزق الجد، أي أخذوا أرزاقهم، و قوله تعالى: «و تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ » الواقعة : 82، أي شکر رزقكم، وهذا كقوله: «واسئل القرية » يوسف : 82، يعني أهلها.
وقد يسمى المطر رزقاء و ذلك قوله عز وجل: « وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْیا بِهِ الْأَرْضَ» الجاثية : 5، و قال عز وجل: «و فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ » الذاريات : 22، و هو اتساع في اللغة.
ورجل مرزوق، أي مجدود.
و الرازقية: ثياب كتان بيض. [ثم استشهد بشعر]
(1481:4)
ابن فارس: الراء و الزراء و القاف أصيل واحد، يدل على عطاء لوقت، ثم يحمل عليه غير الموقوت.
فالرزق: عطاء الله جل ثناؤه. ويقال: رزقه الله رزقاء و الاسم: الرزق.
و الرزق بلغة أزد شنوءة الشكر، من قوله جل ثناؤه: «و تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ » الواقعة : 82.
و فعلت ذلك لما رزقتني، أي لما شكرتني. (388:2)
أبوهلال: الفرق بين الرزق و الحظ: أن الرزق هو العطاء الجاري في الحكم على الإدرار، ولهذا يقال: أرزاق الجند، لأنها تجري على إدرار. و الحظ لايفيد هذا المعنى، و إنما يفيد ارتفاع صاحبه به على ما ذكرنا. قال بعضهم: يجوز أن يجعل الله للعبد حظا في شيء، ثم يقطعه عنه و يزيله مع حياته و بقائه، ولا يجوز أن يقطع رزقه مع إحيائه، و بين العلماء في ذلك خلاف، ليس هذا موضع ذكره.
و كل ما خلقه الله تعالى في الأرض مما يملك فهو رزق للعباد في الجملة، بدلالة قوله تعالى: «خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الاَرْضِ جَميعًا» البقرة : 29، و إن كان رزقا لهم في الجملة، فتفصيل قسمته على ما يصح ويجوز من الإملاك.
ولا يكون الحرام رزقا، لأن الرزق هو العطاء الجاري في الحكم، و ليس الحرام مما حكم به.
و ما يفترسه الأسد رزق له بشرط غلبته عليه، كما أن غنيمة المشر کین رزق لنا بشرط غلبتنا عليهم. و المشرك يملك ما في يده، أما إذا غلبناء عليه بطل ملکه له و صار رزقا لنا. ولا يكون الرزق إلا حلالا، فأما قولهم: رزق حلال فهو تو کید، كما يقال: بلاغة حسنة، و لا تكون البلاغة إلاحسنة.
الفرق بين الرزق و الغذاء: أن الرزق اسم لما يملك صاحبه الانتفاع به، فلايجوز منازعته فيه، لكونه حلا له، و يجوز أن يكون ما يغتذيه الإنسان حلالا و حراما؛ إذ ليس كل ما يغتذيه الإنسان رزقاله. ألا ترى أنه يجوز أن يغتذي بالسرقة، و ليست السرقة رزقا للسارق، و لو كانت رزقا له لم يذم عليها و على النفقة منها، بل كان يحمد على ذلك، و الله تعالى مدح المؤمنين بإنفاقهم، في قوله تعالى: «و مما رزقناهم ينقون » البقرة : 3.(136)
ابن سيده : رزقه الله يرزقه رزقا حسنا: نعشه.
و الرزق، على لفظ المصدر: ما رزقه إياه؛ و الجمع: أرزاق. [إلى أن قال: ]
وارتزقه، و استرزقه: طلب منه الرزق. وقول لبید.
رزقت مرابيع النجوم و صابها* وثق الرواعد جودها فرهامها
جعل الرزق مطرا، لأن الرزق عنه يكون.
وأرزاق الجند: أطماعهم. و قدارتزقوا.
والروازق : الجوارح من الكلاب والطير .
و رزق الطائر: فرخه يرزقه رزقا. (ثم استشهد بشعر]
و الرازقي: ثياب كتان بيض. و قيل: كل ثوب رقیق: رازقي. وقيل : الرازقي: الكتان نفسه.
والرازقي : ضرب من عنب الطائف، أبيض طویل الحب.
و رزیق: اسم. (254:6)
الراغب: الرزق: يقال للعطاء الجاري تارة - دنيوا كان أم أخرویا - و للنصيب تارة، ولما يصل إلى الجوف، ويتغذى به تارة. يقال: أعطى السلطان رزق الجند، و رزقت علما، قال:«وَ أَنْفِقُوا مما رَزَقْناکُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَ أَحَدَکُمُ الْمَوْتُ» المنافقون : 10، أي من المال و الجاه و العلم.
و كذلك قوله: « و مما رزقناهم ينفقون » البقرة : 3، «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ »البقرة: 172. و قوله: «وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَکُمْ أَنَّکُمْ تُکَذِّبُونَ» الواقعة : 82، أي و تجعلون نصيبكم من النعمة تحري الكذب. وقوله: «و في السماء رزقكم »الذاريات : 22، قيل : عنى به المطر الذي به حياة الحيوان. وقيل: هو كقوله: «وَ اَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً » المؤمنون : 18، و قيل: تنبيه أن الحظوظ بالمقادير ، وقوله تعالى: «فَلْیأْتِکُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ» الكهف : 19، أي بطعام يتغذی به. وقوله تعالى: «وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِیدٌ * رزق العباد » ق : 10، 11، قيل: عنى به الأغذية و يمكن أن يحمل على العموم فيما يؤكل و يلبس و يستعمل، و كل ذلك مما يخرج من الأرضين، وقد قيضه الله بما ينزله من السماء من الماء.
وقال في العطاء الأخروي: «وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْیاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ یرْزَقُونَ » آل عمران : 169، أي يفيض الله عليهم النعم الأخروية و كذلك قوله: «وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیها بُکْرَهً وَ عَشِیًّا » مریم: 12، و قوله:«إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّهِ الْمَتِینُ» الذاريات : 58، فهذا محمول على العموم.
و الرازق: يقال لخالق الرزق، و معطيه، و المسبب له، و هو الله تعالى. و يقال ذلك للإنسان الذي يصير سببا في وصول الرزق. والرزاق: لا يقال إلا لله تعالی.
وقوله: «وَ جَعَلْنَا لَکمُ ْ فِیهَا مَعَایِشَ وَ مَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِینَ»الحجر : 20، أي بسبب في رزقه، و لا مدخل لكم فيه، وقوله: « و یَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا یَمْلِکُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ شَیْئاً وَلا یَسْتَطِیعُونَ»النحل: 73، أي ليسوا بسبب في رزق بوجه من الوجوه و سبب من الأسباب.
ويقال: ارتزق الجند: أخذوا أرزاقهم .
والرزقة: ما يعطونه دفعة واحدة. (194)
الزمخشري: رزقه الله الغني.
و استرزق الله يرزقك، و هو مرزوق من كذا.
وأجري عليه رزقا.
و کم رزقك في الشهر ؟ أي جراتك.
و رزق الأمير الجند.
و ارتزق الجند، و أخذوا أرزاقهم و رزقاتهم.
وأخذت رزقة هذا العام.
و کساه رازقية، و هي ثياب من كتان. [ثم استشهد بشعر]
(161)
المديني: في حديث أميمة الجونية، رضي الله عنها: «اکسها رازقيين ».الرازقية: ثياب كتان بيض.
والرازقي: الضعيف من كل شيء. (757:1)
ابن الأثير: في أسماء الله تعالى «الرزاق » و هو الذي خلق الأرزاق، و أعطى الخلائق أرزاقها، و أوصلها إليهم. و فعال من أبنية المبالغة.
والأرزاق نوعان: ظاهرة للابدان كالأقوات، و باطنة للقلوب و النفوس کا لمعارف و العلوم. (219:2)
الفيومی: رزق الله الخلق يرزقهم، و الرزق بالكسر : اسم للمرزوق؛ و الجمع: الأرزاق، مثل: حمل و أحمال.
وارتزق القوم: أخذوا أرزاقهم فهم مرتزقة. (225:1)
الجرجاني: الرزق: اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله، فيكون متناولا للحلال والحرام.
و عند المعتزلة: عبارة عن مملوك يأكله المالك، فعلی هذا لا يكون الحرام رزقا.
الرزق الحسن: هو ما يصل إلى صاحبه بلاك في طلبه. و قيل: ما وجد غير مرتقب، و لامحتسب ولا مكتسب. (48)
الفيروزابادي: الرزق، بالكسر : ماينتفع به، کالمرتزق و المطر؛ جمعه: أرزاق.
و بالفتح: المصدر الحقيقي، و المرة الواحدة، بهاء؛ جمعه: رزقات، محركة، و هي: أطماع الجند.
و رزقه الله : أوصل إليه رزقا، و فلائا: شكره - أزدية - و منه: «و تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» الواقعة : 82.
و رجل مرزوق: مجدود.
و الرازقي: الضعيف، والعنب الملاحي، وبهاء: ثياب كتان بيض، و الخمر، کالرازقي.
و مدينة الرزق: كانت إحدی مسالح العجم بالبصرة قبل أن يختطها المسلمون.
وارتزقوا: أخذوا أرزاقهم.(3: 243)
الطريحي: و في الحديث: « شهر رمضان کان يسمى على عهد رسول الله صلی الله علیه و آله: المرزوق، لكثرة ما يكون فيه من الأرزاق للعباد »
و الرزق: اسم للمرزوق؛ و الجمع : أرزاق، کحمل و أحمال. و هو عند الأشاعرة: كل ما انتفع به مباحا كان أو حراما. و عند المعتزلة: هو كل ما صح انتفاع الحيوان به بالتغذي. و ليس الحرام رزقا.
وأنت خبير بأن الأحاديث المنقولة في هذا الباب متخالفة؛ فالمعتزلة تمسكوا بقوله صلی الله علیه و آله : « إن الله تعالى قسم الأرزاق بين خلقه حلالا، و لم يقسمها حراما». والأشاعرة تمسكوا بقول عمر بن قرة؛ حيث قال: يا رسول الله إن الله كتب علي الشقوة، فلا أرادني أرزق إلا من دقي بكفي، أتأذن لي في الغناء ؟ فقال له رسول الله صلی الله علیه و آله به بعد کلام: « أي عدو الله إن الله قد رزقك طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله ».
والمعتزلة يطعنون في سند هذا الحديث و يؤولونه أخرى، بأن سياق الكلام يقتضي أن يقال: « فاخترت ما حرم الله عليك من حرامه »، فأطلق على الحرام اسم الرزق للمشاكلة، لقوله: « فلا أراني أرزق».
وفي الدعاء: « و اجعلني في الأحياء المرزوقين »
لعل المراد بذلك الشهادة بين يدي الإمام علیه السلام، لأن الشهداء أحياء عند ربهم یرزقون.
و من أسمائه تعالى: الرزاق، وهو الذي خلق الأرزاق، و أعطى الخلائق أرزاقها، و أوصلها إليهم، و «فعال» من أبنية المبالغة. (167:5)
مجمع اللغة: 1 - رزقه يرزقه رزقا: أعطاهم من الخير، فهو رازق، و هم راز قون.
ورزق الله الخلق يرزقهم رزقا: أعطاهم من فضله، سواء أكان ذلك في الدنيا أم في الأخرى.
و الرازق: يقال لخالق الرزق و معطيه و المسبب له، و هو الله تعالى. و يقال للإنسان الذي يصير سببا في وصول الرزق.
2- و الله هو الرزاق.
3 - الرزق: اسم لما يعطيه الله و ينتفع به، و يوضع موضع المصدر. و كل ما هو من المعنى المصدري يصح أن يكون من المعنى الأول، و هو ما يعطيه الله و ينتفع به. (272:1)
محمد إسماعيل إبراهيم: رزقه يرزقه رزقا: أوصل إليه الرزق و أعطاه من الخير.
و الرزاق: اسم من أسماء الله الحسنى، و معناه: أنه خالق الأرزاق و المتكفل بإمداد خلقه بها، و يأتي لفظ « رزق » في بعض الآيات بمعنى المطر أو غير ذلك. والرزاق: هو الرازق، و لايقال إلا لله تعالى. و رزق فلانا: شكره، و منه قوله تعالى: «و تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» الواقعة : 82. (219:1)
محمود شیت: رزقه رزقا: أوصل إليه رزقا، أو أعطاه إياه، يقال: رزق الأمير جنده.
ارتزق الجندي و غيره: أخذ رزقه.
الرزاق: أحد أسماء الله الحسني.
الرزق: اسم الشيء المرزوق، و هو كل ما ينتفع به.والرزق ما ينتفع به مما يؤكل ويلبس. وما يصل إلى الجوف ويتغذى به. و المطر، و العطاء، أو العطاء الجاري؛ جمعه: أرزاق.
المرتزقة: يقال: هم مرتزقة، و أصحاب جرايات ورواتب مقدرة.
و الجنود المرتزقة: هم الذين يحاربون في الجيش على سبيل الارتزاق، والغالب أن يكونوا من الغرباء.
ارتزق الجندي: أخذ رزقه.
الرزق: العطاء الجاري، و الطعام اليومي النظامي الذي يقدم للجندي من الجيش؛ جمعه: أرزاق.
والأرزاق: طعام العسكريين، يقال: استلموا أرزاقهم.
المرتزقة الذين ينخرطون في الجيش من أجل العطاء أو الراتب. (1: 292)
المصطفوي: و التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة : هو إنعام مخصوص بمقتضی حال الطرف و مطابق احتياجه لتدوم به حياته، و يكون بالإدرار و بالجريان اللازم. و هذه القيود هي الفارقة بينه و بين مفاهیم: الإحسان، و الإنعام، والإعطاء، و الحظ، والنصيب، والإنفاق.
فإن الإحسان: مطلق الإتيان بالحسنة بأي: نوع من العمل، و قيد إدامة الحياة، و الإدرار غير ملحوظ
في الإنعام و الإنفاق و الإعطاء، إلا أن الإنعام لازم أن يكون في الحسنات، و هو من النعمة، و يوجب الشكر عليها.
والإعطاء: أعم من حسنة و غيرها، و لايلزم خروج العطية عن ملك المعطي. و هذا بخلاف الإنفاق، فإن النفقة تخرج عن ملك المنفق، و تلاحظ فيه جهة حاجة الطرف، و لا يلزم أن يكون في حسنة.
و النصيب: ما يتعين و ينصب لينال الطرف محبوبا أو مكروها، و هذا بخلاف الحظ، فإنه مما يحظه الله للعبد من الخير.
و النصيب و الحظ يجوز فيهما القطع، بخلاف الرزق فيدوم و پدر.
ثم إن الرزق الحقيقي: هو العطاء الجاري، ولا يكون إلا حلالا، بخلاف الغذاء و النصيب والعطاء، فإنها تكون في الحلال و في الحرام.
والرزق إما في الماديات، كما في: «وَ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً. » المائدة : 88، «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ » البقرة : 57، «وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ » إبراهيم : 37 .
و إما في المعنويات، كما في: « أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللّهُ رِزْقاً حَسَناً» الحج : 58، «بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » آل عمران : 169، «لَهُمْ مَغْفِرَهٌ وَرِزْقٌ کَریمٌ» الأنفال : 74.
أو في ما يعم منهما، كما في: «وَمَا مِنْ دَابَّهٍ فِی الْأَرْضِ إِلَّا عَلَی اللَّهِ رِزْقُهَا » هود: 6، «إن الله هو الرزاق» الذاريات : 58، فإن رزق كل بحسبه.
والرزق هو المرحلة الثانية بعد التكوين و الإيجاد، و هو إدامة الحياة، و تكميل الذوات في المرتبة الثانية. فالله تعالى أوجد الأشياء جسمانيا أو روحانيا، ثم أعطى كلا منها بحسب اقتضاء فطرته رزقا له؛ و ذلك هو الهداية التكوينية إلى كمال الوجود، والسوق إلى السير الصعودي.
فظهر أن الرزق يتم به التكوين، فلابد أن يكون من صفات الله العزيز المتعال، و هو مرحلة بسط الرحمانية، و من مراتب الهداية.«والذي قدر فهدی*و الذي أخرج المرعی »الأعلى : 3، 4، «اَللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ » الروم: 40 «هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللهِ يَرْزُقُكُم » فاطر : 3.
وقد ينسب الرزق إلى غير الله تعالى باعتبار ثانوي، فإن تسبيب الأسباب و تهيئة الوسائل الظاهرية، إنما تكون بأيدي الناس و أسباب مادية، كما أن إجراء ما يريد الروح إنما هو بواسطة القوى البدنية و الجوارح الظاهرية، و إن كان السبب الأصيل و الآمر والناهي و الفاعل حقيقة هو النفس، فهو تعالى علة العلل و مبدأ القوى، و النافذ التام والمحيط بجميع الأسباب، و الحاكم بالكل في الكل على الكل،لامؤثر غيره، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم. «وهو خير الرازقين » المؤمنون : 72، «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ» البقرة : 233، «فارزقوهم منه» النساء : 8
«و اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » البقرة: 212، سبق أن معنى الحسب هو الإشراف بقصد
888 244
الإطلاع فهو تعالى: «يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ»و مشيئته على ما يقتضي : علمه بالخير والصلاح، و على ما يقتضي المورد رزقا مادیا أو معنویا، من غير أن يشرف أعمال الناس ليطلع على ميزان أعمالهم، حتی یرزقهم بالميزان.
ويدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب که المؤمن: 40، على طبق میزان الأعمال و الحسنات منهم بحيث لا يزيد عليها.
«ما أَنْزَلَ اَللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَ حَلالاً »يونس : 59، الرزق الذي يعطي و يقدر من جانب الله العزيز حلال في الأصل، ثم يجعلون منه حراما با لمبايعة غير الصحيحة، و مبادلة فاسدة،و عمل محرم.
«إِنَّ اَللّهَ هُوَ اَلرَّزّاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ » الذاريات: 58، «الرزاق »صيغة للمبالغة، و يدل على مبالغة في الرازقية كيفا و كما، فهو تعالی وسعت رازقيته العوالم الجسمانية والروحانية و الخلق كلها، وهو في هذه الصفة على دقة و علم کامل، و معرفة تامة، كما في الخلاقي و العلام و الجبار و القهار.
« إِلاّ عِبادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ * لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ» الصافات : 41،40، مخصوص بهم من المعارف و الفيوضات الإلهية، و الجذبات الربانية، و التجليات الروحانية. و لا يبعد أن يكون المراد من الرزق الكريم هذه الجملة من المعنويات: «لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ » الأنفال :4، «فَالَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَهٌ وَ رِزْقٌ کَرِیمٌ» الحج: 50، قلنا: إن رزق كل موجود بحسب اقتضاء مقامه: إما من المشتهيات النفسانية، أو من الروحانية. (115:4)
النصوص التفسيرية
رزقهم
1- وَماذا عَلَیْهِمْ لَوْ امَنُوا بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الاْخِرِ وَاَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَکانَ اللّهُ بِهِمْ عَلیمًا.
النساء: 39
ابن عباس: أعطاهم الله من المال في سبيل الله. (70)
الطبري: يقول: و أدوا زكاة أموالهم التي رزقهم الله، و أعطاهموها طيبة بها أنفسهم، ولم ينفقوهارئاء الناس التماس الذكر و الفخر عند أهل الكفر بالله، و المحمدة بالباطل عند الناس. (91:4)
2 - «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِراءً عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ» .الأنعام : 140
ابن عباس : ما أحل الله لهم من الحرث و الأنعام. (120)
الحسن: يعني: الأنعام و الحرث الذين زعموا أنها حجر. (الطبرسي 2: 374)
الزمخشري: من البحائر و الشوائب و غيرها. (56:2)
ابن عطية: هي تلك الأنعام و الغلات التي توقف
بغير شرع و لا مثوبة في معاد.(2: 353)
ابن الجوزي: و حرموا ما رزقهم الله من الأنعام و الحرث، و زعموا أن الله أمرهم بذلك. (134:3)
رزقكم
1 - وَ کُلُوا مِمّا رَزَقَکُمُ اَللّهُ حَلالاً طَیِّباً وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِی أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ . المائدة : 88
ابن عباس : يريد من طيبات الرزق: اللحم و غیره. (الواحدی 220:2)
الطوسي: فالرزق: هو ما للحي الانتفاع به، و ليس لغيره منعه منه.
وقال الماني: الرزق: هو العطاء الجاري في الحكم [و] من ذلك قيل: رزق السلطان الجند، إذا جعل لهم عطاء جاريا في حكمه، في كل شهر أو في كل سنة.
قال الرماني: و كلما خلقه الله في الأرض مما يملك، فهو رزق العباد في الجملة، بدلالة قوله: «هُوَ اَلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي اَلْأَرْضِ جَمِيعاً» البقرة : 29. و لولا ذلك لجوزنا أن يكون منه ما ليس للإنس، إلا أنه و إن كان رزقا لهم في الجملة، فتفصيل قسمته على ما يصح، و يجوز من الإملاك. ولا يجوز أن يكون الرزق حراما، لأن الله منع منه بالنهي. فأما البغاة فيرزقون حراما إذا حكموا بأن المال للعبد، وهو مغصوب لايحل. و ما افترسه السبع رزق له بشرط غلبته عليه، كما أن غنيمة المشركين رزق لنا بشرط غلبتنا عليها، لأن المشرك يملك ما في يده، فإذا غلبنا عليه بطل ملکه، وصار رزقا لنا في هذه الحال.
قال: و قد أمرنا بأن نمنعه من الإنسان مع الإمكان، و أذن لنا أن نمنعه من غيره، من نحو الميتة والوحش إن شئنا، و يسقط جميع ذلك في حال التعذر علينا.
و عندي أنه لا يجب أن يطلق أن مايغلب عليه السبع رزق له، بل إنما نقول: إن رزقه ما ليس لنا منعه منه، فأما مالنا منعه منه إما بأن يكون ملكا لنا أو أذن لنا فيه، فلا يكون رزقا له بالإطلاق. وقد يسلط الله السبع على بعض المشركين فيكون رزقاله و عقابا للمشرك، والأصل فيه قوله تعالى : «وَمَا مِنْ دَابَّهٍ فِی الْأَرْضِ إِلَّا عَلَی اللَّهِ رِزْقُهَا» هود: 6، فمفهوم هذا أنه رزقه بشرط الغلبة عليه.
فإن قيل: إذا كان الرزق لا يكون إلا حلالا فلم قال: «حلالا»؟
قيل: ذكر ذلك على وجه التأكيد، كما قال: «وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً » النساء: 164، و قد أطلق في موضع آخر على جهة المدح: « وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » البقرة :3. (11:4)
الزمخشري: أي من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقا. (640:1)
ابن عطية: و الرزق، عند أهل السنة: ماصح الانتفاع به. و قالت المعتزلة: الرزق كل ما صح تملكه و الحرام ليس برزق، لأنه لا يصح تملكه.
و يرد عليهم بأنه يلزمهم أن آكل الحرام ليس بمرزوق من الله تعالى.
وقد خرج بعض البلاء أن الحرام رزق من قوله تعالى: « كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ
وَ رَبٌّ غَفُورٌ» که سبأ : 15، قال: فذكر المغفرة مشيرا إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام.
ورد أبوالمعالي في «الإرشاد » على المعتزلة مشيرا إلى أن الرزق ما تملك يلزمهم أن ما تملك فهوالرزق، و ملك الله تعالى الأشياء لا يصح أن يقال فيه: إنه رزق له.
و هذا الذي ألزم غير لازم، فتأمله. (229:2)
الطبرسي: و يسأل هنا فيقال: إذا كان الرزق كله حلالا فلم قيد هاهنا، فقال: «حلالا» ؟
والجواب: أنه إنما ذكر «حلالا».على وجه التأكيد، كما قال: «وَ كَلَّمَ اللّهُ مُوسى تَكْلِيماً »، و قد أطلق الله تعالى في موضع آخر على وجه المدح، و هو قوله: «وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ».(236:2)
الشربيني: ولما كان الرزق يقع على الحرام، قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله: «حلالا طيبا »و هو مفعول «کلوا» و ( مما ) حال منه تقدمت عليه، لأنه نكرة. (394:1)
أبوالسعود: أي ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله، ف «حلالا» مفعول «كلوا »، و «مما رزقكم» إما حال منه تقدمت عليه، لكونه نكرة، أو متعلق ب«كلوا»، و ( من ) ابتدائية أو هو المفعول، «حلالا»حال من الموصول، أو من عائده المحذوف، أو صفة المصدر محذوف، أي أكلا حلالا.
وعلى الوجوه كلها، لو لم يقع الرزق على الحرام، لم يكن الذكر الحلال فائدة زائدة. (2: 315)
2- « کُلُوا مِمَّا رَزَقَکُمُ اللّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّیْطَانِ إنَّهُ لَکُمْ عَدُوٌّ مُبِینٌ » الأنعام : 142
ابن عباس: من الحرث و الأنعام. (121)
الطبري: كلوا ما رزقكم الله أيها المؤمنون، فأحل لكم ثمرات حروثكم و غروسکم و لحوم أنعامكم؛ إذ حرم بعض ذلك على أنفسهم المشركون بالله، فجعلوا لله ما ذرأ من الحرث و الأنعام نصيبا، و للشيطان مثله. (374:5)
القشيري: الرزق لا يتخصص بالمأكولات، بل هو شائع في جميع ما يحصل به الانتفاع.
وينقسم الرزق إلى رزق الظواهر و رزق السرائر، ذلك وجود النعم و هذا شهود الكرم، بل الخمود في وجود القدم.
و للقلب رزق، و هو التحقيق من حيث العرفان، و للروح رزق، و هو المحبة بصدق التحرر عن الأكوان، و للسر رزق و هو الشهود الذي يكون للعبد، وهو قرين العيان. (202:2)
الطبرسي: أي استحلوا الأكل مما أعطاكم الله، و لا تحرموا شيئا منها، كما فعله أهل الجاهلية في الحرث و الأنعام. و على هذا يكون الأمر على ظاهره. و يمكن أن يكون أراد نفس الأكل، فيكون بمعنى الإباحة.(377:2)
الآلوسي: أي كلوا بعض ما رزقكم الله تعالى، و هو الحلال، ف( من ) تبعیضية، والرزق شامل للحلال والحرام، و المعتزلة خصوه بالحلال - كما تقدم أوائل الكتاب -و ادعوا أن هذه الآية أحد أدلتهم على ذلك، و ركبوا شكلا منطقيا أجزاؤه سهلة الحصول،
تقديره: الحرام ليس بمأكول شرعا وهو ظاهر، والرزق ما يؤكل شرعا، لقوله تعالى: «كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ »، فالحرام ليس برزق.
وأنت تعلم أن هذا إنما يفيد لو صدق كل رزق مأكول شرعا، والآية لاتدل عليه، أما إذا كانت تبعيضية فظاهر، و أما إن كانت ابتدائية، فلانه ليس فيها ما يدل على تناول الجميع.
وقيل : معنى الآية: استحلوا الأكل مما أعطاكم الله تعالی. (39:8)
رشید رضا: من هذه الأنعام وغيرها، و انتفعوا بسائر أنواع الانتفاع منها. (8: 140)
3- وَ نادی أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّهِ أَنْ أَفِیضُوا عَلَیْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَکُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَی الْکافِرِینَ » الأعراف : 50
ابن عباس : من ثمار الجنة. (128)
السدي: يعني من الطعام. (262)
الطوسي: قال ابن زيد والسدي: طلبوا مع الماء شيئا من الطعام. و قال أبوعلي:طلبوا شيئا من نعیم الجنه. (446:4)
الزمخشري: «مما رزقكم»من غيره من الأشربة، لدخوله في حكم الإفاضة. و يجوز أن يراد: أو ألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام و الفاكهة. كقوله:
*علفتها تبنا و ماء باردا *
و إنما يطلبون ذلك مع يأسهم من الإجابة إليه، حيرة في أمرهم، كما يفعل المضطر الممتحن. (82:2 )
أبو حيان: و ما رزقكم الله عام، فيدخل فيه الطعام و الفاكهة و الأشربة غير الماء، و تخصیصه بالثمرة أو بالطعام أو غير الماء من الأشربة أقوال. (305:4)
البروسوي: من سائر الأشربة، ليلائم الإفاضة، فإن الأصل فيها أن تستعمل في المائعات من المشروبات أو من الأطعمة، فنأ كلها لعلها تدفع عنا الجوع، على أن الإفاضة عبارة عن الإعطاء بكثرة.
وهؤلاء القائلون كانوا في الدنيا عبيد البطون، حريصين على الطعام و الشراب حتى ماتوا على ما عاشوا فيه، فحشروا على ما ماتوا عليه، و أن أهل الجنة لما أطالوا الجوع والعطش في الدنيا، و إنما جوعوا بطونهم لوليمة الفردوس، کان اشتغالهم في الجنة بشهوات النفس.
و في الآية بيان أن الإنسان لا يستغني عن الطعام والشراب و إن كان في العذاب.(170:3)
4 - «وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ». الأنفال : 29
الثعلبي: يعني الغنائم أجالها لكم، ولم يجلها لأحد قبلكم. (345:4)
الطوسي: أي أطعمكم غنیمتكم حلالا طيبا. (124:5)
القشيري: رزق الأشباح والظواهر من طيبات الغذاء، و رزق الأرواح والسرائر من صنوف الضياء.
وحقيقة الشكر على هذه النعم الغيبة عنها بالاستغراق في شهود المنعم. (313:2)
البغوي: يعني: الغنائم التي أحلها لكم و لم يحلها لأحد قبلكم. (284:2)
نحوه الميدي (31:4) ، والفخر الرازي (150:15 ).
الطبرسي: يعني الغنائم أحلها لكم و لم يحلها الأحد قبلكم. وقيل: هي عامة في جميع ما أعطاهم من الأطعمة اللذيذة. (2: 535)
5 -«وَاللّهُ جَعَلَ لَکُمْ مِنْ أنفُسِکُمْ أزْوَاجاً وَجَعَلَ لَکُمْ مِنْ أزْوَاجِکُمْ بَنِینَ وَحَفَدَهً وَرَزَقَکُمْ مِنَ الطَّیِّبَاتِ أفَبِالبَاطِلِ یُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَهِ اللّهِ هُمْ یَکْفُرُونَ». النحل: 72
الطوسي: أي جعل لكم أشياء تستطيبونها، و أباحها لكم. (407:6)
القشيري: الرزق الطيب لعبد: ما تستطيبه نفسه، ولآخر: ما يستطیبه سره.
فمنهم من يستطيب مأكو و مشروبا، و منهم من يستطيب خلوة و صفوة . إلى غير ذلك من الأرزاق.(308:3)
الطبرسي: أي أعطاكم أنواع النعم. (306:4)
الفخر الرازي:أي أبقاكم، فإن العرض مخلوق و ليس بمبق. (127:25)
البروسوي: استماع كلامه بلاواسطة عند خطابه «الست بربكم »الأعراف : 172، و هو رزق آذانكم، و رزق أبصاركم، مشاهدة شواهد ربوبيته، و رزق قلوبكم فهم خطابه، و درك مراده من خطابه، و رزق ألسنتكم إجابة سؤاله و الشهادة بتوحيده. (43:7)
فضل الله: فهو الذي هيأ للرزق وسائله في ما خلقه في الأرض و أنزله من السماء،و في ما أعطاكم من قوة، ولم يكن للآخرين من ذلك إلا دور الأداة. (143:18)
7-... وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ. المؤمن : 64
الطوسي: لأنه ليس لشيء من الحيوان من الطبيبات المآكل و المشارب مثل ما خلق الله لابن آدم، فإن أنواع الطيبات و اللذات التي خلقها الله لهم،لاتحصى لكثرتها من الثمار و فنون الثبات و اللحوم، و غير ذلك. (91:9)
نحوه الطبرسي. (530:4)
القشيري: و رزق النفوس: الطعام و الشراب، و رزق القلوب: لذات الطاعات. (315:5)
ابن عاشور: إيماء إلى نعمة طول الوجود، فلم يكن الإنسان من الموجودات التي تظهر على الأرض ثم تضمحل في زمن قريب، وجمع له بين حسن الإيجاد و بين حسن الإمداد، فجعل ما به مدد الحياة و هو الرزق من أحسن الطيبات على خلاف رزق بقية
أنواع الحيوان. (235:24)
رزقني
«يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً...». هود: 88
ابن عباس: أكرمني بالنبوة و الإسلام و أعطاني مالا حلالا.(190)
الحسن: معناه: هداني لدينه و وسع علي رزقه و كان كثير المال. (الطبرسي 3: 188)
الطوسي: وإنما وصفه بأنه حسن - مع أن جميع رزق الله حسن - لأمرين:
أحدهما: أنه أراد ب «حسنا» حسن موقعه لجلالته و عظمته.
والثاني: أنه أراد ما هو عليه على وجه التأكيد.
وقيل : إن الرزق الحسن هاهنا: النبوة. وقال البلخي: معناه: الهدی و الإيمان، لأنهما لا يوصل إليهما إلا بدعائه و بیانه و معونته و لطفه، فأعدل عما أنا عليه من عبادته، مع هذه الحال الداعية إليها؟ و إنما حذف لدلالة الكلام عليه.
والرزق: عطاء الخير الجاري في حكم المعطي، و العطية الواصلة من الإنسان: رزق من الله، و صلة من الإنسان، لإدرار الخير على العبد في حكمه. (6: 51)
نحوه الطبرسي. (3: 188)
القشيري: والرزق الحسن: ما به دوام الاستقلال، و ما ذلك إلا مقتضی عنايته الأزلية، و حسن تولیه لشأنك في جميع ما فيه صلاحك، من إتمام النعمة و دوام العصمة.
وقيل: الرزق الحسن: ما تعنی صاحبه لطلبه، ولم يصبه نصب بسببه.
و قيل: الرزق الحسن: ما يستوفيه بشهود الرزق، و يحفظه عند التنعم بوجود الرزاق.
ويقال : الرزق الحسن: ما لا ينسى الرزاق، و يحمل صاحبه على التوسعة و الإنفاق. (3: 152)
الميدي: حلالا طيبا من غير بخس و تطفيف؛ وذلك أنه كان كثير المال.
وقيل: «رزقا حسنا »: علما، و معرفة، و نبوة. (434:4)
الزمخشري: و هو ما رزقه من النبوة و الحكمة. (287:2)
ابن عطية: يريد: خالصا من الفساد الذي أدخلتم أنتم أموالكم. (201:3 )
ابن الجوزي: و في قوله تعالى: «وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً » ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الحلال، قال ابن عباس: و كان شعیب كثير المال.
والثاني: النبوة.
والثالث: العلم و المعرفة. (4: 151)
الفخر الرازي: إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال، فإنه يروى أن شعيبا علیه السلام كان كثير المال. [إلى أن قال:]
و قوله: «وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً » يدل على أن ذلك الرزق إنما حصل من عند الله تعالى و بإعانته، وأنه
لا مدخل للكسب فيه. و فيه تنبيه على أن الإعزاز من الله تعالى والإذلال من الله تعالى، وإذا كان الكل من الله تعالى، فأنا لا أبالي بمخالفتكم، و لا أفرح بموافقتكم، و إنما أكون على تقرير دين الله تعالى، و إيضاح شرائع الله تعالی. (45:18)
البروسوي: هو النبوة و الحكمة أيضا، عبر عنهما بذلك تنبيها على أنهما مع كونهما بينة رزق حسن، كيف لا، وذلك مناط الحياة الأبدية له ولأمته.
وقال بعضهم: هو ما رزقه الله من المال الحلال من غير شائبة حرام، أي من غير بخس و تطفيف، و كان كثير المال و جواب الشرط محذوف، لأن إثباته في قصة نوح و لوط دل على مكانه، و معنى الكلام ينادي عليه.
و المعنى: أخبروني إن كنت على حجة واضحة و يقين من ربي و كنت نبيا على الحقيقة، فهل يصح لي أن أتبعكم و أشوب الحلال بالحرام، و لا آمركم بتوحيد الله و ترك عبادة الأصنام، و الكف عن المعاصي و القيام بالقسط؟ و الأنبياء لايبعثون إلا لذلك. (174:4)
نحوه الآلوسي . (118:12)
ابن عاشور: والمراد بالرزق الحسن هنا: مثل المراد من الرحمة في كلام نوح و کلام صالح علیهماالسلام ، و هو نعمة النبوة. و إما عبر شعيب علیه السلام عن النبوة بالرزق على وجه التشبيه مشاكلة لقولهم: « أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا» هود: 87، لأن الأموال ارزاق. (314:11)
الطباطبائي: والمراد بكونه رزق من الله رزقا حسنا: أن الله آتاه من لدنه و حي النبوة المشتمل على أصول المعارف و الشرائع. ( 367:10)
رزقناه
« وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ یُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً...»النحل : 75
ابن عباس: «وَمَن رَّزَقْنَاهُ»:أعطيناه « مِنَّا رِزْقاً حَسَناً »: ما كثيرا. (227)
الطبري: فهذا المؤمن أعطاه الله مالا، فعمل فيه بطاعة الله، و أخذ بالشكر و معرفة حق الله، فأثابه الله على ما رزقه الرزق المقيم الدائم لأهله في الجنة. (622:7)
البغوي: هذا مثل المؤمن أعطاه الله مالا، فعمل فيه بطاعة الله و أنفقه في رضاء الله سرا و جهرا، فأثابه الله عليه الجنة. (89:3)
ابن عطية: و الرزق ما صح الانتفاع به، وقال أبو منصور في عقيدته: الرزق ما وقع الاغتذاء به. و هذه الآية ترد على هذا التخصيص، و كذلك قوله تعالى: « وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ » البقرة: 3، و «أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناکُمْ» البقرة : 254، وغير ذلك من قول النبي صلی الله علیه و آله : « جعل رزقي في ظل رمحي »، و قوله: «أرزاق أمتي في سنابك خيلها، و أسنة رماحها»فالغنيمة كلها رزق، و الصحيح: أن ما صح الانتفاع به هو الرزق، و هو مراتب أعلاها ما تغذي به . وقد حصر رسول الله صلی الله علیه و آله وجوه الانتفاع في قوله:
« يقول ابن آدم: مالي مالي، و هل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنیت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» ؟. و في معنى اللباس يدخل المركوب و نحوه.
واختلف الناس في الذي هو له هذا المثل، فقال قتادة و ابن عباس: هو مثل الكافر والمؤمن، فكأن الكافر مملوك مصروف عن الطاعة، فهو لا يقدر على شيء لذلك، و يشبه ذلك العبد المذكور.
و التمثيل على هذا التأويل إنما وقع في جهة الكافر فقط، جعل له مثالا ثم قرن بالمؤمن المرزوق، إلا أن يكون المرزوق ليس بمؤمن، و إنما هو مثال للمؤمن، فيقع التمثيل من جهتين.
وقال مجاهد و الضحاك: هذا المثال و المثال الآخر الذي بعده إنما هو الله تعالى و الأصنام، فتلك هي للعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، و الله تعالى تتصرف قدرته دون معقب، و كذلك فسر الزجاج على نحو قول مجاهد.
و هذا التأويل أصوب، لأن الآية تكون من معنى ما قبلها و بعدها في تبين أمر الله، والردعلى أمر الأصنام.(409:3)
الطبرسي: «رزقا» مفعول ثان ل«رزقناه ». و في هذا دليل على أن «رزق » يتعدى إلى مفعولين؛ ألا ترى أن قوله: «رزقا حسنا » لو كان مصدر لما جاز أن يقول: فهو ينفق منه، لأن الإنفاق إنما يكون من المال لا من الحدث الذي هو المصدر؟.[إلى أن قال: ]
یرید و مما رزقناه و ملكناه ما و نعمة «فَهُوَ یُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا» لا يخاف من أحد. (3: 375)
الفخر الرازي: و فيه مسائل:
المسألة الأولى: في تفسير هذا المثل قولان:
القول الأول: أن المراد: أنا لو فرضنا عبد ا مملوکا لا يقدر على شيء، و فرضنا حرا کریما غنيا كثير الإنفاق سرا و جهرا، فصريح العقل يشهد بأنه لاتجوز التسوية بينهما في التعظيم والإجلال، فلما لم تجز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة و البشرية، فكيف يجوز للعاقل أن يسوي بين الله القادر على الرزق و الإفضال، و بين الأصنام التي لاتملك و لا تقدر ألبتة.
والقول الثاني: أن المراد بالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو الكافر، فإنه من حيث إنه بقي محروما عن عبودية الله تعالى و عن طاعته، صار کالعبد الذليل الفقير العاجز، و المراد بقوله: «وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً » هو المؤمن، فإنه مشتغل بالتعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فبين تعالى أنهما لا يستويان في المرتبة و الشرف و القرب من رضوان الله تعالى.
واعلم أن القول الأول أقرب، لأن ما قبل هذه الآية وما بعدها إنما ورد في إثبات التوحيد، و في الرد على القائلين بالشرك، فحمل هذه الآية على هذا المعنى أولى.
المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بقوله: «عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ » ، فقيل: المراد به: الصنم،
لأنه عبد، بدليل قوله: « إِنْ کُلُّ مَنْ فِی السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِی الرَّحْمَنِ عَبْدا » مریم : 93، و أما أنه مملوك و لا يقدر على شيء فظاهر. و المراد بقوله:
«وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ یُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً »عابد الصنم، لأن الله تعالى رزقه المال، و هو ينفق من ذلك المال على نفسه و على أتباعه سرا و جهرا.
إذا ثبت هذا، فنقول: هما لايستويان في بديهة العقل، بل صریح العقل يشهد بأن ذلك القادر أكمل حالا و أفضل مرتبة من ذلك العاجز، فهناصریح العقل يشهد بأن عابد الصنم أفضل من ذلك الصنم، فكيف يجوز الحكم بكونه مساويا لرب العالمين في العبودية ؟. (83:20)
البروسوي: حلالا طيبا أو مستحسنا عند الناس مرضیا. (59:5)
رزقناهم
1-«الّذینِ یُؤْمِنُونَ بِالغَیْبِ وَیُقِیمُونَ الصّلوهَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ». البقرة : 3
الطوسي: أما الرزق فهو ماللحي الانتفاع به على وجه لا يكون لأحد منعه منه، وهذا لايطلق إلا فيما هو حلال، فأما الحرام فلا يكون رزقا، لأنه ممنوع منه بالنهي و لصاحبه أيضا منعه منه، ولانه أيضا مدحهم بالإنفاق مما رزقهم، و المغصوب و الحرام يستحق الذم على إنفاقه، فلا يجوز أن يكون رزقا. [ إلى أن قال:]
و أصل الرزق: الحظ لقوله: «وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ »الواقعة : 82، أي حظكم، و ما جعله حظا لهم فهو رزقهم. (57:1)
القشيري: الرزق: ما تمكن الإنسان من الانتفاع به. (69:1)
الواحدي: يقال : رزق الله الخلق رزقا، و رزقا، فالرزق بالفتح، هو المصدر الحقيقي، و الرزق: الاسم. ويجوز أن يوضع موضع المصدر، و كل ما انتفع به العبد فهو رزقه، من مال و ولد و عبد و غیره. (82:1)
البغوي: و الرازق: اسم لكل ما ينتفع به حتی الولد و العبد، و أصله في اللغة: الحظ والنصيب. (85:1)
نحوه الخازن. (26:1)
الزمخشري: و إسناد الرازق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله، و يسمى رزقا منه. و أدخل ( من ) التبعيضة صيانة لهم، و كفا عن الإسراف والتبذير المنهي عنه. (132:1)
ابن عطية: الرزق عند أهل الستة: ماصح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، بخلاف قول المعتزلة: إن الحرام ليس برزق. (85:1)
الطبرسي: حقيقة الرزق هو ما صح أن ينتفع به المنتفع، و ليس لأحد منعه منه. و هذه الآية تدل على أن الحرام لا يكون رزقا، لأنه تعالى مدحهم بالإنفاق مما رزقهم، و المنفق من الحرام لا يستحق المدح علی الإنفاق بالاتفاق، فلا يكون رزقا. (39:1)
الفخر الرازي: الرزق في كلام العرب: هو الحظ، قال تعالى : «وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» الواقعة : 82، أي حظكم من هذا الأمر، والحظ هو نصيب الرجل، و ما هو خاص له دون غيره، ثم قال بعضهم: الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل. وهو باطل، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا، فقال: « أَنْفِقُوا مما رَزَقْناکُمْ» البقرة: 254، فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه.
وقال آخرون: الرزق : هو ما يملك، وهو أيضا باطل، لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولدا صالحا أو زوجة صالحة، وهو لايملك الولد ولا الزوجة، و يقول: اللهم ارزقني عقلا أعيش به، و ليس العقل بملوك، و أيضا البهيمة يكون لها رزق، و لا يكون لها ملك.
و أما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصري: الرزق: هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء، و الحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به. فإذا قلنا: قد رزقنا الله تعالى الأموال، فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، و إذا سألناه تعالى أن يرزقنا ما، فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص، و إذا سألناه أن يرزق البهيمة، فإنا نقصد بذلك أن يجعلها به أخص. و إنما تكون به أخص إذا مكنها من الانتفاع به، و لم يكن لأحد أن يمنعها من الانتفاع به. واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لاجرم قالوا: الحرام لا يكون رزقا. وقال أصحابنا: الحرام قد يكون رزقا، فحجة الأصحاب من وجهين :
الأول: أن الرزق في أصل اللغة: هوالحظ و النصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظا و نصيبا، فوجب أن يكون رزقا له.
الثاني: أنه تعالى قال: «وَمَا مِنْ دَابَّهٍ فِی الأرْضِ إلّاعَلَی اللَّه رِزْقُها» هود : 6، و قد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: إنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئا.
أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب و السنةوالمعنى:
أما الكتاب فوجوه:
أحدها : قوله تعالى: «مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى، فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، و ذلك باطل بالاتفاق.
و ثانيها: لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه، لقوله تعالى: « و أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناکُمْ » البقرة : 254، و أجمع المسلمون على أنه لا يجوز اللغاصب أنه ينفق مما أخذه بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقا.
وثالثها: قوله تعالى: « قُلْ أَرَأَیْتُم مَآ أَنزَلَ اللَّهُ لَکُم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَکُمْ » يونس : 59، فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله، فثبت أن الحرام لا يكون رزقا.
وأما السنة، فما رواه أبو الحسين في كتاب «الغرر» بإسناده عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلی الله علیه و آله إذ جاءه عمرو بن قرة، فقال له: يا رسول
الله إن الله كتب علي الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، فقال علیه السلام: «لا إذن لك و لاكرامة ولانعمة كذبت أي عدو الله، لقد رزقك الله رزقا طيبا، فاخترت ماحرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله، أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئا، ضربتك ضربا وجيعا »
وأما المعنى: فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام، و أمر غيره بمنعه منه و الانتفاع به، من منع من أخذ الشيء و الانتفاع به، لا يقال: إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان قد رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه، و إنما يقال: إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه، و لا يمنعهم منه و لاأمر بمنعهم منه.
أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه و إن كان الكل من الله، لكنه كما يقال : يا خالق المحدثات و العرش والكرسي، و لايقال: ياخالق الكلاب و الخنازیر، و قال: «عَیْناً یَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ » الدهر : 6، فخص اسم العباد بالمتقين، و إن كان الكفار أيضا من العباد، و كذلك هاهنا خص اسم «الرزق » بالحلال على سبيل التشريف و إن كان الحرام رزقا أيضا.
:و أجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا، لأن قوله علیه السلام: « فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه » صريح في أن الرزق قد يكون حراما، و أجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض اللغة، و هو أن الحرام هل يسمى رزقا أم لا؟ ولامجال للدلائل العقلية في الألفاظ، و الله أعلم.
القرطبي: و الرزق عند أهل السنة: ماصح الانتفاع به حلالا كان أو حراما، خلافا للمعتزلة في قولهم: إن الحرام ليس برزق ، لأنه لا يصح تملكه، و إن الله لا يرزق الحرام و إنما يرزق الحلال، والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك.
قالوا: فلو نشأ صبي مع اللصوص و لم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ و قوي و صار لصا ثم لم يزل يتلصص و يأكل ما تلصصه إلى أن مات، فإن الله لم يرزقه شيئا؛ إذ لم يملكه، و إنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا.
و هذا فاسد، والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنی التمليك، لوجب ألا يكون الطفل مرزوقا، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء، ولا السخال من البهائم، لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال. ولما اجتمعت الأمة على أن الطفل و السخال و البهائم مرزوقون، و أن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين، علم أن الرزق هو الغذاء، و لأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون، و أن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين، فعلم أن الرزق ما قلناه لاما قالوه.
والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق :«هَلْ منْ خَالِقٍ غَیْرُ اللَّهِ یَرْزُقُکُم مِنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ» فاطر : 3، وقال: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّهِ الْمَتِینُ» الذاريات : 58، و قال : «وَما مِنْ دَابَّهٍ فِی الْأَرْضِ إِلَّا عَلَی اللهِ رِزْقُها»هود : 6، و هذا قاطع، فالله تعالى
رازق حقيقة و ابن آدم رازق تجوزا، لأنه يملك ملكا منتزعا، كما بيناه في الفاتحة، مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها، إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تتناوله، فهو حلال حكما، وما كان منه غير مأذون له في تناوله، فهو حرام حكما، و جميع ذلك رزق.
و قد خرج بعض البلاء من قوله تعالى: «کُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّکُمْ وَاشْکُرُوا لَهُ بَلْدَهٌ طَیِّبَهٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ»سبأ : 15، فقال: ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. [ثم أدام نحو الواحدي]
(177:1 )
أبوالسعود: الرزق في اللغة: العطاء، و يطلق على الحظ المعطى، نحوذبح و رعي للمذبوح و المرعى و قيل: هو بالفتح مصدر و بالكسر اسم، و في العرف: ما ينتفع به الحيوان. و المعتزلة لما أحالوا تمكين الله تعالى من الحرام، لأنه منع من الانتفاع به و أمر بالزجر عنه، قالوا: الرزق لا يتناول الحرام، ألا ترى أنه تعالى أسند الرازق إلى ذاته، إيذانا بأنهم ينفقون من الحلال الصرف، فإن إنفاق الحرام بمعزل من إيجاب المدح، و ذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله: « قُلْ أَرَأَیْتُم مَآ أَنزَلَ اللَّهُ لَکُم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً »يونس : 59.
وأصحابنا جعلوا الإسناد المذكور للتعظيم والتحريض على الإنفاق، والذم لتحريم مالم يحرم، و اختصاص ما رزقناهم بالحلال للقرينة، و تمسكوا لشمول الرزق لهما بما روي عنه علیه السلام في حديث عمرو بن قرة حين أتاه، فقال: يا رسول الله إن الله قد كتب على الشقوة فلا أری أرزق إلا من دفي بكفي ،فأذن لي في الغناء من غير فاحشة، من أنه قال علیه السلام: «لا آذن لك و لا كرامة ولأنعمة كذبت أي عدو الله، والله لقد رزقك الله حلالا طيبا، فاخترت ماحرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله»، وبأنه لولم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقا، و قد قال الله تعالى: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها »هود: 6(45:1)
الكاشاني: من الأموال و القوي و الأبدان والجاه والعلم.(79:1)
البروسوي: الرزق في اللغة: العطاء، و في العرف: ما ينتفع به الحيوان، وهو تناول الحلال و الحرام عند أهل السنة، و القرينة تخصصه هاهنا بالحلال، لأن المقام مقام المدح. و تقديم المفعول للاهتمام به و المحافظة على رؤوس الآي. (1: 38)
المراغي: الرزق في اللغة: العطاء، ثم شاع استعماله فيما ينتفع به الحيوان، و جمهرة المسلمين على أن كل ما ينتفع به حلالا كان أو حراما فهو رزق، و خصه جماعة بالحلال فقط. (42:1)
ابن عاشور: و الرزق: ما يناله الإنسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته و حاجاته، و ينال بها ملائمه، فيطلق على كل ما يحصل به سد الحاجة في الحياة، من الأطعمة و الأنعام و الحيوان و الشجر المثمر و الثياب و ما يقتني به ذلك من التقدين، قال تعالى: «وَ إِذا حَضَرَ اَلْقِسْمَةَ أُولُوا اَلْقُرْبى وَ اَلْيَتامى وَ اَلْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ» النساء: 8، أي مما ترکه الميت، و قال : « اَللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
يَشاءُ وَ يَقْدِرُ وَ فَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا»الرعد: 26، و قال في قصة قارون: «وَ آتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ » إلى قوله: «وَیْکَأَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَیَقْدِرُ» القصص : 76 - 82، مرادا بالرزق كنوز قارون، وقال: «وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِی الْأَرْضِ»الشوری : 27.
و أشهر استعماله بحسب ما رأيت من كلام العرب و موارد القرآن، أنه ما يحصل من ذلك للإنسان. و أما إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعي و الماء، فهو على المجاز، كما في قوله تعالى: «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا » هود: 6، و قوله: « وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً» آل عمران : 37، و قوله: « لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ » يوسف : 37.
والرزق شرعا عند أهل السنة كالرزق لغة؛ إذ الأصل عدم النقل إلا لدليل، فيصدق اسم الرزق على الحلال والحرام، لأن صفة الحل والحرمة غير ملتفت إليها هنا، فبيان الحلال من الحرام له مواقع أخرى، ولا يقبل الله إلا طيبا؛ وذلك يختلف باختلاف أحوال التشريع، مثل الخمر و التجارة فيها قبل تحريمها، بل المقصود أنهم ينفقون ما في أيديهم.
و خالفت المعتزلة في ذلك، في جملة فروع مسألة خلق المفاسد و الشرور و تقديرهما، و مسألة الرزق من المسائل التي جرت فيها المناظرة بين الأشاعرة و المعتزلة كمسألة الآجال، و مسألة السعر، و تمسك المعتزلة في مسألة الرزق بأدلة لا تنتج المطلوب. (232:1)
2 - «وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ».. يونس : 93
الماوردي: يعني و أحللنا لهم من الخيرات الطيبة . (450:2)
الطوسی: أي ملكناهم الأشياء اللذيذة .والرزق: العقد على العطاء الجاري، و دلت الآية على سعة أرزاق بني إسرائيل. (492:5)
نحوه الطبرسي.(3: 132)
الفخر الرازي: و المراد من قوله: « وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ» تلك المنافع، و أيضا المراد منها: أنه تعالى أورث بني إسرائيل جميع ما كان تحت أيدي قوم فرعون، من الناطق و الصامت و الحرث و النسل، كما قال: «وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا » الأعراف : 137 (158:17)
3 - «الَّذِینَ إِذَا ذُکِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِینَ عَلَی مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِیمِی الصَّلاَهِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنفِقُونَ».الحجم : 35
الطوسي: أي مما ملكهم الله، و جعل لهم التصرف فيه، ينفقون في مرضاته .
و في ذلك دلالة على أن الحرام ليس برزق الله، لأن الله مدح من ينفق في سبيل الله مما رزقه، و الحرام ممنوع من التصرف فيه و الإنفاق منه، فكيف يكون رزقا؟ (315:7)
4-... وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى
العالمين. الجاثية : 16
الطبري: يقول: و أطعمناهم من طيبات أرزاقنا، و ذلك ما أطعمهم من المن والسلوى. (258:11)
الطوسي: فالرزق: العطاء الجاري على توقيت و توظيف في الحكم. و إنما قلنا في الحكم، لأنه لو حكم با لعطاء الموقت في الأوقات الدائرة على الاستمرار، لكان رازقا، وإن اقتطعه ظالم عن ذلك العطاء. (254:9)
الطبرسي: أي و أعطيناهم من أنواع الطيبات. (75:5)
الفخر الرازي: و ذلك لأنه تعالى وسع عليهم في الدنيا، فأورثهم أموال قوم فرعون و دیارهم، ثم أنزل عليهم المن والسلوى. (265:27)
رزقوا -رزقنا
«وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ ». البقرة : 25
ابن عباس: كلما أطعموا فيها في الجنة.(6)
نحوه الواحدي (104:1) و البغوي (1: 94).
الطبري: يعني بقوله: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها » من الجنات، و الهاء راجعة على الجنات. وإنما المعني أشجارها، فكأنه قال: كلما رزقوا من أشجار البساتين التي أعدها الله للذين آمنوا و عملوا الصالحات في جناته من ثمرة من ثمارها رزقا، قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل. [ إلى أن قال:]
فإن سألنا سائل، فقال: و كيف قال القوم: «هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ » و الذي رزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه و كيف يجوز أن يقول أهل الجنة قو لاحقيقة له؟.
قيل: إن الأمر على غير ما ذهبت إليه في ذلك، و إنما معناه: هذا من النوع الذي رزقناه من قبل هذا من الثمار و الرزق، کالرجل يقول لآخر: قد أعد لك فلان من الطعام كذا و كذا من ألوان الطبيخ و الشواء و الحلوى، فيقول المقول له ذاك : هذا طعامي في منزلي. يعني بذلك أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعده له من الطعام هو طعامه، لأن أعيان ما أخبره صاحبه أنه قد أعده له هو طعامه، بل ذلك مما لا يجوز لسامع سمعه يقول ذلك أن يتوهم أنه أراده أو قصده، لأن ذلك خلاف مخرج كلام المتكلم، و إنما يوجه كلام كل متکلم إلى المعروف في الناس من مخارجه دون المجهول من معانيه، فكذ لك ذلك في قوله: «قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ »، إذ كان ما كانوا رزقوه من قبل قد فني و عدم، فمعلوم أنهم عنوا بذلك هذا من النوع الذي رزقناه من قبل، و من جنسه في السمات و الألوان، على ما قد بينا من القول في ذلك فيكتابنا هذا. (206:11)
الزمخشري: و قوله: «كلما رزقوا » لايخلو من أن يكون صفة ثانية ل« جنات »، أو خبر مبتدا محذوف، أو جملة مستأنفة، لأنه لما قيل: إن لهم جات، لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثار تلك الجنات، أشباه ثمار جنات الدنيا، أم أجناس أخر
لاتشابه هذه الأجناس؟ فقيل: إن ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا، أي أجناسها أجناسها، و إن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله. (259:1)
الطبرسي: أي من الجنات، والمعنی: من أشجارها، و تقديره: كلما رزقوا من أشجار البساتين التي أعدها الله للمؤمنين «من ثمره رزقا»، أي أعطوا من ثمارها عطاء و أطعموا منها طعاما، لأن الرزق عبارة عما يصح الانتفاع به، و لا يكون لأحد المنع منه . (65:1)
الفخر الرازي: و أما قوله : «كلما رزقوا » فهذا لايخلو إما أن يكون صفة ثانية ل« جنات»، أو خبر مبتدإ محذوف، أو جملة مستأنفة، لأنه لما قيل: إن لهم جات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجات أشباه ثمار الدنيا أم لا؟
و هاهنا سؤالات:
السؤال الأول: [ما المراد بالثمرة؟ ]
السؤال الثاني: كيف يصح أن يقولوا: هذا الذي رزقنا الآن هو الذي رزقنا من قبل؟.
الجواب: لما اتحد في الماهية و إن تغایر بالعدد صح أن يقال: هذا هو ذاك، أي بحسب الماهية، فإن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص، و لذلك إذا اشتدت مشابهة الابن بالأب قالوا: إنه الأب.
السؤال الثالث: الآية تدل على أنهم شبهوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنة برزق آخر جاءهم قبل ذلك، فالمشبه به أهو من أرزاق الدنيا، أم من أرزاق الجنة؟
والجواب فيه وجهان:
الأول: أنه من أرزاق الدنيا، و يدل عليه وجهان:
الأول: أن الإنسان بالمألوف آنس، و إلى المعهود أميل، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه، ثم إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد ثم وجده أشرف مما ألفه أولا، عظم ابتهاجه و فرحه به. فأهل الجنة إذا أبصروا الرمانة في الدنيا ثم أبصروها في الآخرة، و وجدوا رمانة الجنة أطيب و أشرف من رمانة الدنيا، كان فرحهم بها أشد من فرحهم بشيء مما شاهدوه في الدنيا.
والدليل الثاني: أن قوله: «كلما رزقوا منها» يتناول جميع المرات، فيتناول المرة الأولى، فلهم في المرة الأولى من أرزاق الجنة شيء لابدة، و أن يقولوا: «هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ »، ولا يكون قبل المرة الأولى شيء من أرزاق الجنة حتى يشبه ذلك به، فوجب حمله على أرزاق الدنيا.
القول الثاني: أن المشبه به رزق الجنة أيضا، والمراد تشابه أرزاقهم. ثم اختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين: [فلاحظ : ش ب ه : « متشابها».]
(128:2)
نحوه النيسابوري . (211:1)
البيضاوي: صفة ثانية ل «جنات» ، أو خبر مبتدا محذوف، أو جملة مستأنفة، كأنه لما قيل: إن لهم جنات، وقع في خلد السامع أثمارها مثل ثمار الدنيا، أو أجناس أخر فأزيح بذلك، و « كلما »نصب على الظرف، و «رزقا »مفعول به، و (من) الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقع الحال. و أصل الكلام
و معناه: كل حين زقوا مرزوقا مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، قيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنات، و ابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة، فصاحب الحال الأولى و«رزقا »و صاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الحال.
و يحتمل أن يكون «من ثمرۃ »بیانا تقدم، كما في قولك: رأيت منك أسدا. و هذا إشارة إلى نوع ما رزقوا، كقولك مشيرا إلى نهر جار: هذا الماء لا ينقطع، فإنك لا تعني به العين المشاهدة منه، بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب جریانه و إن كانت الإشارة إلى عينه. فالمعنى: هذا مثل رزقنا، و لكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته حا، كقولك: أبويوسف أبو حنيفة. (38:1)
أبو حيان: و الأحسن في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، لا موضع لها من الإعراب، و أنه لما ذكر أن من آمن و عمل الصالحات لهم جنات صفتها كذا، هجس في النفوس؛ حيث ذكرت الجتة الحديث عن ثمار الجنات، و تشوقت إلى ذکر کيفية أحوالها، فقيل لهم: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً »، و أجيز أن تكون الجملة لها موضع من الإعراب، نصب على تقدیر کونها صفة للجنات، و رفع على تقدير خبر مبتدإ محذوف.
ويحتمل هذا وجهين: إما أن يكون المبتدأ ضميرا عائدا على الجنات، أي هي «كلما رزقوا منها»، أو عائدا على «الذين امنوا»، أي هم كلما رزقوا. و الأولى الوجه الأول، لاستقلال الجملة فيه، لأنها في الوجهين السابقين تقدر بالمفرد، فهي مفتقرة إلى الموصوف، أو إلى المبتدإ المحذوف.
وأجاز أبوالبقاء أن تكون حالا «الذین امنوا» تقديره:مرزوقين على الدوام، و لايتم له ذلك إلا على تقدير أن يكون الحال مقدرة، لأنهم وقت التبشير لم يكونوا مرزوقين على الدوام. و أجاز أيضا أن تكون حالا من «جنات»، لأنها نكرة قد وصفت بقوله: « تجری »، فقربت من المعرفة، و تؤول أيضا إلى الحال المقدرة.
والأصل في الحال أن تكون مصاحبة، فلذلك اخترنا في إعراب هذه الجملة غير ما ذكره أبوالبقاء.(113:1)
الشربيني:أي أطعموا من تلك الجنان ثمرة، و(من) صلة « قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا »، أي أطعمنا. (1: 37)
أبوالسعود: «قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا» صفة أخرى ل «جنات» ، أخرت عن الأولى، لأن جریان الأنهار من تحتها وصف لها باعتبار ذاتها، و هذا وصف لها باعتبار أهلها المتنعمين بها، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة، كأنه حين وصفت الجنات با ذکر من الصفة، وقع في ذهن السامع أثمارها كثمار جنات الدنيا أولا، فبين حالها.
و« كلما»نصب على الظرفية، و «رزقا» مفعول به، و ( من ) الأولى و الثانية للابتداء، واقعتان موقع الحال، كأنه قيل: كل وقت رزقوا مرزوقا مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، على أن الرزق مقيد بكونه مبتدأ من الجنات، و ابتداؤه منها مقيد بكونه مبتدأمن ثمرة، فصاحب الحال الأولى «رزقا »و صاحب
الثانية ضميره المستكن في الحال، و يجوز کون «من ثمرة» بیانا قدم على المبين، كما في قولك: رأيت منك أسدا، و هذا إشارة إلى ما رزقوا، و إن وقعت على فرد معين منه، كقولك مشيرا إلى نهر جار: هذا الماء لاينقطع،فإنك إنما أشرت إلى ما تعاينه بحسب الظاهر، لكنك إنما تعني بذلك النوع المعلوم المستمر.
فالمعنى: هذا مثل الذي رزقناه من قبل، أي من قبل هذا في الدنيا، و لكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته . و إنما جعل ثمر الجنة كثمار الدنيا،لتميل النفس إليه حين تراه، فإن الطباع مائلة إلى المألوف متنفرة عن غير معروف، و ليتبين لها مزيته و كنه النعمة فيه؛ إذ لو كان جنسا غير معهود لظن أنه لا يكون إلا كذلك، أو مثل الذي رزقناه من قبل في الجنة، لأن طعامها متشابه الصور، كما يحكي عن الحسن رضي الله عنه، أن أحدهم يؤتي الصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى، فيقول ذلك فيقول الملك: کل، فاللون واحد و الطعم مختلف. أو كما روي أنه صلی الله علیه و آله قال: «و الذي نفسي بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها، فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها » و الأول أنسب المحافظة عموم «کلما.» (94:1)
الآلوسي: صفة ثانية ل«جنات » أخرت عن الأولى، لأن جریان الأنهار من تحتها وصف لها باعتبار ذاتها، و هذا باعتبار سكانها، أو خبر مبتدإ محذوف، أي هم، و القرينة ذكره في السابقة و اللاحقة، و کون الكلام مسوقا لبيان أحوال المؤمنين. و فائدة حذف هذا المبتدإ تحقق التناسب بين الجمل التلاث صور الاسميتها، و معنى لكونها جواب سؤال، كأنه قيل: ما حالهم في تلك الجنات ؟ فأجيب: بأن لهم فيها ثمارا لذيذة عجيبة، و أزواجا نظيفة. (202:1)
یرزق
1- «زُیِّنَ لِلَّذینَ کَفَرُوا الْحَیوهُ الدُّنْیا وَ یَسْخَرُونَ مِنَ الَّذینَ امَنُوا وَ الَّذینَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ یَوْمَ الْقِیمَهِ وَ اللّهُ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ»البقرة : 212
راجع: ح س ب: « حساب ».
راجع : ح س ب « حساب».
2 -«فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَ أَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَ كَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»
آل عمران : 37
ابن عباس: فاكهة الشتاء في الصيف مثل القصب، وفاكهة الصيف في الشتاء مثل العنب. (46)
الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: أن زکریا کان كلما دخل عليها المحراب بعد إدخاله إياها المحراب، وجد عندها رزقا من الله لغذائها.
فقيل: إن ذلك الرزق الذي كان يجده زکریا عندها فاكهة الشتاء في الصيف، و فاكهة الصيف في الشتاء.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن زکریا کان إذا دخل إليها المحراب، وجد عندها من الرزق فضلا عما كان يأتيها به الذي كان يتموها في تلك الأيام.
وأما قوله:«إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » فخبر من الله، أنه يسوق إلى من يشاء من خلقه رزقه، بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبده، لأنه جل ثناؤه لاينقص سوقه ذلك إليه، كذلك خزائنه، ولا يزيد إعطاؤه إياه، و محاسبته عليه في ملکه و فيما لديه شيئا، ولا يعزب عنه علم ما يرزقه، و إنما يحاسب من يعطي ما يعطيه، من يخشى النقصان من ملكه، و دخوا النفاد علیه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف، و من كان جاهلا بما يعطي على غير حساب. (244:3)
الثعلبي: يعني وجد زکریا عندها فاكهة في غير أوانها، فاكهة الصيف في الشتاء، و فاكهة الشتاء في الصيف غضا طریا.« قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا » فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا و سألت عنه «قالت و هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ» .
أخبرنا عبد الله بن حامد بإسناده عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلی الله علیه و آله أقام أياما لم يطعم طعاما،حتی شق ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه، فلم يصب في بيت أحد منهن شيئا، فأتى فاطمة رضي الله عنها فقال: «يا بنية هل عندك شيء آكل، فإٹی جائع؟» فقالت: لا والله بأبي أنت و أمي، فلما خرج رسول الله صلی الله علیه و آله من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين و بضعة لحم، فأخذته منها و وضعته في جفنة و غطت عليه و قالت: لأوثرن بها رسول الله صلی الله علیه و آله على نفسي و من عندي، و كانوا جميعا محتاجين إلى شبعة من طعام، فبعثت حسنا و حسيئا إلى جدهما رسول
الله صلی الله علیه و آله، فرجع إليها، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد أتانا الله بشيء فخبأته لك، قال: «فهلمي به »، فأتي به، فكشف عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا و لحما، فلما نظرت إليه بهتت و عرفت أنها من بركة الله، فحمدت الله تعالى و صلت على نبيه، فقال علیه السلام: « من أين لك هذا يا بنية؟ » قالت: «هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»، فحمد رسول الله صلی الله علیه و آل-وقال: الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت يرزقها الله رزقا حسنا، فسئلت عنه « قالت: (هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»... (الثعلبي 57:3)
الطوسي: فالرزق هو ما للإنسان الانتفاع به على وجه ليس لأحد منعه.(447:2)
الفخر الرازي: فيه خمسة أوجه: [إلى أن قال: ]الثالث: أن التنكير في قوله: «وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً» يدل على تعظیم حال ذلك الرزق، كأنه قيل: رزقا، أي رزق غريب عجيب! و ذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية، لو كان خارقا للعادة. (32:8)
أبو حيان: و دلت الآية على وجود الرزق عندها كل وقت يدخل عليها، والمعنى: أنه غذاء يتغذى به لم يعهده عندها، ولم يوجهه هو. و أبعد من فسر الرزق هنا بأنه فيض كان يأتيها من الله، من العلم و الحكمة من غير تعليم آدمي فسماه رزقا. قال الراغب: واللفظ محتمل، انتهى. و هذا شبیه بتفسير الباطنية. (443:2)
البوسوي: أي نوعا منه غير معتاد؛ إذ كان
ينزل ذلك من الجنة، و كان يجد عندها في الصيف فاكهة الشتاء، و في الشتاء فاكهة الصيف و لم ترضع ثديا قط. (29:2)
رشیدرضا: قالوا: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. والله لم يقل ذلك و لاقاله رسوله صلی الله علیه و آله، و لا هو ما يعرف بالرأي، ولم يثبته تاريخ يعتد به، و الروايات عن مفسري السلف متعارضة، و في أسانيدها ما فيها. ومما قال ابن جرير في ذلك: إن بني إسرائيل أصابتهم أزمة حتى ضعف زكريا عن حملها، و إنهم اقترعوا على حملها فخرج السهم على نجار منهم، فكان يأتيها كل يوم من کسبه ما يصلحها فينميه الله و يكره، فيدخل عليها زکريا فيجد عندها فضلا من الرزق، فإذا وجد ذلك، قال يا مريم: أنى لك هذا؟ أي من أين لك هذا؟ و الأيام أيام قحط، قالت: هو من عند الله، رازق الناس بتسخير بعضهم البعض، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب و لاتوقع من المرزوق، أو رزقا واسعا « راجع: آية : 37» و أنت ترى أنه لا دليل في الآية على أن الرزق کان من خوارق العادات. و إسناد المؤمنين الأمر إلى الله في مثل هذا المقام معهود في القديم والحديث.
قال الأستاذ الإمام ما مثاله مبسوطا: إن القرآن نزل سائغا يسهل على كل أحد فهمه، من غير حاجة إلى عناء ولاذهاب في الدفاع عن شيء خلاف الظاهر، فعلينا ألا نخرج عن سنته، و لانضيف إليه حکایات إسرائيلية أو غير إسرائيلية لجعل هذه القصة من خوارق العادات، و البحث عن ذلك الرزق ما هو، و من أين جاء، فضول لا يحتاج إليه لفهم المعنى ولا المزيد العبرة، ولو علم الله أن في بيانه خيرا لنا لبينه.
أما ما سيقت القصة لأجله - وهو الذي يجب أن نبحث فيه، ونستخرج العبر من قوادمه وخوافيه - فهو تقریر نبوة النبي صلی الله علیه و آله و دحض شبه أهل الكتاب الذين احتكروا فضل الله، و جعلوه خاضعا بشعب إسرائيل، و شبهة المشركين الذين كانوا ينكرون نبوته، لأنه بشر. و بيان ذلك: أن المقصد الأول من مقاصد الوحي هو تقرير عقيدة الألوهية، و أهم مسائلها مسألة الوحدانية، و تقرير عقيدة البعث والجزاء و عقيدة الوحي و الأنبياء . (293:3)
الطباطبائي: و في تنکير قوله: «رزقا »، إشعار بكونه رزقا غير معهود، كما قيل: إنه كان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، و فاكهة الصيف في الشتاء، و يؤيده أنه لو كان من الرزق المعهود - و كان تنکیره يفيد أنه ما كان يجد محرابها خاليا من الرزق، بل كان عندها رزق ما دائما - لم يقنع زکریا بقولها:«هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ...»في جواب قوله:« یامَرْیمُ أَنَّی لَکِ هَذَا ؟»، لإمكان أن يكون يأتيها بعض الناس من كان يختلف إلى المسجد لغرض حسن أو سيئ.
على أن قوله تعالى: «هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ...»يدل على أن زکریا تلقی وجود هذا الرزق عندها کرامة إلهية خارقة، فأوجب ذلك أن يسأل الله أن يهب له من لدنه ذريةطيبة، فقد كان الرزق رزقا يدل بوجوده علی کونه کرامة من الله سبحانه لمریم
الطاهرة، و مما یشعر بذلك قوله تعالى: «قال یا مریم... »على ما سيجيء من البيان.
وقوله: «قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ... »فصل الكلام من غير أن يعطف على قوله: «وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً »، يدل على أنه علیه السلام إنما قال لها ذلك مرة واحدة، فأجابت بما قنع به و استيقن أن ذلك كرامة لها، وهنالك دعا و سأل ربه ذرية طيبة. (174:3)
مکارم الشيرازي: الآية لاتذكر شيئا عن ماهية هذا الطعام و من أين جاء، لكن بعض الأحاديث الواردة في تفسير العياشي و غيره من كتب الشيعة والسنة، تفيد أنه كان فاكهة من الجنة في غير فصلها، تحضر بأمر الله إلى المحراب. و ليس ما يدعو إلى العجب في أن يستضيف الله عبدا تقيا.
كما أن اعتبار «الرزق » طعاما من الجنة يتبين من القرائن التي نراها في ثنايا الآية، فأولا: كلمة «رزقا» النكرة دليل على أن زكريا لم يعرف نوع هذا الرزق.
و ثانیا : جواب مريم التي قالت: «من عند الله »دليل آخر.
و ثالثا: انفعال زکریا و طلبه و لا من الله كما نقرأ في الآية التالية، دليل ثالث على ذلك.
بيد أن بعض المفسرين مثل صاحب المنار یرون أن «رزقا» تعني هذا الطعام الدنيوي المألوف. يقول ابن جریر: إن قحطا أصاب بني إسرائيل يومئذ، ولم يعد زکریا قادرا على سد جوعة مريم، لذلك اقترعوا فكانت من نصيب رجل نجار، فأخذ هذا يقتطع من کسبه الطيب الحلال ليها الطعام لها، فكان هذا هو الطعام الذي يراه زکريا في محرابها و يعجب من وجوده في تلك الظروف الصعبة، و كان جواب مريم يعني: أن الله قد سخر لي مؤمنا فأحب القيام بهذه الخدمة الشاقة.
و لكن كما قلنا هذا التفسير لا يتسق مع القرائن الموجودة في الآية، ولامع الأحاديث الواردة في تفسيرها، و منها ما ورد في تفسير العياشي عن الإمام الباقر علیه السلام ما ملخصه «أن رسول الله صلی الله علیه و آله دخل يوما على ابنته فاطمة عليه السلام و هو يعلم أنها لم تكن تملك طعاما یذکر منذ أيام، فوجد عندها طعاما وافرا خاصا، فسألها عنه، فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فقال رسول الله لعلي علیه السلام : ألا أحدثك بمثلك و مثلها؟ قال: بلى، قال: مثل زکريا، إذ دخل على مريم المحراب، فوجد عندها رزقا، قال: یا مريم أنى لك هذا؟ «قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ». (354:2)
3- «واللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » النور : 38
الطبري: يقول تعالى ذكره: يتفضل على من شاء و أراد من طوله و کرامته، مالم يستحقه بعمله، ولم يبلغه بطاعته.(333:9)
الزمخشري: ما يتفضل به. (69:3)
مثله أبو حيان. (459:6)
الطبرسي: أي يعطي. (145:4)
الفخر الرازي: نبه به على كمال قدرته و كمال
جوده و نفاذ مشيئته و سعة إحسانه، فكان سبحانه لما وصفهم بالجد والاجتهاد في الطاعة، و مع ذلك يكونون في نهاية الخوف، فالحق سبحانه يعطيهم التواب العظيم على طاعاتهم، و یزیدهم الفضل الذي الاحد له في مقابلة خوفهم. ( 6:24)
نحوه الخازن. (67:5)
البروسوي: تقرير للزيادة، و تنبيه على كمال القدرة، و نفاذ المشيئة و سعة الإحسان.
و الرزق: العطاء الجاري، و الحساب: استعمال العدد، أي يفيض و يعطي من يشاء ثوابا، لا يدخل تحت حساب الخلق. (160:6)
الآلوسي: فإنه تذييل مقرر للزيادة، و وعد کریم، بانه تعالى يعطيهم غير أجزية أعمالهم من الخيرات، ما لا يفي به الحساب، و الموصول عبارة عمن ذكرت صفاتهم الجميلة، كأنه قيل: و الله يرزقهم بغير حساب، و وضعه موضع ضميرهم للتنبيه بما في حيز الصلة، على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى، لا أعمالهم المحكية، كما أنها المناط لما سبق من الهداية لنوره عز وجل، و للإيذان بانهم ممن شاء الله تعالى أن يرزقهم، كما أنهم ممن شاء سبحانه أن يهديهم لنوره، حسبما يعرب عنه ما فصل من أعمالهم الحسنة، فإن جميعها من آثار تلك الهداية. (179:18)
المراغي: أي أنه تعالى يعطيهم غير أجزية أعمالهم من الخيرات، ما لا يفي به الحساب، فهم لما اجتهدوا في الطاعة، وخافوا ربهم أشد الخوف، جازاهم بالثواب العظيم على طاعتهم، و زاده الفضل الذي لاغاية له لخوفهم من قهره، و شدید عذابه. (111:18)
الطباطبائي: و الرزق من الله موهبة محضة من غير أن يملك المرزوقون منه شيئا، أو يستحقوه عليه تعالى، فله تعالى أن يخص منه ما يشاء لمن يشاء.
غير أنه تعالى وعدهم الرزق، و أقسم على إنجازه في قوله:«فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ » الذاريات : 23، فملكهم الاستحقاق لأصله، و هو الذي يجزيهم به على قدر أعمالهم. و أما الزائد عليه فلم يملكهم ذلك، فله أن يختص به من يشاء، فلایعلل ذلك إلا بمشيئة. (130:15)
فضل الله: و ذلك في ما تكفل لهم من رزقه في مواقع رحمته، التي لاتضيق بشيء، و لايضيق عنها شيء، بل تتسع لكل ما في الحياة من مجالات العطاء، فهو الكريم الذي لا حد لكرمه، وهو الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء. (329:16)
4- اللَّهُ لَطِیفٌ بِعِبَادِهِ یَرْزُقُ مَنْ یَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِیُّ الْعَزِیزُ »الشوری : 19
الطبرسي: أي يوسع الرزق على من يشاء، يقال: فلان مرزوق، إذا وصف بسعة الرزق. و قيل: معناه: يرزق من يشاء في خفض و دعة، و من يشاء في کد و مشقة و متعبة. و كل من رزقه الله من ذي روح، فهو ممن شاء الله أن يرزقه. (27:5)
الفخر الرازي: يعني أن أصل الإحسان و البر عام في حق كل العباد؛ و ذلك هو الإحسان بالحياة
والعقل والفهم، و إعطاء ما لابد منه من الرزق، و دفع أكثر الآفات و البليات عنهم. فأما مراتب العطية والبهجة فمتفاوتة مختلفة. ( 160:27)
البيضاوي: أي يرزقه لمن يشاء، فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته. (2: 356)
النيسابوري: يعني الزائد على مقدار الضرورة، فلكم من إنسان فاق أقرانه في المال أو الجاه أو الأولاد، أو في العلم أو في سائر أسباب المزية، إلا أن أحدا منهم لايخلو من بره الذي يتعيش به، كقوله: « أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» طه : 50.(25:25)
الخازن: يعني أن الإحسان و البرز إنعام في حق كل العباد، و هو إعطاء ما لابد منه، فكل من رزقه الله تعالى من مؤمن و کافر و ذي روح، فهو ممن يشاء الله أن يرزقه.
وقيل: لطفه في الرزق من وجهين:
أحدهما: أنه جعل رزقکم من الطيبات.
والثاني: أنه لم يدفعه إليكم مرة واحدة.(100:6).
ابن عاشور: الرزق: إعطاء ماينفع. و هو عندنا لايختص بالحلال، و عند المعتزلة يختص به، و الخلاف اصطلاحي.
والظاهر: أن المراد هنا رزق الدنيا، لأن الكلام توطئة لقوله: «مَنْ کانَ یُرِیدُ حَرْثَ الْآخِرَهِ» - . شوری : 20 .
و المشيئة: مشيئة تقدير الرزق لكل أحد من العباد، ليكون عموم اللطف للعباد باقيا، فلایکون قوله: «من يشاء »في معنى التكرير؛ إذ يصير هكذا: يرزق من يشاء من عباده الملطوف بجميعهم، وما الرزق إلا من اللطف، فيصير بعض المعنى المفاد، فلاجرم تعين أن المشيئة هنا مصروفة لمشيئة تقدير الرزق بمقادیره. (137:25)
مغنية: و معنى الرزاق: أن الله يهب الإنسان القوة و جميع الطاقات التي تؤهله للعمل من أجل الرزق، و يرشده إلى طريقه و سبيله بالإضافة إلى أن ما في الأرض و السماء من الخيرات، هو من صنعه تعالى و فضله. (519:6)
الطباطبائي: وقد رتب الرزق في الآية على کونه تعالى لطيفا بعباده قویا عزیزا، دلالة على أنه تعالى بلطفه لا يغيب عنه أحد ممن يشاء أن يرزق ولا يعصيه، وبقوته عليه لا يعجز عنه، و بعزته لايمنعه مانع عنه.
والمراد بالرزق: ما يعم موهبة الدين الذي يتلبس بها من يشاء من عباده، على ما يشهد به الآية التالية و لذا ألحق القول فيه بقوله: «اللَّهُ الَّذِی أَنْزَلَ الْکِتابَ بِالْحَقِّ وَ الْمِیزانَ » (40:18)
عبدالكريم الخطيب: و قوله تعالى: «يرزق من يشاء »إشارة إلى أن هذا الرزق الذي يسوقه الله سبحانه من لطفه و رحمته، هو رزق الإيمان والهدى، ففي هذا الرزق تزكية النفوس و طهارتها بالإيمان، و تقبلها للهدى، و اتصالها بالملإ الأعلى، و استعدادها لدخول هذا الملإ في جنات النعيم. ( 40:13)
مکارم الشيرازي: تطرح الآية أحد مظاهرلطفه العام، و هو الرزق، فتقول: «يرزق من يشاء »
و هذا لا يعني أن هناك جماعة محرومون من رزقه، بل المقصود البسط في الرزق لمن يشاء، كما جاء في الآية 26 من سورة الرعد: «اللّهُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ ». و جاء في آية لاحقة من هذه السورة: « وَ لَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ »الشوری : 27، و واضح أن «الرزق » هنا يشمل الرزق المعنوي و المادي، و الجسماني و الروحاني، فعند ما يكون هو مصدر اللطف و الرزق، فلماذا تتوجهون نحو الأصنام التي لا ترزق و لا تتلطف، ولاتحل مشاكلكم؟ (461:15)
يرزقها
«وَ کَأَیِّنْ مِنْ دَابَّهٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللّهُ یَرْزُقُها وَ إِیّاکُمْ وَ هُوَ اَلسَّمِیعُ اَلْعَلِیمُ» العنكبوت: 60
الحسن: «لا تحمل رزقها»: لا تدخره، إنما صبح فيرزقها الله.(211:2)
الزمخشري: أي لايرزق تلك الدواب الضعاف إلا الله، و لايرزقكم أيضا أيها الأقوياء إلاهو- و إن کنتم مطيقين لحمل أرزاقكم و کسبها - لأنه لو لم يقدرکم و لم يقدر لكم أسباب الكسب، لكنتم أعجز من الدواب التي لاتحمل.
وعن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإنسان والنملة و الفأرة. (211:3)
الفخر الرازي:«اَللّهُ یَرْزُقُها وَ إِیّاکُمْ » بطریق القياس، أي لا شك في أن رزقها ليس إلا بالله، فكذلك يرزقكم فتوكلوا.
فإن قال قائل: من قال: بأن الله يرزق الدواب بل النبات في الصحراء مسبب و الحيوان يسعى إليه و يرعی؟
فنقول: الدليل عليه من ثلاثة أوجه: نظرا إلى الرزق، و إلى المرتزق، و إلى مجموع الرزق و المرتزق.
أما بالنظر إلى الرزق، فلأن الله تعالى لو لم يخلق النبات لم يكن للحيوان رزق.
و أما بالنظر إلى المرتزق، فلأن الاغتذاء ليس بمجرد الابتلاع بل لا بد من تشبثه بالأعضاء حتى يصير الحشيش عظما و لحما و شحما، وما ذاك إلا بحكمة الله تعالى؛ حيث خلق فيه جاذبة و ماسكة و هاضمة و دافعة و غيرها من القوى، و بمحض قدرة الله و إرادته فهو الذي يرزقها.
و أما بالنظر إلى المرتزق والرزق، فلأن الله لو لم يهد الحيوان إلى الغذاء ليعرفه من الشم ماکان يحصل له اغتذاء؛ ألا ترى أن من الحيوان مالايعرف نوعا من أنواع الغذاء حتی وضع في فمه بالشدة، لیذوق فيأكله بعد ذلك، فإن كثيرا ما يكون البعير لا يعرف الخمير و لاالشعير حتى يلقم مرتين أو ثلاث، فيعرفه فيأكله بعد ذلك.
فإن قال قائل: كيف يصح قياس الإنسان على الحيوان فيما یوجب التوكل، و الحيوان رزقه لا يتعرض له إذا أكل منه اليوم شيئا و ترك بقية يجدها غدا، ما مد إليه أحد يدا، و الإنسان إن لم يأخذ اليوم الايبقى له غدا شيء؟
وأيضا حاجات الإنسان كثيرة، فإنه يحتاج إلى أجناس اللباس و أنواع الأطعمة، ولاكذلك الحيوان،
و أيضا قوت الحيوان مهيأ و قوت الإنسان يحتاج إلى كلف کالزرع و الحصاد و الطحن و الخبز، فلو لم يجمعه قبل الحاجة ما كان يجده وقت الحاجة.
فنقول: نحن لا نقول: إن الجمع يقدح في التوكل، بل قد يكون الزارع الحاصد متوکلا و الراكع الساجد غير متوكل، لأن من يزرع یکون اعتماده على الله، و اعتقاده في الله، أنه إن كان يريد يرزق من غیر زرع، و إن كان يريد لا يرزق من ذلك الزرع، فيعمل و قلبه مع الله، هو متوکل حق التوكل، و من يصلي و قلبه مع ما في يد زيد و عمرو هو غير متوكل.
وأما قوله: حاجات الإنسان كثيرة، فنقول: مکاسبه كثيرة أيضا، فإنه يكتسب بيده کالخياط والنساج، و برجله کالساعي وغيره، و بعينه کالناطور، و بلسانه کالحادي و المنادي، و بفهمه کالمهندس و التاجر، و بعلمه الطبيب و الفقيه، و بقوة جسمه کالعتال و الحمال، و الحيوان لامکاسب له، فالرغيف الذي يحتاج إليه الإنسان غدا أو بعد غد، بعيد أن لايرزقه الله مع هذه المكاسب، فهو أولى بالتوكل.
و أيضا الله تعالى خلق الإنسان بحيث يأتيه الرزق و أسبابه، فإن الله ملك الإنسان عمائر الدنيا، و جعلها بحيث تدخل في ملکه شاء أم أبي، حتى أن نتاج الأنعام و ثمار الأشجار تدخل في الملك و إن لم يرده مالك النعم والشجر، و إذا مات قرن ينتقل ذلك إلى قرن آخر قهرا شاؤوا أم أبوا، و ليس كذلك حال الحيوان أصلا، فإن الحيوان إن لم يأت الرزق لا يأتيه رزقه، فإذن الإنسان لو توكل كان أقرب إلى العقل من توكل الحيوان. (87:25)
البروسوي: والرزق لغة: ما ينتفع به، و اصطلاحا، اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله. [إلى أن قال:]
والمعنى: و كثير من دابة ذات حاجة إلى الغذاء لا تطيق حمل رزقها لضعفها، أو لا تدخره، و إنما تصبح ولا معيشة عندها «الله يرزقها » يعطي رزقها يوما فيوما حيث توجهت. (488:6)
الآلوسی: لماروي أن النبي صلی الله علیه و آله أمر المؤمنين الذين كانوا بمكة المهاجرة إلى المدينة، قالوا: كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة؟ فنزلت، أي و كم من دابة لاتطيق حمل رزقها لضعفها، أو لا تدخره، و إنما تصبح ولا معيشة عندها.
عن ابن عيينة: ليس شيء يخبأ إلا الإنسان و النملة و الفأرة. وعن ابن عباس لا يدخر إلا الآدمي و النملة و الفأرة و العقعق، و يقال: للعقعق مخابي إلا أنه ينساها. و عن بعضهم: رأيت البلبل يحتكر في حضنه، و الظاهر عدم صحته. و ذكر لي بعضهم: أن أغلب الكوامن من الطير يدخر، و الله تعالى أعلم بصحته.
«اَللّهُ یَرْزُقُها وَ إِیّاکُمْ» ثم إنها مع ضعفها و تو كلها، و إياكم مع قوتکم و اجتهادكم،سواء في أنه لايرزقها و إياكم إلا الله تعالى، لأن رزق الكل بأسباب هو عز و جل المسبب لها وحده، فلا تخافوا على معاشكم بالمهاجرة. ولما كان المراد إزالة مافي
أوهامهم من الهجرة على أبلغ وجه، قيل: «يرزقها و ایاکم»دون يرزقكم و إياها. (11:21)
ابن عاشور: و قوله: «وَکَأَیِّنْ مِنْ دَابَّهٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا » خبر غير مقصود منه إفادة الحكم، بل هو مستعمل مجازا مرکبا في لازم معناه، و هو الاستدلال على ضمان رزق المتوكلين من المؤمنين، و تمثيله للتقريب بضمان رزق الدواب الكثيرة التي تسير في الأرض لا تحمل رزقها، وهي السوائم الوحشية. و القرينة على هذا الاستعمال هو قوله: «اللهُ یَرْزُقُها وَإِیَّاکُمْ» الذي هو استئناف بياني لبيان وجه سوق قوله: «وَکَأَیِّنْ مِنْ دَابَّهٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا »و لذلك عطف «وایاکم» على ضمير « دابه». و المقصود: التمثيل في التيسير، و الإلهام للأسباب الموصلة و إن كانت وسائل الرزق مختلفة.[ إلى أن قال: ]
و تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله: «الله يرزقها »دون أن يقول: يرزقها الله، ليفيد بالتقديم معنى الاختصاص، أي الله يرزقها لاغيره، فلماذا تعبدون أصناما ليس بيدها رزق؟. ( 197:20)
مغنية: إن كثيرا من الناس يؤمنون نظریا بالله، و أن أرزاق الخلائق بیده وحده، و أن خزائنه لانفاد لها و لانهاية، و أنه كريم لايخيب من توكل عليه و وثق به، يؤمن بهذا نظرا، و لكنه يكفر بالله عملیا، و يثق بالمخلوق دون الخالق، و يتقرب إليه بما فيه ذهاب دینه و ضميره، طامعا بما في يده من جاه و مال، و يبتعد عن الله يائسا منه و من جوده و خزائنه.
و هذه الآية تقريع و تهدید هذا المؤمن الكافر، إن
الله سبحانه هو خالق الكون بما فيه، و أسباب الرزق بشتى أنواعها تنتهي إليه، وهي مهيأة لكل طالب و راغب إذا سعى لها سعيها، و إن تعذر منها سبب تهيأ للراغب ما هو خير و أجدى من حيث لا يحتسب بشهادة الحس و العيان، بل إن كثيرا من الكائنات الحية لاتعمل للرزق و لاتحمله، و مع هذا يأتيها رغدا عند حاجتها إليه. و في هذا عظة للخائنين العملاء، و لكل من باع دينه للشيطان، و اتخذ من معصية الله ذريعة للرزق و لقمة العيش، و حاشا لله أن ينهي عن شيء و يحصر سبب الرزق فيه، کیف و دینه دین الحياة!
قال الإمام عليه السلام : « إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه، و ما أحل لكم أكثر مما حرم عليكم، فذروا ما قل لما كثر، وماضاق لما اتسع» وقال: « إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لخلقان من خلق الله، و إنهما لا يقربان من أجل، و لا ينقصان من رزق » (123:6)
الطباطبائي: و في الآية تطييب لنفس المؤمنين و تقوية لقلوبهم، أنهم لو هاجروا في الله أتاهم رزقهم أينما كانوا ولايموتون جوعا، فرازقهم ربهم دون أوطانهم. يقول: و كثير من الدواب لا رزق مدخر لها، يرزقها الله و يرزقكم معاشر الآدميين الذين يدخرون الأرزاق، و هو السميع العليم. ( 145:16)
عبد الكريم الخطيب: هو تطمين لقلوب المسلمين المدعوين إلى الهجرة، و الذين استجابوالها وأعدوا العدة لإمضائها، أو للذين هم قد هاجروا
فعلا، و انقطعت موارد رزقهم التي كانت في أيديهم، بين أهلهم و في ديارهم. و إنه لن يأسي المسلمون على ما ترکوا وراءهم من مال و متاع، و لن يهتموا كثيرا الأمر المعاش، و لن يشغلوا به. فالله سبحانه الذي يرزق الدواب في القفار، و الطيور في السماء، هو الذي يتكفل بأرزاق الناس، و أن سعيهم في وجوه الأرض، وما يبذلون من حول و حيلة، إنما هو أسباب موصلة إلى ما قدر الله لهم من رزق. و لن ينال أحد مهماجد و سعی، غیر ما هو مقدور له.
وقوله تعالى: «وَکَأَیِّنْ مِنْ دَابَّهٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا » إشارة إلى أن كثيرا من الدواب لاتستطيعأن تحمل رزقها، أي تحصله بنفسها، و تصل إليه بسعيها. و أقرب مثل هذا مواليد الحيوان؛ حيث سخر الله لها الأمهات والآباء، لتعمل على إطعامها، بل و تزقه في فمها، و تلقيه في جوفها. و إذا بدا لنا أن بعض الدواب کالأسود و الذئاب و نحوها قادرة على انتزاع غذائها من الحياة، فإن ذلك لا يعدو في حقيقته أن یکون رضاعة من ثدي الطبيعة التي خلقها الله على هذا النظام البديع المعجز، الذي يجد فيه كل كائن رزقه الذي يحفظ عليه وجوده. و كذلك الناس بين أقوياء و ضعفاء، و بين ذوي حيلة و من لا حيلة لهم، كلهم جميعا يرزقون من فضل الله، و يحصلون على ماقدر لكل منهم من رزق. و هذا ما يشير إليه قوله تعالى: «اللّهُ يَرْزُقُها وَ إِيّاكُمْ»، أي فكما ترزق هذه الدواب التي لا حيلة لها في تحصيل قوتها، كذلك ترزقون أنتم أيها المهاجرون، و قد بدا لكم أنه قد انقطعت عنكم أسباب معيشتكم، و الله سبحانه و تعالى يقول: «وَمَا مِن دَابَّهٍ فِی الْأَرْضِ إِلاَ عَلَی اللَّهِ رِزْقُهَا وَیَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا کُلٌّ فِی کِتَابٍ مُبِینٍ»هود :6.(461:11) مکارم الشيرازي: الرازق هو الله، لا لكم فحسب بل«وَکَأَیِّنْ مِنْ دَابَّهٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ یَرْزُقُهَا وَإِیَّاکُمْ»قليل من الدواب والحيوانات و الحشرات و كذلك الإنسان يأتي برزقه من الصحراء والشجر إلى وكره و مسکنه، کالنحل التي تنتج العسل و النمل، و غالبا ما تسعى ليومها »، أي كل يوم عليها أن تمضي لرزقها و تبحث عنه من جديد و هكذا، فإن ملايين الملايين من الحيوانات التي من حولنا، في النقاط القريبة و البعيدة، و في الصحاري و أعماق البحار و أعالي الجبال و الأماكن الأخرى، كلها تقتات من مائدة الله السرمدية.
وأنت أيها الإنسان أقوى من تلك الحيوانات و أذكى في جلب الرزق، فلم كل هذا الخوف من انقطاع الرزق؟! و لم الركون إلى حياة الذل و الاستكانة و الفجور؟! و لم تظل سادرا تحت وطأة الظلم والقهر والهوان و الذل؟! أخرج أنت أيضا من داخل هذه الدائرة المظلمة، و اجلس على مائدة خالقك الواسعة، و لا تفكر في الرزق.
فأنت يوم كنت جنيئا محبوسا في بطن أمك، و لا تصل إليك أية يد حتى من أبيك و أتك الرؤوم، لم ينسك الله الذي خلقك، و هيأ لك ما كنت تحتاج إليه بكل دقة، فكيف و أنت اليوم كائن قوي و رشید؟! (404:12)
فضل الله: أي أن كثيرا من الدواب التي تتحرك في الأرض لا تحمل رزقها و لاتدخره، لأنها قد لاتملك من وسائله الكثير، و لكنها لا تموت من خلال ذلك، لأن مسألة الرزق لا تخضع دائما للقدرات الذاتية و الأسباب العادية، بل تخضع لتقدير الله و تخطيطه في توزيع الرزق على الناس، من خلال ما يخلقه من أسباب طبيعية و غير طبيعية، مما ينسجم مع الحكمة الإلهية في تدبير الكون كله.
و هكذا تفرض القضية الإيمانية القائمة على أساس السنة الإلهية، «اللَّهُ یَرْزُقُهَا وَإِیَّاکُمْ» في ما یهيئه لكم من وسائل الادخار، و من أسباب الحصول على الرزق، أو في ما يرزقكم من ذلك من حيث لايحتسب. (77:18)
يرزقكم
1- «قُلْ مَن یَرْزُقُکُم مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن یَمْلِکُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ...» يونس : 31
الطوسي: أمر الله تعالى نبيهصلی الله علیه و آله أن يقول لهؤلاء الکفار و غيرهم من خلقه: « مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ »بإنزال المطر و الغيث، و من الأرض بإخراج النبات و أنواع الثمار.
والرزق: العطاء الجاري، يقال: رزق السلطان الجند، إلا أن كل رزق فالله رازق به، لأنه لو لم يطلقه على يد الإنسان لم يجئ منه شيء. و الواحد منا يرزق غيره إلا أنه لايطلق اسم رازق إلا على الله، كما الايقال: «رب» بالإطلاق إلا في الله، و في غيره يقيد، فيقال: رب الدار و رب الفرس. و يطلق فيه، لأنه يملك الجميع غير مملك. و كذلك هو تعالی رازق الجميع غير مرزوق، و لا يجوز أن يخلق الله حيوانا یرید تبقيته إلا ويرزقه، لأنه إذا أراد بقاءه فلابد له من الغذاء. فإن لم يرد تبقيته كالذي يولد ميتا، فإنه لا رزق له في الدنيا.(426:5)
القشيري: كما توحد الحق سبحانه بكونه خالقا، تفرد بكونه رازقا، و كما لاخالق سواه فلا رازق سواه.
ثم الرزق على أقسام: فللأشباح رزق: و هو لقوم توفيق الطاعات، ولآخرين خذلان الزلات. وللأرواح رزق: و هو لقوم حقائق الوصلة والآخرين في الدنيا الغفلة و في الآخرة العذاب والمهلة. (93:3)
الواحدي: يريد من ينزل القطر من السماء، و يخرج النبات من الأرض. (2: 546)
الزمخشري: أي يرزقكم منهما جميعا، لم يقتصر برزقكم على جهة واحدة ليفيض علیکم نعمته، و يوسع رحمته. [ ثم أدام نحو الطوسي]
(2: 235)
الطبرسي : أي من يخلق لكم الأرزاق «من السماء » بإنزال المطر و الغيث، و من «الأرض »بإخراج النبات و أنواع الثمار. [ثم آدام نحو الطوسي]
(107:3)
الفخر الرازي: ما ذكره في هذه الآية وهو أحوال الرزق، و أحوال الحواس، و أحوال الموت والحياة. أما الرزق فإنه إنمايحصل من السماء
والأرض، أما من الماء فبنزول الأمطار الموافقة و أما من الأرض، فلأن الغذاء: إما أن يكون نبائا أو حیوانا. أما النبات فلاينبت إلا من الأرض، و أما الحيوان فهو محتاج أيضا إلى الغذاء، و لا يمكن أن يكون غذاء كل حيوان حیوائا آخر، وإلا لزم الذهاب إلى ما لانهاية له، و ذلك محال.
فثبت أن أغذية الحيوانات يجب انتهاؤها إلى النبات، و ثبت أن تولد النبات من الأرض، فلزم القطع بأن الأرزاق لا تحصل إلا من السماء والأرض، و معلوم أن مدبر السماوات و الأرضين ليس إلا الله سبحانه و تعالى، فثبت أن الرزق ليس إلا من الله تعالى. (86:17)
نحوه أبو حیان ( 153:5 )، و الشربيني (17:2 ).
البيضاوي: أي منهما جميعا، فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية و مواد أرضية، أو من كل واحد منهما توسعة عليكم.
و قيل: «من» لبيان (من) على حذف المضاف، أي من أهل السماء والأرض. (1: 446)
نحوه الآلوسي. (110:11)
النيسابوري: أي من ينزل من سماء النفس مطر الهواجس، و يخرج من أرض النفس نبات الأفعال والأعمال، وينزل من سماء القلب مطر أثار فیض الروح، و يخرج من أرض النفس نبات الصفات البشرية و الحيوانية. أو ينزل من سماء الروح مطر فیض الروح، و يخرج من أرض القلب نبات الأوصاف الحميدة، أو ينزل من سماء القدرة مطر تجلي الصفات و الفيض الرباني، و يخرج من أرض الروح المحبة والأخلاق الإلهية، أو ينزل من سماء الذات مطر تجلي الصفات، و يخرج من أرض الوجود نبات الفناء في الله، و ثمرات البقاء بالله. (84:11)
مغنية: كل سبب من أسباب الرزق قريبا كان أو بعيدا، لابد أن يكون سماويا أو أرضیا. فمن الأسباب السماوية المطر والضياء و غيرهما، مما اكتشفه العلماء أو يكتشفونه في المستقبل القريب أو البعيد، و من الأسباب الأرضية النبات و الحيوان و المعادن. وجميع الأسباب ترجع إلى الله وحده بواسطة السنن والنواميس الكونية، لأنه تعالى هو خالق الكون.
و المشركون يعترفون بهذه الحقيقة، و يقرون بأن الله هو الخالق الرازق. و هنا يأتي السؤال، و يرد عليهم هذا الإشكال: ما دمتم تعتقدون أيها المشركون أن الله هو الخالق الرازق، فكيف تجعلون له شر کاء؟ و كيف يكون الشيء شریکا، مع العلم بأنه لا أثر له على الإطلاق؟ (154:4)
الطباطبائي: الرزق: هو العطاء الجاري، و رزقه تعالى للعالم الإنساني من السماء هو نزول الأمطار و الثلوج و نحوه، و من الأرض هو بإنباتها نباتها و تربيتها الحيوان، و منهما يرتزق الإنسان، و ببركة هذه النعم الإلهية يبقى النوع الإنساني، والمراد بملك السمع والأبصار: کونه تعالى متصرفا في الحواس الإنسانية التي بها ينتظم له أنواع التمتع من الأرزاق المختلفة التي أذن الله تعالى أن يتمتع بها، فإنما هو یشخص و يميز ما يريده مما لا يريده، بإعمال السمع
و البصر و اللمس و الذوق والشم، فيتحرك نحو ما یریده، و يتوقف أو يفر مما يكرهه بها، فالحواس هي التي تتم بها فائدة الرزق الإلهي. ( 51:10)
مکارم الشيرازي: إن الرزق يعني العطاء و البذل المستمر، و لما كان الواهب لكل المواهب في الحقيقة هو الله سبحانه، فإن «الرازق » و «الرزاق » بمعناها الحقيقي لا يستعملان إلا فيه فقط، و إذا استعملت هذه الكلمة في حق غيره، فلاشك أنها من باب المجاز، کالآية: 233 من سورة البقرة التي تقول في شأن النساء المرضعات: « وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ».
وينبغي أيضا أن تذكر بهذه النقطة، و هي أن أكثر أرزاق الإنسان من السماء، فالمطر المحيي للنبات من السماء، الذي تحتاج إليه كل الكائنات الحية مستقر في فضاء الأرض، والأهم من ذلك كله أشعة الشمس التي لا يبقى بدونها أي كائن حي، ولا تنبعث بدونها أية حركة في أنحاء الكرة الأرضية، فإنها تأتي من السماء، و حتى الحيوانات التي تعيش في أعماق البحار، فإنها حية بنور الشمس، لأنا نعلم أن غذاء الكثير منها أعشاب صغيرة جدا، تنمو في طيات الأمواج على سطح المحيط، مقابل أشعة الشمس. و القسم الآخر من هذه الحيوانات تتغذى على لحوم الحيوانات البحرية الأخرى التي تتغذى على تلك النباتات.
والأرض وحدها هي التي تغذي جذور النباتات بواسطة مواتها الغذائية، و ربما كان هذا هو السبب في أن تتحدث الآية أولا عن أرزاق السماء، ثم عن أرزاق الأرض، حسب تفاوت درجة الأهمية.(320:6)
2- «قُلْ مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ الله ... » سبأ : 26
ابن عباس: « مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ » بالمطر «وَالأرْضِ» ، بالنبات « فإن أجابوك وقالوا: الله، و إلا «قل الله» يرزقكم. (361)
نحوه الكلبي (الماوردي 449:4)، و البغوي (680:3).
الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلی الله علیه و آله : قل یا محمد لهؤلاء المشركين بربهم الأوثان و الأصنام: من يرزقكم من السماوات و الأرض بإنزاله الغيث عليكم منها حياة لحروثكم، و صلاها لمعايشكم، و تسخيره الشمس و القمر والنجوم لمنافعكم، و منافع أقواتكم و الأرض بإخراجه منها أقواتكم و أقوات أنعامكم؟ و ترك الخبر عن جواب القوم استغناء بدلالة الكلام عليه، ثم ذكره، و هو: فإن قالوا: لاندري، فقل: الذي يرزقكم ذلك الله. (375:10)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: [ما قاله الكلبي ]
الثاني: أن رزق السماوات ماقضاه من أرزاق عباده، و رزق الأرض ما مكنهم فيه من مباح. (449:4)
الواحدي: «مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ» :
الرزق و المطر، و من «الأرض» : النبات و الثمر، و إنما أمر بهذا السؤال احتجاجا عليهم بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة لاغيره؛ و ذلك أنه إذا استفهمهم عن الرازق لم يمكنهم أن يثبتوا رازقا غير الله، و هذا أمر النبي صلی الله علیه و آله بالجواب فقال: «قل الله ». (494:3)
الزمخشري: أمره بأن يتولى الإجابة و الإقرار عنهم بقوله: يرزقكم الله ؛ و ذلك للإشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به، لأن الذي تمكن في صدورهم من العناد و حب الشرك، قد ألجم أفواههم عن النطق بالحق مع علمهم بصحته، و لأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم، لزمهم أن يقال لهم : فما لكم لا تعبدون من يرزقكم و تؤثرن عليه من لا يقدر على الرزق؟ ألا ترى إلى قوله: « قُلْ مَن یَرْزُقُکُم مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن یَمْلِکُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ » حتى قال: «فسيقولون الله» يونس : 31 . (288:3)
نحوه النسفي (3: 324)، و الشربيني (297:3).
ابن عطية: أمر الله تعالى نبيه على جهة الاحتجاج و إقامة الدليل، على أن الرزاق لهم من السماوات و الأرض من هو؟ ثم أمره أن يقتضب الاحتجاج بأن يأتي جواب السؤال؛ إذهم في بهتة و وجمة من السؤال، و إذ لاجواب لهم ولا لمفطور إلا بأن يقول: هو الله. و هذه السبيل في كل سؤال جوابه في غاية الوضوح، لأن المحتج يريد أن يقتضب و يتجاوز إلى حجة أخرى يوردها، و نظائر هذا في القرآن كثير. (419:4)
الفخر الرازي: «قُلْ مَن یَرْزُقُکُم مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ »، إشارة إلى أن جر النفع ليس إلا به و منه، فإذا إن کنتم من الخواص فاعبدوه لعلوه و كبريائه، سواء دفع عنكم ضرا أو لم يدفع، و سواء نفعكم بخير أو لم ينفع، فإن لم تكونوا كذلك، فاعبدوه لدفع الضر و جر النفع.(256:25)
القرطبي: أي من يخلق لكم هذه الأرزاق الكائنة من السماوات، أي عن المطر والشمس و القمر و النجوم وما فيها من المنافع، «والأرض»، أي الخارجة من الأرض عن الماء و النبات، أي لايمكنهم أن يقولوا: هذا فعل آلهتنا، فيقولون: لاندري، فقل: إن الله يفعل ذلك الذي يعلم ما في نفوسكم، وإن قالوا: إن الله يرزقنا، فقد تقررت الحجة بأنه الذي ينبغي أن يعبد. (298:14)
ابن كثير: يقول تعالى مقررا تفرده بالخلق والرزق، و انفراده بالإلهية أيضا: فكما كانوا يعترفون بأنهم لايرزقهم من السماء والأرض، أي ما ينزل من المطر و ينبت من الزرع إلا الله، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. (552:5)
أبو السعود: أمر بتبكيت المشركين بحملهم على الإقرار، بأن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة فيهما، وأن الرازق هو الله تعالى، فإنهم لا ينكرونه، كما ينطق به قوله تعالى: «قُلْ مَن یَرْزُقُکُم مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ». [إلى أن قال:]
«فَسَیَقُولُونَ اللّهُ» يونس : 31؛ و حيث كانوا يتلعثمون أحيانا في الجواب مخافة الإلزام، قيل له:
«قل الله »، إذ لاجواب سواه عندهم أيضا. (259:5)
نحوه الآلوسي . (140:22)
البوسوي: [نحو أبي السعود و أضاف:]
اعلم أن الرزق قسمان: ظاهر، و هو الأقوات و الأطعمة المتعلقة بالأبدان، و باطن، وهو المعارف و المكاشفات المتعلقة بالأرواح، وهذا أشرف القسمين، فإن ثمرته حياة الأبد، و ثمرة الرزق الظاهر قوة إلى مدة قريبة الأمد، و الله تعالى هو المتولي الخلق الرزقين و المتفضل بالإيصال إلى كلا الفريقين، و لكنه يبسط الرزق لمن يشاء و يقدر. (291:7)
الشوكاني: أي من ينعم عليكم بهذه الأرزاق التي تتمتعون بها، فإن الهتكم لايملكون مثقال ذرة، والرزق من السماء: هو المطر و ما ينتفع به، منها: من الشمس و القمر، و النجوم، و الرزق من الأرض: هو الثبات، و المعادن، و نحو ذلك؟ ولما كان الكفار لايقدرون على جواب هذا الاستفهام، و لم تقبل عقولهم نسبة هذا الرزق إلى آلهتهم، و ربما يتوقفون في نسبته إلى الله مخافة أن تقوم عليهم الحجة، فأمر الله رسوله بأن يجيب عن ذلك، فقال: «قل الله» ، أي هو الذي يرزقكم من السماوات و الأرض. (407:4)
المراغي: أي قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين بربهم الأوثان و الأصنام: من يرزقكم من السماوات بإنزال الغيث علیکم، حياة لحروثكم، وصلاحا لمعايشكم، و تسخير الشمس والقمر والنجوم لمنافعكم، و من الأرض بإخراج أقواتكم و أقوات أنعامكم؟ [ثم أدام نحو الزمخشري]
(80:22)
سید قطب: و الرزق مسألة واقعة في حياتهم: رزق السماء من مطر و حرارة وضوء و نور، ذلك فيما كان يعرفه المخاطبون و وراءه كثير من الأصناف و الألوان تتكشف آنا بعد آن، و رزق الأرض من نبات و حیوان و عيون ماء و زيوت و معادن و کنوز و غيرها، مما يعرفه القدامى، و يتكشف غيره على مدار الزمان. (2904:5)
ابن عاشور: انتقال من دمغ المشركين بضعف آلهتهم و انتفاء جدواها عليهم في الدنيا و الآخرة، إلى إلزامهم بطلان عبادتها بأنها لا تستحق العبادة، لأن مستحق العبادة هو الذي يرزق عباده، فإن العبادة شکر، و لا يستحق الشكر إلا المنعم. وهذا احتجاج بالدليل النظري، لأن الاعتراف بأن الله هو الرزاق يستلزم انفراده بالهيته؛ إذ لايجوز أن ينفرد ببعض صفات الإلهية و يشارك في بعض آخر، فإن الإلهية حقيقة لا تقبل التجزئة والتبعيض.
وأعيد الأمر بالقول لزيادة الاهتمام بالمقول، فإن أصل الأمر بالقول في مقام التصدي للتبليغ دال على الاهتمام، و إعادة ذلك الأمر زيادة في الاهتمام. (57:22)
الطباطبائي: احتجاج آخر على المشركين من جهة الرزق الذي هو الملاك العمدة في اتخاذهم الآلهة، فإنهم يتعللون في عبادتهم الآلهة بأنها ترضيهم، فيوسعون لهم في رزقهم، فيسعدون بذلك.
فأمر النبی صلی الله علیه و آله به أن يسألهم: من يرزقهم من السماوات و الأرض ؟ و الجواب عنه: أنه الله سبحانه،
لأن الرزق خلق في نفسه ولاخالق حتى عند المشركين إلا الله عز اسمه، لكنهم يستنكفون عن الاعتراف به بألسنتهم و إن أذعنت به قلوبهم، و لذلك أمر أن ينوبهم في الجواب فقال:«قل الله ».(16: 374)
3 - « أمَّنْ هَذَا الَّذِی یَرْزُقُکُمْ إنْ أمْسَکَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِی عُتُوٍّ وَنُفُور»الملك : 21
ابن عباس : من السماء بالمطر، و الأرض بالنبات. (479)
الطبري: أم من هذا الذي يطعمكم و يسقيكم، و يأتي بأقواتكم، إن أمسك بكم رزقه الذي يرزقه عنكم؟. (170:12)
الميبدي: يطعمكم ويسقيكم و يعطيكم منافع الدنيا، «إنْ أمْسَکَ رِزْقَهُ»، يعني إن أمسك الله المطر أو أمسك جميع أسباب الرزق. و قيل : معناه: من الذي يوسع علیکم نعمكم، إن ضيق عليكم، فيعاقبكم بالجدب و القحط؟. (176:10)
الواحدي : من الذي يرزقكم بالمطر إن أمسکه الله عنكم. (330:4)
ابن عطية: هذا أيضا توقيف على أمر لا مدخل للأصنام فيه، و الإشارة بالرزق إلى المطر، لأنه أعظم الأرزاق. (342:5)
الطبرسي: أي الذي يرزقكم إن أمسك الله الذي هو رازقكم أسباب رازقه عنكم، و هو المطر هاهنا. (328:5)
ابن الجوزي: المطر و غیره. (323:8)
نحوه القاسمي. (5887:16)
الفخر الرازي: و المعنى: من الذي يرزقكم من آلهتكم إن أمسك الله الرزق عنكم؟. وهذا أيضا مما لاينكره ذو عقل، و هو أنه تعالى لو أمسك أسباب الرزق کالمطر والنبات و غيرهما لما وجد رازق سواه.(72:30)
القرطبي: أي يعطيكم منافع الدنيا، و قيل: المطر من آلهتكم. (218:18)
البيضاوي: بإمساك المطر وسائر الأسباب المحتلة و الموصلة له إليكم. (492:2)
مثله الكاشاني. (203:05)
ابن كثير: أي من هذا الذي إذا قطع الله عنكم رزقه يرزقكم بعده؟ أي لا أحد يعطي ويمنع و يخلق و يرزق و ينصر إلا الله عز و جل وحده لاشريك له، أي و هم يعلمون ذلك و مع هذا يعبدون غيره. (7: 73).
الشربيني: أي على سبيل التجدد و الاستمرار، «إن أمسك رزقه » بإمساك الأسباب التي ينشأ عنها کالمطر، ولو كان الرزق موجودا و كثيرا و سهل التناول، فوضع الأكل في فمه، فأمسك الله تعالى عنه قوة الازدراد، عجز أهل السماوات و الأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة. وجواب الشرط محذوف دل عليه ماقبله، أي فمن يرزقكم؟ أي لا رازق لكم غيره. (346:4)
نحوه البروسوي. (93:10)
المراغي: أي بل من ذا الذي يرزقكم إن منع ربكم عنكم أسباب رزقه من الأمطار وغيرها، أو
26 وقف الهواء فلم تجر الرياح، أو جعل ماء البحر غورا؟
والخلاصة: أنه لاجند لكم ينصركم إن هو عذبكم، ولا رازق يرزقكم إن هو حرمكم أرزاقكم. (20:29)
سید قطب : و الرزق الذي تناله أيديهم أنه في حسهم قريب الأسباب، و هي بينهم تنافس و غلاب. و لكن السورة تمد أبصارهم بعيدا هنالك في السماء، و وراء الأسباب المعلومة لهم، كما يظنون «أَمَّنْ هَذَا الَّذِی یَرْزُقُکُمْ ...».(3630:6)
ابن عاشور: وهذا الكلام ناظر إلى قوله: «و كلوا من رزقه » الملك : 15، على طريقة اللف و النشر المعكوس. والرزق: ما ينتفع به الناس، ويطلق على المطر، و على الطعام، كما تقدم في قوله تعالى: «وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً » آل عمران : 37.
و ضمير «امسك» و ضمير «رزقه» عائدان إلى لفظ «الرحمن » الواقع في قوله: «من دون الرحمن » الملك : 20، و جيء بالصلة فعلا مضارعا الدلالته على التجدد، لأن الرزق يقتضي التكرار، إذ حاجة البشر إليه مستمرة. ( 40:29)
مغنية: هذا سؤال ثان منه تعالى، و معناه: إذا منع الله عنكم أسباب الرزق کالمطر، فمن الذي يرسل السماء عليكم مدرارا ؟ أ أوثانكم التي تعبدون أو جهلكم و غروركم ؟ والجواب: «بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَ نُفُورٍ». كلا، إنهم يعلمون أن الله هو الرازق، ومع هذا يعاندون الحق، و يصرون على الباطل، لأن حياتهم تقوم عليه وعلى محاربة الحق وأهله.( 381:7 )
مکارم الشيرازي: فإذا أمر الله السماء أن تمتنع عن المطر، و الأرض عن الإنبات، وأمر الآفات الزراعية بالفتك بالمحاصيل، فمن القادر غيره أن يطعمكم الطعام؟
و إذا ما قطع الله الرزق المعنوي عنكم، والوحي السماوي من الوصول إليكم، فمن القادر غيره على إرشادکم و إنقاذ كم من براثن الضلال؟ إنها لحقائق واضحة و أدلة دامغة، إلا أن العناد هو الذي يشكل حجابا للإدراك و للشعور الحق. (455:18)
ترزق
«تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ تُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ تُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ تُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ». آل عمران : 27
الربيع: يخرج الرزق من عنده بغير حساب، لايخاف أن ينقص ما عنده تبارك و تعالى. (الطبری 3: 226)
الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: أنه يعطي من يشاء من خلقه، فيجود عليه بغير محاسبة منه لمن أعطاه، لأنه لايخاف دخول انتقاص في خزائنه، ولا الفناء على مابیده. (226:3)
الفخر الرازي: ففيه وجوه:
الأول: أنه يعطي من يشاء ما يشاء، لايحاسبه على ذلك أحد؛ إذ ليس فوقه ملك يحاسبه، بل هو الملك يعطي من يشاء بغير حساب.
والثاني: ترزق من تشاء غير مقدور و لامحدود،
بل تبسطه له و توسعه عليه، كما يقال: فلان ينفق بغير حساب، إذا وصف عطاؤه بالكثرة، و نظيره قولهم في تكثير مال الإنسان: عنده مال لا يحصى.
و الثالث: ترزق من تشاء بغير حساب، يعني على سبيل التفضل من غير استحقاق، لأن من أعطى على قدر الاستحقاق فقد أعطى بحساب. و قال بعض من ذهب إلى هذا المعنى: إنك لاترزق عبادك على مقادیر أعمالهم. والله أعلم. (10:8)
الآلوسي: من النعم الظاهرة و الباطنة، أو من إحداهما فقط. (119:3)
ابن عاشور: و الرزق: ما ينتفع به الإنسان، فيطلق على الطعام و الثمار، كقوله: «وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً » آل عمران: 37، و قوله: « فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ»الكهف : 19، و يطلق على أعم من ذلك مما ينتفع به، كما في قوله تعالى: «یَدْعُونَ فِیها بِفاکِهَهٍ کَثِیرَهٍ وَ شَرابٍ*وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ»، ثم قال : « إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ » ص : 51 - 54، وقوله:«قُلْ مَنْ یَرزُقُکُم من السموات و الاَرض قُلِ اللّه ». و من ثم سميت الدراهم و الدنانير رزقا، لأن بها يعوض ماهو رزق. و في هذا إيماء إلى بشارة للمسلمين بما أخبئ لهم من كنوز الممالك الفارسية والقيصرية و غيرها. (70:3)
الطباطبائي: معنى الرزق في القرآن
الرزق: معروف، و الذي يتحصل من موارد استعماله أن فيه شوبا من معنى العطاء، کرزق الملك الجندي، و يقال لما قرره الملك الجنديه مما يؤتاه جملة:رزقه، و كان يختص بما يتغذى به لاغير، كما قال تعالى: «وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» البقرة : 233، فلم يعد الكسوة رزقا.
ثم توسع في معناه، فعد كل ما يصل الإنسان من الغذاء رزقا، كأنه عطية بحسب الحظ و الجد وإن لم يعلم عطيه، ثم عمم فسمي كل ما يصل إلى الشيء مما ينتفع به رزقا و إن لم يكن غذاء، كسائر مزايا الحياة من مال و جاه و عشيرة و أعضاد و جمال و علم و غير ذلك، قال تعالى: «اَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ»: المؤمنون : 72، و قال فيما يحكي عن شعيب: «قَالَ یَا قَوْمِ أَرَأَیْتُمْ إِن کُنتُ عَلَی بَیِّنَهٍ مِن رَبِّی وَرَزَقَنِی مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً »: هود : 88، و المراد به: النبوة و العلم، إلى غير ذلك من الآيات.
والمتحصل من قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّهِ الْمَتِینُ» الذاريات : 58، و المقام مقام الحصر:
أولا: أن الرزق بحسب الحقيقة لا ينتسب إلا إليه، فما ينسب إلى غيره تعالى من الرزق، كما يصدقه أمثال قوله تعالى: «و الله خير الرازقين» الجمعة : 11؛ حيث أثبت رازقين، و عده تعالى خيرهم، و قوله: «وَ ارزُقُوهُم فِیها وَ اکسُوهُم» النساء: 5، كل ذلك من قبيل النسبة إلى الغير، كما أن الملك والعزة لله تعالى لذاته و لغيره بإعطائه و إذنه، فهو الرزاق لاغير.
وثانيا: أن ما ينتفع به الخلق في وجودهم مما ينالونه من خير، فهو رزقهم، و الله رازقه، و يدل على ذلك مضافا إلى آيات الرزق على كثرتها - آیات كثيرة أخر، کالآيات الدالة على أن الخلق و الأمر
والحكم و الملك - بكسر الميم -و المشيئة و التدبير والخير للله محضا عز سلطانه.
و ثالثا: أن ما ينتفع به الإنسان انتفاعا محرما لكونه سببا للمعصية، لا ينسب إليه تعالى، لأنه تعالی نفی نسبة المعصية إلى نفسه من جهة التشريع، قال تعالى:«قال إِنَّ اَللّهَ لا یَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَی اَللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ»الأعراف : 28، و قال تعالى :«إِنَّ اللَّهَ یَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ »إلى أن قال: «وَیَنْهَی عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْکَرِ » النحل: 90، و حاشاه سبحانه أن ينهى عن شيء ثم يأمر به، أو ينهى عنه ثم يحصر رزقه فيه.
ولامنافاة بين عدم كون نفع محرم رزقا بحسب التشريع، و کونه رزقا بحسب التكوين؛ إذ لاتكليف في التكوين حتى يستتبع ذلك قبحا، و ما بينه القرآن من عموم الرزق إنما هو بحسب حال التكوين، وليس البيان الإلهي بموقوف على الأفهام الساذجة العامية حتى يضرب صفحا عن التعرض للمعارف الحقيقية، و في القرآن شفاء لجميع القلوب، لا يستضربه إلا الخاسرون، قال تعالى: « وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَهٌ لِلْمُؤْمِنِینَ وَ لا یَزِیدُ الظَّالِمِینَ إِلاَّ خَساراً»الإسراء : 82
على أن الآيات تنسب الملك الذي لأمثال نمرود و فرعون، و الأموال و الزخارف التي بيد أمثال قارون إلى إيتاء الله سبحانه، فليس إلا أن ذلك كله بإذن الله، آتاهم ذلك امتحانا و إتماما للحجة، وخذلانا و استدراجا و نحو ذلك، وهذا كله نسب تشريعية،. و إذا صحت النسبة التشريعية من غير محذور لزوم القبح، فصحة النسبة التكوينية التي لا مجال للحسن والقبح العقلائيين فيها أوضح.
ثم إنه تعالى ذكر أن كل شيء فهو مخلوق له، منزل من عنده، من خزائن رحمته، كما قال:«وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ »الحجر : 21، و ذكر أيضا أن ما عنده فهو خير، قال تعالى: «وما عند الله خیر» القصص : 60. و انضمام الآيتين و ما في معناهما من الآيات يعطي أن كل ما يناله شيء في العالم و يتلبس به مدى وجوده، فهو من الله سبحانه، و هو خير له ينتفع به و يتنعم بسببه، كما يفيده أيضا قوله تعالى: «اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ » السجدة : 7، مع قوله تعالى: « ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ »المؤمن : 62.
وأما كون بعض ما ينال الأشياء من المواهب الإلهية شرا يستضر به، فإنما شريته و إضراره نسبي، متحقق بالنسبة إلى ما يصيبه خاصة، مع كونه خيرا نافعا بالنسبة إلى آخرين، و بالنسبة إلى علله و أسبابه في نظام الكون، كما مر، يشير إليه قوله تعالى: «وَمَا أَصَابَکَ مِن سَیِّئَهٍ فَمِن نَفْسِکَ» النساء: 79، و قد مر البحث عن هذا المعنى فيما مر.
وبالجملة: جميع ما يفيضه الله على خلقه من الخير و كله خير ينتفع به، يكون رزقا بحسب انطباق المعنى؛ إذ ليس الرزق إلا العطية التي ينتفع بها الشيء المرزوق، و ربما أشار إليه قوله تعالى: « وَرِزقُ ربِّکَ خَیرٌ» طه : 131.
ومن هنا يظهر أن الرزق والخير و الخلق، بحسب المصداق، على ما يبينه القرآن أمور متساوية، فكل رزق خیر و مخلوق، و كل خلق رزق و خیر، و إنما الفرق أن الرزق يحتاج إلى فرض مرزوق يرتزق به، فالغذاء رزق للقوة الغاذية لاحتياجها إليه، و الغاذية رزق للواحد من الإنسان لاحتياجه إليها، و الواحد من الإنسان رزق لوالديه لانتفاعهما به، و كذا وجود الإنسان خير للإنسان يفرضه عاريا عن هذه النعمة الإلهية، قال تعالى: « الَّذِی أَعْطَی کُلَّ شَئْ خَلْقَهُ »طه : 50.
والخير يحتاج إلى فرض محتاج طالب، يختار من بين ما يواجهه ما هو مطلوبه، فالغذاء خير للقوة الغازية، بفرضها محتاجة إليه طالبة له، تنتخبه و تختاره إذا أصابته، و القوة الغازية خير للإنسان، و وجود الإنسان خير له بفرضه محتاجا طالبا.
وأما الخلق والإيجاد فلايحتاج - من حيث تحقق معناه - إلى شيء ثابت أو مفروض، فالغذاء مثلا مخلوق موجد في نفسه، و كذا القوة الغاذية مخلوقة، والإنسان مخلوق.
ولما كان كل رزق الله و كل خير الله محضا، فما يعطيه تعالى من عطية، و ما أفاضه من خير، و ما يرزقه من رزق، فهو واقع من غير عوض و بلاشيء مأخوذ في مقابله؛ إذ كل ما فرضنا من شيء فهو له تعالى حقا ولا استحقاق هناك؛ إذ لاحق لأحد عليه تعالى، إلا ما جعل هو على نفسه من الحق، كما جعله في مورد الرزق، قال تعالى: «وَمَا مِن دَابَّهٍ فِی الْأَرْضِ إِلاَ عَلَی اللَّهِ رِزْقُهَا»هود : 6، و قال تعالى: «فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّکُمْ تَنْطِقُونَ» الذاریات:23 .
فالرزق مع كونه حقا على الله - لكونه حقا مجعولا من قبله - عطية منه من غير استحقاق للمرزوق من جهة نفسه، بل من جهة ما جعله على نفسه من الحق.
ومن هنا يظهر أن للإنسان المرتزق بالمحرمات رزقا مقدرا من الحلال بنظر التشريع، فإن ساحته تعالى منزهة من أن يجعل رزق إنسان حقا ثابتا على نفسه، ثم يرزقه من وجه الحرام، ثم ينهاه عن التصرف فيه، و يعاقبه عليه.
وتوضيحه ببيان آخر: أن الرزق لما كان هو العطية الإلهية بالخير، كان هو الرحمة التي له على خلقه، و كما أن الرحمة رحمتان: رحمة عامة تشمل جميع الخلق، من مؤمن و کافر و متق و فاجر و إنسان و غير إنسان، و رحمة خاصة و هي الرحمة الواقعة في طريق السعادة، كالإيمان والتقوى والجنة، كذلك الرزق منه ما هو رزق عام، وهو العطية الإلهية العامة الممدة لكل موجود في بقاء وجوده، و منه ما هو رزق خاص، و هو الواقع في مجرى الحل.
و كما أن الرحمة العامة و الرزق العام مکتوبان مقدران، قال تعالى: «خَلَقَ کُلَّ شَئٍ فَقَدَّرَهُ تَقدیرًا» الفرقان : 2، كذلك الرحمة الخاصة والرزق الخاص مکتوبان مقدران، و كما أن الهدی - و هو رحمة خاصة - مکتوب مقدر تقديرا تشريعا لكل إنسان، مؤمنا كان أو كافرا، و لذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب،
قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ * مَا أُرِیدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِیدُ أَنْ یُطْعِمُونِ* إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّهِ الْمَتِینُ» الذاريات : 56 - 58، و قال تعالى: «وَ قَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ » الإسراء: 23 .
فالعبادة وهي تستلزم الهدی و تتوقف عليه مقضية مقدرة تشريعا، كذلك الرزق الخاص -وهو الذي عن مجرى الحل - مقضي مقدر، قال تعالى: « قَدْ خَسِرَ الَّذِینَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَیْرِ عِلْمٍ وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَی اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَ ما کانُوا مُهْتَدِینَ » الأنعام : 140، و قال تعالى: «وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَکُمْ عَلَی بَعْض فِی الرِّزْقِ فَمَا الَّذِینَ فُضِّلُوا بِرَادِّی رِزْقِهِمْ عَلَی مَا مَلَکَتْ أیْمَانُهُمْ فَهُمْ فِیهِ سَوَاءٌ»4 النحل: 71، والآيتان كما تری ذواتا إطلاق قاطع يشمل الكافر و المؤمن، و من يرتزق بالحلال و من يرتزق بالحرام.
ومن الواجب أن يعلم أن الرزق - كما مر من معناه - هو الذي ينتفع به من العطية على قدر ما ينتفع، فمن أوتي الكثير من المال و هو لا يأكل إلا القليل منه، فإنما رزقه هو الذي أكله، و الزائد الباقي ليس من الرزق إلا من جهة الإيتاء دون الأكل، فسعة الرزق و ضيقه غير كثرة المال مثلا و قلته، و للكلام في الرزق تتمة، ستمر بك في قوله تعالى : «وَمَا مِنْ دَابَّه فِی الأرْضِ إلا عَلَی اللّهِ رِزْقُهَا وَیَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا کُلٌّ فِی کِتَاب مُبِین» هود:6. (137:3)
نرزقهم
«وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَکُمْ خَشْیَهَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِیَّاکُم إنَّ قَتْلَهُمْ کَانَ خِطْءًا کَبِیرًا».الإسراء : 31
الطوسي: إخبار منه تعالى أنه الذي يرزق الأولاد و الآباء، فلا ينبغي قتلهم خوف الفقر. (475:6)
نحوه الطبرسي. (413:3)
البغوي: ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة، فنهوا عنه، و أخبروا أن رزقهم و رزق أولادهم على الله تعالى.(131:3)
الفخر الرازي: يعني الأرزاق بيد الله تعالى، فكما أنه تعالى فتح أبواب الرزق على الرجال، فكذلك يفتح أبواب الرزق على النساء. ( 197:20)
الخازن: و ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة، أو يخافون عليهم من النهب و الغارات، أو أن ينكحوهن لغير أكفاء لشدة الحاجة؛ و ذلك عار شديد عندهم، فنهاهم الله عن قتلهن، و قال : «نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِیَّاکُم »، يعني أن الأرزاق بيد الله، فكما أنه فتح أبواب الرزق على الرجال، فكذلك يفتحه على النساء. (128:4)
أبوالسعود: و هو ضمان لرزقهم، و تعليل للنهي المذكور بإبطال موجبه في زعمهم، و تقديم ضمير الأولاد على المخاطبين على عكس ما وقع في سورة الأنعام، للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزق، أو لأن الباعث على القتل هناك الإملاق الناجز، و لذلك قيل «من املاق» الأنعام : 151، وهاهنا الإملاق المتوقع، و لذلك قيل:«خشية إملاق» ، فكأنه قيل: نرزقهم - من غير أن ينتقص من رزقكم شيء، فيعتريكم ما
تخشونه، و إياكم أيضا - رزقا إلى رزقكم. (4: 127)
نحوه الآلوسي . (66:15)
عبدالكريم الخطيب: فهؤلاء الأولاد قد خلقهم الله كما خلق آباءهم من قبل، و قد تكفل بأرزاقهم، - كما تكفل بأرزاق آبائهم - حتى كبروا وصاروا آباء. فلم يقطعون على أبنائهم طريق الحياة؟ ولم لايدعونهم يعيشون - كما عاشو هم ؟ إنهم الايرزقونهم، و لكن الذي يرزقهم و يرزق آباءهم هو الرزاق ذو القوة المتين، الله رب العالمين.
و في تقديم رزق الأبناء على الآباء ما يشير إلى أنهم جميعا على سواء في الرزق عند الله، لايملك هؤلاء ولا هؤلاء رزقا لأنفسهم، و إنما یرزقون جميعا من فضل الله. (482:8)
فضل الله : فهو الذي يتكفل الآباء و الأولاد، لأن الله لم يجعل رزق الأولاد على الآباء من ناحية تكوينية، بل تكفل برزق الجميع. فإذا فكر هؤلاء الآباء في مصدر الرزق الذي يأتيهم ليقوموا بتدبير أمورهم، فعليهم أن يفكروا أنه هو المصدر الذي يمد أولادهم بالرزق. «نحن نرزقهم وإياكم »لأننا لم نخلق مخلوقا إلا و تكفلنا برزقه، فلا يدفعكم الشيطان إلى قتلهم خوفا من الفقر، انطلاقا من هذه الأفكار التي تبعد كم عن خط الإيمان بالله، والثقة بقدرته على كل شيء. ( 97:14)
نرزقك
«وَ أْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلاهِ وَ اصْطَبِرْ عَلَیْها لا نَسْئَلُکَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُکَ وَ الْعاقِبَهُ لِلتَّقْوی».طه : 132
الطبري: لانسألك ما ، بل نكلفك عملا ببدنك، نوتيك عليه أجرا عظيما و ثوابا جزيلا.
«نَحْنُ نَرْزُقُکَ »: يقول: نحن نعطيك المال و نكسبکه، و لانسألكه.(479:8)
الماوردي: هذا و إن كان خطابا للنبي صلی الله علیه و آله فالمراد به جميع الخلق، أنه تعالى يرزقهم و لا يسترزقهم، و ينفعهم ولا ينتفع بهم، فكان ذلك أبلغ في الامتنان عليهم. (434:3)
الطوسي: الخطاب للنبي صلی الله علیه و آله و المراد به: جميع الخلق، فإن الله تعالى يرزق خلقه، و لا يسترزقهم، فيكون أبلغ في المنة.(225:7)
القشيري: الصلاة استفتاح باب الرزق، و عليها أحال في تيسير الفتوح عند وقوع الحاجة إليه.
ويقال: الصلاة رزق القلوب، و فيها شفاؤها، و إذا استأخر قوت النفس قوي قوت القلب.[ إلى أن قال: ]
قوله جل ذكره: «لا نَسْئَلُکَ رِزْقاً »، أي لانكلفك برزق أحد، فإن الرازق الله سبحانه دون تأثير الخلق، فنحن نرزقك و نرزق الجميع.
قوله جل ذكره: «نَحْنُ نَرْزُقُکَ وَ الْعاقِبَهُ لِلتَّقْوی» هما شيئان: وجود الأرزاق، و شهود الرزاق، فوجود الأرزاق يوجب قوة النفوس، و شهود الرزاق يوجب قوة القلوب.
ويقال : استقلال العامة بوجود الأرزاق، و استقلال الخواص بشهود الرزاق.
ويقال : نفي عن وقته الفرق بين أوصاف الرزق حين قال: «نَحْنُ نَرْزُقُکَ »؛ فإن من شهد و تحقق
بقوله: «نَحْنُ»سقط عنه التمييز بين رزق و رزق.
ويقال : خفف على الفقراء مقاساة قلة الرزق، و تأخره عن وقت إلى وقت بقوله:« نَحْنُ ». (160:4)
الزمخشري: لا تهتم بأمر الرزق و المعيشة، فإن رزقك مكفي من عندنا، و نحن رازقوك، و لانسألك أن ترزق نفسك و لا أهلك، ففرغ بالك لأمر الآخرة. و في معناه قول الناس: من دان في عمل الله، كان الله في عمله. (560:2)
القرطبي: أي لانسألك أن ترزق نفسك و إياهم، و تشتغل عن الصلاة بسبب الرزق، بل نحن نتكفل برزقك و إياهم. فكان علیه السلام إذا نزل بأهله ضيق أمرهم بالصلاة. وقد قال الله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِمَا أُرِیدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِیدُ أَنْ یُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ » الذاريات : 56 - 58 . (263:11)
الخازن: أي لانكلفك أن ترزق أحدا من خلقنا، ولاأن ترزق نفسك، بل نكلفك عملا «ونَحْنُ نَرْزُقُکَ »أي بل نحن نرزقك و نرزق أهلك. (233:4)
ابن كثير: يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لاتحتسب، كما قال تعالى: «ومَنْ یَتَّقِ اللهَ یَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً *و یَرْزُقْهُ مِنْ حَیْثُ لا یَحْتَسِبْ »الطلاق : 3،2، وقال تعالى: «وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ اِلّا لِیَعْبُدُونِ.» إلى قوله:« إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّهِ الْمَتِینُ » الذاريات : 56 - 58، و لهذا قال: « لا نسئلك رزقان نرزقك ».(548:4)
أبوالسعود: أي لانكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك« َنحْنُ نَرْزُقُکَ». (318:4)
الآلوسي: دفع لما عسى أن يخطر ببال أحد، من أن المداومة على الصلاة ربما تضر بأمر المعاش، فكأنه قيل: داوموا على الصلاة غير مشتغلين بأمر المعاش عنها؛ إذ لانكلفكم رزق أنفسکم؛ إذ نحن نرزقكم. و تقديم المسند إليه للاختصاص، أو لإفادة التقوی.
وزعم بعضهم أن الخطاب خاص و كذا الحكم؛ إذ لو كان عاما لرخص لكل مسلم المداومة على الصلاة و ترك الاكتساب، و ليس كذلك. و فيه أن قصاری ما يلزم العموم - سواء كان الأهل خاصا أو عاما لسائر المؤمنين - أن يرخص للمصلي ترك الاكتساب المانع من الصلاة، و أي مانع عن ذلك، بل ترك الاكتساب لأداء الصلاة المفروضة فرض، و ليس المراد بالمداومة عليها، إلا أداؤها دائما في أوقاتها المعينة لها، لا استغراق الليل و النهار بها، و كأن الزاعم ظن أن المراد بالصلاة: ما يشمل المفروضة و غيرها، و بالمداومة عليها: فعلها دائما، على وجه يمنع من الاكتساب، و ليس كذلك.
و مما ذكرنا يعلم أنه لا حاجة في رد ماذكره الزاعم إلى حمل العموم على شمول خطاب النبی صلی الله علیهاا و آله لأهله فقط دون جميع الناس، كما لا يخفی. نعم قد يستشعر من الآية أن الصلاة مطلقا تكون سببا لإدرار الرزق، و کشف الهم. (285:16)
القاسمي: أي لانسألك ما، بل نكلفك عملا ببدنك، نؤتيك عليه أجرا عظيما و ثوابا جزيلا. و معنی:«نَحْنُ نَرْزُقُکَ »، أي نحن نعطيك المال
و نكسبك و لانسألكه.
وقال أبومسلم: المعنى: أنه تعالى إنما يريد منه و منهم العبادة، و لايريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الحراج. و هو كقوله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ*مَا أُرِیدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِیدُ أَنْ یُطْعِمُونِ»الذاريات : 56، 57.
وقال بعض المفسرين: معنى الآية: أقبل مع أهلك على الصلاة، واستعينوا بها على خصاصتكم، و لاتهتموا بأمر الرزق و المعيشة، فإن رزقك مكفي من عندنا، و نحن راز قوك.
وهذا المعنى لاتدل عليه الآية منطوقا و لامفهوما و فيه حض على القعود عن الكسب، و مستند للكسالى القانعين بسكني المساجد عن السعي المأمور به، وقد قال تعالى في وصف المتقين: « رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ » النور: 37، إشارة إلى جمعهم بين الفضيلتين، « رَبَّنَا آتِنَا فِی الدُّنیا حَسَنَه وَفِی الآخِرَهِ حَسَنَهً» البقرة : . (4237:11)
ابن عاشور: و جملة « لا نَسْئَلُکَ رِزْقاً » معترضة بين التي قبلها و بين جملة« نَحْنُ نَرْزُقُکَ»، جعلت تمهید الهاته الأخيرة.
والسؤال: الطلب التكليفي، أي ما كلفناك إلا بالعبادة، لأن العبادة شكر لله على ما تفضل به علی الخلق، ولا يطلب الله منهم جزاء آخر، و هذا إبطال لما تعوده الناس من دفع الجبايات و الخراج للملوك و قادة القبائل و الجيوش. و في هذا المعنى قوله تعالى: «وَ مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ»الذاريات : 56، فجملة « نَحْنُ نَرْزُقُکَ»مبينة لجملة « وَ رِزْقُ رَبِّکَ خَیْرٌ وَ أَبْقی» طه : 131، و المعنى: أن رزق ربك خير وهو مسوق إليك.
والمقصود من هذا الخطاب ابتداء هوالنبي صلی الله علیه و آله ، و يشمل أهله و المؤمنين، لأن المعلل به هذه الجملة مشترك في حكمه جميع المسلمين. ( 208:16)
مغنية: لست مسؤولا عن رزق أحد و طعامه و شرابه، « نَحْنُ نَرْزُقُکَ» و نرزق عيالك أيضا. وذكر هذا سبحانه بعد الأمر بالصلاة، للإشارة إلى أن الصلاة لا تراحم العمل من أجل الرزق، و أن الجمع بينهما سهل يسير، لأن وقت الصلاة المكتوبة لا يستغرق سوى دقائق معدودات. (256:5)
الطباطبائي: و قوله: «لَانَسْئَلُکَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُکَ » ظاهر المقابلة بين الجملتين، أن المراد سؤاله تعالى الرزق لنفسه، و هو كناية عن أنا في غنى منك، وأنت المحتاج المفتقر إلينا، فيكون في معنى قوله: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِیَعْبُدُونِ ...»الذاريات : 56. ( 239:14)
فضل الله: فليست الصلاة أو مطلق العبادة حاجة لله لدى عبده، لتكون بمثابة الرزق الذي يطلبه منه، لأنه الغني المطلق الذي يطلب ما يطلبه من عبده من موقع الناصح الذي يريد له المصلحة.
فالإنسان هو الذي يحتاج إلى الله في كل شيء، فهو الذي يرزقه في كل ما يحتاج إليه من شؤون الرزق في الحياة، و لكن المسألة هي مسألة التقوى، وهي العنوان الأنقى لحياة الإنسان في الدنيا، و لمواقعه في
الاخره، فهي التي تبقى و تستمر. و تحقق للإنسان أفضل النتائج على مستوى قضية المصير. ( 179:15)
نرزقکم
... وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَکُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُکُمْ وَ إِیَّاهُمْ ... . الأنعام : 151
الطبري: و لاتئدوا أولادكم، فتقتلوهم من خشية الفقر على أنفسكم بنفقاتهم، فإن الله هو رازقكم و إياهم، ليس عليكم رزقهم، فتخافوا بحياتهم على أنفسكم العجز عن أرزاقهم و أقواتهم. (391:5)
الثعلبي: و لاتئدوا بناتكم خشية العيش، فإئي أرزقكم و إياهم. (4: 203)
الطبرسي: أي فإن رزقکم و رزقهم جميعا علينا. (382:2)
الفخر الرازي: لانه تعالى إذا كان متكفلا برزق الوالد والولد، فكما وجب على الوالدين تبقية النفس و الاتكال في رزقها على الله، فكذلك القول في حال الولد. (232:13)
أبو حيان: جاء التركيب هنا: «نَّحْنُ نَرْزُقُکُمْ وَإِیَّاهُمْ». و في الإسراء: 31 « نَّحْنُ نَرْزُقُکُمْ وَإِیَّاکم»فيمكن أن يكون ذلك من التفتن في الكلام، و يمكن أن يقال في هذه الآية: جاء «من إملاق »، فظاهره حصول الإملاق للوالد لا توقعه و خشيته و إن كان واجدا للمال، فبدأ أو بقوله: «نَّحْنُ نَرْزُقُکُمْ»خطابا للآباء، و تبشیرا لهم بزوال الإملاق، و إحالة الرزق على الخلاق الرزاق، ثم عطف عليهم الأولاد.
و أما في الإسراء: فظاهر التركيب أنهم موسرون و إن قتلهم إياهم إنما هو لتوقع حصول الإملاق و الخشية منه، فبدأ فيه بقوله: «نَّحْنُ نَرْزُقُکُمْ» إخبار ا بتكفله تعالی برزقهم، فلستم أنتم رازقيهم، و عطف عليهم الآباء، و صارت الآيتان مفیدتين معنیین.
أحدهما: أن الآباء نهوا عن قتل الأولاد مع وجود إملاقهم.
والآخر: أنهم نهوا عن قتلهم و إن كانوا موسرين، لتوقع الإملاق و خشیته، و حمل الآيتين على ما يفيد معنيين أولى من التأكيد. (251:4)
الخازن: يعني لاتتدوا بناتكم خوف العيلة و الفقر، فإني رازقکم و إياهم، لأن الله تعالى إذا تكفل برزق الوالد والولد، وجب على الوالد القيام بحق الولد و تربیته، و الاتكال في أمر الرزق على الله عزوجل. (164:2)
نحوه الشربيني. (458:1)
ابن كثير: قال في سورة الإسراء: «وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ » الإسراء : 31، أي لا تقتلوهم خوفا من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك: »نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ »، فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي لاتخافوا من فقر کم بسبب رزقهم، فهو على الله. و أما هنا فلما كان الفقر حاصلا، قال:«نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاهم» لأنه الأهم هاهنا، و الله أعلم. (3: 122)
ابن عاشور: وجملة: «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاهم» معترضة مستأنفة، علة للنهى عن قتلهم، إبطالا
المعذرتهم، لأن الفقر قد جعلوه عذرا لقتل الأولاد، و مع كون الفقر لا يصلح أن يكون داعيا لقتل النفس، فقد بين الله أنه لما خلق الأولاد فقد قدر رزقهم، فمن الحماقة أن يظن الأب أن عجزه عن رزقهم يخوله قتلهم، و كان الأجدر به أن يكتسب لهم.
و عدل عن طريق الغيبة الذي جرى عليه الكلام، من قوله: «ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ » إلى طريق التكلم بضمير: «نرزقكم» تذکیرا بالذي أمر بهذا القول كله، حتى كأن الله أقحم كلامه بنفسه في أثناء كلام رسوله الذي أمره به، فكلم الناس بنفسه، و تأكيدا لتصديق الرسول صلی الله علیه و آله، و ذكر الله رزقهم مع رزق آبائهم، وقدم رزق الآباء للإشارة إلى أنه كما رزق الآباء فلم يموتوا جوعا، كذلك يرزق الأبناء، على أن الفقر إنما اعترى الآباء فلم يقتل لأجله الأبناء؟.
و تقديم المسند إليه على المسند الفعلي هنا لإفادة الاختصاص، أي نحن نرزقکم و إياهم، لا أنتم ترزقون أنفسكم، ولا ترزقون أبناء كم. (118:7)
الطباطبائي: و قد علل النهي بقوله: «نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ » أي إنما تقتلونهم مخافة أن لا تقدروا على القيام بأمر رزقهم، و لستم برازقين لهم، بل الله يرزقكم و إياهم جميعا، فلا تقتلوهم. (375:7)
عبدالكريم الخطيب : قدم رزق الآباء على الأبناء، لأن الآباء هنا في فقر واقع بهم، و في ضيق استولى عليهم، فقتل فيهم مشاعر الإنسانية، حتی طوعت لهم أنفسهم قتل أولادهم، شفقة عليهم، و إراحة لهم من آلام الجوع، و قسوة المسغبة، فجاء قوله تعالى: «نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ» ليشعر الآباء بأن الله متكفل برزقهم و رزق أبنائهم معا، و أن هذا الضيق الذي هم فيه سوف يعقبه فرج، و أن هذا الرزق الضيق الذي هم فيه فعلا، هو قسمة بينهم و بين أبنائهم، فهم فيه سواء، و أنه ليس للآباء أن يقتلوا أولادهم و هم شركاؤهم في هذا الرزق المحدود الذي في أيديهم.
وقد جاء قوله تعالى في سورة الإسراء: «وَلاتَقْتُلُوا اولادَکُم خَشیَهَ امْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ ایَّاکُمْ »بتقديم رزق الأبناء على الآباء، لأن الآباء في تلك الحال ليسوا في حال ضيق و فقر، و إنما هم على شعور الخوف من الفقر مستقبلا، فهم يقتلون أولادهم في تلك الحال لالفقر وقع، و إنما لخشية الفقر المتوقع، الذي قد يكون وجود الأبناء سببا في التعجيل به، فجاء قوله تعالى: «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ ایَّاکُمْ» ليدفع هذا الشعور، و ليقيم مكانه شعورا مضادا له، و هو أن الأبناء لهم رزقهم عند الله، و أن هذا الرزق مقدم على رزق الآباء، و أن قتلهم حينئذ يكون عدوانا عليهم، و حبسا لهذا الرزق الذي سيرزقهم الله إياه. (345:4)
فضل الله: إن الأولاد هبة الله للإنسان، لا يجب أن يتصرف بها كيفما شاء، بل لابد من أن تفتح قلبه على العاطفة الطاهرة و الشعور الحميم. أما حياتهم فهي ملك الله، فليس لأحد أن يتصرف فيها بما يسيء إليها من قريب أو من بعيد، و أما رزقهم و مؤونتهم فهي على الله الذي رزق الآباء عندما كانوا أولادا، كما رزقهم بعد أن أصبحوا آباء، و سيرزق أولادهم كما
رزقهم، و هكذا حتى نهاية الكون. (370:9)
يرزقون
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. آل عمران : 169
راجع: حيي: «أحياء» ج: 14 : 726 .
ترزقانه
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتأويلهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ... يوسف : 37
ابن عاشور: و حقيقة الرزق: ما به النفع، و يطلق على الطعام، كقوله: «وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً » آل عمران : 37، أي طعاما، و قوله في الأعراف 50: «أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ »، و قوله: «لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیها بُکْرَهً وَ عَشِیًّا » مريم : 62. ويطلق على الإنفاق المتعارف، كقوله: « وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها وَ اكْسُوهُمْ» النساء: 5، ومن هنا يطلق على العطاء الموقت، يقال: کان بنو فلان من مرتزقة الجند، و رزق الجند كذا كل يوم.(61:12)
ارزقنا -الرازقين
«قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ ».المائدة : 114
الجبائي: قيل: في معناه هاهنا قولان:
أحدهما: و اجعل ذلك رزقا لنا.
الثاني: و ارزقنا الشكر عليها. (الطوسي 4: 65)
الطبري: و أعطنا من عطائك، فإنك يا رب خير من يعطي و أجود من تفضل، لأنه لايدخل عطاءه من و لانکد . ( 133:5)
الطوسي : [نقل قول الجبائي وأضاف: ]
إنما يكون الشكر رزقا منه لنا، لأنه لطف فيه، و وفق له، و إعانة عليه، كما يكون المال رزقا لنا إذا ملكنا إياه لابخلقه له.
و في الآية دلالة على أن العباد يرزق بعضهم بعضا، بدلالة قوله: «وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ»، لأنه لو لم يصح ذلك لم يجز «خَيْرُ الرّازِقِينَ» ، كما أنه لما لم يجز أن يكونوا آلهة لم يصح أن يقول: أنت خير الآلهة، و صح «ارحم الراحمين » الأعراف : 151، «احكم الحاکمین» هود : 45، و «أسرع المحاسبين » الأنعام : 62، و «احسن الخالقين » المؤمنون : 14. (65:4)
نحوه الطبرسي. (265:2)
ابن الجوزي: و في قوله تعالى: « و ارزقنا»
قولان:
أحدهما : ارزقنا ذلك من عندك.
والثاني: ارزقنا الشكر على ما أنعمت به من إجابتك لنا. (2: 459)
الفخر الرازي:فيه مسائل:
المسألة الأولى: أما الكلام في اللهم. [فراجع ]
المسألة الثانية: تأمل في هذا الترتيب، فإن الحواريين لما سألوا المائدة ذكروا في طلبها أغراضا،فقدموا ذكر الأكل فقالوا: «نُرِیدُ أَنْ نَأْکُلَ مِنْها»
المائدة : 113، و أخروا الأغراض الدينية الروحانية. فأما عيسى فإنه لما طلب المائدة وذکر أغراضه فيها، قدم الأغراض الدينية و أخرغرض الأكل؛ حيث قال: «وارزقنا »، و عند هذا يلوح لك مراتب درجات الأرواح، في كون بعضها روحانية و بعضها جسمانية.
ثم إن عیسی علیه السلام لشدة صفاء دينه و إشراق روحه، لما ذكر الرزق بقوله: «وارزقنا » لم يقف عليه، بل انتقل من الرزق إلى الرازق، فقال :«وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ »، فقوله: «ربنا »ابتداء منه بذكر الحق سبحانه و تعالى، و قوله: «أنزل علينا»انتقال من الذات إلى الصفات، و قوله: «تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا » إشارة إلى ابتهاج الروح بالنعمة، لامن حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها صادرة عن المنعم. و قوله: «و اية منک»إشارة إلى كون هذه المائدة دليلا لأصحاب النظر والاستدلال، و قوله:«وارزقنا»إشارة إلى حصة النفس، و كل ذلك نزول من حضرة الجلال.
فانظر كيف ابتدأ بالأشرف فالأشرف نازلا إلى الأدون فالأدون، ثم قال:« وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ»، و هو عروج مرة أخرى من الخلق إلى الخالق، و من غير الله إلى الله، و من الأخس إلى الأشرف، و عند ذلك تلوح لك شمة من كيفية عروج الأرواح المشرقة النورانية الإلهية و نزولها، اللهم اجعلنا من أهله.(131:12)
البيضاوي: «وارزقنا»، المائدة أو الشکرعليها،« وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ» أي خير من يرزق، لأنه خالق الرزق و معطيه بلاعوض. (299:1)
نحوه الشربيني . (406:1)
النسفي: و أعطنا ما سألناك و أنت خيرالمعطين.(310:1)
الخازن: أي ارزقنا ذلك من عندك. و قيل: ارزقنا الشكر على هذه النعمة،« وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ»يعني و أنت خير من تفضل و رزق. (91:2)
أبو حيان: قيل: المائدة، و قيل: الشكر لنعمتك.« وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ»، لأتنك الغني الحميد، تبتدئ بالرزق. [ثم نقل كلام الفخر الرازي و أضاف: ]
وهو كلام دائر بين لفظ فلسفي و لفظ صوفي، و کلاهما بعيد عن كلام العرب و مناحيها. (56:4 )
أبوالسعود: أي المائدة أو الشكر عليها،« وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ»تذييل جار مجرى التعليل، أي خير من يرزق، لأنه خالق الأرزاق و معطيها بلاعوض. (341:2)
مثله البروسوي. (2: 463)
الآلوسي: أي الشكر عليها، على ما حكي عن الجبائي، أو المائدة على ما نقل عن غير واحد، والمراد بها حينئذ كما قيل: ما على الخوان من الطعام أو الأعم من ذلك وهذه - و لعله الأولى.«وَ أَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ» -: تذييل جار مجرى التعليل، أي خير من يرزق، لأنه خالق الرزق و معطيها بلا ملاحظة عوض. (62:7)
«وَجَعَلْنا لَکُمْ فِیها مَعایِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ». الحجر : 20
مجاهد: الدواب و الأنعام. (الطبري 502:7)
الفراء: ف( من ) في موضع نصب، يقول: جعلنا لكم فيها المعايش و العبيد و الإماء.
قد جاء أنهم الوحوش و البهائم و (من) لايفرد بها البهائم، و لاما سوى الناس. فإن يكن ذلك على ما روي فنرى أنهم أدخل فيهم المماليك، على أنا ملكناكم العبيد و الإبل والغنم و ما أشبه ذلك، فجاز ذلك.
وقد يقال: إن (من) في موضع خفض، يراد جعلنا لكم فيها معایش و ل «من». و ما أقل ما ترد العرب مخفوضا على مخفوض، قد كني عنه.[ثم استشهد بشعر]
(86:2)
ابن قتيبة: مثل الوحوش والطير و السباع و أشباه ذلك، مما لايرزقه ابن آدم. (236)
الطبري: اختلف أهل التأويل في المعني في قوله: «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ» ، فقال بعضهم: عنی به الدواب و الأنعام.
وقال آخرون: عنى بذلك الوحش خاصة.
شعبة عن منصور: في هذه الآية «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ» قال: الوحش. فتأويل (من) في«وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ»على هذا التأويل بمعنی «ما» و ذلك قليل في كلام العرب، و أولى ذلك بالصواب و أحسن أن يقال: عنى بقوله: «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ»من العبيد والإماء والدواب و الأنعام، فمعنى ذلك: و جعلنا لكم فيها معایش و العبيد والإماء و الدواب والأنعام. و إذا كان ذلك كذلك، حسن أن توضع حينئذ مكان العبيد والإماء و الدواب ( من )، و ذلك أن العرب تفعل ذلك إذا أرادت الخبر عن البهائم معها بنو آدم، و هذا التأويل على ما قلناه و صرفنا إليه معنى الكلام، إذا كانت ( من ) في موضع نصب عطفا به علی «معایش» بمعنى جعلنا لكم فيها معایش، و جعلنا لكم فيها «مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ» . وقيل: إن ( ن) في موضع خفض، عطفا به على الكاف و الميم في قوله: «وجعلنا لكم »بمعنی و جعلنا لكم فيها معایش «و مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ». و أحسب أن منصورا في قوله: هو الوحش، قصد هذا المعنى و إياه أراد؛ و ذلك و إن كان له وجه في كلام العرب، فبعيد قليل، لأنها لاتكاد تظاهر على معنى في حال الخفض، و ربما جاء في شعر بعضهم في حال الضرورة. [ثم استشهد بشعر]
(502:7)
الزجاج: موضع ( من) نصب من جهتين:
إحداهما: العطف علی «معایش»، المعنى: و جعلناکم من لستم له برازقين، و جائز أن يكون عطفا على تأويل «لکم»، المعنى في« وجعلنا لَکُمْ فِیها مَعایِشَ »أعشناکم و من لستم له برازقين.
وفي التفسير: أن «مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ» : الدواب و الأنعام. و قيل في بعض التفسير: الوحوش.
و النحويون يذهبون إلى أن «من» لا يكاد أن يكون لغير ما يعقل، و قد قال عز وجل: « فَمِنْهُمْ مَنْ
يَمْشى عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى اَرْ بَعٍ»النور: 45، فجاءت (من) لغير الناس؛ إذ وصف غير الناس بصفاتهم ، كما جاءت «الواو» لغير الناس في قوله: «وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» الأنبياء : 33.
والأجود - والله أعلم أن يكون ( من ) هاهنا، أعني «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ » يراد بها: العبيد و الأنعام و الدواب، فيكون المعني: جعلنا لكم فيها معایش و جعلنا لكم العبيد والدواب و الأنعام، و کفیتم مؤونة أرزاقها. (177:3)
البغوي: من الدواب و الأنعام، أي جعلناها لكم و کفینا کم رزقها. (54:3)
المبيدي: أي و سخرنا لكم من يخدمكم و الله يرزقهم، أي جعلنا لكم في الأرض معایش تعيشون بها، و مماليك و دواب تنتفعون بها، لكم نفعهم و علی الله رزقهم. و قيل: و جعلنا لكم و لمن لستم له برازقين. (298:5)
الزمخشري: «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ »عطف على «معایش»، أو على محل «لكم»، كأنه قيل: و جعلنا لكم فيها معايش، و جعلنا لكم من لستم له برازقين، أو: و جعلنا لكم معايش ولمن لستم له برازقين.
وأراد بهم العيال و المماليك و الخدم الذين يحسبون أنهم يرزقونهم و يخطؤون، فإن الله هو الرزاق يرزقهم و إياهم، و يدخل فيه الأنعام و الدواب و کل ما بتلك المثابة، مما الله رازقه، و قد سبق إلى ظنهم أنهم هم الرازقون. ولا يجوز أن يكون مجرورا عطفا على الضمير المجرور في «لكم»لأنه لا يعطف على الضميرالمجرور. (389:2)
نحوه النسفي (271:2)، و أبو السعود ( 4 : 13).
ابن عطية: و قوله:«وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ »يحتمل أن تكون ( من) في موضع نصب؛ و ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون عطفا على «معایش »، كأن الله تعالى عدد النعم في المعايش، و هي ما يؤكل و يلبس، ثم عدد النعم في الحيوان و العبيد و الصناع وغير ذلك، مما ينتفع به الناس، و ليس عليهم رزقهم.
والوجه الثاني: أن تكون (من) معطوفة على موضع الضمير في ولكمه وذلك أن التقدير: و أنعشنا كم و أنعشنا أمما غيركم من الحيوان، فكأن الآية على هذا فيها اعتبار و عرض آية.
والوجه الثالث: أن تكون (من) منصوبة بفعل مضمر يقتضيه الظاهر، تقديره: و أنعشنا من لستم له برازقين.
ويحتمل أن تكون ( من) في موضع خفض عطفا على الضمير في «لكم». و هذا قلق في النحو، لأن العطف على الضمير المجرور فيه قبح، فكأنه قال: ولمن لستم له برازقين، و أنتم تنتفعون به. (3: 355)
ابن الجوزي: [نقل بعض الأقوال وأضاف: ]
فإن قيل: كيف قلتم: إن ( من ) هاهنا للوحوش والدواب، و إنما تكون لمن يعقل؟
فالجواب: أنه لما وصفت الوحوش و غيرها
بالمعاش الذي الغالب عليه أن يوصف به الناس، فيقال: للآدمي معاش، و لايقال: للفرس معاش، جرت مجرى الناس، كما قال : «یَاءَیُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاکِنَکُمْ» النمل: 18، وقال: «رایتهم لي ساجدين» يوسف : 4، و قال: «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ» الأنبياء: 33 .
وإن قلنا: أريد به العبيد و الوحوش، فإنه إذا اجتمع الناس و غيرهم، غلب الناس على غيرهم، لفضيلة العقل و التمييز. (392:4)
الفخر الرازي: فيه قولان:
القول الأول: أنه معطوف على محل «لكم»، و التقدير: و جعلنا لكم فيها معایش و منلستم له برازقين.
والقول الثاني: أنه عطف على قوله: «معایش » و التقدير : و جعلنا لكم معایش و من لستم له برازقين، وعلى هذا القول ففيه احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأول: أن كلمة ( من) مختصة بالعقلاء، فوجب أن يكون المراد من قوله:«وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ »: العقلاء، و هم العيال و المماليك و الخدم و العبيد. و تقرير الكلام: أن الناس يظنون في أكثر الأمر أنهم الذين يرزقون العيال و الخدم و العبيد. وذلك خطأ، فإن الله هو الرزاق يرزق الخادم و المخدوم، و المملوك و المالك، فإنه لولا أنه تعالى خلق الأطعمة والأشربة، و أعطى القوة الغازية و الهاضمة، و إلا لم يحصل لأحد رزق.
والاحتمال الثاني، و هو قول الكلبي، قال: المراد بقوله:«وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ »: الوحش والطير.
فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل مع أن صيغة( من ) مختصة بمن يعقل؟
قلنا: الجواب عنه من وجهين:
الأول: أن صيغة ( من ) قد وردت في غير العقلاء، والدليل عليه قوله تعالى: «وَ اللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ »النور : 45
والثاني: أنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقا على الله؛ حيث قال: «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها»هود: 6، فكأنها عند الحاجة تطلب أرزاقها من خالقها، فصارت شبيهة بمن يعقل من هذه الجهة، فلم يبعد ذكرها بصيغة من يعقل؛ ألا ترى أنه قال:«یَاءَیُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاکِنَکُمْ»النمل: 18، فذکرها بصيغة جمع العقلاء، و قال في الأصنام: «فانهم عدو لی »الشعراء: 77 و قال : « وکُلٌّ فِی فَلَکٍ یَسْبَحُونَ » الأنبياء: 33 ؟ فكذا هاهنا لا يبعد إطلاق اللفظة المختصة بالعقلاء على الوحش والطير، لكونها شبيهة بالعقلاء من هذه الجهة.
وسمعت في بعض الحكايات أنه قلت المياه في الأودية و الجبال، و اشتد الحر في عام من الأعوام، فحكي عن بعضهم أنه رأى بعض الوحش رافعا رأسه إلى السماء عند اشتداد عطشه، قال: فرأيت الغيوم قد أقبلت و أمطرت بحيث امتلأت الأودية منها.
و الاحتمال الثالث: أنا نحمل قوله: «وَ مَنْ لَسْتُمْ
لَهُ بِرازِقِینَ »على الإماء و العبيد، و على الوحش و الطير، و إنما أطلق عليها صيغة ( من ) تغليبا لجانب العقلاء على غيرهم.
المسألة الثانية: قوله:«وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ » لا يجوز أن يكون مجرورا عطفا على الضمير المجرور في «لكم»، لأنه لا يعطف على الضمير المجرور، لا يقال: أخذت منك و زيد، إلا بإعادة الخافض، كقوله تعالى:«وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ »الأحزاب : 7.
واعلم أن هذا المعنى جائز على قراءة من قرأ: (تساءلون به والأرحام ) النساء: 1، بالخفض، وقد ذكرنا هذه المسألة هنالك. و الله أعلم. (19: 172)
البيضاوي: عطف على «معايش» أو على محل «لكم»، ويريد به العيال و الخدم و المماليك، وسائر ما يظنون أنهم يرزقونهم ظنا كاذبا، فإن الله يرزقهم وإياهم. (539:1)
نحوه الكاشاني. (104:3)
النيسابوري: (ومن) عطف على «معایش »أي جعلنا لكم «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ »، أو عطف على محل «لكم» لا على المجرور فقط، فإنه لا يجوز في الأكثر إلا بإعادة الجار، و التقدير : و جعلنا لكم معايش لمن لستم له برازقين، و أراد بهم: العيال والمماليك و الخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله تعالى وحده، لا الآباء والسادات و المخادیم، و يدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول من الأنعام والدواب و الوحش والطير، كقوله: «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا» هود: 6، وقد یذكر غير من يعقل بصفة من يعقل بوجه ما من الشبه كقوله: «یَاءَیُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاکِنَکُمْ » النمل: 18، والدواب شبه ذوي العقول، من جهة أنها طالبة الأرزاقها عند الحاجة. (14:14)
الخازن: يعني الدواب والوحش والطير أنتم منتفعون بها، و لستم لها برازقين، لأن رزق جميع الخلق على الله، و منه قوله تعالى: «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا » هود: 6، و تكون (من) في قوله تعالى: «منلستن»بمعنى «ما»، لأن (من) لمن يعقل و «ما» لمن لا يعقل.
و قيل: يجوز إطلاق لفظة ( من ) على من لا يعقل، كقوله تعالى: « فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ » و قیل: أراد بهم العبيد و الخدم، فتكون (من) على أصلها، و يدخل معهم ما لا يعقل من الدواب و الوحش. (51:4)
أبوحيان: والظاهر أن (من) لمن يعقل، و يراد به العيال و المماليك و الخدم الذين يحسبون أنهم يرزقونهم و يخطؤون، فإن الله هو الرزاق يرزقكم وإياهم.(450:5)
الشربيني: من العبيد و الأنعام و الدواب و الطير، فإنكم تنتفعون بها و لستم ها برازقين، لأن رزق جميع الحلق على الله تعالى. و بعض الجهال يظنون في أكثر الأمر أنهم هم الذين يرزقون العيال و الخدم و العبيد؛ و ذلك خطأ، فإن الله هو الرزاق يرزق المخدوم والخادم و المملوك و المالك، لأنه تعالى خلق الأطعمة
والأشربة، و أعطى القوة الغاذية و الهاضمة، و إلا لم يحصل لأحد رزق.
فإن قيل: صيغة ( من ) مختصة بمن يعقل؟
أجيب: بأنه تعالى أثبت لجميع الدواب رزقا على الله تعالى؛ حيث قال: «وَمَا مِن دَابَّهٍ فِی الْأَرْضِ إِلاَ عَلَی اللَّهِ رِزْقُهَا وَیَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا» هود:6 ، فغلب من يعقل على غيره. (197:2)
البروسوي: و هو عطف على «معايش» کأنه قيل: جعلنا لكم معایش و جعلنا لكم من لستم له برازقیه، من العيال و المماليك و الخدم والدواب وما أشبهها، على طريقة التغليب، و ذكرهم بهذا العنوان الرد حسبانهم أنهم يكفون مؤوناتهم، ولتحقيق أن الله تعالى هو الذي يرزقهم و إياكم، أو عطف على محل «لكم » و هو النصب، كأنه قيل: و جعلنا لكم معایش و لمن لستم له براز قين، فيكون من عطف الجار والمجرور على الجار والمجرور . (452:4)
نحوه الآلوسي. (29:14)
سيد قطب: وهي الأرزاق المؤهلة للعيش و الحياة فيها. و هي كثيرة شتى، يجملها السياق هنا و يبهمها، لتلقي ظل الضخامة، كما أسلفنا. جعلنا لكم فيها معايش، و جعلنا لكم كذلك « مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ»، فهم يعيشون على أرزاق الله التي جعلها لهم في الأرض، و ما أنتم إلا أمة من هذه الأمم التي لاتحصى، أمة لاترزق سواها، إنما الله يرزقها ويرزق سواها، ثم يتفضل عليها فيجعل لمنفعتها و متاعها و خدمتها أمما أخرى، تعیش من رزق الله، و لا تكلفها شيئا.
هذه الأرزاق ككل شيء مقدرة في علم الله تابعة الأمره و مشيئته، يصرفها حيث يشاء و كما يريد، في الوقت الذي يريده حسب ستته التي ارتضاها، وأجراها في الناس و الأرزاق. (2134:4)
ابن عاشور: «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ»نفي أن يكونوا رازقیه، لأن الرزق الإطعام، و مصدر رزقه: الرزق بفتح الراء. و أما الرزق بكسر الراء، فهو الاسم، و هو القوت. (29:13)
مغنية: و كل حي في الأرض لسنا نحن له برازقين ولا مكلفين برزقه، و إنما الغرض من هذه الإشارة أن نعلم أن جميع الأحياء تعيش على رزق الله، و لاحي یرزق حیا سواه إطلاقا، حتى الأطفال الذين نعول، والدواب و الأنعام التي نملك، فإن رزقها جميعا على الله وحده، لاعلى غیره. (472:4)
الطباطبائي: و قوله: «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ»معطوف على الضمير المجرور في «لكم »على ما ذهب إليه من النحاة الكوفيون ويونس و الأخفش من جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. و أما على قول غيرهم فربما يعطف علی «معایش»، و التقدير : و جعلنا لكم من لستم له برازقین کالعبيد و الحيوان الأهلي. و ربما جعل (من) مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير : و من لستم له برازقين جعلنا له فيها معايش، و هذا كله تكلف ظاهر.
و كيف كان المراد با ( من ): العبيد و الدواب على ما قيل، أتي بلفظة ( من ) و هي لأولي العقل تغليبا، هذا.
و ليس من البعيد أن يكون المراد به كل ماعدا الإنسان من الحيوان والنبات و غيرهما، فإنها تسأل الرزق كما يسأ له العقلاء، و من دأبه سبحانه في كلامه أن يطلق الألفاظ المختصة بالعقلاء على غيرهم، إذا أضيف إليها شيء من الآثار المختصة بهم، كقوله تعالى في الأصنام:«فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ»، الأنبياء : 93، و قوله: «فانهم عدولی »، الشعراء: 77، إلى غير ذلك من الآيات المتعرضة لحال الأصنام التي كانوا يعبدونها، ولا يستقيم للمعبود إلا أن يكون عاقلا، و كذا قوله:« فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» ، فصلت : 11، و غير ذلك.
والمعنى: و جعلنا لكم معشر البشر في الأرض أشياء تعيشون بها ما دام به الحياة، و لغيركم من أرباب الحياة مثل ذلك. ( 140:12)
مکارم الشيرازي: و انقسم المفسرون في تفسير «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ» إلى قسمين:
الأول: أن الله تعالى يريد أن يبين مواهبه و نعمه الشاملة للبشر و الحيوان، و الكائنات الحية الأخرى التي لا يملك الإنسان أمر تغذيتها و لا يستطيعه.
الثاني: أن الله تعالى يريد تذكير الإنسان بأنه سبحانه هو الرازق، و قد تكفل بإيصال رزقه إلى كل محتاج إليه، سواء كان بواسطة الإنسان أو بواسطة أخرى.
و يبدو لنا أن التفسير الأول أكثر صوابا، و يعزز ذلك الحديث المروي في تفسير علي بن إبراهيم؛ حيث يتناول معنى «وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ»على أنه لكل ضرب من الحيوان قدرنا له مقدرا. (48:8)
فضل الله:«وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِینَ» من مخلوقات سخرناها لكم، دون أن نجعل رزقها عليكم، كالحيوانات و غيرها، بل تكلفنا برزقها في هذا العرض السريع؛ حيث تلتقي العظمة بالنعمة، و تنطلق الحياة ضمن نظام متوازن زاخر بالروعة والجمال، و يتحرك الإنسان في رعاية الله و حمايته التي تدبر كل شؤونه و أموره، حتى يشعر بأن الحياة كلها له و في خدمته، ليشكره على ذلك من موقع الإحساس بضرورة الانسجام في حركته مع النظام الكوني الذي أراد الله أن لا يسيء إليه الإنسان بالانحراف عن غاياته و مقاصده.
وهكذا نجد في هذا الجو الكوفي ما يدفع الإنسان إلى الشعور بالروحانية الفياضة بالرحمة واللطف الإلهيين، ليرتبط بالله أكثر إحساسا بارتباط کل وجوده به، في كل شيء، و مع كل شيء، و بذلك يلتقي في داخله جانب الإحساس بجانب التصور في حالة مشرقة من وضوح الرؤية و سلامة الشعور . (151:13)
يرزقنهم - الرازقين
1- «وَ الَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللّهُ رِزْقاً حَسَناً وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ » الحج : 58
الحسن: هو رزق الجنة.
مثله السدي . (الطبرسي" 4 : 93)
الكلبي: رزقا حسنا حلالا، و هو الغنيمة. (الفخر الرازي 57:23)
الطبري: «رِزْقاً حَسَناً »، يعني بالحسن: الكريم، و إنما يعني بالرزق الحسن: الثواب الجزيل.
«وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ »، يقول: إن الله هو خير من بسط فضله على أهل طاعته و أكرمهم. (182:9)
الأم: إنه العلم و الفهم. (الفخر الرازي 57:23 )
البغوي: و الرزق الحسن الذي لا ينقطع أبدا هو رزق الجنة،«وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ » قيل: هو قوله: «بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» آل عمران : 169 . (349:3)
المیبدي: يعني الجنة و نعيمها، و قيل: الشهادة ثم الجنة، و قيل: العلم و الحكمة في الدنيا، و قيل: الرزق الحسن: الذي يأتي من غير سؤال، ومن غير شره التفس إليه.[إلى أن قال: ]
«وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ »، لأن كل معط يفنى عطاؤه إلا الله، و لأن المخلوق إذا غضب حرام رزقه و إن الله تعالى لا يحرم. (369:6)
ابن عطية: و الرزق الحسن: يحتمل أن يريد به رزق الشهداء عند ربهم في البرزخ، و يحتمل أن یرید بعد يوم القيامة في الجنة.(130:4)
الطبرسي: و الرزق الحسن: ما إذا رآه لاتمتد عينه إلى غيره، و هذا لا يقدر عليه غير الله تعالى، ولذلك قال: «وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ »، و قيل: بل هو مثل قوله:«بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ»آل عمران: 169. (93:4)
الفخر الرازي: و فيه مسائل :
المسألة الأولى: لا شبهة في أن الرزق الحسن هو نعيم الجنة. و قال الأصم: إنه العلم والفهم ، كقول شعيب علیه السلام: «وَرَزَقَنِی مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً» ، هود: ،88 فهذا في الدنيا، و في الآخرة الجتة. وقال الكلبي:«رِزْقاً حَسَناً»، حلالا ، و هو الغنيمة. و هذان الوجهان ضعیفان، لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل الله بعد القتل و الموت، و بعدهما لا يكون إلا نعیم الجنة.[ إلى أن قال :]
المسألة الثالثة: اختلفوا في معنى قوله:«وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ » - مع العلم بأن كل الرزق من عنده - على وجوه:
أحدها: التفاوت، إنما كان بسبب أنه سبحانه مختص بأن يرزق ما لا يقدر عليه غيره.
و ثانيها: أن يكون المراد أنه الأصل في الرزق، و غيره إما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله تعالى.
و ثالثها: أن غيره ينقل الرزق من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل نفس الرزق.
و رابعها: أن غيره إذا رزق، فإنما يرزق لانتفاعه به: إما لأجل أن يخرج عن الواجب، و إما لأجل أن يستحق به حمدا أو ثناء، و إما لأجل دفع الرقة الجنسية، فكان الواحد منا إذا رزق فقد طلب العوض. أما الحق سبحانه فإن كما له صفة ذاتية له، فلا يستفيد من شيء كما زائدا، فكان الرزق الصادر منه لمحض
الإحسان.
وخامسها: أن غيره إنما يرزق لو حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل، و تلك الإرادة من الله، فالرازق في الحقيقة هو الله تعالى.
وسادسها: أن المرزوق يكون تحت منة الرازق، و منة الله تعالى أسهل تحملا من منة الغير، فكان هو خير الرازقين.
و سابعها: أن الغير إذا رزق، فلو لا أن الله تعالى أعطى ذلك الإنسان أنواع الحواس، و أعطاه السلامة و الصحة و القدرة على الانتفاع بذلك الرزق، لما أمكنه الانتفاع به، و رزق الغير لابد أن يكون مسبوقا برزق الله و ملحوقا به، حتى يحصل الانتفاع. و أما رزق الله تعالى، فإنه لا حاجة به إلى رزق غيره؛ فثبت أنه سبحانه خير الرازقين. (57:23)
النيسابوري: «وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ » لأن رزق غيره ينتهي إليه، و غیره لا يقدر على مثل رزقه، و لأن رزقه لايختلط بالمن و الأذى، و لا بغرض من الأغراض الفاسدة، و لأنه يرزق و يعطي ما به يتم الانتفاع بالرزق، من القوى والحواس و غير ذلك من الشرائط الوجودية و العدمية.
قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أن غير الله يقدر على الفعل و هو الرزق. و يمكن أن يجاب بأنه مجاز، أو على سبيل الفرض والتقدير. ( 113:17)
الخازن: فإن قلت: الرازق في الحقيقة هو الله عز وجل، لا رازق للخلق غيره، فكيف قال:«وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ » ؟
قلت: قد يسمى غير الله رازقا على المجاز، كقوله: رزق السلطان الجند، أي أعطاهم أرزاقهم، و إن الرزاق في الحقيقة هو الله تعالى. وقيل: لأ به الله تعالى يعطي الرزق ما لا يقدر عليه غيره. (21:5)
أبو حيان: [نقل الأقوال في الرزق الحسن كما تقدم عن الفخر الرازي و أضاف:]
والظاهر أن«خَيْرُ الرّازِقِينَ »أفعل تفضيل، والتفاوت أنه تعالى مختص بأن يرزق بما لا يقدر عليه غيره تعالى، و بأنه الأصل في الرزق، و غيره إنما يرزق بما له من الرزق من جهة الله. (384:6)
الشربيني: فإنه يرزق بغير حساب، يرزق الخلق عامة البار منهم و الفاجر . [ثم أدام نحو الخازن]
(562:2)
البروسوي: مرزوقا حسنا، و المراد: نعيم الجنة غير المنقطع أبدا،«وَ إِنَّ اللّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ » فإنه يرزق بغير حساب، مع أن ما يرزقه لا يقدر عليه أحد غيره. و الرزق: العطاء الجاري دنيويا كان أو أخروا. (52:6)
الآلوسي: «ليرزقهم الله »: جواب لقسم محذوف، والجملة خبره على الأصح من جواز وقوع القسم و جوابه خبرا، و من منع أضمر قولا هو الخبر، و الجملة محكية به، و قوله سبحانه: «رزقا حسنا» إما مفعول ثان ل«يرزق» على أنه من باب النقض والذبح، أي مرزوقا حسنا، أو مصدر مبين للنوع، والمراد به عند بعض: ما يكون للشهداء في البرزخ من الرزق. [إلى أن قال: ]
وقد نص سبحانه في آية أخرى على أن الذين يقتلون في سبيل الله تعالى أحياء عند ربهم یرزقون، و ليس ذلك في تلك الآية إلا في البرزخ .
وقال آخرون:
المراد به: ما لا ينقطع أبدا من نعيم الجنة. ورد بأن ذلك لا اختصاص له من هاجر في سبيل الله ثم قتل أو مات، بل يكون للمؤمنين كلهم.
و تعقب بأن عدم الاختصاص ممنوع، فإن تنکیر «رزقا » يجوز أن يكون للتنويع، و يختص ذلك النوع بأولئك المهاجرين.
وقيل: المراد تشریفهم و تبشيرهم بهذا الوعد الصادر من لايخلف الميعاد، المقترن بالتأكيد القسمي. و يكفي ذلك في تفضيلهم على سائر المؤمنين، كما في المبشرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وفيه نظر. [إلى أن قال: ]
« و إن الله لهُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ» فإنه جل وعلا يرزق بغير حساب، مع أن ما يرزقه قد لا يقدر عليه أحد غيره سبحانه، أن غيره تعالى إنمایرزق مما رزقه هو جل شأنه. و استدل بذلك على أنه قد يقال لغيره تعالی: رازق، والمراد به معط. و الأولى عندي أن الايطلق رازق على غيره تعالى، وأن لا يتجاوز عما ورد.
وأما إسناد الفعل إلى غيره تعالی، کرزق الأمير الجندي و أرزق فلانا من كذا، فهو أهون من إطلاق رازق، و لعله مما لابأس به. و صرح الراغب بأن الرزاق لايقال إلا لله تعالى، و الجملة اعتراض تذييلي مقرر لما قبله. ( 188:17 )
ابن عاشور: والرزق: العطاء، وهو كل ما يتفضل به من أعيان و منافع، و وصفه بالحسن لإفادة أنه يرضيهم بحيث لا يتطلبون غيره، لأنه لا أحسن منه.
[إلى أن قال:]
وقعت جملة: «و إن الله لهو خير الرازقين»معترضة بين البدل و المبدل منه، و صريحها الثناء على الله. و کنایتها التعريض، بأن الرازق الذي يرزقهم الله هو خير الأرزاق، لصدوره من خير الرازقين.
وأكدت الجملة بحرف التوكيد ولامه وضمير الفصل تصوير العظمة رزق الله تعالى. (17 : 224)
2-« أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرٰاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ». المؤمنون : 72
الجبائي: دل قوله تعالى:«وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ »على أن أحدا من العباد لا يقدر على مثل نعمه و رزقه ولا يساويه في الإفضال على عباده، و دل أيضا على أن العباد قد یرزق بعضهم بعضا، و لولا ذلك لما جاز أن يقول: «وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ».
(الفخر الرازي 112:23)
الطبري: يقول: و الله خير من أعطى عوضا على عمل، و رزق رزقا. (235:9)
الطوسي: يعني الله خير من يرزق. و في ذلك دلالة على أن غير الله قد يرزق بإذنه، ولولا ذلك لم يجز «خير الرازقين».(383:7)
نحوه الطبرسي.(113:4)
الواحدي: أفضل من أعطی و آجر. (3: 295)
الميبدي: أي أدومهم عطاء.(455:6)
القرطبي: أي ليس يقدر أحد أن يرزق مثل رزقه، و لا ينعم مثل إنعامه. و قيل: أي ما يؤتيك الله من الأجر على طاعتك له. (141:12)
أبو حيان : [نقل کلام الجبائي و أضاف:]
و هذا مدلول «خیر» الذي هو أفعل التفضيل، و مدلول «الرازقين » الذي هو جمع أضيف إليه أفعل التفضيل. (415:6)
البروسوي: أي خير من أعطى عوضا على عمل، لأن ما يعطيه لا ينقطع ولا يتكدر، و هو تقدیر الخيرية خراجه تعالى. (96:6)
فضل الله: لأنه يرزق الإنسان من موقع الغنى المطلق، و الرحمة الواسعة، بينما ينطلق الآخرون من موقع الفقر و المنة على من يرزقونه. ( 176:16)
3 - قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و يقدر له و ما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خیر الرازقين. سبأ : 39
الزمخشري: إن كل ما رزق غيره: من سلطان يرزق جنده، أو سيد يرزق عبده، أو رجل يرزق عياله، فهو من رزق الله، أجراه على أيدي هؤلاء، و هو خالق الرزق و خالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. (292:3)
نحوه النسفي (328:3)، و الخازن (241:5)
ابن عطية : و أما قوله: «خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ »فمن حيث يقال في الإنسان: إنه يرزق عياله، والأمير جنده، لكن ذلك من مال يملك عليهم، و الله تعالى من خزائن لاتفنى، و من إخراج من عدم إلى وجود.(423:4)
الطبرسي: «وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ» ، لأنه يعطي لمنافع عباده لا لدفع ضرر أو جر نفع، لاستحالة المنافع والمضار عليه. (394:4)
الفخر الرازي: إشارة إلى أن نعيم الآخرة لاينافي نعمة الدنيا، بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم مع القطع بحصول النعيم لهم في العقبی، بناء على الوعد قطعا لقول من يقول: إذا كانت العاجلة لنا والآجلة لهم فالنقد أولى، فقال : هذا النقد غير مختص بكم، فإن كثيرا من الأشقياء مدقعون، و كثير من الأتقياء ممتعون، و فيه مسائل:
الأولى: [في الأموال والأولاد إلى أن قال:]
وخيرية الرازق في أمور:
أحدها:أن لا يؤخر عن وقت الحاجة.
والثاني: أن لا ينقص عن قدر الحاجة.
والثالث: أن لا ينكده بالحساب.
والرابع: أن لا يكدره بطلب التواب و الله تعالى كذلك.
أما الأول: فلأنه عالم و قادر. والثاني: فلانه غني واسع، و الثالث: فلانه کریم، و قد ذكر ذلك بقوله: «يرزق من يشاء بغير حساب » البقرة : 212، و ما ذكرنا هو المراد، أي يرزقه حلالا يحاسبه عليه. والرابع : فلاته علي كبير، والثواب يطلبه الأدنى من
الأعلى، ألا ترى أن هبة الأعلى من الأدنى لا تقتضي ثوابا ؟ . [إلى أن قال:|
المسألة الثالثة: قوله: «خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ »ينبئ عن كثرة في الرازقين، ولا رازق إلا الله، فما الجواب عنه؟ فنقول عنه جوابان:
أحدهما: أن يقال : الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين، و كذلك في قوله تعالى: «أحسن الخالقين » الصافات : 125.
و ثانيهما: هو أن الصفات منها: ما حصل لله و للعبد حقيقة، و منها: مايقال لله بطريق الحقيقة و للعبد بطريق المجاز، و منها: ما يقال لله بطريق الحقيقة ولا يقال للعبد لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز، العدم حصوله للعبد لا حقيقة ولاصورة.
مثال الأول: العلم، فإن الله يعلم أنه واحد، و العبد يعلم أنه واحد بطريق الحقيقة، و كذلك العلم بكون النار حارة، غاية ما في الباب أن علمه قدیم و علمنا حادث.
مثال الثاني: الرازق و الخالق، فإن العبد إذا أعطى غيره شيئا، فإن الله هو المعطي، و لكن لأجل صورة العطاء منه سمي معطيا، كما يقال للصورة المنقوشة على الحائط: فرس و إنسان.
مثال الثالث: الأزلي و الله و غيرهما، و قد يقال في أشياء في الإطلاق على العبد حقيقة و على الله مجازان کالاستواء و النزول و المعية و يد الله و جنب الله. (262:25)
القرطبي: لما كان يقال في الإنسان: إنه يرزق عياله و الأمير جنده، قال: «وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ» و الرازق من الخلق يرزق، لكن ذلك من مال بملك عليهم ثم ينقطع، و الله تعالى يرزق من خزائن لاتفنى ولا تتناهی، و من أخرج من عدم إلى الوجود فهو الرازق على الحقيقة، كما قال: «إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ » الذاريات : 58 . (308:14)
البروسوي: أي خير من أعطى الرزق، فإن غيره کالسلطان و السيد و الرجل بالنسبة إلى جنده و عبده و عياله، واسطة في إيصال رزقه، و لاحقيقة الرازقيته، و الله تعالى يعطي الكل من خزائن لاتفنى. (302:7)
الشوكاني: فإن رزق العباد لبعضهم البعض إنما هو بتيسير الله و تقدیره، و ليسوا برازقين على الحقيقة بل على طريق المجاز، كما يقال في الرجل: إنه يرزق عياله، و في الأمير: إنه يرزق جنده، و الرازق للأمير و المأمور و الكبير والصغير هو الخالق لهم، و من أخرج من العباد إلى غيره شيئا مما رزقه الله، فهو إنما تصرف في رزق الله له، فاستحق بما خرج منه الثواب عليه المضاعف، لامتثاله لأمر الله، و إنفاقه فيما أمره الله. (414:4)
الآلوسي: معنى «الرازقين» : الموصلين للرزق و الموهبين له، فيطلق الرازق حقيقة على الله عز و جل و على غيره، و يشعر بذلك «فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ» النساء: 8. نعم، لا يقال لغيره سبحانه: رازق، فلا إشكال في قوله سبحانه: «وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ»، و وجه الأخيرة في غاية الظهور. و قيل: إطلاق الرازق على
غيره تعالی مجاز، باعتبار أنه واسطة في إيصال رزقه تعالى، فهو رازق صورة، فاستشكل أمر التفضيل بأنه لابد من مشاركة المفضل للمفضل عليه في أصل الفعل حقيقة لاصورة.
وأجاب الآمدي: بأن المعني خير من تسمى بهذا الاسم، و أطلق عليه حقيقة أو مجازا، و هو ضرب من عموم المجاز.(150:22)
ابن عاشور:« خير» بمعنى أخیر، لأن الرزق الواصل من غيره تعالى إنما هو من فضله، أجراه على يد بعض مخلوقاته. فإذا كان تیسیره برضى من الله على المرزوق و وعد به، كان ذلك أخلق بالبركة والدوام. و ظاهر الآية أن إخلاف الرزق يقع في الدنيا و في الآخرة. (83:22)
الطباطبائي: فقوله في صدر الآية: «قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يَقْدِرُ » للإشارة إلى أن أمر الرزق في سعته و ضيقه إلى الله سبحانه، لا ينقص بالإنفاق و لا يزيد بالإمساك، ثم قال:«وَ مٰا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ» قليلا كان أو كثيرا، و أياما كان من المال «فهو يخلفه »، و يرزقكم بد له إما في الدنيا و إما في الآخرة،«وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ» فإنه يرزق جوداء و رزق غيره معاملة في الحقيقة و معاوضة، و لأنه الرازق في الحقيقة، و غيره ممن يسمی رازقا واسطة الوصول الرزق. (385:16)
مکارم الشيرازي: جملة «وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ» ذات معنى واسع، و يمكن الإفادة منها من وجوه مختلفة:
هو خير من يعطي رزقا، لأنه يعلم ماذا يعطي وإلى أي حد؛ بحيث لا يكون ما يعطيه عاملا للفساد والغرور، لأنه عالم بكل شيء.
هو يعطي أي شيء يريد أن يعطيه، لأنه قادر على كل شيء. ولا يريد جزاء على ما يعطيه، لأنه غني بذاته. و يعطي ابتداء، لأنه حکیم و عالم بكل شيء. بل الحقيقة أنه ليس من رزاق غيره، لأن أي معط إنما يعطي مما رزقه الله، و بذا فهو ليس سوى واسطة انتقال لارزاقا.
و كذلك فهو تعالى يعطي النعم الباقية قبال المال الفاني، و الكثير مقابل القليل. ( 426:13)
فضل الله: هو مصدر نظام الرزق في الحياة، و هو ضمانة استمراره في تلبية حاجات الإنسان، فمنه يستمد الثقة الكبيرة بالاستقرار والطمأنينة في ذلك، فهو الذي يعطي السعة لمن يريد أن يوسع عليه، و يضيق على من يرى المصلحة و الحكمة أن يضيق عليه. [إلى أن قال:]
«وَ هُوَ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ»لأنه الذي لا يمنع أحدا رزقه ممن أطاعه و ممن عصاه، من دون حاجة إلى أي شيء من المرزوقين. (57:19)
4- «وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً قُلْ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجٰارَةِ وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ » .الجمعة : 11
ابن عباس : أفضل المعطين. (472)
الطبري: و الله خير رازق، فإليه فارغبوا في طلب أرزاقكم، و إياه فاسألوا أن يوسع عليكم من فضله
دون غيره. (99:12)
البغوي: لأنه وجد الأرزاق، فإياه فاسألوا و منه فاطلبوا، فهو موجود على الدوام، لا يخيب من سأله، لأنه أكرم الأكرمين. (97:5)
الميبدي: فإياه فاسألواو منه فاطلبوا، فإنه الرازق على الحقيقة، لأنه المبدع للرزق، المخرج له عن حد العدم. (105:10)
ابن الجوزي: لأنه يرزق من يؤمن به ويعبده، و من يكفر به و يجحده، فهو يعطي من سأل، و يبتدئ من لايسأل، و غيره إنما يرزق من يرجو منفعته، و يقبل على خدمته. (270:8)
الفخر الرازي: هو من قبيل «احکم الحاکمین» هود: 45، و «احسن الخالقين » المؤمنون: 14، والمعنى: إن أمكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين. و قيل: لفظ الرازق لا يطلق على غيره إلا بطريق المجاز، ولا يرتاب في أن الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق المجاز. ( 11:30)
القرطبي: أي خير من رزق و أعطى، فمنه فاطلبوا، و استعينوا بطاعته علی نیل ماعنده من خيري الدنيا والآخرة. ( 120:18)
ابن عاشور: لأن الله يرزق الرزق لمن يرضى عنه سليما من الأكدار والآثام، و لأنه يرزق خیر الدنيا و خير الآخرة، و ليس غير الله قادرا على ذلك. والناس في هذا المقام درجات لا يعلمها إلا الله، و هو العالم بالسرائر. (206:28)
فضل الله: لأن كل الذين يعتبرهم الناس رازقين بالمباشرة، هم المرزوقون الذين يستمدون رزقهم من الله الذي هو الرازق الحقيقي للكون كله، و كل من عداه و ما عداه، فهو صدى لإرادته. و لذلك فإن معنى التفضيل في كلمة «خیر» لم يأت للمفاضلة في ما هو القاسم المشترك في الحقيقة، و لكن في ما هو الظاهر في النظرة الساذجة للموضوع، التي تكتفي بالسطح، ولا تنفذ إلى العمق، لأنه هو وحده عمق الوجود كله و سره و معناه. (221:22)
رزق - الرزاق
«مٰا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ مٰا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. `إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ ». الذاریات: 57 ، 58
البغوي: أي أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم.[ إلى أن قال:]
«إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ »يعني لجميع خلقه. ( 4: 288)
الميبدي: ما أريد منهم أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم. [إلى أن قال: ]
ثم بين أن الرازق هو لا غيره، فقال: «إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ» لجميع خلقه، التفاع لغيره لا ينفعه شيء.(324:9)
الزمخشري: قال [الله] لهم: اشتغلوا بما يسعدكم في أنفسكم، و لا أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي ولا رزقکم، و أنا غني عنكم و عن مرافقكم، و متفضل عليكم برزقكم وما يصلحكم، و يعيشكم من عندي، فما هو إلا أنا وحدي. (21:4)
ابن عطية: و قوله: «من رزق »أي أن يرزقوا
أنفسهم ولاغيرهم. (183:5)
الفخر الرازي: فيه لطائف نذكرها في مسائل:
المسألة الأولى: ما الفائدة في تكرار الإرادتين؟[ فلاحظ: رود: «آری»]
المسألة الثانية: لم قدم طلب الرزق على طلب الإطعام؟
نقول: ذلك من باب الارتقاء، كقول القائل: لا أطلب منك الإعانة و لا من هو أقوى، ولا يعكس. ويقال : فلان يكرمه الأمراء بل السلاطين، و لا يعكس.
فقال : هاهنا لا أطلب منكم رزقا و لاماهو دون ذلك، و هو تقديم طعام بين يدي السيد، فإن ذلك أمر كثير الطلب من العباد، و إن كان الكسب لايطلب منهم.
المسألة الثالثة: لو قال: ما أريد منهم أن يرزقون، وما أريد منهم من طعام، هل تحصل هذه الفائدة؟
نقول على مافصل: لا، وذلك لأن بالتكسب يطلب الغنى لا الفعل، فإن من اشتغل بشغل و لم يحصل له غنى لا يكون كمن حصل له غنی، و إن لم يشتغل، کالعبد المتكسب إذا ترك الشغل لحاجته و وجد مطلبا يرضى منه السيد إذا كان شغله التكسب.و أمامن يراد منه الفعل لذات الفعل، کالجائع إذا بعث عبده الإحضار الطعام، فاشتغل بأخذ المال من مطلب، فربما لایرضی به السيد، فالمقصود من الرازق: الغني، فلم يقل بلفظ الفعل، و المقصود من الإطعام: الفعل نفسه، فذكر بلفظ الفعل، و لم يقل: و ما أريد منهم من طعام، هذا مع ما في اللفظين من الفصاحة و الجزالة للتنويع.
المسألة الرابعة: إذا كان المعني به ما ذكرت، فما فائدة الإطعام و تخصیصه بالذكر، مع أن المقصود عدم طلب فعل منهم غير التعظيم؟
نقول: لما عمم في المطلب الأول، اكتفى بقوله: «من رزق »، فإنه يفيد العموم، و أشار إلى التعظيم فذكر الإطعام؛ و ذلك لأن أدنى درجات الأفعال أن يستعين السيد بعبده أو جاريته في تهيئة أمر الطعام، و نفي الأدني يستتبعه نفي الأعلى بطريق الأولى، فصار كأنه تعالى قال: ما أريد منهم من عين ولاعمل.
المسألة الخامسة: على ما ذكرت لاتنحصر المطالب فيما ذكره، لأن السيد قد يشتري العبد لا لطلب عمل منه، و لا لطلب رزق ولا للتعظيم، بل يشتريه للتجارة و الربح فيه. نقول: عموم قوله: «مٰا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ » يتناول ذلك، فإن من اشتری عبدا ليتجر فيه، فقد طلب منه رزقا .
المسألة السادسة: «ما أريد» في العربية يفيد الفي في الحال. [فلاحظ]
ثم قال تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ ذُو اَلْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ »تعليلا لما تقدم من الأمرين، فقوله: «هُوَ اَلرَّزّٰاقُ » تعليل لعدم طلب الرزق، وقوله تعالى: «ذُو اَلْقُوَّةِ» تعليل لعدم طلب العمل، لأن من يطلب رزقا یکون فقیرا محتاجا، و من يطلب عملا من غيره يكون عاجزا لاقوة له،فصار كأنه يقول: ما أريد منهم من رزق، فإني أنا الرزاق، و لاعمل، فإني قوي.
و فيه مباحث: الأول: قال: «ما اريد» ولم يقل: إني رزاق، بل قال على الحكاية عن الغائب: «إِنَّ اَللّٰهَ »
فما الحكمة فيه؟
نقول: قد روي أن النبي صلی الله علیه و آله قرأ (إني أنا الرزاق) على ما ذكرت، و أما القراءة المشهورة ففيها وجوه:
الأول: أن يكون المعني قل يا محمد: «إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ».
الثاني: أن يكون ذلك من باب الالتفات و الرجوع من التكلم عن النفس إلى التكلم عن الغائب.
و فيه هاهنا فائدة، وهي أن اسم الله يفيد كونه رزاقا، و ذلك لأن الإله بمعنى المعبود، كما قلنا مرارا و تمسكنا بقوله تعالى: «وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ » الأعراف : 127، أي معبوديك؛ و إذ كان الله هو المعبود و رزق العبد استعمله في غير الكسب؛ إذ رزقه على السيد، و هاهنا لما قال: «وَماخَلَقْتُ الْجِنَ وَالْإِنْسَ إِلّا لِیَعْبُدُونِ» فقد بين أنه استخلصهم لنفسه و عبادته، و كان عليه رزقهم، فقال تعالى: «إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ»بلفظ «الله »الدال على كونه رزاقا، و لوقال: إني أنا الرزاق، لحصلت المناسبة التي ذكرت، و لكن لايحصل ما ذكرنا.
الثالث: أن يكون «قل» مضمرا عند قوله تعالى: «ما أريد منهم»، تقديره: قل يا محمد: «ما أُرِیدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ »، فيكون بمعنى قوله:«قُلْ ما أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَجْرٍ »الفرقان : 57، و يكون على هذا قوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ» من قول النبي صلی الله علیه و آله ، و لم يقل: القوي، بل قال: «ذو القوة» ، و ذلك لأن المقصود تقرير ما تقدم من عدم إرادة الرزق، و عدم الاستعانة بالغير. و لكن في عدم طلب الرزق لا يكفي کون المستغني بحيث يرزق واحدا، فإن كثيرا من الناس يرزق ولده و غيره و يسترزق، و الملك يرزق الجند و يسترزق. فإذا كثر منه الرزق قل منه الطلب، لأن المسترزق من يكثر الرزق لا يسترزق من رزقه، فلم يكن ذلك المقصود يحصل له إلا بالمبالغة في وصف الرزق، فقال: «الرزاق». (234:28)
نحوه الشربيني. (109:4)
البيضاوي: أي ما أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي، فاشتغلوا بما أنتم کالمخلوقين له و المأمورین به. والمراد: أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصیل معايشهم، و يحتمل أن يقدر ب «قل» فیکون بمعنى قوله: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ».
«إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ» الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق، و فيه إيماء باستغنائه عنه. و قرئ ( أنا الرزاق).
(424:2)
نحوه الكاشاني.(76:5)
الخازن: أي ما أريد أن يرزقوا أحدا من خلقي ولا أن يرزقوا أنفسهم، لأني أنا الرزاق المتكفل العبادي بالرزق، القائم لكل نفس بما يقيمها من قوتها. (206:6)
أبو السعود: أي ما أريد أن أصرفهم في تحصيل رزقي ولا رزقهم، بل أتفضل عليهم برزقهم وبما يصلحهم و يعيشهم من عندي، فليشتغلوا بما خلقوا له من عبادتي، «إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ» الذي يرزق كل ما
يفتقر إلى الرزق، و فيه تلويح بأنه غني عنه.( 142:6)
البروسوي: [نحو أبي العود و أضاف: ]
هذه الآية دليل على أن الرزق أعم من الأكل كما في تفسير المناسبات. [إلى أن قال: ]
«إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ» تعليل لعدم إرادة الرزق منهم، وهو من قصر الصفة على الموصوف، أي لارزاق إلا الله الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق، و فيه تلويح بأنه غني عنه. (181:9)
الآلوسي: [ذكر كلام الفخر وغيره، ثم قال:]
«إِنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلرَّزّٰاقُ» الذي يرزق كل مفتقر إلى الرزق لاغيره سبحانه استقلالا أو اشتراکا.و يفهم من ذلك استغناؤه عز و جل عن الرزق. ( 23:27)
ابن عاشور: فقوله: «ما أُريدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ »كناية عن عدم الاحتياج إليهم، لأن أشد الحاجات في العرف حاجة الناس إلى الطعام و اللباس والسكن، و إنما تحصل بالرزق و هو المال، فلذلك ابتدأ به ثم عطف عليه الإطعام، أي إعطاء الطعام، لأنه أشد ما يحتاج إليه البشر، و قد لايجده صاحب المال إذا قحط الناس، فيحتاج إلى من يسلفه الطعام أو يطعمه إياه. و في هذا تعريض بأهل الشرك؛ إذ يهدون إلى الأصنام الأموال و الطعام، تتلقاه منهم سدنة الأصنام.
والرزق هنا: المال، كقوله تعالى: « فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرِّزْقَ»العنكبوت : 17، و قوله: «اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ » الرعد : 26، و قوله: «وَ مَنْ قُدِرَ عَلَیْهِ رِزْقُهُ فَلْیُنْفِقْ مِمّا اتیهُ اللّهُ » الطلاق : 7، و يطلق الرزق على الطعام، كقوله تعالى: «وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا» مريم : 62، و يمنع من إرادته هنا عطف «ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ». (47:27)
مغنية: و معنی: الله هو الرزاق أنه تعالى خلق الأرض للإنسان معاشا، و زوده بجميع الأدوات التي تمكنه من استثمارها من أجل حياته، کالعقل و القوة و السمع والبصر، و قال له: اعمل لدنياك وآخرتك، ولا تعتد إن الله لايحب المعتدين، تماما كما لو أعطيت ولدك مالا و قلت له: تاجر به لمعاشك، و كن أمينا في معاملتك. (159:7)
الطباطبائي: قيل: المراد بالرزق: رزق العباد، و المعنى: ما أريد منهم أن يرزقوا عبادي الذين أرزقهم، وما أريد أن يطعموني نفسي.
وقيل: المراد بالإطعام: تقديم الطعام إليه كما يقدم العبد الطعام إلى سيده و الخادم إلى مخدومه، فیکون المراد بالرزق: تحصيل أصل الرزق، و بالإطعام: تقديم ما حصلوه، و المعني: ما أريد منهم رزقا يحصلونه لي فأرتزق به، و ما أريد منهم أن يقدموا إلي ما ارتزق به وأطعمه.
قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ» تعليل لقوله: «ما أُريدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ .....» والالتفات في الآية من التكلم وحده إلى الغيبة، لإنهاء التعليل إلى اسم الجلالة الذي منه يبتدئ كل شيء و إليه يرجع، كأنه قال: ما أريد منهم رزقا، لأني أنا الرزاق، لأتي أنا الله تبارك اسمه.
والتعبير بالرزاق: اسم مبالغة - و كان الظاهر أن يقال : إن الله هو الرزاق - للإشارة إلى أنه تعالى إذا
كان رازقا وحده كان رزاقا، لكثرة من يرزقه، فالآية نظير قوله : «وَ ما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ » ق: 29.( 18: 388)
رزق
1-... کُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِی الْأَرْضِ مُفْسِدِینَ. البقرة : 60
الطوسي: يعني من النعم التي عددها عليهم من المن والسلوى، و غير ذلك. (271:1 )
البغوي: كلوا من المن والسلوى، و اشربوا من الماء، فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة. (122:1)
نحوه الخازن، (55:1)
الزمخشري: مما رزقكم من الطعام، وهو المن والسلوى و من ماء العيون. وقيل : الماء ينبت منه الزروع والثمار، فهو رزق يؤكل منه و يشرب. (284:1)
ابن عطية : كلوا المن و السلوی، و اشربوا الماء المنفجر من الحجر المنفصل. و بهذه الأحوال حسنت إضافة الرزق إلى الله تعالى، و إلا فالجميع رزقه وإن كان فيه تكسب للعبد.(151:1)
الطبرسي: أي كلوا من النعم التي من الله بها عليكم من المن والسلوى و غير ذلك، و اشربوا من الماء. فهذا كله من رزق الله الذي يأتيكم بلا مشقة ولا مؤنة و لاتبعة، فإن الرزق ما للمرزوق أن ينتفع به، و ليس لأحد منعه منه. (121:1)
الفخر الرازي: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، قالوا: لأن أقل درجات قوله: «کُلُوا وَاشْرَبُوا » الإباحة، و هذا يقتضي کون الرزق مباحا، فلو وجد رزق حرام لكان ذلك الرزق مباحا و حراما، و إنه غير جائز. (97:3)
البيضاوي : يريد به ما رزقهم الله من المن و السلوى و ماء العيون. وقيل: الماء وحده، لأنه يشرب، و يؤكل مما ينبت به. (59:1)
أبو حيان : «مِنْ رِزْقِ اللَّهِ »، (من) لابتداء الغاية ، و يحتمل أن تكون للتبعيض. ولما كان مأكولهم و مشروبهم حاصلين هم من غير تعب منهم ولا تكلف، أضيفا إلى الله تعالى، و هذا التفات؛ إذ تقدم «فقلنا اضرب»، و لو جرى على نظم واحد، لقال: من رزقنا، إلا أن جعلت الإضمار قبل «کلو» مسندا إلى موسى، أي و قال موسى: كلوا واشربوا فلايكون فيه التفات.
«مِنْ رِزْقِ اللَّهِ »، متعلق بقوله: « وَاشْرَبُوا »و هو من إعمال الثاني، على طريقة اختيار أهل البصرة؛ إذ لو كان من إعمال الأول لأضمر في الثاني ما يحتاجه، فكأن يكون: كلوا و اشربوا منه من رزق الله، ولا يجوز حذف « منه » إلا في ضرورة، على ما نص بعضهم، و الضرورة و القليل لا يحمل كلام الله عليهما.
والرزق هنا هو المرزوق، و هو الطعام من المن والسلوى، و المشروب من ماء العيون.
وقيل : هو الماء ينبت منه الزروع والثمار، فهو رزق يؤكل منه و يشرب. وهذا القول يكون فيه «من
رِزْقِ اللَّهِ »، يجمع فيه بين الحقيقة والمجاز، لأن الشرب من الماء حقيقة، و الأكل لا يكون إلا ما نشأ من الماء، الا أن الأكل من الماء حقيقة، فحمل الرزق على القدر المشترك بين الطعام و الماء أولى من هذا القول.
ولما كان مطعو مهم و مشروبهم لاكلفة عليهم ولاتعب في تحصيله، حسنت إضافته إلى الله تعالى، و إن كانت جميع الأرزاق منسوبة إلى الله تعالى، سواء كانت مما تسبب العبد في كسبها أم لا.
و اختص بالإضافة اللفظ «الله »؛ إذ هو الاسم العلم الذي لايشر که فیه أحد الجامع لسائر الأسماء « اَللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ » الروم : 40، « قُلْ مَنْ یَرزُقُکُم من السموات و الاَرض قُلِ اللّه» سبأ : 24، «أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ » النمل: 64، و احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال، لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة، و اقتضى أن يكون الرزق مباحا، فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحا و حراما، و أنه غير جائز.
والجواب: أن الرزق هنا ليس بعام، إذا أريد به المن والسلوى و الماء المنفجر من الحجر، ولا يلزم من حلية معين ما من أنواع الرزق حلبية جميع الرزق. (230:1)
2- «أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ»الأنفال : 4
قتادة: هو الجنة. (الطوسي 91:5)
الطوسي: و الرزق الكريم، قال قتادة: هو الجنة. وقال غيره: هو ما أعد الله لهم و وعدهم به في الجنة من أنواع النعيم. (91:5)
القشيري: وأما الرزق الكريم فيحتمل أنه الذي يعطيه من حيث لا يحتسب، و يحتمل أنه الذي لاينقص بإجرامهم، و يحتمل أنه ما لا يشغلهم بوجوده عن شهود الرزاق، و يحتمل أنه رزق الأسرار بما یکون استقلالها به من المكاشفات. (298:2)
المبيدي: خالص من شوائب الكدر. (6:4)
الزمخشري: نعيم الجنة. يعني لهم منافع حسنة دائمة، على سبيل التعظيم، و هذا معنى الثواب.(142:2)
ابن عطية: يريد به مآكل الجنة و مشاربها. و« کریم » صفة تقتضي رفع المذام، كقولك: ثوب کریم و حسب کریم. (501:2)
الطبرسي: أي خطير كبير في الجنة، وقيل: «کریم » دائم كثير لا يشوبه ضرر و لا يعتريه کدر، ولا يخاف عليه فناء ولانقصان ولاحساب، من قولهم: فلان كريم، إذا كانت أخلاقه محمودة.(519:2)
الفخر الرازي: الرزق الكريم: نعيم الجنة. قال المتكلمون: أما كونه رزقا کریما، فهو إشارة إلى كون تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالإكرام و التعظيم، و مجموع ذلك هو حد الثواب. و قال العارفون: المراد من المغفرة: إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله، و من الرزق الكريم: الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفة الله و محبته. ( 124:15)
الخازن: يعني أن ما أعد لهم في الجنة وصفه بكونه کرا، لأن منافعه حاصلة لهم دائمة عليهم، مقرونة بالإكرام و التعظيم. (6:3)
أبو حيان: و قوله: «و رزق کریم »یرید به ماكل الجنة و مشاربها؟. (458:4)
أبوالسعود: لا ينقضي أمده و لا ينتهي عدده، و هو ما أعد لهم من نعيم الجنة. (3: 78)
البوسوي: لا ينتهي و لا ينقطع، كأرزاق الدنيا. قال في القاموس : رزقا کریما: كثيرا، و قولا كریما:سهلا لينا، و أكرمه و کرمه: عظمه و نزهه. (3: 313)
الآلوسي: و هو ما أعد لهم من نعيم الجنة. لعل وصف الرزق به هنا حقيقة.
وقال بعض المحققين: معنی کون الرزق کریما أن رازقه کریم، و من هنا وصفوه بالكثرة و عدم الانقطاع؛ إذ من عادة الكريم أن يجزل العطاء و لايقطعه، فكيف بأكرم الأكرمين تبارك و تعالى. (168:9)
ابن عاشور: الرازق: اسم لما يزق، أي يعطي للانتفاع به، و وصفه ب «کریم » بمعنى النفيس، فهو وصف حقيقي للرزق، و فعله، «کرم» بضم العين.
والكرم في كل :شيء الصفات المحمودية في صنفه أو نوعه، كما في قوله تعالى: « إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ »النمل: 29، و منه إطلاق الكرم على السخاء و الجود، و الوصف منه کریم. و تصح إرادته هنا على أن وصف الرزق به مجاز عقلي، أي كريم رازقه، فإن الكريم يرزق بوفرة و بغير حساب. (22:9)
الطباطبائي: الرزق الكريم: ما يرتزقون به من نعم الجنة، و قد أراد الله سبحانه بالرزق الكريم: الجنة و نعمها في مواضع من كلامه، كقوله تعالى: « فَالَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَهٌ وَرِزْقٌ کَرِیمٌ * وَالَّذِینَ سَعَوْا فِی آیَاتِنَا مُعَاجِزِینَ أُولئِکَ أَصْحَابُ الْجَحِیمِ»الحج : 50، 51، و غير ذلك. (12:9)
فضل الله: «و رزق کریم » في ما رزقهم من مال و صحة و عافية و أولادو جاه، و من طيبات الحياة الدنيا و لذاتها، مما يعيش فيه المؤمن الشعور برعاية الله له، و کرامته عليه؛ و ذلك هو إحساس المؤمن أمام نعمة الله عليه، فهو يعيش معها الجو الحميم الكريم الذي يعبر عن محبة الله له، كما يستوحي منها الشعور بالمسؤولية في الشكر الروحي والعملي لله في جميع ذلك. (330:10)
وجاء بهذا المعنى قوله تعالى:
3- «وَالَّذینَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فی سَبیلِ اللّه ِ وَالَّذینَ آوَوْا وَنَصَرُوا اُولئِکَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّا لَهُمْ مَغْفِرَهٌ وَرِزْقٌ کَریمٌ »الأنفال : 74
4 -«فَلْیأْتِکمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْیتَلَطَّفْ وَ لا یشْعِرَنَّ بِکمْ أَحَداً » الكهف : 19
الطبري: يقول: فليأتكم بقوت منه تقتاتونه، و طعام تأكلونه. (204:8)
الثعلبي: أي قوت و طعام. (6: 162)
نحوه البغوي. (185:3)
البروسوي: بقوت، وهو ما يقوم به بدن الإنسان. (229:5)
و هكذا جاء في أكثر التفاسير.
5- «وَلَا تَمُدَّنَّ عَیْنَیْکَ إِلَی مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَهَ الْحَیَاهِ الدُّنیَا لِنَفْتِنَهُمْ فِیهِ وَرِزْقُ رَبِّکَ خَیْرٌ وَأَبْقَی»طه : 131
الطوسي: يعني الذي وعدك به في الآخرة من الثواب.
الزمخشري: هو ما ادخر له من ثواب الآخرة الذي هو خير منه في نفسه و أدوم، أو ما رزقه من نعمة الإسلام و النبوة، أو لأن أموالهم الغالب عليها الغصب والسرقة والحرمة من بعض الوجوه، و الحلال «خیر وابقى »، لأن الله لا ينسب إلى نفسه إلا ما حل و طاب دون ما حرم و خبث، و الحرام لا يسمى رزقا أصلا. (560:2)
نحوه النيسابوري. (171:16)
ابن عطية : «و رزق »، الله تعالى الذي أحله للمتقين من عباده «خیرو ابقي »، أي رزق الدنيا خير ورزق الآخرة أبقى، وبين أنه خير من رزق الدنيا.(71:4)
الطبرسي: أي و رزق ربك الذي وعدك به في الآخرة خير مما متعنا به هؤلاء في الدنيا. (37:4)
ابن الجوزي : فيه قولان: أحدهما: أنه ثوابه في الآخرة، والثاني: القناعة. (5: 335)
الفخر الرازي: و الأظهر أن المراد أن مطلوبك الذي تجده من الثواب خير من مطلوبهم و أبقى، لأنه يدوم و لا ينقطع، و ليس كذلك حال ما أوتوه من الدنيا، و يحتمل أن يكون المراد: ما أوتيه من يسير الدنيا إذا قرنته بالطاعة خير لك من حيث العاقبة و أبقى. فذکر الرازق في الدنيا و وصفه بحسن عاقبته إذا رضي به و صبر عليه، و يحتمل أن يكون المراد: ما أعطي من النبوة والدرجات الرفيعة. (136:22)
القرطبي: أي ثواب الله على الصبر و قلة المبالاة بالدنيا أولى، لأنه يبقى و الدنيا تفنى. و قيل: يعني بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من البلاد و الغنائم. (263:11)
البيضاوي: و ما ادخر لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوة «خير» مما منحهم في الدنيا و «ابقی» ، فإنه لا ينقطع. (65:2)
نحوه أبوالسعود . (318:4)
أبو حيان : أي ما ذخر لهم من المواهب في الآخرة «خير» مما متع به هؤلاء في الدنيا،« وابقى» ، أي أدوم.
وقيل: ما رزقهم و إن كان قليلا خیر مارزقوا و إن كان كثيرا، لحلية ذلك و حرمة هذا.
وقيل: ما رزقت من النبوة و الإسلام.
و قيل: مايفتح الله على المؤمنين من البلاد و الغنائم .
و قيل: القناعة. و قيل: ثواب الله على الصبر، و قلة المبالاة بالدنيا. (291:6)
البروسوي: أي ما ادخر لك في الآخرة من الثواب، أو ما أوتيته من يسير الكفاية مع الطاعة،
والرزق يقال للعطاء دنيويا كان أو أخرویا و للنصيب تارة، و لما يوصل إلى الجوف و يتغذى به تارة، «خير» لك مما منحهم في الدنيا، لأنه مع كونه في نفسه أجل ما يتنافس فيه المتنافسون مأمون الغائلة، بخلاف ما منحوه. «وابقی »، فإنه لا يكاد ينقطع أبدا. فعلى العاقل أن يختار الرزق الذي هو الباقي، ولا يلتفت إلى النعيم الذي هو الفاني، و يقنع بما في يده من القوت إلى أن يموت.[ ثم استشهد بأشعار]
ثم إن الرزق المعتبر غاية الاعتبار ما صار غذاء للروح القدسي، من العلم و الحكمة والفيض الأزلي والتجلي. (447:5)
الشوكاني : أي ثواب الله، و ما ادخر لصالحي عباده في الآخرة خير مما رزقهم في الدنيا على كل حال. و أيضا فإن ذلك لا ينقطع، و هذا ينقطع، وهو معنى «و أبقى ».
وقيل: المراد بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من الغنائم و نحوها.
والأول أولى، لأن الخيرية المحققة و الدوام الذي لا ينقطع إنما يتحققان في الرزق الأخروي لاالدنيوي، و إن كان حلالا طيبا: « ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللّهِ باقٍ»النحل: 96. ( 493:3)
الآلوسي: أي ما ادخر لك في الآخرة، أو ما رزقك في الدنيا من النبوة و الهدى.
وادعى صاحب «الكشف »: أنه أنسب بهذا المقام، أو ما ادخر لك فيها من فتح البلاد و الغنائم.
وقيل : القناعة «خیر» مما متع به هؤلاء، لأنه مع كونه في نفسه من أجل ما يتنافس فيه المتنافسون مأمون العائلة، بخلاف ما متعوا به، «و ابقی» فإنه نفسه أو أثره لا يكاد ينقطع کالذي متعوا به.(284:16)
ابن عاشور: فإضافة «رزق ربك» إضافة تشریف، وإلا فإن الرزق كله من الله، و لكن رزق الكافرين لما خالطه و حف به حال أصحابه من غضب الله عليهم، و لما فيه من التبعة على أصحابه في الدنيا و الآخرة، لكفراهم النعمة، جعل كالمنكور انتسابه إلى الله، و جعل رزق الله هو السالم من ملابسة الكفران، و من تبعات ذلك. ( 207:16)
الطباطبائی: المراد به بقرينة مقابلته لما متعوا به من زهرة الحياة الدنيا، هو رزق الآخرة، و هو خير و أبقى. (238:14)
عبدالكريم الخطيب: في قوله تعالى: «وَرِزْقُ رَبِّکَ خَیْرٌ وَأَبْقَی » إشارة إلى ما بين يدي النبي الكريم من رزق عظيم، هو القرآن الكريم، ثم تلك الرسالة الشريفة التي اصطفاه الله لها، و تخيره لتبليغها عنه إلى عباده، فأي رزق خير من هذا الرزق؟ و أي عطاء أكرم و أوفر من هذا العطاء؟ إنه أشرف قدرا، و أعظم أثرا، و أخلد ذكرا من كل ما في هذه الدنيا من مال و متاع. (841:8)
فضل الله: بما يهيئه لك من رزق الدنيا والآخرة، فهو الأقرب إلى صلاحك في الدنيا، في ما يصلح لك فيه أمر حياتك، و هو الأقرب إلى سعادتك في الآخرة في ما يقرر لك سعادتك في مصيرك، فتطلع إليه، فهو
الأفضل و الأبقى، و لاتتطلع إلى غيره، و حاول أن تشغل نفسك بمسؤوليتك في ما أو كل الله إليك أمره من مسئوليات.
هل هذا دعوة إلى الابتعاد عن الحياة، لتكون من آیات الزهد العملي الذي ينصرف فيه الإنسان عن مباهج الحياة و طيباتها وزخارفها؟ أو هي دعوة للتوازن في النظرة إليها، فلا يستغرق فيها، ولا يتحسر عليها، لما يحقق التوازن في التعاطي معها بالمقادير المناسبة و دون مغالاة أو مبالغة؟. إننا نفهم من الآية المعنى الثاني الذي يريد للإنسان أن يقنع بما رزقه الله، و ألا يعيش الانبهار الذي يسقط روحه، و يثقل فكره، و الله العالم. (177:15)
1 - «فَالَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَهٌ وَ رِزْقٌ کَرِیمٌ» الحج : 50
ابن جريج: الجنة. (الطبري 9: 173)
الطبري: يقول: و رزق حسن في الجنة. (173:9)
نحوه ابن الجوزي. ( 440:5)
الطوسي: أي مع إكرامهم بالثواب الذي لايقاربه تعظیم و تبجيل. (328:7)
القشيري : والرزق الكريم: ما يكون من وجه الحلال. ويقال : ما يكون من حيث لايحتسب العبد.
ويقال : هو الذي يبدو من غير ارتقاب على رفق في وقت الحاجة إليه.
ويقال : هو مايحمل المرزوق على صرفه في وجه القربة.
ويقال : ما فيه البركة.
ويقال: الرزق الكريم: الذي ينال من غير تعب، ولا يتقلد منة مخلوق. (225:4)
البغوي: الرزق الكريم: الذي لا ينقطع أبدا. (345:3)
المبيدي: الرزق الكريم: الذي لا يكتسب بالدنيئات من التذلل للخلق، والأخذ من المنان وارتكاب الظلم.
وقيل : الرزق الكريم: الذي لا ينقطع أبدا، وهو الجنه. (385:6)
الطبرسي: يعني نعيم الجنة، فإنه أكرم نعيم في أكرم دار. (90:4)
الفخر الرازي: أما الرزق الكريم فهو إشارة إلى الثواب و کرمه. يحتمل أن يكون للصفات السلبية، وهو أن الإنسان هناك يستغني عن المكاسب و تحمل المشاق و الذل فيها، و ارتكاب المآثم والدناءة بسببها. و أن يكون للصفات الثبوتية، وهو أن يكون رزقا كثيرا دائماخالصا عن شوائب الضرر، مقرونا بالتعظيم و التبجيل. و الأولى جعل الكريم دالا على كل هذه الصفات.(47:23)
نحوه النيسابوري. (108:17)
الشربيني: أي في الدنيا بالغنائم وغيرها، و في الآخرة بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر. «كريم» ، أي لاخسة فيه و لادناءة بانقطاع ولاغيره زيادة في غيظهم. (558:2)
أبوالسعود: هي الجنة، و الكريم من كل نوع ما يجمع فضائله و يحوز کمالاته. (4: 388)
نحوه البروسوي . (47:6)
الآلوسي: و المراد بالرزق الكريم هنا: الجتة، كما يشعر به وقوعه بعد المغفرة، و كذلك في جميع القرآن، على ما أخرجه ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي.. و معنى الكريم في صفات غير الآدميين: الفائق. (171:17)
ابن عاشور: و الرزق: العطاء، و وصفه بالكريم يجمع و فرته و صفاءه من المكدرات، كقوله تعالى: «لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» فصلت : 8، ذلك هو الجنة.
والرزق منه ما هو حاصل لهم في الدنيا، فهم متمتعون بانشراح صدورهم ورضاهم عن ربهم، و أعظمه ما يحصل لهم في الآخرة. ( 213:17)
مکارم الشيرازي: عبارة «و رزق کریم » - مع ملاحظة أن كلمة «کریم » تطلق على أي موجود شریف و ثمين ذات مفهوم واسع، يضم جميع الأنعم المادية والمعنوية.
أجل، إن الله الكريم من على عباده المؤمنين الصالحين بأنواع من الرزق الكريم في تلك المنازل الكريمة.
يقول الراغب الأصفهاني في « مفرداته »: لا يقال الكرم إلا في المحاسن، كمن ينفق ما في تجهيز جيش في سبيل الله، أو تحمل حمالة ترقی دماء قوم. فعلى هذا لايطلق الكرم على الإحسان الجزئي .
و فسر بعض الرزق الكريم بالرزق الدائم الذي لاعيب ولانقص فيه.
وقال آخرون: إنه الرزق الذي يليق بالمؤمنين الصالحين. ولا يخفى أن معناه شامل، و يضم جميع هذه المعاني. (334:10)
وجاء هذا المعنى قوله تعالى:
7 - «الْخَبيثاتُ لِلْخَبيثينَ وَ الْخَبيثُونَ لِلْخَبيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَريمٌ» النور: 26
8 - «إِلاّ عِبادَ اللّهِ الْمُخْلَصِینَ * أُولئِکَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَواکِهُ وَ هُمْ مُکْرَمُونَ» الصافات : 40 - 42
قتادة: في الجنة.
مثله السدي . (الطبري 10: 484)
الطبری: هؤلاء هم عباد الله المخلصون لهم رزق معلوم، و ذلك الرزق المعلوم: هو الفواكه التي خلقها الله لهم في الجنة.(484:10)
الطوسی: يعني عطاء جعل لهم التصرف فيه، و حکم هم به في الأوقات المستأنفة، في كل وقت شيئا معلوما مقدرا. ثم فسر ذلك الرزق، فقال: ذلك الرزق «فواکه» ، و هي جمع فاكهة، و هي تكون رطبا و یا بسا، يتفکهون بها، و ينتفعون بالتصرف فيها.(495:8)
القشيري: « لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ » لأوقات معينة، و في وقت الرسول علیه السلام من كان له رزق معلوم كان من جملة المياسير، و هذه صفة أهل الجنة، فلهم في الآخرة رزق معلوم لأبشارهم و أسرارهم، فالأغنياء لهم
رزق معلوم لأنفسهم، و الفقراء لهم رزق معلوم لقلوبهم و أسرارهم. (232:5)
البغوي: يعني بكرة و عشیا، كما قال: «وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیها بُکْرَهً وَ عَشِیًّا » مریم: 26 (4: 31)
المبيدي: أي معلوم دوامه. وقيل: معلوم وقته بكرة وعشيا. (272:8)
الزمخشري: فسر الرزق المعلوم بالفواكه، و هي كل ما يتلذذ به و لایتقوت لحفظ الصحة، يعني أن رزقهم كله فواکه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، بأنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه يأكلونه على سبيل التلذذ.
ويجوز أن يراد: رزق معلوم منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، و رائحة، ولذة، و حسن منظر.
و قيل: معلوم الوقت، كقوله:«وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیها بُکْرَهً وَ عَشِیًّا »مریم: 62 .
و عن قتادة: الرزق المعلوم: الجتة. و قوله: «في جنات »الصافات : 43، يأباه. (3: 339)
نحوه النسفي. (20:4)
الفخر الرازي : اعلم أنه تعالى وصف رزقهم بكونه معلوما، و لم يبين أن أي الصفات منه هو المعلوم، فلذلك اختلفت الأقوال:
فقيل: معناه: أن ذلك الرزق معلوم الوقت، و هو مقدار غدوة و عشية و إن لم يكن ثمة لأبكرة ولاعشية، قال تعالى: «وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیها بُکْرَهً و عشیا » مریم: 62.
و قيل: معناه: أن ذلك الرزق معلوم الصفة، لكونه مخصوصا بخصائص خلقها الله فيه من طيب طعم، و رائحة، و لذة، و حسن منظر.
وقيل: معناه: أنهم يتيقنون دوامه، لاکرزق الدنيا الذي لا يعلم متى يحصل ولامتى ينقطع.
وقيل : معناه: القدر الذي يستحقونه بأعمالهم، من ثواب الله و کرامته عليهم. وقد بين الله تعالى أنه يعطيهم غير ذلك على سبيل التفضل.
ثم لما ذكر تعالى أن لهم رزقا بين أن ذلك الرزق
ما هو، فقال: «فواكه »، و فيه قولان :
الأول: أن الفاكهة عبارة عما يؤكل لأجل التلذذ لا لأجل الحاجة، و أرزاق أهل الجنة كلها فواکه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، فإنهم أجسام محكمة مخلوقة للأبد، فكل ما يأكلونه فهو على سبيل التلذذ.
والثاني: أن المقصود من ذكر الفاكهة التنبيه بالأدني على الأعلى، يعني لما كانت الفاكهة حاضرة أبدا كان الإدام أولى بالحضور. و القول الأول أقرب إلى التحقيق. (136:26)
القرطبي: يعني المخلصين، أي لهم عطية معلومة لاتنقطع. (77:15)
البيضاوي: خصائصه من الدوام، أو تمحض اللذة، و لذلك فسره بقوله: «فواکه» ، فإن الفاكهة ما يقصد للتلذذ دون التغذي، و القوت با لعکس. و أهل الجنة لما أعيدوا على خلقة محكمة محفوظة عن النحلل، كانت أرزاقهم فواکه خالصة.(292:2)
أبو حيان: و وصف «رزق » ب« معلوم»، أي عندهم، فقد قرت عيونهم بما يستدر عليهم من الرزق، و بأن شهواتهم تأتيهم بحسبها. [ إلى أن قال: ]
ذكر أولا : الرزق، و هو مايتلذذ به الأجسام. و ثانيا : الإكرام، و هو ما يتلذذ به النفوس. ( 359:7)
البروسوي: «رزق » لایدانیه رزق و لايحيط به، وصف على ما يفيده التنكير. والرزق: اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله، «معلوم»الخصائص من حسن المنظر و لذة الطعم و طيب الرائحة، و نحوها من نعوت الكمال. و الظاهر أن معناه معلوم وجودا و قدرا و حسنا و لذة و طيبا و وقتا بكرة وعشيا، أو دواما كل وقت اشتهوه، فإن فيه فراغ الخاطر، و إنما يضطرب أهل الدنيا في حق الرزق، لكون أرزاقهم غير معلومة لهم، كما في الجنة. (458:7)
الآلوسي: و هو [أولئك ]مبتدأ و قوله تعالى: «لهم »إما خبر له، و قوله سبحانه: «رزق» مرتفع على الفاعلية للظرف، و إماخبر مقدم و «رزق» مبتدأ مؤخر، و الجملة خبر المبتدا، و المجموع کالخبر للمستثنى المنقطع على ما أشرنا إليه، أو استئناف لما أفاده الاستثناء إجمالا بیانا تفصيليا.
وقوله تعالى: «معلوم » أي معلوم الخصائص، ککونه غير مقطوع و لا ممنوع، حسن المنظر، لذيذ الطعم، طيب الرائحة، إلى غير ذلك من الصفات المرغوبة، فلا يقال: إن الرزق لا يكون معلوما إلا إذا كان مقدرا بمقدار. و قد جاء في آية أخرى «یُرْزَقُونَ فِیها بِغَیْرِ حِسابٍ» المؤمن: 40، و ما لايدخل تحت الحساب لايحد و لايقدر، فلا يكون معلوما.
وقيل: المراد: معلوم الوقت، لقوله تعالى: « وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیهَا بُکْرَهً وَعَشِیًّا» مریم: 62.
وعن قتادة: الرزق المعلوم: الجنة، و تعقب بأنه «في جنات»بعد يأباه. و اعترض بأنه إذا كان المعنى و هم مکرمون فيها، لم يكن به بأس. و أجيب بأن جعلها مقر المرزوقين لا يلائم جعلها رزقا، و أما إذا كان قيدا للرزق فهو ظاهر الإباء، و کون المساكن رزقا للساكن، فإذا اختلف العنوان لم يكن به بأس، لايدفع ما قرر، كما لا يخفى على المنصف. ( 85:23)
الطباطبائي: الإشارة إلى أن رزقهم في الجنة، - و هم عباد مخلون -رزق خاص، لايشبه رزق غيرهم، ولا يختلط بما يتمتع به من دونهم و إن اشترکا في الاسم، فقوله: «أُولئِکَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ» أي رزق خاص متعین ممتاز من رزق غيرهم، فكونه معلوما كناية عن امتیازه، كما في قوله: «وَ ما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ »الصافات: 164. و الإشارة بلفظ البعيد للدلالة على علو مقامهم.
وأما ما فسره بعضهم أن المراد بكون رزقهم معلوما: كونه معلوم الخصائص، مثل كونه غير مقطوع ولا ممنوع، حسن المنظر، لذيذ الطعم، طيب الرائحة. و كذا ما ذكره آخرون أن المراد أنه معلوم الوقت، لقوله: «وَلَهُم رِزقُهُم فِیها بُکرَهً وَعَشیّاً »مریم: 62. و كذا قول القائل : إن المراد به الجنة، فهي وجوه غير سديدة. (136:17)
مکارم الشيرازي: فهل هذه هي خلاصة لتلك
النعم التي ستبينها الآيات فيما بعد، و توضيح للنعم التي سغدق عليهم بصورة خفية؟ أو إشارة إلى نعم معنوية غير معروفة و غير قابلة للوصف، تتصدر نعم أهل الجنة؟
بعض المفسرين فسرها بالشكل الأول، فيما فرها آخرون بالشكل الثاني، و تناسب البحث للمعنى الثاني. و بهذا فإن النعمة الأولى من النعم السبع التي وردت في آيات بحثنا، هي الهبات المعنوية، و المتع الروحية، و إدرك مظاهر ذات الله، و تناول الشراب الطاهر ، و العمرة في عشق الله، اللذة التي لا يمكن أن یدرکها العبد ما لم يتذوقها، و يعيش في رحابها.
والسبب في أن العطايا المادية في الجنة قد ذكرت في آيات القرآن الكريم بالتفصيل، و الهبات المعنوية والملذات الروحية، استعرضت بصورة خفية، فهو أن الأولى قابلة للوصف دون الثانية.
و أما بشأن معنى «رزق معلوم » فلقد قيل عنها الكثير، هل هي بمعنی معلوم الوقت، أم بقائه و دوامه أم سائر خصائصه؟ و لكن كما قلنا قبل قليل: فإن «معلوم » تعبير خفي و مجمل عن المواهب التي لا تقبل الوصف. (286:14)
9 -«وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ». الجاثية :5
ابن عباس: من مطر.(420)
الطبري: و هو الغيث الذي به تخرج الأرض أرزاق العباد و أقواتهم، و إحياؤه الأرض بعد موتها. يقول: فأنبت ما أنزل من السماء من الغيث ميت الأرض، حتى اهتزت بالنبات و الزرع من بعد موتها، يعني من بعد جدوبها و قحوطها، و مصيرها دائرة لانبت فيها و لازرع. (253:11)
الماوردي : يحتمل وجهين:
أحدهما: المطر الذي ينبت به الزرع وتحیابه الأرض.
الثاني: ما قضاه في السماء من أرزاق العباد. (261:5)
البغوي : يعني الغيث الذي هو سبب أرزاق العباد.(184:4)
الميبدي: أي مطر، لأنه سبب رزق الحيوان . (122:9)
الزمخشري: و سمي المطر رزقا، لأنه سبب الرزق.(509:3)
ابن عطية: و الرزق المنزل من السماء هو المطر، سماه رزقا بما له، لأن جميع ما يرتزق فعن المطر هو. (80:5)
الطبرسي: أراد به المطر الذي ينبت به النبات الذي هو رزق الخلائق، فسماه رزقا، لأنه سبب الرزق. (72:5)
الشربيني: أي مطر و غيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق. (593:3)
أبوالسعود: أي من مطر و هو سبب للرزق، عبر عنه بذلك، تنبيها علی کونه آية من جهتي القدرة
والرحمة. (56:6)
نحوه البروسوي . (436:8)
الآلوسي:من مطر، و سمي رزقا، لأنه سببه، فهو مجاز. و لو لم يئول صح، لأنه في نفسه رزق أيضا. (139:25)
سید قطب: و الرزق قد يكون المقصود به هو الماء التنازل من السماء، كما فهم منه القدماء. و لكن رزق السماء أوسع.
فهذه الأشعة التي تنزل من السماء ليست أقل أثرا في إحياء الأرض من الماء، بل إنها هي التي ينشأ عنها الماء بإذن الله، فحرارة الشمس هي التي تبخر الماء من البحار، فتتكاثف وتنزل أمطارا، و تجري عيونا و أنهارا، و تحيا بها الأرض بعد موتها، تحيا بالماء و تحيا بالحرارة والضياء سواء.(3224:5)
ابن عاشور: و الرزق أطلق هنا على المطر، على طريقة المجاز المرسل، لأن المطر سبب وجود الأقوات، و الزق: القوت.
وقد كر في آية سورة البقرة : 166: «وَمَا اَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء». و تقدمت نظائر هذه الآية في أواسط سورة البقرة، و في مواضع عدة. ( 349:25)
مغنية: المراد بالرزق هنا: كل شيء علوي له أثر في الحياة، كالماء و حرارة الشمس. و فيهما من الدلالة على وجود الخالق ما في خلق السماوات و الأرض، لأن الكل وجد لحكمة و غرض صحيح. (19:7)
الطباطبائي: المراد بالرزق الذي ينزله الله من السماء، هو المطر تسمية للسبب باسم المسبب مجازا، أو لأن المطر أيضا من الرزق، فإن مياه الأرض من المطر. (156:18)
مکارم الشيرازي: أي المطر، والذي لاكلام في لطافة طبعه و رقته، و لابحث في قدرته على الإحياء و بعثه الحياة في كل الأرجاء، و منحها الجمال و الروعة. و لم لا يكون كذلك، و الماء يشكل الجانب الأكبر والقسم الأساسي من بدن الإنسان، و كثير من الحيوانات الأخرى، و النباتات؟(177:16)
10-«مَا أُرِیدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِیدُ أَنْ یُطْعِمُونِ»الذاریات: 57
راجع:رزق: «الرزاق »
الرزق
1- «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ»... الأعراف : 32
ابن عباس: يعني ب «الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» ما حرم أهل الجاهلية من البحائر و السوائب و الوصايا والحوامي. (الثعلي 4 : 230)
نحوه الحسن. (الماوردي 2: 219)
قتادة: هو ما حرم أهل الجاهلية عليهم من أموالهم: البحيرة و السائبة و الوصيلة والحامي. (الطبري 5: 472)
السدي: هو الودك. (الطبري 5: 472)
مقاتل : يعني الحرث و الأنعام و الألبان. (2: 34)
ابن زيد: إنهم كانوا يحرمون في الإحرام أكل السمن واللبن.
مثله السدي. (الماوردي 2: 219)
الطبري: واختلف أهل التأويل في المعني ب« الطيبات من الرزق » بعد إجماعهم على أن الزينة ما قلنا:
فقال بعضهم: «الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» في هذا الموضع: اللحم، و ذلك أنهم كانوا لايأكلونه في حال إحرامهم.
وقال آخرون: بل عنى بذلك ما كانت الجاهلية حرم من البحائر والسوائب. (5: 472)
الماوردي : و في طيبات الرزق قولان:
أحدهما: أنه المستلذ.
والثاني: أنه الحلال. (2: 219)
الطوسي: وقيل في معنى الطيبات: قولان: أحدهما: المستلذ من الرزق.
والثاني: الحلال من الرزق.
و الأول أشبه بخلوصه يوم القيامة.
و إنما ذكر «الطيبات »من جملة ذلك - في قول ابن زيد و السدي، - لأنهم كانوا يحرمون البحائر والسوائب. و ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز لأحد تجنب الزينة و الملاذ الطيبة على وجه التحريم. و أما من اجتنبها على أن غيرها أفضل منها، فلا مانع منه.(417:4)
نحوه الطبرسي. (413:2)
القشيري: أرزاق النفوس بحكم إفضاله سبحانه، و أرزاق القلوب بموجب إقباله تعالى.
ويقال: أرزاق المريدين: إلهام ذكر الله، و أرزاق العارفين: الإكرام بنسيان ما سوى الله. (2: 226)
الواحدي: يعني ما حرموه على أنفسهم أيام حجهم من اللحم والدسم. (363:2)
نحوه البغوي. (189:2)
الزمخشري: المستلذات من المأكل والمشارب. (76:2)
مثله النسفي. (51:2)
البيضاوي: المستلذات من المأكل والمشارب. و فيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس و أنواع التجملات الإباحة، لأن الاستفهام في (من) للإنكار. (347:1)
نحوه الشربيني (1: 472)، و أبوالسعود (2: 489).
البروسوي: زين الظواهر بآثار الجود و زین البواطن بأنوار الوجود و «الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» و أن أرزاق النفوس بحكم إفضاله، و أرزاق القلوب بموجب إقباله. «والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ»على الحقيقة ما لم يكن مشوبا بحقوق النفس و حظوظها، و يكون خالصا من مواهبه و حقوقه «قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » الأعراف : 32، أي هذه الكرامات و المقامات لهؤلاء السادات في الدنيا مشوبة بشوائب الآفات النفسانية، و كدورات الصفات الحيوانية، خالصة يوم القيامة من هذه الآفات والكدورات، كما قال: «وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ » الأعراف: 43 . (156:3)
2 -وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَکُمْ عَلَی بَعْضٍ فِی الرِّزْقِ فَمَا
الَّذِینَ فُضِّلُوا بِرَادِّی رِزْقِهِمْ عَلَی مَا مَلَکَتْ أَیْمَانُهُمْ فَهُمْ فِیهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَهِ اللهِ یَجْحَدُونَ ». النحل: 71
ابن عباس: قوله:«فِی الرِّزْقِ» في المال والخدم. (227)
إن عبيدهم لما لم يشر کوهم في أموالهم، لم يجز لهم أن يشاركوا الله تعالى في ملكه.
مثله مجاهد و قتادة. (الماوردي 201:3)
قتادة: هذا مثل ضربه الله عز وجل، يقول: هل منكم أحد يرضى أن يشرکه مملوكه في جميع ماله، فكيف تعدلون بالله خلقه و عباده؟. (الخازن 85:4)
الطبري: يقول تعالى ذكره: و الله أيها الناس فضل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا، فما الذين فضلهم الله على غيرهم بما رزقهم «بِرَادِّی رِزْقِهِمْ عَلَی مَا مَلَکَتْ أَیْمَانُهُمْ »، يقول: بمشركي مماليكهم فيما رزقهم من الأموال والأزواج. (615:7)
الرماني: إنهم و عبيدهم سواء في أن الله تعالى رزق جميعهم، وأنه لايقدر أحد على رزق عبده إلا أن يرزقه الله تعالى إياه، كما لا يقدر أن يرزق نفسه.( الماوردي 201:3)
الثعلبي : يقول الله جل ثناؤه: فهم لايرضون أن يكونوا هم و مماليكهم فيما رزقناهم سواء، و قد جعلوا عبيدي شر کائي في ملكي و سلطاني، يلزم بهذا المثل الحجة على المشركين، و هذا مثل ضربه الله عز وجل، فما منكم من يشرك مملوکه في زوجته و قرابته و ماله، أفتعدلون بالله خلقه و عباده فإن لم ترض لنفسك هذا فالله أحق أن ينزه من ذلك، و لاتعدل به أحدا من عباده و خلقه. (29:6)
الماوردي: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها : أنه أغنى وأفقر، و وسع و ضيق.
الثاني: في القناعة والرغبة.
الثالث: في العلم و الجهل.
قال الفضيل بن عياض: أجل ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه، و عقل يدله على رشده. [إلى أن قال:] « فَمَا الَّذِینَ فُضِّلُوا بِرَادِّی رِزْقِهِمْ» فيه وجهان: أحدهما: [نقل قول ابن عباس و قال: ]
و في هذا دليل على أن العبد لا يملك.
الثاني: [قول الماني المتقدم ]
(201:3 )
الطوسي: «فَمَا الَّذِینَ فُضِّلُوا بِرَادِّی رِزْقِهِمْ...»
قيل في معناه قولان:
أحدهما: [قول ابن عباس]
الثاني: أنهم سواء في أي رزقت الجميع، و أنه لايمكن أن يرزق عبيده إلا برزقي إياه. ( 405:6)
القشيري: أرزاق المخلوقات مختلفة، في مضيق عليه رزقه، و من موسع عليه رزقه. و من أرزاق هي أرزاق للنفوس، و أرزاق للقلوب، و أرزاق للأرواح، و أرزاق للأسرار.
فأرزاق النفوس لقوم بتوفيق الطاعات، ولآخرين بخذلان المعاصي.
و أرزاق القلوب لقوم حضور القلب باستدامة الفكر، و لآخرین: باستيلاء الغفلة و دوام القسوة.
و أرزاق الأرواح لقوم صفاء المحبة، و لآخرين: اشتغال أرواحهم بالعلاقة بينهم و بين أشكالهم، فيكون بلاؤهم في محبتهم لأمثالهم.
و أرزاق الأسرار لا تكون إلا بمشاهدة الحق، فأما من لم يكن من هذه الجملة، فليس من أصحاب الأسرار. (308:3)
الزمخشري: أي جعلكم متفاوتين في الرزق، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم، و هم بشر مثلكم و إخوانكم، فكان ينبغي أن تردوافضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملابس و المطعم. [إلى أن قال: ]
و قيل: هو مثل ضربه الله للذين جعلوا له شر کاء، فقال لهم: أنتم لا تسوون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به علیکم، و لا تجعلونهم فيه شر کاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شرکاء.
وقيل : المعنى: أن الموالي و المماليك أنا رازقهم جميعا، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق. فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم. (418:2)
نحوه النسفي. (293:2)
الطبرسي: اختلف في معناه على قولين:
أحدهما: أنهم لا يشركون عبيدهم في أموالهم و أزواجهم حتى يكونوا فيه سواء، و يرون ذلك نقصا فلايرضون لأنفسهم به، وهم يشرکون عبيدي في ملكي و سلطاني، و يوجهون العبادة و القرب إليهم، كما يوجهو نها إلي...
والثاني: أن معناه: فهؤلاء الذين فضلهم الله في الرزق من الأحرار لايرزقون مماليكهم، بل الله تعالى رازق الملاك و المماليك، فإن الذي ينفقه المولى على مملوکه إنما ينفقه مما رزقه الله تعالى، فالله تعالی رازقهم جميعا، فهم سواء في ذلك. (3: 373)
الفخر الرازي: اعلم أن هذا اعتبار حال أخرى من أحوال الإنسان؛ وذلك أنا نرى أكيس الناس وأكثرهم عقلا و فهما يفني عمره في طلب القدر القليل من الدنيا، ولا يتيسر له ذلك، ونرى أجهل الخلق و أقلهم عقلا و فهما تنفتح عليه أبواب الدنيا، و کل شيء خطر بباله و دار في خياله، فإنه يحصل له في الحال. و لو كان السبب جهد الإنسان و عقله، لوجب أن يكون الأعقل أفضل في هذه الأحوال، فلما رأينا أن الأعقل أقل نصيبا، و أن الأجهل الأخس أوفر نصيبا، علمنا أن ذلك بسبب قسمة القسام، كما قال تعالى: « أَهُمْ یَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّکَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَیْنَهُم مَّعِیشَتَهُمْ فِی الْحَیَوهِ الدُّنْیَا»الزخرف : 32. [ثم استشهد بشعر]
واعلم أن هذا التفاوت غير مختص بالمال، بل هو حاصل في الذكاء و البلادة، و الحسن و القبح، و العقل و الحمق، و الصحة و السقم، و الاسم الحسن و الاسم القبيح، و هذا بحر لاساحل له. [ثم ذکر مصاحبته لبعض الملوك في بعض الأسفار و قال:]
أما قوله : «فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» ففيه قولان:
القول الأول: أن المراد من هذا الكلام تقریر ما سبق في الآية المتقدمة، من أن السعادة و النحوسة لا يحصلان إلا من الله تعالى، والمعنى: أن الموالي و المماليك أنا رازقهم جميعا، فهم في رزقي سواء، فلايحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق، و إنما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم.
و حاصل القول فيه: أن المقصود منه بيان أن الرازق هو الله تعالى، و أن المالك لايرزق العبد، بل الرازق للعبد و المولى هو الله تعالى.
و تحقيق القول: أنه ربما كان العبد أكمل عقلا و أقوی جسما و أكثر وقوفا على المصالح والمفاسد من المولى؛ و ذلك يدل على أن ذلة ذلك العبد و عزة ذلك المولى من الله تعالى، كما قال : « تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشاءُ» آل عمران: 26.
والقول الثاني: أن المراد من هذه الآية: الرد على من أثبت شريكا لله تعالى، ثم على هذا القول ففيه وجهان:
الأول: أن يكون هذا ردا على عبدة الأوثان و الأصنام، كأنه قيل: إنه تعالى فضل الملوك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقدر على ملك مع مولاه، فلما لم تجعلوا عبیدکم معكم سواء في الملك، فكيف تجعلون هذه الجمادات معي سواء في المعبودية؟
والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت هذه الآية في نصاری نجران، حين قالوا: إن عیسی بن مريم ابن الله، فالمعنى أنكم لا تشركون عبيدكم فيما ملکتم فتكونوا سواء، فكيف جعلتم عبدي ولدالي و شريكا في الإلهية؟ (78:20)
نحوه النيسابوري. ( 97:14)
القرطبي: أي جعل منكم غنیا و فقيرا و حرا و عبدا. «فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا »، أي في الرزق «بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ»، أي لا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق شيئا حتى يستوي المملوك والمالك في المال. و هذا مثل ضربه الله لعبدة الأصنام. [ثم أدام الكلام في تفسير الآية نحو ما تقدم عن الفخر الرازي]
(141:10)
البيضاوي: فمنكم غني و منکم فقیر، و منکم موال يتولون رزقهم و رزق غيرهم، و منکم مماليك حالهم على خلاف ذلك: « فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ» بمعطي رزقهم، «عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ » على ماليكهم، فإن ما يردون عليهم رزقهم الذي جعله الله في أيديهم، «فهم فيه سواء »، فالموالي و المماليك سواء في أن الله رزقهم، فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لها.
ويجوز أن تكون واقعة موقع الجواب، كأنه قيل: فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فیستووا في الرزق، على أنه رد و إنكار علی المشركين، فإنهم يشرکون بالله بعض مخلوقاته في الألوهية، و لايرضون أن يشاركهم عبيدهم فيما أنعم الله عليهم فيساو وهم فيه. (562:1)
الخازن: يعني أن الله سبحانه و تعالى بسط على واحد و ضیق و قتر على واحد، و کثر لواحد و قلل
على آخر، و كما فضل بعضكم على بعض في الرزق، كذلك فضل بعضكم على بعض في الخلق و الخلق و العقل و الصحة و السقم والحسن و القبح و العلم و الجهل و غير ذلك، فهم متفاوتون و متباينون في ذلك كله. وهذا مما اقتضته الحكمة الإلهية والقدرة الربانية. «فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ»، يعني من العبيد حتى يستووافيه هم و عبيدهم، يقول الله سبحانه و تعالی: هم لايرضون أن يكونوا هم و مماليكهم فيما رزقتهم سواء، و قد جعلوا عبيدي شرکائي في ملكي و سلطاني، يلزم بهذه الحجة المشركين؛ حيث جعلوا الأصنام شرکاء لله . [إلى أن قال:]
والمقصود منه بيان أن الرازق هو الله سبحانه و تعالى الجميع خلقه، و أن الموالي و المماليك في الرزق سواء، و أن المالك لايرزق المملوك، بل الرازق للمماليك و المالك هو الله سبحانه و تعالى. (85:4)
نحوه الشربيني (248:2)، و أبوالسعود (4: 77)، والشوكاني (3: 223).
أبو حيان: و لما ذكر تعالى خلقنا، ثم إماتتنا و تفاوتنا في السن، ذکر تفاوتنا في الرزق، و أن رزقنا أفضل من رزق المماليك، و هم بشر مثلنا. وربما كان المملوك خيرا من المولى في العقل والدين و التصرف، و أن الفاضل في الرزق لا يساهم مملوكه فيما رزق فيساویه، و كان ينبغي أن يرد فضل مارزق عليه و يساويه في المطعم و الملبس، كما يحكي عن أبي ذر أنه رئي عبده و إزاره و رداؤه مثل ردائه من غيرتفاوت، عملا بقول رسول الله صلی الله علیه و آله: « إنما هم إخوانكم فاکسوهم مما تلبسون، و أطعموهم مما تطعمون »
وعن ابن عباس وقتادة: أن الإخبار بقوله: « فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ»على سبيل المثال. [إلى أن قال:]
وقال المفسرون: هذه الآية كقوله: «ضَرَبَ لَکُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِکُمْ»الآية. وقيل: المعنى: أن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا، فهم في رزقي سواء، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق، فإنما ذلك أجربه إليهم على أيديهم.
وعلى هذا القول يكون «فهم فيه سواء» جملة إخبار عن تساوي الجميع، في أن الله تعالى هو رازقهم، و على القولين الآخرين تكون الجملة في موضع جواب النفي، كأنه قيل : فيستورا. و قيل: هي جملة استفهامية حذف منها الهمزة، التقدير : أفهم فيه سواء؟ أي ليسوا مستوين في الرزق، بل التفضيل واقع لامحالة. (514:5)
البروسوي: [نحو البيضاوي و أضاف:]
و في «التأويلات النجمية»: فضل الله الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات و المشاهدات، بعد الفناء و الرد إلى البقاء، و فضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق و اليقين والإيمان والتوكل و التسليم و الرضی، و فضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية و مقاساة شدائد المجاهدات و الصبر على المصائب و البلايا و حمل
أعباء الشريعة، بإشارات الطريقة و تبديل الأخلاق الذميمة بالحميدة، و فضل أبدان المؤمنين علي أبدان الكافرين في رزق الأعمال التي هي أركان الشريعة، و قراءة القرآن والذكر باللسان مشرفة بإخلاص بالجنان «فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا »، أي فليس الموالي الذين فضلوا في الرزق على المماليك «بِرَادِّي رِزْقِهِمْ »، أي بمعطي رزقهم الذي رزقهم إياه.(56:5)
الآلوسي: أي جعلكم متفاوتين فيه فأعطاكم منه أفضل مما أعطى ماليككم،« فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا »فيه على غيرهم و هم الملاك،«بِرَادِّي»، أي بمعطي «رِزْقِهِمْ»الذي رزقهم إياه « عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ »علی مماليكهم الذين هم شركاؤهم في المخلوقية و المرزوقية، «فهم»، أي الملاك الذين فضلوا و المماليك «فيه »، أي في الرزق «سواء »،لاتفاضل بينهم. (188:14)
ابن عاشور: هذا من الاستدلال على أن التصرف القاهر لله تعالى، و ذلك أنه أعقب الاستدلال بالإحياء و الإماتة، و ما بينهما من هرم بالاستدلال بالرزق. ولما كان الرزق حاصلا لكل موجود بني الاستدلال على التفاوت فيه بخلاف الاستدلال بقوله تعالى: «وَ اللّهُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ یَتَوَفّیکُمْ»النحل: 70
ووجه الاستدلال به على التصرف القاهر أن الرزق حاصل لجميع الخلق، و أن تفاضل الناس فيه غير جار على رغباتهم و لا على استحقاقهم، فقد تجد أكيس الناس و أجودهم عقلا و فهما مقترا عليه في الرزق، و بضده ترى أجهل الناس و أقلهم تدبيرا موسعا عليه في الرزق، و کلا الرجلين قد حصل له ما حصل قهرا عليه، فالمقتر عليه لا يدري أسباب التقتير، و الموسع عليه لا يدري أسباب تيسير رزقه، ذلك لأن الأسباب كثيرة متوالدة و متسلسلة و متوغلة في الخفاء، حتى يظن أن أسباب الأمرين مفقودة، و ما هي مفقودة و لكنها غير محاط بها. ومما ينسب إلى الشافعي:
ومن الدليل على القضاء و کونه *بؤس اللبيب و طيب عيش الأحمق
ولذلك أسند التفضيل في الرزق إلى الله تعالى، لأن أسبابه خارجة عن إحاطة عقول البشر، و الحكيم لايستفزه ذلك، بعكس قول ابن الراوندي:
کم عاقل عاقل أعيت مذاهبه *و جاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأوهام حائرة *وصير العالم النحریر زنديقا
و هذا الحكم دل على ضعف قائله في حقيقة العلم فكيف بالنحريرية؟
و تفيد وراء الاستدلال معنى الامتنان لاقتضائها حصول الرزق للجميع. (171:13)
الطباطبائي: فضل بعض الناس على بعض في الرزق، و هو ما تبقى به الحياة، ربما كان من جهة الكمية كالغني المفضل بالمال الكثير على الفقير، و ربما كان من جهة الكيفية، كأن يستقل بالتصرف فيه بعضهم و يتولى أمر الآخرين، مثل ما يستقل المولى الحربملك ما في يده و التصرف فيه، بخلاف عبده الذي
ليس له أن يتصرف في شيء إلا بإذنه، و كذا الأولاد الصغار بالنسبة إلى وليهم، و الأنعام و المواشي بالنسبة إلى مالكها.
وقوله: «فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ» قرينة على أن المراد هو القسم الثاني من التفضيل، وهو أن بعضهم فضل بالحرية والاستقلال عملك ما رزق، و ليس يختار أن يرد ما رزق باستقلاله و حريته إلى من يملکه و يملك رزقه، و لا أن يبذل له ما أوتيه من نعمة حتى يتساويا و يتشارکا، فيبطل ملکه و يذهب سؤدده .
فهذه نعمة ليسوا بمغمضين عنها و لابرادين لها على غيرهم، و ليست إلا من الله سبحانه، فإن أمر المولوية و الرقية و إن كان من الشؤون الاجتماعية التي ظهرت عن آراء الناس و السنن الاجتماعية الجارية في مجتمعاتهم، لكن له أصول طبيعية تكوينية، هي التي بعثت آراءهم على اعتباره، كسائر الأمور الاجتماعية العامة. (12 : 294)
عبدالكريم الخطيب: هذا التفاوت بين الناس، فيما فضل الله به بعضهم على بعض في الرزق، يشير إشارة صريحة إلى أنه ينبغي أن يكون هناك تفاوت بين الخالق و المخلوق.
ذلك أنه إذا كان الناس و هم من صنعة الخالق، لم يطبعهم الله سبحانه و تعالى على صورة واحدة، ولم يقمهم في الحياة على درجة واحدة، بل خالف بينهم في الصورة واللون، ففيهم الوسيم والدميم، و الطويل و القصير، والأبيض والأسود، كذلك قسم الله معيشتهم في الدنيا، فجعل فيهم الغني والفقير، والمالك و المملوك، فكيف يسوغ بعد هذا أن يسوي بين الخالق و ما خلق؟
فهؤلاء الذين وسع الله لهم في الرزق، و ملأ أيديهم من الجاه و المال و السلطان، أن يكون منهم من يرد ما بين يديه من مال و متاع على من تحت يده من عبيد و إماء، حتى يسوي بينه و بينهم في المأكل والمشرب، والملبس، و في كل مظاهر الحياة؛ ذلك ما لا يكون و إن كان شيء منه، فهو واقع في صورة لاتزيل الفارق بينه و بين من تحت يده، و إن ارتفع بهم شيئا قليلا فكيف يسوغ هذا الضلال العقل هؤلاء الذين يجعلون الله أندادا یسوونهم به و هم صنعة يده و غذي نعمته؟ (328:7)
مکارم الشيرازي: سبب اختلاف الأرزاق:
بينت الآيات السابقة قسما من النعم الإلهية المجعولة في عالمي النبات و الحيوان، لتكون دليلا حسنيا على معرفته جل شأنه، و تواصل هذه الآيات مسألة إثبات الخالق جل و علا بأسلوب آخر؛ وذلك بأن تغيير النعم خارج عن اختيار الإنسان، و ذلك کاشف بقليل من الدقة و التأمل على وجود المقدر لذلك. فيبتدأ القول ب « وَ اللّهُ خَلَقَکُمْ ثُمَّ یَتَوَفّیکُمْ ».
فمنه الممات كما كانت الحياة منه، و لتعلموا بأنكم لستم خالقين لأي من الطرفين الحياة والموت.
و مقدار عمر کم لیس باختيار کم أيضا، فمنكم من يموت في شبابه أو في كهولته «وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ» . و نتيجة هذا العمر الموغل في سني الحياة
« لِکَیْ لا یَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَیْئاً».
فيكون كما كان في مرحلة الطفولة من الغفلة و النسيان و عدم الفهم. نعم ف«إنَّ اللّهَ عَلِیمٌ قَدِیرٌ » فكل القدرات بیده جل وعلا، و عطاؤه بما يوافق الحكمة والمصلحة، و كذا أخذه لا يكون إلا عندما يلزم ذلك.
ويواصل القرآن الكريم استدلاله في الآية التالية من خلال بيان أن مسألة الرزق ليست بيد الإنسان، و إنما «وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَکُمْ عَلی بَعْضٍ فِی الرِّزْقِ.. » فأصحاب الثروة و الطول غير مستعدين لإعطاء عبيدهم منها و مشاركتهم فيها، خوفا أن يكونوا معهم على قدم المساواة: « فَمَا الَّذِینَ فُضِّلُوا بِرَادِّی رِزْقِهِمْ عَلی ما مَلَکَتْ أَیْمانُهُمْ فَهُمْ فِیهِ سَواءٌ ».
و احتمل بعض المفسرين أن الآية تشير إلى بعض أعمال المشركين الناتجة عن حماقتهم، حينما كانوا يجعلون لآلهتهم من الأصنام سهما من مواشيهم و محاصيلهم الزراعية، بالرغم من عدم وجود أي أثر لتلك الأحجار و الأخشاب على حياتهم، بل كان الأولى بهم لو التفتوا إلى خدمهم و عبيدهم، ليعطوهم شيئا جزاء ما يقدمونه لهم من خدمات ليل نهار.
هل التفاضل في الرزق من العدالة؟
و هنا يواجهنا سؤال يطرح نفسه:هل أن إيجاد التفاوت و الاختلاف في الأرزاق بين الناس، ينسجم مع عدالة الله عز و جل و مساواته بين خلقه، التي ينبغي أن تحكم نظام المجتمع البشري؟
لأجل الإجابة ينبغي الالتفات إلى الملاحظتين التاليتين:
1- أن الاختلاف الموجود بين البشر في جانب الموارد المادية، يرتبط بالتباين الناشي بين الناس، جزاء اختلاف استعداداتهم و قابلیتهم من واحد لآخر. والتفاوت في الاستعدادين الجسمي و الروحي يستلزم الاختلاف في مقدار و نوعية الفعالية الاقتصادية للأفراد، مما يؤدي إلى زيادة وارد بعض و قلة وارد البعض الآخر.
ولاشك أن بعض الحوادث و الاتفاقات لها دخل في إثراء بعض الناس، إلا أنه لايمكن أن نعول عليها عند البحث، لأنها ليست أكثر من استثناء. أما الضابط في أكثر الحالات، فهو التفاوت الموجود في كمية و كيفية السعي، و من الطبيعي أن بحثنا يتناول المجتمع السليم و البعيد عن الظلم والاستغلال، ولانقصد به تلك المجتمعات المنحرفة التي تركت قوانين التكوين و النظام الإنساني جانبا، و انزلقت في طرق الظلم والاستغلال.
وقد يساورنا التعجب حينما نجد بعض الفاقدين لأي مؤهل أو استعداد يتمتعون برزق وافر وجيد، و لكننا عند ما نتجرد عن الحكم من خلال الظواهر و نتوغل في أعماق مميزات ذلك البعض جسما و نفسيا و أخلاقيا، نجد أنهم يتمتعون بنقاط قوة أوصلتهم إلى ذلك. و كرر القول بأن بحثنا ضمن إطار مجتمع سليم خال من الاستغلال.
وعلى أية حال، فالتفاوت بين دخل الأفراد ينبع من التفاوت في الاستعدادات، و هو من المواهب
والنعم الإلهية أيضا، و إن أمكن أن يكون بعض ذلك اکتسابا، فالبعض الآخر غير اکتسابی قطعا. فإذن وجود التفاوت في الأرزاق أمر غير قابل للإنكار من الناحية الاقتصادية، و يتم ذلك حتى داخل المجتمعات السليمة، إلا إذا افترضنا وجود مجموعة أفراد كلهم في هيئة واحدة، من حيث الشكل واللون و الاستعداد، ولايعتريهم أي اختلاف. و إذا ما افترضنا حدوث ذلك، فإنه بداية المشاكل و الويلات. [ثم أطال الكلام في اختلاف الاستعدادات إلى أن قال:]
أسباب الرزق
على الرغم مما ذكر بخصوص التفاوت من حيث الاستعداد و المواهب عند الناس، إلا أن أساس النجاح يكمن في السعي و المثابرة والجدة، فالأكثر سعيا أكثر نجاحا في الحياة، والعكس صحيح.
ولهذا جعل القرآن الكريم ارتباطا بين مايحصل عليه الإنسان و بين سعيه، فقال بوضوح: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى» النجم: 39.
و من الأمور المهمة و المؤثرة في مسألة استحصال الرزق: الالتزام بالمبادئ من قبيل: التقوى، الأمانة، إطاعة القوانين الإلهية، والالتزام بأصول العدل، كما أشارت إلى ذلك الآية : 96، من سورة الأعراف: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَی آمَنُواْ وَ اتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَیْهِم بَرَکَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ».
و كما في الآيتين: 2 و 3 من سورة الطلاق:«وَمَن یَتَّقِ اللهَ یَجعَل لَهُ مَخرَجا*وَ یَرزُقهُ مِن حِیثُ لاَ یَحتَسِبُ ».
و كما أشارت الآية : 17، من سورة التغابن إلى خصوص أثر الإنفاق في سعة الرزق، «إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً یُضاعِفْهُ لَکُمْ ».
و لعلنا لاحاجة لنا إلى التذكير أن فقدان فرد أو جمع من الناس يضر بالمجتمع، ولهذا فحفظ سلامة الأفراد وإعانتهم يعود بالنفع على كل الناس بغض النظر عن الجوانب الإنسانية والروحية لذلك.
وخلاصة القول: إن اقتصاد المجتمع إن بني على أسس التقوى والصلاح والتعاون و الإنفاق، فالنتيجة أن ذلك المجتمع سيكون قويا مرفوع الرأس. أما لو بني على الاستغلال و الظلم و الاعتداء وعدم الاهتمام بالآخرين، فسيكون المجتمع متخلفا اقتصادیا، و تتلاشى فيه أواصر الحياة الاجتماعية.
و لذلك فقد أعطت الأحاديث والروايات أهمية استثنائية للسعي في طلب الرزق المصحوب بالتقوى، و حتی روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: «لاتکسلوا في طلب معايشكم، فإن آباءنا كانوا یرکضون فيها و يطلبونها ».
وروي عنه أيضا: «الكاد على عياله كالمجاهد في سبيل الله »
وحتى أن الأمر قد وجه إلى المسلمين بالتبكير في الخروج لطلب الرزق، وذكر أن من جملة من لا يستجاب لهم الدعاء أولئك الذين تركوا طلب الرزق على ما لهم من استطاعة، و انزووا في زوايا بيوتهم، يدعون الله أن يرزقهم؟
وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤل عن الآيات
القرآنية و الروايات التي تؤكد أن الرزق بيد الله، و ذم السعي فيه، فكيف يتم تفسير ذلك؟
وللإجابة نذكر الملاحظتين التاليتين:
1 - دقة النظر و التحقق في المصادر الإسلامية يوضح أن الآيات أو الروايات التي يبدو التضاد في ظاهر ألفاظها، سواء في هذا الموضوع أو غيره، إما ينتج من النظرة البسيطة السطحية، لأن حقيقة تناولها الموضوع ما إنما يشمل جوانب متعددة من الموضوع، فكل آية أو رواية إنما تنظر إلى بعد معين من أبعاد الموضوع، فتوهم غير المتابع بوجود التضاد.
فحيث يسعى الناس بولع و حرص نحو الدنيا و زخرف الحياة المادية، و يقومون بارتكاب كل منکر للوصول إلى ما يريدونه، تأتي الآيات والروايات لتوضح لهم تفاهة الدنيا، و عدم أهمية المال. و إذا ما ترك الناس السعي في طلب الرزق بحجة الزهد، تأتيهم الآيات و الروايات لتبين لهم أهمية السعي و ضرورته.
فالقائد الناجح و المرشد الرشيد هو الذي يتمكن من منع انتشار حالتي الإفراط و التفريط في مجتمعه.
فغاية الآيات و الروايات التي تؤكد أن الرزق بيد الله، هي غلق أبواب الحرص و الشره، و حب الدنيا، و السعي بلاضوابط شرعية، وليس هدفها إطفاء شعلة الحيوية والنشاط في الأعمال و الاكتساب وصولا إلى حياة كريمة و مستقلة.
و بهذا يتضح تفسير الروايات التي تقول: إن كثيرا من الأرزاق إن لم تطلبوها تطلبكم.
2 - إن كل شيء من الناحية العقائدية تنتهي نسبته إلى الله عز وجل، و كل موحد يعتقد أن منبع و أصل كل شيء منه سبحانه و تعالى، و يردد ما تقوله الآية : 26، من سورة آل عمران: «بِیَدِکَ الْخَیْرُ إِنَّکَ عَلی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ».
وينبغي عدم الغفلة عن هذه الحقيقة، و هي أن كل شيء من سعي الإنسان و نشاطه و فکره و خلاقيته إنما هي في حقيقتها من الله عز و جل.
ولو توقف لطف الله - فرضا - عن الإنسان ولو للحظة واحدة، لما كان ثمة شيء اسمه الإنسان.
ويقول الإنسان الموحد حينما یرکب وسيلة: «سُبْحانَ اَلَّذِی سَخَّرَ لَنا هذا »الزخرف: 13. و عندما يحصل على نعمة ما، يقول: « و ما بنا من نعمة فمنك »
ويقول عند ما يخطو في سبيل الإصلاح، كما هو حال الأنبياء في طريق هدايتهم للناس: «ما تَوْفیقی إلاّ بِاللهِ عَلَیْهِ تَوَکَّلْتُ وَإلَیْهِ اُنیبُ » هود: 88
وإلى جانب كل ماذكر، فالسعي و العمل الصحيح البعيد عن أي إفراط أو تفريط، هو أساس كسب الرزق، و ما يوصل إلى الإنسان من رزق بغير سعي و عمل، إنما هو ثانوي فرعي و ليس بأساسي و لعل هذا الأمر هو الذي دفع أمير المؤمنين علیه السلام في كلماته القصار إلى تقديم ذكر الرزق الذي يطلبه الإنسان على الرزق الذي يطلب الإنسان؛ حيث قال:« يا ابن آدم الرزق رزقان:رزق تطلبه، و رزق يطلبك».(226:8)
فضل الله: «وَاللّهُ فَضَّلَ بَعْضَکُمْ عَلَی بَعْض فِی الرِّزْقِ »، فلكل واحد منكم قدرته الذاتية التي قد
تختلف عن قدرة غيره. و ربما تكون فرص الإنتاج لدى شخص، مختلفة عن الفرص الموجودة لدى شخص آخر. و هكذا تختلف ساحة العمل و مراحله و علاقاته و أوضاعه، مما قد يساهم في حصول بعض الناس على رزق أكثر سعة من بعضهم الآخر، و بذلك يتفاضل الناس في الرزق، فيصبح بعضهم غنيا و بعضهم الآخر فقيرا، تبعا لحركة الأسباب و المسببات في ذلك.
و بذلك لا تكون المسألة خارجة عن عنصر الاختيار لدى الإنسان بشكل مطلق، بل قد يكون ذلك اختيارا في بعض حالاته، كمن يملك إمكانية العمل فلايعمل، أو كمن تتوفر له الظروف الملائمة للإنتاج فلاينتهزها، وقد لا يكون اختیارا، کمن وضعته الظروف في دائرة ضيقة لا يستطيع الخروج منها، أو كمن يتحرك في دائرة واسعة تسمح له بالامتداد، أو تحقق له الغني بطريقة حتمية.
و هكذا تكون مسألة الرزق خاضعة للنظام الكوني الذي أراد الله للإنسان أن يتحرك فيه، علی أساس الحكمة. و تلك هي الحقيقة الكونية التي أقام الله الحياة عليها، حيث تحكم قاعدة التنوع والتفاضل في كل دوائر الوجود الحية و الجامدة. و لكنه لم يترك للقاعدة التكوينية أن تحكم الإنسان بشكل قدري، يحول الفقر و الغنى إلى معيار تتحدد على أساسه قيمة الذات، بل وضع نظاما تشريعا يخلق التوازن بينهما على خط العدالة، فجعل للفقير حقا في مال الغني لأهدر لكرامته في أخذه، كما جعل العطاء فريضة على الغني لاامتیاز له فيه.
و لكن هذا الحديث كله ليس ما تريد الآية أن تثیره و تفيض فيه، بل هو مقدمة الحديث آخر يتعلق بحركة العقيدة في وعي الإنسان، لقضية التوحيد لله «فَمَا الَّذِینَ فُضِّلُوا بِرَادِّی رِزْقِهِمْ عَلی ما مَلَکَتْ أَیْمانُهُمْ فَهُمْ فِیهِ سَواءٌ»، أي فإذا كان الله قد فضل بعض الناس على بعض في الرزق، فإن الذين فضلوا لا يقبلون بالتنازل عما يملكونه من امتيازات لمن ملكوه من عبيد و إماء، ليكونوا سواء في ذلك، فكيف يمكن أن تساووا الله الذي يملك القدرة كلها هؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون الله، الذي لا يملكون شيئا معه؟! هذا أحد الوجوه التي كرت في تفسير هذه الفقرة من الآية.[ ثم نقل كلام الزمخشري و أضاف: ]
ولكن مدلول منطوق الآية ليس ظاهرا في ذلك كله، لأن كل ما جاء فيه هو أن الذين فضلهم الله على الآخرين في الرزق، ليسوا مستعدين للتنازل عما فضلهم الله به، إلى هؤلاء الذين فضلهم الله عليهم، و جعلهم مملوكين لهم، ليتساووا معهم في الرزق، أو أن المسألة تمثل حالة طبيعية في استمرار هذا التفضيل، في ما يعيشه هؤلاء من شعور و امتیاز، مما يحملهم على المحافظة على ما هم فيه بعدم التنازل عنه للطبقات الأخرى. و بذلك تكون الآية واردة في الحديث عن تأكيد هذه النعمة، للإيحاء بضرورة الشعور بقيمتها في حياة الإنسان، لأن الغفلة عنها، نظرا أو عمليا، يعتبر جحودا للنعمة، لا يريد الله لعباده أن يعيشوه في سلوكهم العقيدي العام. (258:13)
3- «اَللّهُ یَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ یَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اَللّهَ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ» العنكبوت : 62
القشيري: الرزق على قسمين: رزق الظواهر ومنه الطعام والشراب، و رزق السرائر و منه الاستقلال بالمعاني؛ بحيث لايحصره تكلف الكلام، والناس فيهم مرزوق و مرفه عليه، و فيهم مرزوق و لكن مضيق عليه.(104:5)
الفخر الرازي: لما بين الخلق ذكر الرزق، لأن كمال الخلق ببقائه و بقاء الإنسان بالرزق. فقال: المعبود إما أن يعبد لاستحقاقه العبادة، و هذه الأصنام ليست كذلك و الله مستحقها، و إما لكونه على الشأن، و الله الذي خلق السماوات على الشأن جلي البرهان فله العبادة، و إما لكونه ولي الإحسان، و الله يرزق الخلق، فله الطول و الإحسان والفضل والامتنان، فله العبادة من هذا الوجه أيضا. ( 89:25)
البروسوي: قد ذكر الله تعالى آية الرزق، ثم آية التوحيد، ثم كررهما في صورتين أخريين تنبيها منه العباده المؤمنين، على أنه سبحانه لا يقطع أرزاق الكفار مع وجود الكفر والمعاصي، فكيف يقطع أرزاق المؤمنين مع وجود الإيمان و الطاعات؟. [ثم استشهد بشعر وقال: ]
وأنه سبحانه لا يسأل من العباد إلا التوحيد و التقوى و التوكل، فإنما الرزق على الله الكريم، و قد قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات و الأرض بخمسين ألف سنة، وماقدر في الخلق والرزق والأجل لايتبدل بقصد القاصدين، ألا ترى إلى الوحوش و الطيور لاتدخر شيا إلى الغد، تغدو خماصا و تروح بطانا، أي ممتلئة البطون و الحواصل، لاتكالها على الله تعالى ما وصل إلى قلوبها من نور معرفة خالقها، فكيف يهتم الإنسان لأجل رزقه و يدخر شيئا لغده، و لا يعرف حقيقة رزقه و أجله؟ فربما يأكل ذخيرته غيره و لا يصل إلى غده، و لذلك كان صلی الله علیه و آله لا يدخر شيئا لغد؛ إذ الأرزاق مجددة کالأنفاس المجددة في كل لمحة، و الرزق يطلب الرجل كما يطلبه أجله. (489:6)
ابن عاشور: هذا إلزام آخر لهم بإبطال شركهم و افتضاح تناقضهم، فإنهم كانوا معترفين بأن الرازق هو الله تعالى: «قُلْ مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ یَمْلِکُ السَّمْعَ وَالأَبْصارَ» إلى قوله: «فَسَیَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ» في سورة يونس : 31، و إنما جاء أسلوب هذا الاستدلال مخالفا الأسلوب الذي قبله و الذي بعده، فعدل عن تركيب «ولئن سألتهم »العنكبوت : 61، تفننا في الأساليب لتجديد نشاط السامع. و أدمج في الاستدلال على انفراده تعالى بالرزق التذكير بأنه تعالى يرزق عباده على حسب مشيئته، دليلا على أنه المختار في تصرفه، و ليس ذلك على مقادير حاجاتهم، و لا على ما يبدو من الانتفاع بما يرزقونه.
و بسط الرزق: إكثاره، و قدره: تقلیله و تقتيره. و المقصود: أنه الرازق الأحوال الرزق. وقد تقدم في قوله تعالى: «اللّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ » في سورة الرعد : 26، فجاءت هذه الآية على وزان قوله:
«أَوَ لَمْ یَرَوْا أَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ إِنَّ فِی ذلِکَ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ » الروم : 37، فجمع بين ضمير المشركين في أوها، و بین کون الآيات للمؤمنين في آخرها.
و تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي، في قوله:«اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ »لإفادة الاختصاص، أي الله لاغيره يبسط الرزق ويقدر. و التعبير بالمضارع لإفادة تجدد البسط والقدر. ( 198:20)
4- «وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِی الأرْضِ وَلَکِنْ یُنَزِّلُ بِقَدَر مَا یَشَاءُ ...» الشوری : 27
قتادة: خير الرازق ما لا يطغيك و لا يلهيك. (الطبري: 149:11)
مقاتل: لو وسع الله الرزق لعباده في ساعة واحدة «لبغوا»، يعني لعصوا . (770:3)
الطبري: ذكر أن هذه الآية نزلت من أجل قوم من أهل الفاقة من المسلمين، تمنوا سعة الدنيا و الغنى، فقال جل ثناؤه:«وَلَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ» فوسعه و کثره عندهم «لبغوا»، فتجاوزوا الحد الذي حده الله لهم، إلى غير الذي حده لهم في بلاده، برکوبهم في الأرض ما حظره عليهم، و لكنه ينزل رزقهم بقدر لكفايتهم الذي يشاء منه. (149:11)
الميبدي: معنى الآية: لو رزق الله العباد من غير کسب و تفرغوا عن المعاش و الكسب لطغوا و بغوا و سعوا في الأرض فسادا، و لكن شغلهم بالكسب والمعاش رحمة منه و امتنانا.(27:9)
ابن عطية: فأعلمهم الله تعالى أنه لو جاء الرزق على اختيار البشر و اقتراحهم، لكان سبب بغيهم و إفسادهم، و لكنه تعالى أعلم بالمصلحة في كل أحد، و له بعبيده خبرة و بصر بأخلاقهم و مصالحهم، فهو ينزل لهم من الرزق القدر الذي به صلاحهم، فرب إنسان لا يصلح و لاتكتف عاديته إلا بالفقر، و آخر بالغنی. (36:5)
ابن عاشور: و معنى الآية: لو جعل الله جميع الناس في بسطة من الرزق لاختل نظام حياتهم ببغي بعضهم على بعض، لأن بعضهم الأغنياء تحدثه نفسه بالبغي، لتوفرأسباب العدوان كما علمت، فيجد من المبغي عليه المقاومة و هكذا، و ذلك مفض إلى اختلال نظامهم. و بهذا تعلم أن بسط الرزق لبعض العباد كما هو مشاهد - لا يفضي إلى مثل هذا الفساد، لأن الغنى قد يصادف نفسا صالحة و نفسا لها وازع من الدين، فلا يكون سببا للبغي. فإن صادف نفسا خبيثة لاوازع لها، فتلك حالة نادرة، هي من جملة الأحوال السيئة في العالم، و لها ما يقاومها في الشريعة، و فصل القضاء، و غيرة الجماعة، فلا يفضي إلى فساد عام ولا إلى اختلال نظام. (155:25)
مغنية: لقد أناط سبحانه أرزاق العباد بكسبهم و عملهم، لا بإرادتهم و أهوائهم، و إلا عمت الفوضى، و تفرغوا للفساد في الأرض، «وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ »، أي يرزقه على قدر عمله، و قد یرزق سبحانه الكثير من العمل القليل، أو القليل من العمل الكثير، الحكمة هو بها أعلم. أما الثراء عن طريق الحرام
کالغش و السلب و النهب، فهو من رزق الشيطان، لامن عطاء الرحمان، كيف و قد توعد صاحبه بعذاب أليم؟. (525:6)
الطباطبائي: في قوله:«وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ »بیان للسنة الإلهية في إيتاء الرزق بالنظر إلى صلاح حال الناس، أي أن الصلاح حالهم أثرا في تقدیر أرزاقهم، ولا ينافي ذلك ما نشاهد من طغیان بعض المثرين و نماء رزقهم على ذلك، فإن هناك ستة أخرى حاكمةعلى هذه السنة، و هي سنة الابتلاء والامتحان، قال تعالى: «إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ »التغابن : 15، و سنة أخرى هي سنة المكر والاستدراج، قال تعالى: «سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ» الاعراف : 183 .
فسنة الإصلاح بتقدير الرزق سنة ابتدائية يصلح بها حال الإنسان، إلا أن يمتحنه الله كما قال:«وَلِیبْتَلِی اللَّهُ مَا فِی صُدُورِکُمْ وَلِیمَحِّصَ مَا فِی قُلُوبِکُمْ»آل عمران : 154، أو يغير النعمة و يكفر بها، فيغير الله في حقه سنته فيعطيه ما يطغيه، قال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ» الرعد : 11.
و كما أن إيتاء المال و البنين و سائر النعم الصورة من الرازق المقسوم، كذلك المعارف الحقة والشرائع السماوية المنتهية إلى الوحي من حيث إنزالها و من حيث الابتلاء بها و التلبس بالعمل بها من الرزق المقسوم.
فلو نزلت المعارف و الأحكام عن آخرها دفعة واحدة على ما لها من الإحاطة و الشمول الجميع شؤون الحياة الإنسانية، لشقت على الناس ولم يؤمن بها إلا الأوحدي منهم، لكن الله سبحانه أنزلها على رسوله صلی الله علیه و آله تدريجا و علی مکث، و هيأ بذلك الناس بقبول بعضها لقبول بعض، قال تعالى: « وَ قُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ» الإسراء : 106.
و كذا المعارف العالية التي هي في بطون المعارف الساذجة الدينية لو لم يضربعليها بالحجاب، و بينت لعامة الناس على حد الظواهر المبينة لهم، لم يتحملوها و دفعته أفهامهم إلا الأوحدي منهم، لكن الله سبحانه كلمهم في ذلك نوع تكليم يستفيد منه كل على قدر فهمه وسعة صدره، كما قال في مثل ضربه في ذلك: «أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها » الرعد : 17 .
و كذلك الأحكام والتكاليف الشرعية، لو كلف بجميعها جميع الناس لتحرجوا منها ولم يتحملوها،لكنله سبحانه قسمها بينهم حسب تقسيم الابتلاءات المقتضية، لتوجه التكاليف المتنوعة بينهم.
فالرزق بالمعارف و الشرائع من أي جهة فرض کالرزق الصوري مفروز بين الناس مقدر على حسب صلاح حالهم . (56:18)
رزقه
«لِیُنْفِقْ ذُو سَعَهٍ مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَیْهِ رِزْقُهُ فَلْیُنْفِقْ مِمّا اتیهُ اللَّهُ... » الطلاق : 7
ابن عباس: معیشته. (476)
ابن عاشور: و معنى«قُدِرَ عَلَیْهِ رِزْقُهُ»جعل رزقه مقدورا، أي محدودا بقدر معين، و ذلك كناية عن التضييق و ضده «يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ»المؤمن: 40 ، يقال: قدر عليه رزقه، إذا قتره، قال تعالى: «اللّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ»، و تقدم في سورة الرعد :26، أي من كان في ضيق من المال فلينفق بما يسمح به رزقه بالنظر إلى الوفاء بالإنفاق و مراتبه في التقديم. [إلى أن قال: ]
والرزق: اسم لما ينتفع به الإنسان في حاجاته، من طعام و لباس و متاع و منزل، سواء كان أعيانا أو أثمائا. و يطلق الرزق كثيرا على الطعام، كما في قوله تعالى :« وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً » آل عمران : 37 (296:28)
رزقهم
«لَایَسْمَعُونَ فِیهَا لَغْواً إِلَّا سَلاَماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیهَا بُکْرَهً وَعَشِیّاً » مریم:62 .
الطبري: ولهم طعامهم و ما يشتهون من المطاعم و المشارب، في قدر وقت البكرة و وقت العشي، من نهار أيام الدنيا، و إنما يعني أن الذي بين غدائهم و عشائهم في الجنة قدر ما بين غداء أحدنا في الدنيا و عشائه، و كذلك ما بين العشاء و الغداء، و ذلك لأنه الاليل في الجنة ولانهار. (358:8)
القشيري: ثم إن الأرزاق تختلف في الجنة ،فللأشباح رزق من مطعوم و مشروب، وللأرواح رزق من سماع و شهود، و لكل على قدر استحقاقه قسط معلوم. (107:4)
ابن عاشور: و الرازق: الطعام، و جيء بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات ذلك و دوامه، فيفيد التكرر المستمر، و هو أخص من التكرر المفاد بالفعل المضارع وأكثر. و تقديم الظرف للاهتمام بشأنهم، وإضافة رزق إلى ضمیر «هم» لزيادة الاختصاص. (61:16)
رزقها
«وَمَا مِنْ دَابَّهٍ فِی الْأَرْضِ الَّا عَلَی اللَّهِ رِزْقُهَا وَ یَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَ مُسْتَوْدَعَهَا کُلٌّ فِی کِتَابٍ مُبِینٍ». هود:6
مجاهد: ما جاءها من رزق فمن الله، و ربما لم يرزقها حتى تموت جوعا، و لكن ما كان من رزق فمن الله. (الطبري 3:7)
الطبري: يقول: إلا و من الله رزقها، الذي يصل إليها هو به متکفل، و ذلك قوتها وغذاؤها و مابه عيشها. (3:7)
الثعلبي: غذاؤها و قوتها، و هو المتكفل بذلك فضلا و لا وجوبا. وقال بعضهم: ( على ) بمعنی «من»، أي من الله رزقها. (158:5)
نحوه الميبدي. (4: 353)
الطوسي: أخبر الله تعالى أنه ليس في الأرض دابة إلا و الله تعالى متكفل برزقها. (517:5)
القشيري: أراح القلوب من حيرة التقسيم و الأفكار من نصب التفكير في باب الرزق؛ حيث قال: «الَّا عَلَی اللَّهِ رِزْقُهَا » فسكنت القلوب لما تحققت أن الرزق على الله.
ويقال: إذا كان الرزق على الله، فصاحب
الحانوت في غلط من حسبانه. ثم إن الله سبحانه بين أن الرزق الذي « عليه » ما حاله، فقال: «وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ»، و ما كان في السماء لايوجد في السوق، ولا في التطواف في الغرب والشرق.
ويقال : الأرزاق مختلفة، فرزق كل حيوان على ما يليق بصفته.
ويقال: للنفوس رزق هو غذاء طريقه الخلق، و للقلوب رزق و هو ضياء موجده الحق.
ويقال : لم يقل: ما يشتهيه أو مقدار ما يكفيه، بل هو موکول إلى مشيئته، فمن موسع عليه و من مقتر. (123:3)
البغوي: أي هو المتكفل برزقها، أي هو المتكفل بذلك فضلا، و هو إلى مشيئته إن شاء رزق و إن شاء لم يرزق. و قيل: (على) بمعنی «من»، أي من الله رزقها. (440:2)
نحوه الخازن.(178:3)
الزمخشري: فإن قلت: كيف قال: « عَلَى اللّهِ رِزْقُها » بلفظ الوجوب، و إنما هو تفضل؟
قلت: هو تفضل، إلا أنه لاضمن أن يتفضل به عليهم، رجع التفضل واجبا، کنذور العباد. (2: 259)
ابن عطية: و هذه الآية تعطي أن الرزق كل ما صح الانتفاع به، خلافا للمعتزلة في قولهم : إنه الحلال المتملك. (151:3)
الطبرسي: أي إلا و الله سبحانه يتكفل برزقها و يوصله إليها، على ما تقتضيه المصلحة، و توجبه الحكمة. (144:3)
الفخر الرازي: تعلق بعضهم بأنه يجب على الله تعالى بعض الأشياء بهذه الآية، وقال: إن كلمة ( على ) للوجوب، و هذا يدل على أن إيصال الرزق إلى الدابة واجب على الله.
وجوابه: أنه واجب بحسب الوعد والفضل و الإحسان.
[و] تعلق أصحابنا بهذه الآية في إثبات أن الرزق قد يكون حراما ، قالوا: لأنه ثبت أن إيصال الرزق إلى كل حيوان واجب على الله تعالى بحسب الوعد و بحسب الاستحقاق، و الله تعالى لايحل بالواجب، ثم قد نری إنسانا لا يأكل من الحلال طول عمره، فلو لم يكن الحرام رزقا، لكان الله تعالى ما أوصل رزقه إليه، فيكون تعالى قد أخل بالواجب، وذلك محال، فعلمنا أن الحرام قد يكون رزقا. ( 186:17)
نحوه الشربيني . (46:2)
القرطبي: الرزق: حقيقته مايتغذى به الحي، و يكون فيه بقاء روحه ونماء جسده، و لايجوز أن يكون الرزق بمعنى الملك، لأن البهائم ترزق و ليس يصح وصفها بأنها مالكة لعلفها، وهكذا الأطفال ترزق اللبن و لايقال: إن اللبن الذي في الثدي ملك للطفل، وقال تعالى: «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ»الذاريات : 22، و ليس لنا في السماء ملك، و لأن الرزق لو كان ملكا لكان إذا أكل الإنسان من ملك غيره أن يكون قد أكل من رزق غيره، و ذلك محال، لأن العبد لا يأكل إلا رزق نفسه. (6:9)
البيضاوي: غذاؤها و معاشها، لتكفله إياه
تفضلا و رحمة، و إنما أتی بلفظ الوجوب تحقيقا لوصوله، و حملا على التوكل فيه. (461:1)
البروسوي: غذاؤها و معاشها اللائق، لتكفله إياه تفضلا و رحمة.
قال في «التبيان »: هو إيجاب کرم لاوجوب حق، انتهى. لأنه لاحق للمخلوق على الخالق، و لذا قال في « الجامع الصغير»: يكره أن يقول الرجل في دعائه: « بحق نبيك أو بيتك أو عرشك أو نحوه، إلا أن يحمل على معنى الحرمة، كما في شرح الطريقة».وقال في « بحر العلوم»: إنما قال: «على الله»بلفظ الوجوب دلالة على أن التفضل رجع واجبا، كنذور العباد.
وقال غيره: أتی بلفظ الوجوب مع أن الله تعالى لايجب عليه شيء عند أهل السنة و الجماعة، اعتبارا السبق الوعد، و تحقيقا لوصوله إليها ألبتة، و حملا للمكلفين على الثقة به تعالى في شأن الرزق، و الإعراض عن إتعاب النفس في طلبه. ففي كلمة ( على ) هنا استعارة تبعية، شبه إيصال الله رزق كل حيوان إليه تفضلا و إحسانا، على ما وعده بإيصال من يوصله وجوبا في انتفاء التخلف، فاستعملت كلمة ( على ).
(95:4)
الآلوسي: و احتج أهل السنة بالآية على أن الحرام رزق، و إلا فمن لم يأكل طول عمره إلا من الحرام يلزم أن لا يكون مرزوقا.
و أجيب: بأن هذا مجرد فرض؛ إذ لاأقل من التغذي بلبن الأم مثلا، و هو حلال. على أن المراد: أن كل حيوان يحتاج إلى الرزق إذا رزق، فإئما رزقه من الله تعالى، و هو لا ينافي أن يكون هناك من لا رزق له، کالمتغذي بالحرام، و كذا من لم يرزق أصلا حتى مات جوعا. (3:12)
رشیدرضا: ورزق الدابة: غذاؤها الذي تعيش به. والمعنى: ما من دابة من أنواع الدواب في الأرض إلا على الله رزقها، على اختلاف أنواعها و أنواعه، فمنها: الجنة التي لاترى بالأبصار، و صغار الحشرات والهوام، و ضخام الأجسام، و الوسطى بين الكبير والغير. و أغذية كل نوع مختلفة من نباتية و حيوانية، وقد أعطى كلا منها خلقه المناسب لمعيشته.
ثم هداه إلى تحصيل غذائه بغريزته، فمنها: ما خلق له خراطيم يمص بها غذاءه من النبات أو دم الحيوان، و أعطاها من القوة ما إن خرطوم البعوضة الدقيق ليخترق جلد الإنسان، و ما هو أكثف منه من جلود الحيوان، و منها ما خلق له مناقير تلتقط الحبوب، و منها ما يمضغ النبات بأسنانه مضغا، وما يبلع الحشرات والطيور والأنعام بلعا، و ما له مخالب يمزق بها اللحوم، و ما له براثن يقتل بها كبار الجسوم .
وتفصيل هذا له كتب خاصة من قديمة وحديثة، و الله تعالى حكم في خلقها و غذائها عجيبة، فإن خفي عليك أمر تغذي الحيات و السنانير ونحوها من خشاش الأرض و صغارها، و تغذي الأفاعي الكبرى و سباع الوحش والطير من كبارها، فأول ما ينبغي لك أن تفكر فيه من حکمتها، أنه لولا ذلك لضاقت الأرض ذرعا بكثرة أحيائها، أو لأنتنت من كثرة أمواتها، و إذا أردت زيادة العلم بها و بحكمتها فعليك
بالمصنفات المدونة فيها، و قد فتحت هذه الآية و أمثالها لك أبوابها، و أرشدتك إلى تطلابها.
ولا يشكلن عليك التعبير عن كفالة الله لرزقها بقوله : ( على )، و ما قيل من دلالتها على الوجوب مع قول المتكلمين: إنه لا يجب عليه تعالى شيء، فإن الممنوع أن يجب عليه تعالى شيء بإيجاب موجب ذي حكم أو سلطان يطالبه به و يحاسبه عليه، فهذا محال عقلا و شرعا. و أما ما أوجبه الله تعالى من النظام و سنن التدبير العام للمخلوقات، بمقتضی علمه و حکمته ومشيئته، و نفذه بقدرته و اختياره في خليقته، فهو حكمه و قضاؤه و قدره بسلطانه، لاحكم عليه بسلطان غيره، و هو كمال مطلق لاشائبة للنقص فيه.
ولا يشكلن عليك فيها أيضا أن يكون في كل نوع من هذه الدواب حتى الإنسان أفراد، قد تضيق في وجوههم أبواب الرزق حتى يقضي بعضهم جوعا. فليس معناها أن الله تعالى قد كفل لكل دابة من كل نوع أن يخلق لها ما تغتذي به، و يوصله إليها بمحض قدرته، سواء أطلبته بباعث غريزتها أو ما يهديها إليه العلم من أسباب کسبها أم لا؟
و إنما معناها: ما فسرناها به من خلقه تعالى لكل منها الرزق الذي تعيش به، و أنه سخره لها وهداها إلى طلبه و تحصيله، كما قال : « رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى» طه : 50، و بهذا تعلم جهل بعض العباد و الشعراء، فيما زعموه من أن الكسب و عدمه سواء، كقول بعض الخياليين الجاهلين، المتواكلين غير المتوكلين:
جرى قلم القضاء ما يكون *نسيان التحرك و السكون
جنون منك أن تسعى لرزق *ويرزق في غشاوته الجنين
فهذا الشاعر أحق بصفة الجنون ممن يصفهم بها، فإن ما جرى به القضاء منه ما هو مجهول للناس، و منه ما علم نوعه بالتجارب و الاختبار، و يعبر عنه بالنواميس و السنن، و منها أن الحركة والسكون لكل منهما آثار، فما هما سيان في ذاتهما، ولا في آثارهما و نتائجهما، و إن ما قضاه و قدره من رزق الجنين في غشاوته بدم حيض أمه، غير ما قضاه و قدره من رزق من خاطبهم بقوله: «هُوَ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِی مَناکِبِها وَ کُلُوا مِنْ رِزْقِهِ » الملك : 15، و بغيره من آيات التسخير و التكليف. (12:12)
ابن عاشور: والرزق: الطعام، و تقدم في قوله تعالى: «وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً » آل عمران: 37، الاستثناء من عموم الأحوال التابع لعموم الذوات، والمدلول عليه بذکر رزقها الذي هو من أحوالها.
و تقديم «على الله » قبل متعلقه و هو «رزقها »لإفادة القصر، أي على الله لاعلى غيره، ولإفادة ترکیب «على الله رزقها » معنى أن الله تكقل برزقها ولم يهمله، لأن ( على ) تدل على اللزوم و الحقوقية، و معلوم أن الله لايلزمه أحد شيئا، فما أفاد معنی اللزوم، فإنما هو التزامه بنفسه بمقتضی صفاته المقتضية ذلك له، كما أشار إليه قوله تعالى: «وعدا علينا»
الأنبياء : 104، وقوله: «حقا علينا »يونس : 103.
و الاستثناء من عموم ما يسند إليه رزق الدواب في ظاهر ما يبدو للناس، أنه رزق من أصحاب الدواب و من يربونها، أي رزقها على الله لاعلى غيره. فالمستثنى هو الكون على الله، والمستثنى منه مطلق الكون مما يتخيل أنه رزاق، فحصر الرزق في الكون على الله مجاز عقلي في العرف، باعتبار أن الله مسبب ذلك الرزق و مقدره. ( 207:11)
مغنية: خلق سبحانه الأرض، و أودع فيها ما يحتاج إليه كل حي يدب عليها من الذرة و البعوضة إلى الفيل و الإنسان. و أيضا أودع في كل من دب القدرة على السعي لتحصیل رزقه من الأرض، و على هذا يكون معنى الآية: أن الله قد جعل لكل حي رزقا مدخورا في الأرض، و ليس معناها أن الله قدر لكل حي رزقه الخاص به الذي لا يزيد بالسعي، و لاينقص بترکه، كما توهم البعض. (210:4)
الطباطبائي: وأما قوله: «عَلَى اللّهِ رِزْقُها» فهو دال على وجوب الرزق عليه تعالى،وقد تكرر في القرآن أن الرزق من أفعاله تعالى المختصة به، و أنه حق الخلق عليه تعالى، قال تعالى: «أَمَّنْ هذَا الَّذِی یَرْزُقُکُمْ إِنْ أَمْسَکَ رِزْقَهُ » الملك : 21، وقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّهِ الْمَتِینُ» الذاريات : 5، وقال تعالى: ««و فِی السَّماءِ رِزقُکُم وما توعَدون * فَوَ رَبِّ السَّماءِ والاَرضِ اِنَّهُ لَحَقٌّ مثل ما انکم تنطقون» الذاريات : 22، 23 .
ولاضير في أن يثبت عليه تعالى حق لغيره إذا كان تعالى هو الجاعل الموجب لذلك على نفسه، من غير أن يداخل فيه غيره، ولذلك نظائر في كلامه تعالى، كما قال: «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » الأنعام : 12، و قال: «وَ کَانَ حَقًّا عَلَیْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِینَ » الروم : 47، إلى غير ذلك من الآيات.
والاعتبار العقلي يؤيد ذلك، فإن الرزق هو ما يديم به المخلوق الحي وجوده؛ و إذ كان وجوده من فیض جوده تعالى، فما يتوقف عليه من الرزق من قبله، و إذ لاشريك له تعالى في إيجاده، لا شريك له في ما يتوقف عليه وجوده کالرزق. ( 148:10)
عبدالكريم الخطيب: كل ما على الأرض من کائنات - و منها الإنسان - مكفول له رزقه من الله، فهو سبحانه الذي خلقه، وهو سبحانه الذي يقدر رزقه، و يسوقه إليه من فضله و کرمه.
و في قوله تعالى: «الا عَلَى اللّهِ رِزْقُها »إشارة إلى أن الله سبحانه قد أوجب ذلك على نفسه، حتى لكأن كل حي له عند الله سبحانه و تعالى حق يطالب به؛ و ذلك من كرم الكريم، و رحمة الرحیم .
و إذا كان في الناس من يوجب على نفسه ما لايجب من أفعال الخير، كما يقول الشاعر:
على مكثريهم رزق من يعتريهم *و عند المقلين السماحة و البذل
نقول: إذا كان في الناس من يوجب على نفسه ما لايجب من فضل و إحسان، فكيف برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من لاتنفد خزائنه، ولا تنقص بكثرة العطاء نعمه؟ و كيف بمن خلق هذه الأحياء، ألا يضمن
حياتها، و يمسك وجودها؟ إن الخلق لا تظهر حكمته، و لاتتجلی آثاره، إلا إذا قام معه ما يضمن بقاءه، و يحفظ الحياة التي أودعها الخالق فيه، و إلا كانت عملية الخلق عبثا، يتنزه الله سبحانه و تعالى عنه. (1105:6)
مکارم الشيرازي: الرزق: هو العطاء المستمر ومن هنا كان عطاء الله المستمر للموجودات رزقا. و ينبغي الالتفات إلى أن مفهوم الرزق غير منحصر في الحاجات المادية، بل يشمل كل عطاء مادي أو معنوي؛ ولذلك نقول مثلا: «اللهم ارزقني علما کاملا» أو نقول: «اللهم ارزقني الشهادة في سبيلك ».
والظاهر أن المراد من الرزق في هذه الآية: الرزق المادي، إلا أن إرادة المفهوم العام الذي يندرج تحته: الرزق المعنوي غير بعيد.[إلى أن قال:]
فالآية تقول: لا ينبغي التصور أن الله سبحانه يرزق الدواب التي تستقر في أماكنها فحسب، بل هي حيث ما كانت و في أي ظرف من الظروف تكون، فإنه تعالي يوصل إليها أرزاقها، لأنه يعلم أماكن استقرارها، و كذلك يعلم جميع المناطق التي تنتقل إليها و ترحل عنها، من حيوانات بحرية مهولة الحجم، إلى أصغر الكائنات المجهرية، فإنه تعالى يرزق كلا منها بحسب حاجته و حاله.
وهذا الرزق ملحوظ بحيث يناسب حال الموجودات من حيث الكمية و الكيفية، و هو مطابق تماما لمقدار الحاجة و الرغبة، حتى غذاء الجنين الذي في رحم أمه يتفاوت كل شهر عن الشهر السابق في النوعية والكمية، بل كل يوم عن اليوم السابق بالرغم مما يبدو من أن الدم نوع واحد لا أكثر. و كذلك الطفل في مرحلة الرضاعة حيث يبدو أن غذاءه من نوع واحد، لكن ترکیب هذا الغذاء أو اللبن يختلف من يوم الآخر. [إلى أن قال :]
تقسيم الأرزاق و السعي من أجل الحياة:
هناك أبحاث مهمة في مسألة الرزق، و نأخذ بنظر الاعتبار هنا قسما منها:
1- الرزق كما قلنا آنفا: يعني في اللغة العطاء المستمر والدائم، و هو أعم من أن يكون رزقا ماذا أو معنویا، فعلى هذا كل ما يكون فيه نصيب للعباد من قبل الله، و ينتفعون به من مواد غذائية و مسکن و ملبس أو علم و عقل و فهم وإيمان و إخلاص، یسمی رزقا. ومن ظن أن مفهوم الرزق خاص للجوانب المادية لم يلتفت إلى موارد استعماله في القرآن الكريم بدقة. فالقرآن يتحدث عن الشهداء في سبيل الله بأنهم « أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» آل عمران : 169.
و واضح أن رزق الشهداء في عالم البرزخ ليس نعما مادية، بل هو عبارة عن المواهب المعنوية التي يصعب علينا تصورها في هذه الحياة المادية.
2- مسألة تأمين الحاجات بالنسبة إلى الموجودات الحية، و بتعبير آخر: تأمين رزقها من المسائل المثيرة التي تتكشف أسرارها بمرور الزمان، و تقدم العلم.
و تظهر كل يوم میادین جديدة تدعو إلى التعجب
والدهشة.
كان العلماء في الماضي يتساء لون فيما لو كان في أعماق البحار موجودات حية، فمن أين يتم تأمين غذائها؟! إذ إن أصل الغذاء يعود إلى النباتات والحشائش، و هي تحتاج إلى نور الشمس، و لكن على عمق 700 متر فصاعدا لاوجود لنور الشمس أبدا، بل ليل أبدي مظلم يلقي ظلاله و يبسط أسداله هناك.
و لكن اتضح بتقدم العلم أن نور الشمس يغذي النباتات المجهرية في سطح الماء و بين الأمواج، وحين تبلغ مرحلة النضج تهبط إلى أعماق البحر کالفاكهة الناضجة، و تنظم إلى الأرزاق الإلهية للأحياء في تلك الأعماق، مائدة نعمة الله للموجودات الحية تحت الماء.
ومن جهة أخرى فهناك طيور كثيرة تتغذى من أسماك البحر، منها طيور تطير في الليل و تهبط إلى البحر کالغواص الماهر، و عن طريق أمواج رادارية خاصة تخرج من آنافها تعرف صيدها و تصطاده بمنقارها.
و رزق بعض أنواع الطيور يكون مدخرا بين ثنايا أسنان حیوانات بحرية كبيرة، هذا النوع من الحيوانات بعد أن يتغذى من حيوانات البحر، تحتاج أسنانه إلى « منظف طبيعي » فيأتي إلى ساحل البحر و يفتح فمه الواسع فتدخل هذه الطيور التي ادخر رزقها في فم هذا الحيوان الضخم دون وحشة و لا اضطراب، و تبحث عن رزقها بين ثنايا أسنان هذا الحيوان الكبير، فتملا؟ بطونها من جهة، و تريح الحيوان الذي تزدحم بين أسنانه « هذه الفضلات » من جهة أخرى. و حين تخرج الطيور و تطير في الفضاء، يطبق هذا الحيوان البحري فمه بكل هدوء و يعود إلى أعماق البحر.
طريقة إيصال الرزق من الله تعالى إلى الموجودات المختلفة مذهلة و محيرة حقا، من الجنين الذي يعيش في بطن أمه، و لا يعلم أحد من أسراره شيئا، إلى الحشرات المختلفة التي تعيش في طيات الأرض، و في الأشجار و على قمم الجبال، أو في أعماق البحر، و في الأصداف. جميع هذه الموجودات يتكفل الله برزقها ولا تخفى على علمه، و كما يقول القرآن، «عَلَی اللّهِ رِزْقُهَا وَیَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ».
الطريف في الآيات آنفة الذكر أنها تعبر عن الموجودات التي تطلب الرزق ب «الدابة »، و فيها إشارة لطيفة إلى العلاقة بين موضوع «الطاقة » و «الحركة ». و نعلم أنه حيثما تكن حركة فلابد لها من طاقة، أي ما يكون منشأ للحركة، و القرآن الكريم يبين في الآيات - محل البحث أن الله يرزق جميع الموجودات المتحركة، و إذا ما توسعنا في معنى الحركة، فإن النباتات تندرج في هذا الأمر أيضا، لأن للنباتات حركة دقيقة و ظريفة في نموها، و لهذا عدوا في الفلسفة الإسلامية موضوع «النمو» واحدا من أقسام الحركة.
3-هل أن رزق كل أحد مقدر و معين من أول عمره إلى آخره، و هل أنه يصل إليه شاء أم أبى؟! أم أن عليه يسعى في طلبه؟
يظن بعض الأفراد الذج استنادا إلى الآية آنفة الذكر، و إلى بعض الروايات التي تذكر، أن الرزقا
مقدر و معين، أنه لا داعي إلى السعي من أجل الرزق و المعاش، فإنه لابد من وصول الرزق، و يقول بكل بساطة: إن من خلق الأشداق قدر لها الأرزاق.
إن سلوك مثل هؤلاء الأفراد الذين لاحظ لهم من المعرفة الدينية يعطي ذريعة للأعداء؛ حيث يدعون أن الدین أحد عوامل الركود الاقتصادي و تقبل الحرمان، و إمانة النشاطات الإيجابية في الحياة، فيقول مثلا: إذا لم تكن الموهبة الفلانية من نصيبي فإنها لم تكن من رزقي قطعا، فلو كانت من نصيبي لوصلتني حتما من دون تكلف عناء الكسب. و بهذا يستغل المستعمرون هذه الفرصة ليحرموا الكثير من الخلق التمتع بأسباب الحياة، في حين أن أقل معرفة بالقرآن والأحاديث الإسلامية تكفي في بيان أن الإسلام يعد أساس أي استفادة مادية و معنوية للإنسان، هو السعي و الجد والمثابرة، حتى أننا نجد في القرآن جملة بمثابة الشعار لهذا الموضوع، و هي الآية الكريمة: « لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى ».
و كان أئمة المسلمين و من أجل أن يسنوا للآخرين نهجا يسيرون عليه، يعملون في كثير من المواقع أعمالا صعبة و مجهدة.
والأنبياء السابقون أيضا لم يستثنوا من هذا القانون، فكانوا يعملون على الاكتساب، من رعي الأغنام إلى الخياطة إلى نسج الدروع إلى الزراعة. فإذا كان مفهوم الرزق من الله أن نجلس في البيت و ننتظر الرزق، فما كان ينبغي للأنبياء والأئمة الذين هم أعرف بالمفاهيم الدينية أن يسعوا سعيا إلى الرزق!
وعلى هذا نقول: إن رزق كل أحد مقدار و ثابت، إلا أنه مشروط بالسعي و الجد، و إذا لم يتوفر الشرط لم يحصل المشروط. وهذا كما نقول: إن لكل فرد أجلا و مدة من العمر، و لكن من المسلم و الطبيعي أن مفهوم هذا الكلام لا يعني أن الإنسان حتى لو أقدم على الانتحار أو أضرب عن الطعام، فإنه سيبقى حيا إلى أجل معين، إما مفهوم هذا الكلام أن للبدن استعدادا للبقاء إلى مدة معينة، و لكن بشرط أن يراعي الظروف الصحية و أن يبتعد عن الأخطار، و أن يجنب نفسه عما يكون سببا في تعجيل الموت.
المسألة المهمة في هذا المجال، أن الآيات والروايات المتعلقة بتقدير الرزق في الواقع، بمثابة الكابح للأشخاص الحريصين، و عباد الدنيا الذين يلجون كل باب، و يرتكبون أنواع الظلم والجنايات، و يتصورون أنهم إذا لم يفعلوا ذلك لم يؤمنوا حياتهم.
إن آيات القرآن و الأحاديث الإسلامية تحذر هذا النمط من الناس ألا يمدوا أيديهم وأرجلهم عبثا، وألا يطلبوا الرزق من طرق غير مشروعة و لامعقولة، بل يكفي أن يسعوا لتحصيل الرزق عن طريق مشروع، و الله سبحانه يضمن لهم الرزق، فالله الذي لم ينسهم في ظلمة الرحم، الله الذي تكفل رزقهم أيام الطفولة؛ حيث هيأ لهم أثداء الأمهات الله الذي جعل الأب يسعى من الصباح إلى الليل، ليهيئ لهم الغذاء بكل عطف و شفقة بعد أن أنهوا مرحلة الرضاعة، و هو مسرور بالتعب من أجلهم.
أجل، هذا الرب الرحيم، كيف يمكن أن ينسی
الإنسان إذا ما كبر و وجد القدرة على العمل والكسب؟.
ترى هل يجيز الإيمان و العقل أن يلجأ الإنسان إلى الظلم و الإثم والتجاوز على حقوق الآخرين، ويحرص على غصب حقوق المستضعفين، بمجرد أنه يظن عدم توفر رزقه؟
و بالطبع لايمكن أن ننكر أن بعض الأرزاق تصل إلى الإنسان سعي لها أم لم يسع. فهل يمكن أن ننكر أن نور الشمس يضيء في بيتنا من دون سعينا، و أن المطر و الهواء يصلان إلينا دون سعي منا؟
وهل يمكن أن ننكر أن العقل والفكر والاستعداد المذخور فينا من أول يوم وجودنا لم يكن بسعينا؟! و لكن هذه المواهب التي تنقلها إلينا الريح كما يقال، أو بتعبير أصح: هذه المواهب التي وصلتنا بلطف الله و من دون سعينا، إذا لم نحافظ عليها بالجد والسعي بطريقة صحيحة، فستضيع من أيدينا، أو أنها ستبقى بلا أثر. هناك كلام معروف منقول عن الإمام علي علیه السلام في شأن الرزق، فيقول: «و اعلم يابني أن الرزق رزقان: رزق تطلبه و رزق يطلبك » .
وفي هذا الكلام إشارة إلى هذه الحقيقة، كما لا ينکر أن بعض موارد الرزق لايأتي تبعا لشيء ظاهر و ملموس، بل يصلنا على أثر سلسلة من الاتفاقات والمصادفات لهذه الحوادث، و إن كانت في نظرنا مصادفات، إلا أنها في الواقع و في نظام الخلق قائمة على حساب دقیق .
ولاشك أن حساب هذا النوع من الرزق منفصل عن الأرزاق التي تأتي تبعا للجد و السعي، والكلام آنف الذكر يمكن أن يشير إلى هذا المطلب أيضا.
و لكن على كل حال، فإن النقطة الأساسية هنا أن جميع التعاليمات الإسلامية تأمرنا بأن نسعى أكثر فأكثر إلى تأمين نواحي الحياة المادية و المعنوية، و أن الفرار من العمل بزعم أن الرزق مقسوم، و أنه آت لامحالة غير صحيح!
4- في الآيات المتقدمة التي هي محل البحث إشارة إلى الرزق فحسب، و بعدها ببضع آيات يأتي التعبير عن التائبين و المؤمنين، و يشار فيها إلى «المتاع الحسن ».
و بالموازنة و المقارنة بين هذين الأمرين يدلنا هذا الموضوع على أن الرزق معد لكل دابة من إنس و حشرات و حیوانات مفترسة وغير ذلك، و للمحسنين و المسيئين جميعا، إلا أن « المتاع الحسن » و المواهب الجديرة والثمينة خاصة للمؤمنين الذين يطهرون أنفسهم من كل ذنب و تلوث بماء التوبة، و يتمتعون بنعم الله في مسير طاعته، لا في طريق الهوى و الهوس. (436:6)
فضل الله: فهو الذي خلقها، و تكقل برزقها، بما أعده من أسباب الرزق و مفرداته و عناصره في الكون، و في ما سخره من ظواهر و قوی تدفعها إلى السعي والكفاح، للأخذ بتلك الأسباب، و الحصول على نتائجها، الأمر الذي يبعدها عن الاتكالية التي تعكس الاسترخاء، و توجهها نحو التوكل الذي يعكس الثقة و يدفع إلى الحركة. (16:12)
رزقكم
1- «وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ » الذاریات: 22
ابن عباس: و من السماء يأتي رزقکم، يعني المطر. (441)
سعید بن جبير: الثلج، و كل عين ذائبة من الثلج لاتنقص. (الطبري 460:11 )
ما ينزل من السماء من مطر و ثلج ينبت به الزرع و يحيي به الخلق، فهو رزق لهم من السماء.
مثله الضحاك. (الماوردي 367:5)
مجاهد: «رزقكم»: المطر.
[و في رواية ]الجنة في السماء، و ما توعدون من خير أو شر . (الطبري 461:11)
أراد القضاء والقدر، أي الرزق عند الله يأتي به كيف يشاء، لارب غيره. (ابن عطية 176:5)
الضحاك : المطر. (الطبري 460:11)
مثله الثوري (الطبري 461:11)
الحسن: في السحاب فيه - والله - رزقکم، و لكنكم تحرمونه بخطايا كم و أعمالكم.(الطبري 11: 460)
الطبري: يقول تعالى ذكره: و في السماء المطر و الثلج اللذان هما خرج الأرض رزقکم، و قوتكم من الطعام و الثمار و غير ذلك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: و من عند الله الذي في السماء رزقكم. (460:11)
القمي: المطر، ينزل من السماء فيخرج به أقوات العالم من الأرض. (330:2)
الثعلبي: يعني المطر و الثلج اللذين بهما تخرج الأرض النبات الذي هو سبب الأقوات. و قال بعض أهل المعاني: معناه: و في المطر والنبات سبب رزقکم، في المطر سماء، لأنه عن السماء ينزل. (113:9).
الماوردي: «وَ فِی السَّماءِ رِزْقُکُمْ » فيه تأويلان:
أحدهما: [قول سعيد بن جبير والضحاك]
الثاني: يعني أن من عند الله الذي في السماء رزقكم.
ويحتمل وجها ثالثا: و في السماء تقدير رزقکم،و ما قسمه لكم مكتوب في أم الكتاب. (367:5)
الطوسي: و قوله: «وَ فِی السَّماءِ رِزْقُکُمْ» ينز له الله إليكم بأن يرسل عليكم الغيث و المطر، فيخرج به من الأرض أنواع ماتقتاتونه و تلبسونه و تنتفعون به. (385:9)
نحوه الطبرسي. (156:5)
القشيري: أي قسمة أرزاقكم في السماء، فالملائكة الموکلون بالأرزاق ينزلون من السماء.
ويقال: «السماء » ها هنا: المطر، فبالمطر ينبت الحب و المرعى. و يقال: على رب السماء أرزاقكم، لأنه ضمنها. (32:6)
الزمخشري: هو المطر، لأنه سبب الأقوات.(17:4)
الفخر الرازي: فيه وجوه:
أحدها : في السحاب المطر.
ثانيها: «فِی السَّماءِ رِزْقُکُمْ» مکتوب.
ثالثها: تقدير الأرزاق كلها من السماء، و لولاه لما حصل في الأرض حبة قوت. ( 208:28)
البيضاوي: أسباب رزقكم أو تقديره. و قيل: المراد ب«السماء» : السحاب، و بالرزق: المطر، فإنه سبب الأقوات. (420:2)
نحوه أبوالسعود . (136:6)
الشربيني: بما يأتي من المطر والرياح و الحر والبرد و غير ذلك، مما رتبه سبحانه و تعالى لمنافع العباد. (98:4)
البروسوي: أي أسباب رزقکم، علی حذف المضاف، يعني به الشمس و القمر و سائر الكواكب، و اختلاف المطالع و المغارب التي يترتب عليه اختلاف الفصول التي هي مبادئ حصول الأرزاق. [ثم نقل کلام السعدي و أضاف: ]
أو في السماء تقدير رزقكم. وقال ابن کیسان: يعني على رب السماء رزقکم، كقوله تعالى: «وَلَأُصَلِّبَنَّکُمْ فِی جُذُوعِ النَّخْلِ »طه : 71. (159:9)
الشوكاني: أي سبب رزقکم، و هو المطر، فإنه سبب الأرزاق. (105:5)
الآلوسي: أي تقديره و تعیینه، أو أسباب رزقكم من النيرين و الكواكب و المطالع و المغارب، التي تختلف بها الفصول التي هي مبادئ الرزق، إلى غير ذلك. فالكلام على تقدير مضاف، أو التجوز يجعل وجود الأسباب فيها كوجود المسبب. و ذهب غير واحد إلى أن «السماء » السحاب، و هو سماء لغة والمراد بالرازق: المطر، فإنه سبب الأقوات. ( 9:27)
ابن عاشور: و في السماء آية المطر، فعدل عن ذكر المطر إلى الرزق، إدماجا للامتنان في الاستدلال، فإن الليل في كونه مطرا يحيي الأرض بعد موتها. و هذا قياس تمثيل للنبت، أي في السماء المطر الذي ترزقون بسببه.
فالرازق: هو المطر الذي تحمله السحب، و « السماء » هنا: طبقات الجو، و تقديم المجرور علی متعلقه للتشويق و للاهتمام بالمكان، و للرد على الفاصلة. (21:27)
الطباطبائي: والمراد بالرزق: المطر الذي ينزله الله على الأرض، فيخرج به انواع مايقتاتونه و يلبسونه و ينتفعون به. و قد قال تعالى: «وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْیا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » الجاثية : 5، فسمي المطر رزقا، فالمراد بالرزق: سببه. أو بتقدير مضاف، أي سبب رزقكم. [ثم نقل بعض الأقوال المتقدمة و أضاف: ]
ويمكن أن يكون المراد به: عالم الغيب، فإن الأشياء و منها الأرزاق تنزل من عند الله سبحانه، و قد صرح بذلك في أشياء، كقوله تعالى: «وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ» الزمر: 6، و قوله: «وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ» الحديد : 25، و قوله على نحو العموم: «وَ إِنْ مِنْ شَئْ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» الحجر: 21، والمراد بالرزق: كل ما ينتفع به الإنسان في بقائه من مأكل و مشرب و ملبس و مسکن و منکح، و ولد و علم و قوة و غير ذلك. (374:18)
عبدالكريم الخطيب: أي و انظروا في السماء، فهي أوضح صورة، و أجلی بیانا مما في الأرض أو في أنفسكم، إن فيها أسباب رزقكم، و ملاك حياتكم، بما ينزل منها من ماء، و ما يجري فيها من شمس و قمر و کواکب ونجوم. بل أن فيها عرش الله، و فيها ملائكته، و فيها مقدرات الأمور. فكل ما يجري على الناس و غيرهم من شؤون، هو منزل من علو، كما يقول سبحانه: « وَ یُنَزِّلُ لَکُم مِّنَ السَّمَآءِ رِزْقًا » المؤمن : 13، و كما يقول جل شأنه: «ویُنزَّلُ الْمَلَئکَهَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلیَ مَن یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ» النحل: 2، و التنزيل لا يكون إلا من جهة عالية. فالسماء هنا إشارة إلى جلال الله و عظمته، و علو مقامه، و قيومته على هذا الوجود. (512:13)
مکارم الشيرازي: و بالرغم من أن بعض الروايات الإسلامية تفسر الرزق في هذه الآية ب «المطر » الذي يمنح الحياة، وهو مصدر الخير و البركة في الأرض جميعا، والآية: 5، من سورة الجاثية أيضا توافق هذا التفسير، إذ تقول: «وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها » ، إلا أن هذا المعنى يمكن أن يكون مصداقا جلیا من مصادیق الآية، في حين أن سعة مفهوم الرزق تشمل حبات المطر و غيرها، کنور الشمس الذي يأتي من السماء وله أثره الفاعل في الحياة، و الهواء الذي هو أساس حياة الموجودات.
كل هذا لو أخذنا مفهوم «السماء»بالمعنى اللغوي، أي السماء التي فوقنا، إلا أن بعضهم فسرها بعالم الغيب و ما وراء الطبيعة، أو اللوح المحفوظ الذي تقدر منه أرزاق العباد، وبالطبع فإن الجمع بين التفسیرین ممکن، و إن كان التفسير الأول أنسب و أوضح. (90:17)
فضل الله: ما معنى وجود الرازق في السماء ؟ قد يكون المراد به أسبابه، كالمطر النازل من السماء، فإن الماء المنهمر من السماء هو الذي يمنح الإنسان الرزق في ما يحيي به الأرض، أو يروي به المخلوقات الحية، و ما يهيئ له من وسائل حياته من خلال ذلك كله من غذاء و لباس و انتفاعات عامة.
وقد يكون المراد بالكلمة المعنى الإيحائي الذي يلتقي بالتقدير الإلهي لأرزاق العباد، مما يجعلهم مشدودين إلى الله في كل تطلعاتهم و في كل تمنياتهم و حاجاتهم، باعتبار أنه المصدر الحقيقي للرزق، ليعيش الإنسان الإيمان بالله و الاعتراف بالحاجة إليه في كل أموره، بالمستوى الذي يربط كل مفردات حاجاته اليومية به، و هذا ما يمكن أن نستوحيه من قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْ شَئْ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» الحجر : 21 . (205:21)
2- « وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ الواقعة»: 82
النبي صلی الله علیه و آله : شکر کم أنكم تكذبون، و يقولون: مطرنا بنوء كذا و كذا. (الطبري 662:11)
الإمام علي علیه السلام: شکر کم. (الطبري 622:11)
ابن عباس: ما مطر الناس ليلة قط، إلا أصبح بعض الناس مشركين، يقولون: مطرنا بنوء كذا و كذا.
« وَ تَجْعَلُونَ شُکْرَکُمْ أَنَّکُمْ تُکَذِّبُونَ». (الطبري 662:11 )
عكرمة : الاكتساب بالسحر. (الماوردي 5: 465)
الحسن: بئسما أخذ قوم لأنفسهم لم يرزقوا من کتاب الله إلا التكذيب به.
خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب. (الطبري: 663:11)
الطبري: و تجعلون شكر الله على رزقه إياكم التكذيب، و ذلك كقول القائل لآخر: جعلت إحساني إليك إساءة منك إلي، معنی جعلت شكر إحساني، أو ثواب إحساني إليك إساءة منك إلي.
وقد ذكر عن الهيثم بن عدي: أن من لغة أزد شنوءة: ما رزق فلان: بمعنى ما شکر.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: و تجعلون حظكم منه التكذيب. (661:11)
الزجاج: وقوله عز و جل: «وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ»كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، ولا ينسبون السقيا إلى الله عز وجل، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم، أي شکرکم بارزقتم التكذيب ؟.
و قرئت (وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)
ولا ينبغي أن يقرأ بها الخلاف المصحف.
وقد قالوا: إن تفسير «رزقكم » هاهنا: الشكر، و رووا أنه يقال: و تجعلون رزقي في معنی شکري، و ليس بصحيح. إنما الكلام في قوله: «وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» يدل على معنی: و تجعلون شکرکم أنكم تكذبون، أي تجعلون شکر رزقكم أن تقولوا: مطرنا بنوء كذا، فتكذيون في ذلك. (116:5)
الثعلبي: حظكم و نصيبكم من القرآن. (221:9)
نحوه البغوي (21:5) و الخازن (22:7 ).
الماوردي: فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب: مطرنا بنوء كذا، قاله ابن عباس، و رواه علي بن أبي طالب عن النبي صلی الله علیه و آله.
الثاني: الاكتساب بالسحر، قاله عكرمة.
الثالث: هو أن يجعلواشكر الله على ما رزقهم تکذیب رسله و الكفر به، فيكون الرازق: الشكر.
ويحتمل رابعا: أنه ما يأخذه الأتباع من الرؤساء، على تكذيب النبي صلی الله علیه و وآله والصد عنه. (465:5)
الطوسی: معناه: و تجعلون حظكم من الخير الذي هو کالرزق لكم، أنكم تكذبون، و يجوز شکر رزقكم. (226:5)
نحوه الطبرسي. (226:5)
القشيري: كانوا إذ أمطروا يقولون: أمطرنا بنوء كذا.
يقول: أتجعلون بدل إنعام الله عليكم بالمطر الكفران به، و تتوهمون أن المطر الذي هو نعمة من الله من الأنواء و الكواكب ؟!
ويقال: أتجعلون حظكم و نصيبكم من القرآن التكذيب؟ (94:6)
الواحدي: قال المفسرون: تجعلون شکرکم، أنكم تكذبون بنعم الله عليكم، فتقولون: سقينا بنوء
كذا. وذلك أنهم كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا. ولا ينسبون السقيا إلى الله تعالى، فقيل لهم: أتجعلون رزقكم، أي شکرکم بما رزقتم التكذيب؟ و المعنى: شکر رزقكم، فحذف المضاف .
قال الأزهري: معنى الآية: و تجعلون بدل شکر رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب، فإنه من عند الله الرزاق. قال: و من جعل الرزق من عند الله، و جعل النجم وقتا و قته الله للغيث، و لم يجعله المغيث الرازق، رجوت أن لا يكون مكذبا. و الله أعلم.(240:4)
الزمخشري: علی حذف المضاف، يعني: و تجعلون شکر رزقكم التكذيب، أي وضعتم التكذيب موضع الشكر.
وقرأ علي رضي الله عنه: « تَجْعَلُونَ شُکْرَکُمْ أَنَّکُمْ تُکَذِّبُونَ»، و قيل: هي قراءة رسول الله صلی الله علیه و آله ، و المعنى: و تجعلون شکرکم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به.
وقيل: نزلت في الأنواء و نسبتهم السقيا إليها، والرزق: المطر، يعني: و تجعلون شکر مايرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله؛ حيث تنسبونه إلى النجوم .(59:4)
نحوه النسفي . (221:4)
ابن عطية: أجمع المفسرون على أن الآية توبیخ للقائلين في المطر الذي ينزله الله للعباد: هذا بنوء كذا و كذا، و هذا ب « عثانين » الأسد، و هذا بنوء «الجوزاء» و غير ذلك. والمعنى: و تجعلون شکر رزقکم، كما تقول لرجل: جعلت یا فلان إحساني إليك أن تشتمني، المعني: جعلت شكر إحساني.. [إلى أن قال:]
وقد أخبر الله تعالى أنه أنزل من السماء ماء مبارکا، فأنبت به جنات و حب الحصيد و النخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد، فهذا معنى قوله: «أَنَّکُمْ تُکَذِّبُونَ»، أي بهذا الخبر. (252:5)
الطبرسي: فالمعنى: تجعلون رزقكم الذي رزقكموه الله فيما قال: «وَ نَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً » ق : 9، إلى قوله: «رزقا للعباد » ق : 11 و قال : «وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ» أنكم تكذبون في أن تنسبوا هذا الرزق إلى غير الله تعالى، فتقولون: مطرنا بنوء كذا، فهذا وجه التخفيف.
و من قرأ ( تكذبون ) فالمعنى أنكم تكذبون بالقرآن، لأن الله تعالى هو الذي رزقكم ذلك على ما جاء في قوله تعالى: «رزقا للعباد » فتنسبونه أنتم إلى غيره، فهذا تكذيبكم بما جاء به التنزيل.
و أما ما روي من قوله: «و تَجْعَلُونَ شُکْرَکُمْ»، فالمعنى: تجعلون مكان الشكر الذي يجب عليكم التكذيب، و قد يكون المعنى: و تجعلون شکر رزقکم التكذيب، فحذف المضاف. (225:5)
الفخر الرازي: ففيه وجوه:
الأول: تجعلون شكر النعم أنكم تقولون: مطرنا بنوء كذا، و هذا عليه أكثر المفسرين.
الثاني: تجعلون معاشكم و کسبكم تكذيب محمد، يقال: فلان قطع الطريق معاشه. والرزق في الأصل: مصدر سمي به ما رزق، يقال للمأكول: رزق، كما
يقال للمقدور: قدرة، و للمخلوق: خلق. و على هذا فالتکذیب مصدر، قصد به ما كانوا يحصلون به مقاصدهم . (197:29)
ابن عربي: أي قوتكم القلبي و رزقكم الحقيقي تكذيبه، لاحتجابكم بعلومكم، و إنکارکم ما ليس من جنسه، كإنکار رجل جاهل ما يخالف اعتقاده، كأن علمه نفس تكذيبه. أو رزقکم الصوري، أي لمداومتكم على التكذيب، كأنكم تجعلون التكذيب غذاء كم، كما تقول للمواظب على الكذب: الكذب غذاؤه. (595:2)
القرطبي:[نقل قول ابن عباس و أضاف: ]
إنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان شكره، لأن شكر الرزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقا على هذا المعنى. فقيل: «و تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ»، أي شکر رزقكم الذي لو وجد منكم لعاد رزقا لكم، « أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» بالرزق، أي تضعون الكذب مکان الشكر، كقوله تعالى: « وَمَا کَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَیْتِ إِلَّا مُکَاءً وَتَصْدِیَهً » الأنفال : 35، أي لم يكونوا يصلون و لكنهم كانوا يصفرون و يصفقون مکان الصلاة.
ففيه بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسبابا، بل ينبغي أن يروه من قبل الله تعالى، ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروها تعبدا له و تذللا. ( 228:17)
أبو حيان: أي شکر مارزقكم الله من إنزال القرآن عليكم تكذيبكم به، أي تضعون مكان الشكر التكذيب. (215:8)
أبو السعود: أي شکر رزقكم أنكم تكذبون، أي تضعون التكذیب موضع الشكر، و قرئ ( و تجعلون شكركم انكم تكذبون)، أي تجعلون شکرکم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به. و قيل: الرزق: المطر، والمعنى: و تجعلون شکر ما يرزقكم الله تعالى من الغيث أنكم تكذبون بكونه من الله تعالی؛ حيث تنسبونه إلى الأنواء، و الأول هو الأوفق لسباق النظم الكريم و سیاقه. (195:6)
البروسوي: أي شکر رزقکم، بتقدير المضاف، ليصح المعنى. و الرزق في الأصل: مصدر، سمي به ما یرزق، و المراد: نعمة القرآن «انكم تكذبون »، أي تضعون التكذيب لرازقه موضع الشكر، أو تجعلون شکر رزقكم الصوري أنكم تكذبون بكونه من الله حيث تنسبونه إلى الأنواء.(338:9)
الشوكاني: قال الهيثم: إن أزد شنوءة يقولون: مارزق فلان، أي ماشكر، و على هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف، بل معنى الرزق: الشكر. و وجه التعبير بالرزق عن الشكر، أن الشکريفيض زيادة الرزق، فيكون الشكر رزقا، تعبيرا بالسبب عن المسبب، و مما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا سقاهم الله، و أنزل عليهم المطر : سقينا بنوء كذا، و مطرنا بنوء كذا.(198:5)
الآلوسي: شکرکم « انكم تكذبون » تقولون: مطرنا بنوء كذا و كذا، و بنجم كذا و كذا، أخرج ذلك
الإمام أحمد والترمذي وحسنه، و الضياء في « المختارة »، و جماعة عن علي كرم الله تعالى وجهه عن النبي صلی الله علیه و آله.
و هو إما إشارة منه عليه الصلاة و السلام إلى أن في الكلام مضافا مقدرا، أي شکررزقکم، أو إشارة إلى أن الرزق مجاز عن لازمه وهوالشكر. و حکی الهيثم بن عدي أن من لغة أزد شنوءة: مارزق فلان فلانا، بمعنى ما شكره. و نقل عن الكرماني أنه نقل في « شرح البخاري»: أن الرزق من أسماء الشكر. و أستبعد ذلك، و لعله هو ما حكاه الهيثم. (27: 156)
ابن عاشور: و المعنى: أفتجعلون رزقكم أنكم تكذبون؟ و هو تفريع على ما تضمنه الاستدلال، بتكوين نسل الإنسان و خلق الحب والماء في المزن، و النار من أعواد الاقتداح، فإن في مجموع ذلك حصول مقومات الأقوات و هي رزق، و التنسل رزق، يقال: رزق فلان ولدا، لأن الرزق يطلق على العطاء النافع. [ ثم استشهد بشعر]
وقال تعالى: «ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ»الذاريات : 57، فعطف الإطعام على الرزق، و العطف يقتضي المغايرة.
و الاستفهام المقدر بعد العاطف إنكاري، و إذ كان التكذيب لا يصح أن يجعل رزقا تعین بدلالة الاقتضاء تقدير محذوف يفيده الكلام، فقدره المفسرون: شکر رزقكم أو نحوه، أي تجعلون شكر الله على رزقه إياكم أن تكذبوا بقدرته على إعادة الحياة، لأنهم عدلوا عن شكر الله تعالى فيما أنعم به عليهم، فاستنقصوا قدرته على إعادة الأجسام، و نسبوا الزرع لأنفسهم، و زعموا أن المطر مطره النجوم المسماة بالأنواء، فلذلك قال ابن عباس: نزلت في قولهم: مطرنا بنوء كذا، أي لأنهم يقولونه عن اعتقاد تأثير الأنواء في خلق المطر، فمعنى قول ابن عباس: نزلت في قولهم: مطرنا بنوء كذا، أنه مراد من معنى الآية. ( 309:27)
مغنية: المراد بالرزق: النعمة، و بالتكذيب: کفرانها، والمعنى: أن القرآن نعمة من الله عليكم أيها المداهنون، فكيف قابلتموها بالجحود و الكفران؟
وقال جماعة من المفسرين : إنهم كانوا إذا أمطروا قالوا: هذا من صنع الطبيعة، فكان ذلك كفرا منهم بأنعم الله، و فيهم نزلت هذه الآية.
وهذا بعيد، لأن الحديث عن القرآن لا عن الأمطار. (234:7)
مکارم الشيرازي: يقول سبحانه: إنكم بدلا من أن تشكروا الله تعالى على نعمه و رزقه وخاصة نعمة القرآن الكبيرة، فإنكم تكذبون به، « وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ».
قال البعض: إن المقصود أن استفادتكم من القرآن هي تكذيبكم فقط، أو أن التكذيب تجعلونه وسيلة الرزقکم و معاشكم. إلا أن التفسير الأول مناسب للآيات السابقة و لسبب النزول أكثر من التفسیرین الأخيرين.
و انسجاما مع هذا الرأي، فقد نقل كثير من المفسرين عن ابن عباس طبقا لهذا التفسير: أصاب الناس عطش في بعض أسفار صلی الله علیه و آله فسقوا، فسمع
رجلا يقول: مطرنا بنوء كذا، فنزلت الآية، لأن العرب كانوا يعتقدون في الجاهلية بالأنواء و أن لها الأثر في نزول المطر، و يقصد بها النجوم التي تظهر بين آونة و أخرى في السماء، و أن ظهورها يصاحبه نزول المطر كما يعتقدون، و لهذا يقولون: مطرنا بنوء كذا، أي ببركة طلوع النجم الفلاني. و هذا بذاته أحد مظاهر الشرك الجاهلي و عبادة النجوم.
و النقطة الجديرة بالملاحظة هنا: أنه جاء في بعض الروايات عن رسول الله صلی الله علیه و آله أنه قلما كان يفسر الآيات، و إجمالا كان يتصدى للتفسير عند ما تستلزم الضرورة كما في هذا المورد؛ حيث أخبر صلی الله علیه و آله أن المقصود من «وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» و تجعلون شکرکم أنكم تكذبون. (464:17)
لرزقنا
« إِنَّ هذَا لَرِزْقُنَا مَالَهُ مِن نَفَادٍ». ص : 54
ابن عباس: طعامنا و نعيمنالهم. (383)
السدي: رزق الجنة، كلما أخذ منه شيء عاد مثله مكانه، و رزق الدنيا له نفاد. (415)
الطبري: إن هذا الذي أعطينا هؤلاء المتقين في جنات عدن من الفاكهة الكثيرة و الشراب، و القاصرات الطرف، و مکناهم فيها من الوصول إلى اللذات و ما اشتهته فيها أنفسهم، لرزقنا، رزقناهم فيها کرامة منا لهم. (596:10)
الطبرسی:أي عطاؤنا الجاري المتصل.(4: 481)
ابن عاشور: و أطلق الرزق على النعمة كما في قول النبي صلی الله علیه و آله : « لو أن أحدهم قال حين يضاجع أهله: اللهم جبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، ثم ولد لهما ولد، لم يمسه شیطان أبدا »، فسمى الولد رزقا. (176:23)
مکارم الشيرازي: أي أن النعم في الجنان خالدة ولاتنفد و لاتزول كما في الحياة الدنيا، و أنها تزداد دائما من خزائن الله المملوءة وغير المحدودة، ولا يظهر عليها أي نقص، لأن الله أراد ذلك. (489:14)
رزقا
1- « أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »البقرة : 22
راجع: ث م ر: «الثمرات» المعجم ج 8: 546.
2 - «وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِیلِ وَالاْعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَکَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِی ذَلِکَ لاَیَهً لِقَوْم یَعْقِلُونَ » النحل : 67
ابن عباس : حلالا من الخل و الدبس و الزبيب وغير ذلك. (226)
السكر: ما حرم من شرابه، و الرزق الحسن: ما أحل من ثمرته. (الطبري 607:7)
أما الرزق الحسن: فما أحل من ثمرتهما، و أما السكر: فما حرم من ثمرتهما. (الطبري 7: 608)
نحوه سعيد بن جبير. (الطبري 7: 608)
يعني بذلك: الحلال التمر والزبيب، وما كان حلالا لايسكر.
هو الحلال من الخل و التبيذ و أشباه ذلك، فأقره الله و جعله حلالا للمسلمين. (الطبري 7: 610)
سعید بن جبير: السكر: خمر، و الرزق الحسن: الحلال. (الطبري 609:7 )
الشعبي: السكر: النبيذ و الخل، و الرزق الحسن: التمر و الزبيب .
والرزق الحسن: كانوا يصنعون من التمر والزبيب.
السكر: النبيد، و الرزق الحسن: التمر الذي كان يؤكل. (الطبري 7: 611)
مجاهد: السكر: الخمر، و الرزق الحسن: الرطب والأعناب. (الطبري 609:7 )
والرزق الحسن: ما كانوا يصنعون من الزبيب والتمر. (الطبري 7: 611)
الضحاك : الرزق الحسن : الحلال، والسكر: الحرام. (الطبري 609:7)
الحسن: السكر: ما حرم الله منه، والرزق: ما أحل الله منه. (الطبري 7: 609)
قتادة: أما السكر: فخمور هذه الأعاجم، و أما الرزق الحسن: فما تنتبذون، وما تخللون، وما تأكلون. (الطبري 7: 610)
ابن زيد: الحلال: ما كان على وجه الحلال حتى غيروها فجعلوا منها سكرا. (الطبري 7: 611)
الفراء: هي الخمر قبل أن تحرم، و الرزق الحسن: الزبيب و التمر وما أشبههما. (109:2)
نحوه ابن قتيبة. (245)
الطبري: واختلف أهل التأويل في معنى قوله:« تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَکَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا» فقال بعضهم: عني بالسكر: الخمر، و بالرزق الحسن: التمر و الزبيب.
وقال آخرون: السكر بمنزلة الخمر في التحريم و ليس بخمر. و قالوا: هو نقيع التمر، والزبيب إذا اشتد و صار يسكر شاربه.
وقال آخرون: السكر : هو كل ما كان حلا شربه، كالنبيذ الحلال والخل و الرطب. والرزق الحسن: التمر والزبيب. [ثم نقل قول الشعبي و قال:]
وعلى هذا التأويل الآية غير منسوخة، بل حكمها ثابت. و هذا التأويل عندي هو أولى الأقوال. (607:7)
الزجاج: إنه الخمر من قبل أن تحرم، والرزق الحسن: يؤكل من الأعناب و التمور. (209:3)
الماوردي: فيها أربعة تأویلات:
أحدها : أن السكر: الخمر، والرزق الحسن: التمر والرطب و الزبيب.
الثاني: [ قول الشعبي ]
وجعلها أهل العراق دليلا على إباحة النبیذ.
الثالث: أن السكر: الخل بلغة الحبشة، والرزق الحسن: الطعام.
الرابع: [ قول الطبري] (198:3)
القشيري: الرزق الحسن: ما كان حلالا.
و يقال: هو ما أتاك من حيث لا تحتسب، و يقال:هو الذي لامنة لمخلوق فيه و لاتبعة عليه.
و يقال: هو ما لا يعصي الله مکتسبه في حال اكتسابه.
ويقال هو ما لا ينسى الله فيه مكتسبه. ( 306:3)
الواحدي: والرزق الحسن: ما أحل منهما، کالزبيب و الخل و التمر. (70:3)
الميبدي: والرزق الحسن: التمر والزبيب و الدبس و الخل. (404:5)
الزمخشري: و الرزق الحسن: الخل والرب و التمر والزبيب و غير ذلك. ويجوز أن يجعل السكر رزقا حسنا، كأنه قيل: تتخذون منه ماهو سکر و رزق حسن. (417:2)
ابن العربي: [نقل بعض الأقوال المتقدمة وقال: ]
أما هذه الأقاويل فأسدها قول ابن عباس: إن السكر: الخمر، و الرزق الحسن: ما أحله الله بعدها من هذه الثمرات.
ويخرج ذلك على أحد معنيين: إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، و إما أن يكون المعنى: أنعم الله عليكم ثمرات النخيل و الأعناب، تتخذون منه ما حرم الله عليكم اعتداء منكم، و ما أحل الله لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة أنفسكم.
و الصحيح: أن ذلك كان قبل تحريم الخمر، فإن هذه الآية مكية باتفاق من العلماء، و تحريم الخمر مدني. (115:3)
ابن عاشور: والرزق: الطعام، و وصف ب«حسنا» لما فيه من المنافع، و ذلك التمر و العنب، لأنهما حلوان لذيذان يؤكلان رطبين و یابسين، قابلان للادخار. و من أحوال عصير العنب أن يصير خلا و ربا. (163:13)
مغنية: أما الرزق الحسن: فالمراد به التمر و الطب و الزبيب و العنب و الخل و الرب، وما إلى ذلك. و جاء في بعض الروايات أن المقصود بالسكر في الآية: ما كان حراما، و بالرزق: ما كان حلالا. (528:4)
عبد الكريم الخطيب: و السكر: ما يسكر، و هو الخمر، و الرزق الحسن: ما يصنع من التمر و العنب في أغراض أخرى غير السكر.
و في هذا إشارة إلى أن السكر و هو الحمر رزق غير حسن و إن سمي رزقا، لأن كثيرا من الناس يصنعه، و يبيعه، و يعيش من العمل فيه.
و هذه أول آية تنزل في الخمر، و تومئ إليه هذه الإيماءة التي تحقره، و تسمه بتلك السمة التي تعزله عن الحسن من الرزق. (322:7)
3- «وَیَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا یَمْلِکُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ شَیْئاً وَلا یَسْتَطِیعُونَ»النحل: 73
الطوسي: و رزق السماء: الغيث الذي يأتي من جهتها، و رزق الأرض: النبات والثمار التي تخرج منها.(408:6)
نحوه الفخر الرازي. (82:20)
الميبدي: يعني من جهة السماوات و الأرض، لأنها لا تقدر على إنزال قطر من السماء، و لا تقدر
على إخراج شیء من نبات الأرض. (416:5)
الزمخشري: الرزق يكون بمعنى المصدر، و بمعنى ما يرزق. فإن أردت المصدر نصبت ب«شيئا» كقوله: «او اطعام... يتيما » البلد: 14، 15، على: لايملك أن يرزق شيئا. و إن أردت المرزوق كان «شیئا »بدلا منه بمعنى قليلا. ويجوز أن يكون تأكيدا ل «لايملك»، أي لا يملك شيئا من الملك.
و «من السموات و الأرض »: صلة للرزق إن كان مصدرا بمعنی: لایرزق من السماوات مطرا، ولا من الأرض نباتا. أو صفة إن كان اسما لما يرزق. (419:2)
ابن عطية: و الرزق: ما صح الانتفاع به. وقال أبو منصور في عقيدته: الرزق ماوقع الاغتذاء به، و هذه الآية ترد على هذا التخصيص، و كذلك قوله تعالى: «وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» البقرة : 30، « و أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناکُمْ» البقرة : 254، وغير ذلك من قول النبي صلی الله علیه و آله: «جعل رزقي في ظل رمحي »، و قوله: «أرزاق أمتي في سنابك خيلها، و أسنة رماحها» فالغنيمة كلها رزق . و الصحيح: أن ما صح الانتفاع به هو الرزق، وهو مراتب، أعلاهاما تغذي به. (409:3)
أبو حيان: يعني به المطر، و أطلق عليه رزق، لأنه عنه ينشأ الرزق. «والأرض» : يعني الشجر، و الثمر، والزرع. (517:5)
الشربيني: أي تارکین عبادة من بيده جميع الأرزاق، وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات و يعبدون غيره، ثم بين تعالى جهة الرزق بقوله تعالى : « مِنَ اَلسَّمَوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ »، أما الرزق الذي يأتي من جانب السماء فالمطر، وأما الذي من جانب الأرض فالنبات والثمار التي تخرج منها. (250:2)
أبوالسعود: إن جعل الرزق مصدرا «شیئا» نصب على المفعولية منه، أي ما لا يقدر على أن يرزقهم شيئا، لا من السماوات مطرا ولا من الأرض نباتا، و إن جعل اسما للمرزوق، فنصب على البدلية منه بمعنى قليلا، و «من السموات والأرض »صفة ل «رزقا»، أي كائنا منهما، ويجوز کونه تأكیدا ل«لايملك»، أي لايملك رزقا ما شيئا من الملك.(78:4)
4-... «نَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»العنكبوت : 17
الطبري: يقول جل ثناؤه: إن أوثانكم التي تعبدونها، لاتقدر أن ترزقكم شيئا « فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرِّزْقَ »، يقول: فالتمسوا عند الله الرزق لامن عند أو ثانكم، تدرکوا ما تبتغون من ذلك ( 129:10)
الطوسي: أي لا يقدرون على أن يرزقوكم، و إنما يبتغي الرزق من القادر على المنع، و هو الله الرازق. [ إلى أن قال:] |
ثم قال لهم: «فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرِّزْقَ»، أي اطلبوا الرزق من عند الله دون من سواه. (195:8)
الزمخشري: فإن قلت: لم نکر الرزق ثم عرفه؟
قلت: لأنه أراد: لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئا من الرزق، فابتغوا عند الله الرزق كله. فإنه هو الرزاق وحده لايرزق غيره. (201:3)
ابن عطية: فقرر أن الأصنام لاترزق، و أمر بابتغاء الخير عند الله تعالى، و خصص «الرزق»لمكانته من الخلق، فهو جزء يدل على جنسه كله. (311:4)
أبو حيان: قرر أن الأصنام لاترزق، و الرزق يحتمل أن يريد به المصدر: لايملكون أن يرزقوكم شيئا من الرزق. و احتمل أن يكون اسم المرزوق، أي لا يملكون لكم إيتاء رزق و لاتحصیله. و خص الرزق لمكانته من الخلق، ثم أمرهم بابتغاء الرزق من هو ملکه و یؤتیه. و ذكر الرزق، لأن المقصود أنهم لا يقدرون على شيء منه، و عرفه بعد لدلالته على العموم، لأنه تعالى عنده الأرزاق كلها. (146:7)
الآلوسي:«رزقا» ، يحتمل أن يكون مصدرا مفعولا به ل« يملكون »، و المعنى: لا يستطيعون أن يرزقوکم شيئا من الرزق، و أن يكون بمعنى المرزوق، أي لا يستطيعون إيتاء شيء من الرزق.
و جوز على المصدرية أن يكون مفعولا مطلقا ل«يملکون»، من معناه، أو لمحذوف، و الأصل: لايملكون أن يرزقوكم رزقا، و هو كما تری، ونکر كما قال بعض الأجلة: للتحقير و التقليل مبالغة في النفي، و خص الرزق لمكانته من الخلق، «فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرِّزْقَ» أي كله، على أن تعريف الرزق للاستغراق. (145:20)
ابن عاشور: و تنکیر «رزقا »في سياق النفي يدل على عموم نفي قدرة أصنامهم على كل رزق و لو قليلا، و تفريع الأمر بابتغاء الرزق من الله إبطال لظنهم الرزق من أصنامهم، أو تذكير بأن الرازق هو الله. فابتغاء الرزق منه يقتضي تخصیصه بالعبادة، كما دل عليه عطف « وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ ».وقد سلك إبراهيم مسلك الاستدلال بالنعم الحسية، لأن إثباتها أقرب إلى أذهان العموم. (149:20)
5- « وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَريماً»الأحزاب : 31
قتادة: و هي الجنة. (الطبري 10: 292)
الطبري: و أعتدنا لها في الآخرة عيشا هنيئا في الجنه. (292:10)
الطوسي: و الرزق الكريم: هو الثواب الذي لايحسن الابتداء بمثله. (8: 338)
ابن عطية : والرزق الكريم: الجنة، ويجوز أن يكون في ذلك وعد دنیاوي، أي أن رزقها في الدنيا على الله، و هو کریم، من حيث ذلك هو حلال و قصد و برضى من الله في نيله. (382:4)
الطبرسي: أي عظيم القدر رفيع الخطر. وقيل: إن الرزق الكريم: ما سلم من كل آفة. (354:4)
) الفخر الرازي: وصف رزق الآخرة بكونه كريما، مع أن الكريم لا يكون إلا وصفا للرزاق، إشارة
إلى معنی لطيف، و هو أن الرزق في الدنيا مقدر على أيدي الناس، التاجر يسترزق من السوقة، و المعاملين و الصناع من المستعملين، و الملوك من الرعية و الرعية منهم، فالرزق في الدنيا لا يأتي بنفسه، و إنما هو مسخر للغير، يمسكه و يرسله إلى الأغيار.
و أما في الآخرة فلا يكون له مرسل و ممسك في الظاهر، فهو الذي يأتي بنفسه، فلأجل هذا لا يوصف في الدنيا بالكريم إلا الرزاق، و في الآخرة يوصف بالكريم نفس الرزق. ( 208:25)
نحوه النيسابوري . (10:22)
الشربيني: أي في الدنيا والآخرة زيادة على أجرها.
أما في الدنيا: فلأن ما يرزقهن منه يوفقن لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب، و لايخشی من أجله نوع عقاب.
وأما في الآخرة: فلايوصف ولاحد، ولانكد فيه أصلا ولا كدة، وهذا ما جرى عليه البقاعي، و هو أولى مما جرى عليه كثير من المفسرين، من الاقتصار على رزق الجنة، و علله الرازي بقوله: [ ثم نقل كلامه].
(242:3)
نحوه المراغي. (3:22)
البروسوي: أي حسنا مرضا قال في «المفردات» : كل شيء يشرف في بابه فإنه کریم، وفيه إشارة إلى أن الرزق الكريم في الحقيقة هو نعيم الجنة، فمن أراده يترك التنعم في الدنيا. (168:7)
الآلوسي: عظيم القدر رفيع الخطر مرضیا لصاحبه. و قيل: الرزق الكريم: ما يسلم من كل آفة.
وجوز ابن عطية أن يكون في ذلك وعد دنیاوي أي إن رزقها في الدنيا على الله تعالى، و هو كريم من حيث هو حلال و قصد برضا من الله تعالى في نيله، و هو كما ترى. (3:22)
ابن عاشور: و الرزق الكريم: هو رزق الجنة، قال تعالى: « كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً.... »البقرة : 25، و وصفه بالكريم لأنه أفضل جنسه. (239:21)
الطباطبائي: و الرزق الكريم: مصداقه الجنة. (308:16)
مکارم الشيرازي: الرزق الكريم: له معنى واسع، يتضمن كل المواهب المادية والمعنوية و تفسيره بالجنة باعتبارها مجمعا لكل هذه المواهب.(211:13)
6 -«هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَ يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَ ما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ» المؤمن : 13
ابن عباس: مطرا. (394)
الطبري: يقول: ينزل لكم من أرزاقكم من السماء بإدرار الغيث الذي يخرج به أقواتكم من الأرض، و غذاء أنعامكم عليكم. ( 46:11)
البغوي: يعني: المطر الذي هو سبب الأرزاق.(108:4)
نحوه الزمخشري (419:3) ، و ابن الجوزي (210:7)، و الخازن (6: 76).
الميبدي: أي مطرا يكون به الرزق، هذا كقوله: « وَما أرْسَلْناکَ إلّارَحْمَهً لِلْعالَمینَ » الأنبياء:107، أي داعيا تدرك بإجابتك رحمتي، و كقوله: «أعصرخمرا » يوسف: 36، أي عنبا تحصل منه الخمر.(455:8)
ابن عطية: و تنزيل الرزق هو في تنزيل المطر، و في تنزيل القضاء و الحكم. (4: 550)
الطبرسي: من الغيث و المطر الذي ينبت ما هو رزق للخلق. (517:4)
الفخر الرازي: واعلم أن أهم المهمات رعاية مصالح الأديان، و مصالح الأبدان، فهو سبحانه و تعالى راعي مصالح أديان العباد با ظهار البینات و الآيات، و راعي مصالح أبدانهم بإنزال الرزق من السماء، فموقع الآيات من الأديان كموقع الأرزاق من الأبدان، فالآيات الحياة الأديان، و الأرزاق الحياة الأبدان، و عند حصولهما يحصل الإنعام على أقوى الاعتبارات و أكمل الجهات. ( 42:27)
نحوه الشربيني.(473:3)
القرطبي: جمع بين إظهار الآيات و إنزال الرزق، لأن بالآيات قوام الأديان، و بالرزق قوام الأبدان. (299:15)
نحوه أبو حيان (7: 454) و البروسوي (8: 163).
أبوالسعود: أي سبب رزق و هو المطر، و إفراده بالذكر مع كونه من جملة الآيات الدالة على كمال قدرته تعالى، لتفرده بعنوان كونه من آثار رحمته و جلائل نعمته الموجبة للشکر، و صيغة المضارع في الفعلين للدلالة على تجدد الإراءة و التنزيل و استمرارهما.(412:5)
مثله الآلوسي. (54:24)
الطباطبائي: حجة أخرى على وحدانيته تعالى من جهة الرزق، فإن رزق العباد من شؤون الربوبية و الألوهية، و الرزق من الله دون شركائهم، فهو الرب الإله دونهم.
وقد فسروا الرزق بالمطر، و السماء بجهة العلو ولايبعد أن يراد بالرزق نفس الأشياء التي يرتزق بها، و بنزولها من السماء بروزها من الغيب إلى الشهادة على ما يفيده قوله: «وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» الحجر : 21 ( 317:17).
مکارم الشيرازي: و لكن من الضروري أن نلتفت إلى أن القرآن يختار الإشارة إلى آية الرزق من بين آيات الله المبثوثة في السماء والأرض و في وجود الإنسان؛ ذلك لأن الرزق هو أكثر ما يشغل البال والفكر. و أحيانا نرى الإنسان يستنجد بالأصنام من أجل زيادة الرزق و إنقاذه من وضعه المتردي، لذا يأتي القرآن ليؤكد أن جميع الأرزاق هي بيد الله ، و لا تستطيع الأصنام أو غيرها أن تفعل أي شيء. ( 200:15)
7-«رِزْقاً لِلْعِبادِ وَ أَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ»ق: 11
ابن عباس : طعاما للخلق، يعني الحبوب. (438)
الطبري: أنبتنا بهذا الماء الذي أنزلناه من السماء هذه الجنات و الحب و النخل قوتا للعباد، بعضها غذاء،
و بعضها فاكهة و متاعا. ( 411:11)
الزجاج: و قوله: «رزقا للعباد..»ينتصب على وجهين:
أحدهما: على معنی رزقناهم رزقا، لأن إنباته هذه الأشياء رزق.
ويجوز أن يكون مفعولا له، المعنى: فأنبتنا هذه الأشياء للرزق. (43:5)
الطوسي: و قوله: «رزقا للعباده»، أي خلقنا ما ذكرنا من حب الحصيد و الطلع النضيد رزقا للعباد و غذاء لهم، و هو نصب على المصدر، أي رزقناهم رزقا. ويجوز أن يكون مفعولا له، أي لرزق العباد، و الرزق هو ما للحي الانتفاع به على وجه ليس لغيره منعه منه.
والحرام ليس برزق، لأن الله تعالى منع منه بالنهي و الحظر، و كل رزق فهو من الله تعالى، إما بأن يفعله أو يفعل سببه، لأنه ما يريده. و قد يرزق الواحد ما غيره، كما يقال: رزق السلطان الجند. (360:9)
نحوه الطبرسي.(142:5)
الواحدي: أي أنبتنا هذه الأشياء للرزق. (164:4)
الزمخشري: «رزقا »على: أنبتناها رزقا، لأن الإنبات في معنى الرزق. أو على أنه مفعول له، أي أنبتناها لنرزقهم.(5:4)
القرطبي: أي رزقناهم رزقا، أو على معنی أنبتناها رزقا، لأن الإنبات في معنى الرزق. أو على أنه مفعول له، أي أنبتناها لرزقهم، والرزق ما كان مهيأ للانتفاع به. (7:17)
الشربيني: «رزقا»يجوز أن يكون حالا، أي مرزوقا وللعباده، ويجوز أن يكون مفعولا له، و«للعباد » إما صفة، و إما متعلق بالمصدر. فإن قيل: ما الحكمة في قوله تعالى عند ذكر خلق السماء والأرض «تبصرة وذکری » ق ،: 8، و في الثمار قال: «رزقا »و الثمار أيضا فيها تبصرة، و في السماء والأرض أيضا منفعة غير التبصرة و التذكرة؟
أجيب: بأن الاستدلال وقع لوجود أمرين:
أحدهما: الإعادة.
والثاني: البقاء بعد الإعادة، فإن النبي صلی الله علیه و آله كان يخبرهم بحشر و جمع يكون بعده الثواب الدائم و العقاب الدائم، و أنكروا ذلك، فقال:
أما الأول: فالله القادر على خلق السماوات والأرض، قادر على خلق الخلق بعد الفناء.
وأما الثاني: فلئن البقاء في الدنيا بالرزق، والقادر على إخراج الأرزاق من النخل و الشجر قادر على أن يرزق بعد الحشر، فكان الأول تبصرة و تذكرة بالخلق، والثاني: تذكرة بالبقاء والرزق، ويدل على هذا الفصل بينهما بقوله تعالى: «تبصرة وذکری » حیث ذکر ذلك بين الآيتين، ثم بدأ بذكر الماء و إنزاله و إنبات النبات. (81:4)
أبو السعود: أي لنرزقهم علة لقوله تعالى: «فانبتنا» ق : 9، و في تعليله بذلك بعد تعلیل «انبتنا» ق : 7، الأول بالتبصرة والتذكير، تنبیه على أن الواجب على العبد أن يكون انتفاعه بذلك من
حيث التذكر و الاستبصار، أهم و أقدم من تمتعه به من حيث الرزق. و قيل:«رزقا» مصدر من معنى «انبتنا»لأن الإنبات رزق. (124:6)
نحوه البروسوي.(108:9)
الآلوسي: [نحو أبي العود و أضاف: ]
و جوز أن يكون «رزقا» مصدرا من معنى «تنبتنا» ، لأن الإنبات رزق، فهو من قبيل قعدت جلوسا. و أن يكون حالا بمعنی مرزوقا. ( 176:26)
ابن عاشور: «رزقا للعباد»مفعول لأجله، القوله: « فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ » ق: 9، إلى آخره، فهو مصدر، أي لنرزق العباد، أي نقوتهم. و القول في التعليل به كالقول في التعليل بقوله: «تبصرة وذکری »ق: 18. (244:26)
الطباطبائي: الرزق: ما يمد به البقاء، «رزقا للعباد » مفعول له، أي أنبتنا هذه الجنات و حب الحصيد، و النخل باسقات بما لها من الطلع النضيد ليكون رزقا للعباد، فمن خلق هذه النباتات ليرزق به العباد، بما في ذلك من التدبير الوسيع الذي يدهش اللب و يحير العقل، هو ذو علم لايتناهي، وقدرة لاتعيا، لا يشق عليه إحياء الإنسان بعد موته، و إن تلاشت ذرات جسمه، و ضلت في الأرض أجزاء بدنه . (341:18)
8-..... « وَمَن یُؤْمِن بِاللَّهِ وَ یَعْمَلْ صَالِحاً یُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَآ أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً» الطلاق : 11
الطبري: يقول: قد وسع الله له في الجنات رزقا، يعني بالرزق: ما رزقه فيها من المطاعم و المشارب، و سائر ما أعد لأوليائه فيها، فطيبه لهم. ( 144:12)
الزجاج: أي رزقه الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها ولايزول. (188:5)
الطوسي: أي أجزل الله لهم ما ينتفعون به ولا يمنعون منه، فالرزق: النفع الجاري في الحكم، فلا كان النفع للمؤمنين في الجنة جاريا في حكم الله، كان رزقا لهم منه. (41:10)
القشيري: و الرزق الحسن: ما كان على حد الكفاية لا نقصان فيه تتعطل الأمور بسببه، و لا زيادة فيه تشغله عن الاستمتاع بما رزق لحرصه.
كذلك أرزاق القلوب، أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يشتغل به في الوقت، من غير نقصان يجعله يتعذب بتعطشه، و لا تكون فيه زيادة، فيكون علی خطر من مغاليط لا يخرج منها إلا بتأييد سماوي من الله. (170:6)
الواحدي: يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها. (316:4)
نحوه البغوي (5: 114) و ابن الجوزي (8: 299)، والخازن (7: 95).
الميبدي: أي ثوابا جميلا في الجنة.
وقيل: رزقا من المطاعم والمشارب. ( 146:10)
الزمخشري: فيه معنى التعجب و التعظيم، لما رزق المؤمن من الثواب. (124:4)
نحوه البيضاوي (2: 485)، و النسفي ( 4: 268)،
والشربيني( 4: 321)، و أبوالسعود (6: 264)، والآلوسي ( 142:28)
ابن عطية: و الرازق المشار إليه: رزق الجتة،لدوامه و دروره. (327:5)
الفخر الرازي: قيل: «رزقا»، أي طاعة في الدنيا و ثوابا في الآخرة، و نظيره «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» البقرة : 201. (39:30)
البروسوي: و فيه معنى التعجب و التعظيم، لما رزقه الله المؤمنين من الثواب، لأن الجملة الخبرة إذا لم يحصل منها فائدة الخبر و لالازمها، تحمل علی التعجب إذا اقتضاه المقام، كأنه قيل: ما أحسن رزقهم الذي رزقهم الله وما أعظمه!، ف «رزقا »ظاهره المفعولية ل« أحسن» ، و التنوين للتعظيم، لإعداده تعالى فيها ما هو خارج عن الوصف، أو للتكثير عددا لما فيه مما تشتهيه الأنفس من الرزق والأنفس، أو مددا لأن أكلها دائم لا ينقطع. ولا بعد في أن یکون (له) بمعنى «إليه »، و يكون «رزقا» تمييزا بمعنی قد هيأ له و أعد ما يحسن إليه به من جهة الرزق.
قال بعض الكبار: الجزاء على الأعمال في حق العارفين من عين المنة، فهو جزاء العمل لاجزاء العامل، فافهم.
قال في «الأسئلة المفحمة »: «الظاهر أن الرزق الحسن » مال في قدر الكفاية، بزيادة تطغى ولا حاجة تنسی.
يقول الفقير : هذا التفسير ليس في محله، لأن المراد رزق الآخرة - كما دل عليه ماقبل الآية - لا رزق الدنيا .
و في «التأويلات النجمية »: و من يؤمن بالله إيمانا حقیقا عینیا، و يعمل عملا صالحا منزها عن رؤيته مقدسا عن نسبته إلى العامل المجازي، يدخله جنات المكاشفات و المشاهدات و المعاينات و المحاضرات من غير الفترة الحجابية، قد أحسن الله له رزقا، فرزق الروح بالتفريد، و رزق القلب بالتجريد، و رزق السر بالتوحيد، و رزق الخفي بالفناء و البقاء. ( 42:10)
الشوكاني: و جملة « قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَهُ رِزْقاً »فی محل نصب على الحال من الضمير في «خالدین » على التداخل، أو من مفعول يدخله على الترادف، و معنی «قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَهُ رِزْقاً »أي وسع له رزقه في الجنة. (302:5)
المراغي: و قد وسع الله لهم فيها الأرزاق من مطاعم و مشارب، مما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر. ( 150:28)
ابن عاشور و جملة « قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَهُ رِزْقاً »حال من الضمير المنصوب في «يدخله» و لذلك فذكر اسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار، لتكون الجملة مستقلة بنفسها.
والرزق: كل ما ينتفع به، و تنکیره هنا للتعظيم، أي رزقا عظيما. (303:28)
الطباطبائي: و قوله:« قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَهُ رِزْقاً »وصف الإحسانه تعالى إليهم، فيما رزقهم به من الرزق. و المراد بالرزق: ما رزقهم من الإيمان والعمل الصالح
في الدنيا، و الجنة في الآخرة، و قيل: المراد به الجنة. (325:19)
مکارم الشيرازي: و التعبير ب«رزقا»بصيغة نكرة إشارة إلى عظمة و أهمية الأرزاق الطيبة التي يهيؤها الله لهذه الجماعة، و قد يتسع معناها ليشمل كل النعم الإلهية في الدنيا والآخرة، لأن الصالحين و المتقين لهم حياتهم الكريمة حتى في الحياة الدنيا. (396:18)
الوجوه و النظائر
الحيري: باب « الرزق » على تسعة أوجه:
أحدها: العطاء، كقوله: «وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّهِ» البقرة : 60، و قوله: «وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» البقرة : 3، حيث كان و غيرها من سور أخرى، و في الأعراف الآية : 160: «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ».
والثاني: الطعام، كقوله: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ» إبراهيم: 32، و قوله: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ»البقرة : 25، و قوله: «و لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا» مریم: 62، و قوله: «أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ» الصافات : 41، وقوله: و«ان هذا لررزقنا ماله من نفاد» ص : 54.
والثالث: رزق الجنة، كقوله في البقرة الآية: 212، و آل عمران الآية : 37: «واللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»، و في المؤمن الآية: 40: « يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ».
والرابع: فاكهة الشتاء في الصيف، و فاكهة الصيف في الشتاء، كقوله: «كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً» آل عمران : 37.
والخامس: الحوت، كقوله: «وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِراءً عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا »الأنعام : 140، و قوله: «قُلْ أَرَأَیْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَکُمْ مِنْ رِزْقٍ » یونس : 59.
والسادس: المال، كقوله:« وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً» هود : 88، و قوله: «وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا » النحل: 75، و قوله:«وَ اللّهُ فَضَّلَ بَعْضَکُمْ عَلی بَعْضٍ فِی الرِّزْقِ فَمَا الَّذِینَ فُضِّلُوا بِرَادِّی رِزْقِهِمْ» النحل: 71.
والسابع: المطر، كقوله: «وَیُنَزِّلُ لَکُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً »المؤمن : 13، و قوله: «و فِی السَّماءِ رِزقُکُم وما توعَدون» الذاريات : 22، و في الجاثية الآية :5:«وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِّزْق» و قوله: « وَتَجْعَلُونَ رِزْقَکُمْ أَنَّکُمْ تُکَذِّبُونَ »الواقعة : 82
والثامن: الجنة، كقوله في طه الآية : 131: «وَ رِزْقُ رَبِّکَ خَیْرٌ وَ أَبْقی».
والتاسع: التواب، كقوله في الطلاق الآية: 11:« قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَهُ رِزْقاً». (261)
الدامغاني: الرزق على تسعة أوجه: العطاء، الطعام، الغداء، و العشاء خاصة، الشكر، المطر، التفقة، الفاكهة خاصة، الثواب، الجنة.
فوجه منها: الرزق يعني العطاء، فذلك قوله في سورة البقرة : 3 «وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ»، يعني مما أعطيناهم يتصدقون، مثلها في المنافقون : 10
«وأَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناکُمْ»، نظيرها في الحديد و نحوه كثير.
والوجه الثاني: الرزق: الطعام، فذلك قوله في سورة البقرة: 25: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ »، أي أطعموا«قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ»، أي أطعمنا و نحوه كثير، مثل قوله يوسف : 37: «لا یَأْتِیکُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ »، يعني تطعمانه.
والوجه الثالث: الرازق: الغداء والعشاء خاصة، قوله في مريم : 62: « وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیهَا بُکْرَهً وَعَشِیّاً » يعني غداهم و عشاهم.
والوجه الرابع: الرزق: الشكر، فذلك قوله في سورة الواقعة : 82: «وَتَجْعَلُونَ رِزْقَکُمْ» يعني شکرکم«انكم تكذبون» .
والوجه الخامس: الرزق يعني المطر، قوله في سورة الذاريات : 22: «وَ فِی السَّماءِ رِزْقُکُمْ وَما تُوعَدُونَ»، يعني المطر.
والوجه السادس: الرزق يعني النفقة، قوله في سورة البقرة : 233: «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ » يعني نفقتهن .
والوجه السابع: الرزق الفاكهة خاصة، قوله في سورة آل عمران : 37: «وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً »، يعني فاكهة الشتاء والصيف.
والوجه الثامن: الرزق يعني الثواب، قوله في سورة الطلاق : 11: «قَدْ أَحْسَنَ اللّهُ لَهُ رِزْقاً»، أي قد أعد الله له ثوابا، كقوله في آل عمران: 169: «یرزقون» أي يثابون.
والوجه التاسع: الرزق يعني الجنة، قوله طه: 131: «وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ اَبْقى»يعني الجنة و نعيمها.(367)
الأصول اللغوية
1- الأصل في هذه المادة: الرزق، و هو العطاء، أو ما ينتفع به؛ و الجمع: أرزاق. يقال: رزقه الله يرزقه رزقا حسنا، أي نعشه، و هو رازق و رزاق.
و رزق الله الخلق رزقا و رزقاء فالمصدر مفتوح و الاسم مكسور.
و ارتزقه و استرزقه: طلب منه الرزق.
و رجل مرزوق: مجدود، أي ذو حظ.
و الرزقة: المرة الواحدة؛ و الجمع: الرزقات، و هي أطماع الجند. يقال: رزق الجند رزقة واحدة لاغير، و رزقوا زقتين، أي مرتين.
و أرزاق الجند: أطماعهم. يقال: ارتزق الجند، أي أخذوا أرزاقهم.
و رزق الأمير جنده فارزقوا ارتزاقا.
والروازق: الجوارح من الكلاب والطير. يقال: رزق الطائر فرخه يرزقه رزقا كذلك.
2 - ويرى المستشرقون أن لفظ الرزق دخيل في العربية، و أنه فارسي المنشا، دخل العربية بواسطة اللغة الآرامية أو السريانية (1). إذ ورد في اللغة الفهلوية بلفظ «روسيك »، أي المعاش، و في الفارسية الحديثة « روزي » كذلك.
1) المفردات الدخيلة في القرآن
و لعل رأيهم صواب، لأن العرب استعملوا مشتقات هذه المادة غالبا إما في ما يسوقه الله إلى العباد من العطاء و المعاش، و إما في ما يمنحه الأمير الجند، و لم يعهد هذان الأمران إلا بعد ظهور الإسلام؛ حيث لهج المسلمون بدعاء الله للرزق، و نظموا الجند و أجروا لهم عطاء جاريا.
وقد أوجز اللغويون الكلام في هذه المادة ولم يتبسطوا في مشتقاتها، و أطلق عليها ابن فارس لفظ «أصيل» لوجازتها، كما هو ديدنه في نظائرها من المواد، مثل: مادة « د ق م » و « ر س ح » و «ره ج » و نحوها.
ونرى أثر هذا اللفظ في بعض اللغات السامية کالسريانية و الآرامية، فجاء « روسيك » الفهلوي بلفظ «روزیقا » في السريانية، و منها انتقل إلى العربية، فعرب بحذف حروف المد الثلاثة: الألف والواو والياء فصار رزقا .
الاستعمال القرآني
جاءت جميع مشتقاتها من الثلاثي المجرد، فمن الأفعال: الماضي المعلوم 35 مرة، و المجهول مرتين، والمضارع المعلوم 16 مرة، و المجهول 3 مرات، و الأمر 5 مرات، و اسم الفاعل 6 مرات، و المبالغة مرة واحدة، و اسم المصدر 55 مرة.
يلاحظ أولا: أن فيها محورين: الرزق الدنيوي، و الرزق الأخروي
المحور الأول، و فيه (92) آية:
أ- الرزق المادي:
1- «الّذینِ یُؤْمِنُونَ بِالغَیْبِ وَیُقِیمُونَ الصّلوهَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ» البقرة : 3
2- «اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »البقرة : 22
3- «وَظَلَّلْنا عَلَیْکُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَیْکُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوی کُلُوا مِنْ طَیِّباتِ ما رَزَقْناکُمْ وَما ظَلَمُونا وَلکِنْ کانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ»البقرة : 57
4- «وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ »البقرة : 60
5- «وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِیمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً ءَامِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الَّثمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْیَوْمِ الْأَخِرِ قَالَ وَمَنْ کَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِیلاً ثُمَّ أضْطَرُّهُ إِلَی عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِیرُ »البقرة : 126
6 - «یا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ اُشْكُرُوا لِلّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ»البقرة : 172
7- « وَالْوَالِدَاتُ یُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَیْنِ کَامِلَیْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ یُتِمَّ الرَّضَاعَهَ وَعَلَی الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَکِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُکَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَهٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَی الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِکَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاض مِنْهُمَا وَتَشَاوُر فَلَا جُنَاحَ عَلَیْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ
تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَکُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَیْکُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَیْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ »
البقرة : 233
8- « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خُلَّةٌ وَ لا شَفاعَةٌ وَ الْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُون»
البقرة : 254
9- «تُولِجُ اللَّیْلَ فِی النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِی اللَّیْلِ وَتُخْرِجُ الْحَیَّ مِنْ الْمَیِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَیِّتَ مِنْ الْحَیِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَیْرِ حِسَابٍ »آل عمران : 27
10- «فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُول حَسَن وَأنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَکَفَّلَهَا زَکَرِیَّا کُلَّمَا دَخَلَ عَلَیْهَا زَکَرِیَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ یَا مَرْیَمُ أنَّی لَکِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إنَّ اللّهَ یَرْزُقُ مَنْ یَشَاءُ بِغَیْرِ حِسَاب»آل عمران : 37
11- « وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِياماً وَ ارْزُقُوهُمْ فِيها وَ اكْسُوهُمْ وَ قُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً»النساء :5
12- «وَإذا حَضَرَ الْقِسْمَهَ أُولُوا الْقُرْبی وَالْیَتامی وَالْمَساکینُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفا» النساء:8
13- «وَمَاذَا عَلَیْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ وَکَانَ اللّهُ بِهِم عَلِیمًا»النساء: 39
14- «وَ کُلُوا مِمّا رَزَقَکُمُ اَللّهُ حَلالاً طَیِّباً وَ اِتَّقُوا اَللّهَ اَلَّذِی أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ »المائدة : 88
15 - «قالَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عيداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آيَةً مِنْكَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقينَ» المائدة : 114
16- «قَدْ خَسِرَ الَّذِینَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهَاً بِغَیْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاءً عَلَی اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا کَانُوا مُهْتَدِینَ»الأنعام : 140
17- «وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَهً وَفَرْشًا ۚ کُلُوا مِمَّا رَزَقَکُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّیْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَکُمْ عَدُوٌّ مُّبِینٌ»الأنعام : 142
18 - « قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» الأنعام : 151
19 - «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اللّهِ الَّتِی أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّیِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِیَ لِلَّذِینَ آمَنُوا فِی الْحَیَاهِ الدُّنْیَا خَالِصَهً یَوْمَ الْقِیَامَهِ کَذلِکَ نُفَصِّلُ الآیَاتِ لِقَوْمٍ یَعْلَمُونَ»الأعراف : 32
20- « وَ قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَیْ عَشْرَهَ أَسْباطاً أُمَماً وَ أَوْحَیْنا إِلی مُوسی إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاکَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَهَ عَیْناً قَدْ عَلِمَ کُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَ ظَلَّلْنا عَلَیْهِمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَیْهِمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوی کُلُوا مِنْ طَیِّباتِ ما رَزَقْناکُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لکِنْ کانُوا أَنْفُسَهُمْ یَظْلِمُونَ»الأعراف : 160
21- « اَلَّذینَ یُقیمُونَ الصَّلوهَ وَمِمَّا رَزْقْناهُمْ
یُنْفِقُونَ.»الأنفال : 3
22- «وَ اذْکُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِیلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِی الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ یَتَخَطَّفَکُمُ النّاسُ فَآواکُمْ وَ أَیَّدَکُمْ بِنَصْرِهِ وَ رَزَقَکُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ» الأنفال : 26
23 - «قُلْ مَن یَرْزُقُکُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن یَمْلِکُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن یُخْرِجُ الْحَیَّ مِنَ الْمَیِّتِ وَیُخْرِجُ الْمَیَّتَ مِنَ الْحَیِّ وَمَن یُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَیَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ» يونس: 31
24- «قُلْ أَرَأَیْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَکُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَکُمْ أَمْ عَلَی اللَّهِ تَفْتَرُونَ»يونس : 59
25- «وَ لَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ»يونس : 93
26 - «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ» هود:6
27 - «قَالَ لَایَأْتِیکُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُکُمَا بِتَأْوِیلِهِ قَبْلَ أَن یَأْتِیَکُمَا ذلِکُمَا مِمَّا عَلَّمَنِی رَبِّی إِنِّی تَرَکْتُ مِلَّهَ قَوْمٍ لَایُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَهِ هُمْ کفِرُونَ» يوسف : 37
28- «وَ الَّذِینَ صَبَرُواْ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَ أَقَامُواْ الصَّلَوهَ وَ أَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَ عَلَانِیَهً وَ یَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَهِ السَّیِّئَهَ أُوْلَئِکَ لَهُمْ عُقْبَی الدَّارِ » الرعد : 22
29- « اللَّهُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَیَاهِ الدُّنْیَا وَمَا الْحَیَاهُ الدُّنْیَا فِی الاْخِرَهِ إِلَّا مَتَاعٌ»الرعد : 26
30 و 31 -«قُل لِّعِبَادِیَ الَّذِینَ آمَنُوا یُقِیمُوا الصَّلاهَ وَیُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِیَهً مِن قَبْلِ أَن یَأْتِیَ یَوْمٌ لَابَیْعٌ فِیهِ وَلَا خِلالٌ*اللَّهُ الَّذِی خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّکُمْ وَسَخَّرَ لَکُمُ الْفُلْکَ لِتَجْرِیَ فِی الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَکُمُ الْأَنْهَارَ »إبراهيم: 31، 32
32 -« رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ»إبراهيم : 37
33 - «وَجَعَلْنَا لَکُمْ فِیهَا مَعَایِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِینَ» الحجر: 20
34- «وَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ تَاللّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ» النحل : 56
35 - « وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ،لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »النحل: 67
36- 38 - «وَ اللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَکُمْ عَلی بَعْضٍ فِی الرِّزْقِ فَمَا الَّذِینَ فُضِّلُوا بِرَادِّی رِزْقِهِمْ عَلی ما مَلَکَتْ أَیْمانُهُمْ فَهُمْ فِیهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَهِ اللَّهِ یَجْحَدُونَوَ اللَّهُ جَعَلَ لَکُمْ مِنْ أَنْفُسِکُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلَ لَکُمْ مِنْ أَزْواجِکُمْ بَنِینَ وَ حَفَدَهً وَ رَزَقَکُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ أَ فَبِالْباطِلِ یُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ یَکْفُرُونَ
وَ یَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا یَمْلِکُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ شَیْئاً وَ لا یَسْتَطِیعُونَ» النحل 71- 73
39 - «ضَرَبَ اَللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ ءٍ وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ اَلْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» النحل : 75
40- «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْیَهً کَانَتْ آمِنَهً مُطْمَئِنَّهً یَأْتِیهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ کُلِّ مَکَانٍ فَکَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا کَانُوا یَصْنَعُونَ»النحل : 112
41- «فَکُلُوا مِمَّا رَزَقَکُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَیِّباً وَاشْکُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ إِن کُنتُم إِیَّاهُ تَعْبُدُونَ» النحل: 114
42 و 43 - «إِنَّ رَبَّکَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَیَقْدِرُ إِنَّهُ کانَ بِعِبادِهِ خَبیراً بَصِیراً* وَلا تَقْتُلُوا أَولادَکُمْ خَشْیَهَ إِمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِیّاکُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ کانَ خِطْأً کَبیراً»الإسراء : 30، 31
44 - «وَلَقَدْ کَرَّمْنَا بَنِی آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِی الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّیِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَی کَثِیرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِیلًا»الإسراء : 70
45- «وَ کَذلِکَ بَعَثْناهُمْ لِیَتَساءَلُوا بَیْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ کَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا یَوْماً أَوْ بَعْضَ یَوْمٍ قالُوا رَبُّکُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَکُمْ بِوَرِقِکُمْ هذِهِ إِلَی الْمَدِینَهِ فَلْیَنْظُرْ أَیُّها أَزْکی طَعاماً فَلْیَأْتِکُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْیَتَلَطَّفْ وَ لا یُشْعِرَنَّ بِکُمْ أَحَداً »الكهف : 19
46- «کُلُوا مِن طَیِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاکُمْ وَلاَ تَطْغَوْا فِیهِ فَیَحِلَّ عَلَیْکُمْ غَضَبِی وَمَن یَحْلِلْ عَلَیْهِ غَضَبِی فَقَدْ هَوَی» طه : 81
47- «وَأْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلَوهِ وَاصْطَبِرْ عَلَیْهَا لَانَسْئَلُکَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُکَ وَالْعقِبَهُ لِلتَّقْوَی » طه : 132
48 - «لِیَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ یَذْکُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِی أَیَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلی ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِیمَهِ الْأَنْعامِ فَکُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِیرَ» الحج : 28
49 و 50 – «وَلِکُلِّ أُمَّهٍ جَعَلْنا مَنسَکاً لِیَذْکُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَی مَا رَزَقَهُمْ مِن بَهِیمَهِ الْأَنْعَامِ فَإِلهُکُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِینَ *الَّذِینَ إِذَا ذُکِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِینَ عَلَی مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِیمِی الصَّلاَهِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنفِقُونَ»الحج : 34، 35
51- «اَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ » المؤمنون : 72
52 - «أمَّنْ یَبْدَؤُ الْخَلْقَ ثُمَّ یُعیدُهُ وَ مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الأْرْضِ ءَإلهٌ مَعَ اللّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَکُمْ إنْ کُنْتُمْ صادِقینَ»النمل: 64
53- «أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» القصص : 54
54 - «وَ قالُوا إِنْ نَتَّبِعِ اَلْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَ لَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ ءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ»القصص : 57
55 - «وَ أَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ
يقولون و یكان الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده و يقدر»القصص : 82
56 - «إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»العنكبوت : 17
57 - «وَ کَأَیِّنْ مِنْ دَابَّهٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اَللّهُ یَرْزُقُها وَ إِیّاکُمْ وَ هُوَ اَلسَّمِیعُ اَلْعَلِیمُ»العنكبوت: 60
58 - «اَللّهُ یَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ یَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اَللّهَ بِکُلِّ شَیْءٍ عَلِیمٌ»العنكبوت : 62
59 - «ضَرَبَ لَکُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِکُمْ هَلْ لَکُمْ مِنْ ما مَلَکَتْ أَیْمانُکُمْ مِنْ شُرَکاءَ فی ما رَزَقْناکُمْ فَأَنْتُمْ فیهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ کَخیفَتِکُمْ أَنْفُسَکُمْ کَذلِکَ نُفَصِّلُ الْآیاتِ لِقَوْمٍ یَعْقِلُونَ»الروم : 28
.6- «أَوَلَمْ یَرَوْا أَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن یَشَاءُ وَیَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِی ذَلِکَ لَآیَاتٍ لِّقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ»الروم : 37
61 - «اللَّهُ الَّذِی خَلَقَکُمْ ثُمَّ رَزَقَکُمْ ثُمَّ یُمِیتُکُمْ ثُمَّ یُحْیِیکُمْ هَلْ مِنْ شُرَکائِکُمْ مَنْ یَفْعَلُ مِنْ ذلِکُمْ مِنْ شَیْ ءٍ سُبْحانَهُ وَ تَعالی عَمَّا یُشْرِکُونَ»
الروم : 40
62 - «تَتَجافی جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ یَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ یُنْفِقُونَ» السجدة : 16
63 - «لَقَدْ کانَ لِسَبَإٍ فِی مَسْکَنِهِمْ آیَهٌ جَنَّتانِ عَنْ یَمِینٍ وَشِمالٍ کُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّکُمْ وَاشْکُرُوا لَهُ بَلْدَهٌ طَیِّبَهٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ »سبأ : 15
64 - «قُلْ مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّمواتِ وَالأرضِ قُلِ اللّه ُ وَإنّا أوْ إیّاکُمْ لَعَلی هُدیً أوْ فی ضَلالٍ مُبینٍ» سبأ : 24
65 -«قُلْ إنَّ رَبِّی یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ وَلَکِنَّ أکْثَرَ النَّاسِ لا یَعْلَمُونَ»سبأ : 36
66 - « قُلْ إِنَّ رَبِّی یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن یَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ یَقْدِرُ لَهُ وَ مَآ أَنفَقْتُم مِّن شَیْ ءٍ فَهُوَ یُخْلِفُهُ وَ هُوَ خَیْرُ الرَّ زِقِینَ» سبا:39
67 - «یا أَیُّهَا اَلنّاسُ اُذْکُرُوا نِعْمَتَ اَللّهِ عَلَیْکُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَیْرُ اَللّهِ یَرْزُقُکُمْ مِنَ اَلسَّماءِ وَ اَلْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّی تُؤْفَکُونَ»فاطر : 3
68 - « اِنَّ الَّذینَ یَتْلُونَ کِتابَ اللّهِ وَ اَقامُوا الصَّلوهَ وَ اَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرّا وَ عَلانِیَهً یَرْجُونَ تِجارَهً لَنْ تَبُورَ»فاطر : 29
69 - «وَإِذَا قِیلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَکُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِینَ کَفَرُواْ لِلَّذِینَ ءَامَنُواْ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ یَشَآءُ اللَّهُأَطْعَمَهُو إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِی ضَلَلٍ مُّبِینٍ» يس، : 47
70- «أَوَلَمْ یَعْلَمُوا أَنَ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَ یَقْدِرُ إِنَّ فی ذلِکَ لَآیاتٍ لِقَوْمٍ یُؤْمِنُون» الزمر : 52
71- «هُو الذِی یُرِیکُمْ آیَاتِهِ ویُنَزِّل لکُم مِّنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ومَا یَتَذَکَّرُ إِلا مَن یُنِیبُ»المؤمن : 13
72- «اللّهُ الَّذِی جَعَلَ لَکُمُ الأرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَکُمْ فَأحْسَنَ صُوَرَکُمْ وَرَزَقَکُمْ مِنَ الطَّیِّبَاتِ ذَلِکُمُ اللّهُ رَبُّکُمْ فَتَبَارَکَ اللّهُ رَبُّ العَالَمِینَ»المؤمن : 64
73- « لَهُ مَقَالِیدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن یَشَآءُ وَ یَقْدِرُ إِنَّهُ بِکُلِ ّ شَیْ ءٍ عَلِیمٌ» الشوری : 12
74- «وَ لَوْ بَسَطَ اللّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ »الشوری : 27
75- «وَالَّذِینَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَهَ وَأَمْرُهُمْ شُورَی بَیْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ یُنفِقُونَ »الشوری : 38
76- «و اختِلافِ اللَّیلِ وَالنَّهارِ وما أنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزقٍ فَأَحیا بِهِ الأَرضَ بَعدَ مَوتِها وتَصریفِ الرِّیاحِ لَآیاتٍ لِقَومٍ یَعقِلونَ» الجاثية :5
77- «وَلَقَدْ آتَیْنَا بَنِی إِسْرَائِیلَ الْکِتَابَ وَالْحُکْمَ وَالنُّبُوَّهَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّیِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَی الْعَالَمِینَ»الجاثية : 16
78- «وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِیدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْیَیْنَا بِهِ بَلْدَهً مَیْتاً کَذلِکَ الْخُرُوجُ »ق: 10، 11
79- «وَ فِی السَّمَآءِ رِزْقُکُمْ وَمَا تُوعَدُونَ» الذاريات : 22
80 و 81 - «ما أُرِیدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِیدُ أَنْ یُطْعِمُونِ* إِنَّ اللّهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّهِ الْمَتِینُ»الذاریات: 57، 58
82 - «وَ إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْها وَ تَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اَللّهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجارَةِ وَ اَللّهُ خَيْرُ اَلرّازِقِينَ »الجمعة :11
83 - «وَ أَنْفِقُوا مما رَزَقْناکُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَ أَحَدَکُمُ الْمَوْتُ فَیَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِی إِلی أَجَلٍ قَرِیبٍ فَأَصَّدَّقَ وَ أَکُنْ مِنَ الصّالِحِینَ»المنافقون : 10
84 - «وَ یَرزُقهُ مِن حِیثُ لاَ یَحتَسِبُ وَمَن یَتَوَکَّل عَلَی اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِکُلِّ شَیءٍ قَدرا»الطلاق : 3
85 -«لِیُنفِقْ ذُو سَعَه مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَیْهِ رِزْقُهُ فَلْیُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللّهُ لا یُکَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلا مَا آتَاهَا سَیَجْعَلُ اللّهُ بَعْدَ عُسْر یُسْراً» الطلاق : 7
86 - «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ»الملك : 15
87 - «أمَّنْ هَذَا الَّذِی یَرْزُقُکُمْ إنْ أمْسَکَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِی عُتُوٍّ وَنُفُور»الملك : 21
88 - «وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلهُ فَقَدَرَ عَلَیْهِ رِزْقَهُ فَیَقُولُ رَبّی أَهَانَنِ»الفجر : 16
و فيها بحوث:
1- قال الثعلبي في تفسير الآية (1): «و مما رزقناهم ينفقون » «الرزق عند أهل السنة: ما صح الانتفاع به، فإن كان طعاما فللتغذي به، و إن كان لباسا فللوقاية والتوقي، و إن كان مسكنا فللانتفاع به سکنی، و قد ينتفع المنتفع بما هى الانتفاع به علی الوجهين: حلا و حراما، فلذلك قلنا: إن الله رزق الحلال والحرام »
و يريد بأهل السنة المذاهب الكلامية و ليست الفقهية، قال الزبيدي: « إذا أطلق أهل السنة و الجماعة
فالمراد بهم: الأشاعرة والماتريدية»(1)، و نسبة هذا الرأي إلى أهل السنة مطلقا ليس بسديد، لأن مسألة الرزق من المسائل الكلامية التي جرت حولها مناظرات كثيرة بين الأشاعرة و المعتزلة، منذ القرن الثالث الهجري، و كلا الفريقين ينتمي إلى المذاهب الإسلامية من أهل السنة.
و كان الخلاف بين هذين الفريقين يعود إلى مسألة الجبر و التفويض، فالأشاعرة يقولون بالجبر، فأسندوا الرزق الحرام إلى الله، و المعتزلة يقولون بالتفويض، فأنكروا ذلك و منعوه.
و قد عزف جم غفير من أهل السنة عن الخوض في هذه المهاترات، وخاصة المتأخرون منهم، مثل: سید قطب، و عبد الكريم الخطيب، و محمد فريد وجدي، و محمد علي طه الدرة، و محمد عزة دروزة و غيرهم. و رد بعضهم قول الأشاعرة: ما ينتفع به من الحلال و الحرام فهو رزق، كما فعل الجصاص من المتقدمين، فانتصر للمعتزلة و هو ليس منهم، فقال في تفسير هذه الآية: « لما مدح هؤلاء بالإنفاق مما رزقهم الله، دل ذلك على أن إطلاق اسم الرزق إنما يتناول المباح منه دون المحظور، و أن ما اغتصبه و ظلم فيه غيره لم يجعله الله رزقا، لأنه لو كان رزقا له لجاز إنفاقه و إخراجه إلى غيره، على وجه الصدقة و التقرب به إلى الله تعالی. ولا خلاف بين المسلمين أن الغاصب محظور عليه الصدقة بما اغتصبه، و كذلك قال النبي صلی الله علیه و آله: لا تقبل صدقة من غلول »
2- انتصب الرزق في (2) و (31) تحقيقا أو تقديرا: «وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ»، و هو إما مفعول به ل«فاخرج»، و إما مفعول الفعل محذوف من جنسه. واشترط الزمخشري على القول الأول أن تكون « من» لبيان الجنس، و التقدير : فأخرج به رزقا لكم هو الثمرات.
و رده أبو حيان، فقال: « وهذا ليس بجيد، لأن « من» التي لبيان الجنس إما تأتي بعد المبهم الذي تبينه »
واشترط الزمخشري أيضا على القول الثاني أن تكون «من» للتبعيض، والتقدير : و رزق بعض الثمرات رزقا لكم.
ولم يستحسن ابن عاشور هذا القول، فقال: « ليس التبعيض مناسبا لمقام الامتنان».
وحكى ابن عطية عن بعض أن «مین» هنا زائدة، وهذا ليس بشيء، لأن سياق الآيتين والآيات السابقة واللاحقة لهما، يجري على بيان من الله على العباد، و منها الرزق. و هذا القول لا يناسبها، لأنه يوقع العامل - أي الإخراج - على الثمرات، ويؤكد تعلقه بها دون الرزق، فتأمل.
و «من» الزائدة فضلا عن ذلك - يشترط على زیادتها ثلاثة أمور: تقدم نفي أو نهي أو استفهام ب «هل »، و تنکیر مجرورها، و کون مجرورها فاعلا أو مفعولا أو مبتدأ.
كما أن سيبويه لايجوز زيادة «من»، و يعتبرها تبعیضية مؤكدة، ففي قولهم: ما أتاني من رجل، وما
1) اتحاف سادة المتقين ( 8:2)
رأيت من أحد، قال: « أكد ب « من» لأن هذا موضع تبعیض، فأراد أنه لم يأته بعض الرجال و الناس».
3- أباح الله الرزق الطيب بلفظ «كلوا » و أسنده إليه في (3) و (6) و (20) و (46): «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ»، و الرزق فيها خاص و عام، والمراد بالرزق الخاص: إنزال المن والسلوى على بني إسرائيل في (3) و (20) و (46)، والرزق العام كاقة ما لذ و طاب للمؤمنين في (6).
ویری محمد رشید رضا أن « إسناد الرزق إلى ضمير جمع العظمة تأكيد للتنبيه، و التذكير مما يجب من شكره تعالى على ذلك». و فيه حث للمؤمنين خاصة على الإنفاق أيضا، كما في (1): «وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» ، و في (8): « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ»، و في (39): «وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ یُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً».
4- إن قيل: ذکر تعالى الماء من الرازق في (4): « كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللّهِ» ، و هو شرب دون أكل، فلم جمع بينهما هنا؟
يقال: فيه وجهان:
الأول: أن الماء ينبت منه الزرع و الثمر، فهو رزق يؤكل منه و يشرب، نقله الزمخشري.
والثاني: أنه تعالى ذكر قبل هذه الآية إنزال المن و الستلوی، و هما طعام يؤكل، قال في (3): «وَأَنزَلْنَا عَلَیْکُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَی کُلُوا مِنْ طَیِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاکُمْ».
وقد أضيف الرزق إلى لفظ الجلالة في هذه الآية فقط، وعزا أبو حيان ذلك إلى كون «مأكولهم و مشروبهم حاصلين هم من غير تعب منهم ولا تكلف». و هذا يناسب الوجه الثاني دون الأول.
5 - دعا إبراهيم عليه السلام ربه ليرزق أهل مكة و من سكنها من الثمرات في (5): «وَ اُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ اَلثَّمَراتِ »و (32): «وَ ارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ»، و سكت أغلب المفسرين عن تفسير هذا الرزق.
و من تكلم فيه منهم اشتط في قوله و أبعد، فقد روى الطبري عن هشام، قال: « قرأت على محمد بن مسلم الطائفي أن إبراهيم لمادعا للحرم «وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ»، نقل الله الطائف من فلسطين »
ولكن المراد ب«الثمرات »: كل ما يجلب إليها من سائر البلاد، وذلك قوله في (54): «يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا » ، و كل ما يبعث أهلها على الفرح والسرور، كتحبيبهم إلى من يفد عليهم من حجاج بيت الله الحرام کل آن، و هذا رزق عظيم.
ولما استخرج النفط من شمال الجزيرة العربية، شملت عائداته الحجاز ونجد و العروض و تهامة و العسیر و سائر أطراف هذه الأرض و أكنافها، واستغنت بذلك عما يجلب إليها من خارجها، وهو رزق ساقه الله إليها ببركة دعاء النبي إبراهيم علیه السلام، و لكنه صيرلهم نوالا و زلالا و على سائر بلاد المسلمين نصالا و نبالا.
6-یراد بالرزق و الكسوة: الإنفاق في (7): «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ »أي على والد الرضيع الإنفاق بالمعروف على والدته التي ترضعه، فاستعمل الرزق و الكسوة محل الإنفاق،
لأنه جنس بعيد، تتضوي إليه أجناس كثيرة، و منها الرزق و الكسوة، فهما جنسان قريبان، يخصصان المعني و لا يعممانه کالإنفاق، فهو يؤول بالرزق تارة، و بالكسوة تارة أخرى، وبهما معا أيضا، فيبهم الحكم، و يضيع الحق.
واللام في قوله: «وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ» لام الملك، أي مادام المولود ملکه، وجب عليه رزق والدته التي ترضعه و کسوتها، فعدل عن لفظ الوالد إلى «المولود له »لهذا المعنى، و ليس كما ذكره الزمخشري، فقال: «لأن الأولاد للآباء، ولذلك ينسبون إليهم لا إلى الأمهات»، و استشهد بقول المأمون:
فإنما أمهات الناس أوعية *مستودعات و للآباء أبناء
7- اقترن الرزق بالإنفاق في (8): « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ » ، و في (16) آية أخرى أيضا، وقد أخر في (8) آیات - و منها هذه الآية عن الإنفاق، و هي: (13): «وَ أَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللّهُ » و (28): « وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِیَهً »و (30): «وَینفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِیَهً »و (66):«وَمَا اَنْفَقْتُمْ مِنْ شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ» و (68): « وَأَنْفَقُوا مِّما رَزَقْنَاهُمْ سِّرا وَعَلَانِيَةً» ، و (79): «وَ إِذا قِیلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَکُمُ اللّهُ» و (83): «وأَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَکُمُ اللّهُ».
وقدم في (8) آيات أخرى على الإنفاق، و هي: (1): «وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » و (21):«وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » و (39): «وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ ینْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَ جَهْراً» و (50):« وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» و (53): «وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ» و (62): «وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ»و (85): «وَمَن قُدِرَ عَلَیْهِ رِزْقُهُ فَلْیُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ» .
و تعني هذه الآيات كلها المؤمنين، إلا آيتين منها تعنيان الكافرين، و هما: (13) و (69).
ولاشك أن قران الرزق بالإنفاق حث على الإحسان، فكأنه تعالى يقول: عبدي ! رزقي إياك امتنان، و رزقك عيالي إحسان، فإحسانك إليهم مني، وضنك عليهم جحد مني.
8- ورد الرزق المطلق بلفظ «بغير حساب» في (9): «وَ تَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ»، و لم يرد من الرزق المطلق في الدنيا إلا هذه الآية، و ما جاء منه في الآخرة قوله في (93): «وَ اللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » و (107): «وَ اللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ » و (102): « يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ». و من رزق الآخرة المطلق لأهل الدنيا قوله في (10): «إِنَّ اللّهَ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ»، وهو رزق خاص لمريم.
وأما الرزق المقيد فهو رزق النبوة و الرسالة؛ و منه قول شعيب لقومه في (89): « وَرَزَقَنِی مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا».
وقسم الطباطبائي الرزق إلى « رزق عام، وهو العطية العامة الممدة لكل موجود في بقاء وجوده، و منه ما هو رزق خاص، و هو الواقع في مجرى الحل».
9 - جاء الرزق مع الأكل في (16): «و كُلُوا مِمّا
رَزَقَکُم اللهُ حَلالاً طیبًا» و في تسع آيات أخرى، وهي: (3): «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ » و (5): «کُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ» و (6): «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» و (20): «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» و (41): «فَکُلُوا مِمَّا رَزَقَکُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَیِّباً » و (46): «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ» و (63): «کُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّکُمْ » (86): « و کُلُوا مِنْ رِزْقِه ».
والرزق هنا المأكول حقيقة أو مجازا، و يومئ اقترانه بالأكل - وهو فعل أمر لجمع المذكر فقط - إلى إباحته لكافة الناس، مؤمنهم، كما في هذه الآية و في (1) و (17) و (41) و (86)، و کافرهم، كما في (63)، و للأديان الأخرى كاليهود، كما في (3) و (4) و (20) و (46).
و يلحظ في هذه الآيات أيضا وقوع الحرف ( من) بين الأكل والرزق، وهو يفيد التبعيض على الأرجح.
10- جاء الرزق مرتين: اسما و فعلا في (10): « کُلَّما دَخَلَ عَلَیْها زَکَرِیَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ یا مَرْیَمُ أَنّی لَکِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ»، و فسره أغلب المفسرين بأنه فاكهة الشتاء في الصيف و فاكهة الصيف في الشتاء، و هو ما يتعذر الركون إليه، لأنه لا يستند إلى الأحاديث النبوية أو الحوادث التاريخية.و لعل في تنکير «الرزق » إشارة إلى حدوث معجز في هذا الأمر. قال الفخر الرازي في تنکیرہ: « يدل على تعظیم حال الرزق، كأنه قيل: رزقا، أي رزق غریب عجیب؛ وذلك إنما يفيد الغرض اللائق لسياق هذه الآية، لو كان خارق للعادة »
و أيد الطباطبائي هذا الرأي، و استدل عليه بقوله: « لو كان من الرزق المعهود، و كان تنكيره يفيد أنه ما كان يجد محرابها خاليا من الرزق، بل كان عندها رزق ما دائما، لم يقنع زکریا بقولها: «هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ یَرْزُقُ... »في جواب قوله: «یا مَرْیَمُ أَنّی لَکِ هذا »، لإمكان أن يكون يأتيها بعض الناس ممن كان يختلف إلى المسجد لغرض حسن أو سيئ، على أن قوله تعالى: «هُنالِکَ دَعا زَکَرِیّا رَبَّهُ...» یدل على أن زکریا تلقی وجود هذا الرزق كرامة إلهية خارقة، فأوجب ذلك أن يسأل الله أن يهب له من لدنه ذرية طيبة، فقد كان الرزق رزقا يدل بوجوده على کونه کرامة من الله سبحانه لمريم الطاهرة..».
و يستشف من هذا الكلام أن هذا الرزق العجيب طعام من السماء منزل على أهل الأرض، ونظيره المائدة المنزلة علي عيسیعلیه السلام و على حواريه في (15): «قالَ عیسَی ابْنُ مَرْیَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَیْنا مائِدَهً مِنَ السَّماءِ تَکُونُ لَنا عیداً لِأَوَّلِنا وَ آخِرِنا وَ آیَهً مِنْکَ وَ ارْزُقْنا وَ أَنْتَ خَیْرُ الرَّازِقینَ»، و المن والسلوى المنزل على بني إسرائيل في (3): «وَأَنْزَلْنا عَلَیْکُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوی کُلُوا مِنْ طَیِّباتِ ما رَزَقْناکُمْ »و (20): «وَأَنْزَلْنا عَلَیْهمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوی کُلُوا مِنْ طَیِّباتِ ما رَزَقْناکُمْ »و (46): «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ»، فهو رزق سماوي أرضي .
11- نسب الله الخسران إلى المشركين لتحريمهم ما
رزقهم في (16): «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ حَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِراءً عَلَى اللّهِ»، لأن تحريم ما أباحه الله جحد لنعمائه و رد لمننه، وهذا خسران واضح و غباء فاضح. و كان عرب الجاهلية يحرمون على أنفسهم - سفها منهم و نزقا - طيبات أحلها الله للناس كافة، و كذا فعل اليهود أيضا.
ونظير هذه الآية قوله في (19): «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ»و في (24): «قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا »
12- نهى الله المشركين عن قتل أولادهم من أجل فقرهم، و علل ذلك بتكفله برزقهم و رزق أولادهم في (18): «وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَکُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُکُمْ وَ إِیَّاهُمْ »، و كذلك في (43): «وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَکُمْ خَشْیَهَ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِیَّاکُمْ».
غير أنه قدم ضمير الخطاب على الغيبة في (18) على الأصل، لأن الآباء هم المعنيون بالخطاب هنا، و قدم ضمير الغيبة على الخطاب في (43) للحصر، أي نحن نرزق أولادكم كما نرزقکم. و علل أبوالسعود ذلك بقوله: « للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزق » و قال ابن كثير: « فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي لا تخافوا من فقر کم بسبب رزقهم، فهو على الله »
وعزا أبو حيان اختلاف الأسلوبين إلى اختلاف العبارتين في علة القتل، فزعم أن قوله في (18): « من املاق» يدل على حصول الفقر للآباء، و قوله في (43): «خشية إملاق » يدل على توقعه في الآجل.
و هذا بعيد، لأن الأب لا يقدم على قتل ولده على التوهم و التوقع.
13 - ذكر الله تعالى بعض مننه على المسلمين برزقهم من الطيبات في آيات معدودة، و منها (22): «وَ رَزَقَکُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ»، و يريد به الغنائم، و هو مااتفق عليه المفسرون قاطبة.
وحمل الطبرسي وحده هذا المعنى على «الرزق » في (41): «فَکلُواْ مِمَّا رَزَقَکُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَیِّبًا »، فقال: « أي كلوا مما أعطاكم الله من الغنائم و أحلها لكم». و هذا سهو منه، لأن الآية مكية، وليس في الحقبة٫ المكية قتال و لاجهاد و لافيء و لاغنائم. والمراد من الحلال الطيب من الرزق فيها: ما حرمه أهل الجاهلية على أنفسهم، كلحوم البحيرة و السائبة والوصيلة و الحامي. ونظيره قوله في (19): «قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اَللّهِ اَلَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ اَلطَّيِّباتِ مِنَ اَلرِّزْقِ ».
ويشمل الرزق من الطيبات أيضا: المن والسلوى المنزلين على بني إسرائيل تصريحا، كما في (3): «وَأَنزَلْنَا عَلَیْکُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَی کُلُوا مِنْ طَیِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاکُمْ »و (20): « وَأنزَلْنَا عَلَیْهِمُ المَنَّ وَالسَّلْوَی کُلُوا مِنْ طَیِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاکُمْ» و (46): «وَنَزَّلْنَا عَلَیْکُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَی * كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ»، أو إيماء، كما في (25): وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ »و (77):« وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ».
و تشمل سائر الآيات منه مطلق الرزق، و هي: (6): «كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ » و (14): «وَ كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً »و (37):
«وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ» و (44): «وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ»و (72): «وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ».
14- احتج تعالى على الكافرين بالرزق في (23): «قُلْ مَنْ یَرْزُقُکُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»، و كان الخطاب فيها المشركي قريش على لسان النبی صلی الله علیه و آله بلفظ «قل »، و نظيره قوله في (19): « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اللّهِ الَّتِی أخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّیِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِیَ لِلَّذِینَ آمَنُوا فِی الحَیَاهِ الدُّنْیَا خَالِصَهً یَوْمَ القِیَامَهِ»و (24): «قُلْ أَرَأَیْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَکُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِنْهُ حَرَاماً وَحَلَالًا قُلْ ءآللَّهُ أَذِنَ لَکُمْ أَمْ عَلَی اللَّهِ تَفْتَرُونَ»و (52): «وَ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّماءِ وَ اَلْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اَللّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»و (64): «قُلْ مَنْ يَرْزقُكُمْ مِّنَ السَّمواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ » و (65): « قُلْ إِنَّ رَبِّی یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن یَشَاءُ وَیَقْدِرُ» و(66): «قُلْ إِنَّ رَبِّی یَبْسُطُ اَلرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ یَقْدِرُ لَهُ »
و احتج به عليهم أيضا مباشرة دون واسطة في (54): « أَوَلَمْ نُمَکِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً یُجْبَی إِلَیْهِ ثَمَرَاتُ کُلِّ شَئْ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا»و (59): «هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ» و (60): « أَوَلَمْ یَرَوْا أَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ » و (61): «اَللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ»و (70): «أَوَلَمْ یعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ یبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یشَاءُ وَیقْدِرُ » و (71): «وَ يُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً » و (86): « فَامْشُوا فِی مَنَاکِبِهَا وَکُلُوا مِنْ رِزْقِهِ» و (87): «أَمَّنْ هَذَا الَّذِی یَرْزُقُکُمْ إِنْ أَمْسَکَ رِزْقَهُ »
و ممن احتج بالرزق على قومه من الأنبياء أيضا إبراهيم الخليل علیه السلام في (56): «إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللّهِ الرِّزْقَ »، و شعیب علیه السلام في (89): «قَالَ یَا قَوْمِ أَرَأَیْتُمْ إِن کُنتُ عَلَی بَیِّنَهٍ مِن رَبِّی وَرَزَقَنِی مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ».
ويلحظ أن جميع هذه الآيات مكية، و هي إشارة إلى أهمية الرزق و أثره في الحياة الثقافية و الاجتماعية و الاقتصادية للمجتمع المكي في ذلك الزمان، فحاججهم الله بعصب حياتهم و عماد اقتصادهم، و قرنه بسائر حججه، کالسمع والبصر، وإخراج الحي من الميت و إخراج الميت من الحي، و تدبير الأمر، كما في هذه الآية.
15 - تكفل الله برزق الدابة في (26): «وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُها»، و كذلك في (57): «وَکَأَیِّنْ مِنْ دَابَّهٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ یَرْزُقُهَا وَإِیَّاکُمْ»، و في (33) على قول: «وَجَعَلْنَا لَکُمْ فِیهَا مَعَایِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِینَ».
و تكلف بعض المفسرين تفسير الآية (26)؛ حيث فسروا ( على ) بالحرف « من »، لئلايقال: إن الله يتكفل برزق الدابة وجوبا، و رأوا أنه تعالى يتكفل برزقها تفضلا.
ولكن ما الضير في إيجابه ذلك على نفسه؟ وقد أفصح عن هذا المعنى في مواضع متعددة من القرآن، ونذكر فيما يلي عشر آيات تتضمن إيجابه على نفسه أمورا مختلفة: «كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» الأنعام :
«كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » الأنعام : 54، «فَإِنَّمَا عَلَیْکَ الْبَلاَغُ وَعَلَیْنَا الْحِسَابُ» الرعد:40 ؛«و كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ » الروم : 47، « وَمَا عَلَیْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِینُ » یس، : 17، «وَ أَنَّ عَلَیْهِ النَّشْأَهَ الْأُخْری» النجم : 47، « إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ»القيمة : 17، « ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ»القيمة: 19، « إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ » الغاشية : 26، «إِنَّ عَلَیْنَا لَلْهُدَی »الیل : 12
16 - جاء الرزق فعلا مبنيا للمجهول دالا على العموم في (27): «قالَ لا یَأْتِیکُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُکُما بِتَأْوِیلِهِ قَبْلَ أَنْ یَأْتِیَکُما»، مجاراة للفظ «طعام »المنكر تنکیرا محضا دالا على العموم أيضا،و لمعنى الآية الدال على إبهام ما يساق إلى الفتيين من طعام.
وأسندت جملة «ترزقانه » إلى لفظ «طعام»، لأنه محور الآية وغايتها، و هو وصف نوعه وبیان حالته، و لو أسند إلى الرزق - أي قيل: لا يأتيكما رزق تطعمانه - لكان وصفا لنوع الرزق، وهو الطعام مطلقا، و نفیا للمعجز الذي توسل به يوسف عليه السلام. وقد فسر الدامغاني «الرزق » هنا بالطعام، و هو كما ترى.
17 - اجتمع بسط الرزق و مشيئة الله و قدر الرزق في (29): «اللّهُ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ »، حيث علق تعالى بسط الرزق بمشيئته، و لم يعلق قدر الرزق بها، وسنتعرض لسبب ذلك في « ق در » إن شاء الله.
و حيثما يذكر بسط الرزق يقرن به مشيئة الله و قدر الرزق، كما في الآيات التالية: (42): «إِنَّ رَبَّکَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن یَشَاءُ وَیَقْدِرُ» و (55): « وَیْکَأَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَیَقْدِرُ »و (58): «اللَّهُ یبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَیقْدِرُ لَهُ » و (60): «أَوَلَمْ یَرَوْا أَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ»و (65): «قُلْ إِنَّ رَبِّی یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشَاءُ وَیَقْدِرُ » و (66): «قُل إنَّ ربِّی یَبسُطُ الرِّزقَ لِمن یشاءُ مِن عِبادهِ وَیقدرُ لهُ» و (70): « أَوَلَمْ یَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن یَشَاء وَیَقْدِرُ»و (73): « یَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ یَشاءُ وَیَقْدِرُ» و (74): «وَلوْ بَسطَ اللّه ُ الرِّزقَ لعبادهِ لَبغوا فی الأرضِ ولکنِ یُنزِّلُ بِقدرٍ مَا یشاءُ ».
و يلحظ أنه جاءت العناصر الثلاثة تترى في هذه الآيات، و سبقها لفظ الجلالة أو ما دل عليه، إلا (74)، فتوسط فيها لفظ الجلالة البسط والرزق، وتأخرت المشيئة عن القدر، راجع: «ب س ط ».
18- جعل المشركون بعض ما رزقهم الله الأصنامهم في (34): «وَ يَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمّا رَزَقْناهُمْ»، و هذا يفصح عن خرقهم و نزقهم، فساواهم لموتان أفئدتهم بما لايعقل - وهي الأصنام - إزراء بهم؛ إذ جمعها بالواو في «يعلمون»، كما جمعهم بها في «يجعلون».!
ولما أحصى تعالى مننه على الناس، و منها الرزق، زجرهم عن جعلهم له أندادا في (2): «اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ
فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ».
19 - اختلف المفسرون في السكر و الرزق الحسن في (35): «وَ مِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَ الْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً»، فبعض عمم معناهما، فقال: السكر: الحرام، والرزق الحسن: الحرام، و بعض خصصه، فقال: السكر: الخمر، أو النبيذ، أو الخل، و الرزق الحسن: التمر، أو الزبيب، أو هما معا، أو الطعام مطلقا.
ونرى أقرب الأقوال والله أعلم أن السكر: الخل، لأنه يتخذ من « ثَمَرَاتِ النَّخِیلِ وَالْأَعْنَابِ »خاصة، و ورد هذا المعنى بلسان الحبشة، كما روي عن ابن عباس. و الرزق الحسن: الزبيب، و هو ما جفف من العنب، و يطلق على التين المجفف أيضا، و لعله يطلق على ما جفف من التمر على التوسع.
ولانسخ على هذا التفسير، لأن من فسر السكر بالخمر نسخ هذه الآية بقوله: «یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَیسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلاَمُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّیطَانِ فَاجتَنِبُوهُ لَعَلَّکُم تُفلِحُونَ» المائدة : 90. كما أنه يمنع أصحاب أبي حنيفة من القول بإباحة النبيذ أيضا.
20- قدر الله حلوم المشركين في (36):«وَ اللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَ فَبِنِعْمَةِ اللّهِ يَجْحَدُونَ »، حيث قید سمو رتبهم برزقه. و الحرف في قوله: «في الرزق» ظرفي مجازي، أي يا معاشر المشركين فضل الله بعضكم على بعض عند الرزق فحسب؛ إذ لافضل لهم، و إن كان أحدهم في درابته أبصر ذي عينين، و في وعيه أسمع ذي أذنين، و في شدته أبطش ذي يدين، و في سخائه أجود ذي كفين، و في فصاحته أبلغ ذي لسان. بيد أن شرف المرء يقاس عند الله بحقيقة الإيمان وسلامة الجنان، راجع: «ف ض ل » .
21- أسند الملك منفیا إلى الرزق في (38): «وَیَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ یَمْلِکُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماوَاتِ وَالْأَرْضِ شَیْئاً وَلاَ یَسْتَطِیعُونَ »، و فيه دلالة على أن المعبود يجب أن يكون مالكا للرزق، فتخرج الأصنام من هذا الحكم، و يدخل فيه من ادعی الربوبية من الموسرين. ولما علق بقوله: «من السموات و الأرض »خرج كل أحد سوى الله تعالى.
و لكن هذا المعنى لا يستقيم إلا بجعل «ورزقا» مصدرا، و «شيئا»مفعولا به للرزق، و هو خلاف السماع، لأن المصدر من «رزق » مفتوح الراء، والاسم منه مكسور الراء، كما تقدم .
ونرى أن «رزقا » مفعول به للملك، و أن الجار والمجرور و ما عطف عليه: إما متعلق بالفعل «يملك»، و إما بنعت محذوف للفظ «رزقا»، و أن «شیئا» على كلا التقديرين بدل من «رزقا»، فشبه الجملة «من السموات و الأرض »تأكيد لعدم استطاعة الأصنام رزق من يعبدونها في قوله: «ولا يستطيعون»، فلذا لم يرد في (56):«إِنَّ الَّذينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ »، لعدم حاجة السياق إليه.
22 - قابل الله العبد المملوك و عجزه بالحر الكريم و إنفاقه في (39): «ضَرَبَ اَللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْ ءٍ وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً »، و فيها إشارة إلى قوة الرزق الحسن و سعة رحابه، و حث على التخلص من الرق والعبودية، و التشجيع على كسب الرزق الحلال، و الإنفاق في سبيل الله سرا و علانيه.
23 - أسند الإتيان إلى الرزق في (40): «وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ» ، أي ياتي الرزق أهل القرية دون أن يبذلوا جهدا في طلبه و کسبه. و إليه استند الإمام علي علیه السلام في قوله لابنه الإمام الحسن علیه السلام: «اعلم يا بني أن الرزق رزقان: رزق تطلبه، و رزق يطلبك، فإن أنت لم تأته أتاك ».(1)
24 - إن قيل: لو قال في (45): «فَلْیَأتِکُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَ لْیَتَلَطَّفْ وَ لاَیُشْعِرَنَّ بِکُمْ أحَدا»: فليأتكم به و ليتلطف... لكان الكلام أخصر.
يقال: ذكر الرزق ليبين جهة الطعام و صفته ، و هو الرزق الحلال، كما بين الطعام مميزه، و هو الزكاة، فكلاهما متمم للآخر، و يتعذر الاستغناء عن أحدهما دون الآخر، راجع: «ط ع م».
25- ضمن الله لرسوله الرازق في (47): «وَأْمُرْ أَهْلَکَ بِالصَّلَوهِ وَاصْطَبِرْ عَلَیْهَا لَانَسْئَلُکَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُکَ»، و جملة «لَانَسْئَلُکَ رِزْقاً »استئنافية ،
و جعلها بعض معترضة بين قوله:« وَاصْطَبِرْ عَلَیْهَا » و قوله: «نَحْنُ نَرْزُقُکَ»، فربط الصلاة بالرزق، و فسر الآية بأن النبی صلی الله علیه و آله کان کاسف البال و مهتما للرزق، و أنه شغل به عن الصلاة! و غير ذلك من الأقوال التي لا تليق بمقام رسول الله صلی الله علیه و آله و شخصیته الفذة.
26 - وصف الله في (51) بأنه خير الرازقين: «اَمْ تَسْئَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ هُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ»، و فيه دلالة على أن المشركين كانوا يعطون خراجا و رزقا لمن يسألهم أيضا، إلا أنه تعالى فضل خراجه و رزقه على خراجهم و رزقهم، و مدح نفسه بأنه «خير الرازقين» . و نظيره قوله في (105): «وَ اِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ »و (66): «وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقينَ» و (82): «وَ اَللّهُ خَيْرُ اَلرّازِقِينَ ».
27 - قرن الله الرزق بالمراحل التي يمر بها الإنسان في الدنيا و الآخرة في (61): « اَللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ »، و هي الحياة والموت و البعث؛ حيث عجز المشركين بعبادتهم مالايقدر على ذلك.
و حاججهم تعالى بالرزق لأثره في الإنسان أثناء حياته و بعد مماته، واقتصر في ذلك عليه و على ماله مساس له، فما احتج عليهم بخلق السماوات و الأرض و ما فيهما، أو بإنزال الغيث و إحياء الأرض و إنبات الزرع و إخراج الثمرات، أو إهلاك القرون الأولى، أو ملكه للدنيا والآخرة و غير ذلك.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: (112:16)
28- كان في العباد في الأرض سببا لتضييق الله الرزق عليهم في (74): «وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِی الْأَرْضِ وَلکِن یُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا یَشَاءُ »، وهذا لطف منه تعالى و رحمة ما داموا يتلاطفون و يتراحمون، و لكن إذا ما تقاطعوا، و قلب بعض لبعض ظهر المجن، وسع لهم الرزق، فبغى بعضهم على بعض، كما نرى الناس في عصرنا؛ حيث يفدح المترفون المستضعفين و يبطرونهم، و يتنافسون فيما بينهم و يتغالبون، ولله در ابن عباس؛ إذ قال: « بغيهم في الأرض : طلبهم منزلة بعد منزلة، و دابة بعد دابة، و ملبسا بعد ملبس».
29 - اتفق المفسرون قاطبة على أن الرزق هوالمطر في (76): «وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِّزْق فَأَحْیا بِهِ الاْرْضَ بَعْدَ مَوْتِها»، إلا أن سيد قطب ضعف قولهم و وسع معناه، فقال: « و لكن رزق السماء أوسع، فهذه الأشعة التي تنزل من السماء ليست أقل أثرا في إحياء الأرض من الماء، بل إنها هي التي ينشأ عنها الماء بإذن الله، فحرارة الشمس هي التي تبخر الماء من البحار، فتتكاثف و تنزل أمطارا، وتجري عيونا و أنهارا، و تحيا بها الأرض بعد موتها؛ تحيا بالماء، و تحيا بالحرارة والضياء سواء».
بيد أن هذه الآية من سورة مكية وردت آياتها في حجاج مشرکي مكة، و كانوا لا يفقهون تحول الماء بخارا ثم نزوله من السماء مطرا، فقصر الله مخاطبتهم على ما يعقلون، و كان مبلغ علمهم أن المطر ينزل من السماء، و مرادهم بذلك السحاب، لقربه منها، فجاءت الآيات بهذا المعنى غالبا، سواء ذكر لفظ السماء - كما في هذه الآية - أم لم يذكر، كقوله: «فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن کُلِّ الَّثمَرَاتِ »الأعراف: 57.
و سمي الرزق مطرا على المجاز، وهو من باب تسمية السبب باسم المسبب، و (من) في قوله: «مِنْ رِّزْق » بيانية، ونظيره قوله: «وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِّزْق فَأَحْیا بِهِ الاْرْضَ بَعْدَ مَوْتِها» البقرة : 164 .
30- خص الله بني إسرائيل برزقهم من الطيبات في (77):«وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ»، و في أربع آيات أخرى أيضا، كما تقدم في رقم (3). و خص" المسلمين بهذا الضرب من الرزق في خمس آيات أيضا، و منها (41): «فَکُلُوا مِمّا رَزَقَکُمُ اللّهُ حَلالاً طَیِّباً ». كما خص الناس قاطبة بلفظ«بني ادم » في آيتين، و هما: (19): « یا بَنِی آدَمَ خُذُوا زِینَتَکُمْ عِنْدَ کُلِّ مَسْجِدٍ وَ کُلُوا وَ اِشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا یُحِبُّ اَلْمُسْرِفِینَ *قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِینَهَ اَللّهِ اَلَّتِی أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ اَلطَّیِّباتِ مِنَ اَلرِّزْقِ» و (44):« وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ». و بخطاب عام في آيتين أيضا، و هما: (37): «وَرَزَقَکُم مِّنَ الطَّیِّبَاتِ» و (72):«وَرَزَقَکُم مِّنَ الطَّیِّبَاتِ».
ولم يخص أمة عيسى علیه السلام بالرزق الطيب، و لعل سبب ذلك يعود إلى أكلهم لحم الخنزير، وهو من الخبائث التي أشار إليها في قوله: «اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ
وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»الأعراف : 157، راجع: «خ ب ث » و : « ط ي ب » .
31- فستر الرزق بالطعام في (79): «وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِیدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ»، و في علة نصبه ثلاثة وجوه:
الأول: أنه مفعول مطلق، و التقدير: رزقناهم رزقا، لأن إنبات ما ذكر رزق.
والثاني: أنه مفعول لأجله، و التقدير : أنبتنا ذلك للرزق.
والثالث: أنه حال، و التقدير : أنبتنا هذه الأشياء مرزوقا للعباد.
والوجه الأول و الثاني أقرب لفظا، و الثالث أقرب معنی، لأن الله لم ينبت الجنات و الأشجار و النخيل لطعام العباد فحسب، بل أنبتها لوقودهم أيضا: «الَّذِی جَعَلَ لَکُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ » يس، : 80، و لرعي دوابهم : «هُوَ الَّذِی أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَکُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِیهِ تُسِیمُونَ»النحل: 10، و لرفاههم: «أَمَّنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ » النمل: 60، و لغيرهم مما ينتفعون به: «وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ اَلْجِبالِ بُيُوتاً وَ مِنَ اَلشَّجَرِ وَ مِمّا يَعْرِشُونَ»النحل: 68 .
ولرب قائل يقول : ما ذكر من الوقود و رعي الدواب و خلايا النحل أمور مهد السبيل لطعام الإنسان، لأنها تؤول إلى ما يتناوله و يأكله.
يقال له: هذا وسط يعلل كل ما خلقه الله في الدنيا، و يؤول ما خلقه في الآخرة أيضا، فقوله: « جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ » آل عمران:15، يبين نعيم الآخرة، و لكنه لم يتعرض لطعامها، إلا أن الأنهار - على هذا الرأي - تمد الجنات بالماء فتنمو و تثمر، و هو استنتاج باطل؛ إذ لم يرد فيه نص ولا أثر.
32 - یری أغلب المفسرين أن الرزق هو المطر أو الثلج في (79): «وَ فِی السَّماءِ رِزْقُکُمْ وَما تُوعَدُونَ»و قد عين فيها مكان الرزق دون غيرها من الآيات، وهو السماء، أي السحاب. وقدم متعلق الخبر المحذوف «في السماء » على المبتد! «رزقكم» الحصر هذا المعنى به، و لروي الآيات، و التقدير: رزقکم موجود في السحاب.
و أول مجاهد الرزق بالجنة في أحد قوليه، قال: « الجنة في السماء و ما توعدون من خير أو شر»، و أول آخر «السماء » بالقرب الإلهي، فقال: « عند الله- الذي في السماء -رزقکم».
و قدر بعض مضافا إلى الرزق، و التقدير : و في السماء سبب أو تقدیر رزقکم، وأبدل بعض آخر الحرف ( في ) بالباء، صلة لفعل مقدر بلفظ «يأتي »، كما في قول ابن عباس، أو « ينزل » في قول القمي.
33 - تتضمن الآية (80) تعريضا للمشركين: « مَا أُرِیدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِیدُ أَنْ یُطْعِمُون »؛ إذ
كانوا يقدمون الطعام إلى آلهتهم، و يرزقون من يقوم على خدمتها من الكهنة، فكأنه قال لهم: لاأريد منكم رزقا ترزقوني به كما ترزقون كهنة أصنامكم، ولا أريد منكم طعاما تطعموني به كما تطعمون آلهتكم. وعلل ذلك بقوله في الآية اللاحقة (81): «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ».
34 - جعل الله جزاء تقاته الرازق في (84): «وَمَن یَتَّقِ اللّهَ یَجْعَل لَهُ مَخْرَجاً * وَیَرْزُقْهُ مِن حَیْثُ لَایَحْتَسِبُ»، و قد ورد في الأخبار أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، و لكن لا يمنع ذلك من تعميم معناها، كما فعل بعض المفسرين. قال ابن عطية: « يرزقه ما يطعم أهله و يوسع عليه»، وقال الطباطبائي: « يرزقه من الزوج والمال و كل ما يفتقر إليه في طيب عيشه و زكاة حياته ».
وعده آخرون من الرزق المعنوي، و منهم القرطبي، ففسره بالتواب، وروى الطبرسي عن الإمام الصادق علیه السلام، قال: « يبارك له فيما آتاه ».
ب - الرزق المعنوي :
89- «قَالَ یَا قَوْمِ أرَأیْتُمْ إنْ کُنتُ عَلَی بَیِّنَه مِنْ رَبِّی وَرَزَقَنِی مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا اُرِیدُ أنْ اُخَالِفَکُمْ إلَی مَا أنْهَاکُمْ عَنْهُ إنْ اُرِیدُ إلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِیقِی إلا بِاللّهِ عَلَیْهِ تَوَکَّلْتُ وَإلَیْهِ اُنِیبُ»هود: 88
90 - «اللَّهُ لَطِیفٌ بِعِبَادِهِ یَرْزُقُ مَن یَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِیُّ العَزِیزُ»الشوری : 19
91 - «وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ»الواقعة : 82
و فيها بحوث:
1- ذهب كثير من المفسرين إلى أن الرزق هو النبوة والحكمة في (89) «وَ رَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً»، أو هو الإيمان و الهدى، أو العلم و المعرفة. ورأى بعض أنه المال الحلال، ونسب إلى ابن عباس أنه قال: « کان شعیب كثير المال ». و لكن إن صحت نسبة هذا الحديث إلى ابن عباس، فإنه لم يؤثر أنه رواه عن النبي صلی الله علیه و آله مطلقا، و أخبار الأنبياء لاثؤثر إلا عن نبي أو وصي نبي.
2- الرزق في (90) هو الإيمان والهدی: «اَللّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ » ، و فسره معنية بالرزاق، و رأى أنه مقدمة للمباشرة في طلبه، فقال: « ذکر سبحانه في هذه الآية أنه اللطيف الرزاق، و معنی الرزاق أن الله يهب الإنسان القوة و جميع الطاقات التي تؤهله للعمل من أجل الرزق، و يرشده إلى طريقه و سبیله ».
3- جاء الرزق بمعنى الشكر في (91): «وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ» ، فهل هو تفسير أو قراءة؟ روى الطبري مسندا عن علي علیه السلام، عن النبي صلی الله علیه و آله قال في تفسير الآية: « شكركم أنكم تكذبون، قال: يقولون: مطرنا بنوء كذا و كذا ». كما روي عن علي أيضا أنه كان يقرؤها: « و تجعلون شکرکم أنكم تکذبون».
وروى القمي في سند طويل عن علي علیه السلام أنه قرأ في الصلاة « و تجعلون شکرکم أنكم تكذبون »، و قال: «سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقرأها كذلك».
المحور الثاني: الرزق الأخروي، و فيه (18) آية: الرزق المادي :
92 -« وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيها خالِدُونَ»البقرة : 25
93 -« زُیِّنَ لِلَّذینَ کَفَرُوا الْحَیوهُ الدُّنْیا وَ یَسْخَرُونَ مِنَ الَّذینَ امَنُوا وَ الَّذینَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ یَوْمَ الْقِیمَهِ وَ اللّهُ یَرْزُقُ مَنْ یَشاءُ بِغَیْرِ حِسابٍ» البقرة: 212
94 -« وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِینَ قُتِلُواْ فِی سَبِیلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْیَاء عِندَ رَبِّهِمْ یُرْزَقُونَ» آل عمران : 169
95 - « وَ نادی أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّهِ أَنْ أَفِیضُوا عَلَیْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَکُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَی الْکافِرِینَ »الأعراف : 50
96 - «لا یَسْمَعُونَ فِیهَا لَغْواً إلا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِیهَا بُکْرَهً وَعَشِیّاً »مریم: 62
97 - «وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ اِلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ اَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَ ةَ الْحَيوةِ الدُّ نْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فيهِ وَ رِزْ قُ رَ بِّكَ خَيْرٌ وَ اَبْقى» طه : 131
98 - «وَمَنْ یَقْنُتْ مِنْکُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَیْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً کَرِیماً»الأحزاب : 31
99-« إِلاّ عِبادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ* أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ» الصافات : 41
100 - « إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَالَهُ مِن نَّفَادٍ » ص : 54
101 - «مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ» المؤمن: 40
102 -«رَسُولًا یَتْلُو عَلَیْکُمْ آیَاتِ اللَّهِ مُبَیِّنَاتٍ لِیُخْرِجَ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَی النُّورِ وَ مَنْ یُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ یَعْمَلْ صَالِحاً یُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِینَ فِیهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً » الطلاق : 11
و فيها بحوث:
1- تصف الآية (92) حال أهل الجنة حين إتيان الرزق لهم: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ»، و اختلف في الرزق: أهو من ثمار أشجار الجنات خاصة أم من الطعام عامة؟ فمن قال : هو الثمار، جعل ( من ) في قوله: «من ثمرة »زائدة، و التقدير: كلما رزقوا منها ثمرة رزقا. أو تبعیضية، و التقدير: كلما رزقوا منها بعض ثمرة رزقا. أو بيانية، و التقدير: كلما رزقوا منها رزقا هو ثمرة.
و من قال : هو الطعام مطلقا، جعل ( من) لابتداء الغاية، و التقدير : كلما رزقوا منها مبتدأ ثمرة رزقا.
ورأى بعض أن قوله: «قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ » هو رزق الدنيا، و منهم الفخر الرازي. و استدل عليه بوجهين، كما تقدم في النصوص.
2- وصف رزق الآخرة بأنه كريم في (98): «وَ أَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً»
وزعم الفخر الرازي أن «الكريم» لا يكون في الدنيا إلا وصفا للرزاق، لأن الرزق مقدر فيها على
أيدي الناس، و أما «الكريم» في الآخرة فقد وصف به نفس الرزق، لأنه يأتي بنفسه و لا يقدر فيها على يد أحد.
و لكن «الكريم » جاء وصفا في الدنيا لأسماء المعاني و الذوات، و منها المقام في قوله: «وَ كُنُوزٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ» الشعراء : 58، و هو يتصف بالإمساك و الإرسال، والتقدير على أيدي الناس، كما سيأتي في «ك رم»
3- جاء لفظ «فواکه »بدلا من « رزق » في (99): «أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ* فَواكِهُ وَ هُمْ مُكْرَمُونَ»، والغاية من ذكر التابع و دون الاقتصار على المتبوع تطميع السامع و ترغيبه في نعيم الجنة، فیشرئب إليها، و يفغر فاه نحوها.
وفسر الزمخشري الآية على ظاهرها، و ادعی أن رزق أهل الجنة الفواكه فقط، و أنهم مستغنون عن حفظ صحتهم بالأقوات.
وهذا خلاف ما ورد في بعض الآيات و الروايات أن في الجنة ما كل و مشارب أخرى، و منها قوله: «مَثَلُ الجَنَّه الَّتی وُعدَ المُتَقونَ فِیها أنهارٌ مِن مَاء غَیرِ اسِنٍ وَأنهارٌ مِن لَبَنٍ لَم یَتَغیر طَعمُهُ وأنهارٌ مِن خَمرٍ لَذَّه للشَّاربینَ وأنهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفیِ ولَهُم فیها مِن کُل الثَمراتِ وَمَغفرهٌ مِن رَبِّهِم کَمَن هُو خالِدٌ فِی النَّار وَسُقوا مَاءً حَمیماً فَقَطعَ أَمعاءَهُم»محمد : 15، و منها ما روي عن معاذ، عن النبي صلی الله علیه و آله : « قيل: یا رسول الله هل أتيت من طعام الجتة بشيء؟ قال: نعم، أتاني جبریل بهریسة فأكلتها...»(1)و ما رواه المتقي الهندي عن عبد الله القشيري، قال: حدثني أنس بن مالك، قال: كنت أحجب النبي صلی الله علیه و آله ، فسمعته يقول: اللهم أطعمنا من طعام الجنة، فأتي بلحم طير مشوي...».(2)
الرزق المعنوي
103- «أُولئِکَ هُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَهٌ وَ رِزْقٌ کَرِیمٌ»الأنفال : 4
104- «وَالَّذِینَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِی سَبِیلِ اللّهِ وَالَّذِینَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولئِکَ هُمُالْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُم مَغْفِرَهٌ وَرِزْقٌ کَرِیمٌ»الأنفال : 74
105 - «فَالَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَهٌ وَ رِزْقٌ کَرِیمٌ» الحج: 50
106 - «وَ الَّذينَ هَاجَرُوا فى سَبيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا اَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْ قًا حَسَنًا وَ اِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّ ازِقينَ»الحج : 58
107- «الخَبِیثَاتُ لِلْخَبِیثِینَ وَالخَبِیثُونَ لِلْخَبِیثَاتِ وَالطَّیِّبَاتُ لِلطَّیِّبِینَ وَالطَّیِّبُونَ لِلطَّیِّبَاتِ اُوْلَئِکَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا یَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَهٌ وَرِزْقٌ کَرِیمٌ» النور : 26
108 - «لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»النور: 38
109 - « لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ»سبا:4
و فيها بحوث:
1- وصف الرزق في (103) ب « الكريم»:«لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَهٌ وَرِزْقٌ کَرِیمٌ »، و كل رزق جاء بهذا الوصف مسبوقا بالمغفرة فهو نعيم أخروي معنوي، و نحوه (104) و (105) و (107) و (109): «لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ». و کل رزق وصف ب«الكريم » و لم يسبق بالمغفرة فهو نعيم أخروي مادي، و نحوه (98): « وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً کَرِیماً».
2- وصف الرزق في (106) بالحسن: «لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللّهُ رِزْقاً حَسَناً»، و هو من رزق الجنة كالرزق الكريم، فهل هما بمعنى واحد؟ فسرهما الطبري بمعنى واحد في (105)، و فسر هما سائر المفسرين باختلاف، فالرزق الحسن عندهم الحلال، و العلم، و الحكمة، والنبوة. والرزق الكريم هو الكثرة، و الدوام، والخلوص.
وجاءت سائر آيات الرزق الحسن في رزق الدنيا، وهي: (35): «تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً»و (39): « وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً » و (89): «و رَّزَقْنهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا».
3- أسند الرازق إلى الله في (108): «و اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ»، كما أسند فيها الجزاء والزيادة و الفضل إليه تعالى أيضا، فالرزق علة جزائه للمؤمنين و زيادته لهم من فضله في الآخرة.
و جاء الرزق في الدنيا مع التفضيل، كما في (36): «وَ اللّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ» و (44): «وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّیِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَی کَثِیرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِیلاً»و (77): «وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّیِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلَی الْعالَمینَ» .
ويلاحظ ثانیا: فاقت الآيات المكية للرزق المادي الآيات المدنية للرزق المعنوي عددا، فقد وردت أكثر من ستين آية مكية و أكثر من عشرين آية مدنية في الرزق الدنيوي المادي، و كذلك آيات الرزق الأخروي المادي، فمكيها أكثر من مدنیها بآية واحدة في العدد، بينما وردت ست آیات مدنية و آية واحدة مكية في الرزق الأخروي المعنوي.
ثالثا : من نظائر هذه المادة في القرآن:
المعاش: «وَجَعَلْنَا النَّهارَمَعاشاً» النبأ : 11
العطاء: «کُلّاً نُّمِدُّ هؤُلاَءِ وَهؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّکَ وَمَا کَانَ عَطَاءُ رَبِّکَ مَحْظُوراً»الإسراء:20
الراسخون
لفظ واحد، مرتان: فی سورتین مدنیتین
النصوص اللغوية
الخليل: رسخ الشيء رسوخا، إذا ثبت في موضعه. و أرسخته إرساخا، كالحبر يرسخ في الصحيفة، و العلم يرسخ في القلب.
وهو راسخ في العلم : داخل فيه مدخلا ثابتا، « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » آل عمران: 7، يقال: هم المدارسون.
والدمنة الراسخة: الثابتة. [ثم استشهد بشعر] و رسخ الغدير رسوخا: نش ماؤه فذهب. (196:4)
نحوه الصاحب (6: 260)، وابن سيده (75:5)
الليث: رسخ المطر رسوخا: إذا نضب نداه في داخل الأرض فالتقى التثريان. الأزهري 7: 167)
شر: قال خالد بن جنبة: الراسخ في العلم:
البعيد العلم . (الأزهري 7: 199)
اسځون بان: في سورتين مدنيتين
ابن درید: رسخ الشيء يرسخ رسوخا، إذا ثبت في الأرض، و كل شيء ثابت: راسخ. (206:2)
الجوهري: رسخ الشيء رسوخا: ثبت. و کل ثابت راسخ، و منه: «الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» آل عمران : 7. (421:1)
ابن فارس: الراء و الستين و الخاء أصل واحد يدل على الثبات. و يقال : رسخ: ثبت، و كل راسخ ثابت.(395:2)
أبوهلال: الفرق بين الراسخ و العلم: أن الرسخ هو أن يعلم الشيء بدلائل كثيرة، أو بضرورة لا يمكن إزالتها، و أصله: الثبات على أصل يتعلق به. و إذا علم الشيء بدليل لم يقل: إن ذلك رسخ. (65)
الفرق بين الرسوخ والثبات [والرسو]: أن
الرسوخ کمال الثبات، و الشاهد أنه يقال للشيء المستقر على الأرض: ثابت و إن لم يتعلق بها تعلقا شديدا، ولا يقال: راسخ، و لا يقال: حائط راسخ، لأن الجبل أكمل ثباتا من الحائط، و قال الله تعالى:« وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» آل عمران : 7، أي الثابتون فيه، و قد تكلمنا في ذلك قبل.
و يقولون: هو أرسخهم في المكرمات، أي أكملهم ثباتا فيها.
وأما الرسو فلايستعمل إلا في الشيء الثقيل، نحو الجبل وما شاكله من الأجسام الكبيرة. يقال: جبل راس ولا يقال: حائط راس ولاعود راس، و في القرآن: «بِسْمِ اللهِ مَجْرَیهَا وَ مُرْسَیهَا» هود : 41، شبهها بالجبل لعظمها.
فالرسو: هوالثبات مع العظم و الثقل و العلو. فإن استعمل في غير ذلك فعلى التشبيه و المقاربة، نحو قولهم: أرست العود في الأرض. (247)
الراغب: روخ الشيء: ثباته ثباتا متمكنا.
و رسخ الغدير: نضب ماؤه، ورسخ تحت الأرض.
و الراسخ في العلم: المتحقق به الذي لا يعرضه شبهة. فالراسخون في العلم، هم الموصوفون بقوله تعالى: «الَّذِینَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ یَرْتابُوا » الحجرات : 15، و كذا قوله تعالى : « لَّکِنِ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ مِنْهُمْ»النساء: 162. (195:1)
الزمخشري: رسخ الشيء: ثبت في مكانه رسوخا.
و جبل راسخ و دمنة راسخة. [ثم استشهد بشعر]
ومن المجاز: رسخ الحبر في الصحيفة. والرق الدهين لا يرسخ فيه الحبر.
و رسخ العلم في قلبه. و فلان راسخ في العلم، وهو من الراسخين فيه.
و رسخ محبه في قلبي.
و رسخ الغدير: نضب ماؤه.
و رسخ المطر في داخل الأرض حتى التقى منه الثريان. (أساس البلاغة 1: 162)
الفيومي: رسخ الشيء يرسخ بفتحتين رسوخا: ثبت. و كل ثابت راسخ.
وله قدم راسخة في العلم، بمعنى البراعة والاستكثار منه. (226:1)
الفيروزابادي: رسخ رسوخا: ثبت و الغدير : نش ماؤه و نضب فذهب.
والمطر: نضب نداه في الأرض فالتقى الثريان.
و أرسخه: أثبته. (269:1)
مجمع اللغة: رسخ يرسخ رسوخا: ثبت، فهو راسخ، و كل ثابت راسخ.
و الراسخ في العلم: الذي دخل فيه دخولا ثابثاء و جمعه: راسخون . (475:1)
العدناني: و يقولون: رسخ قدمه في النحو.
و الصواب: أرسخ قدمیه في النحو إرساخا،
مجاز، أي ثبتهما: الجامع الكرماني، و القاموس، والتاج، و المتن، و الوسيط. (معجم الأخطاء الشائعة : 103)
محمد إسماعيل إبراهيم: رسخ الشيء رسوخا: ثبت و استقر في موضعه متمكنا.
و رسخ في العلم أو الإيمان: تمكن منه، ولم تعرض له فيه شبهة.
والراسخون في العلم: المتمكنون الثابتون فيه. (220:1)
محمود شیت: رسخ رسوخا: ثبت في موضعه متمكنا. يقال: موضع راسخ: ثابت بقوة.
و دفاع راسخ: دفاع مکین.
أرسخه: جعله قویا محصنا.
يقال: أرسخ الموضع الدفاعي: جعله قویا راسخا، يصمد أمام هجمات العدو. (293:1)
المصطفوي: التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو الثبوت و الاستقرار التام؛ بحيث ينفذ في المحل من كمال الاستقرار والتمكن و تمامه.
و هذا المعنى هو الفارق بينها و بين مواد: الثبوت والرسوب و الحق و الرسي والثبط والثبي .
فإن الثبوت: مطلق الاستقرار، و الرسوب: ذهاب شيء و صيرورته الى أسفل، و الرسا: هو استقرار شيء عظيم تاما. و قد سبق أن الحق هو الثبوت مع المطابقية. و الثبي: يستعمل في الاستقرار من جهة الكمية، كما أن الثبط : يستعمل في الثبوت من جهة المعنى والفكر ، فراجعها. (119:4)
النصوص التفسيرية
الراسخون
آل عمران : 7
النبي الأكرم صلی الله علیه و آله [ في حديث أنه سئل من الراسخون في العلم ؟ فقال :من برت يمينه، و صدق لسانه، و استقام قلبه، و عفت بطنه و فرجه، فذلك الراسخ في العلم. (الثعلبي 3: 15)
عائشة: كان من رسوخهم في العلم أن آمنوا بمحکمه و متشابهه، ولم يعلموا تأويله. (الطبري 183:3)
ابن عباس : البالغون بعلم التوراة عبد الله بن سلام و أصحابه.(43)
أنا ممن يعلم تأويله. (الطبري 3: 183)
أنا من الراسخين في العلم. (الثعلبي 3: 14)
سماهم الله تعالى: الراسخين في العلم، فرسوخهم في العلم قولهم: «امنا به »أي بالمتشابه، «كل من عند ربنا » المحكم و المتشابه، و الناسخ والمنسوخ، ما علمناه و ما لم نعلمه.
مثله مجاهد والدي. (الثعلبي 16:3)
عمر بن عبد العزيز: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: « آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ». (الطبري 183:3)
مجاهد: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» يعلمون تأويله، و يقولون: «امنا به»
مثله الربيع. (الطبري 3: 183)
أنا من يعلم تأويله. (الثعلي 14:3)
الإمام الباقر علیه السلام: يعني تأويل القرآن كله، إلا الله و الراسخون في العلم، فرسول الله صلی الله علیه و آله أفضل الراسخين ، قد علمه الله جميع ما أنزل عليه من التنزيل و التأويل، و ما كان الله منزلا عليه شيئا لم يعلمه تأويله، و أوصياؤه من بعده يعلمونه كله.
[و في حديث عنه علیه السلام] : نحن نعلمه. (العياشي 1: 293)
السدي: هم المؤمنون، فإنهم يقولون: آمنا بناسخه و منسوخه.(170)
الإمام الصادق عليه ا لسلام : الراسخون في العلم: هم آل محمد عليه السلام. (العياشي 1: 292)
[و في حديث عنه علیه السلام: ] نحن الراسخون في العلم، فنحن نعلم تأويله. (العياشي 1: 293)
مالك بن أنس: [الراسخون في العلم: ]العالم العامل بما علم تبع له. (الثعلبي 16:3)
الفراء: قال: «وَما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ » ثم استأنف «و الراسخون » فرفعهم ب «يقولون » لا بإتباعهم إعراب «الله » و في قراءة أبي ( ويقول الراسخون)، و في قراءة عبدالله ( إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون).(191:1)
أبو عبيدة: العلماء، و رسخ أيضا في الإيمان. (86:1)
الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل «الراسخون » معطوف على اسم« الله»، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أم هم مستأنف ذكرهم، بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون: آمنا بالمتشابه و صدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله؟
فقال بعضهم : معنى ذلك: و ما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردا بعلمه. و أما الراسخون في العلم، فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون: آمنا بالمتشابه و المحكم، و أن جميع ذلك من عند الله. ذکر من قال ذلك:
[في حديث ]: قال هشام بن عروة: كان أبي يقول في هذه الآية، «وَمَا یَعْلَمُ تَأوِیلَهُ إلا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی العِلْمِ»، إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، و لكنهم يقولون: «آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ».
[و في حديث ]: أبي نهيك الأسدي قوله: «وَمَا یَعْلَمُ تَأوِیلَهُ إلا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی العِلْمِ»، فيقول: إنكم تصلون هذه الآية، و إنها مقطوعة: «وَمَا یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ کُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا»، فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا.
[وفي حديث ]: عن مالك في قوله: «وَمَا یَعْلَمُ تَأوِیلَهُ إلا اللّهُ» قال: ثم ابتدأ فقال :«وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ کُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا» ، و ليس يعلمون تأويله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم، و هم مع علمهم بذلك و رسوخهم في العلم يقولون:« آمَنَّا بِهِ کُلٌّ مِّنْ عِندِ
رَبِّنَا»
[في حديث ]: عن محمد بن جعفر بن الزبير: «وَمَا یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ» الذي أراد، ما أراد « إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ کُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا»، فكيف يختلف، وهو قول واحد من رب واحد؟ ثم ردوا تأويل المتشابه على ماعرفوا من تأويل المحكمة التي لاتأويل الأحد فيها إلا تأويل واحد، فاسق بقولهم الكتاب و صدق بعضه بعضاء فنفذت به الحجة، و ظهر به العذر، و زاح به الباطل، و دمغ به الكفر.
فمن قال القول الأول في ذلك، وقال: إن الراسخين لا يعلمون تأويل ذلك، و إنما أخبر الله عنهم بإيمانهم و تصديقهم بأنه من عند الله، فإنه يرفع « الراسخين في العلم » بالابتداء في قول البصريون، ويجعل خبره «يقولون امنا به ». وأما في قول بعض الكوفيين، فبالعائد من ذكرهم في «يقولون» و في قول بعضهم: بجملة الخبر عنهم، وهي «يقولون».
و من قال القول الثاني، وزعم أن الراسخين يعلمون تأويله، عطف ب «الراسخين » علی اسم «الله »، فرفعهم بالعطف عليه.
و الصواب عندنا في ذلك أنهم مرفوعون بجملة خبرهم بعدهم، و هو «يقولون »، لما قد بينا قبل من أنهم لا يعلمون تأويل المتشابه الذي ذكره الله عز و جل في هذه الآية، و هو فيما بلغني مع ذلك في قراءة أبي ( ويقول الراسخون فی العلم) كما ذكرناه عن ابن عباس أنه كان يقرأه.
و في قراءة عبد الله : ( إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون).
و أما معنى التأويل في كلام العرب، فإنه التفسير والمرجع و المصير. [ثم استشهد بشعر]
(182:3)
الزجاج: و معنى «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» أي الثابتون.
يقال: رسخ الشيء يرسخ رسوخا، إذا ثبت، أي يقولون: صدقنا بأن الله يبعثنا، و يؤمنون بأن البعث حق، كما أن الإنشاء حق، و يقولون: «کُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا». (378:1)
السجستاني: «الراسخون »:الذين سخ علمهم و إيمانهم و ثبت، كما يرسخ النخل في منابته . (33)
النحاس: المعنى: و الثابتون في العلم المنتهون إلى ما يحاط به منه، مما أباح الله خلقه بلوغه، يقولون: آمنا به على التسليم و التصديق به، و إن لم ينتهوا إلى علم ما يؤول اليه أمره.
و دل على هذا: « کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» أي المحكم و المتشابه، فلو كان كله عندهم سواء، لكان كله محكما، ولم ينسب شيء منه إلى المتشابه.
و هذا قول حسن، و لكنه على قول من قال: المحكم الذي لاينسخ نحو «الأخبار» و دعاء العباد إلى التوحيد، و المتشابه ما يحتمل النسخ من الفرائض، لم يكن إلى العباد علم تأويله، و ما يثبت
عليه.
و من جعل تأويله بمعنى تفسيره، لأنه ما يؤول إليه معنى الكلام، فالراسخون في العلم عنده يعلمون تأويله.
والقول الأول و إن كان حسنا، فهذا أبين منه، لأن واو العطف، الأولى بها أن تدخل الثاني، فيما دخل فيه الأول، حتى يقع دليل بخلافه.
وقد مدح الله عز و جل الراسخين، بثباتهم في العلم، فدل على أنهم يعلمون تأويله. وقد قال جل و عز « افلا يتدبرون القران» النساء: 82 وفي الحديث عن النبي صلی الله علیه آله أنه دعالابن عباس فقال صلی الله علیه و آله: «اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل». (352:1)
الثعلبي: اختلف العلماء في نظم هذه الآية و حکمها.
فقال قوم: الواو في قوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله و يعلمه الراسخون في العلم، وهم مع علمهم يقولون: «امنا به».
وهو قول مجاهد و الربيع، و محمد بن جعفر بن الزبير، و اختيار القتيبي. قالوا: معناها: يعلمونه و «يقولون امنا به » فیکون قوله: «يقولون »، حالا ، والمعنى: الراسخون في العلم قائلین آمنا به. [إلى أن قال:]
ومما يؤيد هذا القول أن الله تعالى لم ينزل کتابه إلا لينتفع له مبارك، ويدل عليه على المعنى الذي أراده، فقال: «کِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَیْکَ مُبارَکٌ لِیَدَّبَّرُوا آیاتِهِ » ص : 29، وقال: «بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ » الشعراء :195.
و « المبين »: الظاهر، وقال: «بكتاب فصلناه » الأعراف : 52، فوصف جميعه بالتفصيل والتبيين، وقال: «لِتُبَیِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَیْهِمْ» النحل: 44، ولا يجوز أن تبين مالا يعلم، و إذا جاز أن يعرفه الرسول صلی الله علیه و آله مع قوله: «لا يعلمه إلا الله» جاز أن يعرفه الربانيون من أصحابه.
و قال : «اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَیْکُمْ مِنْ رَبِّکُمْ» الأعراف: 3، و لا تؤمر باتباع ما لا يعلم، ولأنه لولم يكن للراسخين في العلم هذا لم يكن لهم على المعلمين و الجهال فضل، لأنهم أيضا يقولون: «آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »، و لأنا لم نر من المفسرين على هذه الغاية قوما يوقفوا عن شيء من تفسير القرآن، وقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أعزوه كله وفسروه حتى حروف التهجي و غيرها. [إلى أن قال: ]
وقال آخرون: الواو في قوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»واو الاستئناف، و تم الكلام و انقطع عند قوله: «وَمَا یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا اللَّهُ»، ثم ابتدأ وقال: «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »، والراسخون » ابتداء وخبره في «يقولون »، و هذا قول عائشة، و عروة بن الزبير، و رواية طاووس، عن ابن عباس، و اختیار الكسائي، و الفراء و المفضل بن سلمة، و محمد بن
جرير، قالوا: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، و لكنهم يؤمنون به.
والآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بما في أجل هذه الأمة، و وقت قيام الساعة، و فناء الدنيا، و وقت طلوع الشمس من مغربها، و نزول عیسی علیه السلام، و خروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح، و نحوها مما استأثر الله لعلمه ولم يطلع عليه أحد من خلقه.
وقال بعضهم: اعلم أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه دوننا، و نفسره نحن، و لم نتعبد بذلك، بل ألزمنا العمل بأوامره و اجتناب نواهيه. ومما يصدق هذا القول قراءة عبد الله (أن تأويله لا يعلم إلا عند الله و الراسخون في العلم يقولون امنا به ).[ إلى أن قال:]
والراسخون»: الداخلون في العلم الذين أتقنوا علمهم، و استنبطوه، فلا يدخلهم في معرفتهم شك. و أصله من رسوخ الشيء في الشيء، وهو ثبوته و أوجب فيه، يقال: رسخ الإيمان في قلب فلان، فهو يرسخ رسخا و رسوخا، و كذلك في كل شيء، و رسخ رصخ، وهذا كما يقال: مسلوخ و مصلوخ.
وقال بعض المفسرين من العلماء: الراسخون علما: مؤمني أهل الكتاب، مثل عبد الله بن سلام و ابن صوریا و کعب.
و قيل: «الراسخون فی العلم » هم بعض الدارسين علم التوراة.[إلى أن قال:]
وقال نافع بن يزيد: كما أن يقال «الراسخون في العلم »: المؤمنون بالله، المتذللون في طلب مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، و لايحقرون من دونهم.
وقال بعضهم: «الراسخون في العلم »: من وجد في عمله أربعة أشياء: التقوى بينه وبين الله تعالى، والتواضع بينه و بين الخلق، و الزهد بینه و بين الدنيا، و المجاهدة بينه و بين نفسه. [و استشهد بالشعر مرتين ]
(13:3)
نحوه البغوي. (412:1)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: يعني الثابتين فيه، العاملين به.
والثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين؛ و فيهم وجهان:
أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، و تقدیره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعا.
الثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، و يكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال : «و الراسخون في العلم ».(1: 372)
الواحدي: أي الثابتون فيه، و الرسوخ في اللغة: الثبوت في الشيء.
وعند أكثر المفسرين المراد بالراسخين: علماء مؤمني أهل الكتاب. (414:1)
الزمخشري: أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله و عباده الذين
رسخوا في العلم، أي ثبتوا فيه و تمكنوا، و عضوا فيه بضرس قاطع.
و منهم من يقف على قوله: «الا الله » و يبتدئ: «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ» ، و يفسرون المتشابه بما استأثر الله بعلمه و معرفة الحكمة فيه من آیاته، تعدد الزبانية و نحوه. و الأول هو الوجه، و «يقولون» کلام مستأنف موضح لحال الراسخين. بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون: «امنا به »أي بالمتشابه. (413:1)
نحوه النسفي. (146:1)
ابن عطية: [نقل القولين في الآية ثم أدام: ]
و هذه المسألة إذا تؤملت قرب الخلاف فيها من الاتفاق، وذلك أن الله تعالى قم آي الكتاب قسمين: محكما و متشابها.
فالمحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب، لايحتاج فيه إلى نظر، و لا يتعلق به شيء یلبس، و يستوي في علمه الراسخ و غیره.
و المتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم ألبتة كأمرالروح و آماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك، و منه ما يحمل على وجوه في اللغة و مناح في كلام العرب، فيتأول تأويله المستقيم، و يزال ما فيه مما عسى أن يتعلق به من تأویل غیر مستقيم، كقوله في عیسی: «وروح منه » النساء : 171، إلى غير ذلك.
ولا يسمى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له، و إلا فمن لايعلم سوى المحكم فليس يستی راسخا.
وقوله تعالى: «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ » الضمير عائد على جميع متشابه القرآن، وهو نوعان كما ذكرنا، فقوله: «إلا الله »مقتض ببديهة العقل أنه يعلمه على الكمال و الاستیفاء، يعلم نوعيه جميعا.
فإن جعلنا قوله: «والراسخون »عطفا على اسم «الله »تعالى، فالمعنى إدخالهم في علم التأويل الاعلى الكمال، بل علمهم إنما هو في النوع الثاني من المتشابه، و بديهة العقل تقضي بهذا. و الكلام مستقيم على فصاحة العرب، كما تقول: ما قام لنصرتي إلا فلان و فلان، و أحدهما قد نصرك بأن حارب معك، والآخر إنما أعانك بكلام فقط، إلى كثير من المثل.
فالمعنى: ومايعلم تأويل المتشابه إلا الله «والراسخون»،کل بقدره، ومايصلح له،« و الراسخون» بحال قول في جميعه «امنا به »، و إذا تحصل لهم في الذي لا يعلم ولا يتصور عليه تمييزه من غيره، فذلك قدر من العلم بتأويله.
وإن جعلنا قوله: «والراسخون »رفعا بالابتداء مقطوعا مما قبله، فتسميتهم « راسخين » يقتضي بأنهم يعلمون أكثر من الحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، و في أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام و موارد الأحكام، و مواقع المواعظ؛ و ذلك كله بقريحة معدة، فالمعنى: «وما يعلم تأويله »على الاستيفاء إلى
الله، و القوم الذين يعلمون منه ما يمكن أن يعلم يقولون في جميعه: «آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» و هذا القدر هو الذي تعاطی ابن عباس رضي الله عنه، و هو ترجمان القرآن، و لا يتأول عليه أنه علم وقت الساعة، و أمر الروح و ما شاكله.
فإعراب «الراسخون» يحتمل الوجهين، و لذلك قال ابن عباس بهما، والمعنى فيهما يتقارب بهذا النظر الذي سطرناه.
فأما من يقول: إن المتشابه إنما هو مالاسبيل الأحد إلى علمه، فيستقيم على قوله: إخراج الراسخين من علم تأويله، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح، بل الصحيح في ذلك قول من قال: المحكم: مالايحتمل إلا تأويلا واحدا، و المتشابه: ما احتمل من التأويل أوجها، وهذا هو متبع أهل الزيغ، و على ذلك يترتب النظر الذي ذكرته.
و من قال من العلماء الحذاق: بأن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، فإنما أرادوا هذا النوع و خافوا أن يظن أحد أن الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال. و كذلك ذهب الزجاج إلى أن الإشارة بما تشابه منه إنما هي إلى وقت البعث الذي أنكره، و فسر باقي الآية على ذلك، فهذا أيضا تخصيص لا دليل عليه.
وأما من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ، فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح. و رجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل، و أطنب في ذلك. (403:1)
نحوه القرطبي. (16:4)
الطبرسي: أي الثابتون في العلم، الضابطون له، المتقنون فيه.
واختلف في نظمه و حكمه على قولين:
أحدهما: أن الراسخون» معطوف على «الله » بالواو، على معنى أن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله، و إلا الراسخون في العلم، فإنهم يعلمونه، « يقولون » على هذا في موضع النصب على الحال، و تقديره: قائلين « آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا» [اثم استشهد بشعر]
وهذا قول ابن عباس، و الربيع، و محمد بن جعفر بن الزبير، و اختيار أبي مسلم، وهو المروي عن أبي جعفر علیه السلام. [إلى أن قال:]
ومما يؤيد هذا القول أن الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، و لم نرهم توقفوا على شيء منه، و لم يفسروه بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله. و كان ابن عباس يقول في هذه الآية : أنا من الراسخين في العلم .
والقول الآخر: أن الواو في قوله : «والراسخون » واو الإستئناف، فعلى هذا القول، يكون تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، و الوقف عند قوله: «وَ مایَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا الله»و يبتدي: «وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ » فيكون مبتدأ وخبرا. و هذا قول عائشة، و عروة بن
الزبير، و الحسن، ومالك، و اختيار الكسائي، والفراء، و الجبائي، وقالوا: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، و لكنهم يؤمنون به.
فالآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بمدة أجل هذه الأمة، و وقت قيام الساعة،و فناء الدنيا، و وقت طلوع الشمس من مغربها، و نزول عیسی، و خروج الدجال، و نحو ذلك مما استأثر الله بعلمه، و يكون التأويل على هذا القول بمعنى المتأول، كقوله: «هَلْ یَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِیلَهُ یَوْمَ یَأْتِی تَأْوِیلُهُ» الأعراف: 53، يعني الموعود به.(410:1)
الفخر الرازي: اختلف الناس في هذا الموضع، فمنهم من قال : تم الكلام هاهنا، ثم الواو في قوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» واو الابتداء، و على هذا القول: لا يعلم المتشابه إلا الله. و هذا قول ابن عباس و عائشة و مالك بن أنس والكسائي و الفراء، و من المعتزلة قول أبي علي الجبائي، و هو المختار عندنا.
والقول الثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله: «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» ؛ وعلى هذا القول یکون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم. وهذا القول أيضا مروي عن ابن عباس، و مجاهد، و الربيع بن أنس، و أكثر المتكلمين، والذي يدل على صحة القول الأول وجوه:
الحجة الأولى: أن اللفظ إذا كان له معني راجح، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة. و في المجازات كثرة، و ترجیح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف. فإذا كانت المسألة قطعية يقينية، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز، مثاله قال الله تعالى : «لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها» البقرة : 286. ثم قال الدليل القاطع: على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية، فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية، فلابد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات، و في المجازات كثرة، و ترجیح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، و أنها لاتفيد إلا الظن الضعيف. وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنیة باطلا.
وأيضا قال الله تعالى: «اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى» طه : 5، دل الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإله في المكان، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة، فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية الظنية. والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين. وهذه حجة قاطعة في المسألة، والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه، والفطرة الأصلية تشهد بصحته و بالله التوفيق.
الحجة الثانية: و هو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم؛ حيث قال: «فَأَمَّا الَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمْ زَیْغٌ فَیَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَهِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِیلِهِ» ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذم الله تعالى ذلك.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة، كما في قوله: «یَسْئَلُونَکَ عَنِ السّاعَهِ أَیّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّی » الأعراف : 187، و أيضا طلب مقادير الثواب والعقاب، و طلب ظهور الفتح و النصرة، كما قالوا: «لَّوْ مَا تَأْتِینَا بِالْمَلئِکَهِ » الحجر : 7.
قلنا: إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محکم و متشابه، و دل العقل على صحة هذه القسمة؛ من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم، و حمله على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه، ثم إنه تعالى ذم طريقة من طلب تأویل المتشابه، کان تخصیص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركا للظاهر، و أنه لا يجوز.
الحجة الثالثة: أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم «يقولون امنا به» ، وقال في أول سورة البقرة: وأما الذين «فَأَمَّا الَّذِینَ آمَنُوا فَیَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ »البقرة: 26، فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل، لما كان لهم في الإيمان به مدح، لأن كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل، فإنه لابد وأن يؤمن به. إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، و علموا أن القرآن کلام الله تعالى، و علموا أنه لا يتكلم بالباطل و العبث، فإذا سمعوا آية و دلت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى، بل مراده منه غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه، و قطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان، فهو الحق والصواب، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله؛ حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر، ولاعدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله ، و الجزم بصحة القرآن.
الحجة الرابعة: لو كان قوله: «والراسخون في العلم » معطوفا على قوله: «الا الله »لصار قوله: «يقولون امنا به » ابتداء، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة، بل كان الأولى أن يقال: وهم يقولون آمنا به، أو يقال: و يقولون آمنا به.
فإن قيل: في تصحيحه و جهان: الأول: أن قوله: «يقولون »کلام مبتدأ، و التقدير : هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به. والثاني: أن یکون «يقولون »حالا من الراسخين.
قلنا: أما الأول: فمدفوع، لأن تفسیر کلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الإضمار.
والثاني: أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره، و هاهنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم، فوجب أن يجعل قوله: «يقولون امنا به »حالا من الراسخين لامن «الله» تعالى، فيكون
ذلك ترکا للظاهر، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر و مذهبنا لايحتاج إليه، فكان هذا القول أولى.
الحجة الخامسة: قوله تعالى: «كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا»يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل، وبما لم يعرفوا تفصيله و تأويله، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل، لم يبق لهذا الكلام فائدة.
الحجة السادسة: نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لايسع أحدا جهله، و تفسیر تعرفه العرب بألسنتها، و تفسیر تعلمه العلماء، و تفسير لا يعلمه إلا الله تعالى.
سئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، و الكيفية مجهولة، و الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. و قد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة، فإذا ضم ما ذكرناه هاهنا إلى ماذكرنا هناك، تم الكلام في هذه المسألة، و بالله التوفيق.
ثم قال تعالى: « وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »و فيه مسائل:
المسألة الأولى: الرسوخ في اللغة: الثبوت في الشيء. واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية، و عرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، فإذا رأى شيئا متشابها، و دل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى، علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره، و أن ذلك المراد حق، ولا يصير کون ظاهره مردودا شبهة في الطعن في صحة القرآن.
ثم حكي عنهم أيضا أنهم يقولون: «کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »، والمعنى: أن كل واحد من المحكم و المتشابه من عند ربنا. (191:7)
البيضاوي: «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ» أي الذين ثبتوا و تمكنوا فيه. و من وقف على «الا الله » فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، کمدة بقاء الدنيا، و وقت قيام الساعة، و خواص الأعداد کعدد الزبانية، أو بما دل القاطع على أن ظاهره غير مراد، ولم يدل على ما هو المراد. (149:1)
نحوه أبوالسعود. (1: 337)
النيسابوري:[ النحو الفخر الرازي و أضاف: ]
ثم إن جعل قوله «وَ الرّاسِخُونَ» عطفا على اسم «الله » فقوله: «یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ » کلام مستأنف موضح لحال الراسخين، بمعنى: هم يقولون آمنا بالمتشابه كل من عند ربنا، أي كل واحد من المحكم والمتشابه من عنده. و في زيادة «عند » مزید توضیح و تأکید و تفخیم لشأن القرآن.
ويحتمل أن يعود الضمير في «امنابه» إلى «الكتاب »، أي يقولون: آمنا بالكتاب كل من محکمه و متشابهه من عند الله الحكم الذي لا يتناقض كلامه و لا يختلف کتابه.
ويحتمل أن يكون قوله : «يقولون» حالا إلا أن فيه إشكالا، وهو أن ذا الحال هو الذي تقدم
ذکره، و هاهنا قد تقدم ذكر الله و ذکر الراسخين، والحال لا يمكن إلا من الراسخين،فيلزم ترك الظاهر.(130:3)
البروسوي: أي لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعباده الذين رسخوا في العلم، أي ثبتوا فيه و تمكنوا، أو فوضوا فيه لنص قاطع. و منهم من يقف على قوله : «الا الله »و يبتدئ بقوله: « وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ »، و يفسرون المتشابه بما استاثر الله بعلمه، و معرفة الحكمة فيه من آیاته، تعدد الزبانية في قوله: «عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ» المدثر: 30، و مدة بقاء الدنيا، و وقت قيام الساعة، و الصوم، وعدد الركعات في الصلوات الخمس؛ و الأول هو الوجه، فإن الله تعالى لم ينزل شيئا من القرآن إلا لينتفع به عباده، و یدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وهل يجوز أن يقال : إن رسول الله صلی الله علیه و آله لم يكن يعرف المتشابه، و إذا جاز أن يعرفه مع قوله تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تأويله إِلَّا اللهَ» جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته، و إن لم يعرفه النبي صلی الله علیه و آله وصحابته و العلماء الراسخون، وقالوا: علمه عند ربنا، لم يكن لهم فضل علی الجهال، لأنهم جميعا يقولون ذلك.
قالوا: و لم يزل المفسرون إلى يومنا هذا يفسرون و يؤولون كل آية، و لم نرهم وقفوا عن شيء من القرآن، فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل فسروا نحو حروف التهجي و غيرها. (5:2)
شبر: [نقل القولين في الآية و قال: ]
و أصحابنا على الأول: [ علم الراسخين بتأويل المتشابه]
(296:1)
الآلوسي: « وَ مایَعْلَمُ تَأْویلَهُ اِلَّا اللَّهُ وَالرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ» في موضع الحال من ضمير «يتبعون » باعتبار العلة الأخيرة، أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أن التأويل المطابق للواقع - كما يشعر به التعبير - بالعلم و الإضافة إلى الله تعالی مخصوص به سبحانه، و من وفقه عز شأنه من عباده الراسخين في العلم، أي الذين ثبتوا و تمكنوا فيه، ولم يتزلزلوا في مزال الأقدام و مداحض الأفهام دونهم؛ حيث إنهم بمعزل عن تلك الرتبة. هذا ما يقتضيه الظاهر في تفسير الراسخين. [ إلى أن قال: ]
والمراد بالعلم: العلم الشرعي المقتبس من مشكاة النبوة، فإن أهله هم الممدوحون.
«یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ » استئناف موضح الحال الراسخين، و لهذا فصل، و النحاة يقدرون له مبتدأ دائما، أي هم يقولون. وقد قيل: إنه لا حاجة إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك، فلينظر.
و جوز أن يكون حالا من الراسخين ، و الضمير المجرور راجع إلى المتشابه، و عدم التعرض لإيمانهم بالمحكم لظهوره. و إن رجع إلى «الكتاب » فله وجه أيضا، لأن ماله كل من أجزاء الكتاب أو جزئياته؛ و ذلك لا يخلو عن الأمرين. (83:3)
المراغي: للعلماء في تفسير هذه الآية رأيان:
1- رأي بعض السلف، و هو الوقوف على لفظ الجلالة، و جعل قوله: «وَالرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ»کلام مستأنف. و على هذا فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، و استدلوا على ذلك بأمور منها:
أ- أن الله ذم الذين يتبعون تأويله.
ب - أن قوله: «یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا » ظاهر في التسليم المحض الله تعالى، و من عرف الشيء و فهمه لا يعبر عنه مايدل على التسليم المحض. و هذا رأي كثير من الصحابة رضوان الله عليهم كأبي بن كعب و عائشة.
2-ویری بعض آخرون الوقف على لفظ « العلم» و يجعل قوله: «یَقُولُونَ آمَنّا »کلام مستأنف، و على هذا فالمتشابه يعلمه الراسخون. و إلى ذلك ذهب ابن عباس و جمهرة من الصحابة، و كان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم، أنا أعلم تأويله.
و ردوا على أدلة الأولين بأن الله تعالى انما ذم الذين يبتغون التأويل، بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة، و الراسخون في العلم ليسوا كذلك، فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه، فالله يفيض عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع فهم المحكم، و بأن قولهم:« آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »لا ينافي العلم، فإنهم لرسوخهم في العلم و وقوفهم على حق اليقين لا يضطربون، بل يؤمنون بهذا و ذاك، لأن كلا منهما من عند الله و ليس في هذا من عجب، فإن الجاهل في اضطراب دائم، والراسخ في العلم ثابت العقيدة لا تشتبه عليه المسالك.
و وجود المتشابه الذي يستأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة ضروري، لأن من مقاصد الدين الإخبار بأحوالها، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك، و هو من عالم الغيب نؤمن به کما نؤمن بالملائكة والجن. ولا يعلم تأويل ذلك أي حقيقة ما تؤول إليه هذه الألفاظ إلا الله، والراسخون في العلم و غيرهم في مثل هذا سواء، لأن الراسخين يعرفون ما يقع تحت حكم الحس و العقل، ولا يستشرفون بأنظارهم إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل من عالم الغيب؛ إذ هم يعلمون أنه لامجال لحسهم ولا لعقلهم فيه، إنما سبيله التسليم، فيقولون:« آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »، فالوقف في مثل هذا لازم على لفظ الجلالة «الله» .
أما النوع الأول من المتشابه، و هو الألفاظ التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها من صفاته تعالى و صفات أنبيائه، كقوله: «وَ کَلِمَتُهُ اَلقَیها اِلَی مَریَمَ وَ روحٌ مِنه» النساء: 171، فمثل هذا يمنع الدليل العقلي و الدليل النقلي حمله على ظاهره، و مثل هذا هو الذي يأتي فيه الخلاف في علم الراسخين بتأويله، فالذين نفوا عنهم علمهم به، جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتفويض والتسليم، هي تمييزهم بين الأمرين و إعطاء كل حكمه كما تقدم، والذين أثبتوا لهم علمه يردون ما تشابه ظاهره من صفات الله و أنبيائه إلى أم الكتاب و هو المحكم، و يأخذون منه ما يمكنهم من فهم
المتشابه.
وعلى هذا فتخصيص الراسخين بهذا العلم البيان أن غيرهم يمتنع عليه الخوض فيه، و لايجوز لهم التهجم عليه. (99:3)
ابن عاشور: المراد بالراسخين في العلم : الذين تمكنوا في علم الكتاب، و معرفة محامله، و قام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى؛ بحيث لا تروج عليهم الشبه. و الرسوخ في كلام العرب: الثبات والتمكن في المكان. يقال: رسخت القدم ترسخ رسوخا، إذا ثبتت عند المشي ولم تتزلزل. و استعير الرسوخ لكمال العقل و العلم؛ بحيث لا تضلله الشبه، ولا تتطرقه الأخطاء غالبا، وشاءت هذه الاستعارة حتى صارت کالحقيقة.
ف «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»:الثابتون فيه، العارفون بدقائقه، فهم يحسنون مواقع التأويل، و يعلمونه.
ولذا فقوله:«وَالرَّاسِخُونَ»معطوف علی اسم الجلالة. و في هذا العطف تشریف عظيم، كقوله: «شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِکَهُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ » آل عمران : 18، و إلى هذا التفسير مال ابن عباس، و مجاهد، والربيع بن سليمان، و القاسم بن محمد، والشافعية، و ابن فورك، والشيخ أحمد القرطبي، و ابن عطية.
وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر الله بعلمها، و يؤيد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة، و وصفهم بالرسوخ، فآذن بأن لهم مزية في فهم المتشابه، لأن المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام، ففي أي شيء رسوخهم. و حتی إمام الحرمين، عن ابن عباس: أنه قال في هاته الآية: «أنا من يعلم تأويله ».
و قيل: الوقف على قوله: «الا الله » و إن جملة «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» مستأنفة، و هذا مروي عن جمهور السلف، و هو قول ابن عمر، و عائشة، و ابن مسعود، و أبي، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية، و قاله عروة بن الزبير، والكسائي، و الأخفش و القراء، و الحنفية، و إليه مال فخر الدين.
و يؤيد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم، فإنه دليل بين على أن الحكم الذي أثبت لهذا الفريق، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضلات، و هو تأويل المتشابه. على أن أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل، فيكون «الراسخون» معطوفا على اسم الجلالة، فيدخلون في أنهم يعلمون تأويله. و لو كان «الراسخون» مبتدأ وجملة: «يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ » خبرا، لكان حاصل هذا الخبر مما يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة.
قال ابن عطية: «تسميتهم راسخين، تقتضي أنهم يعلمون أكثر من الحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، و في أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلمه الجميع؟ وما
الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة».
و ما ذكرناه و ذكره ابن عطية لا يعدو أن يكون ترجیحا لأحد التفسیرین، و ليس إبطالا لمقابله؛ إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقیم تأويله و ما لا مطمع في تأويله.
و في قوله:«وَما یَذَّکَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ» إشعار بأن الراسخين يعلمون تأويل المتشابه.
و احتج أصحاب الرأي الثاني، وهو رأي الوقف على اسم الجلالة، بأن الظاهر أن يكون جملة «والراسخون»مستأنفة لتكون معا لجملة: «فَاَمَّا الَّذينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ »، و التقدير : و أما الراسخون في العلم.
وأجاب التفتازاني بأن المعادل لا يلزم أن يكون مذکورا، بل قد يحذف لدلالة الكلام عليه. واحتجوا أيضا بقوله تعالى: « يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ». قال الفخر: لو كانوا عالمين بتأويله، لم يكن هذا الكلام فائدة؛ إذ الإيمان ما ظهر معناه أمر غیر غریب، و سنجيب عن هذا عند الكلام على هذه الجملة، و ذكر الفخر حججا أخر غير مستقيمة.
ولا يخفى أن أهل القول الأول لايثبتون متشابها غير ما خفي المراد منه، و أن خفاء المراد متفاوت، و أن أهل القول الثاني يثبتون متشابها استأثر الله بعلمه، و هو أيضا متفاوت، لأن منه ما يقبل تأویلات قريبة، و هو مما ينبغي ألايعد من المتشابه في اصطلاحهم. لكن صنيعهم في الإمساك عن تأویل آيات كثيرة سهل تأويلها مثل: «فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا »الطور : 48، دل على أنهم يسدون باب التأويل في المتشابه.
قال الشيخ ابن عطية: « إن تأويل ما يمكن تأويله لا يعلم تأويله على الاستيفاء إلا الله تعالى، فمن قال من العلماء الحذاق: بأن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، فإنما أراد هذا النوع، و خافوا أن يظن أحد أن الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال ». (24:3)
مغنية: قال بعض الناس: يجب الوقوف عند لفظ الجلالة. أما «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» فکلام مستأنف، والمعنى: أن الله قد استأثر وحده بعلم المتشابه دون العلماء الراسخين في العلم.
و يلاحظ على هذا القول بأن الله سبحانه حکیم لا يخاطب الناس بأشياء لا يفهمونها، ولا يريد أن يفهمونها ، كما سبق بيانه. والصحيح أن الراسخين في العلم معطوف على لفظ الجلالة، و أن المعنى: يعلم تأويل المتشابه الله و الراسخون في العلم. قال الإمام أمير المؤمنين علیه السلام: « ذاك القرآن الصامت، و أنا القرآن الناطق » و كان ابن عباس يقول: «أنا من الراسخين في العلم، أنا أعلم تأويله ».
و تجمل الإشارة إلى أن العالم الحق هوالذي يحجم عن القول من غير علم، بل من الرسوخ في العلم الإحجام عن القول من غير علم، و في الحديث: «الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ». ( 14:2)
الطباطبائي: هل يعلم تأويل القرآن غير الله
سبحانه؟
هذه المسألة أيضا من موارد الخلاف الشديد بين المفسرین و منشأه الخلاف الواقع بينهم في تفسير قوله تعالى: «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »الآية، و أن الواو هل هو للعطف أو لاستیناف؟
فذهب بعض القدماء والشافعية، و معظم المفسرين من الشيعة إلى أن الواو للعطف، وأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه من القرآن.
وذهب معظم القدماء و الحنفية من أهل السنة إلى أنه للاستئناف، وأنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، و هو ما استأثر الله سبحانه بعلمه.
وقد استدلت الطائفة الأولى على مذهبها بوجوه كثيرة و ببعض الروايات، و الطائفة الثانية بوجوه أخر وعدة من الروايات الواردة، في أن تأويل المتشابهات مما استأثر الله سبحانه بعلمه، و تمادت كل طائفة في مناقضة صاحبتها و المعارضة مع حججها.
والذي ينبغي أن يتنبه له الباحث في المقام، أن المسألة لم تخل عن الخلط والاشتباه، من أول ما دارت بينهم و وقعت موردا للبحث والتنقير، فاختلط رجوع المتشابه إلى المحكم. و بعبارة أخرى: المعنى المراد من المتشابه بتأويل الآية كما ينبئ به ما عنونا به المسألة و قررنا عليه الخلاف، و قول كل من الطرفين آنفا، ولذلك تركنا التعرض لنقل جج الطرفين، لعدم الجدوى في إثباتها أو نفيها، بعد ابتنائها على الخلط.
وأما الروايات فإنها مخالفة لظاهر الكتاب، فإن الروايات المثبتة، أعني الدالة على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل، فإنها أخذت التأويل مرادفا للمعنى المراد من لفظ المتشابه، ولا تأويل في القرآن بهذا المعنى، كما روي من طرق أهل السنة: أن النبي صلی الله علیه و آله دعا لابن عباس فقال: « اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل»، وما روي من قول ابن عباس: أنا من الراسخين في العلم، وأنا أعلم تأويله »، و من قوله: «إن المحكمات هي الآيات الناسخة و المتشابهات هي المنسوخة » فإن لازم هذه الروايات على ما فهموه أن يكون معنى الآية المحكمة تأويلا للآية المتشابهة، وهو الذي أشرنا إليه أن التأويل بهذا المعنى ليس موردا لنظرالایه.
وأما الروايات النافية، أعني الدالة على أن غيره لا يعلم تأويل المتشابهات، مثل ما روي أن ابن عباس كان يقرأ : ( وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم امنا به ) و كذلك كان يقرأ أي ابن کعب، و ما روي أن ابن مسعود كان يقرأ : ( وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون اما به ) ، فهذه لا تصلح لإثبات شيء: أما أو فلان هذه القراءات لاحجية فيها، وأما ثانيا فلأن غاية دلالتها أن الآية لاتدل على علم الراسخين في العلم بالتأويل، و عدم دلالة الآية عليه غير دلالتها
على عدمه، كما هو المدعي، فمن الممكن أن يدل عليه دليل آخر.
و مثل ما في «الدر المنثور » عن الطبراني عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلی الله علیه و آله يقول: «لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خصال: أن يكثرلهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، و أن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله: « وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَ ما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ»، وأن يكثر علمهم فيضیعونه ولا يبالون به »، وهذا الحديث على تقدير دلالته على النفي، لا يدل إلا على نفيه عن مطلق المؤمن لاعن خصوص الراسخين في العلم، و لا ينفع المستدل إلا الثاني.
و مثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم و الإيمان بالمتشابه، و عدم دلالتها على التفي، مما لايرتاب فيه.
و مثل ما في تفسير الآلوسي عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: «أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال و حرام لا يعذر أحد بجهالته، و تفسیر تفسره العلماء، و متشابه لا يعلمه إلا الله، و من ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب ».
والحديث مع كونه مرفوعا و معارضا بما نقل عنه من دعوة الرسول له وادعائه العلم به لنفسه، مخالف لظاهر القرآن: أن التأويل غير المعنى المراد بالمتشابه، على ما عرفت فيما مر.
والذي ينبغي أن يقال: إن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى، و أما هذه الآية فلادلالة لها على ذلك.
أما الجهة الثانية فلما مر في البيان السابق، أن الآية بقرينة صدرها و ذيلها وما تتلوها من الآيات، إنما هي في مقام بیان انقسام الكتاب إلى المحكم و المتشابه، و تفرق الناس في الأخذ بها، فهم بين مائل إلى اتباع المتشابه لزيغ في قلبه، و ثابت على اتباع المحكم، والإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه، فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بیان حالهم، و طريقتهم في الأخذ بالقرآن، ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم و ذمهم. و الزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلا وجوه غير تامة، تقدمت الإشارة إليها، فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: «وَمَا يَعْلَمُ تأويله إِلَّا اللهَ » من غير ناقض ينقضه من عطف و استثناء و غير ذلك، فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى، و اختصاصه به.
لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل، يدل على علم غيره تعالی به بإذنه كما في نظائره، مثل العلم بالغيب، قال تعالى:«قُلْ لا یَعْلَمُ مَنْ فِی السّمَواتِ وَالأرْضِ الٌغَیْبَ إلاّ اللّه » النمل: 65، و قال تعالى: «إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ» یونس : 20، وقال تعالى: «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ» الأنعام : 59 فدل جميع ذلك على الحصر، ثم قال تعالى:
«عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً *إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ»الجن :26، 27، فأثبت ذلك البعض من هو غيره، و هو من ارتضی من رسول، و لذلك نظائر في القرآن.
وأما الجهه الأولى، وهي أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى في الجملة، فبيانه أن الآيات - كما عرفت - تدل على أن تأويل الآية أمر خارجي، نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثل إلى المثل، فهو وإن لم يكن مد لولا للآية بما لها من الدلالة، لكنه محكي لها محفوظ فيها نوعا من الحكاية والحفظ، نظير قولك: « في الصيف ضيعت اللبن » لمن أراد أمرا قد فوت أسبابه من قبل، فإن المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل و هو تضييع المرأة اللبن في الصيف، لا ينطبق شيء منه على المورد، و هو مع ذلك ممثل لحال المخاطب حافظ له، يصوره في الذهن بصورة مضمنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمد لوله.
كذلك أمر التأويل، فالحقيقة الخارجية التي توجب تشریع حكم من الأحكام، أو بيان معرفة من المعارف الإلهية، أو وقوع حادثة هي مضمون قصة من القصص القرآنية، و إن لم تكن أمرا یدل عليه بالمطابقة نفس الأمر و النهي، أو البيان أو الواقعة الكذائية، إلا أن الحكم أو البيان أو الحادثة لما كان كل منها ينتشي منها و يظهر بها، فهو أثرها الحاکي لها بنحو من الحكاية و الإشارة، كما أن قول السيد الخادمه: «اسقني» ينتشي عن اقتضاء الطبيعة الإنسانية لكمالها، فإن هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود و البقاء، وهو يقتضي بدل ما يتحلل من البدن، وهو يقتضي الغذاء اللازم، و هو يقتضي الري، وهو يقتضي الأمر بالسقي مثلا. فتأويل قوله: « اسقني » هو ماعليه الطبيعة الخارجية الإنسانية، من اقتضاء الكمال في وجوده و بقائه.
و لو تبدلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شيء آخریباين الأول مثلا، لتبدل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر، و كذا الفعل الذي يعرف فيفعل، أو ينكر فيجتنب في واحد من المجتمعات الإنسانية على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم، إنما يرتضع من ثدي الحسن و القبح الذي عندهم، و هو يستند إلى مجموعة متحدة متفقة من علل زمانية و مكانية، و سوابق عادات و رسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممن سبقه و تکر المشاهدة ممن شاهده من أهل منطقته. فهذه العلة المؤتلفة الأجزاء، هي تأويل فعله أو ترکه، من غير أن تكون عين فعله أو ترکه، لكنها محكية مضمنة محفوظة بالفعل أو الترك، و لو فرض تبدل المحيط الاجتماعي، لتبدل ما أتی به من الفعل أو الترك.
فالأمر الذي له التأويل سواء كان حكما أو قصة أو حادثه يتغير بتغير التأويل لامحالة ولذلك ترى أنه تعالى في قوله: « فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ» الآية، لما ذكر اتباع أهل
الزيغ، ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاء للفتنة، ذكر أنهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له، و ليس إلا لأن التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي، لكان اتباعهم للمتشابه اتباعا حقا مذموم، و تبدل الأمر الذي يدل عليه المحكم، وهو المراد من المتشابه، إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه و اتبعوه.
فقد تبين أن تأويل القرآن حقائق خارجية تستند إليه آيات القرآن في معارفها و شرائعها، وسائر ما بينته بحيث لو فرض تغير شيء من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين.
وإذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى: « الْكِتَابَ الْمُبَيَّنَإِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِیًّا لَعَلَّکُمْ تَعْقِلُونَ وَ إِنَّهُ فِی أُمِّ الْکِتابِ لَدَیْنا لَعَلِیٌّ حَکِیمٌ »الزخرف : 2 - 4، فإنه يدل على أن القرآن التنازل كان عند الله أمرا أعلى و أحكم من أن يناله العقول، أو يعرضه التقطع والتفصل، لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقررا وألبسه لباس العربية، لعلهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله و معرفته، مادام في أم الكتاب، و أم الكتاب هذا هو المدلول عليه بقوله: «یَمْحُواْ اللهُ مَا یَشَآءُ وَیُثْبِتُ وَ عِندَهُ أُمُّ الْکتَابِ» الرعد : 39 و بقوله:«بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ* فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ»البروج : 21، 22.
ويدل على إجمال مضمون الآية أيضا قوله تعالى: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » هود : 1، فالإحكام كونه عند الله بحيث لا ثلمة فيه و لافصل، والتفصيل هو جعله فصلا فصلا و آية آية، و تنزيله على النبي صلی الله علیه و آله.
ويدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى: «وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَی النَّاسِ عَلَی مُکْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِیلاً » الإسراء: 106، فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق ونزل تنزيلا، و أوحي نجوما.
و ليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور، على الحال الذي هو عليه الآن عندنا، كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا، ثم فرق و أنزل على التي نجوما، ليقرأه على الناس على مکث، كما يفرقه المعلم المقرئ منا قطعات، ثم يعلمه ويقرئه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه.
وذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي، وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقا بينا، وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآيه على النبي صلی الله علیه و اله ولاشيء من ذلك، و لاما يشبهه في تعلم المتعلم، فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة، يمكن أن تجمع و ينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد، و لا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى : «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ » المائدة : 13، وقوله تعالى: «قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ »التوبة : 123، وقوله تعالى: «قَدْ سَمِعَ اَللّهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها» المجادلة:1، وقوله تعالى: «خُذْ مِنْ
أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً»التوبة : 103، و نحو ذلك، فيلغي سبب النزول و زمانها، ثم يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حياة النبي صلی الله علیه و آله ، فالمراد بالقرآن في قوله: « وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ »الإسراء : 106، غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة.
و بالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة، أن وراء ما نقرأه و نعقله من القرآن أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد، و المتمثل من المثال، وهو الذي يسميه تعالى ب «الكتاب الحكيم »، وهو الذي تعتمد و تتكئ عليه معارف القرآن المنزل و مضامینه، و ليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة، ولا المعاني المدلول عليها بها.وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه، لانطباق أوصافه و نعوته عليه، و بذلك يظهر حقيقة معنى التأويل، و يظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسه الأفهام العادية، و النفوس غير المطهرة.
ثم إنه تعالى قال: « إِنَّهُ لَقُرْآنٌ کَرِیمٌ * فِی کِتابٍ مَکْنُونٍ * لا یَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ» الواقعة :77 - 79، و لا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد الله، هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون، و المحفوظ عن التغير، و من التغير تصرف الأذهان بالورود عليه والصدور منه. و ليس هذا المس إلا نيل الفهم والعلم.
ومن المعلوم أيضا أن الكتاب المكنون هذا هو أم الكتاب المدلول عليه بقوله: « یَمْحُواْ اللهُ مَا یَشَآءُ وَیُثْبِتُ وَ عِندَهُ أُمُّ الْکتَابِ »الرعد: 39، و هو المذكور في قوله: «وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ » الزخرف : 4.
وهؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم و ليس ينزلها إلا الله سبحانه، فإنه تعالى لم يذكرها إلا كذلك، أي منسوبة إلى نفسه، كقوله تعالى: «إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا » الأحزاب : 33، و قوله تعالى: «وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ» المائدة : 6.
وما في القرآن شيء من الطهارة المعنوية إلا منسوبة إلى الله أو بإذنه، و ليست الطهارة إلا زوال الرجس من القلب، و ليس القلب من الإنسان إلا ما يدرك به ویرید به، فطهارة القلب طهارة نفس الإنسان في اعتقادها و إرادتها، و زوال الرجس عن هاتين الجهتين. و يرجع إلى ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة، من غير ميلان إلى الشك و نوسان بين الحق والباطل، و ثباته على لوازم ما علمه من الحق، من غير تمائل إلى اتباع الهوى، و نقض میثاق العلم.
وهذا هو الرسوخ في العلم، فإن الله سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلا بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا، غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة، فقد ظهر أن هؤلاء المطهرین راسخون في العلم هذا.
و لكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان، فإن المقدار الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل، و لازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين في علومهم، لما أن تطهير قلوبهم منسوب
إلى الله، وهو تعالی سبب غير مغلوب، لا أن الراسخين في العلم يعلمونه بما أنهم راسخون في العلم، أي إن الرسوخ في العلم سبب للعلم بالتأويل، فإن الآية لا تثبت ذلك بل ربما لاح من سياقها جهلهم بالتأويل؛ حيث قال تعالى: « يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا»الآية، وقد وصف الله تعالى رجالا من أهل الكتاب برسوخ العلم، ومدحهم بذلك و شكرهم على الإيمان و العمل الصالح في قوله: «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ»النساء : 162، و لم يثبت مع ذلك كونهم عالمين بتأويل الكتاب.
و كذلك إن الآية، أعني قوله تعالى: «لایَمَسُّهُ الاَّ المُطَهَّرُون» الواقعة : 79، لم تثبت للمطهرين إلا مس الكتاب في الجملة، و أما أنهم يعلمون كل التأويل ولا يجهلون شيئا منه ولا في وقت، فهي ساكتة عن ذلك، و لو ثبت لثبت بدلیل منفصل. (49:3)
المصطفوي: أي ما يعلم تأويل ما تشابه من الكتاب إلا الله و من هو متمكن و مستقر في منزل العلم و اليقين، و هو يدرك الحقائق و المعارف الإلهية بنور الإيمان و شهود القلب، فلا يشتبه عليه ما بعد عن أفهام الناس و عن أبصارهم.
نعم إنهم قد توغلوا في بحر المعرفة، و شربوا من عين يشرب بها المقربون، و ارتفع عنهم حجب الجهل والتردید، و هم ينظرون بنور الله.
و نتيجة الرسوخ هو الإيمان و الاطمئنان، والإيمان الحقيقي هو الشهود، فإذا شهدوا و أبصروا الحقائق فيما تشابه على الناس، فيقولون: هذا هو الحق آمنا به و نحن به من الشاهدين، راجع «الشبه».
فكلمة «الراسخون»: عطف على«الله » ، و جملة «يقولون» حالية. ولا يجوز أن يكون كلمة «الراسخون»مبتدأ، فإن إظهار الإيمان منهم من دون علم بالتأويل لا امتیاز فيه، و النظر في المورد إلى العلم بالتأويل، لا الإيمان المطلق.
فظهر أن تأويل الكلمات و الآيات المشتبهة من دون حصول رسوخ في العلم و اليقين خطأ صرف، و انحراف و ضلال و ابتغاء الفتنة، و إعمال لما في نفوسهم من المشتهيات النفسانية والأوهام الباطلة.
نعوذ بالله العزيز من زيغ القلوب و غواية النفوس و الضلال.(120:4)
مکارم الشيرازي: من هم الراسخون في العلم؟
هذا التعبير القرآني ورد في موضعين. هذا أحدهما، والآخر في سورة النساء، إذ يقول: «لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» النساء : 162.
وبحسب المعنى اللغوي لهذه الكلمة، فإنها تعني الذين لهم قدم ثابتة في العلم و المعرفة.
طبيعي أن يكون معنى الكلمة واسعا، يضم جميع العلماء والمفكرين، إلا أن بين هؤلاء أفرادا متميزين لهم مكانتهم الخاصة، وهم يأتون علی
رأس مصادیق الراسخين في العلم، و تنصرف إليهم الأذهان عند استعمال هذه الكلمة قبل غيرهم.
وهذا هو الذي تقول به بعض الأحاديث التي تفسر الراسخين في العلم بأنهم النبي صلی الله علیه و آله و أئمة الهدی علیه السلام ، فقد سبق أن قلنا: إن لكلمات القرآن و مفاهيمه معاني واسعة، و من مصاديقها البارزة الشخصيات التموذجية السامية التي تذكر أحيانا وحدها في تفسيرتلك الكلمات و المفاهيم. [و ذکر رواية أبي جعفر عليه السلام ثم قال: ]
و كما قلنا: فإن تفسير «الراسخين بالعلم » بأنهم النبي صلی الله علیه و آله و أئمة الهدى علیه السلام يتعارض مع المفهوم الواسع الذي يشمله هذا التعبير، فقد نقل عن ابن عباس أنه قال: «أنا أيضا من الراسخين في العلم »، إلا أن كل امرئ يتعرف على أسرار تأویل آیات القرآن بقدر سعته العلمية، فالذين يصدرون في علمهم عن علم الله اللامتناهي، لاشك أنهم أعلم بأسرار تأويل القرآن، بينما الآخرون يعلمون جزء من تلك الأسرار.
ثمة نقاش هام يدور بين المفسرين و العلماء حول ما إذا كانت عبارة « وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»بداية جملة مستقلة، أم أنها معطوفة على «الا الله» ، و بعبارة أخرى: هل أن معنى الآية و أنه: «وَمَا يَعْلَمُ تأويله إِلَّا اللهَ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»؟ أم أنه «وَما یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلاَّ اللّهُ » «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا»؟
إن لكل فريق من مؤيدي هذين الاتجاهين أدلته و براهینه و شواهده: أما القرائن الموجودة في الآية والأحاديث المشهورة المنسجمة معها، فتقول: إن «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ» معطوفة على «الله» ، وذلك:
أولا: يستبعد كثيرا أن تكون في القرآن آیات لا يعلم أسرارها إلا الله وحده، ألم تنزل هذه الآيات الهداية البشر و تربيتهم؟ فكيف يمكن أن لايعلم بمعانيها و تأويلها حتى النبي الذي نزلت عليه؟ هذا أشبه بمن يؤلف كتابا لايفهم معاني بعض أجزائه سواه! .
و ثانيا: كما يقول المرحوم الطبرسي في « مجمع البيان »: لم يسبق أن رأينا بين علماء الإسلام و المفسرين من يمتنع عن تفسير آية، بحجة أنها من الآيات التي لا يعرف معناها سوى الله، بل كانوا جميعا يجدون و يجتهدون لكشف أسرار القرآن ومعانيه.
و ثالثا: إذا كان القصد هو أن الراسخين في العلم يسلمون لما لا يعرفونه، لكان الأولى أن يقال: والراسخون في الإيمان يقولون: آمنا به، لأن الرسوخ في العلم يتناسب مع العلم بتأويل القرآن، ولا يتناسب مع عدم العلم به و التسليم له.
و رابعا: أن الأحاديث الكثيرة التي تفسر هذه الآية تؤكد كلها أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، و عليه فيجب أن تكون معطوفة على والله. الشيء الوحيد الباقي هو إن « خطبة الأشباح » للإمام علي علیه السلام في « نهج البلاغة » يستفاد منها أن
الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل الآيات، و يعترفون بعجزهم:
واعلم أن الراسخين في العلم، هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب».
و لكن فضلا عن كون هذه العبارة تناقض بعض الأحاديث المنقولة عنه عالسلام التي قال فيها: إن الراسخين في العلم معطوفة على الله، و إنهم عالمون بتأويل القرآن، فإنها لا تنسجم أيضا مع الأدلة التي سبق ذكرها. و عليه فيلزم تفسير هذه الجملة من «خطبة الأشباح » بما يتفق والأسانيد الأخرى التي بين أيدينا. [ إلى أن قال:]
يكون الرسوخ في العلم سببا في أن يزداد الإنسان معرفة بأسرار القرآن. ولا شك أن الذين رسخوا في العلم أكثر من غيرهم - كالنبي صلی الله علیه و آله و أئمة الهدى - يعلمون جميع أسرار القرآن، بينما الآخرون يعلمون منها كل بقدر سعة علمه. وهذه الحقيقة هي التي تدفع الناس، و حتى العلماء منهم، للبحث عن المعلمين الإلهيين، ليتعلموا منهم أسرار القرآن.(2: 292)
فضل الله: نموذج الراسخين في العلم
أما «الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ» ، هؤلاء الذين أعطاهم الله الرؤية الواضحة للأشياء، فإن شأنهم شأن العلماء الذين لا يصدرون حکما في موضوع إلا بعد التدبر والتأمل و البحث و التدقيق في جميع وجوهه، الأمر الذي يجعلهم يقارنون بين مفهوم و آخر، و بين نص هنا و نص هناك، مما قد يوحي بالتنافي و التنافر، فيحاولون الجمع بينهما من خلال اكتشاف الحقائق الأساسية الواضحة، و إرجاع كل الأمور و النصوص الأخرى إليها، في عملية تفسير اللفظ على الأسس الفتية للكلام؛ بحيث لا تبتعد عن القواعد العربية، ولا تنحرف عن المفهوم السائد في فهم المعنى من اللفظ.
و بذلك لا يكون التأويل حملا للفظ على خلاف ظاهره، بالطريقة التي تحول الكلام إلى ما يشبه الأدب الرمزي الذي لا يكون اللفظ فيه قالبا للمعنى، بل يكون التأويل إرجاعا للفظ إلى معناه، في ما يزعمه هؤلاء من تأويلات الباطل عندما يرجعونه إلى معانيه الباطلة، أو في ما توحي به الآيات الأخرى الواضحة الدلالة في ما تقرره من حقائق العقيدة و الحياة، و ما يكتشفه «الراسخون في العلم» من معناه الذي علمهم الله إياه. و بهذا يقترب من معنى التفسير الذي يضع اللفظ في موقعه؛ من حيث دلالته على المعنى الذي لا يختلف مع المعنى الآخر الحقيقي.
و نستطيع من خلال ذلك أن نعرف عطف كلمة «الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ»، على كلمة «الله»خلافا لمن قال: بأن الواو استئنافية، و اعتبار کلمة «الراسخون» بداية لجملة جديدة مفصولة عن الجملة الأولى، مع التزامه بأن حصر علم التأويل بالله لا يعني عدم مشاركة الراسخين له في ذلك، من
خلال تعليمهم إياه من عنده، تماما كما هوعلم الغيب الذي اختص به الله سبحانه، و لكنه أعطاه لمن ارتضی من رسول في ما خصه به من علم.
إننا نعتقد أن ورود كلمة «الراسخين في العلم » بالإضافة إلى جوالآية، يوحي بما قلناه، و ذلك لأن هذه الصفة لادور لها إذا لم يكن للراسخين في العلم من دور إلا الإعلان بأن المحكم و المتشابه من عند الله تعالى، بل هو منطلق من خلال صفة الإيمان التي تعني التسليم بكل ما جاء به الله. أما إذا كانت معطوفة على كلمة «الله »بحيث تدل على أنهم يعلمون تأويل القرآن في ما تشابه من آیاته، فإنها توحي بأن رسوخهم في العلم جعلهم يتدبرون القرآن، فيفهمون التناسب بين آياته في ما تمثله من حقائق العقيدة و الحياة، وبذلك لا يجدون في آية واحدة منها ما يبتعد عن المعنى الذي توحيه الأخرى، و بهذا يكون للإيمان بانها - جميعا - من عند الله، معنی مناسب للتدقيق في معرفة طبيعة المعني هنا وهناك.
إن هذا الإيمان، إذا لم يكن ممثلا لقناعة صاحبه، فلايفرض ضرورة للجمع بين النصوص، فيمكن في حالة اختلاف المصدر، أن يكون المعني هنا يختلف عن المعني هناك. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن القرآن قدجاء هدى للناس، يفتح قلوبهم على المعرفة الحقة التي يريدها الله للحياة، فلابد من أن يكون - بطبيعته - هادیا للوصول إلى الحقيقة؛ بحيث يكون أساسا للحجة والبرهان على الحق من دون حاجة إلى وسائل غير عادية.
و هذا مما لا يتناسب مع اختصاص العلم بالله، ليكون حاله حال العلم بالغيب الذي لا يستطيع الإنسان أن يصل إليه إلا من قبل الله، فلايملك أية وسيلة ذاتية إليه. و هذا لا يتناسب مع طبيعة القرآن و دوره في هداية الناس إلى التصور الصحيح في ما يريد الله لهم أن يؤمنوا به أو يرفضوه.
و ربما كان في الدعاء الذي يعيش في أعماق هؤلاء الراسخين في العلم، دلالة على ذلك، فإنه يوحي بالحالة النفسية التي يعيشها العالم الذي يعمل على اكتشاف حقيقة مقدسة تتصل بوحي الله، فهو يشعر بحركة الفكر من خلال المسؤولية في جو مليء بالرهبة و الخوف من الوقوع في الخطإ من حيث لا یرید، انطلاقا من حالة ذاتية لاشعورية تقوده إلى الخطإ من موقع الصواب، فهو - في هذه الحالة - يبتهل إلى الله أن يعصمه من حالات الزیغ و الانحراف، بأن يلهمه الفهم الواعي المسؤول و يهب له الرحمة التي تفتح قلبه على الحق والخير، و تجنبه الوقوع في قبضة الشر والباطل. ثم يتصاعد الشعور في نفسه أمام المشهد الرهيب الذي يجمع الله فيه الناس ليوم لاریب فيه، فإن الله قد وعد عباده بذلك و هو لا يخلف الميعاد. [ إلى أن قال: ]
وفي ضوء ذلك يكون المقصود من تأويل هؤلاء الذين في قلوبهم مرض، هو إرجاع الأمور إلى غير حقيقتها، و تحويلها عن مصادرها الحقيقية في النفس وفي الواقع، و تحريف النص عن مساره الطبيعي في
الإنسان و الحياة.
و بما ذكرناه من تفسير التأويل، يتضح صحة ما أشرنا إليه سابقا من أن «الواو» في قوله تعالى: «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ» للعطف - كما هو الأصل فيها - لا للاستئناف، كما ذهب إليه جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة و ابن عمر؛ حيث كان رأيهم الوقوف على لفظ الجلالة، و أما «وَ الرّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ»فکلام مستأنف،«یَقُولُونَ آمَنّا بِهِ»، لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق لله تعالى، و العارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض.
وقد جاء في رواية ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلی الله علیه و آله قال: «إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، و لكن نزل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم به فاعملوا به، و ما تشابه عليكم فآمنوا به »، مما قد يوحي بأن المتشابه مما لا يفهمه الناس، فقد استأثر الله بعلمه.
وقفة مع صاحب الميزان:
وقد وافقهم في هذا الرأي صاحب تفسير الميزان، الذي يرى أن المعنى في الآية: «أن الناس في الأخذ بالكتاب قسمان: فمنهم من يتبع ما تشابه منه و منهم من يقول: إذا تشابه عليه شيء منه: « آمَنّا بِهِ کُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »، و إنما اختلفا لاختلافهم، من جهة زيغ القلب و رسوخ العلم »
و لكننا نلاحظ على كلامه - بالإضافة إلى ما قدمناه في صدر تفسير الآية أن الإشكال علی حديثه عن سياق الآية جاء على تقسيم الناس من الكتاب إلى جماعة تتبع المتشابه، لاستغلاله في غير الحق، من خلال زيغ قلوبهم و انحرافهم عن خط الاستقامة، و جماعة ثابتة على اتباع المحكم و الإتيان بالمتشابه لرسوخ في علمهم، و يستفاد من الآية - كما ذكرنا ذلك - أن القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم: بیان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن، و مدحهم فيه قبال ماذكر من حال الزائغين وطريقتهم و ذمهم، و الزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك.
و لكنه لا یمانع من أن الراسخين في العلم قد يعلمون معنى المتشابه على طريقة الاستثناء من القاعدة، فإن «العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه تعالى، و لا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه، كما أن الآيات دالة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه، كما في قوله تعالى : «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدا * إلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ»الجن: 26، 27، و لا ينافيه أيضا کون المستثنى «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ»بعينهم؛ إذ لا منافاة بين أن تدل هذه الآية على شأن من شؤون الراسخين في العلم، وهو الوقوف عند الشبهة والتسليم في مقابل الزائغين قلبا، و بين أن تدل آيات أخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن و تأويل آياته »
و خلاصة الإشکال: أن السياق في هذه الآية
يتحرك في دائرة الحديث عن الكتاب و انقسام الناس حوله، كما ذكر - و لكن الظاهر أنها - في مقام بيان الموقف منه - تؤكد أن هناك من لا يؤمن بالكتاب و يحاول إضلال الناس البسطاء، باستغلال المتشابه من أجل فتنتهم عن دينهم، و تأويله لمصلحة عقائدهم الباطلة، من دون أن یملکوا علم ذلك، لأنهم لم ينفتحوا عليه انفتاح المؤمن على كتابه المقدس، ليتدبروا آياته ويرجعوا بها إلى معانيها في الواقع من خلال مصادر العلم لديهم، و منها وحي الله و إلهامه في تفسير آياته، فهم لايجدون أية ضرورة أو أي حافز لذلك، «وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» فإنهم انطلقوا في إيمانهم من خلال معرفتهم بالله و بكتابه، ولذلك فإنهم يواجهون المتشابه من موقع إيمانهم بأن الكتاب من عند الله، في محکمه و متشابهه، فلا تختلف آیاته، ولا تتنافر معانيه، مما يجعل بعضه يفسر البعض الآخر. و لذلك فإنهم يستخدمون علمهم من أجل أن يؤكدوا إيمانهم و إيمان الناس به، فيعلنونه في موقع حاسم لا مجال للشك فيه، ليقولوا: آمنا به كل من عند ربنا الذي جعل المحكم، الذي هو أم الكتاب و مصدره و مرجعه، دليلا على المتشابه، و جعلهما معا نورا و هدى للناس، فليست مسألة تسليم إيماني مجرد، بل هو تسليم عقلي واع
في الإيمان، و لذلك ضم المحكم إلى المتشابه، مع أن الإيمان به كان منطلقا من حالة وعي لامن حالة تسليم أعمى، مما يؤكد هذا الوجه الذي نرتأيه، و يذهب إليه جمهرة من الصحابة، كابن عباس و بعض القدماء، والشافعية، و معظم المفسرين من الشيعة.
إن اعتبار التأويل في الآية مختصا بالله، لا يتناسب مع تفسير العلامة الطباطبائي للمتشابه بأنه « کون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها، بل يتردد بین معنی و معنى، حتى يرجع محکمات الكتاب، فتعين هي معناها و بينها بيانا، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها ». فإذا كان المتشابه في القرآن كله - محكما واضحا ببركة المحكم، فكيف يكون مما اختص الله بعلمه، كعلم الغيب، فإن الغيب مما استأثر الله بعلمه، فلاطريق إليه إلا من خلاله. أما المتشابه، فيمكن للراسخين في العلم أن يعرفوه، من خلال رده إلى المحكم الذي يملكون علمه.
وقد ذكر الطبرسي صاحب «مجمع البيان » تأييدا للقول بالعطف: أن الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير آي القرآن، ولم نرهم توقفوا على شيء منه ولم يفسروه، بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله.
وقد ذكر صاحب « الميزان » أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه، غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة.
و لكن يلاحظ على ذلك، أن ذكر التأويل السلبي لدى الذين في قلوبهم مرض، إلى جانب الحديث عن المتشابه، و استغلالهم التشابه الذي قد
يحتمل معني آخر، بالإضافة إلى ذكر المحكمات اللاتي هن أم الكتاب، باعتبارها القاعدة التي يرجع إليها كل ما في الكتاب حتى المتشابه، إن هذا يوحي بأن تأويل الآية يتصل بإرجاعها إلى معناها الحقيقي الذي قد يتمثل بالمقارنة بينها وبين الآيات المحكمة التي تصرف اللفظ عن ظاهره الأولي، ليتخذ النفسه ظهورا ثانويا في معناه المجازي الوارد على سبيل الاستعارة. وهذا ما يظهر من الروايات الواردة في أسباب النزول، من محاولة النصاری تأويل الآيات النازلة في عيسى لمصلحة عقائدهم، أو محاولة المجسمة حمل الآيات الظاهرة بدؤا في التجسيم، على ما يعتقدونه، بعيدا عن المقارنة بالآيات الأخرى.
وخلاصة الملاحظة: أن التأويل الحق الذي يعلمه الله والراسخون في العلم، هو في سياق التأويل الذي حاول الذين في قلوبهم مرض الاستفادة منه لمصلحة عقائدهم، من حيث حمل اللفظ عليه. أما علاقة ذلك بالواقع، فمن جهة أن الواقع يدل على صدق الآية في معناها عندما يكون الحديث عن قضايا خفية أو مستقبلية. (5 : 220 -238)
الراسخون في العلم
«وَمَا یَعْلَمُ تَأوِیلَهُ إلا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی العِلْمِ» المراد بهم الذين يملكون رسوخا في العلم، بالمستوى الذي يستطيعون بها أن يفهموا كتاب الله و دینه و شريعته، و حقائق الحياة الدالة على وجوده و توحيده، و حركة الحكمة في تجربتهم العملية في الحياة، وقد ورد هذا التعبير في آية أخرى و هي قوله تعالى: « لکِنِ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ یُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَیْکَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِکَ»النساء : 162.
و إذا كانت بعض الأحاديث قد تحدثت عن النبي محمد صلی الله علیه و آله ، و الأئمة علیهم السلام فإن ذلك وارد علی سبيل أنهم أفضل المصادیق، لأن علم النبي صلی الله علیه و آله مستمد من وحي الله و إلهامه، كما أن علمهم مستمد من علم النبي صلی الله علیه و آله. وقد جاء في حديث النبي محمد صلی الله علیه و آله: « أنا مدينة العلم و علي بابها»، و في حديث الإمام علي علیه السلام قال: « علمني ألف باب من العلم، فتح لي كل باب ألف باب »
وقال الإمام جعفر الصادق علیه السلام في ما روي عنه ما مضمونه: «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، و حدیث جدي حديث الحسين، و حدیث الحسين حديث الحسن، و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين و حديث أمير المؤمنین حدیث رسول الله صلی الله علیه و آله و حديث رسول الله صلی الله علیه و آله قول الله عز و جل» .
وهؤلاء هم الصفوة العليا من الراسخين في العلم، و ممن أخذوا من العلم بقدر واسع « يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ » أي بالقرآن محکمه و متشابهه «كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا» فقد أنزل الله هذا القرآن، ليكون هدی للناس في عقائدهم و أعمالهم و مواقفهم . فإذا كان هناك بعض الغموض والتردد بين المعاني، فإن
المحكم في كتاب الله يرده إليه و يوضح معناه حتی لايبقى فيه أي التباس، لتتوحد الآيات كلها في المعنى القرآني الذي يجسد في مضمونه الحقيقة الإسلامية الأصيلة. (240:5)
2 - «لکِنِ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ یُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَیْکَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِکَ... »النساء: 162
ابن عباس: البالغون. (85)
الطبري: هم الذين قد رسخوا في العلم بأحکام الله التي جاءت بها أنبياؤه، و أتقنوا ذلك، و عرفوا حقيقته. و قد بينا معنى الرسوخ في العلم، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. (363:4)
نحوه الطوسي. (389:3)
الزمخشري: يريد من آمن منهم كعبد الله بن سلام و أضرابه. و« الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ »: الثابتون فيه، المتقنون المستبصرون. (581:1)
ابن عطية: الراسخين في علم التوراة الذين قد تحققوا أمر محمد صلی الله علیه و آله و علاماته، وهم عبدالله بن سلام، و مخیریق، و من جرى مجراهما. (2: 135)
الفخر الرازي: اعلم أن المراد من ذلك: عبد الله بن سلام و أصحابه الراسخون في العلم الثابتون فيه، و هم في الحقيقة المستدلون، بأن المقلد يكون بحيث إذا شكك يشك، و أما المستدل فإنه لا يتشكك ألبتة، فالراسخون هم المستدلون. (105:11)
أبوالسعود: استدراك من قوله تعالى: « و اعتدنا...»و بیان لکون بعضهم على خلاف حالهم عاجلا و آجلا، أي لكن الثابتون في العلم منهم المتقنون المستبصرون فيه غير التابعين للظن، كأولئك الجهلة، والمراد بهم: عبد الله بن سلام وأصحابه. (219:2)
ابن عاشور: و الاستدراك بقوله : « لکِنِ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ.. » ناشئ على ما يوهمه الكلام السابق، ابتداء من قوله: «یَسْئَلُکَ أَهْلُ الْکِتابِ » النساء : 153، من توغلهم في الضلالة حتى لايرجي لأحد منهم خير و صلاح، فاستدرك بأن الراسخين في العلم منهم ليسوا كما توهم ، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد الله بن سلام و مخيريق.
والراسخ حقيقته: الثابت القدم في المشي، لا يتزلزل، و استعير للتمكن من الوصف مثل العلم؛ بحيث لا تغره الشبه. و قد تقدم عند قوله تعالى: «وَمَا یَعْلَمُ تَأوِیلَهُ إلا اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی العِلْمِ» في سورة آل عمران : 7، والراسخ في العلم بعيد عن التكلف و عن التعنت، فليس بينه و بين الحق حاجب، فهم يعرفون دلائل صدق الأنبياء، ولا يسألونهم خوارق العادات. (312:4)
المصطفوي: أي الذين تمكنوا في العلم و استقروا في مرحلة اليقين، و ثبتوا ثبوتا تاما؛ بحيث نفذوا في مقر العلم.
ولا يخفى أن المراد من العلم هنا: هو معناه اللغوي و الحقيقي و هو اليقين في مقابل الشك
و الظن و الوهم، فيراد: الذين وصلوا إلى اليقين في عقائدهم يقينا بنور البصيرة، و علما بشهود القلب السليم. و هذا هو حقيقة الإيمان. و أما العلوم الاكتسابية المرسومة الاستدلالية، فلا تزيد لصاحبها إلأ بعدا و تردیدا و عميانا، إلا أن يسير مع جناح العمل و تهذیب النفس و تزكية القلب، و تجلية الروح بذكر الله، و بالتسليم و التفويض إلى الله المتعال . (119:4)
الأصول اللغوية
1- الأصل في هذه المادة الرسوخ: الثبات. يقال: رسخ الشيء يرسخ رسوخا، أي ثبت في موضعه، و أرسخته إرساخا: أثبه. و رسخ الدمن ثبت. و رسخ الغدیر رسوخا: نضب ماؤه. و رسخ المطر رسوخا، إذا نضب نداه في داخل الأرض، فالتقى الثريان.
و يقال مجازا: العلم يرسخ في قلب الإنسان.
والراسخ في العلم: الذي دخل فيه دخولا ثابتا .
2- لم يذكر اللغويون الارتساخ من «رس خ» غير أنه ورد في حديث الإمام علي عليه السلام حول الماضين، قال: «قد ارتسخت أسماعهم بالهوام فاستكت»(1)قال ابن أبي الحديد:« ليس معناه ثبتت كما زعمه الراوندي، لأنها لم تثبت، و إنما تثبت الهوام فيها، بل الصحيح أنه من: رسخ الغدير، إذا نش ماؤه و نضب. و يقال: قد ارتسخت الأرض بالمطر، إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان ».(2)
وقال المجلسي: « لعل الراوندي رحمه الله حمل الكلام على القلب، و هو أوفق بما في اللغة ».(3)
وهو كما قال المجلسي رحمه الله، فأراد الراوندي أن الديدان ثبتت وقت في أسماعهم فصمت، و لا يستقیم معناه بتمثيله برسوخ الغدیر، كما قال ابن أبي الحديد؛ إذ لا يتحقق استكاك الأسماع بعد أن تأكلها الهوام؛ حيث تزول هذه الصفة بزوال الموصوف.
و قوله: « قد ارتسخت أسماعهم »، أي رسخت، على المبالغة، و ليس مطاوعة لقولهم: رسخ المطر رسوخا، كما يظهر من قوله: « يقال: قد ارتسخت الأرض بالمطر، إذا ابتلعته حتى يلتقي الثريان ».
الاستعمال القرآني
لم يأت من هذه المادة إلا اسم الفاعل جمعا ( الراسخون) في آيتين:
1- «هُوَ الذَّي أنَزَلَ عَلَيكْ الكْتِاَبَ مِنهْ آيَاتٌ مُحكْمَاتٌ هُنَّ أمُّ الكْتِاَبِ وَأخُرُ مُتشَاَبَهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِی قُلُوبِهمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّه
وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْألْبَابِ» آل عمران : 7
2- «لکِنِ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ یُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَیْکَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِکَ وَالْمُقِیمِینَ الصَّلاَهَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّکَاهَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْیَوْمِ الآخِرِ أُؤلئِکَ سَنُؤْتِیهِمْ أَجْراً عَظِیماً»النساء: 162
و فيهما بحوث:
يلاحظ أو أن «الرسوخ» - كما تقدم في النصوص اللغوية - أصله في الأجسام، وقد يأتي مجازا في المعاني، كما في الآيتين: «وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ ».
1- و المراد «وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ » في الآية الأولى: الراسخون في علم القرآن، من المؤمنين الذين ذكرت أوصافهم في الآيات بعدها.
2- و قالوا فيها: إن إيمانهم محکمه و متشابهه، مع أنهم لم يعلموا تأويلها، هو رسوخهم في العلم - وهذا على الاستئناف كما يأتي -.
3- وقد حملها ابن عباس - کالآية الثانية - على أهل الكتاب: «البالغون بعلم التوراة عبد الله ابن سلام و أصحابه »، و هو بعيد.
5- و أما بناء على ختم الكلام ب«الله »و استئنافه ب« الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ » - كما حکي عن جماعة - فإنهم المؤمنون الذين لا يعلمون تأويله مع الإيمان به، فيعد إيمانهم به مع جهلهم بتأويله «رسوخا في العلم » کالراسخين.
فلاحظ النصوص خصوصا نص الطبري، و النحاس، و الزمخشري، و ابن عطية، و الطبرسي، والفخر الرازي.
6- و في معنى المحكم و المتشابه كلام طويل لاحظ: ح ك م : « المحكمات »، و للطباطبائي کلام فيه، فلاحظ.
و كذا في « ام الكتاب » لاحظ: أم م: «أم الكتاب ». ولاحظ: الطبرسي (409:1)، هذا كله في الآية الأولى.
7- و أما الثانية: فالمراد ب«الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ » فيها طائفة اليهود من أهل الكتاب - كما هو صريح الآيات قبلها - بدء بالآية : 153، «يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ...»
8- وقد ذم الله فيها اليهود بأنواع من المعاصي، ثم استثنى منهم في هذه الآية، فقال: «لکِنِ الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ یُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَیْکَ ...»، فالراسخون في العلم من اليهود و كذا المؤمنون بالقرآن من المسلمين كلاهما يؤمنون به، لوقوفهم على أسراره وإعجازه.
9- و قال الطبرسي (2: 139) في « المعنى»:
ثم ذكر سبحانه مؤمني أهل التوراة، فقال:«الرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ »والدین؛ وذلك أن عبد الله ابن سلام و أصحابه قالوا للنبی صلی الله علیه و آله: إن اليهود لتعلم أن الذي جئت به حق، وإنك عندهم مكتوب في التوراة، فقال اليهود: ليس كما يقولون إنهم لا يعلمون شيئا، و إنهم يغرونك و يحدثونك بالباطل، فقال الله تعالى:«لَّکِنِ الرَّاسِخُونَ»، الثابتون المبالغون «فی العلم »، المدارسون بالتوراة «منهم» أي من اليهود، يعني ابن سلام و أصحابه من علماء اليهود.
«و المؤمنون» يعني أصحاب التي من غير أهل الكتاب« يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ» یا محمد، من القرآن و الشرائع، أنه حق.
«وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ» من الكتب، على الأنبياء والرسل.
وقيل: إنما استثنى الله تعالى من وصفهم ممن هداه الله لدينه، و وفقه لرشده من اليهود الذين ذكرهم فيما مضى، من قوله: «يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ » إلى ها هنا. فقال:لكنهم لا يسألونك ما يسأل هؤلاء الجهال من إنزال الكتاب من السماء، لأنهم قد علموا مصداق قولك ما قرأوا في الكتب المنزلة على الأنبياء، و وجوب اتباعك عليهم، فلا حاجة إلى أن يسألوك معجزة أخرى. ولا دلالة غير ما علموا من أمرك بالعلم الراسخ في قلوبهم، عن قتادة، و غیره... ».
10- وقال ابن عاشور: « والاستدراك بقوله:« لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ » ناشئ على ما يوهمه الكلام السابق، ابتداء من قوله: «يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ»من توغلهم في الضلالة حتى لا يرجی الأحد منهم خير و صلاح، فاستدرك بأن الراسخين في العلم منهم ليسوا كما توهم، فهم يؤمنون بالقرآن مثل عبد الله بن سلام و مخیریق.
و الراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي، لا يتزلزل، و استعير للتمكن من الوصف مثل العلم؛ بحيث لا تغره الشبه ...».
ويلاحظ ثانيا: أن الآيتين كلاهما مدني فلم يأت «الرسوخ» إلا في السور المدنية، لعله كان مستعملا فيها دون مكة.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
الثبوت: «وَلاَ تَتَّخِذُوا أَیْمَانَکُمْ دَخَلاً بَیْنَکُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِیلِ اللّهِ وَلَکُمْ عَذَابٌ عَظِیمٌ»النحل : 94
القرار: «وَقَرْنَ فِی بُیُوتِکُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِیَّهِ الْأُولی وَأَقِمْنَ الصَّلاهَ وَآتِینَ الزَّکاهَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما یُرِیدُ اللهُ لِیُذْهِبَ عَنْکُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَیْتِ وَیُطَهِّرَکُمْ تَطْهِیراً ».الأحزاب : 33
الرس
لفظ واحد،مرتان فی سورتین مکیتین
النصوص اللغوية
الخليل: الرس: بئر لبقية من قوم ثمود.
و الرس في قوافي الشعر : صرف الحرف الذي بعد الألف للتأسيس، نحو حركة عين فاعل في القافية، حيثما تحركت حركتها جازت، و كانت رسا للألف، أي أصلا.
و الرسيس: الشيء الثابت اللازم مكانه .
ويقال : أجد رسیس الحمی و رسها؛ و ذلك حين يبدو.
و الرس: تزوير الحديث، و الكلام في نفسك و ترويضه.
والرس: إحكام البناء، مثل الرص. و بنیان مرسوس.
و الرس و الرسيس: ماء ان لبني سعد.
والسرة : مثل الرصرصة، و هو إثبات البعير ركبتيه على الأرض للنهوض.
والرس: الحفر، و كل شيء أدخلته فقد رسسته . [و استشهد بالشعر 3 مرات[
(190:7)
الكسائي:يقال: بلغني رس من خبر، و ذرء من خبر، و هو الشيء منه. (الأزهري 290:12)
أبو عمرو الشيباني: به رسیس من حمى، أي شيء يسير. [ثم استشهد بشعر]
(297:1)
قد سمعتهم يرسون كلاما بینهم: يخفونه.
ورسوت قصائد، أي نطقت. (302:1)
الرسيس: العاقل الفطن. (الأزهري 291:12)
الفراء: أخذته الحمی برس، إذا ثبتت في عظامه.(الأزهري 290:12 )
كنت أرسه في نفسي، أي أعاود ذكره و أردده،
ولم يرد ابتداء. (الأزهري 291:12)
أبو عبيدة: إنك لترس أمرا ما يلتئم، أي تثبت أمرا ما يلتئم. (الأزهري 291:12)
أبوزيد: رس الهوى و أرس: إذا ثبت في القلب. (ابن درید 81:1)
رسوت عنه حديثا أرسوه رسوا: حدثت عنه. (القالي 1: 124)
رسست بينهم أرس رسا: إذا أصلحت. (الأزهري 290:12 )
أتانا رس من خبر، و رسیس من خبر: وهو الخبر الذي لم يصح، وهم يتراستون الخبر و يترهمسونه، أي يتسارون به. ثم استشهد بشعر]
(الأزهري 291:12)
الأصمعي: رسست بين القوم: أصلحت بينهم. (القالي 1: 124)
أول ما يجد الإنسان مس الحمى قبل أن تأخذه و تظهر ، فذاك الرس، و الرسيس أيضا. (الأزهري 290:12)
الرس: ابتداء الشيء؛ و منه: رأس الحمى و رسيسها، وذلك حين تبدأ. (الأزهري 291:12)
ابن الأعرابي: الرسة: السارية المحكمة. (الأزهري 291:12)
ابن السكيت: أول مايجد الإنسان مس الحمى قبل أن تأخذه و تظهر، فذلك الرس. (119)
شمر : قيل في قوله: «أرسه في نفسي »، أي اثبته.(الأزهري 291:12 )
ابن دريد: الرس: الركي القديمة أو المعدن، و كذا فسره أبو عبيدة في القرآن، والله أعلم.
و الرس و الرسيس: وادیان بنجد، أو موضعان.
ورس الهوى في قلبه رسيسا. وأحسبهم قد أجازوا: أرس أيضا، و هو بقية الهوى في القلب أو السقم في البدن . [ثم استشهد بشعر]
والرس: أرض بيضاء صلبة، وقد جاء في الشعر الفصيح.
ويقول الرجل للرجل إذا سأله عن شيء: ألق لي رسا من هذا، أي شيئا أبني عليه.
ويقال : بقي في قلبه رس من حب أو مرض، أي بقیه.(81:1)
الرسس و الرسيس: باقي الحزن في القلب. (191:3)
السجستاني: و رسست للصلاح والفساد. (الأضداد : 148)
القالي: الرس: الشيء من الخبر، و الرسيس مثله. [ثم استشهد بشعر]
[و قيل: ]رسست الحديث في نفسي أرسه رسا، إذا حدثت به نفسك.(124:1)
الأزهري: في حديث سلمة بن الأكوع: «أن المشرکین راسونا الصلح حتی مشی بعضنا إلى بعض فاصطلحناء و ذلك في غزوة الحديبية ».
فراسونا، أي واصلونا في الصلح، و ابتدأت في ذلك. و رسست بينهم، أي أصلحت.
ويقال: رسست و رصصت: ای ثبت.
و یروی عن النخعي أنه قال: « إني لأسمع الحديث فأحدث به الخادم أرسه به في نفسي »
فأراد بقوله: «أرسه في نفسي »، أي أبتدئ بذکر الحدیث و درسه في نفسي، و أحدث به خادمي، أستذكر بذلك الحديث. [ثم استشهد بشعر]
وقال أبو مالك: رسیس الهوى: أصله. (290:12)
الصاحب: الرس: بئر كانت لبقية قوم ثمود.
ورس الحمى و رسيسها: حين تبدو. و هو في قوافي الشعر: صرف الجزء الذي بعد حرف التأسيس، نحو عين فاعلن في القافية.
و الرس و الرسيس: ماءان في شعر زهیر.
و الرسيس: الشيء الثابت الذي لزم المكان.
و الرسرسة: نحو النصنصه؛ وهو أن يثبت البعير ركبته في الأرض للنهوض.
وأنا أرسه لك رسا، أي أثبته في قلبك.
و رسست فلانا بالحديث أرسه، إذا كررته عليه، و كذلك إذا حدثت به نفسك.
و الرس أيضا: أن ترس القول، تأتي منه بالأطراف و البعض، و لا تفصح به.
و بلغني رس من الخبر، أي ذرو منه، و رسة أيضا.
و الرس: التعريض بالشتم.
و ارتس الخبر في الناس: جری فيهم خفيا.
و رسست بين القوم أرس رسا: أي أصلحت بینهم.
و ما رسست له أمرا، أي ما أفشيته، ولاترس سر أخيك.
ورس الميت، أي قبر.
و ربح رسيس المس: لينته.
والأسوسة: فلنسوه توضع على الهامة.(241:8)
الخطابي: [ في حديث: ]«... ثم إن المشركين راسونا الصلح...».
قوله: « راسونا الصلح » أي راودونا الصلح. (564:1)
الجوهري: رس الحمی و رسیسها: واحد، و هو أول مسها.
و قولهم: بلغني رس من خبر، أي شيء منه.
و الرس: البئر المطوية بالحجارة.
والرس: اسم بئر كانت لبقية من ثمود.
و الرس: اسم واد.
و الرسيس: الشيء الثابت.
و رسست رسا، أي حفرت بئرا.
و رس الميت، أي قبر.
والرس: الإصلاح بين الناس، و الإفساد أيضا، و قد رسست بينهم، و هو من الأضداد.
و فلان يرس الحديث في نفسه، أي يحدث به نفسه.
ورس فلان خبر القوم، إذا لقيهم و تعرف أمورهم.
ورس البعير، أي تمكن للنهوض.
[و استشهد بالشعر مرتين ]
(3: 934)
ابن فارس: الراء والسين أصل واحد، يدل على ثبات. يقال: رس الشيء: ثبت. والرسيس: الثابت.
و من الباب: رسرس البعير، إذا نضنض بركبته في الأرض يريد أن ينهض.
و من الباب فلان يرس الحديث في نفسه.
وسمعت رسا من خبر، و هو ابتداؤه، لأنه يثبت في الأسماع. و يقال: رس الميت: قبر، فهذا معظم الباب.
و الرس واد معروف.
و الرسيس: واد معروف.
فأما الرس فيقال: إنه من الأضداد، وهو الإصلاح بين الناس و الإفساد بينهم. و أي ذلك كان فإنه إثبات عداوة أو مودة، و هو قياس الباب. [ و استشهد بالشعر مرتين]
(2: 372)
ابن سيده: رس بينهم یرس سرا: أصلح.
ورس الحمى و رسيسها: بدؤها، وذلك إذا تمطى المحموم من أجلها، و فتر جسمه و تختر.
والرس: فتحة الحرف الذي قبل حرف التأسيس، نحو قول امرئ القيس:
دع عنك نهبا صيح في حجراته *و لكن حديثا ما حديث الرواحل
ففتحة الواو هي الرس، ولا يكون الرس إلا فتحة، و هي لازمة.
هذا كله قول الأخفش، وقد دفع أبوعمرو الجرمي اعتبار حال الرس، وقال: لم يكن ينبغي أن يذكر، لأنه لا يمكن أن يكون قبل الألف إلا فتحة فإذا جاءت الألف لم يكن من الفتحة بد .
قال ابن جني: والقول على صحة اعتبار هذه الفتحة و تسميتها، إن ألف التأسيس لما كانت معتبرة مسماة، و كانت الفتحة قبلها داعية إليها و مقتضية لها، و مفارقة لسائر الفتحات التي لا ألف بعدها - نحو قول و بیع و کعب و درب و جمل و جبل و نحو ذلك - خصت باسم لما ذكرنا، و لأنها على كل حال لازمة في جميع القصيدة، ولانعرف لازما في القافية إلا وهو مذكور مسمى، بل إذا جاز أن نسمي في القافية ما ليس لازما، أعني الدخيل، فما هو لازم لا محالة أجدر و أحجی بوجوب التسمية له.
قال ابن جني: و قد نبه أبو الحسن علی هذا المعني، ذكرته في أنها لما كانت متقدمة للألف بعدها، و أول لوازم القافية و مبتدأها سماها الرس؟ وذلك لأن الرس و الرسيس أول الحمى الذي يؤذن بها، و يدل على و رودها.
و الرسيس: الشيء الثابت.
ورس الهوى في قلبه و السقم في جسمه رسا و رسیسا، و أرس: دخل و ثبت.
ورس الحب و رسیسه: بقيته و أثره.
و رس الحديث في نفسه يرسه رسا: حدثها به. و بلغني رس من خبر، أي طرف.
ورس له الخبر: ذكره له.
ورس الشيء: نسيه لتقادم عهده.
والرس: البئر القديمة أو المعدن؛ و الجمع: رساس.
والرس: بئر لثمود.
و الرسيس: وادیان بنجد أو موضعان.
و الرسرسة: تثبيت البعير ركبتيه في الأرض لينهض. [و استشهد بالشعر 3 مرات]
(409:8)
الرس: أرض بيضاء صلبة. (الإفصاح 2: 1027)
الراغب: أصحاب الرس ، قيل: هو واد. [ثم استشهد بشعر]
أصل الرس: الأثر القليل الموجود في الشيء.
يقال: سمعت رسا من خبر.
ورس الحديث في نفسي.
و وجد رسا من حمی، و رس الميت: دفن، و جعل أثرا بعد عين. (194)
الزمخشري: به رس الحمی و رسيسها: ابتداؤها قبل أن تشتد.
وتقول: بدأت برسها، و أخذت في مسها. و سمعت رسا من خبر.
و وقعت في الناس رسة من خبر و هي الذرو منه و الطرف.
و رست خبر القوم: تعرفته من قبلهم.
و رس بین القوم: أصلح بينهم.
و فلان يرس الحديث في نفسه، إذا حدث به نفسه.
و ریح رسیس: لينة المس. [ ثم استشهد بشعر] و وقع في الرس: في البئر التي لم تطو. (أساس البلاغة : 162)
[في الحديث: ]: «... ثم إن المشركين راسونا الصلح، حتی مشی بعضنا إلى بعض فاصطلحنا »
« راسونا »: فاتحونا، من قولهم : بلغني رس من خبر، و رس الحمى و رسيسها: أول ما تمس. (الفائق 1: 187)
[في حديث:] «...و إن کنت لأرسه في نفسي و أحدث به الخادم ». قال شمر: أرسه: أثبته في نفسي، من قولك: إنك لترس أمرا ما يلتئم، أي ثبت.
و الرسة: السارية المحكمة.
والرس و الرز أخوان،..... و إنه يحدث به خادمه استذكارا. (الفائق 2: 58)
ابن الأثير: في حديث ابن الأكوع: «إن المشرکین راسونا الصلح و ابتدأونا في ذلك ».يقال: رسست بينهم أس رسا، أي أصلحت. و قيل: معناه: فاتحونا، من قولهم بلغني رس من خبر، أي أوله.
و يروى: و اسونا بالواو، أي اتفقوا معنا عليه. والواو فيه بدل من همزة الأسوة.
ومنه حديث الحجاج: «أنه قال للنعمان بن زرعة: أمن أهل الرس و الرهمسة أنت؟ ».أهل الرس: هم الذين یبتدئون الكذب و يوقعونه في أفواه الناس.
وقال الزمخشري: هو من رس بين القوم، إذا أفسد، فيكون قد جعله من الأضداد. (2: 221)
الصغاني : الرسة بالضم: القلنسوة.
و الرسی: الهضبة. (3: 362)
الرس: الإصلاح والإفساد. (الأضداد : 230)
الفيروزابادي: الرس: ابتداء الشي؛ و منه: رس الحمى و رسيسها.
و البئر المطوية بالحجارة ، و بئر كانت لبقية من ثمود کذبوا نبيهم و رسوه في بئر، و الإصلاح والإفساد ضد، و واد بأذربيجان، كان عليه ألف مدينة، والحفر، والدس، و دفن الميت، و حركة الحرف الذي بعد ألف التأسيس أو قبله، أو فتحة قبل التأسيس، و تعرف أمور القوم و خبرهم، والرز، و محمد بن إسماعيل الرسي: من العلويين.
والرسيس: الشيء الثابت، والفطن العاقل،و خبر لم يصح، و ابتداء الحب و الحمى، كالرس.
و الرسة: السارية المحكمة، و بالضم: القلنسوة، کالأروسة.
و الرسی، کالحمى: الهضبة.
ورسرس البعير: تمكن للنهوض.
والتراس: التسار .
و ارتس الخبر في الناس: جری، و فشا.
والمراسة: الفاتحة.(227:2)
و أصل الرس: الأثر القليل الموجود في الشيء. يقال : سمعت رسا من خبر.
ورس الحديث في نفسه. و وجد رسا من الحمی.
و رس الميت: دفن و جل أثرا بعد عين. (بصائر ذوي التمييز 3: 68)
الطريحي: الرس: البئر المطوية بالحجارة.
و الرس: اسم بئر كانت لبقية من ثمود کذبوا نبيهم و رسوه في بئر.
والرس: اسم واد.
و في الغريب: و الراس اسم معدن، و كل ركية لك تطوى فهي رس، و هي يناقض ما تقدم من تعريفها.
و رس الحمی و رسيسها: واحد، وهو أول مسها.(75:4)
مجمع اللغة: الرس: البئر المطوية، و الحفر، والدفن.
و قيل في الرس أقوال:
منها: أنها قرية باليمامة يقال لها فلج، کذب أهلها نبيهم و رسوه في بئر، أي رموه حيا فيها حتی مات.
وقيل: الرس هو الأخدود.
و قيل: الرس مابين نجران إلى اليمن إلى حضر موت. (475:1)
محمد إسماعيل إبراهيم: رس البئر: حفرها، و الرس: المعدن أو البئر التي لم تطو بالحجارة والآجر.(220:1)
المصطفوي: التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة : هو إحلال و إنفاذ و تثبیت، و هذا المعنى
مأخوذ في المواد: رسب، رسخ، رس، رسل، رسم، رسي، أي فيما حرفا أولي الكلمة الراء و السين، فمفهوم الحلول والنزول مشترك فيها.
ولما كان لفظ رس: مضاعفا و مکررا فيه السين: فيدل على إنفاذ شديد و إحلال نافذ، كما في حفر البئر و المس الشديد مبتدأ و التعرف الدقيق و غيرها.
و أما الإصلاح والإفساد: فإن فيهما إنفاذ نظر خاص في جهة إصلاح أو إفساد، و كذلك مفهوم التثبيت.
فظهر أن الأصل و الحقيقة في هذه المادة هو إنفاذ حكم أو قدرة أو عمل أو فكر في مورد خاص و تثبيته، و يلاحظ في كل من نظائره قید خاص راجع «الراسخ».[إلى أن قال: ]
ولا يخفى أن كلمة «الرس» على هذا القول « نهر الرس» مأخوذة من كلمة أراکسيس أو آراکس يونانية، ثم تعربت.
و أما على قول « رس اليمامة»، فهو عربي مأخوذ من مادة « رس» المذكور، بمعنى الإنفاذ و التثبيت.
فظهر أن إطلاق المادة على البئر مجاز، باعتبار الحفر أو إنزال شيء و إنفاذه فيه. ( 124:4-128)
النصوص التفسيرية
الرس
1- «وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً» الفرقان: 38
الإمام علي عليه السلام: في حديث: «أتي علي بن أبي طالب علیه السلام قبل مقتله بثلاثة أيام رجل من أشراف تميم، يقال له: عمرو، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن أصحاب الرس، في أي عصر كانوا، و أين كانت منازلهم، و من كان ملكهم، و هل بعث الله عز و جل إليهم رسولا، أم لا، وبماذا أهلكوا؟ فإني أجد في كتاب الله عز و جل ذكرهم، و لا أجد خبرهم. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام:
لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد من قبلك، و لا يحدثك به أحد بعدي إلا عني، وما في كتاب الله عز و جل آية إلا و أنا أعرفها، و أعرف تفسيرها، و في أي مكان نزلت، من سهل، أو جبل و في أي وقت من ليل أو نهار، وإن هاهنا لعلما جما -و أشار إلى صدره - و لكن طلابه يسير، وعن قليل يندمون لو فقدوني.
كان من قصتهم يا أخا تميم أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر، يقال لها: شاه درخت، کان یافث بن نوح غرسها على شفير عين، يقال لها: روشاب، كانت أنبتت لنوح علیه السلام بعد الطوفان، و إنما سموا أصحاب الرس، لأنهم رسوا نبيهم في الأرض، و ذلك بعد سلیمان بن داود علیه السلام.
و كانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له: الرس، من بلاد المشرق، و بهم سمي ذلك النهر، و لم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه، ولا أعذب منه، ولاقري أكثر ولا أعمر منها،
تسمى إحداهن آبان، و الثانية آذر، و الثالثة دي، و الرابعة بهمن، والخامسة إسفندار، و السادسة فروردین، و التابعة أردي بهشت، و الثامنة خرداد، و التاسعة مرداد، و العاشرة تير، و الحادية عشر مهر، والثانية عشر شهریور.
و كانت أعظم مدائنهم إسفندار، وهي التي ينزلها ملكهم، و كان يسمى: ترکوذ بن غابور بن یارش بن ساذن بن نمرود بن کنعان فرعون إبراهيم عليه السلام، و بها العين والصنوبرة، وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة، و أجروا إليها نهرا من العين التي عند الصنوبرة، فنبتت الحبة، و صارت شجرة عظيمة، و حرموا ماء العين و الأنهار، فلايشربون منها، و لاأنعامهم، و من فعل ذلك قتلوه، و يقولون: هو حياة آلهتنا، فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها، و يشربون هم وأنعامهم من نهر الرس، الذي عليه قراهم.
و قد جعلوا في كل شهر من السنة يوما، في كل قرية، عيدا يجتمع إليه أهلها، فيضربون علی الشجرة التي بها كلة (1)، من حرير، فيها من أنواع الصور، ثم يأتون بشاة و بقر، فيذبحونها قربانا للشجرة، و يشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذبائح و قتارها (2)في الهواء، و حال بينهم و بين النظر إلى السماء، خروا للشجرة سجدا، و يبكون و يتضرعون إليها أن ترضى عنهم، فكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها، و يصيح من ساقها صیاح الصبي: إني قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفسا، و قروا عينا. فيرفعون رؤوسهم عند ذلك، و يشربون الخمر و يضربون بالمعازف، و يأخذون الدست بند (3)، فيكونون على ذلك يومهم و ليلتهم،ثم ينصرفون.
و إنما سميت العجم شهورها بآبان ماه، و آذر ماه، و غيرهما، اشتقاقا من أسماء تلك القرى، لقول أهلها بعضهم لبعض: هذا عید شهر كذا، و عید شهر كذا حتى إذا كان عيد قريتهم العظمی، اجتمع إليها صغيرهم و كبيرهم، فضربوا عند الصنوبرة و العين سرادقا من دیباج، عليه من أنواع الصور، و جعلوا له اثني عشر بابا، كل باب لأهل قرية منهم، و يسجدون للصنوبرة، خارجا من السرادق، و يقربون إليها الذبائح، أضعاف ما قربوه للشجرة التي في قراهم، فيجيء إبليس عند ذلك، فيحرك الصنوبرة تحريكا شديدا، و يتكلم من جوفها كلاما جهورا، و يعدهم و يمتيهم بأكثر مما وعدتهم و منتهم
الشياطين كلها، فيرفعون رؤوسهم من السجود، و بهم من الفرح و النشاط مالايفيقون، ولا يتكلمون من الشرب و العزف، فيكونون على ذلك اثني عشر يوما و لياليها، بعدد أعيادهم بسائر السنة، ثم ينصرفون.
فلما طال كفرهم بالله عز و جل و عبادتهم غيره، بعث الله عز وجل إليهم نبيا من بني إسرائيل، من ولد يهودا ابن يعقوب علیه السلام، فلبث فيهم زمانا طويلا، يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل، و معرفة ربوبيته، فلايتبعونه، فلما رأى شدة تماديهم في الغي والضلال، و تركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد و النجاح، و حضر عید قريتهم العظمی، قال: یا رب، إن عبادك أبوا إلا تكذيبي، و الكفر بك، و غدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولاتضر، فأيبس شجرهم أجمع، و أرهم قدرتك و سلطانك. فأصبح القوم و قد يبس شجرهم، فهاهم ذلك، و فظع بهم، و صاروا فرقتين: فرقة قالت: سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنه رسول رب السماء والأرض إليكم، ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه. و فرقة قالت: لا، بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها، ويقع فيها ويدعوكم إلى عبادة غيرها، فحجبت حسنها و بهاءها لكي تغضبوا لها، فتنتصروا منه.
فأجمع رأيهم على قتله، فاتخذوا أنابيب طوالا من رصاص، واسعة الأفواه، ثم أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء، واحدة فوق الأخرى، مثل البرابخ،(1)و نزحوا ما فيها من الماء، ثم حفروا في قرارها بئرا ضيقة المدخل، عميقة، و أرسلوا فيها نبيهم، و ألقموا فاها صخرة عظيمة، ثم أخرجوا الأنابيب من الماء، و قالوا: الآن نرجو أن ترضى عنا آلهتنا، إذا رأت أنا قد قتلنا من كان يقع فيها، و يصد عن عبادتها، و دفناه تحت كبيرها، يتشقى منه، فيعود إليها نورها و نضرتها كما كان. فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم علیه السلام ، و هو يقول: سيدي، قد ترى ضيق مكاني، و شدة كربي، فارحم ضعف ركني، و قلة حيلتي، و عجل بقبض روحي،ولا تؤخر إجابة دعوتي، حتى مات علیه السلام.
فقال الله عز وجل لجبرئيل عليه السلام: ياجبرئیل، أيظن عبادي هؤلاء، الذين قد غرهم حلمي، و أمنوا مكري، و عبدوا غيري، و قتلوا رسولي، أن يقيموا الغضبي، أو يخرجوا من سلطاني؟ كيف و أنا المنتقم ممن عصاني، ولم يخش عقابي، و إني حلفت بعزتي وجلالي لأجعلتهم عبرة و نکالا للعالمين. فلم يرعهم و هم في عيدهم ذلك إلا بريح عاصف شديدة الحمرة، فتحيروا فيها، و ذعروا منها، و تضام بعضهم إلى بعض، ثم صارت الأرض من تحتهم کحجر کبریت يتوقد و أظلتهم سحابة سوداء، فألقيت عليهم کالقبة جمرا يلتهب، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار. فنعوذ بالله تعالى
1) البرابخ: البالوعة الواسعة من الخزف. (أقرب الموارد 1: 35)
ذكره من غضبه، و نزول نقمته، و لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم».(1)(البحراني 7: 171)
ابن عباس: قوم شعیب. (303)
نحوه قتادة. (ابن عطية 210:4)
قرية من ثمود.(الطبري 9: 390)
هي بئر كانت تسمى الرس .
نحوه مجاهد. (الطبري 9: 390)
سعید بن جبير: كان لهم نبي يقال له: حنظلة ابن صفوان، و كان بأرضهم جبل يقال له: فتح، مصعده في السماء ميل، و كانت العنقاء تنتابه وهي أعظم ما تكون من الطير، و فيها من كل لون، وسموها العنقاء لطول عنقها، و كانت تكون في ذلك الجبل تنقض على الطير تأكلها، فجاعت ذات يوم فأعوزتها الطير، فانقضت على صبي فذهبت، فسميت عنقاء مغرب، لأنها تغرب بما تأخذه و تذهب به، ثم إنها انقضت على جارية حين ترعرعت فأخذتها، فضمتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين، فطارت بها فشكوا إلى نبيهم، فقال: اللهم خذها و اقطع نسلها، فأصابتها صاعقة فاحترقت فلم يرها أثر، فضربتها العرب في أشعارهم، ثم إنهم قتلوا نبيهم فأهلكهم الله.
مثله ابن الكلبي و الخليل. (الثعلبي 7: 134)
عكرمة: أصحاب الرس بفلج، هم أصحاب يس.
[و في رواية] كان الرس بئرا، رسوا فيها نبيهم. (الطبري 9: 390)
الضحاك: إنهم قوم کانوا نزولا على بئريعبدون الأوثان، و کانوا لا يظفرون بأحد يخالف دينهم إلا قتلوه و رسوه فيها، و كان الرس بالشام. (الماوردي 4: 145)
وهب بن منبه: كانوا أهل بئر قعودا عليها و أصحاب مواشي، و كانوا يعبدون الأصنام، فوجه الله إليهم شعيبا يدعوهم إلى الإسلام فأتاهم ودعاهم، فتمادوا في طغيانهم و في أذی شعیب، فحذرهم الله عقابه، فبينا هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر، فانخسفت بهم و بديارهم و رباعهم، فهلكوا جميعا. (الثعلبي 7: 133)
قتادة: الرس: قرية من اليمامة، يقال لها: الفلج. (الطبري 390:9)
السدي: هم أصحاب قصة يس، أهل أنطاكية.
[و في رواية ]و الرس: بئر بأنطاكية قتلوا فيها «حبيب النجار» مؤمن آل يس، فسبوا إليها.(364)
مثله کعب و مقاتل. (الثعلبي 491:7)
نحوه النقاش. (الطوسي 491:7)
الكلبي: هم قوم بعث الله تعالى إليهم نبيا فأكلوه، و هم أول من عمل نساؤهم السحر. (الطوسي 491:7)
الإمام الصادق علیه السلام: [في حديث ]: دخلت
1) جاءت الرواية في عيون أخبار الرضا علیه السلام (1: 205) و قد ذكره الثعلبي وغيره في تفاسيرهم
امرأة مع مولاة لها على أبي عبدالله عليه السلام فقالت: ما تقول في اللواتي مع اللواتي؟ قال: هن في النار، إذا كان يوم القيامة يؤتى بهن فألبسن جلبابا من نار و خفين من نار و قناعا من نار، و أدخل في أجوافهن و فروجهن أعمدة من النار، و قذف بهن في النار، فقالت: أليس هذا في كتاب الله؟ قال: بلى، قالت این هو؟ قال: قوله: « وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ»فهن الرسيات. (القمي 2: 113)
الفراء: يقال: إن الرس بئر. (2: 268)
أبو عبيدة : أي المعدن. [ ثم استشهد بشعر]
(75:2)
ابن قتيبة: الرس: المعدن . [ثم استشهد بشعر] و كل ركية تطوى فهي رس. (313)
الطبري: اختلف أصحاب التأويل في أصحاب الرس :
فقال بعضهم: أصحاب الرس من ثمود.
وقال آخرون: بل هي قرية من اليمامة، يقال لها الفلج.
وقال آخرون: هم قوم رسوا نبيهم في بئر.
وقال آخرون: هي بئر كانت تسمى الرس.
والصواب من القول في ذلك قول من قال : هم قوم كانوا على بئر، و ذلك أن الرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر و القبر و نحو ذلك. [ثم استشهد بشعر]
ولاأعلم قوما كانت لهم قصة بسبب حفرة ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الأخدود، فإن يكونوا هم المعنيين بقوله:« وَ أَصْحابَ الرَّسِّ»، فإنا سنذکر خبرهم إن شاء الله إذا انتهينا إلى سورة البروج، و إن يكونوا غيرهم فلا نعرف لهم خبرا، إلا ما جاء من جملة الخبر عنهم أنهم قوم رسوا نبيهم في حفرة.
إلا ماعن محمدبن کعب القرظي قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله: «إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود» و ذلك أن الله تبارك و تعالى بعث نبیا إلى أهل قرية فلم يؤمن من أهلها أحد إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي صلی الله علیه و آله فحفروا له بئر افألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم. قال: و كان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه، فيشتري به طعاما و شرابا، ثم يأتي به إلى ذلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، فيعينه الله عليها، فيدلي إليه طعامه و شرابه ثم يعيدها كما كانت، قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون .
ثم إنه ذهب يوما يحتطب، كما كان يصنع، فجمع حطبه، و حزم حزمته و فرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما. ثم إنه هب فتمطی فتحول لشقة الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى. ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاما و شرابا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها التي
كانت فيه فالتمسه فلم يجده، و قد كان بدا لقومه فيه بداء، فاستخرجوه و آمنوا به و صدقوه.
قال: فكان النبي صلی الله علیه و آله يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل ؟ فيقولون: ما ندري، حتى قبض الله التي فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك، فقال رسول الله صلی الله علیه و آله «إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة»، غير أن هؤلاء في هذا الخبر یذکر محمد بن كعب عن النبي صلی الله علیه و آله أنهم آمنوا بنبيهم، و استخرجوه من حفرته، فلا ينبغي أن يكونوا المعنيين بقوله: «وَ أَصْحابَ الرَّسِّ»، لأن الله أخبر عن أصحاب الرس أنه دمرهم تدميرا، إلا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة و آمنوا به، فيكون ذلك وجها. (9: 389)
الزجاج: الرس: بئر، يروى أنهم قوم کذبوا بنبيهم و رسوه في بئر، أي دسوه فيها.
و يروى أن الرس قرية باليمامة يقال لها: ملح. ويروى أن الرس دیار لطائفة من ثمود.(4: 68)
الماوردي: فيه أربعة أقاويل: [إلى أن قال:]
الثالث: أنه مابين نجران واليمن إلى حضرموت، قاله بعض المفسرين. (145:4)
الطوسي: قيل: الرس: البئر التي لم تطو بحجارة، ولا غيرها.. وعن أهل البيت عليهم السلام : أنهم قوم کانت نساؤهم سحاقات. (491:7)
القشيري: الرس: الثلج المتراكم في الجبال.
(القرطبي 13: 33)
الزمخشري: قيل: في أصحاب الرس: كانوا قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار و مواشي، فبعث الله إليهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام، فتمادوا في طغيانهم و في إيذاءه. فبينا هم حول الرس و هو البئر غير المطوية - عن أبي عبيدة - انهارت بهم فخسف بهم و بديارهم. [ثم ذكر بعض الأقوال المتقدمة]
(92:3)
نحوه البيضاوي (2: 145)، و النسفي (3: 167 )، و الشربيني (662:2) ، و أبو السعود (12:5).
الفخر الرازي: ذكر المفسرون في أصحاب الراس وجوها: [ إلى أن قال: ]
و سابعها: أصحاب الرس قوم كانت لهم قری على شاطئ نهر يقال له: الرس من بلاد المشرق، فبعث الله تعالى إليهم نبيا من ولد يهود بن يعقوب فكذبوه، فلبث فيهم زمنا فشكا إلى الله تعالى منهم، فحفروا بئرا و رسوه فيها، وقالوا: نرجو أن يرضى عنا إلهنا، و كانوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم يقول: إلهي و سيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي و ضعف قلبي و قلة حيلتي، فعجل قبض روحي حتى مات، فأرسل الله تعالی ریحا عاصفة شديدة الحمرة، فصارت الأرض من تحتهم حجر کبریت متوقد و أظلتهم سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص.(82:24)
نحوه البروسوي. (212:6)
القرطبي: الرس في كلام العرب: البئر التي تكون غير مطوية؛ و الجمع: رساس. (ثم استشهد
بشعر، و نقل الأقوال إلى أن قال:]
و قيل: الرس ماء و نخل لبني أسد، و ما ذكرناه أولا هو المعروف، و هو كل حفراحتفر كالقبر والمدن و البئر. (32:13)
أبو حيان: قال ابن عباس: هم قوم ثمود، و يبعده عطفه علی ثمود، لأن العطف يقتضي التغاير. [ثم نقل الأقوال و قال: ]
و كثر الاختلاف في أصحاب الرس، فلو صح ما نقله عكرمة و محمد بن كعب. [نقلنا حديثه بطوله عن الرسول صلی الله علیه و آله في العبد الأسود في نهاية قول الطبري] كان هو القول الذي لا يمكن خلافه.
و ملخص هذه الأقوال: أنهم قوم أهلكهم الله بتكذيب من أرسل إليهم. (498:6)
نحوه الآلوسي. (19:19)
ابن عاشور: اختلف المفسرون في تعيينهم، و اتفقوا على أن الرس بئر عظيمة أو حفير كبير. ولما كان اسما لنوع من أماكن الأرض، أطلقه العرب على أماكن كثيرة في بلاد العرب. [ثم استشهد بشعر]
وسموا بالرس ما عرفوه من بلاد فارس، وإضافة «أصحاب» إلى «الرس» إما لأنهم أصابهم الخسف في رس، و إما لأنهم نازلون على رس، و إما لأنهم احتفر وا رسا، كما سمي أصحاب الأخدود الذين خدوه و أضرموه. و الأكثر على أنه من بلاد اليمامة و يسمى «فلجا » .
واختلف في المعني من «وَ أَصْحابَ الرَّسِّ»في هذه الآية. [ثم نقل الأقوال ]
(52:19 )
المصطفوي: «و قوم نوح ...» الفرقان : 38 ،«کَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ *وَ عادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ إِخْوانُ لُوطٍ *وَ أَصْحابُ الْأَیْکَهِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ» ق : 12، 16.
فيستفاد من الترتيب في الآية الأولى: أن أصحاب الرس كانوا بعد ثمود، و أما الترتيب في الثانية: فإنما هو في مقام التكذيب و المخالفة و العدوان، و بهذه الحيثية فقد ذكر أصحاب الرس في مرتبة بعد قوم نوح و قبل ثمود و عاد، ثم في المرتبة الثالثة يذكر ثمود ثم عاد ثم قوم فرعون ثم إخوان لوط ثم أصحاب الأيكة ثم التبع. راجع: «ثمد»، « أيك »، « تبع».
ثم إن ذكر الأصحاب: یدل علی مصاحبتهم و استدامة مجاورتهم للرس، كما في أصحاب الجنة و أصحاب النار وأصحاب الأيكة و أصحاب القرية وأصحاب موسى و أصحاب السفينة و غيرها.
فنعلم بهذه الآيات الكريمة: أن هذه الطائفة كانوا بعد قوم ثمود بفاصلة زمانية، و إنهم كانوا من المخالفين المكذبين للرسل في المرتبة الثانية، و أنهم كانوا من أصحاب الرس.
وأما الرس: ففي تعيين مفهومه أقوال كما رأيت:
1- قرية باليمامة يقال لها: فلج، كان فيها بقايا ثمود.
2- دیار لطائفة من ثمود.
3- واد بنجد أو موضع فيه.
4 -بئر غير مطوية، فبعث فيها شعيب، فخسفت بهم.
5 -الأخدود.
6-بئر بأنطاكية قتلوا فيها حيبا النجار.
7-أصحاب حنظلة بن صفوان النبي ابتلاهم بالعنقاء.
8- قوم کذبوا نبيهم و دسوه في بئر.
9- إنهم رهط جالوت قتلهم سليمان و داود.
10 - ماء لبني منقذ بن أعياء، من بني أسد.
11 - وا بأذربيجان و إرمينية.
فأما القول 4 و 6 و 8، فيردها أن كلمة الأصحاب «وَ أَصْحابُ الرَّسِّ» يلازم المصاحبة و الملازمة و المؤانسة، و الدس في بئر لا يدل على المصاحبة للذين دستوه من قبل الداس، مع أن شعیب قد بعث إلى مدين و أيكة، راجع: «أيك » و « شعب».
وأما القول 6 فإن حبيب النجار والرسل كانوا بأنطاكية، و هي بلدة في جنوبي الغربي من مملكة العثمانية مجاور البحر المتوسط، و حبيب كان من المؤمنين برسل عیسی علیه السلام. والقول الثامن ينطبق على بعض الأقوال.
واما القول 9: فقد سبق في جالوت أنه فلسطيني و كان من شجعان عسكر الفلسطينيين المحاربين، فقتله سلیمان و داود.
و أما القول 10: فهو مبهم و لا يرتبط بموضوعنا المبحوث عنه.
و أما القول 5: فهو أيضا مربوط الى واحد من ملوك حمير راجع: «الخد».
و أما القول 2: قلنا في «ثمد» انهم أهلكوا فدمدم عليهم ربهم بذنبهم.
و أما القول 7: فلم تثبت هذه القصة، مع عدم الارتباط بالموضوع.
و أما القول 1 و 3: فلايبعد أن يكون مرجعهما إلى واحد، فإن اليمامة يطلق على بلاد في خطوط نجد السعودية، و قد يطلق على أراض غربية من ناحية الحجاز إلى البحرين، ويذكر الرس في الخريطة السعودية في جنوبي غربي من بلدة عنيزة الواقعة في النجد.
فاليمامة والأرمينية لهما ذكر في كتب التواریخ: يقال إن جدیس بن أرم بن سام بن نوح نزل باليمامة. و نزل أرمین بن نورج بن سام بن نوح إلى أراضي أرمينية فسميت به كما في الأخبار الطوال.
و القول برس اليمامة يروى عن عكرمة. و القول برس الأرمينية و هو القول الحادي عشر یروي عن ابن عباس و أمير المؤمنين علي عليه السلام.
و يؤيد، هجرة جديس من بابل: أن اليمامة أقرب أرض من مملكة الحجاز من طريق النجف، يسار الى الجنوب مستقیما .
و يؤيد، هجرة أرمين إلى أراضي آذربيجان
و أرمينية: أن سفينة نوح كما سبق في «جود» قد نزل في جبل آرارات أو متفرعاته، فأبناء نوح هم استئناس و سوابق بهذه الأراضي.
وأما رواية علي علیه السلام: فقد رواه الصدوق بسند صحيح بل أصح عن أمير المؤمنين عليه السلام. [ثم نقل الرواية المتقدمة عن عيون أخبار الرضا علیه السلام عنه علیه السلام].
فظهر أن أصحاب الرس كانوا ساکنین بنواحي نهر أرس الجاري بأراضي أرمینیا و آذربيجان، و أن هؤلاء كانوا تحت حكومة ملوك إيران، بقرينة أسماء شهور هم بالفارسية.
ولا اشکال فيها، فإن زمان حياة زرادشت كانت فيما بين / 600 إلى / 1700 سنة قبل الميلاد، بل إلى حدود 6000 قبل الميلاد، بناء على اختلاف في زمان حياته، كما أن محل تولده مختلف فيه، يقال: إنه في آذربيجان، و يقال : إنه كان في بلخ، و كذلك في نبوته، و في حقيقة جريان أموره، و كلماته، و دعاویه.
و أما ما روي عن الصادق علیه السلام في الحق أنه في أصحاب الرس: فلا يكون قولا مستقلا ، فإنه راجع إلى خصوصية أعمالهم، و هو ينطبق على كل من الأقوال المذكورة، و يجتمع مع كل منها.
هذا ما تيسر لنا في تحقيق هذا الموضوع بالموازين العلمية الظاهرية، و بعد فالله المحيط عالم حقائق الأمور. (124:4)
مکارم الشيرازي: من هم أصحاب الرس؟
كلمة «رس» في الأصل بمعنى الأثر القليل، فيقال مثلا: «رس الحديث في نفسي » قليل من حديثه في ذاكرتي، أو يقال: «وجد رسا من حمی » يعني: وجد قليلا من الحمى في نفسه. و جماعة من المفسرين اعتقدوا بأن الرس بمعنى البئر.
على أية حال فتسمية هؤلاء القوم بهذا الاسم، إما لأن أثرا قليلا جدا بقي منهم، أو لأنهم كانت لهم آبار كثيرة، أو لأنهم هلكوا و زالوا بسبب جفاف آبارهم.
أما من هم هؤلاء القوم؟ هناك أقوال كثيرة بين المؤرخين و المفسرين. [ثم ذكر الأقوال إلى أن ذکر في نهايتها كلام أمير المؤمنين علیه السلام وأضاف: ]
قرائن متعددة تؤيد مضمون هذا الحديث، لأنه مع وجود ذكر أصحاب الرس في مقابل عاد و ثمود، يكون احتمال أنهم جماعة من هاتين الأمتين بعيدا جدا.
كذلك، فإن وجود هؤلاء القوم في الجزيرة العربية و الشامات و تلك الحدود - وهو الذي احتمله الكثيرون - بعيد أيضا، ذلك لأنه يجب أن يكون له انعکاس في تاريخ العرب بحسب العادة، في الوقت الذي لم نر حتى انعكاسا ضئيلا لأصحاب الرس لديهم.
مضافا إلى ذلك توافقه مع كثير من التفاسير الأخرى، من جملتها: أن الرس كان اسما لبئر «البئر
التي ألقوا فيها نبيهم » أو أنهم كانوا أصحاب زراعة و مواشي و أمثال ذلك.
و ما ورد في رواية عن الإمام الصادق علیه السلام: أن نساءهم کن منحرفات جنسيا و يمارسن المساحقة، الامنافاة له مع هذا الحديث أيضا.
لكن من عبارة «نهج البلاغة، الخطبة: 180» يستفاد أنه كان لهم أكثر من نبي واحد فقط، لأنه علیه السلام يقول: أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين، و أطفأوا سنن المرسلين، و أحيوا سنن الجبارين !؟
و کلام أمير المؤمنين علیه السلام هذا لا يتنافى مع الرواية أعلاه، لأن من الممكن أن الرواية تشير إلى مقطع من تاريخهم، و كان قد بعث نبي فيهم. (226:11)
و بهذا المعنى جاء قوله تعالى:
2 -« کَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوح وَأصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ»ق: 12
الأصول اللغوية
1- الأصل في هذه المادة الرس، وهو البئر المطوية بالحجارة و الجمع: رساس. يقال : رسست رسا، أي حفرت بئرا.
و الرس: بئر كانت لبقية ثمود؛ و منه: حديث الإمام علي علیه السلام: « أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين»(1)؟
ورس الميت: قبر، كأن لحده مطوي بالحجارة.
و الرس: العلامة، لأنها تطوى بالحجارة غالبا.
و الرسة: السارية المحكمة، تشبيها بالرس، أي العلامة.
و الرس: الشيء الثابت، تشبيها بالعلامة، و هو الرسيس أيضا.
والرس: ابتداء الشيء. يقال : سمعت رسا من خبر، أي ابتداؤه. قال ابن فارس: «لأنه يثبت في الأسماع».
و بلغني رس من خبر و ذره من خبر: طرف منه أو شيء منه.
و رس الحديث في نفسه يرسه رسا: حدثها به و منه: حديث إبراهيم النخعي: «إني لأسمع الحديث فأحدث به الخادم أرسه في نفسي »، أي أحدث به نفسي.
و الرسيس: الشيء الثابت الذي قد لزم مكانه؛ و منه: رس الحب و رسيسه: بقيته و أثره. يقال: رس الهوى في قلبه و السقم في جسمه رسا و رسیسا، و أرس، أي دخل و ثبت .
و رس الحمى و رسيسها: بدؤها و أول مسها. يقال: به رسیس من حمى، أي شيء يسير.
وأخذته الحمى برس، إذا ثبتت في عظامه.
1) نهج البلاغة - الخطبة: (182)
والرس في قوافي الشعر: فتحة الحرف الذي قبل حرف التأسيس، لأنها أول لوازم القافية و مبتدؤها، من الراس و الرسيس، أول الحمى .
و الرس: الإصلاح بين الناس و الإفساد أيضا، و هو من الأضداد. قال ابن فارس: « فإنه إثبات عداوة أو مودة ». يقال : رس بینهم يرس رسا، أي أصلح أو أفسد.
2 - و بین مادتي « ر س س » و «رس و » اشتقاق أكبر. قال ابن الأعرابي: «الرس والرسو بمعنى واحد »(1)، وهو الثبات عند ابن فارس.(2)يقال: رس له الخبر: ذكره له، و رسا له رسوا من حدیث: ذكره.
و رس بینهم رسا، و رسا بينهم رسوا: أصلح.
وذكر ابن منظور حديث النخعي في كلتا المادتين ، و الأظهر أنه من « ر س س ». قال الأصمعي: « قوله: أرسه، الرس: ابتداء الشيء؛ و منه قيل للرجل: هو يجد رس الحمى و رسيسها، وذلك حين تبدأ ».(3)
وعقب أبو عبيد قائلا : « فأراد إبراهيم بقوله: أنه في نفسي، يعني أبتدئ بذكر الحديث و درسه في نفسي، و يحدث به خادمه، يستذكر بذلك
الحديث.»(4).
و قال الفراء: « معناه أردده و أعاود ذكره».(5)
الاستعمال القرآني
لم يأت من هذه المادة في القرآن إلا لفظ (الرس) مرتين في آيتين:
1- «وَ عاداً وَ ثَمُودَ وَ أَصْحابَ الرَّسِّ وَ قُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً » الفرقان : 38
2- «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ أَصْحابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ» ق: 12
و فيهما بحوث:
يلاحظ أولا: أنه جاء فيهما بلفظ «أَصْحابَ الرَّسِّ» عطفا في الآية الأولى - على « عاد و ثمود»، و في الثانية على «قوم نوح »، و قد عطفت فيهما عليهم «ثمود».فهؤلاء كانوا من الأقوام المتقدمة، مثل قوم عاد و قوم ثمود وقوم نوح. وقد قص الله تعالى قصصهم في القرآن مرات تفصيلا أو إيجازا كما في هذه الآيات.
1- الأولى: الآية: 38، من سورة الفرقان، في وصف عدد من الأنبياء و أقوامهم، بدء ب « موسی»علیه السلام: « وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ.. »، و ختما ب 39، «وَکُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ... ».
2 - وقد جاءت في النصوص أقوال و آراء في
معرفة«أَصْحابَ الرَّسِّ»و سبب تسميتهم بذلك، و أن« الرَّسِّ» هل هو اسم بئر أو نهر أو غيرهما، وفي بعضها شكوك، فلاحظ، و قد لخصها الطبرسي كما يأتي عنه.
3- و قال الطبرسی(170:4) في «المعني»: «أي و أهلكنا عاد و ثمود «و أَصْحابَ الرَّسِّ»و هو بئر رسوا فيها نبيهم، أي ألقوه فيها، عن عكرمة.
وقيل: إنهم كانوا أصحاب مواش، و هم بئر يقعدون عليها، و كانوا يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم شعيبا، فكذبوه فانهار البئر، و انخسفت بهم الأرض، فهلکوا، عن وهب.
و قيل: الرس: قرية باليمامة، يقال لها: فلج، قتلوا نبيهم فأهلكهم الله، عن قتادة.
وقيل: كان لهم نبي يسمى حنظلة، فقتلوه فأهلكوا، عن سعيد بن جبير و الكلبي.
وقيل: هم أصحاب رس. والرس: بئر بأنطاكية، قتلوا فيها حبيب النجار، فنسبوا إليها، عن كعب و مقاتل.
و قيل: أصحاب الرس كان نساؤهم سحاقات، عن أبي عبد الله - جعفر بن محمد - علیه السلام ».
4- و الثانية: الآية: 12، من سورة ق،. وقد ذكر الله فيها و في الآيتين بعدها عديدا من الأنبياء و أقوامهم أيضا. و قد ذكر الطبرسي (143:5) فيها بشأن«أَصْحابَ الرَّسِّ»نحو ما قاله في الآية الأولى، فلاحظ.
ويلاحظ ثانيا: أن الآيتين كلتيهما مكية، و من جملة القصص.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
البئر: «فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَ هِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَ قَصْرٍ مَشِيدٍ»الحج: 45
الجب: « قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَ أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ»يوسف : 10
54 لفظا، 512 مره، 274 مکیه، 238 مدنیه فی 69 سوره ،45 مکیه،24 مدنیه
ارسل 7: 4-3
فارسلوا 1:1
ارسلت 1:1
أرسلت 2:2
ارسلناه 49:58 -9
آرسلناه 2 :2
ارسلناك 13: 7-6
أرسل 4:4
أرسلوا 1:1
آرسلتم 4:4
أرسلت 3:3
أرسلنا 3:3
یرسیل 13:14 - 1
أرسله 1:1
نرسل 5:5
لنرسلن 1:1
يرسل 1:-1
ارسل 6:6
آرسله 2:2
فارسلون 1:1
مرسل 1:1
مرسلوا 1:1
مرسلين 2: 2
مرسلة 1:1
مرسل 1:1
مرسلا 1:-1
مرسلون 2:2
المرسلون 7:7
المرسلين 23:24 - 1
المرسلات 1:1
رسول 58: 30 - 28
الرسول 58: 8 - 50
الرسوله 84: 2 - 82
رسولهم 3:3
رسولها 1:1
رسولکم 1:2 - 1
رسولی1: -1
رسولنا 4: -4
رسولا 16:23 - 7
رسولا 1:1
رسل 11:14 -3
ارسل 12:20-8
رسله 2:17-15
رسلهم10:12-2
رسلک 1:-1
رسلکم 1:1
رسلی 2:4 - 2
رسلنا 13:17-4
رسلا 4:10-6
رساله 1:1
رسالته 1:2-1
رسالات 4:5-1
رسالاته 1:1
رسالاتی 1:1
النصوص اللغوية
الخليل: الرسل: الذي فيه استرسال و لين .
و ناقة رسلة القوائم، أي سلسة لينة المفاصل.
و الرسل: جماعات الإبل.
والرسل: القطيع من كل شيء؛ و جمعه: أرسال.
والرسل: يذكر ويؤنث.
والرسل: الهيئة والسكون. يقال: تكلم على رسلك.
والرسل: اللبن.
والاسترسال إلى شيء كالاستئناس والطمأنينة يقال: غبن المسترسل إليك ربا .
والترسل في الأمر و المنطق: كالتمهل والتوقر والتثبت.
و الرسول بمعنى الرسالة يؤنث ويذكر، فمن أنت جمه: أرسلا.
و الرسل: جمع الرسول، و في لغة: هي رسول و هن رسول.
و الرسائل: جمع الرسالة.
وامرأة مراسيل: كان لها زوج، و الخطاب یراسلونها الخطبة.
و ناقة مرسال: و هي الرسلة القوائم، الكثيرة شعر الساقين، الطويلة. [و استشهد بالشعر 4 مرات]
(240:7)
الكسائي: يقال: امرأة مراسل، وهي التي مات عنها زوجها، أو طلقها. (الأزهري 12: 393)
اليزيدي: الترتيل في القراءة و الترسیل واحد، و هو التحقيق بلاعجلة. (الأزهري 12: 394)
أبو عمرو الشيباني: إنه لذو رسلة : ترسل.(301 :1)
الرسيل: الماء العذب. [ثم استشهد بشعر]
(1:2)
الرسل: اللبن. [ثم استشهد بشعر]
(15:2)
أبو عبيدة: الرسول من قولك: جاءت الخيل رسلا، أي متتابعة، و يكون للاثنين و الجميع بلفظ واحد. (الهروي 3: 740)
أبوزيد: الرسل، بسكون السين: الطويل المسترسل، و قد رسل رسلا و رسالة. (الأزهري 12: 393)
أرسل القوم فهم مرسلون: إذا كان لهم رسل، و هو اللبن. (الأزهري 12: 394)
أبو عبيد: في حديث: «.... إلا من أعطى في نجدتها و رسلها »
معناه: إلا من أعطى في إبله مايشق عليه عطاؤه، فيكون نجدة عليه، أي شدة، أو يعطي ما يهون عليه عطاؤه منها، فيعطي ما يعطي مستهينا به على رسله. (الأزهري 12: 392)
ابن الأعرابي: في قوله [الحديث: ]«إلا من أعطى في رسلها »، أي بطيب نفس منه. و الرسل في غير هذا: اللبن. (الأزهري 12: 392)
العرب تسمي المراسل في الغناء و العمل: المتالي. (الأزهري 12: 394)
عن خالدبن جنبة: الترسل في الكلام: التوفر
و التفهم والترفق، من غير أن يرفع صوته شدیدا.
و الترسل في الركوب: أن يبسط الدابة ثم ترخي ثيابه على رجليه حتى يغيبهما.
والترسل في القعود: أن يتربع، و أن يرخي ثيابه على رجليه حوله.
عن أبي هريرة قال: تزوج رجل من الأنصار امرأة مراسلا يعني ثيبا، فقال النبي صلی الله علیه و آله: « فهلا تزوجت بکرا تلاعبها و تلاعبك».
«المراسل »: التي طلقت مرات، فقد بسأت بالطلاق، فهي لا تباليه. يقول: فهبيرة قد بسأ بأن يقتل له قتيل ولا يطلب بثأره، فتعود ذلك، مثل هذه المرأة التي بسأت بالطلاق، أي أنست به. (الأزهري 12 : 395)
ابن السكيت: الرسل: رسل الحوض الأدي.
الرسل: الإبل التي تجيء إلى الحوض، وهو الصغير منهن، و هن مابين خمس إلى عشر إلى خمس و عشرين.
وقال أبو سمع: و يكنرسلا أيضا حيث ما کن، و إن لم يكن على الحوض.
والأرسال: جماعة رسل، فهن أكثر من الرسل ثلاث مرات أقل ذلك. (59)
المراسيل: التي قد مات زوجها أو طلقها، فهي تراسل الرجال. (378)
يقال: بعير رسل و ناقة رسلة، إذا كانا سهلي السير. و شعر رسل، إذا كان مستر سلا.
والرسل: اللبن. ويقال :افعل كذا و كذاعلی رسلك، جميعا مکسوران، أي اتئد فيه. (إصلاح المنطق : 18)
الرسل من الإبل و الغنم: ما بين عشر إلى خمس وعشرين.(الأزهري 12: 393)
ابن قتيبة : [في الحديث : ]« و لنا نعم أغفال لاتبض ببلال، و وقير قليل الرسل كثير الرسل...».
«الوقير »: الغنم، و الرسل: اللبن، و الرسل: ما يرسل منها إلى المرعي، يريد أنها كثيرة العدد، قليلة اللبن . (الخطابي 1: 713)
المبرد: الفرق بين إرسال الله جل و عز أنبياءه، و إرساله الشياطين على أعدائه، في قوله : « أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا » مريم : 83، أن إرساله الأنبياء إنما هو وحيه إليهم أن أنذروا عبادي، و إرساله الشياطين على الكافرين تخليتهم و إياهم، كما تقول: كان في يدي طائر فأرسلته، أي خليته و أطلقته. (الأزهري 12: 394)
ابن دريد: الرسل: السهل السريع.
ناقة رسلة: سريعة رجع اليدين.
والرسل: اللبن.
واختلفوا في الحديث: «إلا من أعطی من رسلها و نجدتها»، فقال قوم: من رسلها. و الأعلى فتح الراء، أي في الشدة والرخاء.
و إذا تكلم الرجل قلت: على رسلك، أي أرود قليلا.
و الراسلان: عرقان في الكتفين، أو هما الكتفان بعينهما.
وجاءت الإبل أرسا، أي يتبع بعضها بعضا، و كذلك الخيل أيضا.
والرسول: معروف؛ و الجمع : رسل و أرسل.والرسالة: ما حمله الرسول، والجمع: رسائل.
و رسيل الرجل : الذي يقف معه في نضال أو نحوه.
و إبل مراسيل: سراع؛ و أحسب واحدها: مرسالا
و امرأة مراسل، قالوا: هي التي تزوجت زوجين أو ثلاثة. وقال آخرون: بل هي المسنة و فيها بقية شباب.
والمرسلة: قلادة طويلة تقع على الصدر.
و الرسل: البقية و القليل من الشيء. (2: 335)
و يقال: نحن في رسلة من العيش: صالح. (460:3)
يجمع مابين الثلاثة إلى العشرة على « أفعلة»، و يجمع على «فعل» نحو رسول و رسل و ثمار و ثمر جمع الجمع، و يخفف فيقال: رسل و ثمر. (509:3)
ابن الأنباري: في قول المؤذن: « ... أشهد أن محمدا رسول الله » الرسول معناه في اللغة: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذ من قولهم : جاءت الإبل رسلا، أي متابعة.(الأزهري 391:12)
القالي: الرسل: اللبن.
و كذلك أيضا الرسل في المشي بكسر الراء، و هو الهين الرفيق.
والرسل بفتح الراء و الستين: الإبل. [و استشهد بالشعر 3 مرات]
(210:1)
الأزهري: قول الله عز وجل: « فقولا انا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ »الشعراء: 16، سمي الرسول رسولا، لأنه ذو رسول، أي ذو رسالة .
والرسول: اسم من أرسلت، و كذلك الرسالة.
ويقال : جاءت الإبل أرسالا، إذا جاء منها رسل بعد رسل.
والإبل إذا وردت الماء وهي كثيرة، فإن القيم بها يوردها الحوض رسلا بعد رسل، و لا يوردها جملة، فتزدحم على الحوض، ولا تروى.
و الرسل : قطيع من الإبل قدر عشر، ترسل بعد قطيع.
وسمعت العرب تقول للفحل العربي يرسل في الشول ليضربها: رسیل. يقال: هذارسیل بني فلان، أي فحل إبلهم، و قد أرسل بنو فلان رسيلهم، أي فحلهم، كأنه فعيل، بمعنى مفعل، من أرسل.
يقال: كثر الرسل العام، أي كثر اللبن.
و إذا أورد الرجل إبله متقطعه قيل: أوردها أرسالا. فإذا أوردها جماعة قيل: أوردها عراکا.
وفي حديث فيه ذكر السنة: « و وقیر کثیر الرسل، قليل الرسل».
قوله: « كثير الرسل»، يعني الذي يرسل منها إلى الرعي كثير. أراد أنها كثيرة العدد قليلة اللبن.
وفي حديث أبي هريرة: «أن رجلا من الأنصار تزوج امرأة مراسلا » يعني ثيبا.
وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: « رأيت في عام كثر فيه الرسل البياض أكثر من السواد، ثم رأيت بعد ذلك في عام كثر فيه التمر السواد أكثر من البياض».
الرسل »: اللبن، و هو البياض إذا كثر قل التمر، و هو السواد.
وأهل البدو يقولون: إذا كثر البياض قل السواد، و إذا كثر السواد قل البياض.
ويقال : هي رسولك.
و ناقة مرسال: رسلة القوائم، كثيرة شعرالساقين، طويلة.
والمرسلة: القلادة فيها الخرز و غيرها.
ويقال: جاريه رسل، إذا كانت صغيرة لاتختمر.
و حدیث مرسل، إذا كان غير متصل الإسناد؛ و جمعه: مراسيل.
الخراز بن الأعرابي: أرسل القوم، إذا كثر رسلهم، و هو اللبن.
وأرسلوا إبلهم إلى الماء إرسالا ، أي قطعا.
و استرسل، إذا قال: أرسل إلى الإبل أرسالا .
و رجل مرسيل: كثير الرسل و اللبن و الشرب. (391:12)
الصاحب: الرسل: الذي فيه لين و استرسال. و ناقة مرسال: رسلة القوائم، أي سلسة لينة المفاصل.
و الرسلة: الطويلة، و كل طويل: رسل.
و تكلم على رسلك و رسلتك، أي هینتك.
و الرسل: اللبن، و في الحديث: « أعطی من رسلها و نجدتها»، و قيل: ذوات اللبن، و قيل: طيب النفس.
و أرسل القوم: صار لهم رسل.
و رسلت فلاني: سقيتها الرسل.
والاسترسال إلى الشيء: كالطمأنينة إليه.
و الترسل: من الرسل في الأمر.
و الرسل: القطيع من كل شيء؛ و الجميع: أرسال.
و أرسل القوم: صاروا ذوي أرسال.
وجارية رسل: لم تختمر، و هي صغيرة.
والرسالة: معروفة؛ و جمعها: رسائل.
والرسول: جمعه رسل. و يقولون: هي رسولك و هن رسولك.
و وجهت إليك رسلا، أي أرسا متتابعة؛ واحدها: رسل.
وامرأة مراسل: كان لها زوج فمات. والخطاب یراسلونها. وهي أيضا: الكثيرة شعر الساقين طويلته.
و المرسلات في القرآن: هي الخيل، وقيل: الرياح.
والراسلتان: هما الوابلتان في العضد. وقيل: عرقان في الكتفين.
و الرسيل: الواسع، و الشيء الطفيف أيضا.
و رسیل الرجل: الذي يقف معه في نضال.
والترسیل و الترتيل: واحد.
في حديث الفتاك: «لا يكون الفتى مرسالا » و هو الذي يرسل القمة في الحلق. و قيل: هو الذي يرسل الغصن من يده إذا مضى في موضع شجير ليصيب صاحبه. (8: 303)
الخطابي: في حديث النبي صلی الله علیه و آله: « أن الناس دخلوا عليه بعد موته أرسالا أرسالا يصلون عليه».
قوله : « أرسالا»، يريد أفواجا و فرقا متقطعة.
قال أبو عبيدة: إذا أورد الرجل إبله متقطعة.
قالوا: أوردها أرسالا. [ثم استشهد بشعر]
وإذا أوردها جماعة قالوا: أوردها عراکا .
و واحد الأرسال: رسل، كما قيل لمانشرته: نشر، و لما أسبلته: سبل. (169:1)
[في حديث ]: «... و يصيب من جرزها و رسلها و عوارضها».
« والرسل »: اللبن. (157:3)
الجوهري: شعر رسل، أي مستريل.
و بعير رسل، أي سهل السير. وناقة رسلة.
وقولهم: افعل كذا و كذا على رسلك بالكسر،أي اتئد فيه، كما يقال: على هينتك.
ومنه الحديث: «إلا من أعطى في نجدها و رسلها » يريد الشدة والرخاء. يقول: يعطي و هي سمان حسان يشتد على مالكها إخراجها، فتلك تنجدها، و يعطي في رسائلها و هي مهازيل مقاربة.
و الرسل أيضا: اللبن. وقد أرسل القوم، أي صار لهم اللبن من مواشيهم.
و الرسل بالتحريك: القطيع من الإبل والغنم؛ والجمع: الأرسال.
ويقال: جاءت الخيل أرسالا، أي قطيعا قطيعا. و راسله مراسلة فهو مراسیل و رسيل.
و امرأة مراسيل، وهي التي يموت زوجها أو أحست منه أنه يريد تطليقها، فهي تتزين لآخر و تراسله.
و أرسلت فلانا في رسالة، فهو مرسل و رسول؛ والجمع: رسل و رسل.
و المرسلات: الرياح، و يقال: الملائكة.
والرسول أيضا: الرسالة.
وقوله تعالى: « إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ » الشعراء : 16، و لم يقل:رسل رب العالمين، لأن فعولا وفعیلا يستوي فيهما المذكر والمؤنث، و الواحد و الجمع، مثل عدو وصديق.
و المرسال: سهم قصير. و المرسال: الناقة السهلة السير، و إبل مراسيل.
و رسیل الرجل: الذي يراسله في نضال أو غيره.
و قوائم البعير: رسال.
و استرسل الشعر ، أي صار سبطا.
واسترسل إليه، أي انبسط و استأنس.
و ترسل في قراءته، أي اتادفيها. [و استشهد بالشعر 5 مرات ]
(1708:4)
ابن فارس : الراء و السين و اللام أصل واحد مطرد منقاس، يدل على الانبعاث و الامتداد.
فالرسل: السير السهل. وناقة رلة: لا تكلفك سياقا. وناقة رلة أيضا: لينة المفاصل. و شعر رسل، إذا كان مسترسلا.
و الرسل: ما أرسل من الغنم إلى الرعي. والرسل: اللبن، و قياسه ما ذكرناه، لأنه يترتل من الضرع.
و من ذلك حديث طهفة بن أبي زهير النهدي، حين قال: «و لنا و قير کثير الرسل، قليل الرسل».یرید بالوقير: الغنم، يقول: إنها كثيرة العدد، قليلة اللبن. و الرسل: القطيع هاهنا.
ويقال : أرسل القوم، إذا كان لهم رسل، وهو اللبن.
و رسیل الرجل: الذي يقف معه في نضال أو غيره، كأنه سمي بذلك، لأن إرساله سهمه يكون مع إرسال الآخر.
و تقول: جاء القوم أرسالا: يتبع بعضهم بعضا، مأخوذ من هذا، الواحد: رسل.
و الرسول معروف.
و إبل مراسیل، أي سراع.
والمرأة المراسيل: التي مات بعلها فالخطاب يراسلونها.
و تقول: على رسلك، أي على هينتك، و هو من الباب، لأنه يمضي مرسلا من غير تجشم
و أما «إلا من أعطى في نجدتها و رسلها»، فإن النجدة الشدة. يقال : فيه نجدة، أي شدة.[ ثم استشهد بشعر]
و الرسل: الرخاء. يقول: ينيل منها في رخائه و شدته.
و استرسلت إلى الشيء، إذا انبعثت نفسك إليه و أنست.
و المرسلات: الرياح. و الراسلان: عرقان. (392:2)
أبوهلال: الفرق بين الإرسال و الإنفاذ: أن قولك: أرسلت زيدا إلى عمرو، يقتضي أنك حملته رسالة إليه أو خبرا وما أشبه ذلك، و الإنفاذ لا يقتضي هذا المعنى. ألا ترى أنه إن طلب منك إنفاذ زيد إليه فأنفذته إليه، قلت: أنفذته، و لا يحسن أن تقول: أرسله، و إنما يستعمل الإرسال حيث يستعمل الرسول.
الفرق بين البعث والإرسال: أنه يجوز أن يبعث الرجل إلى الآخر الحاجة يخصه دونك و دون المبعوث إليه، كالصبي تبعثه إلى المكتب، فتقول: بعثته و لاتقول: أرسلته،لأن الإرسال لا يكون إلا برسالة و ما يجري مجراها.
الفرق بين الرسول و النبي: أن النبي لا يكون إلا صاحب معجزة، و قد يكون الرسول رسولا لغير الله تعالى، فلا يكون صاحب معجزة.
و الإنباء عن الشيء، قد يكون من غير تحميل النبا، و الإرسال لا يكون بتحميل.
و النبوة يغلب عليها الإضافة إلى النبي، فيقال: نبوة النبي، لأنه يستحق منها الصفة التي هي على طريقة الفاعل. و الرسالة تضاف إلى الله، لأنه
المرسل بها، و لهذا قال: برسالتي ولم يقل: بنبوتي.
و الرسالة: جملة من البيان يحملها القائم بها، ليؤديها إلى غيره. و النبوة تكليف القيام بالرسالة، فيجوز إبلاغ الرسالات، ولا يجوز إبلاغ النبوات.
الفرق بين المرسل و الرسول: أن المرسل يقتضي إطلاق غيره له، و الرسول يقتضي إطلاق لسانه بالرسالة. (222)
الهروي: في الحديث: « إلا من أعطى في نجدتها و رسلها »
قوله: «رسلها » فيها قولان:
قال أبو عبيد : معنى قوله: « و رسلها » أي و هي قليلة اللحم و الشحم و اللبن، فنحرها يهون عليه، و بذلها لايشفق منه. و هذا كقولهم: قال فلان: كذا على رسله، أي على استهانة منه بالقول، فكان وجه الحديث: إلا من أعطى في هزالها و سمنها، أي في حال الضن بها لسمنها، و حال هوانها عليه، لهزالها، كما تقول في المنشط والمكره.
والقول الآخر: «و رسلها»: لبنها، قال أبو عبيد : قد علمت أن الرسل اللبن، و ليس له في هذا الحديث معنى.
وقال غيره: له معنى فيه، لأنه ذكر الرسل بعد النجدة على جهة التفخيم للإبل، فجرى مجرى قولهم: إلا من أعطى في سمنها و لحسنها و وفور لبنها.
هذا كله يرجع إلى معنى واحد، و لم یذکر الهزال، لأن من بذل حق الله تعالى من المضنون به، كان إلى إخراجه مما تهون عليه أسرع، و ليس لذكر الهزال بعد السمن معنى، لوضوح المعنى و بیانه.
وفي الحديث: «كان في كلامه ترسیل و ترسل »، يقال : ترسل الرجل في مشيته و كلامه، إذا لم يعجل. و الترسیل و الرسل واحد، و الرسل من القول: اللين الخفيض. ثم استشهد بشعر]
(741:3)
الثعالي: لا يقال : مغلغلة، إلا إذا كانت محمولة من بلد إلى بلد، وإلا فهي رسالة. (51)
الرسل: الجارية الصغير. [ثم استشهد بشعر)]
(58)
العرب تسمي الشيء باسم غيره، إذا كان مجاورا له، أو كان منه بسبب، کتسميتهم المطر بالسماء، لأنه منها ينزل، و في القرآن: «يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْکُمْ مِدْرَاراً » نوح: 11، أي المطر، و كما قال جل اسمه : « إِنّی أَرَینِی أَعْصِرُ خَمْرًا » يوسف : 36، أي عنبا. (326)
ابن سيده: الرسل: القطيع من كل شيء؛والجمع: أرسال.
والرسل: الإبل، هكذا حكاه أبوعيد من غير أن يصفها بشيء.
والرسل: قطيع بعد قطيع.
و رسل الحوض الأدني: ما بين عشر إلى خمس وعشرين، يذكر ويؤنث. وجاؤوا رسله رسلة، أي جماعة جماعة.
و الرسل و الرسلة: الرفق والتودة.
و الترسل: کالرسل.
و سیر رسل: سهل.
و استرسل الشيء: سلس.
و ناقة رسلة: سهلة السير، و جمل رسل كذلك، وقد رسل رسلا و رسالة.
و شعر رسل: مسترسل.
و ناقة مرسال: رسلة كثيرة الشعر في ساقيها.
و رجل فيه رسلة، أي كسل.
وهم في رسلة من العيش، أي لين.
والإرسال: التوجيه، و قد أرسل إليه؛ و الاسم: الرسالة و الرسالة، والرسول و الرسيل، الأخيرة عن ثعلب.
و تراسل القوم: أرسل بعضهم إلى بعض.
و الرسول: الرسالة، و المرسل؛ و الجمع: أرسل ورسل و رسلاء، الأخيرة عن ابن الأعرابي. وقد يكون للواحد و الجميع و المؤنث بلفظ واحد.
و الرسيل: الموافق لك في النضال و نحوه.
والمراسيل من النساء التي تراسل الخطاب.
وقيل: هي التي فارقها به زوجها بأي وجه کان، و قيل المراسل: التي قد أسنت و فيها بقية شباب؛ و الاسم: الرسال.
وأرسل الشيء: أطلقه و أهمله.
و المرسلات في التنزيل: الرياح، و قيل: الخيل، وقال ثعلب : الملائكة.
و المرسلة: قلادة تقع على الصدر.
و الرسل: اللبن ما كان.
و أرسل القوم: کثر رسلهم.
والرسل ذوات اللبن. والرسلان من الفرس: أطراف العضدين.
و الراسلان: الكيفان، وقيل: عرقان فيهما، وقيل : الوابلتان.
وألقى الكلام على رسیلاته، أي تهاون به.
والرسیلی، مقصور: دویبة.
و أم رسالة: الرخمة. و استشهد بالشعر 5 مرات ]
(472:8)
الرسول: الرجل يبعث في رسالة يؤديها، وقد أرسله.
و راسل فلان فلانا: أرسل إليه رسولا أو رسالة. (الإفصاح 1: 276)
و رسول الله: من يبعثه الله بشريعة، يعمل بها ويبلغها لأمته.
والرسالة: هي هذه الشريعة.
والرسول: يكون بمعنى الشخص المرسل، فیثنی و يجمع، و يكون بمعنى الرسالة، فيجوز استعماله بلفظ واحد للمثتی و الجمع، كما يفعل بالمصادر . وجمع الرسول: رسل و رسل و أرسل.
(الإفصاح 2: 1264)
الراغب: أصل الرسل: الانبعاث على التؤدة. ويقال : ناقة رسلة: سهلة السير.
و إبل مراسيل: منبعثة انبعاثا سهلا، و منه: الرسول المنبعث.
و تصور منه تارة الرفق، فقيل: على رسلك، إذا
أمرته بالرفق، و تارة الانبعاث، فاشتق منه الرسول، والرسول يقال تارة: للقول المتحمل.
وتارة لمتحمل القول. و الرسالة، والرسول يقال: للواحد و الجمع، قال تعالى: «لَقَد جآءَ کُم رَسولٌ مِن اَنفُسِکُم» التوبة : 128، «فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ » الشعراء : 16.
وجمع الرسول: رسل.
و رسل الله تارة يراد بها: الملائكة، وتارة يراد بها: الأنبياء، فمن الملائكة قوله تعالى:«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ کَرِيمٍ » التكوير : 19.[ و ذكر الآيات إلى أن قال : ]
و من الأنبياء قوله: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ »آل عمران: 144.[إلى أن قال: ]
وقوله: « وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» الأنعام : 48، فمحمول على رسله من الملائكة و الإنس. [ إلى أن قال:]
و الإرسال يقال: في الإنسان و في الأشياء المحبوبة و المكروهة، و قد يكون ذلك بالتسخير كإرسال الريح و المطر، نحو: «وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا » الأنعام : 6، وقد يكون ببعث من له اختیار، نحو إرسال الرسل، قال تعالى: « وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» الأنعام : 61، «فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ » الشعراء : 53، وقد يكون ذلك بالتخلية، و ترك المنع، نحو قوله: « أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا » مریم : 83 .
والإرسال يقابل الإمساك، قال تعالى: «مایَفْتَحِ اللّهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَهٍ فَلامُمْسِکَ لَها وَما یُمسِکْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِه » فاطر : 2.
والرسل من الإبل والغنم: مايسترسل في السير، يقال: جاؤوا أرسالا، أي متتابعين.
والرسل: اللبن الكثير المتتابع الدر. [و استشهد بالشعر مرتين ]
(195)
الزمخشري: راسله في كذا.
و بينهما مکاتبات و مراسلات.
و تراسلوا.
و أرسلته برسالة و برسول.
و أرسلت إليه أن أفعل كذا.
و أرسل الله في الأمم رسلا .
و أرسل الفحل في الإبل.
وأرسل كلبه و صقره على الصيد.
وأرسل يده عن يده بعد المصافحة.
و وجهت إليه رسلي أرسالا متتابعة: رسلا بعد رسل: جماعة بعد جماعة.
و هو رسيله في الغناء و النضال و غير ذلك.
و راسله الغناء، و هذا رسيلك الذي يراسلك الغناء، أي يباريك في إرساله.
و استرسل الشيء، إذا تسلس.
و استرسل الشعر.
ولايجب غسل ما استرسل من شعر اللحية و من الذؤابة.
و في مشية هذه الدابة استرسال، إذا لم يكن فيها سرعة.
وسار سيرا رسلا.
وجمل رسل، و ناقة رسلة، و رجل رسل: فيه لين و استرسال.
وثوق مراسيل: رسلات القوائم، و ناقة مرسال.
و شعر رسل: مسترسل.
وهذه الطاحنة تطحن طحنا رسلا.
وعلى رسلك: على هینتك، أي أرود قليلا، كما تقول: رویدك.
وجاء فلان على رسله: علی تؤدته.
و ما بها رسل: لبن.
وأرسل القوم: عاد لهم رسل.
و رسلت فضلاني: سقيتها الرسل.
و امرأة مراسل: مات بعلها فبينها و بين الخطاب مراسلة.
و في عنقها مرسلة، و في أعناقهن مراسل: قلائد.
و ترسل في قراءته: تمهل فيها و توقر.
و « إذا أذنت فترسل»، و رسل قراءته: رتلها.
و من المجاز: أرسل الله عليهم العذاب.
وأرسله الله عن يده: خذله.
و أنا أسترسل إلى فلان: أنبسط إليه.
والسهام رسل المنايا.
و ظلنا نتراسل بالألحاظ.
و تقول: القبيح سوء الذکر رسیله، و سوء العاقبة زميله. (أساس البلاغة : 162)
النبي صلی الله علیه و اله« قالت له امرأة: إني ابتغت غنما أبتغي نسلها، و رسلها، و إنها لا تنمو...».
«الرسل »: اللبن، و أرسلوا، إذا كثر عندهم الرسل.
و رسلت فصلاني، سقيتها إياه. (الفائق55:2)
عمر: «قال لمؤذن بیت المقدس: إذا أذنت فترسل، و إذا أقمت فأحذم».
يقال: ترسل في قراءته، إذا تأدفيها و تثبت في طلاقة. و حقيقة الترسل تطلب الرسل، و هو الهينة والسكون، من قولهم: على رسلك. (الفائق 2: 56)
[في حديث طهفة النهدي]: «... و لنا نعم همل أغفال، ما تبض ببلال، و وقير کثير الرسل، قليل الرسل...».
الرسل: ما يرسل إلى المرعی؛ و جمعه: أرسال.
والرسل: اللبن، أي هي كثيرة العدد قليلة اللبن.
و قيل: الرسل: التفرق و الانتشار في المرعی لقلة النبات و تفرقه. (الفائق 2: 277 ، 280)
المديني: في الحديث : « كان في كلامه ترسیل » يقال: ترسل الرجل في كلامه و مشيه، إذا لم يعجل. و الترسیل و الترتيل واحد، والرسل من القول: الخفيض. [ثم استشهد بشعر]
في الحديث: «أيما مسلم استرسل إلى مسلم فغبنه فهو كذا».
وفي حديث آخر: «غبن المسترسل ربا».
الاسترسال:الانبساط والاستئناس و الطمأنينة إلى الشيء.
والرسل: السكون.
و في الحديث: « إذا أذنت فترسل ». أي أطلب
الرسل و تمكث. (760:1)
ابن الأثير: منه الحديث : « إني فرط لكم على الحوض، و إنه سيؤتي بكم رسلا رسلا فترهقون عني » أي فرقا. و الرسل: ما كان من الإبل والغنم من عشر إلى خمس و عشرين. وقد تكرر ذكر « الأرسال » في الحديث.
ومنه حديث طهفة: « و وقیر کثیر الرسل قليل الرسل» يريد أن الذي يرسل من المواشي إلى الرعي كثير العدد، لكنه قليل الرسل، وهو اللبن، فهو فعل بمعنى مفعل، أي أرسلها فهي مرسلة.
قال الخطابي: هكذا فسره ابن قتيبة. و قد فسره العذري، وقال: كثير الرسل، أي شديد التفرق في طلب المرعی. و هو أشبه، لأنه قال في أول الحديث: «مات الودي و هلك الهدي» يعني الإبل، فإذا هلكت الإبل مع صبرها و بقائها على الجدب، کیف تسلم الغنم و تنمي حتى يكثر عددها؟ وإنما الوجه ما قاله العذري، فإن الغنم تتفرق و تنتشر في طلب المرعی لقلته.
وفي حديث الزكاة : « إلا من أعطى في نجدتها و رسلها »
النجدة »: الشدة. و الرسل بالكسر: الهينة والتأني. [ثم نقل كلام الجوهري و الأزهري وقال: ]
قلت: و الأحسن و الله أعلم - أن يكون المراد بالنجدة: الشدة والجدب، و بالرسل: الرخاء و الخصب، لأن الرسل: اللبن، و إنما يكثر في حال الرخاء و الخصب، فيكون المعنى أنه يخرج حق الله في حال الضيق والسعة، و الجدب و الخصب، لأنه إذا أخرج حقها في سنة الضيق والجذب كان ذلك شاقا عليه، فإنه إجحاف به، و إذا أخرجها في حال الرخاء كان ذلك سهلا عليه.
ولذلك قيل في الحديث: یا رسول الله وما نجدها و رسلها؟ قال: عسرها ویسرها، فسمی النجدة عسرا و الرسل يسرا، لأن الجذب عسر والخصب يسر. فهذا الرجل يعطي حقها في حال الجذب والضيق، و هو المراد بالنجدة، و في حال الخصب والسعة، و هو المراد بالرسل. والله أعلم.
وفي حديث صفية: «فقال النبي صلی الله علیه و آله: علی رسلكما» أي اثبتا و لا تعجلا. يقال لمن يتأنى و يعمل الشيء على هينته. وقد تكررت في الحديث. (222:2)
الفيومي: شعر رسل وزان « فلس» أي سبط مسترسل. وقال الأزهري: طویل مسترسل. و رسل رسلا، من باب « تعب ».
و بعير رسل: لين السير، و ناقة رسلة.
والرسل بفتحتين: القطيع من الإبل؛ و الجمع: أرسال، مثل: سبب و أسباب، و شبه به الناس فقيل: جاؤوا أرسالا، أي جماعات متتابعين.
و أرسلت رسولا: بعثته برسالة يؤديها، فهو فعول بمعنى مفعول.
يجوز استعماله بلفظ واحد للمذكر والمؤنث و المثتي و المجموع، و يجوز التثنية والجمع، فيجمع علی: ژل بضمتين، و إسكان السين لغة.
وأرسلت الطائر من يدي، إذا أطلقته.
و حدیث مرسل: لم يتصل إسناده بصاحبه.
وأرسلت الكلام إرسالا: أطلقته من غير تقييد.
و ترسل في قراءته : بمعنى تمهل فيها. قال اليزيدي: الترسل و الترسيل في القراءة، هو التحقيق بلاعجلة.
و تراسل القوم: أرسل بعضهم إلى بعض رسولا أو رسالة؛ و جمعها: رسائل.
ومن هنا قیل: تراسل الناس في الغناء، إذا اجتمعوا عليه، يبتدئ هذا ويمد صوته، فيضيق عن زمان الإيقاع فيسكت، و يأخذغيره في مد الصوت، و يرجع الأول إلى النغم، و هكذا حتى ينتهی.
يقال: راسله في عمله، إذا تابعه فيه، فهو رسيل.
و لاترال في الأذان، أي لا متابعة فيه، والمعنى:
الا اجتماع فيه.
و تقول: على رسلك بالكسر ، أي على هينتك . (226:1)
الجرجاني: الرسالة هی المجلة المشتملة على قليل من المسائل التي تكون من نوع واحد، والمجلة هي الصحيفة يكون فيها الحكم.
الرسول: إنسان بعثه الله إلى الخلق لتبليغ الأحكام.
الرسول في اللغة : هو الذي أمره المرسل بأداء الرسالة بالتسليم أو القبض. .
قال الكلي و الفراء: كل رسول نبي من غيرعکس. وقالت المعتزلة: لا فرق بينهما، فإنه تعالى خاطب محمد ا مرة بالنبي، و بالرسول مرة أخرى. (49)
المرسلة من الأملاك : هي التي ادعاها ملكا مطلقا، أي مرسلا عن سبب معين، و كذلك المرسلة من الدراهم. (91)
الفيروزابادي: الرسل، محركة: القطيع من كل شيء؛ جمعه: أرسال، و الإبل، أو القطيع منها و من الغنم.
و بالكسر : الرفق والتؤدة، كالرسلة و الترسل، واللبن ما كان.
و أرسلوا: كثر رسلهم، کرسلوا ترسیلا،و صاروا ذوي رسل، أي قطائع.
و طرف العضد من الفرس.
و بالفتح: السهل من السير، والبعير السهل السير، وهي: بهاء، وقد رسل، کفرح، رسلا و رسالة، و المسترسل من الشعر، و قد رسل، کفرح، رسلا و رسالة.
والرسلة، بالفتح: الكسل.
و ناقة مرسال: سهلة السير من مراسيل.
ولا يكون الفتي مرسالا، أي مرسل اللقمة في حلقه، أو مرسل الغصن من يده ليصيب صاحبه.
و المرسال أيضا: سهم صغير.
والإرسال: التسليط، و الإطلاق، و الإهمال، والتوجيه؛ و الاسم: الرسالة، بالكسر والفتح، و كصبور و أمير.
والرسول أيضا: المرسل؛ جمعه: أرسل و رسل و رسلاء، و الموافق لك في النضال و نحوه.
و «انا رسول رب العالمين »الشعراء : 16، لم يقل: رسل، لأن فعولا وفعیلا يستوي فيهما المذكر والمؤنث، و الواحد و الجمع.
و تراسلوا: أرسل بعضهم إلى بعض.
والمراسيل: المرأة الكثيرة الشعر في ساقيها الطويلته، کالرسلة، والتي تراسل الخطاب، أو التي فارقها زوجها، أو أسنت، أو مات زوجها، أو أحسست منه الطلاق فتزينت لآخر و تراسله، و فيها بقیه.
الراسلان: الكتفان، أو عرقان فيهما - و غلط من قال : عرقا الكفين -أو الرابلتان.
وألقى الكلام على رسيلاته: تهاون به. والرسيلاء دويبة.
وأم رسالة، بالكسر: الرخمة.
و كأمير: الواسع، و الشيء اللطيف، والفحل، والمراسل، و الماء العذب.
وجارية رسل، بضمتين: صغيرة لاتختمر . و الترسيل في القراءة: الترتيل.
و رسلت فصلاني ترسیلا: سقيتها الرسل.
والمرسلة، كمكرمة: قلادة طويلة تقع على الصدر، أو القلادة فيها الخرز و غيرها.
والأحاديث المرسلة: التي يرويها المحدث إلى التابعي، ثم يقول التابعي: قال رسول الله صلی الله علیه و آله ولم يذکر صحابیا.
و استرسل، أي قال: أرسل الإبل أرسالا، و إليه: انبسط و استأنس، والشعر: صار سبطا.
و ترسل في قراءته: اتاد.
و ککتاب: قوائم البعير.
و المرسلات: الرياح، أو الملائكة، أو الخيل. (395:3)
الطريحي: الرسول: واحد الرسل، و هو الذي يأتيه جبرئیل علیه السلام قبلا و يكلمه.
وفي الحديث: «يجزي من القول في الركوع والسجود ثلاث تسبیحات في ترسل» أي تأن و تمهل. يقال: ترسل في قراءته: إذا تمهل فيها ولم يعجل.
و على رسلك، أي هينتك.
والرسل بالكسر: الرفق والتؤدة؛ و منه ترسل في رأي، أي اتاد.
والاسترسال: الاستئناس و الطمأنينة إلى الإنسان، والثقة به فيما يحدثه، و أصله: السكون والثبات.
ومنه الحديث: « أيما مسلم استرسل إلى مسلم فغبنه فهو كذا».
و منه: «غبن المسترسل سحت»، و منه: « غبن المسترسل ربا».
و منه: «لا تثق بأخيك كل الثقة فإن سرعة الاسترسال لن تستقال » كأن المراد يعرض له ما يثنيه عنك.
و منه « لا تثني عنانك إلى استرسال فيسلمك
إلى عقال »
وفي حديث وصفه صلی الله علیه و آله: « إذا التفت التفت جميعا من شدة استرساله » أي انبساطه ولينه. يقال: استرسل إليه، أي انبسط و استأنس.
وفي الحديث: « إذا ذبحت فأرسل» يريد للطير خاصة.
و فيه: « كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة » لعل المراد: المرسلة الأطراف.
والدابة المرسلة: التي ليست بمربوطة.
وأرسل يديه، أي أرخاهما جميعا. و منه أرسل نفسك فتشهد.
و شعر رسل كفلس، أي سبط مترسل.
وجاءت الخيل أرسالا، أي أفواجا، و فرقا متقطعة، يتبع بعضها بعضا: جمع رسل بفتحتين.
و الرسل: ما كان من الإبل والغنم من عشرة إلى خمسة وعشرين.
و راسله من أهله، فهو مراسل و رسيل. و أرسلت فلانا في رسالة، فهو مرسل. (5: 383)
مجمع اللغة: 1 - أرسله يرسله إرسالا،
يكون لما يأتي:
أ- لمجرد البعث والتخلية و الإطلاق.
ب - للبعث مع التسخير؛ وذلك في غير العاقل، ليؤدي عملا محبوبا أو مكروها.
ج - معنى بعث عاقل برسالة في أمر دنيوي.
د - معنی بعث عاقل برسالة في أمر ديني، وهوأكثر ما ورد في القرآن الكريم
و تلحظ هذه المعاني بالنظر إلى المبعوث و الغرض المبعوث له.
2 - و المرسل: الباعث؛ و جمعه: مرسلون، و هي مرسيلة، و المرسل: المبعوث؛ و جمعه: مرسلون، وهي مرسلة؛ و جمعها: مرسلات.
3 - الرسول بمعنى المرسل، و قد يستوي فيه الواحد و غیره، و قد يجمع على رسل.
4 - الرسالة: ما يرسل الرسول به؛ و جمعها: رسالات. (475:1)
العدناني: المرسال
في لبنان أغنية شعبية باللغة العامية، كجل الأغنيات في لبنان، تدور على الألسن، و تترنم بها أمواج الأثير بين حين وآخر، مطلعها: یا مرسال المراسيل.
وظن الناس كما ظن صاحب «محيط المحيط» أن كلمة «مرسال » عامية. و هي فصيحة ذكرتها المعجمات التي منها: مستدرك التاج، و المدة، و ذیل أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط .
ومعنى المرسال: الرسول، ويجمع علی مراسيل.
و من معاني المرسال
1- الناقة السهلة السير.
2 - الناقة السريعة السير، و استشهد اللسان والتاج ببیت کعب بن زهیر. [ثم ذکر شعره ]
3- السهم الصغير، أو القصير كما جاء في العباب و مستدرك التاج.
4- من يرسل الغصن من يده في المكان الشجير ليصيب به صاحبه.
5 - من يرسل اللقمة في حلقه .
المرسل لا الراسل
حمل إلي البريد الآتي من القاهرة رسالة من أديب عربي مشهور، کتب على ظهرغلافها:
الراسل: فلان. و هذا خطأ شاع في الشقيقة العربية مصر كلها، حتى امتد إلى أحد أدبائها.
وأنا أعتذر إلى أبناء الأقطار الشقيقة العربية الأخرى، لأن هذه الهفوة لايقترفونها إلا إذا انتقلت عدواها إلى بعضهم من مصر، التي ليس بيننا و بينها حجر لغوي، يحول دون إصابتنا بمثل هذا الخطا العضال.
والصواب: المرسل فلان، لأنه من الفعل أرسل لارسل الشعر یرسل رسلا، الذي معناه کان طويلا مسترسلا.
أرسل إليه رسالة
و يقولون: أرسل إليه برسالة. و الصواب كما ترى المعجمات :
أ- أرسل إليه رسالة.
ب- أرسل فلانا برسالة: بعثه ليؤديها.
ج - أرسل فلانا في رسالة.
د-أرسل إليه رسولا: بعثه برسالة.
و من معاني أرسل:
1-أرسل الشيء: أطلقه و أهمله، يقال: أرسلت الطائر من يدي.
2- أرسل الكلام: أطلقه من غير تقييد.
3- أرسله عليه: سلطه، جاء في الآية : 83، من سورة مريم: «أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا» أزه: أغراه و هيجه.
استرسل في غنائه، واصله
و يخطئون من يقول: استرسل فلان في غنائه، و يقولون: إن الصواب هو: واصل غناءه أو استمر فیه.
و لكن:
قال ابن جني في «الخصائص» : فهل هذا إلا أدل شيء على تأملهم مواقع الكلام، و إعطائهم إياه في كل موضع حقه و حصته من الإعراب، و أنه ليس استرسا ولا ترجيما.
وقال في «الخصائص» أيضا: ألا ترى أنهم إذا استرسلوا في وصف العلة و تحديدها، قالوا: إن علة شد و مد، و نحو ذلك في الإدغام، إنما هي اجتماع متحركين من جنس واحد.
وقال: إن جملة استرسل إليه، تعني انبسط و استأنس، كل من الصحاح، و المختار، و اللسان، والقاموس، و المد، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، والمتن، و الوسيط.
و جاء في معجم مقاییس اللغة: استرسلت إلى الشيء، إذا انبعثت نفسك إليه و أنست. و هذا الانبعاث النفسي و الأنس يحملانك على الاندفاع في إتمام ما کنت قد شرعت في عمله.
وجاء في مقدمة الأدب للزمخشري و معجم مد
القاموس : استرسل الدهر فيهم فأفناهم. أي خلاله الجو، فواصل محاربتهم.
و مما قاله اللسان: الاسترسال: الاستئناس والطمأنينة إلى الإنسان، والثقة به فيما يحدثه. و هذا الاستئناس و تلك الطمأنينة يجعلانك تواصل حديثك إلى الذي وثقت به.
وجاء في مستدرك التاج: استرسل الشيء: سلس. و السلاسة من أهم العناصر التي تحض على مواصلة العمل.
و قال محيط المحيط و أقرب الموارد: استرسل في الكلام: انبسط فيه واتسع.
ولما كنت لا أستطيع الاعتماد على محيط المحيط و أقرب الموارد وحدهما، ولما كان الاسترسال إلى الشيء، أو فيه لا يعني تماما مواصلة ذلك الشيء، كما تشير إلى ذلك جل المعجمات، و كتب الأدب و اللغة، لذا أعلن أنني أوافق على أن معنی استرسل في الشيء، هو واصله، على أن نفوز بموافقة مجمعية من اتحاد مجامعنا، أو من بعضها، أو واحد منها، لكي نستطيع الاعتماد على ذلك القرار المجمعي، حين نستعمل الفعل: استرسل، بمعنى: استمر في عمل الشيء، أو واصله. (260)
أرسل إليه مالا
و يقولون: أرسل له مالا. والصواب: أرسل إليه ما. جاء في الآية : 70، من سورة المائدة:« وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا »
أما: 1 - أرسله برسالة، فتعني بعثه ليؤديها.
2- أرسله على كذا: سلطه.
3- أرسل الشيء من يده : أطلقه.
4- أرسل الخيل في الغارة و الميدان: أطلق لهاالأعنة.
5 - أرسل الله فلانا عن يده «مجاز»: خذله. (معجم الأخطاء الشائعة : 103)
محمد إسماعيل إبراهيم: أرسل: بعث برسالة.
و الرسول: النبي المرسل الذي يبعث الله إليه وحيا، ويأمره بتبليغه وهو الرسالة، للواحد و الجمع والمذكر والمؤنث؛ و الجمع: رسل. و المرسلات: الرياح، و قيل: الملائكة. (221)
محمود شيت: الرسالة: البرقية، و الرسالة: الكتاب الرسمي
المراسيل: الذي يقوم على خدمة الضابط، وقد يستعين به على حمل الرسائل إلى الآخرين.
الرسل: يقال: تقدمت أسال الرمي: جماعاته بعضهم في أثر بعض؛ جمعه: أرسال.
المرسلات: التي تبث البرقيات والأوامر لاسلكیا، يقابلها: الآخذات. (295:1)
المصطفوي: و التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة : هو الإنفاذ مع الحمل، بمعنى أن تنفذ شيئا مع قيد أن تجعله حاملا لأمر، و يلازم هذا المفهوم التحرك و السير و لو معنویا.
وقد تقدم في البعث: أن الإرسال و التوجيه يلاحظ فيهما جهة بعد البعث و الإنهاض، كما أن الإيصال يلاحظ فيه مفهوم الانتهاء.
و المرسل أعم من أن يكون روحانیا أو ماديا، من إنسان أو شيطان أو حيوان أو جماد لا يشعر، ويلاحظ في كل منها التوجيه إلى جانب، لأداء وظيفة، و العمل برسالة منظورة.
فالروحاني كما في «فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً»: مریم : 17 .
والجسماني من الإنسان، كما في « هُوَالَّذی اَرْسَلَ رَسُولَهُ » التوبة: 33، «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً» هود: 25، «ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَی وَأَخَاهُ هرُونَ » المؤمنون : 45. «كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ» الشعراء : 123 .
و من الحيوان، كما في: «وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ» الفيل : 3.
و من موجودات غیر شاعرة، كما في: «وَهُوَ الَّذِی أَرْسَلَ الرِّیَاحَ» الفرقان : 48، «وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا » الأنعام : 6، « فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ»الأعراف : 133 .
و من الشياطين، كما في«أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ »مریم : 83 .
ومن الملائكة، كما في «اللَّهُ یَصْطَفِی مِنَ الْمَلِکَهِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ» الحج: 75.
فظهر أن العمل بالرسالة الموظفة: إما تكليفية و بالاختيار: كما في المرسلين و الأنبياء الموظفين للتبليغ و أداء رسالات الله العزيز .
و إما بالقهارية و الجبارية: كما في موجودات غیر شاعرة، كالجمادات.
فیعلم أن مراتب الموجودات من الروحانيات والجسمانیات، من حيث يشعرون و من حیث لا يشعرون، طوعا أو كرها اختيارا أو جبرا: تحت حكومة الله المتعال و جنود له تعالى، يسجدون له طوعا أو كرها « وَللهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ » الفتح : 4. « إذ جاء تکم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها » الأحزاب : 9.
ثم إن الأصل في تكوين الموجودات: كونهم جنود لطف و رحمة و عطوفة بالفعل، و لكنهم يكونون بالقوة بخروجها عن الاعتدال جنود قهر و عذاب و بلاء، کالماء إذا طغی، والريح إذا اشتد، والمطر إذا تجاوز الحدة، و الهواء إذا خرج عن الاعتدال، و الأرض إذا اختل نظمها و تزلزلت، وهذا كما في المزاج الجسماني.
«إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا » القمر : 19، «إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً» القمر : 31 «فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ » سبأ : 16، «فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا » العنكبوت: 40، «وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ » الرعد : 13، «أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا» الإسراء : 68، «يُرْسَلُ عَلَيْکُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَ نُحَاسٌ» الرحمن : 35، «قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ» الحجر : 58.
فهذا كمال القدرة ونهاية السلطة والحكومة و تمام النفوذ و الاستيلاء، و للعبد أن يراقب نفسه وعمله و حاله، و لا تجعلها في معرض القهر
و الغضب «أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ»الأعراف : 97
وأما الفرق بين الرسول والنبي: فإن النبي من له مقام تكويني و منزل إلهى و مرتبة روحانية معنوية فوق المراتب المتداولة، و هذا المقام هو المعد لإعطاء منصب الرسالة. فكل رسول لابد وأن يكون قبل نبیا، وأما النبي فقد لا يكون رسولا.
و كلمة النبي مأخوذة من النبوة واوية، بمعنى الرفعة و العلو، و ليست من مادة النبأ بمعنى الخبر، وقد اشتبه عليهم هذا الأمر، و تشابهت اللغتان.
نعم للنبي صلی الله علیه و آله مقام رفيع و منزلة عالية، و فطرة مخصوصة نورانية فوق مايحوزه الناس، وهذه الحيثية تلاحظ إذا تستعمل هذه الكلمة أو يخاطب النبي بها.
كما في: « النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ» الأحزاب : 6، « یَآءَیُّهَا النَّبِیُّ حَسْبُکَ اللّه ُ وَمَنِ اتَّبَعَکَ» الأنفال : 64، «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا» مریم: 30.
كما أن كلمة «الرسول » إذا استعملت تلاحظ فيها مفهوم تحمل الرسالة، كما في قوله تعالى: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ»آل عمران : 32، « قُلْ یاءیهَا النّاسُ انّی رَسُولُ اللهِ الَیْکُم» الأعراف : 158، «وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ» الأعراف: 61، «يَا ء يُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ »المائدة : 67، «وَما عَلَى الرَّسُول إِلاَّ الْبَلاغُ » العنكبوت : 18.
و بهذا اللحاظ: يخاطب بالنبي( يا أيها النبي) في الموارد التي ترجع إلى أمور شخصية، و في خطابات خصوصية، كما في: «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِکَ » الأحزاب : 59، «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ » التحريم: 1.
فظهر لطف التعبير بكل من الكلمتين في موارد استعمالهما.
ثم إنه إذا لوحظ مفهوم من حمل الرسالة و اتصف بها، فقط : فيعبر بالرسول، فيقال: «تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ »البقرة : 253،«رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ» النساء : 165، « وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ» الدخان : 13، «رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ» البقرة : 129.
و إذا لوحظ الرسول بقيد أنه من جانب الله المتعال: فيعبر بالمرسل، كما في: « اِنّى لايَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ» النمل: 10، «فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْکُمْ مُرْسَلُونَ »يس : 14، « كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ» الشعراء : 123،«وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا »الرعد: 43.
و إذا كان النظر إلى نفس الرسالة: فيعبر بها فقط: «فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ » المائدة : 67، «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ»الجمعة : 2، «رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» البقرة : 129، « كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ
الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ» البقرة : 151، «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ » آل عمران: 164
يظهر من هذه الآيات الكريمة أن مايحمل الرسول في رسالته هو هذه الأمور الخمسة:
1- «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ» أي يجعل آياته في مقام الإظهار و الإبلاغ أمامه، و فيما بين يديه، و في معرض نظرهم و نصب أعينهم، حتى يشاهدوها - راجع التلو - ، و قلنا: إن الآية ما يكون مورد ا للتوجه و القصد في السير، إلى المقصود و وسيلة للوصول بها إليه، فتشمل الآيات: كل آية تكوينية أو تدوينية أو كلامية، توصل إلى ما هو المقصود من معرفة الله المتعال، و معرفة جلاله و جماله و عظمته، وصفاته العليا و أسمائه الحسنى.
2 - «ويزكيهم » أي یهذهم من العقائد و الأفكار المنحرفة، و الأخلاق والصفات النفسانية الرذيلة، و الأعمال والعادات القبيحة، حتی يستعدوا لتعلم المعارف و الحقائق الإلهية.
3- «وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ »، يراد ماضبط من المقررات و الأحكام الإلهية المتعلقة بأمور الحياة و إدامة المعيشة الدنيوية، من الوظائف التعبدية والمعاملات، فيما بين الناس و الآداب و السنن.
4- «و الحكمة »يراد نوع خاص من الأحكام القطعية، من المعارف و الحقائق الخاصة الروحانية راجع: «الحكم».
5- «مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ » البقرة : 151، مما يرجع إلى أحوال الماضين و جریان أمورهم، و ما يتعلق بالأمور الدنيوية و الأخروية والاجتماعية و غيرها.
هذه الأمور هي التي يحملها الرسول ليبلغها و يعمل بها في مأموريته، و النتيجة من العمل بهذه المأمورية، قوله تعالى: «أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» التوبة : 33.
و أما مقام الرسول: فهو خليفة الله على الخلق، والواسطة بينه تعالى و بینهم، ولا يشاء إلا ماشاء الله، و ليس له في حياته برنامج إلا إجراء الرسالة و إبلاغ الأمر. و على هذا قد ورد في القرآن الكريم في 28، موردا: أن قارن طاعته بطاعته، و لم يرد هذا المعني بالنسبة إلى النبی صلی الله علیه و آله.
«وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَه» الأنفال : 20، «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول »َالنساء : 59،«مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ» النساء: 80، «وَ يَقُولُونَ آمَنّا بِاللّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا »النور:74،
«وَ المْرْسَلاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَ النَّاشِرَاتِ نَشْرًا» المرسلات : 1 - 3، العرف ضد النكر، و النكر صيرورة شيء منكرا عند العقل والعقلاء فينكرونه، كما أن العرف هو المعروفة عند العقل بحيث يعرفه و يصدقه. يقال أمر بالغرف، أي السوق إلى ما يعرف، و نهی عن المنكر.
يراد التي أرسلت لإجراء العرف و لتحقق
المعروف و بسطه، فهو منصوب على أنه مفعول لأجله.
ولما كان الرسول مظهر مشيئة الله و مجری إرادته في عالمه مختارا أو مقهورا، فلازم أن يكون في كل مرحلة و مرتبة من الوجود رسولا يناسب تلك المرتبة، «رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ» حتی يجرى أمره و ينفذ حكمه طوعا أو كرها.
«أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً »الفرقان : 48، « أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً » الفيل : 3، «كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا » البقرة: 151، « وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا»الأنعام : 6، « فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ » الأعراف : 133، «فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا» مریم : 17، « أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ » مریم: 83، « أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا» المؤمنون: 44 « فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا »الأحزاب : 9، «فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ» سبأ : 16، « إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً » القمر : 31 ،« لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ » الذاريات : 33 «وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً» و الأنعام : 61، «وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ » الرعد : 13، « اِنَّا اُرْسَلْنَا اِلى قَوْمِ لُوْط» هود: 70، «اَللهُ يَصْطَفى مِنَ الْمَلئِكَةِ رُسُلا»الحج :75 « تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا» الأنعام : 61، «إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ »يونس : 21، «وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ» هود : 69.
قلنا: إن الموجودات جنود بالقوة لله المتعال، و الجند: هي الجمعية المتشكلة التي تدافع عن شخص أو مرام. و الرسول هو المأمور في إجراء تكليف أو وظيفة.
ففي كل من مراحل الخلق و الطبيعة، و في كل شأن من شؤون مراتب العالم، في عالم الجماد و الثبات والحيوان و الإنسان والملائكة و العقول لابد أن يكون رسولا مأمورا لتنظيم أمورها، و إيصال ما يلزم لها في إدامة حياتها المادية أو المعنوية، و إيفاء مايجب من أداء حق التربية الجسمانية أو الروحانية.
و الرسول في كل مرتبة هو المنتخب فيها والمطيع لأمر الله، و المظهر الحكمه و المجرى لإرادته، و الخاضع الساجد له طوعا أو كرها، فحري بأن يذكر أسماؤهم و يقسم بهم.
و كل من هؤلاء الرسل في أي مرحلة و في صراط لطف أو قهر، إنما يكون مأمورا في إجراء حکم عدل و بسط أمر عرف، و إبلاغ ما يجب عليه، في محيط مأموريته.
و إجراء المأمورية إنما يتحقق بأسرع صورة و حرکة، و أدق جریان و نفوذ، و أشد سیر و عصف، ثم ينشرون مايجب عليهم النشر، و يوصلون الأمر إلى كل من كان تحت محيط مأموريته، فيتحصل التشخص و يتحقق الافتراق والشخصية لكل فرد.
و لكل من هذه المباحث شرح و تحقیق و تفصيل، ليس موضع ذكرها هنا. (129:4)
النصوص التفسيرية
آرسل
1- « وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَ أَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ». الفرقان : 48
ابن عاشور: أطلق على تكوين الرياح فعل «ارسل » الذي هو حقيقة في بعث شيء وتوجيهه، لأن حركة الرياح تشبه السير. و قد شاع استعمال الإرسال في إطلاق العنان لخيل السباق. (68:19)
98:19
)
2 - و آرسل عليهم طيرا أبابيل. ابن عباس: سلط عليهم. نحوه ابن عاشور.
2- «وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ ». الفیل : 3 .
ان عباس: سلط علیهم. (519)
نحوه ابن عاشورا. (428:30)
فارسلوا
«وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ»... یوسف : 19 .
ابن عباس : فأرسل كل قوم طالب الماء و هو ساقيهم . (195)
أرسلت
«فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا ».. يوسف : 31
ابن عباس: و دعتهن إلى الضيافة. (196)
وهب بن منبه: اتخذت مأدبة و دعت أربعين امرأة فيهن هؤلاء اللائي عيرنها.(الثعلبي 5: 217)
نحوه الزمخشري . (316:2)
ابن عطية: أي ليحضرن. (238:3)
آرسلت
1- «وَلَوْلا أنْ تُصِیبَهُمْ مُصِیبَهٌ بِمَا قَدَّمَتْ أیْدِیهِمْ فَیَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَیْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آیَاتِکَ وَنَکُونَ مِنَ المُؤْمِنِینَ».القصص : 47
ابن عباس : «رسولا»مع الكتاب قبل العذاب. (327)
أرسلنا
1- «كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا...» البقرة : 151
الطبري: ذلك الرسول الذي أرسله إليهم منهم: محمد صلی الله علیه و آله. (40:2)
نحوه الماوردي.(208:1)
2-«لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ»المائدة : 70
ابن عاشور: الرسل: الذين أرسلوا إليهم، هم موسی و هارون و من جاء بعدهما، مثل يوشع بن نون و أشعيا و أرميا و حزقيال و داوود و عیسی. فالمراد بالرسل هنا: الأنبياء، من جاء منهم بشرع و کتاب، مثل موسی و داوود و عیسی، و من جاء معززا للشرع مبينا له، مثل يوشع و أشعيا و أرميا. وإطلاق الرسول على النبي الذي لم يجئ بشريعة إطلاق شائع في القرآن، كما تقدم، لأنه لما ذكر
أنهم قتلوا فريقا من الرسل، تعین تأويل الرسل بالأنبياء، فإنهم ما قتلوا إلا أنبياء لارسلا. (5 : 194)
3- «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ»الأعراف : 133
ابن عباس: سلط الله عليهم. (136)
ابن عاشور: الفاء في قوله :« فارسلنا »لتفريع إصابتهم بهذه المصائب علی عتوهم و عنادهم .
و الإرسال : حقيقته توجيه رسول أو رسالة فيعدى إلى المفعول الثاني ب « إلى » و یضمن معنى الإرسال من فوق، فيعدى إلى المفعول الثاني ب( على )، قال تعالى: « وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ» الفيل : 3، «وَفِی عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَیْهِمُ الرِّیحَ الْعَقِیمَ »الذاريات : 41، فحرف « علی » دل على أن جملة «أرسلنا » مفرعة تفريع العقاب، لا تفريع زيادة الآيات. (253:8)
4- «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ»الأعراف : 162
الطبري: بعثنا عليهم. (91:6 )
ابن عاشور: قد وقع في سورة البقرة آية : 59 ،لفظ « فانزلناه»، و وقع هنا لفظ «فارسلنا» ولما قید كلاهما بقوله: «من السماء»کان مفادهما واحدا، فالاختلاف لمجرد التفنن بین القصتين. (325:8)
و راجع: رج ز:« رجزا».
ه -« أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا»مریم : 83
ابن عباس: سلطنا الشياطين. (259)
الجبائي: أي خلينا بينهم وبين الشياطين إذا وسوسوا إليهم، و دعوهم إلى الضلال حتی أغووهم، و لم نحل بينهم و بينهم بالإلحاء، و لابالمنع.
وعبر عن ذلك بالإرسال على سبيل المجاز، والتوسع، كما يقال لمن خلي بين الكلب وغيره:
أرسل كلبه عليه. (الطبرسي 3: 530)
الزجاج: في قوله: «أرسلنا »وجهان:
أحدهما: أنا خلينا الشياطين و إياهم، فلم نعصمهم من القبول منهم.
الوجه الثاني: و هو المختار: أنهم أرسلوا عليهم و قضوا لهم بكفرهم، كما قال عز وجل: «وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ»الزخرف : 36.
و معنى الإرسال هاهنا: التسليط. يقال: قد أرسلت فلانا على فلان، إذا سلطته عليه، كما قال : «إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ» الحجر : 42. فأعلم الله عز وجل أن من اتبعه هو مسلط عليه.(3: 345)
الثعلبي: يعني سلطناهم عليهم؛ وذلك حين
قال لإبليس:«وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ... »الإسراء: 64. (229:6)
مثله البغوي. (3: 251)
الزمخشري: المعنى: خلينا بينهم و بينهم ولم نمنعهم، و لو شاء لمنعهم قسرا. (2: 524)
ابن عطية: معناه سلطنا أو لم نحل بينهم و بينهم، فكله تسليط، و هو مثل قوله: «نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا» الزخرف : 36، و تعديته ب «علی» دال على أنه تسليط. (32:4)
مثله أبو حيان.(216:6)
الطبرسي: قيل : معناه: سلطناهم عليهم. (531:3)
الفخر الرازي: فيه مسائل:
المسألة الأولى: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالی مرید لجميع الكائنات، فقالوا: قول القائل : أرسلت فلانا على فلان، موضوع في اللغة، لإفادة أنه سلطه عليه، لإرادة أن يستولي عليه.
قال علیه السلام: «سم الله و أسل كلبك عليه»، إذا ثبت هذا، فقوله: «أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ» يفيد أنه تعالى سلطهم عليهم، لإرادة أن يستولوا عليهم، و ذلك يفيد المقصود، ثم يتأكد هذا بقوله:«تَؤُزُّهُمْ أَزًّا »، فإن معناه: إنا أرسلنا الشياطين على الكافرين لتؤزهم أزا، و يتأكد بقوله: «وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ » الإسراء: 64 .
قال القاضي: حقيقة اللفظ توجب أنه تعالى أرسل الشياطين إلى الكفار، كما أرسل الأنبياء بأن حملهم رسالة يؤدونها إليهم. فلايجوز في تلك الرسالة إلا ما أرسل عليه الشياطين من الإغواء، فكان يجب في الكفار أن يكونوا بقبولهم من الشياطين مطيعين، و ذلك كفر من قائله، و لأن من العجب تعلق المجبرة بذلك، لأن عندهم أن ضلال الكفار من قبله تعالى، بأن خلق فيهم الكفر وقدر الكفر، فلا تأثير لما يكون من الشيطان .
و إذا بطل حمل اللفظ في ظاهره، فلابد من التأويل، فنحمله على أنه تعالى خلى بين الشياطين و بين الكفار و ما منعهم من إغوائهم، وهذه التخلية تسمى إرسالا في سعة اللغة.
كما إذا لم يمنع الرجل كلبه من دخول بيت جيرانه يقال: أرسل كلبه عليه، وإن لم يرد أذى الناس، وهذه التخلية و إن كان فيها تشديد للمحنة عليهم، فهم متمكنون من أن لا يقبلوا منهم، و يكون ثوابهم على ترك القبول أعظم. والدليل عليه قوله تعالى: « وَمَا کَانَ لِیَ عَلَیْکُم مِن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُکُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِی فَلَاتَلُومُونِی وَلُومُوا أَنْفُسَکُمْ»إبراهيم: 22، هذا تمام کلامه.
و نقول: لانسلم أنه لايمكن حمله على ظاهره، فإن قوله: « أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ » لو أرسلهم الله إلى الكفار لكان الكفار مطيعين له،بقبول قول الشياطين.
قلنا: الله تعالى ما أرسل الشياطين إلى الكفار
بل أرسلها عليهم، والإرسال عليهم هو التسليط الإرادة أن يصير مستوليا عليه، فأين هذا من الإرسال إليهم، قوله: ضلال الكافر من قبل الله تعالى، فأي تأثير للشيطان فيه؟
قلنا: لم لايجوز أن يقال: إن إسماع الشيطان إياه تلك الوسوسة، يوجب في قلبه ذلك الضلال بشرط سلامة فهم السامع، لأن كلام الشيطان من خلق الله تعالى، فيكون ذلك الضلال الحاصل في قلب الكافر منتسبا إلى الشيطان و إلى الله تعالى من هذين الوجهين.
قوله: لم لايجوز أن يكون المراد بالإرسال التخلية؟
قلنا: كما خلى بين الشيطان والكفرة، فقد خلی بينهم و بين الأنبياء. ثم إنه تعالى خص الكافر بأنه أرسل الشيطان عليه، فلابد من فائدة زائدة هاهنا، ولأن قوله: « تَؤُزُّهُمْ أَزًّا » أي تحركهم تحریکا شديدا کالغرض من ذلك الإرسال، فوجب أن يكون «الأز» مراد الله تعالى، و يحصل المقصود منه، فهذا ما في هذا الموضع. و الله أعلم. ( 251:21)
القرطبي: أي سلطناهم عليهم بالإغواء، وذلك حين قال لإبليس: «وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِکَ» الإسراء: 64. وقيل:« ارسلنا » أي خلينا. يقال: أرسلت البعير، أي خليته، أي خلينا الشياطين و إياهم ولم نعصمهم من القبول منهم.(150:11)
أبوالسعود: معنى إرسال الشياطين عليهم إما تسليطهم عليهم وتمكينهم من إضلالهم، وإما تقییضهم لهم، و ليس المراد تعجيبه علیه السلام من إرسالهم عليهم، كما يوهمه تعليق الرؤية به، بل ما ذكر من أحوال الكفرة من حيث كونها من آثار إغواء الشياطين. (259:4)
البروسوي: أي سلطناهم عليهم بسبب سوءاختیار هم. (355:5)
الآلوسي: قيضناهم و جعلناهم قرناء لهم مسلطين عليهم، أو سلطناهم عليهم، و مکناهم من إضلالهم. (134:16)
ابن عاشور: إرسال الشياطين عليهم تسخيرهم لها، و عدم انتفاعهم بالإرشاد النبوي المنقذ من حبائلها، و ذلك لكفرهم و إعراضهم عن استماع مواعظ الوحي. و للإشارة إلى هذا المعنى عدل عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: «على الكافرين» . و جعل« تؤزهم » حالا مقيدا للإرسال، لأن الشياطين مرسلة على جميع الناس. و لكن الله يحفظ المؤمنين من كيد الشياطين على حسب قوة الإيمان و صلاح العمل، قال تعالى: «إِنَّ عِبادی لَیْسَ لَکَ عَلَیْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّمَنِ اتَّبَعَکَ مِنَ الغاوِینَ» الحجر: 42 . (81:16)
مغنية: المعنى: أن الله سبحانه يخلي بينهم وبين الشياطين الذين يوسوسون هم و یغرونهم بالمعاصي، و لا يتدخل بإرادته التكوينية لردع الشياطين عنهم. و إنما يبين لهم طريق الخير والشر، و يمنحهم القدرة التامة على الفعل والترك، و ينهاهم
عن هذا، و يأمرهم بذاك، و يترك لهم الخيار فيما يفعلون و يتركون. و لوسلبهم الإرادة، لكانوا والجماد سواء. (198:5)
الطباطبائي: لاضير في نسبة إرسال الشياطين إليه تعالى بعد ما كان على طريق المجازاة، فإنهم كفروا بالحق، فجازاهم الله بزيادة الكفر والضلال، و يشهد بذلك قوله: «على الكافرين ». و لو كان إضلالا ابتدائيا لقيل: « عليهم » من غير أن يوضع الظاهر موضع المضمر. ( 109:14)
مکارم الشيرازي: «الأز» في الأصل - كما يقول الراغب في « المفردات » - يعني: غليان القدر، و تقلب محتواه عند شدة غليانه، و هو هنا كناية عن مدی تسلط الشياطين على هؤلاء؛ بحيث إنهم يوجهونهم بالصورة التي يريدونها، و في المسير الذي يشاؤون، ويقلبونهم كيف يشتهون.
و من البديهي - كما قلنا ذلك مرارا - أن تسلط الشياطين على بني آدم ليس تسلطا إجباريا، بل إن الإنسان الذي يسمح للشياطين بالنفوذ إلى قلبه و روحه، هو الذي يطوق رقبته بقيد العبودية لهم، و يقبل بطاعتهم، كما يقول القرآن في الآية : 100 من سورة النحل: «إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَی الَّذِینَ یَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِینَ هُمْ بِهِ مُشْرِکُونَ». (444:9)
فضل الله: والآية واردة على الأسلوب القرآني الذي ينسب الأمور كلها لله، انطلاقا من علاقة الأشياء به، من خلال قانون السببية التي أودعها في حركة الحياة و الإنسان. كما نلاحظه في علاقة الشياطين بالكافرين، في مايزين لهم الشياطين من أفعال الضلال، و علاقات الباطل، و أجواء الانحراف، فيستسلمون لهم من موقع الاختيار السيئ، و ينصاعون لمخططاتهم في الضلال والإضلال، فتحدث النتائج بشكل طبيعي، في ما يرتبط به السبب و المسبب. و هكذا لايجد هؤلاء عونا من أوليائهم و شرکائهم على ما يتعرضون له من شقاء و تعاسة. (78:15)
6 - «وَمَا أرسَلنا مِن قَبلِکَ مِن رَسُولٍ وَلاَ نَبِیٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّی ألقَی الشَّیطانُ فِی اُمنِیَّتِهِ ...». الحج: 52
ابن عباس: «مِن رَسُولٍ»مرسل « وَلاَ نَبِیٍّ » محدث ليس بمرسل. (282)
قطرب: إن الرسول هو المبعوث إلى أمة، والتي هو المحدث الذي لا يبعث إلى أمة. (الماوردي 4: 35)
الفراء :فالرسول النبي المرسل، والتي المحدث الذي لم يرسل. (2: 229)
الجاحظ: إن الرسول هو المبتدئ بوضع الشرائع و الأحكام، و النبي هو الذي يحفظ شريعة الله.(الماوردي 4: 35)
الطبري: و لم يرسل یا محمد من قبلك من رسول إلى أمة من الأمم، ولاني محدث ليس بمرسل. (177:9)
الثعلبي: « مِن رَسُولٍ » و هو الذي يأتيه جبرئیل بالوحي عيانا و شفاها، « وَلاَ نَبِیٍّ »و هو
الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما. (30:7)
نحوه الواحدي (276:3) ، و البغوي (347:3) .
الماوردي: «من رسول و لا نبي »فيه قولان: أحدهما : أن الرسول و النبي واحد، ولافرق بين الرسول و النبي، و إنما جمع بينهما، لأن الأنبياء تخص البشر، و الرسل تعم الملائكة و البشر.
والقول الثاني: أنهما مختلفان، و أن الرسول أعلى منزلة من النبي. و اختلف قائل هذا في الفرق بين الرسول و النبي على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أن الرسول هو الذي تتنزل عليه الملائكة بالوحي، والتي يوحى إليه في نومه.
والثاني: [نقل قول قطرب]
والثالث: [نقل قول الجاحظ].
(4: 34)
الزمخشري: «مِن رَسُولٍ وَلاَ نَبِیٍّ» دلیل بين على تغاير الرسول و النبي. وعن النبي صلی الله علیه و آله أنه سئل عن الأنبياء، فقال: مائة ألف و أربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمئة و ثلاثة عشر جما غفيرا.
والفرق بينهما: أن الرسول من الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه. والتي غير الرسول: من لم ينزل عليه کتاب، و إنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله. (18:3)
الطبرسي: إنما ذكر اللفظين لاختلاف فائدتهما. فالرسول الذي أرسله الله تعالى ولايحمل عند الإطلاق على غير رسول الله صلی الله علیه و آله . والنبي الذي له الرفعة والدرجة العظيمة بالإرسال .
وقيل: إن بينهما فرقان فالرسول: الذي تنزل عليه الملائكة بالوحي، و النبي: الذي يوحى إليه في منامه. فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.[ثم نقل قول قطرب والجاحظ و قال:]
والقول هو الأول، لأن الله سبحانه خاطب نبينا صلی الله علیه و آله مرة بالنبي، و مرة بالرسول، فقال: ياءیها الرسول»، و «یاء نيها النبي ». فالرسول والنبی واحد، لأن الرسول يعم الملائكة والبشر. والنبي يختص البشر، فجمع بينهما هنا، و في قوله:« وكان رسولا نبیا». مریم : 51 و 54. (91:4)
الفخر الرازي: من الناس من قال: الرسول هو الذي حدث و أرسل، و النبي هو الذي لم يرسل و لكنه ألهم أو رأى في النوم. و من الناس من قال: إن كل رسول نبي، و ليس كل نبي یکون رسولا، و هو قول الكلبي و الفراء.
وقالت المعتزلة: كل رسول نبي، و كل نبي رسول، و لا فرق بينهما. واحتجوا على فساد القول الأول بوجوه:
أحدها: هذه الآية، فإنها دالة على أن النبي قد يكون مرسلا، و كذا قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا فِی قَرْیَهٍ مِنْ نَبِیٍّ» الأعراف: 94.
و ثانيها: أن الله تعالى خاطب محمدا مرة بالنبي و مرة بالرسول، فدل على أنه لا منافاة بين الأمرين، و على القول الأول المنافاة حاصلة.
و ثالثها: أنه تعالى نص على أنه خاتم النبيين.
و رابعها: أن اشتقاق لفظ النبي إما من النبإ و هو الخبر، أو من قولهم: نبا إذا ارتفع، و المعنيان لايحصلان إلا بقبول الرسالة.
أما القول الثاني: فاعلم أن شيئا من تلك الوجوه لا يبطله، بل هذه الآية دالة عليه، لأنه عطف النبي على الرسول، و ذلك يوجب المغايرة، و هو من باب عطف العام على الخاص.
وقال في موضع آخر: « وَ کَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِیٍّ فِی الأْوَّلِینَ » الزخرف : 6، و ذلك يدل على أنه كان نبیا، فجعله الله مرسلا و هو يدل على قولنا.
و قيل لرسول صلی الله علیه و آله كم المرسلون؟ فقال: ثلاثمئة و ثلاثة عشرة، فقيل: و كم الأنبياء؟ فقال: مائة ألف و أربعة وعشرون ألفا الجسم الغفير، إذا ثبت هذا فنقول: ذكروا في الفرق بين الرسول و النبي أمورا:
أحدها: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، و النبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، و إنما أمر أن يدعو إلى کتاب من قبله.
والثاني: أن من كان صاحب المعجزة و صاحب الكتاب و نسخ شرع من قبله فهو الرسول، و من لم يكن مستجمعا لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحاق و يعقوب و أيوب و يونس وهارون و داود و سلیمان رسلا، لأنهم ما جاؤوا بكتاب ناسخ.
والثالث: أن من جاءه الملك ظاهرا و أمره بدعوة الخلق فهو الرسول، و من لم يكن كذلك بل رأى في النوم کونه رسولا، أو أخبره أحد من الرسل بأنه رسول الله، فهو النبي الذي لا يكون رسولا ، و هذا هو الأولى. (48:23)
القرطبي: إن قوما يرون أن الأنبياء صلوات الله عليهم فيهم مرسلون و فيهم غير مرسلين. و غيرهم يذهب إلى أنه لا يجوز أن يقال: نبی حتی یکون مرسلا. والدليل على صحة هذا قوله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رَسُولٍ وَلانَبِیٍّ » فأوجب للنبي صلی الله علیه و آله الرسالة. وأن معنی «نبي» أنبأ عن الله عز وجل، و معنى أنبأ عن الله عز وجل الإرسال بعينه.
وقال الفراء: الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبریل علیه السلام إليه عيانا، و النبي الذي تكون نبوته إلهاما أو مناما، فكل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا . قال المهدوي: و هذا هو الصحيح، أن كل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا. و كذا ذكر القاضي عياض في كتاب «الشفا»، قال : والصحيح والذي عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي و ليس كل نبي رسولا. واحتج بحديث أبي ذر، و أن الرسل من الأنبياء ثلاثمئة و ثلاثة عشر، أولهم آدم و آخرهم محمد صلی الله علیه و آله. (80:12)
البيضاوي: الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه و من بعثه التقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسی و عیسی عليهم السلام ، و لذلك شبه النبی صلی الله علیه و آله
علماء أمته بهم. فالنبي أعم من الرسول، ويدل عليه أنه عليه الصلاة و السلام سئل عن الأنبياء، فقال: مائة ألف و أربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمئة و ثلاثة عشر جما غفيرا.
وقيل: الرسول من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه، و النبي غير الرسول، من لاكتاب له.
وقيل: الرسول من يأتيه الملك بالوحي، و النبي يقال له و لمن يوحي عليه في المنام. (2: 95)
نحوه الشربيني :(558:2)، و أبوالسعود ( 389:4).
الآلوسي: عطف «نبی» علی «رسول» يدل على المغايرة بينهما و هو الشائع، ويدل على المغايرة أيضا ما روي أنه صلی الله علیه و آله سئل عن الأنبياء، فقال: مائة ألف و أربعة وعشرون ألفا، قيل: فكم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمئة و ثلاثة عشر جما غفيرا. و قد أخرج ذلك -كما قال السيوطي - أحمد وابن راهويه في مسنديهما، من حديث أبي أمامة، و أخرجه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدرکه، من حديث أبي ذر، وزعم ابن الجوزي أنه موضوع. و ليس كذلك، نعم قيل: في سنده ضعف جبر بالمتابعة.
وجاء في رواية: الرسل ثلاثمئة و خمسة عشر، و اختلفوا هنا في تفسير كل منهما، فقيل: الرسول ذكر بعثه الله تعالی بشرع جديد يدعو الناس إليه، والنبي يعمه و من بعثه لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسی و عیسی علیهم السلام .
و قيل: الرسول ذکر حر بعثه الله تعالى إلى قوم بشرع جديد بالنسبة إليهم و إن لم يكن جديدا في نفسه، كإسماعيل علیه السلام إذ بعث لجهم أولا. والنبي يعمه و من بعث بشرع غير جدید كذلك.
و قيل: الرسول ذكر ځله تبليغ في الجملة و إن کان بیائا و تفصيلا لشرع سابق، والتي من أوحي إليه و لم يؤمر بتبليغ أصلا، أو أعم منه و من الرسول.
و قيل: الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة كتابا منزلا عليه، والنبي غير الرسول، من لا كتاب له.
وقيل: الرسول من له كتاب أو نسخ في الجملة، والنبي من لا كتاب له و لانسخ.
وقيل: الرسول من يأتيه الملك علیه السلام بالوحي يقظة، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام لاغير. و هذا أغرب الأقوال و يقتضي أن بعض الأنبياء علیه السلام لم يوح إليه إلا مناما، و هو بعيد. و مثله لا يقال بالرأي.
وأنت تعلم أن المشهور أن النبي في عرف الشرع أعم من الرسول، فإنه من أوحي إليه سواء أمر بالتبليغ أم لا، والرسول من أوحي إليه و أمر بالتبليغ. ولا يصح إرادة ذلك، لأنه إذا قوبل العام بالخاص، يراد بالعام ما عدا الخاص، فمتى أرید بالنبي ما عدا الرسول كان المراد به من لم يؤمر بالتبليغ؛ و حيث تعلق به الإرسال صار مأمورا
بالتبليغ، فيكون رسولا
فلم يبق في الآية بعد تعلق الإرسال رسول و نبي مقابل له، فلابد لتحقيق المقابلة أن يراد بالرسول: من بعث بشرع جديد، و بالنبي: من بعث التقرير شرع من قبله، أو يراد بالرسول: من بعث بكتاب، و بالنبي: من بعث بغیر کتاب، أو يراد نحو ذلك مما يحصل به المقابلة مع تعلق الإرسال بهما. (172:17)
ابن عاشور: عطف «نبي» على «رسول» دال على أن للنبي معنی غیر معنى الرسول:
فالرسول: هو الرجل المبعوث من الله إلى الناس بشريعة. و النبي: من أوحى الله إليه بإصلاح أمر قوم، بحملهم على شريعة سابقة، أو بإرشادهم إلى ما هو مستقر في الشرائع كلها، فالنبي أعم من الرسول، و هو التحقيق. (17 : 215)
مغنية: اختلف المفسرون، هل كلمة النبي و كلمة الرسول تعبران عن معنى واحد، أو لكل منهما معنى؟ و الأقرب أنه لا فرق بينهما، من حيث إن كلا منهما ينبئه الله بما يريد، فإذا أنبأه و أمره بالتبليغ أطلقت عليه كلمة النبي، لأن الله أنبأه، و كلمة الرسول، لأنه تعالى أمره بالتبليغ، و إذا أنبأه ولم يأمره بالتبليغ فهو نبي. وعلى هذا فكل رسول نبي، و ليس كل نبي رسولا. (340:5)
الطباطبائي: في الآية دلالة واضحة على اختلاف معنى النبوة و الرسالة، لابنحو العموم و الخصوص مطلقا، كما اشتهر بينهم أن الرسول هو من بعث و أمر بالتبليغ، والنبي من بعث سواء أمر بالتبليغ أم لا؛ إذ لو كان كذلك لكان من الواجب أن يراد بقوله في الآية: «ولا نبي» غير الرسول، أعني من لم يؤمر بالتبليغ، و ينافيه قوله: « و ما ارسلنا».
و قد قدمنا في مباحث النبوة، في الجزء الثاني من الكتاب ما یدل من روايات أئمة أهل البيت علیهم السلام، أن الرسول هو من ينزل عليه الملك بالوحي فيراه و يكلمه، والنبي هو من يرى المنام و یوحی إليه فيه، وقد استفدناه مضمون هذه الروايات من قوله تعالى: «قُلْ لَوْ کانَ فِی الاْرْضِ مَلئِکَهٌ یَمْشُونَ مُطْمَئِنّینَ لَنَزَّلْنا عَلَیْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَکا رَسُولاً»الإسراء : 95 في الجزء الثالث عشر من الكتاب.
وأما سائر ما قيل في الفرق بين الرسالة والنبوة كقول من قال: إن الرسول من بعث بشرع جديد والنبي أعم منه، و ممن جاء مقررا لشرع سابق، ففيه أنا قد أثبتنا في مباحث النبوة أن الشرائع الإلهية لا تزيد على خمسة، و هي شرائع نوح و إبراهيم و موسی و عیسی و محمد صلی الله علیه و آله و عليهم، و قد صرح القرآن على رسالة جمع كثير منهم غير هؤلاء، على أن هذا القول لا دليل له.
و قول من قال: إن الرسول من كان له کتاب والنبي بخلافه، و قول من قال: إن الرسول من له کتاب و تسخ في الجملة، و النبي بخلافه، و يرد على القولين نظير ما ورد على القول الأول.( 391:14)
عبدالكريم الخطيب: هنا نحب أن نشير إلى
أن الآية الكريمة قد تحدثت عن الرسول، وعن النبي، باعتبار أن لكل منهما صفة خاصة، وأنهما لو كانا على صفة واحدة لما جاءت بهما الآية على هذا النظم، الذي جاء العطف فيه بين الرسول و النبي بإعادة حرف النفي، الذي يؤكد لكل من الرسول والنبي ذاتيته، فكأن نظم الآية يقول: « و ما أرسلنا من قبلك من رسول، و ما أرسلنا من قبلك من نبي». و هذا يعني أن الرسول غير النبي.
والذي عليه الرأي عند المفسرين و الفقهاء، أن كلا من الرسول و النبي يوحى إليهما من الله، و لكن الرسول ينفرد بأنه صاحب شريعة يتلقاها من الله، و يدعو إليها الناس، بخلاف النبي الذي لاشريعة معه، و إنما هو على شريعة رسول سبقه، وأنه يدعو إلى شريعة هذا الرسول، فكل رسول نبي. و ليس كل نبي رسولا.
وعلى أي، فإن الرسول صاحب کتاب سماوي أو صحف سماوية، أما النبي فلاکتاب و لا صحف معه. (1067:9)
مکارم الشيرازي: الفرق بين الرسول و النبي.
هناك أقوال كثيرة في الفرق بين الرسول والنبي، و أكثرها قبولا أن كلمة «الرسول » تطلق على أنبياء لهم رسالات من الله، أمروا بنشرها بين الناس، و ألا يألوا أي جهد في هذا الطريق، و أن يتحملوا الصعاب، ولا يبالوا بالتضحية بأرواحهم من أجل رسالتهم.
أما كلمة «النبي» فقد اشتقت من « نبأ » وهو الذي ينبأ بالوحي الإلهي رغم أنه لم يكلف بإبلاغه بشكل واسع. فهو کالطبيب يراجعة المرضى للعلاج وطلب الدواء. و لكل نبي مهمة تختلف عن مهمة الآخر، و ذلك بمقتضى الأحوال و البيئة التي يعيشها كل واحد منهم . (340:10)
7- « وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْیَهِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَیْهِمُ اثْنَیْنِ فَکَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَیْکُمْ مُرْسَلُونَ * .... قالُوا رَبُّنا یَعْلَمُ إِنّا إِلَیْکُمْ لَمُرْسَلُونَ». يس،: 13-16
کعب الأحبار: كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة، يقال: له أبطيحس ابن أبطيحس يعبد الأصنام، صاحب شرك، فبعث الله المرسلين، و هم ثلاثة: صادق، و مصدوق، و سلوم، فقدم إليه وإلى أهل مدينته منهم اثنان فكذبوهما، ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل و نادته بأمر الله، وصدعت بالذي أمرت به و آبت دینه و ما هم عليه، قال لهم:« قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِکُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّکُمْ وَ لَيَمَسَّنَّکُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ» یس، : 18، و قوله: «إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ».
مثله ابن عباس، ووهب بن منبه. (الطبري 431:10 )
ابن عباس:« إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ» يعني جاء إليهم رسول عیسی شمعون الصفار، فلم يؤمنوا به و كذبوه. (396)
الإمام الباقر عليه السلام: [في حديث أبي حمزة الثمالي، سألته عن تفسير هذه الآية فقال:]
بعث الله رجلين إلى أهل مدينة أنطاكية فجاءهم بما لا يعرفون، فغلظوا عليهما، فأخذوهما و حبسوهما في بيت الأصنام، فبعث الله الثالث فدخل المدينة، فقال: أرشدوني إلى باب الملك، قال: فلما وقف على باب الملك، قال: أنا رجل كنت أتعبد في فلاة من الأرض، و قد أحببت أن أعبد إله الملك، فأبلغوا كلامه الملك، فقال: أدخلوه إلى بيت الآلهة، فأدخلوه، فمکث سنة مع صاحبیه، فقال: بهذا ينقل قوم من دين إلى دين بالحذق « بالحرف ط» أفلارفقتما؟ ثم قال لهما: لا تقران بمعرفتي.
ثم أدخل على الملك، فقال له الملك: بلغني أنك كنت تعبد إلهي فلم أزل و أنت أخي، فاسألني حاجتك! قال: ما لي حاجة أيها الملك، و لكن رأيت رجلين في بيت الآلهة فما بالهما؟ قال الملك: هذان رجلان أتياني ببطلان ديني و يدعواني إلى إله سماوي، فقال: أيها الملك فمناظرة جميلة، فإن يكن الحق لهما اتبعناهما، و إن يكن الحق لنا دخلا معنا في ديننا، فكان لهما ما لنا وما عليهما ما علينا.
قال: فبعث الملك إليهما، فلما دخلا إليه قال لهما صاحبهما: ما الذي جئتما به؟ قالا: جئنا ندعو إلى عبادة الله الذي خلق السماوات و الأرض، و يخلق في الأرحام ما يشاء، و يصور كيف يشاء، و أنبت الأشجار و الأثمار، و أنزل القطر من السماء. قال : فقال لهما: أ إلهكما هذا الذي تدعوان إليه و إلى عبادته إن جئنا بأعمى يقدر أن يرده صحيحا؟ قالا: إن سألناه أن يفعل فعل إن شاء، قال أيها الملك علي بأعمى لم يبصر قط، قال: فأتي به، فقال لهما: ادعوا إلهكما أن يرد بصرهذا، فقاما وصلیا ركعتين فاذا عيناه مفتوحتان، و هو ينظر إلى السماء، فقال أيها الملك: علي بأعمى آخر، قال فأتي به، قال فسجد سجدة ثم رفع رأسه فإذا الأعمى الآخر بصير، فقال: أيها الملك حجة بحجة علي بمقعد، فأتي به، فقال لهما مثل ذلك، فصليا و دعوا الله فإذا المقعد قد أطلقت رجلاه و قام یمشي، فقال: أيها الملك على بمقعد آخر، فأتي به فصنع به كما صنع أول مرة فانطلق المقعد، فقال: أيها الملك قد أوتينا بحجتين أتينا بمثله، و لكن بقي شيء واحد، فإن هما فعلاه دخلت معهما في دينهما. ثم قال:أيها الملك بلغني أنه كان للملك ابن واحد و مات،فإن أحياه إلهما دخلت معهما في دينهما، فقال له الملك: و أنا أيضا معك، ثم قال لهما: قد بقيت هذه الخصلة الواحدة، قد مات ابن الملك فادعوا إلهكما فيحييه، قال فخرا إلى الأرض ساجدين الله و أطالا السجود، ثم رفعا رأسيهما وقالا للملك: ابعث إلى قبر ابنك تجده قد قام من قبره إن شاء الله، قال: فخرج الناس ينظرون فوجدوه قد خرج من قبره ينفض رأسه من التراب، قال فأتي به الملك، فعرف أنه ابنه.
فقال له: ما حالك يا بني؟ قال: كنت ميتا فرأيت رجلين من بين يدي ربي الساعة ساجدين يسألانه
أن يحييني فأحياني. قال: تعرفهما إذا رأيتهما؟ قال: نعم، قال: فأخرج الناس جملة إلى الصحراء، فكان يمر عليه رجل رجل فيقول له أبوه: انظر، فيقول: لا لا، ثم مروا عليه بأحدهما بعد جمع کثیر، فقال: هذا أحدهما و أشار بيده إليه، ثم مروا أيضا بقوم كثيرين حتى رأي صاحبه الآخر، فقال: و هذا الآخر. قال: فقال النبي: صاحب الرجلين : أما أنا فقد آمنت بإلهكما و علمت أن ما جئتما به هو الحق. قال : فقال الملك: و أنا أيضا آمنت بالهكما ذلك، و آمن أهل مملکته کلهم. (القمي 2: 212)
نحوه الثعلي مع تفاوت (8: 124)، و البيضاوي مع تفاوت أيضا (2: 277).
قتادة: ذكر لنا أن عیسی بن مریم بعث رجلين من الحواريين إلى أنطاكية مدينة بالروم فكذبوهما. (الطبري 10: 431)
نحوه الواحدي. (511:3)
ابن جریج: «لمرسلون » أنهم كانوا رسل عیسی علیه السلام من جملة الحواريين أرسلهم إليهم، فجاز لأنهم رسل رسول الله أن يكونوا رسلا لله. (الماوردي 11:5)
الطبري: اختلف أهل العلم في هؤلاء الرسل، و فيمن كان أرسلهم إلى أصحاب القرية، فقال بعضهم: كانوا رسل عیسی بن مریم، و عيسي الذي أرسلهم إليهم.
وقال آخرون: بل كانوا رسلا أرسلهم الله إليهم.[ إلى أن قال:]
فقال المرسلون الثلاثة لأصحاب القرية: إنا إليكم أيها القوم مرسلون، بأن تخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له، و تتبرؤوا مما تعبدون من الآلهة والأصنام. (430:10)
الماوردي:« إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ » اختلف في اسميهما على ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنهما شمعون ويوحنا، قاله شعيب.
الثاني:[ قول کعب الأحبار]
الثالث: سمعان و يحي، حكاه النقاش. [إلى أن قال:]
قوله عز و جل: «قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْکُمْ لَمُرْسَلُونَ » فإن قيل: يعلم الله تعالى أنهم لا تكون حجة عند الكفار لهم.
قيل : يحتمل قولهم ذلك وجهين:
أحدهما: معناه ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون بما يظهره لنا من المعجزات. و قد قيل إن هم أحيوا ميتا و أبرؤوا زمنا.
الثاني: أن تمكين ربنا لنا إنما هو لعلمه بصدقنا. واختلف أهل العلم فيهم على قولين:
أحدهما: أنهم كانوا رسلا من الله تعالى إليهم.
الثاني: [ قول ابن جريج] (11:5)
الطوسي: أي حيث بعث الله أليهم بالرسل «إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ » يعني رسولين. و قال قوم: کانا رسولي عیسی من حواريه.
وقال آخرون: کانا رسولين من رسل الله، و هو الظاهر. (448:8)
المخشري: «الَمُرْسَلُونَ » رسل عیسی علیه السلام إلى أهلها، بعثهم دعاة إلى الحق، و كانواعبدة أوثان، أرسل إليهم اثنين، فلما قربا من المدينة رأيا شیخا. [ ثم ذكر القصة مع تفصيل إلى أن قال: ]
فإن قلت: «إِنَّا إِلَيْکُمْ لَمُرْسَلُونَ »أولا، و«إِنَّا إِلَيْکُمْ لَمُرْسَلُونَ »آخرا؟
قلت: لأن الأول ابتداء إخبار، و الثاني جواب عن إنکار. (317:3)
نحوه النستفي . (4:4)
الطبرسي: « إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ » أي حين بعث الله إليهم المرسلين.«إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ »أي رسولين من رسلنا. [إلى أن قال: ]
قال شعبة: كان اسم الرسولين شمعون و یوحنا و اسم الثالث بولس. و قيل: إنهم رسل عیسی و هم الحواريون عن وهب و کعب قالا: و إنما أضافهم تعالى إلى نفسه، لأن عيسى علیه السلام أرسلهم بأمره « فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ»أي قالوا لهم: يا أهل القرية إن الله أرسلنا إليكم. (418:18)
ابن عطية: اختلف المفسرون في «المرسلين »، [نقل قول قتادة ثم قال: ]
وقالت فرقة: هؤلاء أنبياء من قبل الله تعالى. و هذا يرجحه قول الكفرة: «مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا» فإنها محاورة إنما تقال: لمن ادعى الرسالة عن الله تعالى، والآخر محتمل.
وذكر النقاش في قصص هذه الآية شيئا يطول، والصحة فيه غير متيقنة فاختصرته، واللازم من الآية أن الله تعالى بعث إليها رسولين، فدعيا أهل القرية إلى عبادة الله تعالى وحده و إلى الهدی والإيمان فكذبوهما، فشدد الله تعالى أمرهما بثالث، وقامت الحجة على أهل القرية، و آمن منهم الرجل الذي جاء يسعى، و قتلوه في آخر أمره و کفروا، فأصابتهم صيحة من السماء فخمدوا. (449:4)
الفخر الرازي: المرسلون من قوم عیسی، و هم أقرب مرسل أرسل إلى قوم إلى زمان محمد صلی الله علیه و آله وهم ثلاثة، كما بين الله تعالى. وقوله: « اذ ارسلنا » يحتمل وجهين:
أحدهما: أن یکون «إِذْ أَرْسَلْنَا» بدلا من «إِذْ جَاءَهَا»، كأنه قال : اضرب لهم مثلا، إذ أرسلنا إلى أصحاب القرية اثنين.
و ثانيهما: و هو الأصح والأوضح، أن يكون ( إذ )ظرقا، و الفعل الواقع فيه «جَاءَهَا»، أي جاءها المرسلون حين أرسلناهم إليهم، أي لم يكن مجيئهم من تلقاء أنفسهم، و إنما جاؤوهم حيث أمروا، وهذا فيه لطيفة: وهي أن في الحكاية أن الرسل كانوا مبعوثين من جهة عیسی علیه السلام أرسلهم إلى أنطاكية، فقال تعالى: إرسال عیسی علیه السلام هو إرسالنا، و رسول رسول الله بإذن الله رسول الله، فلايقع لك يا محمد أن أولئك كانوا رسل الرسول و أنت رسول الله، فإن تكذيبهم کتکذیبك فتتم التسلية بقوله: «إذ ارسلنا»
و هذا يؤيد مسألة فقهية، وهي أن وکیل الوكيل بإذن الموکل وكيل الموكل لا وكيل الوكيل ،
حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه، و ينعزل إذا عزله الموكل الأول. و هذا علی قولنا: « واضرب لهم مثلا» ضرب المثل لأجل محمد صلی الله علیه و آله ظاهر.
و قوله: « إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا » في بعثة الاثنين حكمة بالغة، و هي أنهما كانا مبعوثين من جهة عيسى بإذن الله، فكان عليهما إنهاء الأمر إلى عيسى و الإتيان بما أمر الله، والله عالم بكل شيء لايحتاج إلى شاهد يشهد عنده. و أما عيسى فهو بشر فأمره الله بإرسال اثنين، ليكون قولهما على قومهما عند عیسی حجة تامة. [ إلى أن قال:]
«قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْکُمْ لَمُرْسَلُونَ » إشارة إلى أنه بمجرد التكذيب لم يسأموا ولم يتركوا، بل أعادوا ذلك لهم و کرروا القول عليهم، و أكدوه باليمين، «قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْکُمْ لَمُرْسَلُونَ »و أكدوه باللام، لأن « يعلم الله » يجري مجرى القسم، لأن من يقول: يعلم الله فيما لا يكون قد نسب الله إلى الجهل، و هو سبب العقاب، كما أن الحنث سببه.
وفي قوله: «رَبُّنَا يَعْلَمُ »إشارة إلى الرد عليهم؛ حيث قالوا: أنتم بشر، و ذلك لأن الله إذا كان يعلم أنهم لمرسلون، يكون كقوله تعالى : «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ » الأنعام : 124، يعني هوعالم بالأمور و قادر، فاختارنا بعلمه لرسالته. ( 51:26)
نحوه الشربيني . (341:3)
القرطبي: [نحو الطبري و أضاف:]
«إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ» أضاف الرب ذلك إلى نفسه، لأن عيسى أرسلهما بأمر الرب، و كان ذلك حين رفع عيسى إلى السماء. [ثم ذكر القصة مطولا فلاحظ ]
(14:15)
البيضاوي: « إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ » بدل من«أصحاب القرية » و المرسلون رسل عیسی علیه الصلاة والسلام إلى أهلها، واضافته إلى نفسه في قوله:«إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ» ؛ لأنه فعل رسوله و خليفته، و هما يحجي ويونس، و قيل: غيرهما.[إلى أن قال: ]
«قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْکُمْ لَمُرْسَلُونَ »استشهدوا بعلم الله، وهو يجري مجرى القسم، و زادوا اللام المؤكدة، لأنه جواب عن إنكارهم. (278:2)
نحوه أبوالسعود. (293:5)
النسفي: أكد الثاني باللام دون الأول، لأن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار، فيحتاج إلى زيادة تأكيد،« رَبُّنَا يَعْلَمُ » جار مجرى القسم في التوكيد، و كذلك قولهم: شهد الله وعلم الله. (5:4)
البروسوي:« إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ »بدل من «أصحاب القرية » بدل الاشتمال، لاشتمال الظروف على ما حل فيها، كأنه قيل: و اجعل وقت مجيء المرسلين مثلا، أو بدل من المضاف المقدر، كأنه قيل : و اذكر لهم وقت مجيء المرسلین، و هم رسل عیسی علیه السلام إلى أهل أنطاكية «إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ» بدل من ( إذ ) الأولى، أي وقت إرسالنا اثنين إلى أصحاب القرية و هما يحي ويونس، و نسبة
إرسالهما إليه تعالى بناء على أنه بأمره تعالى، فكانت الرسل رسل الله.
ويؤيده مسألة فقهية، و هي أن وكيل الوكيل بإذن الموکل، بأن قال الموكل له: اعمل برأيك يكون وكيلا للموئل لا للوكيل، حتى لا ينعزل بعزل الوكيل إياه، و ينعزل إذا عزله الموکل الأول.[إلى أن نقل القصة مع تفصيل، فلاحظ ]
(378:7)
الآلوسي: و «الْمُرْسَلُونَ»عند قتادة و غيره -من أجلة المفسرین - رسل عيسى علیه السلام من الحواريين، بعثهم حين رفع إلى السماء، و نسبة إرسالهم إليه تعالى في قوله سبحانه:«إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ»بناء على أنه كان بأمره تعالى لتكمیل التمثيل و تتميم التسلية.
وقال ابن عباس و کعب: هم رسل الله تعالى، واختاره بعض الأجلة، وادعى أن الله تعالى أرسلهم ردء لعيسی عليه السلام مقررين لشريعته کهارون لموسی علیهماالسلام ، وأيد بظاهر «إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ» و قول المرسل إليهم: «مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا» به إذ البشرية تنافي على زعمهم الرسالة من الله تعالى لا من غيره سبحانه.
واستدل البعض على ذلك بظهور المعجزة إبراء الأكمه و إحياء الميت على أيديهم، كما جاء في بعض الآثار، و المعجزة مختصة بالنبي على ما قرر في الكلام.
و من ذهب إلى الأول أجاب عن الأول بما سمعت. و عن الثاني بأنهم: إما أن يكونوا دعوهم على وجه فهموا منه أنهم مبلغون عن الله تعالى دون واسطة، أو: أنهم جعلوا الرسل بمنزلة مرسلهم فخاطبوهم بما يبطل رسالته، و نزلوه منزلة الحاضر تغليبا، فقالوا ما قالوه.
وعن الثالث: بأن ما ظهر على أيديهم - إن صح الأثر- کان کرامة لهم في معنى المعجزة العيسى علیه السلام و لايتعين كونه معجزة لهم، إلا إذا كانوا قد ادعوا الرسالة من الله تعالی بدون واسطة و هو أول المسألة. و ( إذ ) بدل من ( إذ ) الأولى. والاثنان قیل: یوحنا و بولس، و قال مقاتل: تومان و بولس، و قال شعيب الجبائي: شمعون و يوحنا، وقال وهب و کعب: صادق و صدوق، وقيل: نازوص و ماروص.
و قيل:«أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ» دون «ارسلنا إليها»ليطابق «إذ جاءها»، لأن الإرسال حقيقة إنما يكون إليهم لا إليها، بخلاف المجيء، و أيضا التعقيب بقوله تعالى: «فكذبوهما »عليه أظهر. ( 220:22)
ابن عاشور: تأكيد قولهم: «إِنَّا إِلَيْکُمْ لَمُرْسَلُونَ» لأجل تكذيبهم إياهم، فأكدوا الخبر تأكيد او سطا، و يسمى هذا ضربا طلبیا. ( 208:22)
عبد الكريم الخطيب: المفسرون على إجماع بأن هذه القرية هي «أنطاكية»، و على إجماع كذلك بأن هؤلاء الرسل، هم من حواري المسيح، و رسله الذين بعثهم لينشروا الدعوة في الناس.
و هذا التأويل للقرية و للرسل، لايقوم له شاهد من القرآن الكريم، و لاتدل عليه إشارة من
إشاراته القريبة أو البعيدة، و إنما هو من واردات أهل الكتاب، و أخبارهم. والخبر هنا وارد من المسيحية، و ينسب إلى وهب ابن منبه، الذي تلقاه من المسيحية، مما يعرف عند المسيحيين بأعمال الرسل، الملحقة بالأناجيل.
فهذا التأويل في نظرنا لايعول عليه، مادام غير مستند إلى دليل من القرآن الكريم ذاته. فالقرآن الكريم في رأينا يفسر بعضه بعضا، و هو كما وصفه الحق سبحانه و تعالى في قوله: «وَ نَزَّلْنا عَلَیْکَ الْکِتابَ تِبْیانا لِکُلِّ شَئ» النحل : 89، فكيفلا يكون تبیانا لما فيه؟
وندع القرية و اسمها، و الرسل و الصفة التي لهم ندع هذا الآن، و نعرض المثل على أن القرية واحدة من القرى المبثوثة في هذه الدنيا، و أن الرسل هم بعض رسل الله إلى عباده. فهذه قرية، قد جاءها رسل، مبعوثون من عند الله، و قد دعوا أصحابها إلى الإيمان، فلم يلقوا منهم إلا الصد اللئيم، والقول القبیح. (913:11)
مکارم الشيرازي: من هم هؤلاء الرسل؟
فإن هناك أخذا و رد بین المفسرین، بعضهم قال: إن أسماء الاثنين شمعون و يوحنا، والثالث بولس و بعضهم ذكر أسماء أخرى لهم.
و كذلك فإن هناك أخذا و ردا في أنهم رسل الله تعالى، أم أنهم رسل المسيح علیه السلام ولا منافاة مع قوله تعالى: « إذ ارسلنا » إذ إن رسل المسيح رسله تعالى أيضا، مع أن ظاهر الآيات أعلاه ينسجم معه التفسير الأول، وإن كان لافرق بالنسبة إلى النتيجة التي يريد أن يخلص إليها القرآن الكريم. [إلى أن قال:]
على كل حال، فإن هؤلاء الأنبياء لم ييأسوا جراء مخالفة هؤلاء القوم الضالين ولم يضعفوا، و في جوابهم : «قَالُواْ رَبُّنَا یَعْلَمُ إِنَّآ إِلَیْکُمْ لَمُرْسَلُونَ».و مسؤوليتنا إبلاغ الرسالة الإلهية بشكل واضح و بين فحسب « وَ مَا عَلَیْنَآ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِینُ» يس، : 17 .
من المسلم به أنهم لم يكتفوا بمجرد الإدعاء، أو القسم بأنهم من قبل الله، بل إن مما يستفاد من تعبير «البلاغ المبين» إجمالا أنهم أظهروا دلائل و معاجز تشير إلى صدق ادعائهم، وإلا فلامصداقية ل«البلاغ المبين»، إذ إن البلاغ المبين يجب أن يكون بطريقة تجعل من الميسر للجميع أن یدرکوا مراده، و ذلك لا يمكن تحققه إلا من خلال بعض الدلائل و المعجزات الواضحة.
وقد ورد في بعض الروايات أيضا أن هؤلاء الرسل كانت لهم القدرة على شفاء بعض المرضى المستعصي علاجهم -بإذن الله - كما كان لعيسی علیه السلام و لكن الوثنيين لم يسلموا أمام ذلك المنطق الواضح و تلك المعجزات، بل إنهم زادوا من عنفهم في المواجهة، و انتقلوا من مرحلة التكذيب إلى مرحلة التهديد والتعامل الشديد «قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِکُمْ». (137:14)
8-« الَّذِينَ کَذَّبُوا بِالْکِتَابِ وَ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» المؤمن : 70
ابن عباس : « وَ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا »من الكتب. (399)
مثله الزمخشري. (3: 436)
الطبري: « وَ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا » من إخلاص العبادة لله، والبراءة مما يعبد دونه من الآلهة و الأنداد، و الإقرار بالبعث بعد الممات للثواب والعقاب. (77:11)
الفخر الرازي: « وَ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا » من سائر الكتب. (87:27)
مثله البروسوي. (210:8)
البيضاوي: من سائر الكتب، أو الوحي و الشرائع. (341:2)
نحوه أبوالسعود . (427:5)
ابن عاشور: « وَ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا » يجوز أن يكون على أصل العطف مقتضيا المغايرة، فيكون المراد: و بما أرسلنا به رسلنا من الكتب قبل نزول القرآن، فيكون تكذيبهم ما أرسلت به الرسل، مرادا به تكذيبهم جميع الأديان، كقوله تعالى: «وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ» الأنعام : 91.
ويحتمل أنه أريد به التكذيب بالبعث، فلعلهم الما جاءهم محمد صلی الله علیه و آله با ثبات البعث سألوا عنه أهل الكتاب فأثبتوه، فأنكر المشركون جميع الشرائع لذلک.
ويجوز أن يكون عطف مرادف، فائدته التوكيد، والمراد ب«رسلنا»: محمد صلی الله علیه و آله كقوله: «کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ» الشعراء : 105، يعني الرسول نوحا، على أن في العطف فائدة زائدة على ما في المعطوف عليه، وهي أن مما جاء به الرسول مواعظ و إرشادا كثيرا ليس من القرآن. (243:24)
الطباطبائي: الأنسب أن يكون المراد «بالكتاب »هو القرآن الكريم، و بقوله: « وَ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا » ما جاءت به الرسل علیه السلام من عند الله من کتاب و دین، فالوثنية منكرون للنبوة. (350:17)
فضل الله:« وَ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا » من الكتب المنزلة الماضية، كالتوراة والإنجيل. (71:20)
9- «لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ... » الحديد : 25
الزمخشري: يعني الملائكة إلى الأنبياء . (66:4)
أبوالسعود: أي الملائكة إلى الأنبياء، أو الأنبياء إلى الأمم؛ و هو الأظهر. (208:6)
الآلوسي: أي من بني آدم، كما هو الظاهر. (188:27)
11-10- «إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْکُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْکُمْ کَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ...المزمل: 15، 16
ابن عباس: «ارسلنا» بعثنا، «إِلَيْکُمْ رَسُولاً» يعني محمدا عليه الصلاة والسلام،... « کَمَا أَرْسَلْنَا » بعثنا،« إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا »يعني موسى، «فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ» يعني موسى لم يجبه.(490)
الزمخشري: إن قلت: لم نکر الرسول ثم عرف؟
قلت: لأنه أراد أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل، فلما أعاده و هو معهود بالذكر أدخل لام التعريف إشارة إلى المذكور بعينه. (4: 177)
نحوه الفخر الرازي . (182:30)
ابن عطية: «فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ»یرید موسی عليه السلام، والألف واللام للعهد. (5: 389)
أبوالسعود:«کَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا» هوموسی علیه السلام، و عدم تعيينه لعدم دخله في التشبيه،« فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ» الذي أرسلناه إليه. (323:6)
الآلوسي:«کَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا» هو موسى عليه السلام، و عدم تعيينه لعدم دخله في التشبيه، أو لأنه معلوم غني عن البيان،«فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ»المذكور الذي أرسلناه إليه، فالتعريف للعهد الذكري.( 108:29)
ابن عاشور: تنكير «رسولا» المرسل إلى فرعون، لأن الاعتبار بالإرسال لا بشخص المرسل؛ إذ التشبيه تعلق بالإرسال في قوله: «کَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ » إذ تقديره: کارسالنا إلى فرعون رسولا.
... و لما جرى ذكر الرسول المرسل إلى فرعون أول مرة، جيء به في ذكره ثاني مرة معرفا بلام العهد، و هو العهد الذكري، أي الرسول المذكور آنفا، فإن النكرة إذا أعيدت معرفة باللام، كان مد لولها عين الأولى. ( 255:29)
أرسل
1-«فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِینَ أُرْسِلَ إِلَیْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِینَ» الأعراف : 6
ابن عباس: «أُرْسِلَ إِلَیْهِمْ» الرسل. (124)
الطبري: لنسألن الأمم الذين أرسلت إليهم. (430:5)
راجع: س أ ل: «نسئلن»
2 - ...أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ. الأعراف : 75
الطبري: أرسله الله إلينا و إليكم. قال الذين آمنوا بصالح من المستضعفين منهم: إنا بما أرسل الله به صالحا من الحق و الهدى مؤمنون. (5: 537)
أرسلوا
وَمَا اُرْسِلُوا عَلَیْهِمْ حَافِظِینَ. المطففين : 33
ابن عباس: ما سلطوا على المؤمنين. (505)
الطبري: ما بعث هؤلاء الكفار القائلون للمؤمنين إن هؤلاء الضالون، حافظين عليهم
أعمالهم . (502:12)
الثعلبي:« وَمَا اُرْسِلُوا » يعني المشركين «عَلَیْهِمْ » يعني على المؤمنين. «حَافِظِینَ» لأعمالهم موكلين بأحوالهم. ( 157:10)
أرسلت
1- «وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَم يُؤْمِنُوا فَاصْبِروا حَتَّى يَحكُمَ اللَّه بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْر الَحاكِمِينَ». الأعراف : 87
أبوالسعود: من الشرائع و الأحكام.(516:2)
مثله الآلوسي . (179:8)
2 - فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ... . هود : 57
الطبرسي: فقد أبلغتكم جميع ما أوحي إلي. (170:3)
أبو السعود: بلغتكم الحق. (3: 326)
3 -« قَالَ إنَّما الْعِلْمُ عِنْدَ اللّهِ وَ أُبَلِّغُکُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَ لکِنّی أَریکُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ». الأحقاف : 23
ابن عباس: «ما أُرْسِلْتُ بِهِ » من التوحيد. (425)
الطبري: أبلغكم عنه ما أرسلني به من الرسالة.
الواحدي: « ما أُرْسِلْتُ بِهِ » من الوحي والإنذار. (113:4)
البغوي: «ما أُرْسِلْتُ بِهِ » من الوحي إليكم. (200:4)
الزمخشري: «ما أُرْسِلْتُ بِهِ » من الإنذار و التخويف و الصرف عما يعرضكم لسخط الله بجهدي . (524:3)
الطبرسي: أي و أنا أبلغكم ما أمرت بتبليغه إليكم. (90:5)
الفخر الرازي: «ما أُرْسِلْتُ بِهِ » و هو التحذير عن العذاب. ( 27:28)
الشربيني: «ما أُرْسِلْتُ بِهِ »ممن لا مرسل في الحقيقة غيره، سواء أكان وعدا أم وعيدا أم غير ذلك، ولم يذكر الغاية، لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم. (14:4)
أبوالسعود: من مواجب الرسالة التي من جملتها بیان نزول العذاب إن لم تنتهوا عن الشرك، من غير وقوف على وقت نزوله. (6: 76)
مثله البروسوي (8: 481)، و الآلوسي (25:26)
ابن عاشور: معنی: «أُبَلِّغُکُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ » أنه بعث مبلغا أمر الله و إنذاره، و لم يبعث للإعلام بوقت حلول العذاب. ( 41:26)
نحوه مغنية. (52:7)
فضل الله: أبلغكم رسالة التوحيد، و أنذركم عذاب يوم عظيم. (21 : 34)
یرسل
1-. فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى .. » الزمر : 42
ابن عباس: و هي النفس النائم إلى جسدها حتى تجتمع مع روحها إلى أجل موتها. (الماوردي 5: 128)
سعيد بن جبير: « وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى» فيعيدها. (الماوردي 129:5)
الرماني: « وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى » و هي النائمة، فيطلقها باليقظة للتصرف إلى أجل موتها. (الماوردي 5: 128)
البغوي: و يرد الأخرى وهي التي لم يقض عليها الموت، إلى الجسد. (91:4)
الفخر الرازي: يعني أن النفس التي يتوفاها عند النوم يردها إلى البدن عند اليقظة.( 284:26)
الآلوسي:« وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى» أي الأنفس الأخرى و هي النائمة إلى أبدانها، فتكون كما كانت حال اليقظة، متعلقة بها تعلق التصرف ظاهرا و باطنا، وعبر بالإرسال رعاية للتقابل. ( 8:24)
ابن عاشور: الإرسال: الإطلاق والتمكين من مبارحة المكان للرجوع إلى ما كان، والمراد ب« الأخرى »: « التي لم تمت » و لكن الله جعلها بمنزلة الميتة. والمعنى يرد إليها الحياة كاملة. والمقصود من هذا إبراز الفرق بين الوفاتين. (100:24)
2-« يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ». نوح : 11
ابن عاشور: الإرسال مستعار للإيصال و الإعطاء ، و تعديته ب « علیکم » لأنه إيصال من علو، كقوله: « و ارسل عليهم طيرا ابابیل » الفيل : 3. (184:29)
راجع: درر: المعجم 248:19 .
نرسل
« لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ». الذاريات : 33
الطبري: لنمطر عليهم. (466:11)
ابن عطية: أي لنهلکهم بهذه الحجارة، و متى اتصلت « أرسل » ب « علی » فهي بمعنى المبالغة في المباشرة و العذاب، و متى اتصلت ب «إلى» فهي أخف، و انظر ذلك تجده مطردا. (178:5)
القرطبي: أي لنرجمهم بها. ( 48:17)
ابن عاشور: الإرسال الذي في قوله: « لنرسل عليهم حجارة من طین » مستعمل في الرمي مجازا، كما يقال: أرسل سهمه على الصيد، و هذا الإرسال يكون بعد أن أصعدوا الحجارة إلى الجو و أرسلتها عليهم، و لذلك سميت مطرا في بعض الآيات.
و حصل بين « ارسلنا » و بین « لنرسل » جناس لاختلاف معني اللفظين. ( 28:27)
يرسل
« يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَ نُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ». الرحمن : 35
ابن عاشور: معنی « يُرْسَلُ عَلَيْكُما» أن ذلك يعترضهم قبل أن يلجوا في جهنم، أي تقذفون بشواظ من نار تعجيلا للسوء. و المضارع للحال،
أي و يرسل عليكما الآن شواظ.(27: 242)
ارسل
1- « حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ». الأعراف : 105
الثعلبي: أي أطلق عنهم و خلهم يرجعون إلى الأرض المقدسة. ( 267:4 )
الزمخشري: فخلهم حتی یذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم و مولد آبائهم. (101:2)
مثله أبوالسعود . (15:3)
الطبرسي: أي فأطلق بني إسرائيل من عقال التسخير، و خلهم يرجعوا إلى الأرض المقدسة، و ذلك أن فرعون و القبط، كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل، و اعتقلوهم للاستخدام في الأعمال الشاقة، مثل بناء المنازل، و حمل الماء، و نقل التراب، و ما أشبه ذلك. (458:2)
ابن عاشور: الإرسال: الإطلاق و التخلية، كقولهم: أرسلها العراك، و هو هنا مجاز لغوي في الإذن لبني إسرائيل بالخروج، المطلوب من فرعون. (226:8)
و بهذا المعنى جاء قوله تعالى:
2 - « فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِل مَعَنَا بَنى إِسْرائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ... » طه : 47
3- أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ. الشعراء : 17
4 - « وَ یَضِیقُ صَدْرِی وَ لَایَنطَلِقُ لِسَانِی فَأَرْسِلْ إِلَی هَرُونَ ». الشعراء : 13
ابن عباس: فأرسل معي هارون يكون عونا لي، و يقال: فأرسل إلى هارون جبرئيل ليكون معي معينا. (307)
الطبري: يعني هارون أخاه، و لم يقل: فأرسل لي هارون ليؤازرني و لیعيني؛ إذ كان مفهوما معنى الكلام، و ذلك كقول القائل: لو نزلت بنا نازلة لفزعنا إليك، بمعنى لفزعنا إليك لتعيننا. (435:9)
الزجاج: أي ليعينني و يؤازرني على أمري، و حذف لأن في الكلام دليلا عليه. (84:4)
الثعلبي: ليؤازرني و یظاهرني على تبليغ الرسالة، وهذا كما تقول: إذا نزلت بي نازلة أرسلت إليك، أي لتعينني. (159:7)
نحوه البغوي. (3: 463)
الماوردي: أي ليكون معي رسولا، لأن هارون كان بمصر حيث بعث الله تعالی موسی نبیا. (166:4)
الطوسي: يعني لمعاونتي، كما يقال: إذا نزلت بنا نازلة أرسلنا اليك، أي لتعيننا. و قيل: إنما طلب المعاونة حرصا على القيام بالطاعة. (10:8)
نحوه الطبرسي. (186:4)
الزمخشري: أريل إليه جبرائیل و اجعله نبیا، و آزرني به و اشدد به عضدي. وهذا كلام مختصر وقد بسطه في غير هذا الموضع. (106:3)
الواحدي: جبرئيل ليكون معي معينا.
ابن عطية: معناه يعينني و يؤازرني.(226:4)
الفخر الرازي: أما قوله تعالى: «فارسل إلى هرون » فليس في الظاهر ذكر من الذي يرسل إليه، و في الخبر أن الله تعالی أرسل موسی علیه السلام إليه.
ويحتمل أن يكون المراد: أرسل إليه جبريل، لأن رسول الله إلى الأنبياء جبريل عليه السلام، فلما كان هو متعینا لهذا الأمر، حذف ذكره لكونه معلوما، و أيضا ليس في الظاهر أنه يرسل لماذا، لكن فحوى الكلام يدل على أنه طلبه للمعونة فيما سأل، كما يقال: إذا نابتك نائبة، فأرسل إلى فلان، أي ليعينك فيها. (123:24)
القرطبي: أرسل إليه جبريل بالوحي، و اجعله رسولا معي ليؤازرني و يظاهرني و يعاونني، ولم يذكر هنا ليعينني، لأن المعنى كان معلوما، وقد صرح به في سورة طه: « واجعل لي وزیرا » طه : 29، و في « فارسله معی رداء یصدقنی » القصص : 34.
و كأن موسی أذن له في هذا السؤال، و لم یکن ذلك استعفاء من الرسالة بل طلب من يعينه. ففي هذا دليل على أن من لا يستقل بأمر، ويخاف من نفسه تقصيرا، أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك لوم. (92:13)
أبوالسعود : « فارسل» أي جبرئیل علیه السلام « إلى هرون » ليكون معي، و أتعاضد به في تبليغ الرسالة. (35:5)
نحوه البروسوي. (265:6)
شبر: أي اجعله نبيا يعضدني في أمري، طلب المعاونة حرصا على الامتثال لا تعللا. (376:4)
الآلوسي: [نحو القرطبي و أضاف: ]
و من الدليل على أن المعني على ذلك لا أنه تعلل وقوع « فارسل » معترضا بين الأوائل والرابعة، أعني « و لهم ...» فآذن بتعلقه بها و لو كان تعللا لآخر. و ليس أمره بالإتيان مستلزما لما استدعاه علیه السلام، و تقدیر مفعول « ارسل » ما أشرنا إليه، و قد ذهب اليه غير واحد. و بعضهم قدر « ملكا » إذ لاجزم في أنه علیه السلام كان يعلم إذ ذاك أن جبریل علیه السلام رسول الله عز و جل إلى من يستنبئه سبحانه من البشر.
و في الخبر أن الله تعالى أرسل موسى إلى هارون و كان هارون بمصر حين بعث الله تعالی موسی نبیا بالشام. (65:19)
ابن عاشور: مجمل يبينه ما في الآية الأخرى، فيعلم أن في الكلام هنا إيجازا، وأنه ليس المراد: فأرسل إلى هارون عوضا عني.
و إنما سأل الله الإرسال إلى هارون و لم يسأله أن يكلم هارون كما کلمه هو، لأن هارون كان بعيدا عن مكان المناجاة. والمعنى: فأرسل ملكا بالوحي إلى هارون أن يكون معي.(122:19)
الطباطبائي: أي أرسل ملك الوحي إلى هارون، ليكون معينا لي على تبليغ الرسالة. يقال لمن نزلت به نائبة أو أشكل عليه أمر: أرسل إلى فلان، أياستمد منه و اتخذه عونا لك.
فالجملة أعني قوله: « فَأَرْسِلْ إِلیَ هَرُونَ» متفرعة على قوله: « إني أخاف...»، و ذکر خوف التكذيب مع ما معه من ضيق الصدر و عدم انطلاق اللسان، توطئة و تقدمة لذكرها، و سؤال موهبة الرسالة لهارون.
وإنما اعتل با اعتل به و سأل الرسالة لأخيه، ليكون شريكا له في أمره، معينا مصدقا له في التبليغ لا فرارا عن تحمل أعباء الرسالة، و استعفاء منها. قال في روح المعاني: و من الدليل على أن المعنى على ذلك لا أنه تعلل، وقوع « فارسل » بین الأوائل و بين الرابعة، أعني قوله: « ولهم على ذنب...»، فآذن بتعلقه بها و لو كان تعللأ لاخر، انتهى.
وهو حسن، و أوضح منه قوله تعالى في سورة القصص في القصة: « قَالَ رَبِّ اِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَاَخَافُ اَنْ يَقْتُلُون * وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ » القصص : 33، 34 . (15 : 259)
مکارم الشيرازي: لنؤدي رسالتك الكبری بأكمل وجه بتعاضدنا في مواجهة الظالمين الحمقى. (308:11)
فضل الله: ليكون عونا لي على أداء الرسالة، لما يتميز به من صفات تسد النقص الذي أعاني منه، کفصاحة اللسان و نحوها. ( 94:17)
فارسلون
« وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ، فَأَرْسِلُونِ » یوسف: 45
الطبري: يقول: فأطلقوني، أمضي لأتیکم بتأويله من عند العالم به. (7: 227)
الزمخشري: فابعثوني إليه لأسأله، و مروني باستعباره. (324:2)
البيضاوي:«فَأَرْسِلُون » أي إلى من عنده علمه، أو إلى السجن. (497:1)
ابن عاشور: ضمائر جمع المخاطب في « أُنَبِّئُكُمْ »، « فَأَرْسِلُونِ » مخاطب بها الملك على وجه التعظيم، كقوله تعالى: « قال رب ارجعون» المؤمنون: 99.
و لم يسم لهم المرسل إليه، لأنه أراد أن يفاجئهم بخبر يوسف عليه السلام بعد حصول تعبيره ليكون أوقع، إذ ليس مثله مظنة أن يكون بين المساجين. ( 71:12)
فضل الله: « فَأَرْسِلُونِ » إلى الشخص الذي يملك سر المعرفة للأحلام، فقد عشت التجربة الحية معه؛ إذ فسر لي رؤیا سابقة، كانت حياتي كلها الآن شاهد صدق علىصحة تفسيره. ( 220:12 )
مرسلوا
«إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ» . القمر : 27
ابن عباس: مخرجو الناقة من الصخرة.(449)
نحوه ابن قتيبة (33)، و شبر (6: 120)
إنا باعثوه کما سألوها فتنة لهم. (الطبرسي 191:5)
الطبري: إنا باعثو الناقة التي سألتها ثمود من الهضبة التي سألوه. ( 560:11)
الثعلبي: باعثوها و مخرجوها من الهضبة التي سألوا . (168:9)
نحوه الزمخشري (4: 39)، و البيضاوي (437:2) .
الطوسي: أرسل الناقة و بعثها بأن أنشأها معجز لصالح، لأنه أخرجها من الجبل الأصم يتبعها ولدها. (453:9)
الطبرسي: أي نحن باعثوا الناقة بإنشائها على ماطلبوها معجزة لصالح، و قطعا لعذرهم، و امتحانا و اختبارا لهم. و هاهنا حذف، و هو أنهم تعنتوا على صالح، فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء تضع، ثم ترد ماءهم فتشربه، ثم تعود عليهم بمثله لبنا. (191:5)
القرطبي: أي مخرجوها من الهضبة التي سألوها. فروي أن صالحا صلى ركعتين و دعا فانصدعت الصخرة التي عینوها عن سنامها، فخرجت ناقة عشراء. ( 140:17)
الخازن: [ مثل الثعلبي وأضاف:]
وذلك أنهم تعتنوا على صالح فسألوه أن يخرج لهم من صخرة حمراء ناقة عشراء، فقال الله تعالى:« انا مرسلوا الناقة » .(229:6)
ابن عاشور: إرسال الناقة إشارة إلى قصة معجزة صالح، أنه أخرج لهم ناقة من صخرة، و كانت تلك المعجزة مقدمة الأسباب التي عجل لهم العذاب لأجلها، فذكر هذه القصة في جملة البيان توطئة و تمهید.
والإرسال مستعار لجعلها آية لصالح. وقد عرف خلق خوارق العادات لتأييد الرسل باسم الإرسال في القرآن، كما قال تعالى: « وَ مَا نُرْسِلُ بِالايَاتِ ’اِلا تَخْويفًا » الإسراء : 59، فشبهت الناقة بشاهد أرسله الله لتأييد رسوله. ( 190:27)
مرسلين
... « وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ لكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ ». القصص : 45
الزمخشري: و لكنا أرسلناك و أخبرناك بها، وعلمنا كها. (182:3)
القرطبي: أي أرسلناك في أهل مكة، و آتيناك كتابا فيه هذه الأخبار، و لولا ذلك لما علمتها. (291:13)
أبوالسعود: « مُرْسِلِينَ » إياك و موحين إليك تلك الآيات و نظائرها. (127:5)
نحوه الآلوسي . (87:20)
ابن عاشور: الاستدراك في قوله:« وَ لكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ» ظاهر، أي ما كنت حاضرا في أهل مدين فتعلم خبر موسى عن معاينة، و لكنا كنا مرسلینك بوحينا، فعلمناك ما لم تكن تعلمه أنت و لاقومك من قبل هذا.
و عدل عن أن يقال: و لكنا أوحينا بذلك، إلى قوله:«وَ لكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ» لأن المقصد الأهم
هو إثبات وقوع الرسالة من الله، للرد على المشركين في قولهم و قول أمثالهم : « ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ » القصص : 36، و تعلم رسالة محمد صلی الله علیه و آله بدلالة الالتزام مع مايأتي من قوله:« وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً » الآية القصص : 46. فالاحتجاج و التحدي في هذه الآية والآية التي قبلها تحد بما علمه النبي عليه الصلاة والسلام من خبر القصة الماضية. ( 67:20 )
مرسلا
« وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ». الرعد: 43
ابن عباس: « لَسْتَ مُرْسَلًا » من الله يا محمد و إلا فأتنا بشهید يشهد لك. (210)
الواحدي: « لَسْتَ مُرْسَلًا » إلينا بالنبوة. (21:3)
البغوي: أي لست رسولا إلينا. (3: 29)
ابن عطية: لست مرسلا من الله و إنما أنت مدع. (320:3)
الطبرسي: « لَسْتَ مُرْسَلًا» من جهة الله تعالى إلينا. (301:3)
القرطبي: أي لست بنبي و لارسول، و إنما أنت متقول، أي لما لم يأتهم بما اقترحوا قالوا ذلك. (335:9)
المرسلون
1- « قَالَ فَمَا خَطْبُکُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ». الحجر : 57
الطبرسي: سماهم مرسلين لما علم أنهم ملائكة. (340:3)
2- «فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ ». الحجر : 61
ابن عباس: جبريل و أعوانه. (219)
الطوسي: الملائكة الذين بعثهم الله لإهلاك قوم لوط. (345:6)
ابن عطية: قيل: إن الرسل كانوا ثلاثة: جبریل، و میکائیل، و إسرافيل، و قيل: كانوا اثني عشر. (367:3)
3- « قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ». الذاریات: 31
ابن عاشور: المعني: ما الخطب الذي أرسلتم لأجله؛ إذ لا تنزل الملائكة إلا بالحق. و خاطبهم بقوله:« أيها المرسون » لأنه لا يعرف ما يسميهم به إلا وصف أنهم المرسلون، و «المرسلون » من صفات الملائكة، كما في قوله تعالى« و المرسلات عرفا » المرسلات: 1، عن أحد تفسیرین . ( 28:27)
المرسلين
1- « تِلْكَ آياتُ اللّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ». البقرة : 252
الزمخشري: حيث تخبرها من غير أن
تعرف بقراءة كتاب، و لاسماع أخبار. (1: 382)
أبوالسعود: أي من جملة الذين أرسلوا إلى الأمم لتبيلغ رسالاتنا و إجراء أوامرنا و أحكامنا عليهم، فإن هذه المعاملة لاتجري بيننا و بين غيرهم، فهي شهادة منه سبحانه برسالته عليه الصلاة والسلام إثر بیان مایستوجبها، والتأكيد من مقتضیات مقام الجاحدين بها. (292:1)
ابن عاشور: جيء بقوله: « لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » دون أن يقول: إنك لرسول الله، للرد علی المنكرين بتذكيرهم أنه ما كان بدعا من الرسل، و أنه أرسله كما أرسل من قبله، و ليس في حاله ما ينقص عن أحوالهم. (481:2)
2 - « وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ». الحجر : 80
ابن عباس: صالحا و جملة المرسلين. (220)
الزمخشري: يعني بتكذيبهم صالحا، لأن من كذب واحدا منهم فكأنما كذبهم جميعا، أو أراد صالحا و من معه من المؤمنين. (2: 396)
نحوه أبو السعود. (30:4)
ابن عطية: من حيث يجب بتكذيب رسول واحد تکذیب الجميع؛ إذ القول في المعتقدات واحد للرسل أجمع. (372:3)
الفخر الرازي: المراد منه صالح وحده، و لعل القوم كانوا براهمة منكرين لكل الرسل.(19: 205)
القرطبي: قال: « الْمُرْسَلِينَ »و هو صالح وحده، و لكن من كذب نبیا فقد کذب الأنبياء كلهم، لأنهم على دين واحد في ، فلا يجوز التفريق بينهم. و قيل: كذبوا صالحا و من تبعه و من تقدمه من النبيين أيضا، و الله أعلم.( 46:10)
ابن عاشور: تعريف «الْمُرْسَلِينَ » للجنس، فيصدق بالواحد؛ إذ المراد أنهم كذبوا صالحا علیه السلام فهو كقوله تعالى: « کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ » سورة الشعراء: 105. (58:13)
الطباطبائي: عدهم مكذبين لجميع المرسلين، و هم إنما كذبوا صالحا المرسل إليهم، إنما هو لكون دعوة الرسل دعوة واحدة، و المكذب لواحد منهم مكذب للجميع. (185:12)
3- «فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ». الشعراء : 21
الطبري: و ألحقني بعداد من أرسله إلى خلقه، مبلغا عنه رسالته إليهم بإرساله إياي إليك يا فرعون. (438:9)
الطوسي: أي جعلني الله نبيا من جملة الأنبياء. (13:8)
نحوه الطبرسي. (187:4)
ابن عطية: درجة ثانية للنبوة، فرب نبي ليس برسول. (228:4)
الآلوسي: «وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ » إشارة على ظاهر الأول من تفسيري الحكم [بالنبوة أو علما و فهما ] إلى تفضله تعالى عليه برتبة هي فوق
رتبة النبوة، أعني رتبة الرسالة. و لم يقل: فوهب لي ربي حكما و رسالة، أو جعلني رسولا إعظاما لأمر الرسالة، و تنبيها لفرعون، على أن رسالته عليه السلام ليس أمرا مبتدعا، بل هو مما جرت به سنة الله تعالى شأنه. (69:19)
فضل الله: الذين يحملون مسؤولية الدعوة إلى الله و العمل في سبيله، و الإعلان بكلمة الحق الصارخ أمام الناس أجمعين، ممن كان في أعلى درجات السلم الاجتماعي، أو في أسفلها أو في وسطها. (100:17)
4 - « کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ ». الشعراء: 105
ابن عباس: نوحا و جملة المرسلين الذين ذکر هم نوح (310)
الحسن: لانهم بتكذيبهم نوحا مكذبون من جاء بعده من المرسلين. و لو لم يكن قبله نبي مرسل. (الطوسي 8: 39)
الإمام الباقر علیه السلام : يعني ب «المرسلين نوحا و الأنبياء الذين كانوا بينه و بين آدم علیه السلام. (الطبرسي 4: 196)
الجبائي: كذبوا من أرسل قبله. الطوسي 8: 39)
الطبري: « کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ » رسل الله الذين أرسلهم إليهم. (9: 457)
الثعلبي: «المرسلين » يعني نوحا وحده، كقوله: « یاء يها الرسل» المؤمنون : 51.
[في حديث، قيل للحسين:] يا أبا سعيد أرأيت قوله عز وجل: « کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ » و « کَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ» الشعراء: 123، و « کذبت ثمود المرسلين » الشعراء : 141، و إنما أرسل إليهم رسولا واحدا؟
قال: إن الآخر جاء بما جاء به الأول، فإذا كذبوا واحدا فقد كذبوهم أجمعين. (7: 172)
الطوسي: يقول الله تعالى مخبرا عن قوم نوح أنهم كذبوا الذين أرسلهم الله بالنبوة. و إنما كذبوهم جميعهم، لأنهم كذبوا كل من دعا إلى توحيد الله، و خلع عبادة الأصنام ممن مضى من الرسل، و غيرهم ممن يأتي. (39:8)
نحوه ابن عطية (24: 237)، و الطبرسي (196:4)
الفخر الرازي: إنما حکی عنهم أنهم كذبوا المرسلين لوجهين:
أحدهما: أنهم و إن كذبوا نوحا، لكن تكذيبه في المعنى يتضمن تکذیب غيره، لأن طريقة معرفة الرسل لاتختلف، فمن حيث المعنى حکی عنهم أنهم كذبوا المرسلين.
و ثانيهما: أن قوم نوح کذبوا بجميع رسل الله تعالى، إما لأنهم كانوا من الزنادقة أو من البراهمة. (154:24)
القرطبي: قال : «المرسلين» لأن من کذب رسولا فقد كذب الرسل، لأن كل رسول یأمر بتصديق جميع الرسل.
و قيل: كذبوا نوحا في النبوة، و فيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده.
وقيل: ذكر الجنس و المراد نوح علیه السلام. (119:13)
نحوه الشربيني. (22:3)
أبوالسعود: تكذيبهم للمرسلين إما باعتبار إجماع الكل على التوحيد و أصول الشرائع التي لا تختلف باختلاف الأزمنة والأعصار، و إما لأن المراد بالجمع الواحد، كما يقال: فلان یرکب الدواب و یلبس البرود، و ماله إلا دابة و بردة. (51:5)
نحوه الآلوسی ( 106:19)، و مغنية (506:5).
البوسوي: [ نحو أبي السعود و أضاف:]
أو لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. (291:6)
ابن عاشور: جمع «المرسلين»و إنما كذبوا رسولا واحدا أول الرسل، و لم یکن قبله رسول و هم أول المكذبين. فإنما جمع، لأن تكذيبهم لم يكن لأجل ذاته، و لكنه كان لإحالتهم أن يرسل الله بشرا، و أن تكون عبادة أصنامهم ضلالا، فكان تكذيبهم إياه مقتضیا تکذیب کل رسول، لأن كل رسول يقول مثل ما قاله نوح علیه السلام و لذلك تكرر في قوله: « كذبت عاد المرسلين» الشعراء: 123، و ما بعده. و قد حكي تكذيبهم أن يكون الرسول بشرا في قوله: « أو عجبتم ان جاء کم ذكر من ربكم على رجل منكم لینذر کم » الأعراف : 63.
وسيأتي حكاية تكذيب عاد و ثمود و قوم لوط وأصحاب ليكة على هذا النمط، فيما تكرر من قوله: «كذبت» و قوله: «المرسلين ». (166:19)
الطباطبائي: عد القوم مكذبين للمرسلين مع أنهم لم يكذبوا إلا واحدا منهم و هو نوح علیه السلام، إنما هو من جهة أن دعوتهم واحدة و كلمتهم متفقة على التوحيد، فيكون المكذب للواحد منهم مكذبا للجميع، و لذا عد الله سبحانه الإيمان ببعض رسله دون بعض كفرا بالجميع، قال تعالى:« إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَ لِكَ سَبِيلًا * أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا » النساء : 150 ، 151 .
وقيل : هو من قبيل قولهم: فلان يركب الدواب و يلبس البرود، وليس له إلا دابة واحدة و بردة واحدة، فيكون الجمع كناية عن الجنس؛ و الأول أوجه. ونظير الوجهين جار في قوله الآتي: « كذبت عاد المرسلين » الشعراء : 123، « کذبت ثمود المرسلين» الشعراء : 141، و غيرهما. ( 295:15)
نحوه مکارم الشيرازي. (366:11)
فضل الله: «المرسلين» الذين يمثلهم هذا النبي الكريم في دعوته التي تلتقي في عناصرها الأساسية برسالاتهم. وبذلك كان تكذيبهم له تكذيبا لهم، لأنهم يتفقون في دعوة التوحيد، و لذا
عد الله سبحانه الإيمان ببعض رسله دون بعض كفرا بالجميع، قال تعالى: « إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَ لِكَ سَبِيلًا* أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا» النساء : 151،150 . (134:17)
5- « وَ يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ». القصص : 65
ابن عاشور: المراد ب«المرسلين » محمد صلى الله عليه و آله كما في قوله تعالى في سورة سبأ : 45 « فكذبوا رسلی »، و له نظائر في القرآن، منها قوله: «ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا » يريد محمدا صلی الله علیه و آله في سورة يونس : 103، و قوله: « کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ» الآيات في سورة الشعراء : 105، و إنما كذب كل فريق من أولئك رسولا واحدا. و الذي اقتضى صيغة الجمع أن جميع المكذبين إنما كذبوا رسلهم بعلة استحالة رسالة البشر إلى البشر، فهم إنما كذبوا بجنس المرسلین، و لام الجنس إذا دخلت على جميع » أبطلت منه معنى الجمعية. (20: 93)
المرسلات
« وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ». المرسلات : 1
ابن مسعود: هي الريح.
مثله ابن عباس، و أبوصالح، و مجاهد، وقتادة. (الطبري 377:12)
هي الملائكة.
مثله مسروق (الطبري 12 : 378)، والفراء (3: 221)، و ابن قتيبة (505). الطبري (12: 378) .
أبوصالح : هي الرسل رسل بالعرف. (الطبري 378:12)
ابن عباس: يقول: أقسم الله بالملائكة كثيرا كعرف الفرس. ويقال : هم الملائكة الذين أرسلوا بالمعروف، يعني جبریل و میکائیل و إسرافيل. (497)
هم الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا الله. (القرطبي 152:19)
الحسن: «المرسلات»: السحاب. (ابن عطية 416:5)
أبو عبيدة: [هي ] الملائكة والريح. (ابن الجوزي 445:8)
الطبري: اختلف أهل التأويل في معنى قول الله: « و المرسلات عرفا » فقال بعضهم معنى ذلك: والرياح المرسلات يتبع بعضها بعضا، قالوا: «والمرسلات »: هي الرياح.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: و الملائكة التي رسل بالعرف. قالوا: فتأويل الكلام و الملائكة التي أرسلت بأمر الله و نهیه، و ذلك هو العرف. (377:12)
الزجاج: جاء في التفسير أنها الرياح أرسلت كعرف الفرس. (265:5)
نحوه الثعلبي ( 108:10)، و الواحدي (4 :
407)، و البغوي (5: 195).
القمي: الآيات يتبع بعضها بعضا. (400:2)
الماوردي: فيه ثلاثة أقاويل: [نقل قولين ثم أضاف:]
الثالث: أنها الريح رسل بما عرفهالله تعالى.
ويحتمل رابعا: أنها السحب لما فيها من نعمة و نقمة عارفة ما أرسلت فيه، و من أرسلت إليه.
ويحتمل خامسا: أتنها الزواجر و المواعظ. (175:6)
الطوسي: هذا قسم من الله تعالى بالمرسلات، كما أقسم بصاد، و قاف، ویس،، و غير ذلك.
وقال قوم: تقديره: ورب المرسلات، لأنه لايجوز القسم إلا بالله.
وقال قوم: « وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً » الأنبياء جاءت بالمعروف. و الإرسال نقيض الإمساك، و مثله الإطلاق و نقيضه التقييد. و الإرسال أيضا إنفاد الرسول.
وقوله: «عرفا» أي متتابعة كعرف الفرس، وقيل : معروفا، إرسالها. وإرسال الرياح إجراء بعضها في أثر بعض. ( 223:10)
الزمخشري: أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره، فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح تخففا في امتثال أمره، و بطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي...
أو أقسم برياح عذاب أرسلهن، فعصفن، و بریاح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن بینه، كقوله: « ويجعله کسفا» الروم : 48.
أو بسحائب نشرن الموات ففرقن بين من يشکر لله تعالى و بين من يكفر...
و إما إنذارا للذين يغفلون الشكر لله و ينسبون ذلك إلى الأنواء، و جعلن ملقيات للذكر لكونهن سببا في حصوله إذا شكرت النعمة فيهن أو كفرت. (202:4)
ابن عطية: قال كثير من المفسرين: «المرسلات»: الرسل إلى الناس من الأنبياء، كأنه قال: و الجماعات المرسلات. (416:5)
الفخر الرازي: في الآية مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أن هذه الكلمات الخمس إما أن يكون المراد منها جنسا واحدا، أو أجناسا مختلفة.
أما الاحتمال الأول، فذكروا فيه وجوها:
الأول: أن المراد منها بأسرها الملائكة، ف«المرسلات» هم الملائكة الذين أرسلهم الله إما بإيصال النعمة إلى قوم، أو لإيصال النقمة إلى آخرين. [إلى أن قال:]
واعلم أنك قد عرفت أن المقصود من القسم التنبيه على جلالة المقسم به، و شرف الملائكة و علو رتبتهم أمر ظاهر من وجوه:
أحدها: شدة مواظبتهم على طاعة الله تعالى، كما قال تعالى: «وَیَفْعَلُونَ مَایُؤْمَرُونَ» النحل: 50، « لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْلَمُونَ» الأنبياء : 27.
و ثانيها: أنهم أقسام: فمنهم من يرسل لإنزال الوحي على الأنبياء، و منهم من يرسل للزوم بني آدم لكتابة أعمالهم، طائفة منهم بالنهار و طائفة منهم بالليل، و منهم من يرسل لقبض أرواح بني آدم، و منهم من يرسل بالوحي من سماء إلى أخرى، إلى أن ينزل بذلك الوحي ملك السماء إلى الأرض، و منهم الملائكة الذين ينزلون كل يوم من البيت المعمور إلى الكعبة، على ما روي ذلك في الأخبار. فهذا مما ينتظمه قوله: «المرسلات عرفا» .
ثم ما فيها من سرعة السير، و قطع المسافات الكثيرة في المدة اليسيرة، كقوله: « تَعْرُجُ الْمَلئِكَةُ’ وَالرُّوحُ اِلَيْهِ فى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسينَ‘ اَلْفَ سَنَة» المعارج: 4، ثم ما فيها من نشر أجنحتهم العظيمة عند الطيران، و نشر العلم و الحكمة و النبوة و الهداية والإرشاد والوحي والتنزيل، و إظهار الفرق بين الحق والباطل، بسبب إنزال ذلك الوحي والتنزیل، و إلقاء الذكر في القلب واللسان بسبب ذلك الوحي.
و بالجملة فالملائكة هم الوسائط بين الله تعالى، و بين عباده في الفوز بجميع السعادات العاجلة والآجلة والخيرات الجسمانية والروحانية فلذلك أقسم الله بهم.
القول الثاني: أن المراد من هذه الكلمات الخمس بأسرها الرياح، أقسم الله برياح عذاب أرسلها عرفا، أي متتابعة كشعر العرف، كما قال: «يرسل الرياح » الروم : 46، « وارسلنا الرياح ».الحجر : 22.[إلى أن قال: ]
القول الثالث: من الناس من حمل بعض هذه الكلمات الخمس على القرآن، و عندي أنه يمكن حمل جميعها على القرآن، فقوله:« والمرسلات » المراد منها: الآيات المتتابعة المرسلة على لسان٫ جبریل علیه السلام إلى محمد صلی الله علیه و آله، و قوله: «عرفا» أي نزلت هذه الآيات بكل عرف و خير. و كيف لا و هي الهادية إلى سبيل النجاة و الموصلة إلى مجامع الخيرات. إلى أن قال:]
فظهر أنه يمكن تفسير هذه الكلمات الخمس بالقرآن، و هذا و إن لم يذكره أحد فإنه محتمل.
القول الرابع: يمكن حملها أيضا على بعثة الأنبياء عليهم السلام «و المرسلات » هم الأشخاص الذين أرسلوا بالوحي المشتمل على كل خير و معروف. فإنه لاشك أنهم أرسلوا بلا إله إلا الله، و هو مفتاح كل خير و معروف. [ إلى أن قال:]
القول الخامس: أن يكون المراد أن الرجل قد يكون مشتغلا بمصالح الدنيا مستغرقا في طلب لذاتها و راحاتها، ففي أثناء ذلك يرد في قلبه داعية الإعراض عن الدنيا و الرغبة في خدمة المولى، فتلك الدواعی هی: « المرسلات عرفا»، ثم هذه «المرسلات » لها أثران: أحدهما: إزالة حب ماسوى الله تعالى عن القلب، و هو المراد من قوله: «فالعاصفات عصفا » المرسلات : 2، والثاني: ظهور أثر تلك الداعية في جميع الجوارح و الأعضاء حتى لا يسمع إلا الله، ولا يبصر إلا الله، ولا ينظر إلا
الله، فذلك هو قوله: «وَ النَّاشِرَاتِ نَشْراً» المرسلات : 3، ثم عند ذلك ينكشف له نور جلال الله فيراه موجودا، ویری کل ماسواه معدوما، فذلك قوله: « فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً » المرسلات : 4، ثم يصير العبد کالمشتهر في محبته، و لا يبقى في قلبه و لسانه إلا ذكره، فذلك قوله:« فَالْمُلْقِيَاتِ ذِکْراً » المرسلات : 5.
واعلم أن هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة، و إن كانت غير مذكورة إلا أنها محتملة جدا.
وأما الاحتمال الثاني: وهو أن لا يكون المراد من الكلمات الخمس شيئا واحدا، ففيه وجوه:
الأول: ما ذكره الزجاج و اختيار القاضي، وهو أن الثلاثة الأول هي الرياح، فقوله: «وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً » هي الرياح التي تتصل على العرف المعتاد، « و الْعَاصِفَاتِ »ما یشتد منه،«وَ النَّاشِرَاتِ »ما ينشر السحاب.
أما قوله:« فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً » فهم الملائكة الذين يفرقون بين الحق والباطل، والحلال و الحرام، بما يتحملونه من القرآن و الوحي، و كذلك قوله:« فَالْمُلْقِيَاتِ ذِکْراً » أنها الملائكة المتحملة للذكر الملقية ذلك إلى الرسل.
فإن قيل: وما المجانسة بين الرياح و بين الملائكة حتى يجمع بينهما في القسم؟
قلنا: الملائكة روحانیون، فهم بسبب لطافتهم وسرعة حركاتهم کالرياح.
القول الثاني: أن الاثنين الأولين هما الرياح، فقوله:«وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً * فالعاصفات عصفا » هما الرياح، و الثلاثة الباقية الملائكة، لأنها تنشر الوحي والدين، ثم لذلك الوحي أثران: أحدهما: حصول الفرق بين الحق و المبطل، والثاني: ظهور ذكر الله في القلوب والألسنة.
وهذا القول ما رأيته لأحد، و لكنه ظاهر الاحتمال أيضا، والذي يؤكده أنه قال: «وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً * فالعاصفات عصفا » عطف الثاني على الأول بحرف الفاء، ثم ذكر الواو فقال: «وَ النَّاشِرَاتِ نَشْراً»، و عطف الاثنين الباقيين عليه بحرف الفاء، و هذا يقتضي أن يكون الأولان ممتازين عن الثلاثة الأخيرة.
القول الثالث: يمكن أيضا أن يقال: المراد بالأولين الملائكة، فقوله: «وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً » ملائكة الرحمة، و قوله: «فالعاصفات عصفا » ملائكة العذاب، و الثلاثة الباقية آيات القرآن، لأنها تنشر الحق في القلوب و الأرواح، و تفرق بين الحق والباطل، و تلقي الذكر في القلوب والألسنة. و هذا القول أيضا ما رأيته لأحد، و هو محتمل. و من وقف على ما ذكرناه أمكنه أن يذكر فيه وجوها، و الله أعلم بمراده.
المسألة الثانية: قال القفال: الوجه في دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم، و الواو في بعض مبني على الأصل، و هو أن عند أهل اللغة الفاء تقتضي الوصل و التعلق، فإذا قيل : قام زيد فذهب، فالمعنى أنه قام ليذهب، فكأن قيامه سببا لذهابه و متصلا
به. وإذا قيل: قام وذهب فهما خبران كل واحد منهما قائم بنفسه، لا يتعلق بالآخر. ثم إن القفال لما مهد هذا الأصل فرع الكلام عليه في هذه الآية بوجوه لايميل قلبي إليها. و أنا أفرع على هذا الأصل فأقول:
أما من جعل الأولين صفتين لشيء و الثلاثة الأخيرة صفات لشيء واحد، فالإشكال عنه زائل. و أما من جعل الكل صفات لشيء واحد، فنقول: إن حملناها على الملائكة، فالملائكة إذا أرسلت طارت سريعا، و ذلك الطيران هو العصف، فالعصف مرتب على الإرسال، فلاجرم ذكر الفاء.
أما النشر فلا يترتب على الإرسال، فإن الملائكة أول ما يبلغون الوحي إلى الرسل لايصير في الحال ذلك الدین مشهورا منتشرا، بل الخلق يؤذون الأنبياء في أول الأمر و ينسبونهم إلى الكذب و السحر والجنون، فلاجرم لم يذكر الفاء التي تفيد التعقيب بل ذكر الواو.
بلی إذا حصل النشر ترتب عليه حصول الفرق بين الحق والباطل، و ظهور ذکر الحق على الألسنة، فلاجرم ذكر هذين الأمرين بحرف الفاء، فكأنه - و الله أعلم قيل: يا محمد إنی أرسلت الملك إليك بالوحي الذي هو عنوان کل سعادة، و فاتحة كل خیر، و لكن لا تطمع في أن ننشر ذلك الأمر في الحالة، و لكن لابد من الصبر و تحمل المشقة. ثم إذا جاء وقت النصرة أجعل دينك ظاهرا منتشرا في شرق العالم و غربه، و عند ذلك الانتشار يظهر الفرق فتصير الأديان الباطلة ضعيفة ساقطة، و دينك هو الدين الحق ظاهرا غالبا، وهنالك يظهر ذكر الله على الألسنة، و في المحاريب و على المنابر، و يصير العالم مملوء من ذكر الله. فهذا إذا حملنا هذه الكلمات الخمس على الملائكة، و من عرف هذا الوجه أمكنه ذکر ما شابهه في الرياح و سائر الوجوه. و الله أعلم.(364:30)
القرطبي: جمهور المفسرين على أن « الْمُرْسَلاَتِ » الرياح. [ثم نقل الأقوال الأخرى ]
(152:19)
نحوه الشربيني. (462:4)
البيضاوي: إقسام بطوائف من الملائكة أرسلهن الله تعالى بأوامره متتابعة، فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره، و نشرن الشرائع في الأرض أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكرا عذرا للمحقين و نذرا للمبطلين.
أو بآيات القرآن المرسلة بكل غرف إلى محمد صلی الله علیه و آله فعصفن سائر الكتب و الأديان بالنسخ، و نشرن آثار الهدى و الحكم في الشرق والغرب، و فرقن بين الحق والباطل، فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين.
أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها، فعصفن ما سوى الحق، ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه، فيرون كل شيء هالكا إلا وجهه، فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب
والألسنة إلا ذكر الله تعالى.
أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، و ریاح رحمة نشرن السحاب في الجو، ففرقن فألقين ذكرا أي تسببن له، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها و آثارها ذكر الله تعالى، و تذكر كمال قدرته. (529:2)
أبو السعود: [ نحو الزمخشري و أضاف:]
أو إقسام بآيات القرآن المرسلة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله ، فعصفن سائر الكتب بالنسخ، و نشرن آثار الهدي من مشارق الأرض ومغاربها، و فرقن بین الحق والباطل، فألقين ذكر الحق في أكناف العالمين. (347:6)
الكاشاني: أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن الله بالمعروف من أوامره ونواهيه. [إلى أن قال: ]
أقول: كأنه أشار بذلك إلى الملائكة المرسلة بآيات الرجعة وأشراط الساعة، و لإثارة التراب من القبور و نشر الأموات منها، و إخراج دابة الأرض، و تفريق المؤمن من الكافر، و إلقاء الذكر في قلوب الناس. (267:5)
البروسوي: الواو للقسم، و « الْمُرْسَلاَتِ » بمعنى الطوائف، « الْمُرْسَلاَتِ » جمع مرسلة، بمعنى طائفة مرسلة، باعتبار أن ملائكة كل يوم أو كل عام أو كل حادثة طائفة. ( 280:10)
شبر: [نحو البيضاوي و أضاف:]
وقيل: الثلاث الأول أو الأوليان للرياح، والباقيتان أو البواقي للملائكة، و يعضد الأخير عطف الثانية على الأولى بفاء السببية، و الثالثة بالواو، و عطف الأخيرتين عليها بالفاء. (6: 339)
المراغي: أي أقسم بملائكتي الذين أرسلتهم بالإحسان و المعروف، ليبلغوه أنبيائي و رسلي. (179:29)
ابن عاشور: قسم مخلوقات عظيمة دالة على عظیم علم الله تعالی و قدرته.
و المقصود من هذا القسم تأكيد الخبر، و في تطويل القسم تشويق السامع لتلقي المقسم عليه.
فيجوز أن يكون المراد موصوفات هذه الصفات نوعا واحدا، و يجوز أن يكون نوعين أو أكثر من المخلوقات العظيمة.[ و بعد نقل بعض الأقوال قال:]
و يتحصل من هذا أن الله أقسم بجنسين من مخلوقاته العظيمة مثل قوله: « وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ * وَ الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ » البروج: 1، 2، و مثله تكرر في القرآن.
و يتجه في توزيعها أن الصفات التي عطفت بالفاء تابعة لجنس ما عطفت هي عليه، والتي عطفت بالواو يترجح أنها صفات جنس آخر.
فالأرجح أن « الْمُرْسَلاَتِ » « والعاصفات » صفتان للرياح، و أن ما بعدها صفات للملائكة، والواو الثانية للعطف، و لیست حرف قسم. و مناسبة الجمع بين هذين الجنسين في القسم أن كليهما من الموجودات العلوية، لأن الأصل في العطف بالواو أن يكون المعطوف بها ذاتا غير المعطوف عليه.[ إلى أن قال:]
و لنتكلم على هذه الصفات:
فأما « الْمُرْسَلاَتِ » فإذا جعل وصفا للملائكة كان المعني بهم المرسلين إلى الرسل والأنبياء، مثل جبريل في إرساله بالوحي، وغيره من الملائكة الذين يبعثهم الله إلى بعض أنبيائه بتعليم أو خبر أو نصر، كما في قوله تعالى عن زکریاء: « فَنَادَتْهُ الْمَلِکَهُ وَهُوَ قَائِمٌ یُصَلّی فِی الْمِحْرَابِ.....» آل عمران: 39، أو « الْمُرْسَلاَتِ » بتنفيذ أمر الله في العذاب مثل المرسلين إلى قوم لوط،« عرفا » حال مفيدة معنى التشبيه البليغ، أي مثل عرف الفرس في تتابع الشعر بعضه ببعض، يقال: هم كعرف الضبع، إذا تأبوا، و يقال: جاؤوا عرفا واحدا، و هو صالح لوصف الملائكة و لوصف الريح. (388:29)
مغنية: قيل، هي الملائكة. و أن المراد بالعرف المعروف، وأنه مفعول من أجله للمرسلات. و المعنى: أن الله يرسل ملائكته من أجل تبليغ الوحي للأنبياء و غير ذلك من الخيرات.
وقيل: المراد ب « الْمُرْسَلاَتِ »: الرياح، و با «العرف »: التتابع، و قد نصب على الحال، والمعنى: يرسل الله الرياح متتابعة. (489:7)
نحوه فضل الله. (23 : 289)
الطباطبائي: « وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً » الآية و ما يتلوها إلى تمام ست آیات، إقسام منه تعالى بأمور يعبر عنها بالمرسلات، فالعاصفات، والناشرات، فالفارقات، فالقيات ذکرا عذرا أو نذرا، والأوليان أعني « وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً » « فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً » لا تخلوان لوخلیتا و نفسهما مع الغض عن السياق، من ظهور مافي الرياح المتعاقبة الشديدة الهبوب، لكن الأخيرة أعني: « فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً * عُذْراً أَوْ نُذْراً » كالصريحة في الملائكة النازلين على الرسل، الحاملين لوحي الرسالة، الملقين له إليهم إتماما للحجة، أو إنذارا، و بقية الصفات لاتأبي الحمل على ما يناسب هذا المعنى.
و حمل جميع الصفات الخمس على إرادة الرياح كما هو ظاهر « الْمُرْسَلاَتِ » و «العاصفات » على ما عرفت، يحتاج إلى تكلف شديد في توجيه الصفات الثلاث الباقية، وخاصة في الصفة الأخيرة.
و كذا حمل « الْمُرْسَلاَتِ » و « العاصفات » على إرادة الرياح، و حمل الثلاث الباقية أو الأخيرتين أو الأخيرة فحسب على ملائكة الوحي؛ إذ لا تناسب ظاهرا بين الرياح و بين ملائكة الوحي حتى يقارن بينها في الإقسام و ينظم الجميع في سلك واحد، و ما وجهوه به من مختلف التوجيهات معان بعيدة عن الذهن، لا ينتقل إليها في مفتتح الكلام من غیر تنبیه سابق.
فالوجه هو الغض عن هذه الأقاويل، و هي كثيرة جدا لاتكاد تنضبط، و حمل المذكورات على إرادة ملائكة الوحي كنظيرتها في مفتتح سورة الصافات: « وَ الصَّافّاتِ صَفًّا* فَالزّاجِراتِ زَجْراً *
فَالتّالِياتِ ذِكْراً» الصافات : 1 - 3، و في معناها قوله تعالى: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ » الجن : 26-28.
فقوله: « وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً » إقسام منه تعالى بها، و العرف بالضم فالسكون: الشعر النابت على عنق الفرس، ويشبه به الأمور إذا تتابعت، يقال: جاؤوا كعرف الفرس، و يستعار فيقال: جاءت القطا عرقا، أي متتابعة و جاؤوا إليه عرفا واحدا، أي متتابعين. والعرف أيضا المعروف من الأمر والنهي. و « عرفا » حال بالمعنى الأول، مفعول له بالمعنى الثاني، والإرسال خلاف الإمساك، و تأنيث « المرسلات » باعتبار الجماعات أو باعتبار الروح التي تنزل بها الملائكة، قال تعالى: «یُنزِّلُ الْمَلَئکَهَ بِالرُّوح مِنْ أَمْرِهِ عَلی مَن یَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ» النحل: 2، وقال: « یُلْقِی الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلی مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» المؤمن : 15.
والمعنى: أقسم بالجماعات المرسلات من ملائكة الوحي.
وقيل: المراد ب« الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً »: الرياح المتابعة المرسلة، و قد تقدمت الإشارة إلى ضعفه، ومثله في الضعف، القول: بأن المراد بها الأنبياء ععلیهم السلام فلا يلائمه ما يتلوها. ( 145:20)
عبدالكريم الخطيب: اختلف المفسرون في معنى « الْمُرْسَلاَتِ »، و تعددت مقولاتهم فيها، و كثرت الروايات والأسانيد التي تضاف إلى صحابة رسول الله في هذا المقام. وهذا الاختلاف الشديد بين تلك المقولات، مما يضعف هذه الروايات، بل و يكذب نسبتها إلى من نسبت ادعاء إليهم؛ إذ لو كانت صحيحة لما كانت إلا قولا واحدا، لأن صحابة رسول الله لم يقولوا في تأويل کلام الله برأيهم، بل كل ما صحت نسبته إليهم من أقوال في معنى حرف أو كلمة أو آية، هو مما علموه من رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وليس للرسول الكريم إلا قول واحد في المقام الواحد، «وَمَا یَنْطِقُ عَنِ الْهَوَی » النجم: 3.
وعلى هذا فإن ما نقوله أو يقوله غيرنا في تفسير كلمة « الْمُرْسَلاَتِ » هو اجتهاد في تحري أقرب المفاهيم التي يطمئن إليها كل مفسر، حسب ما أداه إليه اجتهاده.
و هنا لا بأس أن يختلف المفسرون؛ إذ ليس قول أحدهم حجة على الآخرين، و ذلك على خلاف ما إذا نسب التفسير إلى أحد من صحابة رسول الله صلی الله علیه و آل، فإنه إذا ثبتت نسبته إليه كان حجة علينا.
و الرأي الذي نرتضيه من آراء المفسرين في تفسير كلمة « الْمُرْسَلاَتِ » هو القول بأنها الرياح، فقد جاءت كلمة « العاصفات » بعدها قرينة قوية على أنهما من مورد واحد، وإن اختلفا قوة و ضعفا.
فقد جاء في القرآن الكريم وصف الريح بهذا الوصف، فقال تعالى:
«وَلِسُلَیْمنَ الرّیحَ عَاصِفَهً» الأنبياء : 81 والقرآن يفسر بعضه بعضا، و يشهد بعضه لبعض.
و هناك قرينة أخرى، وهي أن القرآن الكريم قد أكثر من لفظ «أرسل»، و « یرسل» عند الحديث عن الرياح، كما يقول سبحانه: « وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ » الأعراف : 57، و قوله سبحانه:«وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ » الحجر : 22، و قوله تبارك اسمه: « فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ » الإسراء : 69 .
فقوله تعالى: «وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً» هو قسم بالرياح المرسلة من عند الله، في هبوب دائم، على الوجه المعروف للناس من الرياح. ( 1389:15)
مکارم الشيرازي: يوجد هنا ثلاثة تفاسير مهمة:
1- إن هذه الأقسام الخمسة إشارة إلى الرياح والعواصف التي لها الأثر البالغ في كثير من مسائل الطبيعة في العالم، فيصبح معنى الآيات حينئذ: أقسم بالريح الشديدة الحبوب، و أقسم بالأعاصير السريعة، و أقسم بالناشرات السحاب التي تنزل المطر إلى الأراضي الميتة، و أقسم بالرياح التي تفرق السحاب بعد هطول المطر، و أقسم بالرياح المذكرة بالله.
وقال البعض: إن «فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً » إشارة إلى أعاصير العذاب النفيضة للرياح الباعثة للحياة، والتي تعتبر بدورها سببا للتذكر واليقظة.
2- إن هذه الأقسام إشارة إلى ملائكة السماء : أي أقسم بالملائكة المرسلة تباعا إلى الأنبياء والملائكة المرسلين بالمناهج المعروفة، و أقسم بأولئك المسرعين كالأعصار لتنفيذ مهامهم، والذين ينشرون ما أنزل الله على الأنبياء، و أولئك الذين يفصلون بعملهم هذا الحق عن الباطل، والذين يلقون ذكر الحق و أوامر الله على الأنبياء .
3-القسم الأول والثاني ناظر إلى الرياح و الأعاصير، والقسم الثالث و الرابع والخامس يتعلق بنشر آيات الحق بواسطة الملائكة، ثم فصل الحق عن الباطل، و بعد ذلك إلقاء الذكر والأوامر الإلهية على الأنبياء، بقصد إتمام الحجة و الإنذار.
وما يمكن أن يكون شاهدا على التفسير الثالث هو:
أولا: عزل المجموعتين عن الأقسام التي في الآيات «بالواو »، والحال أن البقية عطفت بالفاء و هي علامة ارتباطهم.
ثانيا: إن هذه الأقسام - كما سوف نرى - هي لموضوع قد ورد في الآية السابعة، أي أحقية البعث والمعاد و واقعيته، و نعلم أن تغيرا عظيما يحصل في الدنيا عند البعث؛ حيث العواصف الشديد والزلازل والحوادث المحركة من جهة، ثم تشکیل محكمة العدل الإلهية من جهة أخرى، و عندها تنشر الملائكة صحائف الأعمال، و يفصلون بين المؤمنين والكافرين، ليلقوا الحكم الإلهي في هذا المجال.
و إذا كان تبيان هذه الأقسام الخمسة مطابقا لهذا التفسير، فإنه سوف يتناسب مع المقسم به،
ولهذا فإن التفسير الأخير أفضل للذكر في جملة «فَالْمُلْقِيَاتِ ذِکْراً »، و أما أن يكون بمعنى العلوم الملقاة على الأنبياء، أو الآيات النازلة عليهم، و نحن نعلم أن القرآن جاء التعبير عنه بالذكر، و هو كما في الآية : 6، من سورة الحجر:«وَ قَالُواْ يَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ».
كلمة «الْمُلْقِيَاتِ» بصيغة الجمع، مع أن ملك الوحي -أي جبرئیل علیه السلام - هو واحد، ليس إلا و ذلك لما يستفاد من الروايات، أن جماعات كثيرة من الملائكة كانوا يصاحبون جبرئیل علیه السلام عند نزول الآيات القرآنية، كقوله تعالى في الآية : 15، من سورة عبس: « بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ».
والآن لابد أن نرى الغرض من هذه الأيمان، الآية التالية ترفع الستار عن هذا المعنى، فتقول: « إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ» إن البعث والنشور، والثواب والعقاب و الحساب والجزاء كلها حق لاریب فیه. (254:19)
رسول
1 - « وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». البقرة: 101
ابن عطية: يعني به محمد صلی الله علیه و آله . (185:1)
الطبرسي: يعني محمد صلی الله علیه و آله عن أكثر المفسرين. و قيل: أراد بالرسول: الرسالة. [ثم استشهد بشعر]
قال علي بن عیسی: و هذا ضعيف، لأنه خلاف الظاهر، قليل الاستعمال. (169:1)
أبوالسعود: هو النبي صلی الله علیه و آله، و التنكير للتفخيم . (170:1)
ابن عاشور: الرسول هو محمد صلی الله علیه و آله. (608:1)
2 - « وَ إِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَ حِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ...». آل عمران : 81
الطبري: يعني ذکر محمد في التوراة.(3: 329)
الطبرسي: أي نبي، و قيل يعني محمد صلی الله علیه و آله.
القرطبي: الرسول هنا محمد صلی الله علیه و آله في قول علي و ابن عباس رضي الله عنهما. و اللفظ و إن كان نكرة فالإشارة إلى معين، كقوله تعالى: « وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً » إلى قوله:
« وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ » النحل: 112،113 . (125:4)
فضل الله:« ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ » برسالة جديدة و كتاب جديد و حکمة جديدة. (6: 135)
3- « وَ ما مُحَمَّدٌ اِلاّ رَسُولٌ قَدخَلَت مُن قَبلِهِ الرُّسُل اَفَاِن ماتَ اَو قُتِلَ اِنقَلَبتُم عَلی اَعقابِکُم...»آل عمران : 144
الطبرسي: يعني أنه بشر اختاره الله لرسالته إلى خلقه.(513:1)
4-« الَّذینَ قالُوا إِنَّ اللّهَ عَهِدَ إِلَیْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّی یَأْتِیَنا بِقُرْبانٍ تَأْکُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَکُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلی ...» آل عمران : 183
الثعلبي: أي لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله. (223:3)
راجع: ق رب: « قربان »
5- « فَأْتِیَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا أنا رَسُولُ رَبّ ِ الْعَالَمِینَ».الشعراء : 16
الطبري: قال رسول رب العالمين، و هو يخاطب اثنين بقوله: « فقولا »، لأنه أراد به المصدر من أرسلت، يقال: أرسلت رسالة و رسولا . [ثم استشهد بشعر]
(435:9)
نحوه الثعلبي . (160:7)
6- « أَنَّی لَهُمُ الذِّکْرَی وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِینٌ». الدخان : 13
الثعلبي: محمد صلی الله علیه و آله. (351:8)
7- « وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ کَرِیمٌ ». الدخان : 17
الطبري: و هو موسی بن عمران صلوات الله عليه. (231:11)
8-« فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَهً رابِیَهً». الحاقة:10
ابن عباس: موسی. (483)
مثله الكلبي. (ابن عطية 5: 358)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: فعصوا رسول الله إليهم بالتكذيب.
الثاني: فعصوا رسالة الله إليهم بالمخالفة، وقد يعبر عن الرسالة بالرسول.[ثم استشهد بشعر]
(79:6)
الواحدي: يعني لوطا و موسی. (344:4)
ابن عطية: يحتمل أن يكون الرسول اسم جنس، كأنه قال: فعصى هؤلاء الأقوام و الفرق أنبياء الله الذين أرسلهم إليهم. و يحتمل أن يكون الرسول بمعنى الرسالة.
وقال الكلبي: يعني موسى، وقال غيره في کتاب الثعلبي: يعني لوطا. (5: 358)
الطبرسي: « فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ» فيما أمرهم به. وقيل : إن المراد بالرسول: الرسالة. [ ثم استشهد بشعر ]
أي برسالة، عن أبي مسلم. والأول أظهر . (344:5)
الفخر الرازي: الضمير إن كان عائدا إلى « فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ » الحاقة: 9، ف« رَسُولَ رَبِّهِمْ » هو موسى علیه السلام ، و إن كان عائدا إلى أهل المؤتفکات « رَسُولَ رَبِّهِمْ » هو لوط.
قال الواحدي: و الوجه أن يقال: المراد بالرسول كلاهما للخبر عن الأمتين، بعد ذكرهما بقوله: « فعصوا » فيكون كقوله: « إِنَّا رَسُولُ رَبِّ
الْعالَمِینَ » الشعراء : 16. (106:30)
القرطبي: قيل : هو لوط، لأنه أقرب. وقيل: عني موسى و لوطا عیهماالسلام ، كما قالتعالى:« فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِینَ » الشعراء : 16.
وقيل:«رَسُولُ» معنی رسالة، و قد يعبر عن الرسالة بالرسول. [ثم استشهد بشعر]
(18 : 262)
البيضاوي: أي فعصت كل أمة رسولها. (499:2)
نحوه الشربيني (4: 370)، و أبوالسعود (294:6) ، و فضل الله ( 70:23) .
النسفي: أي قوم لوط. (286:4)
البروسوي: أي فعصي كل أمة رسولهم حين نهاهم عما كانوا يتعاطونه من القبائح، فالرسول هنا بمعنى الجمع، لأن فعولا و فعيلا يستوي فيهما المذكر و المؤنث و الواحد و الجمع، فهو من مقابلة الجمع بالجمع المستدعية لانقسام الآحاد على الأماد، فالإضافة ليست للعهد بل للجنس. ( 135:10)
نحوه الآلوسي. (42:29)
ابن عاشور: ضمير «عصوا » يجوز أن يرجع إلى « فرعون » باعتباره رأس قومه، فالضمير عائد إليه وإلى قومه، و القرينة ظاهرة على قراءة الجمهور، و أما على قراءة أبي عمرو والكسائي فالأمر أظهر، و على هذا الاعتبار في محل ضمير « عصوا » یکون المراد ب« رسول ربهم » موسی علیه السلام. و تعريفه بالإضافة لما في لفظ المضاف إليه من الإشارة إلى تخطئتهم في عبادة فرعون، و جعلهم إياه إلها لهم.
ويجوز أن يرجع ضمير « عصوا » إلى «فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِکَاتُ» «وَ رَسُولُ رَبِّهِمْ » هو الرسول المرسل إلى كل قوم من هؤلاء .
فإفراد « رسول » مراد به التوزيع على الجماعات، أي رسول الله لكل جماعة منهم، والقرينة ظاهرة. و هو أجمل نظما من أن يقال: فعصوا رسل ربهم ، لما في إفراد « رسول» من التفتن في صيغ الكلم من جمع و إفراد، تفاديا من تتابع ثلاثة جموع، لأن صيغ الجمع لا تخلو من ثقل لقلة استعمالها، و عكسه قوله في سورة الفرقان: 37: «و نُوحٍ لَمَّا کَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ »، و إنما كذبوا رسولا واحدا، و قوله: « کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِینَ » و ما بعده في سورة الشعراء : 105، وقد تقدم تأويل ذلك في موضعه. ( 112:29)
عبد الكريم الخطيب: في الجمع بين فرعون و قوم لوط في مقام العصيان لرسول الله، مع أن كلا منهما كان له موقف مع رسول من رسل الله ، إشارة إلى أن رسل الله جميعا، هم رسول واحد، من حيث الرسالة التي يحملها الرسول من الله إلى الناس، والدعوة التي يدعوهم إليها، وهي الإيمان بالله ، فمن كذب برسول من رسل الله فهو مكذب برسل الله جميعا.( 1129:15)
9- « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ». الحاقة : 40
ابن عباس: يعني محمدا عليه الصلاة
والسلام. ( 484 )
مثله قتادة والفراء (الطبرسي 349:5) ، والكلبي (القرطبي 274:18)، و الواحدي (348:4) .
الحسن: يريد جبريل.
مثله الكلبي و مقاتل. (القرطبي 18 : 274)
الجبائي: الرسول الكريم : جبرائيل. (الطبرسي 5: 349)
الثعلبي: أي تلاوة محمد و تبليغه، و قيل: لقول مرسل رسول کریم فحذف، كقوله: « وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ » يوسف : 82 (10: 32)
الماوردي: فيه قولان:
أحدهما: جبريل، قاله الكلبي و مقاتل.
الثاني: رسول الله صلی الله علیه و آله. (86:6)
نحوه ابن الجوزي (8: 354)، و البيضاوي (502:2) ، و أبوالسعود (6: 297).
الزمخشري: أي يقوله و يتكلم به على وجه الرسالة من عند الله. (154:4)
نحوه فضل الله. ( 80:23 )
الفخر الرازي: اعلم أنه تعالى ذكر في سورة التكوير : 1، «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ » مثل هذا الكلام، و الأكثرون هناك على أن المراد منه جبریل علیه السلام، و الأكثرون هاهنا على أن المراد منه محمد صلی الله علیه و آله واحتجوا على الفرق بأن هاهنا لما قال: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» ذکر بعده أنه ليس بقول شاعر، ولا كاهن، و القوم ما كانوا يصفون جبریل علیه السلام بالشعر والكهانة، بل كانوا يصفون محمدا بهذين الوصفين.
وأما في سورة «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ » لما قال: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» ثم قال بعده: «وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شَیْطانٍ رَجِیمٍ» التكوير: 25، کان المعنى: إنه قول ملك كريم، لا قول شیطان رجیم، فصح أن المراد من الرسول الكريم هاهنا هو محمد صلی الله علیه و آله، و في تلك السورة هو جبريل علیه السلام.
و عند هذا يتوجه السؤال: أن الأمة مجمعة على أن القرآن كلام الله تعالى، و حينئذ يلزم أن يكون الكلام الواحد كلاما لله تعالى، و لجبريل و لمحمد، و هذا غير معقول.
والجواب: أنه يكفي في صدق الإضافة أدني سبب، فهو كلام الله تعالى، بمعنى أنه تعالى هو الذي أظهره في اللوح المحفوظ، و هو الذي رتبه و نظمه، و هو كلام جبريل علیه السلام، بمعنى أنه هو الذي أنزله من السماوات إلى الأرض، و هو كلام محمد، بمعنى أنه هو الذي أظهره للخلق، ودعا الناس إلى الإيمان به، و جعله حجة لنبوته. ( 116:30)
القرطبي: يريد جبريل، قاله الحسن و الكلبي و مقاتل. دليله: «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ » التكوير : 19، 20، و قال الكلبي أيضا و القتبي: الرسول ها هنا محمد صلی الله علیه و آله ، لقوله: « وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ » و ليس القرآن من قول الرسول صلی الله علیه و آله، إنما هو من قول الله عز وجل، و سب القول إلى الرسول، لأنه تاليه و مبلغه و العامل به،
كقولنا: هذا قول مالك. ( 274:18)
النسفي: أي محمد صلی الله علیه و آله أو جبریل علیه السلام، أي يقوله و يتكلم به على وجه الرسالة من عند الله. ( 289:4)
ابن عاشور: المراد بالرسول الكريم محمد صلى الله عليه و آله كما يقتضيه عطف قوله: « وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ اَلْأَقاوِيلِ » الحاقة : 44 ، وهذا كما وصف موسی ب« رسول کریم» في قوله تعالى: « وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ جَاءَهُمْ رَسُولٌ کَرِيمٌ » الدخان : 17، و إضافة « قول » إلى « رسول » لأنه الذي بلغه فهو قائله، و الإضافة لأدنى ملابسة، و إلا فالقرآن جعله الله تعالى و أجراه على لسان النبي صلی الله علیه و آله كما صدر من جبريل بإيحائه بواسطته، قال تعالى: « فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِکَ » مریم : 97.
روی مقاتل أن سبب نزولها: أن أبا جهل قال: إن محمدا شاعر، و أن عقبة بن أبي معيط قال: هو کاهن، فقال الله تعالى: « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ کَرِيمٍ» الایه .
و يجوز أن يراد ب«رَسُولٍ كَرِيمٍ» جبریل علیه السلام كما أريد به في سورة التكوير؛ إذ الظاهر أن المراد به هنالك جبريل كما يأتي.
وفي لفظ «رَسُولٍ» إيذان بأن القول قول مرسله، أي الله تعالى، و قد أكد هذا المعنى بقوله عقبه: « تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ».(131:29)
الطباطبائي: المستفاد من السياق أن المراد ب «رَسُولٍ كَرِيمٍ» التبيه و هو تصديق لرسالته قبال ما كانوا يقولون: إنه شاعر أو كاهن.
ولاضير في نسبة القرآن إلى قوله، فإنه إنما ينسب إليه بما أنه رسول، و الرسول بما أنه رسول لا يأتي إلا بقول مرسله، و قد بين ذلك فضل بیان بقوله بعد: « تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ».
و قيل: المراد ب «رَسُولٍ كَرِيمٍ» : جبریل و السياق لا يؤيده؛ إذ لو كان هو المراد، لكان الأنسب نفي كونه مما نزلت به الشياطين، كما فعل في سورة الشعراء. على أن قوله بعد: « وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ اَلْأَقاوِيلِ » و ما يتلوه إنما يناسب كونه صلی الله علیه و آله هو المراد ب«رَسُولٍ كَرِيمٍ». (404:19)
عبد الكريم الخطيب: الرسول الكريم، هو رسول الله صلی الله علیه و آله، الذي يحدث القوم بآيات الله التي يتلوها عليهم.
و نسبة قول القرآن الكريم إلى الرسول، لأنه هو الذي يتحدث به، و يبلغه إلى الناس، على أنه کلام الله، و من عند الله.[ إلى أن قال: ]
و قد ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد بقوله تعالى:«إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ کَرِيمٍ» جبريل علیه السلام أمين الوحي، وهذا - و الله أعلم- مما يحتمله النظم القرآني، و إن كان الأولى عندنا أن يكون المراد بالرسول الكريم: هو رسول الله؛ إذ كان الموقف هنا موقف دفاع عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، و ردا على اتهام المشركين له بأنه کاهن، و بأنه شاعر، فكان المقام يقضي بأن يوضع الرسول موضعه الصحيح، و هو أنه رسول کریم، و أن ما
ينطق به ليس من منطق الكهانة ولا الشعر، و إنما هو منطق مبعوث کریم من رب العالمين، يبلغ ما أرسل به إلى عباد الله. ( 1149:15)
مکارم الشيرازي: المقصود من الرسول هنا - بدون شك - هو الرسول الكريم صلی الله علیه و آله وليس جبرائیل، لأن الآيات اللاحقة تبين هذا المعنى بوضوح.
والسبب في نسبة القرآن إلى الرسول - بالرغم من أننا نعرف أنه قول الله تعالى - لأن الرسول مبلغ عنه، و خاصة أن الآية ذكرت كلمة « رسول» و هذا يعني أن كل ما يقوله الرسول فهو قول مرسله، بالرغم من أنه يجري على لسان الرسول، و يسمع من فمه الشریف. ( 549:18)
10 - « إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُکُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » الجن : 27
سعيد بن جبير: إلا من ارتضی من رسول الله هو جبریل. (الماوردي 6: 122)
قتادة: إلا من ارتضی من نبي فيما يطلعه عليه من غيب. (الماوردي 6: 122)
الزمخشري: تبيين لمن ارتضی، یعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لاكل مرتضی. و في هذا إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم و إن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، و إبطال الكهانة و التنجيم ، لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء، و أدخله في السخط. (172:4)
ابن الجوزي: لأن من الدليل على صدق الرسل إخبارهم بالغيب. (385:8)
الواحدي: يعني الرسل، لأنه يستدل على نبوتهم بالآية المعجزة بأن يخبروا بالغيب.(4: 369)
القرطبي:قال ابن جبير: « إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ » هو جبريل علیه السلام. و فيه بعد، و الأولى أن يكون المعنى: أي لا يظهر على غيبه إلا من ارتضی، أي اصطفى للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غیبه، ليكون ذلك دالا على نبوته.(19 : 26)
الشربيني.« مِنْ رَسُولٍ » تبيين لمن ارتضی، أي إلا من يصطفيه لرسالته و نبوته، فيظهره على ما يشاء من الغيب. و تارة يكون ذلك الرسول ملكا، و تارة يكون بشرا، و تارة يظهره على ذلك بواسطة ملك، و تارة بغير واسطة كموسی علیه السلام في أوقات المناجاة، و محمد صلی الله علیه و آله ليلة المعراج في العالم الأعلى في حضرة قاب قوسين أو أدنى. (408:4)
ابن عاشور:« مِنْ رَسُولٍ » بیان لإبهام ( من) الموصولة، فدل على أن ما صدق ( من ) جماعة من الرسل، أي إلا الرسل الذين ارتضاهم، أي اصطفاهم.
وشمل «رَسُولٍ » كل مرسل من الله تعالى، فيشمل الملائكة المرسلين إلى الرسل بإبلاغ وحي إليهم، مثل جبریل علیه السلام. و شمل الرسل من البشر المرسلين إلى الناس بإبلاغ أمر الله تعالى إليهم، من
شريعة أو غيرها مما به صلاحهم. (29: 231)
الطباطبائي: « مِنْ رَسُولٍ » بيان لقوله: «مَنِ ارْتَضَى»، فيفيد أن الله تعالى يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختص به. (530:20)
عبد الكريم الخطيب: ( من ) في قوله تعالى:« مِنْ رَسُولٍ » للتبعيض، للإشارة إلى أنه ليس كل رسل الله يطلعهم الله على الغيب، و إنما يختار الله سبحانه من يشاء منهم، فيطلعه على ما يأذن لهم به من الغيب، فإن الذي يوحیه الله سبحانه و تعالى إلى بعض رسله، هو من بعض هذا الغيب؛ حيث لا يعلم هذا الموحى به إلا الرسول. ( 1243:15)
راجع:غي ب: « الغيب »
11 - « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ کَرِيمٍ ». التكوير : 19
ابن عباس: يعني محمد عليه الصلاة والسلام. (503)
نحوه الرماني. (الماوردي 218:6)
الضحاك : جبریل.
مثله الحسن وقتادة. (الماوردي 218:6)
و مثله الطبري (471:12)، و الثعلبي (10: 142)، و الزمخشري (4: 224)، و أبوالسعود (387:6).
الماوردي: في الرسول الكريم قولان: [نقل قول الضحاك و الماني ثم قال: ]
فإن كان المراد به جبريل، فمعناه قول رسول لله کریم عن رب العالمين، لأن أصل القول الذي هو القرآن ليس من الرسول، إنما الرسول فيه مبلغ على الوجه الأول، و مبلغ إليه على الوجه الثاني.(218:6)
ابن عطية: الرسول الكريم في قول جمهور المتأولين: جبریل علیه السلام. وقال آخرون: هو محمد صلی الله علیه و آله في الآية؛ و القول الأول أصح. (444:5)
الفخر الرازي: فيه قولان:
الأول: و هو المشهور أن المراد أن القرآن نزل به جبریل.
فإن قيل: هاهنا إشكال قوي، و هو أنه حلف أنه قول جبریل، فوجب علينا أن نصدقه في ذلك. فإن لم نقطع بوجوب حمل اللفظ على الظاهر، فلا أقل من الاحتمال، و إذا كان الأمر كذلك ثبت أن هذا القرآن يحتمل أن يكون كلام جبريل لا كلام الله، و بتقدير أن يكون كلام جبريل يخرج عن كونه معجزا، لاحتمال أن جبريل ألقاه إلى محمد صلی الله علیه و آله على سبيل الإضلال. ولايمكن أن يجاب عنه بأن جبريل معصوم لا يفعل الإضلال، لأن العلم بعصمة جبریل ،مستفاد من صدق النبي، و صدق النبي مفرع على كون القرآن معجزا، و کون القرآن معجزا يتفرع على عصمة جبريل، فيلزم الدور، و هو محال.
والجواب: الذين قالوا: بأن القرآن إنما كان معجزا للصرفة، إنما ذهبوا إلى ذلك المذهب فرارا من هذا السؤال، لأن الإعجاز على ذلك القول ليس في الفصاحة، بل في سلب تلك العلوم والدواعي عن القلوب، و ذلك مما لا يقدر عليه أحد إلا الله تعالى.
القول الثاني: أن هذا الذي أخبرکم به محمد من أمر الساعة - على ما ذكر في هذه السورة - لیس بکهانة و لاظن ولا افتعال، إنما هو قول جبریل، أتاه به وحيا من عند الله تعالى.
واعلم أنه تعالى وصف جبریل هاهنا بصفات ست أولها: أنه رسول، ولا شك أنه رسول الله إلى الأنبياء، فهو رسول و جميع الأنبياء أمته. [ثم ذكر باقي الأوصاف فراجع]
(31: 72)
ابن عاشور: الرسول الكريم يجوز أن يراد به جبريل عليه ا لسلام، وصف جبريل برسول، لأنه مرسل من الله إلى النبي صلی الله علیه و آله بالقرآن.
وإضافة «قول» إلى «رسول» إما لأدنى ملابسة، لأن جبريل يبلغ ألفاظ القرآن إلى النبي صلی الله علیه و آله فيحكيها كما أمره الله تعالى فهو قائلها، أي صادرة منه ألفاظها.
و في التعبير عن جبریل بوصف «رسول » إيماء إلى أن القول الذي يبلغه هو رسالة من الله، مأمور بإبلاغها كما هي. ( 137:30)
الطباطبائي: المراد بالرسول: جبريل، كما قال تعالى: « قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ لَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ » البقرة: 97، و في إضافة « القول » إليه بما أنه رسول، دلالة على أن القول الله سبحانه، و نسبته إلى جبریل نسبة الرسالة إلى الرسول، و قد وصفه الله بصفات ست مدحه بها.
فقوله: « رسول » يدل على رسالته وإلقائه وحي القرآن إلى النبي صلی الله علیه و آله . و قوله: « کریم » أي ذي كرامة وعزة عند الله بإعزازه. و قوله: «ذی قوة » أي ذي قدرة و شدة بالغة. و قوله: « عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَکِينٍ» أي صاحب مكانة عند الله، والمكانة: القرب و المنزلة. وقوله : « مُطَاعٍ ثَمَّ » أي مطاع عند الله، فهناك ملائكة يأمرهم فيطيعونه. ومن هنا يظهر أن له أعوانا من الملائكة يأمرهم فيأتمرون بأمره. و قوله:«أمين » أي لايخون فيما أمر به، يبلغ ما حمله من الوحي والرسالة، من غير أي تصرف فيه.
و قيل: المراد بالرسول: الجاري عليه الصفات هو النبي صلی الله علیه و آله، و هو كما ترى، و لا تلائمه الآيات التالية. (218:20)
نحوه فضل الله.(97:24)
12- « فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَهَ اللَّهِ وَسُقْیهَا». الشمس : 13
ابن عباس: «رَسُولُ اللَّهِ» صالح علیه السلام. (512)
مثله الطبري (12:606)، و ابن عطية (488:5) ، و الفخر الرازي ( 196:31)، و أبوالسعود (6: 434)، و الطباطبائي (20: 299).
13 - « رَسُولٌ مِنَ اللّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً». البينة : 2
ابن عباس: يعني محمدا عليه الصلاة والسلام. (516)
مثله الماوردي (6: 316)، و فضل الله (360:24).
الزمخشري: بدل من «البينة ». و في قراءة
عبد الله (رسولا) حالا من «البينة» . (274:4)
أبوالسعود:بدل من «البينة»، عبر عنه علیه السلام بالبينة للإيذان بغاية ظهور أمره، و کونه ذلك الموعود في الكتابين. (6: 455)
الطباطبائي: بيان للبينة، والمراد به محمد رسول الله صلی الله علیه و آله قطعا على ما يعطيه السياق. (337:20)
الرسول
1- « رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ». آل عمران : 53
ابن عباس : دين الرسول عیسی. (48)
راجع: ت ب ع: « اتبعنا »
2- « كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ». آل عمران : 86
ابن عباس :«الرَّسُولَ »محمدا. (51)
الطبري:يقول: و بعد أن أقروا أن محمدا رسول الله صلی الله علیه و آله إلى خلقه حقا. (340:3)
3- « وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ... » . یوسف : 50
ابن عباس: و هو الساقي إلى يوسف، فقال: إن الملك يدعوك. (198)
نحوه البروسوي.(271:4)
الطبري: فلما جاءه رسول الملك يدعوه إلى الملك. (232:7)
نحوه الطوسي (152:6)، و الطبرسي (240:3).
الفخر الرازي:فعاد الشرابية إلى يوسف علیه السلام قال: أجب الملك. (151:18)
4- « قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَ کَذٰلِکَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي». طه : 96
ابن عباس: من تراب حافر فرس جبریل . (265)
نحوه مجاهد (الطبري 451:8 ) ، و ابن قتيبة (281)، و الطبري (8: 451)، و الثعلبي (6: 258)، والقشيري (4 : 146)، و الواحدي (3: 220)، والبغوي (3: 273).
أبو مسلم الأصفهاني: ليس في القرآن تصریح بهذا الذي ذكره المفسرون. [ الرسول هو جبرائیل ] فهاهنا وجه آخر، و هو أن يكون المراد بالرسول: موسی علیه السلام و بأثره سنته و رسمه الذي أمر به، فقد يقول الرجل: فلان يقفو أثر فلان و يقبض أثره، إذا كان يمتثل رسمه.
والتقدير : أن موسی علیه السلام لما أقبل على السامري باللوم و المسألة عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم في باب الوجل، فقال: « بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ»، أي عرفت أن الذي أنتم عليه ليس
بحق، وقد كنت قبضت قبضة من أثرك أيها الرسول، أي شيئا من سنتك و دينك فقذفته، أي طرحته، فعند ذلك أعلمه موسی علیه السلام بماله من العذاب في الدنيا و الآخرة. و إنما أورد بلفظ الإخبار عن غائب، كما يقول الرجل لرئيسه، و هو مواجه له ما يقول الأمير في كذا و ماذا يأمر الأمير.
و أما دعاؤه موسی علیه السلام رسولا مع جحده و كفره، فعلی مثل مذهب من حكى الله عنه قوله: «وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ » الحجر : 6، و إن لم يؤمنوا بالإنزال. (الفخر الرازي 110:22)
القمي: يعني من تحت حافر رمكة جبرئيل في البحر. (63:2)
الماوردي: فيه قولان:
أحدهما : أن الرسول جبریل.
و في معرفته قولان:
أحدهما: لأنه رآه يوم فلق البحر فعرفه.
الثاني: أن حين ولدته أمه جعلته في غار، حذرا عليه من فرعون حين كان يقتل بني إسرائيل، و كان جبريل يغذوه صغيرا لأجل البلوى، فعرفه حين كبر، فأخذ قبضة تراب من حافر فرسه و شدها في ثوبه « فنبذتها»يعني فألقيتها.
و فيه وجهان:
أحدهما: أنه ألقاها فيما سبکه من الحلي بصياغة العجل حتى خار بعد صياغته.
الثاني: أنه ألقاها في جوف العجل بعد صياغته حتى ظهر خواره. فهذا تفسيره على قول من جعل الرسول جبریل.
والقول الثاني : أن « الرسول» موسی، و أن أثره شريعته التي شرعها و سنته التي سنها، وأن قوله: « فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا» أي طرحت شريعة موسی و نبذت سنته، ثم اتخذت العجل جسدا له خوار. (422:3)
الطوسي: قيل: إنه قبض قبضة من أثر جبرائیل علیه السلام. (203:7)
الزمخشري: قرأ ابن مسعود: ( من أثر فرس الرسول).
فإن قلت: لم سماه الرسول دون جبریل و روح القدس.
قلت: حين حل ميعاد الذهاب إلى الطور أرسل الله إلى موسى جبریل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري، فقال: إن لهذا شأنا فقبض قبضة من تربة موطئه، فلما سأله موسی عن قصته قال: قبضت من أثر فرس المرسل إليك يوم حلول الميعاد. و لعله لم يعرف أنه جبریل. (2: 551)
ابن عطية: «الرسول» : جبريل علیه السلام، و الأثر هو تراب تحت حافر فرسه، و سبب معرفة السامري بجبریل و میزه له، فيما روي أن السامري ولدته أمه عام الذبح، فطرحته في مغارة، فكان جبريل عليه السلام يغذوه و يحميه حتى كبر و شب، فميزه بذلك. وهذا ضعیف. (61:4)
الطبرسي: من أثر قدم جبرائیل. (27:4)
الفخر الرازي: عامة المفسرين قالوا: المراد ب«الرسول» : جبريل علیه السلام، و أراد بأثره: التراب الذي أخذه من موضع حافر دابته.
ثم اختلفوا أنه متى رآه، فقال الأكثرون: إنما رآه يوم فلق البحر.
وعن علي علیه السلام أن جبریل علیه السلام لما نزل ليذهب بموسى علیه السلام إلى الطور أبصره السامري من بين الناس.
واختلفوا في أن السامري كيف اختص برؤية جبریل علیه السلام و معرفته من بين سائر الناس؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي: إنما عرفه لأنه رآه في صغره، و حفظه من القتل حين أمر فرعون بذبح أولاد بني إسرائيل، فكانت المرأة تلد و تطرح ولدها حيث لا يشعر به آل فرعون، فتأخذ الملائكة الولدان فيربونهم حتى يترعرعوا و يختلطوا بالناس، فكان السامري ممن أخذه جبريل علیه السلام و جعل كف نفسه في فيه و ارتضع منه العسل واللبن، فلم يزل يختلف إليه حتى عرفه، فلما رآه عرفه، قال ابن جريج: فعلى هذا قوله: « بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ » بمعنى رأيت ما لم يروه.
و من فسر الكلمة بالعلم فهو صحيح، و یکون المعنى: علمت أن تراب فرس جبریل علیه السلام له خاصية الإحياء. [ثم نقل قول أبي مسلم الأصفهاني وقال:]
واعلم أن هذا القول الذي ذكره أبو مسلم لیس فيه إلا مخالفة المفسرين، ولكنه أقرب إلى التحقيق لوجوه:
أحدها: أن جبريل علیه السلام ليس مشهور باسم الرسول، و لم يجرله فيما تقدم ذكر حتى تجعل لام التعريف إشارة إليه ، فإطلاق لفظ الرسول لإرادة جبریل علیه السلام كأنه تکلیف بعلم الغيب.
و ثانيها: أنه لابد فيه من الإضمار، و هو قبضة من أثر حافر فرس الرسول، و الإضمار خلاف الأصل.
وثالثها: أنه لابد من التعسف في بيان أن السامري كيف اختص من بين جميع الناس برؤية جبریل علیه السلام و معرفته، ثم كيف عرف أن التراب حافر فرسه هذا الأثر؟ والذي ذكروه من أن جبریل ان هو الذي رباه فبعيد، لأن السامري إن عرف جبريل حال كمال عقله عرف قطعا أن موسى علیه السلام نبي صادق، فكيف يحاول الإضلال ؟ وإن كان ما عرفه حال البلوغ، فأي منفعة لكون جبريل عليه السلام مربيا له في الطفولة في حصول تلك المعرفة.
و رابعها: أنه لو جاز إطلاع بعض الكفرة على تراب هذا شأنه، لكان لقائل أن يقول: فلعل موسی علیه السلام اطلاع على شيء آخر يشبه ذلك، فلأجله أتي بالمعجزات. ويرجع حاصله إلى سؤال من يطعن في المعجزات و يقول: لم لا يجوز أن يقال: إنهم الاختصاصهم بمعرفة بعض الأدوية التي لها خاصية أن تفيد حصول تلك المعجزة، أتوا بتلك المعجزة، و حينئذ ينسد باب المعجزات بالكلية. ( 110:22)
نحوه الشربيني . (482:2)
البيضاوي:« الرسول » جبريل عليه الصلاة والسلام، و لعله لم يسمه، لأنه لم يعرف أنه جبريل، أو أراد أن ينبه على الوقت، و هو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطور. (59:2)
أبوځيان: [ اكتفي بنقل الأقوال].
(6: 273)
أبوالسعود: و قرئ ( من أثر فرس الرسول) أي من تربة موطئ فرس الملك الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور، و لعل ذكره بعنوان الرسالة، للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه القوم من الأسرار الإلهية، تأكيدا لما صدر به مقالته، و التنبيه على وقت أخذ ما أخذه. (304:4)
نحوه الآلوسي. (16 : 253)
البروسوي: أي من تربة موطئ فرس الملك الذي أرسل إليك، و المراد فرس الحياة لجبريل، ولم يقل: جبريل أو روح القدس، لأنه لم يعرف أنه جبریل . (421:5)
المراغي: إن موسى علیه السلام لما أقبل على السامري باللوم و التعنيف و السؤال عن الأمر الذي دعاه إلى إضلال القوم، رد عليه بأنه كان استن بسنته، و اقتفى أثره و تبع دينه، ثم استبان له أن ذلك هو الضلال بعينه، وأنه ليس من الحق في شيء، فطرحه وراءه ظهریا، و سار على النهج الذي رأي.
و في التعبير بكلمة «الرسول » على هذا نوع من التهكم والسخرية، لأنه جاحد مكذب له، فهو على نحو ما حکی الله عن بعض الجاحدين بقوله:
« وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ » الحجر : 6، وهم لا يؤمنون بالإنزال عليه. (145:16)
ابن عاشور: [بحث في معنی کلمات الآية ثم قال:]
على حمل هذه الكلمات على حقائقها، يتعين صرف : «الرسول » عن المعنى المشهور، فيتعين حمله على جبریل، فإنه رسول من الله إلى الأنبياء.
فقال جمهور المفسرين : المراد ب «الرسول» جبریل، و رووا قصة، قالوا: إن السامري فتنه الله، فأراه الله جبريل راكبا فرسا فوطئ حافر الفرس مكانا، فإذا هو مخضر بالنبات. فعلم السامري أن أثر جبريل إذا ألقي في جماد صار حیا، فأخذ قبضة من ذلك التراب وصنع عجلا و ألقي القبضة عليه فصار جسدا، أي حيا، له خوار کخوار العجل، فعبر عن ذلك الإلقاء بالنبذ. وهذا الذي ذكروه لايوجد في كتب الإسرائيليين و لا ورد به أثر من السنة، و إنما هي أقوال لبعض السلف، و لعلها تسربت للناس من روايات القصاصين.
فإذا صرفت هذه الكلمات الست إلى معان مجازية كان «بصرت» بمعنی علمت و اهتديت، أي اهتديت إلى علم ما لم يعلموه، و هو علم صناعة التماثيل و الصور الذي به صنع العجل، و علم الحيل الذي أوجد به خوار العجل، و كانت القبضة بمعنى النصيب القليل، و كان الأثر بمعنى التعليم، أي الشريعة، و كان « نبذت » بمعنى أهملت و نقضت،
أي كنت ذا معرفة إجمالية من هدي الشريعة فانخلعت عنها بالكفر. و بذلك يصح أن يحمل لفظ « الرسول» على المعنى الشائع المتعارف، و هو من أوحي إليه بشرع من الله وأمر بتبليغه.
و كان المعنى: إني بعملي العجل للعبادة، نقضت اتباع شريعة موسى. والمعنى: أنه اعترف أمام موسی بصنعه العجل و اعترف بأنه جهل فضل، واعتذر بأن ذلك سولته له نفسه.
وعلى هذا المعنى فسر أبو مسلم الأصفهاني ورجحه الزمخشري بتقديمه في الذكر على تفسير الجمهور، و اختاره الفخر. (16: 174)
مغنية: قيل: المراد ب«الرسول» هنا: جبريل، و بأثره: التربة التي وطئها هو برجله، أو فرسه بحافره. و قيل: بل المراد ب«الرسول »: موسی، و بأثره: سنته.
وقيل: إن السامري كاذب في قوله، وأنه ما بصر بشيء، و لا قبض شيئا من أثر الرسول، و إنما أراد التهرب من تبعة ما حدث. وهذا أرجح الأقوال، و أقربها إلى الأفهام من رجل جبریل و حافر فرسه. و من صنع العجل بيده، و دعا إلى عبادته من دون الله يهون عليه الكذب والافتراء... .
و مهما يكن فإن المعنى الذي دل عليه ظاهر القرآن، أن السامري هو الذي أفسد و أضل بني إسرائيل في عبادة العجل، أما كيف صنعه؟ فنحن غير مكلفين بمعرفة ذلك، ولا صلة له بعقيدتنا و حياتنا. (239:5)
الطباطبائي: «الرسول » هو الذي يحمل رسالة، و قد أطلق في القرآن على الرسول البشري الذي يحمل رسالة الله تعالى إلى الناس، و أطلق بهذه اللفظة على جبریل ملك الوحي، قال تعالى: « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ کَرِيمٍ» التكوير : 19، و كذا أطلق لجمع من الملائكة الرسل كقوله: «بَلَى وَ رُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَکْتُبُونَ » الزخرف: 80، وقال أيضا في الملائكة:« جَاعِلِ الْمَلئِكَةِ ’رُسُلا اُولى اَجْنِحَة » فاطر: 1.
والآية تتضمن جواب السامري عما سأله موسی عل بقوله: « فَمَا خَطْبُکَ یَاسَامِرِیُّ » طه: 95،[ إلى أن قال:]
ولا نجد في كلامه تعالى في هذه القصة و لا فيما يرتبط بها في الجملة ما يوضح المراد منه، و لذا اختلفوا في تفسيره:
ففسره الجمهور وفاقا لبعض الروايات الواردة في القصة، أن السامري رأى جبریل و قد نزل على موسى للوحي، أو رآه و قد نزل راكبا على فرس من الجنة قدام فرعون و جنوده حين دخلوا البحر فأغرقوا، فأخذ قبضة من تراب أثر قدمه أو أثر حافر فرسه، و من خاصة هذا التراب أنه لايلقي على شيء إلا حلت فيه الحياة و دخلت فيه الروح، فحفظ التراب حتى إذا صنع العجل ألقى فيه من التراب، فحی و تحرك و خار. [إلى أن قال:]
و المراد ب« الرسول » : جبريل، « فنبذتها »، أي ألقيت القبضة على الحلي المذاب فحي العجل
فكان له خوار.
وأعظم ما يرد عليه مخالفة هذه الروايات للكتاب، فإن كلامه تعالى ينص على أن العجل كان جسدا له خوار، و الجسد هو الجثة التي لاروح لها ولا حياة فيها، ولا يطلق على الجسم ذي الروح والحياة ألبتة.[ إلى أن نقل قول أبي مسلم الأصفهاني، و قال :]
و فيه أن سياق الآية يشهد على تفرع النبذ على القبض والقبض على البصر، و لازم ما ذكره تفرع النبذ على البصر والبصر على القبض، فلو كان ما ذكره حقا كان من الواجب أن يقال : بصرت بما لم يبصروا به، فنبذت ما قبضته من أثر الرسول، أو يقال : قبضت قبضة من أثر الرسول فبصرت بما لم يبصروا به فنبذتها.
و ثانیا: أن لازم توجيهه أن يكون قوله تعالى:« وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي » إشارة إلى سبب عمل العجل، و جوابا عن مسألة موسى « ما خطبک » و محصله أنه إنما سواه لتسويل من نفسه أن يضل الناس، فیکون مدلول صدر الآية أنه لم يكن موحدا، و مدلول ذيلها أنه لم یکن وثنیا، فلا موحد و لا وثني، مع أن المحكي من قول موسی بعد: « وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ.. » طه: 97،أنه کان و ثنیا.
و ثالثا: أن التعبير عن موسى وهو مخاطب بلفظ الغائب بعيد. ( 195:14)
مکارم الشيرازي: للمفسرین قولان مشهوران:
الأول: أن مراده هو: إنني رأيت جبرئیل علی فرس، عند مجيء جيش فرعون إلى ساحل البحر، يرغب ذلك الجيش في المسير في تلك الطرق اليابسة في البحر، وكان يسير أمامهم، فقبضت شيئا من تراب قدمه، أو مرکبه و ادخرته لهذا اليوم، فألقيته داخل العجل الذهبي، وما هذا الصوت إلا من أثر ذلك التراب الذي أخذته.
الثاني: إنني آمنت - بداية الأمر - بقسم من آثار الرسول - موسي - ثم شككت فيها فألقيتها بعيدا و ملت إلى عبادة الأصنام، و كان هذا عندي أجمل و أحلى.
فعلى التفسير الأول: فإن كلمة « الرسول » تعني جبرئيل، وعلى التفسير الثاني: تعني موسى هلیه السلام و الأثر في التفسير الأول بمعنى تراب القدم، و في الثاني يعني بعض تعلیمات موسی علیه السلام. و « نبذتها » على التفسير الأول بمعنى إلقاء التراب داخل العجل، وعلى الثاني: ترك تعليمات موسی علیه السلام.
وأخيرا فإن « بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا » تشير طبق التفسير الأول - إلى جبرئيل الذي كان قد تجلى في هيئة فارس و ربما رآه بعض آخر لكنهم لم يعرفوه، إلا أنها تشير وفقا لتفسير الثاني - إلى ما كان لديه من معلومات خاصة عن دین موسی علیه السلام.
وعلى كل حال، فإن لكل واحد من هذين التفسيرين أنصارا، و له نقاط واضحة أو مبهمة،
لكن - كمحصلة نهائية - يبدو أن التفسير الثاني هو الأفضل والأنسب من عدة جهات، خاصة وأنا نقرأ في حديث ورد في كتاب «الإحتجاج » إن أمير المؤمنين عليه السلام لما فتح البصرة أحاط الناس به - وكان من بينهم الحسن البصري - و قد جلبوا معهم ألواحا يكتبون فيها ما يقوله أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال له أمير المؤمنين بأعلى صوته: ما تصنع؟ قال: أكتب آثار کم لنحدث بها بعدكم، فقال أمير المؤمنين: «أما إن لكل قوم سامریا، وهذا سامري هذه الأمة إلا أنه يقول: لا مساس، و لكنه يقول: لا قتال ». (58:10)
5- « وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ». الفرقان : 7
الطبري: يعنون محمد صلی الله علیه و آله ، الذي يزعم أن الله بعثه إلينا. (367:9)
نحوه الثعلبي . (123:7)
ابن عاشور: قولهم:« مَالِ هَذَا الرَّسُولِ » أجروا عليه وصف الرسالة مجاراة منهم لقوله، و هم لا يؤمنون به، و لكنهم بنوا عليه ليتأتى لهم التعجب، والمراد منه: الإحالة و الإبطال.
و الإشارة إلى حاضر في الذهن، و قد بين الإشارة ما بعدها من اسم معرف بلام العهد، وهوالرسول. (17:19)
راجع: ط ع م: « الطعام ».
6 - « وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ». الفرقان : 27
الثعلبي: محمد صلی الله علیه و آله .(7: 131)
ابن عاشور: «الرَّسُولِ»: هو المعهود وهو محمد صلی الله علیه و آله. (38:19)
راجع : س ب ل: « سبیلا »
رسوله
1- « وَکَیْفَ تَکْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَی عَلَیْکُمْ آیَاتُ اللهِ وَفِیکُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ یَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِیَ إلی صِرَاطٍ مُسْتَقِیمٍ ». آل عمران : 101
ابن عاشور: الظرفية في قوله: «وَفِیکُمْ رَسُولُهُ » حقيقية و مؤذنة بمنقبة عظيمة، و منة جليلة، و هي وجود هذا الرسول العظيم بينهم، تلك المزية التي فاز بها أصحابه المخاطبون. (3: 172)
2 - « إنّما وَليُّكم اللّه ورسوُله والّذين آمنوا الّذين يُقِيمُونَ الصّلوةَ وَيُؤتُونَ الزكوةَ وَهُم راكِعون ».المائدة : 55
راجع: ولي: « ولیكم».
3 - « إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ». الأحزاب : 57
ابن عاشور: أذى الرسول عليه الصلاة والسلام يحصل بالإنكار عليه فيما يفعله، و بالكيد له، و بأذى أهله، مثل المتكلمين في الإفك،
والطاعنين أعماله، کالطعن في إمارة زيد و أسامة، والطعن في أخذه صفية لنفسه.
وعن ابن عباس: «إنها نزلت في الذين طعنوا في اتخاذ النبي صلی الله علیه و آله صفية بنت حيي لنفسه » (326:21)
راجع: أذي: « يؤدون».
4- « فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِی أَنزَلْنَا وَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِیرٌ ». التغابن :8
اس: محمد صلی الله علیه و آله [و] بالبعث بعد الموت.(474)
نحوه أبوالسعود. (256:6)
رسولهم
« أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْکِرُونَ ». المؤمنون : 69
ابن عباس: نسب رسولهم. (288)
الطبري: أم لم يعرف هؤلاء المكذبون محمدا، وأنه من أهل الصدق والأمانة. (9: 233)
نحوه الثعلبي (52:7)، القرطبي ( 140:12).
المخشري: محمدا و صحة نسبه و حلوله في سطة (1)هاشم، و أمانته و صدقه و شهامته و عقله، و اتسامه بأنه خير فتيان قریش، و الخطبة التي خطبها أبوطالب في نكاح خديجة بنت خویلد کفی برغائها منادیا. (36:3)
الفخر الرازي:نبه سبحانه بذلك على أنهم عرفوا منه قبل ادعائه الرسالة، كونه في نهاية الأمانة والصدق، و غاية الفرار من الكذب والأخلاق الذميمة، فكيف كذبوه بعد أن اتفقت كلمتهم على تسميته بالأمين. ( 111:23)
نحوه الشربيني. (585:2)
البيضاوي: بالأمانة و الصدق و حسن الخلق، و كمال العلم و عدم التعلم، إلى غير ذلك مماهو صفة الأنبياء عليهم الصلاة و السلام. (111:2)
نحوه أبو السعود. (425:4)
الطباطبائي: المراد معرفة الرسول معرفته بنسبه و حسبه، و بالجملة بسجاياه الروحية و ملکاته النفسية، من اكتسابية و موروثة، حتی يتبين به أنه صادق فيما يقول، مؤمن بما يدعو إليه، مؤيد من عند الله.
و قد عرفوا من النبي صلی الله علیه و آله سوابق حاله قبل البعثة، وقد كان يتيما فاقد اللأبوين، لم يقرأ ولم يكتب، ولم يأخذأدبا من مؤدب و تربية من مرب، ثم لم يجدوا عنده ما يستقبحه عقل أو يستنكره طبع أو يستهجنه رأي، و لا طمعا في ملك أو حرصا على مال أو ولعا بجاه، و هو على ما هو سنين من عمره، فإذا هو ينادي للفلاح والسعادة و يندب إلى حقائق معارف تبهر العقول، ويدعو إلى شريعة تحير الألباب و يتلو کتابا.
فهم قد عرفوا رسولهم صلی الله علیه و آله بنعوته الخاصة المعجزة لغيره، ولو لم يكونوا يعرفونه، لكان لهم عذرا في إعراضهم عن دينه، و استنکافهم عن
1) كذا في الأصل ولا معنى له !!!
الإيمان به، لأن معنی عدم معرفته، كذلك وجدانه على غير بعض هذه النعوت، أو عدم إحرازه فيه. ومن المعلوم أن إلقاء الزمام إلى من هذا شأنه مما لايجوزه العقل . (45:15)
رسولا
1 - « وَ اذْکُرْ فِي الْکِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ کَانَ مُخْلَصاً وَ کَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ». مريم : 51
ابن عباس: «رَسُولاً» إلى بني إسرائيل، «نبيا » يخبر عن الله تعالى. (257)
الطبري:يقول: و كان الله رسولا إلى قومه بني إسرائيل، و من أرسله إليه نبیا. (8: 350)
الزمخشري: الرسول: الذي معه كتاب من الأنبياء، والنبي: الذي ينبئ عن الله عزوجل و إن لم يكن معه کتاب، کیوشع. (513:2)
الطبرسي: «رَسُولاً» إلى فرعون و قومه، «نَبِيّاً »رفيع الشأن عالي القدر. (3: 518)
أبوالسعود: أرسله الله تعالى إلى الخلق فأنبأهم عنه، و لذلك قدم «رَسُولاً» مع كونه أخلص و أعلى. (245:4)
ابن عاشور: الجمع بين وصف موسی، لأنه رسول و نبي. و عطف «نَبِيّاً »على «رَسُولاً» مع أن الرسول بالمعنى الشرعي أخص من النبي، فلأن الرسول هو المرسل بوحي من الله ليبلغ إلى الناس، فلا يكون الرسول إلا نبيا. و أما النبي فهو المنبأ بوحي من الله و إن لم يؤمر بتبليغه، فإذا لم يؤمر بالتبليغ فهو نبي و ليس رسولا.
فالجمع بينهما هنا لتأكيد الوصف، إشارة إلى أن رسالته بلغت مبلغا قویا ، فقوله:«نَبِيّاً » تأكيد الوصف «رَسُولاً».(54:16)
2 - « وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ». الشوری : 51
ابن عباس:« أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» جبرئیل، كما أرسل إلى محمد عليه الصلاة و السلام. (410)
الطبري: يقول: أو يرسل الله من ملائكته رسولا، إما جبرائیل، و إما غيره. ( 162:11)
نحوه الثعلبي (8: 326)، والبغوي ( 4 : 153).
الماوردي: قال زهير: هو جبریل. (212:5)
القرطبي: كإرساله جبريل علیه السلام. (53:16)
أبو السعود: «رَسُولًا» أي ملكا. (6: 23)
مثله الآلوسي. (55:25)
ابن عاشور: فالرسول في قوله تعالى:« أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» هو الملك جبريل أو غيره. (198:25)
مکارم الشيرازي: كما كان يقوم به جبرائيل الأمين، و ينزل على الرسول صلی الله علیه و آله. (524:15)
فضل الله: « أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا» من الملائكة فيبلغ الني وحي الله في رسالته. و ربما كان المراد من الرسول هو النبي، بلحاظ إطلاق هذه الكلمة عليه في القرآن، وعدم إطلاقها على الملائكة.
و يكون مثل هذا تكليما للبشر، باعتبار أنه يتضمن خطابا لهم، و حديثا معهم، بشكل غير مباشر، في ما يريد أن يلقيه إليهم من أوامر ونواه و تعالیم، و بذلك يكون المراد من الوحي، ما يحصل بالإلهام أو بواسطة الملائكة، لكثرة إطلاقه في القرآن على ذلك. و لكن قد ينافي في ذلك ماجاء في الفقرة التالية: « فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ » حيث يتحمل الرسول مسألة الوحي، بينما يتحمل النبي مسألة التبليغ، لأن دوره هو دور التلقي للوحي. (202:20)
رسل
« وَ إِذَا جَاءَ تَهُمُّ أَيَّةُ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ... . الأنعام : 124
ابن عباس: «رُسُلُ اللَّهِ» يعنون محمدا صلی الله علیه و آله « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ » إلى من يرسل جبريل بالرسالة. (118)
الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: أن آیات الأنبياء و الرسل لن يعطاها من البشر إلا رسول مرسل، و ليس العادلون بربهم الأوثان والأصنام منهم فيعطوها.
يقول جل ثناؤه: فأنا أعلم بمواضع رسالتي، و من هو لها أهل، فليس لكم أيها المشركون أن تتخيروا ذلك علي أنتم، لأن تخير الرسول إلى المرسل دون الرسل إليه، والله أعلم إذا أرسل رسالة بموضع رسالاته. (334:5)
الزجاج: أي هو أعلم بمن يختص للرسالة. (289:2)
الثعلبي: يعني محمدا رسول الله صلی الله علیه و آله . (4: 187)
الزمخشري: « اللَّهُ أَعْلَمُ » کلام مستأنف للإنكار عليهم، و أن لايصطفى للنبوة إلا من علم أنه يصلح لها، و هو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه منهم. ( 49:2 )
ابن عاشور: مثل ما أتى الله الرسل من المعجزات التي أظهروها لأقوامهم، فمرادهم الرسل الذين بلغتهم أخبارهم. (40:7)
الرسل
« وَ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا کَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَ جَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً ». الفرقان: 37
ابن عباس: يعني نوا و جملة الرسل. (303)
الحسن: تكذيبهم بنوح تکذیب لسائر الرسل. (الطوسي 7: 490)
الزجاج: يدل هذا اللفظ أن قوم نوح قد كذبوا غير نوح أيضا، لقوله:«الرُّسُلَ»، ويجوز أن يكون [ المراد ] به نوح وحده، لأن من کذب بنبي فقد کذب بجميع الأنبياء، لأنه مخالف للأنبياء، لأن الأنبياء يؤمنون بالله و بجميع رسله.
ويجوز أن يكون يعني به الواحد، ويذكر لفظ الجنس، كما يقول الرجل للرجل ينفق الدرهم
الواحد: أنت ممن ينفق الدراهم، أي ممن نفقته من هذا الجنس، و فلان یرکب الدواب و إن لم يركب إلا واحدة . (67:4)
الطوسی: یعني نوحا و من تقدم من الأنبياء.
وقيل: المعنى نوحا و الرسل من الملائكة.
وقيل: نوحا و من بعده من الرسل، لأن الأنبياء يصدق بعضهم بعضا في توحيد الله و خلع الأنداد، فمن كذب بواحد منهم فقد کذب بهم جميعهم. (490:7)
البغوي: أي الرسول، و من کذب رسولا واحدا فقد کذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع. (446:3)
الزمخشري: كأنهم كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل صريحا، أو كأن تكذيبهم لواحد منهم تکذیب للجميع، أو لم يروا بعثة الرسل أصلا کالبراهمة. (92:3)
نحوه البيضاوي (2: 145)، و أبوالسعود (12:5).
ابن عطية: هم إنما كذبوا نوحا فقط، معناه أن الأمة التي نكذب نبیا واحدا ففي ضمن ذلك تکذیب جميع الأنبياء، فجاءت العبارة بما يتضمنه فعلهم تغليظا في القول عليهم. (210:4)
الفخر الرازي: اعلم أنه تعالى إنما قال: «کَذَّبُوا الرُّسُلَ» إما لأنهم كانوا من البراهمة المنكرين لكل الرسل،او لانه کان تکذیبهم لواحد منهم تکذیبا للجمیع،لان تکذیب الواحد منه لايمكن إلا بالقدح في المعجز، و ذلك يقتضی تکذیب الكل، أو لأن المرادب «الرسل» وإن كان نوحا علیه السلام وحده، و لكنه كما يقال: فلان یرکب الأفراس. (81:24)
نحوه الشربيني. (661:2)
القرطبي: ذكر الجنس و المراد نوح وحده، لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده، فنوح إنما بعث بلاإله إلا الله، و بالإيمان بما ينزل الله، فلما كذبوه كان في ذلك تكذيب لكل من بعث بعده بهذه الكلمة.
وقيل: إن من کذب رسولا فقد کذب جميع الرسل، لأنهم لايفرق بينهم في الإيمان، و لأنه ما من نبي إلا يصدق سائر أنبياء الله ، فمن كذب منهم نبيا فقد كذب كل من صدقه من النبيين. (31:13)
النسفي: يعني نوا و إدریس و شيئا، أو كان تكذيبهم لواحد منهم تکذيبا للجميع. (167:3)
البروسوي: أي نوحا و من قبله من الرسل کشیث و إدريس، أو نوحا وحده، لأن تكذيبه تكذيب للكل، لا تفاقهم على التوحيد والإسلام. و يقال: إن نوحا كان يدعو قومه إلى الإيمان به و بالرسل الذين بعده، فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل، كما ثبت أن كل نبي أخذ العهد من قومه أن يؤمنوا بخاتم النبيين إن أدرکوا زمانه. (6: 211)
الآلوسي: أي نوحا و من قبله من الرسل علیه السلام ، أو نوحا وحده، فإن تكذيبه علیه السلام تكذیب للكل لاتفاقهم على التوحيد، أو أنكروا جواز بعثة
الرسل مطلقا.
و تعريف «الرسل» على الأول عهدي، و يحتمل أن يكون للاستغراق؛ إذ لم يوجد وقت تكذيبهم غيرهم، و على الثاني استغراقي، لكن على طريق المشابهة و الادعاء، وعلى الثالث للجنس أو للاستغراق الحقيقي .
[وقيل ]: الرسل نوح و موسی و هارون علیهماالسلام ، ولا يخفى ما فيه. (19:19)
ابن عاشور: جعل قوم نوح مكذبين الرسل، مع أنهم كذبوا رسولا واحدا، لأنهم استندوا في تكذيبهم رسولهم إلى إحالة أن يرسل الله بشراء لأنهم قالوا: « ما هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ » المؤمنون : 24، فكان تكذيبهم مستلزما تکذیب عموم الرسل، و لأنهم أول من کذب رسولهم، فكانوا قدوة للمكذبين من بعدهم. (51:19)
الطباطبائي: المراد بتكذيبهم الرسل: تكذيبهم نوحا، فإن تكذيب الواحد من رسل الله تکذیب للجميع، لا تفاقهم على كلمة الحق.
على أن هؤلاء الأمم كانوا أقواما وثنيين، و هم ينكرون النبوة، و يكذبون الرسالة من رأس. (217:15)
نحوه مکارم الشيرازي. ( 225:11)
رسله
1- « يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ... » النساء: 171
ابن عباس: جملة الرسل عیسی و غیره. (86)
ابن عاشور: أريد بالرسل جميعهم، أي لا تكفروا بواحد من رسله. و هذا بمنزلة الاحتراس عن أن يتوهم متوهمون أن يعرضوا عن الإيمان برسالة عيسی علیه السلام مبالغة في نفي الإلهية عنه.(332:4)
2 - « وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِايَاتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ وَ اتَّبَعُوا اَمْرَ كُلِّ جَبَّار عَنيد ». هود : 59
الطبري: عصوا رسله الذين أرسلهم إليهم، للدعاء إلى توحيده و اتباع أمره. (61:7)
الثعلبي: يعني هودا وحده، لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سوی هود، و نظيره قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ کُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ » يعني النبي صلی الله علیه و آله و إنه لم يكن في عصره رسول سواه. و إنما جمع هاهنا، لأن من كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل.(175:5)
نحوه البغوي . (454:2)
الزمخشري: لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله «لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» البقرة : 285.
قيل: لم يرسل إليهم إلا هود وحده. (277:2)
نحوه الفخر الرازي. ( 15:18)
ابن عطية: شنعة عليهم؛ وذلك أن في تكذيب رسول واحد تکذیب سائر الرسل و عصيانهم؛ إذ النبوات كلها مجمعة على الإيمان بالله و الإقرار بربوبيته. و يحتمل أن يراد هود و آدم و نوح. (182:3)
أبوالسعود: جمع الرسل مع أنه لم يرسل إليهم غير هود عليه الصلاة و السلام، تفظيعا لحالهم وإظهارا لكمال كفرهم وعنادهم، ببيان أن عصيانهم له عليه الصلاة والسلام عصیان الجميع الرسل السابقين واللاحقين، لاتفاق كلمتهم على التوحيد «لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ» البقرة: 285، فيجوز أن يراد بالآيات ما أتی به هود و غیره من الأنبياء علیه السلام. (326:3)
ابن عاشور: جمع الرسل في قوله: «وَعَصَوْا رُسُلَهُ » و إنما عصوارسولا واحدا، و هو هود علیه السلام لأن المراد ذكر إجرامهم، فناسب أن يناط الجرم بعصیان جنس الرسل، لأن تكذيبهم هودا لم یکن خاصا بشخصه، لأنهم قالوا له: « وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ » هود: 53، فكل رسول جاء بأمر ترك عبادة الأصنام فهم مكذبون به. و مثله قوله تعالى: « کَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ » الشعراء: 123. (285:11)
الطباطبائي: و عصوا رسل ربهم، و هم هود ومن قبله من الرسل، فإن عصيان الواحد منهم عصيان للجميع، فكلهم يدعون إلى دين واحد، فهم إنما عصوا شخص هود و عصوا بعصيانه سائر رسل الله، و هو ظاهر قوله في موضع آخر: « کَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لاَ تَتَّقُونَ » الشعراء : 123، 124،...
ومن الممكن أن يكون لهم رسل آخرون بعثوا إليهم فيمابین هود و نوح علیهماالسلام ، لم يذكروا في الكتاب العزيز، لكن سياق الآيات لا يساعد على ذلك. (305:10)
رسلی
« وَ لَقَدْ أَخَذَ الله مِیثَاقَ بَنیِ إِسرْءِیلَ وَ بَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنیَ ْ عَشرَ نَقِیبًا وَ قَالَ الله إِنیّ ِ مَعَکُمْ لَئنِ ْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوهَ وَ ءَاتَیْتُمُ الزَّکَوهَ وَ ءَامَنتُم بِرُسُلیِ وَ عَزَّرْتُمُوهُمْ وَ أَقْرَضْتُمُ الله قَرْضًا حَسَنًا... المائدة : 12
ابن عباس: الذين يجيؤون إليكم. (90)
أبوالسعود: أي بجميعهم. (248:2)
راجع: ع ز ر: « عزرتموهم».
رسلنا
1- « وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ »الأنعام : 61
ابن عباس: قبضه ملك الموت و أعوانه (111) نحوه البيضاوي (314:1) ، و النسفي (16:2) ، و الشربيني (425:1) ، و شبر (2: 269).
النخعي: تتوقاه الرسل، ثم يقبض منهم ملك الموت الأنفس. (الطبري 215:5)
مجاهد: جعلت الأرض الملك الموت مثل
الطست، يتناول من حيث شاء، و جعلت له أعوان يتوقون الأنفس، ثم يقبضها منهم.( الطبري. 5: 215)
الحسن: هو ملك الموت و أعوانه، و أنهم لا يعلمون آجال العباد حتى يأتيهم علم ذلك من قبل الله يقبض أرواح العباد. (الطوسي 4: 171)
قتادة: إن ملك الموت له رسل، فيرسل و يرفع ذلك إليه .
[و في رواية أخرى ] يلي قبضها الرسل ثم يدفعونها إلى ملك الموت. (الطبري 5: 215)
الربيع: [في حديث: سئل عن الربيع بن أنس عن ملك الموت، أهو وحده الذي يقبض الأرواح، قال: ] هو الذي يلي أمر الأرواح، و له أعوان على ذلك، ألا تسمع إلى قول الله تعالى ذكره: « حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ»؟ الأعراف : 37. و قال : « تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ» غير أن ملك الموت هو الذي يسير كل خطوة منه من المشرق إلى المغرب.
قلت: أين تكون أرواح المؤمنين؟ قال: عند السدرة في الجنة. (الطبري 5: 215)
الكلبي: إن ملك الموت هو يلي ذلك فيدفعه، إن كان مؤمنا، إلى ملائكة الرحمة، و إن كان كافرا إلى ملائكة العذاب. (الطبري 215:5)
مقاتل: إن المراد بالرسل: ملك الموت وحده. (ابن الجوزي 3: 56)
الطبري: توفاه أملاكنا الموكلون بقبض الأرواح، و رسلنا المرسلون به.
فإن قال قائل: أوليس الذي يقبض الأرواح ملك الموت، فكيف قيل:«تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا » و الرسل جملة [ظ: جمع ]و هو واحد؟ أو ليس قد قال : « قُلْ یَتَوَفَّیکُمْ مَلَکُ الْمَوْتِ الَّذی وَ کِّلَ بِکُمْ »السجدة : 11؟
قيل: جائز أن يكون الله تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده، فيتولون ذلك بأمر ملك الموت، فيكون التوفي مضافا - وإن كان ذلك من فعل أعوان ملك الموت - إلى ملك الموت؛ إذ كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره، كما يضاف قتل من قتل أعوان السلطان و جلد من جلدوه بأمر السلطان، إلى السلطان، و إن لم يكن السلطان باشر ذلك بنفسه، و لاولیه بیده. (214:5)
نحوه الماوردي (2: 123)، و البروسوي (45:3)، والآلوسي (176:7)
الزجاج: أي هؤلاء الحفظة، لأنه قال: « وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ». (258:2)
الثعلبي: يعني أعوان ملك الموت يقبضونه، ثم يدفعونه إلى ملك الموت. (155:4)
الطوسي: يعني قبضت الملائكة روح المتوفى، و هم رسل الله الذين عنا هم الله بهذه الآية. (171:4)
الزمخشري: أي استوفت روحه، و هم ملك الموت و أعوانه. (25:2)
ابن عطية: يريد به - على ما ذكر ابن عباس و جميع أهل التأويل - : ملائكة مقترنين بملك الموت،
يعاونونه و يأتمرون له. (301:2)
الفخر الرازي: هنا بحثان:
البحث الأول: أنه تعالى قال: « اَللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها » الزمر: 42، وقال: « الَّذِی خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیَوهَ» الملك : 2، فهذان النصان يدلان على أن توفي الأرواح ليس إلا من الله تعالى . ثم قال: « قُلْ یَتَوَفَّیکُمْ مَلَکُ الْمَوْتِ» و السجدة : 11، و هذا يقتضي أن الوفاة لا تحصل إلا من ملك الموت. ثم قال في هذه الآية:« تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا » فهذه النصوص الثلاثة كالمتناقضة.
والجواب: أن التوفي في الحقيقة يحصل بقدرة الله تعالى، و هو في عالم الظاهر مفوض إلى ملك الموت، و هو الرئيس المطلق في هذا الباب، وله أعوان و خدم و أنصار، فحسنت إضافة التوفي إلى هذه الثلاثة بحسب الاعتبارات الثلاثة، و الله أعلم.
البحث الثاني: من الناس من قال: هؤلاء الرسل الذين بهم تحصل الوفاة، و هم أعيان أولئك الحفظة، فهم في مدة الحياة يحفظونهم من أمر الله، و عند مجيء الموت يتوفونهم. والأكثرون أن الذين يتولون الحفظ غير الذين يتولون أمر الوفاة. ولادلالة في لفظ الآية تدل على الفرق، إلا أن الذي مال إليه الأكثرون هو القول الثاني.
وأيضا فقد ثبت بالمقاييس العقلية أن الملائكة الذين هم معادن الرحمة و الخير و الراحة مغایرون للذين هم أصول الحزن والغم، فطائفة من الملائكة هم المسمون بالروحانيين لإفادتهم الروح والراحة و الريحان، و بعضهم يسمون بالكروبيين لكونهم مبادئ الكرب و الغم و الأحزان. ( 16:13)
أبو حيان: قيل: عني به ملك الموت علیه السلام، و أطلق عليه الجمع تعظيما، و قيل: ملك الموت و أعوانه. و الأكثرون على أن رسلنا عين الحفظة يحفظونهم مدة الحياة، و عند مجيء أسباب الموت يتوفونهم. ولاتعارض بين قوله: « اَللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها » الزمر : 42، و بين قوله: « قُلْ یَتَوَفِّیکُمْ مَلَکُ المَوْتِ » السجدة : 11، و بين قوله: « تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا » ، لأن نسبة ذلك إلى الله تعالى بالحقيقة، و لغيره بالمباشرة، و لملك الموت، لأنه هو الأمر لأعوانه، و له و لهم بكونهم هم المتولون قبض الأرواح. (148:4)
أبوالسعود: « تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا » الآخرون المفوض إليهم ذلك، وهم ملك الموت و أعوانه، و انتهى هناك حفظ الحفظة. (2: 395)
المراغي: الرسل هم أعوان ملك الموت الذين يتولون ذلك بأمره. (149:7)
ابن عاشور: قوله: «رُسُلُنا» في قوة النكرة، لأن المضاف مشتق، فهو بمعنى اسم المفعول، فلا تفيده الإضافة تعريفا، ولذلك فالمراد من الرسل التي تتوقی، رسل غير الحفظة المرسلين على العباد، بناء على الغالب في مجيء نكرة عقب نكرة، أن الثانية غير الأولى.
و ظاهر قوله:« تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا » أن عددا من الملائكة يتولى توفي الواحد من الناس. و في الآية
الأخرى: « قُلْ یَتَوَفِّیکُمْ مَلَکُ المَوْتِ الَّذی وُکِّلَ بِکُمْ» السجدة: 11، و سمي في الآثار عزرائیل و نقل عن ابن عباس: أن يملك الموت أعوانا. فالجمع بين الآيتين ظاهر. (142:6)
الطباطبائي: هل هذه الرسل هم الرسل المذكورون أو حتى تكون الحفظة هم الموكلين على التوقي؟ الآية ساكتة عن ذلك إلا ما فيها من إشعار ضعیف بالوحدة، غير أن هؤلاء الرسل المأمورين بالتوفي - کائنين من كانوا هم - من أعوان ملك الموت، لقوله تعالى : « قُلْ یَتَوَفِّیکُمْ مَلَکُ المَوْتِ الَّذی وُکِّلَ بِکُمْ ».السجدة: 11.
و نسبة التوفي إلى هؤلاء الرسل، ثم إلى ملك الموت في الآية المحكية آنفا، ثم إلى الله سبحانه في قوله: « اَللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ » الزمر: 42، من قبيل التفنن في مراتب النسب، فالله سبحانه ينتهي إليه كل أمر، و هو المالك المتصرف على الإطلاق، و لملك الموت التوسل إلى ما يفعله من قبض الأرواح، بأعوانه الذين هم أسباب الفعل و وسائله و أدواته، كالخط الذي يخط القلم و وراءه اليد و وراءهما الإنسان الكاتب. (132:7)
فضل الله: الذين أو كل الله إليهم القيام بهذا الدور. (148:9)
و بهذا المعنى جاء قوله تعالى:
2 - « فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَاكُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ » الأعراف : 37
3- « وَ إِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَهً مِّن بَعْدِ ضرَّاءَ مَستهُمْ إِذَا لَهُم مَّکْرٌ فی ءَایَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسرَعُ مَکْراً إِنَّ رُسلَنَا یَکْتُبُونَ مَا تَمْکُرُونَ ». يونس : 21
ابن عباس: الحفظة. (172)
الطبري: يقول: إن حفظتنا الذين نرسلهم إليكم، يكتبون عليكم ما تمکرون في آياتنا. (544:6)
4 - « وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِیمَ بِالبُشْرَی قَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أنْ جَاءَ بِعِجْل حَنِیذ .هود: 69
ابن عباس: جبریل و من معه من الملائكة أثنا عشر ملكا. (188)
كانوا ثلاثة: جبرئیل و میکائیل و إسرافيل. (الثعلبي 5: 177)
مثله سعید بن جبیر . (ابن الجوزي 4 : 127)
أنهم كانوا اثني عشر. (ابن الجوزي 4: 127)
الضحاك: [عدد الملائكة:] تسعه. (الثعلبي 5: 177)
ابن کعب القرظي: [عدد الملائكة: ]ثمانية. (ابن الجوزي 4: 127)
السدي: كانوا أحد عشر ملكا في صورة
الغلمان الحسان و الوجوه، ذوو وضاءة و جمال بارع. (302)
الإمام الصادق عليه السلام: إن الله بعث أربعة أملاك بإهلاك قوم لوط: جبریل و میکائیل و إسرافيل، و کروبیل... (العياشي 2: 314)
مقاتل : جبريل، و میکائیل، و ملك الموت. (ابن الجوزي 4: 127)
الطبري: ا«رسلنا» من الملائكة، وهم فيما ذكر، كانوا جبريل و ملکين آخرين.
و قيل: إن الملكين الآخرين كانا میکائیل و إسرافيل معه. (67:7)
نحوه الماوردي.(482:2)
الثعلبی: یعنی الملائکه.واختلفوا في عددهم فقال ابن عباس: كانوا ثلاثة: جبرئیل و میکائیل و إسرافيل. الضحاك: تسعة، السدي: أحد عشر، و كانوا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم. (177:5)
نحوه الزمخشري (2: 280)، و الطبرسي (179:3).
ابن عطية: الرسل: الملائكة، وهم جبریل و میکائیل و إسرافيل. و قالت فرقة: بدل إسرافيل عزرائیل ملك الموت. و روي أن جبريل منهم كان مختصا بإهلاك قرية لوط، و میکائیل مختصا بتبشير إبراهيم بإسحاق، و إسرافيل مختصا بإنجاء لوط و من معه. (187:3)
الفخر الرازي: «رسلنا» جمع و أقله ثلاثة، فهذا يفيد القطع بحصول ثلاثة. و أما الزائد على هذا العدد فلاسبيل إلى إثباته إلا بدليل آخر. و أجمعوا على أن الأصل فيهم كان جبريل علیه السلام ، ثم اختلفت الروايات. [ثم نقل بعض الروايات المذكورة في ذلك وقال:]
وهم الذين ذكرهم الله في سورة والذاریات 24، في قوله: « هَلْ أَتَیکَ حَدِیثُ ضَیْفِ إِبْرهِیمَ» ، و في الحجر: 51 « وَ نَبِّئْهُمْ عَن ضَیْفِ إِبْرهِیمَ». (22:18)
نحوه الشربيني. (68:2)
البيضاوي: يعني الملائكة، قيل: كانوا تسعة و قيل: ثلاثة: جبریل و میکائیل و إسرافيل. (474:1)
النسفي: جبریل و میکائیل و إسرافيل، أو جبريل مع أحد عشر ملكا. (196:2)
البروسوي: أي و بالله لقد جاء جبريل و جمع من الملائكة معه، في صورة الغلمان الذين يكونون في غاية الحسن و البهاء و الجمال إلى إبراهيم علیه السلام. (161:4)
شبر: رسلنا من الملائكة. (3: 231)
الآلوسی: [نقل الأقوال و أضاف: ]
و حکی صاحب الفينان: أنهم عشرة منهم جبریل. و حکی الماوردي: أنهم أربعة و لم يسمهم. وجاء في رواية عن عثمان بن محيصن: أنهم جبریل و إسرافیل و میکائیل و رفائيل. (93:12)
المراغي: أي و لقد جاءت رسلنا من الملائكة.
و اختلفت الرواية فيهم، فعن عطاء إنهم جبریل و میکائیل و إسرافيل عليهماالسلام ، و عن غيره إنهم جبریل و سبعة أملاك معه، و مثل هذا لا يعلم إلا بتوقيف من الوحي و لم يثبت. (58:12)
الطباطبائي: الرسل: هم الملائكة المرسلون إلى إبراهيم للبشارة و إلى لوط لإهلاك قومه. وقد اختلفت كلمات المفسرين في عددهم، مع القطع بكونهم فوق الاثنين، لدلالة لفظ الجمع - الرسل - على ذلك. و في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت علیهم السلام أنهم كانوا أربعة من الملائكة الكرام. (320:10)
5- « أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَ نَجْوَاهُمْ بَلَى وَ رُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَکْتُبُونَ ».الزخرف: 80
السدي:« رُسُلُنَا» هم الحفظة. (439)
نحوه قتادة (الطوسي 218:9) ، و الطبري (214:11) ، و الثعلبي (8: 345)، و الواحدي ( 4: 82) و الزمخشري (497:3) ، و الطبرسي (57:5) والفخر الرازي ( 228:27).
ابن عطية: رسله: الحفظة من الملائكة. (65:5)
أبوالسعود: الذين يحفظون عليهم أعمالهم، و يلازمونهم أينما كانوا. (6: 43)
ابن عاشور: الرسل: هم الحفظة من الملائكة، لأنهم مرسلون لتقصي أعمال الناس، و لذلك قال: « لَدَيْهِمْ يَکْتُبُونَ »، كقوله: «مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» ق : 18، أي رقيب يرقب قوله.(295:25)
الطباطبائي: رسلنا المولون على حفظ أعمالهم عليهم يكتبون ذلك. ( 125:18)
نحوه مکارم الشيرازي. ( 99:16)
فضل الله: الذين جعلناهم شهودا عليهم. (267:20)
1 -« لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ... الحديد : 25
الزمخشري: يعني الملائكة إلى الأنبياء. (66:4)
أبوالسعود: أي الملائكة إلى الأنبياء، أو الأنبياء إلى الأمم، و هو الأظهر. (208:6)
الآلوسي: أي من بني آدم كما هو الظاهر . (188:27)
راجع: ب ي ن: «البينات ».
رسلا
1- «لَقَدْ أَخَذْنَا مِیثَاقَ بَنِی إِسْرَاءِیلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَیْهِمْ رُسُلًا کُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَاتَهْوَی أَنفُسُهُمْ فَرِیقًا کَذَبُوا وَفَرِیقًا یَقْتُلُونَ ».المائدة : 70
ابن عاشور: الرسل الذين أرسلوا إليهم، هم موسی و هارون و من جاء بعدهما، مثل يوشع بن نون و أشعيا و أرمیا و حزقیال و داوود و عیسی. فالمراد بالرسل هنا: الأنبياء، من جاء منهم بشرع و کتاب، مثل موسی و داوود و عیسی، و من جاء
معززا للشرع مبينا له، مثل يوشع و أشعيا و أرميا.
وإطلاق الرسول على النبي الذي لم يجئ بشريعة، إطلاق شائع في القرآن، كما تقدم، لأنه لما ذكر أنهم قتلوا فريقا من الرسل، تعين تأويل الرسل بالأنبياء، فإنهم ما قتلوا إلا أنبياء لارسلا. (164:5)
2 - « اَللهُ يَصْطَفى مِنَ الْمَلئِكَةِ رُسُلا وَ مِنَ النَّاسِ اِنَّ اللهَ سَميعٌ بَصيرٌ » الحج: 75
ابن عباس: «رُسُلا» بالرسالة، يعني جبریل و میکائیل و إسرافيل و ملك الموت. (284)
الطبري: يقول تعالى ذكره: الله يختار من الملائكة رسلا، كجبرئیل و میکائیل اللذين كانا یرسلهما إلى أنبيائه، و من شاء من عباده و من الناس، كأنبيائه الذين أرسلهم إلى عباده من بني آدم. و معنى الكلام: الله يصطفي من الملائكة رسلا، و من الناس أيضا رسلا. (190:9)
الثعلبي: كجبرئیل و میکائیل و غيرهما، « وَ مِنَ النَّاسِ » أيضا رسلا مثل إبراهيم و موسی و عیسی و محمد و غيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم. (34:7)
الزمخشري: هذا رد لما أنكروه من أن يكون الرسول من البشر، و بيان أن رسل الله على ضربين: ملائكة و بشر. (23:3)
ابن عطية: «رُسُلا» إلى الأنبياء و غيرهم حسبما ورد في الأحاديث. « وَ مِنَ النَّاسِ » و هم الأنبياء المبعوثون لإصلاح الخلق الذين اجتمعت لهم النبوة و الرسالة. (134:4)
أبوالسعود: «رُسُلا» يتوسطون بينه تعالى و بين الأنبياء علیهم السلام بالوحي. « وَ مِنَ النَّاسِ » و هم المختصون بالنفوس الزكية، المؤيدون بالقوة القدسية، المتعلقون بكلا العالمين الروحاني والجسماني ... (398:4)
الطباطبائي: الرسول رسولان: رسول ملكي يأخذ الوحي منه تعالى و يؤديه إلى الرسول الإنساني، و رسول إنساني يأخذ الوحي من الرسول الملكي و يلقيه إلى الناس. ( 410:14)
رسالة
« فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ ». الأعراف: 79
ابن عباس: بالأمر والنهي. (131)
الطبري: ما أمرني بأدائه إليكم ربي من أمره و نهیه. (540:5)
رسالات
1 - « أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنْصَحُ لَكُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ». الأعراف : 62
ابن عباس: بالأمر والنهي. (130)
الطوسي: الرسالات جمع رسالة، و هي جملة من البيان يحملها القائم بها، ليؤديها إلى غيره. و إنما جمع هاهنا «رِسالاتِ» و في موضع آخر (رسالة )
الأعراف : 78، على التوحيد، لأنه يشعر تارة بالجملة و تارة بالتفصيل، فلما دعا إلى عبادة الله وطاعته و اجتناب محارمه و العمل بشريعته، كان هذا تفصيل رسالات الله تعالی.
و رسالات الله حکم: من ترغیب، و تحذير، و وعد، و وعید، و مواعظ، و مزاجر، و حجج، و براهين و أحكام يعمل بها، و حدود ينتهي إليها. (468:4)
الزمخشري: ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة أو في المعاني المختلفة، من الأوامر والنواهي و المواعظ و الزواجر و البشائر و النذائر. ويجوز أن يريد رسالاته إليه و إلى الأنبياء قبله، من صحف جده إدریس و هي ثلاثون صحيفة، و من صحف شیث و هي خمسون صحيفة. (85:12)
الفخر الرازي: «رِسالاتِ رَبِّي » يدل على أنه تعالى حمله أنواعا كثيرة من الرسالة. وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي، و شرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة، و مقادیر الحدود و الزواجر في الدنيا. ( 151:14)
النسفي: ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة، أو في المعاني المختلفة، من الأوامر والنواهي و المواعظ و البشائر والنظائر. (2: 58)
نحوه الكاشاني. (208:2)
أبو السعود: جمع رسالات لاختلاف أوقاتها، أو لتنوع معانيها، أو لأن المراد بها: ما أوحي إليه و إلى النبيين من قبله. (503:2)
البروسوي: الرسالة صفة واحدة قائمة بذات الرسول متعلقة بالإضافة إلى المرسل و المرسل إليه إلا أنها جمعت نظرا إلى تعددها، بحسب تتنوع معانيها كالعقائد و المواعظ والأحكام، أو لأن المراد بها ما أوحي إليه و إلى الأنبياء قبله، کصحف شیث و هي خمسون صحيفة، و صحف إدريس وهی ثلاثون صحيفة. (183:3)
الطباطبائي: في جمع الرسالة دلالة على كونها كثيرة، و أن له مقاصد أمره ربه أن يبلغها إياهم وراء التوحيد و المعاد، فإنه نبي رسول من أولي العزم، صاحب کتاب و شريعة. (175:8)
2 -« أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ». الأعراف : 68
الطبرسي: أي: نبوات ربي. إماقال: «رِسالاتِ » هنا و فيما تقدم بلفظ الجمع، لأن الرسالة متضمنة لأشياء كثيرة من الأمر والنهي و الترغيب، والترهيب، و الوعد والوعيد، وغير ذلك، فأتي بلفظ يدل عليها. و إذا قال «رسالة ربي» بلفظ الواحد، أتي بلفظة مشتملة على هذه الأشياء بطريق الإجمال. (437:2)
3 - « فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ ». الأعراف: 93
الطوسي: إنما أتي بلفظ الجمع ليدل على اختلاف معاني الرسالة إذا جمعت، فهي تجري
مجری جمع الأجناس، كقولك: تمور، و أما ضربات فإنما يدل على عدد المرات. (504:4)
رسالاته
« الاّ بَلاغاً مِنَ اللّهِ وَ رِسالاتِهِ وَ مَنْ يَعْصِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً» . الجن: 23
ابن عاشور: « رِسالاتِهِ » جمع رسالة، و هي ما يرسل من كلام أو كتاب، فالرسالات بلاغ خاص بألفاظ مخصوصة، فالمراد منها هنا تبلیغ القرآن. (227:29)
راجع: ب ل غ: «بلاغا».
رسالاتی
« قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى الْنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَاآتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ »الأعراف : 144
الطوسي: قرأ أهل الحجاز، و روح (بِرِسَالاَتِي) على التوحيد، الباقون «بِرِسَالاَتِي» على الجمع. و الرسالة تجري مجرى المصدر، فتفرد في موضع الجمع، وإن لم يكن المصدر من «أرسل».[ثم استشهد بشعر]
و المصدر قد يقع لفظ الواحد فيه، و المراد به الكثرة. و كان المعنى على الجمع، لأنه مرسل لضروب من الرسالة، و المصادر قد تجمع مثل الحلوم و الألباب. و قال تعالى: « إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ» لقمان : 19، فجمع الأصوات لما أريد بها أجناس مختلفة، صوت الحمار بعضها، فأفرد صوت الحمار، و إن كان المراد به الكثرة، لأنه صوت واحد. (571:4)
نحوه القرطبي. (280:7)
ابن عطية: قرأ حمزة والكسائي و أبوعمرو و عاصم و ابن عامر «بِرِسَالاَتِي» على الجمع؛ إذ الذي أرسل به ضروب، وقرأ ابن كثير ونافع ( برسالتي ) على الأفراد الذي يراد به الجمع، و تحل الرسالة هاهنا محل المصدر الذي هو الإرسال. وقرأ جمهور الناس « وَبِكَلاَمِي » وقرأ أبورجاء ( برسالتي و بكلمتي )، و قرأ الأعمش ( برسالاتی و بكلمي).
(452:2)
الفخر الرازي: قرأ ابن كثير ونافع: ( برسالتي ) على الواحد، و الباقون «بِرِسَالاَتِي» على الجمع، و ذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى. و من قرأ ( برسالتي ) فلأن الرسالة تجري مجرى المصدر، فيجوز إفرادها في موضع الجمع.(236:14)
البيضاوي: يعني أسفار التوراة، وقرأ ابن كثير ونافع ( برسالتي ).
(368:1)
نحوه النسفي (76:2 )، و الشربيني (514:1) ، و أبوالسعود (3 : 27)، و الكاشاني (2: 236)، و شبر (414:2) ، والآلوسي (55:9).
البروسوي: «بِرِسَالاَتِي» جمع الرسالة وهي في الأصل مصدر بمعنى الإرسال، و المراد به
هنا الشيء المرسل به إلى الغير، و هو أسفار التوراة جمع سفر، بمعنى الكتاب. يقال: سفره إذا كتبه، و ألواح التوراة أسفار من حيث إنها كتب فيها التوراة. (238:3)
الطباطبائي: المراد بالرسالات هو ماحمل من الأوامر و النواهي الإلهية، من المعارف و الحكم و الشرائع، ليبلغه الناس، سواء كان التحميل بواسطة ملك أو بتكليم بلا واسطة ملك، فهي غير الكلام و إن حملت بكلام، فإن الكلام أمر، و المعاني التي يتلقاها السامع منه أمر آخر. (243:8)
وفي بقية آيات هذه المادة لاحظ ما جاء فيها من مواد: أخ ذ، أذن، أذي،أس و، أ م م، أي ي، ب رأ، ب دع، ب ش ر، ب ل غ، ب ي ن، ت ب ع، ت ل و، ث و ر، ج ب ي، ج ن ح، ج وب، ح رب، ح د د، ح س ب، ح ص ب، ح ف ظ، ح ق ق، ح ك م، ح ي ف، ح ي ق، خ ت م، خ ر ج، خ م س، خ ل ف ،خ ل و، خ و ن، د ر ر، د ع و، ذ ك ر، رأ ي، رد د، رض ي، رح م، رق ي، ر و ح، ر ي ح، زب ر، زك ي، س أ ل، س ح ر س ر ع، س ر ف، س ف ه، س ك ن، س ل ط، س ن ن، ش د د، ش ف ق، ش ق ق، ش ه د، ص د د، ص د ق، ص رص ر، ص ع ق، ص ل ب، ص ل و، ص ي ح، ض ل ل، ط و ع، ط ي ب، ظ ل م، ع ب د ، ع ت و،ع ذب، ع رم، ع ز ز، ع ص و، ع ل م، ع ه د، غ ر ر، غ ض ض، غ ل ب، غ ن ي، ف ت ر، ف رح، ف ر ق، ف ض ل، ف ي ء، ف ي ض، ق ت ل، ق دم، ق س ط، ق ص ص، ق ص ف، ق ض ي، ق ع د، ق ل ب، ق ف و، ق ن ت، ك ت ل، ك ذ ب، ك ف ر، ك ف ف، ك ف ل، ك ل م، ل س ن،ل ع ب، ل ق ح، ل و و، م ل ك، م ن ي، ن ب أ، ن ج و، ن ج ي، ن ذ ر، ن زل، ن ص ح، ن ص ر، ن ف س، ن ف ض، ن ف ق، ن ف ل، ق ض ي، وح ي، وت ر، و ص ل، و ع د، ول ج، و ل ي، وك ل، و ر ي،و ع د، و ق ت، و ه ب، ه ج ر،ه د ي، ه ز ء، ه و ي، ي أ س .
الوجوه والنظائر
الحيري: باب الرسول على ثلاثة عشر وجها: أحدها: محمد صلی الله علیه و آله كقوله: « وَ لَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ » البقرة:101، و قوله: « كَما أَرْسَلْنا فيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ» البقرة : 151، و قوله: « آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ » البقرة : 285، و قوله: « إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ » آل عمران : 164، نظيرها في الجمعة الآية: 2، و قوله: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ » النساء: 170، و قوله: « یا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جَاءَ کم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ » المائدة : 19، [ و ذكر آيات أخرى، راجع]
والثاني: اليسع، كقوله: «حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ»البقرة : 214، و قيل: شعيا.
و الثالث: عیسی عله السلام كقوله: « وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ» آل عمران : 49.
والرابع: جبريل علیه السلام كقوله: «قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّکِ لِأَهَبَ لَکِ» مریم: 19، و قوله: « وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ* إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ » التكوير : 18-20.
والخامس: موسی و هارون، كقوله في الشعراء الآية: 16: « فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ » .
والسادس: نوح علیه السلام، كقوله: «إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ» الشعراء : 106، 107.
والسابع: هود، كقوله: «إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هود أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ» الشعراء: 124،125 .
والثامن : صالح، كقوله: « إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » الشعراء : 142، 143.
والتاسع: لوط، كقوله : « إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَ لا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » الشعراء: 161، 162.
و العاشر: شعيب، كقوله: « إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ لا تَتَّقُونَ* إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ» الآية :177، 178، فسبعتهن في الشعراء.
و الحادي عشر: يونس، كقوله: « وَ جاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ* أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » الدخان : 17، 18.
والثاني عشر: رسول من الرسل، كقوله: « رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ » البقرة : 129.
والثالث عشر: رسول ريان بن الوليد، كقوله في يوسف الآية: 50: «وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ ».
باب الرسل على تسعة أوجه:
أحدها: رسل بني إسرائيل من بعد موسی، كقوله: « وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ » البقرة : 87.
والثاني: بعض الرسل إلا محمد صلی الله علیه و آله كقوله: « عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ » المائدة : 19.
والثالث: جميع الرسل، كقوله: « رُسُلًا مُّبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَ » النساء : 165، و قوله: « يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ» المائدة : 109.
والرابع : محمد صلی الله علیه و آله كقوله: «وَ إِذَا جَاءَ تَهُمُّ أَيَّةُ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ » الأنعام : 124، و قوله في هود الآية: 59: « وَ عَصَوْا رُسُلَهُ »،و قوله:« يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ کُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ اعْمَلُوا صَالِحاً » المؤمنون:51 . (1)
والخامس: ملك الموت و أعوانه، كقوله: «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ » الأنعام : 61، و قوله: « حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ »الأعراف : 37.
و السادس: الحفظة، كقوله: « قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ » يونس :
1) و فيها النظر، فإن المراد ب(الرسل) فيها هم الرسل غير محمد صلی الله علیه و آله
21، و قوله:« بَلَى وَ رُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَکْتُبُونَ» الزخرف : 80 .
والسابع: آدم و إدريس و نوح علیه السلام كقوله: « وَ عَصَوْا رُسُلَهُ » هود : 59.
والثامن: جبريل علیه السلام في اثني عشر ملكا، كقوله في هود الآية: 81: « يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ »، نظيرها في العنكبوت الآية: 31: «وَ لَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى »، و قوله: « وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِیَ بِهِمْ» العنكبوت : 33.
و التاسع: بعض الرسل، كقوله في إبراهيم : 10: « قالت لهم افي الله شک »، و فيها أيضا الآية: 11: « قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ » (272)
الدامغاني: الرسالة و الإرسال على ثمانية أوجه: سلط، بعث، فتح، أخرج، وجه، أطلق، أنزل، حفظ.
فوجه منها: أرسل يعني سلط، قوله في مريم : 83 «أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ» يعني سلطنا، مثلها في المطففين : 33: « وَ مَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ » أي ما سلطوا على المؤمنين، و كقوله الأعراف : 132: « فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ» أي سلطنا.
والوجه الثاني: أرسل:أي بعث، قوله النساء : 78: «وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا » أي مبعوثا، و الأعراف : 58، « لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً» أي بعثنا، و نحوه کثیر.
والوجه الثالث: الإرسال: الفتح، قوله في فاطر: 2: « وَ مَا يُمْسِکْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ » ؛ يعني فلافاتح له من بعده.
و الوجه الرابع: الإرسال: الإخراج، قوله في القمر : 27: « انا مرسل الناقة »؛ يعني مخرج الناقة « فتنة لهم » و كقوله في بني إسرائيل : 59: « وَ مَا نُرْسِلُ بِالايَاتِ » يعني تخرج الآيات.
والوجه الخامس: الإرسال: التوجيه، أرسل أي وجه الأشخاص، قوله الشعراء:54: « فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ » وجه فرعون « فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ » أي شاخصين، و كقوله يوسف : 19: « فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ» يعني وجهوا طالبا للماء.
والوجه السادس: الإرسال: الإطلاق من العذاب، قوله الشعراء: 17: «أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ » من العذاب، مثلها في طه : 47، « فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ لاَ تُعَذِّبْهُمْ » ، و في الأعراف : 134، « وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ». أي لنطلقن معك بني إسرائيل.
والوجه السابع : الإرسال: الإنزال، قوله في نوح : 11: « يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ » يعني ينزل المطر، كقوله في الذاريات : 33: « لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً »، أي لنمطر، و قوله: الفيل : 3:« وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ» يعني أمطر.
والوجه الثامن: الرسل: الحفظة، قوله في يونس: 21: « إِنَّ رُسُلَنَا » يعني الحفظة «یَکْتُبُونَ مَا تَمْکُرُونَ ».(370)
الفيروز آبادي: الرسول في القرآن ورد على اثني عشر وجها:
الأول: بمعنى جبریل و میکائیل و المصطفين منهم: « اللَّهُ یَصْطَفِی مِنَ الْمَلَئکَهِ رُسُلًا » الحج : 75.
الثاني: بمعنى الأنبياء: «رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ » النساء : 165.
الثالث: بمعنى صالح النبي: « فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ » الشمس : 13.
الرابع: بمعنی نوح:« أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي » الأعراف : 62 .
الخامس: بمعنى هود: « أُبَلِّغُکُمْ رِسَالَاتِ رَبِّی وَأَنَا لَکُمْ نَاصِحٌ » الأعراف : 68.
السادس: بمعنی موسى الكليم: «إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ» الشعراء : 162.
السابع: بمعنی شعيب : « وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ » الأعراف : 87، « يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي » الأعراف : 93
الثامن: بمعني يوسف الصديق: « وَ لَقَدْ جَاءَکُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ » إلى قوله: « مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً » المؤمن : 34.
التاسع: بمعنی رسل بلقيس إلى سليمان: « فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ » النمل: 35.
العاشر : بمعنى شخص غير معين: « أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً » الشورى : 51.
الحادي عشر : بمعنی عیسی: « إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ»الصف: 6 .
الثاني عشر: بمعنی سید المرسلين: « وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ» الصف: 6، « وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا» النساء : 79،« وَ الرَّسُولُ يَدْعُوکُمْ » آل عمران: 153، « مَالِ هَذَا الرَّسُولِ » الفرقان : 7، و له نظائر . (72:3)
الأصول اللغوية
1 - الأصل في هذه المادة: الرسل، و هو قطيع بعد قطيع؛ و الجمع: أرسال. يقال : أرسلوا إبلهم إلى الماء أرسالا، أي قطعا؛ ومنه حديث الإمام علي علیه السلام يصف أصحابه يوم صفين: « فتداكوا علي تداك الإبل الهيم يوم وردها و قدأرسلها راعيها».(1)
وجاءت الإبل والخيل أرسالا، إذا جاء منها رسل بعد رسل، أي قطيعا بعد قطيع. و في الحديث: « إن الناس دخلوا عليه بعد موته أرسالا يصلون عليه »، أي أفواجا و فرقا متقطعة، بعضهم يتلوا بعضا .
و استرسل، إذا قال: أرسل إلى الإبل أرسالا.
و الرسل من الإبل والغنم: ما بين عشر إلى خمس وعشرين.
و منه: الإرسال: التوجيه، وقد أرسل إليه؛ و الاسم: الرسالة و الرسالة والرسول والرسيل.
و الرسول: الذي يتابع أخبار الذي بعثه، و سمي رسولا، لأنه ذو رسول، أي ذو رسالة، و هو من قولهم: جاءت الإبل رسلا، أي متتابعة .
و الرسول أيضا: الرسالة و المرسل، يذكر
1) نهج البلاغة - الخطبة: (54)
و يؤنث، فمن ذكر أراد المرسل، و جمعه: علی رسل و رسل و رسلاء. و من أنت أراد الرسالة؛ و جمعه: على أرسل. يقال: هي رسولك، أي رسالتك، وهو رسولك، أي مرسلك.
وأرسلت فلانا في رسالة، فهو مرسل و رسول. و تراسل القوم: أرسل بعضهم إلى بعض.
و الرسيل: الفحل العربي يرسل في الشول ليضربها، و هو « فعيل » بمعنى «فعل» من أرسل. يقال: قد أرسل بنو فلان رسيلهم، أي فحلهم.
و الرسيل: الموافق لك في النضال و نحوه.
و المراسل من النساء: التي تراسل الخطاب، أو التي فارقها زوجها بأي وجه كان، مات أو طلقها.
والمراسل: التي قد أسنت و فيها بقية شباب؛ و الاسم: الرسال.
والرسل: اللبن، تشبيها بالرسل، لأنه يخرج من الضرع على شخاب، أي دفعات. يقال: كثر الرسل العام، أي كثر اللبن.
وأرسل القوم فهم مرسلون: كثر رسلهم وصار لهم اللبن من مواشيهم.
و رجل مرسل : كثير الرسل و اللبن و الشرب.
والرسل: الرخاء و الخصب. قال ابن الأثير: «لأن الرسل: اللبن، و إنما يكثر في حال الرخاء والخصب ».
والرسل: الرفق و التودة، و هو الرسلة أيضا. يقال: افعل كذا و كذا على رسلك، أي اتئد فيه، كما يقال: علی هینتك، و في حديث صفية : « علی رسلكما»، أي اتئدا و لا تعجلا.
و منه: الترسل و الترسيل في القراءة، وهو التحقيق بلاعجلة. يقال: ترسل في قراءته، أي اتأد فيها، و في الحديث: « كان في كلامه ترسیل »، أي ترتیل.
والترسل - من الرسل - في الأمور والمنطق، کالتمهل والتوقر و التثبت. يقال: ترسل الرجل في كلامه و مشيه، إذا لم يعجل.
والرسل: الذي فيه لين و استرخاء. يقال: ناقة رسلة القوائم، أي سلسة لينة المفاصل.
و ناقة رسلة: سهلة السير، و جمل رسل كذلك، و قد رسیل رسلا و رسالة.
و رجل فيه رسلة: كسل.
وهم في رسلة من العيش: لين.
و سیر رئل: سهل.
و استرسل الشيء: سلس.
و شعر رسل: مسترسل. يقال: استرسل الشعر، أي صار سبطا.
و الرسل: الطويل المسترسل، و قد رسل رسلا و رسالة .
والإرسال: الإطلاق و الإهمال. يقال: أرسل الشيء، أي أطلقه و أهمله.
و المرسلة: قلادة تقع على الصدر.
وألقى الكلام على رسیلاته: تهاون به.
و جارية رسل، إذا كانت صغيرة لاتختمر.
و ناقة مرسال: رسلة القوائم، كثيرة الشعر في
ساقيها طويله.
و المرسال: الناقة السهلة السير، و إبل مراسيل.
والاسترسال إلى الإنسان: کالاستئناس والطمأنينة. يقال: استرسل إليه، أي انبسط و استأنس. و في الحديث: « أيما مسلم استرسل إلى مسلم فغبنه فهو كذا»، أي وثق به فيما حدثه.
2 - و الحديث المرسل: ما انقطع إسناده كله أو آخره، ثم رفع إلى رسول الله صلی الله علیه و آله (1)، و خلافه المتصل (2)، و هو أن يقول الراوي: سمعت فلانا، إذا كان الحديث متصل الإسناد، أو يقول: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله ، إذا كان مرفوعا إليه. و منه: حديث الصحابي الجليل أنس بن الحارث الأسدي رضوان الله عليه، الذي استشهد مع الحسين و أصحابه في کربلاء؛ حيث رواه ابن حجر في « الإصابة » و السيوطي في « الخصائص » و الجزري في «أسد الغابة » و أبو حاتم الرازي في «الجرح و التعديل » وغيرهم. ففي الإصابة : حدثنا أشعب بن سحيم عن أبيه، سمعت أنس بن الحارث يقول: سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول: « إن ابني هذا « يعني الحسين » يقتل بأرض يقال لها: كربلاء، فمن شهد ذلك منکم فلينصره ». قال: فخرج أنس بن الحارث إلى
کربلاء، فقتل بها مع الحسين (3).
و قال ابن حجر: وقع في «التجريد» للذهبي: لاصحبة له و حديثه مرسل! وقال المزي: له صحبة فوهم، انتهى. و لايخفي وجه الرد عليه مما أسلفناه، و كيف يكون حديثه مرسلا و قد قال: «سمعت»؟ (4)وقال ابن السكن: « في حديثه نظر »(5)! و نحن نقول: بل في حديثه ظفر، لأنه قرن العلم بالعمل، و حفظ حدیث رسول الله صلی الله علیه و آله فوعاه، و خفر بعهده، ونصر ابنه امتثالا لأمره، فخصه بثمرة قلبه، و فداه بنفسه، و ظفر بمرضاة الله و رسوله، فكانت شهادته ثمرة علمه، و دلیل صدقه و إخلاصه، فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء .
الاستعمال القرآني
جاء منها المجرد (رسول) و (رسولا) 237 مرة، و (رسل) 96 مرة، و ( رسالة) 3 مرات و ( رسالات ) 7 مرات.
و المزيد من باب الإفعال ماضيا معلوما، 85 مرة، و مجهولا، 15 مرة، و مضارعا معلوما، 21 مرة، و مجهولا، مرة واحدة، والأمر، 9 مرات، و اسم الفاعل، (مرسل) و (مرسلين)، و اسم المفعول، ( مرسل ) و (مرسلين) كل منهما 5 مرات، في 624
آیه.
ويلاحظ أولا: أنها محوران: إرسال الرسل من الأنبياء، و إرسال غيرهم من الملائكة و الأشخاص والأشياء
المحور الأول: إرسال الرسل، و هو أقسام:
القسم الأول: إرسال الرسل عامة.
القسم الثاني: إرسال الرسل خاصة من نوح إلى خاتمهم محمد صلی الله علیه و آله .
القسم الثالث: الرسالة و الرسالات.
القسم الرابع: المرسل و المرسلين. وهذا هو شرح الأقسام:
القسم الأول: إرسال الرسل عامة، 103 آية:
1- « وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ». البقرة : 87
2- « مَنْ کَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلئِکَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِیلَ وَمِیکَلَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلکَفِرِینَ »البقرة : 98
3- « تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَ لكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَ لَوْ شاءَ اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَ لكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ». البقرة : 253
4- « ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَميزَ الْخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللّهَ يَجْتَبي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظيمٌ ».آل عمران : 179
5 و6- « الَّذِینَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَیْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّی یَأْتِیَنا بِقُرْبانٍ تَأْکُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَکُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِی بِالْبَیِّناتِ إِلَی قَوْلِهِ صادِقِینَ * فَإِن کَذَّبُوکَ فَقَدْ کُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِکَ جَآؤُوا بِالْبَیِّنَاتِ وَ الزُّبُرِ وَ الْکِتَابِ الْمُنِیرِ ». آل عمران : 183، 184
7- « رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلی رُسُلِکَ وَ لا تُخْزِنا یَوْمَ الْقِیامَهِ إِنَّکَ لا تُخْلِفُ الْمِیعادَ ». آل عمران : 194
8- « وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحيماً ». النساء : 64
9- « إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَ لِكَ سَبِيلًا ».النساء : 150
10- « وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً ». النساء: 152
11 و 12 - « وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً «164» رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ». النساء : 164، 165
13 - « وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِیثَاقَ بَنِی إِسْرَاءِیلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَی عَشَرَ نَقِیبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنّی مَعَکُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوهَ وَءَاتَیْتُمُ الزَّکَوهَ وَءَامَنْتُمْ بِرُسُلِی وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّآتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ».المائدة : 12
14 - « مِنْ أَجْلِ ذَلِکَ کَتَبْنَا عَلَی بَنِی إسْرَاءِیلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَاً بِغَیْرِ نَفْسٍ أوْ فَسَادٍ فِی الْأَرْضِ فَکَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِیعاً وَمَنْ أَحْیَاهَا فَکَأَنَّمَا أَحْیَا النَّاسَ جَمِیعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَیِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ کَثِیراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِکَ فِی الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ». المائدة : 32
15- « یَوْمَ یَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَیَقُولُ مَاذَا اُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إنَّکَ أنْتَ عَلاَّمُ الغُیُوبِ ».المائدة : 109
16- « وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ». الأنعام : 10
17- « وَ لَقَدْ کُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِکَ فَصَبَرُوا عَلی ما کُذِّبُوا وَ أُوذُوا حَتّی أَتاهُمْ نَصْرُنا وَ لا مُبَدِّلَ لِکَلِماتِ اللّهِ وَ لَقَدْ جاءَکَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِینَ ». الأنعام : 34
18 - « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ». الأنعام: 42
19 - « وَ إِذَا جَاءَ تَهُمُّ أَيَّةُ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ » الأنعام : 124
20-« یَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الإِنْسِ أَلَمْ یَأْتِکُمْ رُسُلٌ مِّنکُمْ یَقُصُّونَ عَلَیْکُمْ آیَاتِی وَ یُنذِرُونَکُمْ لِقَاء یَوْمِکُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَی اَنفُسِنَا وَ غَرَّتْهُمُ الْحَیَاهُ الدُّنْیَا وَ شَهِدُواْ عَلَی اَنفُسِهِمْ اَنَّهُمْ کَانُواْ کَافِرِینَ ».الأنعام: 130
21- « يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ». الأعراف : 35
22- « وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون ».الأعراف : 43
23 - « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ». الأعراف : 53
24 - « وَ ما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَ الضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ». الأعراف : 94
25 - « تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ ». الأعراف : 101
26- « أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ».التوبة : 70
27 - « وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ».يونس : 13
28 - « وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ». يونس : 47
29 - « ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدينَ ». يونس : 74
30- « وَ تِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَ عَصَوْا رُسُلَهُ وَ اتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ ».هود : 59
31- « ثُمَّ نُنَجِّی رُسُلَنا وَ الَّذِینَ آمَنُوا کَذلِکَ حَقًّا عَلَیْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِینَ ». يونس: 103
32 - « وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ». هود: 120
33 - « وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ إِلاّ رِجالاً نُوحِی إِلَیْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُری أَ فَلَمْ یَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَیَنْظُرُوا کَیْفَ کانَ عاقِبَهُ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَدارُ الْآخِرَهِ خَیْرٌ لِلَّذِینَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ ». يوسف : 109
34 - « حَتَّی إِذَا اسْتَیْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ کُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّیَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا یُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمجْرِمِینَ ». يوسف : 110
35- « وَلَقَدِ اسْتُهْزِیَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِکَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ». الرعد : 32
36-« وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ». الرعد : 38
37 - « وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ». ابراهيم : 4
38- 41 - « أَلَمْ یَأْتِکُمْ نَبَأُ الَّذِینَ مِن قَبْلِکُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِینَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ یَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَیِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَیْدِیَهُمْ فِی أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا کَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِی شَکٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَیْهِ مُرِیبٍ * قَالَتْ رُسُلُهُمْ افِی اللَّهِ شَکٌ فَاطِرِ السَّموَاتِ وَ الْارْضِ یَدْعُوکُمْ لِیَغْفِرَ لَکُمْ مِنْ ذُنُوبِکُمْ وَ یُؤَخِّرَکُمْ الی اجَلٍ مُسَمّیً قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ
«نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُکُمْ وَ لکِنَّ اللّهَ یَمُنُّ عَلی مَنْ یَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ ما کانَ لَنا أَنْ نَأْتِیَکُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَ عَلَی اللّهِ فَلْیَتَوَکَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ».ابراهیم :9 - 13
42 - « وَأنذِرِ النَّاسَ یَوْمَ یَأتِیهِمُ العَذَابُ فَیَقُولُ الَّذِینَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أخِّرْنَا إلَی أجَل قَرِیب نُجِبْ دَعْوَتَکَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَ لَمْ تَکُونُوا أقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَکُمْ مِنْ زَوَال ». ابراهیم : 44
43 - « فَلا تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ ». ابراهیم : 47
44 و 45 - « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ فی شِیَعِ الْأَوَّلینَ * وَ ما یَأْتیهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ کانُوا بِهِ یَسْتَهْزِؤُنَ ». الحجر : 10، 11
46 و 47 - « وَقَالَ الَّذِینَ أَشْرَکُوا لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَیْءٍ نَحْنُ وَلآ ءَابَآؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَیْءٍ کَذَلِکَ فَعَلَ الَّذِینَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَی الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِینُ * وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِی کُلِّ أُمَّهٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَی اللّهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَیْهِ الضَّلالَهُ فَسِیرُوا فِی الْأَرْضِ فَانْظُرُوا کَیْفَ کانَ عاقِبَهُ الْمُکَذِّبِینَ ». النحل : 35، 36
48- « وَ ما أَرْسَلْنا منْ قَبْلکَ إلاّ رجالاً نُوحی إلَیْهمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذّکْر إنْ کُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ». النحل : 43
49 - « تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلی أُمَمٍ مِنْ قَبْلِکَ فَزَیَّنَ لَهُمُ الشَّیْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِیُّهُمُ الْیَوْمَ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِیمٌ ». النحل : 63
50- « وَ لَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ هُمْ ظالِمُونَ ». النحل : 113
51-« مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَ ما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً ». الإسراء : 15
52 - « سنة من قد ارسلنا قبلك من ».الإسراء: 77
53 - « لِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً ». الكهف : 106
54- « بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلام بَلِ افْتَریهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ کَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ». الأنبياء:5
55 - « وَ مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَکَ إِلاَّ رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّکْرِ إِنْ کُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ » الأنبياء : 7
56 - « وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ». الأنبياء : 25
57- « وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ». الأنبياء: 41
58- « وَ مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لَا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّی أَلْقَی الشَّیْطانُ فِی أُمْنِیَّتِهِ فَیَنْسَخُ اللَّهُ ما یُلْقِی الشَّیْطانُ ثُمَّ یُحْکِمُ اللَّهُ آیاتِهِ وَ اللَّهُ عَلِیمٌ
حکیم ». الحج : 52
59 - « ثم ارسلنا رسلنا تترا کل ماجاء امه رسولها کذبوه فاتبعنا بعضهم بعضاوجعلناهم احادیث فبعدا لقوم لا یؤمنون ».المؤمنون : 44
60 - « يَا ءَ يُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَ اعْمَلُوا صَالِحًا اِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَليمٌ ».المؤمنون : 51
61 - « وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَکَ مِنَ اَلْمُرْسَلِینَ إِلاّ إِنَّهُمْ لَیَأْکُلُونَ اَلطَّعامَ وَ یَمْشُونَ فِی اَلْأَسْواقِ وَ جَعَلْنا بَعْضَکُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَهً أَ تَصْبِرُونَ وَ کانَ رَبُّکَ بَصِیراً ». الفرقان : 20
62 - « وَ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا کَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَ جَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَ أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَاباً أَلِيماً ». الفرقان : 37
63 - « وَ مَا کَانَ رَبُّکَ مُهْلِکَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَ مَا کُنَّا مُهْلِکِي الْقُرَى إِلاَّ وَ أَهْلُهَا ظَالِمُونَ ». القصص : 59
64 - « وَ لَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِي ءَ بِهِمْ وَ ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قَالُوا لاَ تَخَفْ وَ لاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوکَ وَ أَهْلَکَ إِلاَّ امْرَأَتَکَ کَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ». العنكبوت : 33
65 - « أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهَ ُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ». الروم : 9
66 - « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِکَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَ کَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ». الروم: 47
67 - « وَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ کَافِرُونَ ». سبأ : 34
68 و 69- « وَ ما آتَیْناهُمْ مِنْ کُتُبٍ یَدْرُسُونَها وَ ما أَرْسَلْنا إِلَیْهِمْ قَبْلَکَ مِنْ نَذِیرٍ * وَ کَذَّبَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ ما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَیْناهُمْ فَکَذَّبُوا رُسُلِی فَکَیْفَ کانَ نَکِیرِ». سبأ : 44 ، 45
70- « إنَّا أرْسَلْنَاکَ بِالحَقِّ بَشِیراً وَنَذِیراً وَإنْ مِنْ اُمَّه إلا خلا فِیهَا نَذِیرٌ ». فاطر : 24
71- « و یُکَذِّبُوکَ فَقَدْ کَذَّبَ الَّذینَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَیِّناتِ وَ بِالزُّبُرِ وَ بِالْکِتابِ الْمُنیرِ ». فاطر : 25
72 - « یا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ». يس، : 30
73 - « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِیهِم مُّنذِرِینَ » الصافات : 72
74- « إِنْ کُلٌّ إِلاَّ کَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ ».
ص: 14
75- « وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ». الزمر: 71
76- « كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَ الْأَحْزابُ مِنْ
« بَعْدِهِمْ وَ هَمَّتْ کُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَ جَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَکَيْفَ کَانَ عِقَابِ ». المؤمن :5
77- « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ».المؤمن : 22
78 و 79- « قَالُوا أَ وَ لَمْ تَکُ تَأْتِيکُمْ رُسُلُکُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَ مَا دُعَاءُ الْکَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ * إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ». المؤمن : 50، 51
80- « الَّذِينَ کَذَّبُوا بِالْکِتَابِ وَ بِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ». المؤمن : 70
81- « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِکَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْکَ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْکَ وَ مَا کَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَ خَسِرَ هُنَالِکَ الْمُبْطِلُونَ ». المؤمن : 78
82- « فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَ حَاقَ بِهِمْ مَا کَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ». المؤمن : 83
83- « إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلاَئِکَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ کَافِرُونَ ». فصلت : 14
84- « مَا يُقَالُ لَکَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِکَ إِنَّ رَبَّکَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ». فصلت : 43
85- « وَ كَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّ فِى الْأَوَّلِينَ ». الزخرف : 6
86 و 87 - « وَ کَذلِکَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِکَ فِی قَرْیَهٍ مِنْ نَذِیرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلی أُمَّهٍ وَ إِنّا عَلی آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قالَ أَ وَ لَوْ جِئْتُکُمْ بِأَهْدی مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَیْهِ آباءَکُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ کافِرُونَ ». الزخرف : 23 ، 24 .
88- « وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ». الزخرف : 45
89- « قُلْ مَا کُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ مَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَ لاَ بِکُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ وَ مَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ».الأحقاف :9
90 - « فَاصْبِرْ کَمَا صَبَرَ اُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ کَأنَّهُمْ یَوْمَ یَرَوْنَ مَا یُوعَدُونَ لَمْ یَلْبَثُوا إلا سَاعَهً مِنْ نَهَار بَلاغٌ فَهَلْ یُهْلَکُ إلا القَوْمُ الفَاسِقُونَ ».الأحقاف : 35
91 - « وَ أَصْحَابُ الْأَيْکَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ کُلٌّ کَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ ». ق:14
92 - « كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ». الذاريات : 52
93 - « كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ». المجادلة : 21
94 - « وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ
وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ». الحديد : 19
95 - « سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ اَلسَّماءِ وَ اَلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اَللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اَللّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ». الحديد : 21
96 - « لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَ أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَ مَنافِعُ لِلنّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَ رُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ». الحديد : 25
97 - « ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَ قَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَ جَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ». الحديد : 27
98 - « بِأَنَّهُ کانَتْ تَأْتِیهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَیِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ یَهْدُونَنا فَکَفَرُوا وَ تَوَلَّوْا وَ اسْتَغْنَی اللَّهُ وَ اللَّهُ غَنِیٌّ حَمِیدٌ ». التغابن : 6
99 - « وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ». الطلاق : 8
100- «وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِکَاتُ بِالْخَاطِئَهِ* فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ». الحاقة 90، 10
101- « عالِمُ الْغَيْبِ فلايظهر عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ». الجن :26، 27
102 - « وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ» المرسلات : 11 و فيها بحوث
و هي أن الله قد بين في هذه الآيات إرسالال الررسل عامة إلى الأمم، و فيها مزایا:
الأولى: أن الله أرسل كل رسول بلسان قومه، كما في الآية 4 من سورة إبراهيم: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِیُبَیِّنَ لَهُمْ.. »:
1- وقال الطبرسي (3: 303): « ثم بين سبحانه أنه إنما يرسل الرسل إلى قومهم بلغتهم، ليكون أقرب إلى الفهم، و أقطع للعذر، فقال: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ...» أي لم يرسل فيما مضى من الأزمان رسولا إلا بلغة قومه، حتى إذا بين لهم فهموا عنه، و لا يحتاجون إلى من يترجمه عنه.
وقد أرسل الله تعالى نبينا محمد صلی الله علیه و آله إلى الخلق کاقة بلسان قومه، و هم العرب، بدلالة قوله: « وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِیُبَیِّنَ لَهُمْ». سبأ : 28.
قال الحسن : امتن الله على نبيه محمد صلی الله علیه و آله أنه لم يبعث رسولا إلا إلى قومه، و بعثه خاصة إلى جميع الخلق، و به قال مجاهد.
و قيل: إن معناه: أنا كما أرسلناك إلى العرب بلغتهم لتبين لهم الدين، ثم إنهم يبينونه للناس، كذلك أرسلنا كل رسول بلغة قومه، ليظهر لهم الدين، ثم استأنف فقال...».
2- و قد امتن الله في عشر آيات على النبي و قومه، بأنه أرسل القرآن بلسان عربي، منها: قوله: « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِینُ»* «عَلى قَلْبِک لِتَکونَ مِنَ الْمُنْذِرِینَ»* «بِلِسانٍ عَرَبِی مُبِینٍ » الشعراء : 193 - 195، و قوله: « وَ هٰذَا کِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَاناً عَرَبِيّاً لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ...». الأحقاف : 12. و قد صرح فيهما «بلِسَان عَرَبِيّ:، و ليس في الباقي لفظ «اللسان». لاحظ: ع ر ب: «عربی».
3- و الذي يجلب النظر:
أولا: أن هذه الآيات العشر كلها مكية، نزلت حينما كان المخاطب للقرآن هم أهل مكة وما حولها، و كانوا عربا.
و ثانيا: الاهتمام بتكراره على أهل مكة، الذين لم يكن فيهم من يكتب و يقرأ الكتاب، سوى حوالي سبعة عشر رجلا، فكانوا يحسون حرمانا لأنفسهم من هذه المزية. و الأشعار الكثيرة المنسوبة إلى شعراء الجاهلية، كانت محفوظة في حافظة الرواة دون الكتابة. فمن الله عليهم بأنه تعالى أنزل عليهم كتابا ليهدهم، فإنهم أصبحوا الآن صاحب کتاب، مثل أهل الكتاب من اليهود و النصاری.
و ثالثا: أن وصف «عربي» للقرآن في بعض الآيات، يقيد بما دل على عظمته و فضله، مثل «عَرَبِی مُبِینٍ» الآية 195 من سورة الشعراء المتقدمة، و الآية 103 من سورة النحل: «وَ هٰذَا لِسانٍ عَرَبِی مُبِینٍ». و مثل: «قرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» في الآية 28 من سورة الزمر، و نحوها، فلاحظ: ع ر ب: « عربيا ».
والثانية: أن الله لم يرسل رسولا في قرية إلا أخذ أهلها بالبأساء والضراء، كما قال في الآية (18):
« وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ » الأنعام : 42.
وقال في (24): « وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ».الأعراف : 94 .
1- وجاء بعدهما ما يكملهما:
فجاء بعد الأولى: « فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ». الأنعام: 43 و 44 .
و جاء بعد الثانية: « ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَ قالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَ السَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ » الأعراف: 95.لاحظ: ب ء س : «البأساء»، و:ض رر: «الضراء».
2 - و قد جاء ابتلاء الأقوام بالبأساء للتذكير في آيات أخرى، مثل الآية 130 من سورة الأعراف:
« وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ».
والآية 133 منها و هي تتمة للآية 130 -: « فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَ الْجَرادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفادِعَ وَ الدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا
وَ كانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ».
3- ولابن عاشور بيان فيها، قال: « و الفاء في قوله:« فَأَرْسَلْنا » لتفريع إصابتهم بهذه المصائب على عتوهم و عنادهم»؛ إذ جاء قبلها ما دل على عنادهم في الآية 132 ، 133: «وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ... ».
4- وقال أيضا: «و الإرسال: حقیقته توجیه رسول أو رسالة، فيعدى إلى المفعول الثاني ب (إلى) و یضمن معنى الإرسال من فوق ، فيعدى إلى المفعول الثاني ب « على »، قال تعالى: « وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ » الفيل : 3، « وَ فی عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَیْهِمُ الرِّیحَ الْعَقیم » الذاریات: 41، فحرف «على» دل على أن جملة : « ارسلنا » مفرعة تفريع العقاب لا تفریع زيادة الآيات ».5
5- وقال الطبرسي (301:2) في «اللغة»: « البأساء: البأس و الخوف، والضراء: من الضرة وقد يكون البأساء من البؤس.
والتضرع: التذلل. يقال : ضرع فلان لفلان، إذا بخع له و سأله أن يعطيه.
والمبلس: الشديد الحشرة.
وقال الفراء: المبلس: المنقطع الحجة. [ ثم استشهد بأشعار]».
6- وقال في «المعنى» «ولقد ارسلنا» : « و هاهنا محذوف، و تقديره: رسلا «إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ » فخالفوهم « فاخذناهم ». و حسن الحذف للإيجاز به، والاختصار من غير إخلال، لدلالة مفهوم الكلام عليه. « بالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ »یرید به الفقر، و البؤس، والأسقام، و الأوجاع، عن ابن عباس، و الحسن.
« لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ» و معناه: لكي يتضرعوا.
و قال الزجاج: «لَعَلَّ» ترج، و هذا الترجي للعباد، المعنى: فأخذناهم بذلك، ليكون مايرجوه العباد منهم من التضرع، كما قال في قصة فرعون: «لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى» طه : 44.
قال سيبويه: المعنى: إذهبا أنتما على رجائكما فالله عالم بما یکون من وراء ذلك. أخبر الله تعالى أنه أرسل الرسل إلى أقوام بلغوا من القسوة إلى أن أخذوا بالشدة في أنفسهم وأموالهم، ليخضعوا و يذلوا لأمر الله، فلم يخضعوا ولم يتضرعوا، وهذا كالتسلية للنبی صلی الله علیه و آله ».
و الثالثة و الرابعة: جاء في الآيات (18 و 33 و 36 و 44 و 48 و 55 و 57 و 61 و 66 و 68 و 81) إرسال الرسل مقيدا ب« قبلك» أو «قبلها» .
و جاء فيها تكذيب الرسل تسلية للنبي صلی الله علیه و آله بأنه ليس أول نبي أرسل إلى قومه فأنكروه و كذبوه، و آذوه و کفروا به، بل الأمم السابقة كذبوا رسلهم قبله.
والخامسة (58) هي الآية 52 من سورة الحج: «وَ مَا ارْسَلْنَا مِنْ قَبْلِکَ مِنْ رَسُولٍ وَ لَانَبیٍّ الَّا اذا تَمَنَّی الْقَی الشَّیْطَانُ فی امْنِیَّتِهِ...».
و قد أطالوا الكلام في موضعين منها: الفرق بين الرسول و النبي، و إلقاء الشيطان في أمنيته.
أما الأول:
1- فقالوا فيه: الرسول هو النبي المرسل، و النبي هو المتحدث الذي لم يرسل، فحكموا بالفرق بينهما.
2 - وقال الزمخشري فيها: «دلیل بین علی تغاير الرسول و النبي... ».
و الفرق بينهما: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه. والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه کتاب، و إنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله »
3- و قال الطبرسی (91:7): «و إنما ذكر اللفظين لاختلاف فائدتهما. فالرسول الذي أرسله الله تعالى، ولا يحمل عند الإطلاق على غير رسول الله صلی الله علیه و آله. والنبي الذي له الرفعة والدرجة العظيمة بالإرسال.
وقيل: إن بينهما فرقا: فالرسول الذي تنزل عليه الملائكة بالوحي، و النبي الذي يوحى إليه في منامه. فكل رسول نبي، و ليس كل نبي رسولا . [ثم قال : ]
والقول هو الأول، لأن الله سبحانه خاطب نبينا صلی الله علیه و آله مرة بالنبي، و مرة بالرسول، فقال: « ياء ها الرسول»، و «یاء يها النبی». فالرسول والنبي واحد، لأن الرسول يعم الملائكة والبشر، والنبي يختص البشر، فجمع بينهما هنا، و في قوله: «وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا» مریم 51 و 54».
4- و بعضهم كالماوردي ذكر فيها قولين:
أحدهما: أنه لا فرق بينهما، و إنما جمع بينهما، لأن الأنبياء تخص البشر، و الرسل تعم الملائكةو البشر.
والثاني: الفرق بينهما بما ذكرناه أولا.
5 - وقد حكى الفخر الرازي الأقوال كلها، ولاسيما قول المعتزلة، و ما احتجوا به على بطلان القول الأول.
و كذلك الآلوسي ذكر الأقوال تفصيلا،و كذلك غيرهما ممن تأخر عنهما، فلاحظ.
6- وقال البيضاوي: « الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه و من بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل ».
7- وقال الطباطبائي: « و في الآية دلالة واضحة على اختلاف معنى النبوة والرسالة، لابنحو العموم و الخصوص مطلقا، كما اشتهر بينهم أن الرسول هو من بعث و أمر بالتبليغ، والنبي من بعث، سواء أمر بالتبليغ أم لا؛ إذ لو كان كذلك، لكان من الواجب أن يراد بقوله في الآية: «و لانبي» غير الرسول، أعني من لم يؤمر بالتبليغ، و ينافيه قوله: «وما ارسلنا به...»، ثم حول الكلام على ماقدمه في مواضع أخرى، فلاحظ.
8- و نحن نقول: من قال: إن النبي هو من لم يبعث إلى قوم، فهو خلاف قوله في النبي: «وما ارسلنا » - كما قال الطباطبائي - و خلاف عطف
النبي على الرسول في الآيتين، فلادليل للقول بعدم الفرق بينهما مع هذا العطف، كما لادليل للأقوال الأخرى.
وأما البحث الثاني فيها: - و هو إلقاء الشيطان في أمنيته - فالكلام فيه طويل، لاحظ: م ن ي: « امنيته »، و لاحظ: كلام الطبرسي (4 :91).
القسم الثاني: إرسال الرسل خاصة من نوح علیه السلام إلى خاتمهم محمد صلی الله علیه و آله.
نوح: 8 آیات:
103 -« لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلی قَوْمِهِ فَقالَ یا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَکُمْ مِنْ إِلهٍ غَیْرُهُ إِنِّی أَخافُ عَلَیْکُمْ عَذابَ یَوْمٍ عَظِیمٍ»الأعراف : 59
104 - « یا قَوْمِ لَیْسَ بی ضَلالَهٌ وَ لکِنِّی رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمینَ ». الأعراف : 61
105 - « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَی قَوْمِهِ إِنِّی لَکُمْ نَذِیرٌ مُّبِینٌ ».هود : 25
106 - « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَی قَوْمِهِ فَقَالَ یَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَکُم مِّنْ إِلَهٍ غَیْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ » المؤمنون : 23
107 - « إذْ قَالَ لَهُمْ أخُوهُمْ نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ * إنِّی لَکُمْ رَسُولٌ أمِینٌ ».الشعراء : 106، 107
108 - « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَی قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِیهِمْ أَلْفَ سَنَهٍ إِلَّا خَمْسِینَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ».العنكبوت : 14
109- « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَ إِبْراهِیمَ وَ جَعَلْنا فِی ذُرِّیَّتِهِمَا النُّبُوَّهَ وَ الْکِتابَ... ». الحديد : 26
110- « إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَی قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَکَ مِن قَبْلِ أَن یَأْتِیَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ ». نوح: 1
و فيها بحوث:
الأولى: الآية (103) - وهي الآية 59 من سورة الأعراف » -: « لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَی قَوْمِهِ..... » :
1- وهي أول آية من قصة نوح في هذه السورة، و آخرها الآية 64 منها: «فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ..... ».
2- و قال الطبرسي (433:2) « لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً .... »: « « اللام» للقسم، و (قد) تأكيد للكلام، و تقديره: حقا أقول: انا...».
3- و قد ذكر في (2: 434) قصة نوح علیه السلام.
و الثانية: الآية (104) وهي الآية 61 من سورة الأعراف » أيضا.
و الثالثة: الآية (105) وهي الآية 25 من سورة « هود »: « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَی قَوْمِهِ .. »:
1- و هي الآية الأولى أيضا من قصة نوح في هذه السورة، و آخرها الآية 49 منها: « تِلْکَ مِنْ أَنْباءِ الْغَیْبِ نُوحِیها إِلَیْکَ....».
2- و قال الطبرسي (153:3): « قال أبو علي: من فتح (آانی ) فإنه يحملها على «ارسلنا » أي: أرسلناه بأني لكم نذير مبين. [ إلى أن قال: ]
و من كسر فالوجه فيه أنه حمله على القول المضمر، لأنه مما قد أضمر كثيرا في القرآن، قال سبحانه: « وَ الْمَلَئکَهُ یَدْخُلُونَ عَلَیهِم مِّن کلّ ِ بَابٍ *
سلَمٌ عَلَیْکم » الرعد: 23، 24، أي يقولون سلام...».
3- وهي من أطول آیات قصة نوح في القرآن، وجاء فيها حديث الفلك تفصيلا.
و الرابعة: الآية (106) و هي الآية 23 من سورة المؤمنون »: « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَی قَوْمِهِ.... ».
1- وهي أول آية أيضا من قصة نوح في هذه السورة، وآخرها الآية 30 منها: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَ إِنْ كُنّا لَمُبْتَلِينَ».
2- و قال الطبرسي (103:4): « قيل: إنما سمي نوحا لكثرة نوحه على نفسه، عن ابن عباس »
والظاهر أن «نوح» علیه السلام لم يكن من العرب، فليس اسمه عربيا حتى يقال في وجهه: لكثرة نوحه. و من هذه الأخطاء كثيرة فيما نسب إلى ابن عباس. و كذلك ما يأتي بعده من الوجهين في سبب نوحه:
وقال الطبرسي: « و قيل في سبب نوحه: إنه كان يدعو على قومه بالهلاك. وقيل: هو مراجعته ربه في شأن ابنه »
و الخامسة: الآية (107) و هي الآية 107 من سورة «الشعراء » حكاية عن نوح لقومه: « إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ »:
1- و هي ثالثة آیات نوح في هذه السورة، بدء من الآية 105: « کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِینَ »، و ختما بالآية 121: «أَنَّ فِي ذُلّكِ لِآيَاتِ...».
2- وقال الطبرسي (4 :196): « رَسُولٌ أَمِينٌ »على الرسالة فيما بيني و بين ربكم».
والسادسة: الآية (108) و هي الآية 14 من سورة العنكبوت»: « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَی قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِیهِمْ أَلْفَ سَنَهٍ إِلَّا خَمْسِینَ عَامًا...»:
1- و هي أول آية من قصة نوح أيضا في هذه السورة، و آخرها الآية 15 منها: « فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ... ».
2- و قال الطبرسي (276:4): « يدعوهم إلى توحيد الله فلم يجيبوه، و كفروا به ». لاحظ: ألف: «الف سنة».
والسابعة: الآية (109) و هي الآية 26 من سورة «الحديد »: « وَ لَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوحًا وَ اِبْرهیمَ وَ جَعَلْنَا فی ذُرِّیَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْکِتَابَ...» :
1- و هي الآية الوحيدة من قصة نوح مع إبراهيم علیهماالسلام في هذه السورة، و الآيات بعدها ذكرت الرسل عموما و عیسی خصوصا.
2-وقال الطبرسي (5: 242): « و إنما خصهما بالذكر لفضلهما، ولانهما أبوا الأنبياء».
والثامنة: الآية (111) و هي الآية الأولى من سورة «نوح»:«إِنَّا أَرْسلْنَا نُوحاً إِلی قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَک مِن قَبْلِ أَن یَأْتِیَهُمْ عَذَابٌ أَلِیمٌ»، و آخرها الآية 28 منها، و هي آخر السورة.
1- و هذه هي السورة الوحيدة في القرآن، جميعها قصة واحدة -وبها سميت -بعد سورة « یوسف » التي أكثرها قصته علیه السلام.
2- و قال الطبرسي (5: 36): « أخبر سبحانه
عن نفسه فقال: « انا ارسلنا » أي بعثنا « نوحا » رسولا « إِلی قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَک... » معناه: أرسلنا لينذرهم بالعذاب إن لم يؤمنوا، قال الحسن: أمره أن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة...».
3- هذه ثمان آيات من قصة نوح، وجاء في ست منها بسیاق واحد: «أَرْسلْنَا » مع أن اسم «نوح» جاء في القرآن 43 مرة: مرفوعا «نوح»33 مرة، و منصوبا «نوحا» 10 مرات، لاحظ: ن و ح: «نوح».
4- و الذي يلفت النظر في هذه الآيات الثماني أنه قد جاءت في الآيتين (103 و 106) منها بعد «أَرْسلْنَا » دعوة قومه إلى توحيد الله بقوله: « يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ».
و في واحدة منها (107): جاء قبل « رسول امين » الأمر بالتقوى: « إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ» .
و في آيتين منها جاء بعد «أَرْسلْنَا » إنذارهم بعذاب الله - وظاهره عذاب الدنيا أو الأعم من عذاب الآخرة - فقال في (105): « إِنِّی لَکُمْ نَذِیرٌ مُبِینٌ »، و في (110): « أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَکَ مِنْ قَبْلِ أَنْ یَأْتِیَهُمْ عَذٰابٌ أَلِیمٌ ».
و قد جاء الإنذار بعذاب الآخرة في (103) أيضا بعد الدعوة إلى التوحيد، فقال: « یا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَکُمْ مِنْ إِلهٍ غَیْرُهُ إِنِّی أَخافُ عَلَیْکُمْ عَذابَ یَوْمٍ عَظِیمٍ ».
و جاء ذكر عذاب الدنيا أيضا ذيل الآية(108): « فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَ هُمْ ظالِمُونَ ».
5- و جاءت في الآية (109) بشأن نوح و إبراهيم - بدل الدعوة إلى التوحيد والإنذار بالعذاب -: « وَجَعَلْنَا فِی ذُرِّیَّتِهِمَا النُّبُوَّهَ وَالْکِتَابَ ».
6- و في هذا القبيل من تنوع التعبير في قصة واحدة مزيد في البلاغة القرآنية، وصولا إلى الإعجاز البلاغي.
هود: 5 آیات:
111 - « قَالَ یَا قَوْمِ لَیْسَ بِی سَفَاهَهٌ وَلَکِنِّی رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِینَ ». الأعراف : 67
112 -« فَإنْ تَوَلَّوا فَقَدْ أبْلَغْتُکُمْ ما أُرسلتُ بِهِ إلَیْکُم وَ یَسْتَخْلِفُ رَبّی قَوْماً غَیْرَکُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَیْئاً إِنَّ رَبّی عَلی کُلِّ شَیْء حَفیظٌ » هود : 57
113- « فَأَرْسَلْنا فِیهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَکُمْ مِنْ إِلهٍ غَیْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ » المؤمنون:32
114- « إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّی لَکُمْ رَسُولٌ أَمِینٌ ». الشعراء : 124، 125
115 - « قَالَ إنَّما الْعِلْمُ عِنْدَ اللّهِ وَ أُبَلِّغُکُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَ لکِنّی أَریکُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ». الأحقاف : 23
و فيها بحوث :
الأولى (111) من قصة هود هي الآية 67 من سورة الأعراف »: ... وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ »:
1- و هي الآية الثالثة من قصة هود في هذه
السورة، بدء من الآية 65 منها: « وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ...»، وختا بالآية 72: « فَأَنْجَیْنَاهُ وَالَّذِینَ مَعَهُ بِرَحْمَهٍ مِنَّا...».
2- و هي جواب هود لقومه؛ إذ قالوا في الآية قبلها: « اِنَّا لَنَریکَ فی سَفاهَهٍ وَاِنَّا لَنَظُنُّکَ مِنَ الْکاذِبینَ»، فقوله: « لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ» جواب لقولهم: « إِنَّا لَنَرَیکَ فِی سَفَاهَهٍ »، و قوله: «وَ لکِنِّی رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِینَ »: جواب لقولهم: « إِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ ».
3- و الذي يلفت النظر أنهم أكدوا قولهم ب«اِنَّا لَنَریکَ» و «اِنَّا لَنَظُنُّکَ» مرتين، أما هود فلم يرد عليهم تأكيدا، بل أجابهم بجواب عاطفي: «قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَ لكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ»، ثم أدام كلامه لهم في الآيات بعدها، ملاطفا لهم: « أوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَکُمْ ذِکْرٌ مِنْ رَبِّکُمْ...» ، و ذكرهم بما أنعم عليهم: « وَاذْکُرُوا إِذْ جَعَلَکُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَکُمْ فِی الْخَلْقِ بَصْطَهً فَاذْکُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّکُمْ تُفْلِحُونَ ».
4- و قال الطبرسي (2: 437): « و إنما قال: «أخاهم »، لأنه أبلغ في الحجة عليهم، إذا اختار للرسالة إليهم من هو من قبيلتهم، ليكونوا إليه أسكن، و به آنس، و عنه أفهم...
« لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ» أي لم يحملني على هذا الإخبار السفاهة، «وَ لکِنِّی رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِینَ » هذا تعليم من الله تعالى، بأن لايقابل السفهاء بالكلام القبيح، و لكن يقتصر الإنسان على نفي ما أضيف إليه عن النفس...».
والثانية: الآية (112) « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُکُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ ....» و هي الآية 57 في سورة هود » من قصة هود، بدء من الآية 50: « وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ...»، و ختما بالآية 60: «وَ أُتْبِعُوا فی هَذِهِ الدُّنْیَا لَعْنَهً وَ یَوْمَ الْقِیَمَهِ .. ».
1- و هذه الآية من جملة جواب هود لما نسبوه إليه في الآيات قبلها: « إِنْ نَقُولُ إِلاّ اعْتَریکَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوء»، فأجابهم ابتداء ب« قالَ إِنِّی أُشْهِدُ اللَّهَ وَ اشْهَدُوا أَنِّی بَرِی ءٌ مِمَّا تُشْرِکُونَ»إلى أن قال لهم في هذه الآية:« فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُکُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَیْکُمْ ».
2 - و قال الطبرسي (3: 170): « فَإِنْ تَوَلَّوْا » هذا حكاية عما قاله هود علیه السلام لقومه، والمعنى: فإن تتولوا. ويجوز أن يكون حكاية عما قاله سبحانه لهود، والمعنى : فإن تولوهم قل لهم: « فَقَدْ أَبْلَغْتُکُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَیْکُمْ »أي ليس ذلك لتقصير مني في إبلاغكم..».
و الثالثة: الآية (113) وهي الآية 32 من سورة المؤمنون: « فَأَرْسَلْنا فِیهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ..».
1- وهي الآية الثانية من قصة هود فيها بدء من الآية 31: «ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِینَ» و ختما بالآية 41: «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّیْحَةُ بِالْحَقِ...».
2-وقد بدء الله دعوته بالتوحيد و التقوي.
3 - وقال الطبرسي في المعنى (106:4): « ثم عطف سبحانه على قصة قوم نوح فقال: ثُمَّ أَنْشَأْنا
مِنْ بَعْدِهِمْ » أي أحدثنا و خلقنا من بعد قوم نوح «قَرْناً آخَرِينَ» أي جماعة آخرين من الناس و القرن أهل العصر على مقارنة بعضهم لبعض. قيل : عادا قوم هود لانه المبعوث بعد نوح.
و قيل: يعني نمود لأنهم أهلكوا با لصيحة عن
الجبائي. [أول تفسير الآية بعدها على ما سبق
2 - وقد بدأ الله فيها أيضا دعوته بالتوحيد والتقوي.
و الرابعة: الآية (114) و هي الآية 125 من سورة «الشعراء»: « إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ».
1-و هي من جملة قصة هود في هذه السورة، بدء بالآية 123 منها: «کَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِینَ»، و ختما بالآية 140: « وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ».
2- و قبلها و بعدها:« اذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّی لَکُمْ رَسُولٌ أَمِینٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِیعُونِ »، فقد ابتدأ هود رسالته بدعوتهم إلى التقوى مرتين، قبل إعلان رسالته و بعده، تنبيها على أن قبول دعوة الأنبياء مبني على شيء من التقوى في نفوس الناس المدعوين، كما أنه مبني على طاعتهم؛ حيث قال:« فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِیعُونِ ».
3- و الذي يلفت النظر أن الله بدأ قصة هود في هذه السورة بتكذيبهم إياه؛ حيث قال: «کَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِینَ» قبل حکایة دعوته، تخويفا لهم و تشديدا على إصرارهم على التكذيب.
4- وقال الطبرسي (4: 197) : «ثم أخبر سبحانه عن عاد، فقال: «کَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِینَ» والتأنيث المعنى القبيلة، لأنه أراد ب«عاد» القبيلة « إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ » في النسب «هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ» الله، باجتناب معاصيه « إِنِّي لَکُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ...».
و الخامسة : الآية (115) « وَ أُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ... » و هي الآية 23 في سورة «الأحقاف » من قصة هود بدء بالآية 21 منها: « و اذْکُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ ... »، و ختما بالآية 26: «وَ لَقَدْ مَکَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَکَّنَّاکُمْ فِيهِ... ».
1- و قد بدأ الله تعالى قصته في هذه السورة أيضا بالإنذار، كما بدءها في سورة «الشعراء » بتكذيبهم حيث قال فيها: «کَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِینَ».
2- والذي يلفت النظر: أن الله وصف هود - ككثير من الأنبياء - بأنه أخو عاد في هذه الآيات الأربع؛ حيث قال في الأولى منها في سورة « الأعراف » 65: « وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ...»، و في الثانية في سورة هود » الآية 50، و في الثالثة و الرابعة في الآية 124 من سورة «الشعراء»، والآية 23 من سورة الأحقاف »: « إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ ... ».
3- و هذا الإصرار على أخوة الأنبياء لأمهم، تأليف بينهم و بين أمهم، حرصا على قبول دعوتهم.
و تستعجلون العذاب الذي فيه هلاككم، وهذا لا يفعله إلا الجاهل بالمنافع والمضار».
صالح 4 آیات:
116- « قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ». الأعراف : 75
117 - « إِنِّي لَکُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » الشعراء : 143
118 - « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ ». النمل : 45
119- «فَقَالَ لَهُمْ رسول الله نَاقَةَ اللَّهِ وَ سُقْيَاهَا» الشمس : 13
و فيها بحوث:
الأولى: الآية (116) و هي الآية 75 من سورة « الأعراف » في قصة صالح:« أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ...» :
1- و هذه الآية الثالثة من قصة صالح في هذه السورة، بدء من الآية 73 منها: « إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً... »، و ختما بالآية 79 منها: « فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ...».
2-و هي قول المستكبرين الذين لم يؤمنوا، إنكارا للمستضعفين الذين آمنوا به؛ حيث قالوا لهم: « انما بما ارسل به مؤمنون ».
فقال المستكبرون تكذيبا و تعنيفا لهم: « إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ».
3- و جاءت فيها من هذه المادة كلمتان: « مرسل » و« ارسل » و کلاهما مجهولان من « أرسل »، و لعل الإتيان بالمجهول « مرسل » من قبل المستكبرين إهانة لصالح، و من قبل المؤمنين به اعتراف بإرساله تعظيما له، ردا على المستکبرین الذين أهانوا به.
4- وقال الطبرسي (441:2):« للَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا » أي للذين استضعفوهم من المؤمنين « لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ» إنما ذكره لئلا یظن بالمستضعفين أنهم كانوا غير مؤمنين، لأنه قد يكون المستضعف مستضعفا في دينه، ولا يكون مؤمنا، فأزال الله سبحانه هذه الشبهة «أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ » أي هل تعلمون أن الله سبحانه أرسل صالحا «قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ» أي مصدقون...».
و الثانية: الآية (117) و هي الآية 143 من سورة « الشعراء»: « إِنِّي لَکُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » :
1- و هي الآية الثالثة من قصة ثمود في هذه السورة، بدء من الآية 141: « کَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ »، و ختما بالآية 159: « وَ إِنَّ رَبَّکَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ».
2- و هذه الدعوة أيضا بدأت بطلب التقوى منهم مرتين، قبل إبلاغ الرسالة و بعدها: « إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ * إِنِّی لَکُمْ رَسُولٌ أَمِینٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِیعُونِ ».
واتقوا الله واطيعون که .
كما بدأت بالأمر بالطاعة «واطيعون ».
وقد کررت هذه الجملة: « فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِیعُونِ » مرة أخرى بعدها في الآية 151، و جاءت بعدها: « وَلاَ تُطیعُوا اَمْرَ الْمُسْرِفینَ * اَلَّذینَ یُفْسِدُونَ فِی الاْرْضِ وَ لاَ یُصْلِحُونَ ».
و كذلك کررت: « فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِیعُونِ » وفي الآيات بعدها.
3- وقال الطبرسي ( 4 : 199):« فَاتَّقُوا اللهَ » في مخالفته « وَأَطِیعُونِ » فيما أمركم به « وَلاَ تُطیعُوا اَمْرَ الْمُسْرِفینَ » يعني الرؤساء منهم، و هم تسعة رهط، من ثمود الذين عقروا الناقة...».
والثالثة: الآية (118) و هي الآية 45 من سورة «النمل»: « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ...».
ا- وهذه أول آية من قصة ثمود في هذه السورة، و آخرها الآية 53: «وَ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ ».
2 - و بدء رسالة صالح فيها أيضا الدعوة إلى عبادة الله تعالى.
3- و قال الطبرسي (226:4) في «المعنى »: « ثم عطف سبحانه على قصة سليمان قصة صالح، فقال: « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ » في النسب « صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ » أي أرسلناه بأن اعبدوا الله وحده لاشريك له، « فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ » أي مؤمنون و کافرون، يقول كل فريق :الحق معي » .
و الرابعة: الآية (119) وهي الآية 13 من سورة «الشمس »: « فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ ناقَةَ اللّهِ وَ سُقْياها ».
1- و هي الآية الثالثة من قصة ثمود في هذه السورة: بدء من الآية 11: « كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها » و ختما بالآية 15: « وَ لا يَخافُ عُقْباها » و هي آخر السورة.
2- وقد بدأ الله سبحانه في هذه السورة أيضا قصة ثمود بتكذيبهم؛ حيث قال:« كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها » کما کرر تكذيبهم بعدها: « فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها » فالإنذار بالعذاب، هو الغالب على سياق القصة في هذه الآيات.
3- و المراد ب«رسول الله » في الآية صالح علیه السلام، كما صرح به في سائر الآيات.
5- وقال الطبرسي (5: 497) في قوله: « بِطَغْویها »: « و الطغوى والطغيان: مجاوزة الحد في الفساد، و بلوغ غايته ، ثم ذكر القراءة.
6- وقال في «المعنى»: « فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ » صالح« ناقَةَ اللّهِه ».
قال الفراء: حذرهم إياها، و کل تحذير فهو نصب، و التقدير : احذروا ناقة الله، فلا تعقروها، عن الكلبي و مقاتل. كما يقال: الأسد الأسد، أي احذروه.
«وَ سُقْياها» أي و شربها من الماء، أو ما يسقيها، أي فلاتزاحموها فيه، كما قالسبحانه: « لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ » الشعراء : 155».
إسمعيل آية واحدة :
120 - « وَاذکُر فِی الکِتابِ إِسمعیلَ إِنَّهُ کانَ صادِقَ الوَعدِ وَ کانَ رَسُولاً نَبِیاً ». مريم : 54.
و فيها بحوث:
1- هذه الآية (120) و هي الآية 54 في سورة « مريم» من قصة إسماعيل بدءمن هذه الآية، و ختما بالآية بعدها: « وَکَانَ یَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوهِ وَالزَّکَوهِ وَکَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِیًّا ».
2-وقد جاء فيها بشأن إسماعيل، و في الآية 51، قبلها بشأن موسی علیه السلام : « وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا» وقد سبق نظيرهما في الآية (52): « وَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِکَ مِن رَّسُولٍ وَ لَا نَبِیٍّ...» و قد سبقت الأقوال في الفرق بينهما هناك.
إلا أنه يوجد فرق بين هاتين و بين الآية (52)، فقد جاء فيها «وَ لَا نَبِیٍّ»عطفا على «رَسُول» المقتضي لمغايرتهما، و جاء في هاتين « رَسُولاً نَبِيًّا» وصفا، المقتضي عدم مغایرتهما.
والحق أنه جاء فيهما «نَبِيًّا»رویا لسائر آیات سورة مريم، فالروي فيها: (شقیا، نبيا، علیا، نبیا، نجیا، نبیا، نبیا و نحوها) فكرت «نَبِيًّا» رویا للآيات.
3- و المراد با « إِسمعیلَ » في هذه الآية - كما ذكر المفسرون - و منهم الطبرسي - إسماعيل بن إبراهيم، و يحتمل غيره، لأن الله أخر ذكره عن موسی علیه السلام. لاحظ: إسماعيل المعجم: ج 2: 321.
4- و قال الطبرسي (518:3): « وَاذکُر فِی الکِتابِ » الذي هو القرآن « إِسمعیلَ » ابن إبراهيم أيضا « إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ » إذا وعد بشيء وفي به، و لم يخلف، « و كان » مع ذلك « رَسُولاً نَبِيًّا » إلى جرهم، و قد مضى معناه. [و قد ذكر حديثين في وفائه بعهده ثم قال : ]
وقيل: إن إسماعيل بن إبراهيم علیهماالسلام مات قبل أبيه إبراهيم عليه السلام، و إن هذا هو إسماعيل بن حزقیل، بعثه الله إلى قومه، فسلخوا جلدة وجهه، وفروة رأسه...».
لوط 4 آیات:
121 - « فَلَمَّا رَأَی أَیْدِیَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَیْهِ نَکِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِیفَهً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَی قَوْمِ لُوطٍ ». هود: 70
122 - «قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَی قَوْمٍ مُّجْرِمِینَ ».الحجر : 08
123 - « إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ». الشعراء : 162
126 - « قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلیَ قَوْمٍ مجُّرِمِینَ ». الذاريات : 32
و كلها في ضيوف إبراهيم الذين جاؤوه تبشیرا له بالولد، و إنذارا بعذاب قوم لوط.
الأولى: (121) هي الآية 70 من سورة « هود » حكاية عن ضيوفه: «...إِنَّا أُرْسِلْنا إِلی قَوْمِ لُوطٍ »:
1- وجاءت خلال قصة إبراهيم عليه السلام، بدء من الآية 69: «وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إبْرَاهِیمَ بِالبُشْرَی »، وختما بالآية 83: «مُّسَوَّمَهً عِندَ رَبِّکَ وَمَا هِیَ مِنَ
الظَّالِمِینَ بِبَعِیدٍ»، و قد سبقت نظائرها.
2- و قال الطبرسي (179:3):«إِنَّا أُرْسِلْنا إِلی قَوْمِ لُوطٍ » بالعذاب والإهلاك، لا إلى قومك.
وقيل: إنهم دعوا الله فأحيا الوجل الذي كان ذبحه إبراهيم و شواه، فطفر و رعی، فعلم حينئذ أنهم رسل الله »
و الثانية: (122) الآية 58 من سورة «الحجر»:« قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلی قَوْمٍ مُجْرِمِینَ ».
و قصة إبراهيم و لوط جاءت فيها معا أيضا، بدء من 51: « وَ نَبِّئْهُمْ عَن ضَیْفِ إِبْرهِیمَ»، و ختما بالآية 65: « فَأَسْرِ بِأَهْلِکَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّیْلِ...».
والثالثة: الآية (123) و هي الآية 162 من سورة «الشعراء» « إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » وقد سبق تفسيرها في آيات نظیرها، فلاحظ.
و الرابعة: الآية (124) «إنَّا اُرْسِلْنَا إلَی قَوْم مُجْرِمِینَ » و هي الآية 32 من سورة الذاريات »:
1- و قد جاءت قصتهما معا فيها أيضا، بدء من الآية 24: « هَلْ أَتَیکَ حَدِیثُ ضَیْفِ إِبْرهِیمَ »، و ختما بالآية 37: « وَ تَرَکْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ».
2-وقد جاءت من هذه المادة: « ر س ل » فيها ثلاث كلمات « المرسلون » و « ارسلنا » « لنرسل »: « قَالَ فَمَا خَطْبُکُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ».
3- وقال الطبرسي (157:5) في تفسير الآيات الثلاث : «قال » إبراهيم علیه السلام لهم «فَمَا خَطْبُکُمْ » أي فما شأنكم، ولأي أمر جئتم « أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ »و كأنه قال : قد جئتم لأمر عظيم، فما هو؟ « قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ » أي٫ عاصين لله، كافرين لنعمه، استحقوا العذاب و الهلاك.
وأصل الجرم: القطع. فالمجرم: القاطع للواجب بالباطل، فهؤلاء أجرموا بأن قطعوا الإيمان بالكفر.
«لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ » هذا مفسر في سورة هود »
یوسف آية واحدة:
125 - « وَلَقَدْ جَآءَکُمْ یُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَیِّنَاتِ فَمَازِلْتُمْ فِی شَکٍّ مِمَّا جَاءَکُمْ بِهِ حَتَّی إِذَا هَلَکَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ ». المؤمن : 34
وهذه الآية (125) هي الآية 34 من سورة «المؤمن » جاءت خلال قصص موسی علیه السلام حكاية عن قول الرجل المؤمن من قوم موسى علیه السلام، و ليس فيها شيء من قصته المطولة المذكورة في سورة يوسف.
وقال الطبرسي (4 : 523) « وَلَقَدْ جَآءَکُمْ یُوسُفُ »: « و هو يوسف بن يعقوب، بعثه الله رسولا إلى القبط « من قبل » أي من قبل موسی، « بِالْبَیِّنَاتِ » أي بالحجج الواضحات، « فما زلتم في شك مما جاء کم به» من عبادة الله تعالى، وحده لا شريك له، عن ابن عباس.
وقيل: مما دعاكم إليه من الدين.
«حَتَّى إِذَا هَلَکَ » أي مات، « قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً » أي أقمتم علی کفرکم، و ظننتم أن الله تعالى لايجدد لكم إيجاب الحجة ».
شعيب آيتان:
126- « وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ». الأعراف : 87
127 - « إِنِّي لَکُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ». الشعراء : 178
والأولى: الآية (126) وهي الآية 87 من سورة الأعراف » خلال قصة شعيب: بدء من الآية 85 منها: « وَإِلَی مَدْیَنَ أَخاهُمْ شُعَیْبا قالَ یاقَوْمِ اعْبُدُوا اللّه َ ما لَکُم مِنْ إِلهٍ غَیْرُهُ قَدْ جَآءَتْکُم بَیِّنَةٌ مِنْ رَبِّکُمْ...»، و ختما بالآية 93 منها: « فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي ».
1- و قد بدأ شعيب أيضا دعوته بعبادة الله و نفي الشرك، كجملة من الأنبياء علیهم السلام، من دون الإنذار بالعذاب أولا كالآخرين منهم. وهذا أيضا نوع من التفنن في الكلام، مزيدا في البلاغة، نيلا إلي الإعجاز، و تنبيها إلى اختلاف الأقوام أمام دعوة الأنبياء، قبولا وردا.
2-وقد جاءت في قصته هذه كلمتان من هذه المادة: « رس ل »: « أُرْسِلْتُ » في هذه الآية، و « رِسَالَاتِ » في الآية الأخيرة منها. و يأتي بحثها في « رِسَالَاتِ » .
3- و قد أحال شعيب في الآية الحكم بين من آمن به، ومن لم يؤمن به إلى الله تعالى، وقال: « فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ».
4 - و الذي يلفت النظر في قصة شعيب، أنه بعد دعوة قومه إلى عبادة الله و ترك الشرك، و إعلانهم بأن جاءتهم بينة من ربهم، دعاهم إلى إيفاء الكيل و الميزان، و رفع بخس الناس، تنبيها على أن عدم إيفاء الكيل و بخس الناس كانا أسوء عادات قومه من بين الأقوام.
5 - وقال الطبرسي (2: 446) في «اللغة»: «والطائفة: الجماعة من الناس، و هو من الطوف، مأخوذة من أنها تجتمع على الطواف » .
6- وقال في «المعنى»: « خاطب الطائفتين، و معناه: لا يغرنكم تفرق الناس عني، فإن جميل العاقبة لي، وسيجزي الله كل واحد من الفريقين بما يستحقه على عمله في الدنيا و الآخرة، أو الآخرة دون الدنيا، « وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ » لأنه لا يجوز عليه الجور، و لا المحاباة في الحكم، وهذا وعيد لهم...».
والثانية: (127) هي الآية 178 من سورة الشعراء»:« إِنِّي لَکُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ »، و قد سبق تفسیر نظيرها.
موسی و هارون و بنو إسرائيل 17 آية:
128 - « لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا
لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ». المائدة : 70
129 - « وَ قالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ». الأعراف : 104
130 - « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ ». هود: 96.
131 - « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسی بِآیاتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَک مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ وَ ذَکرْهُمْ بِأَیامِ اللَّهِ إِنَّ فِی ذلِک لَآیاتٍ لِکلِّ صَبَّارٍ شَکورٍ ». إبراهيم : 5
132 - « وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا ». مريم : 51
133 - « ثُمَّ أرسَلنا مُوسی وَ أخاهُ هرُونَ بِایاتِنا وَ سُلطانٍ مُبِینٍ ». المؤمنون : 45
136 - « وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ». الشعراء : 13
135 و 136 - «فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ». الشعراء : 16، 17
137 - « قَالَ إِنَّ رَسُولَکُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْکُمْ لَمَجْنُونٌ ». الشعراء : 27
138 - « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ ». المؤمن : 23
139 – « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ». الزخرف : 46
140 و 141 - « وَ لَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَ جاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ * أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ». الدخان: 17، 18
142 - « وَ فی مُوسی إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلی فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبینٍ ». الذاريات : 38
143 – « وَ إِذْ قَالَ مُوسیَ لِقَوْمِهِ یَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنیِ وَ قَد تَّعْلَمُونَ أَنیّ ِ رسول الله إِلَیْکُمْ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ وَ الله لَا یهَدِی الْقَوْمَ الْفَاسِقِینَ ». الصف: 5
144- « فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ». المزمل : 16
و فيها بحوث:
الأولى : (128) هي الآية 70 من سورة «المائدة» بشأن بني إسرائيل: « لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا...».
1- و هذه الآية و التي بعدها جاء تا في هذه السورة بشأن بني إسرائيل، و فيها آيات أخرى بشأن أهل الكتاب و اليهود و النصاری، فلاحظ.
2- و جاءت فيها من هذه المادة ثلاث كلمات: « أَرْسَلْنَا » « رُسُلًا » « رَّسُولَ » من دون اسم رسول من رسلهم.
3- وقال الطبرسي (2: 225) في «اللغة » « لاتهوی »: « الهوى: هو لطف محل الشيء من النفس، مع الميل إليه، بما لا ينبغي. فلذلك غلب على الهوى صفة الذم، و يقال : هوی یهوی هوى، و هوی يهوي هویا: إذا انحط من الهوى.
و أهوى بيده، إذا انحط بها ليأخذ شيئا.
وهاوية: جهنم، لانها يهوي فيها. وهم يتهاوون في المهواة، إذا سقط بعضهم على بعض.
والفرق بين الهوى والشهوة: أن الشهوة تتعلق بالمدركات، فيشتهي الإنسان الطعام، ولا يهوى الطعام ».
4- وقال في «المعني » « كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُهُمْ » أي مما لاتهوى أنفسهم، أي بما لايوافق مرادهم، « فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ »... فإن قيل: لم عطف المستقبل على الماضي؟
فجوابه: ليدل على أن ذلك من شأنهم، ففيه معنی کذبوا و قتلوا، و يكذبون و يقتلون...»[بل وفاقا للروي فقبلها « وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » و بعدها « وَ اللّهُ بَصیرٌ بِمایَعْمَلُونَ » .]
و الثانية: (129) هي الآية 104 من سورة « الأعراف »: « إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » حكاية عن موسی علیه السلام لفرعون.
1-و هي من جملة قصتهما في هذه السورة، بدء من الآية 103: « ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ ...»، و ختما بالآية 156 منها: « وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً..».
2- و قال الطبرسی (457:2): « هذه حكاية موسى لفرعون، و نداؤه له، إني رسول إليك من قبل رب العالمين، مبعوث إليك و إلى قومك.
قال وهب: وكان اسم فرعون الوليد بن مصعب، و هو فرعون يوسف، و كان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر، واليوم الذي دخلها موسی رسولا، أربعمئة عام».
و هذا عجيب من المفسرين من جهتين:
إحداهما: کون فرعون موسي هو فرعون يوسف، و بينهما أربعمئة عام.
ثانيتهما: أن اسم فرعون - وهو قبطي - اسم عربي. و من هذا القبيل من الخطاء كثير في التفاسير.
و الثالثة: (130) هي الآية 96 من سورة «هود»:« وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ »:
1- و هذه أول آية من قصص موسى في هذه السورة، و آخرها الآية 100 منها:« ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَ حَصِيدٌ ».
2 - وقال الطبرسي (190:3): «ثم عطف سبحانه قصة موسى علیه السلام على ما تقدم من قصص الأنبياء، فقال:« وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا » أي بحججنا و معجزاتنا الدالة على نبوته.
« وَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ » أي و حجة ظاهرة مخلصة من تلبيس و تمويه على أتم ما يمكن.
والسلطان و إن كان في معنى الآيات، فإنما عطفه عليها، لأن الآيات حجج من وجه الاعتبار العظيم بها.
والسلطان حجة من جهة القوة العظيمة على المبطل، و كل عالم له حجة، يقهر بها شبهة من نازعه من أهل الباطل، فله سلطان.
و قد قيل: إن سلطان الحجة أنفذ من سلطان المملكة. و السلطان متى كان محقا حجة، وجب
اتباعه، و إذا كان بخلافه لايجب اتباعه.
قال الزجاج: السلطان إنما سمي سلطانا، لأنه حجة الله في أرضه، و اشتقاقه من السليط الذي يستضاء به ».
و الرابعة: (131) هي الآية 5 من سورة « إبراهيم»: « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا ... ».
1- و هذه أول آية أيضا من قصص موسی علیه السلام في هذه السورة، و آخرها الآية 8: « وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً».
وقال الطبرسي (30303) في «اللغة»: «التذكير:التعريض للذكر الذي هو خلاف السهو».
وقال في «المعنى : « مثل ما قال في الآية الثالثة، ثم قال: « أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ »؛ أي بأن أخرج قومك.
« مِنَ الظّلمَاتِ إلی النّور » مرمعناه، أي أمرناه بذلك. و إنما أضاف الإخراج إليه، لأنهم بسبب دعائه خرجوا من الكفر إلى الإيمان.
« وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ » قيل : فيه أقوال:
أحدها: أن معناه: و أمرناه بأن يذكر قومه وقائع الله في الأمم الخالية، و إهلاك من أهلك منهم».
و الخامسة: (132) هي الآية 51 من سورة «مريم» في موسی علیه السلام: « وَ اذْکُرْ فِي الْکِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ کَانَ مُخْلَصاً وَ کَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ».
1- و هذه أيضا أول الآيات من قصة موسی علیه السلام في هذه السورة، و آخره: « وَ وَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا اَخاهُ هرُونَ نَبِیّا ».
2 - وقال الطبرسي (3: 518): «ثم ذكر سبحانه حديث موسى علیه السلام، فقال: «وَ اذْکُرْ» یا محمد «فِي الْکِتَابِ» الذي هو القرآن «مُوسَى إِنَّهُ کَانَ مُخْلَصاً» أخلص العبادة لله تعالى، وأخلص نفسه لأداء الرسالة، وبفتح اللام يكون معناه: أخلصه الله بالنبوة، و اختاره للرسالة.
«وَ کَانَ رَسُولاً» إلى فرعون و قومه.
« نَبِیّا » رفيع الشأن، عالي القدر »
3- والكلام في « رَسُولاً نَبِیّا » قد سبق في الآية رقم (109)، فلاحظ.
والسادسة: (133) هي الآية 45 من سورة « المؤمنون»: « ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى ..».
1- و هذه أول آية أيضا من قصة موسی و هارون في هذه السورة، و آخرها الآية 49 منها: « وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْکِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ».
2 - و الذي يلفت النظر فيها أن «الإرسال » تعلق فيها ب « موسی و هارون » کليهما، أما إيتاء الكتاب فقد خص بموسی؛ حيث قال: « ثُمَّ اَرْسَلْنَا مُوسی وَ اَخَاهُ هرُونَ بِایَاتِنَا ...»، « وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْکِتَابَ ... ».
والمراد ب«بایاتتا » تلك المعجزات التسع، و كانت معجزة لهما جميعا. أما « الكتاب » فهو التوراة، و قد أنزلت على موسى علیه السلام.
4 - و قال الطبرسي (10806): «بایاتنا» أي بدلائلنا الواضحة.
« وَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ» أي و برهان ظاهر بين »
و السابعة: (134) هي الآية 13 من سورة « الشعراء »: « فَأَرْسِلْ إِلیَ هَرُونَ...».
ا- و هذه من جملة قصة موسى وهارون و بني إسرائيل أيضا في هذه السورة، بدء بالآية 10: « وَ إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى...»، و ختما بالآية 18: « وَ إِنَّ رَبَّکَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ».
2- و قد ختم الله الآيات من أول السورة إلى الآية 8 - و كلها خطاب إلى النبي، حكاية كفر المشركين - بآيتين: « إِنَّ فِي ذٰلِکَ لَآيَةً وَ مَا کَانَ أَکْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَ إِنَّ رَبَّکَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ».
ثم كررها بعد قصة موسی و فرعون في الآيتين 66 و 67، و كذا بعد قصة إبراهيم في 102 و 103، و بعد قصة نوح في الآيتين 120 و 121، و بعد قصة هود و قومه عاد في الآيتين 128 و 129، و بعد قصة صالح و قومه ثمود في الآيتين 157 و 108، و بعد قصة لوط و قومه في الآيتين 173 و 174، و بعد قصة شعيب و قومه في الآيتين 189 و 190، و كلها 8 مرات.
و هذا نظير الآية : « فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّکُمَا تُکَذِّبَانِ» من سورة الرحمن؛ حيث كررت 31 مرة.
3- وقال الطبرسي(186:4): « فَأَرْسِلْ إِلیَ هَرُونَ» أخي، يعني ليعاوني كما يقال: إذا نزلت بنا نازلة أرسلنا إليك، أي لتعيننا، و إنما طلب المعاونة حرصا على القيام بالطاعة.
وقال الجبائي: لم يسأل موسی علیه السلام ذلك إلا بعد أن أذن الله له في ذلك، لأن الأنبياء لا يسألون الله إلا ما يؤذن لهم في مسألته »
والثامنة و التاسعة: (135) و (136) هما الآيتان 16 و 17 من سورة الشعراء» أيضا: « إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَن أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِی إِسْرَاءِیلَ»:
2- و «ارسل » في الآية 13 منها، خطاب من موسى إلى الله تعالى، و في الآية17، خطاب من موسى وهارون إلى فرعون.
3- وقد أمرهما الله تعالى بأن يعرفا أنفسهما بالرسالة من رب العالمين. فهذه دعوة منهما إلى التوحيد و الرسالة معا، و قد بعثت فرعون على أن يسألهما: « وَ ما رَبُّ الْعالَمِينَ» الشعراء : 23.
4- وقد بدأت دعوة موسی علیه السلام في هذه الآيات أيضا بالدعوة إلى التقوى؛ حيث جاءت في الآية 11: « قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا یَتَّقُونَ » .
5 - وقال الطبرسي ( 4 : 186): «إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ »أرسلنا الله إليك لندعوك إلى عبادته، و ترك الإشراك به، و لم يقل: « رسولا رب العالمين» لأن الرسول قد يكون في معنى الجمع. [ثم استشهد بشعر]
و قيل: إن الرسول بمعنى الرسالة. [و استشهد بشعر آخر وقال:]
وقد يقع المصدر موقع الصفة، كما تقع الصفة موقع المصدر، فيكون مجازه: «إنا ذوا رسالة رب العالمين ».
«أَن أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِی إِسْرَاءِیلَ» أي أمرك الله بأن أرسلهم و أطلقهم من الاستعباد، و خل عنهم.
وفي الكلام حذف، تقديره: إنهما أتيا فرعون، و بلغا الرسالة على ما أمرهما الله تعالی به »
والعاشرة: (137) هي الآية 27 من سورة « الشعراء » أيضا: « قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ »:
1- و هذه من جملة قصة موسى و فرعون أيضا، حكاية قول فرعون لقومه أثناء مكالمته لموسى علیه السلام.
2- و قد اتهمه بالجنون، كغيره من الطغاة المستكبرين، و منهم المشركون في مكة؛ حيث اتهموا النبي صلی الله علیه و آله بالجنون.
و الحادية عشرة: (138) هي الآية 23 من سورة المؤمن »: « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ» :
1- و هذه أول آية من قصة موسی و فرعون في هذه السورة، وآخرها الآية 37: « اَسْبابَ السَّمواتِ فَاطَّلِعَ اِلی اِلهِ مُوسی ...».
2- و بعدها جاءت آیات حكاية الرجل الذي آمن بموسی من قوم فرعون: « وَقَالَ الَّذِی آمَنَ یَاقَوْمِ ...».
3 - وقد تقدمت معاني «آيَاتِنَا» و «سُلْطَانٍ مُبِينٍ».
4- و قد جاءت بعدها: « إِلی فِرْعَوْنَ وَ هامانَ وَ قارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ کَذَّابٌ » فذكر الله فيها أسماء هامان و قارون بعد اسم فرعون. وقد اكتفى في الآيات الأخرى باسم فرعون و ملأه أو قومه.
كما أنهم وصفوا موسی، بأنه ساحر و کذاب معا.
5- و هذه الآية خاصة بإرسال موسی علیه السلام دون هارون.
6- وقال الطبرسي ( 4: 519): « إلى فرعون وهامان و قارون » کان موسی رسولا إلى كافتهم، إلا أنه خص فرعون، لأنه كان رئيسهم، و كان هامان و زیره، و قارون صاحب کنوزه، و الباقون تبع لهم.
و إنما عطف «السلطان » على «الآيات » لاختلاف اللفظين تأكیدا .
وقيل: المراد ب «الآيات »: حجج التوحيد والعدل. و ب «السلطان»: المعجزات الدالة على نبوته.
« فَقالُوا ساحِرٌ» أي ممؤه.
« کَذَّابٌ» فيما يدعو إليه ».
والثانية عشرة: (139) هي الآية 46 من سورة الزخرف »:« وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَ مَلَئِهِ... ».
1- و هذه أول آية من قصة موسی و فرعون في هذه السورة أيضا، و آخرها الآية 56: « فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَ مَثَلاً لِلْآخِرِينَ» ، كما أنها خاصة موسى علیه السلام من دون ذکر هارون، والدعوة فيها إلى رسالته : « إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ».
2 - و قال الطبرسي (50:5): « ثم ذكر سبحانه حدیث موسى علیه السلام فقال: « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا» أي بالحجج الباهرة، و المعجزات القاهرة « إِلَى فِرْعَوْنَ وَ مَلَئِهِ ».
وخص الملأ بالذكر، و إن كان أيضا مرسلا إلى غيرهم، لأن من عداهم تبع لهم...».
والثالثة عشرة والرابعة عشرة: (140) و (141) هما الآيتان من سورة الدخان »: « وَ جَاءَهُمْ رَسُولٌ کَرِيمٌ » و « إِنِّي لَکُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ»:
1- وقد بدأت دعوته فيها، بأن طلب منهم اداء بني إسرائيل، ثم بإعلان رسالته إليهم؛ حيث قال: « أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَکُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ» ، فقدم نجاة بني إسرائيل من أيديهم - و إخراجهم من عبوديتهم إلى عبادة الله سبحانه - على إعلان رسالته إليهم، ثم ضم إليها أمور أخرى: « وَ أَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ وَ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ».
2- و قال الطبرسي (5: 63): « وَ لَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ » أقسم سبحانه أنه فتن قبل كفار قوم النبي صلی الله علیه و آله « قوم فِرْعَوْنَ» أي اختبرهم، وشدد عليهم التكليف، لأن الفتنة شدة التعبد، و أصلها: الإحراق بالنار، لخلاص الذهب من الغش.
وقيل: إن الفتنة معاملة المختبر، ليجازی بما يظهر دون ما يعلم ما لا يظهر.
« وَ جَاءَهُمْ رَسُولٌ کَرِيمٌ » أي كريم الأخلاق و الأفعال، بالتجاوز و الصفح، و الدعاء إلى الصلاح والرشد.
و قيل: كريم عند الله، بما استحق بطاعته من الإكرام و الإعظام.
و قيل: کریم شريف في قومه من بني إسرائيل.
« أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ » هذا من قول موسی علیهالسلام لفرعون و قومه. والمعنى: أطلقوا بني إسرائيل من العذاب والتسخير، فإنهم أحرار. فهو كقوله: « فَأَرْسِلْ مَعِیَ بَنِی إِسْرَاءِیلَ » الأعراف : 105، فيكون « عباد الله » مفعول « ادوا ».
و قال الفراء: معناه: أدوا إلى ما آمركم به یاعباد الله.
« إِنِّي لَکُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » على ما أؤديه وأدعوكم إليه »
و الخامسة عشرة: (142) هي الآية 38 من سورة الذاريات »: « وَ فِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ »:
1- و هذه أول آية في السورة أيضا من قصة موسی و فرعون - وهي ثلاث آیات و آخرها الآية 40: « فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ ...».
2 - و قد تقدم تفسير « سُلْطَانٍ مُبِينٍ » وقد جاء فيها أيضا حكاية عن فرعون « وَ قَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ».
و السادسة عشرة: (163) هي الآية 5 من سورة « الصف»: « وَ إِذْ قَالَ مُوسیَ لِقَوْمِهِ یَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنیِ وَ قَد تَّعْلَمُونَ أَنیّ ِ رسول الله إِلَیْکُمْ فَلَمَّا
زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ وَ الله لَا یهَدِی الْقَوْمَ الْفَاسِقِینَ » :
1-وهي آية واحدة في حديث موسى علیه السلام في هذه السورة.
2- قد صدرت هي و التي بعدها ب( إذ ): « وَ إِذْ قَالَ مُوسیَ لِقَوْمِهِ » ، «وَإِذْ قَالَ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ یَابَنِی إِسْرَائِیلَ...» أي تذكروا وإذ قال موسیه و « وَ إِذْ قَالَ مُوسیَ ».
3 - وقال الطبرسي (5 : 278): « هذا إنكار عليهم، إيذاءه بعد ما علموا أنه رسول الله، والرسول يعظم، و يبجل، ولا يؤذى. و كان قومه آذوه بأنواع من الأذى، وهو قولهم: « اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا » الأعراف : 138، و « فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا» المائدة : 24. ثم ذكر قصة قارون و المرأة التي زعم أنه زنی بها...».
والسابعة عشرة: (144) هي الآية 16 من سورة المزمل»: « فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَ بِيلاً » :
1- و قبلها خطابا للمشركين: « إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَیْکُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَیْکُمْ کَما أَرْسَلْنا إِلی فِرْعَوْنَ رَسُولاً...» .
2- و لم يبدأ دعوته بشيء من التوحيد و التقوى و نحوهما، بل بعصيان فرعون الرسول.
3- وقال الطبرسي (380:5 ) :« فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ » و لم يقبل منه مادعاه إليه. « فَأَخَذْنَاهُ » بالعذاب « أَخْذًا وَ بِيلاً » أي شديدا ثقيلا مع كثرة جنوده، و سعة ملكه، يعني الغرق.
حذرهم سبحانه، أن ينالهم مثل ما نال فرعون و قومه »
4- وقد جاء الإرسال في سبع من هذه الآيات بلفظ «أَرْسَلْنا»، و في اثنتين منها: (135 و 136) بلفظ «أَرْسَلْ»، و في الباقي بلفظ «رَّسُولَ» مع أنه لم يأت في قصة آيات عیسی علیه السلام إلا لفظي «رَّسُولَ» و «رَّسُلَ» .
يونس آية واحدة:
145 - « وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ »الصافات: 147
و هذه من جملة قصة يونس في هذه السورة، بدء بالآية 139 منها: « وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » ، و ختما بالآية 148: « فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ » لاحظ : « المرسلين ».
عیسی 6 آیات:
146 -« وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ، أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَأَنْفُخُ فِيهِ، فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ، وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَ أُنَبِّئُكُمْ، بِما تَأْكُلُونَ، وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » آل عمران : 49
167 -« وَ قَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَ ما قَتَلُوهُ وَ ما صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ
مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَ ما قَتَلُوهُ يَقِيناً » النساء: 157
148 - « يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رُسُلِهِ وَ لا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ كَفى بِاللّهِ وَكِيلاً » النساء: 171
149- « مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ » المائدة : 75
150- » وَ إِذْ أَوْحَیْتُ إِلَی الْحَوارِیِّینَ أَنْ آمِنُوا بِی وَ بِرَسُولِی قالُوا آمَنّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ». المائدة : 111
151 - « وَ إِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَ مُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ » الصف:6
الأولى: (146) هي الآية 49 من سورة « آل عمران »:« وَ رَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ... » :
1-وهذه من حديث مریم و عیسی علیهماالسلام في هذه السورة، بدء من الآية 42: « وَ إِذ قَالَت المَلئِکَهُ یا مَریَمُ إِنَّ اللهَ اصطَفیکَ.. »، و ختما بالآية 59 : « إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ ..».
2- و قبلها تتمة لآيات في وصف عیسی علیه السلام « وَیُعَلّمُهُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَالتَّوْرَیهَ وَالْإِنجِیلَ * وَ رَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ » أي و يعلمه الكتاب، وأرسله رسولا ، أو يجعله رسولا و نحوهما.
3- و محتواها بیان معجزات عيسى حكاية عن قوله: و هي النفخ في الطين فيكون طيرا، و إبراء الأكمه والأبرص، و إحياء الموتی، و تنبیئهم بما يأكلون و ما يدخرون في بيوتهم. وقد كرر فيهما قوله: « باذن الله » مرتين، تأكيدا أنها كانت بقدرته تعالى لا بقدرة عیسی علیه السلام .
4- و قال الطبرسي (445:1 ): « قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ » أي بدلالة و حجة « من ربكم » دالة على نبوتي. ثم حذف «الباء » فوصل الفعل « أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ...».[لاحظ « عیسی »]
والثانية (147) هي الآية 157 من سورة «النساء » « إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ ...» :
1- و هذه من حديث عیسی علیه السلام موجزا في ثلاث آيات، بدء بهذه الآية، و ختما بالآية 159: « وَ إِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ... » .
2- و قد حكى الله فيها قول اليهود: « إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ .. »، ثم أنكره بقوله: « وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ... وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ...».
3- وقال الطبرسي (2: 135) في « رسول
الله »: «أي رسول الله في زعمه، و قيل: إنه من قول الله سبحانه، لا على وجه الحكاية عنهم، و تقديره: الذي هو رسولي « وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنَّ شِبْهُ لَهِّمَ »، ثم ذكر الاختلاف في كيفية التشبيه،فلاحظ.
و الثالثة: (148) هي الآية 171 من سورة «النساء » أيضا: .... « إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ...» :
1- و هذه، و الآية بعدها أيضا من حديث عیسی علیه السلام، رد على غلو أهل الكتاب فيه، بأنه ابن الله، فقال تعالى: « رَسُولُ اللّهِ وَ کَلِمَتُهُ اَلْقیها اِلی مَرْیَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ ...».
2 - وقال الطبرسي (2: 144) في «اللغة»: « و أصل المسيح الممسوح، سماه الله بذلك، لتطهيره إياه من الذنوب...».
وقال في « المعنى »: « و قيل: سمي بذلك، لأنه كان يمسح الأرض مشیا.
«عِيسَى ابن مَرْيَمَ »هذا بيان لقوله: «الْمَسِيحُ » يعني: أنه ابن مريم، لا ابن الله، كما يزعمه النصاری، و لا ابن أب، كما تزعمه اليهود.
«رَسُولُ اللَّهِ» أرسله الله إلى الخلق، لا كما زعم الفرقتان المبطلتان.
«وَكَلِمَتُهُ» يعني: أنه حصل بكلمته التي هي قوله: ( کن ) عن الحسن، و قتادة.
وقيل : معناه: أنه يهتدي به الخلق، كما اهتدوا بكلام الله و وحيه، عن أبي علي الجبائي.
و قيل: معناه: بشارة الله التي بشر بها مريم على لسان الملائكة، كما قال: « اِذْ قالتِ الْمَلئِکَةُ یا مَریَمُ اِنَّ اللّه َ یُبَشِّرُکِ بِکَلِمَةٍ ...» آل عمران : 45، و هو المراد بقوله: « اَلْقیها اِلی مَرْیَمَ » كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة، أي قلت.
وقيل : معنى «اَلْقیها اِلی مَرْیَمَ » خلقها في رحمها، عن الجبائي .
«وَ رُوحٌ مِنْهُ »فيه أقوال ». و ذكر ستة أقوال، فلاحظ.
والرابعة: (149) هي الآية 75 من سورة « المائدة »: « مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولُ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرَّسُولِ...» :
1- و هذه من جملة آيات جاءت في هذه السورة بشأن مريم و المسيح علیه السلام ، بدء من الآية 72:« لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ...» و ختما بالآية 77: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ...».
2- و هی رد و إبطال لما حكاه الله عن أهل الكتاب والمراد بهم النصاری - في هذه الآيات، من أن الله هو المسيح بن مریم، و أن الله ثالث ثلاثة بأن المسيح ليس إلا رسول قد مضت من قبله الرسل، و أن أمه امرأة صديقة، و أنهما كانا يأكلان الطعام كغيرهما من البشر، فكيف يكون المسيح هو الله تعالى ؟
3 - وقال الطبرسي (2: 229) في «اللغة»: « الصديقة: المبالغة في الصدق. و الصديق فعيل من أبنية المبالغة، كما يقال: رجل سكیت، أي مبالغ في السكوت » .
وقال في «يؤفكون »: « يقال: أفكه يأفكه، إفكا: إذا صرفه. و الإفك: الكذب، لأنه صرف عن الحق، و كل مصروف عن شيء مأفوك عنه. [ثم استشهد بشعر وقال:]
وقد أفكت الأرض، إذا صرف عنها المطر. و أرض مأفوكة: لم يصبها مطر. والمؤتفکات: المتقلبات من الرياح، لأنها صرفت عن وجهها ».
4- وقد فسرها في «المعنى» إلى أن قال: في
« كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ »: « قيل: فيه قولان:
أحدهما: أنه احتجاج على النصارى بأن من ولدته النساء، و يأكل الطعام، لا يكون إلها للعباد، لأن سبيله سبيلهم في الحاجة إلى الصانع المدبر. والمعنى: إنهما كانا يعيشان بالغذاء، كما يعيش سائر الخلق، فكيف يكون إلهامن لا يقيمه إلا أكل الطعام؟ و هذا معنى قول ابن عباس.
والثاني: أن ذلك كناية عن قضاء الحاجة، لأن من أكل الطعام، لابد له من الحدث، فلما ذكر الأكل، صار كأنه أخبر عن عاقبته » ثم فسر باقي الایه.
و الخامسة: (150) هي الآية 111 من سورة « المائدة » أيضا: « أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ».
1- و هذه من حديث عیسی علیه السلام و فيها ذكر عن الحواريين - في هذه السورة، بدء من الآية 110:« إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ..»، و ختما بالآية 118: « إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ... ».
2- و هذه قول الله للحواريين أن يؤمنوا بالله و برسوله عیسی، فآمنوا بذلك، وقالوا لله تعالى: « وَ اشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ ».
3- وقال الطبرسي (267:2 ) في «المعنى » [بعد أن ذكر في « اللغة » معنى الوحي و أقسامه. لاحظ: وحي ]: « ثم بين سبحانه تمام نعمته على عیسی، فقال: « وَإِذْ أَوْحَيْتُ» أي واذكر إذ أوحيت «إِلَى الْحَوَارِيِّينَ » أي ألهمتهم.
وقيل : ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم إياها. ومضى الكلام في الحواريين في سورة آل عمران، و هم وزراء عيسى، عن قتادة، و أنصاره، عن الحسن.
« أَنْ آمِنُوا بِي وَ بِرَسُولِي » أي صدقوا بي و بصفاتي، و بعيسى أنه عبدي و نبيي.
«قالوا » أي قال الحواريون. «امنا» أي صدقنا. «واشهد » یا الله «بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ »
والسادسة: (151) هي الآية من سورة «الف» و جاء فيها كلمتان من هذه المادة في جملتين: «انی رسول الله »، و « وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ ».
1- و هي الآية الأولى من حديث عيسی علیه السلام في هذه السورة، بعد آية قبلها بشأن موسی علیه السلام:
« وَ اِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ...» ، و « وَإِذْ قالَ عِیسَی ابْنُ مَرْیَمَ یا بَنِی إِسْرائِیلَ...».
وجاء في آخر آية من هذه السورة أيضا، حدیث عیسی و الحواريين مرة أخرى: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ...».
2- و يستفاد من قوله في الآية الأولى: « يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ...»، أن عيسی عليه السلام رسول بني إسرائيل، لا رسول العالمين جميعا، و هذه نكتة لابد من تحقيقها تفصيلا.
3- و قال الطبرسي (5: 279) في «المعنى»: «ثم عطف سبحانه بقصة عيسى علىه السلام قصة موسی علیه السلام، فقال: « وإذ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ » أي واذكر إذ قال عيسى بن مريم لقومه الذين بعث إليهم: «يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ... مِنَ التَّوْرَاةِ» المنزلة على موسی « وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ » يعني نبينا محمدا صلی الله علیه و آله، كما قال الشاعر:
صلی الإله، و من يحف بعرشه * و الطيبون على المبارك أحمد
ولهذا الاسم معنيان:
أحدهما: أن يجعل «احمد» مبالغة من الفاعل، أي هو أكثر حمد الله من غيره.
والآخر: أن يجعل مبالغة من المفعول، أي حمد بما فيه من الأخلاق والمحاسن، أكثر مما يحمد غيره.
و صحت الرواية عن الزهري، عن محمد بن جبير بن المطعم، عن أبيه قال: قال رسول الله صلی الله علیه و آله.
إن لي أسماء: أنا أحمد، و أنا محمد، أنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، و أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، و أنا العاقب الذي ليس بعدي نبي، أورده البخاري في الصحيح. وقد تضمنت الآية أن عيسی بشر قومه بمحمد صلی الله علیه و آله، و بنبوته، وأخبرهم برسالته. و في هذه البشرى معجزة العيسى علیه السلام عند ظهور محمد صلی الله علیه و آله، و أمر لأمته أن يؤمنوا به عند مجيئه.
«فَلَمَّا جَاءَهُمْ» أحمد « بِالْبَيِّنَاتِ» أي بالدلالات الظاهرة، و المعجزات الباهرة « قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ »أي ظاهر».
نبينا محمد صلی الله علیه و آله 166 آية،
و لنذكر ما فيها من الأقسام و الأنواع مع تفسير بعضها:
« إرسال الرسول بشرا، و بعثه بالحق و الهدى شاهدا و مبشرا و نذيرا إلى الناس جميعا:
152 - « إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ». البقرة : 119
153 - « وَکَذلِکَ جَعَلْناکُمْ أُمَّهً وَسَطاً لِتَکُونُوا شُهَداءَ عَلَی النَّاسِ وَیَکُونَ الرَّسُولُ عَلَیْکُمْ شَهِیداً ، وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَهَ الَّتِی کُنْتَ عَلَیْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ یَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ یَنْقَلِبُ عَلی عَقِبَیْهِ ، وَإِنْ کانَتْ لَکَبِیرَهً إِلَّا عَلَی الَّذِینَ هَدَی اللهُ ، وَما کانَ اللهُ لِیُضِیعَ إِیمانَکُمْ ، إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِیمٌ » البقرة: 143
154 - « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَ ما
أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَ أَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً» النساء : 79
155 - « قلْ یا أَیُّهَا النّاسُ إِنّی رَسُولُ اللّهِ إِلَیْکُمْ جَمِیعاً الَّذِی لَهُ مُلْکُ السَّمواتِ وَ الأَرْضِ لاإلهَ إِلاّ هُوَ یُحْیی وَیُمِیتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ النَّبِیِّ الأُمِّیِّ الَّذِی یُؤْمِنُ بِاللّهِ وَکَلِماتِهِ وَ اتَّبَعُوهُ لَعلَّکُمْ تَهْتَدُونَ »الأعراف : 158
156- « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » التوبة : 33
157 - « رَبُّکُمْ أَعْلَمُ بِکُمْ إِنْ یَشَأْ یَرْحَمْکُمْ أَوْ إِنْ یَشَأْ یُعَذِّبْکُمْ وَ ما أَرْسَلْناکَ عَلَیْهِمْ وَکِیلاً » الإسراء : 54
158 - 160 - « أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً* وَ ما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً * قُلْ لَوْ کانَ فِی الاَْرْضِ مَلئِکَهٌ یَمْشُونَ مُطْمَئِنّینَ لَنَزَّلْنا عَلَیْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَکا رَسُولاً » الإسراء : 93 - 95
161 - « وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِیراً » الإسراء :105
162 - « وَ لَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَ نَخْزى » طه : 134
163 - « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ »
164 - « وَجاهِدُوا فِی اللّهِ حَقَّ جِهادِه هُوَ اجْتَبىكُمْ وَما جَعَلَ عَلَیْكُمْ فِی الدّینِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ اَبیكُمْ اِبْراهیمَ هُوَ سَمّىكُمُ الْمُسْلِمینَ مِنْ قَبْلُ وَفی هذا لِیَكُونَ الرَّسُولُ شَهیدًا عَلَیْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ فَاَقیمُوا الصَّلوةَ وَءاتُوا الزَّكوةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّهِ هُوَ مَوْلىكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصیرُ » الحج : 78
165 - « وَ ما أَرْسَلْناکَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِیراً » الفرقان : 56
166- « یَا أَیُّهَا النَّبِیُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاکَ شَاهِدًا وَ مُبَشِّرًا وَنَذِیرًا » الأحزاب:45
167 - « وَ مَا أَرْسَلْنَاکَ إِلاَّ کَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ لٰکِنَّ أَکْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ » سبأ : 28
168 - « فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناکَ عَلَیْهِمْ حَفِیظاً إِنْ عَلَیْکَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَ إِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَیِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَیْدِیهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ کَفُورٌ » الشوری : 48
169 - « إِنَّا أَرْسَلْنَاکَ شَاهِدًا وَ مُبَشِّرًا وَنَذِیرًا » الفتح :8
170 - « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً.» الفتح : 28
171 - « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ».الصف: 9
172 - « إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً » المزمل : 15
إرسال الرسول و بعثهم بالآيات و التذكية و تعليم الكتاب و الحكمة:
173 - « رَبَّنا وَ ابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » البقرة : 129
174 - « كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَ يُزَكِّيكُمْ وَ يُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ » البقرة :151
175 - « وَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ وَ أَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللّهِ وَ فيكُمْ رَسُولُهُ وَ مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقيمٍ » آل عمران : 101
176 - « لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » آل عمران : 164
177 - « هُوَ الَّذِی بَعَثَ فِی الاْمِّیِّینَ رَسُولاً مِّنْهُمْ یَتْلُواْ عَلَیْهِمْ آیَاتِهِ وَیُزَکِّیهِمْ وَیُعَلِّمُهُمُ الْکِتَابَ وَالْحِکْمَهَ وَإِن کَانُوا مِن قَبْلُ لَفِی ضَلاَل مُّبِین » الجمعة : 2
178 - « رَسُولاً یَتْلُوا عَلَیْکُمْ آیاتِ اللَّهِ مُبَیِّناتٍ لِیُخْرِجَ الَّذِینَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَی النُّورِ وَ مَنْ یُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ یَعْمَلْ صالِحاً یُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِینَ فِیها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً » الطلاق :11
179 - « رَسُولٌ مِنَ اللّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً »البينة : 2
القسم الثالث : مجيء الرسول مصدقا من أنفسكم بالحق و البيان والنور و بكتاب منير:
180 - « وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِیقٌ مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ کِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ کَأَنَّهُمْ لا یَعْلَمُونَ » البقرة:101
181 - « وَ اذ اخُذَ اللَّهِ میثاق النبیین لِمَا ءاتینکم مِنْ کتاب وَ حکمة ثُمَّ جَاءَ کم رَسُولُ مُصَدِّقُ لِما مَعَكُمْ لتومنن بِهِ وَ لَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَقْرَرْتُمْ وَ أَخَذْتُمْ عَلَی ذلِکُمْ إِصْرِی قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَ أَنَاْ مَعَکُم مِّنَ الشهِدِینَ » آل عمران : 81
182 - « كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ »آل عمران : 86
183 - « یا أَیُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَکُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّکُمْ ) فی ولایه علی ( فَآمِنُوا خَیْراً لَکُمْ وإِنْ تَکْفُرُوا ) بولایته ( فَإِنَّ لِلَّه ما فِی السَّماواتِ والأَرْضِ وکانَ اللَّه عَلِیماً حَکِیماً » النساء : 170
184 - « یا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جَاءَ کم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا کنم تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورُ وَ كِتابُ مُبِينُ » المائدة : 15
185 - « یا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جَاءَ کم رَسُولُنا يُبَيِّنُ
لَکُمْ عَلَی فَتْرَهٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِن بَشِیرٍ وَلَا نَذِیرٍ فَقَدْ جَاءَکُم بَشِیرٌ وَنَذِیرٌ وَاللَّهُ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ » المائدة : 19
186 - « لَقَدْ جَاءَ کُمْ رَسُولٌ مِنَ أنْفُسِکُمْ عَزِیزٌ عَلَیْهِ ما عَنِتمْ حَریصٌ عَلَیْکُمْ بِالمُؤْمِنینَ رَؤُوفٌ رَحیمٌ » التوبة : 128
اتباع الرسول:
187 - « رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ » آل عمران : 53
188 - « الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » الأعراف: 157
189 - « وَ لَوْلا اَنْ تُصیبَهُمْ مُصیبَهٌ بِما قَدَّمَتْ اَیْدیهِمْ فَیَقُولُوارَبَّنا لَوْلا اَرْسَلْتَ اِلَیْنارَسُولاً فَنَتَّبِعَ ایاتِکَ وَ نَکُونَ مِنَ الْمُؤْمِنینَ » القصص : 47
استجابة الله و الرسول
190 - « الَّذِینَ اسْتَجابُوا لِلّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِینَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِیمٌ » آل عمران : 172
191 - « یَاءَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا اسْتَجیبُوا للّه ِ وَلِلرَّسُولِ اِذَا دَعَاکُمْ لِمَا یُحْییکُمْ وَاعْلَمُوا اَنَّ اللّه َ یَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ». الأنفال : 24
ما على الرسول إلا البلاغ:
192 - « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ » المائدة : 67
193 - « ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَ اللّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما تَكْتُمُونَ.» المائدة : 99
194 - « قُلْ أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ » النور: 54
195 - « وَ إِنْ تُکَذِّبُوا فَقَدْ کَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِکُمْ وَ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ »العنكبوت : 18
196 - «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ » التغابن : 12
دعاء الرسول
197– « إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لَا تَلْوُنَ عَلَی أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ یَدْعُوکُمْ فِی أُخْرَیکُمْ فَأَثبَکُمْ غَمَّاً بِغَمٍّ لِّکَیْلَا تَحْزَنُواْ عَلَی مَا فَاتَکُمْ وَ لَا مَآ أَصبَکُمْ وَ اللَّهُ خَبِیرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ » آل عمران : 153
198 - « وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ » النور: 48
199 - « إِنَّمَا کَانَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِینَ إِذَا دُعُواْ إِلَی
اللهِ وَرَسُولِهِ لِیَحْکُمَ بَیْنَهُمْ أَن یَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَ طَعْنَا وَأُ وْلَئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » النور : 51
200 - « لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » النور : 63
رؤية الله و الرسول أعمال العباد :
201 - « يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » التوبة : 94
202 -« قُلِ اعْمَلُوا فَسَیَرَی اللَّهُ عَمَلَکُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَی عَالِمِ الْغَیْبِ وَالشَّهَادَهِ فَیُنَبِّئُکُمْ بِمَا کُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » التوبة : 105
صلوات الرسول:
203 -« وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ یُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الْآخِرِ وَ یَتَّخِذُ ما یُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَهٌ لَهُمْ سَیُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِی رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِیمٌ » التوبة : 99
وعد الرسول و صدقه:
204 - « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرّاءُ وَ زُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ » البقرة : 214
205 - « إِذْ یَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِینَ فی قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً» الأحزاب : 12
206 - « وَلَمَّا رَءَا الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِیمَانًا وَتَسْلِیمًا » الأحزاب : 22
العزة لله ولرسوله:
207 - « یَقُولُونَ لَئِنْ رَّجَعْنَا إِلَی الْمَدِینَهِ لَیُخْرِجَنَّ الاْعَزُّ مِنْهَا الاْذَلَّ وَ للهِ الْعِزَّهُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِینَ وَلَکِنَّ الْمُنَافِقِینَ لاَ یَعْلَمُونَ » المنافقون :8
إنزال السكينة على الرسول:
208 - « ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ » التوبة : 26
209 – « إذ جَعَلَ الَّذینَ کَفَروا فِی قُلوبِهِمُ الحَمیَّة الجاهِلیَّةِ فَأَنزَلَ اللهَ سَکینَتَهُ عَلَی رَسُولِهِ وَ عَلَی المُؤمِنینَ وَ ألزَمَهُم کَلِمَةُ التَّقوی وَ کانَ اللهُ بِکُلِ شیءٍ عَلیماً » الفتح : 26
إغناء الله و رسوله من فضله:
210 - « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ
وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ » التوبة : 74
الأنفال و الخمس و الفيء لله و لرسوله:
211 - « یَسْئَلونَکَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الْأنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَ أَصْلِحُواْ ذاتَ بَیْنِکُمْ وَ أَطِیعُواْ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ کُنتُم مُّؤمِنین »الأنفال : 1
212 - « واعْلمُوا انّما غنِمْتُم مِنْ شیٍ فاِنّ للّهِ خُمُسهُ و لِلرّسُولِ و لِذِی الْقُرْبی وَالْيَتامي وَالْمَساكِينِ و ابنِ السَّبيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلي عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرقانِ يَوْمَ التَقَي الْجَمْعانِ وَاللّهُ عَلي كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ » الأنفال : 41
213 - 215 - « وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَی رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَیْهِ مِنْ خَیْلٍ وَلَا رِکَابٍ وَلَکِنَّ اللَّهَ یُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَی مَن یَشَاء وَاللَّهُ عَلَی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَی رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَی فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِی الْقُرْبَی وَالْیَتَامَی وَالْمَسَاکِینِ وَابْنِ السَّبِیلِ کَیْ لَا یَکُونَ دُولَهً بَیْنَ الْأَغْنِیَاء مِنکُمْ وَمَا آتَاکُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاکُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِیدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِینَ الَّذِینَ أُخْرِجُوا مِن دِیارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ یَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَیَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِکَ هُمُ الصَّادِقُونَ » الحشر : 6-8
أذان من الله و رسوله:
216 - « وَ أَذانٌ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَی النّاسِ یَوْمَ الْحَجِّ الْأَکْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِیءٌ مِنَ الْمُشْرِکِینَ وَ رَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَیْرٌ لَکُمْ وَ إِنْ تَوَلَّیْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّکُمْ غَیْرُ مُعْجِزِی اللّهِ وَ بَشِّرِ الَّذِینَ کَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِیمٍ » التوبة : 3
استغفار الرسول:
217 - « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ » المنافقون : 5
عهد الله و رسوله:
218 - « كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » التوبة :7
قضاء الله و رسوله:
219 - « ما کانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَهٍ إِذا قَضَی اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ یَکُونَ لَهُمُ الْخِیَرَهُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ یَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِیناً » ألاحزاب : 36
الإيمان بالرسول و الكفر به -وهي أكثر ما جاء بشأن رسولنا خلال الآيات -:
220 - « آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبّهِ وَالمُؤمِنونَ كُلٌ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لانَقْرِقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ المَصيرُ »البقرة : 285
221 - « یَا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْکِتَابِ الَّذِی نَزَّلَ عَلَی رَسُولِهِ وَالْکِتَابِ الَّذِی أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن یَکْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِکَتِهِ وَکُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْیَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلَالًا بَعِیدًا » النساء: 136
222 -« وَ إِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ » المائدة : 83
223 -« وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ » المائدة : 104
224 - « وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ کَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لا یَأْتُونَ الصَّلاهَ إِلاَّ وَ هُمْ کُسالی وَ لا یُنْفِقُونَ إِلاَّ وَ هُمْ کارِهُونَ » التوبة : 54
225 « اَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَتَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِینَ مَرَّهً فَلَن یَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذلِکَ بِأَنَّهُمْ کَفَرُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَیَهْدِی الْقَوْمَ الْفَاسِقِینَ » التوبة : 80
226 - « وَلاتُصَلِّ عَلَی أحد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَی قَبْرِهِ إِنَّهُمْ کَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ » التوبة : 84
227- « وَ إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللّهِ وَ جاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَ قالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ » التوبة : 86
228 - « لکِنِ الرَّسُولُ وَالَّذینَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ أُولئِکَ لَهُمُ الْخَیْراتُ وَ أُولئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »التوبة : 88
229 - « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذَا کَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَکَ أُولٰئِکَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوکَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » النور: 62
230 - « لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُعَزِّرُوهُ وَ تُوَقِّرُوهُ وَ تُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً »الفتح : 9
231 - « وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً » الفتح : 13
232-« وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِیکُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ یُطِیعُکُمْ فِی کَثِیرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لکِنَّ اللّهَ حَبَّبَ إِلَیْکُمُ الْإِیمانَ وَ زَیَّنَهُ فِی قُلُوبِکُمْ وَ کَرَّهَ إِلَیْکُمُ الْکُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْیانَ أُولئِکَ هُمُ الرّاشِدُونَ » الحجرات :7
233 و 234 - « قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ » الحجرات : 14، 15
235 و 236 - « آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَکُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْکُمْ وَ أَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ کَبِيرٌ * وَ مَا لَکُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوکُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّکُمْ وَ قَدْ أَخَذَ مِيثَاقَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » الحديد : 7، 8
237 - « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِکُمْ کِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَکُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَکُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » الحدید : 28
238 - « فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ »المجادلة : 4
239 - « تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُم ذَلِکُمْ خَیْرٌلَکُمْ إِنْ کُنْتُمْ تَعْلَمُونَ » الصف": 11
240 - « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ » الممتحنة :1
241 - « فَآمِنُوا بِاللّهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » التغابن : 8
إطاعة الرسول أو معصيته . وقد جاءت أكثرها مع الإيمان بالرسول و الكفر به -:
242 - « قُلْ أَطِيعُوا اَللّهَ وَ اَلرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اَللّهَ لا يُحِبُّ اَلْكافِرِينَ » آل عمران : 32
243- « وَأَطِیعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّکُمْ تُرْحَمُونَ » آل عمران : 132
244 و 245 - « تِلْکَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ یُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ یُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِی مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِینَ فِیها وَ ذلِکَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ * وَ مَنْ یَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ یَتَعَدَّ حُدُودَهُ یُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِیها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِینٌ »
النساء : 13، 14
249 - « يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ عَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَ لا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثاً » النساء: 42
247 - «يَاءَ يُّهَا الَّذينَ امَنُوا اَطيعُوا اللهَ وَ اَطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيرٌ وَأحَسَّ تَأويلاً » النساء : 59
248 - « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ وَ مَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ». النساء : 80
249 - « وَ أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ احْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ » المائدة : 92
250 - « یَاءَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا اَطیعُوا اللّه َ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَاَ نْتُمْ تَسْمَعُونَ » الأنفال : 20
251 - « و أَطیعُوا الله وَ رسوُله ولا تَنازعوا فتَفشلوا وتَذهب ریحکم واصْبروا إِنّ الله مَع الصابرین» الأنفال : 46
252- « وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » التوبة : 71
253 - « وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِکَ وَ مَا أُولٰئِکَ بِالْمُؤْمِنِينَ » النور : 47
254 - « وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ »النور : 52
255 - « وَ اَقیمُوا الصَّلوهَ وَ اتُوا الزَّکوهَ وَ اَطیعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّکُمْ تُرْحَمُونَ» النور: 56
256 - « وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجاهِلِيَّةِ اَلْأُولى وَ أَقِمْنَ اَلصَّلاةَ وَ آتِينَ اَلزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اَللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً »
الأحزاب : 33
257 - « يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا » الأحزاب : 66
258 - « یُصْلِحْ لَکُمْ اعْمالَکُمْ وَ یَغْفِرْلَکُمْ ذُنُوبَکُمْ وَ مَنْ یُطِعِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فقَدْ فازَ فَوْزاً عَظیماً » الأحزاب : 71
259 -«يَاءَ يُّهَا الَّذينَ امَنُوا اَطيعُوا اللهَ وَ اَطيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ » محمد : 33
260 - « لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَ لَاعَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لَاعَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَ مَن يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَ مَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا » الفتح : 17
261 و 262 - « أَلَمْ تر إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ » المجادلة : 8، 9
263 - « ءَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَیْنَ یَدَیْ نَجْویکُمْ صَدَقات فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللّهُ عَلَیْکُمْ فَأَقیمُوا الصَّلاهَ وَ آتُوا الزَّکاهَ وَأَطیعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَ اللّهُ خَبیرٌ بِما تَعْمَلُونَ » المجادلة : 13
*« وَ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَ أَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ » التغابن : 12
الرضا بالله و رسوله و النصح لهما:
264 - « وَلَو أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتیهُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَیُؤْتِینَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَی اللّهِ راغِبُونَ » التوبة : 59
265 - « يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ »
التوبة : 62
266 - « لَیْسَ عَلَی الضُّعَفاءِ وَ لا عَلَی الْمَرضی وَلا علَی الّذینَ لا یَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَ رَسُولِهِ ما عَلَى اَلْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اَللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » التوبة :91
تولي الله والرسول:
267 و 268 - « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن یَتَوَلَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغَالِبُونَ ». المائدة : 55، 56
الرد إلى الرسول:
269 - « وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا » النساء : 83
الهجرة إلى الله والرسول
270 - « وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّهِ وَ كانَ اللّهُ غَفُوراً رَحِيماً »النساء: 100
حب الله و رسوله:
271- « قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ » التوبة : 24
اتخاذ السبيل مع الرسول :
272 - « وَ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً » الفرقان : 27
القنوت الله و رسوله: ٫
273- « وَ مَنْ يَقْنُتْ مِنْکُنَّ لِلَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَ أَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً کَرِيماً » الأحزاب : 31
تقديم الصدقة عند مناجاة الله و رسوله:
274- « یَاءَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا اِذَا نَاجَیْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَیْنَ یَدَیْ نَجْویکُمْ صَدَقَهً ذلِکَ خَیْرٌ لَکُمْ وَ اَطْهَرُ فَاِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاِنَّ اللّه َ غَفُورٌ رَحیمٌ » المجادلة : 12
إرادة الله و رسوله:
275 - « وَ إِنْ کُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْکُنَّ أَجْراً عَظِيماً » الأحزاب : 29
مشاققة الرسول
276 - « وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً » النساء : 115
277 - « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشاقِقِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » الأنفال : 13
278 - « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَ شَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللّهَ شَيْئاً وَ سَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ » محمد : 32
279 - « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ » الحشر : 4
خيانة الرسول:
280 - « یَاءَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا لاَ تَخُونُوا اللّه َ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا اَمَانَاتِکُمْ وَاَ نْتُمْ تَعْلَمُونَ » الأنفال : 27
التقدم بين يدي الرسول:
281 - « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » الحجرات : 1
282- « بَراءَةٌ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» التوبة :1
اتخاذ الوليجة عند الله و رسوله:
283 - « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمّا يَعْلَمِ اَللّهُ اَلَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اَللّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لاَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَ اَللّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ » التوبة : 16
الاستهزاء بالله والرسول و اتخاذ القرآن مهجورا
284 - « وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ » التوبة : 65
285 – « وَ قَالَ الرَّسُولُ یَارَبِّ إنَّ قَوْمِی اتَّخَذُواْ هَذَا الْقُرءَ انَ مَهْجُورًا » الفرقان : 30
286 – « وَ إِذَا رَأَوْکَ إِنْ يَتَّخِذُونَکَ إِلاَّ هُزُواً أَ هٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً » الفرقان : 41
إيذاء الرسول:
287 - « وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ »التوبة : 61
288 - « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَکُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَ لٰکِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَ لاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذٰلِکُمْ کَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْکُمْ وَ اللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَ إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذٰلِکُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِکُمْ وَ قُلُوبِهِنَّ وَ مَا کَانَ لَکُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لاَ أَنْ تَنْکِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذٰلِکُمْ کَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً » الأحزاب : 53
289 - « انَّ الَّذینَ یُؤْذُونُ اللَّهَ وَ رَسُوْلَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فی الدُّنْیا وَالآخِرَهِ وَاعَدَّلَهُمْ عَذاباً مُهیناً » الأحزاب : 57
خلاف الرسول والتخلف عنه:
290 - « فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللّهِ وَ كَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ قالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ » التوبة : 81
291 - « ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدينَةِ ومَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصيبُهُمْ ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبيلِ اللَّهِ ولا يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغيظُ الْكُفَّارَ ولا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنينَ » التوبة :120
الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق:
292 - « و َقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ یَأکُلُ الطَّعَامَ وَیَمْشِی فِی الأسْوَاقِ لَوْلا اُنزِلَ إلَیْهِ مَلَکٌ فَیَکُونَ مَعَهُ نَذِیراً » الفرقان:7
محاددة الله و رسوله:
293 - « أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَ رَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذلِكَ الْخِزْىُ الْعَظِيمُ » التوبة : 63
294 - « إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ » المجادلة : 20
295 - « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » المجادلة : 22
محاربة الله و الرسول:
296 - « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ » البقرة : 279
297- « إِنَّما جَزاءُ اَلَّذِينَ يُحارِبُونَ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ اَلْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي اَلدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ » المائدة : 33
298 - « وَالَّذِینَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَکُفْراً وَتَفْرِیقاً بَیْنَ الْمُؤمِنِینَ وَإرصَاداً لِمَنْ حارَبَ اللّه َ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَیَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الْحُسْنی وَاللّه ُ یَشْهَدُ إنَّهُمْ لَکاذِبُونْ » التوبة : 107
إخراج الرسول:
299 – « اَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَکَثُوا ایْمانَهُمْ وَ هَمُّوا بِاِخْراجِ الرَّسُولِ وَ هُمْ بَدَؤُوکُمْ اوَّلَ مَرَّهٍ اتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ احَقُّ انْ تَخْشَوْهُ انْ کُنْتُمْ مُؤْمِنینَ » التوبة : 13
الظن السوء بالرسول:
300- « بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ یَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ إلَی أهْلِیهِمْ أبَداً وَزُیِّنَ ذَلِکَ فِی قُلُوبِکُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَکُنْتُمْ قَوْماً بُوراً » الفتح : 12
غض الأصوات عند الرسول:
301 - « إِنَّ الَّذِينَ
يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّه قُلُوبَهمْ لِلتَّقْوَى »
لَهمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ » الحجرات : 3
عدم تحريم ما حرم الله والرسول، و الجهل به:
302- « قاتِلُوا الَّذِینَ لا یُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْیَوْمِ الْآخِرِ ، وَلا یُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ ، وَلا یَدِینُونَ دِینَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِینَ أُوتُوا الْکِتابَ ، حَتَّی یُعْطُوا الْجِزْیَهَ عَنْ یَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ » التوبة : 29
303 - « اَلْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » التوبه:97
سؤال الرسول:
304 - « أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ » البقرة : 108
الصد عن الرسول:
305- « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهَ ُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً » النساء : 61
تکذیب الله و رسوله وإنكاره
306 - « وَ جاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِیُؤْذَنَ لَهُمْ وَ قَعَدَ الَّذِینَ کَذَبُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ سَیُصِیبُ الَّذِینَ کَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِیمٌ » التوبة : 90
307- « أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْکِرُونَ » المؤمنون : 69
حیف الله و رسوله:
308- « أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ » النور: 50
محمد صلی الله علیه و آله رسول الله و خاتم النبيين:
309 - « وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلی أَعْقابِکمْ وَ مَنْ ینْقَلِبْ عَلی عَقِبَیهِ فَلَنْ یضُرَّ اللَّهَ شَیئاً وَ سَیجْزِی اللَّهُ الشَّاکرِینَ » آل عمران: 144
310 - « مَا کَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِکُمْ وَ لٰکِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ کَانَ اللَّهُ بِکُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيماً » الأحزاب : 40
311 - « مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَی الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَیْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِیمَاهُمْ فِی وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِکَ مَثَلُهُمْ فِی التَّوْرَاهِ وَمَثَلُهُمْ فِی الاِْنجِیلِ کَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَی عَلَی سُوقِهِ یُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِیَغِیظَ بِهِمُ الْکُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَهً و أجرا عظيما » الفتح : 29
312 - « إذَا جَاءَکَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّکَ لَرسول الله وَاللّهُ یَعْلَمُ إنَّکَ لَرَسُولُهُ وَاللّهُ یَشْهَدُ إنَّ المُنَافِقِینَ لَکَاذِبُونَ » المنافقون : 1
نهي المنافقين عن الإنفاق على من عند الرسول:
313 - « هُمُ الَّذِینَ یَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلی مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّی یَنْفَضُّوا وَ لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لکِنَّ الْمُنافِقِینَ لا یَفْقَهُونَ » المنافقون :7
صدق رؤیا رسول الله:
316 - « لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْیا بِالْحَقِّ
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِینَ مُحَلِّقِینَ رُؤُسَکُمْ وَ مُقَصِّرِینَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِکَ فَتْحاً قَرِیباً »
الفتح : 27
رسول مبين:
315 - « بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَ آباءَهُمْ حَتَّی جاءَهُمُ الْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبِینٌ »
الزخرف : 29
316 - « نَّی لَهُمُ الذِّکْرَی وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِینٌ » الدخان : 13
حزن الرسول
317 - « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ » المائده :41
رسول الله أسوة حسنة:
318 - « لَقَدْ کَانَ لَکُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ کَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَکَرَ اللَّهَ کَثِيراً » الأحزاب : 21
و فيها بحوث:
الأول: أنه قد جاء في شأن نبينا محمد صللی الله علیه و آله 165 آية - وهي أكثر من آیات سائر المواضيع في هذه المادة - مع أن ما جاء في سائر الرسل عامة أو خاصة لا يتجاوز 152 آية.
الثاني: أنه قد جاء في 87 آية منها «الله » و «الرسول» معا و في هذا تعظیم مقام الرسول عند الله تعالى؛ حيث ذكره مع نفسه.
الثالث: أنه قد جاء في 22 آية منها «الإيمان بالله والرسول معا أو الكفر بهما » و في هذين تعظيم كبير للرسول.
الرابع: أن الآيات التي جاءت فيها إطاعة الله و الرسول معا أكثرها أو تمامها مدنية، و في هذا إشعار بأن الطاعة فيها مولوية دون تشريعية، فإن الرسول كان ولي أمر المسلمين في المدينة التي انعقدت فيها و بدأت الحكومة الإسلامية، مع أنه لم يكن مشرعا، بل كان مبلغا.
كما تشير إليه آیات البلاغ، و إن كان سياقها نفي الهداية إلى الصراط المستقيم، وعن الثواب والعقاب، و عن إتيان الآيات و المعجزات، فلاحظ.
وأيضا يؤيده أن « أَطِيعُوا اللّه َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ» جاءت 17 مرة بتكرار «أَطِيعُوا»رمزا إلى اختلاف الإطاعتين، بأن إطاعة الله شرعية و مولوية معا، وإطاعة الرسول مولوية خاصة.
و سيأتي الإشارة إليه أيضا في الآية 80 من سورة النساء « مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ... » عند البحث في الآية رقم (268)، فلاحظ.
والبحث في أن إطاعة الرسول مولوية خاصة أو تعم التشريعية، يحتاج إلى دراسة و تحقیق جدید إضافة إلى ما ذكرنا.
الخامس: أنه قد جاء فيها الله والرسول، ولم يعطف عليهما إلا في الآية 29 من سورة النساء: «يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللّهِ وَ اَلرَّسُولِ...»؛ حيث عطف فيها على الله و رسوله « أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ » ، و جاء في الآية 83 منها أيضا: « وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ...».
وقد سبق في: أم ر: «الأمر » و غيرها أن سياق هاتين الآيتين يرجع إلى القتال، و أن «أُولِي اَلْأَمْرِ» فيهما حسب السياق، هم قادة الجيوش في عهد الرسول صلی الله علیه و آله، لكن حسب الروايات الكثيرة هم الأئمة من أهل البيت علیهم السلام بعد النبي صلی الله علیه و آله عند الشيعة، كما أن «أُولِي اَلْأَمْرِ» عند أهل السنة بعد النبي صلی الله علیه و آله هم الخلفاء و حكام البلاد في كل زمان و مکان.
فسياق الآيتين خاص بقادة الجيوش في عصر النبي صلی الله علیه و آله، و تأويلهما عند الفريقين يعم أولياء أمور المسلمين عامة.
والدليل على أن سياق الأ، يتين كون أولي الأمر هم قادة الجيوش في عهد النبي صلی الله علیه و آله قوله تعالى في الآية الأولى: « فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ»، فإن التنازع هو اختلاف أولي الأمر بينهم في الحكم الشرعي، أو في طريق حل المشكلة، فلابد أن يرجعوا في الحكم الشرعية إلى الله، و في تشخيص المصلحة إلى الرسول.
و أيضا قوله في الآية الثانية: « وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَی الرَّسُولِ وَ إِلی أُولِی الْأَمْرِمِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذینَ یَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ...» ، فإن الاستنباط هو عمل الرسول و أولي الأمر منهم، أي من الناس المشتركين في تلك الواقعة، فلاحظ
السادس: يا أيها الرسول آيتان:
« يَا ءَ يُّهَا الرَّسُولُ لايَحْزُنْكَ الَّذينَ يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذينَ قَالُوا امَنَّا بِاَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ...» المائدة : 41
« يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ » المائدة : 67
و هاتان الآيتان من سورة المائدة جاء تا خلال آیات أهل الكتاب بدء من الآية الأولى منهما:« يَا ءَ يُّهَا الرَّسُولُ لايَحْزُنْكَ .. »، و ختما بالآية 85:
« فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ...».
وقد جاء فيها الخطاب ب «أهل الكتاب » مرات، فسياق الآيتين يرتبط بأهل الكتاب من اليهود والنصاری. و كأن الله خاطب الرسول فيهما بقوله: « ياءیها الرسول » اهتماما بما كان يجب عليه أن يعامل أهل الكتاب.
1- و قد جاء في هذه السورة المدنية الخطاب إلى النبي به بلفظ « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ » مرتين، كما
جاء في ست سور مدنية أخرى وهي الأنفال، و التوبة، و الأحزاب، و التحريم، والطلاق، والممتحنة - الخطاب بلفظ « يَا أَيُّهَا النبی » 13 مرة، ولافرق بين الخطابين إلا بأن « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ » تنبيه على أن رسالة الرسول تأكد له الاستماع إلى محتوى الآيتين و العمل بما فيهما.
2- فمحتوى أولاهما: التأكيد على أن مسارعة المنافقين في الكفر، و مسارعة اليهود في سماع الكذب و تحريف الكتاب، لابد أن لايحزن الرسول بها، فإنها فتنة من الفريقين، ولم يرد الله أن يطهر قلوبهم، و أن « لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ».
3-و محتوى ثانيتهما: أن رسالة الرسول تدعوه إلى تبليغ ما أنزل إليه من ربه، وأنه إن لم يفعل ولم يبلغ فهو بمثابة من لم يبلغ رسالته، و أن الله يعصمه من الناس لو بلغ، و إن لم يقبلوا: « إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ».
4- وقد اختلف المفسرون في بيان ما أنزل إليه من ربه. فالإمامية اتفقوا على أنه إبلاغ ولاية علي علیه السلام اليوم الغدير، رمزا إلى أنها بمثابة من الأهمية عند الله تعالى؛ بحيث لو لم يبلغها الرسول، فكأنه لم يبلغ رسالته أيضا.
ورواه بعض الجمهور أيضا. وأكد الطبري على ما يقتضيه سياق الآيات، وهو إبلاغ اليهود و النصاري من أهل الكتاب ما جاء في هذه الآيات من ذمهم. و قد لخص الطبرسي (223:2) کلام الطبري و قال: « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ »: « و هذا نداء تشريف و تعظیم ». لاحظ: ب ل غ: «بلغ » المعجم: ج 6: 614. فقد جاءت هناك أكثر النصوص في تفسير الآية.
والآن نذكر بحوثا في بعض الآيات:
الأولى : (152) هي الآية 119 من سورة « البقرة» : « إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ...» :
1- و هذه الآية جاءت خلال آیات المشركين و أهل الكتاب، خطابا إلى النبي صلی الله علیه و آله ، و قبلها: « وَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللّهُ...»، و بعدها: « وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لاَ النَّصارى».
2- فهي من جملة الخطابات إلى النبي، من دون علاقة خاصة بين ما قبلها و ما بعدها.
و الثانية: (174) هي الآية 151 من سورة «البقرة » أيضا: « كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ...»:
1- و هذه الآية وما بعدها خطاب إلى المؤمنين، و قبلها جاءت آيات القبلة، بدء منالآية 142 منها: « سَیَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلّیهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ...»، و ختما بالآية 150: « وَمِنْ حَیْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَکَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَیْثُ مَا کُنتُمْ ...».
2 - فالآيات خطاب إلى النبي صلی الله علیه و آله والمؤمنين، من دون علاقة خاصة بينها موضوعا.
والثالثة: (154) هي الآية 79 من سورة النساء: « وَ أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً...»:
و بهذه الآية ابتدأ الخطاب إلى النبي صلی الله علیه و آله في صدرها: « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ...»، و استدام الخطاب إليه إلى الآية 84: « فَقَاتِلْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ لَاتُکَلَّفُ إِلَّا نَفْسَکَ...»، في مواضيع مختلفة.
و الرابعة: (248) هي الآية 80 من سورة « النساء » أيضا: «...وَ مَنْ تَوَلّی فَما أَرْسَلْناکَ عَلَیْهِمْ حَفِیظاً»:
ا- و هي من تتمة الآية قبلها؛ حيث ختمت بقوله: « وَ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً »، ثم قال: « مَّنْ یُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّی فَمَا أَرْسَلْنَاکَ عَلَیْهِمْ حَفِیظًا».
2 - و فيها إشارة إلى ما ذكرنا في آية: « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ » في العنوان السادس: « يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ » من أن إطاعة الرسول مولوية، فلاحظ.
3 - وقال الطبرسي (80:2) « مَّنْ یُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ »: « بين أن طاعته طاعة الله، و إنما كانت كذلك، لأنها و إن كانت طاعة للنبي صلی الله علیه و آله من حيث وافقت إرادته المستدعية للفعل، فإنها طاعة الله أيضا على الحقيقة؛ إذ كانت بأمره و إرادته. فأما الأمر الواحد، فلا يكون على الحقيقة من أمرين، كما أن الفعل الواحد لا يكون من فاعلین.
« وَ مَنْ تَوَلّی » أي ومن أعرض ولم يطع « فَما أَرْسَلْناکَ عَلَیْهِمْ حَفِیظاً»: أي حافظا لهم من التولي حتى يسلموا، عن ابن زيد، قال : فكان هذا أول ما بعث، كما قال في موضع آخر: « إِنْ عَلَيْکَ إِلاَّ الْبَلاَغُ» الشوری : 48، ثم أمر فيما بعد بالجهاد.
وقيل : معناه: ما أرسلناك حافظا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف أن لا تقوم بها، لأنا نحن نجازيهم عليها. و قيل: حافظا لهم من المعاصي حتى لاتقع، عن الجبائي.
و في هذه الآية تسلية للنبي صلی الله علیه و آله في تولي الناس عنه مع ما فيه من تعظيم شأنه، بكون إطاعته إطاعة الله ...».
و الخامسة: (156) هي الآية 33 من سورة «التوبة »: « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ...»:
1- وجاءت خلال آيات بشأن اليهود و النصاری، بدء من الآية 29: « قَاتِلُواْ الَّذِینَ لاَیُؤْمِنُونَ...»، وختا بالآية 35 منها: « يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ... »، و قبلها: « يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ».
و بينهما مناسبة، فقد أعلن الله قبلها بأن الله يتم نوره - و هو دينه الحق - وقال في هذه: إنه أرسل رسوله بالهدی و دین الحق.
2-وقال الطبرسي (3: 24) في «اللغة»«يطفؤا »: « الإطفاء: إذهاب نور النار، ثم استعمل في إذهاب كل نور.
والأفواه: جمع «فم» و أصله: فؤه، فحذفت الهاء، و أبدلت من الواو میم، لأنه حرف صحیح من
مخرج «الواو»، مشاكل لها. والإباء: الامتناع مما طلب من المعنى. [ ثم استشهد بشعر]».
3 - وقال في «الإعراب »: « إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ» « إنما دخلت «إِلَّا» لأن في « أبيت » ضربا من الجحد، تقول: أبيت أن أفعل كذا، فيكون معناه: لم أفعل. [ثم استشهد بشعر و قال:]
قال الزجاج: في الآية حذف، تقديره: يأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره، قال: ولا يكون الإيجاب جحدا، و لو جاز ذلك على أن يكون فيه طرف من الجحد، لحجاز: کرهت إلا أخاك، مثل « أبيت » إلا أن « أبیت » الحذف مستعمل معها ».
و قال في «المعنى »: « يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ»: « و هو القرآن والإسلام، عن أكثر المفسرين.
وقيل: « نُورَ اللّهِ»: الدلالة والبرهان، لأنهما يهتدي بهما، كما يهتدي بالأنوار، عن الجبائي. قال: ولما سمی سبحانه الحجج والبراهين أنوارا، سمی معارضتهم لذلك إطفاء. ثم قال: « بِأَفْواهِهِمْ »، لأن الإطفاء يكون بالأفواه و هو النفخ.
وهذا من عجيب البيان، مع ما فيه من تصغير شأنهم، و تضعیف کیدهم، لأن الفم يؤثر في الأنوار الضعيفة دون الأقباس العظيمة.
« وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ » معناه: و يمنع الله إلا أن يظهر أمر القرآن، وأمر الإسلام، و حجته على التمام. و أصل الإباء: المنع والامتناع، دون الكراهية على ما ادعته المجبرة، و لهذا تقول العرب: فلان يأبى الضيم، وهو أبي الضيم، و لا مدحة في كراهية الضيم، لأنه يستوي فيه القوي و الضعيف، و إنما المدحة في الامتناع أو المنع منه...
« لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ» : « معناه: ليعلي دين أهل الإسلام على جميع الأديان بالحجة، والغلبة، و القهر لها، حتى لا يبقى على وجه الأرض دین إلا مغلوبا، و لا يغلب أحد الإسلام بالحجة، وهم يغلبون أهل سائر الأديان بالحجة».
والسادسة: (157) هي الآية 54 من سورة «الإسراء »: « ... وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا »:
1- جاءت خلال آیات خطابا إلى المشركين في التوحيد و نفي الشرك، و إثبات النبوة و المعاد.
و قبلها: «وَ قُلْ لِعِبادي يَقُولُوا الَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبيناً»
و بعدها: « ووَرَبُّکَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِی السَّمَوَاتِ وَالأرض...»:
2-وقال الطبرسي (3: 421) في « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا »: «أي وما أرسلناك موکلا عليهم، حفيظا لأعمالهم، يدخل الإيمان في قلوبهم، شاؤوا أم أبوا. و معناه: أنك لا تؤاخذ بأعمالهم، فإنا أرسلناك داعيا لهم إلى الإيمان، فإن أجابوك وإلا فلاشيء عليك، فإن عتاب ذلك يحل بهم،واللائمة تلزمهم...».
و السابعة: (161) هي الآية 105 من سورة « الإسراء » أيضا: «... وَمَا أَرْسَلْنَاکَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِیراً»:
1- وجاءت بعد آیات بشأن موسی علیه السلام - وصفا للقرآن، و تبشيرا بإرسال النبي صلی الله علیه و آله إلى الآية 109: « وَیَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ یَبْکُونَ وَیَزِیدُهُمْ خُشُوعًا ».
2-وقال الطبرسي (444:3) في معنى« وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ» « و تأويله: أردنا بإنزال القرآن الحق والصواب، و هو أن يؤمن به، و يعمل بما فيه. و نزل بالحق، لأنه يتضمن الحق، و يدعو إلى الحق.
وقال البلخي: يجوز أن يكون المراد: أنزلنا موسى، فيكون كقوله: « و أَنْزَلْناهُ الحديد »الحديد : 25 .
ويجوز أن يكون المراد: و أنزلنا الآيات، أي و أنزلنا ذلك. [ثم استشهد بشعر]
«وَمَا أَرْسَلْنَاکَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِیراً»مبشرا بالجنة لمن أطاع، و منذر ا بالنار لمن عصی».
3- و نقول: إنما احتمل البلخي في «وَ بِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ » أن يكون المراد: أنزلنا موسى، أو أنزلنا الآيات، لكونها من تتمة الآیات قبلها بشأن موسی، و ما آتاه الله من تسع آيات بينات.
و لكنه بعيد عن السياق، أولا: إذ جاء في ذيلها بشأن النبی صلی الله علیه و آله و القرآن: « وَمَا أَرْسَلْنَاکَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِیراً * وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَی النَّاسِ عَلَی مُکْثٍ ... ».
و ثانيا: أنه لم يأت في القرآن إنزال نبي.
و ثالثا: أنه فرق بين بين «و أَنْزَلْناهُ الحديد »و «أنزلنا موسی »، فلاحظ.
و الثامنة: (162) هي الآية 134 من سورة «طه»: « وَلَوْ أَنَّا أَهْلَکْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَیْنَا رَسُولًا..» :
1- وجاءت تتمة لما جاء قبلها خطابا إلى النبي صلی الله علیه و آله من الآيات في مواضيع شتى من أقوال المشرکین، و آرائهم و عقابهم.
فقبلها: « وَ قَالُوا لَوْ لاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ ...».
و بعدها - وهي آخر السورة -:« قُلْ کُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدَى» .
2 - و قال الطبرسي (4 : 37) « مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ»: « مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ » بالعذاب « وَنَخْزَىٰ» في جهنم.
و قيل: « مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ » في الدنيا بالقتل والأسر،« وَنَخْزَىٰ»في الآخرة بالعذاب »
و التاسعة: (163) هي الآية 107 من سورة « الأنبياء »: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»:
1- وقد جاءت قبلها: « إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ »، فإحداهما وصف للقرآن، والأخرى وصف للنبي صلی الله علیه و آله.
و جاءت بعدها: «قُلْ انَّما یُوحی الَیَّ انَّما الهُکُمْ الهٌ واحِدٌ فَهَلْ انْتُمْ مُسْلِمُونَ» ، إلى آخر السورة: « وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ » وصفا للقرآن أيضا، و إثباتا للتوحید، و وعدا بالعذاب.
2-وقال الطبرسي ( 4 : 67) في «رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»: « أي نعمة عليهم. قال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر، و المؤمن والكافر، فهو رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، و رحمة للكافر بأن عوفي مما أصاب الأمم من الخسف و المسخ.[ ثم روى حديثا عن النبي في الآية، وقال: ]
وقيل: إن الوجه في أنه نعمة على الكافر أنه عرضه للإيمان والتواب الدائم، وهداه - و إن لم يهتد - كمن قدم الطعام إلى جائع فلم يأكل، فإنه منعم عليه، و إن لم يقبل...».
3- ثم قال: « و في الآية دلالة على بطلان قول أهل الجبر في أنه ليس له على الكافرنعمة، لأنه سبحانه بين أن في إرسال محمد صلی الله علیه و آله نعمة على العالمين، و على كل من أرسل إليهم »
و العاشرة: (165) الآية 56 من سورة « الفرقان»: « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِيراً »:
1- و قبلها و بعدها آيات في التوحيد و نفي الشرك، و في شأن النبي صلی الله علیه و آله مثل: « قُلْ ما أَسْئَلُکُمْ عَلَیْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ یَتَّخِذَ إِلی رَبِّهِ سَبِیلاً ....».
2-وقد سبق معناها في أمثالها، لاحظ :ب ش ر: « مبشرا »، و : ن ذر: « نذیر ا».
و الحادية عشرة: (186) الآية 47 من سورة « القصص »: « وَ لَوْ لاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْ لاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ...»
1- هذه الآية خطاب إلى المشركين احتجاجا عليهم بعدم إيمانهم بما آتاهم النبي صلی الله علیه و آله.
2- و جاءت بعد آیات من قصص موسی، بدء من الآية 43: «وَ لَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْکِتَابَ ...» وختما بالآية 44 منها: «وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِىِّ » .
3- و قد خاطب الله النبي صلی الله علیه و آله خلالها مرات: « و ما کُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِیِّ إِذْ قَضَیْنا إِلی مُوسَی الْأَمْرَ وَ ما کُنْتَ مِنَ الشّاهِدِینَ »، «... «وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ لكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ »، «وَ ما کُنْتَ بِجانِبِ اَلطُّورِ إِذْ نادَیْنا وَ لکِنْ رَحْمَهً مِنْ رَبِّکَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِیرٍ مِنْ قَبْلِکَ لَعَلَّهُمْ یَتَذَکَّرُونَ».
4- و قد كرر «و ما کُنْتَ»أربع مرات حجة على المشركين، بأتنها وحي من الله إلى النبي صلی الله علیه و آله لأنه لم يكن حاضرا حين حدوث تلك الحوادث في قصص موسى حتى يعلمها، فلا يعلمها إلا بوحي من الله إليه.
5- و هذه الآية جاءت بشأن الكفار، تتمة لما جاء في الآية قبلها: « وَلکِنْ رَحْمَهً مِنْ رَبِّکَ لِتُنْذِرَ قَوْما ما اَتیهُمْ مِنْ نَذیرٍ مِنْ قَبْلِکَ....» بأنهم لما جاءتهم مصيبة بما قدمت أيديهم يقولوا: « لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ...».
و بعدها تتمة لها: « فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْ لا أُوتِیَ مِثْلَ ما أُوتِیَ مُوسی أَ وَ لَمْ یَکْفُرُوا بِما أُوتِیَ مُوسی مِنْ قَبْلُ...».
6- وقال الطبرسي (256:4) في إعراب « وَ لَوْ لاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ » : « لَوْ لاَ » هذه هي التي معناها امتناع الشيء لوجودغیره. و «أَنْ
تُصِيبَهُمْ »: مبتدأ. و جواب « لَوْ لاَ » محذوف، و تقديره: لم يحتج إلى إرسال الرسل. و« لَوْ لاَ »الثانية في قوله: «رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً » هي التي معناها التحضيض بمعنی « هلا » »
7- وقال في ( 4: 257) في معناها: « لولا أن لهم أن يحتجوا لو أصابتهم عقوبة، بأن يقولوا: هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى ما يجب الإيمان به، فنتبع الرسول، و نأخذ بشريعته، ونصدق به، لما أرسلنا الرسل، و لكنا أرسلنا رسلا لقطع حجتهم. وهو في معنى قوله: «لِئَاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلىَ اللِّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » النساء : 165.
وقيل: إن جواب «لولا » هاهنا: لعجلنا لهم العقوبة.
وقيل: المراد ب « المصيبة » هاهنا: عذاب الاستئصال.
و قيل: عذاب الدنيا والآخرة، عن أبي مسلم» .
و الثانية عشرة: (166) الآية 45 من سورة « الأحزاب »: « یا أ یُّها النَّبِیُّ إنَّا أرْسَلْناکَ شاهِداً ...» إلى 46: « وداعيا إلى الله بإذنه ... ».
1- و قبلها آیات بشأن النبي، فجاءت في 38: «مَا کَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ...» ، و في 40: « ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ...».
و كلها من تتمة آيات زواج النبي، زوج زيد الذي اتخذه النبي ابنا لنفسه.
2 - وقال الطبرسي ( 4 : 362) في معنى الآيتين: « یا أ یُّها النَّبِیُّ إنَّا أرْسَلْناکَ شاهِداً...» : « علی أمتك فيما يفعلونه من طاعة أومعصية، وإيمان أو كفر، لتشهد لهم و عليهم يوم القيامة، و نجازيهم بحسبه.
« و مبشرا »أي و مبشرا لمن أطاعني و أطاعك بالجنة، « ونذيرا » لمن عصاني و عصاك بالنار. « و داعیا » أي و بعثناك داعيا « إلى الله » ، و الإقرار بوحدانيته، و امتثال أوامره و نواهيه.
« باذنه » أي بعلمه و أمره، « و سراجا منيرا » يهتدى بك في الدين، كما يهتدی بالسراج. و المنير: الذي يصدر النور من جهته، إما بفعله، و إما لأنه سبب له. فالقمر منیر، و السراج منیر بهذا المعنى. والله منير السماوات و الأرض.
وقيل: عنى بالسراج المنير: القرآن، و التقدير : و بعثناك ذا سراج منیر، فحذف المضاف، عن الزجاج ».
و الثالثة عشرة: الآية (167) هي الآية 28 من سورة « سبأ »: « وما أَرْسَلْناکَ إِلاّ کَافَّةً لِلنّاسِ بَشِیراً وَ نَذِیراً...».
1- و هي محفوفة بآيات في التوحيد و البعث، فقبلها: « قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَکَاءَ ..» ، و بعدها: « ويقولون ( مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِين ».
2 - وقال الطبرسي (390:4) في « الإعراب »: «وما أَرْسَلْناکَ إِلاّ کَافَّةً لِلنّاسِ » و« كافة » حال من الكاف في « آرسناك » أي ما أرسلناك إلا تكفهم و تردعهم.
وقيل: في الكلام تقدیم و تأخير، أي وما أرسلناك إلا للناس کافة.
و کافة: كالعافية، و العاقبة، و ما أشبه ذلك.
« بشیرا »: حال بعد حال. « و نذیرا »: معطوف عليه »
3- و قال في (390:4) : «وما أَرْسَلْناکَ » یامحمد بالرسالة التي حملناكها « إِلاّ کَافَّةً لِلنّاسِ » أي عامة للناس كلهم، العرب و العجم، وسائر الأمم، عن الجبائي، و غیره. و يؤيده الحديث المروي عن ابن عباس، عن النبي صلی الله علیه و آله: أعطيت خمسا - و لا أقول فخرا -بعثت إلى الأحمر والأسود، و جعلت لي الأرض طهورا و مسجدا، وأحل لي المغنم و لايحل لأحد قبلي، و نصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر، و أعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي يوم القيامة.
وقيل: معناه: جامعا للناس بالإنذار و الدعوة.
و قيل: کافا للناس، أي مانعا لهم عما هم عليه من الكفر و المعاصي، بالأمر والنهي، والوعيد، و الإنذار. والهاء للمبالغة، عن أبي مسلم.
« بشيرا » لهم بالجنة، « و نذیرا » بالنار.
« وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ » رسالتك، لإعراضهم عن النظر في معجزتك. و قيل: لا يعلمون ما لهم في الآخرة في اتباعك من الثواب و النعيم، وما عليهم في مخالفتك من العذاب الأليم ».
والرابعة عشرة: (168) الآية 48 من سورة «الشورى »: « فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاکَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْکَ إِلاَّ الْبَلاَغُ... »:
1- و هي خطاب للنبي صلی الله علیه و آله بشأن الكفار الذين دعوا إلى الإيمان به. و قبلها: « اسْتَجِيبُوا لِرَبِّکُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَکُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَ مَا لَکُمْ مِنْ نَکِيرٍ ».
2 - و قال الطبرسي (5: 35):« فَإِنْ أَعْرَضُوا » يعني الكفار، أي عدلوا عما دعوتهم إليه.
« فَمَا أَرْسَلْنَاکَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً » أي مأمورا بحفظهم، لئلايخرجوا عما دعوتهم إليه، كما يحفظ الراعي غنمه لئلا يتفرقوا، أي فلا تحزن لإعراضهم.
« إِنْ عَلَيْکَ إِلاَّ الْبَلاَغُ » أي ليس عليك إلا إيصال المعنى إلى أفهامهم، و البيان لمافيه رشدهم ...».
و الخامسة عشرة: (169) الآية 8 من سورة « الفتح »: « إِنَّا أَرْسَلْنَاکَ شَاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً »:
1- قبلها و بعدها آيات في الفتح المبين، وهو الميثاق والمبايعة بينه و بين المشركين في الحديبية بمكة.
و بعدها تبيانا لسر إرساله عليهم خطابا لهم:« لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَ تُعَزِّروهُ وَ تُوَقِّرُوه وَتُسَبِّحُوهُ بُکْرَهً وَأَصیلاً ».
2- وقال الطبرسي ( 112:5:« إِنَّا أَرْسَلْنَاکَ » یا محمد «شَاهِداً» على أمتك لما عملوه من طاعة و معصية، و قبول و رد، أو شاهدا عليهم تبليغ الرسالة.
« وَ مُبَشِّراً » بالجنة لمن أطاع،« وَ نَذِيراً » من
النار لمن عصى. ثم بين سبحانه الغرض بالإرسال، فقال:« لِتُؤْمِنُوا بِاللّهِ...».
والسادسة عشرة: (172) الآية 15 من سورة المزمل »: « إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْکُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْکُمْ کَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً »:
1- هذه الآية أول آية في هذه السورة، خطابا إلى المشركين في مكة، و الآیات قبلها من أول السورة: « یاء يهاالمزمل »إلى الآية 10: « وَ ذَرْنِي وَ الْمکذّبينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً » خطاب إلى النبي صلی الله علیه و آله.
2-وقيل: إنها أول سورة نزلت عليه - كما قيل في سور أخرى - و لكن سياقها تأبى ذلك، فإن قوله في الآيتين 10 و 11 - وقد جاء فيهما ذکر الكفار و تكذيبهم -: «وَاصْبِرْ عَلَی مَا یَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِیلا10* وَذَرْنِی وَالمُکَذِّبِینَ اُولِی النَّعْمَهِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِیلا » دليل على نزول غيرها قبلها، و تكذيبهم ذلك.
اللهم إلا أن يقال: إن النبي أعلن دعوته إياهم قبل نزول أي سورة فكذبوه، فنزلت هذه السورة کیف و قد قال الطبرسي في أولها: « مكية و قيل: مدنية، و قيل: بعضها مكي و بعضها مدني». و سنبحثها في «المدخل » إن شاء الله تعالى.
والآية الأخيرة منها: « إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ...» لم تزل في أول ما نزل قطعا، و يحتمل کونها مدنیه.
3- و جاء بعد قوله: « کَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً » متفرعا عليه: « فَعَصیَ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِیلًا ».
4- وقال الطبرسي (5: 380): « ثم أكد سبحانه الحجة على أهل مكة، فقال: « إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْکُمْ رَسُولاً » يعني محمد صلی الله علیه و آله «شَاهِداً عَلَيْکُمْ » أي يشهد عليكم في الآخرة بما یکون منکم لافي الدنيا « کَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ » بمصر « رسولا » يعني موسی بن عمران ».
5- و من هذه الآيات الستة عشرة في إرسال النبي صلی الله علیه و آله ست منها جاءت بلفظ « أَرْسَلْنَا » مثبتا وهي: (152، 154، 166، 169، 172، 174) بتفاوت: فأربع منها (152، 154، 166، 169) جاءت خطابا إلى النبي صلی الله علیه و اله بلفظ « إِنَّا أَرْسَلْنَاک »، وثلاث و هي - (174، 172، 171) جاءت بألفاظ « أَرْسَلْنَا فیکُمْ رَسُولاً » و « أَرْسَلْنَا إِلَيْکُمْ » خطابا إلى الناس، و « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ » من دون خطاب.
و ثلاث منها جاءت نفيا مطلقا وهي (157): « وَمَا أَرْسَلْنَاکَ عَلَیْهِمْ وَکِیلًا»، و ( 168 و 248 ) : « و ما أَرْسَلْناکَ عَلَیْهِمْ حَفِیظاً » باختلاف في لفظي «وَکِیلًا» و « حَفِیظاً » مع اتحاد المعنى.
و أربع منها جاءت بلفظ النفي مع الاستثناء « وَمَا أَرْسَلْنَاکَ الا » و هي (161، 163 ، 165، 167 ).
و اثنتان (162 و 189) منها جاءتا حكاية عن
الكفار نفيا بلفظ : « لَوْلا أرْسَلْتَ إلَیْنَا رَسُولا ».
6- كما أن في الآيات المثبتة للرسالة اختلافا فيما أرسل به أو أرسل لأجله:
ففي (152): « إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً ».
وفي (174): « كَما أَرْسَلْنا فيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا ».
وفي (154): «وَ أَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً ».
7- و الذي يلفت النظر أن الآيات المثبتة للرسالة - و هي 11 آية جاء فيها «ارسلنا »- بصيغة الجمع - تعبيرا من الله عن نفسه - تعظيما له و تكبير لما أرسل به، إلا في (156) فجاء مفردا غائبا « هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ » فرقا بين الغيبة والحضور، و بين الخبر عن الغائب و المتكلم.
8 - و أما اختلافها فيما أرسل به من الحق و الهدی و دین الحق، و فيما أرسل لأجله من التبشير والإنذار، والرحمة، و الدعوة إلى الله بإذنه، و الإظهار على الدين كله، و الشهادة على الناس، و إيمانهم بالله و رسوله، فهي - كما قلنا مرارا - تعبیرات مختلفة عن معنى واحد مزيدا في البلاغة، و وصولا إلى الإعجاز البلاغي، و ليكون تکرار معنى واحد بألفاظ كثيرة متفاوتة مفهوما، مزيدا في البيان.
9- و الكلام في آيات الشهادة طويل، لاحظ: ش ه د: « شاهدا».
10- إن الآيات التي ترجع إلى نبينا صلی الله علیه و آله ثلاثة أصناف:
ألف - ما هو من قبل الله تعالى: مثل ما جاء فيها « إِنّا أَرْسَلْناكَ » و نحوها.
ب- ما يرجع إلى معاملة الناس الله و الرسول إحسانا و تكریما لهما، مثل الآية (187): « رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ » و غيرها من آیات الاتباع.
ج - ما يرجع إلى سوء معاملتهم إياها إهانة بهما، مثل الآية (109): « وَ ما مَنَعَ النّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللّهُ بَشَراً رَسُولاً » و نحوها.
وهذا كله الكلام في القسم الثاني من المحور الأول.
القسم الثالث: الرسالة والرسالات 10
آیات:
الرسالة 3 آیات:
*« وَ إِذَا جَاءَ تَهُمُّ أَيَّةُ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ » الأنعام : 124
319- « فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَ قَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّى وَ نَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن
لَّاتُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ » الأعراف : 79
و فيها بحوث:
الأولى: هي الآية 67 من سورة المائدة »: « وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ »، و قد سبق بحثها في: ب ل غ : « بلغ » المعجم: ج 6: 614. و في البحث الخامس من أبحاث الآيات الخاصة بنبينا محمد صلی الله علیه و آله .
قال الطبرسي (4 : 222) في «الإعراب»: « أرسل » فعل يتعدى إلى مفعولين، و يتعدى إلى الثاني منهما بالجار، كقوله: « إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ » نوح : 1، «وَ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ » الصافات : 147.
ويجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر، كقوله: « ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا » المؤمنون : 44 « إِنَّا أَرْسَلْنَاکَ شَاهِداً » الأحزاب : 45، وقال: «فَأَرْسِلْ إِلیَ هَرُونَ» الشعراء : 13، فعدي إلى الثاني، و الأول مقدر في المعنى». [و استشهد بالشعر مرتين ]
والثانية: الآية 124 من سورة «الأنعام»:« اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ »:
1- و قد سبقتها آیات خطابا إلى المشركين، فإن السورة من أطول السور المكية كسورة الأعراف، والكلام فيهما في الدعوة إلى التوحيد والبعث و النبوة و نحوها، و في بعض قصص الانبیاء علیهم السلام .
2- وقال تعالى في صدرها: إنه إذا جاءتهم آية من ربهم لم يؤمنوا و قالوا: « لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ » فقال الله في جوابهم: « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ » يعني أن انتخاب الرسل و ما يوحى إليهم بيد الله لابيدهم، فإنه تعالى أعلم بمن هو أهل للرسالة.
3- وقال الطبرسي (361:2) في «الإعراب » « حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ »: «لا يخلو « حَيْثُ » هنا من أن يكون ظرفا متضمنا لحرفه، أو غير ظرف، فإن کان ظرفا فلا يجوز أن يعمل فيه « اعلم »، لأنه يصير المعنى: أعلم في هذا الموضع، أو في هذا الوقت، ولا يوصف تعالى بأنه أعلم في مواضع أو في أوقات، كما يقال : زيد أعلم في مكان كذا، أو أعلم في زمان كذا.
وإذا كان الأمر كذلك، لم يجز أن یکون « حَيْثُ » هنا ظرفا، و إذا لم يكن ظرفا کان اسماء ، و كان انتصابه انتصاب المفعول به على الاتساع، و يقوي ذلك دخول الجار عليها، فكان الأصل: الله أعلم بمواضع رسالاته، ثم حذف الجار، كما قال سبحانه: « أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ » النحل: 125، و في موضع آخر: « أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ » الأنعام : 117، ف «مَنْ يَضِلُّ » معمول فعل مضمر دل عليه « اعلم »، ولا يجوز أن يكون معمول « اعلم »، لأن المعاني لا تعمل في مواضع الاستفهام و نحوه، إنما تعمل فيها الأفعال التي تلغي فتعلق كما تلغی.
و مثل ذلك في أنه لا يكون إلا محمولا على فعل قوله:
و شرحها، و استشهد بأشعار ثم ذكر النزول والمعنی :
4 - و قال خلال المعنى (2: 362): « حتی نوتی » أي نعطي آية معجزة « مثل ما أوتي » أي أعطي « رسل الله » حسدا منهم للنبی صلی الله علیه و آله .
ثم أخبر سبحانه على وجه الإنكار عليهم بقوله: « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ » أنه أعلم منهم، و من جميع الخلق بمن يصلح لرسالاته، و يتعلق مصالح الخلق ببعثه، و أنه يعلم من يقوم بأعباء الرسالة و من لا يقوم بها، فيجعلها عند من يقوم بأدائها، ويحتمل ما يلحقه من المشقة و الأذى على تبليغها.
ثم توعدهم سبحانه، فقال: « سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا» إلى آخر الآية».
والثالثة: (319) الآية 79 من سورة « الأعراف »: « وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي »:
1- هذه آخر آية من قصة ثمود و نبيهم صالح، و أولها: الآية 73 منها: « و إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً ...»، و قد ذكر الله فيها دعوة صالح قومه إلى التوحيد، و ما من الله عليهم من آلائه و نعمه، فاستكبر ملا منهم، وقال لمن آمن به من المستضعفين : « إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ »، فعقروا الناقة التي كانت معجزة لصالح، فأخذتهم الرجفة فتولى عنهم صالح، و قال لهم : « يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَات رَبِّي...».
2-وقال الطبرسي (2: 441) في «المعنى»: « وَ نَصَحْتُ لَكُمْ » أي أديت النصح في تبليغ الرسالة « وَ لكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ» أي و لكنكم لاتحبون من ينصح لكم، لأن من أحب إنسانا قبل منه » ثم ذكر قصة صالح.
الرسالات 7 آیات:
320 - « أُبَلِّغُکُمْ رِسالاتِ رَبِّی وَ أَنْصَحُ لَکُمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »الأعراف : 62
321 - « أُبَلِّغُکُمْ رِسالاتِ رَبِّی وَ أَنَا لَکُمْ ناصِحٌ أَمِینٌ » الأعراف : 68
322 - « فَتَوَلّی عَنْهُمْ وَقالَ یاقَوْمِ لَقَدْ ابْلَغْتُکُمْ رِسالَهَ رَبِّی وَنَصَحْتُ لَکُمْ فَکَیْفَ آسی عَلی قَوْمٍ کافِرِینَ ». الأعراف : 93
323 - « قالَ یا مُوسی إِنِّی اصْطَفَیْتُکَ عَلَی النَّاسِ بِرِسالاتی وَ بِکَلامی فَخُذْ ما آتَیْتُکَ وَ کُنْ مِنَ الشَّاکِرینَ » الأعراف : 144
324 - « الَّذِینَ یُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَیَخْشَوْنَهُ وَلَا یَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَکَفَی بِاللَّهِ حَسِیبًا » الأحزاب : 39
325 - « إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَ رِسالاتِهِ وَ مَنْ یَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِینَ فِیها أَبَداً » الجن: 23
326 - « لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى كُلَّ شَيْ ءٍ عَدَداً » الجن: 28
و فيها بحوث:
الأولى: (320 ) الآية 62 من سورة الأعراف» أيضا: « أُبَلِّغُکُمْ رِسالاتِ رَبِّی وَ أَنْصَحُ لَکُمْ .... ».
1- هذه رابعة آيات قصة نوح في السورة، بدء بالآية 59 منها: « لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ ... »، و ختما بالآية 64: « فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَ الَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ ...».
2-وقال الطبرسي (2: 433) في «اللغة»: « و الرسالات: جمع رسالة، و هي جملة من البيان يحملها القائم بها، ليؤديها إلى غيره. و النصيحة: إخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة.
والفلك: السفن، يقع على الواحد، و علی الجمع، و أصله: الدور، مشتق من قولهم: فلك ثدي الجارية إذا استدار، و منه الفلكة، و الفلك »
3- و قال في « المعنى»: « أُبَلِّغُکُمْ رِسالاتِ رَبِّی » أي أؤدي إليكم ما حملني ربي من الرسالات. « وَ أَنْصَحُ لَکُمْ » في تبليغ الرسالة على وجهها من غير تغيير، ولا زيادة، ولانقصان، « وأعلم من الله » أي من صفات الله وتوحيده، و عدله و حكمته«ما لا تعلمون» .
وقيل: أعلم من دين الله.
و قيل: أعلم من قدرته وسلطانه، و شدة عقابه ، ما لا تعلمونه، و الكل محتمل.
وقيل: إنما قال ذلك، لأن قوم نوح لم يسمعوا قط أن الله سبحانه عذب قوما، وقد سمعت الأمم بعدهم هلاك من قبلهم، ألا ترى أن هوا قال:«جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ». و قال شعيب: « مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ».
والثانية :( 321) الآية 68 من سورة الأعراف» أيضا: « أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ»:
1- و هذه رابعة آيات قصة عاد و نبيهم هود في هذه السورة، بدء من الآية 65 منها:« وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً ...»، و ختما بالآية 72: « فَأنجَیْنَاهُ وَالَّذِینَ مَعَهُ بِرَحْمَه مِنَّا ..».
2 - و قد ذكر الله في هذه الآيات السبع من قصة هود، دعوته قومه إلى توحيد الله، و كفرهم به، و قولهم له: إنه في سفاهة و من الكاذبين، و إنكاره سفاهته و إعلامه أنه رسول من رب العالمين، يبلغهم رسالات ربه، و أنه من الناصحين لهم، ثم إنكارهم إياهم، و وعده لهم بالعذاب، فأنجاه الله و من كان معه، و عذب المكذبين له.
3- وقال الطبرسي (2: 437):« أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي » أي نبوات ربي.
إنما قال : « رِسالاتِ » هنا و فيما تقدم بلفظ الجمع، لأن الرسالة متضمنة لأشياء كثيرة من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، و الوعد والوعيد، و غير ذلك، فأتى بلفظ يدل عليها. و إذا قال: رسالة ربي بلفظ الواحد، أتی بلفظة مشتملة على هذه الأشياء بطريق الإجمال.
« وَ أَنَا لَكُمْ ناصِحٌ » فيما أدعوكم إليه من طاعة الله و توحيده «أَمِينٌ» أي ثقة مأمون في
تأدية الرسالة، فلا أكذب، و لا أغير، عن الضحاك، والجبائي. وقيل : معناه: کنت مأمونا فيكم، فكيف تكذبونني؟ عن الكلي».
والثالثة: (322) الآية 93 من سورة « الأعراف » أيضا:«...لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ...»:
1- و هذه آخر آیات قصة شعيب و قومه، بدء من الآية 85 منها: « وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ...».
2-وقد جاءت في هذه الآيات المان دعوة شعیب قومه إلى توحيد الله، و إلى إيفاء الكيل و الوزن، و إلى نهیم عن بخس الناس أشياءهم، وعن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، و عن القعود بكل صراط يوعدون، و يصدون الناس عن سبيل الله و يبغونها عوجا .
وقد من الله عليهم، بأن كانوا قليلا ، فكثرهم، و أمرهم بالنظر إلى عاقبة المفسدين. ثم أمرهم بالصبر حتی یحکم الله بينهم: «وَ هُوَ خَيْرُ الْحَاكِمينَ »، ثم حکی استکبار قومه و المقاولة بينه و بینهم إلى قوله: « يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي... ».
3- وقال الطبرسي (2: 450): « لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي » فيما أمرني، فلم تؤمنوا « وَ نَصَحْتُ لَكُمْ » فلم تقبلوا. و معناه: أن مانزل بكم من البلاء -و إن كان عظيما- فقد استوجبتم ذلك بجنايتكم على أنفسكم.«فكيف اسی » أي فكيف أحزن « على قوم کافرین » حل العذاب بهم مع استحقاقهم له.
وقوله: «فكيف اسی » و إن كان على لفظ الاستفهام، فالمراد به: النفي، لأن جوابه في هذا الموضوع لايصح إلا بالنفي، و إنما يدخله معنى الإنكار أيضا لهذه العلة.وهذا كما قال العجاج:
و هذا تسل من شعيب بما يذكر من حاله معهم في مناصحته لهم، و تأديته رسالة ربه إليهم، و أنه لا ينبغي أن يأسي عليهم مع تمردهم في كفرهم، و شدة عتوهم.
قال البلخي: و في هذا دلالة على أنه لا يجوز للمسلم أن يدعو للكافر بالخير، وأنه لا يجوز الحزن على هلاك الكافرين، و الظالمين »
والرابعة: (323) الآية 144 من سورة « الأعراف » أيضا: « ... إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي... ».
1- هذه من جملة آیات طويلة من قصة موسی علیه السلام و بني إسرائيل، بدء من الآية 103: « ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ ...»، و ختما بالآية 157: « الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ ... ».
2- و هذه الآيات من قصص بني إسرائيل، أطول الآيات فيها في القرآن بعد آیات سورة البقرة، - و كلها 82 آية -بدء من الآية 40 منها: «یابنِی إسرائیلَ اذْکُرُوا نِعْمَتِیَ الّتِی أنْعَمْتُ علیکُم» ، و ختما بالآية 123: « وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ
عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ... ».
3- و هي خطاب من الله لموسى باصطفائه على الناس برسالته، و أمره بأخذها، و بكونه من الشاكرين، ثم قال: « وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَ تَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ ...».
4- وقال الطبرسي (2: 476): « ثم أخبر سبحانه عن عظیم نعمته علی موسی بالاصطفاء، و إجلال القدر، و أمره إياه بالشكر بقوله: «قال»أي قال الله سبحانه: «یامُوسی اِنِّی اْصطَفَیْتُکَ» أي اخترتك واتخذتك صفوة، وفضلتك على الناس «برسالاتی » من غیر کلام « و بکلامی » من غير رسالة، وخص الناس، لأنه كلام الملائكة، ولم يكلم أحدا من الناس بلا واسطة، سوی موسی علیه السلام.
وقيل: إنه سبحانه كلم موسى على الطور، و کلم نبينا محمدا صلی الله علیه و آله عند سدرة المنتهى.
« فخذ ما اتيتك » أي تناول ما أعطيتك من التوراة، و تمسك بما أمرتك.
« وَ كُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ » أي من المعترفين بنعمتي، القائمين بشکرها على حسب مرتبتها، فكلما كانت العمة أعظم وأجل، وجب أن تقابل من الشكر ما يكون أنتم وأكمل.
والوجه في تشريف موسی علیه السلام بالاختصاص بالكلام، أن ذلك نعمة عظيمة و منة جسيمة منه تعالى عليه، لأنه كلمه، و علمه الحكمة، من غير واسطة بينه و بينه، و من أخذ العلم من العالم العظيم،كان أجل رتبة ممن أخذه من هو دونه » .
والخامسة: (324) الآية 39 من سورة الأحزاب »: « اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ ...»:
1- و هذه الآية من تتمة قصة زيد -و کان دعي النبي صلی الله علیه و آله - ، و زواج النبي زوجته بعد أن طلقها، بدء من الآية 37 منها: « وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ ...»، و ختما بالآية 40: « ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ ...».
2- و قوله فيها: « اَلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللّهِ» صفة لقوله: « اَلَّذِينَ » قبلها:سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ...».
3- و المراد بهما أن ما فعله النبي صلی الله علیه و آله من نکاح زوجة زيد، من سنن الذين من قبله من الرسل الذين يتلون رسالات الله.
4- وقال الطبرسي ( 4: 359) في «النزول»:« نزلت في زینب بنت جحش الأسدية و كانت بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلی الله علیه و آله ، فخطبها رسول الله صلی الله علیه و آله على مولاه زید بن حارثة، و رأت أنه يخطبها على نفسه، فلما علمت أنه يخطبها على زيد، أبت و أنكرت، وقالت: أنا ابنة عمتك، فلم أكن لأفعل. و كذلك قال أخوها عبد الله بن جحش، فنزل: « و ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ...» الآية. يعني عبد الله بن جحش، و أخته زينب. فلما نزلت الآية، قالت: رضیت یا رسول الله ، و جعلت أمرها بيد رسول الله صلی الله علیه و آله، و كذلك أخوها، فأنكحها رسول
الله صلی الله علیه و آله زيدا، فدخل بها، و ساق إليها رسول الله صلی الله علیه و آله عشرة دنانير، و ستين درهما مهرا، و خمارا، و ملحفه، و دعا و إزارا، و خمسين مدا من طعام، و ثلاثين صاعا من تمر، عن ابن عباس و مجاهد و قتادة... .
وقيل: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط - وكانت وهبت نفسها للنبي صلی الله علیه و آله - فقال: قد قبلت، وزوجها زید بن حارثة...».
5- و قال (361:4) في «المعنى»: « ثم وصف سبحانه الأنبياء الماضين، وأثنى عليهم، فقال: « الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ ....» أي يؤدونها إلى من بعثوا إليهم، و لا يكتمونها، «و يَخْشَوْنَه » أي و يخافون الله مع ذلك في ترك ما أوجبه عليهم.
« وَ لاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ»: و لايخافون من سوى الله فيما يتعلق بالأداء والتبليغ .
وفي هذا دلالة على أن الأنبياء لايجوز عليهم التقية في تبليغ الرسالة. و متى قيل: فكيف ماقال لنبینا صلی الله علیه و آله «وَتَخْشَى النَّاسَ »الأحزاب : 37، فالقول. إنه لم يكن ذلك فيما يتعلق بالتبليغ، و إنما خشي المقالة القبيحة فيه. و العاقل كما يتحرز عن المضار، يتحرز من إساءة الظنون به، والقول السيئ فيه، و لا يتعلق شيء من ذلك بالتكليف...».
والسادسة: (325) الآية 23 من سورة «الجن» « إِلاَّ بَلاَغاً مِنَ اللَّهِ وَ رِسَالاَتِهِ ...» :
1- هذه من تتمة قول الرسول؛ حيث أمره الله تعالى فيما قبلها بقوله: « قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّی وَلاَ أُشْرِکُ بِهِ أَحَداً * قُلْ إِنِّی لاَ أَمْلِکُ لَکُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً * قُلْ إِنِّی لَن یُجِیرَنِی مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلاَّ بَلاَغاً ... »
فهي استثناء مما قبله، أي لن أجد من دون الله ملجأ إلا تبليغا من الله.
2-وقال الطبرسي (373:5) في «اللغة»: «الملتحد: الملتجأ بالميل إلى جهة »
3- وقال في « المعني»: « إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللّهِ أَحَدٌ» أي لايمنعني أحد مما قدره الله علي « وَلَنْ أَجِدَ» أيضا « مِن دُونِهِ» أي من دون الله «مُلْتَحَداً » أي ملتجأ إليه أطلب به السلامة « إِلاَّ بَلاَغاًت من الله » أي تبليغامن الله آياته «و رسالاته » فإنه ملجإي و منجاي و ملتحدي، ولي فيه الأمن و النجاة، عن الحسن، و الجبائي.
و قيل : معناه: لا أملك لكم، ضرا و لارشدا، فما علي إلا البلاغ عن الله، فكأنه قال: لا أملك شيئا سوی تبلیغ وحي الله بتوفيقه و عونه، عن قتادة.
وقيل: إن قوله: «إِلاَّ بَلاَغاً » يحتمل معنيين:
أحدهما: إلا ما بلغني من الله، أي لا يجيرني شيء إلا ما أتاني من الله، فلافرق بين أن يقول: بلغني کتابه، وأن يقول: أتاني كتابه.
والثاني: إلا تبلیغ ما أنزل إلي. فأما القبول و الإيمان فليس إلي، و إنما ذلك إليكم، عن أبي مسلم.
وقيل: إنه عطف « رسالاته » على «البلاغ»، فوجب أن يكون غيره، فالأولى أن يكون أراد
بالبلاغ: ما بلغه من توحيد الله وعدله، وما يجوز عليه و ما لا يجوز. و أراد بالرسالة: ما أرسل لأجله من بيان الشرائع.
ولما بين سبحانه أنه لا ملجأ من عذابه إلا طاعته، عقبه بوعيد من قارف معصيته، فقال: « وَ مَنْ یَعْصِ اللهَ ورسُولَهُ » أي خالف أمره في التوحيد، و ارتكب الكفر و المعاصي « فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً » جزاء على ذلك »
و السابعة: (326) الآية 28 من سورة « الجن»أيضا: «لِیَعْلَمَ أن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ ...»:
1-وهي آخر آية من هذه السورة، و تتمة لما قبلها، و هي: «عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ ..» .
2 - وقال الطبرسي (5: 374): « لِيَعْلَمَ » الرسول « قَدْ أَبْلَغُوا »يعني الملائكة.
قال سعيد بن جبير: ما نزل جبرائيل بشيء من الوحي إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة، فيعلم الرسول أنه قد أبلغ الرسالة على الوجه الذي قد امر به .
وقيل: ليعلم من كذب الرسل، أن الرسل قد أبلغوا رسالات الله، عن مجاهد.
وقيل: ليعلم محمد صلی الله علیه و آله أن الرسل قبله، قد أبلغ جميعهم « رِسَالاتِ رَبِّهِمْ »كما أبلغ هو؛ إذ كانوا محروسين محفوظين بحفظ الله، عن قتادة .
وقيل: ليعلم الله أن قد أبلغوا، عن الزجاج.
و قيل : معناه: ليظهر المعلوم على ما كان سبحانه عالما، و يعلمه واقعا، كما كان يعلم أنه سيقع.
و قيل: أراد ليبلغوا، فجعل بدل ذلك قوله: ليعلم إبلاغهم توسعا، عن الجبائي .
وهذا كما يقول الإنسان: ما علم الله ذلك مني، أي ما كان ذلك أصلا، لأنه لو كان لعلم الله ذلك، فوضع العلم موضع الكون...».
3- و الذي يلفت النظر في هذه الآيات العشر في «الرسالة والرسالات »:
أولا: أن ثمان منها مفعولة للبلاغ بصيغه حسب ترتيب الآيات: «بلغت»، و «ابلغتكم»، و «ابلغکم»، و «یبلغون»، و «بلاغا » و «أبلغوا ».
واثنتان منها - وهما الثانية و السابعة - جاء فيهما بدل «البلاغ» الجعل و الاصطفاء: «حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ »، و « إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي ».
و ثانيا: أن أربعا منها جاء فيها بلاغ الرسالة مع النصح - خمس مرات - عطفا عليه بصيغه و أساليبه : «وَ نَصَحْتُ لَكُمْ »، و « لكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ » ، و « انصح لكم »، و « أَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ »، و « نَصَحْتُ لَكُمْ» و مقارنة الرسالة بالبلاغ و النصح اهتمام كبيربها، و رعاية بالغة لعواطف الناس.
4- كما أن إضافة الرسالة والرسالات - في اثنتين من ( الرسالة)، وفي أربع من الرسالات) - إلى (ربی) و ( ربهم) مزید لطف من الله
تعالى للعباد. فضلا عن أن إضافتهما في الأربع الأخرى إلى الله تعالى بألفاظ (رسالته ) و ( رسالاته) ، و ( رسالات الله) و ( رسالاتى ) اهتمام بهما و تعظیم لهما يقينا.
القسم الرابع: مرسل، و مرسلون، و مرسلین، و مرسلة، و مرسل، و مرسلون، و المرسلين، والمرسلات 40 آية:
327 - « تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ». البقرة : 252
*« وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ » الأنعام : 34
328 - « وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَ أَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ » الأنعام : 48
329 - « فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِینَ أُرْسِلَ إِلَیْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِینَ » الأعراف : 6
*« قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ » الأعراف : 75
330 - « فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَ قالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ » الأعراف : 77
331 - « وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ » الرعد: 43
332 -« قَالَ فَمَا خَطْبُکُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ » الحجر : 57
333 - « فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ» الحجر : 61
334 – « وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ » الحجر : 80
335 - « وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ يُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَ اتَّخَذُوا آياتِي وَ ما أُنْذِرُوا هُزُواً » الكهف : 56
336 - « فَفَرَّتْ مِنْكُمْ لَمَّا خفتکم فَوَهَبَ لِي رَبِّيُّ حُكْمًا وَجَعِلَنِي مِنَ المُرسَلِینَ » الشعراء : 21
337 - « کَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ » الشعراء : 105
338 - « کَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ » الشعراء: 123
339 - « کَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ » الشعراء : 141
340 - « کَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ » الشعراء : 160
341- « کَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْکَةِ الْمُرْسَلِينَ »
الشعراء : 176
342- « وَ أَلْقِ عَصَاکَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ کَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ » النمل : 10
343 - « وَ إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ». النمل : 35
344 - « وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِين » القصص : 7
345 - « وَ لَکِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَیهْمُ الْعُمُرُ وَ مَا کُنتَ ثَاوِیًا فیِ أَهْلِ مَدْیَنَ تَتْلُواْ عَلَیْهِمْ ءَایَتِنَا وَ لَکِنَّا کُنَّا مُرْسِلِینَ »القصص : 45
346 - « وَیَوْمَ یُنَادِیهِمْ فَیَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِینَ » القصص : 65
347- « ما يَفْتَحِ اللّهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَ ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »فاطر : 2
348 - « إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » يس، : 3
349 - 351 - « و اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْیَهِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَیْهِمُ اثْنَیْنِ فَکَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَیْکُمْ مُرْسَلُونَ * قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَیْ ءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَکْذِبُونَ * قالُوا رَبُّنا یَعْلَمُ إِنّا إِلَیْکُمْ لَمُرْسَلُونَ » یس، : 13 - 16
352 - « وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ » يس، : 20
353 - « قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمٰنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ » يس، : 52
354 - « بَلْ جَاءَ بِالحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِینَ » الصافات: 37
355 - « وَ إِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » الصافات: 123
356 - « وَ إِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » الصافات: 133
357 - « وَ إِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ » الصافات: 139
358-« وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ » الصافات : 171
359 - « وسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ » الصافات : 181
360 - « أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا کُنَّا مُرْسِلِينَ » الدخان : 5
361 - « إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ » القمر : 27
362 - « قَالَ فَمَا خَطْبُکُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ » الذاريات : 31
363- « وَ الْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً » المرسلات :1
و فيها بحوث
1- قد جاء فيها مرسل، و المرسلة، و مرسل، و المرسلات كل واحدة منها مرة، والمرسلون، و المرسلين ثلاث مرات.
وجاءت البقية و هي مرسلون و مرسلين 26
مرة، و البحث فيها موکول إلى موضوعاتها من المواد.
2- والذي يلفت النظر أنها جما آیات مكية، سوى الأولى منها فهي مدنية. و من ذلك يعلم أن الإعلام بإرسال الرسل مثل التوحيد و البعث، كان في مكة في بدء نزول الوحي علی نبینا صلی الله علیه و آله و هو الاهم.
المحور الثاني: إرسال غير الأنبياء، و هو أقسام: إرسال الآيات، إرسال الملائكة إلى الأنبياء و إلى الناس، و إرسال الأشخاص، والأشياء:
إرسال الآيات:
364 - « وَ مَا مَنَعَنَا اَنْ نُرْسِلَ بِالايَاتِ اِلا اَنْ كَذَّبَ بِهَا الاَوَّ لُونَ وَ اتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَ مَا نُرْسِلُ بِالا يَاتِ اِلا تَخْويفًا » الإسراء : 59
إرسال الملائكة إلى الأنبياء:
365 -« وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ » هود: 69
366 - « وَ لَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَ ضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَ قالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ » هود : 77
367 - « قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ » هود : 81
368 - « اَللهُ يَصْطَفى مِنَ الْمَلئِكَةِ رُسُلا وَ مِنَ النَّاسِ اِنَّ اللهَ سَميعٌ بَصيرٌ» الحج : 75
369- « وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرهِیمَ بِالْبُشْرَی قَالُوا إِنَّا مُهْلِکُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْیَهِ إِنَّ أَهْلَهَا کَانُوا ظَالِمِینَ » العنكبوت : 31
370 - « الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّمواتِ وَ الْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِکَهِ رُسُلاً أُولِی أَجْنِحَهٍ مَثْنی وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ یَزِیدُ فِی الْخَلْقِ ما یَشاءُ إِنَّ اللّهَ عَلی کُلِّ شَیْءٍ قَدِیرٌ » فاطر : 1
371 - « وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ » الشوری : 51
372 - « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» الحاقة : 40
373 - « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ» التكوير : 19
إرسال الملائكة إلى الناس ومنهم مريم عليها السلام
374 - « فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَاكُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ » الأعراف: 37
375 - « وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ » الأنعام : 61
376 - « وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَهً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَکْرٌ فِی آیاتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَکْراً إِنَّ رُسُلَنا یَکْتُبُونَ ما تَمْکُرُونَ » یونس : 21
377 - « فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا
إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ». مریم : 17
378 - « قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا » مريم : 19
379 - « قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى » طه : 96
380- « أَمْ یَحْسَبُونَ أَنَّا لَانَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ بَلَی وَرُسُلُنَا لَدَیْهِم یَکْتُبُونَ » الزخرف : 80
إرسال الأشخاص:
381 - « حَقِیقٌ عَلَی أَنْ لَاأَقُولَ عَلَی اللّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُکُمْ بِبَیِّنَهٍ مِنْ رَبِّکُمْ فَأَرْسِلْ مَعِیَ بَنِی إِسْرَائِیلَ » الأعراف : 105
382- « قَالُوا ارْجِهْ وَاخَاهُ وَ ارسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ » الأعراف : 111
383 - « وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ » الأعراف : 134
384- « أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ » يوسف : 12
385 - « وَ جاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَ اللّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ » يوسف : 19
386 - « فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَ آتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَ قالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ » یوسف : 31
387 - « وَ قالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ، فَأَرْسِلُونِ » يوسف : 45
388 - « فَلَمَّا رَجَعُوا إلَی أبِیهِمْ قَالُوا یَا أبَانَا مُنِعَ مِنَّا الکَیْلُ فَأرْسِلْ مَعَنَا أخَانَا نَکْتَلْ وَإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ » یوسف : 63
389- « قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثقِا مِنَ اللَّه لَتَأْتُنَّنيِ بهِ إلِّا أَنْ يُحاطَ بكِمْ فَلَمَّ آَتَوْهُ مَوْثقِهُمْ قَالَ اللَّه عَلَی مَا نَقُولُ وَكِيلٌ » يوسف : 66
390 -« فَأْتِیاهُ فَقُولا إِنّا رَسُولا رَبِّکَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِی إِسْرائِیلَ وَ لا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناکَ بِآیَةٍ مِنْ رَبِّکَ وَ السَّلامُ عَلی مَنِ اتَّبَعَ الْهُدی » طه : 47
391- « فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِی الْمَدائِنِ حاشِرِینَ » الشعراء : 53
392 - « وَأَخِی هرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّی لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِیَ رِدْءًا یُصَدّقُنِی إِنّی أَخَافُ أَن یُکَذّبُونِ » القصص : 34
393 - « اَللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » الزمر : 42
إرسال الشياطين:
394 - « أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا » مریم : 83
إرسال الأشياء:
إرسال الرياح:
395 - « وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » الأعراف : 57
396 - « وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ » الحجر : 22
397 - « أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً » الإسراء : 69
398 - « وَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً » الفرقان : 48
399 - « أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ تَعالَى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ » النمل : 63
..4- « وَ مِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَ لِيُذِيقَکُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِيَ الْفُلْکُ بِأَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّکُمْ تَشْکُرُونَ » الروم : 46
401 - « اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ کَيْفَ يَشَاءُ وَ يَجْعَلُهُ کِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ » الروم : 48
402 - « وَ لَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَکْفُرُونَ » الروم : 51
403 - « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْکُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْکُمْ إِذْ جَاءَتْکُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَ کَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً » الأحزاب : 9
404- « وَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا کَذٰلِکَ النُّشُورُ » فاطر : 9
405- « فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ لَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَ هُمْ لاَ يُنْصَرُونَ » فصلت : 16
406 - « وَ فِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ » الذاريات : 41
407 - « إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ » القمر : 19
إرسال السماء:
408 - « أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ » الأنعام : 6
409 - « وَ يا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى
قُوَّتِكُمْ وَ لا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ». هود : 52
410- «يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْکُمْ مِدْرَاراً » نوح : 11
إرسال لحسبان من السماء :
411- « فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً » الكهف : .4
إرسال شواظ من نار:
412 - « يُرْسَلُ عَلَيْکُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَ نُحَاسٌ فَلاَ تَنْتَصِرَانِ » الرحمن : 35
إرسال الطير:
613 - « وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ » الفيل :3
إرسال الطوفان:
414 - « فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ » الأعراف: 133
إرسال الرجز:
415 - « فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ » الأعراف : 162
إرسال حاصب:
416 - « فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » العنكبوت : 40
417 - « إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ » القمر : 34
418 - « أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا » الإسراء : 68
419- « ام أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْکُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ کَيْفَ نَذِيرِ » الملك : 17
إرسال سيل العرم:
420- « فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُکُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْ ءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ »سبا : 16
إرسال الصيحة:
421 - « إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ » القمر : 31
إرسال الحجارة:
422 - « لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ » الذاريات : 33
إرسال الصواعق:
423 - « وَ یُسَبِّحُ الرَّعْدُ بحِمْدِهِ وَ الْمَلَئکَهُ مِنْ خِیفَتِهِ وَ یُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَیُصِیبُ بِهَا مَن یَشَاءُ وَ هُمْ یجُدِلُونَ فیِ اللَّهِ وَ هُوَ شَدِیدُ المْحَالِ » الرعد : 13
و البحث في جميع هذه الآيات موکول إلى موادها و مواضيعها.
ويلاحظ ثانيا: أن 274 آیات منها - كما سبق في الجدول الأول - مكية، و أكثرها في القصص القرآنية، و 238 آيات منها مدنية،
وأكثرها في شأن النبي و أعماله بعد الهجرة.
والأسف أن أكثر آیات هذه المادة ذم و تعنيف للأمم، و منهم أمة نبينا محمد صلی الله علیه و آله .
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
الرسول : البريد:
المبعوث: « كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ...» البقرة : 213
الرسول: المحدث:
النبي: « أَلَمْ تَرَ إِلَی الْمَلَإِ مِن بَنِی إِسْرَاءِیلَ مِن بَعْدِ مُوسَی إِذْ قَالُوا لِنَبِیّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلَکًا نُّقَاتِلْ فِی سَبِیلِ اللَّهِ...» البقرة : 246
الملك: « قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا » مریم: 19
4 ألفاظ، 14 مرة ، 13 مکیه 1 مدنیه فی 13 سوره : 12 مکیه ، 1 مدنیه
رواسی 9 : 8-1 ارساها 1:1
راسیا 1:1 مرساها 3:
النصوص اللغوية
الخليل: رسوت لفلان من هذا الأمر أو الحديث، أي ذكرت له طرفا منه.
ورسوت الحديث: أحكمته فيما بينك و بين نفسك.
و رسا الجبل يرسو، إذا ثبت أصله في الأرض.
و رست السفينة: انتهت إلى قرار الماء، فبقيت لاتسير.
و المرساة: أنجريشد بالحبال، فيرسل في البحر، فيمسك بالسفينة، و يرسيها فلاتسير.
وألقت السحابة مراسيها: ثبتت في موضع، و جادت بالمطر.
والفحل من الإبل إذا تفرق عنه شوله، فهدر بها و راغت إليه و سكنت، قيل: رسابها .
والمرسي: مصدر من أرسيت السفينة.
و رست قدماه في الموقف والحرب، أي ثبتت.
و قد راسیة: لا تبرح مكانها، و لايستطاع تحويلها.[ و استشهد بالشعر مرتين]
(7: 290)
أبو عمرو الشيباني: و الرسو، رسوت أرسو خبرا، أي أخبر. (27:2)
والرسو: تلو الشيء، يقال: رسوت کلاما. (37:2)
أبوزيد: رسوت عنه حديثا أرسوه رسوا، أي تحدثت عنه.
و رسست الحديث أرسه في نفسي، أي حدثت به نفسی. (الأزهري 13 : 55)
ابن الأعرابي: الرس و الرسو بمعنى واحد .
والرسوة: الدستينج، و الجميع: رسوات.
الرسي: الثابت في الخير والشر.
و رسا الصوم، إذا نواه.
و راسي فلان فلانا: إذا سابحه، و ساراه إذا فاخره.
و الرسي: العمود الثابت في وسط الخباء. (الأزهري 55:13)
ابن السكيت: إذا كان السوار من ذبل أو عاج فهو مسكة و وقف، فإذا كان من خرز فهو الرسوة.
وقال بعض الأعراب: الرسوة: الدستينج؛ والجمع: رسوات. (655)
کراع النمل: الرسوة: الدستینج؛ و الجمع: رسوات و لايكسر. (ابن سيده 8: 609)
ابن دريد: الرسو: مصدر رسوت بين القوم أرسو رسوا، إذا أصلحت بينهم. (2: 338)
الأزهري: السوار: إذا كان من خرز فهو رسوة. (55:13)
الصاحب: رسوت لفلان رسوا من الحديث والأمر، أي ذكرت له منه ذكرا و طرفا.
و رسيت منه حديثا، أي حفظته و حملت عنه.
والرسو: الإصلاح بين القوم.
و رسا الجبل يرسو : ثبت أصله في الأرض.و كذلك السفينة إذا انتهت إلى قرار الماء.
و المرساة: الأنجر.
و إذا ثبتت السحابة في موضيع و جادت، قیل: ألقت مراسيها.
والفحل إذا صاح بالشول ثم سكنت وأسفرت، قيل: رسابها. و رست قدماه في الحرب.
و قد راسية: لا تبرح مكانها.
والرسوة: الدستينج؛ و جمعها رسوات و رساء، و هو من خرز صغار و لؤلؤ. و ترست المرأة: من ذلک. (368:8)
الجوهري: رسا الشيء يرسو: ثبت. و جبال راسيات.
و رست أقدامهم في الحرب، أي ثبتت.
و رست السفينة ترسو رسوا، أي وقفت على اللنجر.
و قوله تعالى : ( بسم الله مجريها ومرسيها ) هود : 41، بالضم من أجريت وأرسيت، و ( مجراها ومرساها ) بالفتح من رست و جرت.
و رسوت بين القوم رسوا، أي أصلحت.
والرسوة: شيء من خرز ينظم کا لدستينج.
و رسوت عنه حديثا، أي حدثت به عنه. و يقال أيضا: رسوت، إذا ذكرت منه طرفا.
و المرساة: التي ترسي بها السفينة، تسميها الفرس «لنگر ».
وألقت السحابة مراسيها، إذا دامت.
والرواسي من الجبال: الثوابت الرواسخ. قال الأخفش: واحدتها راسية.
و ربما قالوا: قد رسا الفحل بالشول، و ذلك إذا قعا عليها.
ويقال: تمرة نرسیانة بكسر النون، لضرب من التمر جيد. (2356:6)
ابن فارس: الراء والتين والحرف المعتل أصل يدل على ثبات .
تقول: رسا الشيء يرسو، إذا ثبت. و الله جل ثناؤه أرسى الجبال، أي أثبتها. و جبل راس: ثابت. و رست أقدامهم في الحرب.
ويقال : ألقت السحابة مراسيها، إذا دامت والفحل، إذا تفرقت عنه شوله فصاح بها استقرت، فيقال عند ذلك: رسا بها.
و من الباب رسوت بين القوم رسوا، إذا أصلحت.
و بقيت في الباب كلمة إن صحت فقياسها صحيح. يقال: رسوت عنه حديثا أرسوه، إذا حدثت به عنه. و في ذلك إثبات شيء أيضا. (394:2)
ابن سيده: رسا الشيء رسوا، و أرسى: ثبت و أرساه هو.
و رست قدمه: ثبتت في الحرب.
و رست السفينة: بلغ أسفلها القعر، فثبتت، و أرساها هو.
و المرساة: أنجر السفينة التي ترسی به .
وألقت السحابة مراسيها: استقرت و جادت .
و رسی الفحل بشوله: هدر بها فاستقرت.
وقد راسية: لا تبرح مكانها، و لايطاق تحويلها.
و رساله رسوا من حديث: ذكر.
ورسا عنه حديثا رسوا: رفعه و حدث به عنه.
و رسا بينهم رسوا: أصلح.
والرسوة: السوار من الذبل. (8: 609)
الراغب: يقال: رسا الشيء يرسو: ثبت وأرساه غيره، قال تعالى: « وَ قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ » سبأ: 13، و قال: « رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ» المرسلات : 27، أي، جبالا ثابتات، « وَ الْجِبَالَ أَرْسَاهَا » النازعات: 32، و ذلك إشارة إلى نحو قوله تعالى: « وَ الْجِبَالَ أَوْتَاداً » النبأ : 7.[ثم استشهد بشعر]
وألقت السحابة مراسيها نحو: ألقت طنبها.
وقال تعالى: (ارکبوا فيها بسم الله مجريها و مرسیها) هود : 41، من أجريت، وأرسيت فالمرسى يقال: للمصدر، والمكان والزمان، والمفعول. وقرئ: ( مجريها ومرسيها ).
وقوله : « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها » الأعراف : 187، أي: زمان ثبوتها.
ورسوت بين القوم، أي أثبت بينهم إيقاع الصلح. (169)
نحوه الفيروزابادي. (بصائر ذوي التمييز 3: 74)
الزمخشري: جبل راس، و جبال راسيات و رواس. و أرساها الله تعالى.
و رسا و ترسی: ثبت.
و رست السفينة: انتهت إلى قرار فبقيت لاتسير.
و أرسوها بالمرساة و هي الأنجر.
و رست قدماء في الحرب.
« وَ قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ » سبأ : 13، لا يستطاع تحويلها لثقلها، فهي في مكانها.
و من المجاز: ما أرسی ثبير ما أقام، و أصله منإرساء السفينة.
وألقوا مراسيهم، إذا أقاموا.
وألقت السحابة مراسيها.
ورسا الفحل بالشول، إذا تفرقت فصاح بها فاستقرت. (أساس البلاغة : 163)
الفيومي: رسا الشيء يرسو رسوا و رسوا: ثبت. فهو راس.
وجبال راسية، و راسیات، و رواس، و أرسيته بالألف للتعدية، و رست أقدامهم في الحرب.
و رسوت بين القوم: أصلحت. وألقت السحابة مراسيها: دامت. (227:1)
الفيروزابادي: رسا رسوا و رسوا: ثبت ک«أرسى». و السفينة وقفت على الأنجر، و أرسيته و الصوم: نواه.
و رسوا من الحديث : ذكر طرفا منه.
وعنه حديثا: رفعه و حدث به عنه.
والفحل بشوله: تفرقت عنه فهدر بها، فراغت إليه و سكنت .
و المرساة: أنجر السفينة.
والرسوة: الدستينج.
وألقت السحاب مراسيها: استقرت و جادت .
و راساه: سابحه.
و ک«غني»: العمود الثابت وسط الخباء، والثابت في الخير والشر .
ومرسیة بالضم: بلدة بالمغرب.
و قدر راسية: لا تبرح مكانها لعظمها. (336:4)
الطريحي: وفي حديث أهل البيت علیهم السلام : « بكم تستقل جبال الأرض عن مراسيها»، أي عن ما يمسكها. (183:1)
مجمع اللغة: رسا الشيء يرسو رسوا: ثبت أصله و رسخ، فهو راس و هي راسية، وهن راسیات، و رواس جمع: راس و راسية.
و أرساه: جعله ثابت الأصل راسخا.
أرسى السفينة: جعلها تثبت ولاتسير.
و المرسي: مصدر أرسى بمعنی ثبت، أو هو بمعنى المنتهى و المستقر. (481:1)
محمود شیت: رسا الشيء رسوا، و رسوا: ثبت.
و رسا الجبل: ثبت أصله في الأرض.
و رسا قدمه: ثبت في الحرب.
و رسا السفينة: وقفت عن السير.
و رسا بين القوم رسوا: أصلح.
أرسى الشيء: رسا. يقال: أرست السفينة. و أرسى الشيء: أثبته. و أرسى الوتد في الأرض: ضربه فيها .
« الراسي » الجبل الراسي: الثابت الراسخ؛ جمعه: الرواسي.
« المرسى - المرسى»: محط السفينة قرب الساحل؛ جمعه: مراس.
و المرساة: ثقل يلقى في الماء فيمسك السفينة أن تجري؛ جمعه: مراس.
رست السفينة: وقفت عن السير.
الراسي: الجبل الراسخ؛ جمعه: الرواسي.
المرسي: محط السفينة قرب الساحل. يقال: مرسى القوة النهرية، و مرسى البحرية، و مرسی الفاو.
المرساة: ثقل يلقى في الماء فيمسك السفينة أن تتحرك؛ جمعه: مراس. (1: 269)
المصطفوي: قد سبق في مادة « رسخ »: أن الأصل الواحد في هذه المادة، هو استقرار شيء عظیم تاما. و أوضحنا الفرق بين هذه المادة و مواد الرس و الثبت و الحق و الراسخ و الرسب، فراجع.
فإطلاق «الرسا » في مورد الحديث و الخير و الشر و الصوم، و أمثالها، للإشارة إلى عظمتها و استقرارها التام، و تثبيتها الكامل، كما أن إطلاق مادة «الرس» في موارد الإصلاح والإفساد والحديث و أمثالها، باعتبار تثبیت نافذ و إنفاذ شديد فيها - سبق في الرس-.
«وَجَعَلَ فِیهَا رَوَاسِیَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَکَ فِیهَا» فصلت : 10، «وَ الْجِبالَ أَرْسیها » النازعات : 32 « وَجَعَلْنَا فِیهَا رَوَاسِیَ شَامِخَات وَأسْقَیْنَاکُمْ مَاءً فُرَاتاً » المرسلات : 27، « وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً » النحل: 15، « وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَیْنَا فِیهَا رَوَاسِیَ » الحجر : 19، « وَ هُوَ الَّذِی مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِیهَا رَوَاسِیَ وَأَنْهَاراً » الرعد : 3، « أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِیَ » النمل: 61 .
في هذه الآيات الكريمة إشارات إلى مطالب راجعة إلى حياة الإنسان، و إدامتها على وجه الأرض:
1- مد الأرض، أي جعلها ممتدة حتى تتحصل فيها السهول و الأودية و الصحاري، لتعيش الناس والزراعة والفلاحة، و إيجاد الحدائق و الأشجار المثمرة، و العمران و تهيئة العمارات و المساكن و غيرها.
2 - الجبال الواسي: حتى تجلب السحب و الأمطار، و الأمطار ينابيع الأنهار، و الجبال مخازن المياه، و من الماء حياة كل شيء من نبات و حیوان و إنسان، و لولا الماء لما قامت حياة ذي حياة. « وَ أَسْقَيْنَاکُمْ مَاءً فُرَاتاً » المرسلات : 27.
3- « رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِکُمْ » النحل: 15، فجعلت هذه الجبال الرواسي الشامخات العظيمة على الأرض، حفظا لها عن الاضطراب و الاختلال، و لتثبيت النظم و تعديل الحركة، و تنظيمها في موقعيتها الموجودة، من جهة الجاذبة و الدافعة من داخلهاو من الخارج، حتى يحصل السكون والطمأنينة والقرار عليها.
وأما ذكر «الرواسي » في الآية الأخيرة بعد
« الأنهار »: فإن الآية الكريمة في مقام السؤال عن نتيجة خلق الأرض، أي الاستقرار و الطمأنينة عليها، في أثر جریان الأنهار، و جعل الرواسي عليها. [ إلى أن قال:]
فظهر لطف التعبير بالمادة في الموارد المستعملة المذكورة.
و أما ذكر كلمة «الرواسي » من المجرد دون الإرساء المنتسب إلى الله العزيز: فللتصريح بالنسبة إليه تعالى صريحا في مواردها « وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ » الرعد: 3، « وَ أَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ » الحجر : 19، « وَ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ» النحل :150 .
وأما قوله تعالى: « وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَ قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ »، فمن أعمال الجن لسليمان « يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ ». سبأ : 13
و أما ذكر المادة في هذه الآية الكريمة بصيغة فاعلات دون فواعل : فإن فواعل صيغة لمنتهي الجموع و للكثرة، و لا مقتضي لها فيها. (136:4)
النصوص التفسيرية
آرسيها
وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها * أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعیها *وَ الْجِبالَ أَرْسیها.» النازعات: 30-32
ابن عباس: أوتدها. (500)
الطوسي: أي وأثبت الجبال في الأرض.
و الإرساء: الإثبات بالثقل، فالسفينة ترسو، أي تثبت بثقلها، فلا تزول عن مكانها، و ربما أرست بالبحر بما يطرح لها.
فأما الجبال فإنها أوتاد الأرض، و أرسيت بثقلها، و في جعلها على الصفة التي هي عليها أعظم العبرة. (261:10)
القشيري: أثبتها أوتادا للأرض. (6: 253)
الزمخشري: و إرساء الجبال و إثباتها أو تادا لها حتى تستقر و يستقر عليها. (215:4)
بنت الشاطئ: الإرساء: التثبيت و الترسيخ، و من استعماله في الحسيات: الراسي- ک«غبي» - و هو العمود الثابت وسط الخباء.
و قد راسیة: لا تبرح مكانها لعظمها.
و قالوا: ألقت السفينة مراسيها إذا استقرت، و كذلك السحابة إذا استقرت جادت.
و منه في القرآن:
« وَ قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ » سبأ : 13، « بِسْمِ اللَّهِ مَجْريها وَمُرْسَیهَا » هود:41، على أن المادة يكثر مجيئها في الجبال، لوضوح الثبات والرسوخ فيها، بل إن القرآن يستغني أحيانا ب «الرواسي » عن الجبال، فيشهد هذا بأن صفة الرسو، تبدو أوضح ما تبدو في الجبال:
« وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَاراً » الرعد : 3
« وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ » الحجر: 19
« وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلّ زَوْجٍ بھیج » ق : 7
« وَ اَلْقى فِى الاَرْضِ رَوَاسِىَ اَنْ تَميدَ بِكُمْ » النحل : 15
و مثلها آیات: الأنبياء: 31، و النمل: 61، والمرسلات : 27، و لقمان : 10.
فإرساء الجبال، فيه هذه الدلالة الأصلية الواضحة على الثبات والرسوخ، و فيه كذلك لفت قوي إلى قدرة الله الذي أرساها، كما أن ظاهرة الرفع لاتبدو مثلما تبدو في السماء. وظاهرة الاستواء والبسط لاتبدو مثلما تبدو في الأرض. (137:1)
و فيها بحوث أخرى راجع: ج ب ل: « الجبال » وأيضا بحوث حول تقديم و تأخير «الأرض» و«الجبال » في السورة، فراجع.
رواسي
1- « وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ » الرعد : 3
ابن عباس: خلق في الأرض الجبال الثوابت .أوتادا لها. (205)
أبو عبيدة: أي جبالا ثابتات، يقال: أرسيت الوتد. (321:1)
الطبري: يقول جل ثناؤه: و جعل في الأرض جبالا ثابتة.
و «الرواسي » جمع « راسية» و هي الثابتة، يقال منه: أرسيت الوتد في الأرض، إذا أثبته. (7: 330)
الزجاج: أي جبالا ثوابت، يقال: قد رسا الشيء ي و رسوا، فهو راس، إذا ثبت. (137:3 )
الماوردي: أي جبا، واحدها راسية، لأن الأرض ترسو بها، أي تثبت. (3: 92)
أبو السعود: أي جبالا ثوابت في أحيازها، من الرسو، وهو ثبات الأجسام الثقيلة. ولم يذكر الموصوف لإغناء غلبة الوصف بها عن ذلك، و انحصار مجيء فواعل جمعا لفاعل في فوارس و هوالك و نواکس، إنما هو في صفات العقلاء .
و أما في غيرهم فلايراعي ذلك أصلا كما في قوله تعالى: « أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ» البقرة : 184، و قوله: « اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ » البقرة : 197، إلى غير ذلك، فلا حاجة إلى أن يجعل مفردها صفة الجمع القلة، أعني « أجبلا». و يعتبر في جمع الكثرة، أعني « جبالا » انتظامها لطائفة من جموع القلة، و تنزيل كل منها منزلة مفردها كما قيل، على أنه الامجال لذلك. فإن جمعية كل من صبغتي الجمعين إنما هي باعتبار الأفراد التي تحتها، لا باعتبار انتظام جمع القلة للأفراد و جمع الكثرة لجموع القلة، فكل منها جمع «جبل» لا أن « جبالا » جمع «أجبل » كما أن « طوائف » جمع «طائفة » ولا إلى أن يلتجأ إلى جعل الوصف المذكور بالغلبة في عداد الأسماء التي جمع على « فواعل » كما ظن على أنه لا وجه له،
لما أن الغلبة إنما هي في الجمع دون المفرد، و التعبير عن «الجبال » بهذا العنوان لبيان تفرع قرار الأرض على ثباتها. (437:3)
و هكذا جاءت في أكثر التفاسير أيضا.
2-« وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ » الحجر : 19
ابن عباس: جبالا ثوابت أوتادا لها. (217)
نحوه الزجاج (176:3) ، و الواحدي (42:3).
الطبري: رواسيها: جبالها. (501:7 )
الطوسي: يعني جبالا ثابتة. و أصله الثبوت، يقال: رست السفينة إذا ثبتت، و المراسي: ما تثبت به.
و قيل: جعلت الجبال أوتادا للأرض. وقيل: جعلت أعلاما يهتدي بها أهل الأرض. (6: 326)
البغوي: جبال ثوابت، و قد كانت الأرض تمید إلى أن أرساها الله بالجبال. (54:3)
نحوه البيضاوي (1: 539)، و النسفي (270:2)، و أبوالسعود ( 4: 13)، و القاسمي (3752:10)
الفخر الرازي: «رواسی» وهي الجبال الثوابت؛ واحدها: راس؛ و الجمع: راسية، وجمع الجمع : رواسي، و هو كقوله تعالى: « وَ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِکُمْ » النحل:15، و في تفسيره وجهان:
الوجه الأول: قال ابن عباس: لما بسط الله تعالى الأرض على الماء مالت بأهلها کالسفينة، فأرساها الله تعالى بالجبال الثقال، لكيلا تميل بأهلها.
فإن قيل: أتقولون: إنه تعالى خلق الأرض بدون الجبال فمالت بأهلها فخلق فيها الجبال بعد ذلك، أو تقولون: إن الله خلق الأرض و الجبال معا؟ قلنا: كلا الوجهين محتمل.
والوجه الثاني: في تفسير قوله: « وَ أَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ » يجوز أن يكون المراد أنه تعالى خلقها، لتكون دلالة للناس على طرق الأرض و نواحيها، لأنها كالأعلام، فلاتميل الناس عن الجادة المستقيمة، و لا يقعون في الضلال. و هذا الوجه ظاهر الاحتمال. (170:19)
القرطبي: جبالا ثابتة لئلا تتحرك بأهلها. (13:10)
الفاضل المقداد: أي جبالا راسية، أي ثابتة. و علل أرباب الهيئة ذلك بأنها كرة حاصلة في الماء، وإنما الطالع منها ربعها المسكون، فلو كانت حقيقية لم تثبت على وضع واحد، لأن بعض أوضاعها ليس أولى من بعض، فخلقت الجبال عليها لتخرجها عن كونها حقيقية و تثبت ولاتضطرب، ولأن الجبال إذا ثبتت ثبتت الأرض بثباتها، و لذلك سميت الجبال أوتادا على جهة الاستعارة، فإن الوتد يوجب ثبات مایربط به.
واعلم أنه ينافي ذلك قولنا: إنها ساكنة بفعل الفاعل المختار، لأنه تعالى قد يفعل بالسبب. ( 3:2)
البروسوي: أي جبالا ثوابت، لولا هي لمارت فلم يستقر له أحد على ظهرها. يقال: رسا رسوا
و رسوا: ثبت، که «أرسی». شبه الجبال الرواسي استحقارا لها و استقلالا لعددها، و إن كانت خلقا عظيما بحصيات قبضهن قابض بیده فنبذهن، و ما هو إلا تصویر لعظمته و تمثيل لقدرته، و إن كل فعل عظيم يتحير فيه الأذهان، فهو هین عليه.
والمعنى: و جعلنا في الأرض رواسي بقدرتنا الباهرة و حكمتنا البالغة؛ وذلك بأن قال لها: كوني، فكانت فأصبحت الأرض، و قد أرسيت بالجبال بعد أن كانت تمور مورا فلم يدر أحد مم خلقت. [إلى أن قال:]
و في «التأويلات النجمية»:« وَ الْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا »أي إن أرض البشرية تميد کنفس الحيوانات، إلى أن أرساها الله بجبال العقل و صفات .(451:4)
الآلوسي: أي جبالا ثوابت، جمع «راسية » جمع « راس » على ما قيل. و قد بين حكمة إلقاء ذلك فيها، في قوله سبحانه: « وَ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِکُمْ » النحل:15
قال ابن عباس: إن الله تعالى لما بسط الأرض على الماء مالت کالسفينة، فأرساها بالجبال الثقال لئلاتميل بأهلها، و قد تقدم الكلام في ذلك.
وزعم بعضهم: أنه يجوز أن يكون المراد أنه تعالى فعل ذلك لتكون الجبال دالة على طرق الأرض و نواحيها، فلاتميد الناس عن الجادة المستقيمة، و لا يقعون في الضلال، ثم قال: وهذا الوجه ظاهر الاحتمال. و أنت تعلم أنه لا يسوغ الذهاب إليه مع وجود أخبار تأباه كالجبال. (28:14)
المراغي:أي و جعلنا فيها جبالا ثوابت خوف أن تضطرب بسكانها كما قال في آية أخرى: « وَ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِکُمْ » النحل: 15. (14:14)
عزة دروزة: كناية عن الجبال.(4: 131)
الطباطبائي: والرواسي صفة محذوفة الموصوف، و التقدير : و ألقينا فيها جبالا رواسي وهو جمع راسية بمعنى الثابتة، إشارة إلى ما وقع في غير هذا الموضع، أنها تمنع الأرض من الميدان، كما قال: « وَ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِکُمْ » النحل : 15. (139:12)
مکارم الشيرازي: عبر سبحانه عن خلق الجبال ب « الإلقاء » و لعل المراد ب « الإلقاء » هنا بمعنى «إيجاد » لأن الجبال هي الارتفاعات الشاخصة على سطح الأرض الناشئة من برودة قشرة الأرض التدريجي، أو من المواد البركانية.
وما يعزز هذا المعني استعماله في لغتنا، فنقول مثلا: وضعنا على هذه الأرض عدة مباني، أي بنينا و أوجدنا.
و من بديع خلق الجبال - إضافة إلى كونها أوتادا لتثبيت الأرض، و حفظها من التزلزل نتيجة الضغط الداخلي - فإنها تقف كالدرع الحصين في مواجهة قوة العواصف، بل و تعمل على تنظيم حركة الهواء و تعيين اتجاهه، و مع ذلك فهي المحل
الأنسب لتخزين المياه على صورة ثلوج و عيون.
و استعمال كلمة «رواسی »جمع «راسية » بمعنى الثابت و الراسخ، إشارة لطيفة لما ذكرناه، فهي ثابتة بنفسها، و سبب لثبات قشرة الأرض، و ثبات الحياة الإنسانية عليها. ثم ينتقل إلى العامل الحيوي الفعال في وجود الحياة البشرية و الحيوانية، ألا و هو النبات: « وَأَنْبَتْنَا فِیهَا مِنْ کُلِّ شَئٍْ مَوْزُونٍ » . (46:8)
فضل الله: ثابتة في أعماقها، لتمنعها من الاهتزاز، و هي الجبال الشامخة. ( 151:13)
3- « وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ » النحل:15
ابن عباس: الجبال الثوابت. (222)
بهذا المعنى جاء في التفاسير. و أيضا جاء بهذا المعنى في الآيات اللاحقة.
4- « وَجَعَلْنَا فِی الأرْضِ رَوَاسِیَ أنْ تَمِیدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِیهَا فِجَاجاً سُبُلا لَعَلَّهُمْ یَهْتَدُونَ ». الأنبياء: 31
5- « أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِیَ وَجَعَلَ بَیْنَ الْبَحْرَیْنِ حَاجِزاً أإله مَعَ اللَّهِ بَلْ أَکْثَرُهُمْ لَا یَعْلَمُونَ » النمل : 61
6- « خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَیْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَی فِی الْأَرْضِ رَوَاسِیَ أَن تَمِیدَ بِکُمْ وَبَثَّ فِیهَا مِن کُلِّ دَآبَّهٍ وَ أَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا فِیهَا مِن کُلِّ زَوْجٍ کَرِیمٍ » لقمان : 10
7- « وَجَعَلَ فِیهَا رَوَاسِیَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَکَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَا أَقْوَاتَهَا فِی أَرْبَعَهِ أَیَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِینَ ». فصلت : 10
8- « وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ.» ق: 7
9- « (وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً » المرسلات : 27
و فيها بحوث أخرى راجع: ش م خ : « شامخات».
راسیات
« یَعْمَلُونَ لَهُ مایَشاءُ مِنْ مَحاریبَ وَتَماثیلَ وَجِفانٍ کَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِیاتٍنِ اعْمَلُوا الَ داوُدَ شُکْرا وَ قَلیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ». سبأ : 13
ابن عباس: ثابتات عظام، لا ترفع يأكل منها ألف رجل. (360)
نحوه الزجاج.(246:4)
أثافيها منها. (الماوردي 4: 439)
مجاهد: عظام. (الطبري 356:10)
قتادة: عظام ثابتات في الأرض، لا يزلن عن أمكنتهن. (الطبري 356:10)
ابن زيد: مثال الجبال من عظمها، يعمل فيها الطعام من الكبر والعظم، لا تحرك، و لاتنقل، كما قال: للجبال: راسيات. (الطبري 356:10)
ابن قتيبة: ثوابت في أماكنها تترك - لعظمها۔ و لا تنقل. يقال: رسا الشيء، إذا ثبت، فهو يرسو. و منه قيل للجبال: رواس. (354)
الطبري: وقدور ثابتات لايحركن عن أماكنهن، و لا حول لعظمهن ( 355:10)
الثعلبي: ثابتات لايحولن و لايحركن من أماكنهن لعظمتهن. و لاينزلن ولايعطلن، و کانت باليمن، و منه قيل للجبال: رواسي. (8: 79)
نحوه البغوي (3: 674)، و الميدي (8: 124).
الماوردي: مأخوذ من الجبال الرواسي ، لثبوتها و ثبوت الأرض بها. (439:4)
الطوسي: يعني عاليات ثابتات لاتنزل. (383:8)
الزمخشري: ثابتات على الأثافي لاتنزل عنها لعظمها. (283:3)
مثله البيضاوي (2: 257)، و أبوالسعود (251:5)
الفخر الرازي: أي غير منقولات، ثم لما بين حال الجفان العظيمة، كان يقع في النفس أن الطعام الذي يكون فيها في أي شيء يطبخ، فأشار إلى القدور المناسبة للجفان. ( 248:25)
و هكذا جاء في أكثر التفاسير. و فيها بحوث أخرى، راجع: ق در: «قدور».
مرسيها
1-« یَسْئَلُونَکَ عَنِ السّاعَهِ أَیّانَ مُرْسیها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِندَ رَبّی » الأعراف: 187
ابن عباس: متى قیامها و حينها؟ (143)
يعني: منتهاها. (الطبري 6: 137)
قتادة: متی قیامها؟
مثله السدي. (الطبري 6: 137)
القراء: المرسي في موضع رفع. (1: 399)
الأخفش: ظهورها. (الماوردي 2: 284)
ابن قتيبة: أي متى ثبوتها؟ يقال: رسا في الأرض، إذا ثبت. و رسا في الماء: إذا رسب .و منه قيل للجبال: رواس.(175)
الطبري: و معنى قوله: «مرسيها » قیامها، من قول القائل : « أرساها الله فهي مرساة »، و «أرساها القوم » إذا حبسوها، و « رست هي، ترسو رسوا».
وقال آخرون: معنى ذلك: منتهاها، و ذلك قریب المعنى من معنى من قال : معناه: « قيامها »، لأن انتهاءها بلوغها وقتها.
وقد بينا أن أصل ذلك: الحبس والوقوف. (136:6)
الزجاج: و معنى « مرسیها » مثبتها. يقال: رسا الشيء يرسو، إذا ثبت فهو راس، و كذلك جبال راسیات، أي ثابتات. و أرسيه إذا أثبته.
فالمعنى « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ»: متى وقوعها. (1)(393:2)
الجصاص: و المرسي: مستقر الشيء الثقيل؛ و منه: الجبال الراسيات يعني الثابتات. ورست السفينة، إذا ثبتت في مستقرها، و أرساها غيرها: أثبتها. (36:3)
1) « مرسیها » إذن مصدر ميمي
الطوسي: أي وقت قيامها و ثباتها. و « مرسیها » في موضع رفع بالابتداء. يقول: رسا یرسوا إذا ثبت، فهو راس، و جبال راسيات: ثابتات، و أرساها الله ، أي ثبتها.
وقيل: معنى «مرسيها » الوقت الذي يموت فيه جميع الخلق، و معنی سؤالهم عنها،أي متى وقوعها و كونها؟ فأمر الله تعالى نبيه صلی الله علیه و آله أن يجيبهم و يقول هم: « عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ » لم يطلع عليها أحد، كما قال :« إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ » لقمان : 34. (55:5)
الزمخشري: إرساؤها أو وقت إرساؤها، أي إثباتها و إقرارها، و كل شيء ثقيل رسوه: ثباته و استقراره، و منه: رسا الجبل و أرسى السفينة. و المرسي: الأنجر الذي ترسی به.
و لا أثقل من الساعة بدليل قوله: « ثَقُلَتْ فی السمواتِ والأرضِ ». و المعنى متى يرسيها الله. (134:2)
ابن عطية: مرتفع بإضمار فعل، و معناه مثبتها و منتهاها، مأخوذة من أرسی پرسي، ثم أمر الله عزوجل بالرد إليه و التسليم لعلمه. (2: 484)
الفخر الرازي: المرسی هاهنا مصدر بمعنى الإرساء، لقوله تعالى: «بِسْمِ اللَّهِ مَجْريها وَمُرْسَیهَا » هود:41، أي إجراؤها و إرساؤها. و الإرساء: الإثبات. يقال: رسا یرسو، إذا ثبت.
قال تعالى: «وَ الْجِبالَ أَرْسیها» النازعات : 32، فكان الرسو ليس اسما لمطلق الثبات، بل هو اسم لثبات الشيء إذا كان ثقيلا؛ ومنه إرساء الجبل، و إرساء السفينة. ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة، بدليل قوله: « ثَقُلَتْ فِی السَّمواتِ وَالْاَرْضِ » لاجرم سمى الله تعالى وقوعها و ثبوتها بالإرساء. ( 80:15)
أبوالبقاء: «مرسيها » مفعل من أرسي، و هو مصدر مثل الدخل والمخرج، بمعنى الإدخال و الإخراج، أي متى إرساؤها. (606:1)
القرطبي: و«مرسيها » في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه، و الخبر «ایان ». و هو ظرف مبني على الفتح، بني لأن فيه معنى الاستفهام.
و « مرسیها » بضم الميم، من أرساها الله، أي أثبتها، أي متي مثبتها، أي متى وقوعها؟ و بفتح الميم من «رست»، أي ثبتت و وقفت، و منه: « قُدُورٍ راسِياتٍ » (335:7)
البيضاوي: متي إرساؤها، أي إثباتها و استقرارها، و رسو الشيء: ثباته و استقراره؛ و منه: رسا الجبل و أرسى السفينة. (379:1)
السفي: «مرسيها »إرساؤها، مصدر مثل المدخل بمعنى الإدخال، أو وقت إرسائها، أي إثباتها، و المعنى متی سیها الله. (88:2 )
أبو حيان: «مرسيها » مصدر، أي متى إرساؤها، و إثباتها إقرارها. و الرسو: ثبات الشيء الثقيل. و منه: رسا الجبل، و أرسيت السفينة. و المرسى: المكان الذي ترسو فيه.
و قال الزمخشري: «مرسيها »: إرساؤها أو
وقت إرسائها، أي إثباتها و إقرارها » انتهى.
و تقديره: أو وقت إرسائها، ليس بجید، لأن «ایان » اسم استفهام عن الوقت، فلا يصح أن يكون خبرا عن الوقت إلا بمجاز، لأنه يكون التقدير: في أي وقت وقت إرسائها؟ و « ایان مرسیها » مبتدأ.
و حکی ابن عطية عن المبرد أن «مرسيها » مرتفع بإضمار فعل، ولاحاجة إلى هذا الإضمار. و «ایان مرسیها » جملة استفهامية في موضع البدل من «الساعة »، و البدل على نية تكرار العامل؛ و ذلك العامل معلق عن العمل، لأن الجملة فيها استفهام.
ولما علق الفعل وهو يتعدي ب «عن» صارت الجملة في موضع نصب على إسقاط حرف الجر، فهو بدل في الجملة على موضع «عن الساعة » لأن موضع المجرور نصب. و نظيره في البدل قولهم: « عرفت زيدا أبومن هو» على أحسن المذاهب في تخريج هذه المسألة، أعني في كون الجملة الاستفهامية تكون في موضع البدل. (434:4)
أبوالسعود: قوله تعالى: «ایان مرسيها » بفتح الهمزة، و قد قرئ بكسرها و هو ظرف زمان متضمن المعنى الاستفهام، و يليه المبتدأ أو الفعل المضارع دون الماضي بخلاف «متی» حيث يليها كلاهما.
قيل: اشتقاقه من أي فعلان منه، لأن معناه أي وقت و هو من أويت إلى الشيء، لأن البعض أو إلى الكل متساند إليه. و محله الرفع على أنه خبر مقدم، و «مرسیها» مبتدأ مؤخر، أي متى إرساؤها، أي إثباتها و تقريرها. فإنه مصدر ميمي من « أرساه » إذا أثبته و أقره، و لا يكاد يستعمل إلا في الشيء الثقيل، كما في قوله تعالى: « وَ الْجِبالَ أَرْسیها » النازعات : 32، و منه مرساة السفن.
و محل الجملة قيل: الج علی البدلية من «الساعة »، والتحقيق أن محلها النصب بنزع الخافض، لأنها بدل من الجار والمجرور لا من المجرور فقط، كأنه قيل: يسألونك عن الساعة عن أيان مرساها؟
وفي تعليق السؤال بنفس الساعة أولا وبوقت وقوعها ثانیا، تنبيه على أن المقصد الأصلي من السؤال نفسها، باعتبار حلولها في وقتها المعين لا وقتها، باعتبار کونه محلالها. وقد سلك هذا المسلك في الجواب الملقن أيضا؛ حيث أضيف العلم المطلوب بالسؤال إلى ضميرها، فأخبرها باختصاصه به عز و جل. (61:3)
نحوه البروسوي. (291:3)
الآلوسي: [ بسط الكلام في اشتقاق «ایان» و أضاف:]
وأيا ما كان، فهي في محل الرفع على أنها خبر مقدم و «مرسيها » مبتدأ مؤخر، وهو مصدر ميمي من « أرساه » إذا أثبته وأقره، أي متى إثباتها و تقريرها؟ ولا يكاد يستعمل الإرساء إلا في الشيء الثقيل، كما في قوله تعالى: « وَ الْجِبالَ أَرْسیها »
النازعات : 32. ومنه مرساة السفن، و نسبته هنا إلى «الساعه» باعتبار تشبيه المعاني بالأجسام.
وجوز بعضهم أن يكون اسم زمان، و لايرد عليه أنه يلزم أن يكون للزمان زمان، و في جوازه خلاف الفلاسفة، لأنه يؤول ب « متى » وقوع ذلك. والجملة قيل في محل النصب على المفعولية به، لقول محذوف وقع حالا من ضمير «یسئلونک»، أي يسألونك قائلين أيان مرساها؟ و قيل: في محل الجر على البدلية عن «الساعة ».
والتحقيق عند بعض أجلة المحققين أن محلها التصب بنزع الخافض، لأتها بدل من الجار والمجرور، لا من المجرور فقط.
وفي تعليق السؤال بنفس «الساعة» أولا و بوقت وقوعها ثانيا، تنبيه على أن المقصد الأصلي من السؤال نفسها، باعتبار حلولها في وقتها المعين، باعتبار كونه محلا لها. (132:9)
القاسمي: أي متى إرساؤها أو وقت إرسائها؟ أي إثباتها و إقرارها. و الرسو يستعمل في الأجسام الثقيلة، و إطلاقه على المعاني، تشبيها لها بالأجسام. (2916:7)
رشید رضا: معناه يسألونك أيها الرسول عن الساعة قائلين أيان ساها، أي متى إرساؤها و حصولها و استقرارها؟ أو يسألونك عنها من حيث زمن مجيئها و ثبوتها بالوقوع و الحصول.
ف«ایان » ظرف زمان، و « مرسیها » مصدر معناه: إرساؤها، يقال: رسا الشيء يرسو: ثبت،و أرساه غیره. و منه: إرساء السفينة و إيقافها بالمرساة التي تلقى في البحر، فتمنعها من الجريان، قال تعالى :« بِسْمِ اللّهِ مَجْریها وَ مُرْسیها» هود: 41، و قال : «وَ الْجِبالَ أَرْسیها» النازعات : 32.
و في السؤال عن زمن وقوعها بحرف الإرساء الدال على استقرار ما شأنه الحركة والجريان، أو الميدان و الاضطراب، نكتة دقيقة هي في أعلى درج البلاغة. و هو أن قيامة الساعة عبارة عن انتهاء أمر هذا العالم، و انقضاء عمر هذه الأرض التي تدور بمن فيها من العوالم المتحركة المضطربة، فعبر بإرسائها عن منتهى أمرها و وقوف سيرها، و« الساعة » زمن و هو أمر مقدور، لاجسم سائر أو مسیر، و ما يقع فيها و يعبر بها عنه، فهو حركة اضطراب و زلزال، لارسو ولا إرساء، وهو أمر مستقبل لاحاصل، و متوقع لا واقع.
و قوله تعالى: « إِنَّ عَذابَ رَبِّکَ لَواقِعٌ* ما لَهُ مِنْ دافِعٍ » الطور : 7، 8، معناه أنه سيقع حتما، و لذلك علق به بیان ما يقع فيه بقوله: « یَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً * وَ تَسِیرُ الْجِبالُ سَیْراً * فَوَیْلٌ یَوْمَئِذٍ لِلْمُکَذِّبِینَ » الطور : 9 -11، فلم يبق لإرسائها معنى إلا إرساء حركة هذا العالم فيها.
و إنه لتعبير بليغ، لم يعهد له في كلام البلغاء نظير، و لم أر أحدا نبه لهذا. و ذكر «الساعة » أولا ، والاستفهام عن زمن وقوعها ثانيا، على قاعدة تقديم الأهم، و هو المقصود بالذات.
قيل: إن المراد بالستائلين هنا اليهود، سألوه عنها
امتحانا، قالوا: إن كان نبيا فإنه لا يعين لها زمنا، لأن الله تعالى لم يطلع على ذلك أحدا من رسله، و قيل: قریش. و يرجحه أن السورة مكية، ولم يكن في مكة أحد من اليهود، و صيغة «یسئلونک » المتبادر منها الحال لا الاستقبال البعيد. و في آية الأحزاب : 63: « يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَ ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً » ، و هذه مدنية. (464:9)
نحوه المراغي. (128:9)
ابن عاشور: جملة: «ایان مرسيها » في موضع نصب بقول محذوف، دل عليه فعل «یسئلونک »، والتقدير : يقولون: أيان مرساها، وهو حكاية لقولهم بالمعنى، و لذلك كانت الجملة في معنى البدل عن جملة «يَسْئَلُونك عَنِ السَّاعَةِ ».
و «المرسى » مصدر ميمي من الإرساء، وهو الإقرار. يقال: رسا الجبل: ثبت، و أرساه: أثبته و أقره، و الإرساء: الاستقرار بعد السير، كما قال الأخطل:
و مرسي السفينة استقرارها بعد المخر، قال تعالى: « بِسْمِ اللّهِ مَجْريها وَمُرْسَیهَا » هود : 41، و قد أطلق الإرساء هنا استعارة للوقوع، تشبيها الوقوع الأمر الذي كان مترقبا أو متردد فيه، بوصول السائر في البر أو البحر إلى المكان الذي يريده. (375:8)
المصطفوي: هذه الصيغة للزمان من الإرساء، بقرينة كلمة «ایان » فإنها زمانية. والمراد من «الساعة »: قیام القيامة المذكورة في الآيات الكريمة: « حَتَّى إِذا جاءَ تَهُمُّ السَّاعَةُ بَغْتَةً » و الأنعام : 31، « إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ » لقمان: 34، «وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ » الروم : 14، «و الساعة لاریب فیها » الجاثية : 32، ولا يجوز تفسيرها بقيام الحجة و ظهوره علیه السلام. فإن السؤال عن زمان إرسائها، و هو مجهول لهم.
و أما الساعة نفسها فلايسأل عنها، لأنها مسبوقة بالذكر و معلومة عندهم. وهذا بخلاف شخص القائم أو ظهوره عليه السلام، فلم تكن لهما سابقة في أذهان المسلمين في الصدر الأول، و في زمان رسول الله صلی الله علیه و آله.
و هكذا لا يجوز التفسير بزمان الموت، فإنه يتحقق آنا فانا للأفراد، و هو غير معقول أن يسأل عنه، إلا أن يراد الموت العام المساوق لقيام الساعة و القيامة المبحوث عنها. (138:4)
مکارم الشيرازي: و كلمة «ایان» تساوي « متی» و هما للسؤال عن الزمان. و المرسی مصدر ميمي من الإرساء، و هما بمعنى واحد، وهو ثبات الشيء أو وقوعه، و لذلك يطلق على الجبل وصف «الراسي » فيقال: جبال راسیات، فبناء على ذلك فإن مفهوم « آیان مرسيها » هو في أي وقت تقع القيامة و تكون ثابتة؟! (293:5)
فضل الله: إثباتها و حصولها. ( 299:10)
2-« وَ قالَ ارْکَبُوا فِیها بِسْمِ اللّهِ مَجْریها
وَ مُرْسیها إِنَّ رَبِّی لَغَفُورٌ رَحِیمٌ » هود : 41
ابن عباس: حيث تحبس، و إن قرأت ( مجریها و مرسیها )، يقول الله: مجریها حيث شاء و مرسیها حيث شاء. (185)
ابن عاشور: بضم الميمين فيهما في قراءة الجمهور. و هما مصدرا، أجرى السفينة إذا جعلها جارية، أي سيرها بسرعة، و أرساها إذا جعلها راسية، أي واقفة على الشاطئ. يقال: رما إذا ثبت في المكان.
وقرأ حمزة، والكسائي، و حفص عن عاصم، و خلف « مجریها » فقط - بفتح الميم - على أنه مفعل للمصدر، أو الزمان أو المكان. و أما « مرسيها » فبضم الميم مثل الجمهور، لأنه لا يقال: «مرسيها» بفتح الميم. و العدول عن الفتح في «مرسيها » في كلام العرب -مع أنه في القياس مماثل «مجريها »-جهه دفع اللبس، لئلا يلتبس باسم « المرسي » الذي هو المكان المعد لرسو السفن.
ويجوز أن يكون « مَجْریها وَ مُرْسیها » في محل نصب بالنيابة عن ظرف الزمان، أي وقت إجرائها و وقت إرسائها. ويجوز أن يكون في محل رفع على الفاعلية بالجار والمجرور، لما فيه من معنى الفعل، و هو رأي نحاة الكوفة، و ما هو ببعيد. ( 261:11)
المصطفوي: اسمان للمكان بصيغة المفعول من الإفعال، أي إن محل إجرائها، و خط سيرها، و محل استقرارها، و توقفها الثابت، و إرسائها إنما هما يتمان و يتحققان باسم الله و بعنوانه، و تحت حكمه وإرادته.
ولا يجوز القراءة بفتح الميم فيهما، بصيغة الزمان أو المكان أو المصدر من الثلاثي، فإن النظر إلى إجرائها من جانب الله و بحوله تعالى و بقوته، لا إلى جریانها بنفسها، فإنه تعبير وهن.
ولا يجوز أيضا قرائتهما بكسر الراء على صيغة الفاعل، ليكونا صفتين لله، فإن كلمة « بِسْمِ اللّهِ » غیر متعلقة بكلمة « اركبوا » ليكون قول: « بِسْمِ اللّهِ » من الراكبين. فإن النظر إلى الإفادة و التذكر بأن برنامج سيرهم، و منتهی خط حركتهم تحت نظر الله و توجهه و إرادته. و هذا المعنى ألطف و أحسن من أن يركبوا باسمه، و أن يكون ركوبهم باسمه تعالى، مضافا إلى أن الصفة لازم أن يكون معلوما قبل التوصيف به، فكلمة «بِسْمِ اللّهِ » خبر مقدم، و «مجريها »مبتدأ مؤخر.(138:4)
فضل الله: من الإرساء و هو الثبوت، أي بسم الله مسیرها و ثبوتها. فهي تجري باسمه و بإرادته و بقدرته، و ترسو و تقف باسمه و بإرادته و بقدرته. (68:12)
وفيها بحوث أخرى راجع: ج ر ي: «مجريها».
3- « فَإِنَّ الْجَنَّهَ هِیَ الْمَأْوی * یَسْئَلُونَکَ عَنِ السّاعَهِ أَیّانَ مُرْساها » النازعات : 41،42
ابن عباس: متى قيامها؟ إنكار منهم لها.(501)
متى زمانها؟ (الماوردي200:6)
الفراء: يقول القائل : إنما الإرساء للسفينة
والجبال، و ما أشبههن، فكيف وصفت الساعة بالإرساء؟
قلت: هي بمنزلة السفينة إذا كانت جارية فرست، و رسوها قيامها، و ليس قيامها كقيام القائم على رجله و نحوه، إنما هو كقولك: قد قام العدل، وقام الحق، أي ظهر و ثبت. (3: 234)
أبو عبيدة: «مرسيها» منتهاها، مرسی السفينة حيث تنتهي. (285:2)
الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلی اله علیه و آله: يسألك يا محمد هؤلاء المكذبون بالبعث عن الساعة التي تبعث فيها الموتى من قبورهم أيان مرساها، متى قیامها و ظهورها ؟. (441:12)
الزجاج : معناه: متی وقوعها و قیامها. (281:5)
مثله الواحدي 4: 421) و نحوه الطبرسي (435:5)
القمي: متى تقوم؟ (404:2)
مثله القشيري . (254:6)
الثعلبی: متی ظهورها و ثبوتها؟ ( 129:10 )
مثله البغوي . (208:5)
الطوسي: أي متى يكون قيامها على ما وصفها، ف«ایان » معنی « متى » إلا أن « متی» أكثر استعمالا في السؤال عن الزمان، و نظيرها « أين » في السؤال عن المكان، و لذلك فسترت «ایان » به « متی ». و الإرساء: الثبوت، من قولهم: رست السفينة ترسو رسوا، فهي راسية إذا ثبتت؛ ومنه قوله: «ارسیها »النازعات: 32.
ويجوز أن يكون المراد بالمرسى المصدر، و يجوز أن يكون وقت الإرساء، والمعنى: متى ثبت أمرها بقيامها؟. (265:10)
الزمخشري: متي إرساؤها، أي إقامتها. أرادوا متي يقيمها الله و يثبتها و يكونها. و قيل: أيان منتهاها و مستقرها، كما أن مرسي السفينة مستقرها، حيث تنتهي إليه. (216:4)
نحوه البيضاوي (2: 539)، والنسفي 41: 331)، و أبو حيان (8: 424)، و أبوالسعود (6: 374)، و طنطاوي ( 40:25).
ابن عطية: معناه: متى ثبوتها و وقت سوها أي ثبوتها، كأنه يسير إلى غاية ما، ثم يقف، كما تفعل السفينة التي ترسو. (5: 435)
الفخر الرازي: في قوله: «مرسيها » قولان:
أحدهما: متى إرساؤها، أي إقامتها، أرادوا متی يقيمها الله و يوجدها و يكونها.
والثاني: «ایان» منتهاها و مستقرها، كما أن مرسى السفينة مستقرها حيث تنتهي إليه. (52:31)
الآلوسي: أي متي إرساؤها، أي إقامتها؟ يريدون متي يقيمها الله تعالى و يكونها و يثبتها؟ ف «المرسی » مصدر ميمي من «رسا » بمعنی ثبت، و منه الجبال الرواسي. و حاصل الجملة الاستفهامية السؤال عن زمان ثبوتها و وجودها.
و جوز أن يكون «المرسي» بمعنى المنتهى، أي
متى منتهاها و مستقرها؟ كما أن مرسى السفينة حيث تنتهي إليه و تستقر فيه، كذا قيل، و تقدیر الاستفهام ب « متى » يقتضي أن المرسی اسم زمان.
و قوله: « كما أن ...» ظاهر في أنه اسم مکان، و لذا قيل: الكلام على الاستعارة بجعل اليوم المتباعد فيه، كشخص سائر لايدرك، و يوصل إليه ما لم يستقر في مكان، فجعل وقت درا که مستقرا له، فتدبر. (37:30)
القاسمي: أي إقامتها، أي متي يقيمها الله و يكونها. قال الناصر: وفيه إشعار بثقل اليوم، كقوله : « وَ یَذَرُونَ وَراءَهُمْ یَوْماً ثَقِیلاً » الدهر : 27، ألا تراهم لا يستعملون الإرساء إلا فيماله ثقل، کمرسى السفينة، و إرساء الجبال. (6054:17)
ابن عاشور: و «ایان مرسيها » جملة مبينة للسؤال. و «ایان» اسم ستفهم به عن تعيين الوقت.
و الاستفهام مستعمل في الاستبعاد کناية، وهو أيضا كناية عن الاستحالة. و «مرسیها »، مصدر ميمي لفعل « أرسي »، والإرساء: جعل السفينة عند الشاطئ لقصد النزول منها. و استعير الإرساء للوقوع و الحصول، تشبيها للأمر المغيب حصوله بسفينة ماخرة البحر، لايعرف وصولها إلا إذا رست، و عليه ف«ایان» ترشيح للاستعارة . (84:30)
مغنية: متى تقوم القيامة؟.(512:7)
الطباطبائي: و « المرسی » مصدر ميمي بمعنى الإثبات و الإقرار. وقوله: «ایان مرسيها » بين للسؤال، و المعنى: يسألك هؤلاء المنكرون للساعة المستهزؤن به عن الساعة متي إثباتها و إقرارها؟ أي متى تقوم القيامة؟ ( 195:20)
عبدالكريم الخطيب: « ايان مرسيها»إشارة إلى أن الحياة الدنيا، أشبه بسفينة أقلعت بالناس، آخذة مسيرتها بهم على أمواج الزمن، حتی تلقی بهم على الشاطئ الآخر، المقابل للشاطئ الذي أقلعت منه سفينتهم، فكأنهم يقولون: متی ترسو بنا سفينة الحياة على مر في هذا اليوم الموعود؟ إنهم يسألون سؤال المنكر المستهزئ . (1444:15)
الأصول اللغوية
1 - الأصل في هذه المادة : الرسو: الثبات. يقال: رسا الشيء ير سو رسوا، أي ثبت، و أرساه هو.
و الرواسي من الجبال: الثوابت الواسخ؛ واحدتها: راسيية. يقال: رسا الجبل، إذا ثبت أصله في الأرض، و جبال راسيات.
و قدر راسيية: لا تبرح مكانها ولا يطاق تحويلها. ورست قدمه في الموقف والحرب: ثبتت، و أرستا: ثبتنا.
وأرسيت الوتد في الأرض ، إذا ضربته فيها.
و الرسي : العمود الثابت في وسط الجباء، وهو الثابت في الخير والشر أيضا.
و الرسو: ثبات السفينة. يقال: رست السفينة
ترسو رسوا، أي بلغ أسفلها القعر و انتهى إلى قرار الماء، فثبتت و بقيت لاتسير، و أرساها هو.
و المرساة: أنجر السفينة التي ترسی بها، وهو أنجر ضخم يشدت بالحبال و يرسل في الماء، فيمسك السفينة و يرسيها حتى لا تسير؛ و الجمع: المراسي، مثل المصفاة و المصافي؛ ومنه حديث الإمام علي علیه السلام في الأرض: « فأرساها في مراسيها »، أي أثبتها في مواضعها.
و رسا الفحل بشوله : هدر بها فاستقرت. وألقت السحابة مراسيها : استقرت و دامت و جادت.
و رسا له رسوا من حديث: ذكره.
و رسوت له، إذا ذكرت له طرقا منه.
و رسوت عنه حديثا أرسوه رسوا: رفعته و حدثت به عنه. و كل ذلك بمعنى الثبات، لأن الحديث يثبت في الأسماع، كما تقدم في « ر س س ».
و رسا بينهم رسوا: أصلح، لأنه يثبت مودة.
و لعل الرسو بمعنى الإصلاح و رفع الحديث من « ر س س »، لأن حروف بعض المضاعف تقلب یاء، مثل: قصصت أظفاري و قصيتها (1)، و ذمه وذامه (2)وطم النهر و طما، إذا فاض. (3)
الاستعمال القرآني
جاء منها مجردا اسم الفاعل جمعا (رواسي) 9 مرات، و (راسيات) مرة، و مزيدا من باب الإفعال: الماضي (آرسی) مرة، و اسم المفعول (مرسی) ثلاث مرات، في 14، آية:
الجبال: أرسی و رواسي:
1- « أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَ مَرْعیها *وَ الْجِبالَ أَرْسیها * مَتاعاً لَکُمْ وَ لِأَنْعامِکُمْ » النازعات : 31-33
2- « وَ هُوَ الَّذِی مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِیهَا رَوَاسِیَ وَأَنْهَاراً وَمِن کُلِ ّ الَّثمَرَاتِ جَعَلَ فِیهَا زَوْجَیْنِ اثْنَیْنِ یُغْشِی الَّیْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِی ذَ لِکَ لَأَیَاتٍ لِّقَوْمٍ یَتَفَکَّرُونَ » الرعد :3
3- « وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ » الحجر: 19
4- « وَ اَلْقی فِی الاْرْضِ رَواسِیَ اَنْ تَمیدَبِکُمْ وَ اَنْهارا وَ سُبُلاً لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ » النحل:15
5- « وَجَعَلْنَا فِی الأرْضِ رَوَاسِیَ أنْ تَمِیدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِیهَا فِجَاجاً سُبُلا ..»الأنبياء : 31
6- « أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ » النمل: 61
7- « خَلَقَ السَّمواتِ بِغَیْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ اَلْقی فِی الاْرْضِ رَواسِیَ اَنْ تَمیدَبِکُمْ وَ بَثَّ فیها مِنْ کُلِّ دابَّهٍ وَ اَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَاَنْبَتْنا فیها مِنْ کُلِّ زَوْجٍ کَریمٍ » لقمان : 10
8- « وَجَعَلَ فِیهَا رَوَاسِیَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَکَ فِیهَا وَقَدَّرَ فِیهَا أَقْوَاتَهَا فِی أَرْبَعَهِ أَیَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِینَ » فصلت : 10
9- « وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَیْنا فِیها رَواسِیَ وَ أَنْبَتْنا فِیها مِنْ کُلِّ زَوْجٍ بَهِیجٍ » ق:7
10- « وَ جَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَ أَسْقَيْنَاکُمْ مَاءً فُرَاتاً » المرسلات : 27
قدور راسيات:
11- « یَعْمَلُونَ لَهُ مایَشاءُ مِنْ مَحاریبَ وَتَماثیلَ وَجِفانٍ کَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِیاتٍنِ اعْمَلُوا الَ داوُدَ شُکْرا وَ قَلیلٌ مِنْ عِبادِیَ الشَّکُورُ » سبأ : 13
السفينة: مرسی.
12 -« وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ » هود : 41
الساعة: مسی
13 - « یَسْئَلُونَکَ عَنِ السّاعَهِ اَیّانَ مُرْسیها قُلْ اِنَّما عِلْمُها عِنْدَرَبّی لا یُجَلّیها لِوَقْتِهآاِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِی السَّمواتِ وَ الاْرْضِ لا تَأْتیکُمْ اِلاّ بَغْتَهً یَسْئَلُونَکَ کَاَنَّکَ حَفِیٌّ عَنْها قُلْ اِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللّهِ وَ لکِنَّ اَکْثَرَ النّاسِ لایَعْلَمُونَ » الأعراف : 187
14- « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها * فِیمَ أَنتَ مِن ذِکْرَیهَا» النازعات : 42، 43
ويلاحظ أولا
1- أنها أربع محاور: الجبال، و القدور، والسفينة، و الساعة بأربع صيغ: ( ارسی) و ( راسيات ) كل واحدة منهما مرة واحدة، و (رواسی) 9 مرات: (2 - 10)، و ( مرسی) ثلاث مرات (12 - 14).
2-و العشر الأولى منها للجبال بلفظين: ( ارسی) (1)، و (رواسي ) (2 - 10) جمع راسية وصفا للجبال.
والحادية عشرة للقدور: « و قدور راسیات»، و الثانية عشرة للسفينة، و اثنتان (13 و 14) اللساعة.
3-و قالوا في (ارسی): أوتدها، أثبتها في الأرض، أثبتها أوتادا للأرض حتى تستقر و يستقر عليها.
4- و قال الطوسي: « و الإرساء: الإثبات بالثقل. فالسفينة ترسو، أي تثبت بثقلها فلاتزول عن مكانها، و ربما أرست بالبحر بما يطرح لها.
فأما الجبال فإنها أوتاد الأرض، و أرسيت بثقلها، و في جعلها على الصفة التي هي عليها أعظم العبرة ».
5- و قالت بنت الشاطئ: «الإرساء: التثبيت و الترسيخ، و من استعماله في الحسيات: الرسي -کغني - و هو العمود الثابت و سط الخباء. على أن المادة يكثر مجيئها في الجبال، لوضوح الثبات والرسوخ فيها، بل إن القرآن يستغني أحيانا ب «الرواسي » عن الجبال، فيشهد هذا بأن صفة الرسو، تبدو أوضح ما تبدو في الجبال.[ ثم ذكر الآيات التسع : (2-10) ثم قالت: ]
فإرساء الجبال فيه هذه الدلالة الأصلية الواضحة على الثبات والرسوخ.
وفيه كذلك لفت قوي إلى قدرة الله الذي أرساها، كما أن ظاهرة « الرفع » لا تبدو مثلما تبدو في السماء، و ظاهرة «الاستواء و البسط» لاتبدو مثلما تبدو في الأرض».
وأما «رواسی » فجاءت في تسع آيات: (2 - 10) وصفا للجبال، مع اختلاف في التعبير عن إيجادها.
1- فعبر عنه ب « الجعل» في خمس منها: (2 و5 و 6 و 8 و 10) حيث قال في (2): « وجعل فيها » ای في الأرض «رواسی »، و في(5): « وَ جَعَلْنا فِی الْأَرْضِ رَواسِیَ »، و في (6): « وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِیَ »، و في (8): « وَ جَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا »، و في (10): « وَ جَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ».
هذا مع اختلاف في حرف الجر المتعلقة ب«الجعل » فجاءت في (6): «وَجَعَلَ لَهَا »، و في الباقي « جَعَلَ فِيهَا ».
2 - و عبر ب«الإلقاء» في أربع منها: (3 و 4 و 7 و 9) حيث قال في (3) و (9): « و القينا فيها » أي في الأرض «رواسی »، و في (4) و (7): « وَ أَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ » فجاءت فيها بحرف « في ».
3- و الذي يلفت النظر أن «رواسی» جاءت فيها جميعا نكرة تعظيما لاتحقيرا.
4- و قد قیدت «رواسی » في واحدة منها (8) ب«مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَکَ فِیهَا » تصريحا بوضعها من الأرض، وبما فيها من البركات.
5 - وقد صرح في ثلاث منها (4 و 5 و 7) بما يترتب على الجبال من استقرار الأرض وعدم امتدادها بالناس: «أن تميدبكم» أو «تميد بهم » أي لئلاتميد الأرض بالناس، و أن الجبال سبب لثباتها، و استقرارها.
6- كما صرح في واحدة منها بارتفاعها؛ حيث قال في (10): « وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ » أي رافعات كثيرة.
7- و كما صرح في ثلاث منها: (2 و 4 و 6) بما يلازم الجبال من جریان الأنهار تحتها أو خلال الأرض؛ حيث قال في (2): « و جَعَلَ فِيهَا »أي في الأرض «رَواسِيَ وَ أَنْهاراً »، و في (4): « وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلاً » ،فعطف فيهما « أَنْهاراً » علی «رَواسِيَ »، و في (6): « أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ » فعطف فيها «جَعَلَ ... رَواسِيَ » على «جَعَلَ..أَنْهاراً ».
8- وجاءت فيها «أَنْهاراً » هو أيضا مثل: «رَواسِيَ»، نكرة، تعظيما لها، و لما يترتب عليها من الثمرات.
10- کما صرح بالثمرات و النباتات التي تنبت الأرض بماء الأنهار، في أربع منها بعبارات مختلفة؛
حيث قال في (2): « وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ»، و في (3): « و انبتنا فيها من کل شی موزون »، و في (7) : «وبث فيها » أي في الجبال « مِنْ کُلِّ دَابَّةٍ وَ أَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ کُلِّ زَوْجٍ کَرِيمٍ »، و في (9): « وَ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ کُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ».
11- فقد زاد في (7) علاوة على ما أنبتت في الأرض من كل زوج کریم، ما بث فيها من كل دابة.
12 - كما زاد في (8) ماقدر في الأرض من الأقوات في أربعة أيام، حيث قال: «وقدر فيها »- أي في الأرض « أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ».
13- و زاد في (4) على «انهارا » « سبلا»، و في (5) بدل «سبلا»، «فجاجا » أي طرقا.
14- فهذا الاختلاف في الآيات بشأن «رواسی » و «الجبال »، و في الأرض بشأن ما أنبتت و قدر فيها من الثمرات و الأقوات مع وحدة المعني، تنوع في التعبير - كما قلنا مرارا - مزيدا في البلاغة فلاحظ. هذا كله في الجبال: (آرسی) و (رواسی).
وأما القدور: راسيات:
فجاءت فيها آية واحدة (11): « و قدور راسیات » :
1- و هذه الآية من جملة قصص داود و سلیمان علیه السلام، بدء من الآية: 10، من سورة سبأ: « وَ لَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً »، و ختما بالآية: 14، منها: « فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ...».
2- و هذه من تتمة ما قبلها حيث جاء فيها: « وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ * ... يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ ... »، فالجن كانوا يعملون بين يدي سليمان ما يشاء من صنع محاریب، و تمثیل تماثيل و غيرها.
3 - وقال الطبرسي ( 4 : 382) خلال «المعنى»: «يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ»و هي بيوت الشريعة.
و قيل: هي القصور والمساجد يتعبد فيها، عن قتادة، و الجبائي .
و قال: و كان ما عملوه بیت المقدس. [إلى أن قال:]
فلما صار داود ابن أربعين و مائة سنة توقاه الله، و استخلف سليمان، فأحب إتمام بیت المقدس، فجمع الجن و الشياطين، و قم عليهم الأعمال، يخص كل طائفة منهم بعمل و شرح تفصيلا بناء بیت المقدس والمسجد وخرابه على يد بخت نصر - «وتماثیل » یعني صورا من نحاس، و شبه، و زجاج، و رخام، كانت الجن تعملها - فذكر الخلاف في التماثيل إلى أن قال: - « وجفان کالجواب » أي صحاف کالحياض التي يجي فيها الماء، أي يجمع - إلى أن قال: - «و قدور راسیات » أي ثابتات لایزلن عن أمكنتهن لعظمهن، عن قتادة، و كانت باليمن.
و قيل: كانت عظيمة كالجبال يحملونها مع
أنفسهم، و كان سليمان يطعم جنده.
ثم نادى سبحانه آل داود، وأمرهم بالشكر على ما أنعم به عليهم من هذه النعمة العجيبة، لأن نعمته علی سلیمان نعمة عليهم، فقال: «اعْمَلُوا الَ دَاوُدَ شُكْرًا ...».
و أما السفينة: مرسی:
فجاءت فيها أيضا آية واحدة (12): «بِسْمِ اللهِ مَجْرَیهَا وَ مُرْسَیهَا »:
1- و هذه الآية من جملة قصص نوح، بدء من الآية:25، من سورة هود: « وَلَقَدْ أرْسَلْنَا نُوحاً إلَی قَوْمِهِ إنِّی لَکُمْ نَذِیرٌ مُبِینٌ »، و ختما بالآية: 48 منها: « قيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَ بَرَكاتٍ عَلَيْكَ...» وقد تقدم قول الطوسي في إرساء السفينة، فلاحظ
2- و إن نوحا بعد أن أتم الحجة على قومه، فلم يؤمنوا به، و أمره الله بصنع الفلك، و بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، قال لهم: « ارْکَبُوا فِیها بِسْمِ اللَّهِ مَجْریها وَمُرْسیها إِنَّ رَبِّی لَغَفُورٌ رَحِیمٌ » ثم شرح الله تعالى كيفية جريها، و المقاولة بين نوح و ابنه إلى أن استوت على الجودي
3- والطبرسی (162:3 ) بعد أن بحث بحثا طويلا في قراءة الآيات و إعرابها قال في « اللغة»:
« والإرساء: إمساك السفينة بما تقف عليه، يقال : أرساها الله فرست. [ثم استشهد بشعر]
« وقالَ ارْكَبُوا فِيها » أي و قال نوح لمن آمن معه: اركبوا في السفينة. و في الكلام حذف تقديره: فلما فار التنور، و وقف نوح على ما دله الله عليه من هلاك الكفار، قال لأهله و قومه: اركبوا فيها: « بِسْمِ اللَّهِ مَجْریها وَمُرْسیها » أي متبركين باسم الله، أو قائلين «بسم الله » وقت إجرائها، و وقت إرسائها، أي إثباتها و حبسها.
و قيل: معناه: بسم الله إجراؤها و إرساؤها، وقد ذكرنا تفسيره في «الحجة » - فلاحظ : الحجة - وقال الضحاك: كانوا إذا أرادوا أن تجري السفينة قالوا: بسم الله مجراها، فجرت، و إذا أرادوا أن تقف السفينة قالوا بسم الله مرساها، فوقفت »
4- و قد جاء فيها، و في الآيتين بعدها بدل « رواسي » « مرسی »، و هو اسم مفعول من أرسي.
وأما الساعة: مرسی:
فجاء «مرسی » في اثنتين منها، و آياتها كثيرة في القرآن:
أولاها: الآية: 187، من سورة الأعراف: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسیها ..».
1- وقال الطبرسي (2: 505) في «اللغة»: « ایان »: معناه: « متى »، و هو سؤال عن الزمان على وجه الظرف للفعل. [ثم استشهد بشعر]
و «السَّاعَةِ» هاهنا: الساعة التي يموت فيها الخلق. و الإرساء: الإثبات، و « مُرْسیها» : مثبتها، و رسا الشيء، یرسو، فهو راس، إذا ثبت. و أرساه غيره ».
2 - وقال في «المعنی : « لما تقدم الوعيد
بالساعة، سألوا عن وقتها فقال تعالى « يَسْئَلُونَكَ » یا محمد «عَنِ السَّاعَةِ » و هي الساعة التي يموت فيها الخلق، عن الزجاج.
وقيل: هي القيامة، و هو وقت قيام الناس في الحشر، عن أكثر المفسرين.
وقيل: هو وقت فناء الخلق، عن الجبائي
«ایان مرسيها » أي متى وقوعها، و کونها، عن الزجاج.
وقيل: «مرسيها » : منتهاها، عن ابن عباس. وقيل: قيامها، عن قتادة، و السدي »
و ثانيتها: الآية: 42، من سورة النازعات:
« يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسیها.»
1- قال الطبرسی (435:5 ): « ثم خاطب سبحانه نبیه صلی الله علیه و آله فقال:« يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسیها.» أي متى يكون قيامها ثابتة على ما وصفتها .
« فيم انت من ذكريها » أي لست في شيء من علمها و ذكراها. والمعنى: لاتعلمها.
قال الحسن : أي ليس عندك علم بوقتها، وإنما تعلم أنها تكون لامحالة.
وقيل: معناه: ليس هذا ما يتصل بما بعثت الأجله، فإنما بعثت داعيا.
وقيل: إنها من حكاية قولهم، والمعنى: إنك قد أكثرت من ذكراها، فمتى يكون؟
« إلى ربك منتهيها » أي قل لهم: إلى الله إجراؤها.
والمنتهی: موضع بلوغ الشيء، فكأنه قيل: إلى أمر ربك و منتهى أمرها بإقامتها، لأن منتهى أمرها بذکرها و وصفها، والإقرار بها إلى الرسول صلی الله علیه و آله و منتهى أمرها بإقامتها إلى الله، لا يقدر عليها إلا هو سبحانه.
وقيل: معناه: إلى ربك منتهی علمها، أي لا يعلم وقتها إلا هو، عن الحسن».
2- ونقول: في اختصاص القرآن لفظي «ارسی» و «رو اسی» بالجبال، و لفظ «راسیات » بالقدور، و لفظ « مرسی » بالسفينة والساعة، سرلانعلمه، فلاحظ ٫
ويلاحظ ثانيا: أن هذه الآيات الأربع عشرة كلها مكي فيستظهر منها أن مادة «رسی » بجميع ألفاظها كانت دارجة في مكة، خصوصا أن مفاهيمها تختص إما بما احتج الله بها على المشركين في مكة، من آثار قدرته و علمه من الجبال و الأرض و البحر و غيرها حجة على التوحيد، أو مصروفة إلى القصص مثل آية السفينة، و هي من جملة قصص نوح علیه السلام، وأكثر القصص القرآنية مكية أو مصروفة إلى الساعة و القيامة التي احتج الله في المكيات كثيرا على صدقها.
و ثالثا: لهذه المادة نظائر في القرآن ، راجع: « ر س خ » .
10 الفاظ، 19 مره، 15 مکیه، 4 مدنیه فی سور: 6 مکیه، 3 مدنیه
يرشدون 1:-1 رشدا 2: 1-1
الراشدون 1: -1 رشده 1:1
رشید 2:2 رشدا 5:5
الرشید 1:1 الرشاد 2:2
الرشد 3: 2-1 مرشدا 1:1
النصوص اللغوية
الخليل: رشد یرشد رشدا و رشادا، وهو نقيض الغي.
ورشد یرشد رشدا و هو نقيض الضلال.
والرشدة: نقيض الغية، تقول: ولد لرشدة، و لم يهد إلى رشدة.
ويقال : یار شدین كأنه یرید: یاراشيد.
و رشد فلان، إذا أصاب وجه الأمر والطريق.
والإرشاد: الدلالة و الهداية.
والرشاد: الحجر، سمي به تطيرا من الحرف و صلابة الحجر. [و استشهد بالشعر مرتين ]
(242:6)
الليث : إذا أصاب وجه الأمر و الطريق فقد رشيد، و إذا أرشدك إنسان الطريق، فقال: لا يعمی عليك الرشد. (الأزهري 321:11)
الكسائي: ويجوز لرشد و لزئية، فأما غية فهو با لفتح. (الأزهري 321:11)
الفراء: ؤلد فلان لغیر رشدة، و ولد لغیة و لزنية، كلها بالفتح. (الأزهري 321:11)
أبوزيد: هو لرشد و لزنیه بفتح الراء والزاي منهما، و نحو ذلك.
و يقال: یا رشدين، بمعنى ياراشد. (الأزهري 321:11 )
ابن درید: و الرشد: ضد الغي رشد الرجل
یرشد، و أرشده الله إرشادا؛ و الاسم: الرشد والرشد والرشاد.
و رجل راشد و رشيد.
و بنو رشدان: بطن من العرب، كان يقال لهم: بنو غیان، فسماهم النبي صلی الله علیه و آله بني رشدان .
و قد سمت العرب راشد أو رشيد أو رشيد أو مرشد أو مرشد أو رشدانا و رشدينا.
وفلان لرشدة و هو خلاف الغية و الزنية، وقد قالوا: لغية بفتح الغين، و هو قليل.
و كان قوم من العرب يقال لهم: بنو الزنية فسماهم النبي صلی الله علیه و آله بني الرشدة. و قال لرجل: ما اسمك؟ قال: غيان. قال: بل أنت رشدان.
و الطريق الأرشد: الأقصد؛ و يجمع: مراشد.
و المراشد: المقاصد. (2: 246)
الأزهري: [بعد نقل قول الليث قال:]
قلت: و غير الليث يجعل رشد یرشد، و رشد یرشد بمعنى واحدة في الغي و الضلال. و رجل رشید و راشد.
والإرشاد: الهداية والدلالة.
يقول: كم رشد لقيته فيما تكرهه، و كم من غي فيما نحبه و نهواه.
قلت: و أهل العراق يقولون للحرف: حب الرشاد، كأنهم تطيروا من لفظ الحرف، لأنه جرمان، فقالوا: حب الرشاد.
و الرشاد: الحجر الذي يملا الكف: الواحدة: رشادة.[ و استشهد بالشعر مرتين]
(321:11)
الصاحب:[ نحو الخليل و أضاف:] ٫
و يقولون: لا يعمي عليك الرشد، إذا أرشدك إنسان إلى طريق.
و رجل رشید: راشيد.
والإرشاد: الدلالة.
و الرشدى: الرشدو قرئ (أهدكم سبيل الإرشاد ).(1)( المؤمن : 38، من أرشده، و هي قراءة شاذة.
و كل ما ارتفع عن الجص فهو رشاد.
و كل صخرۃ: رشادة. (7: 300)
الجوهري: الرشاد: خلاف الغي، وقد رشد یرشد رشدا، و رشد بالكسر يرشد رشدا لغة فيه. و أرشده الله .
والراشد: مقاصد الطرق.
والطريق الأرشد: نحو الأقصد .
و تقول: هو لرشدة، خلاف قولك لزنية .
و أم راشد: كنية الفأرة.
و بنو رشدان : بطن من العرب. (2: 474)
أبو هلال: الفرق بين الإرشاد و الهداية: أن الإرشاد إلى الشيء هوالطريق إليه و التبيين له. و الهداية هي التمكن من الوصول إليه.
وقد جاءت الهداية للمهتدي في قوله تعالى : «اهدنا الصراط المستقيم » الفاتحة : 5، فذكر أنهم دعوا بالهداية، و هم مهتدون لامحالة. ولم يجئ مثل
1) القراءة المشهورة «الرشا»
ذلك في الإرشاد.
ويقال أيضا: هداه إلى المكروه، كما قال الله تعالى: « فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ » الصافات : 23. و قال تعالى: و« إِنَّکَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ » الحج: 67.
والهدى: الدلالة، فإذا كان مستقیما فهو دلالة إلى الصواب، و الإيمان هدى، لأنه دلالة إلى الجنة.
وقد يقال: الطريق هدى، ولا يقال: أرشده إلا إلى المحبوب.
والراشد هو القابل للإرشاد. و الرشید مبالغة من ذلك.
ويجوز أن يقال: الرشيد الذي صلح بما في نفسه مما يبعث عليه الخير.
و الراشد: القابل لما دل عليه من طريق الرشد.
و المرشد: الهادي للخير و الدال على طريق الرشد.
و مثل ذلك مثل من يقف بين طريقين، لا يدري أيهما يؤدي إلى الغرض المطلوب، فإذا دله علیه دال فقد أرشده، و إذا قبل هو قول الدال فسلك قصد السبيل، فهو راشد، و إذا بعثته نفسه على سلوك الطريق القاصد، فهو رشيد.
و الرشاد والسداد و الصواب حق من يعمل عليه أن ينجو، و حق من يعمل على خلافه أن یهلك. (172)
الفرق بين الرشد والرشد: قال أبو عمرو بن العلاء: الرشد: الصلاح، قال الله تعالى: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ » النساء: 6.
والرشد: الاستقامة في الدين؛ ومنه قوله تعالى: « أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا » الكهف : 66. و قيل: هما لغتان مثل الدم و العدم. (175)
ابن فارس: الراء والشين و الدال أصل واحد يدل على استقامة الطريق. فالمراشد: مقاصد الطرق. والرشد والرشد: خلاف الغي.
وأصاب فلان من أمره رشدا و رشدا و رشدة. و هو لرشده، خلاف لغية. (398:2)
الهروي: يقال: أرشدنا إلى ما يزلف لديك و يقرب منك.
و الرشد و الرشد و الرشاد: الهدى و الاستقامة. يقال: رشید یرشد رشدا، و رشد یرشد رشدا. (744:3)
ابن سيده: الرشد، و الرشد، و الرشاد: نقيض الغي .
رشد یرشد رشدا، و رشد رشدا و رشادا، فهو راشد و رشيد.
و رشد أمره: رشيد فيه. و قيل: إنما ينصب على توهم رشد أمره و إن لم يستعمل هكذا، و نظيره: غبنت رأيك، و ألمت بطنك، و وفقت أمرك، و بطرت عیشك، و سفهت نفسك.
و أرشده إلى الأمور و رشده: هداه.
و استر شده: طلب منه الرشد.
و الراشدی: اسم للرشاد. وقوله تعالى: « يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِکُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ » المؤمن : 38، أي
أهدكم سبیل القصير سبيل الله، و أخرجكم عن سبيل فرعون.
والمراشيد: المقاصد. و ليس له واحد إنما هو من باب محاسن وملامح.
وهو لرشدة، و قد يفتح، و هو نقيض زنية.
و بنو رشدان: بطن كانوا يسمون بني غیان، فأسماهم النبي صلی الله علیه و آله بني رشدان. و رواه قوم بنو رشدان، بكسر الراء.
وقال رجل: ما اسمك؟ قال: غيان، فقال: بل رشدان .
وإنما قال النبي صلی الله علیه و آله رشدان على هذه الصيغة ليحاكي به «غیان» و هذا واسع كثير في كلام العرب، يحافظون عليه و يدعون غيره إليه، أعني أنهم قد يؤثرون المحاكاة و المناسبة بين الألفاظ تارکین طريق القياس، كقوله علیه السلام: «ارجعن مأزورات غير مأجورات ».
و كقولهم: عيناء حوراء من العين الحير، و إنما هو الحور، فآثروا قلب الواو ياء في الحور إتباعا للعين.
و كذلك قولهم: « إني لا تيه الغدايا و العشايا»، جمعوا الغداة على غدايا إثباعا للعشايا، و لولا ذلك لم يجز تکسیر فعله على فعائل.
ولا تلتفتن إلى ما حكاه ابن الأعرابي من أن الغدايا جمع غدية، فإنه لم يقله أحد غيره، إنما الغدایا إتباع، كما حكاه جميع أهل اللغة.
فإذا كانوا قد يفعلون مثل ذلك غير محتشمين من كسر القياس، فأن يفعلوه فيما لايكسر القياس أسوغ.
ألا تراهم يقولون: رأيت زيدا، فيقال: من زيدا؟ و مررت بزيد، فيقال: من زید؟ و لاعذر في ذلك إلا محاكاة اللفظ.
و نظير قابلة غيان برشدان ليوفق بين الصيغتين استجازتهم تعلیق فعل على فاعل لا يليق به ذلك الفعل، لتقدم تعليق فعل على فاعل يليق به ذلك الفعل.
و كل ذلك على سبيل المحاكاة، مثاله قوله تعالى: « قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ » البقرة: 14، 15، والاستهزاء من الكفار حقيقة و تعليقه بالله عز و جل مجاز، جل ربنا عن الاستهزاء، بل هو الحق و منه الحق، وكذلك قوله: « يُخادِعُونَ اللّهَ وَ هُوَ خادِعُهُمْ » النساء : 142، والمخادعة من هؤلاء فيما يخيل إليهم حقيقة و هي من الله مجاز، إنما الاستهزاء و الخدع من الله مكافأة لهم. و مثله قول عمرو بن کلثوم:
ألا لا يجهن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا
أي إنما نکافئهم على جهلهم، كقوله: « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » البقرة : 194، و هو باب واسع كبير.
و كان قوم من العرب يسمون بني زنية فسماهم النبي صلی الله علیه و آله بني رشدة.
والرشاد: وحب الرشاد: نبت يقال له الثفاء.
و راشید و مرشد اسمان. (8: 26)
الراغب: الرشد والرشد: خلاف الغي، يستعمل استعمال الهداية. يقال : رشد یرشد، و رشد یرشد. قال: « لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ » البقرة : 186، وقال: « قَد تَبیَّنَ الرُّشدُ مِن الغیّ » البقرة: 256، وقال تعالى: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا » النساء : 6، « وَ لَقَدْ اتَيْنَا اِبْرهيمَ رُشْدَهُ من قبل » الأنبياء : 51 و بين الرشدين أعني: الرشد المؤنس من اليتيم، و الرشد الذي أوتي إبراهيم علیه السلام بون بعيد.
وقال: « هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا » الكهف : 66، وقال: « لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا » الكهف : 24.
وقال بعضهم: الرشد أخص من الرشد، فإن الرشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرشد يقال في الأمور الأخروية لاغير.
و الراشد والرشيد يقال: فيهما جميعا، قال تعالى: « أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ » الحجرات : 7، « وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِیدٍ » هود : 97 (196)
نحوه الفيروزابادي (بصائر ذوي التمييز 3: 75).
الزمخشري: رجل راشد و رشید، و فيه رشد و رشد و رشاد.
و قد رشد یرشد، و رشد یرشد. و استرشدته فأرشدني.
وأخذ في سبيل الرشاد.
وهو يمشي على طريق الأسد الأرشد.
و تقول للمسافر : راشدا مهدیا، ولمن يقول: أريد أن أفعل كذا: رشدت و رشد أمرك.
ولايعمي عليك الرشد، إذا أصاب وجه الأمر. و هو يهدي إلى المراشد.
و من المجاز : هو لرشدة إذا صح نسبه. (أساس البلاغة : 163)
الطبرسي: الرشد: نقيض الغي. رشد یرشد رشدا، و رشد یرشد رشدا، و رجل رشید.
و ولد فلان لرشده خلاف لزنية.
وأصل الباب أصابة الخير؛ و منه الإرشاد، و هو الدلالة على وجه الإصابة للخير. (278:1)
المديني: و في الحديث: « من ادعى ولدا لغير رشدة، فلایرث و لايورث».
يقال: هذا ولد رشدة إذا ولد لنکاح صحیح.
وفي ضده: ولد زنیه و بغية. (762:1)
ابن الأثير: في أسماء الله تعالى : الرشيد هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم، أي هداهم و دلهم عليها، فعيل بمعنى مفعل.
وقيل: هو الذي تنساق تدبيرانه إلى غاياتها على سنن السداد، من غير إشارة مشير و لا تشدید مسدد.
ومنه الحديث: « و إرشاد الضال» أي هدايته الطريق وتعريفه.
و فيه: « من ادعى ولدا لغير رشدة فلايرث ولا يورث »
يقال: هذا ولد رشدة إذا كان لنكاح صحيح، كما يقال في ضده: ولد زنية، بالكسر فيهما.
وقال الأزهري في فصل بغي: كلام العرب المعروف: فلان ابن زنية و ابن رشدة، و قد قيل: زنية و رشدة، و الفتح أفصح اللغتين. (225:2)
الفيومي: الرشد: الصلاح، وهو خلاف الغي والضلال، و هو إصابة الصواب، و رشد رشدا من باب « تعب».
و رشد یرشد من باب «قتل» فهو راشد؛ والاسم: الرشاد، و يتعدى بالهمزة .
و رشده القاضي ترشیدا: جعله رشیدا.
و استرشد ته فأرشدني إلى الشيء و عليه و له، قاله أبوزيد.
و هو لرشده، أي صحيح النسب بكسر الراء، والفتح لغة. (227:1)
الفيروز آبادي: رشد ک «نصر و فرح» رشدا و رشد او رشادا: اهتدی، ک «استرشد» و استرشد: طلبه .
و الراشدی ک «جمزی »: اسم منه.
وأرشده الله.
و الرشد: الاستقامة على طريق الحق، مع تصلب فيه.
والرشيد في صفات الله تعالى : الهادي إلى سواء الصراط، و الذي حسن تقديره فيما قدر.
و رشید: قرية قرب الإسكندرية، و اسم .
و الرشيدية : طعام معروف، فارسيته: رشته .
و المراشد: مقاصد الطرق.
و ؤلد لرشده، و يكسر : ضد زنية .
و أم راشد: الفأرة.
و سموا: راشدا و رشدا، ک قفل، و أمير و زبير، و جبل، و سحبان، و سحاب، و مسکن، ومظهر.
والرشادة: الصخرة، والحجر الذي يملا الكف، جمعها: رشاد.
و حب الرشاد: الحرف، سموه به تفاؤلا ، لأن الحرف معناه: الحرمان.
و الراشدية: قرية ببغداد.
و بنو رشدان، - ويكسر -: بطن كانوا يسمون: بني غيان، فغير النبي صلی الله علیه و آله وفتح الراء لتحاكي غيان. (304:1)
الطريحي: و الرشد: الصلاح، وهو إصابة الحق .
و أمر بين رشده، أي صوابه.
و « استخيروا الله يعزم لكم على رشدكم » أي على ما هو الصالح لكم.
و قد رشد یرشد بالضم من باب «قتل»رشدا و رشيد بالكسر يرشد بالفتح رشدا بالتحريك فهو راشد؛ و الاسم: الرشاد.
و أرشده الله : هداه الله.
و إرشاد الضال: هدايته الطريق، وتعريفه له.
والطريق الأرشد: نحو الأقصد. و أرشدهما، أي أصوبهما و أقربهما إلى الحق.
و الأئمة الراشدون، أي الهادون إلى طريق الحق والصواب.
و «الرشید » من أسمائه تعالى، و هو الذي أرشدد
الخلق إلى مصالحهم، أي هداهم و دلهم عليها، فعيل بمعنى مفعل.
وقيل: الذي تنساق تدبيراته إلى غايتها على سنن السداد، من غير إشارة مشير، و لاتسديد مسدد.
و الرشید: هارون بن محمد المهدي أحد خلفاء بني العباس، و كانت خلافته بعد خلافة أخيه موسی الهادي، و كانت مدة خلافته ثلاثا وعشرين سنة و شهرا، و قيل: ثلاثا و عشرين فقط.
و رشید الهجري: كان يعلم علم المنايا و البلايا.
قال: حدثني أميرالمؤمنين عليه السلام فقال: يارشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية، فقطع يديك و رجليك و لسانك؟ قلت: يا أميرالمؤمنين آخر ذلك الجنة؟
قال علي علیه السلام: يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة.
قال: والله ما ذهبت الأيام والليالي حتى أرسل إليه الدعي عبيد الله بن زیاد، فدعاه إلى البراءة من أميرالمؤمنين، فأبى، ففعل به ذلك.
و كان أميرالمؤمنين علیه السلام قد ألقى إليه علم البلايا و المنايا، فكان في حياته إذا لقي الرجل قال له: يا فلان تموت بميتة كذا و كذا، و تقتل أنت يافلان بقتلة كذا و كذا، فيكون كما يقول رشید. و كان أميرالمؤمنين يقول له: «أنت رشید البلايا ».
وهو لرشدة: بكسر الراء، و الفتح لغة، أي صحیح النسب، و لغير شدة بخلافه.
وعن الأزهري: و الفتح في لرشدة، و لزنية أفصح من الكسر. (50:3)
مجمع اللغة: رشد یرشد رشدا و رشادا، و رشد یرشد رشدا، فهو راشد و رشيد، و هم راشدون: أصاب وجه الأمر والطريق، و انساقت تدبيراته إلى غاياتها على سبيل السداد، و یکون ذلك في نقيض الغي و الضلال و الاسفه.
أرشده غيره: هداه و سدده إلى الرشاد، فهو مرشد. (482:1)
العدناني: فقد عقله أو رشده .
و يخطئون من يقول: أصيب بالجنون ففقد رشده. و يرون أن الصواب هو: أصيب بالجنون ففقد عقله، أو لبه، أو حجاه، أو نهاه، أو نهيته.
و حجتهم في ذلك أن المعاجم تقول: الرشد هو نقيض الغي و الضلال، أو هو الاستقامة على طريق الحق، مع تصلب فيه.
و يستشهدون بالآية : 256، من سورة البقرة التي أولها: « لا إِكْراهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ » .
و قد جاء في « تفسير الجلالين» : «أي ظهر بالآيات البینات أن الإيمان رشد، والكفر غي». و الغي هو الضلال: و يستشهدون أيضا بخمس آيات أخرى، جاءت فيها كلمة الرشد نقيض الغي.
و لكن:جاء في «التاج» في مادة «أنس»:« و آنس الشيء: علمه، يقال: انست منه رشدا، أي علمته ».
وفي الحديث: « حتی تؤنس منه الرشد، أي تعلم منه كمال العقل، و سداد الفعل، و محسن التصرف »
وهذا يرينا أن الرشد يجوز أن يعني العقل أيضا.
أما الرشد في القانون، فقد قال «الوسيط»: « هو السن التي إذا بلغها المرء، استقل بتصرفاته، وهي الآن: الحادية و العشرون » (معجم الأخطاء الشائعة : 103)
المصطفوي: و التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو الاهتداء إلى الخير و الصلاح، كما سبق في «دل».
فالهداية ضد الضلالة، كما أن الرشد ضد الغي، و هو الانهماك في الفساد.
ثم إن الرشد والرشد و الرشاد من صيغ المصادر، و لكن الرشد يدل على الحدث، و الرشد على عروضه و تحرکه، لدلالة التحريك عليه، مع أن « فعل » مكسور العين يبني غالبا من الأعراض و الألوان.
والرشاد يدل على استمرار الرشد بوجود الألف.
فالرشد كما في: «قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ » البقرة : 256، « وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ » الأعراف : 146، « يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ » الجن : 2، « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً » النساء: 6، « وَ لَقَدْ اتَيْنَا اِبْرهيمَ رُشْدَهُ » الأنبياء: 51، « عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدا » الكهف : 66، فيراد في هذه الموارد مطلق مفهوم الرشد.
و الرشد كما في: « هَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا » الكهف : 10، « لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً » الكهف : 24، « لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً » الجن: 21، « فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا » الجن : 14، فيراد الراشد الحادث المتحرك العارض، لا المفهوم الثابت من حيث هو.
و الرشاد، كما في: « وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ » المؤمن : 29، « اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ » المؤمن : 38، يراد الرشد العارض و المتوجه لهم على الاستمرار. وهذا المعنى فيه مبالغة أكثر من الرشد.
وأما الأول فهو يدل على الهدى الثابت الأصيل، و حقيقة وجود الحدث و تحققه.
و هذا نظیر صيغة الراشد و الرشید: ففي الأول دلالة على الحدوث و العروض بخلاف الثاني، فان « فعيل » يدل على الثبوت والاتصاف.
« أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ » الحجرات : 7، أي الذين يقوم الرشد بهم.
«أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ » هود : 78، « وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ » هود : 97، « إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ » هود : 87، أي ما اتصف بالرشد و ثبتت فيه هذه الصفة، و نفذت فيه.
و المرشد: هو الذي يجعل شخصا ذا رشد و في اهتداء .
فظهر لطف التعبير بهذه الصيغ في مواردها،
فنوضح لك من الآيات المذكورة ما يتضح به المقصود، فنقول: « لا إِكْراهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ » البقرة : 256.
قد ذكر الشد في مقابل الغي، و قلنا: إن الغي هو الانهماك في الفساد، فيكون الرشد هو الاهتداء في الصلاح، فالدين هو مجموعة برنامج حقيقتها الاهتداء و الورود في الخير والصلاح، كما أن الكفر هو الانهماك في الشر والفساد.
و إلى هذا المعنى يرجع: « اَناً سَمَّعنا قَرَآناً عَجِباً يُهْدِي إِلَى الرَشَد » الجن: 2، فالدين و كذلك القرآن يهديان إلى حقيقة الرشد. و كذلك الرشد اللازم في ذات الإنسان الموجب لتوجه التكليف من جانب الله المتعال، كما في: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا » النساء : 6، « وَ لَقَدْ اتَيْنَا اِبْرهيمَ رُشْدَهُ » الأنبياء: 51 .
وفي مقابل حقيقة مفهوم الرشد الثابت: الرشد العارض الطارئ الذي يتحصل في الخارج، في قبال الضر والشر: « وَ أَنَّا لَانَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا » الجن : 10، « قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِکُ لَکُمْ ضَرّاً وَ لاَ رَشَداً » الجن: 21، « فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا » الجن: 14، فیراد طلب الراشد وجریانه الطارئ .
و إذا ذکر نتيجة في هداية الرسل و تبليغهم: فيعبر بالرشاد المستمر، كما في: « وَ مَا أَهْدِيکُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ »المؤمن : 29. (140:4)
النصوص التفسيرية
یرشدون
« وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ » البقرة : 186
ابن عباس: لكي يهتد وافيستجاب لهم الدعاء. (26)
نحوه البغوي. (226:1)
الربيع بن أنس: لعلهم يهتدون. (الطبري 2: 166)
الطبري: فإنه يعني فليستجيبوا لي بالطاعة، و ليؤمنوا بي فیصد قوا على طاعتهم إياي بالثواب مني لهم، و ليهتدوا بذلك من فعلهم فيرشدوا . (166:2)
الطوسي: و الرشد: نقيض الغي. يقال: رشد یرشد رشدا، و رشد رشادا، و أرشده إرشادا، و استرشد استرشادا، و هو لرشدة خلاف لزنية.
وأصل الباب إصابة الخير، فمنه الإرشاد: الدلالة على وجه الإصابة للخير.(2: 131)
القشيري: أي ليس القصد من تكليفك و دعائك إلا وصولك إلى إرشادك. (169:1)
الواحدي: ليكونوا علی رجاء من إصابة الرشد، و هو نقيض الغي. (285:1)
مثله النسفي. ( 95:1)
الزمخشري: و قرئ ( يرشدون) و (یرشدون) بفتح الشين و كسرها. (337:1)
ابن عطية: بفتح الياء و ضم الشين، و قرأ قوم بضم الياء و فتح الشين. و روي عن ابن أبي عبلة وأبي حيوة فتح الياء و کسر الشين، باختلاف عنهما قرأ هذه القراءة و التي قبلها. (256:1)
الطبرسي: أي لعلهم يصيبون الحق و يهتدون الیه . (278:1)
الفخر الرازي: و معنى الآية أنهم إذا استجابوا لي و آمنوا بي، اهتدوا لمصالح دينهم ودنیاهم ، لأن الرشيد هو من كان كذلك. يقال: فلان رشید. قال تعالى: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا » النساء : 6، « أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ» الحجرات : 7 . (112:5)
العكبري: الجمهور على فتح الياء وضم الشين، و ماضیه «رشد» بالفتح.
و يقرأ بفتح الشين، و ماضيه « رشد » بکسرها، وهي لغة.
و يقرأ بكسر الشين، و ماضيه «أرشد»، أي غیر هم. (153:1)
البيضاوي: راجين إصابة الرشد، و هو إصابة الحق. و قرئ بفتح الشين و کسرها. (1: 102)
مثله أبوالسعود (1: 243)، و نحوه الشربيني (1: 122)، و القاسمي (449:3)
أبو حيان: [ نحو ابن عطية و أضاف: ]
والمعنى: أنهم إذا استجابوالله و آمنوا به، كانوا على رجاء من حصول الرشد لهم، وهو الاهتداء لمصالح دينهم و دنیاهم.
وختم الآية برجاء الرشد من أحسن الأشياء، لأنه تعالى لما أمرهم بالاستجابة له، و بالإيمان به، نبه على أن هذا التكليف ليس القصد منه إلا وصولك بامتثاله إلى رشادك في نفسك، لا يصل إليه تعالى منه شيء من منافعه، و إنما ذلك مختص بك.
ولما كان الإيمان شبه بالطريق المسلوك في القرآن، ناسب ذكر الرشاد، و هو الهداية، كما قال تعالى: «اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ» الفاتحة : 6، « وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» الشوری : 52، « و هدينا هما الصراط المستقيم » الصافات : 118 . (47:2)
البروسوي: راجين إصابة الرشد، وهو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا. و معنى الآية أنهم إذا استجابوا و آمنوا اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم، لأن الرشید من كان كذلك. (297:1)
الآلوسي: أي يهتدون لمصالح دينهم ودنياهم. و أصل الباب: إصابة الخير. (2: 64)
رشید رضا: أي بالجمع بين الإيمان، و الإذعان، للأمر و النهي.
و الرشد والرشاد. ضد الغي و الفساد، فعلمنا أن الأعمال إذا لم تكن صادرة بروح الإيمان، لایرجی أن يكون صاحبها راشدا مهدیا.
فمن يصوم اتباعا للعادة و موافقة للمعاشرین، فإن الصيام لايعده للتقوى ولا للرشاد، و ربما زاده فسادا في الأخلاق، و ضراوة بالشهوات، لذلك
يذكرنا تعالى في أثناء سرد الأحکام، بأن الإيمان هو المقصود الأول في إصلاح النفوس، و إنما نفع الأعمال في صدورها عنه و تمكينها إياه. (2: 173)
نحوه المراغي.(76:2)
فضل الله: لأنهم إذا استجابوالله، انطلقوا في خط الوعي للحياة، في كل قضاياها العامة والخاصة، و لإنسانيتهم في كل خصائصها الداخلية و الخارجية، و تحركوا نحو الأهداف من موقع الرشد العملي الذي يضع الأمور في مواضعها.
وإذا آمنوا به الإيمان العميق الشامل الذي ينطلق من سكينة العقل و طمأنينة الروح، فإنه يقف على أرض صلبة ثابتة بعيدة عن الاهتزاز، و يسير إلى الحياة من خلال انطلاق الوجود من مبدإ الإله الواحد الذي ينطلق الخير منه، ويقف الحق عنده، وتنطلق الرحمة منه، مما يعني الانطلاق في خط الرشد الفكري الذي ينفتح على الله الذي هو الحق، ليكون الفكر کله حقا، لا مجال للباطل معه.
وإذا كان اعتبار الرشد هدفا من الاستجابة لله والإيمان به، فإن من الممكن أن نستوحي من ذلك أن الله سبحانه يوجه عباده إلى السير على خط الإيمان بالله، الذي يجعل العقل يشرق بالنور الإلهي، ليتأسس التوحيد على قاعدة للفكر، تبتعد به عن كل الآلهة المزعومين، ممن يؤلهون أنفسهم، أو يؤلههم الناس من دون الله، ليستقيم لهم أن يوحدوا الخط العملي في خط الاستقامة، و إلى الاستجابة لله في خطوط الإسلام الفكرية والعملية؛ حيث يتحول الإنسان من خلال تأثير ذلك في الشخصية إلى إنسان رشيد في عقله و في حركته و علاقته بالآخرين.
بحيث يحرك طاقاته في المواقع التي تمنح الحياة العامة ما تحتاجه منها، فلايضيع منها شيء في الفراغ، أو في ما لا ينفع الحياة والناس، سواء كانت الطاقات طاقات الإنسان في داخل ذاته، أو في الزمن الذي جعله الله مسؤولية الإنسان في الانتفاع به، في كل مفرداته الصغيرة والكبيرة، لأنه يمثل عمره في مراحله المتعددة، أو في القوى المادية التي يملكها الإنسان، مما رزقه الله إياه، وأعده له و سخره لخدمة حياته، فلا يريد الله لها أن تضيع في متاهات اللهوو العبث الذي لا يؤدي إلى أية نتيجة في الحياة.
إن الرشد يمثل الحركة الإنسانية السائرة في النور، لتصل بالطاقة إلى أهدافها التي خلقت لها في النتائج الكبرى التي تتحقق من خلالها في الحياة والإنسان، ليكون السفه عبارة عن إهدار تلك الطاقة و تضييعها و إطلاقها في صحراء الفراغ. (44:4)
و فيها بحوث، راجع: ج وب: «استجيبوا »، و:دع و: «دعان » .
الرشد
1-« لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » البقرة: 256
ابن عباس: الإيمان من الكفر و الحق من الباطل. (36)
الطبري: إنه مصدر من قول القائل: رشدت فأنا أرشد رشدا و رشدا و رشادا، و ذلك إذا أصاب الحق والصواب. (19:3)
العكبري: و «الرشد» بضم الراء و سکون الشين هو المشهور، و هو مصدر من «رشد» بفتح الشين، « یرشد » بضمها.
و يقرأ بفتح الراء والشين، و فعله رشد یرشد مثل علم یعلم.(205:1)
وفيها بحوث راجع: ب ي ن: «تبین».
2-« ... وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ » الأعراف : 146
ابن عباس : طريق الإسلام و الخير. (137)
الطبري: يقول: وإن هؤلاء الذين وصف صفتهم طريق الهدى والسداد الذي إن سلكوه نجوا من الهلكة و العطب، و صاروا إلى نعيم الأبد، لايسلكوه و لا يتخذوه لأنفسهم طريقا، جهلا منهم و حيرة.[إلى أن قال:]
واختلف القرأة في قراءة قوله: « الرُّشْدِ »:
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة و بعض المكيين و بعض البصريين « الرُّشْدِ »، بضم الراء و تسکین الشين.
وقرأ ذلك عامة قرأة أهل الكوفة و بعض المكيين ( الرشد )، بفتح الراء و الشين.
ثم اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك إذا ضمت راؤه و سكنت شينه، و فيه إذا فتحتا جميعا.
فذكر عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقول: معناه إذا ضمت راؤه و سكنت شينه: الصلاح، كما قال الله : « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا » سورة النساء: 6، بمعنی: صلاحا.
و كذلك كان يقرأه هو. و معناه: إذا فتحت راؤه و شینه: الترشد في الدين، كما قال جل ثناؤه: « تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا» الكهف : 66، بمعنى الاستقامة و الصواب في الدين.
و كان الكسائي يقول: هما لغتان بمعنى واحد، مثل: السقم والسقم، و الحزن و الحزن، و كذلك الرشد والرشد.
والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال: إنهما قراءتان مستفيضة القراءة بهما في قرأة الأمصار، متفقتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصیب الصواب بها.(61:6)
نحوه النحاس (79:3) ، و أبو زرعة (295)، و البغوي (2: 234)، و النسفي (2: 77)، و الآلوسي (61:9) .
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: أن الرشد: الإيمان.
والثاني: أن الرشد: الهداية. (262:2)
الطوسي: و معناه أنهم متى رأوا سبيل
الصلاح عدلوا عنه، و لم يتخذوه طريقا لهم، بمعنى أنهم لا يعملون بذلك. (4: 575)
الواحدي: يعني الهدى والبيان الذي جاء من الله .(410:2)
الزمخشري: وقرئ « سبيل الرشد » و ( الرشد ) و ( الرشاد) كقولهم: السقم و السقم والسقام. و ما أسفه من ركب المفازة، فإن رأى طريقا مستقيما أعرض عنه و ترکه، و إن رأى معتسفا مردیا أخذ فيه و سلکه، ففاعل نحو ذلك في دينه أسفه. (117:2)
نحوه البيضاوي. (1: 369)
ابن عطية: قرأ ابن كثير ونافع و أبوعمرو و عاصم و ابن عامر « الرشد »، و قرأ ابن عامر في بعض ما روي عنه و أبو البرهسم ( الرشد) بضم الراء والشين، و قرأ حمزة والكسائي على أن «الرشد » بضم الراء وسكون الشين، و ( الرشد) بفتحهما بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: ( الرشد ) بضم الراء: الصلاح في النظر، و ( الرشد) بفتحهما الدين. و أما قراءة ابن عامر بضمهما فأتبعت الضمة الضمة. (454:2)
الفخر الرازي: [ذکر اختلاف القراءات نحو الطبري و أضاف:]
« سبيل الرشد » عبارة عن سبيل الهدی والدین الحق، و الصواب في العلم والعمل، و« سبيل الغی » ما يكون مضادا لذلك. ثم بين تعالى أن هذا الصرف إنما كان الأمرين:أحدهما: كونهم مكذبين بآيات الله.
والثاني: كونهم غافلين عنها، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها، و الله أعلم. (15: 4)
القرطبي: [نقل القراءات و أضاف: ]
قال النحاس: سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد مثل السخط والسخط، و كذا قال الكسائي. و الصحيح عن أبي عمرو غير ما قال أبوعبید. قال إسماعيل بن إسحاق: حدثنا نصر بن علي عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال: إذا كان لرشد وسط الآية فهو مسكن، و إذا كان رأس الآية فهو محرك. قال النحاس: يعني برأس الآية نحو: « وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا » الكهف: 10، فهما عنده لغتان بمعنى واحد؛ إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات.
و يقال: رشد یرشد، و رشد یرشد. و حكی سیبویه: رشد یرشد.
و حقيقة الرشد والرشد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضد الخيبة. (7: 283)
أبوحيان: أراهم الله السبيلين فرأوهما فآثروا الغي على الرشد كقوله: « فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى » فصلت : 17. وقرأ الأخوان: ( الرشد) و باقي السبعة « الرشد »، وعن ابن عامر في رواية اتباع الشين ضمة الراء، و أبوعبدالرحمان: ( الرشاد) و هي مصادر کالسقم والسقم والسقام، وقال أبو عمرو بن العلاء: الرشد: الصلاح في النظر،
و بفتحهما: الدين. [إلى أن قال: ]
ولما نفى عنهم الإيمان و هو من أفعال القلب، استعار للرشد و الغي سبيلين، فذكر أنهم تارکو سبيل الرشد سالكو سبيل الغي. وناسب تقديم جملة الشرط المتضمنة سبيل الرشد على مقابلتها، لأنها قبلها « وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَيُؤْمِنُوا بِهَا » فذکر موجب الإيمان و هو الآيات، و ترتب نقيضه عليه، و أتبع ذلك بموجب الرشد و ترتب نقيضه عليه، ثم جاءت الجملة بعدها مصرحة بسلوكهم سبيل الغي، و مؤكدة لمفهوم الجملة الشرطية قبلها، لأنه يلزم من ترك سبيل الرشد سلوك سبيل الغي، لأنهما إما هدى أو ضلال، فهما نقیضان إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر. (390:4)
أبوالسعود: « وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً » عطف على ما قبله، داخل في حكمه، أي لا يتوجهون إلى الحق، و لا يسلكون سبيله أصلا، لاستيلاء الشيطنة عليهم، و مطبوعيتهم على الانحراف و الزيغ. (29:3)
نحوه البروسوي . (240:3)
القاسمي: يعني طريق الحق و الهدی و الاستقامة، واضحا ظاهرا. (2855:7)
رشید رضا: الرشد الصلاح والاستقامة، و ضده الغي و هو الفساد. و فيه ثلاث لغات، ضم أوله و سکون ثانیه؛ و به قرأ الجمهور هنا، و فتحهما و بها قرأ حمزة والكسائي ، و الرشاد.
وقدوردت في سورة المؤمن حكاية عن فرعون: « وَ مَا أَهْدِيکُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ » المؤمن : 29، و مثلها السقم والسقم والسقام.
والمعنى: أن من صفة هؤلاء الذين مرنوا على الضلال و استمرؤوا مرعى الغي و الفساد، أن ينفروا من الهدى والرشاد، فإن رأى أحدهم سبيله واضحة جلية لايختار لنفسه جعلها سبيلا له بإيثارها و تفضيلها على ما هو عليه.
وما كل أحد يصل إلى هذه الدرجة من الغي لأن من الناس من يسلك سبيل الغي على جهل، فإذا علم بما تنتهي به إليه من الفساد و رأى لنفسه مخرجا منها، ترکها، و اختار سبیل الرشد عليها. (197:9)
المراغي: أي و هم ينفرون من سبيل الهدى والرشاد، و هي السبيل المعبدة الواضحة. فإذا رأى أحدهم هذه السبيل لايختارها لنفسه ولا يفضلها على ما هو عليه من سبيل الغي، وهذا منتهی ما يكون من الطبع على القلب، و الخروج عن جادة العقل و الفطرة.
و من الناس من يسلك هذه السبيل عن جهل، فإذا رأى لنفسه مخرجا منها ارعوى و ترکها، واختار لنفسه سبیل الرشاد. (65:9)
ابن عاشور: والرشد: الصلاح وفعل النافع، وقد تقدم في قوله تعالى: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا » النساء : 6، والمراد به هنا: الشيء الصالح كله من الإيمان و الأعمال الصالحة.
والغي: الفساد و الضلال، وهو ضد الرشد بهذا
المعنى، كما أن السفه ضد الرشد، بمعنى حسن النظر في المال.
فالمعنى إن يدركوا الشيء الصالح لم يعملوا به لغلبة الهوى على قلوبهم، و إن يدركوا الفساد عملوا به لغلبة الهوى، فالعمل به حمل للنفس على کلفة، وذلك تأباه الأنفس التي نشأت على متابعة مرغوبها، و ذلك شأن الناس الذين لم يروضوا أنفسهم بالهدى الإلهي، و لا بالحكمة و نصائح الحكماء و العقلاء، بخلاف الغي، فإنه ماظهرفي العالم إلا من آثار شهوات النفوس و دعواتها التي یزين لها الظاهر العاجل، و تجهل عواقب السوء الآجلة، كما جاء في الحديث: «حفت الجنة بالمكاره، و حفت النار بالشهوات ».
و التعبير في الصلات الأربع بالأفعال المضارعة، الإفادة تجدد تلك الأفعال منهم، و استمرارهم عليها.
وقرأ الجمهور: « الرشد » بضم فسكون، و قرأه حمزة والكسائي وخلف: بفتحتين، وهما لغتان فيه. (288:8)
الطباطبائي: و تكرار الجملتين المثبتة و المنفية بجميع خصوصياتهما، للدلالة على اعتنائهم الشديد و مراقبتهم الدقيقة، على مخالفة سبیل الرتشد و اتباع سبيل الغي؛ بحيث لا يعذرون بخطإ، ولايحتمل في حقهم جهل أو اشتباه. (8: 247)
3- « قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ».الجن: 2،1
ابن عباس: إلى الحق و الهدى و الصواب، لا إله إلا الله. (488)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: مراشد الأمور.
الثاني: إلى معرفة الله. (110:6)
مثله القرطبي . (6:19)
الطوسي: حكاية ما قالت الجن، و وصفت به القرآن، فإنهم قالوا: هذا القرآن يهدي إلى ما فيه الرشاد و الحق. (147:10)
البغوي: يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان. (159:5)
نحوه الزمخشري (4: 167)، و ابن الجوزي (377:8) ، والفخر الرازي ( 154:30)، و البيضاوي (509:2) .
ابن عطية: و قرأ جمهور الناس « الی الرشد » بضم الراء و سكون الشين، و قرأ عيسى الثقفي (إلى الرشد ) بفتح الراء والشين. وقرأ عیسی ( إلى الرشد). (379:5)
أبوحيان: أي يدعو إلى الصواب. وقيل: إلى التوحيد و الإيمان. [ثم نقل القراءات ]
(347:8)
و بهذا المعنى جاءت في أكثر الكتب.
رشدا
1- « وَ ابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً...» النساء : 6
ابن عباس: صلاحا في الدين و حفظا في المال. (65)
نحوه القاسمي (5: 1127)
في حالهم، و الإصلاح في أموالهم. (الطبري 594:3)
إنه صلاح في الدين و إصلاح في المال.
مثله الحسن و الشافعي. (الماوردي 1 : 453)
الصلاح في العقل، و حفظ المال.
مثله السدي. (ابن الجوزي 2: 15)
الشعبي: سمعته يقول: إن الرجل ليأخذ بلحيته و ما بلغ رشده. (الطبري 3: 595)
إن الرشد العقل.
مثله مجاهد. (الماوردي 1 : 453)
مجاهد: لاندفع إلى اليتيم ماله و إن أخذ بلحيته، و إن كان شيخا، حتى يؤنس منه شده، العقل. (الطبري 594:3)
الحسن: رشدا في الدين، وصلاحا، و حفظا للمال. (الطبري 594:3)
الإمام الباقر عليه السلام: إن المراد به: العقل وإصلاح المال. (الطبرسي 2: 9)
قتادة: صلاحا في عقله ودينه. (الطبري 594:3)
السدي: عقود وصلاحا. (الطبري594:3)
إنه العقل والصلاح في الدين. (الماوردي 1 : 453)
ابن جریج: صلاحا و علما بما يصلحه. (الطبري 3: 595)
الطبري: واختلف أهل التأويل في معنى «الرشد »الذي ذكره الله في هذه الآية.
فقال بعضهم : معنى الرشد في هذا الموضع: العقل والصلاح في الدين.
وقال آخرون: معنى ذلك: صلاحا في دينهم، و إصلاحا لأموالهم.
وقال آخرون: بل ذلك العقل، خاصة.
وقال آخرون: بل هو الصلاح و العلم بما يصلحه.
و أولى هذه الأقوال عندي بمعنى «الرشد» في هذا الموضع: العقل وإصلاح المال، لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك، لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله، ووزما في يده عنه، وإن كان فاجرا في دينه.
و إذ كان ذلك إجماعا من الجميع، فكذلك حكمه إذا بلغ و له مال في يدي وصي أبيه، أو في يد حاكم قد ولي ماله لطفولته واجب عليه تسليم ماله إليه، إذا كان عاق بالغا، مصلحا لماله غير مفسد، لأن المعنى الذي به يستحق أن يولي على ما له الذي هو في يده، هو المعنى الذي به يستحق أن يمنع يده من ماله الذي هو في يد ولي، فإنه لا فرق بين ذلك.
و في إجماعهم على أنه غير جائز حيازة مافي يده في حال صحة عقله و إصلاح ما في يده، والدليل الواضح على أنه غير جائز منع يده مما هو له في مثل ذلك الحال، وإن كان قبل ذلك في يد غيره، لا فرق بينهما. و من فرق بین ذلك، ليس عليه القول في ذلك، و سئل الفرق بينهما من أصل أو
نظير، فلن يقول في أحدهما قوة إلا ألزم في الآخر مثله.
فإذ كان ما وصفنا من الجميع إجماعا، فبين أن الرشد الذي به يستحق اليتيم، إذا بلغ فأونس منه، دفع ماله إليه، ما قلنا: من صحة عقله و إصلاح ماله. (594:3)
الجصاص: [نقل بعض أقوال المفسرين ثم قال: ]
إذا كان اسم الرشد يقع على العقل لتأويل من تأول عليه، ومعلوم أن الله تعالى شرط رشدا منکورا و لم يشرط سائر ضروب الرشد اقتضی ظاهر ذلك أن حصول هذه الصفة له بوجود العقل، موجبا لدفع المال إليه، و مانعا من الحجر عليه، فهذا يحتج به من هذا الوجه في إبطال الحجر على الحر العاقل البالغ، وهو مذهب إبراهيم و محمد بن سیرین و أبي حنيفة. (63:2)
الطوسی: [قال بعد ذكر أقوال المتقدمين: ]
والأقوى أن يحمل على أن المراد به العقل، وإصلاح المال، على ما قال ابن عباس، و الحسن، وهو المروي عن أبي جعفر علیه السلام، للإجماع على أن من يكون كذلك لايجوز عليه الحجر في ماله، و إن كان فاجرا في دينه. فإذا كان ذلك إجماعا، فكذلك إذا بلغ، و له مال في يد وصية أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله، وجب عليه أن يسلم إليه ماله، إذا كان عاقلا، مصلا لماله، و إن كان فاسقا في دينه.
و في الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل،
إذا كان مفسدا في ماله؛ من حيث إنه إذا كان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسدا له، فكذلك في حال كمال العقل إذا صار بحيث يفسد المال، جاز الحجر عليه، و هو المشهور في أخبارنا.
و من الناس من قال: لا يجوز الحجر علی العاقل، ذكرناه في « الخلاف». (118:3)
نحوه الطبرسي. (2: 9)
الفخر الرازي: وأما الرشد فمعلوم أنه ليس المراد الرشد الذي لا تعلق له بصلاح ما له، بل لابد و أن يكون هذا مرادا، و هو أن يعلم أنه مصلح لماله حتى لا يقع منه إسراف، ولا يكون بحيث يقدر الغير على خديعته.
ثم اختلفوا في أنه هل يضم إليه الصلاح في الدين؟
فعند الشافعي لابد منه، و عند أبي حنيفة هو غیر معتبر . و الأول أولى، و يدل عليه وجوه:
أحدها: أن أهل اللغة قالوا: الرشد هو إصابة الخير، و المفسد في دينه لا يكون مصيبا للخير.
و ثانيها: أن الرشد نقيض الغي، قال تعالى: « قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ » البقرة: 256، و الغي هو الضلال والفساد. وقال تعالى: « وَ عَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى » طه : 121، فجعل العاصي غويا، وهذا يدل على أن الرشد لا يتحقق إلا مع الصلاح في الدين.
وثالثها: أنه تعالى قال:« وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ » هود: 97، نفي الرشد عنه، لأنه ما كان
يراعي مصالح الدين، والله أعلم. [ ثم ذكر فائدة هذا الاختلاف عند الفقهاء فلاحظ ]
(188:9)
أبو حيان: قرأ ابن مسعود و أبو عبد الرحمان و أبوالسمال و عيسى الثقفي ( رشدا) بفتحتين. و قرئ شاذا ( رشدا) بضمتين، و نکر (رشدا) لأن معناه نوع من الرشد و طرف و مخيلة من مخيلته، ولا ينتظر به تمام الرشد. (3: 172)
أبوالسعود: أي اهتداء إلى وجوه التصرفات من غير عجز و تبذیر. و تقديم الجار والمجرور على المفعول للاهتمام بالمقدم و التشويق إلى المؤخر، أو اللاعتداد بمبدئيته له، و التنوين للدلالة على كفاية رشد في الجملة. (100:2)
نحوه البروسوي. (166:2)
الآلوسي: أي اهتداء إلى ضبط الأموال، و حسن التصرف فيها. وقيل: صلاحا في دينهم و حفظا لأموالهم. و تقديم الجار والمجرور، لما مر غير مرة. و قرئ (رشدا ) بفتحتين، و (رشدا ) بضمتين، و هما بمعنی رشدا.
و قيل: «الرشد » بالضم في الأمور الدنيوية والأخروية، و بالفتح في الأخروية لاغير، و الراشد والرشيد يقال فيهما. (205:4)
ابن عاشور: والتنكير في قوله: «رشدا» تنكير النوعية، و معناه إرادة نوع الماهية، لأن المواهي العقلية متحدة لاأفراد لها، وإنما أفرادها اعتبارية باعتبار تعداد المحال أو تعدد المتعلقات، فرشد زید غیر رشد عمرو، و الرشد في المال غيرالرشد في سياسة الأمة، و في الدعوة إلى الحق، قال تعالى: « وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ » هود : 97، و قال عن قوم شعیب: «إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ» هود : 87 .
و ماهية الرشد هي انتظام الفكر وصدور الأفعال على نحوه بانتظام، و قد علم السامعون أن المراد هنا: الرشد في التصرف المالي، فالمراد من النوعية نحو المراد من الجنس، ولذلك ساوی المعرف بلام الجنس النكرة. فمن العجائب توهم الجصاص أن في تنكير «رشدا» دليلا لأبي حنيفة في عدم اشتراط حسن التصرف، و اكتفائه بالبلوغ، بدعوى أن الله شرط رشدا ما، و هو صادق بالعقل؛ إذ العقل رشد في الجملة، و لم يشترط الرشد كله. و هذا ضعف في العربية، و كيف يمكن العموم في المواهي العقلية المحضة، مع أنها لاأفراد لها.
وقد أضيفت «الأموال » هنا إلى ضمير اليتامی: لأنها قوي اختصاصها بهم عندما صاروا رشداء، فصار تصرفهم فيها لايخاف منه إضاعة ما للقرابة، و لعموم الأمة من الحق في الأموال.(33:4)
مغنية: أما الرشد فيثبت بإعطاء اليتيم شيئا من ماله، يتصرف فيه، فإن أحسن و أصاب كان راشدا و سلم ماله إليه، و إلا استمر الحجر عليه، حتى و لو بلغ المائة عملا بظاهر الآية. و قال أبو حنيفة : يسلم المال للسفيه بعد بلوغه 25 عاما، وإن لم يكن رشیدا. (256:2)
فضل الله: «رشدا » : خلاف الغي، والمراد به
هنا: العقل العمل بإصلاح المال وحفظه و استثماره، فلا يجوز الحجر على البالغ الذي يملك قابلية إصلاح ماله حتى لو كان فاجرا، بينما يحجر على السفيه و إن كان عاقلا إذا كان سفهه متحرکا في تجربته العملية و حركته في الواقع. (83:7)
وفيها مطالب راجع: ب ل غ: «بلغوا»، و: أن س: «انستم»، و: د ف ع: « فادفعوا » .
2- « قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً ». الكهف : 66
ابن عباس : صوابا و هدی. (250)
مقال: إنه العلم. (الماوردي 3: 326)
الققال: قوله: «رشدا » يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الرشد راجعا إلى الخضر، أي مما علمك الله و أرشدك به.
والثاني: أن يرجع ذلك إلى موسى، و يكون المعني على أن تعلمني و ترشدني مما علمت. (الفخر الرازي 150:21)
الماوردي: في الرشد هنا ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه العلم، قاله مقاتل. و يكون تقديره:على أن تعلمني ما علمت علما.
الثاني: معناه على أن تعلمني ما علمت لإرشاد الله لك.
الثالث: ما يرى في علم الخضر رشدا يفعله و غيا يجتنبه، فسأله موسى أن يعلمه من الرشد الذي يفعله، و لم يسأله أن يعلمه الغي الذي يجتنبه، لأنه عرف الغي الذي يجتنبه و لم يعرف ذلك الرشد. (326:3)
الطوسي: قال أبوعلي: يحتمل أن «رشدا» منصوبا على أنه مفعول له، ويكون متعلقا ب«اتبع» كأنه قال: اتبعك للرشد، أو طلب الرشد على أن تعلمني، فيكون على هذا حالا من قوله: «واتبعک».
ويجوز أن يكون مفعولا به، و تقديره: اتبعك على أن تعلمني رشدا مماعلمته، و يكون العلم الذي يتعدى إلى مفعول واحد يتعدى بالتضعيف إلى مفعولین. و المعنى على أن تعلمني أمر اذا رشد. [إلى أن قال: ]
و الرشد بفتح الراء و الشين، قراءة أبي عمرو، الباقون بضم الراء و سكون الشين، إلا ابن عامر في رواية ابن ذكوان، فإنه ضمهما، و هما لغتان، مثل أسد و أسد، و وثن و وثن. (70:7)
نحوه ابن عطية. (3: 530)
البغوي: قرأ أبوعمرو و یعقوب «رشدا» بفتح الراء و الشين، وقرأ الآخرون بضم الراء و سکون الشين، أي صوابا. و قيل: علما ترشدني به. (205:3)
نحوه الزمخشري (2: 492) و النسفي (19:3).
الطبرسي: الرشد: العلوم الدينية التي ترشد إلى الحق. و قيل: هو علوم الألطاف الدينية التي تخفى على الناس. (483:3)
الفخر الرازي: قرأ أبوعمرو و یعقوب
(رشدا ) بفتح الراء والشين، و عن ابن عباس رضي الله عنهما بضم الراء و الشين، و الباقون بضم الراء و تسكين الشين.
قال القفال: و هي لغات في معنى واحد. يقال: رشد و رشد مثل نکر و نكر، كما يقال: سقم و سقم، و شغل و شغل، و بخل و بخل، وعدم وعدم و قوله: «رشدا» أي علما ذا رشد. ( 150:21)
العكبري: و «رشدا»مفعول «تعلمن»، ولا يجوز أن يكون مفعول«علمت» ، لأتنه لاعائد إذن على «الذي»، و ليس بحال من العائد المحذوف، لأن المعني على ذلك يبعد.
و الرشد والرشد لغتان، وقد قرئ بهما. (855:2)
البيضاوي: علما ذا رشد و هو إصابة الخير.
وقرأ البصريان بفتحتين، وهما لغتان کالبخل والبخل. (19:2)
نحوه أبو السعود ( 4 : 203)، و الآلوسي (331:15) ، و القاسمي ( 4078:11).
البروسوي: طلب للإرشاد. (5: 274)
الطباطبائي: الرشد: خلاف الغي، وهو إصابة الصواب، و هو في الآية مفعول له أو مفعول به، والمعنى: قال له موسى: هل أتبعك اتباعامبنیا على هذا الأساس، وهو أن تعلمني مما علمت لأرشد به، أو تعلمني مما علمت أمر اذا رشد. (342:13)
و فيها بحوث راجع: ع ل م : « تعلمن»، و «علمت».
رشده
«وَ لَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ کُنَّا بِهِ عَالِمِينَ» الأنبياء : 51
ابن عباس: يعني العلم و الفهم. (272)
مجاهد: هديناه صغيرا. (الطبري 9: 35)
قتادة: يقول: آتيناه هداه. (الطبري 9 : 36)
الفراء: هداه، إذ كان في السب(1)حتى بلغه الله ما بلغه. (206:2)
الطبري: «وَ لَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ » موسى وهارون، و وفقناه للحق، و أنقذناه من بين قومه و أهل بيته من عبادة الأوثان، كما فعلنا ذلك بمحمد صلی الله علیه و آله، و على إبراهيم، فأنقذناه من قومه وعشيرته من عبادة الأوثان، وهديناه إلى سبيل الرشاد توفيقا منا له.(35:9)
الزجاج: أي آتيناه هداه حدثا، و هو مثل قوله : «وَ لَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا کُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا » السجدة : 13. (395:3)
الرماني: رشده: النبوة. (الماوردي 3: 450)
الطوسي: لما أخبر الله تعالى أنه آتی موسی و هارون الفرقان، و الضياء، و الذكر.وبين أن
1) في الهامش: السرب: بيت في الأرض لا منفذ له. و المراد المغارة التي ولدته أمه فيها خوفا من نمرود و كان يذبح الأبناء و قد مكث فيها زمنا
القرآن ذکر مبارك أنزله على محمد صلی الله علیه و آله ، أخبر أنه آتی إبراهيم أيضا قبل ذلك «رشده »، يعني آتيناه من الحجج و البينات ما يوصله إلى رشده، من معرفة الله و توحیده.
والرشد هو الحق الذي يؤدي إلى نفع یدعو إليه. و نقيضه الغي، رشد یرشد رشدا و رشدا، فهو رشید. و في نقيضه: غوی يغوی غیا، فهو غاو.
وقال قتادة و مجاهد: معنى آتيناه رشده: هديناه صغيرا. و قال قوم: معنی «رشده » : التنبوة. (255:7)
الزمخشري: الرشد: الاهتداء لوجوه الصلاح، قال الله تعالى: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ » النساء : 6. وقرئ (رشده ). و الرشد والرشد کالعدم و العدم. و معنی إضافته إليه: أنه رشد مثله، و أنه رشد له شأن. (575:2)
نحوه البيضاوي. (74:2)
ابن عطية: الرشد: عام في هدايته إلى رفض الأصنام، و في هدايته في أمر الكوكب و الشمس والقمر و غير ذلك من النبوة فما دونها.
وقال بعضهم : معناه وفق للخير صغيرا، و هذا كله متقارب. (86:4)
الطبرسي: يعني الحجج التي توصله إلى الرشد من معرفة الله و توحیده. (52:4)
الفخر الرازي: فيه مسائل:
المسألة الأولى: في الرشد قولان: الأول: أنه
النبوة، واحتجوا عليه بقوله: «وَ کُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ».
قالوا: لأنه تعالى إنما يخص بالنبوة من يعلم من حاله أنه في المستقبل يقوم بحقها، و يجتنب ما لا يليق بها، و يحترز عما ينفر قومه من القبول.
والثاني: أنه الاهتداء لوجوه الصلاح في الدين والدنيا، قال تعالى: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ» النساء : 6.
وفيه قول ثالث: وهو أن تدخل النبوة والاهتداء تحت الرشد؛ إذ لا يجوز أن يبعث نبي إلا وقد دله الله تعالى على ذاته وصفاته، و دله أيضا على مصالح نفسه و مصالح قومه، وكل ذلك من الرشد.(179:22)
أبو حيان: و قرأ الجمهور«رشده» بضم الراء و سکون الشين. و قرأ عيسى الثقفي ( رشده ) بفتح الراء و الشين، و أضاف الرشد إلى إبراهيم بمعنى أنه رشد مثله، و هو شد الأنبياء، و له شأن أي شأن.
والرشد: النبوة أو الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، أو هما داخلان تحت الرشد، أو الصحف و الحكمة، أو التوفيق للخير صغيرا: أقوال خمسه. (320:6)
أبوالسعود: أي الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار، و هو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة الحاصلة بالوحي، و الاقتدار علی إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية.
و قرئ (رشده ) و هما لغتان كالحزن و الحزن. (343:4)
البروسوي: الرشد خلاف الغي، و هو الابتداء لمصالح الدين والدنيا، و كماله يكون بالنبوة، أي بالله، لقد آتينا بجلالنا و عظم شأننا إبراهيم الخليل علیه السلام الرشد اللائق به، و بأمثاله من الرسل الكبار على ما أفادته الإضافة. ( 490:5)
شبر: أي الحجج التي توصله إلى الرشد من معرفة الله أو اهتدائه صغيرا لوجوه الصلاح، وإضافته تفيد أن هذا الرشد شانا. (201:4)
الآلوسي: أي الرشد اللائق به وبأمثاله من الرسل الكبار، و هو الرشد الكامل، أعني الاهتداء إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا، و الإرشاد بالنواميس الإلهية.
وقيل: الصحف، و قيل: الحكمة، وقيل: التوفيق للخير صغيرا، و اختار بعضهم التعميم. (58:17)
القاسمي: أي هدايته للحق، وهو التوحيد الخالص. (4279:11)
المراغي: أي و لقد آتينا إبراهيم ما فيه صلاحه و هداه من قبل موسى وهارون، و وفقناه للحق، و أضأنا له سبيل الرشاد، و أنقذناه من بين قومه من عبادة الأصنام. و كنا عالمين بأنه ذو يقين و إيمان بالله و توحيد له، لا يشرك به شيئا، فهو جامع لأحاسن الفضائل و مکارم الأخلاق و جميل الصفات. و قال القراء: « أعطيناه هداه من قبل النبوة و البلوغ». أي و ققناه للنظر والاستدلال لما جن عليه الليل، فرأي الشمس و القمر و التنجم، و على هذا جرى كثير من المفسرین.
ابن عاشور: والرشد: الهدى والرأي الحق، و ضده : الغي، و تقدم في قوله تعالى: « قَد تَبیَّنَ الرُّشدُ مِن الغیّ » البقرة : 256.
وإضافة الرشد إلى ضمير إبراهيم من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي الراشد الذي أرشده.
و فائدة الإضافة هنا التنبيه على عظم شأن هذا الرشد، أي رشدا يليق به، و لأن رشد إبراهيم قد کان مضرب الأمثال بين العرب و غيرهم، أي هو الذي علمتم سمعته التي طبقت الخافقين، فما ظنكم برشد أوتيه من جانب الله تعالى، فإن الإضافة لما كانت على معنى اللام، كانت مفيدة للاختصاص، فكأنه انفرد به. و فيه إيماء إلى أن إبراهيم كان قد انفرد بالهدى بين قومه. (68:17)
مغنية: اختلف المفسرون في المراد بالرشد قيل: إنه الاهتداء إلى صالح الدين والدنيا، و قيل: إنه النبوة.
وهذا هو الأرجح، بدليل قوله تعالى: «من قبل»، لأن معناه من قبل الأنبياء الذين جاؤوا بعد إبراهيم علیه السلام كموسی و عیسی و محمد صلی الله علیه و اله ، و بدلیل قوله: « وَ کُنَّا بِهِ عَالِمِينَ » فإنه بمعنى: « اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ » الأنعام : 124.
إن النبوة منحة من الله يختص بها من هو أهل لها، ولا تكون بالكسب الإيمان والتقوى، ولذا يقال: كن مؤمنا،کن تقيا، ولا يقال: كن نبيا. (283:5)
الطباطبائي: و الرشد: خلاف الغي، وهو إصابة الواقع، وهو في إبراهيم علیه السلام لاهتداؤه الفطري التام إلى التوحید و سائر المعارف الحقة، وإضافة الرشد إلى الضمير الراجع إلى إبراهيم تفيد الاختصاص، و تعطي معنى اللياقة، و يؤيد ذلك قوله بعده: « وَ کُنَّا بِهِ عَالِمِينَ »، و هو كناية عن العلم بخصوصية حاله، و مبلغ استعداده.
والمعنى: و أقسم لقد أعطينا إبراهيم ما يستعد له و يليق به من الرشد و إصابة الواقع، و كنا عالمين مبلغ استعداده و لياقته، و الذي آتاه الله سبحانه كما تقدم هو ما أدر که بصفاء فطرته و نور بصيرته، من حقيقة التوحید و سائر المعارف الحقة، من غير تعلیم معلم أو تذكير مذكر أو تلقين ملقن. ( 296:14)
مکارم الشيرازي: «الرشد » في الأصل بمعنى السير إلى المقصد و الغاية، ومن الممكن أن يكون هنا إشارة إلى حقيقة التوحيد، و أن إبراهيم عرفها و اطلع عليها منذ سني الطفولة. و قد یکون إشارة إلى كل خير و صلاح بمعنى الكلمة الواسع. (162:10)
فضل الله: فقد أعده الله في تكوينه الفكري و الروحي إعدادا صالحا، من خلال ما أثاره في نفسه من علامات الاستفهام، و أدار فكره من المواقع التي تعطي لكل سؤال جوابا في دقة وعمق و انفتاح، و عرف من حركة الواقع من حوله الكثير الكثير من شؤون الناس في أفكارهم و توجهاتهم و مواقفهم، حتى استطاع أن يختزن في وعيه الحس الاجتماعي الذي يعرف من خلاله كيف يكتشف نقاط الضعف عند الآخرين، و نقاط القوة في نفسه، ليواجه نقاط ضعفهم بنقاط قوته. و هكذا استطاع أن يحصل على الرشد الفكري الذي يهديه إلى معرفة مواقع الخطا و الصواب في الأشياء المطروحة في الساحة. (233:15)
رشدا
1- « إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ». الكهف : 10
ابن عباس: مخرجا. (244)
أي مخرجا من الغار في سلامة. (البغوي 3: 181)
الطبري: يقول: سدادا إلى العمل بالذي تحب. (182:8)
الطوسي: أي رشدا إلى العمل الذي تحب. [إلى أن قال: ]
ويجوز (رشدا ) بضم الراء و تسكين الشين، غير أنه لم يقرأ به هاهنا أحد، لأن أواخر الآيات كلها على وزن « فعل » فلم يخالفوا بينها. (12:7)
الواحدي: الرشد والرشد والرشاد نقيض الضلال، أي أرشدنا إلى ما يقرب منك، و المعنى هيئ لنا من أمرنا نصیب به الرشد. (137:3)
البغوي: أي مانلتمس من خير رضاك و مافيه رشدنا. (181:3)
الزمخشري: حتي نكون بسببه راشدین
مهتدين ، أو اجعل أمرنا رشدا كله، كقولك: رأيت منك أسدا. (473:2)
نحوه النسفي . (3:3)
ابن عطية: أي خلاصا جميلا. و قرأ الجمهور «رشدا » بفتح الراء والشين، وقرأ أبورجاء (رشدا ) بضم الراء وسكون الشين، و الأولى أرجح لشبهها بفواصل الآيات قبل و بعد. وهذا الدعاء منهم كان في أمر دنياهم، و ألفاظه تقتضي ذلك، وقد كانوا على ثقة من رشد الآخرة ورحمتها.
و ينبغي لكل مؤمن أن يجعل دعاءه في أمر دنياه هذه الآية فقط، فإنها کافية. (500:3)
الطبرسي: أي هيئ و أصلح لنا من أمرناما نصیب به الرشد. و قيل : معناه دلنا على أمر فيه نجاتنا، لأن الرشد والنجاة بمعنی.
وقيل: يسر لنا من أمرنا ما نلتمس به رضاك و هو الرشد.(452:3)
الفخر الرازي: الرشد و الرشاد نقيض الضلال، و في تفسير اللفظ وجهان:
الأول: التقدير : و هيئ لنا أمرا ذا رشد حتی نكون بسببه راشدين مهتدين.
الثاني: اجعل أمرنا رشدا كله كقولك: رأيت منك رشدا. (83:21)
القرطبي: توفيقا للرشاد. وقيل : صوابا. (362:10)
البيضاوي: نصير بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا كله رشدا، كقولك: رأيت منك أسدا. (5:2)
البروسوي: إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب و اهتداء إليه. (220:5)
الآلوسي: [نحو ابن عطية و البروسوي]
(211:15)
ابن عاشور: و الرشد بفتحتين: الخير و إصابة الحق والنفع والصلاح، وقد تكرر في سورة الجن باختلاف هذه المعاني.
والرشد: بضم الراء وسكون الشين مرادف الرشد. و غلب في حسن تدبير المال. و لم يقرأ هذا اللفظ هنا في القراءات المشهورة إلا بفتح الراء، بخلاف قوله تعالى: « قَد تَبیَّنَ الرُّشدُ مِن الغیّ» البقرة : 256، و قوله: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا»النساء : 6، فلم يقرأ فيهما إلا بضم الراء.
و وجه إيثار مفتوح الراء والشين في هذه السورة في هذا الموضع و في قوله الآتي: « وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً » الكهف : 24، أن تحريك الحرفين فيهما أنسب بالكلمات الواقعة في قرائن الفواصل، ألا ترى أن الجمهور قرؤوا قوله في هذه السورة « عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا » الكهف : 66، بضم الراء، لأنه أنسب بالقرائن المجاورة له، و هي «من لدنا علما » الكهف : 65، «معی صبرا » الكهف : 67، «مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا » الكهف : 68، « وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا » الكهف : 69، إلى آخره. و لم يقرأه هنالك بفتح الراء و الشين إلا أبوعمرو ويعقوب.( 25:15)
2 - « إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا » الكهف : 24
ابن عباس: صوابا و يقيا. (246)
فيها بحوث راجع : ه د ي: « یهدين » .
3- « وَ أَنَّا لَانَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا » الجن : 10
ابن عباس: يقال: و أنا لاندري لانعلم، أشر أريد من في الأرض حين بعث محمد صلی الله علیه و آله إذ لم يؤمنوا به فيهلكهم الله، أم أراد بهم رشدا هدی و صوابا و خيرا إذا آمنوا به. (488)
الطبري: يقول: أم أراد بهم ربهم الهدی، بأنيبعث منهم رسولا مرشدا یرشدهم إلى الحق . (266:12)
الطوسي: و هداية إلى الحق بأن بعث نبيا، فإن ذلك خاف عنا. (150:10)
الزمخشري: أي خيرا من عذاب أو رحمة أو من خذلان أو توفيق. (196:4)
و بهذا المعنى جاء في أكثر التفاسير.
4- « وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا » الجن : 14
الزجاج: ولا أعلم أحدا قرأ في هذه السورة (رشدا )، و الرشد و الرشد يجوز في العربية، إلا أن أواخر الآي فيما قبل الرشد و بعده على الفتح، مبني على « فعل »، فأواخر الآي أن يكون على هذا اللفظ و تستوي أحسن. فإن ثبتت في القراءة بها رواية فالقراءة بها جائزة، ولا يجوز أن تقرأ بما يجوز في العربية إلا أن تثبت بذاك رواية و قراءة عن إمام يقتدي بقراءته، فإن اتباع القراءة سنة، و تتبع الحروف الشاذة و القراءة بها بدعة. (235:5)
فيها بحوث، راجع: حري: « تحروا».
5- « قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِکُ لَکُمْ ضَرّاً وَ لاَ رَشَداً »الجن: 21
ابن عباس: و لأجر النفع و الهدی. (489)
الماوردي: يعني ضرا لمن آمن و لارشدا لمن كفر، و فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: عذابا ولانعيما.
الثاني: موتا و لاحياة .
الثالث: ضلالا ولاهدی. (6: 120)
الطوسي: و معناه: إني لا أقدر على دفع الضرر عنكم، ولا إيصال الخير إليكم، وإنما يقدر على ذلك الله تعالى.
و إنما أقدر على أن أدعوكم إلى الخير، و أهديكم إلى طريق الرشاد، فإن قبلتم نلتم التواب والتنفع، و إن رددتموه نالكم العقاب و أليم العذاب. (157:10)
البغوي: أي لا أسوق لكم أو إليكم رشدا، أي خيرا، يعني أن الله ملکه. (163:5)
الزمخشري: ولانفعا، أو أراد بالضر الغي،
و يدل عليه قراءة أبي ( غنيا و لا رشدا)، والمعنى: لا أستطيع أن أضركم و أن أنفعكم، إنما الضار و النافع الله. أو لا أستطيع أن أقسرکم على الغي والرشد، وإنما القادر على ذلك الله عز و جل. (171:4)
الفخر الرازي: إما أن يفسر الرشد بالنفع حتی یكون تقدير الكلام: لا أملك لكم غيا ولا رشدا، و يدل عليه قراءة أبي ( غيا و لا رشدا)، و معنى الكلام أن النافع و الضار، و المرشد و المغوي هو الله، و أن أحدا من الخلق لا قدرة له عليه. (164:30)
القرطبي: أي هدى، أي إنما علي التبليغ.
وقيل: الضر: العذاب، و الرشد: النعيم؛ وهو الأول بعينه.
وقيل: الضر: الموت، و الرشد: الحياة. (19: 24)
البيضاوي: ولانفعا أو غيا ولا رشدا عبر عن أحدهما باسمه، و عن الآخر باسم سببه أو مسببه، إشعارا بالمعنيين. (511:2)
و بهذا المعنى جاء في أكثر التفاسير.
الرشاد
1- « يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ ». المؤمن : 29
ابن عباس : طريق الحق و الهدی. (395)
الطبري: يقول: و ما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصواب في أمر موسی و قتله، فإنكم إن لم تقتلوه بدل دینکم، و أظهر في أرضكم الفساد. (55:11)
النحاس: روي عن معاذ بن جبل أنه قرأ ( سبيل الرشاد ) بتشديد الشين، و قال سبيل الله جل و عز.
وهذا عند أكثر أهل اللغة العربية للجن، لأنه إنما يقال: أرشد رشید، و لا یکون « فعال » من « أفعل» إنما يكون من الثلاثي، و إن أردت التكثير من الرباعي قلت: « مفعال ».
ويجوز أن يكون ( رشاد ) بمعنى رشيد، لاعلی أنه مشتق منه، و لكن كما يقال: لا ال من اللؤلؤ، فهو بمعناه، و ليس جاريا عليه.
ويجوز أن يكون رشاد من رشد یرشد، أي صاحب رشاد. (219:6)
الزمخشري: یريد: سبيل الصواب و الصلاح. أو ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب، و لا أدخر منه شيئا، ولا أسر عنکم خلاف ما أظهر، يعني أن لسانه و قلبه متواطئان على ما يقول، وقد كذب فقد كان مستشعرا للخوف الشديد من جهة موسی، و لكنه كان يتجلد، ولولا استشعاره لم يستشر أحدا، و لم يقف الأمر على الإشارة.
وقرئ: ( الرشاد ) « فقال » من «رشد» بالكسر كعلام، أو من «رشد» بالفتح كعباد. و قيل: هو من «أرشد » کجبار من أجبر، وليس بذلك، لأن فعالا من أفعل لم يجئ إلا في عدة أحرف، نحو: دراك، و ستار، وقصار، و جبار، ولا يصح القياس
على القليل.
ويجوز أن يكون نسبة إلى الرشد ک«عواج و بتات » غیر منظور فيه إلى فعل. (3: 425)
نحوه البيضاوي (2: 335)، و النسفي" ( 4: 77)، و أبوالسعود (418:5).
ابن عطية: و قرأ الجمهور «الرشاد » مصدر رشد. و في قراءة معاذ بن جبل: ( سبيل الرشاد ) بشد الشين.
قال أبو الفتح: و هو اسم فاعل في بنيته مبالغة، و هو من الفعل الثلاثي «رشد » فهو كعباد من « عبد ».
و قال النحاس: هو لحن، و توهمه من الفعل الرباعي، و قوله مردود.
قال أبو حاتم: كان معاذ بن جبل يفسرها: سبيل الله. و يبعد عندي هذا على معاذ رضي الله عنه، و هل كان فرعون إلا يدعي أنه إله، و يقلق بناء اللفظة على هذا التأويل. (4: 557)
الطبرسي: وما أرشد کم إلا إلى ما هو طريق الرشاد، والصواب عندي، وهو قتل موسی، و التكذيب به، و اتخاذي إلها و ربا. (521:4)
العكبري: الجمهور على التخفيف، و هو اسم للمصدر، إما الرشد أو الإرشاد. وقرئ بتشديد الشين، و هو الذي يكثر منه الإرشاد أو الرشد. (1118:2)
أبو حيان: « وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ » لا ما تقولونه من ترك قتله وقد كذب، بل كان خائفا وجلا، و قد علم أن ما جاء به موسی علیه السلام حق، و لكنه كان يتجلد، و يرى ظاهره خلاف ما أبطن .
وأورد الزمخشري و ابن عطية و أبو القاسم الهذلي هنا: أن معاذ بن جبل قرأ (الرشاد) بشد الشين. قال أبوالفتح: و هو اسم فاعل في بنية مبالغة من الفعل الثلاثي « رشد »، فهو كعباد من «عبد». وقال الزمخشري: أو من ( رشد ) كعلام من علم.
وقال النحاس: هو لحن، و توهمه من الفعل الرباعي، ورد عليه أنه لا يتعين أن یکون من الرباعي، بل هو من الثلاثي، على أن بعضهم قد ذهب إلى أنه من الرباعي، فبنى فقال من أفعل، کدراك من أدرك، و سئار من أسأر، و جبار من أجبر، و قصار من أقصر. و لكنه ليس بقياس، فلايحمل عليه ما وجدت عنه مندوحة، و « فعال » من الثلاثي مقيس فحمل عليه.
وقال أبو حاتم: كان معاذ بن جبل يفسرها: بسبيل الله. قال ابن عطية: و يبعد عندي على معاذ رضي الله عنه. و هل كان فرعون إلا يدعي أنه إله؟ و تعلق بناء اللفظ على هذا التأويل، انتهى.
و إيراد الخلاف في هذا الحرف الذي هو من قول فرعون خطأ، و ترکیب قول معاذ عليه خطأ، و الصواب أن الخلاف فيه هو قول المؤمن: « اتَّبِعُونِ أَهْدِکُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ » المؤمن : 38
قال أبو الفضل الرازي في كتاب « اللوامح» له: من شواذ القراءات ما نصه: معاذ بن جبل ( سبيل
الرشاد» لحرف الثاني بالتشديد، و كذلك الحسن، و هو سبيل الله تعالى الذي أوضح الشرائع، كذلك فسره معاذ بن جبل، و هو منقول من مرشد، کدراك من مدرك، و جبار من مجبر، و قصار من مقصر عن الأمر، و لها نظائر معدودة. فأما قصار فهو من قصر الثوب قصارة.
و قال ابن خالويه بعد أن ذكر الخلاف في التناد و في صد عن السبيل: مانصه ( سبيل الرشاد) بتشديد الشين، معاذ بن جبل. قال ابن خالويه: يعني بالرشاد: الله تعالى، انتهی.
فهذا لم يذكر الخلاف إلا في قول المؤمن: « أَهْدِکُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ »، فذكر الخلاف فيه في قول فرعون خطأ، و لم يفسر معاذ بن جبل الرشاد أنه الله تعالى إلا في قول المؤمن، لا في قول فرعون.
قال ابن عطية: ذلك التأويل من قول فرعون وهم. (462:7)
الآلوسي: [نحو الزمخشري و أضاف:]
و حكي عن الجوهري: أن الإقصار كف مع قدرة، والقصر كف مع عجز، فلايتم هذا عليه. و أما دراك و سئار فقد خرجا على حذف الزيادة تقديرا لاستعمالا كما قالوا: أبقل المكان فهو باقل، و أورس الرمث فهو وارس.
قال ابن جني: وعلى هذا خرج «الرشاد» فيكون من رشد بمعنى أرشد تقديرا لااستعمالا، فإن المعني على ذلك.
ثم قال: فإن قيل: إذا كان المعنى على أرشد فكيف أجزت أن يكون من رشد المكسور أو من رشد المفتوح؟
قيل : المعنى راجع إلى أنه مرشد لأنه إذا رشد أرشد، لأنه الإرشاد من الرشد، فهو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن المسبب انتھی.
و قيل: أجيز ذلك، لأن المبالغة في الرشد تكون بالإرشاد، كما قرروا في قيوم و طهور.
وقال بعض المحققين: إن « رشد » بمعنی اهتدى، فالمعنى: ما أهديكم إلا سبيل من اهتدی و عظم رشده، فلا حاجة إلى ما سمعت، و إنما يحتاج إليه لو وجب كون المعني: ما أهديكم إلا سبيل من كثر إرشاده، و من أين وجب ذلك. و جوز کون « فعال» في هذه القراءة للنسبة، كما قالوا: عواج لبياع العاج، و بتات لبياع البت، و هو کساء غليظ. و قيل: طيلسان من خزأو صوف.
و أنكر بعضهم كون القراءة على صيغة « فعال » في كلام فرعون، و إنما هي في قول الذي آمن « يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِکُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ »، المؤمن : 38 فإن معاذ بن جبل كان - كما قال أبو الفضل الرازي و أبو حاتم - يفسر: في «سَبِيلَ الرَّشَادِ » علی قراءته: بسبيل الله تعالى، و هو لا يتسني في كلام فرعون، كما لا يخفى.
وستعلم إن شاء الله تعالى أن معاذا قرأ كذلك في قول المؤمن، فلعل التفسير بسبيل الله عز وجل كان فيه دون کلام فرعون، و الله تعالى أعلم. (65:24)
القاسمي: و هو دفع تبدل دینکم و إظهار الفساد في الأرض، بإظهار أحكامه. (14: 5165)
الطباطبائي: أي طريق الصواب المطابقة للواقع، يريد أنه على يقين مما يهدي إليهقومه من الطريق، و هو مع كونها معلومة للواقع. و هذا كان تمويها منه و تجلدا. (329:17)
2- « وَ قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِکُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ » المؤمن : 38
ابن عباس: الحق و الهدی. (396)
الطبري: يقول: إن اتبعتموني فقبلتم مني ما أقول لكم، بينت لكم طريق الصواب الذي ترشدون إذا أخذتم فيه و سلکتموه؛ و ذلك هو دين الله الذي ابتعث به موسی. ( 62:11 )
الزجاج: يعني سبيل القصد إلى الله عز وجل، وأخرجكم عن سبيل فرعون. (375:4)
الطوسي: وهو الإيمان بالله و توحيده، و إخلاص العبادة له، و الإقرار بموسی علیه السلام.( 9: 79)
نحوه الطبرسي. (4 : 524)
الزمخشري: و «الرشاد»نقيض الغي، و فيه تعریض شبيه بالتصريح أن ما عليه فرعون و قومه هو سبيل الغي. (428:3)
مثله النسفي. (79:4)
الفخر الرازي:« سَبِيلَ الرَّشَادِ »، هو سبيل الثواب و الخير و ما يؤدي إليه، لأن الرشاد نقيض الغي، و فيه تصريح بأن ما عليه فرعون و قومه، هو سبيل الغي. (68:27)
البيضاوي: سبيلا يصل سالكه إلى المقصود، و فيه تعريض بأن ما عليه فرعون و قومه سبيل الغي. (337:2)
مثله أبوالسعود (420:5)، و نحوه البروسوي (185:8 )، و الآلوسي ( 70:24).
القاسمي: أي طريق الصواب الذي ترشدون إذا أخذتم فيه و سلکتموه. (5168:14)
الطباطبائي: يدعوهم إلى اتباعه ليهديهم،و اتباعه اتباع موسی، و « سَبِيلَ الرَّشَادِ »، السبيل التي في سلوكها إصابة الحق و الظفر بالسعادة . (332:17)
الراشدون
« وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيکُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُکُمْ فِي کَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لٰکِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْکُمُ الْإِيمَانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِکُمْ وَ کَرَّهَ إِلَيْکُمُ الْکُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيَانَ أُولٰئِکَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ».
الحجرات : 7
ابن عباس: المهتدون. (436)
مثله البغوي. (258:4)
الطبري: يقول: هؤلاء الذين حبيب الله إليهم الإيمان، و زينه في قلوبهم، و کره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون السالكون طريق الحق . (385:11)
نحوه القاسمي. (5451:15)
الطوسي: أي المهتدون إلى طريق الحق الذين
أصابوا الرشد. (345:9)
الواحدي: هم المهتدون إلى محاسن الأمور.(153:4)
الزمخشري: الرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشاد و هي الصخرة. قال أبو الوازع: كل صخرة رشادة، و أنشد:
و غیر مقلد و موشمات * صلين الضوء من صم الرشاد (562:3)
مثله القرطبي . (16: 314)
الطبرسي: يعني الذين وصفهم بالإيمان و زینه في قلوبهم، هم المهتدون إلى محاسن الأمور. وقيل: هم الذين أصابوا الرشد و اهتدوا إلى الجنة. (133:5)
البيضاوي: أي أولئك المستثنون هم الذين أصابوا الطريق السوي. (409:2)
السفي: أي أولئك المستثنون هم الراشدون، يعني أصابوا طريق الحق، ولم يميلوا عن الاستقامة، و الرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، من الرشادة و هي الصخرة. (169:4)
أبوالسعود: أي السالكون إلى الطريق السوي الموصل إلى الحق، والالتفات إلى الغيبة كالذي في قوله تعالى: « وَ ما اتَیْتُمْ مِنْ زَکوهٍ تُریدوُنَ وَجْهَ اللّهِ فَاوُلئِکَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ » الروم : 39. (115:6)
البروسوي: أي السالكون إلى الطريق السوي الموصل إلى الحق. و في الآية عدول و تلوین؛ حيث ذكر أولها على وجه المخاطبة و آخرها على المغايبة؛ حيث قيل: «أُولئِکَ هُمُ الرّاشِدُونَ»، ليعلم أن جميع من كان حاله هكذا، فقد دخل في هذا المدح، كما قال أبو الليث. (9: 72)
المراغي: أي هؤلاء الذين هذه صفاتهم هم السالكون طريق السعادة، و لم يميلوا عن الاستقامة. (128:26)
الطباطبائي: بيان أن حب الإيمان و الانجذاب إليه، و کراهة الكفر والفسوق والعصيان، هو سبب الراشد الذي يطلبه الإنسان بفطرته، و يتنفر عن الغي الذي يقابله. فعلى المؤمنين أن يلزموا الإيمان و يتجنبوا الكفر والفسوق والعصيان، حتى يرشدوا و يتبعوا الرسول، و لا يتبعوا أهواءهم.
ولما كان حب الإيمان والانجذاب إليه، و کراهة الكفر و نحوه، صفة بعض من كان الرسول فيهم دون الجميع، كما يصرح به الآية السابقة، و قد وصف بذلك جماعتهم، تحفظاعلی وحدتهم، و تشويقا لمن لم يتصف بذلك منهم غير السياق، و التفت عن خطابهم إلى خطاب النبي صلی الله علیه و آله فقال: « أُولئِکَ هُمُ الرّاشِدُونَ »، و الإشارة إلى من اتصف بحب الإيمان و کراهة الكفر والفسوق والعصيان، ليكون مدحا للمتصفین بذلك و تشويقا لغيرهم.(313:18)
فضل الله: الذين انطلقوا من الفطرة التي تلتقي بالحقيقة كلها، من خلال ينابيع الصفاء والوجدان.
(143:21)
رشید
1- « وَ جاءَهُ قَوْمُهُ یُهْرَعُونَ إِلَیْهِ وَ مِنْ قَبْلُ کانُوا یَعْمَلُونَ السَّیِّئاتِ قالَ یا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِی هُنَّ أَطْهَرُ لَکُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِی ضَیْفِی أَ لَیْسَ مِنْکُمْ رَجُلٌ رَشِیدٌ » هود : 78
ابن عباس: يدلهم على الصواب، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. (189)
أي مؤمن. (الماوردي 2: 489)
عكرمة: رجل يقول: لا إله إلا الله. (البغوي 459:2)
ابن إسحاق: أي رجل يعرف الحق و ينهى عن المنكر؟ (الطبري 7: 84)
رجل يأمر بالمعروف و نهی عن المنكر. (البغوي 2: 459)
الطبري: يقول: أليس منکم رجل ذو رشد، ينهى من أراد ركوب الفاحشة من ضيفي، فيحول بينهم وبين ذلك؟(7: 84)
الطوسي: الرشيد: هو الذي يعمل بما يقتضيه عقله، لأنه يدعو إلى الحق، و منه الإرشاد في الطرق، فقال: أما منكم من يدعو إلى الحق و يعمل به. و نقیض الرشد: الغي. (40:6)
البغوي: صالح سدید. (2: 459)
الزمخشري: رجل واحد يهتدي إلى سبيل الحق، و فعل الجميل، و الكف عن السوء. ( 382:2)
مثله النسفي. (199:2)
ابن عطية: أي يزعكم و يردكم. (195:3) الطبرسي: أي أليس في جملتكم رجل قد أصاب الرشد، فيعمل بالمعروف و نهی عن المنكر، و يزجر هؤلاء عن قبیح فعلهم. ويجوز أن يكون «رشید » بمعنی مرشد، أي يرشدكم إلى الحق . (184:3)
الفخر الرازي: و فيه قولان:
الأول: «رشید » بمعنی مرشد، أي يقول الحق، و يرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي.
والثاني: «رشید » بمعنی مرشد، و المعنى: أليس فيكم رجل أرشده الله تعالى إلى الصلاح، و أسعده بالسداد و الرشاد حتى يمنع عن هذا العمل القبيح. والأول أولى. (34:18)
القرطبي: أي شديد، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. و قيل: «رشيد» أي ذو رشد، أو بمعنى راشد أو مرشيد، أي صالح أو مصلح.
ابن عباس: مؤمن، أبومالك: ناه عن المنكر.
وقيل: الرشيد بمعنى الرشد؛ و الرشد والرشاد: الهدى والاستقامة. و يجوز أن يكون بمعنى المرشد، كالحكيم بمعنى المحكم. (9: 77)
البيضاوي: يهدي إلى الحق، و يرعوي عن القبيح. (476:1)
نحوه أبوالشعود (3: 336)، و القاسمي (3471:9).
البروسوي: رجل واحد يهتدي إلى الحق، و يرعوي عن القبيح.
و في «التأويلات النجمية »: رجل رشيد يقبل نصحي، و يتوب إلى الله بالصدق فينجيكم من العذاب ببركته، انتهى.
وذلك لأن الواحد على الحق كالسواد الأعظم و كالإكسير. (167:4)
الآلوسي: يهتدي إلى الحق الصریح، و يرعوي عن الباطل القبيح. وعن ابن عباس أنه قال: يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر، و هو إما بمعنى ذو رشد أو بمعنی مرشد کالحكيم بمعنى المحكم. والاستفهام للتعجب، و حمله على الحقيقة لا يناسب المقام.(107:12)
رشید رضا: ذو رشد يعقل هذا فيرشدكم إليه؟ (135:12)
المراغي: أي أليس منکم رجل ذو رشد و حكمة، ينهى من أرادوا ركوب الفاحشة من ضيوفي، فيحول بينهم و بين مایریدون. (12: 64)
مغنية: عاقل يحول بینکم و بين ما تريدون؟. (253:4)
مکارم الشيرازي: تعبير لوط « أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ » آخر كلامه مع قومه المنحرفين يكشف عن هذه الحقيقة، و هي أن وجود رجل - و لو رجل واحد رشید - بين قوم ما و قبيلة ما، يكفي لردعهم من أعمالهم المخزية، أي لو كان فيكم رجل عاقل ذو لب و رشد، لما قصدتم بيتي ابتغاء الاعتداء على ضيفي!
هذا التعبير يوضح بجلاء أثر «الرجل الرشيد » في قيادة المجتمعات الإنسانية، وهو الواقع الذي وجدنا نماذج كثيرة منه. (20:7)
فضل الله: عاقل، يفكر بطريقة متزنة و یدير الأمر على أساس العدل و الحكمة. ( 104:12)
2 - « إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ » هود:97
ابن عباس: بصواب. (191)
الطبري: يعني: أنه لايرشد أمر فرعون من قبله منه، في تكذيب موسى إلى خير، ولا يهديه إلى صلاح، بل يورده نار جهنم. (108:7)
الواحدي: بمرشد إلى خير. (588:2)
الفخر الرازي: أي بمرشد إلى خير، وقيل: رشید، أي ذي رشد.
واعلم أن بعد طريق فرعون عن الرشد کان ظاهرا، لأنه كان دهریا نافيا للصانع و المعاد، و كان يقول: لا إله للعالم، و إنما يجب على أهل كل بلد أن يشتغلوا بطاعة سلطانهم و عبوديته، رعاية لمصلحة العالم، و أنكر أن یکون الرشد في عبادة الله و معرفته. فلما كان هو نافيا لهذين الأمرين، كان خاليا عن الرشد بالكلية. ( 53:18)
القرطبي: بسديد يؤدي إلى صواب. و قيل: « برشید » أي مرشد إلى خير. (93:9)
البيضاوي: مرشد أو ذي رشد، و إنما هو غي محض و ضلال صریح. (480:1)
نحوه القاسمي. (3483:9)
أبو حيان: يحتمل أن يكون رشید بمعنی راشد،
و يكون رشید بمعنی مرشد، أي بمرشد إلى الخير. (258:5)
أبوالسعود: الرشد: ضد الغي، و قد يراد به محمودية العاقبة، فهو على الأول بمعنى المرشد حقيقة لغوية و الإسناد مجازي، و على الثاني مجاز و الإسناد حقيقي. (349:3)
البروسوي: قيل: الرشد مستعمل في كل ما یحمد و يرتضی كما استعمل الغي في كل مايذم و يتسخط، فهو ضد الغي .
و الرشید: بمعنى المرشد، و الإسناد مجازي.
والمعنى: و ما هو مرشد إلى خير، وهو غي محض، و ضلال صريح. و إنما يتبع العقلاء من يرشدهم و يهديهم، لامن يضلهم و يغويهم، و فيه تجهيل لمتبعيه. (183:4)
الآلوسي: أي براشد أو بذي رشد، و الرشد ضد الغي، و إسناده إلى الأمر مجازي، و كأن في العدول عن أمر فرعون غي وضلال، إلى ما في النظم الكريم زيادة في تقبیح فعلهم، و تحسيرا لهم على فوات ما فيه صلاح الدارين، أعني الرشد.
ويجوز أن يجعل الرشد كناية عن المحمودية، و الإسناد حقيقي، أي و ما أمر فرعون بصالح حميد العاقبة. (133:12)
رشید رضا: أي ما شأنه و تصرفه بذي رشد و هدی، بل هو محض الغي و الضلال، و الظلم والفساد، في غروره بنفسه، و كفره بربه، و طغيانه في حكمه، و ماذا يكون جزاؤه مع قومه في الآخرة. (152:12)
المراغي: أي و ما شأنه و تصرفه بصالح حمید العاقبة، بل هو محض غي و ضلال، ظلم و فساد،لغروره بنفسه، و کفرانه بربه، و طغيانه في حكمه. (79:12)
ابن عاشور: و الرشید: فعيل من «رشد » من باب نصر وفرح، إذا اتصف بإصابة الصواب، يقال: أرشدك الله.
وأجري وصف رشيد على الأمر مجازا عقليا. و إنما الرشيد الآمر مبالغة، في اشتمال الأمر على ما يقتضي انتفاء الرشد، فكأن الأمر هو الموصوف بعدم الرشد.
والمقصود أن أمر فرعون سفه؛ إذ لاواسطة بين الرشد و السفه. و لكن عدل عن وصف أمره بالسفيه إلى نفي الراشد عنه، تجهیلا للذين اتبعوا أمره، لأن شأن العقلاء أن يتطلبوا الاقتداء بما فيه صلاح، و أنهم اتبعوا ماليس فيه أمارة على سداده و استحقاقه لأن يتبع فماذا غرهم باتباعه. (324:11)
الطباطبائي: و الرشید فعيل من الرشد خلاف الغي، أي و ما أمر فرعون بذي رشد حتی يهدي إلى الحق، بل كان ذا غي و جهالة. وقيل: الرشید بمعنى المرشد..
و في الجملة أعني قوله: « وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ »، وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل
« أمره »، و لعل الفائدة فيه ما يفيده اسم فرعون من الدليل على عدم رشد الأمر، و لا يستفاد ذلك من الضمير ألبتة. (380:10)
و فيها بحوث راجع: أم ر: « آمر فرعون».
الرشيد
« قَالُوا یَا شُعَیْبُ أَصَلوتُکَ تَأْمُرُکَ أَنْ نَّتْرُکَ مَا یَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَّفْعَلَ فِی أَمْوَالِنَا مَا نَشَاؤُا إِنَّکَ لَأَنْتَ الْحَلِیمُ الرَّشِیدُ ».هود : 87
راجع: ح ل م : « الحليم ».
مرشدا
« مَنْ یهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ یضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِیا مُرْشِداً ». الكهف : 17
ابن عباس: موفقا يوفقه للهدی. (245)
الطبري: يقول: فلن تجد له يا محمد خليلا و حليفا يرشده لإصابتها، لأن التوفيق والخذلان بید الله، يوفق من يشاء من عباده، و يخذل من أراد. يقول: فلايحزنك إدبار من أدبر عنك من قومك، و تكذيبهم إياك، فإني لو شئت هديتهم فآمنوا، و بيدي الهداية والضلال. (194:8)
الطوسي: أي معينا و ناصرا يرشده إلى الجنة و الصواب. (21:7)
أبوالسعود: يهديه إلى ما ذكر من الفلاح، لاستحالة وجوده في نفسه، لا لأنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه.(178:4)
نحوه البروسوي (225:5) ، و القاسمي (4031:11).
الآلوسي: يهديه إلى الحق، و يخلصه من الضلال، لاستحالة وجوده في نفسه، لا أنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه؛ إذ لو أريد مدحهم لاكتفى بقوله تعالى: « فهو المهتد »، و فيه أنه لا يطابق المقام، و المقابلة لاتنا في المدح بل تؤكده.
ففيه تعريض بأنهم أهل الولاية والرشاد، لأن لهم الولي المرشد. و لعل في الآية صنعة الاحتباك. (224:15)
ابن عاشور: و المرشد: الذي يبين للحيوان وجه الرشد، و هو إصابة المطلوب من الخير . (35:15)
الوجوه و الظائر
الحيري: الرشد علی سبعة أوجه:
أحدها: الحق، كقوله: « قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ». البقرة : 256
والثاني: الحفظ في المال و الصلاح في الدين، كقوله: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً ». النساء : 6
والثالث: الإسلام، كقوله: « وَ إِنْ یَرَوْا سَبِیلَ الرُّشْدِ لا یَتَّخِذُوهُ سَبِیلًا». الأعراف : 146
و الرابع: المخرج، كقوله: « وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا» الكهف : 10
والخامس: موققا، كقوله: « مَنْ یَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ یُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِیًّا مُرْشِداً » الكهف : 17
و السادس: الهدى، كقوله: « لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ » البقرة:186، وقوله: « هَلْ أَتَّبِعُکَ عَلی أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً » الكهف : 66، و قوله: « أُولئِکَ هُمُ الرّاشِدُونَ » الحجرات: 7
والسابع: الصواب، « فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا » الجن : 14
الرشيد على وجهين:
أحدهما: من يأمر بالمعروف و نهی عن المنكر، و يدل على الصلاح، كقوله: « أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ » هود : 78
والثاني: الضال، كقوله: «إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ» هود : 87
وهذا من المقلوبات، معناه أنت السفيه الضال. (282)
الأصول اللغوية
1- الأصل في هذه المادة: الرشد: نقيض الغي، و هو الرشد والرشاد أيضا. يقال: رشد الإنسان یرشد رشدا، و رشد یرشد رشدا و رشادا، إذا أصاب وجه الأمر والطريق، فهو راشد و رشید .
وأرشده الله و أرشده إلى الأمر و رشده: هداه.
و استر شده: طلب منه الرشد. يقال: استرشد فلان لأمره، إذا اهتدي له، و أرشدته فلم يسترشد.
و إذا أرشدك إنسان الطريق فقل: لايعم عليك الرشد.
و الطريق الأرشد: الطريق الأقصد.
و المراشد: مقاصد الطريق.
و هذا ولد رشدة و رشدة، إذا كان لنکاح صحيح. يقال: ولد فلان لغير رشدة و رشدة. و في الحديث: « من ادعى ولدا لغير رشدة فلايرث ولا يورث » .
ويقال: یا رشدين، أي راشد.
2 - و يطلق لفظ المرشد في الفارسية على من يحذق مبادئ رياضة القوى القديمة و يحافظ عليها، و یرشد الرياضيين إلى نهجها، و يلهب حماسهم عند ممارستها بالضرب على الطبل و إنشاد الشعر الحماسي.
و المرشد عند الإيرانيين أيضا: القائد و المربي، وهم يطلقونه اليوم على السيد الخامنئي قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. و سری هذا الاستعمال في وسائل الإعلام العربية؛ إذ كثيرا ما تستعمل عبارة : مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تريد بذلك السيد الخامنئي، و يكاد يقتصر هذا المعنى عليه دون غيره.
الاستعمال القرآني
جاء منها مجرا المصدر: (رشد) 6 مرات، و (رشد ) 5 مرات، و ( رشاد ) مرتين، و المضارع (یرشدون )، و اسم الفاعل (راشدون ) كل منهما مرة، و الصفة ( رشيد ) 3 مرات، و مزيدا اسم الفاعل ( مرشدا ) مرة، في 19، آية:
التوحيد و الذكر والدعاء:
1- « وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ » البقرة : 186
2- « إِلاَّ أَنْ یَشاءَ اللَّهُ وَ اذْکُرْ رَبَّکَ إِذا نَسِیتَ وَ قُلْ عَسی أَنْ یَهْدِیَنِ رَبِّی لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً » الكهف : 24
3- « قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبیّ ِ وَ لَا أُشْرِکُ بِهِ أَحَدًا* قُلْ إِنیّ ِ لَا أَمْلِکُ لَکمُ ْ ضَرًّا وَ لَا رَشَدًا » الجن 20، 21
الإيمان و الكفر:
4- « لا إِکْراهَ فِی الدِّینِ قَدْ تَبَیَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَیِّ فَمَنْ یَکْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ یُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَهِ الْوُثْقی لا انْفِصامَ لَها وَ اللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمٌ » البقرة : 256
5- « وَ اعْلَمُوا أَنَّ فِيکُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُکُمْ فِي کَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَ لٰکِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْکُمُ الْإِيمَانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِکُمْ وَ کَرَّهَ إِلَيْکُمُ الْکُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيَانَ أُولٰئِکَ هُمُ الرَّاشِدُونَ » الحجرات:7
6- « سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ » الأعراف : 146
القصص: إبراهيم
7- « وَ لَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَ کُنَّا بِهِ عَالِمِينَ » الأنبياء : 51
لوط
8- « وَ جاءَهُ قَوْمُهُ یُهْرَعُونَ إِلَیْهِ وَ مِنْ قَبْلُ کانُوا یَعْمَلُونَ السَّیِّئاتِ قالَ یا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِی هُنَّ أَطْهَرُ لَکُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِی ضَیْفِی أَ لَیْسَ مِنْکُمْ رَجُلٌ رَشِیدٌ » هود : 78
شعیب
9- « قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ » هود:87
موسی
10- « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَ سُلْطانٍ مُبِينٍ* إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلاَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ » هود : 96، 97
11- « يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَ ما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ » المؤمن : 29
12 - « وَ قالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ » المؤمن : 38
أصحاب الكهف
13- « قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً » الكهف : 66
14- « إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا » الكهف : 10
15- « وَ تَریَ الشَّمْسَ اِذا طَلَعَتْ تَزاوَرُعَنْ کَهْفِهِمْ ذاتَ الْیَمینِ وَ اِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَ هُمْ فی فَجْوَهٍ مِنْهُ ذلِکَ مِنْ ایاتِ اللّهِ مَنْ یَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِوَ مَنْ یُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِیّا مُرْشِدا » الكهف : 17
القرآن و إيمان الجن به:
16 - « لْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً » الجن: 1، 2
17- « وَ أَنَّا لاَ نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ ام أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً » الجن: 10
18 - « وَ أَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَ مِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولٰئِکَ تَحَرَّوْا رَشَداً » الجن : 14
التشريع:
19 - « وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا اَلنِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَ بِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَ كَفى بِاللّهِ حَسِيباً » النساء:6
ويلاحظ أولا: أن فيها أربعة محاور: التوحيد وما يتبعه من الذكر والدعاء، والإيمان والكفر. والقصة والتشريع.
أما المحور الأول: ففيه ثلاث آيات:
أولاها: (1): الآية: 186، من سورة البقرة: «.... وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ »:
1- و قبلها و بعدها الآيات (183 - 187) في أحكام الصيام. و هذه الآية خاصة جاءت خلالها في الدعاء، كأن بين الدعاء والصيام مناسبة خاصة، فينبغي الدعاء صائما للمؤمن.
2- و محتواها خطاب إلى النبي صلی الله علیه و آله أنه إذا سألك عبادي عني، فقل لهم: إني قريب منهم أجيب دعوة من يدعوني، فينبغي لهم أيضا أن يستجيبوا لي إذا دعوتهم كما استجيب لهم، و أن يؤمنوا بي فبذلك يرشدون.
3- قالوا في « لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ »: لكي يهتدوا فيستجاب لهم الدعاء، لعلهم يهتدون، و ليهتدوا بذلك من فعلهم فیرشدوا، ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد، و هو نقيض الغي، ليس القصد من تكليفك و دعائك إلا وصولك إلى رشدك.
4 - وقال الطبرسي (1: 278) في «اللغة»: «أجاب و استجاب بمعنى. [ثم استشهد بشعر]
وقال المبرد: بینهما فرق، و هو أن في الاستجابة معنى الإذعان، و ليس ذلك في الإجابة، و أصله من « الجوب » و هو القطع. يقال: جاب البلاد يجوبها جوبا، إذا قطعها، واجتاب الظلام بمعناه، والجابة والإجابة بمعنى.
والصحيح أن الجابة و الطاعة والطاقة، و نحوها أسماء بمعنى المصادر. و أجاب عن السؤال جوابا، و انجاب السحاب، إذا انقشع. و أصل الباب: القطع، فإجابة الستائل: القطع بما سأل، لأن سؤاله على الوقف أيكون أم لا يكون؟
و الرشد: نقيض الغي، رشد یرشد رشدا و رشد یرشد رشدا، و رجل رشید، و ولد فلان لرشدة: خلاف الزنية.
وأصل الباب: إصابة الخير؛ ومنه الإرشاد، و هو الدلالة على وجه الإصابة للخير».
5 - وقال في «المعنى »: «لما ذكر سبحانه الصوم، عقبه بذكر الدعاء و مكانه منه، و إجابته إياه، فقال: « وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ». ثم فسر الآية ما ذا كان السؤال و الإجابة، و طرح سؤالا لماذا ندعو فلا يستجاب ؟ و أجاب عنه فلاحظ.
و ثانيتها: (2): الآية: 24، من سورة الكهف: «... عَسی أَنْ یَهْدِیَنِ رَبِّی لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً ».
1- و هذه الآية: 24، من جملة قصة «أصحاب الكهف»: بدء من الآية: 9، « أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ...»، و ختما بالآية: 26، « قُلِ اللّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا...».
2- و هي من تتمة حكاية الاختلاف في عدتهم من قوله تعالى: « سَیَقُولُونَ ثَلثَهٌ رَّابِعُهُمْ کَلْبُهُمْ...» خطابا إلى النبي صلی الله علیه و آله فيها: « قُلْ رَبِّی أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ»، إلى أن قال: « وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلَّا أَن يَشَاءَ اللّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً » ثم رجع إلى تتمة قصتهم فقال : « وَلَبِثُواْ فِی کَهْفِهِمْ ثَلثَ مِاْئَهٍ سِنِینَ وَازْدَادُواْ تِسْعاً ».
3- وقالوا في« رَشَداً »: صوابا و يقينا، لاحظ: هدي: « يهدین».
4- وقال الطبرسي (3: 461) « وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ »: [ وذكر فيها وجوها لاحظ: ن س ي: «نسیت »]
و ثالثتها: (3): الآية: 21، من سورة الجن:« قُلْ إِنِّی لا أَمْلِکُ لَکُمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً ».
1- و هذه الآية و الآية قبلها: « قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّی وَلا أُشْرِکُ بِهِ أَحَدًا » جاء تا بعد آیات الجن من أول السورة إلى هاتين الآيتين، فقد بدأت ب« قُلْ اُوحِىَ اِلَىَّ اَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ...»، و استدامت إلى الآية:19، منها: « وَ أَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللّهِ يَدْعُوهُ كادُوا ...».
2- و محتواها خطاب و أمر من الله تعالى إلى النبي صلی الله علیه و آله بأن يقول للمشركين: إني أدعو ربي وحده، و لا أشرك به أحدا، و إني لا أملك لكم ضرا و لانفعا.
3- و قالوا في « لا أَمْلِک لَکمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً »: ولأجر النفع و الهدى. ضرا لمن آمن و لارشدا لمن كفر. وفيه ثلاثة أوجه: 1- عذابا ولانعيما. 2 - موتا ولا حياة. 3- ضلالا ولاهدی.
إني لا أقدر على دفع الضر عنكم، ولا إيصال الخير إليكم، و إنما يقدر على ذلك الله تعالى، و إنما أقدر على أن أدعوكم إلى الخير و أهديكم إلى طريق الرشاد، لا أسوق لكم أو إليكم رشدا، أي خيرا، إن الله يملكه.
4- و عن الزمخشري: أن الرشد هو النفع لمن أراد بالضر الغي، و يؤيده قراءة أبي ( غيا
و لارشدا ».
5 - وقال الطبرسي (5: 373): «ثم خاطب سبحانه نبيه صلی الله علیه و آله فقال: «قل» یا محمد للمكلفين « إِنِّی لا أَمْلِکُ لَکُمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً » أي لاأقدر على دفع الضرر عنكم، ولا إيصال الخير إليكم، و إنما القادر على ذلك هو، الله تعالى، و لكني رسول ليس علي إلا البلاغ والدعاء إلى الدين، و الهداية إلى الرشاد. وهذا اعتراف بالعبودية، وإضافة الحول و القوة إليه تعالى ».
6- وقد جاء فيها «رشدا» بدل «رشدا» رعاية لروي الآيات جميعا في السورة، فلاحظ.
وأما المحور الثاني : الإيمان والكفر، ففيه ثلاث آیات (4-6):
أولاها: (4): الآية: 256، من سورة البقرة: « لا إِكْراهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ...».
1- و هذه الآية جاءت بعد آية الكرسي: « اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ... وَسِعَ کُرْسِیُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ... »، و محتواها بیان الرشد و الغي، و أنه لا إكراه في الدين.
2 - و قالوا في « قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ »: الإيمان من الكفر والحق من الباطل.
وقال الطبري في «اَلرُّشْدُ »: « إنه مصدر من قول القائل : رشدت فأنا أرشد رشدا و رشدا و رشادا، و ذلك إذا أصاب الحق».
وقال العكبري: «اَلرُّشْدُ »: بضم الراء و سكون الشين هو المشهور، و هو مصدر من « رشد » بفتح الشين، « یرشد » بضمها.
و يقرأ بفتح الراء و الشين، و فعله رشد یرشد مثل علم يعلم».[لاحظ: ب ي ن : « تبين »].
3- وقال الطبرسي (1: 363) في «اللغة»: «الرشد: نقيض الغي، وهو الرشد والرشد، و تقول: غوى يغوي غيا و غواية، إذا سلك طريق الهلاك. و غوي، إذا خاب ... و غوى الفصيل يغوي غوى، إذا قطع عن اللبن حتی یکاد يهلك. والطاغوت: وزنها في الأصل « فعلوت »، وهو مصدر مثل الرغبوت والرهبوت والرحموت...». [ثم ذكر النزول و المعنى تفصيلا فلاحظ ]
و ثانيتها: (5) : الآية: 7، من سورة الحجرات « أُولئِکَ هُمُ الرّاشِدُونَ » و محتواها أن الرسول فيكم و لا يطيعكم في كثير من الأمور، و قد حبيب الله إليكم الإيمان، و زينه في قلوبكم، و کره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، والذين هذه صفتهم فهم راشدون.
1-وقالوافي« الرّاشِدُونَ »: المهتدون السالكون طريق الحق، المهتدون إلى طريق الحق الذين أصابوا الرشد، المهتدون إلى محاسن الأمور، الرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه من الرشاد و هي الصخرة، و كل صخرة رشاد، هم الذين أصابوا الرشد و اهتدوا إلى الجنة، هم الذين أصابوا الطريق السوي و نحوها.
2- و قال الطباطبائي: « بيان أن حب الإيمان والانجذاب إليه، و کراهة الكفر والفسوق
والعصيان، هو سبب الرشد الذي يطلبه الإنسان بفطرته، و يتنفر عن الغي الذي يقابله. فعلى المؤمنين أن يلزموا الإيمان و يتجنبوا الكفر والفسوق و العصيان، حتی يرشدوا و يتبعوا الرسول، ولا يتبعوا أهواءهم.
ولما كان حب الإيمان و الانجذاب إليه، و کراهة الكفر و نحوه صفة بعض من كان الرسول فيهم دون الجميع، كما يصح به الآية السابقة، و قد وصف بذلك جماعتهم تحفظا على وحدتهم، و تشويقا لمن لم يتصف بذلك منهم غير السياق، والتفت عن خطابهم إلى خطاب النبي صلی الله علیه و آله...».
و ثالثتها: (6): الآية: 146، من سورة الأعراف: «... وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ...»، و محتواها أن الآية يصرف عن آياتها المتكبرين بغير الحق، الذين لا يؤمنون بأي آية، ولا يتخذوا سبيل الرشد، بل يتخذوا سبيل الغي... .
1- قالوا في «سَبِيلَ الرُّشْدِ»: طريق الإسلام و الخير، طريق الهدى والسداد، الرشد: الإيمان، والرشد: الهداية، سبيل اللاح، الهداية والبيان الذي جاء من الله، سبيل الهدى والدين الحق، والصواب في العلم و العمل.
2-وقد جاء في النصوص الاختلاف في القراءة: رشد و رشد و الفرق بينهما، و معنى الرشد والغي، فلاحظها.
3- و من جملتها قال الطبرسي (477:2) في «اللغة»: «الرشد: سلوك طريق الحق، يقال: رشد یرشد رشادا، و رشد، یرشد، رشدا، و رشدا، وضده الغي، غوی يغوى غيا و غواية ».
4 - وقال في « المعنى» «وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ »: « يعني إن يروا طريق الهدی و الحق، لا يتخذوه طريقا لأنفسهم .
«وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ » أي طريق الضلال « يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً » أي طريقا لأنفسهم، و يميلون الیه.
وقيل : الرشد: الإيمان، و الغي: الكفر.
وقيل: الرشد: كل أمر محمود، و الغي: كل أمر قبیح مذموم...».
5- و قد جاء في هذه الآية، و في: « قَد تَبیَّنَ الرُّشدُ مِن الغیّ » الرشد و الغي معا، دون سائر الآيات التسع عشرة من« الرُّشدُ ».
و أما المحور الثالث: «القصة » ففيها: 10 آیات: أولاها: (7) في إبراهيم عليه السلام، و هي الآية: 51، من سورة الأنبياء: « وَ لَقَدْ اتَيْنَا اِبْرهيمَ رُشْدَهُ ...».
وهذه أولى آية من قصته في هذه السورة و أخراها الآية: 72، «وَ وَهَبْنَا لَهُ اِسْحقَ وَیَعْقُوبَ نَافِلَهً... ».
1- قالوا في «رُشْدَهُ» يعني العلم و الفهم، هديناه صغيرا، آتيناه هداه، هداه إذ كان في الرسب حتى بلغه الله ما بلغه، وققناه للحق، و أنقذناه من بين قومه و أهل بيته من عبادة الأوثان، كما فعلنا ذلك بمحمد علیه السلام...، آتيناه هداه حدثا، و هو مثل قوله:
« وَ لَوْ شِئْنا لاَ تَیْنا کُلَّ نَفْسٍ هُدیها» السجدة : 13، «رُشْدَهُ»: النبوة، آتيناه من الحجج والبینات ما يوصله إلى رشده من معرفة الله و توحيده، هديناه صغيرا، الرشد: الاهتداء لوجوه الصلاح، الرشد عام في هدايته إلى رفض الأصنام، و في هدايته في أمر الكوكب والشمس والقمر وغير ذلك من النبوة فما دونها، الحجج التي توصله إلى الرشد من معرفة الله و توحيده و نحوها.
و في نص الفخر الرازي و غيره وجوه في «الرشد» فلاحظ.
2- وجاءت فيها القراءة ب (رشد ) و (رشد)، والفرق بينهما، و معنی «الغي» و نحوها.
3-وقال الطبرسي (52:4): «ثم عطف سبحانه على ما تقدم من قصة موسی و هارون قصة إبراهيم علیه السلام [و ذكر الآية و تفسيرها إلى أن قال:]
« من قبل » أي من قبل موسی. و قيل: من قبل محمد صلی الله علیه و آله و القرآن. و قيل: من قبل بلوغه « وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ » أنه أهل لإيتاء الراشد، و صالح للنبوة».
و الثانية: (8) في (لوط) و هي الآية: 78، من سورة هود: «... أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ»:
1-و هي الآية الثانية من قصة لوط في هذه السورة، بدء بالآية: 77، منها: « وَ لَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ ...».و ختما بالآية: 83، منها: «مُسَوَّمَهً عِنْدَ رَبِّکَ وَ ما هِیَ مِنَ الظَّالِمِینَ بِبَعِیدٍ ».
2 - و محتواها خطاب « لوط » قومه الذين جاؤوه ليفحشوا بضيوفه من الملائكة، ظنا منهم أنهم بشر، إذ قال لهم: « يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ».
3- و قالوا في «رَجُلٌ رَشِيدٌ»: رجل يقول لا إله إلا الله، رجل يعرف الحق و ینھی عن المنكر، رجل يأمر بالمعروف و نهی عن المنكر، و رجل ذو رشد ينهى من أراد ركوب الفاحشة من ضيفي، فيحول بينهم و بين ذلك صالح سديد، رجل واحد يهتدي إلى سبيل الحق و فعل الجميل، و الكف عن السوء، و نحوها.
4- وقال الطبرسي (3: 184):«وَ لا تُخْزُونِ فِی ضَیْفِی » أي لا لزموني عارا، و لاتلحقوا بي فضيحة، ولا تخجلوني بالهجوم على أضيافي، فإن الضيف إذا نزل به معرة، لحق عارها للمضيف « أَلَیْسَ مِنْکُمْ رَجُلٌ رَشِیدٌ» أي أليس في جملتكم رجل قد أصاب الرشد، فيعمل بالمعروف، وينهى عن المنكر، و یزجر هؤلاء عن قبیح فعلهم؟ ويجوز أن يكون «رَشِیدٌ» بمعنی مرشد، أي يرشدكم إلى الحق».
5 - وقال الفخر الرازي: « فيه قولان: الأول:«رَشِيدٌ» بمعنی مرشد، أي يقول الحق و يرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي.
والثاني: «رَشِيدٌ» بمعنی مرشد، و المعنى: أليس فيكم رجل أرشده الله تعالى إلى الصلاح، و أسعده بالسداد والرشاد حتى يمنع عن هذا العمل القبيح، والأول أولى ».
والثالثة: (9) في « شعیب » وهي الآية: 87 ،من سورة هود: « ... إِنَّكَ لَأنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ»:
1- و هذه من جملة قصة شعيب في هذه السورة، بدء بالآية: 84، منها: « وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً » وختما بالآية: 95، منها: « كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ...».
2- و محتواها أنه بعد أن دعا قومه «مَدْيَنَ»إلى عبادة الله تعالى و توحيده، وأمرهم بإيفاء المكيال و الميزان، ونهاهم عن بخس الناس أشياءهم، وعن الفساد في الأرض، قالوا له: « اَصَلوتُکَ تَأْمُرُکَ اَنْ نَّتْرُکَ ما یَعْبُدُ ءَابآؤُنا اَوْ اَنْ نَّفْعَلَ فی اَمْوالِنا ما نَشؤُا اِنَّکَ لاَنْتَ الْحَلیمُ الرَّشیدُ » فإتهم مع اعترافهم بأن شعيبا رجل حليم رشيد خالفوه فيما أمرهم و نهاهم عنه.
3- و قال الطبرسي (188:3) في تفسير قوله: « اَصَلوتُکَ تَأْمُرُکَ ...»: « إنما قالوا ذلك، لأن شعيبا علیه السلام كان كثير الصلاة، وكان يقول إذا صلی: إن الصلاة رادعة عن الشر، ناهية عن الفحشاء والمنكر، فقالوا: أصلاتك التي تزعم أنها تأمر بالخير، و تنهی عن الشر أمرتك بهذا، عن ابن عباس.
وقيل: معناه: أدينك يأمرك بترك دين السلف، عن الحسن، و عطاء، و أبي مسلم. قالوا: کنی عن الدين بالصلاة، لأنها من أجل أمور الدين، و إنما قالوا ذلك على وجه الاستهزاء .
« أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِی أَمْوالِنا ما نَشؤُا» معناه: أصلاتك تأمرك بترك عبادة ما يعبد آباؤنا، أو بترك فعل ما نشاء في أموالنا من البخس و التطفيف؟
«إِنَّكَ لَأنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ» قيل: إنهم قالوا ذلك على وجه الاستهزاء و التهكم، و أرادوا به ضد ذلك، أي السفيه الغاوي، عن ابن عباس.
و قيل: إنهم قالوا ذلك على التحقيق، أي إنك أنت الحليم في قومك، فلا يليق بك أن تخالفهم. و «الْحَلِيمُ »: الذي لا يعاجل بالعقوبة مستحقها. و «الرَّشِيدُ»: المرشد ».
و أربع منها (10-13) في موسی علیه السلام:
الأولى : (10) الآيتان(96 و 97 )من سورة هود: «وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ...وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِیدٍ».
1- و هاتان الآيتان ابتداء قصة موسی و فرعون في هذه السورة، و آخرها الآية: 99،
« وَ أُتْبِعُوا فی هَذِهِ لَعْنَهً وَ یَوْمَ الْقِیَمَهِ بِئْس الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ».
2- و محتواهما أن الله تعالى أرسل موسى بآياته إلى فرعون و ملئه، فكفروا به، و اتبعوا أمر فرعون، و ليس أمره ذا رشد بل ضلال و کفر.
3- و قالوا في «بِرَشِیدٍ»: بصواب، لا يرشد أمر فرعون، بمرشد إلى خير، ذي رشد، بسديد يؤدي إلى صواب ذي رشد، و إنما هو غي محض و ضلال صریح، براشد أو بذي رشد، ما شأنه و تصرفه بذي رشد و هدی، بل هو محض الغي و الضلال و الظلم و الفساد في غروره بنفسه، و كفره بربه و طغيانه في حكمه، و ما شأنه وتصرفه بصالح حميد العاقبة بل
هو محض غي، إن أمر فرعون سفه؛ إذلا واسطة بين الرشد و السفه، و ما كان أمر فرعون بذي رشد حتى يهدي إلى الحق، بل كان ذاغي و جهالة، و نحوها.
4- وقال الطبرسي (190:3) في « المعنى » « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا »: « أي بحججنا و معجزاتنا الدالة على نبوته «و سلطان مبين » أي و حجة ظاهرة مخلصة من تلبیس و تمويه على أتم ما يمكن فيه.
و السلطان و إن كان في معنى الآيات، فإنما عطفه عليها، لأن الآيات حجج من وجه الاعتبار العظيم بها. والسلطان حجة من جهة القوة العظيمة على المبطل، و كل عالم له حجة يقهر بها شبهة من نازعه من أهل الباطل، فله سلطان.
وقد قيل: إن سلطان الحجة أنفذ من سلطان المملكة. والسلطان متى كان محقا حجة وجب اتباعه، و إذا كان بخلافه لايجب اتباعه.
قال الزجاج: السلطان إنما سمي سلطانا، لأنه حجة الله في أرضه، و اشتقاقه من السليط الذي يستضاء به.
« إِلَى فِرْعَوْنَ وَ مَلَئِهِ » أي قومه. وقيل: أشراف قومه الذين تملأ الصدور هیبتهم.
«فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ » و تركوا أمر الله تعالى « وَ ما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ» أي مرشد، و معناه: ما هو بها لهم إلى رشد، و لا قائد إلى خير. فأمر فرعون کان على ضد هذه الحال، لأنه داع إلى الشر، و صاد عن الخير. و في هذا دلالة على أن لفظة الأمر مشتركة بين القول والفعل، والمراد هاهنا: و ما فعل فرعون برشید ».
والثانية : (11) الآية: 29، من سورة المؤمن: «.. وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ».
1- و هذه الآية و التي بعدها (12) من جملة قصة موسى علیه السلام في سورة المؤمن بدء من الآية: 23، « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَ سُلْطَانٍ مُبِينٍ » و ختما بالآية: 45، « فَوَقهُ اللَّهُ سَیَاتِ مَا مَکَرُوا وَحَاقَ بَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ».
2 - و محتواها المقاولة بين الرجل المؤمن من آل فرعون، و بين فرعون، فقال الرجل لقوم فرعون إن لكم الملك و القدرة اليوم علينا، فمن ينصرنا من عذاب الله إن جاءنا، فقال فرعون في جوابه خطابا لقومه: « مَا أُرِيکُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَ مَا أَهْدِيکُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ » زعما منه أن ما يدعوهم إليه من عبادته هو سبيل الرشاد.
3- قالوا في « سَبِيلَ الرَّشَادِ »: طريق الحق و الهدی، طريق الحق و الصواب في أمر موسی و قتله، سبيل الصواب و الصلاح، سبيل من اهتدى و عظم رشده، طريق الصواب المطابقة للواقع و نحوها.
4- وقد قال بعضهم فيه: «سبيل الله عز وجل».
و أشكلوا عليه بأن فرعون يدعي أنه إله فكيف يعترف بأن سبیله سبيل الله عز و جل.
5 - وقال الطبرسي (521:4) « يَا قَوْمِ لَکُمُ
الْمُلْکُ الْيَوْمَ »: «أي لكم السلطان على أهل الأرض، يعني أرض مصر اليوم « ظاهرين في الأرض » أي عالين فيها، غالبين عليها، قاهرين لأهلها.
« فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ» أي من يمنعنا من عذاب الله « إن جاءنا »و معناه: لا تتعرضوا لعذاب الله بقتل التي و تكذيبه، فلا مانع من عذاب الله إن حل بكم. ف«قال فرعون» عند ذلك «مَا أُرِيکُمْ إِلاَّ مَا أَرَى» أي ما أشير عليكم إلا بما أراه صوابا، و أرضاه لنفسي.
وقيل: « معناه: ما أعلمكم إلا ما أعلم « وَ مَا أَهْدِيکُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ »و ما أرشدكم إلا إلى ما هو طريق الرشاد، والصواب عندي، وهو قتل موسی، و التكذيب به، و اتخاذي إلها و ربا ».
6- و عندهم خلاف في قراءة ( الرشاد ) بتشديد الشين مبالغة من رشد، أو رشد، یرشد مثل «علام».
وقيل : هو من أرشد: ک «جبار» من أجبر و ليس بذلك، لأن « فعالا» من «أفعل» لم يجئ إلا في عدة أحرف، نحو: دراك، و سئار، و جبار، ولا يصح القياس على القليل. [ولاحظ النصوص ]
والثالثة: (12) الآية: 38، من سورة المؤمن أيضا: « وَ قَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِکُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ »:
1- و محتواها أن الرجل المؤمن قال لقوم فرعون - خلال مقاولته إياهم - : اتبعوني فإني أهدكم إلى سبيل الرشاد.
2 - وقالوا في«سَبِيلَ الرَّشَادِ » هنا أيضا: الحق و الهدى، طريق الصواب الذي ترشدون إذا أخذتم فيه و سلکتموه، و ذلك هو دين الله الذي ابتعث به موسی، سبيل القصد إلى الله عز وجل، هو الإيمان بالله و توحيده، و إخلاص العبادة له، و الإقرار موسی علیه السلام، نقيض الغي، و فيه تعریض شبیه بالتصريح أن ما عليه فرعون و قومه هو سبيل الغي ،سبيل الثواب و الخير وما يؤدي إليه، سبيلا يصل سالكه إلى المقصود، السبيل التي في سلوكها إصابة الحق و الظفر بالسعادة.
3- والذي يلفت النظر أن فرعون و الرجل المؤمن كلاهما يدعي أن سبيله سبيل الرشاد بجملة متشابهة:« وَ مَا أَهْدِيکُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ » و«أَهْدِکُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ» بزيادة الحصر في الأولى التي هي من كلام فرعون دون الأخيرة التي هي من کلام الرجل المؤمن، و معلوم أن أحدها تبع الآخر في هذا التعبير ردا عليه. و القرآن حکاها أولا عن قول فرعون في الآية: 29، و بعده عن قول الرجل المؤمن في الآية: 35، فكأنه أراد أن يقابل قول فرعون في ادعائه: « وَ مَا أَهْدِيکُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ » بقوله: «أَهْدِکُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ»من دون الحصر الذي كان مبالغة من فرعون في ادعائه، مع أن الرجل كان هو الذي لا يهديهم إلا سبيل الرشاد، فكأنه تنبيه من الرجل على أن فرعون قد بالغ في ادعائه الباطل، فهو ضلال بعد ضلال، و بطلان بعد بطلان.
4- و هنا سؤال: و هو أنه قد جاء في كليها بدل « الرشد» «الرشاد » - ولم يأت في القرآن «الرشاد » إلا فيهما - فهل فيه رمز مثل أن «الرشاد» أبلغ و آكد في معناه من «الرشد» فاختص بموضع المبالغة؟
أو الوجه هو رعاية روي الآيات، فإنها من الآية 4:«.... تقلبهم في البلاد» إلى الآية: 55، «...بالعشي و الأبكار» على وزن « الإفعال» ثم تنصرف إلى « يفعلون» و «فعيل » و « فاعلين » إلى آخر السورة، فلاحظ.
وقال الطبرسي (4 : 524) في « وقال الذي امن...»: «و قيل: إن هذا القائل موسی علیه السلام أيضا عن الجبائي» و هو بعيد جدا.
و الرابعة: (13) الآية: 16، من سورة الكهف: «قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا»:
1- و هي من جملة قصة موسى و فتاه مع الخضرعلیه السلام في هذه السورة: بدء من الآية: 60، «وَ اِذْ قالَ مُوسی لِفَتیهُ لا اَبْرَحُ ...» و ختما بالآية: 82، « وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ [إلى] ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ».
2- و محتواها سؤال موسی الخضر -علیه السلام - الذي عبر عنه القرآن ب « عبدا من عبادنا » هل هو يوافق على أن يتبعه موسی فیعلمه الخضر مماعلم رشدا؟
و لكن بينهم خلاف في أن «الرشد» وصف للخضر أو لموسى، أي تعلمني مما علمت أنت من الرشد و العلم، أو تعلمني الرشد مما علمت من العلوم .
3- كما أن هذا الخلاف نشئ عن الخلاف في إعراب الآية، فإن «رشدا » إما مفعول لأجله حالا لفعل «اتبعک» أي أتبعك للرشد أو لطلب الرشد. و إما مفعول به لفعل «تعلمن » أي أتبعك على أن تعلمني رشدا مما علمت، وبناء عليهما فالرشد وصف الموسی.
و فيه وجه ثالث بأن يكون «رشدا» مفعولا به لفعل «علمت» أي علمني مما علمت أنت من الرشد، فيكون وصفا للخضر.
4- و قال الطبرسي (3: 483) وقد بحث بحثا طويلا في تعريف «عبدا» - «مما علمت رشدا »: « أي : علما ذا رشد. قال قتادة: لو كان أحد مكتفيا من العلم لاکتفی نبي الله موسى، و لكنه قال: «هل اتبعك » عظمه علیه السلام بهذا القول غاية التعظيم؛ حيث أضاف العلم إليه، و رضي باتباعه، و خاطبه بمثل هذا الخطاب. و الرشد: العلوم الدينية التي ترشد إلى الحق. وقيل : هو علوم الألطاف الدينية التي تخفي على الناس».
أصحاب الكهف آيتان:
أولاهما: (14) الآية:10، من سورة الكهف: « إذ اوى الفتية إلى الكهف ..... و هيئ لنا من امرنا رشدا »:
1- و هذه الآية من جملة قصة أصحاب الكهف
في هذه السورة، بدء من الآية: 9، «أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ اَلْكَهْفِ وَ الرَّقِيمِ ...»، و ختما بالآية: 26، منها: «قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا....».
2- و محتواها أن هؤلاء الفتية قصدوا الذهاب إلى الكهف، و سألوا الله تعالى الرحمة والرشد بقولهم: « رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا».
3- وقالوا في «رشدا»: مخرجا، مخرجا في الغار في سلامة، سدادا إلى العمل الذي تحب، الرشد و الرشد و الرشاد نقيض الضلال، ما نلتمس من خير رضاك و ما فيه رشدنا، حتى نكون بسببه راشدين مهتدين، أو اجعل أمرنا رشدا كله، خلاصا جميلا، دلنا على أمر فيه نجاتنا، لأن الرشد والرشد بمعنی، توفيقا للرشاد، و قيل: صوابا، إصابة للطريق الموصل إلى المطلوب و اهتداء إليه، الرشد بفتحتين: الخير وإصابة الحق و النفع و الصلاح، والرشد مرادف للرشد. و أكثرهم ذکروا اختلاف القراءة، فلاحظ.
4- و قالوا في وجه إيثار «الرشد» في هذه الآية على «الرشد » إنه موافقة الروي.
5 - وقال الطبرسی (3: 450) في «اللغة»: «الكهف: المغارة في الجبل، إلا أنه واسع، فإذا صغر فهو غار.
والرقيم: أصله من الرقم، و هو الكتابة. يقال: رقمت الكتاب أرقمه، فهو «فعيل» بمعنی « مفعول»، کالجريح و القتيل؛ و منه الرقم في الثوب، لأنه خط يعرف به ثمنه.
و الأرقم : الحية المنقشة لما فيه من الخطوط. و تقول العرب: عليك بالرقمة، ودع الضفة، أي عليك برقمة الوادي، حيث الماء، ودع الجانب.
والأوي: الرجوع. و اللفتية: جمع فتى، و فعله من أسماء الجمع، و ليس بناء يقاس عليه، يقال: صبي وصبية، و غلام و غلمة، و لايقال غني وغنية، لأنه غير مطرد في بابه ».
6- وقال في « المعنى »: «أم حسبت »: « معناه: هل أحسبت یا محمد «آن اصحاب الكهف..» فخلق السماوات و الأرض أعجب من هذا، عن مجاهد، وقتادة.
ويحتمل أنه لما استبطأ الجواب حين سألوه عن القصة، قيل له: أحسبت أن هذاشيء عجيب، حرصا على إيمانهم حتى قوي طمعك، إنك إذا أخبرتهم به آمنوا.
والمراد ب«الكهف »: كهف الجبل الذي أوي إليه القوم الذين قص الله أخبارهم ». [ثم ذكر اختلافهم في معنى «الرقيم» لاحظ : ر ق م : «الرقيم» ثم قال: ]
« إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ » أي اذكر القومك إذ التجأ أولئك الشبان إلى الكهف، و جعلوه مأواهم هربا بدينهم إلى الله «فقالوا » حين أووا إليه « رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً »أي نعمة ننجو بها من قومنا، و فرج عنا ما نزل بنا «وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا » أي هيء و أصلح لنا من أمرناما
نصیب به الرشد.
وقيل: هيء لنا مخرجا من الغار في سلامة، عن ابن عباس.
وقيل : معناه: دلنا على أمر فيه نجاتنا، لأن الرشد والنجاة بمعنى.
وقيل: يسر لنا من أمرنا ما نلتمس به رضاك، وهو الرشد». [ثم ذكر حكاية هؤلاء الفتية، فلاحظ ].
و الثانية: (15) الآية: 17، من سورة الكهف أيضا: «وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ ... وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا»، و هي من تتمة قصة أصحاب الكهف.
1- و محتواها بیان موضع الغار أمام الشمس، بأن الشمس حين طلوعها تميل إلى اليمين، و حين غروبها تميل إلى الشمال، في حال أن الفتية في متسع من الكهف. و أن هذه القصة من آيات الله تعالى، و هو الهادي و المضل، فمن هداه الله فهو المهتدي،و من يضلله فليس له مرشد.
2- وذكر الطبرسی (455:3) اختلاف القراءة و الإعراب تفصيلا فلاحظ. و ذكر في « اللغة»: « القرض: القطع، يقال: قرضت الموضع، إذا قطعته و جاوزته. قال الكسائي: هو المجازاة، يقال: قرضني فلان يقرضني، وجذاني يجذوني بمعنى »[ثم استشهد بشعر]
3- ثم قال في « المعنى »: «وَتَرَى الشَّمْسَ» أي لو رأيتها لرأيت « إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ » أي تميل وقت طلوعها عن كهفهم إلى جهة اليمين.
« وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ» أي تعدل عنهم، و تتركهم، « ذَاتَ الشِّمَالِ » إلى جهةالشمال، شمال الكهف، أي لا تدخل كهفهم.
وقيل: تقرضهم، أي تجاوزهم منحرفة عنهم، عن ابن عباس.
« وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ » أي في متسع من الكهف. وقيل: في فضاء منه، عن قتادة.
و قيل: كان متسعا داخل الكهف؛ بحيث لا يراه من كان ببابه، و ينالهم نسيم الريح...».
القرآن و إيمان الجن به، 3 آیات:
وهي من جملة قصة الجن في سورة الجن أيضا کالآيتين: 20 و 21:
الأولى : (16) الآية: 2، منها « يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ....».
1- و هي من تتمة الآية قبلها: « قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً » * « يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ....» فجملة « يَهْدِي » وصف للقرآن.
2 -و محتوى الآيتين أن النبي صلی الله علیه و آله أمر من قبل الله تعالى بأن يقول للمشركين - ترغيبا لهم إلى الإيمان به و بالقرآن و ترك الشرك - أوحي إلي من الله تعالى أن جماعة من الجن استمعوا القرآن، فقالوا للجن: إنا سمعنا قرآنا عجيبا يهدي الناس إلى الرشد، فآمنا به، و تركنا الشرك بربنا - حسب ما
جاء في القرآن من الأمر بالتوحيد -.
3- وقالوا في «الى الرشد »: إلى الحق و الهدى و الصواب: لا إله إلا الله، فيه وجهان: مراشد الأمور، ومعرفة الله، يهدي إلى ما فيه الرشاد و الحق، إلى الصواب من التوحيد و الإيمان، يدعو إلى الصواب، و قيل: إلى التوحيد و الإيمان.
4- و قال الطبرسي (5: 367): « أمر سبحانه نبيه محمدا صلی الله علیه و آله أن يخبر قومه بما لم يكن لهم به علم، فقال: «قل » یا محمد «أوحى إلي» إنما ذكره على لفظ ما لم يسم فاعله، تفخیما و تعظيما، و الله سبحانه أوحى إليه، وأنزل الملك عليه.
« أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ » أي استمع القرآن طائفة من الجن، و هم جیل رقاق الأجسام خفيفة على صورة مخصوصة، بخلاف صورة الإنسان والملائكة، فإن الملك مخلوق من النور، و الإنس من الطين، و الجن من النار.
«فقالوا » أي قالت الجن بعضها البعض.
«إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً » والعجب ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه، و خروجه عن العادة في مثله، فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه المخصوص عن العادة في الكلام، و خفي سببه عن الأنام، كان عجبا لامحالة.
وأيضا فإنه مباين لكلام الحلق في المعنى، والفصاحة و النظام، لا يقدر أحد على الإتيان بمثله، وقد تضمن أخبار الأولين والآخرين، وما كان و ما يكون، أجراه الله على يد رجل أمي من قوم أميين، فاستعظموه وسموه «عَجَباً ».
« يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ»أي يدل على الهدى، و يدعو إليه، و الرشد: ضد الضلال.
«فامنا به » أي صدقنا بأنه من عند الله .
« و لن نشرك » فيما بعد « بربنا أحدا» فنوجه العبادة إليه، بل نخلص العبادة لله تعالى.
والمعنى: أتا قد بدأنا بأنفسنا، فقبلنا الرشد والحق، و تركنا الشرك، و اعتقدنا التوحيد.
و في هذا دلالة على أنه علی السلام كان مبعوثا إلى الجن والإنس، و على أن الجن عقلاء مخاطبون، و بلغات العرب عارفون، و على أنهم يميزون بين المعجز وغير المعجز، و أنهم دعوا قومهم إلى الإسلام، و أخبروهم بإعجاز القرآن، و أنه كلام الله تعالى، لأن كلام العباد لا يتعجب منه».
[ثم روی رواية في أن النبي صلی الله علیه و آله لم يحدث الجن، ولا رآهم ....، و روايات أخرى في تفسير الآية، فلاحظ ]
و الثانية: (17) الآية: 10، من هذه السورة: « وَ أَنّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً »:
1- و محتواها أن الجن لا رأوا أن السماء ملئت حرسا و شهبا، و أنهم إذا أرادوا سماع كلام الملائكة منعوا منه، قالوا: إنا لاندري هل الله تعالى أراد بأهل الأرض خيرا أو شرا.
2-وقالوا في «رشدا »: هدی و صوابا و خيرا، هداية إلى الحق، خيرا من عذاب، أو رحمة
من خذلان أو توفيق، و نحوها.
وقال الطبرسي (5: 369) :« وَ أَنّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ » أي بحدوث الرجم بالشهب و حراسة السماء، جوزوا هجوم انقطاع التكليف، أو تغيير الأمر بتصدیق نبي من الأنبياء، وذلك قوله : « أمْ أرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً » أي صلاحا.
وقيل: معناه: أن هذا المنع لايدري ألعذاب سینزل بأهل الأرض، أم لنبي يبعث، و يهدي إلى الرشد. فإن مثل هذا لا يكون إلا لأحدهذين الأمرين. و سمي العذاب شرا، لأنه مضرة. و ستمي بعثة الرسول رشدا، لأنه منفعة » .
و الثالثة: (18) الآية: 14، منها: « ... فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً»:
1- وجاء فيهما «رَشَداً» بدل «رشدا » - كما سبق في الآية: 21، منها - رعاية لروي الآيات، فإن رويها جميعا في السورة « فعلا ».
2- و محتواها أن الجن لا سمعوا القرآن قالوا: إنا مختلفون في الإيمان والكفر به، فمنا المسلمون، و منا الجائرون و الكافرون.
3- وقال الطبرسي (5: 370) في «اللغة»: « و القاسط : الجائر، و المقسط: العادل، ونظيره: الترب الفقير. و المترب: الغني، وأصله التراب. فالأول ذهب ماله حتى لصق بالتراب، والآخر كثر ماله حتى صار بعدد التراب.
و كذلك القاسط: هو العادل عن الحق، والمقسط: العادل إلى الحق». [ثم استشهد بأشعار]
4- وقال في «المعنى »:« و انا منا المسلمون» الذين استسلموا لما أمرهم الله سبحانه به، وانقادوا لذلك.
« و منا القاسطون » أي الجائرون عن طريق الحق
« فَمَنْ أَسْلَمَ» لما أمره الله به . « فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً» أي توجهوا الرشد، والتمسوا الثواب و الهدى، و تعمدوا إصابة الحق، و ليسوا كالمشركين الذين ألفوا ما يدعوهم إليه الهوى، و زاغوا عن طريق الهدی ».
المحور الرابع: التشريع، آية واحدة (19):
و هي الآية: 6، من سورة النساء: «وَ ابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ...».
1- و هي ثالثة الآيات في اليتامى في هذه السورة. و أولاها: الآية الثانية منها: « وَآتُواْ الْیَتَامَی أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِیثَ بِالطَّیِّبِ ... ».
2- و محتواها خطاب للمؤمنين بأنه يجب عليهم ابتلاء اليتامى، فإذا علموا أن اليتامی بلغوا سن النكاح وجب عليهم دفع أموال اليتامى إليهم، إذا آنسوا منهم رشدا، و أن لا يأكلوها إسرافا و بدارا... .
3- و قالوا في «رشدا»: صلاحا في الدين و حفظا في المال، رشدا في حالهم، و الإصلاح في أموالهم، صلاح في الدين و إصلاح في المال، الصلاح في العقل و حفظ المال، الرشد: العقل، رشدا في
الدين و صلاحا و حفظا للمال، العقل و إصلاح المال، صلاحا في عقله و دينه، عقود وصلاحا، العقل و الصلاح في الدين، صلاحا و علما بما يصلحه، و نحوها.
4- وقد ذكر الطبري اختلافهم فيه بنحو ما ذکر، ثم قال: « و أولى هذه الأقوال عندي بمعنى الرشد في هذا الموضع: العقل وإصلاح المال، لإجماع الجميع على أنه إذا كان كذلك، لم يكن ممن يستحق الحجر عليه في ماله، وحوزما في يده عنه، وإن كان فاجرا في دينه » .
5- وقال الطبرسي (2: 8) في «اللغة»: « الإيناس: الإبصار من قوله: « آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً » القصص : 29، أخذ من: إنسان العين، و هو حدقتها التي تبصر بها، و أنست به نسا: ألفته » ثم ذكر باقي لغاتها ».
6- وقال في «المعنى» «وَ ابْتَلُوا الْيَتامى »: « هذا خطاب لأولياء اليتامى، أمرهم الله أن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم، و صلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم في أموالهم، و هو قول قتادة، و الحسن، والسدي، و مجاهد، و ابن عباس.
«حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ» : معناه: حتی یبلغوا الحد الذي يقدرون معه على المواقعة، و ينزلون، و ليس المراد بالبلوغ الاحتلام، لأن في الناس من لايحتلم، أو يتأخر احتلامه، وهو قول أكثر المفسرين.
فمنهم من قال: إذا كمل عقله، و أونس منه الرشد سلم إليه ماله، و هو الأولى.
و منهم من قال: لا يسلم إليه ماله و إن كان عاقلا ، حتى يبلغ خمس عشرة سنة.
قال أصحابنا: حد البلوغ إما كمال خمس عشرة سنة، أو بلوغ النكاح، أو الإنبات.
و قوله: « فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً »: معناه فإن وجدتم منهم رشدا، أو عرفتموه.
واختلف في معنى قوله:« رُشْداً »:
فقيل: عقلا ودينا وصلاحا، عن قتادة، والسدي .
وقيل: صلاحا في الدين، و إصلاحا في المال،عن الحسن، و ابن عباس.
وقيل: عقلا، عن مجاهد، و الشعبي، قالا: لايدفع إلى اليتيم ماله، و إن أخذ بلحيته، و إن كان شيخا حتى يؤنس منه رشد العقل.
والأقوى أن يحمل على أن المراد به: العقل، و إصلاح المال، على ما قاله ابن عباس، و الحسن، وهو المروي عن الباقر علیه السلام، للإجماع على أن من يكون كذلك لايجوز عليه الحجر في ماله، و إن كان فاجرا في دينه، فكذلك إذا بلغ - و هو بهذه الصفة - وجب تسلیم ماله إليه.
و فيه أيضا دلالة على جواز الحجر علی العاقل، إذا كان مفسدا لما له من حيث إنه إذا جاز أن يمنع المال عند البلوغ إذا كان مفسدا له، فكذلك يجوز الحجر عليه إذا كان مفسدا له بعد البلوغ، وهو المشهور في أخبارنا ».[ثم فر باقي الآية فلاحظ ]
ويلاحظ ثانيا: أن اثنتين من الآيات التسع عشرة: واحدة (1) من المحور الأول، و واحدة من المحور الثاني، و هما من سورة البقرة، و كذلك آية التشريع (19) هذه التلاث مدنية. والباقي من المحاور الثلاثة من آيات التوحيد و الكفر والقصص، مكية، كما هي الغالب في آيات الكفر والإيمان و آيات القصص.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
الهدی: « ذلِکَ الْکِتَابُ لاَرَیْبَ فیهِ هُدًی لِلْمُتَّقینَ » البقرة:2
الاستقامة:« فَاسْتَقِمْ کَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَکَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِیرٌ » هود: 112
الدلالة: « یَاءَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا هَلْ اَدُلُّکُمْ عَلی تِجَارَهٍ تُنْجیکُمْ مِنْ عَذَابٍ اَلیمٍ » الصف: 10
السداد: « وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا » النساء: 9
التوفيق: « فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ » هود:66
5 الفاظ،6مرات،4 مکیه،2 مدنیتان فی 4 سور: 3 مکیه،1 مدنیه
مرصد 1: -1 رصدا 2:2
المرصاد 1:1 ارصادا 1: -1
مرصادا 1:1
النصوص اللغوية
الزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو. (الواحدي 4 : 413)
الخليل: المرصد: موضع الرصد.
و الرصد: هم القوم الذين يرصدون كالحرس.
والرصد: الفعل.
و الرصد: کلا قليل في أرض يرجى بها حيا الربيع، و تقول: بها رصد من حيا.
وأرض مرصدة: بها شيء من رصد؛ و منه إرصاد الإنسان في المكافأة و الخير. يقال: أنا مرصد لك بإحسانك حتى أكافئك به. [ثم استشهد يشعر]
(96:7)
الكسائي : رصدت فلانا أرصده: إذا ترقبته.
و أرصدت له شيئا أرصده: أعددت له.
مثله الأصمعي. (الأزهري 12: 136)
ابن شميل : أرض مرصدة، وهي التي مطرت، و هي ترجى لأن تنبت.
وإذا مطرت الأرض في أول الشتاء فلايقال لها: مرت، لأن بها حينئذ رصدا، و الرصد حينئذ: الرجاء لها، كما ترجى الحاملة. (الأزهري 12: 136)
أبوزيد:رصدته بالخير و غيره أرصده رصدا و أنا راصده، و أرصدت له بالخير و غیره إرصادا، و أنا مرصد له. (ابن قتيبة : 192)
الأصمعي: من أسماء المطر: الرصد ؛ واحدتها: رصدة، وهي المطرة تقع أولا لما يأتي بعدها.
يقال: قد كان قبل هذا المطر له رصدة. و العهاد نحو منها؛ واحدتها: عهدة. (الأزهري 136:12)
أبو عبيد: في حديث محمد بن سیرین: «كانوا لايرصدون الثمار في الدين، و ينبغي أن يرصدوا العين في الدين ». من حديث ابن المبارك، بلغني عنه عن طلحة بن النضر، قال: سمعت ابن سیرین يقول ذلك.
قال: فسره ابن المبارك أنه أراد إذا كان علی الراجل الدين و عنده من العين مثله، لم تجب الزكاة، لأن ذلك الدين يكون قصاصا با لعين. و إن كان عليه دین و له ثمار مما يخرج الأرض التي عليها العشر، فإن ذلك الدين الذي عليه لا يكون قصاصا بالدين، و لكن يؤخذ منه عشر أرضه، لأن حكم الأرضين غير حکم الأموال. فهذا الذي أراد ابن سیرین، و قد كان غيره يفتي بغير هذا، يقول: لا تكون عليه زكاة في أرضه أيضا، إذا كان عليه دين بقدر ذلك. (440:2)
يقال: قد كان قبل هذا المطر له رصدة. (ابن سيده 8: 287)
ابن الأعرابي: الرصدة: ترصد و لیا من المطر. (الأزهري 12: 136)
الرصد: العهاد ترصد مطرا بعدها، فإن أصابها مطر فهو العشب. و ينبت البقل حینئذ مقترحا صلبا. (ابن سيده 8: 287)
رصدت و أرصدت: في الخير والشر جميعا. (الطريحي 52:3)
الدينوري: أرض مرصدة: ممطرت و هي ترجى الأن تنبت، و الرصد حينئذ الرجاء، لأنها ترجی کما ترجى الحامل. و جمع الرصد: أرصاد ورصاد. (ابن سيده 8: 287)
ابن دريد: و الرصد و الرصد واحد، من قولهم: أصابت الأرض رصدة من مطر؛ و الجمع: رصاد وأرصاد.
و الأرض مرصودة، إذا أصابتها الرصدة من المطر، أي قليل.
وقال بعض أهل اللغة: لا يقال: مرصودة، إنما يقال : أصابهارصد و رصد.
و الراصد للشيء: الراقب له، رصده یرصده رصد ا.
والرصد: القوم الراصدون، كما قالوا: طلب للطالبين، و جلب للجالبين.
والسبع الرصيد: الذي يرصد ليثب.[ثم استشهد بشعر]
وفلان لفلان بمرصد، و بمرصاد، أي بحيث يرقبه و يرى فعله، والجمع: مراصد .
ويقال : قد أرصدت لفلان كذا و كذا، إذا هيأته له، و المرصاد في التنزيل من هذا إن شاء الله.( 246:2)
ابن الأنباري: في قولهم : « فلان يرصد فلانا»، معناه: يقعد له على طريقه. و المرصد والمرصاد عند العرب: الطريق. (الأزهري 137:12)
الأزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد به الراصد العدو و هو مثل المضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل للسباق من میدان و نحوه.
والمرصد مثل المرصاد، و جمعه: المراصد .
ويقال للحية التي ترصد المارة على الطريق: رصيد.
وقال عرام: الرصائد و الوصائد: مصاید تعد للسباع . (136:12)
الصاحب: المرصد: موضع الرصد، والرصد أيضا: القوم يرصدون، و هو الفعل أيضا.
و أنا أرصده رصادا، أي رصدا.
و رصاد رصاد - معدولتين -، أي ارصد .
و الرصد: الكلا القليل في أرض يرجي لها حيا الربيع، و أرض مرصدة.
و من هناك إرصاد الإنسان في المكافاة و التخير، هو مرصد بالإحسان.
وأصابت الأرض رصدة غيث، وهي أول مطر؛ وجمعها: رصد .
وفي المثل : «قصدة على رصدة » يضرب مثلا للسيل الضعيف الذي يجيء من مطر كان قبله.
ويسمى الوسمي: رصدة.
و يقولون: لا تخطئك مني رصدات خير أو شر،أي أكافئك كما يكون منك.
و فلان يرصد الزكاة في صلة إخوانه، إذا كان يعد ما يصل به إخوانه من زكاة ماله.
وقال ابن سيرين: « كانوا لا يرصدون الثمار في الدين، وينبغي أن يرصدوا العين في الدين»، و هو الاعتداد بالشيء للشيء الآخر. (8: 110)
الجوهري: الراصد للشيء: المراقب له. تقول:
رصده یرصده رصدا و رصدا.
و الترصد: الترقب.
والرصيد: السبع الذي يرصد ليثب.
والرصود من الإبل : التي ترصد شرب الإبل، ثم تشرب هي.
والرصد: القوم يصدون، کالحرس، يستوي فيه الواحد و الجمع و المؤنث. و ربما قالوا: أرصاد.
و المرصد: موضع الرصد. و في الحديث: « إلا أن أرصده لدين علي».
والمرصاد: الطريق.
والرصدة بالضم: الزبية.
والرصدة بالفتح: الدفعة من المطر؛ و الجمع: رصاد. تقول منه: رصدت الأرض فهي مرصودة.
والرصد بالتحريك: القليل من الكلا والمطر. يقال: بها رصد من حياء و الجمع: أرصاد. (2: 474)
ابن فارس: الراء والصاد و الدال أصل واحد، و هو التهيؤ لرقبة شيء على مسلكه، ثم يحمل عليه ما يشا كله.
يقال: أرصدت له كذا، أي هيأته له، كأنك جعلته على مرصده. و في الحديث: « إلا أن أرصده لدين علي.
و المرصد: موقع الرصد.
والرصد: القوم يرصدون؛ و الرصد: الفعل.
و الرصود من الإبل: التي ترد شرب الإبل ثم تشرب هي.
ويقال إن الرصدة: التربية، كأنها للسبع ليقع فيها.
ويقال الرصيد: السبع الذي يرصد ليثب.
و شذت عن الباب كلمة واحدة، يقال الرصد: أول المطر، و الله أعلم بالصواب. (400:2)
ابن سيده: رصده بالخير و غیره یرصده رصدان: ترقبه، و رصده بالمكافأة كذلك.
و قال بعضهم: أرصد له بالخير والشر، لايقال إلا بالألف.
وقيل: ترصده: ترقبه.
وأرصد له الأمر: أعده. و الارتصاد: الرصد.
و الرصد المرتصدون، و هو اسم للجمع.
وفي التنزيل: « فَإِنَّهُ يَسْلُکُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » الجن : 27، أي إذا نزل الملك بالوحي أرسل الله معه رصدا يحفظون الملك، من أن يأتي أحد من الجن، فيستمع الوحي، فيخبر به الكهنة، و يخبروا به الناس، فيساووا الأنبياء .
و المرصد: کالرصد.
و المرصاد و المرصد: موضع الرصد.
و مراصد الحيات: مكامنها.
و ذیب رصيد: يرصد ليثب.
و الرصد و الرصد: المطر يأتي بعد المطر.
وقيل : هو المطر يقع أولا لما يأتي بعده .
و قيل: هو أول المطر، واحدته: رصدة و رصدة؛ الأخيرة عن ثعلب.
و أرض مرصودة و مرصدة: أصابتها الرصدة
وقال بعض أهل اللغة: لايقال: مرصودة و لامرصدة، إنما يقال: أصابها رصد و رصد .
والرصد: القليل من الكلا في أرض يرجى لها حيا الربيع.
و أرض مرصدة : فيها رصد من كلا.[ و استشهد بالشعر مرتين ]
(286:8)
الراغب: الرصد: الاستعداد للترقب، يقال: رصد له، و ترصد، و أرصدته له. قال عز وجل:
« وإرصاد لمن حارب الله و رسوله من قبل »التوبة : 107، و قوله عز وجل: « إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ » الفجر: 14، تنبيها أنه لا ملجأ ولا مهرب.
و الرصد يقال: للراصد الواحد، و للجماعة الراصدين، و للمرصود، واحدا كان أو جمعا.
وقوله تعالى: « یَسْلُکُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » الجن: 27، يحتمل كل ذلك.
و المرصد: موضع الرصد، قال تعالى:« وَاقْعُدُوا لَهُمْ کُلَ مَرْصَدٍ» التوبة : 5، و المرصاد نحوه، لكن يقال للمكان الذي اختص بالترصد، قال تعالى: « إنَّ جَهَنَّمَ کَانَتْ مِرْصَاداً » و التبأ: 21، تنبيها أن عليها مجاز الناس، وعلى هذا قوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها» مريم : 71. (196)
نحوه الفيروزابادي. (بصائر ذوي التمييز 3: 76)
الزمخشري: رصده و ارتصدته و ترصدته، نحو رقبته و ارتقبته و ترقبته: قعدت له على طريقه أترقبه.
و راصدته: راقبته.
و تراصد الرجلان.
وقعدت له بالمرصد والمرصاد و المرتصد والرصد.
وقوم رصد: جمع راصد، نحو ترس و خدم« فَإِنَّهُ یَسْلُکُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » الجن : 27 .
و فلان يخاف رصدا من قدامه و طلبا من ورائه، أي عدوا يرصده « فَمَنْ یَسْتَمِعِ الآنَ یَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً » الجن: 9، و سبع رصيد: يرصد ليثب.
وناقة رصود: ترصد شرب الإبل، ثم تشرب.
ومن المجاز: أنا لك بالمرصد والمرصاد، أي لا تفوتني، « إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ » الفجر: 14.
و المنايا للرجال بمرصد.
وقد أرصدت هذا الجيش للقتال، وهذا الفرس للطراد، و هذا المال لأداء الحقوق، إذا أعددته لذلك، و جعلته بسبيل منه.
وأرصدت لك خيرا أو شرا، و أرصدت لك العقوبة.
وأنا لك مرصد بإحسانك إلي حتى أكافئك.
و فلان يرصد الزكاة في صلة إخوانه، أي يضعها فيها، على أنه يعتد بصلتهم من الزكاة.
ولا تخطئك متي رصدات خير أو شر، أي أكافئك بما يكون منك، و هي المرات من الرصد الذي هو مصدر رصده بالمكافأة، و يجوز أن يكون جمع الرصدة و هي المطرة. [و استشهد بالشعر مرتين ]
(أساس البلاغة : 164)
ابن سیرین علیه السلام تعالى : « كانوا لا يرصدون الثمار في الدين، و ينبغي أن يرصدوا العين في الدین ».
تقول: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه، و أرصدت له العقوبة، إذا أعددتها له. و حقیقته جعلتها على طريقه كالمترقبة له.
و يحذف المفعول كثيرا فيقال: فلان مرصد لفلان، إذا رصد له، و لا يذكر ما أرصد له؛ ومنه قوله تعالى: «وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ » التوبة : 107.[ثم استشهد بشعر]
ويقال : إن فلانا ليرصد الزكاة في صلة إخوانه، إذا وصلهم، و اعتد بذلك من زكاة ماله، لأنه إذا اعتد به منها فقد أعده لها؛ ومنه قول ابن سیرین، یعنى أنه إذا ركب الرجل دين و له من العين مثله، فلازكاة عليه، و إن أخرجت أرضه ثمرة يجب فيها العشر لميسقط عنه العشر من أجل الدين. (الفائق 2: 62)
الطبرسي: المرصد: الطريق، و مثله المرقب و المربأ ، و رصده یرصده رصدا. (6:3)
ابن الأثير: في حديث أبي ذر: «قال له عليه الصلاة والسلام: ما أحب عندي مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله، و تمسي ثالثة و عندي منه دينار، إلا دينار أرصده لدین »، أي أعده.
يقال: رصدته إذا قعدت له على طريقه تترقبه، و أرصدت له العقوبة، إذا أعددتها له. و حقیقته جعلتها على طريقه كالمترقبة له.
و منه الحديث: «فأرصد الله على مدرجته ملكا » أي و كله بحفظ المدرجة، و هي الطريق، و جعله رصدا، أي حافظا معدا.
ومنه حديث الحسن بن علي، و ذكر أباه فقال: « ما خلف من دنياكم إلا ثلاثمئة درهم كان أرصدها لشراء خادم».
وفي حديث ابن سیرین: «كانوا لايرصدون
الثمار في الدين، و ينبغي أن يرصدوا العين في الدين»، أي إذا كان على الرجل دين و عنده من العين مثله، لم تجب عليه الزكاة، فإن كان عليه دين و أخرجت أرضه ثمرا، فإنه يجب فيه العشر، و لم يسقط عنه في مقابلة الدين، لاختلاف حكمهما، و فيه بين الفقهاء خلاف. (226:2)
الصغاني: الرصائد و الوصائد: مصاید تعد للسباع.
والراصد: الأسد.
و المرصاد: المكان الذي يرصد فيه العدو، و هو مثل المضمار، الذي تضمر فيه الخيل للسباق، من ميدان و نحوه.
والإرصاد: المكافأة بالخير، وقد جعله بعضهم بالشر أيضا.
وأرض مرصدة: فيها شيء من رصد.
رصد: قرية من بعدان، مخلاف من مخاليف اليمن.
والرصدة: حلقة من صفرا أو فضة، في حمالة السيف، يقال رصدت لها رصدة. (2: 234)
الفيومي: الرصد: الطريق؛ و الجمع: أرصاد، مثل: سبب و أسباب.
و رصدته رصدا، من باب «قتل»: قعدت له على الطريق، و الفاعل: راصد. و ربما جمع علی رصد مثل : خادم و خدم.
والرصدي نسبة إلى الرصد، وهو الذي يقعد على الطريق ينتظر الناس، ليأخذ شيئا من أموالهم، ظلما وعدوانا.
وقعد فلان بالمرصد و زان جعفر، و بالمرصاد بالكسر، و بالمرتصد أيضا، أي بطريق الارتقاب و الانتظار.
و ربك لك بالمرصاد، أي مراقبك، فلايخفى عليه شيء من أفعالك، و لا تفوته. (228:1)
الفيروزابادي: رصده رصدا و رصدا: رقبه، کترصده .
و الراصد: الأسد.
والرصيد: السبع يرصد الوثوب.
و الرصود: ناقة ترصد شرب غيرها لتشرب هي.
و أرصدت له: أعددت، و کافأته بالخير أو بالشر.
والمرصاد: الطريق، و المكان يرصد فيه العدو.
والرصدة، بالضم: الزبية، و حلقة من صفر أو فضة في حمائل السيف، و بالفتح: الدفعة من المطر.
والرصد، محركة: الراصدون، والقليل من الكلا والمطر؛ جمعه: أرصاد.
وأرض مرصدة، كمحسنة: بها شيء من رصد، أو التي مطرت و ترجى لأن تنبت.
ورصد، بضم الراء و سكون الصاد المشددة: قرية باليمن. (305:1)
الطريحي: يقال رصدته رصدا، من باب «قتل»، إذا قعدت له على طريقه تترقبه.
و الرصد: الطريق؛ و الجمع: أرصاد مثل سبب وأسباب.
قوله: « و إرصاد لمن حارب الله » التوبة : 107، أي ترقبا. يقال أرصدت له الشيء، إذا جعلت له عدة.
والإرصاد في الشر.
قوله: « وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ » التوبة : 5، هو کجعفر، موضع الرصد والترقب؛ و جمعه: مراصد، أي كونوا لهم رصدا.
و أخذ علينا بالرصد، أي الترقب، وهو جمع راصد.
وفي الحديث القدسي: « من حارب لي ولیا فقد أرصد لمحاربتي » أي استند لمحاربتي.
وفيه: «يرصد بشاهدي عدل ».
وفيه أيضا: « و قد ضربه على أنه قال: يترصد»، أي يترقب. والترصد: الترقب.
و فيه: «لا تكن ظالها، فإن الظالم رصيد حتى أديل منه المظلوم »، أي مرصود.
والراصد: الحافظ؛ ومنه قوله علیه السلام : « ثلاثمئة درهم أرصدها لشراء خادم»، أي حفظها. (3: 52)
مجمع اللغة: 1 -رصده یرصده رصدا و رصدا: قعد له على الطريق بیرقبه، فهو راصد .
والرصد: الحرس، اسم جمع، يقال للواحد والجماعة الراصدين.
2 - المرصد: مكان الرصد و كذلك المرصاد.
3 - أرصد یرصد إرصادا: ترقب و انتظر، أو أعد يقال: أرصدته، أي انتظرته، و أرصدت له كذا، أي أعددته له. (483:1)
العدناني: أرصد مالا ، رصد مالا.
و يقولون: رصدت الحكومة مليون دينارا لتعبيد الطرقات.
والصواب: أرصدت الحكومة مبلغ كذا، أي أعدت لتعبيد الطرقات مليون دينارا.
وفي الحديث: « إني أرصده لدين علي».
وقد ذكر الحسن بن علي رضي الله عنهما عن أبيه: « ما خلف من دنیا کم إلا ثلاثمئة درهم كان أرصدها الشراء خادم ».
و من معاني الفعل أرصد
1-أرصد الحساب: أظهره و أحصاه.
2 - أرصد الرقيب: نصبه في الطريق، جاء في الآية 107، من سورة التوبة: « و إرصاد لمن حارب الله و رسوله من قبل ».
3- أرصد له خيرا أو شرا، مجاز: كافأه.
أما الفعل رصد يرصد رصدا و رصدا ، فمعناه:
1-رصده: قعد له على طريقه ليوقع به.
2-رصده: رقبه، يقال: رصد النجم.
أجازت لجنة الأساليب في مجمع القاهرة لنا أن نقول: رصد مالا أيضا. (معجم الأخطاء الشائعة: 104)
محمد إسماعيل إبراهيم: رصده رصدا: رقبه، و قعد له على طريقه ليوقع به.
و أرصدته له: أعددته، و رصدته و أرصدته: في الخير، و أرصدت له في الشر.
وأرصد الحساب: أحصاه و أحضره.
و الرصد: القوم يرصدون و يحرسون کالخدم والحرس.
والإرصاد: الترقب.
والمرصاد: موضع رصد و ترقب.
و هو لك بالمرصاد: يراقبك، و لا تفوته. (1: 223) محمود شیت: 1- أ - رصده رصدا: رقبه.
ب - أرصدت الأرض: كان بها رصد من كلإ أو مطر، و يرجى أن تنبت.
والشيء أعده. يقال: أرصدت الجيش للقتال، والفرس للطراد.
ج. راصده: راقبه.
د- الراصد من يرصد النجوم. والأسد؛ جمعه: رصد، و رصاد، وهي: راصدة.
ه- الرصد: الطريق، و الراصد.
و- و الرصدة: حلقة من صفر أو فضة في حمائل السيف؛ جمعه: رصد.
ز - الرصيد: الراصد، ومايبقى للمودع في المصرف من حسابه الجاري.
ح - المرصاد: طريق الرصد و المراقبة، أو موضعه.
ط - المرصد: طريق الرصد و المراقبة، أو موضعه؛ جمعه: مراصد.
2- أ - الراصد: من يرصد حركات العدو، يقال: الجندي فلان راصد، و الباقي راحة: فلان راصد والآخرون في الراحة.
ب - المرصد: موضع المراقبة للعدو. و يكون عادة في محل مرتفع.
ج - المرصد آلة لمراقبة العدو. (1: 299)
المصطفوي: و التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة، هو التهيؤ و الانتظار لشيء. وهذا المعنى قريب من الترقب في طريق أمر و مقدماته. و بهذه المناسبة: تفسر المادة بالترقب، و الطريق، و الانتظار، و أمثالها، إلا أن الأصل ما ذكرناه.
والفرق بين هذه المادة و مواد: الحفظ، الحسب، الترقب، الرعاية، الحرس، الانتظار، المواظبة، المهيمن: أن الحفظ مطلق الرعاية والضبط، و يقابله الإضاعة.
والرعاية نقيض الإهمال، و هو حفظ حدود الشيء، والتوجه إلى لوازمه.
و المواظبة: هو المداومة في الملازمة للشيء.
و المراقبة : هو المواظبة مع التحقيق و التفتيش عنه.
والحرس: هو مراقبة و حفظ مستمر، و يختص بذوي العقلاء.
والحسب: هو الإشراف على الشيء بقصد الاطلاع .
و المهيمن : هو القائم على الشيء بالتدبير.
والانتظار: هو المطاوعة في النظر والإبصار صبرا، أي اختيار النظر.
فالانتظار في مادة الرصد بقصد الترقب و التفتيش ، لا مطلقا.
راجع كل واحدة من المواد المذكورة في مواردها. [إلى أن قال:]
ثم إن الترصد يستعمل بالنسبة إلى جهات ضعيفة، و في موارد المؤاخذة، فلايقال: إن الله تعالى لبالمرصاد بالنسبة إلى المتقين، أو إن الجنة كانت مرصاد الأهلها. (143:4)
النصوص التفسيرية
مرصد
« فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » التوبة : 5
ابن عباس: على كل طريق يذهبون و يجيؤون فيه للتجارة. (153)
مقاتل: يقول: و ارصدوهم بكل طريق وهم كفار. (157:2)
الفراء: يقول: على طرقهم إلى البيت. (1: 421)
أبو عبيدة: المراصد: الطرق.[ثم استشهد بشعر]
(253:1)
الأخفش: « علی » محذوفة.
المعني: اقعدوا لهم على كل مرصد. [ثم استشهدبشعر] (الزجاج 2: 430)
الطبري: يعني: كل طریق و مرقب. وهو « مفعل »، من قول القائل : « رصدت فلانا أرصده رصدا » بمعنى رقبته. (6: 320)
الزجاج: « کل مرصد » ظرف، كقولك: ذهبت مذهبا. و ذهبت طريقا، و ذهبت كل طريق. فلست تحتاج أن تقول في هذا إلا ما تقوله في الظروف، مثل خلف و أمام و قدام. (431:2)
الثعلبي: أي على كل طريق و مرقب. يقال: رصدت فلانا أرصده رصدا إذا رقبته. [ثم استشهد بشعر]
(12:5)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: أن يطلبوا في كل مكان، فيكون القتل إذا وجدوا، و الطلب إذا بعدوا.
والثاني: أن يفعل بهم كل ما أرصده الله تعالى لهم، فيما حكم به تعالى عليهم من قتل أو استرقاق أو مفاداة، أو من، ليعتبر فيها فعل الأصلح منها. (2: 341)
الواحدي: أي على كل طريق يأخذون فيه. و المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو. (2: 479)
البغوي:أي على كل طریق. و المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من رصدت الشيء أرصده، إذا ترقبته، يريد: كونوا لهم رصدا لتأخذوهم من أي وجه توجهوا.
وقيل: اقعدوا لهم بطريق مكة، حتى لا يدخلوها .(318:2)
الزمخشري: كل ممر و مجتاز ترصدونهم به. و انتصابه على الظرف، كقوله: « لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » الأعراف : 16. (2: 175)
نحوه النسفي (116:2)، و البروسوي (3: 387).
ابن عطية: معناه: في مواضع الغرة حيث يرصدون. [ثم استشهد بشع]
و نصب «كل»على الظرف، و هو اختیار الزجاج، أو بإسقاط الخافض، التقدير: في كل مرصد ، أو على كل مرصد. و حکی سيبويه: ضرب الظهر و البطن. (8:3)
نحوه الثعالبي. (37:2)
الطبرسي: أي بكل طريق، و بكل مكان تظنون
أنهم يمرون فيه، و ضيقوا المسالك عليهم، لتمكنوا من أخذهم.
وقوله: «لهم»معناه لقتلهم و أسرهم. (7:3)
نحوه شبر . (52:3)
الفخر الرازي: المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، من قولهم: رصدت فلانا أرصده، إذا ترقبته. قال المفسرون: المعنى: اقعدوا لهم على كل طریق يأخذون فيه إلى البيت، أو إلى الصحراء، أو إلى التجارة. (225:15)
العكبري: المرصد « مفعل» من رصدت، و هوهنا مكان، و «كل» ظرف ل«اقعدوا ».
وقيل : هو منصوب على تقدير حذف حرف الجر، أي على كل مرصد أو بكل... (2: 635)
القرطبي:المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو. يقال : رصدت فلانا أرصده، أي رقبته، أي اقعدوا لهم في مواضع الغرة حيث يرصدون .
و في هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة. ونصب «كل» على الظرف، و هو اختيار الزجاج. ويقال : ذهبت طريقا و ذهبت كل طريق. أو بإسقاط الخافض، التقدير: في كل مرصد و علی کل مرصد، فيجعل المرصد اسما للطريق.
و خطأ أبو علي الزجاج في جعله الطريق ظرفا. و قال : الطريق مكان مخصوص کالبيت و المسجد، فلا يجوز حذف حرف الجر منه، إلا فيما ورد فيه الحذف سماعا، كما حكى سيبويه: دخلت الشام و دخلت البيت. [و استشهد بالشعر مرتين) (73:8)
البيضاوي: كل ممرا لئلا يتبسطوا في البلاد. و انتصابه على الظرف . (406:1)
نحوه الشربيني( 590:1 )، و الكاشاني (322:2) ، و المشهدي ( 4: 133).
أبو حيان: قال القرطبي في قوله:« وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ » دلالة على جواز اغتيالهم قبل الدعوة، لأن المعني: اقعدوا لهم مواضع الغرة، و هذا تنبيه على أن المقصود إيصال الأذى إليهم بكل طريق: إما بطريق القتال، و إما بطريق الاغتيال. وقد أجمع المسلمون على جواز السرقة من أموال أهل الحرب، و إسلال خيلهم، و إتلاف مواشيهم إذا عجز عن الخروج بها إلى دار الإسلام، إلا أن يصالحوا على مثل ذلك.
قال الزمخشري: «كُلَّ مَرْصَدٍ» كل ممر و مجتاز ترصدونهم فيه، و انتصابه على الظرف، كقوله: « لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ» الأعراف : 16، انتهى. و هذا الذي قاله الزجاج قال: «كل مرصيد» ظرف، كقولك: ذهبت مذهبا. و رده أبوعلي، لأن الرصد المكان الذي يرصد فيه العدو، فهو مكان مخصوص لايحذف الحرف منه إلا سماعا، كما حکی سيبويه: « دخلت البيت ».
و * كما عسل الطريق الثعلب * انتهى.
وأقول: يصح انتصابه على الظرف، لأن قوله: « وَاقْعُدُوا لَهُمْ » ليس معناه حقيقة القعود، بل المعنى ارصدوهم في كل مكان يرصد فيه، ولما كان بهذا المعنى جاز قياسا أن يحذف منه « في » كما قال:
فمتى كان العامل في الظرف المختص عاملا من لفظه أو من معناه، جاز أن يصل إليه بغير واسطة « في »، فيجوز جلست مجلس زید، و قعدت مجلس زید، تريد في مجلس زید. فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان بمعناه، فكذلك إلى الظرف.
وقال الأخفش: معناه على كل مرصد، فحذف و أعمل الفعل. و حذف «علی» و وصول الفعل إلى مجرورها فتنصبه، يخصه أصحابنا بالشعر. [ثم استشهد بشعر) (10:5)
السمين: قوله: « كُلَّ مَرْصَدٍ » في انتصابه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الظرف المكاني. قال الزجاج: نحو: ذهبت مذهبا. و قد رد الفارسي عليه هذا القول، من حيث إنه ظرف مکان مختص، والمكان المختص لا يصل إليه الفعل بنفسه بل بواسطة « في »، نحو: صليت في الطريق، و في البيت. و لا يصل بنفسه إلا في ألفاظ محصورة بعضها ينقاس و بعضها يسمع. و جعل هذا نظير ما فعل سيبويه في بيت ساعدة:
لدن بهز الكف يعسل متنه * فيه كما عسل الطريق الثعلب
وهو أنه جعله مما حذف فيه الحرف اتساعا لاعلى الظرف، لأنه ظرف مکان مختص .
قال الشيخ: إنه ينتصب على الظرف، لأن معنی « وَاقْعُدُوا » لايراد به حقيقة القعود، و إنما يراد :ارصدوهم، و إذا كان كذلك فقد اتفق العامل والظرف في المادة، و متى اتفقا في المادة لفظا أو معتى وصل إليه بنفسه، تقول: جلست مجلس القاضي، و قعدت مجلس القاضي، والآية من هذا القبيل.
والثاني: أنه منصوب على إسقاط حرف الجر، وهو «على » أي علی کل مرصد، و هذا قول الأخفش.
وهذا لاينقاس بل يقتصر فيه على السماع، كقوله تعالى: « لاقعدن لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ» الأعراف : 16، أي على صراطك، اتفق الكل على أنه على تقدير « علی ».
وقال بعضهم: هو على تقدير الباء، أي بكل مرصد، نقله أبو البقاء: و حينئذ تكون الباء بمعنی « في » فينبغي أن يقدر « في » لأن المعنى عليها.
والصد: « مفعل » من رصده يرصده، أي رقبه يرقبه، و هو يصلح للزمان والمكان و المصدر.
والمرصاد: المكان المختص بالترصد، والرصد يقع على الراصد سواء كان مفردا أم مثنی أم مجموعا، و كذلك يقع على المرصود، و قوله تعالى: « فَإِنَّهُ يَسْلُکُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » الجن: 27، يحتمل كل ذلك، و كأنه في الأصل مصدر، فلذلك التزم فيه الإفراد والتذكير. [ و استشهد بالشعر 3 مرات) (443:3)
أبو السعود: أي كل ممر و مجتاز يجتازون منه في أسفارهم. و انتصابه على الظرفية، أي ارصدوهم و ارقبوهم حتى لايمروا به. و فائدته على التفسير
الثاني دفع احتمال أن يراد بالحصر المحاصرة المعهودة. (123:3)
الشوكاني: المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو. يقال: رصدت فلانا أرصده، أي رقبته، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها. [ثم استشهد بشعر)
و « کل » في « كُلَّ مَرْصَدٍ » منتصب على الظرفية، و هو اختيار الزجاج. وقيل: هو منتصب بنزع الخافض، أي في كل مرصد، و خطأ أبوعلي الفارسي الزجاج في جعله ظرفا. (423:2)
الآلوسي: أي كل ممر و مجتاز يجتازون منه في أسفارهم. و انتصابه عند الزجاج ومن تبعه على الظرفية، و رده أبوعلي بأن المرصد المكان الذي يرصد فيه العدو، فهو مكان مخصوص لايجوز حذف « في » منه، و نصبه على الظرفية إلا سماعا.
و تعقبه أبو حيان بأنه لا مانع من انتصابه علی الظرفية، لأن قوله تعالى: « وَاقْعُدُوا لَهُمْ » ليس معناه حقيقة القعود، بل المراد ترقبهم و ترصدهم، فالمعنى: ارصد وهم كل مرصد يرصد فيه، و الظرف مطلقا ينصبه بإسقاط « في » فعل من لفظه أو معناه، نحو جلست وقعدت مجلس الأمير، و المقصور علی السماع ما لم يكن كذلك. و « کل » و إن لم يكن ظرفا، لكن له حكم ما يضاف إليه، لأنه عبارة عنه.
وجوز ابن المنير أن يكون مرصدا مصدرا میمیا، فهو مفعول مطلق و العامل فيه الفعل الذي بمعناه كأنه قيل : و أرصدوهم كل مرصد، و لايخفي بعده.
وعن الأخفش أنه منصوب بنزع الخافض، والأصل: على كل مرصد، فلماذف «علی» انتصب، و أنت تعلم أن النصب بنزع الخافض غیر مقیس خصوصا إذا كان الخافض « علی » فإنه يقل حذفها، حتى قيل: إنه مخصوص بالشعر. (51:10).
المراغي: أي مراقبتهم في كل مكان يمكن الإشراف عليهم فيه، و رؤية تجوالهم و تقلبهم في البلاد. (58:10)
ابن عاشور: و المرصد: مكان الرصد، و الرصد: المراقبة و تتبع النظر.
و « كل » مستعملة في تعميم المراصد المظنون مرورهم بها، تحذيرا للمسلمين من إضاعتهم الحراسة في المراصد، فيأتيهم العدو منها، أو من التفريط في بعض ممار العدو، فينطلق الأعداء آمنين، فيستخفوا بالمسلمين، و يتسامع جماعات المشركين أن المسلمين ليسوا بذوي بأس ولا يقظة، فيؤول معنی « کل » هنا إلى معنى الكثرة، للتنبيه على الاجتهاد في استقصاء المراصد. [ثم استشهد بشعر)
وانتصب « كُلَّ مَرْصَدٍ » إما على المفعول به، بتضمين « وَاقْعُدُوا » معنى الزموا ، كقوله تعالى: « لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » الأعراف : 16، و إما على التشبيه بالظرف، لأنه من حق فعل القعود أن يتعدى إليه ب « في » الظرفية، فشبه بالظرف وحذفت « في » للتوسع. ( 23:10)
مغنية: و المراد بالمرصد هنا: الممر والمجاز الذي يرصد فيه. و ظهر عليه غلبه و ظفر به...
« كُلَّ مَرْصَدٍ » منصوب على الظرفية، متعلقا ب«اقْعُدُوا» ، تماما كالصراط في قوله:« لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ »الأعراف : 16، « وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» راقبوهم و ترصدوهم في كل طریق یمرون به . (11:4)
محمود صافي: « مَرْصَدٍ »، اسم مکان، من فعل رصد یرصد باب «نصر» وزنه « مفعل» بفتح الميم والعين.
الفوائد:
فائدة حول كلمة « كُلَّ »: ورد قوله تعالى في الآية: « وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ »تضاربت الأقوال في إعرابها إلى وجوه هي:
1- ظرف مکان.
2- نائب مفعول مطلق بتقدير : و ارصدوهم کل مرصد.
3- منصوب بنزع الخافض، و التقدير : و اقعدوا لهم بكل مرصد.
و قد رجح الزجاج و العكبري أنها ظرف مكان. و كلمة « كُلَّ » اسم معرب حسب موقعه من الجملة، لكنه يأتي أحيانا توکیدا، بشرط أن يسبق بمؤكد، وأن يشتمل على ضمير يعود على المؤكد، كقوله تعالى: « فَسَجَدَ الْمَلَئكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ » الحجر : 30، و أحيانا يكتسب إعرابه من الاسم الذي يضاف إليه، فإن أضيف إلى الظرف أعرب ظرفا، مثل: سأزورك كل صباح، سرت كل الأميال. و إذا أضيف إلى مصدر من لفظ الفعل أعرب نائب مفعول مطلق، كقوله تعالى: «فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ» النساء: 129. (10: 284)
حسنین مخلوف:أي في كل طريق يجتازون منه في أسفارهم، حتى تأخذهم من أي وجهة توجهوا. المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، يقال: رصدت الشيء أرصده رصدا و رصدا، إذا ترقبته. (312:1).
المصطفوي: التعبير بالمرصد – و هو اسم مكان - دون المرصاد، ليناسب بكلمة « كُلَّ » أي و اقعدوا لهم في كل مكان قابل للترصد و إن لم يكن مرصادا. و هذا التشديد من جهة قلع الكفر و قمع الفساد، فإن الحجة قد تمت عليهم. (145:4)
المرصاد
« إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ ». الفجر : 16
ابن مسعود: من وراء الصراط جسور: جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الرب عز و جل. (الشوكاني 5:.54)
الإمام علي علیه السلام: معناه: إن ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم. (الطبرسي 5: 487)
ابن عباس: يقول: عليهم ممرهم و ممرسائر الخلق، و يقال: إن ملائكة ربك على الصراط يحبسون العباد في سبع مواطن، و يسألونهم عن سبع خصال. (510)
يقول: يرى ويسمع. (الطبري 12: 572)
إن على جهنم سبع مجاسر، يسأل العبيد عند أولهن عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز بها إلى الثاني، فیسأل عن الصلاة، فإن جاء بها
تامه جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحج، فإن جاء به تاما جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة، فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها و إلا يقال: انظروا، فإن كان له تطوع أكمل به أعماله، فإذا فرغ به انطلق به إلى الجنة. (الثعلبي 200:10)
عكرمة: ترصد أعمال بني آدم. ( الثعلي 200:10 )
نحوه الحسن. (الطبري 12: 572)
الضحاك: بمرصد لأهل الظلم و المعصية. ( الثعلبي 200:10 )
إذا كان يوم القيامة يأمر الرب بكرسيه فيوضع على النار، فيستوي عليه، ثم يقول: أنا الملك الديان، وعزتي وجلالي لا يتجاوز اليوم ذو مظلمة بظلامته و لو ضربة بيد، فذلك قوله:« إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ ».(الدر المنثور 508:8)
عطاء: لا يفوته أحد. يمان: لامحيص عنه. ( الثعلبي 200:10 )
يعني يجازي كل واحد، و ينتصف من الظالم للمظلوم . (الطبرسي 5: 487)
السدي: أرصد النار على طرقهم حتى تهلكهم. (الثعلي 200:10)
الكلبي: يقول: عليه طرق العباد لا يفوته أحد. (الواحدي 4: 482)
الإمام الصادق عليه السلام: المرصاد: قنطرة على الصراط، لايجوزها عبد مظلمة عبد. (الطبرسي 5: 487)
مقال: يعني بالصراط، وذلك أن جهنم عليها سبع قناطر، كل قنطرة مسيرة سبعين عاما، على كل قنطرة ملائكة قيام، وجوههم مثل الجمر، و أعينهم مثل البرق، بأيديهم المحاسر والمحاجن و الكلاليب، يسألون في أول قنطرة عن الإيمان، و في الثانية يسألون عن الصلوات الخمس، و في الثالثة يسألون عن الزكاة، و في الرابعة يسألون عن صوم رمضان، و في الخامسة يسألون عن حج البيت، و في السادسة يسألون عن العمرة، و في السابعة يسألون عن مظالم الناس، فذلك قوله: « إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ » . (689:4)
ترصد الناس على الصراط، فجعل رصدا من الملائكة معهم الكلاليب و المحاجن والحسك.
[وعنه أيضا ]أمر الناس عليه. (الثعلبي 200:10)
الثوري: يعني جهنم عليها ثلاث قناطر: قنطرة فيها الرحمة، و قنطرة فيها الأمانة، و قنطرة فيها الرب تبارك و تعالى. (الطبري 12: 572)
الطبري: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلی الله علیه و آله: « إِنَّ رَبَّکَ »یا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم، و لضربائهم من أهل الكفر، « لَبِالْمِرْصَادِ »يرصدهم بأعمالهم في الدنيا و في الآخرة، على قناطر جهنم، لیكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة.
واختلف أهل التأويل في تأويله، فقال بعضهم:
معنى قوله: « لَبِالْمِرْصَادِ » بحيث يرى ويسمع.
وقال آخرون: يعني بذلك أنه بمرصد لأهل الظلم. (572:12)
الزجاج: ای یرصد من كفربه و عبد غيره بالعذاب. (322:5)
القمي: أي قائم حافظ على كل ظالم. (420:2)
الثعلبي: قيل : معناه: مرجع الخلق و مصيرهم إلى حکمه و أمره. (200:10)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: بالطريق.
الثاني: بالانتظار. (270:6)
الطوسی: معناه: إن ربك يا محمد لايفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد. و المرصاد « فعال » من رصده يرصده رصدا، فهو راصد إذا راعي ما يكون منه، ليقابله بما يقتضيه. وقيل لأمير المؤمنين عليه السلام أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ فقال: «أين » سؤال عن مكان، و كان الله و لامکان. و قيل لأعرابي: أين ربك ياأعرابي ؟ ! قال: بالمرصاد.
وقال ابن عباس: معناه إنه يسمع ويرى أعمال العباد. وقال الحسن والضحاك : « لَبِالْمِرْصَادِ » بإنصاف المظلوم من الظالم. و معناه لايجوزه ظلم ظالم حتى ينصف المظلوم منه. ( 343:10)
الواحدي: المعنى: لايفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد. (482:4)
نحوه البغوي. (251:5)
الزمخشري: « الْمِرْصَادِ »: المكان الذي يترقب فيه الرصد « مفعال » من رصده، کالميقات من وقته، و هذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب، و أنهم لايفوتونه.
وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد.
عن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند بعض الظلمة حتى بلغ هذه الآية، فقال: « إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ »يا فلان عرض له في هذا النداء بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله دره، أي أسد فراس كان بين ثوبيه يدق الظلمة بإنكاره، و يقصع أهل الأهواء و البدع باحتجاجه. (251:4)
نحوه الشربيني . (4 : 533)
ابن عطية: و« الْمِرْصَادِ » موضع الرصد، قاله اللغويون، أي إنه عند لسان كل قائل و مرصد لكل فاعل، و على هذا التأويل في المرصاد جواب عامر بن عبد قیس لعثمان، حين قال له: أين ربك ياأعرابي؟ قال: بالمرصاد. و يحتمل أن يكون « الْمِرْصَادِ » في الآية اسم فاعل، كأنه قال: لبالراصد، فعبر بالمبالغة.
و روي في بعض الحديث أن على جسر جهنم ثلاث قناطر: على إحداهما الأمانة، و على إحداهما الرحم، وعلى الأخيرة الرب، تبارك وتعالى، فذلك قوله: « الْمِرْصَادِ ». (479:5)
الطبرسي: قيل لأعرابي: أين ربك ؟ قال: بالمرصاد. و ليس يريد به المكان. فقد سئل علي علیه السلام أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات والأرض ؟ فقال :
« أين » سؤال عن مكان، و كان الله و لامکان. (487:5)
ابن الجوزي: أي يرصد من كفر به بالعذاب. و المرصد: الطريق. (118:9)
الفخر الرازي: نقول: « الْمِرْصَادِ » المكان الذي يترقب فيه الراصد « مفعال » من رصده کالميقات من وقته، و هذا مثل الإرصاده العصاة بالعقاب، و أنهم لايفوتونه.
وعن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد، و للمفسرين فيه وجوه أحدها: قال الحسن: يرصد أعمال بني آدم.
و ثانيها: قال الفراء: إليه المصير، وهذان الوجهان عامان للمؤمنين و الكافرين.
و من المفسرين من يخص هذه الآية إما بوعيد الكفار، أو بوعيد العصاة.
أما الأول: فقال الزجاج: يرصد من كفر به و عدل عن طاعته بالعذاب.
وأما الثاني: فقال الضحاك: يرصد لأهل الظلم والمعصية، و هذه الوجوه متقاربة. ( 169:31)
القرطبي: [نقل أقوال المتقدمين و بعد قول الثوري « قنطرة فيها الرب» و قال: ]
قلت: أي حكمه وإرادته وأمره، والله أعلم. وعن ابن عباس، أيضا و« لبالْمِرْصَادِ »أي يسمع و یری.
قلت: هذا قول حسن، « يسمع » أقوالهم و نجواهم، و «یری » أي يعلم أعمالهم و أسرارهم، فيجازي كلا
بعمله. و عن بعض العرب أنه قيل له: أين ربك؟ فقال: بالمرصاد. و عن عمرو بن عبيد أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذه الآية، فقال: «إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ » یا أبا جعفر. قال الزمخشري: عرض له في هذا النداء، بأنه بعض من توعد بذلك من الجبابرة، فلله دره، أي أسد فراس كان بين يديه ؟ يدق الظلمة بانکاره، و يقمع أهل الأهواء والبدع باحتجاجه. (50:20)
البيضاوي: إلى المكان الذي يترقب فيه الرصد « مفعال » من رصده، کالميقات من وقته، وهو تمثيل الإرصاده العصاة بالعقاب. (557:2)
نحوه النسفي ( 4 : 355)، و الكاشاني (5: 325)، و المشهدي ( 343:11)، و شبر (6: 407).
أبو حيان: المرصاد و المرصد: المكان الذي يترقب فيه الرصد، «مفعال» من رصده، وهذا مثل لإرصادها العصاة بالعقاب، و أنهم لايفوتونه.
قال ابن عطية: و يحتمل أن يكون « الْمِرْصَادِ » في الآية اسم فاعل، كأنه قال: لبالراصد، فعبر ببناء المبالغة، انتهى. و لو كان كما زعم، لم تدخل الباء، لأنها ليست في مكان دخولها، لازائدة و لاغير زائدة. (470:8)
السمين: [ نقل رد أبي حيان علی ابن عطية وأضاف:]
قلت: قد وردت زيادتها في خبر «إن» کهذه الآية في قول امرئ القيس:
ابن كثير: قال ابن عباس: يسمع ويرى، يعني يرصد خلقه فيما يعملون، و يجازي كلا بسعيه في الدنيا و الأخرى، و سيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعد له، و يقابل كلاما يستحقه، و هو المنزه عن الظلم و الجور. [إلى أن قال:]
عن أيفع عن ابن عبد الكلاعي، أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر و الصراط عليهن، فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى فيقول: « وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ » الصافات: 24، فيحاسبون على الصلاة و يسألون عنها، فيهلك فيها من هلك و ينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حوسبوا على الأمانة كيف أدوها و كيف خانوها ، فيهلك من هلك و ينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سئلوا عن الرحم كيف وصلوها و كيف قطعوها، فيهلك من هلك و ينجو من نجا، و الرحم يومئذ متدلية إلى الهوى في جهنم تقول: اللهم من وصلني فصله و من قطعني فاقطعه، و هي التي يقول الله عز وجل : « إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ» هكذا أورد هذا الأثر، ولم يذكر تمامه. (287:7)
الثعالبي: المرصاد و المرصد: موضع الرصد، قاله بعض اللغويين، أي: أنه تعالى عند لسان كل قائل و مرصد لكل فاعل. و إذا علم العبد أن مولاه له بالمرصاد و دامت مراقبته في الفؤاد، حضره الخوف والحذر لامحالة، « وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ » البقرة : 235
قال أبو حامد في «الإحياء »: و بحسب معرفة العبد بعيوب نفسه، و معرفته بجلال ربه و تعالیه و استغنائه، و أنه لايسأل عما يفعل تكون قوة خوفه، فأخوف الناس لربه أعرفهم بنفسه و بربه، و لذا قال صلی الله علیه و آله: « أنا أخوفكم لله »، ولذلك قال تعالى: «اِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمؤُا » فاطر : 28، ثم إذا كملت المعرفة أورثت الخوف و احتراق القلب، ثم يفيض أثر الحرقة من القلب على البدن، فتنقمع الشهوات، و تحترق بالخوف، و يحصل في القلب الذبول والخشوع والذلة و الاستكانة، و يصير العبد مستوعب الهم بخوفه و النظر في خطر عاقبته فلايتفرغ لغيره، ولا يكون له شغل إلا المراقبة والمحاسبة و المجاهدة و الضنة بالأنفاس واللحظات، و مؤاخذة النفس في الخطرات و الخطوات و الكلمات، ثم قال: واعلم أنه لا تنقمع الشهوات بشيء كما تنقمع بنار الخوف، انتهى. (478:5)
أبو السعود: تعليل لما قبله، و إيذان بأن كفار قومه عليه الصلاة و السلام سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب، كما ينبئ عند التعرض لعنوان الربوبية، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام.
وقيل: هو جواب القسم وما بينهما اعتراض، و«المرصاد » المكان الذي يترقب فيه الرصد « مفعال » من رصده، کالميقات من وقته. و هذا تمثيل الإرصاده تعالی بالعصاة، و أنهم لا يفوتونه. (6: 426)
نحوه البروسوي.(427:10)
الآلوسي: [نحو أبي العود و أضاف: ]
و في الكلام استعارة تمثيلية، شبه کونه تعالى
حافظا لأعمال العصاة - على ما روي عن الضحاك مترقبا لها و مجازیا علی نقیرها و قطميرها؛ بحيث لاينجو منه سبحانه أحد منهم - بحال من قعد على الطريق مترصدا لمن يسلكها، ليأخذه فيوقع به ما يريد، ثم أطلق لفظ أحدهما على الآخر.
والآية على هذا و عيد للعصاة مطلقا، و قيل: هي وعيد للكفرة، و قيل : وعيد للعصاة و وعد لغيرهم، و هو ظاهر قول الحسن، أي يرصد سبحانه أعمال بني ادم.
وجوز ابن عطية: كون المرصاد صيغة مبالغة کالمطعام و المطعان، و تعقبه أبوحيان بأنه لو كان كما زعم لم تدخل الباء، لأنها ليست في مكان دخولها، لازائدة و لاغير زائدة، و أجيب بأنها على ذلك تجریدة. نعم يلزمه إطلاق المرصاد على الله عز وجل، و فيه شيء. (125:30)
نحوه القاسمي . (6151:17)
المراغي: أي إن شأن ربك ألا يفوته من شؤون عباده نقير و لاقطمير، ولا يهمل أمة تعدت في أعمالها حدود شرائعه القويمة، بل يأخذها بذنوبها أخذ العزيز المقتدر، كما يأخذ الراصد القائم على الطريق من يمر به بما يريد من خير أو شر، لا يفرط فيما رصد له. (144:30)
سید قطب: یری و يحسب و يحاسب ويجازي، وفق میزان دقیق لايخطئ ولا يظلم، و لا يأخذ بظواهر الأمور، لكن بحقائق الأشياء. فأما الإنسان فنخطئ موازينه و تضل تقديراته، ولا يرى إلا الظواهر، ما لم يتصل بميزان الله. (3904:6)
ابن عاشور: جملة : «إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ» تذييل و تعليل لإصابتهم بسوط عذاب، إذا قدر جواب القسم محذوفا. ويجوز أن تكون جواب القسم كما تقدم آنفا.
فعلی کون الجملة تذييلا، تكون تعليلا لجملة « فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّکَ سَوْطَ عَذَابٍ» الفجر : 13، تثبیتا للنبي صلی الله علیه و آله بأن الله ينصر رسله، و تصريحا للمعاندين بما عرض لهم به من توقع معاملته إياهم، بمثل ما عامل به المكذبين الأولين، أي إن الله بالمرصاد لكل طاغ مفسد.
وعلى كونها جواب القسم، تكون كناية عن تسليط العذاب على المشركين؛ إذ لا يراد من الرصد إلا دفع المعتدي من عدو و نحوه، وهو المقسم عليه، و ما قبله اعتراضا تفننا في نظم الكلام؛ إذ قدم على المقصود بالقسم ما هو استدلال عليه، و تنظير بما سبق من عقاب أمثالهم من الأمم، من قوله: « أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ...»الفجر :6. وهو أسلوب من أساليب الخطابة؛ إذ يجعل البيان والتنظير بمنزلة المقدمة و يجعل الغرض المقصود بمنزلة النتيجة و العلة إذا كان الكلام صالحا للاعتبارین، مع قصد الاهتمام بالمقدم والمبادرة به.
و العدول عن ضمير المتكلم أو اسم الجلالة إلى «رَبُّکَ » في قوله:« فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّکَ سَوْطَ عَذَابٍ» الفجر : 13، و قوله: «إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ» إيماء إلى أن فاعل ذلك ربه الذي شأنه أن ينتصر له، فهو مؤمل
بأن يعذب الذين كذبوه، انتصارا له انتصار المولى لولیه.
و«الْمِرْصَادِ»: المكان الذي يترقب فيه الرصد، أي الجماعة المراقبون شيئا، و صيغة « مفعال » تأتي للمكان و الزمان كما تأتي للآلة. فمعنى الآلة هنا غير محتمل، فهو هنا إما للزمان أو المكان إذ الرصد الترقب.
و تعريف «الْمِرْصَادِ» تعریف الجنس، و هو يفيد عموم المتعلق، أي بالمرصاد لكل فاعل، فهو تمثيل العموم علم الله تعالى، بما یکون من أعمال العباد و حرکاتهم، بحال اطلاع الرد على تحركات العدو و المغيرين. و هذا المثل كناية عن مجازاة كل عامل بما عمله و ما يعمله؛ إذ لايقصد الرصد إلا للجزاء على العدوان. وفي ما يفيده من التعليل إيماء إلى أن الله لم يظلمهم فيما أصابهم به.
والباء في قوله:«لَبِالْمِرْصَادِ» للظرفية. (285:30)
مغنية: هذا جواب القسم في أول السورة و قيل: الجواب محذوف، والتقدير: ليعذبن المجرمين. والنتيجة واحد على التقديرين، و المعنى واضح، و هو أنه تعالى يعلم مقاصد العباد و أفعالهم، و يجازيهم بحسبها. ( 561:7)
الطباطبائي: «الْمِرْصَادِ» : المكان الذي يرصد منه و يرقب، و کونه تعالى على المرصاد استعارة تمثيلية، شبه فيها حفظه تعالى الأعمال عباده، بمن يقعد على المرصاد يرقب من يراد رقوبه، فيأخذه حين يمر به، و هو لا يشعر، فالله سبحانه رقيب يرقب أعمال عباده، حتى إذا طغوا و أكثروا الفساد أخذهم بأشد العذاب.
وفي الآية تعليل ما تقدم من حديث تعذيب الطغاة المكثرين للفساد من الماضين. و فيقوله: «ربك » بإضافة العرب إلى ضمير الخطاب، تلويح إلى أن سنة العذاب جارية في أمته صلی الله علیه و آله على ما جرت عليه في الأمم الماضين. (281:20)
عبد الكريم الخطيب: «الْمِرْصَادِ»: المكان العالي، الذي يقوم فيه الراصد، ليرقب ما يجري هنا و هناك.
وفي هذا إشارة إلى أن الله سبحانه و تعالی رقیب على أعمال الناس، يرى كل ما يعملون، و سيحاسبهم على ما عملوا، دون أن يفلت أحد منهم، لأن الله سبحانه متمكن منهم، بهذا العلو الذي لا يداني. (1554:15)
المصطفوي: «الْمِرْصَادِ»: صيغة اسم آلة، و هي تدل على ما يستعان به لفعل، و يكون وسيلة لعمل. و قد يكون هذا مكانا. و الترصد يكون في الأغلب في مكان مخصوص مناسب به. فيسمى ذلك المكان بالمرصاد، و يعبر عنه بالفارسية بكلمة « کمینگاه ».
و کون الرب تعالى بالمرصاد: عبارة عن ترقبه و توجهه و محاسبته العباد من جهة الطاعة و العصيان، فيأخذهم إذا طغوا، كما قال: « إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً * لِلطّاغِينَ مَآباً » النبأ : 22،21.|
فيستعان بها في مجازاة الطاغين و أخذهم،
والدفاع عن عتوهم و ظلمهم و إفسادهم. ثم إن المترصدين بها الملائكة الموكلون المأمورون في الأخذ و حفظ الأمن والتظم للمظلومين، ودفع الشر والتجاوز عنهم. (143:4)
مکارم الشيرازي: أين جواب القسم؟
ثمة احتمالان، هما:
الأول : قوله تعالى: « إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ».
الثاني: جواب القسم محذوف، و تدل عليه الآيات التالية، التي تتحدث عن عقاب الطغاة، و التقدير : قسما بكل ما قلناه، لنعذبن الكافرين و الطغاة. (165:20)
فضل الله: فهو المهيمن على الواقع كله، و علی الأمر كله، والراصد لكل أعمال الطغاة و أوضاعهم. و ستبقى مسألة الطغيان تفرض نفسها على الواقع المتجدد، و ستبقى إرادة الله تلاحق كل الطغاة لتنزل عليهم العذاب بشكل مباشر، في ما يخلقه الله من وسائل العذاب، أو بشكل غير مباشر، في ما يتحرك به المستضعفون بوسائلهم الخاصة، ليعملوا على القضاء عليهم أو إضعافهم.
وهكذا يقف الدعاة إلى الله، و المستضعفون في الأرض، لينفتحوا على الأمل الكبير، عندما تضيق بهم الحياة، و تشتد عليهم الضغوط، و تزحف نوازع اليأس إلى حياتهم، فإذا بالله في قدرته و رصده و إشرافه على أوضاع عباده، يوحي لهم بمتابعة طريق الدعوة و الجهاد في سبيله، و الأخذ بأسباب الحرية، ليقول لهم: إني معكم، و ليقول كل واحد لصاحبه: « لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» التوبة : 40، فيزدادون قوة و ثباتا، واندفاعا في حركة الصراع. ( 245:24)
مرصادا
« إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً». النبأ : 21
ابن عباس: محبسا أو مسجنا. (499)
الحسن: ألا إن على الباب الرصد، فمن جاء بجواز جاز، و من لم يجئ بجواز احتبس. (الطبري 403:12)
لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار. (الطبري 403:12)
قتادة: يعلمنا أنه لا سبيل إلى الجنة حتى يقطع النار. (الطبري 403:12)
إن المرصاد وعيد أوعد الله به الكفار. (الماوردي 6:185)
مقاتل : مرصدا: محبسا يحبس فيه الناس. (الطبرسي 5: 424)
الثوري: عليها ثلاث قناطر. (الطبري 402:12 )
المبرد: مرصادا یرصدون به، أي هو معد لهم يرصد بها خزنتها الكفار. (الواحدي 4 : 413)
الطبري: يعني تعالى ذكره بقوله: إن جهنم كانت ذات رصد لأهلها، الذين كانوا يكذبون في الدنيا بها، و بالمعاد إلى الله في الآخرة، و لغيرهم من المصدقين بها.
و معنى الكلام: أن جهنم كانت ذات ارتقاب ترقب من يجتازها و ترصدهم. (402:12)
الزجاج: أي يرصد أهل الكفر و من حق عليه العذاب. (273:5)
الماوردي: فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: يعني أنها راصدة فجازتهم بأعمالهم، قاله أبوسنان
الثاني: [ قول الحسن المتقدم ]
الثالث: [قول قتادة المتقدم) (6: 1859)
الطوسي: إخبار منه تعالى بأن جهنم تکون يومئذ مرصادا. و المرصاد هو المعدة الأمر على ارتقابه الوقوع فيه، و هو «مفعال» من الرصد.
وقيل: المعنى ذات ارتقاب لأهلها تراصدهم بنکالها. و الرصد عمل ما يترقب به الاختطاف. (243:10)
القشيري: أي ممرا. و يقال ذات ارتقاب لأهلها. (245:6)
أن المرصاد المكان الذي يرصد فيه الواحد العدو، نحو المضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل. أي هي معدة لهم، فالمرصاد بمعنى المحل، فالملائكة يرصدون الكفار حتى ينزلوا بجهنم. (القرطبي 175:19)
البغوي: طريقا و ممرا، فلا سبيل لأحد إلى الجنة حتى يقطع النار.
وقيل: كانت مرصادا، أي معدة لهم. يقال: أرصدت له الشيء إذا أعددته له.
وقيل: هو من رصدت الشيء أرصده إذا ترقبته. والمرصاد: المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو. وقوله: « إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً » أي ترصد الكفار. (200:5)
الميدي: أي طريقا و ممرا، فلا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار. وقيل: محبسا و موضع رصد، کالمضمار الحلبة الخيل. الحلبة خيل تجمع للسباق من كل أوب، و المضمار: الموضع. ( 354:10)
الزمخشري: المرصاد: الحد الذي يكون فيه الرصد. و المعنى: أن جهنم هي حد الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب، و هي مابهم.
أو هي مرصاد لأهل الجنة، ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها، لأن مجازهم عليها، وهي مآب للطاغين. و عن الحسن وقتادة نحوه قالا: طريقا و ممرا لأهل الجنة. (209:4)
نحوه النسفي. (326:4)
ابن عطية: موضع الرصد؛ ومنه قوله تعالى: « إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ» الفجر : 14، وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن أنه قال: لا يدخل أحد الجنة حتى يجوز على جهنم، فمن كانت عنده أسباب نجاة نجا وإلا هلك. و قال قتادة: تعلمن أنه لا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار.
وفي الحديث الصحيح: « إن الصراط جسر ينصب على متن جهنم، ثم يجوز عليه الناس فناج، و مکردس».
وقال بعض المتأولين: «مِرْصَادِا» « مفعال »بمعنی راصد. (425:5)
الطبرسي: و قيل: طريقا منصوبا على العاصين، فهو موردهم و منهلهم. وهذا إشارة إلى أن جهنم للعصاة على الرصد لا يفوتونها. (424:5)
الفخر الرازي: فيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن يعمر«ان جهنم» بفتح الهمزة، على تعليل قيام الساعة، بأن جهنم کانت مرصادا للطاغين، كأنه قيل: كان كذلك لإقامة الجزاء.
المسألة الثانية: كانت مرصادا، أي في علم الله تعالى، وقيل: صارت. وهذان القولان نقلهما القفال رحمه الله تعالى. و فيه وجه ثالث ذكره القاضي، فإنا إذا فسرنا المرصاد بالمرتقب، أفاد ذلك أن جهنم کانت کالمنتظرة لمقدمهم من قديم الزمان، و کالمستدعية والطالبة لهم.
المسألة الثالثة: في المرصاد قولان:
أحدهما: أن المرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه، کالمضمار اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل، و المنهاج اسم للمكان الذي ينهج فيه. وعلى هذا الوجه فيه احتمالان:
أحدهما: أن خزنة جهنم يرصدون الكفار.
والثاني: أن مجاز المؤمنين و مممرهم كان علی جهنم، لقوله: «إِنْ مِنْکُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا» مریم: 71، فخزنة الجنة يستقبلون المؤمنين عند جهنم و يرصدونهم عندها.
القول الثاني: أن المرصاد « مفعال » من الرصد، و هو الترقب، بمعنى أن ذلك يكثر منه، و المفعال من أبنية المبالغة كالمعطار و المعمار و المطعان.
قيل: إنها ترصد أعداء الله و تشق عليهم، كما قال تعالى: « تَکَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ » الملك : 8، قیل: ترصد کل کافر و منافق.
والقائلون بالقول الأول استدلواعلى صحة قولهم بقوله تعالى: « إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ » الفجر: 14، و لو كان المرصاد نعتا لوجب أن يقال: إن ربك لمرصاد. (12:31)
القرطبي: « مفعال » من الرصد، والرصد: كل شيء كان أمامك.
وقيل: « مرصادا » ذات أرصاد على النسب، أي ترصد من يمر بها. و قيل: طريقا وممرا، فلا سبيل إلى الجنة حتى يقطع جهنم.[ إلى أن قال: ]
قلت: فجهنم عدة مترصدة، متفعل من الرصد وهو الترقب، أي هي متطلعة لمن يأتي. و المرصاد « مفعال » من أبنية المبالغة، كالمعطار و المغيار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار. ( 175:19)
البيضاوي: « مرصادا » : موضع رصد یرصد فيه خزنة النار الكفار، أو خزنة الجتة المؤمنين، ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها، كالمضمار، فإنه الموضع الذي تضمر فيه الخيل أو مجدة في ترصد الكفرة، لئلا يشذ منها واحد كالمطعان. وقرئ (أن) بالفتح، على التعليل لقيام الساعة. (533:2)
نحوه الشربيني ( 4: 471)، و المشهدي ( 165:11).
أبو حيان: « مفعال » من الرصد، ترصد من حقت عليه كلمة العذاب. و « مفعال » للمذكر والمؤنث بغير تاء، و فيه معنى النسب، أي ذات رصد. و كل ماجاء من الأخبار و الصفات على معنى النسب فيه الكثير و اللزوم. (413:8)
الثعالبي: موضع الرصد، و قيل: «مرصادا»بمعنى واحد. (433:3)
أبوالسعود: شروع في تفصيل أحكام الفصل الذي أضيف إليه اليوم، إثر بیان هوله، و وجه تقدیم بیان حال الكفار غني عن البيان. و المرصاد: اسم للمكان الذي يرصد فيه، کالمضمار الذي هو اسم للمكان الذي يضمر فيه الخيل، و المنهاج: اسم للمكان الذي ينهج فيه، أي إنها كانت في حكم الله تعالى و قضائه، موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار،ليعذبوهم فيها. (359:6)
الكاشاني: موضع رصد. (275:5)
نحوه شبر. (350:6)
البروسوي: [نحو أبي السعود و أضاف: ]
كأنه عمم المرصاد؛ حيث إن الصراط محبس للأعداء و ممر للأولياء. والأول أولى، لأن الترصد في مثل ذلك المكان الهائل إنما هو للتعذيب، و هو للكفار والأشقياء. (302:10)
الشوكاني: معنى الآية: أن جهنم كانت في حكم الله وقضائه، موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار، ليعذبوهم فيها، أو هي في نفسها متطلعة لمن يأتي إليها من الكفار، كما يتطلع الرصد لمن يمر به و يأتي إليهم. و المرصاد: « مفعال » من أبنية المبالغة کالمعطار و المعمار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار. (449:5)
الآلوسي: شروع في تفصيل أحكام الفصل الذي أضيف إليه [ اليوم لأي قوله : قبلها في الآية 17 منها « إن الفصل کان میقاتا » إثر بیان هوله. والمرصاد: اسم مکان کالمضمار، للموضع الذي تضمر فيه الخيل، و « مفعال » يكون كذلك - على ماصرح به الراغب و الجوهري و غيرهما - كما يكون اسم آلة وصفة مشبهة للمبالغة. والظاهر أنه حقيقة في الجميع، أي موضع رصد و ترقب ترصد فيه خزنة النار الكفار، ليعذبوهم.
وقيل: ترصد فيه خزنة الجنة المؤمنين،ليحرسوهم من فيحها في مجاز هم عليها.
وقيل: ترصد فيه الملائكة عليه السلام الطائفتين لتعذب (1)إحداهما و هي المؤمنة، و تعذب الأخرى و هي الكافرة.
وجوز أن يكون صيغة مبالغة كمنحار، أي مجدة في ترصد الكفرة، لئلا يشذ منهم واحد، أو مجدة في ترصد المؤمنين لئلا يتضرر أحد منهم من فيحها، أو مجدة في ترصد فيه الطائفتين، على نحو ما سمعت انفا.
وإسناد ذلك إليها مجاز، أو على سبيل التشبيه.
و في «البحر »: أن «مرصادا» معنى النسب، أي ذات رصد، و قد يفسر المرصاد بمطلق الطريق، وهو أحد معانيه، فيكون للطائفتين. و من هنا قال الحسن، كما أخرج عنه ابن جریر و ابن المنذر وعبد بن حميد في الآية: لا يدخل الجنة أحد حتى يجتاز النار. وقال قتادة كما أخرج هؤلاء عنه أيضا: اعلموا أنه لا سبيل
1) جاء في الهامش « قوله : لتعذب إحداهما وهي المؤمنة هكذا في خط المؤلف ،و لعل صوابه لتنقذ . و انظره. انتهى »
إلى الجنة حتى تقطع النار. ( 14:30)
القاسمي: أي موضع رصد، يرصد فيه خزنتها من كان يكذب بها و بالمعاد. على أن «مرصادا » اسم مکان. أو ممجدة في ترصدهم و ارتقاب مقدمهم. علی أنه صيغة مبالغة. (6037:17)
الحائري: أي إنها في حكم الله موضع رصد یرصد فيه، و خزنة جهنم يرصدون الكفار ليعذبوهم فيها. فالمرصاد اسم للمكان الذي يرصد فيه، و يستعمل للمحل الذي اختص بالترغيب، و الجواز عليه. (48:12)
المراغي: أي إن دار العذاب و هی جهنم - مكان يرتقب فيه خزنتها من يستحقها بسوء أعماله، و خبث عقيدته و فعاله. ( 13:30)
ابن عاشور: المرصاد: مكان الرصد، أي الرقابة ،وهو بوزن « مفعال » الذي غلب في اسم آلة الفعل، مثل مضمار للموضع الذي ضمر فيه الخيل، و منهاج للموضع الذي ینهج منه.
والمعنى: أن جهنم موضع يرصد منه الموكلون بها، و يترقبون من يزجى إليها من أهل الطغيان، كما يترقب أهل المرصاد من يأتيه من عدو.
ويجوز أن يكون « مرصاد » مصدر اعلى وزن « المفعال » أي رصدا . و الإخبار به عن جهنم للمبالغة حتى كأنها أصل الرصد ، أي لا تفلت أحدا ممن حق عليهم دخولها.
ويجوز أن يكون « مرصاد » زنة مبالغة للراصد الشديد الرصد، مثل صفة مغیار ومعطار، وصفت به جهنم على طريقة الاستعارة، و لم تلحقه «ها» التأنيث، لأن جهنم شبهت بالواحد من الرصد بتحريك الصاد، وهو الواحد من الحرس الذي يقف بالمرصد؛ إذ لا يكون الحارس إلا رجلا.
و متعلق: « مرصادا » محذوف، دل عليه قوله: « للطاغين مابا » . و التقدير : مرصادا للطاغين. و هذا أحسن، لأن قرائن السورة قصار، فيحسن الوقف عند «مرصادا» لتكون قرينة. ( 31:30)
عبد الكريم الخطيب: هو تهديد للمشركين المكذبين بيوم القيامة، و بما فيه من حساب وجزاء، فهذه جهنم على موعد معهم، قد أعدت لهم و رصدت للقائم. (1420:15)
مکارم الشيرازي: المرصاد: اسم مكان يختفي فيه للمراقبة. ويقول الراغب في « مفرداته »: المرصد موضع الرصد، والمرصاد نحوه، لكن يقال: للمكان الذي أختص بالترصد.
وقيل: إنه صيغة مبالغة، و يطلق على الذي يكمن كثيرا للرصد، مثل المعمار الذي يكثر من البناء و العمران .
و المعنى الأول أشهر و أنسب، و لكن من سيقوم بعملية الرصد في جهنم؟
قيل: هم ملائكة العذاب، بدلالة الآية : 71، من سورة مريم التي تحكي عن مرور جميع الناس صالحهم و طالحهم من جانب جهنم أو من فوقها: « وَ إِنْ مِنْکُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا کَانَ عَلَى رَبِّکَ حَتْماً مَقْضِيّاً »، و خلال ذلك المشهد تقوم ملائكة العذاب برصد أهل النار،
والتقاتهم من بين الخلق.
وأما لو قلنا في تفسير الآية: بأنها صيغة المبالغة فسيكون جهنم هي المرصاد للطاغين،و تقوم بعملية جذب أهل النار إليها حال مرور الخلق و اقترابهم منها. وعلى أية حال، فلا يستطيع أي من الطاغين من تخطي ذلك المعبر المحتوم، فإما أن تخطفه ملائكة العذاب أو تجذبه جهنم. ( 303:19)
فضل الله: فهي تنتظر و تترقب و ترصد لاستقبال القادمين إليها، لتكون دار الإقامة الأخيرة لهم، بعد أن طوفوا بالأرض وقطعوا المراحل الكثيرة من الزمن، حتى وصلوا إليها في المرحلة التي توقفت في محطة الموت، لتواصل مسيرتها في الحياة الجديدة ( 20:24)
رصدا
1- « وَ أَنَّا کُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ». الجن: 9
مقاتل: من الملائكة. (4: 463)
ابن قتيبة: الذي قد أرصد به للرجم. (489)
الطبری: یعنی شهاب نار قد رصد له به. (265:12)
الزجاج: أي حفظة تمنع من الاستماع. (5: 234)
الماوردي: يعني بالشهاب: الكوكب المحرق، والرصد: من الملائكة. (112:6)
الواحدي: أرصد له ليرمي به. (4: 365)
مثله البغوي (5: 160)، و الشربيني (401:4).
الميبدي: أي نجما قد أرصد له يزجره عن الاستماع. (253:10)
الزمخشري: و الرصد: مثل الحرس، اسم جمع للراصد، على معنی ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب و يمنعونهم من الاستماع.
ويجوز أن يكون صفة للشهاب، بمعنى الراصد، أو كقوله: و معي جياعا، يعني يجد شهابا راصدا له ولأجله.(168:4)
نحوه النسفي (300:41)، و الآلوسي ( 87:29).
ابن عطية: نعت لشهاب، و وصفه بالمصدر. (381:5)
الطبرسي: يرمي و يرصد له، و «شهابا» مفعول به، و «رصدا» صفته. (369:5)
ابن الجوزي: معنى «رصدا» قد أرصد له المرمي به. (380:8)
الفخر الرازي: في قوله:« شهابا رصدا » وجوه: أحدها: قال مقاتل: يعني رميا من الشهب و رصدا من الملائكة، و على هذا يجب أن يكون التقدير : شهابا و رصدا، لأن الرصد غير الشهاب، و هو جمع راصد.
و ثانيها: قال الفراء: أي شهابا قد أرصد له ليرجم به، و على هذا الرصد نعت للشهاب، و هو فعل بمعنى مفعول.
وثالثها: يجوز أن يكون «رصدا» أي راصدا؛ وذلك لأن الشهاب لما كان معدا له، فكأن الشهاب راصد له، و مترصد له.
واعلم أنا قد استقصينا في هذه المسألة في تفسير
قوله تعالى: « وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَ جَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ » الملك : 5، فإن قيل: هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث، ويدل عليه أمور:
أحدها: أن جميع الفلاسفة المتقدمين تكلموا في أسباب انقضاض هذه الشهب؛ وذلك يدل على أنها كانت موجودة قبل المبعث.
وثانيها: قوله تعالى:« وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَ جَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ » ذكر في خلق الكواكب فائدتين، التزيين، و رجم الشياطين.
وثالثها: أن وصف هذا الانقضاض جاء في شعر أهل الجاهلية. قال أوس بن حجر:
فانقض كالدري يتبعه * نقع يثور تخاله طنبا
و قال عوف بن الخرع :
يرد علينا العير من دون إلفه * أو الثور کالدري يتبعه الدم (157:30)
العكبرى: أي مرصدا، أو ذا إرصاد. (2: 1244)
القرطبي: يعني بالشهاب الكوكب المحرق . (11:19)
البيضاوي: أي شهابا راصدا له، و لأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم، أو ذوي شهاب راصدين، على أنه اسم جمع للراصد. (510:2)
نحوه الكاشاني (5: 235)، و المشهدي ( 35:11)، و شبر (6: 296)، و البروسوي ( 193:10).
أبو حيان: المعنى: فمن يقع منه استماع في الزمان الآتي يجد له شهابا رصدا، أي يرصده فيحرقه، هذا لمن استمع. (349:8)
السمين: «رصدا»: إما مفعول له، و إما صفة ل «شهابا»، أي ذا رصد. و جعل الزمخشري الرصد اسم جمع كحرس، فقال: والرصد: اسم جمع للراصد کحرس على معنی ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة. ويجوز أن يكون صفة للشهاب، بمعنى الراصد. [ثم استشهد بشعر) (392:6)
أبوالسعود: أي شهابا راصدا له، ولأجله يصده عن الاستماع بالرجم، أو ذوي شهاب راصدين له، على أنه اسم مفرد في معنى الجمع كالحرس. قيل حدث هذا عند مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، والصحيح أنه كان قبل البعث أيضا، لكنه كثر الرجم بعد البعثة، و زاد زیادة حتى تنبه لها الإنس والجن و منع الاستراق أصلا، فقالوا: ما هذا إلا لأمر أراده الله تعالى بأهل الأرض. (315:6)
الشوكاني: أي أرصد له ليرمي به، أو لأجله لمنعه من السماع، وقوله: «الآن » هو ظرف للحال و استعير للاستقبال، و انتصاب«رصدا»على أنه صفة ل «شهابا ». أو مفعول له، وهو مفرد. و يجوز أن يكون اسم جمع کالحرس.(5: 374)
المراغي: أي فمن يرم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا، لا يتخطاه و لايتعداه، بل يهلکه و يمحقه. (99:29)
ابن عاشور: والرصد: اسم جمع راصد، وهو الحافظ للشيء، و هو وصف ل «شهابا»، أي شهبا
راصدة. و وصفها بالرصد استعارة شبهت بالحراس الراصدين.
وهذا إشارة إلى انقراض الكهانة، إذ الكاهن يتلقى من الجني أنباء مجملة بما يتلقفه الجني من خبر الغيب تلقف اختطاف ناقصا، فيكمله الكاهن بحدسه بما يناسب مجاري أحوال قومه وبلده. و في الحديث: «فيزيد على تلك الكلمة مائة كذبة ».
وأما اتصال نفوس الكهان بالنفوس الشيطانية، فيجوز أن يكون من تناسب بین النفوس، و معظمه أوهام. و سئل رسول الله صلی الله علیه و آله عن الكهان فقال: « ليسوا بشيء». (213:29)
المصطفوي: الرصد صيغة صفة كحسن، أي يشاهد شهابا مترصدا له و في رصده.
فإن العوالم العلوية ذات مراتب و مقامات، و لكل مرتبة أهل و حد محدود، لا يسبق أحد من المرتبة النازلة إلى العالية، كما أن العالم الجسماني أيضا كذلك. (146:4)
مکارم الشيرازي: «رصد» علی وزن « حسد» وهو التهيؤ لانتظار شيء، و يعبر عنه با «الكمين » و تعني أحيانا اسم فاعل بمعنى الشخص أو الشيء الذي يكمن، وهذا ما أريد به في هذه الآيات. (81:19)
2 - « إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُکُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » الجن : 27
ابن عباس: حرسا من الملائكة يحفظونه من الجن و الشياطين و الإنس، لكي لا يستمعوا قراءة جبرئیل علیه السلام.(489)
نحوه ابن زيد. (الماوردي 6: 122)
هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي صلی الله علیه و آله من الشيطان، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم؛ و ذلك حين يقول: «لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ » الجن : 28 . ( الطبري 276:12 )
النخعي: الملائكة رصد من بين يديه و من خلفه يحفظونه من الجن. (الطبري 276:12)
نحوه قتادة. (الطبري 276:12)
ابن المسيب : أربعة من الملائكة حفظة. (الثعلبي 10: 56)
نحوه قتادة. (الماوردي 6: 122)
الضحاك: كان النبي صلی الله علیه و آله إذا بعث إليه الملك بالوحي بعث معه ملائكة يحرسونه من بين يديه و من خلفه، أن يتشبه الشيطان على صورة الملك . (الطبري 276:12)
السدي: إنهم يحفظون الوحي فما جاء من الله قالوا: إنه من عند الله، و ما ألقاه الشيطان قالوا: إنه من الشيطان. (الماوردي 6: 122)
مقاتل: كان إذا بعث الله عز و جل نبيا أتاه إبليس على صورة جبریل، و بعث الله تعالى من بين يدي النبي صلی الله علیه و آله و من خلفه رصدا من الملائكة، فلا يسمع الشيطان حتى يفرغ جبریل علیه السلام من الوحي إلى النبي صلی الله علیه و آله فإذا جاء إبليس أخبرته به الملائكة، وقالوا: هذا إبليس، و إذا جاء جبرئیل قالوا: هذا رسول
ربك.(1). (466:4)
الفراء: ذكروا أن جبريل صلی الله عليه كان إذا نزل بالرسالة إلى النبي صلی الهله علیه و آله نزلت معه ملائكة من كل سماء، يحفظونه من استماع الجن الوحي ليسترقوه، فیلقوه إلى کهنتهم، فيسبقوا به النبي صلی الله علیه و آله ، فذلك الرصد من بين يديه و من خلفه. (3: 196)
ابن قتيبة: من الملائكة يدفعون عنه الجن أن يسمعوا ما ينزل به الوحي، فيلقوه إلى الكهنة قبل أن یخبر به النبي صلی الله علیه و آله الناس. (492)
الطبري: يقول: فإنه يرسل من أمامه و من خلفه حرسا و حفظة يحفظونه. ( 276:12)
الزجاج: إذا نزل الملك بالوحي أرسل الله معه رصدا يحفظون الملك من أن يأتي أحد من الجن فيستمع الوحي، فيخبر به الكهنة، فيخبروا به الناس، فساؤوا الأنبياء. فأعلم الله أنه يسلك من بين يدي الملك و من خلفه رصدا. (238:5)
أبو مسلم الأصفهاني: الطريق، و يكون معناه: فإنه يجعل له إلى علم بعض ما كان قبله ومایکون بعده طريقا. (الماوردي 6: 122)
الثعلي: حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين و استماع الجن، لئلا يسترقوه، فیلقوه إلى کهنتهم. (56:10)
الطوسي: معناه: إن الله إذا نزل الملك بالوحي أرسل معه رصدا يحفظون الملك، من أن يأتي أحد من الجن و يسمع الوحي. و نصب «رصدا»علی المفعول، كأنه قال يجعل رصدا يسلك من بين يديه و من خلفه. (158:10)
الواحدي: أي بين يديه و خلفه مرصدا من الملائكة، يحوطون الوحي من أن يسترقه الشياطين، فيلقوه إلى الكهنة، و الرصد من الملائكة يدفعون الجن من أن يستمع ما ينزل من الوحي. (369:4)
نحوه البغوي. (164:5)
الميبدي: أي حرسا. و قيل: لئلا يطلع عليه الكهنة قبل الوصول إلى النبي المرسل إليه، فيكون الرسول هو أول من يتكلم به.
وقيل: كان جبرئیل علیه السلام إذا بعث إلى نبي من الأنبياء انحدر معه أهل كل سماء إلى التي تليها، و انحدر معه ملائكة السماء الدنيا إلى الأرض، فيحيطون به و بالوحي و بالنبي حتى يفرغ من أدائه. ( 258:10)
الزمخشري: حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين يطردونهم عنه، و يعصمونه من وساوسهم و تخاليطهم حتى يبلغ ما أوحي به إليه. (173:4)
نحوه النسفي .(302:4)
ابن عطية: لابليس و حزبه، من الجن و الإنس. (385:5)
الطبرسي: و الرصد: الطريق. أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء و السلف، و علم ما يكون بعده طريقا.
وقيل : معناه أنه يحفظ الذي يطلع عليه الرسول، فيجعل من بين يديه و من خلفه رصدا من الملائكة،
1) هكذا نقل الثعلبي عن مقاتل (10: 56)
يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة. وقيل: رصدا من بين يدي الرسول و من خلفه، و هم الحفظة من الملائكة، يحرسونه عن شر الأعداء و كيدهم، فلا يصل إليه شرهم.
وقيل: المراد به جبرائیل علیه السلام أي يجعل من بين يديه و من خلفه رصدا كالحجاب، تعظيما لما يتحمله من الرسالة. كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصهم، تشريفا له. وهذا كما روي أن سورة الأنعام نزلت و معها سبعون ألف ملك. (374:5)
ابن الجوزي: أي: يجعل له حفظة من الملائكة يحفظون الوحي من أن يسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة، فيتكلمون به قبل أن يخبر النبي صلی الله علیه و آله الناس.
وقيل: يسلك من بين يدي الوحي. فالرصد من الملائكة يدفعون الشياطين عن أن تستمع ماينزل من الوحي. (386:8)
الفخر الرازي: فالمعنى: أنه يسلك من بين يدي من ارتضى للرسالة، « وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً »أي حفظة من الملائكة يحفظونه من وساوس شياطين الجن و تخاليطهم، حتى يبلغ ما أوحي به إليه، و من زحمة شياطين الإنس حتى لا يؤذونه و لايضرونه. (169:30)
القرطبي: يعني ملائكة يحفظونه عن أن يقرب منه شیطان، فيحفظ الوحي من استراق الشياطين والإلقاء إلى الكهنة. (28:19)
البيضاوي: حراسا من الملائكة يحرسونه من اختطاف الشياطين و تخاليطهم. (512:2)
نحوه الكاشاني (238:5) ، و شبر (6: 301)، والآلوسي ( 96:29).
أبو السعود: تقریر و تحقيق للإظهار المستفاد من الاستثناء و بيان لكيفيته، أي فإنه يسلك من جميع جوانب الرسول صلی الله علیه و آله- عند إظهاره على غيبه - حرسا من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره عليه من الغيوب المتعلقة برسالته. (318:6)
الشوكاني: أي حفظة يحفظون النبي صلی الله علیه و آله من أمامه و ورائه من الجن و الشياطين. (383:5)
المراغي: الرصد: القوم يرصدون كالحرس، و الراصد للشيء: الراقب له، والترصد : الترقب، و المراد بهم هنا الملائكة الحفظة، أي فإنه يسلك من بين يدي من ارتضی من رسله، و من خلفهم حفظة من الملائكة، يحفظونهم من وساوس شياطين الجن و تخاليطهم، حتى يبلغوا ما أوحي به إليهم، و من زحمة شياطين الإنس حتى لا يؤذونهم ولا يضرونهم. (107:29)
ابن عاشور: أي ملائكة يحفظون الرسول صلى الله عليه وسلم من إلقاء الشياطين إليه ما يخلط عليه، ما أطلعه الله عليه من غيبه. [إلى أن قال:]
والرصد: اسم جمع، كما تقدم آنفا في قوله: « يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً » و الجن: 9، و انتصب «رصدا» على أنه مفعول به لفعل «يسلك» . ( 232:29)
مغنية: الذي تبادر إلى فهمنا من هذه الآية، هو أن الله سبحانه يصون الأنبياء، وهم يبلغون عنه
و يؤدون رسالاته، يصونهم و يحفظهم من كل شيء، يمنعهم عن تأدية الرسالة على وجهها، سواء أكان هذا الشيء من الداخل كالذهول و النسيان، أم من الخارج کتشویش الأعداء، وما إلى ذلك من محاولاتهم. و بكلمة إن هذه الآية تثبت العصمة للأنبياء في تأدية الوحي. (442:7)
الطباطبائي: ضميرا «یدیه» و «خلفه» للرسول، و الراصد: المراقب للأمر الحارس له، والرصد: الراصد يطلق على الواحد و الجماعة، و هو في الأصل مصدر. و المراد بما بين يدي الرسول: ما بينه و بين الناس المرسل إليهم، وبما خلفه: ما بينه و بين مصدر الوحي الذي هو الله سبحانه.
وقد اعتبر في هذا التصوير ما يوهمه معنی الرسالة، من امتداد متوهم يأخذ من المرسل اسم فاعل، و ينتهي إلى المرسل إليه يقطعه الرسول، حتی ينتهي إلى المرسل إليه، فيؤدي رسالته.
والآية تصف طریق بلوغ الغيب إلى الرسول، و هو الرسالات التي توحي إليه، كما يشير إلى ذلك قوله: « لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ » الجن: 28 .
والمعنى: فإن الله يسلك ما بين الرسول و من أرسل إليه، وما بين الرسول و مصدر الوحي مراقبين حارسين من الملائكة. و من المعلوم أن سلوك الرصد من بين يديه و من خلفه، لحفظ الوحي من كل تخليط و تغییر بالزيادة و النقصان، يقع فيه من ناحية الشياطين بلا واسطة أو معها. ( 54:20)
حجازي: فإنه يسلك من بين يدي الرسول و من خلفه حرسا شدادا يحفظونه من الوساوس والاختلاط، والذهول و النسيان حتى لا يترك بعض ما أوحي إليه، أو يقصر في تبليغه « إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَ قرآنهُ » القيمة : 17، و هذا ما يسمى في عرف علماء التوحيد بالأمانة و العصمة. (51:29)
عبد الكريم الخطيب: والرصد هو الاستعداد، والترقب للأمر، و الرصد يقال: للواحد الراصد، والجماعة الراصدين، و للشيء المرصود، أي المعد.
والمراد بالرصد في الآية الكريمة - و الله أعلم - هو المعالم المنصوبة بين يدي الرسول، و من خلفه، مما يقصه الله سبحانه و تعالى على الرسول من قصص الرسول السابقين، و المعاصرين لهذا الرسول، و ما يطلعه عليه من بعض أنباء الغيب، مماسيقع له على طريق دعوته.
و هذا ما يشير إليه قوله تعالى مخاطبا النبي الكريم، بعد أن قص عليه قصة يوسف: « ذلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ » يوسف : 102. (1244:15)
المصطفوي: الرصد: مصدر، والضمير في «فانه»: يرجع الى الله عالم الغيب، و نصب الرصد بلحاظ كونه مفعولا لأجله، أو التقدير : سلوکا رصدا.
و الرسول أعم من الأنبياء، و يشمل كل من يوظف برسالة من إنسان أو ملك، و أما استثناء الرسول: فإن الرسول يلازم أن يكون مطلقا علی الغيب في الجملة، و في حدود رسالته شدة و ضعفا.
وأما سلو که تعالی و ترقبه له: إشارة أن الرسول
في رسالته واقع تحت الرقبة و المواظبة و السلطة التامة. (143:4)
مکارم الشيرازي: رصد: في الأصل مصدر، و يراد به الاستعداد للمراقبة من شيء، و يطلق على اسم الفاعل والمفعول، و يستعمل في المفرد والجمع، أي يطلق على المراقب و الحارس، أو على المراقبين والحرس.
و يراد به هنا: الملائكة الذين يبعثهم الله مع الوحي إلى رسول الله صلی الله علیه و آله ليحيطوه من كل جانب، و يحفظوا الوحي من شر شياطين الجن والإنس و وساوسهم، و من كل شيء يخدش أصالة الوحي، ليوصلوا الرسالات إلى العباد من دون خدش أو زيادة أو نقصان.و هذا هو دليل من الأدلة على عصمة الأنبياء علیه السلام المحفوظين من الزلات و الخطايا، بالإمداد الإلهي و القوة الغيبية، و الملائكة. ( 98:19)
فضل الله: رعاية الله لرسوله
ربما كان هذا شاهدا على أن الغيب الذي يظهر الله رسوله عليه هو الوحي الذي يمثل حالة غيبية ،بلحاظ طبیعته و طبيعة الملائكة الذين ينزلون به، و طبيعة الأجواء المحيطة بذلك كله، و بعض المفاهيم القرآنية المتصلة بالغيب في ما يتصل بالدنيا والآخرة.
وهذا هو الذي يضع الله له الرصد الذي يحفظه من بين يديه و من خلفه، لحمايته من الضياع و من التحريف و من الخطا، ليكون ذلك أساسا في الرقابة الدائمة التي تحمي الرسول في وعيه للرسالة، وقدرته على إبلاغها، و تحمي الرسالة من كل زيادة أو نقصان أو تحريف، في ما يمكن أن يعرض لها من الطوارئ و العوارض المتنوعة في ذلك كله. (169:23)
إرصادا
« وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ». التوبة : 107
ابن عباس: انتظارا.(166)
ابن قتيبة: أي ترقبا بالعداوة. يقال: رصدته بالمكافأة أرصده، إذا ترقبته، و أرصدت له في العداوة. (192)
الطبري: يقول: و إعدادا له، لأبي عامر الكافر الذي خالف الله و رسوله و کفر بهما، و قاتل رسول الله .(470:6)
الزجاج: كان رجل يقال له: أبوعمرو(1)الراهب حارب النبي صلی الله علیه و آله و مضى إلى هرقل، و كان أحد المنافقين، فقالوا: نبني هذا المسجد و نتظر أبا عامر حتى يجيء، فيصلي فيه. فالإرصاد: الانتظار. (468:2)
الثعلبي: انتظارا و إعدادا (93:5)
نحوه البغوي. (387:2)
الماوردي: في الإرصاد و جهان:
أحدهما: أنه انتظار سوء يتوقع.
1) و الظاهر: أبوعامر
الثاني: الحفظ المقرون بفعل. (401:2)
الطوسي: معناه: اتخذوا له ليكون متى أراد الاجتماع معهم حضره و أنس به، و هو رجل يقال له: أبوعامر الراهب، لحق بقیصر فتنصر و بعث إليهم: سآتيكم بجند، فأخرج به محمدا و أصحابه . فبنوه يترقبونه، و هو الذي حزب الأحزاب و حارب مع المشركين، فلما فتحت مكة هرب إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام و خرج إلى الروم و تنصر، و ابنه عبدالله (1)قتل يوم أحد وهو غسيل الملائكة ذهب إليه أكثر المفسرين كابن عباس و مجاهد و قتادة.
وأصل الرصاد الارتقاب، تقول: رصده يرصده رصدا و أرصد له و راصده مراصدة و تراصد تراصدا و ارتصده ا تصادا. (344:5)
الميبدي: أي ترقبا و انتظارا، أصله من الرصد و هو الطريق، تقول: أرصده إذا وقف في طريقه يترقبه. (212:4)
الزمخشري: إعدادا. (214:2)
نحوه الفخر الرازي (16: 194)، و النسفي (145:2) ، و شبر ( 117:3 ).
ابن العربي: يقال: أرصدت كذا لكذا، إذا أعددته مرتقبا له به. (1013:2)
نحوه القرطبي. (8: 257)
ابن عطية: الإعداد والتهيئة. (82:3)
نحوه ابن عاشور.(203:10)
الطبرسي:أي أردوا ذلك المسجدو اتخذوه، وأعدوا لأبي عامر الراهب. (72:3)
البيضاوي: ترقبا. (432:1)
نحوه الشربيني. (649:1)
أبوالسعود: إعدادا و انتظارا و ترقبا. (191:3)
نحوه البروسوي (506:3)، و الآلوسي (18:11) و القاسمی (3261:8).
المصطفوی: ای اتخذوا المسجد بهذه النيات الفاسدة. و الإرصاد: جعل شخص راصدا و مترصدا في مقابل المؤمنين، و جعل المسجد مرصدا و مرصادا للمحارب المخالف لله و رسوله. و النصب في الكلمات: على أنها مفاعيل لأجلها، فإن « أضرارا »مفعول، و البواقي معطوفة عليه. (145:4)
الأصول اللغوية
1 - الأصل في هذه المادة : الرصد، أي الرقابة. يقال: رصدت فلانا أرصده رصدا و رصدا ، إذائر ترقبته؛ و منه: حديث الإمام علي عليه السلام: «اعلموا عباد الله أن علیکم رصدا من أنفسكم».(2)
و فلان يرصد فلانا: يقعد له على طريقه.
وأرصدته، إذا قعدت له على طريقه ترقبه.
و يقال للحية التي ترصد المارة على الطريق لتلسع: رصيد.
و الرصيد: السبع الذي يرصد ليثب.
و الرصود من الإبل: التي ترصد شرب الإبل ثم تشرب هي.
و المرصد: موضع الرصد؛ و الجمع: مراصد، و هو المرصاد أيضا. يقال: فلان لفلان بمرد و بمرصاد، أي بحيث يرقبه و يرى فعله.
و مراصد الحيات: مکا منها.
والرصائد والوصائد: مصاید تعد للسباع.
والرصدة :الزبية.
والرصد: القوم يرصدون كالحرس، يستوي فيه الواحد و الجمع والمؤنث، و ربما قالوا: أرصاد.
والارتصاد: الرصد.
والترصد: الترقب. يقال: ترصده، أي ترقبه.
و الراصد بالشيء:الراقب له. يقال : رصده بالخير يرصده رصدا و رصدا، أي رقبه، و رصده بالمكافأة كذلك.
والإرصاد: المكافأة بالخير، و قد جعله بعضهم في الشر أيضا. يقال: أرصد له، بالخير والشر.
و الإرصاد: الانتظار و الإعداد. يقال: أرصدت له شيئا، أي أعددت له، و في حديث الحسن بن علي وذكر أباه: « ما خلف من دنياكم إلا ثلاثمئة درهم كان أرصدها لشراء خادم».
و أرصدت له العقوبة، إذا أعددتها له، و حقیقته جعلتها له على طريقه كالمترقب له.
والرصد و الرصد: أول المطر يرصد مطرا بعده. يقال: رصدت الأرض فهي مرصودة .
والرصدة: الدفعة من المطر؛ و الجمع : رصاد. يقال: أصابت الأرض رصدة من مطر، و قد كان قبل هذا المطر له رصدة .
وأرض مرصودة و مرصدة : أصابتها الرصدة .
وأرض مرصدة: مطرت و هي ترجى لأن تنبت.
و أرض مرصدة أيضا، إذا كان بها شيء من رصد. يقال: بها رصد من حيا.
والرصد: القليل من الكلإ في أرض يرجي لها حيا الربيع.
2- والمرصد عند الفلكيين: الموضع الذي يدون فيه الكواكب بواسطة آلة دقيقة يطلقون عليها اسم « المرصد ». وقد تطورت المراصد هذه الأيام، واستعملت في أغراض شتى، کرصد الزلازل والبراكين و الظواهر الجوية، كالحرارة والرطوبة والضغط، و حركة الرياح و سقوط الأمطار.
غير أن ما يستعمله الفلكيون في رصد الكواكب و ينصبونه في موضع ثابت يسمى « مرصدا» كما في الغه.
وما يستعملونه في رصدها، و ينصبونه في المركبات الفضائية يسمونه « مرصدا » أو « مسبارا»، و هو لفظ مولد.
الاستعمال القرآني
جاء منها مجردا الوصف: (رصد)، و اسم الآلة: ( مرصاد) كل منهما مرتين، و اسم مکان ( مرصد ) مرة، و مزيدا المصدر ( إرصادا ) مرة أيضا، في 6 آیات:
القصة:
1- « وَ أَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً » الجن: 9
2- « إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » الجن : 27
3- « إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً » النبأ : 21
الساعة:
4- « إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ » الفجر: 14
المنافقون:
5- « وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً وَ تَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ » التوبة : 107
التشريع:
6- « فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » التوبة : 5
ويلاحظ أولا : أنها أربعة محاور: القصة
والساعة، و المنافقون، والتشريع:
أما المحور الأول: «القصة »، فآيتان:
الأولى : (1) الآية: 1، من سورة الجن «فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً»:
1- و هذه من جملة آيات الجن في هذه السورة التي تستمر إلى الآية: 19، منها.
2-و محتواها قول الجن إنا كنا - من قبل أن ملئت السماء حرسا و شهبا - نقعد منها مقاعد سماع ما أوحي إلى الملائكة، لكنا لو أردنا السمع الآن يرصدنا شهاب يمنعنا من السماع.
3- وقالوا في «رصدا» و «شهابا» : رصدا من الملائكة، الذي قد أرصد به للرجم، شهاب نارقد رصد له به، حفظة تمنع من الاستماع، الشهاب: الكوكب المحرق، و الرصد: من الملائكة، أرصد له ليرمي به نجما قد أرصد له يزجره عن الاستماع، يرمي و يرصد له مرصدا أو ذا إرصاد، شهابا راصدا، ولأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم، أو ذوي شهاب راصدين، و نحوها.
4- وقالوا في إعراها و معناها: الرصد مثل الحرس اسم جمع للراصد، علی معنی ذوي شهاب راصدين بالرجم، وهم الملائكة الذين يرجمون بالشهب، و يمنعونهم من الاستماع، أو صفة للشهاب بمعنى الراصد، أو هي مثل « معي جياء » يعني يجد شهابا راصدا له و لأجله.
5 - وقد ذكر الفخر الرازي فيها وجوها، ثم حول قارئيه على تفسير قوله تعالى: «وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ الملك:5 ، ثم طرح سؤالا بأن الشهب كانت موجودة قبل المبعث، و أجاب عنه، فلاحظ.
6- و قال الطبرسي (5: 369) « وَ أَنَّا کُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ »: « أي لاستراق السمع، أي كان يتهيأ لنا فيما قبل القعود في مواضع الاستماع، فنسمع منها صوت الملائكة و كلامهم، و« فمن يستمع » منا
«الأن» ذلك « يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً » یرمی به،ويرصد له . و «شهابا» مفعول به و «رصد ا» صفته».
[ثم ذكر أن الشهب كانت في الجاهلية نقلا عن الزهري، فلاحظ ]
والثانية : (2) الآية: 27، من سورة الجن أيضا: « ... فَإِنَّهُ يَسْلُکُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً »:
1- و هذه من جملة ما جاءت من الآيات في آخر سورة الجن، خطابا إلى النبي صلی الله علیه و آله بعد آیات الجن بدء بالآية: 20، منها: « قُلْ إِنَّمَا أَدْعُواْ رَبِّی وَلا أُشْرِکُ بِهِ أَحَدًا » إلى آخر السورة.
2- و محتواها: أن الله تعالى أمر النبي صلی الله علیه و آله بأن يقول كلمة التوحيد، لا أدعوا إلا ربي الله تعالى، ولا أشرك به أحدا، و إني لا أملك لكم أيها الناس ضرا و لانفعا .
3- و قالوا في «رصدا»: حرسا من الملائكة، يحفظونه من الجن والشياطين و الإنس، لكي لا يستمعوا قراءة جبرئیل علیه السلام، هي معقبات من الملائكة يحفظون النبی صلی الله علیه و آله من الشيطان، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم الملائكة رصد من بين يديه و من خلفه، يحفظونه من الجن أربعة من الملائكة، و نحوها.
4- وقال الطبرسي (5: 373) في «اللغة »: «الرصد جمع راصد، و هو الحافظ ».
5 - وقال في «المعنى »: «أي هو عالم الغيب يعلم متى تكون القيامة «فلايظهر عَلى غَيْبِهِ أَحَداً » أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده. ثم استثنى فقال: « الأمن ارْتَضَی مِنْ رَسُولٍ » يعني الرسل، فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب، لتكون آية معجزة لهم. و معناه: أن من ارتضاه و اختاره للنبوة والرسالة، فإنه يطلعه على ما شاء من غیبه، على حسب ما يراه من المصلحة، و هو قوله: « فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ».
والرصد: الطريق. أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء و السلف، و علم ما يكون بعده طريقا.
وقيل: معناه: أنه يحفظ الذي يطلع عليه الرسول، فيجعل من بين يديه و من خلفه رصد امن الملائكة، يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة.
وقيل: رصدا من بين يدي الرسول و من خلفه، و هم الحفظة من الملائكة، يحرسونه عن شر الأعداء و کیدهم، فلا يصل إليه شرهم.
وقيل: المراد به جبرائیل، أي يجعل من بين يديه و من خلفه رصدا کالحجاب، تعظيما لما يتحمله من الرسالة، كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصهم، تشريفا له.
وهذا كما روي أن سورة الأنعام نزلت و معها سبعون ألف ملك » .
وأما المحور الثاني: «الساعة » ففيه آيتان أيضا: الأولى : (3) الآية: 21، من سورة النبا «إِنَّ جَهَنَّمَ کَانَتْ مِرْصَاداً ».
1-وهذه الآية من تتمة الفصل الثاني من سورة الكبير الذي هو في بيان يوم الفصل و العذاب، بدء بالآية: 17، منها: « ان یوم الفضل کان میقاتا ».
و ختما بالآية:20، « فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَکُمْ إِلاَّ عَذَاباً ».
و الفصل الأول منها - بعد خمس آيات هي کالمقدمة لهذه السورة - في آيات الحلقة، و هي 11 آية بدء من الآية السادسة « أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا » وختم بالآية: 16، « وَ جَنّاتٍ أَلْفافاً » .
و الفصل الثالث منها في المتقين و جزائهم، في 6 آیات، بدء بالآية: 31، « إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً »، و ختما بالآية: 37، « رَّبِّ السَّمَوَ تِ وَالْأَرْضِ....».
والفصل الرابع منها في يوم القيامة بدء بالآية: 38، « يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ » إلى الآية: 41، « یَوْمَ یَنظُرُ المَرْءُ مَا قَدَّمَتْ یَدَاهُ ..».و هي آخر السورة.
2- ومحتواها أن جهنم - ونارها هي المكان الذي يرصد فيه المكذبون.
3- و قالوا في «مرصادا»: محبسا أو مسجنا، إن المرصاد وعيد أوعد الله به الكفار، محبسا يحبس فيه الناس، مرصادا يرصدون به، أي هو معدلهم يرصد بها خزنتها الكفار، ذات رصد لأهلها الذين كانوا يكذبون في الدنيا بها، و بالمعاد إلى الله في الآخرة، إن جهنم كانت ذات ارتقاب ترقب من يجتازها و ترصدهم، يرصد أهل الكفر و من حق العذاب، و المرصاد: هو المعد لأمر على ارتقابه الوقوع فيه، و هو « مفعال » من الرصد، المكان الذي يرصد فيه الواحد العدو، طريقا و ممرا، معدا لهم، يقال: أرصدت له الشيء، إذا أعدته له.
وقيل : هو من رصدت الشيء أرصده، إذا ترقبته. و المرصاد: المكان الذي يرصد الراصدفيه العدو، وموضع الرصد، و نحوها.
4- وقال الزمخشري: «المرصاد: الحد الذي يكون فيه الرصد، والمعنى: أن جهنم هي حد الطاغين الذي يرصدون فيه للعذاب، و هي مابهم .
أو هي مرصاد لأهل الجنة، ترصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها، لأن مجاز هم عليها وهي مآب للطاغين.
وعن الحسن وقتادة نحوه قالا: طريقا و ممرا لأهل الجنة».
5- و قد ذكر الطبرسي (5: 424) جملة مما ذكروه من الوجوه، فلاحظ.
والثانية : (4) الآية: 14، من سورة الفجر: « إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ».
1- و هذه الآية جاءت خاتمة لآيات عذاب عاد و ثمود و فرعون الطاغين في البلاد. فقال تعالى بعد بیان عذابهم: وإن ربك لبالمرصاد ه ا
2- و قالوا في معنى الآية نحوا مما قالوه في الآية الأولى فلاحظ النصوص.
3- وقال الطبرسي (5: 482) في معنى الآية: «أي عليه طريق العباد، فلا يفوته أحد، عن الكلبي والحسن و عكرمة. والمعنى: أنه لا يفوته شيء من أعمالهم، لأنه يسمع ويرى جميع أقوالهم و أفعالهم، كما لايفوت من هو بالمرصاد.
وروي عن علي علیه السلام أنه قال : معناه: أن ربك قادر على أن يجزي أهل المعاصي جزاءهم.
وعن الصادق علیه السلام أنه قال: المرصاد: قنطرة على
الصراط، لايجوزها عبد بمظلمة عبد.
وقال عطاء: يعني يجازي كل واحد، و ينتصف من الظالم للمظلوم
وقيل لأعرابي: أين ربك ؟ قال : بالمرصاد. و ليس يريد به المكان. فقد سئل علي علیه السلام أين كان ربنا قبل أن خلق السماوات والأرض؟ فقال: «أين » سؤال عن مكان، و كان الله و لامکان ». [ثم ذكر روایات أخرى ]
و أما المحور الثالث: «المنافقون » فآية واحدة (5) و هي الآية: 107، من سورة التوبة: « وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا.. وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ ... ».
1- و هي الآية الأولى من الآيات الأربع من هذه السورة في « مسجد ضرار ». و آخرها الآية: 110، « لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ...».
2- و محتواها أن المنافقين اتخذوا مسجدا، ضرارا بالإسلام و المسلمين، و كفرا بالله والرسول، و تفريقا بين المؤمنين، و إرصاد المن حارب الله و رسوله من قبل بناء هذا المسجد.
3-وقالوا في « ارصادا »: انتظارا، ترقبا بالعداوة. يقال: رصدته بالمكافأة أرصده، إذا ترقبته، و أرصدت له في العداوة، و إعدادا لأبي عامر الكافر الذي خالف الله و رسوله، و کفر بهما و قاتل رسول الله، الإرصاد: الانتظار، انتظارا و إعدادا، فيه وجهان: انتظار سوء يتوقع، و الحفظ المقرون بفعل، و أصل الرصاد: الارتقاب، ترقبا و انتظارا، أصله من الرصد و هو الطريق، تقول: أرصده إذا وقف في طريقه يترقبه، الإعداد و التهيئة، و نحوها.
4- وقد ذكر الطبرسي (3: 72) في «النزول »: « إن بني عمرو بن عوف اتخذوا « مسجد قباء»، و بعثوا إلى رسول الله صلی الله علیه و آله، أن يأتيهم، فأتاهم و صلی فيه، فحسدهم جماعة من المنافقين من بني غنم بن عوف، فقالوا: نبني مسجدا، فنصلي فيه، و لانحضر جماعة محمد، و کانوا اثني عشر رجلا، وقيل: خمسة عشر رجلا، منهم ثعلبة بن حاطب، و معتب بن قشير، و نبتل بن الحرث. فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، فلما فرغوا منه، أتوا رسول الله صلی الله علیه و آله - و هو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله ! إنا قد بنینا مسجدا لذي العلة والحاجة، و الليلة المطيرة، والليلة الشاتية، و إنا نحب أن تأتينا فتصلي فيه لنا، وتدعو بالبركة. فقال صلی الله علیه و آله: إني على جناح سفر، و لو قدمنا آتيناكم إن شاء الله، فصلينا لكم فيه. فلما انصرف رسول الله من « تبوك » نزلت عليه الآية في شأن المسجد».
5 - وقال في « المعنى »: «ثم ذكر سبحانه جماعة أخرى من المنافقين بنوا مسجدا للتفريق بين المسلمين، وطلب الغوائل للمؤمنين، فقال: « وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا » و المسجد: موضع السجود في الأصل، و صار بالعرف إسما لبقعة مخصوصة بنيت للصلاة فالإسم عرفي فيه معنى اللغة.
«ضرارا » أي مضارة، يعني للضرر بأهل « مسجد قباء » أو « مسجد الرسول صلی الله علیه و آله » ليقل الجمع فيه «وكفرا» أي والإقامة الكفر فيه.
و قيل: أراد أنه كان اتخاذهم ذلك كفرا بالله .
وقيل: ليكفروا فيه بالطعن على رسول الله صلی الله علیه و آله، والإسلام.
« وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ » أي لاختلاف الكلمة، و إبطال الألفة، و تفريق الناس عن رسول الله صلی الله علیه و آله.
« وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ » أي أرصدوا ذلك المسجد، و اتخذوه، وأعدوا لأبي عامر الراهب، و هو الذي حارب الله و رسوله من قبل». [ ثم ذكر قصته و تفسير الآية]
وأما المحور الرابع «التشريع»: « فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ...»:
1- و هذه من تتمة آيات البراءة عن المشركين في هذه السورة التي سميت بأسامي منها: «البراءة » بدء من أولها: « بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... »، إلى الآية: 19، منها: « أَجَعَلْتُمْ سِقَایَهَ الحْاجّ ِ وَ عِمَارَهَ الْمَسْجِدِ الحْرَامِ کَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَ الْیَوْمِ الاَخِرِ... ».
2 - و محتواها أنه - بعد أن أجاز للمشركين في الآية الثانية منها أن يسيحوا في أرض مكة أربعة أشهر - قال في هذه: « فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ » أي ذي الحجة وما بعدها إلى المحرم ثم رجب، فلابد للمؤمنين قتل المشركين حيث وجدوهم - في مكة أو غيرها - و أن يحصروهم، ويقعدوا لهم كل مرصد حتى إذا تابوا عن الشرك، وصلوا وآتوا الزكاة، خلوا سبيلهم.. .
3- و قالوا « كل مرصد »: علی کل طریق يذهبون و يجيؤون فيه للتجارة، و ارصدوهم بكل طريق عن طرقهم إلى البيت، المراصد: الطرق، کل طريق و مرقب وهو «فعل» من قول القائل: « رصدت فلانا أرصده رصدا» بمعنى رقبته، « کل مرصد » ظرف كقولك:ذهبت مذهبا، و ذهبت طريقا، ذهبت كل طريق، على كل طريق يأخذون فيه.
والمرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو، و اقعدوا لهم بطريق مكة، حتى لا يدخلوها كل ممر و مجتاز ترصدونهم به في مواضع الغرة؛ حيث يرصدون بكل طریق و بكل مكان تظنون أنهم يمرون فيه، و ضيقوا المسالك عليهم لتمكنون من أخذهم، و نحوها.
4- و أكثرهم قالوا: « كل مرصد » ظرف، و أنكره بعضهم، وقال: إنه مجرور بحرف «علی» و حذفت.
5- وقال الطبرسي (3: 6) في «اللغة»: « الانسلاخ: خروج الشيء مما لابسه، و أصله من سلخ الشاة، و هو نزع الجلد عنها. و سلخنا شهر كذا،نسلخه، سلخا، و سلوخا.
والحصر: المنع من الخروج عن محيط. و الحصر، والحبس، و الأسر، نظائر.
والمرصد: الطريق، و مثله المقب، و المربا.
و رصده یرصده رصدا ».
6- و قال ( 7:3) في «المعنى »: «ثم بين سبحانه الحكم في المشركين بعد انقضاء المدة، فقال: « فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ».
قيل: هي الأشهر الحرم المعروفة: ذو القعدة، و ذو الحجة، و المحرم، و رجب، ثلاثة سرد، و واحد
فرد، عن جماعة.
وقيل: هي الأشهر الأربعة التي حرم القتال فيها، و جعل الله للمشركين أن يسيحوا في الأرض آمنين، على ما ذكرناه من اختلاف المفسرين فيها.
وعلى هذا فمنهم من قال: معناه: فإذا انسلخ الأشهر بانسلاخ المحرم، لأن المشركين من كان منهم لهم عهد، أمهلوا أربعة أشهر من حين نزلت «براءة » و نزلت في شوال.
ومن لا عهد لهم، فأجلهم من يوم نزول النداء، و هو يوم عرفة، أو يوم النحر، إلى تمام الأشهر الحرم، و هي بقية ذي الحجة، والمحرم كله، فيكون ذلك خمسين يوما. فإذا انقضت هذه الخمسون يوما، انقضى الأجلان، و حل قتالهم سواء كان لهم عهد خاص، أو عام.
و منهم من قال: معناه: إذا انسلخ الأشهر الأربعة التي هي عشرون من ذي الحجة، و المحرم، و صفر، و شهر ربيع الأول، و عشر من شهر ربيع الآخر؛ إذ حرمنا فيها دماء المشرکین، و جعلناهم أن يسيحوا فيها آمنين.
« فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» أي فضعوا السيف فيهم حيث كانوا في الأشهر الحرم و غيرها، في الحل، أو في الحرم، و هذا ناسخ لكل آية وردت في الصلح، و الإعراض عنهم» ثم فر باقي الایه.
7- و الذي يلفت النظر في هذه الآيات الست، أن مادة «رص د » قد جاءت في آيتي الجن « رصدا »-رعاية للروي فيهما - والمراد بها الراصد. و الراصد في الأولى هو الشهات و هو من غير ذوي العقول - و في الثانية ملك من الملائكة - وهن من ذوي العقول - .
وجاءت في الآيتين (3 و 4) بدل «الرصد» « مرصاد »، و هو اسم آلة في الأصل، و لكنها جاءت فيهما بمعنى اسم المكان - آلة الرصد والمراد به فيهما « جهنم » فقدجاءت في (4) خبرا ل«كان» و اسمها «جهنم »: « إن جهنم كانت مرصادا ».
وجاءت في (3) مکانا لرصد الرب « إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصَادِ » و المراد بها جهنم أيضا، فإن الملائكة الراصدين للناس من قبل الرب، مواضعهم هي أبواب جهنم يرصدون كل من يدخلها - وهم كل الناس: المؤمنون والكافرون -.
وجاءت نكرة في (3) « مرصادا » و في (4) معرفة بألف العهد، فإن « جهنم »كانت معهودة للناس في الآيات، بأنها مدخل و مرصد للناس جميعا.
وجاءت في (5) مصدرا من باب «الإفعال » في جملة الأغراض السوء الأربعة للمنافقين من بناء مسجدهم، و الأغراض الأربعة حسب الترتيب في الآية هي: الإضرار بالمسلمين، و إظهار الكفر بالله تعالى، و التفريق بين المؤمنين، و الإرصاد لمن حارب الله من قبل - و هو أبوعامر الراهب - الذي فر إلى الروم، و كان المنافقون ينتظرون رجوعه، ليكون إماما لهم للصلاة في هذا المسجد.
وأما في الآية السادسة، فجاءت اسم مکان نكرة تعميما « کل مرصد » إما ظرفا ل« و اقعدوا لهم »،
أو مجرورا ب «علی» متعلقا به.
ويلاحظ ثانيا: أن أربعا منها مكية، وهي ماجاءت في القصة و الساعة، و مواضعهما في القرآن حسب الأغلب هي السور المكية، كما أن الآيتين (5 و 6) جاء تا في النفاق و التشريع، و مواضعهما هي السور المدنية، إلا القليل منهما.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
الرقابة: « فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّکَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ». القصص : 18
مرصوص
لفظ واحد، مرة واحده،فی سوره مدنیه
النصوص اللغوية
الخليل: رصصت البنيان رصا، إذا ضممت بعضه إلى بعض.
ورجل أرص الأسنان، أي ركب بعضها بعضا؛ و منه: التراص في الصف .
والرصاصة والصراصة: حجارة لازقة بحوالي العين الجارية. [ثم استشهد بشعر]
و رصصت قتبي البعير، إذا قاربت قيدهما، إذا سمعت له قعقعة .
و الرصاص معروف، ويقال : الرصاص. (7: 83).
الكسائي: روي عن النبي صلی الله علیه و آله أنه قال: « تراصوا في الصلاة ». التراص أن يلصق بعضهم ببعض حتى لا يكون بينهم خلل؛ ومنه قول الله جل و عز: « بنیان مرصوص » الصف: 4.
(الأزهري 111:12)
أبو عمرو الشيباني: الرصيص: نقاب المرأة إذا أدنته من عينيها. (الأزهري 111:12)
الفراء: الرصاص أكثر من الرصاص.
رصص إذا ألح في السؤال، و رصص النقاب أيضا.
(الأزهري 111:12 )
أبوزيد: النقاب علی مارن الأنف. و الترصيص: ألا يرى إلا عيناها. و تميم تقول: هو التوصيص بالواو، و قد رصصت و وصصت.
( الأزهري 111:12)
ابن الأعرابي: رصرص، إذا ثبت في المكان.
(الأزهري 111:12)
ابن السكيت: قالت العامرية: الترصيص لبسة عقيل. (665)
ابن درید: رص بناءه إذا أحكم عمله.
و البناء مرصو ص و رصیص .
و كل شيء
أم فقد رص. و أحسب أن اشتقاق الرصاص من هذا لتداخل أجزائه، وهو عربي صحيح. [ثم استشهد بشعر]
و أول من أسعط بالرصاص من ملوك العرب: ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن من الأزد. (1: 82)
رص البناء و رصرصه، إذا أحكمه و سد خلله. و بناء رصیص و مرصوص. (1: 144)
الرصص: تداخل الشيء في الشيء، رصصت البناء، و بناء رصیص و مرصوص. و أحسب اشتقاق الرصاص من هذا. (191:3)
الصاجب: رصصت البنيان رصا، إذا ضممت بعضها إلى بعض.
و رجل أرص: مجتمع المنکبین، و كذلك المتقارب الأسنان، و منه: التراص في الصف.
و إذا رفع المنتقب نقابه حتى لايرى إلا عيناه فهو الترصيص .
و فخذ راء، إذا التقت بصاحبتها.
والرصاصة و الرصراصة: حجارة لازمة (1)لحوالي العين الجارية، و منه يقال للرجل البخيل: رصاصة.
والمرصوصة من الركایا: التي طويت بالرصاصة، و هي حجارة يقعن في الوادي فتحبس الماء.
و الرصاص: معروف، و يقال: رصاص.
و الأرصوصة من القلانس: کالبطيخة.
و رصت الدجاجة بيضها: إذا سوته بمنقارها. والبيض رصيص. (85:8)
الخطابي: في حديث النبي صلی الله علیه و آله: « قال: أتشهد أني رسول الله ؟ فنظر إليه ابن صیاد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. ثم قال ابن صیاد له: أتشهد أني رسول الله؟ فرصه رسول الله، و قال : آمنت بالله و رسله »
قوله: «رصه» أي ضغطه و ضم بعضه إلى بعض؛ و منه رص البناء، و هو إلصاق بعضه ببعض. قال الله تعالى : « كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ » الصف: 4.
و منه التراص في الصفوف، و هو التقارب و التداني. (1: 633)
الجوهري: رصصت الشيء أرصه رصا، أي ألصقت بعضه ببعض؛ و منه: « بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ » الصف: 4، و كذلك الترصيص .
والترصيص أيضا: أن تنتقب المرأة فلايرى إلا عيناها.
و تراص القوم في الصف، أي تلاصقوا.
و الرصاص بالفتح: معروف، و العامة تقوله بكسر الراء .
وشيء مرصص: مطلي به. (1041:3)
ابن فارس: الراء و الصاد أصل و احد، يدل على انضمام الشيء إلى الشيء بقوة و تداخل، تقول: رصصت البنيان بعضه إلى بعض. قال الله تعالى: « كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ »الصف: 4.
1) في الخليل مضى لازقة
و هذا كأنه مشتق من الرصاص، و الرصاص أصل الباب.
ويقال : تراص القوم في الصف.
و حكي عن الخليل: الرصراص: الحجارة تكون مرصوصة حول عين الماء.
ومن الباب الترصيص: أن تنتقب المرأة فلايرى إلا عيناها. و هو التوصيص أيضا.
و يقولون: الرصراصة: الأرض الطلبة. و الباب كله منقاس مطرد. (2: 374)
الهروي: قوله تعالى: « بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ » الصف: 4، أي لاصق البعض بالبعض، يقال: رصصت البناء.
وفي الحديث: « لصب عليكم العذاب صبا ثم لرص رصا»، أي لألصق بعضه ببعض.
ومنه الحديث: « تراصوا في الصفوف »، أي تلاصقوا، حتى لا يكون بينكم فرج. (749:3)
ابن سيده: رص البنيان يرصه رصا، فهومرصوص و رصیص .
و رصصه و رصرصه: أحكمه و جمعه و كل ما أحكم و ضم فهو رص. و في التنزيل: « كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ» الصف: 2، و تراص القوم: تضاموا.
و الرصص، و الرصاص، و الرصاص: من المعدنیات، مشتق من ذلك لتداخل أجزائه.
و الرصاصة و الرصاصة: حجارة لازمة لما حوالي العين الجارية. [ثم استشهد بشعر]
و الرصوص في الأسنان: کاللصص. رجل أرص و امرأة رصاء.
والرصاء، و الرصوص من النساء: الرتقاء.
و رصصت المرأة، إذا أذنت نقابها حتى لا یری إلا عيناها، ک «وصوصت». (8: 266)
الراغب : قال تعالى: «ا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ » الصف: 24، أي محكم، كأنما بني بالرصاص، و يقال: رصصه و رصصته.
و تراصوا في الصلاة، أي تضايقوا فيها.
و ترصيص المرأة: أن شدد التنقب، و ذلك أبلغ من الترصص. (196)
الزمخشري: بنیان مرصوص و مرصص. وقد ارتضت الجنادل و ترصصت .
و في أسنانه رصص .
و رجل أرص و امرأة رصاء.
و تراصوا في الصلاة و ارتضوا.
و رصت الدجاجة و النعامة بيضها، سوته بمنقارها و رجليها لتقعد عليه. و بيض رصيص. [ثم استشهد بشعر]
و امرأة رصاء الفخذين: خلاف بداء.
و رصت على القبر الرصائص: رکمت عليه الحجارة، جمع رصاصة.
و من المجاز : إن فلانا لرصاصة إذا كان بخيلا، يشبه بالحجر أو بهذا الجوهر، كما قيل: رجل فلز (أساس البلاغة : 164)
ابن الأثير: فيه: « تراوا في الصفوف » أي
تلاصقوا حتى لا تكون بينكم فرج. وأصله: تراصصوا، من رص البناء یرصه رصا، إذا ألصق بعضه ببعض، فأدغم. (2: 227)
الفيومي: رصصت البنيان رصا، من باب «قتل»: ضممت بعضه إلى بعض.
و تراص القوم في الصف .
و الرصاص بالفتح؛ و القطعة منه: رصاصة. (228:1)
الفيروزابادي: رصه: ألزق بعضه ببعض، وضم، کرصصه، و الدجاجة بيضتها:سوتها بمنقارها.
والرصاص، کسحاب معروف، و لايكسر، ضربان أسود و هو الأب و الإبار، و أبيض وهو القلعي .
و القصدير، إن طرح یسیر منه في قدر، لم ينضج لحمها أبدا، و إن طوقت شجرة بطوق منه، لم يسقط ثمرها و كثر.
وشيء مرص: مطلي به.
والمرصوصة: البئر طويت به .
و الرصيص: البيض بعضه فوق بعض، و نقاب المرأة إذا أدتته من عينيها، و قد رصصت .
والأرص: المتقارب الأسنان.
و فخذ رصاء: التصقت بأختها.
و الأرصوصة: قلنسوه کالبطيخة.
و الرصاصة، مشددة: البخيل، و حجارة لازقة بحو الي العين الجارية، كالرصراصة، وهي الأرض الطلبة.
و رصرص البناء: أحكمه، و شده، و في المكان : ثبت
و تراصوا في الصف: تلاصقوا، و انضموا . (316:2)
الطریحی: وتراص القوم في الصف، أي تلاصقوا و تراصوا في الصفوف حتى لا تكون بینکم فرج. والأصل في ذلك: رص البناء .
والرصاص بالفتح: معروف منه أسود و منه أبيض، و القطعة منه: رصاصة. قال الجوهري: والعامة تقول: بكسر الراء. (4: 172)
مجمع اللغة: رص البنيان یرصه رصا : أحكمه و جمعه، و ضم بعضه إلى بعض، فالبنيان مرصوص. (484:1)
العدناني: الرصاص و الرصاص.
و يطلقون على المدن المعروف، أو البندق یرمی به من البندقية و المسدس ونحوهما، اسم: الرصاص أو الرصاص.
و كتب اللغة تنكر الرصاص، و يقول بعضها: إن الرصاص وحده هو الصواب کالصحاح، و المغرب، و المختار، و المصباح، و القاموس، والتاج، و محیط المحيط، و أقرب الموارد.
وقال الصحاح و المختار: إن العامة هم الذين يكسرون الراء، و قال القاموس والتاج: إن راء الرصاص لاتكسر.
و يقول أبو حيان في « تذکرته »: إن الرصاص هو الصواب.
و يجيز الرصاص و الرصاص کليهما كل من أبي حاتم السجستاني، و المحكم، و اللسان، الفتح أعلى، و المد أو الكسر، عامي، و المتن، الكسر لغة أو هو عامي غير فصيح، و الوسيط الذي ذكر أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة قد أطلق كلمتي الرصاص و الرصاص على المعدن و البندق كليهما، فقطعت جهيزة بذلك قول كل خطیب. (262)
المصطفوي: و التحقيق أن الأصل الواحد في هذه المادة: هو إلصاق الأشياء بعضها ببعض بشدة، و تداخل ممكن و إحكام تام. و هذا هو الفرق بينها و بين مادة الرصف و الرصع، فإن الرصف مطلق الضم والإلصاق، و الرصع عقد شيء ثانويبشيء کالتزيين و التحلية.
فالتضعيف و التشديد في مادة الرص: يدل على الشدة و الإحكام، كما أن التكرار في حروف الرصراص: يدل على امتداد الالتصاق، كضم الحجارة بعضها ببعض حول عين الماء. (147:4)
النصوص التفسيرية
مرصوص
« إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ». الصف: 4
ابن عباس: ملتزق، قد رص بعضه إلى بعض. (469)
سعید بن جبير: هذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين، كيف يكونون عند قتال عدوهم . (القرطبي 81:18)
الفراء: بالرصاص، حتثهم على القتال.(153:3)
ابن قتيبة:أي يثبتون في القتال ولا يبرحون، فكأنهم بناء قد رص. (464)
المبرد: هو من رصصت البناء إذا لاأمت بينه و قاربت، حتى يصير كقطعة واحدة .( القرطبي 81:18 )
القمي: يصطفون کالبنيان الذي لايزول. (365:2)
الواحدي: يقال: رصصت البناء رصا، إذا ضممت بعضه إلى بعض...
أعلم الله أنه يحب من يثبت في القتال، و يلزم مكانه کثبوت البناء المرصوص. (291:6)
القرطبي: قيل: هو من الرصيص، و هو انضمام الأسنان بعضها إلى بعض. والتراص: التلاصق؛ و منه: و تراصوا في الصف.
و معنى الآية: يحب من يثبت في الجهاد في سبيل الله، و يلزم مكانه کثبوت البناء. ( 81:18)
البيضاوي: في تراصهم من غير فرجة حال من الحال الأولى. والرص: اتصال بعض البناء بالبعض و استحکامه. (2: 473)
النسفي: لاصق بعضه ببعض. و قيل: أريد به استواء نياتهم في حرب عدوهم، حتی یکونوافي اجتماع الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض، و هو حال أيضا. (252:4)
المراغي: أي إن الله يحب الذين يصفون أنفسهم حين القتال، ولا يكون بينهم فرج فيه، كأنهم بنیان متلاحم الأجزاء، كأنه قطعة واحدة قد صبت صبا. و على هذه الطريقة تسير الجيوش في العصر الحاضر. (81:28 )
ابن عاشور: و المرصوص : المتلاصق بعضه ببعض. و التشبيه في الثبات و عدم الانفلات، وهو الذي اقتضاه التوبيخ السابق، في قوله: «لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ» الصف: 2. ( 158:28).
مغنية: أي محكم ثابت كأنه بني بالرصاص، و نقل عن علماء الآثار أنهم عثروا على أبنية قديمة بنيت بالرصاص، وقال تعالى حكاية عن ذي القرنين: « آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا» الكهف : 96، و القطر: الرصاص أو النحاس المذاب.
و من نافلة القول: إن الله سبحانه يحب تماسك الجماعة و تعاضدها، في كل ما يعود عليها بالخير والصلاح. (313:7)
المصطفوي:أي لازم أن تكون جبهة المسلمين کالصف الواحد من جهة مو قعية المبارزة و النظم، و الوحدة في الحكم والعمل و المرتبة و العنوان، بطرح الاختلاف و حذف العناوين الشخصية والأغراض المختلفة، والإعراض عن التشتت والانحرافات، ثم يكون ارتباطهم و التصاقهم و اتحادهم في تمام الإحكام و كمال الشدة، كالبنيان المحكم المنضم أجزاؤه بعضها ببعض؛ بحيث يصير واحدا.
فمحبة الله تعالى إنما يتعلق بهؤلاء المبارزین الذين هم في صف و احد، و في اتصال و انتظام تام و في وحدة و استقامة كاملة، لا مطلقا.
و أيضا لازم أن يكون الهدف: السلوك و العمل في سبيل الله و لو جهه، لا في سبيل الهوى والشيطان. «وَ لا تَتَّبِعُوا اَلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ » الأنعام :153 . (147:4)
مکارم الشيرازي: « مرصو ص » من مادة «رصاص» بمعنى معدن الرصاص، و لأن هذه المادة توضع بعد تذويبها بين طبقات البناء من أجل استحکامه، و جعله قویا و متينا للغاية، لذا أطلقت هذه الكلمة هنا على كل أمر قوي و محکم .
و المقصود هنا أن یکون وقوف و ثبات المجاهدين أمام العدو قویا راسخا تتجسد فيه وحدة القلوب والأرواح والعزائم الحديدة و التصميم القوي، بصورة تعكس أنهم صف متراص، ليس فيه تصدع أو تخلخل .
يقول علي بن إبراهيم في تفسيره موضحا مقصود هذه الآية: « يصطفون کالبنيان الذي لايزول »
وجاء في حديث عن أمير المؤمنين علي علیه السلام أنه عند ما كان يهيء أصحابه للقتال بصفين، قال: «إن الله تعالى قد أرشدكم إلى هذه المسؤولية؛ حيث قال سبحانه: « إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ »، و على هذا فاحكموا صفوفکم کالبنيان المرصوص، وقدموا الدارع،
و أخروا الجاسر، و عضوا على الأضراس، فإنه أنبي للسيوف عن إلهام، و التؤوا في أطراف الرماح، فإنه أمور للأسنة، و غضو الأبصار، فإنه أربط للجأش و أسكن للقلوب، و أميتوا الأصوات، فإنه أطرد للفشل، و رایتكم فلاتميلوها ولاتخلوها، ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم». (18 : 262)
و فيها بحوث راجع: ب ن ي: «بنیان » .
الأصول اللغوية
1- الأصل في هذه المادة: الرص، أي الضم و الإحكام. يقال: رص البنيان یرصه رصا، إذا أحكم بناءه ، فهو مرصوص و رصیص.
ورصصه و رصرصه: أحكمه، و جمعه و ضم بعضه إلى بعض.
والرص: تداخل الشيء في الشيء. يقال: رصصت قتبي البعير، إذا قاربت قيدهما.
و رصصت الشيء أرصه رصا: ألصقت بعضه ببعض، و كذلك الترصيص.
والرصص في الأسنان: کاللصص، و هو تقاربها و سد خللها. يقال: رجل أرص و امرأة رصاء.
و الرصاء و الرصوص من النساء: الرتقاء، و هي المنضمة الفرج، فلا يستطاع جماعها.
و بيض رصیص : بعضه فوق بعض.
و تراص القوم: تضاموا و تلاصقوا، و في حديث النبي صلی الله علیه و آله : « تراصوا في الصلاة »، وهو أن يلصق بعضهم ببعض حتى لا يكون بينهم خلل.
والترصيص: أن تنتقب المرأة فلايرى إلا عيناها. يقال : رصصت المرأة، إذا أدنت نقابها حتی لايرى إلا عيناها.
والرصيص: نقاب المرأة إذا أدنته من عينيها.و رصص، إذا ألح في السؤال.
والرصص و الرصاص و الرصاص: من المعادن، مشتق من ذلك التداخل أجزائه.
والترصيص: طلاء الكوز و غیره بالرصاص.
و شيء مرصص: مطلي به.
و الرصاصة و الرصراصة: حجارة لازمة لما حوالي العين الجارية، على التشبيه بالرصاص.
2-و يطلق الرصاص اليوم على البندق الذي یرمی به بواسطة الرشاش والبندقية والمسدس و غيرهاء الواحدة: رصاصة. يقال: أطلق عليه الرصاص.
و قلم الرصاص: قلم ذو لب صلب يكتب به دون مداد.
و الرصاصي: نسبة إلى الرصاص، و هو لون داكن يشبه لون الرماد.
الاستعمال القرآني
جاء منها اسم المفعول: «مرصوص » وصفا ل«بیان » في آية:
«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ»
الصف: 4
ويلاحظ أو: أنها جاءت مرة في الآية: 4، من سورة الصف و بها سميت، و فيها بحوث:
1- و هذه الآية في هذه السورة منفصلة عما قبلها و بعدها.
فقد جاءت قبلها - بعد تسبیح الله في الآية الأولى المقدمة للسورة، بقوله: « سَبَّحَ لِلّهِ ما فِی السَّمواتِ وَ ما فِی الْأَرْضِ...» - آيتان في النهي عن القول بما لا يفعلونه: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ».
و جاءت بعدها: « وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي...».
2- و لعل مناسبتها لما قبلها من جهة أن بعض المؤمنين عاهدوا قولا بأن يقاتلوا في سبيل الله، ولم يعملوا بقولهم، فتخلوا عن القتال، فحبب الله لهم القتال بهذه الآية الدالة على أن الله يحب الذين يقاتلون في سبيل الله، بدل أن يأمرهم بالقتال، أو يعنفهم بترك القتال. و فيها تحبیب و دعاء إلى ما تحكم به عواطفهم من اكتساب حب الله تعالى، فكأن بناء التشريع على العواطف أدعى إلى الطاعة من الأمر والنهي تشريعا. و يأتي نحوه عن ابن عاشور.
3- و البناء على العاطفة هو وجه المناسبة بين هذه الآية وما بعدها أيضا. وقد أشار إليه الطبرسي أيضا في نصه الآتي -وهو قصة موسی علیه السلام خطابا لقومه خطابا عاطفيا: «وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَ قَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ ...».
4- وقالوا في معنى الآية: و كلمة « مرصوص »: ملتزق، قد رص بعضه إلى بعض، هذا تعليم من الله تعالى للمؤمنين، كيف يكونون عند قتال عدوهم، فحثهم بالرصاص على القتال، يثبتون و لا يبرحون، فكأنهم بناء قد رص، هو من «رصصت البناء » إذا لاءمت بینه و قاربت حتی يصير كقطعة واحدة، يصطفون کالبنيان الذي لايزول.
أعلم الله أنه يحب من يثبت في القتال، لاصق بعضه ببعض. قيل: هو من الرصيص، و هو انضمام الأسنان بعضها إلى بعض، والتراص: التلاصق؛ و منه: و تراضوا في الصفة، و نحوها.
5 - وقال الطبرسي (5: 277) في «اللغة»: « والرص: إحكام البناء. يقال: رصت البناء، أي أحكمته. وأصله من الرصاص، أي جعلته كأنه بني بالرصاص. لتلاؤمه و شدة اتصاله».
6 - و قال في « المعنى»: « إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا »: « أي يصفون أنفسهم عند القتال صفا.
و قيل: يقاتلون في سبيله مصطفين.
« كانهم بنیان مرصوص » كأنه بني بالرصاص التلاؤمه، و شدة اتصاله.
و قيل: كأنه حائط ممدود على رص البناء في إحكامه و اصاله و استقامته.
أعلم الله سبحانه أنه يحب من ثبت في القتال،
و يلزم مكانه، كثبوت البناء المرصوص .
و معنی « محبة الله إياهم » أنه يريد ثوابهم و منافعهم. ثم ذكر سبحانه حديث موسی علیه السلام في صدق نیته، و ثبات عزيمته على الصبر في أذى قومه، تسلية للنبي صلی الله علیه و آله في تكذيبهم إياه»، وهذا بیان المناسبة بين الآية وما بعدها.
7- وقال ابن عاشور: «المرصوص: المتلاصق بعضه ببعض. و التشبيه في الثبات و عدم الانفلات، وهو الذي اقتضاه التوبيخ السابق في قوله: « لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفعَلُونَ » الصف: 2»
8- وقال مغنية: «أي محكم ثابت، كأنه بني بالرصاص » ثم حکی عن علماء الآثار أنهم عثروا على أبنية قديمة بنيت بالرصاص، و استشهد ب«آتُونِی أُفْرِغْ عَلَیْهِ قِطْراً» الكهف : 96 .
ويلاحظ ثانيا: أن الآية ترغيب إلى القتال في سورة مدنية، إذ القتال لم يشرع قبل الهجرة، و إنما شرع بعد الهجرة، و جاءت آياته الكثيرة في السور المدنية.
وثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
الإحكام: « الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » .هود :1 .
الإبرام: « أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ ». الزخرف: 79
الضم: «وَ اضْمُمْ يَدَکَ إِلَى جَنَاحِکَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى ». طه : 22
الثبات: «وَ لا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَ لَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ». النحل: 94 .
10 الفاظ ، 11 مره : 2 مکتیان ، 9 مدنیه فی 5 سور : 1 مکیه ، 4 مدنیه
الرضاعة 2:-2 فسترضع 1 : -1
أرضعت 1:-1 ارضعیه 1:1
أرضعن 1:-1 مرضعه 1: - 1
أرضعنکم 1: -1 المراضع 1:1
يرضعن 1:-1 تسترضعوا 1: -1
النصوص اللغوية
الخليل: رضع الصبي رضاعا ورضاعة، أي مص الثدي و شرب.
و أرضعته أمه، أي سقته، فهي مرضعة بفعلها، و مرضع. أي ذات رضيع.
و يجمع الرضيع على: رضع، و راضع على: رضع. قال النبي صلی الله علیه و آله : « لولا بهائم رتع، و أطفال رضع، و مشایخ رکع لصب عليكم العذاب صبا».
ويقال: رضيع و راضع.
ويقال: الرضاعة من المجاعة، أي إذا جاع أشبعه اللبن الطعام.
و رضع الرجل يرضع رضاعة، فهو رضيع راضع: لئيم، و قوم راضعون و رضعة. يقال: لأنه يرضع لبن ناقته من لؤمه.
و الراضعتان من السن: اللتان شرب عليهما اللبن، و هما الثنيتان المتقدمتا الأسنان كلها.
والرواضع: الأسنان التي تطلع في فم المولود في وقت رضاعه. (270:1)
امرأة مرضع : ذات رضيع، كما يقال: امرأة طفل: ذات مطفل، بلاهاء، لأنك لا تصفها بفعل منها واقع أو لازم.
فإذا وصفتها بفعل هي تفعله قلت: مفعلة، كقول الله تعالى: « تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ ».
الحج: 2، وصفها بالفعل فأدخل الهاء في نعتها. ولو وصفها بأن معها رضيعا قال: مرضع. الأزهري 1: 472)
الكسائي: هو الرضاع و الرضاع. [ معنی و احد]. (إصلاح المنطق : 105)
الأموي: الروعة من الغنم: التي ترضع.
ويقال : رضاع و رضاع، ورضاعة ورضاعة. (الأزهري 1: 473)
أبوزيد: الراضعة: كل سن سقطت من مقادمه. (الفيومي 1: 229)
الأصمعي: رضع الصبي يرضع، و رضع یرضع. [ثم استشهد بشعر] (الأزهري 1: 473)
أبو عبيد: في حديث أبي ميسرة: «لو رأيت رجلا يرضع فسخرت منه أن أكون مثله».
قوله : « یرضع » يعني أن يرضع الغنم من ضروعها ولا يحلب اللبن في الإناء.
و كانت العرب تعير بهذا الفعل، ولهذا قيل للرجل: لئيم راضع، أي أنه يرضع الغنم من لؤمه.
وإنما يفعل ذلك، لأن لايسمع صوت الحلب فيطلب منه اللبن. (391:2)
ابن الأعرابي: الراضع و الرضع: الخسيس من الأعراب، الذي إذا نزل به الضيف رضع شاته بفمه، لئلايسمعه الضيف. ويقال : منه رضع يرضع رضعا.
وقال بعضهم: لو عيرت رجلا بالرضع لخشيت أن يمحور بي داؤه.
و الرضع: صغار النحل، و احده: رضعة.
و امرأة مرضع: معها رضيع.
و امرأة مرضعة: ثديها في فم ولدها. (الأزهري 1: 473)
ابن السكيت: ويقال: لئيم راضع يرضع الشاة و اللناقة من خلفها و لايحتلبها. (75)
ويقال : امرأة مرضيع، إذا كان لها لبن رضاع. و امرأة مرضعة إذا كانت ترضع ولدها. (إصلاح المنطق : 341)
المبرد: قبح الإله وجوه قوم رضع، فهو جماعة راضع. و قوم يقولون: هو توكيد لئيم، كما يقولون : جائع نائع، و حسن بسن، و عطشان نطشان، و أجمع أكتع.
و قوم يقولون: الراضع هو الذي يرتضع من الضرع لئلايسمع الضيف أو الجار صوت الحلب فيطلب منه.(348:1)
کراع النمل: و الرضع: سيفاد الطائر. (ابن سيدة 405:1)
ابن دريد: الرضع: مصدر رضع يرضع رضعا و رضاعا، هذه اللغة العالية، فأما أهل نجد فيقولون: رضع يرضع. [ثم استشهد بشعر]
و قالوا: « لئيم راضع» و كان هذا الحديث في العمالقة، و كثر حتى صار كل لئيم راضعا، فعل ذلك أو لم يفعله.
وأصل الحديث: أن رجلا من العماليق طرقه ضيف ليلا، فمص ضرع شاته لئلا يسمع الضيف صوت اللبن إذا شخب.
ويقال: فلان أخي من الرضاعة، بفتح الراء لاغير.
وفي الحديث: «انظرن ما إخوانكن، فإن الرضاعة من المجاعة ». يريد علیه السلام أن الرضاعة إنما هو من الشرب حتى يروى لا من المصة و المصتين، وإنما أريد هاهنا الجوع نفسه، أي يرضع حتى يشبع من جوعه.
والرضاع: مصدر راضعه رضاعا و مراضعة. و فلان رضيع فلان، إذا راضعه لبان أمه، أخرج مخرج الرسيل و الأكيل و الزميل. (361:2)
الأزهري: روي عن النبي صلی الله علیه و آله أنه قال: «انظرن إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة » .
و تفسيره: أن الرضاع الذي يحرم رضاع الصبي، لأنه يشبعه و يغذوه و يسكن جوعته. فأما الكبير فرضاعه لايحرم، لأنه لا ينفعه من جوع ولا يغنيه من طعام، و لا یعذوه اللبن كمايغذو الصغير الذي حياته به. (472:1)
الصاحب: رضع الصبي و رضع رضاعة و رضاعا، وهو راضع و رضيع. و الأم مرضع و مرضعة.
و استأجرنا مرضعا أي را، كأنه اسم لها، بغير هاء.
و لئيم راضع و رضيع و رضاع، وقد رضع يرضع رضاعة، و رضع بالفتح أيضا، و نعت به لأنه يرضع الناقة لئلا يسمع شخب اللبن فيستسقى.
وقيل: لئيم راضع، هو الذي يرضع الناس، أي يسألهم.
والراضعتان من الأسنان: اللتان شرب عليهما اللبن.
والرضوعة: التي ترضع کالحلوبة.
و الرضاعة: اسم للدبور، و قيل: لریح بين الدبور و الجنوب، و ذلك لأنها إذا هبت على اللقاح رضعت ألبانها أي قلت .
و الرضع: شجر ترعاه الإبل. (304:1)
الخطابي: في حديث النبي صلی الله علیه و آله: «...و قالت عجوز منهم : أسلمها الضاع، و تركوا المصاع».
« الرضاع»: اللئام، جمع: راضع، من قولهم: لئيم راضع، و هو الذي لايحلب الغنم، لكن يرضعها لئلا یسمع صوت الحلب. و يقال: بل هو الذي رضع اللؤم من أمه، أي ولد لئيما. (579:1 )
في حديث النبي صلی الله علیه و آله: «... و اليوم يوم الرضع» قوله: « اليوم يوم الضع»، يريد اليوم يوم هلاك الئام. من قولهم: لئيم راضع، وهو الذي يرضع الغنم لايحلبها فيسمع صوت الحلب. (617:1)
في قصة إبراهيم بن القبطية : « أن له مرضعا في الجنة ».
يروى على وجهين: مرضعا، من أرضعت المرأة فهي مرضع، و المرضع: ذات اللبن. فأما المرضعة: فهي التي لها ولد .
و یروى أيضا: مرضعا، مفتوح الميم، أي رضاعا .(245:3)
الجوهري: رضع الصبي أمه يرضعها رضاعا،
مثل سمع يسمع سماعا. و أهل نجد يقولون: رضع يرضع رضعا، مثال: ضرب يضرب ضربا.
وأرضعته أمه.
و امرأة مرضع، أي لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت: مرضعة.
و الرضوعة: الشاة التي ترضع.
ويقال : رضاع و رضاع، لغتان.
والراضعتان: ثنيتا الي اللتان يشرب عليهما اللبن. يقال: سقطت رواضعه.
وقولهم: لئيم راضع، أصله زعموا رجل كان يرضع إبله و غنمه و لا يحبها، لئلا يسمع صوت الشخب فيطلب منه. ثم قالوا: رضع الرجل بالضم يرضع رضاعة، كأنه کالشيء يطبع عليه.
و تقول: هذا أخي من الرضاعة بالفتح، وهذا رضيعي، كما تقول: أكيلي و رسيلي.
و راضع فلان ابنه، أي دفعه إلى الظئر.
و ارتضعت العنز، أي شربت لبن نفسها [و استشهد بالشعر ثلاث مرات]
(3: 1220)
ابن فارس: الراء والضاد و العين أصل واحد، و هو شرب اللبن من الضرع أو الثدي. تقول: رضيع المولود يرضع.
ويقال: « لئيم راضع»، و كأنه من لؤمه يرضع إبله لئلا يسمع صوت حلبه.
ويقال امرأة مرضيع، إذا كان لها ولد ترضعه.
فإن وصفتها بإرضاعها الولد، قلت: مرضعة. قال الله جل ثناؤه: « يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ » الحج : 2.
والراضعتان: الثنيتان اللتان يشرب عليهما.
و ذكر بعضهم أن أهل نجد يقولون: رضع يرضع على وزن فعل يفعل. [ثم استشهد بشعر]
و الرضاع: مصدر راضعته. وهو رضيعي کالرسيل، والأكيل.
و الرضوعة: الشاة التي ترضع. (400:2)
الهروي: في الحديث: « إنما الرضاعة من المجاعة».
الرضاعة والرضاعة: الاسم من الإرضاع.
والرضاعة: اللؤم مفتوح لاغير، و قد رضع يرضع.
و منه الحديث: «خذها و أنا ابن الأكوع، و اليوم يوم الرضع »، أي يوم هلاك اللئام. و قوله: « خذها » يعني الرمية. وأما الصبي فيقال له: رضع أمه و رضعها.
وفي الحديث، حين ذكر الإمارة فقال: « نعمت المرضعة، و بئست الفاطمة».
ضرب المرضعة مثلا للإمارة، و ما توصله إلى صاحبها من الأحلاب، و المنافع. والفاطمة مثلا للموت الذي يقدم عليه لذاته، و يقطع منافعها دونه. (748:3)
أبو سهل الهروي: و قد رضع المولود يرضع إذا مص اللبن من ثدي أمه و شربه. (التلويح في شرح الفصيح : 8)
و امرأة مرضع: ذات لبن يرتضع. (التلويح في شرح الفصيح : 74)
ابن سيده: رضع الصبي وغيره یرضع، و رضع رضعا، و رضعا، و رضعا، و رضاعا و رضاعا و رضاعة، و رضاعة، فهو راضع؛ و الجمع: رضع، و رضع؛ و الجمع : رضع. وجمع السلامة في الأخيرة أكثر، على ما ذهب إليه سيبويه في هذا البناء من الصفة.
و ارتضع ک رضع.
و الرضيع: الرضع.
و راضعه مراضعة و رضاعا: رضع معه.
و الرضيع: المراضع، والجمع: رضعاء.
وامرأة مرضع: ذات رضيع، أو لبن رضاع؛ و الجمع: مراضع، على ما ذهب إليه سيبويه في هذا النحو.
وقال ثعلب: المرضعة: التي ترضع، إن لم يكن لها ولد، أو كان لها ولد. و المرضع: التي ليس معها ولد، وقد يكون معها ولد.
وقال مرة: إذا أدخل الهاء أراد الفعل، و جعله نعتا، و إذا لم يدخل الهاء: أراد الاسم.
و استعار أبو ذؤيب المواضيع للنحل، فقال: تظل على المراء منها جوارس .
مراضيع صهب الريش زغب رقابها و الرضوعة: التي ترضع ولدها، و خص أبو عبيد به الشاة.
و لئيم راضيع: يرضع الإبل والغنم من ضروعها بغير إناء من لؤمه.
وقيل : هو الذي رضع اللؤم من ثدي أمه.
وقيل : هو الذي يأكل خلالته شرها، و ليس هذا القول بقوي.
و قيل: معنى قولهم: « لئيم راضع» أن رجلا كان يرضع الإبل والغنم ولا يحلبها، لئلايسمع صوت الحلب، فقيل ذلك لكل لئيم، إذا أرادوا توكيد لؤمه، والمبالغة في ذمه.
و قد رضع رضاعة فهو رضيع؛ و الاسم: الرضيع والرضع.
والراضعتان: الثنيتان المتقدمتان، اللتان يشرب عليهما اللبن.
و قيل: الرواضع ما نبت من أسنان الصبي، ثم سقط في عهد الرضاع.
و قيل: الرواضع ستة من أعلى الفم، و ست من أسفله.
والراضية: كل سن تثغر.
و الروعة من الغنم: التي ترضع.
و الرضع: سفاد الطائر، عن كراع. و المعروف بالصاد.(405:1)
الطوسي: تقول: رضع يرضع، و رضع يرضع رضاعة، و أرضعته أمه إرضاعا، و ارتضاعا و استرضع استرضاعا، و راضعه رضاعا، و مراضعة.
و لئيم راضع، لأنه يرضع لبن ناقته من لؤمه، لئلايسمع الضيف صوت الشخب.
و الراضعتان: الثنيتان: مقدمتا الأسنان، لأنه يشرب عليهما اللبن. و أصل الباب: الرضع: مص الثدي، لشرب اللبن منه. (2: 255)
الراغب : يقال: رضع المولود يرضع، و رضع يرضع رضاعا و رضاعة. و عنه استعير: لئيم راضع، لمن تناهی لؤمه، و إن كان في الأصل لمن يرضع غنمه ليلا، لئلا يسمع صوت شخبه، فلما تعورف في ذلك قيل: رضع فلان، نحو: لؤم.
وسمي الثنيتان من الأسنان الراضعتين، لاستعانة الصبي بهما في الرضع، قال تعالى: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ » البقرة : 233، « فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ » الطلاق : 6 .
ويقال : فلان أخو فلان من الرضاعة، و قال صلی الله علیه و آله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب».
وقال تعالى: « وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ » البقرة : 233، أي تسومونهن إرضاع أولادكم. (196)
الزمخشري: رضع الصبي الثدي و ارتضعه رضعا و رضعا كخنق و سرق، و رضاعا و رضاعة.
وصبي راضع، و صبيان رضع.
و أرضعته أمه، و هي مرضع و مرضعة، و هن مراضع.
« وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ اَلْمَراضِعَ » القصص : 12.. و هو رضيعي. و راضعته و تراضعنا.
و راضع و لده رضاعا: دفعه إلى الظئر.
و استرضع ولده: طلب إرضاعه، « « وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ »البقرة : 233.
و ارتضعت العنز: رضعت نفسها.
و من المجاز : فلان يرضع الدنيا و يذمها.
و فلان رضیع اللؤم، و هم رضعاء اللؤم. و بینهما رضاع الكأس.
و لئيم راضع و رضاع: مبالغ في اللؤم، و أصله: أن يرضع شاته لئلايسمع صوت حلبه.
ولما نقلوه إلى معنى المبالغة في اللؤم بنوا فعله على «فعل» فقالوا: رضع رضاعة فهو رضيع.
ويقال للشحاذ: الرااضع، لأنه يرضع الناس بسؤاله. و ما حمله على ذلك إلا اللؤم و الرضاعة و إلا اللؤم والرضع.
و تقول: استعذ من الرضاعة، كما تستعيذ من الضراعة: من الذل.
و هبت الرضاعة، و هي ريح بين الدبور والجنوب، تسمى: المصيرية، لأنه يغرز عنها المال، كأنها ترضع ألبانها فتذهب بها. [و استشهد بالشعر خمس مرات ] (أساس البلاغة : 166)
أبوميسرة: «لو رأيت رجلا يرضع فسخرت منه خشيت أن أكون مثله »، أي يرضع الغنم من لؤمه.
و في أمثالهم: «الأم من راضع»، و هو مثبت في كتاب «المستقصی » بشرحه. (الفائق 2: 64)
المديني: في الحديث: «لا تأخذ من راضیع لبن ».
قيل: «الراضع»: ذات الدين و الأشبه أن الراضع: الصغير الذي هو بعد يرضع أمه، إلا أن يقدر فيه شيء محذوف.
وفي حديث ثقيف: « أسلمها الرضاع و تر کوا
|المصاع».
«الرضاع »: اللئام، جمع راضع. قيل: سمي به لأنه للؤمه يضع الغنم و لا يحبها ليلا، لئلا يسمع صوت اللبن. و قيل: لأنه يرضع الناس، أي يسألهم.
و منه في رجز یروی لفاطمة رضي الله عنها:
و الفعل منه رضع بالضم، و المصاع: المضاربة بالسيوف.
في حديث قس: «رضيع أيهقان »، أي السباع في ذلك المكان ترتع هذا النبت و تمصه، بمنزلة اللبن لشدة تعومة تبت ذلك المكان، و كثرة مائه. (768:1)
ابن الأثير: فيه: « فإنما الرضاعة من المجاعة». « الرضاعة » بالفتح والكسر : الاسم من الإرضاع، فأما من الؤم فالفتح لاغير.
يعني أن الإرضاع الذي يحرم النكاح إنما هو في الصغر عند جوع الطفل، فأما في حال الكبير فلايريد أن رضاع الكبير لايحرم.
وفي حديث سوید بن غفلة: «فإذا في عهد رسول الله صلی الله علیه و آله أن لا يأخذ من راضع لبن».
أراد بالراضع ذات الدر و اللبن.
و في الكلام مضاف محذوف تقديره: ذات راضع. فأما من غير حذف فالراضع الصغير الذي هو بعد يرضع. و نهیه عن أخذها، لأنها خيار المال، و « من » زائدة، كما تقول: لا تأكل من الحرام، أي لاتأكل الحرام.
وقيل : هو أن يكون عند الرجل الشاة الواحدة أو اللقحة قد اتخذها للر، فلا يؤخذ منها شيء.
وفي حديث ثقيف: «أشسلمها الرضاع و ترکوا المصاع ».
« الرضاع »: جمع راضع و هو اللئيم، سمي به، لأنه للؤمه يرضع إبله أو غنمه ليلا، لئلا یسمع صوت حلبه.
وقيل: لأنه لا يرضع الناس أي يسألهم. و في المثل: « لئيم راضع». و المصاع: المضاربة بالسيف.
ومنه حديث أبي میسرة: «لو رأيت رجلا يرضع فسخرت منه خشيت أن أكون مثله»، أي يرضع الغنم من ضروعها، و لا يحب اللبن في الإناء اللؤمه، أي لو عیرته بهذا لخشيت أن أبتلي به. (229:2)
الفيومي: رضيع الصبي رضعا، من باب «تعب » في لغة نجد، و رضع رضعا من باب «ضرب » لغة لأهل تهامة، و أهل مكة يتكلمون بها.
و بعضهم يقول: أصل المصدر من هذه اللغة کسر الضاد، و إنما السكون تخفیف، مثل: الحلف والحلف.
و رضع یرضع بفتحتين - لغة ثالثة -رضاعا ورضاعة بفتح الراء و أرضعته أمه فارضع فهي مرضع و مرضعة أيضا.
وقال الفراء و جماعة: إن قصد حقيقة الوصف بالإرضاع في « مرضع» بغير هاء، و إن قصد مجاز الوصف، بمعنى أنها محل الإرضاع فيما كان أو
سیکون فبالهاء. و عليه قوله تعالى:« تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ » الحج: 2.
و نساء مراضيع و مراضيع، و راضعته مراضعة و رضاعا ورضاعة بالكسر، وهو رضيعي. والراضعتان: الثنيتان اللتان يشرب عليهما اللبن.
ويقال : الراضعة: الثنية إذا سقطت؛ و الجمع: الرواضيع.
ويقال: لؤم و رضع على الازدواج؛ و ذلك إذا مص من الخلف مخافة أن يعلم به أحد إذا حلب، فيطلب منه شيئا، فهو راضع و لو أفرد قيل: رضع مثل: تعب أو ضرب؛ و الجمع: رضع . (229:1)
الفيروزابادي: رضع أمه، کسمع و ضرب رضعا و يحرك، و رضاعا ورضاعة، و يکسران، و رضعا ک کتف، فهو راضع؛ جمعه: ک رکع، و رضع ک کتف؛ جمعه: كعنق: امتص ثديها.
والرضوعة: الشاة ترضع.
و الراضعتان: ثنیتا الصبي، الجمع: رواضع
و رضع، ک کرم و منع، رضاعة، فهو راضع و رضيع، و رضاع ک شداد من رضع، ک رکع و كفار: لؤم ؛ و الاسم: الرضع محركة، و ک کنف.
أو الراضع: اللئيم الذي رضع اللؤم من ثدی امه.
والراعي لا يمسك معه محلبا، فإذا سئل اللبن اعتل بذلك، و من يأكل الخلالة من بين أسنانه لئلايفو ته شيء.
و من يرضع الناس أي يسألهم.
و قولهم: « لئيم راضع »، أصله: أن رجلا كان يرضع إبله، لئلايسمع صوت حلبه فيطلب منه.
و الرضاعة ك سحابة: الدبور، أو ريح بینها و بين الجنوب.
و الرضع، بالكسر : شجر ترعاه الإبل.
و رضيعك : أخوك من الرضاعة.
و الرضع، محركة: صغار النحل، ک الرصع.
و أرضعت المرأة فهي مرضع: لها ولد ترضعه. فإن وصفتها بإرضاع الولد قلت: مرضعة.
و راضع ابنه: دفعه إلى الظئر.
و ارتضعت العنز: شربت لبن نفسها.
و استرضع: طلب مرضعة.
و المراضعة: أن يرضع الطفل أمه، و في بطنها ولده، و أن يرضع معه آخر ک الرضاع. (30:3)
الطريحي: ويقال: امرأة مرضع بلاهاء، إذا أريد الصفة، مثل حائض و حامل. فإذا أريد الفعل قالوا: مرضعة بالهاء، فلذلك قال عز من قائل: « يَوْمَ تَرَوْ نَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا اَرْضَعَتْ » الحج: 2، أي كل مشتغلة بالإرضاع عما هي مرضعة إياه، بالفعل عن إرضاعها إياه، و لعله تمثيل لشدة الهول فلاتراد الحقيقة.
وفي الحديث: «لارضاع بعد فطام» و معناه - على ما في الرواية - إذا رضع الصبي حولين کاملين ثم شرب بعد ذلك من امرأة أخرى ما شرب لم يحرم ذلك الرضاع، لأنه رضاع بعد فطام.
وقد تكرر فيه ذكر الرضيع، و المراد به في كلام
أكثر الفقهاء: من لم يتغد بالطعام كثيرا بحيث يساوي اللبن، فلا يضر القليل، سواء نقص عن الحولين أو بلغهما.
قيل: ولا يلحق به المرضعة في نزح البئر لعدم النص.
وقال ابن إدريس: المراد بالرضيع من كان في الحولين و إن اغتذي بالطعام، و من جاوز الحولين نزح لبو له سبع و إن لم يتغد بالطعام. (336:4)
مجمع اللغة: رضع المولود يرضع رضعا و رضاعا ورضاعة، و رضع يرضع: امتص لبن الثدي.
أرضعت الأنثى الطفل: جعلته يرضعها، فهي مرضعة. و يقال: أرضعت للوالد، أي أرضعت ولده لأجل ما عنده.
المراضع: جمع مرضع، و هي ذات اللبن و إن لم رضيع.
استرضع الرجل المراضع أولاده: طلب منهن إرضاعهم، أو طلب المزيد من الرضاع. (1: 484)
العدناني: الرضع و المرضعة
إذا رأى الناس امرأة في الشارع، قالوا: «مرضعة » إذا كان لها ولد ترضعه في البيت. و يقول معظم أئمة اللغة: إن هذا خطأ، و الصواب أن نقول: « مرضع». ولا يجيزون أن نقول عن الأم ذات الطفل الرضيع: هذه مرضعة، إلا عندما تكون حكمة ثديها في فم طفلها.
و من هذا قوله تعالى في هول يوم القيامة، في آية: 2 من سورة الحج: « يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ »، أي التي تكون في حالة إرضاع طارئ، تلقم ولدها ثديها. ولوقال: «مرضع » بحذف التاء، لكان المراد: التي من شأنها و من غرائزها الإرضاع، لا أنها تمارسه وقت التكلم فع، أو في وقت محدد معين.
و يجيز نحاة آخرون أن نحذف التاء استحسانا من كلمة «مرضع » إن أريد بها التي من شأنها، و بمقتضى طبيعتها الجسمية أن تكون صالحة للإرضاع، و لولم تزاوله فعلا، و كذا المرأة المنسوبة للإرضاع، كالتي تتخذه حرفة، أو تشتهر به.
و يجيزون أن نقول: « مرضعة » أيضا. و لكن حذف التاء عند أمن اللبس أقوى و أبلغ.
ولايرى «المعجم الوسيط» بأسا بأن نطلق كلمتي: «المرضع و المرضعة » على الأم التي لها رضيع في كلتا حالي إرضاعه، أو كفه عن الرضاعة. (معجم الأخطاء الشائعة : 104)
النصوص التفسيرية
مرضعة - ارضعت
« يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى اَلنّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى وَ لكِنَّ عَذابَ اَللّهِ شَدِيدٌ » الحج : 2
ابن عباس: والده « عما أرضعت » عن ولدها. (276)
الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام،
و تضع الحامل ما في بطنها لغيرتمام. (الواحدي 3: 257)
الفراء: و المرضعة: الأم. و المرضع: التي معها صبي ترضعه. و لو قيل في الأم: مرضع، لأن الرضاع لا يكون إلا من الإناث، فيكون مثل قولك: طامث و حائض. و لو قيل في التي معها صبي: مرضعة كان صوابا. (214:2)
المبرد: (ما) بمعنى المصدر، أي تذهل عن الإرضاع. و هذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنياء إذ ليس بعد البعث حمل و إرضاع إلا أن يقال: من ماتت حاملا تبعث حاملا، فتضع حملها للهول. و من ماتت مرضعة بعثت كذلك. ( القرطبي 4:12)
الطبري: و في إثبات الهاء في قوله: « كُلُّ مُرْضِعَةٍ » اختلاف بين أهل العربية، و كان بعض نحويي الكوفيين يقول: إذا أثبتت الهاء في المرضعة فإنما يراد أم الصبي المرضع، و إذا أسقطت فإنه يراد المرأة التي معها صبي ترضعه، لأنه (1)أريد الفعل بها.
قالوا: و لو أريد بها الصفة فيما يرى لقال مرضع. و كذلك كل مفعل أو فاعل یكون للأنثى ولا يكون للذكر، فهو بغير هاء، نحو: مقرب، و موقر، و مشدن، و حامل، و حائض.
و هذا القول عندي أولى بالصواب في ذلك، لأن العرب من شأنها إسقاط هاء التأنيث من كل فاعل و مفعل إذا وصفوا المؤنث به، ولو لم یکن
للمذكر فيه حظ. فإذا أرادوا الخبر عنها أنها ستفعله ولم تفعله، أثبتوا هاء التأنيث ليفرقوا بين الصفة والفعل. و منه قول الأعشى فيما هو واقع و لم یکن وقع قبل:
أيا جارتا بيني فإنك طالقه * كذاك أمور الناس غادر و طارقه
و أما فيما هو صفة، نحو قول إمرئ القيس:
*فمثلك حبلى قد طرقت و مرضع * .
و ربما أثبتوا الهاء في الحالتين و ربما أسقطوهما فيهما، غير أن الفصيح من كلامهم ما وصفت.
فتأويل الكلام إذن: يوم ترون أيها الناس زلزلة الساعة، تنسی و تترك كل والدة مولود ترضع ولدها عما أرضعت. (107:9)
الزجاج: «مرضعة»جار على «المفعل » على ما أرضعت. ويقال: امرأة مرضع، أي ذات رضاع أرضعت ولدها، أو أرضعت غيره، و القصد قصد ملبن، أي ذات لبون و لبن. (409:3)
الثعلبي: يعني ذات و لد رضیع، و المرضع: المرأة التي لها صبي ترضعه لغيرها، هذا قول أهل الكوفة.
و قال أهل البصرة: يقال: امرأة مرضع، إذا أريد به الصفة، مثل مقرب و مشرق و حامل و حائض، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء، فقيل: مرضعة التي ترضع ولدها. (6:7)
نحوه البغوي .(322:3)
الطوسي: قال الفراء و الكوفيون: يجوز أن يقال: مرضع بلاهاء، لأن ذلك لا يكون في الرجال،
1) كذا والظاهر: لا أنه !!
فهو مثل حائض و طامث.
وقال الزجاج وغيره من البصريين: إذا أجريته على الفعل قلت: أرضعت فهي مرضعة، فإذا قالوا مرضع، فالمعنى أنها ذات رضاع. وقيل في قولهم: حائض و طامث معناه: أنها ذات حیض و طمث.
وقال قوم: إذا قلت: مرضعة، فإنه يراد بها أم الصبي المرضع. و إذا أسقطت الهاء، فإنه يراد بها المرأة التي معها صبي مرضعة لغيرها.(7: 288)
الزمخشري: فإن قلت: لم قيل: مرضعة دون مرضع؟
قلت: المرضعة التي هي في حال الإرضاع، ملقمة ثديها الصبي .
و المرضع: التي شأنها أن ترضع و إن لم تباشر الإرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه و قد ألقمت الرضيع ثديها، نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة، عما أرضعت عن إرضاعها أو عن الذي أرضعته و هو الطفل. (4:3)
نحوه الفخر الرازي (4:23)، و النسفي (92:3) ، والقاسمی (12 : 4322).
ابن عطية: و ألحق الهاء في « مرضع» لأنه أراد فاعلات ذلك في ذلك اليوم، فأجراه على الفعل. و أما إذا أخبرت عن المرأة بأنها طفلا ترضعه فإنما تقول: مرضع مثل حامل.
قال علي بن سليمان: هذه الهاء في « مرضعة » ترد على الكوفيين قولهم: إن الهاء لاتكون فيما لا تلبس له بالرجال. و حكى الطبري أن بعض نحوي الكوفة قال: أم الصبي مرضعة. (106:4)
العكبري: المرضعة: جاء على الفعل، ولو جاء على النسب لقال : مرضع.
و (ما) بمعنی « من »، ويجوز أن تكون مصدرية. (931:2)
أبو حيان: [حکی کلام الزمخشري ثم قال:]
خص بعض نحاة الكوفة أم الصبي ب«مرضعة» و المستأجرة ب « مرضع » و هذا باطل بقول الشاعر:
فهذه « مرضعة » بالتاء، و ليست أما للذي ترضع و قول الكوفيين: « إن الوصف الذي يختص بالمؤنث لايحتاج فيه إلى التاء، لأنها إنما جيء بها للفرق » مردود بقول العرب: مرضعة و حائضة و طالقة.(350:6)
البروسوي: المرضعة: المرأة المباشرة للإرضاع بالفعل، و بغير التاء هي التي من شأنها الإرضاع، لكن لم تلابس الفعل، و مثلها حائض و حائضة. (2:6)
الآلوسي: [نحو أبي حيان و أضاف:]
و التعبير به هنا، ليدل على شدة الأمر و تفاقم الهول. والظاهر أن (ما) مو صولة، و العائد محذوف، أي عن الذي أرضعته. و التعبير ب(ما) لتأكيد الذهول، و کون الطفل الرضيع بحيث لا يخطر ببالها أنه ماذا، لأنها تعرف شيئته، لكن لا تدري من هو
بخصوصه.
و قيل: مصدرية، أي تذهل عن إرضاعها.
و الأول دل على شدة الهول و كمال الانزعاج، والكلام على طريق التمثيل، و أنه لو كان هناك مرضعة ورضيع، لذهلت المرضعة عن رضيعها في حال إرضاعها إياه، لشدة الهول، و كذا ما بعد.
و هذا ظاهر إذا كانت الزلزلة عند النفخة الثانية، أو في يوم القيامة حين أمر آدم علیه السلام بعث: ببعث النار و بعث الجنة، إن لم نقل بأن كل أحد يحشر على حاله التي فارق فيها الدنيا فتحشر المرضعة ممرضعة و الحامل حاملة، كما ورد في بعض الآثار.
و أما إذا قلنا بذلك أو بكون الزلزلة في الدنيا، فيجوز أن يكون الكلام على حقيقته، و لايض في کونه تمثيلا، أن الأمر إذ ذاك أشد وأعظم وأهول، مما وصف، و أطم لشيوع ما ذكر في التهويل، كما لايخفى على المنصف النبيل. ( 112:17)
ابن عاشور: و التحقت هاء التأنيث بوصف «مرضعة» للدلالة على تقريب الوصف من معنى الفعل، فإن الفعل الذي لايوصف بحدثه غير المرأة تلحقه علامة التأنيث، ليفاد بهذا التقريب أنها في حالة التلبس بالإرضاع، كما يقال: هي ترضع. و لولا هذه النكتة لكان مقتضى الظاهر أن يقال: كل مرضع، لأن هذا الوصف من خصائص الأنثی، فلايحتاج معه إلى الماء التي أصل وضعها للفرق بين المؤنث و المذكر خيفة اللبس.
وهذا من دقائق مسائل نحاة الكوفة، وقد تلقاها الجميع بالقبول، و نظمها ابن مالك في أرجوزته «الكافية » بقوله:
ومامن الصفات بالأنثى يخص * عن تاء استغنى لأن اللفظ نص
و حيث معنى الفعل تنوي التاء زد * كذي غدت مرضعة طفلا ولد
و المراد : أن ذلك يحصل لكل مرضعة موجودة في آخر أيام الدنيا. فالمعنى الحقيقي مراد، فلم يقتض أن يكون الإرضاع و اقعا، فأطلق ذهول المرضع و ذات الحمل، و أريد ذهول كل ذي علق نفيس عن علقه، على طريقة الكناية.
و زيادة كلمة« کل »للدلالة على أن هذا الذهول يعتري كل مرضع و ليس هولبعض المراضع باحتمال ضعف في ذاكرتها. ثم تقتضي هذه الكناية كناية عن تعميم هذا الهول لكل الناس، لأن خصوصية هذا المعنى بهذا المقام، أنه أظهر في تصوير حالة الفزع و الهلع، بحيث يذهل فيه من هو في حال شدة التيقظ، لوفرة دواعي اليقظة.
وذلك أن المرأة لشدة شفقتها، كثيرة الاستحضار لما تشفق عليه، و أن المرضع أشد النساء شفقة على رضيعها، و أنها في حال ملابسة الإرضاع أبعد شيء عن الذهول، فإذا ذهلت عن رضيعها في هذه الأحوال، دل ذلك على أن الهول العارض لها هول خارق للعادة.
و هذا من بديع الكناية عن شدة ذلك الهول، لأن استلزام ذهول الضع عن رضيعها لشدة الهول،
يستلزم شدة الهول لغيرها بطريق الأولى، فهو لزوم بدرجة ثانية. وهذا النوع من الكناية يسمى الإيماء.
و ( ما ) في «عما ارضعت» موصولة ما صدقها الطفل الرضيع. و العائد محذوف، لأنه ضمير متصل منصوب بفعل، و حذف مثله كثير.
و الإتيان بالموصول و صلته في تعريف المذهول عنه دون أن يقول عن ابنها، للدلالة على أنها تذهل عن شيء هو نصب عينها، و هي في عمل متعلق به و هو الإرضاع، زيادة في التكني عن شدة الهول. (138:17)
المصطفوي: الذهول هوالخلاء عن أمر بدهشة. و الإرضاع آیة أشد علاقة و أعظم محبة فإن المرضعة ترضع من جزء بدنها و تفدي نفسها للمر تضع، و مع هذا فهو تذهل عنه في القيامة. (149:4)
مکارم الشيرازي: نعلم أن كلمة الرضع، تطلق في اللغة العربية على المرأة التي ترضع ولدها، إلا أن مجموعة من المفسرين و بعض اللغويين يقولون: إن هذه الكلمة تستخدم بصيغة مؤنثة « مرضعة » لتشير إلى لحظة الإرضاع، أي يطلق على المرأة التي يمكنها إرضاع طفلها كلمة « المرضع » و كلمة « المرضع » خاصة بالمرأة التي هي في حالة إرضاع طفلها.
و لهذا التعبير في الآية أهمية خاصة، فشدة زلزال البعث، و رعبه بدرجة كبيرة، يدفعان المرضعة إلى سحب ثديها من فم رضيعها، و نسیانه دون وعي منها.(247:10)
و فيها مباحث راجع: ذهل: «تذهل».
ارضعن - فسترضع
«أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ». الطلاق : 6
و فيها مباحث راجع: ا ج ر: «اجورهن»، و أخ ر: «أخرى » .
أرضعنكم - الرضاعة
« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ...». النساء : 23
الطوسي: و المحرمات بالسبب: الأمهات من الرضاعة، و الأخوات أيضا من الرضاعة، و كل من يحرم بالسبب يحرم مثله بالرضاع، لقوله علیه السلام: « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». (157:3)
الفاضل المقداد: الرضاع له شرائط، بمعرفتها يتقيد إطلاق الآية، و هي إما بحسب المقدار، فعند الأكثر منا خمس عشرة رضعة، أو ما أنبت اللحم وشد العظم، أو رضاع يوم و ليلة، لأصالة الحل، و ما ذكرناه مجمع على تحريمه النكاح، و لتضافر روايات أهل البيت علیهم السلام.
واكتفى الشافعي و أحمد: بخمس لا أقل، و من الصحابة من قال: بثلاث، و اكتفى مالك و أبو حنيفة : بالرضعة الواحدة.
و أما بحسب الزمان، فهو أن يكون في الحولين، لقوله صلی الله علیه و آله: «لارضاع بعد فصال » فلو وقع بعضه في الحولين و بعضه خارجا عنهما لم ينشر حرمة، و به قال الشافعي و هو أحد قولي مالك. و الآخر خمسة و عشرون شهرا. وقال أبو حنيفة: ثلاثون شهرا،و قال زفر: ثلاث سنين.
و أما بحسب كيفية الرضعة، فهو أن يلتقم من ثدي المرأة الحية المنكوحة، و يشرب منه لبنا خالصا حتى يروى و يترکه باختياره، فلو وجر أو سعط به أو حقن لم ينشر. وقال الفقهاء: ينشر.
و في الرضاع مسائل كثيرة تذكر في كتب الفقه. (183:2)
المصطفوي: المصرح في الآية الكريمة تحريم المرضعة و أخوات المرتفع من الرضاعة، و لما كان هذا الارتباط و القرابة طبيعيا بالرضاع، كما ورد أن الرضاع لحمة كلحمة النسب، فالحرمة في الأم والأخت رضاعا تنشر الحرمة في الطبقة الأولى منها و في الطبقة الثانية، و هؤلاء معدودة من الأقارب عرفا بلا إشكال. و أما غيرها فيحتاج إلى إثباتها بدليل قاطع، و إلا فينفي بالأصل.
وقد ورد «يحرم من الرضاع مایحرم من النسب »، و «يحرم من الرضاع ما يحرم من القرابة » و هذا المضمون متواتر معنوي، فيثبت ما صرح به في الآية الكريمة من الأمهات و البنات و الأخوات والعمات و الخالات و بنات الأخ و بنات الأخت، فينشر الحرمة في العمات أيضا، فيتسع مفهوم النشر، ويشمل الطبقة الثالثة أيضا، راجع الكتب الفقهية. (150:4)
و فيها مباحث راجع: أ م م: «أمهاتکم»،و : أخ و: «آخواتكم»، و : ح ر م: «حرمت».
ارضعيه
«وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اَلْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ ». القصص:7
لاحظ: وحي: «أوحینا» و : خ و ف: «خفت».
المراضع
« وَ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّکُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَکْفُلُونَهُ لَکُمْ وَ هُمْ لَهُ نَاصِحُونَ » القصص : 12
المصطفوي: أي جعلنا موسی من قبل التقاطه ممنوعا، من شرب ألبان أخر غير لبن أمه، و « المراضع »: جمع مرضع بصيغة اسم المكان، فيشمل جميع الأثدي. (150:4)
و فيها مباحث راجع:ح رم: «حرمنا »
يرضعن - الرضاعة - تسترضعوا
«وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ
وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى اَلْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اِتَّقُوا اَللّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ». البقرة : 233
ابن عباس: إنها ترضع حولين كاملين، و إذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة و عشرين لتمام ثلاثين شهرا، و إذا وضعت لتسعة أشهر أرضعت واحدا وعشرين شهرا.
[ و في رواية ] جعل الله سبحانه الرضاع حولين کاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة.
[و في رواية ] إن الله تعالى ذكره يقول: «وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ » و لانرى رضاعا بعد الحولين يحرم شيئا.
[و في رواية ] ليس يحرم من الرضاع بعد التمام،إنما يحرم ما أنبت اللحم و أنشأ العظم.
[و في رواية ] لارضاع بعد فصال السنتين.
[و في رواية] لارضاع إلا في هذين الحولين. (الطبري 2: 504 - 506)
الشعبي: ما كان من وجور أو سوط أو رضاع في الحولين فإنه يحرم، و ما كان بعد الحولين لم يحرم شیئا.(الطبري 505:2)
مجاهد: « وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ » خيفة الضيعة على الصبي « فلاجناح عليكم ».(الطبري 2: 522)
الضحاك: ليس للمرأة أن تترك و لدها بعد أن يصطلحا على أن ترضع،و يسلمان و جبران علی ذلك. فإن تعاسروا عند طلاق أو موت في الرضاع، فإنه يعرض على الصبي المراضع. فإن قبل مرضعا جاز ذلك و أرضعته، و إن لم يقبل مرضعا فعلی أمه أن ترضعه بالأجر إن كان له مال أو لعصبته. فإن لم يكن له مال ولا لعصبته، أكرهت علی رضاعه. (الطبري 2: 522)
عطاء: إن أرادت أمه أن تقصر عن حولين كان عليها حقا أن تبلغه، لا أن تزيد عليه إلا أن يشاء . ( الطبري 2: 505)
قتادة: قوله: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ » ثم أنزل الله اليسر و التخفيف بعد ذلك، فقال تعالى ذكره: «لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ ».(الطبري 2: 506)
السدي: إن قالت المرأة: «لا طاقة لي به، فقد ذهب لبني » فسترضع له أخرى. (الطبري 2: 522)
الربيع: يعني المطلقات يرضعن أولادهن حولين كاملين. ثم أنزل الرخصة و التخفيف بعد ذلك، فقال: «لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ ». (الطبري 2: 506)
الإمام الصادق علیه السلام: «مادام الولد في الرضاع فهو بين الأبوين بالسوية، فإذا فطم فالأب أحق من الأم، فإذا مات الأب فالأم أحق به من العصبة، و إن وجد الأب من يرضعه بأربعة دراهم،
وقالت الأم: لا أرضعه إلا بخمسة دراهم، فإن له أن ينزعه منها، إلا أن ذلك خير له و أقدم و أرفق به أن يترك مع أمه». (العياشي 1: 236)
الثوري: و التمام الحولان. فإذا أراد الأب أن يفطمه قبل الحولين و لم ترض المرأة، فليس له ذلك. و إذا قالت المرأة: «أنا أفطمه قبل الحولين »، وقال الأب: لا، فليس لها أن تفطمه حتى يرضى الأب، حتى يجتمعا. فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه، فإذا اختلفا لم يفطماه قبل الحولين؛ و ذلك قوله: « فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ ». (الطبري 2: 505)
إذا أبت الأم أن ترضعه، فلا جناح على الأب أن يسترضع له غيرها. (الطبري 2: 522)
ابن زيد: إذا رضيت الوالدة أن تسترضع ولدها، و رضي الأب أن يسترضع ولده، فليس عليهم جناح . (الطبري 2: 522)
الفراء: القراء تقرأ بفتح الراء. و زعم الكسائي أن من العرب من يقول: الرضاعة بالكسر. فإن كانت فهي بمنزلة الوكالة و الوكالة و الدلالة و الدلالة و مهرت الشيء مهارة و مهارة؛ و الرضاع و الرضاع فيه مثل ذلك، إلا أن فتح الراء أكثر، و مثله الحصاد و الحصاد. (149:1)
الطبري: يعني تعالى ذكره بذلك: والنساء اللواتي بن من أزواجهن، و لهن أو لاد قد ولدنهم من أزواجهن قبل بينونتهن منهم بطلاق، أو ولدنهم منهم، بعد فراقهم إياهن، من وطء كان منهم لهن قبل البينونة، « يرضعن أولادهن » یعني بذلك: أنهن أحق برضاعهم من غيرهم.
و ليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم، إذا كان المولود له والد، حیا مو سرا. لأن الله تعالى ذكره قال في سورة النساء القصری: « إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى » الطلاق : 6، فأخبر تعالى ذكره: أن الوالدة و المولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها، أن أخرى سواها ترضعه، فلم يوجب عليها فرضا رضاع و لدها. فكان معلوما بذلك أن قوله: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ » ، دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متي اختلف الوالدان في رضاع المولود بعده، جعل حدا يفصل به بينهما، لادلالة على أن فرضا على الوالدات رضاع أولادهن. [ثم بحث عن حولين كاملين و أدام:]
ثم اختلف أهل التأويل في الذي دلت عليه هذه الآية، من مبلغ غاية رضاع المولودين : أهو حد لكل مولود، أو هو حد لبعض دون بعض؟
فقال بعضهم: هو حد لبعض دون بعض.
وقال آخرون: بل ذلك حد رضاع كل مولود اختلف والداه في رضاعه، فأراد أحدهما البلوغ إليه، والآخر التقصير عنه.
وقال آخرون: بل دل الله تعالى ذكره بقوله: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ »، على أن لارضاع بعد الحولين، فإن الرضاع إنما هو ما كان في الحولين.
وقال آخرون: بل كان قوله: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ »، دلالة من الله تعالى ذكره عباده، على أن فرضا على والدات المولو دين أن يرضعنهم حولين كاملين، ثم خفف تعالى ذكره ذلك بقوله: « لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ » فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء و الأمهات، إذا أرادوا الإتمام أكملوا حولين، و إن أرادوا قبل ذلك فطم المولود، كان ذلك إليهم على النظر منهم للمولود.
وأولي الأقوال بالصواب في قوله: «وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ »، القول الذي رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، و وافقه على القول به عطاء و الثوري، و القول الذي روي عن عبد الله بن مسعود و ابن عباس و ابن عمر: وهو أنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في رضاع المولود إذا اختلف والداه في رضاعه، و أن لارضاع بعد الحولين يحرم شيئا، و أنه معني به كل مولود لستة أشهر کان ولاده أو لسبعة أو لتسعة.
فأما قو لنا: إنه دلالة على الغاية التي ينتهي إليها في الرضاع عند اختلاف الوالدين فيه، فلأن الله تعالى ذكره لما حد في ذلك حا، كان غير جائز أن يكون ما وراء حده موافقا في الحكم ما دونه، لأن ذلك لو كان كذلك، لم يكن للحد معني معقول.
وإذ كان ذلك كذلك، فلاشك أن الذي هو دون الحولين من الأجل، لما كان وقت رضاع کان ماوراءه غير وقت له، و أنه وقت لترك الرضاع، وأن تمام الرضاع لما كان تمام الحولين، و كان التام من الأشياء لامعنى إلى الزيادة فيه، كان لا معنى للزيادة في الرضاع على الحولين، و أن ما دون الحولين من الرضاع لما كان محرما كان ماوراءه غیر محرم.
و إنما قلنا: هو دلالة على أنه معني به كل مولود، لأي وقت کان ولاده، لستة أشهر أو سبعة أو تسعة، لأن الله تعالى ذكره عم بقوله: «وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ »، و لم يخصص به بعض المولودين دون بعض.
وقد دللنا على فساد القول بالخصوص، بغیر بیان الله تعالى ذكره ذلك في كتابه، أو على لسان رسوله صلی الله علیه و آله في كتابنا « کتاب البيان عن أصول الأحكام» بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
فإن قال لنا قائل: فإن الله تعالى ذكره، قد بين ذلك بقوله: « وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلثُونَ شَهْرًا » الأحقاف : 15، فجعل ذلك حدا للمعنيين كليهما، فغير جائز أن يكون حمل و رضاع أكثر من الحد الذي حده الله تعالى ذكره، فما نقص من مدة الحمل عن تسعة أشهر، فهو مزيد في مدة الرضاع، و ما زید في مدة الحمل، نقص عن مدة الرضاع. و غير جائز أن يجاوز بهما كليهما مدة ثلاثين شهرا، كما حده الله تعالى ذكره.
قيل له: فقد يجب أن يكون مدة الحمل - علی هذه المقالة - إن بلغت حولين كاملين، أن لايرضع
المولود إلا ستة أشهر، و إن بلغت أربع سنين، أن يبطل الرضاع فلايرضع، لأن الحمل قد استغرق الثلاثين شهرا و جاوز غايته. أو يزعم قائل هذه المقالة: أن مدة الحمل لن تجاوز تسعة أشهر، فيخرج من قول جميع الحجة، و يكابر الموجود و المشاهد، و كفى بهما حجة على خطإ دعواه إن ادعى ذلك، فإلى أي الأمرين لجأ قائل هذه المقالة، وضح لذوي الفهم فساد قوله.
فإن قال لنا قائل : فما معنى قوله - إن كان الأمر على ما وصفت -: « وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلثُوْنَ شَهْرَا » وقد ذكرت آنفا أنه غير جائز أن يكون ما جاوز حد الله تعالى ذكره، نظير مادون حده في الحكم؟ و قد قلت: إن الحمل و الفصال قد يجاوزان ثلاثين شهرا؟
قيل: إن الله تعالى ذكره لم يجعل قوله: « وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلثُوْنَ شَهْرَا »، حدا ثعبد عباده بأن لا يجاوزوه، كما جعل قوله: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ » حدا لرضاع المولود الثابت الرضاع، و تعبد العباد بحمل والديه عند اختلافهما فيه، و إرادة أحدهما الضرار به. وذلك أن الأمر من الله تعالى ذكره إنما يكون فيما يكون للعباد السبيل إلى طاعته بفعله و المعصية بترکه. فأما ما لم يكن لهم إلى فعله ولا إلى ترکه سبیل، فذلك مما لا يجوز الأمر به ولا النهي عنه و لا التعبد به.
فإذا كان ذلك كذلك، و كان الحمل مما لاسبيل للنساء إلى تقصير مدته ولا إلى إطالتها، فيضعنه متى شئن، و يتركن وضعه إذا شئن، کان معلوما أن قوله: « وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلثُوْنَ شَهْرَا » إنما هو خبر من الله تعالى ذكره، عن أن من خلقه من حملته أمه و ولدته و فصلته في ثلاثين شهرا، لا أمربأن لا يتجاوز في مدة حمله و فصاله ثلاثون شهرا، لما وصفنا. و كذلك قال ربنا تعالى ذكره في كتابه: « وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ کُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ کُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً » الأحقاف : 15.
فإن ظن ذو غباء أن الله تعالى ذكره إذ وصف أن من خلقه من حملته أمه و وضعته و فصلته في ثلاثين شهرا، فواجب أن يكون جميع خلقه ذلك صفتهم، و أن ذلك دلالة على أن حمل كل عباده و فصاله ثلاثون شهرا، فقد يجب أن يكون كل عباده صفتهم أن يقولوا إذا بلغوا أشدهم و بلغوا أربعين سنة: « رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضیهُ » الأحقاف : 15، على ما وصف الله به الذي وصف في هذه الآية.
و في وجودنا من يستحکم کفره بالله، و کفرانه نعم ربه عليه، و جرأته على والديه بالقتل و الشتم و ضروب المكاره، عند استكماله الأربعين من سنيه و بلوغه أشده، ما يعلم أنه لم يعن الله بهذه الآية صفة جمیع عباده، بل يعلم أنه إنما و صف بها بعضا منهم دون بعض، و ذلك ما لاينكره ولا يدفعه أحد، لأن
من يولد من الناس لسبعة أشهر، أكثر ممن يولد الأربع سنين و لسنتين؛ كما أن من يولد لتسعة أشهر، أكثر من يولد لستة أشهر و لسبعة أشهر.
واختلفت القرأة في قراءة ذلك، فقرأه عامة أهل المدينة و العراق والشام «لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ» ب «الياء» في ي«ُیتِمَّ» ونصب «اَلرَّضاعَةَ» بمعنی: لمن أراد من الآباء والأمهات أن يتم رضاع ولده. و قرأه بعض أهل الحجاز : ( لمن أراد أن تتم الرضاعة) ب «التاء» في (تتم)، و رفع (الرضاعة) بصفتها.
والصواب من القراءة في ذلك عندنا، قراءة من قرأ ب «الياء» «في يُتِمَّ » و نصب «اَلرَّضاعَةَ»، لأن الله تعالى ذكره قال:« وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ »، فكذلك هن يتممنها إذا أردن هن و المولود له إتمامها، وأنها القراءة التي جاء بها النقل المستفيض الذي ثبتت به الحجة، دون القراءة الأخرى.
وقد حكي في «اَلرَّضاعَةَ» سماعا من العرب كسر الراء التي فيها. فإن تكن صحيحة، فهي نظيرة: الوكالة و الوكالة و الدلالة والدلالة، و مهرت الشيء مهارة و مهارة، فيجوز حينئذ «الرضاع» و «الرضاع » كما قيل: الحصاد و الحصاد. و أما القراءة فبالفتح لاغير. (503:2)
« وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ » يعني تعالی ذكره بذلك، و إن أردتم أن تسترضعوا أولادكم مراضع غير أمهاتهم، إذا أبت أمهاتهم أن يرضعنهم بالذي يرضعنهم به غيره من الأجر، أو من خيفة ضيعة منكم على أولادكم بانقطاع ألبان أمهاتهم، أو غير ذلك من الأسباب، فلا حرج عليكم في استرضاعهن، إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف. (522:2)
الزجاج: اللفظ لفظ الخبر، و المعنى الأمر، كما تقول: حسبك درهم، فلفظه لفظ الخبر، و معناه اکتف بدرهم، و كذلك معنى الآية لترضع الوالدات، يقال: أرضعت المرأة فهي مرضعة، قولهم: امرأة مرضع بغير هاء، معناه ذات إرضاع، فإذا أردتم اسم الفاعل على أرضعت، قلت: مرضعة لاغير.
ويقال : ضع المولود يرضع، ورضع يرضع، والأولى أكثر وأوضح. ويقال: الرضاعة والرضاعة - بالفتح والكسر - و الفتح أكثر الكلام و أصحه، و عليه القراءة: « لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ ».
و روی أبوالحسن الأخفش أن بعض بني تميم تقول: الرضاعة بكسر الراء، و روى الكسر أيضا غيره. و يقال: الرضاع و الرضاع، و يقال: ما حمله على ذلك إلا اللؤم و الرضاعة بالفتح لاغير هاهنا.
ويقال : ما حمله عليه إلا اللؤم و الرضع، مثل. الحلف والضع، يقالان جميعا. (312:1)
الجصاص: قال الله تعالى: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ » ظاهره الخبر، و لكنه معلوم من مفهوم الخطاب أنه لم يرد به الخبر، لأنه لو كان خبرالؤجد مخبره، فلما كان في
الوالدات من لايرضع علم أنه لم يرد به الخبر، ولا خلاف أيضا في أنه لم يرد به الخبر.
وإذا لم يكن المراد حقيقة اللفظ الذي هو الخبر، لم يخل من أن يكون المراد إيجاب الرضاع على الأم و أمرها به؛ إذ قد يرد الأمر في صيغة الخبر، كقوله: « وَ الْمُطَلَّقاتُ یَتَرَبَّصْنَ بِاَنْفُسِهِنَّ ثَلثَهَ قُرُوءٍ »البقرة: 228 .
و إن يريد به إثبات حق الرضاع للأم و إن أبي الأب، أو تقدير ما يلزم الأب من نفقة الرضاع، فلما قال في آية أخرى: « فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ... وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى » الطلاق : 6، دل ذلك على أنه ليس المراد الرضاع شاءت الأم أو أبت، وأنها مخيرة في أن ترضع أو لاترضع.
فلم يبق إلا الوجهان الآخران، وهو أن الأب إذا أبي استرضاع الأم أجبر عليه، و أن أكثر ما يلزمه في نفقة الرضاع للحولين، فإن أبى أن ينفق نفقة الرضاع أكثر منهما لم يجبر عليه. ثم لايخلو بعد ذلك قوله تعالى: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ » من أن يكون عموما في سائر الأمهات مطلقات کن أو غير مطلقات، أو أن يكون معطوا على ما تقدم ذكره من المطلقات مقصور الحكم عليهن.
فإن كان المراد سائر الأمهات المطلقات منهن و المزوجات، فإن النفقة الواجبة للمزوجات منهن هي نفقة الزوجية و كسوتها لا للرضاع، لأنها لا تستحق نفقة الرضاع مع بقاء الزوجية، فتجتمع لها نفقتان إحداهما للزوجية والأخرى للرضاع.
وإن كانت مطلقة فنفقة الرضاع أيضا مستحقة بظاهر الآية، لأنه أوجبها بالرضاع، و ليست في هذه الحال زوجة و لامعتدة منه، لأنه يكون معطوفا على قوله تعالى: «وَ إِذا طَلَّقْتُمُ اَلنِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ »البقرة : 232، فتكون منقضية العدة بوضع الحمل، و تكون النفقة المستحقة أجرة الرضاع. و جائز أن يكون طلقها بعد الولادة، فتكون عليها العدة بالحيض. ثم أدام بحثا مستوفا في وجوب نفقة الرضاع و وقته و نفقة العدة فراجع ] (403:1)
الماوردي: يعني لأولادكم، فحذف اللام، اكتفاء بأن الاسترضاع لا يكون للأولاد، و هذا عند امتناع الأم من إرضاعه، فلا جناح عليه أن يسترضع له غيرها ظئرا. (301:1)
البغوي: «يرضعن » خبر بمعنى الأمر، وهو أمر استحباب لا أمر إيجاب، لأنه لا يجب عليهن الإرضاع إذا كان يوجد من ترضع الولد، لقوله تعالى في سورة الطلاق،«فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» الطلاق : 6، فإن رغبت الأم في الإرضاع فهي أولى من غيرها. (312:1)
الزمخشري:«يرضعن »مثل « يتربصن » في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد. إلى أن قال: ]
و قرئ: ( الرضاعة ) بكسر الراء، و ( الرضعة ).
و ( أن تتم الرضاعة) و ( أن يتم الرضاع ) برفع الفعل تشبيها ل ( ن ) ب( ما ) لتأخيهما في التأويل.
« لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ» أراد أنه يجوز التنقصان. و عن الحسن: ليس ذلك بوقت لا ينقص منه بعد أن لا يكون في الفطام ضرر.
وقيل : اللام متعلقة ب«يرضعن» كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده، أي يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، و عليه أن يتخذ له ظئرا إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه، و هي مندوبة إلى ذلك و لا تجبر عليه.
ولا يجوز استئجار الأم عند أبي حنيفة ما دامت زوجة أو معتدة من نكاح، و عند الشافعي يجوز. فإذا انقضت عدتها جاز بالاتفاق.
فإن قلت: فما بال الوالدت مأمورات بأن يرضعن أولادهن؟
قلت: إما أن يكون أمرا على وجه الندب، و إما على وجه الوجوب إذا لم يقبل الصبي إلا ثدي أمه، أو لم توجد له ظئر، أو كان الأب عاجزا عن الاستئجار.
و قيل: أراد الوالدات المطلقات، و إيجاب النفقة و الكسوة لأجل الرضاع. [إلى أن قال: ]
« استرضع »: منقول من «أرضع». يقال: أرضعت المرأة الصبي و استرضعتها الصبي، لتعديه إلى مفعولين، كما تقول: أنجح الحاجة و استنجحته الحاجة. والمعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم، فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه، كما تقول: استنجحت الحاجة، و لاتذكر من استنجحته، و كذلك حكم كل مفعولين لم يكن أحدهما عبارة عن الأول. ( 369:1 )
نحوه النسفي. (117:1)
ابن عطية: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ » خبر معناه الأمر على الوجوب لبعض الوالدات، والأمر على جهة الندب و التخيير لبعضهن. فأما المرأة التي في العصمة، فعليها الإرضاع، و هو غرف يلزم إذ قد صار کالشرط، إلا أن تكون شريفة ذات ترفه، فعرفها أن لاترضع و ذلك كالشرط.
فإن مات الأب و لامال للصبي، فمذهب مالك في المدونة أن الرضاع لازم للأم بخلاف النفقة.
وفي كتاب ابن الجلاب:«رضاعه في بيت المال». وقال عبد الوهاب: « هو من فقراء المسلمين و أما المطلقة طلاق بينونة فلارضاع عليها، والرضاع على الزوج إلا أن تشاء هي، فهي أحق به بأجرة المثل » .
هذا مع يسر الزوج، فإن كان معدما لم يلزمها الرضاع، إلا أن يكون المولود لا يقبل غيرها، فتجبر حينئذ على الإرضاع، و لها أجر مثلها في يسر الزوج و كل ما يلزمها الإرضاع، فإن أصابها عذر يمنعها منه عاد الإرضاع على الأب.
وروي عن مالك: أن الأب إذا كان معدما ولامال للصبي، فإن الرضاع على الأم، فإن كان بها عذر و لها مال فالإرضاع عليها في مالها.
و هذه الآية هي في المطلقات، قاله السدی والضحاك و غيرهما، جعلها الله حدا عند اختلاف
الزوجين في مدة الرضاع، فمن دعا منهما إلى إكمال الحولين فذلك له.
وقال جمهور المفسرين: إن هذين الحولين لكل و احد، و روي عن ابن عباس أنه قال: «هي في الولد الذي يمكث في البطن ستة أشهر، فإن مکث سبعة أشهر فرضاعه ثلاثة و عشرون شهرا، فإن مکث ثمانية أشهر فرضاعه اثنان وعشرون شهرا، فإن مکث تسعة أشهر فرضاعه أحد وعشرون شهرا».
كأن هذا القول انبني على قوله تعالى: « وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلثُوْنَ شَهْرَا» الأحقاف : 15، لأن ذلك حكم على الإنسان عموما، وسمي العام حوا الاستحالة الأمور فيه في الأغلب، ووصفهما ب « کاملین » إذ مما قد اعتيد تجوزا أن يقال: في حول و بعض آخر حولين، و في يوم و بعض آخر مشيت يومين، و صبرت عليك في ديني يومين و شهرين.
وقوله تعالى : « لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ» مبني على أن الحولين ليسا بفرض لا يتجاوز.
و قرأ السبعة: «أَنْ يُتِمَّ اَلرَّضاعَةَ» بضم الياء و نصب «اَلرَّضاعَةَ».
وقرأ مجاهد و ابن محیصن و حمید و الحسن و أبورجاء: ( تتم الرضاعة) بفتح التاء الأولى و رفع ( الرضاعة) على إسناد الفعل إليها.
وقرأ أبو حيوة و ابن أبي عبلة و الجارود بن أبي سبرة كذلك، إلا أنهم كسروا الراء من «اَلرَّضاعَةَ» و هي لغة كالحضارة و الحضارة، و غير ذلك.
و روي عن مجاهد أنه قرأ (الرضعة ) على وزن الفعلة، و روي عن ابن عباس أنه قرأ أن ( يكمل الرضاعة) بالياء المضمومة.
و انتزع مالك رحمه الله و جماعة من العلماء من هذه الآية: أن الرضاعة المحرمة الجارية مجری النسب إنما هي ما كان في الحولين، لأن بانقضاء الحولين تمت الرضاعة فلارضاعة.
و روي عن قتادة أنه قال: « هذه الآية تضمنت فرض الإرضاع على الوالدات ثم یسر ذلك و خفف بالتخيير الذي في قوله: « لِمَنْ أَرادَ ». و هذا قول متداع. (310:1)
نحوه القرطبي. (161:3)
الطبرسي: «يرضعن أولادهن» صيغته صيغة الخبر، والمراد به الأمر ، أي ليرضعن أولادهن، كقوله: «يتربصن بانفسهن » البقرة : 228 .
وجاز ذلك التصرف في الكلام مع رفع الإشكال؛ إذ لو كان خيرا لكان كذبا، لجواز أن يرضعن أكثر من حولين أو أقل. و قولك: حسبك درهم، معناه: اکتف بدرهم تام.
وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، وتقديره: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين في حكم الله الذي أوجبه على عباده، فحذف للدلالة عليه. و هذا أمر استحباب لاأمر إيجاب.
والمعنى: إتنهن أحق برضاعهم من غيرهن،
بدليل قوله: « إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى» الطلاق : 6. (334:1)
الفخر الرازي: أما قوله تعالى: « یرضعن أولادهن » ففيه مسألتان:
المسألة الأولى: هذا الكلام و إن كان في اللفظ خبرا إلا أنه في المعنى أمر، و إنما جاز ذلك لوجهين :
الأول: تقدير الآية: و الوالدات يرضعن أولادهن في حكم الله الذي أوجبه، إلا أنه حذف الدلالة الكلام عليه.
والثاني: أن يكون معنى «يرضعن» ليرضعن، إلا أنه حذف ذلك للتصرف في الكلام، مع زوال الایهام.
المسألة الثانية: هذا الأمر ليس أمر إيجاب، و يدل عليه وجهان:
الأول: قوله تعالى: « فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ » الطلاق : 6، و لو وجب عليها الرضاع لما استحقت الأجرة.
والثاني: أنه تعالى قال بعد ذلك: « وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى » الطلاق : 6، و هذا نص صريح، و منهم من تمسك في نفي الوجوب عليها بقوله تعالى: « وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ » البقرة : 233، و الوالدة قد تكون مطلقة، فلم يكن وجوب رزقها على الوالد إلا بسبب الإرضاع، فلو كان الإرضاع و اجبا عليها لما وجب ذلك.
وفيه البحث الذي قدمناه، إذا ثبت أن الإرضاع غیر واجب على الأم فهذا الأمر محمول على الندب؛ من حيث إن تربية الطفل بلبن الأم أصلح له من سائر الألبان، و من حيث إن شفقة الأم عليه أتم من شفقة غيرها.هذا إذا لم يبلغ الحال في الولد إلى حد الاضطرار، بأن لا يوجد غير الأم، أو لايرضع الطفل إلا منها، فواجب عليها عند ذلك أن ترضعه، كما يجب على كل أحد مواساة المضطر في الطعام. (125:6)
البيضاوي: « وَ اَلْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ» أمر عبر عنه بالخبر للمبالغة، و معناه الندب أو الوجوب، فيخص بما إذا لم يرتضع الصبي إلا من أمه، أو لم يوجد له ظئرا أو عجز الوالد عن الاستئجار. [ إلى أن قال: ]
« أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ » اي تسترضعوا المراضع لأولادكم. يقال: أرضعت المرأة الطفل و استرضعتها إياه، كقولك: أنجح الله حاجتي و استنجحته إياها، فحذف المفعول الأول للاستغناء عنه. (123:1)
أبو حيان: «يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ» صورته خبر محتمل أن يكون معناه خبرا، أي في حكم الله تعالى الذي شرعه، فالوالدات أحق برضاع أولادهن سواء كانت في حيالة الزوج أو لم تكن، فإن الإرضاع من خصائص الولادة، لا من خصائص الزوجية.
ويحتمل أن يكون معناه الأمر، كقوله: « وَ اَلْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ »، لكنه أمر ندب لا إيجاب؛
إذ لو كان واجبا لما استحق الأجرة. وقال تعالى:« وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى ».
فوجوب الإرضاع إنما هو على الأب لاعلى الأم، و عليه أن يتخذ له ظئرا إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه، و هي مندوبة إلى ذلك، و لا تجبر عليه. فإذا لم يقبل ثديها، أو لم يوجد (1)له ظئرا، و عجز الأب عن الاستئجار، وجب عليها إرضاعه، فعلى هذا يكون الأمر للوجوب في بعض الوالدات.
ومذهب الشافعي: أن الإرضاع لا يلزم إلا الوالد أو الجدة، و إن علا. و مذهب مالك: أنه حق على الزوجة لأنه کالشرط، إلا أن تكون شريفة ذات نسب، فعرفها أن لاترضع. [ إلى أن قال:]
و «استرضع » فيه خلاف هل يتعدى إلى مفعولين بنفسه أو إلى مفعولين الثاني بحرف جر؟ قولان:
فالأول قول الزمخشري [الذي تقدم]. وهو نقل من نقل، الأصل: رضع الولد، ثم تقول: أرضعت المرأة الولد، ثم تقول: استرضعت المرأة الولد، و استفعل هنا للطلب، أي طلبت من المرأة إرضاع الولد، كما تقول: استسقيت زيدا الماء، و استطعمت عمرا الخبز، أي طلبت منه أن يسقيني و أن يطعمني، فكما أن الخبز و الماء منصوبان و ليسا على إسقاط الخافض، كذلك: « اولادكم » منصوب لاعلى إسقاط الخافض .
والثاني: قول الجمهور، وهو أن يتعدى إلى اثنين، الثاني بحرف جر، و حذف من قوله: « أولادكم »، و التقدير: لأولادكم، وقد جاء استفعل أيضا للطلب معدى بحرف الجر في الثاني، و إن كان في أفعل، معدى إلى اثنين. تقول: أفهمني زيد المسألة، و استفهمت زيدا عن المسألة، فلم يجي: استطعمت، و يصير نظير: استغفرت الله من الذنب. و يجوز حذف: «من» فتقول: الذنب، و ليس في قولهم: كان فلان مسترضعا في بني فلان ، دليل على أنه مفعول بنفسه، أو بحرف جر.
« فلا جناح عليكم » هذا جواب الشرط، و قبله جملة حذفت لفهم المعنى، التقدير : فاسترضعتم أو فعلتم ذلك، فلا جناح عليكم في الاسترضاع « إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ ». هذا خطاب للرجال خاصة، و هو من تلوين الخطاب.
و قيل: هو خطاب للرجال و النساء، و يتضح ذلك في تفسير قوله: « ما اتيتم ». و « اذا سلمتم » شرط، قالوا: و جوابه ما يدل عليه الشرط الأول و جوابه، و ذلك المعنى هو العامل في : ( إذا ) و هو متعلق بما تعلق به: «علیکم »، انتهى.
وظاهر هذا الكلام خطأ، لأنه جعل العامل في (إذا) أو المعنى الذي يدل عليه الشرط و جوابه، ثم قال ثانيا: إن (إذا) تتعلق بما تعلق به «عليكم» ، و هذا يناقض ما قبله.
و لعل قوله: و «هو متعلق »، سقطت منه ألف، و کان: « أو هو متعلق »، فيصح إذ ذاك
1) كذا و الظاهر : «لم يجد» أو « لم يوجد له ظئر»
المعنى، ولاتكون إذ ذاك شرطا، بل تتمحض للظرفية.(211:2)
المصطفوي: يعلم منها أن الطفل لا اقتضاء في بدنه و مزاجه أن يتغذى بغير اللبن من مختلف الأطعمة، و هذا إرشاد إلى أمر طبيعي حافظ لصحة مزاج الطفل.
و تدل الآية الكريمة على أن الوالدة موظفة بقبول هذا التكليف، و أصل الإرضاع في نفسه واجبة لها، فإن إدامة حياة الولد متوقفة عليه، إلا أن يستثني عموم الحكم بعناوین و جهات ثانوية، في موارد مخصوصة.
كما أن الوالدة المرضعة لها أن تطلب أجرة من الوالد أو من الولي أو من مال الولد إذا شاءت، و حينئذ يجب تأدية حق عملها هذا، و لكن هذا لايوجب جواز ترك الإرضاع للولد مطلقا.
ومن الأجرة يمكن أن يحاسب ما على الأب في حق الأم:«وَ عَلَى اَلْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى اَلْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ ».
فإن هذه الجملة متممة الآية المذكورة، و يصرح فيها بالمقابلة و المعادلة، وهذا في صورة و جود المولود له، و إعطاء الرزق و الكسوة لها.
و يؤيد هذه الأحكام «فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى»الطلاق : 6، فإن المطلقة بعد وضع حملها ليست لها كسوة و لانفقة على الزوج، و هي موظفة على إرضاع الولد إذا لم تضار، و حينئذ يجوز لها أن تطلب أجرة في مقابل إرضاعها « فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ» .
وهذا كما في وجوب التعليمات الدينية و التبليغات الأحكامية على الواجد بشرائطه، و مع هذا له أن يطالب من بيت المال ما يؤمن معاشه، فهذا أجر و جزاء لعمله و فعاليته، و إن لم يكن أجرة اصطلاحية.
هذا وظيفة الأم الوالدة، و أما الوالد فهو مختار في تعيين المرضعة لولده، إذا رأي تساهلا من جانب الأم، و وظيفة و اجبة له إذا شاهد الامتناع منها في الإرضاع « فَإِنْ أَرادا فِصالاً ...وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ». (149:4)
و هكذا جاء في أكثر التفاسير. و فيها مباحث راجع ح ول: «حؤلين »، و: ول د: « الوالدات - أولادهن - أولادكم».
الأصول اللغوية
1 - الأصل في هذه المادة: الرضاع، أي امتصاص الثدي أو الضرع. يقال: رضع الصبي و غيره يرضع رضعا و رضعا و رضعا و رضاعا و رضاعا و رضاعة و رضاعة، فهو راضع و رضيع؛ و جمع راضع: رضع، و جمع رضيع: رضع.
و الرضيع: المراضع؛ و الجمع: رضعاء، وهو أن يرضع الطفل أمه و في بطنها ولد. ويقال للجنين: مراضع. يقال : راضعه مراضعة ورضاعا، أي رضع معه.
و راضع فلان ابنه: دفعه إلى الظئر.
و أرضعته أمه: سقته، فهي مرضعة بفعلها.
و ارتضع: رضع.
و ارتضعت العنز: شربت لين نفسها.
و استرضعت المرأة ولدي: طلبت منها أن ترضعه.
وامرأة مرضع: ذات رضيع أو لبن رضاع؛ والجمع: مراضيع و مراضع.
و المرضع: التي ليس معها ولد، و قد يكون معها ولد.
والمرضع أيضا: التي دنا لها أن ترضع ولم ترضع بعد.
والمرضعة: التي ترضع و إن لم يكن لها ولد، أو كان لها ولد.
و المرضعة أيضا: التي ترضع و ثديها في في (1)ولدها.
والرضوعة: التي ترضع ولدها، و كذلك الرضوعة من الغنم.
والراضيع و الرضيع: الخسيس من الأعراب الذي إذا نزل به الضيف رضع بفيه شاته لئلا يسمعه الضيف. يقال: رضع يرضع رضاعة؛ و الاسم: الرضع والرضيع.
و لئيم راضيع: الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، يريد أنه ولد في اللؤم.
و لئيم راضع: الذي يأكل خلاله شرها من لؤمه حتى لا يفوته شيء .
و الراضعتان: الثنيتان المتقدمتان اللتان يشرب عليهما اللبن.
والرواضع: ما ثبت من أسنان الصبي، ثم سقط في عهد الرضاع. يقال: سقطت رواضعه.
والراضعة: كل سن سقطت من مقادمه.
و الرضع: صغار النحل، واحدتها: رضعة، على التشبيه.
2 - و شاعت منذ مدة الرضاعة الصناعية و هي إرضاع أولاد الناس والحيوانات بالة سماها المولدون: الرضاعة، أو المرضعة، و جمعوها على: مراضع، مثل: مبرة و محابر.
و شاعت هذه الطريقة في الحلب أيضا، وهي تقتصر على الحيوان، وخاصة البقر، فثبت أقماع المحلب في ضروعه و يستحلب اللبن منها آلیا.
الاستعمال القرآني
جاء منها مزيدا- من باب الإفعال - الماضي (آرضعت) و (ارضعن )3 مرات، و المضارع (یرضعن) و (سترضع ) مرتين، و الأمر (أرضعيه ) مرة، و الوصف ( المراضع) - جمع مرضعة - مرة
1) في: بمعنى: فم
و المصدر ( الرضاعه) مرتين، و من باب الاستفعال المضارع ( تسترضعوا ) مرة في 6 آیات:
القصة:
1- « وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» القصص : 7
2- « وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ ». القصص : 12
الآخرة:
3- « يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » الحج : 2
التشريع: الرضاع
4- « وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَ عَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصيرٌ»البقرة : 233
5- « حرِّمت علیکمْ أمَّهاتُکُم وَبَناتُکم وَأخوَاتُکُم وَعمَّاتُکُم وَخالاتُکم وَبناتُ الأخِ وَبناتُ الأُخت وَأُمَّهاتُکمُ اللاَّتی أَرضعنکمْ وَأخواتُکم مِن الرَّضاعَهِ وَأُمهاتُ نِسائکم وَربائبُکم اللاَّتی فی حُجُورکم مِن نسائِکم اللاَّتی دَختلم بهنَّ فإن لمْ تَکونوا دَخلتُم بهنَّ فَلا جُناحَ علیکمْ وَحلائلُ أبنائکُمُ الَّذینَ مِن أصلابِکم وَأن تَجمعوا بینَ الأختینِ إلاَّ ما قدْ سَلفَ إنَّ اللّه َ کانَ غَفوراً رحیماً »النساء : 23
6- « أَسْکِنُوهُنَّ مِنْ حَیْثُ سَکَنْتُمْ مِنْ وُجْدِکُمْ وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَیِّقُوا عَلَیْهِنَّ وَ إِنْ کُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَیْهِنَّ حَتَّی یَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَکُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ أْتَمِرُوا بَیْنَکُمْ بِمَعْرُوفٍ وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْری » الطلاق : 6
ويلاحظ أولا: أنها ثلاثة محاور: القصة والآخرة و التشريع:
المحور الأول: القصة: آيتان، و کلاهما في موسی علیه السلام.
الأولى (1) الآية: 7، من سورة القصص: « وَ أَوْحَیْنا إِلی أُمِّ مُوسی أَنْ أَرْضِعِیهِ....».
1- و هذه من جملة قصة موسی و فرعون في هذه السورة: بدء من الآية الثالثة منها: « نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ ... »، و ختما بالآية: 46، « وَ ما کُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَیْنا ...».
2- و محتواها أن الله سبحانه أوحي إلى أم موسی بأن ترضع موسى، فإذا خافت عليه فتلقيه في اليم - و هو النيل - و لا تخاف ولاتحزن عليه، فإن الله یرده إليها، و يجعله من المرسلين. لاحظ: وح ي:
«أوحينا »، و: خ و ف: «خفت ».
3- وقال الطبرسي (240:4) في «الحجة»: « الحزن و الحزن: لغتان مثل البخل والبخل، والعرب و العرب، و العجم والعجم ».
4 - وقال في « المعنى»: « وَ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى » أي ألهمناها وقذفنا في قلبها، و ليس بوحي نبوة، عن قتادة و غيره.
و قيل: أتاها جبرائیل علیه السلام بذلك، عن مقاتل.
وقيل: كان هذا الوحي رؤيا منام، عبر عنها من يثق به من علماء بني إسرائيل، عن الجبائي.
«أن أرضعيه»ما لم تخافي عليه الطلب.
«فإذا خفت عليه » في القتل الذي أمر به فرعون في أبناء بني إسرائيل.
« فالقيه في اليم » أي في البحر، وهو النيل.
« و لاتخافی » علیه الضيعة.
« و لا تحزنی » من فراقه.
« انا رادوه اليك »: سالما عن قريب.
« وجاعلوه من المرسلين » و الأنبياء.
و في هذه الآية أمران و نهیان، و خبران و بشارتان. و حكي أن بعضهم سمع بدوية تنشد أبياتا، فقال لها: ما أفصحك ! فقالت: الفصاحة لله تعالى، و ذکرت هذه الآية و ما فيها.
قال وهب بن منبه: لما حملت أم موسی بموسی، کتمت أمرها عن جميع الناس، فلم يطلع على حملها أحد من خلق الله، و ذلك شيء ستره الله تعالى، لما أراد أن يمين به على بني إسرائيل. فلما كانت السنة التي يولد فيها موسی، بعث فرعون القوابل، و تقدم إليهن أن يفتشن النساء تفتيشا لم يفتشته قبل ذلك. و حملت أم موسی بموسی، فلم ينب بطنها، و لم يتغير لونها، ولم يظهر لبنها، فكانت القوابل لا يعرضن لها. فلما كانت الليلة التي ولد فيها موسی، ولدته أمه، ولارقيب عليها، و لا قابلة، ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم. فأوحى الله تعالى إليها « أن أرضعيه » الآية». و ذكر باقي القصة.
و الثانية: (2) الآية: 12، من سورة القصص أيضا: «وَ حَرَّمْنا عَلَیْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ... ».
1-وهذه من تتمة الآية الأولى في ولادة موسى و أمها علیهماالسلام .
2-و محتواها بعد أن حكى الله تعالى قبلها التقاط آل فرعون موسى، و أن امرأة فرعون قالت له: قرة عين لي و لك لا تقتله، و بعد أن أصبح فؤاد أم موسی حزينا عليه و ربط الله على قلبها، و بعد أن قالت لأخت موسی أن تقص موسی، و قالت لهم: هل أدلكم على من يرضعه؟ بعد كل ذلك قال تعالى : إنا قد حرمنا على موسى المراضع من قبل، فلم يكن موسی یمس ثدي امرأة تريد أن ترضعه، فرد الله موسى إلى أمه... .
3 - وقالوا في « وَ حَرَّمْنا عَلَیْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ»، أي جعلنا موسی من قبل التقاطه ممنوعا من شرب ألبان أخر غير لبن أمه. و فيها مباحث لاحظ: ح ر م: « حرمنا » .
4- وقال الطبرسي (6: 243) في «المعنى» «وَ حَرَّمْنا عَلَیْهِ الْمَراضِعَ»:«المعنى: أنه لا يؤتي بمرضع فيقبلها، و تأويله: منعنا هن منه، و بغضنا هن إليه، عن ابن عباس.
وقيل: هو جمع مرضع، بمعنى الرضاع، أي منعناه من الرضاع. فهذا تحريم منع، لا أن هناك نهيا عن الفعل. [ثم استشهد بشعر ]
ويقال: فلان حرم على نفسه كذا، أي امتنع منه كما يمتنع بالنهي. « من قبل » أي من قبل مجيء أخته، و قيل: من قبل رده على أمه »، ثم فسر باقي الآية و حکی باقي القصة، فلاحظ.
والمحور الثاني: الآخرة آية واحدة (3):
1- و هي الآية: 2، من سورة الحج: « یَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ کُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ ... »، و هي من تتمة الآية الأولى منها: « يا أیُّها النَّاس اتَّقوا رَبَّكُم انَّ زِلزَلةَ السَّاعَة شَيءٌ عَظيمٌ» ثم انصرف الكلام إلى من يجادل في الله بغير علم.
2- و محتواهما: أن الله سبحانه أمر الناس بتقوى ربهم، تحذيرا لهم عن زلزلة الساعة، و أنها لشدة عذابها تمنع كل مرضعة عما أرضعت، و تضع بها كل ذات حمل حملها، و أن الناس يوم ذاك کالسکاری، و ما هم بسکارى إلا أن عذاب الله شديد.
3-وقالوا في «مرضعة » و « ارضعت » والدة « عما ارضعت » و لدها، تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام. والمرضعة: الأم، و المرضع: التي معها صبي ترضعه، و لو قيل في الأم: مرضع -يعني مذكرا – لأن الرضاع لا يكون إلا من الأناث، فيكون مثل قولك: «طامث و حائض ، و لو قيل في التي معها صبي مرضعة كان صوابا، (ما) بمعنى المصدر، أي تذهل عن الإرضاع و نحوها.
و في « المرضعة و المرضع ». خلاف بينهم : فقال بعضهم: إذا ثبتت « الهاء» فيها فيراد أم الصبي، و إذا أسقطت فيراد بها المرأة التي معها صبي ترضعه، فلاحظ.
5 - وقال الطبرسي (2: 69) في «اللغة»: « الزلزلة و الزلزال: شدة الحركة على الحال الهائلة.
و قيل: إن أصله: «زل» فضوعف للمبالغة. و أباه البصريون. قال: إن « زل» ثلاثي، و «زلزل » رباعي، و إن اتفق بعض الحروف في الكلمتين، لأنه لايمتنع مثل هذا. ألا ترى أنهم يقولون: دمت و دمثر، و سبط و سبطر، و ليس أحدهما مأخوذا من الآخر، وإن كان معناهما واحدا، لأن الزاي ليست من حروف الزيادة. و «الزلزال » بالفتح: الاسم. [ثم استشهد بشعر]
والذهول: الذهاب عن الشيء دهشا و حيرة. يقال: ذهل عنه يذهل ذهولا و ذهل بمعنى. والذهل: السلو. قال: « صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل ».
والحمل: بفتح الحاء: ما كان في بطن أو على رأس شجرة. والجمل: بكسر الحاء: ما كان علی ظهر، أو على رأس ».
6- وقال في «المعنى » « ص 70» « يوم ترونها » « معناه: يوم ترون الزلزلة، أو الساعة
« تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أَرْضَعَتْ »، أي تشغل كل مرضعة عن ولدها و تنساه. و قيل: تسلو عن ولدها.
« وَ تَضَعُ کُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا » أي تضع الحبالى ما في بطونها.
وفي هذا دلالة على أن الزلزلة تكون في الدنيا، فإن الرضاع، و وضع الحمل، إنما يتصور في الدنيا.
قال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام. و تضع الحامل ما في بطنها بغير تمام.
و من قال: إن المراد به: يوم القيامة قال: إنه تهويل لأمر القيامة، و تعظیم لما يكون فيه من الشدائد، أي لو كان تم مرضعة لذهلت، أو حامل لوضعت، و إن لم يكن هناك حامل، ولامرضعة.
« وَ تَرَى النَّاسَ سُکَارَى » من شدة الخوف والفزع «وَ مَا هُمْ بِسُکَارَى» من الشراب.
وقيل : معناه: كأنهم سکاری من ذهول عقولهم،لشدة ما يمر بهم، لأنهم يضطربون اضطراب السكران.
ثم علل سبحانه ذلك، فقال: «وَ لٰکِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » فمن شدته يصيبهم ما يصيبهم ».
والمحور الثالث: التشريع: 3 آیات في 3 سور:
الأولى: (4) الآية: 233، من سورة البقرة: «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ... ».
1- و هذه الآية في تلك السورة تتمة لأحكام النكاح والطلاق فيها، بدء من الآية: 221، « وَ لا تُنْكِحُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا ... »، و ختما بالآیة: 241 و 242، «وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ... * كَذلِكَ يُبَيِّنُ اَللّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ».
2- و قد اجتمعت في هذه الآية الطويلة ثلاث كلمات من هذه المادة: «يُرْضِعْنَ»و «الرَّضَاعَةَ» و «تسترضعوا » و نبحثها جميعا.
3- و قالوا في «حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» : إنها ترضع حولين كاملين، و إذا وضعت لسبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين لتمام ثلاثين شهرا، و إذا وضعت التسعة أشهر أرضعت واحد او عشرين شهرا. جعل الله سبحانه الرضاع حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة، لانری رضاعا بعد الحولين يحرم شيئا، ليس يحرم من الرضاع بعد التمام إنما يحرم ما أنبت اللحم و أنشأ العظم، ما كان من وجور أو سعوط أو رضاع في الحولين، فإنه يحرم، و ما كان بعد الحولين لم يحرم، إن أرادت أمه أن تقصر عن حولين كان عليها حقا أن تبلغه لا أن تزيد عليه إلا أن يشاء، ثم أنزل الله اليسر و التخفيف بعد ذلك، فقال تعالى ذكره: « لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ» و نحوها.
4- و قالوا « وَ إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ » خيفة الضيعة على الصبي، إذ أبت الأم أن تسترضعه، فلا جناح على الأب أن يسترضع له غيرها، إلى غير ذلك من النصوص -وهي كثيرة - فلاحظ.
و الثانية: (5) الآية: 23، من سورة النساء «... وَأُمَّهَاتُکُمُ الَّتِی أَرْضَعْنَکُمْ وَأَخَوَاتُکُم مِّنَ
الرَّضَاعَةَ ... »:
1- و هذه الآية الطويلة شاملة للمحرمات من الأم و البنات و الأخوات و الأعمام والخالات و غيرهن. ومن جملتهن صنفان من المحرمات بالرضاع، و هما الأم والأخوات من الرضاعة، إلا أن الفقهاء يلحقون بهن سائر المحرمات بالرضاع، مستدلين بقول النبي صلی الله علیه و آله: « يحرم من الرضاع ما يحرم بالنسب » .
2- و هي من جملة ما جاءت في هذه السورة بشأن النكاح و الطلاق، بدء من الآية: 19، منها: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ...»، و ختما بالآية: 25، منها الطويلة أيضا: «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ اَلْمُحْصَناتِ اَلْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ اَلْمُؤْمِناتِ...».
و بعدها منفصلة عنها آيات أخرى أيضا في النكاح و الطلاق في هذه السورة. وعلاوة على ذلك، فإنها شاملة لكثير من شؤون النساء، و لذلك سمیت ب ( سورة النساء».
3- و جاء في النصوص ذکر سائر المحرمات بالرضاع، و شرائط الرضاع المحرم و نحوها، فلاحظ.
4- وقال الطبرسي (2: 28) « وَ أُمَّهَاتُکُمُ الّتِی أَرْضَعْنَکُمْ»: «سماهن «أمهات» للحرمة، و كل أنثي انتسبت إليها باللبن فهي أمك، فالتي أرضعتك، أو أرضعت امرأة أرضعتك، أو رجلا أرضعت بلبانه من زوجته، أو أم ولد له، فهي أمك من الرضاعة. وكذلك كل امرأة ولدت امرأة أرضعتك، أو رجلا أرضعك، فهي أمك من الرضاعة.
«وَأَخَوَاتُکُم مِّنَ الرَّضَاعَةَ» يعني بنات المرضعة، و هن ثلاث:
الصغيرة الأجنبية التي أرضعتها أمك بلبان أبيك، سواء أرضعتها معك، أو مع ولدها قبلك، أو بعدك.
والثانية: أختك لأمك دون أبيك، و هي التي أرضعتها أمك بلبان غير أبيك.
و الثالثة: أختك لأبيك دون أمك، وهي التي أرضعتها زوجة أبيك بلبن أبيك، و أم الرضاعة و أخت الرضاعة، لولا الرضاعة لم تحرما، فإن الرضاعة سبب تحريمهما، و كل من حرم بالنسب من اللاتي مضى ذكرهن، تحرم أمثالهن بالرضاع، لقول النبي صلی الله علیه و آله : « إن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب». فثبت بهذا الخبر أن السبع من المحرمات بالنسب - على التفصيل الذي ذكره - محرمات بالرضاع. و الكلام في الرضاع يشتمل على ثلاثة فصول»، و قد شرحها، فلاحظ.
و الثالثة: (6) الآية: 6، من سورة الطلاق: « فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى »:
1- و هذه الآية من جملة ماجاءت في هذه السورة في أحكام الطلاق - و به سمیت - بدء من
أولها: « يا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ اَلنِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ»، و ختما بالآية: 7، منها: « لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ..».
2- و في الآية جملة من أحكام المطلقات مثل حق إسكانهن، و عدم الإضرار بهن و إنفاقهن حتى يضعن حملهن، و أخيرا حق إرضاعهن بأنهن إن أرضعن أولادكم فأتوهن أجورهن بالمعروف، و إن تعاسرتم فسترضع له امرأة أخرى.
وجاء في الآية بعدها مقدار الإنفاق عليهن ممن له سعة أو ضيق في الرزق.
3- وجاءت في هذه الآية كلمتان من هذه المادة: «ارضعن » و فسترضع ».
وقال الطبرسي (308:5) في «المعنى « فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ »: « أي فإن أرضعن الولد لأجلكم بعد البينونة، فأعطوهن أجر الرضاع، يعني أجرة المثل.
« وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ » هذا خطاب للرجل و المرأة. و الائتمار: قبول الأمر و ملاقاته بالتقبل.
أمر الله تعالى المرضعة و المرضع له بالتلقي لأمره عز وجل، و لأمر صاحبه إذا كان حسنا.
و قيل معناه: و ليأمر بعضكم بعضا بالجميل في إرضاع الولد، أي بتراضي الوالد والوالدة بعد وقوع الفرقة في الأجرة على الأب، و إرضاع الولد؛ بحيث لا يضر مال الوالد، و لا بنفس الولد، ولايزاد على الأجر المتعارف، و لاينقص الولد عن الرضاع المعتاد.
قالا لکسائي: أصله التشاور، و منه:« یا تمرون بك » القصص : 20، أي يتشاورون.
والأقوى عندي أن يكون المعنى: دبروا بالمعروف بینکم في أمر الولد، و مراعاة أمه، حتی لايفوت الولد شفقتها، وغير ذلك. ثم استشهد بشعر]
« وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى» والمعنى: فإن اختلفتم في الرضاع و في الأجر، فسترضع له امرأة أخرى أجنبية، أي فليسترضع الوالد غير والدة الصبي...». ويلاحظ ثانيا: أن الأوليين من هذه الآيات الست قصة في سورة مكية، و الثالثة عقيدة في سورة مختلف فيها - سورة الحج - و الثلاث الأخيرة تشريع في سورتين مدنيتين - البقرة و النساء - .
و ثالثا: ليس لهذه المادة نظائر في القرآن.
31 لفظا، 73 مرة: 19 مکیه،45 مدنیه في 32 سورة: 16مکیه ، 16 مدنیه
رضی 6: 1- 5 یرضوه 1:- 1
رضوا 1:9- 8 یرضونکم 1:- 1
رضيتم 2:-2 یرضوکم 1:- 1
رضیت 1:-1 راضیه 4:4
رضیت 5: 3 - 2 مرضیا 1:1
يرضه 1:1 مرضیه 1:1
يرضونه 1:-1 رضیا 1:1
ليرضوه 1:1 مرضات 4:- 4
يرضين 1:-1 مرضاتی 1:- 1
ترضی 4: 2 - 2 رضوان 8:- 8
ترضاه 2: 1- 1 رضوانا 3:- 3
ترضاها 1:-1 رضوانه 2:- 2
ترضوا 2:-2 تراضوا 1:- 1
ترضون 1:- 1 تراضیتم 1:- 1
ترضونها 1:-1 تراض 2:- 2
إرتضی 3: 2-1
النصوص اللغوية
الخليل: يقال في لغة: رجل مرضوعنه، لأن الرضا في الأصل من بنات الواو، وشاهده: الرضوان، وهو اسم موضوع من الرضا، قال تعالى: « إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اَللّهِ » الحديد : 27.
و الرضی، مقصور، و المراضاة: من اثين.
ورضوی: جبل. (57:7)
أبوعبيد: راضاني فلان فرضوته. (ابن فارس 2: 402)
ابن الأعرابي: الرضي: المطيع، و الرضي: المحب. و الرضي: الضامن. (الأزهري 64:12 )
ابن السكيت: ويقال : كان مرضیا و مرضوا . (إصلاح المنطق : 139)
ابن دريد: و ما رضا في معنی: ما رضي، و هي لغة لطيي، و قد تكلم بها بعض العرب، كما قالوا: بقی و فنی و رضي، في معنى بقي و فني و رضي، يقال: بفتح
الراء وضمها. (143:2)
ورضوی: جبل معروف، و أحسب اشتقاقه من الرضا، لأن أصل الرضا الواو، تقول: رضوان ورضوى، في وزن « شكوى » و شکوی « فعلی » من الشكاية. (368:2)
و الرضي مقصور: ضد الغضب.
و الرضاء، ممدود: مصدر راضيه مراضاة ورضاء. (249:3)
و تقول العرب: الرضوان و الرضوان، و الرفعان والرفعان إلى السلطان، والإخوان والأخوان.
[و ذكر أمثالهما ] (452:3)
الأزهري: قال الليث : رضي فلان یرضی رضی .و الرضي: المرضي، والرضى مقصور.
قلت: و إذا جعلت «الرضا» مصدر راضيه رضاء ومراضاة فهو ممدود، وإذا جعلته مصدر رضي یرضی رضي فهو مقصور.
و من أسماء النساء: رضیا بوزن الثريا، وتكبيرهما رضوی و ثروی.
و رضوی: اسم جبل بعينه.
و المرضاة و الرضوان: مصدران.
ويقال: فلان مرضي، ومن العرب من يقول: مرضو، لأنه من بنات الواو، و الله أعلم. (12: 64)
الصاحب: رضي ترضی رضی و رضاء بالمد أيضا، و الرضا: المرضي، ويقال : مرضو.
و المرضاة و الرضوان: واحد.
ورضي فلان كذا يرضاه رضوة.
والرضا والرضا والرضا یمد و يقصر. و قد رضی مذهبه، أي رضي، لغة طيئ .
وقد رضاك الناس، بمعنى رضيك.
وما كان مرضوا.
و راضاني فرضوته أرضوه. (42:8)
الجوهري: الرضوان: الرضا، و كذلك الرضوان بالضم. والمرضاة مثله.
ورضيت الشيء وارتضيته فهو مرضي، وقد قالوا: مرضو، فجاؤوا به على الأصل و القياس.
و رضيت عنه رضي مقصور، و هو مصدر محض. والاسم: الرضاء ممدود، عن الأخفش. و سمع الكسائي رضوان و حموان في تثنية الرضا و الحمى. قال: و الوجه حمیان و رضیان، و من العرب من يقولهما بالياء على الأصل، والواو أكثر.
و عيشة راضية، أي مرضية، كقولهم: هم ناصب، لأنه يقال: رضيت معیشته، على ما لم يسم فاعله، ولا يقال رضيت.
ويقال: رضيت به صاحبا.
و ربما قالوا: رضيت عليه، بمعنى رضيت به و عنه.وأنشد الأخفش:
إذا رضيت علي بنو قشير * لعمر الله أعجبني رضاها
وأرضيته عتي ورضيته بالتشديد أيضا، فرضي.
وترضيه: أرضیته بعد جهد. و استرضيه فأرضاني.
و راضاني فلان فرضوته أرضوه بالضم، إذا غلبته
فيه، لأنه من الواو .
وإنما قالوا: رضيت عنه رضا و إن كان من الواو، كما قالوا: شبع شبعا.
وقالوا: رضي لمكان الكسر، و حقه أن يقال: رضو.
و رضوی: جبل بالمدينة، و النسبة إليه: رضوي (2357:6)
ابن فارس : الراء و الضاد والحرف المعتل أصل واحد، يدل على خلاف السخط. تقول رضي یرضی یرضی. و هو راض، و مفعوله مرضي عنه.
و يقال: إن أصله الواو، لأنه يقال منه: رضوان.
ورضوی: جبل، وإذا نسب إليه: رضوي. (402:2)
أبوهلال: الفرق بين الإرادة والرضا: أن إرادة الطاعة تكون قبلها، والرضا بها يكون بعدها أو معها، فليس الرضا من الإرادة في شيء.
وعند أبي هاشم رحمه الله : أن الرضا ليس بمعنی، و نحن وجدنا المسلمين يرغبون في رضا الله تعالى، ولا يجوز أن يرغب في لاشيء .
والرضا أيضا: نقيض السخط، و السخط من الله تعالى إرادة العقاب، فينبغي أن يكون الرضا منه إرادة الثواب، أو الحكم به. (100)
ابن سيده: الرضا: ضد السخط، و نثنيته: رضوان ورضيان - الأولى على الأصل، والأخرى على المعاقبة. وكأن هذا إنما ثني على إرادة الجنس -رضي رضا و رضا و رضوانا ورضوانا، الأخيرة عن سيبويه، و نظره بشکران و رجحان و مرضاة، فهو راض من قوم رضاة، ورضي من قوم أرضياء و رضاة - الأخيرة عن اللحياني و هي نادرة، أعني تكسير رضي على رضاة و عندي أنه جمع راض لاغير - و رض من قوم رضين عن اللحياني .
وقال سيبويه : وقالوا: رضیو كما قالوا: غزیا. أسكن العين و لو كسرها لحذف، لأنه لا يلتقي ساکنان حيث كانت لا تدخلها الضمة و قبلها كسرة، و راعوا كسرة الضاد في الأصل، و لذلك أقروها ياء، و هي مع ذلك كله نادرة.
ورضيت عنك و عليك، قال القحیف العقيلي: إذا رضيت علي بنو قشير * لعمر الله أعجبني رضاها
عداه ب « علی »، لأنها إذا رضيت عنه أحبته و أقبلت عليه، فلذلك استعمل « علی » بمعنی « عن ».
قال ابن جني: و كان أبوعلي يستحسن قول الكسائي في هذا، لأنه قال: لما كان رضيت ضد سخطت عدي رضيت ب « على » حملا للشيء على نقيضه، كما يحمل على نظيره.
وقد سلك سيبويه هذه الطريق في المصادر كثيرا فقال : وقالوا: كذا كماقالوا: كذا، و أحدهما ضد الآخر، و قوله تعالى : « رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » المائدة : 119، التوبة : 10، المجادلة : 22، البينة : 8.
تأويله: أن الله رضي عنهم أفعالهم و رضوا عنه ما جازاهم به.
وأرضاه : أعطاه ما يرضى به.
و ترضاه: طلب رضاه.
ورضيه لذلك الأمر، فهو مرضو و مرضي.
و ارتضاه : رآه له أهلا .
و رجل رضی من قوم رضی: قنعان مرضي، وصفوا بالمصدر.
و أرضاني مرضاة فرضوه: كنت أشد رضا منه. ولا يمد « الرضا » إلا على ذلك. قال سيبويه : و قالوا: عيشة راضية على النسب، أي ذات رضا.
ورضوی: اسم جبل، و به سميت المرأة، و لاأحمله على باب « تقوى »، لأنه ليس في الكلام «رض ي»، فيكون هذا محمولا عليه.
و رضوی: فرس سعد بن شجاع. [و استشهد بالشعر مرتين ] (243:8)
الراغب: يقال: رضي يرضي رضا، فهو مرضي و مرضو.
ورضا العبد عن الله : أن لا يكره مايجري به قضاؤه.
ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرا لأمره، ومنتها عن نهیه. [ثم ذكر بعض الآيات وقال:]
والرضوان: الرضا الكثير، ولما كان أعظم الرضا رضا الله تعالی خص لفظ الرضوان في القرآن بما كان من الله تعالى، قال عز وجل:«وَ رَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ » الحديد : 27، و قال تعالى: « يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا » الفتح : 29، وقال: « يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ » التوبة: 21، و قوله تعالى: « إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ » البقرة : 232، أي أظهر كل واحد منهم الرضا بصاحبه و رضيه. (197)
الزمخشري: فعل ذلك ابتغاء رضوان الله و رضاه و مرضاته.
وطلب مراضي الله فيما فعل.
و رضيته و رضیت به صاحبا.
وهذا شيء رضا: مرضي.
و ما فعلته إلا عن رضوة فلان. [ثم استشهد بشعر]
و أعطاه حتی أرضاه و رضاه.
واسترضيته: طلبت رضاه.
و ترضيته بمال، إذا طلبت رضاه بجهد منك.
و استرضيته: طلبت إليه أن يرضيني.
و ارتضاه لصحبته و لخدمته.
و تراضياه و وقع به التراضي. (أساس البلاغة : 166)
ابن الأثير: وفي حديث الدعاء: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، و بمعافاتك من عقوبتك، و أعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».
وفي رواية: بدأ بالمعافاة ثم بالرضا، إنما ابتدأ بالمعافاة من العقوبة، لأنها من صفات الأفعال كالإماتة و الإحياء، والرضا والسخط من صفات الذات و صفات الأفعال أدنى رتبة من صفات الذات، فبدأ بالأدنى مترقیا إلى الأعلى.
ثم لما ازداد يقينا و ارتقاء ترك الصفات و قصر نظره على الذات، فقال: أعوذ بك منك، ثم لما ازداد
قربا استحيا معه من الاستعاذة على بساط القرب، فالتجأ إلى الثناء، فقال: لا أحصي ثناء عليك، ثم علم أن ذلك قصور، فقال: أنت كما أثنيت على نفسك. .
وأما على الرواية الأولى فإنما قدم الاستعاذة بالرضا على السخط، لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضا، وإنما ذكرها لأن دلالة الأولى عليها دلالة تضمين، فأراد أن يدل عليها دلالة مطابقة، فکتي عنها أولا، ثم صرح بها ثانيا، و لأن الراضي قد يعاقب للمصلحة، أو لاستیفاء حق الغير. (2: 232)
الفيومي: رضيت الشيء ورضيت به رضا: اخترته، و ارتضيته مثله.
ورضيت عن زيد ورضيت عليه، لغة لأهل الحجاز.
و الرضوان بكسر الراء و ضمها: لغة قيس و تمیم، بمعنى الرضا، و هو خلاف السخط .
و شيء مرضي أكثر من مرضو.
وقول الفقهاء: تشهد على رضاها، أي على إذنها، جعلوا الإذن رضا، لدلالته عليه.
و أرضيه إرضاء و راضیه مراضاة ورضاء مثل: وافقته موافقة و وفاقا وزنا و معنی. (1: 229)
الفيروز آبادي: ورضي عنه و عليه يرضى رضا و رضوانا و يضمان، ومرضاة: ضد سخط، فهو راض من رضاة، و رضي من أرضياء و رضاة، ورض من رضين.
وأرضاه: أعطاه ما يرضيه.
و استرضاه و ترضاه: طلب رضاه. و رضيته و به، فهو مرضي. و مرضي و ارتضاه لصحبته و خدمته.
وتراضياه: وقع به التراضي. واسترضاه: طلب إليه أن يرضيه. و ما فعلته إلا عن رضوته بالكسر : رضاه.
والرضاء: المراضاة و بالقصر: المرضاة، ویثنی: رضوان و رضيان.
وعيشة راضية مرضية. و رضیت معیشته ک عنیت، لارضيت بالفتح.
و راضاني فرضته أرضوه: غلبته.
و رجل رضا: مرضي.
و الرضي: الضامن والمحب، و والد غنية التابعية، و لقب علي بن موسی بن جعفر، و لقب جعفر بن دبوقا المقرئ.
و رضا کسدی: ابن زاهر.
وعبد رضا الخولاني: له صحبة.
و رضا: بیت صنم لربيعة.
و رضوی کسکری: فرس و جبل بالمدينة.
و ذو رضوان: جبل، و خازن الجنة. (336:4)
الطريحي: وفي الحديث: « سبحان الله رضا نفسه »، أي ما يقع منه سبحانه موقع الرضا، أو ما يرضاه لنفسه.
وفي الدعاء: « و خذ لنفسك رضاء من نفسي»، أي اجعل نفسي راضية بكل ما يرد عليها منك، هكذا نقل عن بعض العارفين.
وفي حديث الشيعة مع مخالفيهم: «أرضوا ما رضي الله منهم من الضلال »، أي أقروهم على ما أقرهم الله عليه، و ليس المراد حقيقة الرضا.
وفي حديث من قال: « الحمد لله منتهی علمه» لا تقولن: منتهی علمه، و قل: منتهی رضاه ».
وفي حديث علي علیه السلام : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسی » أي في استخلافه على ذريته و أهله و قومه.
و «رضيت بالشيء رضی»: اخترته، و «ارتضيته » مثله.
و «رضيت عن زيد »: و «رضيت عليه» لغة ،والاسم: الرضاء بالمد.
و «رضيت بالله ربا »: قنعت به، و لا أطلب معه غيره.
وفي الحديث: « من رضي بالقليل من الرزق قبل الله منه اليسير من العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤنته و تنعم أهله، و بصره الله داء الدنيا و دواءها، و أخرجه منها سالما إلى دار السلام».
و «الراضي »: الذي لا يسخط بما قدر عليه، ولا يرضى لنفسه بالقليل من العمل.
و «الرضا »: هو علي بن موسى علیه السلام ، و إنما لقب بذلك، لأنه كان رضي الله في سمائه، و رضى الرسول صلی الله علیه و آله في أرضه، و رضى للأئمة علیهم السلام من بعده، و رضي به المخالفون من أعدائه کما رضي به الموافقون من أوليائه، ولم يكن ذلك لأحد من آبائه علیهم السلام ، ولد سنة ثمان وأربعين و مائة. و قبض و هو ابن خمس وخمسين سنة، كذا في « الكافي ».
وفي رواية : و قبض و هو ابن تسع و أربعين سنة و أشهر.
وقول الفقهاء: «أشهد على رضاها »، أي إذنها،جعلوا الإذن رضی، لدلالته عليه.
وفي الحديث: «الصلاة رضوان الله »، أي سبب رضوانه، أو مبالغة، كزيد عدل.
و «الرضوان » بكسر الراء وضمها: أعلى مراتب الرضا.
و « بلغ بي رضوانك »، أي أبلغني منتهی رضاك.
و قوله: «حتى ترضى و بعد الرضا» قيل: هو كناية عن دخول الجنة، و يمكن أن يكون كناية عن كمال الحمد، أو إني لا أقطع شكري لك بعد حصول رضاك.
و رضوان: خازن الجنان.
و رضوی: جبل بالمدينة.
و راضيه مراضاة ورضاء مثل وافقته موافقة و وفاقا، و زنا ومعنی.
و « شهادة أن لا إله إلا الله مرضاة للرحمان »، أي محل رضاه. (185:1)
مجمع اللغة: 1- رضيه و رضي به: اختاره أو طابت نفسه به.
و رضي به: قنع به و طابت نفسه به.
ورضي عنه و عليه: أحبه و أقبل عليه بؤده.
رضي يرضي رضا و رضوانا ومرضاة، و اسم الفاعل: راض و هي راضية، و اسم المفعول: مرضي و هي مرضية. و يقال: هو رضي، أي مرضي.
و رضا الله عن العبد: أن يجزل له ثواب ما عمل.
و رضا العبد عن الله : أن تطيب نفسه بما جوزي به .
و رضي له الشيء: اختاره له.
2-أرضاه يرضيه: جعله يرضى.
3- تراضيا يتراضیان تراضيا: اتفق مع آخر على شيء يرضي كلا منهما.
4- ارتضى الشيء يرتضيه ارتضاء: رضيه. (485:1)
العدناني: رضيت الأمة العربية رضا عظيما عن حرب رمضان.
و يقولون: رضيت الأمة العربية رضاء عظيما عن حرب رمضان، والصواب: رضا عظيما، لأن «الرضاء» اسم، كما ذكر الأخفش والصحاح، و المختار، و ليس مصدرا، أو هو أحد مصدري الفعل راضاه القياسيين: رضاء و مراضاة، و ليس من مصادر الفعل رضي، التي منها:
1- رضا: معجم ألفاظ القرآن الكريم، و الألفاظ الكتابية للهمذاني «باب الموافقة و الرضا» والصحاح، و معجم مقاييس اللغة، و مفردات الراغب الأصفهاني، و الحريري في المقامة التنيسية »، و الأساس، و المختار، واللسان، و القاموس، و التاج، و دوزي، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.
وجاء في النهاية: في حديث الدعاء : « اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، و بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت، كما أثنيت على نفسك »، قدم الاستعاذة بالرضا على السخط، لأن المعافاة من العقوبة تحصل بحصول الرضا.
2- ورضى: الألفاظ الكتابية «باب القناعة»، والمحكم، و المصباح، و المد، و محيط المحيط.
3- و رضا: اللسان، و القاموس، و التاج، و أقرب الموارد.
4-و رضی: المحكم، و المد.
5- و رضوان: قال تعالى في الآية : 162، من آل عمران: «أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ »، و ذكر المصدر « رضوان » أيضا كل من مفردات الراغب الأصفهاني، و الأساس، و المختار، واللسان، والمصباح « لغة قیس»، و القاموس، و التاج، والمد، و محيط المحيط، و دوزي، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط .
6- و رضوان: سيبويه، و المختار، و اللسان، و المصباح « لغة تميم»، والقاموس، والتاج، والمد، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن.
7- و مرضاة: معجم ألفاظ القرآن الكريم و المحكم، و الأساس، و المختار، و اللسان، و القاموس، والتاج، و المد، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، والوسيط.
و انفرد «الوسيط » بذكر المصدر «رضاء» بين مصادر الفعل « رضي »، و هو خطأ.
رضیه، رضي عنه، رضي عليه، رضي به.
ويخطئون من يقول: رضي عليه، و يقولون: إن الصواب هو:رضی عنه.
و لكن:
کلا حرفي «عن و علی » صحيح بعد الفعل، وإن كانت جملة « رضي عنه » أعلى من جملة «رضي
عليه ». أما « رضي عنه » فقد جاء في الآية : 119، من سورة المائدة: « رَضِیَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِکَ الفَوْزُ العَظِیمُ »، وورد حرف الجر «عن» بعد الفعل « رضي » 22 مرة أخرى في آي الذكر الحكيم.
وممن ذکر « رضي عنه »: معجم ألفاظ القرآن الكريم، و الصحاح، و معجم مقاييس اللغة، و المحكم، و مفردات الراغب الأصفهاني، والمختار، واللسان، والمصباح، و القاموس، والتاج، والمد، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و البستان، و الوسيط .
و ممن ذکر « رضي عليه »: معجم ألفاظ القرآن الكريم، و الصحاح، « ربما قالوا: رضيت عليه»، والمحكم، و المختار، و اللسان، و المصباح «لغة لأهل الحجاز»، و القاموس، و التاج « قليل »، و المد، و محیط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و البستان «نادرة جدا»، والوسيط.
وهنالك الفعلان رضیه: قبل به، و رضي به : اختاره و قنع به. جاء في الآية الثالثة من سورة المائدة: « وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» وقد ذكر الفعل « رضي » متعديا عشر مرات أخرى في آي الذكر الحكيم.
و ممن ذكر الفعل « رضي » متعديا أيضا: معجم ألفاظ القرآن الكريم، والصحاح، و مفردات الراغب الأصفهاني، و الأساس، و المختار، واللسان، و المصباح، و القاموس، و التاج، و المدة، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط
وجاء في الآية : 38، من سورة التوبة: « أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا مِنَ الآخِرهِ»، و قد ورد الفعل « رضي به » خمس مرات أخرى في القرآن الكريم.
و ممن ذكر الفعل « رضي به » أيضا: معجم ألفاظ القرآن الكريم، و الصحاح، و الأساس، و المختار، و اللسان، و المصباح، و القاموس، والتاج، و المد، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط .
أما فعله فهو: رضي یرضی رضی، و رضی، و رضوانا، و رضوانا « قيسية » و مرضاة.
رضاه ترضية فرضي
و يخطئون من يقول: عملت على ترضية سامر، اعتمادا على:
أ- إهمال المصباح ذكر الفعل: رضی
ب - و ذكر القاموس الفعل « رضي » و مشتقاته:
«أرضی، و راضی، و ترضی، و تراضی، و ارتضی، و استرضى ، و إهماله ذكر الفعل « رضی» الذي مصدره: ترضية.
ج - و حذا محيط المحيط حذو المصباح و القاموس في إهمال ذكر الفعل « رضی ».
و لكن:
1- قال الصحاح: أرضيه عني و «رضيته»، و نقلها عنه اللسان والمد.
2-وقال الأساس: أعطاه حتی أرضاه و «رضاه ».
3- وقال مختار الصحاح: رضیته ترضية فرضي.
4 - و قال التاج في مستدرکه: رضاه ترضية: أرضاه.
5 - وقال المتن: رضاه ترضية: أعطاه ما يرضيه.
6- وقال الوسیط: رضاه أرضاه.
لذا قل: رضاه ترضية، كما قال أولئك الأعلام الثمانية. (262)
محمد إسماعيل إبراهيم : رضيه و رضي به: اختاره و طابت نفسه به.
ورضي عنه و عليه: أحبه و أقبل عليه.
و رضي الله عن عبده: قبله و أراد ثوابه.
و رضا العبد عن الله : أن تطيب نفسه بما جوزي به.
وأرضاه: جعله يرضى، و أعطاه ما يرضيه.
و تراضى القوم الشيء: ارتضى كل منهم به.
و الرضوان: الرضاء، و الرضي: المرضي، و المطيع.
والعيشة الراضية: هي المرضية.
و ابتغاء مرضاتي: طلبا لرضائی (1: 224)
المصطفوي: إن الأصل الواحد في هذه المادة : هو موافقة الميل بما يجري عليه و يواجهه.
والفرق بين هذه المادة و مواد الوفاق و الحب و الطاعة و الإذن و السرور والاختيار: أن الوفاق هو أعم من أن يكون مطابق الميل أم لا، فهو مطلق الموافقة في مقابل الخلاف.
والحب وداد شديد في مقابل البعض سواء كان موافقا لأمر أم لا.
و الطاعة في مقابل العصيان، سواء كان مطابقا الميله أم لا.
والإذن اطلاع بقيد الموافقة.
والسرور مطلق حصول فرح.
والاختيار هو انتخاب أمر مع تفضيله على أمور اخر.
ثم إن الرضا قد يستعمل متعلقا بالمفعول بلاواسطة حرف كما في: « رَضُوا ما آتیهُمُ اللّهُ » التوبة: 59، « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها » البقرة : 144، «وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا »التوبة : 24، « أَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ » التمل: 19، فیراد مطلق تحقق الرضا في هذا المورد.
وقد يستعمل بواسطة الباء كما في: « أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا » التوبة : 38، « إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ» التوبة : 83، « رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ » التوبة : 93، فيستفاد منها التأكيد، ويدل على شدة التمايل و التعلق.
وقد يستعمل بحرف « عن » كما في: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » المائدة : 119، « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ » الفتح: 18، « وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ اَلْيَهُودُ » البقرة : 120، فدل على الرضاعن جميع أعماله و آثاره المطلقة، من دون متعلق مخصوص.
و قد يستعمل من دون تعلق بشيء، كما « يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» الضحى: 5، « فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا» التوبة :58، « إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلى * وَ لَسَوْفَ يَرْضَى » الیل : 20، 21، فيدل على مطلق تحقق الرضا من دون خصوصية من جهة المتعلق.
و أما صيغة المصدر على «فعلان »: فتدل على رضی کثیر و توافق شديد، كما في: « يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا» الفتح : 29، «وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ» التوبة : 72، « مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ » المائدة : 16، وعلى هذا يستعمل فيما ينسب إلى الله المتعال.
وأما الضاة: فمصدر ميمي على « مفعل» قد الحقه التاء، ويدل على الرضا المستديم، كما في : « اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ » البقرة : 207، « تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ » التحريم:1، أي استدامة الرضا، و هذا من جهة الزيادة في الأول والآخر.
و لنعم ما في «مصباح الشريعة» باب 89: و الرضا شعاع نور المعرفة، و الراضي فان عن جميع اختياره، والرضا: اسم يجتمع فيه معاني العبودية.
وعن الباقر علیه السلام: « تعلق القلب بالموجود شرك و بالمفقود کفر، و هما خارجان من ستة الرضا».
وأما الإرضاء: فهو جعل شخص راضيا « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ» التوبة : 62 .
و أما الارتضاء: فهو اختيار الرضا، أي الرضا طوعا و رغبة « إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ » الجن: 27، « وَلَايَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى» الأنبياء: 28، أي من يختاره و يرضى عنه. (152:4)
النصوص التفسيرية
رضی-رضوا
1- « قالَ اللّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » المائدة : 119
مقاتل: « رضى الله عنهم » بالطاعة « و رضوا عنه » بالثواب. (522:1)
الطبري: القول في تأويل قوله تعالى: «رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ» يقول تعالى ذكره: رضي الله عن هؤلاء الصادقين الذين صدقوا في الوفاء له، بما وعدوه من العمل بطاعته و اجتناب معاصيه، «وَ رَضُوا عَنْهُ» يقول: و رضوا هم عن الله تعالى في وفائه لهم بما وعدهم على طاعتهم إياه، فيما أمرهم و نهاهم من جزيل ثوابه. (142:5)
القشيري: و رضاء الحق سبحانه: إثبات محل لهم، و ثناؤه عليهم و مدحه لهم، وتخصیصهم بأفضاله و فنون نواله. و رضاؤهم عن الحق سبحانه في الآخرة: وصولهم إلى مناهم، فهو الفوز العظيم و النجاة الكبرى. (153:2)
الميبدي: حقيقة الرضا: أن يتواضع و يقبل على التقدير، و أن يسد لسانه من الاعتراض، و لم يعترض على حكم الله. و قال أبوعلي الدقاق: «ليس الرضا أن لا تحس بالبلاء، إنما الرضا أن لا تعترض على الحكم والقضاء » .
أوحى الله على موسى: « یا ابن عمران رضائي في رضاك بقضائي ». قال أبو عبد الله الخفيف: الرضا على قسمين: رضا به ورضاعنه، فالرضا به مدبرا، والرضا عنه فيما يقضي.
قال رسول الله صلی الله علیه و آله: « ذاق طعم الإيمان من رضی بالله ربا ».
والخلاف بين علماء الطريقة و أرباب المعارف: أن
الرضا من جملة المقامات أم من الأحوال؟
و الخراسانيون على أنه من جملة المقامات، يعني أنه نهاية التوكل و اکتساب العبد.
والعراقيون على أنه من جملة الأحوال، ولااكتساب العبد، يعني أنه نازلة من الغيب على القلب، والقلب يطمئن به.
وقال قوم: بداية الرضا مکتسب و من جملة المقامات، و نهايته غير مكتسب و من جملة الأحوال.
وقال: الرضا: سكون القلب تحت مجاري الأحكام، و سرور القلب بمر القضاء. (3: 280)
الطبرسي: « رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ » بما فعلوا «وَ رَضُوا عَنْهُ » بما أعطاهم من الجزاء و الثواب. (270:2)
الفخر الرازي: و أما قوله تعالى: « رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذَلِکَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ » فهو إشارة إلى العظيم. هذا ظاهر قول المتكلمين. و أما عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى، فتحت قوله: «رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » أسرار عجيبة، لاتسمح الأقلام بمثلها، جعلنا الله من أهلها.
و قوله: « ذَلِکَ الْفَوْزُ الْعَظِیمُ » الجمهور على أن قوله: « ذَلِکَ » عائد إلى جملة ما تقدم، من قوله: « لهم جنات تجری » إلى قوله: « وَرَضُوا عَنْهُ ». و عندي أنه يحتمل أن يكون « ذَلِکَ » مختصا بقوله: « رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ »، فإنه ثبت عند أرباب الألباب أن جملة الجنة بما فيها بالنسبة إلى رضوان الله کالعدم بالنسبة إلى الوجود، و كيف و الجنة مرغوب الشهوة، و الرضوان صفة الحق، و أي مناسبة بينهما. وهذا الكلام يشمئز منه طبع المتكلم الظاهري، و لكن كل میسر لما خلق له. (138:12)
القرطبي: ثم بين تعالى ثوابهم، وأنه راض عنهم رضا لا يغضب بعده أبدا. « وَ رَضُوا عَنْهُ » أي عن الجزاء الذي أثابهم به. (6: 380)
أبو حيان: « رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ » قيل: بقبول حسناتهم، «وَ رَضُوا عَنْهُ» ما آتاهم من الكرامة و قيل: بطاعتهم، و رضوا عنه في الآخرة بثوابه. وقال الترمذي: بصدقهم،« وَرَضُوا عَنْهُ » بوفاء حقهم. و قيل: في الدنيا و رضوا عنه في الآخرة. [ثم نقل كلام الفخر و قال: ]
و هو كلام عجیب، شبيه بكلام أهل الفلسفة والتصوف. (64:4)
الفيروزابادي: اعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن الرضا مستحب، مؤكد استحبابه.
واختلفوا في وجوبه على قولين. والأكثر على تأکد استحبابه، فإنه لم يرد الأمر به كما ورد في الصبر، وإنما جاء [الثناء] على أصحابه . و أما ما یروی من الأثر: « من لم يرض بقضائی، ولم يصبر علی بلائي ،فليتخذ ربا سواي » فهذا أثر إسرائيلي لم يصح عن النبي صلی الله علیه و آله ، ولاسيما عند من يرى أنه من جملة الأحوال التي ليست مكتسبة، و أنه موهبة محضة. فكيف يؤمر به و ليس مقدورا!
وهذه مسألة اختلف فيها السالكون على طرق ثلاث: فقال شيوخ خراسان: إنه من جملة المقامات
و هو نهاية التوكل. وقال آخرون: هو من جملة الأحوال، يعني هذا لايمكن أن يتوصل إليه العبد، بل هو نازلة تحل بالقلب كسائر الأحوال. و الفرق بين المقامات و الأحوال، أن المقامات عندهم من المكاسب، و الأحوال مجرد المواهب.
و حکمت فرقة ثالثة بين الطائفتين، منهم الشيخ القدوة صاحب الرسالة و غيره. فقالوا: يمكن الجمع بينهما بأن يقال: مبدأ الرضا مكتب للعبد فهو من جملة المقامات، و نهايته من جملة الأحوال، فليست مكتسبة .
واحتج شيوخ خراسان و من قال بقولهم: بأن الله تعالي مدح أهله وأثنى عليهم وندبهم إليه، فدل على أنه مقدور لهم. وقال النبي صلی الله علیه و آله: « ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد رسولا».
و رأيت من أصحابنا من نزل هذا الحديث على جميع معاني سورة الأنبياء حرفا حرفا. وقال: «من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد رسولا غفرت له ذنوبه ».
وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين، وقد تضمنا الرضا بربوبيته سبحانه و ألوهيته، والرضا برسوله والانقياد له، و الرضا بدينه والتسليم له. و من اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصدیق حقا. و هي سهلة بالدعوى و اللسان، و من أصعب الأمور عند الحقيقة و الامتحان، ولاسيما إذا ما خالف هوى النفس و مرادها، فحينئذ يتبين أن الرضا كان علی رسالة، لاعلى حالة.
فالرضا بإلاهيته متضمن للرضا بمحبته وحده، و خوفه و رجائه و الإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة و الحب كلها إليه، فعل الراضي بمحبوبه كل الرضاء و ذلك يتضمن عبادته والإخلاص له. والرضا بربوبيته يتضمن الرضا بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه و الاستعانة و الثقة به والاعتماد عليه، وأن يكون راضيا بكل ما يفعله. فالأول: يتضمن رضاه بما يأمر به، والثاني: يتضمن رضاه بما يقدره عليه.
وأما الرضا بنبيه رسولا، فيتضمن كمال الانقياد له و التسليم المطلق إليه؛ بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولايحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، و لایرضی بحكم غيره ألبتة، لا [ في ] شيء من أسماء الرب و صفاته و أفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان و مقاماته، ولا في شيء من أحكامه ظاهره و باطنه، ولايرضى إلا بحكمه. فإن عجز عنه كان تحکیمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيت إلا من الميتة والدم، و أحسن أحواله أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز من استعمال الماء للطهور.
وأما الرضا بنيته، فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهی، رضي كل الرضا، و لم يبق في قلبه حرج من حكمه، و سلم لله تسليما، و لو كان مخالفا لمراد نفسه و هواها، و قول مقلده و شیخه و طائفته.
وهاهنا توحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم،
فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد، فإنه - و الله - عين العزو الصحبة مع الله تعالى و رسوله، و روح الأنس به، و الرضابه ربا و بمحمد رسولا و بالإسلام دينا. بل الصادق كلما وجد سر الاغتراب و ذاق حلاوته و تنسم روحه قال: اللهم زدني اغترابا أو وحشة في العالم و أنسا بك. و كلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب و التفرد، رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذل عين العز بهم، و الجهل عين الوقوف مع آرائهم و زبالة أذهانهم، و الانقطاع عين التعبد برسومهم و أوضاعهم، فلم يؤثر بنصيبه من الله أحدا من الخلق، ولم يبع حظه من الله بموافقتهم فيما لا يجدي عليه إلا الحرمان. و غايته مودة بينهم في الحياة الدنيا.
فإذا انقطعت الأسباب، وحقت الحقائق، وبعثر ما في القبور، و حصل ما في الصدور، تبين له حد مواقع الربح من الخسران، و الله المستعان.
والتحقيق في المسألة: أن الرضا کسبي باعتبار سببه، وهي باعتبار حقيقته، فيمكن أن يقال بالكسب الأسبابه، فإذا تمكن في أسبابه و غرس شجرته، اجتني منها ثمرة الرضا فإن الرضا أخو التوكل. فمن رسخ قدمه في التوكل و التسليم والتفويض، حصل له الرضا ولابد. و لكن لعزته و عدم إجابة أكثر النفوس له و صعوبته عليها، لم يوجبه الله على خلقه رحمة بهم و تخفيفا عنهم. لكن ندبهم إليه وأثنى على أهله، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنات و ما فيها، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه.
بل رضا العبد عن الله علامة رضا الله عنه و من نتائجه، فهو محفوف بنوعين من رضا الله عن عبده: رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه، و رضا بعده وهو ثمرة رضاه عنه، و لذلك كان الرضا باب الله الأعظم، و جنة الدنيا، و محل راحة العارفين، و حياة المحبين، و نعيم العابدین، و قرة عين المشتاقين.
و من أعظم أسباب حصول الرضا أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولابد. قيل ليحيى بن معاذ رحمه الله: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ قال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه، فيقول: إن أعطيتني قبلت، وإن منعتنى رضیت، و إن تر کتنی عبدت، و إن دعوتني أجبت. و ليس الرضا و المحبة كالرجاء والخوف، فإن الرضا والمحبة حالان من أحوال أهل الجنة، لا يفارقان في الدنيا ولا في البرزخ و لا في الآخرة، بخلاف الخوف والرجاء فإنهما يفارقان أهل الجنة لحصول ما كانوا يرجونه، و أمنهم ما كانوا يخافونه. وإن كان رجاؤهم لما ينالون من كراماته دائما، لكنه ليس رجاء مشوبا بشك، بل رجاء واثق بوعد صادق من حبيب قادر. فهذا لون، و رجاؤهم في الدنيا لون.
واعلم أنه ليس من شروط الرضا ألا يحس بالألم و المكاره، بل ألا يعترض على الحكم و لا يسخط، فإن وجود التألم و کراهة النفس لاينافي الرضا، کرضا المريض بشرب الدواء الكریه، و رضا الصائم في اليوم الشديد الحربما يناله من ألم الجوع والظما.
و طريق الرضا طريق مختصرة قريبة جدا موصلة
إلى أجل غاية، و لكن فيها مشقة، و مع ذلك فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة، ولافيها من المفاوز و العقبات ما فيها، و إنما عقبتها همة عالية و نفس زكية، و توطين النفس على كل ما يرد عليها من الله، و يسهل ذلك على العبد علمه بضعفه و عجزه، و رحمة ربه و بره به. فإذا شهد هذا وهذا و لم يطرح نفسه بين يديه، و يرض به و عنه، و ينجذب دواعي حبه و رضاه كلها إليه، فنفسه نفس مطرودة عن الله، بعيدة عنه، غير مؤهلة لقربه و موالاته، أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا و المحن. فطريق الرضا والمحبة تسير العبد و هو مستلق على فراشه، فيصبح أمام الركب بمراحل. و ثمرة الرضا: الفرح والسرور بالله تعالی.
وقال الواسطي: استعمل الرضا جهدك، و لاتدع الرضا يستعملك، فتكون محجوبا بلذته و رؤيته عن حقيقته. وهذا الذي أشار إليه عقبة عظيمة عند القوم، و مقطع لهم، فإن السكون إلى الأحوال و الوقوف عندها استلذاذا و محبة حجاب بينهم وبين ربهم، و هي عقبى لا يقطعها إلا أولو العزائم. و من كلامه: إياكم و استحلاء الطاعات فإنها سموم قاتلة. فهذا معنى قوله: « استعمل الرضا و لا تدع الرضا يستعملك » أي لا يكون عملك لأجل حصول حلاوة الرضاء بحيث تكون هي الباعثة لك عليه، بل اجعله آلة لك و سببا موصلا إلى مقصودك. و مطلوبك، وهذا لايختص بالرضا، بل هو عام في جميع الأحوال و المقامات القلبية التي يسكن إليها القلب.
وسئل أبو عثمان عن قول النبي صلی الله علیه و آله: «أسألك الرضا بعد القضاء»، فقال: لأن الرضاء قبل القضاء عزم على الرضا، و الرضا بعد القضاء هو الرضا. و قيل: الرضا: ارتفاع الجزع في أي حکم کان، و قيل: رفع الاختيار، و قيل: استقبال الأحكام با لفرح. وقيل: سكون القلب تحت مجاري الأحكام، و قيل: نظر العبد إلى قدم اختیار الله تعالى للعبد.
وقيل للحسين بن علي رضي الله عنهما: إن أباذر يقول: «الفقر أحب إلي من الغني، والسقم أحب إلي من الصحة ». فقال: « رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: « من اتكل على حسن اختيار الله له لم يحب غير ما اختاره الله له ».
و الرضا ثلاثة أقسام: رضا العوام بما قسمه الله،و رضا الخواص ما قدره الله و قضاه، و رضا خواص الخواص به بدلا عن كل ما سواه، و الله أعلم . (بصائر ذوي التمييز 3: 78)
أبوالسعود: استئناف آخر لبيان أنه عز و جل أفاض عليهم غير ما ذكر من الجنات ما لاقدر لها عنده، و هو رضوانه الذي لاغاية وراءه، كما ينبئ عنه قوله تعالى: « و رضوا عنه » إذ لا شيء أعز منه حتی يمتد إليه أعناق الهمم، و ذلك إشارة إلى نيل رضوانه تعالى، و قيل: إلى نيل الكل. (346:2)
البروسوي: « رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ » بالطاعة « وَ رَضُوا عَنْهُ »بنيل الكرامة و الرضوان فیض زائد على الجينات، لاغاية وراءه. (467:2)
الشوكاني: أي رضي عنهم بما عملوه من
الطاعات الخالصة له، و رضوا عنه بما جازاهم به مما لايخطر لهم على بال و لا تتصوره عقولهم. و الرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم و أعلى منازل الكرامة، و الإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه من دخول الجنة والخلود فيها أبدا، و رضوان الله عنهم. (120:2)
الآلوسي: و قوله سبحانه:« رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ » بيان لكونه تعالى أفاض عليهم غير ماذكر و هو رضوانه عز و جل الذي لاغاية وراءه، كما ينبئ عن ذلك قوله سبحانه: « وَ رَضُوا عَنْهُ » إذ لا شيء أعز منه حتى تمد إليه أعناق الآمال.(72:7)
القاسمی: « رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ » لصدقهم « وَ رَضُوا عَنْهُ » تحقيقا لصدقهم، فلم يسخطوا لقضائه في الدنيا. (2227:6)
رشید رضا: هي بيان للنعيم الروحاني بعد ذکر التعيم الجثماني، فإن رضا الله تعالى عنهم و رضاهم عنه، هو غاية السعادة الأبدية في نفسه، وفيما يترتب عليه من عطاياه تعالى وإكرامه. و من كونهم يكونون ناعمين بذلك الإكرام مغتبطين به؛ إذ لا مطلب لهم أعلى منه، فتمتد أعناقهم إليه و تستشرف قلوبهم له، حتى يتوقف رضاهم عليه.
وأما كونه سعادة في نفسه فيعلم من حال كل من كان في كنف إنسان: والد أو أستاذ أو قائد أو رئيس أو سلطان، فإن علمه برضاه عنه يجعله في غبطة و هناء و طمأنينة قلب، و يكون سروره وزهوه بذلك على قدر مقام رئيسه الراضي عنه، على حد البيت الذي يتمثل به الصوفية: قوم تخالجهم زهو بسيدهم * والعبد يزهی علی مقدار مولاه
على أن مرضاة رؤساء الدنيا لا يستلزم رضاء المرؤسين دائما، لأن منهم الظالمين الذين لايوفون أحدا حقه وإن كانوا راضين عنه، و رضاء أكرم الأكرمين يستلزم رضاء من رضي هو عنه، لأنه يعطيه أضعاف ما يستحق،و فوق ما يؤمل و يرجو، كما قال تعالى في سورة آلم السجدة : 17 « فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » ورضوانه تعالى فوق كل شيء، كما قال في سورة التوبة بمعنى ما هنا: « وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » التوبه :72 . (273:7)
المراغی: و رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهذا غاية السعادة الأبدية؛ إذ لا مطلب لهم أعلى منه حتی تمتد أعناقهم إليه، و تتطلع نفوسهم لبلوغه، كما قال تعالى:« فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » السجدة : 17 . (66:7)
سید قطب: درجات بعد درجات الجنات و الخلود، و رضا الله و رضاهم بالقوا من ربهم من التكريم. (1002:2)
ابن عاشور: و معنی: « وَ رَضُوا عَنْهُ » المسرة الكاملة بما جازاهم به من الجنة ورضوانه. و أصل الرضا: أنه ضد الغضب، فهو المحبة و أثرها من الإكرام و الإحسان. فرضي الله مستعمل في إكرامه و إحسانه،
مثل محبته في قوله: «يحبهم » المائدة : 54، و رضی الخلق عن الله هو محبته و حصول ما أملوه منه بحيث لا يبقى في نفوسهم متطلع. ( 276:5)
مغنية: و رضي الله عن عبده جنات و نعيم، و مقام کریم، و رضى العبد عن ربه أن يفرح بما آتاه الله من فضله. قال الرازي: « في رضي الله أسرار عجيبة تخرس الأقلام عن مثلها، جعلنا الله من أهلها ». و لن يكون أحد من أهلها إلا بعد أن يدفع الثمن، والثمن أن يكون شعار المشتري «لا إله إلا الله » في كل شيء، أي أن لا يغضبه في شيء، حتى و لو قرض بالمقاريض، و نشر بالمناشير، تماما كما قال سيد الكونين: « إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي »، و كما قال سبطه الحسين الشهيد عليه السلام: « رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، و يوفينا أجور الصابرین ». (3: 153)
الطباطبائي: قوله: «رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ» يدل على أن الله يرضى عن أنفسهم، و من المعلوم أن الرضى لا يتعلق بأنفسهم ما لم يحصل غرضه جل ذكره من خلقهم، وقد قال تعالى: « ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاْلإِنْسَ إِلّا لِیَعْبُدُونِ» الذاريات : 56، فالعبودية هو الغرض الإلهي من خلق الإنسان، فالله سبحانه إنما يرضى عن نفس عبده إذا كان مثالا للعبودية، أي أن يكون نفسه نفس عبد لله الذي هو رب كل شيء فلايرى نفسه ولا شيئا غيره إلا مملوکالله، خاضعا لربوبيته لا يتوب إلا إلى ربه، و لا يرجع إلا إليه، كما قال تعالى في سليمان و أيوب: « نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ » ص : 44، و هذا هو الرضى عنه.
وهذا من مقامات العبودية، و لازمه طهارة النفس عن الكفر بمراتبه و عن الاتصاف بالفسق، كما قال تعالى: « وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ » الزمر : 7، وقال تعالى: « فَإِنَّ اللّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ » التوبة : 96.
و من آثار هذا المقام أن العبودية إذا تمكنت من نفس العبد، و رأى ما يقع عليه بصرهو تبلغه بصيرته مملوكا لله خاضعا لأمره، فإنه يرضى عن الله، فإنه يجد أن كل ما آتاه الله، فإنما آتاه من فضله من غير أن يتحتم عليه، فهو جود و نعمة، و أن ما منعه فإنما منعه عن حكمة.
على أن الله سبحانه يذكر عنهم وهم في الجنة بقوله: « لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ » النحل: 31، الفرقان : 16، و من المعلوم أن الإنسان إذا وجد كل مايشاؤه لم يكن له إلا أن يرضى.
و هذا غاية السعادة الإنسانية بما هو عبد، و لذلك ختم الكلام بقوله: « ذلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ». (6: 252)
عبد الكريم الخطيب: «رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ» بما كان منهم من صدق في القول والعمل، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بما أحسن إليهم من جزاء، و أفاض عليهم من نعیم... .
و في قوله تعالى: « وَ رَضُوا عَنْهُ » لفتة كريمة من رب کریم، إلى عباده المكرمين؛ حيث يرضى عنهم و يرضون عنه، حتى لكأنه رضی متبادل بين الخالق و المخلوقين، و المعبود و العابدين، فسبحانه من رب کریم، بر رحیم .
شاهت وجوه من يتجهون إلى وجه غير وجهه، و خسئ و خسر من يلوذون بجناب غیر جنابه. و يطوفون بحمى غير حماه. (86:4)
مکارم الشيرازي: و هؤلاء الصادقون « لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها » و خير من هذه النعمة المادية أنهم « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ» ولاشك أن هذه النعمة الكبرى التي تجمع بين النعم المادية و النعم المعنوية شيءعظيم: « ذلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ».
يلفت النظر أن الآية، بعد ذكر بساتين الجنة و نعمها الكثيرة، تذكر نعمة رضي الله عن عباده، و رضى عباده عنه، و تصف ذلك بأنه الفوز العظيم، و هذا يدل على مدى أهمية هذا الراضى المتبادل، فقد يكون امرؤ غارقا في أرفع نعم الله، و لكنه إذا أحس بأن مولاه و معبوده و محبوبه ليس راضيا عنه، فإن جميع تلك النعم و الهبات تصير علقما في ذائقة روحه.
كما يمكن أن يتوفر لامرئ كل شيء، و لكنه لا يكون راضيا و لا قانعا بما عنده، فمن الواضح أن هذه النعم بأجمعها غير قادرة على إسعاد تلك الروح، بل تكون دائما معرضة لعذاب قلق غامض و اضطراب نفسي مستمر، يقضيان على الراحة النفسية التي هي من أعظم نعم الله.
ثم إذا كان الله راضيا عن امرئ فإنه يعطيه كل ما پرید، فإذا أعطاه كل ما يريد فإنه يكون راضيا عن ربه أيضا. من هنا فإن أعظم النعم هي أن يرضي الله عن الإنسان، و يرضى الإنسان عن ربه. (187:4)
فضل الله: فقد أطاعوا الله في حياتهم فنالوا رضاه بذلك، و قد عاشوا الشعور الدائم بالاطمئنان لقضاء الله وقدره، فهم راضون عند الشدة، و راضون عند الرخاء، و هم مرتاحون للعافية، كماهم مرتاحون للبلاء، لأنهم يعرفون، من موقع إيمانهم، أن الله لا يقضي لهم إلا ما يصلح أمرهم و يرفع درجتهم. و هكذا يعيشون الرضى عن الله في الآخرة في ما يغدقه عليهم من لطفه و رحمته. (409:8)
2 - « وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » التوبة : 100
سيأتي في: س ب ق: « السابقون ».
3- « لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً». طه: 109
الطبري: و أدخل في الكلام له دليلا على إضافة القول إلى كناية «من» و ذلك كقول القائل الآخر: رضيت لك عملك، و رضيته منك . (الطبري 8: 460)
الطوسي: ورضي قوله فيها: من الأنبياء والأولياء والصديقين و المؤمنين. (210:7)
الميدي: في أن يشفع له، و هم المسلمون الذين رضى الله سبحانه قولهم، لأنهم قالوا لا إله إلا الله و هو معنى قوله: «وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً» و هذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين. (178:6)
الزمخشري:« وَرَضِيَ لَهُ » لأجله. أي أذن للشافع و رضى قوله لأجله. و نحو هذه اللام اللام في
قوله تعالى: « وَ قَالَ الَّذِينَ کَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ کَانَ خَيْراً مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ » الأحقاف: 11، أي يعلم ماتقدمهم من الأحوال و ما يستقبلونه(2: 554)
الطبرسي: أي لا تنفع ذلك اليوم شفاعة أحد في غيره إلا شفاعة من أذن الله له في أن يشفع و رضي قوله فيها: من الأنبياء والأولياء والصالحين والصديقين والشهداء (4: 31)
الفخر الرازي: قال صاحب «الكشاف »:( من) يصلح أن يكون مرفوعا و منصوبا فالرفع على البدل من الشفاعة بتقدير حذف المضاف إليه أي لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن و النصب على المفعولية، و أقول: الاحتمال الثاني أولى لوجوه:
الأول: أن الأول يحتاج فيه إلى الإضمار و تغيير الإعراب . والثاني: لا يحتاج فيه إلى ذلك.
و الثاني: أن قوله تعالى: « لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ » يراد به من يشفع بها و الاستثناء يرجع إليهم فكأنه قال: لا تنفع الشفاعة أحدا من الخلق إلا شخصا مرضيا.
و الثالث: و هو أن من المعلوم بالضرورة أن درجة الشافع درجة عظيمة فهي لا تحصل إلا لمن أذن الله له فيها و كان عند الله مرضیا، فلو حملنا الآية على ذلك صارت جارية مجرى إيضاح الواضحات، أما لو حملنا الآية على المشفوع له لم يكن ذلك إيضاح الواضحات فكان ذلك أولى، إذا ثبت هذا فنقول: المعتزلة قالوا: الفاسق غير مرضي عند الله تعالی فوجب أن لا يشفع الرسول في حقه لأن هذه الآية دلت على أن المشفوع له لا بد و أن يكون مرضيا عند الله.
واعلم أن هذه الآية من أقوى الدلائل على الشفاعة في حق الفتاق لأن قوله: « وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً » يكفي في صدقه أن يكون الله تعالى قد رضي له قولا واحدا من أقواله، و الفاسق قد ارتضى الله تعالى قولا واحدا من أقواله، و هو: شهادة أن لا إله إلا الله. فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له لأن الاستثناء من النفي إثبات.
فإن قيل: إنه تعالى استثنی عن ذلك النفي بشرطين:
أحدهما: حصول الإذن.
والثاني: أن يكون قد رضي له قولا، فهب أن الفاسق قد حصل فيه أحد الشرطين و هو أنه تعالى قد رضي له قولا، لكن لم قلتم إنه أذن فيه، وهذا أول المسألة ؟
قلنا: هذا القيد و هو أنه رضي له قولا كاف في حصول الاستثناء بدليل قوله تعالى: « وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى » الأنبياء: 28، فاكتفي هناك بهذا القيد و دلت هذه الآية على أنه لا بد من الإذن فظهر من مجموعهما أنه إذا رضي له قولا يحصل الإذن في الشفاعة، و إذا حصل القيدان حصل الاستثناء وتم المقصود . (118:22)
القرطبي: أي رضي قوله في الشفاعة. وقيل: المعنى، أي إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، و كان له قول يرضى. قال ابن عباس: هو قول لا إله إلا الله. (247:11)
أبو حيان: (من) مفعول بقوله: (لا تنفع) و (له) معناه لأجله، و کذا في « وَ رَضِيَ لَهُ »أي لأجله، و يكون من للمشفوع له أو بدل من الشفاعة على حذف مضاف أي إلا شفاعة من أذن له، أو منصوب على الاستثناء على هذا التقدير، أو استثناء منقطع فنصب على لغة الحجاز، و رفع على لغة تميم، و یکون (من) في هذه الأوجه، للشافع. و القول المرضي عن ابن عباس «لا إله إلا الله ». (260:6)
الشربيني: لا تنفع الشفاعة أحدا « إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمنُ» أن يشفع له « وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً » و لو الإيمان المجرد. قال ابن عباس: يعني قال: لا إله إلا الله، فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن. (485:2)
أبوالسعود: أي ورضي لأجله قول الشافع في شأنه، أو رضي قوله لأجله و في شأنه، وأما من عداه فلا تكاد تنفعه، و إن فرض صدورها عن الشفعاء المتصدين للشفاعة للناس كقوله تعالى: « فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ اَلشّافِعِينَ» المدثر: 48، فالاستثناء كماتری من أعم المفاعيل، و أما كونه استثناء من الشفاعة، على معنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمان، أن يشفع لغيره كما جوزوه فلا سبيل إليها أن حكم الشفاعة ممن لم يؤذن له أن لا يملكها، ولا تصدر هي عنه أصلا كما في قوله تعالى: « لا يَمْلِكُونَ اَلشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اِتَّخَذَ عِنْدَ اَلرَّحْمنِ عَهْداً»، و قوله تعالى: «وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى » الأنبياء: 28، فالإخبار عنها بمجرد عدم نفعها للمشفوع له، ربما يوهم إمکان صدورها عمن لم يؤذن له مع إخلاله بمقتضی مقام تهويل اليوم. وأما قوله تعالى: « وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ » البقرة: 48، فمعناه عدم الإذن في الشفاعة لا عدم قبولها بعد وقوعها. (310:4)
البروسوي: أي و رضى لأجله قول الشافع في شأنه و أما من عداه فلا تكاد تنفعه و إن فرض صدورها عن الشفعاء المتصدين للشفاعة للناس كقوله تعالى : « فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ اَلشّافِعِينَ » المدثر: 48، فالاستثناء من أعم المفاعيل. (5: 429)
الآلوسي: أي ورضي لأجله قول الشافع و في شأنه ، أو رضي قول الشافع لأجله و في شأنه، فالمراد بالقول على التقديرين قول الشافع، و جوز فيه أيضا أن لا يكون للتعليل، و المعنی و رضي قولا كائنا له، فالمراد بالقول قول المشفوع و هو على ما روي عن ابن عباس لا إله إلا الله، و حاصل المعنى عليه لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن الرحمن في أن يشفع له و كان مؤمنا، و المراد على كل تقدير أنه لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن الرحمن في أن يشفع له و كان مؤمنا، و المراد على كل تقدير أنه لا تنفع الشفاعة أحدا إلا من ذكر و أما من عداه فلا تكاد تنفعه و إن فرض صدورها عن الشفعاء المتصدين للشفاعة للناس كقوله تعالى: «فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ اَلشّافِعِينَ » المدثر: 48 . (265:16)
القاسمي: و المعنى يومئذ لا يستطيع أحد أن يشفع الأحد، إلا إذا أذن الله له. ولا يأذن إلا لمن علم أنه سيجاب.
قال بعض المحققين: و إنما يكون الكلام ضربا من
التكريم، لمن يأذن الله له به، يختص به من يشاء. ولا أثر له فيما أراد الله ألبتة. ( 4211:11 )
المراغي: أي يومئذ لا تنفع الشفاعة أحدا إلا شفاعة من أذن له الرحمن أن يشفع، و رضى له قود صدر منه .
والفاسق قد قال قولا يرضاه الرحمن فقد قال لا إله إلا الله كما روي عن ابن عباس.
والخلاصة إن الشفاعة لا تكون نافعة للمشفوع له إلا بشرطين :
1- إذن الله للشافع بالشفاعة .
2-رضا الله عن قول صدر من المشفوع له، ليأذن بشفاعة الشافع له.
وقصارى ذلك إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له، و كان له قول يرضى. (152:16)
ابن عاشور: و قوله: « وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً » عائد إلى « مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمنُ » و هو الشافع. و اللام الداخلة على ذلك الضمير لام التعليل، أي رضي الرحمان قول الشافع لأجل الشافع، أي إكراما له كقوله تعالى: « أَلَمْ نَشْرَحْ لَکَ صَدْرَکَ» الشرح: 1، فإن الله ما أذن للشافع بأن يشفع إلا وقد أراد قبول شفاعته، فصار الإذن بالشفاعة و قبولها عنوانا على كرامة الشافع عند الله تعالى. والمجرور متعلق بفعل «رَضِيَ» و انتصب « قَوْلاً » على المفعولية لفعل «رَضِيَ» لأن «رَضِيَ» هذا يتعدي إلى الشيءالمرضي به بنفسه و بالباء . (184:16)
الطباطبائي: الاستثناء يدل على أن العناية في الكلام متعلقة بنفي الشفعاء لا بتأثير الشفاعة في المشفوع لهم و المراد الإذن في الكلام للشفاعة كما يبينه قوله بعده:« وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً » فإن التكلم يومئذ منوط بإذنه تعالى، قال: « يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ » هود: 105 و قال : «لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا » الثبأ: 38. و قد مر القول في معنى الإذن في التكلم في تفسير سورة هود في الجزء العاشر من الكتاب.
وأما كون القول مرضیا فمعناه أن لا يخالطه ما يسخط الله من خطأ أو خطيئة قضاء لحق الإطلاق، و لا يكون ذلك إلا من أخلص الله سريرته من الخطإ في الاعتقاد ، و الخطيئة في العمل، و طهر نفسه من رجس الشرك والجهل في الدنيا، أو من ألحقه بهم، فإن البلاء و الابتلاء اليوم مع السرائر قال تعالى: « يَوْمَ تُبْلَى اَلسَّرائِرُ» و للبحث ذیل طویل سیمر بك بعضه إن شاء الله تعالی.(211:14)
عبد الكريم الخطيب: أي في هذا اليوم لا تنفع الإنسان شفاعة في نفسه إلا من أذن له الرحمن بالقول، والمحاجة عن نفسه. ثم كان قوله هذا مقبولا عند الله، مرضیا عنه .
و المراد با لقول، هو القول الذي يعرض فيه الإنسان أعماله في الدنيا، من خير وشر، و حسن و قبيح . و هذا ما يشير إليه قوله تعالى: « یَوْمَ یَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلَئکَهُ صَفًّا لَّا یَتَکلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَ قَالَ صَوَابًا» النبأ: 38 . (828:8)
فضل الله: لأنه المهيمن على الجميع، فلا يملك أحد منه شيئا، فله الحكم الفصل و القضاء العدل الذي يحاصر الجميع في دائرة مسئولياتهم، فيحيط بكل ما فعلوه، و يجازي كل واحد منهم بعمله، ولا يقبل من أحد رجاء و لا شفاعة في حق نفسه أو في حق غيره، لأن أي واحد منهم لا يملك حقا ذاتيا في ذلك كله « إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمنُ» النبأ: 38، في الشفاعة فأراد الله أن يكرمه بها ليجعل له الكرامة باستنقاذ من يريد الله أن ينقذه من النار، و يرحمه برحمته، و ذلك هو الذي رضي الله قوله في مايعبر عنه القول من العقيدة الصافية الحقة، و الروح الراضية المرضية، و العمل الخالص الذي يتحرك في رضا الله من خلال وعي الإيمان، و طهر الإخلاص. (157:15)
4- « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّکِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً م الفتح : 18
الطبري: يقول تعالى ذكره: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين « إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ » يعني بيعة أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله رسول الله بالحديبية حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، و على أن لا يفروا ولا يولوهم الدبر تحت الشجرة، و كانت بيعتهم إياه هنالك فيما ذكر تحت شجرة. و كان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول الله صلی الله علیه و آله كان أرسل عثمان بن عفان رضي الله عنه برسالته إلى الملأ من قريش، فأبطأ عثمان عليه بعض الإبطاء، فظن أنه قد قتل، فدعاد أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفت، فبايعوه على ذلك. وهذه البيعة التي تسمى بيعة الرضوان، و كان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذكر في قول بعضهم: ألفا و أربعمئة، و في قول بعضهم: ألفا وخمسمئة، و في قول بعضهم: ألفا و ثلاثمئة.( 347:11)
نحوه الزمخشري. (546:3)
الثعلبي: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ ...» بالحديبية على أن يناجزوا قريشا، و لا يفروا. (9: 47)
الطوسي: إخبار من الله تعالى أنه رضي عن الذين بايعوا تحت الشجرة النبي صلی الله علیه و آله و كانوا مؤمنين في الوقت الذي بايعوه. (328:9)
القشيري: هذه بيعة الرضوان، و هي البيعة تحت الشجرة بالحديبية، و سميت بيعة الرضوان لقوله تعالى: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ » (426:5)
ابن عطية: وقوله تعالى: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ ...» تشریف و إعلام برضاه عنهم حين البيعة، و بهذا سميت بيعة الرضوان. و الرضى بمعنى الإرادة، فهو صفة ذات. و من جعل ( إذ )مسببة، بمعنى لأنهم بايعوا تحت الشجرة، جاز أن يجعل «رضی » بمعنى إظهار النعم عليهم بسبب بيعتهم، فالرضي على هذا صفة فعل، وقد تقدم القول في المبايعة و معناها. [و أدام الكلام في سبب المبايعة فراجع. ]
(133:5)
الطبرسي: يعني بيعة الحديبية و تسمى بيعة الرضوان لهذه الآية، و رضاء الله سبحانه عنهم هو إرادته تعظيمهم وإثابتهم. و هذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين إذ بايعوا النبي صلی الله علیه و آله في الحديبية
تحت الشجرة المعروفة، و هي شجرة السمرة.(5: 116)
ابن الجوزي: ثم ذكر الذين أخلصوا نيتهم و شهدوا بيعة الرضوان بقوله: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ » و قد ذكرنا سبب هذه البيعة آنفا. وإنما سميت بيعة الرضوان، لقوله: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ». (7: 434)
الفخر الرازي: قال: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ ...» من الصدق، كما علم ما في قلوب المنافقين من المرض « فَأَنْزَلَ السَّکِينَةَ عَلَيْهِمْ» حتی بایعوا على الموت. و فيه معنی لطيف، و هو أن الله تعالى قال قبل هذه الآية « وَ مَنْ یُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ یُدْخِلْهُ جَنَّات » الفتح : 17، فجعل طاعة الله و الرسول علامة لإدخال الله الجنة في تلك الآية، و في هذه الآية بين أن طاعة الله والرسول وجدت من أهل بيعة الرضوان. أما طاعة الله فالإشارة إليها بقوله: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ » و أما طاعة الرسول فبقوله: « إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ » بقي الموعود به و هو إدخال الجنة أشار إليه بقوله تعالى: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ » لأن الرضا يكون معه إدخال الجنة، كما قال تعالى: « وَ يُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ » المجادلة : 22.
ثم قال تعالى: «فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ» والفاء للتعقيب، و علم الله قبل الرضا، لأنه علم ما في قلوبهم من الصدق فرضي عنهم، فكيف يفهم التعقيب في العلم؟
نقول: قوله: «فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ» متعلق بقوله: « إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ » كما يقول القائل: فرحت أمس إذ كلمت زیدا فقام إلي، أو إذ دخلت عليه فأكرمني، فيكون الفرح بعد الإكرام ترتیبا كذلك، هاهنا قال تعالى:« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ... » من الصدق إشارة إلى أن الرضا لم يكن عند المبايعة فحسب، بل عند المبايعة التي كان معها علم الله بصدقهم. والفاء في قوله: « فَأَنْزَلَ السَّکِينَةَ عَلَيْهِمْ » للتعقيب الذي ذكرته، فإنه تعالى رضي عنهم، فأنزل السكينة عليهم. (95:28)
القرطبي: هذه بيعة الرضوان، و كانت بالحديبية ، و هذا خبر الحديبية على اختصار: وذلك أن النبي صلی الله علیه و آله أقام منصرفه من غزوة بني المصطلق في شوال، و خرج في ذي القعدة معتمرا، واستنفر الأعراب الذين حول المدينة فأبطأ عنه أكثرهم، و خرج النبي صلی الله علیه و آله بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن اتبعه من العرب، وجميعهم نحو ألف وأربعمئة، و قيل: ألف وخمسمئة، و قيل غير هذا، على ما يأتي. وساق معه الهدي، فأحرم رسول الله صلی الله علیه و آله ليعلم الناس أنه لم يخرج الحرب. [ثم أطال البحث حول بيعة الرضوان فراجع]
(274:16)
أبو حيان: لما ذكر تعالى حال من تخلف عن السفر مع الرسول صلی الله علیه و آله، ذكر حال المؤمنين الخلص الذين سافروا معه. والآية دالة على رضا الله تعالى عنهم، و لذا سميت: بيعة الرضوان، و كانوا فيما روي ألفا وخمسمئة و عشرين، وقال ابن أبي أوفي: و ثلاثمئة. [ثم أطال البحث حول بيعة الرضوان فراجع]
(95:8)
أبو السعود: هم الذين ذكر شأن مبايعتهم، و بهذه الآية سميت: بيعة الرضوان، و قوله تعالى: « إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» منصوب ب «رضی » و صيغة المضارع لاستحضار صورتها، و «تَحْتَ الشَّجَرَةِ» متعلق به أو بمحذوف هو حال من مفعوله. (103:6)
البروسوي: رضى العبد عن الله : أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، و رضي الله عن العبد، هو أن يراه مؤتمرا لأمره، منتهیا عن نهيه، وهم الذين ذكر شأن مبايعتهم. و كانوا ألفا و أربعمئة على الصحيح، وقيل ألفا و خمسمئة و خمسة و عشرین، و بهذه الآية سميت بيعة الرضوان.
وقال بعض الكبار: سميت بيعة الرضوان، لأن الرضى فناء الإرادة في إرادته تعالى، و هو كمال فناء الصفات؛ و ذلك أن الذات العلية محتجبة بالصفات، و الصفات بالأفعال، و الأفعال بالأكوان و الآثار، فمن تجلت عليه الأفعال بارتفاع حجب الأكوان توکل، و من تجلت عليه الصفات بارتفاع حجب الأفعال رضي و سلم، و من تجلت عليه الذات بانکشاف حجب الصفات فني في الواحدة فصار موحدا مطلقا، فاعلا ما فعل، و قارئا ما قرأ مادام هذا شهوده، فتوحيد الأفعال مقدم على توحيد الصفات، و توحید الصفات مقدم على توحيد الذات، و إلى هذه المراتب الثلاث أشار صلی الله علیه و آله بقوله في سجوده: «و أعوذ بعفوك من عقابك، و أعوذ برضاك من سخطك، و أعوذ بك منك».
فاعلم ذلك، فإنه من لباب المعرفة. (9: 33)
الشوكاني: أي رضي الله عنهم وقت تلك البيعة، و هي بيعة الرضوان، و كانت بالحديبية. [ إلى أن قال: ]
و كانت البيعة على أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا.و روي أنه بايعهم على الموت، و قد تقدم ذكر عدد أهل هذه البيعة قريبا، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير. (60:5)
الآلوسي: و لما ذكر سبحانه حال من تخلف عن السفر مع رسول الله صلی الله علیه و آله ذکر عزوجل حال المؤمنين الخلص الذين سافروا معه عليه الصلاة و السلام، بقوله تعالى: «لقد رضی الله » و هم أهل الحديبية إلا جدبن قیس فإنه كان منافقا و لم يبايع.
وأصل هذه البيعة - و تسمى بيعة الرضوان - القول الله تعالى فيها: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ...». [ثم أدام القصة ]
القاسمي: يعني بيعة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، حين بايعوه على مناجزة قريش الحرب، وعلى أن لا يفروا، و لایولوهم الدبر، تحت شجرة هناك. (5416:15 )
المراغي: أخبر سبحانه عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة بيعة الرضوان، و قد عرفت أنهم كانوا أربع عشرة مائة، كما عرفت أسباب هذه البيعة. (102:26)
سید قطب: هذا الدرس كله حديث عن المؤمنين، و حديث مع المؤمنين. مع تلك المجموعة
الفريدة السعيدة التي بايعت رسول الله صلی الله علیه و آله تحت الشجرة. و الله حاضر البيعة و شاهدها و موثقها، و يده فوق أيديهم فيها. تلك المجموعة التي سمعت الله تعالى يقول عنها لرسوله صلی الله علیه و آله:« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ... » و سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول لها: «أنتم اليوم خير أهل الأرض ».
حديث عنها من الله سبحانه و تعالى إلى رسوله صلی الله علیه و آله حديث معها من الله سبحانه و تعالى: يبشرها بما أعد لها من مغانم كثيرة و فتوح، و ما أحاطها به من رعاية و حماية في هذه الرحلة، و فيما سيتلوها، و فيما قدر لها من نصر موصول بستته التي لا ينالها التبديل أبدا، و يندد بأعدائها الذين كفروا تنديدا شديدا .
ويكشف لها عن حكمته في اختيار الصلح و المهادنة في هذا العام. و يؤكد لها صدق الرؤيا التي رآها رسول الله صلی الله علیه و آله عن دخول المسجد الحرام. و أن المسلمين سيدخلونه آمنين لايخافون. و أن دينه سيظهر على الدين كله في الأرض جميعا.
و يختم الدرس و السورة بتلك الصورة الكريمة الوضيئة لهذه الجماعة الفريدة السعيدة من أصحاب رسول الله صلی الله علیه و آله، وصفتها في التوراة وصفتها في الإنجيل، و وعد الله لها بالمغفرة، والأجر العظيم.
«لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ...».
و إنني لأحاول اليوم من وراء ألف و أربعمئة عام أن أستشرف تلك اللحظة القدسية التي شهد فيها الوجود كله، ذلك التبليغ العلوي الكريم من الله العلي العظيم إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين، أحاول: أن أستشرف صفحة الوجود في تلك اللحظة و ضميره المكنون، و هو يتجاوب جمیعه بالقول الإلهي الكريم، عن أولئك الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود، و أحاول أن أستشعر بالذات شيئا من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بآذانهم أنهم هم، بأشخاصهم و أعيانهم، يقول الله عنهم: لقد رضي عنهم. و يحدد المكان الذي كانوا فيه، و الهيئة التي كانوا عليها حين استحقوا هذا الرضي: « إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ » يسمعون هذا من نبيهم الصادق المصدوق، على لسان ربه العظيم الجليل.
يا لله ! كيف تلقوا أولئك السعداء تلك اللحظة القدسية، و ذلك التبليغ الإلهي؟ التبليغ الذي يشير إلى كل أحد في ذات نفسه، و يقول له: أنت. أنت بذاتك. يبلغك الله. لقد رضي عنك. و أنت تبايع تحت الشجرة و علم ما في نفسك، فأنزل السكينة عليك.
إن الواحد منا ليقرأ أو يسمع «اَللّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا » البقرة : 257، فيسعد يقول في نفسه: ألست أطمع أن أكون داخلا في هذا العموم؟ و يقرأ أو يسمع وإن الله مع الصابرین که البقرة : 153، فيطمئن يقول في نفسه: ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟ و أولئك الرجال يسمعون و يبلغون واحدا واحدا أن الله يقصده بعينه و بذاته، و يبلغه: لقد رضي عنه، و علم ما في نفسه، ورضي عما في نفسه، يا لله! إنه أمر مهول.
« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّکِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ».
علم ما في قلوبهم من حمية لدينهم لا لأنفسهم. و علم ما في قلوبهم من الصدق في بيعتهم، و علم ما في قلوبهم من كظم لانفعالاتهم تجاه الاستفزاز، و ضبط لمشاعرهم ليقفوا خلف كلمة رسول الله صلی الله علیه و آله طائعين مسلمين صابرین. (3325:6)
ابن عاشور: عود إلى تفصيل ما جازي الله به أصحاب بيعة الرضوان المتقدم إجماله، في قوله: « إِنَّ اَلَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اَللّهَ» الفتح : 10، فإن کون بيعتهم الرسول صلی الله علیه و آله تعتبر بيعة لله تعالى، أومأ إلى أن لهم بتلك المبايعة مكانة رفيعة من خير الدنيا والآخرة، فلما قطع الاسترسال في ذلك بما كان تحذيرا من النكث و ترغيبا في الوفاء، بمناسبة التضاد، و ذكر ما هو وسط بين الحالين و هو حال المخلفين، و إبطال اعتذارهم و کشف طويتهم، و إقصائهم عن الخير الذي أعده الله للمبايعين و أرجائهم إلى خير يسنح من بعد، إن هم صدقوا التوبة و أخلصوا النية.
فقد أنال الله المبايعين رضوانه، و هو أعظم خير في الدنيا و الآخرة قال تعالى: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » التوبة : 72، و الشهادة لهم بإخلاص النية، و إنزاله السكينة قلوبهم، و وعدهم بثواب فتح قریب، و مغانم كثيرة.
و في قوله: « عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ » إيذان بأن من لم يبايع ممن خرج مع النبي صلی الله علیه و آله ليس حينئذ بمؤمن، و هو تعريض ب « الجدبن قیس » إذ كان يومئذ منافقا، ثم حسن إسلامه.
وقد دعيت هذه البيعة بيعة الرضوان، من قوله تعالى: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ». و «إِذْ يُبَايِعُونَکَ» ظرف متعلق ب«رَضِيَ » وفي تعليق هذا الظرف بفعل الرضى ما يفهم أن الرضی مسبب عن مفاد ذلك الظرف الخاص بما أضيف هو إليه، مع ما يعطيه توقيت الرضى بالظرف المذكور من تعجیل حصول الرضى بحدثان ذلك الوقت، و مع ما في جعل الجملة المضاف إليها الظرف فعلية مضارعة من حصول الرضی، قبل انقضاء الفعل بل في حال تجدده. فالمضارع في قوله: «يبايعونک» مستعمل في الزمان الماضي، لاستحضار حالة المبايعة الجليلة، و کون الرضى حصل عند تجديد المبايعة، ولم ينتظر به تمامها، فقد علمت أن السورة نزلت بعد الانصراف من الحديبية. (146:26)
مغنية: يشير سبحانه بهذا إلى بيعة الرضوان تحت الشجرة، و أنه راض عنها وعن أهلها. و سبق الكلام عن هذه البيعة عند تفسير الآية : 10، من هذه السورة بعنوان « خلاصة القصة فراجع».(94:7)
الطباطبائي: الرضا هيئة تطرأ على النفس من تلقي ما يلائمها و تقبله من غير دفع، و يقابله السخط، و إذا نسب إلى الله سبحانه كان المراد الإثابة والجزاء الحسن، دون الهيأة الطارئة و الصفة العارضة الحادثة، الاستحالة ذلك عليه تعالى، فرضاه سبحانه من صفات الفعل لا من صفات الذات.
و الرضا كما قيل - يستعمل متعديا إلى المفعول بنفسه، و متعدیا با «عن» و متعدیا ب « الباء». فإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات، نحو:رضیت
زیدا، و على المعنى، نحو: رضيت إمارة زيد. قال تعالى: « وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً » المائدة : 3، و إذا عدي ب«عن» دخل على الذات، كقوله: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » البينة : 8، و إذا عدي بالباء دخل على المعنى، كقوله تعالى: « أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا مِنَ الآخِرهِ » التوبة: 38.
ولما كان الرضا المنسوب إليه تعالى صفة فعل له، بمعنى الإثابة و الجزاء، و الجزاء إنما يكون بإزاء العمل دون الذات، ففيما نسب من رضاه تعالى إلى الذات و عدي ب« عن » كما في الآية: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ » نوع عناية، استدعی عد الرضا وهو متعلق بالعمل متعلقا بالذات، و هو أخذ بيعتهم التي هي متعلقة الرضا ظرفا للرضی، فلم يسع إلا أن يكون الرضا متعلقا بهم أنفسهم.
فقوله: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ » إخبار عن إثابته تعالى لهم بإزاء بیعتهم صلی الله علیه و آله یا تحت الشجرة.
وقد كانت البيعة يوم الحديبية تحت شجرة سمرة بها بایعه صلی الله علیه و آله من معه من المؤمنين، وقد ظهر به أن الظرف في قوله: «إِذْ يُبَايِعُونَکَ» متعلق بقوله: « لَقَدْ رَضِيَ »، و اللام للقسم. (284:18)
عبد الكريم الخطيب: المؤمنون الذين رضي الله عنهم، و شملهم بهذا الرضوان العظيم، هم الذين كانوا مع النبي في الحديبية، والذين بايعوه على قتال المشركين، حين جاءت أخبار من مكة تقول: إن المشركين قد نالوا عثمان رضي الله عنه، بسوء، وقد كان الرسول صلوات الله و سلامه عليه بعثه إليهم، ليخبرهم بأن الرسول و أصحابه إنما جاؤوا معتمرین زائرين للبيت الحرام، و لم يجيئوا لقتال. ( 417:13)
مکارم الشيرازي: رضي الله عن المشتركين في بيعة الرضوان .
ذكرنا آنفا أنه في الحديبية جرى حوار بين ممثلي قریش و النبي صلی الله علیه و آله و كان من ضمن السفراء «عثمان ابن عفان » الذي تشده أواصر القربي بأبي سفيان. و لعل هذه العلاقة كان لها أثر في انتخابه ممثلا عن النبي صلی الله علیه و آله فبعثه إلى أشراف مكة و مشركي قريش ليطلعهم على أن النبي لم يكن يقصد الحرب والقتال، بل هدفه زيارة بيت الله و احترام الكعبة المشرفة بمعية أصحابه، إلا أن قريشا أوقفت عثمان مؤقتا، و شاع على أثر ذلك بين المسلمين أن عثمان قد قتل.
فقال النبي صلی الله علیه و آله: لا أبرح مكاني هذا حتى أقاتل عدوي.
ثم جاء إلى شجرة هناك فطلب من المسلمين تجدید البيعة تحتها، و طلب منهم أن لا يقصروا في قتالهم المشركين و أن لا يولوا أدبارهم من ساحات القتال، فبلغ صدى هذه البيعة مكة، واضطربت قریش من ذلك بشدة، و أطلقوا عثمان.
و كما نعرف فإن هذه البيعة عرفت ببيعة الرضوان، وقد أفزعت المشركين، و كانت منعطفا في تاريخ الإسلام.
فالآيتان محل البحث تتحدثان عن هذه القصة، فتقول الأولى:« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ
يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ».
والهدف من هذه البيعة الانسجام أكثر فأكثر بين القوي، و تقوية المعنويات، و تجديد التعبئة العسكرية، و معرفة الأفكار، و اختبار میزان التضحية من قبل المخلصين الأوفياء. و هذه البيعة أعطت روحا جديدا في المسلمين، لأنهم أعطوا أيديهم إلى النبي، و أظهروا وفاءهم من أعماق قلوبهم.
فأعطى الله هؤلاء المؤمنين المضحين و المؤثرين على أنفسهم نفس رسول الله في هذه اللحظة الحساسة و الذين بايعوه تحت الشجرة أعطاهم أربعة أجور، و من أهم تلك الأجور و الإثابات الأجر العظيم، و هو « رضوانه » كما عبرت عنه الآية: 72، من سورة التوبة: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » أيضا. ( 420:16)
فضل الله: بيعة الشجرة ورضى الله
و هذا فصل جديد من السورة يتحدث عن بيعة الرضوان، و عن رضي الله عن الذين قاموا بها، و كيف عاشوا السكينة الروحية في داخلهم و حصلوا على الثواب الإلهي، بالفتح القريب الذي كانوا يتمنونه و ينتظرونه، و كيف وصل المسلمون إلى مستوى من القوة، كانوا فيه قادرين على هزيمة المشركين، لولا إرادة الله التي لم تجد حكمة في القتال في تلك الفترة.
« لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ...» لأن البيعة كانت موفقا صارخا في وجه المشركين الذين كانوا يستغلون قدراتهم الذاتية و تحالفاتهم مع القوى الأخرى، لمنع الدعوة من التحرك بحرية في ساحة الصراع، كي يبقى موقف المسلمين موقفا خائفا قلقا، خاصة إذا تعلق الأمر بمهاجمة قريش داخل مكة، التي تسيطر على كل مواقع القوة فيها.
لهذا كان موقف البيعة محط رضی الله، لأن المسلمين فيه تمردوا على كل عوامل الضعف، و واجهوا مواقف التحدي بروحية التضحية والشهادة. (117:21)
5- « ...رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ». المجادلة : 22
الطبري: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» بطاعتهم إياه في الدنيا،« وَ رَضُوا عَنْهُ » في الآخرة بإدخاله إياهم الجنة. (26:12)
الطوسي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» بإخلاص الطاعة منهم، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بثواب الجنة. (557:9)
الميدي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» في الدنيا بطاعاتهم، « وَ رَضُوا عَنْهُ » في الآخرة بالجنة والثواب.
و قيل: رضوا عنه بما قضى عليهم في الدنيا من غير كراهية.(26:10)
الطبرسي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» بإخلاص الطاعة و العبادة منهم، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بثواب الجنة.
وقيل: رضوا عنه بقضائه عليهم في الدنيا فلم يكرهوه. (255:5)
الفخر الرازي: قوله تعالى: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » و هي نعمة الرضوان، وهي أعظم النعم، و أجل المراتب. ( 277:29)
القرطبي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» أي قبل أعمالهم،
« وَ رَضُوا عَنْهُ »: فرحوا بما أعطاهم. (17 : 309)
البيضاوي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» بطاعتهم. « وَ رَضُوا عَنْهُ » بقضائه أو بما وعدهم من الثواب. (463:2)
ابن كثير: في قوله تعالى:«رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » سر بدیع، و هو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم، و أرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، و الفوز العظيم، و الفضل العميم. (592:6)
أبوالسعود: وقوله تعالى:«رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» استئناف جار مجرى التعليل، لما أفاض عليهم من آثار رحمته العاجلة والآجلة، وقوله تعالى: « وَ رَضُوا عَنْهُ »بیان لابتهاجهم بما أوتوه عاجلاو آجلا . (221:6)
مثله الآلوسي (28: 36)، و نحوه الشوكاني (238:5).
المراغي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» أي أغدق عليهم من رحمته العاجلة والآجلة، فأدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، « وَ رَضُوا عَنْهُ » لابتهاجهم بما أوتوه عاجلا و آجلا، فإنهم لما سخطوا على الأقارب.
[و ذكر مثل ابن كثير] (29:28)
سيد قطب: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » و هذه صورة و ضيئة راضية مطمئنة، ترسم حالة المؤمنين هؤلاء، في مقام عال رفيع، و في جو راض ودیع، ربهم راض عنهم وهم راضون عن ربهم. انقطعوا عن كل شيء و وصلوا أنفسهم به، فتقبلهم في كنفه، و أفسح لهم في جنابه، و أشعرهم برضاه، فرضوا. رضیت نفوسهم هذا القرب، و أنست به، و اطمأنت الیه. (3515:6)
مغنية: و معنی رضی الله عن العبد هو أن يعطيه من فضله، و معنی رضى العبد عنه تعالى، هو أن يرضى بما أعطاه. وقال ابن عربي في «الفتوحات» : « یرضی الله باليسير من عمل عباده، و هم أيضا يرضون باليسير من ثوابه، لأن الله مهما أعطی فعطاؤه أقل القليل بالنسبة إلى ما عنده ». و لكن هذا الذي أسماه ابن عربي أقل القليل بالنسبة إليه تعالى، هو أكثر الكثير بالنسبة إلى العباد. (278:7)
الطباطبائي: و قوله: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » استئناف يعلل قوله: « وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ... »، و رضا الله سبحانه عنهم رحمته لهم لإخلاصهم الإيمان له، و رضاهم عنه و ابتهاجهم بما رزقهم من الحياة الطيبة و الجنة. (197:19)
عبد الكريم الخطيب: فقد «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» و تقبل منهم أعمالهم، فكان جزاؤهم عنده هذا الرضوان، و ذلك النعيم المقيم، وقد أرضاهم هذا النعيم، فحمدوا ربهم و شكروا له.
و في قوله تعالى: « وَ رَضُوا عَنْهُ » ما يكشف عن بعض لطف الله بعباده وإكرامه لأهل وده، و إغداق الإحسان عليهم، حتى تطيب نفوسهم و تمتلئ غبطة و رضی، و هذا ما يشير إليه سبحانه و تعالى في خطابه النبيه الكريم: « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحی : 5. و ماذا يملك العبد حتى يكون لرضاه عن
ربه أو سخطه، وزن أو قدر ؟. إنه لاشيء.
و لكن هكذا فضل الله على عباده، و إحسانه على أوليائه، إنهم أرضوا الله بإيمانهم، و إحسانهم، فكان جزاؤهم عند الله أن يعطيهم حتى يرضوا عنه. إنه رضی متبادل بين الله و أوليائه. حيث يطلب العبد رضی سیده و مولاه، فإن رضي عنه سيده، فعل به ما يرضيه عنه، و كما يكون الرضا المتبادل بين الله و أوليائه، يكون الحب المتبادل بين الله و أحبابه « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » المائدة : 54.(845:14)
مکارم الشيرازي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » إن أعظم ثواب معنوي و جزاء روحاني لأصحاب الجنة في مقابل النعم المادية العظيمة في القيامة، من جنان و حور و قصور، هو شعورهم و إحساسهم أن الله راض عنهم، و أن رضی مولاهم و معبودهم يعني أنهم مقبولون عنده، و في كنف حمايته و أمنه، حيث يجلسهم على بساط قربه، وهذا أعظم إحساس ينتابهم، و نتيجته رضاهم الكامل عن الله سبحانه.
نعم، لا تصل أي نعمة إلى هذا الرضا ذي الجانبين المادي والمعنوي، والذي هو مفتاح للهبات و العطایا الإلهية الأخرى، لأنه سبحانه عند ما يرضي عن عبد فإنه يعطيه ما يطلب منه، فهو القادر و الكريم. وما أروع التعبير القرآني:«رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » أي إن مقامهم رفيع إلى درجة، بحيث إن أسماءهم تكون مقترنة باسمه، و رضاهم إلى جانب رضاه تعالی.(144:18)
فضل الله: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» بما آمنوا به، وبما أطاعوه، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بما أفاض عليهم من نعمه في كل وجودهم، و في كل مفردات حياتهم العملية في حركة الوجود. و هذا هو الهدف الذي يريد الله للمؤمنين أن يتابعوا السير نحوه، و هو الرضا المتبادل بينهم وبينه، فينفتحون عليه في الرضا بقضائه، و يحصلون على رضاه عنهم، بإيمانهم و تقواهم، لتكون حياتهم له و معه في جميع المجالات. ( 88:22)
6- « جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذٰلِکَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ». البينة : 8
الإمام الصادق علیه السلام: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ» بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بما من عليهم بمتابعتهم لرسوله، و قبولهم ما جاءهم به، أي إن بیان رضا الخلق عن الله رضاهم بما يرد عليهم من أحكامه، و رضاه عنهم أن يوفقهم للرضاعنه. (الثعلي10: 262)
مقاتل: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » بالطاعة « وَ رَضُوا عَنْهُ » بالثواب. (781:4)
الطبري: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » بما أطاعوه في الدنيا، و عملوا لخلاصهم من عقابه في ذلك، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بما أعطاهم من الثواب يومئذ، على طاعتهم ربهم في الدنيا، و جزاهم عليها من الكرامة. (658:12)
الثعلبي: محمد بن الفضيل: الروح و الراحة في الرضا و اليقين، و الرضا باب الله الأعظم، و مستراح
العابدین.
محمد بن حقيق: الرضا ينقسم قسمين: رضا به، و رضا عنه. فالرضا به: ربا و مدبرا، و الرضا عنه: فيما يقضي و يقدر.
و قيل: الرضا رفع الاختيار .
ذي النون: الرضا: سرور القلب لمر القضاء.
حارث: الرضا سكون القلب تحت جریان الحكم. أبو عمرو الدمشقي: الرضا نهاية الصبر.
أبو بكر بن طاهر :الرضاخروج الكراهية من القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور.
الواسطي: هو النظر إلى الأشياء، يعني الرضا حتى لايسخطك شيء إلا ما يسخط مولاك.
ابن عطاء: هو النظر إلى قديم إحسان الله للعبد، فيترك السخط عليه.
سمعت السهمي يقول: إذا كنت لاترضی عن الله فكيف تسئله الرضا عنك؟ (262:10)
الطوسي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » أي رضي أفعالهم، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بما فعل بهم من القواب.
والرضا هو الإرادة، إلا أنها لا تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، و لم يتعقبها كراهية، فتسمى حينئذ رضا. فأما الإرادة لما يقع في الحال أو فيما يفعل بعد، فلا تسمی رضا، فرضي الله عن العباد: إرادته منهم الطاعات التي فعلوها، و رضاهم عنه: إرادتهم الثواب الذي فعله بهم .(391:10)
القشيري: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ فلم تبق لهم مطالبة إلا حققها لهم. (6: 322)
الميدي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » بجميل ثنائه و جزيل إنعامه عليهم و إرادته الإحسان بهم، « وَ رَضُوا عَنْهُ » حيث فرحوا بما آتاهم من الثواب.
وقيل: «رَضِيَ » أعمالهم و «رَضُوا» ثوابه.
وقيل: رضا الخلق عن الله: رضاهم بما يرد عليه من أحكامه، و رضاه عنهم: أن يوفقهم للرضا عنه.
وقيل: الرضا ينقسم قسمين: رضا به، و رضا عنه. فالرضا به: ربا و مدبرا، و الرضاعنه: فيما يقضي و يقدر .
وقال السري: إن كنت لا ترضى عن الله، فكيف تسأله الرضا عنك؟! (572:10)
ابن عطية: قيل: ذلك في الدنيا، فرضاه عنهم، هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته و غفرانه، و رضاهم عنه، هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار.
قال بعض الصالحين: رضى العباد عن الله: رضاهم بما يرد من أحكامه، و رضاه عنهم: أن يوفقهم للرضی عنه.
وقال أبو بكر بن طاهر: الرضى عن الله خروج الكراهية عن القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور.
وقال السري السقطي: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك؟
و قيل: ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه: رضاهم بما من به عليهم من النعم، و رضاهم عنه (1): هو ما روي
1) هكذا في الأصل... و الظاهر: ورضاه عنهم...
أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: هل رضيتم بما أعطيتكم؟ فيقولون: نعم ربنا، و كيف لانرضی و قد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من كل ما أعطيتكم رضواني، فلا أسخط عليكم أبدا. (509:5)
الطبرسي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » بما قدموه من الطاعات، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بما جازاهم من الثواب و قيل: رضي الله عنهم إذ وحدوه و نزھوه عما لا يليق به، و أطاعوه و رضوا عنه؛ إذ فعل بهم مارجوا من رحمته و فضله. (524:5)
الفخر الرازي: اعلم أن التفسير ظاهر، و نحن نذكر ما فيها من اللطائف في مسائل: (وذكرها إلى أن قال:]
المسألة الثامنة: اعلم أنه تعالى لما وصف الجنة أتبعه بما هو أفضل من الجنة، وهو الخلود أولا و الرضا ثانيا، و روي أنه علیخ السلام قال: «إن الخلود في الجنة خير من الجنة، و رضا الله خير من الجنة ».
أما الصفة الأولى: وهي الخلود، فاعلم أن الله وصف الجنة مرة بجنات عدن، و مرة بجنات النعيم، و مرة بدار السلام، وهذه الأوصاف الثلاثة إنما حصلت لأنك ركبت إيمانك من أمور ثلاثة: اعتقاد و قول و عمل.
و أما الصفة الثانية: و هي الرضا، فاعلم أن العبد مخلوق من جسد و روح، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة، و جنة الروح هي رضا الرب، و الإنسان مبتدأ أمره من عالم الجسد و منتهى أمره من عالم العقل والروح، فلاجرم ابتدأ بالجنة، و جعل المنتهی هو رضا الله، ثم إنه قدم رضي الله عنهم على قوله:« وَ رَضُوا عَنْهُ » لأن الأزلي هو المؤثر في الحدث، و المحدث لا يؤثر في الأزلي.
المسألة التاسع: إنما قال: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » ولم يقل: رضي الرب عنهم ولاسائر الأسماء، لأن أشد الأسماء هيبة و جلاله لفظ « الله »، لأنه هو الاسم الدال على الذات و الصفات بأسرها، أعني صفات الجلال وصفات الإكرام، فلو قال: رضي الرب عنهم، لم يشعر ذلك بكمال طاعة العبد، لأن المربي قد يكتفي بالقليل. أما لفظ «الله » فيفيد غاية الجلالة و الهيبة، و في مثل هذه الحضرة لايحصل الرضا إلا بالفعل الكامل و الخدمة التامة، فقوله: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » يفيد تطرية فعل العبد من هذه الجهة.
المسألة العاشرة: اختلفوا في قوله:«رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » فقال بعضهم : معناه رضي أعمالهم، وقال بعضهم: المراد رضي بأن يمدحهم و يعظمهم، قال: لأن الرضا عن الفاعل غير الرضا بفعله، و هذا هو الأقرب. وأما قوله:« وَ رَضُوا عَنْهُ » فالمراد أنه رضواما جازاهم من النعيم و الثواب. (52:32، 55، 56)
القرطبي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » أي رضي أعمالهم، كذا قال ابن عباس. « وَ رَضُوا عَنْهُ » أي رضواهم ثواب الله عز و جل. (146:20)
الشربيني: «رَضِيَ اللَّهُ » أي بما له من نعوت الجلال و الجمال « عَنْهُمْ »، أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق. « وَ رَضُوا عَنْهُ » لأنهم لم يبق لهم
أمنية إلا أعطاهموها مع علمهم، أنه تفضل في جميع ذلك، لا يجب عليه لأحد شيء، ولا يقدره أحد حق قدره، فلو أخذ الخلق ما يستحقونه لأهلكهم، كما قال تعالى: « وَ لَوْ يُؤاخِذُ اَللّهُ اَلنّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ » فاطر : 45. (4: 572)
أبوالسعود: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » استئناف مبین لما يتفضل عليهم، زيادة على ما ذكر من أجزية أعمالهم، « وَ رَضُوا عَنْهُ » حيث بلغوا من المطالب قاصيتها، و ملكوا من المآرب ناصيتها، وأتيح لهم ما لاعين رأت ولا أذن سمعت، ولاخطر على قلب بشر (457:6)
البروسوي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » استئناف مبين لما يتفضل به عليهم، زيادة على ما ذكرمن أجزية أعمالهم، أي استئناف إخبار، كأنه قيل: تزاد لهم، أو استئناف دعاء من ربهم، فلذا فصل، و قد يجعل خبرا بعد خبر و حالا، بتقدير « قد ».
قال ابن الشيخ: لما كان المكلف مخلوقا من جسد و روح، و أنه اجتهد بهما في طاعة ربه، اقتضت الحكمة أن يجزيه بما يتنعم و يستريح به كل واحد منهما، فجنة الجسد هي الجنة الموصوفة، وجنة الروح هي رضی الرتب. « وَ رَضُوا عَنْهُ » حيث بلغوا من المطالب قاصيتها و ملكوا من المآرب ناصيتها و أبيح لهم ما الاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر لاسيما أنهم أعطوا لقاء الرب الذي هو المقصد الأقصى. (491:10)
الآلوسي: و قوله تعالى: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » استئناف نحوي، و إخبار عما تفضل عز وجل به، زيادة على ما ذكر من أجزية أعمالهم. ويجوز أن يكون بیانیا جوابا لمن يقول: ألهم فوق ذلك أمر آخر؟ و جوز أن يكون خبرا بعد خبر، أو حالا بتقدير « قد » أو بدونه، و جوز أن يكون دعاء لهم من ربهم، وهو مجاز عن الإيجاد مع زيادة التكريم، وهو خلاف الظاهر ، و يبعده عطف قوله تعالى: « وَ رَضُوا عَنْهُ » عليه. و علل رضاهم بأنهم بلغوا من المطالب قاصيتها و من المآرب ناصيتها، وأتيح لهم مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ( 206:30)
القاسمي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » أي بما أطاعوه في الدنيا، و عملوا لخلوصهم من عقابه في ذلك، « وَ رَضُوا عَنْهُ » لأنهم بحسن يقينهم يرتاحون إلى امتثال ما يأمر به في الدنيا، فهم راضون عنه. ثم إذا ذهبوا إلى نعيم الآخرة، وجدوا من فضل الله ما لامحل للسخط معه، فهم راضون عن الله في كل حال. أفاده الإمام. (6230:17)
المراغي: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » أي إنهم حازوا رضا الله بالتزام حدود شریعته، فحمدوا مغبة أعمالهم، ونالوا ما يرضيهم في دنياهم و آخرتهم. (217:30)
سید قطب: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » هذا الرضا من الله، و هو أعلى و أندی من كل نعيم، و هذا الرضا في نفوسهم عن ربهم. الرضاعن قدره فيهم، و الرضا عن إنعامه عليهم، والرضا بهذه الصلة بينه و بينهم، الرضا الذي يغمر النفس بالهدوء
والطمأنينة والفرح الخالص العميق.
إنه تعبير يلقي ظلاله بذاته «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » حيث يعجز أي تعبير آخر عن إلقاء مثل هذه الظلال. (6: 3953)
ابن عاشور: وجملة: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » حال من ضمير « خالدین »، أي خالدين خلودا مقارنا لرضى الله عنهم، فهم في مدة خلودهم فيها محفوفون بآثار رضی الله عنهم؛ و ذلك أعظم مراتب الكرامة قال تعالى: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ » التوبة : 72، و رضی الله تعلق إحسانه و إكرامه لعبده.
وأما الرضى في قوله: « وَ رَضُوا عَنْهُ » فهو كناية عن كونهم نالهم من إحسان الله ما لامطلب لهم فوقه كقول أبي بكر في حديث الغار: « فشرب حتی رضيت»، و قول مخرمة حين أعطاه رسول الله صلی الله علیه و آله قباء: « رضي مخرمة». و زاده حسن وقع هنا ما فيه من المشاكلة .(429:30)
مغنية: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » رضي عنهم لأنهم عملوا مرضاته، فأثابهم بملك دائم، و نعیم قائم، « وَ رَضُوا عَنْهُ » بما أفاضه عليهم من فضله و نعمه. و تقدم مثله في الآية : 119، من سورة المائدة، والآية : 100، من سورة التوبة، و الآية : 22، من سورة المجادلة. (596:7)
الطباطبائي: و قوله: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » الرضی منه تعالى صفة فعل، و مصداقه الثواب الذي أعطاهموه، جزاء الإيمانهم وعملهم الصالح. ( 340:20)
عبد الكريم الخطيب: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » فأدخلهم في جناته، و أفاض عليهم من نعيمه. « وَ رَضُوا عَنْهُ » أي رضوا عن ربهم، وحمدوه، و شكروا له هذا النعيم الذي هم فيه. (16: 1646)
مکارم الشيرازي:هذه الآية تحدثت عن الجزاء المادي الذي ينتظر المؤمنين ، و عن الجزاء المعنوي الروحي لهم، و هو رضا الله عنهم و رضاهم عنه. إنهم راضون عن الله، لأن الله أعطاهم ما أرادوه، و الله راض عنهم، لأنهم أدوا ما أراده منهم، وإن كانت هناك زلة فقد غفرها بلطفه و کرمه. و أية لذة أعظم من أن يشعر الإنسان أنه نال رضا المحبوب و وصاله و لقاؤه. نعمء، نعیم جسد الإنسان: جنات الخلد، و نعیم روحه رضا الله و لقاؤه. (334:20)
فضل الله: «رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » بإيمانهم به وطاعتهم له، « وَ رَضُوا عَنْهُ » في ما أفاض عليهم من نعمة الوجود، و في ما منحهم من نعمه الظاهرة و الباطنة، في كل تفاصيل حياتهم. ( 364:24)
رضوا
1- « وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ » التوبة : 58
الطبري: يقول: ليس بهم في عيبهم إياك فيها و طعنهم عليك بسببها الدين، و لكن الغضب لأنفسهم، فإن أنت أعطيتهم منها مايرضيهم رضوا عنك، و إن أنت لم تعطهم منها سخطوا عليك و عابوك. (6: 393)
الطوسي: يعني من الصدقات، رضوا بذلك
و حمدوك عليه، « وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ » يعني إذا لم يعطوا ما طلبوه من الصدقات سخطوا و غضبوا. و الصدقة محرمة على من كان غنيا. (5: 282)
الميبدي: أي إن كثرت لهم من ذلك فرحوا، و إن أعطيتهم قليلا سخطوا، أي إنما دینهم و سخطهم و رضاهم لدنياهم. (150:4)
الزمخشري: وصفهم بأن رضاهم و سخطهم لأنفسهم، لا للدين و ما فيه صلاح أهله، لأن رسول الله صلی الله علیه و آله استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم، فضجر المنافقون منه. (197:2)
الطبرسي: و أقروا بالعدل. (41:3)
أبوالسعود: رضوا بما وقع من القسمة و استحسنوها. (161:3)
القاسمي: فجعلوه عدلا. (8: 3178)
سید قطب: ولم يبالوا الحق والعدل والدين. (1667:3)
ابن عاشور: و لم يذكر متعلق «رضوا »، لأن المراد صاروا راضين، أي عنك. ( 125:10)
مغنية: كان النبي علیه السلام يوزع الصدقات، كما بينها الله في الآية التالية، فيرضى المؤمنون، و يسخط المنافقون، و يلمزونه في قسمته. و الحق أن أكثر الناس على حق، والآية تشمل كل من لا يرضى بنصيبه، و لو رضي كل إنسان بما يستحق لعاش الجميع في أمن و رخاء.(58:4)
2- « وَلَو أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتیهُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللّهُ سَیُؤْتِینَا اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَی اللّهِ راغِبُونَ » التوبة: 59
الميدي: جواب ( لؤ) هاهنامحذوف، و تقدیر الآية: لو رضوا بذلك و توكلوا على الله لكان خيرا لهم، و العرب كثيرايحذفون جواب (لو) في الكلام. (151:4)
الزمخشري: جواب ( لؤ) محذوف، تقديره: و لو أنهم رضوا لكان خيرا لهم. والمعنى: ولو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة، و طابت به نفوسهم و إن قل نصيبهم، وقالوا: كفانا فضل الله و صنعه، و حسبنا ما قسم لنا سيرزقنا الله غنيمةأخرى، فيؤتينا رسول الله صلی الله علیه و آله أكثر مما آتانا اليوم.
ابن عطية: وصف للحال التي ينبغي أن يكون عليها المستقيمون، يقول تعالى: و لو أن هؤلاء المنافقين رضوا قسمة الله الرزق لهم و ما أعطاهم على يدي رسوله، و رجوا أنفسهم فضل الله و رسوله، و أقوا بالرغبة إلى الله، لكان خيرا لهم و أفضل مما هم فيه. و حذف الجواب من الآية، لدلالة ظاهر الكلام عليه، و ذلك من فصيح الكلام و إيجازه. (47:3 )
الطبرسي: معناه: و لو أن هؤلاء المنافقين الذين طلبوا منك الصدقات و عابوك بها، رضوا بما أعطاهم الله و رسوله. (41:3)
الفخر الرازي: [نحو الزمخشري و أضاف:]
واعلم أن جواب ( لؤ) محذوف، و التقدير : لكان خيرا لهم و أعود عليهم؛ وذلك لأنه غلب عليهم النفاق، و لم يحضر الإيمان في قلوبهم، فيتوکلوا على الله
حق توكله. و ترك الجواب في هذا المعرض أدل على التعظيم و التهويل، و هو كقولك للرجل: لو جئتنا، ثم الاتذكر الجواب، أي لو فعلت ذلك لرأيت أمرا عظيما. (98:16)
أبو حيان: هذا وصف لحال المستقيمين في دينهم، أي رضوا قسمة الله و رسوله، وقالوا: كفانا فضل الله، و علقوا آمالهم بما سيؤتيه الله إياهم، و كانت رغبتهم إلى الله لا إلى غيره.
و جواب (لو) محذوف تقديره: لكان خيرا لهم في دينهم و دنیاهم. و كان ذلك الفعل دليلا على انتقالهم من النفاق إلى محض الإيمان، لأن ذلك تضمن الرضا بقسم الله، والإقرار بالله و بالرسول؛ إذ كانوا يقولون: سيؤتينا الله من فضله و رسوله.
وقيل: جواب ( لؤ) هو قوله: « وقالوا » على زيادة الواو، و هو قول كوفي. (5: 56)
البروسوي: أي ما أعطاهم الرسول من الصدقات طيبي النفوس به و إن قل، و ذكر الله تعالى للتعظيم و التنبيه على أن ما فعله الرسول صلی الله علیه و آله كان بأمره سبحانه، فلا اعتراض عليه، لكون المأمور به موافقا للحكمة و الصواب. (452:3)
الآلوسي: أي ما أعطاهم رسول الله من الصدقات طيبي النفوس به و إن قل ف«ما» و إن كانت من صيغ العموم، إلا أن ما قبل و ما بعد قرينة على التخصيص، و بعض أبقاها على العموم، أي ما أعطاهم من الصدقة أو الغنيمة. قيل: لأنه الأنسب، و ذكر الله عز و جل للتعظیم و للتنبيه على أن ما فعله الرسول عليه الصلاة و السلام كان بأمره سبحانه. (120:10)
سید قطب: فهذا هو أدب النفس و أدب اللسان، وأدب الإيمان: الرضا بقسمة الله و رسوله، رضا التسليم و الاقتناع، لارضا القهر والغلب. و الاكتفاء بالله، والله كاف عبده.
و الرجاء في فضل الله و رسوله والرغبة في الله خالصة من كل كسب مادي، و من كل طمع دنيوي، ذلك أدب الإيمان الصحيح الذي ينضح به قلب المؤمن. و إن كانت لا تعرفه قلوب المنافقين، الذين لم تخالط بشاشة الإيمان أرواحهم، و لم يشرق في قلوبهم نور اليقين. (1668:3)
ابن عاشور: و «رضي » إذا تعدى إلى المفعول دل على اختيار المرضي، و إذا غدي بالباء دل على أنه صار راضيا بسبب ما دخلت عليه الباء، كقوله: « أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا مِنَ الآخِرهِ » التوبة : 38.
و إذا عدي ب « عن » فمعناه أنه تجاوز عن تقصيره أو عن ذنبه « فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ یَرْضَی عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِینَ » التوبة : 96.
فالقول هنا مراد به الكلام مع الاعتقاد، فهو كناية عن اللازم مع جواز إرادة الملزوم، فإذا أضمروا ذلك في أنفسهم، فذلك من الحالة الممدوحة، و لكن لما وقع هذا الكلام في مقابلة حكاية اللمز في الصدقات، واللمز يكون بالكلام دلالة على الكراهية، جعل ما يدل على الرضا من الكلام كناية عن الرضى.(126:10)
الطباطبائي: كأن الرضى ضمن معنى الأخذ، و لذا عدي بنفسه، أي أخذوا ذلك راضين به، أو رضوا آخذين ذلك. (310:9)
عبدالكريم الخطيب: هو بيان لما ينبغي أن يكون عليه المسلمون جميعا، إزاء كل ما يقول الرسول أو يعمل، و هو الرضا المطلق، و التسليم المطلق بكل ما يقضي به، فهو صلوات الله وسلامه عليه، الأمين الذي ائتمنه الله على دين الله، والقيم الذي أقامه الله على عباد الله، و أنه صلی الله علیه و آله لا ينطق عن الهوى، ولايحكم إلا ما أراه الله، فمن آمن بالله ، فلن يكون مؤمنا حتى يؤمن مما يقضي به رسول الله .
وفي ذكر الرسول الكريم مرتين في هذا الموضع، مع ذكر الله سبحانه و تعالى ما يكشف عن مقام الرسول الكريم عند ربه، و يؤكد منزلته الرفيعة عنده. (805:5)
3-« رَضُواْ بِأَن یَکُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَی قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ یَفْقَهُونَ » التوبة : 87
راجع: خ ل ف: «الخوالف ».
4 - « إِنَّ الَّذِینَ لَا یَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَ رَضُواْ بِالْحَیَوهِ الدُّنْیَا وَ اطْمَأَنُّواْ بِهَا وَ الَّذِینَ هُمْ عَنْ ءَایَاتِنَا غَافِلُونَ » يونس: 7
راجع: ط م ن : «اطمانوا»
رضيت
« الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » المائدة: 3
الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: و رضیت لکم الاستسلام لأمري و الانقياد لطاعتي، على ما شرعت لكم من حدوده و فرائضه و معالمه دينا، يعني بذلك: طاعة منكم لي.
فإن قال قائل: أو ما كان الله راضيا الإسلام لعباده، إلا يوم أنزل هذه الآية؟
قيل: لم يزل الله راضيا لخلقه الإسلام دينا، و لكنه جل ثناؤه لم يزل يصرف نبيه محمد صلی الله علیه و آله و أصحابه في درجات الإسلام و مراتبه درجة بعد درجة و مرتبة بعد مرتبه و حالا بعد حال، حتى أكمل لهم شرائعه و معالمه، و بلغ بهم أقصى درجاته و مراتبه، ثم قال حين أنزل عليهم هذه الآية: « وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً » بالصفة التي هو بها اليوم، والحال التي أنتم عليها اليوم منه دينا، فألزموه و لا تفارقوه. (421:4)
نحوه الطوسي (3: 436)، و الطبرسي (2: 159).
الميدي: أي اخترت لكم الإسلام، فلیس دین أرضى عند الله عز و جل من الإسلام،يقول الله عز و جل: « وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ » آل عمران : 85 .
الزمخشري: يعني اخترته لكم من بين الأديان، و آذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده « وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ » آل عمران : 85، « إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً » المؤمنون : 52 . (593:1)
ابن عطية: يحتمل «الرضا» في هذا الموضع أن يكون بمعنى الإرادة، و يحتمل أن يكون صفة فعل عبارة
عن إظهار الله إياه، لأن الرضى من الصفات المترددة بين صفات الذات و صفات الأفعال، و الله تعالى قد أراد لنا الإسلام و رضيه لنا، و ثم أشياء يريد الله تعالى وقوعها و لا يرضاها، و الإسلام في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى: « إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ » آل عمران : 19، و هو الذي تفسر في سؤال جبریل النبي صلی الله علیه و آله و هو الإيمان و الأعمال و الشعب. (2: 155)
الفخر الرازي: ثم قال تعالى: « وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » و المعنى: أن هذا هو الدين المرضي عند الله تعالى، و يؤكده قوله تعالى: « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ » آل عمران : 85. (140:11)
القرطبي: أي أعلمتكم برضاي به لكم دينا، فإنه تعالى لم يزل راضيا بالإسلام لنا دينا، فلا يكون الاختصاص الرضا بذلك اليوم فائدة إن حملناه علی ظاهره. و «دینا » نصب على التمييز، و إن شئت على مفعول ثان. و قيل: المعنى و رضيت عنكم إذا انقدتم لي بالدين الذي شرعته لكم.
ويحتمل أن يريد « وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » أي ورضيت إسلامكم الذي أنتم عليه اليوم دينا باقیا بكماله إلى آخر الآية، لا أنسخ منه شيئا. و الله أعلم. (63:6)
البيضاوي: اخترته لكم دينا من بين الأديان،و هو الدين عند الله لاغير. (262:1)
نحوه أبوالسعود.( 238:2)
أبو حيان: [نقل كلام ابنعطية ثم قال: ] و کلامه يدل على أن الرضا إذا كان من صفات الذات فهو صفة تغاير الإرادة...
وقيل: رضيت عنكم إذا تعبدتم لي بالدين الذي شرعته لكم. ( 426:3)
البروسوي: [ نحو البيضاوي و أضاف:]
ويجوز أن يكون «رَضِيتُ» بمعنی صیرت، فقوله: «دِينًا » مفعول ثان له. (2: 343)
الآلوسي: أي اخترته لكم من بين الأديان، و هو الدين عند الله تعالى لاغير، و هو المقبول و عليه المدار.
وقد نظر في الرضا معنى الاختيار، ولذاتي باللام، و منهم من جعل الجار صفة لدين قدم عليه فانتصب حالا، و «الْإِسْلَامَ» و «دِينًا » مفعولا «رَضِيتُ» إن ضمن معنى«صير »، أو «دِينًا » منصوب على الحالية من «الْإِسْلَامَ» أو تمييز من «لكم» و الجملة على ما ذهب إليه الكرخي مستأنفة لا معطوفة على «أكملت» و إلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرض لهم الإسلام قبل ذلك اليوم دینا.
و ليس كذلك إذ الإسلام لم يزل دينا مرضیا لله تعالي و للنبي صلی الله علیه و آله و أصحابه رضي الله تعالى عنهم منذ شرع. و الجمهور على العطف، و أجيب عن التقييد بأن المراد برضاه سبحانه: حکمه جل وعلا باختياره حكما أبدا، لا ينسخ وهو كان في ذلك اليوم.(3: 234)
القاسمي: يعني اخترته لكم من بين الأديان، و آذنتكم بأنه هو الدين المرضي وحده « وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ » آل عمران : 85، أو معناه: الانقياد لأمري فيما شرعت لكم من الفرائض
و الأحكام والحدود و معالم الدين الذي أكملته لكم. و معلوم أن الإسلام لم يزل مرضیا للحق تعالى منذ القدم، إلا أن المعني به في الآية:الصفة التي هو اليوم بها، و هي نهاية الكمال و البلوغ به أقصى درجاته، أي فالز موه و لا تفارقوه «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ» آل عمران: 19.(1831:6)
سید قطب: ويقف المؤمن أمام ارتضاء الله الإسلام دينا للذين آمنوا، يقف أمام رعاية الله سبحانه و عنايته بهذه الأمة، حتى ليختار لها دينها و يرتضيه، و هو تعبير يشي بحب الله لهذه الأمة ورضاه عنها، حتى ليختار لها منهج حياتها.
و إن هذه الكلمات الهائلة لتلقي على عاتق هذه الأمة عبئا ثقيلا، يكافى هذه الرعاية الجليلة، أستغفر الله، فما يكافئ هذه الرعاية الجليلة من الملك الجليل شيء تملك هذه الأمة بكل أجيالها أن تقدمه، و إنما هو جهد الطاقة في شكر النعمة، و معرفة المنعم، و إنما هو إدراك الواجب ثم القيام بما یستطاع منه، و طلب المغفرة و التجاوز عن التقصير و القصور فيه.
إن ارتضاء الله الإسلام دينا لهذه الأمة، ليقتضي منها ابتداء أن تدرك قيمة هذا الاختيار. ثم تحرص على الاستقامة على هذا الدين جهد ما في الطاقة من وسع و اقتدار، و إلا فما أنكد و ما أحمق من يهمل - بله أن يرفض - ما رضيه الله له، ليختار لنفسه غير ما اختاره الله. و إنها - إذن - لجرية نكدة لا تذهب بغير جزاء، ولا يترك صاحبها يمضي ناجا أبدا وقد رفض ما ارتضاه له الله. و لقد يترك الله الذين لم يتخذوا الإسلام دینا لهم، يرتكبون ما يرتكبون و يمهلهم إلى حين، فأما الذين عرفوا هذا الدين ثم ترکوه أو رفضوه، و اتخذوا لأنفسهم مناهج في الحياة غير المنهج الذي ارتضاه لهم الله، فلن يتركهم الله أبدا و لن يمهلهم أبدا، حتى يذوقوا و بال أمرهم و هم مستحقون.
ولا نملك أن نمضي أكثر من هذا في هذه الوقفات أمام تلك الكلمات الهائلة. فالأمر يطول. فنقنع بهذه اللمحات، في هذه الظلال، و نمضي مع سياق السورة إلى مقطع جديد. (845:2)
ابن عاشور: الرضى بالشيء: الركون إليه و عدم النفرة منه، و يقابله السخط: فقد يرضى أحد شيئا لنفسه فيقول: رضيت بكذا، وقد يرضى شيئا الغيره، فهو بمعنى اختياره له، و اعتقاده مناسبته له، فيعدی با للام، للدلالة على أن رضاه لأجل غيره، كما تقول: اعتذرت له. وفي الحديث: « إن الله يرضى لكم ثلاثا » و كذلك هنا، فلذلك ذكر قوله: «لكم » و عدي «رضيت» إلى الإسلام بدون الباء. و ظاهر تناسق المعطوفات: أن جملة «رضيت» معطوفة على الجملتين اللتين قبلها، و أن تعلق الظرف بالمعطوف عليه الأول سار إلى المعطوفين، فيكون المعنى: ورضيت لكم الإسلام دينا اليوم.
و إذ قد كان رضي الإسلام دينا للمسلمين ثابتا في علم الله ذلك اليوم و قبله، تعين التأويل في تعليق ذلك الظرف ب«رضيت»، فتأ وله صاحب «الكشاف » بأن المعنى:آذنتكم بذلك في هذا اليوم، أي أعلمتكم يعني أي هذا التأويل مستفاد من قوله «اليوم »، لأن
الذي حصل في ذلك اليوم هو إعلان ذلك، و الإيذان به، لاحصول رضي الله به دينا لهم يومئذ، لأن الرضی به حاصل من قبل، كما دلت عليه آيات كثيرة سابقة لهذه الآية.
فليس المراد أن «رضیت » مجاز في معنى «أذنت » لعدم استقامة ذلك، لأنه يزول منه معنی اختیار الإسلام لهم، و هو المقصود، و لأنه لا يصلح للتعدي إلى قوله: «الإسلام ». و إذا كان كذلك فدلالة الخبر على معنى الإيذان من دلالته على لازم من لوازم معناه بالقرينة المعينة، فيكون من الكناية في التركيب. و لو شاء أحد أن يجعل هذا من استعمال الخبر في لازم الفائدة، فكما استعمل الخبر كثيرا في الدلالة على كون المخبر عالما به، استعمل هنا في الدلالة على الإعلام و إعلانه.
وقد يدل قوله: « وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » على أن هذا الدين دین أبدي، لأن الشيء المختار المدخر لا يكون إلا أنفس ما أظهر من الأديان، و الأنفس لا يبطله شيء؛ إذ ليس بعده غاية، فتكون الآية مشيرة إلى أن نسخ الأحكام، قد انتهى. (5: 34)
الطباطبائي: ما معنى قوله تعالى: « وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » و تقديره: اليوم رضيت لو كان المراد بالكلام الامتنان بما ذكر في الآية من المحرمات يوم عرفة من السنة العاشرة؟ و ما وجه اختصاص هذا اليوم بأن الله سبحانه رضي فيه الإسلام دينا، و لا أمر يختص به اليوم ما يناسب هذا الرضا؟.
و بعد ذلك كله يرد على هذا الوجه أكثر الإشكالات الواردة على الوجوه السابقة، أو ما يقرب منها مما تقدم بيانه، و لانطيل بالإعادة.
أو أن المراد ب« اليوم » واحد من الأيام التي بين عرفة و بین ورود النبي صلی الله علیه و آله المدينة، على بعض الوجوه المذكورة في معنى يأس الكفار، و معنى إكمال الدين. و فيه من الإشكال ما يرد على غيره على التفصيل المتقدم .
فهذا شطر من البحث عن الآية بحسب السير فيما قيل، أو يمكن أن يقال في توجيه معناها، و لنبحث عنها من طريق آخر يناسب طريق البحث الخاص بهذا الكتاب. (174:5)
مکارم الشيرازي: و قد وردت في الآية : 55، من سورة النور، نقطة مهمة جديرة بالانتباه، فالآية تقول: « وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ اَلَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً »، و الله سبحانه و تعالى يقطع في هذه الآية وعدا على نفسه بأن يرسخ دعائم الدين، الذي ارتضاه للمؤمنين في الأرض.
ولما كان نزول سورة النور قبل نزول سورة المائدة، و نظرا إلى جملة « وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » الواردة في الآية الأخيرة موضوع البحث، و التي نزلت في حق علي بن أبي طالب علیه السلام ، لذلك كله نستنتج أن حكم الإسلام يتعزز و يترسخ في الأرض إذا اقترن بالولاية، لأن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله و وعد بترسيخ دعائمه و تعزيزه، و بعبارة أوضح أن
الإسلام إذا أريد له أن يعم العالم كله يجب عدم فصله عن ولاية أهل البيت علیهم السلام.
أما الأمر الثاني الذي نستنتجه من ضمن الآية الواردة في سورة النور إلى الآية التي هي موضوع بحثنا الآن، فهو أن الآية الأولى قد أعطت للمؤمنين و عودا ثلاثة:
أولها: الخلافة على الأرض.
والثاني: تحقق الأمن والاستقرار، لكي تكون العبادة لله وحده.
والثالث: استقرار الدين الذي يرضاه الله في الأرض.
و لقد تحققت هذه الوعود الثلاثة في «يوم غدیر خم» بنزول آية: « اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ.. » فمثال الإنسان المؤمن الصالح هو علي علیه السلام الذي نصب و صیا للنبي صلی الله علیه و آله و دلت عبارة: « اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ... » على أن الأمن قد تحقق بصورة نسبية لدى المؤمنين، كما بينت عبارة: « وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً » أن الله قد اختار الدین الذي يرتضيه، و أقره بين عباده المسلمين. (3: 529)
رضیتم
1- « أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا مِنَ الآخِرهِ فَمَا مَتاعُ الحَیوهِ الدُّنیَا فِی الآخِرَهِ إلَّاقَلِیلٌ » التوبة : 38
الطبري: يقول جل ثناؤه، أرضيتم بحظ الدنيا و الدعة فيها عوضا من نعيم الآخرة وماعند الله للمتقين في جنانه؟. (372:6)
الماوردي: يعني بمنافع الدنيا بدلا من ثواب الآخرة. و الفرق بين الرضا والإرادة: أن الرضا لما مضى، والإرادة لما يأتي. ( 362:2 )
الطوسي: قال الله تعالى لهم على جهة التوبيخ، والتعنيف : أرضيتم بالحياة الدنيا على الآخرة، آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة الآخرة الباقية. وهو استفهام، و المراد به الإنكار. والرضا هو الإرادة، غير أنها لا توصف بذلك إلا إذا تعلقت بما مضى من الفعل والإرادة توصف بما لم يوجد. (255:5)
القشيري: هل يجمل با لعابد أن يختار دنياه على عقباه؟
وهل يحسن بالعارف أن يؤثر هواه علی رضا مولاه؟ (25:3)
ابن عطية: و قوله: « ارضیتم » تقریر: يقول: أرضيتم نزر الدنيا على خطير الآخرة و حظها الأسعد، ثم أخبر فقال: إن الدنيا بالإضافة إلى الآخرة قليل نزر. فتعطي قوة الكلام التعجب من ضلال من يرضى النزر بدل الكثير الباقي. (34:3)
الطبرسي: هذا استفهام يراد به الإنكار، و معناه: آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة في الآخرة الباقية، في النعيم الدائم. (30:3)
(30:3)
نحوه الكاشاني (2: 343)، و شبر (3: 74).
الفخر الرازي: المعني: كأنه قيل قد ذكرنا الموجبات الكثيرة الداعية إلى القتال، و قد شرحنا المنافع العظيمة التي تحصل عند القتال، و بينا أنواع فضائحهم و قبائحهم التي تحمل العاقل على مقاتلتهم، فتركتم جميع هذه الأمور، أليس أن معبود کم یأمرکم
بمقاتلتهم، و تعلمون أن طاعة المعبود توجب الثواب العظيم في الآخرة؟ فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟
والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل، أن لذات الدنيا خسيسة في أنفسها، و مشوبة بالآفات و البليات، و منقطعة عن قريب لا محالة، و منافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، و دائمة أبدية سرمدية، و ذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس. (59:16)
القرطبي: معنى «أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا...» أي بدلا ، التقدير : أرضيتم بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة؟ ف( من ) تتضمن معنى البدل، كقوله تعالى: « وَ لَوْ نَشَاءُ لجَعَلْنَا مِنکمُ مَّلَئکَهً فیِ الْأَرْضِ یخَلُفُونَ » الزخرف : 60، أي بدلا منكم. [ثم استشهد بشعر]
عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة، إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا. (141:8)
أبو حيان: و في قوله: «أرَضِیتُم» نوع من الإنكار و التعجب، أي أرضيتم بالنعيم العاجل في الدنيا الزائل بدل النعيم الباقی؟ و (من) تظافرت أقوال المفسرين على أنها معنی بدل، أي بدل الآخرة. (41:5)
نحوه أبو السعود (148:3)، و البروسوي (429:3) ، و الآلوسي ( 95:10).
المراغي: أي أرضيتم بالذات الدنيا الناقصة الفانية بدلا من سعادة الآخرة الكاملة الباقية؟ ومن يفعل ذلك فقد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير. (120:10)
سید قطب: و ما يحجم ذو عقيدة في الله عن النفرة للجهاد في سبيله، إلا و في هذه العقيدة دخل، و في إيمان صاحبها بها وهن. لذلك يقول الرسول صلی الله علیه و آله: « من مات و لم يغز، و لم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من شعب النفاق ». فالنفاق - و هو دخل في العقيدة يعوقها بعن الصحة و الكمال - هوالذي يقعد من يزعم أنه على عقيدة عن الجهاد في سبيل الله، خشية الموت أو الفقر، والآجال بيد الله، و الرزق من عند الله. (1655:3)
ابن عاشور: و الاستفهام في « أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا» إنكاري توبيخي، إذ لا يليق ذلك بالمؤمنين.
و (من) في «من الأخرة » للبدل، أي كيف ترضون بالحياة الدنيا بدلا عن الآخرة.
و مثل ذلك لا يرضى به. والمراد بالحياة الدنيا، و بالآخرة: منافعهما، فإنهم لما حاولوا التخلف عن الجهاد، قد آثروا الراحة في الدنيا على الثواب الحاصل للمجاهدين في الآخرة.
واختير فعل «رضيتم » دون نحو «آثرتم » أو « فضلتم »: مبالغة في الإنكار، لأن فعل: رضي بكذا، يدل على انشراح النفس. (96:10)
مغنية: أي هل يليق بإيمانكم و عقولكم أن تؤثروا نعیم الدنيا الحقير الزائل على نعيم الآخرة العظيم الدائم؟ (44:4)
الطباطبائي: كأن الرضا أشرب معنى القناعة فعدي ب ( من ) كما يقال: رضيت من المال بطيبه و رضيت من القوم بخلة فلان، و على هذا ففي الكلام نوع من العناية المجازية، كأن الحياة الدنيا نوع حقير من الحياة الآخرة قنعوا بها منها، و يشعر بذلك قوله بعده: «فَمَا مَتَاعُ الْحَیَوهِ الدُّنْیَا فِی الْأَخِرَهِ إِلَّا قَلِیلٌ ».
فمعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قال لكم النبي صلی الله علیه و آله- لم يصرح باسمه صونا و تعظيما۔ اخرجوا إلى الجهاد، أبطأتم كأنكم لاتريدون الخروج، أقنعتم بالحياة الدنيا راضين بها من الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا بالنسبة إلى الحياة الآخرة إلا قليل.
و في الآية وما يتلوها عتاب شديد للمؤمنين، و تهدید عنيف، و هي تقبل الانطباق على غزوة تبوك كما ورد ذلك في أسباب النزول. (278:9)
مکارم الشيرازي: فكيف يتسنى للإنسان العاقل أن يساوم مساومة الخسران ؟ و كيف يعوض متاعا غاليا لا يزول بمتاع زائل لايعد شيئا؟ ثم تتجاوز الآية مرحلة الملامة و العتاب إلى لهجة أشدت و أسلوب تهديدي جديد، فتقول: « إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا » . (51:6)
فضل الله : و استسلمتم لها في عملية استبدال و اقتناع بنتائجها، كما لو كانت كل شيء في حركة الحياة ومن الآخرة هو أي بدلا عن الآخرة.( 111:11)
2- « ... إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ».التوبة : 83
راجع: قع د: « القعود» و: خ ل ف : «الخالفين».
یرضی
1-«... وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ... النساء : 108
راجع: بي ت: « يبيتون».
2- « يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » التوبة : 96
الطبري: يقول: فإن أنتم أيها المؤمنون رضيتم عنه و قبلتم معذرتهم، إذا كنتم لا تعلمون صدقهم من كذبهم، فإن رضاكم عنهم غير نافعهم عند الله، لأن الله يعلم من سرائر أمرهم ما لا تعلمون، و من خفي اعتقادهم ما تجهلون، و أنهم على الكفر بالله، يعني أنهم الخارجون من الإيمان إلى الكفر بالله و من الطاعة إلى المعصية.( 450:6)
الطوسي: بين الله تعالى أن هؤلاء المنافقين يقسمون بالله طلبا لمرضاتكم عنهم «فَإِنْ تَرْضَوْا» أيها المؤمنون «فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » الخارجين من طاعته إلى معصيته. والمعنى: أنه لا ينفعهم رضاكم مع سخط الله عليهم و ارتفاع رضاه عنهم، رضي المؤمنون عنهم أو لم يرضوا. و إنما علق هاهنا بذلك لئلا يتوهم أنه إذا رضي المؤمنون فقد رضي الله عنهم أيضا، فذكر ذلك ليزول هذا الإلباس، ولأن المراد بذلك إنه إذا كان الله لا يرضى عنهم، فينبغي لكم أيضا أن لا ترضوا عنهم. (327:5)
القشيري: من كان مسخوط الحق لا ينفعه أن يكون مرضي الخلق، و ليست العبرة بقول غير الله، إنما المدار على ما سبق من السعادة في حكم الله .
(56:31)
الميدي: « فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ » يريد فلاترضوا عنهم. « فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ» بل يسخط عليهم و أنتم ترضون عنهم، و الله لايرضى عنهم بل الله ساخط عليهم. (194:4)
الزمخشري: « لتَرْضَوْا عَنْهُمْ » أي غرضهم في الحلف بالله طلب رضاكم، لينفعهم ذلك في دنياهم وان ترضوا عنهم که، فإن رضاكم وحدكم لاينفعهم إذا كان الله ساخطا عليهم، و كانوا عرضة لعاجل عقوبته و آجلها.
وقيل : إنما قيل: ذلك لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين يقتضي رضا الله عنهم. (209:2 )
ابن عطية: هذه الآية والتي قبلها مخاطبة للمؤمنين مع الرسول، و المعنى: يحلفون لكم مبطلين و مقصدهم أن ترضوا، لا أنهم يفعلون ذلك لوجه الله ولا للبر، و قوله: « فَإِنْ تَرْضَوْا » إلى آخر الآية، شرط يتضمن النهي عن الرضى عنهم، و حكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة و نحوها، فإن المؤمن ينبغي أن يبغضه و لايرضى عنه، لسبب من أسباب الدنيا. (73:3)
الطبرسي: أي طلبا لمرضاتكم عنهم أيها المؤمنون « فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ » لجهلكم بحالهم « فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ» الخارجين من طاعته إلى معصيته لعلمه بحالهم، و معناه: أنه لا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخط الله عليهم، و ارتفاع رضاه عنهم. و إنما قال سبحانه ذلك لئلا يتوهم أنه إذا رضي المؤمنون فقد رضي الله، و المراد بذلك: أنه إذا كان الله لايرضى عنهم، فينبغي لكم أيضا أن لا ترضوا عنهم. و في هذا دلالة على أن من طلب بفعله رضا الناس ولم يطلب رضا الله سبحانه، فإن الله يسخط الناس عليه. (61:3)
الفخر الرازي: ولما بين في الآية أنهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إيذائهم، بين أيضا أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم، ثم إنه تعالی نهی المسلمين عن أن يرضوا عنهم، فقال:« فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » و المعنى: أنكم إن رضيتم عنهم مع أن الله لا يرضى عنهم، كانت إرادتكم مخالفة لإرادة الله، و أن ذلك لا يجوز.
وأقول: إن هذه المعاني مذكورة في الآيات السالفة، و قد أعادها الله هاهنا مرة أخرى، و أظن أن الأول خطاب مع المنافقين الذين كانوا في المدينة، و هذا خطاب مع المنافقين من الأعراب و أصحاب البوادي، ولما كانت طرق المنافقين متقاربة سواء كانوا من أهل الحضر أو من أهل البادية، لاجرم کان الكلام معهم على مناهج متقاربة. ( 164:16)
البيضاوي: أي فإن رضاكم لايستلزم رضا الله، و رضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله و بصدد عقابه، أو إن أمكنهم أن يلبسوا علیکم لايمكنهم أن يلبسوا على الله، فلايهتك سترهم ولا ينزل الهوان بهم. و المقصود من الآية النهي عن الرضاعنهم، و الاغترار بمعاذیر هم بعد الأمر بالإعراض، و عدم الالتفات نحوهم. (429:1)
أبو حيان: و غرضهم في الحلف رضا الرسول و المؤمنين عنهم لنفعهم في دنياهم، لا أن مقصدهم وجه الله تعالى. والمراد هي أيمان كاذبة، و أعذار مختلقة الاحقيقة لها. و في الآية قبلها لما ذكر حلفهم لأجل الإعراض، جاء الأمر بالإعراض نصا، لأن الإعراض من الأمور التي تظهر للناس، و هنا ذكر الحلف لأجل الرضا، فأبرز النهي عن الرضا في صورة شرطية، لأن الرضا من الأمور القلبية التي تخفی، و خرج مخرج المتردد فيه، و جعل جوابه انتفاء رضا الله عنهم، فصار رضا المؤمنين عنهم أبعد شيء في الوقوع، لأنه معلوم منهم أنهم لا يرضون عمن لا يرضي الله عنهم.
ونص على الوصف الموجب لانتفاء الرضا و هو الفسق، و جاء اللفظ عاما، فيحتمل أن يراد به الخصوص، كأنه قيل: فإن الله لايرضى عنهم. و يحتمل بقاؤه على العموم فیندرجون فيه، و يكونون أولى بالدخول؛ إذ العام إذا نزل على سبب مخصوص، لايمكن إخراج ذلك السبب من العموم بتخصيص ولا غيره. (90:5)
الشربيني أي فإن رضيتم عنهم أيها المؤمنون بما حلفوا إليكم و قبلتم عذرهم « فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » لأنه تعالى يعلم ما في قلوبهم من النفاق والشك فلا يرضى عنهم. والمقصود من الآية عدم الرضا عنهم، والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر بالإعراض عنهم، و عدم الالتفات نحوهم. ( 643:1 )
أبوالسعود: أي فإن رضاكم عنهم لا يجديهم نفها، لأن الله ساخط عليهم، ولا أثر لرضاكم عند سخطه سبحانه. و وضع « الْفَاسِقِينَ » موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجب لما حل بهم من الخط و للإيذان بشمول الحكم لمن شارکهم في ذلك. و المراد به نهي المخاطبين عن الرضا عنهم، والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه و آکده، فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدر عن المؤمن.
و قيل ذلك: لئلا يتوهم متوهم أن رضا المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى. (182:3)
الآلوسي: أي فرضاكم لا ينتج لهم نفعا، لأن الله تعالی ساخط عليهم، و لا أثر لرضا أحد مع سخطه تعالى. و جوز بعضهم كون الرضا كناية عن التلبيس، أي إن أمكنهم أن يلبسوا عليكم بالأمان الكاذبة حتى يرضوكم، لا يمكنهم أن يلبسوا على الله تعالى بذلك حتى يرضى عنهم، فلايهتك أستارهم و لايهينهم، و هو خلاف الظاهر. [ثم أدام مثل أبي السعود] (4:11)
القاسمي: « لترضوا عنهم » أي باعتقاد طهارة ضمائرهم و إخلاصهم « فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » فیه تبعيد عن الرضا عنهم على أبلغ وجه و آکده، فإن الرضا عمن لايرضى الله تعالى عنه، مما لا يكاد يصدر عن المؤمن. (3237:8)
سید قطب: إنهم يطلبون ابتداء من المسلمين أن يعرضوا عن فعلتهم صفا و عفوا. ثم يتدرجون من هذا إلى طلب رضى المسلمين عنهم، ليضمنوا السلامة في المجتمع المسلم بهذا الرضی، و يضمنوا أن يظل
المسلمون يعاملونهم بظاهر إسلامهم، كما كانوا يعاملونهم و لايجاهدونهم و يغلظون عليهم، كما أمرهم الله في هذه السورة أن يفعلوا محددا بذلك العلاقات النهائية بين المسلمين و المنافقين فيهم.
و لكن الله سبحانه يقرر أنهم فسقواعن دين الله بهذا القعود الناشئ عن النفاق، و أن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين، حتى و لو استطاعوا أن يحلفوا و يعتذروا حتى يرضى عنهم المسلمون، و حكم الله فيهم هو الحكم. و رضا الناس ولو كانوا هم المسلمين في هذه الحالة - لا يغير من غضب الله عليهم، ولا يجديهم فتي . إنما السبيل إلى إرضاء الله هو الرجوع عن هذا الفسق، و العودة إلى دين الله القويم.
و هكذا کشف الله هؤلاء القاعدين من غير عذر في الجماعة المسلمة، و قرر العلاقات النهائية بين المسلمين و المنافقين، كما قررها من قبل بين المسلمين و المشركين، و بين المسلمين و أهل الكتاب، و كانت هذه السورة هي الحكم النهائي الأخير. (3: 1696)
ابن عاشور: «يحلفون لكم...» هذه الجملة بدل اشتمال من جملة: « سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ» التوبة : 95، لأنهم إذا حلفوا لأجل أن يعرض عنهم المسلمون فلا يلوموهم، فإن ذلك يتضمن طلبهم رضى المسلمين.
و قد فرع الله على ذلك أنه إن رضي المسلمون عنهم و أعرضوا عن لومهم، فإن الله لا يرضى عن المنافقين. و هذا تحذير للمسلمين من الرضى عن المنافقين بطريق الكناية، إذ قد علم المسلمون أن ما لا يرضي الله لا يكون للمسلمين أن يرضوا به.
و القوم الفاسقون هم هؤلاء المنافقون. والعدول عن الإتيان بضمير «هم» إلى التعبير بصفتهم، للدلالة على ذمهم و تعلیل عدم الرضى عنهم. فالكلام مشتمل على خبر و علی دلیله، فأفاد مفاد کلامین، لأنه ينحل إلى فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عنهم، لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين.( 186:10)
مغنية: إن رضا المؤمن من رضا الله، والله لايرضى عن الفاسقين، فكيف يرضى المؤمن عنهم؟ و من ادعى الإيمان بالله، و هو راض على من غضب الله عليه فإنه منافق، ما في ذلك ريب.(90:4)
الطباطبائي: أي هذا الحلف منهم كما كان للتوسل إلى صرفكم عنهم، ليأمنوا الذم و التقريع، كذلك هو للتوسل إلى رضاكم عنهم. أما الإعراض فافعلوه، لأنهم رجس لا ينبغي النزاهة الإيمان و طهارته أن تتعرض لرجس النفاق و الكذب و قذارة الكفر والفسق. و أما الرضى فاعلموا أنكم إن ترضوا عنهم، فإن الله لايرضى عنهم لفسقهم، و الله لا يرضى عن القوم الفاسقين.
فالمراد أتكم إن رضيتم عنهم فقد رضيتم عمن لم يرض الله عنه، أي رضيتم بخلاف رضی الله، ولا ينبغي لمؤمن أن يرضى عما يسخط ربه، فهو أبلغ كناية عن النلهي عن الرضا عن المنافقين. (363:9)
فضل الله: و هذه هي المرحلة الثانية التي يفكرون في الوصول إليها، فإذا لم يذكرهم المسلمون بسوء، كان ذلك ضمانة لهم ليدخلوا إلى عواطفهم من أقرب
طريق، ليحصلوا على الرضا عنهم، و لكن الله يقول للمسلمين: إنهم إذا أرادوا تحريك عواطفهم في خط رضاه، فينبغي أن لا يرضوا إلا عمن يرضي الله عنه. فإذا ابتعدوا عن ذلك، فلا يغيرون شيئا من الموضوع « و ان ترضوا عنهم ... » الذين لم يقف بهم الفسق عند حدود الجانب العملي من الخطيئة، بل تعدي ذلك إلى الجانب الفكري في خط العقيدة؛ حيث تحول إلى كفر بالله و رسوله واليوم الآخر، فكيف يمكن أن يحصلوا على رضا الله، في هذا الجو و كيف يمكن للمسلمين أن يفكروا بالرضا عنهم، في الخط الذي لا يرضى به الله عنهم في حساب الدنيا و الآخرة؟. ( 191:11)
3- « إِن تَکْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنکُمْ وَلَا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ وَإِن تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَهٌ وِزْرَ أُخْرَی » الزمر : 7
ابن عباس: يعني الكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فيقولوا: لا إله إلا الله، ثم قال: «وَلَا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ» و هم عباده المخلصون الذين قال فيهم: « إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ » الحجر: 42 فألزمهم شهادة أن لا إله إلا الله، و حبيبها إليهم. (الطبري 617:10 )
السدي: « وَلَا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ » لایرضی لعباده المؤمنين أن يكفروا .
«وَإِن تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ » إن تطيعوا يرضه لکم.(الطبري 617:10 )
الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله:«إِن تَکْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ » فقال بعضهم: ذلك خاص من الناس، و معناه: إن تكفروا أيها المشركون بالله، فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لعباده المؤمنين الذين أخلصهم العبادته وطاعته الكفر.
وقال آخرون: بل ذلك عام لجميع الناس، و معناه: أيها الناس إن تكفروا، فإن الله غني عنكم، ولا يرضى لكم أن تكفروا به.
والصواب من القول في ذلك ما قال الله جل و عز إن تكفروا بالله أيها الكفار به، فإن الله غني عن إيمانكم و عبادتكم إياه، و لايرضى لعباده الكفر، بمعنى ولا يرضى لعباده أن يكفروا به، كما يقال: لست أحب الظلم، وإن أحببت أن يظلم فلان فلانا فيعاقب. و قوله: «وَإِن تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ » يقول: و إن تومنوا بربكم و تطيعوه يرض شکر کم له؛ و ذلك هو إيمانهم به و طاعتهم إياه، فکنی عن الشكر ولم يذكر، و إنما ذكر الفعل الدال عليه؛ وذلك نظير قوله: « اَلَّذِينَ قالَ لَهُمُ اَلنّاسُ إِنَّ اَلنّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً» آل عمران : 173، بمعنى فزادهم قول الناس لهم ذلك إيمانا. ( 617:10)
نحوه البغوي . (80:4)
الطوسي: «وَلَا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ» و في ذلك دلالة على أن الكفر ليس من فعل الله، و لا بإرادته،لأنه لو كان مريدا له لكان راضيا به، لأن الرضاهو الإرادة إذا وقعت على وجهه. ثم قال: « وَإِن تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ » أي إن تشكروا نعمه و تعترفوا بها يرضه لكم و يريده منكم و يثيبكم عليه.
و إشباع الهاء أجود، لأن الهاء أولها متحرك مثل « شرا یره » و « خیرا یره »؛ که الزلزال : 7، 8، و الهاء إذا انفتح ما قبلها في نحو الفعل، لم يجز إلا الإشباع، كقولهم: کهلهو، و الهاء في «يرضه» كناية عن المصدر الذي دل عليه «وان تشكروا » كقولهم: من كذب کان شرا له، أي كان الكذب شرا له. و من أسكن الهاء قال أبو الحسن : هي لغة كقول الشاعر:
*و نضواي مشتاقان له أرقان *
فعلى هذه اللغة يحمل دون أن يجري الوصل مجرى الوقف. (90:9)
الميدي: « و لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ » به أي لعباده المؤمنين «الكفر» و هم الذين قال الله تعالى: « إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ » الحجر : 42، فیکون عاما في اللفظ خاصا في المعنى، كقوله: «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ » الدهر : 6، يعني بعض عباد الله. و أجراه قوم على العموم، وهو قول السلف، قالوا: كفر الكافر غير مرضي الله عز و جل و إن كان بإرادته، و أفعال العباد كلها خيرها و شرها مخلوقة لله عزوجل و إن كان بإرادته، و أفعال العباد مرادة له لاتجري في الملك و الملكوت طرفة عين و لا فلتة خاطر ولا لفتة ناظر إلا بقضاء الله وقدره و بإرادته ومشيئته، ولارات القضائه و لا معقب لحكمه، يضل من يشاء و يهدي من يشاء لايسأل عما يفعل وهم يسألون. [و أضاف أفعال العباد كلها خيرها و شرها بيد الله إلى أن قال:]
« وَإنْ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ» يرضه لكم فيثيبكم عليه. قرأ أبوعمرو: (يرضه ) ساكنة الهاء، و يختلسها أهل المدينة، وعاصم و حمزة و الباقون بالإشباع. (382:8)
الزمخشري: « وَلا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الکُفْرَ » رحمة لهم، لأنه يوقعهم في الهلكة، « وَإنْ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ » أي يرض الشكر لكم، لأنه سبب فوزکم و فلاحكم فإذن، ماکره کفرکم و لارضي شکرکم لكم و لصلاحكم، لا لأن منفعة ترجع إليه، لأنه الغني الذي لايجوز عليه الحاجة.
ولقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله تعالى ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر، فقال:هذا من العام الذي أريد به الخاص. [إلى آخر ماتقدم عن الميبدي]
و قرئ «يرضه» بضم الهاء بوصل و بغیر وصل، و بسكونها. (388:3)
ابن عطية: و اختلف المتأولون من أهل السنة في تأويل قوله:« وَلا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الکُفْرَ » فقالت فرقة: الرضى بمعنى الإرادة، و الكلام ظاهره العموم و معناه الخصوص، فيمن قضى الله له بالإيمان و حتمه له، و «عباده» على هذا ملائكته و مؤمنو البشر والجن، وهذا يترکب على قول ابن عباس.
وقالت فرقة: الكلام عموم صحيح، و الكفر يقع ممن يقع بإرادة الله، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه دينا لهم، فهذا يترکب على الاحتمال الذي تقدمك آنفا. و معنى لا يرضاه، لا يشكره لهم و لا يثيبهم به خيرا. فالرضى على هذا هو صفة فعل المعنى القبول و نحوه. و تأمل الإرادة فإنها حقيقة، إنما هي فيما لم يقع بعد، و الرضى فإنما حقيقة فيما قد وقع، و اعتبر هذا في
آيات القرآن تجده، و إن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا.
وقوله تعالى: « وَإنْ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ» عموم، والشكر الحقيقي في ضمنه الإيمان.
وقرأ ابن كثير و أبو عمرو و الكسائي:«یَرْضَهُ» بضمة على الهاء مشبعة. وقرأ ابن عامر و عاصم «یَرْضَهُ» بضمة على الهاء غير مشبعة، و اختلف عن نافع و أبي عمرو. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (يرضة ) بسكون الهاء. قال أبو حاتم: وهو غلط لايجوز. (521:4)
الطبرسي:« وَلا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الکُفْرَ » و في هذا أوضح دلالة على أنه سبحانه لا يريد الكفر الواقع من العباد، لأنه لو أراده لوجب متى وقع أن يكون راضيا به لعبده، لأن الرضاء بالفعل ليس إلا ما ذكرناه؛ ألا ترى أنه يستحيل أن نريد من غيرنا شيئا و يقع منه على ما نريده فلا نكون راضين به، أو أن نرضى شيئا ولم نرده ألبتة؟ « وَإنْ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ» أي وإن تشكروا الله تعالى على نعمه و تعترفوا بها يرضه لكم و یرده منكم و يثبكم عليه. و الهاء في «يرضه» كناية عن المصدر الذي دل عليه « وَإنْ تَشْکُرُوا » و التقدير يرضى الشكر لكم، كقولهم: من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له. (491:4)
الفخر الرازي: قال تعالى بعده:« وَلا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الکُفْرَ »يعني أنه و إن كان لا ينفعه إيمان ولا يضره کفران، إلا أنه لا يرضى بالكفر. واحتج الجبائي بهذه الآية من وجهين:
الأول: أن المجبرة يقولون: إن الله تعالى خلق كفر العباد و إنه من جهة ما خلقه حق وصواب، قال: ولو كان الأمر كذلك لكان قد رضي الكفر من الوجه الذي خلقه، و ذلك ضد الآية.
والثاني: لو كان الكفر بقضاء الله تعالى لوجب علينا أن نرضى به، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب، و حيث اجتمعت الأمة على أن الرضا بالكفر كفر، ثبت أنه ليس بقضاء الله، و ليس أيضا برضاء الله تعالی.
وأجاب الأصحاب عن هذا الاستدلال من وجوه:
الأول: أن عادة القرآن جارية بتخصيص لفظ « العباد » بالمؤمنين، قال الله تعالى: « عِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا » الفرقان : 63، وقال: «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ » الدهر : 6، وقال: « إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ » الحجر: 42 فعلى هذا التقدير قوله: « وَلا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الکُفْرَ » ولا يرضى للمؤمنين الكفر، وذلك لايضرنا.
والثاني: أنا نقول: الكفر بإرادة الله تعالى ولا نقول: إنه برضا الله، لأن الرضا عبارة عن المدح عليه و الثناء بفعله، قال الله تعالى: « لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ » الفتح: 18، أي يمدحهم و يثني عليهم.
والثالث: كان الشيخ الوالد ضیاء الدین عمر رحمه الله يقول: الرضا عبارة عن ترك اللوم و الاعتراض، و ليس عبارة عن الإرادة، والدليل عليه قول ابن دريد:
رضيت قسرا و على القسر رضا * من كان ذا سخط على صرف القضا
أثبت الرضا مع القسر، و ذلك يدل على ما قلناه.
والرابع: هب أن الرضا هو الإرادة إلا أن قوله:
« وَلا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الکُفْرَ » عام، فتخصيصه بالآيات الدالة على أنه تعالى يريد الكفر من الكافر، كقوله تعالى: « وَ ما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللّهُ » الدهر : 30، والله أعلم.
ثم قال تعالى: « وَ إِنْ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ » و المراد أنه لما بين أنه لا يرضى الكفر بين أنه يرضى الشكر، و فيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلف القراء في هاء « یَرْضَهُ » على ثلاثة أوجه:
أحدها: قرأ نافع و أبوعمرو و ابن عامر و عاصم و حمزة بضم الهاء مختلسة غير متبعة.
و ثانيها: قرأ أبو عمرو و حمزة في بعض الروايات (یرضه ) ساكنة الهاء للتخفيف.
و ثالثها: قرأ نافع في بعض الروايات و ابن كثير و ابن عامر والكسائي مضمومة الهاء مشبعة، قال الواحدي رحمه الله من القراء: من أشبع الهاء حتی ألحق بها واوا، لأن ما قبل الهاء متحرك فصار بمنزلة «ضربه» و «له» فكما أن هذا مشبع عند الجميع كذلك (یرضه). و منهم من حرك الهاء و لم يلحق الواو، لأن الأصل: يرضاه، و الألف المحذوفة للجزم ليس يلزم حذفها فكانت کالباقية، و مع بقاء الألف لايجوز إثبات الواو، فكذا هاهنا. (246:26)
القرطبي: « وَلا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الکُفْرَ » أي أن يكفروا، أي لايحب ذلك منهم.
وقال ابن عباس و السدي: معناه لايرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله فيهم: « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » الإسراء : 65، و كقوله: «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ » الدهر : 6، أي المؤمنون. وهذا على قول من لا يفرق بين الرضا والإرادة.
وقيل: لا يرضى الكفر وإن أراده، فالله تعالی یرید الكفر من الكافر و بإرادته كفر، لايرضاه و لايحبه، فهو یرید کون ما لا يرضاه، و قد أراد الله عز و جل خلق إبليس و هو لا يرضاه، فالإرادة غير الرضا. وهذا مذهب أهل السنة.
قوله تعالى: « وَ إِنْ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ » أي يرضي الشكر لكم، لأن « تَشْکُرُوا » يدل عليه. و قد مضى القول في الشكر في البقرة، و غيرها. و «یَرْضَی» بمعنى يثيب و يثني، فالرضا على هذا إما ثوابه، فيكون صفة فعل « لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ » إبراهيم : 7، وإما ثناؤه فهو صفة ذات. و(یرضه). بالإسكان في الماء قرأ أبو جعفر و أبوعمرو و شيبة و هبيرة عن عاصم . و أشبع الضمة ابن ذكوان و ابن كثير و ابن محيصن والكسائي و ورش عن نافع، و اختلس الباقون. (236:15)
أبو حيان: و الرضا بمعنى الإرادة، فعلى هذا هي صفة ذات. و قيل: المراد العموم، كما دل عليه اللفظ، و الرضا مغاير للإرادة، عبر به عن الشكر و الإثابة، أي لا يشكره لهم دينا و لايثيبهم به خيرا. فالرضاعلی
هذا صفة فعل بمعنى القبول و الإثابة.[ثم نقل قول الزمخشري و ابن عطية إلى قال :]
« وَ إِنْ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لکم»، قال ابن عباس: يضاعف لكم، و كأنه يريد ثواب الشكر. و قيل: يقبله منكم. قال صاحب «التحرير»: قوة الكلام تدل على أن معنی و «تَشْکُرُوا»: تؤمنوا حتى يصير بإزاء الكفر، و الله تعالى قد سمى الأعمال الصالحة و الطاعات شکرا في قوله : « اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً» سبأ : 13، انتهى.
و تقدم الكلام على هذه الآية في « سبأ». وقرأ النحويان، و ابن كثير «يرضه» بوصل ضمة الهاء بواو، و ابن عامر و حفص: بضمة فقط، و أبو بكر: بسكون الهاء، قال أبو حاتم : و هو غلط لايجوز، انتهى. و ليس بغلط، بل ذلك لغة لبني كلاب و بني عقيل. (417:7)
الشربيني: « وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ » أي لأحد منهم «الكفر» أي بالإقبال على ما سواه، وأنتم لا ترضون ذلك لعبيد كم، مع أن ملككم لهم في غاية الضعف. و معنی عدم الرضا به: لا يفعل فعل الراضي، بأن يأذن فيه و يقر عليه ويثيب فاعله و يمدحه، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهي عنه ويذم عليه ويعاقب مرتكبه و إن كان بإرادته؛ إذ لايخرج شيء عنها، وهذا قول قتادة، و الستلف أجروه على عمومه. [ثم نقل كلام ابن عباس إلى أن قال:]
« وَ إِنْ تَشْکُرُوا » الله تعالى، أي فتؤمنوا بربكم و تطيعوه « یَرْضَهُ لکم» أي فيثيبكم عليه، لأنه سبب فلاحكم. و قرأ السوسي في الوصل بسكون الهاء،و للدوري وهشام وجهان: السكون و الضم، وصلة الهاء بواو للدوري، و ابن كثير و ابن ذكوان والكسائي والباقون بالسكون، و هو لغة فيه. (343:3)
أبوالسعود: « وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكفر » أي عدم رضاه بكفر عباده، لأجل منفعتهم و دفع مضرتهم، رحمة عليهم لا لتضرره تعالى به. « وَ إِنْ تَشْکُرُوا یَرْضَهُ لَکُمْ» أي يرض الشكر لأجلكم و منفعتكم،لأنه سبب لفوز كم بسعادة الدارین، لا لانتفاعه تعالى به. و إنما قيل «لعباده » لا لكم ، لتعميم الحكم و تعليله، بكونهم عباده تعالى. (381:5)
البروسوي: « وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الكفر » و إن تعلقت به إرادته تعالى من بعضهم، أي عدم رضاه بكفر عباده، لأجل منفعتهم و دفع مضرتهم رحمة عليهم، لالتضرره به تعالی.
وإنما قيل: «لِعِبادِهِ» لا «لكم» لتعميم الحكم للمؤمنين و الكافرين، و تعليله بكونهم عباده.
واعلم أن الرضی: ترك السخط، و الله تعالى لايترك السخط في حق الكافر، لأنه لسخطه عليه أعد له جهنم، و لا يلزم منه عدم الإرادة؛ إذ ليس في الإرادة ما في الرضى من نوع استحسان، فالله تعالى مريد الخير والشر، و لكن لا يرضى بالكفر والفسوق، فإن الرضى إنما يتعلق بالحسن من الأفعال دون القبيح، و عليه أهل السنة، و كذا أهل الاعتزال.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: والذي لايرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين ذكرهم في قوله: « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ » الحجر :
42، فيكون عاما مخصوصا، كقوله: «عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ »الدهر : 6، يريد بعض العباد. و عليه بعض الماتريدية؛ حيث قالوا: إن الله يرضى بكفر الكافر و معصية العاصي، كما أنه يريدهما، صرح بذلك الجصاص (1)في «أحكام القرآن ». ونقل أن هشام بن عبد الملك إما قتل غيلان القدري، بإشارة علماء الشام بقوله: « وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ». قال هشام: إن لم يكن الله قادرا على دفع الكفر عن الكافر يكون عاجزا فلا يكون إلها، و إن قدر فلم يدفع یکون راضيا، فأفحم غيلان.
و في «الأسئلة المقحمة »: فإن قيل: هل يقولون: بأن كفر الكافر قد رضيه الله تعالى للكافر؟
قلنا: إن الله تعالى خلق كفر الكافر ورضيه له، و خلق إيمان المؤمن و رضيه له، و هو مالك الملك على الإطلاق. و تكلف بعض أهل الأصول، فقال: إن الله تعالى لا يرضى بكون الكفر حسنا و دينا، لأنه تعالى يرضى وجوده و هو حسن و لا يخلقه و هو حسن، وعلى هذا معنى قوله تعالى: « وَ اللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ » البقرة : 205. و الأليق بأهل الزمان و الأبعد عن التشنيع، و الأقرب أن لا يرضى من عباده الكفر مؤمنا كان أو كافرا.
يقول الفقير: إن رضي الله بكفر الكافر و معصية العاصي، اختياره و إرادته له في الأزل، فلذا لم يتغير حكمه في الأبد، لامدحه و ثناؤه و ترك السخط عليه،فارتفع النزاع، و من تعمق في إشارة قوله تعالى: « ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » هود : 56، انكشف له حقيقة الحال « وَ إِنْ تَشْکُرُوا » تؤمنوا به تعالی و توحدوه، يدل عليه ذكره في مقابلة الكفر.
«يرضه لكم » أصله: يرضاه، على أن الضمير عائد إلى الشكر، حذف الألف علامة للجزم، و هو باختلاس ضمة الهاء عند أهل المدينة و عاصم و حمزة، و بإسكان الماء عند أبي عمرو، و بإشباع ضمة الهاء عند الباقين، لأنها صارت بخلاف الألف موصولة متحرك، والمعنى: يرضى الشكر و الإيمان لأجلكم و منفعتكم، لأنه سبب لفوزكم بسعادة الدارین، لا لانتفاعه تعالی به.
وفي «التأويلات النجمية »: یعنی لایرضی الكفركم ، لأنه موجب للعذاب الشديد، و یرضی لشکرکم، لأنه موجب لمزيد النعمة؛ وذلك لأن رحمته سبقت غضبه. يقول: يا مسكين أنا لا أرضى لك أن الاتكون لي، يا قليل الوفاء كثير التجني، فإن أطعتني شكرتك و إن ذكرتني ذكرتك.(76:8)
الآلوسي:« وَ لا یَرْضی لِعِبادِهِ الْکُفْرَ » لما فيه من الضرر عليهم، « وَ إِن تَشْکُرُوا یَرْضَهُ » أي الشكر «لكم » لما فيه من نفعكم. و من قال بالحسن و القبح العقليين قال: عدم الرضا بالكفر لقبحه العقلي، و الرضا بالشكر لحسنه العقلي. والرضا إما بمعنی المحبة أو بمعنى الإرادة مع ترك الاعتراض، و يقابله السخط، كما في شرح «المسايرة»، ف «عباده»على
1) في الأصل الخصاف
ظاهره من العموم. و منهم من فسره بالإرادة من غير قید و يقابله الكره، و هؤلاء يقولونه قد يرضى بالكفر، أي بریده لبعض الناس کالكفرة. و نقله السخاوي عن النووي في كتابه «الأصول والضوابط ». و ابن الحمام عن الأشعري و إمام الحرمين، كذا قاله الخفاجي في حواشيه على تفسير البيضاوي.
و الذي رأيته في «الضوابط » و هي نسخة صغيرة جا ما نصه: مسألة مذهب أهل الحق، الإيمان بالقدر و إثباته، و أن جميع الكائنات خيرها و شرها بقضاء الله تعالى و قدره، و هو مريد لها كلها، و يكره المعاصي مع أنه سبحانه مريد لها لحكمة يعلمها جل و علا.
وهل يقال: إنه تعالى يرضى المعاصي و يحبها؟ فيه مذهبان لأصحابنا المتكلمين، حكاهما إمام الحرمين و غیره. قال إمام الحرمين في «الإرشاد »: مما اختلف فيه أهل الحق إطلاق المحبة و الرضاء، فقال بعض أصحابنا: لا يطلق القول بأن الله تعالى يحب المعاصي و يرضاها، لقوله تعالى:« وَ لاَیَرضَی لِعِبَادِهِ الکُفرَ». و من حقق من أئمتنا لم يلتفت إلى تهويل المعتزلة، بل قال الله تعالى : بريد الكفر و يحبه ويرضاه، و الإرادة والمحبة و الرضا بمعنى واحد، قال: والمراد ب «عباده » في الآية: الموفقون للإيمان، و أضيفوا إلى« الله » تعالى تشريفا لهم، كما في قوله تعالى: « یَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ » الدهر : 6، أي خواصهم لا كلهم، انتهى. فلا تغفل عن الفرق بينه و بين ما ذكره الخفاجي، و حكي تخصیص العباد في « البحر » عن ابن عباس.
وقيل: يجوز مع ذلك حمل «العباد» على العموم، و يكون المعنى: و لا يرضى لجميع عباده الكفر، بل يرضاه و یریده لبعضهم، نظير قوله تعالى: « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » الأنعام : 103، على قول.
و العلامة الأعصار صاحب «الكشف » تحقيق نفيس في هذا المقام لم أره لغيره من العلماء الأعلام، و هو: أن الرضا يقابل السخط و قد يستعمل ب « عن » و «الباء » و يعدی بنفسه، فإذا قلت: رضيت عن فلان، فإنما يدخل على العين لا المعنى، و لكن باعتبار صدور معنی منه يوجب الرضا، و في مقابله: سخطت عليه.
و بينهما فرقان: أنك إذا قلت: رضيت عن فلان بإحسانه، لم يتعين « الباء» للسبية، بل جاز أن یکون صلة، مثله في: رضيت بقضاء الله تعالى. و إذا قلت: سخطت عليه بإساءته، تعين السببية، فكان الأصل هاهنا ذكر الصلة، لكنه كثر الحذف في الاستعمال، بخلافه ثمت إذ لاحذف.
و إذا قيل: رضيت به، فهذا يجب دخوله على المعنى، إلا إذا دخل على الذات تمهيدا للمعنى ليكون أبلغ، تقول: رضيت بقضاء الله تعالى، و رضيت بالله عز و جل را و قاضيا. و قريب منه: سمعت حديث فلان وسمعته يتحدث.
و إذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات، كقولك: رضیت زیدا و إن كان باعتبار المعنی، تنبيها على أن كله مرضي بتلك الخصلة، و فيه مبالغة. و جاز دخوله على المعنى، كقولك: رضيت إمارة فلان. و الأول أكثر استعمالا، و هو على نحو قولهم: حمدت زیدا و حمدت علمه. وأما إذا استعمل باللام تعدی
بنفسه، كقولك: رضيت لك هذا، فمعناه ما سيجيء إن شاء الله تعالى قريبا.
و إذا تمهد هذا، لاح لك أن «الرضا» في الأصل متعلقة المعنى، و قد يكون الذات باعتبار تعلقه بالمعنى أو باعتبار التمهيد، فهذه ثلاثة أقسام حققت بأمثلتها، وأنه في الحقيقة حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به و اكتفاء، فهو غير الإرادة بالضرورة، لأنها تسبق الفعل و هذا يعقبه، و هذا المعنى في غير المستعمل باللام من الوضوح بمكان، لايخفى على ذي عينين.
وأما فيه فإنما اشتبه الأمر، لأنك إذا قلت: رضيت لك التجارة، فالراضي بالتجارة هو مخاطبك، و إما أنت بينت له أن التجارة مما يحق أن يرضى به، و ليس المعنى رضيت بتجارتك، بل المعني استحمادك التجارة له. فالملاءمة هاهنا بين الواقع عليه الفعل والداخل عليه اللام. ثم إنه قد يرضى بما ترضاه له إذا عرف وجه الملاءمة، وقد لا يرضى. و فيه تجوز، إما لجعل الرضا مجازا عن الاستحماد، لأن كل مرضي محمود، أو لأنك جعلت کونه مرضیا له بمنزلة كونه مرضیا لك.
فاعلم أن الرضا في حق الله تعالى شأنه محال، لأنه سبحانه لا يحدث له صفة عقيب أمر ألبتة ، فهو مجاز، كما أن الغضب كذلك: إما من أسماء الصفات إذا فسر بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده ، و إما من أسماء الأفعال إذا أريد الاستحماد، و أن مثل قوله تعالى: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » المائدة : 119، إما من باب المشاكلة، و إما من باب المجاز المذكور، و أن مثل قوله سبحانه: «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا » المائدة : 3، متعين أن يكون من ذلك الباب بالنسبة إلى من يصح اتصافه بالرضا حقيقة أيضا.
فإذن قوله تعالى:« وَلاَیَرْضَی لِعِبادِهِ الکُفْرَ » کلام وارد على نهجه من غير تأویل، دال على أنه جل شأنه لا يستحمد الكفر لعباده، کما یستحمد الإسلام لهم و يرتضيه. و أما أنه لا يريد الكفر أن يوجد، فليس من هذا الباب في شيء، و لاهو من مقتضيات هذا التركيب، و أن الخروج إلى تخصيص العباد من ضيق العطن. و أن قول المحققين رضي الله تعالى عنهم: إن الطاعات برضى الله تعالى، والمعاصي ليست كذلك، ليس لهذه الآية بل لأن الرضا بالمعنى الأصلي يستحيل عليه تعالى، وقد أخبر أنه رضي عن المؤمنين بسبب طاعتهم، في مواضع عديدة من كتابه الكريم.
و الزمخشري عامله الله تعالى بعد له، فيستر « الرضا » » في نحوه بالاختيار، وهو لا ينفك عن الإرادة، و أنت تعلم سقوطه مما حقق هذا.
ثم إنا نقول: لما أرشد سبحانه إلى الحق، وهدد على الباطل إكمالا للرحمة على عباده كلهم الفريقين، بقوله تعالى: «إن تكفروا » إلى قوله سبحانه: «يرضه لكم » تنبيها على الغني الذاتي، وأنه سبحانه تعالى أن يكون أمره بالخير لانتفاعه به، و نهيه عن الشر لتضرره منه. ثم في العدول عن مقتضى الظاهر من الخطاب إلى قوله تعالى: «وَ لا یَرْضی لِعِبادِهِ الْکُفْرَ» ما ينبه على أن عبوديتهم و ربوبيته جل شأنه يقتضي أن لا یرضی لهم ذلك. و فيه أنهم إذا اتصفوا بالكفر، فكأنهم قد
خرجوا عن رتبة عبوديته تعالى و بقوا في الذل الدائم، ثم قيل: «يرضه لكم» للتنبيه على مزيد الاختصاص.
فهذا هو النظم السري الذي يحار دون إدراك طائفة من لطائفه الفكر البشري، و الله أعلم، انتھی.
و هو كلام رصین و بالقبول قمين، إلا أنه ربما يقال: إنه لا يتمشى على مذهب السلف؛ حيث إنهم لايؤولون الرضا في حقه تعالى، و كونه عبارة عن حالة نفسانية، إلى آخر ما ذكر في تفسيره، إنما هو فينا، و حيث إن ذاته تعالى مباينة لسائر الذوات، فصفاته سبحانه كذلك، فحقيقة الرضا في حقه تعالى مباينة لحقيقته فينا، و أين التراب من رب الأرباب؟! و قد تقدم الكلام في هذا المقام على وجه يروي الأوام و يبرئ الستقام. فنقول: عدم التأويل لا يضر فيما نحن بصدده، فالرضا إن أول أو لم يؤول غير الإرادة ، الحديث السبق و التأخر السابق. و ممن صرح بذلك ابن عطية قال: « تأمل الإرادة فإن حقيقتها إنما هي فيما لم يقع بعد. والرضا حقیقته إنما هي فيما وقع. واعتبر هذا في آيات القرآن تجده، و إن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا».
وقد ذهب إلى المغايرة بينهما بما ذكر هنا ابن المنير أيضا، إلا أنه أول الرضا، و ذكر أنه لا يتأتی حمله في الآية على الإرادة، و شنع على الزمخشري في ذلك، جزاء ما تكلم على بعض أهل السنة المخالفين للمعتزلة، في زعمهم اتحاد الرضا والإرادة، و أنه تعالى قد يريد ما لا يفعله العبد وقد يفعل العبد ما لايريده عز و جل. فقال:
هب أن المصر على هذا المعتقد على قلبه رين أو في میزان عقله غين، أليس يدعي أو يدعى له أنه الخريت في معابر العبارات، فكيف هام عن جادة الإجادة في بهماء و أعار منادي الحذاقة أذنا صماء، اللهم إلا أن يكون الهوى إذا تمكن أرى الباطل حقا و غطي على مکشوف العبارة، فسحقا سحقا، أليس مقتضى العربية فضلا عن القوانين العقلية، أن المشروط مرتب على الشرط، فلايتصور وجود المشروط قبل الشرط عقلا، و لامضيه و استقبال الشرط لغة و نقلا، و استقر باتفاق الفريقين - أهل السنة و أهل البدعة - أن إرادة الله تعالى لشكر العباد مثلا مقدمة على وجود الشكر منهم، فحينئذ كيف ينساغ حمل الرضا على الإرادة، و قد جعل في الآية مشروطا و جزاء، و جعل وقوع الشكر شرطا و مجزا، و اللازم من ذلك عقلا تقدم المراد، و هو الشكر على الإرادة و هي الرضا، و لغة تقدم المشروط على الشرط، فإذا ثبت بطلان حمل الرضاعلى الإرادة عقلا و نقلا، تعين المحمل الصحيح له، و هو المجازاة على الشكر بما عهد أن يجازي به المرضي عنه من الثواب و الكرامة، فيكون معنى الآية و الله تعالى أعلم - وإن تشکر وايجازکم علی شکرکم جزاء المرضي عنه. ولاشك أن المجازاة مستقبلة بالنسبة إلى الشكر، فجرى الشرط والجزاء
على مقتضاهما لغة و انتظم ذلك بمقتضى الأدلة العقلية على بطلان تقدم المراد على الإرادة عقلا، و مثل هذا
يقال في قوله تعالى: « وَ لا یَرْضی لِعِبادِهِ الْکُفْرَ» أي الايجازي الكافر مجازاة المرضي عنه، بل مجازاة المغضوب عليه من النكال و العقوبة، انتهی.
لايقال: حيث كان قوله تعالى: « فَإِنَّ اللّهَ غَنِیٌّ عَنْکُمْ» جزاء باعتبار الأخبار - كما أشير إليه فيما سلف - فلیکن قوله تعالى: «يرضه لكم» جزاء بذلك الاعتبار، فحينئذ لا يلزم أن يكون نفس الرضا مؤخرا، لأنا نقول: مثل هذا الاعتبار شائع في الجملة الاسمية المتحقق مضمونها قبل الشرط، نحو: « وَاِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْر فَهُوَ عَلى كُلِّ شَىْء قَديرٌ» الأنعام : 17، و في الفعل الماضي إذا وقع جزاء، نحو: « إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ » يوسف: 77، و أما في الفعل المضارع فليس كذلك، و الذوق السليم يأبي هذا الاعتبار فيه. و مع هذا أي حاجة تدعو إلى ذلك هنا ولا أراها إلا نصرة الباطل، والعياذ بالله تعالى.
ثم إنه يعلم من مجموع ما قدمنا حقية ما قالوا من أنه لا تلازم بين الإرادة والرضا، كما أن الرضا ليس عبارة عن حقيقة الإرادة، لكن ابن تيمية و تلميذه ابن القيم قسما الإرادة إلى قسمين: تكوينية وشرعية، و ذكرا أن المعاصي کالكفر وغیره واقعة بإرادة الله تعالى التكوينية دون إرادته سبحانه الشرعية، و على هذا فالرضا لا ينفك عن الإرادة الشرعية، فكل مراد لله تعالى بالإرادة الشرعية مرضي له سبحانه، و هذا التقسيم لا أتعقله إلا أن تكون الإرادة الشرعية هي الإرادة التي يرتضي المراد بها فتدبر هذا.
وقرأ ابن كثير ونافع في روایة، و أبوعمر و الكسائي «یرضه » بإشباع ضمة الهاء، و القاعدة في إشباع الهاء و عدمه أنها إن كن ما قبلها لم تشبع، نحو: «علیه» و «إليه» و إن تحرك أشبعت نحو «به» و «غلامه». و هاهنا قبلها ساكن تقديرا، و هو الألف المحذوفة للجازم، فإن جعلت موجودة حكما لم تشبع، كما في قراءة ابن عامر و حفص، و إن قطع النظر عنها أشبعت، كما في قراءة من سمعت، و هذا هو الفصيح. و قد تشبع و تختلس في غير ذلك، و قد يحسن إشباعها مع فقد الشرط لنكتة .
وقرأ أبوبكر (یرضه) بسكون الماء، و لم يرضه أبو حاتم، و قال : هو غلط لايجوز، و فيه أنه لغة لبني کلاب و بني عقيل إجراء للوصل مجرى الوقف. (241:23)
المراغي: « وَ لا یَرْضی لِعِبادِهِ الْکُفْرَ» أي لايحبه ولا يأمر به، لأنه مانع من ارتقاء النفوس البشرية، يجعلها ذليلة خاضعة للأرباب المتعددة و المعبودات الحقيرة من الخشب و النصب، و ممن يأكل الطعام و يمشي في الأسواق.
«وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ» لأنه على مقتضی السنن القويم، و الصراط العادل المستقيم، كما قال: « لئن شكرتم لأزيدكم » إبراهيم : 7. (169:23 )
ابن عاشور: « وَ لا یَرْضی لِعِبادِهِ الْکُفْرَ» و الرضى حقيقته: حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به، و هو على التحقيق فيه معنى ليس في معنى الإرادة ، لما فيه من الاستحسان و الابتهاج، و يعبر عنه بترك الاعتراض، و لهذا يقابل الرضى بالسخط،
و تقابل الإرادة بالإكراه، و الرضی آئل إلى معنى المحبة.
والرضى يترتب عليه نفاسة المرضي عند الراضي و تفضيله و اختياره. فإذا أسند الرضى إلى الله تعالى، تعين أن يكون المقصود لازم معناه الحقيقي، لأن الله منزه عن الانفعالات، كشأن إسناد الأفعال والصفات الدالة في اللغة على الانفعالات، مثل: الرحمان و الرؤوف، و إسناد الغضب والفرح و المحبة، فيؤول الرضی بلازمه من الكرامة والعناية و الإثابة إن عدي إلى الناس، و من النفاسة و الفضل إن عدي إلى أسماء المعاني.
وقد فسره صاحب «الكشاف » بالاختيار في قوله تعالى: « وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً» في سورة المائدة : 3.
و فعل الرضى يعدي في الغالب بحرف «عن»، فتدخل على اسم عين، لكن باعتبار معنى فيها هو موجب الرضى. و قد يعدی بالباء فيدخل غالبا علی اسم معنی، نحو: رضيت بحكم فلان، و يدخل على اسم ذات باعتبار معنی يدل عليه تمييز بعده، نحو: رضيت بالله ربا، أو نحوه مثل: « أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا مِنَ الآخِرهِ » التوبة : 38، أو قرينة مقام، كقول قريش في وضع الحجر الأسود: هذا محمد قد رضينا به، أي رضينا به کما؛ إذ هم قد اتفقوا على تحكيم أول داخل.
و يعدی بنفسه، و لعله يراعي فيه التضمين، أو الحذف والإيصال، فيدخل غالبا على اسم معنی، نحو: رضيت بحكم فلان، بمعنى أحببت حكمه. و في هذه الحالة قد يعدى إلى مفعول ثان بواسطة الام الجر، نحو: « وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً»المائدة: 3، أي رضيته لأجلكم و أحبته لكم، أي لأجلكم، أي لمنفعتكم و فائدتكم. و في هذا التركيب مبالغة في التنويه بالشيء المرضي لدى السامع، حتى كأن المتكلم يرضاه لأجل السامع.
فإذا كان قوله: «لِعِبادِهِ » عاما غير مخصوص، و هو من صيغ العموم، ثار في الآية إشكال بين المتكلمين في تعلق إرادة الله تعالى بأفعال العباد؛ إذ من الضروري أن من عباد الله كثيرا كافرين، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يرضى لعباده الكفر، و ثبت بالدليل أن كل واقع هو مراد الله تعالى؛ إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد، فأنتج ذلك بطريقة الشكل الثالث أن يقال: كفر الكافر مراد لله تعالى، لقوله تعالى:« وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوه » الأنعام : 112، و لاشيء من الكفر بمرضي الله تعالى، لقوله: « وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ »، ينتج القياس بعض ما أراده الله ليس بمرضي له، فتعين أن تكون الإرادة و الرضی حقیقتين مختلفتين، و أن يكون لفظاهما غير مترادفين، و لهذا قال الشيخ أبوالحسن الأشعري: إن الإرادة غير الرضی، و الرضى غير الإرادة و المشيئة، فالإرادة و المشيئة بمعنى واحد، و الرضى و المحبة و الاختيار بمعنى واحد، وهذا حمل لهذه الألفاظ القرآنية على معان يمكن معها الجمع بين الآيات.
قال التفتازاني: وهذا مذهب أهل التحقيق، و ينبني عليها القول في تعلق الصفات الإلهية بأفعال العباد، فيكون قوله تعالى : « وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ»
راجعا إلى خطاب التكاليف الشرعية، و قوله: « وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوه» الأنعام : 112، راجعا إلى تعلق الإرادة بالإيجاد و الخلق.
و يتركب من مجموعهما و مجموع نظائر كل منهما الاعتقاد بأن للعباد کسبا في أفعالهم الاختيارية، و أن الله تتعلق إرادته بخلق تلك الأفعال الاختيارية عند توجه کسب العبد نحوها، فالله خالق لأفعال العبد غير مكتسب لها. و العبد مكتسب غير خالق، فإن الكسب عند الأشعري هو الاستطاعة المفسرة عنده بسلامة أسباب الفعل و آلاته، وهي واسطة بين القدرة و الجبر، أي هي دون تعلق القدرة و فوق تسخير الجبر، جمعا بين الأدلة الدينية الناطقة بمعنى أن الله على كل شيء قدير، و أنه خالق كل شيء، و بین دلالة الضرورة على الفرق بين حركة المرتعش و حركة الماشي، و جمعا بين أدلة عموم القدرة و بین توجيه الشريعة خطابها للعباد بالأمر بالإيمان و الأعمال الصالحة، و النهي عن الكفر والسيئات، و ترتیب الثواب والعقاب.
وأما الذين رأوا الاتحاد بین معاني الإرادة و المشيئة و الرضی، و هو قول كثير من أصحاب الأشعري و جميع الماتريدية، فسلكوا في تأويل الآية محمل لفظ «لعباده» على العام المخصوص، أي العباده المؤمنين، و استأنسوا لهذا المحمل بأنه الجاري على غالب استعمال القرآن في لفظة «العباد» لاسم الله، أو ضميره، كقوله: « عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ » الدهر : 6، قالوا: فمن كفر فقد أراد الله كفره، و من آمن فقد أراد الله إيمانه، و التزم كلا الفريقين - الأشاعرة و الماتريدية - أصله في تعلق إرادة الله و قدرته بأفعال العباد الاختيارية المسمى بالكسب، ولم يختلفا إلا في نسبة الأفعال للعباد: أهي حقيقة أم مجازية؟ و قد عد الخلاف في تشبيه الأفعال بين الفريقين لفظیا.
ومن العجيب تهويل الزمخشري بهذا القول؛ إذ يقول: «و لقد تمحل بعض الغواة ليثبت لله ما نفاه عن ذاته من الرضى بالكفر، فقال: هذا من العام الذي أريد به الخاص إلخ »، فكان آخر كلامه ردا لأوله، وهل يعد التأويل تضليلا أم هل يعد العام المخصوص بالدليل من النادر القليل؟
وأما المعتزلة فهم بمعزل عن ذلك كله، لأنهم يثبتون القدرة للعباد على أفعالهم و أن أفعال العباد غير مقدورة لله تعالى، و يحملون ما ورد في الكتاب من نسبة أفعال من أفعال العباد إلى الله أو إلى قدرته، أنه على معنى أنه خالق أصولها و أسبابها، و يحملون ما ورد من نفي ذلك كما في قوله: « وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ » على حقيقته، ولذلك أوردوا هذه الآية للاحتجاج بها. وقد أوردها إمام الحرمين في « الإرشاد » في فصل حشر فيه ما استدل به المعتزلة من ظواهر الكتاب.
وقوله: « وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ » عطف على جملة «ان تكفروا »، والمعنى: و إن تشكروا بعد هذه الموعظة، فتقلعوا عن الكفر، و تشكروا الله بالاعتراف له بالوحدانية و التنزيه يرض لكم الشكر، أي يجازيكم بلوازم الرضى. والشكر يتقوم من اعتقاد
و قول و عمل جزاء على نعمة حاصلة للشاکر من المشكور. و الضمير المنصوب في قوله: «يرضه »عائد إلى الشكر المتصيد من فعل « و ان تشكروا ». (28:24)
مغنية: قال الأشاعرة: إن الله مريد لجميع الكائنات حتى كفر الكافر و زني الزاني و قتل القاتل ظلما و عدوانا، لأنه خالق كل شيء، و مع ذلك فهو ينهى عن الكفر والزنى و القتل «المواقف : ج 8 ص: 173». أما التكليف بما لا يطاق فجائز عند الأشاعرة، لأن الله لايجب عليه شيء، و لا يقبح منه شيء « نفس المصدر ص: 200». ولاشيء أوضح في الدلالة على بطلان هذا المذهب، من قوله تعالى: «وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ».
« وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ »، و ما يرضاه لنا فهو أمان و رحمة. (397:6)
الطباطبائي: وقوله : «وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ » دفع لما ربما يمكن أن يتوهم من قوله: «فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْکُمْ » أنه إذا لم يتضرر بکفر و لم ينتفع بإيمان، فلا موجب له أن يريد ما الإيمان والشكر، فدفعه بأن تعلق العناية الإلهية بكم، يقتضي أن لا يرضى بكفرکم و أنتم عباده.
والمراد بالكفر: كفر النعمة الذي هو ترك الشكر، بقرينة مقابلة قوله: « وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ » و بذلك يظهر أن التعبير بقوله: «لِعِبَادِهِ» دون أن يقول: لكم للدلالة على علة الحكم، أعني سبب عدم الرضا.
و المحصل أنكم عباد مملوکون الله سبحانه،منغمرون في نعمه . و رابطة المولوية والعبودية - وهي نسبة المالكية و المملوكية - لا تلائمه أن يكفر العبد بنعمة سيده، فینسی ولاية مولاه، و يتخذ لنفسه أولياء من دونه، و يعصي المولى و يطيع عدوه، و هو عبد عليه طابع العبودية، لا يملك لنفسه نفعا و لاضرا.
وقوله: « وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ » الضمير للشکر، نظير قوله تعالى : « اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » المائدة : 8، المعنى و إن تشكروا الله بالجري على مقتضى العبودية و إخلاص الذين له، يرض الشكر لكم و أنتم عباده، و الشكر و الكفر المقابل له ينطبقان على الإيمان والكفر المقابل له.
و مما تقدم يظهر أن العباد في قوله: «وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ » عام يشمل الجميع، فقول بعضهم: إنه خاص أريد به من عناهم في قوله: « إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ » الحجر : 42 - وهم المخلصون أو المعصومون على ما فسره الزمخشري، و لازمه أن الله سبحانه رضي الإيمان لمن آمن و رضي الكفر لمن كفر، إلا المعصومين، فإنه أراد منهم الإيمان، و صانهم عن الكفر -سخيف جدا ،و السياق يأباه كل الإباء؛ إذ الكلام مشعر حینئذ برضاه الكفر للكافر، فيؤول معنى الكلام إلى نحو من قولنا: إن تكفروا فإن الله غني عنكم، ولا یرضی للأنبياء مثلا الكفر لرضاه لهم الإيمان، و إن تشکروا أنتم يرضه لكم، و إن تكفروا يرضه لكم. و هذا - كما تری - معنی رديء ساقط و خاصة، من حيث وقوعه
في سياق الدعوة.
على أن الأنبياء مثلا داخلون فيمن شکر، و قد رضي لهم الشكر و الإيمان و لم يرض لهم الكفر، فلا موجب لإفرادهم بالذكر، وقد ذكر الرضا عمن شکر.
كلام في معنى الرضا و السخط من الله
الرضا من المعاني التي يتصف بها أولو الشعور و الإرادة و يقابله السخط، و كلاهما وصفان وجودیان.
ثم الرضا يتعلق بالمعاني من الأوصاف و الأفعال دون الذوات، يقال: رضي له كذا و رضي بكذا، قال تعالى: «وَ لَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتیهُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ »التوبة : 59، وقال: « وَرَضُوا بِالْحَیوةِ الدُّنْیا » يونس : 7، و ما ربما يتعلق بالذوات، فإنما هو بعناية ما، و يؤول بالآخرة إلى المعنى، كقوله: « و لَن تَرْضَی عَنکَ الْیَهُودُ وَلاَ النَّصَارَی » البقرة : 120.
وليس الرضا هو الإرادة بعينها و إن كان كلما تعلقت به الإرادة، فقد تعلق به الرضا بعد وقوعه بوجه؛ و ذلك لأن الإرادة - كما قيل - تتعلق بأمر غير واقع، و الرضا إما يتعلق بالأمر بعد وقوعه أو فرض وقوعه؛ فإذن كون الإنسان راضيا بفعل كذا، كونه بحيث يلائم ذلك الفعل و لا ينافره، و هو وصف قائم بالراضي دون المرضي.
ثم الرضا لكونه متعلقا بالأمر بعد وقوعه، کان متحققا بتحقق المرضي حادثا بحدوثه، فيمتنع أن يكون صفة من الصفات القائمة بذاته، لتنزهه تعالى عن أن يكون محلا للحوادث، فما نسب إليه تعالى من الرضا صفة فعل قائم بفعله منتزع عنه، کالرحمة والغضب و الإرادة و الكراهة، قال تعالى: و« رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » البينة : 8، و قال: « و أَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ » النمل : 19، و قال: « وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً » المائدة : 3.
فرضاه تعالى عن أمر من الأمور ملائمة فعله تعالى له، و إذ كان فعله قسمين تكويني و تشريعي انقسم الرضا منه أيضا إلى تكويني و تشريعي، فكل أمر تكويني و هو الذي أراد الله و أوجده، فهو مرضي له رضا تکوینیا معنی کون فعله - وهو إيجاده عن مشيئته - ملائما لما أوجده، و كل أمر تشريعي و هو الذي تعلق به التكليف من اعتقاد أو عمل كالإيمان و العمل الصالح، فهو مرضي له رضا تشريعا، بمعنى ملاءمة تشريعه للمأتي به.
وأما ما يقابل هذه الأمور المأمور بها مما تعلق به نهي، فلا يتعلق بها رضا ألبتة لعدم ملاءمة التشريع لها، کالكفر والفسوق، كما قال تعالى: « إِنْ تَکْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنْکُمْ وَلَا یَرْضَی لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ » ، وقال : « فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ » التوبة : 96. (17 : 239)
عبد الكريم الخطيب: و هنا أمور:
فأولا: قوله تعالى: «وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ » ما معنى رضا الله هنا؟ و إذا كان سبحانه لا يرضى شيئا، فكيف يقع ما لا يرضاه؟
المراد بالرضا هنا: القبول، و یکون معنى أن الله
لايرضى لعباده الكفر، أنه سبحانه لا يقبله منهم، لأنه تعالى، طيب، لا يقبل إلا طيبا، و الكفر نجس، و خبث.
و وجه آخر في هذه الآية: و هو أن المراد بالعباد هنا هم المؤمنون، و لهذا أضافهم الله سبحانه و تعالى إليه في قوله تعالى: «لِعِبَادِهِ»، و يكون معنى الرضا على حقيقته، وهو أن الله سبحانه لا يرضى لعباده الذين أراد لهم الإيمان أن يكفروا، فهو سبحانه يهديهم إلى الإيمان، و ییسر لهم السبيل إليه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً » المائدة : 3، و على هذا يكون قوله تعالى: « وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ » دعوة للمؤمنين - و كلهم عباد الله أن يكونوا بالمكان الذي يرضاه الله لهم، و يقبله منهم، و أن ينأوا عما لا يرضاه الله لهم، فإنهم عباده.
و ثانیا: قوله تعالى: « وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ». ما المراد بالشكر هنا؟ و هل هو الإيمان المقابل للكفر؟ أم هو أمر آخر وراء الإيمان؟
الشكر هنا - والله أعلم - هو أمر مترتب على الإيمان و هو مطلوب من المؤمنين الذين هداهم الله إلى الإيمان، و يسر لهم سبله، فكانوا في المؤمنين، و يجب بعد هذا أن يكونوا من الشاكرين، أن هداهم الله إلى الإيمان.
و ثالثا: ماذا عن الذين كفروا أرضى الله لهم الكفر، وذلك بمفهوم المخالفة لقوله تعالى: «وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ » على أن المراد بعباده هم المؤمنون خاصة؟
الجواب - و الله أعلم - : أن كفر الكافرين -وإن كان إرادة لله سبحانه فيهم، و مشيئة له -، غالبة عليهم، فإنه مطلوب منهم أن يعملوا إرادتهم، و يحركوا مشيئتهم إلى الإيمان، لأنهم لا يدرون ما إرادة الله فيهم ولا مشيئته بهم، و تلك هي الحجة القائمة عليهم.
أما أن مشيئة الله هي النافذة، و إرادته هي الغالبة ، فهذا أمر لم يمنع العقلاء من أن يعملوا في كل ميدان من ميادين العمل، ثم هم صائرون حتما إلى مشيئة الله و قدره «لایُسْئَلُ عَمّا یَفْعَل وَهُمْ یُسْئَلُون » الأنبياء:23 .
وهذا هو موضوع قد عرضنا له أكثر من موضع من هذا التفسير، و أفردناه ببحث خاص، تحت عنوان « القضاء والقدر ». (1122:12)
4 - « وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يرضی » النجم: 26
راجع: ش ف ع « شفاعتهم».
5- إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلى * ولسوف یرضی. اليل : 20، 21
الطبري: يقول: و لسوف يرضى هذا المؤتي ماله في حقوق الله عز وجل، يتزکی عما يثيبه الله في الآخرة عوضا مما أتي في الدنيا في سبيله، إذا لقي ربه تبارك و تعالی. (620:12)
الماوردي: يحتمل وجهين:
أحدهما : يرضى بما أعطيه لسعته.
الثاني: يرضى بما أعطيه لقناعته، لأن من قنع بغير عطاء كان أطوع لله. (6: 290)
الطوسي: معناه: أن هذا العبد الذي فعل ما فعله الوجه الله، سوف يرضى بما يعطيه الله على ذلك من الثواب و جزيل التعيم يوم القيامة. (10: 366)
القشيري: يرضي الله عنه، و يرضى هو بما يعطيه. (306:6)
الميبدي: أي يرضي الله عنه و يرضى بما يعطيه الله عز و جل في الآخرة من الجنة والكرامة، جزاء على ما فعل. لم ينزل هذا الوعد إلا لرسول الله صلی الله علیه و آله في قوله: « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحی : 5. (517:10)
الزمخشري: موعد بالثواب الذي يرضيه و يقر عينه.
عن رسول الله صلی الله علیه و آله: « من قرأ سورة والليل، أعطاه الله حتى يرضى، و عافاه من العسر و یسر له اليسر » . (262:4)
ابن عطية قرئ (یرضی ) بضم الياء على بناء الفعل للمفعول، و هذه الآية تشبه الرضى في قوله تعالى: « اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً » الفجر: 28، انتهی. (493:5)
الطبرسي: أي و لسوف يعطيه الله من الجزاء والثواب ما يرضى به، فإنه يعطيه كل ما تمنى و لم يخطر بباله، فيرضى به لامحالة. (503:5 )
الفخر الرازي: أما قوله : « وَ لَسَوْفَ يَرْضَى» فالمعنى: أنه وعد أبابكر أن يرضيه في الآخرة بثوابه، و هو كقوله لرسوله صلی الله علیه و آله: « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحی : 5. وفيه عندي وجه آخر، وهو أن المراد أنه ما أنفق إلا لطلب رضوان الله، و لسوف يرضي الله عنه. و هذا عندي أعظم من الأول، لأن رضا الله عن عبده أكمل للعبد من رضاه عن ربه. و بالجملة فلابد من حصول الأمرين على ماقال: «راضِيَةً مَرْضِيَّةً »الفجر: 28، و الله سبحانه و تعالى أعلم . (207:31)
القرطبي: أي سوف يعطيه في الجنة مايرضي؛ وذلك أنه يعطيه أضعاف ما أنفق. ( 89:20)
البيضاوي:وعد بالثواب الذي يرضيه. (2: 563) نحوه الشربيني. (547:4)
أبو حيان: وعد بالثواب الذي يرضاه. وقرأ الجمهور: «یرضی» بفتح الياء، وقرئ: بضمها، أي يرضى فعله، يرضاه الله و يجازيه عليه. (8: 484)
أبو السعود: جواب قسم مضمر، أي وبالله لسوف یرضی، و هو وعد کریم بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه و أجملها؛ إذ به يتحقق الرضا. و قرئ ( یرضی ) مبنيا للمفعول من الإرضاء. (483:6)
البروسوي: جواب قسم مضمر ، أي وبالله السوف يرضي ذلك الأنقى الموصوف بماذكر، وهو وعد کریم بنيل جميع ما يبتغيه، على أكمل الوجوه و أجملها؛ إذ به يتحقق الرضى. قال بعضهم: أي يرضي الله عنه و يرضى هو ما يعطيه الله في الآخرة من الجنة والكرامة و الزلفي، جزاء على ما فعل. و لم ينزل هذا
الوعد إلا لرسول الله صلی الله علیه و آله في قوله: « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحى : 5،...
قال البقلي هذا الرضى لا يكون من المعارف حتى يفني في المعروف، و يتصف بصفاته حتى يكون نعته في الرضی نعته الحق سبحانه و تعالى. ( 452:10)
الآلوسي: جواب قسم مضمر ، أي و بالله لسوف يرضى، والضمير فيه للأتقى لمحدث (1)عنه، و هو وعد کریم بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه و أجملها؛ إذ به يتحقق الرضا. و جوز الإمام کون الضمير للرب تعالى؛ حيث قال بعد أن فسر الجملة: علی رجوعه للأتقي. و فيه عندي وجه آخر، وهو أن المراد أنه ما أنفق إلا لطلب رضوان الله تعالی و لسوف يرضى الله تعالی عنه. و هذا عندي أعظم من الأول، لأن رضا الله سبحانه عن عبده أكمل للعبد من رضاه عن ربه عز و جل. و بالجملة فلابد من حصول الأمرين كما قال سبحانه: «راضية مرضية » الفجر : 28، انتهى.
والظاهر هو الأول، و قد قرئ ( ولسوف یرضی) بالبناء للمفعول من الإرضاء، و ما أشار إليه في معنى «راضية مرضية » غير متعين كما سمعت. و في هذه الجملة كلام علم مما سيأتي قريبا، إن شاء الله تعالى. (153:30)
القاسمي: [نقل كلام الطبري و قال: ]
ففيه وعد کریم بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه و أجملها؛ إذ به يتحقق الرضا. وهذا على أن
ضمير «يرضى » ل«الاتقی » لا للرب. قال الشهاب: و هو الأنسب بالسياق، و اتساق الضمائر.
وذهب بعضهم إلى الثاني، و منهم الإمام، قال: أي و لسوف يرضي الله عن ذلك الأتقى الطالب بصفة رضاه، ثم قال: و التعبير ب«سوف » لإفادة أن الرضا يحتاج إلى بذل كثير، و لا يكفي القليل من المال، لأن يبلغ العبد درجة الرضا الإلهي. (17 : 6178)
المراغي: أي ولسوف یرضیه ربه في الآخرة بثوابه و عظیم جزائه.
و في قوله: « ولسوف » إيماء إلى أن الرضا يحتاج إلى بذل كثير، و لا يكفي القليل من المال، لأن يبلغ العبد منزلة الرضا الإلهي. (30: 180)
سید قطب:« وَ لَسَوْفَ یرضی ». إنه الرضی ينسكب في قلب هذا الأتقى، إنه الرضى يغمر روحه، إنه الرضى يفيض على جوارحه، إنه الرضى يشيع في کیانه، إنه الرضی بندی حیاته.
و يا له من جزاء، ويالها من نعمة كبرى، « وَ لَسَوْفَ یرضی » یرضی بدینه، و یرضی بربه. و يرضى بقدره، و يرضى بنصيبه، و يرضى بما يجد من سراء و ضراء. و من غنی و فقر. و من يسر وعسر. و من رخاء وشدة. يرضي فلايقلق ولا يضيق، ولا يستعجل ولا يستثقل العبء، ولا يستبعد الغاية. إن هذا الضی جزاء جزاء أكبر من كل جزاء جزاء يستحقه، ممن يبذل له نفسه و ما له، من يعطي ليتزکی، و من يبذل ابتغاء وجه ربه الأعلى.
إنه جزاء لا یمنحه إلا الله، و هو يسكبه في القلوب
1) كذا والظاهرة المحدث عنه
التي تخلص له، فلاتری سواه أحدا.
« وَ لَسَوْفَ يَرْضَى» يرضى و قد بذل الثمن، وقد أعطى ما أعطى.
إنها مفاجأة في موضعها هذا، و لكنها المفاجأة المرتقبة لمن يبلغ ما بلغه « الْأَتْقَى * اَلَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى * وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَ لَسَوْفَ يَرْضَى » . (6: 3923)
ابن عاشور: و قوله:« وَ لَسَوْفَ يَرْضَى» وعد بالثواب الجزيل الذي يرضي صاحبه. و هذا تتمیم القوله: « و سيجنبها الا تقی » لأن ذلك ما أفاد إلا أنه ناج من عذاب النار، لاقتضاء المقام الاقتصار على ذلك، لقصد المقابلة مع قوله: « لا یَصْلیها إِلاّ الأَشْقَی »، فتمم هنا بذكر ما أعد له من الخيرات.
و حرف « سَوْفَ » لتحقيق الوعد في المستقبل، كقوله: « قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَکُمْ رَبِّی » یوسف : 98، أي يتغلغل رضاه في أزمنة المستقبل المديد. و اللام لام الابتداء لتأكيد الخبر.
وهذه من جوامع الكلم، لأنها يندرج تحتها كل ما يرغب فيه الراغبون. و بهذه السورة انتهت سورة وسط المفصل. (346:30)
مغنية: « وَ لَسَوْفَ يَرْضَى» يعطي الله من أنفق لوجهه كل ما يرضيه، و فوق ما كان يرجو و يأمل. وقيل: الضمير في «يَرْضَى» يعود إلى الله لا إلى «الْأَتْقَى»، و المعنى واحد على التقديرين، لأن الله إذا رضي على عبده، أرضاه لامحالة.
وقال الشيخ محمد عبده: روى المفسرون هنا أسبابا للنزول، و أن الآيات نزلت في أبي بكر، و متى وجد شيء من ذلك في الصحيح لم يمنعنا من التصديق به مانع، و لكن معنى الآيات لا يزال عاما. (576:7)
الطباطبائي: أي و لسوف يرضى هذا الأتقي بما يؤتيه ربه الأعلى من الأجر الجزيل، و الجزاء الحسن الجميل. (307:20)
عبد الكريم الخطيب: أرضاه (1)لله و أقر عينه بما عمل، إنه أرضى ربه، فكان حقا على الله أن يرضيه. (1597:16)
مکارم الشيرازي: و في خاتمة السورة ذكر بعبارة موجزة لما ينتظر هذه المجموعة من أجر عظيم تقول الآية: « وَ لَسَوْفَ يَرْضَى».
نعم، و لسوف یرضی، فهو قد عمل علی کسب رضا الله، والله سبحانه سوف يرضيه إرضاء مطلقا غير مشروط، إرضاء واسعا غير محدود، إرضاء عميق المعنى يستوعب كل النعم، إرضاء لا يمكننا اليوم حتی تصوره، و أي نعمة أكبر من هذاالرضى.
نعم، الله أعلى، و جزاؤه أعلى، و لا أعلى من رضا العبد رضا مطلقا.
احتمل بعض المفسرين أن يكون الضمير في «يَرْضَى»عائدا إلى الله سبحانه، أي إن الله سوف يرضى عن هذه المجموعة، و هذا الرضا أيضا نعمة ما بعدها نعمة نعمة رضا الله عن هذا العبد بشكل مطلق غیر مشروط، و من المؤكد أن هذا الرضا يتبعه رضا
1) كذا والظاهر: أرضاه الله
العبد الأتقی
فالإثنان متلازمان، و قد جاء في الآية : 8، من سورة البينة قوله سبحانه: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » و قوله تعالى في الآية : 28، من سورة الفجر: « راضِيَةً مَرْضِيَّةً » لكن التفسير الأول أنسب. (242:20)
فضل الله: « وَ لَسَوْفَ يَرْضَى» فإن الله يمنح رضوانه للأتقياء الذين يعيشون الحياة كلها خوفا من الله، و محبة له، و إخلاصا لمقامه العظيم. و هذا ما ينبغي للإنسان أن يعيشه في وعيه و في داخل ذاته، ليعرف كيف يحرك كل نشاطاته في سبيل رضی الله. (300:24)
يرضونه
«لَیُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا یَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِیمٌ حَلِیمٌ». الحج : 59
راجع: د خ ل: « مدخلا »
« ... وَ لاَ يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ کُلُّهُنَّ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِکُمْ وَ کَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً ». الأحزاب : 51
قتادة: إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة، كان أطيب لأنفسهن، و أقل لحزنهن. ( 316:10)
الطبري: و إنما معنى الكلام: و يرضين كلهن، فإنما هو توكيد لما في «يَرْضَيْنَ » من ذكر النساء، و إذا جعل تو كيدا للهاء التي في «آتَيْتَهُنَّ» لم يكن له معنى، و القراءة بنصبه غير جائزة لذلك، و لإجماع الحجة من القراء على تخطئة قارئه كذلك. ( 316:10)
الطوسي: « وَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ کُلُّهُنَّ » رفع « کُلُّهُنَّ » على تأكيد الضمير، و هو النون في «يَرْضَيْنَ » لايجوز غير ذلك، لأن المعنى عليه. (355:8)
الزمخشري: «کُلُّهُنَّ» تأكيد لنون «يَرْضَيْنَ » و قرأ ابن مسعود: (و يرضين كلهن بما آتيتهن) على التقديم. وقرأ ( كلهن)، تأكيدا ل (هن) في «آتَيْتَهُنَّ».(270:3)
ابن عطية: و قرأ جمهور الناس « کُلُّهُنَّ » بالرفع على التأكيد للضمير في «يَرْضَيْنَ » و لم يجوز الطبري غير هذا. و قرأ جويرية بن عابد بالنصب على التأكيد في «آتَيْتَهُنَّ».
والمعنى: أنهن يستمن الله و الحکمه، و كن قبل لايتسامحن بينهن للغيرة، ولا يسلمن للنبي صلی الله علیه و آله أنفة، نحا إلى هذا المعنى ابن زید و قتادة. (4: 393)
نحوه النيسابوري ( 25:22)، و أبو حيان (243:7).
الطبرسي: معناه أنن إذا علمن أن له رهن إلى فراشه بعد ما اعتزلهن، قرت أعينهن ولم يحزن، و يرضين ما يفعله النبي صلی الله علیه و آله من التسوية و التفضيل، لأنهن يعلمن أنهن لم يطلقن، عن ابن عباس و مجاهد.
و قيل: معناه ذلك أطيب لنفوسهن و أقل لحزنهن، إذا علمن أن لك الرخصة بذلك من الله تعالى، و يرضين بما يفعله النبي صلی الله علیه و آله من التسوية و التفضيل، عن قتادة. (367:4)
الفخر الرازي: « وَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ » من الإرجاء و الإيواء؛ إذ ليس لهن عليك شيء حتی لايرضين. (221:25)
القرطبي: توكيد للضمير، أي و يرضين كلهن وأجاز أبوحاتم و الزجاج « وَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ کُلُّهُنَّ » على التوكيد للمضمر الذي في «آتَيْتَهُنَّ» . والفراء لايجيزه، لأن المعنى ليس عليه؛ إذ كان المعنى: و ترضى كل واحدة منهن، و ليس المعنى: بما أعطيتهن كلهن. النحاس: والذي قاله حسن ( 218:14)
أبوالسعود: أي أقرب الى قرة عيونهن ورضاهن جميعا، لأنه حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله، فتطمئن به نفوسهن.
وقرئ (تقر) بضم التاء و نصب (أعينهن)، و ( تقر) على البناء للمفعول و «کُلُّهُنَّ » تأكيد لنون «يَرْضَيْنَ» و قرئ بالنصب على أنه تأكید ل(هن). (234:5)
البروسوي: قوله: «کُلُّهُنَّ » بالرفع تأكيد لفاعل « وَ يَرْضَيْنَ » و هو النون، أي أقرب إلى قرة عيونهن و قلة حزنهن ورضاهن جميعا، لأنه حکم كلهن فيه سواء، ثم إن سویت بینهن وجدن ذلك تفضلا منك، و إن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله، فتطمئن به نفوسهن، ويذهب التنافس و التغاير فرضين بذلك، فاخترنه على الشرط. و لذا قصره الله عليهن و حرم عليه طلاقهن و التزوج بسواهن، و جعلهن أمهات المؤمنين، كما في تفسير الجلالين. (208:7)
الآلوسي: «کُلُّهُنَّ » بالرفع في جميع ذلك، و هو تو کید لنون «يَرْضَيْنَ».
وقرأ أبو إياس جوية بن عائذ ( كلهن) بالنصب تأكيد الضميره في « آتَيْتَهُنَّ » قال ابن جني: وهذه القراءة راجعة إلى معنى قراءة العامة «کُلُّهُنَّ » بضم اللام، و ذلك أن رضاهن كلهن بما أوتين كلهن على انفرادهن و اجتماعهن، فالمعنيان إذن واحد إلا أن للرفع معنى؛ و ذلك أن فيه إصراحا من اللفظ بأن يرضين كلهن، و الإصراح في القراءة الشاذة إنما هو في إتيانهن، و إن كان محصول الحال فيهما واحدا مع التأويل، انتهى.
و قال الطيبي: في توكيد الفاعل دون المفعول إظهار لكمال الرضا منهن و إن لم يكن الإيتاء کاملا سويا، و في توكيد المفعول إظهار أنهن مع كمال الإيتاء غیر کاملات في الرضا. و الأول أبلغ في المدح، لأن فيه معنى التتمیم و ذلك أن المؤكد يرفع إيهام التجوز عن المؤكد، انتهى. فتأمل. ( 63:22)
ابن عاشور، و في قوله: « وَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ کُلُّهُنَّ » إشارة إلى أن المراد الرضى الذي يتساوین فيه، و إلا لم يكن للتأكيد ب «کُلُّهُنَّ » نكتة زائدة، فالجمع بين ضمير (هن) في قوله: «کُلُّهُنَّ » يومئ إلى رضی متساو بينهن. (301:21)
مغنية: ذلك إشارة إلى تفويض الأمر إلى مشيئة النبي صلی الله علیه و آله ، والمعنى: أنهن متى علمن أن الأمر إليك لا إليهن في التسوية بينهن، رضيت كل واحدة بما تعطيها من المعاشرة قليلا كان أو كثيرا لعلمها بأن ذلك
تفضل منك، و ليس بواجب عليك. و مع هذا فقد كان التي يساوي بين أزواجه. (6: 232)
مکارم الشيرازي: و ذلك لأن هذا الحكم عام يشملهن جميعا، و لايتفاوتن فيها أولا. و ثانیا: إن الحكم الذي يشرع من جانب الله سبحانه إنما يشرع لمصلحة مهمة، و بناء على هذا فيجب الإذعان له برغبة و رضا، فينبغي مضافا إلى عدم القلق و التأثر أن يفرحن لذلك. لكن النبي صلی الله علیه و آله. و كما أشرنا إلى ذلك - كان يراعي تقسيم أوقاته بينهن بعدالة قدر المستطاع، إلا في الظروف الخاصة التي كانت توجب عدم التسوية و تحتمه، و كان هذا بحد ذاته مطلبا آخر يبعث على ارتياحهن، لأنهن كن يرين أن النبي صلی الله علیه و آله يسعی للتسوية بينهن مع كونه مخيرا. ( 291:13)
فضل الله: لأنهن يشعرن بأن الله عندما جعل الأمر إليك، فإنه جعل لهن ضمانة كبيرة في الحصول على الحياة الكريمة الرحيمة، و المعاملة الحسنة، و الميزان العادل الذي لن تختار فيه إلا مايحقق لهن الرضا والطمأنينة و قرة العين، لأن إنسانية الرسالة في عمق شخصيتك، و روحانية الشعور الرحيم في قلبك، لا تتحركان إلا بالخير كله، و الإحسان كله، و العدل كله. (335:18)
ترضى
1- « لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ...» البقرة : 120
الطبري: و ليست اليهود یا محمد و لاالنصاری براضية عنك أبدا، فدع طلب ما يرضيهم و يوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق، فإن الذي تدعوهم إليه من ذلك هو السبيل إلى الاجتماع فيه معك، على الألفة والدين القيم. ولا سبيل لك إلى إرضائهم باتباع ملتهم، لأن اليهودية ضد النصرانية، والنصرانية ضد اليهودية، و لاتجتمع النصرانية و اليهودية في شخص واحد في حال واحدة، و اليهود والنصارى لا تجتمع على الرضابك، إلا أن تكون يهودا نصرانيا، و ذلك مما لا يكون منك أبدا لأنك شخص واحد، و لن يجتمع فيك دينان متضادان في حال واحدة. و إذا لم يكن إلى اجتماعهما فيك في وقت واحد سبيل، لم يكن لك إلى إرضاء الفريقين سبيل. و إذا لم يكن لك إلى ذلك سبيل، فالزم هدى الله الذي لجميع الخلق إلى الألفة عليه سبيل. (565:1)
الزجاج: و «تَرْضَى» يقال في مصدره رضي يرضي رضا ومرضاة، و رضوانا و ضوانا. ويروى عن عاصم في كل ما في القرآن من « رضوان » الوجهان جميعا. فأما ما يرويه عنه أبوعمرو «فرضوان» بالكسر وما يرويه أبو بكر بن عياش: «فرضوان»، والمصادر تأتي على فلان وفلان» فأما فعلان، فقولك عرفته عرفانا، وحسبته حسبانا. و أما فلان، كقولك: غفرانك لا کفرانك. (201:1)
الطوسي: قيل: في معنى هذه الآية قولان:
أحدهما: أن النبي صلی الله علیه و آله کان مجتهدا في طلب ما يرضيهم، ليقبلوا إلى الإسلام و يتركوا القتال، فقيل له: دع ما يرضيهم إلى ما أمر الله به من مجاهدتهم.
قال الزجاج: كانوا يسألونه علیه السلام الهدنة و المسالمة
و يرونه أنه إن أمهلهم أسلموا. فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم. و هذه الآية تدل أنه لا يصح إرضاء اليهود ولا النصارى على حال، لأنه تعالى علقه بأن اليهود لا يرضون عنه حتی يكون صلی الله علیه و آله يهودیا، و النصاري لا يرضون عنه حتی يكون نصرانيا، فاستحال أن يكون يهودیا نصرانيا في حال، و استحال إرضاؤهم بذلك. (439:1)
نحوه الطبرسي. (197:1)
القشيري: لاتبال برضاء الأعداء بعد ما حصل لك رضانا، فإنهم لا يرضون عنك إلا بمتابعة أديانهم، و دون ذلك لهم حظ القتال، فأغلين التبري منهم، و أظهر الخلاف معهم، و انصب العداوة لهم، واعلم أن مساكنتهم إلى ما يرضون سبب الشقاوة المؤبدة، فاحرص ألا يخطر ذلك ببالك، وادع إلى البراءة عنهم و عن طريقتهم أمتك، و کن بنا لنا، متبرئا عمن سوانا، واثقا بنصرتنا، فإنك بنا و لنا.(130:1)
الزمخشري: كأنهم قالوا: لن نرضى عنك و إن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا، إقناطا منهم لرسول الله صلی الله علیه و آله عن دخولهم في الإسلام، فحكى الله عز و جل كلامهم. (308:1)
الفخر الرازي: اعلم أنه تعالى لما صبر رسوله بما تقدم من الآية، وبين أن العلة قد انزاحت من قبله لا من قبلهم، و أنه لاعذر لهم في الثبات على التكذيب به، عقب ذلك بأن القوم بلغ حالهم في تشددهم في باطلهم و ثباتهم على كفرهم، أنهم يريدون مع ذلك أن يتبع ملتهم، ولا يرضون منه بالكتاب، بل يريدون منه الموافقة لهم فيما هم عليه، فبين بذلك شدة عداوتهم للرسول، و شرح ما يوجب اليأس من موافقتهم. (34:4)
القرطبي : المعنى: ليس غرضهم یا محمد ما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، و إنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام و اتباعهم. يقال: رضي یرضی رضا و رضا و رضوانا و رضوانا و مرضاة، و هو من ذوات الواو، و يقال في التثنية: رضوان، و حكى الكسائي: رضیان. و حکي رضاء ممدود، و كأنه مصدر راضی یراضي مراضاة ورضاء. (92:2)
أبو حيان: والظاهر أن قوله تعالى: « و لَنْ تَرْضَى » خطاب للنبي صلی الله علیه و آله، علق رضاهم عنه بأمر مستحيل الوقوع منه صلی الله علیه و آله، و هو اتباع ملتهم. و المعلق بالمستحيل مستحيل، سواء فسرنا الملة بالشريعة، أو فسرناها با لقبلة، أو فسرناها بالقرآن.
و قيل: هو خطاب له، و هو تأدیب لأمته، فإنهم يعلمون قدره عند ربه، و إنما ذلك ليتأدب به المؤمنون، فلا يوالون الكافرين، فإنهم لايرضيهم منهم إلا اتباع دينهم.
وقيل : هو خطاب له، و المراد أمته، لأن المخاطب لايمكن ما خوطب به أن يقع منه، فيصرف ذلك إلى من يمكن ذلك منه، مثل قوله: « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ » الزمر : 65، و يكون تنبيها من الله على أن اليهود و النصارى يخادعونكم بما يظهرون من الميل وطلب المهادنة والوعد بالموافقة، و لا يقع رضاهم إلا
باتباع ملتهم. (368:1)
أبو السعود: بيان لكمال شدة شكيمة هاتين الطائفتين، خاصة إثر بیان ما يعمهما و المشركين من الإصرار على ما هم عليه إلى الموت. و إيراد «لا» النافية بين المعطوفين لتأكيد النفي، لما مر من أن تصلب اليهود في أمثال هذه العظائم أشد من النصاری، و الإشعار بأن رضي كل منهما مباين لرضى الأخرى، أي لن ترضى عنك اليهود و لو خليتهم و شأنهم حتی تتبع ملتهم، و لاالنصاری و لو تركتم و دينهم حتی تتبع ملتهم، فأوجز النظم ثقة بظهور المراد.
و فيه من المبالغة في إقناطه صلی الله علیه و آله من إسلامهم ما لاغاية وراءه، فإنهم حيث لم يرضوا عنه علیه السلام ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون، بل أملوا منه مالا يكاد يدخل تحت الإمكان من اتباعه علیه السلام لملتهم، فكيف يتوهم اتباعهم لملته علی السلام وهذه حالتهم في أنفسهم و مقالتهم فيما بينهم. و أما إنهم أظهروها للنبي وشافهوه بذلك، وقالوا: لن نرضى عنك و إن بالغت في طلب رضانا حتی تتبع ملتنا- كما قيل ، فلا يساعده النظم الكريم، بل فيه ما يدل على خلافه. (189:1)
البروسوي: إقناط له عليه السلام من طمعه في إسلامهم؛ حيث علق رضاهم عنه بما لا سبيل إليه و ما يستحيل وجوده، و إذا لم يرضوا عنه فكيف يتبعون ملته، أي دينه، أي لن ترضى عنك اليهود إلا بالتهود و الصلاة إلى قبلتهم و هي المغرب، و لاالنصاري إلا بالتنصر و الصلاة إلى قبلتهم و هي المشرق. (218:1 )
الآلوسی: بيان لكمال شدة شكيمتي هاتين الطائفتين إثر بیان ما يعينهما، و المشركين مما تقدم ولا بين المعطوفين لتأكيد النفي، و للإشعار بأن رضا كل منهما مباین لرضا الأخرى. و الخطاب للنبي صلی الله علیه و آله و فيه من المبالغة في إقناطه صلی الله علیه و آله من إسلامهم ما لاغاية وراءه، فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه الصلاة والسلام، و لو خلاهم يفعلون ما يفعلون، بل أملوا ما لا يكاد يدخل دائرة الإمكان، و هو الاتباع لملتهم التي جاء بنسخها، فكيف يتصور اتباعهم لملته صلی الله علیه و آله و احتیج لهذه المبالغة لمزيد حرصه صلی الله علیه و آله على إيمانهم، علی ماروي أنه كان يلاطف كل فريق رجاء أن يسلموا فنزلت. (371:1)
القاسمي: أي لأنهم يريدون أن يكونوا متبوعين على الإطلاق. و فيه مبالغة في الإقناط من إسلامهم، و تنبيه على أنه لايرضيهم إلا ما لايجوز وقوعه منه علیه السلام. (241:2)
المراغي: و في الآية تيئيس له علیه السلام من طمعه في إسلامهم؛ إذ علق رضاهم عنه بماهو مستحيل أن يكون، و هو اتباع ملتهم والدخول في دينهم، لأنهم اتخذوا الدين جنسية لايرضون عن أحد إلا إذا دخل في حظيرتها، و انضوى تحت لوائها. (203:1)
ابن عاشور: عطف على قوله: « وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ » البقرة : 119، أو على « انا ارسناك » البقرة : 119، و قد جاء هذا الكلام المؤيس من إيمانهم بعد أن قدم قبله التأنيس و التسلية، على نحو مجيء العتاب بعد تقديم العفو في قوله تعالى: « عفا
اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُم» التوبة : 43، و هذا من كرامة الله تعالى لنبيه صلی الله علیه و آله.
والنفي ب(لن) مبالغة في التأييس، لأنها لنفي المستقبل و تأبیده. (1: 674)
مغنية: [نقل كلام الطبرسي و قال : ]
والحقيقة أن أكثر أهل الأديان و الأحزاب علی هذه النزعة، ولاخصوصية لليهود و النصارى في ذلك، بل إن بعض الناس لا يرضى عنك إلا إذا جعلت من نفسك عبدا له، و قد استنكر القرآن الكريم هذه النزعة البغيضة، و دعا إلى التعايش الديني مع جميع أهل الأديان، و قدس جميع الرسل والأنبياء، و ذكرهم بكل خير، و أوجب على أتباعه الاعتراف بهم و الإيمان بنبوتهم، و هذا من أقوى البواعث للتآخي بين أهل الملل و النحل، و تعاون بعضهم مع بعض.
وعلى أية حال، فإن الله خص اليهود و النصاری بالذكر، كي ييأس النبي و يقنط من متابعتهم له، كما قال صاحب «المجمع».(191:1)
الطباطبائي: رجوع إلى الطائفتين بعد الالتفات إلى غيرهم، و هو بمنزلة جمع أطراف الكلام على تفرقها و تشتتها، فكأنه بعد هذه الخطابات و التوبيخات لهم يرجع إلى رسوله و يقول له: هؤلاء ليسوا براضين عنك، حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهمو نظموها بآرائهم. (265:1)
عبد الكريم الخطيب: هذا هو مقطع الفصل فيما تحدثت به الآيات السابقة، عن الكيد الذي يکید به أهل الكتاب و خاصة اليهود للنبي و لرسالته، في صد الناس عنه، وإلقاء الشبه والضلالات بین یدی المسلمين، إنهم لن يرضوا عن النبي ولن يهادنوه، حتى يترك دعوته، و يطوي رسالته، و يدخل فيما هم فيه.(136:1)
مکارم الشيرازي: إرضاء هذه المجموعة محال الآية السابقة رفعت المسؤولية عن النبي صلی الله علیه و آله إزاء الضالين المعاندين. والآية أعلاه تواصل الموضوع السابق و تخاطب الرسول بأن لايحاول عبا في كسب رضا اليهود و النصاري، لأنه « وَلَنْ تَرْضَی عَنْکَ الیَهُودُ وَلا النَّصَارَی حَتَّی تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ» (315:1 )
فضل الله: المفسرون في أسباب نزول هذه الآية إن التي كان مجتهدا في طلب ما يرضيهم ليدخلوا في الإسلام، فقيل له : دع ما يرضيهم إلى ما أمرك الله به من مجاهدتهم. و قالوا في مجال آخر: كان اليهود يسألون النبي صلی الله علیه و آله الهدنة ويرونه أنه إن هادنهم و أمهلهم اتبعوه، فآيسه الله تعالى من موافقتهم.
إننا نعتقد أن ما یذکره هؤلاء المفسرون، هونوع من أنواع الاجتهاد في استيحاء القصة التي يفرضون وجودها، في كل آية من الآيات التي يخاطب الله فيها نبيه في كل قضية من القضايا المتعلقة بموقف النبي من العلاقات المتصلة بالآخرين. و لكننا لانرى ضرورة في ذلك، بل الظاهر هو أن الله كان يريد أن يقدم للمسلمين من خلال النبی الوعي العميق للواقع الذي يحيط بهم، سواء في ذلك الواقع المتمثل بالأشخاص الذين يخالفونهم في الدين، أو المتمثل بالأحداث والأوضاع المحيطة بهم، ليكونوا على معرفة عميقة
شاملة لما حولهم، مما يجبهم خطر الوقوع في تجربة المعرفة التي قد تعرضهم للهلاك، و تدفعهم إلى السير في وضوح الرؤية، بعيدا عن الانفعالات السريعة، والأوهام الطائرة.
وقد يكون الأساس في اختيار النبي للخطاب، ثم اتباع أقسى الأساليب شدة في خطاب الله له، هو الإيحاء بأن هذه القضية هي من القضايا التي تبلغ مرحلة كبيرة من الأهمية و الخطورة، بالمستوى الذي لا يمكن فيها مراعاة جانب أي شخص، و إن كان في مستوى عظمة النبي محمد صلی الله علیه و آله ، لأن عظمة الأشخاص و قداستهم مستمدة من طاعتهم لله في ما يريد و في ما لا يريد، فإذا انحرفوا عن الخط ولن ينحرفوا عنه، سقطت عظمتهم و تحولوا إلى أشخاص عاديين خاطئين، لا يملكون لأنفسهم من دون الله وليا و لانصيرا .
و يعتبر هذا الأسلوب من الأساليب البارزة في القرآن في القضية التي تتخذ جانب الخطورة على أساس العقيدة و صدقها و سلامتها من الانحراف؛ و ذلك كما في قوله تعالى: « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ» الزمر : 65، و قوله سبحانه و تعالى: « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ » الحاقة: 44 - 47
أما هذه الآية، فقد عالجت قضية من أخطر القضايا التي قد تواجه العاملين في سبيل الله، في علاقتهم بالكافرين والمنافقين و الفاسقين، فقد يستسلم العاملون لحالة نفسية طاهرة، يعيشون فيها الأمل الكبير بهداية هؤلاء المعادين للإسلام، من خلال الأساليب التي يتبعونها إزاء المسلمين، في ما يقدمونه من تبريرات، و في ما يثيرونه من انفعالات و عواطف، و في ما يوحون به من أفكار حميمة توحي بقربهم إلى الحق؛ و ذلك من خلال بعض المواقف التي يتقدمون بها في بعض مراحل الطريق، مما يخلق انطباعا بأنهم يتقدمون إلى الحق، و قد تخلق هذه الحالة حالة أخرى، وهي الرغبة في إرضاء هؤلاء ببعض الكلمات و المواقف، طمعا في الحصول علی صداقتهم أو رضاهم، مما يستدعي من المسلمين تقديم تنازلات فكرية أو عملية في حالات معينة.
وقد وقع الكثيرون من العاملين في هذا الشرك الشيطاني الذي ينصبه أعداء الله، فاستطاعوا أن يجروهم إلى تقديم بعض التنازلات على حساب سلامة الإسلام في عقيدته وشريعته و مواقعه، مما أعطاهم في نظر البسطاء من المسلمين صفة الشرعية لمبادئهم، و أغراهم بالتالي بالمطالبة بتنازلات جديدة تبعا لحاجة الظروف الموضوعية لذلك، و كانت النتيجة هي إعطاء أعداء الدين فرصة للتقدم و للحصول على الشرعية، و خسارة المسلمين لكثير من المواقع الفكرية و العملية، من خلال الفكرة التي أوحت بها هذه التنازلات، وهي أن من الممكن للمسلم المحافظة على إسلامه، مع التنازل عن بعض جوانب عقید ته و شريعته.
وما زال الأعداء يساومون، وما زال الكثيرون
منا يقدمون التنازلات، ليحصلوا على رضاهم من أجل الحصول على هدايتهم، ثم تحولت القضية إلى الهزيمة النفسية التي عاشها المسلمون، من خلال الهزيمة الفكرية والسياسية والعسكرية، مما جعلنا نلهث في سبيل الحصول على رضاهم، كما يلهث الضعفاء في الحصول على رضى الأقوياء للحصول على الحماية والمكاسب، و الحاجات الصغيرة في الحياة.
و تلك هي النتيجة التي حذر منها القرآن في أسلوبه الحاسم في خطابه للنبي محمد صلی الله علیه و آله : « وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ»، إن عليك يا محمد أن لا تجعل هدفك في مسيرتك هو الحصول على رضاهم، لأن القضية ليست قضية خصومة شخصية طارئة، ليمكنك الوصول إلى تبديل حالة الخصومة بحالة الصداقة من خلال بعض التنازلات الشخصية، بل هي قضية اعتبار هؤلاء أنهم على الحق و أنك على الباطل، مما يجعل من تقديم التنازلات تشجيعا لهم على موقفهم، و إغراء لهم بالثبات على عقيدتهم، ليجروك إلى مواقع جديدة من التنازلات، و هكذا، لارتباط الحصول على رضاهم بالوصول إلى التنازل الأخير و هو اتباع ملتهم، فذلك هو السبيل الوحيد لربح ثقتهم بك. (193:2)
2- « قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى » طه : 84
ابن زيد: لأرضيك. (الطبري 8: 442)
الطبري: يقول: و عجلت أنا فسبقتهم رب، کیما ترضى عني. (442:8)
القشيري: أي ما خلفتهم لتضييعي أيامي و لكني عجلت إليك لترضى.
قال: يا موسى إن رضائي في أن تكون معهم وألا تسبقهم، فكونك مع الضعفاء الذين استصحبتهم في معاني حصول رضائي أبلغ من تقدمك عليهم. (142:4)
الميبدي: أي لتزداد عتی رضا.(162:6)
ابن عطية: و أعلمه موسی عليه السلام أنه إنما استعجل طلب الرضى فأعلمه الله تعالى أنه قد فتن بيني إسرائيل، أي اختبرهم بما صنعه السامري. (57:4)
الطبرسي: أي سبقتهم إليك حرصا على تعجيل رضاك، أي لأزاد رضا إلى رضاك. (24:6)
الفخر الرازي: قوله: « لِتَرْضى » یدل على أنه صلی الله علیه و آله إنما فعل ذلك لتحصيل الرضا لله تعالى و ذلك باطل من وجهين:
أحدهما: أنه يلزم تجدد صفة لله تعالى.
والآخر: أنه تعالى قبل حصول ذلك الرضا، وجب أن يقال: إنه تعالى ما كان راضيا عن موسی، لأن تحصيل الحاصل محال، ولما لم يكن راضيا عنه وجب أن يكون ساخطا عليه، و ذلك لا يليق بحال الأنبياء صلی الله علیه و آله .
الجواب: المراد تحصیل دوام الرضا، كما أن قوله: « ثم الهدی » المراد دوام الاهتداء. (98:22 )
القرطبي: کني عن ذكر الشوق و صدقه إلى ابتغاء الرضا. و عن قتادة: قال: شوقا. ( 232:11)
البيضاوي: فإن المسارعة إلى امتثال أمرك و الوفاء بعهدك توجب مرضاتك. (57:2 )
أبو حيان: من طلبه رضا الله تعالى في السبق إلى ما وعده ربه، و معنى « إليك » إلى مكان وعدك « و لترضى » أي ليدوم رضاك و يستمر، لأنه تعالى كان عنه راضيا. (267:6)
البروسوي: « لترضی » عني بمسارعتي إلى الامتثال بأمرك، و اعتنائی بالوفاء بعهدك. و في الآيتين إشارة إلى معاني مختلفة، منها: ليعلم أن السائر لا ينبغي أن يتواني في السير إلى الله، و يرى أن رضي الله في استعجاله في السير، و العجلة محمدوحة في الدين، قال تعالى: « وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ » آل عمران : 133، و الأصل الطلب . (413:5)
المراغي: أي و عجلت إليك رب لتزداد عني رضا، بالمسارعة إلى امتثال أمرك، و الوفاء بعهدك. (138:16)
الطباطبائي: أي و السبب في عجلي، هو أن أحصل رضاك يا رب. ( 190:16)
مکارم الشيرازي: « و عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى » فليس شوق المناجاة و سماع كلامك لوحده قد سلب قراري، بل كنت مشتاقا إلى أن آخذ منك أحكام التوراة بأسرع ما يمكن لأؤديها إلى عبادك، و لأنال رضاك عني بذلك، أجل إني عاشق لرضاك، و مشتاق لسماع أمرك. ( 47:10)
3- « وَ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّکَ تَرْضَى ».طه: 130
ابن جریج: بما تعطي. (الطبري 8: 478)
ابن زيد: الثواب، ترضى بما يثيبك الله على ذلك. (الطبري 8: 478)
الطبري: يقول: كي ترضى. وقد اختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء المدينة والعراق: « لَعَلَّکَ تَرْضَى » بفتح التاء. و كان عاصم والكسائي يقرآن ذلك ( لَعَلَّکَ تَرْضَى ) بضم التاء، و روي ذلك عن أبي عبد الرحمان السلمي، و كأن الذين قرؤوا ذلك بالفتح، ذهبوا إلى معنی: إن الله يعطيك حتى ترضيعطيته و ثوابه إياك.
و كذلك تأوله أهل التأويل على ذلك. و كأن الذين قرؤوا ذلك بالضم، وجهوا معنى الكلام إلى لعل الله يرضيك من عبادتك إياه، و طاعتك له.
والصواب من القول في ذلك عندي: أنهما قراءتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، و هما قراءتان مستفیضان في قراءة الأمصار، متفقتا المعنى، غير مختلفتيه؛ وذلك أن الله تعالى ذكره إذا أرضاه، فلاشك أنه يرضى، و أنه إذا رضي فقد أرضاه الله، فكل واحدة منهما تدل على معنى الأخرى، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب. (478:8)
الطوسی: و قوله « لَعَلَّکَ تَرْضَى » معناه افعل ما أمرتك به، لكي ترضى بما يعطيك الله من الثواب على ذلك. و من ضم التاء أراد: لكي نفعل معك من الثواب ما ترضى معه، و قيل: لكي ترضى بالشفاعة. و المعاني متقاربة، لأنه إذا أرضى الله النبي صلی الله علیه و آله فإنه يرضى. (223:7)
الميبدي: ثوابه في الميعاد، و قيل: مرضي بالشفاعة و مثله قوله: « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحی : 5، و قرأ الكسائي و أبوبكر عن عاصم، (ترضی ) بضم التاء، أي يرضيك الله بكرامته. (197:6)
الزمخشري: أي: أذكر الله في هذه الأوقات، طمعا و رجاء أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك و يسر قلبك. و قرئ (ترضى ) أي يرضيك ربك. (559:2)
ابن عطية: و قرأ الجمهور « لَعَلَّکَ تَرْضَى » بفتح التاء، أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضى به. و قرأ الكسائي و أبوبكر عن عاصم ( لعلك ترضی) أي لعلك تعطى ما يرضيك. (70:4 )
الطبرسي: قرأ الكسائي و أبوبكر (ترضی ) بضم التاء والباقون بفتحها.
حجة من فتح التاء قوله :« وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحی : 5، و حجة من ضم التاء أنه جاء في صفة بعض الأنبياء « وَ کَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً » مریم : 55، و كان معنى ترضى لفعلك ما أمرت به من الأفعال التي يرضاها الله، أو ترضى بما تعطاه من الدرجة الرفيعة، و ترضى بما يعطیکه الله من الدرجة العالية و الرتبة المرضية...
« لَعَلَّکَ تَرْضَى » بالشفاعة والدرجة الرفيعة. و قيل: بجميع ما وعدك الله به من النصر و إعزاز الدين في الدنيا، و الشفاعة و الجنة في الآخرة. (35:4 ، 36 )
الفخر الرازي: أما قوله تعالى : « لَعَلَّکَ تَرْضَى » ففيه وجوه:
أحدها : أن هذا كما يقول الملك الكبير: يافلان اشتغل بالخدمة فلعلك تنتفع به، و يكون المراد إني أوصلك إلى درجة عالية في النعمة، وهو إشارة إلى قوله: « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحی : 5 و قوله: « عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً»الإسراء : 79.
و ثانيها: لعلك ترضى ما تنال من الثواب.
وثالثها: لعلك ترضى ما تنال من الشفاعة.
وقرأ الكسائي و عاصم: ( لَعَلَّکَ تَرْضَى ) بضم التاء، و المعنى: لايختلف، لأن الله تعالى إذا أرضاه فقد رضیه، و إذا رضيه فقد أرضاه. ( 134:22)
القرطبي: قوله تعالى:« لَعَلَّکَ تَرْضَى » بفتح التاء، أي لعلك تثاب على هذه الأعمال بما ترضی به. و قرأ الكسائي و أبوبكر عن عاصم (ترضی ) بضم التاء، أي لعلك تعطي ما يرضيك. ( 261:11)
البيضاوي: « لَعَلَّکَ تَرْضَى » متعلق ب«سبح » أي سبح في هذه الأوقات طمعا أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك. وقرأ الكسائي و أبو بكر بالبناء للمفعول، أي يرضيك ربك.(65:2)
أبو حيان: أي تثاب على هذه الأعمال بالثواب الذي تراه. و أبرز ذلك في صورة الرجاء و الطمع الاعلى القطع. و قيل: « لعل » من الله واجبة.
وقرأ أبوحيوة و طلحة والكسائي و أبوبكر و أبان و عصمة و أبو عمارة عن حفص، و أبوزيد عن المفضل، و أبو عبيد، و محمد بن عيسى الأصبهاني:
(تَرْضَى ) بضم التاء، أي يرضيك ربك. (6: 290)
البروسوي: « لَعَلَّکَ تَرْضَى » متعلق به «سبح» أي سبح في هذه الأوقات، رجاء أن تنال عنده تعالى ما ترضى به نفسك و يسر به قلبك. (445:5 )
الآلوسي: [قال نحو البروسوي و أضاف: ]
و جوز أن يكون متعلقا بالأمر بالصبر و الأمر بالصلاة، و المراد « لَعَلَّکَ تَرْضَى » في الدنيا بحصول الظفر و انتشار أمر الدعوة، ونحو ذلك. (16: 283)
القاسمي: أي رجاء أن تنال ما به ترضى نفسك، من رفع ذكرك. و نقهرك على عدوك و بلوغ أمنيتك من ظهور توحید ربك، و هذا كقوله تعالى: « عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً » الإسراء : 79، وقوله تعالى: « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحى : 5.
سید قطب: إن التسبيح بالله اتصال، والفس التي تتصل تطمئن و ترضی، ترضي و هي في ذلك الجوار الرضي، و تطمئن و هي في ذلك الحمى الآمن.
فالرضى ثمرة التسبيح و العبادة، و هو وحده جزاء حاضر ينبت من داخل الفس، ويترعرع في حنايا القلب. (2357:4)
ابن عاشور: و قرأ الجمهور: « لَعَلَّکَ تَرْضَى » بفتح التاء بصيغة البناء للفاعل، أي رجاء لك أن تنال من الثواب عند الله ما ترضى به نفسك.
ويجوز أن يكون المعني: لعل في ذلك المقدار الواجب من الصلوات ما ترضى به نفسك دون زيادة في الواجب، رفقا بك و بأمتك. و يبينه قوله صلی الله علیه و آله: «و جعلت قرة عيني في الصلاة ». وقرأ البرسائی، و أبوبكر، عن عاصم : ( ترضی) بضم التاء، أي يرضيك ربك، و هو محتمل للمعنيين. (205:16)
مغنية: « لَعَلَّکَ تَرْضَى » و كل من أرضي الله في الدنيا أرضاه الله في الآخرة « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » المائدة : 119. (254:5)
الطباطبائي: و قوله: « لَعَلَّکَ تَرْضَى » السياق السابق، و قد ذكر فيه إعراضهم عن ذكر ربهم، و نسيانهم آیاته و إسرافهم في أمرهم و عدم إيمانهم، ثم ذکر تأخير الانتقام منهم، و أمره بالصبر والتسبیح و التحميد، يقضي أن يكون المراد بالرضا: الرضا بقضاء الله و قدره. و المعنى: فاصبر و سبح بحمد ربك، ليحصل لك الرضا بما قضى الله سبحانه، فيعود إلى مثل معنى قوله: «وَاسْتَعینُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلوةِ» البقرة : 48 .
والوجه فيه: أن تكرار ذكره تعالى بتنزيه فعله عن التقص و الشين، و ذكره بالثناء الجميل و المداومة على ذلك، يوجب أنس النفس به و زيادته، و زيادة الأنس بجمال فعله و نزاهته، توجب رسوخه فيها و ظهوره في نظرها، و زوال الخطورات المشوشة للإدراك والفكر. و النفس مجبولة على الرضا بما تحبه و لاتحب غير الجميل المنزه عن القبح والشين، فإدامة ذكره بالتسبيح و التحميد تورث الرضا بقضائه.
وقيل: المراد لعلك ترضى بالشفاعة والدرجة الرفيعة عند الله. و قيل: لعلك ترضى بجميع ما وعدك الله به من النصر و إعزاز الدين في الدنيا، و الشفاعة
و الجنة في الآخرة. (238:14)
مکارم الشيرازي: و الجدير بالذكر أن جملة « لَعَلَّکَ تَرْضَى »في الحقيقة نتيجة حمد الله و تسبيحه، والصبر والتحمل في مقابل قول أولئك، لأن هذا الحمد و التسبيح و صلوات الليل والنهار حكم الرابطة بين الإنسان و ربه إلى درجة لا يفكر فيها بأي شيء سواه، فلايخاف من الحوادث الصعبة، و لايخشی عدوا باعتماده على هذا السند و العماد القوي، و بهذا سیملا الهدوء و الاطمئنان وجوده. (96:10)
فضل الله:« لَعَلَّکَ تَرْضَى » و تطمئن و ترتاح إلى اتصالك بالمبدإ الأعلى في تسبيح و تحمید و تمجید و مناجاة موصولة بالله، في رعايته و لطفه و رضوانه، مما يجعلك راضيا بكل شيء يحدث لك من حلو الحياة و مرها، و بؤسها و نعيمها، و سعادتها و شقائها، لأن ذلك لا يمثل مشكلة للمؤمن ما دام يتحرك في محبة الله ورضاه. (176:15)
4۔ « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى» الضحى :5
راجع: ع ط ي: « يعطيك»..
ترضية
« وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ».النمل : 19
راجع: ص ل ح: «صالحا».
ترضيها
« قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ...» البقرة : 144
الطبري: فإنه يعني فلنصر فتك عن بيت المقدس إلى قبلة ترضاها، تهواها و تحبها. (2: 23)
الزجاج: و قيل في قوله:« تَرْضیها » قولان:
قال قوم: معناه تحبها، لا أن النبي صلی الله علیه و آله لم يكن راضيا بتلك القبلة، لأن كل ما أمر الله الأنبياء علیهم السلام به فهي راضية به، و إنما أحبها النبي صلی الله علیه و آله لأنها كانت فيما یروی قبلة الأنبياء.
وقيل: لأنها كانت عنده أدعى لقومه إلى الإيمان. (222:1)
الماوردي: يعني الكعبة كان رسول الله صلی الله علیه و آله يرضاها و يختارها، و يسأل [ ربه] أن يحول إليها.
و اختلف في سبب اختياره لذلك على قولين:
أحدهما : مخالفة اليهود و کراهة لموافقتهم، لأنهم قالوا: تتبع قبلتنا وتخالفنا في ديننا؟ و به قال مجاهد، وابن زيد.
والثاني: أنه اختارها، لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم، و به قال ابن عباس.
فإن قيل: أكان رسول الله صلی الله علیه و آله غير راض ببیت المقدس أن يكون له قبلة ، حتى قال تعالى له في الكعبة « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَیهَا » ؟
قيل: لا يجوز أن يكون رسول الله غير راض ببیت المقدس ، لما أمره الله تعالى به، لأن الأنبياء يجب عليهم الرضا بأوامر الله تعالى، لكن معنی « تَرْضَیهَا » أي تحتها و تهواها. و إنما أحبها مع ما ذكرنا من القولين الأولين، لما فيها من تآلف قومه و إسراعهم إلى إجابته. و يحتمل أن يكون قوله:« تَرْضَیهَا » محمولا
على الحقيقة، بمعنى ترضى ما يحدث عنها من التأليف، و سرعة الإجابة. (202:1)
الطوسي: قوله: « تَرْضَیهَا » تحبها، و الرضاء ضد السخط، و هو إرادة الثواب، و السخط إرادة الانتقام. (399:1)
الميبدي: نولينك إلى جهة تشاء و ترضاها.(399:1)
الزمخشري: تحبها و تميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها، و وافقت مشيئة الله و حکمته. (319:1)
ابن عطية: « تَرْضَیهَا » معناه تحبها و تقربها عينك. و كان رسول الله صلی الله علیه و آله يحب الكعبة والتحول عن بیت المقدس لوجوه ثلاثة رويت: فقال مجاهد: لقول اليهود: ما علم محمد دینه حتى اتبعنا، وقال ابن عباس: و ليصيب قبلة إبراهيم عليه السلام، وقال الربيع والسدي : و ليستألف العرب لمحبتها في الكعبة. (221:1)
الطبرسي: أي فلنصرفنك إلى قبلة تريدها و تحبها. و إنما أراد به محبة الطباع، لا أنه كان يسخط القبلة الأولى. (227:1)
الفخر الرازي: قوله : « تَرْضَیهَا » فيه وجوه:
أحدها: « تَرْضَیهَا »: تحبها و تميل إليها، لأن الكعبة كانت أحب إليه من غيرها بحسب میل الطبع. قال القاضي: هذا لا يجوز، فإنه من المحال أن يقول الله تعالى : فلنوليتك قبلة يميل طبعك إليها، لأن ذلك يقدح في حكمته تعالى فيما يكلف، و يقدح في حال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يريده في حال التكليف.
و هذا الاعتراض ضعيف، لأن الطعن إنما يتوجه لو قال الله تعالى: إنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها بمجرد میل طبعك، فأما لو قال: انا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها، لأجل أن الحكمة و المصلحة وافقت میل طبعك، فأي ضرریلزم منه، وقال عليه الصلاة و السلام: «و جعلت قرة عيني في الصلاة ». فكان طبعه يميل إلى الصلاة، مع أن المصلحة كانت موافقة لذلك.
وثانيها: « قِبْلَةً تَرْضَیهَا » أي تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية.
و ثالثها: قال الأصم: أي كل جهة وجهك الله إليها فهي لك رضا، لا يجوز أن تسخط، كما فعل من انقلب على عقيبه من العرب الذين كانوا قد أسلموا، فلما تحولت القبلة ارتدوا.
و رابعها: « تَرْضَیهَا » أي ترضی عاقبتها، لأتك تعرف بها من يتبعك للإسلام، ممن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها أو مال يكتسبه. (4: 125)
نحوه ملخصا . (النيسابوري 16:2)
أبو حيان: و وصفها بأنها مرضية له لتقربها من التعيين، لأن متعلق الرضاهو القلب، و هو كان يؤثر أن تكون الكعبة، و إن كان لا يصرح بذلك. قالوا: و رضاه لها، إما لميل السجية، أو لاشتمالها على مصالح الدين. و المعنى: لنجعلنك تلي استقبال قبلة مرضية لك، و لنمكننك من ذلك. (428:1)
أبوالسعود: « تَرْضَیهَا » تحبها وتشتاق إليها
لمقاصد دينية، وافقت مشيئته تعالى و حكمته. (215:1)
البروسوي: « تَرْضَیهَا » مجاز عن المحبة و الاشتياق، لأنه علیه السلام لم يكن ساخطا للتوجه إلى بيت المقدس کارها له غير راض، أي تحبها و تتشوق إليها، لا لهوى النفس و الشهوة الطبيعية بل لمقاصد دینية وافقت مشيئة الله تعالى. (251:1)
الآلوسي: و قوله تعالى: « تَرْضَیهَا » أي تحبها و تميل إليها للأغراض الصحيحة التي أضمرتها، و وافقت مشيئة الله تعالی و حکمته، في موضع نصب صفة ل«قبلة»، و نكرها لأنه لم يجر قبلها ما يقتضي أن تكون معهودة فتعرف باللام، و ليس في اللفظ مايدل على أنه صلی الله علیه و آله يطلب قبلة معينة. (8:2)
القاسمي: أي لنعطيتك أو لنوجهتك إلى قبلة تحبها و تميل إليها. و دل على أن مرضيه الكعبة بقاء السبب في قوله: « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ». (300:2)
ابن عاشور: فإن قلت: ما فائدة قوله: « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَیهَا » قبل قوله: « فَوَلِّ وَجْهَكَ » و هلا قال: «في السماء » « فَوَلِّ وَجْهَكَ » إلخ؟
قلت: فائدته إظهار الاهتمام برغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم و أنها بحيث يعتني بها، كما دل عليه وصف القبلة بجملة « تَرْضَیهَا ». (29:2)
عبد الكريم الخطيب: يخبر الله سبحانه في هذه الآية عن الحال التي كان يعانيها النبي الكريم، حين هاجر إلى المدينة و قلبه معلق بمكة و البيت الحرام، و وجهه يتردد في السماء بین مطالع المسجدين: المسجد الحرام والمسجد الأقصى، و هماعلی سمت واحد، فقطع الله عليه طريق التردد، و أمسك وجهه على القبلة التي تهفو إليها نفسه « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَیهَا ...» (167:1)
الطباطبائي: إن الرضا بشيء لا يوجب السخط بخلافه، بل اليهود - على ما في الروايات الواردة في شأن نزول الآية - كانوا يعيرون المسلمين في تبعية قبلتهم، و يتفاخرون بذلك عليهم، فحزن رسول الله ذلك، فخرج في سواد الليل يقلب وجهه إلى السماء، ينتظر الوحي من الله سبحانه، و کشف همه، فنزلت الآية.
و لو نزلت على البقاء بالقبلة السابقة لكانت حجة له صلی الله علیه و آله على اليهود، و ليس ولم يكن لرسول الله ولا للمسلمين عار في استقبال قبلتهم؛ إذ ليس للعبد إلا الإطاعة والقبول، لكن نزلت بقبلة جديدة، فقطع تعبيرهم و تفاخرهم، مضافا إلى تعيين التكليف، فكانت حجة و رضی . (325:1)
مکارم الشيرازي: هل الهدف من هذا التغيير تحقیق رضی النبي؟
عبارة « قِبْلَةً تَرْضَیهَا » قد وهم أن هذا التغيير تم إرضاء للنبي صلی الله علیه و آله و يزول هذا التوهم لو علمنا أن بيت القدس كان قبلة مؤقتة، و أن النبي كان ينتظر القبلة النهائية، و بصدور أمر التغيير وضع حد لطعن اليهود من جهة، و توفرت أرضية استمالة أهل الحجاز المرتبطين ارتباطا خاصا بالكعبة نحو الإسلام من جهة
أخرى، كما أن إعلان بیت المقدس كقبلة أولى أزال عن الإسلام الطابع القومي، و أسقط اعتبار الأصنام المتواجدة في الكعبة. (365:1)
فضل الله: إن الظاهر من قوله تعالى في الآية التالية: «قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضیها » أن الكعبة كانت تمثل رغبة النبي صلی الله علیه و آله في أن يوجهه الله إليها، لتكون قبلة المسلمين في صلاتهم، مما يوحي بأنه لم يسبق لها أن كانت قبلة سابقا. (83:3)
ترضوا
« يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ». التوبة : 96
مضى في: « یرضی » .
ترضون
« ...فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ ... » البقرة : 282
الطبري: يعني من العدول المرتضی دینهم و صلاحهم. (123:3)
الزجاج: أي ممن ترضون مذهبه. و دل بهذا القول أن في الشهود من ينبغي ألایرضی. (1: 363)
الماوردي: فيه قولان:
أحدهما: أنهم الأحرار المسلمون العدول، و هو قول الجمهور.
والثاني: أنهم عدول المسلمين و إن كانوا عبيدا، وهو قول شريح، و عثمان البتي، و أبي ثور. (356:1)
الطوسي: فيه ذكر يعود إلى الموصوفين الذين هم « فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتانِ ». (2: 377)
الزمخشري: ممن تعرفون عدالتهم. ( 403:1 )
ابن العربي: فيها اثنتين و خمسون مسألة: [إلى أن قال:]
المسألة الموفية العشرون: قوله تعالى: « تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ »
هذا تقييد من الله سبحانه على الاسترسال علی كل شاهد، و قصر الشهادة على الرضا خاصة، لأنها ولاية عظيمة؛ إذ هي تنفيذ قول الغير على الغير، فمن حكمه أن يكون له شمائل ينفرد بها، و فضائل يتحلى بها حتى يكون له مزية على غيره، توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله على غيره، و يقضي له بحسن الظن، و يحكم بشغل ذمة المطلوب بالحق بشهادته عليه، و يغلب قول الطالب على قوله بتصديقه له في دعواه.
المسألة الحادية و العشرون : قوله: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » دليل على تفویض القبول في الشهادة إلى الحاكم، لأن الرضا معنی يكون في النفس بما يظهر إليها من الأمارات علیه، و يقوم من الدلائل المبينة له، ولا يكون غير هذا، فإنا لو جعلناه لغيره لما وصل إليه إلا بالاجتهاد، و اجتهاده أولى من اجتهاد غیره.
المسألة الثانية و العشرون : قال علماؤنا: هذا دليل على جواز الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفى من المعاني و الأحكام.
المسألة الثالثة والعشرون : هذا دليل على أنه لا يكتفي بظاهر الإسلام في الشهادة، حتى يقع البحث عن العدالة، و به قال الشافعی .
وقال أبو حنيفة : يكتفي بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود، و هذه مناقضة تسقط كلامه، و تفسد علیه مرامه، فيقول: حق من الحقوق، فلا يكتفي في الشهادة عليه بظاهر الدين الحدود، وقد مهدت المسألة في مسائل الخلاف. [ثم أدام الكلام في الشهادة، فلاحظ ] (254:1)
الطبرسي: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ » عدالته، و هذا يدل على أن العدالة شرط في الشهود، و يدل أيضا على أنا لم نتعبد بإشهاد مرضيين على الإطلاق، لقوله: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ » و لم يقل: من المرضيين، لأنه لا طريق لنا إلى معرفة من هو مرضي عند الله تعالى، و إنما تعبدنا بإشهاد من هو مرضي عندنا في الظاهر، وهو من نرضی دینه و أمانته، و نعرفه بالستر والصلاح. (398:1)
ابن عطية: و قوله تعالى: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » رفع في موضع الصفة، لقوله عز وجل: « فرجل و امراتان ».
قال أبو علي: ولا يدخل في هذه الصفة قوله: « شهیدین » اختلاف الإعراب.
وهذا حكم لفظي، و أما المعنى فالرضى شرط في الشهيدين، كما هو في الرجل و المرأتين.
قال ابن بکیر و غيره: قوله: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ » مخاطبة للحكام.
و هذا غير نبيل، إنما الخطاب لجميع الناس، لكن المتلبس بهذه القضية إنما هم الحكام، وهذا كثير في کتاب الله، يعم الخطاب فيما يتلبس به البعض، و في قوله: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ » دليل على أن في الشهود من لايرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا بمحمولين على العدالة حتى تثبت لهم. (381:1)
الفخر الرازي: قال: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » و هو كقوله تعالى في الطلاق: « وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ » الطلاق : 2.
واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحا للشهادة، و الفقهاء قالوا: شرائط قبول الشهادة عشرة: أن يكون حرا، بالغا، مسلما، عدلا عالا بما شهد به، و لم يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه، و لايدفع بها مضرة عن نفسه، ولا يكون معروفا بكثرة الغلط، ولا بترك المروأة، و لا يكون بينه و بين من يشهد عليه عداوة. (121:7)
القرطبي: فيه اثنتان و خمسون مسألة: [ إلى أن قال:]
الحادية و الثلاثون قوله تعالى: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » في موضع رفع على الصفة ل « رجل و امرأتين ». قال ابن بکیر وغيره.[ إلى قوله: ]
الثانية والثلاثون: لما قال الله تعالى : « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » دل على أن في الشهود من لايرضى، فيجيء من ذلك أن الناس ليسوا محمولين على العدالة حتى تثبت لهم، و ذلك معنی زائد على الإسلام، و هذا قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: كل
مسلم ظاهر الإسلام مع السلامة من فسق ظاهر، فهو عدل و إن كان مجهول الحال. وقال شريح و عثمان البتي و أبو ثور: هم عدول المسلمين و إن كانوا عبيدا.
قلت: فعمموا الحكم، و يلزم منه قبول شهادة البدوي على القروي إذا كان عدد مرضیا. و به قال الشافعي و من وافقه، وهو من رجالنا و أهل ديننا. و کونه بدویا ككونه من بلد آخر، و العمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول تسوي بين البدوي و القروي، قال الله تعالى: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » قال تعالى: « وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» الطلاق : 2، ف«منکم» خطاب للمسلمين.
وهذا يقتضي قطعا أن يكون معنى العدالة زائدا على الإسلام ضرورة، لأن الصفة زائدة على الموصوف، و كذلك « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ » مثله، خلاف ما قال أبو حنيفة، ثم لا يعلم کونه مرضیا حتى يختبر حاله، فيلزمه ألا يكتفي بظاهر الإسلام. و ذهب أحمد ابن حنبل و مالك في رواية ابن وهب عنه إلى رد شهادة البدوي على القروي الحديث أبي هريرة عن النبي صلی الله علیه و آله أنه قال: لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية » والصحيح جواز شهادته إذا كان عدلا مرضیا، على ما يأتي بيانه في «النساء » و « براءة » إن شاء الله تعالى.
و ليس في حديث أبي هريرة فرق بين القروي في الحضر أو السفر، و متى كان في السفر فلاخلاف في قبوله. قال علماؤنا: العدالة هي الاعتدال في الأحوال الدينية، و ذلك يتم بأن يكون مجتنبا للكبائر، محافظا على مروءته و على ترك الصغائر، ظاهر الأمانة غير مغفل. و قيل: صفاء السريرة و استقامة السيرة في ظن المعدل، و المعنى متقارب. (395:3)
أبو حيان: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » قيل: هذا في موضع الصفة، لقوله: « فرجل وامراتان ». و قيل: هو بدل من قوله: «رجالكم»، علی تکریر العامل، و هما ضعیفان، لأن الوصف يشعر باختصاصه بالموصوف، فيكون قد انتفى هذا الوصف عن شهیدین، و لأن البدل يؤذن بالاختصاص بالشهيدين الرجلين، فعري عنه «رجل وامراتان». والذي يظهر أنه متعلق بقوله: «و استشهدوا » ، أي و استشهدوا ممن ترضون من الشهداء، ليكون قيدا في الجميع، و لذلك جاء متأخرا بعد ذكر الجميع. و الخطاب في « ترضون » ظاهره أنه للمؤمنين، و في ذلك دلالة على أن في الشهود من لايرضى، فيدل هذا على أنهم ليسوا محمولين على العدالة حيث تثبت لهم.
وقال ابن بکیر و غيره: الخطاب للحكام. و الأول أولى لأنه الظاهر، و إن كان المتلبس بهذه القضايا هم الحكام، و لكن يجيء الخطاب عاما و يتلبس به بعض الناس. وقيل: الخطاب لأصحاب الدین.
واختلفوا في تفسير قوله:« مِمَّنْ تَرْضَوْنَ » فقال ابن عباس: من أهل الفضل والدين و الكفاءة. وقال الشعبي: ممن لم يطعن في فرج ولا بطن، وفسر قوله: بأنه لم يقذف امرأة و لارجلا، ولم يطعن في نسب. و روي: من لم يطعن عليه في فرج ولا بطن، و معناه: لا ينسب إلى ريبة، ولا يقال إنه ابن زني. وقال الحسن: من لم تعرف له خربة. وقال النخعي: من لاريبة فيه. و قال
الخضاف: من غلبت حسناته سیاته مع اجتناب الكبائر. [ثم ذکر کلام الفخر الرازي وأضاف:]
وذكر بشر بن الوليد عن أبي يوسف: أن من سليم من الفواحش التي يجب فيها الحدود، و ما يجب فيها من العظائم، و أدى الفرائض، و أخلاق البر فيه أكثر من المعاصي الصغار، قبلت شهادته، لأنه لا يسلم عبد من ذنب. [ثم بسط الكلام في شرائط الشاهد فراجع] (347:2)
أبوالسعود: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ » متعلق بمحذوف وقع صفة ل «رجل و امراتان » أي كائنون مرضيين عندكم. وتخصيصهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره في كل شهيد، لقلة اتصاف النساء به. وقيل نعت ل«شهیدین» أي كائنين ممن ترضون. و رد بأنه يلزم الفصل بينهما بالأجنبي. و قيل: بدل من «رجالكم » بتكرير العامل. ورد بما ذكر من الفصل. و قيل: متعلق بقوله تعالى: «فاستشهدوا» فیلزم الفصل بين اشتراط المرأتين و بين تعليله. (320:1)
مثله البروسوي. (441:1)
الآلوسي: « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ » متعلق بمحذوف وقع صفة ل «رجل وامراتان » أي كائنون ممن ترضونهم. و التصريح بذلك هنا مع تحقق اعتباره في كل شهيد لقلة اتصاف النساء به، فلايرد ما في «البحر» من أن جعله صفة للمذ کور يشعر بانتفاء هذا الوصف عن «شهيدين» ، و قيل: هو صفة ل «شهیدین» و ضعف بالفصل الواقع بينهما، وقيل: بدل من «رجالم» بتكرير العامل، و ضعف بالفصل أيضا،و اختار أبو حيان تعلقه ب «استشهدوا » ليكون قیدا في الجميع، و يلزمه الفصل بين اشتراط المرأتين و تعليله هو كما ترى، و الخطاب للمؤمنين. وقيل: للحكام، ولم يقل: من المرضيين، لإفهامه اشتراط كونهم كذلك في نفس الأمر، ولا طريق لنا إلى معرفته، فإن لنا الظاهر، و الله تعالى يتولى السرائر. (58:3)
رشید رضا: أي ممن ترضون دينهم و عدالتهم حال كونهم من الشهداء، وإنما وصف الرجل مع المرأتين بهذا الوصف لضعف شهادة النساء، وقلة ثقة الناس بها؛ ولذلك وكل الأمر فيه إلى رضا المستشهدين.(123:3)
سید قطب: و الرضى يشمل معنيين:
الأول: أن يكون الشاهدان عدلين مرضيين في الجماعة.
والثاني: أن يرضى بشهادتهما طرفا التعاقد، و لكن ظروفا معينة قد لا تجعل وجود شاهدين أمرا میسورا. فهنا يیسر التشريع، فيستدعي النساء للشهادة، و هو إما دعا الرجال لأنهم هم الذين يزاولون الأعمال عادة في المجتمع المسلم السوي، الذي لاتحتاج المرأة فيه أن تعمل لتعيش، فتجور بذلك على أمومتها و أنوثتها و واجبها في رعاية أثمن الأرصدة الإنسانية و هي الطفولة الناشئة الممثلة الجيل المستقبل، في مقابل لقيمات أو دريهمات تنالها من العمل، كما تضطر إلى ذلك المرأة في المجتمع النكد المنحرف الذي نعيش فيه اليوم. فأما حين لا يوجد رجلان فليكن رجل واحد و امرأتان، و لكن لماذا امرأتان؟ إن النص
لايدعنا نحدس، ففي مجال التشريع يكون كل نص محددا واضحا معللا. (1: 336)
عبد الكريم الخطيب: أي ممن رأيتم فيهما، الاستقامة و السلامة، من بين أهل الاستقامة والسلامة. (381:2)
مکارم الشيرازي: تضع هذه الآية التي هي أطول آيات القرآن - ثمانية عشر بندا من التعليمات التي تنظم الشؤون المالية، نذكرها على التوالي: [إلى أن قال: ]
13- لابد أن يكون الشاهدان موضع ثقة « مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » يتبين من هذه الآية أن الشهود يجب أن يكونوا ممن يطمإن إليهم من جميع الوجوه، وهذه هي «العدالة » التي وردت في الأخبار أيضا.(354:2)
فضل الله: الظاهر من ذلك هو الرضا بلحاظ حالة الوثاقة التي تحصل من العدالة التي هي الاستقامة على الخط الشرعي الذي يبعث على الصدق و يمنع عن الكذب. (174:5)
ترضونها
« ...وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ...» التوبة : 24
الطبري: « وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا » فسكنتموها. (339:6)
الثعلبي: تعجبكم.(22:5)
الماوردي: و هذا نزل في قوم أسلموا بمكة فأقاموا بها ولم يهاجروا، إشفاقا على فراق ما ذكره الله تعالى ميلا إليه وحبا له، فذمهم الله تعالى على ذلك. (349:2)
الميدي: و منازل تعجبكم الإقامة بها.(111:4)
نحوه القرطبي (95:8)، و أبوالسعود (135:3) ، و البروسوي (3: 403)، و الآلوسي (71:10)، والقاسمی (3091:8).
الطبرسي: أي مساكن اخترتموها لأنفسكم، و يعجبكم المقام فيها. (22:5)
أبو حيان: و معنی « تَرْضَوْنَهَا »: تختارون الإقامة بها. (22:5)
الشربيني: أي تستوطنونها راضين بسكناها. (598:1)
المراغي: و بتفصيل ما تقدم في الآية نجد أنها حوت أمورا ثمانية من أفضل مايحب. [ إلى أن قال :]
حب المساكن الطبيبة المرضية، و قد كان لبعض المسلمين دور حسنة في مكة، كانوا يتمتعون فيها بالإقامة والسكني، لما فيها من المرافق و أسباب الراحة.(83:10)
یرضوه
« يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ » التوبة : 62
الفراء: وحد «يُرْضُوهُ» و لم يقل: برضوهما، لأن المعني - و الله أعلم بمنزلة قولك: ماشاء الله و شئت، إنما يقصد بالمشيئة قصد الثاني، و قوله: «ما شاء الله » تعظيم لله مقدم قبل الأفاعيل، كما تقول
لعبدك: قد أعتقك الله و أعتقتك. و إن شئت أردت: يرضوهما، فاكتفيت بواحد كقوله:
نحن بما عندنا و أنت بما * عندك راض و الرأي مختلف (445:1)
ولم يقل: راضون. (445:1)
الطبري: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به و برسوله صلی الله علیه و آله يحلف لكم أيها المؤمنون هؤلاء المنافقون بالله، ليرضو كم فيما بلغكم عنهم من أذاهم رسول الله صلی الله علیه و آله ، و ذكرهم إياه بالطعن عليه، و العيب له، و مطابقتهم سرا أهل الكفر عليكم بالله، و الأيمان الفاجرة أنهم مافعلوا ذلك، و أتهم لعلی دینکم و معکم علی من خالفكم، يبتغون بذلك رضاكم. يقول الله جل ثناؤه: « وَ اَللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » بالتوبة و الإنابة مما قالوا و نطقوا. (407:6)
الزجاج: قال بعض النحويين إن هذه اللام بمعنی القسم، أي يحلفون بالله لكم ليرضتكم.وهذا خطأ، لأنهم إنما حلفوا أنهم ماقالوا ماحكي عنهم «ليرضو كم » باليمين، ولم يحلفوا أنهم يرضون فيما يستقبل. وقوله: «حَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ »، و لم يقل: یرضوهما، لأن المعنى يدل عليه، فحذف استخفافا، المعنى: و الله أحق أن يرضوه، و رسوله أحق أن رضوه، كما قال الشاعر: نحن بما عندنا و أنت بما * عندك راض و الأمر مختلف
المعني: نحن بما عندنا راضون، وأنت ماعندك راض.(458:2)
الطوسي: «لِيُرْضُوكُمْ» و معناه: يريدون بذلك رضاكم لتحمدوهم عليه. ثم قال تعالى « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » أي الله و رسوله أولى بأن يطلبوا مرضاتهما.
وقيل: في رد ضمير الواحد في قوله: « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » قولان:
أحدهما: أنه لما كان رضی رسول الله رضي الله ترك ذكره، لأنه دال عليه، و التقدير : و الله أحق أن رضوه و رسوله أحق أن يرضوه . [ثم استشهد بشعر]
والثاني: أنه لا يذكر على طريق المجمل مع غيره، تعظيما له بإفراد الذكر المعظم بما لا يجوز إلا له، و لذلك قال النبي صلی الله عللیه و آله لمن سمعه يقول: «من أطاع الله و رسوله هدي، و من يعصه فقد غوى ». و إنما أراد ما قلناه. (289:5)
الميبدي: «لِيُرْضُوكُمْ» « بحلفهم وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ »، أي إن كانوا على ما يظهرون، فكان ينبغي أن لا يعيبوا النبي صلی الله علیه و آله فيكونوا بتوليهم النبي صلی الله علیه و آله و ترك عيبه، مؤمنين. (162:4)
الزمخشري: «لِيُرْضُوكُمْ» الخطاب للمسلمين، و كان المنافقون يتكلمون بالمطاعن، أو يتخلفون عن الجهاد، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، و يؤكدون معاذيرهم بالحلف، ليعذروهم و يرضوا عنهم، فقيل لهم: إن کنتم مؤمنين كما تزعمون فأحق من أرضيتم الله و رسوله بالطاعة و الوفاق. و إما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بین رضا الله و رضا رسوله صلی الله علیه و آله ، فكانا في حکم مرضي واحد، كقولك: إحسان زيد و إجماله
نعشني و جبر مني. أو و الله أحق أن يرضوه، و رسوله كذلك. (2: 199)
ابن عطية: وقوله «وَ اللّهُ» مذهب سيبويه أنهما جملتان، حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، و التقدير عنده: و الله أحق أن يرضوه و رسوله أحق أن يرضوه [ثم استشهد بشعر]
و مذهب المبرد أن في الكلام تقديما و تأخيرا، و تقديره: و الله أحق أن يرضوه و رسوله. قال: و كانوا يكرهون أن يجمع الرسول مع الله في ضمير، حكاه النقاش عنه. و ليس هذا بشيء، و في مصتف أبي داود أن النبي صلی الله علیه و آله قال: (1)«من يطع الله و رسوله فقد رشد و من يعصهما...» فجمع في ضمير، و قوله صلی الله علیه و آله : في الحديث الآخر: « بئس الخطيب أنت »، إنما ذلك وقف في يعصهما، فأدخل العاصي في الرشد. وقيل: الضمير في «یرضوه » عائد على المذكور، كما قال رؤبة:
فيها خطوط من سواد و بلق * كأنه في الجلد توليع البهق (53:3)
الطبرسي: « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ»
أخبر سبحانه أن هؤلاء المنافقين يقسمون بالله أن الذي بلغكم عنهم باطل، اعتذارا إليكم و طلبا لمرضاتكم،« وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » أي و الله ورسوله أحق و أولى بأن يطلبوا مرضاتهما. (3: 45)
الفخر الرازي: و المعنى: أنهم حلفوا على أنهم ما قالوا ما حكي عنهم، ليرضوا المؤمنين بيمينهم، و كان من الواجب أن يرضوا الله بالإخلاص والتوبة، لابإظهار ما يستسرون خلافه، و نظيره قوله: « وَ إِذا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا » البقرة : 76.
و أما قوله: «یرضوه » بعد تقدم ذكر الله و ذکر الرسول، ففيه وجوه:
الأول: أنه تعالى لايذكر مع غيره بالذكر المجمل، بل يجب أن يفرد بالذكر، تعظيما له.
والثاني: أن المقصود بجميع الطاعات والعبادات هو الله، فاقتصر على ذكره. و يروى أن واحدا من الكفار رفع صوته، و قال: إني أتوب إلى الله و لا أتوب إلى محمد، فسمع الرسول علي ذلك، وقال: « وضع الحق في أهله ».
الثالث: يجوز أن يكون المراد: یرضوهما، فاکتفی بذكر الواحد، كقوله:
نحن بما عندنا و أنت بما * عندك راض و الرأي مختلف
و الرابع: أن العالم بالأسرار و الضمائر هو الله تعالى، و إخلاص القلب لا يعلمه إلا الله، فلهذا السبب خص تعالى نفسه بالذكر.
الخامس: لما وجب أن يكون رضا الرسول
1) ذكره البروسوي - الذي سيأتي - أنه من قول رجل قام خطيبا عند النبي (ص) و ليس حديثا من الرسول (ص) ويؤيده قوله عليه السلام: «بئس الخطيب أنت»
مطابقا لرضا الله تعالى و امتنع حصول المخالفة، بينهما، وقع الاكتفاء بذكر أحدهما، كما يقال: إحسان زید و إجماله نعشني و جبرني.
السادس: التقدير : و الله أحق أن يرضوه و رسوله كذلك. (118:16)
القرطبي: قوله تعالى: « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » ابتداء و خبر. و مذهب سيبويه أن التقدير: و الله أحق أن يرضوه و رسوله أحق أن يرضوه، ثم حذف.
وقال محمد بن يزيد: ليس في الكلام محذوف، والتقدير : و الله أحق أن يرضوه و رسوله، على التقديم والتأخير.
وقال الفراء: المعنى و رسوله أحق أن يرضوه، « وَ اللّهُ » افتتاح کلام، كما تقول: ماشاء الله و شئت.
قال النحاس: قول سيبويه أولاها، لأنه قد صح عن النبي صلی الله علیه و آله النهي عن أن يقال: ماشاء الله وشئت، ولايقدر في شيء تقديم ولا تأخير، و معناه صحيح.
قلت: و قيل إن الله سبحانه جعل رضاه في رضاه؛ ألا ترى أنه قال: «مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ » النساء : 80 (193:8)
البيضاوي: « ليرضوکم » لترضوا عنهم، والخطاب للمؤمنين. « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ »أحق بالإرضاء بالطاعة و الوفاق، و توحید الضمير لتلازم الرضاءين، أو لأن الكلام في إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم و إرضائه، أو لأن التقدير : و الله أحق أن يرضوه والرسول كذلك. (421:1)
أبو حيان: و اللام في «ليرضوكم » لام کي، و أخطأ من ذهب إلى أنها جواب القسم، و أفرد الضمير في « أَنْ يُرْضُوهُ » لانهما في حكم مرضي واحد؛ إذ رضا الله هو رضا الرسول، أو يكون في الكلام حذف.
قال ابن عطية: مذهب سيبويه أنهما جملتان، حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، والتقدير عنده: و الله أحق أن يرضوه، و رسوله أحق أن يرضوه. [ثم استشهد بشعر]
و مذهب المبرد: أن في الكلام تقديما و تأخيرا، وتقديره: و الله أحق أن يرضوه و رسوله. وقيل: الضمير عائد على المذكور، كما قال رؤبة: [ثم ذكر شعره المتقدم ]
فقوله: مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، إن كان الضميرفي أنهما عائدا على كل واحدة من الجملتين، فكيف تقول حذفت الأولى و لم تحذف الأولى؟ إنما حذف خبرهای و إن كان الضمير عائدا على الخبر وهو « أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ »، فلا يكون جملة، إلا باعتقاد کون « أَنْ يُرْضُوهُ » مبتدأ و «احق» المتقدم خبره. لكن لا يتعين هذا القول؛ إذ يجوز أن يكون الخبر مفردا بأن يكون التقدير : أحق بأن يرضوه. و على التقدير الأول يكون التقدير : والله إرضاؤه أحق. و قدره الزمخشري: و الله أحق أن يرضوه و رسوله كذلك «إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ» كما يزعمون، فأحق من يرضونه الله و رسوله صلی الله علیه و آله
بالطاعة و الوفاق.(64:5)
الشربيني: «ليرضوكم» أي لترضوا عنهم، « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » أي بالإرضاء بالطاعة و الوفاق. و إنما وحد الضمير، لأنه لا تفاوت بین رضا الله ورضا رسوله صلی الله علیه و آله لتلازمهما، كقولك: إحسان زيد وإجماله نعشني وجبر مني، أو أن العالم بالأسرار و الضمائر هو الله تعالى، وإخلاص القلب لا يعلمه إلا الله تعالى، و لهذا السبب خص الله تعالى نفسه بالذكر، أو لأن الكلام في إيذاء الرسول و إرضائه، أو خبر « الله » و أو «رسوله » محذوف، و في کلام البيضاوي: إشارة إلى أن المذكور خبر الأول، لأنه المتبوع، و في كلام سيبويه أنه للثاني، لكونه أقرب مع السلامة، من الفصل بين المبتدأ والخبر. (626:1)
أبو السعود: «ليرضوكم» بذلك، و إفراد إرضائهم بالتعليل، مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول صلی الله علیه و آله و قد قبل صلی الله علیه و آله ذلك منهم ولم يكذبهم، للإيذان بأن ذلك بمعزل من أن يكون وسيلة إلى إرضائه صلی الله علیه و آله و أنه صلی الله علیه و آله إنما لم يكذبهم رفقا بهم وسترا لعيوبهم، لا عن الرضا بما فعلوا، كما أشير إليه « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ »، أي أحق بالإرضاء، ولايتسني ذلك إلا بالطاعة و المتابعة، و إيفاء حقوقه صلی الله علیه و آله في باب الإجلال و الإعظام مشهدا و مغيبا. و أما ما أتوا به من الأمان الفاجرة، فإنما يرضى به من انحصر طریق علمه في الأخبار إلى أن يجيء الحق و يزهق الباطل.
والجملة نصب على الحالية من ضمير «يحلفون» أي يحلفون لكم لإرضائكم، والحال أنه تعالى و رسوله أحق بالإرضاء منكم، أي يعرضون عما يهمهم ويجديهم، و يشتغلون بما لا يعنيهم. و إفراد الضمير في «یرضوه» إما للإيذان بأن رضاه صلی الله علیه و آله مندرج تحت رضاه سبحانه، و إرضاؤه صلی الله علیه و آله إرضاء له تعالى، لقوله تعالى: « مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ » النساء : 80، و إما لأنه مستعار لاسم الإشارة الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور، كما في قول رؤبة:
فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق
أي كأن ذلك، لا يقال أي حاجة إلى الاستعارة بعد التأويل المذكور، لأنا نقول: لولا الاستعارة لم يتسن التأويل، لما أن الضمير لا يتعرض إلا لذات ما يرجع إليه، من غير تعرض لوصف من أوصافه التي من جملتها المذكورية، و إنما المتعرض لها اسم الإشارة، و إما لأنه عائد إلى «رسوله» و الكلام جملتان حذف خبر الأولى لدلالة خبر الثانية عليه، كما ذهب إليه سیبویه، ومنه قول من قال:
نحن بما عندنا و أنت بما * عندك راض والرأي مختلف
أو إلى «الله» على أن المذكور خبر الجملة الأولى، و خبر الثانية محذوف، كما هو رأي المبرد. (164:3)
البروسوي: [نحو أبي السعود و أضاف: ]
قال الحدادي: لم يقل: يرضوهما، لأنه يكره الجمع
بين ذكر اسم الله و ذكر اسم رسول له في كناية واحدة، كما روي أن رجلا قام خطيبا عند النبي علیه السلام فقال: من يطع الله و رسوله فقد رشد، و من يعصهما فقدغوی. فقال علیه السلام« بئس الخطيب أنت، هلا قلت: و من يعص الله و رسوله ». قال في أبكار الأفكار: إنما أراد بذلك تعليم الأدب في المنطق، و کراهة الجمع بين اسم الله و اسم غيره تحت حرفي الكناية، لأنه يتضمن نوعا من التسوية. [ ثم استشهد بشعر للسعدي]
وفي الحديث: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، و لكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان ». قال الخطابي و هذا إرشاد إلى الأدب، لأن الواو للجمع و التشريك، و «ثم» للعطف مع الترتيب و التراخي، فأرشدهم علیه السلام إلى تقديم مشيئة الله على مشيئة من سواه. ومن هذا قال النخعي: يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله و بك، ويجوز أعوذ بالله ثم بك، ويقال: لولا الله ثم فلان لفعلت كذا، ولا يقال: لولا الله وفلان، وإنما يقال: من يطع الله و رسوله، لأن الله تعبد العباد بأن فرض عليهم طاعة رسول الله، فإذا أطيع رسول الله، فقد أطیع الله بطاعة رسوله. (457:3)
الآلوسي: «يحلفون....» و أي يحلفون لكم أنهم ماقالوا ما نقل عنهم مايورث أذاة النبي صلی الله علیه و آله « ليرضوكم » بذلك. و عن مقاتل و الكلبی أنها نزلت في رهط من المنافقين، تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما رجع رسول الله صلی الله علیه و آله منها أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم، و يعتلون و يحلفون.
و أنكر بعضهم هذا مقتصرا على الأول، و لعله رأى ذلك أوفق بالمقام. و إنما أفرد إرضاءهم بالتعليل، مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم للإيذان بأن ذلك بمعزل عن أن يكون وسيلة لإرضائه عليه الصلاة و السلام، و أنه صلی الله علیه و آله إنما لم يكذبهم رفقا بهم و سترا لعيوبهم، لا عن رضى بما فعلوا، و قبول قلبي لما قالوا: « وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ » أي أحق بالإرضاء من غيره، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة و الموافقة لأمره، و إيفاء حقوقه عليه الصلاة والسلام، في باب الإجلال والإعظام حضورا و غيبة. و أما الأيمان فإنما يرضى بها من انحصر طريق علمه في الأخبار إلى أن يجيء الحق و يزهق الباطل، و الجملة في موضع الحال من ضمير «يحلفون»، و المراد: ذمهم بالاشتغال فيما لا يعنيهم، و الإعراض عما يهمهم و يجديهم.
و توحيد الضمير في: «يرضوه» مع أن الظاهر بعد العطف بالواو التثنية، لأن... [ثم أدام البحث نحوما تقدم عن أبي العود وغيره ] (128:10 )
القاسمي: [بعد نقل كلام الزمخشري قال: ]
ولما كان الظاهر بعد العطف بالواو التثنية، و قد أفرد، وجهوه، بأن إرضاء الرسول إرضاء لله تعالى، القوله تعالى: « مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ » النساء: 80، فلتلازمهما جعلا كشيء واحد، فعاد عليهما الضمير المفرد، و «احق» على هذا، خبر عنهما من غير تقدير.
أو بأن الضمير عائد إلى الله تعالى، و «احق» خبره لسبقه، و الكلام جملتان، حذف خبر الجملة
الثانية، لدلالة الأولى عليه، أي و الله أحق أن يرضوه و رسوله كذلك.
و سيبويه جعله للثاني، لأنه أقرب، مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر. [ ثم استشهد بشعر]
أو بأن الضمير لهما بتأويل ما ذكر، أو كل منهما، و أنه لم يثن تأدبا، لئلا يجمع بين الله وغيره في ضمير تثنية، و قد نهي عنه، على كلام فيه.
أو بأن الكلام في إيذاء الرسول صلی الله علیه و آله و إرضائه، فيكون ذكر الله تعظيما له و تمهيدا، فلذالم يخبر عنه، و خص الخبر بالرسول.
قال الشهاب: و فيه تأمل، انتهى.
و قد عهد لهم القول بمثله في آيات كثيرة، و جواب الشرط مقدر يدل عليه ما قبله، وقراءة التاء على الالتفات، للتوبيخ. (3190:8)
رشید رضا: فقوله تعالى: « يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ » خطاب للمؤمنين في بعض شؤون هؤلاء المنافقين معهم في غزوة تبوك، أخبرهم بأنهم شعروا بما لم يكونوا يشعرون من ظهور نفاقهم، فكثر اعتذارهم و حلفهم للمؤمنين في كل ما يعلمون أنهم متهمون به من قول وعمل؛ ليرضوهم فيطمئنوا لهم، فتنتفي داعية إخبار الرسول صلی الله علیه و آله بما ينكرون منهم، وقد رد الله تعالى عليهم بقوله: « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » أي والحال أن الله و رسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين، فإن المؤمنين قد يصدقونهم فيما يحلفون عليه إذا لم يكن كذبهم فيه ظاهرا معلوما باليقين، ولكن الله لا يخفى عليه شيء، فهو يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور، وهو يوحي إلى رسوله من أمور الغيب ما فيه المصلحة.
وكان الظاهر أن يقال: « يُرْضُوهما » و نكتة العدول عنه إلى «يُرْضُوه» الإعلام بأن إرضاء رسوله من حيث إنه رسوله عين إرضائه تعالى، لأنه إرضاء له في اتباع ما أرسله به، و هذا من بلاغة القرآن في الإيجاز. ولو قال : یرضوهما لما أفاد هذا المعنى؛ إذ يجوز في نفس العبارة أن يكون إرضاء كل منهما في غير ما يكون به إرضاء الآخر، وهو خلاف المراد هنا، وكذلك لو قيل: و الله أحق أن يرضوه و رسوله أحق أن يرضوه، لا يفيد هذا المعنى أيضا ، وفيه ما فيه من الركاكة و التطويل.
و قد خرجه علماء النحو على قواعدهم، فقال بعضهم كأبي السعود: إن الضمير المفرد هنا يعود إلى ما فهم مما قبله الذي يفسر باسم الإشارة، أو ماکر كقول رؤبة:
فيها خطوط من سواد و بلق * كأنه في الجلد توليع البهق
يعني كأن ذلك أو كأن ما ذكر، و هو تخریج ضعیف لا يظهر في المثنى.
وقال بعضهم: إن الضمير عائد إلى اسم الجلالة، و يقدر مثله للرسول. وقال بعضهم: إنه للرسول وحده، لأن الكلام في إيذائه، و هو أضعف مما قبله، و أقرب الأقوال إلى قواعدهم قول سيبويه: إن الكلام جملتان حذف خبر إحديهما لدلالة خبر الأخرى عليه. [ثم استشهد بشعر]
فهذا لاتكلف فيه من ناحية التركيب العربي، و لكن تفوت به النكتة التي ذكرناها، وهي من بلاغة القرآن التي يجب على أهل البيان اقتباسها، و استعمال مثل هذا التعبير في كل ما كان مثله في المعنى، و لولا هذا التنبيه لما عنينا بنقل أقوالهم في الإعراب، لأنه مخالف لمنهاجنا.(10: 523)
المراغي: هذا خطاب للمؤمنين، أي يحلفون لكم إنهم ما قالوا ما نقل عنهم مايورث أذاة النبي صلی الله علیه و آله ليرضو كم، و قد كان من دأبهم أن يتكلموا بما لا ينبغي أن يقال، ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم، و يؤكدون معاذيرهم بالأمان، ليعذروهم و يرضوا عنهم.
وفي كثرة الاعتذار و الخلف للمؤمنين في كل ما يعلمون، أنهم متهمون به من قول أو فعل ليرضوهم، فلايخبروا الرسول صلی الله علیه و آله دليل على أنهم شعروا بظهور نفاقهم، و افتضاح أمرهم.
« وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » أي و الحال أن الله و رسوله أحق بالإرضاء من المؤمنين، فإن المؤمنين قد يصدقونهم فيما يحلفون عليه إذا لم يكن كذبهم فيه ظاهرا معلوما باليقين، و لكن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، و يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فيوحي إلى رسوله صلی الله علیه و آله من أمور الغيب ما فيه المصلحة للمؤمنين.
و في التعبير ب «یرضوه» دون « يرضوهما» إشعار بأن إرضاء رسوله هو عين إرضائه تعالى، لأنه إرضاء له في اتباع ما أرسله به. ( 149:10)
سید قطب: يحلفون بالله لكم ليرضو كم، على طريقة المنافقين في كل زمان، الذين يقولون ما يقولون، و يفعلون ما يفعلون من و يجبنون عن المواجهة، و يضعفون عن المصارحة، فيتضاء لون و يتخاذلون للناس ليرضوهم، « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ».
فماذا يكون الناس ؟ و ماذا تبلغ قوتهم؟ و لكن الذي لا يؤمن بالله عادة ولايعنو له،يعنو لإنسان مثله و يخشاه، و لقد كان خيرا أن يعنو لله الذي يتساوی أمامه الجميع، و لا يذل من يخضع له، إنمايذل من يخضع لعباده، و لا يصغر من يخشاه، إنمايصغر من يعرضون عنه، فيخشون من دونه من عباد الله. (1671:3)
ابن عاشور: كاف الخطاب للمسلمين، و ذلك يدل على أن المنافقين يحلفون على التبري، مما يبلغ المسلمين من أقوالهم المؤذية للرسول عليه الصلاة و السلام؛ و ذلك يغيظ المسلمين و ينكرهم عليهم، و النبي صلی الله علیه و آله يغضي عن ذلك، فلذلك قال الله تعالى: « وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » أي أحق منكم بأن یرضوهما - و سيأتي تعليل أحقية الله و رسوله بأن يرضوهما في الآية التي بعدها - فإرضاء الله بالإيمان به و برسوله و تعظیم رسوله، و إرضاء الرسول بتصديقه و محبته و إكرامه.
و إنما أفرد الضمير في قوله: « أَنْ يُرْضُوهُ » مع أن المعاد اثنان، لأنه أريد عود الضمير إلى أول الاسمين، و اعتبار العطف من عطف الجمل بتقدير : و الله أحق أن یرضوه و رسوله كذلك، فيكون الكلام جملتين،
ثانيتهما كالاحتراس، و حذف الخبر إيجاز . و من نكتة ذلك: الإشارة إلى التفرقة بين الإرضاء ين، و منه قول ضابئ بن الحارث:
و من يك أمسى بالمدينة رحله * فإني و قار بها لغريب
التقدير : فإني لغريب و قیار بها غريب أيضا، لأن إحدى الغربتين مخالفة لأخراهما.
والضمير المنصوب في «یرضوه » عائد إلى اسم الجلالة، لأنه الأهم في الخبر، و لذلك ابتدئ به؛ ألا ترى أن بيت ضابئ قد جاء في خبره المذكور لام الابتداء الذي هو من علائق « إن » الكائنة في الجملة الأولى، دون الجملة الثانية، وهذا الاستعمال هو الغالب. (136:1)
مغنية: و الخطاب في «لكمه» في «ليرضوكم» للنبي و المؤمنين، فلقد أخبرهم الله تعالى في هذه الآية أن المنافقين حين علموا باطلاعكم على ماقالوه في حق النبي صلی الله علیه و آله خافوا منكم، فالتجأوا إلى اليمين الكاذبة ليرضوکم، و كان الأولى بهم أن يرضوا الله و رسوله بالتوبة والإخلاص. و في الحديث: « من حلف على يمين ، و هو يعلم أنه كاذب، فقد بارز الله بالمحاربة». و في التعبير ب«يرضوه» دون يرضوهما إشعار بأن إرضاء الرسول هو عين إرضاء الله، كما أن إيذاءه عين إيذائه. (62:4)
الطباطبائي: و قد حول الله الخطاب في الآية عن نبيه صلی الله علیه و آله إلى المؤمنين التفاتا، و كأن الوجه فيه التلويح لهم بما يشتمل عليه قوله: « وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ » من الحكم، و هو أن من الواجب على كل مؤمن أن يرضي الله و رسوله، و الايجاد الله و رسوله، فإن فيه خزا عظيما، نار جهنم خالدا فيها.
و من أدب التوحيد في الآية ما في قوله: «أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ» من إفراد الضمير، و لم يقل: أحق أن رضوهما، صونا لمقامه تعالى من أن يعدل به أحد، فإن أمثال هذه الحقوق و كذا الأوصاف التي يشار که تعالى غيره من حيث الإطلاق والإجراء، له تعالى بالذات و لنفسه ولغيره بالتبع أو بالعرض، و من جهته کوجوب الإرضاء والتعظيم و الطاعة و غيرها، و کالاتصاف بالعلم و الحياة و الإحياء و الإماتة و غيرها.
وقد روعي نظير هذا الأدب في القرآن في موارد كثيرة، فيما يشارك النبي صلی الله علیه و آله غيره من الأمة من الشؤون، فأخرج النبي صلی الله علیه و آله من بينهم و أفرد بالذكر، كما في قوله: « یَوْمَ لایُخْزِی اللّهُ النَّبِیَّ وَ الَّذِینَ آمَنُوا » التحريم : 8، و قوله: « فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ » الفتح : 26، و قوله: « آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ » البقرة:285، و غير ذلك. (317:9)
عبد الكريم الخطيب: هو تسفيه لموقف هؤلاء المنافقين الذي يتخذونه من المؤمنين، حين يجيؤون إليهم معتذرين، عما شاع عنهم من قولهم المنكر في رسول الله، فهم يدفعون عن أنفسهم هذا الاتهام الذي يتهمهم به المؤمنون، بالحلف کذبا أنهم ما قالوا شيئا
يمس رسول الله، و هم في هذا كاذبون منافقون، لأتنهم لو كانوا مؤمنين حقا لكان أول ما يعنيهم من أمرهم، هو براءة ساحتهم عند الله؛ و ذلك بإخلاص إيمانهم، و سلامة قلوبهم، و إخلاء ضمائرهم من النفاق الذي يموج فيها ، فلو أنهم فعلوا هذا لكانوا مؤمنين حقا، و لرضي الله عنهم و رسوله، ولما كان بهم من حاجة إلى استرضاء المؤمنين و الحلف لهم، لأن المرء إذا لم يكن متهما عند نفسه، لا يجد داعية إلى دفع اتهام هو منه بريء، كما لايجد داعية إلى الخلف، إن هو أراد دفع هذا الاتهام.
و في مخالفة النظم في قوله تعالى: « وَ اَللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » لما يقتضيه السياق، وهو أن يعود الضمير على الله والرسول هكذا: « يرضوهما » في هذه المخالفة ما يشعر بأن في رضي الله رضي الرسول، و أن في رضى الرسول رضى الله سبحانه و تعالى؛ إذ ليس فيما يرضي الله ما لا يرضى الرسول، و لا فيما یرضی الرسول ما لا يرضى الله.
و لو جاء النظم على ما يقتضيه ظاهر السياق، فجاء هكذا: «و الله و رسوله أحق أن يرضوهما » لكان من معنى هذا أن لله سبحانه و تعالى ما يرضيه من عباده، و أن للرسول صلوات الله وسلامه عليه ما يرضيه منهم، و أن هذا الذي يرضي الله، و ذلك الذي يرضى الرسول، قد يتفقان، و قد يختلفان.
أما الذي جاء عليه النظم القرآني، فإنه لايدع مجالا لهذا الاحتمال، بل يجعل التوافق تاما مطلقا، بين ما يرضي الله، و يرضي رسول الله، و في هذا فوق أنه تكريم للرسول، و تنويه بقدره، و تشريف للرسالة الكريمة التي يحملها هو إعجاز من القرآن، في إحكام نظمه، و صدق أدائه، و وزن کلماته و حروفه، بمعيار لا تستطيع قوة بشرية أن تمسك به، لدقته، و علوه عن مستوى الحواس و المدركات.
ومن جهة أخرى، فإنه لو عاد الضمير على الله و الرسول معا، لكان فيه إخلال بمقام الألوهية، و تسوية الخالق مخلوق من مخلوقاته، و الله سبحانه و تعالى منزه عن أن يشار که في جلاله بشر، و لو كان أكرم الخلق عليه، فاقتضى هذا المقام أن يجيء الضمير مفردا، يعود إلى الله سبحانه، و كفى الرسول الكريم شرفا أن يجيء تابعا لله سبحانه فيما يرضيه، و على هذا جاء قوله تعالى: « وَ أَذَانٌ مِنَ اللَّه وَ رَسُولِهِ الَی النَّاسِ یَوْمَ الْحَجِّ الأَکْبَرِأَنَّ اللَّه بَرِی ءٌ مِنَ المُشْرِکِینَ وَ رَسُولُه » التوبة : 3، و لم يجئ التظم هكذا: «أن الله ورسوله بريئان من المشركين » فهذا و ذاك على سواء. (825:5)
مکارم الشيرازي: المنافقون و التظاهر بالحق: إن إحدى علامات المنافقين و أعمالهم القبيحة والتي أشار إليها القرآن مرارا هي إنكارهم الأعمال القبيحة و المخالفة للدين و العرف، وهم إنما ينكرونها من أجل التغطية على واقعهم السيئ و إخفاء الصورة الحقيقية لهم، ولما كان المجتمع يعرفهم و يعرف كذبهم في هذا الإنكار، فقد كانوا يلجؤون إلى الأمان الكاذبة من أجل مخادعة الناس و إرضائهم.
و في الآيات السابقة الذكر نرى أن القرآن المجيد يكشف الستار عن هذا العمل القبيح، ليفضح هؤلاء من جهة، و يحذر المسلمين من تصديق الأيمان الكاذبة من جهة أخرى.
في البداية يخاطب القرآن الكريم المسلمين و ينبههم إلى أن هدف هؤلاء من القسم هو إرضاؤكم « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ »، و من الواضح إذن أن هدف هؤلاء من هذه الأمان لم يكن بيان الحقيقة، بل إنهم يسعون عن طريق المكر والخديعة إلى أن يصوروا لكم الأشياء و الواقع على غير صورته الحقيقة، و يصلون عن هذا الطريق إلى مقاصدهم، و إلا فلو كان هدفهم هو إرضاء المؤمنين الحقيقيين عنهم، فإن إرضاء الله و رسوله أهم من إرضاء المؤمنين، غير أنا نرى أنهم بأعمالهم هذه قد أسخطوا الله و رسوله، و لذا عقبت الآية، فقالت: « وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ».
مما يلفت النظر أن الجملة المذكورة لما كانت تتحدث عن الله و رسوله، فعلى القاعدة النحوية ينبغي أن يكون الضمير في ِ«يُرْضُوه» ضمير التثنية، غير أن المستعمل هنا هو ضمير المفرد، وهذا الاستعمال و التعبير يشير إلى أن رضا النبي صلی الله علیه و آله من رضا الله. بل أنه لا يرتضي من الأعمال إلا ما يرتضيه الله سبحانه، و بعبارة أخرى، فإن هذا التعبير يشير إلى حقيقة « توحيد الأفعال »، لأن النبي الأكرم صلی الله علیه و آله لا يملك استقلالية العمل في مقابل الله، بل إن غضبه و رضاه و كل أعماله تنتهي إلى الله، فكل شيء من أجل الله و في سبيله . (99:6)
فضل الله: « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ » في مواقف الشك الذي توجهونه نحوهم، و في مجالات العتاب الذي تثيرونه في وجوههم، و يلهثون وراء كم من أجل أن يؤكدوا لكم أنهم في مستوى الثقة، فيحلفون لكم بالأمان المغلظة، ليحصلوا على رضاكم عنهم، و ثقتكم بهم. و تلك هي صفة المنافقين الذين يعيشون الهم الكبير، لأقل بادرة شك في سلوكهم لدى الآخرين، لأن القضية عندهم هي الحصول على رضا المجتمع. فإذا فقدوا ذلك، فقدوا الأساس الذي يرتكزون عليه في حياتهم العامة « وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ » لأنه هو الضمانة الوحيدة للنجاة في الدنيا والآخرة، في ما تمثله قضية المصير التي ترتبط بالخط الذي يتصل بالله و رسوله، و يحقق رضاهما عن السائرین عليه.
أما رضا الناس، فإنه لا يمثل شيئا حقيقيا في ميزان القيمة الروحية، كما أنه لا يشكل أية ضمانة كبيرة على مستوى الآخرة؛ وذلك هو ما يمثله موقف الإيمان الذي لا يتطلع فيه المؤمن إلا إلى الله، لأن قيمة الناس عنده لاتخضع إلا لعلاقتهم بالله ، فهو الأساس لأية علاقة بكل ما عداه، فمنه تنطلق الفكرة، و عنده تتحرك العاطفة، و في رحابه تنشأ العلاقة بالآخرين. (148:11)
یرضونكم
« كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَيَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ
فَاسِقُونَ» التوبة :8
الطبري: فإنه يقول: يعطونكم بألسنتهم من القول، خلاف ما يضمرونه لكم في نفوسهم من العداوة والبغضاء. (327:6)
الثعلبي: يعطونكم و يرونكم بألسنتهم، خلاف ما في قلوبهم، مثل قول المنافقين. (15:5)
الماوردي: يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: يرضونك بأفواههم في الوفاء، وتأبي قلوبهم إلا الغدر.
والثاني: يرضونكم بأفواههم في الطاعة، وتأبي قلوبهم إلا المعصية.
والثالث: يرضونكم بأفواهم في الوعد بالإيمان، و تأبي قلوبهم إلا الشرك، لأن النبي صلی الله علیه و آله لايرضيه من المشركين إلا بالإيمان. (2: 343)
الطوسي: معناه: يقولون قولا يرضيكم بذلك في الظاهر و تأبى قلوبهم أن يذعنوا لكم، بتصديق ما يبدونه لكم. (209:5)
القشيري: أي لاعجب من طبعهم، فإنهم في حقنا كذلك يفعلون: يظهرون لباس الإيمان و يضمرون الكفر. و إنهم لذلك يعيشون معكم في زي الوفاق، و يستبطنون عين الشقاق و سوء النفاق. (10:3)
الميبدي: بالوعد بالإيمان، و الطاعة والوفاء بالعهد.(94:4)
الزمخشري: «يرضونكم» کلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن، مقرر الاستبعاد الثبات منهم على العهد. و إباء القلوب مخالفة ما فيها من الأضغان، لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل. (250:2)
الطبرسي: معناه: يتكلمون بكلام الموالين لكم لترضوا عنهم، وتأبي قلوبهم إلا العداوة والغدر و نقض العهد. (9:3)
الفخر الرازي:أي يقولون بألسنتهم كلاما حلوا طیا، والذي في قلوبهم بخلاف ذلك، فإنهم لايضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه. (231:15)
القرطبي: أي يقولون بألسنتهم ما يرضي ظاهره. (80:8)
البيضاوي: استئناف لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد، المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظفر. ولايجوز جعله حالا من فاعل «لا يرقبوا » فإنهم بعد ظهورهم لا يرضون، و لأن المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإيمان والطاعة و الوفاء بالعهد في الحال، و استبطان الكفر والمعاداة بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم والحالية تنافيه. (407:1)
الخازن: يعني يطيعونكم بألسنتهم بخلاف ما في قلوبهم. (52:3)
أبوحيان: و لما ذكر حالهم مع المؤمنين إن ظهروا عليهم، ذکر حالهم معهم إذا كانوا غير ظاهرين، فقال: «يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ » و استأنف هذا الكلام أي، حالهم في الظاهر يخالف لباطنهم. و هذا كله تقرير و استبعاد لثبات قلوبهم على العهد، و إباء القلب مخالفته لمايجري على اللسان من القول الحسن.
وقيل: يرضونكم بأفواههم في العدة بالإيمان، و تأبى قلوبهم إلا الكفر. و قيل: يرضونكم في الطاعة، و تأبي قلوبهم إلا المعصية. (13:5)
أبوالسعود: « يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ » حيث يظهرون الوفاء والمصافاة و يعدون لكم بالإيمان والطاعة، و يؤكدون ذلك بالأیمان الفاجرة و تعللون عند ظهور خلافه بالمعاذير الكاذبة. و نسبة الإرضاء إلى الأفواه، للإيذان بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم. (127:3)
البروسوي: استئناف بياني، كأنه قيل: بأي وجه لايراعون الحلف أو القرابة، فكيف يقدمون على عدم المراعاة. فأجيب بأنهم يرضونكم بأفواههم. [ ثم أدام الكلام مثل أبي السعودي ] (3: 390)
الآلوسی: استئناف للكشف عن حقيقة شؤونهم الجلية و الخفية، دافع لما يتوهم من تعليق عدم رعاية العهد بالظفر، أنهم يراعونه عند عدم ذلك؛ حيث بين فيه أنهم في حالة العجز أيضا ليسوا من الوفاء في شيء، و أن ما يظهرونه أخفاهم الله تعالی مداهنة. لا مهادنة، و كيفية إرضائهم المؤمنين أنهم یبدون لهم الوفاء والمصافاة، ويعدونهم بالأمان و الطاعة، و يؤكدون ذلك بالأيمان الفاجرة، و المؤمن غرتکريم إذا قال: صدق، و إذا قيل له: صدق، و يتعللون لهم عند ظهور خلاف ذلك بالمعاذير الكاذبة.
و تقييد الإرضاء بالأفواه، للإيذان بأن كلامهم مجرد ألفاظ يتفوهون بها، من غير أن يكون لها مصداق في قلوبهم، و أكد هذا بمضمون الجملة الثانية. وزعم بعضهم أن الجملة حالية من فاعل «يرقبوا» لا استئنافية. و رد بأن الحال تقتضي المقارنة والإرضاء قبل الظهور الذي هو قبل عدم الرقوب الواقع جزاء، فأين المقارنة!
وأيضا إن بين الحالتين منافاة ظاهرة، فإن الإرضاء بالأفواه حالة إخفاء الكفر و البغض مداراة للمؤمنين و حالة عدم المراعاة، و الوقوف حالة مجاهرة بالعداوة لهم، و حيث تنافيا لامعنى لتقييد إحداهما بالأخرى. (56:10)
المراغي: أي هم يخادعونكم حال الضعف بما يفوهون به من کلام معسول، يرون أنه يرضيكم، سواء أكان عهدا أم وعدا أم أيمانا مؤكدة، و قلوبهم مملوءة ضغنا و حقدا « يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ » الفتح : 11، فهم إن ظهروا عليكم نكثوا العهود و حنثوا بالأمان و فتكوا بكم بقدر ما يستطيعون. ( 63:10)
نحوه رشید رضا. ( 185:10)
ابن عاشور: استئناف ابتدائي، أي هم يقولون لكم ما يرضيكم، کیدا، و لو تمكنوا منكم لم يرقبوا فيكم إلا ولاذمة، من يسمع كلاما فيأباه. (10: 31)
الطباطبائي: قوله: « يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ » من المجاز العقلي نسب فيه الإرضاء إلى الأفواه، و هو في الحقيقة منسوب إلى القول و الكلام الخارج من الأفواه المكون فيها.
و قوله:« يُرْضُونَكُم » الآية تعليل لإنكار وجود العهد للمشركين، و لذلك جيء به بالفصل، و التقدير : كيف يكون لهم عهد و هم يرضونكم بأفواههم، و تأبي
قلوبهم و أكثرهم فاسقون. (157:9)
عبد الكريم الخطيب: هو کشف للمؤمنين عما في نفوس المشركين من عداوة و بغضاء لهم، و أنهم إذا ألانوا الكلام مع المؤمنين، و أسمعوهم طيب الكلم و معسول القول، فإن ما في صدورهم على خلاف هذا. (708:5)
مکارم الشيرازي: و تضيف الآية معقبة، بأن هؤلاء يريدون أن يخدعوكم بألفاظهم المزوقة، فقالت: « يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ » لأن قلوبهم مليئة بالحقد و القسوة و طلب الانتقام، و عدم الاعتناء بالعهد و علاقة القربي، و إن أظهروا المحبة بألسنتهم.
وفي نهاية الآية إشارة إلى جذر هذا الموضوع و أساسه، و هو فسقهم، فتقول: « وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ». (490:5)
فضل الله: في ما يثيرونه أمامكم من الأساليب الخادعة، و ما يوجهونه إليكم من الكلام المزوق المزخرف الخادع الذي يظهرون لكم فيه الإخلاص والمحبة. (38:11)
يرضوكم
« يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ » التوبة : 62
راجع:رض و : « يرضوه ».
راضية
1- « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » الحاقة : 21
الفراء: و قوله: « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » فيها الرضاء، و العرب تقول: هذا ليل نائم، و سر کاتم، و ماء دافق، فيجعلونه فاع، و هو مفعول في الأصل، و ذلك: أنهم يريدون وجه المدح أو الذم، فيقولون ذلك، لاعلى بناء الفعل، و لو كان فعلا مصرحا لم يقل ذلك فيه، لأنه لا يجوز أن تقول للضارب: مضروب، ولا للمضروب: ضارب، لأنه لا مدح فيه، و لاذم. (182:3)
الطبري: يقول تعالى ذكره: فالذي وصفت أمره، و هو الذي أوتي كتابه بيمينه، في عيشة مرضية، أو عيشة فيها الرضا، فوصفت العيشة بالرضا وهي مرضية، لأن ذلك مدح للعيشة. [ثم قال نحو الفراء] (218:12)
الثعلبي: « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ »، كقوله: «ماء دافق» هو الطارق : 6، و قيل: ذات رضا مثل لابن و تامر. (30:10)
الماوردي: « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » بمعنى مرضية. قال أبو هريرة و أبو سعيد الخدري يرفعانه: « إنهم يعيشون فلايموتون أبدا، و يصحون فلايمرضون أبدا، ويتنعمون فلایرون بؤسا أبدا، و يشبون فلايهرمون أبدا. (83:6)
الطوسي: أي في عيشة مرضية، تقول: عاش يعيش عيشا و عيشة، و هي الحالة التي تستمر بها الحياة، و منه المعاش الذي يطلب التصرف له بعائد النفع عليه، و «راضية » معناه مرضية، في « فاعلة» بمعنی « مفعولة» لأنه في معنى ذات رضا، كما قيل: لابن و تامر، أي ذو لبن و ذو تمر. قال النابغة:
كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب
أي ذو نصب، فكأن العيشة أعطيت حتى رضيت، لأنها بمنزلة الطالبة، كما أن الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهي. وقيل : هو كقولهم: ليل نائم و سر كاتم و ماء دافق، على وجه المبالغة في الصفة من غير التباس في المعنى، فعلى هذا جاء «عیشت راضية » و لايجوز على هذا القياس زید ضارب بمعنی مضروب، لأنه يلتبس به.(101:10)
القشيري: « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » القوم غدا في عيشة راضية، أي مرضية لهم، و هؤلاء القوم اليوم في عيشة راضية، و الفرق بينهما أنهم غدا في عيشة راضية، لأنه قد قضيت أوطارهم، وارتفعت مآربهم، و حصلت حاجاتهم، وهم اليوم في عيشة راضية؛ إذ كقوا مآربهم، فدفع عن قلوبهم حوائجهم، فليس لهم إرادة شيء، و لا تمسهم حاجة، و إنما هم في روح الرضا. فعيش أولئك في العطاء، و عيش هؤلاء في الرضاء، لأنه إذا بدا علم من الحقيقة أو معنی من معانيها، فلا يكون ثمة حاجة ولاسؤال. (194:6)
الميبدي: أي في حياة مرضية يرضى بها صاحبها، وخرجت مخرج سائر رؤوس الآي. ( 212:10)
الزمخشري: « رَاضِيَةٍ » منسوبة إلى الرضا، کالدارع و التابل. و النسبة نسبتان: نسبة بالحرف، و نسبة بالصيغة. أو جعل الفعل لها مجازا و هو لصاحبها. (153:4)
ابن عطية: و « رَاضِيَةٍ » معناه ذات رضی، فهو بمعنى مرضية، و لیست بناء اسم فاعل. (360:5)
الطبرسي: أي في حالة من العيش راضية يرضاها، بأن لقي الثواب و آمن العقاب. (346:5 )
الفخر الرازي: و فيه مسألتان:
المسألة الأولى: وصف العيشة بأتها راضية، فيه وجهان :
الأول: المعنى أتها منسوبة إلى الرضا کالدارع و النابل، و التسبة نسبتان: نسبة بالحروف، و نسبة بالصيغة.
والثاني: أنه جعل الرضا للعيشة مجازا مع أنه صاحب العيشة.
المسألة الثانية : ذكروا في حد الثواب أنه لابد وأن يكون منفعة، و لابد و أن تكون خالصة عن الشوائب، ولابد و أن تتكون دائمة، و لابد وأن تكون مقرونة با لتعظيم، فالمعنى إنما يكون مرضا به من جميع الجهات لو كان مشتملا على هذه الصفات، فقوله: عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » كلمة حاوية لمجموع هذه الشرائط التي ذكرناها. (112:30)
القرطبي: أي في عيش يرضاه لامكروه فيه. وقال أبو عبيدة و الفراء: « رَاضِيَةٍ » أي مرضية كقولك: ماء دافق، أي مدفوق. و قيل: ذات رضا، أي يرضى بها صاحبها، مثل لابن وتامر، أي صاحب اللبن و التمر. وفي الصحيح عن النبي صلی الله علیه و آله: « أنهم يعيشون فلايموتون أبدا و يصحون فلايمرضون أبدا و ينعمون فلايرون بؤسا أبدا و يشبون فلايهرمون أبدا».(270:18)
البيضاوي: ذات رضا على النسبة بالصيغة. أو جعل الفعل لها مجازا؛ وذلك لكونها صافية عن الشوائب، دائمة مقرونة بالتعظيم. (500:2)
الشربيني: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه على النسب، أي ذات رضا، نحو لابن و تامر لصاحب اللبن و التمر، أي ثابت لها الرضا و دائم لها، لأنها في غاية الحسن و الكمال. والعرب لا تعبر عن أكبر السعادات بأكثر من العيشة الراضية بمعنى أن أهلها راضون بها، و المعتبر في كمال اللذة الرضا.
الثاني: أنه على إظهار جعل العيشة راضية لمحلها، وحصولها في مستحقها، و أنه لو كان للعيشة عقل الرضيت لنفسها بحالتها.
الثالث: قال أبو عبيدة و الفراء: إن هذا مما جاء فيه فاعل بمعنى مفعول، نحو ماء دافق، بمعنى مدفوق، كما جاء مفعول بمعنى فاعل، كما في قوله تعالى: « حجابا مستورا » الإسرا: 85، أي ساترا. [ ثم ذكر الحديث النبوي الذي تقدم عند القرطبي] (4: 375)
أبو السعود: ذات رضا، على النسبة بالصيغة، كما يقال: دارع، في النسبة بالحرف، أو جعل الفعل لها مجازا و هو لصاحبها؛ وذلك لكونها صافية عن الشوائب، دائمة مقرونة بالتعظيم. (296:6)
البروسوي: «راضية » ذات رضی برضاها من يعيش فيها، على النسبة بالصيغة، فإن النسبة نسبتان: نسبة بالحرف کمکی و مدني، و نسبة بالصيغة کلابن و تامر، بمعنى ذي لبن و ذي تمر.
ويجوز أن يجعل الفعل لها و هو لصاحبها، فيكون من قبيل الإسناد المجازي، و مال الوجهين كون العيشة مرضية. و إلى ما ذكرنا يرجع قول من قال : راضية في نفسها، فكأنها لرغادتها قد رضيت بما هي فيه مجازا أو بمعنى مرضية كماء دافق، أي مدفوق، انتهی.
و في «التأويلات النجمية »: راضية هنيئة مريئة، صافية عن شوائب الكدر، طائرة عن نوائب الحذر، و ذلك أي كون العيشة مرضية لاشتمالها على أمور ثلاثة:
الأول: كونها منفعة صافية عن الشوائب.
والثاني: كونها دائمة لا يترقب زوالها و انقطاعها.
والثالث: کونها بحيث يقصد بها تعظيم من رضي بها و إكرامه، وألا يكون استهزاء و استدراجا، و عيشة من أعطى كتابه بيمينه جامعة لهذه الأمور فتكون مرضیا بها كمال الرضی. ( 142:10)
القاسمي: أي ذات رضا، ملتبسة به، فيكون بمعنى: مرضية.
أو الأصل: راض صاحبها، فأسند الرضا إليها، لجعلها لخلوصها عن الشوائب، كأنها نفسها راضية مجازا و يجوز أن يكون فيه استعارة مكنية و تخييلية، كما فصل في « المطول ».(5916:16)
المراغي: أي فهو يعيش عيشة مرضية، خالية مما یکدر مع دوامها، و ما فيها من إجلال و تعظیم. (57:29)
ابن عاشور: و وصف «عیشه»ب«راضية » مجاز عقلي لملابسة العيشة حالة صاحبها وهو
العائش، ملابسة الصفة لموصوفها.
و الراضي: هو صاحب العيشة لا العيشة، لأن «راضية » اسم فاعل رضيت إذا حصل لها الرضی، و هو الفرح والغبطة.
و العيشة ليست راضية، و لكنها لحسنها رضي صاحبها، فوصفها ب «راضية » من إسناد الوصف إلى غير ما هو له و هو من المبالغة، لأنه يدل على شدة الرضى بسببها حتى سرى إليها، ولذلك الاعتبار أرجع السكاكي ما يسمى بالمجاز العقلي إلى الاستعارة المكنية، كما ذكر في عالم البيان. (123:29)
مغنية: أي مرضية، و هي التي لا ينقصها شيء. (407:7)
الطباطبائي: أي يعيش عيشة يرضاها، فنسبة الرضا إلى العيشة من المجاز العقلی . (19: 399)
عبد الكريم الخطيب: هو بيان الحال من أوتي كتابه بيمينه، و للجزاء الحسن الذي يلقاه يوم القيامة.
إنه سيكون في عيشة راضية، أي في حياة طيبة، يجد فيها الرضا كله، في جميع أحواله.
و في وصف العيشة بأنها هي الراضية، إشارة إلى أن حقيقة هذه العيشة هي الرضا نفسه، الذي يسع النفوس جميعا، على اختلاف مقاماتها و منازعها. وهذا أبلغ في مقام الرضا من أن يكون الوصف بالرضا لمن يعيش في المعيشة، فقد يرضى الإنسان بلون من المعيشة، هي في حقيقتها معيشة تافهة حقيرة، تأباها كثير من النفوس الكبيرة، و تراهاشقاء و بلاء إذا هي حملت عليها.
فمن الناس من تكفيه اللقمة يشبع بها بطنه، و يراها أملا مرجوا، إذا تحقق له، سعد به، و رضي عنه، و إن كان ذلك من فتات موائد القمار، و العهر، أو من شباك النصب والاحتيال، أو من صدقات المتصدقين، و إحسان المحسنين. على حين أن كثيرا من الناس لايرضيهم من العيش إلا أن يكونوا في مقام الصدارة و السيادة، و إلا أن يضعوا في أيديهم كل أسباب الملك و السلطان.
وهكذا تبدو المسافة بعيدة غاية البعد، بین ما يحقق الرضا لبعض النفوس، و ما يحققه لبعض آخر منها، و قد تداول هذا المعنى كثير من الشعراء.
فعن النفوس النازلة التي يرضيها التافه الحقير من نفايات الحياة، يقول المتنبي:
و في الناس من يرضى بميسور عیشه * و مر کوبه رجلاه و النعل جلده
وعن النفس العالية الكبيرة التي لايرضيها إلا أن تأخذ مكانها مع مطالع النجوم و مسارات الكواكب، يقول المتنبي أيضا و يعني نفسه:
و شرما قنصته راحتی قنص * شهب البزاة سواء فيه و الرخم
فوصف المعيشة بأنها عيشة راضية، كما جاء بها النظم القرآني، في قوله تعالى: « فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » وصفها بأنها هي العيشة الراضية، هو الوصف الذي يحقق الرضا لجميع النفوس، صغيرها و کبیرها، فلايجد الإنسان، أي إنسان حيث تقلب في هذه العيشة، إلا الرضا المطلق، الذي لا يتكلف له جهدا، وهي
معيشة تنزل الناس جميعا منزلة عالية، و ترتفع بنفوسهم عن كل ما هو دون محتقر.
أما ما يذهب إليه علماء البلاغة: من تخريج هذا المعنى، على ما يخرجون عليه من قولهم: إن اسم الفاعل «راضية » هو معدول به عن اسم المفعول « مرضي» أي مرضي عنها، ففيه إفساد للمعنى الذي تحمله المعجزة القرآنية في كلمة «راضية »، و حجب لوجهها المعجز الذي رأيناها عليه، فقد تكون المعيشة مرضية، و هي في حقيقتها تافهة، لا تتعلق بها إلا النفوس الصغيرة. (1141:15)
المصطفوي: و رضا العيش بأن يكون منطبقا عليه و مطابقا و موافقا بحاله، فيكون العيش على ما هو عليه، و هذا أوكد و أبلغ من كون الشخص راضيا عن العيش، فإنه لا يدل على تمام الموافقة، و كمال الانطباق.(153:4)
مکارم الشيرازي: .. ثم يبين الله تعالى في الآيات اللاحقة جانبا من جزاء و أجر هؤلاء الأشخاص؛ حيث يقول: « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » .
و بالرغم من أن الجملة أعلاه تجسد كل ما يستحق أن يقال في هذا الموضوع، إلا أنه سبحانه يضيف للتوضيح الأكثر: « فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ».(535:18)
فضل الله: « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » تمنحه الرضى الروحي والقلبي؛ بحيث لا يشعر بأي نوع من الأذى الذي ينغص عيشه، أو القلق الذي يمزق مشاعره، و بذلك كانت راضية، لأنها لا تحمل أي عنصر من العناصر التي ترهق صاحبها. ( 75:23)
2- « لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ». الغاشیه :9
سيأتي في: س ع ي: « لسعیها ».
3- « اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً ». الفجر: 28
ابن عباس: رضيت بثواب الله، و رضي بعملها. (الماوردي 6: 272)
الحسن: رضيت عن الله و رضي عنها. (الماوردي 6: 272)
الثعلي: « رَاضِيَةٍ » عن الله ما أعدلها. « مَرْضِيَّةً »رضي عنها ربها. ( 204:10)
القشيري: « راضِيَةً مَرْضِيَّةً » راضية عن الله، مرضية من قبل الله. (296:6)
الطوسي: « رَاضِيَةٍ » بثواب الله و جزیل عطائه، « مَرْضِيَّةً » الأفعال من الطاعات.(348:10)
الزمخشري: « رَاضِيَةٍ » بما أوتيت و « مَرْضِيَّةً » عند الله. (254:4)
الطبرسي: « رَاضِيَةٍ » بثواب الله « مَرْضِيَّةً » أعمالها التي عملتها. و قيل: « رَاضِيَةٍ » عن الله ما أعد الله لها، « مَرْضِيَّةً » رضي عنها ربها بما عملت من طاعته. و قيل: « رَاضِيَةٍ » بقضاء الله في الدنيا حتی رضي الله عنها، و رضي بأفعالها و اعتقاده. (5: 489)
الفخر الرازي: أما قوله تعالى: « راضِيَةً مَرْضِيَّةً » فالمعنى: راضية بالثواب، مرضية عنك في الأعمال التي عملتها في الدنيا. ( 179:31)
البيضاوي: « رَاضِيَةٍ » بما أوتيته، « مَرْضِيَّةً » عند الله.(559:2)
نحوه أبو حيان (8: 472)، و القاسمي (17: 6157).
الشربيني:« رَاضِيَةٍ » أي بما أوتيته،« مَرْضِيَّةً » أي، عند الله تعالى بعملك، أي جامعة بين الوصفين، لأنه لا يلزم من أحدهما الآخر، وهما حالان. قال الققال: هذا و إن كان أمرا في الظاهرة فهو خبر في المعنى، و التقدير: أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى الله تعالى في القيامة بسبب هذا الأمر. (536:4)
أبوالسعود: « رَاضِيَةٍ » بما أوتيت من النعيم المقيم و « مَرْضِيَّةً » عند الله عز و جل. (6: 429)
البروسوي: « اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ » في حال الرضى، أي إذا تم لك كمال الصفات فلا تسكني إليه، و ارجعي إلى الذات في حال المرضى الذي هو كمال مقام الصفات، و الرضى عن الله لا يكون إلا بعد رضی الله عنها، كما قال: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ...» البينة: 8.
و في «التأويلات النجمية »: « اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ » بالفناء فيه بعد قطع المنازل و المقامات، « رَاضِيَةٍ » من نتائج السلوك إلى الله و السير في الله، « مَرْضِيَّةً » عند الله بالباسی خلعة البقاء عليها. (433:10)
الآلوسي: « رَاضِيَةٍ »؛ أي بما تؤتينه من النعم التي لا تتناهی، و قد يقال: « رَاضِيَةٍ » بما نلتيه من خفة الحساب و قبول الأعمال، و ليس بذاك. « مَرْضِيَّةً » أي عند الله عز و جل. قيل: المراد « رَاضِيَةٍ » عن ربك « مَرْضِيَّةً » عنده. و زعم أنه الأظهر، و اعترض بأنه غير مناسب للسياق، و فيه نظر. و الوصفان منصوبان على الحال، و الظاهر أن الحال الأولى مقدرة، و قيل:مقارنة، و ذكر الحال الثانية من باب الترقي، فقد قال سبحانه و تعالى: « رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » التوبة : 72.(131:30)
المراغي: « رَاضِيَةٍ » عما عملت في الدنيا، مرضیا عنك؛ إذ لم تكوني ساخطة لافي الغنى ولا في الفقر، و لم تتجاوزي حدود الشرع فيما لك من حق، و ما عليك من واجب. ( 154:30)
سید قطب: « راضِيَةً مَرْضِيَّةً » بهذه النداوة التي تفيض على الجو كله، بالتعاطف و بالرضى. (3907:6)
ابن عاشور: و الراضية: التي رضت بما أعطيته من كرامة، و هو كناية عن إعطائها كل ما تطمح إليه.
و المرضية: اسم مفعول، و أصله: مرضيا عنها، فوقع فيه الحذف و الإيصال، فصار نائب فاعل بدون حرف الجر و المقصود من هذا الوصف زیادة الثناء مع الكناية عن الزيادة في إفاضة الإنعام، لأن المرضي عنه یزیده الراضي عنه من الهبات و العطایا،فوق ما رضي به هو.
و فرع على هذه البشرى الإجمالية تفصيل ذلك بقوله: « فادخلي في عبادی * وادخلی جنتی » فهو تفصيل بعد الإجمال، لتكرير إدخال السرور على أهلها.(303:30)
الطباطبائي: وتوصيفها بالراضية، لأن اطمئنانها إلى ربها يستلزم رضاها ماقدر و قضى تكوينا، أو حکم به تشريعا، فلا تسخطها سانحة ولا تزيغها معصية، و إذا رضي العبد من ربه رضي الرب منه، إذ
لايسخطه تعالى إلا خروج العبد من زي العبودية، فإذا لزم طريق العبودية استوجب ذلك رضى ربه، و لذا عقب قوله: « رَاضِيَةٍ » بقوله: « مَرْضِيَّةً » . (285:20)
عبد الكريم الخطيب: أي راضية بما أرضاها الله سبحانه به من فضله، مرضیا عنها من ربها، فالكلمتان حالان من أحوال النفس، و قد دعيت من ربها إلى الرجوع إليه إنها ترجع إلى ربها، و قد رضيت بما لقيها به ربها من إكرام و إحسان، و قد رضي ربها عنها بما قدمت من أعمال طيبة.
فالله سبحانه و تعالى يرضى و يرضى، يرضى عن عباده المحسنين، و يرضيهم بإحسانه، كما يقول سبحانه: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّکِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً » الفتح : 18. و في الجمع بين صفة الرضا للنفس، و الرضا من الله عنها، إشارة إلى أن هذا الرضا الذي تجده النفس هو رضا دائم متصل، لأنه مستمد من رضا الله عنها، و أنه ليس مجرد شعور يطرقها، أو خاطر يطوف بها، ثم يذهب هذا الشعور، و يغيب هذا الخاطر، مع موجات الخواطر، والمشاعر التي تموج في كيان الإنسان، كلا إنه رضا لا ينقطع أبدا. (1563:16)
مکارم الشیرازی:« رَاضِيَةٍ » لما ترى من تحقق الوعود الإلهية بالثواب و النعيم بأكثر مما كانت تتصور، و شمول العبد برحمة و فضل الله، سيدخل في قلبه الرضا بكل ما يحمل الرضا من معان و أكثر، « مَرْضِيَّةً » لرضا الله تبارك و تعالى عنها. (20: 184)
فضل الله: « راضِيَةً مَرْضِيَّةً » في هذه العلاقة الروحية بين العبد وربه التي تحركت في مواقع الرضی، فهي راضية بما قضی و قدر، و ما حكم و شرع، لأنها ترى أنها ملك الله، و له أن يتصرف في ملكه بما يشاء، و يحكم بما يريد، و هي مرضية عنده سبحانه، بما آمنت به، و بما قامت به من فروض الطاعة لديه، و العمل على الحصول على محبته، و بذلك عاشت السعادة والطمأنينة في حبها لله، و حب الله لها.
وهذا هو ما تستهدفه التربية القرآنية الإسلامية، في أن يعمل الإنسان على تربية نفسه على الرضی بقضاء الله من موقع الوعي برحمته و علمه و حكمه، و على السعي للحصول على رضاه في موقع الالتزام بطاعته في أوامره ونواهيه. ( 255:24)
مرضیا
« وَ کانَ یَأْمُرُ اَهْلَهُ بِالصَّلوهِ وَ الزَّکوهِ وَ کانَ عِنْدَ رَبِّه مَرْضِیّا » مریم : 55
الفاء: و لو أتت: « مرضوا » كان صوابا، لأن أصلها الواو. ألا ترى أن الرضوان بالواو . و الذين قالوا: «مرضیه» بنوه علی رضیت، و « مرضوا» لغة أهل الحجاز. (169:2)
الطبري: عمله، محمودا فيما كلفه ربه، غير مقصر في طاعته. (352:8)
الزجاج: أصله: مرضوا، و هو جائز في اللغة غير جائز في القرآن، لأنه مخالف للمصحف. والخليل
و سيبويه و جميع البصريين يقولون: فلان مرضو و مرضي، و أرض مسنوة و مسنية، إذا سقيت بالسواني أو بالمطر، والأصل الواو إلا أنها قلبت عند الخليل لأنها طرف قبلها واو ساكنة ليس بحاجز حصين،و كأنها «فعل» بضم العين، ومفعل من أدوات الواو يقلب إلى مفعل، لأن الواو لاتكون طرفا و قبلها متحرك في الأسماء .
و أما غير سيبويه و البصريين فلهم فيه قولان:
قال بعضهم : لما كان الفعل منه رضيت، فانتقل من الواو إلى الياء، صار مرضیا. وقيل: إن بعض العرب يقول في تثنية رضی: رضیان و رضوان. فمن قال: رضيان لم يكن من قوله إلا: مرضي، ومن قال: رضوان في التثنية، جاز أن يقول: فلان مرض و مرضي. (334:3)
الثعلي: صالحا زاكيا. (219:6)
الماوردي و رضي بثوابه و فوض أمرهم إليه في عفوه أو عقوبته. (377:3)
الطوسی: قد رضی أعماله «لأنها كلها طاعات، لم يكن فيها قبائح. و إنما أراد بذلك أفعاله الواجبات و المندوبات دون المباحات، لأن المباحات لايرضاها الله ولا يسخطها . و أصل مرضي: مرضو فقلبت الضمة كسرة و الواو ياء، و أدغمت في الياء.(133:7)
القشيري: « وَ کانَ عِنْدَ رَبِّه مَرْضِیّا » و كان هذا أشرف خصاله، و أجل صفاته. (106:4)
الميبدي: « وَ کانَ عِنْدَ رَبِّه مَرْضِیّا » لأنه قام بطاعته. (55:6)
ابن عطية: و قوله: « مَرْضِیّا » أصله: مرضویا، لقيت الواو وهي ساكنة الياء، فأبدلت یاء و أدغمت، ثم كسرت الضاة للتناسب في الحركات، و قرأ ابن أبي عبلة « وَ کانَ عِنْدَ رَبِّه مَرْضِو ». (21:4)
الطبرسي: قد رضي أعماله، لأنها كلها طاعات لم تكن فيها قبائح. و قيل: « مَرْضِیّا » معناه صالحا زكیا رضیا، فحصل له عنده المنزلة العظيمة. (518:3)
الفخر الرازي: وهو في نهاية المدح، لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات. (232:21)
القرطبي: أي رضیا زاکیا صالحا.
قال الكسائي و الفراء: من قال: مرضي بناه على رضیت، قالا: و أهل الحجاز يقولون: مرضو.
وقال الكسائي و الفراء: من العرب من يقول: رضوان و رضیان، فرضوان علی مرضو ، و رضيان على مرضي. ولا يجيز البصريون أن يقولوا إلا: رضوان و ربوان.
قال أبو جعفر النحاس: سمعت أبا إسحاق الزجاج يقول: يخطأون في الخط فيكتبون «ربا» بالياء، ثم يخطأون فيما هو أشد من هذا، فيقولون: ربیان، ولا يجوز إلا ربوان و رضوان، قال الله تعالى: « وَ ما آتَیْتُمْ مِنْ رِباً لِیَرْبُوَا فِی أَمْوالِ النَّاسِ » الروم: 39.(116:11)
البيضاوي: لاستقامة أقواله وأفعاله. (2: 36)
أبو حيان: قرأ الجمهور« مَرْضِیّا » و هو اسم مفعول، أي مرضوؤ و فأعل بقلب واوه یاء، لأنها
طرف بعد واو ساكنة، و الساكن ليس بحاجز حصين، فكأنها وليت حركة، و لوبنيت من ذوات الواو مفعلا لصار مفعلا، لأن الواو لا تكون طرفا و قبلها متحرك في الأسماء المتمكنة غير المتقیدة بالإضافة. ألاتری أنهم حين سموا بيغزو الغازي من الضمير قالوا: بغز حين صار اسما، و هذا الإعلال أرجح من التصحيح، ولأنه اعتل في رضي و في رضيان تثنية رضي.
وقرأ ابن أبي عبلة: ( مرضوا ) مصحا. وقالت العرب: أرض مسنية و مسنوة، وهي التي تسقی بالسواني.(6: 199)
الشربيني: و هذا في نهاية المدح، لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات، فاقتد أنت به، فإنه من أجل آبائك لتجمع بين طهارة القول والبدن والمال، فتنال رتبة الرضا. (433:2)
أبوالسعود: « وَ کَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً » لا تصافه بالنعوت الجليلة التي من جملتها ما ذكر من خصاله الحميدة. (246:4)
نحوه القاسمي. (4151:11)
البروسوي: في الأقوال والأفعال والأحوال. و في «الجلالين » « مَرْضِيّاً » لأنه قد قام بطاعته، انتهى.
وعن بعض الصالحين أنه قال: نزل عندي أضياف، و علمت أنهم من أبدال، فقلت لهم أو صوني بوصية بالغة حتى أخاف الله، قالوا: نوصيك بستة أشياء:
أولها: من کثر نومه فلا يطمع في رقة قلبه. و من کثرأ كله فلا يطمع في قيام الليل. و من اختار صحبة ظالم فلايطمع في استقامة دينه. و من كان الكذب و الغيبة عادته فلا يطمع في أن يخرج من الدنيا مع الإيمان. و من كثر اختلاطه بالناس فلا يطمع في حلاوة العبادة. و من طلب رضى الناس فلا يطمع في رضى الله تعالى.
واعلم أن المرضي المطلق، هو الإنسان الكامل الجامع لجميع الكمالات، المحيط بحقائق جميع الأشياء والصفات، و أما من دونه فمرضي بوجه دون وجه و على حال دون حال، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أهل الرضى و اليقين و السكون و التمكين آمين. (342:5)
الآلوسي: لاستقامة أقواله وأفعاله، و هو اسم مفعول، و أصله: مرضوو، فاعل بقلب واوه یاء، لأنهاطرف بعد واو ساكنة، فاجتمعت الواو والياء، و سبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، و أدغمت الياء في الياء، و قلبت الضمة كسرة.
وقرأ ابن أبي عبلة ( مرضوا) من غير إعلال وعن العرب أنهم قالوا: أرض مسنية و منوة وهي التي تسقى بالسواني. ( 105:16)
المراغي: عمله، محمود ا فيما كلفه به، غير مقصر في طاعته، فاقت أيها الرسول به، لأنه من أجل آبائك. (63:16)
سید قطب: ثم يثبت له أنه كان عند ربه مرضیا و الرضى سمة من سمات هذه السورة البارزة في جوها، وهي شبيهة بسمة الرحمة، و بينهما قرابة. (4: 2313)
الطباطبائي: و المراد بكونه « عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً » کون نفسه مرضية دون عمله، كما ربما فسره به بعضهم، فإن إطلاق اللفظ لا يلائم تقييد الرضا بالعمل. (63:14)
مکارم الشيرازي: النقطة الأخرى التي تستحق الذكر هنا، أن وصف إسماعيل بكونه مرضیا، إشارة في الواقع إلى هذه الحقيقة، و هي أنه قد حاز رضي الله في كل أعماله، و لاتوجد نعمة أجل من أن يرضى المعبود و المولى و الخالق عنه، و لهذا تقول الآية «119» من سورة المائدة بعد أن بینت نعمة الجنة الخالدة لعباد الله المخلصين: « رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » .(417:9 )
فضل الله: « وَ کَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً » من خلال إيمانه الكبير و عمله الصالح، و جهاده القوي بين يدي الله .(75:15)
مرضية
« اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً». الفجر : 28
راجع: «راضية».
رضیا
« يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً». مريم :6
الطبري: و قوله: « وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً » يقول: و اجعل یا رب الولي الذي تهبه لي مرضیا ترضاه أنت، و يرضاه عبادك دينا و خلقا و خلقا. و الرضي : فعيل، صرف من مفعول إليه. (309:8)
الثعلي: أي صالحا براتقیا مرضيا. وقال أبوصالح: معناه: اجعله نبيا، كما جعلت أباه نبیا. (206:6)
الماوردي: فيه وجهان:
أحدهما: مرضيا في أخلاقه و أفعاله.
الثاني: راضيا بقضائك وقدرك.
و يحتمل ثالثا: أن يريد نبيا. (3: 356)
الطوسي: و معنی « وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً » أي اجعل ذلك الولي الذي يرثني مرضیا عندك، ممتثلا لأمرك، عاملا بطاعتك. (106:7 )
القشيري: رضي: فعيل بمعنى مفعول، أي ترضى عنه، فيكون مرضيا لك. و يحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل، أي راضيا منك، و راضيا بتقديرك. (92:4)
الميبدي: أي مرضیا ترضاه أنت. و قيل: راضيا بحكمك. وقيل : اجعله نبيا كما جعلت آباءه نبیا. (9:6)
ابن عطية: و « رَضِيّاً » معناه: مرضي، فهو فعيل بمعنى مفعول. (5:4)
الطبرسي: أي اجعل یا رب ذلك الولي الذي يرثني مرضيها عندك، ممتثلا لأمرك. (503:4)
الفخر الرازي: و اعلم أنهم ذكروا في تفسير الرضي وجوها:
أحدها: أن المراد: و اجعله رضيا من الأنبياء؛ و ذلك لأن كلهم مرضيون، فالرضي منهم مفضل على جملتهم، فائق لهم في كثير من أمورهم، فاستجاب الله تعالى له ذلك، فوهب له سیدا و حصورا و نبیا من
الصالحين لم يعص ولم يهم بمعصية، و هذا غاية ما يكون به المرء رضیا.
و ثانيها: المراد بالرضي: أن يكون رضیا في أمته، لا يتلقی بالتكذيب، ولا يواجه بالرد.
و ثالثها: المراد بالرضي: أن لا يكون متهما في شيء، و لا يوجد فيه مطعن، و لا ينسب إليه شيء من المعاصي.
و رابعها: أن إبراهيم وإسماعيل علیهماالسلام قالا في الدعاء: « رَبَّنا وَ اِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ » البقرة : 128، و كانا في ذلك الوقت مسلمين، و كأن المراد هناك: ثبتنا على هذا، أو المراد: اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا هاهنا. واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأفعال بهذه الآية، لأنه إنما يكون رضیا بفعله، فلما سأل الله تعالى جعله رضیا، دل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى.
فإن قيل: المراد منه أن يلطف له بضروب الألطاف، فيختار ما يصير مرضيا، فينسب ذلك إلى الله تعالى. و الجواب من وجهين:
الأول: أن جعله رضیا، لو حملناه علی جعل الألطاف، و عندها يصير المرء باختياره رضیا، لكان ذلك مجازا و هو خلاف الأصل.
والثاني: أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به، و ما كان واجبا، لايجوز طلبه بالدعاء والتضرع. ( 185:21)
القرطبي: قوله تعالى: « وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً » أي مرضیا في أخلاقه و أفعاله. وقيل: راضيا بقضائك و قدرك. وقيل : رجلا صالحا ترضى عنه. ( 82:11)
أبو السعود: مرضيا عندك قولا وفعلا. (229:4)
مثله البروسوي( 315:5 )، و القاسمي (4127:11)
الآلوسي: أي مرضیا عندك قولا وفعلا. و قيل: راضيا. و الأول أنسب يكون على هذا تأكيدا، لأن النبي شأنه أن يكون كذلك. (63:16)
سید قطب: « وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً » لاجبارا ولاغليظا، ولا متبطرا ولا طموعا.
و لفظة «رضي» تلقى هذه الظلال. فالرضي الذي يرضى و یرضي. و ينشر ظلال الرضى فيما حوله و من حوله.
ذلك دعاء زكريا لربه في ضراعة و خفية و الألفاظ و المعاني والظلال والإيقاع الرخي، كلها تشارك في تصوير مشهد الدعاء.(2302:4)
الطباطبائي: الرضي بمعنى المرضي، و إطلاق الرضا يقتضي شموله للعلم و العمل جميعا، فالمراد به: المرضي في اعتقاده و عمله، أي اجعله رب محلى بالعلم النافع و العمل الصالح. (9:14)
المصطفوي: أي متصفا بالرضاء بحيث تكون هذه الصفة ثابتة و راسخة في قلبه، و یکون في مقابل التقديرات و الحوادث، والابتلاءات الظاهرية والباطنية، والتكاليف الإلهية راضيا و موافقا. (153:4)
فضل الله: « وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً » مرضيا عندك
من خلال إيمانه و عمله الصالح، و جهاده في سبيلك، و دعوته إليك، لتكون حياته في مستوى الرضا لديك. (17:15)
مرضات
1- « وَ مِنَ اَلنّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ وَ اَللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ» البقرة : 207
الطبري: وأما قوله :« اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ» فإنه يعني أن هذا الشاري بشري إذا اشترى طلب مرضاة الله. (332:2)
الزجاج: نصب « اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ» على معنی المفعول له، المعنى : يشربها لابتغاء مرضاة الله. (1: 279)
الطوسي: معناه: طلب مرضات الله، و مثله « حذر الموت » البقرة : 19. [ثم استشهد بشعر]
ولايجوز قياسا على ذلك: فعله زیدا، أي لزيد. و يجوز: فعله خوفا، لأن في ذكر المصدر دليلا علی العرض الداعي إلى الفعل، و ليس كذلك ذكر زيد.
و المرضاة و الرضي واحد و هو ضد السخط. (184:2)
القشيري: أولئك الذين أدركتهم خصائص الرحمة، و نعتتهم سوابق القسمة، فآثروارضاء الحق على أنفسهم، و استسلموا بالكلية لمولاهم. ( 183:1)
الميدي: طلبا لمرضاه. (554:1)
نحوه الشربيني (1: 135)، و أبوالسعود (1: 255)، والبروسوي (1: 324)، و القاسمي ( 511:3 ).
ابن عطية: « اِبْتِغاءَ » مفعول من أجله، و وقف حمزة على «مَرْضاتِ» بالتاء و الباقون بالهاء. قال أبوعلي: « وجه وقف حمزة بالتاء إما أنه على لغة من يقول: طلحت و علقمت، و منه قول الشاعر:
*بل جوزتيهاء كظهر الحجفت *
و إما أنه لما كان المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما تثبت في الوصل، يعلم أن المضاف إليه مراد. (282:1)
الطبرسي: أي لابتغاء رضاء الله، وإنما أطلق عليه اسم البيع، لأنه إنما فعل ما فعل لطلب رضاء الله، كما أن البائع يطلب الثمن بالبيع. (301:1)
الفخر الرازي: في الآية مسائل:
المسألة الأولى: في سبب النزول روایات، أحدها: روی ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان ...
والرواية الثانية: أنها نزلت في رجل أمر بمعروف و نهی عن منكر...
والرواية الثالثة: نزلت في علي بن أبي طالب بات على فراش رسول الله صلی الله علیه و آله ليلة خروجه إلى الغار، ويروى أنه لما نام على فراشه قام جبريل علیه السلام عند رأسه، و میکائیل عند رجليه، و جبريل ينادي: بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة و نزلت الآية. (223:5)
القرطبي: [قال مثل ابن عطية و أضاف:]
و «المرضاة »: الرضا، يقال: رضي یرضی رضا و مرضاة . (22:3)
أبو حيان: و انتصاب «ابتغاء» على أنه مفعول من أجله، أي الحامل لهم على بيع أنفسهم، إنما هو
طلب رضی الله تعالى، و هو مستوف لشروط المفعول من أجله، من كونه مصدرا متحدالفاعل والوقت. و هذه الإضافة، أعني إضافة المفعول من أجله، هي محضة، خلافا للجرمي، و الرياشي، و المبرد، و بعض المتأخرين، فإنهم يزعمون أنها إضافة غير محضة، و هذا مذكور في كتب النحو.
و «مرضات» مصدر بني على التاء: ک «مدعاة» و القياس تجریده عنها، كما تقول: مرمي و مغزي، و أمال الكسائي: «مرضات»، و عن ورش خلاف في إما لة:«مرضات»، و قرأنا له بالوجهين، و وقف حمزة عليها بالتاء، و وقف الباقون بالهاء.
فأما وقف حمزة بالتاء، فيحتمل وجهين.
أحدهما: أن يكون على مذهب من يقف من العرب على: طلحة، و حمزة، بالتاء، کالوصل، و هو كان القياس دون الإبدال. [ثم استشهد بشعر]
وقد حكى هذه اللغة سيبويه.
والوجه الآخر: أن تكون على نية الإضافة، كأنه نوى تقدير المضاف إليه، فأراد أن يعلم أن الكلمة مضافة، و أن المضاف إليه مراد، كإشمام من أشم الحرف المضموم في الوقف، ليعلم أن الضمة مرادة.
و في قوله: «اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ» إشارة إلى حصول أفضل ما عند الله للشهداء، و هو رضاه تعالى. (119:2)
الآلوسی: و «مَرْضاتِ» مصدر بني - كما في « البحر» - على التاء، کمدعاة، و القياس تجریده منها، و كتب في المصحف بالتاء، و وقف عليه بالتاء و الهاء. (96:2)
المراغي: أي و من الناس فريق يبيع نفسه لله، الايبغي ثمنا لها غير مرضاته، و لا يتحرى إلا صالح العمل و قول الحق، مع الإخلاص فيهما، فلا يتكلم بلسانين، ولا يقابل الناس بوجهين، و لايؤثر عرض الدنيا وزخرفها على ما عند ربه. (112:2)
سید قطب: و «يشری» هنا معناها يبيع. فهو يبيع نفسه كلها لله و يسلمها كلها لا يستبقي منها بقية ،ولا يرجو من وراء أدائها و بيعها غاية إلا مرضاة الله . ليس له فيها شيء، و ليس له من ورائها شيء. بيعة كاملة لاتردد فيها ولا تلقت ولاتحصیل ثمن، ولا استبقاء بقية لغير الله.
والتعبير يحتمل معنى آخر، يؤدي إلى نفس الغاية. يحتمل أن يشتري نفسه بكل أعراض الحياة الدنيا، ليعتقها و يقدمها خالصة لله، لا يتعلق بها حق آخر إلا حق مولاه. فهو يضحي كل أعراض الحياة الدنيا، و يخلص بنفسه مجردة لله.(205:1)
ابن عاشور: و «مَرْضاتِ اَللّهِ» : رضاه، فهو مصدر رضي على وزن المفعل، زیدت فيه التاء سماعا، کالمدعاة و السعاة. [ثم أدام الكلام في سبب التزول] (257:2)
مغنية: أي أن بعض المؤمنين يقبلون على الجهاد، و يحبون الموت في سبيل الله، تماما كمايحب غيرهم الحياة، ولا دافع لهم إلا مرضاة الله و ثوابه. (310:1)
الطباطبائي: بيان أن هناك رجلا آخر باع نفسه من الله سبحانه، لا يريد إلا ما أراده الله تعالى، لاهوى
له في نفسه و لا اعتزاز له إلا بربه، و لا ابتغاء له إلا لمرضاة الله تعالى، فيصلح به أمر الدين والدنيا، و يحيا به الحق، و يطيب به عيش الإنسانية، و یدر به ضرع الإسلام، و بذلك يظهر ارتباط الذيل بالصدر، أعني قوله تعالى: « وَ اَللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ ». (98:2)
مکارم الشيرازي: الطائفة السابقة التي تحدثنا عنها، هي مجموعة من الأشخاص المعاندین والمغرورين والأنانيين، الذين يحاولون أن يحققوالهم بين المجتمع عزة و كرامة عن طريق النفاق، و يتظاهرون بالإيمان بأقوالهم، بينما أعمالهم ليس فيها سوى الإفساد في الأرض، و إهلاك الحرث والنسل.
أما هذه الطائفة الثانية فتعاملهم مع الله وحده؛ حيث يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيله، و لا يبتغون سوى رضاه، و لا يطلبون عزة و رفعة إلا بالله، و بتضحيات هؤلاء يصلح أمر الدين والدنيا، و يستقیم شان الحق و الحقيقة، و تصفو حياة الإنسان و تثمر شجرة الإسلام. (47:2)
فضل الله: و هناك صورة أخرى لنموذج جدید مشرق في داخل الحياة و خارجها، تتمثل بالإنسان الذي شرى نفسه لله، من أجل الحصول على رضاه « وَ مِنَ اَلنّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ » الأمر الذي يجعله يشعر أنه لا يملك نفسه ولايرى لها حرية مطلقة بعيدا عن إرادة الله وطاعته.
و لذلك فهو يعيش الإحساس العميق بأن عليه أن يبذل كل طاقاته الفكرية والروحية والجسدية في سبيل الله، فلا مجال للترف الفكري في الأجواء التي تتحرك فيها التحديات الفكرية ضد الفكر الحق، ولاموقع للخيال أمام حاجة الواقع إلى التعامل مع الظروف الموضوعية المطروحة في الساحة، ولا وقت للفراغ في المجالات التي يشعر فيها الإنسان بالزمن يضيق عن المطامح الكبرى، للقضايا الأساسية الحية في واقع الإنسان و الحياة. و هكذا تنطلق حياته لتتحرك من موقع الحق المتحرك في أكثر من اتجاه، ضد خطوات الباطل التي تطلق التحدي في أكثر من مجال.
إنه نموذج الرساليين الذين يعيشون رسالتهم في كل مظهر لحركة الحياة من حولهم، و يعيشون حياتهم من أجل رسالتهم في الخط المستقيم، فلا ينحرفون أمام كل محاولات الإغراء، و لا يستسلمون لكل عوامل الضغط، بل يظلون في الموقع الصلب، في ساحات التحدي الصعب، ليشهدوا الله على أنهم صدقوا العهد وأكدوا الميثاق بجهادهم وتضحياتهم في سبيله، ولم تأخذهم فيه لومة لائم. (120:4)
2- « وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ...» البقرة : 265
الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: و مثل الذين ينفقون أموالهم فيصدقون بها و يحملون عليها في سبيل الله، و يقوون بها أهل الحاجة من الغزاة و المجاهدين في سبيل الله، و في غير ذلك من طاعات الله طلب مرضاته. (69:3)
الزجاج: أي ليطلب مرضاة الله.(263:2)
الثعلبي: طلب رضا الله. (263:3)
نحوه الطبرسي (1: 301)، و أبوالسعود (308:1 )، و البروسوي (1: 424)، و الآلوسي (35:3).
الماوردي: يحتمل وجهين:
أحدهما: في نصرة أهل دينه من المجاهدين.
والثاني: في معونة أهل طاعته من المسلمين. (339:1)
الطوسي: و هذا مثل ضربه الله لمن أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله، أي طلبا لرضاه. (2: 338)
الميبدي: هذا مثل آخر ضرب الله المؤمنين الذين ينفقون أموالهم لأجل الله و مرضاته، ولا يتبعون المن والأذى، و ينفقون في طلب مرضاة الله و یریدون به وجه الله. (724:1)
ابن عاشور: انتصب «اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ وَ تَثْبِيتاً » على الحال بتأويل المصدر بالوصف، أي مبتغين مرضاة الله، و مثبتين من أنفسهم. و لا يحسن نصبهما على المفعول له. أما قوله: «ابتغاء» فلان مفاد الابتغاء هو مفاد اللام التي ينتصب المفعول لأجله بإضمارها، لأن يؤول إلى معنی: لأجل طلبهم مرضاة الله. (522:2)
مغنية: إله إشارة إلى أمرين:
الأول: أن المؤمنين يطلبون مرضاة الله من الإنفاق.
الثاني: أن هذا الإنفاق كان بدافع من أنفسهم، لابدافع خارجي. (416:1)
الطباطبائي: ابتغاء المرضاة هو طلب الرضاء، و يعود إلى إرادة وجه الله ، فإن وجه الشيء هوما يواجهك و يستقبلك به، و وجهه تعالى بالنسبة إلى عبده الذي أمره بشيء و أراده منه، هو رضاؤه عن فعله و امتثاله. فإن الأمر يستقبل المأمور أو بالأمر، فإذا امتثل استقبله بالرضاء عنه، فمرضاة الله عن العبد المكلف بتكليف هو وجهه إليه، فابتغاء مرضاة الله هو إرادة وجهه عز و جل. (390:2)
مکارم الشيرازي: جملة « اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ » تبين دوافع الإنفاق الإلهي السليم، و هما دافعان: ابتغاء مرضاة الله، و تقوية روح الإيمان والاطمئنان في القلب.
هذه الآية تقول: إن المنفقين الحقيقيين هم الذين يكون دافعهم رضا الله و تربية الفضائل الإنسانية و تثبيتها في قلوبهم، و إزالة الاضطراب و القلق اللذين يحصلان في نفس المرء، بإزاء مسؤوليته نحو المحرومين. (215:2)
3- « یَا أیُّهَا النَّبِیُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أحَلَّ اللّهُ لَکَ تَبْتَغِی مَرْضَاهَ أزْوَاجِکَ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِیمٌ ». التحريم :1
لاحظ: ب غ ي: « تبتغي » و ح ر م: «تحرم».
رضوان
1-« قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ وَ اَللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ » آل عمران : 15
الطبري: و قوله: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ »، يعني و رضا الله، و هو مصدر من قول القائل : رضي الله عن
فلان، فهو يرضى عنه رضا۔ منقوص - ورضوانا ورضوانا و مرضاة . فأما الرضوان بضم الراء فهو لغة قیس، و به كان عاصم يقرأ.
وإنما ذكر الله جل ثناؤه فيما ذكر الذين اتقوا عنده من الخير رضوانه، لأن رضوانه أعلى منازل كرامة أهل الجنة. (206:3)
الزجاج: أكثر القراءة كسر الراء. و روی أبوبكر ابن عياش عن عاصم ( و رضوان من الله ) بضم الراء في كل القرآن، و يقال: رضيت الشيء أرضاه رضا ومرضاة ورضوانا ورضوانا. (384:1)
الثعلبي : قرأ العامة بكسر الراء. و روی أبوبكر عن عاصم: بضم الراء من «الرضوان » في جميع القرآن، و هو لغة قيس و غيلان، و هما لغتان کالعدوان والعدوان والطغيان والطغيان. (3: 29)
الطوسي: قرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر (رضوان ) بضم الراء، الباقون بكسرها، فالضم لغة قیس و تمیم، و الكسر لغة أهل الحجاز. [إلى أن قال: ]
والرضا و المرضاة: معنى واحد. (413:2)
الميبدي: [قال مثل الطوسي في القراءة و أضاف:]
يقال :رضي یرضی رضی و مرضاة ورضوانا و رضوانا. قال موسى: « يا إلهي دلني على عمل إذا عملته رضيت عني »، و قال رب العالمين : « یا موسی لاتطيق » فسجد موسی و تضرع، و قال رب العالمين: «یا بن عمران رضائي في رضاك بقضائي ». (40:2)
ابن عطية: و الرضوان: مصدر من الرضی، و في الحديث عن النبي صلی الله علیه و اله: « أن أهل الجنة إذا استقروا فيها و حصل لكل واحد منهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله لهم : أتريدون أن أعطيكم ما هو أفضل من هذا؟ قالوا: يا ربنا و أي شيء أفضل من هذا ؟ فيقول الله تعالى: «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا ». (411:1)
نحوه القرطبي. (4: 38)
الطبرسي: قرأ أبوبكر عن عاصم (رضوان) بضم الراء كل القرآن، و الباقون بكسر الراء .
الرضوان: مصدر، فمن كسره جعله كالرئمان و الحرمان، و من ضمه جعله کالرجحان و الشكران والكفران. (418:1)
الفخر الرازي: فيه مسألتان:
المسألة الأولى: قرأ عاصم (و رضوان) بضم الراء، و الباقون بكسرها. أما الضم فهو لغة قيس و تمیم، و قال الفراء: يقال رضيت رضاو رضوانا، و مثل الرضوان بالكسر الحرمان والقربان، و بالضم الطغيان و الجحان و الكفران و الشكران.
المسألة الثانية : قال المتكلمون: الثواب له رکنان أحدهما: المنفعة، و هي التي ذكرناها، والثاني: التعظيم، و هو المراد بالرضوان، و ذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم، حامد هم، من عليهم، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع.
وأما الحكماء فإنهم قالوا: الجنات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية، و أعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية، و هو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح
العبد، و استغراق العبد في معرفته، ثم يصير في أول هذه المقامات راضيا عن الله تعالى، و في آخرها مرضيا عند الله تعالى، و إليه الإشارة بقوله: «راضِيَةً مَرْضِيَّةً » الفجر : 28، و نظير هذه الآية قوله تعالى: « وَعَدَ اَللّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ » التوبة : 72. (214:7)
أبو حيان: بدأ أولا بذكر المقر، و هو الجنات التي قال فيها: « وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ اَلْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ اَلْأَعْيُنُ » الزخرف: 71، ثم انتقل من ذكرها إلى ذكر ما يحصل به الأنس التام من الأزواج المطهرة، ثم انتقل من ذلك إلى ما هو أعظم الأشياء و هو رضا الله عنهم، فحصل بمجموع ذلك اللذة الجسمانية والفرح الروحاني؛ حيث علم برضا الله عنه. [إلى أن قال:]
و قال أبو بكر: ( و رضوان ) بالضم حيث وقع إلا في ثاني العقود، فعنه خلاف. و باقي السبعة بالكسر، وقد ذكرنا أنهما لغتان. (399:2)
البروسوي: « و رضوان» أي رضوان و أي رضوان لايقادر قدره كائن «من الله ». قال الحكماء: الجنات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية، والرضوان إشارة إلى الجنة الروحانية، و أعلى المقامات الجنة الروحانية، و هي عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد، و استغراق العبد في معرفة الله، ثم يصير في أول هذه المقامات راضيا عن الله، و في آخرها مرضيا عنده تعالى، و إليه الإشارة بقوله: « راضية مرضية » الفجر: 28. (10:2)
الآلوسي: « و رضوان » أي رضا عظيم على ما يشعر به التنوين، و قرأه عاصم بضم الراء، و هما لغتان و قراء تان سبعيتان في جميع القرآن، إلا في قوله تعالى: « مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ اَلسَّلامِ » المائدة : 16، فإنه با لكسر بالاتفاق. و قيل: المكسور اسم و المضموم مصدر، و هو قول لاثبت له. (101:3)
محمد عبده: و أكبر من هذه اللذات كلها رضوان الله تعالى، و هذا يدلنا على أن أهل الجنة طبقات و مراتب کما نراهم في الدنيا، فمن الناس من لا يفهم معنی رضوان الله تعالى، و لا يكون باعثا له على ترك الشر، و لاعلى فعل الخير، و إنما يفهمون معنى اللذات الحسية التي جربوها، فكانت أحسن الأشياء موقعا من نفوسهم، فهم فيها يرغبون، ولأجلها يعملون ، و لكن جميع المتقين يعرفون في الآخرة هذه اللذة التي لم يكونوا يعقلون لها معنى في الدنيا. (رشیدرضا 3: 249)
القاسمي: التنوين للتفخيم، أي رضوان و أي رضوان لا يقدر قدره. و هذه اللذة الروحانية تتمة ما حصل لهم من اللذات الجسمانية و أكبرها، كما قال تعالى في: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » التوبة : 72، أي أعظم ما أعطاهم من النعيم المقيم. (807:4)
رشید رضا: «الرضوان»: فهو مصدر بمعنى الرضا، مع ما في زيادة المبنى من المبالغة في المعنى، فكأنه قال: و رضوان عظيم من الله لا يشوبه ولا يعقبه سخط، و في سورة التوبة: 72: « وَعَدَ اللَّهُ
وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ »، و في هذا من تفضيل الرضوان علی نعیم الجنات، وما فيها ما الاغاية وراءه، و في سورة الحديد: 20، « اِعْلَمُوا اَنَّمَا الْحَیوهُ الدُّنْیا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زینَهٌ وَ تَفاخُرٌ بَیْنَکُمْ وَ تَکاثُرٌ فِی الاَْمْوالِ وَالاَْوْلادِ کَمَثَلِ غَیْثٍ اَعْجَبَ الْکُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ یَهیجُ فَتَریهُ مُصْفَرّا ثُمَّ یَکُونُ حُطاما وَ فِی الاْخِرَهِ عَذابٌ شَدیدٌ وَ مَغْفِرَهٌ مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَیوهُ الدُّنْیا اِلاّ مَتاعُ الْغُروُرِ » و هذه الآية أوجز من الآية التي نفسرها، على أنها في موضوعها، وفيها من زيادة الفائدة بيان جزاء المسرفين و المعتدين في هذه الشهوات الدنيوية التي تشغلهم عن حقوق الله، و تحملهم على هضم حقوق خلقه، و جزاء المقتصدين الذين يتقون الله في تمتعهم، ولا ينسون الله ولا الدار الآخرة. و لعلنا إذا أمهل الزمان و بلغنا سورة الحديد نبين ما في الآية. (248:3)
المراغي: أي الذين أخبتوا إلى ربهم و أنابوا إليه نوعان من الجزاء:
أحدهما: جسماني، و هو الجنات وما فيها من النعيم و الخيرات، و الأزواج المبرأة من العيوب التي في نساء الدنيا خلقا و خلقا.
و ثانيهما: روحاني عقلي، و هو رضوان الله الذي لا يشوبه سخط و لا يعقبه غضب، و هو أعظم اللذات كلها في الآخرة عند المتقين. [ثم قال نحو ماتقدم عن محمد عبده ] (114:3)
سید قطب: «رِضْوَانٌ» يعدل الحياة الدنيا و الحياة الأخرى كليهما، ويرجح رضوان بكل ما في لفظه من نداوة و بكل ما في ظله من حنان. (1: 375)
ابن عاشور: و عطف « رِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ » علی ما أعد للذين اتقوا عند الله، لأن رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي، لأن رضوان الله تقریب روحاني قال تعالى: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » التوبة : 72
وقرأ الجمهور «رِضْوَانٌ» بكسر الراء، و قرأه أبوبكر عن عاصم بضم الراء، و هما لغتان.
و أظهر اسم الجلالة في قوله: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » دون أن يقول: و رضوان منه، أي من ربهم: لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان. (42:3)
مغنية: هذه الثلاثة هي خير من النساء والمال و البنين، و هي محسن المآب:
الأول: منها جنات لاتزول، كالحرث و الخيل و الأنعام.
الثاني: أزواج مطهرة من الحيض و الأحداث والأخباث، و من كل ما تنفر النفوس منه.
الثالث: رضوان الله، و هو أكبر و أعظم من الدنيا و الآخرة مجتمعتين، كل ذلك جعله الله جزاء لمن خاف مقام ربه، و نهی النفس عن الهوى. (2: 23)
الطباطبائي: و أما الرضوان بكسر الراء و ضمها، فهو الرضا، و هو أنيلائم الأمر الواقع نفس صاحبه، من غير أن يمتنع منه و يدافعه، و يقابله السخط.
وقد تكرر في القرآن ذکر رضی الله سبحانه، و هو منه تعالى كما يتصور بالنسبة إلى فعل عباده في باب
الطاعة، كذلك يتصور بالنسبة إلى غير باب الطاعة، کالأوصاف و الأحوال و غير ذلك، إلا أن جل الموارد التي ذكر فيها أو كلها من قبيل الرضا بالطاعة، و لذلك ربما قوبل بينه و بين رضا العبد، فرضاه عن عبده الطاعته، و رضى العبد عنه لجزائه الحسن أو لحكمة، كقوله تعالى: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » البينة: 8، و قوله تعالى:« یَاء یُّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّهُ * ارْجِعِی إلَی رَبِّکَ رَاضِیَهً مَّرْضِیَّهً » الفجر:27، 28، و قوله تعالى: « وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ...» التوبة : 100.
و ذكر الرضوان هاهنا، أعني في عداد ما هو خير للناس من مشتهيات الحياة الدنيا ، يدل على أنه نفسه من مشتهيات الإنسان، أو يستلزم أمرا هو كذلك، عنى بذكره في مقابل الجنات و الأزواج في هذه الآية، و كذا في مقابل الفضل و المغفرة والرحمة، في قوله: « فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً » المائدة : 2، و قوله: « وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اَللّهِ وَ رِضْوانٌ » الحديد : 20، قوله: « بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ » التوبة : 21 .
و لعل الذي يكشف عن هذا الذي أبهمته هذه الآية، هو التدبر في المعنى الذي ذكرناه، و في قوله تعالى: « رَضِيَ اَللّهُ عَنْهُمْ » المائدة:119، و قوله: «راضية مرضية » الفجر:28؛ حيث علق رضاه بأنفسهم، و الرضا عن أنفسهم غير الرضا عن أفعالهم، فيعود المعنى إلى أنه لا يمنعهم عن نفسه فيما يسألونه فيؤول إلى معنى قوله: « لَهُمْ ما یَشاؤُنَ فِیها » ق : 35 ففي رضوان الله عن الإنسان المشيئة المطلقة للإنسان.
ومن هنا يظهر: أن الرضوان في هذه الآية قوبل به من الشهوات المذكورة في الآية السابقة، أن الإنسان يحسب أنه لو اقتناها و خاصة القناطير المقنطرة من بینها، أفادته إطلاق المشيئة، و أعطته سعة القدرة، فله ما يشاء، و عنده ما یرید. و قد اشتبه عليه الأمر فإنما يتم ذلك برضا الله الذي إليه أمر كل شيء. (106:3)
مکارم الشیرازی: هذه الآية توضح الخط البياني الصاعد، لتكامل الحياة الإنسانية الذي أشير إليه في الآية السابقة. تقول الآية: هل أخبركم بحياة أرفع و أسمي من هذه الحياة المادية المحدودة في الدنيا، تلك الحياة فيها كل ما في هذه الحياة من النعم ، لكنها صورتها الكاملة الخالية من أي نقص و عیب خاصة بالمتقين. بساتينها، لاكبساتين الدنيا، لا ينقطع الماء عن الجريان بجوار أشجارها « تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ» و نعمها دائمة أبدية، لاكنعم الدنيا السريعة الزوال: « خالِدِينَ فِيها » . نساؤها خلاها لكثير من غواني هذه الدنيا، ليس في أجسامهن ولا أرواحهن نقطة ظلام و خبث « وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ».
كل هذا بانتظار المتقين، و أسمى من ذلك كله، النعم المعنوية التي تفوق كل تصور، وهي « وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ».(307:2)
فضل الله: إن الله يقول للمؤمنين الذين تلح عليهم شهوات الحياة الدنيا بالمعصية، في استجابتهم لنداء الجنس الحرام والمال الحرام، و العلاقة المحرمة التي يراد بها الحصول على رضا الناس، بعيدا عن
رضا الله : هل أعرفكم أفضل من ذلك كله، و بذلك تواجهون الموقف من موقع المقارنة الواعية التي توازن بين المال الزائل والمال الخالد، و بين الشهوة الدنسة الفانية و الشهوة الطاهرة الخالدة، و بين رضا الناس الذي لا يحقق للإنسان نفعا و لايدفع عنه ضرا، علی المدى الطويل، و رضا الله الذي يحيط بالإنسان من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و شماله، القادر على كل شيء، و خالق كل مخلوق، و رازق كل مرزوق، مالك الحياة و الموت، و الضر و النفع، فهل تختارون الزائل الذي تقفون من خلال نتائجه موقف الخزي والذل و العار والعذاب، أم تختارون الخالد الذي قد يفرض عليكم بعض الصبر، و لكنه ينتهي بكم إلى الخير الكبير و الرضوان العظيم عند الله ؟ إن الله يترك للعاقل أن يفكر لئلا يقع في أسر الشهوات المحرمة، و يفضل الدنيا على الآخرة. (267:5)
2 - « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ ، وَبِئْسَ الْمَصِیرُ». آل عمران : 162
الضحاك: في قوله: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » من لم يغل « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » کمن غل. (الطبري 3: 504)
نحوه الحسن (الطوسي 3: 36)، و الثعلبي (3: 199)، و المیبدی (2: 336).
« أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » من أذى الخمس. (الطبري504:3)
ابن إسحاق: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » على ما أحب الناس و سخطوا « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » الرضى الناس و سخطهم؟. (الطبري 3: 504)
في العمل بطاعته على ما كره الناس، « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » في العمل بمعصيته على ما أحبوا. (الطوسي 3: 36)
الجبائي:« أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » بالجهاد في سبيله، و من باء بسخط من الله و بالفرار منه رغبة عنه. (الطوسي 3: 36)
الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » في ترك الغلول، « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » بغلوله ما غل.
وقال آخرون في ذلك يقول: أفمن کان علی طاعتي، فثوابه الجنة و رضوان من ربه، کمن باء بسخط من الله، فاستوجب غضبه، و كان مأواه جهنم و بئس المصير؟ أسواء المثلان؟ أي فاعرفوا.
وأولى التأويلين بتأويل الآية عندي، قول الضحاك بن مزاحم، لأن ذلك عقيب و عبد الله على الغلول و نهيه عباده عنه، ثم قال لهم بعد نهيه عن ذلك و وعیده: أسواء المطيع لله فيما أمره ونهاه، و العاصي له في ذلك، أي أنهما لا يستويان و لاتستوي حالتاهما عنده، لأن لمن أطاع الله فيما أمره ونهاه: الجنة، ولمن عصاه فيما أمره ونهاه: النار.
فمعنى قوله: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » إذا أفمن ترك الغلول و مانهاه الله عنه عن معاصيه، و عمل بطاعة الله في ترکه ذلك و في
غيره مما أمره به و نهاه من فرائضه، متبعا في كل ذلك رضا الله، و مجتنبا سخطه. (3: 504)
الزجاج: يقرأ «رِضْوانَ » بكسر الراء،و ( رضوان ) بضم الراء، و قد رويتا جميعا عن عاصم.
روى أن النبي صلی الله علیه و آله حين أمر المسلمين في أحد باتباعه اتبعه المؤمنون، و تخلف عنه جماعة من المنافقين، فأعلم الله جل وعز: أن من اتبع النبي صلی الله علیه و آهله فقد اتبع رضوان الله، ومن تخلف عنه فقد باء بسخط من الله. (486:1)
القشيري: لا يستوي من رضي عنه في ازاله و من سخط عليه، فذله في أحواله، و جعله متكلا على أعماله، ناسيا لشهود أفضاله، و اتباع الرضوان بمفارقة ما زجر عنه، و معانقة ما أمر به، فمن تجرد عن المزجور، و تجد في اعتناق المأمور فقد اتبع الرضوان، و استوجب الجنان. (305:1)
ابن عطية: و قوله تعالى: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » الآية، توقیف علی تباين المنزلتين و افتراق الحالتين، و الرضوان: مصدر، و قرأه عاصم فيما روي عنه بضم الراء، و قرأ جميعهم بكسرها. و حکی أبو عمرو الداني عن الأعمش، أنه قرأها بكسر الراء وضم الضاد، و هذا كله بمعنى واحد مصدر من الرضی، و المعنى، اتبعوا الطاعة الكفيلة برضوان الله، ففي الكلام حذف مضاف. (537:1)
الفخر الرازي: و في الآية مسائل:
المسألة الأولى: للمفسرين فيه وجوه:
الأول: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » في ترك الغلول « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » في فعل الغلول، و هو قول الكلبي والضحاك .
الثاني: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » بالإيمان به والعمل بطاعته. « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » بالكفر به ، و الاشتغال بمعصيته.
الثالث:« أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » و هم المهاجرون، « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » و هم المنافقون.
الرابع : قال الزجاج: لما حمل المشركون على المسلمين دعا النبي صلی الله علیه و آله أصحابه إلى أن يحملوا على المشركين، ففعله بعضهم و تر که آخرون، فقال : « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » و هم الذين امتثلوا أمره.« کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » و هم الذين لم يقبلوا قوله.
وقال القاضي: كل واحد من هذه الوجوه صحیح، و لكن لا يجوز قصر اللفظ عليه، لأن اللفظ عام، فوجب أن يتناول الكل، لأن كل من أقدم على الطاعة فهو داخل تحت قوله: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » و كل من أخلد إلى متابعة النفس و الشهوة، فهو داخل تحت قوله: « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » ، أقصى ما في الباب أن الآية نازلة في واقعة معينة، لكنك تعلم أن عموم اللفظ لا يبطل لأجل خصوص السبب.(74:9)
نحوه الشربيني. (261:1)
القرطبي: قوله تعالى: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » يريد بترك الغلول و الصبر على الجهاد، « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » يريد بكفر أوغلول أو تول عن النبي صلی الله علیه و آله في الحرب. (262:4)
أبو حيان: هذا الاستفهام معناه النفي، أي ليس
من اتبع رضا الله فامتثل أوامره و اجتنب مناهیه، کمن عصاه فباء بسخطه. و هذا من الاستعارة البديعية. جعل ما شرعه الله کالدليل الذي يتبعه من يهتدي به، و جعل العاصي کالشخص الذي أمر بأن يتبع شيئا عن اتباعه، و رجع مصحوبا بما يخالف الاتباع .
و في الآية من حيث المعنى حذف و التقدير : أفمن اتبع ما يؤول به إلى رضا الله عنه، فباء برضاه، کمن لم يتبع ذلك فباء بسخطه.
وقال سعيد بن جبير و الضحاك والجمهور: أفمن اتبع رضوان الله فلم يغل كمن باء بسخط من الله حين غل.
وقال الزجاج: أفمن اتبع رضوان الله باتباع الرسول يوم أحد، كمن باء بسخط من الله بتخلفه، و هم جماعة من المنافقين. وقال أيضا: رضوان الله الجهاد، والسخط الفرار. و قيل: رضا الله: طاعته، و سخطه: عقابه. و قيل: سخطه: معصيته، قاله ابن إسحاق. و يعسر مايزعم الزمخشري من تقدير معطوف بين همزة الاستفهام و بين حرف العطف في مثل هذا التركيب، و تقدیره متكلف جدا فيه، فيترجح إذ ذاك مذهب الجمهور، من أن الفاء محلها قبل الهمزة، لكن قدمت الهمزة، لأن الاستفهام له صدر الكلام. و تقدم اختلاف القراء في «رضوان» في أوائل هذه السورة، والظاهر استئناف. (101:3)
أبو السعود: أي سعى في تحصيله و انتحی نحوه، حيثما كان يفعل الطاعات وترك المنكرات، كالنبي و من يسير بسيرته. (57:2)
نحوه البروسوي (119:2)، و الآلوسي( 4: 111).
المراغي: أي أفمن اتقی و سعى في تحصيل رضا الله بفعل الطاعات، و ترك الغلول و غیره من الفواحش و المنكرات، حتی زکت نفسه وصفا روحه، يكون جزاؤه كجزاء من انتهى أمره إلى سخط الله، و عظیم غضبه، بفعل ما يدسي نفسه من الخطايا من سرقة و غلول و سلب و قتل، و ترك ما يطهرها من فعل الخيرات و عمل الصالحات؟ (121:4)
سید قطب: هذه هي القيم، وهذا هو مجال الطمع، و مجال الاختيار. وهذا هو ميدان الكسب و الخسارة. و شتان بين من يتبع رضوان الله فيفوز به و من يعود و في و طابه سخط الله، يذهب به إلى جهنم و بئس المصير، هذه درجة و هذه درجة، و شتان شتان « هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اَللّهِ » و كل ينال درجته باستحقاق، فلا ظلم ولا إجحاف، و لامحاباة و لاجزاف. (506:1)
رشید رضا: أي جعل ما يرضيه من فعل وترك إماما له، فجدو اجتهد في الخيرات و الأعمال الصالحات، واتقى الغلول وغيره من الفواحش و المنكرات، حتی زکت نفسه وارتقت روحه، فوفی جزاءه الحسن، و كان عند ربه في جنات عدن، « کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » أي انتهى إلى مباءته في الآخرة، مصاحبا و مقترنا بغضب عظيم من الله عز وجل لتدسية نفسه بما خفي من الخطايا كالسرقة و الغلول، وتدنيسها بما ظهر منها كالسلب والنهب، و إهمال تطهيرها بالعبادات، و عمل الخيرات. (218:4)
ابن عاشور: والاستفهام إنكار للمماثلة
المستفادة من كاف التشبيه، فهو بمعنى لايستوون. و الاتباع هنا بمعنى التطلب، شبه حال المتوخي بأفعاله رضي الله بحال المتطلب الطلبة فهو يتبعها حيث حل ليقتنصها. و في هذا التشبيه حسن التنبيه على أن التحصیل علی رضوان الله تعالی محتاج إلى فرط اهتمام. (276:9)
الطباطبائي: ذكر أن رمي النبي بالخيانة قياس جائر مع الفارق، فإنه متبع رضوان الله لا يعدو رضا ربه، و الخائن باء بسخط عظيم من الله و مأواه جهنم و بئس المصير، و هذا هو المراد بقوله: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » الآية و يمكن أن يكون المراد به التعريض للمؤمنين، بأن هذه الأحوال من التعرض لسخط الله، والله يدعوکم بهذه المواعظ إلى رضوانه، و ما هما سواء. (57:4)
عبد الكريم الخطيب: هنا مقابلة بين من استجاب الله، و انقاد لما يرضيه، فرجع مزودا برحمة الله ورضوانه، و بين من مكر بالله، و كفر بآياته، فانقلب موقرا بسخط الله و غضبه. و بين الطرفين المتقابلين بعد بعيد، و اختلاف شدید؛ فالطرف الأول يمثله الرسول و من كان معه من المؤمنين، والطرف الآخر يمثله عبد الله بن أبي بن سلول و من اتبع سبيله من المنافقين.
والطرف الأول من رضي الله، في رحمت و مغفرة في الدنيا، و إلى جنات و نعيم في الآخرة.
و الطرف الآخر، من سخط الله و غضبه، في غيظ و کمد في الدنيا، و إلى جهنم وعذاب السعير في الآخرة.
و في قوله تعالى: « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ کَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » إشارة إلى أن الله سبحانه و تعالى قد تقبل من النبي ما كان منه من استجابته لأمر ربه، و تلبيته ما دعاه إليه، من الصفح الجميل عن أصحاب الهفوات من أصحابه، و إخلاء نفسه من كل عوارض الغيظ أو الكظم مما كان منهم، و في هذا اتباع لما یرضی الله، و يزيد في مرضاته، وهو ما عبر عنه هنا بالرضوان. (633:2)
فضل الله: و تستمر الآيات في توضيح الميزان الذي يرفع الله به درجات عباده أو ينزلها، فليس هناك إلا اتباع رضی الله و الابتعاد عن سخطه، فلايمكن أن يتساوى الطائعون و العاصون أمام الله الذي يعلم خفاياهم في صغائر الأمور و کبائرها، بل يجعل لكل منهم درجته من المغفرة أو من العقوبة على أساس علمه و عد له.
« أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ » ما أمره الله به أو نهاه عنه في الخط العام للشريعة بأحكامها العامة والخاصة، و ما أمره به رسوله في خط الدعوة و الجهاد، فكان همه الحصول علی رضی الله و الوصول إلى موقع القرب منه. « کَمَنْ باءَ » أي رجع من مواقعه الحركية في حركة الإسلام في ساحة التحدي و المواجهة للشرك و أهله،« بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ » بما يمثله ذلك من إبعاده عن ساحة رحمته و استحقاقه لعذابه، لأنه لم يأخذبأسباب الطاعة لله و للرسول، في ما أمراه به أو نهياه عنه، في الحياة العامة، و في مواقع الجهاد.( 358:6)
3- « ... وَ اِتَّبَعُوا رِضْوانَ اَللّهِ وَ اَللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ». آل عمران : 174
لاحظت بع: « اتبعوا ».
4- « يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ».التوبة : 21
الطوسي: و « رِضْوَانٍ » و هو معنی يستحق بالإحسان، يدعو إلى الحمد على ما كان، و يضاد سخط الغضبان، تقول: رضي رضا و رضوانا، و أرضاه إرضاء و ترضاه ترضیا، و ارتضاه ارتضاء، و استرضاه استرضاء و تراضوه تراضیا.(225:5)
الفخر الرازي: و قوله: « وَ رِضْوَانٍ » لهم المراد منه، كونه تعالی راضيا عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا. (15:16)
تمام الكلام مضى في: ب ش ر: «يبشرهم».
5- ...« وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ». التوبة : 72
الطبري: و ابتدئ الخبر عن رضوان الله للمؤمنين و المؤمنات، أنه أكبر من كل ما ذكر جل ثناؤه، فرفع، و إن كان الرضوان فيما قد وعدهم، و لم يعطف به في الإعراب على الجنات و المساكن الطبيبة، ليعلم بذلك تفضيل الله رضوانه عن المؤمنين على سائر ما قسم لهم من فضله، و أعطاهم من كرامته، نظير قول القائل في الكلام الآخر: أعطيتك و وصلتك بكذا، و أكرمتك، و رضاي بعد عنك أفضل لك. (419:6)
الثعلبي: رفع على الابتداء، أي رضا الله عنهم أكبر من ذلك كله. (68:5)
الطوسي: و قوله:« وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » قال الرماني: الرضوان معنى يدعو إلى الحمد بالإجابة يستحق مثله بالطاعة فيما تقتضيه الحكمة. و إنما رفع «رضوان» لأنه استأنفه للتعظيم، كما يقول القائل: أعطيتك و وصلتك، ثم يقول: و حسن رأي فيك و رضاي عنك خير من جميع ذلك. (300:5)
القشيري: وأمارة أهل الرضوان: وجدان طعمه، فهم في روح الأنس، و روح الأنس لا يتقاصر عن راحة دار القدس، بل هو أتم و أعظم. (46:2)
الزمخشري: و شيء من رضوان الله أكبر من ذلك كله، لأن رضاه هو سبب كل فوز و سعادة ، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه و کرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، و لأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه، فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تتهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطته تنغصت عليه ولم يجد لها لذة و إن عظمت .
وسمعت بعض أولي الهمة البعيدة و النفس المرة من مشايخنا يقول: لا تطمح عيني ولا تنازع نفسي إلى شيء مما وعد الله في دار الكرامة، كما تطمح و تنازع إلى رضاه عتي، و أن أحشر في زمرة المهذبين المرضيين عنده. (202:2)
ابن عطية: روي فيه أن الله عز وجل يقول: العباده إذا استقروا في الجنة: هل رضيتم؟ فيقولون: و كيف لانرضی یا ربنا؟ فيقول:« إني سأعطيكم
أفضل من هذا كله، رضواني أرضى عليكم فلا أسخط عليكم أبدا »، الحديث. وقوله: «اكبر» یرید أكبر من جميع ما تقدم، و معنى الآية و الحديث متفق.
وقال الحسن بن أبي الحسن: وصل إلى قلوبهم برضوان الله من اللذة والسرور، ما هو ألذ عندهم و أقر الأعينهم من كل شيء أصابوه من لذة الجنة.
ويظهر أن يكون قوله تعالى: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » إشارة إلى منازل المقربين الشاربين من تسنیم، و الذين يرون كما يرى النجم الفائر في الأفق، و جميع من في الجنة راض و المنازل مختلفة، و فضل الله تعالى متسع.(58:3)
الطبرسي: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » رفع على الابتداء، أي ورضا الله تعالى عنهم أكبر من ذلك كله. قال الجبائي: إنما صار الرضوان أكبر من الثواب، لأنه لايوجد شيء منه إلا بالرضوان، و هو الداعي إليه الموجب له.
وقال الحسن: لأن ما يصل إلى القلب من السرور برضوان الله أكبر من جميع ذلك. [ثم أدام مثل الطوسي] (50:3)
الفخر الرازي: المعنى: أن رضوان الله أكبر من كل ما سلف ذكره. و اعلم أن هذا هو البرهان القاطع على أن السعادات الروحانية أشرف و أعلى من السعادات الجسمانية، و ذلك لأنه إما أن يكون الابتهاج بكون مولاه راضيا عنه، و أن يتوسل بذلك الرضا إلى شيء من اللذات الجسمانية، أو ليس الأمر كذلك، بل علمه بكونه راضيا عنه يوجب الابتهاج والسعادة لذاته، من غير أن يتوسل به إلى مطلوب آخر.
و الأول باطل، لأن ما كان وسيلة إلى الشيء لا يكون أعلى حالا من ذلك المقصود، فلو كان المقصود من رضوان الله أن يتوسل به إلى الذات التي أعدها الله في الجنة من الأكل والشرب، لكان الابتهاج بالرضوان ابتهاجا بحصول الوسيلة، و لكان الابتهاج بتلك اللذات ابتهاجا بالمقصود، و قد ذكرنا أن الابتهاج بالوسيلة لابد و أن یکون أقل حالا من الابتهاج بالمقصود، فوجب أن يكون رضوان الله أقل حالا و أدون مرتبة من الفوز بالجنات و المساكن الطبيبة. لكن الأمر ليس كذلك، لأنه تعالى نص على أن الفوز بالرضوان أعلى و أعظم وأجل وأكبر؛ و ذلك دليل قاطع على أن السعادات الروحانية أكملو أشرف من السعادات الجسمانية.
واعلم أن المذهب الصحيح الحق وجوب الإقرار بهما معا، كما جمع الله بينهما في هذه الآية. (16: 133)
البيضاوي:« وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » لأنه المبدأ لكل سعادة و كرامة و المؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء. (423:1)
أبو حيان: وقرأ الأعمش و ( رضوان): بضمتين. قال صاحب «اللوامح »: و هي لغة، « و رضوان » مبتدأ. و جاز الابتداء به، لأنه موصوف بقوله: «مِنَ اَللّهِ»، و أتی به نكرة، ليدل على مطلق، أي و شيء من رضوانه أكبر من كل ما ذكر. [ بعد نقل قول ابن عطية و الزمخشري قال: ]
و الإشارة بذلك إلى جميع ماسبق، أو إلى الرضوان قولان، و الأظهر الأول.(5: 72)
أبوالسعود: أي و شيء يسير من رضوانه تعالى « اكبر »؛ إذ عليه يدور فوز كل خير وسعادة، و به يناط نيل كل شرف و سيادة، و لعل عدم نظمه في سلك الوعد مع عزته في نفسه، لأنه متحقق في ضمن کل موعود، و لأنه مستمر في الدارین.(170:3)
نحوه البروسوي. (3: 464)
الآلوسي: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ » أي وقدر يسير من رضوانه سبحانه «اكبر»، و لقصد إفادة ذلك عدل عن رضوان الله الأخصر إلى ما في النظم الجليل. و قيل: إفادة العدول کون ماذكر أظهر في توجه الرضوان إليهم. و لعله إنما لم يعبر بالرضا تعظيما لشأن الله تعالى في نفسه، لأن في الرضوان من المبالغة ما لايخفی؛ و لذلك لم يستعمل في القرآن إلا في رضاء الله سبحانه، و إنما كان ذلك أكبر، لأنه مبدأ لحلول دار الإقامة، و وصول كل سعادة و كرامة، و هو غاية إرب المحبين، و منتهى أمنية الراغبين.
و لعل عدم نظم هذا الرضوان في سلك الوعد على طرز ما تقدم مع عزته في نفسه، لأنه متحقق في ضمن كل موجود، و لأنه مستمر في الدارین. (10: 137)
القاسمي: [ نقل قول أبي السعود و قال:]
و إيثار رضوان الله على ما ذكر، إشارة إلى إفادة أن قدرا يسيرا منه خير من ذلك. (3202:8)
رشید رضا: قوله تعالى: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » بعد ذکر جنات عدن، يراد به أعلى درجات الرضوان ، وما هو إلا مقام رؤية الرب تعالى التي تكمل بها معرفة الرحمان، و تتم سعادة الإنسان، فالإنسان جسد و روح، ففي الجنات و مساكنها أعلى النعيم الجسماني، و رضوان الله الأكبر هو أعلى النعيم الروحاني. فالتنوين فيه للتعظيم، والدليل على ما حررته أنه لم يعطف مفردا على ما قبله، مما وعدوا به على الإيمان و أعماله؛ لأنه فوق كل جزاء، كما أشير إليه في قوله : « لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ » يونس : 26، بل جاء مرفوعا في اللفظ كرفعة معناه، في جملة مستقلة تقديرها: و هنالك رضوان من الله أكبر و أعظم من تلك الجنات وما فيها، لايقدر قدره، ولايكتنه سره .
فهذا ما يفهم بمعونة الحديث من اختلاف إعرابه، و وصفه باسم التفضيل «أكبر» وقد ورد لفظ « وَ رِضْوانٌ » معطوفا على ما قبله غير موصوف بهذا الوصف، و لا موصولا بكونه من الله في آية: 21، « يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ » من هذه السورة ، وذكرت في تفسيرها ما ورد من قوله تعالى في سورة آل عمران:15 « وَ رِضْوانٍ من الله » معطوفا على الجنات والأزواج ، فهل يجوز في بلاغة القرآن أن يكون ما هنا من اختلاف الإعراب و وصف «أكبر» بغير فائدة ؟ و هل نجد له من الفائدة ماهو أليق به مما ورد في الحديث الصحيح من نعمة الرؤية؟ كلاولم يبين هذا بنص صريح في القرآن، لئلا يكون فتنة لمن لم تسم أرواحهم إلى إدراك هذه المعاني، فحكمته الرحمة بضعف الإنسان، واللبيب يفهم
بالإشارة ما لا يفهمه الغبي بأفصح عبارة ، أفلم تر كيف اختلف الألباء في فهم قوله سبحانه: « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ » القيامة: 22، 23.(1 : 546)
المراغی: رضوان الله، هو مقام رؤيته تعالى التي تكمل بها معرفته، و الإنسان جسد و روح، ففي الجنات و مساكنها أعلى النعيم الجسماني، و رضوان الله هو أعلى النعيم الروحاني. ( 162:10)
سید قطب: و إن الجنة بكل ما فيها من نعیم، لتتضاءل و تتواري في هالات ذلك الرضوان الكريم.
« وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » إن لحظة اتصال بالله، لحظة شهود لجلاله، لحظة انطلاق من حبسة هذه الأمشاج، و من ثقلة هذه الأرض و همومها القريبة. لحظة تنبثق فيها في أعماق القلب البشري شعاعة، من ذلك النور الذي لا تدرکه الأبصار.
لحظة إشراق نير فيها حنايا الروح بقبس من روح الله، إن لحظة واحدة من هذه اللحظات التي تتفق للتدرة القليلة من البشر في و مضة صفاء، ليتضاءل إلى جوارها كل متاع، و كل رجاء، فكيف برضوان من الله يغمر هذه الأرواح، و تستشعره بدون انقطاع؟!. (1676:3)
ابن عاشور: وجملة: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » معطوفة على جملة «وَعَدَ اَللّهُ اَلْمُؤْمِنِينَ ». و الرضوان بكسر الراء و يجوز ضمها.، و کسر الراء لغة أهل الحجاز، و ضمها لغة تميم.
و قرأه الجمهور بكسر الراء، و قرأه أبوبكر عن عاصم بضم الراء، و نظیره با لكسر قليل في المصاد ذات الألف و النون. و هو مصدر کالرضی، و زيادة الألف والنون فيه تدل على قوته، كالغفران والشكران.
والتنكير في «رِضْوانٌ» للتنويع، يدل على جنس الرضوان، و إنما لم يقرن بلام تعريف الجنس، لیتوسل بالتنكير إلى الإشعار بالتعظيم، فإن رضوان الله تعالی عظیم . (153:10)
مغنية: و كل من أرضى الله في أعماله و مقاصده، فالله يرضى عنه. (69:4)
الطباطبائي: و قوله: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » أي رضي الله سبحانه عنهم أكبر من ذلك كله، على ما يفيده السياق. و قد نكر «رِضْوانٌ» إيماء إلى أنه لايقدر بقدر، و لا يحيط به و هم بشر، أو لأن رضوانا ما منه . و لو كان يسيرا - أكبر من ذلك كله، لا لأن ذلك كله مما يتفرع على رضاه تعالى و يترشح منه، و إن كان كذلك في نفسه، بل لأن حقيقة العبودية التي يندب إليها كتاب الله هي عبوديته تعالى حبا له، لاطمعا في جنة، أو خوفا من نار. و أعظم السعادة والفوز عند المحب أن يستجلب رضی محبوبه دون أن يسعی لإرضاء نفسه. (339:9)
عبدالكريم الخطيب: و قوله سبحانه: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » هو نعيم فوق هذا النعيم الذي يناله أصحاب الجنة، بما يفيض الله سبحانه و تعالى عليهم من رضوانه، و مايضفيه عليهم من رضوانه، فكل نعيم و إن عظم هو قليل إلى رضوان الله ، الذي يناله من رضي الله عنهم. ثم إن كل نعيم هو تبع
لهذا الرضا، و نسمة من أنسامه الطيبة المباركة، ولهذا جاء قوله تعالى: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » مستأنفاء غير معطوف على ما قبله، حتى لكأنه إضراب عما سبقه، بمعنی « بل » و على هذا يكون التقدير: «بل و رضوان من الله أكبر». (844:5)
فضل الله: و ذلك في مقابل إيمانهم و عملهم الصالح، في ما يمثله الثواب من جزاء مادي، و لكن هناك ثوابا روحیا يفوق ذلك، و لا يفهمه إلا المؤمنون الذين يعيشون الآفاق الروحية للإيمان، فينعمون برضا الله ، أكثر مما ينعمون بجنته. وقد يجدون الجنة مظهرا لرضاه، قبل أن تكون موقعا للنعيم، « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » لأنه غاية كل مؤمن، و مصدر كل خير، لأن الله إذا رضي عن عبده المؤمن، أعطاه كل شيء، و منحه كل خير. ( 162:11)
6-« أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَ رِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ ...» التوبة : 109
راجع: وقي: «تقوی ».
رضوانا
1- « ... يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ... » المائدة :2
ابن عباس: يعني أنهم يترضون الله بحجهم. (الطبري 4: 601)
مجاهد: يبتغون الأجر والتجارة. (الطبري 4: 401)
قتادة: هم المشركون يلتمسون فضل الله و رضوانه فيما يصلح لهم دنياهم. (الطبري 401:4)
الربيع: التجارة في الحج، و الرضوان في الحج (الطبري 4: 401)
الطبري: الرضوان: رضا الله عنهم، فلايحل بهم من العقوبة في الدنيا ما أحل بغيرهم من الأمم في عاجل دنیا هم بحجهم بيته. (401:4)
الثعلبي: « وَ رِضْوَانٍا » معناه على زعمهم - وعدهم، لأن الكافر لانصيب له في الرضوان، و هذا كقوله: « وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ » طه : 97، فلایرضی الله تعالى عنهم حتى يسلموا. (9:4)
الماوردي:« وَ رِضْوَانٍا » يعني رضي الله عنهم بنسكهم . (7:2)
الطوسي: يعني و إن ترضى عنهم منسكهم. نهی الله تعالى أن يحل و يمنع من هذه صورته، فأما من قصد البيت ظلما لأهله، وجب منعه و دفعه عنهم. (3: 421)
القشيري: و الرضوان بتوقي موجبات السخط،و مجانبة العصيان. (93:2)
الميبدي: « وَ رِضْوَانٍا » للمؤمنين على الخصوص، و المشركون يحجون في بداية الاسلام و قبل النسخ، لطلب الرزق في الدنيا ، و أما المسلمون يحجون لطلب الفضل في هذا العالم، و طلب رضوان الحق في الآخرة. (10:3)
الزمخشري: « وَ رِضْوَانٍا » و أن يرضى عنهم، أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم، تعظيما لهم واستنكارا أن يتعرض لمثلهم. قيل: هي محكمة. (591:1)
ابن عطية: قال فيه جمهور المفسرین: معناه يبتغون الفضل في الأرباح في التجارة، و يبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم و طمعهم. وقال قوم: إنما الفضل و الرضوان في الآية في معنى واحد، و هو رضا الله و فضله بالرحمة و الجزاء. فمن العرب من كان يعتقد جزاء بعد الموت، و أكثرهم إنما كانوا يرجون الجزاء والرضوان في الدنيا و الكسب و كثرة الأولاد، و يتقربون رجاء الريادة في هذه المعاني. و قرأ الأعمش ( ورضوانا ) بضم الراء . (147:2)
الطبرسي: « فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا » أي أرباحا في تجاراتهم من الله، و إن يرضى عنهم بنسکهم على زعمهم، فلايرضي الله عنهم و هم مشركون.
و قيل: يلتمسون رضوان الله عنهم بأن لايحل بهم ما حل بغيرهم من الأمم، من العقوبة في عاجل دنياهم، عن قتادة و مجاهد.
وقيل: فضلا من الله في الآخرة ورضوانا منه فيها. و قيل فضلا في الدنيا و رضوانا في الآخرة.
وقال ابن عباس: إن ذلك في كل من توجه حاجا، و به قال الضحاك والربيع. (2: 155)
الفخر الرازي: في تفسير الفضل و الرضوان وجهان:
الأول: يبتغون فضلا من ربهم بالتجارة المباحة لهم في حجهم، كقوله : « لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ » البقرة : 198، قالوا: نزلت في تجاراتهم أيام الموسم، و المعنى: لاتمنعوهم فإنما قصدوا البيت الإصلاح معاشهم و معادهم، فابتغاء الفضل للدنيا، و ابتغاء الرضوان للآخرة.
قال أهل العلم: إن المشركين كانوا يقصدون بحجهم ابتغاء رضوان الله و إن كانوا لا ينالون ذلك، فلايبعد أن يحصل لهم بسبب هذا القصد نوع من الحرمة.
والوجه الثاني: أن المراد بفضل الله: الثواب، و بالرضوان: أن يرضى عنهم؛ وذلك لأن الكافر و إن كان لا ينال الفضل و الرضوان، لكنه يظن أن بفعله طالب لهما، فيجوز أن يوصف بذلك بناء على ظنه، قال تعالى: « وَ انْظُرْ إِلى إِلهِكَ » طه : 97، وقال: « ذُقْ إِنَّکَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْکَرِيمُ» الدخان: 49. (130:12)
القرطبي: قال فيه جمهور المفسرين : معناه: يبتغون الفضل والأرباح في التجارة، و يبتغون مع ذلك رضوانه في ظنهم و طمعهم.
وقيل: كان منهم من يبتغي التجارة، و منهم من يطلب بالحج رضوان الله و إن كان لا يناله، و كان من العرب من يعتقد جزاء بعد الموت، وأنه يبعث، ولايبعد أن يحصل له نوع تخفيف في النار. (44:6)
البيضاوي: أن يثيبهم و يرضى عنهم. و الجملة في موضع الحال من المستكن في «امين » و لیست صفة له، لأنه عامل، و المختار أن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل، و فائدته استنکار تعرض من هذا شأنه، و التنبيه على المانع له.
وقيل: معناه يبتغون من الله رزقا بالتجارة و رضوانا بزعمهم. (261:1)
نحوه الكاشاني ( 7:2)، و شبر (2: 137).
أبو حيان: و أما الرضوان فإنهم كانوا يقصدونه و إن كانوا لا ينالونه، و ابتغاء الشيء لا يدل على حصوله.
وقيل : هو توزيع على المشركين، فمنهم من كان يبتغي التجارة إذ لا يعتقد معادا، و منهم من يبتغي الرضوان بالحج إذ كان منهم من يعتقد الجزاء بعد الموت و أنه يبعث، وإن كان لا يحصل له رضوان الله، فأخبر بذلك على بناء ظنه.
و قيل: كان المسلمون و المشركون يحجون، فابتغاء الفضل منهما، و ابتغاء الرضوان من المؤمنين.
وقال قتادة: هو أن يصلح معايشهم في الدنيا،ولايعجل لهم العقوبة فيها.
وقال قوم: الفضل و الرضوان في الآية في معنى واحد، و هو رضا الله تعالى و فضله بالرحمة. نهی تعالی أن يتعرض لقوم هذه صفتهم، تعظيما لهم، و استنکارا أن يتعرض لمثلهم. (420:3)
الشربيني: « و رضوانا » أي وأن يرضى عنهم. والجملة في موضع الحال من المستكن في «امين»، أي لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم،تعظيما لهم، واستنكارا أن يتعرض لمثلهم.
وقيل: معناه: يبتغون من الله رزقا بالتجارة ورضوانا بزعمهم، لأنهم كانوا يظنون ذلك فوصفوا به بناء على ظنهم، ولأن الكافر لانصيب له في الرضوان.(351:1)
أبوالسعود: و تنکیر «فضلا» و «رضوانا» للتفخيم، و « من ربهم » متعلق بنفس الفعل أو بمحذوف وقع صفة ل«فضلا» مغنية عن وصف ما عطف عليه بها، أي فضلا كائنا من ربهم ورضوانا كذلك، و التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم، لتشريفهم و الإشعار بحصول مبتغاهم.(234:2)
نحوه الآلوسي . (54:6)
البروسوي: حال من المستكن في «امين» أي قاصدين زيارته حال كونهم طالبين الرزق بالتجارة و الرضوان، أي على زعمهم، لأن الكافر لانصيب له في الرضوان، أي رضي الله تعالى ما لم يسلم. (2: 338)
نحوه القاسمي. (1801:6)
رشیدرضا: أي يطلبون بأمهم البيت و قصده التجارة والحج معا، أو ربحا في التجارة ورضاء من الله، يحول بينهم وبين عقوبته في الدنيا، فلايحل بهم ما حل بغيرهم في عاجل دنياهم، و بهذا فسره ابن جریر ورواه عن أهل الأثر، بناء على أن المراد بالكلام هنا المشركون. [ثم نقل أقوال المتقدمين و بحث في أن هل الآية منسوخة أم لا؟] (126:6)
المراغي: أي يطلبون ربحا في التجارة و رضا من الله، يحول بينهم و بين عقوبته في الدنيا، لئلايحل بهم ما حل بغيرهم في عاجل دنياهم.
وهذا كلام مع المشر کین، کما روي عن قتادة أنه قال: هم المشركون يلتمسون فضل الله و رضوانه فيما يصلح لهم دنياهم. و في رواية أخرى عنه: و الرضوان الذي يبتغون أن يصلح لهم معايشهم في الدنيا، و ألا
يعجل لهم العقوبة. (45:6)
سید قطب : يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا، و هم الذين يقصدون البيت الحرام للتجارة الحلال، و طلب الرضوان من الله، حجاجا أو غير حجاج، و أعطاهم الأمان في حرمة بيته الحرام. (838:2)
ابن عاشور: و الرضوان: رضى الله تعالى عنهم،و هو ثواب الآخرة. (18:5)
فضل الله: و في ختام ذلك نهی عن الاعتداء على الذين يؤون البيت الحرام و يقصدونه، ابتغاء رزق الله عن طريق التجارة، أو الحصول على رضى الله وفق أساليبهم العبادية الخاصة لله، و إن كانت غير خالصة له. (24:8)
2- « ... تَرَیهُمْ رُکَّعًا سُجَّدًا یَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَانًا ...» . الفتح : 29
الطبري: «وَ رِضْوَانًا» يقول: و أن يرضى عنهم ربهم. (369:11)
مثله الثعلبي . (65:9)
الطوسی: و يطلبون مرضاته من طاعة وترك معصية. (336:9)
نحوه الطبرسي. (127:5)
القشيري: يطلبون من الله الفضل والرضوان. (433:5)
الميبدي: أن يتقبل أعمالهم التي أتوا بها على قدر إمكانهم. و قيل: « یَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَ رِضْوَانًا » أن يدخلهم الجنة،« وَ رِضْوَانًا » أن يرضى عنهم. (231:9)
ابن عطية: كأنه قال: علامتهم في تحصيلهم الرضوان يوم القيامة.( 141:5)
القرطبي: أي يطلبون الجنة، و رضا الله تعالى الثانية. (293:16)
أبو حيان: وقرأ عمرو بن عبيد ( ورضوانا)،بضم الراء. (102:8)
ابن كثير: وصفهم بكثرة العمل و كثرة الصلاة، و هي خير الأعمال، و وصفهم بالإخلاص فيها الله عز وجل، والاحتساب عند الله تعالى جزيل الثواب، و هو الجنة المشتملة على فضل الله عز و جل و هو سعة الرزق عليهم و رضاه تعالى عنهم، وهو أكبر من الأول، كما قال جل وعلا: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » التوبة : 72.(364:6)
الشربيني:« وَ رِضْوَانًا » أي رضا منه عظيما بما نالهم من رحمته التي هيأهم بها للإحسان إلى عياله، فنزعوا الهوى من صدورهم، فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن إليهم، لايرون سيدا غيره، ولا محسن سواه. (57:4)
أبوالسعود: و قوله تعالى: «سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً » أي ثوابا و رضا، إما خبر آخر أو حال من ضمير« تريهم » أو من المستتر في « رکعا سجدا » أو استئناف مبني على سؤال نشأ من بیان مواظبتهم على الركوع والسجود، كأنه قيل: ماذا يريدون بذلك، فقيل: يبتغون فضلا من الله .....(108:6)
نحوه الآلوسي. (124:26)
البروسوي: « وَ رِضْوَانًا » أي ثوابا و رضی
وقال بعض الكبار: قصدهم في الطاعة والعبادة الوصول والوصال و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال الراغب: الرضوان : الرضى الكثير. (57:9)
سید قطب:.... و اللقطة الثالثة مثلها، و لكنها القطة لبواطن نفوسهم و أعماق سرائرهم « يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا »، فهذه هي صورة مشاعرهم الدائمة الثابتة. كل ما يشغل بالهم، و كل ما تتطلع إليه أشواقهم، هو فضل الله ورضوانه، و لاشيء وراء الفضل والرضوان يتطلعون إليه و يشتغلون به. (3332:6)
مغنية: و المعنى: أن الصحابة ركعوا و سجدوا رغبة في مرضاة الله و ثوابه، و خوفا من غضبه و عقابه . (103:7)
الطباطبائي: الرضوان أبلغ من الرضا. (299:18)
مکارم الشيرازي:...أما الوصف الرابع الذي تذکره الآية عن هؤلاء الأصحاب، فهو بيان نيتهم الخالصة الطاهرة، فتقول:« يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا » فهم لا يعملون ریاء و لايبتغون من الخلق الثواب، بل هدفهم رضا الله وفضله فحسب، و الباعث على تحركهم في حياتهم جميعا هو هذا الهدف، ليس الا. (496:16)
رضوانه
1-« يَهْدِي بِهِ اَللّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ اَلسَّلامِ ». المائدة : 16
الطبري: و اختلف في معنى الرضا من الله جل و عز، فقال بعضهم: الرضا منه بالشيء: القبول له، و المدح والثناء. قالوا: فهو قابل الإيمان و مزک له، و مثن على المؤمن بالإيمان، و واصف الإيمان بأنه نور و هدی و فصل.
و قال آخرون: معنى الرضا من الله جل و عز معنی مفهوم، هو خلاف السخط، و هو صفة من صفاته على ما يعقل من معاني الرضا، الذي هو خلاف السخط. و ليس ذلك بالمدح، لأن المدح والثناء قول، و إنما یثني و يمدح ما قد رضي، قالوا: فالرضا معنى، و الثناء و المدح معنى ليس به. (503:4)
الزجاج: «رِضْوانَهُ» بالكسر والضم. (161:2)
الثعلبي:: «رِضْوانَهُ»: رضاه، و معنی رضاه بالشيء: قبو له و مدحه له فأثابه عليه، وهو خلاف السخط و الغضب.(39:4)
الطوسي: يعني رضا الله، و الرضوان و الرضا من الله ضد السخط، و هو إرادة الثواب لمستحقه.
وقال قوم: هو المدح على الطاعة و الثناء.
و قال الرماني: هو جنس من الفعل يقتضي وقوع الطاعة الخالصة مما يبطلها، و يضاف الغضب. قال: لأن الرضا بما كان يصح، و إرادة ما كان لا يصح؛ إذ قد يصح أن يرضى بما كان، و لا يصح أن يريد ما كان.
و هذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأن الرضا عبارة عن إرادة حدوث الشيء من الغير، غير أنها لا تسمى بذلك إلا إذا وقع مرادها، ولم يتخللها كراهة، فتسميتها بالرضا موقوفة على وقوع المراد، إلا أن بعد وقوع المراد بفعل إرادة، هي رضا لما كان، فسقط ما
قاله. (475:3)
الميدي : من اتبع مارضيه الله من تصديق محمد صلی الله علیه و آله. (70:3)
الزمخشري: « مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ » من آمن به. (601:1)
الطبرسي: أي من اتبع رضاء الله في قبول القرآن
والإيمان و تصديق النبي صلی الله علیه و آله و اتباع الشرائع. (175:2)
الفخر الرازي: « مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ » من کان مطلوبه من طلب الدين اتباع الدين الذييرتضيه الله تعالى، فأما من كان مطلوبه من دينه تقرير ما ألفه و نشأ عليه و أخذه من أسلافه، مع ترك النظر و الاستدلال، فمن كان كذلك فهو غير متبع رضوان الله تعالى.(190:11)
القرطبي: أي ما رضيه الله. (118:6)
الشربيني: أي رضاه بأن آمن. (363:1)
أبوالسعود: أي رضاه بالإيمان به. (251:2)
مثله البروسوي (2: 369)، و الآلوسي (6: 98)، و القاسمي (1921:6).
سید قطب: لقد رضي الله الإسلام دينا، وهو يهدي من يتبع رضوانه هذا، و يرتضيه لنفسه كما رضیه الله له. (862:2)
مغنية: أي من رغب في مرضاة الله وحده، و طلب الحق لوجه الحق، فإنه يجد في الإسلام بغيته و مرامه. (34:3)
وسيأتي تمام الكلام في: هدی: « يهدی ».
2- « ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ ». محمد : 28
الطبري: يقول: و كرهوا ما يرضيه عنهم من قتال الكفار به، بعد ما افترضه عليهم. ( 323:11)
الزجاج: المعنى - والله أعلم ذلك جزاؤهم بأنهم اتبعوا الشيء الذي أسخط الله،« وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ » أي اتبعو من خالف النبي صلی الله علیه و آله و من خالف الشريعة، و کرهوا الإيمان بالنبي و اتباع شریعته. ( 14:5)
الطوسي: أي كرهوا سبب رضوانه من الإيمان والطاعات، و الامتناع من القبائح. (9: 305)
الميبدي: أي مافيه رضوان الله من الإيمان والطاعة، و نصرة المؤمنين. (195:9)
الزمخشري: و « رِضْوانَهُ » الإيمان برسول الله . (537:3)
ابن عطية: و الرضوان هنا: الشرع والحق المؤدي إلى رضوان. (120:5)
الطبرسي: أي سبب رضوانه من الإيمان و طاعةالرسول. (106:5)
الفخر الرازي: [ له كلام سيأتي في: «س خط». (68:28)
القرطبي: يعني الإيمان. (251:16)
البيضاوي: مايرضاه من الإيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات. (397:2)
أبو حيان: و هو الإيمان بالله و اتباع دينه. (8: 84)
الشربيني: بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان، فهم لما دونه بالقعود عن الطاعات أكره، لأن
ذلك ظاهر غاية الظهور في أن فاعله غير معذور في ترك النظر فيه. (32:4)
أبوالسعود: أي ما يرضاه من الإيمان والطاعة؛ حيث كفروا بعد الإيمان، وخرجوا عن الطاعة بما صنعوا من المعاملة مع اليهود. (92:6)
مثله البروسوي. (8: 519)
الآلوسي: [ نقل مثل أبي العود و أضاف:]
و قيل: ما أسخط الله کتمان نعت الرسول صلی الله علیه و آله و رضوانه ما يرضيه سبحانه من إظهار ذلك، و هو مبني على أن ما تقدم إخبار عن اليهود، و قد سمعت ما فیه. (76:26)
القاسمي: أي في معاداتهم، فأدى بهم إلى الردة. (5389:15)
ابن عاشور: و في ذكر اتباع ما أسخط الله و کراهة رضوانه محسن الطباق مرتين، للمضادة بين السخط و الرضوان، والاتباع و الكراهية. و الجمع بين الإخبار عنهم باتباعهم ما أسخط الله و کراهتهم رضوانه، مع إمكان الاجتزاء بأحدهما عن الآخر، للإيماء إلى أن ضرب الملائكة وجوه هؤلاء مناسب الإقبالهم على ما أسخط الله، و أن ضربهم أدبارهم مناسب لكراهتهم رضوانه، لأن الكراهة تستلزم الإعراض و الإدبار، ففي الكلام أيضا محسن اللف والنشر المرتب. (100:26)
مغنية: يعذبهم الله سبحانه عند الموت و بعده أيضا، لأنهم آثروا سخطه على رضوانه. (75:27)
الطباطبائي: والسخط والرضا من صفاته تعالى الفعلية، والمراد بهما العقاب و الثواب. (242:18)
مکارم الشيرازي: لأن رضى الله سبحانه هو شرط قبول الأعمال و کل سعی و جهد، و بناء على هذا، فمن الطبيعي أن تحبط أعمال أولئك الذين يصرون على إغضاب الله عزو جل و إسخاطه، و يخالفون ما يرتضيه، و يودعون هذه الدنيا وهم خالو الوفاض، قد أثقلتهم أوزارهم، و أرهقتهم ذنوبهم.
إن حال هؤلاء القوم يخالف تماما حال المؤمنين الذين تستقبلهم الملائكة بوجوه ضاحكة، عندما يشرفون على الموت، و تبشرهم بما أعد الله لهم: « الّذینَ تَتَوفّیهُم المَلئکَهُ طَیبِینَ یقُولُونَ سَلامٌ عَلَیکُم ادخُلُوا الجَنَّهَ بِما کُنتُم تَعمَلونَ » النحل : 32.
و مما يلفت النظر أن الجملة فعلية في مورد غضب الله تعالى: « ما أسخط الله » و هي اسمية في مورد رضاه: « رضوانه ». و قال بعض المفسرين: إن هذا التفاوت في التعبير يتضمن نكتة لطيفة، و هي أن غضب الله قد يحدث و قد لا يحدث، أما رضاه و رحمته فهي مستمرة دائمة.
و واضح أيضا أن غضب الله تعالى و سخطه لا يعني التأثر النفسي، كما أن رضاه سبحانه لايعني انبساط الروح و انشراح الأسارير، بل هما كما ورد في حديث الإمام الصادق علیه السلام: « غضب الله عقابه، و رضاه ثوابه ». (352:16)
فضل الله : « و كرهوا رضوانه » والتكامل مع
المؤمنين في خط الإيمان، و العمل بطاعة الله، و السير على منهجه، و قتال أعدائه. (75:21)
تراضوا
« وَ إِذا طَلَّقْتُمُ اَلنِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ... » البقرة : 232
الماوردي: تأويلان:
أحدهما: إذا تراضى الزوجان.
والثاني: إذا رضيت المرأة بالزوج الكافي. قال الشافعي: و هذا بين في كتاب الله تعالى يدل على أن ليس للمرأة أن تنكح بغير ولي. (298:1)
تمام الكلام سيأتي في: ع رف: «بالمعروف».
تراضيم
« فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ». النساء : 24
ابن عباس: و التراضي أن يوفيها صداقها، ثم يخيرها. (الطبري4: 16)
لا جناح عليكم فيما تراضیتم به و دفعتموه أن يعود إليكم عن تراض. (الماوردي 1: 471)
الحسن : أي تراضیتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره، أو هبة جميعه.
و مثله ابن زيد. (الطوسي 3: 167)
السدي: إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى - يعني الأجرة التي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضا بكذا و كذا، فازداد قبل أن يستبرئ رحمها، ثم تنقضي المدة، وهو قوله : « فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ ». (الطبري 4: 16)
لا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم أنتم والنساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل بینکم أن یزدنكم في الأجل و تزيدوهن في الأجر قبل أن يستبرئن أرحامهن . (الماوردي 1: 471)
ابن زيد: إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ. (الطبري 4: 16)
الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أدركتكم عسرة بعد أن فرضتم لنسائكم أجورهن فريضة فيما تراضيتم به، من حط و براءة، بعد الفرض الذي سلف منكم لهن ما کنتم فرضتم...زعم حضرمي أن رجالا كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن تدرك أحدهم العسرة، فقال الله:« وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ ».
وقال آخرون: معنى ذلك: و لا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم أنتم و النساء اللواتي استمتعتم بهن إلى أجل مسمى، إذا انقضى الأجل الذي أجلتموه بینکم و بينهن في الفراق، أن يزدنكم في الأجل و تزيدوا من الأجر والفريضة، قبل أن يستبرئن أرحامهن.
و قال آخرون: معنى ذلك: ولا جناح عليكم أيها
الناس فيما تراضیتم به أنتم و نساؤكم، بعد أن تؤتوهن أجورهن على استمتاعكم بهن من مقام و فراق.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا جناح علیکم فيما وضعت عنكم نساؤكم من صدقاتهن من بعد الفريضة.
و أولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: معنى ذلك: ولاحرج عليكم أيها الناس فيما تراضیتم به أنتم و نساؤكم، من بعد إعطائهن أجورهن على التكاح الذي جری بینکم و بينهن، من حط ما وجب لهن عليكم، أو إبراء أو تأخير و وضع؛ وذلك نظير قوله جل ثناؤه: « وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا » النساء : 4.
فأما الذي قاله السدي، فقول لا معنى له لفساد القول بإحلال جماع امرأة بغیر نکاح، و لا ملك يمين. (15:4)
الزجاج: أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لايجب إلا لمن دخل بها. (2: 39)
الثعلبي: يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها. (289:3)
الماوردي: فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: معناه: لا حرج عليكم أيها الأزواج إن أعسرتم بعد أن فرضتم لنسائکم مهر اعن تراض أن ينقصنكم منه ويتركنكم، وهذا قول سليمان بن المعتمر. (471:1)
الطوسي: قال السدي و قوم من أصحابنا: معناه: لاجناح عليكم فيما تراضیتم به من استئناف عقد آخر، بعد انقضاء المدة التي تراضيتم عليها، فتزيدها في الأجر، و تزيدك في المدة. (167:3)
القشيري: إذا حافظت الحدود، و راعيت العهود، وحصل التراضي بين النساء بحكم الشرع، فما لا يكون فيه للخلق خصيمة، ولا من الحق سبحانه منه تبعة، فذلك مباح طلق. (19:2)
الميبدي: يعني من حط من المهر و إبراء من بعض الصداق أو كله، أي لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للرجل مهرها، أو يهب الرجل للمرأة إن لم يدخل بها نصف المهر الذي لايجب لها إلا بالدخول. و قيل: لا بأس أن ترضى المرأة من النفقة بدون نفقة مثلها. (470:2)
الزمخشري: فيما تحط عنه من المهر، أو تهب له من كله، أو يزيد لها على مقداره.و قيل: فيما تراضيابه من مقام أو فراق. و قيل: نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام، حين فتح الله مكة على رسوله عليه الصلاة و السلام، ثم نسخت، كان الرجل ينكح المرأة وقتا معلوما ليلة أو ليلتين أو أسبوعا بثوب أو غير ذلك، و يقضي منها وطره ثم يسرحها. سمیت متعة لاستمتاعه بها، أو لتمتيعه لها بما يعطيها. (519:1)
ابن عطية: قال القائلون بأن الآية المتقدمة أمر بإيتاء مهور النساء إذا دخل بهن. إن هذه إشارة إلى ما يتراضی به من حط أو تأخير بعد استقرار الفريضة، فإن ذلك الذي يكون على وجه الرضا جائز ماض.
وقال القائلون بأن الآية المتقدمة هي أمر المتعة، إن الإشارة بهذه إلى أن ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة و زيادة في الأجر، جائز سائغ. (36:2)
الطبرسي: من قال: إن المراد بالاستمتاع: الانتفاع و الجماع، قال: المراد به لاحرج ولا إثم عليكم فيما تراضیتم به من زيادة مهر أو نقصانه، أو حط أو إبراء أو تأخير.
وقال السدي: معناه لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدة الأجل المضروب في عقد المتعة، يزيدها الرجل في الأجر، و تزيده في المدة. و هذا قول الإمامية و تظاهرت به الروايات عن أئمتهم. (33:2)
الفخر الرازي: و فيه مسائل:
المسألة الأولى : الذين حملوا الآية المتقدمة على بیان حكم النكاح، قالوا: المراد أنه إذا كان المهر مقدرا بمقدار معين، فلا حرج في أن تحط عنه شيئا من المهر أو تبرئهعنه بالكلية، فعلى هذا المراد من التراضي: الحط من المهر أو الإبراء عنه، و هو كقوله تعالى: « فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا » النساء: 4، وقوله: « إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا اَلَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ اَلنِّكاحِ » البقرة : 237 .
و قال الزجاج : معناه: لا إثم عليكم في أن تهب المرأة للزوج مهرها، أو يهب الزوج للمرأة تمام المهر إذا طلقها قبل الدخول.
و أما الذين حملوا الآية المتقدمة على بيان المتعة قالوا: المراد من هذه الآية أنه إذا انقضى أجل المتعة لم يبق للرجل على المرأة سبيل ألبتة. فإن قال لها: زيديني في الأيام و أزيدك في الأجرة كانت المرأة بالخيار، إن شاءت فعلت، و إن شاءت لم تفعل، فهذا هو المراد من قوله: «وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ » أي من بعد المقدار المذكور أو من الأجر و الأجل.
المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إلحاق الزيادة في الصداق جائز، و هي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها، أما إذا طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة، و كان لها نصف المسمى في العقد. وقال الشافعي رحمة الله عليه: الزيادة بمنزلة الهبة، فإن أقبضها ملكته بالقبض، و إن لم يقبضها بطلت.
احتج أبوبكر الرازي لأبي حنيفة بهذه الآية، فقوله: « وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ » يتناول ما وقع التراضي به في طرفي الزيادة و النقصان، فكان هذا بعمومه يدل على جواز إلحاق الزيادة بالصداق. قال: بل هذه الآية بالزيادة أخص منها بالنقصان، لأنه تعالى علقه بتراضيهما، والبراءة و الحط لايحتاج إلى رضا الزوج، و الزيادة لاتصح إلا بقبوله، فإذا علق ذلك بتراضيهما جميعا، دل على أن المراد هو الزيادة.
والجواب: لم لايجوز أن تكون الزيادة عبارة عما ذكره الزجاج؟ وهو أنه إذا طلقها قبل الدخول، فإن شاءت المرأة أبرأته عن النصف، و إن شاء الزوج سلم إليها كل المهر، و بهذا التقدیر یکون قد زادها عما وجب عليه تسليمه إليها. و أيضا عندنا أنه لاجناح في
تلك الزيادة إلا أنها تكون هبة. و الدليل القاطع علی بطلان هذه الزيادة أن هذه الزيادة لو التحقت بالأصل لكان إما مع بقاء العقد الأول، أو بعد زوال العقد. و الأول باطل، لأن العقد لما انعقد على القدر الأول، فلو انعقد مرة أخرى على القدر الثاني، لكان ذلك تكوينا لذلك العقد بعد ثبوته، و ذلك يقتضي تحصيل الحاصل و هو محال. والثاني باطل لانعقاد الإجماع على أن عند إلحاق الزيادة لا يرتفع العقد الأول، فثبت فساد ما قالوه و الله أعلم. (54:10)
القریطی: ای من زیادة و نقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي بعد استقرار الفريضة. و المراد: إبراء المرأة عن المهر، أو توفية الرجل كل المهر إن طلق قبل الدخول.
وقال القائلون بأن الآية في المتعة: هذا إشارة إلى ما تراضيا عليه من زيادة في مدة المتعة في أول الإسلام، فإنه كان يتزوج الرجل المرأة شهرا علی دینار مثلا، فإذا انقضى الشهر، فربما كان يقول: زيديني في الأجل ازدك في المهر. فبين أن ذلك كان جائزا عند التراضي. (135:5)
أبو حيان: لما أمروا بإيتاء أجور النساء المستمتع بهن، كان ذلك يقتضي الوجوب، فأخبر تعالى أنه لاحرج ولا إثم في نقص ما تراضوا عليه، أورده، أو تأخره، أعني الرجال و النساء من بعد الفريضة. فلها أن ترده علیه، و أن تنقص، و أن تؤخر، هذا ما يدل عليه سياق الكلام، و هو نظير: « فَإِنْ طِبْنَ لَکُمْ عَنْ شَئْ مِنْهُ نَفْسًا فَکُلُوهُ هَنِیئًا مَرِیئًا » النساء : 4، و إلى هذا ذهب الحسن و ابن زيد.
وقال السدي: هو في المتعة، والمعنى: فيما تراضیتم به من بعد الفريضة زيادة في الأجل، و زيادة في المهر، قبل استبراء الرحم. وقال ابن عباس: في ردما أعطيتموهن إليكم. وقال ابن المعتمر: فيما تراضيتم به من النقصان في الصداق إذا أعسرتم.
و قيل : معناه إبراء المرأة عن المهر، أو توفيته، أو توفية الرجل كل المهر إن طلق قبل الدخول. وقيل: فيما تراضیتم به من بعد فرقة، أو إقامة بعد أداء الفريضة، وروي عن ابن عباس. وقد استدل على الزيادة في المهر بقوله: « وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ »، قيل: لأن ( ما ) عموم في الزيادة و النقصان و التأخير و الحط و الإبراء، و عموم اللفظ يقتضي جواز الجميع، وهو بالزيادة أخص منه بغيرها مما ذكرناه، لأن المرأة و الحط والتأجيل لايحتاج في وقوعه إلى رضا الرجل، و الاقتصار على ما ذكر دون الزيادة، يسقط فائدة ذكر تراضيهما.
وذهب أبو حنيفة، و أبو يوسف، و محمد: إلى أن الزيادة في الصداق بعد النكاح جائزة، و هي ثابتة إن دخل بها أو مات عنها. و إن طلقها قبل الدخول بطلت الزيادة.
و قال مالك: تصح الزيادة، فإن طلقها قبل الدخول رجع ما زادها إليه، و إن مات عنها قبل أن يقبض فلاشيء لها.
وقال الشافعي و زفر: الزيادة بمنزلة هبة مستقبلة
إن أقبضها جازت، و إلا بطلت. (3: 219)
أبوالسعود: أي لا إثم عليكم فيما تراضيتم به، من الحط عن المهر أو الإبراء منه، على طريقة قوله تعالى: « فَإِنْ طِبْنَ لَکُمْ عَنْ شَی مِنْهُ نَفْساً فَکُلُوهُ » النساء : 4، إثر قوله تعالى: «وَ آتُوا اَلنِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ » النساء: 4، وقوله تعالى: « الا أن يعفون » البقرة: 237، و تعميمه للزيادة على المسمى لا يساعده رفع الجناح عن الرجال، لأنها ليست مظنة الجناح، إلا أن يجعل الخطاب للأزواج تغليبا، فإن أخذ الزيادة على المسمى مظنة الجناح على الزوجة.
و قيل: فيما تراضیتم به من نفقة و نحوها، و قيل: من مقام أو فراق، و لا يساعده قوله تعالى: « مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ » إذ لا تعلق لهما بالفريضة إلا أن يكون الفراق بطريق المخالعة.
وقيل: نزلت في المتعة التي هي النكاح إلى وقت معلوم من يوم أو أكثر، سميت بذلك، لأن الغرض منها مجرد الاستمتاع بالمرأة و استمتاعها بما يعطى، و قد أبيحت ثلاثة أيام حين فتحت مكة شرفها الله تعالى، ثم نسخت لما روي أنه علیه السلام أباحها، ثم أصبح يقول: يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلا أن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة. و قيل: أبيح مرتين و محرم مرتين. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه رجع عن القول بجوازه عند موته، وقال: «اللهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، و قولي في الصرف». (123:2)
البروسوي: أي في أن تراضيتم بعد النكاح،على زيادة المهر من جانب الزوج، أو على الحط من المهر من جانب الزوجة، وأن تهب لزوجها جميع مهرها. (189:2)
الآلوسي: « و لاجناح »، أي لا إثم « عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ » من الحط عن المهر أو الإبراء منه أو الزيادة على المسمى، و لا جناح في زيادة الزيادة، لعدم مساعدة « و لا جناح » إذا جعل الخطاب للأزواج تغليبا، فإن أخذ الزيادة مظنة ثبوت المنفي للزوجة « مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ » أي الشيء المقدر. و قيل: « فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ » من نفقة و نحوها، و قيل: من مقام أو فراق. و تعقبه شيخ الإسلام بأنه لا يساعده ذکر الفريضة؛ إذ لاتعلق لهما بها إلا أن يكون الفراق بطريق المخالعة.
وقيل: الآية في المتعة، وهي النكاح إلى أجل معلوم من يوم أو أكثر، والمراد: « وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ » من استئناف عقد آخر بعد انقضاء الأجل المضروب في عقد المتعة، بأن يزيد الرجل في الأجر و تزيده المرأة في المدة، و إلى ذلك ذهبت الإمامية، والآية أحد أدلتهم على جواز المتعة، و أيدوا استدلالهم بها بأنها في حرف أبي (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمی ) و كذلك قرأ ابن عباس و ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، و الكلام في ذلك شهير، ولانزاع عندنا في أتها أحلت ثم حرمت. [ثم أدام الكلام في حلية المتعة وعدمها فراجع: م ت ع: « استمتعتم »] (5:5)
رشید رضا: أي لاحرج ولاتضييق عليكم منه
تعالى إذا تراضيتم بعد الفريضة على الزيادة فيها، أو النقص منها: أو حطها كلها، فإن الغرض من الزوجية أن تكونوا في عيشة راضية ومودة و رحمة تصلح بها شؤنكم، وترتقي بها أمتكم، و الشرع يضع لكم قواعد العدل، و يهديكم مع ذلك إلى الإحسان والفضل. [إلى أن قال:]
هذا هو المتبادر من نظم الآية، فإنها قد بينت ما يحل من نكاح النساء، في مقابلة ما حرم فيما قبلها و في صدرها، و بينت كيفيته، و هو أن يكون بجمال يعطي للمرأة، و بأن يكون الغرض المقصود منه الإحصان دون مجرد التمتع بسفح الماء.[ ثم أطال الكلام في عدم جواز المتعة راجع: م ت ع : « استمتعتم»] (12:5)
المراغي: أي و لاتضييق عليكم إذا تراضيتم على النقص في المهر بعد تقديره، أو تر که کله أو الزيادة فيه؛ إذ ليس الغرض من الزوجية إلا أن يكونا في عيشة راضية يستظلان فيها بظلال المودة والرحمة و الهدوء و الطمأنينة، و الشارع الحكيم لم يضع لكم إلا مافيه سعادة الفرد و الأمة، و رقي الشؤون الخاصة والعامة. (7:5)
سيد قطب: فلا حرج عليهما في أن تتنازل الزوجة عن مهرها كله أو بعضه بعد بیانه و تحديده. و بعد أن أصبح حقا لها خالصا تتصرف فيه، كما تتصرف في سائر أموالها بحرية، ولا جناح عليهما في أن يزيدها الزوج على المهر، أو يزيدها فيه. فهذا شأنه الخاص. و هذا شأنهما معا، يتراضيان عليه في حرية و سماحة. (625:2)
ابن عاشور: وأمانكاح التفويض : وهو أن ينعقد النكاح مع السكوت عن المهر، و هو جائز عند جميع الفقهاء فجوازه مبني على أنهم لا يفوضون إلا و هم يعلمون معتاد أمثالهم، و يكون «فريضة» بمعنى تقديرا، و لذلك قال : « وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ »، أي فيمازدتم لهن أو أسقطن لكم عن طيب نفس. فهذا معنى الآية بينا، لا غبار عليه. [ ثم أدام الكلام في حلية المتعة و عدمها] (88:4)
مغنية: إذا جرى الزواج على مهر مبنين محدد في متن العقد يصبح حقا لازما للزوجة، تتصرف فيه كيفما تشاء. و لكن هذا لا يمنع أن يتراضی الزوجان بعد ذلك على ترك المهر كلا أو بعضا، أو الزيادة عليه، كما أنه لا مانع أن يتراضيا على نوع النفقة و مقدارها، أو ترکها من الأساس، أو يتراضيا على الطلاق، أو على الرجوع بعد الطلاق، أو بعد انقضاء أمد المتعة، وما إلى ذلك ضمن الحدود الشرعية.(299:2)
عبد الكريم الخطيب: دعوة إلى المياسرة بين الزوجين في المهر، فللمرأة بعد أن يعطيها الرجل المهر المناسب لها، أن تنزل عنه أو عن بعضه له، و للرجل بعد أن يعطي المهر المطلوب منه، أن يزيد فيما أعطى. و في هذا و ذاك تبادل لعواطف المودة و المعروف بین الزوجين الأمر الذي ينتظم به شمل الأسرة، و تقوم علیه سعادتها. (739:3)
مکارم الشيرازي: (له بحث طويل ذيل هذه الآية راجع: م ت ع: «استمتعم» ] (3: 159)
فضل الله: راجع: م ت ع : « استمتعتم»
تراض
1-« ... فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ...» البقرة : 233
راجع: ش و ر: « تشاور » و: ف ص ل: «فصالا ».
2- « يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اَللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ». النساء : 29
الزجاج: فاعلم أن التجارة تصح برضا البيع و المشتري. (44:2)
رشید رضا: ، المعنى إلا أن توجد تجارة عن تراض منكم، و الاستثناء منقطع. قالوا: و المعنى: لاتقصدوا إلى أكل أموال الناس بالباطل، و لكن اقصدوا أن تربحوا با لتجارة التي تكون صادرة عن التراضي منکم. و تخصيصها بالذكر دون سائر أسباب الملك لكونها أكثر وقوعا، و أوفق لذوي المروءات. و روی ابن جرير عن الحسن و عكرمة أنهما قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور: 61 « وَ لا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ».
و روى ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: إنها محكمة ما سخت و لاتنسخ إلى يوم القيامة.
الأستاذ الإمام: قالوا: إن الآية دليل على تحريم ما عدا ربح التجارة من أموال الناس - أي كالهدية و الهبة ثم نسخ ذلك بآية النور المبيحة للإنسان أن يأكل من بيوت أقاربه وأصدقائه. و هو افتراء على الذين لا أصل له أي لم تصح روايته عن عزي إليه - إذ لا يعقل أن تكون الهبة محرمة في وقت من الأوقات، ولاما في معناها كإقراء الضيف، و إنما يكون التحريم فيما يمانع فيه صاحب المال فيؤخذ بدون رضاه، أو بدون علمه، مع العلم أو الظن بأنه لا يسمح به. و إنما استثنىالله التجارة من عموم الأموال التي يجري فيها الأكل بالباطل، أي بدون مقابل، لأن معظم أنواعها يدخل فيها الأكل بالباطل، فإن تحديد قيمة الشيء، و جعل عوضه أو ثمنه على قدره بقسطاس الحق المستقيم، عزیز و عسير إن لم يكن محالا.
فالمراد من الاستثناء التسامح بما يكون فيه أحد العوضين أكبر من الآخر، و ما يكون سبب التعاوض فيه براعة التاجر في تزيين سلعته و ترويجها بزخرف القول، من غير غش ولاخداع، ولا تغریر، كما يقع ذلك كثيرا. فإن الإنسان كثيرا ما يشتري الشيء من غير حاجة شديدة إليه، و كثيرا ما يشتريه بثمن يعلم أنه يمكن ابتیاعه بأقل منه من مكان آخر، ولا يكون سبب ذلك إلا خلابة التاجر و زخرفه، وقد يكون ذلك من المحافظة على الصدق، و اتقاء التغرير و الغش فيكون من باطل التجارة الحاصلة بالتراضي، وهو المستثنی، و الحكمة في إباحة ذلك الترغيب في التجارة، لشدة حاجة الناس إليها، و تنبيه الناس إلى استعمال ما أوتوا من الذكاء والفطنة في اختبار الأشياء، والتدقيق في المعاملة حفظ الأموالهم التي جعلها الله لهم قياما أن يذهب شيء منها بالباطل، أي
بدون منفعة تقابلها. فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا خرج به الربح الكثير الذي يكون بغير غش ولاتغرير، بل بتراض لم تنخدع فيه إرادة المغبون، و لو لم يبح مثل هذا لما رغب في التجارة، و لااشتغل بها أحد من أهل الدين، على شدة حاجة العمران إليها، و عدم الاستغناء عنها؛ إذ لا يمكن أن تتبارى الهمم فيها مع التضييق في مثل هذا. وقد شعر الناس منذ العصور الحالية بما يلابس التجارة من الباطل، حتى أن اليونانيين جعلوا للتجارة و السرقة إلها أو ربا واحدا، فيما كان عندهم من الآلهة والأرباب، لأنواع المخلوقات و كليات الأخلاق والأعمال، انتهى ما قاله في الدرس، مع زيادة و إيضاح.
وقد علمت أن الجمهور على أن الاستثناء منقطع، أي إن المقام مقام الاستدراك لا الاستثناء، والمعنى: لا تكونوا من ذوي الطمع الذين يأكلون أموال الناس بغير مقابل لها من عين أو منفعة، و لكن كلوها بالتجارة التي قوام الحل فيها التراضي، فذلك هو اللائق بأهل الدين و المروءة إذا أرادوا أن يكونوا من أهل الدثور والثروة. وقال البقاعي: إن الاستدراك الايجيء في النظم البليغ بصورة الاستثناء، أي الذي يسمونه الاستثناء المنقطع إلا النكتة. وقال: إن النكتة هنا هي الإشارة إلى أن جميع ما في الدنيا من التجارة، وما في معناها من قبيل الباطل، لأنه لاثبات له و لابقاء، فينبغي ألا يشتغل به العاقل عن الاستعداد للدار الآخرة التي هي خير و أبقى.
و في الآية من الفوائد أن مدار حل التجارة عن تراضي المتبايعين، و الغش و الكذب من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، و كل ما يشترط في البيع عند الفقهاء فهو لأجل تحقيق التراضي من غير غش، و ما عدا ذلك فلا علاقة له بالدين. (41:5)
ابن عاشور: و قوله: « عن تراض منكم » صفة ل« تجارة »، و (عن) فيه للمجاوزة، أي صادرة عن التراضي، و هو الرضا من الجانبين، بما يدل عليه من لفظ أو عرف. و في الآية ما يصلح أن يكون مستندا لقول مالك من نفي خيار المجلس، لأن الله جعل مناط الانعقاد هو التراضي، و التراضي يحصل عند التبايع بالإيجاب والقبول. (101:4)
عبد الكريم الخطيب: هو استثناء متصل، وليس استثناء منفصلا، كما ذهب إلى ذلك الزمخشري، و أكثر المفسرين.
فالتجارة: هي من تلك المائدة الممدودة بين الناس «اموالكم» بل هي الوجه الواضح من هذه المائدة؛ إذ كانت أكثر الأموال دائرة في فلك التجارة، متداولة بين أيدي الناس عن طريقها.
و في عمليات التجارة، ربح وخسارة. و في جانب الربح، قد يحصل كثير من الناس على أموال طائلة. و هذه الأموال التي ربحها الرابحون هي خسارة قد خسرها آخرون، و الصورة في جانب الربح تبدو و كأنها أكل لأموال الناس بالباطل، ذلك الأكل الذي ورد صدر الآية الكريمة بالنهي عنه.
فهل هذا المال مال الربح في التجارة أيا كان من الكثرة، هل هو داخل في هذا المال المنهي عن أكله
بالباطل؟ و هل يتناوله الحكم الواقع عليه؟ هذا ما استثناه الله تعالى في قوله: « إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ».
فهذا المال ليس من الباطل في شيء، هو مال حلال؛ إذ جاء عن عمليات بيع و شراء، لاقهر فيها، و لاتدليس أو غش بين البائعين و المشترين. (3: 771)
ومضى باقي المطالب في:ت ج ر: « تجارة ».
ارتضی
1- « یَعْلَمُ ما بَیْنَ أَیْدیهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلایَشْفَعُونَ إِلّا لِمَنِ ارْتَضی وَهُمْ مِنْ خَشْیَتِهِ مُشْفِقُونَ ». الأنبياء : 28
ابن عباس : هم أهل شهادة أن لا إله إلا الله. (الثعلي 6: 273)
مجاهد: لمن رضي عنه. (الطبري 18:9)
قتادة: قوله: « إِلّا لِمَنِ ارْتَضی » يوم القيامة. (الطبري 18:9)
الطبري: يقول: الذين ارتضی هم شهادة أن لا إله إلا الله. (18:9)
الرماني: لمن ارتضى عمله. (الماوردي 443:3)
الطوسي: قال أهل الوعيد: معناه: لا يشفع هؤلاء الملائكة إلا لمن ارتضى الله جميع عمله، قالوا: و ذلك يدل على أن أهل الكبائر لايشفع فيهم، لأن أعمالهم لیست رضا لله.
و هذا الذي ذكروه ليس في الظاهر، بل لا يمتنع أن يكون المراد: لا يشفعون إلا لمن رضي الله أن يشفع فيه، كما قال تعالى « مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ»البقرة : 250، و المراد: أنهم لا يشفعون إلا من بعد إذن الله لهم، فيمن يشفعون فيه. و لو سلمنا أن المراد إلا لمن رضي عمله، لجاز لنا أن نحمل على أنه رضي إيمانه، و كثيرا من طاعاته.
فمن أين أنه أراد: إلا لمن رضي جميع أعماله؟ و معنی رضا الله عن العبد، إرادته لفعله الذي عرض به للثواب. (241:7)
القشيري: دل على أنهم يشفعون لقوم، و أن الله يتقبل شفاعتهم. (171:4)
المیبدي: أي لمن رضيه الله، وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله. (229:6)
الزمخشري: و من تحفظهم أنهم لا يجسرون أن يشفعوا إلا لمن ارتضاه الله و أهله للشفاعة في ازدیاد الثواب والتعظيم. (569:2)
الفخر الرازي: أي لمن هو عند الله مرضي. (160:22)
أبو حيان: [ مثل الزمخشري و أضاف: ]
و قيل: شفاعتهم في القيامة. و في الصحيح أنهم يشفعون في الدنيا والآخرة. (307:6)
) ابن كثير: وقوله: « وَلَايَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى» كقوله: « مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ » البقرة : 255، و قوله: « وَ لا تَنْفَعُ اَلشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ » سبأ : 23، في آيات كثيرة في معنى ذلك. (558:4)
الشربيني: فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى. قال ابن عباس والضحاك :« إِلَّا لِمَنِ
ارْتَضَى»، أي لمن قال: لا إله إلا الله، فسقط بذلك قول المعتزلة: إن الشفاعة في الآخرة لاتكون لأهل الكبائر.(502:2)
البروسوي: أن يشفع له من أهل الإيمان مهابة منه تعالى. [ إلى أن قال: ]
قال في « الأسئلة المقحمة »: هذا دليل على أن لاشفاعة لأهل الكبائر، لأنه لا يرضى لهم.
والجواب: قد ارتضى العاصي لمعرفته و شهادته وإن كان لا يرتضيه لفعله، لأنه أطاعه من وجوه و إن عصاه من وجوه أخر، فهو مرتضاه من وجوه الطاعة اله، و لهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: الذي ارتضاهم هم أهل شهادة أن لا إله إلا الله. (468:5)
القاسمي: أي أن يشفع له، مهابة منه تعالى.
قال المهامي: كيف يخرجون عن عبوديته ولايقدرون على أدنى وجوه معارضته. لأنهم الايشفعون إلا لمن ارتضی؛ إذا الشفاعة لغير المرتضی نوع معارضة معه، و كيف يعارضونه « و هُمْ مِنْ خَشْيَةِ » أي قهره «مشفقون» أي خائفون.؟! (4264:11)
المراغي: أي و هم لا يشفعون إلا لمن رضي عنه، فلا تطمعوا في شفاعتهم لكم بغير رضاه تعالى. (22:17)
ابن عاشور و حذف مفعول «ارتضی» لأنه عائد صلة منصوب بفعل، و التقدير: لمن ارتضاه، أي ارتضى الشفاعة له بأن يأذن الملائكة أن يشفعوا له، إظهارا لكرامتهم عند الله، أو استجابة لاستغفارهم لمن في الأرض، كما قال تعالى « وَالمَلائِکَهُ یُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَیَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِی الأرْضِ ألا إنَّ اللّهَ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِیمُ » الشوری : 5، و ذلك الاستغفار من جملة ما خلقوا لأجله، فليس هو من التقدم بالقول. (38:17)
مغنية: هذا رد على من عبد نبيا أو ولیا أو ملكا طمعا في أن يشفع له عند الله، و وجه الرد أن العباد المكرمين يشفعون للموحدين المرضيين عند الله، لا للمشركين المغضوب عليهم. (271:5)
مکارم الشيرازي: و من المسلم أن رضي الله و إذنه في الشفاعة، لايمكن أن يكون أي منهما اعتباطيا، بل لابد أن يكون من أجل الإيمان الحقيقي، أو الأعمال التي تحفظ علاقة الإنسان بالله.
و بتعبير آخر، فإن من الممكن أن يتلوث الإنسان بالمعصية، إلا أنه إذا لم يقطع علاقته بالله و أوليائه تماما، فإن الشفاعة تؤمل في حقه. أما إذا قطع علاقته تماما من ناحية الاتجاه الفكري و العقائدي، أو أنه غرق في المعاصي و الانحراف من الناحية العملية، إلى الحد الذي يفقد معه لياقة الشفاعة أو استحقاقها، ففي هذه الحال سوف لا يشفع له أي نبي مرسل أو ملك مقرب.
إن هذا هو نفس المطلب الذي أوردناه في بحث فلسفة الشفاعة ضمن البحوث السابقة، بأن الشفاعة هي طريق لتهذيب الإنسان، و وسيلة لإرجاع المذنبين إلى الصراط المستقيم، و المنع من اليأس أو القنوط، والذي هو بنفسه عامل للانزلاق و الغرق في الانحراف و المعصية.
إن الإيمان بمثل هذه الشفاعة يبعث على بقاء
ارتباط المذنبين بالله و رسله والأئمة، و لا يهدموا كل الجسور خلفهم، و يحفظوا خط الرجعة.
ثم إن هذه الجملة تجيب ضمنا أولئك الذين يقولون: إننا نعبد الملائكة لتشفع لنا عند الله، فيقول القرآن لهم: إن هؤلاء لا يقدرون على فعل شيء من تلقاء أنفسهم، و كل ما تريدونه يجب أن تطلبوه من الله مباشرة، و حتى إذن شفاعة الشافعين. (10: 135)
فضل الله: من خلقه، في ما يعلمونه من مواقع رضاه. (213:15)
2-«...وَلَیمَکِّنَنَّ دینَهُمُ الَّذِی ارْتَضی لَهُمْ وَلَیُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً » النور: 55
سيأتي في: م كن: « ليمکنن».
3- « إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ». الجن: 27
ابن عباس: فأعلم الله سبحانه الرسل من الغيب الوحي، و أظهرهم عليه بما أوحي إليهم من غيبه، و ما يحكم الله، فإنه لا يعلم ذلك غيره. (الطبري 12: 275)
سعید بن جبير: إلا من ارتضی من رسول الله هو جبریل. (الماوردي 6: 122)
قتادة: فإنه يصطفيهم، و يطلعهم على ما يشاء من الغيب. فإنه يظهره من الغيب على ما شاء إذا ارتضاه. (الطبري 12: 275)
إلا من ارتضی من نبي فيما يطلعه عليه من غيب. (الماوردي 6: 122)
ابن زيد: ينزل من غيبه ما شاء على الأنبياء أنزل على رسول الله صلی الله علیه و آله الغيب القرآن، وحدثنا فيه بالغيب ما يكون يوم القيامة. (الطبري 276:12)
الفراء: فإنه يطلعه على غيبه. (3: 195)
الطبري: يعني بعالم الغيب: عالم ماغاب عن أبصار خلقه، فلم يروه فلايظهر على غيبه أحدا فيعلمه أو يريه إياه، إلا من ارتضی من رسول، فإنه یظهره على ما شاء من ذلك. (275:12)
الثعلبي: اصطفى « مِنْ رَسُولٍ » فإنه يصطفيه ويطلعه على ما يشاء من الغيب. ( 56:10)
القشيري: فيطلعه بقدر مایریده. (208:6)
الواحدي: يعني الرسل، لأنه يستدل على نبوتهم بالآية المعجزة بأن يخبروا بالغيب. والمعنى: أن من ارتضاه للرسالة و النبوة، فإنه يطلعه على ماشاء من غيبه و في هذا دليل على أن من النجوم مايدله على ما يكون من حادث، فقد كفر بما في القرآن. (369:4)
الميبدي: أي إلا رسول قد ارتضاه لعلم بعض الغيب، ليكون إخباره عن الغيب معجزة له. وقيل: هذا الرسول هو جبرئیل علیه السلام. ( 258:10)
الزمخشري: تبيين لمن ارتضی، یعني أنه لايطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة خاصة، لا كل مرتضی. و في هذا إبطال للكرامات، لأن الذين تضاف إليهم و إن كانوا أولياء مرتضين، فليسوا برسل، و قد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، و إبطال الكهانة
و التنجيم، لأن أصحابهما أبعد شيء من الارتضاء و أدخله في السخط. (4: 172)
ابن عطية: معناه: فإنه يظهره على ما شاء مما هو قليل من كثير. (385:5)
الطبرسي: يعني الرسل، فإنه يستدل على نبوتهم، بأن يخبروا بالغيب لتكون آية معجزة لهم. و معناه: أن من ارتضاه و اختاره للنبوة و الرسالة فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه على حسب مايراه من المصلحة. (374:5)
الفخر الرازي: لفظة (من) في قوله : « من رسول » تبيين لمن ارتضی، يعني أنه لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي يكون رسولا. [ثم نقل كلام الزمخشري و الواحدي] (1680:30)
القرطبي: فيه مسألتان:... فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه، لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، و منها الأخبار عن بعض الغائبات، وفي التنزيل: « وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ » آل عمران : 49، و قال ابن جبير: « إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ» هو جبریل علیه السلام، وفيه بعد.
والأولى: أن يكون المعنى: أي لا يظهر على غيبه إلا من ارتضى، أي اصطفى للنبوة، فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه ليكون ذلك دالا على نبوته.
الثانية : قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب، و استأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنی من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، و جعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم. و ليس المنجم و من ضاهاه ممن يضرب بالحصى و ينظر في الكتب و یزجر با لطير، ممن ارتضاه من رسول، فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو کافر بالله مفتر عليه بحدسه و تخمينه و كذبه. (26:19)
الشربيني: أي إلا من يصطفيه لرسالته و نبوته، فيظهره على ما يشاء من الغيب، وتارة يكون ذلك الرسول ملكا، و تارة يكون بشرا، و تارة يظهره على ذلكبواسطة ملك، و تارة بغير واسطة كموسی علیه السلام في أوقات المناجاة، و محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج في العالم الأعلى، في حضرة قاب قوسين أو أدنى. (408:4)
أبوالسعود: أي إلا رسولا ارتضاه لإظهاره على بعض عيوبه المتعلقة برسالته، كما يعرب عنه بیان من ارتضی بالرسول تعلقا تاما: إما لكونه من مبادئ رسالته، بأن يكون معجزة دالة على صحتها، وإما لكونه من أركانها و أحكامها، كعامة التكاليف الشرعية التي أمر بها المكلفون، و کیفیات أعمالهم وأجزيتها المترتبة عليها في الآخرة، و ما تتوقف هي عليه من أحوال الآخرة التي من جملتها قيام الساعة و البعث، و غير ذلك من الأمور الغيبية التي بينها من وظائف الرسالة.
وأما مالا يتعلق بها على أحد الوجهين من الغيوب التي من جملتها وقت قيام الساعة، فلا يظهر عليه أحدا أبدا على أن بيان وقته مخل بالحكمة التشريعية التي عليها يدور فلك الرسالة، و ليس فيه ما يدل على نفي کرامات الأولياء، المتعلقة بالكشف،
فإن اختصاص الغاية القاصية من مراتب الكشف بالرسل، لا يستلزم عدم الحصول مرتبة ما من تلك المراتب لغيرهم أصلا، ولايدعي أحد لأحد من الأولياء ما في رتبة الرسل علیه السلام من الكشف الكامل الحاصل بالوحي الصريح. (318:6)
نحوه البروسوي. ( 202:10)
الآلوسي: أي لكن الرسول المرتضى يظهره جل و علا على بعض الغيوب المتعلقة برسالته، كما يعرب عنه بيان من ارتضی بالرسول تعلقا ما، إما لكونه من مبادئها بأن يكون معجزة، و إما لكونه من أركانها وأحكامها، كعامة التكاليف الشرعية و كيفيات الأعمال و أجزيتها، و نحو ذلك من الأمور الغيبية التي بيانها من وظائف الرسالة، بأن يسلك من جميع جوانبه عند اطلاعه على ذلك. (99:29)
القاسمي: [بعد نقل قول الزمخشري و جواب أبي السعود عليه قال: ]
و ملخصه تقييد الغيب ماهو معجزة، أو من وظائف الرسالة. و هكذا نحا النسفي في الجواب، مع بیان الفارق و عبارته، أي إلا رسولا قد ارتضاه لعلم بعض الغيب، ليكون إخباره عن الغيب معجزة له، فإنه يطلعه على غيبه ما شاء « من رسول » بیان « من ارتضی ». و الولي إذا أخبر بشيء فظهر، فهو غير جازم عليه، و لكنه أخبر بناء على رؤياه، أو بالفراسة. على أن كل كرامة للولي فهي معجزة للرسول، انتھی. (5953:16)
المراغي: أي عالم ما غاب عن أبصار خلقه، فلم یروه، و هذا لا يعلم به أحد إلا من ارتضی من الرسل صلوات الله عليهم، فإنه يطلعهم على ما شاء منه.
ونحو الآية قوله: « وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ » البقرة : 255.
و في الآية إيماء إلى إبطال الكهانة و التنجيم والسحر، لأن أصحابها أبعد الناس عن الارتضاء و أدخلهم في السخط و إلى أن من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك، فقد کفر بالقرآن، و فيها أيضا إبطال للكرامات، لأن من تضاف إليهم و إن كانوا أولياء مرتضين فليسوا رسلا، و قد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب. (106:29)
سید قطب: فالرسل الذين يرتضيهم الله لتبليغ دعوته، يطلعهم على جانب من غيبه، هو هذا الوحي: موضوعه، و طريقته، والملائكة الذين يحملونه، و مصدره، و حفظه في اللوح المحفوظ إلى آخر ما يتعلق بموضوع رسالتهم، مما كان في ضمير الغيب لايعلمه أحد منهم. (3738:6)
مغنية: الغيب الله و لمن ائتمنه سبحانه على وحيه، و اصطفاه من عباده لرسالته، فإنه يعلم من الغيب ما علمه الله « سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا » البقرة: 32، وقال جماعة من المفسرین، منهم الرازي والمراغي: إن غير الرسول قد يعلم الغيب و يخبر به.
ولا يتفق هذا مع ظاهر قوله: « فلايظهر عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارتضی مِنْ رَسُولِ ».
أجل، إن ذوي الأفهام يتنبؤون بالمستقبل،
و يصدقون في الكثير من ظنونهم و فراستهم، و لكنهم يستخرجونها من قرائن و امارات تظهر لهم و تخفی على من دونهم فهما و علما، و أين هذا من علم الغيب الذي لا يظهره الله إلا على الرسل والأنبياء ؟ . (442:7)
الطباطبائي: قوله تعالى: « إِلَّا مَنِ ارتضی مِنْ رَسُولِ » استثناء من قوله: « أَحَداً » و « مِنْ رَسُولِ » بيان لقوله: « مَنِ ارتضی » فيفيد أن الله تعالى يظهر رسله على ما شاء من الغيب المختص به، فالآية إذا انضمت إلى الآيات التي تخص علم الغيب به تعالی كقوله: « وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ» الأنعام : 59، و قوله: « وَللّهِ غَیْبُ السَّموات وَالأَرض » النحل : 77، و قوله:« قُلْ لا یَعْلَمُ مَنْ فِی السَّمواتِ وَالأَرْضِ الغَیْبَ إِلّا اللّهُ » النمل: 65، أفاد ذلك معنی الأصالة والتبعية، فهو تعالى يعلم الغيب لذاته، و غيره يعلمه بتعليم من الله.
فهذه الآيات نظيرة الآيات المتعرضة للتوقي، كقوله:«اللهُ يَتَوقِّى الأنفُسَ » الزمر: 42، الدال على الحصر، و قوله: « قُلْ یَتَوَفَّیکُمْ مَلَکُ الْمَوْتِ الَّذی وَ کِّلَ بِکُمْ » الم السجدة : 11، و قوله: « حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا » الأنعام : 61، فالتوقي منسوب إليه تعالى على نحو الأصالة، و إلى الملائكة على نحو التبعية، لكونهم أسبابا متوسطة مسخرة له تعالی. (53:20)
عبد الكريم الخطيب: فقوله تعالى: « إِلَّا مَنِ ارتضی مِنْ رَسُولِ » هو استثناء من قوله تعالى: « فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا » أي إنه سبحانه قد استأثر وحده بعلم الغيب، وأنه سبحانه لا يطلع أحدا على هذا الغيب إلا من ارتضي، أي اختار من بعض رسله.
و ( من) في قوله تعالى: « مِنْ رَسُولِ » للتبعيض، للإشارة إلى أنه ليس كل رسل الله يطلعهم الله على الغيب، و إما يختار الله سبحانه من يشاء منهم، فيطلعه على ما يأذن لهم به من الغيب، فإن الذي يوحيه الله سبحانه و تعالى إلى بعض رسله، هو من بعض هذا الغيب؛ حيث لا يعلم هذا الموحي به إلا الرسول، كما أوحى الله سبحانه إلى نوح بغرق قومه، و كما أوحي إلى إبراهيم بهلاك قوم لوط، و كما أوحي إلى صالح بهلاك قومه بعد ثلاثة أيام من عقر الناقة. فهذا من الغيب الذي أطلع الله سبحانه بعض رسله عليه. والرسول صلوات الله و سلامه عليه كان يعلم مما علمه الله، كثيرا من الأحداث التي تقع على مسيرة دعوته، سواء أكان ذلك عن طريق الفهم الخاص الرسول الله، بما ضمت عليه آيات القرآن من أسرار، أو كان هذا عن وحي خاص من الله سبحانه إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه. ( 1242:15)
فضل الله: فإنه يلقي إليه بالوحي الذي هو من عالم الغيب كما يلقي إليه ما يتوقف عليه من الأمور التي قد يحتاج إليها في أمر الرسالة. و لكن هل يجعل لديه ملكة العلم بالغيب، حتى إذا أراد علم شيء علمه، أو يحدد له بعض الأشياء بشكل خاص تفصیلي، أو يلهمه علم ما يحتاج إليه في بعض حالات
الضرورة أو التحدي؟
هناك وجوه عديدة في المسألة، و قد يأخذ بكلوجه قائل معين. (168:23)
الوجوه و النظائر
الحيري: باب الرضا على وجهين :
أحدهما: الرضا بعينه، كقوله : « وَمِنَ النّاسِ مَنْ یَشْتَرِی نَفْسَهُ اِبْتِغاءِ مَرْضاتِ الله » البقرة : 207، و قوله: « وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ » البقرة : 265، و قوله: « يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَيَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ » التوبة : 96.
الثاني: الاشتهاء، كقوله: « و مساکن ترضونها » التوبة : 24.
باب الرضوان على وجهين:
أحدهما: الرضا، كقوله: « وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ » التوبة : 72.
والثاني: دين الاسلام، كقوله: « يَهْدِي بِهِ اَللّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ اَلسَّلامِ» المائدة : 16. (277)
الأصول اللغوية
1- الأصل في هذه المادة: الرضوان: القناعة، و هو الرضوان والضاة و الرضا أيضا. يقال: رضي فلان یرضی رضی، أي قنع، فهو راض، و هم رضاة.
ورضيت الشيء و ارتضيته: فنعت به .
وعيشة راضية مرضية. يقال: رضيت معيشته.
ورضيت عن فلان و علیه رضی، فهو مرضي و مرضو عنه.
و رضیت به صاحبا.
و رضيه لذلك الأمر، فهو مرض و مرضي.
و رجل رضی: مرضي، و هم رضى أيضا.
و الرضي: المرضي، وهم أرضياء.
و أرضاه: أعطاه ما یرضی به.
وأرضيته عني و رضيه فرضي.
و أرضاني مرضاة فرضونه: كنت أشد رضی منه .
و راضيه مراضاة ورضاء.
و راضاني فلان فرضوه أرضوه، إذا غبته فيه.
و ارتضاه: رآه له أهلا.
و ترضاه: طلب رضاه.
و ترضيه: أرضه بعد جهد.
و استرضيه فأرضاني.
2 - و الرضا: لقب ثامن أئمة أهل البيت علي بن موسی علیه السلام المدفون بمدينة مشهد، من محافظة خراسان في إيران، و النسبة إليه رضوي، بكسر الراء، مثل: ربوي، والشائع الفتح، و هو من لحن العامة.
وروى الطبري أن المأمون جعله سنة (201) للهجرة ولي عهد المسلمين و الخليفة من بعده، وسماه الرضا من آل محمد علیه السلام (1)، و لكن الصدوق روی بإسناده عن الإمام الجواد علیه السلام أنه قال: « بل الله تبارك و تعالی سماه الرضا، لأنه كان رضي الله عز وجل في
1) تاریخ الأمم و الملوك: (139:7)
سماه، و رضی لرسوله والأئمة من بعده صلوات الله عليهم في أرضه »(1).
و رأينا بعد البحث و التنقيب أنه لم يلقبه بهذا اللقب أحد قبل إشخاصة إلى المأمون؛ إذنودي به خلال إقامته في خراسان. بيد أن الجمع بين القولين أمر سهل الملتمس، فلعلهكان من ألقابه غير المشهورة في المدينة، ثم اشتهر به بعد ما نوه به المأمون، و سائر الناس في ذلك الصقع النائي، و الله أعلم.
الاستعمال القرآني
وجاء منها مجرد االماضي 13 مرة، و المضارع 17 مرة، و اسم الفاعل 4 مرات، و اسم المفعول مرتين، والصفة ( رضیا ) مرة، و المصدر (رضوان ) 13 مرة، و ( ممرضات) 5 مرات.
و مزيدا من باب الأفعال المضارع 3 مرات، و من باب الافتعال الماضي 3 مرات، و من باب التفاعل الماضي و المصدر، كل منهما مرتين، في 63 آية:
ويلاحظ أو أنها ثلاثة محاور:
المحور الأول: رضي الله و رسله و المؤمنين، و هو أقسام:
القسم الأول: رضي الله عنهم و رضوا عنه 4 آیات، و كلها مدنية:
1- « قالَ اللّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»المائدة : 119
2- « وَ السّابِقُونَ الاْوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرینَ وَالاْنْصارِ وَ الَّذینَ اتَّبَعُوهُمْ بِاِحْسانٍ رَضِیَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ اَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْری تَحْتَهَا الاْنْهارُخالِدینَ فیهاآ اَبَدا ذلِکَ الْفَوْزُ الْعَظیمُ » التوبة : 100
3- « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإْيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ یدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْری مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدینَ فیها رَضِی اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِک حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » المجادله :22
4- « جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدينَ فيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ» البينة : 8
الأولى: الآية 119 من سورة المائدة بشأن الصادقين يوم القيامة: « رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » فعد الله رضاه عنهم ورضاهم عنه فوزا عظيما.
الثانية: الآية 100 من سورة التوبة بشأن الأولين من المهاجرين و الأنصار: « والَّذينَ اتبَعوُهُم بِإحسانِ رَضيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنه...» مثل الأولى.
الثالثة: الآية 22 من سورة المجادلة بشأن المؤمنين الذين لايوادون من حاد الله و رسوله و لو كانوا من أقربائهم: « رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِکَ حِزْبُ
1) عیون أخبار الرضا: (2: 22)
اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » فعدهم حزب الله المفلحين.
الرابعة: الآية 8 من سورة البينة بشأن الذين آمنوا و عملوا الصالحات الذين هم خير البرية: « رَضِیَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِکَ لِمَنْ خَشِیَ رَبَّهُ » فحصرهم في « لِمَنْ خَشِیَ رَبَّهُ » بدل ما جاء في الآيات الثلاث قبلها من الفوز العظيم، و کونهم حزب الله المفلحين.
1 - فتبين أولا: أن هذه المزية « رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » تختص بجماعة من المؤمنين في المدينة، من المهاجرين والأنصار.
و ثانیا: أن هؤلاء كلهم يدخلون جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها و«أبدا»، كما جاء في (1 و 2 و 4) دون (3).
و ثالثا: أن لكل منهم مزية، و هي كونهم صادقين - كما جاء في (1) - و كونهم من المهاجرين والأنصار و من تبعهم بإحسان - كما جاء في (2) - و أنه كتب في قلوبهم الإيمان، و أيدهم بروح منه - كما جاء في (3) - وأنهم آمنوا و عملوا الصالحات، و أنهم خير البرية - كما جاء في (4) - .
2- و للمفسرين أبحاث طويلة ذيل هذه الآيات الأربع فهرسها في أمور:
الأول: تكبيرهم و تعظيمهم هذا الوصف لأهله، ذيل الآيات الأربع، نذكرها مع مستنداتها اهتماما بها:
فقال القشيري: «رضاء الحق سبحانه: إثبات محل لهم، و ثناؤه عليهم و مدحه لهم، و تخصیصهم بأفضاله وفنون نواله، و رضاؤهم عن الحق سبحانه في الآخرة وصولهم إلى مناهم، فهو الفوز العظيم و النجاة الكبرى »
وقال الفخر الرازي ذيل الآية الأولى: « أما قوله: « رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ ... » فهو إشارة إلى التعظيم. هذا ظاهر قول المتكلمين، و أما عند أصحاب الأرواح المشرقة بأنوار جلال الله تعالى، فتحت قوله: « رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ » أسرار عجيبة لا تسمح الأقلام بمثلها، جعلنا الله من أهلها».
وقال ذيل الآية الثالثة: « و هي نعمة الرضوان، وهي أعظم النعم و أجل المراتب ».
وقد ذكر ذيل الآية الرابعة لطائف خلال عشر مسائل، فلاحظ .
وقال ابن كثير: « سر بدیع، و هو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله تعالى، عوضهم الله بالرضا عنهم، و أرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، و الفوز العظيم، و الفضل العميم».
وقال أبو السعود: «استئناف آخر لبيان أنه عز و جل أفاض عليهم غير ما ذكر من الجنات ما لا قدر لها عنده، و هو رضوانه الذي لاغاية وراءه، كما ينبئ عنه قوله تعالى: « وَ رَضُوا عَنْهُ » إذ لاشيء أعز منه حتى يمتد إليه أعناق الهمم؛ وذلك إشارة إلى نيل رضوانه تعالى. وقيل: إلى نيل الكل»، و نحوه الآلوسي .
وقال البروسوي: «و الرضوان فيض زائد على الجنات، لاغاية وراءه ».
وقال الشوكاني: « و الرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم، و أعلى منازل الكرامة، و الإشارة بذلك إلى نيل ما نالوه من دخول الجنة، و الخلود فيها أبدا، و رضوان الله عنهم ».
وقال رشيد رضا: « هي بيان للنعيم الروحاني بعد ذكر النعيم الجثماني، فإن رضاء الله تعالى عنهم ورضاءهم عنه، هو غاية السعادة الأبدية في نفسه، و فيما يترتب عليه من عطاياه تعالى و إكرامه، و من كونهم يكونون ناعمين بذلك الإكرام مغتبطين به؛ إذ لامطلب هم أعلى منه، فتمتد أعناقهم إليه، و تستشرف قلوبهم له، حتى يتوقف رضاهم عليه.
وأما كونه سعادة في نفسه، فيعلم من حال كل من كان في كنف إنسان: والد أو أستاذ أو قائد أو رئيس أو سلطان، فإن علمه برضاه عنه يجعله في غبطة و هناء وطمأنينة قلب، و يكون سروره و زهوه بذلك على قدر مقام رئيسه الراضي عنه، على حد البيت الذي يتمثل به الصوفية:
قوم تخالجهم زهو بسيدهم * والعبد يزهی علی مقدار مولاه
على أن رضاء رؤساء الدنيا لا يستلزم رضاء المرؤوسين دائما...».
وقال المراغي: « و هذا غاية السعادة الأبدية؛ إذ الامطلب لهم أعلى منه، حتى تمتد أعناقهم إليه، و تتطلع نفوسهم لبلوغه، كما قال تعالى: « فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا کَانُوا يَعْمَلُونَ» السجدة : 17».
و قال سيد قطب: « درجات بعد درجات الجنات و الخلود، و رضا الله و رضاهم بما لقوا من ربهم من التكريم ».
وقال مغنية: « و رضي الله عن عبده جنات و نعیم، و مقام کریم، و رضى العبد عن ربه أن يفرح بما آتاه الله من فضله.
ثم ذكر قول الرازي: « في رضي الله أسرار عجيبة تخرس الأقلام عن مثلها...».
و قال الطباطبائي: «... فالعبودية هو الغرض الإلهي من خلق الإنسان، فالله سبحانه إنما يرضى عن نفس عبده إذا كان مثالا للعبودية، أي أن يكون نفسه نفس عبد الله الذي هو رب كل شيء، فلايرى نفسه ولا شيئا غيره إلا مملوكا لله، خاضعا لربوبيته، لا يئوب إلا إلى ربه، و لا يرجع إلا إليه، كما قال تعالى في سلیمان و أيوب: « نِعْمَ الْعَبْدُ اِنَّهُ اَوَّ ابٌ » ص : 44، و هذا هو الرضى عنه.
وهذا من مقامات العبودية، و لازمه طهارة النفس عن الكفر بمراتبه، و عن الاتصاف بالفسق... .
و من آثار هذا المقام أن العبودية إذا تمكنت من نفس العبد.... [إلى أن قال:]
وهذا غاية السعادة الإنسانية بما هو عبد، و لذلك ختم الكلام بقوله: «ذلك الفوز العظيم ».
وقال عبد الكريم الخطيب: «.... و في قوله تعالى:« و رضوا عنه » لفتة كريمة من رب كريم إلى عباده المكرمين، حيث يرضى عنهم و يرضون عنه، حتی لكأنه رضی متبادل بين الخالق و المخلوقين، و المعبود
والعابدین، فسبحانه من رب کریم، بر رحيم.
شاهت وجوه من يتجهون إلى وجه غير وجهه، و خس و خسر من يلوذون بجناب غیر جنابه. و يطوفون بحمي غير حماه » .
وقال مکارم الشيرازي: «...ولاشك أن هذه النعمة الكبرى التي تجمع بين النعم المادية والنعم المعنوية شيء عظيم: « ذلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ».[ إلى أن قال: ]
وهذا يدل على مدى أهمية هذا الرضى المتبادل، فقد يكون امرؤ غارقا في أرفع نعم الله، و لكنه إذا أحس بأن مولاه و معبوده و محبوبه ليس راضيا عنه، فإن جميع تلك النعم و الهبات تصير علقما في ذائقة روحه ... ».
و قال ذيل الآية الثالثة: « إن أعظم ثواب معنوي و جزاء روحاني لأصحاب الجنة، في مقابل النعم المادية العظيمة في القيامة، من جنان و حور و قصور، هو شعورهم و إحساسهم أن الله راض عنهم، و أن رضی مولاهم و معبودهم، يعني أنهم مقبولون عنده، و في كنف حمایته و أمنه؛ حيث يجلسهم على بساط قربه، و هذا أعظم إحساس ينتابهم، و نتيجته رضاهم الكامل عن الله سبحانه. نعم، لا تصل أي نعمة إلى هذا الرضاذي الجانبين...).
و قال فضل الله ذيل الآية الثانية : « و هذا فصل جديد من السورة يتحدث عن بيعة الرضوان، وعن رضي الله عن الذين قاموا بها، و كيف عاشوا السكينة الروحية في داخلهم، و حصلوا على الثواب الإلهي،بالفتح القريب الذي كانوا يتمنونه و ينتظرونه، و كيف وصل المسلمون إلى مستوى من القوة، كانوا فيه قادرين على هزيمة المشركين، لولا إرادة الله التي لم تجد حكمة في القتال في تلك الفترة...».
و قال ذيل الآية الثالثة: « و هذا هو الهدف الذي يريد الله للمؤمنين أن يتابعوا السير نحوه، و هو الرضا المتبادل بينهم و بينه، فينفتحون عليه في الرضا بقضائه، و يحصلون على رضاه عنهم، بإيمانهم و تقواهم، لتكون حياتهم له و معه في جميع المجالات » إلى سائر النصوص ذيل الآيات الأربع .
الثاني: اختلاف علماء الطريقة و أرباب المعارف في أن رضى العبد بالله من جملة المقامات أم من الأحوال ؟
فقال المیبدي: «الخراسانيون على أنه من جملة المقامات، يعني أنه نهاية التوكل و اکتساب العبد.
و العراقيون على أنه من جملة الأحوال، و لااكتساب العبد، يعني أنه نازلة من الغيب على القلب، و القلب يطمئن به.
وقال قوم: بداية الرضا مکتسب ومن جملة المقامات، و نهايته غير مكتسب من جملة الأحوال.
وقال: الرضاسكون القلب تحت مجاری الأحكام، و سرور القلب بمر القضاء».
و نحوه عن الفيروز آبادي « بصائر ذوي التمييز» وأضاف: «و احتج شیوخ خراسان و من قال بقولهم: بأن الله تعالى مدح أهله وأثنى عليهم و ندبهم إليه، فدل على أنه مقدور لهم.
وقال النبي صلس الله علیه و آله: « ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد رسولا غفرت له ذنوبه. [ ثم بحث حول هذا الحديث و حديث آخر إلى أن قال: ]
والتحقيق في المسألة: أن الرضا کسبي باعتبار سببه، وهي باعتبار حقيقته، فيمكن أن يقال بالكسب لأسبابه، فإذا تمكن في أسبابه و غرس شجرته اجتني منها ثمرة الرضا، فإن الرضا أخوالتوكل، فمن رسخ قدمه في التوكل والتسليم و التفويض، حصل له الرضا و لابد، و لكن لعزته و عدم إجابة أكثر النفوس له و صعوبته عليها، لم يوجبه الله على خلقه رحمة بهم و تخفيفا عنهم. [ إلى أن قال: ]
بل رضا العبد عن الله علامة رضا الله عنه و من نتائجه، فهو محفوف بنوعين من رضا الله عن عبده: رضا قبله أوجب له أن يرضى عنه، و رضا بعده وهو ثمرة رضاه عنه، و لذلك كان الرضا باب الله الأعظم، و جنة الدنيا، و محل راحة العارفين، و حياة المحبين، و نعيم العابدین، و قرة عين المشتاقين...»، و له أبحاث طويلة في مسألة الرضا، فلاحظ .
الثالث: لهم بحث في أن الرضا عن الله واجب على العبد أو مستحب، و قد بدء الفيروز آبادي كلامه السابق بقوله: «اعلم أن العلماء قد أجمعوا على أن الرضا مستحب، مؤكد استحبابه.
واختلفوا في وجوبه على قولين، و الأكثر على تأكد استحبابه، فإنه لم يرد الأمر به كما ورد في الصبر، وإنما جاء [ الثناء ]على أصحابه.
وأما ما يروى من الأثر: « من لم يرض بقضائي،ولم يصبر على بلائي، فليتخذ ربا سواي » فهذا أثر إسرائيلي لم يصح عن النبي صلی الله علیه و آله، ولاسيما عند من يرى أنه من جملة الأحوال التي ليست مكتسبة، و أنه موهبة محضة.فكيف يؤمر به و ليس مقدورا!». ثم بدء كلامه السابق: «هذه مسألة اختلف فيها السالكون ».
الرابع: أنه جاء في النصوص عقيب كل من: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » ما يتعلق بهما مثل « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » بالطاعة « وَرَضُوا عَنْهُ » بالثواب، « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » بما فعلوا « وَرَضُوا عَنْهُ » بما أعطاهم من الجزاء والثواب، ، « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » رضا لا بغضب بعده أبدا « وَرَضُوا عَنْهُ » بما آتاهم من الكرامة، ر« رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » بصدقهم « وَرَضُوا عَنْهُ » بوفاء حقهم ، « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » في الدنيا « وَرَضُوا عَنْهُ » في الآخرة، إلى غيرها، مما لااختلاف كثيرا في معانيها.
الخامس: و هو مهم جدا - معنی الرضا من الله و من العبد:
فقال المیبدي: « حقيقة الرضا من العبد أن يسر على التقدير، و أن يسد لسانه من الاعتراض، ولم يعترض على حكم الله.
وقال أبو علي الدقاق: ليس الرضا أن لاتحس بالبلاء، إنما الرضا أن لا تعرض على الحكم و القضاء.أوحى الله على موسى: يا ابن عمران رضائي في رضاك بقضائي.
قال أبو عبد الله الخفيف: الرضا على قسمين، قال:
رضا به، و رضا عنه. فالرضا به مدبرا، و الرضاعنه فيما يقضي.
قال رسول الله صلی الله علیه و آله: « ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا ».
و قال الفيروز آبادي خلال كلامه السابق: « و اعلم أنه ليس من شروط الرضا ألايحس بالألم و المكاره، بل ألا يعترض على الحكم و لا يسخط، فإن وجود التألم و کراهة النفس لاينافي الرضا، کرضا المريض بشرب الدواء الكریه، و رضا الصائم في اليوم الشديد الحربما يناله من ألم الجوع والظما ...».
و له کلام طويل فيها، و قال في آخره: « و الرضا ثلاثة أقسام: رضا العوام بما قسمه الله، و رضا الخواص بما قدره الله و قضاه، و رضا خواص الخواص به بدلا عن كل ما سواه، و الله أعلم».
وقال ابن عاشور: « و معنی: « وَرَضُوا عَنْهُ » المسرة الكاملة بما جازاهم به من الجنة ورضوانه.
وأصل الرضا أنه ضد الغضب، فهو المحبة و أثرها من الإكرام و الإحسان. فرضی الله مستعمل في إكرامه و إحسانه، مثل محبته في قوله: « يحبهم » المائدة : 54، و رضی الخلق عن الله هو محبته و حصول ما أملوه منه؛ بحيث لا يبقى في نفوسهم متطلع».
وقال مغنية: « و رضي الله عن عبده جنات و نعيم، و مقام کریم، و رضى العبد عن ربه أن يفرح بما آتاه الله من فضله ».
القسم الثاني: رضوان الله 12 آية:
5 - « قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ » آل عمران : 15
6- « أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ » آل عمران : 162
7- « فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ » آل عمران : 174
8- « يَهْدِي بِهِ اَللّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ اَلسَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُماتِ إِلَى اَلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » المائدة : 16
1- « يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ » التوبة : 21
10- « وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » التوبة : 72
11- « أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهَ ُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ » التوبة : 109
12- « ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ » محمد : 28
13 - « مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِینَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَی الْکُفَّارِ رُحَمَاءُ بَیْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُکَّعاً سُجَّداً یَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِیمَاهُمْ فِی وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
ذَلِکَ مَثَلُهُمْ فِی التَّوْرَاهِ وَمَثَلُهُمْ فِی الاْءِنْجِیلِ کَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَی عَلَی سُوقِهِ یُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِیَغِیظَ بِهِمُ الْکُفَّارَ وَعَدَ اللّهُ الَّذِینَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَهً وَأجْراً عَظِیماً ». الفتح : 29
14- « اِعْلَمُوا اَنَّمَا الْحَیوهُ الدُّنْیا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زینَهٌ وَ تَفاخُرٌ بَیْنَکُمْ وَ تَکاثُرٌ فِی الاْمْوالِ وَ الاْوْلادِ کَمَثَلِ غَیْثٍ اَعْجَبَ الْکُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ یَهیجُ فَتَریهُ مُصْفَرّا ثُمَّ یَکُونُ حُطاما وَ فِی الاْخِرَهِ عَذابٌ شَدیدٌ وَ مَغْفِرَهٌ مِنَ اللّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَیوهُ الدُّنْیا اِلاّ مَتاعُ الْغُروُرِ » الحديد : 20
15- « ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَ قَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَ آتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَ جَعَلْنَا فِی قُلُوبِ الَّذِینَ اتَّبَعُوهُ رَأفَهً وَرَحْمَهً وَرَهْبَانِیَّهً ابْتَدَعُوهَا مَا کَتَبْنَاهَا عَلَیْهِمْ إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَایَتِهَا فَآتَیْنَا الَّذِینَ آمَنُوا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ وَکَثِیرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ » الحديد : 27
16 - « لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِینَ الَّذِینَ أُخْرِجُوا مِنْ دِیارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ یَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَ رِضْواناً وَ یَنْصُرُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِکَ هُمُ الصّادِقُونَ » الحشر :8
و فيها بحوث:
1- وقد جاء في خمس منها « اتباع رضوان الله أوتقوى الله قبال سخط الله، أو كراهة رضوانه ».
ففي الآية (1): « أفَمَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ کَمَنْ بَاءَ بِسَخَط مِنَ اللّهِ ... »، و في (7): « وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللّهِ ... »، و في (8): « يَهْدِي بِهِ اَللّهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ اَلسَّلامِ ...»، و في (11): « اَفَمَنْ اَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَ رِضْوَان خَيْرٌ اَمْ مَنْ اَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلى شَفَا جُرُف هَار... »، و في (12): « ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللّهَ وَ كَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ » فالرضوان فيها عمل من العبد کالتقوى، وما يضاده من الأعمال.
2- أما الرضوان في بقية الآيات، فهو جزاء عمل في الآخرة، بمنزلة الغفران و الجنة و ما فيها دون عمل خير في الدنيا.
فجاء في الآية (5): « لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ » ، و في (9): « يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ »، و في (10): « جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساکِنَ طَیِّبَهً فِی جَنّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللّهِ أَکْبَرُ ذلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ، و في (13): « تَریهُمْ رُکَّعا سُجَّدا یَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّه ِ وَرِضْوانا ... »، و في (14): « وَ فِی الاْخِرَهِ عَذابٌ شَدیدٌ وَ مَغْفِرَهٌ مِنَ اللّهِ وَرِضْوانٌ »، و هكذا في باقي الآيات.
3- و إطلاق الرضوان تارة على العمل، وتارة على جزاء العمل، يشعر بأن الجزاء هو نفس العمل كما و كيفا، أي إن العمل يتبدال إلى الجزاء، إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا، و له شواهد في الآيات، فلاحظ.
القسم الثالث: مرضاة الله 4 آیات:
17- « وَ مِنَ اَلنّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ وَ اَللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ » البقرة : 207
18- « وَ مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ وَ تَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَ اَللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » البقرة : 265
19 - « لاخَیْرَ فی کَثیرٍ مِنْ نَجْویهُمْ اِلاّ مَنْ اَمَرَ بِصَدَقَهٍ اَوْ مَعْرُوفٍ اَوْ اِصْلاحٍ بَیْنَ النّاسِ وَ مَنْ یَفْعَلْ ذلِکَ ابْتِغآءَ مَرْضاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتیهِ اَجْرا عَظیما » النساء : 114
20- « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ » الممتحنة :1
1- وقد جاء في ثلاث منها « اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ » ، و في واحدة (20): « ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي »، و كلها جاء عقيب الأعمال الصالحة كغرض و غاية لها.
فجاء في الآية (17): « وَ مِنَ اَلنّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اَللّهِ ».
و في (18): « يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ »
وفي (19): « إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ».
وفي (20): « إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِي ».
2 - وقال الطوسي : « و المرضاة و الرضى واحد، و هو ضد السخط ».
وقال ابن عطية: « وقف حمزة على «مرضات » بالتاء والباقون بالهاء..».
وقال أبو حيان: « و « مرضات » مصدربني على التاء: كمدعاة، و القياس تجريده عنها، كما تقول: مرمي و مغزي...».
3- و قالوا: انتصاب « ابتغاء » على أنه مفعول من أجله لما قبله، و معناه: طلب مرضاة الله. أو حال بتأويل المصدر بالوصف، أي مبتغين مرضاة الله.
4- و ابتغاء مرضاة الله و إن كان الهدف من الأعمال في الدنيا، إلا أن مرضاة الله يترتب عليها في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة معا.
القسم الرابع: ارتضى الله 3 آیات:
21 - « يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلّالِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ » الأنبياء : 28
22- « وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » النور: 55
23 -« إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً » الجن: 27
أولاها: الآية (21) و هي الآية 28 من سورة الأنبياء: « ... وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى...»:
1-و هي من تتمة ما جاء قبلها بشأن الملائكة بزعم المشركين، و عند الله تعالى: « وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ».
2 - و حاصلها أن الملائكة ليسوا ولد الرحمان بل هم عباد له، مكرمون عنده، مطیعون له قولا وعملاء ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله عنه، وهم في نفس الوقت خائفون منه.
3- و قال الطبرسي (44:4 ) في « المعنى»: «أي ما قدموا من أعمالهم، و ما أخروا منها. يعني ماعملواء و ما هم عاملون « وَ لَایَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَی » الله دينه.
وقال مجاهد: إلا لمن رضي الله عنه .
وقيل: إنهم أهل شهادة أن لا إله إلا الله، عن ابن عباس.
وقيل: هم المؤمنون المستحقون للثواب ، و حقيقته : أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع فيه، فیکون في معنى قوله: « مَنْ ذَا اَلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ » البقرة : 255.
« وهُم مِن خَشیَهِ » أي من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى المفعول «مشفقون» خائفون و جلون من التقصير في عبادته .
و الثانية: الآية (22) و هي الآية 55 من سورة النور : «... وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ »:
1-وهذه الآية جاءت خلال آیات بشأن المؤمنين و المشركين و المنافقين، فقبلها:« قُلْ أطِیعُوا اللّهَ وَأطِیعُوا الرَّسُولَ فَإنْ تَوَلَّوا فَإنَّمَا عَلَیْهِ مَا حُمِّلَ... ».
و بعدها: « وَأَقِیمُوا الصَّلوهَ وَآتُوا الزَّکوهَ وَأَطِیعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّکُمْ تُرْحَمُونَ * لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ...» .
2 - أما هذه الآية فصدرها وعد للذين آمنوا و عملوا الصالحات، و ذيلها وعيد للكافرين.
3- وقال الطبرسي (152:4) في «المعني»: « وَعَدَ اَللّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ » أي صدقوا بالله و برسوله، و بجميع ما يجب التصديق به « وَ عَمِلُوا اَلصّالِحاتِ » أي الطاعات الخالصة لله.
« لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ » أي ليجعلنهم يخلفون من قبلهم. والمعنى: ليورثنهم أرض الكافر من العرب والعجم، فيجعلهم سكانها و ملوکها « کَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ » . و قد حكي تفصيلا عن مقاتل أنهم: بنو إسرائيل، و عن أبي بن كعب: أنهم مهاجرون، و عن المقداد بن أسود عن النبي علیه السلام : أنه لايبقى في الأرض بيت إلا أدخله الله تعالى كلمة الإسلام، فلاحظ. « وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً » أي و ليصيرنهم - بعد أن كانوا خائفين بمكة - آمنين بقوة الإسلام و انبساطه.
قال مقاتل: و قد فعل الله ذلك بهم، وبمن كان بعدهم من هذه الأمة: مكن لهم في الأرض، و أبدلهم أمنا من بعد خوف، و بسط لهم في الأرض، فقد أنجز وعده لهم.
وقيل: معناه: و ليبدلنهم من بعد خوفهم في الدنيا أمنا في الآخرة. [ ثم ذكر حديثا عن التنبي صلی الله علیه و آله يعضده ]
« يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً » هذا استئناف كلام في الثناء عليهم، و معناه: لايخافون غيري، عن ابن عباس.
وقيل: معناه: لایراؤون بعبادتي أحدا.
وفي الآية دلالة على صحة نبوة نبينا صلی الله علیه و آله من جهة الإخبار عن غيب لايعلم إلا بوحي من الله عز و جل.
« وَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ » أي بعد هذه النعم « فَأُولئِكَ هُمُ اَلْفاسِقُونَ » ذكر الفسق بعد الكفر، مع أن الكفر أعظم من الفسق، لأن الفسق في كل شيء هو الخروج إلى أكثره. فالمعنى: أولئك هم الخارجون إلى أقبح وجوه الكفر و أفحشه.
وقيل : معناه: من جحد تلك العمة بعد إنعام الله تعالى بها، فأولئك هم العاصون لله ، عن ابن عباس.
واختلف في الآية فقيل: إنها واردة في أصحاب النبي صلی الله علیه و آله .
وقيل: هي عامة في أمة محمد صلی الله علیه و آله عن ابن عباس، و مجاهد.
والمروي عن أهل البيت علیهم السلام : «أنها في المهدي من آل محمد صلی الله علیه و آله »
ثم روى خلال عدة أبحاث أحاديث عن علي بن الحسين السجاد، و أبي جعفر الباقر، و أبي عبد الله الصادق علیهم السلام ، و منها حديث الثقلين المتواتر عن النبي صلی الله علیه و آله فلاحظ.
و الثالثة: الآية (23) و هي الآية 27 من سورة الجن: « إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً »:
1- و سورة الجن تحكي صدرها شهادة الجن على صدق النبي صلی الله علیه و آله إلى الآية 15: « وَ أَمَّا اَلْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ». ثم يبدأ قول الله تعالى في الآيات بعدها إلى آخر السورة، و فيها خطابات منه تعالى إلى النبي صلی الله علیه و آله بلفظ «قل» أربع مرات:
«قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُواْ رَبِّى ...»، « قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ ... »، « قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي ...»،« قُلْ إِنْ أَدْرِي...».
2- و هذه الآية تتمة للخطاب الأخير منها و نصه: « قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عالِمُ الْغَيْبِ فلايظهر عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * الأمن ارْتَضَی مِنْ رَسُولٍ فإنه یَسْلُکُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ».
وقال الطبرسي (5: 376) في «اللغة»: « والرصدجمع راصد و هوالحافظ ». و عندنا أن « رصدا » اسم مصدر كما يظهر من الطبرسي أيضا حيث قال في معناه: الرصد: الطريق.
4 - وقال في «المعنى»: «فلايظهر عَلى غَيْبِهِ أَحَداً » أي لا يطلع على الغيب أحدا من عباده. ثم استثني، فقال: « الأمن ارْتَضَی مِنْ رَسُولٍ » يعني
الرسل، فإنه يستدل على نبوتهم بأن يخبروا بالغيب، لتكون آية معجزة لهم.
ومعناه: إن من ارتضاه و اختاره للنبوة والرسالة، فإنه يطلعه على ما شاء من غیبه، على حسب ما يراه من المصلحة، و هو قوله: « فإنه یَسْلُکُ مِنْ بَیْنِ یَدَیْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ».
والرصد: الطريق، أي يجعل له إلى علم ما كان قبله من الأنبياء و الستلف، و علم ما يكون بعده طريقا.
و قيل: معناه: أنه يحفظ الذي يطلع عليه الرسول، فيجعل من بين يديه و من خلفه رصدا من الملائكة يحفظون الوحي من أن تسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة.
و قيل: «رصدا » من بين يدي الرسول و من خلفه، و هم الحفظة من الملائكة، يحرسونه عن شر الأعداء و کیدهم، فلا يصل إليه شرهم.
وقيل: المراد به جبرائیل علیه السلام، أي يجعل من بين يديه و من خلفه رصدا کالحجاب، تعظيما لما يتحمله من الرسالة، كما جرت عادة الملوك بأن يضموا إلى الرسول جماعة من خواصهم، تشريفا له ...». و في المراد ب« الرسول » خلاف، لاحظ: رس ل: « رسول » .
5 - فظهر مما سبق أن فاعل فعل «ارتضی » في الآيات الثلاث هو الله تعالى.
6- بقي الكلام في الفرق بين « رضی» و «ارتضی» أي بين المجرد والمزيد.
أما «الرضى » مجردا، فهو بمعناه المعروف. و أما المزيد « ارتضى » فجاء في نص الثعلبي «ارتضی »:اصطفی .
وجاء في نص الزمخشري: «لا يطلع على الغيب إلا المرتضى الذي هو مصطفى للنبوة». و في نص القرطبي: « من ارتضی »، أي اصطفى للنبوة»، و نحوها في نص الشربيني و غيره.
وعلى هذه الأقوال فليس المراد ب«ارتضی » الرضا القلبي بل الاصطفاء العملي. لاحظ: «ر س ل » و: «غ ي ب ».پ
القسم الخامس والسادس: رضي و مرضي آيتان:
24- « يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً » مريم :6
20 - « وَ کانَ یَأْمُرُ اَهْلَهُ بِالصَّلوهِ وَ الزَّکوهِ وَ کانَ عِنْدَ رَبِّه مَرْضِیّا » . مریم:55
و فيهما بحوث:
1- هما الآيتان 6 و 55 من سورة مريم :
الأولى: من قصة زکریا و يحيي، بدء من الآية 2: « ذِکْرُ رَحْمَتِ رَبِّکَ عَبْدَهُ زَکَرِیَّا»، و ختما بالآية 15: « وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا» و قبلها حكاية عن زکریا: « وَ إِنِّي خِفْتُ اَلْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ اِمْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ...».
2 - وقال الطبرسي (3: 502) في الأولى: «ال يعقوب»: « و هو يعقوب بن ماتان، و أخوه عمران بن ماتان، أبومريم، عن الكلبي، و مقاتل.
وقيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، لأن زکریا کان متزوجا بأخت أم مريم بنت عمران،
و نسبها يرجع إلى يعقوب، لأنها من ولد سليمان بن داود عليه السلام، و هو من ولد يهوذا بن يعقوب، و زکریا من ولد هارون، و هو من ولد لاوي بن يعقوب، عن السدي .
ثم اختلف في معناه، فقيل: معناه: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب التبوة، عن أبي صالح.
وقيل: معناه: يرث نبوتي، و نبوة آل يعقوب، عن الحسن، و مجاهد.
واستدل أصحابنا بالآية على أن الأنبياء يورثون المال، و أن المراد بالإرث المذكور فيها: المال دون العلم والنبوة، بأن قالوا: إن لفظ «الميراث » في اللغة والشريعة، لايطلق إلا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث کالأموال، و لا يستعمل في غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع، ولايعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغیر دلالة أيضا. فإن زکریا علیه السلام قال في دعائه: «وَ اِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا » أي اجعل یا رب ذلك الولي الذي يرثني مرضیا عندك، ممتثلا لأمرك. و متی حملنا الإرث على النبوة، لم يكن لذلك معنی، و کان لغوا عبثا. ألا ترى أنه لايحسن أن يقول أحد: اللهم ابعث لنا نبیا، و اجعله عاقلا مرضیا في أخلاقه، لأنه إذا كان نبیا، فقد دخل الرضا و ما هو أعظم من الرضا في النبوه .
و يقوي ما قلناه: أن زکریا صرح بأنه يخاف بني عمه بعده بقوله: « وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائي » مریم: 5، و إنما يطلب وارثا لأجل خوفه، و لايليق خوفه منهم إلا بالمال دون النبوة و العلم، لأنه علیه السلام كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيا من ليس بأهل للنبوة، و أن يورث علمه و حكمته من ليس لهما بأهل...».
3- و قال (3: 518) في الثانية: « وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ » الذي هو القرآن «اسمعيل» بن إبراهيم أيضا « إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ » إذا وعد بشيء وفي به، ولم يخلف، «و كان» مع ذلك «رَسُولاً نَبِيّاً» إلى جرهم، و قد مضى معناه.
قال ابن عباس: إنه واعد رجلا أن ينتظره في مکان، و نسي الرجل، فانتظره سنة، حتى أتاه الرجل، و ذلك مروي عن أبي عبد الله علیه السلام.
وقيل: أقام ينتظره ثلاثة أيام، عن مقاتل.
و قيل: إن إسماعيل بن إبراهيم علیه السلام مات قبل أبيه إبراهيم عليه السلام، و إن هذا هو إسماعيل بن حزقیل، بعثه الله إلى قومه، فسلخوا جلدة وجهه، و فروة رأسه، فخيره الله فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه، و رضي بثوابه، و فوض أمرهم إلى الله تعالى في عفوه و عقابه، و رواه أصحابنا عن أبي عبد الله علیه السلام...».
القسم السابع: رضي الله و رسوله والمؤمنين، و عدم رضاهم 11 آية:
26 - « وَ لَنْ تَرْضى عَنْكَ اَلْيَهُودُ وَ لاَ اَلنَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اَللّهِ هُوَ اَلْهُدى وَ لَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ اَلَّذِي جاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اَللّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ » البقرة : 120
27 - « يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ
اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ». النساء : 108
28- « وَ لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ » الأنعام : 113
29 - « قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى » طه :84
30 - « يَوْمَئِذٍ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمٰنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً » طه : 109
31- « فَتَبَسَّمَ ضَاحِکاً مِن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبّ ِ أَوْزِعْنِی أَنْ أَشْکُرَ نِعْمَتَکَ الَّتِی أَنْعَمْتَ عَلَیَّ وَعَلَی وَالِدَیَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِی بِرَحْمَتِکَ فِی عِبَادِکَ الصَّالِحِینَ ». النمل : 19
32 - « إن تَکْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِیٌّ عَنکُم وَلَا یَرضَی لِعِبَادِهِ الْکُفْرَ وَإن تَشکُرُوا یَرْضَهُ لَکُم وَلَا تَزِرُ وَازِرَهٌ وِزرَ أُخرَی ثُمَّ إلَی رَبِّکُم مَّرجِعُکُمْ فَیُنَبِّئُکُم بِما کُنتُمْ تَعْمَلُونَ إنَّهُ عَلِیمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ » الزمر : 7
33 - « وَ وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلى والِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَ إِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ » الأحقاف : 15
34- « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّکِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً » الفتح : 18
35 - « وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يرضی » النجم : 26
36- « وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * ولسوف یرضی ». اليل : 19- 21
و فيها مباحث:
الأولى: الآية (26) و هي الآية 120 من سورة البقرة: « ولن ترضى عَنكَ اليَهودَ وَالنَّصارى... » :
وهذه من جملة آيات كثيرة قبلها و بعدها في هذه السورة، بشأن أهل الكتاب و مخالفاتهم، ولاسيما موقفهم أمام النبي صلی الله علیه و آله .
والثانية: الآية (27) و هي الآية 108 من سورة النساء : « ... إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ ... »:
1- و هي من جملة الآيات في ذم الكفار، بدء من الآية 105: « إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ اَلْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ اَلنّاسِ بِما أَراكَ اَللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً » و ختما بالآية 121: « أُولئِکَ مَأْوَیهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا یَجِدُونَ عَنْهَا مَحِیصًا ».
2- و قبلها: « وَ لا تُجادِلْ عَنِ اَلَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اَللّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً »، فهذه الآية تتمة لما قبلها، بأنهم يتسترون من الناس، ولايتشقرون من الله، و هو معهم.
3- و قال الطبرسي (106:2) في « اللغة »: في «يُبَيِّتُونَ» : «و التبييت: التدبير للشيء بالليل، لأن ذلك يكون في وقت رواح الناس إلى بيوتهم».
و قال في «المعني» : « يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنّاسِ ».
أي يكتمون عن الناس « وَ لا یَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُم » يعني الذين مشوا في الدفع، عن ابن أبيرق - و قد ذكر قصته - و معناه: يتسترون عن الناس بمعاصيهم في أخذ الأموال، لئلايفتضحوا في الناس، ولا يتسترون من الله، و هو مطلع عليهم.
وقيل: معناه: يستحيون من الناس، و لا يستحيون من الله و علمه معهم. فيكون معناه: يخفون الخيانة عن الناس، ويطلبون إخفاءها حياء منهم، ولا يتركونها حياء من الله، و هو عالم بأفعالهم.
« إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ اَلْقَوْلِ » أي يدبرون بالليل قولا لا يرضاه الله .
وقيل: يغيرون القول من جهته، و یکذبون فيه.
و قيل: إنه قول ابن أبيرق في نفسه بالليل: أرمي بهذا الدرع في دار اليهودي، ثم أحلف أني بريء منه فیصدفني المسلمون، لأني على دينهم، و لايصدقون اليهودي، لأنه ليس على دينهم.
و قيل: إنه رمی بالدرع إلى دار لبید بن سهل.
« وَ كانَ اَللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً »، قال الحسن: حفيظا لأعمالهم.
وقال غيره: عالما بأعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها.
و في هذه الآية تقريع بليغ لمن يمنعه حياء الناس و حشمتهم، عن ارتكاب القبائح، و لايمنعه خشية الله عن ارتكابها، وهو سبحانه أحق أن يراقب، و أجدر أن يحذر.
و فيها أيضا توبيخ لمن يعمل قبيحا، ثم يقرف غيره به، سواء كان ذلك الغير مسلما، أو كافرا».
والثالثة: الآية (28) و هي الآية 113 من سورة الأنعام : «...و ليرضوه...».
1- و هي من جملة آيات ذم المشركين، بدء بالآية 106: « اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ » ، و ختما بالآية 117: « إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ».
2- و هي تتمة لما قبلها: « وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ » فمعنى الآية: أن أفئدة الذين لا يؤمنون تصغي إلى ما يوحي بعض الشياطين إلى بعض، و يرضون به.
3- وقال الطبرسي (2: 350) في «اللغة» في «ولتصغی»: « و صغوت إليه أصغي صغوا و صغوا و صغيا، و صغيت أصغي - بالياء أيضا- و أصغيت إليه إصغاء بمعئی - ثم استشهد بشعر، وقال: - و يقال: أصغيت الإناء، إذا أملته ليجتمع ما فيه. و منه الحديث: كان رسول الله صلی الله علیه و آله يصغي الإناء للهرة.
والأصل فيه : الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض ».
وقال في «ليقترفوا» : « و الاقتراف : اکتساب الإثم. و يقال: خرج يقترف لأهله، أي يكتسب لهم، و قارف فلان هذا الأمر، إذا واقعه و عمله. وقرف الذنب و اقترفه: عمله، و قرفه با ادعاه عليه، أي رماه
بالريبة. و قرف القرحة، أي قشر منها، و اقترف كذا».
4 - وقال في « المعنى »: «و لتصغي إليه » أي و لتميل إلى هذا الوحي بزخرف القول، أو إلى هذا القول المزخرف «افئدة » أي قلوب «الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ».
والعامل في قوله: «و لتصغي» قوله: «يوحی »، ولايجوز أن يكون العامل فيه «جعلنا» لأن الله سبحانه لا يجوز أن يريد إصغاء القلوب إلى الكفر و وحي الشياطين، إلا أن تجعلها لام العاقبة، كما في قوله: « فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً » القصص :8 .
على أنه غير معلوم أن كل من أرادوا منه الضغو، قد صغى إلى كلامهم. ولم يصح ذلك أيضا في قوله: « وَ لِیَرْضَوْهُ وَ لِیَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ » لأنه غير معلوم حصول ذلك.
وعلى ما قلناه: يكون جميع ذلك معطوفا بعضه على بعض.
والمراد بالأفئدة: أصحاب الأفئدة، و لكن لا كان الاعتقاد في القلب، و كذلك الشهوة، أسند الصغو إلى القلب.
«وَ لِیَرْضَوْهُ » أي و ليرضوا ما أوحي إليهم من القول المزخرف.
« وَ لِیَقْتَرِفُوا » أي و ليكتسبوا من الإثم والمعاصي.
« ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ » أي مكتسبون في عداوة النبي صلی الله علیه و آله و المؤمنين، عن ابن عباس، والسدي.
وقال أبو علي الجبائي: إن اللام في قوله: «و لتصغی » و ما بعده، لام الأمر، والمراد بها التهديد، كما قال سبحانه: « اعملوا ما شئتم » فصلت : 40، « وَ اِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ » الإسراء: 64.
وهذا غلط فاحش، لأنه لو كان كذلك، لقال: و لتصغ، فحذف الألف.
وقال البلخي: اللام في «و لتصغي » لام العاقبة، و ما بعده لام الأمر الذي يراد به التهديد، و هذا جائز إلا أن فيه تعسفا، فالأصح ما ذكرناه ».
و الرابعة: الآية (29) و هي الآية 84 من سورة طه : « قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَ عَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ».
1- و هي من جملة قصص موسى الطويلة في هذه السورة، بدء من الآية 1:« و هل أتيك حديث موسی »، و ختما بالآية 19: « کَذٰلِکَ نَقُصُّ عَلَيْکَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ آتَيْنَاکَ مِنْ لَدُنَّا ذِکْراً ».
2- وقد جاء خلالها قصص موسى و أمه، و موسی و هارون، و موسی و فرعون، و موسی والسحرة و غيرها.
3- و هذه الآية جاءت تحمل ذهاب موسى إلى الوادي المقدس طوی، و تفتین سامري قومه، و بعدها: « قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَکَ مِنْ بَعْدِکَ وَ أَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ ».
و الخامسة: الآية (30) وهي الآية 109 من سورة طه أيضا:« ...إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً» :
1- و هي من جملة الآيات بشأن يوم القيامة، بدء من الآية 100 منها: «مَّنْ أَعْرَض عَنْهُ فَإِنَّهُ یحْمِلُ یَوْمَ الْقِیَمَهِ وِزْراً »، و ختما بالآية 113 منها: « وَ كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَ صَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ».
2- و محتواها البشارة بالشفاعة، لمن أذن له الرحمان بالشفاعة، و رضي له قو.
3- و قال الطبرسي (4 : 31) « يَوْمَئِذٍ لَّاتَنفَعُ الشَّفَاعَةُ ...»: « أي لاتنفع ذلك اليوم شفاعة أحد في غيره إلا شفاعة من أذن الله له في أن يشفع، و رضي قوله فيها من الأنبياء والأولياء، و الصالحين والصديقين والشهداء...».
و السادسة: الآية (31) و هي الآية 19 من سورة النمل : «... وَ أَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَیهُ ...»:
1- و هذه من جملة قصة داود و سلیمان علیهماالسلام في هذه السورة، بدء بالآية 15 منها: « وَلَقَدْ اتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمنَ عِلْمًا ... »، و ختما بالآية 44 منها: « قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ... وَ أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» .
2- و هذه أطول الآيات من قصة سليمان في القرآن، و محتواها أن سلیمان لاسمع قول النملة: « يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاکِنَکُمْ... » تبسم ضاحكا من قولها، و شکر ربه على هذه النعمة التي أنعمها عليه و على والديه، و تمنى أن يعمل عملا يرضاه الله تعالى، و أن يدخله في عباده الصالحين.
3- وقال الطبرسي (215:4): «و سبب ضحك سليمان التعجب، و ذلك أن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به، تعجب و ضحك.
وقيل: إنه تبسم بظهور عد له؛ حيث بلغ عدله في الظهور مبلا عرفه النمل.
وقيل: إن الريح أطارت كلامها إليه من ثلاثة أميال حتى سمع ذلك، فانتهى إليها، وهي تأمر النمل بالمبادرة فتبسم من حذرها.
و « قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي » أي ألهمني « أَنْ أَشْکُرَ نِعْمَتَکَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ » بأن علمتني منطق النمل، و أسمعتني قولها من بعيد، حتى أمكنني الكف، و أكرمتني بالنبوة، و الملك.
« وعلى والدي » أي أنعمت على والدي بأن أكرمته بالنبوة، و فصل الخطاب، و ألنت له الحديد، و على والدتي بأن زوجتها نبيك، و جعل العمة عليها نعمة لله سبحانه علیه يلزمه شکرها.
« وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَیهُ » أي وفقني لأن أعمل صالحا في المستقبل ترضاه...».
والسابعة: الآية (32) و هي الآية 7 من سورة الزمر: « إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَ إِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ...»:
1- وهذه من جملة آيات تأكيد التوحيد، و التجنيب عن الشرك ما في هذه السورة، من أولها إلى آخرها - كما هو سياق أكثر السور المكية - و في صدرها و خلالها آیات بشأن القرآن، فلاحظ.
2- وقد جاءت في هذه الآية كلمتان من مادة الرضا نفيا و إثباتا: « وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ »
« وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ » فلا يرضي الله عن الكفر و يرضى عن الشكر. فالكفر قبال الشكر، هو ترك الشكر و تحقير النعمة، و عدم الالتفات إليها.
3- و قال الطبرسي (491:4):« إِن تَكْفُرُواْ » أي تجحدوا نعمة الله تعالى، ولم تشكروه « فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ » و عن شکر کم، فلا يضره كفركم.
« وَ لَايَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ » و في هذا أوضح دلالة على أنه سبحانه لا يريد الكفر الواقع من العباد، لأنه لو أراده لوجب متى وقع أن يكون راضيا به لعبده، لأن الرضا بالفعل ليس إلا ما ذكرناه. ألا ترى أنه يستحيل أن نريد من غيرنا شيئا، و يقع منه على ما نريده، فلا نكون راضين به، أو أن نرضى شيئا، ولم نرده ألبتة.
« وَ إِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ » أي و إن تشكروا الله تعالى على نعمه، و تعترفوا بها، يرضه لكم، و يرده منکم، و يثبكم عليه. و الهاء في «يَرْضَهُ» كناية عن المصدر الذي دل عليه « وَ إِن تَشْكُرُواْ » و التقدير: يرضى الشكر لكم، كقولهم: « من کذب کان شرا له » أي كان الكذب شر اله». ثم فسر باقي الآية.
والثامنة: الآية (33) و هي الآية 15 من سورة الأحقاف : « وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسانَ... وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَیهُ ...» :
1- و هذه الآية و التي بعدها توصيف لأهل الجنة. والآيات قبلهما و بعدهما في أهل النار.
2- و محتواهما أن الله وصى الإنسان بوالديه إحسانا، و ذکر حمله و فصاله، و قوله حين بلغ أربعين سنة: « رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْکُرَ نِعْمَتَکَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلَى وَالِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَیهُ و أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي... ».
3- وقال الطبرسي (85:5) في «اللغة »: « و «اوزعني»: امنعني عن الانصراف عن ذلك باللطف؛ ومنه قول الحسن: لابد للناس من وزعة.
وقال أبومسلم: الإيزاع: إيصال الشيء إلى القلب».
4- وقال في « المعنى »:« رَبِّ أَوْزِعْنِي » أي ألهمني « أَنْ أَشْکُرَ نِعْمَتَکَ ...» قد مر تفسيره في سورة النمل.
« و أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي » أي اجعل ذريتي صالحين، عن الزجاج.
قيل: إنه دعا بإصلاح ذريته لبره و طاعته، لقوله: «أَصْلِحْ لِي» .
وقيل: إنه الدعاء بإصلاحهم لطاعة الله، عز و جل و هو عبادته و هو الأشبه، لأن طاعتهم لله من بره، لأن اسم الذرية يقع على من يكون بعده. وقيل: معناه: اجعلهم لي خلف صدق، و لك عبید حق، عن سهل بن عبد الله...».
والتاسعة: الآية (34) و هي الآية 18 من سورة الفتح: « لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ... »:
1-و سورة الفتح نزلت بعد بيعة الحديبية - أو صلح الحديبية - الذي عده الله في الآية الأولى منها « فَتْحاً قَرِيباً »، و بهذا سميت السورة.
2-وقد کررت كلمة الفتح فيها ثلاث مرات: مرة
في الآية الأولى: « إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً »، و مرتين في الآيتين (18 و 27): « فَتْحاً قَرِيباً ».
كما كررت كلمة « يبايعون » فيها ثلاث مرات أيضا: مرتين في الآية 10: « إِنَّ اَلَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اَللّهَ » و مرة في الآية 18 آیتناهذه: « إِذْ يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ». لاحظ: ف ت ح: « فتحا»، و: ب ي ع : « يبايعون ).
3- وقال الطبرسي (116:5) « في يُبَايِعُونَکَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ »: « يعني بيعة الحديبية و تسمى بيعة الرضوان هذه الآية.
و رضا الله سبحانه عنهم هو إرادته تعظيمهم و إثابتهم. و هذا إخبار منه سبحانه أنه رضي عن المؤمنين؛ إذ بايعوا النبي صلی الله علیه و آله في الحديبية تحت الشجرة المعروفة، و هي شجرة السمرة...».
وقد حكى الطبرسي هناقة قصه فتح الحديبية، فلاحظ
والعاشرة: الآية (35) و هي الآية 76 من سورة النجم : «... مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى » :
1- وهذه الآية إبطال المزاعم المشركين أن أصنامهم يشفعون لهم عند الله تعالى، كما يستفاد من الآيات قبلها: « إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ - إلى أن قال: - وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يرضی» يعني أن الملائكة لا يشفعون لأحد إلا بإذن الله تعالى، فكيف تظنون أن الأصنام يشفعون لكم، و هي مخلوقة لكم، لم يأذن الله لكم عبادتهم و أنتم تعبدونها شرکاء لله تعالى؟
أو هي رد لقولهم: إن الملائكة يشفعون لهم، كما يستفاد من الآيات بعدها، فلاحظ.
2-وقال الطبرسي (5: 177): « وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً » جمع الكناية، لأن المراد بقوله: « وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ » الكثرة «إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اَللّهُ » لهم في الشفاعة « لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى» لهم أن يشفعوا فيه، أي من أهل الإيمان و التوحيد.
قال ابن عباس: يريد لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه، كما قال: « وَلَايَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى » الأنبياء : 28».
و الحادية عشرة: الآية (36) و هي الآية 21 من سورة اليل : « وَ لَسَوْفَ يَرْضَى »:
1-وهي آخر آیات هذه السورة جاءت بعد آیات أهل النار، بشأن أهل الجنة.
و آیات أهل النار هي 14 - 16: «فَأَنْذَرْتُکُمْ نَاراً تَلَظَّى * لاَ يَصْلیهَا إِلاَّ الْأَشْقَى * الَّذِي کَذَّبَ وَ تَوَلَّى ».
و آیات أهل الجنة هي 17 - 21: « وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى* اَلَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى * وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى * إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى * وَ لَسَوْفَ يَرْضى ».
2 - و الذي يلفت النظر هو الفرق البين فيها بين أهل النار و أهل الجنة:
أولا: إنذار أهل النار بثلاث آیات تحقيرا لهم، و تبشير أهل الجنة بخمس آيات تكریما لهم.
و ثانيا: أنه وصف أهل النارب «الْأَشْقَى » و وصف أهل الجنة ب «الْأَتْقَى»، و كلاهما تفضيل، تنبيها على أنهما بلغا في الصلاح والفساد، و في التقوى و الشقاء غايتهما، تشديدا بالإنذار و العنف.
و ثالثا: أنه نص على لفظ «النار» تشديدا بالإنذار و العنف، و لم ينص على لفظ «الجنة» تكریما لها؛ حيث أبهم عنها إبهاما.
و رابعا: أنه أتى بأهل الجنة كالمستثنى من أهل النار، إشعارا بقلتهم و كثرة أهل النار؛ حيث قال بعد ذكر النار: « وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ».
وخامسا: أنه اكتفى في خطايا أهل النار باثنتين: التكذيب و التولي - و هما رأس كل خطيئة - كما سکت عن متعلق التكذيب و التولي - وهوالحق - تعميما، أو تكثيرا و تعظيما «اَلَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّى»، لكنه وسع في حسنات أهل الجنة بأربعة - ضعف أهل النار - : التزكي بالمال: « الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى » و من دون جزاء لأحد: « وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى» بل لمجرد ابتغاء وجه الله تعالى « إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى »، و هو سيرضىعن الله أو عن ثوابه: « وَ لَسَوْفَ يَرْضى » و هذا رأس حسناته، كما أن رضا الله عن أحد رأس کراماته له.
3- وقال الطبرسي (5: 502) في « المعنى »: « فَأَنْذَرْتُکُمْ ناراً تَلَظّی » أي خوفتكم نارا تلهب، و تنوهج و تتوقد .
«لا يصليها » أي لا يدخل تلك النار، ولا يلزمها « الا الأشقی » و هو الكافر بالله « الذى كذب » بآيات الله و رسله، « و تولي » أي أعرض عن الإيمان،« وَ سَيُجَنَّبُهَا » أي سيجنب النار، يجعل منها على جانب «الأتقى» المبالغ في التقوى «الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ »أي ينفقه في سبيل الله، « يَتَزَكَّى » يطلب أن يكون عند الله زكیا، لايطلب بذلك رياء، ولاسمعة - إلى أن قال: وقيل: إن « الاتقی » و « الاشقى » المراد بهما: التقي و الشقي - ثم استشهد بشعر -.
ثم وصف سبحانه: «الأتقی» فقال: « وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى » أي و لم يفعل الأتقى ما فعله من إيتاء المال، و إنفاقه في سبيل الله، ليد أسديت إليه يكافئ عليها، ولا ليد يتخذها عند أحد من الخلق.
« إِلاَّ اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ اَلْأَعْلى » أي و لكنه فعل ما فعل يبتغي به وجه الله و رضاه و ثوابه. و إنما ذكر الوجه طلبا لشرف الذكر. والمعنى: إلا الله، و لابتغاء ثواب الله.
«ولسوف یرضی » أي و لسوف يعطيه الله من الجزاء والثواب، ما يرضى به، فإنه يعطيه كل ما تمنی، ولم يخطر بباله، فيرضى به لامحالة ».
المحور الثاني: الرضا بالحياة الدنيا و الآخرة 8 آیات:
الحياة الدنيا:
37- « قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ».التوبة : 26
38 - « إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ ». يونس :7
الحياة الآخرة:
39 - « يدخلنّهم لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَ إِنَّ اللّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ». الحج : 59
40 - « هُوَ فِی عِیشَهٍ راضِیَهٍ » الحاقة : 21
41 - « لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ » الغاشية : 9
42 - « يا أ يّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنّةُ * اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً » الفجر: 27، 28
43 - « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى » الضحی : 5
44 - « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » القارعة :7
و فيها ځوث:
الأولى: (37) هي الآية 24 من سورة التوبة :
«... وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها »:
1- قال الماوردي: « و هذا نزل في قوم أسلموا بمكة، فأقاموا بها، ولم يهاجروا إشفاقا على فراق ما ذكره الله تعالى، ميلا إليه و حبا له، فذهم الله تعالى على ذلك »، و نحوها قال المراغي
وهذا لا يوافق سياق الآيات، فإن سورة التوبة من أواخر ما نزل من القرآن أثناء غزوة تبوك، و الخطاب في الآية إلى المنافقين الذين لم يشتركوا في هذه الغزوة، و سکنوا بيوتهم. و قبلها الآية 20 - 22: « الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... » إلى « خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ».
ثم قال في 23: « یَاأ یُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اباءکم و اخوانكم أولياء...»، و في 46: « قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا...».
2-وقالوا في « وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها » فسكنتموها، و منازل تعجبكم الإقامة بها، مساكن اخترتموها لأنفسكم و يعجبكم المقام فيها، تختارون الإقامة بها، تستوطنونها راضين بسكناها.
والثانية: (38) هي الآية 7 من سورة يونس : « إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ...». لاحظ : ط من: «اطمانوا».
والثالثة: (39) هي الآية 29 من سورة الحج: « لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ ...» : لاحظ: دخل: « ليدخلهم مدخلا».
والرابعة: (40) -وهي و ما بعدها من الرضا بالحياة الآخرة - وهي الآية 21 من سورة الحاقة: « فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ »:
و هي جواب ( من) في الآيتين قبلها: « فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ کِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا کِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ:
1- قال الفراء: « فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ » فيها
88888 912
الرضاء، و العرب تقول: هذا ليل نائم، و سرکاتم، و ماء دافق، فيجعلونه فاعلا، و هو مفعول في الأصل؛ و ذلك: أنهم يريدون وجه المدح أو الدم، فيقولون ذلك الاعلى بناء الفعل، و لو كان فعلا مصرحا لم يقل ذلك فيه، لأنه لا يجوز أن تقول للضارب: مضروب، ولا للمضروب: ضارب، لأنه لامدح فيه و لاذم». و نحوه الطبري و غيره، فلاحظ النصوص.
2- وقال البيضاوي في «راضية »: « ذات رضا على النسبة بالصيغة. أو جعل الفعل لها مجازا، و ذلك لكونها صافية عن الشوائب دائمة مقرونة بالتعظيم ».
وقال الشربيني: « فيه ثلاثة أوجه - و ذکر الوجهين المذكورين في الأول و الثالث، و أضاف: - الثاني: أنه على إظهار جعل العيشة راضية لمحلها و حصولها في مستحقها، و أنه لو كان للعيشة عقل الرضيت لنفسها بحالتها ».
و الخامسة: (41) هي الآية من سورة الغاشية: « لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ» لاحظ: سعي «سعيها».
و السادسة: (42) هي الآية 28 من سورة الفجر :« رَاضِيَةٍ مرضية »:
1- قالوا في معناها: رضيت بثواب الله و رضي بعملها. رضيت عن الله ورضي عنها. « رَاضِيَةٍ » عن الله ما أعد لها « مرضية » رضي عنها ربها. « راضية » بثواب الله و جزيل عطائه، « مرضية » الأفعال من الطاعات و نحوها.
2 - وقال البروسوي: « اِرْجِعِي إِلى رَبِّكِ » في حال الرضى، أي إذا تم لك كمال الصفات فلاتسكني
إليه، و ارجعي إلى الذات في حال الرضى الذي هو كمال مقام الصفات. والرضى عن الله لا يكون إلا بعد رضي الله عنها، كما قال: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » المائدة :119، وغيرها.
و في «التأويلات النجمية»: ارجعي إلى ربك بالفناء فيه، بعد قطع المنازل و المقامات. «راضية» من نتائج السلوك إلى الله و السير في الله، «مرضية» عند الله بالباس (1)
عليها
خلعة البقاء عليها ».3- و قال الآلوسي: « راضية »؛ أي بما تؤتينه من النعم التي لا تتناهی .
وقد يقال: «راضية » بما نلتیه من خقة الحساب و قبول الأعمال، و ليس بذاك «مرضیة» ، أي عند الله عز و جل.
قيل: المراد «راضية » عن ربك، مرضية عنده، وزعم أنه الأظهر . و اعترض بأنه غير مناسب للسياق، و فيه نظر.
و الوصفان منصوبان على الحال، والظاهر أن الحال الأولى مقدرة. و قيل: مقارنة. وذكر الحال الثانية من باب الترقي، فقد قال سبحانه و تعالى: « وَ رِضْوانٌ مِنَ اَللّهِ أَكْبَرُ » التوبة : 72».
4- و قال سيد قطب: «راضية مرضية » بهذه النداوة التي تفيض على الجو كله بالتعاطف و بالرضى ».
1) كذا في الأصل، و الظاهر: بالباس خلعة البقاء
ه - الطباطبائي: «و توصيفها بالراضية، لأن اطمئنانها إلى ربها، يستلزم رضاها ماقدر وقضی تكوينا، أو حکم به تشريعا، فلا تسخطها سانحة، ولا تزيغها معصية، و إذا رضي العبد من ربه رضي الرب منه؛ إذ لا يسخطه تعالى إلا خروج العبد من زي العبودية...»، و نحوها الآخرون.
والسابعة: (43) هي الآية 5 من سورة الضحى : « وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى »:
1- و هذه عطف على جواب القسم، الذي «والضحى * واليل إذا سجى » ، و جوابه ثلاث آیات بعده، و هي: « مَا وَدَّعَکَ رَبُّکَ وَ مَا قَلَى * وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ».
2- و هذه الآيات الخمس هي الشطر الأول من السورة، و الشطر الأخير منها ست آیات بعدها، کالدليل على ما قبلها، و هي: « أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى » إلى « وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ».
و الثامنة: (44) هي الآية 7 من سورة القارعة و هي جواب ( من) في قوله: « فَأَمّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ » ، و الكلام فيها مثل ما في الآية الرابعة.
المحور الثالث: الرضا بالتشريع 19 آية:
الصلاة:
45 - « فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى » طه: 130
46- « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ » البقرة : 144
الصدقات:
47 و 48 - « وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَ لَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتیهُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَیُؤْتِینَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُإ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ». التوبة : 58، 59
49- « یااَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا لاتُحِلُّوا شَعائِرَ اللّهِ وَلاَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَلاَ الْهَدْیَ وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا امّینَ الْبَیْتَ الْحَرامَ یَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَّبِّهِمْ وَرِضْو نًا وَاِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا یَجْرِمَنَّکُمْ شَنئانُ قَوْمٍ اَنْ صَدُّوکُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَی الْبِرِّ وَالتَّقْوی وَلاتَعاوَنُوا عَلَی الاْثْمِ وَالْعُدْو انِ وَاتَّقُوا اللّهَ اِنَّ اللّهَ شَدیدُ الْعِقابِ » المائدة : 2
الجهاد:
50 - « یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا مالَکُم إِذا قِیلَ لَکُمُ انْفِرُوا فِی سَبیلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَی الأَرضِ أَرَضِیتُمْ بِالْحَیاةِ الدُّنْیا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَیاةِ الدُّنْیا فِی الآخِرَةِ إِلّا قَلِیلٌ » التوبة : 38
51- « يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ » التوبة : 62
52 - « يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ » التوبة : 96
53 - « فَإِنْ رَجَعَكَ اللّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ » التوبة : 83
54 - « رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفقهونَ ».التوبة : 87
55 - « إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ » التوبة : 93
التجارة:
56 - « يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اَللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اَللّهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا اَلْأُخْرى وَ لا يَأْبَ اَلشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَ لا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللّهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَ أَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَ لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَ لا شَهِيدٌ وَ إِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَ اِتَّقُوا اَللّهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اَللّهُ وَ اَللّهُ بِكُلِّ شَيْ ءٍ عَلِيمٌ » البقرة : 282
57 - « یااَیُّهَا الَّذینَ امَنُواْ لاتَأْکُلُوا اَمْوالَکُم بَیْنَکُم بِالْباطِلِ اِلاّ اَنْ تَکُونَ تِجارَهً عَنْ تَراضٍ مِنْکُمْ وَلاتَقْتُلُوا اَنْفُسَکُمْ اِنَّ اللّهَ کانَ بِکُمْ رَحیمًا » النساء: 29
المحرمات:
58-« حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللّهِ بِهِ وَ اَلْمُنْخَنِقَةُ وَ اَلْمَوْقُوذَةُ وَ اَلْمُتَرَدِّيَةُ وَ اَلنَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ اَلسَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اَللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » المائدة : 3
النكاح والطلاق:
59 و 60 - « وَ إِذا طَلَّقْتُمُ اَلنِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ وَ اَللّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا
آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » البقرة : 232، 233
61- « وَ اَلْمُحْصَناتُ مِنَ اَلنِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اَللّهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ إِنَّ اَللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً » النساء : 24
62 - « تُرْجِی مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِی إلَیْکَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَیْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَیْکَ ذَلِکَ أدْنَی أنْ تَقَرَّ أعْیُنُهُنَّ وَلا یَحْزَنَّ وَیَرْضَوْنَ بِمَا آتَیْتَهُنَّ کُلُّهُنَّ وَاللّهُ یَعْلَمُ مَا فِی قُلُوبِکُمْ وَکَانَ اللّهُ عَلِیماً حَلِیماً » الأحزاب : 51
63 - « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ » التحريم :1
و فيها بحوث:
الأولى: الآية (45) و هي الآية 130 من سورة طه : « ... فَسَبِّحْ وَ أَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّکَ تَرْضَى»:
1- هذه الآية كالرد والتلافي للأيات قبلها، الحاكية عذاب المشركين، بدء من الآية 124: « وَ مَنْ أَعْرَضَ عَن ذِکْرِی فَإِنَّ لَهُ مَعِیشَةً ضَنکاً وَ نحَشُرُهُ یَوْمَ الْقِیَمَةِ أَعْمَی »، و ختما بالآية 129: « وَ لَوْ لاَ کَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّکَ لَکَانَ لِزَاماً وَ أَجَلٌ مُسَمًّى ».
2- ثم أوصى النبي صلی الله علیه و آله تلافيا كقوله: « فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّکَ ».
3- و قد أدام الله هذه التوصيات إلى الآية 132: « وَاْمُرْ اَهْلَكَ بِالصَّلوةِ وَاصْطَبِرْ عَلَیْها...».
والثانية: الآية (46) و هي الآية 144 من سورة البقرة : « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي اَلسَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضیها...» :
1- و هي من جملة آيات القبلة في هذه السورة، بدء بالآية 142 منها: « سَیَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما وَلّیهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الّتی کانُوا عَلَیْها... »، و ختما بالآية 150 منها: « وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ...».
2- و محتواها أن الله تعالی رأى تقلب وجه النبي في السماء تمنيا قبلة يرضاها- وهي الكعبة بدل بیت المقدس - فبشره بأنه يو لينه إلى هذه القبلة، فأمره بأن ولی وجهه شطر المسجد الحرام، و كذلك أمر المؤمنين بأن يولون وجوههم شطره حيث ما كانوا، و أن أهل الكتاب ليعلمون أنه الحق - كما أخبرهم أنبيائهم -.
3- وذكر الزجاج في وترضيها و قولين : إما أحبها، لأنها كانت قبلة الأنبياء، أو لأنها كانت عنده أدى لقومه إلى الإيمان.
وذكر الماوردي قولين أيضا: لأنها كانت مخالفة القبلة اليهود، أو لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم علیه السلام ثم نبه على أن النبي صلی الله علیه و آله لم يكن کارهاغير راض عن بیت المقدس، و إنما أحب الكعبة لما فيها من تآلف قومه و إسراعهم إلى إجابته. و نحوها عن الآخرين. فلاحظ النصوص، لاسيما النص الفخر الرازي.
4 - و أما الطبرسي (1: 226) فذكر في «اللغة»
معنى الرؤية و التقلب و التولي و الرضا و الشطرتفصيلا - فلاحظ موادها - ثم قال في « المعني»: « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ » یا محمد « فِي اَلسَّماءِ » لانتظار الوحي في أمر القبلة.
وقيل: في سبب تقليب التي وجهه في السماءقولان:
أحدهما: أنه كان وعد بتحويل القبلة عن بیت المقدس، فكان يفعل ذلك انتظارا و توقعا للموعود، كما أن من انتظر شيئا، فإنه يجعل بصره إلى الجهة التي يتوقع وروده منها.
والثاني: أنه كان يكره قبلة بیت المقدس، و يهوي قبلة الكعبة، و كان لا يسأل الله تعالى ذلك، لأنه لا يجوز للأنبياء أن يسألوا الله تعالى شيئا من غير أن يؤذن لهم فيه، لأنه يجوز أن لا يكون فيه مصلحة فلايجابون إلى ذلك، فيكون فتنة لقومهم.
و اختلف في سبب إرادته تحويل القبلة إلى الكعبة: فقيل: لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم علیه السلام، و قبلة آبائه عن ابن عباس.
وقيل: لأن اليهود قالوا: يخالفنا محمد صلی الله علیه و آله في ديننا، و يتبع قبلتنا، عن مجاهد.
وقيل: إن اليهود قالوا: مادری محمد صلی الله علیه و آله وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم، عن ابن زيد.
وقيل: كانت العرب يحبون الكعبة، و يعظمونها غاية التعظيم، فكان في التوجه إليها استمالة لقلوبهم، ليكونوا أحرص على الصلاة إليها. و كان صلی الله علیه و آله حريصا على استدعائهم إلى الدين.
ويحتمل أن يكون إما أحب ذلك لجميع هذه الوجوه؛ إذ لا تنافي بينها.
وقوله: « فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضیها » أي فلنصر فنك إلى قبلة تريدها و تحبها. و إنما أراد به محبة الطباع، لا أنه كان يسخط القبلة الأولى.
« قول وجهك شطر المسجد الحرام » أي حال نفسك نحو المسجد الحرام، لأن وجه الشيء نفسه.
وقيل: إنما ذكر الوجه، لأن به يظهر التوجه.
وقال أبو علي الجبائي: أراد بالشطر النصف، فأمره الله تعالى بالتوجه إلى نصف المسجد الحرام، حتى يكون مقابل الكعبة. و هذا خطأ، لأنه خلاف أقوال المفسرین.
« وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » أي أينما كنتم من الأرض، في بر أو بحر، هل أو جبل، فولوا وجوهكم نحوه.
فالأول: خطاب للنبي صلی الله علیه و آله و أهل المدينة، والثاني: خطاب لجميع أهل الآفاق. و لو اقتصر على الأول الجاز أن يظن أن ذلك قبلتهم فحسب، فبين سبحانه أنه قبلة لجميع المصلين في مشارق الأرض و مغاربها.
وذكر أبو إسحاق الثعلبي في كتابه عن ابن عباس، أنه قال: البيت كله قبلة، و قبلة البيت الباب، والبيت قبلة أهل المسجد، و المسجد قبلة أهل الحرم، و الحرم قبلة أهل الأرض كلها. و هذا موافق لما قال أصحابنا: «إن الحرم قبلة من نأى عن الحرم من أهل الآفاق ».
وقوله: « وَ إِنَّ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتابَ » أراد به
علماء اليهود. و قيل: علماء اليهود والنصاری.
« لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ » أي يعلمون أن تحويل القبلة إلى الكعبة حق مأمور به من ربهم. و إنما علموا ذلك، لأنه كان في بشارة الأنبياء لهم، أن يكون نبي من صفاته كذا و كذا، و كان في صفاته أنه يصلي إلى القبلتين...».
و الثالثة و الرابعة: (47و48) الآيتان 58 و 59 من سورة التوبة وجاء فيهما:« فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا » و « وَ لَوْ أنَّهُمْ رَضُوا ما آتیهُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ »:
1- و هاتان الآيتان جاء تا ذا للمنافقين بموقفهم في الصدقات، فإنهم يلزمون الرسول - وهو نبينا صلی الله علیه و آله - في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا عنه، و إن لم يعطوا منها يسخطون عليه. و إنهم لو رضوا بما آتاهم الله و رسوله، و قالوا: حسبنا الله و نعم الوكيل، لرضي الله عنهم، و لكان حقا و حسنا.
2 - وقال الزمخشري في «الثالثة»: « وصفهم بأن رضاهم و سخطهم لأنفسهم، لا للدين ومافيه صلاح أهله، لأن رسول الله صلی الله علیه و آله استعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفير الغنائم عليهم، فضجر المنافقون منه ».
3- وقال الطبرسي: « و أقروا بالعدل». وقال أبوالسعود:«رضوا بما وقع من القسمة و استحسنوها».
وقال سيد قطب: « و لم يبالوا الحق والعدل والدین ».
4- وقال مغنية: «كان النبي صلی الله علیه و آله يوزع الصدقات، كما بينها الله في الآية التالية، فيرضى المؤمنون، و يسخط المنافقون، و يلمزونه في قسمته. والحق أن أكثر الناس على حق، والآية تشمل كل من لا يرضى بنصيبه، و لو رضي كل إنسان بما يستحق، لعاش الجميع في أمن و رخاء».
5- و قال الميدي في « الرابعة »: «جواب ( لؤ) هاهنا محذوف، و تقدير الآية: لو رضوا بذلك و توكلوا على الله لكان خيرا لهم. و العرب كثيرا مايحذفون جواب (لو) في الكلام». و نحوه الزمخشري و أضاف: « و لو أنهم رضوا ما أصابهم به الرسول من الغنيمة، و طابت به نفوسهم وإن قل نصيبهم، وقالوا: كفانا فضل الله و صنعه، و حسبنا ما قسم لنا، سيرزقنا الله غنيمة أخرى، فيؤتينا رسول الله صلی الله علیه و آله أكثر مما آتانا اليوم».
و نحوها الآخرون، و منهم أبو حيان و أضاف: « و قيل: جواب ( لؤ) هو قوله: وقالوا و على زيادة الواو، و هو قول كوفي...».
و الخامسة: (49) هي الآية ؟ من سورة المائدة: «... يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا...» :
1- و هذه كالآية الأولى من هذه السورة في أحكام الحج. فقد جاء في الأولى حرمة الصيد خلال أعمال الحج، في قوله: «غَيْرَ مُحِلِّي اَلصَّيْدِ ».
2- و جاءت في هذه حرمة إحلال شعائر الله في الحج. و منها إحلال الشهر الحرام، و الهدي، و القلائد وغيرها.
3- و من جملتها رعاية حال الحجاج؛ حيث قال: « وَ لاَ آمِّينَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ
8888 918
و رضوانا » فالمراد ب«امين» الحجاج الذين يبتغون بعملهم هذا فضلا ورضوانا من ربهم.
والسادسة: (49) هي الآية 38 من سورة التوبة : « أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا مِنَ الآخِرهِ »:
1- قالوا في: «أرَضِیتُم بِالحَیوهِ الدُّنیا»: حظ الدنيا و الدعة فيها، عوضا من نعيم الآخرة، و ما عند الله للمتقين في جنانه منافع الدنيا بدلا من ثواب الآخرة. آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة الآخرة الباقية. هل يجمل بالعابد أن يختار دنياه على عقباه؟ و هل يحسن بالعارف أن يؤثر هواه على رضا مولاه؟ أرضيتم نزر الدنيا على خطير الآخرة و حظها الأسعد؟ ثم أخبر فقال: إن الدنيا بالإضافة إلى الآخرة قليل نزر. هذا استفهام يراد به الإنكار، و معناه: آثرتم الحياة الدنيا الفانية على الحياة في الآخرة الباقية في النعيم الدائم. فهل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟
والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل، إن الذات الدنيا خسيسة في أنفسها و مشوبة بالآفات والبليات، و منقطعة عن قريب لا محالة، و منافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، و دائمة أبدية سرمدية، و ذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسیس .
أي بدلا، التقدير : أرضيتم بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة ف ( من ) تتضمن معنى البدل، كقوله تعالى : « وَ لَوْ نَشَاءُ لجَعَلْنَا مِنکمُ مَّلَئکَهً فیِ الْأَرْضِ یخَلُفُونَ » الزخرف: 60، أي بدلا منكم. [ ثم استشهد بشعر]
عاتبهم الله على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة؛ إذ لا تنال راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا، و نحوها، فلاحظ النصوص.
2- و قال الطباطبائي: «كأن الرضا أشرب معنی القناعة، فعدي ب ( من ) كما يقال: رضيت من المال بطيبه، و رضيت من القوم بخلة فلان، و على هذا ففي الكلام نوعمن العناية المجازية، كأن الحياة الدنيا نوع حقير من الحياة الآخرة قنعوا بها منها، و يشعر بذلك قوله بعده: « فَمَا مَتَاعُ الْحَیَوهِ الدُّنْیَا فِی الْأَخِرَهِ إِلَّا قَلِیلٌ ».
فمعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قال لكم النبي صلی الله علیه و آله- لم يصرح باسمه صونا و تعظیما۔ اخرجوا إلى الجهاد أبطأتم، كأنكم لاتريدون الخروج، أقنعتم بالحياة الدنيا راضين بها من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا بالنسبة إلى الحياة الآخرة إلا قليل».
3- و قال فضل الله : « و استسلمتم لها في عملية استبدال و اقتناع بنتائجها، كما لو كانت كل شيء في حركة الحياة و« من الاخرۃ » أي بدلا عن الآخرة».
4- وقال الماوردي: « و الفرق بين الرضا والإرادة: أن الرضا لما مضى، و الإرادة لما يأتي».
وقال الطوسي: « و الرضا هو الإرادة، غير أنها لاتوصف بذلك إلا إذا تعلقت بما مضى من الفعل، والإرادة توصف بما لم يوجد ».
السابعة و الثامنة: (51 و 52) و هما الآيتان 62 و 99 من سورة التوبة : « يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ
لِيُرْضُوكُمْ ...»، و « يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ...» :
1- و هاتان من جملة آيات القتال و النفاق معا في هذه السورة، بدء من الآية 38: « یا أَیُّهَا الَّذینَ آمَنُوا مالَکُم إِذا قِیلَ لَکُمُ انْفِرُوا فِی سَبیلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَی الأَرضِ...»، و استدامة إلى آخر السورة.
وفي خلالها آیات بشأن المؤمنين الصادقين، من المهاجرين والأنصار، و الذين اتبعوهم بإحسان.
و هذه الآيات هي معظم الآيات الحاکية عن المنافقين في القرآن، بأقوالهم و أعمالهم، وهم الذين تخلفوا عن النفر إلى غزوة «تبوك» مع النبي صلی الله علیه و آله والمؤمنين.
وجاء فيها أشد العقوبات لهم، و قد نص سبحانه على كفرهم في الآية 54: « وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ... »، والآية 80 : « ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ...».
وقد جمع بينهم و بين الكفار في الآية 68: « وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ ...»، والآية 73: « یَاءَیُّهَا النَّبِیُّ جَاهِدِ الْکُفَّارَ وَالْمُنَافِقینَ... ».
كما جاء فيها أكبر الفضائل للمؤمنين الصادقين: منها قوله في الآية 100: « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ...» بما في هذه - كما سبق - من الفضل عند الله تعالى.
و منها جمعهم مع النبي صلی الله علیه و آله مدحا لهم في آيات:
منها الآية 88: « لکِنِ الرَّسُولُ وَ الَّذِینَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ وَ أُولئِکَ لَهُمُ الْخَیْراتُ وَ أُولئِکَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
والآية 113: « ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ ».
والآية 117: « لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَی النَّبِیِّ وَالْمُهاجِرِینَ وَالْأَنْصارِ الَّذِینَ اتَّبَعُوهُ فِی ساعَهِ الْعُسْرَهِ...».
والآية 105: « قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...»، إلى غيرها من الفضائل.
2-وقد بدء الله هاتين الآيتين (50 و 51) بحلفهم بالله كذبا و خديعة، ليرضى المؤمنون عنهم، فقال في أولاهما: « ييَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ...»، و في الثانية:« يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ عنهم ...».
و من ذلك يعلم أن من عادات المنافقين الحلف بالله كذا، دفعا لاتهامهم بالنفاق من قبل المؤمنين، و طلبا لرضاهم.
3- وقد جاء حلفهم بالله في آيات أخرى من هذه السورة أيضا:
منها الآية 42: « ...وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ...».
والآية 56: « یَحلِفُونَ باللَّهِ انَّهُمْ لَمِنکُم، وَ ماهُم مَنکُم ».
والآية 74: « يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَ لَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ.... ».
والآية 95: « سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ... » .
والآية 107 - آية مسجد الضرار -: « وَلَيَحْلِفُنَّ
إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى ... ».
4- و مما يلفت النظر أنه جاء «الرضی » بصيغه المختلفة في سورة التوبة - النازلة في وصف المنافقين والكفار و المؤمنين الصادقين - 18 مرة، و أكثرها في المنافقين، دفاعا عن أنفسهم تهمة النفاق.
5- هذا كله راجع إلى مجموعة آيات القتال و النفاق. أما ما يتعلق بهاتين الآيتين: (51 و 52).
فقد جاء فيهما من مادة الرضى خمس كلمات: في الأولى كلمتان، و في الثانية ثلاث كلمات، مع تفاوت بينها مجردا و مزیدا.
6- فجاءت في الأولى (51) مزيدة: « ليرضو كم » و « يرضوه » أي المنافقون يحلفون بالله لكم ليرضو كم عن أنفسهم، مع أن إرضاء الله و رسوله أحق و أوجب عليهم لو كانوا مؤمنين، و لكنهم ليسوا مؤمنين، فاهتموا حلفا بالله بإرضائكم عنهم دون إرضاء الله تعالی.
و الإرضاء فيهما فعل المنافقين، و المرضي في إحداهما المؤمنون إثباتا، و في الأخرى هو الله نفيا.
7- و جاءت في الثانية (52) مجردة « لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ »، و « فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ » و « لَا يَرْضَىٰ ».
والرضى في الأوليين منها منسوب إلى المؤمنين إيجابا، و في الأخيرة إلى الله تعالى سلبا.
أي إن المنافقين يحلفون بالله لكم لترضوا أنتم عنهم - و لكن لا ينبغي أن ترضوا عنهم - فإن ترضوا عنهم تأثيرا بحلفهم لكم، فإن الله تعالى لا يرضى عنهم، لأنهم قوم فاسقون، يحلفون لكم خديعة، و لا إيمانا بالله تعالى حقا.
8- و الآية الثانية تكرار للآية قبلها في السورة: « سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ » وهي بيان للاعتذار الذي ذكره سبحانه في الآية قبلها: « يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ...».
فالآيات الثلاث (94 - 96) إخبار بالغيب من الله تعالى للمؤمنين الذين نفروا مع النبي صلی الله علیه و آله إلى تلك الغزوة، بأنكم إذا انقلبتم إليهم يعتذرون و يحلفون لكم « لتعرضوا عنهم » و قد اعتذروا و حلفوا بعد رجوع المؤمنين، كما أخبر الله تعالى.
وسبب حلفهم فيها هو إعراض المؤمنين عنهم فلا يعاقبوهم، فأمرهم الله بإعراضهم عنهم.
9- ثم ذكر في هذه الآية مرة أخرى أنهم يحلفون لكم ن « لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ » بدل « لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ » و الرضا عنهم لازم الإعراض عنهم، و إنما ذكره تعالى نهيا عن الرضى عنهم، و تمهيدا لقوله: « فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ ».
10-وقال الطبرسي (61:3) في معنى هاتين الآيتين - وقد ذكر قبله وجه التزول فلاحظ -: « سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ » أي سيقسم هؤلاء المنافقون والمتخلفون فيما يعتذرون به إليكم أيها المؤمنون « إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ » أنهم إنما تخلفوا لعذر« لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ » أي لتصفحوا عن جرمهم، ولا توبخوهم، ولاتعنفوهم.
ثم أمر الله سبحانه نبيه صلی الله علیه و آله و المؤمنين، فقال: « فاعرضُوا عَنْهُمْ » أي إعراض رد و إنكار،
و تكذيب، ومقت.
ثم بين عن سبب الإعراض فقال: « انهم رجس » أي نجس، و معناه: أنهم كالشيء المنتن الذي يجب الاجتناب عنه، فاجتنبوهم كما تجتنب الأنجاس.
« و مَأْویهُمْ جَهَنَّمُ »أي مصيرهم، و مآلهم، و مستقرهم جهنم.
« جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ» أي مكافأة على ما كانوا يكسبونه من المعاصي.
« یَحْلِفُونَ لَکُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ » أي طلبا لمرضاتكم عنهم أيها المؤمنون .
« فان تَرْضَوْا عَنْهُمْ » لجهلكم بحالهم.
« فَإِنَّ اللَّهَ لا یَرْضی عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِینَ » الخارجين من طاعته إلى معصيته، لعلمه بحالهم، و معناه: أنه لا ينفعهم رضاكم عنهم، مع سخط الله عليهم، و ارتفاع رضاه عنهم.
و إنما قال سبحانه ذلك، لئلايتوهم أنه إذا رضي المؤمنون فقد رضي الله، و المراد بذلك: أنه إذا كان الله الايرضى عنهم، فينبغي لكم أيضا أن لاترضوا عنهم.
و في هذا دلالة على أن من طلب بفعله رضا الناس، ولم يطلب رضا الله سبحانه، فإن الله يسخط الناس عليه، كما جاء في الحديث عن النبي صلی الله علیه و آله : أنه قال: من التمس رضا الله بسخط الناس، رضي الله عنه، و أرضى عنه الناس، و من التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، و أسخط عليه الناس».
11- قال الطوسي في الآية (52): « و المعنى: أنه لاينفعهم رضاكم مع سخط الله عليهم و ارتفاع رضاه عنهم - رضي المؤمنون عنهم أو لم يرضوا - و إنما علق هاهنا بذلك، لئلايتوهم أنه إذا رضي المؤمنون فقد رضي الله عنهم أيضا، فذكر ذلك ليزول هذا الإلباس، ولأن المراد بذلك أنه إذا كان الله لا يرضى عنهم، فينبغي لكم أيضا أن لاترضوا عنهم ».
12 - وقال القشيري: « من کان مسخوط الحق لا ينفعه أن يكون مرضي الخلق، و ليست العبرة بقول غير الله، إنما المدار على ما سبق من السعادة في حكم الله ».
13 - وقال ابن عطية: « و المعنى: يحلفون لكم مبطلين و مقصدهم أن ترضوا، لاأنهم يفعلون ذلك الوجه الله و لا للبر».
و قوله: « فان تَرْضَوْا» إلى آخر الآية، شرط يتضمن النهي عن الرضى عنهم، و حكم هذه الآية يستمر في كل مغموص عليه ببدعة و نحوها، فإن المؤمن ينبغي أن يبغضه ولايرضى عنه لسبب من أسباب الدنيا ».
14- و قال الطبرسي: « فان تَرْضَوْا عَنْهُمْ » لجهلكم بحالهم « فَإِنَّ اللَّهَ لا یَرْضی عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِینَ » الخارجين من طاعته إلى معصيته، لعلمه بحالهم، و معناه: أنه لا ينفعهم رضاكم عنهم مع سخط الله عليهم و ارتفاع رضاه عنهم، و إنما قال سبحانه ذلك، لئلا يتوهم أنه إذا رضي المؤمنون فقد رضي الله...».
15-وقال الفخر الرازي: « إن هذه المعاني مذكورة في الآيات السالفة، و قد أعادها الله هاهنا مرة
أخرى، و أظن أن الأول خطاب مع المنافقين الذين كانوا في المدينة، و هذا خطاب مع المنافقين من الأعراب و أصحاب البوادي. ولما كانت طرق المنافقين متقاربة سواء كانوا من أهل الحضر أو من أهل البادية، لاجرم كان الكلام معهم على مناهج متقاربة »
16 - وقال البيضاوي: « و المقصود من الآية النهي عن الرضا عنهم، و الاغترار بمعاذيرهم، بعد الأمر بالإعراض و عدم الالتفات نحوهم »، و نحوها الآخرون.
و التاسعة: (53) هي الآية 83 من سورة التوبة:
« إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ...»:
1- هذه و ما بعدها من جملة آيات الجهاد في هذه السورة ذما للمنافقين، بدء بالآية 81: « فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ ...»، و ختما بالآية 87: « رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ...» و يلحق بها الآية 94: « يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ...»، و ما بعدها.
2- لاحظ: ق ع د: «القعود».
و العاشرة: (54) هي الآية 87 من سورة التوبة أيضا: « رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ...». لاحظ: خ ل ف: «الخوالف » .
و الحادية عشرة: (55) هي الآية 93 من سورة التوبة : «... وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ...» :
1- هذه الآية أيضا من جملة آيات تبوك في هذه السورة، بدء من الآية 38: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ... »، و ختما بالآية 123: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ...» ، و أكثرها تعنيف لمن تخلف عن الجهاد في هذه الغزوة، و في خلالها مسائل أخرى.
2 - وهي إعراض و استثناء مما ذكره الله عذرا مقبولا في الآيتين قبلها: « لَيْسَ عَلَى اَلضُّعَفاءِ وَ لا عَلَى اَلْمَرْضى »- إلى - « وَ لا عَلَى اَلَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ ...» فليس على هؤلاء سبيل « إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَ هُمْ أَغْنِياءُ...».
والثانية عشرة: (56) هي الآية 282 من سورة البقرة : « ...وَ اِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ » و « إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ...»:
1- و هاتان الجملتان جاء تا خلال آية الدين -و هي أطول آيات القرآن - بدء ب « یَاءَیُّهَا الَّذینَ امَنُوا اِذَا تَدَایَنْتُمْ بِدَیْنٍ اِلی اَجَلٍ مُسَمًّی...» و ختما ب« و اتقوا الله و یعلمكم الله و الله بكل شئ علیم ».
2- و جاء فيها جملة من أحكام الدين، مثل کتابته، و الإشهاد عليه. و استثني منهما التجارة الحاضرة بين اثنين، و هذه الاستثناء المنقطع، لأنها خارجة من الدين.
3- و قد أمر الله فيها بالتقوى مرتين: مرة في صدرها: « وَ لْيَتَّقِ اَللّهَ رَبَّهُ »، و مرة في ذيلها: « وَ اِتَّقُوا اَللّهَ ».
وقد جاء اسم الجلالة «الله» فيها ست مرات: مرتين في صدرها: « كَما عَلَّمَهُ اَللّهُ » ، و « وَ لْيَتَّقِ اَللّهَ رَبَّهُ »، و مرة في وسطها: « ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللّهِ » و ثلاث مرات في ذيلها: « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ »، كل ذلك اهتماما بأمر الدين.
4- وجاء فيها «الرضی » مرة في وسطها: « فَرَجُلٌ وَ اِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ اَلشُّهَداءِ ».
و الثالثة عشرة: (57) هي الآية 29 من سورة النساء: « إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ »:
1- و هذه الآية جاءت به خلال الآيات المتقدمة - في خصوص النهي عن أكل المال بالباطل، فنهى الله عنه، و استثنى منه بقوله: « إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ » أي إلا أكل شخص مال غيره بسبب تجارة بينهما؛ حيث ينتقل شرعا مال كل منهما بالتجارة إلى الآخر مبيعا و ثمنا.
2- و أعقبه الله في نص الآية بحكم: قتل النفس المحرم أكيدا؛ حيث قال بعدها عطفا عليها: « وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اَللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً * وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَ ظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اَللّهِ يَسِيراً ».
كما أكده أيضا بأنه جاء عقيب حکم تحريم النساء على غير النكاح.
والظاهر أن قوله: « ومن يفعل ذلك » راجع إلى القتل، و يحتمل رجوعه إلى أكل المال بالباطل، و قتل النفس ظلما كليهما. و في هذا تعنيف كبير بأكل المال بالباطل أيضا.
و قال الطبرسي (2: 37): « لما بين سبحانه تحریم النساء على غير الوجوه المشروعة، عقبه بتحريم الأموال في الوجوه الباطلة، فقال: « ياءيها الذين امنوا » أي صدقوا الله و رسوله، « لاتَاْكُلُوا اَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ » ذكر الأكل و أراد سائر التصرفات، وإنما خص الأكل، لأنه معظم المنافع.
وقيل: لأنه يطلق على وجوه الإنفاقات: اسم الأكل. يقال : أكل ما له بالباطل، و إن أنفقه في غير الأكل، و معناه: لا يأكل بعضكم أموال بعض.
و في قوله: وبالباطل که قولان: (1)
أحدهما: أنه الربا، و القمار، والبخس، والظلم، عن السدي، و هو المروي عن الباقر علیه السلام.
والآخر: أن معناه: بغیر استحقاق من طريق الإعراض، عن الحسن. قال: وكان الرجل منهم يتحرج عن أن يأكل عند أحد من الناس، بعد ما نزلت هذه الآية، إلى أن تسخ ذلك بقوله في سورة النور الآية 61: « لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ... أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ - إلى قوله: -أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً...».
و الأول هو الأقوى، لأن ما أكل على وجه مکارم الأخلاق، لا يكون أكلا باطلا.
وثالثها: أن معناه: أخذه من غير وجهه، و صرفه فيما لايحل له.
« إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً »: أي مبايعة، ثم وصف التجارة فقال: « عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ »: أي يرضي كل
1) قد ذكر ثلاثة أقوال !!
8888 924
واحد منكما بذلك.
و قيل: في معنى «التراضي في التجارة » قولان:
أحدهما: إنه إمضاء البيع بالتفرق، أو التخایر، بعد العقد، وهو قول شريح، والشعبي، و ابن سیرین، ومذهب الشافعي، و الإمامية، لقوله صلی الله علیه و آله : البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا، أو يكون بيع خیار. و ربما قالوا: أو يقول أحدهما: اختر.
والثاني: أنه البيع بالعقد فقط، عن مالك و أبي حنيفة.
« وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ » فيه أربعة أقوال: و ذکرها لاحظ: ق ت ل: «لا تقتلوا».
و الرابعة عشرة: (58) و هي الآية 3 من سورة المائدة : « حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ ... وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً...»:
1-وهي الآية الثالثة من آيات المحرمات والطيبات في هذه السورة، بدء بالآية الأولى منها: « ... أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ اَلْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ....» ، و ختما بالآية 5: « اَلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّباتُ ...».
2 - و هذه الآية بيان لقوله في الآية الأولى من هذه السورة: « إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ» من المحرمات العشر : « اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ - إلى - ما ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ ».
3-و صدرها بيان للمحرمات، و ذيلها بيان الحكم من اضطر إلى أكلها؛ حيث قال:« فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اَللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ».
و جاء في روايات الشيعة و غيرها: أن المراد بقوله خلالها: « فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اَللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ »، يوم غدیرخم، و أن جبرائیل قرأها على النبي صلی الله علیه و آله في هذا اليوم، إشعارا بأن مسألة الإمامة هي المصداق الأتم لإكمال الدين و إتمام النعمة.
5- و قال الطبرسي (154:2) - و قد ذكر الأقوال في نزولها، و منها ما هو المروي عن الإمامين أبي جعفر الباقر، و أبي عبد الله الصادق علیهماالسلام ، و عن أبي سعيد الخدري و غيره في نزولها في ولاية علي بن أبي طالب علیه السلام -: «ثم عاد الكلام إلى القضية المتقدمة في التحريم و التحليل، و إنما ذكر قوله: « اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ... » إلى قوله: « وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلامَ دِيناً» اعتراضا .
6- و لو قيل: إنها نزلت مرتين: في الأولى لبيان التحريم و التحليل، و في الثانية تأویلا لبيان أكمل مصادیق: « إكمال الدين و إتمام النعمة »، لما كان بعيدا لاحظ: ح ر م: «حرمت ».]
والخامسة عشرة: (59) هي الآية 232 من سورة البقرة: « فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ » :
1- و هذه من جملة آيات النكاح والطلاق في هذه السورة، بدء من الآية 221: « وَ لاتَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ ... »، و ختما بالآية 241 و 242: « وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتَّقِينَ * كَذلِكَ يُبَيِّنُ اَللّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ».
2 - و المراد بها النهي عما كان دائرا بين الناس؛ حيث كان الزوج يطلق زوجته، فإذا بلغت أجلها
يرجع إليها لئلاتزوج زوجا آخر. هذا أحد المعاني و فيها خلاف.
3- فقال الطبرسي: « فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ » أي انقضت عدتهن « فَلا تَعْضُلُوهُنَّ » أي لا تمنعوهن ظلما عن التزوج.
و قيل: المراد به التخلية.
و قيل: هو خطاب للأولياء، ومنع لهم من عضلهن .
وقيل: خطاب للأزواج، يعني أن تطلقوهن في السر، و لا تظهروا طلاقهن کيلايتزوجن غيرهم، فيبقين لاممسكات إمساك الأزواج، و لامخليات تخلية الطلاق، أو تطولوا العدة عليهن .
« أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ » أي من رضين بهم أزواجا لهن .
وقيل: الذين كانوا أزواجا لهن من قبل... ».
والسادسة عشرة: (60) هي الآية 233 من سورة البقرة : أيضا: « فَإِنْ أَرادا فِصالاً عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَ تَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما »:
1- و هذه الفقرة قد جاءت خلال آية بعد الآية الأولى، تتضمن حكم الرضاع حولين كاملين على الوالدات، و حكم الرضاع لو أراد الزوجان الانفصال عن الزوجية قبل إتمام الحولين.
2- فقال الطبرسي (1: 335):« فَإِنْ أَرادا فِصالاً » أي قبل الحولين، عن مجاهد و قتادة، و هو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام.
وقيل: قبل الحولين، أو بعدهما، عن ابن عباس.
« عَنْ تَراضٍ مِنْهُما » أي من الأب والأم.
« وَ تَشاوُرٍ » يعني اتفاق منهما و مشاورة.
وإنما شرط تراضيهما و تشاورهما مصلحة للولد، لأن الوالدة تعلم من تربية الصبي ما لا يعلمه الوالد. فلو لم يتفكر او يتشاورا في ذلك أدى إلى ضرر الصبي.
« فَلا جُناحَ عَلَيْهِما » أي لاحرج عليهما إذا تماسك الولد، فإن تنازعا رجعا إلى الحولين ».
3- وقد أكد الله في هذه الآية تأكيدا كبيرا رضاع الولد من قبل الوالدات، أو من قبل المسترضعات.
و السابعة عشرة: (61) الآية 24 من سورة النساء: « وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ »:
1- هذه الآية من جملة آيات كثيرة، من أول السورة إلى الآية 35 منها، في أحكام النساء و الرجال إرثا و زواجا و شقاقا، و أحكام الأيتام و غيرها. و في هذه الآية قبل هذه الفقرة قوله: « فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً...»، و فيها خلاف كثير في أن المراد بالاستمتاع: عقد المتعة، كما يقوله الإمامية، أو التلذذ بهن و الجماع في النكاح الدائم، كما يقوله أهل السنة. لاحظ : م ت ع: «استمتعتم».
2 - وقال الطبرسي (2: 33): « و قوله: « وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةِ » من قال: إن المراد بالاستمتاع: الانتفاع و الجماع، قال: المراد به: لاحرج ولا إثم عليكم، فيما تراضیتم به من زيادة مهر، أو نقصانه، أو حط، أو إبراء، أو تأخير.
وقال السدي: معناه: لا جناح عليكم فيما
تراضیتم به من استئناف عقد آخر، بعد انقضاء مدة الأجل المضروب في عقد المتعة، يزيدها الرجل في الأجر، و تزيده في المدة. وهذا قول الإمامية، و تظاهرت به الروايات عن أئمتهم...».
و الثامنة عشرة: (62) الآية 51 من سورة الأحزاب : « وَ لاَ يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ کُلُّهُنَّ »:
1- و هذه من جملة آيات نساء النبي صلی الله علیه و آله في هذه السورة، بدء من الآية 28 منها: « يا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ...» إلى الآية 59: « يا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ...»، و خلالها آيات في مواضيع أخرى.
2 - وجاء في صدرها أنه لا جناح على النبي صلی الله علیه و آله إرجاء من يشاء من أزواجه، و إيماء من يشاء منهن، و أن ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولايحزن و يرضين بما آتيتهن.
3- وقال الطبرسي (4 : 365) في «اللغة »: « الإرجاء هو التأخير، و يكون من تبعيد وقت الشيء عن وقت غيره؛ و منه الإرجاء في فساق أهل الصلاة، و هو تأخير حكمهم بالعقاب إلى الله تعالى.
والإيواء: ضم القادر غيره من الأحياء، الذين هم من جنس ما يعقل إلى ناحيته. يقال: آويت الإنسان أؤويه إيواء...».
4- و قال في معنى « تُرْجِی مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَ تُوِی إِلَیْکَ مَنْ تَشَاءُ »: «أي تؤخر و بعد من تشاء من أزواجك، و تضم إليك من تشاء منهن .
واختلف في معناه على أقوال:؟... و ذکرها.
وقال في معنى « ذلك أدنى أن تقرا عينهن ... »: « معناه: أنهن إذا علمن أن له ردهن إلى فراشه بعدما اعتزلهن، قرت أعينهن، ولم يحزن، و يرضين بما يفعله النبي صلی الله علیه و آله من التسوية و التفضيل، لأنهن يعلمن أنهن لم يطلقن، عن ابن عباس، و مجاهد.
وقيل: معناه: ذلك أطيب لنفوسهن، و أقل لحزنهن، إذا علمن أن لك الرخصة بذلك من الله تعالى، و يرضين بما يفعله النبي صلی الله علیه و آله من التسوية و التفضيل، عن قتادة. و قرة العين عبارة عن السرور.
وقيل: ذلك المعرفة منهن بأنك إذا عزلت واحدة، كان لك أن تؤويها بعد ذلك أدني بسرورهن، وقرة أعينهن، عن الجبائي .
وقيل: معناه: نزول الرخصة من الله تعالى، أقر الأعينهن، و أدنى إلى رضاهن بذلك، لعلمهن بما لهن في ذلك من الثواب في طاعة الله تعالى، و لو كان ذلك من قبلك، لحزن و حملن ذلك على ميلك إلى بعضهن».
و التاسعة عشرة: (63) الآية 1 من سورة التحريم: « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ...»:
1- نزلت في تحريم النبي صلی الله علیه و آله بعض أزواجه « مارية القبطية »، أو حرم الغسل على نفسه ابتغاء مرضات أزواجه - و به سميت السورة - واستدامت أحكامهن إلى الآية 5 منها: « عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ...».
2-وقد أطال الطبرسی (313:5) اختلاف المفسرين في نزولها، و قال في «المعنى» : « يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ... » ناداه سبحانه بهذا النداء تشريفا له، و تعلیما
لعباده، كيف يخاطبونه في أثناء محاوراتهم، و يذكرونه في خلال كلامهم « لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ » من الملاذ « تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ » أي تطلب به رضاء نسائك، و هن أحق بطلب مرضاتك منك.
و ليس في هذا دلالة على وقوع ذنب منه، صغير أو كبير، لأن تحريم الرجل بعض نسائه، أو بعض الملاذ، السبب أو لغير سبب، ليس بقبيح، و لا داخلا في جملة الذنوب، و لا يمتنع أن يكون خرج هذا القول مخرج التوجع له؛ إذ بالغ في إرضاء أزواجه، و تحمل في ذلك المشقة ... ». و قد أطال في دفع الذنب عن النبي صلی الله علیه و آله .
3- و قد سبق الكلام في كلمة «المرضاة » فلاحظ.
ويلاحظ ثانيا: أن 19 آية منها مكية و أكثرها راجع إلى العقيدة أو البعث، و الباقي مدنية. و هي: إما تشريع، أو غزوة، أو نحوها.
و ثالثا: من نظائر هذه المادة في القرآن:
القبول: « أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ » التوبة : 104
والقناعة: « وَ اَلْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اَللّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اِسْمَ اَللّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَ أَطْعِمُوا اَلْقانِعَ وَ اَلْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » الحج : 36
الآلوسي: محمود (1)(1270)
روح المعاني، ط: دار إحياء التراث، بیروت.
ابن أبي الحديد: عبد الحميد (665)
شرح نهج البلاغة، ط: إحياء الكتب، بیروت.
ابن أبي اليمان: يمان . (284)
التقفية، ط: بغداد.
ابن الأثير: مبارك . (606)
النهاية، ط: إسماعیلیان، قم.
ابن الأثير: علي . (630)
الكامل، ط: دار صادر، بیروت.
ابن الأنباري: محمد (328)
غريب اللغة، ط: دارالفردوس، بيروت.
ابن باديس: عبدالحمید (1359)
تفسير القرآن، ط: دار الفکر، بیروت.
ابن جزي: محمد . (741)
التسهيل، دار الكتاب العربي، بيروت.
ابن الجوزي: عبد الرحمان . (597)
زادالمسير، ط: المكتب الإسلامي، بيروت.
ابن خالويه: حسين. (370)
إعراب ثلاثين سورة، ط: حیدر آباد دکن.
ابن خلدون: عبدالرحمان . (808)
المقدمة، ط: دار القلم، بيروت.
ابن درید: محمد . (321)
الجمهرة، ط: حیدر آباد دکن.
ابن السكيت: يعقوب. (244)
1- تهذيب الألفاظ، ط: الآستانة الرضوية، مشهد.
2- إصلاح المنطق، ط: دار المعارف بمصر.
3- الإبدال، ط: القاهرة.
الأضداد، ط: دار الکتب العلمية، بيروت.
ابن سيده : علي. (458)
المحكم، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.
ابن الشجري: هبة الله . (542)
1) هذه الأرقام تاريخ الوفيات بالهجرية
الأمالي، ط: دار المعرفة، بیروت.
ابن شهرآشوب: محمد (588)
متشابه القرآن، ط: طهران.
ابن عاشور: محمدطاهر (1393)
التحرير والتنوير، ط: مؤسسة التاريخ، بیروت.
ابن العربي: عبدالله (543)
أحكام القرآن، ط: دار المعرفة، بیروت.
ابن عربي: محي الدين (628)
تفسير القرآن، ط: دار اليقظة، بيروت.
ابن عطية: عبدالحق (546)
المحررا لوجیز، ط: دارالکتب العلمية ، بيروت.
ابن فارس: أحمد (395)
1- المقاییس، ط: طهران.
2- الصاحبي، ط: المكتبة اللغوية، بيروت.
ابن قتيبة: عبدالله (276)
1- غريب القرآن، ط: دار إحياء الكتب ، القاهرة
2- تأويل مشكل القرآن، ط: المكتبة العلمية ،القاهرة .
ابن القيم :محمد(751)
التفسيرالقيم ، ط : لجنة التراث العربي، لبنان.
ابن كثير: إسماعيل (774)
1- تفسير القرآن، ط: دارالفکر، بیروت.
2- البداية و النهاية، ط: المعارف، بیروت.
ابن منظور: محمد(711)
لسان العرب، ط، دار صادر، بیروت.
ابن ناقيا: عبدالله (485)
الجمان، ط: المعارف، الاسكندرية .
ابن هشام : عبدالله (761)
مغني اللبيب ، ط : المدني ، القاهرة.
أبوالبرکات: عبد الرحمان (577)
البيان، ط: الهجرة، قم.
أبو حاتم: سهل(248)
الأضداد، ط: دار الكتب، بیروت.
أبو حيان: محمد (745)
البحر المحيط، ط: دار الفکر، بیروت.
أبو رزق:.. (معاصر)
معجم القرآن، ط: الحجازي، القاهرة.
أبو زرعة: عبد الرحمان (403)
حجة القراءات، ط: الرسالة، بيروت.
أبوزهرة: محمد (1395)
المعجزة الكبرى، ط: دار الفکر، بیروت
ابوزید: سعید (215)
النوادر، ط: الكاثوليكية، بيروت.
أبو السعود: محمد(982)
إرشاد العقل السليم، ط: مصر.
أبو سهل الهروي: محمد (433)
التلويح، ط: التوحيد، مصر.
أبو عبيد: قاسم (224)
غريب الحديث، ط: دار الكتب، بیروت.
أبو عبيدة: معمر (209)
مجاز القرآن، ط: دار الفكر، مصر.
أبو عمرو الشيباني: إسحاق(206)
الجيم، ط: المطابع الأميرية، القاهرة.
أبوالفتوح: حسين (554)
روض الجنان، ط: الآستانة الرضوية، مشهد.
أبوالفداء: إسماعيل (732)
المختصر، ط: دار المعرفة، بيروت.
أبو هلال: حسن (395)
الفروق اللغوية، ط: بصيرتي، قم.
أحمد بدوي (معاصر)
من بلاغة القرآن، ط: دار النهضة، مصر.
الأخفش: سعید (215)
معاني القرآن، ط: عالم الكتب، بیروت.
الأزهري:محمد (370)
تهذيب اللغة، ط: الدار المصرية.
الإسكافي: محمد (420)
درة التنزیل، ط: دار الآفاق، بيروت.
الأصمعي: عبدالملك (216)
الأضداد، ط: دار الكتب، بیروت.
ایزوتسو: توشيهيكو (1371)
خدا و إنسان در قرآن، ط: انتشار، طهران.
البحراني: هاشم (1127)
البرهان، ط: مؤسسة البعثة، بيروت.
البروسوي: إسماعيل (1127)
روح البیان، ط: جعفري، طهران.
البستاني: بطرس (1300)
دائرة المعارف، ط: دارالمعرفة، بیروت.
البغوي: حسين(516)
معالم التنزیل، ط: دار إحياء التراث العربي بيروت.
بنت الشاطئ: عائشة (1378)
1- التفسير البياني، ط: دار المعارف، مصر.
2- الإعجاز البياني، ط: دار المعارف، مصر.
بهاء الدين العاملي: محمد (1031)
العروة الوثقی، ط: مهر، قم.
بيان الحق: محمود (نحو 555)
وضح البرهان، ط: دارالقلم، بيروت.
البيضاوي: عبدالله (685)
أنوار التنزیل، ط: مصر.
الستري: محمد تقي (1415)
نهج الصباغة في شرح نهج البلاغة، ط: أمير کبير، طهران.
التفتازاني: مسعود (793)
المطول ، ط: مکتبة الداوري، قم.
الثعالبي: عبدالملك (429)
فقه اللغة، ط: مصر.
ثعلب: أحمد (291)
الفصيح، ط : التوحید، مصر.
الثعلبي :أحمد(427)
الكشف والبيان، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الجاحظ: عمرو (255)
الحيوان، ط: دار إحياء التراث العربي بيروت.
الجرجاني: علي(816)
التعريفات، ط: ناصر خسرو، طهران.
الجزائري: نورالدین (1158)
فروق اللغات، ط: فرهنگ اسلامی، طهران.
الجصاص: أحمد (370)
أحكام القرآن، ط: دار الكتاب، بیروت.
جمال الدين عياد (معاصر)
بحوث في تفسير القرآن، ط: المعرفة، القاهرة.
الجواليقي: موهوب (540)
المعرب، ط: دارالکتب: مصر.
الجوهري: اسماعيل (393)
صحاح اللغة، ط: دارا لعلم، بیروت.
الحائري: سيد علي (1340)
مقتنيات الدرر ، ط : الحيدرية ، طهران.
الحجازي: محمد محمود (معاصر)
التفسير الواضح، ط: دار الكتاب، مصر.
الحربي: إبراهيم (285)
غريب الحديث، ط: دار المدني، جدة.
الحريري: قاسم (516)
درة الغواص، ط: المثنى، بغداد.
حسنین مخلوف (معاصر)
صفوة البيان، ط: دار الكتاب، مصر.
جفني: محمد شرف (معاصر)
إعجاز القرآن البياني، ط: الأهرام، مصر.
الحموي: ياقوت (626)
معجم البلدان، ط: دار صادر، بیروت.
الحيري: إسماعيل (431)
وجوه القرآن، ط : مؤسسة الطبع للآستانة الرضوية المقدسة، مشهد.
الخازن: علي (741)
الباب التأويل، ط :التجارية، مصر.
الخطابي: حمد (388)
غريب الحديث، ط: دار الفكر، دمشق.
الخليل بن أحمد (175)
العين، ط: دار الهجرة، قم.
خلیل یاسین (معاصر)
الأضواء، ط: الأديب الجديدة، بيروت.
الدامغاني: حسين (478)
الوجوه والنظائر، ط: جامعه تبریز.
الدميري: محمد (808)
حياة الحيوان، ط: منشورات الرضي، قم.
الرازي: محمد (666)
مختار الصحاح، ط: دارالکتاب، بیروت.
الراغب: حسين (502)
المفردات، ط: دارالمعرفة، بيروت.
الراوندي: سعيد (573)
فقه القرآن، ط: الخيام، قم.
رشید رضا: محمد (1354)
المنار، ط: دار المعرفة، بیروت.
الزبيدي: محمد (1205)
تاج العروس، ط: الخيرية، مصر.
الزجاج: إبراهيم(311)
1- معاني القرآن، ط: عالم الكتب، بيروت.
2- فعلت و أفعلت، ط: التوحید، مصر.
3- إعراب القرآن، ط: دار الكتاب، بیروت.
الزرکشي: محمد (794)
البرهان، ط: دار إحياء الكتب، القاهرة.
الرزکلي: خير الدين (1396)
الأعلام، ط: بیروت.
الزمخشري: محمودذ (538)
1- الكشاف، ط: دار المعرفة، بیروت.
2- الفائق، ط: دارالمعرفة، بيروت.
3- أساس البلاغة، ط: دار صادر، بیروت.
السجستاني: محمد (330)
غریب القران، ط: الفنية المتحدة، مصر.
السكاكي: يوسف (626)
مفتاح العلوم، ط: دار الكتب، بیروت.
سلیمان حییم (معاصر)
فرهنگ عبري، فارسي ، ط : إسرائيل.
السمين: أحمد. (756)
الدر المصون ، ط: دارالکتب العلمية ، بيروت.
السهيلي: عبد الرحمان (581)
روض الأنف، ط: دارالکتب العلمية، بيروت.
سیبویه: عمرو (180)
الكتاب، ط: عالم الكتب، بیروت.
السيوطي: عبدالرحمان(911)
1- الإتقان، ط: رضي، طهران.
2- الدر المنثور، ط: بیروت.
3- تفسير الجلالين، ط: مصطفى البالي، مصر (مع أنوارالتنزيل).
سید قطب (1387)
في ظلال القرآن، ط: دار الشروق، بیروت.
شبر: عبدالله (1342)
الجوهر الثمين، ط: الألفين، الكويت.
الشربيني: محمد (977)
السراج المنير، ط: دار المعرفة، بیروت.
الشريف الرضي: محمد (406)
1- تلخيص البيان، ط: بصيرتي، قم.
2- حقائق التأويل، ط: البعثة، طهران.
الشريف العاملی: محمد (1138)
مرآة الأنوار، ط: آفتاب، طهران.
الشريف المرتضى: علي (436)
الأمالي، ط: دار الكتب، بيروت.
شريعتي: محمد تقي (1407)
تفسیر نوین، ط: فرهنگ اسلامی، طهران.
شوقي ضيف (معاصر)
تفسير سورة الرحمان، ط: دارالمعارف بمصر.
الشوكاني: محمد (1250)
فتح القدیر، دار المعرفة، بیروت.
الصابوني: محمد علي (معاصر)
روائع البيان، ط :الغزالي، دمشق.
الصاحب: إسماعيل(385)
المحيط في اللغة، ط: عالم الكتب، بیروت.
الصغاني: حسن(650)
1- التكملة، ط: دارالکتب، القاهرة.
2- الأضداد، ط: دار الكتب، بيروت.
صدرالمتألهين: محمد (1059)
تفسير القرآن، ط: بیدار، قم.
الصدوق: محمد (381)
التوحيد، ط: النشر الإسلامي، قم.
طه الدرة : محمد علي
تفسير القرآن الكريم وإعرابه و بیانه، ط: دار
الحكمة، دمشق.
الطالقاني: محمود. (1400)
پرتوی از قرآن، ط: شرکت سهامی انتشار.
الطباطبائي: محمد حسین (1402)
الميزان، ط: إسماعیلیان، قم.
الطبرسي. فضل (548)
مجمع البیان، ط: الإسلامية، طهران.
الطبري: محمد (310)
1- جامع البیان:ط: دارالکتب العلمية، بيروت.
2- اخبار الأمم و الملوك، ط: الاستقامة، القاهرة.
الطريحي: فخرالدین (1085)
1- مجمع البحرین، ط: المرتضوية، طهران.
2- غريب القرآن، ط: النجف.
طنطاوي: جوهري(1358)
الجواهر، ط: مصطفى البابي، مصر.
الطوسي: محمد (460)
التبیان، ط: العمان، النجف.
عبدالجبار: أحمد (415)
1- تنزيه القرآن، ط: دار النهضة، بيروت.
2- متشابها لقرآن، ط: دار التراث، القاهرة.
عبدالرزاق نوفل (معاصر)
الإعجاز العددي، ط: دارالشعب، القاهرة.
عبدالفتاح طبارة (معاصر)
مع الأنبياء، ط: دار العلم، بيروت.
عبدالكريم الخطيب (معاصر)
التفسير القرآني، ط: دارالفکر، بیروت.
عبد اللطيف البغدادي (629)
ذیل الفصيح، ط: التوحيد، القاهرة.
عبدالمنعم الجمال : محمد (معاصر)
التفسيرالفريد، ط: بإذن مجمع البحوث الإسلامي الأزهر.
العدناني: محمد (1360)
1- معجم الأغلاط، ط: مکتبة لبنان، بیروت.
2- معجم الأخطاء الشائعة، ط: مکتبة لبنان، بیروت.
العروسي: عبد علي (1112)
نورالثقلين، ط: إسماعیلیان، قم.
عزة دروزة: محمد (1400)
تفسير الحديث، ط: دار إحياء الكتب القاهرة.
العكبري: عبدالله (616)
التبیان، ط: دار الجيل، بیروت.
علي أصغر حکمت (معاصر)
نه گفتار در تاریخ ادیان، ط: أدبيات، شیراز.
العياشي: محمد (نحو 320)
التفسير، ط: الإسلامية، طهران.
الفارسي: حسن (377)
الحجة، ط: دارالمأمون، بیروت.
الفاضل المقداد: عبدالله (826)
کنز العرفان، ط : المرتضوية، طهران.
الفخر الرازي :محمد (606)
التفسير الكبير، ط: عبدالرحمان، القاهرة.
فرات الكوفي : ابن إبراهيم (نحو 300)
تفسیر فرات الكوفي، ط: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، طهران.
الفراء: يحي (207)
معاني القرآن، ط: ناصر خسرو، طهران.
فريد وجدي: محمد (1373)
المصحف المفسر، ط: دار مطابع الشعب، بیروت.
فضل الله: محمد حسین (1431)
من وحي القرآن، ط: دارالملاك، بيروت.
الفيروزابادي: محمد (817)
1- القاموس المحيط، ط: دار الجيل، بيروت.
2- بصائر ذوي التمييز، ط: دارا لتحرير ، القاهرة.
القومي: أحمد (770)
مصباح المنير، ط: المكتبة العلمية، بيروت.
القاسمي: جمال الدین (1332)
محاسن التأويل، ط: دار إحياء الكتب، القاهرة.
التالي: إسماعيل (356)
الأمالي، ط: دار الكتب، بیروت.
القرطى: محمد (670)
الجامع لأحكام القرآن، ط: دار إحياء التراث بیروت
القشيري: عبد الكريم (465)
لطائف الإشارات، ط: دار الكتاب، القاهرة.
القمي: علي (328)
تفسير القرآن، ط: دار الكتاب، قم.
القيسي: مكي (437)
مشكل إعراب القرآن، ط: مجمع اللغة، دمشق.
الكاشاني: محسن (1091)
الصافي، ط: الأعلمي، بيروت.
الكرماني: محمود (505)
أسرارا لتكرار، ط: المحمدية القاهرة.
الكليني: محمد (329)
الكافي: ط: دارالکتب الإسلامية، طهران.
لویس کوستاز (معصر)
قاموس سرياني - عربي، ط: الكاثوليكية ، بيروت.
لویس معلوف (1366)
المنجد في اللغة، ط: دار المشرق، بيروت.
الماوردي: علي (450)
النكت و العيون، ط: دارالکتب، بیروت.
المبرد: محمد (286)
الكامل، ط: مکتبة المعارف، بیروت.
المجلسي: محمد باقر (1111)
بحار الأنوار، ط: دار إحياء التراث، بیروت.
مجمع اللغة: جماعة (معاصرون)
معجم الألفاظ، ط: آرمان، طهران.
محمد إسماعيل إبراهيم (معاصر)
معجم الألفاظ و الأعلام، ط: دار الفكر ، القاهرة.
محمود شيت خطاب (معاصر)
المصطلحات العسكرية ، ط: دارالفتح، بيروت.
محمود صافي (1405)
الجدول في إعراب القرآن و صرفه و بیانه: ط: دار الرشيد.
المدني: علي (1120)
أنوار الربيع، ط: النعمان، نجف.
المديني: محمد (581)
المجموع المغيث، ط: دار المدني، جده .
المراغي: محمد مصطفی (1364)
1- تفسير سورة الحجرات، ط: الأزهر، مصر.
2- تفسير سورة الحديد، ط: الأزهر، مصر.
المراغي: أحمد مصطفی (1371)
تفسير القرآن، ط: دار إحياء التراث، بیروت.
مشکور: محمدجواد (معاصر)
فرهنگ تطبیقی ، ط : کاویان ، طهران.
المشهدي: محمد (1125)
کنزالدقائق، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
المصطفوي: حسن (معاصر)
التحقيق، ط: دارالترجمة، طهران.
معرفة: محمدهادی (1427)
التفسير و المفسرون، ط: الجامعة الرضوية، مشهد.
مغنية: محمد جواد (1400)
التفسير الكاشف، ط: دار العلم للملايين،بيروت.
مقال: ابن سليمان (150)
1- تفسير مقاتل ، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.
2- الأشباه والنظائر، ط: المكتبة العربية، مصر.
المقدسی: مطهر (355)
البدء و التاريخ، ط: مکتبة المثني، بغداد.
مکارم الشيرازي: ناصر (معاصر)
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ط: بیروت.
الميدي: أحمد (520)
کشف الأسرار، ط: أمیر کبیر، طهران.
الميلاني: محمد هادي (1384)
تفسیر سورتي الجمعة و التغابن، ط: مشهد.
النحاس: أحمد (338)
معاني القرآن، ط: مكة المكرمة.
النسفي: أحمد (710)
مدارك التنزیل، ط: دار الكتاب، بیروت.
النهاوندي: محمد (1370)
نفحات الرحمان، ط: سنگی، علمى [طهران].
النيسابوري: حسن (728)
غرائب القرآن، ط: مصطفى البابي، مصر.
هارون الأعور: ابن موسی (249)
الوجوه والنظائر، ط: دار الحرية، بغداد.
هاکس: الإمريكي (معاصر)
قاموس کتاب مقدس ط: مطبعة الأمريكي بيروت
الهروي: أحمد (401)
الغريبين، ط: دار إحياء التراث.
الهمذاني : عبدالرحمان(329)
الألفاظ الكتابية، ط: دارالکتب، بیروت.
هوتسما: مارتن تیودر (1362)
دائرة المعارف الإسلامية، ط: جهان، طهران.
الواحدي: علي (468)
الوسيط ، ط: دارالکتب العلمية ، بيروت.
اليزيدي: يحي (202)
غريب القرآن، ط: عالم الكتب، بیروت.
اليعقوبي: أحمد (292)
التاریخ، ط، دارصادر، بیروت.
يوسف خياط (؟)
الملحق بلسان العرب، ط: أدب الحوزة، قم.
أبان بن عثمان.(200)
إبراهيم التيمي.(؟)
ابن أبي إسحاق: عبدالله .(129)
ابن أبي عبلة: إبراهيم. (153)
ابن أبي نجيح: يسار.(131)
ابن إسحاق: محمد. (151)
ابن الأعرابي: محمد. (231)
ابن أنس: مالك. (179)
ابن بري : عبدالله . (582)
ابن برج: عبدالرحمان(؟)
ابن بنت العراقي (704)
ابن تيمية: أحمد. (728)
ابن جریج: عبد الملك.(150)
ابن جني: عثمان(392)
ابن الحاجب : عثمان. (646)
ابن حبیب: محمد. (245)
ابن حجر: أحمد بن علي.(852)
ابن حجر: أحمد بن محمد. (974)
ابن حزم : علي (456)
ابن حلزة:....(؟)
ابن خروف: علي. (609)
ابن ذكوان: عبدالرحمان(202)
ابن رجب: عبد الرحمان. (795)
ابن الزبير: عبدالله . (73)
ابن زيد: عبدالرحمان(182)
ابن سميقع : محمد. (؟)
ابن سیرین: محمد. (110)
ابن سینا: علي (428)
ابن الشخير: مطرف.(542)
ابن شریح: ....(؟)
ابن شميل : نضر. (203)
ابن الشيخ: ....(؟)
ابن عادل. (؟)
ابن عامر: عبد الله . (118)
ابن عباس: عبدالله. (68)
ابن عبدالملك: محمد. (244)
ابن عساکر (؟)
ابن عصفور: علي (696)
ابن عطاء: واصل. (131)
ابن عقيل: عبد الله .(769)
ابن عمر: عبدالله .(73)
ابن عياش: محمد. (193)
ابن عيينة: سفيان. (198)
ابن فورك: محمد. (406)
ابن كثير: عبدالله . (120)
ابن كعب القرظي: محمد. (117)
ابن الكلبي: هشام. (204)
ابن كمال باشا: أحمد. (940)
ابن كمونة: سعد.(683)
ابن کیسان : محمد (299)
ابن ماجه: محمد. (273)
ابن مالك: محمد. (672)
ابن مجاهد: أحمد. (324)
ابن محيصن: محمد.(123)
ابن مسعود: عبد الله . (32)
ابن المسيب: سعيد. (94)
ابن ملك: عبد اللطيف. (801)
ابن المنير: عبدالواحد. (733)
ابن النحاس: محمد. (698)
ابن هانئ:...(؟)
ابن هرمز: عبد الرحمان. (117)
ابن الهيثم: داود. (316)
ابن الوردي: عمر. (749)
ابن وهب : عبدالله. (197)
ابن يسعون: يوسف. (542)
ابن يعيش : علي (643)
أبو بحرية: عبدالله . (80)
أبو بكر الإخشيد:أحمد.(366)
أبو بكر الأصم:...(201)
أبو الجزال الأعرابي (؟)
أبو جعفر القارئ: یزید. (132)
أبو الحسن الصائغ.(؟)
أبو حمزة الثمالي: ثابت(150)
أبو حنيفة : النعمان.(150)
أبو حيوة: شريح.(203)
أبو داود: سليمان. (275)
أبوالدرداء: عويمر . (32)
أبو دقیش : ...(؟)
أبوذر: جندب. (32)
أبو روق: عطية . (؟)
أبوزیاد: عبدالله . (؟)
أبو سعيد الخدري: سعد. (74)
أبو سعيد البغدادي: أحمد.(285)
أبو سعيد الخراز : أحمد. (285)
أبو سليمان الدمشقي: عبدالرحمان. (215)
أبوالسمال: قعنب. (؟)
أبو شريح الخزاعي(؟)
أبو صالح.(؟)
أبوالطيب اللغوي (؟)
أبوالعالية: رفيع. (؟)
أبو عبدالرحمان: عبدالله. (74)
أبو عبدالله : محمد. (؟)
أبو عثمان الحيري: سعيد. (289)
أبوالعلاء المعري: أحمد. (449)
أبو علي الأهوازي: حسن. (446)
أبو علي مسكويه: أحمد. (421)
أبوعمران الجوني: عبدالملك. (؟)
أبو عمرو ابن العلاء: زبان .(154)
أبو عمرو الجرمي: صالح.(225)
أبو الفضل الرازي .(؟)
أبو قلابة: ....(104)
أبو مالك: عمرو. (؟)
أبوالمتوكل: علي (؟)
أبو مجلز: لاحق. (؟)
أبو محلم: محمد. (245)
أبو مسلم الأصفهاني :محمد. (322)
أبو منذر السلام....(؟)
أبو موسى الأشعري: عبدالله . (44)
أبو نصر الباهلي: أحمد. (231)
أبو هريرة: عبدالرحمان .(59)
أبو الهيثم:.. (276)
أبو يزيد المدني: .....(؟)
أبو یعلی: أحمد. (307)
أبو يوسف: يعقوب.(182)
ابی بن کعب.(21)
أحمد بن حنبل. (24)
الأحمر: علي (194)
الأخفش الأكبر: عبد الحميد. (177)
إسحاق بن بشير.(206)
الأسدي. (؟)
إسماعيل بن القاضي. (؟)
الأصم: محمد.(346)
الأعشی: میمون.(148)
الأعمش: سليمان.(148)
إلياس: ...(؟)
أنس بن مالك.(93)
الأموي: سعيد. (200)
الأوزاعي: عبدالرحمن. (157)
الأهوازي: حسن. (446)
الباقلاني: محمد. (256)
البخاري: محمد. (256)
براء بن عازب. (71)
البرجي: علي. ذ(؟)
البرجمي: ضابئ .(؟)
البقلي . (؟)
البلخي: عبدالله . (319)
البلوطي: منذر.(355)
بوست: جورج ادوارد. (1327)
الترمذي: محمد. (279)
ثابت البناني. (127)
الثعلبي: أحمد. (427)
الثوري: سفيان. (161)
جابر بن زيد.(93)
الجبائي: محمد. (303)
الجدري: كامل. (231)
جمال الدين الأفغاني. (1315)
الجنيد البغدادي: ابن محمد. (297)
جهرم بن صفوان. (128)
الحارث بن ظالم. (22ق)
الحدادي: ...(؟)
الحراني: محمد. (560)
الحسن بن يسار. (110)
حسن بن حي .(؟)
حسن بن زیاد. (204)
حسين بن فضل. (548)
حفص: بن عمر. (246)
حماد بن سلمة. (167)
حمزة القارئ.(156)
حميد: ابن قيس. (؟)
الحوفي: علي .(430)
خصيف: ...(؟)
الخطيب التبريزي: يحي.(502)
الخفاجي: عبدالله . (466)
خلف القارئ. (299)
الخويي: محمد. (693)
الخيالي: أحمد. (862)
الدقاق.(؟)
الدماميني: محمد. (827)
الدواني. (918)
الدينوري: أحمد. (282)
الربيع بن أنس. (139)
ربيعة بن سعيد (؟)
الرضي الأسترابادي.(686)
الرماني: علي. (384)
رویس: محمد. (238)
الزناتي. (؟)
الزبير: بن بکار .(256)
الزجاجي: عبد الرحمان .(337)
الزهراوي: خلف (427)
الزهروي: محمد. (128)
زيد بن أسلم. (136)
زید بن ثابت.(45)
زید بن علي.(122)
السدي: إسماعيل.(128)
سعد بن أبي وقاص. (55)
سعد المفتي. (؟)
سعید بن جبير. (95)
سعید بن عبدالعزيز.(167)
السلمي القارئ: عبد الله . (74)
السلمي: محمد.(412)
سليمان بن جماز المدني. (170)
سليمان بن موسی. (119)
سليمان التيمي. (؟)
سهل التستري. (283)
السيرافي: حسن. (368)
الشاذلي. (؟)
الشاطبي (؟)
الشافعي: محمد. (204)
الشبلي: دلف. (334)
الشعبي: عامر. (103)
شعيب الجبئي. (؟)
الشقيق بن إبراهيم. (194)
الشلوبيني: عمر. (645)
شمر: بن حمدويه. (255)
الشمني: أحمد (872)
الشهاب: أحمد.(1069)
شهاب الدين القرافي (684)
شهر بن حوشب.(100)
شيبان بن عبد الرحمان (؟)
شيبة الضبي. (؟)
شيذلة: عزيزي. (494)
صالح المري. (؟)
الصیقلي: محمد.(565)
الضبي: يونس. (182)
الضحاك بن مزاحم. (105)
طاووس: بن کیسان. (106)
الطبقلي: أحمد. (1213)
طلحة بن مصرف. (112)
الطيبي: حسين. (743)
عائشة بنت أبي بكر. (58)
عاصم الجحدري. (128)
عاصم القارئ. (127)
عامر بن عبدالله (55)
عباس بن الفضل. (186)
عبدالرحمان بن أبي بكرة. (96)
عبدالعزيز:...(612)
عبدالله بن أبي ليلى. (؟)
عبدالله بن الحارث. (86)
عبدالله الهبطي. (؟)
عبدالوهاب النجار. (1360)
عبيد بن عمير. (؟)
العتكي: عباد.(181)
العدوي:...(؟)
عصام الدين: عثمان. (1193)
عصمة بن عروة. (؟)
العطاء: بن أسلم.(114)
عطاء بن سائب. (136)
عطاء الخراساني: ابن عبدالله . (135)
عكرمة بن عبدالله . (105)
العلاء بن سیابة. (؟)
علي بن أبي طلحة. (143)
عمارة بن عائد. (؟)
عمر بن ذر. (153)
عمرو بن عبيد (144)
عمرو بن میمون. (؟)
عیسی بن عمر. (149)
العوفي: عطية.(111)
العيني: محمود. (855)
الغزالي: محمد. (505)
الغزنوي:...(582)
الفارابي: محمد. (339)
الفاسي (؟)
الفضل الرقاشي. (200)
قتادة بن دعامة. (118)
القزوینی: محمد. (739)
قطرب: محمد. (206)
القفال: محمد. (328)
القلانسي : محمد. (521)
کراع النمل: علي.(309)
الكسائي: علي. (189)
کعب الأحبار: ابن ماتع. (32)
الكعبي : عبدالله . (319)
الكفعمي: إبراهيم (905)
الكلبي: محمد. (146)
کلنبوی.(؟)
الكيا الطبري(؟)
اللؤلؤي: حسن. (204)
اللحياني: علي. (220)
الليث بن المظفر. (185)
الماتريدي: محمد. (333)
المازني: بكر. (249)
مالك بن أنس. (179)
مالك بن دینار. (131)
المالكي (؟)
الملوي (؟)
مجاهد: جبر. (104)
المحاسبي: حارث. (243)
محبوب: ...(؟)
محمد أبي موسى. (؟)
محمد بن حبيب. (245)
محمد بن الحسن. (189)
محمد بن شريح الأصفهاني (؟)
محمد عبده: ابن حسن خير الله. (1323)
محمد الشيشني. (؟)
مروان بن الحكم. (65)
المسهر بن عبد الملك. (؟)
مصلح الدین اللاري: محمد. (979)
معاذ بن جبل. (18)
معتمر بن سلیمان. (187)
المغربي: حسين. (418)
المفضل الضبي: ابن محمد. (182)
مكحول: بن شهراب. (112)
المنذري: محمد. (329)
المهدوي: أحمد. (440)
مؤرج السدوسي: ابن عمر. (195)
موسی بن عمران. (604)
میمون بن مهران (117)
النخعي: إبراهيم. (96)
نصر بن علي (؟)
نقوم بك: بن بشار. (1340)
نفطويه: ابراهیم. (323)
النقاش: محمد. (351)
النووي: يحي. (676)
هارون بن حاتم. (728)
الهذلي : قاسم. (175)
همام بن حارث. (؟)
ورش: عثمان.(197)
وهب بن جریر. (207)
وهب بن منبه. (114)
يحيى بن جعدة. (؟)
يحيى بن سعيد. (؟)
یحیی بن سلام. (200)
يحيى بن وثاب.(103)
يحيى بن يعمر.(129)
یزید بن أبي حبيب. (128)
یزید بن رومان. (130)
یزید بن قعقاع. (132)
يعقوب بن اسحاق. (202)
اليماني: عمر. (؟)