المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته جلد 23

ghaemiyeh.com

اشارة

عنوان و نام پديدآور : المعجم فی فقه لغه القرآن و سر بلاغته/ اعداد قسم القرآن لمجمع البحوث الاسلامیه؛ بارشاد و اشراف محمد واعظ‌زاده الخراسانی.

مشخصات نشر : مشهد: بنیاد پژوهشهای اسلامی، 1419ق. = -1377.

مشخصات ظاهری : ج.

فروست : الموسوعة‌القرآنیة‌الکبری.

شابک : دوره 964-444-179-6 : ؛ دوره‌978-964-444-179-0: ؛ 1430000 ریال (دوره، چاپ دوم) ؛ 25000 ریال: ج. 1 964-444-180-X : ؛ 30000 ریال: ج. 2 964-444-256-3 : ؛ 32000 ریال: ج. 3 964-444-371-3 : ؛ 67000 ریال (ج. 10) ؛ ج.12‌978-964-971-136-2 : ؛ ج.19‌978-600-06-0028-0 : ؛ ج.21‌978-964-971-484-4 : ؛ ج.28 978-964-971-991-7 : ؛ ج.30‌978-600-06-0059-4 : ؛ 1280000 ریال: ج.36‌978-600-06-0267-3 : ؛ 950000 ریال: ج.37‌978-600-06-0309-0 : ؛ 1050000 ریال: ج.39‌978-600-06-0444-8 : ؛ 1000000 ریال: ج.40‌978-600-06-0479-0 : ؛ ج.41‌978-600-06-0496-7 : ؛ ج.43‌978-600-06-0562-9 :

يادداشت : عربی.

يادداشت : جلد سی و ششم تا چهلم باشراف جعفر سبحانی است.

يادداشت : جلد سی و ششم با تنقیح ناصر النجفی است.

يادداشت : جلد سی و هفتم تا چهل و سوم با تنقیح علیرضا غفرانی و ناصر النجفی است.

يادداشت : مولفان جلد چهل و یکم ناصر نجفی، محمدحسن مومن‌زاده، سیدعبدالحمید عظیمی، سیدحسین رضویان، علی‌رضا غفرانی، محمدرضا نوری، ابوالقاسم حسن‌پور، سیدرضا سیادت، محمد مروی ...

يادداشت : ج. 2 (چاپ اول: 1420ق. = 1378).

يادداشت : ج. 3 (چاپ اول: 1421ق. = 1379).

يادداشت : ج.3 (چاپ دوم: 1429ق. = 1387).

يادداشت : ج. 10 (چاپ اول: 1426ق. = 1384).

يادداشت : ج.21 (چاپ اول: 1441ق.=1399) (فیپا).

يادداشت : ج.36 (چاپ دوم : 1440ق.=1398)(فیپا).

يادداشت : ج.37 (چاپ اول : 1440ق.=1397)(فیپا).

يادداشت : ج.39 (چاپ اول: 1441ق.=1399) ( فیپا).

يادداشت : ج.40 - 41(چاپ اول: 1442ق.= 1399) (فیپا).

يادداشت : جلد دوازدهم تا پانزدهم این کتاب در سال 1398 تجدید چاپ شده است.

يادداشت : ج.19 و 28 و 30 ( چاپ دوم: 1442ق = 1400 ) (فیپا).

يادداشت : ج.21 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.38 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.30 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.29 (چاپ دوم: 1399).

يادداشت : ج.12 (چاپ چهارم: 1399).

يادداشت : ج.32 (چاپ دوم: 1399).

مندرجات : ج.3. ال‌و - ا‌ن‌س

موضوع : قرآن -- واژه‌نامه‌ها

Qur'an -- Dictionaries

موضوع : قرآن -- دایره‌المعارف‌ها

Qur'an -- Encyclopedias

شناسه افزوده : واعظ زاده خراسانی، محمدِ، 1385-1304.

شناسه افزوده : سبحانی تبریزی، جعفر، 1308 -

شناسه افزوده : Sobhani Tabrizi, Jafar

شناسه افزوده : نجفی، ناصر، 1322 -

شناسه افزوده : غفرانی، علیرضا

شناسه افزوده : بنیاد پژوهشهای اسلامی. گروه قرآن

شناسه افزوده : بنیاد پژوهش‌های اسلامی

رده بندی کنگره : BP66/4/م57 1377

رده بندی دیویی : 297/13

شماره کتابشناسی ملی : 582410

اطلاعات رکورد کتابشناسی : فیپا

اشارة

المعجم في فقه لغة القرآن و سر بلاغته / تأليغ و عقیق قسم القرآن في مجمع البحوث الإسلامية: بإرشاد و إشراف محمد واعظ زاده الخراساني. مشهد: مجمع البحوث الإسلامية 1920ق. = 1378ش.

(ج23)6-578-971-964-978 ISBN

978-964-44-179

فهرست نویسی بر اساس اطلاعات فيها. عری: .قرآن واژه نامه.

2. قرآن

دایرةالمعارف. 1306 . ب. بنیاد پژوهشهاي اسلامي.

الف. واعظ زاده خراسانی، محمد،

16/4/257

297/13

کتابخانه ملی ایران

697-78م

ما برای اطلائی

انسان یہی

المعجم في فقه لغة القرآن و سر بلاغته

المجلد الثالث و العشرون تألیف و تحقیق : قسم القران في مجمع البحوث الإسلامية إشراف : الأستاذ محمد واعظ زاده الخراساني

الطبعة الأولى 1434 ق/1391 فی

1000 نسخة / النمن: 200000 ریال الطباعة: مؤسسة الطبع والنشر التابعة للأستانة الرضوية المقدسة

مجمع البحوث الإسلامية، م.ب 399 - 91730 هاتف و فاکس وحدة المبيعات في مجمع البحوث الإسلامية: 2230803 معارض بيع كتب مجمع البحوث الإسلامية، (مشهد) 2233923، (قم) 7733029

حقوق الطبع محفوظة للناشر

المؤلفون الأستاذ محمد واعظ زاده الخراساني

ناصر التجفي

قاسم التوري محمد حسن مؤمن زاده

حسین خاکشور السيد عبدالحميد عظيمي

السيد جواد سيدي السيد حسين رضویان

علي رضا غفراني

محمدرضا نوري

السيد علي صباغ دارايي

أبوالقاسم حسن پور و قد فوض عرض الآيات و ضبطها إلى أبي الحسن الملكي و مقابلة الصوص

إلى خضر فيض الله و عبدالكريم الرحيمي و تنضيد الحروف إلى المؤلفين

ق

1622 ق

کتاب نخبة مؤتمر تکریم خدمة القرآن الكريم في ميدان الأدب المصف. الكتاب الخبة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. مؤتمر الكتاب المنتخب الثالث للحوزة العلمية في قم. الدورة الثانية لانتخاب و عرض الكتب والمقالات الممتازة في حقل القرآن. | الملتقى الثاني للكتاب الخبة الذي يعقد كل سنتين في محافظة خراسان الضوية. ملتقى تكريم نخبة الحوزة العلمية في خراسان الرضوية.

1622 ق

162 ق

1629 ق

1631ق

المحتويات

7 رجم

تصدير

591

رب و

رج و

927

رتع

127

703

در

رت ق

رحق

723

193

رح ل

729

رجج

757

رجز

195

رحم الأعلام المنقول عنهم بلا واسطة وأسماء كتبهم 1071 الأعلام المنقول عنهم بالواسطة

رج س

293

6

677

1081

تصدير

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة و السلام على خير خلقه و أفضل بريته، سید الأنبياء و المرسلين، نبينا محمد خاتم النبيين، و على آله الطيبين، و صحبه المنتجبين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

و بعد، شکرالله تعالى على أن سهل لنا الطريق، و وسع علينا التوفيق، لتأليف المجلد الثالث و العشرين من موسوعتنا القرآنية الكبري: «المعجم في فقه لغة القرآن و سر بلاغته» الجامع للصوص اللغوية و التفسيرية، والدراسات البلاغية، و الرموز القرآنية، و الأسرار الإلهية، تقدما إلى طالبيها الذين يتابعون و يترصدون بشوق وافر، و جد بالغ سلسلة مجلدات هذا المعجم الحجیم مجلدا بعد محل، شائقين إلى ما فيها من أسرار كتاب ربهم، ومعرفة رموزه و دقائقه و فقه لغته، و مدی بلاغته وإعجازه، عرفائا بالا و تدبرا کاملا

و هؤلاء الراغبون فيه هم ژواد العلوم القرآنية في العالم الإسلامية و سائر البلاد، و من أتباع المذاهب الإسلامية كلها، فإن هذا المعجم القرآني معجمهم جميعا.

وهم الذين يعربون ولعهم به مرة بعد مرة - من داخل البلاد و خارجها - مشافهة و كتابة، مما يستوجب لهم منا الشكر الجميل، و الجزاء الجليل.

و هذا المجلد حاو لتتمة المواد القرآنية من حرف الراء - و كلها تسعون مادة بدء من (رأس)، و ختما برین) - و يتلوه مجلدان آخران من حرف الراء أيضا.

كما أنه - خلاقا لسائر المجلدات السابقة - نيف على ألف صفحة فبلغ نحو المائة اهتماما متا بدرج مادة (رحم) البالغة 314 صفحة و حرصا على جمعها في مجلد واحد ولا نفرقها في مجلدين.

وجاءت في هذا المجلد ستة عشر مادة: بدء ب (رب و)، و ختما با(رحم)، و هي أكبر مواده، و أصغرها (رح ق) في صفحات.

وفي الختام وجب علينا الشكر الجميل لكل عضو من أعضاء قسم القرآن المؤلفين المكرمين، و لكل من له يد في طبع هذا المجلد و نشره من أعضاء مجمع البحوث

الإسلامية و غيرها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، و سلام على المرسلين .

محمد واعظ زاده الخراساني مدير قسم القرآن بمجمع البحوث الإسلامية

في الآستانة الرضوية المقدسة 13 شهر محرم الحرام، عام 1434 ه. ق

ر ب و

اشارة

11لفظًا، 20 مرّة: 9 مكّيّة، 11 مدنيّة

في12 سورة: 7 مكّيّة، 5 مدنيّة

ربَتْ 2 : 1 - 1 ربًا 1 : 1

يَرْ بُوا 2 : 2 رَ بْوَةٍ 2 : 1 - 1

رابيًا 1 : - 1 يُربى 1 : - 1

رابيةً 1 : 1 ربّياني 1 : 1

اَرْبى 1 : 1 نربّك 1 : 1

الرّبا 7 : - 7

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: رَبا الجُرْحُ و الأرض و المال و كلّ شيء يَرْ بُو رَ بْوً ا، إذا زاد.

و ربا فلان، أي أصابه نَفَسٌ في جوفه. و دا بّة بها رَ بْوٌ.

و الرّ ابِيَة: ما ارتفع من الأرض.

و الرَّ بْوَة و الرُّ بْوَة و الرِّبْوَة، لغات: أرض مُرتفعة؛ و الجميع: الرُّ بَى.

و يقال: إنّ الرَّ بْوَة في قوله تعالى: { اِلى" رَبْوَة ذَاتِ قَرَ ار وَ مَعين ‘} المؤمنون : 50، هي أرض فِلَسْطين، و بها مقابر الأنبياء. و يقال: بل هي دِمَشْق، و بعضيقول: بيت المَقْدِس، و الله أعلم.

و تقول: رَ بّيتُه وتَرَ بّيتُه، أي غذوته.

و رَبا المال يَرْ بُو في الرِّبا، أي يزداد:و صاحبه: مُرْب .

و الرِّبا في كتاب الله عزّ و جلّ: حرام.

و الرُّبيَة هي الرِّبا خاصّة، و في حديث: < يُرْفَع عنهم الرُّ بْيَة > يعني ما كان عليهم في الجاهليّة من رِبًا و دِماء . (8 : 283)

الكِسائيّ: الأُرْبيّة، مُشدّدة: أصل الفَخِذ.

(الأزهَريّ 15 : 275)

ابن شُمَيّل: الرّوابي: ما أشرف من الرَّمْل، مثل الدَّ كْداكَة، غير أ نّها أشدّ منها إشرافًا، و هي أسهل من الدَّ كْداكَة، و الدَّكْداكَة أشدّ اكتنازً ا منها و أغلظ.

و الرّ ابيَة فيها خُؤُورة و إشراف، تُنْبت أجود البقل الّذي في الرِّمال و أكثره، ينزلها النّاس.

و يقال: جَمَل صَعْب الرُّبة، أي لطيف الجُفْرَة. [ثمّ استشهد بشعر] (الأزهَريّ 15 : 274)

[الأُرْبيّة] هي ما بين الفَخِذ و أسفل البطن.

(الأزهَريّ 15 : 275)

الفَرّ اء: في حديث روي عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في صُلْح أهل نَجْران: < أن ليس عليهم رُ بِّ-يّة و لا دَم >.

إنّما هو رُ بْيَة، مخفّف، أراد بها الرِّبا الّذي كان عليهم في الجاهليّة، و الدِّماء الّتي كانوا يُطلبون بها.

و مثل < الرُّ بْيَة > من < الرِّبا >: < حُبْيَة > من < الاحْتباء >، سماع من العرب، يعني أ نّهم تكلّموا بها بالياء: رُ بْيَة، و حُبْيَة، و لم يقولوا: رُ بْوَة و حُبْوَة، و أصلهما بالواو. (الأزهَريّ 15 : 274)

أبوزَيْد: يقال: جاء فلان في أُرْبيّته، و في أُرْبيَة من قومه، أي في أهل بيته و بني عمّه، و لاتكون الأُرْبيَة من غيرهم. (الأزهَريّ 15 : 275)

الأصمَعيّ : رَ بَوْتُ في بني فلان أرْ بُو، إذا نَبَتّ فيهم و نشَأتَ.

و رَ بَّيتُ فلا نًا أُرَِ بِّيه تَرْبِيَةً، و تَرَ بّيْتُه و ربَيْتُه، ورَ بَّيتُه، بمعنًى واحد.

و أرْبى الرّجل في الرِّبا، يُرْبي.

و سابّ فلان فلا نًا فأرْبى عليه في السِّباب، إذا زاد عليه . (الأزهَريّ 15 : 276)

اللِّحيانيّ: و الرِّبا: العِينَة، و هو الرِّمَا أيضًا على البدل. (ابن سيده 10 : 327)

أبوعُبَيْد: في حديث روي عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في صُلْح أهل نَجْران: < أ نّه ليس عليهم رُ بِّيّةٌ و لا دَم > هكذا الحديث بتشديد الباء و الياء.

يعني أ نّه صالحهم على أن وضع عنهم الرِّبا الّذي كان عليهم في الجاهليّة و الدِّماء الّتي كانت عليهم يُطلَبون بها (1 : 143)

ابن الأعرابيّ: يقال: ربَيْتُ في حِجْره، و رَ بَوْتُ، و رَبِيتُ، أرْبى رِبًا و ربُوًّ ا.

الرُّ بْيَة: الفَأْر؛ و جمعها: رُ بًى.

و الأرْباء: الجماعات من النّاس، واحدهم: رَ بْوٌ غير مهموز. [و استشهد با لشّعر مرّتين]

(الأزهَريّ 15 : 275)

ابن السِّكّيت: و قد رَبأْتُ القوم، إذا كنتَ لهم ربيئَةً أرْ بَا رَ بْأً، و قد رَ بَوْتُ من الرَّ بْو.

(إصلاح المنطق : 154)

أبوحاتِم: الرُّ بْيَة: ضرب من الحشرات؛ و جمعه: رُ بًى. (الجَوهَريّ 6 : 2351)

شَمِر: الرّ ابيَة: ما رَبا و ارْتفَع من الأرض، وجمع الرَّ بْوَة: رُ بًى، و رُبِيّ. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ 15 : 274)

قال الفزاريّ: الأُرْ بِيّة: قريبة من العانة.

(الأزهَريّ 15 : 275)

ابن دُرَيْد: و الرَّ بْو: مصدر رَبا الشّيء يَرْ بُو رَ بْوً ا،

إذا ارتفع. وكذلك رَبا جلده رَ بْوً ا، إذا ورم.

و أصابه رَ بْوٌ من مَشْي أو عَدْو، إذا علَتْ أنفاسه.

و الرَّ بْو و الرَّ بْوَة و الرَّباوَ ة واحد، و هو العُلُوّ من الأرض. و قد قالوا: رِبْوَة و رُ بْوَة. (1 : 277)

و الرَّباء: العُلُوّ، [يقال:] لبني فلان رَباء على بني فلان، أي طُول و عُلُوّ.

و الرَّ بْوَة و الرّ ابيَة: العُلُوّ من الأرض كالأكَمَة، و كذلك الرِّبْوَة و الرَّ بْو.

و رَبا السّويق و نحوه يَرْ بُو رَ بْوً ا، إذا صَبَبْتَ فيه الماء فانتَفَخ.

و الرَّ بْو: موضع.

و الرَّ بْو، من تَرَدُّد النّفَس في الجوف: معروف.

(3 : 203)

طلبنا الصّيد حتّى تَرَ بَّينا، أي تفعّلنا من الرَّ بْو و هو البُهْر. (3 : 467)

الأزهَريّ:يقال: رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد. و منه أُخذ الرِّبا الحرام، و قال الله تعالى: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ...} الرّوم : 39.

و في حديث عائشة: إنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) قال لها: < مالي أراك حَشْيَا رابية >. أراد ب- < الرّ ابيَة >: الّتي أخذها الرَّ بْو، و هو البُهْر، وكذلك < الحَشْيا >.

و قال الله تعالى: { كَمَثَلِ جَنَّة بِرَبْوَة } البقرة :265.

قال أبوالعبّاس: فيها ثلاث لغات: رَ بْوَة، و رِِبْوَة، و رُ بْوَة، الاختيار رُ بْوَة، لأ نّها أكثر اللُّغات، و الفتح لغة تميم .

قلت:و هي الرَّباوَة، و الرّ ابيَة، و الرَّباة: كلّ ذلك ما ارتُفِع من الأرض.

و يقال: جمَل صَعْب الرُّ بَة، أي لطيف الجُفْرَة، قاله ابن شُمَيّل. قلت: و أصله رُ بْوَة.

و للإنسان أُرْبيّتان، و هما يكتنفان العانة، و الرُّفْغ تحتهما.

قال أبوسعيد: الرُّ بْوَة، بضمّ الرّ اء: عشرة آلاف من الرّجال؛ و الجميع: الرُّ بَى. (15 : 272)

الصّاحب: رَ بَا الجُرْحُ و الأرض يَرْ بُو، إذا ازداد.

و هذا أرْبى من هذا، أي أكثَر.

و أرْبى فلان لكذا: أشرف له؛ كأ نّه في رَباء من الأرضِ.

و أرْبى عليه: زاد.

و الرَّباء: الكثرة و النَّماء.

و الأرْباء: الجماعات؛ واحِدها: رَ بْوٌ و رُ بْوٌ.

و الأُرْبِِيّة على أُفعُولَةٍ: الجماعة أيضًا.

و أُرْبِِيّة الفَخِذ: مُعظَمُها و أصلها.

و هو في رَ بْوَة قومهن أي في عدَدِهم و عِزِّهم.

و الأُرْبِيّة: الشّرف و الارتِقاء، و أصل الرّجلِ و مَحْتِدُه.

و هو في رُباوَة قومه و رَباوَتِهم.

و أُرْبيّ الغنمِ: ما غَلُظ منها. و أصله كلّه من رَ بَا يَرْ بُو، إذا ارتفع.

و رَبا فلان، إذا أصابه نَفَسٌ في جوفه.

و دا بّة بها رَ بْوٌ، و امرأة رَ بْواء.

و طَلَبْنا الصّيد حتّى تَرَ بَّيْناه، أي بَهَرْناه، من الرَّ بْوِ.

و أرْ بَيتُه بالمسألة، أي أوْقَذْتُه.

و الرّ ابيَة: ما ارتفَع من الأرض، و كذلك الرُّ بْوَة و الرَّ بْوَة و الرَّباوَ ة و الرِّبْوَ ة؛ و الجمِيع: الرُّبى و الرِّبى و الرَّ بَوات.

و المُرْتَبي: الّذي يعلُو الرّ ابيَة.

و مكان رَباء: مُرتفِع.

و قوله عزّ و جلّ: { وَ ا"وَيْنَاهُمَا اِلى" رَبْوَة } المؤمنون: 50، قيل: هي المقابر، و يقال لها: الرِّ بْوَ ة بفِلَسْطين.

و أرض لارَ بَاء و لاوَطَاء فيها، أي مُستَوية لايَفرُق بعضها بعضًا.

و الرُّ بْوَ ة: جماعة عظيمة نحو عشَرة آلاف رجل؛ و الرُّ بَى جمعها.

و الأُرْبيَّتان: غُنْدُ بَتان في باطن الفَخِذَيْن.

و رَ بَوْتُ في حِجْر فلان، بمعنى رَبِيْتُ.

و ليس عليهم رُ بْيَة و لا دَم، و أصله رُ بْوَة، من الرِّبا.

و الرُّ بْيَة و الرِّبْيَة: ما عملوا في الجاهليّة من الدِّماء و غير ذلك.

و الرِّبا: معروف، و صاحبه مُرْب .

و تثنية الرِّبا: رِبَيَان، و القياس رِبَوَ ان.

و رُ بَة الحِمار: جُفْرَته من بطنه. و هي أيضًا : العُقْدَة ما نَتَأ منها. (10 : 275)

الخَطّابيّ: في حديث كعب: < أ نّه جرت محاورة بينه و بين عبدالله بن عمروبن حَرام، فقال كعب: فقلت كلمة أُزْبِيه بذلك >.

ولو قال قائل: أُرْبِيه بالرّ اء غير معجمة بعد أن يَرْوِيَه ثقة لكُنتُ أرى له وجهًا، من قولك: رَباالإنسان، إذا غَضِب فانتفخ من شدّة الغضب، فإذا أردت أ نّك أغْضَبْتَه قلت: أرْ بَيْتُه أُرْبِيه. (2 : 357)

الجَوهَريّ: رَبا الشّيء يَرْ بُو رَ بْوً ا، أي زاد.

و الرّ ابِيَة: الرَّ بْو، و هو ما ارتفع من الأرض.

و رَ بَوْتُ الرّ ابِيَة: عَلَوْتُها.

وكذلك الرُّ بْوَة بالضّمّ. و فيها أربع لغات: رُ بْوَة و رَ بْوَةٌ و رِبْوَةٌ و رَباوَةٌ.

و الرَّ بْو: النّفَس العالي. يقال: رَبا يَرْ بُو رَ بْوً ا، إذا أخذه الرَّ بْو.

و رَبا الفرس، إذا انتفخ من عَدْو أو فزع.

و رَ بَوْتُ في بني فلان و رَبيْتُ، أي نشَأتُ فيهم.

و رَ بَّيتُه تَرْبيَةً وترَ بَّيتُه، أي غذوته. هذا لكلّ ما ينمي، كالولد و الزّرع و نحوه.

و يقال: زنجبيل مُربّى و مُرَ بّبٌ أيضًا، أي معمول بالرُّبّ.

و الرِّبا في البيع؛ و يُثنّى رِبَوَان و رِبَيَان. و قد أرْبى الرّجل.

و الرُّ بْيَة مخفّفة: لغة في الرِّبا.

و الأُرْبيّة بالضّمّ و التّشديد: أصل الفَخِذ، و أصله: أُرْ بُوّة، فاستثقلو التّشديد على الواو و هما أُرْبِيّتان.

ويقال أيضًا: جاء فلان في أُرْبِيّة قومه، أي في أهل بيته من بني الأعمام و نحوهم، ولاتكون الأُرْبِيّة من غيرهم.

و الإرْبِيَان بكسر الهمزة : ضرب من السّمَك بيض كالدُّود يكون بالبصرة. [و استشهد بالشّعر مرّتين]

(6 : 2349)

ابن فارِس: الرّ اء و الباء و الحرف المعتلّ و كذلك المهموز منه، يدلّ على أصلٍ واحد، و هوالزّيادة و النَّماء و العُلُوّ. تقول مِن ذلك: رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد. و رَبا الرّ ابيَة يَرْ بُوها، إذا علاها. و رَبا: أصابه الرَّ بْو. و الرَّ بْو: عُلُوّ النّفَسِ.

و الرَّ بْوَة و الرُّ بْوَة: المكان المرتفع. و يقال: أرْ بَتِ الحنْطَة: زَكَتْ، و هي تُرْبِي. و الرِّ بْوَة بمعنى الرَّ بْوَة أيضًا.

و يقال: رَ بّيتُه و تَرَ بّيتُه، إذا غذَوْته. و هذا ممّا يكون على معنيين:

أحدهما: مِن الّذي ذكرناه، لأ نّه إذا رُ بِّي نَمَا و زكا و زاد.

و المعنى الآخر: مِن رَ بّيْتُه من التّربيب. و يجوز أن يكون أصل إحدى الباءات ياءً. و الوجهان جيّدان.

و الرِّبا في المال و المعاملة معروف، و تثنيته رِبَوَان و رِبَيَان. و الأُرْبِيّة من هذا الباب، يقال: هو في أُرْبِيّة قومِه، إذا كان في عالي نسَبِه من أهل بيته. و لاتكون الأُرْبِيّة في غيرهم.

و الأُرْبِيّتان: لحمتان عند أُصول الفَخِذ من باطن. و سُمّيتا بذلك لعُلُوّهما على ما دونهما. (2 : 483)

الهَرَويّ: الرَّ بْوَة والرُّ بْوَة و الرُّباوَة: ما ارتفع من الأرض.

و في الحديث: < الفردوس رَ بْوَة الجنّة > أي أرفعُها.

و في الحديث: < و من أبى فعليه الرِّ بْوَة >يعني من أبى ما فرض الله عليه من الزّكاة فعليه الزّيادة على ما فرض الله عليه، عقوبةً له، و كلّ شيء زاد و ارتفع فقد رَبا يَرْ بُو فهو راب .

و في كتابه (صلی الله علیه و آله) لأهل نَجْران :< إنّه ليس عليهم رُ بِّيّة و لا دَم > قيل:إنّما رُ بْيَة من الرِّبا كالجُبْيَة من الاجتباء، و أصلهما: الواو، أُسقط عنهم ما استسلفوه في الجاهليّة من سلَف و جَنَوه من جناية.

و في حديث عائشة < ما لكِ حَشْيَا رابيَةً >. الرّ ابيَة الّتي أخذها الرَّ بُوُ، و كذلك الحَشْياء. (3 : 709)

ابن سيده: رَ با الشّيء يَرْ بُو رُ بُوًّ ا و رِباءً: زاد و نَما، و أرْ بَيتُه: نَمّيتُه و في التّنزيل: { وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ } البقرة : 276.

و أرْبى على الخمسِين و نحوِها: زاد.

و رَبا السّويق و نحوه رُ بُوًّ ا: صُبّ عليه الماء فانتفخ.

و قوله تعالى في وصف الأرضِ:{ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ} الحجّ : 5، قيل: معناه عَظُمَت و انتفَخَتْ.

و قوله تعالى: { فَاَخَذَهُمْ اَخْذَةً رَ ابِيَةً } الحاقّة : 10، أي أخذةً تزيد على الأخَذات. و الرَّ بْو و الرَّ بْوَة: البُهْر و انتِفاخ الجوف.

و رَبا: أخَذَه الرَّ بْوُ.

و طَلَبْنا الصّيد حتّى تَرَ بَّينا، أي بُهِرْنا.

و تثنيتُه [الرِّبا] رِبَوَان و رِبَيَان، و أصله: من الواو. و إنّما يُثنّى بالياء للإمالة السّائغة فيه، من أجل الكسرة.

و رَبا المال: زاد بالرِّبا.

و المُرْبي: الّذي يأتي الرِّبا.

و الرَّ بْوُ و الرَّ بْوَة و الرُّ بْوَة و الرِِّبْوَة و الرِّ بَاوَ ة و الرَّباوَة و الرّ ابِيَة و الرَّباة: كلّها ما ارتفَع من الأرض.

و أرض مُرْبِيَةٌ طيّبة.

و قد رَ بَوْتُ في حِجْره رُبُوًّ ا و رَ بْوً ا، الأخيرة عن اللِّحيانيّ.

و رَبِيْتُ رَباءً و رُبِيًّا: كِلاهما نشأت. و رَ بَّ-يْتُه أنا.

و الأُرْبِيّة: ما بين أعلى الفخِذ و أسفل البطن.

و قال اللِّحيانيّ: هي أصل الفَخِذ ممّا يلي البطن، و قد تقدّم أ نّها فُعْليّة.

و أُرْبِيّة الرّجل: أهل بيته و بنُو عمّه، لاتكون الأُرْبيّة من غيرهم.

و الرِّبْوَة: الجماعة، قيل: هم عشرة آلاف كالرُّ بَّة، و إنّما قضينا بالواو على ما لم تَظهَر فيه الواو من هذا البابِ، لوجودنا < رَ بَوْتُ > وعَدَمِنا < رَ بَيْتُ >، على مثال رَمَيْتُ. [و استشهد بالشّعر 4مرّ ات] (10 : 327)

الطُّوسيّ: و الرَّ بْو: الزّيادة. يقال: رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد.

و أصابه رَ بْوٌ: إذا أصابه نفَسٌ في جوفه، لزيادة النّفَسِ على عادته.

و الرُّ بْوَة: العُلُوّ من الأرض، لزيادته على غيره بارتفاعه.

و الرِّبا في المال: المعاملة على أن يأخذ أكثر ممّا يُعطي، للزّيادة على ما يفرض. يقال: ربا المال يَرْ بُو ربًا، و أرْبى صاحبه فهو مُرْب . و أصل الباب: الزّيادة. و في الرّ بوَة ثلاث لغات: فتح الرّ اء و ضمّها و كسرها. و فيها أربع لغات أُخر: رِباوَة و رَباوَة و رُباوَة و رِبًا. فتلك سبع لغات. (2 : 339)

الواحديّ: الرِّبا في اللُّغة: الزّيادة. يقال: رَبا الشّيء يَرْ بُو ربًا، وأرْبى الرّجل إذا عامل في الرِّبا؛ و منه الحديث: < من أجْبَى فقد أرْبى >، أي عاملبالرِّبا. هذا معنى الرِّبا في اللُّغة. (1 : 393)

الرّ اغِب: رَ بْوَة و رِبْوَة و رُ بْوَة و رِباوَة و رَباوَة، قال تعالى: { اِلى" رَ بْوَة ذَاتِ قَرَ ار وَ مَعين ‘} المؤمنون : 50، قال أبوالحسَن: الرَّ بْوَة أجود، لقولهم: رُ بًى.

و رَ بَا فلان: حصل في رَ بْوَة، و سمّيت الرَّ بْوَة رابيَة كأ نّها ربَتْ بنفسها في مكان؛ و منه: رَ بَا، إذا زاد و علا، قال تعالى: { فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَ بَتْ } الحجّ : 5، أي، زادت زيادة المتربّي، { فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدً ا رَ ابِيًا } الرّعد : 17، { فَاَخَذَهُمْ اَخْذَةً رَ ابِيَةً } الحاقّة : 10.

و أرْبى عليه: أشرف عليه، و رَ بَيْتُ الولد فرَ بَا من هذا.

و قيل: أصله من المضاعف فقُلب تخفيفًا، نحو: تظَنّيتُ في تظنَّنْتُ.

و الرِّبا: الزّيادة على رأس المال، لكن خُصّ في الشّرع بالزّيادة على وجه دون وجه، و باعتبار الزّيادة قال تعالى: { و مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ} الرّوم : 39، و نبّه بقوله: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّبو"ا وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ} البقرة: 276، أنّ الزّيادة المعقولة المعبّر عنها بالبركة مرتفعةً عن الرِّبا، و لذلك قال في مقابلته: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ زَكو"ة تُريدُ‘ونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } الرّوم : 39.

و الأُرْبِيّتان: لُحْمتَان ناتئتان في أُصول الفَخْذَيْن من باطن.

و الرَّ بْوُ: الانبهار، سمّي بذلك تَصَوّرً ا لتَصَعُّده،و لذلك قيل: هو يتنفّس الصُّعَداء.

و أمّا الرّبيئة للطّليعة فبالهمز، و ليس من هذا الباب. (186)

الزّمَخْشَريّ: رَ بَا المال يَرْ بُو: زاد. و أرْباه الله تعالى{ وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ } البقرة : 276، و أرْ بَتِ الحنطة: أراعَتْ.

و أرْبى فلان على فلان في السِّباب و أرمى عليه: زاد.

و أرْبى على الخمسين و أرْمى. و هذا يُرْبي على ذاك.

و رَ بَا الجُرْح: ورم.

و زبَدٌ راب : منتفخ.

و رَ بَا الرّجل: أصابه الرَّ بْو.

و رَ بَوْتُ في حِجْره و ربيت.

و سمعت من يقول: أين رَ بَيْتَ يا صبيّ - بوزن رضيت - و تَرَ بّيْت.

و ربّاني و تربّاني.

و رقي رَُ بْوَةً و رَُباوَةً و رابي-َةً.

و علَونا الرُّبى و الرّوابي.

و نقصت أُرْبيَّتاه و هما لُحْمتَان في أصل الفخذين يتعقّدان من ألم بالرِّجل.

و من المجاز: رَ بّيتُ الأُتْرُجّ بالعسل و الوَرْد بالسُّكر.

و فلان في رَباوَة قومه: في أشرافهم.

و هو في الرَّوابي من قريش.

و مَرّت بنا رُ بْوَة من النّاس و رُ بّ-ي منهم، و هي الجماعة العظيمة نحو عشرة آلاف.

و مَرّوا بنا أراعيلَ رُ بّى.

و فلان في أُرْبيّة صدق، إذا كان في مَحْتِد مَرْضيّ.

و جاء في أُرْبيّة قومه، و هم أهل بيته الأدنون.

و رَ بَا برأسه، إذا قالنعم و أشار به.

و كلّمته فما رَ بَا برأسه، إذا لم يعبأ به.

و لم أزل أسأله حتّى أرْ بَيتُه بالمسألة، أي أملَلْتُه.كأ نّي أوْرَثتُه الرَّ بْوَ و ضيّقت عليه متنفّسه.

ورَ بَّيتُ عنه: نفّسْتُ من خناقه. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (أساس البلاغة:153)

الطَّبْرِسيّ: الرُّ بْوَة، و الرَّ بْوَة، و الرِّبْوَة، بالحركات الثّلاث في الرّ اء. و الرَّباوَة: الرّ ابيَة. قال أبوالحسَن: و الّذي نختاره رُ بْوَة بضمّ الرّ اء. و يؤيّد هذا الاختيار قولهم: رُ بًى في الجمع. (1 : 377)

أصل الرِّبا: الزّيادة، من قولهم: رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد. و الرِّبا هو الزّيادة على رأس المال.

و أرْبى الرّجل، إذا عامل في الرِّبا؛ و منه الحديث: < من أجبَى فقد أرْبى > (1 : 388)

ابن الأثير: قد تكرّر ذكر < الرّبا > في الحديث، و الأصل فيه الزّيادة. رَ بَا المال يَرْ بُو رَ بْوً ا، إذا زاد و ارتفع؛ و الاسم: الرِّبا مقصور. و هو في الشّرع: الزّيادة على أصل المالِ من غير عقد تبايُع، و له أحكام كثيرة في الفقهِ.

يقال: أرْبى الرّجل فهو مُرْب .

و منه الحديث: < من أجبَى فقد أرْبى >.

و منه حديث الصّدقة: < فتَرْ بُوا في كفّ الرّحمان حتّى تكون أعظم من الجبَل >.

و فيه: < الفردوس رَ بْوَة الجنّة > أي أرفعُها.

الرُّ بْوَة بالضّمّ و الفتح: ما ارتفع من الأرض.

و في حديث طَهْفَة: < منأبَى فعليه الرِّبْوَة > أي من تقاعد عن أداء الزّكاةِ فعليه الزّيادة في الفريضة الواجبةِ عليه، كالعقوبة له، و يُروى < من أقَرّ بالجِزية فعليه الرِّبْوَة > أي من امتنع عن الإسلام لأجل الزّكاة كان عليه من الجِزية أكثر ممّا يجب عليه بالزّكاة.

و في كتابه في صُلْح نَجْران: < أ نّه ليس عليهم رُ بِِّيَّةٌ و لا دَمٌ >. قيل إنمّا هي رُ بْيَة من الرِّبا، كالحُبْيَة من الاحْتِباء، و أصلهما الواو.

و المعنى أ نّه أسقط عنهم ما استَسْلَفوه في الجاهليّة من سَلَفٍ، أو جَنَوْه من جِنايَة.

و الرُّبيَة مخفّفة لغة في الرِّبا، و القياس رُ بْوَة. و الّذي جاء في الحديث رُ بّيّة؛ بالتّشديد، و لم يُعرَف في اللُّغة.

قال الزّمَخْشَريّ: سبيلها أن تكون < فُعُّولة > من الرِّبا، كما جعل بعضهم السُّرِّية < فُعُّولة > من السّرْوِ، لأ نّها أسرَى جواري الرّجل.

و في حديث الأنصار يوم أُحُدٍ: < لإن أصَبْنا منهم يومًا مثل هذا لنُرْبيَنّ عليهم في التّمثيل > أي لنزيدنّ ولنُضاعِفَنّ.

و في حديث عائشة: < مالَكِ حَشْياءَ رابيَةً > الرّ ابِيَة الّتي أخذها الرَّ بْوُ، و هو النّهيج و تواتُرُ النّفَس الّذي يَعْرِض للمُسْرع في مشيه و حرِكته. (2 : 191)

الفَ-يُّوميّ: الرِّبا: الفضل و الزّيادة، و هو مقصور على الأشهر، و يُثنّى ربَوَان بالواو على الأصل، و قد يقال: رِبَيَان على التّخفيف.

و يُنسَب إليه على لفظه فيقال: رِبَويّ، قاله أبوعُبَيْد و غيره.و زاد المطَرِّزيّ فقال: الفتح فيالنّسبة خطأٌ.

و رَ بَا الشّي ء يَرْ بُو، إذا زاد.

و أرْبى الرّجل بالألف: دخل في الرِّبا.

و أرْبى على الخمسةِ: زاد عليها.

و رَبيَ الصّغير يَرْبى من باب < تعب > و رَبا يَرْ بُو من باب < عَلا > إذا نشأ.

و يتعدّى بالتّضعيف فيقال: رَ بَّيتُه فترَ بّى.

و الرُّ بْوَة: المكان المُرتفِع بضمّ الرّ اء و هو الأ كثر و الفتح لغة بني تميم، و الكسر لغة، سمّيت رَ بْوَة، لأ نّها رَ بَتْ فعَلَتْ؛ و الجمع: رُ بًى، مثل: مُدْيَة و مُدًى و الرّ ابيَة مثله؛ و الجمع: الرّوابي. (1 : 217)

الفيروزاباديّ:رَ بَا رُ بُوًّ ا كعُلُوّ و رِباءً: زاد و نَمَا و ارْتَبَيتُه، و الرّ ابيَة: عَلاها، و الفرس رَ بْوً ا: انتفخ من عَدْو أو فزع.

و أخَذَه الرَّ بْوُ و السّويق: صبّ عليه الماء فا نتفخ.

و الرِّبا بالكسر: العينَة. و هما رِ بَوَان و رِبَيَان. و المُرْبي: مَن يأتيه.

و الرَّ بْوُ و الرَّ بْوَة و الرَّباوَة مُثلّثتَيْن و الرّ ابية و الرَّباة: ما ارتفع من الأرض.

و { اَخْذَةً رَابِيَةً} الحاقّة : 10، شديدةً زائدةً.

و رَ بَوْتُ في حِجْره رَ بْوً ا و رُ بُوًّ ا و رَ بَيْتُ رَباءً و رُبيًّا: نَشَأتُ.

و رَ بَّيتُه تَربيَةً: غَذَوتُه كتَرَ بّيتُه و عن خُناقَه: نَفّستُ.

و زنجبيل مُرَ بًّى و مُرَ بّبٌ: معمول بالرُّبّ.

و الرَّباء كسَماء: الطَّولو الِمنّة.

و الأُرْبيّة كأُثفيّة: أصل الفَخِذ أو ما بين أعلاه و أسفَل البطن، و أهل بيت الرّجل و بنو عَمّه.

و الرِّبْوَة بالكسر: عشرة آلاف درهم كالرُّ بَة بالضّمّ.

و الرَّ بْوُ: الجماعة؛ جمعه: أرْباء.

و الرُّبيَة كزُبيَةٍ: شيء من الحشرات و السِّنَّوْر.

و الإرْبِيان بالكسر: سمَك كالدُّود.

و را بَيْتُه: دارَيْتُه.

و الرُّبى كهُدَى: معروف. (4 : 333)

الطُّرَيحيّ: الرِّبا: الفضل و الزّيادة، و هو مقصور على الأشهر، و تثنيته: رِبَوَان على الأصل، و رِبَيَان على التّخفيف، و النّسبة إليه رِبَويّ.

و أرْبى الرّجل: دخل في الرِّبا.

و في الحديث: الرِّبا رِبَوَان أو رِبَاآن: رِبًا يُؤكَل و ربًا لايُؤكَل. فأمّا الّذي يؤكل فهو هديّتك إلى رجل تريد الثّواب أفضل منها، و ذلك قوله تعالى: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْد اللهِ} الرّوم : 39.

و أمّا الّذي لايؤكل فهو أن يدفع الرّجل إلى الرّجل عشرة دراهم على أن يردّ أكثر منها، فهذا الرِّبا الّذي نهى الله عنه فقال: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘‘ ا"مَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِى مِنَ الرِّ بوا" اِِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ‘ } البقرة : 278.

و فيه: < إنّما الرِّبا في النّسيئة > أي الرّبا الّذي عُرف في النّقدين و المطعوم أو المكيل و الموزون ثابت في النّسيئة، و الحصر للمبالغة.

و في الخبر: < الصّدقة تَرْ بُو في كفّ الرّحمان > أي يعظم أجرها أو جثّتهاحتّى تثقل في الميزان، و أراد بالكفّ كفّ السّائل، أُضيف إلى الرّحمان إضافة مِلْك.

و فيه: < الفردوس رَ بْوَة الجنّة > أي أرفعُها.

و فيه: < قوائم منبر رسول الله(صلی الله علیه و آله) رَ بَتْ في الجنّة >، أي نشأت. و في بعض النّسخ رُ تِّب بتقديم المثنّاة على الموحّدة، و كأنّ المراد: درجات في الجنّة يعلو عليها، كما كان يَعلُو على المنبر.

و< رَ بَوْتُ في بني فلان >.

و فى حديث الصّادق : < درهم ربًا أعظم عند الله من سبعين زِنْيَة بذات محرم في بيت الله الحرام >.

و فيه من المبالغة في التّحريم مالايخفى.

و< رَ بَّيتُه تَرْبِيةً > غذّوته، و هو لكلّ ما ينمي كالولد و الزّرع.

و الزّنجبيل المُربّى: معروف. (1 : 174)

مَجْمَعُ اللُّغة:1 - رَبا الشّيء يَرْ بُو رُ بُوًّ ا و رِباءً: زاد و نَمَا، فهو راب وهي رابيَة، و أفعل التّفضيل أرْبى.

2 - أرْبى الشّيءيُرْبيه إرباءً: نمّاه.

3 - و رَبا في حِجْره يَرْ بُو رَ بْوً ا و رُ بُوًّ ا: نشأ، و رَبا

في بني فلان: نشأ فيهم.

و ربّاه تَرْبيَةً: نمّاه و نشّأه، أو أنّ أصله رَ بّبَه فقُلبت الباءياءً للتّخفيف.

4 - الرِّبا: الزّيادة، و خُصّ في الشّرع بالزّيادة على وجه معيّن.

5 - الرَّ بْوَة: ما ارتفع و علا من الأرض، فهو زائد على ما يحيط به (1 : 452)

العَدْنانيّ : الرُّ بْوَة، الرَّ بْوَة، الرِّ بْوَة، الرّ ابيَة، الرَّ بْوُ، الرَّباة، الرُّباوَة، الرَّباوَة،الرِّباوَة.

و يُخطّئون من يُطلِق على ما ارتفع من الأرض اسم: الرُّ بْوَة، و يقولون: إنّ الصّواب هو: الرَّ بْوَة، اعتمادً ا على ورودها مرّتين في آي ذكر الحكيم، إحداهما: قوله تعالى: { وَ ا"وَيْنَاهُمَا اِلى" رَ بْوَة ذَاتِ قَرَ ار وَ مَعينٍ‘ } المؤمنون : 50، و اعتمادً ا على ماجاء في معجم ألفاظ القرآن الكريم و الوسيط.

و لكن :

ذكر< الرُّ بْوَة > كلّ من السِّجستاني ّفي غريب القرآن، و التّهذيب، و الصّحاح، و معجم مقاييس اللُّغة، و المحكم، و مفردات الرّ اغِب الأصفهانيّ، و الأساس، و النّهاية، و اللّسان، و المصباح، و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن.

و ذكر هؤلاء جميعهم < الرَّ بْوَة > أيضًا.

و قال التّهذيب، و اللّسان، و المصباح، و المدّ، و المتن: إنّ فتح الرّ اء في < رَ بْوَة > هي لغة بني تميم.

و يجوز أن نكسر الرّ اء و نقول: رِبْوَة اعتمادً ا على قول السِّجستانيّ في غريب القرآن، و التّهذيب و الصّحاح، و معجم مقاييس اللُّغة، و المحكم، و مفردات الرّ اغِب الأصفهانيّ، و الأساس، و اللّسان، و المصباح، و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن.

ويرى التّهذيب، و اللّسان، و المصباح، و المدّ ، و المتن، أنّ ضمّ الرّ اء < الرُّ بْوَة > و هو أكثرهااستعمالا .

و للرَّ بْوَة أسماء أُخرى أوردتها المعجمات، و هي: الرَّ بْوُ، و الرّ ابيَة، و الرَّباة، و الرُّباوة، و الرِّباوَة، و الرَّباوَة. [ثمّ استشهد بشعر]

و تُجمَع الرَّ بْوَة على رُ بًى و رُبيّ.

و أمّا الرّوابي فهي جمع رابيَة. (249)

محمّد إسماعيل إبراهيم : رَبا المال رَ بْوً ا و رُ بُوًّ ا: زاد ونَمَا.

و رَ بّى الولد تَرْبيَةً : غَذّاه و جعله يَرْ بُو و يكبر.

و الرِّبا: الزّيادةفي المعاملة بالنّقود أو المطعومات في القدر أو الأجل.

و الرِّبا هو أيضًا الفائدة أو الرّبح الّذي يأخذه المُرابي من مَدِينِه، و هو إقراض المال بفائدة، و هو محرّم شرعًا.

و الرَّ بْوَة: ما ارتفع و علا من الأرض، و الأخذة الرّ ابيَة، الزّائدة في الشّدّة.

و أرْبى: أفعل تفضيل، بمعنى أزيد و أفضل.

و رَ بَت الأرض انتفخت و زادت بما دخلها من النّبات و الماء. (1 : 210)

محمود شيت: الرِّبا: الفضل و الزّيادة، و في

الشّرع: فضل خال عن عوض شُرط لأحد المتعاقدين. و في علم الاقتصاد: المبلغ يؤدّيه المقترض زيادةً عمّا افترض تبعًا لشروط خاصّة.

الرِّ بْوَة: الرّ ابيَة، و الجماعة نحو عشرة آلاف؛ جمعه: رُ بًى.

الرّ ابيَة: ما ارتفع من الأرض. يقال: المرصَد فوق الرّ ابية؛ جمعه: رواب .

الرّ بْوَة: الرّ ابية، و الجيش نحو عشرة آلافجُنديّ،جمعه: رُ بًى. (1 : 277)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق: أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الانتفاخ مع زيادة، بمعنى أن ينتفخ شي‌ء في ذاته ثمّ يتحصّل له فضل و زيادة.

و هذا المفهوم قد تشابه على اللُّغويّين، ففسّروها بمعان ليست من الأصل، بل هي من آثاره و لوازمه و ما يقرب منه، كالزّيادة المطلقة و الفضل و النَّماء و الانتفاخ و الطّول و العظم و الزّكا و النّشأ و العلا.

و بهذا يظهر الفرق بين هذه المادّة و بين الرّبب و الرّبأ، فقولنا: ربئ الصّغير مهموزً ا، أى علا و طال، و رَبَّ الصّغير بالتّضعيف، أي ساقه إلى جهة الكمال، و ربا الصّغير معتلا ، أي انتفخ و زاد.

{ وَ تَرَى الاَ_رْضَ هَامِدَةً فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَ بَتْ } الحجّ : 5، فالاهتزاز و التّحرّ ك إنّما يتحقّق بعد الخمود و الجمود، ثمّ يتحصّل الرّبوة، أي الانتفاخ و الزّيادة، ثمّ الإنبات { وَ اَنْ-بَتَتْ }.

فذكر { اَنْ-بَتَتْ } بعد الرّ بْو: يدلّ على أنّ مفهوم الرّبو غير الإنبات و النّماء، و هكذا مفاهيم الطّول و العلا و العظمة. (4 : 35)

النُّصوص التّفسيريّة

رَ بَتْ

1 - ...وَتَرَى الاَ_رْضَ هَامِدَةً فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَ بَتْ وَ اَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ‘. الحجّ : 5

الحسَن: معناه انتفخت لظهور نباتها.

مثله أبوعُبَيْدَة. (الماوَرْديّ 4 : 9)

قَتادَة: حسنت، و عرف الغيث في ربوها.

(الطّبَريّ 9 : 112)

مُقاتِِل: يعني و أضعَفَت النّبات. (3 : 116)

الفَرّ اء: قوله: { وَ رَ بَتْ } قرأ القرّ اء: { وَ رَ بَتْ } من تَرْبو.

حدّثني أبوعبدالله التّميميّ عن أبي جعفر المدنيّ أنّه قرأ: ( اهْ-تَزَّتْ وَ رَبَأَتْ ) مهموزة، فإن كان ذهب إلى الرّبِيئة الّذي يحرس القوم فهذا مذهب، أي ارتفعت حتّى صارت كالموضع للرّبيئة. فإن لم يكن أراد من هذا هذا، فهو من غلط قد تغلَطه العرب، فتقول: حلأ ت السّوِيق، و لبّأْت بالحجّ، و رثأت الميّت، و هو كما قرأ الحسَن: ( وَ لاَدْرَ أَتْكم بِهِ ) يهمز. (1)و هو ممّا يُرْفَض من القراءة. (2 : 216)

الطّبَريّ: يقول: و أضعفت النّبات بمجيء الغيث.


1) (1) القراءة المشهورة: { وَ لا اَدْريكُمْ’ بِهِ... } يونس : 16.

وقرأت قرّ اء الأمصار { وَرَبَتْ } بمعنى الرّ بْو، الّذي هو النَّماء و الزّيادة.

و كان أبوجعفر القارئ يقرأ ذلك ( وَ رَ بَاَتْ ) بالهمز.

حُدّثت عن الفَرّ اء، عن أبي عبد الله التّميميّ عنه، و ذلك غلط، لأ نّه لاوجه للرّبّ هاهنا، وإنّما يقال: ربأ بالهمز بمعنى حرس من الرّبيئة، و لامعنى للحراسة في هذا الموضع، و الصّحيح من القراءة ما عليه قرّ اء الأمصار. (9 : 112)

الزّجّاج:و تقرأ و (رَباَتْ) فاهتزازها تحرّكها عند وقوع الماء بها و إنباتها. و من قرأ { وَ رَبتْ} فهو من رَبا يَرْ بُو إذا زاد على أيّ الجهات. و من قرأ ( و رَباَتْ ) بالهمزفمعناه ارتفعت. (3 : 413)

نحوه الواحديّ (3 : 260)، و البغَويّ (3 : 325).

الماوَرْديّ: { وَرَ بَتْ } وجهان:

أحدهما: معناه أضعف نباتها.

و الثّاني: معناه انتفخت لظهور نباتها، فعلى هذا الوجه يكون مقدّ مًا و مؤخّرً ا و تقديره : فإذا أنزلنا عليها الماء رَبتْ و اهتزّت، و هذا قول الحسَن و أبي عُبَيْدَة. و على الوجه الأوّ ل لايكون فيه تقديم و لاتأخير. (4 : 9)

الطُّوسيّ:و الرّ بْو: الزّيادة فيها، أي تزيد بما يخرج منها من النّبات. (7 : 293)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (4 : 71)

الزّمَخْشَريّ: تحرّكت بالنّبات و انتفخت. قُرئ (رَ بَاَتْ) أي ارتفعت. (3 : 6)

نحوه الفَخْرالرّ ازيّ (23 : 9)، و البَيْضاويّ (2 : 86)، و النّسَفيّ (3 : 94)، و أبوحَيّان (6 : 353)

و أبوالسُّعود (4 : 368)، و البُرُوسَويّ (6 : 8)، و شُبّر (4 : 226)، و الآلوسيّ (17 : 119).

ابن عَطيّة: معناه: نشزت و ارتفعت؛ و منه الرُّ بْوَة و هو المكان المرتفع. و قرأ جعفر بن القعقاع ( و رَ بَاَتْ ) بالهمز، و رويت عن أبي عمرو، و قرأها عبد الله بن جعفر و خالد بن إلياس و هي غير وجيهة، و وجهها أن تكون من: ربأت القوم، إذا علوت شرفًا من الأرض طليعة، فكأنّ الأرضبالماء تتطاول و تعلو.

(4 : 109)

القُرطُبيّ: أي ارتفعت و زادت. و قيل: انتفخت. و المعنى واحد، و أصله: الزّيادة، رَبا الشّيء يَرْ بُو رَ بْوً ا، أي زاد، و منه الرّبا و الرّ بْوَة.

و قرأيزيد بن القعقاع و خالد بن إلياس (وَرَ بَاَتْ) أي ارتفعت حتّى صارت بمنزلة الرّبيئة، و هو الّذي يحفظ القوم على شيء مشرف، فهو رابئ و ربيئة على المبالغة.

(12 : 13)

سيّدقطب: هي حركة عجيبة سجّلها القرآن قبل أن تسجّلها الملاحظة العلميّة بمئات الأعوام، فالتّربة الجافّة حين ينزل عليها الماء تتحرّ ك حركة اهتزاز و هي تتشرب الماء و تنتفخ فتربو ثمّ تتفتح بالحياة عن النّبات. (4: 2411)

ابن عاشور: { وَرَ بَتْ } : حصل لها رُ بُوّ بضمّ الرّاء و ضمّ الموحَّدة، و هو ازدياد الشّيء. يقال: رَبا يَرْ بُو رُ بُوًّ ا. و فُسّر هنا بانتفاخ الأرض من تفتّق النّبت

و الشّجر.

و قرأ أبوجعفر ( وَ رَ بَاَتْ) بهمزة مفتوحة بعد الموحّدة، أي ارتفعت، و منه قولهم: رَبأ بنفسه عن كذا، أي ارتفع مجازً ا، و هو فعل مشتقّ من اسم الرّبيئة، و هو الّذي يعلو رُبوَة من الأرض لينظر هل من عدوّ يسير إليهم. (17 : 148)

الطَّباطَبائيّ: أي زادت زيادة المتربّي.

(14 : 345)

الصّابونيّ: أي زادت، و في الحديث: <إلا ربًا من تحتها > أي زاد طعام الّذي دعا فيه النّبيّ(صلی الله علیه و آله) بالبركة. و أرْبى الرّجل، إذا تعامل بالرّبا.

و في الشّرع: زيادة يأخذها المُقرض من المستقرض مقابل الأجل. (1 : 383)

فضل الله:و أخذت تعلو و يزيد ارتفاعها.

(16 : 19)

و جاء بهذالمعنى هذه الآية:

2 - وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَ نَّكَ تَرَى الاَ_رْضَ خَاشِعَةً فَاِِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَ بَتْ اِنَّ الَّذى‘ اَحْيَاهَا لَمُحْيِىَ الْمَوْتى" اِنَّهُ عَلى" كُلِّ شَىْء قَديرٌ‘. فصّلت : 39

يَرْ بُوا

1 - وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ زَكوة تُريدُ‘ونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِكَ’ هُمُ الْمُضْعِفُونَ.

الرّوم : 39

عامر: هو الرّجل يلزق بالرّجل، فيخفّ له و يخدمه، و يسافر معه، فيجعل له ربح بعض ماله ليُجزيه، و إنمّا أعطاه التماس عونه، و لم يرد وجه الله.

(الطّبَريّ10 : 189)

ابن عبّاس: هو ما يُعطي النّاس بينهم بعضهم بعضًا، يُعطي الرّجل الرّجل العطيّة، يريد أن يعطي أكثر منها. (الطّبَريّ10 : 188)

ألم تر إلى الرّجل يقول للرّجل: لأُمَوّلنّك، فيعطيه، فهذا لايربو عند الله، لأ نّه يُعطيه لغير الله ليثري ماله.

(الطّبَريّ10 : 189)

النّخعيّ: هو الرّجل يهدي إلى الرّجل الهديّة ليُثيبه أفضل منها. (الطّبَريّ10 : 188)

نحوه سعيدبن جُبَيْر، و مُجاهِد (الطّبَريّ 10 : 188).

كان هذا في الجاهليّة، يُعطي أحدهم ذا القرابة المال يكثر به ماله. (الطّبَريّ10 : 189)

الشّعبيّ:أ نّه في رجل صحبه في الطّريق رجل فخدمه، فجعل له المخدوم بعض الرّبح من ماله جزاءً لخدمته لالوجه الله. (الماوَرْديّ 4 : 316)

الضّحّاك:فهو ما يتعاطى النّاس بينهم و يتهادون، يُعطي الرّجل العطيّة، ليُصيب منه أفضل منها، و هذا للنّاس عامّة. (الطّبَريّ10 : 188)

هذا للنّبيّ(صلی الله علیه و آله) هذا الرّبا الحلال. (الطّبَريّ10 : 189)

طاووس: هو الرّجل يُعطي العطيّة، و يهدي الهديّة، ليُثاب أفضل من ذلك، ليس فيه أجر و لاوِزْر.

(الطّبَريّ10 : 188)

الحسَن: هو كقوله: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّ بوا" وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ } البقرة : 276، و لاخير في العطيّة إذا

لم يرد بها وجه الله. (الطُّوسيّ 8 : 254)

قَتادَة: ما أعطيت من شيء تريد مثابة الدّنيا، و مجازاة النّاس ذاك الرّبا الّذي لايقبله الله، و لايُجزي به. (الطّبَريّ10 : 188)

السُّدّيّ:نزلت في ثقيف، لأ نّهم كانوا يعلمون بالرّبا، وتعمله فيهم قريش.

الرّبا في هذا الموضع: الهديّة، يُهديها الرّجل لأخيه يطلب المكا فأة، لأنّ ذلك لايربوعندالله لايؤجر عليه صاحبه. (379)

الإمام الصّادق : الرّبا رباءان: أحدهما: حلال، و الآخر: حرام.

فأمّا الحلال فهو أن يقرض الرّجل أخاه قرضًا طمعًا أن يزيده و يعوّضه بأكثر ممّا يأخذه بلاشرط بينهما، فإن أعطاه أكثر ممّا أخذه على غير شرط بينهما فهو مباح له، و ليس له عند الله ثواب فيما أقرضه، و هو قوله: { فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ }.

و أمّا الرّبا الحرامفالرّجل يقرض قرضًا و يشترط أن يردّ أكثر ممّا أخذه، فهذا هو الحرام.(القُمّيّ 2 : 159)

الفَرّ اء: قوله:{ لِيَرْ بُوَ ا} قرأها عاصم و الأعمش و يحيى بن و ثّاب بالياء و نصب الواو. و قرأها أهل الحجاز ( لِتُرْ بُوَ ا) أنتم. و كلّ صواب. و من قرأ { ليَرْ بُوَ ا } كان الفِعل للرّبا. و من قال: ( لتُرْ بُوَ ا ) فالفعل للقوم الّذين خوطبوا، دلّ على نصبه سقوط النّون. و معناه يقول: و ما أعطيتم من شيء لتأخذوا أكثر منه فليس ذلك بزاك عند الله { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِ-نْ زَ كو"ةٍ تُريدُ‘ونَ } بهَا { وَجْهَ اللهِ } فتلك تَرْ بُو للتّضعيف. (2 : 325)

ابن قُتَيْبَة: أي ليزيدكم من أموال النّاس. (342)

الجُبّائيّ: و ما أتيتم من ربًا لتربوا بذلك أموالكم فلايربو، لأ نّه لايملكه المرابي، بل هو لصاحبه، و لايربو عند الله، لأ نّه يستحقّ به العقاب. و إعطاء المال قد يقع على وُجوه كثيرة، فمنه: إعطاؤه على وجه الصّدقة، و منه إعطاؤه على وجه الهديّة، و منه الصّلة، و منه الودائع، و من ذلك قضاءالدّين، و منه: البرّ، و منه الزّكاة، و منه القرض، و منه النّذر، و غير ذلك.

(الطُّوسيّ 8 : 254)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: و ما أعطيتم أيّها النّاس، بعضكم بعضًا من عطيّة، لتزداد في أموال النّاس برجوع ثوابها إليه، ممّن أعطاه ذلك، فلايربو عند اللهِ، يقول: فلايزداد ذلك عند الله، لأنّ صاحبه

لم يُعطه من أعطاه مُبتغيًابه وجهه.

و قال آخرون: إنّما عنى بهذا الرّجل: يُعطي ماله الرّجل ليُعينه بنفسه، و يخدمه، و يعود عليه نفعه، لالطلب أجر من الله.

و قال آخرون: هو إعطاء الرّجل ماله ليكثر به مال مَن أعطاه ذلك، لاطلب ثواب الله.

و قال آخرون: ذلك للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) خاصّة، و أمّا لغيره فحلال.

و إنمّا اخترنا القول الّذي اخترناه في ذلك، لأ نّه أظهر معانيه.

و اختُلفت القرّ اء في قراءة ذلك، فقرأته عامّة قرّ اء الكوفة و البصرة و بعض أهل مكّة، { لِيَرْ بُوَا } بفتح

الياء من يَرْ بُو، بمعنى و ما آتيتم من ربًا ليربو ذلك الرّبا في أموال النّاس. و قرأ ذلك عامّة قرّ اء أهل المدينة: ( لتَرْ بُوَا ) بالتّاء من تَرْ بُوا و ضمّها، بمعنى: و ما آتيتم من ربًا لتربوا أنتم في أموال النّاس.

و الصّواب من القول في ذلك عندنا، أ نّهما قراءتان مشهورتان في قُرّ اء الأمصار مع تقارب معنييهما، لأنّ أرباب المال إذا أرْبوا ربا المال، و إذا ربا المال فبإرباء أربابه إيّاه ربًا، فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءتين قرأ القارئ فمصيب. (10 : 187)

الزّجّاج:يعني به دفع الإنسان الشّيء ليُعوّض ما هو أكثر منه، فذلك في أكثر التّفسير ليس بحرام ، و لكنّه لاثواب لمن زاد على ما أخذ.

و الرّبا رِبَوَان، و الحرام كلّ قرض يُؤخذ به أكثر منه أو يجرّ منفعة، فهذا حرام، و الّذي ليسبحرام هو الّذي يَهَبه الإنسان يستدعي به ما هو أكثر منه، أو يهدي الهديّة يستدعي بها ما هو أكثر منها. (4 : 187)

الثّعلبيّ: قرأ الحسَن و عِكْرِمَة و أهل المدينة ( لِتَرْ بُوا ) بضمّ التّاء و جزم الواو و على الخطاب، أي لتربوا أنتم، و هي قراءة ابن عبّاس، و اختيار يعقوب و أيّوب و أبي حاتم.

و قرأ الآخرون { لِيَرْ بُوَا } بياء مفتوحة و نصب الواو، و جعلوا الفعل للرّبا. و اختاره أبوعُبَيْد لقوله: { فَلايَرْ بُوا عِنْدَ الله ِ}، و لم يقل: فلايُربي. [ثمّ نقل الأقوال] (7 : 304)

الطُّوسيّ: قيل: المعني في الآية التّزهيد في الرّبو، و التّرغيب في إعطاء الزّكاة. (8 : 254)

الواحديّ: أي في اجتلاب أموال النّاس و اجتذابها. و قرأ نافع ( لِتُرْ بُوا) بالتّاء و ضمّها، أي لتصير ذوي زيادة من أموال النّاس بما آتيتم، و هو من الرِّبا، أي صارذا زيادة.{ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } لأ نّكم قصدتم إلى زيادة العوض و لم تقصدوا البرّ و القُربة.

(3 : 435)

الزّمَخْشَريّ: و ما أعطيتم أكلة الرّبا: { مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَا فى } أموالهم: ليزيد و يزكو في أموالهم، فلايزكو عند الله و لايبارك فيه.

و قيل: المراد أن يَهَب الرّجل للرّجل أو يُهدي له، ليُعوّضه أكثر ممّا وهب أو أهدى، فليست تلك الزّيادة بحرام، و لكن المعوِّض لايُثاب على تلك الزّيادة.

و قالوا: الرّبا رِبَوَان: فالحرام: كلّ قرض يؤخذفيه أكثر منه، أو يجرّ منفعة. و الّذي ليس بحرام: أن يستدعى بهديّته أكثر منها. و في الحديث: < المستغزر يُثاب من هبته >. و قرئ ( و مَا اَتيتُم من ربًا ) بمعنى و ما غشيتموه أو رهقتموه من إعطاء ربًا. و قرئ ( لتَرابوا ) أي لتزيدوا في أموالهم، كقوله تعالى: { وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ } أي يزيدها. (3 : 223)

ابن العَرَبيّ: فيها أربع مسائل:

المسألة الأُولى: بيّنّا الرّبا و معناه في سورة البقرة، و شرحنا حقيقته و حُكمه، و هو هناك محرّم و هنا مُحلَّل، و ثبت بهذا أ نّه قسمان؛ منه حلال و منه حرام.

المسألة الثّانية: في المراد بهذه الآية: فيه ثلاثة أقوال:

الأوّ ل: [قول ابن عبّاس المتقدّم]

الثّانِي: [قول الشّعبيّ المتقدّم]

الثّالِث: [قول النّخعيّ المتقدّم]

المسألة الثّالثة: أمّا مَن يصل قرابته ليكون غنيًّا فالنّيّة في ذلك متنوّعة، فإن كان ليتظاهر به دنيًا فليس لوجه الله تعالى، وإن كان ذلك لما له من حقّ القرابة و بينهما من و شيجة الرّحِم، فإنّه لوجه الله تعالى.

و أمّا من يُعين الرّجل بخدمته في سفره بجزء من ماله فإنّه للدّنيا لالوجه الله، و لكنّ هذا المُربي ليس لِيَرْ بُو في أموال النّاس و إنّما هو ليَرْ بُو في مال نفسه، و صريح الآية فيمن يهب يَطْلُب الزّيادة من أموال النّاس في المكافأة، وذلك له. و قد قال عمربن الخطّاب:< أيّما رجل و هَبَ هبةً يرى أ نّها للثّواب فهو على هبته حتّى يرضى منها >.

و قال الشّافعيّ: الهبة إنّما تكون لله أو لجلب المودّة، كما جاء في الأثر: < تهادَوْا تحا بّوا >. و هذا باطل، فإنّ العرف جار بأن يَهَبَ الرّجل الهِبة لايَطْلُب إلا المكافأة عليها، و تحصُل في ذلك المودّة تبعًا للهبة. وقد رُوي: < أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) -أثاب على لَقْحَة >، و لم يُنكِر على صاحبها حين طلب الثّواب، إنّما أنكر سَخَطَه للثّواب، و كان زائدً ا على القيمة.

و قد اختلف علماؤنا فيما إذا طَلَب الواهب في هبته زائدً ا على مكافأته، و هي:

المسألة الرّ ابعة: فإن كانت الهبة قائمةً لم تتغيّر، فيأخُذ ما شاء، أو يَرُدّها عليه. و قيل: تَلزَمُه القيمة، كنكاح التّفويض. و أمّا إذا كان بعد فوات الهبة فليس له إلا القيمة اتّفاقًا. و قد قال تعالى: { وَ لاتَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } المدّ ثّر : 6، أي لاتُعط مستكثرً ا على أحد التّأويلات، و يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. (3 : 1491)

ابن عَطيّة: الرّبا: الزّيادة، و اختُلف المتأوّلون في معنى هذه الآية، فقال ابن عبّاس و ابن جُبَيْر و طاووس: هذه آية نزلت في هبات الثّواب و ما جرى مجراها ممّا يصنعه الإنسان، ليجازى عليه كالسّلم و غيره، فهو و إن كان لاإثم فيه، فلاأجر فيه، و لازيادة عند الله تعالى.

و قال ابن عبّاس أيضًا و إبراهيم النّخعيّ: نزلت في قوم يُعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم و تمويلهم و التّفضّل عليهم، و ليزيدوا في أموالهم على جهة النّفع.

و قال الشّعبيّ: معنى الآية: أنّ ما خدم الإنسان به أحدً ا و خفّ به لينتفع في دنياه، فإنّ ذلك النّفع الّذي يُجزي به الخدمة لايربو عند الله. و هذا كلّه قريب جزء من التّأويل الأوّ ل.

و يحتمل أن يكون معنى هذه الآية النّهي عن الرّبا في التّجارات لما حضّ عزّ و جلّ على نفع ذوي القربى و المساكين و ابن السّبيل.

اعلم أنّ ما فعل المرء من ربًا ليزداد به مالا ، و فعله ذلك، إنمّا هو في أموال النّاس، فإنّ ذلك لايربو عند الله و لايزكو، بل يتعلّق فيه الإثم و محق البركة، و ما أعطى الإنسان من زكاة تنمية لماله و تطهيرً ا يريد بذلك وجه الله تعالى، فذلك هو الّذي يجازى به أضعافًا مضاعفة على ما شاء الله تعالى له.

و قال السُّدّيّ نزلت هذه الآية في ربا ثقيف، لأ نّهم

كانوا يعملون بالرّبا و تعمله فيهم قريش.

و قرأ جمهور القرّ اء السّبعة { لِيَرْ بُوَ ا } بالياء و إسناد الفعل إلى الرّبا، و قرأ نافع وحده ( لتُرْ بُوَا ) بضمّ التّاء، على وزن < تُفعِلوا > بمعنى تكونوا ذوي زيادة، و هذه قراءة ابن عبّاس و أهل المدينة الحسَن

و قَتادَة و أبي رجاء و الشّعبيّ. قال أبوحاتِِم: هي قراءتنا. و قرأ أبومالك ( لتُربُوها ) بضمير المؤنّث و المضعف الّذي هو ذو أضعاف من الثّواب، كما المؤلّف الّذي له آلاف، وكما تقول: أخصَب إذا كان ذا خصب، و هذا كثير؛ و منه: أربى المتقدّم في قراءة من قرأ( لتُرْ بُوا ) بضمّ التّاء. (4 : 339)

الطَّبْرِسيّ: في الآية قولان:

أحدهما: أ نّه ربًا حلال، و هو أن يُعطي الرّجل العطيّة، أو يُهدي الهديّة، ليُثاب أكثر منها. فليس فيه أجر، و لاوِزْرٌ، عن ابن عبّاس و طاووس، و هو المرويّ عن أبي جعفر .

و القول الآخر: أ نّه الرّبا المحرّم، عن الحسَن، و الجُبّائيّ. فعلى هذا يكون كقوله: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّ بوا" وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ } البقرة : 276. (4 : 306)

ابن الجَوْزيّ: [اكتفى بنقل الأقوال] (6 : 304)

الفَخْرالرّازيّ: ذكر هذا تحريضًا، يعني أ نّكم إذا طلب منكم واحد باثنين ترغبون فيه و تؤتونه، و ذلك لايربوا عند الله، و الزّكاة تنمو عند الله، كما أخبر النّبيّ عليه الصّلاة و السّلام: < إنّ الصّدقة تقع في يد الرّحمان فتربوا حتّى تصير مثل الجبل، فينبغي أن يكون إقدامكم على الزّكاة أكثر >. (25 : 126)

القُرطُبيّ:[بعد نقل الأقوال المتقدّمة قال:]

الثّانية : قال القاضيّ أبوبكر بن العَرَبيّ : صريح الآية فيمن يهب يطلب الزّيادة من أموال النّاس في المكافأة. [ثمّ شرح كلامه في استحقاق الثّواب و عدمه]

(14 : 37)

البَيْضاويّ: زيادة محرّمة في المعاملة أو عطيّة يتوقّع بها مزيد مكافأة. و قرأ ابن كثير بالقصر بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربًا ليربوا في أموال النّاس ليزيدو يزكو في أموالهم، فلايربو عند الله فلايزكو عنده، و لايبارك فيه. و قرأ نافع و يعقوب ( لتُربُوا ) أي لتزيدوا أو لتصيروا ذوي ربًا. (2 : 222)

نحوه النّسَفيّ (3 : 273)، و أبوالسُّعود (5 : 178)، و الكاشانيّ (4 : 133)، و شُبّر(5 : 91).

أبوحَيّان: قال ابن عبّاس، و مُجاهِد، و ابن جُبَيْر، و طاووس: هذه الآية نزلت في هبات للثّواب.

و قال ابن عَطيّة: و ما جرى مجراهما ممّا يُصنَع للمجازاة، كالسّلم و غيره، فهو و إن كان لاإثم فيه، فلاأجر فيه ولازيادة عند الله.

و قال ابن عبّاس أيضًا، و النّخعيّ: نزلت في قوم يُعطون قراباتهم و إخوانهم على معنى نفعهم و تمويلهم و التّفضّل عليهم، و ليزيدوا في أموالهم على جهة النّفع به، فذلك النّفع لهم.

و قال الشّعبيّ قريبًا من هذا، و هو: أنّ ما خدم به الإنسان غيره انتفع به، فذلك النّفع لهم.

و قال الشّعبيّ أيضًا قريبًا من هذا، و هو: أن لايربو عند الله. و الظّاهر القول الأوّ ل، و هو النّهي عن الرّبا.

و قرأ الجمهور: { لِيَرْ بُوَ ا } بالياء و إسناد الفعل إلى الرّبا. و ابن عبّاس، و الحسَن، و قَتادَة، و أبورجاء، و الشّعبيّ، و نافع، و أبوحَيْوَة: بالتّاء مضمومة، و إسناد الفعل إليهم.

و قرأ أبومالك: ( ليربُوها ) بضمير المؤنّث.

(7 : 174)

السّمين: قوله: { لِيَرْ بُوَ ا} العامّة على الياء من تحت مفتوحةً، أسندالفعل لضمير الرّبا، أي ليزداد. و نافع بتاء من فوق مضمومةً خطابًا للجماعة. فالواو على الأوّ ل لام الكلمة، و على الثّاني كلمة ضمير الغائبين. (5 : 379)

البُرُوسَويّ: ( مِنْ رِبَوا" ) كُتِب بالواو للتّفخيم، على لغة من يُفخّم فى أمثاله من الصّلاة و الزّكاة، أو للتّنبيه على أصله، لأ نّه من رَبا يَرْ بُوا: زاد، و زيدت الألف تشبيهًا بواو الجمع، و هي الزّيادة في المقدار، بأن يُباع أحد مطعوم أو نقد بنقد بأكثر منه من جنسه، و يقال له: ربا الفضل، أو في الأجل بأن يُباع أحدهما إلى أجل، و يقال له: ربا النّساء، و كلاهما محرّم.

و المعنى من زيادة خالية من العوض عند المعاملة { لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ } ليزيد و يزكو فى أموالهم، { فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } لايزيد عنده و لايبارك له فيه، كما قال تعالى: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّ بو"ا} البقرة: 276.

و قال بعضهم: المراد بالرّبا في الآية هو أن يُعطى الرّجل العطيّة أو يُهدي الهديّة و يُثاب ما هو أفضل منها، فهذا ربًا حلال جائز، و لكن لايثاب عليه في القيامة، لأ نّه لم يُرد به وجه الله، و هذا كان حرامًا للنّبيّ لقوله تعالى: { وَ لاتَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ } أي لاتُعْط و لاتَطْلُب أكثر ممّا أعطيت، كذا فى < كشف الأسرار >.

يقول الفقير: قوله تعالى: { مِنْ رِبًا } يشير إلى أ نّه لو قال المعطي للآخذ: أنا لاأُعطي هذا المال إيّاك على أ نّه ربًا، و جعله في حلّ، لايكون حلا لا، و لايخرج عن كونه ربًا، لأنّ ما كان حرامًا بتحريم الله تعالى لايكون حلالا بتحليل غيره، و إلى أنّ المعطي و الآخذ سواءٌ في الوعيد، إلا إذا كانت الضّرورة قويّة فى جانب المعطي، فلم يجد بُدًّا من الأخذ بطريق الرّباء، بأن لايُقرضه أحد بغير معاوضة. (7 : 41)

الآلوسيّ: [نقل الأقوال المتقدّمة ثمّ قال:]

قال ابن الشّيخ: المعنى على تفسير الرّبا بالعطيّة ليزيد ذلك الرّبا في جذب أموال النّاس و جلبها، و في معناه ما قيل: ليزيد ذلك بسبب أموال النّاس و حصول شيء منها لكم بواسطة العطيّة.

و عن ابن عبّاس و الحسَن و قَتادَة و أبي رجاء و الشّعبيّ و نافع و يعقوب و أبي حَيْوَة ( لتُربُوا ) بالتّاء الفوقيّة مضمومة و إسناد الفعل إليهم، و هو باب الأفعال المتعدّية لواحد بهمزة التّعدية و المفعول محذوف، أي لتُربُوه و تزيدوه في أموال النّاس، أو هو من قبيل: يجرح في عراقيبها تصلى، أي لتُربُوا و تزيدوا أموال النّاس. و يجوز أن يكون ذلك للصّيرورة، أي لتصيروا ذوي ربًا في أموال النّاس.

و قرأ أبومالك ( لتُربوها ) بضمير المؤنّث، و كان الضّمير للرّبا على تأويله بالعطيّة أو نحوها،

{ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } أي فلايبارك فيه في تقديره تعالى و حكمه عزّ و جلّ. (21 : 45)

القاسميّ: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا } أي مال ترابون فيه { لِيَرْ بُوَ ا فِى اَمْوالِ النَّاسِ }، أي ليزيد في أموالهم؛ إذ تأخذون فيه أكثر منه، { فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } أيلايزكو و لاينمو و لايبارك فيه. بل يمحقه محق ما لا عاقبة له عنده إلا الوبال و النّكال.

و ذكر في تفسيرها معنى آخر، و هو أن يهب الرّجل للرّجل، أو يُهدي له ليُعوّضه أكثر ممّا وهب أو أهدى، فليست تلك الزّيادة بحرام. و تسميتها ربًا مجاز، لأ نّها سبب الزّيادة.

قال ابن كثير: و هذا الصّنيع مباح و إن كان لاثواب فيه. إلا أ نّه قدنهى عنه رسول الله(صلی الله علیه و آله) خاصّة. قال الضّحّاك: و استدلّ بقوله تعالى: { وَ لاتَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ } المدّثّر : 6، أي لاتُعطِ العطاء، تريد أكثر منه. و قال ابن عبّاس: الرّبا رباءان، فرِبًا لايصحّ، يعني ربَا البيع، و ربًا لابأس به، و هو هديّة الرّجل يريد فضلها و إضعافها. انتهى.

و أقول: في ذلك كلّه نظر من وُجُوه:

الأوّ ل أنّ هذه الآية شبيهة بآية{ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبوا" وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ } البقرة : 276، و هي في ربا البيع الّذي كان فاشيًا في أهل مكّة حتّى صار ملَكَة راسخة فيهم، امتَصّوا بها ثروة كثير من البؤساء، ((1))ممّا خرج عن طور الرّحمة و الشّفقة و الكمال البشريّ. فنعى عليهم حالهم، طلبًا لتزكيتهم بتوبتهم منه، ثمّ أكّد ذلك في مثل هذه الآية. مبالغةً في الزّجر.

الثّاني أنّ الرّبا، على ما ذُكر مجاز. و الأصل في الإطلاق الحقيقة، إلا لصارف يُرشد إليه دليل الشّرع، أو العقل. و لاواحد منهما هنا؛ إذلاموجب له.

الثّالث: دعوى أنّ الهبة المذكورة مباحة، لابأس بها بعد كونها هي المرادة من الآية، بعيدة غاية البُعْد، لأنّ في أُسلوبها من التّرهيب و التّحذير ما يجعلها في مصافّ المحرّمات. و دلالة الأُسلوب من أدلّة التّنزيل القويّة، كما تقرّر في موضعه.

الرّ ابع: زعم أنّ المنهيّ عنه هو الحضرة النّبويّة خاصّة، لادليل عليه إلا ظاهر الخطاب و ليس قاطعًا، لأنّ اختصاص الخطاب لايوجب اختصاص الحكم على التّحقيق. لايقال: الأصل وجوب حمل اللّفظ على حقيقته، و حمله على المجاز لايكون إلا بدليل، و كذا ما يقال: إنّ ثبوت الحكم في غير محلّ الخطاب يفتقر إلى دليل، لأ نّا نقول:

الأصل في التّشريعات العموم، إلا ما قام الدّليل القاطع على التّخصيص بالتّنصيص، و ليس منه شي‌ء هنا. و قد عهد في التّنزيل تخصيص مراد به التّعميم إجماعًا. كآية :{ يَاءَ يُّهَا النَّبِىُّ اتَّقِ اللهَ } الأحزاب : 1، و أمثالها.

الخامس: أنّ في هذا المنهيّ عنه من إصعاد المرء إلى ذروة المحسنين الأعفّاء، الّذين لايتبعون قلوبهم نفقتهم، ما يبيّن أ نّه شامل لسائرهم، لما فيه من تربية إرادتهم و تهذيب أخلاقهم، بل لو قيل: إنّ الخطاب له صلوات


1) (1) هكذا في الأصل...والصّواب: البائسين جمع بائس.

الله عليه، و المراد غيره، كما قالوه في كثير من الآي لم يبعد، لما تقرّر من عصمته و نزاهته عن هذا الخُلق، في سيرته الزّكيّة. و حينئذ فالوجهفي الآية هو الأوّ ل، و عليه المعوّ ل، و الله أعلم. (13 : 4781)

سيّدقطب: كان بعضهم يحاول تنمية ماله بإهداء هدايا إلى الموسرين من النّاس، كي ترد عليه الهدية مضاعفة! فبيّن لهم أنّ هذا ليس الطّريق للنّماء الحقيقيّ: { وَ ما ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَا فى اَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ} ..

هذا ما تذكره الرّوايات عن المقصود بالآية و إن كان نصّها بإطلاقه يشمل جميع الوسائل الّتي يريد بها أصحابها أن ينموا أموالهم بطريقة ربويّة في أيّ شكل من الأشكال و بيّن لهم في الوقت ذاته وسيلة النّماء الحقيقيّة:{ وَ ما ا"تَيْتُمْ مِنْ زَكوةٍ تُريدُ‘ونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِ-كَ ’هُمُ الْمُضْعِفُونَ} . (5: 2772)

ابن عاشور: لمّا جرى التّرغيب و الأمر ببذل المال لِذوي الحاجة و صلة الرّحِم و ما في ذلك من الفلاح، أعقب بالتّزهيد في ضرب آخر من إعطاء المال لايرضى الله تعالى به، و كان الرّبا فاشيًا في زمن الجاهليّة و صدر الإسلام، و خاصّة في ثقيف و قريش. فلمّا أرشد الله المسلمين إلى مواساة أغنيائهم فقراءهم أتبع ذلك بتهيئة نفوسهم للكفّ عن المعاملة بالرّبا للمقترضين منهم، فإنّ المعاملة بالرّبا تُنافي المواساة، لأنّ شأن المُقترِض أ نّه ذو خَلّة، وشأن المُقرِض أ نّه ذو جِدَة، فمعاملته المقترِض منه بالرّبا افتراض لحاجته و استغلال لاضطراره، و ذلك لايليق بالمؤمنين.

و { مَا } شرطيّة تفيد العموم، فالجملة معترضة بعد جملة { فَا "تِ ذَاالْقُرْبى" حَقَّهُ } الرّوم : 38،إلخ. و الواو اعتراضيّة، و مضمون هذه الجملة بمنزلة الاستدراك للتّنبيه على إيتاء مال هو ذميم، و جيء بالجملة شرطيّة، لأ نّها أنسب بمعنى الاستدراك على الكلام السّابق، فالخطاب للمسلمين الّذين يريدون وجهَ الله الّذين كانوا يُقرضون بالرّبا قبل تحريمه.

و قوله: { لِيَرْ بُوَ ا فىِ اَمْوَ الِ النَّاسِ } خطاب للفريق الآخذ، و { لِيَرْ بُوا } ليزيدوا، أي لأنفسكم أموالا على أموالكم. و قوله:{ فى اَمْوَ الِ النَّاسِ } (فى ) للظّرفيّة المجازيّة بمعنى < من > الابتدائيّة، أي لتنالوا زيادة و أرباحًا تحصل لكم من أموال النّاس، فحرف ( فى ) هنا كالّذي في قول سَبْرةَ الفقعسيّ:

• و نَشْرَب في أثمانها و نُقامر *

أي نشرب و نقامر من أثمان إبلنا، و تقدّم بيانه عند قوله تعالى:{ وَارْزُقُوهُمْ فيهَا‘ وَ اكْسُوهُمْ } في سورة النّساء : 5.

و ( مِنْ ) في قوله { مِنْ رِبًا } و قوله { مِنْ زَكو"ة } بيانيّة مبيّنة لإبهام ( مَا ) الشّرطيّة في الموضعين، و تقدّم الرّبا في سورة البقرة .

و قوله: { فَلا يَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } جواب الشّرط. و معنى { فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } أ نّه عمل ناقص عند الله غير زاك عنده، و النّقص يكنّى به عن المذمّة و التّحقير. و هذا التّفسير هو المناسب لمحمل لفظ الرّبا على حقيقته المشهورة، و لموافقة معنى قوله تعالى: { يَمْحَقُ اللهِ الرِّ بوا" وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ } البقرة : 276، و لمناسبة

ذكر الإضعاف في قوله هنا:{فَاُولئِكَ ’هُمُ الْمُضْعِفُونَ} و قوله:{ لاتَاْكُلُوا الرِّ بو"ا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } في سورة آل عمران : 130، و هذا المعنى مرويّ عن السُّدّيّ و الحسَن. و قد استقام بتوجيهه المعنى من جهة العربيّة في معنى ( فى ) من قوله: { فى اَمْوَ الِ النَّاسِ }.

و يجوز أن يكون لفظ { رِبًا } في الآية أُطلق على الزّيادة في مال لغيره، أي إعطاء المال لذوي الأموال قصد الزّيادة في أموالهم تقرّ بًا إليهم، فيشمل هبة الثّواب و الهبة للزُّلفى و المَلَق، و يكون الغرض من الآية التّنبيه على أنّ ما كانوا يفعلونه من ذلك لايُغني عنهم من موافقة مرضاة الله تعالى شيئًا، و إنّما نفعه لأنفسهم، ودرج على هذا المعنى جمّ غفير من المفسّرين، فيصير المعنى: و ما أعطيتم من زيادة لتزيدوا في أموال النّاس، و تصير كلمة { لِيَرْ بُوَا } توكيدً ا لفظيًّا ليعلّق به قوله: { فىِ اَمْوَ الِ النَّاسِ }. (21 : 60)

مَغْنِيّة: قال جماعة من المفسّرين: المراد بالرّبا هنا الرّبا المحرّم.

و قال آخرون: بل المراد به الرّبا الحلال، و مثاله أن يُهدي الرّجل غنيًّا من الأغنياء ليَرُدّ الهديّة أضعافًا.

و الأولى حمل الآية على الاثنين، و إنّ كلا من آكل الرّبا المحرّم و المُهدي بقصد الرّبح، لاثواب له عند الله، سوى أنّ الأوّ ل عليه عقاب، و الثّاني لاثواب له، و لاعقاب عليه. (6 : 145)

الطَّباطَبائيّ: الرّبانماء المال، و قوله:{لِيَرْ بُوَا...} يُشير إلى وجه التّسمية، فالمراد أنّ المال الّذي تؤتونه النّاس ليزيد في أموالهم، لاإرادة لوجه الله، بقرينة ذكرإرادة الوجه في مقابله، فليس يزيد و ينمو عند الله، أي لاتثابون عليه لعدم قصد الوجه. (16 : 185)

المُصْطَفَويّ: الرّباء مصدر رَ بَا يَرْ بُو، و اسم المصدر منه الرِّبا مقصورً ا، و هو بمعنى ما حصل من المصدر، أي نفس الانتفاخ و المزيد من حيث هو.

و يستفاد من هذه الآية الشّريفة: أنّ الرّبا هو ما كان رابيًا في أموال النّاس، بمعنى أنّ حصول الانتفاخ و الزّيادة إنّما يتحقّق فيما بين أموال النّاس لا في ماله و تحت تصرّفه. و هذا بخلاف البيع، فانّ المبيع في مقام البيع إنّما يزيد اعتبارً ا و قيمةً و ينتفخ عند مالكه، فالمبيع يُباع على ما هو عليه حين وقوع البيع، و أمّا الرّبا: فيفرض انتفاخه و زيادة قيمته عند من يُعطي الزّيادة و فيما بين ماله.

فهذا أمر خلاف العدل و المصلحة و النّظم و القانون الاقتصاديّ، فانّ الغُنْم لمن عليه الغُرْم، و الرّبح تابع للمال، و إذا حصل انتفاخ لشي‌ء فيما بين أموال سائر النّاس، و منها، فكيف يجوز أخذه و التّصرّف فيه.

فما ينتفخ في أموال النّاس و يؤخذ منهم فلايحصل له بركة و لايستنجّ منه نفع و خير في الدّنيا و لافي الآخرة. { فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } الرّوم : 39، { يَمْحَقُ اللهُ الرِّ بوا" وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ } البقرة: 276. { قُلِ اللهُمَّ مَالِِِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِى الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } آل عمران : 26. (4 : 37)

مكارم الشّيرازيّ: و تشير الآية التّالية - بمناسبة البحث المتقدّم عن الإنفاق الخالص - إلى

نوعين من الإنفاق: أحدهما: لله، و الآخر: يراد منه الوصول إلى مال الدّنيا، فتقول: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فِى اَمْوَ الِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ زَكو"ة تُريدُونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِكَ’ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } مفهوم الجملةالثّانية و هي إعطاء الزّكاة و الإنفاق لوجه الله و الثّواب واضح، إلا أنّ الجملة الأُولى{ وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا } مختلف في تفسيرها مع الالتفات إلى أنّ الرّبامعناه في الأصل الزّيادة.

فالتّفسير الأوّ ل، و هو أوضح من جميع التّفاسير، و منسجم مع مفهوم الآية أكثر، و متناسق مع الرّوايات الواردة عن أهل البيت، أنّ المراد من الرّبا هو الهدايا الّتي يقدّمها بعض الأفراد للآخرين، و لاسيّما إلى أصحاب الثّروة و المال، كي ينالوا منهم أجرً ا أحسن و أكثر.

و بديهيّ أ نّه في مثل هذه الهدايا لايؤخذ بنظر الاعتبار استحقاق الطّرف الآخر و لاالجدارة و الأولويّة، بل كلّ ما يهدف إليه أن تصل الهديّة إلى مكان، تعود على مُهديها بمبلغ أوفر. و من الطّبيعيّ أنّ مثل هذه الهدايا ليس فيها جنبة إخلاص، فلاقيمة لها من الجهة الأخلاقيّة، و المعنويّة.

فعلى هذا يكون معنى الرّبا في هذهِ الآية هو الهديّة و العطيّة، و المراد من جملة: {لِيَرْ بُوَا فى اَمْوَ ال ِالنَّاسِ} هو أخذ الأجر الوافر من النّاس.

و لاشكّ أنّ أخذ مثل هذه الأُجرة ليس حرامًا؛ إذ ليس فيه شرط أو قرار، إلا أ نّه فاقد للقيمة الأخلاقيّة و المعنويّة، و لذلك فقد ورد التّعبير عن هذا الرّبا، في روايات متعدّدة عن الإمام الصّادق في مصادر معروفة، ب- < الرّبا الحلال > في قبال الرّبا الحرام الّذي يستلزم الشّرط و العقد أو الإتّفاق.

و نقرأ في حديث عن الإمام الصّادق في كتاب تهذيب الأحكام، في تفسير الآية هو قوله : < هو هديّتك إلى الرّجل تطلب منه الثّواب أفضل منها، فذلك ربًا يؤكل >.

كما نقرأ حديثًا آخر عنه : < الرّبا رباءان: أحدهما: حلال، و الآخر: حرام. فأمّا الحلال فهو أن يُقرض الرّجل أخاه قرضًا يريدأن يزيده و يُعوّضه بأكثر ممّا يأخذه بلاشرط بينهما. فإن أعطاه أكثر ممّا أخذه على غير شرط بينهما فهو مباح له، و ليس له عند الله ثواب فيما أقرضه، و هو قوله: { فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } و أمّا الحرام فالرّجل يُقرض قرضًا، و يشترط أن يردّ أكثر ممّا أخذه، فهذا هوالحرام >.

و هناك تفسير آخر لهذه الآية، و هو أنّ المراد من الرّبا في هذه الآية هو الرّبا الحرام، و طبقًا لهذا التّفسير فإنّ القرآن يريد أن يقيس الرّبا بالإنفاق الخالص لوجه الله، و يُبيّن أنّ الرّبا و إنكان ظاهره زيادة المال، إلا أ نّه ليس زيادةً عند الله، فالزّيادة الحقيقيّة و الواقعيّة هي الإنفاق في سبيل الله.

و على هذا الأساس فقد عدّوا الآية مقدّمة لمسألة تحريم الرّبا الّتي ذكرها القرآن في بداية الأمر و قبل الهجرة على سبيل الإرشاد الأخلاقيّ و النّصح، و لكن تمّ تحريم الرّبا بعد الهجرة في ثلاث سور: البقرة و آل عمران و النّساء بصورة تدريجيّة، و كانت لنا

إشارة أيضًا في الجزء الثّاني من التّفسير الأمثل على هذا الأساس.

و بالطّبع ليس بين المعنيين أيّ تضادّ، و يمكن أن تؤخذ الآية بمعناها الواسع الّذي يجمع الرّبا الحلال و الرّبا الحرام ،و يقاس كلاهما بالإنفاق في سبيل الله، إلا أنّ تعبيرات الآية أكثر انسجامًا مع التّفسير الأوّ ل، لأنّ الظّاهر من الآية هنا، أنّ عملا قد صدر ليس فيه ثواب و هو مباح، لأنّ الآية تقول: إنّ هذا العمل لايربو عند الله، و هذا يتناسب مع الرّبا الحلال الّذي ليس فيه وِزْر و لاثواب، و ليس شيئًا يستوجب مَقْتَ الله و غضَبَه، و قد قلنا: إنّ الرّوايات الإسلاميّة ناظرة إلى هذا المعنى.

وينبغي الإشارة إلى هذه اللّطيفة اللُّغويّة، و هي أنّ كلمة { مُضْعِفُونَ } الّتي هي صيغة لاسم الفاعل، لاتعني أ نّهم يزيدون و يُضعفون بأنفسهم للمال، بل معناها أ نّهم أصحاب الثّواب المضاعف، لأنّ اسم الفاعل قد يأتي في لغة العرب و يراد منه اسم المفعول، مثل الموسِر، أيصاحب المال الكثير.

و ينبغي أيضًا أن يُعرف بالنّظرة البعيدة أنّ المراد من الضّعف و المضاعف ليس معناه مثل الشّيء مرّتين، بل يشمل المثل مرّتين و يشمل أمثال الشّيء، و الحدّ الأقلّ في الآية هنا عشرة أمثال، لأنّ القرآن يقول: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ اَمْثَالِهَا }.الأنعام : 160.

و تبلغ الزّيادة أحيانًا - كما في القرض - إلى ثمانية عشر، كما نقرأ في هذا حديثًا للإمام الصّادق يقول فيه: < على باب الجنّة مكتوب: القرض بثمانية عشر و الصّدقة بعشر >.

و قد تبلغ الزّيادة إلى سبعمئة ضعف، كما هو في شأن الإِنفاق في سبيل الله؛ إذ تقول الآية: { مَثَلُ الَّذينَ‘ يُنْفِقُونَ اَمْوَالَهُمْ فى سَبيلِ‘ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّة اَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَة مِائَةُ حَبَّة وَ اللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} البقرة : 261. (12 : 493)

فضل الله: الرّبا لايربو عند الله

{ وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ } في ما تتعاملون به من الرّبا الّذي تبتغون به تنمية أموالكم و زيادتها ممّا حرّمه الله، أو في ما تقدّمونه إلى النّاس من عطيّة لاتقصدون بها وجه الله، بل أن يمنحكم ذلك الموقع الّذي ترتفعون به عند النّاس لتحصلوا على مقابله، أو لغير ذلك في تفسير آخر، { فَلاَيَرْ بُوا عِنْدَ اللهِِ } أي فلايزيد عند الله بالحصول على ثوابه الّذي قد يكون نوعًا من أنواع تنمية المال في حسابات الآخرة، لأ نّكم لم تقصدوا وجهه، و لم تستهدفوا ثوابه، فليسلكم شيء عنده من خلال ذلك. { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ زَكو"ة تُريدُونَ وَجْهَ اللهِ } في ما تُعطون منه ذا القربى و المسكين و ابن السّبيل و نحوهم من ذوي الحاجة، امتثالا لأمر الله في ما يأمركم به من ذلك، أو في ما يحبّه منه، { فَاُولئِكَ ’هُمُ الْمُضْعِفُونَ } الّذين يضاعف الله لهم مالهم في الدّنيا في ما يحقّقه لهم من رزق واسع، أو ما يمنحهم في الآخرة من ثوابه الّذي يضاعفه لهم، فيعطي الحسنة عشر أمثالها، و يعطيهم بالحبّة سبعمئة قابلة للزّيادة. (18 : 141)

رَابيًا

اَنْزَ لَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ اَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدً ا رَ ابِيًا... الرّعد : 17

ابن عبّاس: هو الشّكّ و الكفر. (الواحديّ 3 : 12)

أبوعُبَيْدَة:مجازه: فاعل من ربا يَرْ بُو، أي ينتفخ. (1 : 328)

الطّبَريّ: يقول: فاحتمل السّيل الّذي حدث عن ذلك الماء الّذي أنزله الله من السّماء، زبدً ا عاليًا فوق السّيل. (7 : 369)

الزّجّاج: أي طافيًا عاليًا فوق الماء. (3 : 145)

نحوه الواحديّ (3 : 12)، و الطَّبْرِسيّ (3: 287)، و ابن الجَوْزيّ (4 : 321)، و القُرطُبيّ (9 : 305) ، و البَيْضاويّ ( 1 : 517 ) ، و الكاشانيّ ( 3 : 64 ) ، و البُرُوسَويّ (4 : 360 ) ، و شُبّر ( 3 : 327 ) ، و الآلوسيّ (13 : 130) ، و القاسميّ (9 : 3667) .

الماوَرْديّ: الرّ ابي: المُرتفع. و هو مثَل ضربه الله تعالى للحقّ و الباطل ،فالحقّ ممثَّل بالماء الّذي يبقى في الأرض فينتفع به، و الباطل ممثَّل بالزّ بَد الّذي يذهب جُفاءً لايُنتفَع به. (3 : 106)

الطُّوسيّ: معناه زائدً ا، يقال ربا يَرْ بُو ربًا فهو راب؛ و منه الرّبا المحرّم. (6 : 240)

الفَخْرالرّازيّ: زائدً ا بسبب انتفاخه. يقال رَبا يَرْ بُو، إذا زاد. (19 : 36)

النّسَفيّ: مُنتفخًا مرتفعًا على وجه السّيل.

(2: 246)

أبوالسُّعود: أي عاليًا مُنتفخًا فوقه، بيانًا لما أُريد بالاحتمال المحتمل، لكون الحميل غير طاف كالأشجار الثّقيلة، و إنّما لم يدفع ذلك الاحتمال بأن يقال: فاحتمل السّيل فوقه، للإيذان بأنّ تلك الفوقيّة مقتضى شأن الزّ بَد، لامن جهة المحتَمَل، تحقيقًا للماثلة بينه و بين ما مُثّل به من الباطل الّذي شأنه الظّهور في بادئ الرّ أي، من غير مداخلة في الحقّ. (3 : 449)

المُصْطَفَويّ: أى زَ بَدً ا مُنتفخًا زائدً ا، و أخذةً منتفخةً قويّةً، فهي أخذة واحدة دفعةً، إلا أ نّها قويّة و زائدة في الشّدّة و الحِدّة. و الأخذ ليس بمادّيّ فيكون الزّيادة و الانتفاخ فيه أيضًا غير مادّيّ. (4 : 36)

رَابيَةً

فَعَصَوْ ا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَاَخَذَ هُمْ اَخْذَةً رَ ابِيَ-ةً.

الحاقّة : 10

ابن عبّاس:يعني أخذةً شديدةً.

نحوه مُجاهِد. (الطّبَريّ12 : 211)

الضّحّاك: مرتفعةً. (الماوَرْديّ 6 : 79)

الإمام الباقر : زائدة في الشّدّة. (شُبّر 6 : 272)

السُّدّيّ: مهلكةً. (الماوَرْديّ 6 : 79)

ابن زَيْد: كما يكون فيالخير رابية، كذلك يكون في الشّرّ رابية، رَبا عليهم: زاد عليهم. و قرأ قول الله عزّ و جلّ: { اَ لَّذينَ‘ كَفَرُوا وَ صَدُّوا عَنْ سَبيلِ‘ اللهِ زِدْ نَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ } النّحل: 88، و قرأ قول الله عزّ و جلّ: { وَ الَّذينَ‘ اهْتَدَوْ ا زَ ادَهُمْ هُدًى وَ ا"تيهُمْ’ تَقْويهُ-مْ’ } محمّد : 17، يقول: رَبا لهؤلاء الخير و لهؤلاء الشّرّ. (الطّبَريّ 12 : 211)

الفَرّ اء: أخذةً زائدةً، كما تقول: أربيت، إذا أخذ أكثر ممّا أعطاه من الذّهب و الفضّة، فتقول: قد أربيت فرَبا رِباك. (3 : 181)

أبوعُبَيْدَة:ناميةً زائدةً شديدةً من الرّبا. (2 : 266)

نحوه الطُّوسيّ. (10 : 96)

الطّبَريّ: يقول: فأخذهم ربّهم بتكذيبهم رسله أخذةً، يعني أخذةً زائدةً شديدةً ناميةً، من قولهم: أربيت، إذا أخذ أكثر ممّا أعطى من الرّبا؛،يقال: أربيتَ فرَبا رِباك، و الفضّة و الذّهب قد رَ بَوا. (12 : 211)

نحوه القُرطُبيّ. (18 : 262)

الزّجّاج:تزيد على الأحداث. (5 : 215)

نحوه ابن الجَوْزيّ. (8 : 348)

الشّريف الرّضيّ: هذه استعارة، و المراد بالرّابية هاهنا: العالية القاهرة. من قولهم: رَبا الشّي‌ء، إذا زاد، و الرّبا مأخوذ من هذا. فكأنّ تلك الأخذة كانت قاهرة لهم، و غالبة عليهم. (216)

الثّعلبيّ:ناميةً عالية غالية. و قيل: زائدة على عذاب الأُمم. (10 : 27)

نحوه الواحديّ (4 : 344)، و البغَويّ(5 : 145)، و الطَّبْرِسيّ (5 : 344).

الماوَرْديّ:تربوبهم في عذاب الله أبدً ا، قالهأبوعمران الجونيّ. (6 : 79)

الزّمَخْشَريّ:شديدة زائدة في الشّدّة، كما زادت قبائحهم في القبح.

يقال: رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد { لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ } الرّوم : 39. (4 : 150)

نحوه البَيْضاويّ (2 : 499)، و النّسَفيّ (4 : 286)، و أبوالسُّعود (6: 294)، و الآلوسيّ (29: 42)، و القاسميّ (16 : 5913)، و المَراغيّ (29 : 50).

ابن عَطيّة: و الرّ ابية النّامية الّتي قد عظمت جدًّ ا؛ و منه ربا المال، و منه الرّبا، و منه اهتزّت و رَ بَتْ.

(5 : 358)

الفَخْرالرّ ازيّ: يقال: رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد، ثمّ فيه وجهان:

الأوّ ل: أ نّها كانت زائدة في الشّدّة على عقوبات سائر الكفّار، كما أنّ أفعالهم كانت زائدة في القُبح على أفعال سائر الكفّار.

الثّاني: أنّ عقوبة آل فرعون في الدّنيا كانت متّصلة بعذاب الآخرة، لقوله: { اُغْرِ قُوا فَاُدْخِلُوا نَارً ا} نوح: 25، و عقوبة الآخرة أشدّ من عقوبة الدّنيا، فتلك العقوبة كأ نّها كانت تنمو و تربو. (30 : 106)

أبوحَيّان: أي نامية. قال مُجاهِد: شديدة ،يريد أ نّها زادت على غيرها من الأخذات، و هي الغرق و قلب المدائن. (8 : 322)

البُرُوسَويّ: أي زائدة في الشّدّة على عقوبات سائر الكفّار، أو على القدر المعروف عند النّاس، لمّا زادت معاصيهم في القبح على معاصي سائر الكفرة أغرَق من كذّب نوحًا، و هم كلّ أهل الأرضغير من ركب معه في السّفينة، و حمل مدائن لوط بعد أن نتقها من الأرض على متن الرّيح، بواسطة من أمره بذلك من الملائكة، ثمّ قلبها و أتبعها الحجارة، و خسف بها و غمرها بالماء المُنتن الّذي ليس في الأرض ما يشبهه،

و أغرق فرعون و جنوده أيضًا في بحر القُلْزُم أو في النّيل، و هكذا عُوقب كلّ أُمّة عاصية بحسب أعمالهم القبيحة، و جُوزيت جزاءً وفاقًا. و في كلّ ذلك تخويف لقريش و تحذير لهم عن التّكذيب، و فيه عبرة موقظة لأُولي الألباب، يقال: رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد؛ و منه الرّبا الشّرعيّ، و هو الفضل الّذي يأخذه آكل الرّبا زائدً ا على ما أعطاه. (10 : 135)

شُبّر: الرّ ابية الّتي أربت على ما صنعوا. (6 : 272)

سيّدقطب: هكذا كلّ من تلفت عن هذا الأمر أخذ أخذةّ مروّعة داهمة قاصمة، تتناسب مع الجدّ الصّارم الحاسم في هذا الأمر العظيم الهائل، الّذي لا يحتمل هزلا ، و لا يحتمل لعبًا، و لا يحتمل تلفتًا عنه من هنا أو هناك! و يبرز في مشهد القيامة المروّع، و في نهاية الكون الرّهيبة، و في جلال التّجلي كذلك و هو أروع و أهول. (6: 3674)

ابن عاشور: و الرّ ابية: اسم فاعل من رَبا يَرْ بُو، إذا زاد، فلمّا صيغ منه وزن < فاعلة >، قُلبت الواو ياءً لوقوعها متحرّكة إثْر كسرة.

و استعير الرُّ بُوّ هنا للشّدّة كما تُستعار الكثرة للشّدّة، في نحو قوله تعالى: { وَ ادْعُوا ثُبُورً ا كَثيرً ا‘ } الفرقان : 14.

و المراد بالأخذة الرّ ابية: إهلاك الاستئصال، أي ليس في إهلاكهم إبقاء قليل منهم. (29 : 113)

الطَّباطَبائيّ: الرّ ابية: الزّ ائدة، من رَبا يَرْ بُو رَ بْوَة، إذا زاد. و المراد بالأخذة الرّ ابية: العقوبة الشّديدة، و قيل: العقوبة الزّ ائدة على سائر العقوبات، و قيل: الخارقة للعادة. (19 : 394)

مكارم الشّيرازيّ: إنّ رابيَة و رَبا من مادّة واحدة، و هي بمعنى الإضافة، و المقصود بها هنا العذاب الصّعب و الشّديد جدًّ ا. (19 : 525)

فضل الله: أي مُرتفعة زائدة، كما هي الرّ ابية، و هو كناية عن العقاب الشّديد الّذي يزيد عمّا هو المتعارف من العقوبة، من خلال انتهائه إلى الهلاك.

(23 : 70)

اَرْبى

وَ لاتَكُونُوا كَالَّتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّ ة اَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ اَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ اَنْ تَكُونَ اُمَّةٌ هِىَ اَرْ بى" مِنْ اُمَّة ... النّحل : 92

ابن عبّاس: يقول: ناس أكثر من ناس.

(الطّبَريّ 7 : 638)

نحوه أبوعُبَيْدَة (1 : 367)، و الطَّبْرِسيّ (3 : 382).

مُجاهِد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم و أعزّ، فينقضون حِلْف هؤلاء، و يحالفون هؤلاء الّذين هم أعزّ منهم، فنُهوا عن ذلك. (الطّبَريّ 7 : 638)

الضّحّاك: يقول: أكثر، فعليكم بوفاء العهد.

(الطّبَريّ 7 : 639)

قَتادَة: أن يكون قوم أكثر و أعزّ من قوم.

(الطّبَريّ 7 : 639)

نحوه المَراغيّ. (14 : 129)

ابن زَيْد: { هِىَ اَرْبى"}: أكثر، من أجل أن كانوا هؤلاء أكثر من أُولئك، نقضتم العهد فيما بينكم و بين هؤلاء، فكان هذا في هذا، و كان الأمر الآخر في الّذي

يعاهده فينزله من حِصْنه ثمّ ينكث عليه. الآية الأُولى في هؤلاء القوم و هي مبدؤه، و الأُخرى في هذا.

(الطّبَريّ 7 : 639)

الطّبَريّ: قوله: { اَرْبى" }: أفعل من الرّبا. يقال: هذا أرْبى من هذا و أرْبأ منه، إذا كان أكثر منه. [ثمّ استشهد بشعر]

و إنّما يقال: أرْبى فلان من هذا، و ذلك للزّيادة الّتي يزيدها على غريمه على رأس ماله. (7 : 638)

الزّجّاج: { اَرْبى" } مأخوذ من رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا كثر. (3 : 217)

نحوه الواحديّ (3 : 80)، و القُرطُبيّ (10 : 171).

الماوَرْديّ: أنّ أكثر عددً ا و أزيد مددً ا، فتطلب بالكثرة أن تغدر بالأقلّ، بأن تستبدل بعهد الأقلّ عهد الأكثر. و { اَرْبى" }: < أفعَل > من الرّبا. (3 : 211)

الطُّوسي: أي أكثر عددً ا لطلب العزّ بهم مع الغدر بالأقلّ، و هو < أفعَل > من الرّبا. [ثمّ استشهد بشعر]

و منه أرْبا فلان للزّيادة الّتي يزيدها على غريمه في رأس ماله. و { اَرْبى" } في موضع رفع. و أجاز الفَرّ اء أن تكون في موضع نصب. (6 : 421)

الزّمَخْشَريّ:هي أزيد عددً ا و أوفرمالا من أُمّة من جماعة المؤمنين. (2 : 426)

نحوه النّسَفيّ (2 : 298)، و أبوالسُّعود (4 : 89)، و الآلوسيّ (14 : 222).

ابن عَطيّة: قالالمفسّرون: نزلت هذه الآية في العرب الّذين كانت القبيلة منهم إذا حالفت الأُخرى، ثمّ جاءت إحداهما قبيلة كبيرة قويّة، فداخلتها غدرت الأُولى و نقضت معها، و رجعت إلى هذه الكبرى، فقال الله تعالى: و لاتنقضوا العهود من أجل أن تكون قبيلة أزيد من قبيلة في العدد و العزّة. و الرّبا: الزّيادة،

و يحتمل أن يكون القول: معناه لاتنقضوا الأيمان من أجل أن تكونوا أربى من غيركم، أي أزيد خيرً ا، فمعناه لاتطلبوا الزّيادة بعضكم على بعض بنقض العهود. (3 : 418)

الفَخْرالرّ ازيّ: { اَرْبى" } أي أكثر من رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد، و هذه الزّيادة قد تكون في العدد و في القوّة و في الشّرف. (20 : 109)

البَيْضاويّ: لأن تكون جماعة أزيد عددً ا و أوفر مالا من جماعة، و المعنى: لاتغدروابقوم لكثرتكم و قلّتهم، أو لكثرة منابذتهم و قوّتهم، كقريش، فإنّهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم و حالفوا أعداءهم. (1 : 568)

البُرُوسَويّ: أزيد عددً ا وأوفر مالا من جماعة المؤمنين. و هذا نهي لمن يحالف قومًا، فإن وجد أيسر منهم و أكثر ترك من حالف و ذهب إليه. و محلّ{ هِىَ اَرْبى" مِنْ اُمَّة } نصب خبر < كان > و في <المدارك >: { هِىَ اَرْبى" } في موضع الرّفع صفة ل- { اُمَّة }. (5 : 75)

ابن عاشور: أي أقوى و أكثر. و { اَرْ بى" }: أزيد، و هو اسم تفضيل من الرُّ بُوّ بوزن العُلُوّ، أيالزّيادة، يحتمل الحقيقة أعني كثرة العدد، و المجاز أعني رفاهيّة الحال و حسن العيش. و كلمة { اَرْ بى" } تعطي هذه المعاني كلّها، فلاتعدلها كلمة أُخرى تصلح لجميع هذه

المعاني، فوقعها هنا من مقتضى الإعجاز. و المعنى: لايبعثكم على نقض الأيمان كون أُمّة أحسن من اُمّة.

(13 : 214)

مكارم الشّيرازيّ: أي لاتنقضوا عهودكم مع الله، بسبب أنّ تلك المجموعة أكبر من هذه، فتقعوا في الخيانة و الفساد. (8 : 275)

الرِّ بوا"

1 - اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بو"ا لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذ"لِكَ بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا" وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبو"ا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَ اَمْرُهُ اِلَى اللهِ وَ مَنْ عَادَ فَاُولئِكَ ’اَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ.

البقرة : 275

النّبيّ(صلی الله علیه و آله):لمّا أُسري بي إلى السّماء، رأيت قومًا يريد أحدهم أن يقوم فلايقدر أن يقوم من عظم بطنه، فقلت: مَن هؤُ لاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء الّذين يأكلون الرّبا { لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ }. (القُمّيّ 1 : 93)

ابن عبّاس: { اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّ بو"ا } الزّيادة في آخر البيع بعد ما حلّ الأجل كالزّيادة في أوّ ل البيع إذا بعت بالنّسيئة. { وَ حَرَّمَ الرِّ بو"ا } الزّيادة الأخيرة.

(40)

كان الرّجل منهم إذا حلّدينه على غريمه، فطالبه به، قال المطلوب منه له:زدني في الأجل، و أزيدك في المال. فيتراضيان عليه، و يعملان به. فإذا قيل لهم: هذا ربًا، قالوا: هما سواء. يعنون بذلك أنّ الزّيادة في الثّمن حال البيع، و الزّيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدّين سواء، فذمّهم الله به (الطَّبْرِسيّ 1 : 389)

قَتادَة:إنّ آكل الرّبا يُبعَث يوم القيامة مجنونًا؛ و ذلك علَم لأكله الرّبا يعرفهم به أهل الوقف.

(الواحديّ 1 : 394)

الإمام الصّادق :آكل الرّبا لايخرج من الدّنيا حتّى يتَخَبّطه الشّيطان، ذلك العقاب بأ نّهم قالوا: { اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّ بو"ا } قاسوا أحدهما بالآخر { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّ بوا } إنكار لتسويتهم و إبطال للقياس. (الكاشانيّ 1 : 279)

[و في رواية أُخرى:] إنّما حرّم الله الرّبو لئلا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف. (الكاشانيّ 1 : 279)

كلّ ربًا أكله النّاس بجهالة ثم ّتابوا، فإنّه يقبل منهم إذا عرف منهم التّوبة. و لو أنّ رجلا ورث من أبيه مالا و قد عرف أنّ في ذلك المال ربًا و لكن قد اختلط في التّجارة بغير حلال، كان حلالا طيّبًا فليأكله، و إن عرف منه شيئًا معزولا أنّه ربًا، فليأ خذ رأس ماله و ليردّ الرّبا. وأيّما رجل أفاد مالا كثيرً ا قد أكثر فيه من الرّبو فجهل ذلك، ثمّ عرفه بعد ذلك فأراد أن ينزعه فما مضى فله، و يدعه فيما يستأنف.

(الكاشانيّ 1 : 279)

سُئل عن الرّجل يأكل الرّبو و هو يرى أ نّه حلال. قال: لايضرّه حتّىيصيبه متعمّدً ا فإذا أصابه متعمّدً ا فهوبالمنزلة الّتي قال الله عزّ وجلّ. (الكاشانيّ 1 : 279)

مُقاتِل: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بوا } استحلالا

{ لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } في الدّنيا، و ذلك علامة أكل الرّبا، ذلك الّذي نزل بهم يوم القيامة { بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّ بوا } فأكذبهم الله عزّ و جلّ، فقال: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّ بوا } فكان الرّجل إذا حلّ ماله فطلبه فيقول المطلوب: زدني في الأجل و أزيدك على مالك، فيفعلان ذلك، فإذا قيل لهم: إنّ هذا ربًا قالوا: سواء زدت في أوّ ل بيع أو في آخره عند محلّ المال فهما سواء، فذلك قوله سبحانه: { اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبو"ا} فقال الله عزّ و جلّ:{ وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبو"ا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة ٌمِنْ رَ بِّهِ } يعني البيان في القراءة { فَانْ-تَهى"} عن الرّبا فله ما سلف، يقول: ما أكل من الرّبا قبل التّحريم، و أمره إلى الله بعد التّحريم، و بعد تركه إن شاء عصمه من الرّبا و إن شاء لم يعصمه. قال: و من عاد فأكله استحلالا لقولهم: { اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا } يخوّف أكلة الرّبا في الدّنيا أن يستحلّوا أكله، فقال: { فَاُولئِكَ ’اَصْحَابُ النَّارِ هُ-مْ فيهَا‘ خَالِ-دُونَ } .

(1 : 225)

الإمام الرّضا :هي كبيرة بعد البيان، و الاستخفاف بذلك دخول في الكفر.

(الكاشانيّ 1 : 279)

الطّبَريّ: يعني جلّثناؤه: و أحلّ الله الأرباح في التّجارة و الشّراء و البيع { وَ حَرَّمَ الرِّ بوا }، يعني الزّيادة الّتي يزاد ربّ المال بسبب زيادته غريمه في الأجل، و تأخيره دَيْنه عليه. يقول عزّ و جلّ: فليست الزّيادتان اللّتان إحداهما من وجه البيع، و الأُخرى من وجه تأخير المال و الزّيادة في الأجل سواء. و ذلك أ نّي حرّمت إحدى الزّيادتين، و هي الّتي من وجه تأخير المال و الزّيادة في الأجل، و أحلَلْتُ الأُخرى منهما، و هي الّتي من وجه الزّيادة على رأس المال الّذي ابتاع به البائع سلعته الّتي يبيعها، فيستفضل فضلها. فقال الله عزّ و جلّ: ليست الزّيادة من وجه البيع نظير الزّيادة من وجه الرّبا، لأ نّي أحللت البيع، و حرّمت الرّبا، و الأمر أمري و الخلق خلقي، أقضي فيهم ما أشاء، و أستعبدهم بما أُريد، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي، و لاأن يخالف أمري، و إنّما عليهم طاعتي و التّسليم لحكمي.

يعني عزّ و جلّ بقوله: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّ بوا } ، ينقص الله الرّبا فيذهبه.

و أمّا قوله: { وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ }، فإنّه جلّ ثناؤه يعني أ نّه يُضاعف أجرها، يَرُ بّها و ينمّيها له. (3 : 104)

الزّجّاج: المعنى: الّذين يأكلون الرّبا لايقومون في الآخرة إلا كما يقوم المجنون من حال جنونه. زعم أهل التّفسير أنّ ذلك علَم لهم في الموقف يعرفهم به أهل الموقف، يُعلم به أ نّهم أكَلَةُ الرّبا في الدّنيا، يقال: بفلان مسّ و هو ألمسو أولق، إذا كان به جنون. (1 : 358)

الجصّاص: قال الله تعالى: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّبو"ا لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } إلى قوله: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّ بو"ا }.

أصل الرّبا في اللُّغة: هو الزّيادة؛ و منه الرّ ابية لزيادتها على ما حواليها من الأرض، و منه الرّ بْوَة من الأرض و هي المُرتفعة، و منه قولهم: < أربى فلان على

فلان في القول أو الفعل > إذا زاد عليه.

و هو في الشّرع يقع على معان لم يكن الاسم موضوعًا لها في اللُّغة، و يدلّ عليه أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) سمّى النَّساء ربًا في حديث أُسامة بن زَيْد، فقال: < إنمّا الرّبا في النّسيئة >. و قال عمر بن الخطّاب: < إنّ من الرّبا أبوا بًا لاتخفى منها السّلم في السّنّ > يعني الحيوان. و قال عمر أيضًا: < إنّ آية الرّبا من آخر ما نزل من القرآن، و إنّ النّبيّ قُبض قبل أن يبيّنه لنا، فدعوا الرّبا و الرّيبة >، فثبت بذلك أنّ الرّبا قد صار اسمًا شرعيًّا، لأ نّه لو كان باقيًا على حكمه في أصل اللُّغة لما خفي على عمر، لأ نّه كان عالمًا بأسماء اللُّغة، لأ نّه من أهلها.

و يدلّ عليه أنّ العرب لم تكن تعرف بيع الذّهب بالذّهب و الفضّة بالفضّة نساءً ربًا و هو ربًا في الشّرع، و إذا كان ذلك على ما وصفنا صار بمنزلة سائر الأسماء المجملة المفتقرة إلى البيان، و هي الأسماء المنقولة من اللُّغة إلى الشّرع لمعان لم يكن الاسم موضوعًا لهافي اللُّغة، نحو الصّلاة و الصّوم و الزّكاة، فهو مفتقر إلى البيان. و لايصحّ الاستدلال بعمومه في تحريم شيء من العقود إلا فيما قامت دلالته أ نّه مسمّى في الشّرع بذلك. و قد بيّن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) كثيرً ا من مراد الله بالآية نصًّا و توقيفًا، و منه ما بيّنه دليلا ، فلم يَخْلُ مراد الله من أن يكون معلومًا عند أهل العلم بالتّوقيف و الاستدلال.

و الرّبا الّذي كانت العرب تعرفه و تفعله إنّما كان قرض الدّراهم و الدّنانير إلى أجل بزيادة على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، و لم يكونوا يعرفون البيع بالنّقد، و إذا كان متفاضلا من جنس واحد هذا كان المتعارف المشهور بينهم، و لذلك قال الله تعالى: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَا فِى اَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } الرّوم : 39 ، فأخبر أنّ تلك الزّيادة المشروطة إنّما كانت ربًا في المال العين، لأ نّه لاعوض لها من جهة المُقرض. و قال تعالى: { لاتَاْكُلُوا الرِّ بوا" اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } إخبارً ا عن الحال الّتي خرج عليها الكلام من شرط الزّيادة أضعافًا مضاعفة، فأبطل الله تعالى الرّبا الّذي كانوا يتعاملون به، و أبطل ضروبًا أُخَر من البياعات و سمّاها ربًا، فانتظم قوله تعالى: { وَ حَرَّمَ الرِّ بو"ا } تحريم جميعها، لشمول الاسم عليها من طريق الشّرع، و لم يكن تعاملهم بالرّبا إلا على الوجه الّذي ذكرنا من قرض دراهم أو دنانير إلى أجل مع شرط الزّيادة.

و اسم الرّبا في الشّرع يَعْتَوِرُه معان:

أحدها: الرّبا الّذي كان عليه أهل الجاهليّة.

و الثّاني: التّفاضل في الجنس الواحد من المكيل و الموزون على قول أصحابنا، و مالك بن أنس يعتبر مع الجنس أن يكون مُقتاتًا مُدّخَرً ا، و الشّافعيّ يعتبر الأكل مع الجنس، فصار الجنس معتبرً ا عند الجميع فيما يتعلّق به من تحريم التّفاضل عند انضمام غيره إليه على ما قدّمنا.

و الثّالث: النَّساء، و هو على ضروب:

منها في الجنس الواحد من كلّ شيء، لايجوز بيع بعضه ببعض نساءً، سواءٌ كان من المكيل أو من الموزون أو من غيره، فلايجوز عندنا بيع ثوب مرويّ بثوب مرويّ نَساءً لوجود الجنس.

و منها: وجود المعنى المضموم إليه الجنس في شرط تحريم التّفاضل، و هو الكيل و الوزن في غير الأثمان الّتي هي الدّراهم و الدّنانير، فلو باع حنطة بجصّ نَساءً لم يجز لوجود الكيل، ولو باع حديدً ا بصُفر نَساء لم يجز لوجود الوزن، و الله تعالى الموفّق.

ومن أبواب الرّبا الشّرعيّ السَّلَم في الحيوان

قال عمر: < إنّ من الرّبا أبوا بًا لاتخفى منها السَّلَم في السّنّ > و لم تكن العرب تعرف ذلك ربًا، فعلم أ نّه قال ذلك توقيفًا. فجملة ما اشتمل عليه اسم الرّبا في الشّرع النَّساء و التّفاضل على شرائط قد تقرّر معرفتها عند الفقهاء. و الدّليل على ذلك قول النّبيّ(صلی الله علیه و آله): < الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدً ا بيد و الفضلربًا، و الشّعيربالشّعير مثلا بمثل يدً ا بيد و الفضل ربًا > و ذكر التّمر و الملح و الذّهب و الفضّة، فسمّى الفضل في الجنس الواحد من المكيل و الموزون ربًا.

و قال (صلی الله علیه و آله) في حديث أُسامة بن زَيْد الّذي رواه عنه عبد الرّحمان بن عبّاس: < إنّما الرّبا في النّسيئة > و في بعض الألفاظ: < لاربا إلا في النّسيئة > فثبت أنّ اسم < الرّبا > في الشّرع يقع على التّفاضل تارةً و على النَّساء أُخرى. و قد كان ابن عبّاس يقول: لاربًا إلا في النّسيئة، و يجوز بيع الذّهب بالذّهب و الفضّة بالفضّة متفاضلا ، و يذهب فيه إلى حديث أُسامة بن زَيْد، ثمّ لمّا تواتر عنده الخبر عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) بتحريم التّفاضل في الأصناف السّتّة رجع عن قوله. قال جابر بن زَيْد: رجع ابن عبّاس عن قوله في الصّرف و عن قوله في المتعة. و إنّما معنى حديث أُسامة النَّساء في الجنسين، كما روى في حديث عبادة بن الصّامت و غيره عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أ نّه قال: < الحنطة بالحنطة مثلا بمثل يدً ا بيد > و ذكر الأصناف السّتّة، ثمّ قال: < بيعُوا الحنطة بالشّعير كيف شئتم يدً ا بيد > و في بعض الأخبار: < و إذا اختلف النّوعان فبيعُوا كيف شئتم يدً ا بيد > فمنع النَّساء في الجنسين من المكيل و الموزون و أباح التّفاضل، فحديث أُسامة بن زَيْد محمول على هذا.

و من الرّبا المراد بالآية: شِرَى ما يُباع بأقلّ من ثمنه قبل نقد الثّمن، و الدّليل على أنّ ذلك ربًاحديث يونس بن إسحاق عن أبيه عن أبي العالية قال: < كنت عند عائشة فقالت لها امرأة: إنّي بعت زيد بن أرقم جاريةً لي إلى عطائه بثمنمئة درهم، و إنّه أراد أن يبيعها فاشتريتها منه بستّمئة ؟ فقالت: بئسما شريت و بئسما اشتريت، أبلغي زَيْد بن أرقم أ نّه قد أبطل جهاده مع رسول الله(صلی الله علیه و آله) إن لم يتب. فقالت: يا أُمّ المؤمنين أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي ؟ فقالت: { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَ اَمْرُهُ اِلَى اللهِ } > البقرة : 275، فدلّت تلاوتها لآية الرّبا عند قولها: < أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي > أنّ ذلك كان عندها من الرّبا، و هذه التّسمية طريقها التّوقيف.

و قد روى ابن المبارك عن حكم بن زريق عن سعيد بن المُسَيَّب قال: سألته عن رجل باع طعامًا من رجل إلى أجل، فأراد الّذي اشترى الطّعام أن يبيعه بنقد من الّذي باعه منه؟ فقال: هو ربًا. و معلوم أ نّه أراد شراءه بأقلّ من الثّمن الأوّ ل; إذ لاخلاف أنّ

شراءه بمثله أو أكثر منه جائز، فسمّى سعيد بن المُسَيَّب ذلك ربًا. و قد روي النّهي عن ذلك عن ابن عبّاس و القاسم بن محمّد و مُجاهِد و إبراهيم و الشّعبيّ.

و قال الحسَن و ابن سيرين في آخرين: إن باعه بنقد جاز أن يشتريه، فإن كان باعه بنسيئة لم يشتره بأقلّ منه إلا بعد أن يحلّ الأجل. و روي عن ابن عمر أ نّه إذا باعه ثمّ اشتراه بأقلّ من ثمنه جاز، و لم يذكرفيه قبض الثّمن، و جائز أن يكون مراده إذا قبض الثّمن. فدلّ قول عائشة و سعيد بن المُسَيَّب أنّ ذلك ربًا، فعلمنا أ نّهما لم يسمّياه ربًا إلا توقيفًا; إذ لايعرف ذلك اسمًا له من طريق اللُّغة فلايسمّى به إلا من طريق الشّرع، و أسماء الشّرع توقيف من النّبيّ(صلی الله علیه و آله); و الله تعالى أعلم بالصّواب.

ومن أبواب الرّبا الدَّيْن بالدَّيْن:

و قد روى موسى بن عُبَيْدَة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله): < أ نّه نهى عن الكالئ بالكالئ > و في بعض الألفاظ: < عن الدَّيْن بالدَّيْن > و هما سواء. و قال في حديث أُسامة بن زَيْد: < إنّما الرّبا في النّسيئة > إلا أ نّه في العقد عن الدَّيْن بالدَّيْن و أ نّه معفوّ عنه بمقدار المجلس، لأ نّه جائز له أن يسلم دراهم في كرّ حنطة و هما دَيْن بدَيْن، إلا أ نّهما إذا افترقا قبل قبض الدّراهم بطل العقد، و كذلك بيع الدّراهم بالدّنانير جائز و هما دَيْنان، و إن افترقا قبل التّقابض بطل.

و من أبواب الرّبا الّذي تضمّنت الآية تحريمه:

الرّجل يكون عليه ألف درهم دَيْن مؤجّل فيصالحه منه على خمسمئة حالّةً فلايجوز. و قد روى سفيان عن حميد عن ميسرة قال: سألت ابن عمر: يكون لي على الرّجل الدَّيْن إلى أجل فأقول: عجّل لي و أضع عنك؟ فقال: هو ربًا. و روي عن زَيْد بن ثابت أيضًا النّهي عن ذلك، و هو قول سعيد بن جُبَيْر و الشّعبيّ و الحَكَم، و هو قول أصحابنا و عامّةالفقهاء. و قال ابن عبّاس و إبراهيم النّخعيّ: لابأس بذلك. و الّذي يدلّ على بطلان ذلك شيئان:

أحدهما: تسمية ابن عمر إيّاه ربًا، و قد بيّنّا أنّ أسماء الشّرع توقيف.

و الثّاني: أ نّه معلوم أنّ ربا الجاهليّة إنّما كان قرضًا مؤجّلا بزيادة مشروطة، فكانت الزّيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى و حرّمه و قال: { وَ اِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ اَمْوَالِكُمْ } البقرة : 279، و قال تعالى: { و َذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بوا" } البقرة : 278، حظر أن يؤخذ للأجل عوض، فإذا كانت عليه ألف درهم مؤجّلة فوضع عنه على أن يُعجّله، فإنّما جعل الحَطّ بحذاء الأجل، فكان هذا هو معنى الرّبا الّذي نصّ الله تعالى على تحريمه.

و لاخلاف أ نّه لو كان عليه ألف درهم حالّةً فقال له: أجّلني و أزيدك فيها مئة درهم، لايجوز، لأنّ المئة عوض من الأجل، كذلك الحَطّ في معنى الزّيادة; إذ جعله عوضًا من الأجل. و هذا هو الأصل في امتناع جواز أخذ الأبدال عن الآجال، و لذلك قال أبوحنيفة: فيمن دفع إلى خيّاط ثوبًا فقال: إن خَطّته اليوم فلك درهم، و إن خَطّته غدً ا فلك نصف درهم؛

إنّ الشّرط الثّاني باطل فإن خاطه غدً ا فله أجر مثله، لأ نّه جعل الحَطّ بحذاء الأجل، و العمل في الوقتين على صفة واحدة فلم يجزه، لأ نّه بمنزلة بيع الأجل على النّحو الّذي بيّنّاه.

و من أجاز من السّلف إذا قال: عجّل لي و أضع عنك، فجائز أن يكون أجازوه إذا لم يجعلهشرطًا فيه، و ذلك بأن يضع عنه بغير شرط و يُعجّل الآخر الباقي بغير شرط. و قد ذكرنا الدّ لالة على أنّ التّفاضل قد يكون ربًا على حسب ما قال النّبيّ(صلی الله علیه و آله) في الأصناف السّتّة، و أنّ النَّساء قد يكون ربًا في البيع بقوله(صلی الله علیه و آله) : < و إذا اختلف النّوعان فبيعُوا كيف شئتم يدً ا بيد > و قوله: < إنّما الرّبا في النّسيئة > و أنّ السَّلَم في الحيوان قد يكون ربًا بقوله: < إنّما الرّبا في النّسيئة >، و قوله: إذا اختلف النّوعان فبيعُوا كيف شئتم يدً ا بيد. و تسمية عمر إيّاه ربًا و شِرَى ما بيع بأقلّ من ثمنه قبل نقد الثّمن لما بيّنّا، و شرط التّعجيل مع الحَطّ.

و قد اتّفق الفقهاء على تحريم التّفاضل في الأصناف السّتّة الّتي ورد بها الأثر عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) من جهات كثيرة، و هو عندنا في حيّز التّواتر لكثرة رواته و اتّفاق الفقهاء على استعماله. و اتّفقوا أيضًا في أنّ مضمون هذا النّصّ مَعنيّ به تعلّق الحكم يجب اعتباره في غيره، و اختلفوا فيه بعد اتّفاقهم على اعتبار الجنس على الوجوه الّتي ذكرنا فيما سلف من هذا الباب، و أنّ حكم تحريم التّفاضل غير مقصور على الأصناف السّتّة.

و قد قال قوم هم شذوذ عندنا لايُعدّون خلافًا: إنّ حكم تحريم التّفاضل مقصور على الأصناف الّتي ورد فيها التّوقيف دون تحريم غيرها.

و لِمَا ذهب إليه أصحابنا في اعتبار الكيل و الوزن دلائل من الأثر و النّظر، و قد ذكرناها في مواضع. و ممّا يدلّ عليه من فحوى الخبر قوله: <الذّهب بالذّهب مثلا بمثل وزنًا بوزن، و الحنطة بالحنطة مثلا بمثل كيلا بكيل> فأوجب استيفاء المماثلة بالوزن في الموزون و بالكيل في المكيل، فدلّ ذلك على أنّ الاعتبار في التّحريم الكيل و الوزن مضمومًا إلى الجنس.

و ممّا يحتجّ به المخالف من الآية على اعتبار الأكل قوله عزّ و جلّ: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بوا" لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَان مِنَ الْمَسِّ }. و قوله تعالى: { لاتَاْكُلُوا الرِّ بوا" } آل عمران : 130، فأطلق اسم الرّبا على المأكول، قالوا: فهذا عموم في إثبات الرّبا في المأكول. و هذا عندنا لايدلّ على ما قالوا من وُجُوه:

أحدها: ما قدّمنا من إجمال لفظ الرّبا في الشّرع و افتقاره إلى البيان، فلايصحّ الاحتجاج بعمومه، و إنّما يحتاج إلى أن يثبت بدلالة أُخرى أ نّه ربًا حتّى يحرمه بالآية و لايأكله.

و الثّاني: أنّ أكثر ما فيه إثبات الرّبا في مأكول، و ليس فيه أنّ جميع المأكولات فيها ربًا، و نحن قد أثبتنا الرّبا في كثير من المأكولات، و إذا فعلنا ذلك فقد قضينا عهدة الآية. و لما ثبت بما قدّمنا من التّوقيف و الاتّفاق على تحريم بيع ألف بألف و مئة كما بطل بيع ألف بألف إلى أجل، فجرى الأجل المشروط مجرى النّقصان في

المال، و كان بمنزلة بيع ألف بألف و مئة، وجب أن لايصحّ الأجل في القرض كما لايجوز قرض ألف بألف و مئة، إذ كاننقصان الأجل كنقصان الوزن، و كان الرّبا تارةً من جهة نقصان الوزن و تارةً من جهة نقصان الأجل، وجب أن يكون القرض كذلك.

فإن قال قائل: ليس القرض في ذلك كالبيع، لأ نّه يجوز له مفارقته في القرض قبل قبض البدل و لايجوز مثله في بيع ألف بألف.

قيل له: إنّما يكون الأجل نقصانًا إذا كان مشروطًا، فأمّا إذا لم يكن مشروطًا فإن ترك القبض لايوجب نقصًا في أحد المالين، و إنّما بطل البيع لمعنى آخر غير نقصان أحدهما عن الآخر. ألاترى أ نّه لايختلف الصّنفان و الصّنف الواحد في وجوب التّقابض في المجلس، أعني الذّهب بالفضّة مع جواز التّفاضل فيهما؟ فعلمنا أنّ الموجب لقبضهما ليس من جهة أنّ ترك القبض موجب للنّقصان في غير المقبوض، ألاترى أنّ رجلا لو باع من رجل عبدً ا بألف درهم و لم يقبض ثمنه سنين جاز للمشتري بيعه مرابحةً على ألف حالّة ، و لو كان باعه بألف إلى شهر ثمّ حلّ الأجل لم يكن للمشتري بيعه مرابحةً بألف حالّة حتّى يبيّن أ نّه اشتراه بثمن مؤجّل ؟ فدلّ ذلك على أنّ الأجل المشروط في العقد يوجب نقصًا في الثّمن و يكون بمنزلة نقصان الوزن في الحكم. فإذا كان كذلك فالتّشبيه بين القرض و البيع من الوجه الّذي ذكرنا صحيح لايعترض عليه هذا السّؤال. و يدلّ على بطلان التّأجيل فيه قول النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < إنّما الرّبا في النّسيئة > و لم يفرّق بين البيع و القرض، فهو على الجميع. و يدلّعليه أنّ القرض لمّا كان تبرّعًا لايصحّ إلا مقبوضًا أشبه الهبة، فلايصحّ فيه التّأجيل كما لايصحّ في الهبة. و قد أبطل النّبيّ (صلی الله علیه و آله) التّأجيل فيها بقوله: < من أعمَر عُمرى فهي له و لورثته من بعده > فأبطل التّأجيل المشروط في الملك.

وأيضًا فإنّ قرض الدّراهم عاريتها و عاريتها قرضها، لأ نّها تمليك المنافع، إذ لايصل إليها إلا باستهلاك عينها، و لذلك قال أصحابنا: إذا أعاره دراهم، فإنّ ذلك قرض، و لذلك لم يجيزوا استئجار الدّراهم، لأ نّها قرض، فكأ نّه استقرض دراهم على أن يردّ عليه أكثر منها، فلمّا لم يصحّ الأجل في العارية لم يصحّ في القرض. و ممّا يدلّ على أنّ قرض الدّراهم عارية حديث إبراهيم الهجريّ عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): < تدرون أيّ الصّدقة خير ؟> قالوا: الله و رسوله أعلم قال: <خير الصّدقة المِنْحَة أن تمنح أخاك الدّراهم، أو ظهر الدّ ابة، أو لبن الشّاة >. و المِنْحَة هي العارية، فجعل قرض الدّراهم عاريتها. ألاترى إلى قوله في حديث آخر:< و المِنْحَة مردودة > ؟ فلمّا لم يصحّ التّأجيل في العارية لم يصحّ في القرض. و أجاز الشّافعيّ التّأجيل في القرض و بالله التّوفيق و منه الإعانة. (1 : 563)

الثّعلبيّ: معنى الرّبا: الزّيادة على أصل المال في غير بيع، يقال: ربا الشّيء إذا زاد، و أربى عليه و عامل عليه، إذا زاد عليه في الرّبا. [إلى أن قال:]

و معنى قوله: { اَلَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بو"ا } يأكلونه

حقّ الأكل لأ نّه معظم الأمر.

و الرّبا في أربعة أشياء: الذّهب، و الفضّة، و المأكول، و المشروب. فلايجوز بيع بعضها ببعض إلا مِثْلا بمثل و يدً ا بيد، و إذا اختلف الصّنفان جاز التّفاضل في النّقد و حُرّم في النّسيئة، و لايجوز صاع بُرّ بصاعين لانقدً ا و لانسيئةً، لأ نّهما جنس واحد، و كذلك الذّهب بالذّهب مثقال باثنين لانقدً ا و لانسيئة، و كذلك الفضّة بالفضّة، و كذلك صاع بُرّ بصاعين شعير و صاع شعير بصاعين بُرّ نقدً ا، و لايجوز نسيئة. و يجوز مثقال بعشرين درهمًا أو أقلّ أو أكثر نقدًا و لايجوز نسيئةً. و جماع ما شايع النّاس عليه ثلاثة أشياء:

أحدهما: ما يعتدي به ممّا كان مأكولا أو مشروبًا.

و الثّاني: ما كان ثمنًا للأشياء و قيمةً للمتلفات و هو الذّهب و الفضّة، فهذان فيهما الرّبا، فلايجوز بيع شيء متفاضلا نقدً ا و نسيئةً.

و الصّنف الثّالث: ما عدا هذين ممّا لايؤكل و لايُشرب و لايكون ثمنًا، فلاربا فيه، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا نقدً ا و نسيئةً. فهذا جملة القول فيما فيه الرّبا على مذهب الشّافعيّ. (2 : 280)

الماوَرْديّ: و الرّبا: هو الزّيادة، من قولهم: رَبا السّويق يَرْ بُو إذا زاد، و هو الزّيادة على مقدار الدَّيْن لمكان الأجل. (1 : 347)

الطُّوسيّ: أصل الرّبا: الزّيادة، من قولهم: رَبا الشّيءيَرْ بُورَ بْوًا، إذا زاد. و الرّبا: هوالزّيادة على رأس المال في نسيئة أو مماثلة، و ذلك كالزّيادة على مقدار الدّين للزّيادة في الأجل، أو كإعطاء درهم بدر همين أو دينار بدينارين، و المنصوص عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) تحريم التّفاضل في ستّة أشياء: الذّهب، و الفضّة، و الحنطة، و الشّعير، و التّمر، و الملح.

و قيل: الزّبيب: فقال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) فيها مِثْلا بمثل يدً ا بيد، مَن زاد أو استزاد فقد أربى. هذه السّتّة أشياء لاخلاف في حصول الرّبا فيها، و باقي الأشياء عند الفقهاء مقيس عليها. و فيها خلاف بينهم، و عندنا أنّ الرّبا في كلّ ما يُكال، أو يُوزن إذا كان الجنس واحدً ا، منصوص عليه. و الرّبا محرّم متوعّد عليه كبيرة بلاخلاف بهذه الآية، بقوله: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بوا اِِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ‘ * فَاِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ } البقرة : 278 ، 279. (2 : 359)

الواحديّ: الرّبا في الشّرع فهو اسم للزّيادة على أصل المال، من غير بيع...

قوله: { ذ"لِكَ بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا } أي ذلك الّذي نزل بهم بقولهم هذا و استهلالهم إيّاه؛ و ذلك أنّ المشركين قالوا: الزّيادة على رأس المال بعد محلّ الدّين كالزّيادة بالرّبع في أوّ ل البيع، وكان أحدهم إذا حلّ له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتّى أزيدك في الأجل...

عن عليّ رضي الله عنه قال:< لعن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في الرّبا خمسًا: آكله، و موكله، و شاهديه، و كاتبه >.

(1 : 393)

البغَويّ: و اعلم أنّ الرّبا في اللُّغة الزّيادة، قال الله

تعالى: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } الرّوم : 39، و طلب الزّيادة بطريق التّجارة غير حرام في الجملة، إنّما المحرّم زيادة على صفة مخصوصة في مال مخصوص، بيّنه رسول الله (صلی الله علیه و آله) فيما أخبرنا... عن عبادة بن الصّامت أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال:< لاتبيعوا الذّهب بالذّهب، و لاالورق بالورق، و لاالبُرّ بالبُرّ، و لاالشّعير بالشّعير و لاالتّمر بالتّمر و لاالملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، يدً ا بيد، و لكن بيعوا الذّهب بالورق، و الورق بالذّهب، و البُرّ بالشّعير، و الشّعير بالبُرّ، و التّمر بالملح، و الملح بالتّمر يدً ا بيد كيف شئتم، و نقص أحدهما الملح أو التّمر و زاد أحدهما،< فمن زاد أو استزاد فقد أربى >.

و روي هذا الحديث من طرق عن محمّد بن سيرين عن مسلم بن يسار و عبد الله بن عتيك عن عبادة، فالنّبيّ(صلی الله علیه و آله) نصّ على ستّة أشياء.

و ذهب عامّة أهل العلم إلى أنّ حكم الرّبا يثبت في هذه الأشياء السّ-تّة لأوصاف فيها، فيتعدّى إلى كلّ مال توجد فيه تلك الأوصاف. ثمّ اختلفوا في تلك الأوصاف، فذهب قوم إلى أنّ المعنى في جميعها واحد و هو النّفع، و أثبتوا الرّبا في جميع الأموال، و ذهب الأكثرون إلى أنّ الرّبايثبت في الدّراهم و الدّنانير بوصف، و في الأشياء المطعومة بوصف آخر.

و اختلفوا في ذلك الوصف، فقال قوم: ثبت في الدّراهم و الدّنانير بوصف النّقديّة، و هو قول مالك و الشّافعيّ، و قال قوم: ثبت بعلّة الوزن و هو قول أصحاب الرّأي، و أثبتوا الرّبا في جميع الموزونات، مثل الحديد و النُّحاس و القُطْن و نحوها.

و أمّا الأشياء الأربعة المطعومة فذهب قوم إلى أنّ الرّبا ثبت فيها بعلّة الكيل و هو قول أصحاب الرّ أي، و أثبتوا الرّبا في جميع المكيل مطعومًا كان أو غير مطعوم كالجِصّ و النّورة و نحوهما، و ذهب جماعة إلى أنّ العلّة فيها الطّعم مع الكيل و الوزن، فكلّ مطعوم و هو مكيل أو موزون يثبت فيه الرّبا، و لايثبت فيما ليس بمكيل و لاموزون، و هو قول سعيد بن المُسَيَّب، و قاله الشّافعيّ  في القديم، و قال في الجديد: يثبت فيها الرّبا بوصف الطّعم، و أثبت الرّبا في جميع الأشياء المطعومة من الثّمار و الفواكه و البقول و الأدوية مكيلة كانت أو موزونة، لما روي عن معمر بن عبد الله، قال: كنت أسمع رسول الله(صلی الله علیه و آله) يقول: < الطّعام بالطّعام مِثْلا بمثل >.

فجملة مال الرّبا عند الشّافعيّ ما كان ثمنًا أو مطعومًا، و الرّبا نوعان: ربا الفضل و ربا النَّساء، فإذا باع مال الرّبا بجنسه مِثْلا بمثل، بأن باع أحد النّقدين بجنسه أو باع مطعومًا بجنسه كالحنطة بالحنطة و نحوها، يثبت فيه كلانوعي الرّبا حتّى لايجوزإلا متساويين في معيار الشّرع. فإن كان موزونًا كالدّراهم و الدّنانير يُشترط المساواة في الوزن، و إن كان مكيلا كالحنطة و الشّعير بيع بجنسه، فيُشترط المساواة في الكيل و يُشترط التّقابض في مجلس العقد.

و إذا باع مال الرّبا بغير جنسه نظر: إن باع بما لايوافقه في وصف الرّبا، مثل أن باع مطعومًا بأحد النّقدين فلاربا فيه، كما لو باع بغير مال الرّبا. و إن

باعه بما يوافقه مع الوصف مثل إن باع الدّراهم بالدّنانير أو باع الحنطة بالشّعير أو باع مطعومًا بمطعوم آخر من غير جنسه، فلايثبت فيه ربا الفضل حتّى يجوز متفاضلا أو جُزافًا و ثبت فيه ربا النَّساء حتّى يشترط التّقابض في المجلس.

و قول النّبيّ(صلی الله علیه و آله): < لاتبيعوا الذّهب بالذّهب - إلى أن قال - إلا سواء بسواء > فيه إيجاب المماثلة و تحريم الفضل عند اتّفاق الجنس، و قوله: < عينًا بعين > فيه تحريم النَّساء، و قوله:< يدً ا بيد كيف شئتم > فيه إطلاق التّفاضل عند اختلاف الجنس مع إيجاب التّقابض في المجلس، هذا في ربا المبايعة.

و من أقرض شيئًا شرط أن يردّ عليه أفضل منه ، فهو قرض منفعة و كلّ قرض جَرّ منفعة فهو ربًا.

(1 : 382)

الزّمَخْشَريّ: الرّبا كُتب بالواو لغة مَن يُفخّم، كما كُتبت الصّلاة و الزّكاة، و زيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع...

و قيل: الّذين يخرجون من الأجداث يُوفضون إلا أكَلَة الرّبا، فإنّهم ينهضون و يسقطون كالمصروعين، لأ نّهم أكلوا الرّبا، فأرباه الله في بطونهم حتّى أثقلهم

فلايقدرون على الإيفاض، ذلك العقاب بسبب قولهم: { اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثُلُ الرِّ بو"ا }. (1 : 398)

ابن العَرَبيّ: هذه الآية من أركان الدّين، و فيها خمس مسائل:

المسألة الأُولى: في سبب نزولها: ذكر مَن فسّر أنّ الله تعالى لمّا حرّم الرّبا قالت ثقيفٌ: و كيف ننتهي عن الرّبا، و هو مثل البيع، فنزلت فيهم الآية.

المسألة الثّانية: قال علماؤنا: قوله تعالى: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بو"ا } كناية عن استجابةٍ في البيع و قبضه باليد، لأنّ ذلك إنّما يفعله المُربي قصدً ا لما يأكله، فعبّر بالأكل عنه، و هو مجاز من باب التّعبير عن الشّيء بفائدته و ثمرته، و هو أحد قسمي المجاز، كما بيّنّاه في غير موضع.

المسألة الثّالثة: قال علماؤنا: الرّبا في اللُّغة هو الزّيادة، و لابدّ في الزّيادة من مزيد عليه تظهر الزّيادة به، فلأجل ذلك اختلفوا هل هي عامّة في تحريم كلّ ربًا، أو مُجْمَلة لابيان لها إلا من غيرها؟

و الصّحيح أ نّها عامّة، لأ نّهم كانوا يتبايعون و يربون، و كان الرّبا عندهم معروفًا، يبايع الرّجل الرّجل إلى أجل، فإذا حلّ الأجل قال: أتقضي أم تربي؟ يعني أم تزيدني على مالي عليك و أصبر أجلا آخر. فحرّم الله تعالى الرّبا، و هو الزّيادة. و لكن لمّا كان - كما قلنا - لاتظهر الزّيادة إلا علىمزيد عليه، و متى قابل الشّيء غير جنسه في المعاملة لم تظهر الزّيادة، و إذا قابل جنسه لم تظهر الزّيادة أيضًا إلا بإظهار الشّرع، و لأجل هذا صارت الآية مشكلةً على الأكثر، معلومةً لمن أيّده الله تعالى بالنّور الأظهر.

و قد فاوضت فيها علماء، و باحثت رفعاء، فكلّ منهم أعطى ما عنده حتّى انتظم فيها سلك المعرفة بدُرره و جوهرته العُليا.

إنّ من زعم أنّ هذه الآية مجملة فلم يفهم مقاطع الشّريعة، فإنّ الله تعالى أرسل رسوله (صلی الله علیه و آله)إلى قوم هو

منهم بلغتهم، و أنزل عليهم كتابه تيسيرً ا منه بلسانه و لسانهم، و قد كانت التّجارة و البيع عندهم من المعاني المعلومة، فأنزل عليهم مبيّنًا لهم ما يلزمهم فيهما و يعقدونهما عليه، فقال تعالى: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا لاتَاْكُلُوا اَمْوَ الَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ اِلا اَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَ اض مِنْكُمْ وَ لاتَقْتُلُوا اَنْفُسَكُمْ اِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحيمًا‘ } النّساء : 29.

و الباطل كما بيّنّاه في كتب الأُصول، هو الّذي لايفيد وقع التّعبير به عن تناول المال بغير عوض في صورة العوض. و التّجارة هي مقابلة الأموال بعضها ببعضٍ، و هو البيع، و أنواعه في متعلّقاته بالمال كالأعيان المملوكة، أو ما في معنى المال كالمنافع، و هي ثلاثة أنواع: عينٌ بعين، و هو بيع النّقد، أو بدَيْنٍ مؤجّل و هو السَّلَم، أو حالّ و هو يكون في التّمر أو على رسم الاستصناع، أوبيع عين بمنفعة و هو الإجارة.

و الرّبا في اللُّغة هو الزّيادة، و المراد به في الآية كلّ زيادة لم يقابلها عوض. فإنّ الزّيادة ليست بحرام لعينها، بدليل جواز العقد عليها على وجهه، و لوكانت حرامًا ما صحّ أن يقابلها عوض، و لايرد عليها عقد كالخمر و الميتة و غيرها.

و تبيّن أنّ معنى الآية: و أحلّ الله البيع المطلق الّذي يقع فيه العوض على صحّة القصد و العمل، و حرّم منه ما وقع على وجه الباطل.

و قد كانت الجاهليّة تفعله كما تقدّم، فتزيد زيادةً لم يقابلها عوض، و كانت تقول: إنّما البيع مثل الرّبا، أي إنّما الزّيادة عند حلول الأجل آخرً ا مثل أصل الثّمن في أوّ ل العقد، فردّ الله تعالى عليهم قولهم، و حرّم ما اعتقدوه حلالا عليهم. و أوضح أنّ الأجل إذا حلّ و لم يكن عنده ما يؤدّي أُنظِر إلى الميسرة تخفيفًا، يحقّقه أنّ الزّيادة إنّما تظهر بعد تقديرالعوضين فيه، و ذلك على قسمين:

أحدهما: تولّى الشّرع تقدير العوض فيه، و هو الأموال الرّبويّة، فلاتحلّ الزّيادة فيه. و أمّا الّذي وكّله إلى المتعاقدين فالزّيادة فيه على قدر ماليّة العوضين عند التّقابل على قسمين: أحدهما: ما يتغابن النّاس بمثله، فهو حلال بإجماع. و منه ما يخرج عن العادة. و اختلف علماؤنا فيه، فأمضاه المتقدّمون و عدّوه من فنّ التّجارة، و ردّه المتأخّرون ببغداد ونظرائها و حدّوا المردود بالثُّلث.

و الّذي أراه أ نّه إذا وقع عن علم المتعاقدين فإنّه حلال ماضٍ، لأ نّهما يفتقران إلى ذلك في الأوقات، و هو داخل تحت قوله تعالى: {اِلا اَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَ اض مِنْكُمْ } النّساء : 29، و إن وقع عن جهل من أحدهما فإنّ الآخر بالخيار.

و في مثله ورد الحديث: < إنّ رجلا كان يخدع في البيوع، فذكر لرسول الله (صلی الله علیه و آله) : فقال له رسول الله (صلی الله علیه و آله): إذا بايَعتَ فقل: لاخِلابة >. زاد الدّ ارقُطْنيّ و غيره: ولك الخيار ثلاثًا، و قد مهّدناه في شرح الحديث و مسائل الخلاف، فهذا أصل علم هذا الباب.

فإن قيل: أنكرتم الإجمال في الآية، و ما أوردتموه من البيان و الشّروط هو بيان ما لم يكن في الآية مُبيّنًا، و لايوجد عنها من القول ظاهرً ا.

قلنا: هذا سؤال من لم يحضر ما مضى من القول، و لا ألقى إليه السّمع و هو شهيد، و قد توضّح في مسائل الكلام أنّ جميع ما أحلّ الله لهم أو حرّم عليهم كان معلومًا عندهم، لأنّ الخطاب جاء فيه بلسانهم، فقد أطلق لهم حلّ ما كانوا يفعلونه من بيعٍ و تجارة و يعلمونه، و حرّم عليهم الرّبا و كانوا يفعلونه، و حرّم عليهم أكل المال بالباطل و قد كانوا يفعلونه و يعلمونه و يتسامحون فيه. ثمّ إنّ الله سبحانه و تعالى أوحى إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله) أن يُلقي إليهم زيادةً فيما كان عندهم من عقد أو عوض لم يكن عندهم جائزً ا، فألقى إليهموجوه الرّبا المحرّمة في كلّ مُقتاتٍ، و ثمن الأشياء مع الجنس متفاضلا ، و ألحق به بيع الرُّطب بالتّمر، و العنب بالزّبيب، و البيع و السّلف، و بيّن وجوه أكل المال بالباطل في بيع الغرر كلّه، أو ما لاقيمة له شرعًا، فيما كانوا يعتقدونه متقوّمًا كالخمر و الميتة و الدّم و بيع الغشّ. و لم يبق في الشّريعة بعد هاتين الآيتين بيان يفتقر إليه في الباب، و بقي ما وراءهما على الجواز، إلا أ نّه صحّ عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ما لايصحّ ستّة و خمسون معنًى نهى عنها.

الأوّ ل والثّاني: ثمن الأشياء جنسًا بجنسٍ، و الثّالث و الرّ ابع و الخامس و السّادس و السّابع: بيع المُقتات أو ثمن الأشياء جنسًا بجنسٍ متفاضلا ، أو جنسًا بغير جنسه نسيئةً، أو بيع الرّطب بالتّمر، أو العنب بالزّبيب، أو بيع المزابنة على أحد القولين، أو عن بيعٍ و سلفٍ، و هذا كلّه داخل في بيع الرّبا، و هو ممّا تولّى الشّرع تقدير العوض فيه، فلاتجوز الزّيادة عليه.

الثّامن بيعتان في بيعة. التّاسع بيع الغرر، و ردّ بيع الملامسة و المنابذة و الحصاة، و بيع الثُّنيا، و بيع العُرْبان و ما ليس عندك، و المضامين، و الملاقيح، و حبَل حَبَلة. و يتركّب عليهما من وجهٍ بيع الثّمار قبل أن يَبْدُو صلاحها، و بيع السّنبل حتّى يشتدّ، و العنب حتّى يسودّ، و هو ممّا قبله، و بيع المحاقلة و المعاومة و المخابرة و المحاصرة، وبيع ما لم يُقبَض، و ربح ما لم يُضمَن، و بيع الطّعام قبل أن يستوفي من بعض ما تقدّم، و الخمر و الميتة و شحومها، و ثمن الدّم، و بيع الأصنام، و عسب الفحل، و الكلب و السِّنَّور، و كسب الحجّام، و مهر البغيّ، و حُلْوان الكاهن، و بيع المضطرّ، و بيع الولاء، و بيع الولد أو الأُمّ فَرْدَيْن، أو الأخ و الأخ فردين، و كراء الأرض و الماء و الكلإ و النَّجْش، و بيع الرّجل على بيع أخيه، و خطبته على خطبة أخيه، و حاضرٌ لبادٍ، و تلقّي السّلع و القينات.

فهذه ستّة و خمسون معنًى حضرت الخاطر ممّا نهى عنه، أوردناها حسب نَسِقها في الذّكر. و هي ترجع في التّقسيم الصّحيح الّذي أوردناه في المسائل إلى سبعة أقسامٍ: ما يرجع إلى صفة العَقْد، و ما يرجع إلى صفة المتعاقدين، و ما يرجع إلى العوضين، و إلى حال العَقْد، و السّابع وقت العقد كالبيع وقت نداء يوم الجمعة، أو في آخر جزءٍ من الوقت المعيّن للصّلاة. و لاتخرج عن ثلاثة أقسامٍ؛ و هي الرّبا، و الباطل، و الغَرَر.

و يرجع الغرر بالتّحقيق إلى الباطل، فيكون قسمين على الآيتين، و هذه المناهي تتداخل، و يفصلها المعنى.

و منها أيضًا ما يدخل في الرّبا و التّجارة ظاهرً ا، و منها ما يخرج عنها ظاهرً ا، و منها ما يدخل فيها باحتمال، و منها ما ينهى عنها مصلحةً للخلق و تألّفًا بينهم لما في التّدابر من المفسدة.

المسألة الرّ ابعة: قدبيّنّا أنّ الرّبا على قسمين: زيادة في الأموال المقتاتة و الأثمان، و الزّيادة في سائرها، و ذكرنا حدودها. و بيّنّا أنّ الرّبا فيما جعل التّقدير فيه للمتعاقدين جائز بعلمهما، ولاخلاف فيه، و كذلك يجوز الرّبا في هبة الثّواب. (1 : 240)

ابن عَطيّة: الرّبا هو الزّيادة، و هو مأخوذ من رَبا يَرْ بُو، إذا نما و زاد على ما كان، و غالبًا ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال و يصبر الطّالب عليه. و من الرّبا البيّن التّفاضل في النّوع الواحد، لأ نّها زيادة، و كذلك أكثر البيوع الممنوعة إنّما تجد منعها لمعنى زيادة: إمّا في عين مال و إمّا في منفعة لأحدهما، من تأخير و نحوه. و من البيوع ما ليس فيه معنى الزّيادة كبيع الثّمرة قبل بُدُوّ صلاحها، و كالبيع ساعة النّداء يوم الجمعة.

فإن قيل: لفاعلها آكل ربًا، فبتجوّز و تشبيه.

و الرّبا من ذوات الواو، و تثنيته رِبَوَان عند سيبَوَيه، و يُكتب بالألف. قال الكوفيّون: يُكتب و يُثنّى بالياء، لأجل الكسرة الّتي في أوّله، و كذلك يقولون في الثّلاثيّة من ذوات الواو إذا انكسر الأوّ ل أو انضمّ، نحو ضحًى، فإن كان مفتوحًا نحو صفا، فكما قال البصريّ. و معنى هذه الآية: الّذين يكسبون الرّبا و يفعلونه. (1 : 371)

الطَّبْرِِِسيّ: قال ابن عبّاس: كان الرّجل منهم إذا حلّ دَينُه على غريمه، فطالبه به، قال المطلوبمنه له: زدني في الأجل، و أزيدك في المال. فيتراضيان عليه، و يعملان به. فإذا قيل لهم: هذا ربًا، قالوا: هما سواء. يعنون بذلك أنّ الزّيادة في الثّمن حال البيع، و الزّيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدّين سواء. فذمّهم الله به، و ألحق الوعيد بهم، و خطّأهم في ذلك بقوله: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّ بوا" } أي أحل الله البيع الّذي لاربا فيه، و حرّم البيع الّذي فيه الرّبا.

و الفرق بينهما أنّ الزّيادة في أحدهما لتأخير الدّيْن، و في الآخر لأجل البيع. و أيضًا فإنّ البيع بدل البدل، لأنّ الثّمن فيه بدل المُثمَن، و الرّبا: زيادة من غير بدل للتّأخير في الأجل، أو زيادة في الجنس. و المنصوص عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) تحريم التّفاضل في ستّة أشياء: الذّهب و الفضّة و الحنطة و الشّعير و التّمر و الملح، و قيل: الزّبيب. قال :< إلا مِثْلا بمثل، يدً ا بيد، من زاد و استزاد فقد أربى >. لاخلاف في حصول الرّبا في هذه الأشياء السّتّة، و في غيرها خلاف بين الفقهاء، و هو مقيس عليها عندهم.

و عندنا: أنّ الرّبا لايكون إلا فيما يُكال أو يُوزن. و أمّا علّة تحريم الرّبا فقد قيل: هي أنّ فيه تعطيل المعايش و الأجلاب و المتاجر، إذا وجد الُمربي من يُعطيه دراهم، و فضلا بدراهم. و قال الصّادق : < إنّما شدّد في تحريم الرّبا، لئلا يمتنع النّاس من اصطناع المعروف، قرضًا أو رفدً ا >. (1 : 389)

الفَخْرالرّ ازيّ: أمّا الرّبا ففيه مسائل:

المسألة الأُولى: الرّبا في اللُّغة: عبارة عن الزّيادة، يقال: رَبا الشّيء يَرْ بُو؛ و منه قوله: { اهْتَزَّتْ و َرَبَتْ } الحجّ : 5، أي زادت، و أربى الرّجل، إذا عامل في الرّبا؛ و منه الحديث: < من أجبى فقد أرْبى > أي عامل بالرّبا. و الإجباء بيع الزّرع قبل أن يبدو صلاحه، هذا معنى الرّبا في اللُّغة.

المسألة الثّانية: قرأ حمزة و الكسائيّ الرّبا بالإمالة لمكان كسرة الرّ اء، و الباقون بالتّفخيم بفتح الباء، و هي في المصاحف مكتوبة بالواو، و أنت مخيّر في كتابتها بالألف و الواو و الياء، قال <صاحب الكشّاف>: الرّبا كُتبت بالواو على لغة من يفخم كما كُتبت الصّلاة و الزّكاة و زيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع.

المسألة الثّالثة: اعلم أنّ الرّبا قسمان: ربا النّسيئة، و ربا الفضل.

أمّا ربا النّسيئة فهو الأمر الّذي كان مشهورً ا متعارفًا في الجاهليّة؛ و ذلك أ نّهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كلّ شهر قدرً ا معيّنًا، و يكون رأس المال باقيًا، ثمّ إذا حلّ الدّين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذّر عليه الأداء زاد وا في الحقّ و الأجل، فهذا هو الرّبا الّذي كانوا في الجاهليّة يتعاملون به.

و أمّا ربا النّقد فهو أن يباع من الحنطة بمَنَوَيْن منها و ما أشبه ذلك.

إذا عرفت هذا فنقول: المرويّ عن ابن عبّاس أ نّه كان لايحرم إلا القسم الأوّ ل، فكان يقول: لاربًا إلا في النّسيئة، وكان يُجَوِّز بالنّقد، فقال له أبوسعيد الخدريّ: شهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله(صلی الله علیه و آله) ما لم تسمع، ثمّ روي أ نّه رجع عنه. قال محمّد بن سيرين: كنّا في بيت و معنا عِكْرِمَة، فقال رجل: يا عِكْرِمَة ما تذكر و نحن في بيت فلان و معنا ابن عبّاس، فقال: إنمّا كنت استَحْلَلْت التّصرّف برأيي، ثمّ بلغني أ نّه(صلی الله علیه و آله) حرّمه، فاشهدوا أنّي حرّمته و برئت منه إلى الله، و حجّة ابن عبّاس أنّ قوله: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ } يتناول بيع الدّرهم بالدّرهمين نقدً ا، و قوله: { وَحَرَّمَ الرِّ بوا } لايتناوله، لأنّ الرّبا عبارة عن الزّيادة، و ليست كلّ زيادة محرّمة، بل قوله: { وَ حَرَّمَ الرِّ بوا } إنّما يتناول العقد المخصوص الّذي كان مسمّى فيما بينهم بأ نّه ربًا. و ذلك هو ربا النّسيئة، فكان قوله: { وَحَرَّمَ الرِّ بو"ا } مخصوصًا بالنّسيئة، فثبت أنّ قوله: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ } يتناول ربا النّقد، و قوله:{ وَ حَرَّمَ الرِّ بوا } لايتناوله، فوجب أن يبقى على الحلّ، و لايمكن أن يقال: إنّما يحرم بالحديث، لأ نّه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد، و أ نّه غير جائز، و هذا هو عرف ابن عبّاس، و حقيقته راجعة إلى أنّ تخصيص القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم لا؟

و أمّا جمهور المجتهدين فقد اتّفقوا على تحريم الرّبا في القسمين: أمّا القسم الأوّ ل فبالقرآن، و أمّا ربَا النّقد فبالخبر، ثمّ إنّ الخبر دلّ على حرمة ربا النّقد في الأشياءالسّتّة، ثمّ اختلفوا فقال عامّة الفقهاء: حرمة التّفاضل غير مقصورة على هذه السّتّة، بل ثابتة في غيرها، و قال نُفاة القياس: بل الحرمة مقصورة عليها. [ثمّ ذكر حجّة الفريقين و أضاف:]

المسألة الرّ ابعة: ذكروا في سبب تحريم الرّبا وُجُوهًا:

أحدها: الرّبا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، لأنّ من يبيع الدّرهم بالدّرهمين نقدً ا أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض، و مال الإنسان متعلِّق حاجته و له حرمة عظيمة، قال(صلی الله علیه و آله): < حرمة مال الإنسان كحُرمة دمه > فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرّمًا.

فإن قيل: لِمَ لايجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدّة مديدة عوضًا عن الدّرهم الزّ ائد، و ذلك لأنّ رأس المال لو بقي في يده هذه المدّة لكان يمكن المالك أن يتّجرفيه و يستفيد بسبب تلك التّجارة ربحًا، فلمّا تركه في يد المديون و انتفع به المديون لم يبعد أن يُدفَع إلى ربّ المال ذلك الدّرهم الزّائد عوضًا عن انتفاعه بماله.

قلنا: إنّ هذا الانتفاع الّذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل و قد لايحصل، و أخذ الدّرهم الزّ ائد أمر متيقّن، فتفويت المُتيقّن لأجل الأمر الموهوم لاينفكّ عن نوع ضرر.

و ثانيها: قال بعضهم: الله تعالى إنّما حرّم الرّبا من حيث إنّه يمنع النّاس عن الاشتغال بالمكاسب، و ذلك لأنّ صاحب الدّرهم إذا تمكّن بواسطة عقد الرّبا من تحصيل الدّرهم الزّائد نقدً ا كان أو نسيئة، خفّ عليه اكتساب وجهالمعيشة، فلايكاد يتحمّل مشقّة الكسب و التّجارة و الصّناعات الشّاقّة، و ذلك يُفضي إلى انقطاع منافع الخلق، و من المعلوم أنّ مصالح العالم لاتنتظم إلا بالتّجارات و الحِرَف و الصّناعات و العمارات.

و ثالثها: قيل: السّبب في تحريم عقد الرّبا، أ نّه يُفضي إلى انقطاع المعروف بين النّاس من القرض، لأنّ الرّبا إذا حُرّم طابت النّفوس بقرض الدّرهم و استرجاع مثله، و لو حلّ الرّبا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدّرهم بدرهمين، فيُفضي ذلك إلى انقطاع المواساة و المعروف و الإحسان.

و رابعها: هو أنّ الغالب أنّ المُقرِض يكون غنيًّا، و المستقرض يكون فقيرً ا، فالقول بتجويز عقد الرّبا تمكين للغنيّ من أن يأخذ من الفقير الضّعيف ما لا زائدًا، و ذلك غير جائز برحمة الرّحيم.

وخامسها: أنّ حُرمة الرّبا قد ثبتت بالنّصّ، و لايجب أن يكون حكم جميع التّكاليف معلومة للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد الرّبا، و إن كنّا لانعلم الوجه فيه. [إلى أن قال:]

للمفسّرين في الآية أقوال:

الأوّ ل: أنّ آكل الرّبا يُبعَث يوم القيامة مجنونًا؛ و ذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الرّبا، فيعرفه أهل الموقف لتلك العلامة أ نّه آكل الرّبا في الدّنيا، فعلى هذا معنى الآية: أ نّهم يقومون مجانين، كمن أصابه الشّيطان بجنون.

و القول الثّاني: قال ابن مُنَبّه: يريد إذا بُعثالنّاس من قبورهم خرجوا مسرعين، لقوله: { يَخْرُجُونَ مِنَ الاَ_جْدَ اثِ سِرَ اعًا } المعارج : 43، إلا أكَلَة الرّبا، فإنّهم يقومون و يسقطون، كما يقوم الّذي يتخبّطه الشّيطان

من المسّ؛ و ذلك لأ نّهم أكلوا الرّبا في الدّنيا، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتّى أثقلهم فهم ينهضون، و يسقطون، و يريدون الإسراع، و لايقدرون. و هذا القول غير الأوّ ل، لأ نّه يريد أنّ أكَلَة الرّبا لايمكنهم الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن، و هذا ليس من الجنون في شيء. و يتأكّد هذا القول بما روي في قصّة الإسراء: أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) انطلق به جبريل إلى رجال كلّ واحد منهم كالبيت الضّخم يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيُصرَع، فقلت: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بوا لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } البقرة : 275. (7 : 91)

القُرطُبيّ: و الرّبا في اللّغة : الزّيادة مطلقًا. يقال: رَبا الشّيء يَرْ بُو إذا زاد؛ و منه الحديث: < فلا و الله ما أخذنا من لقمة إلا ربًا من تحتها > يعني الطّعام الّذي دعا فيه النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بالبركة. خرّج الحديث مسلم رحمه الله. و قياس كتابته بالياء للكسرة في أوّ له، و قد كتبوه في القرآن بالواو.

ثمّ إنّ الشّرع قد تصرّف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده، فمرّة أطلقه على كسب الحرام، كما قال الله تعالى في اليهود: { وَ اَخْذِهِمُ الرِّ بوا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ } النّساء : 161، و لم يُرد به الرّبا الشّرعيّ الّذي حكم بتحريمهعلينا، و إنمّا أراد المال الحرام، كما قال تعالى: { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ اَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ } المائدة : 42، يعني به المال الحرام من الرّشا، و ما استحلّوه من أموال الأُمّيّين؛ حيث قالوا:{ لَيْسَ عَلَيْنَا فى الاُ_مِّيّينَ‘ سَبيلٌ‘ } آل عمران : 75، و على هذا فيدخل فيه النّهي عن كلّ مال حرام بأيّ وجه اكتُسب.

و الرّبا الّذي عليه عرف الشّرع شيئان: تحريم النَّساء، و التّفاضل في العقود و في المطعومات، على ما نبيّنه. و غالبًا ما كانت العرب تفعله، من قولها للغريم: أتُقضي أم تُربي ؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال و يصبر الطّالب عليه. و هذا كلّه محرّم باتّفاق الأُمّة. [إلى أن قال:]

اعلم رحمك الله أنّ مسائل هذا الباب كثيرة و فروعه منتشرة، و الّذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كلّ واحد من العلماء في علّة الرّبا، فقال أبو حنيفة: علّة ذلك كونه مكيلا أو موزونًا جنسًا، فكلّ ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد، فإنّ بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئًا لايجوز، فمنع بيع التّراب بعضه ببعض متفاضلا ، لأ نّه يدخله الكيل، و أجاز الخُبز قرصًا بقرصين، لأ نّه لم يدخل عنده في الكيل الّذي هو أصله، فخرج من الجنس الّذي يدخله الرّبا إلى ما عداه.

و قال الشّافعيّ: العلّة كونه مطعومًا جنسًا. هذا قوله في الجديد، فلايجوز عنده بيع الدّقيق بالخُبز و لابيع الخُبز بالخُبز متفاضلا و لانسيئًا، وسواء أكان الخبز خميرً ا أو فطيرً ا. و لايجوز عنده بيضة ببيضتين، و لارُمّانة برُمّانتين، و لابطّيخة ببطّيختين، لايدً ا بيد و لانسيئة، لأنّ ذلك كلّه طعام مأكول. و قال في القديم: كونه مكيلا أو موزونًا.

و اختلفت عبارات أصحابنا المالكيّة في ذلك، و أحسن ما في ذلك كونه مُقتاتًا مدّخَرً ا للعيش غالبًا

جنسًا، كالحنطة و الشّعير و التّمر و الملح المنصوص عليها، و ما في معناها كالأُرزّ و الذّرّة و الدُّخن و السّمسم، و القطاني كالفول و العدس و اللّوبياء و الحِمّص، و كذلك اللّحوم و الألبان و الخلول و الزّيوت، و الثّمار كالعنب و الزّبيب و الزّيتون، و اختُلف في التّين، و يلحق بها العسل و السّكّر. فهذا كلّه يدخله الرّبا من جهة النَّساء. و جائز فيه التّفاضل لقوله : <إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدً ا بيد >.

و لاربًا في رطب الفواكه الّتي لاتبقى كالتّ-فّاح و البطّيخ و الرُّ مّان و الكُمّثرى و القثّاء و الخيار و الباذنجان و غير ذلك من الخضراوات. قال مالك: لايجوز بيع البيض بالبيض متفاضلا ، لأ نّه ممّا يدّخر، و يجوز عنده مثلا بمثل. و قال محمّد بن عبدالله بن عبدالحكم: جائز بيضة ببيضتين و أكثر، لأ نّه ممّا لايدّخر، و هو قول الأوزاعيّ.

اختلف النّحاة في لفظ < الرّبا > فقال البصريّون:هو من ذوات الواو، لأ نّك تقول في تثنيته: رِبَوَان، قاله سيبَوَيه. و قال الكوفيّون: يُكتَب بالياء، و تثنيته بالياء، لأجل الكسرة الّتي في أوّ له. قال الزّجاج: ما رأيت خطأ أقبح من هذا و لا أشنع، لايكفيهم الخطأ في الخطّ حتّى يُخطّئوا في التّثنية و هم يقرؤون: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ } الرّوم : 39، قال محمّد بن يزيد: كتب الرّبا في المصحف بالواو فرقًا بينه و بين الزّنى، و كان الرّبا أولى منه بالواو، لأ نّه من رَبا يَرْ بُو.

(3 : 348)

البَيْضاويّ: هو زيادة في الأجل، بأن يُباع مطعوم بمطعوم أو نقد بنقد إلى أجل، أو في العوض بأن يباع أحدهما بأكثر منه من جنسه. و إنّما كُتب بالواو كالصّلاة للتّفخيم على لغة، و زيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع. (1 : 142)

نحوه شُبّر. (1 : 279)

النّسَفيّ: هو فضل مال خال من العوض في معاوضة مال بمال. (1 : 137)

أبوحَيّان: الرّبا: الزّيادة، يقال: رَبا يَرْ بُو، و أرْباه غيره. و أرْبى الرّجل: عامل بالرّبا؛ و منه الرّبْوَة و الرّ ابية. [ثمّ استشهد بشعر]

وقيل: الرّبا هنا كناية عن الحرام، لايخصّ الرّبا الّذي في الجاهليّة، و لاالرّبا الشّرعيّ. و قرأ العدويّ: ( الرّبو ) بالواو، و قيل: هي لغة الحيرة، و لذلك كتبها أهل الحجاز بالواو، لأ نّهم تعلّموا الخطّ من أهل الحيرة. و هذه القراءة على لغة منوقف على أفعى بالواو، فقال: هذه أفعو، فأجرى هذا القارئ الوصل إجراء الوقف.

و حكى أبوزَ يْد: أنّ بعضهم قرأ بكسر الرّ اء و ضمّ الباء و واو ساكنة، و هي قراءة بعيدة، لأ نّ لايوجد في لسان العرب اسم آخره واو قبلها ضمّة، بل متى أدّى التّصريف إلى ذلك قلبت تلك الواو ياءً و تلك الضّمّة كسرة. و قد أُوّ لت هذه القراءة على أ نّها على لغة من قال: في أفعَى: أفعو، في الوقف. و أنّ القارئ إمّا أ نّه لم يضبط حركة الباء، أو سمّى قربها من الضّمّة ضمًّا. و { لايَقُومُونَ } خبر عن{ الَّذينَ‘ } و وقع في

بعض التّصانيف أ نّها جملة حاليّة، و هو بعيد جدًّ ا؛ إذ يتكلّف إضمار خبر من غير دليل عليه. و ظاهر هذا الإخبار أ نّه إخبار عن: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّبوا } ، و قيل: هو إخبار و وعيد عن الّذين يأكلون الرّبا مستحلّين ذلك، بدليل قولهم:{ اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبو"ا}.

(2: 331)

السّمين: الرِّبا لامُه واو، لقولهم: رَبا يَرْ بُو، فلذلك يُثنّى بالواو و يُكتَب بالألف. و جوّز الكوفيّون تثنيته بالياء وكذلك كتابتُه، قالوا: لكسر أوّله و لذلك أمالوه، و ليس هذا مختصًّا بمكسور الأوّ ل، بل الثّلاثيّ من ذوات الواو المكسور الأوّ ل أو المضمومة نحو: رِبا و عُلا، حُكمُه ما ذكرته عنهم. فأمّا المفتوح الأوّ ل نحو: عصا وقَفا، فلم يُخالفوا البصريّين، وكُتب في القرآن بخطّ الصّحابة بواو بعدها ألف. و المادّة تدلّعلى الزّيادة و الارتفاعِ؛ و منه الرَّ بْوَة.

و قيل: إنّما كُتب بالواو، لأنّ أهل الحجاز تعلّموا الخطّ من أهل الحيرة، و أهل الحيرة يقولون:الرِّبو بالواو فكتبوها كذلك، و نقلها أهل الحجاز كذلك خطًّا لالفظًا. و قد قرأ العدويّ ) الرِّبَو )كذلك بواو خالصة بعد فتحة الباء. فقيل: هذا القارئ أجرى الوصل مُجرى الوقف، و ذلك أنّ من العرب من يقلب ألف المقصور واوً ا، فيقول: هذه أفْعَوْ، و هذا من ذاك، إلا أ نّه أجرى الوصل مُجرى الوقف.

و قد حكى أبو زَيْد ما هو أغرب من ذلك، فقال: قرأ بعضهم بكسر الرّ اء و ضمّ الباء و واو بعدها، و نسَب هذه للغلط، و ذلك لأنّ لسان العرب لايُبقي واوً ا بعد ضمّة في الأسماء المعربة، بل إذا وُجد ذلك لم يُقَرَّ على حاله، بل تُقلَب الضّمّة كسرةً و الواو ياءً، نحو: دَلْو و أدْل ، و جَرْو و أجْرٍ .

و نهاية ما قيل فيها أنّ قارئها قلَبَ الألف واوً ا، كقولهم في الوقف: أفْعَوْ، ثمّ أُجري مُجْرى الوقف ذلك، و لم يَضْبِط الرّ اوي عنه ما سَمِع، فظنّه بضمّ الباء لأجل الواو فنقلها كذلك. وليت النّاس أخلوا تصانيفهم من مثل هذه القراءات الّتي لو سمعها العامّة لمَجُّوها و من تعاليلها، و لكن صار التّارك لها يعُدّه بعضهم جاهلا بالاطّلاع عليها.

و يقال: رِبا و رِما، بإبدال بائه ميمًا، كما قالوا: كثَم في كَثَب. و الألف و اللا م في الرِّبا يجوز أن تكون للعهد؛ إذ المراد الرّبا الشّرعيّ. ويجوز أن تكون لتعريفِ الجنس .[إلى أن قال:]

و قد جعلوا الرّبا أصلا و البيع فرعًا حتّى شبّهوه به. قال الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: هلا قيل: إنّما الرّبا مثل البيع، لأنّ الكلام في الرّبا لافي البيعِ.

قلت: جيء به على طريقة المبالغة، و هو أ نّهم قد بلغ من اعتقادهم في حلّ الرّبا أ نّهم جعلوه أصلا و قانونًا في الحِلّ، حتّى شبّهوا به البيع. قلت: و هو باب في البلاغة مشهور، و هو أعلى رتب التّشبيه. [و استشهد بالشّعر 3 مرّات ] (1 : 660)

الفاضل المقداد: كان الرّجل في الجاهليّة إذا حلّ له مال على غيره و طالبه به، يقول له الغريم: زد لي في الأجل حتّى أزيدك في المال، فيفعلان ذلك و يقولان: سواء علينا الزّيادة في أوّ ل البيع بالرّبح أو عند المحلّ

لأجل التّأخير، فردّ الله عليهم بقوله: { لايَ-قُومُونَ } أي من قبورهم إلا قيامًا كقيام المصروع. زعمت العرب أنّ المصروع يخبطه الشّيطان فيصرعه، و الخبط حركة على غير النّحو الطّبيعيّ و على غير اتّساق كخبط العشواء { مِنَ الْمَسِّ } أي من مسّ الشّيطان. و الجارّ متعلّق ب- { لايَ-قُومُونَ } أي لايقومون من المسّ الّذي بهم إلا كما يقوم المصروع، بمعنى أنّ نهوضهم و قيامهم كقيام المصروع، لأ نّه تعالى أربى في بطونهم ما أكلوه، فأثقلهم فهو سيماهم الّذي يُعرَفون بها يوم البعث. و الموعظة دليل التّحريم، قوله:{ وَ اَمْرُهُ اِلَى اللهِ} أي يجازيه على أعماله بحسب ما علممنه في صدق نيّته في الانتهاء.

إذا عرفت هذا فهنا فوائد:

1 - الرّبا لغةً هو الزّيادة، و شرعًا هو الزّيادة على رأس المال من أحد المتساويين جنسًا ممّا يكال أو يوزن، فقيل: يحرم الزّيادة لاغير، و قيل: هي مع المزيد عليه، و هو الصّحيح خصوصًا مع عدم التّميّز. و لايحصل الملك لما اقتضاه العقد من العوضين، لما تقرّر أنّ العقد الفاسد لا يترتّب عليه أثره.

2 - المراد بالجنس هنا هو الحقيقة النّوعيّة، و يتحقّق ذلك بكون الأفراد يشملها اسم خاصّ، و الزّيادة قد تكون عينيّة و هو ظاهر، و حكميّة كبيع أحد المتجانسين بمساويه قدرً ا نسيئة، و المراد بالكيل و الوزن ما كان حاصلا في عهد النّبيّ. و كلّما علم له حال بُني عليه و ما لم يعلم يرجع فيه إلى العادة. فلو اختلفت البلدان؟ قيل: لكلّ بلد حكم نفسه، و قيل: يغلب التّحريم احتياطًا و هو أولى.

3 - الرّبا يثبت في النّسيئة إجماعًا، لقوله:: « إنّما الرّبا في النّسيئة > و اقتصر عليه ابن عبّاس للحصر المذكور. و قال الباقون بعمومه للنّقد أيضًا، و هو الحقّ و الحصر للمبالغة.

و اعلم أنّ الإجماع حصل على وقوع الرّبا في ستّة، نصّ النّبيّ عليها، هي: الذّهب، و الفضّة، و الحنطة، و الشّعير، و التّمر، و الملح.

و اختلف العامّة بعدذلك في العلّة فيما عداها، فقال أبوحنيفة: الجنسيّة و التّقدير، و قال الشّافعيّ: مع ذلك الطّعم و الثّمنيّة، و قال مالك: القوت و الادّخار، و عن أحمد روايتان إحداهما كأبي حنيفة، و الأُخرى الكيل و المأكوليّة، و لايكفي الوزن‌عنده، و أمّا أصحابنا فقد عرفت رأيهم.

4 - هل المراد بقوله: { ذ "لِكَ بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا" } أ نّهم قاسوا الرّبا على البيع أم لا؟ قيل: بالأوّ ل، لأ نّهم قالوا: يجوز أن يشتري الإنسان شيئًا يساوي درهمًا لاغير بدرهمين، فيجوز أن يبيع درهمًا بدرهمين، فردّ الله عليهم بالنّصّ على تحليل البيع و تحريم الرّبا، إبطالا لقياسهم، فإنّ القياس المخالف للنّصّ باطل اتّفاقًا.

قيل: فعلى هذا كان ينبغي أن يقال: « إنّما الرّبا مثل البيع » لأنّ الرّبا محلّ الخلاف. أُجيب أ نّه جاء مبالغة في أ نّه بلغ من اعتقادهم في حلّ الرّبا أ نّهم جعلوه أصلا يقاس عليه.

و قيل بالثّاني لجواز أن يكون قوله: { وَ اَحَلَّ اللهُ

الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِِّبوا } من تتمّة كلامهم على وجه الرّدّ، أي إنّ الله فرّق بين المتساويين، و ذلك غير جائز، و سبب غلطهم الجهل بحكم الرّبا.

و وجه الجواب المنع من المساواة، فإنّ تحريم الرّبا معلّل بعلّة غير حاصلة في البيع.

تذنيب: في قوله {وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ } دلالة على إباحة سائر أقسامه، من النّقد و النّسيئة و السّلف،و أنواعه من بيع المرابحة و المواضعة و التّولية و المساومة، و أنواع المبيعات من الثّمار و الحيوان و الصّرف و غير ذلك، ممّا ورد به البيان النّبويّ.

(2 : 35)

الكاشانيّ: قال بعض العارفين: أكل الرّبوا أسوأ حالا من جميع مرتكبي الكبائر، فإنّ كلّ مكتسب له توكّل فيما كسبه قليلا كان أو كثيرً ا، كالتّاجر و الزّارع و المُحترِف، لم يعيّنوا أرزاقهم بعقولهم، و لم يتعيّن لهم قبل الاكتساب، فهم على غير معلوم في الحقيقة، كما قال رسول الله(صلی الله علیه و آله) أبى الله أن يرزق المؤمن إلا من حيث لايعلم > و أمّا أكل الرّبوا فقد عيّن مكسبه و رزقه و هو محجوب عن ربّه بنفسه و عن رزقه بتعيينه، لاتوكّل له أصلا ، فوكّله الله إلى نفسه و عقله، و أخرجه من حفظه و كلائته فاختطفته الجنّ وخبلته، فيقوم يوم القيامة، و لارابطة بينه و بين الله عزّ و جلّ كسائر النّاس من المرتبطين به بالتّوكّل، فيكون كالمصروع الّذي مسّه الشّيطان فيتخبّطه لايهتدي إلى مقصده. (1 : 280)

البُرُوسَويّ: و الرّبا فضل فى الكيل و الوزن، خال عن العوض عند أبي حنيفة و أصحابه. و يجري في الأشياء السّتّة: الذّهب و الفضّة و الحنطة و الشّعير

و التّمر و الملح. و كُتب بالواو تنبيهًا على أصله، لأ نّه من رَبا يَرْ بُو، و زيدت الألف تشبيهًا بواو الجمع.

(1 : 436)

نحوه القاسميّ. (3 : 700)

الآلوسيّ: الرّبا في الأصل: الزّيادة، من قولهم: رَبا الشّيء يَرْ بُو، إذا زاد. و في الشّرع عبارة عن فضل مال لايقابله عوض في معاوضة مال بمال. و إنّما يُكتَب بالواو كالصّلاة، للتّفخيم على لغة من يُفخّم. و زيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع، فصار اللّفظ به على طبق المعنى، في كون كلّ منهما مشتملا على زيادة غير مستحقّة، فأخذ لفظ الرّبا الحرف الزّ ائد و هو الألف، بسبب اللّفظ الّذي يشابهه، و هو واو الجمع حيث زيدت فيه الألف، كما يأخذ معنى لفظ الرّبا بمشابهته معنى لفظ البيع، لاشتمال المعنيين على معارضة المال بالمال بالرّضا، و إن كان أحد العوضين أزيد.

و قيل: الكتابة بالواو و الألف، لأنّ للّفظ نصيبًا منهما. و إنّما لم تُكتَب الصّلاة و الزّكاة بهما، لئلا يكون في مظنّة الالتباس بالجمع.

و قال الفَرّ اء : إنّهم تعلّموا الخطّ من أهل الحيرة و هم نبط لغتهم < ربو > بواو ساكنة فكُتب كذلك، و هذا مذهب البصريّين. و أجاز الكوفيّون كتابته، و كذا تثنيته بالياء لأجل الكسرة الّتي في أوّ له. قال أبو البقاء: و هو خطأ عندنا. (3 : 48)

رشيدرضا: { الَّذينَ‘ يَاْكُلُونُ الرِّبَا ...} تنفير من

الرّبا وتبشيع لحال آكله ...

والرّبا في اللّغة : الزّيادة ، يقال : ربا الشّيء يربو إذا زاد على ما كان عليه ، ومنه الرّابية ، و الرّبوة لما علا من الأرض فزاد على ماحوله . وتعريف الرّبا للعهد ، أي لا تأكلوا الرّبا الّذي عهدتم في الجاهليّة .[إلأى أن قال: ]

قال تعالى : { ذ "لِكَ بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثلُ الرِّبَا} أي ذلك الأكل للرّبا مسبّب عن استحلالهم له وجعله كالبيع و ما هو كالبيع ; فإنّ البيع معاوضة بين شيئين ، و أمّا الرّبا الّذي كانوا يأكلونه فهو زيادة عن دينهم يزيدونها عند تأخير الأجل لا يقابلها شيء، و ما يؤخذ بغير مقابل فهو من الباطل; لذلك حرّم الله الرّبا دون البيع فقال: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبَا} ولو كانا متساويين لما اختلف حكمهما عند أحكم الحاكمين ، فكلّ ما فيه معاوضة صحيحة خالية من أكل أموال النّاس بالباطل الّذي لا يقابله عوض فهي بيع حلال، و إنّما تحرم الزّيادة الّتي يأخذها صاحب المال لأجل التّأخير في الأجل، و هي لا معاوضة فيها ولا مقابل لها فهي ظلم، و سيأتي في آية أُخرى تعليل تحريم الرّبا بكونه ظلمًا. هذا ما يظهر لنا في معنى هذه العبارة ، وترى مفسّرينا قد بنوا كلامهم فيها على تسليم كون البيع مثل الرّبا إذ جعلوا تحريم الرّبا بمعنى الأمر التّعبديّ، وقالوا : إنّ معناه أن الله تعالى رد عليهم بأن أحلّ هذا و حرّم هذا، فيجب أن يطاع .[ثمّذكر كلام الطّبريّالمتقدّم و قال:]

أقول : أمّا ما قاله في بيان الفرق بين الزّيادتين فهو الصّواب، و ما ذكره في معنى الرّبا هو الّذي كان معهودًاعندهم، و هو ما يسمّيه الفقهاء ربًا النّسيئة كما تقدّم و أمّا قوله : <إنّهم كان يقال لهم : هذا ربًا محرّم، و كانوا يجيبون بما حكى الله عنهم> فليست الآية نصًّا فيه، إذ الحكاية عن الأحوال بالأقوال من الأساليب المعروفة عند العرب، و يتوقّف جعل القول على حقيقته على إثبات اعتقاد العرب بتحريم الرّبا، أو على جعل الآية خاصّة باليهود ; فإنّ الرّبا محرّم في شريعتهم، و هم أشدّ الخلق مراباة وكانوا يستحلّون أكل أموال العرب بكلّ نوع من أنواع الباطل { قَالُوا لَيْس عَلَيْنَا فِى الاُ_مِّيّينَ‘ سَبيلٌ‘} البقرة : 75، و إنمّا حرّم علينا أكل أموال إخوتنا الإسرائيليّين، و لا دليل على التّخصيص، بل الآيات نزلت في وقائع لغيرهم كما سيأتي . (3: 94)

المَراغيّ:كان الكلام قبل هذا في آيات الصّدقة، و المتصدّق يُعطي المال من غير عوض ابتغاء وجه الله، و هنا ذكر الكلام على الرّبا، لأنّ المرابي يأخذ المال بلاعوض يقابله.

و قبل أن نفسّر الآيات الكريمة نشرح المقصود بكلمة < الرّبا > في الإسلام و نذكر ما كان معروفًا منه عصر التّنزيل، و فيم يكون؟ حتّى نتفهّمه حقّ الفهم، ثمّ نذكر بعدئذ أسرار النّهي عنه في الإسلام.

الرّبا ضربان: ربا النّسيئة، و ربا الفضل، فالأوّ ل: يكون بإقراض قدر معيّن من المال لزمن محدود كسنة أو شهر، مع اشتراط الزّيادة في نظير امتداد الأجل، و هو المستعمل الآن فيالمصارف الماليّة، و هو الّذي نصّ القرآن الكريم على تحريمه، و كان متعارفًا في

الجاهليّة وقت التّنزيل. قال ابن جرير:إنّ الرّجل كان يكون له على الرّجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول الّذي عليه المال: أخّر عنّي دينَك و أزيدك على مالك فيفعلان ذلك، فذلك هو الرّبا أضعافًا مضاعفة، فنهاهم الله عزّ و جلّ في إسلامهم عنه، انتهى.

و التّعامل بهذا النّوع من الكبائر، وقد ورد في الحديث: « لعن الله آكل الرّبا و مؤكله و كاتبه و شاهده ».

و الثّاني: يكون في بيع الشّي‌ء بنظيره مع زيادة أحد العوضين على الآخر، كأن يبيعه إرْدَ بًا من القمح الهنديّ بثلاث عشرة كيلة من القمح البلديّ، أو أُ قَّة عنب مصريّ بأُ قَّة و رُبع من عنب أزمير، أو قنطارً ا من فحم انجلترا بقنطار و نصف من فحم إيطاليا، و هكذا الحكم في جميع المكيلات و الموزونات و النّقدين الذّهب و الفضّة، لماجاء فى الخبر من قوله:(صلی الله علیه و آله) « لاتبيعوا الذّهب بالذّهب، و الورق بالورق و الفضّة بالفضّة، و البُرّ بالبُرّ، و التّمر بالتّمر، و الشّعير بالشّعير، و الملح بالملح إلا سواء بسواء، عينًا بعين، يدً ا بيد ». و التّعامل به محرّم أيضًا، لكنّه أقلّ إثمًا من سابقه.

أسرار تحريم الرّبا

زعم كثير من المسلمين الّذين ذهبوا إلى بلاد الغرب، بلاد المدنيّة و الحضارة، و نهلوا من مناهل العلم هناك، أنّ تحريم الرّبا في الإسلام هو العقبة الكؤد في مجاراةالأُمم الإسلاميّة للبلاد الغربيّة، في الثّروة الّتي هي مناط العزّة و القوّة في العصر الحديث، و يحتجّون بأنّ المسلمين مَامُنُوا بالفقر و ذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب إلا بتحريم الرّبا، فإنّهم لاحتياجهم إلى الأموال يأخذونها من الأجانب بالرّبا الفاحش، و مَن كان منهم غنيًّا لايعطي ماله بالرّبا، فمال الفقير يذهب، و مال الغنى لاينمو، و هم يريدون بذلك أنّ الدّين قد وقف عقبة كأداء في أهمّ مسألة عمرانيّة اجتماعيّة.

و هذه حجّة أوهى من بيت العنكبوت، و أوهام يزيّنها لهم الشّيطان، لم يُمحّصوها حقّ التّمحيص. فإنّ المسلمين في هذا العصر لايُحكّمون الدّين في شيء من أعمالهم و مكاسبهم؛ إذ لو حكّموه لما استعانوا بالرّبا، و لما جعلوا أموالهم غنائم لغيرهم. فإن كانوا تركوا الرّبا لأجل الدّين، فهل هم تركوا الصّناعة و التّجارة لأجل الدّين؟ فالأُمم جميعًا قد سبقتنا إلى إتقان ذلك، فلما ذا لانُتقن سائر المكاسب لنُعوّض على أنفسنا ما فاتنا من الكسب المحرّم، و ديننا يدعونا إلى السّبق في إتقان كلّ شي‌ء؟

و في الحقّ أنّ المسلمين قد نبذوا الدّين و راءهم ظهريًّا، فلم يبق منه إلا تقاليد و عادات ورثوها من آبائهم و أجدادهم، فالدّين لم يكن عائقًا لهم عن الرُّ قيّ، بل هو خير الأديان في الدّعوة إلى العمل، و الحثّ على الكسب، كما قال تعالى: { فَامْشُوا فى مَنَاكِبِهَا وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} الملك : 15، و قال: { فَاِِذَا قُضِيَتِ الصَّلو"ةُ فَانْتَشِرُوا فِى الاَ_رْضِ وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ } الجمعه : 10.

فالأُمّة الإسلاميّة ما ارتفعت إلا بالدّين، و ما سقطت بعد ما ارتفعت إلا بترك الدّين مع الجهل

بالسّبب الّذي أفضى بها إلى ذلك، إلى أن صارت تجعل علّة الرُّ قي سببًا في الانحطاط. فلو اتّبعت حكوماتنا و أفرادنا أوامر الدّين، و تركت التّعامل بالرّبا مع الأجانب لما ضاعت ثروتنا، و لاذهب مُلكنا، و كان الدّين وحده هو العاصم لنا.

فالرّبا مسألة اجتماعيّة كبيرة اتّفقت في حكمها الأديان الثّلاثة: اليهوديّة و النّصرانيّة و الإسلام، لكن اختلف فيها أهل الأديان. فاليهود كانوا يرابون غيرهم، و النّصارى يُرابي بعضهم بعضًا و يرابون سائر النّاس، و المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرّذيلة رَدْحًا طويلا من الدّهر، ثمّ قلّدوا غيرهم فيها، ثمّ انتشرت بينهم في العصر الحديث فى أكثر الأقطار. و السّرّ في هذا أ نّهم قلّدوا حكّامهم في هذه السّبيل، بل كثيرً ا ما ألزم الحكّام الرّعيّة بالتّعامل بالرّبا أداء للضّرائب الّتي يفرضونها عليهم.

فالأديان لم تستطع أن تقاوم ميل الجماهير إلى أكل الرّبا حتّى صار كأ نّه ضرورة يضطرّون إليها.

و يمكن أن نلخّص الأسباب الّتي لأجلها حرّم الدّين الرّبا فيما يلي:

1 - إنّه يمنع النّاس من الاشتغال بالمكاسب الصّحيحة كأنواع الحِرَف والصّناعات، لأنّ ربّ المال إذا تمكّن بعقد الرّبا من إنماء ماله خفّ عليه الكسب و سهلت لديه أسباب العيش، فيألف الكسل، و يمقت العمل، و يتّجه همّه إلى أخذ أموال النّاس بالباطل، و تزداد شراهته في الاستيلاء على كلّ ما يستطيع أن يَبتَزّه من أموالهم، فلايرأف بفقير، و لايشفق على بائس، و لايرحم مسكينًا. و قد جرت عادة المرابين بأن يزداد طمعهم حين الأزمات كقحط في البلاد، أو حروب تشتدّفيها الحاجة إلى الأقوات، فيضطرّ الفقراء إلى الاستدانة من هؤُلاء الطُّغاة الّذين يستنزفون دماءهم، و يستأثرون بالبقيّة الباقية من أموالهم.

2 - إنّه يؤدّي إلى العداوة و البغضاء و المشاحنات و الخصومات، إذ هو ينزع عاطفة التّراحم من القلوب، و يُضيّع المروءة، و يذهب المعروف بين النّاس، و يحلّ القسوة محلّ الرّحمة، حتّى إنّ الفقير ليموت جوعًا و لايجد من يجود عليه ليسدّ رمقه. و من جرّ اء هذا مُنيت البلاد ذات الحضارة الّتي تعاملت بالرّبا بمشاكل اجتماعيّة، فكثيرً ا ما تألب العمّال و غيرهم على أصحاب الأموال، و أضربوا عن العمل الفَيْنة بعد الفَيْنة، و المرّة بعد المرّة. و منذ فشا الرّبا في البلاد المصريّة ضعفت فيها عاطفة التّعاون و التّراحم، و أصبح المرء لايثق بأقرب النّاس إليه، و لايُقرضه إلا بمستند و شهود، بعد أن كان المُقرضيستوثق من المقترض و لو أجنبيًّا عنه بألا يُحدّث أحدً ا بأ نّه اقترض منه، و ما كان المُقرض في حاجة في وصول حقّه إليه إلى مطالبة بَلْهَ محاكم و مقاضاة.

3 - إنّ الله جعل طريق التّعامل بين النّاس في معايشهم أن يستفيد كلّ منهم من الآخر في نظير عوض، لكن في الرّبا أخذ مال بلاعوض، و هذا نوع من الظّلم، لأنّ للمال حقًّا و حُرمةً، فلايجوز لغير مالكه الاستيلاء عليه قهرً ا بطريق غير مشروع.

قال(صلی الله علیه و آله) : « حُرمة مال الإنسان كحُرمة دمه ».

و لاينبغى اعتبار القدر الزّ ائد بسبب الرّبا عوضًا من بقاء رأس المال في يد المدين زمنًا، لو كان فيه في يد الدّ ائن لاستفاد منه بطريق وسائل الكسب كتجارة و زراعة و نحوها، لأنّ هذا ربما لايحصل، و إن حصل فربما لاتتحقّق الاستفادة. أمّا أخذ الزّ ائد في الرّبا فمتيقّن، و لايجوز مقابلة المحتمل الحصول بالمؤكّد المتيقّن.

4 - إنّ عاقبته الخراب و الدّمار، فكثيرً ا ما رأينا ناسًا ذهبت أموالهم، و خربت بيوتهم بأكلهم الرّبا، و في حديث ابن مسعود عند أحمد و ابن ماجه و ابن جرير « إنّ الرّبا و إن كثر فعاقبته تصير إلى قلّ ».

و السّرّ في هذا أنّ المقترضين يسهل عليهم أخذ المال من غير بدل حاضر، و يُزيّن لهم الشّيطان إنفاقه في وجوه من الكماليّات الّتي كان يمكن الاستغناء عنها، و يُغريهم بالمزيد من الاستدانة، و لايزال يزداد ثقل الدّين على كواهلهمحتّى يستغرق أموالهم، فإذا حلّ الأجل لم يستطيعوا الوفاء و طلبوا التّأجيل، و لايزالون يمطلون و يؤجّلون و الدَّين يزيد يومًا بعد يوم حتّى يستولي الدّ ائنون قسرً ا على كلّ ما يملكون، فيُصبحون فقراء مُعدَمين، صدق الله: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّبو"ا وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ }.

و ها،كم نبذة من مقال للدّكتور محمّد عبد الله درّاز عضو جماعة كبار العلماء ألقاه في مؤتمر القانون الإسلاميّ في شهر يوليو سنة: 1951، و قد جاء فيها: أنّ سُنّة القرآن في معالجته للأمراض الّتي تأصّلت في الشّعوب و توارثتها الأجيال، خلفًا عن سلف ألا يأخذها بالعُنف و المفاجأة، بل يتلطّف في السّير بها إلى الصّلاح على مراحل، حتّى يصل إلى الغاية المرجوّة.

فكلّنا يعرف ما كان منه في شأن الخمر، و أ نّه لم يُبطله بجرّة قلم، بل لم يُحرّمه تحريمًا كلّ-يًّا إلا في المرحلة الرّ ابعة من الوحي، أمّا المرحلة الأُولى الّتي نزلت في مكّة فإنّها رسمت الوجهة الّتي سيسير فيها التّشريع، و أمّا المراحل الثّلاث الّتي نزلت بالمدينة فكانت أشبه بسُلّم أُولى درجاته بيان مجرّد لآثار الخمر، و أنّ إثمه أكبر من نفعه، و الدّرجة الثّانية تحريم جزئيّ له، و الثّالثة تحريمه التّحريم الكلّيّ القاطع.

فهل يطيب لكم أن تدرسوا معي المنهج التّدريجيّ الّذي سلكه القرآن في مسألة الرّبا؟

إنّه لمن جليل الفائدة أن نتابع هذا السّير لنرى انطباقه التّامّ على مسلكهفي شأن الخمر، لافي عدد مراحله فحسب، بل حتّى في أماكن نزول الوحي و في الطّابع الّذي تتّسم به كلّ مرحلة منها.

نعم، فقد تناول القرآن حديث الرّبا في أربعة مواضع أيضًا، و كان أوّ ل موضع منها وحيًا مكّ-يًّا، و الثّلاثة الباقية مدنيّة، و كان كلّ واحد من هذه التّشريعات الأربعة متشابهًا تمام المشابهة لمقابله في حديث الخمر.

ففي الآية المكّيّة يقول الله جلّت حكمته: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَالِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ} الرّوم : 39، هذه كما ترونها موعظة سلبيّة: أنّ الرّبا لاثواب له عند الله، نعم و لكنّه لم يقل: إنّ الله ادّخر

لآكله عقا بًا، و هذا بالضّبط نظير صنيعه في آية الخمر المكّيّة النّحل : 67، حيث أومأ برفق إلى أنّ ما يتّخذ سكرً ا ليس من الرّزق الحسن دون أن يقول: إنّه رجس واجب الاجتناب، و مع ذلك فإنّ هذا التّفريق في الأُسلوب كان كافيًا وحده في إيقاظ النّفوس الحيّة، و تنبيهًا إلى الجهة الّتي سيقع عليها اختيار المشرّع الحكيم.

أمّا الموضع الثّاني فكان درسًا و عبرةً قصّها علينا القرآن من سيرة اليهود الّذين حُرّم عليهم الرّبا فأكلوه، و عاقبهم الله بمعصيتهم. و واضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الرّبا على المسلمين، و لكنّه حتّى الآن تحريم بالتّلويح و التّعريض لابالنّصّ الصّريح. و مهما يكن من أمر فإنّ هذا الأُسلوب كان من شأنه أن يَدَع المسلمين في موقف ترقّب و انتظارلنهي يُوجّه إليهم قصدً ا في هذا الشّأن، نظير ما وقع بعد المرحلة الثّانية في الخمر البقرة : 219، حيث استشرفت النّفوس إذ ذاك إلى ورود نهي صريح، و قد جاء هذا النّهي بالفعل في المرحلة الثّالثة، و لكنّه لم يكن إلا نهيًا جزئيًّا في أوقات الصّلاة النّساء : 43.

و كذلك لم يجئ النّهي الصّريح عن الرّبا إلا في المرتبة الثّالثة، و كذلك لم يكن إلا نهيًا جزئيًّا عن الرّبا الفاحش الرّبا الّذي يتزايد حتّى يصير أضعافًا مضاعفة البقرة : 130، و أخيرً ا وردت الحلقة الرّ ابعة الّتي ختم بها التّشريع في الرّبا، بل ختم بها التّشريع القرآنيّ كلّه، على ما صحّ عن ابن عبّاس، و فيها النّهي الحاسم عن كلّ ما يزيد على رأس مال للدّين؛ حيث يقول الله تعالى: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا ما بَقِىَ مِنَ الرِّبوا" اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ‘ * فَاِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاْذَنُوا بِحَرْب مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ اَمْوَ الِكُمْ لاتَظْلِمُونَ وَ لاتُظْلَمُونَ * وَ اِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ اِلى" مَيْسَرَ ة وَ اَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ اِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَ اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيهِ‘ اِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفىّٰ كُلُّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَ هُمْ لايُظْلَمُونَ } البقرة: 278 - 281.

هذه أيّها السّادة و السّيّدات نصوص التّشريع القرآنيّ في الرّبا مرتّبة على حسب تسلسلها التّأريخيّ. و إنّكم لترون الآن أنّ الفئة الّتي تزعم أنّ الإسلام يُفرّق بين الرّبا الفاحش و غيره، و هيالفئة من المتعلّمين الّذين ليس لهم رسوخ قدم في علوم القرآن، لم تكتف بأ نّها خالفت إجماع علماء المسلمين في كلّ العصور، و لابأ نّها عكست الوضع المنطقيّ المعقول، حيث جعلت التّشريع الإسلاميّ بعد أن تقدّم إلى نهاية الطّريق في إتمام مكارم الأخلاق، يرجع على أعقابه و يتدلّى إلى وضع غير كريم، بل إنّها قلبت الوضع التّأريخيّ إذا اعتبرت النّصّ الثّالث مرحلة نهائيّة، بينما هو لم يكن إلا خُطوة انتقاليّة في التّشريع، لم يختلف فى ذلك محدّث و لامفسّر و لافقيه.

على أ نّا لو فرضنا المحال و وقفنا معهم عند هذا النّص الثّالث، فهل نجد فيه ربحًا لقضيّتهم في التّفرقة بين الرّبا الّذي يقلّ عن رأس المال، و الرّبا الّذي يزيد عليه أو يساويه؟ كلا ، فإنّه قبل كلّ شي‌ء لادليل في

الآية على أنّ كلمة الإضعاف شرط لابدّ منه في التّحريم؛ إذ من الجائز أن يكون ذلك عناية بذمّ نوع من الرّبا الفاحش الّذي بلغ مبلغًا فاضحًا في الشّذوذ عن المعاملات الإنسانيّة من غير قصد إلى تسويغ الأحوال المسكوت عنها الّتي تقلّ عنها في الشّذوذ. و من جهة أُخرى فإنّ قواعد العربيّة تجعل كلمة { اَضْعَافًا } في الآية وصفًا للرّبا لالرأس المال، كما قد يُفهَم من تفسير هؤُلاء الباحثين. و لو كان الأمر كما زعموا لكان القرآن لايحرم من الرّبا إلا ما بلغ600 من رأس المال. بينما لو طبّقنا القاعدة العربيّة على وجهها لتغيّر المعنى تغُيّرً ا تامًّا؛بحيث لو افترضنا ربحًا قدره واحد في الألف أو المليون لصار بذلك عملا محظورً ا غير مشروع بمقتضى النّصّ الّذي يتمسّكون به.

أمّا القول بأنّ العرب قبل الإسلام لم يكونوا يَعرَفون إلا بالرّبا الفاحش الّذي يساوي رأس المال أو يزيد عليه، فإنّه لايصحّ إلا إذا أغمضنا أعيننا عمّا لايُحصى من الشّواهد الّتي نقلها أقدم المفسّرين و أجدرهم بالثّقة.

و لقد كان الشّعب العبراني ّالّذي يعيش و الشّعب العربيّ في صلة دائمة منذ القدم، يفهم من كلمة الرّبا كلّ زيادة على رأس المال قلّت أو كثرت، و هذا هو المعنى الحقيقيّ و الاشتقاقيّ للكلمة.

أمّا تخصيصها بالرّبا الفاحش فهو اصطلاح أوربيّ حادث، يعرف ذلك كلّ مطّلع على تاريخ التّشريع.

و بعد، فإنّا لانطيل الوقوف عند هذا النّص الانتقاليّ، لأنّ الّذي يعني رجل القانون في تطبيق الشّرائع إنّما هو دورها الأخير، و قد بيّنّا أنّ الدّور الأخير في موضوعنا إنّما تُمثّله الآيات الّتي تلوناها آنفًا من سورة البقرة، كما رأينا أنّ الشّريعة القرآنيّة تتّجه كلّها منذ البداية إلى استنكار كلّ تعويض يطلب من المقترض، أفلايكون من التّناقض أنّ هذه الشّريعة الّتي تضع الإحسان إلى الفقير في أبرز موضع من قانونها و الّتي تحثّ على إنظار المُعسر أو على ترك الدَّين له، تعود فتأخذ منه بالشّمال ما منعته باليمين، إذ تأذن للغنيّ بأن يطالبه ببعض الزّيادةعلى الدّين؟.

إلى جانب هذه النّصوص القرآنيّة تجد في بيان السّنّة النّبويّة ما هو أكثر تفصيلا و أشدّ صرامة، فإنّ الرّسول صلوات الله عليه لم يكتف بتحريم الرّبا على آكله كما ورد في القرآن الكريم، و لم يكتف بجعل المعطي و الآخذ و الكاتب سواء في اللّعن و الإجرام، بل إنّه أحاط هذه الجريمة بنطاق من الذّرائع و الملابسات، جعلها حمى محرّ مًا تحريم الوسائل الممهّدة إلى الحرمة الأصليّة.و الطّريف في أمر هذه الإضافة أ نّه جعل التّحريم فيهما على مراتب متفاوتة في تدرّج حكيم يتنقّل من الإباحة التّامّة رُويدً ا رُويدً ا إلى الحظر الكلّيّ، مارًّ ا بكلّ المراتب المتوسّطة بينهما، انتهى ببعض تصرّف. (3 : 55)

سيّد قُطْب: الوجه الآخر المقابل للصّدقة الّتي عرض دستورها في الدّرس الماضي، الوجه الكالح الطّالح هو الرّبا !

الصّدقة: عطاء و سماحة و طهارة و زكاة و تعاون

و تكافل. و الرّبا: شُحّ و قَذارة و دنَسٌ و أثرة و فرديّة.

و الصّدقة: نزول عن المال بلاعوض و لارَدّ . و الرّبا: استرداد للدَّيْن و معه زيادة حرام، مقتطعةمن جهد المدين أو من لحمه، من جهده إن كان قد عمل بالمال الّذي استدانه فربح نتيجةً لعمله هو و كَدّه. و من لحمه إن كان لم يربح أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنّفقة منه على نفسه و أهله، و لم يستربحه شيئًا.

و من ثَمّ فهو الرّباالوجه الآخر المقابل للصّدقة، الوجه الكالح الطّالح.

لهذا عرضه السّياق مباشرةً بعد عرض الوجه الطّيّب السَّمح الطّاهر الجميل الودود عرضه عرضًا منفّرً ا يكشف عمّا في عمليّة الرّبا من قُبح و شناعة. و من جفاف في القلب و شرّ في المجتمع و فساد في الأرض و هلاك للعباد.

و لم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أُمور الجاهليّة ما بلغ من تفظيع الرّبا، و لابلغ من التّهديد في اللّفظ و المعنى: ما بلغ التّهديد في أمر الرّبا في هذه الآيات و في غيرها في مواضع أُخرى، و لله الحكمة البالغة. فلقد كانت للرّبا في الجاهليّة مفاسده و شروره و لكن الجوانب الشّائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلّها بادية في مجتمع الجاهليّة كما بدت اليوم، و تكشّفت في عالمنا الحاضر، و لاكان البُثور و الدَّمامل في ذلك الوجه الدّميم مكشوفة كلّها، كما كُشفت اليوم في مجتمعنا الحديث، فهذه الحملة المُفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النّظام المقيت، تتكشّف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشريّة أشدّ ممّا كانت متكشّفة في الجاهليّة الأُولى، و يُدرك من يريد أن يتدبّر حكمة الله و عظمة هذا الدّين، و كمال هذا المنهج و دقّة هذا النّظام يدرك اليوم من هذا كلّه ما لم يكن يُدركه الّذين و اجهوا هذه النُّصوص أوّ ل مرّة. و أمامه اليوم من واقع العالم ما يصدق كلّ كلمةتصديقًا حيًّا مباشرً ا واقعًا، و البشريّة الضّالّة الّتي تأكل الرّبا و توكله تنصبّ عليها البلايا الماحقة السّاحقة، من جرّ اء هذا النّظام الرّبويّ في أخلاقها و دينها و صحّتها و اقتصادها. و تتلقّى حقًّا حربًا من الله تصبّ عليها النّقمة و العذاب، أفرادً ا و جماعات و أُممًا و شعوبًا، و هي لاتعتبر و لاتفيق.

و حينماكان السّياق يعرض في الدّرس السّابق دستور الصّدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النّظام الاجتماعيّ و الاقتصاديّ الّذي يريد الله للمجتمع المسلم، أن يقوم عليه و يُحبّ للبشريّة أن تستمتع بما فيه من رحمة. في مقابل ذلك النّظام الآخر الّذي يقوم على الأساس الرّبويّ الشّرير القاسي اللّئيم.

أ نّهما نظامان متقابلان: النّظام الإسلاميّ. و النّظام الرّبويّ، و هما لايلتقيان في تصوّر و لايتّفقان في أساس، و لايتوافقان في نتيجة، إنّ كلا منهما يقوم على تصوّر للحياة و الأهداف و الغايات، يناقض الآخر تمام المناقضة. و ينتهي إلى ثمرة في حياة النّاس تختلف عن الأُخرى كلّ الاختلاف، و من ثمّ كانت هذه الحملة المُفزعة و كان هذا التّهديد الرّعيب.

إنّ الإسلام يقيم نظامه الاقتصاديّ و نظام الحياة كلّها على تصَوّر معيّن يمثّل الحقّ الواقع في هذا

الوجود، يقيمه على أساس أنّ الله سبحانه هو خالق هذا الكون. فهو خالق هذه الأرض، و هوخالق هذا الإنسان، هو الّذي وهب كلّ موجود وجوده.

و إنّ الله سبحانه و هومالك كلّ موجود بما أ نّه هو مُوجده، قد استخلف الجنس الإنسانيّ في هذه الأرض، و مكّنه ممّا ادّخر له فيها من أرزاق و أقوات، و من قُوَى و طاقات على عهد منه و شرط، و لم يترك له هذا الملك العريض فوضى، يصنع فيه ما يشاء كيف شاء. و إنّما استخلفه فيه في إطار من الحدود الواضحة، استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وَفْق منهج الله و حسب شريعته، فما وقع منه من عقود و أعمال و معاملات و أخلاق و عبادات وَفْق التّعاقد فهو صحيح نافذ، و ما وقع منه مخالفًا لشروط التّعاقد فهو باطل موقوف، فإذا انفذه قوّةً و قسرً ا فهو إذن ظلم و اعتداء لايقرّه الله و لايقرّه المؤمنون بالله، فالحاكميّة في الأرض كما هي في الكون كلّه لله وحده.

و النّاس حاكمهم و محكومهم إنّما يستمدّون سلطاتهم من تنفيذهم لشريعة الله و منهجه، و ليس لهم في جملتهم أن يخرجوا عنها، لأ نّهم إنّما هم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط و عهد، و ليسوا ملاكًا خالقين لما في أيديهم من أرزاق من بين بنود هذا العهد أن يقوم التّكافل بين المؤمنين بالله، فيكون بعضهم أولياء بعض، و أن ينتفعوا برزق الله الّذي أعطاهم على أساس هذا التّكافل لاعلى قاعدة الشّيوع المطلق كما تقول الماركسية، و لكن على أساس المُلكيّة الفرديّة المقيّدة. فمن وهبه الله منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه، مع تكليف الجميع بالعمل كلّ حسب طاقته و استعداده، و فيما يسّره الله له، فلايكون أحدهم كَلا على أخيه أو على الجماعة و هو قادر، كما بيّنّا ذلك من قبل، و جعل الزّكاة فريضةً في المال محدّدة و الصّدقة تطوُّعًا غير محدّد.

و قد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد و الاعتدال، و يتجنّبوا السّرف و الشّطَط فيما ينفقون من رزق الله الّذي أعطاهم، و فيما يستمتعون به من الطّيّبات الّتي أحلّها لهم. و من ثَمّ تظلّ حاجتهم الاستهلاكيّة للمال و الطّيّبات محدودة بحدود الاعتدال، و تظلّ فضلة من الرّزق معرّضةلفريضة الزّكاة و تطوّع الصّدقة، و بخاصّة أنّ المؤمن مطالب بتثمير ماله و تكثيره.

و شرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم و سائل لاينشأ عنها الأذى للآخرين، و لايكون من جرّ ائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد، و دوران المال في الأيدي على أوسع نطاق: { كَىْ لايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الاَ_غْنِيَاءِ مِنْكُمْ } الحشر : 7.

وكتب عليهم الطّهارة في النّيّة و العمل و النّظافة في الوسيلة و الغاية، و فرض عليهم قيودً ا في تنمية المال، لاتجعلهم يسلكون إليها سُبلا تؤذي ضمير الفرد و خُلقه، أو تؤذي حياة الجماعة و كيانها.

و أقام هذا كله على أساس التّصوّر الممثّل لحقيقة الواقع في هذا الوجود، و على أساس عهد الاستخلاف الّذي يحكم كلّ تصرّفات الإنسان المستخلف في هذا الملك العريض.

و من ثَمّ فالرّبا عمليّة تصطدم ابتداءً مع قواعد التّصوّر الإيمانيّ إطلاقًا، ونظام يقوم على تصوّر آخر تصوّر لانظر فيه لله سبحانه و تعالى، و من ثمّ لارعاية فيه للمبادئ و الغايات و الأخلاق الّتي يريد الله للبشر أن تقوم حياتهم عليها.

إنّه يقوم ابتداءً على أساس أن لاعلاقة بين إرادة الله و حياة البشر، فالإنسان هو سيّدهذه الأرض ابتداءً، و هو غير مقيّد بعهد من الله، و غير ملزم باتّباع أوامر الله.

ثمّ إنّ الفرد حُرّ في وسائل حصوله على المال، و في طرق تنميته، كما هو حُرّ في التّمتّع به غير ملتزم في شيء من هذا بعهد من الله أو شرط، و غير مقيّد كذلك بمصلحة الآخرين. و من ثَمّ فلااعتبار لأن يتأذّى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته و رصيده ما يستطيع إضافته. و قد تتدخّل القوانين الوضعيّة أحيا نًا في الحدّ من حُرّ يّته هذه جزئيًّا في تحديد سعر الفائدة مثلا ، و في منع أنواع من الاحتيال و النّصب و الغصب و النّهب و الغِشّ و الضّرر. و لكن هذا التّدخّل يعود إلى ما يتواضع عليه النّاس أنفسهم و ما تقودهم إليه أهواؤهم، لاإلى مبدإ ثابت مفروض من سلطة إلهيّة.

كذلك يقوم على أساس تصوّر خاطئ فاسد، هو أنّ غاية الغايات للوجود الإنسانيّ هي تحصيله للمال بأيّة وسيلة، و استمتاعه به على النّحو الّذي يهوى و من ثَمّ يتكالب على جمع المال و على المتاع به، و يدوس في الطّريق كلّ مبدإ و كلّ صالح للآخرين.

ثمّ يُنشئ في النّهاية نظامًا يسحق البشريّة سحقًا و يشقيها في حياتها أفرادً ا و جماعات و دُولا و شُعوبًا لمصلحة حفنة منالمرابين، و يحطّها أخلاقيًّا و نفسيًّا و عصبيًّا، و يُحدث الخلل في دورة المال و نموّ الاقتصاد البشريّ نموًّ ا سويًّا، و ينتهي كما انتهى في العصر الحديث إلى تركيز السّلطة الحقيقيّة و النّفوذ العمليّ على البشريّة كلّها في أيدي زمرة مِن أحَطّ خلق الله وأشدّهم شرًّ ا، و شِرْذِمة ممّن لايرعون في البشريّة إلا و لاذِمّة، و لايراقبون فيها عهدً ا و لاحُرمة. و هؤُلاء هم الّذين يداينون النّاس أفرادً ا كما يداينون الحكومات و الشّعوب- في داخل بلادهم و في خارجها، و ترجع إليهم الحصيلة الحقيقيّة لجُهد البشريّة كلّها، و كدّ الآدميّين و عرقهم و دمائهم في صورة فوائد ربويّة لم يبذلوا هم فيها جهدً ا.

و هم لايملكون المال وحده إنّما يملكون النّفوذ. و لمّا لم تكن لهم مبادئ و لا أخلاق و لاتصوّر دينيّ أو أخلاقيّ على الإطلاق، بل لمّا كانوا يسخرون من حكاية الأديان و الأخلاق و المثَل و المبادئ، فإنّهم بطبيعة الحال يستخدمون هذا النّفوذ الهائل الّذي يملكونه في إنشاء الأوضاع و الأفكار و المشروعات الّتي تمكّنهم من زيادة الاستغلال، و لاتقف في طريق جشعهم و خسّة أهدافهم. و أقرب الوسائل هي تحطيم أخلاق البشريّة و إسقاطها في مستنقع آسن من اللّذائذ و الشّهوات الّتي يدفع فيها الكثيرون آخر فلس يملكونه؛ حيث تسقط الفلوس في المصائد و الشّباك المنصوبة! و ذلك مع التّحكّم في جريان الاقتصاد العالميّ، وَفْقمصالحهم المحدودة مهما أدّى هذا إلى

الأزمات الدّوريّة المعروفة في عالم الاقتصاد، و إلى انحراف الانتاج الصّناعيّ و الاقتصاديّ كلّه، عمّا فيه مصلحة المجموعة البشريّة إلى مصلحة المموّلين المرابين الّذين تتجمّع في أيديهم خيوط الثّروة العالميّة.

و الكارثة الّتي تمّت في العصر الحديث و لم تكن بهذه الصّورة البشِعَة في الجاهليّة، هي أنّ هؤلاء المرابين الّذين كانوا يتمثّلون في الزّمن الماضي في صورة أفراد أو بيوت ماليّة كما يتمثّلون الآن في صورة مؤسّسي المصارف العصريّة، قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة مخيفة داخل أجهزة الحكم العالميّة و خارجها، و بما يملكون من وسائل التّوجيه و الإعلام في الأرض كلّها، سواء في ذلك الصّحف و الكتب و الجامعات و الأساتذة و محطّات الإرسال و دور السّينما و غيرها، أن ينشؤوا عقليّة عامّة بين جماهير البشرالمساكين الّذين يأكل أُولئك المرابون عظامهم و لحومهم، و يشربون عرقهم و دماءهم في ظلّ النّظام الرّبويّ.

هذه العقليّة العامّة خاضعة للإيحاء الخبيث المسموم بأنّ الرّبا هو النّظام الطّبيعيّ المعقول، و الأساس الصّحيح الّذي لاأساس غيره للنّموّ الاقتصاديّ، و أ نّه من بركات هذا النّظام و حسناته كان هذا التّقدّم الحضاري في الغرب. و أنّ الّذين يريدون إبطاله جماعة من الخياليّين غير العمليّين، و أ نّهم إنّما يعتمدون فينظرتهم هذه على مجرّد نظريّات أخلاقيّة و مُثُل خياليّة لارصيد لها من الواقع، و هي كفيلة بإفساد النّظام الاقتصاديّ كلّه لو سمح لها أن تتدخّل فيه حتّى ليتعرّض الّذين ينتقدون النّظام الرّبويّ من هذا الجانب للسّخريّة من البشر الّذين هم في حقيقة الأمر ضحايا بائسة لهذا النّظام ذاته. ضحايا شأنهم شأن الاقتصاد العالميّ نفسه، الّذي تضطرّه عصابات المرابين العالميّة، لأن يجري جريا نًا غير طبيعيّ و لاسويّ، و يتعرّض للهزات الدّوريّة المنظمّة و ينحرف عن أن يكون نافعًا للبشريّة كلّها إلى أن يكون وقفًا على حفنة من الذّئاب قليلة.

إنّ النّظام الرّبويّ نظام معيب من الوجهة الاقتصاديّة البحتة، و قد بلغ من سوئه أن تنبّه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيّين أنفسهم، و هم قد نشأوا في ظلّه و أشربت عقولهم و ثقافتهم تلك السُّموم الّتي تبثّها عصابات المال في كلّ فروع الثّقافة والتّصوّر و الأخلاق، و في مقدّمة هؤلاء الأساتذة الّذين يعيبون هذا النّظام من النّاحية الاقتصاديّة البحتةدكتور شاخت الألمانيّ و مدير بنك الرّ ايخ الألمانيّ سابقًا.

و قد كان ممّا قاله في محاضرة له بدمشق عام : 1953، أ نّه بعمليّة رياضيّة غير متناهية يتّضح أنّ جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدًّ ا من المرابين، ذلك أنّ الدّ ائن المُرابي يربح دائمًا في كلّ عمليّة، بينما المدين مُعرّض للرّبح و الخسارة. و من ثَمّ فإنّ المال كلّه في النّهايةلابدّ بالحساب الرّياضي أن يصير إلى الّذي يربح دائمًا، و أنّ هذه النّظريّة في طريقها للتّحقّق الكامل. فإنّ معظم مال الأرض الآن يملكه مُلكًا حقيقيًّا بضعة أُلوف! أمّا جميع الملا ك

و أصحاب المصانع الّذين يستدينون من البنوك

و العمّال و غيرهم، فهم ليسوا سوى أُجراء يعملون لحساب أصحاب المال، و يجني ثمرة كدّهم أُولئك الأُلوف.

و ليس هذا وحده هو كلّ ما للرّبا من جريرة، فإنّ قيام النّظام الاقتصاديّ على الأساس الرّبويّ، يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال و بين العاملين في التّجارة و الصّناعة علاقة مقامرة و مشاكسة مستمرّة، فإنّ المُرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة، و من ثَمّ يمسك المال حتّى يزيد اضطرار التّجارة و الصّناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة. و يظلّ يرفع السّعر حتّى يجد العاملون في التّجارة و الصّناعة أ نّه لافائدة لهم من استخدام هذا المال، لأ نّه لايدرّ عليهم ما يوفون به الفائدة، و يفضل لهم منه شيء، عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات الّتي تشتغل فيها الملايين، و تضيق المصانع دائرة انتاجها، و يتعطّل العمّال، فتقلّ القدرة على الشّراء.

و عند ما يصل الأمر إلى هذا الحدّ و يجد المرابون أنّ الطّلب على المال قد نقص أو توقّف، يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطرارً ا. فيقبل عليه العاملون في الصّناعة و التّجارة من جديد، و تعود دورة الحياة إلى الرّخاء، و هكذا دواليك تقع الأزماتالاقتصاديّة الدّوريّة العالميّة و يظلّ البشر هكذا يدورون فيها كالسّائمة.

ثمّ إنّ جميع المستهلكين يؤدّون ضريبة غير مباشرة للمرابين، فإنّ أصحاب الصّناعات و التّجّار لايدفعون فائدة الأموال الّتي يقترضونها بالرّبا إلا من جيوب المستهلكين، فهم يزيدونها في أثمان السّلع الاستهلاكيّة، فيتوزّع عبؤها على أهل الأرض، لتدخل في جيوب المرابين في النّهاية.

أمّا الدّيون الّتي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات و المشروعات العمرانيّة، فإنّ رعاياها هم الّذين يؤدّون فائدتها للبيوت الرّبويّة كذلك؛ إذ أنّ هذه الحكومات تضطرّ إلى زيادة الضّرائب المختلفة لتُسَدّد منها هذه الدّيون و فوائدها، و بذلك يشترك كلّ فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف. و قلمّا ينتهي الأمر عند هذا الحدّ، و لايكون الاستعمار هو نهاية الدّيون، ثمّ تكون الحروب بسبب الاستعمار.

و نحن هنا في ظلال القرآن لانستقصي كلّ عيوب النّظام الرّبويّ، فهذا مجاله بحث مستقلّ فنكتفي بهذا القدر، لنخلّص منه إلى تنبيه من يريدون أن يكونوا مسلمين إلى جملة حقائق أساسيّة بصدد كراهيّة الإسلام للنّظام الرّبويّ المقيت.

الحقيقة الأُولى: الّتي يجب أن تكون مستيقنة في نفوسهم أ نّه لاإسلام مع قيام نظام ربويّ في مكان، و كلّ ما يمكن أن يقوله أصحاب الفتاوى من رجال الدّين أو غيرهم سوى هذادجل و خداع. فأساس التّصوّر الإسلاميّ - كما بيّنّا - يصطدم اصطدامًا مباشرًا بالنّظام الرّبويّ و نتائجه العمليّة في حياة النّاس و تصوّراتهم و أخلاقهم.

و الحقيقة الثّانية: أنّ النّظام الرّبويّ بلاء على الإنسانيّة، لافي إيمانها و أخلاقها و تصوّرها للحياة

فحسب، بل كذلك في صميم حياتها الاقتصاديّة و العمليّة، و أ نّه أبشع نظام يمحق سعادة البشريّة محقًا، و يعطّل نموّها الإنسانيّ المتوازن، على الرّغم من الطّلاء الظّاهريّ الخدّ اع، الّذي يبدو كأ نّه مساعدة من هذا النّظام للنّموّ الاقتصاديّ العامّ.

و الحقيقة الثّالثة: أنّ النّظام الأخلاقيّ و النّظام العمليّ في الإسلام مترابطان تمامًا، و أنّ الإنسان في كلّ تصرّفاته مرتبط بعهد الاستخلاف و شرطه، و أ نّه مختَبر و مبتَلى و ممتَحَن في كلّ نشاط يقوم به في حياته، و محاسب عليه في آخرته. فليس هناك نظام أخلاقيّ وحده و نظام عمليّ وحده، و إنّما هما معًا يؤلّفان نشاط الإنسان، و كلاهما عبادة يؤجر عليها إن أحسن، و إثم يؤاخذ عليه إن أساء، و أنّ الاقتصاد الإسلاميّ النّاجح لايقوم بغير أخلاق، و أنّ الأخلاق ليست نافلة يمكن الاستغناء عنها، ثمّ تنجح حياة النّاس العمليّة.

و الحقيقة الرّ ابعة: أنّ التّعامل الرّبويّ لايمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد و خُلقه و شعوره تجاه أخيه في الجماعة، و إلا أن يفسد حياة الجماعة البشريّة و تضامنها بما يبثّه منروح الشّره و الطّمع و الأثرة و المخاتلة و المقامرة بصفة عامّة. أمّا في العصر الحديث فإنّه يعد الدّ افع الأوّ ل لتوجيه رأس المال إلى أحطّ وجوه الاستثمار كي يستطيع رأس المال المستدان بالرّبا أن يربح ربحًا مضمونًا، فيؤدّي الفائدة الرّبويّة ويفضل منه شيء للمستدين. و من ثمّ فهو الدّ افع المباشر لاستثمار المال في الأفلام القذرة و الصّحافة القذرة و المراقص و الملاهي و الرّقيق الأبيض، و سائر الحِرَف و الاتّجاهات الّتي تحطّم أخلاق البشريّة تحطيمًا، و المال المستدان بالرّبا ليس همّه أن يُنشئ أنفع المشروعات للبشريّة، بل همّه أن ينشئ أكثرها ربحًا، و لو كان الرّبح إثمًا يجيء من استثارة أحطّ الغرائز و أقذر الميول. و هذا هو المشاهد اليوم في أنحاء الأرض، و سببه الأوّ ل هو التّعامل الرّبويّ.

و الحقيقةالخامسة: أنّ الإسلام نظام متكامل، فهو حين يحرم التّعامل الرّبويّ يُقيم نظمه كلّها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه، و نظم جوانب الحياة الاجتماعيّة بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النّوع من التّعامل بدون مساس بالنّموّ الاقتصاديّ والاجتماعيّ و الإنسانيّ المطّرد.

و الحقيقة السّادسة: أنّ الإسلام حين يُتاح له أن يُنظّم الحياة وَفْق تصوّره و منهجه الخاصّ، لن يحتاج عند إلغاء التّعامل الرّبويّ إلى إلغاء المؤسّسات والأجهزة اللا زمة لنموّ الحياة الاقتصاديّة العصريّة نموّهاالطّبيعيّ السّليم. و لكنّه فقط سيُطهّرها من لوثة الرّبا و دنسه، ثمّ يتركها تعمل وَفْق قواعد أُخرى سليمة. و في أوّ ل هذه المؤسّسات و الأجهزة: المصارف و الشّركات و ما إليها من مؤسّسات الاقتصاد الحديث.

و الحقيقة السّابعة: و هي الأهمّ ضرورة اعتقاد من يريد أن يكون مسلمًا بأنّ هناك استحالة اعتقاديّةفي أن يحرم الله أمرً ا لاتقوم الحياة البشريّة و لاتتقدّم بدونه، كما أنّ هناك استحالة اعتقاديّة كذلك، في أن

يكون هناك أمر خبيث، و يكون في الوقت ذاته حتميًّا لقيام الحياة و تقدّمها، فالله سبحانه هو خالق هذه الحياة و هو مستخلف الإنسان فيها، و هو الآمر بتنميتها و ترقيتها، و هو المريد لهذا كلّه الموفّق إليه. فهناك استحالة إذن في تصوّر المسلم أن يكون فيما حرّمه الله شيء لاتقوم الحياة البشريّة، و لاتتقدّم بدونه. و أن يكون هناك شيء خبيث هو حتميّ لقيام الحياة و رُقيّها، و إنّما هو سوء التّصوّر و سوء الفهم و الدَّعاية المسمومة الخبيثة الطّاغية الّتي دأبت أجيالا على بثّ فكرة.

أنّ الرّبا ضرورة للنّموّ الاقتصاديّ و العمرانيّ، و أنّ النّظام الرّبويّ هو النّظام الطّبيعيّ، و بثّ هذا التّصوّر الخادع في مناهل الثّقافة العامّة و منابع المعرفة الإنسانيّة في مشارق الأرض و مغاربها، ثمّ قيام الحياة الحديثة على هذا الأساس فعلا بسعي بيوت المال و المرابين و صعوبة تصوّر قيامها على أساس آخر،و هي صعوبة تنشأ أوّ لا من عدم الإيمان. كما تنشأ ثانيًا من ضعف التّفكيرو عجزه عن التّحرّر من ذلك الوهم الّذي اجتهد المرابون في بثّه و تمكينه لما لهم من قدرة على التّوجيه و ملكيّة للنّفوذ داخل الحكومات العالميّة، و ملكيّة لأدوات الإعلام العامّة و الخاصّة.

و الحقيقة الثّامنة: أنّ استحالة قيام الاقتصاد العالميّ اليوم و غدً ا على أساس غير الأساس الرّبويّ ليست سوى خرافة، أو هي أُكذُوبة ضخمة تعيش، لأنّ الأجهزة الّتي يستخدمها أصحاب المصلحة في بقائها أجهزة ضخمة فعلا ، و أ نّه حين تصحّ النّيّة و تعزم البشريّة أو تعزم الأُمّة المسلمة أن تستردّ حُرّ يّتها من قبضة العصابات الرّبويّة العالميّة، و تريد لنفسها الخير و السّعادة و البركة مع نظافة الخلق و طهارة المجتمع، فإنّ المجال مفتوح لإقامة النّظام الآخر الرّشيد الّذي أراده الله للبشريّة، و الّذي طُبّق فعلا و نمت الحياة في ظلّه فعلا ، و ما تزال قابلة للنّموّ تحت أشرافه و في ظلاله لو عقل النّاس و رشدوا.

و ليس هناك مجال تفصيل القول في كيفيّات التّطبيق و وسائله، فحسبنا هذه الإشارات المجملة، و قد تبيّن أنّ شناعة العمليّة الرّبويّة ليست ضرورة من ضرورات الحياة الاقتصاديّة، و أنّ الإنسانيّة الّتي انحرفت عن النّهج قديمًا حتّى ردّها الإسلام إليه، هي الإنسانيّة الّتي تنحرف اليوم الانحراف ذاته، و لاتفيء إلى النّهج القويم الرّحيم السّليم.

فلننظر كيف كانت ثورة الإسلام على تلك الشّناعة الّتي ذاقت منها البشريّة، ما لم تذق قطّ من بلاء:{ اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بو"ا... } إنّها الحملة المفزعة و التّصوير المُرعب : { لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } ، و ماكان أيّ تهديد معنويّ ليبلغ إلى الحسّ ما تبلغه هذه الصّورة المجسّمة الحيّة المتحرّكة صورة الممسوس المصروع، و هي صورة معروفة معهودة للنّاس. فالنّصّ يستحضرها لتؤدّي دورها الإيحائيّ في إفزاع الحسّ، لاستجاشة مشاعر المرابين و هزّها هزّةً عنيفة تخرجهم من مألوف عادتهم في نظامهم الاقتصاديّ، و من حرصهم على مايحقّقه لهم من الفائدة . و هي وسيلة في التّأثير

التّربويّ ناجعة في مواضعها، بينما هي في الوقت ذاته تُعبّر عن حقيقة واقعة. و لقد مضت معظم التّفاسير على أنّ المقصود بالقيام في هذه الصّورة المُفزعة هو القيام يوم البعث، ولكن هذه الصّورة فيمانرى واقعة بذاتها في حياة البشريّة في هذه الأرض أيضًا. ثمّ إنّها تتّفق مع ما سيأتي بعدها من الإنذار بحرب من الله و رسوله . و نحن نرى أنّ هذه الحرب واقعة و قائمة الآن، و مسلّطةعلى البشريّة الضّالّة الّتي تتخبّط كالممسوس في عقابيل النّظام الرّبويّ . و قبل أن نفصل القول في مصداق هذه الحقيقة من واقع البشريّة اليوم، نبدأ بعرض الصّورة الرّبويّةالّتي كان يواجهها القرآن في الجزيرة العربيّة، وتصوّرات أهل الجاهليّة عنها.

إنّ الرّبا الّذي كان معروفًا في الجاهليّة و الّذي نزلت هذه الآيات و غيرها لإبطاله ابتداء، كانت له صورتان رئيسيّتان: ربا النّسيئة، و ربا الفضل.

فأمّا ربا النّسيئة فقد قال عنه قَتادَة: إنّ ربا أهل الجاهليّة يبيع الرّجل البيع إلى أجل مسمّى، فإذا حلّ الأجل و لم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخّر عنه. و قال مُجاهِد: كانوا في الجاهليّة يكون للرّجل على الرّجل الدّين، فيقول: لك كذا وكذا و تؤخّر عنّي فيؤخّر عنه.

وقال أبوبكر الجصّاص: إنّه معلوم أنّ ربا الجاهليّة إنّما كان قرضًا مؤجّلا بزيادة مشروطة، فكانت الزّيادة بدلا من الأجل، فأبطله الله تعالى. و قال الإمام الرّ ازيّ في تفسيره: إنّ ربا النّسيئة هو الّذي كان مشهورً ا في الجاهليّة، لأنّ الواحد منهم كان يدفع ماله لغيره إلى أجل، على أن يأخذ منه كلّ شهر قدرً ا معيّنًا و رأس المال باق بحاله. فإذا حلّ طالبَه برأس ماله، فإن تعذّر عليه الأداء زاده في الحقّ و الأجل. و قد ورد في حديث أُسامة بن زيد رضي الله عنهما- أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قال: < لاربا إلا في النّسيئة >.

أمّا ربا الفضل فهو أن يبيع الرّجل الشّيء بالشّيء من نوعه مع زيادة، كبيع الذّهب بالذّهب و الدّراهم بالدّراهم و القمح بالقمح، و الشّعير بالشّعير، و هكذا. و قد أُلحق هذا النّوع بالرّبا لما فيه من شبهبه، و لما يصاحبه من مشاعر مشابهة للمشاعر المصاحبة لعمليّة الرّبا. و هذه النّقطة شديدة الأهمّ-يّة لنا في الكلام عن العمليّات الحاضرة.

عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله(صلی الله علیه و آله)": الذّهب بالذّهب و الفضّة بالفضّة و البُرّ بالبُرّ و الشّعير بالشّعير و التّمر بالتّمر و الملح بالملح مِثْلا بمِثْل يدً ا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخِذ و المعطي فيه سواء.

و عن أبي سعيد الخدريّ أيضًا قال:جاء بلال إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بتمر برنيّ فقال له النّبيّ (صلی الله علیه و آله) من أين هذا? قال: كان عندنا تمر رديء فبعت منه صاعين بصاع، فقال: أوَّه ! عين الرّبان عين الرّبا. لاتفعل، و لكن إذا أردت أن تشتري فبع التّمر ببيع آخر ثمّ اشتر به.

فأمّاالنّوع الأوّ ل فالرّبا ظاهر فيه لايحتاج إلى بيان؛ إذ تتوافر فيه العناصر الأساسيّة لكلّ عمليّة ربويّة، و هي الزّيادة على أصل المال، و الأجل الّذي من أجله تؤدّي هذه الزّيادة، و كون هذه الفائدة شرطًا مضمونًا في التّعاقد أي ولادة المال للمال بسبب المدّة

ليس إلا .

و أمّا النّوع الثّاني فما لاشكّ فيه أنّ هناك فروقًا أساسيّة في الشّيئين المتماثلين، هي الّتي تقتضي الزّيادة؛ و ذلك واضح في حادثة بلال حين أعطى صاعين من تمره الرّديء و أخذ صاعًا من التّمر الجيّد و لكن لأنّ تماثل النّوعين في الجنس يخلق شبهة أنّ هناك عمليّة ربويّة؛ إذ يلد التّمر التّمر. فقد وصفه (صلی الله علیه و آله) بالرّبا و نهى عنه، و أمرببيع الصّنف المراد استبداله بالنّقد، ثمّ شراء الصّنف المطلوب بالنّقد أيضًا، إبعادً ا لشبح الرّبا من العمليّة تمامًا.

و كذلك شرط القبض: يدً ا بيد كي لايكون التّأجيل في بيع المِثْل بالمِثْل و لو من غير زيادةفيه، شبح من الرّبا و عنصر من عناصره.

إلى هذا الحدّ بلغت حسّاسيّة الرّسول (صلی الله علیه و آله) بشبح الرّبا في أيّة عمليّة، و بلغت كذلك حكمته في علاج عقليّة الرّبا الّتي كانت سائدة في الجاهليّة.

فأمّا اليوم فيريد بعض المهزومين أمام التّصوّرات الرّأسماليّة الغربيّة و النُّظم الرّ أسماليّة الغربيّة أن يقصروا التّحريم على صورة واحدة من صور الرّبا: ربا النّسيئة بالاستناد إلى حديث أُسامة و إلى وصف السّلف للعمليّات الرّبويّة في الجاهليّة، و أن يحلّوا دينيًّا و باسم الإسلام، الصّور الأُخرى المستحدثة الّتي لاتنطبق في حرفيّة منها على ربا الجاهليّة.

و لكن هذه المحاولة لاتزيد على أن تكون ظاهرة من ظواهر الهزيمة الرّوحيّة و العقليّة، فالإسلام ليس نظام شكليّات إنّما هو نظام يقوم على تصوّر أصيل، فهو حين حرّم الرّبا لم يكن يحرم صورة منه دون صورة، إنّما كان يناهض تصوّرً ا يخالف تصوّره، و يحارب عقليّة لا تتمشّى مع عقليّته. و كان شديد الحسّاسيّة في هذا إلى حدّ تحريم ربا الفضل، إبعادً ا لشبح العقليّة الرّبويّة و المشاعر الرّبويّة من بعيد جدًّا. و من ثمّ فإنّ كلّ عمليّة ربويّة حرام. سواءجاءت في الصّور الّتي عرفتها الجاهليّة أم استحدثت لها أشكال جديدة. ما دامت تتضمّن العناصر الأساسيّة للعمليّة الرّبويّة أو تتّسم بسمة العقليّة الرّبويّة، و هي عقليّة الأثرة و الجشع و الفرديّة و المقامرة. و ما دام يتلبّس بها ذلك الشّعور الخبيث شعور الحصول على الرّبح بأيّة وسيلة.

فينبغي أن نعرف هذه الحقيقة جيّدً ا، و نستيقن من الحرب المُعلنة من الله و رسوله على المجتمع الرّبويّ { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بو"ا لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } و الّذين يأكلون الرّبا ليسوا هم الّذين يأخذون الفائدة الرّبويّة و حدهم، و إن كانوا هم أوّ ل المهدّ دين بهذا النّصّ الرّعيب، إنّما هم أهل المجتمع الرّبويّ كلّهم.

عن جابر بن عبد الله أ نّه قال: لعن رسول الله(صلی الله علیه و آله)< آكل الرّبا و موكله و شاهديه و كاتبه، و قال: هم سواء >.

وكان هذا في العمليّات الرّبويّة الفرديّة. فأمّا في المجتمع الّذي يقوم كلّه على الأساس الرّبويّ، فأهله كلّهم ملعونون مُعرّضون لحرب الله، مَطرُودُون من رحمته بلاجدال. إنّهم لايقومون في الحياة

و لايتحرّكون إلا حركة الممسوس المضطرب القلق المتخبّط الّذي لاينال استقرارً ا و لاطمأنينةً و لاراحة، و إذا كان هناك شكّ في الماضي أيّام نشأة النّظام الرّأسماليّ الحديث في القرون الأربعة الماضية، فإنّ تجربة هذه القرون لاتُبقي مجالا للشّكّ أبدً ا.

إنّ العالم الّذي نعيش فيه اليوم في أنحاء الأرض هو عالم القلق و الاضطراب و الخوف و الأمراض العصبية و النّفسيّة باعتراف عقلاء أهله و مفكّريه و علمائه و دارسيه، و بمشاهدات المراقبين و الزّ ائرين العابرين لأقطار الحضارة الغربيّة؛ و ذلك على الرَّغم من كلّ ما بلغته الحضارة المادّ يّة و الإنتاج الصّناعيّ في مجموعه من الضّخامة في هذه الأقطار، و على الرَّغم من كلّ مظاهر الرّخاء المادّيّ الّتي تأخذ بالأبصار ثمّ هو عالم الحروب الشّاملة، و التّهديد الدّ ائم بالحروب المبيدة و حرب الأعصاب و الاضطرابات الّتي لاتنقطع هنا و هناك.

إنّها الشّقوة البائسة المنكودة الّتي لاتُزيلها الحضارة المادّ يّة و لا الرّخاء المادّيّ، و لايُسر الحياة المادّ يّة و خفضها و لينها في بقاع كثيرة. و ما قيمة هذا كلّه إذا لم ينشئ في النّفوس السّعادة و الرّضى و الاستقرار و الطّمأنينة ?

إ نّها حقيقة تواجه من يريد أن يرى، و لايضع على عينيه غشاوة من صنع نفسه، كي لايرى حقيقة أنّ النّاس في أكثر بلاد الأرض رخاءً عامًّا في أمريكا وفي السّويد و في غيرهما من الأقطار الّتي تفيض رخاء مادّ يًّا، إنّ النّاس ليسوا سعداء أ نّهم قلقون يطلّ القلق من عيونهم و هم أغنياء. و أنّ الملل يأكل حياتهم و هم مستغرقون في الإنتاج، و أ نّهم يُغرقون هذا الملل في العربدة و الصّخب تارةً. و في التّقاليع الغريبة الشّاذّةتارةً. و في الشّذوذ الجنسيّ و النّفسيّ تارةً . ثمّ يُحسّون بالحاجة إلى الهرب، الهرب من أنفسهم. و من الخواء الّذي يعشش فيها، و من الشّقاء الّذي ليس له سبب ظاهر من مرافق الحياة و جريانها. فيهربون بالانتحار و يهربون بالجنون و يهربون بالشّذوذ ! ثمّ يطاردهم شبح القلق و الخواء و الفراغ، و لايدعهم يستريحون أبدًا، لماذا؟

السّبب الرّ ئيسيّ طبعًا هو خواء هذه الأرواح البشريّة الهائمة المعذّبة الضّالّة المنكودة على كلّ ما لديها من الرّخاء المادّيّ من زاد الرّوح من الإيمان من الاطمئنان إلى الله و خواؤها من الأهداف الإنسانيّة الكبيرة الّتي يُنشئها و يرسمها الإيمان بالله و خلافة الأرض وَفْق عهده و شرطه.

و يتفرّع من ذلك السّبب الرّئيسيّ الكبير بلاء الرّبا بلاء الاقتصاد الّذي ينمو، و لكنّه لاينمو سويًّا معتدلا ؛ بحيث تتوزّع خيرات نموّه و بركاتها على البشريّة كلّها. إنّما ينمو مائلا جانحًا إلى حفنة المموّلين المرابين القابعين و راء المكاتب الضّخمة في المصارف، يُقرضون الصّناعة و التّجارة بالفائدة المحدّدة المضمونة، و يجبرون الصّناعة و التّجارة على أن تسير في طريق معيّن، ليس هدفه الأوّ ل سدّ مصالح البشر و حاجاتهم الّتي يسعد بهاالجميع، و الّتي تكفل عملا منتظمًا و رزقًا مضمونًا للجميع، و الّتي تهيّئ طمأنينة نفسيّة

و ضمانات اجتماعيّة للجميع، و لكن هدفه هو انتاج ما يُحقّق أعلى قدر من الرّبح و لو حَطّمالملايين و حرّم الملايين و أفسد حياة الملايين، و زرع الشّكّ و القلق و الخوف في حياة البشريّة جميعًا، و صدق الله العظيم: {اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّ بو"ا لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانَ مِنَ الْمَسِّ }. و ها نحن أولاء نرى مصداق هذه الحقيقة في واقعنا العالميّ اليوم ! .

و لقد اعترض المرابون في عهد رسول الله(صلی الله علیه و آله) على تحريم الرّبا، اعترضوا بأ نّه ليس هناك مبرِّر لتحريم العمليّات الرّبويّة و تحليل العمليّات التّجاريّة: { ذَلِكَ بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّ بو"ا وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّ بوا" }.

و كانت الشّبهة الّتي ركنوا إليها هي أنّ البيع يحقّق فائدةً و ربحًا كما أنّ الرّبا يحقّق فائدةً و ربحًا، و هي شبهة واهية، فالعمليّات التّجاريّة قابلة للرّبح و للخسارة، و المهارة الشّخصيّة و الجهد الشّخصيّ والظّروف الطّبيعيّة الجارية في الحياة هي الّتي تتحكّم في الرّبح و الخسارة. أمّا العمليّات الرّبويّة فهي محدّدة الرّبح في كلّ حالة. و هذا هو الفارق الرّئيسيّ و هذا هو مناط التّحريم و التّحليل.

إنّ كلّ عمليّة يضمن فيها الرّبح على أيّ وضع هي عمليّة ربويّة محرّمة بسبب ضمان الرّبح و تحديده، و لامجال للمماحلة في هذا و لاللمداورة، { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبو"ا } لانتفاء هذا العنصر من البيع، و لأسباب أُخرى كثيرة تجعل عمليّات التّجارة في أصلها نافعة للحياة البشريّة، و عمليّات الرّبا في أصلهامفسدة للحياة البشريّة.

و قد عالج الإسلام الأوضاع الّتي كانت حاضرة في ذلك الزّمان معالجة واقعيّة، دون أن يُحدث هزّةً اقتصاديّة و اجتماعيّة. (1 : 318)

ابن عاشور: و الرّبا: اسم على وزن<فِعَل> بكسر الفاء و فتح العين، لعلّهم خفّفوه من الرّباء بالمدّ، فصيّروه اسم مصدر لفعل رَبا الشّيء يَرْ بُو رَ بْوً ا - بسكون الباء على القياس، كما في « الصّحاح »، و بضمّ الرّ اء و الباء كعُلُوّ، و رِباء بكسر الرّ اء، و بالمدّ مثل الرّماء - إذا زاد، قال تعالى:{فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ} الرّوم : 39، و قال: { اهْتَزّتْ وَ رَ بَتْ } الحجّ : 5، و لكونه من ذوات الواو ثُنّي على رِبَوَان. و كُتب بالألف، و كتبه بعض الكوفيّين بالياء نظرً ا لجواز الإمالة فيه لمكان كسرة الرّ اء، ثمّ ثنّوه بالياء لأجل الكسرة أيضًا.

قال الزّجّاج: ما رأيت خطأً أشنع من هذا، ألايكفيَهم الخطأ في الخطّ حتّى أخطؤوا في التّثنية، كيف و هم يقرؤون{وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِِبًا لِيَرْ بُوَا } الرّوم : 39، بفتحة على الواو { فى اَمْوَ الِ النَّاسِ } الرّوم : 39، يشير إلى قراءة عاصم و الأعمش، و هما كوفيّان، و بقراءتهما يقرأ أهل الكوفة.

وكُتب < الرّبا > في المصحف حيثما وقع بواو بعدها ألف، و الشّأن أن يُكتَب ألفًا. فقال صاحب « الكشّاف »: كُتبت كذلك على لغة من يُفخّم، أي ينحو بالألف منحى الواو، و التّفخيم عكس الإمالة، و هذا بعيد؛ إذ ليسالتّفخيم لغة قريش حتّى يُكتَب

بها المصحف.

و قال المُبَرِّد : كُتب كذلك للفرق بين الرّبا و الزّنى، و هو أبعد، لأنّ سياق الكلام لايترك اشتباهًا بينهما من جهة المعنى إلا في قوله تعالى: { وَ لاتَقْرَبُوا الزِّ نى" } الإسراء : 32، و قال الفَرّ اء: إنّ العرب تعلّموا الخطّ من أهل الحيرة و هم نبط يقولون في الرّبا: رِبَوْ بواو ساكنة، فكُتبت كذلك. و هذا أبعد من الجميع.

و الّذي عندي أنّ الصّحابة كتَبُوه بالواو ليشيروا إلى أصله، كما كتبوا الألفات المنقلبة عن الياء في أواسط الكلمات بياءات عليها ألفات. و كأ نّهم أرادوا في ابتداء الأمر أن يجعلوا الرّسم مُشيرً ا إلى أُصول الكلمات، ثمّ استعجلوا فلم يطّرد في رسمهم، و لذلك كتبوا الزّكاة بالواو، و كتبوا الصّلاة بالواو، تنبيهًا على أنّ أصلها هو الرّكوع من تحريك الصَّلْوَ يْن لامن الاصطلاء.

و قال صاحب « الكشّاف »: و كتبوا بعدها ألفًا تشبيهًا بواو الجمع. و عندي أنّ هذا لامعنى للتّعليل به، بل إنّما كتبوا الألف بعدها عوضًا عن أن يضعوا الألف فوق الواو، كما وضعوا المُنقلب عن ياء ألفًا فوق الياء لئلا يقرأها النّاس الرّ بُو.

و أُريد ب- { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّبو"ا } هنا من كان على دين الجاهليّة، لأنّ هذا الوعيد و التّشنيع لايناسب إلا التّوجّه إليهم، لأنّ ذلك من جملة أحوال كفرهم، و هم لايرعوون عنها ما دامواعلى كفرهم. أمّا المسلمون فسبق لهم تشريع بتحريم الرّبا بقوله تعالى: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا لاتَاْكُلُوا الرِّ بوا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} في سورة آل عمران : 130، و هم لايقولون: { اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّ بوا } فجعل الله هذا الوعيد من جملة أصناف العذاب خاصًّا للكافرين، لأجل ما تفرّع عن كفرهم من وضع الرّبا.

و تقدّم ذلك كلّه إنكار القرآن على أهل الجاهليّة إعطاءهم الرّبا، و هو من أوّ ل ما نعاه القرآن عليهم في مكّة، فقد جاء في سورة الرّوم : 39، { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ زَكو"ة تُريدُ‘ونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِكَ ’هُمُ الْمُضْعِفُونَ} و هو خطاب للمشركين، لأنّ السّورة مكّيّة، و لأنّ بعد الآية قوله: { اَللهُ الَّذى‘ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمّ يُحْييْكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذ "لِكُمْ مِنْ شَىْءٍ}. [إلى أن قال:]

و الرّبا يقع على وجهين: أحدهما: السّلف بزيادة على ما يعطيه المُسلِف.

و الثّاني: السّلف بدون زيادة إلى أجل، يعني فإذا لم يُوف المُستسلِف أداء الدّين عند الأجل، كان عليه أن يزيد فيه زيادة يتّفقان عليها عند حلول كلّ أجل. [إلى أن قال:]

و قولهم: { اِنَّما الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا } قصر إضافيّ للرّدّ على من زعم تخالف حكمهما، فحرّم الرّبا و أحلّ البيع. و لمّا صُرّح فيه بلفظ ( مِِثْل ) ساغ أن يقال: البيع مثلالرّبا، كما يسوغ أن يقال: الرّبا مثل البيع. و لايقال: إنّ الظّاهر أن يقولوا: إنّما الرّبا مثل البيع. لأ نّه هو الّذي قصد إلحاقه به،كما في سؤال < الكشّاف > و بنى عليه جعل الكلام من قبيل المبالغة،

لأ نّا نقول: ليسوا هم بصدد إلحاق الفروع بالأُصول على طريقة القياس، بل هم كانوا يتعاطون الرّبا و البيع، فهما في الخطور بأذهانهم سواء. غير أنّهم لمّا سمعوا بتحريم الرّبا و بقاء البيع على الإباحة سبق البيع حينئذ إلى أذهانهم، فأحضروه ليُثبتوا به إباحة الرّبا، أو أ نّهم جعلوا البيع هو الأصل تعريضًا بالإسلام في تحريمه الرّبا، على الطّريقة المسمّاة في الأُصول بقياس العكس، لأنّ قياس العكس إنّما يُلتجأ إليه عند كفاح المناظرة، لافي وقت استنباط المجتهد في خاصّة نفسه. [إلى أن قال:]

ثمّ اختلف علماء الإسلام في أنّ لفظ الرّبا في الآية باق على معناه المعروف في اللُّغة ، أو هو منقول إلى معنى جديد في اصطلاح الشّرع.

فذهب ابن عبّاس و ابن عمر و معاوية إلى أ نّه باق على معناه المعروف و هو ربا الجاهليّة، أعني الزّيادة لأجل التّأخير. و تمسّك ابن عبّاس بحديث أُسامة < إنّما الرّبا في النّسيئة > و لم يأخذ بما ورد في إثبات ربا الفضل بدون نسيئة. قال الفَخْر: ولعلّه لايرى تخصيص القرآن بخبر الآحاد ، يعني أ نّه حمل { اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ } على عمومه.

و أمّا جمهور العلماء فذهبوا إلى أنّ الرّبا منقول في عرف الشّرع إلى معنى جديد، كما دلّت عليه أحاديث كثيرة، و إلى هذا نحا عمر بن الخطّاب و عائشة و أبو سعيد الخدريّ و عبادة بن الصّامت، بل رأى عمر أنّ لفظ الرّبا نقل إلى معنى جديد و لم يبيَّن جميع المراد منه، فكأ نّه عنده ممّا يشبه المجمل. فقد حكى عنه ابن رشد في المقدّمات أ نّه قال: « كان من آخر ما أنزل الله على رسوله آية الرّبا، فتوفّي رسول الله و لم يفسّرها، و إنّكم تزعمون أ نّا نعلم أبواب الرّبا ، و لأن أكون أعلمها أحبّ إليّ من أن يكون لي مثل مصر و كورها ». قال ابن رشد: و لم يُرد عمر بذلك أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله) لم يفسّر آية الرّبا، و إنّما أراد - و الله أعلم - أ نّه لم يعمّ وجوه الرّبا بالنّصّ عليها. و قال ابن العَرَبيّ: يّن (صلی الله علیه و آله) معنى الرّبا في ستّة و خمسين حديثًا.

و الوجه عندي أن ليس مراد عمر أنّ لفظ الرّبا مجمل، لأ نّه قابله بالبيان و بالتّفسير، بل أراد أنّ تحقيق حكمه في صور البيُوع الكثيرة خفيّ لم يعمّه النّبيّ(صلی الله علیه و آله) بالتّنصيص، لأنّ المتقدّمين لايتوخّون في عباراتهم ما يساوي المعاني الاصطلاحيّة، فهؤلاء الحنفيّة سمّوا المخصّصات بيان تغيير. و ذكر ابن العَرَبيّ في < العواصم >: أنّ أهل الحديث يتوسّعون في معنى البيان و في تفسير الفَخْر عن الشّافعيّ أنّ قوله تعالى:{ وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبو"ا } من المجملات الّتي لايجوز التّمسّك بها، أيبعمومَيْها: عموم البيع و عموم الرّبا، لأ نّه إن كان المراد جنس البيع و جنس الزّيادة لزم بيان أيّ بيع و أيّ زيادة، و إن كان المراد كلّ بيع و كلّ زيادة فما من بيع إلا و فيه زيادة. فأوّ ل الآية أباح جميع البيوع و آخرها حرّم الجميع، فوجب الرّجوع إلى بيان الرّسول .

و الّذي حمل الجمهور على اعتبار لفظ الرّبا مستعملا في معنى جديد، أحاديث وردت عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) من قول أو فعل دلّت على تفسير الرّبا، بما هو أعمّ من

ربا الجاهليّة المعروف عندهم قبل الإسلام، و أُصولها ستّة أحاديث:

الحديث الأوّ ل حديث أبي سعيد الخِدريّ: « الذّهب بالذّهب و الفضّة بالفضّة و البُرّ بالبُرّ و الشّعير بالشّعير و التّمر بالتّمر و المِلح بالمِلح مِثْلا بمِثْل يدً ا بيد ، فمن زاد و ازداد فقد أربى، الآخِذ و المعطي في ذلك سواء ». [ ثمّ ذكر بقيّة الأحاديث و أضاف:]

فلأجل هذه الأحاديث السّ-تّة أثبت الفقهاء ثلاثة أنواع للرّبا في اصطلاح الشّرع:

الأوّ ل: ربا الجاهليّة، و هو زيادة على الدَّين لأجل التّأخير.

الثّاني: ربا الفضل، و هو زيادة في أحد العوضين في بيع الصّنف بصنفه من الأصناف المذكورة، في حديث أبي سعيد و عُبادة بن الصّامت.

الثّالث: ربا النّسيئة، و هو بيع شيء من تلك الأصناف بمثله مؤخّرً ا.

و زاد المالكيّة نوعًا رابعًا: و هو ما يؤول إلى واحد من الأصناف بتهمةالتّحيُّل على الرّبا، و ترجمه في < المدوّنة > ببيوع الآجال، و دليل مالك فيه حديث العالية. و من العلماء من زعم أنّ لفظ الرّبا يشمل كلّ بيع فاسد أخذًا من حديث في تحريم تجارة الخمر، و إليه مال ابن العَرَبيّ.

و عندي أنّ أظهر المذاهب في هذا مذهب ابن عبّاس، و أنّ أحاديث ربا الفضل تُحمَل على حديث أُسامة: < إنّما الرّبا في النّسيئة > ليجمع بين الحديثين. و تسمية التّفاضل بالرّبا في حديثي أبي سعيد و عُبادة ا بن الصّامت دليل على ما قلناه، و أنّ ما راعاه مالك من إبطال ما يُفضي إلى تعامل الرّبا إن صدر من مواقع التّهمة رعي حسن، و ما عداه إغراق في الاحتياط. و قد يؤخذ من بعض أقوال مالك في « الموطّأ »

و غيره: أنّ انتفاء التّهمة لايبطل العقد.

و لامتمسّك في نحو حديث عائشة في زيد بن أرقم، لأنّ المسلمين في أمرهم الأوّ ل كانوا قريبي عهد بربا الجاهليّة، فكان حالهم مقتضيًا لسدّ الذّرائع.

و في« تفسير القُرطُبيّ »: كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أنّ النّهي عن بيع الذّهب بالذّهب و الفضّة بالفضّة متفاضلا إنّما ورد في الدّينار المضروب و الدّرهم المضروب، لافي التّبر و لافي المصوغ، فروى مسلم عن عُبادة بن الصّامت قال: غزونا و على النّاس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنيَة من ذهب، فأمرمعاوية رجالا ببيعها في أعطيات النّاس، فتنازع النّاس في ذلك، فبلغ ذلك عُبادة بن الصّامت فقام فقال: « سمعت رسول الله ينهَى عن بيع الذّهب بالذّهب و الفضّة بالفضّة إلا سواء بسواء عينًا بعين، من زاد و ازداد فقد أربَى ». فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبًا فقال: « ألا ما بال أقوام يتحدّثون عن رسول الله أحاديث قد كنّا نشهده و نصحبه فلم نسمعها منه » فقال عُبادة بن الصّامت : « لنحدّثنّ بما سمعنا من رسول الله و إن كرِه معاوية ».

و الظّاهر أنّ الآية لم يُقصد منها إلا ربا الجاهليّة ، و أنّ ما عداه من المعاملات الباطلة الّتي فيها أكل مال

بالباطل مندرجة في أدلّة أُخرى. (2 : 547)

مَغْنِيّة: وجه المناسبة

موضوع كلّ من الصّدقة و الرّبا هو المال، مع وجود الفارق، لأنّ الصّدقة بذل بلاعوض، و طهارة و زكاة، و تكافل و تضامن، و الرّبا استرداد للمال مع الزّيادة، و طمع و جشع، و دنس و قذارة، و سلب و استغلال. فالمقابلة بينهما من حيث الموضوع مقابلة النّظير للنّظير، و من حيث الحكم و الغاية مقابلة الضّدّ للضّد. و إذا كانت الأشياء تُذكَر بنظائرها فإنّها تُذكَر أيضًا بأضدادها، و لذا جاء حكم الرّبا عقب حكم الصّدقات مباشرةً، و قبل أن نتعرّض لتفسير الآيات نُمهّد بالإشارة إلى تحديد الرّبا في الشّريعة، و دليل تحريمه، و السّبب الموجب له.

تحديد الرّبا:

الرّبا في اللُّغة: الزّيادة، و منه قوله تعالى: { اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ } أي زادت، و في الشّريعة ينقسم إلى ربا النّسيئة، أي القرض، و ربا الفضل، أي الزّيادة بسبب المعاوضة بين متجانسين على التّفصيل التّالي:

و معنى ربا النّسيئة أو القرض: أن يُقرض الإنسان شيئًا لغيره، أيّ شي‌ء كان، و يشترط على المستقرض المنفعة من و راء القرض، سواءٌ أ كانت المنفعة من جنس المال، كمن أقرض عشرة دراهم بشرط أن يردّها أحد عشر، أو من غير جنس المال الّذي أقرضه، كما لو اشترط صاحب المال على المستقرض أن يعمل له عملا ، أو يُعيره كتابًا، أو أيّ شي‌ء، قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): « كلّ قرض جرّ نفعًا فهو حرام » . فلم يفرق بين أنواع النّفع.

أجل، إذا ردّ المستقرض المال، مع الزّيادة تبرّعًا منه، و دون شرط كان له ذلك، و جاز للمُقرض أن يأخذه، فقد كان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يردّ القرض مع الزّيادة، و يقول: < إنّ خير النّاس أحسنهم قرضًا >.

و ينبغي أن نتنبّه إلى أنّ الرّبا يثبت في القرض بشرط الزّيادة و المنفعة إطلاقًا، سواءٌ أكانت العين من نوع المكيل أو الموزون أو المعدود أو المذروع، و سواءٌ أكانت من نوع المال المُقترض، أو من غيره. و بكلمة إنّ ربا القرض لافرق فيه بين عين و عين، و لابين منفعة و منفعة.

أمّا ربا الفضل، و هو الزّيادة في المعاوضة، فيُشترط فيه أمران:

الأوّ ل أن يصدق على كلّ من العوضين اسم الحقيقةالنّوعيّة الّتي توجد فيهما بجميع مقوّماتهما، كبيع الحنطة بالحنطة، أو بيع الحنطة بالدّ قيق، لأنّ الثّاني متفرّع عن الأوّ ل، أو بيع النّشاء بالدّ قيق، لأنّ الاثنين متفرّعان عن أصل واحد، و هو الحنطة. و الدّ ليل على هذا الشّرط قول النّبيّ (صلی الله علیه و آله): «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ». و أجمع الفقهاء الا من شذّ على أنّ الحنطة و الشّعير من جنس واحد.

الشّرط الثّاني: أن يكون العوضان ممّا يُكال أو يوزن، فلاربا فيما يباع عَدًّا كالبيض، و لامشاهدة كالثّوب و الحيوان، فيجوز بيع بيضة ببيضتين، و ثوب بثوبين نقدً ا و نسيئة.

و الخلاصة أنّ الرّبا محرّم في الدَّين إطلاقًا، و في

المعاوضة في خصوص ما يكال أو يوزن معدنًا كان كالذّهب و الفضّة، أو حَبًّا كالحنطة و الشّعير، أو فاكهة أو نباتًا، مع كون الاثنين من جنس واحد. و تكلّمنا عن ذلك مفصّلا في الجزء الثّالث من كتاب فقه الإمام جعفر الصّادق ، فصل « الرّبا ».

التّحريم:

يحرم الرّبا بنصّ الكتاب و السّنّة المتواترة، و إجماع المسلمين كافّة، من يوم الرّسول (صلی الله علیه و آله) إلى اليوم، بل لايحتاج التّحريم إلى دليل، لأ نّه من الواضحات البديهيّة، تمامًا كوجوب الصّلاة، و تحريم الزّنى، و من هنا حكم الفقهاء بكفر من أنكر تحريم الرّبا، لأ نّه ينكر ما ثبت بضرورة الدّين. و كما يحرم أخذ الرّبا يحرم إعطاؤه، فقد جاء في الحديث: « لعن الله الرّبا و آكله و بائعه و مشتريه و كاتبه و الشّاهد عليه ».

سبب التّحريم:

إنّ من يؤمن بالله، و أ نّه المُشرّع الأوّ ل للحرام و الحلال، لايطلب أكثر من وجود الوحي على تحريم الرّبا، و إذا سأل عن السّبب الموجب فلايسأل ليقتنع، بل لمجرّد حُبّ الاطّلاع، أو ليقنع الّذين أشارت اليهم هذه الآية: { وَ اِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَاَزَّتْ قُلُوبُ الَّذينَ‘ لا يُؤْمِنُونَ بِالا_خِرَةِ’ وَ اِذَا ذُكِرَ الَّذينَ‘ مِنْ دُونِهِ اِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } الزّمر : 45، و كيف كان، فقد ذكروا لتحريم الرّبا أسبا بًا:

منها: إنّه يتنافى مع أسمى المبادئ الإنسانيّة، كالبِرّ و التّعاون و التّعاطف.

و منها: إنّه أكل للمال بالباطل، لأنّ المرابي يأخذه بلا عوض.

و إذا قال قائل: إنّ العوض موجود، و هو أنّ صاحب المال قد سلّط المستقرض على ماله، و مكّنه من استغلاله و الانتفاع به، فيكون حال الرّبا تمامًا كحال إيجار الأرض و الدّ ار و الحيوان.

قلنا في جوابه: فرق بعيد بين الإيجار و الرّبا، ذلك أنّ المستأجر غير مسؤول عن العين المستأجرة إذا تلفت، أو أُعيبت إلا إذا تسبّب هو في ذلك، تمامًا كالأجنبيّ، أمّا إذا تُلف الشّي‌ء المقترَض بفتح الرّ اء، فإنّه يُتلَف من مال المستقرض.

و منها: أنّ المرابي يربح دائمًا، و المُستقرِض معرّض للخسارة، و في النّهاية يحتكر المرابي الثّروة بكاملها. و قد تنبّه لهذا العيب بعض أساتذة الاقتصاد الغربيّين الّذين نشأوا فيظلّ النّظام الرّبويّ، و من هؤُلاء الدّكتور شاخت الألمانيّ مدير بنك الرّ ايخ سابقًا، قال من محاضرة ألقاها بدمشق عام 1953:

« يمكننا بعمليّة رياضيّة أن نعلم أنّ جميع المال في الأرض سوف ينتهي إلى عدد قليل جدًّا من المرابين، و ذلك أنّ الدّ ائن المرابي يربح دائمًا في كلّ عمليّة، بينما المدين مُعرَض للرّبح و الخسارة، و من ثمّ فإنّ المال كلّه في النّهاية لابدّ أن يصير إلى الّذي يربح دائمًا. و هذه النّظريّة في طريقها إلى التّحقيق الكامل، فإنّ معظم ملاك المال يملكه بضعة آلاف. أمّا جميع المُلا ك، و أصحاب المصانع الّذين يستدينون من البنوك و العمّال و غيرهم فليسوا سوى أُجَراء، يعملون

لحساب أصحاب المال، و يجني ثمرة كدّهم أُولئك الآلاف ».

و من المتخصّصين بعلم الاقتصاد مَن أثبت أنّ فكرة الرّبا أساسها و مصدرها الأوّ ل اليهود، و أنّ غيرهم أخذها عنهم. و ليس ذلك ببعيد، فإنّ تاريخ اليهود القديم و الحديث يثبت بأنّ إلههم و دينهم و شرفهم و سياستهم هو المال وحده لاشريك له، و أنّ أيّة وسيلة تؤدّي إليه فهي شريفة و نبيلة، حتّى و لو كانت دعارةً، أو تدييثًا، أو قتلا أو سرقةً، أو نفاقًا و رياءً، أو أيّة جريمة و رذيلة.

المعنى: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّبوا لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ }. إنّ الشّيطان لايمسّ أحدً ا، و لاسلطان له على أحدفي الخبل و الصّرع، و إنّما القصد مجرّد التّشبيه و التّقريب لأذهان العرب الّذين يقولون عمّن يُصاب بالصّرع: مسّه الشّيطان. و معنى الآية أنّ حال الّذين يتعاملون بالرّبا، تمامًا كحال المجنون و المصروع الّذي يخبط في تصرّفاته خبط عَشْواء. و روي عن ابن عبّاس: إنّ المرابين يقومون من قبورهم غدً ا كالمصروعين، و يكون ذلك أمارة لأهل الموقف على إنّهم أكلة الرّبا.

(1 : 432)

الطَّباطَبائيّ: الآيات مسوقة لتأكيد حرمة الرّبا و التّشديد على المرابين، و ليست مسوقة للتّشريع الابتدائيّ، كيف ولسانها غير لسان التّشريع، وإنّما الّذي يصلح لهذا الشّأن قوله تعالى: { يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا لا تَاْكُلُوا الرِّبوا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } آل عمران : 130، نعم تشتمل هذه الآيات على مثل قوله: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اتَّ-قُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بوا اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ‘ } البقرة : 278، و سياق الآية يدلّ على أنّ المسلمين ما كانوا ينتهون عن النّهي السّابق عن الرّبا، بل كانوا يتداولونها بينهم بعض التّداول، فأمرهم الله بالكفّ عن ذلك، و ترك ما للغرماء في ذمّة المدينين من الرّبا. و من هنا يظهر معنى قوله:{ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِ-ظَةٌ مِ-نْ رَ بِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَ اَمْرُهُ اِلَى اللهِ...}، على ما سيجيء بيانه.

و قد تقدّم على ما في سورة آل عمران من النّهىقوله تعالى في سورة الرّوم، و هي مكّيّة: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَالِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } الرّوم : 39، و من هنا يظهر أنّ الرّبا كان أمرً ا مرغوبًا عنه من أوائل عهد رسول الله قبل الهجرة، حتّى تمّ أمر النّهى عنه في سورة آل عمران، ثمّ اشتدّ أمره في سورة البقرة بهذه الآيات السّبع الّتي يدلّ سياقها على تقدّم نزول النّهي عليها، و من هنا يظهر أنّ هذه الآيات إنّما نزلت بعد سورة آل عمران.

على أنّ حرمة الرّبا في مذهب اليهود على ما يذكره الله تعالى في قوله: { وَ اَخْذِهِمُ الرِ ّبو"ا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ } النّساء : 161، و يشعر به قوله حكاية عنهم: { لَيْسَ عَلَيْنَا فِى الاُ_مِّيّينَ‘ سَبيلٌ ‘} آل عمران : 75، مع تصديق القرآن لكتابهم و عدم نسخ ظاهر كانت تدلّ على حرمته في الإسلام.

و الآيات - أعني آيات الرّبا - لاتخلو عن ارتباط

بما قبلها من آيات الإنفاق في سبيل الله، كما يشير إليه قوله تعالى في ضمنها: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّ بوا وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ } البقرة : 276، و قوله: { وَ اَنْ تَصَدَّ قُوا خَيْرٌ لَكُمْ }، البقرة : 280، و كذا ما وقع من ذكره في سورة الرّوم و في سورة آل عمران، مقارنًا لذكر الإنفاق و الصّدقة و الحثّ عليه و التّرغيب فيه.

على أنّ الاعتبار أيضًا يساعد الارتباط بينهما بالتّضادّ و المقابلة، فإنّ الرّبا أخذ بلاعوض، كما أنّ الصّدقة إعطاء بلاعوض، و الآثار السّيّئة المترتّبة على الرّبا تقابل الآثارالحسنة المترتّبة على الصّدقة و تحاذيها على الكلّيّة من غير تخلّف و استثناء. فكلّ مفسدة منه يحاذيها خلافها من المصلحة منها لنشر الرّحمة و المحبّة، و إقامة أصلاب المساكين و المحتاجين، و نماء المال، و انتظام الأمر و استقرار النّظام و الأمن في الصّدقة، و خلاف ذلك في الرّبا.

و قد شدّد الله سبحانه في هذه الآيات في أمر الرّبا بما لم يُشدّد بمثله في شيء من فروع الدّين إلا في تولّي أعداء الدّين، فإنّ التّشديد فيه يضاهي تشديد الرّبا. و أمّا سائر الكبائر فإنّ القرآن و إن أعلن مخالفتها و شدّد القول فيها، فإنّ لحن القول في تحريمها دون ما في هذين الأمرين، حتّى الزّنى و شرب الخمر و القمار و الظّلم، و ما هو أعظم منها كقتل النّفس الّتي حرّم الله و الفساد، فجميع ذلك دون الرّبا و تولّي أعداء الدّين.

و ليس ذلك إلا لأنّ تلك المعاصي لاتتعدّى الفرد أو الأفراد في بسط آثارها المشؤومة، و لاتسري إلا إلى بعض جهات النّفوس، و لاتحكم إلا في الأعمال و الأفعال، بخلاف هاتين المعصيتين، فإنّ لهما من سوء التّأثير ما ينهدم به بنيان الدّين و يُعفى أثره، و يفسد به نظام حياة النّوع، و يضرب السّتر على الفطرة الإنسانيّة، و يسقط حكمها فيصير نسيًا منسيًّا، على ما سيتّضح إنشاء الله العزيز بعض الاتّضاح.

و قد صدق جريان التّاريخ كتاب الله فيما كانيُشدّد في أمرهما؛ حيث أهبطت المداهنة و التّولّي و التّحابّ و التّمايل إلى أعداء الدّين الأُمم الإسلاميّة في مهبط من الهلكة صاروا فيها نهبًا منهوبًا لغيرهم، لايملكون مالا و لاعرضًا و لانفسًا، و لايستحقّون موتًا و لاحياةً، فلايؤذن لهم فيموتوا، و لايغمض عنهم فيستفيدوا من موهبة الحياة، و هجرهم الدّين، و ارتحلت عنهم عامّة الفضائل.

و حيث ساق أكل الرّبا إلى ادّخار الكنوز و تراكم الثّروة و السّودد فجَرّ ذلك إلى الحروب العالميّة العامّة، و انقسام النّاس إلى قسمي المثري السّعيد و المعدم الشّقي، و بان البين، فكان بلوى يُدكْدِك الجبال، و يزلزل الأرض، و يُهدّد الإنسانيّة بالانهدام، و الدّنيا بالخراب، ثمّ كان عاقبة الّذين أساؤوا السّوأى.

و سيظهر لك إنشاء الله تعالى إنّ ما ذكره الله تعالى من أمر الرّبا و تولّي أعداء الدّين من ملاحم القرآن الكريم. (2 : 408)

المُصْطَفَويّ: -أي إنّ آكلي الرّبا كمن يسقطه الشّيطان بالضّرب مساسًا، فيخطّون عن مراحل الرّوحانيّة و مقام النّور و الحقيقة، و يتوغّلون في الدّنيا و محبّتها و شهواتها. فليس لهم تعقّل و تفكّر و هدف إلا

العوائد و الغنائم المادّ يّة، راجع:< الخبط >.

فانّهم بمقتضى حالاتهم يقولون:- انّما البيع الّذي أحلّه الله كأخذ الرّبا من جهة الاستفادة و الاسترباح، و هم غافلون عن أنّ الرّبا إنّما يَرْ بُو في أموال النّاس، بخلافالرّبح في البيع.

و استعمال كلمة < الرّبا > في هذا المورد، يدلّ على كونه اسم مصدر، و كذا في قوله تعالى: { وَ اَخْذِهِمُ الرِّ بو"ا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ. }فإنّ أكلَه و أخذه لايصحّ إلا إذا كان بمعنى الاسميّة. (4 : 38)

مكارم الشّيرازيّ: الرّبا في القرآن:

في الآيات الّتي مضت كان الكلام على الإنفاق و بذل المال لمساعدة المحتاجين، و في سبيل رفاه المجتمع. و في هذه الآيات يدور الكلام على الرّبا الّذي يقف في الجهة المضادّة للإنفاق. و الواقع هو أنّ هذه الآيات تُكمّل هدف الآيات السّابقة، لأنّ تَعاطي الرّبا يزيد من الفواصل الطّبقيّة و يُركّز الثّروة في أيدي فئة قليلة، و يُسبّب فقر الأكثريّة، و الإنفاق سبب طهارة القلوب و النّفوس و استقرار المجتمع، و الرّبا سبب البُخل و الحقد و الكراهية و الدّنس.

هذه الآيات شديدة و صريحة في منع الرّبا، و لكن يبدو منها أنّ موضوع الرّبا قد سبق التّطرّق إليه. فإذا لاحظنا تاريخ نزول هذه الآيات تتّضح لنا صحّة ذلك، فبحسب ترتيب نزول القرآن، السّورة الّتي ورد فيها ذكر الرّبا لأوّ ل مرّة هي سورة الرّوم، و هي السّورة الثّلاثون الّتي نزلت في مكّة، و لانجد في غيرها من السّور المكّيّة إشارة إلى الرّبا.

لكن الحديث عن الرّبا في السّورة المكّيّة جاء على شكل نصيحة أخلاقيّة { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فِى اَمْوَالِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } الرّوم: 39 ، أي ‘إنّ قصيري النّظر قد يرون أنّ الثّروة تزداد بالرّبا، و لكنّه لايزداد عند الله.

ثمّ بعد الهجرة، تناول القرآن الرّبا في ثلاث سور أُخرى من السّور الّتي نزلت في المدينة، و هي بالتّرتيب: سورة البقرة، و سورة آل عمران، و سورة النّساء. و على الرّغم من أنّ سورة البقرة قد نزلت قبل سورة آل عمران، فلايُستبعد أن تكون الآية: 130، من سورة آل عمران - و هي الّتي تُحرّم الرّبا تحريمًا صريحًا - قد نزلت قبل سورة البقرة و الآيات المذكورة أعلاه.

على كلّ حال هذه الآية و سائر الآيات الّتي تخصّ الرّبا نزلت في وقت كان فيه تعاطي الرّبا قد راج بشدّة في مكّة و المدينة و الجزيرة العربيّة حتّى غدَا عاملا مهمًّا من عوامل الحياة الطّبقيّة، و سببًا من أهمّ أسباب ضعف الطّبقة الكادحة و طغيان الأرستقراطيّة، لذلك فإنّ الحرب الّتي أعلنها القرآن على الرّبا تُعتَبر من أهمّ الحروب الاجتماعيّة الّتي خاضها الإسلام. [إلى أن قال:]

{ ذ "لِكَ بِاَنَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا } هذه الآية تُبيّن منطق المُرابين، فهم يقولون: ما الفرق بين التّجارة و الرّبا؟ و يقصدون أنّ كليهما يمثّلان معاملة تبادل بتراضي الطّرفين و اختيارهما.

يقول القرآن جوا بًا على ذلك: { اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ

وَ حَرَّمَ الرِّ بوا } و لم يزد في ذلك شرحًا وتفصيلا ، ربّما لوضوح الاختلاف:

فأوّ لا : في صفقة البيع و الشّراء، يكون كلاالطّرفين متساويين بإزاء الرّبح و الخسارة، فقد يربح كلاهما، و قد يخسر كلاهما، و مرّة يربح هذا و يخسر ذاك، و مرّة يخسر هذا و يربح ذاك، بينما في المعاملة الرّبوية لايتحمّل المرابي أيّة خسارة، فكلّ الخسائر المحتملة يتحمّل ثقلها الطّرف الآخر، و لذلك نرى المؤسّسات الرّبويّة تتوسّع يومًا فيومًا، و يكبر رأسمالها بقدر اضمحلال و تلاشي الطّبقات الضّعيفة.

وثانياً: في التّجارة و البيع و الشّراء يسير الطّرفان في الإنتاج والاستهلاك، بينما المرابي لايخطو أيّة خطوة إيجابيّة في هذا المجال.

و ثالثًا: بشيوع الرّبا تجري رؤُوس الأموال مجرى غير سليم و تتزعزع قواعد الاقتصاد الّذي هو أساس المجتمع، بينما التّجارة السّليمة تجري فيها رؤُوس الأموال في تداول سليم.

و رابعًا: الرّبا يتسبّب في المخاصمات و المنازعات الطّبقيّة، بينما التّجارة السّليمة لاتجرّ المجتمع إلى المشاحنات و الصّراع الطّبقيّ. (2 : 240)

فضل الله: أكل مال الرّبا

الحديث في هذه الآيات عن الرّبا من خلال الواقع المتمثّل في شخصيّة المرابي و اختلاط الصّورة في ذهنه، من جهة، و في حركة الرّبا في حياة المرابي مقارنًا بالصّدقة في حياة المتصدّق في حساب الله من جهة أُخرى، ثمّ الملاحقة لهذا الواقع من أجل الدّعوة إلى التّخلّص منه و تغييره بالموعظة الحسنة، و التّرغيب بما عند الله من ثواب للسّائرين على خطّ التّقوى، الّذينلايريدون أن يظلموا أحدً ا كما لايريدون أن يظلمهم أحد. فإذا لم ينسجموا مع هذا الخطّ و لم يتوبوا إلى الله الّذي يقف بهم عند خطّ العدل في الأشياء، فليتحمّلوا مسؤوليّة إعلان الحرب عليهم من الله و رسوله، ما يعني المواجهة بالعُنف في خطوات الشّريعة في الدّنيا، و في عذاب الله في الآخرة؛ حيث يُوفّي الله كلّ نفس بما كسبت و هم لايظلمون.

تلك هي الصّورة الإجماليّة المتحصّلة من هذه الآيات المتحدّثة عن الرّبا في خطوات الواقع، الّذي كان البعض من المؤمنين مستمرّين عليه بعد نزول آيات التّحريم، الّتي ربّما كانت من الآيات الواردة في سورة آل عمران : 130، { يَ-اءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا لاتَاْكُلُواْ الرِّبوا اَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }، و استمرار هذا الواقع الرّبويّ، بعد نزول آيات التّحريم، قد يكون ناتجًا عن طبيعة النّظام الاقتصاديّ الّذي كان يسود المجتمع العربيّ، لاسيّما مجتمع المدينة الّذي كان خاضعًا للسّيطرة الماليّة للمرابين اليهود، كما هو شأنهم في كثير من المجتمعات الّتي يعيشون فيها. فكان لابدّ من الحملة المشدّدة الّتي تواجه هذا الواقع بأُسلوبٍ عنيف، لتكون عنصرً ا رادعًا للانحراف عن الخطّ المستقيم.

و ربّما كان ترتيب آيات الرّبا إلى جانب آيات الإنفاق في سبيل الله، من أجل الإيحاء بالجوّ الطّيّب الطّاهر الّذي يعيشه الإنسان المتصدِّق في مشاعر

الخير، المنسابة مع مشاعر الإيمان فيإنسانيّتها الباحثة أبدً ا عن مواقع الخير في حياة النّاس الّذين يحتاجون إلى الإعانة و الهداية و القُوّة و التّسديد. فقد يشعر الإنسان الّذي عاش أجواء الانحراف، بالحاجة إلى أن يعيش الأجواء الأُخرى الّتي تُوحي له بالتّغيير من ناحية الإحساس المُرهف الجديد الّذي يتنفّسه في تلك الأجواء.

و لعلّ هذا الأُسلوب القرآنيّ يمثّل الطّريقة العمليّة الرّوحيّة للهداية من خلال المقارنة بين النّموذجين بالكلمة، ما يوحي بالحاجة إلى المقارنة بينهما في حركة الواقع في الحياة، كما يمكن الاستفادة من ذلك في حركة الفنّ التّمثيليّ المسرحيّ الّذي يحاول أن يعرض صورة الإنسان الطّيّب الّذي يعيش روح العطاء و الرّحمة إزاء الآخرين، إلى جانب صورة المرابي الشّرّير الّذي يتغذّى على آلام الآخرين و يتاجر بمآسيهم؛ حيث يتمثّل لنا الوجه المُشرق الجميل للإنسان في مقابل الوجه المظلم البَشِع له، و ذلك في الأجواء التّربويّة الّتي نريد إثارتها أمام الأجيال الطّالعة من وحي القرآن الكريم.

و الآن لابدّ لنا من وقفة قصيرة مع الرّبا، ما شأنه؟ و ما هي مضارّه الأخلاقيّة و الاجتماعيّة؟ و ما هي كلمات المدافعين عنه؟ ثمّ الانطلاق بعد ذلك في وقفات متنوّعة مع الآيات الكريمة في أُسلوب تفسيريّ تفصيليّ.

الرّبا في سلبيّاته الأخلاقيّة و الاجتماعيّة

الرّبا، هو الزّيادة و النّموّ للأشياء، و يراد بههنا بيع المتماثلين جنسًا و كمّيّةً بزيادة في أحدهما، أو إقراض مال بزيادة مادّ يّة عينيّة، كإقراض عشرة في مقابل خمسة عشر أو بزيادة معنويّة أو حُكميّة، كإقراض عشرة بعشرة بشرط صياغة خاتم أو خياطة ثوب. و لكلّ منهما حُكمه المتنوّع في تفاصيله في كتب الفقه، ممّا لاشأن لنا به الآن.

أمّا مضارّه الأخلاقيّة، فقد أراد الله للإنسان أن يتفاعل مع أخيه الإنسان، لاسيّما إذا كان أخاه في الإيمان، و ذلك بأن يصنع المعروف إليه في ما يحتاجه من شؤون العيش و في ما يواجهه من مشاكل الحياة، فيشاركه آلامه و همومه، و يحاول أن يُخفّفها عنه بالكلمة و البسمة و الحركة و العمل، لتنفتح الحياة الإنسانيّة على البُعد الرّوحيّ الّذي يُغني إنسانيّة الإنسان و يرفع من مستواها الرّوحيّ. فلاتعود العلاقات مجرّد مبادلات تجاريّة تقوم على استغلال فرص الرّبح في كلّ شيء مهما كانت الأوضاع و الظّروف، و ترتكز على قاعدة المنفعة المادّ يّة، بل يبقى لله حساب في داخل هذه العلاقات؛ بحيث يُفكّر الإنسان بالثّواب من عنده و بالعمل على الحصول على رضاه، بعيدً ا عن رضا طرف العلاقة الآخر و عدم رضاه، ممّا يجعل التّضحية مكسبًا، و الخسارة المادّ يّة ربحًا. فنحن نعطي، لأنّ الله هو الّذي يدفع لنا الثّمن من ثوابه في الدّنيا و الآخرة، و نحن نتجاوز الرّبح، لأنّ الله هو الّذي يعوّضنا عنه ثوا بًا مضاعفًا في مستقرّ رحمته.

و قد أطلق الإسلام هذه الرّوح في اتّجاهين:

الأوّ ل: اتجّاه العطاء الّذي لايبحث عن البدل حتّى في الحساب المماثل للعطاء من ناحية مادّيّة، بل يبحث عن الانطلاق من العطاء في ذاته كقيمة روحيّة يريد بها ما عند الله، لا ما عند النّاس؛ و ذلك هو ما يتمثّل في الصّدقة الّتي تقوم على العطاء دون مقابل قربةً إلى الله، و بذلك كانت عبادة كبقيّة العبادات الّتي تُقرّب الإنسان إلى الله.

الاتّجاه الثّاني: هو اتّجاه القرض الّذي يتمثّل في دفع المال المُقترِض على أن يكون مضمونًا عليه بمثله، فيجب عليه أن يدفعه للمقرض عند حلول الأجل. و في هذا المجال يلتقي العنصر المادّيّ الّذي يُفكّر فيه الإنسان بحفظ ماله في ذمّة المقترض ليرجع إليه بعد حين، بالعنصر الرّوحيّ الّذي يُفكّر فيه الإنسان بالتّضحيّة بالزّيادة الّتي قد يأخذها الآخرون، في مقابل تجميد هذا المال مدّة من الزّمن، و حرمانه من منافعه التّجاريّة الّتي يُمكّنه أن يحرّكها في طريق تحصيل الرّبح؛ و ذلك هو مورد القربة إلى الله في هذا العمل الّذي عُبّر عنه في القرآن و في الحديث بالقرض الحسن. فإنّ ذلك هو سبيل الوصول إلى محبّة الله و رضاه، لما يشتمل عليه هذا العمل من حلّ لمشكلة هذا الإنسان الواقع تحت ضغط الحاجة إلى المال الّذي يسدّ به خَلّته.

و قد وردت الأحاديث المتنوّعة الّتي تتحدّث عن القرض الحسن في أُسلوب تشجيعيّ، يجعله أفضل من الصّدقة في بعض المجالات.فقد ورد أن ّدرهم الصّدقة بعشر، أمّا درهم القرض فبثمانية عشر. و ربّما كان ذلك من أجل مواجهة نزعة الرّبح الّتي قد تُدفَع إلى الرّبا، و ذلك بتحويلها إلى التّفكير بالرّبح في الدّ ار الآخرة، بالإيحاء بأ نّها ترقى إلى أعلى من مستوى الصّدقة، ممّا يُرضي طموح المُقرضين الّذين قد لايستريحون للصّدقة من ناحية ذاتيّة.

هذا من جهة، و من جهة أُخرى: ربّما كان درهم القرض متحرّكًا في حلّ أكثر من مشكلة لأكثر من شخص، ممّا يعطيه معنى الامتداد و النّموّ، عندما يعود من يد المُقترض ليتحوّ ل إلى مقترض آخر، ممّا يوجب تضاعف جانب العطاء في المسألة، بينما يذهب درهم الصّدقة ليحلّ مشكلةً واحدةً لإنسان واحد، ثمّ لايعود.

إنّ الإسلام أراد للإنسان أن يعيش حسّ العطاء في نوعيه، بعيدً ا عن التّفكير المادّيّ، لتعيش العلاقات الإنسانيّة في نطاق البُعد الرّوحيّ، كما تعيش حركتها في نطاق البُعد المادّيّ. و هذا ما لايتحقّق في المعاملات الرّبويّة الّتي تخلق في داخل نفس المُقرِض شعورً ا بالجشع و الاستغلال و الفرح بآلام الآخرين و مشاكلهم، و العمل على زيادة الأزمات المادّ يّة و المعنويّة الّتي تساعد في شدّة حاجتهم إليه. أمّا المقترض، فإنّه يشعر بالحقد إزاء المرابي من خلال المشاكل الّتي يخلقها الرّبا في حياته، و يتنامى هذا الحقد حتّى يتحوّ ل إلى عقدة نفسيّة ضاغطة، كما يعيش الإحساس بالقهر و الحرمان و الجدب العاطفيّ أمامالنّاس الّذين لايتعاطفون معه، بل يعملون على زيادة آلامه و مشاكله، ممّا يجعله واقعًا تحت ضغط الشّعور

بالغربة و الوحدة الرّوحيّة في الحياة.

الرّبا في سلبيّاته الاقتصاديّة

أمّا الجانب الاقتصاديّ في الموضوع فيتمثّل في عدّة نقاط سلبيّة:

1 - أنّ الزّيادة الّتي يأخذها المرابي هي في مقابل لاشيء، لأنّ المفروض في ربا البيع، التّماثل في النّوع و في الكَمّ، فلايحقّق التّبادل منفعة لكلّ منهما زائدة على ما يملكه من منفعة سلعته، لتكون الزّيادة في مقابل تلك الخاصّة الزّ ائدة على ما يدفعه للآخر. أمّا ربا القرض فكذلك، في ما عدا الأجل - و سنرى في ما يأتي أنّ الأجل لايصلح أن يكون أساسًا للزّيادة في القرض - فإذا كان الأمر على هذا الشّكل، فإنّ الزّيادة تكون أكلا للمال بالباطل، لأ نّه مال يكسبه من دون أن يقدّم في مقابله عملا أو خدمةً أو إنتاجًا.

2 - أنّ الرّبا يؤدّي إلى زيادة فقر الفئات المستضعفة، و تضخّم ثروات الفئات الغنيّة الّتي تملك رؤُوس الأموال، لأنّ الفقير ينطلق في استقراضه من موقع حاجته إلى هذا المبلغ، فإذا انطلق في مجالات العمل، فإنّ الحاجة ستتضاعف، بينما يواجه العامل عَبْء الزّيادة الّتي يضطرّ إلى اقتطاعها من أرباحه ليُوفّرها للدّ ائن. و هكذا يأخذ الزّيادة من حاجاته الأساسيّة إذا اضطرّ إلى أن يضغط على تلك الحاجات، أو تضيف إلى دَيْنه دَيْنًا جديدً ا و زيادةً جديدةً إذالم يستطع أن يُقلّص حاجاته إلى المستوى الأدنى.

و هكذا، حتّى يسقط في قبضة المرابي حقيرً ا ضعيفًا، ممّا يُسيء إلى طبيعة العلاقات في المجتمع، و يحوّلها إلى ما يُشبه الثّورة، إن لم يكن إلى ثورة تأكل الأخضر و اليابس، كما نشاهده في وقتنا المعاصر.

3 - أنّ الرّبا عادةً، يؤدّي إلى تجمّع الثّروات المادّيّة في أيدي جماعة من النّاس، و هم أصحاب الأموال الضّخمة الّذين يستغلّون حاجات المجتمع، فيفرضون لأنفسهم النِّسَب المِئَويّة على رأس المال، ممّا يؤدّي إلى نموّ رأس المال على حساب حاجة المستضعفين الّذين يمثّلون الفئة المُنتِجة في المجتمع. و في هذه الحال يتحوّ ل العامل إلى إنسان يكدح لمصلحة الرّ أسماليّ من دون مقابل، ممّا يوجب استنزاف الطّاقة المنتجة لغير مصلحتها، كما يؤدّي بالأغنياء إلى السّيطرة على الحياة الاجتماعيّة و السّياسيّة و الاقتصاديّة للمحافظة على الظّروف الموضوعيّة لحرّ يّة الاستغلال و لحماية حركة رأس المال في التّزايد و التّضخّم بلاعمل أو جهد، الأمر الّذي يؤدّي إلى استضعاف الشّعوب من قبل الطُّغاة و المستكبرين، و يهيّئ للاستعمار الّذي ينهب ثروات المستضعفين، و يحوّلهم إلى طاقة استهلاكيّة لامجال لها إلا الاستقراض الدّ ائم على حساب حاجاتها الحيَويّة و عزّتها وكرامتها.

و هذا ما نواجهه في كثير من الأوضاع السّياسيّة و الاقتصاديّة للشّعوب الضّعيفة الّتي تعيش تحت ضغط الشّركات الاحتكاريّةفي العالم. و في هذا يقول الدّكتور شاخت، الخبير الاقتصاديّ المعروف، في ما ينقله عنه صاحب تفسير< الكاشف> في محاضرة ألقاها في دمشق عام: 1953، م: « يمكننا بعمليّة رياضيّة أن نعلم أنّ جميع المال في الأرض سوف ينتهي

إلى عدد قليل جدًّ ا من المرابين؛ و ذلك أنّ الدّ ائن المرابي يربح دائمًا في كلّ عمليّة، بينما المدين مُعرّض للرّبح و الخسارة. و من ثمّ فإنّ المال كلّه في النّهاية لا بدّ أن يصير إلى الّذي يربح دائمًا >. و هذه النّظريّة في طريقها إلى التّحقيق الكامل، فإنّ معظم مِلاك المال يملكه بضعة آلاف، أمّا جميع الملا ك و أصحاب المصانع الّذين يستدينون من البُنُوك و العمّال و غيرهم، فليسوا سوى أُجراء، يعملون لحساب أصحاب المال، و يجني ثمرة كدّهم أُولئك الآلاف.

شبهات حول تحريم الرّبا

ربّما يطرح إنسان بعض الأفكار حول تحريم الرّبا.

1 - أنّ الزّيادة في القرض حقّ للمرابي، لأنّ المال الّذي يدفعه للمُقترِض يُتيح له الفرصة للعمل و للرّبح، تمامًا كما هو حال صاحب الدّ ار الّذي يُتيح للمستأجر فرصة الانتفاع بالسُّكنى، فيأخذ الأُجرة في مقابل ذلك. فالقضيّة في مجملها، هي أن تكون الزّيادة في مقابل المنفعة، فكيف يكون ذلك أكلا للمال بالباطل؟ و نُجيب على ذلك، بأنّ المنفعة في الدّ ار هي أمر حقيقيّ قائم بالدّ ار، و هي ملك لصاحبها كما هي الدّ ار ملك له، فيستحقّ العوضعليها من مُستثمرها الّذي لايتحمّل أ يّة مسؤوليّة في ما يحدث للدّ ار إذا لم يكن هناك اعتداء من قبله. فإذا تلف شيء من الدّ ار من دون تعدّ ولاتفريط، فإنّ المالك هو الّذي يتحمّله وحده، أمّا رأس المال في القرض، فإنّ العامل يتحمّل مسؤوليّته، بالإضافة إلى الزّيادة، من دون أن يتحمّل صاحب المال شيئًا، فهو رابح دائمًا. بينما يكون العامل مُعرّضًا للرّبح و الخسارة، ممّا يعني أنّ القضيّة ليست انتفاعًا بمال الآخرين في مقابل أُجرة، بل القضيّة هي الانتفاع بماله الّذي يتملّكه بالقرض في مقابل ضمانه له و تحمّله لمسؤوليّته، ممّا يجعل بين الأمرين فرقًا كبيرًا.

2 - أنّ الزّيادة المأخوذة في معاملة الرّبا ليست زيادةً في الحقيقة، بل هي تعويض لصاحب المال عن الخسارة الطّارئة بسبب ضعف القوّة الشّرائيّة للعُملة على مرور الزّمن. و ربّما تكون الخسارة أكثر من التّعويض، كما نشاهده في العُملات الّتي تهبط إلى أكثر من النّصف، بينما تكون الزّيادة بنسبة خمسة بالمائة أو أكثر أو أقلّ قليلا ، و ذلك من خلال الأوضاع الاقتصاديّة المرتبكة.

و نجيب على ذلك: أنّ القضيّة إذا كانت على هذا الأساس، فكيف نصنع بالحالة الاقتصاديّة الّتي تساهم في رفع سعر العُملة، فهل يتوقّف الدّ ائن عن طلب الزّيادة، أم يظلّ على موقفه في حالة الزّيادة و النّقصان؟ إن ّفكرة التّعويض لاتنسجم مع طبيعة قانون الرّبا الّذي لايراعيالدّ قّة في هذا الجانب في ما يفرضه من زيادة ثابتة في جميع الأحوال.

هذا مع ملاحظة مهمّة، و هو أنّ الواقع الرّبويّ يتحرّ ك في تحديد الزّيادة بالمستوى الّذي يتناسب مع الواقع الاقتصاديّ؛ بحيث يضمن الرّبح لنفسه في حالة ضعف القيمة للنّقد، فيحقّق التّوازن من خلال الفائدة الممدّدة. و إذا كان انخفاض القوّة الشّرائيّة مشكلةً

للدّ ائن، فإنّها تتحوّ ل إلى مشكلة للمدين الّذي لاينتفع بما أخذه من المال إلا في نطاق الوضع الاقتصاديّ، ممّا يجعله خاسرً ا في الحالين، ممّا يدفعه من الفائدة، و ممّا ينقص من قيمة المال الّذي أخذه.

و لو كانت المسألة كما يقول السّؤال، لابتعد المرابون عن الأخذ بالرّبا، لأ نّه لايمثّل ربحًا لهم، بل يمثّل خسارةً أو بقاءً للمال من دون ربحٍ في النّتيجة، و لكنّنا نجد أنّ النّظام الرّبويّ لايزال يتعاظم على مستوى الأفراد و الجماعات و الدّول، لأنّ الخلل في حجم قيمة النّقد ليس قاعدة ثابتة، بل هي خاضعة لحركة الأوضاع السّياسيّة و الأمنيّة و الاقتصاديّة، الّتي لاتمثّل سقوطًا كبيرً ا، بل تمثّل حركة تتوازن فيها الزّيادة و النّقصان؛ بحيث إذا ارتفعت القيمة اليوم بنسبة معيّنة انخفضت غدً ا بنسبة خاصّة، ممّا يجعل التّعويض حاصلا من الحركة الاقتصاديّة نفسها.

و إذا كانت بعض الأوضاع الاقتصاديّة و الأمنيّة تفرض سقوط العُملة بدرجة قريبة من الإلغاء، فإنّ ذلك لايمثّل قاعدة عامّة، بل يمثّل حالةً طارئةً لاتملكالشّمول في الواقع العالميّ.

3 - و قد تُثار- في هذا الجانب - قضيّة حيَويّة، و هي أنّ بعض النّاس قد يحتاجون إلى أن يحرّكوا أموالهم في اتّجاه الرّبح من دون أن يُقدّموا عملا عضويًّا أو فكريًّا في ذلك: إمّا لعجزهم عن العمل، و إمّا لظروف ذاتيّة خاصّة. فما هي الطّريقة إلى تحقيق ذلك، بدلا من الرّبا؟! و قد يُضيف هؤلاء، إنّنا نعرف أنّ الرّبح لايتحرّ ك من خلال العمل، بل ينطلق من عنصرين: رأس المال، و العمل. فلولا المال لما تمكّن العامل من التّجارة، و لما استطاع صاحب المصنع أن يصل إلى ما يريده من مستوى الإنتاج، فلابدّ من أن يكون لرأس المال حصّة من أجل تحقيق العدالة و التّوازن في هذا المجال.

و نجيب على ذلك: بأنّ الإسلام قد وضع حلا عمليًّا يرتكز على المزاوجة بين رأس المال و بين العمل، و هو المضاربة، الّتي تمثّل الشّركة بين صاحب المال و بين العمل؛ بحيث تكون النّتيجة لهما على حسب الاتّفاق بينهما في مقدار الحصّة لأيّ منهما في حالة الرّبح، كما أنّ الخسارة في حال حدوثها تلحق رأس المال، تمامًا كما يخسر العامل عمله. و بذلك يتمّ التّوازن في حركة المال نحو الرّبح من دون عمل، و حركة العمل نحو الرّبح من دون رأس مال، فيتحمّل كلّ منهما خسارة الجانب الّذي يقدّمه في حالة الخسارة، كما يحصل كلّ منهما على الرّبح في حالة الرّبح. فهذا هو الحلّ الإسلاميّ العمليّ الّذي يحرّ ك رأس المال و القوىالمنتجة على حدّ سواء، على أساس العدل.

4 - هناك من يقول: إنّ تحريم الرّبا يؤدّي إلى شلل في الاقتصاد على مستوى الفرد و المجتمع، لأنّ معنى ذلك هو إلغاء المصارف و العلاقات الاقتصاديّة القائمة في حياة النّاس على أساس الرّبا، ممّا يجعل من التّحريم أمرً ا غير واقعيّ و لاعمليّ، فلايكون صالحًا للتّطبيق، فلابدّ من تجميده في هذه الظّروف من أجل مصلحة الإنسان الّتي قد تواجه بعض السّلبيّات في

مقابل الكثير من الإيجابيّات.

و نجيب على ذلك: بأنّ كلّ حكم إسلاميّ - تحريمًا أو إيجابًا أو إباحةً، لايمكن أن نعرف واقعيّته و علاقته بالحلّ الشّامل لمشكلة الإنسان، إلا من خلال مقارنته بالأحكام الأُخرى الّتي تلتقي معه في إيجاد الحلّ، لأنّ الإسلام يمثّل - في أيّة مشكلة من مشاكل الواقع - كُلا مترابط الأجزاء، أو هيكلا متناسق الخصائص في ما يطلقه من تشريعات لتحقيق الحلّ الأفضل الشّامل. و هذا هو ما نفهمه في موضوع تحريم الرّبا، فإنّنا لانستطيع معرفة سلبيّاته و إيجابيّاته في نطاق النّظام الرّأسماليّ الّذي يمثّل الرّبا العمود الفقريّ له، و لايمكن أن نفكّر في إلغاء الرّبا، مع إبقاء العلاقات الاقتصاديّة على ما هي عليه، لأ نّنا لانتحدّث عن التّحريم على أساس الأمر الواقع، بل من موقع العمل على تغيير النّظام، في قواعده و أُسُسه الاجتماعيّة و الاقتصاديّة و السّياسيّة، الأمر الّذينعرف فيه الإيجابيّات العمليّة لتحريم الرّبا في الخطّة الإسلاميّة المتكاملة.

و قد يُطرَح سؤال جديد في هذا المجال: هل معنى ذلك أنّ التّحريم ينتظر ولادة الدّولة الإسلاميّة و تحقيق النّظام الإسلاميّ الشّامل، فلاموقع للتّحريم في ظلّ النّظام الإسلاميّ، تمامًا كما هو الحال في التّشريعات المنطلقة من مضمون العقيدة الماركسيّة أو غيرها الّتي لايدعو إليها و اضعوها، إلا في نطاق ولادة النّظام الكامل المستند إلى القاعدة الفكريّة، فلامجال لها على المستوى الفرديّ لأ نّها لا تحلّ أيّة مشكلة للإنسان؟

و نجيب عن ذلك: أنّ هناك فرقًا بين النّظام الإسلاميّ في تشريعاته العامّة و الخاصّة، و بين الأنظمة المادّ يّة الأُخرى، فإنّ الإسلام قد انطلق من قاعدة بناء شخصيّة الإنسان الفرديّة و الاجتماعيّة على أساس الجوانب الأخلاقيّة و الرّوحيّة، بالإضافة إلى الجوانب الأُخرى المادّ يّة. و في ضوء ذلك، لم يكن الحلّ الشّامل للمشكلة هو كلّ شيء في حركة التّشريع في حياته، بل كانت هناك العناصر الرّوحيّة و الأخلاقيّة الّتي تبني له شخصيّته، لتعزله عن التّ-يّار المنحرف في المجتمع، الأمر الّذي يجعل التّشريع حيًّا في النّطاق الفرديّ لتحقيق تلك العناصر، و إن لم يتوفّر له الحركة في النّطاق الاجتماعيّ.

و لذلك رأينا الأحكام الشّرعيّة باقية في مدى الزّمن خارج نطاق حكم الإسلام، من أجل بناء الإنسان المسلم على أساس الإسلام في قيمه الرّوحيّة والمادّ يّة - ولو كان ذلك بشكل جزئيّ - الأمر الّذي يعيش معه المسلم حياته اليوميّة في ما يأكل و يشرب، و يلبس و يتعامل، أو في ما يُنشئ من علاقات في أجواء إسلاميّة طاهرة، يتنفّس فيها جوّ الإسلام و روحانيّته، و يعيش فيها روحيّة القرب إلى الله من خلال طاعته، و يتحمّل في ذلك الصّعوبات النّفسيّة و العمليّة، لأ نّه يشعر أنّ هدف حياته هو تحقيق رضا الله في ما يأمر به أو ينهى عنه، سواء حقّق له ذلك الحلّ لمشكلته في إطار جزئيّ أو كلّيّ، أو لم يحقّق له ذلك.

فإنّ الحياة كلّها تتلخّص عنده في كلمة واحدة، هي أن يحقّق الإنسان من خلالها إرادته التّابعة لإرادة

الله الخالق الواحد. و لهذا كان الرّبا محرّمًا على المسلمين حتّى في نطاق النّظام الرّبويّ، و ربّما أوقع ذلك المسلمين في مشاكل عمليّة معقّدة، و ربّما وضعت لهذه المشاكل بعض الحلول الفقهيّة الّتي يحصل الإنسان فيها على نتائج الرّبا من دون أن تقترب من أجوائه

و أخلاقه في ما يسمّى « بالحيل الشّرعيّة » الّتي شرعت بوحي الحالات الطّارئة الضّاغطة الّتي يراد من خلالها الفرار من الحرام إلى الحلال. و لكنّ المسلم - كما ألمحنا إلى ذلك - يشعربالسّعادة في هذه المعاناة ما دامت تُحقّق رضا الله في أُموره الخاصّة و العامّة، و ينطلق - بعد ذلك - من خلال وعيه لعُمق المشكلة في حياته الّتي يعيش فيها الازدواجيّة بين ما تفرضه الشّريعة، و ما يطلبه القانون إلى العمل في سبيل إقامة الحكم الإسلاميّالشّامل الّذي يقود الحياة كلّها إلى شريعة الله. أمّا الأنظمة الأُخرى، فإنّها لاتدرس الإنسان من حيث هو كائن روحيّ أو أخلاقيّ، بل كلّ ما عندها هو الجانب المادّيّ من حياته، و لذا فإنّها تفكّر له من خلال حاجاته المادّيّة، بل ربّما يعتبر بعضها الحاجات الرّوحيّة وجهًا من وُجوه الحاجات المادّ يّة، الأمر الّذي يؤدّي بها إلى أن تجد في السّير على أيّ تشريع من التّشريعات عبثًا لاطائل تحته في المجال الفرديّ، إذا لم يحقّق الحلّ للحالة العامّة.

إنّ الإسلام يريد للإنسان أن يعيش في مناخ روحيّ و عمليّ في كلّ جوانب حياته، ليصوغ نفسه على صورة عقيدته، فلاينفصل عن الصّورة في أيّ وجه من وُجوه الحياة، ممّا يُعطي للطّاعة في الأُمور الجزئيّة بُعْدً ا روحيًّا و عمليًّا في الأُمور الكلّيّة على المدى الطّويل. و في هذا الإطار نستطيع أن نقرّر الحقيقة التّالية، و هي أنّ الإسلام لم ينفصل عن خطّ التّطبيق العمليّ في الحياة في حركة الإنسان اليوميّة، منذ انطلق إلى يومنا هذا، و إن اختلف الحال بين المجالات الخاصّة و العامّة.

هذا هو بعض الحديث عن الجانب التّحليليّ لتحريم الرّبا في القرآن، و يبقى لنا الجانب التّفسيريّ التّفصيليّ لآياته الكريمة. [إلى أن قال: ]

مع بعض الباحثين حول خصائص الرّبا القرآنيّ و خصائص معاملات المصارف

ذكر بعض الباحثين في الرّبا القرآنيّ عدة خصائص :

أ - الخاصّة الأُولى: أنّالمدين محتاج للصّدقة عملا بظروف الدّين، و لذلك فهو مظلوم بأخذ الرّبا منه.

ب - الخاصّة الثّانية: أنّ الدّ ائن ينفرد وحده بالمنفعة من الرّبا، و يستغلّ أبشع استغلال لظروف ذلك المحتاج للصّدقة، و لذلك فهو «ظالم» قد استحقّ الوعيد الكبير إن لم يذر الرّبا مع مدينه عملا بقوله تعالى: { فَاِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ } .

ج - الخاصّة الثّالثة: أ نّه مجرّد تنمية لمال الدّائن في أموال المدينين، و استغلال لحاجاتهم من غير تجارة ينتفع بها الطّرفان، و لذلك شجب الله سبحانه و تعالى هذه التّنمية الظّالمة، فقال تعالى أوّ لا : { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ

رِبًا لِيَر ْبُوَا فى اَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ} الرّوم: 39، ثمّ أكّد ذلك بإعلان حرمتها بشدّة، فقال تعالى: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوا } مشيرًا إلى العمل التّجاريّ الّذي ينتفع به الطّرفان في كلمة «البيع» و إلى فقدان ذلك في الرّبا الّذي لا ينتفع به إلا طرف واحد .

د - الخاصّة الرّابعة: ذلك قوله سبحانه في أكلة الرّبا: { اَ لَّذينَ يَاْكُلُونَ الرِّبو"ا لا يَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى ‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذ "لِكَ بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبو"ا وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوا } و ذلك لأنّ هؤلاء قد استعجلوا الأرباح، فأتوها من غير طريق التّجارة، و هو طريق استغلال ظروفالمحتاجين للصّدقة الّذين قلّما يستطيعون وفاء ديونهم و ما ترا كم عليها من ربا المرابين، و لذلك فإنّ هذه المقامرة في استغلال حاجة غير القادر على الوفاء و مضاعفة الرّبا عليه كلّما حلّ الأجل و عجز عن الوفاء، تجعل من هؤُلاء المستغلّين عند عجز المدين عن الوفاء كالّذي يتخبّطه الشّيطان من المسّ، لأ نّه فقد رأس ماله فوق فقده لأرباحه الاستغلاليّة، بعد أن كان ينتظر هذه الأضعاف المضاعفة بفارغ الصّبر.

ه- - الخاصّة الخامسة: أ نّه زيادة طارئة في الدّين تفرض على محتاج للصّدقة و تشترط عليه بعد حلول أجل الدّين و عجز المدين عن الوفاء، و تلك هي زيادة بعقد جديد مستقلّ عن العقد الأوّل، و لا يقابلها في هذا العقد الجديد غير تأجيل الاستيفاء من المدين أي «الإنساء»، و هو ربا النّساء القطعيّ من غير أيّ نفع مادّيّ للمدين، لأنّ التّأجيل ليس بمال ينتفع به المدين في طعامه أو تجارته، في حين أنّ الزّيادة في الرّبا للدّ ائن كانت زيادة إليه و قد اقتصرت فقط عليه من دون مقابل للمدين، و هذا من أعظم أكل أموال النّاس بالباطل من غير تجارة و لا رضًا، و قد قال الله سبحانه و تعالى: { لا تَاْكُ-لُوا اَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ اِلا اَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍٍ}، و لذلك كان ظلمًا صريحًا، و قد حرّمه القرآن الكريم في قوله تعالى: { وَ اِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُ ؤُسُ اَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لاتُظْلَمُونَ} البقرة: 279، و استحقّالدّائن عليه الوعيد الكبير من الله سبحانه حيث قال تعالى: {يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ ا"مَنُوا اتَّ-قُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بو"ا اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ‘* فَاِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ } البقرة: 278 ، 279.

أمّا خصائص معاملات المصارف فهي كما يلي:

أ - الخاصّة الأُولى: إنّ الدّائن هو دائمًا من «صغار المالكين لرأس المال» غير أ نّه يملك «سيولة صغيرة» أي و فرا قليلا لا يستطيع استثماره، و أمّا «المدين»، فهو دائمًا من «كبار المالكين» لرأس المال، غير أ نّه لا يملك أ يّة سيولة لتسيير أعماله الكُبرى، و ذلك بسبب توظيفه لكلّ و فر لديه في أعماله و مشاريعه الكبرى، و هكذا يتّضح هنا أنّ الّذي يحتاج للآخرين في المعاملات المصرفيّة هم دائمًا «الأغنياء الكبار» الّذين يمدّون أيديهم لوفر «المالكين الصّغار» دون العكس، و بالنّتيجة، فإنّ هؤلاء الأغنياء الكبار لا تحلّ لهم صدقة المالكين الصّغار في ما لو طلبنا إلى هؤلاء

الصّغار أن يتوبوا و يتصدّ قوا برؤوس أموالهم على المدينين الأغنياء كفّارة لهم عمّا سلف، عملا بقوله تعالى: { وَ اَنْ تَصَدَّ قُوا خَيْرٌ لَكُمْ } البقرة: 280، و هذه أولى الخصائص في المعاملات المصرفيّة الّتي تختلف تمامًا عن «الخاصّة الأُولى» في الرّبا القرآنيّ، حيث إنّ المدين في الرّبا القرآنيّ محتاج للصّدقة، و ينبغي التّصدّق عليه برأس مال الدّين، بينما الأمر على العكس فيالمدين في المعاملات المصرفيّة.

ب - الخاصّة الثّانية: و على ضوء ما تقدّم في الخاصّة الأُولى في هذه المعاملات، فإنّه من الواضح أنّ الدّائن هنا و هو المالك الصّغير لا يختص وحده بالمنفعة دون المدين كما هو الحال في الرّبا القرآنيّ، و لا يستغلّ مدينًا محتاجًا للصّدقة، بل يشترك مع الأغنياء من الكبار في المنفعة بموجب عقد رضائيّ تجاريّ لا استغلال فيه، و هذه أيضًا ثاني الخصائص في المعاملات المصرفيّة الّتي تختلف تمامًا عن «الخاصّة الثّانية في الرّبا القرآنيّ»، حيث إنّ المدين في الرّبا القرآنيّ لا منفعة له، و إنّما المنفعة قاصرة على الدّائن وحده، بينما الأمر مختلف في المدين في المعاملات المصرفيّة، لأنّ المدين و هو المالك الكبير، مشترك في المنفعة مع «الدّائن» و هو المالك الصّغير، و ذلك باستثماره أموال الدّين بما فيه مصلحة الجميع.

ج - الخاصّة الثّالثة: «في المعاملات المصرفيّة». و على ضوء ما تقدّم أيضًا في الخاصّتين المسابقتين في هذه المعاملات، فإنّ المعاملة المصرفيّة ليست مجرّد تنمية لمال الدّائن وحده من أموال المدينين كما هو الحال في الرّبا القرآنيّ، و إنّما هي تجارة من نوع جديد جرى التّعارف عليها، و دعت إليها حاجة النّاس أجمعين، حتّى أصبحت مصالحهم في معاشهم لا تتمّ إلا بها و ينتفع بها الطّرفان المعطي و الآخذ، و لو لا هذه المعاملة،لفاتت المنفعة في آن واحد على المعطي و الآخذ و تعطّلت مصالح الطّرفين، و لذلك قال المرحوم رشيد رضا في فتاواه: «و لا يخفى أنّ المعاملة الّتي ينتفع و يرحم فيها الآخذ و المعطي، و الّتي لولاها لفاتتهما المنفعة معًا، لا تدخل في تعليل: { لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ} البقرة: 279، لأ نّها ضدّه، و أنّ المعاملة الّتي يقصد بها الاتّجار لا القرض للحاجة، هي من قسم البيع، لا من قسم استغلال حاجة المحتاج، و يُشير بذلك إلى قوله تعالى: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبو"ا} و يؤيّد هذا المبدأ في شرعيّة المنفعة الّتي لا ضرر بها على حدّ قول الإمام موفّق الدّين بن قدّامة في المغني: < أنّ ما فيه مصلحة من غير ضرر بأحد فهو جائز، و أنّ الشّرع لا يرد بتحريم المصالح الّتي لا ضرر فيها، و إنّما يرد بمشروعيّتها> و كذلك قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: «إنّ كلّ ما لا يتمّ المعاش إلا به فتحريمه حرج و هو منتف شرعًا».

و يؤخذ من كلّ ذلك أنّ «الدّائنين» في المعاملات المصرفيّة إنّما هم من صغار المالكين و لم يستغلّوا «المدينين» الّذين هم كلّهم هنا من كبار المالكين، بل قد يتبادلون المنافع معهم بصورة تجاريّة و عقد رضائيّ من غير أن يكون هناك ظالم أو مظلوم. و هذه هي أيضًا ثالث الخصائص في المعاملات المصرفيّة الّتي

تختلف تمامًا عن الخاصيّة الثّالثة في «الرّبا القرآنيّ»، حيث إنّ الرّباالقرآنيّ هو مجرّد تنمية لمال «الدّ ائن» وحده في أموال المدينين، بينما الأمر مختلف في «المدين» في المعاملات «المصرفيّة»، حيث إنّ كلا من «الدّائن و المدين» مشترك في المنفعة بعقد رضائيّ لا إلجاء فيه و لا استغلال.

د - الخاصّة الرّابعة: في «المعاملات المصرفيّة»، فإنّ المتعاملين فيها معطيًا و آخذًا كلّهم مستريح البال، و ذلك لقيام إدارة المصرف نيابةً عنهما باتّخاذ جميع الإجراءات و الضّمانات اللا زمة لسلامة المعاملة على السّواء لمصلحة «الدّائن و المدين»، بينما الأمر على عكس ذلك في «الرّبا القرآنيّ» القائم في الأصل على توظيف أموال الدّائنين لدى العاجزين عن وفاء الدّين طبعًا بالأضعاف المضاعفة من دون أيّ ضامن لذلك، و يكفي في ذلك مقامرة تجعل الدّائنين لا يقومون في كلّ ساعة إلا كما يقوم الّذي يتخبطّه الشّيطان من المس ، و ذلك لما تأتيهم الأخبار و المعلومات الأكيدة من سوء أحوال مدينيهم و عجزهم عن الوفاء، و هذه هي أيضًا رابع الخصائص في المعاملات المصرفيّة الّتي تختلف فيها تمام الاختلاف عن «الرّبا القرآنيّ»، و ذلك لاضطراب هؤلاء كالّذي يتخبطّه الشّيطان من المسّ، بينما الأمر على عكس ذلك تمامًا من أمن و راحة بال لدى المتعاملين في المعاملات المصرفيّة.

ه- - الخاصّة الخامسة : في «المعاملات المصرفيّة» ، فإنّ الزّيادة فيها إنّما تشترط في أصل عقد الدّين لأغراض تجاريّة مع مدينينأغنياء من رجال الأعمال و ليست طارئة عند حلول الأجل مع المدين المحتاج للصّدقة، و ذلك ما يجعلها في الأصل ذات صفة تجاريّة في المعاملات المصرفيّة، أي في مقابل منافع متبادلة، و هذا كما ترى هو على خلاف الزّيادة في «الرّبا القرآنيّ» المحرّمة الّتي لا تشترط فيه إلا على رجل محتاج للصّدقة و بعد حلول أجل الدّين و عجز المدين عن الوفاء .

و يتابع هذا الباحث القول: و بعد هذه المقارنة الواضحة بين خصائص الرّبا القرآنيّ المحرّم قطعًا، و بين خصائص المعاملات المصرفيّة، اتّضح للنّاظر أنّ خصائص المعاملات المصرفيّة، لا تتّفق في حالة ما مع خصائص الرّبا القرآنيّ، و لذلك فهي شي‌ء جديد لا يخضع في حكمه للنّصوص القطعيّة في «الرّبا القرآنيّ» المحرّم، و هذا ما يوجب علينا النّظر فيها من خلال مصالح العباد و حاجاتهم المشروعة اقتداء برسول الله (صلی الله علیه و آله) في إباحته «بيع السّلم» رغم ما فيه من بيع غير المحدود، و بيع ما ليس عند البائع ما قد نهى عنه رسول (صلی الله علیه و آله) في الأصل، و قد أجمع العلماء على أنّ إباحة «السّلم» كانت لحاجة النّاس إليه، و هكذا فقد اعتمد العلماء على السّلم و على أمثاله من نصوص الشّريعة في إباحة الحاجات الّتي لا تتمّ مصالح النّاس في معاشهم إلا بها.

و يخلص الباحث من خلال ذلك كلّه إلى أن المصارف في حالتها الحاضرة و وفقًا لقوانينهاالعالميّة، إنّما هي حاجة من حاجات العباد، و لا تتمّ مصالح معاشهم إلا بها، فلم يكن من الجائز التّسرّع و الحكم

عليها بأنّها من الرّبا المقطوع فيه، و ذلك لأنّ حظرها يوقع العباد في حرج في معاشهم لا مثيل له، بل يهدّد كيان الدّولة و الأُمّة، و يقضي نهائيًّا على مصالحهم الاقتصاديّة المشروعة، و أنّ الحرج كما عرفت ممنوع بنص القرآن الكريم .

مناقشة النّظريّة

و نلاحظ على هذه الدّراسة أ نّها انطلقت ممّا نقله صاحبها عن الإمام أحمد، و هو أنّ القرآن الكريم كلّما ذكر الرّبا بسوء، أوصى الدّائن بالصّدقة على مدينه. و لهذا استفاد من الآيات أنّ المدين محتاج للصّدقة عملا بظروف الدّين، و لذلك فهو مظلوم، كما هي الخاصّة الأُولى في الرّبا القرآنيّ، و لكنّ المسألة المطروحة في الآيات هي الحديث عن الرّبا باعتباره مظهرًا من مظاهر الحالة النّفسيّة المعقّدة الّتي تختزن في داخل الذّات الإحساس بالذّاتيّة في الحصول على المال بأ يّة طريقة، فلا تنفتح على الآخرين، و هذا ما يوحي به قوله تعالى:{ َالَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّبو"ا لا يَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } ، فهو الإنسان المصروع الّذي يعيش الاهتزاز النّفسيّ أمام نوازع الذّات الّتي هي عالمه المنغلق على الآخرين، إلا في نطاق حاجاتهاو أطماعها.

أمّا الحديث عن الصّدقة، فإنّه يأخذ بعد السّلوك الأخلاقيّ الّذي يعبّر عنروحيّة العطاء في داخل النّفس من خلال الإحساس بحاجة الآخر المحروم إليه، لتكون الصّدقة مظهر تفاعل معه و انفتاح عليه في دائرة التّكافل الاجتماعيّ، كخطّ عامّ في البرنامج الأخلاقيّ العمليّ الإنسانيّ في نموذج الشّخصيّة المنفتحة على الآخرين، في كلّ المجالات العامّة و الخاصّة في الحياة، فليست القضيّة مقتصرة على الحالة الخاصّة الّتي يدور الأمر فيها بين التّصدّق على المدين و أخذ الرّبا منه.

أمّا التّعبير بالظّالم هنا في المرابي و المظلوم في المدين فليس ملحوظًا جانب انفراد الدّ ائن وحده بالمنفعة، بينما يخضع المدين لاستغلاله في حاجته، بل الملحوظ فيه هو عدم أخذ المدين رأس المال الّذي هو ملك الدّائن و إرجاع الفائدة إلى المدين لأ نّها غير مشروعة، فليس المراد بالظّلم هنا، الحالة العمليّة الّتي تنطلق من حاجة المظلوم و استغناء الظّالم، بل المراد به عدم إعطاء صاحب الحقّ حقّه، سواءً أ كان غنيًّا أم فقيرًا، ممّا يجعله مظلومًا من قبل المدين إذا منعه من رأس المال، فيكون المدين ظالمًا له في ذلك. و من خلال ذلك، نعرف أنّ الآية ليست واردة في النّظرة إلى المسألة الرّبويّة من حيث المبدأ، بل هي واردة في مرحلة تصفية المعاملة الرّبويّة و إعادتها إلى الخطّ الشّرعيّ في إرجاع الفائدة إلى المدين، و إعادة رأس المال إلى الدّائن، باعتبار أنّ السّلب هنا و هناك يمثّللونًا من ألوان الظّلم.

و على ضوء ذلك ، يمكن لنا أن نقرّر المبدأ الإسلاميّ في تشريع العدل للنّاس كافّة من الأغنياء و الفقراء و رفض الظّلم للجميع من خلال النّظرة إلى طبيعة السّلوك بعيدًا عن شخصيّة الظّالم و المظلوم من ناحية الوضع الاجتماعيّ السّلبيّ و الإيجابيّ، و هذا ما

نستوحيه من قوله تعالى: { يَا ءََ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا كُونُوا قَوَّامينَ‘ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِّٰ وَ لَوْ عَلى اَنْفُسِكُمْ اَوِ الْوَالِدَ يْنِ وَ الاَ_ قْرَبينَ‘ اِنْ يَكُنْ غَنِيًّا اَوْ فَقيرًا‘ فَاللهُ اَوْلى" بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى اَنْ تَعْدِلُوا} النّساء: 135، فقد جعل المسألة منطلقة من طبيعة القضيّة بعيدًا عن أيّ شي‌ء آخر في صفة النّاس الّذين يرتبطون بها، فلا يشهد الإنسان لمصلحة الفقير بالباطل، ضدّ الغنيّ الّذي يملك الحقّ، لأنّ مثل هذه الحالة العاطفيّة الإنسانيّة لا تحلّ مشكلة الفقير، بل تعقد المشكلة العامّة الّتي قد تطال الفقير في نهاية الأمر، أمّا مسألة الغنى و الفقر، فإنّها خاضعة للتّدبير الإلهيّ في إدارة شؤون الإنسان في الحياة.

أمّا الخاصّة الثّالثة من الرّبا القرآنيّ، و هي أنّ الرّبا مجرّد تنمية لمال الدائن في أموال المدينين و استغلال لحاجاتهم من غير تجارة ينتفع بها الطّرفان، فإنّ ذلك قد لا يمثّل مشكلة في ذاته إلا من خلال ما يعبّر عنه من حالة نفسيّة خانقة منغلقة، تتّصل بالواقع الإنسانيّ في أبعاده العامّة، و قد يطرح الرّبويّون في مقابل ذلكأنّ المدين قد ينتفع بالمال الّذي يأخذه دينًا للاتّجار به، باعتبار أ نّه يحلّ له مشكلة عدم وجود رأس مال للعمل و الإنتاج لديه، و إذا كان الباحث يستند إلى الآية الكريمة: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَا فى اَمْوَِالِ النَّاسِ فَلا يَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } باعتبار أنّ الله يرفض للإنسان أن ينمي ماله في أموال النّاس، فإنّنا نردّ عليه بأنّ الظّاهر من الآية أنّ الله يريد أن يبيّن له أ نّه إذا كان يستهدف الحصول على الزّيادة من خلال الرّبا، فإنّه لن يحقّق لنفسه إلا زيادة مادّ يّة لا تجديه شيئًا عند الله الّذي هو الأساس الّذي ينبغي للإنسان أن يرتكز عليه و يقصده في كلّ أعماله، لأنّ{ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍٍ}النّحل: 96، فلا بدّ له من أن يطلب الزّيادة بالإقبال على دفع ا زّكاة الّتي يضاعفها له الله، و هكذا نرى أ نّها ليست واردة في مقام رفض الزّيادة في أموال النّاس لأ نّها تتحقّق بالتّجارة، حتّى لو كان الفرق بينها و بين الرّبا، انتفاع الطّرفين في التّجارة و اقتصار الانتفاع في الرّبا على الدّائن كما قيل إلا أنّ ذلك ليس بفارق من حيث اشتراكهما في تنمية المال في أموال النّاس.

أمّا تفسيره قوله تعالى: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّبوا لا يَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذ "لِكَ بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبو"ا وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبو"ا} بأنّهم استعجلوا الأرباح فأتوها عن غير طريق التّجارة، و هو طريق استغلال ظروف المحتاجينللصّدقة الّذين قلّما يستطيعون وفاء ديونهم و ما تراكم عليها من ربا المرابين، فإنّنا نلاحظ عليها أنّ الآية بعيدة كلّ البعد عن هذا المعنى، بل هي واردة في مقام الحديث عن حالة التّخبّط الفكريّ و العمليّ الّتي تصيب المرابي، كما شرحناه في أوّل الحديث عن الآيات .

و تبقى النّقطة الخامسة من خصائص الرّبا القرآنيّ، و هي أ نّه زيادة طارئة في الدّين تفرض على محتاج للصّدقة و تشترط عليه بعد حلول أجل الدّين و عجز المدين عن الوفاء، و تلك هي زيادة بعقد جديد

مستقلّ عن العقد الأوّل، و لا يقابلها في هذا العقد الجديد غير تأجيل الاستيفاء من المدين، أي «الإنسان»، و هو ربا النّساء القطعيّ من غير أيّ نفع مادّيّ للمدين ... إلى آخر كلامه. فإنّنا نلاحظ عليه، أنّ هذا المنطق قد يرد عليه القائلون بحلّيّة الرّبا، من أنّ للأجل قسطًا من الثّمن، و لذلك يزاد في ثمن السّلعة الّتي تباع نسيئة بلحاظ الأجل، كما أنّ المدين قد يحتاج إلى إبقاء المال لديه من أجل تطوير تجارته بالاحتفاظ برأس المال مدّة أُخرى، فيكون وزان الأجل الجديد وزان الأجل القديم الّذي لوحظ في البيع زيادة الثّمن في مقابله في ضمن الثّمن العامّ، فلا تكون الزّيادة - على هذا - أكلا للمال بالباطل.

إنّنا لا نقصد تبرير كلام المرابين بما ألمحنا إليه، بل نقصد أنّ مجرّد هذا التّبرير للحرمة في كلام الباحث، ليس بعيدًا عن النّقض و المناقشة من الجانب الآخر.

و في ضوء ذلك كلّه، فإنّالاستنتاج الّذي أكّده الباحث من اختلاف الرّبا المصرفيّ عن الرّبا القرآنيّ، بحيث يكون الموضوع فيه غير الموضوع في القرآن فلا تشمله الحرمة، لأنّ الدّائنين في المصارف هم المالكون الصّغار، و المدينون هم المالكون الكبار، فلا يكون موردًا للصّدقة كما هو في المورد القرآنيّ، و لأنّ المنفعة هنا مشتركة بين الدّائن بما يأخذه من الفائدة و المدين بما يستثمره من رأس المال، بينما تختص بالدّائن في الرّبا القرآنيّ، و لأنّ المعاملة المصرفيّة ليست مجرّد تنمية للمال في أموال النّاس، بل هي تجارة من نوع جديد ممّا يتّصل بحاجة النّاس، و لأنّ الدّائن مضطرب الحال في الرّبا القرآنيّ لعجز المدين، بينما هو مستريح البال لغناه و لكون المصرف مؤسّسة منظّمة ترعى المال و تضمنه لصاحبه من دون خوف، و لأنّ الزّيادة في المصارف تشترط لأغراض تجاريّة بينما الزّيادة في القرآن لا تشترط إلا على رجل محتاج للصّدقة.

إنّنا نرفض هذا الاستنتاج من خلال الإشارة إلى الاختلاف المذكور، لأ نّه قائم على الاستفادة الضّيّقة في الرّبا القرآنيّ بأ نّه وارد في مورد المحتاج العاجز عن الوفاء، و هو غير ظاهر كما ذكرنا، بل هو وارد في مقام الحديث عن النّظام الاقتصاديّ الّذي ينطلق فيه النّاس في حياتهم العامّة في معاملاتهم بعيدًا عن شخصيّة الدّائن و المدين، و هكذا في قضيّة اشتراك المنفعة هنا في المصارف و اختصاصها بالدّائن فيالرّبا القرآنيّ، فإنّ الملحوظ هو التّركيز على الانتفاع بالرّبا من دون نظر إلى ما يفعله المدين من استثمار المال في حاجاته و في مشاريع أُخرى.

و هكذا تنطلق المناقشة في الإشارة إلى أنّ ربا المصارف يمثّل تجارةً، فإنّنا لا نفهم معنى ذلك في طبيعة المعاملة الرّبويّة في مدلولها الموضوعيّ، لأنّ مسألة التّجارة خارجة عن المعاملة و يمكن أن تحصل في الرّبا القرآنيّ عند ما يستثمر المدين رأس المال في أعمال تجاريّة صغيرة تدرّ عليه الرّبح.

أمّا قضيّة راحة البال في المعاملة المصرفّية و اضطرابه في المعاملة الرّبويّة القرآنيّة، فهو قد يكون صحيحًا في الحالات العامّة، و لكن ذلك قد يحدث في المصارف من خلال الاهتزازات الاقتصاديّة العامّة

و الخاصّة الّتي تؤدّي إلى إفلاس المصرف و عجزه عن الدّفع ممّا يلتقي و الرّبا القرآنيّ.

إنّ القضيّة الّتي تفرض نفسها في الآيات القرآنيّة، هي أنّ القرآن الكريم عالج المسألة الرّبويّة من عدّة جوانب و ربطها بالجانب الإيمانيّ في شخصيّة المؤمن في الدّاخل إلى جانب الواقع العمليّ في حركته في الحياة، و رأى أنّ القضيّة تتّصل بالنّظام الاقتصاديّ العامّ من خلال نوعيّة التّعامل الرّبويّ الّذي إذا اختزن بعض الإيجابيّات في الحياة العامّة، فإنّ سلبيّاته أكثر. هذا مع ملاحظة جديرة بالاهتمام، و هي أنّ مسألة الرّبا مرتبطة بالتّخطيط الر أسماليّ للاقتصاد، فلا يجوز إدخالها في التّخطيط الإسلاميّ للحياة الاقتصاديّة، لأنّ ذلك يعني وضع التّشريع المنطلق من قاعدة معيّنة مختلفة في داخل دائرة قاعدة أُخرى لا تتّصل بتلك القاعدة من قريب أو بعيد.

و هناك نقطة حيويّة لا بدّ من ملاحظتها في ربا المصارف، و هي أ نّه يوجب تراكم الثّروة في جماعة معيّنة من النّاس الّذين قد يحرّكونها في المضاربات التّجاريّة الّتي قد تؤدّي إلى الأزمات الاقتصاديّة من جهة و ازدياد فقر الفقراء من جهة أُخرى، لأنّ ما يأخذونه من الفائدة يفقدونه في التّعقيدات الاقتصاديّة و غلاء الأسعار، بل ربّما يخسرون رأس المال من جهة أُخرى، و هذا ما نشاهده في المجتمع الرّبويّ اليوم.

هل الآية شاملة لربا المعاوضة؟

الظّاهر من آيات الرّبا، أ نّها مختصّة بربا القرض، و ذلك من خلال الرّوايات الواردة في أسباب النّزول الّتي تتحدّث عن الواقع الرّبويّ في الجاهليّة المتمثّل بالزّيادة على رأس المال في مقابل الزّيادة على الأجل عند حلوله مع ملاحظة مقابلة البيع للرّبا، ممّا يوحي بأ نّهما معاملتان مختلفتان، كما أنّ الظّاهر من قوله تعالى: { وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبو"ا} البقرة: 278، و قوله تعالى: { وَ اِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ اَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَ لا تُظْلَمُونَ} البقرة: 279، هو الإشارة إلى الزّيادة النّقديّة على رأس المال الّذي أخذه المدين. و في ضوء ذلك، فإنّ ربا المعاوضة لا بدّمن الرّجوع فيه إلى السّ-نّة الشّريفة، و الله العالم. و قد ذكر في< مجمع البيان> أنّ هذه الآية هي آخر آية نزلت على رسول الله (صلی الله علیه و آله) و لم يعش بعدها إلا واحدًا و عشرين يومًا . فإذا صحّ ذلك، فإنّ معناه أنّ الآية تمثّل النّداء الأخير الّذي يوجّهه الله في وحيه إلى عباده، و يلخّص فيه كلّ مسئوليّات الإنسان في الحياة بالسّير على خطّ التّقوى الّذي يستمدّ الإنسان قوّة الاستمرار فيه و الإلحاح عليه من التّفكير في اليوم الّذي يرجع فيه إلى الله، فيحصل الإنسان فيه على كلّ ما عمل إن خيرًا فخير و إن شرًّا فشرّ. إنّه الحظّ و الزّاد، كما قال تعالى في آية أُخرى : { وَ تَزَوَّ دُوا فَاِنَّ خَيْرَ الزَّ ادِ التَّ-قْوى وَ اتَّ-قُون ِيَا اُولِى الاَ_ لْبَابِ} البقرة: 197 . [ و لاحظ : خ ب ط : <يتخبَّطَهُ> و : ب ي ع : < البيع> و: م ح ق : <يَمْحَقُ> و : أ ج ر : <اَجْرَهُمْ> و : ذ ر و : <ذَرُو ا> ] (5 : 124 - 162)

2 - يَمْحَقُ اللهُ الرِّبوا وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَ اللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّار اَثيمٍ‘. البقرة : 276

النّبيّ(صلی الله علیه و آله): الرّبا و إن كثُر فإلى قُلّ .

(الطّبَريّ 3 : 105)

الطَّباطَبائيّ: قوله تعالى: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّ بوا وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ } يُبيّن حال الرّبا و الصّدقة في أثرهما، سواءٌ كانا نوعيّين أو فرديّين، و المَحْق من لوازم الرّبا لاينفكّ عنه، كما أنّ الإرباء من لوازم الصّدقة لاينفكّ عنها، فالرّبا ممحوق و إن سمّي ربًا، و الصّدقة ربًا رابية و إنلم تسمّ ربًا، و إلى ذلك يُشير تعالى: { يَمْحَقُ اللهُ الرِّ بو"ا وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ } بإعطاء وصف الرّبا للصّدقات بأقسامها. و توصيف الرّبا بوصف يضادّ اسمه بحسب المعنى، و هو الانمحاق.

و بما مرّ من البيان يظهر ضعف ما ذكره بعضهم: أنّ مَحْق الرّبا ليس بمعنى إبطال السّعي و خسران العمل بذهاب المال الرّبويّ، فإنّ المشاهدة و العيان يكذّبه. و إنمّا المراد بالمحق: إبطال السّعي من حيث الغايات المقصودة بهذا النّوع من المعاملة، فإنّ المرابي يقصد بجمع المال من هذا السّبيل لذّة اليُسر و طيب الحياة و هناء العيش، لكن يشغله عن ذلك الوَلَه بجمع المال و وضع درهم على درهم، و مبارزة من يريد به أو بماله أو بأرباحه سوءً، و الهموم المتهاجمة على نفسه من عداوة النّاس و بُغض المعوزين له، و وجه ضعفه ظاهر.

و كذا ما ذكره آخرون: إنّ المراد به مَحْق الآخرة و ثواب الأعمال الّتي يعرض عنها المرابي باشتغاله بالرّبا، أو الّتي يبطلها التّصرّف في مال الرّبا كأنواع العبادات. وجه الضّعف: أ نّه لاشكّ أنّ ما ذكروه من المَحْق لكنّه لادليل على انحصاره في ذلك.

وكذا ضعف ما استدلّ به المعتزلة على خلود مرتكب الكبيرة في النّار، بقوله تعالى: {وَ مَنْ عَادَ فَاُولئ-ِكَ ’اَصْحَابُ النَّارِ...} البقرة : 275، و قد مرّ ما يظهر به تقرير الاستدلال و الدّفع جميعًا. (2 : 421)

مكارم الشّيرازيّ:الم-َحْق: النّقصان التّدريجيّ، و الرّبا هو النُّموّ التّدريجيّ. فالمُرابي بما لديه من رأسمال و ثروة يستحوذ على أتعاب الطّبقة الكادحة، و قد يؤدّي عمله هذا إلى القضاء عليهم، أو يبذر على الأقلّ بذور العِداء و الحِقد في قلوبهم؛ بحيث يُصبحون بالتّدريج متعطّشين إلى شرب دماء المرابين، و يُهدّدون أموالهم و أرواحهم. فالقرآن يقول: إنّ الله يسوق رؤُوس الأموال الرّبويّة إلى الفناء،إنّ هذا الفناء التّدريجيّ الّذي يحيق بالفرد المرابي يحيق بالمجتمع المرابي أيضًا.

و بالمقابل، فالاشخاص الّذين يتقدّمون إلى المجتمع بقلوب مليئة بالعواطف الإنسانيّة، و ينفقون من رؤُوس أموالهم و ثرواتهم يقضون بها حاجات المحتاجين من النّاس، يحظون بمحبّة النّاس و عواطفهم عمومًا، و أموال هؤُلاء، فضلا عن عدم تعرّضها لأيّ خطر تنمو بالتّعاون العامّ نموًّ ا طبيعيًّا. و هذا ما يعنيه القرآن بقوله: { وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ }.

و هذا الحكم يجري في الفرد كما يجري في المجتمع، فالمجتمع الّذي يعني بالحاجات العامّة تتحرّ ك فيه الطّاقات الفكريّة و الجسميّة للطّبقة الكادحة الّتي تؤلّف أكثريّة المجتمع و تبدأ العمل، و على أثر ذلك يظهر إلى حيّز الوجود ذلك النّظام الاقتصاديّ القائم

على التّكافل و تبادل المنافع العامّة. (2 : 245)

وهنا مطالب راجع: < يُرْبى >.

3 - يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بو"ا اِنْ كُنْ-تُمْ مُؤْمِنينَ‘. البقرة : 278

الضّحّاك:كان رِبًا يتبايعون به في الجاهليّة، فلمّا أسلموا أُمِروا أن يأخذوا رؤُوس أموالهم.

(الطّبَريّ 3 : 107)

السُّدّيّ: نزلت هذه الآية في العبّاس بن عبد المطّلب و رجلٍ من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهليّة، يُسلفان في الرّبا إلى أُناس من ثقيف من بني عمرو، و هم بنو عمرو بن عمير، فجاء الإسلام و لهما أموال عظيمة في الرّبا، فأنزل الله { ذَرُوا مَا بَقِىَ } من فضل كان في الجاهليّة من الرّبا.

(الطّبَريّ 3 : 107)

الطّبَريّ:يقول:اتركوا طلب ما بقي لكم من فضل على رؤُوس أموالكم الّتي كانت لكم قبل أن تُرْبوا عليها.

و ذكر أنّ هذه الآية نزلت في قوم أسلموا و لهم على قوم أموال من ربًا كانوا أربُوه عليهم، فكانوا قد قبضوا بعضَه منهم، وبقي بعض، فعفا الله جلّ ثناؤه لهم عمّا كانوا قد قبضوه قبل نزول هذه الآية، و حَرّم عليهم اقتضاء ما بقي منه. (3 : 106)

الماوَرْديّ: قوله عزّ و جلّ: { وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بوا" } محمول على أنّ من أربى قبل إسلامه، و قبض بعضه في كُفره و أسلم و قد بقي بعضه، فما قبضه قبل إسلامه معفوّ عنه لايجب عليه ردّ، و ما بقي منه بعد إسلامه حرام عليه لايجوز له أخذه، فأمّا المراباة بعد الإسلام فيجب ردّه فيما قبض و بقي ، فيردّ ما قبض و يسقط ما بقي، بخلاف المقبوض في الكفر، لأنّالإسلام يَجُبّ ما قبله. (1 : 352)

الطُّوسي: ظاهره تحريم ما بقي دَيْنًا من الرّبا، و إيجاب أخذ رأس المال دون الزّيادة على جهة الرّبا.

(2 : 366)

نحوه الواحديّ. (1 : 397)

ابن عَطيّة: سبب هذه الآية أنّه كان الرّبا بين النّاس كثيرً ا في ذلك الوقت، و كان بين قريش و ثقيف ربًا فكان لهؤلاء على هؤلاء، فلمّا فتح رسول الله(صلی الله علیه و آله) مكّة قال في خطبته في اليوم الثّاني من الفتح: ألا،كُلّ ربًا في الجاهليّة موضوع، و أوّ ل ربًا أضعه ربا العبّاس ابن عبد المطّلب، فبدأ(صلی الله علیه و آله) بعمّه و أخصّ النّاس به، و هذه من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه و خاصّته فيستفيض حينئذ في النّاس، ثمّ رجع رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى المدينة، و استعمل على مكّة عُتاب بن أسيد فلمّا استنزل أهل الطّائف بعد ذلك إلى الإسلام اشترطوا شروطًا، منها ما أعطاه رسول الله(صلی الله علیه و آله) و منها ما لم يُعطِه، و كان في شروطهم أنّ كلّ ربًا لهم على النّاس فإنّهم يأخذونه، و كلّ ربًا عليهم فهو موضوع. فيروى أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله) قرّر لهم هذه ثمّ ردّها الله بهذه الآية، كما ردّ صُلحه لكفّار قريش في ردّ النّساء إليهم عام الحديبيّة

و ذكر النّقّاش روايةً أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله)< أمر أن يكتب في أسفل الكتاب لثقيف: لكم ما للمسلمين و عليكم ما عليهم > فلمّا جاءت آجال رباهم بعثوا إلى

مكّة للاقتضاء و كانت الدّيون لبني المغيرة و هم بنو عمرو بن عمير من ثقيف، و كانت لهم على بني المغيرة المخزوميّين،فقال بنو المغيرة: لاتُعطي شيئًا، فإنّ الرّبا قد وُضع و رفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد بمكّة فكتب به إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله) فنزلت الآية، و كتب بها رسول الله (صلی الله علیه و آله) إلى عتاب فعلمت بها ثقيف، فكفت. هذا سبب الآية على اختصار مجموع ممّا روى ابن إسحاق و ابن جُرَيْج و السُّدّيّ و غيرهم، فمعنى الآية اجعلوا بينكم و بين عذاب الله وقايةً بترككم ما بقي لكم من ربًا وصفحكم عنه. (1 : 374)

الطَّبْرِسيّ: بيّن سبحانه حكم ما بقي من الرّبا، فقال:{ يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُو اتَّقُوا اللهَ } في أمر الرّبا، و في جميع ما نهاكم عنه،{ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بوا } أي و اتركوا ما بقي من الرّبا، فلاتأخذوا، و اقتصروا على رؤُوس أموالكم. (1 : 392)

الفَخْرالرّ ازيّ: في الآية مسائل:

المسألة الأُولى: اعلم أ نّه تعالى لمّا بيّن في الآية المتقدّمة أنّ من انتهى عن الرّبا فله ما سلف، فقد كان يجوز أن يظنّ أ نّه لافرق بين المقبوض منه و بين الباقي في ذمّة القوم، فقال تعالى في هذه الآية: { وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بو"ا } و بيّن به أنّ ذلك إذا كان عليهم و لم يُقبَض، فالزّيادة تحرم، و ليس لهم أن يأخذوا إلا رؤُوس أموالهم. و إنّما شدّد تعالى في ذلك، لأنّ من انتظر مدّة طويلة في حلول الأجل، ثمّ حضر الوقت و ظنّ نفسه على أنّ تلك الزّيادة قد حصلت له، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم، فقال: { اتَّقُوا اللهَ } و اتّقاؤه مانهى عنه، { وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّ بوا } يعني إن كنتم قد قبضتم شيئًا فيعفو عنه، و إن لم تقبضوه، أو لم تقبضوا بعضه، فذلك الّذي لم تقبضوه كُلا كان أو بعضًا، فإنّه محرّم قبضه. (7 : 105)

القُرطُبيّ: ظاهره أ نّه أبطل من الرّبا ما لم يكن مقبوضًا و إن كان معقودً ا قبل نزول آية التّحريم، و لايتعقّب بالفسخ ما كان مقبوضًا. (3 : 362)

البَيْضاويّ: أُتركوا بقايا ما شرطتم على النّاس من الرّبا. (1 : 142)

نحوه أبوالسُّعود (1 : 317)، و الكاشانيّ (1 : 281)، و البُرُوسَويّ (1 : 437).

ابن عاشور: معنى{وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبوا. ..} اتركوا ما بقي في ذمم الّذين عاملتموهم بالرّبا، فهذا مقابل قوله: { فَلَهُ مَا سَلَفَ } البقرة : 275، فكان الّذي سلف قبضُه قبل نزول الآية معفوًّ ا عنه، و ما لم يقبض مأمورً ابتركه.

قيل: نزلت هذه الآية خطابًا لثقيف أهل الطّائف؛ إذ دخلوا في الإسلام بعد فتح مكّة و بعد حصار الطّائف على صلح وقع بينهم و بين عتّاب بن أُسَيْد الّذي أولاه النّبيّ (صلی الله علیه و آله) مكّة بعد الفتح، بسبب أ نّهم كانت لهم معاملات بالرّبا مع قريش، فاشترطت ثقيف قبل النّزول على الإسلام أنّ كلّ ربًا لهم على النّاس يأخذونه، وكلّ ربًا عليهم فهو موضوع، و قبل منه رسول الله شرطهم، ثمّ أنزل الله تعالى هذه الآية خطابًا لهم، و كانوا حديثي عهد بإسلام، فقالوا:لايدَي لنا بحرب الله و رسوله. (2 : 560)

المُصْطَفَويّ: حرف- ( مِِنْ ) بيانيّة، أي خذوا أصل المال و ذرُوا الباقي الّذي جعلتموه على معطي الرّبا، و هو الرّبا فإنّ غاية تمكّن المعطي هو تأدية ما عليه من أصل المال، لأنّ ضعفه و فقره و حاجته اقتضت قبول هذه المعاملة، و إلزامه على أزيد من أصل المال تحميل عليه بما لاطاقه له.

و التّعبير بكلمة { مَا بَقِىَ } فانّ المنظور ترك أخذ ما يبقى عليه بعد تأدية أصل المال، أي ما انتفخ في أمواله، و ليس المقام لبيان ترك المطلق الرّبا. (4 : 41)

4 - يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا لاتَاْكُلُوا الرِّبوا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. آل عمران : 130

مُجاهِد: ربا الجاهليّة. (الطّبَريّ 3 : 434)

ابن زَيْد: إنّما كان الرّبا في الجاهليّة في التّضعيف و في السّنّ. يكون للرّجل فضل دَيْن، فيأتيه إذا حلّ الأجل، فيقول له: تقضيني أو تزيدني؟ فإن كان عنده شيء يقضيه قضى، و إلا حوّ له إلى السّنّ الّتي فوق ذلك= إن كانت ابنة مخاض يجعلها ابنة لبون في السّنة الثّانية، ثمّ حُِقّة، ثمّ جَذَعَة، ثمّ رباعيًّا، ثمّ هكذا إلى فوق و في العين يأتيه. فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مئة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كلّ سنة أو يقضيه. قال: فهذا قوله: { لاتَاْكُلُوا الرِّبو"ا اَضْ-عَافًا مُضَاعَ-فَةً } .

(الطّبريّ3 : 434)

الطّبَريّ: يعني بذلك جلّ ثناؤه: يا أيّها الّذين آمنوا بالله و رسوله، لاتأكلوا الرّبا في إسلامكم بعد إذ هداكم له، كما كنتم تأكلونه في جاهليّتكم.

و كان أكلهم ذلك في جاهليّتهم: أنّ الرّجل منهم كان يكون له على الرّجل مال إلى أجل، فإذا حلّ الأجل طلبه من صاحبه، فيقول له الّذي عليه المال: أخّر عنّي دَيْنَك و أزيدك على مالك، فيفعلان ذلك. فذلك هو الرّبا أضعافًا مضاعفة، فنهاهم الله عزّ و جلّ في إسلامهم عنه. (3 : 434)

الزّجّاج:الرّبا قليله و كثيره قد حُرّم في قوله جلّ و عزّ: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوا } البقرة : 275، و إنّما كان هذا لأنّ قومًا من أهل الطّائف كانو يَرْ بُون، فإذا بلغ الأجل زادوا فيه و ضاعفوا الرّبا. (1 : 468)

الماوَرْديّ: الرّبا زيادة القدر مقابلة لزيادة الأجل، و هو ربا الجاهليّة المتعارف بينهم بالنَّساء.

(1 : 423)

الطُّوسيّ: لمّا ذكر الله تعالى أنّ له عذاب من يشاء، و العفو عمّن يشاء، وصل ذلك بالنّهي عمّا لو فعلوه لاستحقّوا عليه العقاب، و عذّبوا عليه، و هو الرّبا. و الرّبا المنهيّ عنه قال عطاء، و مُجاهِد: هو ربا الجاهليّة، و هو الزّيادة على أصل المال بالتّأخير عن الأجل الحالّ. و يدخل فيه كلّ زيادة محرّمة في المعاملة من جهة المضاعفة.

و وجه تحريم الرّبا هو المصلحة الّتي علّمها الله تعالى. و قيل: فيه وُجُوه على وجه التّقريب:

منها: للفصل بينه وبين البيع.

و منها أ نّه مثال العدل يدعو إليه و يحضّ عليه.

و منها: أ نّه يدعو إلى مكارم الأخلاق بالإقراض و إنظار المعسر من غير زيادة.

و هذا الوجه روي عن أبي عبدالله علیه السلام . (2 : 587)

الواحديّ: قال المفسّرون: إنّهم كانو يزيدون على المال و يؤخّرون الأجل، كلّما أُخّر عن أجل إلى غيره زيد زيادةً. (1 : 491)

الزّمَخْشَريّ: نهى عن الرّبا مع توبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه، كان الرّجل منهم إذا بلغ الدَّيْن محلّه زاد في الأجل، فاستغرق بالشّيء الطّفيف مال المديون.

(1 : 463)

نحوه البَيْضاويّ (1 : 182)، و الكاشانيّ (1 : 350)، و شُبّر (1 : 372)، و القاسميّ (4 : 971).

ابن عَطيّة: هذا النّهي عن أكل الرّبا اعتراض أثناء قصّة أُحُد، و لاأحفظ سببًا في ذلك مرويًّا. و الرّبا: الزّيادة. (1 : 506)

الطَّبْرِسيّ: [نحو الطُّوسيّ و أضاف:]

و إنّما أعاد تحريم الرّبا مع ما سبق ذكره في سورة البقرة لأمرين: أحدهما: التّصريح بالنّهيى عنه بعد الإخبار بتحريمه، لما في ذلك من تصريف الخطر له، وشدّة التّحذير منه.

و الثّاني: لتأكيد النّهي عن هذا الضّرب منه الّذي يجري على الأضعاف و المضاعفة. (1 : 502)

القُرطُبيّ: هذا النّهي عن أكل الرّبا اعتراض بين أثناء قصّة أُحُد. قال ابن عَطيّة: و لاأحفظ في ذلك شيئًا مرويًّا.

قلت: قال مُجاهِد: كانوا يبيعون البيع إلى أجل،

فإذا حلّ الأجل زادوا في الثّمن على أن يؤخّروا؛ فأنزل الله عزّ وجلّ: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا لاتَاْكُلُوا الرِّبو"ا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً }.

قلت: و إنّما خصّ الرّبا من بين سائر المعاصي، لأ نّه الّذي أذن لله فيه بالحرب في قوله: { فَاِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ } البقرة : 279، و الحرب يؤذن بالقتل، فكأ نّه يقول: إن لم تتّقوا الرّبا هُزِمتم و قُتلتم. فأمرهم بترك الرّبا، لأ نّه كان معمولا به عندهم، و الله أعلم.

(4 : 202)

الآلوسيّ:ابتداء كلام مشتمل على أمر و نهي و ترغيب و ترهيب، تتميمًا لما سلف من الإرشاد إلى ما هو الأصلح في أمر الدّين و في باب الجهاد. و لعلّ إيراد النّهي عن الرّبا بخصوصه هنا لما أنّ التّرغيب في الإنفاق في السّرّ اء و الضّرّ اء الّذي عمدته الإنفاق في سبيل الجهاد متضمّن للتّرغيب في تحصيل المال، فكان مَظِنّة مبادرة النّاس إلى طُرق الاكتساب و من جملتها بل أسهلها الرّبا، فنُهوا عنه.

و قدّمه على الأمر اعتناءً به، و ليجيء ذلك الأمر بعد سدّ ما يخدشه.

و قال القفّال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متّصلا بما قبله، من جهة أنّ أكثر أموال المشركين قد اجتمعت من الرّبا، و كانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر، و كان من الممكن أن يصير ذلك داعيًا للمسلمين إلى الإقدام عليه، كي يجمعوا الأموال و ينفقوها على العساكر أيضًا، و يتمكّنوامن الانتقام من عدوّهم، فورد النّهي عن ذلك رحمةً عليهم و لطفًا بهم.

و قيل: إنّه تعالى شأنه لمّا ذكر أنّ له التّعذيب لمن يشاء و المغفرة لمن يشاء، وصل ذلك بالنّهي عمّا لو فعلوه لأستحقّوا عليه العقاب و هو الرّبا،و خصّه بالنّهي لأ نّه كان شائعًا إذ ذاك، و للاعتناء بذلك لم يكتف بمادلّ على تحريمه ممّا في سورة البقرة بل صرّح بالنّهي و ساق الكلام له أوّ لا و بالذّات، إيذا نًا بشدّة الحظر. (4 : 54)

ابن عاشور: لولا أنّ الكلام على يوم أُحُد لم يكمل؛ إذ هو سيعاد عند قوله تعالى: { قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } إلى قوله:{ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللهِ...} آل عمران : 17، لقلنا: إنّ قوله: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ ا "مَنُوا لاتَاْكُلُوا الرِّبو"ا } اقتضاب تشريع، و لكنّه متعيّن لأن نعتبره استطرادً ا في خلال الحديث عن يوم أُحُد، ثمّ لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء.

قال ابن عَطيّة: و لاأحفظ سببًا في ذلك مرويًّا. و قال الفَخْر: من النّاس من قال: لمّا أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدّين و الجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر و النّهي، فقال: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ ا "مَنُوا لاتَاْكُلُوا الرِّبو"ا } فلاتعلّق لها بما قبلها.

و قال القفّال: لمّا أنفق المشركون على جيوشهم أموالا جمعوها من الرّبا، خيف أن يَدْعُو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الرّبا. و هذه مناسبة مستبعدة.

و قال ابن عرفة: لمّا ذكر الله وعيد الكفّار عقّبه ببيان أنّ الوعيد لايخصّهم بل يتناول العُصاة، و ذكر أحد صور العصيان، و هي أكل الرّبا و هو في ضعف ما قبله، و عندي بادئ ذي بدء: أن لاحاجة إلى اطّراد المناسبة، فإن مدّة نزول السّورة قابلة لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن، فيكون من جملة تلك السّورة، كما بيّنّاه في المقدّمة الثّامنة، فتكون هاته الآية نزلت عقب ما نزل قبلها فكُتبت هنا و لاتكون بينهما مناسبة؛ إذ هو ملحق إلحاقًا بالكلام.

و يتّجه أن يسأل سائل عن وجه إعادة النّهي عن الرّبا في هذه السّورة، بعد ما سبق من آيات سورة البقرة بما هو أوفى ممّا في هذه السّورة.

فالجواب: أنّ الظّاهر أنّ هذه الآية نزلت قبل نزول آية سورة البقرة، فكانت هذه تمهيدً ا لتلك، و لم يكن النّهي فيها بالغًا ما في سورة البقرة. و قد روي أنّ آية البقرة نزلت بعد أن حَرّم الله الرّبا، و أنّ ثقيفًا قالوا: كيف نُنْهى عن الرّبا، و هومثل البيع، و يكون وصف الرّبا. (3 : 217)

المُصْطَفَويّ: هذه الآية الكريمة ناظرة إلى موارد يؤخذ الرّبا مكرّرة و يضاعف بتمديد الأجل أو بأيّ عنوان آخر. و هذا إشارة إلى بلوغ ظلمهم و تعدّيهم إلى أموال النّاس ما شاؤُوا و ماأمكنوا، من غير عاطفة و ملاحظة و رعاية لهم.

ثمّ إنّ كلمة < الرّبا > تُكتَب في القرآن بالواو كالصّلاة و الزّكاة، و كتابة الألف لئلا تُقرأ بالواو. فالواو إشارة الى أصل المادّة، و الألفإلى أنّ القراءة لازم أن تكون بالألف المقصورة، و قد يُقرأ، بالتّفخيم.

ثمّ إنّ الرّبا المحرّم إنّما هو في المكيل و الموزون، و أمّا المعدود و المزروع، أي ما يكون تحديده و تعيينه بواسطة التّعداد أو الزّرع، فالرّبا فيه غير محرّم، فإنّ

العدّ و الزّرع ليسا كالوزن و الكيل في الدّ قّة و التّحديد، و لايمكن التّساوي فيهما حقيقة و بالدّ قّة. فإنّ المعدود و المزروع يتسامحا فيهما عُرفًا، و قد- يقتضي العُرف و الحكم العدل أن يجري الرّبا و الزّيادة في طرف، حتّى يكون المبادلة متساويين عند العُرف و الدّ قّة.

و بهذا يظهر ما في كلام بعضهم من عدّ < الإسكناس >((1)) في المعدود: فإنّ المعدود ما يكون في نفسه و بذاته ذا قيمة، و العرف يقدّر تحديده في مقام المبادلة بالعدّ، و الإسكناس ليس له قيمة ذاتيّة في نفسه، بل باعتبار المُعتبَر، و لابدّ أن يكون ذلك الاعتبار عند العُرف نافذًا و مطمئنًّا عليه، اعتمادً ا إلى ثروة و مِلْك و قدرة ماليّة بمقدار تلك المعتبرات العُرفيّة، و لافرق بين ذلك المُعتبَر أن يكون تاجرً ا من جهة تجارته الواسعة أو مالكًا بلحاظ ما يملكه من الأراضى، أو صاحب مَعْمَل دائر أو معدن أو أجناسثمينة.((2))

و كلّما ما كان مقام المعتبر أعلى و أجلى، كان لاعتباره نفوذ و قوّة و اعتماد أزيد و أرفع مقام يستند عليه: الحكومة الرّسميّة الملّيّة ((3))الّتى

تعتمد على قولها و عملها و تدبيرها و سياستها الرّعيّة.

و لايخفى أنّ نشر الإسكناس في الحقيقة: عبارة عن جعله معتبرً ا و قابلا للإنفاذ و الإجراء، و هو سند رسميّ مقبول عند الحكومة و الرّعيّة، و ليس معنى اعتباره أن يكون مستندً ا في جميعه إلى أموال الحكومة. فإنّ أكثر الإسكناس موجودة بيد أفراد الرّعيّة، يعاملون بها في قاطبة معاملاتهم، و يأخذونها عوضًا عمّا في أيديهم من الأموال، فاعتبار < پشتوانه > تلك الإسكناس، و القراطيس المعمولة في الممالك الجارية بأيدي الرّعيّة إنّما هو أموال النّاس، و لادخل لها بأموال الحكومة و اعتباره.

فالاعتبار من جهة الإنفاذ و الإجراء و الرّسميّة و الاعتماد، إنّما هو من جانب الحكومة، كسائر الأسناد الرّسميّة. و أمّا من جهة الماليّة < پشتوانه > فهو من جانب الرّعيّة و من بيده من أفراد النّاس، فمن يُعطي للبائع إسكناسًا في مقام مبادلة مال أو ملك: فهو ضامن لمحتواه و مقدار الثّمن.

و لافرق بين الإسكناس و بين سائر الأسناد الرّسميّة.

فالإسكناس الموجود عند تاجر أو كاسب أو مالك: إنّما هو آية تموّله، و علامة مقدار تمكّنه و ثروته، و إعطاء الإسكناس عوضًا عن المال كإعطاء السّند الرّسمىّ المُعتبَر، بل هو أشدّ اعتبارً او نفوذًا و جريانًا.

مضافًا إلى أنّ قانون الرّبا، و هو انتفاخ المال في أموال النّاس، جار في هذا المورد قطعًا، و هذا المورد من مصاديق العنوان المسلّمة البارزة. و إلا فلايوجد موضوع للرّبا في هذا الزّمان، و يصحّح الرّبا في أكثر موارده، بل في جميع موارده الخارجيّة المعمولة


1) (1) اصطلاح فارسيّ يطلق على العُملات الورقيّة أي الورقة النّقديّة.

2) (2) اصطلاح فارسيّ يراد بها: السِّلع و البضائع.

3) (1) اصطلاح فارسيّ بمعنى: الوطنيّة.

المتداولة.

فنحن نقطع بأنّ نظر الشّارع المنع عن انتفاخ المال في أموال النّاس، و الرّبا دائر على ذلك المدار، و جار على ذلك العنوان. و قد اتّضح حقّ الحكم و فلسفة القانون و علّته فلاتغفل و كن على بصيرة، و اتّق الله في التّسامح في بيانه و حكمه، { وَ مَنْ عَادَ فَاُولئِكَ ’ اَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ } البقرة : 275.

(4 : 38)

مكارم الشّيرازيّ: تحريم الرّبا في مراحل

كلّنا يعرف أنّ أُسلوب القرآن في مكافحة الانحرافات الاجتماعيّة المتجذّرة في حياة النّاس يعتمد معالجة الأُمور خطوةً فخطوةً، فهو أوّ لا يهيّئ الأرضيّة المناسبة، و يُطلع الرّ أي العامّ على مفاسد ما يطلب محاربته و مكافحته، ثمّ بعد أن تتهيّأ النّفوس لتَقبُّل التّحريم النّهائيّ يُعلن عن التّحريم في صيغته القانونيّة النّهائيّة، ويتبع هذا الأُسلوب خاصّة إذا كان ذلك الأمر الفاسد ممّا استشرى في المجتمع، وكانت رقعة انتشاره واسعة.

كما أ نّنا نعلم أيضًا أنّ المجتمع العربيّ في العهد الجاهليّ كان مصابًا - بشدّة - بداء الرّبا؛ حيث كانت السّاحة العربيّة و خاصّة مكّة مسرحًا للمرابين. و قد كان هذا الأمر مَبْعثًا للكثير من المآسي الاجتماعيّة، و لهذا استخدم القرآن في تحريم هذه الفعلة النّكراء أُسلوب المراحل، فحرّم الرّبا في مراحل أربع:

1 - يكتفي في الآية: 39، من سورة الرّوم بتوجيه نصح أخلاقيّ حول الرّبا، إذ قال سبحانه و تعالى: { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَالِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ وَ مَا ا "تَيْتُمْ مِنْ زَكوة تُريدُ‘ونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِ-كَ’ هُمُ الْمُضْعِفُونَ }.

بهذا يكشف عن خطإ الّذين يتصوّرون أنّ الرّبا يزيد من ثروتهم، في حين أنّ إعطاء الزّكاة و الإنفاق في سبيل الله هو الّذي يضاعف الثّروة.

2 - يشير - ضمن انتقاد عادات اليهود و تقاليدهم الخاطئة الفاسدة - إلى الرّبا كعادة سيّئة من تلك العادات؛ إذ يقول في الآية: 161، من سورة النّساء : { وَ اَخْذِهِمُ الرِّبو"ا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ }.

3 - يذكر في الآية الحاضرة - كما سيأتي تفسيرها المفصّل - حكم التّحريم بصراحة، و لكنّه يشير إلى نوع واحد من أنواع الرّبا، و هو النّوع الشّديدو الفاحش منه فقط.

4- و أخيرً ا أعلن في الآيات: 275 - 279 من سورة البقرة عن المنع الشّامل و الشّديد عن جميع أنواع الرّبا، و اعتباره بمنزلة إعلان الحرب على الله سبحانه.التّحريم في الآية الحاضرة.

قلنا: إنّ الآية الحاضرة إشارة إلى الرّبا الفاحش معبّرة عن ذلك بقوله: { اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً }.

و المراد من الرّبا الفاحش، هو أن تكون الزّيادة الرّبويّة تصاعديّة، بمعنى أن تُضَمّ الزّيادة المفروضة أوّ لا على رأس المال ثمّ يُصبح المجموع موردً ا للرّبا، بمعنى أنّ الزّيادة ثانيًا تقاس بمجموع المبلغ الّذي هو عبارة عن رأس المال و الزّيادة المفروضة في المرّة الأُولى، ثمّ تضمّ الزّيادة المفروضة ثانيًا إلى ذلك المبلغ،

و تفرض زيادة ثالثة بالنّسبة إلى المجموع.

و هكذا يُصبح مجموع رأس المال و الزّيادة في كلّ مرّة رأس مال جديد تُضاف عليه زيادة جديدة بالنّسبة، و بهذا يبلغ الدَّيْن أضعاف المبلغ الأصليّ المدفوع إلى المديون حتّى يستغرق كلّ ماله،

و لهذا قال القرآن الكريم: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ امَنُوا لاتَاْكُلُوا الرِّبو"ا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً } في سورة آل عمران : 130.

و يستفاد من الأخبار و الرّوايات أنّ الرّجل في الجاهليّة إذا كان يتخلّف عن أداء دينه عند الموعد المقرّر، طلب من الدّ ائن أن يضيف الزّيادة على المبلغ ثمّ يؤخّره إلى أجلآخر، و هكذا حتّى يستغرق بالشّيء الطّفيف مال المديون.و هذا هو السّائد بعينه في عصرنا الحاضر و يفعله المرابون الكبار دون رحمة.

و لاشكّ أنّ مثل هذا الفعل يَدُرّ على أصحاب الأموال مبالغ ضخمة دون عناء، فلايمكن الارتداع عنه إلا بتقوى الله، و لهذا عقّب سبحانه نهيه عن مثل هذا الرّبا الظّالم بقوله: { وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

(2 : 529)

فضل الله: ارتباط آية الرّبا بما قبلها

جاء في < مجمع البيان>: قد قيل في وجه اتّصال هذه الآية بما قبلها قولان:

أحدهما: لاتّصال الأمر بالطّاعة بالنّهي عن أكل الرّبا، فكأ نّه قال: { وَ اَطيعُوا الله َ} في ما نهاكم عنه من أكل الرّبا و غيره.

و الثّاني: ما قاله محمّد بن إسحاق بن يسار أ نّه معاتبة للّذين عصوا رسول الله لما أمرهم به يوم أُحُد من لزوم مراكزهم فخالفوا، و اشتغلوا بالغنيمة، و كان ذلك سبب هزيمة أصحاب رسول الله(صلی الله علیه و آله) .

و نلاحظ في هذا المجال، أنّ القرآن لم ينزل بشكلٍ مرتّب على الطّريقة الحاليّة، بل نزل على دفعات، لتربية المجتمع المسلم في كلّ قضاياه و مشاكله و أوضاعه المتنوّعة الّتي كانت المسيرة الإسلاميّة في حربها و سلمها تواجهها في مختلف المراحل، ما قد يفرض الحديث عن منهج أخلاقيّ تارةً، و عن نظام اقتصاديّ أُخرى، و عن قضايا متّصلة بالسّلم أو الحرب في حركة الإنسانالمسلم فيها، و عن علاقة القيادة بالقاعدة و علاقة القاعدة بها، و غير ذلك، ممّا لايفرض وجود حالة من الارتباط بين الآيات، لأ نّه ليس هناك ارتباط بين مواقع نزولها و منطلقات موضوعاتها.

و تبقى المشكلة في التّرتيب القرآنيّ عند جمع القرآن، فإذا كان النّبيّ محمّد (صلی الله علیه و آله) هو الّذي أمر بجمعه تحت رعايته، فلابدّ لنا من البحث عن طبيعة الارتباط بينها، بمعرفة المناسبة الّتي جعلت النّبيّ محمّد (صلی الله علیه و آله) يضع هذه الآية أو تلك في سياق تلك الآيات. و ربّما كانت المناسبة أنّ الأجواء الّتي تُثيرها السّورة هي حركة الإنسان في ساحة الصّراع في كلّ حال من أحوالها، و في كلّ شأن من شؤونها، فمن النّظام الجهاديّ الّذي يجعل الإنسان يواجه التّحدّي في حالات الخطر، من أجل حماية الرّسالة و الرّسالييّن إلى النّظام الأخلاقيّ الّذي يواجه الإنسان فيه الموقف الحادّ في جهاد

النّفس، من أجل حمايتها من الانحراف، و يدخل في ذلك الخطّ الاقتصاديّ الإسلاميّ في مواجهة الخطّ المنحرف، و بذلك تكون المناسبة في ارتباط النّشاط الإنسانيّ في التّشريع الإسلاميّ ببعضه البعض، باعتبار أنّ الإنسان يمُثّل وحدةً تتكامل أجزاؤها في مختلف جوانب نشاطه الإنسانيّ في حركة الحياة.

النّتائج الطّبيعيّة للنّظام الرّبويّ

تحدّث القرآن عن الرّبا في سورة البقرة، و أعاد الحديث عنه في هذه الآية، للتّنديد ببعض حالاته الّتي كانت موجودةً في الجاهليّة، في ما ذكرهالمفسّرون: يكون للرّجل فضل دَيْنٍ فيأتيه إذا حلّ الأجل، فيقول له: تقضيني أو تزيدني، فإن لم يكن عنده أضعفه في العام القابل، فإن لم يكن عنده أضعفه أيضًا، فتكون مائة فيجعلها إلى قابل مئتين، فإن لم يكن عنده جعلها أربعمئة، يضعفها له كلّ سنة أو يقضيه. و لعلّ هذا ما تقتضيه طبيعة النّظام الرّبويّ الّذي يستغلّ حاجة المدين و ظروفه الضّيّقة الّتي قد لاتسمح له بالوفاء في الموعد المحدّد، لاسيّما في الأجواء الرّبويّة الّتي قد تجعل الإنسان يستدين أكثر من طاقته، لأ نّه يجد الدّين سهلا يوحي بالامتداد، فيؤدّي ذلك إلى استيفاء الدّ ائن دينه أضعافًا مضاعفة.

و هذا ما نجده في الأوضاع المعاصرة الّتي يفرضها النّظام الرّبويّ، سواءٌ في ذلك الدّيون الّتي تحصل بين النّاس على مستوى الأفراد، أو الّتي تحصل على مستوى الدّول، فإنّ المدين قد ينفق كلّ عمره في الجُهد و العمل من دون أن يستطيع وفاء الرّبا، فضلا عن أصل الدّين لتضاعف ذلك عليه. و في ضوء ذلك، قد نفهم من الآية أ نّها ليست واردة في معالجة هذه الحالة بالذّات، بل هي واردة في الإيحاء بالنّتائج الطّبيعيّة للنّظام الرّبويّ الّتي تتمثّل في تضعيف المبلغ الّذي يستدينه الإنسان إلى عدّة أضعاف.

{ يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ ا "مَنُوا لاتَاْكُلُوا الرِّ بوا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً }، و بذلك تبطل حُجّة الّذين أرادوا أن يفهموا منها اختصاص حرمة الرّبا فيالإسلام بالرّبا الفاحش الّذي تزيد به الفائدة عن مثل الشّيء، لتكون ضعفًا له بل أكثر.

و قد نضيف إلى ذلك، أنّ اختصاص الآية بما ذكر لايوجب اختصاص حرمة الرّبا به، لأنّ آية سورة البقرة:275، {وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوا } كانت شاملة لجميع موارده، و لاموجب لتخصيص إحداهما بالأُخرى، لأنّ من الممكن أن تكون هذه الآية جارية على أُسلوب التّشديد بهذا النّموذج الفاحش من الرّبا، و نزيد على ذلك أنّ الانسجام مع المدلول الحرفيّ لهذه الآية يفرض علينا أن نلتزم به، فلابدّ حينئذ من أن يكون واردً ا في الا تّجاه الّذي ذكرناه من التّأكيد على النّتائج الطّبيعيّة للنّظام الرّبويّ، و الله العالم بأسرار آياته و أحكامه.

كيف جاء تحريم الرّبا؟

جاء في بعض التّفاسير:إنّ الله حرّم الرّبا في القرآن كتحريم الخمر في أربعة مواضع، و سار التّحريم في مراحل أربع، الموضوع الأوّ ل منها مكّيّ، و الباقي مدنيّ :

1 - ففي مكّة أنزل الله { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَا فى اَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ } الرّوم : 39 ، و هذا يقابل آية الخمر المكّيّة: { وَ مِنْ ثَمَرَ اتِ النَّخيلِ‘ وَ الاَ_عْنَابِ تَتَّخذُِونَ مِنْهُ سَكَرً ا وَ رِزْ قًا حَسَنًا } النّحل : 67، و في كلا الآيتين تمهيد للتّحريم و تعريض به، و إيماء إلى ضرورة تجنّبه.

2 - ثمّ قصّ علينا القرآن في المدينة سيرة اليهود الّذين حرّم عليهم الرّبا، فأكلوه وعاقبهم اللهبمعصيتهم، فقال: { وَ اَخْذِهِمُ الرِّبو"ا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } النّساء : 161، و هذا نظير المرحلة الثّانية في تحريم الخمر: { يَسْ-َلُو=نَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فيهِمَا اِثْ-مٌ كَبيرٌ‘ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ اِثْمُهُمَا اَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } البقرة : 219، وكلا الآيتين إنذار بالتّحريم، وتعريض به، و إيذان بعقوبة المخالف.

3 - ثمّ نهى تعالى عن الرّبا الفاحش الّذي يتزايد حتّى يصير أضعافًا مضاعفةً، و هو ما كان في الجاهليّة: { يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوالاتَاْكُلُوا الرِّبوا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً}، و هذا يشابه المرحلة الثّالثة من مراحل تحريم الخمر: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا لاتَقْرَبُوا الصَّلو"ةَ وَاَنْتُمْ سُكَارى حَتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } النّساء : 43، فكلا الآيتين نهي جزئيّ صريح، إلا أنّ آية الرّبا نهي عن الصّورة الفاحشة من صور الرّبا و هو الرّبا الجاهليّ، و آية الخمر نهي جزئيّ عن تناول المُسكر وقت إرادة الصّلاة.

4 - ثمّ جاء التّحريم القاطع لكلّ من الرّبا و الخمر، أمّا الرّبا فقد نهى الله عن كلّ ما يزيد عن رأس مال الدّين { يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اتَّ-قُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبوا اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ‘ } البقرة : 278 . و أمّا الخمر فقد أمر الله باجتنابه في كلّ الأحوال: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اِنَّمَا الْخَمْرُ و َالْمَيْسِرُ وَ الاَ_نْصَابُ وَ الاَ_زْ لامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان ِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } المائدة : 90.

و قوله تعالى: { وَ حَرَّمَ الرِّبوا } البقرة : 275، اللا م للجنس، أي حرّم جنس الرِّبا، و ليست للمعهود الذّهنيّ و هو ربا الجاهليّة أو ربا النّسيئة، و إنّما يُفيد النّصّ و إطلاقه تحريم جميع أنواع الرّبا، مثل إباحة أنواع البيع في قوله تعالى: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ } البقرة : 275.

و نلاحظ على هذا الحديث أنّ الآيات المذكورة في ترتيب المراحل لاتوحي بالمرحليّة، فإنّنا في الآية الأُولى نجد أنّ الآية تدلّ - بنحو الكناية - على أنّ الرّبا ليس محبوبًا عند الله، بل هو مرفوض عنده، باعتبار أنّ سياقه هو سياق التّرغيب في الصّدقة و التّنديد بالرّبا، أمّا الآية الثّانية فإنّ ذمّ اليهود بأخذهم الرّبا، و قد نهوا عنه، يوحي بأنّ أخذ الرّبا من الأُمور الّتي حرّمها الله في كلّ زمان و مكان، و لذلك ندّد بهم في مقام الإيحاء بانحرافهم عن الله في ذلك، و لذا عقّبه بأكلهم أموال النّاس بالباطل. و أمّا الثّالثة فإنّها واردة في النّهي عن الرّبا مطلقًا، فإنّ ذكر الأضعاف المضاعفة وارد في النّتائج الطّبيعيّة للنّظام الرّبويّ لالتخصيص النّهي به، و هكذا فإنّنا لانجد في هذا السّرد القرآنيّ للآيات دليلا على ما ذُكر، لاسيّما أنّ هذا القائل لم يذكر التّاريخ

التّفصيليّ لنزول هذه الآيات، ليكون ذلك أساسًا للتّرتيب التّدريجيّ في التّحريم و الله العالم.

(6 : 262)

5 - وَ اَخْذِهِمُ الرّبو"ا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ...النّساء: 161.مثل ماسبق.

رِبًا

وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فِى اَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ . الرّوم : 39

راجع: < يَرْ بُوا >.

رَبْوَةٍ

1 - وَ مَثَلُ الَّذينَ‘ يُنْفِقُونَ اَمْوَ الَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَ تَثْبيتًا‘ مِنْ اَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّة بِرَ بْوَة اَصَابَهَا وَ ابِلٌ فَا "تَتْ اُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَاِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَ ابِلٌ فَطَلٌّ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ. البقرة : 265

ابن عبّاس: بمكان مرتفع مستو . (38)

نحوه مُجاهِد. (الطّبَريّ3 : 71)

المكان المرتفع الّذي لاتجري فيه الأنهار.

(الطّبَريّ 3 : 72)

مُجاهِد: الرّ بْوَة: المكان الظّاهر المستوي.

(الطّبَريّ 3 : 71)

الضّحّاك: و الرّ بْوَة: المكان المرتفع الّذي لاتجري فيه الأنهار، و الّذي فيه الجِنان. (الطّبَريّ 3 : 72)

الحسَن: هي الأرض المستوية الّتي تعلو فوق المياه. (الطّبَريّ 3 : 72)

قَتادَة: يقول: بنشز من الأرض. (الطّبَريّ 3 : 72)

نحوه الرّبيع. (الطّبَريّ 3 : 72)

السُّدّيّ: برابية من الأرض. (الطّبَريّ 3 : 72)

اليزيديّ:كلّ ما ارتفع عن مسيل الماء.

(الماوَرْديّ 1 : 340)

أبوعُبَيْدَة:( بِرُ بْوَةٍ )رُ بْوَة: ارتفاع من المسيل.

(1 : 82)

ابن قُتَيْبَة: الارتفاع، يقال: رَ بْوَة و رُ بْوَةأيضًا.

(97)

الطّبَريّ: و الرّ بْوَة من الأرض: ما نشز منها فارتفع عن السّيل. و إنّماوصفها بذلك جلّ ثناؤه، لأنّ ما ارتفع عن المسايل و الأودية أغلظ، و جنان ما غُلظ من الأرض أحسن و أزكى ثمرً ا و غرسًا و زرعًا، ممّا رقّ منها. [ثمّ استشهد بشعر]

و في الرّ بْوَة لغات ثلاث، و قد قرأ بكلّ لغة منهنّ جماعة من القرَأة، و هي ( رُ بْوَة )بضمّ الرّ اء و بها قرأت عامّة قرأة أهل المدينة و الحجاز و العراق.

و ( رَ بْوَة ) بفتح الرّ اء و بها قرأ بعض أهل الشّام و بعض أهل الكوفة، و يقال: إنّها لغة لتميم. و ( رِبْوَه ) بكسر الرّ اءو بها قرأ - فيما ذكر - ابن عبّاس.

وغير جائز عندي أن يُقرَأ ذلك إلا بإحدى اللّغتين: إمّا بفتح الرّ اء و إمّا بضمّها، لأنّ قراءة النّاس في أمصارهم بإحداهما. و أنا لقراءتها بضمّها أشدّ إيثارًا منّي بفتحها،لأ نّها أشهر اللّغتين في العرب. فأمّا الكسر، فإنّ في رفض القراءة به، دِلالة واضحة على أنّ القراءة به غير جائزة.

و إنّما سمّيت الرّ بْوَة، لأ نّها ربت فغلظت و علَتْ،

من قول القائل: ربا هذا الشّيء يَرْ بُو، إذا انتفخ فعَظُم.

(3 : 71)

الزّجّاج:{ بِرَ بْوَة } بفتح الرّ اء و( برُ بْوَة ) بالضّمّ و ( برِبْوَة ) بالكسر و ( برِبَاوَة ) و هذا وجه رابع.

و الرّ بْوَة: ما ارتفع من الأرض، و الجنّة: البستان، وكلّ ما نبت و كثف و كثر و ستر بعضه بعضًا فهوجَنّة، و الموضع المرتفع إذا كان له مايرويه من الماء فهو أكثر ريعًامن المستنفل((1)) فأعلم الله عزّ وجلّ أنّ نفقة هؤُلاء المؤمنين تزكوكما يزكو نبت هذه الجنّة الّتي هي في مكان المرتفع. (1 : 348)

الثّعلبيّ: قرأ السّليميّ و العطارديّ و الحسن و عاصم و ابن عامر : { بِرَبْوَةٍ} بفتح الرّ اء هاهنا و في سورة المؤمنين و هي لغة بني تميم.

و قال أبو جعفر و شيبة و نافع و ابن كثير و الأعمش وحمزة و الكِسائيّ و خلف و أبو عمرو و يعقوب و أيّوب بضمّ الرّ اء فيهما. و اختاره أبوحاتم و أبوعُبَيْد، لأ نّها أكمل اللُّغات و أشهرها، و قول ابن عبّاس و أبوإسحاق السّبيعيّ و ابن أبي إسحاق ( برِبْوَة) و قرأ أشهب العقيليّ ( برِبَاوَة ) بالألف و كسر الرّ اء فيها. و هي جميعًا المكان المرتفع المستوي الّذي تجري فيه الأنهار و لا يخلو من الماء. و إنّما سمّيت ربْوَة، لأ نّها ربَتْ و طابَتْ و علَتْ،من قولهم:ربا الشّيء يَرْ بُو، إذا انتفخ و عظُم، و إنّما جعلها { بِرَبْوَة } لأنّ النّبات عليها أحسن و أزكى. (2 : 264)

الماوَرْديّ: في الرَّ بْوَة قولان:

أحدهما: هي الموضع المرتفع من الأرض، و قيل: المستوي في ارتفاعه.

و الثّاني: [ قول اليزيديّ المتقدّم] (1 : 340)

نحوه الواحديّ. (1 : 379)

الزّمَخْشَريّ: بمكان مرتفع، و خصّها لأنّ الشّجرة فيها أزكى و أحسن ثمرً ا. (1 : 395)

ابن عَطيّة: و الرّ بْوَة: ما ارتفع من الأرضارتفاعًا يسيرً ا، معه في الأغلب كثافة التّراب و طيبه وتعمّقه، و ما كان كذلك فنباته أحسن، و رياض الحزَن، ليس من هذا كما زعم الطّبَريّ بل تلك هي الرّياض المنسوبة إلى نجد، لأ نّها خير من رياض تهامة، و نبات نجد أعطر و نسيمه أبرد و أرقّ. و نجد يقال له: الحزَن، و قلّ ما يصلح هواء تهامة إلا باللّيل و لذلك قالت الأعرابيّة: زوجي كليل تهامة.

و قال ابن عبّاس: الرّ بْوَة: المكان المرتفع الّذي لاتجري فيه الأنهار. و هذا إنمّا أراد به هذه الرّبوة المذكورة في كتاب الله،لأنّ قوله تعالى:{اَصَابَهَا وَابِلٌ} إلى آخر الآية يدلّ على أ نّها ليس فيها ماء جار و لم يُرد ابن عبّاس أنّ جنس الرّبا لايجري فيها ماء، لأنّ الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار و معين. و المعروف في كلام العرب أنّ الرّبوة: ما ارتفع عمّا جاوره، سواء جرى فيها ماء أو لم يجر.

و قال الحسَن: الرّ بْوَة: الأرض المستوية الّتي لاتعلو فوق الماء، و هذا أيضًا أراد أ نّها ليست كالجبل و الظَّرِب و نحوه.


1) (1) و الصّواب : المستفلّ أي السّافل.

قال الخَليل : أرض مرتفعة طيّبة، و خصّ الله بالذّكر الّتي لايجري فيها ماء، من حيث هي العُرف في بلاد العرب فمثّل لهم بما يحسّونه كثيرً ا.

و قال السُّدّيّ: { بِرَبْوَة } أي برباوة، و هو ما انخفض من الأرض. و هذه عبارة قلقة. و لفظ الرّ بْوَة هو مأخوذ من ربا يَرْ بُو إذا زاد. يقال:( رُ بْوَة ) بضمّ الرّ اء، و بها قرأ ابن كثير و حمزة و الكِسائيّ و نافعو أبو عمرو. و يقال: { رَ بْوَة } بفتح الرّ اء و بها قرأ عاصم و ابن عامر و كذلك خلافهم في سورة المؤمنين. و يقال: ( رِبْوَة ) بكسر الرّ اء، و بها قرأ ابن عبّاس فيما حُكي عنه. و يقال: ( رَباوَة ) بفتح الرّ اء و الباء و ألف بعدها، و بها قرأ أبوجعفر و أبوعبد الرّحمان. و يقال: ( رِباوَة ) بكسر الرّ اء، و بها قرأ الأشهب العقيليّ.

(1 : 359)

الطَّبْرِسيّ: معناه: كمثل بستان لمرتفع من الأرض ، وإنّما خصّ الرّبوَة لأنّ نبتها يكون أحسن، و رَيْعُها أكثر من المستغلّ الّذي يسيل الماء إليه، و يجتمع فيه، فلايطيب ريعه. [ثمّ استشهد بشعر]

(1 : 378)

الفَخْرالرّ ازيّ: و فيه مسائل:

المسألة الأُولى: قرأ عاصم و ابن عامر { بِرَبْوَةٍ } بفتح الرّ اء، و في المؤمنين : 50، { اِلى" رَ بْوَة } و هو لغة تميم، و الباقون بضمّ الرّ اء فيهما، و هو أنّ أشهر اللُّغات و لغة قريش، و فيه سبع لغات ( ربْوَة ) بتعاقب الحركات الثّلاث على الرّ اء، و ( رَباوَة ) بالألف بتعاقب الحركات الثّلاث على الرّ اء، و ( ربْو )

و الرّبوة: المكان المرتفع، قال الأخفش: و الّذي أختاره ( اِِلى" رُ بْوَة ) بالضّمّ، لأنّ جمعها الرُّبى، و أصلها من قولهم: ربا الشّيء يَرْ بُو، إذا ازداد و ارتفع؛ و منه الرّ ابية، لأنّ أجزاءها ارتفعت، و منه الرّبو إذا أصابه نفس في جوفه زائد،و منه الرّبا، لأ نّه يأخذ الزّيادة.

و اعلم أنّ المفسّرين قالوا: البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن و أكثر رَيْعًا.

و لي فيه إشكال: و هو أنّ البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء و لاترتفع إليه أنهار، و تضربه الرّياح كثيرً ا فلايحسن ريعه، و إذا كان في وَهْدَة من الأرض انصبّت مياه الأنهار، ولايصل إليه إثارة الرّياح فلايحسن أيضًا ريعه، فإذن البستان إنّما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية الّتي لاتكون ربوة و لاوَهْدَة، فإذن ليس المراد من هذه الرّبوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طينًا حُرًّ ا؛ بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ و ربا و نما. فإنّ الأرض متى كانت على هذه الصّفة يكثر ريعها، و تكمل الأشجار فيها.

و هذا التّأويل الّذي ذكرته متأكّد بدليلين:

أحدهما: قوله تعالى: { وَ تَرَى الاَ_رْضَ هَامِدَةً فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } الحجّ : 5، و المراد من ربوها ما ذكرنا، فكذا هاهنا.

و الثّاني: أ نّه تعالى ذكر هذا المثَل في مقابلة المثَل الأوّ ل، ثمّ كان المثَل الأوّ ل هو الصّفوان الّذي لايؤثّر فيه المطر، و لايربو، و لاينمو بسبب نزول المطر عليه، فكان المراد بالرّبوة في هذا المثَل كون الأرض بحيث

تربو و تنمو، فهذا ما خطر ببالي، و الله أعلم بمراده.

(7 : 60)

القُرطُبيّ:و الرّ بْوَة: المكان المرتفع ارتفاعًايسيرً ا، معه في الأغلب كثافة تراب، و ما كان كذلك فنباته أحسن، و لذلك خصّ الرّ بْوَة بالذّكر. [ و نقل كلام ابن عَطيّةثمّ قال:]

و قال السُّدّيّ: { بِرَبْوَة } أي برباوة، و هو ما انخفض من الأرض. قال ابن عَطيّة: و هذه عبارة قِلقة، ولفظ الرّبوة هو مأخوذ من ربا يَرْ بُو، إذا زاد.

قلت: عبارة السُّدّيّ ليست بشيء، لأنّ بناء < رَبَ و > معناه الزّيادة في كلام العرب؛ و منه الرّبو للنّفس العالي، ربا يَرْ بُو، إذا أخذه الرّبو. و ربا الفرس، إذا أخذه الرّبو من عَدْو أو فزَع. و قال الفَرّ اء في قوله تعالى: { اَخَذَهُمْ اَخْذَةً رَ ابِيَةً } الحاقّة : 10، أي زائدة، كقولك: أربَيْت إذا أخذت أكثر ممّا أعطيت. و ربوت في بني فلان و ربيت، أي نشأت فيهم. و قال الخَليل: الرّبوة: أرض مرتفعة طيّبة، و خصّ الله تعالى بالذّكر الّتي لايجري فيها ماء من حيث العرف في بلاد العرب، فمثّل لهم ما يحسّونه ويُدركونه.

و قال ابن عبّاس: الرّبوة: المكان المرتفع الّذي لاتجري فيه الأنهار، لأنّ قوله تعالى: { اَصَابَهَا وَ ابِلٌ } إلى آخر الآية يدلّ على أنّها ليس فيها ماء جار ، و لم يُرد جنس الّتي تجري فيها الأنهار، لأنّ الله تعالى قد ذكر{ رَ بْوَة ذَاتِ قَرَار وَ مَعين ‘ } المؤمنون : 50، و المعروف من كلام العرب أنّ الرّبوة: ما ارتفع عمّا جاوره، سواء جرى فيها ماء أو لم يجر.

و فيها خمس لغات:( رُ بْوَة )بضمّ الرّ اء، و بها قرأ ابن كثير و حمزة والكِسائيّ و نافع و أبوعمرو.

و {رَ بْوَة } بفتح الرّ اء، و بها قرأ عاصم و ابن عامر و الحسَن. و( رِبْوَة ) بكسر الرّ اء، و بها قرأ ابن عبّاس و أبوإسحاق السّبيعيّ. و( رَباوَة ) بالفتح، و بها قرأ أبوجعفر و أبوعبدالرّحمان. [ثمّ استشهد بشعر]

و ( رِباوَة ) بالكسر، و بها قرأ الأشهب العقيليّ. قال الفَرّ اء: و يقال: برَباوَة و برِباوَة، و كلّه من الرّ ابية، و فعله: ربا يَرْ بُو. (3 : 315)

البَيْضاويّ: أي و مثَل نفقة هؤلاء في الزّكاة كمثل بستان بموضع مرتفع، فإنّ شجره يكون أحسن منظرًا وأزكى ثمرً ا و قرأ ابن عامر و عاصِم { بِرَ بْوَة } بالفتح، و قرئ بالكسر، و ثلاثتها لغات فيها. (1 : 138)

نحوه النّسَفيّ (1 : 134 )، و أبوالسُّعود (1 : 309)، و شُبّر (1 : 272)، و الآلوسيّ (3 : 36).

أبوحَيّان:خصّ الرّبوة لحسن شجرها و زكاء ثمرها. و تفسير ابن عبّاس: الرّبوة بالمكان المرتفع الّذي لايجرى فيه الأنهار، إنمّا يريد المذكورةهنا لقوله: { اَصَابَهَا وَ ابِلٌ } فدلّ على أ نّها ليس فيها ماء جار ، و لم يُرد أنّ جنس الرّبوة لايجري فيها ماء، ألاترى قوله تعالى: { اِلىٰ رَبْوَة ذَاتِ قَرَار وَ مَعين ‘ } و خصّت بأنّ سُقياها الوابل لاالماء الجاري فيها، على عادة بلاد العرب بما يحسّونه كثيرً ا. [ثمّ ذكر كلام الفَخْر الرّ ازيّو القراءات] (2 : 311)

البُرُوسَويّ: مكان مرتفع مأمون من أن يصطلمه البرد، أي يفسده للطافة هوائه بهبوب الرّياح المُلطّفة

له، فإنّ أشجار الرّبا تكون أحسن منظرً ا و أزكى ثمرً ا و أمّا الأراضي المنخفضة فقلّما تَسْلَم ثمارها من البرد، لكثافة هوائها بركود الرّياح. [ثمّ أشار إلى كلام الفَخْر الرّ ازيّ] (1 : 425)

ابن عاشور:و الرّبوة بضمّ الرّ اء و فتحها: مكان من الأرض مرتفع دون الجُبَيْل. و قرأ جمهور العشرة ( برُبوَة ) بضمّ الرّ اء، و قرأه ابن عامر و عاصم بفتح الرّاء.

و تخصيص الجنّة بأ نّها في ربوة، لأنّ أشجار الرُّبى تكون أحسن منظرً ا و أزكى ثمرً ا، فكان لهذا القيد فائدتان: إحداهما: قوّة وجه الشّبه، كما أفاده قول ضعفين، و الثّانية: تحسين المشبّه به الرّاجع إلى تحسين المشَبّه في تخيّل السّامع. (2 : 523)

المُصْطَفَويّ:أي في مكان منتفخ مستعدّ للإنبات و الزّرع، و ليس المعنى المكان العالي المرتفع، فإنّ ارتفاع المكان لايُعدّ من محسّنات الأراضي المزروعة. و هكذا لايناسب المقام معاني الزّيادة و النّماء و الطّول و الزّكاء و أمثالها. (4 : 35)

2 - وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَ اُمَّهُ ا "يَةً وَ ا"وَيْنَاهُمَا اِلى" رَبْوَة ذَاتِ قَرَ ارٍ وَ مَعينٍ‘. المؤمنون : 50

كعب الأحبار: بيت المَقدِس، وهي أقرب الأرض إلى السّماء بثمانية عشر ميلا .

(القُرطُبيّ 12 : 126)

أبوهريرة: الزمُوا هذه الرّمْلَة الّتي بفلسطين، فإنّها الرّبوة الّتي قال الله: { وَ ا"وَ يْنَاهُمَا اِلى" رَبْوَة ذَاتِ قَرَ ار وَ مَعين‘ } (الطّبَريّ 9 : 218)

نحوه الحسَن (الزّمَخْشَريّ 3 : 33)، و السُّدّيّ (الواحديّ 3 : 291) .

ابن عبّاس: الرّبوة : المستوية.

مثله مُجاهِد. (الطّبَريّ 9 : 219)

يريد دمشق. (الواحديّ 3 : 291)

مثله ابن المسيَّب و ابن سلا م. (القُرطُبيّ 12 : 126)

أبوالعالية: إيليا، و هي أرض المقدّسة.

(الثّعلبيّ 7 : 49)

ابن المسيَّب: إلى ربْوَة من رُبى مصر و ليس الرُّبى إلا في مصر، و الماء حين يُرسَل تكون الرُّبى عليها القُرى،لولاالرُّبى لغرقت تلك القُرى. (الطّبَريّ9: 218)

سعيدبن جُبَيْر: دمشق. (الماوَرْديّ 4 : 56)

النّشز من الأرض. (القُرطُبيّ 12 : 127)

الضّحّاك: غوطة دمشق. (الثّعلبيّ 7 : 49)

نحوه مُقاتِل. (3 : 158)

قَتادَة: هو بيت المَقدِس. (الطّبَريّ 9 : 219)

ابن زَيْد: مصر. (الثّعلبيّ 7 : 49)

أبوعُبَيْدَة: يقال: فلان في ربْوَة من قومه، أي في عزّ و شرف، و عدد. (الطُّوسيّ 7 : 373)

الطّبَريّ: قوله: { اِلى" رَبْوَةٍ } يعني إلى مكان مرتفع من الأرض على ما حوله، و لذلك قيل للرّجل، يكون في رفعة من قومه، و عزّ و شرف و عدد: هو في ربْوَة من قومه. و فيها لغتان: ضمّ الرّ اء و كسرها إذا أُريد بها الاسم، و إذا أُريد بها الفعلة من المصدر قيل: رَبارَ بْوَة.

و اختلف أهل التّأويل في المكان الّذي وصفه الله بهذه الصّفة، و آوى إليه مريم و ابنها، فقالبعضهم: هو الرّمْلَة من فلسطين.

و قال آخرون: هي دمشق.

وقال آخرون: هي بيت المَقدِس.

وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك: أ نّها مكان مرتفع ذو استواء ، وماء ظاهر، و ليس كذلك صفة الرّملَة، لأنّ الرّملة لاماء بها مَعين، و الله تعالى ذِكْرُه وصف هذه الرّ بْوَة بأ نّها ذات قرار و مَعين. (9 : 217)

الزّجّاج:في < ربْوَة > ثلاث لغات: رَ بْوَة و رِبْوَة و رُ بْوَة، و فيها وجهان آخران: رَباوَة و رِباوَة، و هو عند أهل اللُّغة: المكان المرتفع. و جاء في التّفسير أ نّه يعني{ بِرَبْوَة } هنا بيت المَقدِس، و أ نّه كبد الأرض، و أ نّه أقرب الأرض إلى السّماء. و قيل: يعني به دِمَشْق، و قيل: فلسطين و الرّحلة، و كلّ ذلك قد جاء في التّفسير. (4 : 14)

الماوَرْديّ: الرّبوة: ما ارتفع من الأرض، و فيه قولان:

أحدهما: أ نّها لاتسمّى الرّبوة إلا إذا اخْضَرّت بالنّبات و رَ بَتْ، وإلا قيل: نشز، اشتقاقًا من هذا المعنى، و استشهادً ا بقول الله تعالى: { كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } البقرة : 265.

الثّاني: تسمّى ربْوَة و إن لم تكن ذات نبات. [و استشهد بالشّعرمرّتين] (1 : 55)

الطُّوسيّ: المكان المرتفع على ما حوله. و يجوز ضمّ الرّ اء و فتحها و كسرها، و بالفتح قرأ عاصم و ابن عامر، الباقون بالضّمّ أيضًا.

و لم يقرأ أحد بالجرّ. و يقال: ( رَباوَة ) بفتح الرّ اء و كسرها و ألف بعدالباء، فصار خمس لغات. [ثم ّنقل الأقوال المتقدّمة] (7 : 373)

الواحديّ: هي المكان المرتفع من الأرض.

(3 : 291)

الزّمَخْشَريّ: الرّبْوَة و الرّباوَة في رائهما الحركات. و قرئ: ( رُ بْوَة ) و ( رُباوَة ) بالضّمّ. و ( رِباوَة) بالكسر، و هي الأرض المرتفعة. (3 : 33)

ابن عَطيّة: و الرّبوة: المرتفع من الأرض. و قرأ جمهور النّاس ( رُ بْوَة ) بضمّ الرّ اء، و قرأ عاصم و ابن عامر بفتحها، و هي قراءة الحسَن و أبي عبد الرّحمان، و قرأ ابن عبّاس و نصر عن عاصم بكسرها، و قرأ محمّد بن إسحاق ( رُباوَة ) بضمّ الرّ اء ،و قرأ الأشهب العقيليّ بفتحها، و قرأت فرقة بكسرها، و كلّها لغات قرئ بها. [إلى أن قال:]

واختلف النّاس في موضع الرّ بْوَة، فقال ابن المسيَّب سعيد: هي الغوطة بدمشق. و هذا أشهر الأقوال، لأنّ صفة الغوطة أ نّها ذات قرار و مَعين على الكمال. و قال أبوهريرة: هي الرّملة من فلسطين، و أسنده الطّبَريّ عن كريب البهزيّ عن النّبيّ علیه السلام. و يعارض هذا القول: أنّ الرّملة ليس يجري بها ماء ألبتّة، و ذكره الطّبَريّ وضعّف القول به. و قال كعب الأحبار: الرّ بْوَة بيت المَقدِس، و زعم أنّ في التّوراة أنّ بيت المَقدِس أقرب الأرض إلى السّماء، و أ نّه يزيد على أعلى الأرض ثمانية عشر ميلا. و يترجّح أنّ

الرّبوة بيت لحم من بيت المَقدِس، لأنّ و لادة عيسى هنالك كانت و حينئذ كان الإيواء. و قال ابن زَيْد: الرّبْوَة بأرض مصر، و ذلك أ نّها رُبى يجيء فيض النّيل إليها فيملأ الأرض و لاينال تلك الرُّبى و فيها القُرى وبها نجاتها. و يضعّف هذا القول أ نّه لم يرو أنّ عيسى و مريم كانا بمصر ولاحفظت لهما بهما((1))

قصّة. (4 : 145)

نحوه الفَخْرالرّ ازيّ. (23 : 103)

القُرطُبيّ: [ اكتفى بنقل الأقوال المتقدّمة]

(12 : 126)

البَيْضاويّ: أرض بيت المَقدِس فإنّها مرتفعة أو دِمَشْق أو رمْلَة فلسطين أو مصر، فإنّ قُراها على الرُّبى. و قرأ ابن عامر و عاصم بفتح الرّ اء. و قرئ ( رُباوَة ) بالضّمّ و الكسر. (2 : 108)

نحوه أبوالسُّعود. (4 : 418)

الآلوسيّ: هي ما ارتفع من الأرض دون الجبل، و اختُلف في المراد بها هنا، فأخرج وكيع و ابن أبي شيبة وابن المنذر و ابن عساكر بسند صحيح عن ابن عبّاس أ نّه قال: في قوله تعالى { اِلى" رَ بْوَة } أنبئنا أ نّها دِمَشْق.

وأخرج ابن عساكر عن عبد الله بن سلا م وعن يزيد بن شجرة الصّحابيّ، و عن سعيد بن المسيَّب و عن قَتادَة عن الحسَن أ نّهم قالوا: الرّبوة هي دِمَشْق، و في ذلك حديث مرفوع أخرجه ابن عساكر عن أبي أُمامة بسند ضعيف. و أخرج جماعة عن أبي هريرة أ نّه قال: هي الرّمْلَة من فلسطين.

و أخرج ذلك ابن مردويه من حديثه مرفوعًا، و أخرج الطّبرانيّ في الأوسط و جماعة عن البهزيّ قال : سمعت رسول الله(صلی الله علیه و آله) يقول: الرّ بْوَة: الرّمْلَة.

و أخرج ابن جرير وغيره عن الضّحّاك أ نّه قال: هي بيت المَقدِس، و أخرج هو و غيره أيضًا عن قَتادَة أ نّه قال: كنا نحدّث أنّ الرّبوة بيت المَقدِس و ذكرو ا عن كعب أنّ أرضه كبد الأرض و أقربها إلى السّماء بثمانية عشر ميلا ، و لذا كان المعراج و رفع عيسى منه. و هذا القول أوفق بإطلاق الرّبوة على ما سمعت من معناها.

و أخرج ابن المنذر و غيره عن وَهْب و ابن جرير و غيره عن ابن زَيْد: الرّبوة: مصر. و روي عن زَيْد بن أسلم أ نّه قال: هي الإسكندريّة. و ذكروا أي قُرى مصر كلّ واحدة منها ربْوَة مرتفعة لعموم النّيل في زيادته جميع أرضها، فلو لم تكن القرى على الرُّبى لغرقت. (18 : 38)

ابن عاشور: و الرُّ بْوَة بضمّ الرّ اء: المرتفع من الأرض. و يجوز في الرّ اء الحركات الثّلاث. و تقدّم في قوله تعالى : { كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } في البقرة 265.

(18 : 55)

المُصْطَفَويّ : و الرّبْوَة: محلّ مستعدّ للإنبات و منتفخ مهيّأ للزّراعة، فيناسب السّكون و الحياة و العيش ذات قرار و معين.

و لايناسب التّفسير أيضًا بالارتفاع و الفضل و الطّول و العظمة و غيرها. (4 : 36)


1) (1) و الظّاهر بها، أي بمصر.

مكارم الشّيرازيّ: الرّبوَة مشتقّة من الرّبا بمعنى الزّيادة و النّموّ. و تعني هنا المكان المرتفع. (10 : 411)

يُرْبِى

يَمْحَقُ اللهُ الرِّبو"ا وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَ اللهُ لايُحِبُّ كُلَّ كَفَّار اَثيمٍ‘. البقرة : 276

ابن عبّاس: أي يزيد فيها و يبارك عليها.

(الواحديّ 1 : 396)

الطّبَريّ: فإنّه جلّ ثناؤه يعني أنّه يضاعف أجرَها يَرُ بّها و يُنَمّيهاله. (3 : 105)

الثّعلبيّ: أي يزيدها و يكثرها و يبارك فيها في الدّنيا، و يضاعف الأجر و الثّواب في العُقبى و إن كانت قليلة، قال عزّ من قائل { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ اَضْعَافًا كَثيرَ‘ةً }.

القاسم بن محمّد قال : سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): « إنّ الله عزّ و جلّ يقبل الصّدقات و لايقبل منها إلا الطّيّب، و يأخذها بيمينه و يُرَ بّيها كما يَرَ بّي أحدكم مُهره أو فصيله حتّى أنّ اللُّقمة لتصير مثل أُحُد »، و تصديق ذلك في كتاب الله عزّ و جلّ: { اَلَمْ يَعْلَمُوا اَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْ بَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَ يَاْخُذُ الصَّدَ قَاتِ}.التّوبة : 104.

{ يَمْحَقُ اللهُ الرِّبو"ا وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ } قال يحيى ابن معاد: لاأعرف حَبّة تزن جبال الدّنيا إلا الحَبّة من الصّدقة. (2 : 283)

الماوَرْديّ: فيه تأويلان:

أحدهما: يثمر المال الّذي خرجت منه الصّدقة.

و الثّاني: يضاعف أجر الصّدقة و يزيدها، و تكون هذه الزّيادة واجبة بالوعد لابالعمل. (1 : 351)

الطُّوسيّ: معناه يزيدها بما يثمر المال في نفسه و بالأجر عليه؛ و ذلك بحسب الانتفاع بها و حسن النّيّة فيها، و وجه زيادته على المستحقّ بالعمل تفصل بالوعد به. (2 : 363)

البغَويّ: أي يثمرها و يبارك فيها في الدّنيا و يضاعف بها الأجروالثّواب في العُقبى. (1 : 386)

ابن عَطيّة:معناه ينمّيها و يزيد ثوابها تضاعفًا، تقول: رَ بَت الصّدقة و أرباها الله تعالى و رباها؛ و ذلك هو التّضعيف لمن يشاء، و منه قول النّبيّ (صلی الله علیه و آله). [ثمّ ذكر رواية النّبيّ المتقدّمة] (1 : 373)

البَيْضاويّ: يضاعف ثوابهاو يبارك فيما أخرجت منه، و عنه عليه الصّلاة و السّلام: < إنّ الله يقبل الصّدقة و يَربّيهاكمايُرَ بّي أحدكم مُهره >. و عنه عليه الصّلاة و السّلام: < ما نقصت زكاة من مال قطّ >.

(1 : 142)

نحوه أبوالسُّعود (1 : 317)، و البُرُوسَويّ (1 : 436)، و الآلوسيّ (3 : 52).

أبوحَيّان: قيل: الإرباءحقيقة، و هو أ نّه يزيدها و يُنمّيها في الدّنيا بالبركة، و كثرة الأرباح في المال الّذي خرجت منه الصّدقة. و قيل: الزّيادة معنويّة، و هي تضاعف الحسنات و الأُجور الحاصلة بالصّدقة، كما جاء في كثير من الآيات و الأحاديث. و قرأ ابن الزّبير، و رويت عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) (يُمَحِّق ) و ( يُربِّي ) من: محّق و ربّى مشدّدً ا. و في ذكر المحق و الإرباء بديع الطّباق، و في ذكر الرّبا و يُرْبي بديع التّجنيس المغاير.

(2: 336)

الكاشانيّ: { وَ يُرْبِى الصَّدَ قَاتِ }يضاعف ثوابها و يبارك فيما أخرجت منه. [ثمّ ذكر رواية النّبيّ المتقدّمة] (1 : 280)

ابن عاشور: أي يضاعف ثوابها، لأنّ الصّدقة لا تقبل الزّيادة إلا بمعنى زيادة ثوابها ،وقد جاء نظيره في قوله في الحديث: < مَن تصدّق بصدقة من كسب طيّب و لايقبل الله إلا طيّبًا تلقّاها الرّحمان بيمينه وكِلتا يَدَيْه يمين فيُرْبيها له كما يُرْبِي أحدكم فُلُوّه > و لمّا جُعل المحق بالرّبا و جُعل الإرباء بالصّدقات كانت المقابلة مؤذنة بحذف مقابلين آخرين، و المعنى: يمحق الله الرّبا ويعاقب عليه، و يُرْبي الصّدقات و يبارك لصاحبه، على طريقة الاحتباك. (2 : 558)

و راجع: < الرّبا > من هذه الآية.

رَ بَّ-يَانى

وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَ بَّ-يَانى صَغيرً‘ ا. الإسراء : 24

الطّبَريّ:عنى بقوله { رَ بَّيَانى }: نَمِّيانيّ. (8 : 63)

المُصْطَفَويّ:المناسب أن يكون لفظ التّربية في هذا المورد من مادّة الرّ بْو لامن الرّبب، فإنّ المعنى العامّ في جميع الموارد هو تحقّق الانتفاخ و الزّيادة الجسمانيّة، و حصول النّشوء المادّيّ الظّاهريّ تحت مراقبة الوالدين. و أمّا التّربيب و السّوق إلى الكمال المعنويّ غير متحقّق في أغلب الموارد و بالنّسبة إلى أغلب الأولاد، و هذا المعنى حقّ آخر، و له مزيد شكر و امتنان إن تحقّق.

و مفهوم التّربية عامّ شامل لجميع المراتب من حصول النّشُوء و النّماء و الزّيادة في أيّ مرتبة و بأيّ مقدار و بأيّ كيفيّة مادّ يّة أو معنويّة.

و يؤيّد ما ذكرناه ذكر كلمة { صَغيرً ا‘}، فإنّ المقتضى في الصّغر هو التّربية و حصول الانتفاخو الزّيادة الجسمانيّة، و هو الكبر. مضافًا إلى أنّ الوالدين قد يكونان غير صالحين بل منحرفين، كما في {قَالَ اَلَمْ نُرَبِّكَ فينَا‘ وَليدً ‘ا وَ لَبِثْتَ فينا‘ مِنْ عُمُرِكَ سِنينَ‘} الشّعراء : 18، فإنّ موسى قد رُ بّي في بيت فرعون صغيرً ا، من جهة جسمانيّة فقط، و هذا حقيقة الانتفاخ و الزّيادة. (4 : 36)

نُرَ بِّكَ

قَالَ اَلَمْ نُرَ بِّكَ فينَا‘ وَليدً ا‘ وَ لَبِثْتَ فينَا‘ مِنْ عُمُرِكَ سِنينَ.‘ الشّعراء: 18

الطُّوسيّ: فالتّربية تنشئة الشّيء حالا بعد حال: ربّاه يُربّيه، و مثله: نمّاه يُنمّيه نماءً. (8 : 12)

ابن عَطيّة: أي ربّيناك صغيرً ا و لم نقتلك في جملة من قتلناك. (4 : 227)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرَّ بْوَة، و هو ما ارتفع من الأرض؛ و الجمع: رُبى و رُبيّ، و هو الرَّ بْو و الرُّ بْوَة و الرِّبْيَة و الرَّباوَةو الرُّباوَة و الرِّباوَة و الرَّباوَة والرّ ابِيَة. و جمع الأخيرة: رَواب . يقال: رَ بَوْتُ الرّ ابِيَة، أي علوتُها ، و أربى الرّجل، إذا قام على رابِيَة.

و رَبا الشّيءُ يَرْ بُو رَ بْوً ا، إذا ارتفع.

و الرَّ بْوُ و الرَّ بْوَة : علوّ النّفَس و تتابعه و انتفاخ الجوف. يقال: رَبا يَرْ بُو رَ بْوً ا، أي أخذه الرَّ بْوُ.

و طلبنا الصّيد حتّى تربّينا: بُهِرْنا، أي تتابعت أنفاسنا من الإعياء حتّى غلبنا البُهر، و هو الرَّ بْوُ.

و رَبا الفرس، إذاانتفخ من عَدْو أو فزع.

و رَبا السّويق و نحوه رُ بُوًّ ا: صُبّ عليه الماء فانتفخ.

و قال ابن دُرَ يْد: < الرَّباء: العلوّ. يقال: لبني فلان رَباء على بني فلان، أي طَوْل و عُلوّ >، و هو على المجاز.

و قال الصّاحِب بن عبّاد: < الرَّباء: الكثرة

و النّماء >، و لكنّ ابن سيده ضبطه بكسر الرّ اء، و قال: < رَبا الشّيء يَرْ بُو رُ بُوًّ ا و رِباءً: زاد و نما، و أرْ بَيتُه: نمّيتُه>.

و أرْبى على الخمسين و نحوها: زاد.

و سابّ فلان فلا نًا فأرْبى عليه في السّباب، إذا زاد عليه.

و أرْبى الرّجل، إذا أخذ أكثر ممّا أعطى.

و الرِّبا: الزّيادة على أصل المال دون بيع، و هو حرام في الإسلام، و مثنّاه رِبْوان و رِبْيان. يقال: رَبا المال، أي زاد بالرِّبا، و أرْبى الرّجل في الرِّبا يُرْبي، فهو مُرْبٍ.

و الرَّ بْوُ و الرُّ بُوّ: النّشُوء و الغَذْو. يقال: رَ بَوْتُ في حجره أرْبى رَ بًا و رُ بُوًّ ا و رَ بْوً ا، و رَبِيْتُ رَباءً و رُبِيًّا ، أي نشَأت.

و رَ بَوْتُ في بني فلان أرْ بُو: نشَأت فيهم.

و ربّيتُ فلا نًا أُرَ بّيه تَرْبيَةً، و تَرَ بّيتُه تَرَ بّيًا: غَذَوْ تُه.

و زنجبيل مُرَ بّى و مُرَ بّبٌ: معمول بالرُّبّ.

و الرَّ بْوُ: الجماعة هم عشرة آلاف كالرُّ بَّة؛ و الجمع: رُبى و أرْباء.

و الأُرْبِيّة: أصل الفخذ، و هما أُرْبِيّتان. قال ابن فارِس: < سمّيتا بذلك لعلوّهما على ما دونهما >.

و أُرْبِيّة الرّجل: أهلبيته و بنو عمّه، لاتكون الأُرْبِيّة من غيرهم. يقال: جاء في أُرْبِيّة من قومه، أي في أهل بيته و بني عمّه و نحوهم.

2 - قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في صلح أهل نجران: < ليس عليهم رُبِّيَّة و لادم >، أي ليس عليهم الرِّبا الّذي كان في الجاهليّة، و لاالدَّماء الّتي كانوا يطلبون بها.

و أجمع أرْباب اللُّغة و أصحاب الحديث على أ نّه ورد في اللُّغة بلفظ < رُ بْيَة > بالتّخفيف، و لم يُعرَف التّشديد فيها. و مثّل الفَرّ اء التّخفيف بلفظ حُبْيَة من الاحتباء، و مثّل الزّمَخْشَريّ التّشديد بلفظ سُرِّيَّة من السَّرْو.((1))

و لعلّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لفظها بالتّشديد مجاراة لما اصطلح عليه أهل نجران، و كانوا نصارى يومئذٍ، و هو ما ورد في الإنجيل بمعنى الرِّبا، أي لفظ < رِبِيتَا > السّريانيّ. فلفظ < رُ بِّيَّة > المذكور في الحديث معرّب اللّفظ السّريانيّ المذكور، و ليس لغة في < رُ بْيَة > المخفّف، و نحوه: < سَكِينا > ، أي سكّين، و < سِكِيتا >، أي سَكّ، و غيرهما.

3 - روي عن أبي عمرو بن العلاء أ نّه كان يقول:


1) (1) الفائق: (2 : 23).

< يُنسب إلى الرِّبا رِبَويّ >،((1)) و روى الزّبيديّ عن المطرّزيّ أ نّه قال: < الفتح في النّسبة خطأ >((2)) ، و هو شائع في هذا العصر، كما شاع فيه أيضًا استعمال لفظ < الفائدة > في هذا المعنى، و خاصّة في المصارف الحكوميّة والأهليّة.

و لقد كتبت بحوث و أُ لّفت كتب خلال القرن المنصرم، حول رأي الإسلام في النّظام المصرفيّ الحديث. و كان أوّ ل كتاب صُنّف باللُّغة العربيّة في هذا المضمار < البنك اللا رِبَويّ في الإسلام > لآية الله العظمى الشّهيد السّيّد محمّد باقر الصّدر رحمه الله، صنّفه تلبيةً لدعوة بيت التّمويل الكويتيّ التّابع لوزارة الأوقاف، فطُبع و نُشر في الكويت أيضًا.

كما طُبعت في الباكستان طائفة من الكتب حول هذا الموضوع باللُّغة الأُرْديّة و الإنجليزيّة، و منها: < الرِّبا > لأبي الأعلى المودوديّ، و < النّظام المصرفيّ على أُسس إسلاميّة > لنعيم صدّيقيّ، و < الأعمال المصرفيّة اللا رِبَويّة > لأحمد إرشاد، و < الإسلام و نظريّة الرِّبا > لمحمّد أشرف، و < النّظام المصرفيّ اللاّرِبَويّ > لمحمّد عزير و غيرها.

و نُشرت في أواخر القرن العشرين كتب في هذا المضمار، و منها: < النّظام المصرفيّ اللا رِبَويّ > لمحمّد نجاة الله صدّيقيّ، طبعته المملكة العربيّة السّعوديّة.

و < تحوّ ل المصرف الرِّبَويّ إلى مصرف إسلاميّ > لسعود محمّد الرّبيعة، طبعته دولة الكويت، و هو بحث مُسْهب لنيل شهادة الماجستير، و ادّعى النّاشر أ نّه < بحث لم يسبق إليه >! .

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها أفعال، فمن المجرّد ماض، و مضارع، و اسم فاعل، كلّ منها مرّتان، و اسم تفضيل مرّة، و مصدر مجرّد ثماني مرّات، و اسم مصدر مفرد مرّتين، و من المزيد < التّفعيل > ماضٍ، و مضارع، و < الإفعال > مضارع، كلّ منها مرّة، في خمس عشرة آية:

يلاحظ أوّ لا : أنّ فيها أربعة محاور: العقيدة: التّوحيد، و الموعظة، و القصّة و التّشريع: الرّبا:

المحور الأوّ ل: العقيدة: التّوحيد، و فيه ثلاث آيات:

1 - { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اِنْ كُنْتُمْ فى رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَاِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَ اب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَ غَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِى الاَ_رْحَامِ مَا نَشَاءُ اِلى" اَجَل مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا اَشُدَّ كُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفىّٰ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ اِلى" اَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلايَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْ-ا = وَ تَرَى الاَ_رْضَ هَامِدَةً فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ اَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ‘ } الحجّ: 5

2 - { اَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ اَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدً ا رَ ابِيًا وَ مِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة اَوْ مَتَاعٍ زَ بَدٌ مِثْلُهُ كَذ"لِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْحَقَّ وَ الْبَاطِلَ فَاَمَّا الزَّ بَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَ اَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الاَ_رْضِ كَذ"لِكَ يَضْرِبُ اللهُ الاَ_مْثَالَ }

الرّعد : 17


1) (1) لسان العرب: (15 : 490).

2) (2) تاج العروس: (ر ب و).

3 - { وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَ نَّكَ تَرَى الاَ_رْضَ خَاشِعَةً فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَ بَتْ اِنَّ الَّذى‘ اَحْيَاهَا لَمُحْيِى الْمَوْتى" اِنَّهُ عَلى" كُلِّ شَىْء قَديرٌ‘ }

فصّلت : 39

و فيها بُحُوثٌ:

1 - لفت الله تعالى نظرعبده إلى الأرض في (1) و (3) بقوله: { تَرَى الاَ_رْضَ }، و وصفها في (1) بلفظ: { هَامِدَةً } أي ضعيفة، لأ نّه ذكر قبلها مراحل خلقة الإنسان، و هي تنشأ من الضّعف، كالنّطفة و العلقة و المضغة و الطّفولة و رذالة العمر. ثمّ قال: { فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَ بَتْ وَ اَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ‘}.

و وصفها في (3) بلفظ: { خَاشِعَةً } أي يابسةً كيبس الشّجرة الميّتة، لأ نّه استأنف القول مبيّنًا:{ اِنَّ الَّذى‘ اَحْيَاهَا لَمُحْيِى الْمَوْتى" }، و معلّلا: { اِنَّهُ عَلى" كُلِّ شَىْء قَديرٌ‘ }، بعد قوله: { فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَ بَتْ }. و الدّليل في كلتا الآيتين مساق لقدرة الله، فبها أحيا الأرض بعد موتها، و بها أرْبى النّبات و ضاعفه.

2 - جمعت الآيتان (1) و (3) عناصر الحياة الثّلاثة: الماء، و الأرض، و النّبات، فتقوى الأرض و تُروى بنزول المطر و تنبت، و تنفلق الحبّة عن رويشة تنفذ في التّربة، و عن سويق يخرق سطح الأرض فتهتزّ، ثمّ تنمو الرّويشة و تربو فتصير جذرً ا، و ينمو السّويق و يربو أيضًا فيصير ساقًا. فإسناد الاهتزاز إلى الأرض حقيقيّ، و إسناد الرّبوّ إليها مجازيّ، لأ نّه يختصّ بالنّبات دونها، و نظيره قوله: { يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَ ارً ا} هود : 52، أي يُرسل المطر، لأ نّه ينزل من السّحاب المجاور للسّماء.

3 - إن قيل: إنّ الزّ بَد يرتفع فوق الماء عادة، فما حكمة ذكر الرّبوّ في (2)؟

يقال: تظهر حكمته في زيادته، لأ نّه من: رَبا يَرْ بُو رَ بْوً ا و رُ بُوًّ ا: زاد، أي احتمل السّيل زبَدً ا زائدً ا كثيرً ا، و أمّا من فسّره بالارتفاع - كالطّبَريّ - جعله

كالزّ ائد، فتأمّل.

المحور الثّاني: الموعظة، و فيه ثلاث آيات أيضًا:

4 - { وَ مَثَلُ الَّذينَ‘ يُنْفِقُونَ اَمْوَ الَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَ تَثْبيتًا‘ مِنْ اَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّة بِرَبْوَة اَصَابَهَا وَ ابِلٌ فَ-ا"تَتْ اُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَاِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَ ابِلٌ فَطَلٌّ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ‘ } البقرة : 265

5 - { وَ لاتَكُونُوا كَالَّتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة اَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ اَيْمَانَكُمْ دَخَلا بَيْنَكُمْ اَنْ تَكُونَ اُمَّةٌ هِىَ اَرْبى" مِنْ اُمَّة اِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ مَا كُنْتُمْ فيهِ ‘تَخْتَلِفُونَ } النّحل : 92

6 - { وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَ بَّيَانى صَغيرً ‘ا } الإسراء : 24

و فيها بُحُوثٌ:

1 - اتّفقت كلمة المتقدّمين من اللُّغويّين و المفسّرين على أنّ الرّبوة في (4) هي المكان المرتفع، ولكنّ المتأخّرين اختلفت كلمتهم فيها، و أخرجوها من معناها اللُّغويّ.

قال الفَخْر الرّازيّ: < اعلم أنّ المفسّرين قالوا: البستان إذا كان في رَ بْوَة من الأرض كان أحسن

و أكثر ريعًا. و لي فيه إشكال، و هو أنّ البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء و لاترتفع إليه أنهار، و تضربه الرّياح كثيرً ا فلايحسن ريعه، و إذا كانفي وهدة من الأرض انصبّت فيه مياه الأنهار، و لايصل إليه إثارة الرّياح، فلايحسن أيضًا ريعه، فإنّ البستان إنّما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية الّتي لاتكون رَ بْوَة و لاوهدة. فإذن ليس المراد من هذه الرّبوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طينًا حرًّ ا؛ بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ و ربا و نما، فإنّ الأرض متى كانت على هذه الصّفة يكثر ريعها، و تكمل الأشجار فيها >.

و لنا في كلامه إشكال أيضًا، و هو أنّ المراد من الرّبوة أرض ذات طين حَرّ، فما أراده لايطلق على الرّبوة، بل يطلق على القاع، و هي الأرض الحَرّة الطّيّبة الطّين، ليست فيها حزونة و لا ارتفاع

و لاانهباط.

و قال ابن عَطيّة:< الرّبوة: ما ارتفع من الأرض ارتفاعًا يسيرً ا، معه في الأغلب كثافة التّراب و طيبه و تعمّقه >، فأخرج الرّبوة من معناها بقيد< ارتفاعًا يسيرً ا، معه في الأغلب كثافة التّراب و طيبه و تعمّقه >، فكأ نّه أراد بذلك الدّكّاء، و هي ربوة طين ليست بالغليظة.

و قال المُصْطَفَويّ في الرّبوة أيضًا: < مكان منتفخ مستعدّ للإنبات و الزّرع، و ليس المعنى المكان العالي المرتفع، فإنّ ارتفاع المكان لايُعَدّ من محسّنات الأراضي المزروعة، و هكذا لايناسب المقام معاني الزّيادة و النّماء و الطّول والزّكاء و أمثالها >، فتشبّث بالصّفة و ترك الموصوف، و نقل المعنى من الخاصّ إلى العامّ، لأنّ الرّبوة - حسب قوله - كلّ أرض صالحةللزّراعة، سواء كانت سهلا أم وهدة، و هذا خلاف قول اللُّغويّين قاطبةً.

2 - علّل الطّبَريّ وصف الجنّة بالرّبوة في (4) بقوله: < لأنّ ما ارتفع من المسايل و الأودية أغلظ، و جنان ما غلظ من الأرض أحسن و أزكى ثمرً ا و غرسًا و زرعًا ممّا رقّ منها، و لذلك قال أعشى بني ثعلبة في وصف روضة :

ما روضة من رياض الحزن معشبة

خضراء جاد عليها مسبل هطل

فوصفها بأ نّها من رياض الحزن، لأنّ الحزون غروسها و نباتها أحسن و أقوى من غروس الأودية و التّلاع و زروعها > .

و زعم ابن عَطيّة أنّ الارتفاع اليسير للأرض و كثافة ترابها و طيبه و تعمّقه يكون نباتها أحسن، و ردّ قول الطّبَريّ، فقال: < رياض الحزن ليس من هذا كما زعم الطّبَريّ، بل تلك هي الرّياض المنسوبة إلى نجد >.

غير أنّ قول الطّبَريّ كان اختيار أغلب المفسّرين، و منهم البُرُوسَويّ، فنحا نحوه، ثمّ قال: < أمّا الأراضي المنخفضة فقلّما تسلم ثمارها من البرد، لكثافة هوائها بركود الرّياح >، و كأ نّه يصف بيئته وحال جنان الغوطة في موطنه تركيا، و الآية مثل لما ألفته العرب، و ما ذكره لم تعهده في ديارها.

و لقد أجاد ابن عاشور في هذا المعنى فقال: < تخصيص الجنّة بأ نّها في رَ بْوَة، لأنّ أشجار الرُّبى تكون أحسن منظرً ا و أزكى ثمرً ا، فكان لهذا القيد فائدتان: إحداهما: قوّة وجه الشّبه، كما أفاده قول: {ضِعْفَيْنِ }، و الثّانية: تحسين المشبّه به الرّ اجع إلى تحسين المشبِّه في تخيّل السّامع >.

3 - قال النّحّاس في (5): < هذه آية مشكلة تحتاج إلى تدبّر >، و لعلّه أراد الإشكال في كونها مكّيّة، فكيف يحالف المسلمون مشركي مكّة طلبًا للكثرة و القوّة؟

و الجواب عن ذلك بوجهين:

الأوّ ل: أنّ ذلك كان مباحًا لضعف المسلمين و قلّة عددهم في مكّة، ثمّ نُسخ في المدينة، لتقوّيهم و تكاثرهم، و لعلّ النّاسخ نحو قوله: { اِنَّمَا يَنْهيكُمُ’ اللهُ عَنِ الَّذينَ‘ قَاتَلُوكُمْ فِى الدّينِ‘ وَ اَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَ ظَاهَرُوا عَلى" اِخْرَ اجِكُمْ اَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَ-اُولئِ-ك َ’هُمُ الظَّالِمُونَ } الممتحنة : 9.

والثّاني: أنّ هذه الآية مدنيّة، على قول الحسَن و قَتادَة، فيكون التّحالف بين المسلمين أنفسهم، و الله أعلم.

4 - أمر الله العبد في (6) بالدّعاء للوالدين بالرّحمة لتربيتهما إيّاه صغيرً ا، فجعل الدّعاء سببًا للتّربية، إن كانت الكاف في < كما > للتّعليل، كما قال أغلب المفسّرين.

أو مثلا للتّربية، إن كانت نعتًا لمصدر محذوف تقديره: رحمة مثل تربيتي صغيرً ا، كما قال الحوفيّ .

أو مثلا للرّحمة، أي رحمة مثل رحمتهما، كما قال أبوالبقاء.

و القول الأوّ ل هو الأصحّ، لأ نّه لايحتاج إلى تقدير، و عدم التّقدير أولى من التّقدير، كماقال الأخفش.

5 - إن قيل: هل يجوز الدّعاء للمربّي إن كان كافرً ا؟

يقال: لايجوز الدّعاء إلا للمؤمن، و هو قول أغلب العلماء. قال قَتادَة في (6): < نسخ الله من هذه الآية هذا اللّفظ، يعني { وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا } بقوله: { مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ‘ وَ لَوْ كَا نُوا اُولى قُرْبى" مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ اَ نَّهُمْ اَصْحَابُ الْجَحيمِ‘ } التّوبة : 113.

و قيل: هي مخصوصة في حقّ المشركين.

و قيل: لانسخ و لاتخصيص، لأنّ له أن يدعو الله لوالديه الكافرين بالهداية و الإرشاد، و أن يطلب الرّحمة لهما بعد حصول الإيمان.

و هذا القول ليس بشيءٍ، لأ نّه يُجوّز لموسى أن يدعو بالرّحمة لفرعون و زوجه، لأ نّهما ربّياه صغيرً ا، كما قال تعالى على لسان فرعون مخاطبًا موسى: { قَالَ اَلَمْ نُرَبِّكَ فينَا ‘وَ ليدً‘ ا وَ لَبِثْتَ فينَا‘ مِنْ عُمُرِكَ سِنينَ‘ }الشّعراء : 18.

المحورالثّالث: القصّة، و فيه ثلاث آيات:

7 - { قَالَ اَلَمْ نُرَبِّكَ فينَا ‘وَ ليدً ا‘ وَ لَبِثْتَ فينَا‘ مِنْ عُمُرِكَ سِنينَ‘ } الشّعراء : 18

8 - { وَ جَاءَ فِرْعَوْنُ وَ مَنْ قَبْلَهُ وَ الْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْ ا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَاَخَذَهُمْ اَخْذَةً رَ ابِيَةً}

الحاقّة : 9 ، 10

9 - { وَ جَعَلْنَا ابْنَ مَرْ يَمَ وَ اُمَّهُ ا"يَةً وَ ا"وَ يْنَاهُمَا اِلى" رَبْوَة ذَاتِ قَرَ ار وَ مَعين ‘ } المؤمنون : 50

و فيها بُحُوثٌ:

1 - قرّر فرعون موسى على قول الحقّ في (7): { قَالَ اَلَمْ نُرَبِّكَ فينَا ‘وَ ليدً ا ‘وَ لَبِثْتَ فينَا‘ مِنْ عُمُ-رِكَ سِنينَ ‘* وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتى فَعَلْتَ وَ اَنْتَ مِنَ الْكَافِرينَ‘}، فلم يُقرّ بالتّربية، و لكنّه أقرّ بقتل القبطيّ، لأنّ الله كلأه و ردّه إلى أُمّه فربّته وغذته { فَرَدَدْ نَاهُ اِلى" اُمِّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَ لاتَحْزَنَ وَ لِتَعْلَمَ اَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَ لكِنَّ اَ’كْثَرَهُمْ لايَعْلَمُونَ } القصص : 13.

و لم يردّ امتنانهم عليه بالتّربية، لئلا يصرفه ذلك عمّا جاء به إليه، كما همّ فرعون بهذا الأمر. قال ابن عاشور:< أعرض فرعون عن الاعتناء بإبطال دعوة موسى، فعدل إلى تذكيره بنعمة الفراعنة أسلافه على موسى و تخويفه من جنايته، حسبانًا بأنّ ذلك يقتلع الدّعوة من جذمها، و يكفّ موسى عنها >.

2 - جاءت كلمة { رَ ابِيَةً } في (8) صفة للفظ { اَخْذَةً } لبيان حالة الأخذ، و هي نظير ما جاء صفة على < فاعلة > في رويّ هذه السّورة للموصوف، في كلّ من الآيات الآتية: { وَ اَمَّا عَادٌ فَاُهْلِكُوا بِريحٍ‘ صَرْصَر عَاتِيَة }، و { سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَال وَ ثَمَانِيَةَ اَ يَّام حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فيهَا‘ صَرْعى" كَاَنَّهُمْ اَعْجَازُ نَخْلِ خَاوِيَة }، و { لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَ تَعِيَهَا اُذُنٌ وَ اعِيَةٌ }، و { فَاِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَ احِدَةٌ }، و { وَ حُمِلَتِ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَ احِدَةً }، و{ فَهُوَ فى عيشَة رَ اضِيَة }، و { فى جَنَّة عَالِيَة }، و { كُ-لُوا وَ اشْرَ بُوا هَني-ًا =‘بِمَا اَسْلَفْتُمْ فِى الاَ _يَّامِ الْخَالِيَةِ} الحاقّة : 6 و 7 و 12 - 14 و 21 و 22 و24.

فناسبت { رَ ابِيَةً } رؤوس الآيات المذكورة، و بيّنت شدّة الأخذ أيضًا.

قال الفَخْر الرّ ازيّ: < كانت زائدة في الشّدّة علىعقوبات سائر الكفّار، كما أنّ أفعالهم كانت زائدة في القبح على أفعال سائر الكفّار >.

3 - اختلف المفسّرون في الرّبوة المذكورة في (9)، فبعضهم عمّم معناها وفاقًا لما جاء في اللُّغةحقيقةً، فذكر سعيد بن جُبَيْر في أحد قوليه: < النّشز من الأرض >، أو مجازً ا.

قال أبوعُبَيْدَة: < يقال: فلان في ربوة من قومه، أي في عزّ و شرف و عدد >.

و بعض خصّصها فبيّن موضعها وفاقًا لمن أسلم من أهل الكتاب، و منهم كعب الأحبار، فقال: < بيت المَقْدِس >، و قيل: دمشق، أو غوطة دمشق، و قيل: ربوة في مصر.

و في الإنجيل أ نّه < ولد يسوع في بيت لحم اليهوديّة>((1)) و كانت حينئذ قرية صغيرة قائمة على


1) (1) متّى (2: 1) .

مرتفع من الأرض، تقع جنوب مدينة القدس، و تبعد عنها مسافة ستّة أميال. و قد شيّدت الإمبراطورة اليونانيّة < هيلانة > على هذا المرتفع عام (330) للميلادكنيسة فوق مغارة يقال: إنّ المسيح وُلد فيها((1)).

المحور الرّ ابع: التّشريع: الرّبا، و فيه ستّ آيات:

10 - { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْ بُوَ ا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ فَلايَرْ بُوا عِنْدَ اللهِ وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ زَكو"ة تُريدُ‘ونَ وَجْهَ اللهِ فَاُولئِ-كَ’ هُمُ الْمُضْعِفُونَ } الرّوم : 39

11 - 13 - { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّبوا لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذ"لِكَ بِاَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبو"ا وَ اَحَلَّاللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوا" فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَ اَمْرُهُ اِلَى اللهِ وَ مَنْ عَادَ فَاُولئِكَ ’اَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللهُ الرِّبوا وَ يُرْبِى الصَّدَقَاتِ وَ اللهُ لايُحِبُّ كُلَّ كَفَّار اَثيم‘ٍ*...* يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اتَّ-قُوا اللهَ وَ ذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبو"ا اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ‘ }

البقرة : 275 - 278

14 - { يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا لاتَاْكُلُوا الرِّبوا اَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }

آل عمران : 130

15 - {...وَ اَخْذِهِمُ الرِّبو"ا وَ قَدْ نُهُوا عَنْهُ وَ اَكْلِهِمْ اَمْوَ الَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَ اَعْ-تَدْ نَا لِلْكَافِرينَ‘ مِنْهُمْ عَذَابًا اَليمًا‘ } النّساء : 161

و فيها بُحُوثٌ:

1- زعم بعض المفسّرين أنّ الرّبا في (10): { وَ مَا ا"تَيْتُمْ مِنْ رِبًا } يراد به الرّبا المحرّم، و هو ليس بشيء، لأ نّه حُرّم في المدينة، و هذه الآية من سورة مكّيّة، و لعلّها- كما ذكر مكارم الشّيرازيّ - مقدّمة لتحريم الرّبا، لأنّ سورة الرّوم من آخر ما نزل في مكّة، فكان هذا أوّ ل غمز على الرّبا المحرّم الّذي كان فاشيًا بين المجتمع المكّيّ آنذاك. و ممّا يقوّي هذا الرّ أي قول السُّدّيّ: < نزلت في ثقيف، لأ نّهم كانوا يعملون الرّبا و تعمله قريش فيهم >. و الظّاهر أ نّه الرّبا المحرّم في الإسلام، و كان حلالا عند المشركين، فهذا تشريع مكّيّ و كم له من نظيرٍ.

2 - فسّر أغلب المفسّرين الفعل في (10):{ لِيَرْ بُوَا فى اَمْوَ الِ النَّاسِ } بالتّعاطي، و هو قول ابن عبّاس، قال: < هو ما يعطي النّاس بينهم بعضهم بعضًا؛ يعطي الرّجل الرّجل العطيّة يريد أن يعطى أكثر منها >.

و فسّره آخرون بالعطاء، و هو قول النّخعيّ، قال: < كان هذا في الجاهليّة، يُعطي أحدهم ذا القربة المال يكثّر به ماله >. و منه تقديم خدمة لرجل لقاء أخذ مال منه. قال عامر: < هو الرّجل يلزق بالرّجل، فيخفّ له و يخدمه و يسافر معه، فيجعل له ربح بعض ماله ليجزيه، و إنّما أعطاه التماس عونه، و لم يُرد وجه الله>.

و يرتكز القول الأوّ ل على قراءة من قرأ ( لتُربُوا ) من: أرْبى الرّجل، إذا أخذ أكثر ممّا أعطى، بإسناد الفعل إلى المخاطبين. و القول الثّاني على القراءة المشهورة { لِيَرْ بُوَ ا} من: رَبا المال، أي زاد، بإسناد


1) (2) قاموس مقدّس .

الفعل إلى الرّبا.

3 - ذُكر في (11) أثر أكل الرّبا: { اَ لَّذينَ‘ يَاْكُلُونَ الرِّبو"ا لايَقُومُونَ اِلا كَمَا يَقُومُ الَّذى‘ يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ }، و البيع و الرّبا سيّان عند المرابي: { ذ"لِكَ باَ نَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبوا } ،’ وحكم الرّبا عند الله:{ وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوا }، و عاقبة تارك الرّبا: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَ اَمْرُهُ اِلَى اللهِ }، و عاقبة من أصرّ عليه:{ وَ مَنْ عَادَ فَاُولئِ-كَ ’اَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ } .

و أمّا أثر الرّبا في المرابي فقد ذهب المفسّرون إلى أنّه أثرأُخرويّ. قال قَتادَة: < إنّ آكل الرّبا يُبعث يوم القيامة مجنونًا >. و لكنّ ابن عَطيّة يرى أنّ أثره دنيويّ. قال: < تشبيه القائم بحرص و جشع إلى تجارة الرّبا بقيام المجنون، لأنّ الطّمع و الرّغبة تستفزّه حتّى تضطرب أعضاؤه >.

و قال الزّمَخْشَريّ في قوله: { اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبو"ا} : < فإن قلت: هلا قيل: إنّما الرّبا مثل البيع، لأنّ الكلام في الرّبا لافي البيع، فوجب أن يقال: إنّهم شبّهوا الرّبا بالبيع فاستحلّوه، و كانت شبهتهم أ نّهم قالوا: لو اشترى الرّجل ما لايساوي إلا درهمًا بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهمًا بدرهمين؟ .

قلت: جيء به على طريق المبالغة، و هو أ نّه قد بلغ من اعتقادهم في حلّ الرّبا أ نّهم جعلوه أصلا و قانونًا في الحلّ حتّى شبّهوا به البيع >.

و تعقّبه ابن عاشور قائلا : < ليسوا هم بصدد إلحاق الفروع بالأُصول على طريقة القياس، بل هم كانوا يتعاطون الرّبا و البيع، فهما في الخطور بأذهانهم سواء، غير أ نّهم لمّا سمعوا بتحريم الرّبا وبقاء البيع على الإباحة، سبق البيع حينئذ إلى أذهانهم، فأحضروه ليثبتوا به إباحة الرّبا. أو أ نّهم جعلوا البيع هو الأصل تعريضًا بالإسلام في تحريمه الرّبا على الطّريقة المسمّاة في الأُصول بقياس العكس، لأنّ قياس العكس إنّما يلتجأ إليه عند كفاح المناظرة، لافي وقت استنباط المجتهد في خاصّة نفسه >.

و قوله تعالى: { وَ اَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبوا }، أوضح آية في الحلّ والحرمة، إذ اجتمع فيها الإحلال و التّحريم، و لفظ الجلالة < المُحِلّ و المُحَرِّم>،

و المُحلَّل< البيع > و المُحَرَّم< الرّبا > معًا، في بيان حكم صريح دون الإشارة إليه، أو الأمر بتركه، أو النّهي عنه، أو الغمز عليه، أو التّعريض به! وفيه تأكيد لتغاير البيع و الرّبا و نفي مماثلتهما، لأنّ المماثلة لاتكون إلا بين المتّفقَيْن، و قد حال دون ذلك حرمة الثّاني. قال الفاضل المقداد: < تحريم الرّبا معلّل بعلّة غير حاصلة في البيع >.

4 - أُسند في (12) المحق إلى الرّبا و الإرباء إلى الصّدقات تنبيهًا على أثر الرّبا و الصّدقة في الدّنيا و الآخرة، ففي الدّنيا يسلب الله البركة من المال المُربى، فيعمّ الشّرّ النّاس. قال سيّد قُطْب:< فلايفيض على المجتمع الّذي يوجد فيه هذا الدّنس إلا القحط و الشّقاء، و قد ترى العين - في ظاهر الأمر- رخاء و إنتاجًا و موارد موفورة، و لكنّ البركة ليست بضخامة الموارد بقدر ما هي في الاستمتاع الطّيّب

الآمن بهذه الموارد >.

و لكن يزيد الله المال الّذي خرجت منه الصّدقة و يكثّره، فيعمّ الخير النّاس و يبارك الله في رؤوس أموالهم، لأ نّهم طلبوا في ذلك رضاه، بينما طلب المرابي ومانع الصّدقة زيادة مالهما. قال الطَّبْرِسيّ: < النّكتة في الآية أنّ المُربي إنّما يطلب بالرّبا زيادة المال، و مانع الصّدقةإنّما يمنعها لطلب زيادة المال، فبيّن الله سبحانه أنّ الرّبا سبب النّقصان دون النّماء، و أنّ الصّدقة سبب النّماء دون النّقصان >.

و أمّا أثرهما في الآخرة فواضح بيّن؛ إذ ينقص الله ثواب عمل المُرابي، و يضاعف ثواب عمل المتصدّق و يزيد أجر ما تصدّق به، و هذا ما ذهب إليه كثير من المفسّرين.

5 - أمر الله المؤمنين المرابين في (13) بترك الرّبا، و لم يتعرّض لمن استلف مالا من المرابي بأن يأمره بالكفّ عن أداء ما في ذمّته له، فلعلّ ذلك يستفزّ صاحب المال فيتأ بّى عليه و يستعصي.

و نظيره ممّا حرّم بين طرفين إتيان النّساء في المحيض و في الدُّبر: { وَ يَسْ-َلُو=نَكَ عَنِ الْمَحيضِ‘ قُلْ هُوَ اَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِى الْمَحيضِ‘ وَ لاتَقْرَبُوهُنَّ حَتىّٰ يَطْهُرْنَ فَاِذَا تَطَهَّرْنَ فَاْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ اَمَرَكُمُ اللهُ اِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّ ابينَ‘ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرينَ‘ } البقرة : 222. فخاطب الرّجال دون النّساء، و لم يأمرهنّ بمنعهم من مقاربتهنّ في تلك الحال، و من ذلك الموضع.

6 - ذكروا أنّ الرّبا في (14) ربا الجاهليّة، و هو قول مُجاهد، و قال الزّجّاج: < إنّما كان هذا لأنّ قومًا من أهل الطّائف كانوا يُربُون، فإذا بلغ الأجل زادوا فيه و ضاعفوا الرّبا >.

و الآية تشير إلى بعض المؤمنين الّذين كانوا يُربُون إرباء أهل الجاهليّة، فنُهوا عن ذلك ريثما ينزل تحريم حاسم جازم للرّبا. و لمّا نزلت آيات سورة البقرة المتقدّمة، كفّ المسلمونعن العمل بها، لأنّ هذه الآيات هي آخر ما نزل من القرآن، كما ذكر المفسّرون.

7 - حرّم الله طيّبات على اليهود كانت حلالا لهم، لظلمهم، و صدّهم عن سبيل الله، و أخذهم الرّبا، كما في (15)، و أكل أموال النّاس بالباطل. و قد وصل الظّلم و الصّدّ بالباء في الآية السّابقة: { فَبِظُلْم مِنَ الَّذينَ‘ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات اُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبيلِ‘ اللهِ كَثيرً‘ ا }، و عري منها الأخذ و الأكل في هذه الآية، رغم أ نّهما من أسباب التّحريم.

و عزا السّمين الحلبيّ: وصل الباء بالصّدّ إلى فصل ما ليس معمولا للمعطوف بين المعطوف عليه و المعطوف، فجملة: { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات اُحِلَّتْ لَهُمْ} فصلت بين المعطوف عليه، و هو { فَبِظُلْم ٍ} و بين المعطوف، و هو { بِصَدِّهِمْ }، و هذه الجملة ليست معمولا للمعطوف عليه.

كما عزا عري الأخذ منها إلى فصل معمول المعطوف عليه بين المعطوف عليه و المعطوف، أي إنّ شبه الجملة: { عَنْ سَبيلِ‘ اللهِ } فصلت بين المعطوف عليه، و هو { بِصَدِّهِمْ }، و بين شبه الجملة معمول المعطوف عليه. و كذلك الأمر في الأكل، لأنّ < الرّبا >-

و هو معمول الأخذ - فصل بين المعطوف عليه { اَخْذِهِمُ } و بين المعطوف { اَكْلِهِمْ }، فعري من الباء.

و لانعلم مدى صحّة نظريّة السّمين الحلبيّ، لأ نّه لم يذكر نظائر تدعم رأيه.

و ثانيًا: انفرد محور القصّة بالآيات المكّيّة، وهو كذلك في جميع القرآن، بينما اشتركت سائر المحاور في الآيات المكّيّة و المدنيّة معًا.

و ثالثًا : من نظائر هذه المادّة في القرآن:

الرِّبا : راجع: < ر ب ح >.

الرَّ بْوَة:

الكثيب: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثيبًا‘ مَهيلا ‘ } المزّمّل : 14

الحدب: { حَتّى اِذَا فُتِحَتْ يَاْجُوجُ وَ مَاْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَب يَنْسِلُونَ } الأنبياء : 96

التّربية:

التّنشئة: { اَوَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِى الْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِى الْخِصَامِ غَيْرُ مُبين ‘} الزّخرف : 18

ر ت ع

اشارة

يَرْتَعْ

لفظ واحد، مرّة واحدة، في سورة مكّيّة

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الرّ تْعُ: الأكل و الشُّرب في الرّبيع رَغدًا.

رَتَعَت الإبل رَتْعًا، و أرْتَعْتُها: ألقيتها في الخِصْب. قال العجّاج:

• يرتاد مَن أربا لهنّ الرُّ تّعا *

فأمّا إذا قلت: ارْتَعَت الإبل ترتعي، فإنّما هو < تَفتَعل > من الرّعي: نالت خِصْبًا أو لم تنل.

و الرَّتْع لايكون إلا في الخِصْب، و قال الفرزدق:

• اِرْعَيْ فزارةُ، لاهناكِ المَرْ تَعُ *

و قال الحجّاج للغضبان: سَمِنتَ، قال: أسمَنَني القَيْد و الرّ تَعَة، كما يقال: العزّ و المنَعَة، و النّجاة و الأمَنَة. و قال :

أباجعفر لمّا تولّيتَ أرتعوا

و قالوا لدُ نْياهُم أفيقي فدرّت

و قوم مُرتِعُون وراتعُون.

و رَ تَعَ فلان في المال، إذا تقلّب فيه أكلا و شُربًا.

و إبِلٌ رِتاع. (2 : 67)

أبوعمرو الشَّيبانيّ: الرَّ تُوع: الّتي تَطُوف مرّةً ها هنا، و مرّةً ها هنا في المَرْتَع. (2 : 34)

أبوعُبَيْدَة: في حديث عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < يقول الله لابن آدم يوم القيامة: ألم أحْمِلْك على الإبل،

و أجعَلْك ترأس و تَرْ تَعُ؟ >. تَرتَعْ: تَنْعَمْ، و في المثَل: < القيد و الرّ تْعَة >. (الحَرْبيّ 1 : 212)

أبوعُبَيْد: يَرْ تَع: يَلْهُو. (الأزهَريّ 2 : 269)

ابن الأعرابيّ: الرَّ تْع: الأكل بِشَرَه. يقال: رَتَعَ يَرْتَع رَ تْعًا و رِتاعًا.

والرّ تّاع: الّذي يتتبّع بإبله المراتع المُخْصِبَة.

(الأزهَريّ 2 : 268)

[يَرْتَع] أي هو مُخْصِب لا يُعْدَم ما يُريده.

(الهَرَويّ 3 : 711)

ابن السِّكّيت: يقال: أرْتَعَ القوم، إذا وقعوا في خِصْب و رَعَوا. (14)

شَمِر: يقال: أتيت على أرض مُرتِعة، و هي الّتي قد طمع مالها في الشِّبَع، وقد أرتع المال، و أرتعت الأرض.

و غَيْثٌ مُرْتِع: ذو خِصْب. (الأزهَريّ 2 : 268)

الزّجّاج: و أرتعَتِ الأرض، إذا شَبِعَتْ فيها الماشية. (فعلت و أفعلت : 47)

ابن دُرَيْد: رتعَتِ الماشية تَرْتَع رُتُوعًا و رَتْعًا، إذا جاءت و ذهبت في المرعى، فهي رُ تّع، و رَتُوع، و رواتع، و رِتاع.

و المراتع: مواضعها الّتي تَرْتَع فيها. (2 : 10)

الأزهَريّ: وأخبرنيالمُنذريّ عن أبي طالب أ نّه قال: الرَّ تْعُ: الرّعي في الخِصْب. قال: و منه قولهم: القَيْد و الرَّ تْعَة؛ و يقال: الرّ تَعَة.

قال: و معنى الرّ تْعَة: الخِصْب؛ و من ذلك قولهم: هو يرتع، أي إنّه في شيء كثير لايُمنَع منه فهو مُخصِبٌ.

قلت: و العرب تقول: رتَعَ المال، إذا رعى ماشاء، و أرتعتُها أنا.

و الرّ تْع لايكون إلا في الخِصْب و السَّعة .

و إبل رِتاع، و قوم مُرتِعُون، و راتعُون، إذا كانوا مخاصيب.

و قال أبوطالب: سماعي من أبي عن الفَرّ اء: القَيْد و الرّتَعَة، مُثقّل. قال: و هما لغتان: الرَّ تْعَة و الرّ تَعَة.

قال أبوطالب: و أوّ ل من قال: القيد و الرّتْعَة، عمروبن الصَّعِق بن خُوَيلد بن نُفَيل بن عمروبن كلاب، و كانت شاكر من همدان أسروه، فأحسنوا إليه و روّحوا عنه، و قد كان يوم فارق قومه نحيفًا فهرب من شاكر، فلمّا وصل إلى قومه قالوا: أي عمرو خرجتَ من عندنا نحيفًا و أنت اليوم بادنٌ، فقال: القيد و الرّ تْعَة فأرسلها مثلا .

و قولهم: < فلان يَرْتَع > قال أبوبكر: معناه: هو مُخْصب لايَعْدَم شيئًا يريده. و قيل: معناه يَسْعَى، و يَنبَسط. و قيل: يأكل. (2 : 267)

الصّاحِب: [نحو الخَليل إلا أ نّه قال:]

يقال: إبل رِتاع، و قَوْم راتِعُون و مُرْتِعُون و رَتِعُون.

و أسْمَنَه الرّ تْعَة، و الرّ تَعَة بالفتح أيضًا.

و أرتَعَت الأرض: أشْبَعَت الغنَم.

و رأيت أرتاعًا من النّاس: أي كثرةً منهم.

و رَ تَعَ في ماله: تقلّب أكلا و شُربًا. (1 : 439)

الجَوهَريّ: رَ تَعَتِ الماشيَة تَرْ تَعُ رُ تُوعًا، أي أكلت ما شاءت.

و يقال: خرجنا نَرْتَع و نَلْعَب، أي ننعم و نَلْهُو .

و إبلٌ رِتاعٌ: جمعُ راتِعٍ، مثل نِيام جمع نائم.

و قومٌ راتِعُون.

و الموضعُ: مَرْتَع.

و أرْتَعَ إبلَه فرَتَعَتْ، و قومٌ مُرْتِعُون.

و أرْتَعَ الغيث، أي أنبت ما تَرْتَع فيه الإبل .

(3 : 1216)

ابن فارِس: الرّ اء والتّاء و العين كلمة واحدة، و هي تدلّ على الاتّساع في المأكل. تقول: رَتَعَ يََرْتَع، إذا أكل ما شاء، و لايكون ذلك إلا في الخِصْب.

و المَراتع: مواضع الرّتْعَة، و هذه المنزلة يستقرّ فيها الإنسان. (2 : 486)

الهَرَويّ: الرّ تْعَة: بسكون التّاء و حركتها: الاتّساع في الخِصْب، و كلّ مُخْصِب مُرْتِع.

و منه قول المحبوس للحجّاج حين قال: سَمِنْتَ؟ قال: أسمَنَني القَيْد و الرّتَعَة. يقال: رَتَعَت الإبل، و أرتَعَها صاحبها.

و في حديث أُمّ زَرْع: < في شِبَع و رِيٍّ و رِتْع > أي تنَعُّمٍ.

و في حديث الاستسقاء في بعض الرّوايات: < مَرْ بَعًا مُرْتِعًا >.

و يقال: رَتَعَت الإبل، أرتَعَها الله، أي أنبت لها ما ترعاه.

و في حديث ابن زِمْل: < فمنهم المُرْتِع > يقال: أرتع رِكابه، إذا خلا ها تَرْتَع. (3 : 712)

ابن سِيده: الرّتْع: الأكل و الشّرب رغَدً ا في الرّيف. رَ تَعَ يَرْتَع رُ تُوعًا، و الاسم: الرّ تْعَة و الرّ تَعَة.

و في حديث الغضبان مع الحجّاج: < أ نّه قال له: سَمِنتَ ياغضبان! فقال له: الخَفْض و الدّعَة و القَيْد و الرّ تْعَة و قلّة التّعْتَعَة، و من يكن ضَيفَ الأمير يَسْمَن > .

و رَ تَعَت الماشية تَرْ تَع رَتْعًا و رُ تُوعًا: أكلت ما شاءت، و جاءت و ذهبت في المَرْعى نهارً ا. و ماشية رُ تّع و رُ تُوع، و رواتِعُ و رِتاع.

و أرتَعَها: أسامها.

و رَتَعَ فلان في مال فلان: تقلّب فيه أكلا و شُربًا.

و أرتَعَ القوم: وقعوا في خِصْب و رَعَوا.

و قوم رَتِعُون: مُرتِعُون، و هو على النّسَب كطَعِم، و كذلك كَلأ رَتِعٌ، و منه قول أبي فَقْعَس الأعرابيّ في صفة كَلإ: خَضِعٌ مَضِعٌ صافٍ رَتِع، أراد خَضِعٌ مَضِغٌ فصيّر الغين عينًا، لأنّ قبله: خَضِعٌ، و بعده رَتِعٌ، و العرب تفعل مثل هذا كثيرً ا.

و أرتَعَت الأرض: كثُر كَلَؤُها.

و استعمل أبوحنيفة المراتع في النّعَم. (2 : 47)

الطُّوسيّ و الرَّتْع: الاتّساع في البلاد بالذّهاب في جهاتها من اليمين و الشّمال، فلان يرتع في المال و غيره من ضروب الملاذّ. و أصل الرّتْعَة: التّصرّف في الشّهوات، رتَعَ فلان في ماله، إذا أنفق في شهواته.[ثمّ استشهد بشعر] (6 : 106)

الرّ اغِب: الرَّ تْع: أصله أكل البهائم. يقال: رَتَعَ يَرْتَع رُتُوعًا و رِتاعًا و رِتْعًا، قال تعالى: { يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ } يوسف : 12.

و يستعار للإنسان إذا أُريد به الأكل الكثير،

و على طريق التّشبيه.

• و إذا يَخْلو له لحمي رَ تَعْ *

و يقال: راتِع و رِتاع في البهائم، و راتعُون في الإنسان. (187)

الزّمَخْشَريّ: رتعَتِ الماشية رَتْعًا و رُتُوعًا. و إبل رِتاع و رُتّع و رُتُوع، و هو أن ترعى كيف شاءت في خِصْب و سَعَة، و أرتَعَها أهلها.

و هم مُرتِعُون في مَرْتَع واسع.

و من المجاز: رتَعَ القوم: أكلوا ما شاؤُوا في رَغَد.

و قوم راتعُون.

و رَ تَعَ فلان في مال فلان. [ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال:]

و أرتعَتِ الأرض: أشبَعتِ الرّ اعية.

و رتَعَ فلان في لحمي، إذا اغتابك.

(أساس البلاغة : 154)

ابن الشّجريّ: و الرُّتوع: في الأصل للماشية، و هو ذهابها و مجيئها في الرَّعْي، و كثر ذلك حتّى استُعمل للآدميّين،...

و أصل رَتَع: أكل ما شاء. [ثمّ استشهد بشعر]

(1 : 120)

ابن الأثير: [نحو الهَرَويّ و أضاف:]

و منه الحديث: < إذا مَرَرْتم برياض الجنّة فارتَعُوا >، أراد برياض الجنّة: ذِكر الله، و شبّه الخوض فيه بالرّتع في الخِصْب.

و منه الحديث: < و أ نّه من يَرْتَع حول الحِمَى يُوشك أن يُخالِطه >، أي يطوف به و يدور حوله.

و منه حديث عمر: < إنّي و الله أُرْتِع فأُشْبِع > يُريد حُسْنَ رِعايتِه للرّعيّة، و أ نّه يَدَعُهم حتّى يشبَعوا في المَرْتع. (2 : 193)

الفيُّوميّ: رَتَعَت الماشية رَتْعًا، من باب < نفع> و رُتُوعًا: رَعَتْ كيف شاءت.

و أرتَعَ الغيث إرتاعًا: أنبت ما ترتع فيه الماشية. فهو مُرْتِع و الماشية راتعَة، والجمع: رِتاع بالكسر.

و المَرْتَع بالفتح: موضع الرُّ تُوع، و الجمع: المراتع. (1 : 218)

نحوه الطُّرَيحيّ. (4 : 332)

الفيروزاباديّ: رتَعَ، كمنع، رَتْعًا و رُتُوعًا و رِتاعًا بالكسر: أكل و شرب ما شاء في خِصْب سَعَة، أو هو الأكل و الشِّرب رغدً ا في الرِّيف، أو بِشَرَه .

و جمل راتع من إبل رِتاع، كنائم و نيام، و رُتّع كرُكّع، و رُتُع بضمّتين و رُتُوع.

و قد أرتَعَ فلان إبله...

و الرّتْعَة: الاتّساع في الخِصْب؛ و منه المثل: القَيْد و الرّتْعَة، و يُحرّ ك، قاله عمروبن الصَّعِق. [ثمّ نقل قصّته و أدام:]

و فلان مُرْتِع، أي مُخْصِب لايَعْدَم شيئًا يريده. و كمَقْعَد: موضع الرَّتْع.

و رأيت أرتاعًا من النّاس، أي كَثْرَة. و كمُحسِن، أو مُحدّث: لقب عمروبن معاوية بن ثور جدّ لامرئ القيس بن حجر، و لُقّب به لأ نّه كان يقال له: أرتِعْنا في أرضك، فيقول: قد أرتَعْتُ مكان

كذا و كذا.

و أرتَعَ الغيث أنبت ما تَرْتَع فيه الإبل. (3 : 28) الرّ تْعَة و الرّ تَعَة: الاتّساع في الخِصْب. و رَتَعَ يَرْتَع رَ تْعًا و رُتوعًا، و رِتاعًا: أكل بِشَرَهٍ، أو أكَلَ و شَرِب رغَدً ا في الرّيف.

و إبلٌ رِتاع و رُ تّع و رُتُوع و رُتُع. أصل ذلك في البهائم، و قد يستعار للإنسان، إذا أُريد به الأكل الكثير، قال تعالى، عن إخوة يوسف: { يَرْتَعْ

وَ يَلْعَبْ } يوسف : 12. (بصائر ذوي التّمييز 3 : 35)

مَجْمَعُ اللُّغة: رَتَعَ يَرْتَع رَ تْعًا و رُتُوعًا: أكل و شرب ما شاء في خِصْب و سَعَة. و أصله أكل البهائم، و يستعار للإنسان إذا أُريد به الأكل الكثير.

(1 : 453)

محمّدإسماعيل إبراهيم: رَتَعَ في المكان: أقام و تنعّم فيه بمأكل و مَشْرَب.

و الرّتْع: الاتّساع في الملاذّ و التّنعّم بها.

و أصل الرّتْع للبهائم، ثمّ استُعير للإنسان.

(1 : 211)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو التّوسّع في التّرفّه، أي ترَفّه و تنَعّم في سَعَة.

و هذا المفهوم تختلف خصوصيّاته باختلاف الموارد و المصاديق، فالتّنعّم في سعة لطالب المال غير ما هو لطالب العلم، و للإنسان غير ما هو للحيوان، و للحيوان غير ما هو للنّبات، و للكبير غير ما هو للطّفل و الصّغير، و هكذا.

فيقال: رتعَتِ الماشية، أي رعَتْ في خِصْب.

و أرتَعتِ الأرض: أشبعتالرّ اعية.

و أرتَعَ الغيث: أنبت ما يرعى و ما ينبت.

و رتَعَ القوم: أكلوا و تنعّموا في رغد عيش. و رتَعَ الطّفل: صار في حال ترفُّه و تنعُّم و سَعَة. و رتَعَ طالب العلم: صار في طلبه على سَعَة و تمكّن زائد.

و رتَعَ في ذكر الله: خاض فيه مع توجّه و التفات تامّ.

فكلّ هذه المعاني يلاحظ فيها الأصل الواحد الجامع، مع خصوصيّة زائدة بمناسبة المورد و المصداق.

فهذه كلّها من مصاديق الحقيقة الواحدة.

(4 : 43)

النُّصوص التّفسيريّة

اَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدً ا يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ.

يوسف : 12

ابن عبّاس: يذهب و يجيء و ينشط. (194)

نحوه الكَلْبيّ. (الواحديّ 2 : 602)

يسعى و ينشط. (الطّبَريّ 7 : 155)

مثله الضّحّاك. (الطّبَريّ 7 : 156)

مُجاهِد: يحفظ بعضنا بعضًا نتكالأُ، نتحارس.

(الطّبَريّ 7 : 156)

الضّحّاك: يتلهّى و يلعب. (الطّبَريّ 7 : 156)

قَتادَة: ينشط و يلهو.

يسعى و يلهو. (الطّبَريّ 7 : 156)

مثله زَيْد بن عليّ. (222)

ينشط و يلعب .

مثله السُّدّيّ . (الطّبَريّ 7 : 156)

مُقاتِل: يعني ينشط و يفرح، و العرب تقول: رتعت لك، يعني فرحت لك. (2 : 320)

ابن زَيْد:يرعى غنمه، و ينظر و يعقل، فيعرف ما يعرف الرّجل. (الطّبَريّ 7 : 156)

الفَرّ اء: { يَرْ تَعْ } من سكّن العين أخذه من:القَيْد و الرّ تْعَة ((1))و

هو يفعل حينئذ، و من قال:( يَرْتَعِ وَ يَلْعَبْ ) فهو يفتعل من رَعَيت، فأسقط الياء للجزم.

(2 : 38)

نحوه ابن الأنباريّ(2 :34)،والقَيْسيّ(1: 423).

{ يَرْتَعْ } العين مجزومة لاغير، لأنّ الهاء في قوله: { اَرْسِلْهُ } معرفة، و { غَدً ا} معرفة، فليس في جواب الأمر و هو { يَرْ تَعْ } إلا الجزم. و لو كان بدل المعرفة نكرة، كقولك: أرسِل رجلا يرتع، جاز فيه الرّفع و الجزم، كقول الله جلّ و عزّ: { ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فى سَبيلِ‘ اللهِ} البقرة : 246، و { نُقَاتِلْ } الجزم، لأ نّه جواب الشّرط، و الرّفع على أ نّه صلة ل- < الملِك > كأ نّه قال: ابعث لنا الّذي قاتل.

(الأزهَريّ 2 : 268)

أبوعُبَيْدَة: ( نَرْتَعْ وَ نَلْعَبْ ) أي ننعم و نلهو، و قال في المثل:القَيْد و الرَّ تْعَة.و قرأها قوم {يَرْ تَعْ}، أي إبلنا، و ( نُرْتِعُ ) نحن إبلَنا. (1 : 303)

ابن قُتَيْبَة: { يَرْ تَعْ } بتسكين العين: يأكل، يقال: رَتَعَت الإبل، إذا رعَتْ. و أرتَعْتُها، إذا تركتها ترعى. (212)

الطّبَريّ: و اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامّة قرأة أهل المدينة ( يَرْتَعِ وَ يَلْعَبْ )، بكسر العين من ( يَرْ تَع )، و بالياء في( يَرْتَع و يَلْعَب )، على معنى يفتعل، من الرّعي ارتعَيتُ فأنا أرتَعي، كأ نّهم وجّهوا معنى الكلام إلى: أرسِلْه معنا غدً ا يرتَع الإبل و يلعب،{ وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }.

و قرأ ذلك عامّة قرّ اء أهل الكوفة { اَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدً ا يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ }، بالياء في الحرفين جميعًا،

و تسكين العين، من قولهم: رتع فلان في ماله، إذا لَهَا فيه و نَعِم، و أنفقه في شهواته. و من ذلك قولهم في مثَل من الأمثال: القَيْدُ و الرّ تَعَة. [ثمّ استشهد بشعر]

و قرأ بعض أهل البصرة: ( نَرْتَعْ )بالنّون و ( نَلْعَبْ ) بالنّون فيهما جميعًا، وسكون العين من ( نَرْ تَعْ )...

...حدّثنا حجّاج ، عن هارون ، قال: كان أبو عمرو يقرأ ( نَرْ تَعْ وَ نَلْعَبْ ) بالنّون، قال: فقلت لأبي عمرو: كيف يقولون: ( نَلْعَب )، و هم أنبياء؟ قال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء.

و أولى القراءة في ذلك عندي بالصّواب، قراءة من قرأه في الحرفين كليهما بالياء، و بجزم العين في { يَرْ تَعْ }، لأنّ القوم إنّما سألوا أباهم إرسال يوسف معهم، و خدعوه بالخبر عن مسألتهم إيّاه


1) (1) الرّتْعَة: الاتّساع في الخِصْب و اللّهو.

ذلك، عمّا ليوسف في إرساله معهم من الفرح و السّرور و النّشاط، بخروجه إلى الصّحراء و فُسحتها و لعبه هنالك، لابالخبر عن أنفسهم.

و كأنّ الّذين يقرأون ذلك( يَرْ تَعِ وَيَلْعَبْ )بكسر العين من { يَرْتَعْ }، يتأوّلونه على الوجه الّذي [قاله ابن زَيْد، ثمّ ذكر قول مُجاهِد و قال:]

فتأويل الكلام: أرسِلْه معنا غدً ا نلهو و نلعبو ننعم، و ننشط في الصّحراء، و نحن حافظوه من أن يناله شيء يكرهه أو يؤذيه. (7 : 155)

نحوه الثّعلبيّ (5 : 201)، و ملخّصًا البغَويّ (2 : 479)، و المَيْبُديّ (5 : 18)، و الطَّبْرِسيّ (3 : 213)، و أبوالفُتُوح (11 : 19).

الزّجّاج: ( يَرْتَعُ وَ يَلْعَبُ ) بالياء، و قرئت (نَرْتَعُ وَ نَلْعَبُ) بالنّون، و قرئت ( يُرْتَعُ وَ يُلْعَبُ ) بضمّ الياء، و قرئت ( نَرْتَعِ وَ نَلْعَبْ ). فجزم هذه القراءات كلّها على جواب الأمر، المعنى: أرْسِلْه إن تُرسِلْه يَرْتِعْ، و كذلك يُرْتَع، و كذلك يَرْ تَعِ وَ يَلْعَبْ بكسر العين، و كسر العين من الرَّعْي، و المعنى: يَرْتَعي و يَلْعَبْ، كأ نّهم قالوا: يرعى ماشيته و يلعب، فيجتمع النّفع و السُّرور، و يَرْتَع من الرّتْعَة، أي يتّسع في الخِصْب، و كلّ مُخْصِب فهو راتع. (3 : 95)

القُمّيّ: أي يرعى الغنم و يلعب. (1 : 340)

النّحّاس: ... و من قرأ { يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ } بالياء، فمعناه: عندي يرعى الإبل. يقال: رعى و ارتَعَى بمعنى واحد، و هذه قراءة أهل المدينة.

و روي عن مُجاهِد ( نَرْتِع ) بالنّون و كسر التّاء. يقال: أرتَعَ صاحبه و إبله فرتعَتْ، أي أقامت في المرتع. و الله أعلم بما أراد.

و قرأ أهل الكوفة: { يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ } بإسكان العين، و معناه يتّسع في الخِصْب و يأكل. و يقال: رتعت الإبل، إذا رعت كيف شاءت، و كذا غيرها، و أرعيتُها: تركتها ترعَى. و يقال: فلانراتع، أي مُخصِب. [ ثمّ استشهد بشعر ]

و كذا معنى ( نَرْتَعْ ) بفتح النّون و إسكان العين، و هي قراءة أبي عمرو و أهل مكّة.

و روى سعيد عن قَتادَة قال: ( نَرْتَع ) ننشط و نلهو، و هو كمعنى الأوّ ل.

و أمّا حجّة أبي عمرو أ نّهم لم يكونوا يومئذ أنبياء، فلايحتاج إلى ذلك، لأ نّه ليس باللّعب الصّادّ عن ذكر الله جلّ و عزّ. و قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) : < ألابكرً ا تلاعبها و لاعبك؟>. (3 : 401)

الجصّاص: قيل: في { يَرْ تَعْ } : يرعى، و قيل: إنّ الرّتْع: الاتّساع في البلاد. و يقال: يرتع في المال، أي هو يتّسع به في البلاد. (2 : 217)

الفارسيّ: اختلفوا في قوله تعالى: ( نَرْتَعْ وَ نَلْعَبْ ) فقرأ ابن كثير بفتح النّون فيهما و كسر العين في ( نَرْتَعِ ) من ارتعيت. [و في قراءة عنه:] ( نَرْ تَعِ )بالنّون و كسر العين، و ( يَلْعَبْ ) بالياء و جزم الباء.

و قرأ أبوعمرو و ابن عامر: ( نَرْ تَعْ وَ نَلْعَبْ ) بالنّون فيهما و تسكين الباء و العين.

و قرأ نافع (يَرْتَعِ وَ يَلْعَبْ ) مثل ابن كثير في كسر

العين و هي بياء، و ( يَلْعَبْ ) بالياء و جزم الباء. و قرأ عاصم و حمزة و الكسائيّ: { يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ } بالياء فيهما و جزم العين و الباء.

قراءة ابن كثير ( نَرْتَعِ وَ يَلْعَبْ ) بالياء أحسن؛ لأ نّه جعل الارتعاع و القيام عليالمال لمن بلغ و جاوز الصِّغر، و أسند اللّعب إلى يوسف لصغره، و لالوم على الصّغر في اللّعب و لا ذمّ. و الدّليل على صغر يوسف قول إخوته: { وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }، و لو كان كبيرً ا لم يحتج إلى حفظهم، و يدلّ على ذلك أيضًا قول يعقوب: { وَ اَخَافُ اَنْ يَاْكُلَهُ الذِّ ئْبُ وَ اَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ } يوسف : 13، و لو لم يكن صغيرً ا قاوم الذّئب، و إنّما يخاف الذّئب على من لادفاع فيه و لاممانعة عنده، من شيخ فان و صبيّ صغير. [إلى أن قال:]

أمّا الارتعاع: فهو افتعال، من رعيت، مثل: شَوَيتُ و اشتَوَيتُ، و كلّ واحد منهما متعدّ إلى مفعول به. [ثمّ استشهد بشعر و قال:]

و قد يستقيم أن يقال: نَرْ تَعُ و تَرْ تَعُ إبلُهم فيما قال أبوعُبَيْدَة: و وجه ذلك أ نّه كان الأصل: ترتع إبلُنا، ثمّ حُذف المضاف، و أُسند الفعل إلى المتكلّمين فصار نَرْ تَعُ، و كذلك نرتعي، على: ترتعي إبلُنا، ثمّ يُحذَف المضاف فيكون: نَرْتعي.

و قال أبوعُبَيْدَة( نَرْ تَع ): نلهو، وقد تكون هذه الكلمة على غير معنى اللّهو، و لكن على معنى النّيل من الشّيء، كقولهم: القَيْد و الرّ تَعَة، و كان هذا على النّيل و التّناول ممّا يحتاج إليه الحيوان. [ثمّ استشهد بشعر و قال:]

و على هذا قالوا: رأيت مَرْتَع إبلك، لمَرادِها الّذي ترعى فيه، فهذا لايكون على اللّهو،لأ نّه جمع ثورٍ راتعٍ أو رَتُوع.

و أمّا قراءة أبي عمرو و ابن عامر ( نَرْ تَعْ وَ نَلْعَبْ ) فيكون نرتع على: تَرتَعُ إبلُنا، أو على أ نّنا ننال ممّا نحتاج إليه و تَنال معنا. [إلى أن قال:]

فأمّا قراءة عاصم و حمزة و الكسائيّ: { يَرْتَعْ وَ يَلْعَبْ } جميعًا بالياء. فإن كان يرتع من اللّهو، كما فسّر أبوعُبَيْدَة، فلايمتنع أن يُخبَر به عن يوسف لصغره، كما لايمتنع أن يُنسَب إليه اللّعب لذلك. فإن كان يَرْتعُ من النّيل من الشّيء، فذلك لايمتنع عليه أيضًا فوجهه بيّن. و هذا أبين من قول من قال: ( و نَلْعَبْ ) بالنّون، لأ نّهم إنّما سألوا إرساله ليتنفّس بلَعْبه، و لم يسألوا إرساله ليلعبوا هم. (2 : 433)

نحوه الطُّوسيّ. (6 : 106)

أبوزُرْعَة : قرأ ابن كثير و أبوعمرو و ابن عامر ( نَرْ تَعْ وَ نَلْعَبْ ) بالنّون، أخبر الإخوة عن أنفسهم، و حجّتهم ذكرها اليزيديّ، قال: و تصديقها قوله بعدها: { اِنَّا ذَهَبْ-نَا نَسْ-تَبِقُ } يوسف : 17، فكأنّ اليزيديّ ذهب إلى أ نّهم أسندوا جميع ذلك إلى جماعتهم؛ إذ أسندوا الاستباق.

قيل لأبي عمرو: فكيف يلعبون و هم أنبياء الله؟ فقال: إذ ذاك لم يكونوا أنبياء الله.

و قرأ أهل المدينة و الكوفة: {يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ} بالياء إخبارً ا عن يوسف، و بذلك جاء تأويل أهل

التّأويل في ذلك. قال ابن عبّاس: { يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ } أي يلهو وينشط و يسعى. و حجّتهم في ذلك أنّ القوم إنّما كان قولهم ذلك ليعقوب اختداعًا منهم إيّاه عن يوسف؛ إذ سألوه أن يُرسله معهم لينشط يوسف لخروجه إلى الصّحراء و يلعب هناك، لاأ نّهم أرادوا إعلامه بما لهم من الرّفق و الفائدة لخروجه.

قرأ نافع و ابن كثير ( نَرْ تَعِ ) بكسر العين، أي يرعى ماشيته و يرعى المال، كما يرعاه الرّ اعي و هو يفتعل من الرّعاية. تقول: ارتعى القوم، إذا تحارسوا، و رعى بعضهم بعضًا و حفظ بعضهم بعضًا. و يقال: رعاك الله، أي حفظك، و الأصل: نرتعي، فسقطت الياء للجزم، لأ نّه جواب الأمر.

و قرأ الباقون { يَرْ تَعْ } بجزم العين، أي يأكل. يقال: رتعَتِ الإبل و أنا أرتعتُها إذا تركتها ترعى كيف شاءت .[ثمّ استشهد بشعر]

و كذلك الإنسان، يقال: رتَعَ يَرْ تَع رتْعًا فهو راتع.

و علامة الجزم سكون العين في هذه القراءة، و إنّما انجزم، لأ نّه جواب الأمر. المعنى أرْسِلْه إن تُرْسِلْه يَرْ تَعْ و يَلْعَبْ. (355)

الماوَرْديّ: فيه خمسة أوجه: [ثمّ ذكر قول الضّحّاك و قَتادَة و مُجاهِد و ابن زَيْد و قال:]

الخامس: نطعم و نتنعّم، مأخوذ من الرّتعة، و هي سعة المطعم و المشرب، قاله ابن شجرة. [ ثمّ استشهد بشعر]

و لم ينكر عليهم يعقوب اللّعب، لأ نّهم عنوا به ما كان مباحًا. (3 : 12)

الواحديّ: [ذكر قول الكَلْبيّ و قال:]

و من قرأ بكسر العين، هو افتعال من الرّعاية، بمعنى الحفظ، يعني بعضنا بعضًا. و من قرأ بجزم العين فهو من قولهم: رتَعَ الماء، إذا أرعى ما شاء و أرتعتها أنا. (2 : 602)

الزّمَخشَريّ: ( نَرْ تَعْ ): نتّسع في أكل الفواكه و غيرها. و أصل الرّتعَة: الخِصْب و السّعَة. [ثمّ ذكر القراءات ملخّصًا نحو السّابقين] (2 : 305)

نحوه القُرطُبيّ (9 : 139)، و البَيْضاويّ (1 : 488)، و الشِّربينيّ (2 : 93)، و أبوالسُّعود (3 : 369)، و الكاشانيّ (3 : 8)، و المشهديّ (4 : 590)، و الآلوسيّ: - إلا أ نّه فصّل في القراءات أكثر منه - (12 : 193)، و رشيد رضا (12 : 264).

ابن عَطيّة: [ذكر القراءات نحو السّابقين إلا أنّه قال:]

و قرأ ابن كثيرفي بعض الرّوايات عنه : ( نَرْ تَعى‘ ) بإثبات الياء، و هي ضعيفة لاتجوز إلا في الشّعر.

وقرأ أبورجاء ( يُرْتَعْ ) بضمّ الياء و جزم العين، و ( يلْعَبْ) بالياء و الجزم. و علّلوا طلبه و الخروج به بما يمكن أن يستهوي يوسف لصباه، من الرّتوع و اللّعب و النّشاط. (3 : 223)

السّمين: فيهما أربع عَشَرَة قراءةً :

إحداها: قراءةُ نافع بالياء مِن تحت وكسرِ العين. الثّانية: قراءةُ البزيّ عن ابن كثير ( نَرْتَعِ ونلعَب)

بالنّون وكسرِالعين.

الثّالثة: قراءةُ قُنبُل، و قد اختُلف عليه فنُقِل عنه ثبوت الياء بعد العين وَصْلا وَ وَ قْفًا، وحَذْفُها وصلا و وقفًا، فيوافق البزيّ في أحد الوجهين عنه، فعنه قراءتان.

الخامسة: قراءة أبي عمرو و ابن عامر ( نَرْتَعْ و نَلْعَبْ )بالنّون و سكون العين و الباء.

السّادسة: قراءة الكوفيّين: { يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ } بالياء من تحت و سكون العين و الباء.

و قرأجعفر بن محمّد ( نَرْتَع ) بالنّون ( وَيَلْعَب ) بالياء، و رُوِيَتْ عن ابن كثير.

و قرأ العلاء بن سيّابة ( يَرْ تَعِ وَيَلْعَبُ ) بالياء فيهما و كسر العين و ضمّ الباء.

و قرأ مُجاهِد و قَتادَة و ابن محَيْصِن( نُرْتَعْ) بضمّ النّون و سكون العين و الباء.

و قرأ أبورجاء كذلك، إلا أ نّه بالياء مِن تحت فيهما. و النّخعيّ و يعقوب ( نَرْتَع) بالنّون و ( يَلْعَب ) بالياء. و الفعلان في هذه القراءات كلّها مبنيّ للفاعل.

وقرأ زَيْد بن عليّ (يُرْ تَع وَ يُلْعَب ) بالياء مِن تحت فيهما مبنيّين للمفعول. و قُرئ: ( نَرْتعى‘ وَ نَلْعَبُ ) بثبوت الياء و رفع الباء.

و قرأ ابن أبي عَبْلَة ( نَرْعى وَ نَلْعَب ). فهذه أربع عشرة قراءةً، منها سِتٌّ في السّبع المتواتِر و ثمان في الشّاذّ .

فمن قرأ بالنّون أسند الفعل إلى إخوة يوسف، و من قرأ بالياء أسند الفعل إليه دونهم، و منكسَر العين اعتقد أ نّه جزم بحذف حرف العلّة، و جعله مأخوذاً [مِنْ] يفتعل من الرَّعْي كيرتمي من الرّمي. و من سَكّن العين اعتقد أ نّه جَزَمَهَ بحذف الحركة و جعله مأخوذًا من رتَعَ يَرْتَعُ إذا اتّسع في الخِصْب قال:

• و إذا يَخْلُو له لَحْمي رَ تَعْ *

و من سَكّن الباء جعله مجزومًا، و من رفعها جعله مرفوعًا على الاستئناف، أي و هو يلعب، و من غاير بين الفعلين فقرأ بالياء مِنْ تحت في

( يَلْعَب) دون (نَرْ تَع) فلأنّ اللّعب مناسب للصّغار. و مَنْ قرأ (نُرْتِع ) رباعيًّا جعل مفعوله محذوفًا، أي يَرْعى ماشيًا، و من بناها للمفعول فالوجه أ نّه أضمر المفعول الّذي لم يُسَمّ فاعله، وهو ضمير الغَدِ، والأصل: يرتع فيه و يلعب فيه، ثمّ اتُّسع فيه فحُذِف حرف الجرّ فتعدّى إليه الفعل بنفسه، فصار: يرتعه و يلعبه. فلمّا بناه للمفعول قام الضّمير المنصوب مقام فاعله، فانقلب مرفوعًا و استتر في رافعه، فهو في الاتّساع، كقوله:

• ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْمًا و عامرً ا *

و من رفع الفعلين جعلهما حالَيْن، و يكون حالا مقدّرة. و أمَّا ثبات الياء في ( نَرْتَعى‘) مع جزم (نَلْعَبْ) و هي قراءةُ قنبُل، فقد تجرّأ بعض النّاس و ردّوها، و قال ابن عَطيّة: هي قراءة ضعيفة لاتجوز إلا في الشّعر و قيل: هي لغةمن يجزم بالحركة المقدّرة .و قد تقدّمَتْ هذه المسألة مستوفاةً.

و ( نَرْتع ) يحتمل أن يكون وزنه < نفتَعِلْ > مِن الرّعي، و هو أكل المَرْعَى، و يكون على حذف مضاف: نَرْتع مواشينا، أو من المراعاة للشّيء. و يحتمل أن يكون و زنه < نَفْعَل > من: رَتَعَ يَرْتَعُ، إذا أقام في خِصْب وسَعَة؛ ومنه قول الغضبان بن القُبَعْثَرى: القَيْد و الرّتَعَة و قِلّة التّعتة. [و استشهد بالشّعر 3 مرّ ات] (4 : 159)

القاسميّ: الرّ تْع: الأكل و الشّرب، و السّعي و النّشاط؛ حيث يكون الخَِضِر و المياه و الزّروع، يريدون أنّ إلزامك إيّاه أن يكون بمكانك، موجب لملاله القاطع لنشاطه على العبادة، و اكتساب الكمالات. (9 : 3516)

المَراغيّ: نخرج كعادتنا إلى المَرْعَى في الصّحراء، يشاركنا في الرّياضة و الأُنس و السّرور و أكل الفواكه و البُقول و غيرهما ممّا يطيب.

(12 : 120)

فريدوجدي: يتوسّع في أكل الفواكه و غيرها، من الرّتْع، و هو أكل البهائم. يقال: رتَعَ يَرْتَعُ رَتْعًا و رُتُوعًا، أي أكل البهيم و توسّع. (304)

ابن عاشور: قرأه نافع و أبوجعفر و يعقوب بياء الغائب و كسر العين. و قرأه ابن كثير بنون المتكلّم المشارك و كسر العين، و هو على قراءتي هؤُ لاء الأربعة، مضارع ارْتعَى، و هو افتعال من الرّعي للمبالغة فيه.

فهو حقيقة في أكل المواشي و البهائم، و استُعير في كلامهم للأكل الكثير، لأنّ النّاس إذا خرجوا إلى الرّياض و الأرياف للّعب و السّبق، تقوى شهوة الأكل فيهم، فيأكلون أكلا ذريعًا، فلذلك شبّه أكلهم بأكل الأنعام. و إنّما ذكروا ذلك، لأ نّه يسرّ أباهم أن يكونوا فرحين.

و قرأه أبوعمرو، و ابن عامر بنون و سكون العين. و قرأه عاصم، و حمزة، والكِسائيّ، و خلف بياء الغائب و سكون العين و هو على قراءتي هؤلاء السّتّة مضارع رتَعَ، إذا أقام في خِصْب و سَعَة من الطّعام.

و التّحقيق أنّ هذا مستعار من رَتَعَت الدّا بّة، إذا أكلت في المرعى حتّى شبعت، فمفاد المعنى على التّأويلين واحد. (12 : 29)

مَغْنِيّة: لقد علموا أنّ أباهم يُحبّ يوسف، و يُحبّ أن يتنعّم و يَفرَح، و علموا أيضًا شدّة حرصه عليه، فدخلوا إلى نفسه من أبوابها. (4 : 293)

الطَّباطَبائيّ: الرّتْع، هو توسّع الحيوان في الرّعي، و الإنسان في التّنزّه، و أكل الفواكه و نحو ذلك. (11 : 97)

حسنين مخلوف: يتّسع في أكل الفواكه و نحوها، و يلهو بالاستباق و الانتضال و نحوهما، من الرَّ تْع، و هو الاتّساع في الملاذّ و التّنعّم في العيش. و فعله كمَنَعَ؛ و منه قيل للاتّساع في الخِصْب: الرّتعَة. (380)

عبد الكريم الخطيب: و في قولهم: { يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } إغراء لأبيهم على هذاالأمر الّذي أرادوه عليه، و جذب له إلى تلك

المصيدة الّتي نصبوها له، فهو بإجابتهم إلى هذا الطّلب يحقّق أمرين:

أوّ لا : ردّ اعتبارهم عنده، بدفع الشّكوك الّتي ساورتهم من جهة اتّهامه إيّاهم، في نُصحهم لأخيهم، و سلامة قلوبهم له.

و ثانيًا: إتاحة الفرصة ليوسف، ليأخذ حظّه ممّا يأخذه الصّبيان أمثاله، من الانطلاق إلى الخلاء، لاهيًا، لاعبًا في رعاية من يحفظه، و يدفع عنه كلّ مكروه.

يقال: رتعت الماشية، أي رعَتْ في مَرْعَى خصيب، و المَرْتَع: المرعى الخصيب.

و قُرئ: ( يَرْ تَعى‘ ) من الرّعي، أي يرعى معنا و يلعب. (6 : 1241)

المُصْطَفَويّ: أن يحصل له ترَفُّه و توَسُّع و تفَرُّج بما هو المتوقّع من الصّبيان، عبّر بكلمات ( اَرْسِل ) ( غَدً ا ) ( يَرْ تَعْ ) إشارة إلى إلقاء المسؤوليّة إلى يعقوب أبيه، و إلى الفرجة و المهلة للتّفكّر، و إلى صلاح و خير لنفس يوسف. و يذكر بعد هذه المقدّمات في المرتبة المتأخّرة أ نّهم ليحفظونه قهرً ا.

و التّعبير بصيغة الفاعل دون الفعل: إشارة إلى أنّ هذا وظيفتهم و من شأنهم ذلك، و لايتعهّدون ذلك العمل. (4 : 43)

مكارم الشّيرازيّ: حاجة الإنسان الفطريّة و الطّبيعيّة إلى التّنزّه و الارتياح:

من الطّريف أنّ يعقوب لم يردّ على كلام إخوة يوسف و استدلالهم على أ نّه بحاجة إلى التّنزّه و الارتياح، بل وافق علىذلك عمليًّا، و هذا دليل كاف على أنّ أيّ عقل سليم لايستطيع أن يُنكر هذه الحاجة الفطريّة و الطّبيعيّة، فالإنسان ليس آلة تُستعمل في أيّ وقت كان و كيف كان، بل له روح و نفس ينالهما التّعَب و النّصَب، كما ينالان الجسم. فكما أنّ الجسم يحتاج إلى الرّ احة و النّوم، كذلك الرّوح و النّفس بحاجة إلى التّنزّه و الارتياح السّليم.

التّجربة أيضًا تدلّ على أنّ الإنسان كلّما واصل عمله بشكل رتيب، فإنّ مردود هذا العمل سيقلّ تدريجيًّا نتيجة ضعف النّشاط، و على العكس من ذلك، فإنّ الاستراحة لعدّة ساعات تبعث في الجسم نشاطًا جديدً ا بحيث تزداد كمّيّة العمل و كيفيّته معًا، و لذلك فإنّ السّاعات الّتي تُصرَف في الرّ احة و التّنزّه تكون عونًا على العمل أيضًا.

و في الرّوايات الإسلاميّة نجد هذه الواقعيّة بأُسلوب طريف جاء بمثابة القانون؛ حيث يقول الإمام عليّ : < للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه، وساعة يرمّ معاشه، و ساعة يُخلّي بين نفسه و بين لذّتها فيما يحلّ و يجمل >.((1))

و ممّا يستجلب النّظر أنّ في بعض الرّوايات الإسلاميّة أُضيفت هذه الجملة إلى النّصّ المتقدّم و ذلك عون على سائر السّاعات.


1) (1) نهج البلاغه، الكلمات القصار: رقم الكلمة 390 .

و على حدّ تعبيرالبعض، فإنّ التّنزّه و الارتياح بمثابة تدهين و تنظيف أجهزة السّيّارة، فلو توقّفت هذه السّيّارة ساعة عن العمل لمراقبة أجهزتها و تنظيفها، فإنّها ستغدو أكثر قوّةً و نشاطًا يُعوّض عن زمن توقّفها أضعاف المرّ ات، كما أ نّه سيزيد من عمر السّيّارة أيضًا.

لكنّ المهمّ أن يكون هذا التّنزّه صحيحًا، و إلا فإنّه لا يحلّ المشكلة، بل سيزيدها. فإنّ كثيرً ا من حالات التّنزّه هذه تُدَمّر الإنسان و تسلب منه نشاطه و قدرته على العمل لفترة مّا، أو على الأقلّ تُخفّف من نشاط عمله.

و هناك نقطة تدعو للالتفات أيضًا، و هي أنّ الإسلام اهتمّ بمسألة التّرويض و الاستراحة النّفسيّة؛ بحيث أجاز المسابقات في هذا المضمار، و يحدّثنا التّاريخ أنّ قسمًا من هذه المسابقات جرت بمرأى من رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، و أحيانًا كانت تُناط إليه مهمّة التّحكيم و القضاء في هذه المسابقة، و ربّما أعطى ناقته الخاصّة لبعض الصّحابة للتّسابق عليها.

ففي رواية الإمام الصّادق : أ نّه قال : < إنّ النّبيّ أجرى الإبل مُقبِلَة من تبوك فسبقت العصباء و عليها أُسامة، فجعل النّاس يقولون: سبق رسول الله و رسول الله يقول: سبق أُسامة.((1))إشارة إلى أنّ المهمّ في السّبق هو الرّ اكب لا المركب، حتّى و إن كان المركب السّابق عندمن لايجيدون السّبق.

النّقطة الأُخرى هي أ نّه كما أنّ إخوة يوسف استغلّوا علاقة الإنسان و لاسيّما الشّابّ بالتّنزّه و اللّعب من أجل الوصول إلى هدفهم الغادر، ففي حياتنا المعاصرة أيضًا نجد أعداء الحقّ و العدالة يستغلّون مسألة الرّياضة و اللّعب في سبيل تلويث أفكار الشّباب، فينبغي أن نُحذّر المستكبرين الذّئاب الّذين يخطّطون لإضلال الشّباب و حرفهم عن رسالتهم تحت اسم الرّياضة و المسابقات المحلّيّة و العالميّة.

و لاننسى ما كان يجري في عصر الطّاغوت < الشّاه >، فإنّهم و بهدف تنفيذ بعض المؤامرات و نهب ثروات البلاد و تحويلها إلى الأجانب لقاء ثمن بخس، كانوا يرتّبون سلسلة من المسابقات الرّياضيّة الطّويلة العريضة لإلهاء النّاس، لئلا يطّلعوا على المسائل السّياسيّة. (7 : 135)

فضل الله: لأنّ من حقّ الشّابّ أن يمارس مع الشّباب اللّهو و اللّعب و الانطلاق في الهواء الطّلق، لتتفتّح روحه، و تصفو أفكاره، و ترتاح مشاعره، لأنّ لكل مرحلة من مراحل العمر حقّها في التّنفّس و الانطلاق، و كيف يمكن أن يظلّ معك محبوسًا في دائرة الالتزامات الاجتماعيّة الّتي يلتزم بها الشّيوخ في تقاليدهم وأوضاعهم و علاقاتهم الاجتماعيّة؟ إنّ هذا هو السّجن بعينه! إنّنا نريد منك أن تُحرّره من ذلك كلّه، و أن تثق بنا كما يثق الأببأولاده الّذين عاشوا معه الحبّ كلّه، و الإخلاص كلّه.

(12 : 173)


1) (1) سفينة البحار ( 1 : 596) .

و هناك في التّفاسير بُحُوث في القراءات، نحو ما كتبناه أعلاه، و فيه الكفاية. و إن شئت راجع: ابن الجَوْزيّ (4 : 187)، و الفَخْرالرّ ازيّ (18 : 96)، و العُكْبَريّ (2 : 724)، و النّسَفيّ (2 : 213)، و النَّيسابوريّ (12 : 85)، و الخازن (3 : 218)، و ابن جُزَيّ (2 : 115)، و أبوحَيّان: (5 : 285)، و ابن كثير (4 : 12)، و الثّعالِبيّ (2 : 146)، و البُرُوسَويّ (4 : 221)، و الشَّوْكانيّ (3 : 13) .

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرّ تْع، أي سوم الماشية و رعيها في الخصب، و الاسم الرَّ تْعَة و الرَّ تَعَة. يقال: رَ تَعَت الماشية تَرْ تَع رَ تْعًا و رُتوعًا، أي سامت، وأرْ تَعتُها: أسمتُها ، و هي ماشية رُ تّع و رُتوع و رَواتِع و رِتاع.

و المَرْ تَع: موضع الماشية الّذي تَرْ تَع فيه؛ و الجمع: مَراتِع.

و الرَّ تّاع: الّذي يتتبّع بإبله المَراتِع المخصبة، يقال: أتيَتُ على أرض مُرْتِعة، و هي الّتي قد طمع مالُها في الشّبع.

و الرَّ تُوع: الّتي تطوف مرّة ها هنا و مرّة هناك في المَرْ تَع.

و أرْ تَعَ الغيث: أنْبَتَ ما تَرْ تَع فيه الإبل، و قد أرْ تَعَ المال، و هو غيث مُرْتِع: ذو خصب.

و أرْ تَعَت الأرض: كثر كلؤُها.

و أرْ تَعَ القوم: وقعوا في خصب و رعوا، فهم قوم رَتِعُون و مُرْتِعون، و كذلك كلأ رَتِع.

و الرَّ تْع: الأكل و الشّرب رغدً ا في الرّيف. يقال: رَ تَعَ يَرْ تَع رَ تْعًا و رُتُوعًا و رِتاعًا .

و قال ابن الأعرابيّ: < الرَّ تْع: الأكل بشَره >.

و قوم مُرْتِعون راتِعون ، إذا كانوا مخاصيب.

و رَ تَعَ فلان في مال فلان:تقلّب فيه أكلا و شربًا.

و يقال مجازً ا: خرجنا نَرْ تَع و نَلعَب: نَنْعَم و نلهو.

و فلان يَرْ تَع: مُخصب لايعدم شيئًا يريده.

و منه: قول الإمام عليّ :< رَ تَعَ في الخيانة>.((1))

2 - تهتمّ الحكومات في هذا العصر بالمراتع الطّبيعيّة اهتمامًا بالغًا، و تعتبرها ثروة لاتنضب، لأ نّها قُوت الثّروة الحيوانيّة إن جاد المطر. و تقوم بصيانتها و استصلاح تربتها و رفع خصوبتها، و تُثير الأراضي البائرة و تضمّها إليها.

و تتعهّد بهذه المهمّة الخطيرة في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة < مؤسّسة الغابات و المراتع > التّابعة لوزارة الزّراعة.

الاستعمال القرآنيّ

اَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدً ا يَرْ تَعْ وَ يَلْعَبْ وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. يوسف : 12

يلاحظ أوّلا : جاء لفظ ( يَرْ تَعْ ) مرّة واحدة في القرآن، و فيها بُحُوث :


1) (1) نهج البلاغة - الكتاب : (26) .

1 - لم يجئ من هذه المادّة في القرآن إلا لفظ ( يَرْ تَعْ ) مرّة واحدة، و لعلّ وجهه عدم شيوع استعماله عند العرب في ذلك العصر. نظير كلمة < اَ بًّا > في قوله تعالى: { وَفَاكِهَةً وَ اَ بًّا } عبس : 31. و أمثاله من الكلمات الّتي وردت في القرآن مرّة واحدة.

2 - اختُلف في قراءته كما اختُلف في معناه، فقرأبعض بياء الغائب و كسر العين، أو بنون المتكلّم و كسر العين، و هو على هذه القراءة مضارع < ارتعى > و هو < افتعال > من الرّعي للمبالغة فيه.

و قرأ بعض آخر: بنون و سكون العين، أو بياء الغائب و سكون العين، و هو على هذه القراءة مضارع < رتع > إذا أقام في خصب و سَعة من الطّعام.

3 - القراءة المشهورة { يَرْ تَعْ } فهو حقيقة في أكل المواشي و البهائم، و استُعير في كلامهم للأكل الكثير، لأنّ النّاس إذا خرجوا إلى الرّياض و الأرياف للّعب و السّبق تقوى شهوة الأكل فيهم، فيأكلون أكلا ذريعًا، فلذلك شبّه أكلهم بأكل الأنعام. و على قراءة ( نَرْ تَعِ ) بكسر العين، أي يرعى ماشيته و يرعى المال، كما يرعاه الرّ اعي، و هو يفتعل من الرّعاية. تقول: ارتعى القوم، إذا تحارسوا، و رعى بعضهم بعضًا و حفظ بعضهم بعضًا. و يقال: رعاك الله، أي حفظك، والأصل: نرتعي، فسقطت الياء للجزم، لأ نّه جواب الأمر.

4 - و التّحقيق أنّ { يَرْ تَعْ } مستعار من رتعت الدّ ابّة إذا أكلت في المرعى حتّى شبعت. فمفاد المعنى على التّأويلين واحد.

5 - من حقّ الشّابّ أن يمارس مع الشّباب اللّهو و اللّعب و الانطلاق في الهواء الطّلق، لتتفتّح روحه، و تصفو أفكاره، و ترتاح مشاعره، لأنّ لكلّ مرحلة من مراحل العمر حقّها في التّنفّس و الانطلاق، و لايصحّ أن أن يكون محبوسًا في دائرة الالتزامات الاجتماعيّة الّتي يلتزم بها الشّيوخ في تقاليدهم و أوضاعهم و علاقاتهم الاجتماعيّة. إنّ هذا هو السّجن بعينه!

فقال إخوة يوسف لأبيهم: إنّنا نريد منك أن تُحرّره من ذلك كلّه، و أن تثق بنا كما يثق الأب بأولاده الّذين عاشوا معه الحبّ كلّه، و الإخلاص كلّه. و يعقوب لم يردّ على كلام إخوة يوسف، و استدلالهم على أ نّه بحاجة إلى التّنزّه و الارتياح، بل وافق على ذلك عمليًّا، و هذا دليل كاف على أنّ أيّ عقل سليم لايستطيع أن يُنكر هذه الحاجة الفطريّة و الطّبيعيّة، فالإنسان ليس آلة تُستعمل في أيّ وقت كان و كيف كان، بل له روح و نفس ينالهما التّعَب و النّصَب، كما ينالان الجسم. فكما أنّ الجسم يحتاج إلى الرّ احة و النّوم، كذلك الرّوح و النّفس بحاجة إلى التّنزّه و الارتياحالسّليم.

6 - التّجربة أيضًا تدلّ على أنّ الإنسان كلّما واصل عمله بشكل رتيب، فإنّ مردود هذا العمل سيقلّ تدريجيًّا نتيجة ضعف النّشاط، و على العكس من ذلك، فإنّ الاستراحة لعدّة ساعات تبعث في

الجسم نشاطًا جديدً ا؛ بحيث تزداد كمّ-يّة العمل و كيفيّته معًا، و لذلك فإنّ السّاعات الّتي تُصرَف في الرّ احة و التّنزّه تكون عونًا على العمل أيضًا.

و في الرّوايات الإسلاميّة نجد هذه الواقعيّة بأُسلوب طريف، جاء بمثابة القانون؛ حيث يقول الإمام عليّ : < للمؤمن ثلاث ساعات: فساعة يناجي فيها ربّه، و ساعة يرمّ معاشه، و ساعة يُخلّي بين نفسه و بين لذّتها فيما يحلّ و يجمل >.((1))

و ممّا يستجلب النّظر أنّ في بعض الرّوايات الإسلاميّة أُضيفت هذه الجملة إلى النّصّ المتقدّم: < و ذلك عون على سائر السّاعات >.

لكنّ المهمّ أن يكون هذا التّنزّه صحيحًا، و إلا فإنّه لايحلّ المشكلة، بل سيزيدها. فإنّ كثيرً ا من حالات التّنزّه هذه تُدَمّر الإنسان و تسلب منه نشاطه و قدرته على العمل لفترة مّا، أو على الأقلّ تُخفّف من نشاط عمله.

7 - و ينبغي الالتفات إلى أنّ الإسلام اهتمّ بمسألة التّرويض و الاستراحة النّفسيّة؛ بحيث أجاز المسابقات في هذاالمضمار. و يحدّثنا التّاريخ أنّ قسمًا من هذه المسابقات جرت بمرأى من رسول الله (صلی الله علیه و آله)، و أحيانًا كانت تُناط إليه مهمّة التّحكيم و القضاء في هذه المسابقة، و ربّما أعطى ناقته الخاصّة لبعض الصّحابة للتّسابق عليها. ففي رواية الإمام الصّادق : أ نّه قال: < إنّ النّبيّ أجرى الإبل مُقبِلَة من تبوك فسبقت العصباء و عليها أُسامة، فجعل النّاس يقولون: سبق رسول الله و رسول الله يقول: سبق أُسامة >.((2)) إشارة إلى أنّ المهمّ في السّبق هو الرّ اكب لا المركب، حتّى و إن كان المركب السّابق عند من لايجيدون السّبق.

8 - أنّ إخوة يوسف استغلّوا علاقة الإنسان و لاسيّما الشّابّ بالتّنزّه و اللّعب من أجل الوصول إلى هدفهم الغادر، و في حياتنا المعاصرة أيضًا نجد أعداء الحقّ و العدالة يستغلّون مسألة الرّياضة و اللّعب في سبيل تلويث أفكار الشّباب، فينبغي أن نُحذّر المستكبرين الذّئاب الّذين يخطّطون لإضلال الشّباب و صرفهم عن رسالتهم تحت اسم الرّياضة و المسابقات المحلّيّة و العالميّة.

و ثانيًا : هذه الآية جاءت في قصّة، و هي مكّيّة.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن:

الرّغد: { وَ قُلْنَا يَا ا"دَمُ اسْكُنْ اَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْهَا رَغَدً ا حَيْثُ شِئْتُمَا وَ لاتَقْرَبَا هذِ هِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَالظَّالِمينَ‘ } البقرة : 35.

النّعيم: { يُبَشِّرُهُمْ رَ بُّهُمْ بِرَحْمَة مِنْهُ وَ رِضْوَ ان وَ جَنَّات لَهُمْ فيهَا‘ نَعيمٌ‘ مُقيمٌ‘ } التّوبة : 21.

التّرف: { وَ قَالَ الْمَلاُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذينَ‘ كَفَرُوا وَ كَذَّ بُوا بِلِقَاءِ الا_خِرَةِ’ وَاَتْرَفْنَاهُمْ فِى الْحَيو"ةِ الدُّ نْيَا مَا هذَا اِلا بَشَرٌ مِثْ-لُكُمْ يَاْكُلُ مِمَّا تَاْكُلُونَ مِنْهُ وَ يَشْرَبُ


1) (1) نهج البلاغه: الكلمات القصار: رقم الكلمة 390.

2) (2) سفينة البحار: (1 : 596).

مِمَّا تَشْرَ بُونَ } المؤمنون : 33

الاشتهاء: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَاف مِنْ ذَهَب وَ اَكْ-وَ اب وَ فيهَا‘ مَا تَشْتَهيهِ الاَ _نْفُسُ وَ تَلَ-ذُّ الاَ_عْيُنُ

وَ اَنْتُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ } الزّخرف : 71

الرّعي: { كُلُوا وَ ارْعَوْ ا اَنْعَامَكُمْ اِنَّ فى ذ "لِ-كَ لا يَات ’ لاُولِى النُّهى } طه " : 54.

رت ق

اشارة

رَتْقًا

لفظ واحد، مرّة واحدة، في سورة مكّيّة

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الرّ تْق: إلحام الفتق و إصلاحه.

يقال: رتَقْتُ فَتْقَه حتّى ارتَتَقَ، و قال تعالى: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } الطّارق : 11 ، 12، أي كانت السّماوات لاينزل منها رَجْعٌ، و الأرض رَتْقاء لايكون فيها صَدْع، و لايخرج منها صَدْع حتّى فتقهما الله بالماء و النّبات، رزقًا للعباد.

و جارية رَتْقاءُ بيّنة الرّتْق، أي لاخَرْق لها إلا المَبالَ خاصّة. (5 : 126)

أبوعمروالشّيبانيّ: الرُّ تُق: الشِّعب الصّغير في الجبل من فوق الرّصَف. (1 : 308)

و تقول: كان عيْشُنا إرتاقًا، تعني صلاحه. (2 : 3)

ابن السِّكّيت: و قد رتَقْتُ فتقَهُم أرْتُ-قُه رَتْقًا، و سمَلْتُ بينهم أسمُل سَمْلا .

و الرّتق: الجمع بين الشّيئين. قال الله عزّ ذكره:

{ اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَنَّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا رَتْ-قًا فَفَتَقْنَاهُمَا } الأنبياء : 30.

و يقال: امرأة رَتْقاء: إذا كانت لايُوصل إليها. (510)

أبوالهَيْثَم: الرّتقاء: المرأة المنضمّة الفرج الّتي لايكاد الذّكر يجوز فرجها، لشدّة انضمامه.

(الأزهَريّ 9 : 54)

ابن دَرَيْد: رَ تَقْتُ الشّيء أرْتُقُه رَتْقًا. و قالوا: أرْتِقُه، إذا ضمَمْتَ بعضه إلى بعض؛ و الأوّ ل أعلى.

و الرِّتاق: ثوبان يُرتقان بحواشيهما. [ثمّ استشهد بشعر]

و في التّنزيل: { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } الأنبياء : 30، أي مُصْمَتتان - و الله أعلم - ففُتقَت السّماء بالمطر و الأرض بالنّبات، هكذا يقول المفسّرون.

و المرأة الرّتقاء: الّتي لايصل الرّجل إليها. (2 : 12)

الصّاحِب: الرّ تْق: إلْحام الفَتْق، يقول: رَتَقْنا فتْقَهُم حتى ارْتَتَقَ؛ و منه قوله عزّ و جلّ: "{ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . الأنبياء : 30، أي لاصَدْع فيها.

و جارية رَ تْقاء: ليس لها خَرْق.

و الرّتَقُ: جمع الرَّ تَقَة و هي الرَّتبَة. و مجاز مُرْ تَتِق.

و الرُّ تُوق: المَنْعَة و العِزّ و الشّرف. (5 : 362)

الجَوهَريّ: الرّ تْق: ضدّ الفَتْق، و قد رَتَقْتُ الفَتْق أرْتُقُه، فارْتَتَق، أي التأم؛ و منه قوله تعالى: { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } الأنبياء : 30.

و الرّ تَقُ بالتّحريك: مصدر قولك: امرأة رَ تْقاء، بيّنة الرَّ تَق، لايُستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها.

و الرِّتاق: ثوبانيُرْتقان بحواشيهما. [ثمّ استشهد بشعر] (4 : 1480)

ابن سيده: الرّ تْق: إلحام الفَتْق و إصلاحه.

رتَقَه يَرْتِقه رَ تْقًا، فارْتتَقَ.

و الرّتْق: المرتوق، و في التّنزيل: { اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَنَّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا رَ تْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } .

قال بعض المفسّرين: كانت السّماوات رَ تْقًا لاينزل منها رَجْعٌ، و كانت الأرض رَ تْقًا: ليس فيها صَدْع، ففتقهما الله بالماء و النّبات، رزقًا للعباد.

و الرّ اتق: المُلتئم من السّحاب. [ثمّ استشهد بشعر]

و رَتِقَتِ المرأة رَ تْقًا، و هي رَتْقاء: التصق ختانها فلم تُنَلْ.

و فَرْجٌ أرتَقُ: مُلتَزق.

و قد يكون الرّ تَقُ في الإبل.

و الرِّتاق : ثوبان يُرتقان بحواشيهما، قال:

• جارية بيضاء في رِتاق *

و الرُّ تْقُ،و الرَّ تَقُ: خلل ما بين الأصابع. (6 : 330)

الرّ اغِب: الرّ تْق: الضّمّ و الالتحام، خلقةً كان أم صَنعَةً، قال تعالى: { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} أي منضمّتين.

و الرّ تْقاء: الجارية المنضمّة الشّفرين، و فلان راتق و فاتق في كذا، أي هو عاقد و حالّ. (187)

الزّ مخشريّ: رتَقَ الفَتْق حتّى ارتتَقَ و قُرئ { كَانَتَا رَتْقًا } و ( رَتَقًا ).

و عن ابن الكَلْبيّ: كانتا رَ تْقاوَ يْن ففتق الله السّماء بالماء، و فتَقَ الأرض بالنّبات.

و امرأة رَ تْقاء: بيّنة الرّ تَق، إذا لم يكن لها خَرْق إلا المَبال .و من المجاز: رتَقْنا فتقهم إذا أصلحوا أحوالهم و نعشُوهم .

و رتَقَ فلان فَتْقَ القوم، إذا أصلح ذات بينهم. [ثمّ استشهد بشعر ] (أساس البلاغة : 154)

الفَيُّوميّ: رَتَِقَتِ المرأة رَ تَقًا من بابِ < تَعِب > فهِي رَتْقاء و قال ابن القُوطِيّة: رَتِقَتِ الجارِية و النّاقة. و رَ تَقْتُ الفَتْق رَ تْقًا من بابِ < قتَل >: سَدَدْ تُه فارْ تَتَقَ.

(1 : 218)

الفيروزاباديّ: الرّ تْق: ضدّ الفَتْق، و محرّ كة: جمع رتَقَة، و هي الرُّ تْبَة.

و الرّ تَقَة أيضًا: مصدر قولك: امرأة رَ تْقاء، بيّنة

الرّ تَق: لايُستطاع جِماعها، أو لاخَرْق لها إلا المَبال خاصّة .

و ككتاب: ثوبان يُرتقان بحواشيهما.

و رُ تْقَة السِّرَّ يْن، بالضّمّ: مَرْسَى ببحر اليمن.

و الرُّ تُوق: الخنَعَة و العزّ و الشّرف.

و ارتتَقَ: الْتَأمَ. (3 : 243)

الطُّرَيحيّ: و فى الدّعاء: < و ارْ تَق فتقنا > و هو على الاستعارة.

و الرّ تَق بالتّحريك: هو أن يكون الفرج ملتحمًا، ليس فيه للذّكر مدخل.

و رتقَتِ المرأة رتقًا من باب < تعب > فهي رَ تْقاء، إذا انسدّ مدخل الذّكر من فرجها فلا يُستطاع جماعها.

(5 : 167)

مَجْمَعُ اللُّغة: رتَقَ الفَتْق يَرْتِقُه رَ تْقًا: ضمّه و لأمه .

و الرّ تْق: الضّمّ خِلقةً كان أوصنعةً، و يو صف به فيقال: شيئان رَ تْقً أي ذوا رتق أو مرتوقان. (1 : 453)

المُصْطَفَويّ: أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة:هو ما يقابل الفَتْق، أي الالتئام و الالتحام. و الفرق بينها و بين موادّ الاستداد و الضّمّ و العقد و الإصلاح و الالتئام و الإلحام، يُعرَف في تلك الموادّ.

يقال: هو من أهل الرّتق و الفتق، و من أهل الحَلّ و العَقْد، أي من بيده حَلّ الأُمور المعضلة، و إحكام الأُمور المتزلزلة، و الشّقّ و الفصل في الأُمور المنسدّة المنضمّة، و الإلحام في الأُمور المنفصلة المتفرّقة.

و يلاحظ في العَقْد: الاستحكام و التّعقّد في نفس الشّي‌ء، و يقابله الحَلّ.

و في الرّ تْق يلاحظ الالتئام بين شيئين متّصلين أو منفصلين، و يقابله الفَتْق و هو الفصل و الكشف و الشّقّ. (4 : 44)

النُّصوص التّفسيريّة

اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَنَّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا رَتْ-قًا فَفَتَ-قْنَاهُمَا... الأنبياء : 30

الإمام عليّ : إنّ معنى ذلك أنّ السّماوات كانت لاتمطر و الأرض لاتنبت، ففتق الله سبحانه السّماء بالأمطار و الأرض بالنّبات.

(خليل ياسين 2 : 27)

ابن عبّاس:كانتا ملتصقتين، فرفع السّماء و وضع الأرض .

كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله. (الطّبَريّ 9 : 19)

خلق الله اللّيل قبل النّهار، ثمّ قرأ { كَانَتَارَ تْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } هل كان إلا ظلّة أو ظلمة.

(الأزهَريّ 9 : 54)

مُجاهِد: في قول الله تبارك و تعالى: { رَ تْ-قًا فَفَتَقْنَا هُمَا } منالأرض ستّ أرضين معها، فتلك سبع أرضين معها، و من السّماء ستّ سماوات معها، فتلك سبع سماوات معها، و لم تكن الأرض و السّماء متماسّتين. (الطّبَريّ 9 : 19)

عِكْرِمَة: كانتا رتْقًا لايخرج منهما شيء، ففتَق السّماء بالمطر وفتَق الأرض بالنّبات، و هو قوله: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ }

الطّارق: 11 ، 12. (الطّبَريّ 9 : 20)

الحسَن: كانتا جميعًا، ففصل الله بينهما بهذا الهواء .

(الطّبَريّ 9 : 19)

مثله قَتادَة. (الطّبَريّ 9 : 19)

خلق الله تعالى الأرض في موضع بيت المَقدِس كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها، ثمّ أصعَد الدّخان و خلق منه السّماوات، و أمسك الفهر في موضعها و بسط منها الأرض؛ و ذلك قوله تعالى: {كَانَتَا رَتْ-قًا فَفَتَقْنَاهُمَا }. (أبوالسُّعود 4 : 333)

العَوْفيّ: كانت السّماء رتْقًا لاتمطر، و الأرض رتْقًا لاتنبت، ففتق السّماء بالمطر، و فتق الأرض بالنّبات، و جعل من الماء كلّ شيء حيّ، أفلايؤمنون؟

(الطّبَريّ 9 : 20)

الإمام الباقر :كانت السّماء رتْقًا لاينزل القطر، و كانت الأرض رتْقًا لايخرج النّبات، ففتق الله السّماء بالقطر، و فتق الأرض بالنّبات.

(العرُوسيّ 3 : 424)

[ سأل رجل من أهل الشّام أباجعفر محمّد بن عليّ عن معنى قول الله عزّو جلّ: { كَانَتَارَتْ-قًا فَفَتَقْنَاهُمَا } فأجاب : ]

فلعلّك تزعم أ نّهما كانتا رتْقًا ملتزقتان ملتصقتان ففتقت إحداهما من الأُخرى؟ [فقال: نعم، فقال :]

استغفر ربّك، فإنّ قول الله عزّ و جلّ:{ كَانَتَا رَتْ-قًا} يقول: كانت السّماء رتْقًا لا تُنزل المطر، و كانت الأرض رتْقًا لاتُنبت الحَبّ، فلمّا خلق الله تبارك و تعالى الخلق و بَثّ فيها من كلّ دا بّة، فتَق السّماء بالمطر، و الأرض بنبات الحَبّ، [ فقال الشّاميّ: أشهد أ نّك من ولد الأنبياء، و أنّ علمك علمهم ]

(العَرُوسيّ 3 : 426)

و في هذا المجال أحاديث كثيرة لم نذكرها، حذرً ا من التّطويل و التّكرير، لاحظ التّفاسير.

زَيْد بن عليّ: معناه: كانت السّماوات و الأرض واحدة، ففتق من السّماء سبع سماوات، و فتق من الأرض سبع أرضين.فتق السّماء بالمطر و الأرض بالنّبات. و الرّتق: الّذي لاثقب فيها. (277)

السُّدّيّ: كانت سماء واحدة ثمّ فتقها، فجعلها سبع سماوات في يومين: في الخميس و الجمعة، و إنّما سمّي يوم الجمعة لأ نّه جمع فيه خلق السّماوات والأرض، فذلك حين يقول: { خَلَقَ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ فى سِتَّةِ اَيَّامٍ } الأعراف : 54. (351)

أبوصالح: كانت الأرض رتْقًا و السّماوات رتْقًا، ففتق من السّماء سبع سماوات، و من الأرض سبع أرضين. (الطّبَريّ 9 : 20)

ابن زَيْد: كانت السّماوات رتْقًا لاينزل منها مطر، وكانت الأرض رتْقًا لايخرج منها نبات، ففتقهما الله، فأنزل مطر السّماء، و شقّ الأرض فأخرج نباتها.

(الطّبَريّ 9 : 20)

الفَرّ اء: فُتِقَتِ السّماء بالقَطْر و الأرض بالنّبت،و قال: { كَانَتَا رَتْ-قًا} و لم يقل: رَ تْقين، وهوكما قال: { وَ مَا جَعَلنَاهُمْ جَسَدً ا} الأنبياء : 8. (2 : 201)

أبوعُبَيْدَة: و من مجاز المصدر الّذي في موضع الاسم أو الصّفة...و قال: { اَنَّ السَّموَ ا تِ وَاْلاَرْضَ

كَانَتَا رَتْ-قًا} و الرّ تْق: مصدر، و هو في موضع مرتوقتين. (1 : 12)

ابن قُتَيْبَة: أي كانتا شيئًا واحدً ا ملتئمًا؛ و منه يقال: هو يَرْتق الفتق، أي يَسُدّه. و قيل: للمرأة: رتْقاء.

(285)

الطّبَريّ: يقول: ليس فيهما ثقب، بل كانتا ملتصقتين، يقال منه: رتَقَ فلان الفتق، إذا شَدّه، فهو يَرْتِقُه رتْقًا و رُتُوقًا؛ و من ذلك قيل للمرأة الّتي فرجها ملتحم: رتْقاء، و وحّد الرّتْق، و هو من صفة السّماء و الأرض، و قد جاء بعد قوله: { كَانَتَا } لأ نّه مصدر، مثل قول الزّور و الصّوم و الفطر.

ثمّ اختلف أهل التّأويل في معنى وصف الله السّماوات و الأرض بالرّ تْق وكيف كان الرّ تْق، و بأيّ معنى فُتق ؟

فقال بعضهم: عنى بذلك أنّ السّماوات و الأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء .

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنّ السّماوات كانت مرتَتقَة طبقة، ففتقها الله، فجعلها سبع سماوات، و كذلك الأرض كانت كذلك مُرتتقَة، ففتقها، فجعلها سبع أرضين.

و قال آخرون: بل عنى بذلك أنّ السّماوات كانت رتْقًا لاتمطر، و الأرض كذلك رتْقًا لاتنبت، ففتق السّماء بالمطر و الأرض بالنّبات.

وأولى الأقوال في ذلك بالصّواب قول من قال: معنى ذلك: أو لم ير الّذين كفروا أنّ السّماوات و الأرض كانتا رتْقًا من المطر و النّبات، ففتقنا السّماء بالغيث و الأرض بالنّبات.

و إنمّا قلنا: ذلك أولى بالصّواب في ذلك، لدلالة قوله: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَىٍّ } على ذلك، و أ نّه جلّ ثناؤه لم يُعقّب ذلك بوصف الماء بهذه الصّفة إلا و الّذي تقدّمه من ذكر أسبابه.

فإن قال قائل: فإن كان ذلك كذلك، فكيف قيل: أو لم ير الّذين كفروا أنّ السّماوات و الأرض كانتا رتْقًا، و الغيث إنّما ينزل من السّماء الدّنيا؟

قيل: إنّ ذلك مختلف فيه، قد قال قوم: إنمّا ينزل من السّماء السّابعة، و قال آخرون: من السّماء الرّابعة. و لو كان ذلك أيضًا كما ذكرت من أ نّه ينزل من السّماء الدّنيا، لم يكن في قوله: { اَنَّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ } دليل على خلاف ما قلنا، لأ نّه لايمتنع أن يقال: السّماوات، و المراد منها واحدة فتُجمَع، لأنّ كلّ قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق، و قميص أسمال.

فإن قال قائل: و كيف قيل: { اَنَّ السَّموَ اتِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا } فالسّماوات جمع، و حكم جمع الإناث أن يقال: في قليله كُنّ، و في كثيره كانت؟

قيل: إنّما قيل ذلك كذلك لأ نّهما صنفان، فالسّماوات نوع، و الأرض آخر. [و استشهد بشعرين]

(9 : 19)

الزّجّاج: و جاء في التّفسير: أنّ السّماء فُتقَت بالمطر، و الأرض بالنّبات، و يدلّ على أ نّه يُراد بفتقها: كون المطر فيها قوله عزّ و جلّ: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيٍّ } .

و قيل:{ رَتْقًا } و لم يقل رتقين، لأنّ الرّ تْق مصدر، المعنى كانتا ذواتي رتْق فجُعلتا ذواتي فَتْق. و دلّهم بهذا على توحيده جلّ و عزّ،ثمّ بكّتَهُم، فقال: { اَفَلا يُؤمِنُونَ} . (3 : 390)

الشّريف الرّضيّ: و هذه استعارة. لأنّ الرّتْق هو سَدّ خصاصة الشّي‌ء. و يقال: رتَقَ فلان الفتق. إذا سَدّه، و منه قيل للمرأة: رتْقاء، إذا كان موضع ممرّها من الذّكر ملتحمًا.

و أصل ذلك مأخوذ من قولهم: رتَقَ فتق الخباء و الفُسْطاط و ما يجري مجراهما، إذا خاطه. فكأنّ السّماوات و الأرض كانتا كالشّي‌ء المخيط الملتصق بعضه ببعض، ففتقهما سبحانه، بأن صَدَع ما بينهما بالهواء الرّقيق، و الجوّ الفسيح.

و روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبى طالب صلوات الله عليه و آله معنى: أنّ السّماوات كانت لاتمطر، و الأرض لاتنبت، ففتق الله سبحانه السّماء بالأمطار، و الأرض بالنّبات . (114)

القَيْسيّ: إنّما وحّد { رَ تْ-قًا } لأ نّه مصدر، و تقديره: كانتا ذواتي رتْ-ق. (2 : 83)

الطُّوسيّ: و قيل في معناه أقوال :

قال الحسَن و قَتادَة :{ كَانَتَا رَتْ-قًا } أي ملتصقتين ففصل الله بينهما بهذا الهواء.

و قيل: { كَانَتَا رَتْ-قًا } السّماء لاتمطر و الأرضلاتنبت، ففتَق الله السّماء بالمطر و الأرض بالنّبات، ذكره ابن زَ يْد و عِكْرِمَة. و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبدالله .

و قيل: معناه: كانتا منسدّتين لافُرَج فيهما فصدعهما عمّا يخرج منهما. (7 : 242)

المَيْبُديّ: أي منسدّتين و لم يقل: رتقين، لأنّ الرّ تْق مصدر، و المعنى: كانتا ذواتي رتْق فجعلناهما ذواتي فَتْق. (6 : 230)

نحوه أبوالبَرَكات. (2 : 160)

الزّمَخْشَريّ: قرئ ( اَلَمْ يَرَ ) بغير واو و ( رَ تَقًا ) بفتح التّاء، و كلاهما في معنى المفعول كالخلق و النّقض أي كانتا مرتوقتين.

فإن قلت: الرّ تْق صالح أن يقع موقع مرتوقتين، لأ نّه مصدر، فما بال الرّ تَق؟

قلت: هو على تقدير موصوف، أي كانتا شيئًا رتَقًا، و معنى ذلك: أنّ السّماء كانت لاصقة بالأرض لافضاء بينهما. أو كانت السّماوات متلاصقات و كذلك الأرضون لافرج بينها، ففتقها الله و فرّج بينها.

و قيل: ففتقناها بالمطر و النّبات، بعد ما كانت مصمتةً ...

فإن قلت: متى رأوهما رتْقًا حتّى جاء تقريرهم بذلك.

قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أ نّه وارد في القرآن الّذي هو معجزة في نفسه، فقام مقام المرئيّ المشاهد.

و الثّاني: أنّ تلاصق الأرض و السّماء وتباينهما كلاهما جائز في العقل، فلابدّ للتّباين دون التّلاصق من مخصّص، و هو القديم سبحانه . (2 : 570)

ابن عَطيّة: و الرّ تْق: المُلتصِق بعضه ببعض المبهم

الّذي لاصَدْع فيه و لافتح؛ و منه امرأة رتْقاء. و اختلف المفسّرون في معنى قوله تعالى: { كَانتَا رَتْ-قًا فَفَتَقْنَاهُمَا} فقالت فرقة: كانت السّماء مُلتصِقة بعضها ببعض و الأرضون كذلك ففتقهما الله تعالى سبعًاسبعًا، و على هذين القولين ف- < الرّؤية > الموقف عليها: رؤية القلب. و قالت فرقة: السّماء قبل المطر رتْق و الأرض قبل النّبات رتْق ففتقهما تعالى بالمطر و النّبات، كما قال الله تعالى: { وَ السَّماءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } الطّارق: 11 ، 12. و هذا قول حسن يجمع العبرة وتعديد النّعمة و الحجّة بمحسوس بيّن و يناسب قوله: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيٍّ }، أي من الماء الّذي أوجده الفتق، فيظهر معنى الآية و يتوجّه الاعتبار.

و قالت فرقة: السّماء و الأرض رتق بالظّلمة، و فتقهما الله تعالى بالضّوء و< الرّؤية > على هذين القولين: رؤية العين، { وَ الاَ_رْضِ } هنا اسم الجنس فهي جمع.

وقرأ الجمهور { رَتْقًا } بسكون التّاء، و الرّ تْق مصدر وصف به كالزّور و العدل. و قرأ الحسَن و الثّقفيّ و أبوحَيْوَة ( كَانَتَا رَتَقًا ) بفتح التاء، و هو اسم المرتوق، كالنّفْض و النّفَض و الخَبْط و الخَبَط. (4 : 79)

الطَّبْرِسيّ:و قراءة الحسَن و عيسى الثّقفيّ (رَتَقًا) بفتح التّاء... و الوجه في قوله: ( رَ تَقًا ) بفتح التّاء أ نّه قد كثر مجيء المصدر على < فَعْل > و اسم المفعول منه على < فعَل >مفتوح العين، و ذلك كالنّفْض، و النّفَض، و الطّرْد و الطّرَد. فالرّ تَق على هذا يكون للشّيء المرتوق، كما أنّ النّفَض المنفوض، و الهَدَم المهدوم. فقراءة الجماعة { رَتْقًا } بسكون التّاء، كأ نّه ممّا وُضع من المصادر موضع اسم المفعول، كالصّيد بمعنى المصيد، و الخلق بمعنى المخلوق. (4 : 42)

الفَخْرالرّ ازيّ: اختلف المفسّرون في المراد من الرّ تْق و الفَتْق على أقوال:

أحدها: و هو قول الحسَن و قَتادَة و سعيد بن جُبَيْر، و رواية عِِكْرِمَة عن ابن عبّاس رضي الله عنهم: أنّ المعنى كانتا شيئًا واحدً ا ملتزقتين ففصل الله بينهما و رفع السّماء إلى حيث هي، و أقرّ الأرض.

و هذا القول يوجب أنّ خلق الأرض مقدّم على خلق السّماء، لأ نّه تعالى لم-ّا فصل بينهما، ترك الأرض حيث هي، و أصعَد الأجزاء السّماويّة .

قال كعب: خلق الله السّماوات و الأرض ملتصقتين ، ثمّ خلق ريحًا توسّطتهما ففتقهما بها.

و ثانيها: و هو قول أبي صالح و مُجاهِد: أنّ المعنى كانت السّماوات مرتفعة، فجُعلت سبع سماوات، و كذلك الأرضون .

و ثالثها: و هو قول ابن عبّاس و الحسَن و أكثر المفسّرين: أنّ السّماوات و الأرض كانتا رتقًا بالاستواء و الصّلابة ففتق الله السّماء بالمطر و الأرض بالنّبات و الشّجر، و نظيره قوله تعالى: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ }الطّارق: 11 ، 12.

و رجّحوا هذا الوجه على سائر الوُجوه بقوله بعد ذلك: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَىٍّ } و ذلك

لايليق إلا و للماء تعلّق بما تقدّم، و لايكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا.

فإن قيل: هذا الوجه مرجوح، لأنّ المطر لاينزل من السّماوات بل من سماء واحدة، و هي سماء الدّنيا.

قلنا: إنمّا أُطلق عليه لفظ الجمع، لأنّ كلّ قطعة منها سماء، كما يقال: ثوب أخلاق و بُرْمَة أعشار.

و اعلم أنّ هذا التّأويل يجوّز حمل الرّؤية على الإبصار .

و رابعها: قول أبي مسلم الأصفهانيّ: يجوز أن يراد بالفتق الإيجاد و الإظهار، كقوله: { فَاطِرُ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضِ } الشّورى : 11، و كقوله: { قَالَ بَلْ رَ بُّكُمْ رَبُّ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضِ الَّذى‘ فَطَرَهُنَّ } الأنبياء : 56، فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق و عن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرّتق .

أقول: و تحقيقه أنّ العدم نفي محض، فليس فيه ذوات مميّزة و أعيان متباينة، بل كأ نّه أمر واحد متّصل متشابه، فإذا وُجدت الحقائق فعند الوجود و التّكوّن يتميّز بعضها عن بعض، و ينفصل بعضها عن بعض، فبهذا الطّريق حسن جعل الرّتق مجازً ا عن العدم،

و الفتق عن الوجود .

و خامسها: أنّ اللّيل سابق على النّهار، لقوله تعالى: { وَ ا"يَةٌ لَهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ } يس, : 37، و كانت السّماوات و الأرض مظلمةأوّ لا ، ففتقهما الله تعالى بإظهار النّهار المبصر.

فإن قيل: فأيّ الأقاويل أليق بالظّاهر؟

قلنا: الظّاهر يقتضي أنّ السّماء على ما هي عليه، و الأرض على ما هي عليه كانتا رتْقًا، و لايجوز كونهما كذلك إلا و هما موجودان، و الرّتق ضدّ الفتق، فإذا كان الفتق هو المفارقة فالرّتق يجب أن يكون هو الملازمة.

و بهذا الطّريق صار الوجه الرّ ابع و الخامس مرجوحًا، و يصير الوجه الأوّ ل أولى الوُجوه، و يتلوه الوجه الثّاني، و هو أنّ كلّ واحد منهما كان رتْقًا ففتقهما بأن جعل كلّ واحد منهما سبعًا، و يتلوه الثّالث، و هو أ نّهما كانا صلبين من غير فطور و فرج، ففتقهما لينزل المطر من السّماء، و يظهر النّبات على الأرض. (22 : 162)

نحوه أبوالسُّعود. (4 : 333)

العُكْبَريّ: { رَتْ-قًا } بسكون التّا، أي ذاتي رَ تْق، أو مرتوقتين، كالخلق بمعنى المخلوق .

و يُقرأ بفتحها، و هو بمعنى المرتوق، كالقبَض و النّقَض. (2 : 916)

القُرطُبيّ: و قال: { رَتْ-قًا } و لم يقل: رتقين، لأ نّه مصدر، والمعنى: كانتا ذواتي رتق. و قرأ الحسَن ( رَتَقًا ) بفتح التّاء. قال عيسى بن عمر: هو صواب و هي لغة.

و الرّتق: السّدّ ضدّ الفتق، و قد رتَقتُ الفتق أرْتُقُه، فارتتَقَ، أي التأم؛ و منه: الرّتقاء للمنضمّة الفرج.

قال ابن عبّاس و الحسَن و عطاء و الضّحّاك و قَتادَة: يعني أ نّهما كانت شيئًا واحدً ا ملتزقتين ففصل الله بينهما بالهواء. و كذلك قال كعب : خلق الله السّماوات و الأرض بعضها على بعض ثمّ خلق ريحًا بوسطها ففتحها بها، و جعل السّماوات سبعًا

و الأرضين سبعًا .

و قول ثان قال مُجاهِد و السُّدّيّ و أبوصالح: كانت السّماوات مؤتلفة طبقة واحدة، ففتقها فجعلها سبع سماوات، و كذلك الأرضين كانت مرتتقة طبقة واحدة ففتقها، فجعلها سبعًا.

و حكاه القتبيّ في عيون الأخبار له، عن إسماعيل ابن أبي خالد في قول الله عزّ و جلّ: { اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَنَّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا رَتْ-قًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قال: كانت السّماء مخلوقة وحدها و الأرض مخلوقة وحدها، ففتَق من هذه سبع سماوات، و من هذه سبع أرضين، خلق الأرض العُليا فجعل سكّانها الجنّ و الإنس، و شقّ فيها الأنهار و أنبت فيها الأثمار، و جعل فيها البحار و سمّاها رعاء، عرضها مسيرة خمسمئة عام. [ ثمّ بيّن مخلوقات بقيّة الأرضين و قال: ]

قلت: و به يقع الاعتبار مشاهدةً و معاينةً، و لذلك أخبر بذلك في غير ما آية، ليدلّ على كمال قدرته، و على البعث و الجزاء. (11 : 283)

النَّيسابوريّ: [ نقل الأقوال نحو ماتقدّم عن الفَخْرالرّ ازيّ و أضاف : ]

و عن بعض علماء الإسلام: أنّ الرّ تْق: انطباق منطقتي الحركتين الأُولى و الثّانية الموجب لبطلان العمارات و فصول السّ-نّة، و الفتق افتراقهما المقتضي لإمكان العمارة و لتغيّر الفصول، و فيهبُعْد.

و هاهنا سؤال: و هو أنّ الكفّار متى رأوهما رتْقًا حتّى صحّ هذا الاستفهام للتّقرير؟ كيف و قد قال الله تعالى:{ مَا اَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّموَ" اتِ وَ الاَ_رْضِ } الكهف : 51.

و الجواب على الأقوال الأخيرة ظاهر، فإنّ فتْق السّماء بالمطر و الأرض بالنّبات، أو فتقهما بتنفيذ النّور فيهما و إظهاره عليهما أُمور محسوسة، و كذا إدخالهما من العدم إلى الوجود ممّا يشهد به الحسّ السّليم و العقل المستقيم. وأمّا على القولين الأوّلين فلعلّهم علموا ذلك من أهل الكتاب، و كانوا يقبلون قولهم لما بينهما من التّوافق في عداوة النّبيّ (صلی الله علیه و آله).

(17 : 21)

أبوحَيّان : [ نقل أقوال السّابقين و أضاف: ]

قرأ الجمهور { رَتْ-قًا } بسكون التّاء و هو مصدريوصف به كزور و عدل فوقع خبرً ا للمثنّى. وقرأ الحسَن وزَيْد بن عليّ وأبوحَيْوَة و عيسى ( رَ تَقًا ) بفتح التاء، و هو اسم المرتوق كالقبَض والنّفَض، فكان قياسه أن يُبني، ليطابق الخبر الاسم. فقال الزّمَخْشَري: هو على تقدير موصوف، أي { كَانَتَا }شيئًا { رَتْ-قًا }. و قال أبوالفضل الرّ ازيّ: الأكثر في هذا الباب أن يكون المتحرّ ك منه اسمًا بمعنى المفعول، و السّاكن مصدرً ا،و قد يكونان مصدرين، لكن المتحرّ ك أولى بأن يكون في معنى المفعول، لكن هنا الأولى أن يكونا مصدرين، فأُقيم كلّ واحد منهما مقام المفعولين. ألا ترى أ نّه قال:{ كَانَتَارَتْ-قًا } فلو جعلت أحدهما اسمًا، لوجب أنّ تُثنّيه، فلمّا قال: { رَتْ-قًا } كان في الوجهين كرجل عَدْل و رجلين عَدْل و قوم عَدْل، انتهى.

(6 : 309)

الشِّربينيّ: [ نحو القُرطُبيّ و أضاف:]

فيكون المراد ب- { السَّموَ ا تِ} : سماء الدّنيا، و جمعَها باعتبار الآفاق أو السّماوات بأسرها، على أنّ لها مدخلا في الأمطار. و إنّما قال تعالى: { رَتْ-قًا } على التّوحيد، و هو نعت للسّماوات و الأرض لأ نّه مصدر، و الكفرة و إن لم يعلموا ذلك، فهم متمكّنون من العلم بالنّظر، أو باستفسار من العلماء، أو مطالعة الكتب. (2 : 503)

البُرُوسَويّ: { رَتْ-قًا } على حذف المضاف، أي ذواتي رتْق بمعنى ملتزقتين و منضمّتين، لافضاء بينهما و لافرج، فإنّ الرّتْق هو الضّمّ و الالتحام خلقةً كان أو صنعةً. (5 : 471)

نحوه المَراغيّ. (17 : 23)

الآلوسيّ: و أفرد الخبر، أعني قوله تعالى:

{ رَتْ-قًا } و لم يُثنّ لأ نّه مصدر، والحمل إمّا بتأويله بمشتقّ أو لقصد المبالغة، أو بتقدير مضاف، أي ذاتي رتْق، و هو في الأصل الضّمّ و الالتحام خلقةً كان أم صنعةً؛ و منه الرّ تْ-قاء: الملتحمة محلّ الجماع.

و قرأ الحسَن و زَ يْد بن عليّ و أبوحَيْوَة و عيسى { رَ تْ-قًا } بفتح التّاء وهو اسم المرتوق كالنّقْض و النّقَض، فكان قياسه أن يُثنّى هنا ليطابق الاسم، فقال الزّمَخْشَريّ: هو على تقدير موصوف، أي كانتاشيئًا رتْقًا، و شيء اسم جنس للقليل و الكثير، فيصحّ الإخبار به عن المثنّى كالجمع، و يُحسنه أ نّه في حالة الرّتقيّة لاتعدّد فيه.

و قال أبوالفضل الرّ ازيّ: الأكثر في هذا الباب أن يكون المتحرّ ك منه اسمًا بمعنى المفعول، و السّاكن مصدرً ا، وقد يكونان مصدرين، و الأولى هنا كونهما كذلك، و حينئذ لاحاجة إلى ما قاله الزّمَخْشَريّ في توجيه الإخبار، و قد أُريد بالرّ تْق على ما نُقل عن أبي مسلم الأصفهانيّ : حالة العدم؛ إذ ليس فيه ذوات متميّزة، فكان السّماوات و الأرض أمر واحد متّصل متشابه.

[ثمّ أدام البحث في معنى الفتْق فراجع] (17 : 34)

ابن عاشور: و الرَّ تْق: الاتّصال و التّلاصق بين أجزاء الشّيء، والفَتْق: ضدّه، و هو الانفصال و التّباعد بين الأجزاء.

و الإخبار عن السّماوات و الأرض بأ نّهما رَ تْق إخبار بالمصدر للمبالغة في حصول الصّفة .

ثمّ إنّ قوله تعالى: { كَانَتَا } يحتمل أن تكونا معًا رتْقًا واحدً ا، بأن تكون السّماوات و الأرض جسمًا ملتئمًا متّصلا . و يحتمل أن تكون كلّ سماء رتْقًا على حدّتها، و الأرض رتْقًا على حدّتها، وكذلك الاحتمال في قوله تعالى:{ فَفَتَقْنَاهُمَا } .

و إنمّا لم يقل نحو: فصارتا فَتْ-قًا، لأنّ الرّ تْق متمكّن منهما أشدّ تمكّن كما قلنا، ليستدلّ به على عظيم القدرة في فتقهما، و لدلالة الفعل على حِدْثان الفتْق إيماء إلى حدوث الموجودات كلّها، و أنّ ليس منها أزليّ .

و الرّ تْق يحتمل أن يراد به معان تنشأ على محتملاتها معان في الفتْق، فإن اعتبرنا الرّؤية بصريّة فالرّ تْق: المشاهد هو ما يشاهده الرّائي من عدم تخلّل شيء بين أجزاء السّماوات و بين أجزاء الأرض،

و الفتْق: هو ما يشاهده الرّائي من ضدّ ذلك حين يرى المطر نازلا من السّماء و يرى البرق يلعج منها و الصّواعق تسقط منها، فذلك فتقها، و حين يرى انشقاق الأرض بماء المطر وانبثاق النّبات و الشّجر منها بعد جفافها، و كلّ ذلك مشاهَد مرئيّ دالّ على تصرّف الخالق. و في هذا المعنى جمع بين العبرة و المنّة، كما قال ابن عَطيّة أي هو عبرة دلالة على عظم القدرة، و تقريب لكيفيّة إحياء الموتى، كما قال تعالى: { فَاَحْي-َيْ-نَا بِهِ الاَ_رْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } فاطر : 9.

و إن اعتبرنا الرّؤية علميّة احتمل أن يراد بالرّ تْق مثل ما أُريد به، على اعتبار كون الرّؤية بصريّة، و كان الاستفهام أيضًا إنكاريًّا متوجّهًا إلى إهمالهم التّدبّر في المشاهدات. و احتمل أن يراد بالرّ تْق معان غير مشاهَدة و لكنّها ممّا ينبغي طلب العلم به، لما فيه من الدّ لائل على عظم القدرة و على الوحدانيّة، فيحتمل أن يراد بالرّ تق و الفتق حقيقتاهما، أي الا تّصال و الانفصال .

ثمّ هذا الاحتمال يجوز أن يكون على معنى الجملة، أي كانت السّماوات و الأرض رتْقًا واحدً ا، أي كانتا كُتلةً واحدةً ثمّ انفصلتالسّماوات عن الأرض، كما أشار إليه قوله تعالى: { وَ هُوَ الَّذى خَلَقَ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضَ فى سِتَّةِ اَ يَّامٍ وَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى المْ-َاءِ } هود : 7.

و يجوز على هذا الاحتمال أن يكون الرّتْق و الفتْق على التّوزيع، أي كانت السّماوات رتْقًا في حدّ ذاتها و كانت الأرض رتْقًا في حدّ ذاتها ثمّ فتق الله السّماوات و فتق الله الأرض، و هذا كقوله تعالى: { قُلْ اَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِا لَّذى خَلَقَ الاَ_رْضَ فى يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ اَ نْدَ ادً ا ذلِ-كَ ’رَبُّ الْعَالَمينَ‘ * وَ جَعَلَ فيهَا‘ رَوَ اسِىَ مِنْ فَوْ قِهَا وَ بَارَ كَ فيهَا‘ وَ قَدَّرَ فيهَا‘ اَقْوَ اتَهَا فى اَرْبَعَةِ اَ يَّامٍ سَوَ اءً لِلسَّائِلينَ‘* ثُمَّ اسْتَوى اِلَى السَّمَاءِ وَ هِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لِلاَ_رْضِ ائْتِيَا طَوْعًا اَوْ كَرْهًا قَالَتَا اَتَيْنَا طَائِعينَ‘ * فَقَضيهُنَّ’ سَبْعَ سَموَ" ات فى يَوْمَيْنِ وَ اَوْحى" فى كُلِّ سَمَاء اَمْرَهَا وَ زَيَّ-نَّا السَّمَاءَ الدُّ نْيَا بِمَصَابيحَ‘ وَ حِفْظًا ذلِكَ ’تَقْديرُ‘ الْعَزيزِ‘ الْعَليمِ ‘} فصّلت : 9 - 12.

و على هذين الاحتمالين يكون الاستفهام تقريريًّا عن إعراضهم عن استماع الآيات الّتي وصفت بدء الخلق، و مشوبًا بالإنكار على ذلك. و على جميع التّقادير فالمقصود من ذلك أيضًا الاستدلال على أنّ الّذي خلق السّماوات والأرض و أنشأهما بعد العدم قادر على أن يخلق الخلق بعد انعدامه، قال تعالى: { اَوَ لَمْ يَرَوْ ا اَنَّ اللهَ الَّذى خَلَقَ السَّموَا تِ وَ الاَ_رْضَ قَادِرٌ عَلى" اَنْ يَخْلُقَمِثْلَهُمْ } الإسراء : 99.

و يحتمل أن يراد بالرّ تْق العدم و بالفتْق الإيجاد. و إطلاق الرّؤية على العلم على هذا الاحتمال ظاهر، لأنّ الرّ تْق و الفتْق بهذا المعنى محقّق أمرهما عندهم، قال تعالى: { وَ لَئِنْ سَاَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ } لقمان : 25.

و يحتمل أن يراد بالرّ تْق الظّلمة و بالفتْق النّور، فالموجودات وُجدت في ظلمة، ثمّ أفاض الله عليها النّور بأن أوجد في بعض الأجسام نورً ا أضاء

الموجودات.

و يحتمل أن يراد بالرّ تْق اتّحاد الموجودات حين كانت مادّة واحدة أو كانت أثيرً ا أو عماء، كما جاء في الحديث: < كان في عماء > فكانت جنسًا عاليًا متّحدًا ينبغي أن يُطلَق عليه اسم مخلوق، و هو حينئذ كلّيّ انحصر في فرد. ثمّ خلق الله من ذلك الجنس أبعاضًا و جعل لكلّ بعض مميّزات ذاتيّة، فصيّر كلّ متميّز بحقيقة جنسًا، فصارت أجناسًا . ثمّ خلق في الأجناس مميّزات بالعوارض لحقائقها فصارت أنواعًا. و هذا الاحتمال أسعَد بطريقة الحكماء، و قد اصطلحوا على تسمية هذا التّمييز بالرّ تق و الفَتْق.

و بعض من الصّوفيّة و هو صاحب « مرآة العارفين » جعل الرّتق علَمًا على العنصر الأعظم يعني الجسم الكلّ، و الجسم الكلّ هو الفلك الأعظم المعبّر عنه بالعرش. ذكر ذلك الحكيم الصّوفيّ لطف الله الأرضروميّ صاحب « معارج النّور في أسماء الله الحسنى »المتوفّى في أواخر القرن الثّاني عشر، الّذي دخل تونس عام: 1185، في مقدّمات كتابه « معارج النّور » و في رسالة له سمّاها « رسالة الفتْق و الرّ تْق ».

و الظّاهر أنّ الآية تشمل جميع ما يتحقّق فيه معاني الرّ تْق و الفتْق؛ إذ لامانع من اعتبار معنى عامّ يجمعها جميعًا، فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعمّ كلّ النّاس و كلّ عبرة خاصّة بأهل النّظر و العلم، فتكون من معجزات القرآن العلميّة الّتي أشرنا إليها في مقدّمات هذا التّفسير . (17 : 39)

الطَّباطَبائيّ: و الرّ تْق و الفتْق معنيان متقابلان، قال الرّ اغِب في < المفردات >: الرّ تْق الضّمّ و الالتحام خلقةً كان أم صنعةً، قال تعالى: {كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} و قال: الفتْق: الفصل بين المتّصلين، و هوضدّ الرّ تْق، انتهى .

و ضمير التّثنية في { كَانَتَا رَتْ-قًا فَفَتَقْنَاهُمَا } للسّماوات و الأرض بعَدّ السّماوات طائفة و الأرض طائفة فهما طائفتان اثنتان، و مجيء الخبر أعني { رَتْ-قًا } مفردً ا، لكونه مصدرً ا و إن كان بمعنى المفعول، و المعنى كانت هاتان الطّائفتان منضمّتين متّصلتين ففصلناهما.

و هذه الآية و الآيات الثّلاث التّالية لها برهان على توحيده تعالى في ربوبيّته للعالم كلّه، أوردها بمناسبة ما انجرّ الكلام إلى توحيده، و نفي ما اتّخذوها آلهة من دون الله، و عدّوا الملائكة و هم من الآلهة عندهم أولادً ا له، بانين في ذلك على أنّ الخلقةو الايجاد لله، و الرّبوبيّة و التّدبير للآلهة.

فأورد سبحانه في هذه الآيات أشياء من الخليقة خلقتها ممزوجة بتدبير أمرها، فتبيّن بذلك أنّ التّدبير لاينفكّ عن الخلقة، فمن الضّروريّ أن يكون الّذي خلقها هو الّذي يُدبّر أمرها؛ و ذلك كالسّماوات و الأرض و كلّ ذي حياة، و الجبال و الفجاج و اللّيل و النّهار و الشّمس و القمر في خلقها و أحوالها الّتي ذكرها سبحانه.

فقوله: { اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَنَّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } المراد ب- { الَّذينَ‘ كَفَرُوا } بمقتضى السّياق: هم الوثنيّون؛ حيث يفرّقون

بين الخلق و التّدبير، بنسبة الخلق إلى الله سبحانه و التّدبير إلى الآلهة من دونه. و قد بيّن خطأهم في هذه التّفرقة، بعطف نظرهم إلى ما لايرتاب فيه من فَتْق السّماوات و الأرض بعد رتقهما، فإنّ في ذلك خلقًا غير منفكّ عن التّدبير، فكيف يمكن قيام خلقهما بواحد، و قيام تدبيرهما بآخرين؟!

لانزال نُشاهد انفصال المركّبات الأرضيّة و الجوّ يّة بعضها من بعض، وانفصال أنواع النّباتات من الأرض، و الحيوان من الحيوان، و الإنسان من الإنسان، و ظهور المنفصل بالانفصال في صورة جديدة لها آثار و خواصّ جديدة، بعد ما كان متّصلا بأصله الّذي انفصل منه، غير متميّز الوجود و لاظاهر الأثر ولابارز الحكم، فقد كانت هذه الفعليّات محفوظة الوجود في القوّة،مودعة الذّوات في المادّة رتْقًا من غير فتْق، حتّى فُتقت بعد الرّ تْق، و ظهرت بفعليّة ذواتها و آثارها.

و السّماوات و الأرض بأجرامها حالها حال أفراد الأنواع الّتي ذكرناها، و هذه الأجرام العُلويّة و الأرض الّتي نحن عليها - و إن لم يسمح لنا أعمارنا على قصرها - أن نشاهد منها ما نشاهده في الكينونات الجزئيّة الّتي ذكرناها، فنرى بدء كينونتها أو انهدام وجودها، لكن المادّة هي المادّة، و أحكامها هي أحكامها، والقوانين الجارية فيها لاتختلف و لاتتخلّف.

فتكرار انفصال جزئيّات المركّبات و المواليد من الأرض و نظير ذلك في الجوّ، يدلّنا على يوم كانت الجميع فيه رتْ-قًا منضمّة غير منفصلة من الأرض، و كذا يهدينا إلى مرحلة لم يكن فيها مَيّزٌ بين السّماء و الأرض، و كانت الجميع رتْ-قًا ففتقها الله تحت تدبير منظّم مُتقَن، ظهر به كلّ منها على ما له من فعليّة الذّات و آثارها .

فهذا ما يُعطيه النّظر السّاذج في كينونة هذا العالم المشهود بأجزائها العلويّة والسُّفليّة، كينونة ممزوجة بالتّدبير، مقارنة للنّظام الجاري في الجميع. و قد قربت الأبحاث العلميّة الحديثة هذه النّظرة؛ حيث أوضحت أنّ الأجرام الّتي تحت الحسّ مؤلّفة من عناصر معدودة مشتركة، و لكلّ منها بقاء محدود و عمر مؤجّل وإن اختلفت بالطّول و القصر.

هذا لو أُريد برَ تْق السّماوات و الأرض، عدمتميُّز بعضها من بعض، و بالفتْق تميُّز السّماوات من الأرض. و لو أُريد برَ تْقها عدم الانفصال بين أجزاء كلّ منهما في نفسه حتّى ينزل من السّماء شيء أو يخرج من الأرض شيء، و بفَتْقها خلاف ذلك، كان المعنى: أنّ السّماوات كانت رتْقًا لاتمطر ففتقناها بالأمطار، و الأرض كانت رتْقًا لاتنبت ففتقناها بالإنبات و تمّ البرهان، و ربّما أيّده قوله بعد: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَىٍّ } لكنّه يختصّ من بين جميع الحوادث بالأمطار والإنبات، بخلاف البرهان على التّقريب الأوّ ل .

و ذكر بعض المفسّرين و ارتضاه آخرون أنّ المراد برتْق السّماوات و الأرض، عدم تميّز بعضها من بعض حال عدمها السّابق، و بفتقها تميّز بعضها من بعض في الوجود بعد العدم، فيكون احتجاجًا بحدوث

السّماوات و الأرض على وجود مُحدِثها و هو الله سبحانه .

و فيه: أنّ الاحتجاج بالحدوث على المُحدِث تامّ في نفسه، لكنّه لاينفع قبال الوثنيّين المعترفين بوجوده تعالى، و استناد الإيجاد إليه و وجّه الكلام إليهم، و إنّما ينفع قبالهم من الحجّة ما يثبت بها استناد التّدبير إليه تعالى، تجاه ما يسندون التّدبير إلى آلهتهم، و يعلّقون العبادة على ذلك . (14 : 277)

عبدالكريم الخطيب: إلفات إلى قدرة الله سبحانه و تعالى، و إلى ما أبدع و صوّر في هذا الوجود .

فالسّماوات و الأرض، كانتا شيئًا واحدً ا، و كُتلة متضَخّمة من المادّة.{ كَانَتَا رَ تْ-قًا } أي منضمًّا بعضهما إلى بعض، فلاسماء، و لاأرض، بل كونٌ لامَعْلَم فيه، ثمّ كان من قدرة الله و من علمه و حكمته، أن أقام من هذا الكون المتضخّم هذا الوجود، في سمائه و أرضه، و ما في سمائه من كواكب و نجوم، و ما على أرضه من إنسان و حيوان و نبات و جماد، { كَانَتَا رَ تْ-قًا فَفَتَ-قْنَاهُمَا } أي فصّلنا بعضهما عن بعض، فكانت السّماء، و كانت الأرض. ثمّ كانت من السّماوات ما فيهنّ من عوالم ، و كان من الأرض ما فيها من مخلوقات .

كانت السّماوات و الأرض كُتْلَة، أشبه بالنّطفة الّتي يتخلّق منها الجنين. فمن هذه النّطفة كان هذا الإنسان، بل هذا الكون الصّغير، و كان هذا الخلق السّويّ الّذي هو عليه . (9 : 867)

المُصْطَفَوي: لمّا كان الخطاب على الكافرين بقوله تعالى { اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا } يلزم أن يكون الرّ تْق و الفتْق بمرأى منهم، و قابلا لأن يرونه، فلايصحّ أن يُفسَّر بفَتْق ما رتق من السّماوات الرّوحانيّة

و الأرض الجسمانيّ، أو برتْق السّماوات و الأرض و فتقهما في بدء خلقهما، فإنّ هذه المراتب غير مرئيّة لهم، و لايجوز خطابهم بما لا يُدركونه و لايرونه بقوله تعالى: { اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا } .

و يدلّ عليه ما ورد من الرّوايات في تفسير الآية الكريمة . [ ثمّ نقل كلام الإمام الباقر مع الرّجل الشّاميّ و أضاف: ]

فالرّ تْق بهذا المعنى يراه المؤمن و الكافر فيكلّ حين.

و يناسب التّفسير آخر الآية الكريمة: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِِ كُلَّ شَىْ‌ء حَىٍّ } ، أي بعد فَتْق السّماء بنزول المطر، جعلنا من الماء النّازل حياة النّباتات و الحيوان و الإنسان، فمبدأ حياة كلّ حيّ هو الماء في عالم المادّة.

فالمناسب اللّطيف بهذا المقام هو التّعبير بمادّة الرّتق، دون السّدّ و الضّمّ و العَقْد و الالتئام و الالتحام و غيرها، كما لايخفى. راجع : < الفَتْق > . (4 : 44)

مكارم الشّيرازيّ: علامات أُخرى لله في عالم الوجود:

تعقيبًا على البحوث السّابقة حول عقائد المشركين الخرافيّة، و الأدلّة الّتي ذُكرت على التّوحيد، فإنّ في هذه الآيات سلسلة من براهين الله في عالم الوجود، و تدبيره المنظّم، و تأكيدً ا لهذه البحوث تقول أوّ لا : { اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَنَّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا رَتْ-قًا فَفَتَ-قْنَاهُمَا وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْء حَيٍّ

اَفَلايُؤْمِنُونَ } .

لقد ذكر المفسّرون أقوالا كثيرة في ما هو المراد من < الرّ تْق > و < الفتْق > المذكورين هنا في شأن السّماوات و الأرض؟ و يبدو أنّ الأقرب من بينها ثلاثة تفاسير، و يحتمل أن تكون جميعًا داخلة في مفهوم الآية .

1 - إنّ رَ تْق السّماء و الأرض إشارة إلى بداية الخلقة؛ حيث يرى العلماء أنّ كلّ هذا العالم كان كُتْلةً واحدة عظيمة من البخار المحترق، و تجزّ أ تدريجيًّا نتيجة الانفجاراتالدّاخليّة و الحركة، فتولّدت الكواكب و النّجوم، و من جملتها المنظومة الشّمسيّة و الكُرة الأرضيّة، و لايزال العالم في توسُّع دائب .

2 - المراد من الرّ تْق هو كون مواد العالم متّحدة؛ بحيث تداخلت فيما بينها، و كانت تبدو وكأ نّها مادّة واحدة، إلا أ نّها انفصلت عن بعضها بمرور الزّمان، فأوجدت تركيبات جديدة، و ظهرت أنواع مختلفة من النّباتات و الحيوانات و الموجودات الأُخرى في السّماء و الأرض، موجودات كلّ منها نظام خاصّ و آثار و خواصّ تختصّ بها، و كلّ منها آية على عظمة الله و علمه و قدرته غير المتناهية .

3 - إنّ المراد من رتق السّماء هو أ نّها لم تكن تمطر في البداية، و المراد من رَ تْق الأرض أ نّها لم تكن تنبت النّبات في ذلك الزّمان، إلا أنّ الله سبحانه فتَق الاثنين، فأنزل من السّماء المطر، و أخرج من الأرض أنواع النّباتات. و الرّوايات المتعدّدة الواردة عن طُرُق أهل البيت  تشير إلى المعنى الأخير، و بعضها يُشير إلى التّفسير الأوّ ل .

لاشكّ أنّ التّفسير الأخير شيء يمكن رؤيته بالعين، و كيف أنّ المطر ينزل من السّماء، و كيف تنفتق الأرض و تنمو النّباتات، و هو يناسب تمامًا قوله تعالى: { اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا }، و كذلك ينسجم و قوله تعالى: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَىٍّ }.

إلا أنّ التّفسيرين الأوّ ل و الثّاني أيضًا لا يخالفان المعنى الواسعلهذه الآية، لأنّ الرّؤية تأتي أحيا نًا بمعنى العلم. صحيح أنّ هذا العلم و الوعي ليس للجميع، بل إنّ العلماء وحدهم الّذين يستطيعون أن يكتسبوا العلوم حول ماضي الأرض و السّماء، و اتّصالهما ثمّ انفصالهما، إلا أ نّنا نعلم أنّ القرآن ليس كتا بًا مختصًّا بعصر و زمان معيّن، بل هو مُرشد و دليل للبشر في كلّ القرون و الأعصار.

من هذا يظهر أنّ له محتوًى عميقًا يستفيد منه كلّ قوم و في كلّ زمان، و لهذا نعتقد أ نّه لامانع من أن تجتمع للآية التّفاسير الثّلاثة، فكلّ في محلّه كامل و صحيح. و قد قلنا مرارً ا: إنّ استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى ليس جائزً ا فحسب، بل قد يكون أحيانًا دليلا على كمال الفصاحة، و إنّ ما نقرؤه في الرّوايات من أنّ للقرآن بُطونًا مختلفة، يمكن أن يكون إشارة إلى هذا المعنى . (10 : 138)

فضل الله: الله سبحانه يفتق رَ تْق السّماوات و الأرض :

و يبقى التّوحيد المطلق هو ما تريد السّورة أن تعالجه و تؤكّده، من خلال توجيه الإنسان إلى التّفكير

في خلق الله، هذا التّفكير الّذي يوصله إلى الدّليل على وحدانيّة الله في قدرته و عظمته، في السّماء و الأرض، { اَوَلَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا } بالله، أو بتوحيده في الخلق و في التّدبير، من خلال ما يشاهدونه في الكون، و يرونه بعقولهم { اَنَّ السَّموَ" اتِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا رَتْقًا} أي مضمومتين ملتحمتين، إمّا في اتّصال بعضهما ببعض؛ بحيث يكون المدلول أ نّهما كانتاتُمثّلان جسمًا واحدً ا، أو في داخل كلّ واحدة منهما؛ بحيث تكون مضمومة في أجزائها، لايتخلّلها أيّة ثغرة،{ فَفَتَقْنَاهُمَا } ففصّلناهما، أو فصلنا كلّ واحدة منهما في أجزائها.

و قد اختلف التّفصيل التّطبيقيّ للفَتْق و الرّتْق، في ما تعنيه الآية، أو تُشير إليه، فقد ذكر بعض المفسّرين كما جاء في تفسير الميزان: [ نقل بعض كلام الطَّباطَبائيّ و قال:]

و قد تُوضّح هذا المعنى النّظريّة القائمة، و هي أنّ المجموعات النّجميّة، كالمجموعة الشّمسيّة و توابعها، و منها الأرض و القمر، كانت سديمًا ثمّ انفصلت و أخذت أشكالها الكرويّة، و أنّ الأرض كانت قطعة من الشّمس ثمّ انفصلت عنها و بردت.

أمّا تعليقنا على ذلك، فهو أنّ الفكرة طريفة و دقيقة، و لكنّها لاتقترب من الحالة الوجدانيّة الّتي يريد الله للإنسان أن يعيشها في تجربته الذّاتيّة، في ما قد يكون له بعض من العُمق، و لكنّه يكون قريبًا من الحسّ، من خلال ما يمكن له أن يلتقي فيه، عن طريق المشاهدة بالفكرة.

هذا بالإضافة إلى أنّ استنتاج فكرة الرّ تْق و الفَتْق لم-ّا كانت عليه السّماوات و الأرض من التصاق، من خلال انفصال المركّبات الأرضيّة و الجوّ يّة بعضها من بعض، و انفصال أنواع النّباتات من الأرض، و الحيوان من الحيوان، و الإنسان من الإنسان، لايخلو من غمُوض و خفاء، لأنّ اعتبار المسألة من خصوصيّات المادّة لامن خصوصيّات العناصر الذّاتيّةأو النّوعيّة للأشياء، غير واضح.

أمّا النّظريّة العلميّة، فلانستطيع إخضاع القرآن لها، لأ نّها لاتُمثّل الحقيقة الحاسمة. و هناك تفسير آخر مرويّ عن الإمام محمّد الباقر ، في رواية : « أنّ عمرو بن عُبَيْد وفَدَ على محمّد بن عليّ الباقر لامتحانه بالسّؤال عنه، فقال له: جعلت فداك، ما معنى قوله تعالى: { اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَنَّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ كَانَتَا رَتْ-قًا فَفَتَقْنَاهُمَا } .ما هذا الرّ تْق و الفَتْق ؟ فقال أبوجعفر :كانت السّماء رتْ-قًا لاتُنزل القطر، وكانت الأرض رتْ-قًا لا تُخرج النّبات، ففَتَق الله السّماء بالقطر، و فتَق الأرض بالنّبات.

و هذا المعنى أقرب من الأوّ ل، لأنّ الفَتْق في الموجودات من الأُمور الحادثة الطّبيعيّة، من خلال ما يُشاهده الإنسان من طريقة انفصال النّبات عن الأرض، أو نزول المطر من السّماء، ممّا يمكن أن يوحي بأصل الحدوث في المبدإ، من خلال ملاحظة الحدوث في ما يتمثّل فيه الفَتْق و الرّ تْق في حركة الأرض و السّماء، في مواسم المطر و النّبات. هذا مع ملاحظة اقترابه من الفقرة التّالية: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَىٍّ } الّتي هي بمثابة النّتيجة للفَتْق الأرضيّ

و السّماويّ، الّذي ينزل من خلاله الماء من السّماء، و يتفجّر من الأرض، فيخرج منه النّبات. (15 : 216)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذهالمادّة: الرَّ تْق: إلحام الفتق و إصلاحه. يقال : رَ تَقَه يَرْ تُقُه و يَرْتِقه رَ تْقًا فارْتَتَقَ، أي التأم، و رَتَقنا فتقهم حتّى ارتَتَقَ.

و الرَّ تَق: انضمام فرج المرأة. يقال: رَتِقَت المرأة رَ تَقًا، أي التصق ختانها فلم تُنَلْ لارتتاق ذلك الموضع منها، فهي لايستطاع جماعها، و هي رَتقاء بيّنة الرَّ تَق. و قد يكون الرَّ تَق في الإبل.

و فرج أرْتَق: مُلتَزِق.

و الرِّتاق : ثوبان يُرْتَقان بحواشيهما.

و قال أبوعمرو الشّيبانيّ: < كان عيشنا إرْتاقًا، يعني صلاحه >، و هو من المجاز.

و من المجاز أيضًا: قول الإمام عليّ في رسول الله (صلی الله علیه و آله): < رَ تَقَ به الفتق >..((1))

2 - و قال أبوعمرو: < الرُّ تُق: الشِّعْب الصّغير في الجبل من فوق الرّصَف >.

و قال ابن سيده: < الرُّ تُق و الرَّ تَق: خلل ما بين الأصابع >، فهو ضدّ. و الأصل المعنى الأوّ ل، أي الإصلاح و الانضمام، لكثرة مشتقّاته في العربيّة، و لوروده بهذا المعنى أيضًا في العبريّة.

الاستعمال القرآنيّ

{ اَوَ لَمْ يَرَ الَّذينَ‘ كَ-فَرُوا اَنَّ السَّموَ ا تِ وَالاَ_رْضَ كَانَتَا رَتْ-قًا فَفَتَ-قْنَاهُمَا وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْء حَىٍّ اَفَ-لايُؤْمِنُونَ } الأنبياء : 30

يلاحظ أوّ لا : أ نّهاجاءت { رَ تْ-قًا } مرّة واحدة في القرآن، و فيها بُحُوثٌ:

1 - اختُلف في معنى الرّتق و الفتق على احتمالات:

أحدها: الرَّ تْق: الاتّصال و التّلاصق بين أجزاء الشّيء، والفَتْق: ضدّه، و هو الانفصال و التّباعد بين الأجزاء.

ثانيها: الرّ تْق: العدم، و الفَتْق: الإيجاد.

ثالثها: الرّ تْق: الظّلمة، و الفَتْق: النّور.

رابعها: الرّ تْق: اتّحاد الموجودات حين كانت مادّة واحدة، و الفَتْق: عدمها.

2 - على الاحتمال الأوّ ل: يحتمل أن تكون رَتْقًا واحدً ا، بأن تكون السّماوات و الأرض جسمًا ملتئمًا متّصلا ، ففتق الله بينهما.

و يحتمل أن تكون كلّ سماء رتْقًا على حدّتها، و الأرض رتْقًا على حدّتها، و كذلك الاحتمال في قوله تعالى:{ فَفَتَقْنَاهُمَا }.

و يحتمل أن تكون السّماء رَتْقًا لاتمطر، و الأرض رَتْقًا لاتنبت، ففتق السّماء بالمطر، و فتق الأرض بالنّبات، و جعل من الماء كلّ شيء حيّ. كماجاء في رواية عن الإمام الباقر : < كانت السّماء رَتْقًا لاينزل القطر، و كانت الأرض رتْقًا لايخرج النّبات،


1) (1) نهج البلاغة - الخطبة: (231).

ففتق الله السّماء بالقطر، و فتق الأرض بالنّبات >.((1))

و يحتمل أن يكون على معنى الجملة، أي كانت السّماوات و الأرض رَتْقًا واحدً ا، أي كانتا كُتلَةً واحدةً ثمّ انفصلت السّماوات عن الأرض، كما أشار إليه قوله تعالى: { وَ هُوَ الَّذى‘ خَلَقَ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ فى سِتَّةِ اَ يَّام وَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى المْ-َاءِ }هود : 7.

و يحتمل أن يكون الرّ تْق و الفَتْق على التّوزيع، أي كانت السّماوات رَتْقًا في حدّ ذاتها و كانت الأرض رَتْقًا في حدّ ذاتها، ثمّ فتق الله السّماوات و فتق الله الأرض، و هذا كقوله تعالى: { قُلْ اَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِا لَّذى‘ خَلَقَ الاَ_رْضَ فى يَوْمَيْنِ وَ تَجْعَلُونَ لَهُ اَ نْدَ ادً ا ذلِ-كَ ’رَبُّ الْعَالَمينَ‘ * وَ جَعَلَ فيهَا‘ رَوَ اسِىَ مِنْ فَوْ قِهَا وَ بَارَ كَ فيهَا‘ وَ قَدَّرَ فيهَا‘ اَقْوَ اتَهَا فى اَرْ بَعَةِ اَ يَّام سَوَ اءً لِلسَّائِلينَ ‘* ثُمَّ اسْتَوى اِلَى السَّمَاءِ وَ هِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَ لِلاَ_رْضِ ائْتِيَا طَوْعًا اَوْ كَرْهًا قَالَتَا اَتَيْنَا طَائِعينَ‘ * فَقَضيهُنَّ’ سَبْعَ سَموَ" ات فى يَوْمَيْنِ وَ اَوْحى" فى كُلِّ سَمَاء اَمْرَهَا وَ زَيَّ-نَّا السَّمَاءَ الدُّ نْيَا بِمَصَابيحَ‘ وَ حِفْظًا ذ "لِكَ تَقْديرُ‘ الْعَزيزِ‘ الْعَليمِ ‘} فصّلت : 9 - 12.

3 - على الاحتمال الثّاني الّذي يراد بالرّ تْق الظّلمة و بالفَتْق النّور، فالموجودات وُجدت في ظلمة، ثمّ أفاض الله عليها النّور بأن أوجد في بعض الأجسام نورً ا أضاء الموجودات.

و على الاحتمال الرّ ابع و هو أن يراد بالرّ تْق اتّحاد الموجودات حين كانت مادّة واحدة، فكانت جنسًا عاليًا متّحدً ا ينبغي أن يُطلَق عليه اسم مخلوق، و هو حينئذ كلّيّ انحصر في فرد. ثمّ خلق الله من ذلك الجنس أبعاضًا، و جعل لكلّ بعض مميّزات ذاتيّة، فصيّر كلّ متميّز بحقيقة جنسًا، فصارت أجناسًا. ثمّ خلق في الأجناس مميّزات بالعوارضلحقائقها فصارت أنواعًا. و هذا الاحتمال أسعَد بطريقة الحكماء، و قد اصطلحوا على تسمية هذا التّمييز بالرّ تْق و الفَتْق.

4 - على الاحتمال الّذي يراد بالرّ تْق العدم و بالفتْق الإيجاد. فالرّ تْق و الفَتْق بهذا المعنى تحقّق أمرهما، قال تعالى: { وَ لَئِنْ سَاَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ } لقمان : 25.

5 - الظّاهر أنّ الآية تشمل جميع ما يتحقّق فيه معاني الرّ تْق و الفَتْق؛ إذ لامانع من اعتبار معنى عامّ يجمعها جميعًا، فتكون الآية قد اشتملت على عبرة تعمّ كلّ النّاس، و كلّ عبرة خاصّة بأهل النّظر و العلم، فتكون من معجزات القرآن العلميّة.

و ثانيًا: جاءت منها المصدر في سورة مكّيّة بشأن الخلقة، و لها نظائر كثيرة في السّور المكّيّة.

و ثالثًا: ليس لهذه المادّة نظائر في القرآن.


1) (1) العَرُوسيّ 3 : 424.

ر ت ل

اشارة

3 ألفاظ،4 مرّ ات مكّيّة، في سورتين مكّيّتين

رَتّلْنَاه 1 : 1

رَتِّلِ 1 : 1

تَرْتيلا ‘2 : 2

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الرّ تَل: تنسيق الشّيء.

و ثَغْرٌ رَتِلٌ: حسَن المتنَضَّد، و مُرتَّلٌ: مُفلَّجٌ.

و رتَّلْتُ الكلام ترتيلا ، إذا أمهَلْتَ فيه و أحسَنت تأليفه.

و هو يتَرَتّل في كلامه، و يتَرَسّل، إذا فصل بعضه من بعض.

و الرُّ تَيْلاء: دا بّة تَسُمّ فتَقتُل. (8 : 113)

كُراع النّمل: و الرَّ تَل و الرِّ تَّل: الطّيّب من كلّ شيء.

و ماء رَتِلٌ، بيّن الرّ تَل: بارد. (ابن سيده 9 : 475)

ابن دُرَيْد: الرّتَل: و هو بياض الأسنان و كثرة مائها. ثَغْرٌ رَتِلٌ. [ثمّ استشهد بشعر]

و قال قوم: الرّ تَل: حُسْن نبتها.

و ربمّا قالوا: رجل رَتِل الأسنان.

فأمّا التّرتيل في القرآن، فهو التّرَسُّل فيه.

و الرُّ تَيْلَى: جنس من الهَوامّ. (2 : 13)

الرّ اتلة: أن يمشيالرّجل متكفّئًا على جانبيه، كأ نّه متكسّر العظام. (3 : 459)

الأزهَريّ: و يقال: ثَغْرٌ رَتِلٌ، و رَ تَلٌ إذا كان مُفَ-لَّجًا لالَصَص فيه. (14 : 268)

الصّاحِب: الرّ تَل: تَنَسُّق الشّيء.

ثَغْرٌ رَتلٌ: حسَن التّنضيد، و رَ تَلٌ.

و رَ تّلْتُ القراءة: مَهّلْتُ فيها.

و رجل أرْتَلُ في لسانه، و هو نحو الأرَتّ، و امرأة رَتْلاء .

و الرُّتَيْلاء و الرُّ تَيْلى والرُّتَيْل: من الحشرات.

(9 : 424)

الجَوهَريّ: التّرتيل في القراءة: التّرَسُّل فيها، و التّبيين بغير بَغي.

و كلام رَتِلٌ بالتّحريك، أي مُرتَّل.

و ثَغْرٌ رَتَل أيضًا، إذا كان مستوي النّبات.

و رجل رَتِلٌ، مثال تَعِب ، بيّن الرّ تَل، أي مُفلَّجُ الأسنان.

و الرُّ تَيْلا: جنس من الهَوامّ، و يُم-َدّ أيضًا.

(4 : 1704)

ابن سيده: الرّ تَل: حُسْن تناسق الشّيء.

و ثَغْرٌ رَتِلٌ و رَ تَلٌ: حسَن التّنضيد، و قيل : مُفلَّج، و قيل: بين أسنانه فروج، لا يركب بعضها بعضًا.

و الرّتَل: بياض الأسنان و كثرة مائها. و ربّما قالوا: رجل رَتِلُ الأسنان.

و كلام رَتَلٌ ، و رِتَلٌ: حسَن على تُؤدَة.

و رَتّلَ الكلام: أحسَن تألِيفه و أبانه، و ترتيل القرآن منه، و في التّنزيل: { وَ رَتِّلِ الْقُرْ ا"نَ تَرْتيلا ‘} المزّمّل : 4.

و تَرَتّل في الكلام: ترَسّل.

و الرُّ تَيْلا، مقصور، وممد ود عن السّيرافيّ:جنس من الهوامّ.

و الرّ اتلَة: أن يمشي الرّجل متكفِّ-ئًا في جانبَيْه، كأ نّه متكسّر العظام، والمعروف: الرّ أتلة. (9 : 474)

الرّ اغِب: الرّتَل: اتّساق الشّيء و انتظامه على استقامة. يقال: رجل رتَلُ الأسنان.

و التّرتيل: إرسال الكلمة من الفم بسهولة و استقامة. قال تعالى: { وَ رَ تِّلِ الْقُرْ ا"نَ تَرْتيلا ‘ } المزّمّل:4،{ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘} الفرقان : 32. (187)

الزّ مَخْشَريّ: ثَغْرٌ مُرتَّلٌ و رَتِلٌ و رَتَلٌ: مُفلَّج مستوي النّبتَة، حسَن التّنضيد.

و من المجاز: رَتَّل القرآن ترتيلا ، إذا ترَسّل في تلاوته، و أحسَن تأليف حروفه.

و هو يتَرَسّل في كلامه و يتَرَتّل.

(أساس البلاغة : 154)

ابن الأثير: في صفة قراءة النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < كان يُرَتِّل آيةً آيةً >. ترتيل القِراءة: التّأ نّي فيها و التّمَهّل و تبيين الحروف و الحركات، تشبيهًا بالثَّغْر المُرَتّل، و هو المشبَّه بِنَوْر الأُقحوان. يقال رَ تَّل القراءة و تَرَتّل فيها، و قد تكرّر في الحديث. (2 : 194)

الفَيُّوميّ: رَتِِل الثَّغْر رَتَلا فهو رَتِلٌ من باب < تَعِبَ >إذا استوى نباته.

و رَتّلتُ القرآن ترتيلا : تمَهّلتُ في القراءة و لم أعْجَل. (1 : 218)

الجُرْجانيّ: التّرتيل: رعاية مخارج الحروف، و حفظ الوقوف. و قيل: هو خفض الصّوت و التّحزين بالقراءة.

التّرتيل: رعاية الولاء بين الحروف المركّبة. (25)

الفيروزاباديّ: الرّتَلُ محرّكةً: حُسْن تَناسُق الشّيء، و بياض الأسنان، وكثرةمائها، و الحسَن من الكلام، و الطّيّب من كلّ شيء كالرّتِل، ككَتِف فيهما، و المفَلّح، أو الحسَن التّنَضّد، الشّديد البياض، الكثير الماء من الثّغور، كالرّتِل ككَتِف.

و رَتَّل الكلام ترتيلا : أحسَن تأليفه.

و تَرَتّل فيه: تَرَسّل.

و ماء رَتِلٌ، ككَتِف، بيّن الرّ تَل: بارد.

و الرُّتَيْلاء، و يُقصَر: من الهوامّ؛ أنواع، أشهرها شبه الذُّباب الّذي يطير حول السّراج، و منها ما هي سوداءُ رَقْطاءُ، و منها صَفْراءُ زَغْباءُ. و لَسْع جميعها مُوَرّم مُؤْلم.

و الرُّتَيْلاء أيضًا: نبات زَهْرُه كزَهْر السَّوْسَن، ينفع من نَهْشِها و نَهْشِ العقرب.

و الرّاتلة: القصير.

و الأرْ تَل: الأرَتّ. (3 : 392)

الطُّرَيحيّ: و في الحديث: < ثمّ قرأ الحمد بترتيل > أي بيان و تبيين. و هو في القراءة مستحبّ. و من حمَل الأمر على الوجوب فسّر التّرتيل بإخراج الحروف من مخارجها، على وجه تتميّز به، و لايندمج بعضها في بعض.

و التّرتيل في الأذان و غيره من هذا الباب، و هو أن يتأ نّي و لايعجل في إرسال الحروف، بل يتثبّت فيها و يُبيّنها تبيينًا، و يوفّيها حقّها من الإشباع من غير إسراع. قاله في< المُغْرب>. (5 : 378)

مَجْمَعُ اللُّغة: رَتِلَ الثّغْر يَرْتَل: حَسُن تَناسُق أسنانه، و يُستَعمل الرّ تَل في حُسن تناسُق الشّيء.

و رَتَّل الكلام ترتيلا : أحسَن تأليفه أو أبانه و تمهّل في قراءته. (1 : 453)

محمّد إسماعيل إبراهيم: رَتَّل الكلام:أحسَن تأليفه و تنسيقه، و تمهّل و أجاد في إلقائه، و رَتَّل القرآن ترتيلا : فرّ قه آيةً بعد آية على تؤدة و تمهّل، من قولهم ثَغْرٌ مُرَتَّل، أي مُفلّج الأسنان غير متلاصقها. (1 : 211)

محمود شيت: الرّتَل: جماعة من المُشاة أو الخيّالة أو السّيّارات أو الدُّروع، أو جماعة من كلّ ذلك يتبع بعضها إثر بعض. يقال: رَتَلُ المُشاة ، و رَتَلُ الخيّالة، و رَتَلُ المِدْفعيّة، و رَتَلُ السّيّارات، و رَتَل الدُّروع.

(1 : 278)

المُصْطَفَويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة: هو حُسن التّنسيق و التّنضيد. و هذا المعنى تختلف خصوصيّاته باختلاف المصاديق؛ يقال: كلام رَتِلٌ. و رَتَّل الكلام، إذا أحسَن تأليفه و تنسيقه و أبانه و نظّمَه، و شي‌ء رَتِلٌ، إذا كان حسَن التّناسق. و ثَغْرٌ رَتِلٌ، و رَتِلَ الأسنان، إذا كان حسَن التّنضيد مستوي النّبات. و ماء رَتِلٌ، أي بارد. و الرَّتِل من كلّ شي‌ء: الطّيّب منه. و رَتَّل القرآن: بيّنه و تأ نّق في قراءته، و تَرَسّل فيه، ليكون حسَن التّناسق. فالملحوظ في جميع هذه الموارد: إنّما هو مفهوم: حُسْن التّناسق.

و الفرق بين هذه المادّة و موادّ النّسق و النّضد و النّظم و الرّصف: أنّ النّسق عطف شي‌ء على شي‌ء، و تتابع على نظام واحد. و النّضد ضمّ شي‌ء الى آخر في اتّساق و جَمْعٍ و إحكام ، منتصبًا أو عريضًا بعضه فوق بعض. و الرّصف هو مطلق النّضد. و الرّتل قلنا: إنّه حُسْن النّسق، أي تتابع بين أُمور على أحسنوجه و أحسن نظام. و النّظم: تأليف و وضع كلّ شي‌ء فيما يناسبه.

فظهر أنّ مفاهيم الاستواء و الاستقامة و الانتظام و اللّطافة و التّرسّل و التّبيين و التمكّث و التّغنّي و التّمَهّل: من آثار الأصل، و مفهوم الأصل يتجلّى في

كلّ مورد بما يناسبه.

و ظهر أيضًا: أنّ التّرتيل بمعنى قراءة القرآن على نحو إبانة الحروف و الكلمات، و التّمهّل فيها و التّمكّث و التأنّق، إنّما هو مصطلح خاصّ، و من مصاديق الأصل في القراءة خاصّة.

و من مَزالّ الأقدام: تشابه المفاهيم المستحدثة المتداولة على المفسّرين؛ حيث غفلوا عن الأصل، و وقعوا في مضيقة و انحراف. (4 : 46)

النُّصوص التّفسيريّة

رَتَّلْنَاهُ - تَرْتيلا ‘

لَوْ لاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْ ا"نُ جُمْلَةً وَ احِدَ ةً كَ-ذ"لِكَ لِنُثَ-بِّتَ بِهِ فُؤَ ادَكَ وَ رَتَّلْ-نَاهُ تَرْتيلا ‘. الفرقان : 32

النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < يا ابن عبّاس إذا قرأت القرآن فرَتِّلْه ترتيلا . قال: و ما التّرتيل؟ قال: بَيِّنه تبيانًا و لاتنثره نَثْر الدَّ قل، و لاتَهُذّه هَذّ الشّعر. قِفُوا عند عجائبه و حرّكوا به القلوب، و لايكوننّ همّ أحدكم آخر السّورة. (الطَّبْرِسي 4 : 170)

نحوه الإمام عليّ . (العَرُوسيّ 4 : 15)

ابن عبّاس: أي بيّنّاه تبيينًا، و رسّلناه ترسيلا ، بعضه في إثْر بعض. (الطَّبْرِسيّ 4 : 169)

مثله مُجاهِد و قَتادَة. (الطَّبْرِسيّ 4 : 169)

نحوه القُرطُبيّ. (13 : 29)

النّخعيّ: فرّقناه تفريقًا. (الطَّبْرِسيّ 4 : 169)

ن-َزَل متفرّقًا. (الطّبَريّ 9 : 387)

فرّقناه تفريقًا،آيةً بعد آية.

مثله الحسَن و قَتادَة. (البغَويّ 3 : 445)

مُجاهِد: بعضه في إثْر بعض. (البغَويّ 3 : 445)

الحسَن: كان يُنزّ ل آيةً وآيتين و آيات جوا بًا لهم، إذا سألوا عن شيء أنزله الله جوا بًا لهم و ردًّ ا عن النّبيّ فيما يتكلّمون به. و كان بين أوّ له و آخره نحو من عشرين سنة. (الطّبَريّ 9 : 387)

تفريقًا آيةً بعد آية، و وقعةً عَقِب وقعة.

(الشِّربينيّ 2 : 660)

ق-َتَادة: و بيّنّاه تبيينًا. (الماوَرْديّ 4 : 144)

مثله حجازي. (19 : 17)

السُّ-دّيّ: فصّلناه تفصيلا . (الطَّبْرِسيّ 4 : 169)

الإمام الصّادق علیه السلام : التّرتيل هو أن تتمكّث به و تُحسِن به صوتك، وإذا مررت بآية فيها ذكر النّار، فتعوّذ بالله من النّار، وإذا مررت بآية فيها ذكر الجنّة، فاسأل الله الجنّة. (الطُّرَيحيّ 5 : 378)

ابن جُرَيْج: كان بين ما أُنزل القرآن إلى آخره، أُنزل عليه لأربعين و مات النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لثنتين أو لثلاث و ستّين. (الطّبَريّ 9 : 387)

ابن زَيْد: في قوله: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘ }: فسّرناه تفسيرً ا. (الطّبَريّ 9 : 387)

الفَرّ اء: كان يُنزِّل الآية و الآيتين فمكان بين نزول أوّ له وآخره عشرون سنة { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘ }: نزّلناه تنزيلا . و يقال: إنّ { كَذ"لِكَ } من قول الله، انقطع الكلام من قبلهم { جُمْلةً وَ احِدَةً } قال الله: كذلك أنزلناه يا محمّد متفرّقًا لنُثبّت به فؤادك.

(2 : 267)

الطّبَريّ: يقول: و شيئًا بعد شيء علّمناكه حتّى تحفظه. و التّرتيل في القراءة: التّرَسُّل و التّثَبُّت.

و قال آخرون: معنى التّرتيل: التّبيين و التّفسير.

(9 : 387)

الزّجّاج: أي نزّلناه على التّرتيل، و هو ضدّ العجلة، و هو التّمكّث. (4 : 66)

الطُّوسيّ: و قوله: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا‘ } فالتّرتيل التّبيبن في تَثبُّت و تَرَسُّل. (7 : 488)

المَيْبُديّ: و قيل: رتّلناه ترتيلا : جعلنا بين إنزاله فُرَجًا شيئًا بعد شيء، زمانًا ليس بالكثير. من قولهم: ثَغْرٌ رَتِلٌ، إذاكان بينهما فرجة. { رَتِّلِ القُرْ ا"نَ تَرْتيلا ‘ } المزّمّل : 4، على هذا القول معناه لاتعجل في قراءته بل تثبّت فيها. (7 : 30)

الزّمَخْشَريّ: { وَ رَتَّلْنَاهُ } معطوف على الفعل الّذي تعلّق به { كَذ"لِكَ } كأ نّه قال: كذلك فرّ قناه و رتّلناه. و معنى ترتيله: أن قدّره آيةً بعد آية و وَقْفَةً عقيب وَقْفَة.

ويجوز أن يكون المعنى: و أمرنا بترتيل قراءته، و ذلك قوله: { رَتِّلِ القُرْ ا "نَ تَرْتيلا ‘ } المزّمّل : 4، أي اقرأه بتَرَسّل وتثبيت. و منه حديث عائشة رضي الله عنها في صفة قراءته (صلی الله علیه و آله): < لاكسردكم هذا لو أراد السّامع أن يَعُدّ حروفه يَعُدّها >.

و أصله: التّرتيل في الأسنان، و هو تفليجها. يقال: ثَغْرٌ رَتِلٌ و مُرَتَّلٌ و يُشبّه بنَوْر الأُقحوان في تفليجه.

و قيل: هو أن نزّله مع كونه متفرّقًا على تمكّث و تَمَهّل في مدّة متباعدة،و هي عشرون سنة، و لم يُفرّ قه في مدّة متقاربة. (3 : 91)

ابن عَطيّة: و التّرتيل: التّفريق بين الشّيء المتتابع؛ و منه قولهم: ثَغْرٌ رَتِلٌ، و منه ترتيل القراءة. و أراد الله تعالى أن يُنزّل القرآن في النّوازل و الحوادث الّتي قدّرها و قدّر نزوله فيها. (4 : 209)

الفَخْرالرّ ازيّ: أمّا قوله تعالى: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘} فمعنى التّرتيل في الكلام: أن يأتي بعضه على إثْر بعض على تؤدة و تمهّل. و أصل التّرتيل في الأسنان، وهو تفلّجها، يقال: ثَغْرٌ رَتِلٌ، و هو ضدّ المُتراصِّ. (24 : 79)

أبوحَيّان:{ وَ رَتَّلْنَاهُ } أي فصّلناه. و قيل: بيّنّاه. و قيل: فسّرناه. (6 : 497)

الشِّربينيّ: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا‘ } معطوف على الفعل الّذي تعلّق به { كَذ"لِكَ } كأ نّه قال تعالى: كذلك فرّقناه و رتّلناه ترتيلا ، و معنى ترتيله قال ابن عبّاس: بيّنّاه بيانًا، و التّرتيل: التّبيين في تؤدَة و تثبّت. [و نقل أقوال السُّدّيّ و مُجاهِد و الحسَن ثمّ قال:]

و يجوز أن يكون المعنى: و أمرنا بترتيل قراءته؛ و ذلك قوله تعالى: { رَتِّلِ القُرْ ا "نَ تَرْتيلا ‘ } المزّمّل : 4، أي: اقرأه بتَرَتّل و تثبّت.

و قيل: هو أن نُنزّله مع كونه متفرّ قًا على تمكُّّث

و تمهّل في مدّة متباعدة، و هي عشرون سنة، و لم نُفرّقه في مدّة متقاربة. (2 : 660)

أبوالسُّعود: و قوله تعالى: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا‘ } عطف على ذلك المضمر، وتنكير { تَرْتيلا‘ } للتّفخيم، أي كذلك نزّلناه و رتّلناه ترتيلا بديعًا، لايقادر قدره.

معنى ترتيله: تفريقه آيةً بعد آية، قاله النّخعيّ و الحسَن و قَتادَة. [و نقل أقوال ابن عبّاس و السُّدّيّ و مُجاهِد ثمّ قال: ]

و قيل: هو الأمر بترتيل قراءته بقوله تعالى:

{ رَتِّلِ القُرْ ا "نَ تَرْتيلا ‘ } المزّمّل : 4، و قيل قرأناه عليك بلسان جبريل شيئًا فشيئًا في عشرين أو ثلاث و عشرين سنة على تؤدَة و تمهّل. (5 : 10)

نحوه الآلوسيّ. (19 : 15)

البُرُوسَويّ: عطف على ذلك المضمر، و التّرتيل: التّفريق و مجيء الكلمة بعد الأُخرى بسكوت يسير دون قطع النّفَس، و أصله فى الأسنان، و هو تفريجها.

و المعنى: كذلك نزّلناه و قرأناه عليك شيئًا بعد شيء على تؤدَة و تمهّل في عشرين سنة أو ثلاث و عشرين. (6 : 209)

عزّة دروزة: جعلناه رَتلا بعد رَتل أي قسمًا بعد قسم، و قيل فصّلناه تفصيلا أو بيّنّاه تبيينًا. و التّأويل الأوّ ل هو الأوجه و المتّسق مع مضمون الآية.

(2 : 260)

سيّدقطب: و التّرتيل هنا هو التّتابع و التّوالي وفق حكمة الله و علمه بحاجات تلك القلوب و استعدادها للتّلقّي.

و لقد حقّق القرآن بمنهجه ذاك خوارق في تكييف تلك النّفوس الّتي تلقّته مرتلا متتابعًا، و تأثّرت به يومًا يومًا، و انطبعت به أثرًا أثرًا. فلمّا غفل المسلمون عن هذا المنهج، و اتّخذوا القرآن كتاب متاع للثّقافة،و كتاب تعبّد للتّلاوة، فحسب، لا منهج تربية للانطباع و التّكيّف و منهج حياة للعمل و التّنفيذ. لم ينتفعوا من القرآن بشي‌ء، لأ نّهم خرجوا عن منهجه الّذي رسمه العليم الخبير. (5: 2563)

ابن عاشور: وقوله : { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘ } عطف على قوله { كَذ"لِكَ } ، أي أنزلناه منجّمًا و رتّلناه. و التّرتيل يوصف به الكلام إذا كان حسَن التّأليف بيّن الدّ لالة.

و اتّفقت أقوال أئمّة اللُّغة على أنّ هذا التّرتيل مأخوذ من قولهم: ثَغْرٌ مُرَتَّلٌ و رَتِلٌ، إذا كانت أسنانه مُفلّجَة تُشبه نَوْر الأُقحوان. و لم يوردوا شاهدًا عليه من كلام العرب.

و التّرتيل: يجوز أن يكون حالة لنزول القرآن، أي نزّلناه مفرّ قًا منسّقًا في ألفاظه و معانيه غير متراكم، فهو مُفرَّق في الزّمان، فإذا كمُل إنزال سورة جاءت آياتها مرتّبة متناسبة، كأ نّها أُنزلت جملة واحدة، و مُفرَّق في التّأليف بأ نّه مفصّل واضح.

و في هذا إشارة إلى أنّ ذلك من دلائل أ نّه من عند الله، لأنّ شأن كلام النّاس إذا فُرّق تأليفه على أزمنة متباعدة أن يَعتَوِره التّفكّك و عدم تشابه الجمل.

و يجوز أن يراد ب- { رَتَّلْنَاهُ }: أمرنا بترتيله، أي بقراءته مُرتَّلا ، أي بتمَهُّل بأن لايُعَجّل في قراءته بأن تُبيَّن جميع الحروف و الحركات بمهل، و هو المذكور في سورة المزّمّل4، في قوله تعالى: { رَتِّلِ القُرْ ا"نَ تَرْتيلا ‘}.

و { تَرْتيلا ‘ } مصدر منصوب على المفعول المطلق، قُصد به ما في التّنكير من معنى التّعظيم، فصار المصدر مُبيّنًا لنوع التّرتيل. (19 : 45)

مغنيّة: أي نزلنا القرآن على التوالي ليقوى قلبك يا محمد على حفظه، و فهم معناه، و ضبط أحكامه.

(5: 467)

الطَّباطَبائيّ: و التّرتيل كما قالوا: التّرسيل و الإتيان بالشّيءعقيب الشّيء...

و ظاهر السّياق أنّ قوله: { كَذ"لِكَ } متعلِّق بفعل مقدّر يعلّله قوله: { لِنُثَبِّتَ } ويُعطَف عليه قوله: { وَ رَ تَّلْنَاهُ } و التّقدير: نزّلناه، أي القرآن كذلك، أي نجومًا متفرّقة لاجملة واحدة، لنُثبّت به فؤادك، و قول بعضهم: إنّ { كَذ"لِكَ } من تمام قول الّذين كفروا، سخيف جدًّ ا.

فقوله: { كَذ"لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَ ادَ كَ } بيان تامّ لسبب تنزيل القرآن نجومًا متفرّقة، و بيان ذلك: أنّ تعليم علم من العلوم، و خاصّة ما كان منها مرتبطًا بالعمل، بإلقاء المعلّم مسائله واحدةً بعد واحدة إلى المتعلّم حتّى تتمّ فصوله و أبوابه، إنّما يفيد حصولا مّا لصور مسائله عند المتعلّم، و كونها مذخورة بوجه مّا عنده يراجعها عند مسيس الحاجة إليها. و أمّا استقرارها في النّفس بحيث تنمو النّفس عليها و تترتّب عليها آثارها المطلوبة منها، فيحتاج إلى مسيس الحاجة، و الإشراف على العمل، وحضور وقته.

ففَرْقٌ بيّن بين أن يُلقي الطّبيب المعلّم مثلا مسألة طبّيّة إلى متعلّم الطّبّ إلقاء فحسب، و بين أن يُلقيها إليه و عنده مريض مبتلى بما يبحث عنه من الدّ اء و هو يعالجه، فيطابق بين ما يقول و ما يفعل.

و من هنا يظهر أنّ إلقاء أيّ نظرة علميّة عند مسيس الحاجة و حضور وقت العمل إلى من يراد تعليمه و تربيته، أثبت في النّفس و أوقع في القلب، و أشدّ إستقرارً ا و أكمل رسوخًا في الذّهن، و خاصّة في المعارف الّتي تهدي إليها الفطرة، فإنّ الفطرة إنمّا تستعدّ للقبول، و تتهيّأ للإذعان إذا أحسّت بالحاجة.

ثمّ إنّ المعارف الّتي تتضمّنها الدّعوة الإسلاميّه النّاطق بها القرآن، إنمّا هي شرائع و أحكام عمليّة و قوانين فرديّة و اجتماعيّة، تُسعد الحياة الإنسانيّة، مبنيّة على الأخلاق الفاضلة، المرتبطة بالمعارف الكلّيّة الإلهيّة الّتي تنتهي بالتّحليل إلى التّوحيد، كما أنّ التّوحيد ينتهي بالتّركيب إليها، ثمّ إلى الأخلاق و الأحكام العمليّة.

فأحسن التّعليم و أكمل التّربية أن تُلقى هذه المعارف العالية بالتّدريج موزّعة على الحوادث الواقعة المتضمّنة لمساس أنواع الحاجات، مبيّنة لما يرتبط بها من الاعتقاد الحقّ و الخُلق الفاضل و الحكم العمليّ المشروع، مع ما يتعلّق بها من أسباب الاعتبار و الاتّعاظ بين قصص الماضين و عاقبة أمرالمسرفين، و عُتُوّ الطّاغين و المستكبرين.

و هذه سبيل البيانات القرآنيّة المودعة في آياته النّازلة كما قال تعالى: { وَ قُرْ ا"نًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَ اَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى" مُكْث وَ نَزَّلْنَاهُ تَنْزيلا ‘ } الإسراء : 106، و هذا هو المراد بقوله تعالى: { كَذ"لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}، و الله أعلم.

نعم يبقى عليه شيء، و هو أنّ تفرّق أجزاء التّعليم و إلقاءها إلى المتعلّم على التّمهّل و التّؤُدَة، يُفسد

غرض التّعليم، لانقطاع أثر السّابق إلى أن يلحق به اللا حق، و سقوط الهمّة و العزيمة عن ضبط المطالب. ففي اتّصال أجزاء العلم الواحد بعضها ببعض إمداد للذّهن وتهيئة للفهم، على التّفقّه و الضّبط، لايحصل بدونه ألبتّة.

و قد أجاب تعالى عنه بقوله: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘ } فمعناه على ما يعطيه السّياق: أنّ هذه التّعليمات على نزولها نجومًا متفرّ قة عقّبنا بعضها ببعض و نزّلنا بعضها إثْر بعض؛ بحيث لاتبطل الرّوابط و لاتنقطع آثار الأبعاض، فلايفسد بذلك غرض التّعليم، بل هي سور و آيات نازلة بعضها إثْر بعض مترتِّبة مُرتّلة.

على أنّ هناك أمرً ا آخر، و هو أنّ القرآن كتاب بيان و احتجاج، يحتجّ على المُؤالِف و المُخالف فيما أشكل عليهم، أو استشكلوه على الحقّ و الحقيقة بالتّشكيك و الاعتراض، و يُبيّن لهم ما التبس عليهم أمره من المعارف و الحكم الواقعةفي الملل و الأديان السّابقة، و ما فسّرها به علماؤهم بتحريف الكَلِم عن مواضعه، كما يظهر بقياس ما كان يعتقده الوثنيّون في الله تعالى و الملائكة و الجنّ، و قِدّ يسي البشر و ما وقع في العهدين من أخبار الأنبياء، و ما بثّوه من معارف المبدإ و المعاد، إلى ما بيّنه القرآن في ذلك.

و هذا النّوع من الاحتجاج و البيان لايُستوفى حقّه إلا بالتّنزيل التّدريجيّ، على حسب ما كان يبدو من شبههم، و يَرِد على النّبيّ (صلی الله علیه و آله) من مسائلهم تدريجًا، ويورد على المؤمنين أو على قومهم من تسويلاتهم شيئًا بعد شيء، وحينًا بعد حين.

و إلى هذا يشير قوله تعالى: { وَلايَاْتُونَكَ بِمَثَل اِلا جِئْنَاكَ بِا لْحَقِّ وَ اَحْسَنَ تَفْسيرً ا‘ } الفرقان : 33، و المثَل: الوصف، أي لايأتونك بوصف فيك أو في غيرك، حادوا به عن الحقّ أو أساءوا تفسيره إلا جئناك بما هو الحقّ فيه، أو ما هو أحسن الوجوه في تفسيره، فإنّ ما أتوا به إمّا باطل محض فالحقّ يدفعه، أو حقّ مُحرَّف عن موضعه فالتّفسير الأحسن يردّه إلى مستواه و يقوّمه.

فتبيّن بما تقدّم أنّ قوله: { كَذ"لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ} إلى قوله:{ وَ اَحْسَنَ تَفْسيرً ا‘ } الفرقان :32و 33، جواب عن قولهم: { لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْ ا"نُ جُمْلَةً وَ احِدَةً } بوجهين:

أحدهما: بيان السّبب الرّ اجع إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و هو تثبيت فؤاده بالتّنزيل التّدريجيّ.

و ثانيهما: بيان السّببالرّ اجع إلى النّاس و هو بيان الحقّ فيما يوردون على النّبيّ (صلی الله علیه و آله) من المثَل و الوصف الباطل، و التّفسير بأحسن الوجوه فيما يوردون عليه من الحقّ المغيَّر عن وجهه المُحرَّف عن موضعه.

و يلحق بهذا الجواب قوله تِلْوً ا:{ اَ لَّذينَ‘ يُحْشَرُونَ عَلى" وُجُوهِهِمْ اِلى" جَهَنَّمَ اُولئِ-كَ ’شَرٌّ مَكَانًا وَ اَضَلُّ سَبيلا‘ } الفرقان : 34، فهو كالمُتمّم للجواب على ما سيجيء بيانه.

تبيّن أيضًا أنّ الآيات الثّلاث مسوقة جميعًا لغرض واحد، و هو الجواب عمّا أو ردوه من القدح في القرآن هذا، و المفسّرون فرّ قوا بين مضامين الآيات

الثّلاث فجعلوا قوله: { كَذ"لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَ ادَكَ } جوابًا عن قولهم: { لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْ ا"نُ جُمْلَةً وَ احِدَةً } و قوله: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا‘ } خبرً ا عن ترسيله في النّزول، أو في القراءة على النّبيّ (صلی الله علیه و آله) من غير ارتباط بما تقدّمه.

وجعلوا قوله: { وَ لايَاْتُونَكَ بِمَثَل ... }، كالبيان لقوله: { كَذ"لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَ ادَكَ } وإيضاحًا لكيفيّة تثبيت فؤاده(صلی الله علیه و آله)، و جعله بعضهم ناظرً ا إلى خصوص المثَل الّذي ضربوه للنّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و أنّ الله بيّن الحقّ فيه، و جاء بأحسن التّفسير، و قيل غير ذلك، و جعلوا قوله: { اَلَّذينَ‘ يُحْشَرُونَ...} الفرقان : 34، أجنبيًّا عن غرض الآيتين السّابقتين بالكلّيّة.

و التّأمّل فيما قدّمناه في توجيه مضمون الآيتين الأُوليين، و ما سيأتي من معنى الآية الثّالثة، يوضّحفساد جميع ذلك، و يُظهر أنّ الآيات الثّلاث جميعًا ذات غرض واحد، و هو الجواب عمّا أوردوه من الطّعن في القرآن، من جهة نزوله التّدريجيّ.

و ذكروا أيضًا أنّ الجواب عن قدحهم و إقتراحهم بقوله: { كَذ"لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَ ادَكَ } جواب بذكر بعض ما لتفريق النّزول من الفوائد، و أنّ هناك فوائد أُخرى غير ما ذكره الله تعالى، و قد أوردوا فوائد أُخرى أضافوها إلى ما وقع في الآية:

منها: أنّ الكتب السّماويّة السّابقة على القرآن إنّما أُنزلت جملة واحدة، لأ نّها أُنزلت على أنبياء يكتبون و يقرؤون، فنزلت عليهم جملة واحدة مكتوبة، و القرآن إنّما نزل على نبيّ أُمّيّ لايكتب و لايقرأ، و لذلك نزل متفرّ قًا.

و منها: أنّ الكتب المتقدّمة لم يكن شاهدُ صحّتها و دليل كونها من عند الله تعالى إعجازها، و أمّا القرآن فبيّنةُ صحّته و آيةُ كونه من عند الله تعالى نظمه المُعجز الباقي على مَرّ الدّهُور، المتحقِّق في كلّ جزء من أجزائه، المقدّر بمقدار أقصر السّور، حسبما وقع به التّحدّي.

و لاريب أنّ مدار الإعجاز هو المطابقة لما تقتضيه الأحوال، و من ضرورة تجدّدها تجدّد ما يطابقها.

و منها: أنّ في القرآن ناسخًا و منسوخًا، و لايتيسّر الجمع بينهما لمكان المضادّة و المنافاة، و فيه ما هو جواب لمسائل سألوا النّبيّ (صلی الله علیه و آله) عنها، و فيه ما هو إنكار لبعض ما كان، وفيه ما هو حكاية لبعض ما جرى، و فيه ما فيه إخبار عمّا سيأتي في زمن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) كالإخبار عن فتح مكّة و دخول المسجد الحرام، والإخبار عن غلبة الرّوم على الفُرس إلى غير ذلك من الفوائد، فاقتضت الحكمة تنزيله متفرّ قًا.

و هذه وُجُوه ضعيفة لاتقتضي امتناع النّزول جملة واحدة :

أمّا الوجه الأوّ ل: فكون النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أُمّيًّا لايقرأ و لايكتب، لايمنع النّزول جملة واحدة، و قد كان معه من يكتبه و يحفظه.

على أنّ الله سبحانه وعده أن يعصمه من النّسيان و يحفظ الذّكر النّازل عليه، كما قال: { سَنُقْرِئُكَ فَلاتَنْسى } الأعلى : 6، و قال: { اِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُون } الحجر : 9، و قال: { وَ اِنَّهُ لَكِتَابٌ

عَزيزٌ‘ * لايَاْتيهِ ‘ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لامِنْ خَلْفِهِ } فصّلت :41 ، 42، و قدرته تعالى على حفظ كتابه مع نزوله دفعةً أو تدريجًا سواء.

و أمّا الوجه الثّاني: فكما أنّ الكلام المُفرَّق يقارنه أحوال تقتضي في نظمه أُمورً ا، إن اشتمل عليها الكلام كان بليغًا و إلا فلا، كذلك الكلام الجمليّ و إن كان كتا بًا يقارنه بحسب فصوله و أجزائه أحوال لها اقتضاءات، إن طابقها كان بليغًا و إلا فلا، فالبلاغة غير موقوفة على غير الكتاب النّازل دفعةً و الكلام المجموع جملةً واحدةً.

و أمّا الوجه الثّالث: فالنّسخ ليس إبطالا للحكم السّابق، و إنّما هو بيان انتهاء أمده، فمن الممكن الجمع بين الحكمين المنسوخ و النّاسخبالإشارة إلى أنّ الحكم الأوّل محدود موقّت إن اقتضت المصلحة ذلك.

و من الممكن أيضًا أن يقدّم بيان المسائل الّتي سيسألون عنها حتّى لايحتاجوا فيها إلى سؤال، و لو سألوا عن شيء منها أُرجعوا إلى سابق البيان، و كذا من الممكن أن يقدّم ذكر ما هو إنكار لما كان أو حكاية لما جرى أو إخبار عن بعض المغيِّبات، فشيء من ذلك لا يمتنع تقديمه، كما هو ظاهر.

على أنّ تفريق النّزول لبعض هذه الحِكَم و المصالح من تثبيت الفؤاد، فليست هذه الوجوه المذكورة وُجُوهًا على حدّتها. فالحقّ أنّ البيان الواقع في الآية بيان تامّ جامع لاحاجة معه إلى شيءمن هذه الوُجوه ألبتّة. (15 : 210)

عبدالكريم الخطيب: قوله تعالى: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘ } إشارة إلى الصّورة الّتي نزل عليها القرآن، و أنّه جاء أرتالا متواكبة، و مواكب يتبع بعضها بعضًا؛ حيث تستطيع العين أن تشهد كلّ ما في هذه المواكب، و أن تتبيّن شخوصها، و ملامحها، و ما تحمل معها من متاع. و ذلك على خلاف ما لو جاءت هذه الحشود في موكب واحد، يزحم بعضه بعضًا،و يختلط بعضه ببعض، فإن أخَذَتِ العين جانبًا، فاتها كثير من الجوانب، و إن أمسَكَتْ بطرف، أفلت منها كثير من الأطراف.

و التّرتيل،كما يقول الرّ اغِب في < مفرداته >: « هو اتّساق الشّي‌ء و انتظامه على استقامة واحدة، يقال رجل رَتِلُ الأسنان أي منتظمها، و التّرتيل:إرسال الكلمة منالفم بسهولة و استقامة ».

و من هنا كان « ترتيل القرآن » و هو قراءته قراءة مستأنية، في أنغام متساوقة، يأخذ بعضها بحجز بعض، فيتألّف منها نغم عِلْويّ، هو أشبه بتسابيح الملائكة، يجده المُرَتِّل لآيات الله في أُذنه، و في قلبه، و في كلّ خالجة منه. (10 : 18)

المُصْطَفَويّ: أي نزل القرآن على حسب الوقائع و الحوادث و المقامات المقتضية، شاهدً ا عليها و مفسّرً ا لها، ليتثبّت فيها الفؤاد و يستقرّ فيها الحكم، و مع هذا فنحفظ الاتّساق و حُسن النّسق و تمام النّظم و كمال النّضد بين آياتها و جملاتها. (4 : 49)

مكارم الشّيرازيّ: معنى التّرتيل في القرآن:

كلمة< ترتيل > من مادّة < رتل > على وزن < قمر> بمعنى انتظم و اتّسق، لذا فالعرب يقولون: < رَتِلُ الأسنان > لمن تكون أسنانه جيّدة و منتظمة و متّسقة.

و على هذا الأساس يُطلَق التّرتيل بمعنى القراءة المتّسقة للكلام أو الآيات، بموجب نظام و حساب.

و على هذا فجملة: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا‘ } إشارة إلى هذه الحقيقة، و هي أنّ آيات القرآن و إن نزلت تدريجًا و في مدّة 23، سنة، لكنّ هذا النّزول كان على أساس نظام و حساب و منهج؛ بحيث أدّى إلى رسوخه في الأفكار، و غرسه في القلوب.

في تفسير كلمة< ترتيل > نُقلت روايات جذّابة، نشير إلى بعضها كما يأتي. [ثمّ ذكر الرّوايات عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و الإمام الصّادق المتقدّم فراجع]

(11 : 221)

فضل الله: { وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘ } فأنزلنا الآية عقيب الآية، و السّورة بعد السّورة، كما يوحي به معنى التّرتيل.

الاستفادة من الآية في حركة الدّعوة المعاصرة.

و إذا أردنا أن نُطلق الآية في حركيّة الدّعوة و العمل في سبيل الله، فنستطيع استبدال تدريجيّة النّزول للآيات بتدريجيّة تحريك الآيات في مواقع العمل والجهاد، و في منطلقات الدّعوة بطريقة دقيقة، نوزّع فيها الآيات على المسيرة، فتكون هذه الآية في نقطة هنا، و نقطة هناك، و تكون السّورة في مرحلة أُولى، لتكون السّورة الأُخرى في المرحلة الأُخرى، ليكون القرآن ثقافة الأُمّة في كلّ مواقع السّير، حتّى يعرفوا الفكرة في مواقع الحركة، فلاتبتعد المسيرة عن آفاق الإسلام، في فكره و شريعته. (17 : 46)

رَتِّل - تَرْتيلا ‘

اَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْ انَ تَرْتيلا ‘. المزّمّل : 4

الإمام عليّ : ترتيل القرآن: حفظ الوقوف و بيان الحروف. (الطُّرَيحيّ 5 : 378)

أُمّ سلمة: كان رسول الله يقطّع قراءته آيةً آيةً.

(العَرُوسيّ 5 : 447)

ابن عبّاس: بَيِّنه تبيينًا. (الأزهَريّ 14 : 268)

مثله زَيْد بن أسلم. (الماوَرْديّ 6 : 126)

بَيِّنه بيا نًا و اقرأه على هينتك ثلاث آيات و أربعًا و خمسًا. (الطَّبْرِسيّ 5 : 377)

سعيدبن جُبَيْر: فسِّرْه تفسيرًا.

(الماوَرْديّ6: 126)

مُجاهِد: التّرتيل: التّرسّل بعضه على إثْر بعض.(الأزهَريّ 14 : 268)

الضّحّاك:انبذه حرفًا حرفًا.

(الأزهَريّ 14 : 268)

الحسَن: اقرأه قراءة بيّنة. (الطّبَريّ 12 : 280)

عطاء: التّرتيل: النّبْذ: الطّرْح. (الطّبَريّ 12: 281)

قَتادَة: بَيِّنه بيا نًا. (الطّبَريّ12: 281)

نُثبّت فيه تثبّتًا. (الطَّبْرِسيّ 5 : 377)

الإمام الصّادق علیه السلام: التّرتيل، هو أن تتمكّث به و تُحسن به صوتك، وإذا مررت بآية فيها ذكر النّار فتعوّذ بالله من النّار، و إذا مررت بآية فيها ذكر الجنّة فاسأل الله الجنّة. (الطُّرَيحيّ 5 : 378)

قُطْرب : { رَتِّل } معناه ضعّف ، و الرّتل : اللّيّن ، و المراد بهذا : تحزين القرآن أي اقرأه بصوت

حزين. (الطَّبْرِسيّ5: 378)

الفَرّ اء: يقول: اقرأه على هينتك تَرَسّلا . (3 : 197)

المُبَرِّد: ما أعلم التّرتيل إلا التّحقيق و التّمكين، أراد في قراءة القرآن. (الأزهَريّ 14 : 268)

الطّبَريّ: يقول جلّ وعزّ: و بَيِّن القرآن إذا قرأته تبيينًا، و تَرَسّل فيه تَرُسّلا . (12 : 280)

الزّجّاج: بَيِّنه تبيينًا، و التّبيين لايتمّ بأن يَعْجل في القرآن، و إ نّما يتمّ بأن تُبيِّن جميع الحروف، و تُوفّي حقّها في الإشباع. (5 : 239)

أبومسلم الأصفهانيّ: أن تقرأه على نظمه و تواليه، لاتُغيّ-ر لفظًا و لاتُقدّم مؤخّرً ا، مأخوذ من ترتيل الأسنان، إذا استوى نبتها، و حسن انتظامها. (الماوَرْديّ 6 : 126)

الطُّوسيّ: { وَ رَ تِّلِ الْقُرْ ا"نَ تَرْتيلا ‘ } أمر من الله تعالى له بأن يُرتّل القرآن، و التّرتيل: ترتيب الحروف على حقّها في تلاوتها، و تثبّت فيها، و الحدر هو الإسراع فيها،و كلاهما حسنان إلا أنّ التّرتيل هاهنا هو المرغّب فيه. (10 : 162)

المَيْبُديّ: أي بَيِّن الحروف و وَفِّ حقّها من الإشباع، كأ نّك تفصل بين الحرف و الحرف. مشتقّ من قول العرب: ثَغْرٌ رَتِلٌ و رَتَلٌ، إذا كان فيه فُرَج.

و التّرتيل: أداء الحروف و حفظ الوقوف.

و قيل: معناه اقرأ على ترتيبه لاتقدّم مؤخّرً ا و لاتؤخّر مقدّمًا.

و قيل: فصِّله تفصيلا و لاتعجل في قراءته.

و قيل: معناه: ضَعِّف صوتك و اقرأه بصوت حزين. و قالت أُمّ سلمة: كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقطّع قراءته آيةً آيةً.

سُئل أنس: كيف كانت قراءة النّبيّ(صلی الله علیه و آله) ؟

فقال: كانت مدّ اء، ثمّ قرأ { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، يمدّ ببسم الله و يمدّ بالرّحمن و يمدّ بالرّحيم.

(10 : 266)

الزّمَخْشَريّ: ترتيل القرآن: قراءته على ترسّل و تَؤُدَة، بتبيين الحروف و إشباع الحركات حتّى يجيء المتلوّ منه شبيهًا بالثّغْر المُرتَّل: و هو المُفلّج المشبّه بنَوْر الأُقحوان و ألا يَهُذّه هذًّا و لايسرده سردً ا،كما قال عمر: شرّ السّير الحَقْحِقَة. و شرّ القراءة الهَذْرَمَة حتّى يُشبه المتلوّ في تتابعه الثّغْر الألَصّ.

و سُئلت عائشة رضي الله عنها عن قراءة رسول الله (صلی الله علیه و آله) فقالت: لاكسَرْدكم هذا لو أراد السّامع أن يَعُدّ حروفه لعَدّها. و { تَرْتيلا ‘} تأكيد في إيجاب الأمر به، و أ نّه ما لابدّ منه للقارئ. (4 : 175)

نحوه الشِّربينيّ. (4 : 414)

ابن عَطيّة: و قوله تعالى: { وَ رَتِّلِ الْقُرْ ا"نَ } معناه في اللُّغة: تمَهّلْ و فَرِّقْ بين الحروف لتبين، و المقصد أن يجد الفكر فسحة للنّظر، و فهم المعاني؛ و بذلك يرقّ القلب و يفيض عليه النّور و الرّحمة.

قال ابن كيسان: المراد: تفهّمه تاليًا له، و منه: الثّغْر الرّتِل الّذي بينه فسخ و فتوح. و روي أنّ قراءة رسول الله (صلی الله علیه و آله) كانت بيِّنة متَرَسّلة لو شاء أحد أن يَعُدّ الحروف لعَدّها. (5 : 387)

الطَّبْرِسيّ: و قيل: التّرتيل، هو أن تقرأ على نظمه

و تواليه، و لاتُغيّر لفظًا، و لاتُقدِّم مؤخّرً ا، و هو مأخوذ من تَرَتّل الأسنان، إذا استوت و حسن انتظامها، و ثَغْر رَتِل إذا كانت أسنانه مستوية، لاتفاوت فيها.

(5 : 378)

الفَخْرالرّ ازيّ: و اعلم أ نّه تعالى لم-ّا أمره بصلاة اللّيل، أمره بترتيل القرآن حتّى يتمكّن الخاطر من التّأمّل في حقائق تلك الآيات و دقائقها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر عظمته و جلالته، و عند الوصول إلى الوعد و الوعيد يحصل الرّجاء و الخوف، و حينئذ يستنير القلب بنور معرفة الله.

و الإسراع في القراءة يدلّ على عدم الوقوف على المعاني، لأنّ النّفس تبتهج بذكر الأُمور الإلهيّة الرّوحانيّة، و من ابتهج بشيء أحبّ ذكره، و من أحبّ شيئًا لم يمرّ عليه بسرعة، فظهر أنّ المقصود من التّرتيل إنّما هو حضور القلب و كمال المعرفة. (30 : 174)

القُرطُبيّ: أي لاتَعْجَل بقراءة القرآن بل اقرأه في مُهْل و بيان، مع تدبّر المعاني. [إلى أن قال:]و روى الحسن أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، مرّ برجل يقرأ آية و يبكي، فقال: ألم تسمعوا إلى قول الله عزّ وجلّ: { وَرَتِّلِ الْقُرْ ا"نَ تَرْتيلا ‘ } هذا التّرتيل. و سمع علقمة رجلا يقرأ قراءة حسنة، فقال: لقد رَتّل القرآن، فداه أبي و أُمّي.

و قال أبوبكر بن طاهر: تدبّر في لطائف خطابه، و طالب نفسك بالقيام بأحكامه، و قلبك بفهم معانيه، و سرّ ك بالإقبال عليه.

و روى عبدالله بن عمرو قال: قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < يُؤتى بقارئ القرآن يوم القيامة، فيوقف في أوّ ل درج الجنّة، و يقال له: اقرأ و ارْتَقِ و رَتِّل كما كنت تُرَتّل في الدّنيا، فإنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها >. (19 : 36)

النَّيسابوريّ: و هو قراءة على تَأنٍّ و تَثبُّت، و لاتحصل إلا بتبيين الحروف و إشباع الحركات. [إلى أن قال:]

و في قوله: { تَرْتيلا ‘ } زيادة تأكيد في الإيجاب، وأ نّه لابدّ للقارئ منه لتقع قراءته عن حضور القلب و ذكر المعاني، فلايكون كمن يعثر على كنز من الجواهر عن غفلة و عدم شعور. (29 : 76)

أبوالسُّعود: { وَرَ تِّلِ الْقُرْ ا"نَ } و في أثناء ما ذكر من القيام، أي اقرأه على تَؤُدَة و تبيين حروف، { تَرْتيلا ‘ } بليغًا، بحيث يتمكّن السّامع من عدّها، من قولهم: ثَغْرٌ رَتِلٌ و رَتَلٌ، إذا كان مُفلَّجًا. (6 : 321)

نحوه البُرُوسَويّ (10 : 204)، و الآلوسيّ (29 : 104)، و المَراغيّ (29 : 110).

الطُّرَيحيّ: التّرتيل في القرآن: التّأ نّي و تبيّن الحروف؛ بحيث يتمكّن السّامع من عَدّها، مأخوذ من قولهم: ثَغْر مُرَتّل، و رَتِلٌ بكسر التّاء، و رَتَل بالتّحريك، إذا كان مفلّجًا لا يركب بعضه على بعض. و حاصله التّمَهّل في القراءة من غير عجلة. [و نقل حديثًاعن الإمام عليّ ثمّ قال:]

و فُسّر الوقوف: بالوقف التّامّ، و هو الوقوف على كلام لاتعلُّق له بما بعده لفظًا و لامعنًى، و بالحسن و هو الّذي له تعلّق. و فُسّر الثّاني بالإتيان بالصّفات المعتبرة عند القرّ اء، من الهمس و الجهر و الاستعلاء

و الإ طباق و نحوها. (5 : 378)

ابن عاشور: يجوز أن يكون متعلِّقًا بقيام اللّيل، أي رَتِّل قراءتك في القيام. و يجوز أن يكون أمرً ا مستقلا بكيفيّة قراءة القرآن جرى ذكره بمناسبة الأمر بقيام اللّيل. و هذا أولى، لأنّ القراءة في الصّلاة تدخل في ذلك.

و قد كان نزول هذه السّورة في أوّ ل العهد بنزول القرآن، فكان جملة القرآن حين نزول هذه السّورة سورتين أو ثلاث سور، بناءً على أصحّ الأقوال: في أنّ هذا المقدار من السّورة مكّيّ، و في أنّ هذه السّورة من أوائل السّور، و هذا ممّا أشعر به قوله: { اِنَّا سَنُلْقى‘ عَلَيْكَ قَوْ لا ثَقيلا ‘ } المزّمّل : 5، أي سنوحي إليك قرآنًا فأمر النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أن يقرأ القرآن بمُهل و تبيين.

و التّرتيل: جعل الشّيء مُرَتّلا ، أي مفرّ قًا ، و أصله من قولهم: ثَغْرٌ مُرَتّل، و هو المُفلّجالأسنان، أي المفرّق بين أسنانه تفرّ قًا قليلا ؛ بحيث لاتكون النّواجذ متلاصقة. وأُريد بترتيل القرآن: ترتيل قراءته، أي التّمَهّل في النّطق بحروف القرآن حتّى تخرج من الفم واضحةً، مع إشباع الحركات الّتي تستحقّ الإشباع . و وصَفَتْ عائشة التّرتيل، فقالت: « لو أراد السّامع أن يَعُدّ حروفه لعَدّها لاكسَرْدِكم هذا ».

و فائدة هذا أن يَرْسخ حفظه و يتلقّاه السّامعون فيعلق بحوافظهم، و يتدبّر قارؤه و سامعه معانيه كي لايسبق لفظ اللّسان عمل الفهم . قال قائل لعبد الله بن مَسعود : قرأت المفصّل في ليلة، فقال عبد الله : « هَذًّا كهذّ الشّعر » لأ نّهم كانوا إذا أنشدوا القصيدة أسرعوا ليظهر ميزان بحرها، و تتعاقب قوافيها على الأسماع.

و الهذّ : إسراع القطع . و أُكّد هذا الأمر بالمفعول المطلق لإفادة تحقيق صفة التّرتيل. (29 : 242)

مغنيّة: الخطاب للرّسول (صلی الله علیه و آله) و المقصود العموم، و المعنى تمهّل و لا تسرع في التّلاوة، فإنّ الغرض من قراءة القرآن أن يتدبّر القارئ معانيه و مراميه، و ينتفع بأحكامه و عظاته و بوعده و وعيده، فيشعر بالخوف من العذاب الأليم على المعصية، و بالأمل في الثّواب الجزيل على الطّاعة، و إلا فإنّ مجرّد حركة اللّسان و إخراج الحروف مخارجها غير مقصود بالذّات.

(7: 446)

الطَّباطَبائيّ: ترتيل القرآن: تلاوته بتبيين حروفه على تواليها. و الجملة معطوفة على قوله: { قُمِ الَّيْلَ } المزّمّل : 2،أي قم اللّيل و اقرأ القرآن بترتيل.

و الظّاهر أنّ المراد بترتيل القرآن: ترتيله في الصّلاة، أو المراد به الصّلاة نفسها. وقد عبّر سبحانه عن الصّلاة بنظير هذا التّعبير في قوله: { اَقِ-مِ الصَّلو"ةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ اِلى" غَسَقِ الَّيْلِ وَ قُرْ ا"نَ الْ-فَجْرِ اِنَّ قُرْ ا"نَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودً ا } الإسراء : 78، و قيل: المراد إيجاب قراءة القرآن دون الصّلاة. (20 : 61)

عبد الكريم الخطيب: و قوله تعالى: { وَرَتِّلِ الْقُرْانَ تَرْتيلا ‘ } معطوف على قوله تعالى: { قُمِ الَّيْلَ اِلا قَليلا ‘} المزّمّل : 2، إذ ليس المطلوب هو قيام اللّيل فى ذاته، و إنمّا المراد هو الّذي يصحب هذا القيام، من ترتيل القرآن ترتيلا . فالواو هنا بمعنى المعيّة و المصاحبة، و يجوز أن تكون واو الحال، و الجملة

بعدها حاليّة، أي قم اللّيل مُرتِّلا القرآن ترتيلا .

و ترتيل القرآن، هو قراءته في تمهّل و تتابع، بحيث تتابع الحروف و الكلمات، فيأخذ كلّ حرف مكانه على الفم من كلّ كلمة، كما تأخذ الكلمة مكانها من كلّ آية، حتّى ينتظم منها جميعها موكب متحرّ ك في نظام أشبه بنظام حَبّات الدُّرّ في عقدها. و هكذا كانت قراءة رسول الله للقرآن عن أُمّ سلمة رضى الله عنها قالت: « كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) يُقطّع قراءته آيةً آيةً » و عن أنس رضي الله عنه قال: « كان يمدّ صوته مدًّ ا » و عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): « يقال لصاحب القرآن:اقرأ و ارْقَ، و رَتّل كما كنت ترتّل في الدّنيا، فإنّ منزلتك عند آخرآية تقرؤها ».

و لفظ التّرتيل يحتمل هذه المعاني كلّها، و هو من ترتّل الأسنان، إذا استوت و حسن نظامها. و يقال: ثَغْرٌ رَتِلٌ، إذا كانت أسنانه مستوية لاتفاوت فيها.

(15 : 1250)

المُصْطَفَويّ: ترتيل القرآن، أي تنسيقه و حُسن تنضيده، و الاهتمام في تبيينه، من الرّسول (صلی الله علیه و آله): يشمل التّنسيق في مقام القراءة، و في الضّبط و الكتابة.

و المنظور أن يهتمّ في تنظيمه و تنسيقه و حفظه و تبيينه، و هو كلام الله الكريم، و فيه مظاهر المعارف الإلهيّة، و مجالي الحقائق، و ضوابط الأحكام و الأوامر، و جوامع الخير و السّعادات، و هو المثَل الأعلى من برنامج النّبوّة و الرّسالة، و هو الثّقل الأكبر.

فظهر أنّ ترتيل القرآن: إمّا في مقام التّنزيل، و إمّا في مقام الضّبط و الكتابة من كتّاب الوحي، و إمّا في مقام القراءة. فالأوّ ل: من الله العزيز، و الثّاني: من النّبىّ(صلی الله علیه و آله) و الثّالث: وظيفة المسلمين.

و بما قلناه يتبيّن لطف التّعبير في الموردين بالمادّة دون القراءة و التّلاوة و غيرهما.

ثمّ إنّ التّرتيل في جهة الضبط و الحفظ على ما هو في الواقع: لفظًا و نظمًا وتنسيقًا، و من جهة المعاني و التّوجّه إلى الحقائق و ما يراد: إنّما هو يحتاج إلى حالة روحاني-ّة و انقطاع و حضور تامّ:قم اللّيل و رَتّل. (4 : 48)

مكارم الشّيرازيّ: معنى التّرتيل:

إنّ ما أكّدته الآيات المذكورة هو التّرتيل و ليس قراءة القرآن، و وردت روايات عن الأئمّة المعصومين  في معنى التّرتيل، كلّ منها يشير إلى بُعْد من أبعاد هذه الكلمة الواسعة. [و نقل أحاديثًا عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و الإمام الصّادق المتقدّمة ثمّ قال:]

و قد نُقل عن حالات النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أ نّه كان يُقطّع قراءته آيةً آيةً، و يمدّ صوته مدًّ ا. هذه الرّوايات و الرّوايات الأُخرى المنقولة بنفس المضمون في كتاب الكافي و نور الثّقلين و الدُّرّ المنثور، و بقيّة الكتب الأُخرى من كتب الحديث و التّفسير، تُشير إلى ضرورة التّمعّن في كلمات القرآن، و التّدبّر فيها، و تذكّر بأنّ القرآن هو خطاب الله تعالى للإنسان.

و لكن، و للأسف إنّ الكثير من المسلمين ابتعدوا عن هذا الواقع، و اكتفوا بالتّلفّظ، و غدا همّهم ختمه، من دون الاهتمام بمعرفة سبب نزوله و محتواه. صحيح أنّ ألفاظ القرآن عظيمة ولقراءتها فضيلة، و لكن

لاينبغي أن ننسى أنّ هذه الألفاظ و تلاوتها هي مقدّمة لبيان المحتوى. (19 : 118)

فضل الله:{ وَ رَتِّلِ الْقُرْانَ تَرْتيلا ‘ } سواء في الصّلاة أو في غيرها، لأنّ قراءة القرآن تدخل في المنهج التّربويّ الإسلاميّ الّذي يريد الله - من خلاله - للإنسان المسلم أن يرتبط بالوحي في مفاهيم العقيدة و الشّريعة، و في حركة الدّعوة و الجهاد، ليصوغذاته صياغةً إسلاميّةً كاملةً؛ بحيث لايكون في داخله شيء لغير الإسلام، و لايكون ذلك إلا بالاستغراق في كلّ أجواء الوحي و آفاق العبادة، ليرتفع به الوحي إلى رحاب الله في حركة الوجود من حوله، و تطوف به العبادة في أجواء الرّوح الّتي تُحلّق نحو الله، لتلتقي به في عروجها إليه، من خلال المعرفة الواعية المنفتحة، على كلّ صفات الكمال و الجلال و الجمال في ذاته.

و المراد بترتيل القرآن: تلاوته بتبيين حروفه، و ذلك بمدّ الصّوت به و تجويده، بطريقة خاشعة متوازنة، لاتحمل أجواء التّغنّي، و لاميوعة التّنغيم.

و قد جاء في < الدُّرّ المنثور >: [ثمّ ذكر حديث النّبيّ (صلی الله علیه و آله) المتقدّم في الآية الأُولى]

و جاء فيه: « أخرج ابن أبي شيبة عن طاووس قال: سُئل رسول الله(صلی الله علیه و آله) أيّ النّاس أحسن قراءة؟ قال: الّذي إذا سمعته يقرأ رأيت أ نّه يخشى الله ».

وعلى ضوء ذلك، تؤكّد التّربية الإسلاميّة في قراءة القرآن القراءة الهادئة الحلوة الخاشعة الّتي تفسح المجال للكلمة أن تنغرس في القلب، و للفكرة أن تتعمّق في الوجدان، وللخشوع أن يهزّ الكيان كلّه، حتّى ليحسّ الإنسان بالجنّة أمام عينيه، في الآيات الّتي تتحدّث عن الجنّة، و بالنّار تقترب من وجهه حتّى لتكاد تلفحه في حرارتها، في الآيات الّتي تتحدّث عن النّار، كما يلتقي بالله في استغراقه في معنى الأُلوهيّة فيذاته، ليعيش في آفاق معاني رحمته و غضبه و قوّته و جبروته و لطفه و عظمته، ليتمثّل حضوره في كلّ روحه و قلبه

و شعوره، و تتحوّ ل العقيدة عنده إلى جزء من حركة الذّات في الفكر و الإحساس. و هذا ما يمكن أن يوحي به التّرتيل الّذي يقف بك عند كلّ كلمة، و يطوف بك في كلّ إيحاء، و ينطلق بك في كلّ المعاني الّتي تتّسع آفاقها في معنى الحياة، فتتجاوز مدلول الكلمات.

(23 : 180)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرّ تَل، و هو حسن تناسق الشّيء. يقال : ثغرٌ رَ تَلٌ و رَتِلٌ، أي حَسَن التّنضيد، مستوي النّبات، أو هو المفلّج.

و الرّ تَل: بياض الأسنان و كثرة مائها.

و رجل رَتِل الأسنان بيّن الرّ تَل، إذا كان مُفلَّج الأسنان.

و ماءٌ رَتِلٌ بيّن الرّ تَل: بارد، على التّشبيه.

و الرّ تَل و الرَّتِل: الطّيّب من كلّ شيء.

و يقال مجازً ا: كلام رَ تَلٌ و رَتِلٌ: مُرتَّل حسَنٌ على تؤدة .

و رَ تّل الكلام: أحسَن تأليفَه و أبانه و تمهّل فيه.

و التّرتيل في القراءة: التّرسّل فيها و التّبيين من

غير بغي. و في صفة قراءة النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أ نّه < كان يُرتّل آية آية >. قال ابن الأثير: < ترتيل القراءة: التّأ نّي فيها و التّمهّل و تبيين الحروف و الحركات، تشبيهًا بالثّغر المُرَ تَّل، و هو المُشبّه بنور الأُقحوان. يقال: رَ تَّلَالقراءة و تَرَ تّل فيها >.

و قال الإمام عليّ في صفة المتّقين: < تالينَ لأجزاء القرآن يُرَ تّلونها ترتيلا >.((1))

و الرُّ تَيْلاء: جنس من الهوامّ، سمّيت بذلك، لأنّ أرجلها حسنة التّناسق حين المشي؛ إذ لها ثماني أرجل قصيرة.

2 - و التّرتيل في الاصطلاح: < حفظ الوقوف و بيان الحروف >، و هو قول منسوب إلى الإمام عليّ . و قال العلا مة المجلسيّ في شرحه: < أي مراعاة الوقف التّامّ و الحسن، و الإتيان بالحروف على الصّفات المعتبرة، من الهمس والجهر و الاستعلاء و الإطباق و الغنّة و أمثالها >.((2))

و قال في موضع آخر من كتابه: < و لقد أحسن الوالد قدّس سرّه؛ حيث قال: التّرتيل الواجب: هو أداء الحروف من المخارج، و حفظ أحكام الوقوف بأن لايقف على الحركة، و لايصل بالسّكون، فإنّهما غير جائزين باتّفاق القُرّ اء و أهل العربيّة >.((3))

و روي عن الإمام الصّادق في هذا الباب أ نّه قال: < التّرتيل: هو أن تتمكّث به،و تُحسّن به صوتك>. و هذا ماورد بلفظ التّحزين - أي ترقيق الصّوت - في قول بعضهم: < التّرتيل: هو خفض الصّوت و التّحزين بالقراءة >.((4))

و إذا ما جمعنا بين حديث الإمام عليّ و حديث الإمام الصّادق، كانالمراد بهما ما اصطلح عليه قُرّ اء القرآن في هذا العصر، و هو التّجويد؛ إذ يستلزم صوتًا جهوريًّا حسنًا، فضلا عن أداء الحروف و حفظ الوقوف.

و قد برع في هذين الفنّين - التّرتيل و التّجويد - القُرّ اء المصريّون، و أحرزوا قصب السّبق في هذا المضمار. و كان ممّن بذّ أقرانه في التّرتيل الشّيخ الحصريّ، وفي التّجويد الشّيخ عبد الباسط، و في التّرتيل و التّجويد معًا الشّيخ محمّد صدّيق المنشاويّ.

و في الآونة الأخيرة برع القُرّ اء الإيرانيّون في ترتيل القرآن و تجويده وحفظه و تفسيره، و اشتركوا في المؤتمرات القرآنيّة العالميّة، فبان شأوهم على غيرهم، و سبقوا من جاراهم، و علوا من ساماهم ، و ما هذا إلا بنعمة الإسلام، و بركة القرآن.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها فعل ماض و أمر من باب < التّفعيل > مرّة لكلّ منهما: { رَ تَّلْنَاهُ } و { رَتِّلِ }، و المصدر منه أيضًا


1) (1) نهج البلاغة - الخطبة: (193).

2) (2) بحار الأنوار: (81 : 188).

3) (3) المصدر السّابق: (82 : 8).

4) (4) التّعريفات: (118).

مرّتين: { تَرْتيلا ‘ } في آيتين:

1 - { قُمِ الَّيْلَ اِلا قَليلا ‘ * نِصْفَهُ اَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَليلا ‘* اَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْ ا"نَ تَرْتيلا ‘ } المزّمّل: 2- 4

2 - { وَ قَالَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا لَوْ لانُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْ ا"نُ جُمْلَةً وَ احِدَةً كَذ"لِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَ رَ تَّلْنَاهُ تَرْتيلا ‘ }

الفرقان : 32

يلاحظ أوّلا : أنّ فيهما بُحُوثًا:

1 - إنّ ابن عاشور جوّزأن يكون التّرتيل في (1) متعلّقًا بما قبله، و هو قيام اللّيل، فالواو - على هذا الرّأي - حاليّة، و التّقدير: قم اللّيل مرتّلا القرآن ترتيلا .

و جوّز أيضًا أن يكون مستقلا عن قيام اللّيل، ثمّ رجّح هذا الرّ أي على سابقه، و علّل ذلك بقوله: < و هذا أولى، لأنّ القراءة في الصّلاة تدخل في ذلك >. فالواو حسب ما اختاره عاطفة، أي قم اللّيل و رتّل القرآن ترتيلا . و لكنّ ما علّله لايطّرد بين الفقهاء، فبعضهم يوجب التّرتيل في الصّلاة و بعضهم لايوجبه.

2 - فسّر بعض المفسّرين التّرتيل في (2) بالتّبيين كابن عبّاس، و فسّره آخرون بالتّرسّل كمُجاهِد، و كلاهما بمعنى، لأنّ من ترسّل في كلامه فقد أبان، و هو من قولهم: ثغرٌ رَ تَلٌ و رَتِلٌ، أي حسن التّنضيد.

و لكن لمّا أُسند التّرتيل إلى العبد - كما في (1) - أُريد به التّبيين، أي التّثبّت في قراءة القرآن و تحقيقه. و لمّا أُسند إلى المعبود - كما في (2) - أُريد به التّرسّل، أي إنزاله شيئًا بعد شيء في أكثر من عشرين سنة، و هذا المعنى منتزع من السّياق.

3 - أُكّد الفعلان: { رَتِّلِ } في (1)، و { رَ تَّلْنَاهُ } في (2) بالمفعول المطلق { تَرْتيلا ‘ } إشعارً ا بزيادة التّرتيل، كما نُكّر تعظيمًا لمعناه و تفخيمًا له.

و زعم ابن عاشور أ نّه بيان للنّوع، فقال: < فصار المصدر مبيّنًا لنوع التّرتيل >، و ليس كذلك، فهو مؤكّد لعامله، أيللفعلين المذكورين.

و ثانيًا: اختصّ ترتيل القرآن فعلا و مصدرً ا بسورتين مكّيّتين.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن:

التّرتيل: التّرسيل:

التّبيين: { قَدْ بَ-يَّ-نَّا الا_يَاتِ’ لِقَوْم ٍيُوقِنُونَ }

البقرة : 118

التّفصيل: { وَ كُلَّ شَىْء فَصَّلْنَاهُ تَفْصيلا ‘ }

الإسراء : 12

التّحقيق: { وَ يُريدُ‘ اللهُ اَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَ يَقْطَعَ دَ ابِرَ الْكَافِرينَ‘ } الأنفال : 7

التّرتيل: التّبديد:

التّفريق: { اِنَّ الَّذينَ‘ فَرَّ قُوا دينَهُمْ وَ كَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فى شَىْء } الأنعام : 159

النّثر: { وَ قَدِمْنَا اِلى" مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَل فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورً ا } الفرقان : 23

البثّ: { وَ مَا اَنْزَ لَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاء فَ-اَحْ-يَا بِهِ الاَ_رْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ بَثَّ فيهَا‘ مِنْ كُلِّ دَ ابَّة }

البقرة : 164

ر ج ج

اشارة

لفظان مرّتان، في سورة مكّيّة

رُجّتْ 1 : 1

رَجًّا 1 : 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الرّجّ: تحريكُك شيئًا كحائط دَكَكْتَه، و منه الرّجْرَجَة.

و كتيبة رَجْراجَة: يتَرَجْرَج عليها الحديد.

و امرأة رَجْراجَة: يتَرَجْرَج عليها كَفَلُها و لحَمُها.

و الارتِجاج: مُطاوعة الرّجّ، و هو أن تُزَلزِل زِلزالا شديدً ا.

و ارتَجّ الظّلام: التَبَسَ.

و الرّجْرَج: نَعتٌ للشّيء يتَرَجْرَج.

و الرّجْرَج: الثّريدة المُليَّنة الم-ُكتَنِزة.

و الرّجْراج: شيء من الأدوية.

و الرِّجْرِج: ماء القَريس.

و الرِّجْرِجَة: بقيّة الماء في الحوض الكَدِرة الم-ُختلطةُ بالطّين.

و ارتَجّتِ البقرة: كَرِهَت الفحل.

و الرَّجّاج: الضّعيف من النّاس و الإبلِ.

و رِجْرِجَة من النّاس، أي سِفْلةٌ.

و الرّجاج: المَهازيل،قال:

• فهُمْ رَجَاجٌ و على رَجَاجِ* (6 : 16)

اللّيث: الارتجاج: مطاوعة الرّجّ.

(الأزهَريّ10 : 483)

أبوعمرو الشَّيبانيّ: هذا مال رَجاج، أي هَزْلى.

(1 : 292)

الرّجّ، يَرُجّون بينهم.

هذه غنم رَجاج، و رَجاجَة، و إبل رَجاج، إذا كانت هَزْلى. (1 : 303)

مثل الرِّجاجَة لاطَرْق و لارَ نَق. (2 : 19)

و الرّجاجَة: من اللّبن. (2 : 34)

و الرّجاج: مَهازيل الغنَم، و هو الرّجَف. (2 : 35)

أبوزَيْد: و يقال: تركت مال بني فلان رَجاجًا، إذا

رَزَمَ فلم يتحرّ ك من الهُزال. (133)

الرّجاج: هَزْلى المال و فاسده. (137)

المُترَجْرِجَة: البيضاء الشّديدة البياض، الرّ قيقة اللّون. (ابن السِّكّيت : 318)

الأصمَعيّ: كتيبةٌ رَجْراجَة، إذا كانت تَمخّضُ لاتكاد تسير.

وكتيبةٌ جَرّارة: لاتسير إلا رويدً ا من كثرتها.

(الأزهَريّ10 : 483)

و إبل رَجاج، و ناس رَجاج: ضَعْفَى لاعقول لهم.

(الأزهَريّ10 : 484)

يقال: مَرّ يَرْتَكّ و يَرْتَجّ، إذا تَرَجْرَج.

(الكَنْزُ اللُّغويّ : 38)

أبوعُبَيْد: في حديث عبد الله: <... كرِجْراجَة الماء الخبيث الّذي لاتَطّعِم >.

و أمّا قوله: < كرِجْراجَة الماء > فهكذا يُروى الحديث، و أمّا الكلام فإنّ العرب تسمّيها الرِّجْرِجَة، و هي بقيّة الماء في الحوض الكَدِرة المختلطة بالطّين، لايمكن شربها و لايُنتفَع بها.

و إنّما تقول العرب: الرَّجْراجَة: للكتيبة الّتيتموج من كثرتها؛ و منه قيل للمرأة: رَجْراجَة لتحرّ ك جسدها، و ليس هذا من الرِّجْرِجَة في شيء. (2 : 205)

ابن السِّكّيت: و الرَّجْراجَة: الّتي تتَمخّض من كثرتها. [ثمّ استشهد بشعر] (44)

المُترَجْرِجَة: الّتي كأ نّها تُرْعَد من الرّطوبة. (318)

و ممّا يبقى في أسفل الحوض من الماء الكَدِر: رَ نَقَة، و رَ نْقَة و غِرْيَنَة، و رِجْرِجَة، و طَمْلَة و مَطْلَة. (534)

و الرِّجْرِج: اللُّعاب يتَرَجْرَج. (الكَنْزُ اللُّغويّ : 5)

شَمِر: و في حديث الحسَن: أ نّه ذكر يزيد بن المُهلّب قال: < فاتّبعه رِجْرِجَة من النّاس >. يعني رُذال النّاس، ويقال: رَِجْراجَة.

و قال الكِلابيّ: الرِّجْرِجَة من القوم: الّذين لاعقل لهم. (الأزهَريّ10 : 484)

ابن دُرَيْد: رَجّ الشّيء يَرُجّ رَجًّا، إذا ترَجْرَجَ، و هو راجّ.

و قيل لابنة الخُسّ((1)) : بمَ تعرفين لَقاح ناقتك؟ فقالت: < أرى العين هاجًّا والسّنام راجًّا، و أراها تُفاجّ و لاتبول > و ذكرت العين هاهنا تريد بها النّاظر...

و سمعت رَجّة القوم، أي أصواتهم. و كذلك رَجّة الرّعد، أي صوته. (1 : 51)

قولهم: اُرْ تُجّ على القارئ، و ارْ تَجّ عليه، فارْتجّ: افتعل من الرَّجّة. وارْتُجّ عليه: أُغلق عليه أمره كمايُغلَق الباب. (2 : 3)

الرّجاج: المهازيل [من النّاس] (2 : 109)

الرّجاج: الهَزْلى من الماشية: الإبل و الغنم؛ واحدتها: رَجاجَة. [ثمّ استشهد بشعر] (2 : 196)

الرّجَجُ: الاضطراب، والجرَج: القلق. [ ثمّ استشهد بشعر] (3 : 187)

و ناقة رَجّاء: مُرْتَجّة السّنام. ممدود زعموا، و لاأدري ما صحّته. (3 : 223)

الأزهَريّ: وفي حديث ابن مَسعود: < لاتقوم


1) (1) امرأة أياديّة معروفة بالفصاحة.

السّاعة إلا على شرار النّاس كرِجْراجَة الماء الخبيث الّتي لاتَطّعِم >.

و يقال للأحمق: إنّ قلبك لكثير الرِّجْرِجَة.

و فلان كثير الرِّجْرِجَة، أي كثير البُزاق.

و الرِّجْرِجَة: الجماعة الكثيرة في الحرب.

و في النّوادر: رَجَجْتُ الباب، و رَدَمتُه أي ثنَيتُه.

(10 : 483)

الصّاحِب: [نحو الخَليل إلا أ نّه قال:]

و امرأة رَجْراجَة: سمينة يتَرَجرَج كَفَلُها، و كذلك الرّجّاء...

و الرِّجْرِج والرَّجْرَج:نَعْت الشّيء الّذي يتَرَجْرَج.

و الرَّجاج: شيء من الأدوية، و الضّعفاء من النّاس و الإبل، من قوله:

• فهُم رَجاج و على رَجاج*

و الرَّجْرَجة: الإعياء و الحَفا.

و الرِّجْرِجَة: الرَّعاع و الشِّرار.

و يقال في الخيل إذا أقربَتْ و ارتَجّ صلاها: قد أرَجّتْ فهي مُرِجّ؛ و الجميع: مَراجّ.

و ناقة رَجّاءُ: مُرْتَجّة السّنام.

و هو يَرُجّني عن الأمر، أي يَحْبسُني. (6 : 403)

الخَطّابيّ: في حديث عُمر: < أنّ ميمون بن مهران كان عنده ، فلمّا قام من عنده قال: إذا ذهب هذا و ضُرَباؤُه لم يبق من الدّنيا إلا رَجاجَة >.

الرَّجاج: ضعاف الإبل وحواشيها، فشبّه ضعاف النّاس و من لاطِرْقَ فيه و لاطائل عنده بها. [ثمّ استشهد بشعر] (3 : 143)

الجَوهَريّ: يقال رَجّه رَجًّا، أي حَرّكه و زَلْزَله. و ناقة رَجّاء: عظيمة السّنام.

الرّجْرَجَة: الاضطراب. و ارتَجّ البحر و غيره: اضطرب.

و في الحديث: < من ركب البحر حين يَرْتَجّ فلاذِمّة له >، يعني إذا اضطربت أمواجه.

و تَرَجْرَج الشّيء، أي جاء و ذهب.

و الرّجْرَج: نَعْت الم-ُترَجْرِج.

وكتيبة رَجْراجَة، كأ نّها تتَمَخّض و لاتسير، لكثرتها.

و امرأة رَجْراجَة: يَترَجْرَج عليها لحمُها.

و الرِّجْرِجَة، بالكسر: بقيّة الماء في الحوض الكَدِرة المختلطة بالطّين؛ و الثّريدة المُلَبّقَة.

و الرِّجْرِج أيضًا: نَبْتٌ.

و الرّجاج بالفتح: مهازيل الغنم.

و نعجة رَجاجَة، أي مهزولة.

و الرّجاج أيضًا: الضّعفاء من النّاس و الإبل.

[و استشهد بالشّعر 4 مرّ ات] (1 : 317)

ابن فارِس : الرّ اء و الجيم أصل، يدلّ على الاضطراب، و هو مطّرد منقاس.

و يقال: كتيبة رَجْراجَة: تمَخّضُ لاتكاد تسير، و جارية رَجْراجَة: يتَرَجْرَج كَفَلُها.

و الرِّجْرِجَة: بقيّة الماء في الحوض.

و يقال للضّعفاء من الرّجال: الرّجاج.

و الرّجّ: تحريك الشّيء. تقول: رجَجْتُ الحائط رَجًّا، و ارْ تَجّ البحر.

و الرّجْرَج نَعْت للشّيء الّذي َيتَرَجْرَج.

و ارتَجّ الكلام: التبس. و إنّما قيل له ذلك، لأ نّه إذا تعَكّرَ كان كالبحر المرتَجّ.

و الرِّجْرِجَة: الثّرِيدة اللّيّنة.

و يقال: الرّجاجَة: النّعجة المهزولة. فإن كان صحيحًا فالمهزول مضطرب. و ناقة رَجّاءُ: عظيمة السّنام، و ذلك أ نّه إذا عَظُم ارتَجّ و اضطرب.

[و استشهد بالشّعر مرّتين] (2 : 384)

الهَرَويّ: الرّجّة: الحركة الشّديدة. و في الحديث: < و من إذا ركب البحر إذا ارتَجّ>، أي اضطرب.

و منهم من رواه <إذا أُرتُج > فإن كان محفوظًا، فمعناه: أُغلِق عن أن يُركب؛ و ذلك عند كثرة أمواجه.

(3 : 716)

ابن سيده: الرّجاج: المهازيل من النّاس و الإبل و الغنم.

و الرِّجاجَة: عِ-رّيسَة الأسد.

و رَجّة القوم: اختلاط أصواتهم، و قيل: رَجّتهم: أصواتهم.

و رَجّة الرّعد: صوته.

و الرّجّ: التّحريك.

رَجّه يَرُجّه رَجًّا: فَرَجّ يَرُجّ رَجًّا، و ارتَجّ، و رَجْرَجَه فتَرَجْرَج...

و الرّجَج: الاضطراب.

و ناقة رَجّاء: مضطرِبة السّنام.

و كتيبة رَجْراجَة: تَمَخّضُ في سيرها.

و امراة رَجْراجَة: مُرْتَجّة الكَفَل.

و ثَريدة رَجْراجَة: مُليَّنة مكتَنِزة.

و الرِّجْرِج: ما ارتَجّ من شيء.و رِجْرِجَة النّاس: الّذين لاخير فيهم.

و الرِّجْرِج و الرِّجْرِجَة: بقيّة الماء في الحوض.

و الرِّجْرِج: الماء الّذي قد خالطه اللُّعاب.

و الرِّجْرِج، أيضًا: اللُّعاب.

و الرِّجْرِج: ماء القريس.

و الرِّجْرِجَة: شرار النّاس.

و ارتَجّ الظّلام: التبس.

و أرض مُرتجّة: كثيرة النّبات.

[ و استشهد بالشّعر 4 مرّ ات] (7 : 202)

الرّجْراجَة: الرّقيقة الملأى الخَلْق اللّيّنة. و قيل: هي الّتي يَرْتَجّ كَفَلُها. (الإفصاح 1 : 324)

الرّاغِب: الرّجّ: تحريك الشّيء و إزعاجه. يقال: رَجّه فارتَجّ.

و الرّجْرَجَة: الاضطراب، و كتيبة رَجْراجَة، و جارية رَجْراجَة.

و ارتَجّ كلامه: اضطرب.

و الرِّجْرِجَة: ماء قليل في مقرّه يضطرب فيتكدّر.

(187)

الزّمَخْشَريّ: رَجّه: حرّكه، فارتَجّ، و رَجْرَجَه فتَرَجْرَج.

و ارتَجّ البحر و الْت-َجّ.

و جارية رَجْراجَة: يتَرَجْرَج كَفَلُها.

و أطعمنا رَجْراجَة، و هي الفالوذجة.

و من المجاز: ارتَجّ عليه الكلام: اضطرب و التبس.

و كتيبة رَجْراجَة: تَمَخّض لاتكاد تسير.

(أساس البلاغة : 155)

النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < ... و من ركب البحر إذا التَجّ و روي: ارتَجّ...>.

و < ارتَجّ >: من الرّجّة، و هي الصّوت و الحركة. و ارتَجّ: زخر و أطبق بأمواجه. [ثمّ استشهد بشعر]

(الفائق 1 : 24)

[في حديث]: ذكر النَّفْخ في الصّور. فقال: <تَرْتَجّ الأرض بأهلها، فتكون كالسّفينة المُرَ نِّقَة في البحر تضربها الأمواج...>.

يقال : رَجّه فارتَجّ. و قال ابن دُرَيْد : رَجّ الشّيء و تَرَجْرَج فهو راجّ .

و قالوا: فلان يَرُجّني عن هذا الأمر، أي يحرّكني عنه و يعوّقني عن مباشرته (الفائق 2 : 43)

[و في خبر]:<...ثمّ اتّبَعَه رِجْرِجَة من النّاس رعاع هباء >. هي بقيّة في الحوض كَدِرة خاثرة تتَرَجْرَج، شبّه بها الرُّذال من الأتباع في أ نّهم لايُغنون عن المُستتبَع، كما لاتُغني هي عن الشّارب. (الفائق 2 : 48)

[في حديث] عمر بن عبد العزيز: < لم يبق في النّاس إلا رَجاجَة من الرّجاج>. الرّجاج، مثل الرّعاع.

(الفائق 2 : 339)

المَدينيّ: في حديث عمر بن عبد العزيز: < النّاس رَجاج بعد هذا الشّيخ >. يعني ميمون بن مهران، أي ضعفاء، و من لاخير فيهم، من قوله تعالى: { اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ رَجًّا } الواقعة : 4، أي حُرّكت. [ثمّ استشهد بشعر ] (1 : 735)

ابن الأثير: في حديث ابن مَسعود :<... كرِجْرِجَة الماء الخبيث> الرِّجْرِجة بكسر الرّ ائين... [فذكر نحو أبي عُبَيْد و أضاف:]

و قال الزّمَخْشَريّ: < الرِّجْرَاجَة: هي المرأة الّتي يتَرَجْرَج كَفَلُها. وكتيبة رَجْراجَة: تموج من كثرتها، فكأ نّه إن صحّت الرّواية قصد الرِّجْرجَة، فجاء بوصفها، لأ نّها طينة رقيقة تتَرَجْرَج >.

في حديث الحسَن، و ذكر يزيد بن المُهَلّب، فقال: <نصَب قصبًا علّق عليها خِرَ قًا، فاتّبَعَه رِجْرِجَة منالنّاس >. أراد رُذالة النّاس و رَعاعَهُم الّذين لاعقول لهم. (2 : 198)

الفَ-يُّوميّ:رجَجْتُ الشّيء رَجًّا، من باب <قتَل>: حرّ كته فارتَجّ هو.

و ارتَجّ البحر: اضطرب، و ارتَجّ الظّلام: التَبَس.

(1 : 219)

الفيروزاباديّ: الرّجّ: التّحريك، و التّحرّ ك، و الاهتزاز، و الحبس، و بناء الباب.

و الرّجْرَجَة: الاضطراب، كالارتجاج و التّرَجْرُج، و الإعياء.

و بكسرتين: بقيّة الماء في الحوض، و الجماعة الكثيرة في الحرب، و البُزاق، و من لاعقل له.

و كفُلْفُل: نَبْتٌ.

و الرّجاج، كسحاب: مهازيل الغنم، و ضعفاء النّاس، و الإبلِ.

و نعجة رَجاجَة: مهزولة.

و ناقة رَجّاء: عظيمة السّنام و مُرْ تَجّ-تُها.

و الرّجْراج: دواء.

و بهاء : قرية بالبحرين.

و أرَجّت الفرس، فهي مُرِجّ: أقر بَتْ، و ارتَجّ صلاها. (1 : 197)

الطُّرَيحيّ: و في الحديث: < إنّ القلب ليُرَجّج فيما بين الصّدر والحنجرة حتّى يعقد على الإيمان، فإذا عُقِد على الإيمان قَرّ > أي يتحرّ ك و يتزلزل، من قولهم: رَجّه يَرُجّه رَجًّا، من باب < قتل >، إذا حرّكه و زَلزَله.

و في الخبر: < من ركب البحر حين يُرتَجّ فلاذمّة لة> يعني إذا اضطربت أمواجه. (2 : 303)

مَجْمَعُ اللُّغة: رَجّ الشّيء يَرُجّه رَجًّا: حرّكه و زلزله فارتجّ و اضطرب. (1 : 454)

نحوه محمّد إسماعيل إبراهيم. (1 : 211)

محمود شِيت : رَجّهرَجًّا، و رَجّةً: هزّه و حرّ كه بشدّة. و فلانًا عن الشّيء: حبَسَه.

رَجّ الشّيء رَجَجًا: اضطرب، فهو أرجّ، و هي رَجّاءُ؛ جمعه: رُجّ.

و ناقة رَجّاء: عظيمة السّنام.

أرَجّت الحامل: قرُ بَتْ ولادتها، فهي مُرِجّ.

ارتَجّ: تحرّ ك و اهتزّ، و البحر: اضطرب، و الكلام و الظّلام: اختلط و التبس.

الرِّجاجَة: عرين الأسد.

الرّجّة: رَجّة القوم: اختلاط أصواتهم. و رَجّة الرّعْد: صوته.

رَجّ العدوّ رَجًّا: هَزّه بعُنف. كبّده خسائر فادحة.

الرّجاج: الّذين لايستفاد من خدمتهم العسكريّة، لأ نّهم من الضّعاف المهازيل؛ واحدته: رَجاجَة. يقال: جُنديّ رَجاجَة: لايستفاد من خدمته العسكريّة.

الرّجاجَة: مَقرّ القائد الأعلى. (1 : 278)

المُصْطَفَويّ: ‘‘و التّحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الاضطراب الشّديد، و هذا المفهوم قريب من الزّلزلة و الرّجْفَة.

و الفرق بينها و بين الاضطراب و الزّلزلة و الرّجْفَة و الدّ كّ و الشّقّ و الحركة: أنّ الحركة هو كون على مكان أو حالة بعد أن لم يكن فيها، و هو ضدّ السّكون. و هذا المعنى يعمّ الحركة زمانًا أو مكانًا أو حالا ، طولا أو عرضًا.

و الزّلزلة من الزّلّة و الزّ لل و هو استرسال في الرِّجل، و عَثْرة من غير قصد. و تكرار المادّة في الزّلزلة يشير إلى تكرّر الزَّلّة و الاسترسال، فزلزلة الأرض: استرسال فيها من دون إرادة منها مكرّرً ا.و الرّجْفَة هو الزّلزلة مع شدّة و عظمة. و الدّ كّ هو الدّقّ حتّى يستوي و ينخفض.

و الشّقّ هو الصّدْع و التّفريق.

و الاضطراب هو الحركات المتوالية في جهتين مختلفتين، كأنّ بعض الأجزاء يضرب بعضًا، و كأنّ الشّخص المضطرب يختار الضّرب، فإنّ الافتعال للمطاوعة و الاختيار.

و لايخفى أنّ كلّ مادّة فيه حرفا الرّ اء و الجيم: يدلّ على حركة مخصوصة، كما في الرّجّ و الرّجْف و الرّجْع و الرِّجْز و الرِّجْس و الرّجْن و الرّجْب و الرّهْج و الرّجْم و الجَرّ و الجَرْي و الجَرْف و الرّعْج و ما

يقاربها غالبًا. (4 : 49)

النُّصوص التّفسيريّة

اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ رَجًّا. الواقعة : 4

ابن عبّاس: إذا زُلزِلت الأرض زَلزلةً حتّى يطمس كلّ بنيان و جبل عليها، فيعود فيها. (453)

نحوه الفَرّ اء (3 : 121)، و النّسَفيّ (4 : 214)، و النَّيسابوريّ (27 : 76)، و أبوحَيّان (8 : 200)، و القاسميّ (16 : 5645)، و المَراغيّ (27 : 132).

زُلزلت و حُرّكت بجذب. (أبوحَيّان 8 : 204)

مُجاهِد: زُلزِلت. (الطّبَريّ 11 : 623)

نحوه قَتادَة (الطّبَريّ 11 : 623)، و ابن قُتَيْبَة (445).

زَيْد بن عليّ: معناه: اضطربت و تحرّ كت. (404)

الرّبيع: إنّها تَرُجّ بما فيها كما يَرُجّ الغربال بما فيه.

(الماوَرْديّ 5 : 446)

الكَلْبيّ: و ذلك أنّ الله عزّو جلّ إذا أوحى إليها إضطربت فرَقًا. (الثّعلبيّ 9 : 200)

مُقاتِل: يعني إذا زُلزلت الأرض زلزالها، يعني { رَجًّا } شدّة الزّلزلة، لاتسكن حتّى تُلقي كلّ شيء في بطنها على ظهرها.

يقول: إنّها تضطرب و ترتَجّ ،لأنّ زلزلة الدّنيا لاتلبث حتّى تسكن، و زلزلة الآخرة لاتسكن و ترتَجّ كرجّ الصّبيّ في المهد، حتّى ينكسر كلّ شيء عليها من جبل أو مدينة أو بناء أو شجر، فيدخل فيها كلّ شيء خرج منها من شجر أو نبات ، و تُلقي ما فيها من الموتى، و الكنوز على ظهرها. (4 : 215)

أبوعُبَيْدَة: اضطربت، و السّهم يرتَجّ في الغرض.

(2 : 247)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: إذا زُلزلت الأرض فحُرّكت تحريكًا، من قولهم: السّهم يرتَجّ في الغرض، بمعنى: يهتزّ و يضطرب. (11 : 623)

الزّجّاج: موضع ( اِذَا ) نصب، المعنى: إذا وقعت في ذلك الوقت. و يجوز النّصب على < تقع اِذَا رُجّتِ الاَ_رْضُ رَجًّا>.

و معنى { رُجَّتِ } حُرّكت حركة شديدة و زُلزلت. (5 : 108)

القُمّيّ: يدقّ بعضها على بعض. (2 : 346)

الثّعلبيّ: أي رُجفَت و زُلزلت. [ثمّ قال: نحو الطّبَريّ]

و قال المفسّرون: تَرُجّ كما يُرَجّ الصّبيّ في المهد حتّى ينهدم كلّ ما عليها، و ينكسر كلّ شيء عليها من الجبال و غيرها.

و أصل الرّجّ في اللُّغة:التّحريك، يقال: رجَجْتُه فارتَجّ [فارتضى عنقه] و رَجْرَجتُه فتَ-رَجْرَج.

(9 : 200)

نحوه البغَويّ (5 : 5)، و المَيْبُديّ (9 : 441)، و أبوالفُتُوح (18 : 295).

القَيْسيّ: قوله: {اِذَا رُجَّتِ } العامل في ( اِذَا ) عند الزّجّاج { وَقَعَتِ } و هذا بعيد إذا أعملت {وَقَعَتِ} في ( اِذَا ) الأُولى، فإن أضمرت ل- ( اِذَا) الأُولى عاملا آخر حسن عمل { وَقَعَتِ} في ( اِذَا ) الثّانية إلا أن

تجعل ( اِذَا) الثّانية بدلا من الأُولى، فيجوز عمل { وَقَعَتِ } فيهما جميعًا. (2 : 349)

الماوَرْديّ: فيه قولان: [ذكر قول ابن عبّاس والرّبيع ثمّ قال:]

فيكون تأويلها على القول الأوّ ل: أ نّها تُرَجّ بإماتة ما على ظهرها من الأحياء. و تأويلها على القول الثّاني: أ نّها تُرَجّ لإخراج من في بطنها من الموتى. (5 : 446)

نحوه ابن الجَوْزيّ. (8 : 131)

الطُّوسيّ: معناه: زُلزلت الأرض زلزالا ، في قول ابن عبّاس و مُجاهِد و قَتادَة. و الزَّلزلة: الحركة باضطراب و اهتزاز؛ و منه قولهم:ارتَجّ السّهم عند خروجه عن القوس.

و قيل: ترتجّ الأرض، بمعنى أ نّه ينهدم كلّ بناء على الأرض. (9 : 488)

نحوه الطَّبْرِِسيّ. (5 : 214)

القُشَيْريّ: حُرّكت حركة شديدة. (6 : 85)

مثله الواحديّ (4 : 232)، و الكاشانيّ (5 : 119) و شُبّر (6 : 140)، و حجازي (27 : 53).

الزّمَخْشَريّ: حُرّكت تحريكا شديدً ا حتّى ينهدم كلّ شيء فوقها من جبل و بناء...

و قرئ:( رَجَّتْ و بَسَّتْ ) أي: ارتَجّت و ذهَبَت...

فإن قلت: بِمَ انتصب {اِذَا رُجَّتِ}؟ قلت: هو بدل من {اِذَا وَقَعَتِ}. و يجوز أن ينتصب ب- {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ }.أي تخفض وترفعوقت رَجّ الأرض و بَسّ الجبال، لأ نّه عند ذلك ينخفض ما هو مُرتفِع و يرتفع ما هو مُنخفِض (4 : 52)

نحوه ملخّصًا البَيْضاويّ (2 : 446)، و ابن جُزَيّ (4 : 87)، و أبوالسُّعود (6 : 186)، و المشهديّ (10 : 185)، و الشَّوْكانيّ (5 : 181).

ابن عَطيّة: و العامل في قوله: { اِذَا رُجَّتِ }{ وَقَعَتِ} لأنّ ( اِذَا ) هذه بدل من ( اِذَا)ا الأُولى، و قد قالوا: إنّ { وَقَعَتِ } هو العامل في الأُولى، و ذلك لأنّ معنى الشّرط فيها قويّ فهي ك- < من > و < ما > في الشّرط، يعمل فيها ما بعدها من الأفعال.

و قد قيل: إنّ ( اِذَا ) مضافة إلى { وَ قَعَتِ } فلايصحّ أن يعمل فيها، و إنّما العامل فيها فعل مقدّر و معنى { رُجَّتِ }: زلزلت و حُرّكت بعُنْف، قاله ابن عبّاس؛ و منه ارتَجّ السّهم في الغرض، إذا اضطرب بعد وقوعه. والرّجّة في النّاس: الأمر المحرّ ك. (5 : 239)

الفَخْرالرّازيّ: و العامل في { اِذَا رُجَّتِ } يحتمل وُجُوهًا:

أحدها: أن يكون { اِذَا رُجَّتِ }بدلا عن { اِذَا وَقَعَتِ } فيكون العامل فيها ما ذكرنا من قبل.

ثانيها: أن يكون العامل في { اِذَا وَقَعَتِ} الواقعة : 1، هو قوله: { لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا } الواقعة : 2، و العامل في { اِذَا رُجَّتِ} هو قوله: {خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} الواقعة : 3، تقديره تخفض الواقعة، و ترفع وقت رَجّ الأرض و بَسّ الجبال. و الفاء للتّرتيب الزّمانيّ، لأنّ الأرض ما لم تتحرّ ك و الجبال ما لم تَنْبَسّ لاتكونهباء منبثًّا. (29 : 141)

العُكْبَريّ: قوله: ( اِذَا ) بدل من ( اِذَا ) الأُولى.

و قيل: هو ظرف ل- { رَ افِعَةٌ }.

و قيل: لما دلّ عليه: { فَاَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ }.

و قيل: هو مفعول < اذْكُر >. (2 : 1202)

ابن عَرَبيّ: أي حُرّكت، و زُلزلت أرض البدن بمفارقة الرّوح، تحريكًا يخرج به جميع ما فيها، و ينهدم معه جميع أعضائه. (2 : 586)

القُرطُبيّ: [نحو الثّعلبيّ، و الزّمَخْشَريّ ثمّ أضاف:]

و قيل: أي اذْكُر { اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ رَجًّا } مصدر، و هو دليل على تكرير الزّلزلة. (17 : 196)

الخازن: أي إذا حُرّكت و زُلزلت زلزالا ؛

و ذلك أنّ الله عزّ و جلّ إذا أوحى إليها اضطربت فرَقًا، و خوفًا... (7 : 12)

أبوحَيّان: و قرأ زَيْدبن عليّ ( رَجَّتْ وَ بَسَّتْ ) مبنيًّا للفاعل، و { اِذَا رُجَّتِ } بدل من { اِذَا وَقَعَتِ }، وجواب الشّرط عندي ملفوظ به، و هو قوله:{ فَاَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ }، و المعنى: إذا كان كذا وكذا، فأصحاب الميمنة ما أسعدهم و ما أعظم ما يُجازون به، أي إنّ سعادتهم و عظم رُتبتهم عند الله تظهر في ذلك الوقت الشّديد الصّعب على العالم.

و قال الزّمَخْشَريّ:و يجوز أن ينتصب ب- { خَافِضَةٌ رَ افِعَةٌ }...انتهى.

و لايجوز أن ينتصب بهما معًا، بل بأحدهما، لأ نّه لايجوز أن يجتمع مُؤثّران على أثر واحد.

و قال ابن جنّيّ و أبوالفضل الرّ ازيّ: { اِذَا رُجَّتِ} في موضع رفع على أ نّه خبر للمبتدإ الّذي هو{ اِذَا وَقَعَتِ }، و ليست واحدة منهما شرطيّة، بل جُعلت بمعنى وقت، و ما بعد( اِذَا ) أحوال ثلاثة، و المعنى: وقت وقوع الواقعة صادقة الوقوع، خافضة قوم، رافعة آخرين، وقت رجّ الأرض.

و هكذا ادّعى ابن مالك أنّ ( اِذَا ) تكون مبتدأ، و استدلّ بهذا. و قد ذكرنا في < شرح التّسهيل > ما تبقى به ( اِذَا) على مدلولها من الشّرط. (8 : 204)

السّمين: [نحو أبي حَيّان ثمّ أضاف:]

قال الشّيخ: و لايجوز أن ينتصب بهما. [:{خَافِضَةٌ رَ افِعَةٌ }] معًا...

قلت: معنى كلامه أنّ كلا منهما متسلّط عليه من جهة المعنى، و تكون من التّنازع، و حينئذ تكون العبارة صحيحة؛ إذ تصدق أنّ كلا منهما عامل فيه، و إن كان على التّعاقب. و الرّجّ: التّحريك الشّديد بمعنى زُلزِلت. (6 : 253)

ابن كثير: أي حُرّكت تحريكًا فاهتزّت واضطربت بطولها و عرضها... و هذا كقوله تعالى: { اِذَا زُلْزِلَتِ الاَ_رْضُ زِلْزَِالَهَا } الزّلزال : 1، و قال تعالى: { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اتَّ-قُوا رَ بَّكُمْ اِنَّ زَلْزَ لَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظيمٌ‘} الحجّ : 1. (6 : 508)

الشِّربينيّ: أي كلّها على سعتها و ثقلها بأيسر أمر. [ ثمّ أدام نحو الزّمَخْشَريّ] (4 : 179)

البُرُوسَويّ: الرّجّ: تحريك الشّيء و إزعاجه، والرّجْرَجَة: الاضطراب، أي خافضة رافعة إذا حُرّكت الأرض تحريكًا شديدً ا، بحيث ينهدم مافوقها من بناء وجبل، و لاتسكن زلزلتها حتّى تُلقي جميع مافي بطنها على ظهرها. (9 : 316)

الآلوسيّ: أي زُلزلت و حُرّكت تحريكًا شديدً ا؛ بحيث ينهدم ما فوقها من بناء و جبل، متعلق ب- { خَافِضَةٌ } أو ب- { رَ افِعَةٌ } على أ نّه من باب الإعمال أو بدل من { اِذَا وَقَعَتِ }، كما قال به غير واحد. و قال ابن جنّيّ و أبوالفضل الرّ ازيّ: { اِذَا رُجَّتِ } في موضع رفع على أ نّه خبر للمبتدإ الّذي هو { اِذَا وَقَعَتِ }، و ليست واحدة منهما شرطيّة بل هي بمعنى وقت، أي وقت وقوعها، وقت رجّ الأرض. و ادّعى ابن مالك أنّ ( اِذَا ) تكون مبتدأ، و استدلّ بهذه الآية.

و قال أبوحَيّان: هو بدل من { اِذَا وَقَعَتِ }و جواب الشّرط عندي ملفوظ به، و هوقوله تعالى: { فَاَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ }، و المعنى: إذا كان كذا وكذا، فأصحاب الميمنة ما أسعدهم و ما أعظم ما يُجازون به! أي إنّ سعادتهم و عظم رتبهم عند الله عزّ و جلّ تظهر في ذلك الوقت الشّديد الصّعب على العالم، و فيه بُعْد.

(27 : 130)

عِزّة دروزة: حُرّكت، أو هُزّت بشدّة. (3 : 100) سيّد قُطْب: ثمّ إنّ سقوط هذا الثّقل و وقوعه، كأ نّما يتوقّع له الحسّ أرجحةً و رجرجةً يحدثها حين يقع. و يلبّي السّياق هذا التّوقّع فإذا هي { خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ }، و إنّها لتخفض أقدارً ا كانت رفيعة في الأرض، و ترفع أقدارًا كانت خفيضة في دار الفناء؛ حيث تختلّ الاعتبارات و القِيَم، ثمّ تستقيم في ميزان الله.

ثمّ يتبدّى الهول في كيان هذه الأرض، الأرض الثّابتة المستقرّة فيما يحسّ النّاس. فإذا هي تُرَجّرجًّا، و هي حقيقة تُذكَر في التّعبير الّذي يتّسق في الحسّ مع وقع الواقعة، ثمّ إذا الجبال الصّلبة الرّ اسية تتحوّ ل تحت وقع الواقعة إلى فتات يتطاير كالهباء .

(6 : 3462)

ابن عاشور: { اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ } بدل من جملة { اِذَا وَقَعَتِ الْوَ اقِعَةُ }. الواقعة : 1، و هو بدل اشتمال.

والرّجّ : الاضطراب و التّحرّ ك الشّديد ، فمعنى: { رُجَّتِ } رَجّها راجٌّ ، و هو ما يطرأ فيها من الزّ لازل والخسف، و نحو ذلك.

و تأكيده بالمصدر للدّ لالة على تحقّقه، و ليتأتّى التّنوين المُشعر بالتّعظيم و التّهويل. (27 : 262)

مَغْنِيّة: يشير سبحانه بهذا إلى خراب الكون، فالأرض تُدمّرها الزّ لازل، و الجبال تتحوّ ل إلى غبار.

(7 : 220)

الطَّباطَبائيّ: الرّجّ: تحريك الشّيء تحريكًا شديدًا، إشارة إلى زلزلة السّاعة الّتي يُعظّمها الله سبحانه في قوله: { اِنَّ زَ لْزَلَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظيمٌ ‘} الحجّ : 1، و قد عظّمها في هذه الآية؛ حيث عبّر عنها برجّ الأرض، ثمّ أكّد شدّتها بتنكير قوله: { رَجًّا } أي رجًّا لايوصف شدّته.

و الجملة بدل أو بيان لقوله: { اِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ}. (19 : 116)

عبد الكريم الخطيب: هذه الآيات، هي بيان لما يقع في هذا اليوم من أحداث، و كأ نّها جواب عن سؤال هو: متى تقع الواقعة؟ فجاء الجواب لالبيان

وقتها، و إنّما لبيان الأهوال الّتي تطلع على النّاس منها. فذلك هو المهمّ في هذا الأمر، و هو الّذي ينبغي الالتفاتإليه، و الإعداد له، و العمل على النّجاة منه.

أمّا الوقت الّذي تقع فيه الواقعة، فليس بالأمر المهمّ، بعد أن تأكّد أنّ وقوعها آتٍ لاشكّ فيه. و إنّما المهمّ هو الاستعداد للقاء هذا اليوم، الّذي لامفرّمنه.

ففي هذا اليوم تُرَجّ الأرض رَجًّا، أي تضطرب اضطرابًا شديدً ا، لما يجري عليها من أحداث؛ حيث تندكّ الجبال، و تخرّ متداعية، متناثرة، فلايبقى منها حجر على حجر، بل إنّ هذه الأحجار تتحوّ ل إلى ذرّ ات تذروها الرّياح، كأ نّها العِهْن المنفوش.

فقوله تعالى: { وَ بُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا } أي طُحنَت طحنًا، و قوله تعالى: { فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا } أي صارت ذرّات منتثرة في الفضاء، كالغبار المتطاير مع الرّياح.

هذا، و قد قلنا فى أكثر من موضع إنّ هذا التّبدّ ل الّذي يبدو من عوالم الوجود و كائناته، إنّما هو لتبدّ ل موقف الإنسان من هذه العوالم، و لما تحدث من اختلاف بعيد بين مُعطيات جوارحه في الدّنيا، و معطياتها في الآخرة؛ حيث تنكشف له حقائق الموجودات . إنّ الإنسان في هذه الدّنيا يرى من الأُمور ظواهرها، و ظلالها، و لكنّه في الآخرة يرى صميمها و حقيقتها.

فرَجّ الأرض رَجًّا، هو ما تراه العين يوم القيامة، من وضع الأرض، حيث تبدو على حقيقتها، كرة معلّقة في الفضاء، تجري في سرعة عظيمة، أشبه ب- <البالونة » بين يدي الرّيح. (14 : 705)

المُصْطَفَويّ: ثمّ إنّوقوع زلزلة عظيمة و رَجْف و رَجّ و اضطراب و تشَقّق شديد للأرض، من المسلّمات الّتي أخبر بها في القرآن الكريم بتعبيرات مختلفة: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثيبًا ‘} المزّمّل : 14، { كَلا اِذَا دُكَّتِ الاَ_رْضُ دَكًّا دَكًّا } الفجر : 21، { اِذَا زُلْزِلَتِ الاَ_رْضُ زِلْزَالَهَا } الزّلزال: 1،{ وَ حُمِلَتِ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً } الحاقّة : 14، { ثُمَّ شَقَقْنَا الاَ_رْضَ شَقًّا } عبس : 26، { وَ اِذَا الاَ_رْضُ مُدَّتْ } الانشقاق : 3، { يَوْمَ تَشَقَّقُ الاَ_رْضُ عَنْهُمْ سِرَ اعًا ذ"لِكَ حَشْرٌ } ق, : 44، { يَوْمَ تُبَدَّلُ الاَ_رْضُ غَيْرَ الاَ_رْضِ } إبراهيم : 48،{ وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَ تَرَى الاَ_رْضَ بَارِزَةً } الكهف : 47. { اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ رَجًّا * وَ بُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا } أى إذا اضطربت الأرض شديدً ا و فتّتت الجبال. { فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا } . فالشّدّة في الاضطراب تكشف عن أمرين: من مادّة الرّجّ، و من المصدر بعد ذكر الفعل، فإنّه يدلّ على التّوكيد.

و أمّا خصوصيّات هذه الرّجّة و الرّجفة و الدّكّة و الزّلزلة، فعلمها عند الله المتعال، و قد سبق في مادّة الأرض: أ نّها أعمّ من الأرض المحسوس الكرة الأرضيّة، و العالم الجسمانيّ في قبال العالم الرّوحانيّ.

و إرادة المعنى الثّاني أقرب إلى الفهم، و يؤيّده { يَوْمَ تُبَدَّلُ الاَ_رْضُ غَيْرَ الاَ_رْضِ وَ السَّموَاتُ’ وَ بَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِالْقَهَّارِ } إبراهيم: 48، أى تُبَدّل أرض العالم الجسمانيّ إلى أرض لطيفة كالبرزخ أو ألطف منه. (4 : 49)

مكارم الشّيرازيّ: { رُجَّتِ }، من مادّة < رَجّ >

على وزن حَجّ، بمعنى التّحرّ ك الشّديد للشّيء. و تقال:

الأرض، فتهتزّ بشدّة اهتزازً ا لايعرف مداه إلا الله.

(21 : 328)

فضل الله: في ما يمثله الزّلزال الّذي تتحرّك به الأرض، فتهتزّ بشدّة اهتزازا لا يعرف مداه إلا الله.

(21: 328)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرّجّ: التّحريك. يقال: رَجّه يَرُجّه رَجًّا، أي حرّكه و زلزله فارتَجّ، و هو راجّ.

و الارتجاج: مطاوعة الرّجّ، و في الحديث: < فتَرتَجّ الأرض بأهلها >، أي تضطرب.

و الرّجَج: الاضطراب. يقال: ناقة رَجّاء، أي عظيمة السّنام. قال ابن فارِس: < و ذلك أ نّه إذا عظم ارْ تَجّ و اضطرب >.

و الرّجاج: المهازيل من النّاس و الإبل و الغنم؛ واحدتها: رَجاجَة. يقال: نعجة رَجاجَة، أي مهزولة، و هذه غنَم رَجاج و رَجاجَة، و إبل رَجاج أيضًا.

و ارْ تَجّ الكلام: التبس. يقال: ارْ تُجّ على القارئ، أي أُغلق عليه أمره، كما يُغلَق الباب.

و أمّا قولهم: سمعت رَجَة القوم، أي أصواتهم، و رَجّة الرّعد، أي صوته، فهو إبدال من < ل ج ج > .

و كذلك قولهم: ارْ تَجّ البحر: اضطرب؛ و منه الحديث: < من ركب البحر حين يَرْ تَجّ >.

و منه أيضًا: أرض مُرْ تَجّة: كثيرة النّبات. يقال: التَجّت الأرض، أياجتمع نبتُها، و طال و كثر.

2 - دأب اللُّغويّون على إلحاق الرّباعيّ المضاعف بالثّلاثيّ المضاعف، سواء كانا بمعنى واحد، كالرّجّة و الرّجْرَجَة من هذه المادّة، أم بمعنيين مختلفين، كالرِّقّة و الرَّ قرَ قة من < ر ق ق >. إلا أ نّهم أفردوا ما زاد على الثّلاثيّ إذا كان غير مضاعف في باب مستقلّ، كما في < ج ر ج م >. يقال: تجَرْجَمَ الوحشيّ و غيره في وجاره: تقبّض و سَكَن، و قد جَرْجمَه الخوف.

بيد أنّ ابن فارِس أغرق فيما زاد على الثّلاثيّ؛ إذ رَدّ بعضه إلى الثّلاثيّ بحذف أحد حروفه، لزيادته على زعمه، كقوله في المثال السّابق: < الجيم الأُولى زائدة، و إنّما هو من قولنا للحجارة المجتمعة: رُجْمَة، و أوضح من هذا قولهم للقبر: الرّجَم، فكأنّ الوحشيّ لمّا صار في وجاره صار في قبر >.((1))

و رَدّ بعضًا آخر منه إلى النّحت، فقال: < اعلم أنّ للرّباعيّ و الخماسيّ مذهبًا في القياس، يستنبطه النّظر الدّقيق، و ذلك أنّ أكثر ما تراه منه منحوت >.((2))

و من أمثلته في هذا الباب قوله: < الرَّهْبَلة: مَشْيٌ بثقل، و هذا منحُوت من: رَهَل و رَ بَلَ، و هو التّجمّع و الاسترخاء، فكأ نّها مشية بتثاقل > .((3)) و قوله : < الهَمرْجَة: الاختلاط، و هومن ثلاث كلمات: هَمَجَ، و هَرَجَ ، و مَرَجَ > .((4))


1) (1) مقاييس اللُّغة: (1 : 508).

2) (2) المصدر السّابق: (1 : 328).

3) (3 ) المصدر السّابق: (2 : 510).

4) (4) المصدر السّابق: (6 : 71).

و الأصحّ أن يُفرَد كلّ في بابه، سواء ترادفت الكلمات أم تجانست حروفها، كما هو دأب المتأخّرين في تصانيفهم، فإنّ ذلك أوفق للقياس، و أدعى للنّظم و الاتّساق.

الاستعمال القرآنيّ

جاء الرّجّ مرّتين: فعلا ماضيًا مبنيًّا للمجهول، و مصدرً ا في آيةٍ واحدةٍ: { اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ رَجًّا * وَ بُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا } الواقعة : 4 ، 5

يلاحظ أوّ لا : أنّ في هذه الآية بحوثًا:

1 - يُنبئ لفظ الرّجّ فعلا و مصدرً ا عن شدّة وقع الواقعةلشدّة بنائه، فكلا الرّ اء و الجيم مجهور، و الأوّ ل مكرّر و الثّاني مزدوج. و كذلك الرّجف في قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّمّل : 14، إلا أنّ الفاء يُخفّف من وقعه، لأ نّه حرف مهموس رخو. و نحوه الزّلزلة في قوله: { اِذَا زُلْزِلَتِ الاَ_رْضُ زِلْزَ الَهَا } الزّلزال : 1، ففي تكرار الزّ اي و اللا م شدّة، و كلاهما مجهور أيضًا، إلا أنّ الأوّ ل يوصف بالرّخاوة و الثّاني بالتّوسّط.

2 - إن قيل: لم أُكّد الرّجّ بالمصدر، و هو يدلّ بنفسه على الشّدّة و التّهويل؟

يقال: لاشكّ أ نّه يفي بهذا المعنى، إلا أ نّه أُكّد بمعموله لأمرين:

الأوّ ل: إشعار السّامع بوقوع قيام السّاعة لامحالة.

و الثّاني: لمناسبةرؤوس الآي.

3 - أُسند الرّجّ إلى الأرض عند قيام السّاعة و ليس حين حدوث الزّ لازل في الأرض، فكأ نّها لاتُقاس بتلك الزّ لازل، كما تقدّم في < أ ر ض >. و الرّجّ لاتضارعه ظاهرة طبيعيّة، غير أنّ بعض المفسّرين مثّل الأرض برجّ الغربال بما فيه، و بعض مثّله برجّ الصّبيّ في المهد، و هذا تمثيل للزّ لازل الطّبيعيّة و ليس لقيام السّاعة، فتلك علمها عند الله.

و فسّر ابن عبّاس رَجّ الأرض بطمس بنائها و جبالها و عودتها فيها، و هو أشبه بشقّها. قال تعالى: { ثُمَّ شَقَقْنَا الاَ_رْضَ شَقًّا } عبس : 26، إلا أن يقال: إنّ شقّ الأرض من لوازم الرّجّ.

و ذهب مُقاتِل إلى أنّ الرّجّ إلقاء الأرض ما في بطنها على ظهرها، و إدخال ما على ظهرها في بطنها، ففسّر الرّجّ بالائتفاك في قوله: { وَ الْمُؤْتَفِكَةَ اَهْوى } النّجم : 53.

و ثانيًا: استُعمل الرّجّ في آية مكّيّة كسائر آيات السّاعة.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن:

التّحريك: { لاتُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ }

القيمة 5: 16

الهزّ: { وَ هُزّى‘ اِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا } مريم : 25

الزّ لزلة: { اِذَا زُ لْزِلَتِ الاَ_رْضُ زِلْزَ الَهَا }

الزّ لزال : 1

الرّجف: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } النّازعات : 6

الوجوف: { قُلُوبٌ يَوْمَئِذ وَ اجِفَةٌ } النّازعات : 8

ر ج ز

اشارة

4 ألفاظ، 10 مرّ ات، 8 مكّيّة، 2 مدنيّتان

في 7 سور: 5 مكّيّة، 2 مدنيّتان

رِجْز 3 : 2 - 1

الرّجْز 3 : 3

رِجْزً ا 3 : 2 - 1

الرُّجْز1 : 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الرّجَزُ المشطور و المنهوك ليسا من الشّعر. و قيل له: ما هُما؟ قال: أنصاف مُسَجَّعة، فلمّا رُدّ عليه، قال: لأحْتَجّنّ عليهم بحُجّة، فإن لم يُقرّوا بها عسفوا. فأحتَجّ عليهم بأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) كان لايجري على لسانه الشّعر.و قيل لرسول الله (صلی الله علیه و آله):

ستُبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا

و يأتيك بالأخبار من لم تُزَوّد

فكان يقول :

ستُبدي لكَ الأيّام ما كنت جاهلا

و يأتيك من لم تُزَوّد بالأخبار

فقد علمنا أنّ النّصف الّذي جرى على لسانه لايكون شعرً ا إلا بتمام النّصف الثّاني على لفظه و عَرُوضه، فالرّجَز المشطور مثل ذلك النّصف.

و قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في حفر الخندق:

هل أنت إلا إصبع دَميتِ

و في سبيل الله ما لَقيت

فهذا على المشطور، و قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) :

أنا النّبيّ لاكَذِبْ * أنا ابن عبد المُطّلِب

فهذا من المنهوك، و لو كان شعرً ا ما جرى على لسانه، فإنّ الله عزّ و جلّ يقول: { وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغى‘ لَهُ } يس: 69، قال فعجبنا من قوله حين سمعنا حُجّته.

فأمّا الرّجَزُ فمصدر رجَزَ يَرْجُز، و يَرْ تَجِز الأراجيز؛ الواحدة: أُرْجُوزة، و هو الرَّجّازة.

و الرّجّاز و الرّ اجز و الرّجْز: الفعل.

و الرِّجازة: شيء يُعْدَل به ميل الحمل، و هو شيء من وِسادة أو أدَم إذا مال أحد الشِّ-قّين وُضع في الشِّقّ الآخر ليستوي، تسمّى رِجازَة الميل.

و الرِّجازة: مَرْكَب دون الهَوْدَج للنّساء.

و الرِّجازَة: المِحَفّة، و سمّيت رِجازَة لأ نّها تَرْجُزه عن الميل، أي نَرُدّه و تعدله.

و الرِّجْز: العذاب، و كلّ عذاب أُنزل على قوم فهو رِجْزٌ.

و وِسْواس الشّيطان رِجْزٌ.

و الرِّجْز: عبادة الأوثان.

و يقال: اسم الشِّرك كُلّه رِجْزٌ. (6 : 64)

أبوعمروالشّيبانيّ: الأرْجَز: الّذي تضعف رِجْله، فلايكاد يقوم. (1 : 292)

الأرْجَز: الّذي إذا قام أُرعِدَت فَخِذاه من ضعف رجْلَيْه. (1 : 310)

الأصمَعيّ: و يقال: بعير به رجَزٌ و بعير أرْجَز، و هو أن تُرْعَد رِجْلاه حين يقوم. (كتاب الإبل : 98)

و من الدّاء: الرّجَز، و هو داء تُرْعد منه فَخِذاالبعير، و يضطرب عند القيام ساعةً ثمّ تنبسط، يقال: بعير أرْجَز و ناقة رَجْزاء. (كتاب الإبل : 121)

و في الرِّجل الرّجَز، و هو أن تُرْعد الرِّجل إذا أراد أن يركب. يقال: إنّ فلا نًا لأرْجَز.

(كتاب خلق الإنسان : 228)

أبوعُبَيْد: الرّجائز: مراكب أصغر من الهوادج.

(الأزهَريّ 10 : 610)

أبوحاتِم: الرّجَز من الشّعر مأخوذ من النّاقة الرَّجْزاء. (ابن دُريْد 2 : 74)

الزّجّاج: أصل الرَّجَز في اللُّغة: تتابع الحركات،

و من ذلك قولهم: ناقة رَجْزاء، إذا كانت قوائمها ترتعد عند قيامها، و من هذا: رَجَز الشّعر، لأ نّه أقصر أبيات الشّعر، فالانتقال من بيت إلى بيت سريع.

و زعم الخَليل أنّ الرّجَز ليس بشعر، و إنّما هو أنصاف أبيات و أثلاث، و دليل الخَليل في ذلك ما روي عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله). [ثمّ ذكر قول الخَليل إلى أن قال:]

قال الأخفش: قول الخليل: إنّ هذه الأشياء شِعْر وأنا أقول: إ نّها ليست شعرً ا، و ذكر أ نّه هو ألزم الخليل ما ذكرنا، و أنّ الخليل اعتقده.

(الأزهَريّ 10 : 610)

ابن دُرَيْد: و الرّجَز من الشّعر: معروف، و إنمّا سمّي رَجَزً ا لتقارب أجزائه، و قلّة حروفه.

و تَراجَز القوم، إذا تنازعوا الرّجَز بينهم.

و الرّجَز: داء يُصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت النّاقة ارتعشت فَخِذاها.

و الرِّجْز: العذاب، وكذلك فُسّر في التّنزيل، و الله أعلم.

و الرِّجازة: كساء يُجعَلفيه أحجار، و يُعلّق بأحد جانبي الهَوْدَج، إذا مال ليعتدل.

و الرِّجازة أيضًا: شَعَر أو صُوف يُعلّق في خيوط على الهَوْدَج، يُزيّن به.

قال الأصمَعيّ: هذا خطأ، إنّما هي الجزائز؛ الواحدة: جَزيزة.

و الرَّجّاز: واد معروف. [و استشهد بالشّعر5 مر ّات ] (2 : 74)

الأزهَريّ: و الرّجَز: مصدر رَجَزَ يَرْجُز.

و الأُرْجُوزة: الواحدة: و الجميع: الأراجيز.

وارْتَجَز الرَّجّاز ارْتجازً ا، و هو رَجّاز، و رَجّازة،و راجِز.

أبوعُبَيْد عن العدبّس الكنائيّ: قال: البعير إذا كان يصيبه اضطراب في فَخِذيه إذا أراد القيام ساعة ثم ينبسط، فهو أرْجَز، و قد رَجِزَ رَجَزً ا.

و يقال للرّيح إذا كانت دائمة: إنّها لرَجْزاء، وقد رَجَزَت رَجْزً ا.

و ارتجَز الرّعْد ارْتجازًا، إذا سمِعتَ له صوتًا متتابعًا.

وتَرَجّز السّحاب، أي تحرّ ك تحرّكًا بطيئًا لكثرة مائه. [و استشهد بالشّعر7 مرّ ات] (10 : 612)

الصّاحِب: الرَّجَز : المشطور و المنهوك ليسا بشعر.

و رَجِّزْني، أي أنشِدْني رَجَزً ا. و سمّي لتداركه، لأنّ الرّجَز الصّوت المتدارِك.

و الرّجَز: مصدر يَرْجُزُون و يَرْتجزُون؛ الواحد: أُرْجُوزة. و هو رَجّازة و رَجّاز.

و الرِّجازِة: شيء يُعْدَل به ميل الحِمْل كالوِسادة.

و هي أيضًا: مَرْكَب من مراكِب النّساء دُون الهَوْدَج. و نسيجة عرضها ثلاث أصابع تُخَيّط علىالسَّتْر يُحَسّن بها؛ و جمعها: رجائز. و عَصًا تكون في أسفل الخِدْر مبنيّ عليها.

و رجَزْتُ أحد العِدْلَيْن بالآخر، إذا عدلت أحدهما بالآخر.

و الرِّجْز: العذاب، و أصله: الثِّ-قَل و الحِمْل، و الأمر الشّديد ينزل بالنّاس.

و الرُّجْز: عبادة الأوثان، و يُقرأ باللُّغتَيْن جميعًا، و هو الإثم أيضًا.

و الرَّجَز: مصدر الأرْجَز و الرّجْزاء، و هي النّاقة الّتي تُرْعِد إذا قامت لضعفها. (7 : 22)

الخطّابيّ: أنّ مُعاذًا لم-ّا قدم الشّام فأصابهم الطّاعون، قال عمرو بن العاص: لا أُراه إلا رِجْزً ا و طوفانًا. فقال له مُعاذ: ليس برِجْز و لاطوفان، و لكنّها رحمة ربّكم و دعوة نبيّكم، أللّهمّ آتِ معاذًا النّصيب الأوفر. (2 : 315)

الجَوهَريّ: الرِّجْز: القَذِر، مثل الرّجْس.

و الرَّجَز بالتّحريك: ضرب من الشّعر. و قد رَجَزَ الرّ اجز و ارتَجَز.

و المُرتَجِز: اسم فرس كان لرسول الله (صلی الله علیه و آله) الّذي اشتراه من الأعرابيّ، و شهد له خزيمة بن ثابت.

و الرَّجَز أيضًا: داء يُصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت النّاقة ارتعشت فَخِذاها ساعةً ثمّ تنبسطان.

يقال: بعير أرْجَز، و قد رَجَز، و ناقة رَجْزاء. [ثمّ استشهد بشعر]

و منه سمّي الرّجَز من الشّعر، لتقارب أجزائه و قلّة حروفه.

و الرِّجازة: مَرْكَب أصغر من الهَوْدَج. و يقال: هو كساء يُجعَل فيه أحجار يُعلّق بأحد جانبي الهَوْدَج إذا مال. (3 : 878)

ابن فارِس: الرّ اء و الجيم و الزّ اء أصل يدلّ على اضطراب. من ذلك الرّجَز: داءٌ يصيب الإبل في أعجازها، فإذا ثارت النّاقة ارتعشت فَخِذاها.

و من هذا اشتقاق الرّجَز من الشّعر، لأ نّه مقطوع مضطرب.

و الرِّجازة: كساء يُجعَل فيه أحجار تُعلّق بأحد جانبي الهَوْدَج إذا مال، و هو يضطرب.

و الرِّجازة أيضًا: صوف يُعلّق على الهَوْدَج يُزَ يّن به.

فأمّا الرِّجْز الّذي هو العذاب، و الّذي هو الصّنم، في قوله جلّ ثناؤه: { وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّ ثّر: 5، فذاك من باب الإبدال، لأنّ أصله السّين، و قد ذُكر.

(2 : 489)

الهَرَويّ: و كان لرسول الله (صلی الله علیه و آله) فرس يقال له: المُرتَجِز، لحُسن صهيله. (3 : 717)

ابن سيده: الرّجَز: أن تضطرب رِجْل البعير إذا أراد القيام ساعةً ثمّ تنبسط.

و الرّجَز: ارتعاد يُصيب البعير و النّاقة في أفخاذهما، و مؤخِّرهما عند القيام.

رَجَِز رَجْزًا فهو أرْجَز، و الأُنثى: رَجْزاء.

و قيل: ناقة رَجْزاء: ضعيفة العَجُز، إذا نهضت من مَبْرَكها لم تستقلّ إلا بعد نهضتين أو ثلاث.

و الرّجَز: شعر ابتداء أجزائه سببان ثمّ وَتِد، و هو وزن يسهل في السّمع و يقع في النّفس، و لذلك جاز أن يقع فيه المشطور و هو الّذي ذهب شطره، و المنهوك و هو الّذي قد ذهب منه أربعة أجزاء و بقي جزءان، نحو :

يا ليتني فيها جذع *أخُبُّ فيها و أضَع

و قد اختُلف فيه، فزعم قوم أ نّه ليس بشعر، و أنّ مجازه مجاز السّجع، و هو عند الخَليل شعر صحيح، و لو جاء منه شيء على جزء واحد لاحتمل الرّجَز ذلك لحُسن بنائه.

قال أبوإسحاق: إنّما سمّي الرّجَز رجَزً ا، لأ نّه تتوالى فيه - في أوّله - حركة و سكون، ثمّ حركة و سكون، إلى أن تنتهي أجزاؤه، يُشَبّه بالرّجز في رِجْل النّاقة و رِعْدتها،و هو أن تتحرّ ك و تسكن و تتحرّ ك و تسكن.

و قيل: سّمي بذلك لاضطراب أجزائه و تقاربها.

و قيل: لأ نّه صدور بلاإعجاز.

و قال ابن جنّيّ: كلّ شعر تركّب تركيب الرّجَز سمّي رَجَزً ا.

و قال الأخفش :مرّة الرّجَز عند العرب: كلّ ما كان على ثلاثة أجزاء، و هو الّذي يترنمّون به في عملهم و سوقهم و يَحدُون به. و قد روى بعض من أثِقُ به نحو هذا عن الخَليل.

قال ابن جنّيّ: لم يَحفِل الأخفش ها هنا بما جاء من الرّجَز على جزءين، نحو قوله: <يا ليتني فيها جَذَعْ >.

قال: و هو لعمري بالإضافة إلى ما جاء منه على ثلاثة أجزاء جزء لاقدر له لقلّته، فلذلك لم يذكره الأخفش في هذا الموضعز

فإن قلت: فإنّ الأخفش لايرى ما كان على جزءين شعرً ا .

قيل: و كذلك لايرى ما هو على ثلاثة أجزاء أيضًا شعرً ا، و مع ذلك فقد ذكره الآن و سمّاه رَجَزًا، و لم يذكر ما كان منه على جزءين، و ذلك لقلّتهلاغير. و إذا كان إنمّا سمّي رَجَزً ا لاضطرابه، تشبيهًا بالرّجَز في النّاقة، و هو اضطرابها عند القيام. فما كان على جزءين فالاضطراب فيه أبلغ و أوكد، و هي الأُرْجُوزة.

رَجَز يَرْجُز رَجْزً ا و ارتَجَز: قال: أُرْجُوزة.

و رَجَز به و رَجّزه: أنشده أُرْجُوزة.

و تراجزوا و ارتجزوا: تعاطوا بينهم الرّجَز.

و الارتجاز: صوت الرّعد المتدارِك.

و غيث مُرتَجِز: ذو رعد. وكذلك مترجّز.

و المُرتَجِز: اسم فرس رسول الله (صلی الله علیه و آله) سمّي بذلك لجهارة صهيله و حُسْنه.

و تراجَز القوم: تنازعوا.

و الرِّجْز و الرُّجْز: العذاب.

و الرِّجْز و الرُّجْز: عبادة الأوثان.

و قيل: هو الشّرك ما كان، تأويله: أنّ من عبد غير الله، فهو على رَيْب من أمره، و اضطراب من اعتقاده، كما قال سبحانه: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى" حَرْف } الحجّ : 11، أي على شكّ و غير ثقة و لامسكة و لاطمأنينة، و قوله تعالى: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّ ثّر: 5، قال قوم: هو صنم، و الله أعلم .

و الرِّجازة: ما عُدل به ميل الحِمْل و الهَوْدَج، و هو كساء يُجعَل فيه حجارة، و يُعلّق بأحد جانبي الهَوْدَج ليعدله إذا مال، سمّي بذلك لاضطرابه.

و الرِّجازة: مر كب للنّساء دون الهَوْدَج.

و الرِّجازه: ما زُ يّن به الهَوْدَج من صُوف و شَعَر أحمر.

قال الأصمَعيّ: هذا خطأ،إنمّا هي الجزائز، الواحدة: جزيزة . و قد تقدّم ذكرها.

والرَّجّاز: واد معروف. [و استشهدبالشّعر 3 مرّات] (7 : 289)

الرّ اغِب: أصل الرِّجْز: الاضطراب؛ و منه قيل: رَجَز البعير رَجْزً ا، فهو أرْجَز، و ناقة رَجْزاء، إذا تقارب خطوها و اضطرب لضعف فيها، و شُبّه الرّجَز به لتقارب أجزائه، و تصَوّر رِجْز في اللّسان عند إنشاده، و يقال لنحوه من الشّعر: أُرْجُوزة و أراجيز.

و رَجَز فلان و ارتَجَز، إذا عمل ذلك، أو أنشد، و هو راجزٌ و رَجّاز و رَِجّازة.

و قوله: { عَذَابٌ مِنْ رِجْز اَليمٍ‘ } سبأ : 5، فالرِّجْز هاهنا كالزّلزلة، و قال تعالى: { اِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى" اَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } العنكبوت : 34، و قوله: { الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّثّر : 5، قيل: هو صنم، و قيل: هو كناية عن الذّنب، فسمّاه بالمآل كتسمية النّدى شحمًا.

و قوله: { وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } الأنفال : 11، والشّيطان عبارة عن الشّهوة على ما بُيّن في بابه. و قيل: بل أراد ب- { رِجْزَ الشَّيْطَانِ }: ما يدعو إليه من الكفر و البهتان و الفساد.

و الرِّجازة: كساء يُجعَل فيه أحجار، فيُعلّق على أحد جانبي الهَوْدَج إذا مال؛ و ذلك لمِا يُتصوّر فيه من

حركته، و اضطرابه. (187)

الزّمَخْشَريّ: رَجَز الشّاعريَرْجُز، و هو راجِ-ز و رَجّ-از و رَجّ-ازة.

و ارتَجَ-ز بكذا فهو مُرتَجِ-ز.

و راجز صاحبه و تراجَزا: تنازعا الرّجَز بينهما.

و هذه أُرْجُوزة العجّاج و أراجيزه.

و كشف الله عنكم الرِّجْز.

و من المجاز: ارتَجَز الرّعد، إذا تدارك صوته كارتجاز الرّاجز.

و ترجّز السّحاب، و سحابة رَجّازة.

والبحر يرتَجِز بآذيّه و يتَرجّز. [و استشهد بالشّعر 4 مرّ ات ] (أساس البلاغة : 155)

المَدينيّ: في الحديث، قال الوليد بن المُغيرة حين قالت قُريش للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) إنّه شاعر: < لقد عَرفتَ و الشّعر: رَجَزَه و هَزَجَه و قريضه فما هو به >.

قال الحَرْبيّ : الرّجَز أقصر من القصيدة، فهو كهيئة السّجع إلا أ نّه في وزن الشّعر. قال: و لم يَبْلُغني أ نّه جرى على لسان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) من ضُروب الرّجَز إلا ضَرْبان: المنْهُوك، و المشْطُور.

روى البَراء رضي الله عنه،أ نّه رآه عليه الصّلاة و السّلام على بَغْلة بيضاء يقول: رجَزً ا منهوكًا ليس بشعر:أنا النّبيّ لاكَذِبْ * أنا ابن عبدِ المُطّلِب

و روى جُنْدَب، رضي الله عنه أ نّه عليه الصّلاة و السّلام دَمِيَت إصبعه، فقال رجَزً ا مشطورً ا:

هل أنتِ إلا إصبع دَمِيتِ

و في سبيلِ الله ما لَقِيتِ

و كان عليه الصّلاة و السّلام: لاينكر ما يُرْجَز به، و كان يستحبّه على القصيدة و غيره من عروض الشّعر. روي أنّ العجّاج أنشد أبا هريرة رضي اللهعنه:

• ساقًا بخَنْداة و كَعْبًا أدْرَما *

فقال:كان النّبيّ(صلی الله علیه و آله) يُعجبه نحو هذا من الشّعر.

وأمّا القصيدة فلم يبلغني أ نّه أنشد بيتًا تامًّا على وَزْنه، إنمّا كان يُنشد الصّدر أو العَجُز،و يُسقط عن الآخر، فإن أنشده تامًّا لم يُنشده على وزنه، و لم يُقِمه على ما بُني عليه، أنشد صدر بيت:

• ألا كُلّ شيء ما خلا الله باطل *

و سكت عن عَجُزِه و هو:

• و كلّ نعيم لامحالة زائِل *

و أنشد عجز بيت طرفة:

• ويأتيك بالأخبار مَنْ لم تُزَوّدِ *

و صدر البيت:

• سَتُبْدي لكَ الأيّام ما كنتَ جاهلا *

و أنشد ذات يوم:

أتَجْ-عَلُ نَهْبِي و نَهْبَ العُبَي-

دِ بَيْنَ الأقْ-رَع و عُيَينَة

فقالوا: إنّما هو:

• بينَ عُيَينَة و الأقرعِ *

فأعادها: بين الأقرَع و عُيَينَة.

و تمثّل يومًا:

كفى الإسلام و الشّيب للمرء ناهيًا

فقيل: كفى الشّيب و الإسلام.

يعني فأعاده مثل الأوّ ل، فقام أبوبكر فقال: أشهد

أ نّك رسول الله. ثمّ قال: { وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ }يس, : 69.

قال الإمام: و أمّا الرَّجَزفليس بشعر عند أكثرهم. و قوله:

• أنا ابن عبد المُطّلب *

قيل: لم يذكره افتخارً ا به، لأ نّه كان يكره الانتساب إلى الآباء الكفّار. ألاتراه حين قال له الأعرابيّ: يا ابن عبدالمُطّلب، قال: قد أجبتك، و لم يتلفّظ بالإجابة كراهة منه لما دعاه به؛ حيث لم ينسبه إلى ما شرّفه الله تعالى به من النّبوّة و الرّسالة، ولكنّه أشار بقوله: أنا ابن عبد المطّلب إلى رُؤيا رآها عبد المطّلب كانت مشهورة عندهم، رأى تصديقها، فذكّرهم إيّاها بهذا القول. و الله أعلم.

و في حديث عبد الله ابن مَسعود: < من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث فهو راجز >.قيل إنّما قاله، لأنّ الرّجَز أخفّ على لسان المُنشد، و اللّسان به أسرع من القصيدة . (1 : 736)

نحوه ابن الأثير. (2 : 199)

الفَيُّوميّ: الرِّجْز: العذاب . و الرَّجَز بفتحتين نوع من أوزان الشّعر.

و الأُرْجُوزة: القصيدة من الرَّجَز، و رَجَز الرّجل يَرْجُز من باب < قتَل > قال: شعر الرّجَز و ارتَجَز؛ مثله.

(1 : 219)

الفيروزاباديّ: الرُِّجْز، بالكسر و الضّمّ: القَذِر، و عبادة الأوثان، و العذاب، و الشّرك، و بالتّحريك: ضرب من الشّعر، وزنه: مُستَفْعِلُن ستّ مرّ ات، سمّي لتقارب أجزائه، و قلّة حروفه. و زعم الخَليل أ نّه ليس بشعر، و إنّما هو أنصاف أبيات و أثلاث.

و الأُرْجُوزة: القصيدة منه؛ جمعها: أراجيز، و قد رجَز و ارتَجَز ورَجَز به و رَجّزَه: أنشَده أُرْجُوزةً، و داءٌ يصيب الإبل في أعجازها، و هو أرْجَز، وهي رَجْزاء. و كشَدّاد و رُمّان: واد .

و الرِّجازة، بالكسر: أصغر من الهَوْدَج، أو كساء فيه حَجَر أو شَعَر أو صُوفيُعلّق على الهَوْدَج. و المُرتَجِز بن الملاءة: فرس للنّبيّ(صلی الله علیه و آله)، سمّي به لحُسن صَهيلِه، اشتراه من سواد بن الحرث بن ظالم.

و تَرَجّز الرّعد: صاتَ، كارتَجَز، و السّحاب: تحرّك بطيئًا لكثرة مائه، و الحادي: حَدا برَجَزه.

و تَراجَزَوا: تنازعوا الرّجَز بينهم. (2 : 182)

الطُّرَيحيّ: و الرّجَز بفتح المهملة: بحر من البحور، و نوع من أنواع الشّعر يكون كلّ مصراع منه منفردً ا، و تسمّى قصائده أراجيز جمع أُرْجُوزة كهيئة السّجع إلا أ نّه وزن الشّعر، و يسمّى قائله راجزً ا.

و في الخبر: < من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث فهو راجز >، سمّاه به لأنّ الرّجَز أخفّ على اللّسان من القصيدة. (4 : 19)

مَجْمَعُ اللُّغة: 1- الرِّجْزبكسر الرّ اء: العذاب، و رِجْز الشّيطان: وساوسه وخطاياه.

2 - الرُّجْز بضمّ الرّ اء: ما يؤدّي إلى العذاب.

(1 : 454)

محمّد إسماعيل إبراهيم: الرِّجْزبكسر الرّ اء: العقاب و العذاب، من قولهم: ارتَجَز، أي ارتَجَس

و اضطرب، و في ذلك ما يقلق المعذّب.

الرُّجْز بضمّ الرّ اء: عبادة الأوثان، و رِجْز الشّيطان: وسوسته. و يأتي لفظ رِجْز بمعنى رِجْس، و هو الإثم و العمل المُستَقذَر، فكأنّ الزّ اي صارت سينًا، أو العكس، بفعل التّطوّراللُّغويّ. (1 : 212)

المُصْطَفَويّ: أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الشّدّة و المضيقة الحاصلة من تقليب و تحويل. و هذه الشّدّة والمضيقة: إمّا متحصّلة من جانب الله العزيز في أثر عصيان و خلاف، فيُقلّب حالته الجارية الطّبيعيّة، و تتبدّ ل حالته الواسعة إلى شدّة و مضيقة و محدوديّة.

و إمّا في أثر غلبة تخيّلات نفسانيّة و أفكار باطلة. توجب مضيقة في الحياة و السّير الإنسانيّ.

و إمّا في أثر وساوس و إلقاءات شيطانيّة، تجعله في ضيق من المعاش المعادي و المادّيّ.

و إمّا في أثر عادات و رسوم و تقيُّدات شخصيّة، تجعله في محدوديّة و مضيقة.

فالرِّجْز هو محدوديّة و مضيقة روحانيّة أو أخلاقيّة، أو عمليّة متحصّلة في أثر تقليب في النّفس، أو الحال أو الجريان الظّاهريّ. و هذا التّقليب هو عذاب تارةً، و بلاء أُخرى، كلّ باعتبار و لحاظ خاصّ.

و الفرق بين الرِّجْز و البلاء و العذاب و الرّجْس: أنّ البلاء كما مرّ في مادّته، هو تقليب ينتج المضيقة. و الرِّجْز هو المضيقة الحاصلة في أثر التّقليب. و العذاب هو جزاء يعادل العمل، و يقتضيه سوء اعتقاد أو فعل، راجع: < العذب >. و الرّجس كلّ شي‌ء يُستَقذَر، راجع: < الرّجس >.

ثمّ إنّ الشّدّة و المضيقة الّتي تتحصّل بالتّقليب لها مصاديق كالشّكّ، و ما ضاق عنه الصّدر، و الحُزن و الهمّ، و سوء الحال، و الفقر، و ضيق المكان، و الدّ اء و المرض، و الاضطراب الشّديد، و التّحيّر، و الضّلالة.

فظهر أنّ المعانيالمذكورة في تفسير المادّة: كلّها من المصاديق أو من لوازم الأصل، كالاضطراب، و تتابع العذاب، و الشّرك، و عبادة الأوثان، و اضطراب رِجْلَي الإبل أو فَخِذَيه، و التّحرّ ك البطي‌ء، و صوت الرّعد.

و أمّا القَذِر: فلايبعد كونه من تداخل معنى الرّجس.

و الرّجَز في الشّعر: باعتبار ظهوره في حال شدّة و بشدّة و مضيقة. و هذه الحالة تقتضي قلّة أجزائه، فإ نّه مُركّب غالبًا من أسباب و وتدَيْن. (4 : 52)

النُّصوص التّفسيريّة

رِجْزٍَ

1 - ...وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى قُ-لُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الاَ_قْدَ امَ. الأنفال : 11

ابن عبّاس: وسوسة الشّيطان. (146)

نحوه المَيْبُُديّ. (4 : 17)

مُجاهِد: { رِجْزَ الشَّيْطَانِ }: وسوسته. فأطفأ بالمطر الغُبار والتبدت به الأرض، و طابت به أنفسهم، وثبّتت به أقدامهم. (الطّبَريّ 6 : 195)

السُّدّيّ: ذكر ما ألقى الشّيطان في قلوبهم من شأن الجنابة، و قيامهم يُصلّون بغير وضوء، فقال:

{ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ ...}. (الطّبَريّ 6 : 196)

ابن إسحاق:ليُذهب عنهم شكّ الشّيطان.

(الطّبَريّ 6 : 195)

ابن زَيْد: الّذي ألقى في قلوبكم، ليس لكم بهؤلاء طاقة. (الطّبَريّ 6 : 195)

كيده، و هو قوله: ليس لكم بهؤلاء القوم طاقة.

(الماوَرْديّ 2 : 300)

أبوعُبَيْدَة: أي لَطْخالشّيطان، و ما يدعو إليه من الكفر. (1 : 242)

الزّجّاج:أي وساوسه و خطاياه. (2 : 404)

الطُّوسيّ: بأ نّه غلبكم على الماء المشركون حتّى تُصلّوا و أنتم مجنبين، لأنّ المسلمين باتوا ليلة بدر على غير ماء، فأصبحوا مجنبين، فوسوس إليهم الشّيطان، فيقول: تزعمون أ نّكم على دين الله و أنتم على غير الماء تُصلّون مجنبين، و عدوّكم على الماء، فأرسل الله عليهم السّماء، فشربوا و اغتسلوا، وأذهب به وسوسة الشّيطان. (5 : 102)

الزّمخشريّ: وسوسته إليهم، و تخويفه إيّاهم من العطش. و قيل: الجنابة، لأ نّها من تخييله.

و قرئ ( رِجْسَ الشَّيْطَانِ ) و ذلك أنّ إبليس تمثّل لهم، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، و نزل المسلمون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء و ناموا. فاحتلم أكثرهم، فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمّد تزعمون أ نّكم على الحقّ، و أ نّكم تُصلّون على غير وضوء و على الجنابة و قد عطشتم، ولو كنتم على حقّ ما غلبكم هؤلاء على الماء، و ما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش، فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم، فقتلوا من أحبّوا و ساقوا بقيّتكم إلى مكّة.

فحزنوا حزنًا شديدً ا و أشفقوا، فأنزل الله عزّ و جلّ المطر، فمُطروا ليلا حتّى جرى الوادي، و اتّخذ رسول الله (صلی الله علیه و آله) و أصحابه الحياض على عَدْوة الوادي، و سقُوا الرّكاب و اغتسلوا و توضّؤوا، و تلبّد الرّمل الّذي كان بينهم و بين العدوّ حتّى ثبتت عليهالأقدام، و زالت وسوسة الشّيطان، و طابت النّفوس. (2 : 147)

نحوه الفاضل المقداد (1 : 41)،و أبوالسُّعود (3 : 83).

ابن عَطيّة: أي عذابه لكم بوساوسه المتقدّمة الذّكر، و الرّجْز العذاب. و قرأ أبوالعالية ( رِجْس ) بالسّين، أي وساوسه الّتي تمُقَت و تتقذّر. و قرأ ابن مَحَيْصِن ( رُجْز ) بضمّ الرّ اء. (2 : 506)

الطَّبْرِسيّ: و قيل: معناه و يُذهب عنكم الجنابة الّتي أصابتكم بالاحتلام. (2 : 526)

الفَخْر الرّازيّ: أمّا قوله: { وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } ففيه وُجُوه:

الأوّ ل: أنّ المراد منه: الاحتلام، لأنّ ذلك من وساوس الشّيطان.

الثّاني: أنّ الكفّار لم-ّا نزلوا على الماء، وسوس الشّيطان إليهم، و خوّفهم من الهلاك، فلمّا نزل المطر زالت تلك الوسوسة.

روي أنّهم لم-ّا ناموا و احتَلم أكثرهم، تمثّل لهم إبليس، و قال: أنتم تزعمون أنّكم على الحقّ و أنتم تُصلّون على الجنابة، و قد عطشتم، و لو كنتم على

الحقّ لما غلبوكم على الماء. فأنزل الله تعالى المطر حتّى جرى الوادي و اتّخذ المسلمون حياضًا و اغتسلوا و تلبّد الرّمل حتّى ثبتت عليه الأقدام.

الثّالث: أنّ المراد من { رِجْزَ الشَّيْطَانِ }: سائر ما يدعو الشّيطان إليه من معصية و فساد.

فإن قيل: فأيّ هذه الوُجُوه الثّلاثة أولى؟

قلنا: قوله: { لِيُطَهِّرَكُمْ } معناه ليُزيل الجنابة عنكم، فلو حملنا قوله: { وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَالشَّيْطَانِ} على الجنابة لزم منه التّكرير، و أ نّه خلاف الأصل، و يمكن أن يُجاب عنه فيقال: المراد من قوله: {لِيُطَهِّرَكُمْ } حصول الطّهارة الشّرعيّة.

و المراد من قوله: { وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ}: إزالة جوهر المنيّ عن أعضائهم، فإنّه شيء مُستخبَث. ثم ّتقول: حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة؛ و ذلك لأنّ تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقيّ، أمّا تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازيّ، و حمل اللّفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز.

و اعلم أ نّا إذا حملنا الآية على هذا الوجه، لزم القطع بأنّ المنيّ رجْز الشّيطان؛ و ذلك يوجب الحكم بكونه نجسًا مطلقًا، لقوله تعالى: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّثّر : 5. (15 : 133)

العُكْبَريّ: { رِجْزَ الشَّيْطَانِ } الجمهور على الزّاي، و يراد به هنا: الوسواس. و جاز أن يسمّى رجزًا لأ نّه سبب للرّجْز، و هو العذاب. و قرئ بالسّين، و أصل الرّجس: الشّي‌ء القذر فجُعل ما يفضي إلى العذاب رجسًا استقذارً ا له. (2 : 619)

أبوحَيّان: أي عذابه لكم بوسواسه، و الرِّجْز: العذاب. و قيل: رِجْزه: كيده و وسوته، و قيل: الجنابة من الاحتلام، فإنّها من الشّيطان، و ورد ما احْتَلم نبيّ قطّ، إنمّا الاحتلام يكون من الشّيطان. (4 : 469)

رشيد رضا: و الرِّجْز و الرِّجْس و الرِّكْس: كلّها بمعنى الشّيء المستقذرحسًّا أو معنًى، و المراد هنا: وسوسته، كما تقدّم فيالمأثور. (9 : 611)

نحوه المَراغيّ. (9 : 172)

عزّة دروزة: { رِجْزَ الشَّيْطَان ِ} بمعنى وسوسة الشّيطان، و تخويفه لهم من قلّة الماء. (8 : 11)

ابن عاشور: و < الرِّجْز > القَذَر ، و المراد: الوسخ الحِسّيّ و هو النَّجَس، والمعنويّ المعبّر عنه في كتب الفقه ب- < الحَدَث > و المراد: الجنابة. و ذلك هو الّذي يعمّ الجيش كلّه، فلذلك قال: { وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ }.

و إضافته إلى { الشَّيْطَان ِ} لأنّ غالب الجيش لم-ّا ناموا احتلموا، فأصبحوا على جنابة، و ذلك قد يكون خواطر الشّيطان يُخيّلها للنّائِم ليفسد عليه طهارته بدون اختيار، طمعًا في تثاقله عن الاغتسال حتّى يخرج وقت صلاة الصّبح، و لأنّ فقدان الماء يلجئهم إلى البقاء في تنجّس الثّياب و الأجساد، و النّجاسة تلائم طبع الشّيطان.

و تقدير المجرور في قوله: { عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } للرّعاية على الفاصلة ، لأ نّها بُنيت على مدّ و حرف بعده في هذه الآيات، و الّتي بعدها مع ما فيه من

الاهتمام بهم. (9 : 37)

مَغْنِيّة : كان الشّيطان يوسوس للمسلمين و يخوّفهم من المشركين، و قد أذهب الله هذا التّخويف الّذي عبّر عنه برجز الشّيطان، أذهبه بالنّوم و الإمداد بالملائكة. (3 : 457)

الطَّباطَبائيّ: و الرِّجْز هو الرّجس و القذارة، و المراد ب- { رِجْزَ الشَّيْطَانِ }: القذارة الّتي يطرأ القلب من وسوسته وتسويله. (9 : 21)

حسنين مخلوف: { رِجْزَالشَّيْطَان ِ}: وسوسته لكم و تخويفه إيّاكم من العطش. و أصل الرِّجز: الاضطراب، و يطلق كلّ ما تشتدّ مشقّته على النّفوس.

(296)

عبدالكريم الخطيب: هو بيان لما ساق الله إلى المسلمين يوم بدر من إمداد نصره و تأييده، فإلى جانب الملائكة المرسَلة إليهم، كان النّعاس الّذي غشّاهم الله به، فطَرقَهم جميعًا، ثمّ كان هذا المطر الّذي نزل عليهم، فتطهّروا به من الحدث الأكبر و الأصغر، فكانوا على طهارة ظاهرة، تلتقي مع طهارة نفوسهم، و صفاءنيّاتهم لله، و الموت فى سبيل الله، و بهذا ذهب عنهم رجز الشّيطان و وسواسه، الّذي كان يُلقي في روعهم أ نّهم لو قتلوا لماتوا على غير طهارة، و هذا الشّعور من شأنه أن يبعث فيهم شيئًا من التّخاذل و الفتور، عند لقاء العدوّ. (5 : 576)

المُصْطَفَويّ: أي حالة شدّة و مضيقة حاصلة من تلقين الشّيطان و وسوسته؛ بحيث يوجب التّحيّر و التّرديد و الشّكّ و الاضطراب. و هذا في يوم بدر؛ إذ كانوا فاقدين الماء للتّطهير و التّغسيل، و قد غلب أعداؤهم على الماء. (4 : 53)

مكارم الشّيرازيّ: و هذا الرِّجز قد يكون وساوس الشّيطان، أو رجزً ا بدنيًّا كجنابة بعضهم، أو الأمرين معًا. و على أيّة حال، فإنّ الماء ملأ الوديان من أطراف بدر بعد أن استولى الأعداء على آبار بدر، و كان المسلمون بحاجة ماسّة للغسل و رفع العطش، فاذا هذا الماء قد ذهب بكلّ تلك الأرجاس. (5 : 346)

فضل الله: و هكذا عاشالمسلمون في طمأنينةٍ روحيّةٍ، و شعور عميق بالأمن، فاستسلموا لإغفاءة طويلة، يتخفّفون بها من الجَهْد و التّعب، و يعيشون فيها راحة الجسد، إلى جانب ما عاشوه من راحة الرّوح. { اِذْ يُغَشّيكُمُ النُّعَاسَ اَمَنَةً مِنْهُ } و استفاقوا محدثين بالجنابة الّتي أصابتهم بسبب الاحتلام الّذي يُعبّر عنه القرآن ب- { رِجْزَ الشَّيْطَان ِ}، كتعبير عن القذارة الّتي يختزنها معنى الرِّجْز، و عن الشّهوة الّتي هي مثار الحركة لدى الشّيطان في عمليّة الإغواء و الإضلال، و ربمّا كان هناك سبيل آخر لوسوسة الشّيطان.

و كانوا بحاجة إلى الماء للشّرب أو الطّهارة، و كان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، و كانت هناك مشكلة أُخرى، فقد نزلوا على كثيب من الرّمال تغوص به الأقدام، فيمنعها من الثّبات، ممّا قد يُعطّل حرّ يّة التّحرّك في المعركة في ما يُثيره من الغبار الّذي يحجب الرّؤية، و ما يُبعثر به الأقدام، فأنزل الله المطر خفيفًا ليُطهّرهم به، و ليثبّت به الأرض لئلا تزلّ بها الأقدام { وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } من

حدث النّوم أو الجنابة، { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ }، في ما يحسّ به المؤمنون من أنّهم يعيشون تحت رعاية الله، حتّى في مثل هذه الأُمور العاديّة. (10 : 342)

2 - وَ الَّذينَ‘ سَعَوْ فى ا"يَاتِنَا مُعَاجِزينَ‘ اُولئِكَ ’لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز اَليمٌ‘. سبأ : 5

ابن عبّاس: كلّ شيءفي كتاب الله من< الرّجْز > يعني به العذاب. (الإتقان2 : 161)

قَتادَة: الرِّجْز: سوء العذاب. (الطّبَريّ 10 : 346)

الطُّوسيّ: و الرِّجْز هو الرِّجْس، و قال قوم: هو شيء العذاب، و قال آخرون: هو العذاب.

و الرُّجْز بضمّ الرّ اء: الصّنم؛ و منه قوله: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّثّر : 5. (8 : 375)

المَيْبُديّ: الرِّجْز: كلّ شديد من مكروه أو مُستَقذَر. و الرِّجْز: العذاب، في قوله تعالى: { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } الأعراف : 134، أي العذاب. و يسمّى كيد الشّيطان: رِجْزً ا، لأ نّه سبب العذاب، قال تعالى: { وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } الأنفال : 11.

و الرّجز:الأوثان، في قوله: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّثّر : 5، سمّاها رِجْزً ا لأ نّها تؤدّي إلى العذاب. (8 : 109)

ابن عَطيّة: و الرِّجْز: العذاب السّيّئ جدًّ ا. و قرأ ابن مَحَيْصِن من ( رُجْز ) بضمّ الرّ اء. (4 : 405)

الطَّبْرِسيّ: و الرِّجْز: العذاب، بدلالة قوله: { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } الأعراف : 134، و { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } البقرة : 59، فإذا كان العذاب يوصف ب- { اَليمٌ ‘}، كما أنّه نفس العذاب، جاز أن يوصف به. والجرّ في { اَليم ٌ‘} أبين، لأ نّه إذا كان عذاب من عذاب أليم، كان العذاب الأوّ ل أليمًا. و إذا جرى الأليم على العذاب، كان المعنى عذاب أليم من عذاب. و الأوّ ل أكثر فائدة. (4 : 376)

الفَخْرالرّ ازيّ: قال هاهنا: { لَهُمْ عَذَابٌ مِنْرِجْز اَليمٌ ‘} بلفظة صالحة للتّبعيض، وكلّ ذلك إشارة إلى سعة الرّحمة وقلّة الغضب بالنّسبة إليها. والرِّجْز قيل: أسوأ العذاب، وعلى هذا (مِنْ) لبيان الجنس، كقول القائل خاتِم من فضّة. (25 : 242)

البُرُوسَويّ: ( مِنْ ) للبيان، و الرِّجْز سوء العذاب، أي من جنس سوء العذاب...

الرِّجْز: بمعنى القذر و الشّرك و الأوثان، كما في قوله: {وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّثّر : 5، سمّاها رجزً ا لأ نّها تؤدّي إلى العذاب و كذا سمّي كيد الشّيطان رجزً ا في قوله تعالى: { وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } الأنفال : 11، لأ نّه سبب العذاب. و في < المفردات >: أصل الرّجز: الاضطراب، و هو في الآية كالزّلزلة. (7 : 261)

الطَّباطَبائيّ: و الرِّجْز: كالرِّجْس القذر، و لعلّ المراد به: العمل السّيّئ، فيكون إشارة إلى تبدّ ل العمل عذابًا أليمًا عليهم، أو سببًا لعذابهم. و قيل: الرِّجْز هو سيّئ العذاب.

و في الآية تعريض للكفّار الّذين يُصرّون على إنكار البعث. (16 : 358)

المُصْطَفَويّ:{ اُولئِ-كَ ’لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍاَليمٌ‘ } و { وَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا بِا"يَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز

اَليمٌ ‘} الجاثية : 11، أي يقتضي كفرهم و أعمالهم السّيّئة أن ينزّ ل عليهم العذاب. و أ نّهم بلسان حالهم يستعذبون.

و أمّا خصوصيّة الرِّجْز في الموردين: فإنّ الّذين سعوا في آيات الله معاجزين، و كذلك الّذين كفروا بآياته، فهم إنّما يعيشون في محاطة محدودة مُضيّقة من عالم المادّة، و إنّهم منقطعون عن وسيع عالم ماورائها، و محرومون عن الفيوضات الرّوحانيّة و التّوجُّهات اللا هوتيّة، مع أنّ عالم المادّة لااستقلال له و لاقوام له في نفسه، و هو ظلّ زائل محدود من عالم ما فوقها، و قطرة من بحر الرّحمة، و محدودة محصورة من آثار القدرة غير المتناهية. فلاعذاب أشدّ من الانقطاع عن الله الرّحمان المعزّ المعطي المالك المؤمن المهيمن الكريم البصير القيّوم. {ذ"لِكُمُ اللهُ رَ بُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَ الَّذينَ‘ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَايَمْلِكُونَ مِنْ قِطْميرٍ‘}فاطر : 13، { وَ مَنْ يُرِدْ اَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا } الأنعام : 125.

و التّعبير بقوله تعالى:{ عَذَابٌ مِنْ رِجْز اَليمٌ} : يدلّ على أنّ الرّجز ليس بمعنى العذاب، بل أ نّه من مصاديقه. (4 : 53)

مكارم الشّيرازيّ: فهناك كان الحديث عن < الرّزق الكريم >وهنا عن< الرّجز الأليم >.

الرِّجْز:في الأصل بمعنى الاضطراب و عدم القدرة على حفظ التّوازن، و منه قيل: رَجَز البعير رَجْزً ا فهو أرْجُز، و ناقة رَجْزاء إذا تقارب خطوها و اضطرب لضعف فيها. و أُجبرت على تقصير خطواتها لحفظ توازنها، ثمّ أُطلقت الكلمة على كلّ ذنب و رجس كذلك فإنّ إطلاق كلمة < الرَّجَز >على المقاطع الشّعريّة الخاصّة بالنّزال في الحرب، من باب قصر مقاطعها و تقاربها.

على كلّ حال فالمقصود من< الرِّجْز> هنا، أسوأ أنواع العذاب - الّذي يتأكّد بإرداف كلمة < الأليم > أيضًا - و أنواع العقوبات البدنيّة والرّوحيّة الأليمة.

و التفت البعض إلى هذه النّكتة، و هي أنّ القرآن الكريم حين ذكر نعم أهل الجنّة لم يستعمل كلمة <من > ليدلّل على سعتها، بينما جاءت هذه الكلمة عند ذكر العذاب، لتكون دليلا على محدوديّته النّسبيّة، و لتتّضح رحمته تبارك و تعالى. (13 : 356)

فضل الله: و الرِّجْز: هو القذر، كناية عمّا يُصيبهم من القذارة المعنويّة والمادّ يّة في طبيعة العذاب من حيث طبيعته و تأثيره، فذلك هو جزاؤهم الّذي ينتظرهم في الآخرة، ليعرفوا أ نّهم لن يستطيعوا أن يُعجزوا الله، أو يسبقوه في أمره، لأ نّهم أعجز من أن يُعطّلوا شيئًا من إرادته، أو يضعفوا شيئًا من قضائه.

(19 : 14)

الرَِّجْزُ

1 - وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَ بَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَ كَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَ لَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنى اِسْرَاءيلَ‘. الأعراف : 134

ابن عبّاس: الطّاعون. (الطّبَريّ 6 : 41)

مثله سعيد بن جُبَيْر. (الطّبَريّ 6 : 41)

مُجاهِد: العذاب. (الطّبَريّ 6 : 41)

مثله الحسَن و ابن زَيْد (الطُّوسيّ 4 : 555)،

و قَتادَة (الطّبَريّ 6 : 41)، و الآلوسيّ (9 : 35).

الإمام الصّادق علیه السلام : أ نّه أصابهم ثلج أحمر و لم يروه قبل ذلك، فماتوا فيه و جزعوا، و أصابهم ما لم يعهدوه قبله. (الطَّبْرِسيّ2 : 469)

ابن زَيْد: الرِّجْز: العذاب الّذي سلّط الله عليهم من الجراد و القُمّل و غير ذلك، و كلّ ذلك يعاهدونه ثمّ ينكثون. (الطّبَريّ 6 : 42)

الإمام الرّضا علیه السلام : الرِّجْز: هو الثّلج. [ ثمّ قال:] خراسان بلاد رِجْز. (العُرُوسيّ 2 : 60)

أبوعُبَيْدَة: مجازه: العذاب. (1 : 227)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: {وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ }: و لمّا نزل بهم عذاب الله، و حلّ بهم سخطه.

ثم اختلف أهل التّأويل في ذلك الرّجز الّذي أخبر الله أ نّه وقع بهؤلاء القوم. فقال بعضهم: كان ذلك طاعونًا.

و قال آخرون: هو العذاب.

وأولى القولين بالصّواب في هذا الموضع أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره أخبر عن فرعون و قومه، أ نّهم لم-ّا وقع عليهم الرّجز - و هو العذاب و السّخط من الله عليهم - فزعوا إلى موسى بمسألته ربّه كشف ذلك عنهم. و جائز أن يكون ذلك الرّجز كان الطّوفان و الجراد و القُمّل و الضّفادع و الدّم، لأنّ كلّ ذلك كان عذابًا عليهم. و جائز أن يكون ذلك الرّجز كان طاعونًا. و لم يخبرنا الله أيّ ذلك كان، و لاصحّ عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) بأيّ ذلك كان خبر، فنُسلّم له.

فالصّواب أن نقول فيه كما قال جلّ ثناؤه: { وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ } و لانتعدّ اه إلا بالبيان الّذي لاتمانع فيه بين أهل التّأويل، و هو لم-ّا حلّ بهم عذاب الله و سخطه.

{ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ }، يقول: لئن رفعت عنا العذاب الّذي نحن فيه{لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ }. (6 : 41)

القُمّيّ: و هو الثّلج، و لم يروه قبل ذلك، فماتوا فيه و جزعوا جزعًا شديدً ا و أصابهم ما لم يعهدوا قبله.

(1 : 238)

الطُّوسيّ: أخبر الله تعالى عن هؤلاء القوم أ نّه حين وقع عليهم الرِّجْز و هو العذاب. و قال قوم: هو الثّلج، و لم يكن وقع قبل ذلك.

و أصل الرِّجْز: الميل عن الحقّ، و منه قوله تعالى: { الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّ ثّر : 5، يعني عبادة الوثن. والعذاب: رِجْز، لأ نّه عقوبة على الميل عن الحقّ.

و منه الرِّجازة: مايُعدَل به الحِمْل إذا مال. و الرِّجازة أيضًا صُوف أحمر يزيّن به الهَوْدَج، لأ نّه كالرِّجازة الّتي هي تقويم له إذا مال.

و الرَّجَز: رَعْدَة في رِجْل النّاقة لداء يلحقها، يعدل بهاعن حقّ سيرها.

و الرَّجَز: ضرب من الشّعر أُخذ من رَجَز النّاقة، لأ نّه متحرّ ك و ساكن ثمّ متحرّ ك و ساكن في كلّ أجزائه، فهو كالرّعْدة في رِِجْل النّاقة، يتحرّ ك بها، ثمّ يسكن، ثمّ يستمرّ على ذلك. (4 : 555)

ابن عَطيّة: الرِّجْز: العذاب، و الظّاهر من الآية

أنّ المراد بالرِّجْز هاهنا: العذاب المتقدّم الذّكر، من الطّوفان و الجراد و غيره.

و قال قوم من المفسّرين: الإشارة هنا بالرِّجْز إنّما هي إلى طاعون أنزله فيهم، مات منهم في ليلة واحدة سبعون ألف قبطيّ و روي في ذلك أنّ موسى أمر بني إسرائيل بأن يذبحوا كبشًا، و يضمخوا أبوابهم بالدّم، ليكون ذلك فرقًا بينهم و بين القبط في نزول العذاب.

و هذا ضعيف، و هذه الأخبار و ما شاكلها إنمّاتؤخذ من كتب بني إسرائيل، فلذلك ضعفت.

(2 : 445)

الفَخْرالرّ ازيّ: اعلم أ نّا ذكرنا معنى الرِّجْز عند قوله: { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } البقرة : 59، في سورة البقرة و هو اسم للعذاب. ثمّ إنّهم اختلفوا في المراد بهذا الرّجز، فقال بعضهم: إنّه عبارة عن الأنواع الخمسة المذكورة من العذاب الّذي كان نازلا بهم.

و قال سعيد بن جُبَيْر: { الرِّجْزُ } معناه: الطّاعون، و هو العذاب الّذي أصابهم، فمات به من القبط سبعون ألف إنسان في يوم واحد، فتُركوا غير مدفونين. و اعلم أنّ القول الأوّ ل أقوى، لأنّ لفظ {الرِّجْزُ} لفظ مفرد محلّى بالألف و اللا م، فينصرف إلى المعهود السّابق. و هاهنا المعهود السّابق هو الأنواع الخمسة الّتي تقدّم ذكرها، و أمّا غيرها فمشكوك فيه. فحمل اللّفظ على المعلوم أولى من حمله على المشكوك فيه.

(14 : 219)

القُرطُبيّ: أي العذاب. و قرئ بضمّ الرّ اء، لغتان.

(7 : 271)

أبوحَيّان: الظّاهر أنّ الرِّجْز هنا هو ما كان أرسل عليهم من الطّوفان والجراد و القُمّل و الضّفادع و الدّم، فإن كان أُريد الظّاهر، كان سؤالهم موسى بعد وقوع جميعها لابعد وقوع نوع منها. و يحتمل أن يكون المعنى { وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ } نوع من { الرِّ جْز } فيكون سؤالهم قد تخلّل بين نوع و نوع.. (4 : 374)

أبوالسُّعود: {{ وَ لَمَّاوَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} أي العذاب المذكور على التّفصيل، فاللا م للجنس المنتظم لكلّ واحدة من الآيات المفصّلة، أي كلّما وقع عليهم عقوبة من تلك العقوبات قالوا في كلّ مرّة: {يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَ بَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَك َ}. (3 : 22)

نحوه البُرُوسَويّ. (3 : 223)

ابن عاشور: الرِّجْز العذاب، فالتّعريف باللا م هنا للعهد، أي العذاب المذكور، و هو ما في قوله تعالى: { فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ } إلى قوله: { ا "يَاتٍ مُفَصَّلات } الأعراف : 133.

و الرِّجْز من أسماء الطّاعون، و قد تقدّم عند قوله تعالى: { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } البقرة : 59، فيجوز أن يراد بالرِّجْز الطّاعون، أي أصابهم طاعون ألجأهم إلى التّضرّع بموسى، فطُوي ذكره للإيجاز، فالتّقدير: و أرسلنا عليهم الرِّجْز، و لم-ّا وقع عليهم إلخ. وإنّما لم يذكر الرِّجْز في عداد الآيات الّتي في قوله: { فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ...} الأعراف : 133، تخصيصًا له بالذّكر، لأنّ له نبأً عجيبًا،

فإنّه كان ملجأهم إلى الاعتراف بآيات موسى، و وجود ربّه تعالى.

و هذا الطّاعون هو الموتان الّذي حُكي في الإصحاح الحادي عشر من سفر الخروج: « هكذا يقول الرّبّ: إنّي أخرج نحو نصف اللّيل في وسط مصر فيموت كلّ بكر في أرض مصر من بكر فرعون، الجالس على كرسيّه إلى بكر الجارية الّتي خَلْف الرّحى و كلّ بكر بهيمة، ثمّ قالت في الإصحاح الثّاني عشر: فحدث في نصف اللّيل أنّ الرّبّضرب كلّ بكر في أرض مصر، فقام فرعون ليلا هو و عبيده و جميع المصريّين فدعا موسى و هارون ليلا و قال: قوموا أخرجوا أنتم و بنو إسرائيل جميعًا، و اذهبوا اعبدوا ربّكم، و اذهبوا و باركوني » إلخ. قيل: مات سبعون ألف رجل في ذلك اليوم من القبط خاصّة ، و لم يُصب بني إسرائيل منه شيء. (8 : 256)

الطَّباطَبائيّ: الرِّجْز هو العذاب، و يعني به العذاب الّذي كانت تشتمل عليه كلّ واحدة من الآيات المفصّلات، فإنّها آيات عذاب و نكال.

(8 : 228)

عبدالكريم الخطيب: الرِّجْز ما يسوء وجهه، و أثره من الأُمور،و هو مقلوب كلمة « زجر » فكأ نّه رجز ينقلب زجرً ا لمن يحلّ به.

و قوله تعالى: { وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ } أي لم-ّا نزل بهم البلاء، و حلّ بهم العذاب. (5 : 468)

المُصْطَفَويّ: أي الشّدّة و المضيقة في المعاش، في إثر نزول البلاء و العذاب لهم. (4 : 53)

مكارم الشّيرازيّ: و لفظة< الرِّجْز > استعملت في معان كثيرة: البلايا الصّعبة، الطّاعون، الوثن و الوثنيّة، وسوسة الشّيطان، و الثّلج أو البَرَد الصّلب.

و لكن جميع ذلك مصاديق مختلفة، لمفهوم يشكّل الجذر الأصليّ لتلك المعاني، لأنّ أصل هذه اللّفظة كما قال الرّاغب في < المفردات >: هو الاضطراب. و حسب ما قال الطَّبْرِسيّ في < مجمع البيان >: مفهومه الأصليّ هو الانحراف عن الحقّ.

و على هذا الأساس إطلاقلفظ <الرِّجْز> على العقوبه و البلاء، لأ نّها تُصيب الإنسان لانحرافه عن الحقّ، و ارتكاب الذّنب، و كذا يكون الرّجز نوعًا من الانحراف عن الحقّ، والاضطراب في العقيدة، و لهذا أيضًا يُطلِق العرب هذا اللّفظ على داء يُصيب الإبل، و يسبّب اضطراب أرجلها حتّى أ نّها تلجأ للمشي بخطوات قصيرة، أو تمشي تارةً و تتوقّف تارةً أُخرى، فيقال لهذا الدّاء: الرّجَزعلى وزن المرَض.

و السّبب في إطلاق < الرّجَز >على الأشعار الحربيّة، لأ نّها ذات مقاطع قصيرة و متقاربة.

و على كلّ حال، فإنّ المقصود من < الرِّجْز> في الآيات الحاضرة، هو العقوبات المنبّهة الخمسة الّتي أُشير إليها في الآيات السّابقة، و إن احتمل بعض المفسّرين أن يكون إشارة إلى البلايا الأُخرى الّتي أنزلها الله عليهم، و لم يرد ذكرها في الآيات السّابقة، و منها: الطّاعون أو الثّلج و البَرَد القاتل، الّذي وردت الإشارة إليها في التّوراة. (5 : 167)

فضل الله: { الرِّجْزَ } : أصله: الانحراف عن

الحقّ، و قد أُريد به العذاب هنا باعتبار أ نّه مسبّب عنه، من إطلاق السّبب على المسبّب. [إلى أن قال:]

{ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ } و ضاق الأمر بهم، و لم يجدوا مجالا للاستمرار في ما هم فيه، و عرفوا أنّ الله هو الّذي أنزل عليهم ذلك كلّه عقابًا لهم على أعمالهم، فلجأوا إلى موسى يتوسّلون إليه أن يدعو ربّه ليكشف عنهم العذاب، و عاهدوه على الإيمان و إرسال قومهمعه. (10 : 220)

2 - فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ اِلى" اَجَل هُمْ بَالِغُوهُ ...

الأعراف : 135

راجع: ك ش ف: < كَشَفْنَا >.

رِجْزً ا

فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَ-لَمُوا رِجْ-زً ا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. البقرة : 59

النّبيّ(صلی الله علیه و آله): إنّ هذا الوجع أو السُّقم رِجْزٌ عُذّب له بعض الأُمم قبلكم. (الطّبَريّ 1 : 345)

إنّ الطّاعون رِجْز أُنزل على من كان قبلكم أو على بني إسرائيل. (الطّبَريّ 1 : 345)

ابن عبّاس: كلّ شيء في كتاب الله من الرِّجْز يعني به العذاب. (الطّبَريّ 1 : 346)

نحوه ابن زَيْد. (الطّبَريّ 1 : 346)

أمات الله منهم في ساعة واحدة نيّفًا على عشرين ألفًا. (ابن عَطيّة 1 : 151)

أبوالعالية: الرِّجْز:الغضب. (الطّبَريّ 1 : 345)

قَتادَة:عذا بًا. (الطّبَريّ 1 : 345)

نحوه مُقاتِل (1 : 110)، و حجازي (1 : 34).

ابن زَيْد: لم-ّا قيل لبني إسرائيل:ادْخلُوا الباب سُجّدً ا و قولوا حِطّة، فبدّ ل الّذين ظلموا منهم قولا غير الّذي قيل لهم، بعث الله جلّ و عزّ عليهم الطّاعون، فلم يُبق منهم أحدً ا. و قرأ: { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } و بقي الأبناء ففيهم الفضل و العبادة الّتي توصف في بني إسرائيل و الخير، و هلك الآباء كلّهم أهلكهم الطّاعون.

(الطّبَريّ 1 : 345)

الفَرّ اء: الرُّجْز هوالرّجس. و ذكر بعضهم أنّ الرُّجْز بالضّمّ اسم صنم كانوا يعبدونه.(القُرطُبيّ 1 : 417)

أبوعُبَيْدَة: العذاب. (1 : 41)

الرّجْز. و الرّجس لغتان، مثل الرّدع، و السّدع و البزاق و البساق. (الطُّوسيّ 1 : 268)

الطّبَريّ: و الرِّجْز في لغة العرب: العذاب، و هو غير الرُّجْز. و ذلك أن ّالرِّجز: البِثْر؛ و منه الخبر الّذي روي عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في الطّاعون أ نّه قال: < إنّه رجز عُذّب به بعض الأُمم الّذين قبلكم >.

و قد دلّلنا على أن تأويل < الرِّجْز > العذاب . و عذاب الله جلّ ثناؤه أصناف مختلفة، و قد أخبر الله جلّ ثناؤه أ نّه أنزل على الّذين وصفنا أمرهم الرِّجْز من السّماء.

و جائز أن يكون ذلك طاعونًا، و جائز أن يكون غيره. و لادلالة في ظاهر القرآن، و لافي أثر عن

الرّسول ثابت، أيّ أصناف ذلك كان.

فالصّواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز ّو جلّ: فأنزلنا عليهم رجزً ا من السّماء بفسقهم، غير أ نّه يغلب على النّفس صحّة ما قاله ابن زَيْد، للخبر الّذي ذكرت عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) في إخباره عن الطّاعون، أ نّه رجز، و أ نّه عُذّب به قوم قبلنا. و إن كنت لاأقول إنّ ذلك كذلك يقينًا، لأنّ الخبر عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) لابيان فيه أيّ أُمّة عُذّبت بذلك. و قد يجوز أن يكون الّذين عُذّبوا به، كانوا غير الّذين وصف الله صفتهم في قوله: { فَبَدَّ لَ الَّذينَ ‘ظَلَمُوا قَوْ لا غَيْرَ الَّذى‘ قيلَ‘ لَهُمْ }. (1 : 345)

الزّجّاج: الرِّجْز: العذاب، و كذلك الرّجس. [ثمّ استشهد بشعر] (1 : 140)

الطُّوسيّ: و الرِّجز في لغة أهل الحجاز: العذاب،و في لغة غيرهم: الرّجس، لأنّ الرّجس الشّرّ؛ و منه قوله في الطّاعون: إنّه رجس عُذّب به بعض الأُمم، و هو قول ابن عبّاس، و قَتادَة ... فقيل: إنّه مات منهم في ساعة واحدة أربعة و عشرون ألفًا من كبرائهم و شيوخهم، و بقي الأبناء، و انتقل العلم و العبادة إليهم. (1 : 268)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (1 : 119)

المَيْبُديّ: قال: { رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } لأنّ العذاب على قسمين:

أحدهما: على أيدي الإنسان، من جهة أ نّه مخلوق، كالهدم و الغرق و الحرق و أمثالها، و يمكن دفعها بوجه من الوُجُوه.

و قسم آخر: عذاب سماويّ كالطّاعون و الصّاعقة و موت الفجأة و أمثالها، و هذا القسم لايمكن دفعها بقوّة الآدميّ. قال ربّ العزّة: أنزلنا عذابهم من السّماء حتّى لايمكن دفعها بيد الإنسان. (1 : 204)

الزّ مَخْشَريّ: و الرِّجْز: العذاب، وقرئ : بضمّ الرّاء. و روي: أ نّه مات منهم في ساعة بالطّاعون أربعة و عشرون ألفًا، و قيل: سبعون ألفًا. (1 : 283)

ابن عَطيّة: و الرِّجْز العذاب... و قرأ ابن مُحَيْصِن ( رُجْزً ا ) بضمّ الرّ اء، و هي لغة في العذاب. و الرُّجْز أيضًا اسم صنم مشهور. (1 : 151)

الفَخْرالرّ ازيّ: أمّا قوله تعالى: { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } ففيه بحثان:

الأوّ ل: أنّ في تكرير { الَّذينَ‘ ظَلَمُوا } زيادة في تقبيح أمرهم، و إيذانًا بأنّ إنزال الرِّجْز عليهم لظلمهم.

الثّاني: أنّ الرّجز هوالعذاب، و الدّليل عليه قوله تعالى: { وَ لمَ-َّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ }الأعراف : 134، أي العقوبة، وكذا قوله تعالى: { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } الأعراف: 134، و ذكر الزّجّاج أنّ الرِّجْز و الرِّجس معناهما واحد، و هو العذاب.

و أمّا قوله: { وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ } الأنفال : 11، فمعناه: لطخه و ما يدعو إليه من الكفر، ثمّ إنّ تلك العقوبة أيّ شيء كانت لادلالة في الآية عليه. فقال ابن عبّاس: مات منهم بالفجأة أربعة و عشرون ألفًا في ساعة واحدة، و قال ابن زَيْد: بعث الله عليهم الطّاعون حتّى مات من الغداة إلى العشيّ خمس و عشرون ألفًا، و لم يبق منهم أحد. (3 : 91)

القُرطُبيّ: قوله تعالى: { رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } قراءة الجماعة: { رِجْزً ا } بكسر الرّ اء، و ابن مُحَيْصِن بضمّ الرّ اء، و الرِّجْز: العذاب: بالزّاي و بالسين: النّتن و القذر؛ و منه قوله تعالى: { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ } التّوبة : 125، أي نتنًا إلى نتنهم، قاله الكِسائيّ. [إلى أن قال:]

و قرئ بذلك في قوله تعالى: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّثّر : 5. (1 : 417)

البَيْضاويّ: و الرِّجْز في الأصل: ما يعاف عنه، و كذلك الرّجس. و قرئ بالضّمّ، و هو لغة فيه، و المراد به: الطّاعون. (1 : 58)

أبوحَيّان: قرأ ابن مُحَيْصِن: ( رُجْزً ا ) بضمّ الرّ اء، و قد تقدّم أ نّها لغةفي الرِّجْز.

و اختلفوا في < الرّجز > هنا، فقال أبوالعالية: هو غضب الله تعالى، و قال ابن زَيْد: طاعون أهلكمنهم في ساعة سبعين ألفًا، و قال وَهْب: طاعون عُذّبوا به أربعين ليلة ثمّ ماتوا بعد ذلك، و قال ابن جُبَيْر: ثلج هلك به منهم سبعون ألفًا، و قال ابن عبّاس: ظلمة و موت مات منهم في ساعة أربعة و عشرون ألفًا، و هلك سبعون ألفًا عقوبة.

و الّذي يدلّ عليه القرآن أ نّه أنزل عليهم عذاب و لم يُبيّن نوعه؛ إذ لاكبير فائدة في تعليق النّوع.

(1 : 225)

أبوالسُّعود: أي عذا بًا مقدّرً ا منها، والتّنوين للتّهويل و التّفخيم. (1 : 137)

نحوه البُرُوسَويّ. (1 : 144)

صدر المتألّهين : قيل: الرِّجْزبكسر الرّ اء: العذاب، في لغة أهل الحجاز، و هو غير الرّجس، لأنّ الرّجس: النّتن. و قال الزّجّاج: « إنّ الرِّجْز و الرِّجس معناهما واحد ».

و الظّاهر أنّ الرِّجْز قد يجي‌ء بمعنى العذاب، كما في قوله تعالى: { وَ لَمَّا وَ قَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ } الأعراف : 134، يعني: العقوبة، و كذا قوله: { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } الأعراف : 134. و قد يجي‌ء بمعنى الرّجس، كما في قوله: { وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ } الأنفال: 11، و هو نجاسة معنويّة. كما أنّ التّوبة طهارة قلبيّة. و الرّجس في الأصل: ما يعاف عنه.

و المعنى: خالفوا الأمر و بدّلوا ما أُمروا به من التّوبة و الاستغفار، فلم يفعلوا و لم يقولوا قولا دالا على التّوبة، طلبًا لما اشتهوا من أغراض الدّنيا و دواعي النّفس و الهوى، فقالوا: غير ذلك، فاستحقّوا العذاب، فأنزلنا عليهم العقوبة من السّماء بظلمهم و فسقهم. (3 : 428)

الآلوسيّ: وضع المُظهر موضع الضّمير مبالغةً في تقبيح أمرهم و إشعارً ا بكون ظلمهم و إضرارهم أنفسهم بترك ما يوجب نجاتها، أو وضعهم غير المأمور به موضعه، سببًا لإنزال الرِّجْز، و هو العذاب. و تُكسَر راؤه و تُضمّ، و الضّمّ لغة بني الصّعدا ت، و به قرأ إبن مُحَيْصِن.

و المراد به هنا كما - روي عن ابن عبّاس - : ظلمة وموت. يروى أ نّه مات منهم في ساعة أربعة و عشرون ألفًا، و قال وَهْب : طاعون غدوا به أربعين ليلة ثمّ ماتوا

بعد ذلك، و قال إبن جُبَيْر: ثلج هلك به منهم سبعون ألفًا.

فإن فُسّر بالثّلج كان كونه { مِنَ السَّمَاءِ } ظاهرًا، و إن بغيره، فهو إشارة إلى الجهة الّتي يكون منها القضاء، أو مبالغة في علوّه بالقهر و الإستيلاء. و ذكر بعض المحقّقين أنّ الجارّ و المجرور ظرف مستقرّ، و قع صفة ل- { رِجْزً ا }. (1 : 267)

ابن عاشور:و إنّما جاء بالظّاهر في موضع المضمر في قوله: { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا } و لم يقل: عليهم، لئلا يُتوهّم أنّ الرِّجْز عمّ جميع بني إسرائيل، و بذلك تنطبق الآية على ما ذكرته التّوراة تمام الانطباق. (1 : 499)

مَغْنِيّة: و الرِّجْز بكسر الرّ اء: الشّي‌ء القذر، و المراد به هنا العذاب. [إلى أن قال:]

و قد سكت الله سبحانه عن نوع العذاب و حقيقته، ولم يُبيّن لنا: هل هو الطّاعون؟ كما قال البعض، أو الثّلج كما ذهب آخرون؟ و أيضًا سكت عن عدد الّذين هلكوا بهذا العذاب: هل هم سبعون ألفًا، أو أكثر، أو أقلّ؟ و عن أمد العذاب و مدّته: هل هي ساعة أو يوم؟ لذلك نسكت نحن عمّا سكت الله عنه، و لانتكلّف بيانه كما تكلّفه غيرنا، اعتمادً ا على قول ضعيف، أو رواية متروكة. (1 : 109)

المُصْطَفَويّ: { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } الظّلم هو التّعدّي إلى حقوق و أموال للآخرين، بمعنى: منعهم عن الحرّ يّة و السّعة، و جعلهم محدودين و ممنوعين عن إحراز مالهم، فجزاؤهم أن يوقع عليهم شدّة و مضيقة في معاشهم، حتّى يصيروا في عذاب من رجز أليم. (4 : 53)

مكارم الشّيرازيّ : و « الرِّجْز » أصله: الاضطراب - كما يقول الرّ اغِب في < مفرداته > - و منه قيل: رجَز البعير، إذا اضطرب مشيه لضعفه.

و يقول الطّبْرِسيّ في « مجمع البيان »: إنّ الرِّجْز يعني العذاب عند أهل الحجاز، و يُروى عن الرّسول(صلی الله علیه و آله) قوله بشأن مرض الطّاعون: « إنّه رِجْز عُذّب به بعض الأُمم قبلكم ».

و من هنا يتّضح سبب تفسير « الرِّجْز » في بعض الرّوايات أ نّه نوع من الطّاعون، فشا بسرعة بين بني إسرائيل و أهلك جمعًا منهم.

قد يقال: إنّ الطّاعون لاينزل من السّماء، لكن هذا التّعبير قد يشير إلى حقيقة انتشار هذا المرض عن طريق الهواء الملوّث، بميكروب الطّاعون الّذي هَبّ بأمر الله آنذاك، في بيئةبني إسرائيل.

يلفت النّظر أنّ من عوارض الطّاعون اضطرا بًا في المشي و الكلام، و هذا يتناسب مع أصل معنى « الرِّجْز » تمامًا.

و من المُلفت للنّظر أيضًا أنّ القرآن يؤكّد أنّ هذا العذاب نزل { عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا } فقط، و لم يشمل جميع بني إسرائيل. (1 : 208)

فضل الله: و الظّاهر أنّ المقصود به العذاب، و قيل: إنّه الطّاعون. (2 : 58)

و جاء كلمة < رِجْزً ا> بهذا المعنى في آيتين:آية 162 من سورة الأعراف، و آية 34 من سورة

العنكبوت. إن شئت راجع

رِجْز

وَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا با"يَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز اَليمٌ‘. الجاثية : 11

الفَخْرالرّ ازيّ: و الرِّجْز: أشدّ العذاب، بدلالة قوله تعالى: { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ } البقرة : 59، و قوله: { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} الأعراف : 134،... و يكون المراد من الرِّجْز: الرّجس الّذي هو النّجاسة، و معنى النّجاسة فيه قوله: { وَيُسقى مِنْ مَاء صَديد ‘ } إبراهيم : 16، و كأنّ المعنى لهم عذاب من تجرّع رجس أو شرب رجس، فتكون ( مِنْ ) تبيينًا للعذاب. (27 : 262)

الرُّجْزَ

وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ. المدّثّر : 5

ابن عبّاس: السّخط، و هو الأصنام.

(الطّبَريّ12: 300)

يعني الآثام والأصنام. (الماوَرْديّ 6 : 137)

مثله جابر و قَتادَة و السُّدّيّ. (الماوَرْديّ 6 : 137)

أبوالعالية: الرُّجْز بالضّمّ: الصّنم، و بالكسر:النّجاسة و المعصية.

مثله الرّبيع و الكِِسائيّ. (القُرطُبيّ 19 : 65)

سعيدبن جُبَيْر: و الشّرك فاهْجُر.

(الماوَرْديّ 6 : 137)

النّخعيّ: الإثم. (الطّبَريّ 12 : 301)

مُجاهِد: الأوثان. (الطّبَريّ 12 : 300)

مثله عِِكْرِِمَة، و الزُّهريّ. (الطّبَريّ 12 : 300)

الضّحّاك: يقول: اهْجُر المعصية.

(الطّبَريّ 12 : 301)

الحسَن: و الذّنب فاهْجُر. (الماوَرْديّ 6 : 137)

اجتنب المعاصي. (الطَّبْرِسيّ5 : 385)

قَتادَة: إساف و نائلة، و هما صنمان كانا عند البيت، يمسح وجوههما من أتى عليهما، فأمر الله نبيّه (صلی الله علیه و آله) أن يجتنبهما، ويعتزّلهما. (الطّبَريّ 12 : 300)

السُّدّيّ: و الإثم فاهْجُر. (الماوَرْديّ6 : 137)

الرَّجز بنصب الرّ اء: الوعيد. (القُرطُبيّ 19 : 65)

ابن زَيْد: الرُّجْز: آلهتهم الّتي كانوا يعبدون، أمره أن يهجرها، فلايأتيها، ولايقربها. (الطّبَريّ 12 : 300)

الكِسائيّ: الرِّجْز بالكسر: العذاب، و بالضّمّ: الصّنم. و قال: المعنى اهْجُر ما يؤدّي إلى العذاب.

(الطَّبْرِسيّ5 : 385)

الفَرّ اء: قوله عزّ و جلّ: {وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ}.كسره عاصم و الأعمش و الحسَن، و رفعه السّلميّ و مُجاهِد و أهل المدينة، فقرؤوا: ( وَ الرُّجْزُ فاهْجُرْ ).و فسّر مُجاهِد: ( وَ الرُّجْز ): الأوثان، و فسّره الكَلْبيّ:(الرُّجْز) العذاب. و نرى أ نّهما لغتان، وأنّ المعنى فيهما واحد.

(3 : 200)

الجُبّائيّ: معناه: جانب الفعل القبيح، و الخُلق الذّميم. (الطَّبْرِسيّ 5 : 385)

الطّبَريّ: اختلف القرّاء في قراءة ذلك، فقرأه بعض قرّ اء المدينة و عامّة قرّ اء الكوفة: ( وَ الرِّجْزَ ) بكسر الرّ اء، و قرأه بعض المكّيّين و المدنيّين { وَ الرُّجْزَ)

بضمّ الرّ اء. فمن ضمّ الرّ اء وجّهه إلى الأوثان، و قال: معنى الكلام: و الأوثان فاهْجُر عبادتها، و اتْرُك خدمتها. و من كسر الرّ اء وجّهه إلى العذاب، و قال: معناه: و العذاب فاهْجُر، أي ما أوجب لك العذاب من الأعمال فاهْجُر.

و الصّواب من القول في ذلك: أ نّهما قراءتان معروفتان، فبأيّتهما قرأ القارئ فمصيب. و الضّمّ و الكسر في ذلك لغتان بمعنى واحد، و لم نجد أحدً ا من متقدّمي أهل التّأويل فرّق بين تأويل ذلك، و إنّما فرّق بين ذلك فيما بلغنا الكِسائيّ.

و اختلف أهل التّأويل في معنى { الرُّجْزَ } في هذا الموضع، فقال بعضهم: هو الأصنام. [ نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال:]

و قال آخرون: بل معنى ذلك: و المعصية و الإثم فاهْجُر. (12 : 300)

الزّجّاج: (وَ الرِّجْزَ فَاهْجُرْ) بكسر الرّ اء، و قرئت بضمّ الرّ اء، و معناهما واحد، و تأويلهما اهْجُر عبادة الأوثان، و الرِّجز في اللُّغة: العذاب، قال الله تعالى: { وَ لَمَّا وَ قَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ} الأعراف : 134، فالتّأويل على هذا ما يؤدّي إلى عذاب الله فاهْجُره. (5 : 245)

القُمّيّ: الرّجز: الخبيث. (2 : 393)

الماوَرْديّ:[ أقوال المفسّرين ثمّ قال:]

الخامس: و العذاب فاهْجُر، حكاه أسباط.

السّادس: و الظّلمفاهْجُر. (6 : 137)

الطُّوسيّ: و قوله: { وَ الرُّجْزَ } منصوب بقوله: { فَاهْجُرْ }. [نقل أقوال المفسّرين و أضاف:]

و قالوا: المعنى اهْجُر ما يؤدّي إلى العذاب. و لم يفرّق أحد بينهما.

و بالضّمّ قرأ حفص و يعقوب و سهل، الباقون بالكسر: إمّا لأنهّما لغتان، مثل الذِّكر و الذُّكر أو بما قاله الكِسائي.

و قال قوم: الرُّجْز بالضّمّ : الصّنم. و قال: كان الرُّجْز صنمين: إساف و نائلة، نهى الله تعالى عن تعظيمهما. (10 : 173)

المَيْبُديّ: [نحو الطُّوسيّ و أضاف:]

أي اجتَنِب المعاصي، و كلّ ما يقضي إلى العذاب. و قيل: الرّجز: الشّيطان، أي لاتُطِعه. (10 : 281)

الزّمَخْشَريّ: { وَ الرُّجْزَ } قرئ بالكسر و الضّمّ و هو العذاب، و معناه: اهْجُر ما يؤدّي إليه من عبادة الأوثان و غيرها من المآثم. و المعنى: الثّبات على هجره، لأ نّه كان بريئًا منه. (4 : 181)

ابن عَطيّة: و قرأجمهور النّاس ( وَ الرِّجْزَ ) بكسر الرّ اء، و قرأ حفص عن عاصم و الحسَن و مُجاهِد و أبوجعفر و شيبة و أبو عبد الرّحمان و النّخعيّ و ابن وثّاب و قَتادَة و ابن أبي إسحاق و الأعرج { وَ الرُّجْزَ } بضمّ الرّ اء، فقيل: هما بمعنى يراد بهما الأصنام و الأوثان.

و قيل: هما لمعنيين الكسر للنّتن والتّقابض، و فجور الكفّار، و الضّمّ لصنمين : إساف و نائلة و روى جابر أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) فسّر هذه الآية بالأوثان.

(5 : 393)

الطَّبْرِسيّ: [نقل قول الكِسائيّ ثمّ قال:]

و لم يُفرّق غيره بينهما. وقيل: معناه أخْرِج حُبّ الدّنيا من قلبك، لأ نّه رأس كلّ خطيئة. (5 : 385)

الفَخْرالرّ ازيّ: فيه مسائل:

المسألة الأُولى: ذكروا في الرّجز وُجُوهًا:

الأوّ ل: قال العتبيّ: الرِّجْز: العذاب، قال الله تعالى: {لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } الأعراف : 134، أي العذاب، ثمّ سمّي كيد الشّيطان رجزً ا لأ نّه سبب للعذاب. وسمّيت الأصنام رجزً ا لهذا المعنى أيضًا، فعلى هذا القول تكون الآية دالّة على وجوب الاحتراز عن كلّ المعاصي، ثمّ على هذا القول احتمالان:

أحدهما: أنّ قوله: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ}. يعني كلّ ما يؤدّي إلى الرّجز فاهْجُره، و التّقدير: و ذا الرِّجْر فاهْجُر، أي ذا العذاب، فيكون المضاف محذوفًا.

و الثّاني: أ نّه سمّي إلى ما يؤدّي إلى العذاب عذا بًا تسمية للشّيء، باسم ما يجاوره و يتّصل به.

القول الثّاني: أنّ الرِّجْز اسم للقبيح المستَقذَر، و هو معنى الرّجس، فقوله: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } كلام جامع في مكارم الأخلاق، كأ نّه قيل له: اهْجُر الجفاء و السّفه، وكلّ شيء قبيح، و لاتتخلّق بأخلاق هؤلاء المشركين المستعملين للرِّجْز، و هذا يشاكل تأويل من فسّر قوله: { وَ ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } المدّثّر : 4، على تحسين الخلق، و تطهير النّفس عن المعاصي و القبائح.

المسألة الثّانية: احتجّمن جوّز المعاصي على الأنبياء بهذه الآية قال: لولا أ نّه كان مشتغلا بها و إلا لما زجر عنها بقوله: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ }.

و الجواب: المراد منه الأمر بالمداومة على ذلك الهجران، كما أنّ المسلم إذا قال: اهدنا فليس معناه أ نّا لسنا على الهداية فاهدنا، بل المراد ثبّتنا على هذه الهداية، فكذا هاهنا.

المسألة الثّالثة: قرأ عاصم في رواية حفص{ و الرُّجْزَ } بضمّ الرّ اء في هذه السّورة، و في سائر القرآن بكسر الرّ اء. و قرأ الباقون و عاصم في رواية أبي بكر بالكسر، و قرأ يعقوب بالضّمّ، ثمّ قال الفَرّ اء: هما لغتان و المعنى واحد. و في كتاب الخَليل: الرّجز: بضمّ الرّ اء عبادة الأوثان، و بكسر الرّ اء العذاب، و وسواس الشّيطان أيضًا رجز، و قال أبوعُبَيْدَة: أفشى اللّغتين و أكثرهما الكسر. (30 : 193)

نحوه النَّيسابوريّ. (29 : 87)

القُرطُبيّ: قال مُجاهِد و عِِكْرِمَة: يعني الأوثان، دليله قوله تعالى: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ } الحجّ: 30، قاله ابن عبّاس و ابن زَيْد.

و عن ابن عبّاس أيضًا: و المأثم فاهْجُر، أي فاتْرُك. و قيل: الرِّجْز العذاب، على تقدير حذف المضاف، المعنى: و عمل الرّجز فاهْجُر، أو العمل المؤدّي إلى العذاب.

و أصل الرِّجْز: العذاب، قال الله تعالى: { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ } الأعراف : 134، و قال تعالى: { فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزً امِنَ السَّمَاءِ } الأعراف : 162، فسمّيت الأوثان رِجْزً ا، لأ نّها تؤدّي إلى العذاب.

و قراءة العامّة ( الرِّجْز )بكسر الرّ اء. و قرأ الحسَن و عِِكْرِمَة و مُجاهِد و ابن مُحَيْصِن و حفص عن عاصم { الرُّجْزَ} بضمّ الرّ اء و هما لغتان، مثل الذِّكر

و الذُّكر. (19 : 65)

أبوحَيّان: [نقل أقوال المفسّرين و قال:] و المعنى في الأمر اثبُت و دُمْ على هجره، لأ نّه (صلی الله علیه و آله) كان بريئًا منه.

(8 : 371)

الفاضل المقداد: ( الرِّجْز ): إمّا العذاب لقول الأكثر، فيكون أمره بهجرانه أمرً ا بهجران أسبابه الموجبة له، و هو أمارة وجوب تطهير الثّياب، أو النّجاسة، فهو حينئذ صريح في وجوب توقّي النّجاسة حال الصّلاة . (1 : 54)

أبوالسُّعود: أي و اهْجُر العذاب بالثّبات على هجرما يؤدّي إليه من المآثم. و قرئ بكسر الرّ اء، و هما لغتان كالذُّكر و الذِّكر. (6 : 326)

البُرُوسَويّ: قرأ عاصم في رواية حفص { الرُّجْزَ } بالضّمّ، و الباقون بكسر الرّ اء، و معناهما واحد، و هو الأوثان. و قد سبق معنى الهجر في المزّمّل، أي ارْفض عبادة الأوثان و لاتقربها، كما قال إبراهيم {وَ اجْنُبْنى وَ بَنِىَّ اَنْ نَعْبُدَ الاَ_صْنَامَ } إبراهيم : 35، و يقال: الرّجز العذاب، أي و اهْجُر العذاب بالثّبات على هجر ما يؤدّي إليه من المآثم. سمّي ما يؤدّي إلى العذاب رجزً ا، على تسمية المسبّب باسمسببه،والمراد: الدّوام على الهجر، لأ نّه كان بريئًا من عبادة الأوثان و نحوها. (10 : 226)

الآلوسيّ: قال القُتَبيّ { الرُّجْزَ }: العذاب، و أصله: الإضطراب، و قد أُقيم مُقام سببه المؤدّي إليه من المآثم، فكأ نّه قيل: اهْجُر المآثم و المعاصي، و المؤدّي إلى العذاب أو الكلام، بتقدير مضاف، أي أسباب الرّجز أو التّجوّز في النّسبة على ما قيل، و نحو هذا قول ابن عبّاس{ الرُّجْزَ }: السّخط.

و فسّر الحسَن{ الرُّجْزَ } بالمعصية، و النّخعيّ بالإثم، و هو بيان للمراد، و لمّا كان المخاطب بهذا الأمر هوالنّبيّ (صلی الله علیه و آله) و هو البريء عن ذلك، من باب: < إيّاك أعني و أسمعي > أو المراد: الدّوام و الثّبات على هجر ذلك.

و قيل: { الرُّجْزَ } اسم لصنمين إساف و نائلة، و قيل: للأصنام عمومًا، و روي ذلك عن مُجاهِد و عِكْرِمَة و الزُّهريّ، و الكلام على ما سمعت آنفًا. و قيل: { الرُّجْزَ } اسم للقبيح المستَقذَر. { الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } كلام جامع في مكارم الأخلاق، كأ نّه قيل: اهْجُر الجفاء و السّفه، و كلّ شيء يقبح، و لاتتخلّق بأخلاق هؤلاء المشركين. و عليه يحتمل أن يكون هذا أمرً ا بالثّبات على تطهير الباطن بعد الأمر بالثّبات على تطهير الظّاهر بقوله سبحانه:{ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } المدّثّر : 4. و قرأ الأكثرون: ( الرِّجْز ) بكسر الرّ اء، و هي لغة قريش، و معنى المكسور و المضموم واحد عند جمع. و عن مُجاهِد: أنّ المضموم بمعنى الصّنم،و المكسور بمعنى العذاب. و قيل: المكسور: النّقائص و الفجور، و المضموم: إساف ونائلة، و في كتاب الخَليل: { الرُّجْزَ } بضمّ الرّ اء: عبادة الأوثان، و بكسرها: العذاب. و من كلام السّادة: أي الدّنيا فاتْرُك، و هو مبنيّ على أنّه أُريد ب- { الرُّجْزَ } الصّنم، و الدّنيا من أعظم الأصنام الّتي حبّها بين العبد و بين مولاه، و عبَدتها أكثر من عبَدتها، فإنّها تُعبَد في البِيَع

و الكنائس و الصّوامع و المساجد و غير ذلك.

أو أُريد ب- { الرُّجْزَ }: القبيح المستَقذَر، و الدّنيا عند العارف في غاية القبح و القذارة، فعن الأمير كرّم الله تعالى وجهه أ نّه قال: < الدّنيا أحقر من ذراع خنزير ميّت بال عليها كلب في يد مجذوم > و قال الشّافعيّ:

و ما هي إلا جيفة مستحيلة

عليها كلاب همّ-هنّ اجتذابها

فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها

و إن تجتذبها نازعتك كلابها

و يقال: كلّ ما ألهى عن الله عزّ و جلّ فهو رِجْز يجب على طالب الله تعالى هجره؛ إذ بهذا الهجر ينال الوصال، و بذلك القطع يحصل الاتّصال، و من أعظم لاه عن الله تعالى النّفس، و من هنا قيل: أي نفسك فخالفها و الكلام في كلّ ذلك من باب: إيّاك أعني، أو القصد فيه إلى الدّوام و الثّبات كما تقدّم. (29 : 119)

ابن عاشورِ:{ الرُّجْزَ }: يقال بكسر الرّ اء و ضمّها، و هما لغتان فيه و المعنى واحد عند جمهور أهل اللُّغة. و قالأبوالعالية و الرّبيع و الكِسائيّ : ( الرِّجْز ) بالكسر: العذاب و النّجاسة و المعصية، و بالضّمّ: الوثن. و يُحمَل { الرُّجْزَ }: هنا على ما يشمل الأوثان و غيرها، من أكل الميتة والدّم.

وتقديم { الرُّجْزَ } على فعل { اهْجُرْ } للاهتمام في مهيع الأمر بتركه. (29 : 277)

الطّبَاطبَائيّ: قيل: { الرُّجْزَ } بضمّ الرّاء و كسرها العذاب، و المراد بهجره: هجر سببه، و هو الإثم و المعصية، و المعنى اهْجُر الإ ثم و المعصية.

و قيل: { الرُّجْزَ } اسم لكلّ قبيح مستَقذَر من الأفعال و الأخلاق، فالأمر بهجره أمر بترك كلّ ما يكرهه الله و لايرتضيه مطلقًا، أو أمر بترك خصوص الأخلاق الرّذيلة الذّميمة، على تقدير أن يكون المراد بتطهير الثّياب: ترك الذّنوب و المعاصي.

و قيل: { الرُّجْزَ } هو الصّنم، فهو أمر بترك عبادة الأصنام. (20 : 81)

خليل ياسين: س - { الرُّجْزَ }: العذاب، فكيف يُؤمر الرّسول بهجر العذاب؟

ج - ليس المقصود حقيقةً بالخطاب هو الرّسول، و إن كان هو المخاطب، بل المقصود أُمّته. و أمر الآمر بهجر الرّجز الّذي هو العذاب، معناه اهْجُرما يؤدّي إلى العذاب، من عبادة الأوثان وغيرها من المآثم، و إن أبيتَ، إلا أنّ المقصود بالخطاب هو الرّسول(صلی الله علیه و آله) فمعنى ذلك الثّبات على هجره، لأ نّه كان و لايزال بريئًامنه.

(2 : 283)

عبدالكريم الخطيب: و ممّا ينبغي أن يأخذ بهالنّبيّ نفسه في ثياب النّبوّة، أن يهجر الرّجز، و هو كلّ ما يمسّ طهارة هذا الثّوب، سواء أ كان ذلك ناجمًا من الاحتكاك بالحياة، و المجادلة مع المشركين، أو كان ذلك ممّا يعرض للنّفس من ضجر، و قلق و معاناة، من تلقاء هذا العِبْ‌ء، العِبْء الّذي تنوء بحمله الجبال، و هذا هو هجر الرّجز. (15 : 1280)

المُصْطَفَويّ: أي المضيقة المتحصّلة في الصّدر من التّ-قيّدات المعمولة، و الرّسوم المتداولة، و صفات قلبيّة، كالهمّ و الغمّ و الاضطراب و التّحيّر في إجراء ما

يُعرَف و العمل بما يُعلَم و الاستقامة فيما يُؤمر به، و الانقطاع عمّا للنّاس و فيهم.

و من العجب: تفسير بعضهم بالشّرك و الصّنم، مع عدم التّناسب بين المادّة و هذا التّفسير موضوعًا و حكمًا. (4 : 55)

مكارم الشّيرازيّ: و يبيّن تعالى الأمر الثّالث بقوله: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المفهوم الواسع للرُّجْز كان سببًا لأن تُذكَر في تفسيره أقوال مختلفة: فقيل: هو الأصنام، و قيل: المعاصي، و قيل: الأخلاق الرّذيلة الذّميمة، و قيل: حُبّ الدّنيا الّذي هو رأس كلّ خطيئة، و قيل: هو العذاب الإلهيّ النّازل بسبب التّرك

و المعصية، و قيل: كلّ ما يُلهي عن ذكر الله.

و الأصل: أنّ معنى { الرُّجْز }يطلق على الاضطراب و التّزلزل، ثمّ أُطلق على كلّ أنواع الشّرك. عبادة الأصنام، و الوساوس الشّيطانيّة، و الأخلاق الذّميمة، و العذاب الإلهيّ الّتي تُسبّب اضطرابالإنسان، و فسّره البعض بالعذاب، و قد أُطلق على الشّرك و المعصية و الأخلاق السّيّئة، و حُبّ الدّنيا لما تجلبه من العذاب.

و ما تجدر الإشارة إليه أنّ القرآن الكريم غالبًا ما استعمل لفظ { الرُّجْز} بمعنى العذاب، و يعتقد البعض أنّ كلمتي الرّجز و الرّجس مرادفان.

و هذه المعاني الثّلاثة، و إن كانت متفاوتة، و لكنّها مرتبطة بعضها بالآخر. و بالتّالي فإنّ للآية مفهومًا جامعًا، و هو الإنحراف و العمل السّيّئ، و تشمل الأعمال الّتي لاتُرضي الله عزّو جلّ، و الباعثة على سخط الله في الدّنيا و الآخرة. و من المؤكّد أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قد هجر و اتّقى ذلك حتّى قبل البعثة، وتاريخه الّذي يعترف به العدوّ و الصّديق شاهد على ذلك، و قد جاء هذا الأمر هنا، ليكون العنوان الأساس في مسير الدّعوة إلى الله، وليكون للنّاس اُسوة حسنة.

(19 : 144)

فضل الله: قيل: { الرُّجْزَ } العذاب، و المراد بهجره: هجر سببه، و هو الإثم و المعصية. و قيل: { الرُّجْزَ }: اسم لكلّ قبيح مستَقذَر من الأفعال والأخلاق. و قيل: { الرُّجْزَ }: هو الصّنم، فيكون كناية عن الشّرك.

و في جميع المعاني تتضمّن الفقرة توجيه النّبيّ إلى هجران الأُمور الّتي تتنافى مع المضمون الحيّ لرسالته، لأنّ التّلوّث بالخُبث الرّوحيّ أو الفكريّ أو العمليّ، يعني الانفصال عن خطّ الرّسالة، و الاستسلام للوضع المنحرف الّذي يُحوّله إلى إنسان منحرف خبيث، لايستطيع أن ينطلق بخفّةالرّوح، و طهارة الضّمير، و سلامة الخطّ، و اتّزان الحركة في خطواته، ممّا يبتعد به عن الوصول إلى النّتائج الكبيرة الّتي يتحرّ ك في اتّجاهها في الدّعوة. و قد نستوحي من كلمة الهجر للرُّجْز بجميع معانيه، أنّ الدّعوة لابدّ من أن تتحرّ ك في خطّين: خطّ إيجابيّ يلتزم الأخذ بكلّ طاهر و حسن، و خطّ سلبيّ يلتزم الإعراض عن كلّ رجس و قبيح، انطلاقًا ممّا يمثّله السّير على خطّ الإسلام، و الابتعاد عن خطّ الجاهليّة. (23 : 205)

الوجوه و النّظائر

الحيريّ: الرِّجزعلى أربعة أوجه:

أحدها: موت الفجأة، كقوله: { فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} البقرة 59. قال أبو روق: طاعونًا، و يقال: ثلجًا.

والثّاني: العذاب، كقوله: { وَ لَ-مَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزَ } الأعراف 134، و قوله: { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ } الأعراف 135.

والثّالث:تخويف الشّيطان،كقوله: {وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَان ِ} الأنفال 11.

و الرّابع: الأوثان، كقوله: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ} المدّ ثّر: 5 . (265)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرّجَز، و هو داء يصيب الإبل في أعجازها ومؤخِّرها، فتضطرب أرجلها أو أفخاذها إذا أرادت القيام. يقال: رَجِزَ البعير يَرْجَز رَجَزً ا، و هو أرْجَز؛ و الأُنثى: رَجْزاء.

و الرّجَز: شِعْر ابتداءأجزاؤه سببان ثمّ وَتَد، و هو وزن يسهل في السّمع و يقع في النّفس، سمّي بذلك لاضطراب أجزائه و تقاربها، تشبيهًا بالرّجَز في النّاقة، و هو اضطرابها عند القيام. يقال: تراجَزُوا و ارتجَزُوا: تعاطوا بينهم الرّجَز، و هو رَجّاز و رَجّازة و راجز.

و الأُرْجُوزة: قصيدة الرّجَز؛ و الجمع: أراجيز، و قائله: راجز. يقال: رَجَزَ الرّ اجز يَرْجُز رَجْزً ا.

و ارْتجَزَ الرّجّاز ارتجازً ا، أي قال أُرْجُوزة.

و رَجَزَ به و رَجّزَه: أنشده أُرْجُوزة .

و الرِّجازة: ما عدل به ميل الحمل و الهودج، و هو كساء يُجعَل فيه حجارة، و يُعلّق بأحد جانبي الهودج ليعدله إذا مال، سمّي بذلك لاضطرابه. ثمّ أُطلق على مركب للنّساء دون الهودج توسّعًا.

و أمّا الرِّجْز: القذر، و الارتجاز: صوت الرّعد، فنراه مبدلا من < ر ج س >، و كذلك الرُّجْز، أي العذاب بلغة هُذَيْل((1)).

2 - و ادّعى < آرثر جفري > أنّ < الرُّجْز > أُبهم على العلماء، و أنّ الزّمَخْشَريّ يرى لغة الضّمّ خطأ، و الصّواب أن يُقرأ بالكسر!.

و الأمر ليس كما قال، إذ اتّفقوا على أنّ الرِّجْز و الرُّجْز بمعنى واحد، إلا الكِسائيّ، فإنّه قال: < الرِّجْز بالكسر: العذاب، و بالضّمّ: الصّنم >.

كما أنّ الزّمَخْشَريّ لم يخطّئ من قرأ بالضّمّ، و لم يُصوّب من قرأ بالكسر، فقال: < الرُّجْز: قرئ بالكسر و بالضّمّ، و معناه: اهْجُر ما يؤدّىإليه من عبادة الأوثان و غيرها من المآثم، و المعنى: الثّبات على هجره، لأ نّه كان بريئًا منه >.

ثمّ احتمل < جفري > أن يراد بلغة الضّمّ اللّفظ السّريانيّ < رُجْزً ا >، أي الغضب، كما جاء في العهد الجديد((2)).

و القول الحقّ: إنّ ابن عبّاس فسّر < الرُّجْز > في


1) (1) الإتقان: (2 : 110).

2) (2) معجم الألفاظ الدّخيلة في القرآن الكريم.

أحد قوليه بالسّخط، فلايكون ما احتمله ببعيد. و لكنّ هذا المعنى جاء بلفظ الغضب في التّرجمة العربيّة للأناجيل، إذ ورد في إنجيل متّى: < قال لهم: يا أولاد الأفاعي! من أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي >؟ ((1))

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها اسم المصدر < الرّجز > مفردً ا عشر مرّ ات في تسع آيات:

1 - { وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَ بَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنى اِسْرَاءيلَ } الأعراف : 134

2 - { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ اِلى" اَجَل ٍهُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ } الأعراف : 135

3 - { وَالَّذينَ‘ سَعَوْا فى ا"يَاتِنَا مُعَاجِزينَ‘ اُولئِكَ’ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز اَليمٌ‘ } سبأ : 5

4 - { هذَا هُدًى وَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا بِا"يَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْز ٍاَليمٌ‘ } الجاثية : 11

5 - { فَبَدَّ لَ الَّذينَ‘ ظَلَمُوا قَوْ لا غَيْرَ الَّذى‘ قيلَ‘ لَهُمْ فَاَنْزَلْنَا عَلَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا رِجْزً ا مِنَالسَّمَاءِِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } البقرة : 59

6 - { فَبَدَّ لَ الَّذينَ‘ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْ لا غَيْرَ الَّذى‘ قيلَ‘ لَهُمْ فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ } الأعراف : 162

7 - { اِِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى اَ هْلِ هذِهِ الْقَرْ يَةِ رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } العنكبوت : 34

8 - { اِذْ يُغَشّيكُمُ النُّعَاسَ اَمَنَةً مِنْهُ وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَ لِيَرْبِطَ عَلى" قُلُوبِكُمْ وَ يُثَبِّتَ بِهِ الاَ_قْدَ امَ }

الأنفال : 11

9 - { وَ ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ }

المدّثّر : 4 ، 5

يلاحظ أوّ لا : أنّ الرّجز جاء في ثلاثة معان: العذاب في(1 - 7)، و الوسوسة في (8)، و الإثم في (9)، و فيها بُحُوثٌ:

1 - جاء الرِّجْز- بكسر الرّ اء و بأل التّعريف - ثلاث مرّ ات في هذه الآيات؛ مرّتين في (1) و مرّة في (2)، و < أل > التّعريف هنا إمّا للعهد الذّكريّ، فيراد به أنواع العذاب الخمسة المذكورة في الآية السّابقة: {فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَ ادَ وَ الْقُمَّلَ وَ الضَّفَادِعَ وَ الدَّمَ ا"يَات مُفَصَّلات فَاسْتَكْبَرُوا وَ كَانُوا قَوْمًا مُجْرِمينَ‘ } الأعراف : 133، و هو ممّا احتمله الطّبَريّ، و قوّ اه الفَخْرالرّ ازيّ. و إمّا لاستغراق الجنس، فيراد به مطلق العذاب، كما قال مُجاهِد.

و ورد الرِّجْز في تفسير أهل البيت أ نّه ثلج أحمر، أي شديد، من قولهم: موت أحمر، أي شديد. قال اللِّحيانيّ:<العرب إذا ذكرت شيئًا بالمشقّة و الشّدّة وصفته بالحمرة، و منه قيل: سنة حمراء، للجَدْبة >.

بيد أنّ الثّلج عند بعض الشّعوب أصل حياتها، و منهم أهل فارس، فإذا ضنّت به السّماء عليهم و أمسكه الله عنهم، أصابتهم مجاعة و أصبحوا في ضنك


1) (1) (3: 7)

من العيش، فيضجّون إليه و يدعونه لإنزاله عليهم، رغم احتمالهم المشاقّ بسببه! و هذا كقول العرب: الحسن أحمر: شاقّ، أي من أحبّ الحسن احتمل المشقّة.

و لكنّ المراد بالثّلج في تفسير أئمّة أهل البيت : ما أحرق نبات الأرض، و هو الضّريب، أو ما يكاد يهلك الإنسان حين نزوله مصحوبًا بريح شديدة، و هو الدّمَق.

و الرِّجْز في تفسير ابن عبّاس: الطّاعون، فكلا الثّلج و الطّاعون عذاب، وهو من باب إطلاق السّبب على المسبّب.

2 - جاء الرِّجز نكرة مجرورً ا ب- ( مِن ) في (3) و (4)، و اختلف معناه باختلاف معنى ( مِن )، فقيل: هي للتّبعيض، و هذا- كما قال الفَخْرالرّ ازيّ - < إشارة إلى سعة الرّحمة و قلّة الغضب بالنّسبة إليها >.

و قيل: هي للبيان، كقولهم: خاتم من فضّة، و فُسّر بالرِّجس هنا، أي النّجاسة، و المعنى: لهم عذاب من تجرّع رجس أو شرب رجس، و هو سوء العذاب، كما قال قَتادَة، أو العذاب السّيّئ جدّ ًا، كما قال ابن عَطيّة.

و من قرأ لفظ { اَليمٌ‘ } بالرّفع على القراءة المشهورة، فكان نعتًا ل-{ عَذَابٌ }، و التّقدير: عذاب أليم من عذاب، و هو بعيد، لأ نّه حُمل على معنى الرّجس. ومن قرأه بالجرّ، كان نعتًا ل- { رِجْز }، و التّقدير: لهم عذاب من عذاب أليم. قال الطَّبْرِسيّ: < الجرّ في { اَليمٌ‘ } أبين، لأ نّه إذا كان عذاب من عذاب أليم، كان العذاب الأوّ ل أليمًا، و إذا جرى الأليم على العذاب، كان المعنى عذاب أليم من عذاب، و الأوّ ل أكثر فائدة >.

3 - و جاء الرِّجْز نكرة منصوبًا في (5) و (6) و (7)، و كان العامل في <الرِّجز> في الأُولى { فَاَنْزَلْنَا}، و المُنزَل عليه الرِّجز الظّالمون من بني إسرائيل، و كان سبب إنزاله الفسق. و الثّانية كالأُولى، إلا أنّ العامل في الرِّجز { فَاَرْسَلْنَا }، و كان سبب إرساله الظّلم. و الثّالثة كالأُولى، إلا أنّ العامل في الرِّجز اسم فاعل، و المُنزَل عليه قوم لوط.

و تُوضّح هذه الآيات الثّلاث أنّ إنزال الرِّجْز و إرساله بمعنى واحد، والظّلم و الفسق من وادٍ واحد، كما قال الزّمَخْشَريّ، فاستوى في العقوبة الظّلمة من الموحّدين و الفسقة من الوثنيّين، و أنّ الرِّجْز أُنزل أو أُرسل من السّماء بشتّى أنواعه، كالطّاعون و الصّاعقة و موت الفجأة و أمثالها، كما قال المَيْبُديّ.

و هذا تحذير من الله للمسلمين رُعاةً و رعيّةً، و حثّهم على نبذ الظّلم و الفسق، و إماتة معالم الجور و العداء، فتأمّل.

4 - استُعمل إذهاب الرِّجز عن المسلمين في (8)، وكشفه عن بني إسرائيل في (2)، وكلاهما زوال، إلا أنّ الأوّ ل زوال مؤبّد، و الثّاني زوال محَدّد، و من الأوّ ل قوله: { اِنَّمَا يُريدُ‘ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرً‘ ا } الأحزاب : 33. و من الثّاني: { وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ اِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَ اريرَ ‘} النّمل : 44، انظر < ك ش ف >.

5 - أُضيف الرِّجْز في (8) دون سائر الآيات،

فأُسند إلى الشّيطان، و يراد به عذابه أو ما يكون سببًا له، كالوسوسة، و النّزغ، و الهمز، و الكيد، و الشّكّ، واللّطخ، و نحو ذلك ممّا ذكره المفسّرون.

و فسّره بعضهم بالجنابة، أي إزالة أثرها عن الجسم و اللّباس، و اختاره الفَخْرالرّ ازيّ و فضّله على إزالة الوسوسة، فقال:< حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة؛ و ذلك لأنّ تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقيّ، أمّا تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازيّ، و حمل اللّفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز >.

احتجّ بالظّاهر دون الباطن خلافًا لعادته، فهو يعير غالبًا أهمّيّة للأُمور المعنويّة، و يتوسّل بالبُحُوث الفلسفيّة و الكلاميّة لإثبات حجّته، ففي تفسير قوله:{ لاخَيْرَ فى كَثير ‘ مِنْ نَجْويهُمْ ’} النّساء : 114، قال:< و هذه الآية من أقوى الدّ لائل على أنّ المطلوب من الأعمال الظّاهرة رعاية أحوال القلب في إخلاصالنّيّة >، ثمّ استشهد بآيات و روايات، و منها قول النّبيّ (صلی الله علیه و آله) :< إنّما الأعمال بالنّيّات >. و حريّ به هنا أن يفعل ذلك، لأنّ الجنابة صادرة عن وساوس الشّيطان، كالعمل فإنّه صادر عن النّيّة.

و ثانيًا: جميع هذه الآيات مكّيّة، سوى آيتين مدنيّتين منها، و هما: (5) و (8). و هي إمّا إخبار عن وقوع الرِّجز أو إنزاله، كما في (1) و (5- 7)، و إمّا تهديد به، كما في (3) و (4)، أو كشفه و إذهابه، كما في (2) و (8)، أو الأمر بهجره، كما في (9).

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن:

الرِّجس: { كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ } الأنعام : 125

العذاب: { خَتَمَ اللهُ عَلى" قُلُوبِهِمْ وَ عَلى" سَمْعِهِمْ وَ عَلى" اَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ‘ }

البقرة : 7

ر ج س

اشارة

4 ألفاظ، 10 مرّ ات: 4 مكّيّة، 6 مدنيّة

في 7 سور: 3 مكّيّة، 4 مدنيّة

رِجْس 4 : 2 - 2

رِجْسًا 1 : - 1

الرّجس 4 : 2 - 2

رِجْسِهِم 1 : - 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: كلّ شيء يُسْتَقذَر فهو رِجْسٌ فهو كالخنزير، و قد رَجُس الرّجل رَجاسَةً من القَذَر، و إنّه لرِجْسٌ مَرْجُوس.

و الرِّجْس في القرآن: العذاب كالرِّجْز.

و كلّ قَذَرٍ رِجْسٌ.

و رِجْس الشّيطان: وسوسته و هَمْزُه.

و الرَّجْس:((1)) الصّوت الشّديد للرّعد.

و البعير: مِرْجَسٌ، و رَجّاس.

والرِّجْس: أيّ صوتٍ.

والسّحاب: يَِرْجُس بصوته.

و الغمام: الرّواجس الرّواعد. (6 : 52)

اللّيث: بعير رَجّاس و مِرْجَس، أي شديد الهدير. (الأزهَريّ 10 : 581)

الكِسائيّ: هم فيمَرْجُوسة من أمرهم، أي في اختلاطٍ و دَوَرانٍ. (الأزهَريّ 10 : 580)

الفَرّ اء: يقال: هم في مَرْجُوسةٍ من أمرهم، و في مَرْجُوساء، أي في التباسٍ.

المَرْجُوس: الملعون. (الأزهَريّ 10 : 581)

في الدّعاء: < أعوذ بك من الرِّجْس النِّجْس >.

إنّهم إذا بدأُوا بالنِّجْس و لم يذكروا الرِّجْس فتحوا النّون و الجيم، و إذا بدأُوا بالرِّجْس ثمّ أتبعوه النِّجْس كسروا النّون. و معنى الرِّجْس: القَذَر. و قد يُعبّر به عن الحرام. (المَدينيّ 1 : 739)


1) (1) و في الأصل: الرِّجْس بكسر الرّ اء. و الظّاهر هو الفتح، كما في كتب اللُّغة.

اللِّحيانيّ: و رَجْس البعير: هديره.

(ابن سيده 7 : 269)

ابن الأعرابيّ: المِرْجاس: حَجَر يُلقى في جَوْف البئر، ليُعلَم بصوته قَدْر قَعْر الماء و عُمْقه.

مرّ بنا جماعة رَجِسُون نَجِسُون نَضِفُون وَجِرُون صقّارون أي كفّار. (الأزهَريّ 10 : 580)

يقال: هذا راجِسٌ حسَن، أي راعِدٌ حسَن.

(الجَوهَريّ 3 : 933)

و ناقةٌ رَجْساء الحنين: متتابعته.

(ابن سيده 7 : 269)

ابن السِّكّيت: و يقال: أصبحوا في مَرْجُوسةٍ من أمرهم، أي في التباسٍ و اختلاطٍ.

و يقال: هم في مَرْجُوسةٍ و مَرْجُونةٍ من أمرهم، أي لايَدْرون أيظعنون أم يُقيمون. (93)

والرَّجْس: صوت الرّعد و تمخّضه. و الرِّجْس: الشّيء القَذِر. (إصلاح المنطق : 27)

مثله ابن أبي اليمان. (التّقفية : 451)

المُبَرِّد: المُرْتَجِس: الّذي يُسمَع صوته و لايبين كلامه. يقال: ارتجس الرّعد؛ من هذا. (1 : 359)

ثَعْلَب: و المِرْجاس:حَجَر يُطرَح في البئر يُقدَّر به ماؤها. و المعروف: المِرْداس. (ابن سيده 7 : 269)

ابن دُرَيْد: و الرِّجْس: العذاب زعموا. و قد قيل في القنوت: < رجسك و عذابك >. مثل الرِّجْز سواءٌ.

و قالوا: رجل رِجْسٌ نِجْسٌ و رَجِسٌ و نَجِسٌ. و أحسبهم أجازوا: رَجَسٌ نَجَسٌ، و هو من النّجاسة، و في التّنزيل: { اِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } التّوبة : 28.

و ربّما قيل: ما به من الرَّجاسة و النَّجاسة، و سمعت رَجْسَة الرّعد، أي صوته.

و رعد مُرتَجِس، و مُرتَجِز، و رجّاسٌ، إذا سمعت له صوتًا.

و يسمّى البحر رجّاسًا: لصوت موجه. (2 : 76)

الفارابيّ: و كلّ شيء يُستَقذَر فهو رِجْسٌ.

(الفَيُّوميّ 1 : 219)

النّ-قّاش: الرِّجْس: النّجِس. و قال في <البارِع> : و رُ بّما قالوا: الرَّجاسَة والنَّجاسَة، أي جعلوهما بمعنًى. (الفَيّوميّ 1 : 219)

الأزهَريّ: يقال: رَجُس الرّجل رَجَسًا، و رَجِس يَرْجَس، إذا عمل عملا قبيحًا.

و الرَّجْس بفتح الرّ اء: شدّة الصّوت، فكأنّ الرِّجس: العمل الّذي يَقبُح ذكره و يرتفع في القبح.

و رَعْدٌ رَجّاس: شديد الصّوت. [ثمّ استشهد بشعرٍ]

و أرجَس الرّجل، إذا قدّر الماء بالمِرْجاس.

و قيل: الرِّجْس: المَأْ ثَم. (10 : 580)

الصّاحِب: الرِّجْس من الرّجال: القَذِر، رَجُس الرّجل يَرْجُس رَجاسَةً، و هو رَجِسٌ مَرْجُوس. و رجال رِجْسٌو أرجاس.

و السّحاب يَرْجُس و يَرْتَجِس.

و الغمام الرّواجس: هي الرّواعد.

و الرّ اجِس: الّذي يَمْخُض السِّقاء، يَرْجُسُه

رَجْسًا.

و الرَّجْس: ضرب الرّجل بالدّلو الماء حتّى تمتلئ، و منه سمّي المِرْجاس، و هو الحجر الّذي يُخَضْخَض به الماء، و هو رِجام البئر.

و هم في مَرْجُوسةٍ من أمرهم، أي في اختلاطٍ، و مَرْجُوساء.

و رجَسَني عن الأمر، أي عاقني، يَرْجُسُني، و يَرْجِسُني. (7 : 10)

الجَوهَريّ: الرِّجْس: القَذَر. و قال الفَرّ اء في قوله تعالى: {وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ} يونس : 100، إنّه العقاب و الغضب، و هو مضارع لقوله: الرِّجْز.

قال: و لعلّهما لغتان أُبدلت السّين زايًا، كما قيل للأسْد: الأزْد.

و الرَّجْس، بالفتح: الصّوت الشّديد من الرّعد، و من هدير البعير.

و رجَسَتِ السّماء تَرْجُس، إذا رعَدَتْ و تمخّضت. و ارتجَسَتْ مثله.

و سحاب رَجّاس، و بعير رَجّاس.

و يقال: هم في مَرْجُوسة من أمرهم، أي في اختلاط.

و المِرْجاس: حَجَر يُشدّ في طرف الحبل، ثمّ يُدْلى في البئر، فيَمْخَض الحَمْأة حتّى تثور، ثمّ يُستقى ذلك الماء فتَنْقَى البئر. [ثمّ استشهد بشعر] (3 : 933)

ابن فارِس: الرّ اء و الجيم و السّين أصل يدلّ على اختلاطٍ. يقال: هم في مَرْجُوسةٍ من أمرهم، أياختلاط.

و الرَّجْس: صوت الرّعد؛ و ذلك أ نّه يتردّد، و كذلك هدير البعير رَجْسٌ.

و سَحاب رَجّاس، و بعير رَجّاس.

و من الباب: الرِّجْس: القَذَر، لأ نّه لَطْخٌ و خَلْطٌ.

(2 : 490)

الهَرَويّ: و في حديث سَطيح: < و ارتَجَسَ إيوان كِسْرى > أي اضطرب و تحرّ ك حركةً سُمع لها صوت.

يقال: سمِعتُ رِجْس الرّعد، و هو صوت تَمخُّضِه.

و ارتَجَس الرّعد: سُمع له صوت. (3 : 718)

ابن سيده: الرِّجْس: القَذَر.

و رجل مَرْجُوس، و رِجْسٌ نِجْسٌ، و رَجِسٌ نَجِسٌ.

قال ابن دُرَيْد: و أحسبهم قد قالوا: رَجَسٌ نَجَسٌ، و هي الرَّجاسَة و النَّجاسَة.

و الرِّجْس: العذاب كالرِّجْز.

و رِجْس الشّيطان: وَسْوسَتُه.

و الرَّجْس، و الرَّجْسَة، و الرَّجَسان، و الارتجاس: صوت الشّيء المختلط العظيم. كالجَيْش، و السَّيْل، و الرّعد.

رَجَس يَرْجس رَجْسًا، فهو راجس، و رَجّاس.

و هم في مَرْجُوسة من أمرهم، أي اختلاط.

و النَّرْجِس: من الرّياحين. قال أبوعليّ: و يقال: النِّرْجِس. فإن سمّيت رجلا بنَرْجِس،

لم تصرفه، لأ نّه < نَفْعِل > كنَجْلِس و نَجْرِس. و ليس برباعيّ، لأ نّه ليس في الكلام مثل جَعْفَر. فإن سمّيته بنِرْجِس صرفتَه، لأ نّه على زنة < فِعْلِل > فهو رباعيّ كهِجْرِس. (7 : 268)

الرّ اغِب: الرِّجْس:الشّيء القَذِر، يقال: رجل رِجْسٌ و رِجال أرجاس، قال تعالى: { رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان ِ} المائدة : 90.

والرِّجْس يكون على أربعة أوجُه: إمّا من حيث الطّبع، و إمّا من جهة العقل، و إمّا من جهة الشّرع، و إمّا من كلّ ذلك كالميتة، فإنّ الميتة تُعاف طبعًا و عقلا و شرعًا.

و الرِّجْس من جهة الشّرع: الخمر و المَيْسر. و قيل: إنّ ذلك رِجْس من جهة العقل، و على ذلك نبّه بقوله تعالى:{ وَ اِثْمُهُمَا اَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } البقرة : 219، لأنّ كلّ ما يُوفي إثمه على نفعه فالعقل يقتضي تجنّبه، و جعل الكافرين رِجْسًا من حيث إنّ الشّرك بالعقل أقبح الأشياء. قال تعالى: { وَ اَمَّا الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ } التّوبة : 125. و قوله تعالى: {وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ } يونس : 100.

قيل: الرِّجْس: النَّتْن، و قيل: العذاب؛ و ذلك كقوله: { اِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } التّوبة : 28، و قال: { اَوْ لَحْمَ خِنْزير ‘ فَاِنَّهُ رِجْسٌ } الأنعام : 145، و ذلك من حيث الشّرع.

و قيل: رِجْسٌ و رِجْزٌ للصّوت الشّديد.

و بعير رَجّاس: شديد الهدير. و غمام راجِس و رَجّاس: شديد الرّعد. (188)

نحوه الفيروزاباديّ. (بصائر ذوي التّمييز 3 : 37)

الزّمَخْشريّ: شيء رِجْسٌ، و قد رَجِسَ و رَجُسَ رَجاسَةً. و رَجَست السّماء رَجْسًا و ارتجست: قصفت بالرّعد.

و سمعت رَجْس الرّعد، ورَجْس الهدير.

و سَحاب رجّاس، و راجس، و مُرتَجِس.

و عفت الدّيار الغمام الرّواجس، و الرّياح الرّوامس.

و النّاس في مَرْجُوسة، أي في اختلاط قد ارتجس عليهم أمرهم.

و من المجاز: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ } الحجّ : 30، و{ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ} الأعراف : 71، أي عذاب، لأ نّه جزاء ما استُعير له اسم الرّجس. (أساس البلاغة : 155)

ابن الأثير: فيه: < أعوذ بك من الرِّجْس النِّجِس >. الرِّجْس: القَذَر، و قديُعبّر به عن الحرام و الفعل القبيح، و العذاب، و اللّعنة، و الكفر. و المراد في هذا الحديث الأوّ ل.

و منه الحديث: < نهى أن يُسْتَنْجى برَوْثةٍ، و قال: إنّها رجْس > أي مُستُقْذَرَة. (2 : 200)

الفَيُّوميّ: الرِّجْس: النَّتْن، و الرِّجْس: القَذَر.

و قال الأزهَريّ: < النّجس: القَذَر الخارج من بدن الإنسان >، و على هذا فقد يكون الرِّجْس و القَذَر و النّجاسة بمعنًى. و قد يكون القَذَر و الرِّجْس بمعنى غير النّجاسة. و رَجِس رَجَسًا، من

باب < تَعِب > و رَجُس من باب < قَرُب > لغة.

و النَّرْجس: مَشمُوم معروف، و هو معرّب، و نونه زائدة باتّفاقٍ. و فيها قولان، أقيسُهما، و هو المختار.

و اقتصر الأزهَريّ على ضبطه الكسر لفقد < نفعل > بفتح النّون إلا منقولا من الأفعال، و هذا غير منقولٍ، فتُكسَر حملا للزّ ائد علىالأصليّ، كما حُمل < إفعِلٌ > بكسر الهمزة في كثيرٍ من أفراده على < فِعْلِلٍ > نحو الإذْخِر، و الإثْمِد، و الإسْجِل، و هو شَجَرٌ و الإصبع في لغة.

و القول الثّاني الفتح، لأنّ حمل الزّائد على الزّائد أشبه من حمل الزّ ائد على الأصليّ، فيُحمَل نَرْجَسٌ على نضرب و نَصْرف. و فيه نظر، لأنّ الفعل ليس من جنس الاسم حتّى يُشبّه به. (1 : 219)

الفيروزاباديّ: رَجَستِ السّماء: رعَدَتْ شديدً ا، و تمَخّضَتْ، و البعير: هَدَر و فلان قدّر الماء بالمِرْجاس كأرْجَس.

و سَحابٌ راجِس و رَجّاس، و بعير رَجُوس و مِرْجَسٌ و رَجّاس.

و الرّجّاس: البحر.

و يقال: هم في مَرْجُوسةٍ، أي اختلاط و التباس.

و المِرْجاس: حَجَر يُشَدّ في حبلٍ فيُدلّى في البئر، فتُمْخَض الجيئَة حتّى تثُور ثمّ يُسْتقى ذلك الماء فتَنْقى البئر. أو حَجَر يُرْمى فيها ليُعلَم بصوته عُمْقها، أو ليُعلَم أفيها ماءٌ أم لا؟

و الرّ اجِس: من يَرْمي به.

و الرِّجْس بالكسر القَذَر، و يُحرّ ك و تُفْتَح الرّاء، و تُكسَر الجيم؛ و المَأثَمْ و كلّ ما استُقْذر من العمل، و العمل المؤدّي إلى العذاب، والشّكّ، و العقاب، و الغضب.

و رَجِس كفَرِح و كَرُم رَجاسَةً، عَمِل عَمَلا قبيحًا.

و رَجَسَه عن الأمر يَرْجِسُه، و يَرْجُسُه: عاقَه.

و النَّرْجِس: بفتح النّون و كسرها: معروف، نافع شَمّه للزُّ كام و الصُّداع الباردَيْن، و أصلهمنقوعًا في الحليب ليلتين يُطْلى به ذَكَر العِنّين فيُقيمُه، و يفعل عجيبًا.

و ارتَجَس البِناء: رَجَف، و السّماء: رعَدَتْ.

(2 : 226)

الطُّرَيحيّ: و الرِّجْس: لطخ الشّيطان و وَسْوَستُه.

و في حديث الخَلْوة: <أعوذ بك من الرِّجْس النِّجْس المُخَبّث الخبيث >. هو بكسر النّون و سكون الجيم لمزاوجة الرّجس.

و في < المجمع >: الرِّجْس: القَذَر، و قد يُعبّر به عن الحرام، و الفعل القبيح و اللّعنة. و لكنّه هنا الأوّ ل.

و الرَّجْس بالفتح: الصّوت الشّديد من الرّعد.

و غَيْثٌ مُرْتَجِسَة: هَمُوعة، من قولهم: رَجَست السّماء تَرْجس، إذا رعَدَتْ و تمخّضت.

و في الخبر: < لمّا وُلد (صلی الله علیه و آله) ارتجس أيوان كسرى> أي اضطرب و تحرّ ك حركةً لها صوت.

وفي حديث الصّوم:<سمعته ينهى عن النَّرْجِس>

هو بكسر النّون و فتحها على اختلاف اللُّغتين: ريحان الأعاجم، كما جاءت به الرّواية.

و فيه: < شُمّوا النّرجس ولو في اليوم مرّةً ، و لو في الشّهر مرّةً، و لو في السّنة مرّةً، و لو في العمر مرّةً، فإنّ في القلب حَبّة من الجنون و الجُذام و البَرَص و لايقطعها إلا النّرجس >. (4 : 74)

مَجْمَعُ اللُّغة: الرِّجْس: القَذَر حسًّا أو معنًى، و يُطلق على ما يُستَقبَح في الشّرع، و الفِطْر السّليمة.

و الرِّجْس: العذاب الّذي يقع بسبب ما يُستَقبَح.(1 : 454)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق: أنّ ما يظهر من هذه الكلمات، و من موارد استعمال المادّة في الكتاب الكريم و غيرها، أنّ الأصل الواحد فيها، هو ما يكون غير مناسبٍ و غير لائقٍ شديدً ا بحيث يُعَدّ في الخارج عند العرف العادلة، والعقل السّالم مكروهًا و قبيحًا مؤكّدً ا.

و هذا الأصل له مصاديق: كالقَذَر، و النَّجس، و الخلط، و الوَسَخ، و كلّ ما يُستَقذَر، و الصّوت الشّديد الخارج عن الاعتدال أو الصّوت المكروه، و الشّكّ و الكفر، و اللّعنة، و مايرتفع في القُبْح، و ما لاخير فيه، و هدير البعير و النّتْن.

فهذه مفاهيم مختلفة تُذكَرللمادّة في المعاجم، غفلةً عن الأصل الواحد الجامع بين هذه المعاني. و بهذا التّحقيق تنكشف الحقيقة المرادة في موارد استعمالها، و لاسيّما في القرآن الكريم.

و الفرق بينها و بين القَذِر، و النَّجِس، و الوَسَخ، و الرِّجْز، و النَّتْن، و الخَلْط: أنّ الرِّجْز - كما قلنا - هو المضيقة بعد تقليب. و القَذِر: في مقابل النّظيف. و الوَسَخ: ما يعلو الثّوب و غيره من قلّة التّعهّد. و النَّجِس: في مقابل الطّاهر. و الخَلْط: ما فيه اختلاط بغير جنسه. و النَّتن: ما خبُث ريحه.

فظهر أنّ الرِّجْس هو ما لايناسب تعلّقه، و لايليق أن يرتبط بشيءمنظور، مع كونه مكروهًا شديدً ا في نفسه، سواءٌ كان مادّ يًّا أو معنويًّا. و هذا المفهوم أعمّ من المعاني المذكورة.

و قيود الأصل لابدّ أن تُلاحظ في المصاديق. فالكفر، و الخلط، و الشّكّ، والصّوت الشّديد، و غيرها، من المصاديق الرِّجْس بلحاظ أ نّها مكروهة و غير مناسة، و ممّا لاتليق أن ترتبط بموضوعاتها، لامن حيث هي هي.

و المِرْجاس بمعنى الحَجَر يُطرَح في قعرالبئر، يُقدَّر به مقدار الماء. و الخَلْط: لعلّه بمناسبة الخلط و القذر فيها، أو أ نّه من خلط اللُّغتين المِرْداس و المِرْجاس.

و أمّا النَّرجِس: فهو معرّب: نرگس فارسيّة، من الرّياحين، له بصَل و زَهْر أبيض أو أصفر، تشبّه به الأعين.

{ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ } الأنعام : 125، و {وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ } يونس : 100، و { وَ اَمَّا الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ } التّوبة : 125. الإيمان

و العقل، و العمل بمقتضاهما: هي ما يوجبها صراط الإنسانيّة، و يقتضيها الاعتدال، و الفطرة الخالصة الأوّليّة.

ثمّ إذا خرج الإنسان عن هذه الطّريقة العادلة، و انحرف عن فطرته الزّ اكية الخالصة بالشّرك و الكفر و الإثم، فقد خُولطت فطرته المستقيمة و استُقْذِرت طبيعته الطّاهرة، و تلطّختبالقبائح، و تلوّثت بالبغي و الفساد و الرّذائل، و استوجبت اللّعنة و البُعْد و الظّلمة و العذاب. فهذه كلّها أرجاس، فزادهم الله رجسًا إلى أرجاسهم، و أضلّهم و عذّبهم بمقتضى ما تقتضي طبيعتهم و تستعذب طريقتهم.

{ اِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَ_نْصَابُ وَ الاَ_زْ لامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } المائدة : 90،{ فَاَعْرِضُوا عَنْهُمْ اِنَّهُمْ رِجْسٌ } التّوبة : 95، { اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزير ‘ فَاِنَّهُ رِجْسٌ } الأنعام : 145. و الرِّجس إمّا في الأفكار و الاعتقادات، أو في الأخلاق و الصّفات الباطنيّة أو في الأعمال و الأفعال الظّاهريّة، أو في الموضوعات الخارجيّة، و النّفس الأمريّة مادّ يّة أو معنويّة.

فهذه موضوعات خارجيّة مادّ يّة جسمانيّة، و هي كريهة في أنفسها و قبيحة من حيث ذواتها، من جهة أ نّها ملطوخة بالفساد و متلوّثة بالشّرّ

و الضّرر، منحرفة عن الخير و الصّلاح، خارجة عن الاستقامة و الفلاح. و فيها مضرّ ات جسمانيّة و روحانيّة وأخلاقيّة، و قد تجسّمت الشّرّ، و الفساد،و الرّجاسة في هذه الموضوعات، و تجلّت فيها، و إنّها مظاهر للانحراف و الرّجس.

فنسبة الرّجس إلى هذه الموضوعات: تدلّ على المبالغة و التّشديد و التّأكيد. (4 : 56)

النُّصوص التّفسيريّة رِجْسٌ

1 - يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ ا"مَنُوا اِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَ_نْصَابُ وَ الاَ_زْ لامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. المائدة : 90

ابن عبّاس: حرام بأمر الشّيطان و وسوسته.

(100)

يقول: سخطٌ. (الطّبَريّ 5 : 33)

ابن زَيْد: الرِّجس: الشّرّ. (الطّبَريّ 5 : 33)

الطّبَريّ: يقول: إثمٌ و نَتْنٌ سَخَِطه الله و كره لكم. (5 : 33)

الزّجّاج: أعلم الله أنّ القمار و الخمر و الاستقسام بالأزلام و عبادة الأوثان رجسٌ. و الرِّجْس في اللُّغة اسم لكلّ ما استُقذِر من عمل، فبالغ الله في ذمّ هذه الأشياء، و سمّاها رِجْسًا، و أعلم أنّ الشّيطان يُسَوّ ل ذلك لبني آدم. يقال: رَجِس الرّجل يَرْجَس، و رَجَس يَرْجُس، إذا عمل عملا قبيحًا.

و الرَّجْس بفتح الرّ اء: شدّة الصّوت، فكان الرّجس العمل الّذي يَقبُح ذكره، و يرتفع في القبح. و يقال: سَحابٌ و رَعْدٌ رَجّاسٌ، إذا كان شديد

الصّوت. [ثمّ استشهد بشعرٍ] (2 : 203)

الماوَرْديّ: يعني حرامًا، و أصل الرّجس: المستَقذَر الممنوع منه، فعبّر به عن الحرام، لكونه ممنوعًا منه. (2 : 65)

الطُّوسيّ: { رِجْسٌ } أي نجسٌ، و الرِّجْز: العذاب؛ و منه قوله: { لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ} الأعراف : 134، أي العذاب. و قوله: { وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ } المدّثّر : 5، يعني الأوثان، و معناه: الرّجس فاهْجُر.

و أصل الرِّجْز تتابعالحركات. يقال: ناقة رجزاء، إذا كانت ترتعد قوائمها في ناحية. و قال الزّجّاج: يقال: رَجِس يَرْجُس، إذا عمل عملا قبيحًا.

و الرَّجْس بفتح الرّ اء: شدّة الصّوت، و سحاب رجّاس، و رَعْد رَجّاس، إذا كان شديد الصّوت. قال الشّاعر:

• و كلّ رجّاس يسوق الرّجسا *

(4 : 19)

الواحديّ: أي قبيح مستَقذَر. (2 : 226)

البغَويّ: خبيثٌ مستَقذَر. (2 : 81)

مثله النّسَفيّ. (1 : 300)

ابن عَطيّة: سَخَط و قد يقال للنَّتْن، و للعَذِرة، و للأقذار: رِجْسٌ. و الرِّجْز: العذاب لاغير، و الرِّكْس: العَذِرة لاغير، و الرِّجْس يقال للأمرين.

(2 : 233)

مثله القُرطُبيّ. (6 : 288)

الطَّبْرِسيّ: لابدّ من أن يكون في الكلام حذف. و المعنى: شُرب الخمر وتناوله أو التّصرّف فيه، و عبادة الأنصاب و الاستقسام بالأزلام رجس، أي خبيث من عمل الشّيطان. و إنّما نسبها إلى الشّيطان و هي أجسام من فعل الله، لما يأمر به الشّيطان فيها من الفساد فيأمر بشرب المسكر ليُزيل العقل، و يأمر بالقمار ليُستَعمل فيه الأخلاق الدّنيئة، و يأمر بعبادة الأصنام لما فيها من الشّرك بالله، و يأمر بالأزلام لما فيها من ضعف الرّ أي و الاتّكال على الا تّفاق. (2 : 239)

العُكْبَريّ: إنّما أفرد، لأنّ التّقدير: إنّما عمل هذه الأشياء رِجْسٌ.

و يجوز أن يكون خبرً ا عن الخمر. و أخبارالمعطوفات محذوفة لدلالة خبر الأوّ ل عليها.

(1 : 458)

البَيْضاويّ: قذرتُعاف عنه العقول. و أفرده لأ نّه خبر للخمر، و خبر المعطوفات محذوف أو لمضاف محذوف، كأ نّه قال: إنّما تَعاطي الخمر

و الميسر. (1 : 290)

نحوه أبوالسُّعود. (2 : 316)

البُرُوسَويّ: قذر يُعاف عنه العقول، أي تكرهه، و تنفر منه العقول السّليمة. و الرِّجْس بمعنى النّجس إلا أنّ النّجس يقال في المستَقذَر طبعًا. و الرِّجْس أكثر ما يقال في المستَقذَر عقلا .

و سمّيت هذه المعاصي رجسًا، لوجوب اجتنابها، كما يجب اجتناب الشّيء المستَقذَر. (2 : 435)

شُبّر: رِجْسٌ: قَذِرٌ خبيثٌ. خبرٌ للخمر، دالّ على خبر المعطوفات، أو لمضاف محذوف، أي تَعاطي الخمر و الميسر. (2 : 211)

الآلوسيّ: قَذِرٌ تعاف عنه العقول...

و إفراد الرّجس مع أ نّه خبر عن متعدّدٍ، لأ نّه مصدر يستوي فيه القليل و الكثير، و مثل ذلك قوله تعالى: { اِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } التّوبة : 28.

و قيل: لأ نّه خبر عن الخمر و خبر المعطوفات محذوف، ثقةً بالمذكور.

و قيل: لأنّ في الكلام مضافًا إلى تلك الأشياء، و هو خبر عنه، أي إنّما شأن هذه الأشياء أو تعاطيها رِجْس. (7 : 15)

القاسميّ: أي خبيثٌ من تزيين الشّيطان، و قَذِر تعاف عنه العقول. (6 : 2143)

رشيد رضا: و أمّا الرِّجْس فهو المستَقذَر حسًّا أو معنًى. و قال الزّجّاج: < الرِّجْس في اللُّغة: اسملكلّ ما استُقذِر من عمل، فبالغ الله في ذمّ الأشياء المذكورة في الآية فسمّاها رِجْسًا >.

أقول: و قد ذُكر في تسع آيات من القرآن ليس فيها موضع يظهر فيه معنى القذارة الحسّيّة إلا قوله تعالى: { قُلْ لا اَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلى" طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزير ‘ فَاِنَّهُ رِجْسٌ } الأنعام : 145، بناءً على أنّ قوله: { فَاِنَّهُ رِجْسٌ } عائد على جميع ما ذُكر، أي فإنّ ذلك أو ما ذُكر رجس. و مثله: { وَ جَعَلْنَا فيهَا‘ جَنَّات مِنْ نَخيلٍ‘ وَ اَعْنَاب وَ فَجَّرْ نَا فيهَا‘ مِنَ الْعُيُون* لِيَاْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ } يس, : 34 ، 35، أي من ثمر ذلك أو ما ذُكر. و استشهد الزّمَخْشَريّ لهذا الأخير بقول رؤبة:

فيها خُطوط من سوادٍ و بلق

كأ نّه في الجلد توليع البهق

و ذكر أنّ رؤبة سُئل عن ذلك، فقال: أردت كأنّ ذلك.

و يحتمل أن يراد ب- < الرّجس > أ نّها قذر معنويّ؛ من حيث كونها ضارّة و محتقرة تعافها الأنفس. و قد فسّر بعضهم الرّجس في الآية الّتي نفسّرها بالمَأثَمْ، و هو ما كان ضارًّ ا. و قد بيّ-نّا ضرر الخمر و الميسر في تفسير آية البقرة من عدّة وُجُوهٍ. [ثمّ ذكر قول الرّ اغِب وأضاف:]

و قوله تعالى: { رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } نصّ في كون الرّجس معنويًّا، وهو محمول على جميع ما ذُكر من الخمر، و الميسر، و الأنصاب، و الأزلام، كماقال في آية أُخرى: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ } الحجّ : 30. و كانت الأنصاب والأزلام من لوازم الأوثان، و أمّا رجس الخمر و الميسر فبيانه في الآية التّالية.

و قد استدلّ بعض الفقهاء بالآية على كون الخمر نجسة العين، فتكلّفوا كلّ التّكلُّف؛ إذ زعموا أنّ { رِجْسٌ } خبر عن الخمر، و خبر ما عطف عليها محذوف. و لوسلّم لهم هذا لما كان مفيدً ا لنجاسة الخمر نجاسة حسّ-يّة.

فإنّ نجس العين ما كان شديد القذارة كالبول

و الغائط، و الخمرليست قذرة العين. و الصّواب أنّ{ رِجْسٌ } خبر عن الخمر، و الميسر، و الأنصاب، والأزلام، كما قلنا تبعًا للجمهور، لأنّ هذا هو المتبادر إلى الفهم من العبارة، و لأ نّه الأصل في الإخبار عن المبتدإ و ما عطف عليه، و لأ نّه في الأنصاب و الأزلام يوافق قوله تعالى: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ}.

و أمّا إفراده مع كونه خبرً ا عن متعدّدٍ، فلأ نّه مصدر يستوي فيه القليل و الكثير، كقوله تعالى: { اِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } التّوبة : 28، أو لأنّ في الكلام مضافًا، تقديره: أن تَعاطي ما ذُكر رجسٌ من عمل الشّيطان. فقوله تعالى: { مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } تفسير و إيضاح لكون ما ذكر رجسًا. و معنى كونها من عمل الشّيطان، أ نّها من الأعمال الّتي زيّن لأعدائه بني آدم ابتداعها و إيجادها، ثمّ هو يوسوس لهم بأن يعكفوا عليها،و يزيّنها لهم، لما فيها من شدّة الضّرر بهم. (7 : 57)

المَراغيّ: الرّجس: المستَقذَر حسًّا أو معنًى. يقال: رجل رِجْس و رجال أرْجاس. و الرّجس على أوجُه: إمّا من جهة الطّبع، و إمّا من جهة العقل، و إمّا من جهة الشّرع كالخمر و الميسر، و إمّا من كلّ ذلك كالميتة، لأ نّها تُعاف طبعًا و عقلا و شرعًا.

(7 : 20)

سيد قُطْب: و قد حدث أ نّه لمّا نزلت هذه الآيات، و ذُكر فيها تحريم الخمر، و وُصفَت بأ نّها رِجْسٌ من عمل الشّيطان، أن انطلقت في المجتمع المسلم صيحتان متّحدتان في الصّيغة، مختلفتان في الباعث و الهدف.

قال بعض المتحرّجين من الصّحابة: كيف بأصحابنا و قد ماتوا يشربون الخمر، أو قالوا: فما بال قوم قُتلوا في أُحد و هي في بطونهم؟ أي قبل تحريمها.

و قال بعض المشكّكين الّذين يهدفون إلى البَلْبَلَة و الحيرة، هذا القول أو ما يُشبه، يريدون أن ينشروا في النّفوس قلّة الثّقة في أسباب التّشريع، أو الشّعور بضياع إيمان من ماتوا و الخمر لم تُحَرّم، و هي رجسٌ من عمل الشّيطان، ماتوا و الرِّجْس في بطونهم!عندئذٍ نزلت هذه الآية:

{لَيْسَ عَلَى الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فيمَا‘ طَعِمُوا اِذَا مَا اتَّقَوْ ا وَ ا"مَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْ ا وَ ا"مَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْ ا وَ اَحْسَنُوا وَ اللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنينَ‘} المائدة:93.

نزلت لتقرّر أوّ لا : أنّ ما لم يُحرَّم لايَحرُم، و أنّ التّحريم يبدأ من النّصّ لاقبله، و أ نّه لايُحرّم بأثر رجعيّ، فلاعقوبة إلا بنصّ، سواء في الدّنيا أو في الآخرة، لأنّ النّصّ هو الّذي يُنشئ الحكم، و الّذين ماتوا و الخمر في بطونهم، و هي لم تُحرّم بعد، ليس عليهم جناح، فإنّهم لم يتناولوا محرّ مًا، و لم يرتكبوا معصيةً. لقد كانوا يخافون الله و يعملون الصّالحات، و يراقبون الله و يعلمون أ نّه مطّلعٌ على نواياهم و أعمالهم. و من كانت هذه حاله لايتناول محرّمًا و لايرتكب معصيةً.

و لانريد أن ندخل بهذه المناسبة في الجدل الّذي أثاره المعتزلة، حول الحكم بأنّ الخمر رجس: هل هو ناشئ عن أمر الشّارع سبحانه بتحريمها، أم إنّه ناشئ عن صفة ملازمة للخمر في ذاتها. و هل المحرّمات محرّمات لصفة ملازمة لها، أم إنّ هذه الصّفة تلزمها من التّحريم. فهو جدل عقيم في نظرنا و غريب على الحسّ الإسلاميّ!

و الله حين يُحرّم شيئًا يعلم سبحانه لِمَ حرّمه. سواء ذكر سبب التّحريم أو لم يذكر، و سواء كان التّحريم لصفة ثابتة في المحرّم، أو لعلّة تتعلّق بمن يتناوله من ناحية ذاته، أو من ناحية مصلحة الجماعة. فالله سبحانه هو الّذي يعلم الأمر كلّه، و الطّاعة لأمره واجبة، و الجدل بعد ذلك لايمثّل حاجة واقعيّة. و الواقعيّة هي طابع هذا المنهجالرّ بّانيّ. و لايقولنّ أحد: إذا كان التّحريم لصفة ثابتة في المحرّم، فكيف أُبيح إذن قبل تحريمه؟

فلابدّ أنّ لله سبحانه حكمة في تركه فترة بلاتحريم. و مردّ الأمر كلّه إلى الله. و هذا مقتضى أُولوهيّته سبحانه و استحسان الإنسان أو استقباحه ليس هو الحكم في الأمر، و ما يراه علّة قد لايكون هو العلّة. و الأدب مع الله يقتضي تلقّي أحكامه بالقبول و التّنفيذ، سواء عرفت حكمتها أو علّتها أم ظلّت خافية، و الله يعلم و أنتم لاتعلمون. (2 : 977)

ابن عاشور: و الرّجس: الخُبث المستَقذَر و المكروه من الأُمور الظّاهرة، و يُطلق على المذمّات الباطنة، كما في قوله: {وَ اَمَّا الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ } التّوبة : 125، و قوله: { اِنَّمَا يُريدُ‘ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اَهْلَ الْبَيْتِ } الأحزاب : 33.

و المراد به هنا الخبيث في النّفوس و اعتبار الشّريعة. و هو اسم جنس فالإخبار به كالإخبار بالمصدر، فأفاد المبالغة في الاتّصاف به حتّى كأنّ هذا الموصوف عين الرّجس. و لذلك أيضًا أفرد { رِجْسٌ } مع كونه خبرً ا عن متعدّدٍ، لأ نّه كالخبر بالمصدر.

و معنى كونها { مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ }أنّ تعاطيها بما تُتعاطى لأجله من تسويله للنّاس تعاطيها، فكأ نّه هو الّذي عملها و تعاطاها، و في ذلك تنفير لمتعاطيها بأ نّهيعمل عمل الشّيطان، فهو شيطان، و ذلك ممّا تأباه النّفوس. (5 : 197)

الطَّباطَبائيّ: الرِّجْس: الشّيء القذر على ما ذكره الرّ اغب في < مفرداته >، فالرَّجاسة بالفتح كالنّجاسة، و القِذارة، هو الوصف الّذي يبتعد و يتنزّه عن الشّيء بسببه، لتنفّر الطّبع عنه.

و كون هذه المعدودات من الخمر، و الميسر، و الأنصاب، و الأزلام رِجْسًا هو اشتمالها على وصف لاتستبيح الفطرة الإنسانيّة الاقتراب منها لأجله، و ليس إلا أ نّها بحيث لاتشتمل على شيء ممّا فيه سعادة إنسانيّة أصلا ، سعادة يمكن أن تصفو و تتخلّص في حين من الأحيان، كما ربّما أومأ إليه قوله تعالى: {يَسْ-َلُو=نَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ قُلْ فيهِمَا اِثْمٌ كَبيرٌ‘ وَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَ اِثْمُهُمَا اَكْبَرُمِنْ

نَفْعِهِمَا } البقرة : 219، حيث غلّب الإثم على النّفع و لم يستثن.

و لعلّه لذلك نسب هذه الأرجاس إلى عمل الشّيطان، و لم يشرك له أحدً ا، ثمّ قال في الآية التّالية: { اِنَّمَا يُريدُ‘ الشَّيْطَانُ اَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَ اوَةَ

وَ الْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّ كُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلو"ةِ }. و ذلك أنّ الله سبحانه عرّف الشّيطان في كلامه بأ نّه عدوّ للإنسان لايريد به خيرًا ألبتّة. قال تعالى: { اِنَّ الشَّيْطَانَ لِلاِ_نْسَانِ عَدُوٌّ مُبينٌ ‘} يوسف : 5، و قال: {كُتِبَ عَلَيْهِ اَنَّهُ مَنْ تَوَ لا هُ فَاَ نَّهُ يُضِلُّهُ} الحجّ : 4، و قال: { وَ اِنْ يَدْعُونَ اِلا شَيْطَانًا مَريدً ا‘ *لَعَنَهُ اللهُ } النّساء : 117 ، 118، فأثبت عليه لعنته و طرده عن كلّ خيرٍ.

و ذكر أنّ مساسه بالإنسان و عمله فيه، إنّما هو بالتّسويل و الوسوسة و الإغواء من جهة الإلقاء في القلب، كما قال تعالى حكايةً عنه: {قَالَ رَبِّ بِمَا اَغْوَيْتَنى لاُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الاَ_رْضِ وَ لاُغْوِيَنَّهُمْ اَجْمَعينَ‘* اِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصينَ‘ * قَالَ هذَا صِرَاطٌ عَلَىَّ مُسْتَقيمٌ ‘* اِنَّ عِبَادى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ اِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ ‘} الحجر : 39- 42، فهدّدهم إبليس بالإغواء فقط، و نفى الله سبحانه سلطانه إلا عن متّبعيه الغاوين، و حكى عنه فيما يخاطب بني آدم يوم القيامة قوله: { وَ مَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَان ٍاِلا اَنْ دَعَوْ تُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لى } إبراهيم : 22، و قال في نعت دعوته: { يَا بَنى ا"دَمَ لايَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ - إلى أن قال:- اِنَّهُ يَريكُمْ’ هُوَ وَ قَبيلُهُ‘ مِنْ حَيْثُ لاتَرَوْ نَهُمْ }، الأعراف : 27، فبيّن أنّ دعوته لاكدعوة إنسان إنسانًا إلى أمر بالمشافهة، بل بحيث يرعى الدّ اعي المدعوّ من غير عكس.

و قد فصّل القول في جميع ذلك قوله تعالى: { مِنْ شَرِّ الْوَسْوَ اسِ الْخَنَّاسِ * اَلَّذى يُوَسْوِسُ فى صُدُورِ النَّاسِ } النّاس : 4 ، 5، فبيّن أنّ الّذي يعمل الشّيطان بالتّصرّف في الإنسان، هو أن يُلقي الوسوسة في قلبه، فيدعوه بذلك إلى الضّلال.

فيتبيّن بذلك كلّه أنّ كون الخمر و ما ذُكر بعدها رجسًا من عمل الشّيطان، هو أ نّها منتهيةٌ إلى عمل الشّيطان الخاصّ به، و لاداعي لها إلا الإلقاء و الوسوسة الشّيطانيّة الّتي تدعو إلى الضّلال، و لذلك سمّاها رجسًا في قوله: { وَ مَنْ يُرِدْ اَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَاَ نَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ * وَ هذَا صِرَ اطُ رَبِّكَ مُسْتَقيمًا‘ } الأنعام : 125 ، 126.

ثمّ بيّن معنى كونها رجسًا ناشئًا من عمل الشّيطان، بقوله في الآية التّالية: { اِنَّمَا يُريدُ‘ الشَّيْطَانُ اَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَ اوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ فِى الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ عَنِ الصَّلو"ةِ} أي إنّه لايريد لكم في الدّعوة إليها إلا الشّرّ ولذلك كانت رجسًا من عمله.

فإن قلت: ملخّص هذا البيان أنّ معنى كون الخمر و أضرابها رجسًا، هو كون عملها أو شربها مثلا منتهيًا إلى وسوسة الشّيطان و إضلاله فحسب، والّذي تدلّ عليه عدّة من الرّوايات أنّ الشّيطان هو

الّذي ظهر للإنسان و عملها لأوّ ل مرّةٍ، و علّمه إيّاها.

قلت: نعم، و هذه الأخبار و إن كانت لاتتجاوز الآحاد؛ بحيث يجب الأخذ بها، إلا أنّ هناك أخبارً ا كثيرة متنوّعةً واردةً في أبوابٍ متفرّقة، تدلّ على تمثّل الشّيطان للأنبياء و الأولياء، و بعض أفراد الإنسان من غيرهم،كأخبار أُخر حاكية لتمثّل الملائكة، و أُخرى دالّةٌ على تمثّل الدّنيا و الأعمال و غير ذلك، و الكتاب الإلهيّ يؤيّدها بعض التّأييد، كقوله تعالى: {فَاَرْسَلْنَا اِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرً ا سَوِيًّا } مريم : 17، و سنستوفي هذا البحث إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الإسراء في الكلام على قوله تعالى: { سُبْحَانَ الَّذى‘ اَسْرى بِعَبْدِهِ } الإسراء: 1،أو في محلّ آخرٍ مناسب لذلك. (6 : 120)

فضل الله: و الرِّجْس: هو الشّي‌ء القذر الّذي ينفر الطّبع منه. و لعلّ هذه الكلمة واردة على سبيل الكناية، باعتبار ما تشتمل عليه هذه الأشياء من الأضرار و الخصائص السّلبيّة الّتي لواطّلع النّاس عليها لابتعدوا عنها، كما يبتعدون عن الأشياء القذرة الظّاهرة. فإنّ السّبب في نفور الطّبع من هذه الأشياء، هو ما يلاحظه النّاس فيها من الخصائص المنفّرة في رائحتها أو شكلها أو طعمها، ممّا يوحي للإنسان ببعض الأفكار و المشاعر المضادّة. و قد أراد الله للنّاس أن يدقّقوا في هذه الأُمور، ليكتشفوا ما تشتمل عليه من الخصائص المنفّرة الّتي تدفع الإنسان إلى الاجتناب عنها، لما فيها من الإضرار بالحياة و العقيدة و السّلوك، الّتي تضعها في زاوية الأقذار المعنويّة.

فالخمر يحوّ ل السّكران إلى إنسان، يتحرّ ك خارج نطاق الحياة الواعية، ليعيش في غيبوبة الخَدر الّتي تبعده عن الواقع، و بذلك يفقد الإنسانتوازنه في عالم التّصوّر و العلاقة و العمل.

و الميسر يُبعد النّشاط الاقتصاديّ الّذي يتطلّب الرّبح، عن الانطلاق إلى الأعمال المنتجة الّتي تبني للحياة كيانها، في نطاق الخدمات العامّة، ليجعل النّشاط كلّه مشدودً ا إلى طاولة القمار، ليُعطي كلّ جهده للأ لاعيب و الأساليب الفنّيّة في اقتناص الرّبح، في جوّ لايحمل أيّة تجربة إنسانيّة نافعة.

و الأنصاب تجعل الفكر الإنسانيّ مشدودً ا إلى الحجارة في نظرة تقديس، تتحوّ ل إلى حالة من الممارسة العباديّة، و بذلك تنطلق الصّنميّة لتكون بمثابة الخطّ العريض لكلّ قضايا الحياة و تطلّعاتها، فتبعده عن الآفاق الرّوحيّة الواسعة، و تربطه بالخرافة و الأُسطورة، و تُزوّر له فهمه للحياة.

و الأزلام طريقة للقسمة أو لاكتشاف الغيب، لاتعتمد على أساس ثابت من الواقع، يضمن للإنسان التّوازن و السّلامة في أُموره العمليّة.

و من خلال هذا العرض الموجز، نستطيع أن نكتشف من وصف الله تعالى بأ نّها { مِنْ عَمَلِِ الشَّيْطَانِ }، دلالة على دوره فيها؛ إذ هو الّذي قام بتزيينها للإنسان، بالوسوسة و الإغواء. فهو الّذي يُزيّن له ارتكاب هذا العمل أو ذاك، بإخفاء الجوانب

السّلبيّة فيه، و إظهار الجوانب الإيجابيّة، ليندفع الإنسان إليها بلهفةٍ وشوق، من دون أن يُعاني في ذلك أيّة عُقْدة نفسيّة، أو أيّ فكر مضادّ.

و في ضوء ذلك، لابدّ للإنسان من التّعامل معها بالطّريقة الّتي يتعامل فيها مع الأشياء القذرة الّتي تنفر الطّبع منها و يبتعد عنها، فيخلق ذلك في داخل وعيه عُقْدة رَفْض تمامًا، كما هي الأشياء القذرة في حياته. و لهذا كان الأمر بالاجتناب عنها في قوله تعالى: { فَاجْتَنِبُوهُ } نتيجةً طبيعيّةً لما أراد الله أن يُثيره في نفس الإنسان ضدّ هذه الأشياء، ليربطها في النّهاية بعوامل الفلاح و النّجاح، لأ نّهما ينطلقان في حياته من خلال أفعاله النّافعة و الإيجابيّة، كما ينطلقان من خلال نأيه عن الأُمور الضّارّة و السّلبيّة. { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فإنّ الابتعاد عن طريق الخسارة أُسلوب من أساليب الفلاح.

(8 : 331)

2 - قُلْ لااَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلى" طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزير ‘ فَاِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لاعَادٍ فَاِنَّ رَ بَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘.

الأنعام : 145

ابن عبّاس: حرام مقدّم و مؤخّر. (121)

الزّجّاج: و الرِّجْس اسم لما يُستَقذَر، و للعذاب (2 : 300)

الماوَرْديّ: يعني نجسًا حرامًا. (2 : 182)

الطُّوسيّ: يعني ماتقدّم ذكره، فلذلك كنّى عنه بكناية المذكّر. و الرّجس: العذاب أيضًا. (4 : 328)

ابن عَطيّة: الرِّجْس: النَّتْن و الحرام، يوصف بذلك الأجرام و المعاني، كما قال : < دعوها فإنّها مُنتِنَة>، فكذلكقيل في الأزلام و الخمر: رجسٌ. و الرِّجْس أيضًا: العذاب لغةً بمعنى الرِّجْز.

(2 : 357)

الطَّبْرِسيّ: أي نجسٌ. و الرِّجْس: اسم لكلّ شيء مستَقذَر منفور عنه. و الرِّجْس أيضًا: العذاب، و الهاء في قوله: { فَاِنَّهُ } عائد إلى ما تقدّم ذكره، فلذلك ذكَّره. (2 : 378)

الفَخْرالرّ ازيّ: [ذكروجوهًا هنا: الأوّل: في تحريم لحم خنزير و أدام:] معناه أ نّه تعالى إنّما حرّم لحم الخنزير لكونه نجسًا، فهذا يقتضي أنّ النّجاسة علّة لتحريم الأكل، فوجب أن يكون كلّ نجس يحرم أكله. و إذا كان هذا مذكورً ا في الآية كان السّؤال ساقطا .

و الثّاني: أ نّه تعالى قال في آية أُخرى: { وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ } الأعراف : 157، و ذلك يقتضي تحريم كلّ الخبائث، و النّجاسات خبائث، فوجب القول بتحريمها.

الثّالث: أنّ الأُمّة مجمعة على حُرمَة تناول النّجاسات، فهَبْ أ نّا التزمنا تخصيص هذه السّورة، بدلالة النّقل المتواتر من دين محمّدٍ، في باب النّجاسات. فوجب أن يبقى ما سواها على وَفْق الأصل تمسّكًا بعموم كتاب الله في الآية المكّيّة

و الآية المدنيّة، فهذا أصل مقرّر كامل في باب ما يحلّ و ما يحرم من المطعومات.

و أمّا الخمر فالجواب عنه: أ نّها نجسة، فيكون من الرِّجْس فيدخل تحت قوله: { رِجْسٌ }، و تحت قوله: { وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ }، و أيضًا ثبتتخصيصه بالنّقل المتواتر من دين محمّد(صلی الله علیه و آله) في تحريمه، و بقوله تعالى: { فَاجْتَنِبُوهُ } المائدة : 90، و بقوله: { وَ اِثْمُهُمَا اَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا } البقرة : 219. و العامّ المخصوص حجّة في غير محلّ التّخصيص، فتبقى هذه الآية فيما عداها حجّة. (13 : 220)

البَيْضاويّ: إنّ الخنزير أو لحمه قذر، لتعَوّده أكل النّجاسة، أو خبيث مخبث. (1 : 335)

نحوه الآلوسيّ. (8 : 44)

النّسَفيّ: نجسٌ { اَوْ فِسْقًا } عطف على المنصوب قبله، و قوله: { فَاِنَّهُ رِجْسٌ } اعتراض بين المعطوف و المعطوف عليه. (2 : 38)

البُرُوسَويّ: أي قذر لتعَوّده أكل النّجاسة. قال الحَدّ اديّ: كلّ ما استَقذَرته فهو رِجْسٌ. و يجوز أن يعود الضّمير إلى اللّحم. و تخصيصه مع أنّ لحمه، و شحمه، و شعره، و عظمه، و سائر ما فيه كلّه حرام، لكونه أهمّ ما فيه، فإنّ أكثر ما يقصد من الحيوان المأكول اللّحم فالحلّ و الحرمة يضاف إليه إصالةً و لغيره تبعًا. (3 : 114)

رشيد رضا: و جعل بعضهم الوصف بالرِّجْس للحم الخنزير خاصّة، و استدلّوا به على نجاسة عينه، حتّى قال بعضهم بنجاسة شعره، و ما اخترناه من كون الوصف لجميع ما ذُكر من الأنواع الثّلاثة هو المتبادر، و هو أظهر في الميتة و الدّم المسفوح منه في لحم الخنزير، و لاسيّما إذا أُريد بالرّجس الحسّيّ منه، فإنّ طباع أكثر البشر تستقذرهما و تعافهما. ولحم الخنزير من أجمل اللّحوم منظرً ا، فلايعافه إلا من يعتقد حرمته؛ و ذلك استقذار معنويّ لاحسّيّ، و إنّما يُستَقذَر الخنزير حيًّا بملازمته للأقذار و أكله منها. و الأرجح أنّ سبب تحريم لحمه ما فيه من الضّرر، لالكونه من القذر. (8 : 148)

ابن عاشور: و قوله: { فَاِنَّهُ رِجْسٌ } جملة معترضة بين المعطوفات، و الضّمير قيل: عائد إلى لحم الخنزير، و الأظهر أن يعود إلى جميع ما قبله. و أنّ إفراد الضّمير على تأويله بالمذكور، أي فإنّ المذكور رجس، كما يُفرَد اسم الإشارة، مثل قوله: { وَ مَنْ يَفْعَلْ ذ"لِكَ يَلْقَ اَثَامًا } الفرقان : 68.

و الرِّجْس: الخبيث و القذر، و قد مضى بيانه عند قوله تعالى: { كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ } الأنعام : 125.

فإن كان الضّمير عائدً ا إلى لحم الخنزير خاصّة، فوصفه ب- { رِجْسٌ } تنبيه على ذمّه. و هو ذمٌّ زائد على التّحريم، فوصفه به تحذير من تناوله. و تأنيس للمسلمين بتحريمه، لأنّ معظم العرب كانوا يأكلون لحم الخنزير، بخلاف الميتة و الدّم، فما يأكلونها إلا في الخصاصة.

و خباثة الخنزير علمها الله تعالى الّذي خلقه، و تبيّن أخيرً ا أنّ لحمه يشتمل على ذرّ ات حيوانيّة

مُضرّة لآكله، أثبتها علم الحيوان و علم الطّبّ.

و قيل: أُريد أ نّه نجس،لأ نّه يأكل النّجاسات. و هذا لايستقيم، لأنّ بعض الدّوابّ تأكل النّجاسة، و تسمّى الجلا لة، و ليست محرّمة الأ كل في صحيح أقوال العلماء.

و إن كان الضّمير عائدً ا إلى الثّلاثة بتأويل المذكور، كان قوله: { فَاِِنَّهُ رِجْسٌ } تنبيهًا على علّة التّحريم، و أ نّها لدفع مفسدة تحصل من أكل هذه الأشياء، و هي مفسدة بدنيّة. فأمّا الميتة فلما يتحوّ ل إليه جسم الحيوان بعد الموت من التّعفّن، و لأنّ المرض الّذي كان سبب موته قد ينتقل إلى آكله. و أمّا الدّم فلأنّ فيه أجزاء مُضرّة. و لأنّ شربه يورث ضراوة. (7 : 103)

مكارم الشّيرازيّ: لأنّ جميع هذه الأشياء رجسٌ، و منشأ لمختلف الأضرار{ فَاِنَّهُ رِجْسٌ }.

إنّ الضّمير في { فَاِنَّهُ } و إن كان ضمير الإفراد، إلا أ نّه يرجع حسب ما يذهب إليه أكثر المفسّرين إلى الأقسام الثّلاثة المذكورة في الآية: الميتة، الدّم، لحم الخنزير، فيكون معنى الجملة الأخيرة هي: فإنّ كلّ ما ذُكر رجس. و هذا هو المناسب لظاهر الآية و هو عودة الضّمير إلى جميع تلك الأقسام؛ إذ لاشكّ في أنّ الميتة و الدّم هما أيضًا رجسٌ كلحم الخنزير.

(4 : 457)

فضل الله: أي قَذرٌ تستقذره النّفس، و تنفر منه. (9 : 353)

الرِّجْسَ

1 - فَمَنْ يُرِدِ اللهُ اَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاِ_سْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ اَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًاحَرَجًا كَاَ نَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ. الأنعام : 125

ابن عبّاس: يترك الله التّكذيب. (119)

الرّجس: الشّيطان. (الطّبَريّ 5 : 341)

هو الشّيطان يسلّطه الله عليهم.

(الفَخْرالرّ ازيّ 13 : 184)

مُجاهِد: ما لاخير فيه. (الطّبَريّ 5 : 340)

عطاء: العذاب. (الفَخْرالرّ ازيّ 13 : 184)

الإمام الصّادق علیه السلام : هو الشّكّ.

(العَرُوسيّ 1 : 767)

ابن زَيْد: عذاب الله. (الطّبَريّ 5 : 341)

الطّبَريّ: و قد اختلف أهل التّأويل في معنى { الرِّجْسَ }، فقال بعضهم: هو كلّ ما لاخير فيه.

و قال آخرون: العذاب.

و قال آخرون: الشّيطان.

و كان بعض أهل المعرفة بلغات العرب من الكوفيّين يقول: الرِّجْسَ، و النِّجْس لغتان.

و يحكي عن العرب أ نّها تقول: ما كان رِجْسًا، و لقد رَجُس رَجاسَةً، و نَجُس نَجاسَةً.

و كان بعض نحويّي البصريّين يقول: الرِّجْس و الرِّجْز سواء، و هما العذاب.

و الصّواب من القول في ذلك عندي ما قاله ابن عبّاس، و من قال: إنّ الرِّجْس و النّجس واحدٌ،

للخبر الّذي رُوي عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) أ نّه كان يقول إذا دخل الخَلاء: < اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الرِّجْس النِّجْس الخبيث المُخْبِث الشّيطان الرّجيم >.

و قد بيّن هذا الخبر: أنّ الرِّجْس هو النِّجْس القذر الّذي لاخير فيه، و أ نّه من صفة الشّيطان.

(5 : 341)

الزّجّاج: أي مثل قصصنا عليك، يجعل اللهالرِّجْس على الّذين لايؤمنون.

و الرِّجْس: اللّعنة في الدّنيا، و العذاب في الآخرة. (2 : 290)

الطُّوسيّ: و في معنى{ الرِّجْسَ }قولان:

أحدهما: قال مُجاهِد: كلّما لاخير فيه. و قال ابن زَيْد و غيره من أهل اللُّغة: هو العذاب. و يقال الرّجس و النّجس: لما كان رجسًا، و لقد رجس رجاسة و نجس نجاسة. و وجه التّشبيه في قوله: { كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ }، أ نّه يجعل الرّجس على هؤلاء كما يجعل ضيق الصّدر في قلوب أُولئك، و إنّ كلّ ذلك على وجه الاستحقاق.

و لايجوز أن يكون المراد بالآية: أنّ الله تعالى يجعل سبب الإيمان الّذي يكون به الإيمان، و سبب الكفر الّذي يكون به الكفر، و إنّهما جميعًا من فعل الله على ما يقوله المجبّرة؛ و ذلك أنّ الله تعالى أنزل القرآن حجّة له على عباده، لاحجّةً للعباد عليه، فلو كان كما قالوه لكانت الحجّة عليه لاله، على أ نّه لايجوز أن يكون في كلام الله تعالى مناقضة، و قد ذكره الله تعالى في مواضع أ نّه هُدى للكفّار نحو قوله: { وَ اَمَّا ثَمُودُ فَهَدَ يْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى } فصّلت : 17، و قال: { وَ هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} البلد : 10 ، 11، و قال: { وَ مَا مَنَعَ النَّاسَ اَنْ يُؤْمِنُوا اِذْ جاءَهُمُ الْهُدى } الإسراء : 94، و قال: { قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَ بِّكُمْ فَمَنْ اَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا } الأنعام : 104.فبيّن بجميع ذلك أ نّه تعالى هدى الكفّار كما هدى المؤمنين، فكيف ينفي ذلك في موضع آخر، و هل ذلك إلا مناقضة، و كلام الله منزّ ه عنها؟! و متى حملنا الآيات على ما قلناه و وفقنا بينها، لم يُؤدّ إلى المناقضة ولا التّضادّ، و يقوي ذلك أنّ الله أخبر أ نّه يجعل قلب الكافر ضيّقًا حرجًا، و نحن نجد كثيرً ا من الكفّار غير ضيّقي الصّدر بما هم فيه من الكفر، بل هم في غاية السّرور و الفرح بذلك، فكيف يقال: إنّ الله تعالى ضيّق صدورهم بالكفر؟!

و لايلزمنا ذلك إذا قلنا: إنّ الله يفعل ذلك بهم على وجه العقوبة، لأ نّه تعالى إذا كان يفعل بهم ذلك عقوبة، يجوز أن يفعل بهم ذلك إذا أراد عقابهم، لافي جميع الأحوال. و لايلزم أن يجدوا نفوسهم على ذلك في كلّ وقت.

و أيضًا فإنّ سبب القبيح لايكون إلا قبيحًا، فعلى هذا سبب الكفر يجب أن يكون قبيحًا، لأ نّه موجب له لايصلح لضدّه من الإيمان، لأ نّه لو صلح لذلك لم يكن سببًا، و الله تعالى لايفعل القبيح. و إنّما ذكر الله ضيق صدر الكافر، و هو ممّا يصحّ أن يُدعى

به إلى الإيمان في بعض الأحوال، كما يصحّ أن يُدعى بانشراحه في غير تلك الحال.

و يقوّي ما قلناه قوله: { كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ }، و إنّما أُريد بذلك ما يفعله بهم من العقاب و البراءة و اللّعنة و الشّتم و الأسماء القبيحة، معما أعدّ لهم من العقاب.

و قال الحسَن: معناه أ نّه يكون مقبول الإيمان مُنشرح الصّدر، و من يُرد أن يُضلّه يجعل صدره ضيّقًا حرجًا، و معناه أ نّه يثقل عليه ما يُدعى إليه من الإيمان، كأ نّما يصّعّد إلى السّماء، فبذلك صار ضيّق الصّدر عن الإيمان. { يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ } يعني رجاسة الكفر على الّذين لايؤمنون.

و وجه آخر في الآية: و هو أن نحملها على التّقديم و التّأخير، كأ نّه قال: من يشرح الله صدره للإسلام يُرد الله أن يهديه، و من يجعل صدره ضيّقًا حرجًا يُرد الله أن يُضلّه.

و وجه آخر: و هو أن يكون الله تعالى لمّا دعاهم إلى الإيمان و أمرهم، ففعلوه، انشرحت صدورهم، فنُسب شرح ذلك إلى الله تعالى. و لمّا ضاقت صدور الكفّار عند دعاء الله و إقامة الحُجَج عليهم، و أمره إيّاهم بذلك، فضلّوا عند ذلك، صحّ أن ينسب إضلالهم إليه، كما يقولون: أضلّ فلان بعيره، إذا ضلّ عنه، و هو لم يُرد ذلك. (4 : 290)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (2 : 364)

الواحديّ: [ بعد نقل الأقوال الماضية قال:]

و انقطع كلام القدريّة - لعنهم الله - عند هذه الآية، و خرست ألسنتهم، فإنّها قد صرّحت بتعلّق إرادة الله بالهداية و الإضلال و تهيئة أسبابهما.

(2 : 321)

الزّمَخْشَريّ: يعني الخِذْلان و منع التّوفيق. وصفه بنقيض ما يوصف به التّوفيق من الطّيّب، أو أراد الفعل المؤدّي إلى الرّجس، و هو العذاب منالارتجاس، و هو الاضطراب. (2 : 49)

ابن عَطيّة: أي و كما كان هذا كلّه من الهُدى و الضّلال بإرادة الله عزّ و جلّ و مشيئته، كذلك يجعل الله الرّجس. قال أهل اللُّغة: الرِّجْس يأتي بمعنى العذاب، و يأتي بمعنى النّجس، و حكى الطّبَريّ عن مُجاهِد أ نّه قال: { الرِّجْسَ } كلّ ما لاخير فيه. و قال بعض الكوفيّين: الرِّجْس و النِّجْس لغتان بمعنًى. (2 : 344)

الفَخْرالرّ ازيّ: [ أشار إلى بعض أقوال المفسّرين و أضاف:]

و لنختم تفسير هذه الآية بما روي عن محمّد بن كعب القُرَظيّ أ نّه قال: تذاكرنا في أمر القدَريّة عند ابن عمر. فقال: لُعنت القدَريّة على لسان سبعين نبيًّا، منهم نبيّنا(صلی الله علیه و آله) . فإذا كان يوم القيامة نادى مناد، و قد جمع النّاس؛ بحيث يسمع الكلّ أين خُصماء الله، فتقوم القدريّة. و قد أورد القاضي هذا الحديث في تفسيره، وقال: < هذا الحديث من أقوى ما يدلّ على أنّ القدَريّة هم الّذين ينسبون أفعال العباد إلى الله تعالى قضاءً و قدرً ا و خلقًا، لأنّ الّذين يقولون هذا القول، هم خصماء الله، لأ نّهم يقولون لله: أيّ ذنب

لنا حتّى تعاقبنا، وأنت الّذي خلقته فينا و أردته منّا، و قضيته علينا، و لم تخلقنا إلا له، و ما يسّرت لنا غيره، فهؤلاء لابدّ و أن يكونوا خصماء الله بسبب هذه الحجّة. أمّا الّذين قالوا: إنّ الله مَكّن وأزاح العلّة، و إنّما أتى العبد من قِبَل نفسه، فكلامه موافق لما يعاملبه من إنزال العقوبة، فلايكونون خصماء الله، بل يكونون منقادين لله >، هذا كلام القاضي و هو عجيبٌ جدًّ ا؛ و ذلك لأ نّه يقال له: يبعد منك أ نّك ما عرفت من مذاهب خصومك أ نّه ليس للعبد على الله حُجّة و لااستحقاق بوجهٍ من الوُجُوه، و أنّ كلّ ما يفعله الرّبّ في العبد فهو حكمة و صواب، و ليس للعبد على الرّبّ اعتراض و لامناظرة، فكيف يصير الإنسان الّذي هذا دينه و اعتقاده خصمًا لله تعالى؟

أمّا الّذين يكونون خصماء لله فهم المعتزلة، و تقريره من وُجُوه:

الأوّ ل: أ نّه يدّعي عليه و جوب الثّواب و العوض، و يقول: لو لم تُعطني ذلك لخرجت عن الإلهيّة، و صرت معزولا عن الرّبوبيّة، و صرت من جملة السّفهاء. فهذا الّذي مذهبه و اعتقاده ذلك هو الخصم لله تعالى.

و الثّاني: أنّ من واظب على الكفر سبعين سنة، ثمّ إنّه في آخر زمن حياته قال: لا إله إلا الله محمّد رسول الله عن القلب، ثمّ مات، ثمّ إنّ ربّ العالمين أعطاه النّعم الفائقة و الدّرجات الزّ ائدة ألف ألف سنة، ثمّ أراد أن يقطع تلك النّعم عنه لحظة واحدة، فذلك العبد يقول: أ يّها الإله إيّاك، ثمّ إيّاك أن تترك ذلك لحظة واحدة، فإنّك إن تركته لحظة واحدة صرت معزولا عن الإلهيّة.

و الحاصل: أنّ إقدام ذلك العبد على ذلك الإيمان لحظة واحدة، أوجب على الإله إيصال تلك النّعم مدّة لاآخرلها، و لاطريق له ألبتّة إلى الخلاص عن هذه العهدة، فهذا هو الخصومة. أمّا من يقول: إنّه لاحقّ لأحد من الملائكة والأنبياء على الله تعالى، وكلّ ما يوصل إليهم من الثّواب فهو تفضّل و إحسان من الله تعالى، فهذا لايكون خصمًا.

و الوجه الثّالث: في تقرير هذه الخصومة ماحكي أنّ الشّيخ أبا الحسَن الأشعريّ، لمّا فارق مجلس أُستاذه أبي عليّ الجُبّائيّ و ترك مذهبه، و كثر اعتراضه على أقاويله، عظمت الوحشة بينهما، فاتّفق أنّ يومًا من الأ يّام عقد الجُبّائيّ مجلس التّذكير، وحضر عنده عالم من النّاس، و ذهب الشّيخ أبوالحسَن إلى ذلك المجلس، و جلس في بعض الجوانب مختفيًا عن الجُبّائيّ، و قال لبعض من حضر هناك من العجائز: إنّي أُعلّمكِ مسألةً فاذكريها لهذا الشّيخ، قُولي له: كان لي ثلاثة من البنين: واحد كان في غاية الدّين و الزّهد، و الثّاني كان في غاية الكفر و الفسق، و الثّالث كان صبيًّا لم يبلغ، فماتوا على هذه الصّفات، فأخبرني أيّها الشّيخ عن أحوالهم.

فقال الجُبّائيّ: أمّا الزّ اهد ففي درجات الجنّة، و أمّا الكافر ففي دركات النّار، و أمّا الصّبيّ فمن

أهل السّلامة.

قال: قُولي له: لو أنّ الصّبيّ أراد أن يذهب إلى تلك الدّرجات العالية الّتي حصل فيها أخوه الزّ اهد هل يمكن منه؟

فقال الجُبّائيّ: لا لأنّ الله يقول له: إنّما وصلإلى تلك الدّرجات العالية بسبب أ نّه أتعب نفسه في العلم و العمل، و أنت فليس معك ذاك.

فقال أبوالحسَن: قُولي له: لو أنّ الصّبيّ حينئذ يقول: يا ربّ العالمين ليس الذّنب لي، لأ نّك أمتّني قبل البلوغ، ولو أمهلتني فربّما زدتُ على أخي الزّاهد في الزّهد و الدّين.

فقال الجُبّائيّ: يقول الله له: علمت أ نّك لو عشت لطغيت و كفرت و كنت تستوجب النّار، فقبل أن تصل إلى تلك الحالة راعَيتُ مصلحتك و أُمَتّك حتّى تنجو من العقاب. فقال أبوالحسَن: قُولي له: لو أنّ الأخ الكافر الفاسق رفع رأسه من الدّرك الأسفل من النّار، فقال: يا ربّ العالمين، و يا أحكم الحاكمين، و يا أرحم الرّ احمين، كما علمت من ذلك الأخ الصّغير أ نّه لو بلغ كفر علمت منّي ذلك، فلم راعيت مصلحته و ما راعيتَ مصلحتي؟ قال الرّ اوي: فلمّا وصل الكلام إلى هذا الموضع انقطع الجُبّائيّ. فلمّا نظر رأى أبا الحسن، فعلم أنّ هذه المسألة منه، لامن العجوز. ثمّ إنّ أبا الحسين البصريّ جاء بعد أربعة أدوار أو أكثر من بعد الجُبّائيّ فأراد أن يجيب عن هذا السّؤال، فقال: نحن لانرضى في حقّ هؤلاء الإخوة الثّلاثة بهذا الجواب الّذي ذكرتم، بل لنا هاهنا جوابان آخران سوى ما ذكرتم، ثمّ قال: و هو مبنيّ على مسألة اختلف شيوخنا فيها، و هي أ نّه هل يجب على الله أن يكلّف العبد أم لا؟ فقال البصريّون: التّكليف محض التّفضّل و الإحسان، وهو غير واجب على الله تعالى. و قال البغداديّون: إنّه واجب على الله تعالى.

قال: فإن فرّعنا على قول البصريّين، فللّه تعالى أن يقول لذلك الصّبيّ: إنّي طوّلت عمر الأخ الزّاهد، و كلّفته على سبيل التّفضّل، و لم يلزم من كوني متفضّلا على أخيك الزّ اهد بهذا الفضل، أن أكون متفضّلا عليك بمثله.

وأمّا إن فرّعنا على قول البغداديّين، فالجواب أن يقال: إنّ إطالة عمر أخيك و توجيه التّكليف عليه، كان إحسانًا في حقّه، و لم يلزم منه عود مفسدة إلى الغير، فلاجرم فعلته، و أمّا إطالة عمرك وتوجيه التّكليف عليك كان يلزم منه عود مفسدة إلى غيرك، فلهذا السّبب ما فعلت ذلك في حقّك، فظهر الفرق.

هذا تلخيص كلام أبي الحسين البصريّ، سعيًا منه في تخليص شيخه المتقدّم عن سؤال الأشعريّ، بل سعيًا منه في تخليص إلهه عن سؤال العبد.

و أقول قبل الخوض في الجواب عن كلام أبي الحسين: صحّة هذه المناظرة الدّ قيقة بين العبد و بين الله، إنّما لزمت على قول المعتزلة. و أمّا على قول أصحابنا رحمهم الله، فلامناظرة ألبتّة بين العبد و بين الرّبّ، و ليس للعبد أن يقول لربّه، لم فعلت كذا؟ أو

ما فعلت كذا. فثبت أن خُصماء الله هم المعتزلة، لا أهل السّنّة، و ذلك يقوّي غرضنا و يحصل مقصودنا.ثمّ نقول: أمّا الجواب الأوّ ل: و هو أنّ إطالة العمر و توجيه التّكليف تفضّل، فيجوز أن يخصّ به بعضًا دون بعض.

فنقول: هذا الكلام مدفوع، لأ نّه تعالى لمّا أوصل التّفضّل إلى أحدهما، فالامتناع من إيصاله إلى الثّاني قبيح من الله تعالى، لأنّ الإيصال إلى هذا الثّاني، ليس فعلا شاقًّا على الله تعالى، و لايوجب دخول نقصان في ملكه بوجه من الوُجُوه، و هذا الثّاني يحتاج إلى ذلك التّفضّل، و مثل هذا الامتناع قبيح في الشّاهد.ألاترى أنّ من منع غيره من النّظر في مرآته المنصوبة على الجدار لعامّة النّاس قبح ذلك منه، لأ نّه منع من النّفع من غير اندفاع ضرر إليه، و لاوصول نفع إليه. فإن كان حكم العقل بالتّحسين و التّقبيح مقبولا ، فليكن مقبولا هاهنا، و إن لم يكن مقبولا ، لم يكن مقبولا ألبتّة في شيء من المواضع، و تبطل كلّ-يّة مذهبكم؛ فثبت أنّ هذا الجواب فاسد.

و أمّا الجواب الثّاني: فهو أيضًا فاسد؛ و ذلك لأنّ قولنا: تكليفه يتضمّن مفسدة، ليس معناه أنّ هذا التّكليف يوجب لذاته حصول تلك المفسدة، و إلا لزم أن تحصل هذه المفسدة أبدً ا في حقّ الكلّ و أنّه باطل، بل معناه: أنّ الله تعالى علم أ نّه إذا كلّف هذا الشّخص، فإنّ إنسانًا آخر يختار من قبل نفسه فعلا قبيحًا، فإن اقتضى هذا القدر أن يترك الله تكليفه، فكذلك قد علم من ذلك الكافر أ نّه إذا كلّفه، فإنّه يختار الكفرعند ذلك التّكليف، فوجب أن يترك تكليفه؛ و ذلك يوجب قبح تكليف من علم الله من حاله أ نّه يكفر، و إن لم يجب هاهنا لم يجب هنالك.

و أمّا القول بأ نّه يجب عليه تعالى ترك التّكليف إذا علم أنّ غيره يختار فعلا قبيحًا عند ذلك التّكليف، و لايجب عليه تركه إذا علم تعالى أنّ ذلك الشّخص يختار القبيح عند ذلك التّكليف، فهذا محض التّحكّم. فثبت أنّ الجواب الّذي استخرجه أبوالحسين بلطيف فكره، و دقيق نظره بعد أربعة أدوار ضعيف، و ظهر أنّ خُصماء الله هم المعتزلة، لا أصحابنا، و الله أعلم. (13 : 184)

القُرطُبيّ: [ذكر قول ابن عبّاس و ابن زَيْد و مُجاهِد ثمّ قال:]

و كذلك الرِّجْس عند أهل اللُّغة هو النَّتْن. فمعنى الآية، و الله أعلم: و يجعل اللّعنة في الدّنيا، و العذاب في الآخرة { عَلَى الَّذينَ‘ لا يُؤْمِنُونَ }.

(7 : 83)

البَيْضاويّ: يجعل العذاب أو الخذلان عليهم، فوضع الظّاهر موضع المضمر للتّعليل. (1 : 330)

النّسَفيّ: العذاب في الآخرة و اللّعنة في الدّنيا.

(2 : 32)

أبوحَيّان: [نقل كلام الزّمَخْشَريّ ثمّ أضاف:]

و هو على طريقه الاعتزاليّ، و نقيض الطّيّب

النَّتْن الرّ ائحة الكريهة، والرِّجس و النَّجس بمعنى واحد، قاله بعض أهل الكوفة. (4 : 218)

ابن كثير كذلك يُسلّط الله الشّيطان عليه و على أمثاله، ممّن أبىالإيمان بالله ورسوله، فيُغويه و يصدّه عن سبيل الله. (3 : 99)

البُرُوسَويّ: أي العذاب و الخذلان أو اللّعنة أو الشّيطان، أي يُسلّطه. (3 : 101)

القاسميّ: في الاعتقادات و الأخلاق. و الرِّجْس : ما استُقذر من العمل، و سمّي بذلك مبالغةً في ذمّه. (6 : 2497)

رشيد رضا: أي مثل جعل الصّدر ضيّقًا حرجًا بالإسلام، و على هذا النّحو في سنّة الله فيه، و تقديره له بما ذكرنا من أسبابه يجعل الله الرِّجْس على الّذين يُعرضون عن الإيمان، فيظهر في أعمالهم و تصرّفهم و لاسيّما مع أهل الدّعوة، فيكون مُعظمها قبيحًا سيّئًا في ذاته، أو فيما بُعث عليه من قصدٍ و نيّة، فإنّ الرّجس يُطلق في اللُّغة على كلّ ما يسوء أو يُستَقذَر حسًّا أو عقلا و عرفًا.

و قد أطلنا في شرح معناه في تفسير آية الخمر، من سورة المائدة، فهو يُفسّر في كلّ كلامٍ بما يناسب المقام...

و قال تعالى: { و َمَا كَانَ لِنَفْس اَنْ تُؤْمِنَ اِلا بِاِذْنِ اللهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ }، يونس : 100، و كأنّ الجعل في الآيتين ضمّن معنى الإلقاء، أي على ذلك النّحو في أسباب جعل الصّدر ضيّقًا حرجًا بأصل الإسلام، يقع الرّجس بتقدير الله تعالى على الّذين لايؤمنون بأن يكون لازمًا لهم، و تُلقى تبعته عليهم، لأنّ الإيمان الّذي اجتنبوه هو الّذي يصدّ عنه، و يُطهّر الأنفس منه. و لأجل هذا لم يقل: كذلكيجعل الله الرّجس عليهم، أو على الكافرين. [ثمّ أدام البحث عن الاختلاف بين القدريّة الجبريّة و المعتزلة و الأشعريّة حول هذه الآية كما جاء في كلام الفَخْرالرّ ازيّ] (8 : 43)

المَراغيّ: أي كما جعل الصّدر ضيّقًا حرجًا بالإسلام على هذا النّحو في سنّ-ة الله، و تقديره بما تقدّم ذكره من الأسباب، يجعل الرّجس على الّذين يعرضون عن الإيمان، فيظهر أثر ذلك في تصرّفاتهم و أعمالهم، فيكون غالبًا قبيحًا سيّئًا في ذاته، أو فيما بُعث عليه من قصدٍ و نيّة، لأنّ الإيمان الّذي اجتنبوه هو الّذي يصدّ عنه و يُطهّر الأنفس منه. (8 : 26)

ابن عاشور: و الرِّجْس: الخبث و الفساد، و يطلق على الخبث المعنويّ و النّفسيّ. و المراد هنا: خبث النّفس و هو رجس الشّرك، كما قال تعالى: { وَ اَمَّا الَّذينَ‘ فى قُ-لُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ } التّوبة : 125، أي مرضًا في قلوبهم زائدً ا على مرض قلوبهم السّابق، أي أرسخت المرض في قلوبهم، و تقدّم في سورة المائدة : 90، { اِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَ_نْصَابُ وَ الاَ_زْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } فالرّجس يعمّ سائر الخباثات النّفسيّة، الشّاملة لضيق الصّدر وحرجه، و بهذا العموم كان تذييلا ، فليس خاصًّا بضيق الصّدر حتّى يكون من وضع المظهر موضع المضمر. (7 : 46)

مَغْنِيّة: المراد ب- {الرِّجْسَ } هنا: العذاب، لأ نّه جزاء الكافرين، و المعنى: أنّ الّذين وقعوا في الضّيق و الحرج مناتّباع الحقّ في الدّنيا، كذلك غدً ا يقعون في العذاب الّذي هو أشدّ و أعظم عليهم ضيقًا و حرجًا من اتّباع الحقّ: { وَ قَالُوا لاتَنْفِرُوا فِى الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ اَشَدُّ حَرًّ ا } التّوبة : 81. (3 : 262)

الطَّباطَبائيّ: إعطاء ضابط كلّيّ في إضلال الّذين لايؤمنون، أ نّهم يفقدون حال التّسليم لله و الانقياد للحقّ، و قد أُطلق عدم الإيمان و إن كان مورد الآيات عدم الإيمان بالله سبحانه، و هو الشّرك به، لكن الّذي سبق من البيان في الآية يشمل عدم الإيمان بالله و هو الشّرك، و عدم الإيمان بآيات الله، و هو ردّ بعض ما أنزله الله من المعارف و الأحكام. فقد دلّ على ذلك كلّه بقوله: { يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاِ_سْلامِ...}، و بقوله سابقًا: { وَ جَعَلْنَا لَهُ نُورً ا يَمْشى بِهِ...}، و قوله: { يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا...}، و بقوله سابقًا: { فِى الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا }.

و قد سمّي في الآية الضّلال الّذي يساوق عدم الإيمان رجسًا، و الرِّجْس هو القذر، غير أ نّه اعتُبر فيه نوعًا من الاستعلاء الدّ الّ عليه قوله: { عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ } كأنّ الرِّجْس يعلوهم و يُحيط بهم، فيحول بينهم و بين غيرهم، فيتنفّر منهم الطّباع كما يتنفّر من الغذاء الملطّخ بالقذر. (7 : 343)

فضل الله: و الرِّجْس - في المفهوم المادّيّ - هو القذر، و قد استعاره للقذارة المعنويّة المتمثّلة في الكفر و الضّلال، لما يستتبعه من الإبعاد عن رحمة الله والقرب من عذابه، تمامًا كما هو القذر الّذي يستدعي الابتعاد عن الشّخص الّذي يتلطّخ به.

(9 : 324)

2 - وَمَا كَانَ لِنَفْس اَنْ تُؤْمِنَ اِلا بِاِذْنِ اللهِ

وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ . يونس : 100

ابن عبّاس: يترك التّكذيب. (180)

السّخَط. (الطّبَريّ 6 : 616)

الإثم و العدوان. (ابن الجَوْزيّ 4 : 68)

سعيد بن جُبَيْر: إنّه الإثم. (الماوَرْديّ 2 : 452)

مُجاهِد: أ نّه ما لاخير فيه. (الماوَرْديّ 2 : 452)

الحسَن: العذاب.

مثله أبو عُبيدة و الزّجّاج. (ابن الجَوْزيّ 4 : 68)

قَتادَة: إنّه الشّيطان. (الماوَرْديّ 2 : 452)

الفَرّ اء: العذاب و الغضب، و هو مضارع لقوله ( الرِّجْز) و لعلّهما لغتان بُدّلت السّين زايًا كما قيل: الأسْد و الأزْد. (1 : 480)

الطّبَريّ: هو العذاب و غضب الله. (6 : 616)

الثّعلبيّ: العذاب و السّخط. و قرأ الأعمش ( الرِّجْز) بالزّ اي. (5 : 153)

الزّمَخْشَريّ: قابل الإذن بالرِّجْس، و هو الخِذلان، و النّفس المعلوم إيمانها بالّذين لايعقلون و هم المصرّون على الكفر، كقوله: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لايَعْقِلُونَ } البقرة : 171، و سمّي الخذلان رِجْسًا و هو العذاب، لأ نّه سببه. و قرئ ( الرِّجْز )

بالزّ اي. (2 : 255)

نحوه البَيْضاويّ. (1 : 458)

ابن عَطيّة: { الرِّجْسَ } يكون بمعنى العذاب كالرِّجْز، و يكون بمعنى القذر و النّجاسة، ذكره أبوعليّ هنا و غيره، و هو في هذه الآية بمعنىالعذاب. (3 : 145)

الفَخْرالرّ ازيّ: احتجّ أصحابنا على صحّة قولهم: بأنّ خالق الكفر و الإيمان هو الله تعالى، بقوله تعالى: {وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ}، و تقريره: أنّ الرّجس قد يراد به العمل القبيح. قال تعالى: { اِنَّمَا يُريدُ‘ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْس اَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرً ا} الأحزاب : 33، و المراد من { الرِّجْسَ } هاهنا: العمل القبيح، سواء كان كفرً ا أو معصيةً، و ب- < التّطهير >: نقل العبد من رجس الكفر و المعصية إلى طهارة الإيمان و الطّاعة، فلمّا ذكر الله تعالى فيما قبل هذه الآية أنّ الإيمان لايحصل إلا بمشيئة الله تعالى و تخليقه، ذكر بعده أنّ الرّجس لايحصل إلا بتخليقه و تكوينه.

و الرّجس الّذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر، فثبت دلالة هذه الآية، على أنّ الكفر و الإيمان من الله تعالى.

أجاب أبوعليّ الفارسيّ النّحويّ عنه، فقال: { الرِّجْسَ } يحتمل وجهين آخرين:

أحدهما: أن يكون المراد منه العذاب، فقوله: { وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ } أي يلحق العذاب بهم، كما قال: { وَ يُعَذِّبَ المْنَافِقينَ وَ المْنَافِقَاتِ وَ المْشْرِكينَ وَ الْمُشْرِكَاتِ } الفتح : 6.

والثّاني: أ نّه تعالى يحكم عليهم بأ نّهم رجس كما قال: { اِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } التّوبة: 28، و المعنى أنّ الطّهارة الثّابتة للمسلمين لم تحصل لهم.

والجواب: أ نّا قد بيّنّا بالدّليل العقليّ أنّ الجهل لايمكن أن يكون فعلا للعبد، لأ نّه لايريده و لايقصد إلى تكوينه، و إنّما يريد ضدّه، و إنّما قصد إلى تحصيل ضدّه. فلو كان به لما حصل إلا ما قصده، و أوردنا السّؤالات على هذه الحُجّة، وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب. و أمّا حمل { الرِّجْسَ } على العذاب، فهو باطل، لأنّ { الرِّجْسَ } عبارة عن الفاسد المستقذَر المُستَكرَه، فحمل هذا اللّفظ على جهلهم و كفرهم أولى من حمله على عذاب الله، مع كونه حقًّا صدقًا صوا بًا. و أمّا حمل لفظ{ الرِّجْسَ } على حكم الله برجاستهم، فهو في غاية البُعْد، لأنّ حكم الله تعالى بذلك صفته، فكيف يجوز أن يقال: إنّ صفة الله رجس؟ فثبت أنّ الحجّة الّتي ذكرناها ظاهرة. (17 : 168)

القُرطُبيّ: الرُِّجْس: العذاب، بضمّ الرّ اء و كسرها لغتان. (8 : 386)

أبوالسُّعود: أي الكفر بقرينة ما قبله، عُبّر عنه ب- { الرِّجْسَ } الّذي هو عبارة عن القبيح المستَقذَر المستكره، لكونه علَمًا في القبح و الاستكراه.

و قيل: هو العذاب أو الخِذلان المؤدّي إليه. و قرئ بنون العظمة، و قرئ بالزّ اي، أي يجعل الكفر و يُبقيه. (3 : 275)

نحوه البُرُوسَويّ. (4 : 84)

الآلوسيّ: أي الكفر، كما في قوله تعالى:

{ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى"رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} التّوبة : 125، بقرينة ما قبله. و أصله: الشّيء الفاسد المستَقذَر. و عُبّر عنه بذلك. لكونه علمًا في الفساد و الاستقذار. و قيل: المراد به العذاب، و عُبّر عنه بذلك، لاشتراكهما في الاستكراه و التّنفّر. و إنّ إرادة الكفر منه باعتبار أ نّه نُقل أوّ لا عن المستَقذَر إلى العذاب للاشتراك فيما ذُكر ثمّ أُطلق على الكفر لأ نّه سببه، فيكون مجازً ا في المرتبة الثّانية.

و اختار الإمام التّفسير الأوّ ل تحاشيًا ممّا في إطلاق المستَقذَر على عذاب الله تعالى من الاستقذار، و بعضٌ الثّاني لما أنّ كلمة ( عَلى" ) في قوله تعالى: { عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ }. (11 : 194)

رشيد رضا: { وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ } هذا عطف على محذوف يدلّ عليه المذكور، دلالة الضّدّ على الضّدّ، أو النّقيض على النّقيض، أي و إذ كان كلّ شيء بإذنه و تيسيره و مشيئته الّتي تجري بقدره و سُنّته، فهو يجعل الإذن و تيسير الإيمان للّذين يعقلون آياته في كتابه و في خلقه، و يوازنون بين الأُمور، فيختارون خير الأعمال على شرّها، و يُرجّحون نفعها على ضرّها، بإذنه و تيسيره. و يجعل الرّجس أو الخذلان و الخزي المُرجَّح للكفر و الفجور على الّذين لايعقلون و لايتدبّرون، فهم لأفن رأيهم، و اتّباع أهوائهم، يختارون الكفر على الإيمان و الفجورعلى التّقوى.

و تقدّم في تفسير آيات الخمر و الميسر من سورة المائدة و في الكلام على المنافقين من أواخر سورة التّوبة، أنّ الرّجس لفظ يُعبّر به عن أقبح الخبث المعنويّ الّذي هو مبعث الشّرّ و الإثم. (11 : 485)

نحوه المَراغيّ. (11 : 158)

ابن عاشور: و الرِّجس: حقيقة الخبث و الفساد. و أطلق هنا على الكفر، لأ نّه خبث نفسانيّ. و القرينة مقابلته بالإيمان كالمقابلة الّتي في قوله: { فَاَمَّا الَّذين‘ ا"مَنُوا فَزَادَتْهُمْ ايمَانًا‘ } إلى قوله: {فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ} التّوبة : 124 ، 125.

و المعنى: و يوقع الكفر على الّذين لايعقلون. و المراد: نفي العقل المستقيم، أي الّذين لاتهتدي عقولهم إلى إدراك الحقّ، و لايستعملون عقولهم بالنّظر في الأدلّة. (11 : 184)

مَغْنيّة: المراد ب- { الرِّجْسَ } هنا: الكفر المقابل للإيمان الّذي هو بإذن الله، و المعنى: أنّ الإعراض عن آيات الله و عدم تدبّرها يُؤدّي حتمًا إلى الكفر، كما أنّ تدبّرها يُؤدّي حتمًا إلى الإيمان. و بهذا يتبيّن أنّ المراد { بِاِذْنِ اللهِ }: الإيمان اللا زم لإدراك الدّ لائل

و البيّنات الّتي أقامها الله على وجوده، على أن يكون مع هذا الإدراك الإنصاف و التّجرّد عن الغايات و الأهواء. (4 : 195)

الطَّباطَبائيّ:و قد أُريد في الآية ب- {الرِّجْسَ} ما يقابل الإيمان، من الشّكّ والرّيب، بمعنى أ نّه هو المصداق المنطبق عليه الرّجس في المقام، لما قوبل

بالإيمان، وقد عُرّف في قوله تعالى: { وَ مَنْ يُرِدْ اَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَاَ نَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ } الأنعام : 125. (10 : 127)

مكارم الشّيرازيّ: إنّ آخر جملة من الآية الأخيرة، أي { وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ } يجب أن لاتُفسّر بمعنى الجبر مطلقًا، لأنّ جملة: { لايَعْقِلُونَ } دليل على اختيار هؤلاء، أي هؤلاء الأفراد قد امتنعوا من التّفكير و التّدبّر أوّ لا ، فابتلوا في النّهاية بهذا العقاب، الّذي هو الرّجس و قذارة الشّكّ والتّردّد، و ظلمة القلب، و النّظر غير السّليم الّذي سُلّط على هؤلاء، حتّى سلبت منهم القدرة على الإيمان. إلا أ نّه ينبغي الانتباه إلى أنّ مقدّمات العذاب قد هيّأها هؤلاء بأنفسهم، و في مثل هذه الأحوال فلاوجود لإذن الله في إيمان هؤلاء.

و بتعبيرٍ آخر: فإنّ هذه الجملة تُشير إلى أنّ إذن الله و أمره ليس أمرً ا اعتباطيًّا غير مدروس و محسوب، بل إنّه يشمل أُولئك الّذين لهم أهليّة الإيمان، أمّا غير اللا ئقين، فإنّهم سيُحرَمون منه.

(6 : 408)

فضل الله: لأ نّهم يمثّلون في فكرهم و سلوكهم و كفرهم و عصيانهم، كلّ ألوان القذارة و الخُبث، ممّا يجعلهم بعيدين عن رحمةالله الّتي لاتشمل إلا الّذين يعيشون الطُّهر الفكريّ و الرّوحيّ، و قريبين من عذابه الّذي يُصيب هؤلاء الّذين يختنقون في عفن الفكر و الرّوح و العمل. (11 : 369)

3 - ذ"لِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ اُحِلَّتْ لَكُمُ الاَ_نْعَامُ اِلا مَا يُتْلى" عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.الحجّ : 30

ابن عبّاس: فاتركوا شرب الخمر و عبادة الأوثان. (279)

فاجتنبوا طاعة الشّيطان في عبادة الأوثان.

(الطّبَريّ 9 : 144)

الإمام الصّادق علیه السلام :{الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ}: الشّطرنج. (العَرُوسيّ 3 : 496)

الطّبَريّ: يقول: فاتّقوا عبادة الأوثان، و طاعة الشّيطان في عبادتها، فإنّها رجسٌ.

عن أيمن بن خُرَيم: أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قام خطيبًا، فقال: < أيّها النّاس عُدّلَتْ شهادة الزّور بالشّرك بالله> مرّتين، ثمّ قرأ رسول الله (صلی الله علیه و آله) : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ }. و يجوز أن يكون مرادً ا به: اجتنبوا أن ترجسوا أنتم أيّها النّاس من الأوثان بعبادتكم إيّاها.

فإن قال قائل: و هل من الأوثان ما ليس برجس، حتّى قيل: فاجتنبوا الرّجس منها؟

قيل: كلّها رجس، و ليس المعنى ماذهبت إليه في ذلك. و إنّما معنى الكلام : فاجتنبوا الرّجس الّذي يكون من الأوثان، أي عبادتها، فالّذي أمر جلّ ثناؤه بقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ } منها اتّقاء عبادتها، و تلك العبادة هي الرّجس، على ما قاله ابن عبّاس، و من ذكرنا قوله قبل. (9 : 145)

نحوه المَراغيّ. (17 : 110)

الزّجّاج: ( مِنْ) هاهنا لتخليص جنس من أجناس، المعنى: فاجتنبوا الرِّجْس الّذي هو وَثَنٌ.

(3 : 425)

الماوَرْديّ: فيه وجهان:

أحدهما: أي اجتنبوا من الأوثان الرّجسَ. و رجس الأوثان عبادتها، فصار معناه: فاجتنبوا عبادة الأوثان.

الثّاني: معناه فاجتنبوا الأوثان، فإنّها من الرّجس. (4 : 22)

الطُّوسيّ: معنى ( مِنْ) لتبيين الصّفة، و التّقدير: فاجتنبوا الرّجس الّذي هو الأوثان. و روى أصحابنا أنّ المراد به: اللّعب بالشّطرنج و النّرد، و سائر أنواع القمار. (7 : 311)

البغَويّ: أي عبادتها، يقول: كونوا على جانبٍ منها، فإنّها رجس، أي سبب الرّجس، و هو العذاب. و الرِّجْس: بمعنى الرِّجْز. (3 : 338)

الزّمَخْشَريّ: و سمّى الأوثان رجسًا و كذلك الخمر و الميسر و الأزلام، على طريق التّشبيه، يعني أ نّكم كما تنفرون بطباعكم عن الرّجس،و تجتنبونه، فعليكم أن تنفروا عن هذه الأشياء مثل تلك النّفرة، و نبّه على هذا المعنى بقوله: { رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } المائدة : 90، جعلت العلّة في اجتنابه أ نّه رجسٌ، و الرّجس مُجتنَبٌ. { مِنَ الاَ_وْثَانِ } بيان للرّجس، و تمييز له،كقولك: < عندي عشرون من الدّراهم >. لأنّ الرّجس مبهم يتناول غير شيءٍ، كأ نّه قيل: فاجتنبوا الرّجس الّذي هو الأوثان. (3 : 12)

نحوه النّسَفيّ. (3 : 101)

ابن عَطيّة: و الكلام يحتمل معنيين:

أحدهما: أن تكون ( مِنْ ) لبيان الجنس، فيقع نهيه عن رجس الأوثان، فيقع نهيها في غير هذا الموضع.

و المعنى الثّاني: أن تكون ( مِنْ ) لابتداء الغاية، فكأ نّه نهاهم عن الرّجس عامًّا، ثمّ عيّن لهم مبدأ الّذي منه يلحقهم؛ إذ عبادة الوثن جامعة لكلّ فسادٍ و رجسٍ. و يظهر أنّ الإشارة إلى الذّبائح الّتي كانت للأوثان، فيكون هذا ممّا يتلى عليهم. و من قال: ( مِنْ ) للتّبعيض، قلب معنى الآية و أفسده. و المرويّ عن ابن عبّاس و ابن جُرَيْج أنّ الآية نهي عن عبادة الأوثان. (4 : 120)

الطَّبْرِسيّ: [نحو الطُّوسيّ و أضاف]

و قيل: إنّهم كانوا يُلطّخون الأوثان بدماء قرابينهم، فسمّي ذلك رجسًا. (4 : 82)

الفَخْرالرّازيّ: و سمّى الأوثان رجسًا لاللنّجاسة، لكن لأنّ وجوب تجنّبها أوكد من وجوب تجنّب الرّجس، و لأنّ عبادتها أعظم من التّلوّث بالنّجاسات.ثمّ قال الأصمّ: < إنّما وصفها بذلك، لأنّ عادتهم في المتقرّبات أن يتعمّدوا سقوط الدّماء عليها، و هذا بعيد >. و قيل: إنّه إنّما وصفها بذلك استحقارً ا و استخفافًا، و هذا أقرب. و قوله: { مِنَ الاَ_وْثَان ِ} بيان للرّجس وتمييز له، كقوله: < عندي عشرون من الدّراهم >. لأنّ الرّجس لما فيه

من الإيهام يتناول كلّ شيء، فكأ نّه قال: فاجتنبوا الرّجس الّذي هو الأوثان، و ليس المراد أنّ بعضها ليس كذلك. (23 : 31)

القُرطُبيّ: الرّجس: الشّيء القذر. [إلى أن قال:]

يريد اجتنبوا عبادة الأوثان، روي عن ابن عَبّاس و ابن جُرَيْج.

و سمّاها رجسًا، لأ نّها سبب الرِّجْز و هو العذاب. و قيل: و صفها بالرّجس، و الرّجس النّجس، فهي نجسة حُكمًا. و ليست النّجاسة وصفًا ذاتيًّا للأعيان، و إنّما هي وصف شرعيّ من أحكام الإيمان، فلاتزال إلا بالإيمان. كما لاتجوز الطّهارة إلا بالماء.

( مِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِنْ ) في قوله: { مِنَ الاَ_وْثَانِ }. قيل: إنّها لبيان الجنس، فيقع نهيه عن رجس الأوثان فقط، و يبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع.

و يحتمل أن تكون لابتداء الغاية، فكأ نّه نهاهم عن الرِّجْس عامًّا، ثمّ عيّن لهم مبدأه الّذي منه يلحقهم؛ إذ عبادة الوثن جامعة لكلّ فسادٍ و رجسٍ. و من قال: إنّ ( مِِنْ ) للتّبعيض، قلب معنى الآية و أفسده. (12 : 54)

البَيْضاويّ: فاجتنبوا الرّجس الّذي هو الأوثان كما تُجتنَب الأنجاس، و هو غاية المبالغة في النّهي عن تعظيمها، و التّنفير عن عبادتها. (2 : 91)

أبوحَيّان: [نحو القُرطُبيّ و أضاف: ]

قال ابن عَطيّة: < و من قال: إنّ ( مِنْ) للتّبعيضقلب معنى الآية فأفسده > انتهى. و قد يمكن التّبعيض فيها بأن يعني ب- { الرِّجْسَ }:عبادة الأوثان. و قد روي ذلك عن ابن عبّاس و ابن جُرَيْج فكأ نّه قال: فاجتنبوا من الأوثان الرّجس و هو العبادة، لأنّ المحرّم من الأوثان إنّما: هو العبادة. ألا ترى أ نّه قد يُتصوّر استعمال الوثن في بناء و غير ذلك، ممّا لم يُحرّمه الشّرع، فكأنّ للوثن جهات منها عبادتها، و هو المأمور باجتنابه، و عبادتها بعض جهاتها. (6 : 366)

أبوالسُّعود: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ } فإنّه مترتّب على ما يفيده قوله تعالى: { وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ } من وجوب مراعاتها و الاجتناب عن هتكها. (4 : 380)

البُرُوسَويّ: أي الرّجس الّذي هو الأوثان، يعني عبادتها كما يُجتنَب الأنجاس، والرّجس: الشّيء القذر. يقال: رجل رجسٌ، و رجال أرجاسٌ.

و الرّجس يكون على أربعة أوجه: إمّا من حيث الطّبع، و إمّا من جهة العقل، و إمّا من جهة الشّريعة، و إمّا من كلّ ذلك، كالميتة، فإنّها تُعاف طبعًا و عقلا و شرعًا. و الرّجس من جهة الشّرع: الخمر و الميسر. (6 : 30)

ابن عاشور: و الرّجس: حقيقة الخُبث و القذارة، و تقدّم في قوله تعالى: { فَاِنَّهُ رِجْسٌ } الأنعام : 145.

و وصف الأوثان بالرّجس أ نّها رجسٌ معنويّ،

لِكون اعتقاد إلهيّتها في النّفوس بمنزلة تعلّق الخُبث بالأجساد، فإطلاق الرّجس عليها تشبيهٌبليغ.

و ( مِنْ ) في قوله: { مِنَ الاَ_وْ ثَان ِ} بيان لمجمل الرّجس، فهي تدخل على بعض أسماء التّمييز، بيانًا للمراد من الرّجس هنا، لا أنّ معنى ذلك أنّ الرّجس هو عين الأوثان بل الرّجس أعمّ، أُريد به هنا بعض أنواعه، فهذا تحقيق معنى ( مِنْ ) البيانيّة. (17 : 183)

مَغْنِيّة: ابتعدوا عنها و عن عبادتها، كما تبتعدون عن الأوساخ و الأقذار. و الأوثان كلّها رجسٌ، و لذا قال علماء العربيّة: إنّ ( مِنْ) هنا للتّبيين لاللتّبعيض، مثلها مثل < من > في قولك: < خاتمٌ من حديد >. (5 : 326)

الطَّباطَبائيّ: إنّ اجتناب الأوثان و اجتناب قول الزّور و إن كانا من تعظيم حُرمات الله، و لذلك تفرّع { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ } على ما تقدّمه من قوله: { وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ }، لكن تخصيص هاتين الحرمتين من بين جميع الحرمات في سياق آيات الحجّ بالذّكر، ليس إلا لكونهما مبتلى بهما في الحجّ يومئذ، و إصرار المشركين على التّقرّب من الأصنام هناك و إهلال الضّحايا باسمها.

و بذلك يظهر أنّ قوله: { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ } نهي عامّ عن التّقرّب إلى الأصنام، و قول الباطل أُورد لغرض التّقرّب إلى الأصنام في عمل الحجّ، كما كانت عادة المشركين جارية عليه، و عن التّسمية باسم الأصنام على الذّبائح من الضّحايا؛ و على ذلك يبتني التّفريع بالفاء.

و في تعليق حكم الاجتناب أوّ لا بالرّجس ثمّ بيانه بقوله: { مِنَ الاَ_وْثَانِ } إشعار بالعلّيّة، كأ نّه قيل: اجتنوا الأوثان لأ نّها رجس. و في تعليقه بنفس الأوثان دون عبادتها أو التّقرّب أو التّوجّه إليها أو مسّها و نحو ذلك - مع أنّ الاجتناب إنّما يتعلّق على الحقيقة بالأعمال دون الإيمان - مبالغةٌ ظاهرة.

و قد تبيّن بما مرّ أنّ ( مِنْ ) في قوله : { مِنَ الاَ_وْثَانِ } بيانيّة، و ذكر بعضهم أ نّها ابتدائيّة. و المعنى: اجتنبوا الرّجس الكائن من الأوثان و هو عبادتها. و ذكر آخرون أ نّها تبعيضيّة، و المعنى: اجتنبوا الرّجس الّذي هو بعض جهات الأوثان و هو عبادتها. و في الوجهين من التّكلّف و إخراج معنى الكلام عن استقامته، ما لايخفى. (14 : 372)

4 - ...اِنَّمَا يُريدُ‘ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرً ا. الأحزاب : 33

راجع: أ ه- ل: < أهل البيت >.

رِجْسًا - رِجْسِهِمْ

وَ اَمَّا الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ. التّوبة : 125

ابن عبّاس: شكًّا إلى شكّهم بما أنزل من القرآن. (169)

و هو المرويّ عن الإمام الباقر علیه السلام .(العَرُوسيّ

2 : 286)، و الكَلْبيّ (الماوَرْديّ 2 : 416).

مُجاهِد: هذه الآية إشارة على أنّ الإيمانيزيد و ينقص، و كان عمر يأخذ بيد الرّجل و الرّجلين من أصحابه فيقول: تعالوا حتّى نزداد إيمانًا.

(البغَويّ 2 : 407)

مُقاتِل: إثمًا إلى إثمهم. (الماوَرْديّ 2 : 416)

قُطْرُب: كفرً ا إلى كفرهم. (الماوَرْديّ 2 : 416)

الطّبَريّ: و ذلك أ نّهم شكّوا في أ نّها من عند الله، فلم يؤمنوا بها و لم يُصدّقوا، فكان ذلك زيادة شكّ حادثة في تنزيل الله، لزمهم الإيمان به عليهم، بل ارتابوا بذلك، فكان ذلك زيادة نَتْنٍ من أفعالهم، إلى ما سلف منهم نظيره من النَّتْن و النّفاق، و ذلك معنى قوله: { فَزَ ادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ }. (6 : 519)

الزّجّاج: أي زادتهم كفرً ا إلى كفرهم، لأ نّهم كلّما كفروا بسورة ازداد كفرهم. (2 : 476)

مثله الواحديّ. (2 : 535)

الثّعلبيّ: كفرً ا إلى كفرهم، و ضلا لا إلى ضلالهم، و شكًّا إلى شكّهم. (5 : 113)

الطُّوسيّ: و الرِّجْس و النِّجْس واحد، و سمّي الكفر رِجْسًا على وجه الذّمّ، و إنّه يجب تجنّبه كما يجب تجنّب الأنجاس. و إنّما أضاف الزّيادة إلى السّورة، لأ نّهم يزدادون عندها، و مثله: < كفى بالسّلامة داء >. (5 : 375)

البغَويّ: أي كفرً ا إلى كفرهم، فعند نزول كلّ سورةٍ ينكرونها يزداد كفرهم بها. (2 : 407)

الزّمَخْشَريّ: كفرً ا مضمومًا إلى كفرهم، لأ نّهم كلّما جدّدوا بتجديد الله الوحي كفرً ا و نفاقًا، ازدادكفرهم واستحكم و تضاعف عقابهم. (2: 222)

ابن عَطيّة: و الرّجسفي هذه الآية عبارة عن حالهم الّتي جمعت معنى الرّجس في اللُّغة، و ذلك أنّ الرّجس في اللُّغة يجيء بمعنى القذر و يجيء بمعنى العذاب، و حال هؤلاء المنافقين هي قذر، و هي عذاب عاجل كفيل بآجلٍ، و زيادة < الرّجس إلى الرّجس > هي عُمقهم في الكفر، و خبطهم في الضّلال، يعاقبهم الله على الكفر و الإعراض بالختم على قلوبهم و الختم بالنّار عليهم؛ و إذ كفروا بسورة فقد زاد كفرهم، فذلك زيادة رجسٍ إلى رجسهم.

(3 : 99)

الطَّبْرِسيّ: أي نفاقًا و كفرً ا إلى نفاقهم و كفرهم، لأ نّهم يشكّون في هذه السّورة كما شكّوا فيما تقدّمها من السّور، فذلك هو الزّيادة. و سمّي الكفر رجسًا على وجه الذّمّ له، و إنّه يجب تجنّبه كما يجب تجنّب الأرجاس. و أضاف الزّيادة إلى السّورة، لأ نّهم يزدادون عندها رجسًا، و مثله: < كفى بالسّلامة داء>. و قول الشّاعر:

• و حسبك داءان تصحّ و تسلما *

(3 : 84)

الفَخْرالرّ ازيّ: { وَ اَمَّا الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } يعني المنافقين، { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ}.

والمراد من الرّجس إمّا العقائد الباطلة أو الأخلاق المذمومة. فإن كان الأوّ ل كان المعنى: أ نّهم

كانوا مكذّبين بالسّور النّازلة قبل ذلك، و الآن صاروا مكذّبين بهذه السّورة الجديدة، فقد انضمّ كفر إلى كفر. و إن كان الثّاني كان المراد أنّهم كانوا في الحسد و العداوة، و استنباط وجوه المكر و الكيد، و الآن ازدادت تلك الأخلاق الذّميمة بسبب نزول هذه السّورة الجديدة.

و الأمر الثّاني: أ نّهم يموتون على كفرهم، فتكون هذه الحالة كالأمر المضادّ للاستبشار الّذي حصل في المؤمنين. و هذه الحالة أسوأ و أقبح من الحالة الأُولى؛ وذلك لأنّ الحالة الأُولى عبارة عن ازدياد الرَّجاسة، و هذه الحالة عبارة عن مداومة الكفر، و موتهم عليه.

واحتجّ أصحابنا بقوله: { فَزَ ادَتْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ } على أ نّه تعالى قد يصدّ عن الإيمان و يصرف عنه. قالوا: إنّه تعالى كان عالمًا بأنّ سماع هذه السّورة يورث حصول الحسد و الحقد في قلوبهم، و أنّ حصول ذلك الحسد يورث مزيد الكفر في قلوبهم.

أجابوا و قالوا: نزول تلك السّورة لايوجب ذلك الكفر الزّائد، بدليل أنّ الآخرين سمعوا تلك السّورة و ازدادوا إيمانًا؛ فثبت أنّ تلك الرَّجاسَة هم فعلوها من قِبَل أنفسهم.

قلنا: لاندّعي أنّ استماع هذه السّورة سبب مستقلّ بترجيح جانب الكفر على جانب الإيمان، بل نقول: استماع هذه السّورة للنّفس المخصوصة و الموصوفة بالخُلق المعيّن و العادة المعيّنةيوجب الكفر.

و الدّليل عليه أنّ الإنسان الحسود لو أراد إزالة خُلق الحسد عن نفسه، يمكنه أن يترك الأفعال المشعرة بالحسد، و أمّا الحالة القلبيّة المسمّاة بالحسد،فلايمكنه إزالتها عن نفسه. و كذا القول في جميع الأخلاق فأصل القدرة غير، و الفعل غير، و الخُلق غير. فإنّ أصل القدرة حاصل للكلّ، أمّا الأخلاق فالنّاس فيها متفاوتون.

و الحاصل: أنّ النّفس الطّاهرة النّقيّة عن حبّ الدّنيا الموصوفة باستيلاء حبّ الله تعالى و الآخرة، إذا سمعت السّورة صار سماعها موجبًا لازدياد رغبته في الآخرة، و نفرته عن الدّنيا. و أمّا النّفس الحريصة على الدّنيا المتهالكة على لذّاتها الرّ اغبة في طيّباتها الغافلة عن حبّ الله تعالى و الآخرة، إذا سمعت هذه السّورة المشتملة على الجهاد، و تعريض النّفس للقتل و المال للنّهب، ازداد كفرً ا على كفره.

فثبت أنّ إنزال هذه السّورة في حقّ هذا الكافر موجب لأن يزيد رجسًا على رجس، فكان إنزالها سببًا في تقوية الكفر على قلب الكافر؛ و ذلك يدلّ على ما ذكرنا أ نّه تعالى قد يصدّ الإنسان، و يمنعه عن الإيمان و الرّشد، و يُلقيه في الغيّ و الكفر.

بقي في الآية مباحث:

الأوّ ل: ما في قوله: { وَ اِذَا مَا اُنْزِلَتْ سُورَةٌ } صلة مؤكّدة.

الثّاني: الاستبشار: استدعاء البشارة، لأ نّه كلّما تذكّر تلك النّعمة حصلت البُشرة، فهو بواسطة

تجديد ذلك التّذكّر يطلب تجديد البشارة.

الثّالث: قوله: { وَ اَمَّا الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } يدلّ على أنّ الرّوح لها مرض، فمرضها الكفرو الأخلاق الذّميمة، و صحّتها العلم و الأخلاق الفاضلة، و الله أعلم. (16 : 231)

القُرطُبيّ: أي شكًّا إلى شكّهم، و كفرً ا إلى كفرهم. و قال مُقاتِل: إثمًا إلى إثمهم، و المعنى متقارب. (8 : 299)

البَيْضاويّ: كفرً ا بها مضمومًا إلى الكفر بغيرها. (1 : 437)

مثله النّسَفيّ. (2 : 151)

أبوحَيّان: و الرّجس: القذر، و الرّجس: العذاب. و زيادته عبارة عن تعمّقهم في الكفر

و خبطهم في الضّلال. و إذا كفروا بسورة فقد زاد كفرهم و استحكم، و تزايد عقابهم. [إلى أن قال:]

و أنتج نزول السّورة للمؤمنين شيئين: زيادة الإيمان، و الاستبشار بما لهم عند الله، و للّذين في قلوبهم مرض: زيادة رجس، و الموافاة على الكفر أدّاهم كفرهم الأصليّ، و الزّيادة إلى أن ماتوا على الكفر. (5 : 116)

أبوالسُّعود: أي كُفرً ا بها مضمومًا إلى الكفر بغيرها، و عقائدَ باطلةً و أخلاقًا ذميمةً كذلك.

(3 : 203)

نحوه القاسميّ. (8 : 3302)

شُبّر: كفرً ا إلى كفرهم، لأ نّهم يشُكّون في هذه السّورة كما يشكّون فيما تقدّمها. و عن الباقر علیه السلام : < شكًّا إلى شكّهم >. (3 :130)

الآلوسيّ: أي نفاقًا مضمومًا إلى نفاقهم، فالزّيادة متضمّنة معنى الضّمّ، و لذا عُدّيت ب- ( اِلى ") و قيل: ( اِلى ") بمعنى < مع > و لاحاجة إليه. (11 : 51)

رشيد رضا: أي كفرً ا و نفاقًا مضمومًا إلى كفرهم، و نفاقهم السّابقالّذي هو أقذر الرّجس النّفسيّ، و شرّ أنواعه. (11 : 83)

المَراغيّ: أي و أمّا الّذين في قلوبهم شكّ و ارتياب دعاهم إلى النّفاق بإسرار الكفر، و إظهار الإسلام، فزادتهم كفرً ا و نفاقًا مضمومًا إلى كفرهم و نفاقهم السّابق، و استحوذ ذلك عليهم و استحكم فيهم إلى أن ماتوا على الكفر والنّفاق، على مقتضى سننه تعالى، في تأثير الأعمال في صفات النّفس، و تغيير هواجس الفكر. (11 : 52)

مَغْنِيّة: كلّ من ابتعد عن الحقّ و الواقع، و استمدّ إيمانه و آراءه من ذاته و تصوّراته، فهو مريض القلب و العقل، و إذا دُعي إلى النّزول على حكم الواقع و رفض، ازداد مرضه و تفاقم.

و النّفاق مرض، لأ نّه تزييف و تحريف، و المنافق يزداد مرضًا كلّما أوغل في الجحود و العناد للحقّ و آياته. و ينطبق على المنافق الحديث الّذي يُشبه الحريص على الدّنيا، مثل دُودَة القَزّ، كلّما ازدادت على نفسها لفًّا، كان أبعد لها من الخروج، حتّى تموت غمًّا { وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ } بسوء اختيارهم، تمامًا كما ماتت دُودَة القَزّ بصنع يديها.

(4 : 122)

الطَّباطَبائيّ: أي ضلالا جديدً ا إلى ضلالهم القديم، و قد سمّى الله سبحانه الضّلال رجسًا في قوله: { وَ مَنْ يُرِدْ اَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَاَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ } الأنعام :125، و المقابلة الواقعة بين { الَّذينَ‘ ا"مَنُوا } التّوبة : 124، و{ الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } يفيد أنّ هؤلاء ليس في قلوبهم إيمان صحيح، و إنّما هو الشّكّ أو الجحد، و كيف كان فهو الكفر ،و لذلك قال: { وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ } التّوبة : 125.

و الآية تدلّ على أنّ السّورة من القرآن لاتخلو عن تأثيرٍ في قلوب من استمعه، فإن كان قلبًا سليمًا زادته إيمانًا و استبشارً ا و سرورً ا، و إن كان قلبًا مريضًا زادته رجسًا و ضلالا، نظير ما يفيده قوله: { وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْ ا"نِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ‘ وَ لايَزيدُ‘ الظَّالِمينَ‘ اِلا خَسَارً ا } الإسراء : 82.

(9 : 410)

فضل الله: لأ نّهم عندما يواجهونها من مواقع العقدة المستأصلة، فستتآكل نفوسهم في الدّ اخل منها، و تعيش الحقد والعداوة و البغضاء من جديد، و بذلك تزيد حالة الخبث و القذارة الرّوحيّة، بالإضافة إلى ما لديهم من خُبث و قذارة و استمرار على ذلك، لأ نّهم ليسوا في أجواء التّفكير و التّغيير.

(11 : 249)

الوُجُوه و النّظائر

الحيريّ:الرّجس على وجهين:

أحدهما: الحرام، كقوله: { اِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الاَ_نْصَابُ وَ الاَ_زْ لامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان ِ} المائدة : 90، و قوله: { اَوْ لَحْمَخِنْزير ‘ فَاِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا } الأنعام : 145.

و الثّاني: عبادة الأوثان، كقوله:{ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَان ِ} الحجّ : 30. (285)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرَّجْس، أي الصّوت الشّديد ، كصوت الرّعد وهدير البعير. يقال: رَجَسَت السّماء تَرْجُس رَجْسًا و ارْتجَسَتْ، إذا رعَدَت و تمخّضت.

و سحاب و رعد رَجّاس: شديد الصّوت.

و هذا راجس حَسَن : راعد حَسَن.

و رعد مُرتَجِس و مُرتَجِز و رَجّاس، إذا سمعت له صوتًا، و يسمّى البحر رَجّاسًا لصوت موجه.

و بعير رَجّاس و مِرْجَس: شديد الهدير.

و ناقة رَجْساء الحنين : متتابعة.

و الرَّجْس و الرَّجْسَة و الرّجَسان و الارتجاس: الصّوت الشّديد المختلط العظيم، كالجيش و السّيل و الرّعد. يقال: سمعت رَجْسَة الرّعد، أي صوته. وفي الحديث: < لمّا وُلد رسول الله ارتجس إيوان كسرى >، أي اضطرب و تحرّ ك حركة سمع لها صوت.

و الرِّجْس: القَذَر، أو الشّيء القَذَِر، لأنّ الإنسان يضجّ من نتنه، فانخفض ذكره بكسر رائه.

يقال : رَجُسَ الشّيء يَرْجُس رَجاسَةً، و إنّه لرِجْس مَرْجُوس.

و رجل مَرْجُوس و رِجْس: نِجْس، و رَجِس: نَجِس، و هي الرّجاسَة و النّجاسَة. و في حديث الإمام عليّ في الفتن: < يهرب منها الأكياس، ويدبّرها الأرجاس >.((1)): جمع رِجْس، يريد بهم الأشرار. و قال ابن عبّاس: إنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قال: < لولا ما طبع الرّكن من أنجاس الجاهليّة و أرجاسها و أيدي الظّلمة و الأثمة، لاستشفى به من كان به داء >.((2))

و الرِّجْس : العذاب كالرِّجْز، و هو الرُّجْز أيضًا، و الأصل فيه السّين، كما قلنا في ( ر ج ز).

و المِرْجاس : حجر يُعلَم بصوته مدى عمق ماء البئر و قدره. يقال: أرجَسَ الرّجل، إذا قدّر الماء بالمِرْجاس.

و قال ثَعْلَب: < و المعروف المِرْداس >، و هي لغة فيه.

2 - و قالوا: هم في مَرْجُوسَة من أمرهم و في مَرْجُوساء، أي في التباس واختلاط و دَوَران.

و قالوا: وقعوا في مَرْمَوسَة من أمرهم، أي اختلاط، أُبدلت الجيم ميمًا، و الجيم هي الأصل، لأنّ باب < ر ج س > الاختلاط و الالتباس، و ليس كذلك < ر م س >.

و قالوا أيضًا: ارتَجَنَ عليهم أمرهم: اختلط، و هم في مَرْجُونة، أي اختلاط، لايدرون أيقيمون أم يضعنون؟ و هي لغة و ليست إبدالا ، إذ لم يؤثر عن العرب إبدال النّون سينًا في كلامهم.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها اسم المصدر < الرِّجْس > عشر مرّ ات في تسع آيات:

1 - { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَالاَ_نْصَابُ وَ الاَ_زْ لامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان ِ فَاجْ-تَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } المائدة : 90

2 - { ذ"لِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ اُحِلَّتْ لَكُمُ الاَ_نْعَامُ اِلا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الاَ_وْثَان ِوَ اجْتَنِبُوا قَوْ لَ الزُّورِ}

الحجّ : 30

3 - { قُلْ لااَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّ مًا عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْ لَحْمَ خِنْزير ‘فَاِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْ-قًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاعَادٍ فَاِنَّ رَ بَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘}

الأنعام : 145

4 - { سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ اِذَا انْقَلَبْتُمْ اِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَاَعْرِضُوا عَنْهُمْ اِنَّهُمْ رِجْسٌ وَ مَاْويهُ-مْ’ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }

التّ-وبة : 95

5 - { فَمَنْ يُرِدِ اللهُ اَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلاِ_سْلامِ وَ مَنْ يُرِدْ اَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا


1) (1) نهج البلاغة - الخطبة: (151).

2) (2) المعجم الأوسط (6 : 230).

حَرَجًا كَاَ نَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ كَذ"لِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ } الأنعام : 125

6 - { وَ مَا كَانَ لِنَفْس اَنْ تُؤْمِنَ اِلا بِاِذْن ِاللهِ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْ-قِلُونَ }

يونس : 100

7 - { قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَ غَضَبٌ اَتُجَادِلُونَنى فى اَسْمَاء سَمَّ-يْ-تُمُوهَا اَنْتُمْ وَ ا"بَاؤُكُمْ مَا نَزَّ لَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَان فَانْ-تَظِرُوا اِنّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْ-تَظِرينَ‘ } الأعراف : 71

8 - { وَ اَمَّا الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَ تْهُمْ رِجْسًا اِلى" رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ }

التّ-وبة : 125

9 - { وَقَرْنَ فى بُيُوتِكُنَّ وَ لاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُ_ولى" وَ اَقِمْنَ الصَّلو"ةَ وَا"تينَ‘ الزَّ كو"ةَ وَ اَطِعْنَ اللهَ وَ رَسُولَهُ اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرً ا‘ }

الأحزاب : 33

و يلاحظ أوّ لا : أنّ الرِّجس جاء في ستّة معان: الإثم في (1) و (9)، و الأوثان في (2)، و النّجس في(3) و (4)، و العذاب في (5) و (7)، و الكفر في (6)، و الشّكّ في (8)، و فيها بُحُوث:

1 - يرى أغلب المفسّرين أنّ الرّجس في (1) خبر عن متعدّد لمضاف محذوف، و التّقدير: إنّما شرب الخمر و لعب الميسر و عبادة الأنصاب والاستسقام بالأزلام رجس من عمل الشّيطان، أي إثم أو شرّ.

و جوّز العُكْبَريّ أن يكون خبرً ا عن الخمر، و أخبار المعطوفات محذوفة لدلالة خبر الأوّ ل عليها. و تبعه في ذلك البَيْضاويّ و عبد الله شُبّر.

و ذهب الآلوسيّ إلى أنّ الرّجس خبر عن متعدّد على الرّ أي الأوّ ل، إلاّ أنّه لم يقدّر محذوفًا في الكلام، و أرجع مجيئه مفردً ا إلى كونه مصدرً ا، يستوي فيه القليل و الكثير.

و ليس كما قال، لأنّ الرّجس اسم على ما صرّح به الزّجّاج و ما جاء في اللُّغة، و المصدر لايُجمَع.

2 - و اختلف المفسّرونفي تفسير الرّجس في(2)، و كان منشأ هذا الاختلاف في معنى ( مِنْ )، فبعض قال: بيانيّة، و التّقدير: فاجتنبوا الرّجس الّذي هو الأوثان، كما يقال: خاتم من حديد، و هو قول الأغلب منهم.

و قال بعض: ابتدائيّة، و التّقدير: فاجتنبوا من الأوثان الرّجس، أي عبادتها، و هو قول ابن عبّاس. فكأ نّه نهاهم عن الرّجس عامّة، ثمّ عيّن لهم مبدأه الّذي منه يلحقهم، لأنّ عبادة الوثن جامعة لكلّ فساد و رجس. و ضعّفه ابن هشام فقال:< هذا تكلّف >.

و قال آخر: تبعيضيّة، و التّقدير: اجتنبوا الرّجس الّذي هو بعض صور الأوثان، و هو عبادتها، و هو قول قليل منهم.

و ردّه ابن عَطيّة قائلا :< من قال:< من > للتّبعيض، قلب معنى الآية و أفسده >. و تعقّبه

أبوحَيّان، فقال: < قد يمكن التّبعيض فيها بأن يعنى بالرّجس: عبادة الأوثان، و قد روي ذلك عن ابن عبّاس و ابن جُرَيْج، فكأ نّه قال: فاجتنبوا من الأوثان الرّجس، و هو العبادة، لأنّ المحرّم من الأوثان إنّما هو العبادة، ألاترى أ نّه قد يُتصوّر استعمال الوثن في بناء و غير ذلك ممّا لم يُحرّمه الشّرع؟ فكأنّ للوثن جهات، منها عبادتها، و هو المأمور باجتنابه، و عبادتها بعض جهاتها >.

3 - و اعتُرضت جملة { فَاِنَّهُ رِجْسٌ } في (3) دون المعطوف و المعطوف عليه، فهي تعليليّة لامحلّ لها من الإعراب. و قيل: في معنى الرّجس هنا:نجس، و حرام، و المراد به إمّا ما تقدّم ذكره، أي الميتة و الدّم المسفوح و لحم الخنزير. و إمّا الخنزير أو لحمه فقط. و الثّاني أظهر، لأ نّه لو أراد الجميع لوقعت هذه الجملة بعد قوله: { اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ }، و هو حرام و نجس أيضًا، فتأمّل.

4 - و فسّر المتقدّمون الرّجس في (4) بالنّجاسة و القذارة، و منهم ابن عبّاس، و فسّره بعض المتأخّرين بالنّجاسة المعنويّة، و منهم الفَخْر الرّ ازيّ، فقال: < إنّ خبث باطنهم رجس روحانيّ، فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانيّة، فوجوب الاحتراز عن الأرجاس الرّوحانيّة أولى، خوفًا من سريانها إلى الإنسان، و حذرً ا من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال >. و لكلا الرّ أيين وجه، و الجمع بينهما أوفق السّبل.

5 - و ذُيّلت الآية (5) بقوله: { يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ }، و ذُيّلت (6) بقوله:{ وَ يَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذينَ‘ لايَعْقِلُونَ }، و الجعل: التّسليط و الإلقاء و الوضع، كما تقدّم في < ج ع ل >، أي أ نّه تعالى يسلّط الرّجس على الكافرين. و فسّر أغلب المفسّرين الرّجس في (5) بالعذاب و في (6) بالكفر.

و قد أوقع الله تعالى الجعل على الرّجس و عدّ اه ب- ( على ) ليكون بمعنى التّسليط، فصار كما قال الطَّباطَبائيّ:< كأنّ الرّجس يعلوهم و يُحيط بهم >.و لايبعد هنا أن يكون الرّجس بمعنى الشّكّ بتفسير أهل البيت، لأ نّه يعتري قلوب الكافرين، فيكون عذابًا لهم.

6 - و اجتمع الرّجس و الغضب في (7)، و كلاهما عذاب، إلاّ أ نّهما اختلفا حين اجتمعا، و لو كانا بمعنًى للزم التّكرار، كما قال الفَخْرالرّ ازيّ، و كان قد فُسّر الرّجس هنا بالعقائد الباطلة و الأفعال المذمومة، و هو بعيد، لأنّ هذه الآية جرت على لسان هود تهديدً ا لعاد، و كانوا يعبدون الأصنام، و ما كانوا ذوي أفهام، فأهلكهم الله بسحاب أطبق عليهم { فَاَصْبَحُوا لايُرى اِلا مَسَاكِنُهُمْ } الأحقاف : 25. فكان الغضب مقدّمة للعذاب. قال مَغْنِيّة:< المراد بالرّجس: العذاب، و الغضب السّبب الموجب للعذاب >.

7 - و فسّر الرّجس في (8) بالشّكّ و الكفر و الإثم، فأمّا من فسّره بالشّكّ استند إلى قوله: { فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ }، و هو يفيد كما قال الطَّباطَبائيّ:

< إنّ هؤلاء ليس في قلوبهم إيمان صحيح، و إنّما هو الشّكّ أو الجحد >. و كان شكّهم في آيات القرآن. قال الطّبَريّ: < إنّهم شكّوا في أ نّها من عند الله، فلم يؤمنوا بها و لم يصدّقوا، فكان ذلك زيادة شكّ حادثة في تنزيل الله، لزمهم الإيمان به عليهم، بل ارتابوا بذلك >، و هو تفسير أهل البيت.

و من فسّره بالكفر استند إلى قوله:{ وَ مَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ }. قال الطُّوسيّ: < سمّيالكفر رجسًا على وجه الذّمّ، و إنّه يجب تجنّبه كما يجب تجنّب الأنجاس >، و هو تفسير أئمّة اللُّغة، كقُطْرُب و الزّجّاج.

و فسّره مُقاتِل بالإثم، و هو قريب من الشّكّ و الكفر، كما قال القُرطُبيّ، لأ نّه يؤدّي بمن يرتكبه إلى الشّكّ و الكفر، و معنى الشّكّ فيه أظهر، و الله أعلم.

8 - و يرى أغلب المفسّرين أنّ الرّجس في (9) الذّنوب و المعاصي، و روى الماوَرْديّ عن الحسَن البصريّ أ نّه الشّرك، و هو بعيد، لأ نّه لايليق بمقام أهل البيت الّذين نزلت الآية فيهم على الصّحيح. و لو كان ذلك فيهم - كما يصرّ عليه بعض - لزال بعد تقادم الزّمان، إذ الآية مدنيّة.

و روى الماوَرْديّ أيضًا عن بعض أنّه الشّكّ.

و هذا في غاية البُعد، لأ نّه يلزم قائله رميهم بالشّكّ في الدّين، و في رسالة جدّهم خاتم المرسلين، و حاشاهم من ذلك. قال الإمام الباقر : < الرّجس: هو الشّكّ، و لانشكّ في ديننا أبدً ا >.

و الأحرى بالمفسّر في هذه الآية أن ينتزع معنى الرّجس من السّياق، و نرى أنّ أفضل ما فُسّر به: إذهاب الرّجس، هو الصّيانة من الذّنوب و الآثام. قال الآلوسيّ:< جُوّز أن يراد به الصّون، و المعنى: إنّما يريد سبحانه ليُذهب عنكم الرّجس و يصونكم منالمعاصي صونًا بليغًا، فيما أمر و نهى جلّ شأنه >

و يكاد هذا القول أن يقرّب الشّقّة بين السّنّة و الشّيعة في مسألة خطيرة، ألاو هي عصمة أهل البيت.

و ثانيًا: اشتركت بعض الآيات المكّيّة و المدنيّة في معنى الرّجس، فالمراد به في (3) و (4) النّجس

و القذر، و الأُولى مكّيّة و الثّانية مدنيّة. بينما اختصّت بعض معانيه بالمكّيّة دون المدنيّة، كالعذاب في (5) و (7)، و الكفر في (6). و اختصّت الأُخرى بالمدنيّة وحدها، كالإثم في (1) و (9)، و الأوثان في (2)، و الشّكّ في (8).

و ثالثًا: لهذه المادّة نظائر في القرآن، راجع: < ر ج ز >.

ر ج ع

اشارة

29 لفظًا، 104مرّة: 74 مكّيّة، 30 مدنيّة

في 43 سورة: 32 مكّيّة، 11مدنيّة

رجَعَ 2 : 2

تُرْجَعُون 19 : 16 - 3

رجَعَك 1 : - 1

اِرْجِعْ 4 : 4

رجَعُوا 3 : 2 - 1

فارْجِعْنا 1 : 1

رجَعْتُمْ 2 : - 2

اِرْجِعُوا 6 : 2 - 4

رجَعْنا 1 : - 1

اِرْجِعُونِ 1 : 1

رجَعْناك 1 : 1

اِرْجِعى 1 : 1

رُجِعْتُ 1 : 1

راجِعُون 4 : 2 - 2

يَرْجِعُ 4 : 4

رَجْعٌ 1 : 1

يَرْجِعُون 16 : 13 - 3

الرَّجْعِ 1 : 1

تَرْجِعُونها 1 : 1

رَجْعِهِ 1 : 1

تَرْجِعُوهُنّ 1 : - 1

الرُّجْعى" 1 : 1

اَرْجِعُ 1 : 1

مَرْجِعُهُم 5 : 5

يُرْجَعُ 1 : 1

مَرْجِعُكُم 11 : 7 - 4

يُرْجَعُون 6 : 4 - 2

يتَراجَعا 1 : - 1

تُرْجَع 6 : 1 - 5

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: رجَعتُ رُجُوعًا و رجَعتُه، يستوي فيه اللا زم و المجاز.

و الرّجْعَة: المرّ ةالواحدة.

و التّرجيع:تقارُبُ ضروب الحركات في الصّوت. هو يُرجِّع في قراءته، و هي قراءة أصحاب الألحان.

و القينة و المغنّية تُرَجّعان في غنائهما.

و ترجيع وشي النّقش و الوشم و الكتابة: خطوطها .

و الرَّجْع: ترجيع الدّ ابّة يدها في السّير.

و رَجْع الجواب: رَدُّه.

و رَجْع الرّشْق من الرّمي: ما يُرَدّ عليه.

و المرجوعة: جواب الرِّسالة.

تقول: ليس في هذا البيع مرجوع، أي لايُرجَع فيه. و يقال: يريد: ليس فيه فضل و لارِبْح.

و الارتجاع: أن ترتجع شيئًا بعد أن تُعطي. و ارتجع الكلب في قيئِه.

و الرّجْعَة: مراجعة الرّجل أهله بعد الطّلاق.

و قوم يؤمنون بالرّجعة إلى الدّنيا قبل يوم القيامة.

و الاسترجاع: أن تقول: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }. البقرة : 156.

قال الضّرير: أقول: رَجَعَ، و لاأقول استرجع.

و كلام رجيع: مردود إلى صاحبه. يقال: هذا الكلام رجيع فيما بيننا.

و الرّجيع من الدّوابّ: ما رجعته من السّفر إلى السّفر، و الأُنثى: رجيعة.

و الرّجيع: الرّوث. و يقال: الرّجيع: الجَرّة.

و الرَّجْع: المطر نفسه.

و الرَّجْع: نبات الرّبيع.

و الرُّجْعان من الأرض: ما ارْتَدّ فيه من السّيل ثمّ نَفَذَ. [و استشهد بالشّعر 7 مرّ ات] (1 : 225)

اللّيث: الرَّجْع: الخَطْو. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ 1 : 366)

الكِسائيّ: أرْجَعَتِ النّاقة فهي مُرْجِع، إذا حَسُنَتْ بعد هُزال.

و أرجَعَ من الرّجيع، إذا أنْجَى من النّجْو.

و راجَعَتِ النّاقة رِجاعًا، إذا كانت في ضرب من السّير فرجَعَتْ إلى سير سواه. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ 1 : 367)

أرْجَعَتِ الإبل، إذا هَزُلت ثمّ سَمِنت.

(الجَوهَريّ 3 : 1218)

ابن شُمَيّل: الرّاجعة: النّاشغة من نواشغ الوادي.

و الرُّجْعان: أعالي التِّلاع قبل أن يجتمع ماء التّلْعَة.

(الأزهَريّ 1 : 368)

أبوعمرو الشَّيبانيّ: و الارْجِعْنان، تقول : ضَربتُه حتّى ارْجَعَنّ. إذا لَزِم الأرض. (2 : 8)

و الرَّجْع أصغر من النّقْع((1))، و كأنّه مَسيلٌ؛ و جِماعه: الرُّجْعان، و نبتهما واحد. (2 : 10)

و التّرَجُّع: ذَهاب. (2 : 11)

و الرُّجْعان: المسايل، مَسايل الماء؛ الواحد: رَجْع. [ثمّ استشهد بشعر] (2 : 16)

الرّجيع: و هو العَرَق، شُبّه بالقَطِران. [ثمّ استشهد بشعر] (2 : 21)

و الرّ اجع من الإبل: الّتي إذا لَقِحَتْ أخْلَفَتْ، قيل: قد رَجَعَتْ. و هي من الخيل التّقويض. (2 : 22)

أبوزَيْد: إذا ألقَتِ النّاقة حملها، قبل أن يستبين خَلْقُه، قيل: قد رجَعَت تَرْجِع رِجاعًا. [ثمّ استشهد بشعر] (الأزهَريّ 1 : 366)

الأصمَعيّ: يقال: هذا رجيع السّبُع و رَجْعُه، يعنينَجْوُه. (الأزهَريّ 1 : 365)

إذا ضُرِبت النّاقة مِرارً ا فلم تَلقَحْ، فهي مُمارِن. فإن ظهر لهم إنّها قد لقِحَتْ ثمّ لم يكن بها حمل، فهي راجع و مُخْلِفة.

أرْجَع الرّجل يده، إذا أهوى بها إلى كنانته ليأخذ سهمًا.


1) (1) كلّ مستنقع من عد أو غدير.

و يقال: هذا متاع مُرْجِع، أي له مرجوع.

يقال: باع فلان إبلَه فارتَجَعَ منها رِجْعَةً صالحة.

و شكت بنو تَغْلِب إلى معاوية السَّنة، فقال: كيف تَشْكُون الحاجة مع اجتلاب المِهارَة و ارتجاع البِكارة؟ أي تجلبون أولاد الخيل فترجعون بأثمانها البكارة للقِنْيَة. (الأزهَريّ 1 : 366)

و الرّجيع: الشِّواء يُسَخَّن ثانية. (ابن سيده 1 : 319)

رَجّع الفحل في هَديره، إذا ردّده؛ و منه التّرجيع في الأذان. (المَدينيّ 1 : 740)

فإن رَجَعَت [النّاقة] و لم تكن حاملا، فهي راجِع؛ و الجِماع: الرّواجع. يقال: رَجَعَت تَرْجِع رِجاعًا.

(الكَنْزُ اللُّغويّ : 69)

فإذا استبان أ نّها ليست لاقحًا، قيل: راجِعٌ، و قد رَجَعَتْ تَرْجِع رِجاعًا. (الكَنْزُ اللُّغويّ : 115)

و يقال: إذا لَقِحَتْ و لم يكن ذلك شيئًا: ناقة راجِع، و ناقة مُخْلِفَة، و هنّ رَواجِعُ و مُخْلِفاتٌ.

(الكَنْزُ اللُّغويّ : 140)

و يقال: طعنه في مَرْجِع كَتِفه، و ذلك ممّا يلي إبْطَه من كَتِفه. (الكَنْزُ اللُّغويّ : 204)

اللِّحيانيّ: و أرْجَعَه ناقته: باعها منه،ثمّ أعطاه إيّاها يَرْجِع عليها. (ابن سيده 1 : 317)

أرجَعَ الرّجل يديه، إذا ردّهما إلى خلفه.

(ابن سيده 1 : 320)

أبوعُبَيْد: في حديث النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < أ نّه رأى في إبل الصّدقة ناقة كَوْماء فسأل عنها، فقال المصدِّق: إنّي ارتجَعتُها بإبل، فسكت>. و يُروى: < أخذتها بإبل >.

الارتجاع: أن يَقْدُم الرّجل بإبله المصر فيبيعها، ثمّ يشتري بثمنها غيرها، فتلك هي الرّجعَة الّتي ذكرها الكميت، و هو يصف الأثافيّ. [ثمّ ذكر شعره و قال:]

و إن ردّ أثمان إبله إلى منزله من غير أن يشتري بها شيئًا فليس برَجْعَة.

و كذلك هي في الصّدقة إذا وجبت على ربّ المال أسنان من الإبل، فأخذ المصدّق مكانها أسنانًا فوقها أو دونها، فتلك الّتي أخذ: رَجْعَة، لأ نّه ارتجَعَها من الّتي وجبت على ربّها. (1 : 135)

و في حديث آخر: < أ نّه نهى أن يُستَنجَى برجيع أو عَظْم >. فأمّا الرّجيع فقد يكون الرّوث أو العَذِرة جميعًا. وإنّما سمّي رجيعًا، لأ نّه رجع عن حاله الأُولى بعدما كان طعامًا أو علفًا إلى غير ذلك. و كذلك كلّ شيء يكون من قول أو فعل يُرَدّد فهو: رجيع، لأنّ معناه مرجوع، أي مردود.

و قد يكون الرّجيع: الحجر الّذي قد استنجى به مرّة، ثمّ رجعه إليه فاستنجى به.

و قد روي عن مُجاهِد أ نّه كان يكره أن يستنجي بالحجر الّذي قد استنجى به مرّة. (1 : 165)

ابن الأعرابيّ: رواجِعٌ: رجَعَتْ على أولادها. و يقال: رواجع: نُزّع . (الأزهَريّ 1 : 366)

و عن بعض العرب أ نّه قال: أوصانا أبونا بالرِّجَع والنُّجَع، أي أوصانا بأن نبيع النِّيب و الأكائل، و نرتجع بأثمانها القُلُص للقِنْيَة. (الأزهَريّ 1 : 367)

و سفر رَجيع: مرجوع فيه مرارً ا. [ثمّ استشهد بشعر] (ابن سيده 1 : 318)

ابن السِّكّيت:و يقال: قد أرْجَع يُرْجِع إرْجاعًا، إذا أهوى بيده إلى خَلْفه ليتناول شيئًا.

و يقال: ما رجَعَ إليّ جوابًا يَرْجِع رَج-ْعًا و رُجْعانًا، و قد رجَعتُ-ه إلى كذا، قال الله تبارك و تعالى: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَةٍ مِنْهُمْ } التّوبة : 83. (إصلاح المنطق : 263)

و الرّجيعة: بعير ارتَجَعْتَه من أجلاب النّاس، ليس من البلد الّذي هو به، و هي الرّجائع، ارتجَعْتُه، أي اشتريته. [ثمّ استشهد بشعر] (إصلاح المنطق : 345)

الجاحظ: و عن اليزيديّ: رجَعَ الرّجل، من الرّجيع.

و خبّرني أبوالعاصي عن يونس، قال: ليس الرّجيع إلا رجيع القول و السّفر و الجِِرّة. قال الله تعالى: { و السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } الطّارق : 11.

و قال الهُزَليّ: و هو المتنخِّل. [ثمّ استشهد بشعر]

(5 : 296)

ابن قُتَيْبَة: الرُّجْعى: المَرْجِع. (533)

الدِّينَوَريّ: و رجّعتِ القوس: صَوّتت.

(ابن سيده 1 : 317)

و الرّجْع و الرّجيع و الرّاجعَة: هي ما ارْتَدّ فيه السّيل ثمّ نفذ؛ و الجمع: رِجْعان و رِجاع. [ثمّ استشهد بشعر] (ابن سيده 1 : 321)

ابن أبي اليمان: الرّجْع: المطر. (533)

الزّجّاج: و تقول: كلّمني فلان فما رجَعْتُ إليه كلمة، و ما أرجعت إليه كلمة، بمعنى واحد.

(فعلت و أفعلت : 202)

ابن دُرَيْد: الرِّجاع: الغُدْران، واحدها رَجْع.

(1 : 152)

و يقال: رجَعَ يَرْجِع رَجْعًاو رُجُوعًا.

و رجَعتُه إلى أهله، أي رددته إليهم.

و أرجَعَ يده إلى سيفه ليَسْتلّه، أو إلى كِنانته ليأخذ سهمًا.

و الرّجْع: الغدير أو الماء يترقرق على وجه الأرض. و قال قوم: بل الماء بعينه: رَجْع، هكذا يقول أبوعُبَيْدَة.

و قالوا: الرّجْع: المطر، و في التّنزيل: { وَ السَّمَاءِِ ذَاتِ الرَّجْعِ } الطّارق : 11.

و الرِّجاع: رجوع الطّير بعد قِطاعها، إذا رجعت من المواضع الحارّة إلى المواضع الباردة.

و الرِّجاع: ما وقف على أنف البعير من خِطامه.

و ناقة راجع، و هي الّتي يضربها الفحل فلاتَلْقَح؛ و المصدر: الرَّجاع.

و قد سمّت العرب: رَجْعًا و مَرْجِعَة.

و الرّجيع: يُكْنَى به عن ذي البَطْن.

و بعير رجيع سَفَر، مثل نضْو سَفَر.

و إلى الله مَرْجِعُك و رُجُوعك ورُجْعاك، مقصور، و في التّنزيل: { اِنَّ اِلى" رَ بِّكَ الرُّجْعى } العلق : 8، و ربّما قالوا: رُجْعانك.

و إلى الله مراجع الأُمور، جمع: مَرْجِع.

و يقال: طَلّقَ فلان امرأته طلاقًا يَمْلِك الرِّجْعَة.

و الرَّجْعَة و الرُّجْعى، مقصور أيضًا.

و يقال: ارتجَعَ فلان إبلا ، إذا باع الذّكور و اشترى

الإناث.

و قيل لحيّ من العرب: بِمَ كثرت أموالكم؟ فقالوا: أوصانا أبونا بالنُّجَع و الرِّجَع.

و الرّجيع: ماء لهُذَيْل.

و حَبْل رجيع، إذا نُقض ثم فُتل.

و ثَوْب رجيع، إذا أخلق ثمّ طُوي.

[و استشهد بالشّعر مرّتين] (2 : 79)

و الرِّجَع: أن تُباع الذّكور، و تُرْتَجَع الإناث.

(2 : 105)

و الرّجْع: رَجْع اليدين في العَدْو.

و قوله: لاخَطِل الرَّجْع، أي ليس في رَجْعه اضطراب. (2 : 327)

و ناقة راجع، و هي الّتي يُظَنّ أنّ بها حَمْلا ثمّ تُخْلِف. (3 : 444)

الأزهَريّ: و قرأت بخطّ أبي الهَيْثَم لابن بُزُرْج، حكاه عن الأسديّ، قال: يقولون للرّعد: رَجْع.

و قيل: الرّجْع: الغدير؛ و جمعه: رُجْعان.

و الرّجِيع: العَرَق، سمّي رجيعًا، لأ نّه كان ماءً فعاد عَرَقًا.

و كلّ طعام بَرَدَ فأُعيد على النّار، فهو رجيع.

و يقال: سيف نجيح الرَّجْع و نجيح الرّجيع، إذا كان ماضيًا في الضّريبة.

قيل: أرْجَع الله همّه سرورً ا، أي أبدل همّه سرورً ا.

ويقال: رجَعَ فلان على أنْف بعيره، إذا انفسخ خَطْمُه فردّه عليه. ثمّ يسمّى الخِِطام: رِجاعًا.

و المُراجِع من النّساء: الّتي يموت زوجها أو يطلّقها فترجع إلى أهلها. و يقال لها أيضًا: راجع.

و يقال للمريض إذا ثابت إليه نفسُه بعد تهوُّ ك من العلّة: راجع.

و يقال: طعَنَه في مَرْجِع كتفيه.

و يقال: هذا أرْجَعُ في يدي من هذا، أي أنفع.

و قال ابن الفرج: سمعت بعض بني سُلَيم يقول: قد رجَعَ كلامي في الرّجل و نَجَع فيه، بمعنًى واحد.قال: و رجَعَ في الدّا بّهِ العَلَفُ ونَجَع، إذا تبيّن أثره.

قال: و التّرجيع في الأذان: أن يُكرّر قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمّدً ا رسول الله.

و رَجْع الوَشْم و النُّقوش و ترجيعه: أن يُعاد عليه السّواد مرّةً بعد أُخرى.

و يقال: هل جاءتك رِجْعَة كتابك و رُجْعانُه، أي جوابه. و كذلك الرِّجْعَة بعد الطّلاق بالكسر.

و أمّا قولهم: فلان يؤمن بالرّجْعَة، فهو بالفتح.

قلت: و يجوز الفتح في رِجْعَة الكتاب و رِجْعَة الطّلاق.

يقال: طلّق فلان فلانة طلاقًا يملك فيه الرَّجْعَة.

و يقال: جعلها الله سَفَرةً مُرجِعَة. و المُرْجِعَة: الّتي لها ثواب و عاقبة حسنة.

و يقال: الشّيخ يمرض يومين فلايُرْجِع شهرً ا، أي لايثوب إليه جسمه و قوّته شهرً ا.

و استرجع فلان عن مصيبة نزلت به، إذا قال: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }. البقرة : 156، فهو مسترجع.

[و استشهد بالشّعر مرّتين] (1 : 364)

الصّاحِب: رجَعتُه فرَجَعَ، رُجُوعًا و رَجْعًا.

و أرْجَعتُك ناقتي: أعطيتُكها تَرْجع عليها.

و رَجَعَ الحوض إلى إزائه: كثر ماؤه.

و رجَعَتِ النّاقة و الأتان رِجاعًا، و هي راجع، إذا قدَرْتَها حمَلَتْ ثمّ أخلَفَتْ.

و قيل: إذا ألقَتْ ولدً ا قبل أن يستبين خَلْقُه.

و ليس منه رَجْع، أي منفعة.

و هو مَرْجَع، أي مُجْد نافع.

و قد أرْجَع الله بيعته: أربَحَها.و قد أرْجَعَتِ النّاقة: كانت مَهْزُولة فسَمِنَت.

و الرّجْع: الاشتراء. يقال: رجَع الإبل و ارتجَعَها

و تَرَجّعَها: أي اشتراها؛ و منه: سوق الرَّجْع.

و الرِّجْعَة: كُلّ ما ارتجَعْتَ لأهلك من متاع تشتريه لهم أو إبلٍ،و مُراجَعَة الرّجل أهلَه بعد الطّلاق.

فأمّا إذا رجَع إلى خير فلايقال إلا : مُراجَعَة. و حُكي الرّجْعَة بالفتح في هذا أيضًا.

و يقال لمن يَفْزَع ثمّ تؤوب إليه نفْسُه: رجَع.

و رجَع الكلام فيه، و العَلَف: نجَعَ.

و رَجْعُ الكَتِف و مَرْجِعُه: أسفلُه.

و رَجْع الذِّفْرى: مُنعطفُها. و يقال: رَجَع ذِفْراه، أي رَدّها.

و الرّجْع والرّجيع: العَرَق، و نَجْوُ السّبُع. و الفعل فيهما: رَجَع.

و رجَعَ الرّجل: من الرّجيع، و أرْجَع أيضًا.

و الرّجْع: ترجيع الدّا بّة يديها في السّير.

و رَجْع الجواب و إرجاعه: رَدُّه.

و رَجْع الرَّشْق في الرّمي: ما يُرَدّ على صاحبه.

و المرجوعة: جواب الرِّسالة.

و ليس لهذا البيع مرجوع و لا فيه رِجاعَة، أي لايُرْجَع فيه.

و دا بّة لها مرجوع، أي إذا أُريد بيعه وُجِد له ثمن.

و متاعٌ مُرْجِع: له مَرْجوع.

و ارتجَعْتُ منه كذا، رِجْعةً.

و أعطني رِجْعَةً أي حُجّةً أرْتَجِع بها على صاحبي.

و ارْتجَعَ و رَجّعَ و استَرْجَع، قال: { اِنَّا للهِ وَاِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } البقرة : 156.

و رجّعَ في القراءة و الغِناء ترجيعًا، و هو تقارُب ضُروب الحركات في الصّوت.

و رَجّعَ الوَشْيَ و النَّقْشَ ترجيعًا.

و الرّجيع: من الإبل و الدّوابّ: ما رَجَعتَه من سفر إلى سفر، و الكلام المكرّر، و الجِرّة، و ما أُعيد من الشِّواء على النّار، و فأسُ اللِّجام، و النّخيل.

و فُسّر قوله تعالى: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } أي المطر.

و رُجْعان الأودية؛ جَمْع الرَّجْع: مَحابِس مائها.

و عام الرُّجْعان، أي الخِصْب؛ يَرْجِع فيه من كان جاليًا للقَحْط.

و الرُّجْعان من الأرض: ما امتدّ فيه السّيل ثمّ نَفَذ، بمنزلة الجِحَرة .

و الرِّجاع: حَبْل يُخْطَم على خَطْم البعير؛ و الجميع: الأرْجِعَة و الرُّجُع.

و ارْجِعْ على بعيرِك.

و الرّواجِع: الضّوالّ؛ و الواحد: راجِعَة.

و امرأة ر اجع: مات عنها زوجها، فرَجَعَتْ إلى دار أبويها.

و رُجْعان الكتاب: جوابه.

و الإرجاع: أن تُهْويَ بيدك إلى الشّيء. (1 : 248)

المُرْجَعِنّ: المَصْروع، و يقال: مُجْرَعِنّ أيضًا.

و ضُرب فلان فارْجَعَنّ ارْجِعْنانًا، أي اضطَجَع و ألقى نَفْسَه.

جَرْعَنَه فارْجَعَنّ، أي صَرَعَه. (2 : 232)

ابن جنّيّ: و راجَعَ الشّيء: رجَع إليه.

(ابن سيده 1 : 317)

الجَوهَريّ: رَجَعَ بنفسه رُجُوعًا، و رَجَعَه غيره رَجْعًا.

و هُذَيْل تقول: أرْجَعَه غيره.

و قوله تعالى: { يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ الى" بَعْض الْقَوْلَ } سبأ : 31 ، أي يتلاومون.

و الرُّجْعى: الرّجوع. تقول: أرسَلتُ إليك فما جاءني رُجْعى رسالتي، أي مَرْجُوعُها. و كذلك المَرْجِع؛ و منه قوله تعالى: { ثُمَّ اِلى" رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ } الأنعام:164 . و هو شاذّ، لأنّ المصادر من فعَل يَفْعِل، إنّما تكون بالفتح.

و فلان يؤمن بالرّجْعَة، أي بالرّجوع إلى الدّنيا بعد الموت.

و قولهم: هل جاء رَجْعَة كتابك؟ أي جوابه.

و له على امرأته رَجْعَة و رِجْعَة أيضًا؛ و الفتح أفصح.

و يقال: ما كان من مَرْجُوع فلان عليك، أي من مردودِه و جوابه.

و الرّجْعَة: النّاقة تُباع ويُشتَرى بثمنها مثلها، فالثّانية راجِعَة و رجيعَة.

و قد ارْتَجَعْتُها، و تَرَجّعْتُها، و رَجّعْتُها. يقال: باع فلان إبله فارْتَجَعَ منها رِجْعَةً صالحةً بالكسر، إذا صرف أثمانها فيما يعود عليه بالعائدة و الصّالحة.

و كذلك الرِّجْعَة في الصّدقة، إذا وجبَت على ربّ المال أسنان، فأخذ المصدِّق مكانها أسنا نًا فوقها أو دونها.

و أتانٌ راجِعٌ و ناقةٌ راجِعٌ، إذا كانت تشُول بذَنَبها، و تجمع قُطْرَيْها و تُوزِّع بِبَوْلها، فيُظَنّ أنّ بها حَمْلا ، ثمّ تُخْلِف. و قد رَجَعَتْ تَرْجِع رِجاعًا؛ و نُوقٌ رَواجِع.

و الرّجاع أيضًا: رُجُوع الطّير بعد قِطاعها.

و الرّاجِع: المرأة يموت زوجها فتَرْجِع إلى أهلها.وأمّا المطلّقة فهي المردودة.

و الرّجْع: المطر، قال الله تعالى: { وَ السَّمَاءِِ ذَاتِ الرَّجْعِ }، و يقال: ذات النّفع.

و الرَّجْع: الغدير؛ و الجمع: الرُّجْعان.

و رُجْعان الكتابِ أيضًا: جوابه. يقال: رَجَعَ إليّ الجواب يَرْجِع رَجْعًا و رُجْعانًا.

و رَجْع الدّا بّة يدَيْها في السّير: خَطْوُها.

و رَجْعُ الواشِمةِ: خَطّها.

و الرّجيع من الدّوابّ: ما رجَعْتَه من سفر إلى سفر، و هو الكالّ؛ و الأُنثى: رجيعة؛ و الجمع: الرّجائِع.

و الرّجيع: الرَّوْث و البَعْر وذو البطن، و قد أرْجَعَ الرّجل. و هذا رجيع السّبُعِ و رَجْعُه أيضًا.

و كلّ شيء يُرَدَّد فهو رجيع، لأنّ معناه مَرْجُوع، أي مردود.

و ربّما سَمّوا الجِرّة: رجيعًا.

و أرْجَعَ الرّجل، إذا أهوى بيده إلى خَلْفه ليتناول شيئًا.

و حكى ابن السِّكّيت: هذا متاعٌ مُرْجِع، أي له مَرْجُوع. و يقال: أرْجَعَ الله بيعة فلان، كما يقال: أرْ بَح الله بيعته.

و المُراجَعة: المعاودة. يقال: راجَعَه الكلام، و راجَع امرأته.

و تراجَع الشّيء إلى خلف.

و استَرْجَعْتُ منه الشّيء، إذا أخَذْتَ منه ما دفَعتَه إليه. و استَرْجَعْتُ عند المصيبة، إذا قلت: { اِنَّا للهِ† وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } البقرة : 156، فأنا مُستَرجِع.

و كذلك التّرجيع، التّرجيع في الأذان.

و ترجيع الصّوت: ترديدهفي الحَلْق، كقراءة أصحاب الألحان.

و ترجيع الدّا بّة يَدَيْها في السّير، و ترجيع الواشِمة وَشْمَها. و رَجْع الكَتِفِ و مَرْجِعُها: أسفلها. [و استشهد بالشّعر 5 مرّ ات] (2 : 1216)

ابن فارِس: الرّ اء و الجيم و العين أصل كبير مطّرد مُنْقاس، يدلّ على رَدّ و تكرار. تقول: رَجَعَ يَرْجِع رُجُوعًا، إذا عاد.

و راجَعَ الرّجل امرأته، و هي الرَّجْعَة، و الرِّجْعَة، و الرُّجْعى: الرُّجُوع.

و الرّ اجعة: النّاقة تُباع و يُشتَرى بثمنها مثلها، و الثّانية هي الرّاجعَة، و قد ارْتُجِعَتْ.

و في الحديث: < أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) رأى في إبل الصّدقة ناقةً كَوْماء، فسأل عنها فقال المصدِّق: إنّي ارْتَجَعتُها بإبل >. و الاسم من ذلك: الرِّجْعَة.

و تقول: أعْطَيتُه كذا ثمّ ارْتجَعتُه أيضًا، صحيح بمعناه.

و امرأة راجع: مات زوجها فرَجَعَتْ إلى أهلها.

و التّرجيع في الصّوت: ترديده.

و الرّجْع: رَجْع الدّا بّة يَدَيْها في السّير.

و المرجوع: ما يُرْجَع إليه من الشّيء.

و المرجوع: جواب الرّسالة.

و أرْجَع الرّجل يده في كنانته، ليأخذ سهمًا.

و الرِّجاع: رُجُوع الطّير بعد قِطاعها.

و الرّجيع: الجِرّة، لأ نّه يُرَدّد مَضْغُها.

و الرّجِيع من الدّوابّ: ما رَجَعْتَه من سفر إلى سفر.

و أرْجَعَتِ الإبل، إذا كانت مَهازيلَ فسَمِنَت و حَسُنَت حالها، و ذلكرُجُوعها إلى حالها الأُولى.

فأمّا الرّجْع فالغيث، و هو المطر في قوله جلّ و عزّ: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } الطّارق : 11، و ذلك أ نّها تغيث و تصُبّ ثمّ تَرْجِع فتغِيث. [و استشهد بالشّعر 6مرّ ات] (2 : 490)

و من سُنن العرب الإتيان بلفظ الجمع و المراد واحد و اثنان،...و قال: { بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } النّمل : 35، و هو واحد، يدلّ عليه قوله جلّ ثناؤه: { اِرْجِعْ اِلَيْهِمْ } النّمل : 37. (الصّاحبيّ : 212)

أبوهِلال: الفرق بين الرّجْع و الرّدّ: أ نّه يجوز أن

تَرْجِعَه من غير كراهة له، قال الله تعالى: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَة مِنْهُمْ } التّوبة: 83 . و لايجوز أن تردّه إلا إذا كرهت حاله، و لهذا يسمّى البَهْرَج رَدًّ ا و لم يُسمّ رَجْعًا. هذا أصله، ثمّ ربّما استُعملت إحدى الكلمتين موضع الأُخرى لقرب معناهما. (92)

الفرق بين الرّجُوع و الفَىْء: أنّ الفَيْء هو الرّجُوع من قُرْب؛ و منه قوله تعالى: { فَاِنْ فَاؤُ فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } البقرة : 226، يعني الرّجُوع ليس ببعيد.

و منه سُمّي مال المشركين فَيْئًا لذلك، كأ نّه فاءَ من جانب إلى جانب. (249)

الفرق بين الرّجُوع و الانقلاب: أنّ الرّجُوع هو المصير إلى الموضع الّذي قد كان فيه قبل، و الانقلاب: المصير إلى نقيض ما كان فيه قبل، و يوضّح ذلك قولك: انقلب الطّين خَزَفًا فأمّا رجوعه خَزَفًا فلايصحّ، لأ نّه لم يكن قبل خَزَفًا.

الفرق بين الرّجُوع والإياب: أنّ الإياب هو الرّجُوع إلى منتهى المقصد، و الرّجُوع يكون لذلك و لغيره. ألاترى أ نّه يقال: رجع إلى بعض الطّريق، ولايقال: آبَ إلى بعض الطّريق. و لكن يقال: إن حصل في المنزل، و لهذا قال أهل اللُّغة: التّأويب أن يمضي الرّجل في حاجته ثمّ يعود، فيثبت في منزله.

وقال أبوحاتِم رحمه الله: التّأويب أن يسير النّهار أجمع، ليكون عند اللّيل في منزله. [ثمّ استشهد بشعر]

و هذا يدلّ على أنّ الإياب: الرّجُوع إلى منتهى القصد، و لهذا قال تعالى: { اِنَّ اِلَيْنَا اِيَابَهُمْ } الغاشية : 25، كأنّ القيامة منتهى قصدهم، لأ نّها لامنزلة بعدها.

الفرق بين الإنابة و الرّجُوع: أنّ الإنابة: الرّجُوع إلى الطّاعة، فلايقال لمن رجع إلى معصية: إنّه أناب.

و المُنيب: اسم مدح، كالمؤمن و المتّقي. (250)

الثّعالِبيّ: فإذا رَجَعَتْ إليه [المريض] قوّته، فهو: مُرْجِعٌ، و منه قيل: إنّ الشّيخ يَمْرُض يومًا، فلايَرْجع شهرً ا، أي لاترجع إليه قوّته شهرً ا. (151)

في أسماء المطر:...فإذا رجَعَ و تكرّر، فهو الرّجْع.

(279)

و من هذا الباب [إقامة الواحد مُقام الجمع] سُنّة العرب: أن يقولوا للرّجل العظيم و المَلِك الكبير: انظُروا في أمري، و لأنّ السّادة و الملوك يقولون: نحن فعلنا، و إنّاأمرنا؛ فعلى قضيّة هذا الابتداءيخاطبون في الجواب، كما قال تعالى عمّن حضره الموت: { رَبِّ ارْجِعُونِِ } المؤمنون : 99. (329)

ابن سيده: رَجَعَ يَرْجِع رَجْعًا و رُجُوعًا، و رُجْعى و رُجْعا نًا و مَرْجِعًا و مَرْجِعَةً: انصرف، و في التّنزيل: { اِنَّ اِلى" رَ بِّكَ الرُّجْعى } العلق : 8، و فيه: { اِلى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا‘ } المائدة : 48، أي رجوعكم.حكاه سيبَوَيه فيما جاء من المصادر الّتي من <فعَل يَفْعِل> على < مَفْعِل > بالكسر.

و لايجوز أن يكون هاهنا اسم المكان، لأ نّه قد تعدّى ب- < إلى > وانتصبت عنه الحال، و اسم المكان لايتعدّى بحرف جرّ، و لاتنتصب عنه الحال، إلا أنّ جملة الباب في < فعَل يَفْعِل > أن يكون المصدر على < مَفْعَل > بفتح العين.

و رَجَعتُه أرْجِعُه رَجْعًا و مَرْجَعًا و مَرْجِعًا.

و حكى سيبَوَيه: رَجَّعْتُه.

و تراجَع القوم: رجعوا إلى محلّهم.

و رَجّع الرّجل، و تَرَجّع: ردّد صوته في قراءة أو غناء أو زَمْر، أو غير ذلك ممّا يُتَرنّم به.

و رَجّع البعير في شقشقته: هَدَر.

و رَجّعَتِ النّاقة في حنينها: قَطّعَتْه.

و رَجّع الحَمام في غنائه، و استرجع كذلك.

و رَجّع النّقش و الوَشْمَ و الكتابة: ردّد خطوطها.

و رَجّع إليه و ارْتَجَع: كرّ، و رَجَع.

و ارْتَجَع عليه: كرجَع.

و ارْتَجَع على الغريم والمتّهم: طالَبَه.

و ارْتَجَع إليّ الأمر: رَدّه إليّ.

و ارْتَجَع المرأة، وراجعها مراجَعَةً و رِجاعًا: رجعها إلى نفسه بعد الطّلاق؛ و الاسم: الرِّجْعَة، والرَّجْعَة، و الرُّجْعى.

و الرّجيع من الدّوابّ: ما رجَعتَه من سفر إلى سفر؛ و الأُنثى: رجيع و رجيعَة، و جمعهما معًا: رَجائع.

و فلان رِجْعَ سَفر و رَجيعَ سَفر.

و راجَعَه الكلام مراجَعَةً و رِجاعًا: حاوره إيّاه.

و ما أرْجَع إليه كلامًا، أي ما أجابه.

و الرّجيع من الكلام: المردود إلى صاحبه.

و الرّجْع و الرّجيع: النّجْو و الرَّوْث، لأ نّه رجَع عن حاله الّتي كان عليها.

و الرّجيع: الجِرّة، لرَجْعه لها إلى الأكل.

و قيل: كلّ ما رُدّ فهو رجيع.

و حَبْل رجيع: نُقِض ثمّ أُعيد فتله.

و قيل: كلّ ما ثنّيتَه: رجيع.

و رجيع القول: المكروه.

و تَرَجّع الرّجل عند المصيبة، و استرجع، قال: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } .البقرة : 156.

و الرّجْع: ردّ الدّا بّة يديها في السّير.

و رَجْع الرّشْق في الرّمي: ما يُرَدّ عليه.

و الرّواجِع: الرّياح المختلفة لمجيئها و ذَهابها.

و الرّجْع، و الرّجْعَة، و الرُّجْعى، و الرُّجْعان، و المَرْجُوعَة: جواب الرّسالة:

و ليس لهذا البيع مَرْجُوع، أي لايُرْجَع فيه.

و متاع مُرْجِعٌ: له مَرْجُوع.

و قال اللِّحيانيّ: ارْتَجَع فلان مالا ، و هو أن يبيعإبله المُسِنّة و الصّغار، ثمّ يشتري الفَتيّة و البِكار.

و قيل: هو : أن يبيع الذّكور و يشتري الإناث، و عَمّ مرّة به، فقال: هو أن يبيع الشّيء، ثمّ يشتري مكانه ما يُخيّل إليه أ نّه أفتى و أصلح.

و جاء فلان برِجْعَة حَسَنَة ، أي بشيء صالح، اشتراه مكان شيء طالح، أو مكان شيء قد كان دونه.

و باع إبلَه فارْتَجَع منها رَجْعَةً صالحةً، و رجْعَة.

و الرِّجْعَة إبل تشتريها الأعراب، ليست من نتاجهم، و ليست عليها سِماتُهم. و ارتَجَعَها: اشتراها.

و قد يجوز أن يكون هذا من قولهم: باع إبله، فارْتَجَع منها رِِجْعَةً صالحة.

و الرِّجَع: أن يبيع الذّكور، و يشتري الإناث، كأ نّه مصدر، و إلا لم يصحّ تعبيره. و قيل: هو أن يبيع الهَرْمَى، و يشتري الطِّراء.

و قيل لحيّ من العرب: لِمَ كَثُرَتْ أموالكم؟ فقالوا: أوصانا أبونا بالنُّجَع و الرُّجَع.

و قال ثَعْلَب: بالرِّجَع و النِّجَع، و فسّره بأ نّه بيع الهَرْمَى و شِراء الطِّراء. و قد فُسّر بأ نّه بيع الذّكور و شراء الإناث، و كلاهما ممّا يَنْمي عليه المال.

و أرْجَع إبلا : شراها و باعها على هذه الحالة.

و حكى اللِّحيانيّ: جاءت رِِجْعَة الضّياع، و لم يفسّره. و عندي أ نّه ما تَعُود به على صاحبها من غَلّة.

و أرْجَع يده إلى سيفه ليَسْتَلّه، أو إلى كنانته ليأخذ سهمًا: أهوى بها إليهما.

و الرّ اجع من النّساء: الّتي مات عنها زوجها ورجَعَتْ إلى أهلها.

و مَرْجِعُ الكَتِف: ما يلي الإبْط منها من تلقاء منابض القلب.

و رَجَع الكلب في قيئه: عاد فيه.

و هو يؤمن بالرّجْعَة: أي بأنّ الميّت يرجع قبل يوم القيامة.

و راجَع الرّجل: رَجَع إلى خير أو إلى شرّ.

و رَجَعَتِ الطّير رُجُوعًا و رِجاعًا: قَطَعَتْ من المواضع الحارّة إلى الباردة.

و رَجَعَتِ النّاقة تَرْجِع رِجاعًا و رُجُوعًا، و هي راجِع: لَقِحَت ثمّ أخلَفَتْ، لأ نّها رَجَعَتْ عمّا رُجِيَ منها.

و قيل: هو إذا ظُنّ بها حمل، ثمّ لم يكن كذلك.

و قيل: إذا ضربها الفحل فلم تَلْقَحْ، و قيل: إذا ألقَتْ ولدها لغير تمام، و قيل: إذا بالت ماء الفحل، و قيل: هو أن تَطْرَحَه ماء.

و الرّجْع و الرّجيع و الرّ اجِعَة: الغدير يتردّد فيه الماء.

و قيل: الرِّجاع: جمع. [إلى أن قال:]

و الرّجْع: المطر، لأ نّه يَرْجِع مَرّة بعد مَرّة، و في التّنزيل: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } الطّارق : 11 ، 12، قال ثَعْلَب: تَرجِع بالمطر سنةً بعد سنة. و قال اللِّحيانيّ: لأ نّها تَرْجع بالغيث، فلم يذكر:سنةً بعد سنة.

و قوله: { وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } قال ثَعْلَب: هي الأرض تنصدع بالنّبات.

و قيل: الرّجْع: عامّة الماء.

و قيل: ماء لهُذَيْل، غلب عليه.

و الرّجْع: الغِرْس يكون في بطن المرأة، يخرج علىرأس الصّبيّ.

و الرِّجاع: ما وقع على أنف البعير من خِطامه.

و رَجْعٌ و مَرْجَعَة: اسمان.

[و استشهد بالشّعر 10 مرّ ات] (1 : 317)

و ضَرَبه حتّى اجْرَعَنّ و ارْجَعَنّ، أي انبَسَط.

و ارْجَعَنّ الشّيء كارْجَحَنّ.

و قال اللِّحيانيّ: ضربه فارْجَعَنّ، أي اضْطَجَع و ألقى بنفسه. و في المثل: < إذا ارْجَعَنَّ شاصيًا فارْفَعْ يدً ا > يقال ذلك للرّجل يقاتل الرّجل. يقول: إذا غَلبْتَه فاضْطَجَعَ، و وَقَع و رَفَعَ رِجلَيْه فكُفَّ يَدَ ك عنه. [ثمّ استشهد بشعر] (2 : 432)

الطُّوسيّ:و الرّجُوع:مصدر رَجَع يَرْجِع رُجُوعًا،

و رَجَعَه رَجْعًا.

و الارتجاع: اجتلاب الرّجوع.

و الاسترجاع: طلب الرّجوع.

و تَراجَع: تحامل.

و تَرَجّع: تعمّد للرّجوع.

و رَجّع: كثّر في الرّجوع.

و رَجّع الجواب: ردّه.

و المَرْجُوعة: جواب الرّسالة.

و الرّجْع: المطر، و منه قوله: {وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ }.

و الرّجْع: نبت الرّبيع.

و الرّجُوع عن الشّي‌ء بخلاف الرّجوع إليه. (1 : 89)

الرّ اغِب: الرُّجُوع: العود إلى ما كان منه البَدْء، أو تقدير البَدْء مكانًا كان أو فعلا ، أو قولا ، و بذاته كان رجوعه، أو بجزء من أجزائه، أو بفعل من أفعاله.

فالرّجُوع: العود، و الرَّجْع: الإعادة.

و الرَّجْعَة و الرِّجْعَة: في الطّلاق، و في العود إلى الدّنيا بعد الممات. و يقال: فلان يؤمن بِالرَّجْعَة.

و الرِّجاع: مختصّ برجوع الطّير بعد قِطاعها.

فمن الرّجُوع قوله تعالى: المنافقون : 8، و يوسف : 63 ، و الأعراف : 150، و النّور : 28.

و يقال: رَجَعْتُ عن كذا رَجْعًا، و رَجَعْتُ الجواب، نحو قوله: التّوبة : 83، و المائدة : 48، و العلق : 8.

وقوله: الأنعام : 6، يصحّ أن يكون من الرّجُوع، كقوله: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } البقرة : 28.

و يصحّ أن يكون من الرّجْع، كقوله: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } الرّوم : 11.

و قوله: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الأعراف : 168، و... أي يرجعون عن الذّنب.

و قوله: { وَ حَرَامٌ عَلى" قَرْ يَةٍ اَهْلَكْنَاهَا اَ نَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } الأنبياء : 95، أي حرّمنا عليهم أن يتوبوا و يرجعوا عن الذّنب، تنبيهًا أ نّه لاتوبة بعد الموت، كما قال: { قيلَ‘ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورً ا } الحديد : 13.

و قوله: { بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } النّمل : 35، فمن الرّجوع، أو من رَجْع الجواب، كقوله: سبأ : 31، و النّمل : 28، فمن رَجْع الجواب لاغير، و كذا قوله: النّمل : 35.

و قوله: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } الطّارق : 11، أي المطر، و سُمّي رَجْعًا لردّ الهواء ما تناوله من الماء.

و سمّي الغدير رَجْعًا إمّا لتسميته بالمطر الّذي فيه، و إمّا لتَراجُعِ أمواجه و تردّده في مكانه.

و يقال: ليس لكلامه مَرْجُوع، أي جواب.

و دا بّة لها مَرْجُوع: يمكن بيعها بعد الاستعمال.

و ناقة راجِع: تَرُدّ ماء الفحل فلاتَقْبَله.

و أرْجَعَ يده إلى سيفه ليَسْتَلّه.

و الارتجاع: الاسترداد.

و ارْتَجَع إبلا ، إذا باع الذّكور و اشترى إناثًا، فاعتبر فيه معنى الرّجْع تقديرً ا، و إن لم يحصل فيه ذلك عينًا.

و استَرْجَع فلان، إذا قال: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } .البقرة : 156.

و التّرجِيع: ترديد الصّوت باللّحن في القراءة و في الغناء، و تكرير قولٍ مرّتين فصاعدً ا؛ و منه: التّرجِيع في الأذان.

و الرّجِيع: كناية عن أذى البطن للإنسان و الدّابّة، و هو من الرُّجُوع، و يكون بمعنى الفاعل، أو من الرَّجْع و يكون بمعنى المفعول.

و جُبّة رجيع، أُعيدت بعد نقضها، و من الدّا بّة: ما رَجَعْتَه من سفر إلى سفر؛ و الأُنثى: رجيعَة.

و قد يقال: دا بّة رجِيع، و رَجْعُ سَفر: كناية عن النِّضْو.

و الرّجيع من الكلام: المردود إلى صاحبه أو المكرّر. (188)

الزّمَخْشَريّ: رجَعَ إليّ رُجُوعًا و رُجْعى و مَرجِعًا. و رَجَعتُه أنا رَجْعًا.

و رجَعَتِ الطّير القواطع رِجاعًا و لها قِطاع و رِجاع.

و تفرّقوا في أوّ ل النّهار ثمّ تراجعوا مع اللّيل، أي رجع كلّ واحد إلى مكانه.

و من المجاز: خالفني، ثمّ رجع إلى قولي.

و صَرَمَني ثمّ رجع يُكلّمني.

و ما رُجِع إليه في خَطْب إلا كُفِيَ.

و ليس لهذا البيع مَرْجُوع، أي لايرجع فيه.

و هذا رَجْعُ رسالتك، و مرجوعها، و مرجوعتها، أي جوابها.

و ما كان من مَرْجُوع فلان عليك.

و رجَع الحوض إلى إزائه، إذا كثر ماؤه. قال:

قد رجع الحوض إلى إزائه

كأ نّه مُخايل بمائه

كرجعة الشّيخ إلى نسائه

كأ نّه يختال بمائه من كثرته، و الشّيخ إلى ترضّي نسائه أحوج، فهو أملأ لغرائره، و أكثر ميرة من الش-ّابّ.

و رَجَ-ع العلف في الدّ اب-ّة و نَجَ-ع: تبي-ّن أثره فيها.

و رَجَع كلامي في فلان و نَجَع.

و ليس لي من فلان رَجْعٌ، أي منفعة و فائدة.

و تقول: ما هو إلا سَجْع، ليس تحته رَجْع.

و رزقنا الله رَجْع السّماء، و هو المطر.

و كواه عند رَجْع كَتِفه و مَرْجِع مِرْفَقه.

و دَسَع البعير رَجيعَه، أي جِرّتَه.ِِِِ

و امتلأت الطّرق من رجيع الدّوابّ، و هو رَوْثها.

و إيّاك و الرّجيع من القول، و هو المُعاد.

و داب-ّة رجيع أسفار.

و استَرْجَع المصاب، و رَجّع.

و ارْتَجَع الهبة و استرجعها: ارتدّها.

و ارْتَجَع بإبله إبلا : استبدلها، يبيعها و يشتري بثمنها غيرها؛ وتسمّى الرِّجْعَة.

و قيل لحيّ من العرب: بِمَ كَثُرَت أموالكم؟ فقالوا: أوصانا أبونا بالنِّجَع و الرِّجَع.

و تراجعت أحوال فلان.

و راجَعَه في مهمّاته.

و راجَعَ-ه الكلام و رادّه.

و راجَع امرأته رَجْعَة و رِجْعَة، و هو يملك رَجْعَة امرأته.

و رَجّع في صوته، و في أذانه ترجيع-ًا.

و في يده تَرْجيع وَشْ-م، و هو ترديد خُطوطه.

و رَجّعَت الدّا بّة يديها في السّير.

و انتفض الفرس ثمّ تراجع.

و تَرَجّع في صدري كذا. [و استشهد بالشّعر 4 مرّات] (أساس البلاغة : 155)

في حديث ابن مَسعود: <...ثمّ قال للجلا د: اضرب و ارْجِع يدَيْك...>. أمره برَجْع اليدَيْن، و هو ألا يرفعهما عند الضّرب و لايمدّهما، و يقتصر على أن يَرْجعهما رَجْعًا. (الفائق 1 : 173)

في حديث النّبيّ(صلی الله علیه و آله): <... أن يُستَنجى برجيع أو عَظْم>...[قال نحو ما سبق عن أبي عُبَيْد]

(الفائق 2 : 42)

و في حديث:<... قال: لاو الله، فما هدى ممّا رَجَع>.

< ممّا رَجَع >، أي ممّا أجاب، و المرجوع: الجواب.

أي إنّما قال: < لا و الله >، و سكت، فلم يجئ بجواب فيه بيان و حجّة، لما فعل من تأخير الصّلاة.

(الفائق 4 : 97)

المَدينيّ: في صفة قراءته عليه الصّلاة و السّلام يوم الفتح: < أ نّه كان يُرجِّع >.

و في حديث آخر قال: <غير أ نّه كان لايُرَجِّع >.

التّرجيع: ترديد القراءة ...و قيل: هو تقارب ضروب الحركات في الصّوت، يقال: رجّع الوَشْيَ و النَّقْش، إذا قارب ما بين أجزائها.

و قد حكى عبد الله بن مغفّل ترجيعه بمدّ الصّوت في القراءة، نحو آء، آء، آء. و هذا إنّما حصل منه - و الله أعلم - لأ نّه كان راكبًا، فجعلت النّاقة تُنَزّيه و تُحرّكه فيحصل هذا من صوته.

و الموضع الّذي رُوي < أ نّه كان لايُرَجِّع > لعلّه حين لم يكن راكبًا، فلم يلجأ إلى التّرجيع.

في حديث ابن عبّاس رضی الله عنه : « أ نّه حين نُعِيَ له قُثَم استَرْجَع >، أي قال: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا ِالَيْهِ رَ اجِعُونَ } البقرة: 156، و مثله: رَجّعَ.

في حديث حبيب بن مَسْلَمَة: « أنّه نَفّل في البَدْأة الرُّ بُع، و في الرَّجْعَة الثُّلُث ».

إذا نهضت سَريّة من جملة العسكر، فأوْقَعَت بالعدوّ، فما غنِموا كان لهم منه الرُّ بُع، و يَشْرَكهم سائر العسكر في ثلاثة أرباع، فإن قفلوا من الغُزاة ثمّ رجعوا من الطّريق، فأوقعوا بالعدوّ ثانية، كان لهم ممّا غنموا الثُّلُث، لأنّ نهوضَهم بعد القُفُول أشقّ، و الخطر فيه أعظم. (1 : 739)

ابن بَرّيّ: وجمع رِجْعَةٍ: رِجَعٌ.

(ابن منظور8 : 119)

ابن الأثير: [نحو أبي عُبَيْد و المَدينيّ ، و أضاف:]

في حديث الزّكاة: < فإنّهما يتَراجعانِ بينهما بالسّويّة >. التّراجُع بين الخليطين: أن يكون لأحدهما مثلا أربعون بقرة، و للآخرِ ثلاثون و مالهما مُشترك، فيأخذ العامل عن الأربعين مُسِنّةً، و عن الثّلاثين تبيعًا، فيرجع باذل المُسِنّة بثلاثة أسباعها على خليطه، و باذل التّبيع بأربعة أسباعه على خليطه، لأنّ كلّ

واحد من السِّ-نّيْن واجب على الشّيوع، كأنّ المال ملك واحد.

و في قوله: < بالسّويّة >، دليل على أنّ السّاعي إذا ظَلَم أحدهما فأخذ منه زيادةً على فَرْضِه، فإنّه لايَرْجع بها على شريكه، و إمّا يَغرَم له قيمة ما يخصّه من الواجب عليه دون الزّيادة.

و من أنواع التّراجُع: أن يكون بين رجلين أربعون شاةً، لكلّ واحد منهما عشرون، ثمّ كلّ واحد منهما يعرف عين ماله، فيأخذ العامل من غنم أحدهما شاةً. و فيه دليل على أنّ الخُلْطَة تَصِحّ مع تمييز أعيان الأموال عند من يقول به.

و فيه ذكر: « رَجْعَة الطّلاق في غير موضع » وتُفتَح راؤها و تُكسَر على المرّة و الحالة، و هو ارْتِجاع الزّوجة المُطلّقة غير البائنة إلى النّكاح، من غير استئناف عَقْد.

و في حديث السُّحور: « فإنّه يُؤَذّن بليل، ليرجِع قائمَكم و يُوقظَ نائِمَكم ». القائم: هو الّذي يُصلّي صلاة اللّيل، و رُجُوعه: عَودُه إلى نومه، أو قعوده عن صلاته إذا سَمع الأذان.

و يَرْجع: فعل قاصر و مُتَعدّ، تقول: رَجَع زيد، و رَجَعْتُه أنا، و هو هاهنا متعدّ، ليُزاوج يُوقِظ.

و منه حديث ابن عبّاس: « من كان له مال يُبلّغُه حجّ بيت الله، أو تجِب عليه فيه زكاة فلم يفعل، سأل الرَّجْعَة عند الموت ». أيسأل أن يُرَدّ إلى الدّنيا ليُحْسِن العمل، و يستدرك ما فات.

و الرّجْعَة: مذهب قوم من العرب في الجاهليّة معروف عندهم. و مذهب طائفة من فرق المسلمين من أُولي البِدَع و الأهواءِ، يقولون : إنّ الميّت يرجع إلى الدّنيا، ويكون فيها حيًّا كماكان.

و من جملتهم طائفة من الرّ افضة يقولون: إنّ عليّ ا بن أبي طالب مُستَتر في السّحاب، فلايخرج مع من خَرَج من وَلده، حتّى يُنادي مُناد من السّماء: اخْرُج مع فلان، ويشهد لهذا المذهب السّوء قوله تعالى: {حَ-تّى اِذَا جَاءَ اَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون ِ* لَعَلّى‘ اَعْمَلُ صَالِحًا } المؤمنون : 99 ، 100، يريد الكفّار، نحمد الله على الهداية و الإيمان.

و فيه ذكر < غزوة الرّجيع > و هو ماء لهُذَيْل.

(2 : 201)

الصَّغانيّ: [نحو ما سبق عن الأزهَريّ و الجَوهَريّ بتفاوت إلا أ نّه أضاف:]

و يقال: < طعام يُسْتَرجَع عنه > و تفسيره في رعي المال و طعام النّاس، ما نَفَع منه و استُمْرئ فسُمِن عنه.

(4 : 258)

الرّ ازيّ: [نحو الجَوهَريّ ملخّصًا، إلا أ نّه قال:]

رجَع الشّيء بنفسه، من باب « جلس » و رجَعَه غيره، من باب « قطع » و هُذَيْل تقول: أرجعه غيره، بالألف. (255)

الفَيُّوميّ: رَجَع من سفره و عن الأمر، يَرْجِع رَجْعًا و رُجُوعًا، و رُجْعى، و مَرْجِعًا. قال ابن السِّكّيت: هو نقيض الذَّهاب، و يتعدّى بنفسه في اللُّغة الفُصْحى، فيقال: رجَعتُه عن الشّيء و إليه، و رجَعتُ الكلام و غيره، أي رَدَدتُه. و بها جاء القرآن، قال تعالى:

{ فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ }. و هُذَيْل تُعدّيه بالألف.

و رجَع الكلب في قَيْئِه: عاد فيه فأكله. و من هنا قيل: رجع في هِبَتِه، إذا أعادها إلى مِلْكه. و ارْتجَعَها و استَرْجَعَها كذلك.

و رَجَعَتِ المرأة إلى أهلها بموت زوجها أو بطلاق، فهي راجِع.

و منهم من يَفرُق فيقول: المُطلّقة: مردودة، و المتوفّى عنها: راجِعٌ.

و الرّجْعَة بالفتح بمعنى الرّجُوع.

و فلان يؤمن بالرّجْعَة، أي بالعود إلى الدّنيا. و أمّا الرّجْعَة بعد الطّلاق و رَجْعَة الكتاب فبالفتح و الكسر. و بعضهم يقتصر في رَجْعَة الطّلاق على الفتح، و هو أفصح.

قال ابن فارِس: و الرّجْعَة: مراجعة الرّجل أهله و قد تُكسَر.

و هو يملك الرّجْعَة على زوجته.

و طلاق رَِجْعِيّ بالوجهين أيضًا.

و الرّجيع: الرَّوْث و العَذِرة: فعيل بمعنى فاعل، لأ نّه رجع عن حاله الأُولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا، و كذلك كلّ فِعل أو قول يُرَدّ فهو رجيع، فعيل بمعنى مفعول بالتّخفيف.

و رَجّع في أذانه بالتّثقيل، إذا أتى بالشّهادتين مرّة خفضًا و مرّة رفعًا.

و رَجَع بالتّخفيف، إذا كان قد أتى بالشّهادتين مرّة ليأتي بهما أُخرى.

و ارْتَجَع فلان الهبةواستَرْجَعَها و رَجَع فيها، بمعنًى.

و راجَعتُه: عاوَدْتُه. (1 : 220)

الجُرْجانيّ: التّرجيع في الأذان: أن يَخْفَضَ صوته بالشّهادتين، ثمّ يَرْفَع بهما. (25)

الرّجْعَة في الطّلاق: هي استدامة القائم، و هو مِلْك النّكاح.

الرّجُوع: حركة واحدة في سمت واحد، لكن على مسافة حركة هي مثل الأُولى بعينها، بخلاف الانعطاف.

(48)

الفيروزاباديّ: رَجَع يَرْ جِع رُجُوعًا و مَرْجِعًا، كمنزل، و مَرْجِعَةً - شاذّان، لأنّ المصادر من فعَل يَفْعِِل إنّما تكون بالفتح - و رُجْعى و رُجْعانًا، بضمّهما: انصرف، و الشّيء عن الشّيء، و إليه رَجْعًا و مَرْجَعًا كمَقْعَد و منزِل: صرفه و رَدّه، كأرْجَعَه، و كلامي فيه: أفاد، و العَلَفُ في الدّا بّة: نَجَع.

و جاءني رُجْعى رسالتي كبُشْرى، أي مرجوعها.

و يؤمن بالرّجْعَة، أي بالرّجُوع إلى الدّنيا بعد الموت.

و بالكسر و الفتح: عود المُطِّلِق إلى مُطلّقته.

و بالكسر: حواشي الإبل تُرْتَجَع من السّوق.

و ناقة رِجْعُ سَفَر، و رجيع سَفَر: قد رَجَع فيه مرارً ا.

و باع إبله فارْتَجَع منها رِجْعَةً صالحة بالكسر، إذا صرف أثمانها فيما يعود عليه بالعائدة الصّالحة.

و المرجوع، و بهاء، و الرَّجْع و الرَّجُوعة، بفتحهما، والرُّجْعَة و الرُّجْعان و الرُّجْعَى بضمّهنّ: جواب الرّسالة.

و الرّ اجع: المرأة يموت زوجها و تَرْجع إلى أهلها

كالمُراجِع، و منالنُّوق و الأُ تُن: الّتي تَشُول بذَنَبها و تجمع قُطْرَيها و تُوَزِّع بَوْلَها، فيُظَنّ أنّ بها حملا ، و قد رَجَعتْ تَرْجِع رِجاعًا، بالكسر.

و ككتاب: الخِطام أو ما وقع منه على أنف البعير؛ جمعه: أرْجِِعَة و رُجْع، ورُجُوع الطّير بعد قِطاعها.

و الرَّجْع: المطر بعد المطر، و النَّقُع، و نبات الرّبيع، و اسم، و مَمْسَك الماء، و الغدير، كالرّجيع و الرّ اجعَة، أو ما امتَدّ فيه السّيل ثمّ نفذ؛ جمعه: رِجاع و رِجْعان و رُجْعان.

أو الماء عامّةً، و الرّوْث، و من الأرض: ما امتَدّ فيه السّيل، و فوق التَّلْعَة؛ جمعه: رُجْعان، بالضّمّ. و من الكَتِف: أسفلها، كالمَرْجِع، كمنزل، و خَطْو الدّا بّة، أو ردّها يديها في السّير، و خطّ الواشمة كالتّرجيع فيهما.

و الرّجيع من الكلام: المردود إلى صاحبه، و الرّوث و ذو البطن، و الجِرّة تَجْترّها الإبل و نحوها، و كلّ مُردّد، و البعير الكالّ من السّفر، و هي بهاء، أو المهزول أو ما رَجَعْتَه من سفر؛ جمعه: رُجُع، بضمّتين.

و الثّوب الخَلَق المُطَرّى، و ماء لهُذَيْل على سبعة أميال من اله-َدَة، و به غُدِر بمَرْثَد ابن أبي مَرْثَد وسَريّتِه، لمّا بعثها (صلی الله علیه و آله) مع رَهْط عَضَل و القارَة فغَدَرُوا بهم.

و العَرَق، و الحَبْل نُقِض ثمّ فُتِل ثانية، و كلّ طعام بَرَدَ ثمّ أُعيد إلى النّار، و فأْس اللّجام و النّخيل؛ و بهاء: ماء لبني أسد.

و مَرْجَعَةٌ، كمَرْحَلة: عَلَمٌ.

و أرْجَع: أهوى بيده إلى خلفه ليتناول شيئًا، و فلان رَمَى بالرّجيع، و فيالمصيبة قال: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيِهِ رَ اجِعُونَ }، كرَجّع و استَرْجَع، و الله تعالى بيعتَه: أربَحَها، و الإبل: هُزِلَت ثّم سَمِنت.

و سَفْرة مُرْجِعَة، كمحسنة: لها ثواب و عاقبة حسنة، و الشّيخ يَمْرَض يومين فلايَرْجِع شهرً ا: لايثوب إليه جسمه و قوّ ته.

والتّرجيع في الأذان: تكرير الشّهادتين جهرً ا بعد إخفائهما، و ترديد الصّوت في الحلق.

و استَرْجَعَ منه الشّيء: أخذ منه ما دفعه إليه.

و راجَعَه الكلام: عاوَدَه، و النّاقة: رَجَعتْ من سَيْر إلى سَيْر. (3 : 28)

الطُرَيحيّ: و في الخبر: < سيجيء قوم من بعدي يُرَجّعون القرآن ترجيع الغناء و النَّوْح و الرّهبانيّة لايجوز تراقيهم >.

ترجيع الصّوت: ترديده في الحلق، كقراءة أصحاب الألحان آآآآ. و هذا هو المنهيّ عنه، و أمّا التّرجيع بمعنى تحسين الصّوت في القراءة فمأمور به؛ و منه قوله : < رَجِّعْ بالقرآن صوتك فإنّ الله يحبّ الصّوت الحسن >.

و ما روي: < أ نّه يوم الفتح كان يُرَجِّع في قراءته >؛ و منه الدّعاء:<اللّهمّ اجعله لقلوبنا عَبْرة عند ترجيعه>.

و الاسترجاع: ترديد الصّوت في البكاء.

و التّرجيع في الأذان: تكرار الفصول زيادة على الموظَّف. و قيل: هو تكرار التّكبير و الشّهادتين في أوّ ل الأذان.

و الرّجْعَة بالفتح: هي المرّ ة في الرّجُوع بعد الموت بعد ظهور المهديّ ، و هي من ضروريّات مذهب

الإماميّة، و عليها من الشّواهد القرآنيّة و أحاديث أهل البيت علیهم السلام ما هو أشهر من أن يُذْكر، حتّى أ نّه ورد عنهم علیهم السلام": من لم يؤمِن برجعتنا و لم يُقرّ بمتعتنا فليس منّا >.

و قد أنكر الجمهور حتّى قال في < النّهاية >: الرّجْعَة مذهب قوم من العرب في الجاهليّة و طائفة من فرق المسلمين و أهل البدع و الأهواء، و من جملتهم طائفة من الرّ افضة.

و فلان يؤمن بالرّجْعَة: أي بالرّجُوع إلى الدّنيا بعد الموت. و أمّا الرّجْعَة بعد الطّلاق فتُقرأ بالفتح و الكسر على المرّة و الحالة، و بعضهم يقتصر فيها على الفتح. [ثمّ ذكر نحو الفَيُّوميّ إلى أن قال:]

و استَرجَعتُ منه الشّيء: إذا أخَذتَ منه ما دَفَعتَ إليه.

و استَرجَعتُ عند المصيبة: قلت: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }. فقولك: { اِنَّاللهِ } إقرار منك بالمُلْك، و قولك: { اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } إقرار منك بالهلك.

والاسترجاع أيضًا: ترديد الصّوت في البكاء.

(4 : 334)

مَجْمَعُ اللُّغة: 1 - رَجَع الشّيء يَرْجِع رُجُوعًا و مَرْجِعًاو رُجْعى: عاد إلى ماكان منه البدء، فهو راجع و هم راجعون.

و رَجَعَه يَرْجِعُه رِجْعًا و مَرْجِعًا: أعاده.

و رَجَع بصره: رَدّه على المنظور مرّة بعد مرّة.

و رَجَع الكلام: رَدّه.

و رجَعُوا القول: رَدّ بعضهم قول بعض، و تلاوموا.

2 - الرُّجْعى: مصدر رَجَعرُجُوعًا و رُجْعى، أي عاد.

3 - الرّجْع: مصدر رَجَعه يَرْجِعُه رَجْعًا، بمعنى: إعادة.

و الرّجْع: المطر، سمّي بذلك، لأنّ الهواء يَرْجِع ما تناوله من الماء، أو لأنّ الله يَرْجِعُه وقتًا بعد وقت.

4 - المَرْجِع : الرّجُوع.

5 - تَراجَعَ يتَراجَعُ تراجُعًا: عاد إلى ما كان عليه.

(1 : 455)

العَدْنانيّ: رجَعْتُ يَدي و أرْجَعتُها

و يُخطّئون من يقول: أرْجَعْتُ يَدي، اعتمادً ا على قوله تعالى: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَ-اْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُ-لْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ اَبَدً ا } التّوبة : 83. و اعتمدوا أيضًا على ما جاء في معجم ألفاظ القرآن الكريم، و مفردات الرّ اغِب الأصفهانيّ، و الأساس.

و لكن:حكى أبوزَيْد عن الضّ-بِّيِّين أ نّهم قرأُوا الآية: ( اَفَلايَرَوْنَ اَلا يُرْجِعُ اِلَيْهِمْ قَوْ لا ) بدلا من: { اَلا يَرْجِعُ } طه" : 89، و هذا يدلّ على أنّ الفعل هنا هو « أرجَعَ » المتعدّي.

و جاء في النّهاية: و في حديث السُّحور: « فإنّه يُؤذّن بِليل؛ ليَرْجِِع قائمَكم و يُوقِظَ نائِمَكم » القائم: هو الّذي يُصلّي صلاة اللّيل، و رُجُوعه: عوده إلى نومه، أو قعوده عن صلاته إذا سمع الأذان.

و يَرْجِع: فِعل قاصِر - لازم - و متعدّ، تقول: رجَع زيد، و رَجَعْتُه أنا، و هو هنا متعدّ، ليُزاوج < يُوقِِظ >.

و ذكر الفعلين: رَجَعتُها و أرْجَعتُها، كلّ من أدب الكاتب في باب أبنية الأفعال، و الصِّحاح، و المختار،و اللّسان، و المصباح، و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.

و ذكر أنّ < أرْجَعَه > لغة هُذَيْل: الصِّحاح، و المختار، و اللّسان، و المصباح، و التّاج، و المدّ، و المتن.

و الفعل: « رَجَعَ » اللا زم بمعنى: عاد معروف، و قد اقتصر عليه الحريريّ في مقامته السِّنجاريّة: « أو يَرْجِعَ إليّ أمْسِي ».

و فعله هو: رَجَعَه عن الشّيء و إليه يَرْجِعُه رُجُوعًا، و رُجْعانًا، و رَجْعًا ، و مَرْجِعَةً، و مَرْجِعًا، و مَرْجَعًا: صَرَفه و رَدّه.

و من معاني رجَع:

1 - رَجَعَتِ الطّير تَرْجِع رُجُوعًا، و رِجاعًا: قَطَعَتْ من المواضع الحارّة إلى الباردة.

2 - رجَع الشّيء: أفاد. يقال: رجَع فيه كلامي.

3 - رجَع في هِبَتِه: أعادها إلى مِلْكه.

و من معاني أرْجَعَ:

1 - أرْجَعَ فلان: أهوى بيدَيْه إلى خلفه ليتناول شيئًا.< مجاز >.

2 - أرْجَعَ في المصيبة: قال: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ } البقرة : 156.

3 - أرْجَعَ الله بَيعَتَه: أربَحَها <مجاز >. [إلى أن قال:] التّرجيعات:

التّرجيع: هوتكرار المؤذّن في أذانه الشّهادتين جَهْرًا بعد مُخافتَة. و ترجيع الصّوت: هو ترديده في الحلق. و التّرجيع أيضًا: هو ترديد الصّوت في قراءة أو أذان، أو غِناء، أو زَمْر، أو غيرِ ذلك، ممّا يُتَرنّم به.

جاء في النّهاية: < وفي صفة قراءته عليه الصّلاة و السّلام أ نّه كان يُرجِّع >. التّرجيع: ترديد القراءة، و منه تَرْجيع الأذان >.

و ترجيع الحَمام في شَدْوه: تقطيعه. و ترجيع النّقش و الكتابة: إعادة السّواد عليهما مرّةً بعد أُخرى.

و يجمعون التّرجيع على تراجيع، و الصّواب: ترجيعات، لأ نّه اسم خُماسيّ، لم يَرِد له في المعاجم جمع تكسير.

راجع:مادّة « التّوشيحات> في هذا المعجم . (252)

رُجْعيّ أو رُجُوعيّ

و يقولون: هذا حاكم رَجْعيّ، و هؤلاء أُناس رجْعيُّون.

و الصّواب: هذا حاكم رُجْعيّ أو رُجُوعيّ، نسبةً إلى مصدرَي الفعل اللا زم < رَجَعَ >، و هما الرُّجْعَى و الرّجُوع، كقوله تعالى: { اِنَّ اِلى" رَبِّكَ الرُّجْعى } العلق : 8.

أمّا رَجْعِيّ فهي:

1 - نسبة إلى الرّجْعَة، أي الإيمان بالرّجُوع إلى الدّنيا بعد الموت. و في ذلك الإيمان تَقَدُّمٌ و تَجَدُّد. لاتقَهْقُر و رُجُوع.

2 - نسبة إلى مصدر الفعل الثّلاثيّ المتعدّي، رَجَعَه يَرْجِعُه رَجْعًا: صَرَفه و رَدّه، كقوله تعالى: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَةٍ مِنْهُمْ } التّوبة : 83. و لايجوز هنا أن نَنْسِب إلى الفعل المتعدّي، لأنّ المطلوب هو الفعل

اللا زم لكي يفيد التّأخّر و مصدره الرُّجوع و الرُّجْعى.

و قد جاء في <المعجم الوسيط> : < الرَّجْعِيّ: مَن يذهب مَذْهَب سَلَفه و لايُسايِر الزّمَن مُحْدَثَة >

و لانستطيع الموافقة على ذلك، لأنّ مَجْمَعَ اللُّغةالعربيّة بالقاهرة لم يُقِرّتلك النّسبة، فلعلّه أو لعلّ غيره من مجامعنا يُقِرّها، لكي نُنْقِص الأخطاء الّتي نُوَجّه إليها انتباه النّاس، خطأً شائعًا في البلاد العربيّة كافّة.

(معجم الأخطاء الشّائعة : 100)

محمّدإسماعيل إبراهيم: رجَع رُجُوعًا و رُجْعى: عاد.

تَراجَع القوم الكلام: تداولوه.

و رجَع الكلام: رَدّه.

و الرّجْع: المطر بعد المطر.

و رَجْع الصّدى: ما يَرُدّه عليك المكان الخالي إذا صوّت فيه.

المَرْجِع: الرّجُوع، و محلّ الرّجُوع.

و الرُّجْعى: الرّجُوع. (1 : 212)

محمود شيت: [نحو المتقدّمين و أضاف:]

التّراجُع: الانسحاب، يقال: تَراجَع الجيش من مواضعه: انسَحَب.

إرجاع: إعادة الشّيء إلى محلّه الأصليّ.

نابض الإرجاع: النّابض((1)) الّذي يعيد المِتَكّ إلى الخلف، بتأثير غاز الإطلاقة أو القُنْبُلة. (1 : 279)

المُصْطَفَويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة: هو العود إلى ما كان عليه قبل، مكانًا أو صفةً أو حالا أو عملا أو قولا .

و الفرق بين الرّجُوع و العَوْد و المصير و الإنابة و التّوبة و الأوْب: أنّ التّوبة: رجُوع من العصيان و الخلاف مع النّدم.

و الإنابة: رجُوع إلى الطّاعة و البِرّ.

و الإياب: رجوع إلى آخر نقطة و منتهى مقصد، مع إرادة و اختيار.

و الرّجُوع: أعمّ من هذه كلّها، أي سواء كان منعصيان أو طاعة، و سواء كان إلى طاعة أم لا، و سواء كان إلى آخر مقصد أو لم يكن، و سواء كان مريدً ا له أم لا.

و أمّا المصير: فهو رجوع إلى نقيض ما كان فيه.

و العود: هو الرّجوع بعد الانصراف عن الشّي‌ء، و إقدام بعد في المرتبة الثّانية، و يقابله البدء. و الأوّ ل ليس من مصاديق الرّجُوع، و في إطلاقه عليه مسامحة، فإنّ المصير تُحوّ ل إلى نقيض ما كان عليه.

و أمّا العود: فهو إقدام ثانويّ على ما أقدم أوّ لا ، أي رجُوع إلى عمل حتّى يعمله ثانيًا.

فالرّجُوع إلى المكان، كما في: { لَئِنْ رَجَعْنَا اِلَى الْمَدينَة‘ لَيُخْرِجَنَّ الاَ_عَزُّ } المنافقون : 8.

و إلى الله المتعال، كما في: {اِرْجِعى‘ اِلى" رَبِّكِ} الفجر : 28.

و إلى النّاس، كما في: { وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى اِلى" قَوْمِهِ } الأعراف : 150.

و إلى النّار، كما في: { ثُمَّ اِنَّ مَرْجِعَهُمْ لاِلَى


1) - الزّنبرك.

الْجَحيمِ‘} الصّافّات : 68.

و إلى الحقّ و عالم الرّوحانيّة، كما في: { وَ اَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الزّخرف : 48.

و إلى النّظر و التّدبّر، كما في: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ } .الملك : 3 ، 4.

ثمّ إنّ الرّجُوع المادّيّ معلوم. و أمّا المعنويّ الرّوحانيّ، فإنّما يتحقّق بسير معنويّ و حركة روحانيّة، بالانقطاع عن المادّة و التّوجّه إلى ما ورائها، أو بمفارقة البدن و التّحوّ ل إلى عالم الآخرة.

و أمّا تحقّق مفهوم الرّجُوع، و العود في الرّجُوع إلى الله عزّ و جلّ: فإنّ الله تعالى هو المبدئ المفيض البارئ الأوّ ل و الآخِر، و بنوره تكوّنت السّماوات و الأرض و الخلق، و بفيضه وُجدت مراتب الوجود. { اِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَ يُعيدُ‘ } البروج: 13 .

و عوالم المادّة و الجسم و تعلّقاتها الدّنيويّة و القوى الظّاهريّة، و الشّهوات النّفسانيّة و المعايش الحيوانيّة كلّها حُجُب و موانع و قيود للرّوح الإنسانيّ، و سيره و صعوده و رجُوعه إلى الله المتعال. فإذا انقطعت هذه القيود و انكشفت الحُجُب و انتهت العلائق الدّنيويّة بموت البدن الجسمانيّ و فناء قواه: يتجلّى له عالم وراء هذا العالم المادّيّ، و هو يرى ما لم يكن مشاهدً ا له { فَبَصَرُ كَ الْيَوْمَ حَديدٌ‘ } ق:22.

و في هذه المرحلة يتحقّق حقيقة الرّجُوع، و لايلزم أن يكون إلى منتهى المقصد، و يظهر له مقام الجنّة و النّور إن كان من أهله، و مقام الظّلمة و النّار إن كان في طول حياته متوغّلا في الشّهوات و التّعلّقات الدّنيويّة { وَ الْمَوْتى" يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ اِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } الأنعام : 36.

و أمّا إطلاق الرّجُوع إلى الله المتعال في هذه المرحلة: فإنّ عالم الآخرة يتجلّى فيها العظمة و الجبروت للحقّ تعالى، و الخلق كلّهم مقهورون محكومون، كلّ منهم في مرتبة على حسب بضاعته، و بمقتضى سيرته و سريرته، لااختيار لهمفيها، و هو المالك المطلق، مالك يوم الدّين، و له الحكم و العزّة { لَهُ الْحَمْدُ فِى الاُ_ولى" وَ الا_خِرَ’ةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } القصص : 70...

فإنّ الاختيار إنّما نشأ في هذا العالم الجسمانيّ بمقتضى تركُّبّ الإنسان من مادّة جسمانيّة، و من نفس روحانيّة، فهو بين يدي مقتضيات بدنيّة و روحيّة، يشتهي هذا شيئًا و ذاك شيئًا آخر، و بعبارة اُخرى: الإنسان واقع بين حكومة نفس حيوانيّة طبيعيّة بهيميّة و سَبُعيّة، و بين حكم من النّفس الإنسانيّة الرّوحانيّة، هذه تسوق إلى الجنّة و تلك إلى النّار.

و أمّا عالم الآخرة فلاحكم فيها إلا لله، و لاسلطان إلا للحقّ العزيز { اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذ للهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} الحجّ: 56.

و هذه الحكومة و الجبروت الظّاهرة المتجلّية القاهرة، إنّما تظهر و تتجلّى من ابتداء الرِّحْلة و من أوّل قدم من الرّجُوع إلى الآخرة، و لذا ترى التّعبير في هذا المقام بصيغة المتعدّي المجهول { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في (19)موردً ا، و { اِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } في (6) موارد من القرآن الكريم، تصريحًا بأنّ رجوعهم إلى

عالم الجبروت ليس بيدهم و تحت اختيارهم، بل إنّهم مقهورون مجبورون في ذلك.

و هذا بخلاف الرّجوع إلى الحقّ في حياتهم الدّنيويّة ، فإنّ دار الدّنيا دار اختيار و تكليف، و لهم فيها ما يشاؤون، فقال تعالى: { وَ كَذلِكَ ’نُفَصِّلُ الا_يَاتِ’ وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الأعراف : 174، و هذهالصّيغة معلومًا و للفاعل ت-ُذكر في (16) موردً ا. { اَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَاِلَيْ-نَا مَرْجِ-عُهُمْ } يونس : 46، { اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا‘‘ فَيُنَبِّئُكُمْ } المائدة : 48، هذه الصّيغة مصدر ميميّ تُذكر في (16) موردً ا، و هو إمّا بمعنى الإرجاع متعدّ يًا، كما في قوله تعالى:{ اِنَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } الطّارق : 8، أو بمعنى الرّجوع و الرُّجْعى لازمًا، فيلاحظ فيه الحدث، من حيث هو من دون نظر إلى جهة الصّدور أو الوقوع ،كما في:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} البقرة : 183.

{ وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ * اِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } الطّارق : 11 - 13، { الرَّجْع } بمعنى الإرجاع، و {الصَّدْع} بمعنى الشّقّ و {الاَ_رْضِ} تنشقّ منها المياه و النّبات و الأنهار و الأشجار و المعادن و الأبخرة المختلفة، و إن كان المراد من {الاَ_رْضِ} مطلق ما في الأرض من الموجودات، أو مطلق عالم المادّة كما سبق في < أرض >.

فيعمّ جميع المشتقّات و المستخرجات من تلك العالم المادّ يّة، من أنواع النّبات و الفواكه و الحبوب و الحيوانات البرّ يّة و البحريّة، و كلّ ما يخرج و يتظاهر من الجسمانيّات، من جماد أو نبات أو حيوان، أو قُوى مادّ يّة أو روحانيّات، و توجّهات صادرة من الإنسان، و غيرها.

و أمّا الإرجاع في السّماء: كإرجاع الأبخرة على صورة المطر و الغيث و الثّلج، و كإرجاع الأشعّةالمنعكسة من الأرض على القمر و غيره، و كإرجاع ما ثقُل من الموادّ و الحيوان المرتفعة في السّماء.

و لايخفى أنّ إرجاع الأبخرة إلى الأرض يوجب دوام بقاء الماء على الأرض، و به قوام الحياة: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْ‌ء حَىٍّ } الأنبياء : 30، و إلا جفّت الأنهار و يبست الأشجار، و ماتت الأرض و المزارع، و هلكت الحرث و النّسل، و انتقصت مياه البحار آنًا فآنًا.

و إذا أُريد من { السَّمَاءِ } معناها العامّ: فتشمل الفيوضات الرّ بّانيّة والتّوجّهات الرّحمانيّة و الإجابات الإكراميّة، في نتيجة التّوسّلات و التّوجّهات من العبيد، و الأدعية و المناجات و التّضرّعات، فيرجع آثار روحانيّتهم، و ينعكس أشعّة أنوارهم الرّوحانيّة إليهم، و بها تدوم حياتهم المعنويّة، و تثبت ارتباطتهم الرّوحيّة.

و بهذا يظهر لطف التّعبير بالمادّة في الآية الكريمة، و لطف تقدّم رَجْع السّماء على صَدْع الأرض، فإنّ الرّجْع في السّماء في المرتبة الأُولى و متقدّم على حصول الانشقاق في الأرض، كما تبيّن.

{ وَ قُضِىَ الاَ_مْرُ وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورُ } البقرة: 210، هذه الجملة تُذكَر في ستّة مواضع { وَ للهِ غَيْبُ السَّموَ اتِ’ وَ الاَ_رْضِ وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُ الاَ_مْرُ كُلُّهُ } هود:

123، سبق في الأمر أنّ الأصل الواحد فيه هو التّكليف و الطّلب مع الاستعلاء، و يطلق بعد على كلّ ما يكون مطلوبًا و موردً ا للطّلب و لو تقديرً ا، فكما أنّ الطّلب من اللهتعالى، و المطلوبيّة إنّما تتحقّق بتوجّه الطّلب إليه، و كونه مطلوبًا عنده، فكذلك إرجاعه.

و الحاصل أنّ كلّ ما هو مطلوب تكوينًا، موضوعًا أو محمولا : فينتهى إلى مشيئة الله و تقديره، و يرجع إلى حكومته و سلطانه، فرجُوعه إليه كما أنّ بَدْأه منه، كما قال تعالى: { اَ لا اِلَى اللهِ تَصيرُ‘‘ الاُ_مُورُ } الشّورى : 53. (4 : 62)

النُّصوص التّفسيريّة

رَجَعَ

1 - وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى اِلى" قَوْمِهِ غَضْبَانَ اَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونى مِنْ بَعْدى‘‘... الأعراف : 150

الفَخْرالرّازيّ: اعلم أنّ قوله: لايمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العِجْل، و لايوجب ذلك، لجواز أن يكون عند الرّجُوع و مشاهدة أحوالهم صار كذلك، فلهذا السّبب اختلفوا فيه، فقال قوم: إنّه عند هجومه عليهم عرف ذلك.

و قال أبومسلم: بل كان عارفًا بذلك من قبل. و هذا أقرب، و يدلّ عليه وُجُوه:

الأوّ ل: أنّ قوله تعالى يدلّ على أ نّه حال ما كان راجعًا كان غضبان أسفًا، و هو إنّما كان راجعًا إلى قومه قبل وصوله إليهم، فدلّ هذا على أ نّه قبل وصوله إليهم كان عالمًا بهذه الحالة.

الثّاني: أ نّه تعالى ذكر في سورة < طه" > أ نّه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات. (15 : 9)

راجع: غ ض ب: < غَضْبَانَ >.

2 - فَرَجَعَ مُوسى اِلى" قَوْمِهِ غَضْبَانَ اَسِفًا...طه" : 86

الطّبَريّ: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد انقضاء أربعين ليلة. (8 : 443)

الشِّربينيّ: لمّا أخبره ربّه بذلك. (2 : 478)

أبوالسُّعود: عند رجوعه المعهود، أي بعد ما استوفى الأربعين و أخذ التّوراة، لاعقيب الإخبار بالفتنة. فسببيّة ما قبل الفاء لما بعدها، إنّما هي باعتبار قيد الرّجوع المستفاد من قوله تعالى: { غَضْبَانَ اَسِفًا } لاباعتبار نفسه، و إن كانت داخلة عليه حقيقة. فإنّ كون الرّجُوع بعد تمام الأربعين أمرٌ مقرّر مشهور، لايذهب الوَهْم إلى كونه عند الإخبار بالفتنة، كما إذا قلت: شايَعْتُ الحُجّاج و دعوت لهم بالسّلامة، فرجعوا سالمين. فإنّ أحدً ا لايرتاب في أنّ المراد رجوعهم المعتاد، لارجوعهم إثْر الدّعاء، و أنّ سببيّة الدّعاء باعتبار وصف السّلامة، لاباعتبار نفس الرّجُوع.

(4 : 300)

راجع: أ س ف : < اَسِفًا >. المعجم: ج1: 310.

رَجَعَكَ

فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَاْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ اَبَدً ا... التّوبة : 83

ابن عبّاس: من غزوة تبوك. (163)

مثله الثّعلبيّ. (5 : 78)

إن ردّ ك الله إلى المدينة. (الواحديّ 2 : 516)

نحوه البغَويّ (2 : 375)، و المَيْبُديّ (4 : 179)، و ابن الجَوْزيّ (3: 479)، و البَيْضاويّ (1 : 426)، و النّسَفيّ ( 2 : 139 ) ، و الشِّربينيّ ( 1: 627 )، و الكاشانيّ (2 : 363) ، و المشهديّ (4 : 247) ، و القاسميّ (8 : 3222)، و مَغْنِيّة (4 : 77).

ابن عَطيّة: { رَجَعَك } يستوي مجاوزه و غير مجاوزه، و قوله تعالى: ( اِنْ ) مُبيِّنة أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لايعلم بمستقبلات أمره من أجل و سواه. و أيضًا فيحتمل أن يموتوا قبل رجوعه. (3 : 66)

نحوه أبوحَيّان. (5 : 80)

الطَّبْرِسيّ: إن ردّ ك الله من غزوتك هذه و سفرك هذا. (3 : 56)

نحوه الخازن (3 : 106)، و ابن كثير (3 : 435)، و شُبّر (3 : 103)، و المَراغيّ (10 : 174).

أبوالفُتُوح: < رجَع >، لازم و متعدّ، فاللا زم مصدره: الرّجُوع، و مصدر المتعدّي: الرّجْع، يقال: رَجَعتُه فرَجَع. (9 : 314)

نحوه العُكْبَريّ (2 : 653)، و النَّيسابوريّ (10 : 140).

أبوالبَرَكات:الكاف في موضع نصب ب- { رَجَع }، و هو يكون متعدّيًا كما يكون لازمًا. يقال: رجَع و رَجَعتُه، نحو: زاد و زِدتُه، و نقص و نقَصتُه، في أفعال تزيد على ثمانين فعلا . (1 : 404)

الفَخْرالرّ ازيّ: يريد: إن ردّ ك الله إلى المدينة. و معنى الرّجْع: مصير الشّيء إلى المكان الّذي كان فيه، يقال: رَجَعتُه رَجْعًا، كقولك: رَدَدتُه ردًّ ا. (16 : 150)

أبوالسُّعود: الفاء لتفريع الأمر الآتي على ما بيّن من أمرهم، و الفعل من الرّجْع المتعدّي دون الرّجُوع اللا زم، أي فإن ردّ ك الله تعالى. (3 : 175)

نحوه الشَّوْكانيّ. (2 : 486)

البُرُوسَويّ: من الرّجْع المتعدّي دون الرّجُوع اللا زم. يقول: رجَع رُجُوعًا، أي انصرف، و رجَع الشّيء عن الشّيء، أي صرفه و ردّه كأرجَعَه. و المعنى ردّ ك الله من غزوة تبوك. (3 : 477)

الآلوسيّ: [نحو أبي السُّعود و أضاف:]

و أُوثر استعمال المتعدّي و إن كان استعمال اللا زم كثيرً ا، إشارة إلى أنّ ذلك السّفر لما فيه من الخطر يحتاج الرّجُوع منه لتأييد إلهيّ، و لذا أُوثرت كلمة (اِنْ) على< إذا >، أي فإن رَدّ ك الله سبحانه. (10 : 152)

رشيد رضا: فعل < رجَع > يُستَعمل لازمًا، كقوله تعالى: { فَرَجَعَ مُوسى اِلى" قَوْمِهِ } طه " : 86، و قو له: { فَلَمَّا رَجَعُوا اِلى" اَبيهِمْ } يوسف : 63، و مصدره الرّجُوع. و يُستَعمل متعدّيًا كهذه الآية، و قوله: { فَرَجَعْنَاكَ اِلى" اُمِّكَ} طه " : 40، و مصدره: الرّجْع، و الفاء للتّفريع على ما قبله، لأ نّه مرتّب عليه.

و المعنى:فإن ردّ ك الله أيّها الرّسول من سفرك هذا إلى طائفة منهم، أي المخلّفين من المخالفين، و ما كلّ من تخلّف كان منافقًا. (10 : 571)

ابن عاشور: الفاء للتّفريع على ما آذن به قوله: { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ اَشَدُّ حَرًّ ا } التّوبة : 81، إذ فرّع على الغضب عليهم و تهديدهم عقاب آخر لهم، بإبعادهم

عن مشاركة المسلمين في غزواتهم.

و فعل < رجَع > يكون قاصرً ا و متعدّ يًا، مرادفًا لأرْجَع. و هو هنا متعدّ، أي أرجعك الله.

و جعل الإرجاع إلىطائفة من المنافقين المخلّفين على وجه الإيجاز، لأنّ المقصود: الإرجاع إلى الحديث معهم، في مثل القصّة المتَحدِّث عنها، بقرينة قوله: { فَاسْتَاْذَ نُوكَ لِلْخُرُوجِ }، و لم-ّا كان المقصود بيان معاملته مع طائفة، اختُصر الكلام، فقيل: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَةٍ مِنْهُمْ }، و ليس المراد الإرجاع الحقيقيّ كما جرت عليه عبارات أكثر المفسّرين، و جعلوه الإرجاع من سفر تبوك، مع أنّ السّورة كلّها نزلت بعد غزوة تبوك، بل المراد المجازيّ، أي تكرّر الخوض معهم مرّة أُخرى. (10 : 169)

الطَّباطَبائيّ: و في قوله دلالة على أنّ هذه الآية و ما في سياقها المتّصل من الآيات السّابقة اللا حقة نزلت و رسول الله (صلی الله علیه و آله) في سفره و لمّا يرجع إلى المدينة، و هو سفره إلى تبوك. (9 : 360)

فضل الله: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ...} في جولة أُخرى في معركة الحقّ و الباطل. (11 : 179)

رَجَعُوا

1- ... وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ اِذَا رَجَعُوا اِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. التّوبة : 122

ابن عبّاس: من غزوتهم. (168)

نحوه قَتادَة و الطّبَريّ. (الطّبَريّ 6 : 515 ، 516)

2 - فَرَجَعُوا اِلى" اَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا اِنَّكُمْ اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ.

الأنبياء : 64

ابن عبّاس: بالملامة. (273)

ابن جُرَيْج: نظر بعضهم إلى بعض .(الطّبَريّ 9 : 40)

ابن إسحاق: ارْعَوَوْا و رجعوا عنه.

(الطّبَريّ 9 : 40)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: فذكروا حين قال لهم إبراهيم صلوات الله عليه: { بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُ‘هُمْهذَ ا فَاسْ-َلُو=هُمْ اِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ } الأنبياء : 63، في أنفسهم، و رجعوا إلى عقولهم، و نظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنّكم معشر القوم الظّالمون هذا الرّجل في مسألتكم إيّاه، و قيلكم له: { مَنْ فَعَلَ هذَا بِا"لِهَتِنَا يَا اِبْرهيمُ‘’ }، و هذه آلهتكم الّتي فعل بها ما فعل، حاضرتكم فاسألوها. (9 : 40)

الثّعلبيّ: يقول: فتفكّروا بقلوبهم، و رجعوا إلى عقولهم. (6 : 280)

مثله الواحديّ (3 : 243)، و البغَويّ (3 : 293)، و المَيْبُديّ (6 : 265)، و الخازن (4 : 242).

الماوَرْديّ: فيه وجهان:

أحدهما: أن رجع بعضهم إلى بعض.

الثّاني: أن رجع كلّ واحد منهم إلى نفسه متفكِّرً ا فيما قاله إبراهيم، فحاروا عمّا أرادوه من الجواب، فأنطقهم الله تعالى الحقّ. (3 : 452)

نحوه ملخّصًا ابن الجَوْزيّ. (5 : 364)

الطُّوسيّ: أي عادوا إلى نفوسهم، يعني بعضهم إلى بعض، و قال بعضهم لبعض:{ اِنَّكُمْ اَنْتُمُ

الظَّالِمُونَ} في سؤاله، لأ نّها لو كانت آلهة لم يصل إبراهيم إلى كسرها. (7 : 261)

الطَّبْرِسيّ: معناه: فرجع بعضهم إلى بعض، و قال بعضهم لبعض: { اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } حيث تعبدون ما لايقدر على الدّفع عن نفسه، و ما نرى الأمر إلا كما قال.

و قيل: معناه: فرجعوا إلى عقولهم، و تدبّروا في ذلك؛ إذ علموا صدق إبراهيم فيما قاله، و حاروا عن جوابه، فانطقهمالله بالحقّ. (7 : 54)

ابن عَطيّة: المعنى: فظهر لهم ما قال إبراهيم: من أنّ الأصنام الّتي قد أهلّوها للعبادة ينبغي أن تسأل و تستفسر؟ (4 : 88)

الفَخْرالرّ ازيّ: ففيه وُجُوه:

الأوّ ل: أنّ إبراهيم لمّا نبّههم بما أورده عليهم على قُبح طريقهم تنبّهوا، فعلموا أنّ عبادة الأصنام باطلة، و أ نّهم على غرور و جهل في ذلك.

و الثّاني: قال مُقاتِل: فرجعوا إلى أنفسهم فلاموها، و قالوا: { اِنَّكُمْ اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ }لإبراهيم، حيث تزعمون أ نّه كسرها، مع أنّ الفأس بين يدي الصّنم الكبير.

و ثالثها: المعنى: أ نّكم أنتم الظّالمون لأنفسكم؛ حيث سألتم منه عن ذلك حتّى أخذ يستهزئ بكم في الجواب. و الأقرب هو الأوّ ل. (22 : 186)

القُرطُبيّ: أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجّته، المتفطّن لصحّة حجّة خصمه.

(11 : 302)

البَيْضاويّ: و راجعوا عقولهم. (2 : 76)

مثله الكاشانيّ (3 : 343)، و المشهديّ (6 : 398).

النّسَفيّ: فرجعوا إلى عقولهم، و تفكّروا بقلوبهم لمّا أخذ بمخانقهم. (3 : 83)

النَّيسابوريّ: حين نبّههم على قُبح طريقتهم.

(17 : 39)

ابن جُزَيّ: أي رجعوا إليها بالفكرة و النّظر، أو رجعوا إليها بالملامة. (3 : 28)

أبوحَيّان: [نحو ابن عَطيّة إلى أن قال:]

فرجوعهم إلى أنفسهمكناية عن استقامة فكرهم. (6 : 325)

ابن كثير: أي بالملامة في عدم احترازهم

و حراستهم لآلهتهم. (4 : 571)

الشِّربينيّ: بالتّفكّر. (2 : 510)

أبوالسُّعود: أي راجعوا عقولهم و تذكّروا أنّ مالايقدر على دفع المضرّة عن نفسه و لاعلى الإضرار بمن كسره بوجه من الوُجُوه، يستحيل أن يقدر على دفع مضرّة عن غيره، أو جلب منفعة له، فكيف يستحقّ أن يكون معبودً ا. (4 : 346)

مثله البُرُوسَويّ (5 : 495)، و نحوه الآلوسيّ (17 : 66)، و المَراغيّ (17 : 49).

شُبّر: إلى عقولهم. (4 : 205)

الشَّوْكانيّ: [نحو القُرطُبيّ ثمّ أبي السُّعود]

(3 : 518)

القاسميّ: [التّأويل] أي فراجعوا عقولهم. و مراجعة العقل مجاز عن التّفكّر و التّدبّر، و المراد

بالنّفس: النّفس النّاطقة، و الرّجُوع إليها عبارة عمّا ذكر. (11 : 4283)

سيّد قُطْب: و يبدو أنّ هذا التّهكّم السّاخر. [أي { فَاسْ-َلُو=هُمْ...}] قد هزّهم هزًّ ا، و ردّهم إلى شي‌ء من التّدبّر و التّفكّر: { فَرَجَعُوا اِلى" اَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا اِنَّكُمْ اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ }.

و كانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخف، و ما في عبادتهم لهذه التّماثيل من ظلم. و أن تتفتّح بصيرتهم لأوّ ل مرّة، فيتدبّروا ذلك السّخف الّذي يأخذون به أنفسهم، و ذلك الظّلم الّذي هم فيه سادرون.

و لكنّها لم تكن إلا وَمْضَة واحدة أعقبها الظّلام، و إلا خَفْقَة واحدة عادت بعدها قلوبهم إلىالخمود: {ثُمَّ نُكِسُوا...} الأنبياء 65. (4 : 2387)

عِزّة دروزة: قيل: إنّها بمعنى أ نّهم تروّوا في كلام إبراهيم، فأدركوا سخف عقيدتهم في الأصنام، فقالوا: لبعضهم: أنتم الظّالمون.

و قيل: إنّها بمعنى أ نّهم لاموا أنفسهم، لأ نّهم تركوا أصنامهم بدون حراسة. (6 : 172)

ابن عاشور: يجوز أن يكون معناه: فرجع بعضهم إلى بعض، أي أقبل بعضهم على خطاب بعض، و أعرضوا عن مخاطبة إبراهيم، على نحو قوله تعالى: {فَسَلِّمُوا عَلى" اَنْفُسِكُمْ } النّور : 61، و قوله تعالى: { وَ لاتَقْتُلُوا اََنْفُسَكُمْ } النّساء : 29، أي فقال بعضهم لبعض: { اِنَّكُمْ اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ }.

و ضمائر الجمع مراد منها: التّوزيع، كما في: ركب القوم دوا بّهم. و يجوز أن يكون معناه: فرجع كلّ واحد إلى نفسه، أي ترك التّأمّل في تهمة إبراهيم، و تدبّر في دفاع إبراهيم، فلاح لكلّ منهم أنّ إبراهيم بري‌ء، فقال بعضهم لبعض: { اِنَّكُمْ اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ }.

و ضمائر الجمع جارية على أصلها المعروف، و الجملة مفيدة للحصر، أي أنتم ظالمون لاإبراهيم، لأ نّكم ألصقتم به التّهمة بأ نّه ظلم أصنامنا، مع أنّ الظّاهر أن نسألها عمّن فعل بها ذلك، و يظهر أنّ الفاعل هو كبيرهم.

و الرّجُوع إلى أنفسهم على الاحتمالين السّابقين مستعار لشغل البال بشي‌ء عقب شغله بالغير، كما يرجع المرء إلى بيته بعد خروجه إلى مكان غيره.

(17 : 75)

مَغْنِيّة: { فَرَجَعُوا اِلى" اَنْفُسِهِمْ } بعد أن سمعوا مقالة إبراهيم تساءلوا: كيف نعبد أحجارًا و نرجوا خيرها و نخاف شرّها، و هي لاتملك القدرة على دفع الضّرّ و السّوء عن نفسها. (5 : 286)

الطَّباطَبائيّ: قوله تعالى: [الآية] تفريع على قوله: { فَاسْ-َلُو=هُمْ اِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ }، فإنّهم لمّا سمعوا منه ذلك و هم يرون أنّ الأصنام جمادات لاشعور لها و لانطق، تَمّت عند ذلك عليهم الحجّة، فقضى كلّ منهم على نفسه أ نّه هو الظّالم دون إبراهيم، فقوله: { فَرَجَعُوا اِلى" اَنْفُسِهِمْ } استعارة بالكناية عن تنبّههم و تفكّرهم في أنفسهم، وقوله: { فَقَالُوا اِنَّكُمْ اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } أي قال كلّ لنفسه مخاطبًا لها: إنّك أنت الظّالم؛ حيث تعبد جمادً ا لاينطق.

و قيل: المعنى فرجع بعضهم إلى بعض، و قال بعضهم لبعض: إنّكم أنتم الظّالمون.

وأنت خبير بأنّ ذلك لايناسب المقام، و هو مقام تمام الحجّة على الجميع و اشتراكهم في الظّلم، و لو بنى على قول بعضهم لبعض في مقام هذا شأنه، لكان الأنسب أن يقال: إنّا نحن الظّالمون، كما في نظائره قال تعالى: { فَاَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى" بَعْض يَتَلاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا اِنَّاكُنَّا طَاغينَ ‘} القلم : 30 و 31، وقال: { فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * اِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } الواقعة : 65 - 67. (14 : 301)

عبد الكريم الخطيب: أي أ نّه حين جابههم إبراهيم بهذا الجواب بهتوا، و وقع في أنفسهمهذا القول الّذي قاله: إنّه حقّ، و أ نّهم على ضلال، و ما كان لهم أن يعبدوا هذه الدُّمى، و تلك الخشب المسنّدة . إنّها لحظة خاطفة أشرقت فيها أنفسهم بنور الحقّ، و استبان لهم على ضوء هذه اللّمعة أ نّهم على ضلال، و أ نّهم قد ظلموا أنفسهم بهذا الضّلال الّذي هم فيه.

و لو وجدت هذه الشّرارة المنطلقة من أعماق فطرتهم، شيئًا من العقل المستبصر، و البصيرة النّافذة لاشتعلت هذه الشّرارة في كيانهم، و لأضاءت عقولهم و قلوبهم، و لطردت هذا الظّلام الكثيف المخيّم عليهم. و لكن ما أن كادت هذه الشّرارة المضيئة تنطلق، حتّى نفخ فيها الهوى و الضّلال، فماتت في مهدها، و خَبَتْ فى مكانها.

(9 : 916)

فضل الله: و فكّروا في المسألة بطريقة عصبيّة، في هذه التّماثيل الّتي يعبدونها، و في هذا العجز الّذي بدا من قدرتها، فلاتملك أن تدافع عن نفسها، و لاتستطيع النّطق.

(15 : 239)

رَجَعْتُمْ

1 - ...فَمَنْ تَمَتَّعَ بِا لْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ‌ّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلثَةِ اَ يَّامٍ فِى الْحَجِّ‌ّ وَ سَبْعَة اِذَا رَجَعْتُمْ... البقرة : 196

ابن عبّاس: إلى أهاليكم في الطّريق، أو في أهاليكم. (27)

ابن عمر: يصومهنّ إذا رجع إلى أهله.

مثله الشّعبيّ. (الجصّاص 1 : 361)

مثله سعيد بن جُبَيْر (الطّبَريّ 2 : 264)،

و أبوالعالية، و عِكْرِمَة، و الزُّهريّ (ابن كثير 1 : 415).

سعيد بن جُبَيْر: إنشاء صام في الطّريق، و إن شاء إذا رجع إلى أهله.

مثله مُجاهِد، و الحسَن. (الجصّاص 1 : 361)

نحوه منصور (الطّبَريّ 2 : 263)، و ابن جُزَيّ (1: 74).

النّخَعيّ: إن شئت في الطّريق، و إن شئت بعد ما تَقدِم إلى أهلك. (الطّبَريّ 2 : 263)

عَطاء: يصوم السّبعة إذا رجع إلى أهله أحبّ إليّ. [و في رواية] إذا رجَعتَ إلى أهلك.

(الطّبَريّ 2 : 263)

إن شاء صامهنّ بمكّة، و إن شاءإذا رجع إلى أهله.

(الجصّاص 1 : 361)

قَتادَة: إذا رجعتم إلى أمصاركم.

(الطّبَريّ 2 : 263)

مثله الرّبيع (الطّبَريّ 2 : 264)، و نحوه الثّعالِبيّ (1 : 155)، و عبد الكريم الخطيب (1 : 221).

الطّبَريّ: يعني جلّ ثناؤه بذلك: فمن لم يجد ما استيسر من الهَدْي، فعليه صيام ثلاثة أيّام في حجّه، و صيام سبعة أيّام إذا رجع إلى أهله و مصره.

فإن قال لنا قائل: أوَ ما يجب عليه صوم السّبعة الأيّام بعد الأ يّام الثّلاثة الّتي يصومهنّ في الحجّ إلا بعد رجوعه إلى مصره و أهله؟

قيل: بلى قد أوجب الله عليه صوم الأ يّام العشرة بعدم ما استيسر من الهدي لمتعته، و لكنّ الله تعالى ذكره رأفة منه بعباده رخّص لمن أوجب ذلك عليه، كما رخّص للمسافر و المريض في شهر رمضان الإفطار، و قضاء عدّة ما أفطر من الأيّام من أيّام أُخر. و لو تحمّل المتمتّع فصام الأيّام السّبعة في سفره قبل رجوعه إلى وطنه، أوصامهنّ بمكّة، كان مؤدّ يًا ما عليه من فرض الصّوم في ذلك، و كان بمنزلة الصّائم شهر رمضان في سفره أو مرضه، مختارً ا للعُسر على اليُسر.

و بالّذي قلنا في ذلك قالت علماء الأُمّة.

فإن قال: و ما برهانك على أنّ معنى قوله: { وَ سَبْعَة اِذَا رَجَعْتُمْ } إذا رجعتم إلى أهليكم و أمصاركم =دون أن يكون معناه: إذا رجعتم من منى إلى مكّة؟

قيل: إجماع جميع أهل العلم على أنّ معناه ما قلنا دون غيره. (2 : 262)

الجصّاص: و قوله تعالى: { اِذَا رَجَعْتٌمْ } محتمل للرّجوع من منى، و للرّجوع إلى أهله، فهو على أوّ ل الرّجوعين، و هو الرّجوع من منى. و يدلّ عليه أنّ الله حظر صيام أيّام التّشريق و أباح السّبعة بعد الرّجوع، فالأولى أن يكون المراد الوقت الّذي أباح فيه الصّوم بعد حظره و هو انقضاء أيّام التّشريق. (1 : 361)

الثّعلبيّ: إلى أهلكم.

قال المفسّرون: يصوم يومًا قبل التّروية و يوم عرفة، و لاتجاوز بآخرهنّ يوم عرفة.

و قال طاووس و مُجاهِد : إذا صامهنّ في أشهر الحجّ أجزينّ. (2 : 102)

الماوَرْديّ: و في زمانها قولان:

أحدهما: إذا رجعتم من حجّكم في طرقكم. و هو قول مُجاهِد.

و الثّاني: إذا رجعتم إلى أهليكم في أمصاركم. و هو قول عطاء، و قَتادَة، و سعيدبن جُبَيْر، و الرّبيع.

(1 : 257)

نحوه ابن كثير. (1 : 415)

الطُّوسيّ: و وقت صومالسّبعة أيّام إذا رجع إلى أهله، و به قال عطاء، و قَتادَة. و قال مُجاهِد: إذا رجع عن حجّه في طريقه.

فأمّا أيّام التّشريق، فلايجوز صومها عندنا، و به قال جماعة من المفسّرين، و اختاره الجُبّائيّ، لنهي النّبيّ(صلی الله علیه و آله) عن صوم أيّام التّشريق. و روي عن ابن عمر، و عائشة جواز ذلك. (2 : 160)

الواحديّ: له أن يصومها بعد الفراغ من الحجّ، أين شاء و متى شاء. (1 : 299)

نحوه الشِّربينيّ. (1 : 130)

الزّمَخْشَريّ: بمعنى إذا نفرتم و فرغتم من أفعال الحجّ عند أبي حنيفة، و عند الشّافعيّ: هو الرّجوع إلى أهاليهم. (1 : 345)

نحوه البَيْضاويّ (1 : 107)، و أبوالسُّعود (1 : 250) .

ابن العَرَبيّ: لو كان المراد به أيّام الحجّ لقال: إذا أحللتم أو فرغتم، فكان معنى قوله تعالى:{اِذَارَجَعْتُمْ} أي عن موضع الحجّ بإتمام أفعاله؛ و بذلك يتحقّق وجوب الصّوم لعدم الهدي، كما بيّنّاه من قبل.

فإن قيل: فقد روي في الصّحيح: < أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) بعث مناديًا ينادي أنّ أيّام منى أيّام أكلٍ و شربٍ >.

قلنا: إن ثبت النّهي عامًّا، فقد جاء الخبر الصّحيح بالتّخصيص للمتمتّع، كما قدّمناه.

{ اِذَا رَجَعْتُمْ } يعني إلى بلادكم في قول مالك في كتاب محمّد، و به قال الشّافعيّ. و قال مالك في < الكتاب >: إذا رجع من منى.

قال القاضي: و تحقيق المسألة أنّ قوله تعالى: { اِذَا رَجَعْتُمْ } إن كانتخفيفًا و رُخصَةً، فيجوز تقديم الرّخص و ترك الرّفق فيها إلى العزيمة إجماعًا، و إن كان ذلك توقيتًا فليس فيه نصّ و لاظاهر أ نّه أراد البلاد، و إنّما المراد في الأغلب، و الأظهر فيه أ نّه الحجّ.

(1 : 130)

ابن عَطيّة: قال مُجاهِد و عطاء و إبراهيم: المعنى إذا رجعتم من منى، فمن بقي بمكّة صامها، و من نهض إلى بلده صامها في الطّريق.

و قال قَتادَة و الرّبيع: هذه رخصة من الله تعالى، و المعنى: إذا رجعتم إلى أوطانكم، فلايجب على أحد صوم السّبعة إلا إذا وصل وطنه، إلا أن يتشدّد أحد، كما يفعل من يصوم في السّفر في رمضان. (1 : 270)

الفَخْرالرّ ازيّ: اختلفوا في المراد من الرجوع في قوله: { اِذَا رَجَعْتٌمْ }، فقال الشّافعيّ  في الجديد: هو الرّجوع إلى الأهل و الوطن. و قال أبوحنيفة : المراد من الرّجوع: الفراغ من أعمال الحجّ و الأخذ في الرّجوع. و يتفرّع عليه أ نّه إذا صام الأيّام السّبعة بعد الرّجوع عن الحجّ، و قبل الوصول إلى بيته، لايُجزيه عند الشّافعيّ ، و يُجزيه عند أبي حنيفة رحمه الله، حجّة الشّافعيّ وُجُوه:

الأوّ ل: قوله: { اِذَا رَجَعْتٌمْ } معناه إلى الوطن، فإنّ الله تعالى جعل الرّجوع إلى الوطن شرطًا، و ما لم يوجد الشّرط لم يوجد المشروط. و الرّجوع إلى الوطن لايحصل إلا عند الانتهاء إلى الوطن، فقبله لم يوجد الشّرط، فوجب أن لايوجد المشروط.و يتأكّد ما قلنا بأ نّه لو مات قبل الوصول إلى الوطن، لم يكن عليه شيء.

الثّاني: ما روي عن ابن عبّاس قال: لمّا قَدِمنا مكّة قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) : < اجعلوا إهلالكم بالحجّ عمرة إلا مَن قلّد الهدي > فطفنا بالبيت و بالصّفا و المروة، و أتينا النّساء، و لبسنا الثّياب، ثمّ أمرنا عشيّة التّروية أن نهلّ بالحجّ، فلمّا فرغنا قال: < عليكم الهدي فإن لم تجدوا فصيام ثلاثة في الحجّ وسبعة إذارجعتم إلى أمصاركم>.

الثّالث:أنّ الله تعالى أسقط الصّوم عن المسافر في رمضان، فصوم التّمتّع أخفّ شأ نًا منه. (5 : 170)

القُرطُبيّ: [ذكر أقوال عدّة من العلماء ثمّ قال:]

و التّقدير عند بعض أهل اللُّغة: إذا رجعتم من الحجّ، أي إذا رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الإحرام من الحلّ.

و قال مالك في < الكتاب >: إذا رجع من منى فلابأس أن يصوم. [و ذكر قول ابن العَرَبيّ نقلا عن القاضيّ: <... فليس فيه نصّ و لاظاهر...>، ثمّ أضاف:]

قلت: بل فيه ظاهر يقرب إلى النّصّ. [ذكر حديث ابن عمر عن رسول الله(صلی الله علیه و آله): <... فمن لم يجد هَدْيًا فليَصُم ثلاثة أيّام في الحجّ و سبعة إذا رجع إلى أهله > ثمّ قال:]

و هذا كالنّصّ في أ نّه لايجوز صوم السّبعة الأيّام إلا في أهله و بلده، و الله أعلم. و كذا قال البخاريّ في حديث ابن عبّاس... [فذكر الحديث كما سبق عن ابن عَطيّة] (2 : 401)

النّسَفيّ: إذا نفرتم و فرغتم من أفعال الحجّ.

(1 : 100)

النَّيسابورىّ: للشّافعيّ في المراد من الرّجوع قولان: أصحّهما: الرّجوع إلى الأهل و الوطن. [إلى أن قال:]

و على الأصحّ لو توطّن مكّة بعد فراغه من الحجّ صام بها، و إن لم يتوطّنها لم يجز صومه بها و لافي الطّريق على الأصحّ، لأ نّه تقديم العبادة البدنيّة على وقتها. ثمّ إذا لم يَصُم الثّلاثة في الحجّ حتّى فرغ و رجع، لزمه صوم العشرة عند الشّافعيّ. (2 : 162)

[التّأويل]: { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ } مِن تَرْك مشارب الرّوح و القلب و النّفس، { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ }: لم يستطع ترك تلك المشارب لعلوّ شأنها و عظم مكانها، فعليه الإمساك عن مشارب القوى الثّلاث المُدركة للمعاني و المتصرّفة فيها، و هي الوهم و الحافظة و المتخيّلة.

هذا إذا كان في عالم المعنى، فإذا رجع إلى عالم الصّورة أمسك عن القوى السّبع مشار بها، و هي الحسّ المشترك و الخيال، لأنّ الأُولى مدركة الصّور، و الثّانية معينتها على الحفظ، و بعدهما الحواسّ الخمس الظّاهرة. (2 : 167)

أبوحَيّان: و ( اِذَا )، هنا محض ظرف، و لاشرط فيها، و في: { رَجَعْتُمْ } التفات، و حُمل على معنى: ( مَنْ). أمّا الالتفات، فإنّ قوله: { فَمَن تَمَتَّعَ }، {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } اسم غائب، و لذلك استتر في الفعلين ضمير الغائب، فلو جاء على هذا النّظم، لكان الكلام إذا رجع((1)) . و أمّاالحمل على المعنى، فإنّه أتى بضمير الجمع. و لو راعى اللّفظ لأفرد، و لفظ الرّجوع مبهم، و قد جاء تبيينه في السّنّة. [ثمّ ذكر الرّوايات و الأقوال] (2 : 79)

نحوه السّمين. (1 : 488)

الكاشانيّ: إلى أهاليكم، فإن بدا له الإقامة بمكّة نظر مقدم أهل بلاده، فإذا ظنّ أ نّهم قد دخلوا، فليَصُم السّبعة الأيّام، كذا في < الكافي > عنهم . (1: 214)

البُرُوسَويّ: أي نفرتم و فرغتم من أعمال الحجّ، أُطلق عليه الرّجوع، على طريق إطلاق اسم المسبّب


1) (1) في الأصل <رفع > والصّواب ما أثبتناه .

و إرادة السّبب الخاصّ، و هو النّفر و الفراغ، فإنّه سبب للرّجوع. (1 : 312)

الشَّوْكانيّ: و المراد بالرّجوع هنا: الرّجوع إلى الأوطان. (1 : 250)

الآلوسيّ: أي فرغتم و نفرتم من أعماله، فذكر الرّجوع و أُريد سببه، أو المعنى إذا رجعتم من مني.

و قال الشّافعيّ رضي الله تعالى عنه، على ما هو الأصحّ عند معظم أصحابه: إذا رجعتم إلى أهليكم. و يؤيّده ما أخرجه البخاريّ عن ابن عبّاس : « إذا رجعتم إلى أمصاركم » و أنّ لفظ الرّجوع أظهر في هذا المعنى. و حكم ناوي الإقامة بمكّة توطّنًا حكم الرّ اجع إلى وطنه، لأنّ الشّرع أقام موضع الإقامة مقام الوطن.

و في < البحر >: المراد بالرّجوع إلى الأهل: الشّروع فيه عند بعض، و الفراغ بالوصول إليهم عند آخرين-.

و في الكلام التفات، و حُمل على معنى بعد الحمل على لفظه في إفراده و غيبته. (2 : 83)

القاسميّ: أي إلىأهليكم، أو إذا أخذتم في الرّجوع بعد الفراغ من أعمال الحجّ.

قال الرّ اغِب: و إطلاق اللّفظ يحتمل الأمرين جميعًا، فيصحّ حمله عليهما.إلا أنّ الّذي يُرجّح الوجه الأوّ ل ما روي في < الصّحيحين > من حديث ابن عمر الطّويل، و فيه: < فمن لم يجد هَدْيًا فليصم ثلاثة أيّام في الحجّ، و سبعة إذا رجع إلى أهله >. (3 : 488)

رشيد رضا: { اِذَا رَجَعْتُمْ } من الحجّ إلى بلادكم، و يصدق بالشّروع في الرّجوع. و عليه الأئمّة الثّلاثة و غيرهم. من السّلف، قالوا: يُجزئه الصّوم في الطّريق، و لايتضيّق عليه إلا إذا وصل إلى وطنه. [إلى أن قال:]

و لايخفى أنّ الاحتياط أن يصومها بعد الوصول إلى أهله، لأ نّه المتبادر من العبارة، و لأنّ الصّيام في السّفر خلاف الأصل في هذه القربة. (2 : 222)

المَراغيّ: إذا رجع من الحجّ إلى بلده، أو شرع في الرّجوع فيُجزئ الصّوم في الطّريق، و لايتضيّق الوقت إلا إذا وصل إلى وطنه. (2 : 97)

فريد وجدي: هذا الحكم لمن كان أهله بعيدين عنه. (38)

الطّالقانيّ: بعد الرّجوع إلى الوطن، أو من مِنى. و خطاب { اِذَا رَجَعْتُمْ } مشعر بالاستقرار في الوطن.

(2 : 88)

الطَّباطَبائيّ: جُعل الحجّ ظرفًا للصّيام باعتبار اتّحاده مع زمان الاشتغال به و مكانه، فالزّمان الّذي يُعَدّ زمانًا للحجّ، و هو من زمان إحرام الحجّ إلى الرّجوع، زمان الصّيام ثلاثة أيّام،و لذلك وردت الرّوايات عن أئمّة أهل البيت: أنّ وقت الصّيام قبل يوم الأضحى أو بعد أيّام التّشريق، لمن لم يقدر على الصّيام قبله، و إلا فعند الرّجوع إلى وطنه. و ظرف السّبعة إنّما هو بعد الرّجوع، فإنّ ذلك هو الظّاهر من قوله: { اِذَا رَجَعْتُمْ }، و لم يقل: حين الرّجوع، على أنّ الالتفات من الغيبة إلى الحضور في قوله: { اِذَا رَجَعْتُمْ} لايخلو عن إشعار بذلك. (2 : 77)

2 - يَعْتَذِرُونَ اِلَيْكُمْ اِذَا رَجَعْتُمْ اِلَيْهِمْ قُلْ لاتَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّاَنَا اللهُ مِنْ اَخْبَارِكُمْ.

التّوبة : 94

أبوالسُّعود: { اِذَا رَجَعْتُمْ } من الغزو، منتهين { اِلَيْهِمْ }. و إنّما لم يقل: إلى المدينة، إيذا نًا بأنّ مدار الاعتذار هو الرّجوع إليهم، لا إلى الرّجوع إلى المدينة. فلعلّ منهم من بادر إلى الاعتذرار قبل الرّجوع إليها.

(3 : 180)

نحوه الآلوسيّ. (11 : 2)

رَجَعْنا

يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا اِلَى الْمَ-دينَةِ‘ لَيُخْرِجَنَّ الاَ_عَزُّ مِنْهَا الاَ_ذَلَّ... المنافقون : 8

ابن عبّاس: من غزوتنا هذه. (473)

رَجَعْناكَ

اِذْ تَمْشى‘ اُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ اَدُلُّكُمْ عَلى" مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ اِلى اُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَ لاتَحْزَنَ... طه" : 40

ابن عبّاس:فرددناك. (261)

و هكذا أكثر التّفاسير.

رُجِعْتُ

وَ لَئِنْ اَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّ اءَ مَسَّتْهُلَيَقُولَنَّ هذَا لى وَ مَا اَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ اِلى" رَ بّى اِنَّ لى عِنْدَهُ لَلْحُسْنى"... فصّلت : 50

ابن عبّاس: كما يقول محمّد (صلی الله علیه و آله). (405)

مُقاتِل: في الآخرة إن كانت آخرة. (3 : 748)

الطّبَريّ: يقول: و إن قامت أيضًا القيامة،

و رُدِدْتُ إلى الله حيًّا بعد مماتي. (11 : 124)

و هكذا أكثر التّفاسير.

ابن عاشور: و لعلّ قوله: {وَ لَئِنْ رُجِعْتُ...} إنّما هو على سبيل الاستهزاء، كما في مقالة العاصي ا بن وائل. و ذِكْر إنكار البعث هنا إدماج بذكر أحوال الإنسان المشرك في عموم أحوال الإنسان.

و جي‌ء في حكاية قوله: { وَ لَئِنْ رُجِعْتُ } بحرف ( اِنْ ) الشّرطيّة الّتي يغلب وقوعها في الشّرط المشكوك وقوعه، لأ نّه جعل رجوعه إلى الله أمرً ا مفروضًا ضعيف الاحتمال. و أمّا دخول اللا م الموطئة للقسم عليه، فمورد التّحقيق بالقسم هو حصول الجواب، لو حصل الشّرط. (25 : 86)

يَرْجِعُ

1- اَفَلايَرَوْنَ اَلا يَرْجِعُ اِلَيْهِمْ قَوْ لا وَ لايَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّ ا وَ لانَفْعًا. طه" : 89

ابن عبّاس: لايَرُدّ. (265)

مُجاهِد: العِجْل.

نحوه قَتادَة. (الطّبَريّ 8 : 448)

الزّجّاج: قوله: [الآية] كما قال: { اَلَمْ يَرَوْا اَنَّهُ

لايُكَلِّمُهُمْ وَ لايَهْديهِمْ‘ سَبيلا ‘} الأعراف : 148.

و يجوز ( اَنْ لايَرْجِعَ ) بنصب ب- ( اَنْ )، و الاختيار مع رأيت و علِمت و ظنَنْتُ أن لايفعَل، في معنى قد علمت أ نّه لايفعَل. (3 : 373)

الثّعلبيّ:يعني أ نّهلايرجع { اِلَيْهِمْ قَوْ لا } أي لايكلّمهم العِجْل و لايجيبهم، و قيل: يعني لايعود إلى الخوار و الصّوت. (6 : 257)

الزّمَخْشَريّ: من رفعه فعلى أنّ ( اَنْ ) مخفّفة من الثّقيلة، و من نصب فعلى أ نّها النّاصبة للأفعال.

(2 : 550)

العُكْبَريّ: ( اَنْ ) مخفّفة من الثّقيلة، و ( لا ) كالعوض من اسمها المحذوف.

و قد قرئ ( يَرْجِعَ ) بالنّصب على أن تكون ( اَنْ ) النّاصبة، و هو ضعيف، لأنّ { يَرْجِعُ } من أفعال اليقين، و قد ذكرنا ذلك في قوله: { وَ حَسِبُوا اَ لا تَكُونَ فِتْ-نَةٌ } المائدة : 71. (2 : 901)

النّسَفيّ: أي إنّه لايرجع، ف- ( اَنْ ) مخفّفة من الثّقيلة. (3 : 63)

السّمين: العامّة على رفع { يَرْجِعُ } لأ نّها المخفّفة من الثّقيلة، و يدلّ على ذلك وقوع أصلها و هو المشدّدة، في قوله: { اَلَمْ يَرَوْ ا اَنَّهُ لايُكَلِّمُهُمْ } الأعراف : 148. و قرأ أبوحَيْوَة و الشّافعيّ و إبان بنصبه، جعلوها النّاصبة. و الرّؤية على الأُولى يقينيّة، و على الثّانية بصريّة، و قد تقدّم تحقيق هذين القولين في سورة المائدة. (5 : 48)

الشِّربينيّ ( اَنْ ) أي إنّه { لايَرْجِعُ اِلَيْهِمْ قَوْ لا }، و الإله لايكون أبكم. (2 : 480)

أبوالسُّعود: أي إنّه لايرجع إليهم كلامًا و لايردّ عليهم جوا بًا، فكيف يتوهّمون أ نّه إله؟

و قرئ ( يَرْجِعَ ) بالنّصب. قالوا: فالرّؤية حينئذ بصريّة، فإنّ( اَنْ ) النّاصبة لاتقع بعد أفعالاليقين، أي ألاينظرون فلايُبصرون عدم رجعه إليهم قولا من الأقوال. و تعليق الإبصار بما ذكر مع كونه أمرً ا عدميًّا، للتّنبيه على كمال ظهوره المستدعي لمزيد تشنيعهم، و تركيك عقولهم. (4 : 302)

الآلوسيّ: [نحو أبي السُّعود إلا أ نّه قال:]

ذكر الرّضيّ و جماعة أنّ [اَنْ] النّاصبة لاتقع بعد أفعال القلوب، ممّا يدلّ على يقين أو ظنّ غالب، لأ نّها لكونها للاستقبال تدخل على ما ليس بثابت مستقرّ، فلايناسب وقوعها بعد ما يدلّ على يقين و نحوه، و العطف أيضًا كما سبق...

و قيل: < اَنْ > النّاصبة لاتقع بعد رأى البصريّة أيضًا، لأ نّها تفيد العلم بواسطة إحساس البصر، كما في < إيضاح المفصّل >. و أجاز الفَرّ اء و ابن الأنباريّ وقوعها بعد أفعال العلم، فضلا عن أفعال البصر.

(16 : 248)

ابن عاشور: يَرُدّ، أي يجيب القول. [إلى أن قال:] و ( اَنْ ) في قوله: { اَ لا يَرْجِعُ } مخفّفة من < اَنّ > المفتوحة المشدّدة، و اسمها ضمير شأن محذوف، و الجملة المذكورة بعدها هي الخبر، ف- { يَرْجِعُ } مرفوع باتّفاق القراءات ما عدا قراءات شاذّة. و ليست ( اَنْ ) مصدريّة لأنّ ( اَنْ ) المصدريّة لاتقع بعد أفعال العلم و لابعد أفعال الإدراك. (16 : 168)

راجع: ق و ل: < قَوْ لا >.

2 - قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفينَ‘ حَتىّٰ يَرْجِعَ اِلَيْنَا

مُوسى . طه" : 91

النّسَفيّ: فننظره هل يعبده كما عبدناه، و هل صدّق السّامريّ أم لا. (3 : 63)

أبوالسُّعود: جعلوا رجوعه إليهم غاية لعكوفهم على عبادة العِجْل، لكن لاعلى طريق الوعد بتركها عند رجوعه ، بل بطريق التّعليل

و التّسويف، و قد دسّوا تحت ذلك أ نّه لايرجع بشيء مبين، تعويلا على مقالة السّامريّ، روي أ نّهم لمّا قالوه اعتزلهم هارون في اثني عشر ألفًا، و هم الّذين لم يعبدوا العِجْل، فلمّا رجع موسى و سمع الصّ-ياح، و كانوا يرقصون حول العِجْل، قال للسّبعين الّذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فقال لهم ما قال، و سمع منهم ما قالوا. (4 : 303)

نحوه الآلوسيّ. (16 : 250)

3- ...وَ لَوْ تَرى اِذِ الظَّالِمُونَ مَوْ قُوفُونَ عِنْدَ رَ بِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ اِلى" بَعْض الْقَوْ لَ... سبأ : 31

ابن عبّاس: يجيب بعضهم بعضًا، و يردّ بعضهم بعضًا، و يلعن بعضهم بعضًا. (361)

الثّعلبيّ: يتلاومون و يحاور بعضهم بعضًا. (8 : 90)

الطُّوسيّ: يَرُدّ. (8 : 397)

نحوه الواحديّ (3 : 495)، و بعض التّفاسير.

القُشَيْريّ: و يُحيل بعضهم على بعض الجُرْم.

(5 : 184)

ابن عَطيّة: أي يَرُدّ، أي يتحاورون و يتجادلون.

(4 : 421)

نحوه البَيْضاويّ. (2 : 262)

الطَّبْرِسيّ: أي يَرُدّ بعضهم إلى بعض القول في الجدال. (4 : 392)

ابن الجَوْزيّ: أي يَرُدّ بعضهم على بعض في الجدال و اللّوم. (6 : 457)

الفَخْرالرّ ازيّ: كما يكون عليه حال جماعة أخطأوا في أمر، يقولبعضهم: كان ذلك بسببك، و يَرُدّ عليه الآخر مثل ذلك. (25 : 259)

ابن جُزَيّ أي يتكلّمون، و يجيب بعضهم بعضًا.

(3 : 151)

السّمين: و { يَرْجِعُ } حال من ضمير { مَوْ قُوفُونَ } و { الْ-قَوْ لَ }، منصوب ب- { يَرْجِعُ }، لأ نّه يتعدّى، قال تعالى: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ } التّوبة : 83. (5 : 448)

الشِّربينيّ: أي على وجه الخصام عداوة، كان سببها موادَدَةً في الدّنيا، بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله تعالى. [ثمّ قال نحو السّمين] (3 : 300)

أبوالسُّعود: أي يتحاورون و يتراجعون القول، { يَقُولُ الَّذينَ‘ اسْتُضْعِفُوا } بدل من { يَرْجِعُ } إلخ.

(5 : 261)

نحوه الكاشانيّ (4 : 221)، و المشهديّ (8 : 287)، و شُبّر (5 : 184).

البُرُوسَويّ: أ ي يَرُدّ، من رجَع رَجْعًا، بمعنى رَدّ. أي يتحاورون و يتراجعون القول، و يتجاذبون أطراف المجادلة. (7 : 297)

نحوه القاسميّ. (14 : 4959)

الآلوسيّ: يتحاورون و يتراجعون القول، و الجملة في موضع الحال. (22 : 145)

المَراغيّ: يحاور بعضهم بعضًا، و يتلاومون على ما كان بينهم من سوء الأعمال، و السّبب في من أوقعهم في هذا النّكال و الوبال. (22 : 85)

ابن عاشور: و جملة { يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ اِلى "بَعْضٍ الْقَوْ لَ } في موضع الحال من { الظَّالِمُونَ } أو من ضمير { مَوْقُوفُونَ }.

و جي‌ء بالمضارع في قوله: { يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ اِلى" بَعْض الْقَوْ لَ } لاستحضار الحالة، كقوله تعالى: { يُجَادِلُنَا فى قَوْمِ لُوطٍ } هود : 74.

و رَجْع القول: الجواب، و رَجْع البعض إلى البعض: المجاوبة و المحاورة. و هي أن يقول بعضهم كلامًا و يُجيبه الآخر عنه، و هكذا. شبّه الجواب عن القول بإرجاع القول، كأنّ المجيب أرجع إلى المتكلّم كلامه بعينه؛ إذ كان قد خاطبه بكفائه و عدله. [ثمّ استشهد بشعر]

و منه قيل للجواب: رَدّ. و رَجْع الرّشق في الرّمي: ما تردّ عليه من التّراشق. (22 : 68)

الطَّباطَبائيّ: يتحاورون و يتراجعون في الكلام متخاصمين. (16 : 382)

عبدالكريم الخطيب: هو جملة حاليّة، تكشف عن حال من أحوال هؤلاء الظّالمين الموقوفين عند ربّهم. و رَجْع القول: ترديده، مثل رَجْع الصّدى.

و عبّر بالفعل { يَرْجِعُ } اللا زم بدلا من يَرْجِع، المتعدّي لمفعوله، ليتضمّن الفعل معنى الإلقاء، و التّرامي و التّراشق بالشّي‌ء نفسه. فكأ نّهم يترامون بهذا القول، و يرجم به بعضهم بعضًا. (11 : 825)

فضل الله: يُحيل بعضهم الخطأ على البعض الآخر... فيردّه عليه في عمليّة جدال متحرّ ك.

(19 : 48 - 50)

يَرْجِعُونَ

1 - صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لايَرْجِعُونَ. البقرة : 18

ابن عبّاس: عن كفرهم و ضلالهم. (5)

أي لايرجعون إلى الهدى.

مثله الرّبيع. (ابن كثير 1 : 95)

قَتادَة: أي لايتوبون و لايذّكّرون.

(الطّبَريّ 1 : 181)

السُّدّيّ: إلى الإسلام. (ابن كثير 1 : 95)

مثله الماوَرْديّ. (1 : 81)

مُقاتِل: عن الضّلالة إلى الهُدى. (1 : 92)

الطّبَريّ: و قوله: {فَهُمْ لايَرْجِعُونَ } إخبار من الله جلّ ثناؤه عن هؤلاء المنافقين الّذين نعتهم الله باشترائهم الضّلالة بالهُدى، و صممهم عن سماع الخير و الحقّ، و بُكْمهُم عن القيل بهما، و عماهم عن إبصارهما أ نّهم لايرجعون إلى الإِقلاع عن ضلالتهم، و لايتوبون إلى الإنابة من نفاقهم، فآيس المؤمنين من أن يبصر هؤلاء رشدً ا، أو يقولوا حقًّا، أو يسمعوا داعيًا إلى الهُدى، أو أن يذّكّروا فيتوبوا من ضلالتهم، كما آيس من توبة قادة كفّار أهل الكتاب و المشركين و أحبارهم الّذين وصفهم بأ نّه قد ختم على قلوبهم

ص: 398

و على سمعهم، و غشّى على أبصارهم. و بمثل الّذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التّأويل. [إلى أن قال:]

و عن ابن عبّاس: أي فلايرجعون إلى الهُدى و لا إلى خير، فلايصيبون نجاة ما كانوا على ما هم عليه. و هذا تأويل ظاهر التّلاوة بخلافه؛ و ذلك أنّ الله جلّ ثناؤه أخبر عن القوم أ نّهم لايرجعون عن اشترائهم الضّلالة بالهُدى إلى ابتغاء الهُدى و إبصار الحقّ، من غير حصر منه جلّ ذكره ذلك من حالهم إلى وقت دون وقت، و حال دون حال.

و هذا الخبر الّذي ذكرناه عن ابن عبّاس ينبئ عن أنّ ذلك من صفتهم محصور على وقت، و هو ما كانوا على أمرهم مقيمين، و أنّ لهم السّبيل إلى الرّجوع عنه. و ذلك من التّأويل دعوى باطلة، لادلالة عليها من ظاهر، و لامن خبر تقوم بمثله الحجّة، فيسلم لها.

(1 : 181)

الثّعلبيّ: عن الضّلالة والكفر إلى الهداية و الإيمان. (1 : 161)

الطُّوسيّ: يحتمل أمرين:

أحدهما: ما روي عن ابن عبّاس، أ نّه على الذّمّ و الاستبطاء.

و الثّاني: ما روي عن ابن مَسعود، أ نّهم لايرجعون الى الإسلام.

و قال قوم: إنّهم لايرجعون عن شراء الضّلالة بالهُدى. و هو أليق بما تقدّم، و هذا يدلّ على أنّ قوله: { خَتَمَ اللهُ عَلى" قُلُوبِهِمْ } و { طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا }، ليس هو على وجه الحيلولة بينهم و بين الإيمان، لأ نّه وصفهم بالصُّمّ و البُكْم و العُمْي مع صحّة حواسّهم.

(1 : 90)

القُشَيْريّ: عن تماديهم في تهتّكهم، و لايرتدعون عن انهماكهم في ضلالتهم. (1 : 78)

الواحديّ: أي عن الجهل و العَمى إلى الإيمان.

(1 : 94)

البغَويّ: عن الضّلالة إلى الحقّ. (1 : 90)

المَيْبُديّ: فهم لايحيدون عن الكفر و لايرجعون منه. و هذا حكم على شقاء المنا فقين و حرمانهم، و نظيره قوله: { سَوَ اءٌ عَلَيْهِمْ ءَ اَنْذَرْتَهُمْ اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لايُؤْمِنُونَ } البقرة : 6، فهو حكم على حرمان مشركي قريش.

يريدأنّ هؤُلاءالمنافقين لن يتوبوا من الكفر، و أنّ الله قدّر لهم أن يقيمو على النّفاق أبدً ا؛ و ذلك في قوله: (صلی الله علیه و آله) < يُبعث كلّ عبد يوم القيامة على ما مات عليه، المؤمن على إيمانه و المنافق على نفاقه > وكيف يرجعون من الكفر و ربّ العالمين حكم على شقائهم؟ فقال: {اِنَّ الَّذينَ‘ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَ بِّكَ لايُؤْمِنُونَ * وَ لَوْ جَاءَتْهُمْكُلُّ ا "يَة } يونس : 96 ، 97، و قضاء القاضي لايُفسَخ. (1 : 87)

الزّمَخْشَريّ: لايعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضّلالة بعد أن اشتروها، تسجيلا عليهم بالطّبع. أو أراد أنّهم بمنزلة المتحيّرين الّذين بقوا جامدين في مكانهم لايبرحون، و لايدرون أيتقدّمون أم يتأخّرون؟ و كيف يرجعون إلى حيث ابتدؤوا منه؟

(1 : 207)

ص: 399

نحوه النّسَفيّ. (1 : 24)

ابن عَطيّة: قال بعض المفسّرين : قوله تعالى: { فَهُمْ لايَرْجِعُونَ } إخبار منه تعالى أ نّهم لايؤمنون بوجه.

و إنّما كان يصحّ هذا أن لو كانت الآية في معيّنين. و قال غيره: معناه: فهم لايرجعون ما داموا على الحال الّتي وصفهم بها. و هذا هو الصّحيح، لأنّ الآية لم تُعيّن، و كلّهم مُعرَّض للرّجوع مَدعُوّ إليه. (1 : 101)

الطَّبْرِسيّ: و الرّجوع قد يكون عن الشّي‌ء أو إلى الشّي‌ء، فالرّجوع عن الشّي‌ء هو الانصراف عنه بعد الذّهاب إليه، و الرّجوع إلى الشّي‌ء هو الانصراف إليه بعد الذّهاب عنه. [إلى أن قال:]

يحتمل أمرين... [فذكر نحو الطُّوسيّ] (1 : 55)

نحوه أبوالفُتُوح. (1 : 142)

ابن الجَوْزيّ: فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: لايرجعون عن ضلالتهم، قاله قَتادَة و مُقاتِل.

و الثّاني: لايرجعون إلى الإسلام، قاله السُّدّيّ.

و الثّالث: لايرجعون عن الصَّمَم و البَكَم و العَمى. و إنّما أضاف الرّجوع إليهم، لأ نّهم انصرفوا باختيارهم، لغلبةأهوائهم عن تصفّح الهُدى بآلات التّصفّح. و لم يكن بهم صَمَم و لابَكَم حقيقة، و لكنّهم لمّا التفتوا عن سماع الحقّ و النّطق به، كانوا كالصُّم البُكم. (1 : 41)

الفَخْرالرّ ازيّ: ففيه وُجُوه:

أحدها: أ نّهم لايرجعون عمّا تقدّم ذكره، و هو التّمسّك بالنّفاق الّذي لأجل تمسّكهم به وصفهم الله تعالى بهذه الصّفات، فصار ذلك دلالة على أ نّهم يستمرّون على نفاقهم أبدً ا. [ثمّ قال نحو الزّمَخْشَريّ]

(2 : 76)

العُكْبَريّ: قوله تعالى: { فَهُمْ لايَرْجِعُونَ } جملة مستأنفة، و قيل: موضعها حال. و هو خطأ، لأنّ ما بعد الفاء لايكون حالا ، لأنّ الفاء تُرتِّب، و الأحوال لاترتيب فيها.

و { يَرْجِعُونَ } فعل لازم، أي لاينتهون عن باطلهم، أو لايرجعون إلى الحقّ.

و قيل: هو متعدّ، و مفعوله محذوف، تقديره: فهم لايردّون جوا بًا، مثل قوله: { اِنَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } الطّارق : 8. (1 : 34)

ابن عَرَبيّ:{ فَهُمْ لايَرْجِعُونَ } إلى الله، لوجود السّدّين المضروبين على قلوبهم المذكورين في قوله: { وَ جَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ اَيْديهِمْ سَدًّ ا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّ ا } يس : 9. (1 : 25)

القُرطُبيّ: أي إلى الحقّ لسابق علم الله تعالى فيهم. يقال: رجع بنفسه رُجُوعًا، و رجعه غيره،

و هُذَيْل تقول: أرْجَعَه غيره.

و قوله تعالى: { يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ اِلى" بَعْض الْقَوْ لَ } سبأ : 31، أي يتلاومون فيما بينهم، حسب ما بيّنه التّنزيل في سورة سبأ. (1 : 215)

البَيْضاويّ: [نحو الزّمَخْشَريّ و أضاف:]

و كيف يرجعون؟ و الفاء للدّ لالة على أنّ اتّصافهم بالأحكام السّابقة سبب لتحيّرهم

و احتباسهم. (1 : 29)

النَّيسابوريّ: [نحو الفَخْرالرّازيّ ملخّصًا ثمّ أضاف:]

و مثله حال مريد طريقة الّذي له بداية.

و لازم خلوته و صحبته، حتّى شرقت له من صفات القلب شوارق الشّوق، و برقت له من أنوار الرّوح بوارق الذّوق، فطرقته الهواجس، و أزعجته الوساوس، فيرجع القهقرى إلى ما كان من حضيض عالم الطّبيعة، فغابت شمسه و أظلمت نفسه، و فضل عن يومه أمسه. (1 : 183)

الخازن: عن ضلالتهم و نفاقهم. (1 : 31)

ابن جُزَيّ: إن أُريد به المنافقون: فمعناه لايرجعون إلى الهُدى، و إن أُريد به أصحاب النّار: فمعناه أ نّهم متحيّرون في الظّلمة، لايرجعون و لايهتدون إلى الطّريق. (1 : 39)

أبوحَيّان: و الرّجوع إن لم يتعدّ، فهو بمعنى العود، و إن تعدّى فبمعنى الإعادة. و بعض النّحويّين يقول: إنّها تضمّن معنى < صار > فتصير من باب كان، ترفع الاسم و تنصب الخبر. (1 : 75)

{ فَهُمْ لايَرْجِعُونَ } جملة خبريّة معطوفة على جملة خبريّة، و هي من حيث المعنى مترتّبة على الجملة السّابقة و متعقّبتها، لأنّ من كانت فيه هذه الأوصاف الثّلاثة - الّتي هي كناية عن عدم قبول الحقّ - جدير أن لايرجع إلى إيمان.

فإن كانت الآية في معيّنين، فذلك واضح، لأنّ من أخبر الله عنه أ نّهلايرجع إلى الإيمان لايرجع إليه أبدً ا، و إن كانت في غير معيّنين، فذلك مقيّد بالدّيمومة على الحالة الّتي وصفهم الله بها.

قال قَتادَة، و مُقاتِل: لايرجعون عن ضلالهم. و قال السُّدّيّ: لايرجعون إلى الإسلام. و قيل: لايرجعون عن الصَّمَم و البَكَم و العَمى، و قيل: لايرجعون إلى ثواب الله، و قيل: عن التّمسّك بالنّفاق، و قيل: إلى الهُدى بعد أن باعوه، أو عن الضّلالة بعد أن اشتروها.

و أسند عدم الرّجوع إليهم، لأ نّه لمّا جعل تعالى لهم عقولا للهداية، و بعث إليهم رسلا بالبراهين القاطعة، و عدلوا عن ذلك إلى اتّباع أهوائهم، و الجري على مألوف آبائهم، كان عدم الرّجوع من قِبَل أنفسهم.

و قد قدّمنا أنّ فعل العبد يُنسَب إلى الله اختراعًا و إلى العبد لملابسته له، و لذلك قال في هذه الآية: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لايَرْجِعُونَ }، فأضاف هذه الأوصاف الذّميمة إلى ملابسها، و قال تعالى: {اُولئِكَ’ الَّذينَ‘ ‘لَعَنَهُمُ اللهُ فَاَصَمَّهُمْ وَاَعْمى اَبْصَارَهُمْ} محمّد : 23، فأضاف ذلك إلى الموجد تعالى.

و هذه الأقاويل كلّها على تقدير أن يكون الرّجوع لازمًا، و إن كان متعدّ يًا كان المفعول محذوفًا، تقديره: فهم لايرجعون جوا بًا. (1 : 82)

نحوه ملخّصًا السّمين. (1 : 134)

ابن القيّم: و قال في صفتهم: { فَهُمْ لايَرْجِعُونَ } لأ نّهم قد رأوا في ضوء النّار، و أبصروا الهُدى،فلمّا أُطفئت عنهم لم يرجعوا إلى ما رأوا و أبصروا. (115)

الثّعالِبيّ: قيل: معناه: لايؤمنون بوجه. و هذا إنّما يصحّ أن لو كانت الآية في معيّنين. و قيل: معناه: فهم لايرجعون ما داموا على الحال الّتي وصفهم بها، و هذا هو الصّحيح. (1 : 51)

الشِّربينيّ: أي لايعودون إلى الهُدى الّذي باعوه و ضيّعوه، أو عن الضّلالة الّتي اشتروها. (1 : 28)

أبوالسُّعود: الفاء للدّ لالة على ترتّب ما بعدها على ما قبلها، أي هم بسبب اتّصافهم بالصّفات المذكورة لايعودون إلى الهُدى الّذي تركوه وضيّعوه، أو عن الضّلالة الّتي أخذوها.

و الآية نتيجة للتّمثيل مفيدة لزيادة تهويل و تفظيع، فإنّ قُصارى أمر التّمثيل بقاؤهم في ظلمات هائلة من غير تعرّض لمُشعري السّمع و النّطق، و لاختلال مشعر الإبصار.

و قيل: الضّمير المقدّر و ما بعده للموصول باعتبار المعنى، كالضّمائر المتقدّمة. فالآيةالكريمة تتمّة للتّمثيل، و تكميل له، بأنّ ما أصابهم ليس مجرّد انطفاء نارهم، و بقائهم في ظلمات كثيفة هائلة، مع بقاء حاسّة البصر بحالها، بل اختلّت مشاعرهم جميعًا، و اتّصفوا بتلك الصّفات على طريقة التّشبيه أو الحقيقة، فبقوا جامدين في مكاناتهم، لايرجعون و لايدرون أيتقدّمون أم يتأخّرون؟ و كيف يرجعون إلى ما ابتدؤوا منه؟ و العدول إلى الجملة الاسميّة للدّ لالة على استمرار تلك الحالة فيهم. (1 : 72)

نحوه القاسميّ. (2 : 57)

الشّريف الكاشانيّ:[نحوالزّمَخْشَريّ وأضاف:] و الفاء للدّ لالة على أنّ اتّصافهم بالأحكام السّابقة سبب لتحيّرهم و احتباسهم. (1 : 73)

الكاشانيّ: عن الضّلالة إلى الهُدى. (1 : 85)

المشهديّ: يقال: رجَع عن كذا إلى كذا، يعني أ نّهم لايرجعون عن الضّلالة الّتي اشتروها، إلى الهُدى الّذي باعوه.فيندفع ما قاله بعض المفسّرين: من أنّ المراد به: لايرجعون إلى الهُدى، أو عن الضّلالة.

(1 : 150)

البُرُوسَويّ: أي هم بسبب اتّصافهم بالصّفات المذكورة لايعودون عن الضّلالة إلى الهُدى الّذي تركوه. و الآية فذلكة التّمثيل و نتيجته، و أفادت أ نّهم كانوا يستطيعون الرّجوع باستطاعة سلامة الآلات؛ حيث استحقّوا الذّمّ بتركه، و إنّ قوله تعالى: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } ليس بنفي الآلات، بل هو نفى تركهم استعمالها. قال السّعدي قدّس سرّه:

زبان آمد از بهر شكر و سپاس

بغيبت نگرداندش حق شناس

گذرگاه قرآن و پندست گوش

به بهتان و باطل شنيدن مكوش

دو چشم از پى صنع باري نكوست

زعيب برادر فرو گير و دوست

ثمّ إنّ الله تعالى ندب الخلق إلى الرّجوع بالائتمار بأمره و الانتهاء بنهيه، بقوله تعالى: { وَ كَذ"لِكَ نُفَصِّلُ

الا_يَاتِ’ وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، الأعراف : 174، فمن لم يرجع إليه اختيارً ا رجعوا إليه بالموت و البعث، كما قال تعالى: { كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ اِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}. العنكبوت : 57، و من رجع إليه في الدّنيا بفعله،و حقّق ذلك بقوله: { اِنَّا للهِ† وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ} البقرة : 156،كان رجوعه إليه بالكرامة و يُخاطَب بقوله: { يَاءَ يَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعى‘ اِلى" رَبِّكِ رَ اضِيَةً مَرْضِيَّةً } الفجر : 27 ، 28. (1 : 67)

شُبّر: إلى الهدى الّذي باعوه، أو عن الضّلالة الّتي اشتروها. (1 : 76)

الآلوسيّ: متعلِّق { لايَرْجِعُونَ } محذوف، أي لايعودون إلى الهُدى بعد أن باعوه أو عن الضّلالة بعد أن اشتروها، و قد لايقدر شي‌ء و يترك على الإطلاق.

و الوجهان الأوّ لان مبنيّان، على أنّ وجه التّشبيه في التّمثيل مستنبط من { اُولئِكَ ا’لَّذينَ‘ اشْتَرَوُا ... } البقرة: 16.

و الأخير على تقدير أن يكون من ذهَبَ الله بِنُورِهِم إلخ بأن يراد به: أ نّهم غبّ الإضاءة خبطوا في ظلمة، و تورّطوا في حيرة. فالمراد هنا: أ نّهم بمنزلة المتحيّرين الّذين بقوا جامدين في مكاناتهم لايبرحون، و لايدرون أيتقدّمون أم يتأخّرون، و كيف يرجعون إلى حيث ابتدؤوا منه؟ و الأعمى لاينظر طريقًا و أبكم لايسأل عنها و أصمّ لايسمع صوتًا من صوب مرجعه فيهتدي به. و الفاء للدّ لالة على أنّ اتّصافهم بما تقدّم سبب لتحيّرهم، و احتباسهم كيف ما كانوا. (1 : 170)

الحائريّ: بسبب اتّصافهم بالصّفات المذكورة، لايعودون عن الضّلالة إلى الهُدى و الفطرة السّليمة الّتي فطر النّاس عليها. (1 : 81)

رشيد رضا: عن ضلالتهم، ولايخرجون من ظلماتهم، لأنّمن وقع في أرض فلاة في ليلة مظلمة، و فقد فيها جميع حواسّه، لايمكنه أن يسمع صوتًا يهتدي به، و لاأن يصيح هو لينقذه من يسمعه، و لاأن يرى بارقًا يؤمّه و يقصده، فهو لايرجع من تيهه، بل يظلّ يعمه في الظّلمات حتّى يفترسه سبع ضارٍّ، أو يصل إلى شفا جُرُف هار ، فينهار به في شرّ قرار { وَ مَا لِلظَّالِمينَ‘ مِنْ اَنْصَار } البقرة : 270. (1 : 172)

المَراغيّ: ثمّ جعلهم مرّة أُخرى كالصّمّ البُكم العُمي الّذين فقدوا هذه المشاعر و الحواسّ؛ إذ هم حين لم ينتفعوا بآثارها، فكأ نّهم فقدوها. فما فائدة السّمع إلا الإصاخة إلى نصح النّاصح و هُدى الواعظ. و ما منفعة اللّسان إلا الاسترشاد بالقول، و طلب الدّليل و البرهان، لتتجلّى المعقولات، و تتّضح المشكلات. و ما مزيّة البصر إلا النّظر و الاعتبار، لزيادة الهدى و الاستبصار. فمن لم يستعملها في شي‌ء من ذلك فكأنّه فقدها، و أ نّى لمثله أن يخرج من ضلالة، أو يرجع إلى هُدى؟ (1 : 58)

سيّد قُطْب: و إذا كانت الآذان و الألسنة و العيون لتلقى الأصداء و الأضواء، و الانتفاع بالهُدى و النّور، فهم قد عطّلوا آذانهم، فهم { صُمٌّ } و عطّلوا ألسنتهم، فهم { بُكْمٌ } و عطّلوا عيونهم، فهم { عُمْىٌ } فلارجعة لهم إلى الحقّ، و لاأوْ بَة لهم إلى الهُدى، و لاهداية لهم إلى النّور. (1 : 46)

ابن عاشور: و قوله: { فَهُمْ لايَرْجِعُونَ } تفريع على جملة: { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ }، لأنّ من اعتراه هذه الصّفات انعدم منه الفهمو الإفهام، و تعذّر طمع رجوعه إلى رشد أو صواب. و الرّجوع: الانصراف من مكان حلول ثان إلى مكان حلول أوّ ل، و هو هنا مجاز في الإقلاع عن الكفر. (1 : 309)

فضل الله: إلى الحقّ لينطلقوا منه نحو سعادة الدّنيا و الآخرة، بل يبقون في متاهات الضّلال الّتي تقودهم إلى الضّياع. (1 : 160)

2 - وَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ اَهْلِ الْكِتَابِ ا"مِنُوا بِالَّذى‘ اُنْزِلَ عَلَى الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَ اكْفُرُوا ا"خِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. آل‌عمران : 72

ابن عبّاس: لكي يرجع عامّتهم إلى دينكم و قبلتكم. (50)

و هكذا أكثر التّفاسير.

السُّدّيّ: لعلّهم يشكّون. (الطّبَريّ 2 : 311)

القُمّيّ: إلى قبلتنا. (1 : 105)

الطُّوسيّ: فيه حذف، و تقديره: لعلّهم يرجعون عن دينهم، في قول ابن عبّاس، و الحسَن و قَتادَة، و مُجاهِد. (2 : 500)

الزّمَخْشَريّ: و المعنى: أظهروا الإيمان بما أُنزل على المسلمين في أوّ ل النّهار،{ وَ اكْفُرُوا } به في آخره، { لَعَلَّهُمْ } يشكّون في دينهم، و يقولون: ما رجعوا و هم أهل كتاب و علم إلا لأمر قد تبيّن لهم، فيرجعون برجوعكم...

و قيل: هذا في شأن القبلة لمّا صرفت إلى الكعبة.

قال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بما أُنزل عليهم من الصّلاة إلى الكعبة و صلّوا إليها في أوّ ل النّهار، ثمّ اكفروا به في آخره و صلّوا إلى الصّخرة، لعلّهم يقولون: هم أعلم منّا و قد رجعوا، فيرجعون.

(1 : 436)

نحوه ابن عَطيّة. (2 : 454)السّمين: و مفعول { يَرْجِعُونَ } محذوف أيضًا اقتصارً ا، أي لعلّهم يكونون من أهل الرّجوع، أو اختصارً ا، أي يرجعون إلى دينكم و ما أنتم عليه.

(2 : 134)

أبوالسُّعود: عمّا هم عليه من الإيمان به، كما رجعتم. (1 : 382)

الآلوسيّ: بسبب هذا الفعل عن اعتقادهم حقّيّةما أُنزل عليهم. (3 : 199)

3 - ... بَلَوْ نَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَ السَّيِّ-ا"تِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. الأعراف : 168

ابن عبّاس:لكي يرجعوا عن معصيتهم و كفرهم.

(141)

و نحوه أكثر التّفاسير.

الطّبَريّ: يقول: ليرجعوا إلى طاعة ربّهم و يُنيبوا إليها، و يتوبوا من معاصيه. (6 : 104)

الزّمَخْشَريّ: فينيبون. (2 : 127)

النّسَفيّ: ينتهون فيُنيبون. (2 : 83)

الآلوسيّ: أي يتوبون عمّا كانوا عليه ممّا نهوا عنه. (9 : 95)

ابن عاشور: و جملة: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } استئناف بيانيّ، أي رجاء أن يتوبوا، أي حين يذكرون مدّة الحسنات و السّيّئات، أو حين يرون حُسن حال الصّالحين و سوء حال من هم دون ذلك، على حسب الوجهين المتقدّمين. و الرّجوع هنا: الرّجوع عن نقض العهد و عن العصيان، و هو معنى التّوبة. (8 : 338)

4 - وَ كَذ"لِكَ نُفَصِّلُ الا_يَاتِ’ وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

الأعراف : 174

ابن عبّاس: لكي يرجعوا من الكفر و الشّرك إلى الميثاق الأوّ ل. (141)

الطّبَريّ: لينزجروا و يرتدعوا، فيُنيبوا إلىطاعتي، و يتوبوا من شركهم و كفرهم، فيرجعوا إلى الإيمان و الإقرار بتوحيدي، و إفراد الطّاعة لي، و ترك عبادة ما سواي. (6 : 118)

و هكذا أكثر التّفاسير.

الزّمَخْشَريّ: { وَ كَذ"لِكَ }: و مثل ذلك التّفصيل البليغ {نُفَصِّلُ الا"_يَاتِ } لهم، { وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } و إرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصّلها.

(2 : 130)

نحوه النّسَفيّ. (2 : 85)

أبوالسُّعود: و ليرجعوا عمّا هم عليه من الإصرار على الباطل، و تقليد الآباء نفعل التّفصيل المذكور. (3 : 52)

الآلوسيّ: [نحو أبي السُّعود و قال:]

و قيل: المعنى: و لعلّهم يرجعون إلى الميثاق الأوّ ل، فيذكرونه و يعملون بمقتضاه، نفعل ذلك.

و أيًّا مّا كان، فالواو ابتدائيّة كالّتي قبلها. و جُوّز أن تكون عاطفة على مقدّر، أي ليقفوا على ما فيها من المرغّبات و الزّواجر، أو ليظهر الحقّ و لعلّهم يرجعون. و قيل: إنّها سيفُ خطيب.

[التّأويل:] { يَرْجِعُونَ} بالفناء إلينا. (9 : 109)

رشيد رضا: لعلّهم يرجعون بها [ الآيات] عن جهلهم و تقليدهم. (9 : 388)

ابن عاشور: و جملة:{ وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عطف على جملة: { وَ كَذ"لِكَ نُفَصِّلُ الا_يَاتِ’ } فهي في موقع الاعتراض. و هذا إنشاء ترجّي رجوع المشركين إلى التّوحيد. و قد تقدّم القول في تأويل معنى الرّجاء بالنّسبة إلى صدوره من جانب الله تعالى، عند قوله تعالى: { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَ بَّكُمُ الَّذى‘ خَلَقَكُمْ وَ الَّذينَ ‘مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّ-قُونَ } البقرة : 21.

و الرّجوع مستعار للإقلاععن الشّرك، شبّه الإقلاع عن الحالة الّتي هم متلبّسون بها، بترك من حلّ في غير مقرّه الموضع الّذي هو به، ليرجع إلى مقرّه. و هذا التّشبيه يقتضي تشبيه حال الإشراك بموضع الغربة، لأنّ الشّرك ليس من مقتضى الفطرة، فالتّلبّس به خروج عن أصل الخلقة، كخروج المسافر عن موطنه. و يقتضي أيضًا تشبيه حال التّوحيد بمحلّ المرء و حَيّه الّذي يأوي إليه.

و قد تكرّر في القرآن إطلاق الرّجوع على إقلاع المشركين عن الشّرك، كقوله: { وَ اِذْ قَ-الَ اِبْرهيمُ لاَ‚بيهِ‘ وَ قَوْمِهِ اِنَّنى بَرَ اءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * اِلا الَّذى‘ فَطَرَنى فَاِنَّهُ

سَيَهْدينِ‘ * وَ جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الزّخرف : 26 - 28، أي يرجعون عن الشّرك، و هو تعريض بالعرب، لأ نّهم المشركون من عقب إبراهيم، و بقرينة قوله:{ بَلْ مَتَّعْتُ هؤُ لاءِ وَ ا"بَاءَهُمْ حَتىّٰ جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَ رَسُولٌ مُبينٌ‘ }، الزّخرف : 29، فإنّي استقريت من اصطلاح القرآن أ نّه يشير بهؤلاء إلى العرب. (8 : 348)

5 - وَ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

يوسف : 62

ابن عبّاس: مرّة أُخرى. (199)

الكَلْبيّ: إنّه خاف أن لايكون عندهم من الورق ما يرجعون به مرّة أُخرى. (الطَّبْرِسيّ 3 : 246)

الفَرّ اء: قيل: فيها قولان:

أحدهما: أنّ يوسف خاف ألا يكون عند أبيه دراهم، فجعل البضاعة في رحالهمليرجعوا.

و قيل: إنّهم إن عرفوا أ نّها بضاعتهم و قد اكتالوا، ردّوها على يوسف، و لم يستحلّوا إمساكها. (2 : 48)

الطّبَريّ: إليّ. (7 : 245)

الطُّوسيّ: أي لكي يرجعوا، و اللا م لام الغرض، و إنّما أتى ب- < لعلّ > لأ نّه جوّز أن لايعودوا. (6 : 163)

الواحديّ: لكي يرجعوا إلينا. (2 : 620)

البغَويّ: و اختلفوا في السّبب الّذي فعله يوسف من أجله، قيل: أراد أن يُريهم كرمه في ردّ البضاعة و تقديم الضّمان في البِرّ و الإحسان، ليكون أدعى لهم إلى العود، لعلّهم يعرفونها، أي كرامتهم علينا.

و قيل: رأى لؤمًا في أخذ ثمن الطّعام من أبيه و إخوته مع حاجتهم إليه، فردّه عليهم من حيث لايعلمون، تكرّمًا.

و قال الكَلْبيّ: تخوّف أن لايكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرّة أُخرى. و قيل: فعل ذلك لأ نّه علم أنّ ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة نفيًا للغلط و لايستحلّون إمساكها. (2 : 501)

نحوه الزّمَخْشَريّ (2 : 330)، و القُرطُبيّ (9 : 223)، و النّسَفيّ (2 : 229)، و الخازن (3 : 241)، و أبوحَيّان (5 : 322)، و ابن كثير (4 : 36).

ابن عَطيّة: [نحو البغَويّ بتفاوت، ثمّ قال:]

و الظّاهر من القصّة أ نّه إنّما أراد الاستئلاف و صلة الرّحم. (3 : 259)

مثله الثّعالِبيّ. (2 : 163)

الطَّبْرِسيّ:{ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } بعد ذلك لطلبالميرة مرّةً أُخرى. و إنّما فعل ذلك ليعرفوا أنّ يوسف إنّما فعل ذلك إكرامًا لهم، ليرجعوا إليه. (3 : 246)

ابن الجَوْزيّ: لكي يرجعوا. [ثمّ قال نحو البغَويّ]

(4 : 249)

الفَخْرالرّ ازيّ: ثمّ اختلفوا في السّبب الّذي لأجله أمر يوسف بوضع بضاعتهم في رحالهم، على وُجُوه:

الأوّ ل: أ نّهم متى فتحوا المتاع فوجدوا بضاعتهم فيه، علموا أنّ ذلك كان كرمًا من يوسف و سخاءً محضًا، فيبعثهم ذلك على العود إليه و الحرص على

معاملته.

الثّاني: خاف أن لايكون عند أبيه من الورق ما يرجعون به مرّةً أُخرى.

الثّالث: أراد به التّوسعة على أبيه، لأنّ الزّمان كان زمان القحط.

الرّ ابع: رأى أنّ أخذ ثمن الطّعام من أبيه و إخوته مع شدّة حاجتهم إلى الطّعام لُؤم.

الخامس: قال الفَرّ اء: إنّهم متى شاهدوا بضاعتهم في رحالهم، وقع في قلوبهم أ نّهم وضعوا تلك البضاعة في رحالهم على سبيل السّهو، و هم أنبياء و أولاد الأنبياء، فرجعوا ليعرفوا السّبب فيه، أو رجعوا ليردّوا المال إلى مالكه.

السّادس: أراد أن يُحسن إليهم على وجه لايلحقهم به عيب و لامنّة.

السّابع: مقصوده أن يعرفوا أ نّه لايطلب ذلك الأخ لأجل الإيذاء و الظّلم، و لالطلب زيادة في الثّمن.

الثّامن: أراد أن يعرف أبوه أ نّه أكرمهم، و طلبه له لمزيد الإكرام، فلايثقل على أبيه إرسال أخيه.

التّاسع: أراد أن يكون ذلك المال معونة لهم على شدّة الزّمان، و كان يخاف اللُّصوص من قطع الطّريق، فوضع تلك الدّراهم في رحالهم حتّى تبقى مخفيّة إلى أن يصلوا إلى أبيهم.

العاشر: أراد أن يقابل مبالغتهم في الإساءة بمبالغته في الإحسان إليهم. (18 : 168)

مثله الشِّربينيّ. (2 : 120)

البَيْضاويّ: لعلّ معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرّجوع. (1 : 501)

ابن جُزَيّ: أي لعلّ معرفتهم بها تدعوهم إلى الرّجوع، و قصد بردّ البضاعة إليهم مع الطّعام استئلافهم بالإحسان إليهم. (2 : 123)

السّمين: و { يَرْجِعُونَ } يحتمل أن يكون متعدّيًا، و حُذف مفعوله، أي يرجعون البضاعة، لأ نّه عرف من دينهم ذلك، و أن يكون قاصرً ا، بمعنى: يرجعون إلينا.

(4 : 194)

أبوالسُّعود: لعلّهم يرجعون حسبما أمرتهم به، فإنّ التّفضّل عليهم بإعطاء البدلين و لاسيّما عند إعواز البضاعة، من أقوى الدّواعي إلى الرّجوع.

و ما قيل: إنّما فعله لمّا لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه و إخوته ثمنًا، فكلام حقّ في نفسه، و لكن يأباه التّعليل المذكور. و أمّا أنّ علّيّة الجعل المذكور للرّجوع من حيث إنّ ديانتهم تحملهم على ردّ البضاعة، لأ نّهم

لايستحلّون إمساكهم، فمداره حُسبانهم أ نّها بقيت في رحالهم نسيانًا.

و ظاهر أنّ ذلك ممّا لايخطر ببال أحد أصلا ، فإنّ هيئة التّعبئة تنادي بأنّ ذلك بطريق التّفضّل؛ ألايرى أ نّهم كيف جزموا بذلك حينرأوها، و جعلوا ذلك دليلا على التّفضّلات السّابقة، كما ستُحيط به خبرً ا.

(3 : 409)

نحوه البُرُوسَويّ (4 : 288)، و الآلوسيّ (13 : 10)، و القاسميّ (9 : 3563).

المَراغيّ: إلينا، طمعًا في برّنا، فإنّ العَوَز إلى القوت من أقوى الدّواعيّ إلى الرّجوع. (13 : 12)

ابن عاشور: و جملة: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } جواب للأمر في قوله: { اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فى رِحَالِهِمْ } لأ نّه لمّا أمرهم بالرّجوع استشعر بنفاذ رأيه أ نّهم قد يكونون غير واجدين بضاعة، ليبتاعوا بها الميرة، لأ نّه رأى مخايل الضّيق عليهم. (12 : 86)

مَغْنِيّة: { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا...} هذا تعليل لإرجاع الثّمن إلى إخوته، و أنّ القصد منه ترغيبهم في العودة إليه ثانية، فإنّهم إذا فتحوا رحالهم و وجدوا فيها بضاعتهم، بعثهم ذلك إلى الرّجوع طمعًا في جُوده و كرمه.

و غير بعيد أنّ من مقاصد يوسف أن يطمئنّ أبوه، و لايثقل عليه إرسال أخيه له. (4 : 334)

الطَّباطَبائيّ : لعلّهم يرجعون إلينا و يأتوا بأخيهم، فإنّ ذلك [ردّالبضاعة] يقع في قلوبهم و يطمعهم إلى الرّجوع و التّمتّع من الإكرام و الإحسان. (11 : 210)

مكارم الشّيرازيّ: لماذا أرجع يوسف الأموال إلى إخوته؟

السّؤال الّذي يطرح نفسه، هو أ نّه لماذا أمر يوسف أن تُرَدّ أموال إخوته الّتي دفعوها ثمنًاللحبوب، وتوضع في رحالهم؟

وقد أجاب المفسّرون عن هذا السّؤال بإجابات عديدة، و منهم الرّ ازيّ في تفسيره؛ حيث ذكر عشرة أجوبة، لكن بعضها بعيد عن الواقع.

و لعلّ ملاحظة الآيات السّابقة تكفي في الإجابة عن السّؤال، لأنّ الآية الشّريفة تقول: { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، فإنّ يوسف كان يقصد من و راء هذا العمل أنّ إخوته بعد رجوعهم إلى الوطن، حينما يجدون أموالهم قد خُبّئت في متاعهم، سوف يقفون على كَرم عزيز مصر يوسف، و جلالة قدره، أكثر ممّا شاهدوه، و سوف يطمئنّ يعقوب بنوايا عزيز مصر، و يُعطي الإذن بسفر بنيامين، و يكون السّبب و الدّ افع في سفرهم إلى مصر مرّة أُخرى و باطمئنان أكثر، مستصحبين معهم أخاهم الصّغير. (7 : 225)

فضل الله: إلينا في سفرة جديدة. (12 : 236)

6 - فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا اِلا كَبيرً ‘ا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ اِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. الأنبياء : 58

ابن عبّاس: من عيدهم فيعتلّ به. (272)

قَتادَة: كادهم بذلك لعلّهم يتذكّرون أو يُبصرون.

(الطّبَريّ 9 : 38)

مُقاتِل: يقول: إلى الصّنم الأكبر. (3 : 84)

الطّبَريّ: يقول: فعل ذلك إبراهيم بآلهتهم ليعتبروا، و يعلموا أ نّها إذا لم تدفع عن نفسها ما فعل بها إبراهيم، فهي من أن تدفع عن غيرها من أراده بسوء أبعد، فيرجعوا عمّا هم عليه مُقيمون من عبادتها،إلى ما هو عليه من دينه و توحيد الله، و البراءة من الأوثان.

(9 : 38)

الزّجّاج: أي لعلّهم باحتجاج إبراهيم عليهم به يرجعون، فيعلمون وجوب الحجّة عليهم. (3 : 396)

الثّعلبيّ: فيتذكّرون و يعلمون ضعفها و عجزها. و قيل: لعلّهم إليه يرجعون فيسألونه. (6 : 279)

نحوه البغَويّ. (3 : 292)

الطُّوسيّ: أي لكي يرجعوا إليه، فينتبهوا على ما يلزمهم فيه من جهل من اتّخذوا إلهًا،إذا وجدوه على تلك الصّفة، و كان ذلك كيدً ا لهم.

و في الكلام حذف، لأنّ تقديره: إنّ قومه رجعوا من عيدهم، فوجدوا أصنامهم مكسّرة { قَالُوا مَنْ فَعَلَ...}الأنبياء : 59. (7 : 258)

الواحديّ: أي إلى دينه و إلى ما يدعوهم إليه، بوجوب الحجّة عليهم في عبادة ما لايدفع عن نفسه، و تنبّهوا إلى جهلهم، و عظيم خُطاهم. (3 : 242)

المَيْبُديّ: يعني لعلّهم إذا رأوا ما بأصنامهم من العجز و الهوان، يرجعون إلى إبراهيم بالإقرار له و التّوبة. (6 : 263)

الزّمَخْشَريّ: و إنّما استبقى الكبير، لأ نّه غلب في ظنّه أ نّهم لايرجعون إلا إليه، لما تسامعوه من إنكاره لدينهم و سَبِّه لآلهتهم، فيُبكتهم بما أجاب به، من قوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُ‘هُمْ هذَا فَاسْ-َلُو=هُمْ } الأنبياء : 63.

و عن الكَلْبيّ: { اِلَيْهِ }: إلى كبيرهم. و معنى هذا: لعلّهم يرجعون إليه، كما يرجع إلى العالِم في حلّ المشكلات، فيقولون له: ما لهؤُلاء مكسورة، و مالك صحيحًا و الفأس علىعاتقك؟ قال: هذا بناء على ظنّه بهم، لما جرّب و ذاق من مكابرتهم لعقولهم و اعتقادهم في آلهتهم و تعظيمهم لها. أو قاله مع علمه أ نّهم لايرجعون إليه، استهزاءً بهم و استجهالا ، و أنّ قياس حال من يسجد له و يؤهّله للعبادة أن يرجع إليه في حلّ كلّ مشكل.

فإن قلت: فإذا رجعوا إلى الصّنم بمكابرتهم لعقولهم و رسوخ الإشراك في أعراقهم، فأيّ فائدة دينيّة في رجوعهم إليه، حتّى يجعله إبراهيم صلوات الله عليه غرضًا؟

قلت: إذا رجعوا إليه تبيّن أ نّه عاجز لاينفع و لايضرّ، و ظهر أ نّهم في عبادته على جهل عظيم.

(2 : 576)

ابن عَطيّة: و الضّمير في { اِلَيْهِ } أظهر ما فيه أ نّه عائد على < إِبراهيم ‘> أي فعل هذا كلّه توخّيًا منه أن يعقب ذلك منهم رجعة إليه و إلى شرعه.

و يحتمل أن يعود الضّمير على الكبير المتروك، و لكن يُضعّف ذلك دخول التّرجّي في الكلام.

(4 : 86)

الطَّبْرِسيّ: أي لعلّهم يرجعون إلى إبراهيم، فيسألونه عن حال الأصنام، لينبّههم على جهلهم.

و قيل: لعلّهم يرجعون إلى الكبير، فيسألونه و هو لاينطق، فيعلمون جهل من اتّخذوه إلهًا... (4 : 52)

نحوه أبوالفُتُوح (13 : 239)، و القُرطُبيّ (11 : 298)، و السّمين (5 : 95)، و الحائريّ (7 : 167).

ابن الجَوْزيّ: في هاء الكناية قولان: أحدهما: أنّها ترجع إلى الصّنم،ثمّ فيه قولان:

أحدهما: لعلّهم يرجعون إليه فيشاهدونه، هذا قول مُقاتِل.

و الثّاني: لعلّهم يرجعون إليه بالتّهمة، حكاه أبو سليمان الدّمشقيّ.

و الثّاني: أ نّها ترجع إلى إبراهيم. (5 : 358)

الفَخْرالرّ ازيّ: يحتمل رجوعهم إلى إبراهيم ، و يحتمل رجوعهم إلى الكبير.

أمّا الأوّ ل: فتقريره من وجهين:

الأوّ ل: أنّ المعنى أ نّهم لعلّهم يرجعون إلى مقالة إبراهيم، و يعدلون عن الباطل.

و الثّاني: أ نّه غلب على ظنّه أ نّهم لايرجعون إلا إليه، لما تسامعوه من إنكاره لدينهم و سبّه لآلهتهم، فبكتهم بما أجاب به، من قوله: { بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُ‘هُمْ هذَا فَسْئَلُوهُمْ } الأنبياء : 63.

أمّا إذا قلنا: الضّمير راجع إلى الكبير، ففيه وجهان:

الأوّ ل: أنّ المعنى لعلّهم يرجعون إليه، كما يُرجَع إلى العالم في حلّ المشكلات، فيقولون: ما لهؤلاء مكسورة، و ما لك صحيحًا، و الفأس على عاتقك؟ و هذا قول الكَلْبيّ. و إنّما قال ذلك بناءً على كثرة جهالاتهم، فلعلّهم كانوا يعتقدون فيها أ نّها تُجيب

و تتكلّم.

و الثّاني: أ نّه قال ذلك مع علمه أ نّهم لايرجعون إليه استهزاءً بهم، و أنّ قياس حال من يسجد له و يؤهّل للعبادة، أن يرجع إليه في حلّ المشكلات. (22 : 183)

نحوه النَّيسابوريّ. (17 : 37)

ابن عَرَبيّ: يقبلون منه الفيض، و يستفيضون منه النّور و العلم،كما استفاض هو منه أوّ لا . (2 : 79)

البَيْضاويّ: لأ نّه غلب على ظنّه أ نّهم لايرجعون إلا إليه، لتفرّده و اشتهاره بعداوة آلهتهم، فيحاجّهم بقوله:{ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُ‘هُمْ } فيحجّهم، أو لأ نّهم يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن كاسرها؛ إذ من شأن المعبود أن يُرْجَع إليه في حلّ العقد، فيبكتهم بذلك، أو إلى الله، أي يرجعون إلى توحيده عند تحقّقهم عجز آلهتهم قالوا: حين رجعوا:{مَنْ فَعَلَ هذَا بِا"لِهَتِنَا } الأنبياء : 59. (2 : 75)

نحوه النّسَفيّ (3 : 82)، و الخازن (4 : 242)، و الشّريف الكاشانيّ (4 : 331)، و المشهديّ (6 : 394)، و شُبّر (4 : 204).

ابن جُزَيّ: الضّمير للصّنم الكبير، أي يرجعون إليه فيسألونه فلايجيبهم،فيظهر لهم أ نّه لايقدر على شيء. (3 : 28)

أبوحَيّان: و الضّمير في { اِلَيْهِ } عائد على إبراهيم، أي فعل ذلك ترجّ-يًا منه أن يعقب ذلك رجعه إليه و إلى شرعه. (6 : 322)

نحوه الثّعالبيّ. (2 : 378)

ابن كثير: ذكروا أ نّه وضع القدوم في يد كبيرهم، لعلّهم يعتقدون أ نّه هو الّذي غار لنفسه، و أنف أن تُعبَد معه هذه الأصنام الصّغار، فكسرها. (4 : 570)

البقاعيّ: { يَرْجِعُونَ } عند إلزامه بالسّؤال، فتقوم عليهم الحجّة؛ إذ لو ترك غيره معه لربّما زعموا أنّ كلا يَكِلُ الكلام إلى الآخر عند السّؤال، لغرض من الأغراض. (5 : 92)

نحوه الشِّربينيّ. (2 : 509)

أبوالسُّعود:أي إلى إبراهيم علیه السلام يرجعون،

فيحاجّهم بما سيأتي، فيحجّهم و يُبكّتهم. (4 : 344)

البُرُوسَويّ: { اِلَيْهِ }: إلى الكبير، و تقديم الظّرف للاختصاص، أو لمجرّد الاهتمام مع رعاية الفاصلة. [ثمّ أدام نحو الزّمَخْشَريّ] (5 : 493)

الشَّوْكانيّ: [نحو الزّمَخْشَريّ إلا أ نّه قال:]

و قيل: لعلّهم إلى الله يرجعون، و هو بعيد جدًّ ا.

(3 : 517)

الآلوسيّ: { لَعَلَّهُمْ اِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } استئناف لبيان وجه الكسر و استبقاء الكبير. و ضمير { اِلَيْهِ } عند الجمهور عائد على إبراهيم ، أي لعلّهم يرجعون إلى إبراهيم لاإلى غيره فيحاجّهم و يبكّتهم، بما سيأتي من الجواب إن شاء الله تعالى.

و قيل: الضّمير < لله > تعالى، أي لعلّهم يرجعون إلى الله تعالى و توحيده، حين يسألونه فيجيبهم، و يُظهر عجز آلهتهم. و يُعلَم من هذا أنّ قوله سبحانه: { اِلا كَبيرً ا‘ لَهُمْ } ليس أجنبيًّا في البين على هذا القول، كما تُوهّم، نعم لايخفى بُعْدُه.

و عن الكَلْبيّ: أنّ الضّمير للكبير، أي لعلّهم يرجعون إلى الكبير، كما يُرجَع إلى العالِم في حلّ المشكلات، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة، و ما لك صحيحًا، و الفأس في عنقك أو في يدك؟ و حينئذ يتبيّن لهم أ نّه عاجز لاينفع و لايضرّ، و يظهر أ نّهم في عبادته على جهل عظيم.

و كأنّ هذا بناءً على ظنّه بهم لما جرّب و ذاق من مكابرتهم، لعقولهم و اعتقادهم في آلهتهم و تعظيمهم لها.

و يحتمل أ نّه يعلم أ نّهم لايرجعون إليه، لكن ذلك من باب الاستهزاء و الاستجهال، و اعتبار حال الكبير عندهم، فإنّ قياس حال من يسجد له و يؤهّل للعبادة، أن يرجع إليه في حلّ المشكل.

و على الاحتمالين لاإشكال في دخول < لَعَلَّ > في الكلام، و لعلّ هذا الوجه أسرع الأوجُه تبادرً ا. لكن جمهور المفسّرين على الأوّ ل، و الجارّ و المجرور متعلّق ب- { يَرْجِعُونَ }، و التّقديم للحصر على الأوجُه الثّلاثة، على ما قيل.

و قيل: هو متعيّن لذلك في الوجه الأوّ ل و غير متعيّن له في الأخيرين، بل يجوز أن يكون لأداء حقّ الفاصلة، فتأمّل. (17 : 62)

القاسميّ: أي فيسألونه: لِمَ فعل بآلهتهم؟ فإذا ظهر عجزه عن النّطق، فمن دونه أعجز منه في ذلك، فضلا عن الدّفع للّذي أظهر عجزهم فيه. (11 : 4281)

المَراغيّ: أي لعلّ هؤلاء الضُّلال يرجعون إلى الكبير، كما يُرجَع إلى العالِم فى حلّ المشكلات...[ثمّ قال نحو الزّمَخْشَريّ ملخّصًا] (17 : 47)

فريد وَجْدي: يرجعون إليه بالسّؤال عمّن فعل ذلك. (426)

سيّد قُطْب: ( اِلا ) كبير الأصنام، فقد تركه إبراهيم،{ لَعَلَّهُمْ اِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } فيسألونه كيف وقعت الواقعة، و هو حاضر فلم يدفع عن صغار الآلهة؟ و لعلّهم حينئذ يراجعون القضيّة كلّها، فيرجعون إلى صوابهم، و يُدركون منه ما في عبادة هذه الأصنام من سخف و تهافت. (4 : 2386)

ابن عاشور: و معنى { لَعَلَّهُمْ اِلَيْهِ يَرْجِعُونَ }رجاء أن يرجع الأقوام إلى استشارة الصّنم الأكبر، ليُخبرهم بمن كسر بقيّة الأصنام، لأ نّه يعلم أنّ جهلهم يطمعهم في استشارة الصّنم الكبير.

و لعلّ المراد: استشارة سَدَنته، ليُخبروهم بما يتلقّونه من وحيه المزعوم.

و ضمير { لَهُمْ } عائد إلى الأصنام، من قوله: { اَصْنَامَكُمْ } الأنبياء : 57، و أُجري على الأصنام ضمير جمع العقلاء محاكاةً لمعنى كلام إبراهيم، لأنّ قومه يحسبون الأصنام عقلاء، و مثله ضمائر قوله بعده: { بَلْ فَعَ-لَهُ كَ-بيرُ‘هُ-مْ هذَا فَسْ-َلُو= هُمْ اِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ} الأنبياء : 63. (17 : 72)

مَغْنِيّة: كسّر ابراهيم الأصنام و جعلها قِطَعًا متلاشية، و ترك أكبرها ليسأله عبَدَتُها: لما ذا لم يدافع عن الآلهة الصّغار، و هو القويّ العزيز؟ و القصد واضح، و هو أن يعتبر المشركون بأنّ هذه الأصنام إذا لم تدفع عن نفسها، فهي أعجز من أن تدفع السّوء عن غيرها. (5 : 284)

الطَّباطَبائيّ: ظاهر السّياق أنّ هذا التّرجّي لبيان ما كان يُمثّله فعله، أي كان فعله هذا حيث كسّر الجميع إلا واحدً ا كبيرً ا لهم، فعل من يُريد بذلك أن يرى القوم ما وقع على أصنامهم من الجذّ، و يجدوا كبيرهم سالمًا بينهم، فيرجعوا إليه، و يتّهموه في أمرهم، كمن يقتل قومًا و يترك واحدً ا منهم، ليتّهم في أمرهم.

و على هذا فالضّمير في قوله: { اِلَيْهِ } راجع إلى { كَبيرً ا‘ لَهُمْ }، و يؤيّد هذا المعنى أيضًا قولإبراهيم الآتي: { بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذَا } في جواب قولهم: {ءَ اَنْتَ فَعَلْتَ هذَا بِا"لِهَتِنَا }.

و الجمهور من المفسّرين على أنّ ضمير { اِلَيْهِ } لإبراهيم ، و المعنى: فكسّر الأصنام و أبقى كبيرهم، لعلّ النّاس يرجعون إلى إبراهيم فيُحاجّهم و يُبكّتهم، و يبيّن بطلان أُلوهيّة أصنامهم.

و ذهب بعضهم إلى أنّ الضّمير< لله > سبحانه، و المعنى: فكسّرهم و أبقاه، لعلّ النّاس يرجعون إلى الله بالعبادة، لمّا رأوا حال الأصنام و تنبّهوا من كسّرها أ نّها ليست بآلهة، كما كانوا يزعمون.

و غير خفيّ أنّ لازم القولين،كون قوله:{اِلا كَبيرً ا‘ لَهُمْ } مستدركًا، و إن تكلّف بعضهم في دفع ذلك بما لايُغني عن شي‌ء، و كان المانع لهم من إرجاع الضّمير إلى { كَبيرً‘ ا } عدم استقامة التّرجّي على هذا التّقدير. لكنّك عرفت أنّ ذلك لبيان ما يُمثّله فعله لمن يشهد صورة الواقعة، لالبيان تَرَجّ جدّيّ من إبراهيم . (14 : 299)

مكارم الشّيرازيّ: { اِلا كَبيرً ا‘ لَهُمْ } و كان هدفه من تركه { لَعَلَّهُمْ اِلَيْهِ يَرْجِعُونَ }. [ثمّ قال في الهامش:]

قال كثير من المفسّرين: إنّ مرجع ضمير { اِلَيْهِ } إلى إبراهيم، و قال البعض: إنّ المراد هو الصّنم الكبير، إلا أنّ الأوّ ل يبدو هو الأصحّ. (10 : 165)

فضل الله: { اِلا كَبيرً ا‘ لَهُمْ } و هو الصّنم الأكبر، { لَعَلَّهُمْ اِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } في إيحاء خفيّ بأ نّه هوالّذي

صنع ذلك، على أساس ما يعتقدونه فيه من سرّ القدرة الّتي تُخوّله القيام بما يشاء، كما يصنع الإله في حركة الحياة. فقد يفكّرون بهذه الطّريقة، فيرجعون إلى الصّنم الأكبر ليسألوه، فلايملك جوا بًا، فيدفعهم ذلك إلى التّفكير في الاتّجاه السّلبيّ، لإعادة النّظر في العقيدة الوثنيّة.

أو يرجعون إلى إبراهيم ليتّهموه و يناقشوه، فيكون ذلك وسيلة لإثارة الحديث معهم حول سلبيّات المسألة.

أو لعلّهم يرجعون إلى الله بالعبادة، عند ما يكتشفون أنّ هذه الأصنام لايمكن أن تكون آلهة.

و لعلّ الأوّ ل أقرب، لأنّ الظّاهر أنّ هدف إبراهيم هو أن يوحي إليهم باتّهامه في ظاهر الكلام، ليقودهم إلى الصّدمة الفكريّة الّتي تهزّ قناعاتهم حول الموضوع.

(15 : 237)

7 - وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَة اَهْلَكْنَاهَا اَ نَّهُمْ لايَرْجِعُونَ.

الأنبياء : 95

ابن عبّاس: عن كفرهم إلى الإيمان. (275)

فلايرجع منهم راجع، و لايتوب منهم تائب.

(الطّبَريّ 9 : 82)

لاترجع إلى دنياها.

نحوه قَتادَة. (ابن الجَوْزيّ5 : 387)

و نحوه أيضًا مُقاتِل. (أبوحَيّان 6 : 339)

مُجاهِد: لايرجِعون عن الشّرك.

مثله الحسَن. (أبوحَيّان 6 : 339)

عِِِِكْرِمَة: لم يكن ليرجع منهم راجع، حرام عليهم ذلك. (الطّبَريّ 9 : 82)

الإمام الباقر علیه السلام: كلّ قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لايرجعون في الرّجْعَة.

مثله الإمام الصّادق علیه السلام . (القُمّيّ 2 : 76)

زَيْد بن عليّ علیهماالسلام: إلى الحقّ و لايتوبون.

(279)

الإمام الصّادق علیه السلام : كلّ قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لايرجعون في الرّجعة؛ و أمّا في القيامة فيرجعون، و من محض الإيمان محضًا، و غيرهم ممّن لم يُهلَكوا بالعذاب و محضوا الكفر محضًا يرجعون.

(البَحْرانيّ 6 : 502)

ابن جُرَيْج: إنّ ( لا ) في قوله: { لايَرْجِعُونَ } زيادة، و المعنى: حرام على قرية مُهلَكة رجوعهم إلى الدّنيا، كما قال: { فَلايَسْتَطيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } يس : 50.

مثله أبوعُبَيْدَة، و ابن قُتَيْبَة. (الواحديّ 3 : 251)

الطّبَريّ: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا عيسى بن فرقد قال: حدّثنا جابر الجُعفيّ، قال: سألت أبا جعفر عن الرّجْعَة فقرأ هذه الآية: { وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَةٍ اَهْلَكْنَاهَا اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } فكأنّ أبا جعفر وجّه تأويل ذلك إلى أ نّه: و حرام على أهل قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدّنيا.

و القول الّذي قاله عِكْرِمَة في ذلك أولى عندي بالصّواب؛ و ذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبر عن تفريق النّاس دينهم الّذي بعث به إليهم الرّسُل، ثمّ أخبر عن

صنيعه بمن عمل بمادعته إليه رسله من الإيمان به و العمل بطاعته، ثمّ أتبع ذلك قوله: { وَ حَرَ امٌ ...} فلأن يكون ذلك خبرً ا عن صنيعه بمن أبى إجابة رُسله و عمل بمعصيته و كفر به، أحرىليكون بيانًا عن حال القرية الأُخرى الّتي لم تعمل الصّالحات وكفرت به.

فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام: حرام على أهل قرية أهلكناهم بطبعنا على قلوبهم، و ختمنا على أسماعهم و أبصارهم، إذ صدّوا عن سبيلنا و كفروا بآياتنا، أن يتوبوا و يراجعوا الإيمان بنا، و اتّباع أمرنا و العمل بطاعتنا. و إذ كان ذلك تأويل قول الله: و( حِرْمٌ )و عَزْمٌ على ما قال سعيد، لم تكن ( لا )فى قوله: { اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } صلة، بل تكون بمعنى النّفي، و يكون معنى الكلام: و عَزْم منّا على قرية أهلكناها أن لايرجعوا عن كفرهم، و كذلك إذا كان معنى قوله: { وَحَرَ امٌ}: نوجبه.

و قد زعم بعضهم: أ نّها في هذا الموضع صلة، فإنّ معنى الكلام: و حرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا. و أهل التّأويل الّذين ذكرناهم كانوا أعلم بمعنى ذلك منه. (9 : 82)

الزّجّاج: [راجع: ح ر م: < حَرام >] (3 : 404)

أبومسلم الأصفهانيّ : إنّ معناه: حرام أن لايرجعوا بعد الممات، بل يرجعون أحياء للمجازاة .

(الطَّبْرِسيّ 4 : 62)

القُمّيّ:هذه الآية من أعظم الدّ لالة في الرّجْعَة لأنّ أحدً ا من أهل الإسلام لاينكر أنّ النّاس كلّهم يرجعون إلى القيامة مَن هلك و مَن لم يُهلَك، قوله: { لايَرْجِعُونَ } أيضًا عنى في الرّجْعَة، فأمّا إلى القيامة فيرجعون حتّى يدخلوا النّار. (2 : 76)

الماوَرْديّ: [راجع: ح ر م: < حَرام >] (3 : 470)

الطُّوسيّ: قيل: ( لا )صلة، و المعنى حرام رجوعهم. و قيل: { اَ نَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } أي حال قبول التّوبة.

و قال قوم: حرام على قرية أهلكناها، لأ نّهم لايرجعون.

و قال الزّجّاج: المعنى: و حرام على قرية أهلكناها أن نتقبّل منهم عملا ، لأ نّهم لايرجعون، أي لايتوبون أبدً ا...

و قيل: في معنى { وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَة ٍ} معناه: واجب عليهم ألا يرجعون إلى تلك القرية أبدً ا.

و قال الجُبّائيّ: معناه: و حرام على قرية أهلكناها عقوبة لهم أن يرجعوا إلى دار الدّنيا. (7 : 277)

القُشَيْريّ: أي لانُهلك قومًا و إن تمادوا في العصيان إلا إذا علمنا أ نّهم لايؤمنون، و أ نّه بالشّقاوة تُختَم أُمورهم. (4 : 195)

الواحديّ: إلى الدّنيا، و المعنى: أنّ الله كتب على من أُهلك أن يبقى في البرزخ إلى يوم القيامة، و أن لايرجع إلى الدّنيا قضاءً منه حتمًا.

و في هذا تخويف لكفّار مكّة أ نّهم إن عُذّبوا و أُهلكوا لم يرجعوا إلى الدّنيا كغيرهم من الأُمم المهلكة. [ثمّ ذكر قول ابن جُرَيْج و جماعة] (3 : 251)

البغَويّ: إلى الدّنيا، و قال الزّجّاج: معناه: و حرام على أهل قرية أهلكناهم - أي حكمنا

بهلاكهم - أن يتقبّل أعمالهم، لأ نّهم لايرجعون، أي لايتوبون. و الدّليل على هذا المعنى أ نّه قال في الآية الّتي قبلها: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلاكُفْرَ انَ لِسَعْيِهِ } أي يتقبّل عمله، ثمّ ذكر هذه الآية عقيبه، و بيّن أنّالكافر لايتقبّل عمله. (3 : 316)

المَيْبُديّ: قال ابن عبّاس: معنى الآية: و حرام على أهل قرية أهلكنا هم بعذاب الاستئصال أن يرجعوا إلى الدّنيا أبدً ا؛ فعلى هذا يكون( لا ) صلة، و في ذلك إبطال قول أهل التّراجع و التّناسخ.

و قيل: < الحرام > هاهنا بمعنى الواجب، فعلى هذا يكون ( لا ) ثابتًا، و المعنى: واجب على أهل قرية أهلكناهم { اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } إلى الدّنيا. و قيل: الآية متّصلة بالآية الأُولى، وتقديره: فمن يعمل من الصّالحات و هو مؤمن، فلاكفران لسعيه، و حرام ذلك على الكفّار، لأ نّهم لايرجعون إلى الإيمان. فعلم ربّ العزّة أ نّهم لايرجعون إلى الإيمان فأهلكهم، و لذلك قال ابن عبّاس في معنى الآية: وجب على أهل قرية حكمنا بهلاكهم أ نّه لايرجع منهم راجع، و لايتوب منهم تائب. (6 : 305)

الزّمَخْشَريّ: و معنى الرّجوع: الرّجوع من الكفر إلى الإسلام و الإنابة. و مجاز الآية: أنّ قومًا عزم الله على إهلاكهم غير مُتصوّر أن يرجعوا و يُنيبوا إلى أن تقوم القيامة، فحينئذ يرجعون و يقولون: { يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فى غَفْلَة مِنْ هذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمينَ‘} يعنى: أ نّهم مطبوع على قلوبهم، فلايزالون على كفرهم و يموتون عليه، حتّى يروا العذاب.

و قرئ ( اِنَّهُم ) بالكسر، و حقّ هذا أن يتمّ الكلام قبله، فلابدّ من تقدير محذوف، كأ نّه قيل: و حرام على قرية أهلكناها ذاك. و هو المذكور في الآيةالمتقدّمة من العمل الصّالح و السّعي المشكور غير المكفور، ثمّ علّل فقيل: إنّهم لايرجعون عن الكفر، فكيف لايمتنع ذلك؟! و القراءة بالفتح يصحّ حملها على هذا، أي لأ نّهم لايرجعون. و ( لا ) صلة على الوجه الأوّ ل.

فإن قلت: بم تعلّقت { حَتّى } الأنبياء : 96،واقعة غاية له، و أيّة الثّلاث هي؟

قلت: هي متعلّقة ب- { حَرَ امٌ }، و هي غاية له، لأنّ امتناع رجوعهم لايزول حتّى تقوم القيامة،و هي { حَتّى } الّتي يحكى بعدها الكلام، و الكلام المحكيّ: الجملة من الشّرط و الجزاء، أعني: ( اِذَا ) و ما في حيّزها. (2 : 583)

ابن عَطيّة: فأمّا معنى الآية، فقالت فرقة: { حَرَ ام} و ( حِرْمٌ ) معناه جَزْم و حَتْم، فالمعنى: و حتم على قريةٍ أهلكناها أ نّهم لايرجعون إلى الدّنيا، فيتوبون و يستعتبون، بل هم صائرون إلى العقاب.

و قال بعض هذه الفرقة: الإهلاك هو بالطّبع على القلوب و نحوه، و الرّجوع هو إلى التّوبة و الإيمان.

و قالت فرقة: المعنى { وَ حَرَ امٌ } أي ممتنع،

و (حِرْمٌ) كذلك، على قرية أهلكناها أ نّهم لايرجعون، و قالوا: ( لا )زائدة في الكلام.

و اختلفوا في الإهلاك و الرّجوع بحسب القولين المذكورين، قال أبوعليّ: يحتمل أن يرتفع { حَرَ امٌ } بالابتداء، و الخبر رجوعهم، و ( لا ) زائدة. و يحتمل أن

يرتفع { حَرَ امٌ } على خبر الابتداء، كأ نّه قال: و الإقالة و التّوبة حرام،ثمّ يكون التّقدير: بأ نّهم لايرجعون، فتكون ( لا ) على بابها، كأ نّه قال: هذا عليهم ممتنع بسبب كذا. فالتّحريم في الآية بالجملة ليس كتحريم الشّرع الّذي إن شاء المنهيّ ركبه.

و يتّجه في الآية معنى ضمّنه وعيدٌ بيّن؛ و ذلك أ نّه ذكر من عمل صالحًا و هو مؤمن، ثمّ عاد إلى ذكر الكفرة الّذين من كفرهم و معتقدهم أ نّهم لايُحشَرون إلى ربّ و لايرجعون إلى معاد، فهم يظنّون بذلك أ نّه لاعقاب ينالهم. فجاءت الآية مكذّبة لظنّ هؤلاء، أي و ممتنع على الكفرة المهلكين أن لايرجعون، بل هم راجعون إلى عقاب الله و أليم عذابه؛ فتكون ( لا ) على بابها، و< الحرام > على بابه، و كذلك < الحِرْم >، فتأمّله.

(4 : 99)

الطَّبْرِسيّ: اختُلف في معناه على وُجُوه:

أحدها: أنّ ( لا ) مزيدة، و المعنى: حرام على قرية مُهلَكة بالعقوبة أن يرجعوا إلى دار الدّنيا، عن الجُبّائيّ.

و قيل: إنّ معناه واجب عليها إنّها إذا أُهلكت لاترجع إلى دنياها، عن قَتادَة و عِكْرِمَة و الكَلْبيّ.

قال عطاء: يريد حتم منّي، و المراد: إنّ الله تعالى كتب على من أُهلك أن لايرجع إلى الدّنيا قضاءً منه حتمًا. و في ذلك تخويف لكفّار مكّة بأ نّهم إن عُذّبوا و أُهلكوا لم يرجعوا إلى الدّنيا، كغيرهم من الأُمم المُهلَكة. و قد جاء الحرام بمعنى الواجب في شعر الخنساء. [ثمّ ذكر شعرها]

و ثانيها: إنّ معناهحرام على قرية وجدناها هالكة بالذّنوب أن يُتقبّل منهم عمل، لأ نّهم لايرجعون إلى التّوبة.

و ثالثها: إنّ معناه حرام أن لايرجعوا بعد الممات، بل يرجعون أحياء للمجازاة، عن أبي مسلم. [ثمّ أيّده برواية الإمام الباقر ] (4 : 62)

أبوالبَرَكات: في ( لا ) وجهان:

أحدهما: أن تكون زائدة، و تقديره: و حرام على قرية أهلكناها أ نّهم يرجعون، أي إلى الدّنيا. ف- ( اَنّ ) و اسمها و خبرها في موضع رفع، لأ نّه خبر المبتدإ الّذي هو { حَرَ امُ }.

و الثّاني: أن تكون غير زائدة، و يكون { حَرَ امُ } مبتدأ، و خبره مقدّر، و تقديره: و حرام على قرية أهلكناها أ نّهم لايرجعون، كائن أو محكوم عليه، فحذف الخبر، و حذف الخبر أكثر من زيادة ( لا )، و هو أوجَه الوجهين عند أبي عليّ الفارسيّ. (2 : 165)

ابن الجَوْزيّ: في معنى الآية أربعة أقوال: [ذكر قول ابن عبّاس و قَتادَة و ابن جُرَيْج، و الزّجّاج و قال:]

فإن قيل: كيف يصحّ أن يُحرّم على الإنسان ما ليس من فعله، و رجوعهم بعد الموت ليس إليهم؟

فالجواب: أنّ المعنى منعوا من ذلك كما يُمنَع الإنسان من الحرام و إن قدر عليه، فكان التّشبيه بالتّحريم للحالتين من حيث المنع. (5 : 388)

الفَخْرالرّ ازيّ: إنّ قوله: { وَ حَرَامٌ } خبر، فلابدّ له من مبتدإ، و هو إمّا قوله: { اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } أو شي‌ء آخر.

أمّا الأوّ ل: فالتّقدير: أنّ عدم رجوعهم حرام، أيممتنع، و إذا كان عدم رجوعهم ممتنعًا، كان رجوعهم واجبًا. فهذا الرّجوع إمّا أن يكون المراد منه: الرّجوع إلى الآخرة، أو إلى الدّنيا.

أمّا الأوّ ل: فيكون المعنى: أنّ رجوعهم إلى الحياة في الدّ ار الآخرة واجب، و يكون الغرض منه إبطال قول من ينكر البعث، و تحقيق ما تقدّم أ نّه لاكفران لسعي أحد، فإنّه سبحانه سيعطيه الجزاء على ذلك يوم القيامة، و هو تأويل أبي مسلم بن بحر.

و أمّا الثّاني: فيكون المعنى: أنّ رجوعهم إلى الدّنيا واجب، لكنّ المعلوم أ نّهم لم يرجعوا إلى الدّنيا، فعند هذا ذكر المفسّرون وجهين:

الأوّ ل: أنّ الحرام قد يجي‌ء بمعنى الواجب... [إلى أن قال:]

ثمّ علّل فقال: (اِنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ ) عن الكفر فكيف لايمتنع ذلك، هذا على قراءة ( اِنَّهُمْ ) بالكسر، و القراءة بالفتح يصحّ حملها أيضًا على هذا، أي إنّهم لايرجعون. (22 : 220)

نحوه النَّيسابوريّ (17 : 64)، و ابن جُزَيّ (3 : 32).

ابن عَرَبيّ: و ممتنع { عَلى" قَرْ يَة } حكمنا بإهلاكها و شقاوتها في الأزل، رجوعهم إلى الفطرة من الاحتجاب بصفات النّفس في النّشأة. (2 : 90)

القُرطُبيّ:واختُلف في(لا) في قوله:{لايَرْجِعُونَ}، فقيل: هي صلة، روي ذلك عن ابن عبّاس، و اختاره أبوعُبَيْد، أي و حرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك.

و قيل: ليست بصلة، وإنّما هي ثابتة، و يكون الحرام بمعنى الواجب، أي وجب على قرية، ف- ( لا ) ثابتة على هذا القول.

قال النّحّاس: و الآية مشكلة، و مِن أحسن ما قيل فيها و أجلّه: ما رواه ابن عُيَيْنَة و...عن ابن عبّاس في قول الله عزّ و جلّ: { وَ حَرَ امٌ...} قال: وجب أ نّهم لايرجعون، قال: لايتوبون.

قال أبوجعفر: و اشتقاق هذا بَيّن في اللُّغة، و شرحه: أنّ معنى حُرّم الشّي‌ء: حُظر و مُنع منه، كما أنّ معنى أُحلّ أُبيح و لم يمنع منه، فإذا كان { حَرَ امٌ } و ( حِرْمٌ ) بمعنى واجب، فمعناه أ نّه قد ضيق الخروج منه و مُنع، فقد دخل في باب المحظور بهذا.

فأمّا قول أبي عُبَيْدَة: إنّ ( لا ) زائدة، فقد ردّه عليه جماعة، لأ نّها لاتُزاد في مثل هذا الموضع، و لافيما يقع فيه إشكال. و لو كانت زائدة لكان التّأويل بعيدً ا أيضًا، لأ نّه إن أراد: و حرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا إلى الدّنيا، فهذا ما لافائدة فيه، و إن أراد التّوبة فالتّوبة لاتُحَرّم.

[ثمّ ذكر قول الزّجّاج و قال:]

و هذا هو معنى قول ابن عبّاس رضی الله عنه. (11 : 340)

البَيْضاويّ: رجوعهم إلى التّوبة أو الحياة، و ( لا) صلة، أو عدم رجوعهم للجزاء، و هو مبتدأ خبره { حَرَ امٌ } أو فاعل له سادّ مسدّ خبره، أو دليل عليه، و تقديره: توبتهم أو حياتهم أو عدم بعثهم، أو لأ نّهم لايرجعون و لاينيبون، و { حَرَ امٌ } خبر محذوف، أي

وحرام عليها ذاك. و هو المذكور في الآية المتقدّمة، و يؤيّده القراءة بالكسر. و قيل: { حَرَ امٌ } عَزْمٌ و موجب عليهم { اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ }. (2 : 81)

مثله: المشهديّ (6 : 438)، و نحوه شُبّر (4 : 216)، و الشَّوْكانيّ (3 : 533).

النّسَفيّ: و المعنى: و ممتنع على مُهلَك غير ممكن أن لايرجع إلى الله بالبعث، أو حرام على قرية أهلكناها، أي قدّرنا إهلاكهم، أو حكمنا بإهلاكهم، ذلك و هو المذكور في الآية المتقدّمة من العمل الصّالح و السّعي المشكور غير المكفور، أ نّهم لايرجعون من الكفر إلى الإسلام. (3 : 89)

أبوحَيّان: و ( لا ) في { لايَرْجِعُونَ } صلة، و هو قول أبي عُبَيْد، كقولك: ما منعك أن لاتسجد، أي يرجعون إلى الإيمان. و المعنى: و ممتنع على أهل قرية قدّرنا عليهم إهلاكهم لكفرهم، رجوعهم في الدّنيا إلى الإيمان، إلى أن تقوم القيامة، فحينئذ يرجعون و يقولون: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فى غَفْلَة مِنْ هذَا } الأنبياء : 97، و غيًّا بما قرب من مجي‌ء السّاعة، و هو فتح يأجُوج و مأجُوج.

و قرئ( اِنَّهُمْ ) بالكسر، فيكون الكلام قد تمّ عند قوله: { اَهْلَكْنَاهَا }، و يقدّر محذوف تصير به { وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَة اَهْلَكْنَاهَا } جملة، أي ذاك، و تكون إشارة إلى العمل الصّالح المذكور في قسيم هؤلاء المُهلَكين. و المعنى: و حرام على أهل قرية قدّرنا إهلاكهم لكفرهم عمل صالح ينجونبه من الإهلاك، ثمّ أكّد ذلك و علّله بأ نّهم لايرجِعون عن الكفر، فكيف لايمتنع ذلك؟! فالمحذوف مبتدأ و الخبر { وَ حَرَ امٌ}، و قدّره بعضهم متقدّمًا، كأ نّه قال: و الإقالة و التّوبة حرام.

و قراءة الجمهور بالفتح تصحّ على هذا المعنى، و تكون ( لا ) نافية على بابها، و التّقدير: لأ نّهم لايرجعون. [ثمّ قال نحو ابن عَطيّة،و نقل قول الزّجّاج، و قول أبي مسلم بن بحر، كما سبق عن الفَخْرالرّ ازيّ، إلا أ نّه قال:]

و أيضًا فمن الاستعمال إطلاق الضّمير على ضدّه، و على هذا فقال مُجاهِد و الحسَن: لايرجعون عن الشّرك. و قال قَتادَة و مُقاتِل: إلى الدّنيا.

(6 : 338)

نحوه و بتفصيل أكثر: السّمين. (5 : 109)

ابن كثير: يقول تعالى: { وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَةٍ...} قال ابن عبّاس: وجب، يعني قد قدّر أنّ أهل كلّ قرية أُهلكوا أ نّهم لايرجعون إلى الدّنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرّح به ابن عبّاس و أبوجعفر الباقر و قَتادَة و غير واحد.

و في رواية عن ابن عبّاس: { اَ نَّهُمْ لايَرْجِعُونَ }، أي لايتوبون. و القول الأوّ ل أظهر، و الله أعلم.

(4 : 592)

البُقاعيّ: أي إلينا، بأن يذهبوا تحت التّراب باطلا من غير إحساس، بل إلينا بموتهم رجعوا، فحبسناهم في البرزخ منعّمين أو معذّبين نعيمًا و عذابًا، دون النّعيم و العذاب الأكبر. (5 : 112)

الشِّربينيّ: [نحوالبُقاعيّ و أضاف:]

و الّذي قدّره الزّمَخْشَريّ أنّ معنى { اَهْلَكْنَاهَا }:

عزمنا على إهلاكها، أو قدّرنا إهلاكها، و معنى الرّجوع: الرّجوع من الكفر إلى الإسلام و الإنابة، فتكون ( لا ) مزيدة. و الّذي قدّره الجلال المحلّيّ أنّ (لا) زائدة، أي يمتنع رجوعهم إلى الدّنيا، فيكون الإهلاك بالموت. و هذا قريب ممّا قاله ابن عبّاس، فإنّه قال: و حرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا بعد الهلاك، فجعل ( لا ) زائدة.

قال البغَويّ: و قال آخرون: الحرام بمعنى الواجب، فعلى هذا يكون ( لا ) ثابتًا، و معناه واجب على أهل قرية أهلكناهم، أي حكمنا بهلاكهم، أن لايتقبّل أعمالهم، لأ نّهم لايرجعون، أي لايتوبون. و الدّليل على هذا المعنى أ نّه تعالى قال في الآية الّتي قبلها: { وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاكُفْرَ انَ لِسَعْيِهِ } أي يتقبّل عمله، ثمّ ذكر هذه الآية عقبه و بيّن أنّ الكافر لايُتقبّل عمله، انتهى.

والّذي قدّره البَيْضاويّ قريب ممّا قدّره الزّمَخْشَريّ، و كلّ هذه التّقادير صحيحة، لكنّ الأوّ ل أظهر. (2 : 529)

أبوالسُّعود: و قوله تعالى: { اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } في حيّز الرّفع، على أ نّه مبتدأ، خبره { حَرَ امٌ }، أو فاعل له سادّ مسدّ خبره، و الجملة لتقرير مضمون ما قبلها، من قوله تعالى: { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ } الأنبياء : 93، و ما في < أنّ > من معنى التّحقيق معتبر في النّفى المستفاد من { حَرَ امٌ }،لا من المنفيّ، أي ممتنع ألبتّة عدم رجوعهم إلينا للجزاء، لا أنّ عدم رجوعهم المحقّق، ممتنع.

و تخصيص امتناع عدم رجوعهم بالذّكر مع شمول الامتناع، لعدم رجوع الكلّ حسبما نطق به قوله تعالى: { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ }، لأ نّهم المنكرون للبعث و الرّجوع دون غيرهم.

و قيل: ممتنع رجوعهم إلى التّوبة، على أنّ ( لا ) صلة.

و قرئ: (اِ نَّهُمْ لايَرْجِعُونَ ) بالكسر، على أ نّه استئناف تعليليّ لما قبله، ف- { حَرَ امٌ } خبر مبتدإ محذوف، أي محرّم عليها ذلك. و هو ما ذُكر في الآية السّابقة من العمل الصّالح المشفوع بالإيمان و السّعي المشكور، ثمّ علّل بقوله تعالى: ( اِنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ )، عمّا هم عليه من الكفر، فكيف لايمتنع ذلك؟!

و يجوز حمل المفتوحة أيضًا على هذا المعنى بحذف اللا م عنها، أي لأ نّهم لايرجعون. (4 : 356)

الشّريف الكاشانيّ: ( لا ) مؤكّدة لمعنى الامتناع، و الجملة الاسميّة مرفوع المحلّ بالابتداء، و { حَرَ امٌ } خبره، أو بأ نّه فاعل له سادّ مسدّ خبره. و المعنى: ممتنع عليهم ألبتّة رجوعهم إلى الدّنيا للتّوبة عن الكفر و المعاصي، و كسب الإيمان و العمل الصّالح.

(4 : 354)

الكاشانيّ: { وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَةٍ } ممتنع على أهلها غير متصوّر منهم، و قرئ ( حِرْمٌ) بكسر الحاء و سكون الرّ اء، {اَهْلَكْنَاهَا اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } قيل: أي حرام رجوعهم إلى الدّنيا أو إلى التّوبة، و لامزيدة.

و قيل: أي حرام عدم رجوعهم للجزاء، و هو مبتدأ، و { حَرَ امٌ} خبره.

في < الفقيه > في خطبة الجمعة لأمير المؤمنين علیه السلام : < أ لم تروا إلى الماضين منكم لايرجعون، و إلى الخلف الباقين منكم لايبقون، قال الله تعالى: { وَ حَرَ امٌ...} الآية >.

و هذا ناظر إلى المعنى الأوّ ل، و يؤيّده القراءة بالكسر في الشّواذّ، كما أ نّها تؤيّد المعنى الثّاني أيضًا، و القراءة بالفتح المشهورة تؤيّد المعنى الثّالث.

(3 : 354)

البُرُوسَويّ: [نحو أبي السُّعود ثمّ أضاف:]

و في < التّأويلات النّجميّة >: يشير إلى قلوب أهل الأهواء و البدع المهلكة باعتقاد السّوء و مخالفات الشّرع، أ نّهم لايتوبون إلى الله، و لايرجعون إلى الحقّ، يدلّ على هذا التّأويل قوله تعالى: { اَفَرَ اَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ اِلهَهُ ’هَويهُ وَ اَضَلَّهُ اللهُ عَلى "عِلْمٍ } الجاثية : 23.

(5 : 522)

الآلوسيّ: و قوله تعالى: { اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } في تأويل اسم مرفوع على الابتداء، خبره { حَرَ امٌ }. قال ابن الحاجب في < أماليه >: و يجب حينئذ تقديمه لما تقرّر في النّحو: من أنّ الخبر عن < أنّ > يجب تقديمه، و جُوّز أن يكون { حَرَ امٌ } مبتدأ، و { اَنَّهُمْ } فاعل له سدّ مسدّ خبره، و إن لم يعتمد على نفي أو استفهام، بناء على مذهب الأخفش، فإنّه لايشترط فيذلك الاعتماد، خلافًا للجمهور، كما هو المشهور.

و ذهب ابن مالك: أنّ رفع الوصف الواقع مبتدأ لمكتفى به عن الخبر من غير اعتماد، جائز بلاخلاف. و إنّما الخلاف في الاستحسان و عدمه، فسيبَوَيه يقول: هو ليس بحسَن، و الأخفش يقول: هو حسَن، و كذا الكوفيّون، كما في < شرح التّسهيل >. و الجملة لتقرير ما قبلها...[فذكر مثل أبي السُّ-عود، ثمّ ذكر قول أبي مسلم و ذيلَه، كما سبق عن الفَخْ-رالرّازيّ،و قال:]

و لايخفى ما فيه.

و قال أبوعُتْبَة: المعنى: و ممتنع على قرية قدّرنا هلاكها أو حكمنا به رجوعهم إلينا، أي توبتهم، على أنّ ( لا ) سيفُ خطيب مثلها، في قوله تعالى: { مَا مَنَعَكَ اَ لا تَسْجُدَ } الأعراف : 12، في قولٍ...

و قال قَتادَة و مُقاتِل: لايرجعون إلى الدّنيا، و الظّاهر على هذا أنّ المراد ب- { اَهْلَكْنَاهَا }: أوجدنا إهلاكها بالفعل، و المراد بالهلاك: الهلاك الحسّيّ.

و يجوز على القول بأنّ المراد بعدم الرّجوع: عدم التّوبة، أن يراد به الهلاك المعنويّ بالكفر و المعاصي.

و قرئ ( اِنَّهُم ) بكسر الهمزة، على أنّ الجملة استئناف تعليليّ لما قبلها، ف- { حَرَ امٌ} خبر مبتدإ محذوف، أي حرام عليها ذلك، و هو ما ذُكر في الآية السّابقة من العمل الصّالح المشفوع بالإيمان و السّعي المشكور، ثمّ علّل بقوله تعالى: { اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ} عمّاهم عليه من الكفر، فكيف لايمتنع ذلك؟!

و يجوز حمل الكلام على قراءة الجمهور بالفتح، على هذا المعنى بحذف حرف التّعليل، أي لأ نّهم لايرجعون. و الزّجّاج قدّر المبتدأ في ذلك أن يُتقبّل عملهم.[فذكر قوله] (17 : 91)

القاسميّ: أي و حرام على أهل قرية فسقوا عن أمر ربّهم، فأهلكهم بذنوبهم، أن يرجعوا إلى أهلهم،

كقوله تعالى: { اَ لَمْ يَرَوْ ا كَمْ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } يس: 31، و قوله: { فَلا يَسْتَطيعُو‘نَ تَوْصِيَةً وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يس: 50، و زيادة ( لا ) هنا لتأكيد معنى النّفي من { حَرَ امٌ}، و هذا من أساليب التّنزيل البديعة البالغة النّهاية في الدّ قّة. و سرّ الإخبار بعدم الرّجوع مع وضوحه، هو الصّدع بما يُزعجهم و يؤسفهم و يلَوّعهم من الهلاك المؤبّد، و فوات أمنيّتهم الكبرى، و هي حياتهم الدّنيا. [ثمّ ذكر قول أبي مسلم و قال:]

و الّلفظ الكريم يحتمله و يتّضح فيه، إلا أنّ الأوّ ل لرعاية النّظائر من الآي أولى. و أمّا ما ذُكر سواهما، فلايدلّ عليه السّياق و لاالنّظير. و فيه ما يخلّ بالبلاغة من التّعقيد و فوات سلاسة التّعبير. (11 : 4309)

المَراغيّ: أي ممتنع أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدّنيا. (17 : 71)

عزّ ة دروزة: [و في هذه الآية] إشارة إلى الفريق الّذي انحرف عن الطّريقة القويمة، فاستحقّ غضب الله و هلاكه، فإنّها بعد أن يكون هلاك الله حلّ فيه لايقبل منهرجوع و لاتوبة.

و لقد تعدّدت الأقوال في تأويل الآية، و نرجو أن يكون ما اخترناه منها و أوّلناه بها هو الصّواب؛ حيث تبادر لنا أ نّه الأكثر اتّساقًا مع روح الآيات بمجموعها.

(6 : 182)

سيّد قُطْب: إنّما يفرد السّياق هذه القرى بالذّكر، بعد أن قال: { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ } لأ نّه قد يخطر للذّهن أنّ هلاكها في الدّنيا كان نهاية أمرها، و نهاية حسابها و جزائها. فهو يؤكّد رجعتها إلى الله، و ينفي عدم الرّجعة نفيًا قاطعًا في صورة التّحريم لوقوعه. و هو تعبير فيه شي‌ء من الغرابة، ممّا جعل المفسّرين يؤوّلونه، فيقدّرون أنّ ( لا ) زائدة، و أنّ المعنى هي نفي رجعة القرى إلى الحياة في الدّنيا بعد إهلاكها، أو نفي رجوعهم عن غيّهم إلى قيام السّاعة. و كلاهما تأويل لاداعي له، و تفسير النّصّ على ظاهره أولى، لأنّ له وجهه في السّياق، على النّحو الّذي ذكرنا. (4 : 2398)

ابن عاشور: و الرّجوع: العود إلى ما كان فيه المرء، فيحتمل أنّ المراد رجوعهم عن الكفر، فيتعيّن أن تكون ( لا ) في قوله تعالى: { لايَرْجِعُونَ } زائدة للتّوكيد، لأنّ { حَرَ امٌ } في معنى النّفي، و ( لا ) نافية، و نفي النّفي إثبات، فيصير المعنى: منع عدم رجوعهم إلى الإيمان، فيؤول إلى أ نّهم راجعون إلى الإيمان. و ليس هذا بمراد، فتعيّن أنّ المعنى منع على قرية قدّرنا هلاكها أن يرجعوا عن ضلالهم، لأ نّه قد سبقتقدير هلاكها.

و هذا إعلام بسنّة الله تعالى في تصرّفه في الأُمم الخالية، مقصود منه التّعريض بتأييس فريق من المشركين من المصير إلى الإيمان، و تهديدهم بالهلاك. و هؤلاء هم الّذين قدّر الله هلاكهم يوم بدر بسيوف المؤمنين.

و يجوز أن يراد رجوعهم إلى الآخرة بالبعث، و هو المناسب لتفريعه على قوله تعالى: { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ } الأنبياء : 93، فتكون ( لا ) نافية. و المعنى: ممنوع عدم رجوعهم إلى الآخرة الّذي يزعمونه، أي

دعواهم باطلة، أي فهم راجعون إلينا، فمجازون على كفرهم، فيكون إثباتًا للبعث بنفي ضدّه، و هو أبلغ من صريح الإثبات، لأ نّه إثبات بطريق الملازمة، فكأ نّه إثبات الشّي‌ء بحجّة. و يفيد تأكيدً ا لقوله تعالى: { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ } الأنبياء : 93. [إلى أن ذكر عن لغة بني عُقيل أنّ الحرام يأتي بمعنى اليمين ثمّ قال:]

فيتأتّى على هذا وجه ثالث في تفسير قوله تعالى: { وَ حَرامٌ...} أي و يمينٌ منّا على قرية، فحرف ( عَلى" ) داخل على المُسلّطة عليه اليمين، كما تقول: عزمت عليك، و كما يقال: حلفت على فلان أن لاينطق، و كقول الرّ اعي:

إنّي حلفت على يمين برّة

لا أكتم اليوم الخليفة قيلا

و فتح همزة « أنّ » في اليمين أحد وجهين فيها في سياق القسم.

و معنى { لايَرْجِعُونَ } على هذا الوجه:لايرجعون إلى الإيمان، لأنّ الله علم ذلك منهم فقدّر إهلاكهم. (17 : 106)

مَغْنِيّة: هذه الآية سؤال عن جواب مقدّر، و هو: هل المشركون من أهل القرى الّذين أهلكهم الله بكفرهم، يحييهم الله ثانية بعد الموت، و يُعذّبهم في الآخرة، كما عذّبهم في الدّنيا؟

فأجابه سبحانه بأنّ كلّ النّاس يرجعون غدً ا إلى الله من غير استثناء، حتّى الّذين أهلكهم في الدّنيا بذنوبهم، و حرام عليهم عدم الرّجوع إلى الله بعد الموت، بل لابدّ من نشرهم و حشرهم لامحالة.

سؤال ثان : هل يعاقبهم الله في الآخرة على كفرهم بعد أن عاقبهم عليه في الدّنيا؟ و هل يجوز الجمع بين عقوبتين على جريمة واحدة؟

الجواب: كان إهلاكهم في الدّنيا عقابًا على تكذيبهم الرّسل الّذين جاؤوهم بالمعجزات، كما دلّ قوله تعالى: { وَ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ اَغْرَقْنَاهُمْ } الفرقان : 37، و قوله: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ

وَ اَصْحَابُ الرَّسِّ وَ ثَمُودُ * وَ عَادٌ وَ فِرْعَوْنُ وَ اِخْوَ انُ لُوط * وَ اَصْحَابُ الاَ_يْكَةِ وَ قَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعيدِ‘ } ق : 12 - 14، و غير ذلك من الآيات.

أمّا عذاب الآخرة فهو على الكفر من حيث هو، و على سائر الذّنوب كالكذب و الظّلم و نحوه، فالعقاب متعدّد، و لكن بتعدّد الذّنوب، لاعلى ذنب واحد. (5 : 298)

الطَّباطَبائيّ: الّذي يستبق من الآية إلى الذّهن بمعونة من سياق التّفصيل، أن يكون المراد: أنّ أهل القرية الّتي أهلكناهالايرجعون ثانيًا إلى الدّنيا، ليحصلوا على ما فقدوه من نعمة الحياة، و يتداركوا ما فوّتوه من الصّالحات، و هو واقع محلّ أحد طرفي التّفصيل، الّذي تضمّن طرفه الآخر قوله: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ...}. فيكون الطّرف الآخر من طرفي التّفصيل أنّ من لم يكن مؤمنًا قد عمل من الصّالحات، فليس له عمل مكتوب و سعي مشكور. و إنّما هو خائب خاسر ضلّ سعيه في الدّنيا، و لاسبيل له إلى حياة ثانية في الدّنيا، يتدارك فيها ما فاته.

غير أ نّه تعالى وضع المجتمع موضع الفرد؛ إذ قال:

{ وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَةٍ اَهْلَكْنَاهَا } و لم يقل: و حرام على من أهلكناه، لأنّ فساد الفرد يُسري بالطّبع إلى المجتمع، و ينتهي إلى طغيانهم، فيحقّ عليهم كلمة العذاب، فيُهلَكون كما قال: { وَ اِنْ مِنْ قَرْ يَةٍ اِلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيمَةِ اَوْ مُعَذِّ بُوهَا عَذَابًا شَديدً ا‘ } الإسراء : 58.

و يمكن - على بُعْد - أن يكون المراد بالإهلاك: الإهلاك بالذّنوب، بمعنى بُطلان استعداد السّعادة و الهدى، كما في قوله: { وَ اِنْ يُهْلِكُونَ اِلا اَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ } الأنعام : 26، فتكون الآية في معنى قوله: { فَاِنَّ اللهَ لايَهْدى‘ مَنْ يُضِلُّ } النّحل : 37، و المعنى: و حرام على قوم أهلكناهم بذنوبهم و قضينا عليهم الضّلال، أن يرجعوا إلى التّوبة و حال الاستقامة.

و معنى الآية: و القرية الّتي لم تعمل من الصّالحات و هي مؤمنة، وأنجز أمرها إلى الإهلاك، ممتنع عليهم أن يرجعوا فيتداركوا ما فاتهم من السّعي المشكور، و العمل المكتوب المقبول.

و أمّا قوله: { اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } و كان الظّاهر أن يقال: إنّهم يرجعون، فالحقّ أ نّه مجاز عقليّ وُضع فيه نتيجة تعلّق الفعل بشي‌ء، أعني ما يؤول إليه حال المتعلّق بعد تعلّقه به، موضع نفس المتعلّق، فنتيجة تعلّق الحرمة برجوعهم عدم الرّجوع، فوُضعت هذه النّتيجة موضع نفس الرّجوع الّذي هو متعلّق الحرمة. و في هذا الصّنع إفادة نفوذ الفعل، كأنّ الرّجوع يصير بمجرّد تعلّق الحرمة عدم رجوع، من غير تخلّل فصل.

و نظيره أيضًا قوله: { مَا مَنَعَكَ اَلا تَسْجُدَ اِذْ اَمَرْتُكَ } الأعراف : 12، حيث إنّ تعلّق المنع بالسّجدة يؤول إلى عدم السّجدة، فوُضع عدم السّجدة الّذي هو النّتيجة موضع نفس السّجدة الّتي هي متعلّق المنع.

و نظيره أيضًا قوله: { قُلْ تَعَالَوْ ا اَتْلُ مَا حَرَّمَ رَ بُّكُمْ عَلَيْكُمْ اَ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْ-ً-ا=} الأنعام : 151، حيث إنّ تعلّق التّحريم بالشّرك ينتج عدم الشّرك، فوُضع عدم الشّرك الّذي هو النّتيجة مكان نفس الشّرك الّذي هو المتعلّق، و قد وجّهنا هاتين الآيتين فيما مرّ بتوجيه آخر أيضًا.

و للقوم في توجيه الآية وُجُوه:

منها: أنّ ( لا ) زائدة، و الأصل أ نّهم يرجعون.

و منها: أنّ الحرام بمعنى الواجب، أي واجب على قرية أهلكناها أ نّهملايرجعون. [ثمّ استشهد بشعر]

و منها: [و هو قول الزّجّاج]

و منها: أنّ المراد بعدم الرّجوع عدم الرّجوع إلى الله سبحانه بالبعث، لاعدم الرّجوع إلى الدّنيا، و المعنى على استقامة اللّفظ، و ممتنع على قرية أهلكناها بطغيان أهلها أن لايرجعوا إلينا للمجازاة. و أنت خبير بما في كلّ من هذه الوُجُوه من الضّعف. (14 : 321)

عبد الكريم الخطيب: أي و محكوم على أيّة قرية هلكت ألا يرجع أهلها مرّة أُخرى إلى الدّنيا، أو أن يفرّوا من هذا العذاب المُعدّ لهم.

و فى التّعبير عن الحكم بلفظ الحرام، تأكيد لهذا الحكم، و جعل عودتهم إلى الدّنيا من المحرّمات، الّتي إن ارتكبها المجرمون فإنّها لاتجي‌ء من عند الله - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرً ا - فكما كتب سبحانه على

نفسه الرّحمة، حرّم سبحانه على نفسه أن يُرجع الموتى إلى الدّنيا مرّة أُخرى، و إنّما يبعثهم للحساب و الجزاء.

(9 : 953)

مكارم الشّيرازيّ: [راجع: ح ر م: < حَرَ امٌ >]

(10 : 217)

فضل الله: [راجع: ح ر م: < حَرَ امٌ >] (15 : 268)

8 - اِذْهَبْ بِكِتَابى هذَا فَاَلْقِهْ اِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَا ذَا يَرْجِعُونَ. النّمل : 28

ابن عبّاس: يقولون و يردّون و يُجيبون كتابي.

(317)

هكذا أكثر التّفاسير، و راجع أيضًا: ن ظ ر:

< اُنْظُر >.

ابن عاشور: و المراد بالرّجْع: رَجْع الجواب عنالكتاب، أي من قبول أو رَفْض، و هذا كقوله: {فَانْظُرى‘ مَا ذَا تَاْمُرينَ ‘} النّمل : 33. (19 : 253)

9 - ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ اَيْدِى النَّاسِ لِيُذيقَهُمْ بَعْضَ الَّذى‘ عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

الرّوم : 41

ابن مَسعود: يوم بدر لعلّهم يتوبون.

(الطّبَريّ10 : 192)

ابن عبّاس: لكي يرجعوا عن ذنوبهم فيكشف عنهم. (342)

أبوالعالية: يرجعون عن المعاصي.

(ابن الجَوْزيّ 6 : 306)

النّخعيّ: إلى الحقّ. (الطّبَريّ10 : 192)

الحسَن: يتوبون. (الطّبَريّ10 : 192)

مثله شُبّر (5 : 92)

يرجع من بعدهم. (الطّبَريّ10 : 192)

قَتادَة: لعلّ راجعًا أن يرجع، لعلّ تائبًا أن يتوب، لعلّ مستعتِبًا أن يستعتب. (الطّبَريّ10 : 192)

الطّبَريّ: يقول: كي يُنيبوا إلى الحقّ، و يرجعوا إلى التّوبة، و يتركوا معاصي الله. (10 : 192)

الثّعلبيّ: عن كفرهم و أعمالهم الخبيثة. (7 : 305)

مثله البغَويّ (3 : 580)، و الخازن (5 : 175).

الطُّوسيّ: أي ليرجعوا عنها في المستقبل، و تقديره: فعل الله تعالى القحط و الشّدائد و الجدب و قلّة الثّمار و هلاك النّفوس، عقوبةً على معاصيهم، ليذيقهم بذلك عقاب بعض ما عملوا من المعاصي، ليرجعوا عنها في المستقبل، ليذيقهم عقابه، غير أ نّه أُجري على بعض العمل، لأ نّهم بذواقهم جزاءه كأ نّهم ذاقوه. و هذا من الحذف الحسن، لأ نّه حذف المسبّبو إقامة السّبب الّذي أدّى إليه مُقامه.

ثمّ بيّن تعالى أ نّه فعل بهم هذا، ليرجعوا عن معاصيه إلى طاعته. (8 : 257)

الواحديّ: لكي يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان.

و هذا كقوله: { وَ لَقَدْ اَخَذْنَا ا"لَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنينَ‘ } الأعراف : 130. (3 : 435)

الزّمَخْشَريّ:... فإن قلت: ما معنى قوله: { لِيُذيقَهُمْ بَعْضَ الَّذى‘ عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}؟

قلت: أمّا على التّفسير الأوّ ل فظاهر، و هو أنّ الله قد أفسد أسباب دنياهم و محقها، ليذيقهم و بال بعض أعمالهم في الدّنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة، لعلّهم يرجعون عمّا هم عليه. و أمّا على الثّاني فاللا م مجاز، على معنى أنّ ظهور الشّرور بسببهم ممّا استوجبوا به أن يذيقهم الله و بال أعمالهم إرادة الرّجوع، فكأ نّهم إنّما أفسدوا و تسبّبوا لفشوّ المعاصي في الأرض، لأجل ذلك. (3 : 224)

ابن عَطيّة: لعلّهم يتوبون، و يراجعون بصائرهم في طاعة الله تعالى...

و التّرجّي في < لَعَلّ > هو بحسب معتقداتنا، و بحسب نظرنا في الأُمور. (4 : 340)

الطَّبْرِسيّ: أي ليرجعوا عنها في المستقبل. و قيل: معناه: ليرجع من يأتي بعدهم عن المعاصي. (4 : 307)

مثله المشهديّ. (7 : 604)

ابن الجَوْزيّ: في المشار إليهم قولان:

أحدهما: أ نّهم الّذين أُذيقوا الجزاء. ثمّ في معنى رجوعهم قولان:

أحدهما: يرجعون عن المعاصي، قاله أبوالعالية.

و الثّاني: يرجعون إلىالحقّ، قاله إبراهيم.

و الثّاني: أ نّهم الّذين يأتون بعدهم، فالمعنى: لعلّه يرجع من بعدهم، قاله الحسَن. (6 : 306)

الفَخْرالرّ ازيّ: يعني كما يفعله المتوقّع رجوعهم، مع أنّ الله يعلم أنّ من أضلّه لايرجع، لكنّ النّاس يظنّون أ نّه لو فعل بهم شي‌ء من ذلك، لكان يوجد منهم الرّجوع،كما أنّ السّ-يّد إذا علم من عبده أ نّه لايرتدع بالكلام، فيقول القائل: لما ذا لاتؤدّبه بالكلام؟ فإذا قال: لاينفع: ربما يقع في وهمه أ نّه لايبعد عن نفع، فإذا زجره و لم يرتدع يظهر له صدق كلام السّيّد و يطمئنّ قلبه. (25 : 128)

البَيْضاويّ: عمّا هم عليه. (2 : 223)

مثله النّسَفيّ (3 : 274)، و النَّيسابوريّ (21 : 41)، و أبوحَيّان (7 : 176)، و الشِّربينيّ (3 : 172)، و أبوالسُّعود (5 : 178)، و الكاشانيّ (4 : 135)، و الشَّوْكانيّ (4 : 286).

الثّعالبيّ: أي يتوبون و يراجعون بصائرهم في طاعة ربّهم. (2 : 547)

البُقاعيّ: أي ليكون حالهم عند من ينظرهم حال مَن يُرْجى رجوعه عن فعل مثل ذلك، خوفًا من أن يعاد لهم بمثل ذلك من الجزاء. (5 : 632)

البُرُوسَويّ: عمّا كانوا عليه من الشّرك

و المعاصي و الغفلات و تتبّع الشّهوات و تضييع الأوقات، إلى التّوحيد و الطّاعة، و طلب الحقّ و الجهد في عبوديّته، و تعظيم الشّرع، و التّأسّف على مافات، و هذا كقوله تعالى: { وَ لَقَدْ اَخَذْنَا ا"لَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنينَ ‘وَ نَقْص مِنَ الثَّمَرَ اتِ لَعَلَّهُمْيَذَّكَّرُونَ } أي يتّعظون فلم يتّعظوا. ففيه تنبيه على أنّ الله تعالى إنّما يقضي بالجدوبة و نقص الثّمرات و النّبات، لطفًا من جنابه في رجوع الخلق عن المعصية. (7 : 46)

الآلوسيّ:[راجع:ذ و ق: < ليُذيقَهُم >.] (21 : 48)

ابن عاشور: و الرّجاء المستفاد من < لعلّ > يشير إلى أنّ ما ظهر من فساد كاف لإقلاعهم عمّا هم

اكتسبوه، و أنّ حالهم حال من يُرجى رجوعه، فإنْ هم لم يرجعوا فقد تبيّن تمرّدهم، و عدم إجداء الموعظة فيهم، و هذا كقوله تعالى: { اَوَ لايَرَوْنَ اَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً اَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لايَتُوبُونَ وَ لاهُمْ يَذَّكَّرُونَ } التّوبة : 126.

و الرّجوع مستعار للإقلاع عن المعاصي، كأنّ الّذي عصى ربّه عبد أبق عن سيّده، أو دا بّة قد أبدت، ثمّ رجع. و في الحديث: « الله أفرَحُ بتوبة عبده من رجل نزل منزلا و به مُهلَكة، و معه راحلته عليها طعامه و شرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ و قد ذهبت راحلته، حتّى إذا اشتدّ عليه الحرّ و العطش، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فرجع فنام نومة، ثمّ رفع رأسه فإذا دا بّته عنده ». (21 : 67)

حجازي: يتوبون إلى رشدهم، و يؤمنوا بربّهم.

(21 : 28)

فضل الله: ليعيشوا الواقع الصّعب في نطاق المعاناة الجسديّة، في ما يتّصل بآلام الجسد، و المعاناة الرّوحيّة في ما يتّصل بالنّتائج المعنويّة و المادّ يّة في المؤثّرات الفكريّة و الشّعوريّة في حياته، ليكون ذلك أساسًالإعادة النّظر بكلّ الأوضاع و الممارسات المنحرفة، على ضوء النّتائج السّلبيّة، ليتراجعوا عنها، و ليستقبلوا حياة جديدة بعيدة كلّ البُعْد عمّا كانوا فيه.

فالإنسان لايفكّر عادة بالتّراجع عن خطواته المنسجمة مع أهوائه، إذا لم يصطدم بالآلام القاسية، الّتي تهزّ كلّ جوانب الواقع من حوله و في داخله.

و في ضوء ذلك، فإنّنا نفهم من هذا القانون الإلهيّ، أنّ الله يُربّي عباده بالبلاء النّاتج من أعمالهم المنحرفة، كما يربّيهم بالوحي النّازل على رُسله. (18 : 146)

10 - وَ لَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الاَ_دْنى" دُونَ الْعَذَابِ الاَ_كْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. السّجدة : 21

ابن مَسعود: يتوبون.

مثله أبوالعالية، و قَتادَة. (الطّبَريّ10 : 248)

لعلّ من بقي منهم يتوب. (ابن الجَوْزيّ6 : 342)

ابن عبّاس: عن كفرهم فيتوبوا. (349)

مثله البَيْضاويّ (2 : 236)، و النّسَفيّ (3 : 290)، و أبوالسُّعود (5 : 205).

مُقاتِل: لكي يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان.

(ابن الجَوْزيّ 6 : 342)

الطّبَريّ: كي يرجعوا و يتوبوا. (10 : 248)

القُمّيّ: يعني فإنّهم يرجعون في الرّجعة حتّى يُعذّبوا. (2 : 170)

الطُّوسيّ: و قوله: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إخبار منه تعالى أ نّه يفعل بهم ما ذكره من العذاب الأدنى، ليرجعوا عن معاصي الله إلى طاعته و يتوبوا منها، و هو قولعبد الله و أبي العالية و قَتادَة. (8 : 306)

الزّمَخْشَريّ: أي يتوبون عن الكفر، أو لعلّهم يريدون الرّجوع و يطلبونه، كقوله تعالى: { فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا }. و سمّيت إرادة الرّجوع رجوعًا، كما سمّيت إرادة القيام قيامًا في قوله تعالى: { اِذَا قُمْتُمْ اِلَى الصَّلو"ةِ } المائدة : 6، و يدلّ عليه قراءة من قرأ

(يُرْجَعُونَ )، على البناء للمفعول.

فإن قلت: من أين صحّ تفسير الرّجوع بالتّوبة؟ و « لعلّ » من الله إرادة، و إذا أراد الله شيئًا كان و لم يمتنع، و توبتهم ممّا لايكون؛ ألاترى أ نّها لو كانت ممّا يكون لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر؟

قلت: إرادة الله تتعلّق بأفعاله و أفعال عباده، فإذا أراد شيئًا من أفعاله كان و لم يمتنع، للاقتدار و خلوص الدّ اعي. و أمّا أفعال عباده: فإمّا أن يريدها و هم مختارون لها، أو مضطرّون إليها بقسره و إلجائه، فإن أرادها و قد قسرهم عليها، فحكمها حكم أفعاله، و إن أرادها على أن يختاروها، و هو عالم أ نّهم لايختارونها، لم يقدح ذلك في اقتداره، كما لايقدح في اقتدارك إرادتك أن يختار عبدك طاعتك و هو لايختارها، لأنّ اختياره لايتعلّق بقدرتك، و إذا لم يتعلّق بقدرتك، لم يكن فقده دالا على عجزك. (3 : 245)

الطَّبْرِسيّ: أي ليرجعوا إلى الحقّ و يتوبوا من الكفر. و قيل: ليرجع الآخرون عن أن يُذنبوا مثل ذنوبهم. (4 : 332)

الفَخْرالرّ ازيّ:المسألة الثّانية: قوله تعالى: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، ( لَعَلَّ ) هذه، التّرجّي، و الله تعالى محال ذلك عليه، فما الحكمة فيه؟

نقول: فيه وجهان:

أحدهما: معناه: لنذيقنّهم إذاقة الرّ اجين، كقوله تعالى: { اِنَّا نَسينَا‘كُمْ } السّجدة : 14، يعني تركناكم كما يُترَ ك النّاسي؛ حيث لايُلتفت إليه أصلا . فكذلك هاهنا، نذيقهم على الوجه الّذي يُفعل بالرّ اجي من التّدريج.

و ثانيهما: معناه: نذيقهم العذاب إذاقة، يقول القائل: لعلّهم يرجعون بسببه.

و نُزيد وجهًا آخر من عندنا: و هو أنّ كلّ فعل يتلوه أمر مطلوب من ذلك الفعل، يصحّ تعليل ذلك الفعل بذلك الأمر، كما يقال: فلان اتّجر ليربح. ثمّ إنّ هذا التّعليل إن كان في موضع لايحصل الجزم بحصول الأمر من الفعل نظرً ا إلى نفس الفعل، و إن حصل الجزم و العلم بناءً على أمر من خارج، فإنّه يصحّ أن يقال: يفعل كذا رجاء كذا، كما يقال: يتّجر رجاء أن يربح.

و إن حصل للتّاجر جزم بالرّبح، لايقدح ذلك في صحّة قولنا: يرجو، لما أنّ الجزم غير حاصل، نظرً ا إلى التّجارة. و إن كان الجزم حاصلا نظرً ا إلى الفعل، لايصحّ أن يقال: يرجو، و إن كان ذلك الجزم يحتمل خلافه، كقول القائل: فلان حزّ رقبة عدوّه رجاء أن يموت لايصحّ، لحصوله الجزم بالموت عقيب الحزّ، نظرً ا إليه، و إن أمكن أن لايموت، نظرً ا إلى قدرة الله تعالى.

و يُصحّح قولنا، قولهتعالى في حقّ إبراهيم: { وَ الَّذى‘ اَطْمَعُ اَنْ يَغْفِرَ لى خَطيئَتى } الشّعراء : 82، مع أ نّه كان عالمًا بالمغفرة، لكن لمّا لم يكن الجزم حاصلا من نفس الفعل، أطلق عليه الطّمع، و كذلك قوله تعالى: { وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_خِ-رَ ’} مع أنّ الجزم به لازم.

إذا عُلم ماذكرنا، فنقول: في كلّ سورة قال الله تعالى: { لَعَلَّهُمْ } فإن نظرنا إلى الفعل لايلزم الجزم، فإنّ من التّعذيب لايلزم الرّجوع لزومًا بيّ-نًا، فصحّ

قولنا < يرجو > و إن كان علمه حاصلا بما يكون.

غاية ما في الباب أنّ الرّجاء في أكثر الأمر استُعمل فيما لايكون الأمر معلومًا، فأوهم أن لايجوز الإطلاق في حقّ الله تعالى، و ليس كذلك، بل التّرجّي يجوز في حقّ الله تعالى، و لايلزم منه عدم العلم، و إنّما يلزم عدم الجزم بناءً على ذلك الفعل، و علم الله ليس مستفادً ا من الفعل، فيصحّ حقيقة التّرجّي في حقّه، على ما ذكرنا من المعنى. (25 : 184

نحوه ملخّصًا الشِّربينيّ. (3 : 213)

القُرطُبيّ: نحو الزّمَخْشَريّ ملخّصًا. (14 : 107)

النَّيسابوريّ: قال في < التّفسير الكبير >: إنّ الرّجاء في أكثر الأمر يُستَعمل فيما لاتكون عاقبته معلومة، فتوهّم الأكثرون أ نّه لايجوز إطلاقه في حقّ الله تعالى، و ليس كذلك، فإنّ الجزم بالعاقبة إنّما يحصل في حقّه بدليل منفصل لامن نفس الفعل، فإنّ التّعذيب لايلزم منه الرّجوع لزومًا بيّنًا.

قلت: هذا يرجع إلى التّأويل الأوّ ل، فإنّ الكلام في تعذيب الله هل هويستدعي الرّجوع على سبيل الرّجاء أم لا؟ وكون مطلق التّعذيب مستدعيًا لذلك، لايكفي للسّائل. (21 : 67)

الخازن: أي إلى الإيمان، يعني من بقي منهم بعد القحط و بعد بَدْر. (5 : 188)

أبوحَيّان: [ذكر الأقوال، ثمّ قال نحو الزّمَخْشَريّ، إلى أن نقل قوله في تفسير الرّجوع بالتّوبة و أضاف:]

و هو على مذهب المعتزلة، و قد ردّ عليهم أهل السّنّة؛ و ذلك مقرّر في علم الكلام. (7 : 203)

البُقاعيّ: أي ليكون حالهم حال من يُرجى رجوعه عن فسقه، عند من ينظره. و قد كان ذلك رجع كثير منهم خوفًا من السّيف، فلمّا رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشدّ النّاس فيه رغبةً و له حُبًّا. (6 : 61)

صدر المتألّهين: أي ليرجعوا إلى الحقّ، و يتوبوا من الكفر. و قيل: ليرجع الآخرون عن أن يُذنبوا مثل ذنوبهم. و قيل: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، أي يريدون الرّجوع إلى الدّنيا و يطلبونه، كقوله تعالى: { فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا } السّجدة : 12.

و الظّاهر أنّ هذا الوجه ناظر إلى كلام من وجّه حمل العذاب الأدنى بعذاب القبر، كما نقل عن مُجاهِد. و هو ليس بشي‌ء، لأ نّه يلزم تعليل فعل الله تعالى بأمر عبث لافائدة فيه، فإنّ إرادة الرّجوع منهم إلى الدّنيا بعد القيامة إرادة أمر مستحيل الوقوع كما مرّ. فلايجوز أن يكون إذاقة العذاب إيّاهم من الله معلّلة بتلك الإرادة الوهميّة الجزافيّة، اللّهمّ إلا أن يقال: نفس تلك الإرادة نوع من الأ لم و العذابفيهم، و هو كما ترى.

و لايبعد أن يراد من العذاب الأدنى: نفس البقاء في الدّنيا و البشريّة، فإنّ البشريّة كلّها عذاب، و هو منشأ عذاب القبر، بل القبر الحقيقيّ هو الكون في حُفرة هذا القالب الدّنياويّ، و هو موت الرّوح و عذابه.

و سُئل عن بعض الأكابر من العذاب في القبر، فقال: القبر كلّه عذاب، إلا أ نّه قبر متحرّ ك، كما قيل:

در حبسِ چرخِ گور روانست اين تنم((1))

و في الحديث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله): < من أراد أن ينظر إلى ميّت يمشي فلينظر إليّ > .

مشكاة فيها مصباح:

إنّ مفهوم < التّرجّي > المستفاد من لفظ { لَعَلَّهُمْ } هاهنا، و في مواضع كثيرة من القرآن، ممّا استصعب القوم استناده إلى الله تعالى، لكونه يُستَعمل فيما لاقطع لوجوده من الاحتمالات المرجوّة الوقوع، و الله محيط بالأشياء من غير احتجاب و خفاء عليه. و أيضًا « لعلّ » من الله إرادة، و إرادة الله إذا تعلّقت بشي‌ء كان ثابتًا و لم يمتنع تحقّقه، و توبتهم مستحيلة الوقوع، و إلا لم يكونوا ذائقين العذاب الأكبر. و لم أجد في كلام أحد من النّاظرين في الكلام و الباحثين في علم الكلام، ما به يطمئنّ القلب و يسكن الرَّوْع، و كنت منتظرً ا حتّى يأتي الله بأمر كان مفعولا .

أمّا المذكور في أقوالهم فوُجُوه:

أحدها: إنّ التّرجّي راجعإلى العباد لا إلى الله تعالى، كقوله: { لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ اَوْ يَخْشى } طه" : 44، أي اذهبا أنتما على رجائكما و طمعكما في إيمانه، ثمّ الله عالم بما يؤول إليه أمره.

و ثانيها: إنّ من دَيْدَن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم الّتي يُوطّنون أنفسهم لانجازها، على أن يقولوا: « عسى و لعلّ » و حينئذ لايبقى لطالب ما عندهم شكّ في الفوز و النّجاح بالمطلوب.

و ثالثها: إنّه جاء على طريق الإطماع دون التّحقّق، لئلا يتّكل العباد مثل: { تُوبُوا اِلَى اللهِ تَوْ بَةً نَصُوحًا عَسى رَ بُّكُمْ اَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّ-ا"تِكُمْ } التّحريم : 8.

و رابعها: إنّه وقع < لعلّ > موقع المجاز لاالحقيقة، لأنّ الله عزّ و جلّ خلق عباده، ليستعبدهم بالتّكليف،

و ركّب فيهم العقول و الشّهوات، و أزاح العلل في أقدارهم و تمكّنهم، و هداهم النّجْدَيْن، و أراد منهم أن يتّقوا و يتوبوا إليه، ليرجّح أمرهم، و هم مختارون بين الطّاعة و العصيان، كما ترجّحت حال المرتجي بين أن يفعل و أن لايفعل، و نظيره قوله تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ اَ يُّكُمْ اَحْسَنُ عَمَلا } هود : 7.

و قيل: < لعَلّ > بمعنى «كي» و وُجّه بأنّها للإطماع، و الإطماع من الكريم يجري مجرى المختار.

و خامسها: ما قال القفّال و هو أنّ: في « لعَلّ » معنى التّكرير و التّأكيد؛ إذ اللا م للابتداء، نحو « لقد »، و لقولهم: « عَلّكَ »، أي تفعل كذا، و « عَلّ » يفيد التّكرير، و منه: < العَلّبعد النّهل >، فقول القائل: « افعل كذا لعلّك تظفر بحاجتك » معناه: افعل فإنّ فعلك يؤكّد طلبك و يقوّيك.

و أمّا ما ألهمني الله به و قذف في قلبي من نوره، و هو أنّ لعلم الله تعالى و إرادته مراتب متفاوتة في النّزول، فكما أنّ لعلمه مرتبة كماليّة هي نفس ذاته بذاته؛ إذ بذاته يعلم جميع الأشياء الكلّيّة و الجزئيّة، و هذا العلم ليس متكثّرً ا بل علم واحد إجماليّ، هو واجب بالذّات، و هو مرآة كلّ الحقائق، و مَجْلى جميع


1) (1) أي يهتزّجسمي في ضريح رجرج .

الرّقائق، و بعد ذلك مرتبة تفصيل المعقولات الكلّيّة، و هو مرتبة القضاء الإلهيّ، و هي مفاتيح الغيب، لقوله: { وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لايَعْلَمُهَا اِلا هُوَ } الأنعام : 59، و هي أيضًا خزائن الرّحمة، لقوله تعالى: { وَ اِنْ مِنْ شَىْ‌ء اِلا عِنْدَنَا خَزَ ائِنُهُ } الحجر : 21، ثمّ بعده مرتبة الجزئيّات و الشّخصيّات المقدّرة بأوقاتها و أزمنتها المثبتة بهيئاتها في كتاب، لايجلّيها لوقتها إلا هو. و هذه المرتبة :« عالَم القَدَر » لقوله: { وَ مَا نُنَزِّلُهُ الا بِقَدَر مَعْلُومٍ } الحجر: 21، و هذا هو«كتاب المحو و الإثبات> كما أنّ السّابق: « اللّوح المحفوظ »، لقوله: { يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ اُمُّ الْكِتَابِ } الرّعد : 39.

و بعد ذلك مرتبة وجودات المعلومات في موادّها الخارجيّة الجزئيّة المكتوبة بمداد الهيولى الّتي تسمّى « بالبحر المسجور » و «الكتاب المبين »، كما أُشير في قوله: { قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادً ا لِكَلِمَاتِ رَبّى } الكهف : 109، و في قوله: { لارَطْب وَ لايَابِس اِلا فى كِتَاب مُبين ‘ } الأنعام : 59 و هاتان المرتبتان قابلتان للتّغيير، و بهاتين الأخيرتين يتّضح عروض التّغيّر في علمه تعالى بالحوادث، من حيث هو معلوم، لابما هو عِلْم، و إن كانا أمرً ا واحدً ا بالذّات، و هذا ممّا لايعلمه إلا المحقّقون، المحقّون، المتحقّقون بالشّهود.

فكذلك الحكم في مراتب إرادته، فإنّ علمه تعالى بالأشياء بعينه إرادته بمعنى مراديّته، لما ثبت بالبرهان و الكشف أنّ صفاته الكماليّة كلّها بعينه حقيقة واحدة، و بمعنى واحد بلااختلاف حيثيّات، و لاتعدّد جهات إلا بمجرّد التّعبير.

فإذا علمت هذا اتّضح لك حقّ الإيضاح من مشكاة هذا المصباح، كيفيّة نسبة هذه المفهومات التّجدّديّة، و المعاني الامتحانيّة الاختياريّة، الّتي بإزاء بعض الألفاظ الواردة في القرآن، المتكرّرة ذكرها، كهذا اللّفظ، و كلفظ « الابتلاء » في قوله: { وَ لَنَبْلُوَ نَّكُمْ بِشَىْ‌ء مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ } البقرة : 155،و قوله: { وَ لَنَبْلُوَ نَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدينَ‘ } و قوله: { وَ نَبْلُوَا اَخْبَارَكُمْ } محمّد : 31، و كلفظ « الدّعاء » و « التّعجّب » و « الاستفهام »، كقوله: { قُتِلَ الاِ_نْسَانُ مَا اَكْفَرَهُ } عبس : 17، و قوله : { قَاتَلَهُمُ اللهُ اَ نّى يُؤْفَكُونَ } التّوبة : 30.

و أمثال هذه و نظائرها كثيرة في القرآن، فافهم و اغتنم و تثبّت فيها، و لاتكن من الخابطين. و لاتتصرّف في كتاب الله بإخراجها عن معانيها الأصليّة من غير ضرورة داعية، و احملها على الحقيقة. و لاتنكر ما لم تسمعه من أحد، و لم تبلغك بالنّقول، و لاوصل إليك من العقول، و لاتنحصر العلوم فيما سمعته أو فهمته، فإنّ لله لطائف رحمة في قلوب عباده، و كمال بدائع صنع في أراضي بلاده، فلاتتعجّب من هبوب رياح رحمته، و نزول أمطار عنايته، و رأفته على من يشاء، و هو رؤوف رحيم، و اتْلُ قوله: { وَ فَوْقَ كُلِّ ذى عِلْمٍ عَليمٌ ‘} يوسف : 76. (6 : 116)

البُرُوسَويّ: يتوبون عن الكفر و المعاصي. و في < التّأويلات النّجميّة >: يشير إلى أرباب الطّلب و أصحاب السّلوك، إذا وقعت لأحدهم في أثناء السّلوك وقفة، لعجب تداخله، أو لملالة و سآمة نفس،

أو لحسبان و غرور قبول، أو وقعت له فترة بالتفاته إلى شيء من الدّنيا و زينتها و شهواتها، فابتلاه الله إمّا ببلاء في نفسه أو ماله أو بيته، من أهاليه و أقربائه و أحبّائه، لعلّهم بإذاقة عذاب البلاء و المحن انتبهوا من نوم الغفلة، و تداركوا أيّام العُطْلة قبل أن يُذيقهم العذاب الأكبر بالخذلان و الهجران و قسوة القلب، كما قال تعالى: { وَ نُقَلِّبُ اَفْ-ِِدَ=تَهُمْ } الأنعام: 110، لعلّهم يرجعون إلى صدق طلبهم و علوّ محبّتهم. (7 : 124)

الآلوسيّ: [ذكر قولالزّمَخْشَريّ ثمّ قال:]

و هو على ما حُكي عن مُجاهِد و روي عن أبي عُبَيْدَة، فيتعلّق { لَعَلَّهُمْ...} بقوله تعالى: { وَ لَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الاَ_دْنى" } كما في الأوّ ل، إلا أنّ الرّجوع هنالك: التّوبة، و هاهنا: الرّجوع إلى الدّنيا، و يكون من باب: { فَالْتَقَطَهُ ا"لُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّ ا وَ حَزَنًا } القصص : 8. أو يكون التّرجّي راجعًا إليهم. و وجه دلالة القراءة المذكورة عليه، أ نّه لايصحّ الحمل فيها على التّوبة، و الظّاهر التّفسير المأثور، و القراءة لاتأباه، لجواز أن يكون المعنى عليها، لعلّهم يُرجعهم ذلك العذاب عن الكفر إلى الإيمان، و ( لعَلّ ) لترجّي المخاطبين كما فسّرها بذلك سيبَوَيه.

و عن ابن عبّاس تفسيرها هنا ب- < كي > و كأنّ المراد: كي نعرضهم بذلك للتّوبة. و جعلها الزّمَخْشَريّ لترجّيه سبحانه، و لاستحالة حقيقة ذلك منه عزّ و جلّ حمله على إرادته تعالى، و أورد على ذلك سؤالا ، أجاب عنه على مذهبه في الاعتزال، فلاتلتفت إليه. (21 : 135)

القاسميّ: أي يتوبون عن الكفر، أي يرجعون إلى الله عند تصفية فطرتهم بشدّة العذاب الأدنى، قبل الرَّين بكثافة الحجاب. (13 : 4817)

سيّد قُطْب: و تستيقظ فطرتهم، و يردّهم ألم العذاب إلى الصّواب. (5 : 2814)

ابن عاشور:و جملة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } استئناف بيانيّ، لحكمة إذاقتهم العذاب الأدنى في الدّنيا، بأ نّه لرجاء رجوعهم، أي رجوعهم عن الكفر بالإيمان. والمراد: رجوع من يمكن رجوعه، و هم الأحياء منهم. و إسناد الرّجوع إلى ضمير جميعهم باعتبار القبيلة و الجماعة، أي لعلّ جماعتهم ترجع. و كذلك كان، فقد آمن كثير من النّاس بعد يوم بدر و بخاصّة بعد فتح مكّة، فصار من تحقّق فيهم الرّجوع المرجوّ، مخصوصين مِن عموم:{ الَّذينَ ‘فَسَقُوا } في قوله تعالى: { وَ اَمَّا الَّذينَ ‘فَسَقُوا فَمَاْويهُ-مُ’ النَّارُ كُلَّمَا اَرَ ادُوا اَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا...} السّجدة : 20، فبقي ذلك الوعيد للّذين ماتوا على الشّرك، و هي مسألة الموافاة عند الأشعريّ.

(21 : 164)

عبد الكريم الخطيب: و قوله تعالى: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إشارة إلى أنّ هذا العذاب الّذي يقع للمشركين الفاسقين في هذه الدّنيا، قد يكون لبعضهم فيه عبرة و موعظة، فيرجع عن غيّه و ضلاله. و هذا هو بعض السّرّ في تصدير هذا الحكم بحرف الرّجاء: ( لَعَلَّ ). (11 : 624)

فضل الله: إلى الله و إلى طاعته، بالإنابة إليه، و التّوبة ممّا أسلفوه من الذّنوب. و هكذا يُربّي الله عباده

بالبلاء الّذي قد يكون نوعًا من العذاب في الدّنيا، ليذوقوا مرارته، و يُحسّوا بآلامه، و يتذكّروا به عذاب الآخرة، فيرجعوا إلى الله بعد أن ابتعدوا عنه و تمرّدوا، على طاعته. (18 : 237)

11 - اَ لَمْ يَرَوْ ا كَمْ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُون ِاَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ. يس, : 31

ابن عبّاس: إلى يوم القيامة. (370)

مُقاتِل: إلى الحياة الدّنيا. (3 : 578)

نحوه أكثر التّفاسير.

الفَرّ اء: و قوله: { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ } فُتحَت ألفها، لأنّ المعنى: ألم يروا أ نّهم إليهم لايرجعون. و قد كسرها الحسَن البصريّ، كأ نّه لم يوقع الرّؤية على ( كَمْ ) فلم يوقعها على ( اَنَّ )، و إن شئت كسرتها على الاستئناف و جعلت ( كَمْ ) منصوبة بوقوع { يَرَوْا } عليها. (2 : 376)

الزّجّاج: { اَنَّهُم } بدل من معنى { اَلَمْ يَرَوْا كَمْ اَهْلَكْنَا }، و المعنى: ألم يروا أنّ القرون الّتي أهلكنا أ نّهم لايرجعون.

و يجوز ( اِنَّهُم لايَرْجِعُونَ ) بكسر ( اِنَّ )، و معنى ذلك الاستئناف، المعنى: هم إليهم لايرجعون. (4 : 285)

النّحّاس: قال سيبَوَيه: هو [{ اَ نَّهُمْ...}] بدل من ( كَمْ )، أي ألم يروا أنّ القرون الّتي أهلكناهم أ نّهم لايرجعون؟

قال محمّد بن يزيد: هذا لايصحّ و لايجوز، و معنى { اَلَمْ يَرَوْ ا..}: ألم يعلموا، لأ نّهم إنّما أخبروا بهذا، و ( كَمْ ) نصب ب- { اَهْلَكْنَا }، و المعنى: ألم يعلموا كم أهلكنا قبلهم من القرون، أي بأ نّهم إليهم لايرجعون، أي بالاستئصال. قال: و الدّليل على هذا أ نّها في قراءة عبد الله بن مَسعود ( مَنْ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُون ِاَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ ). و قرأ الحسَن ( اِنَّهُمْ اِلَيْهِمْ

لايَرْجِعُونَ ). (5 : 490)

الطُّوسيّ: [راجع: ه- ل ك: < اَهْ-لَكْنَا>]

(8 : 456)

الزّمَخْشَريّ: و { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } بدل من{ كَمْ اَهْلَكْنَا } على المعنى، لاعلى اللّفظ، تقديره: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم، كونهم غير راجعين إليهم. و عن الحسَن،كسر < إنّ > على الاستئناف.و في قراءة ابن مَسعود (اَلَمْ يَرَوْا مَنْ اَهْلَكْنَا)، و البدل على هذه القراءة بدل اشتمال، و هذا ممّا يردّ قول أهل الرّجْعَة. و يُحكى عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أ نّه قيل له: إنّ قومًا يزعمون أنّ عليًّا مبعوث قبل يوم القيامة، فقال: بئس القوم نحن إن نكحنا: نساءه و قسّمنا ميراثه. (3 : 321)

نحوه ملخّصًا النّسَفيّ (4 : 6)، و أبوالسُّعود (5 : 297).

ابن عَطيّة: و قرأ جمهور القُرّ اء: { اَ نَّهُم } بفتح الألف، و قرأ الحسَن بن أبي الحسَن: ( اِنَّهُمْ ) بكسرها.

(4 : 452)

الطَّبْرِسيّ: { اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } بدل من { كَمْ اَهْلَكْنَا }، و التّقدير: أ لم يروا أ نّهم إليهم

لايرجعون. و ( كَمْ ) في موضع نصب ب- { اَهْلَكْنَا }...

و المعنى: أ لم يروا أنّ القرون الّتي أهلكناهم

لايرجعون إليهم، أي لايعودون إلى الدّنيا، أ فلا يعتبرون بهم. (4 : 423)

الفَخْرالرّ ازيّ: و قوله:{اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ} بدل في المعنى عن قوله: { كَمْ اَهْلَكْنَا }، و ذلك لأنّ معنى: { كَمْ اَهْلَكْنَا }: ألم يروا كثرة إهلاكنا، و فيه معنى: ألم يروا المُهلَكين الكثيرين { اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ }، و حينئذ يكون كبدل الاشتمال، لأنّ قوله: { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ }حالمن أحوال المهلكين، أي أُهلكوا بحيث لارجوع لهم إليهم، فيصير كقولك: ألاترى زيدًا أدبه. و على هذا فقوله: { اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } فيه وجهان:

أحدهما: أُهلكوا إهلاكًا لارجوع لهم إلى من في الدّنيا.

و ثانيهما: هو أ نّهم لايرجعون إليهم، أي الباقون لايرجعون إلى المُهلَكين بنَسَب و لاولادة، يعني أهلكناهم و قطّعنا نسلهم، و لاشكّ في أنّ الإهلاك الّذي يكون مع قطع النّسل أتمّ و أعمّ. و الوجه الأوّ ل أشهر نقلا ، و الثّاني أظهر عقلا . (26 : 64)

نحوه النَّيسابوريّ. (23 : 14)

البَيْضاويّ: بدل من ( كَمْ ) على المعنى، أي ألم يروا كثرةإهلاكنا من قبلهم، كونهم غير راجعين إليهم. و قرئ بالكسر على الاستئناف. (2 : 280)

نحوه البُرُوسَويّ (7 : 390)، و شُبّر (5 : 226).

أبوحَيّان: [ذكر في تركيب الآية مطالب، ثمّ ذكر قول الزّمَخْشَريّ إلى أن قال:]

و قوله: و { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } إلى آخر كلامه، لايصحّ أن يكون بدلا ، لاعلى اللّفظ و لاعلى المعنى.

أمّا على اللّفظ فإنّه زعم أنّ { يَرَوْا } معلّقة، فيكون ( كَمْ) استفهامًا، وهو معمول ل- { اَهْلَكْنَا }، و { اَهْلَكْنَا} لايتسلّط على { اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ }، و تقدّم لنا ذلك.

و أمّا على المعنى، فلايصحّ أيضًا، لأ نّه قال: تقديره، أي على المعنى: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم، كونهم غير راجعين إليهم؟ فكونهم غير كذا، ليسكثرة الإهلاك، فلايكون بدل كلّ من كلّ، و لابعضًا من الإهلاك، و لايكون بدل بعض من كلّ، و لايكون بدل اشتمال، لأنّ بدل الاشتمال يصحّ أن يضاف إلى ما أُبدل منه، و كذلك بدل بعض من كلّ، و هذا لايصحّ هنا. لاتقول: ألم يروا انتفاء رجوع كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم، و في بدل الاشتمال نحو: أعجبني الجارية ملاحتها، و سُرِق زيد ثوبه، يصحّ أعجبني ملاحة الجارية، و سُرق ثوب زيد. و تقدّم لنا الكلام على إعراب مثل هذه الجملة في قوله: { اَلَمْ يَرَوْ ا كَمْ اَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ }، الأنعام : 6.

و الّذي تقتضيه صناعة العربيّة أنّ { اَ نَّهُمْ } معمول لمحذوف، و دلّ عليه المعنى، و تقديره: قضينا أو حكمنا { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ }.

و قرأ ابن عبّاس و الحسَن ( اِنَّهُمْ ) بكسر الهمزة على الاستئناف، و قطع الجملة عن ما قبلها من جهة الإعراب، و دلّ ذلك على أنّ قراءة الفتح مقطوعة عن ما قبلها من جهة الإعراب، لتتّفق القراءتان و لاتختلفا.

و الضّمير في ( اِنَّهُمْ ) عائد على معنى ( كَمْ )، و هم القرون، و ( اِلَيْهِمْ ) عائد على من أُسند إليه ( يَرَوْ ا ) و هم قريش، فالمعنى: أ نّهم لايرجعون إلى من في الدّنيا. و قيل: الضّمير في ( اِنَّهُمْ ) عائد على من أُسند إليه ( يَرَوْا )، و في ( اِلَيْهِمْ ) عائد على المهلكين، و المعنى: أنّ الباقين لايرجعون إلى المهلكين بنسب و لاولادة، أي أهلكناهم و قطعنا نسلهم، و الإهلاك مع قطعالنّسل أتمّ و أعمّ.

و قرأ عبد الله ( اَلَمْ يَرَوْا مَنْ اَهْلَكْنَا )، و { اَنَّهُمْ } على هذا بدل اشتمال. و في قولهم:{ اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } ردّ على القائلين بالرّجْعَة. (7 : 333)

السّمين: و { اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } فيه أوجُه:

أحدها : أ نّه بدل من ( كَمْ ). قال ابن عَطيّة: و (كَمْ ) هنا خبريّة، { اَنَّهُم } بدل منها، و الرّؤية بصريّة.

قال الشّيخ: و هذا لايصحّ، لأ نّها إذا كانت خبريّة كانت في موضع نصب ب- { اَهْلَكْنَا }، و لايسوغ فيها إلا ذلك. و إذا كانت كذلك امتنع أن يكون { اَنَّهُمْ } بدلا منها، لأنّ البدل على نيّة تكرار العامل. و لو سُلّطت { اَهْلَكْنَا } على{ اَنَّهُمْ } لم يصحّ، ألاترى أ نّك لو قلت: أهلكنا انتفاءَ رجوعِهم، أو أهلكنا كونهم لايرجعون، لم يكن كلامًا. لكنّ ابن عَطيّة توهّم أنّ { يَرَوْ ا } مفعوله ( كَمْ )، فتوهّم أنّ قوله: { اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } بدل منه، لأ نّه يُسوّغ أن يُسلَّط عليه، فتقول: ألم يَرَوْا أ نّهم إليهم لايرجعون. و هذا و أمثاله دليل على ضعفه في علم العربيّة.

قلت: و هذا الإنحاء تحامل عليه، لأ نّه لقائل أن يقول: ( كَمْ ) قد جعلها خبريّة، والخبريّة يجوز أن تكون معمولة لما قبلها عند قوم، فيقولون: < ملكتُ كَمْ عَبْد >، فلم يلزم الصّدر، فيجوز أن يكون بنى هذا التّوجيه على هذه اللُّغة، و جعل ( كَمْ ) منصوبة ب- { يَرَوْا } و { اَ نَّهُمْ }بدل منها، و ليس هو ضعيفًا في العربيّة حينئذ.

الثّاني: أنّ{ اَ نَّهُمْ } بدل من الجملة قبله. قال الزّجّاج: هو بدل من الجملة، و المعنى: ألم يَرَوا أنّ القرون الّتي أهلكناها أ نّهم لايرجعون، لأنّ عدم الرّجوع و الهلاك بمعنى.

قال الشّيخ: و ليس بشيء، لأ نّه ليس بدلا صناعيًّا، وإنّما فسّر المعنى، و لم يلحظ صناعة النّحو.

قلت: بل هو بدل صناعيّ، لأنّ الجملة في قوّة المفرد، إذ هي سادّة مسدّ مفعول { يَرَوْ ا } فإنّها معلّقة، لها كما تقدّم.

الثّالث: [هو قول الزّمَخْشَريّ، كما سبق كلامه و رَدّه عن أبي حَيّان]

الرّ ابع: أن يكون { اَنَّهُمْ } بدلا من موضع { كَمْ اَهْلَكْنَا }، والتّقدير: ألم يروا أنّهم إليهم. قاله أبوالبقاء. و رَدّه الشّيخ: بأنّ{ كَمْ اَهْلَكْنَا } ليس بمعمول ل- { يَرَوْ ا }.

قلت: قد تقدّم أنّها معمولة لها، على معنى أ نّها معلِّقة لها.

الخامس: و هو قول الفَرّ اء: أن يكون { يَرَوْ ا } عاملا في الجملتين من غير إبدال، و لم يُبيِّن كيفيّة العمل.

و قوله: < الجملتين >، تجوّز، لأنّ { اَ نَّهُم } ليس بجملة لتأويله بالمفرد، إلا أ نّه مشتمل على مسند و مسند إليه.

السّادس: أنّ { اَنَّهُمْ } معمول لفعل محذوف دلّ عليه السّياق و المعنى، تقديره: قضينا وحكمنا أ نّهم لايرجعون. و يدلّ على صحّة هذا قراءة ابن عبّاس و الحسَن ( اِنَّهُمْ ) بكسرالهمزة على الاستئناف، و الاستئناف قَطْعٌ لهذه الجملة ممّا قبلها، فهو مُقَوّ لأن تكون معمولة لفعل محذوف، يقتضي انقطاعها عمّا قبلها. و الضّمير في { اَ نَّهُمْ } عائد على معنى ( كَمْ ) و في { اِلَيْهِمْ } عائد على ما عاد عليه واو { يَرَوْ ا }. و قيل: بل الأوّ ل عائد على ما عاد عليه واو { يَرَوْ ا } و الثّاني عائد على المُهلَكين. (5 : 481)

ابن كثير: أي ألم يتّعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذّبين للرّسل، كيف لم يكن لهم إلى هذه الدّنيا كرّة و لارجْعَة، و لم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم و فجرتهم من قولهم: { اِنْ هِىَ اِلا حَيَاتُنَا الدُّ نْيَا نَمُوتُ وَ نَحْيَا...} المؤمنون : 37، و هم القائلون بالدّور من الدّهريّة، و هم الّذين يعتقدون جهلا منهم أ نّهم يعودون إلى الدّنيا، كما كانوا فيها، فردّ الله تبارك و تعالى عليهم باطلهم، فقال تبارك و تعالى:{ اَلَمْ يَرَوْا}...}. (5 : 612)

البُقاعيّ: { اَ نَّهُمْ } أي لأنّ القرون. و لمّا كان المراد من { رَسُول } يس, : 30، ليس واحدً ا بعينه، و كانت صيغة فعول كفعيل، يستوي فيها المذكّر و المؤنّث و الواحد و الجمع، أعاد الضّمير للجميع، فقال: { اِلَيْهِمْ } أي إلى الرّسل خاصّة؛ من حيث كونهم رسلا { لايَرْجِعُونَ } أي عن مذاهبهم الخبيثة، و يخصّون الرّسل بالاتّباع فلايتّبعون غيرهم أصلا، في شيء من الأشياء الدّينيّة أو الدّنيويّة، فاطّردتسنّتنا و لن تجد لسنّتنا تبديلا، في أ نّه كلّما كذّب قوم رسولهم، أهلكناهم، و نجّينا رسولهم و من تبعه، أفلايخاف هؤلاء أن نجريهم على تلك السّ-نّة القديمة القويمة.

ف- ( اَنّ ) تعليليّة على إرادة حذف لام العلّة، كما هو معروف في غير موضع، و ضمير {اَ نَّهُم } للمرسَل إليهم، و ضمير { اِلَيْهِمْ }للرّسل، لايشكّ في هذا من له ذوق سليم و طبع مستقيم. و التّعبير بالمضارع للدّ لالة على إمهالهم، و التّأ نّي بهم، و الحلم عنهم، مع تماديهم في العناد بتجديد عدم الرّجوع، و { يَرْجِعُونَ } هنا نحو قوله تعالى: { وَ لَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الاَ_دْنى" دُونَ الْعَذَابِ الاَ_كْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } السّجدة : 21، أي عن طرقهم الفاسدة، و هذا معنى الآية بغير شكّ.

و ليس بشيء قول من قال: المعنى أنّ المُهلَكين لايرجعون إلى الدّنيا، ليفيد الرّدّ على من يقول بالرّجْعَة، لأنّ العرب ليست ممّن يعتقد ذلك. و لو سلّم لم يحسن، لأنّ السّياق ليس له، لم يتقدّم عنهم غير الاستهزاء ، فأنكر عليهم استهزاءهم، مع علمهم بأنّ الله تعالى أجرى سنّته أنّ من استهزأ بالرّسل و خالف قولهم، فلم يرجع إليه أهلكه، اطّرد ذلك من سنّته و لم يتخلّف في أُمّة من الأُمم، كما وقع لقوم نوح و هود و مَن بعدهم، لم يتخلّف في واحدة منهم، و كلّهم تعرف

العرب أخبارهم، و ينظرون آثارهم، و كذا يعرفون قصّة موسى مع فرعون، فالسّياق للتّهديد، فصار المعنى: ألم ير هؤلاءكثرة من أهلكنا ممّن قبلهم لمخالفتهم للرّسل، أفلايخشون مثل ذلك في مخالفتهم لرسولهم؟

و ذلك موافق لقراءة الكسر الّتي نقلها البرهان السّفاقسيّ عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، و غيره عن الحسَن، و قالوا: إنّها استئنافيّة، فهي على تقدير سؤال من كأ نّه قال: لم أهلكهم؟ و هذا كما إذا شاع أنّ الوادي الفلانيّ ما سلكه أحد إلا أُصيب، يكون ذلك مانعًا عن سلوكه، و إن أراد ذلك أحد صحّ أن يقال له: ألم تر أ نّه ما سلكه أحد إلا هلك، فيكون ذلك زاجرً ا له، و رادًّ ا عن التّمادي فيه، لكون العلّة في الهلاك سلوكه فقط؛ و ذلك أكفّ له من أن يقال له: ألم تر أنّ النّاس يموتون و كثرة من مات منهم و لم يرجع أحد منهم، غير معلّل ذلك بشيء من سلوك الوادي و لاغيره، فإنّ هذا أمر معلوم له، غير مجدّد فائدة.

و زيادة عدم الرّجوع إلى الدّنيا لادخل لها في العلّيّة أيضًا، لأنّ ذلك معلوم عند المخاطبين، بل هم قائلون بأعظم منه، من أ نّه لاحياة بعد الموت، لا إلى الدّنيا و لا إلى غيرها. و على تقدير التّسليم فربّما كان ذكر الرّجوع للأموات أولى بأن يكون تهديدً ا، فإنّ كلّ إنسان منهم يرجع حينئذ إلى ما في يد غيره، ممّا كان مات عليه، و يصير المتبوع بذلك تابعًا، أو يقع الحرب و تحصل الفتن. فأفاد ذلك أ نّه لايُصلح التّهديد بعدم الرّجوع، و الله الموفّق للصّواب. (6 : 257)

الشِّربينيّ: أي لايعودون إلى الدّنيا، أفلا يعتبرون. و قيل:لايرجعون، أي الباقون لايرجعون إلى المهلكين بسبب ولا ولادة، أي أهلكناهم و قطّعنا نسلهم. و لاشكّ أنّ الإهلاك الّذي يكون مع قطع النّسل أتمّ و أعمّ. قال ابن عادل: و الأوّ ل أشهر نقلا ، و الثّاني: أظهر عقلا . (3 : 348)

صدر المتألّهين: [نحو الزّمَخْشَريّ إلا أ نّه قال عند قوله: « هذا ممّا يردّ قول أهل الرّجعة ».]

و فيه نظر لايخفى ((1))على المنصف، فإنّ عدم رجعة قرون من الكفرة - النّاقصين الهالكين هلاك الأبد - لايدلّ على عدم رجعة غيرهم من النّفوس الكاملة الحيّة بحياة العلم و العرفان، فلااستحالة في إنزال الأرواح العالية بإذن الله و قدرته في هذا العالم، لخلاص الأُسارى و المحبوسين بقيود التّعلّقات من هذا السّجن.

و أمّا ما نقله تأييدً ا لمذهبه من منع الرّجعَة، من قوله: « و يُحكى عن ابن عبّاس أ نّه قيل له: إنّ قومًا يزعمون أنّ عليًّا مبعوث قبل يوم القيامة. فقال: بئس القوم نحن، إذا نكحنا نساءه و قسّمنا ميراثه ». فمدفوع بأ نّه مجرّد حكاية غير معلومة الصّحّة، و على تقدير صحّة الرّواية عنه فالمرويّ ممنوع، فإنّ المتّبع في الاعتقاديّات إمّا البرهان، و إمّا النّقل الصّحيح القطعيّ، عن أهل العصمة و الولاية.

و قد صحّ عندنا بالرّوايات المتظافرة عن أئمّتنا


1) (1) هاهنا كلام، للحكيم المولى عليّ النّوريّ، في تعليقته على تفسير صدرالمتألّهين، فراجع نفس المصدر.

و ساداتنا من أهل بيت النّبوّة و العلم، حقّيّةمذهب الرّجعة و وقوعها عند ظهور قائم آل محمّد عليه و ، و العقل أيضًا لايمنعه، لوقوع مثله كثيرً ا، من إحياء الموتى بإذن الله بيد أنبيائه كعيسى و شمعون و غيرهما على نبيّنا و آله و .

ثمّ يحتمل أن يرجع ضمير { اَ نَّهُمْ } إلى الكفرة، و ضمير { اِلَيْهِمْ } إلى القرون، و يكون معناه: إنّ هؤلاء لايرجعون بحسب القوّة و القدرة، أو الشّوكة و الجاه، أو العدّة و الكثرة إليهم، فكيف لايعتبرون بمن سبقهم.

و لايبعد أن يكون المراد: إهلاكهم بحسب موت الجهل و الكفر و العناد هلاكًا سرمديًّا، فحينئذ معنى: {اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ }، أي في شدّة الجحود و النّفاق و الاستكبار و الاغترار بالظّنون الفاسدة و العقائد الباطلة، كما هو شيمة أصحاب الجدال و أهل المكر و الاحتيال، الّذين هم أعدى أعداء الله و رسوله، كما ذكر وصفهم و ذمّهم في القرآن كثيرً ا، و يؤيّد هذا الحمل كون هذه الآية عقيب قوله: { مَا يَاْتيهِ-مْ مِنْ رَسُول اِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ }، فالمعنى: إنّ هؤلاء لايصلون في الاستهزاء بالرّسول إلى من أهلكنا قبلهم من المستهزئين بالرّسل الّذين كانوا أشدّ منهم في الجحود و الاستهزاء، على وزان قوله تعالى: { كَمْ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ } طه " : 128، و { كَانُوا اَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ اَثَارُوا الاَ_رْضَ وَ عَمَرُوهَااَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } الرّوم : 9. (5 : 75)

الشَّوْكانيّ: و جملة: { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } بدل من { كَمْ اَهْلَكْنَا } على المعنى.

قال سيبَوَيه: ( اَنّ ) بدل من ( كَمْ )، و هي الخبريّة، فلذلك جاز أن يُبدَ ل منها ما ليس باستفهام، و المعنى: ألم يروا أنّ القرون الّذين أهلكناهم أ نّهم إليهم لايرجعون. [ثمّ ذكر قول الفَرّ اء: ( كَمْ) في موضع نصب من وجهين: أحدهما ب- { يَرَوْ ا }... و أضاف:]

قال النّحّاس: القول الأوّ ل محال، لأنّ ( كَمْ ) لايعمل فيها ما قبلها، لأ نّها استفهام، و محال أن يدخل الاستفهام في حيّز ما قبله، و كذا حكمها إذا كانت خبرً ا، و إن كان سيبَوَيه قد أومأ إلى بعض هذا، فجعل{ اَ نَّهُ-مْ } بدلا من ( كَمْ)، و قد رَدّ ذلك المُبَ-رِّد أشدّ رَدّ. (4 : 460)

الآلوسيّ: و ( اَنّ ) و ما بعدها في تأويل المفرد، بدل من جملة { كَمْ اَهْلَكْنَا } على المعنى، كما نقل عن سيبَوَيه و تبعه الزّجّاج، أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم، و كونهم غير راجعين إليهم.

و قيل: على المعنى، لأنّ الكثرة المذكورة و عدم الرّجوع، ليس بينهما اتّحاد بجزئيّة و لاكلّيّة و لاملابسة، كما هو مقتضى البدليّة. لكن لمّا كان ذلك في معنى الّذين أهلكناهم، و أنّهم لايرجعون بمعنى غير راجعين، اتّضح فيه البدليّة على أ نّه بدل اشتمال، أو بدل كلّ من كلّ، قاله الخفاجيّ.

و أفاد صاحب < الكشف > على أ نّه من بدل الكلّ،بجعل كونهم غير راجعين كثرة إهلاك تجوّزً ا. و عندي أنّ هذا الوجه و إن لم يكن فيه إبدال مفرد من جملة، و تحقّق فيه مصحّح البدليّة على ما سمعت،

و لايخلو عن تكلّف، و سيبَوَيه ليس بنبيّ النّحو ليجب اتّباعه.

و قال السّيرافيّ: يجوز أن يجعل { اَ نَّهُمْ...} صلة { اَهْلَكْنَا}. أي أهلكناهم بأ نّهم لايرجعون، أي بهذا الضّرب من الهلاك.

و جوّز ابن هشام في < المُغني > أن يكون ( اَنّ ) و صلتها معمول { يَرَوْ ا }، و جملة { كَمْ اَهْلَكْنَا } معترضة بينهما، و أن يكون معلّقًا عن { كَمْ اَهْلَكْنَا }، و { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } مفعولا لأجله.

قال الشّمنيّ: ليروا، و المعنى أ نّهم علموا لأجل أ نّهم لايرجعون إهلاكهم. ورُدّ بأ نّه لافائدة يُعتَدّ بها فيما ذكر من المعنى. و تعقّبه الخفاجيّ بقوله: لايخفى أنّ ما ذكر وا رَدّ على البدليّة أيضًا.

و الظّاهر أنّ المقصود من ذكره: إمّا التّهكّم بهم و تحميقهم، و إمّا إفادة ما يفيد تقديم { اِلَيْهِمْ } من الحصر، أي إنّهم لايرجعون إليهم بل إلينا، فيكون ما بعده مؤكّدً ا له، انتهى، و هو كما ترى.

و قال الجلبيّ: لعلّ الحقّ أن يُجعَل أوّ ل الضّميرين لمعنى ( كَمْ)، و ثانيهما للرّسل، و ( اَنّ ) و صلتها مفعولا لأجله ل- { اَهْلَكْنَا }، و المعنى: أهلكناهم لاستمرارهم على عدم الرّجوع عن عقائدهم الفاسدة إلى الرّسل، و ما دعوهم إليه. فاختيار { لايَرْجِعُونَ } علىلم يرجعوا، للدّ لالة على استمرار النّفي مع مراعاة الفاصلة، انتهى.

و هو على بُعْده ركيك معنًى، و أرَكّ منه ما قيل: الضّميران على ما يتبادر فيهما، من رجوع الأوّ ل بمعنى ( كَمْ )، و الثّاني لمن نُسبت إليه الرّؤية، و ( اَنّ ) و صلتها علّة ل- { اَهْلَكْنَا }، و المعنى: أ نّهم لايرجعون إليهم فيخبروهم بما حلّ بهم من العذاب، و جزاء الاستهزاء حقّ ينزجر هؤلاء، فلذا أهلكناهم.

و نُقل عن الفَرّ اء: أ نّه يعمل { يَرَوْ ا } في { كَمْ اَهْلَكْنَا } و في { اَ نَّهُمْ...} من غير إبدال و لم يُبيّن كيفيّة ذلك. و زعم ابن عَطيّة أنّ ( اَنَّ ) و صلتها بدل من (كَمْ ).

و لايخفى أ نّه إذا جعلها معمول { اَهْلَكْنَا } كما هو المعروف، لايُسوّغ ذلك، لأنّ البدل على نيّة تكرار العامل، و لامعنى لقولك: أهلكنا، أ نّهم لايرجعون، و لعلّه تسامح في ذلك. و المراد: بدل من { كَمْ اَهْلَكْنَا } على المعنى، كما حكي عن سيبَوَيه. و أمّا جعل ( كَمْ ) معمولة ل- { يَرَوْ ا } و الإبدال منها نفسها؛ إذ ذاك فلايخفى حاله.

و قال أبوحَيّان: الّذي تقتضيه صناعة العربيّة أنّ { اَنَّهُمْ...} مفعول لمحذوف دل عليه المعنى، و تقديره: قضينا أو حكمنا أ نّهم إليهم لايرجعون، و الجملة حال من فاعل { اَهْلَكْنَا } على ما قال الخفاجيّ. و أراه أبعد عن القيل و القال، بَيْد أنّ في الدّ لالة على المحذوف خفاء، فإن لم يلصق بقلبك لذلك، فالأقوال بين يديك و لاحجر عليك.

و كأ نّي بك تختار ما نُقل عن السّيرافيّ، و لابأس به. و جُوّز على بعض الأقوال أن يكون الضّمير في{ اَ نَّهُمْ } عائدً ا على من أُسند إليه { يَرَوْ ا } و في { اِلَيْهِمْ } عائدً ا على المُهلَكين، و المعنى: أنّ الباقين لايرجعون إلى المُهلَكين بنسب و لاولادة، أي

أهلكناهم و قطعنا نسلهم. و الإهلاك مع قطع النّسل أتمّ و أعمّ.

و يُحسن هذا على الوجه المحكيّ عن السّيرافيّ. [ثمّ نقل القراءات مثل الزّمَخْشَريّ] (23 : 4)

المَراغيّ: و أ نّهم لارجعة لهم إلى الدّنيا كما يعتقد الدّهريّة، جهلا منهم بأ نّهم يعودون إليها كما كانوا.

(23 : 5)

سيّد قُطْب: و لقد كان في هلاك الأوّلين الذّاهبين لايرجعون، على مدار السّنين و تطاول القرون. لقد كان في هذا عِظَة لمن يتدبّر. و لكنّ العباد البائسين لايتدبّرون، و هم صائرون إلى ذات المصير، فأيّة حالة تدعو إلى الحسرة، كهذا الحال الأسيف؟!

و إذا كان الهالكون الذّاهبون لايرجعون إلى خلفائهم المتأخّرين، فإنّهم ليسوا بمتروكين و لامفلتين من حساب الله بعد حين. (5 : 2966)

ابن عاشور: و قوله: { اَ نَّهُم اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } بدل اشتمال من جملة { اَهْلَكْنَا }، لأنّ الإهلاك يشتمل على عدم الرّجوع، أُبدل المصدر المنسبك من ( اَنّ ) و ما بعدها من معنى جملة { كَمْ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْ-قُرُون ِ}، لأنّ معنى تلك الجملة كثرة الإهلاك أو كثرة المهلكين. و فعلالرّؤية عامل في { اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } بالتّبعيّة لتسلّط معنى الفعل على جملة { كَمْ اَهْلَكْنَا } لأنّ التّعليق يبطل العمل في اللّفظ لافي المحلّ.

و فائدة هذا البدل تقرير تصوير الإهلاك لزيادة التّخويف، و لاستحضار تلك الصّورة في الإهلاك، أي إهلاكًا لاطماعيّة معه لرجوع إلى الدّنيا ، فإنّ ما يشتمل عليه الإهلاك من عدم الرّجوع إلى الأهل و الأحباب ممّا يزيد الحسرة اتّضاحًا.

و { اِلَيْهِمْ } متعلّق ب- { يَرْجِعُونَ }، و تقديمه على متعلّقه للرّعاية على الفاصلة. و ضمير { اِلَيْهِمْ } عائد إلى { الْعِبَادِ } يس, : 30، و ضمير { اَنَّهُمْ } عائد إلى { الْ-قُرُون ِ} . (22 : 223)

مَغْنِيّة: قال أكثر المفسّرين القُدامى و الجُدُد، و منهم المَراغيّ و صاحب < الظّلال >، قالوا في معنى هذه الجملة الكريمة: ألم ير المكذّبون أنّ الأُمم الّذين أهلكناهم لايعودون إلى الدّنيا ثانية؟!

و في هذا التّفسير نظر، لأنّ عدم عودة الأموات إلى الدّنيا حُجّة للمكذّبين بالبعث، و ليس حجّة عليهم. و المعنى الصّحيح كما نظنّ: ألم ير المكذّبون أنّ الله قد أهلك الماضين بقضّهم و قضيضهم، و لم يبق منهم أحد يرجع إلى المكذّبين اللا حقين يُنبّئهم بخبر المكذّبين السّابقين، و إنّما دلّ على إهلاكهم المعالم و الآثار: { فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا اِنَّ فى ذ"لِكَ لايَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } النّمل : 52، فهذه الجملة أشبهبقوله تعالى: { فَلايَسْتَطيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } يس,: 50. (6 : 312)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ } بيان لقوله: { كَمْ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْ-قُرُون ِ}، ضمير الجمع الأوّ ل للقرون، و الثّاني و الثّالث للعباد.

و المعنى: أ لم يعتبروا بكثرة المُهلَكين بأمر الله من القرون الماضية، و أ نّهم مأخوذون بأخذ إلهيّ،

لايتمكّنون من الرّجوع إلى ما كانوا يُترفون فيه؟

و للقوم في مراجع الضّمائر و في معنى الآية أقوال أُخر بعيدة عن الفهم، تركنا إيرادها. (17 : 81)

عبد الكريم الخطيب: إنّهم لن يرجعوا مرّة أُخرى إلى هذه الدّنيا. (12 : 928)

مكارم الشّيرازيّ: أي إنّ الطّاقة الكبرى في استحالة رجوعهم إلى هذه الدّنيا، لجبران((1))ما فاتهم، و تبديل ذنوبهم حسنات، لأ نّهم دمّروا كلّ الجسور خلفهم، فلم يبق لهم سبيل للرّجوع أبدً ا.

هذا التّفسير يُشبه بالضّبط ما قاله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه أفضل الصّلاة و السّلام حينما تحدّث في أخذ العبرة من الموتى فقال: « لاعن قبيح يستطيعون انتقالا و لافي حسن يستطيعون ازديادًا ».((2)) (14 : 159)

فضل الله: فهل فكّروا أين ذهبوا، و ما ذا حدث لهم، و هل انتهوا إلى موت نهائيّ، أو أنّ لهم عودةبعد ذلك للحساب؟ و تلك هي علامات الاستفهام الّتي أراد الأنبياء لهم أن يفكّروا فيها، ليصلوا إلى نتيجة حاسمة في مسألة الإيمان بالله واليوم الآخر.

(19 : 144)

12 - فَلايَسْتَطيعُ-و نَ تَوْصِيَةً وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ. يس, : 50

الفَرّ اء: أي لايرجعون إلى أهلهم قولا . و يقال: لايرجعون: لايستطيعون الرّجوع إلى أهليهم من الأسواق. (2 : 380)

النّحّاس: أي يموتون مكانهم.

و يجوز أن يكون المعنى: و لايرجعون إلى أهلهم قولا . (5 : 502)

الطُّوسيّ: أي لايردّون إلى أهلهم فيوصون إليهم. (8 : 464)

الواحديّ: و لا إلى منازلهم يرجعون من الأسواق. و هذا إخبار عمّا يلقون في النّفخة الأُولى.

(3 : 516)

البغَويّ: ينقلبون، و المعنى: أنّ السّاعة لاتمهلهم لشيء. (4 : 16)

الزّمَخْشَريّ: و لايقدرون على الرّجوع إلى منازلهم و أهاليهم، بل يموتون بحيث تفجؤهم الصّيحة. (3 : 325)

نحوه البَيْضاويّ (2 : 283)، و النّسَفيّ (4 : 10)، و ابن جُزَيّ (3 : 165)، و أبوالسُّعود (5 : 303)، و المشهديّ (8 : 415)، و البُرُوسَويّ (7 : 410)، و المَراغيّ (23 : 20).

ابن عَطيّة: يحتمل ثلاثة تأويلات:

أحدها: و لايرجع أحد إلى منزله و أهله لإعجال الأمر، بل تفيض نفسه حيثما أخذته الصّيحة.

و الثّاني: معناه: { وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } قولا، و هذا أبلغ في الاستعجال.و خصّ الأهل بالذّكر، لأنّ القول معهم في ذلك الوقت أهمّ على الإنسان من الأجنبيّين، و أوكد في نفوس البشر.


1) (1) لتلافي ...لأنّ < جبران > لفظ مولّد .

2) (2) نهج البلاغة الخطبة : 188.

و الثّالث: تقديره:{ وَ لااِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } أبدً ا، فخرج هذا عن معنى وصف الاستعجال إلى معنى ذكر انقطاعهم، و انبتارهم من دنياهم.

و قرأ الجمهور { يَرْجِعُونَ } بفتح الياء و كسر الجيم، و قرأ ابن مُحَيْصِِن بضمّ الياء و فتح الجيم.

(4 : 457)

الطَّبْرِسيّ: أي و لاإلى منازلهم يرجعون من الأسواق. و هذا إخبار عمّا يلقونه في النّفخة الأُولى عند قيام السّاعة. (4 : 427)

الفَخْرالرّ ازيّ: قوله: {وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } بيان لشدّة الحاجة إلى التّوصية، لأنّ من يرجو الوصول إلى أهله قد يمسك عن الوصيّة، لعدم الحاجة إليها. و أمّا من يقطع بأ نّه لاوصول له إلى أهله، فلابدّ له من التّوصية. فإذا لم يستطع مع الحاجة دلّ على غاية الشّدّة.و في قوله: وجهان:

أحدهما: ما ذكرنا أ نّهم يقطعون بأ نّهم لايُمهَلون إلى أن يجتمعوا بأهاليهم، و ذلك يوجب الحاجة إلى التّوصية.

و ثانيهما: يعني يموتون و لارجوع لهم إلى الدّنيا، و من يسافر سفرً ا و يعلم أ نّه لارجوع له من ذلك السّفر و لااجتماع له بأهله مرّة أُخرى، يأتي بالوصيّة.

(26 : 87)

نحوه ملخّصًا النَّيسابوريّ. (23 : 24)

أبوحَيّان: من غير إمهال لتوصية، و لارجوع إلى أهل.

و قيل: لايرجعون إلى أهلهم قولا . و قيل: و لاإلى أهلهم يرجعون أبدً ا. (7 : 340)

الثّعالبيّ: لإعجال الأمر، بل تفيض أنفسهم حيث ما أخذتهم الصّيحة. (3 : 35)

البُقاعيّ: و لمّا كان ذلك [عدم استطاعة التّوصية] ليس نصًّا في نفي المشي، قال: { وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ } أي فضلا عن غيرهم { يَرْجِعُونَ }، بل يموت كلّ واحد في مكانه؛ حيث تفجأه الصّيحة، و ربّنا أفهم التّعبير ب- ( اِلى") أ نّهم يريدون الرّجوع، فيخطون خطوة أو نحوها. [ثمّ أيّده برواية] (6 : 268)

نحوه الشِّربينيّ. (3 : 355)

صدر المتألّهين: هذا إخبار عمّا يغشي النّاس في النّفخة الأُولى عند قيام السّاعة من الأحوال و الأهوال، و ما ذكره من الأحوال المشتركة بين القيامتين الكبرى و الصّغرى. [إلى أن قال:]

و أمّا نفي القدرة على الرّجوع إلى أهلهم، لما علمت من استحالة رجوع النّفوس ((1))من نشأة، وقعوا فيها إلى نشأة سابقة عليها، لأنّ الطّبائع مفطورة على التّوجّه إلى غاياتها الذّاتيّة، و التّوجّهات الفطريّة و التّطوّرات الطّبيعيّة، ممتنعة الانعكاس و الانقلاب، فطرة الله الّتي فطر النّاس عليها، لاتبديل لخلق الله. و هذا أصل متين قد ابتنى عليه كثير من القواعد و الأحكام. و قد بنينا عليه إبطال التّناسخ، كما هو مذكور في مقامه. (5 : 158)


1) (1) هاهنا كلام، للحكيم المولى عليّ النّوريّ، في تعليقته على تفسير صدرالمتألّهين، فراجع نفس المصدر.

الآلوسيّ: إذا كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم الصّيحة، فيموتون حيثما كانوا، و يرجعون إلى الله عزّ و جلّ لا إلى غيره سبحانه. و قرأ ابن مَحَيْصِن ( يُرْجَعُون) بالبناء للمفعول، و الضّمائر للقائلين: { مَتى" هذَا الْوَعْدُ } يس, : 48، لامن حيث أعيانهم، أعني أهل مكّة الّذين كانوا وقت النّزول، بل لمنكري البعث مطلقًا. (23 : 31)

سيّد قُطْب: و لايملك أن يرجع إلى أهله فيقول لهم كلمة، و أين هم؟ إنّهم مثله في أماكنهم منتهون.

(5 : 2972)

ابن عاشور: و قوله: { وَ لا اِلى"اَهْلِهِمْ...} يجوز أن يكون عطفًا على { تَوْصِيَةً }، أي لايستطيعون الرّجوع إلى أهلهم، كشأن الّذي يفاجئه ذعر، فيبادر بافتقاد حال أهله من ذلك.

و يجوز أن يكون عطفًا على جملة {لايَسْتَطيعُونَ } فيكون ممّا شمله التّفريع بالفاء، أي فلايرجعون إلى أهلهم، أي هم هالكون على الاحتمالين، إلا أ نّه على احتمال أن يُراد صيحة الحرب، يخصّص ضمير { يَرْجِعُونَ } بكُبراء قريش الّذين هُلكوا يوم بدر، لأ نّهم هم المتولّون كِبَر التّكذيب و العناد، أو الّذين أُكملوا بالهلاك يوم الفتح مثل عبد الله بن خطل الّذي قُتل يوم الفتح. (22 : 244)

مَغْنِيّة: إذا جاءت صيحة العذاب فلايمُهَل أحد منهم ليوصي أهله بما أهمّه، و إن كان غائبًا عنهم لايملك الرّجوع إليهم {وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَاِذَا هُمْ مِنَ الاَ_جْدَ اثِ اِلى" رَ بِّهِمْ يَنْسِلُونَ } يس: 51، و تقدّم مثله في الآية 100، من سورة الكهف ج 5 : 162. (6 : 318)

عبد الكريم الخطيب: لايستطيعون أن يرجعوا إلىأهلهم و أموالهم بعد موتهم، أو أ نّهم لايستطيعون أن يرجعوا إلى أموالهم و أهليهم، إذا جاءهم الموت، و هم فى مكان بعيد عنهم. إنّ الموت لاينتظرهم لحظة واحدة، إذا جاء أجلهم. (12 : 940)

فضل الله: عند ما يكونون في أيّ مكان آخر بعيد عن أهلهم. (19 : 156)

13 - وَ لَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلى" مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَ لايَرْجِعُونَ. يس: 67

ابن عبّاس: في ديارهم إلى الحال الأوّ ل. (373)

نحوه الثّعلبيّ (8 : 135)، و البغَويّ (4 : 21)، و الخازن (6 : 12).

قَتادَة: فلم يستطيعوا أن يتقدّموا و لايتأخّروا.

(الطّبَريّ10 : 460)

الطّبَريّ: و لا أن يرجعوا وراءهم. (10 : 460)

الطُّوسيّ: أي لما قدروا أن يذهبوا أصلا ، و لا أن يجيئوا. (8 : 473)

نحوه الواحديّ (3 : 518)، و ابن جُزَيّ (3 : 166)، و الشَّوْكانيّ (4 : 474)، و المَراغيّ (23 : 29)، و فضل الله (19 : 161).

الطَّبْرِسيّ: أي فلم يقدروا على ذهاب و لامجي‌ء، لو فعلنا ذلك بهم. و قيل: معناه: فما استطاعوا مضيًّا من العذاب، و لارجوعًا إلى الخلقة الأُولى بعد المسخ.

و هذا كلّه تهديد هدّدهم الله به. (4 : 432)

الفَخْرالرّ ازيّ: قدّم المضيّ على الرّجوع، لأنّ الرّجوع أهون من المضيّ، لأنّ المضيّ لاينبئ عن سلوك الطّريق من قبل، و أمّا الرّجوع فينبئ عنه. و لاشكّ أنّ سلوك طريق قدرؤي مرّة، أهون من سلوك طريق لم يُرَ، فقال: لايستطيعون مُضيًّا، و لا أقلّ من ذلك، و هو الرّجوع الّذي هو أهون من المضيّ.

(26 : 103)

نحوه النَّيسابوريّ. (23 : 29)

البَيْضاويّ: و لارجوعًا، فوضع الفعل موضعه للفواصل. و قيل: لايرجعون عن تكذيبهم. (2 : 285)

نحوه أبوالسُّعود (5 : 309) ، و المشهديّ (8 : 427).

النّسَفيّ: فلم يقدروا على ذهاب و لامجيء، أو مضيًّا أمامهم و لايرجعون خلفهم. (4 : 12)

ابن كثير: إلى وراء، بل يلزمون حالا واحدً ا لايتقدّمون و لايتأخّرون. (5 : 626)

البُقاعيّ: أي يتجدّد لهم بوجه من الوُجوه رجوع إلى حالتهم الّتي كانت قبل المسخ، دلالةً على أنّ هذه الأُمور حقّ، لاكما يقولون: من أ نّها خيال و سحر. بل ثباتها لايُمكّن أحدً ا من الخلق رفعه و لاتغييره بنوع تغيير هذا المراد إن شاء الله. و لو قيل: و لارجوعًا، كما قال بعضهم: إنّه المراد ، لم يُفِد هذا المعنى النّفيس.

(6 : 276)

نحوه الشِّربينيّ. (3 : 361)

صدر المتألّهين: أي فلم يقدروا على ذهاب و لامجي‌ء.

و قيل: معناه: فما استطاعوا مضيًّا من العذاب، و لارجوعًا إلى الخلقة الأُولى بعد المسخ...

و الحاصل أنّ أهل الكفر و الاحتجاب و أصحاب الضّلال و العذاب، و إن كانوا في أصل الفطرة مستعدّين لإدراك طريق الحقّ القويم، و قوّة المشي على الصّراط المستقيم، إلا أ نّهم لإنكارهم و جحودهم آيات اللهو معالم دينه و حكمته، طمست عقولهم النّظريّة، و عيونهم الفطريّة، فصاروا من جملة الشّياطين المردودين إلى أسفل السّافلين، و مُسخوا بحسب قوّتهم العمليّة، فصاروا قِرَدةً و خنازير. فلو راموا أن يستبقوا إلى الطّريقة العامّة، الّتي لكلّ أحد أن يسلكها إلى مقصده الّذي يناسبه، بحسب أصل الفطرة، و هي الشّريعة العامّة، الّتي بها نجاة كلّ أحد، لم يقدروا، و تعابًا عليهم أن يبصروا و يعلموا جهة السّلوك فيها، من علوم المعاملات و المسائل الضّروريّات، فضلا عن غيره من علوم المكاشفات.

و مع قطع النّظر عن كون السّلوك متوقّفًا على البصيرة، فصاروا لكثرة اعتيادهم كالدّوابّ و الأنعام بالتّوطّن في عالم الأجرام، و انحباسهم كالحشرات في قعر أرض البدن، ممسوخين على مكانتهم الّتي كانوا عليها، مجمودين في عالم الصّورة، غير مستطيعين مضيًّا إلى عالم الرّحمة و النّجاة، لفقد الآلة و ضعف البُنية و مسخ الماهيّة، و لاراجعين إلى فطرتهم الأصليّة، لاستحالة ذلك بالبراهين القاطعة العقليّة، و الشّواهد النّاصّة < القاطعة > النّقليّة، كما استحالت في سنّة الله

صيرورة الشّيخ الكبير طفلا صغيرً ا. (5 : 265)

الكاشانيّ: و لارجوعًا، أو لايرجعون عن تكذيبهم. (4 : 259)

البُرُوسَويّ: أي و لارجوعًا و إدبارً ا إلى جهة خلفهم، فوُضع موضع الفعل لمراعاة الفاصلة.

(7 : 427)

شُبّر: أي فلم يقدرواعلى ذهاب و لامجي‌ء، أي هم أحقّاء بهم بذلك، لكن أمهلناهم لحكمة. (5 : 236)

الآلوسيّ: قيل: هو [{ وَ لايَرْجِعُونَ ...}] عطف على { مُضِيًّا } المفعول به ل- { اسْتَطَاعُوا }، و هو من باب: < تسمع بالمُعَيْدي خير من أن تراه > فيكون التّقدير: فما استطاعوا مُضيًّا و لارجوعًا، و إلا فمفعول { اسْتَطَاعُوا } لايكون جملة.

و التّعبير بذلك، دون الاسم الصّريح، قيل: للفواصل، مع الإيماء إلى مغايرة الرّجوع للمضيّ بناءً على ما قال الإمام: من أ نّه أهون من المضيّ، لأ نّه يُنبئ عن سلوك الطّريق من قبل، و المضيّ لايُنبئ عنه.

و قيل: لذلك، مع الإيماء إلى استمرار النّفي، نظرً ا إلى ظاهر اللّفظ، و يكون هناك ترقّ من جهتين إذا لوحظ ما أومأ إليه الإمام.

و قيل: له - مع الإيماء إلى أنّ الرّجوع المنفيّ ما كان عن إرادة و اختيار - فإنّ اعتبارهما في الفعل المسند إلى الفاعل، أقرب إلى التّبادر من اعتبارهما في المصدر.

و اقتصر بعضهم في النّكتة على رعاية الفواصل، و الإمام بعد الاقتصار على رعاية الفواصل في بيان نكتة العدول عن الظّاهر تقصيرً ا.

و قيل: هو عطف على جملة { مَا اسْتَطَاعُوا }، و المراد: و لايرجعون عن تكذيبهم، لما أ نّه قد طبع على قلوبهم.

و قيل: هو عطف على ما ذُكر، إلا أنّ المعنى: و لايرجعون إلى ما كانوا عليه قبل المسخ، و ليس بالبعيد.

و على القولين، المراد بالمُضيّ: الذَّهاب عن المكان، و نفي استطاعته مُغن عن نفي استطاعة الرّجوع، و أيًّا مّا كان، فالظّاهر أنّ هذا و كذا ما قبله لو كان ،لكان في الدّنيا.

و قال ابن سلا م: هذا التّوعّد كلّه يوم القيامة، و هو خلاف الظّاهر، و لايكاد يصحّ على بعض الأقوال.

(23 : 46)

سيّد قُطْب: و لاتعود، بعد أن كانوا منذ لحظة عميا نًا يستبقون و يضطربون. (5 : 2973)

ابن عاشور: و كان مقتضى المقابلة أن يقال: و لارجوعًا، و لكن عدل إلى { وَ لايَرْجِعُونَ } لرعاية الفاصلة، فجعل قوله: { وَ لايَرْجِعُونَ } عطفًا على جملة { مَا اسْتَطَاعُوا }، و ليس عطفًا على { مُضِيًّا } لأنّ فعل استطاع لاينصب الجمل. و التّقدير: فما مضوا و لارجعوا، فجعلنا لهم العذاب في الدّنيا قبل عذاب الآخرة، و أرحنا منهم المؤمنين، و تركناهم عبرة و موعظة لمن بعدهم. (22 : 258)

الطَّباطَبائيّ: أي مضيًّا في العذاب، و لايرجعون إلى حالهم قبل العذاب و المسخ. فالمُضيّ و الرّجوع

كنايتان عن الرّجوع إلى حال السّلامة، و البقاء على حال العذاب و المسخ.

و قيل: المراد: مضيّهم نحو مقاصدهم، و رجوعهم إلى منازلهم و أهليهم، و لايخلو من بُعْد. (17 : 107)

عبد الكريم الخطيب: و لارجوعًا عمّا هم عليه من طرق الضّلال. (12 : 948)

مكارم الشّيرازيّ: [راجع: م س خ: < مَسَخْنَاهُمْ >] (14 : 205)

14 - وَ جَعَلَهَا كَلِمَةً باقِيَةً فى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

الزّخرف : 28

ابن عبّاس: عن كفرهم ب- < لا إله إلا الله >.

(413)

الحسَن: معناه: راجع إلى قوم إبراهيم.

(الطُّوسيّ 9 : 194)

قَتادَة: أي يتوبون، أو يذّكّرون.

(الطّبَريّ 11 : 180)

يعترفون و يذكرون الله. (الطُّوسيّ 9 : 194)

مُقاتِل: يقول: لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان.

(3 : 793)

الفَرّ اء: لعلّ أهل مكّة يتّبعون هذا الدّين إذا كانوا من ولد إبراهيم صلّى الله عليه، فذلك قوله: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى دينك و دين إبراهيم صلّى الله عليهما. (3 : 31)

عمّا هم عليه إلى عبادة الله. (الطُّوسيّ 9 : 194)

الطّبَريّ: ليرجعوا إلى طاعة ربّهم، و يثوبوا إلى عبادته، و يتوبوا من كفرهم و ذنوبهم. (11 : 180)

القُمّيّ: يعني فإنّهم يرجعون، أي الأئمّة  إلى الدّنيا. (2 : 283)

النّحّاس: إلى دينك و دين إبراهيم صلّى الله عليهما؛ إذ كانوا من وَلَده. (6 : 350)

نحوه الواحديّ (4 : 69)، و أبوالفُتُوح (17 : 166).

المَيْبُديّ: التّرجّي لإبراهيم، أي قال ما قال لقومه، رجاء قبولهم ذلك منه. (9 : 58)

الزّمَخْشَريّ: لعلّ من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحّد منهم،و نحوه: { وَ وَصّى بِهَا اِبْرهيمُ’‘ بَنيهِ ‘} البقرة : 132. (3 : 484)

نحوه الفَخْرالرّ ازيّ (27 : 208)، و النّسَفيّ (4 :117)، و النَّيسابوريّ (25 : 46)، والخازن (6 : 111)، و أبوالسُّعود (6 : 32)، و الشّريف الكاشانيّ (6 : 249) ، و المشهديّ (9 : 326).

الطَّبْرِسيّ: أي لعلّهم يتوبون و يرجعون عمّا هم عليه، إلى الاقتداء بأبيهم إبراهيم في توحيد الله تعالى، كما اقتدى الكفّار بآبائهم، عن الفَرّ اء و الحسَن.

و قيل: لعلّهم يرجعون عمّا هم عليه إلى عبادة الله تعالى. (5 : 45)

ابن الجَوْزيّ: إلى التّوحيد كلّهم إذا سمعوا أنّ أباهم تبرّ أ من الأصنام و وحّد الله جلّ و عزّ. (7 : 310)

نحوه الشِّربينيّ. (3 : 560)

ابن جُزَيّ: لعلّ من أشرك منهم يرجع إلى التّوحيد. (4 : 27)

ابن كثير: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، أي إليها.

(6 : 224)

البُقاعيّ: أي ليكون حالهم حال من ينظر إليهم، إن حصل منهم مخالفة و اعْوِجاج، حال من يُرجى رجوعه، فإنّهم إذا ذكروا أنّ أباهم الأعظم الّذي بنى لهم البيت و أورثهم الفخر قال ذلك تابعوه.

و يجوز أن يتعلّق بما يتعلّق به ( اِذْ ) أي اذكر لهم قول أبيهم، ليكون حالهم عند من يجهل العواقب، حال من يُرجى رجوعه عن تقليد الجهلة من الآباء، إلى اتّباع هذا الأب الّذي اتّباعه لايُعدّ تقليدً ا، لما على قوله من الأدلّة الّتي تفوت الحصر، فتضمن لمتّبعها حتمًا تمام النّصر.

و في سوقه المترجّي إشارة إلى أ نّهم يكونون صنفين: صنفًا يرجع، و آخر لايرجع. (7 : 22)

الكاشانيّ { لَعَلَّهُمْيَرْجِعُونَ } يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحّده. (4 : 387)

مثله شُبّر. (5 : 419)

البُرُوسَويّ: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } علّة للجعل، و الضّمير للعقب، و إسناد الرّجوع إليهم من وصف الكلّ بحال الأكثر، و التّرجّي راجع إلى إبراهيم ، أي جعلها باقية في عقبه و خلفه رجاء أن يرجع إليها من أشرك منهم بدعاء الموحّد. (8 : 363)

الشَّوْكانيّ: تعليل للجعل، أي جعلها باقية رجاء أن يرجع إليها من يشرك منهم بدعاء من يوحّد.

و قيل: الضّمير في: { لَعَلَّهُمْ } راجع إلى أهل مكّة، أي لعلّ أهل مكّة يرجعون إلى دينك الّذي هو دين إبراهيم.

و قيل: في الكلام تقديم، و تأخير، و التّقدير: فإنّه سيهدين لعلّهم يرجعون، و جعلها...إلخ. (4 : 692)

الآلوسيّ: تعليل للجعل، أي جعلها باقية في عقبه، كي يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحّد، أو بسبب بقائها فيهم. و الضّميران للعقب، و هو بمعنى الجمع. و الأكثرون على أنّ الكلام بتقدير مضاف، أي لعلّ مشركيهم. أو الإسناد من إسناد ما للبعض إلى الكلّ، و أوّلوا ( لَعَلّ )، بناءً على أنّ التّرجّي من الله سبحانه، و هو لايصحّ في حقّه تعالى، أو منه لكنّه من الأنبياء في حكم المتحقّق.

و يجوز ترك التّأويل كما لايخفى، بل هو الأظهر إذا كان ذاك من إبراهيم . (25 : 77)

المَراغيّ: ، لعلّ أهل مكّة يرجعون عمّا هم عليه، إلى دين أبيهم إبراهيم، فإنّهم إذا ذكروا أباهمالأعظم الّذي بنى لهم البيت و أورثهم ذلك الفخر، تبعوه فيما يدين به. (25 : 84)

سيّد قُطْب: يرجعون إلى الّذي فطرهم فيعرفوه و يعبدوه. و يرجعون إلى الحقّ الواحد فيُدركوه و يلزموه. (5 : 3185)

ابن عاشور: و جملة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } بدل اشتمال من جملة {وَ جَعَلَهَا...} لأنّ جعله كلمة { اِنَّنى بَرَ اءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ } الزّخرف : 26، باقية في عقبه، أراد منه مصالح لعقبه، منها: أ نّه رجا بذلك أن يرجعوا إلى نبذ عبادة الأصنام إن فتنوا بعبادتها، أو يتذكّروا بها الإقلاع عن عبادة الأصنام إن عبدوها، فمعنى

الرّجوع: العود إلى ما تدلّ عليه تلك الكلمة. و نظيره قوله تعالى: { وَ اَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الزّخرف : 48، أي لعلّهم يرجعون عن كفرهم.

فحرف ( لعَلّ ) لإنشاء الرّجاء، و الرّجاء هنا رجاء إبراهيم لامحالة، فتعيّن أن يُقدّر معنى قول صادر من إبراهيم بإنشاء رجائه، بأن يُقدّر: قال: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }، أو قائلا : { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }. و الرّجوع مستعار إلى تغيير اعتقاد طارئ باعتقاد سابق، شُبّه ترك الاعتقاد الطّارئ و الأخذ بالاعتقاد السّابق برجوع المسافر إلى وطنه، أو رجوع السّاعي إلى بيته.

و المعنى: يرجع كلّ من حاد عنها إليها، و هذا رجاؤه قد تحقّق في بعض عقبه و لم يتحقّق في بعض، كما قال تعالى: { قَالَ وَ مِنْ ذُرِّ يَّتى قَالَ لايَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمينَ‘ } البقرة : 124، أي المشركين. ولعلّ ممّن تحقّق فيه رجاء إبراهيم عمود نسب النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و إنّما كانوا يكتمون دينهم تقيّة من قومهم.

و قد بَسطتُ القول في هذا المعنى، و في أحوال أهل الفترة في هذه الآية، في رسالة:« طهارة النّسب النّبويّ من النّقائص ». (25 : 240)

مَغْنِيّة: هذا تعليل لوصيّة إبراهيم، و المعنى إنّما وصّى إبراهيم بنيه بكلمة التّوحيد ليعملوا بها، و إذا أشرك واحد منهم أو حاول يُذكّر بوصيّة أبيه، و يقال له: إنّك خالفت ما وصّى به إبراهيم. و قد حدث ذلك بالفعل: { قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ اِبْرهيمَ‘ ’حَنيفًا‘ وَ مَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكينَ‘ } آل عمران : 95، و { مِلَّةَ اَبيكُمْ اِبْرهيمَ’‘ هُوَ سَمّيكُمُ’ الْمُسْلِمينَ‘ مِنْ قَبْلُ } الحجّ : 78. (6 : 544)

الطَّباطَبائيّ: أي يرجعون من عبادة آلهة غير الله إلى عبادته تعالى، أي يرجع بعضهم و هم العابدون لغير الله، بدعوة بعضهم و هم العابدون لله إلى عبادته تعالى. و بهذا يظهر أنّ المراد ببقاء الكلمة في عقبه عدم خلوّهم عن الموحّد ما داموا. و لعلّ هذا عن استجابة دعائه إذ يقول: { وَ اجْنُبْنى وَ بَنِىَّ اَنْ نَعْبُدَ الاَ_صْنَامَ} إبراهيم : 35. (18 : 96)

عبدالكريم الخطيب: أي لعلّ ذرّ يّة إبراهيم يرجعون إلى هذا الميراث الّذي تركه فيهم، و يذكرون ما وصّاهم به من الإيمان بالله وحده، و ألا يموتوا إلا و هم مسلمون. [إلى أن قال:]

و هنا كلام كثير يقتضيهالمقام، فكان سؤال، و هو: هل رجع عقب إبراهيم إلى كلمته تلك؟ و هل أقاموا دينهم عليها؟ و كان الجواب: « كلا » لم يرجعوا إلى كلمته، و لم يستقيموا على دينه. (13 : 125)

مكارم الشّيرازيّ: التّوحيد كلمة الأنبياء الخالدة، و بتعبير آخر، فإنّ جملة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } في الآية السّابقة، توحي بأنّ الهدف من مساعي إبراهيم الحثيثة، كان رجوع كلّ ذرّ يّته إلى خطّ التّوحيد، في حين أنّ العرب كانت تدّعي أ نّها من ذرّ يّة إبراهيم و رغم ذلك لم ترجع، إلا أنّ الله سبحانه أمهلهم مع ذلك حتّى يأتي النّبيّ العظيم بالكتاب الجديد، ليوقظ هؤلاء من نومهم، و بالفعل فقد استيقظت جماعة عظيمة منهم. (16 : 41)

فضل الله: إلى الله، عند ما تبتعد بهم الطّريق عنه،

بفعل العوامل المضادّة للحقّ. (20 : 230)

15 - وَ مَا نُريهِمْ مِنْ ا"يَة اِلا هِىَ اَكْبَرُ مِنْ اُخْتِهَاوَ اَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. الزّخرف : 48

ابن عبّاس: لكي يرجعوا عن كفرهم. (414)

قَتادَة:أي يتوبون أويذّكّرون. (الطّبَريّ11 : 194)

الطّبَريّ: ليرجعوا عن كفرهم بالله إلى توحيده و طاعته، و التّوبة ممّا هم عليه مقيمون من معاصيهم.

(11 : 194)

نحوه أكثر التّفاسير.

الزّمَخْشَريّ: إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان.

فإن قلت: لو أراد رجوعهم لكان.

قلت: إرادته فعل غيرهليس إلا أن يأمره به، و يطلب منه إيجاده. فإن كان ذلك على سبيل القسر وُجد، و إلا دار بين أن يُوجَد و بين أن لايوجَد، على حسب اختيار المكلّف، و إنّما لم يكن الرّجوع، لأنّ الإرادة لم تكن قسرً ا و لم يختاروه. (3 : 491)

ابن عَطيّة: و قوله: { لَعَلَّهُمْ } ترَجّ بحسب معتقد البشر و ظنّهم، و { يَرْجِعُونَ } معناه: يتوبون و يقلعون.

(5 : 58)

الفَخْرالرّ ازيّ: أي عن الكفر إلى الإيمان.

قالت المعتزلة: هذا يدلّ على أ نّه تعالى يريد الإيمان من الكلّ، و أ نّه إنّما أظهر تلك المعجزات القاهرة، لإرادة أن يرجعوا من الكفر إلى الإيمان.

(27 : 218)

النَّيسابوريّ: قالت المعتزلة:{لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، أي إرادة أن يرجعوا، فورد عليهم أ نّه لو أراد رجوعهم لكان. و أجابوا: بأ نّه لو أراد قسرً ا لكان، و لكنّه أراد مختارً ا، و زُيّف بأ نّه لو أراد أن يقع طريق الاختيار، لزم أن يقع أيضًا مختارً ا.

أمّا الفرق، فالصّواب أن يقال: ( لَعَلَّ ) للتّرجّي، و لكن بالنّسبة إلى المكلّف كما مرّ مرارً ا. (25 : 53)

أبوحَيّان: [نقل كلام الزّمَخْشَريّ ثمّ قال:]

و هو على طريق الاعتزال. (8 : 21)

البُقاعيّ: أي ليكون حالهم عند ناظرهم الجاهل بالعواقب، حال من يُرجى رجوعه. (7 : 35)

مثله الشِّربينيّ. (3 : 566)

البُرُوسَويّ: أي لكي يرجعوا عمّاهم عليه من الكفر، فإنّ مِن جهوليّةنفس الإنسان أن لايرجع إلى الله على إقدام العبوديّة، إلا أن يُجَرّ بسلاسل البأساء و الضّرّ اء إلى الحضرة. فكلمة ( لَعَلَّ ) مستعارة لمعنى < كي > و هو التّعليل، كما سبق في أوّ ل هذه السّورة.

و تفسيره بإرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان، كما فسّره أهل الاعتزال، خطأ محض لاريب فيه، لأنّ الإرادة تستلزم المراد، بخلاف الأمر التّكليفيّ، فإنّه قد يأمر بما لايريد، و الّذي يريده فهو واقع ألبتّة.

(8 : 375)

الشَّوْكانيّ: أي بسبب تكذيبهم بتلك الآيات، و العذاب هو المذكور في قوله: { وَلَقَدْ اَخَذْنَا ا"لَ فِرْعَوْنَ بالسِّنينَ‘ وَ نَقْص منَ الثَّمَرَ اتِ } الأعراف : 130، و بيّن سبحانه أنّ العلّة في أخذه لهم بالعذاب هو: رجاء

رجوعهم. (4 : 698)

ابن عاشور: و الرّجُوع: مستعار للإذعان و الاعتراف، و ليس هو كالرّجوع في قوله آنفًا: {وَ جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الزّخرف : 28. و ضمائر الغيبة في { نُريهِمْ‘ }

و { اَخَذْنَاهُمْ }، و { لَعَلَّهُمْ } عائدة إلى فرعون و ملَئه.

(25 : 266)

مَغْنِيّة: عن الضّلال إلى الهدى، و عن الفساد في الأرض إلى إصلاحها. و لكن ما أغنت الآيات و النُّذر عن قوم لايبصرون إلا منافعهم و مكاسبهم. (6 : 552)

الطَّباطَبائيّ: أي رجاء أن يرجعوا عن استكبارهم إلى قبول رسالته. (18 : 109)

16 - وَ لَقَدْ اَهْلَكْنَا مَاحَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَ صَرَّفْنَا الا_يَاتِ’ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. الأحقاف : 27

ابن عبّاس: عن كفرهم فيتوبوا. (426)

و نحوه أكثر التّفاسير.

الطّبَريّ: يقول: ليرجعوا عمّا كانوا عليه مقيمين، من الكفر بالله و آياته. و في الكلام متروك، تُرك ذكره استغناءً بدلالة الكلام عليه، و هو: فأبوا إلا الإقامة على كفرهم، و التّمادي في غيّهم، فأهلكناهم، فلن ينصرهم منّا ناصر. (11 : 295)

الفَخْرالرّ ازيّ: أي لعلّ أهل القُرى يرجعون، فالمراد بالتّصريف: الأحوال الهائلة الّتي وُجدت قبل الإهلاك.

قال الجُبّائيّ: قوله: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } معناه: لكي يرجعوا عن كفرهم. دلّ بذلك على أ نّه تعالى أراد رجوعهم، و لم يرد إصرارهم.

و الجواب: أ نّه فعل ما لو فعله غيره، لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة. و إنّما ذهبنا إلى هذا التّأويل، للدّ لائل الدّ الّة على أ نّه سبحانه مريد لجميع الكائنات. (28 : 30)

البُقاعيّ: و لمّا كان تصريف الآيات لايخصّ أحدً ا بعينه، بل هو لكلّ من رآه أو سمع به، لم يُقيّدها بهم. و ذكر العلّة الشّاملة لغيرهم، فقال: { لَعَلَّهُمْ } أي الكفّار { يَرْجِعُونَ }، أي ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات، حال من يرجع عن الغيّ الّذي كان يركبه، لتقليد أو شبهة كشفته الآيات و فضحته الدّ لالات فلم يرجعوا، فكان عدم رجوعهم سبب إهلاكنا لهم. (7 : 139)

نحوه الشِّربينيّ. (4 : 16)

البُرُوسَويّ: لكي يرجعوا عمّا هم فيه من الكفر والمعاصي، لأ نّها أسباب الرّجوع إلى التّوحيد و الطّاعة، و لم يرجع أحد منهم، ليعلم أنّ الهداية بيد الله يُؤتيها من يشاء. قالوا: لعلّ هذا تطميع لهم و تأميل للمؤمنين، و إلا فهو تعالى يعلم أ نّهم لايرجعون.

يقول الفقير: هذا من أسرار القدر، فلايُبحَث عنه، فإنّ الله تعالى خلق الجنّ و الإنس ليعبدوه، فما عبده منهم إلا أقلّ من القليل. و لمّا كان تصريف الآيات و الدّعوة بالمعجزات من مقتضيات أعيانهم، فعله الله تعالى و الأنبياء علیهم السلام. و الفرق بين الأمر التّكليفيّ و الأمر الإراديّ :أنّ الأوّ ل لايقتضي حصول المأمور

به، بخلاف الثّاني، و إلا لوقع التّخلّف بين الإرادة و المراد، و هو محال. (8 : 485)

الآلوسيّ: و التّرجّي مصروف لغيره تعالى، أو ( لَعَلَّ ) للتّعليل، أي لكي يرجعوا عمّا هم فيه من الكفر و المعاصي إلى الإيمان و الطّاعة. (26 : 28)

ابن عاشور: و جملة { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } مستأنفة لإنشاء التّرجّي، و موقعها موقع المفعول لأجله، أي رجاء رجوعهم.

و الرّجوع هنا مجاز عن الإقلاع، عمّا هم فيه من الشّرك و العناد، و الرّجاء من الله تعالى يُستَعمل مجازً ا في الطّلب، أي توسعةً لهم و إمهالا ليتدبّروا و يتّعظوا. و هذا تعريض بمشركي أهل مكّة، فهم سواء في تكوين ضروب تصريف الآيات، زيادة على ما صُرف لهم من آيات إعجاز القرآن. و الكلام على ( لَعَلَّ ) في كلام الله تقدّم في أوائل البقرة. (26 : 46)

مَغْنِيّة: كي يتّعظوا و يرتدعوا (7 : 53)

الطَّباطَبائيّ: { يَرْجِعُونَ } من عبادة غير الله سبحانه إلى عبادته.

و الضّمير في { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لأهل القرى، و المراد بها: أهل القرى. (18 : 214)

عبد الكريم الخطيب: و فى قوله تعالى: { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إشارة إلى أنّ تصريف هذه الآيات و تنويعها، إنّما كانت غايته أن تُتيح للقوم أكثر من فرصة للتّأمّل و النّظر، لعلّهم ينتفعون بهذا، و يرجعون عمّا هم فيه من كفر و ضلال.

و لكنّهم لم ينتفعوا، و لم يرجعوا، فحقّ عليهم القول بما ظلموا، و أتاهم العذاب من حيث لايشعرون.

و التّرجّي كما أشرنا في أكثر من موضع، إنّما هو منظور فيه إلى النّاس، و إلى أنّ هذا الّذي يُساق إليهم من آيات مختلفة الأشكال و الألوان، كان يمكن أن يُناط به الرّجاء، و تتعلّق به الآمال في إصلاح القوم، و لكنّهم قطعوا بأيديهم حبل الرّجاء الممتدّ إليهم من تلك الآيات. (13 : 287)

فضل الله: عن الانحراف الّذي يعيشون فيه، و يستقيمون في خطّ الحقّ الّذي يربطهم بالله. (21 : 36)

تَرْجِعُونَهَا

تَرْجِعُونَهَا اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ.‘ الواقعة : 87

ابن عبّاس: { تَرْجِعُونَهَا } روح الجسد إلى الجسد. (455)

ابن زَيْد: لتلك النّفس. (الطّبَريّ 11 : 665)

الفَرّ اء: و يقال: أين جواب { فَلَوْ لا } الأُولى،

[{ فَلَوْ لا اِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } الواقعة : 83] و جواب الّتي بعدها؟

و الجواب فى ذلك: أ نّهما أُجيبا بجواب واحد وهو { تَرْجِعُونَهَا }، و ربما أعادت العرب الحرفين و معناهما واحد. فهذا من ذلك، و منه: { فَاِمَّا يَاْتِيَنَّكُمْ مِنّى هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَ اىَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } البقرة : 38، أُجيبا بجواب واحد، و هما جزاءان، و من ذلك قوله: { لاتَحْسَبَنَّ الَّذينَ‘ يَفْرَحُونَ بِمَا اَتَوْا وَ يُحِبُّونَ اَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلاتَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَ-ازَ ة مِنَ الْعَذَابِ } آل عمران : 188. (3 : 130)

ابن قُتَيْبَة: أي تردّون النّفس. (452)

الطّبَريّ: يقول: تردّون تلك النّفوس من بعد مصيرها إلى الحلاقيم إلى مستقرّها من الأجساد. { اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ‘}: إن كنتم تمتنعون من الموت و الحساب و المجازاة. [ثمّ قال نحو الفَرّ اء] (11 : 664)

نحوه الواحديّ (4 : 241)، و البغَويّ (5 : 22)، و المَيْبُديّ (9 : 465)، و أبوالفُتُوح (18 : 331)، و ابن الجَوْزيّ ( 8 : 156 ) ، و القُرطُبيّ (17 : 231 ) ، و الخازن (7 : 23).

الزّجّاج: المعنى: إن كنتم تقدرون أن تؤخّروا أجلا ، فهلا ترجعون الرّوح إذا بلغت الحلقوم، و هلا تدرأون عن أنفسكم الموت. (5 : 117)

القُمّيّ: يعني به الرّوح إذا بلغت الحلقوم تردّونها في البدن إن كنتم صادقين. (2 : 350)

الثّعلبيّ:[نحو الطّبَريّ ثمّ قال:]

و قيل: في الآية تقديم و تأخير، مجازها ( فَلَوْلا اِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ‘ تَرْجِعُونَهَا)، أي تردّون نفس هذا الميّت إلى جسده إذا بلغت الحُلقوم. (9 : 223)الطُّوسيّ: أي تردّون هذه النّفس إلى موضعها. [ثمّ ذكر قول الفَرّ اء و أضاف:] يعني إنّ الجواب و الخبر في هذا على قياس واحد، و إنّما جاز أن يُجاب معنيان بجواب واحد، لأنّ كلّ واحد منهما يوجب ذلك المعنى. و المعنى: فلولا إذا بلغت الحلقوم على ادّعائهم، أ نّه لايصحّ أن يكون القادر على إخراجها قادرً ا على ردّها، يلزم أن يكون القادر على ردّها غيره، و كذلك يلزم من قولهم: إنّه لايصحّ أن يقدر على ردّها للجزاء أن يكون القادر غيره منهم و من أشباههم. و الرّجْع: جعل الشّي‌ء على الصّفة الّتي كان عليها قبل، و هو انقلابه إلى الحال الأُولى، و لو انقلب إلى غيرها لم يكن راجعًا. و وجه إلزامهم على إنكار الجزاء و رجوع النّفس إلى الدّنيا، أنّ إنكار أن يكون القادر على النّشأة الأُولى قادرً ا على النّشأة الثّانية، كادّعاء أنّ القادر على الثّانية إنّما هو مَن لم يقدر على الأُولى، لأنّ إنكار الأوّ ل يقتضي إيجاب الثّاني، كإنكار أن يكون زيد المتحرّ ك حرّكت نفسه في اقتضاء أنّ غيره رّكه.

(9 : 512)

الزّمَخْشَريّ: ترتيب الآية: فلولاترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين. ف- { لَوْ لا } الثّانية مكرّرة للتّوكيد، و الضّمير في { تَرْجِعُونَهَا } للنّفس و هي الرّوح. (4 : 59)

ابن عَطيّة: و قوله: { تَرْجِعُونَهَا } سدّت مسدّ الأجوبة، و البيانات الّتي يقتضيها التّحضيضات،و (اِذَا) من قوله: { فَلَوْلا اِذَا } و (اِنْ) المتكرّرة، و حمل بعض القول بعضًا إيجازً ا و اقتضابًا. (5 : 253)

نحوه الثّعالِبيّ. (3 : 290)

الطَّبْرِسيّ: العامل في ( اِذَا ) محذوف، يدلّ عليه الفعل الواقع بعد { لَوْلا }، و هو { تَرْجِعُونَهَا } في { فَلَوْ لا اِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ * تَرْجِعُونَهَا }، و جواب الشّرط أيضًا هو مدلول قوله: فلو لاترجعونها، و( لَوْلا ) هذه للتّحضيض بمعنى < هلا > و لايقع بعدها إلا الفعل، و يكون التّقدير: فلو لاترجعونها إذا بلغت

الحلقوم فلو لا إن كنتم، فكرّر ( لَوْلا ) ثانيًا لطول الكلام. [إلى أن قال:]

يعني فهلا ترجعونها، أي فهلا ترجعون نفس من يعزّ عليكم إذا بلغت الحلقوم، و تردّونها إلى موضعها إن كنتم غير مجزيّين بثواب و عقاب، و غير محاسبين.

(5 : 225)

نحوه النّسَفيّ. (4 : 221)

أبوالبَرَكات: تقديره: فلولاترجعونها إذا بلغت الحلقوم، و ( لَوْلا ) هاهنا بمعنى < هلا >. (2 : 419)

نحوه ابن كثير. (6 : 539)

الفَخْرالرّ ازيّ: أكثر المفسّرين على أنّ { لَوْلا } في المرّة الثّانية مكرّرة، و هي بعينها هي الّتي قال تعالى: { فَلَوْ لا اِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } الواقعة : 83، و لها جواب واحد، و تقديره على ما قاله الزّمَخْشَريّ : فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم، أي إن كنتم غير مدينين.

و قال بعضهم: هو كقوله تعالى: { فَاِمَّا يَاْتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَ اىَ فَلاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ } البقرة :38؛حيث جعل { فَلاخَوْفٌ } جزاء شرطين. و الظّاهر خلاف ما قالوا، و هو أن يقال: جواب { لَوْلا } في قوله: { فَلَوْلا اِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } هو ما يدلّ عليه ما سبق، يعني تكذّبون مدّة حياتكم، جاعلين التّكذيب رزقكم و معاشكم، فلولاتكذّبون وقت النّزع، و أنتم في ذلك الوقت تعلمون الأُمور و تشاهدونها. و أمّا { لَوْلا } في المرّة الثّانية، فجوابها: { تَرْجِعُونَهَا }.

(29 : 200)

العُكْبَريّ: و { تَرْجِعُونَهَا }: جواب { لَوْلا }، و أغنى ذلك عن جواب الثّانية، و قيل: عكس ذلك. و قيل: { لَوْلا }،الثّانية تكرير. (2 : 1206)

البَيْضاويّ: ترجعون النّفس إلى مقرّها، و هو عامل الظّرف، و المحضّض عليه ب- { لَوْلا } الأُولى، و الثّانية تكرير للتّوكيد، و هي بما في حيّزها دليل جواب الشّرط. و المعنى: إن كنتم غير مملوكين مجزيّين، كما دلّ عليه جحدكم أفعال الله، و تكذيبكم بآياته. { اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ‘ } في أباطيلكم، فلو لاترجعون الأرواح إلى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم. (2 : 450)

نحوه الشِّربينيّ (4 : 199)، و المشهديّ (10 : 228)، و البُرُوسَويّ (8 : 340).

النَّيسابوريّ: ترتيب الآية بالنّظر إلى أصل المعنى، هو أن يقال: فلو لاترجعون الأرواح إلى الأبدان إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين، فزاد في الكلام توكيدات، منها: تكرير { فَلَوْ لا } التّحضيضيّة لطول الفصل،كما كرّر قوله: { فَلاتَحْسَبَنَّهُمْ } بعد قوله: { لاتَحْسَبَنَّ الَّذينَ‘ يَفْرَحُونَ } آل عمران : 188.

و منها: تقديم الظّرف، و هو قوله: { اِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ } أي النّفس. و إنّما أُضمرت للعلم بها، كقوله: { مَا تَرَ كَ عَلى" ظَهْرِهَا } فاطر : 45، و إنّما قُدّم الظّرف للعناية، فإنّه لاوقت لكون الإنسان أحوج إلى التّصرّف و التّدبير منه، و لأ نّه أراد أن يرتّب الاعتراضات عليه.

ومنها: زيادة الجُمَل المعترضة، و هي قوله: { وَ اَنْتُمْ } يا أهل الميّت { حينَئِذ تَنْظُرُونَ } إليه{ وَ نَحْنُ اَقْرَبُ اِلَيْهِ مِنْكُمْ } بالقدرة و العلم، أو بملائكة

الموت{ وَ لكِنْ ’لاتُبْصِرُونَ } لابالبصر و لا بالبصيرة. أي إن كنتم صادقين، إن كنتم غير مدينين فارجعوا أرواحكم إلى أبدانكم ممتنعين عن الموت...

و يمكن أن يقال: إنّ فعل { فَلَوْ لا } الأوّ ل محذوف يدلّ عليه ما قبله، و المعنى: تكذبون مدّة حياتكم، جاعلين التّكذيب رزقكم و معاشكم. فلو لاتكذّبون وقت الموت و أنتم في ذلك الوقت تعلمون الأحوال و تشاهدونها؟

و يحتمل عندي أن يكون الضّمير في {تَرْجِعُونَهَا} عائدً ا إلى ملائكة الموت، بدليل قوله: { وَ نَحْنُ اَقْرَبُ}، و المعنى: فلولاتردّون عن ميّتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين، تحت قدرتنا و إرادتنا.

(27 : 84)

ابن جُزَيّ: { لَوْلا } هنا، و الضّمير في { بَلَغَتِ } للنّفس، لأنّ سياق الكلامعرض يقتضي ذلك، و بلوغها للحلقوم حين الموت، و الفعل الّذي دخلت عليه { لَوْلا } هو قوله: { تَرْجِعُونَهَا }، أي هلا رددتم النّفس حين الموت. و معنى الآية: احتجاج على البشر و إظهار لعجزهم، لأ نّهم إذا حضر أحدهم الموت، لم يقدروا أن يردّوا روحه إلى جسده؛ و ذلك دليل على أ نّهم عبيد مقهورون. (4 : 95)

أبوحَيّان: و المعنى: فلولا ترجعون النّفس البالغة إلى الحلقوم إن كنتم غير مملوكين و غير مقهورين. { اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ‘ } في تعطيلكم و كفركم بالمحيي المميت المبدئ المعيد؛ إذ كانوا فيما ذهبوا إليه من أنّ القرآن سحر و افتراء، و أنّ ما نز ل من المطر هو بنوء كذا، تعطيل للصّانع و تعجيز له. [ثمّ ذكر قول ابن عَطيّة و قال:]

و نقول:( اِذَا )ليست شرطيّة، فتسدّ { تَرْجِعُونَهَا } مسدّ جوابها، بل هي ظرف غير شرط معمول لترجعونها المحذوف بعد { فَلَوْلا }، لدلالة

{ تَرْجِعُونَهَا } في التّخصيص الثّاني عليه. فجاء التّخصيص الأوّ ل مقيّدً ا بوقت بلوغ الحلقوم، و جاء التّخصيص الثّاني معلّقًا على انتفاء مربوبيّتهم، و هم لايقدرون على رجوعها؛ إذ مربوبيّتهم موجودة، فهم مقهورون لاقدرة لهم. (8 : 215)

السّمين: [ذكر قول الزّمَخْشَريّ ثمّ قال:]

قلت: فيكون التّقدير:فلولا فلولاترجعونها من باب التّوكيد اللّفظيّ، و تكون { اِذَا بَلَغَتِ } ظرف ل- { تَرْجِعُونَهَا } مقدّمًا عليه؛ إذ لامانع منه، أي فلولا ترجعون النّفس في وقت بلوغها الحلقوم. (6 : 269)

نحوه أبوالسُّعود. (6 : 196)

الكاشانيّ: ترجعون النّفس إلى مقرّها { اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ‘ } في تكذيبكم و تعطيلكم، و المعنى: إن كنتم غير مملوكين مجزيّين، كما دلّعليه جحدكم أفعال الله و تكذيبكم بآياته، فلولا ترجعون الأرواح إلى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم. (5 : 130)

مثله شُبّر. (6 : 151)

الآلوسيّ: أي الرّوح إلى مقرّها، و القائلون

بالتّجرّد يقولون: أي ترجعون تعلّقها كما كان أوّ لا . [ إلى أن قال نحو البَيْضاويّ و أضاف:]

الشّرط الأوّ ل، أعني { اِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ‘ } ، و الشّرط الثّاني مؤكِّدٌ للأوّ ل مبيِّن له، و قُدّم أحد الشّرطين على { تَرْجِعُونَهَا } للاهتمام، و التّقدير: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مربوبين، صادقين فيما تزعمونه من الاعتقاد الباطل، فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم... (27 : 158)

ابن عاشور:... بقي الإشكال في جعل{ تَرْجِعُونَهَا } من جملة جواب شرط ( اِنْ ) إذ لايلزم من عدم قدرتهم على صدّ الأرواح عن الخروج، أن يكون خروجها لإجراء الحساب. و دفع هذا الإشكال وجوب تأويل { تَرْجِعُونَهَا } بمعنى تحاولون إرجاعها، أي عدم محاولتكم إرجاعها منذ العصور الأُولى، دليل على تسليمكم بعدم إمكان إرجاعها. و ما ذلك إلا لوجوب خروجها من حياة الأعمال، إلى حياة الجزاء.

و أصل تركيب هذه الجملة: فإذا كنتم صادقين في أ نّكم غير مدينين، فلولا حاولتم عند كلّ محتضر إذا بلغت الرّوح الحلقوم، أن ترجعوها إلى مواقعها من أجزاء جسده، فما صرفكم عن محاولة ذلكإلا العلم الضّروريّ، بأنّ الرّوح ذاهبة لامحالة. فإذا علمت هذا اتّضح لك انتظام الآية الّتي نُظمت نظمًا بديعًا من الإيجاز، و أُدمج في دليلها ما هو تكملة للإعجاز.

و { لَوْ لا } حرف تحضيض مستعمل هنا في التّعجيز، لأنّ المحضوض إذا لم يفعل ما حُضّ على فعله، فقد أظهر عجزه، و الفعل المحضوض عليه هو { تَرْجِعُونَها }، أي تحاولون رجوعها.

و {اِذَا بَلَغَتِ } ظرف متعلّق ب- { تَرْجِعُونَهَا } مقدّم عليه، لتهويله و التّشويق إلى الفعل المحضوض عليه. [إلى أن قال:]

و جملة { وَ لكِ-نْ’ لاتُبْصِرُونَ } معترضة بين جملة { وَ نَحْنُ اَقْرَبُ اِلَيْهِ مِنْكُمْ } و جملة { فَلَوْلااِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ ‘ }، و كلمة { فَلَوْ لا } الثّانية تأكيد لفظيّ لنظيرها السّابق، أُعيد لتُبنى عليه جملة { تَرْجِعُونَهَا }، لطول الفصل.

و جملة { اِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ‘ } معترضة، أو حال من الواو في{ تَرْجِعُونَهَا }.

و جواب شرط ( اِنْ ) محذوف دلّ عليه فعل{ تَرْجِعُونَهَا }. [ثمّ نقل قول ابن عَطيّة إلى أن قال:]

و جملة {اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ‘} بيان لجملة { اِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ ‘}.و على التّفسير الأوّ ل لمعنى{مَدينينَ ‘} يكون وجه إعادة هذا الشّرط، مع أ نّه ممّا استُفيد بقوله: { اِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ ‘ } هو الإيماء إلى فرض الشّرط في قوله: {ا ِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ ‘ } بالنّسبة لما في نفسالأمر، و أنّ الشّرط في قوله: {اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ‘} هو فرض و تقدير، لاوقوع له نفي البعث. و على الوجه الثّاني يرجع قوله: { اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ‘‘} إلى ما أفاده التّحضيض. و موقع < فاء > التّفريع من إرادة أنّ قبض الأرواح لتأخيرها إلى يوم الجزاء، أي إن كنتم صادقين في نفي البعث و الجزاء.

و ضمير التّأنيث في قوله: { تَرْجِعُونَهَا }عائد إلى الرّوح الدّ الّ عليه التّاء في قوله:{ اِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ }

[ إلى أن قال: ]

و من مستتبعات هذا الكلام أن يفيد الإيماء إلى حكمة الموت بالنّسبة للإنسان، لأ نّه لتخليص الأرواح من هذه الحياة الزّائلة المملوءة باطلا إلى الحياة الأبديّة الحق الّتي تجري فيها أحوال الأرواح على ما يناسب سلوكها في الحياة الدّنيا ، كما أشار إليه قوله تعالى: { اَفَحَسِبْتُمْ اَ نَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَ اَنَّكُمْ اِلَيْنَا لاتُرْجَعُونَ } المؤمنون : 115، فيقتضي أ نّه لولا أ نّكم مدينون لما انتزعنا الأرواح من أجسادها بعد أن جعلناها فيهاو لأبقيناها، لأنّ الرّوح الإنسانيّ ليس كالرّوح الحيوانيّ، فتكون الآية مشتملة على دليلين: أحدهما: بحاقّ التّركيب، و الآخر: بمستتبعاته الّتي أومأ إليها قوله: { اِ نْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ‘ }. و الغرض الأوّ ل هو الّذي ذُيّل بقوله: { اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ‘‘}.

(27: 312)

مَغْنِيّة: إذاكنتم أحرارً اكماتزعمون، و غير مسؤولين عن شيء. و لاأحديستطيع أن يقهركم على شيء، إذا كان الأمر كذلك فلما ذا لاتدفعون الموت عن أنفسكم و ترجعون أرواحكم إلى أجسادكم، لأنّ المفروض في منطقكم أنّ الله لايملك لكم موتًا و لاحياةً، و لابعثًا و لاحسابًا. (7 : 235)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { تَرْجِعُونَهَا} مدخول { لَوْلا } التّحضيضيّة بحسب التّقدير، و ترتيب الآيات بحسب التّقدير: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم مدينين. (19 : 139)

عبدالكريم الخطيب:قوله تعالى: {تَرْجِعُونَهَا} هو جواب { فَلَوْ لا } الأُولى، أي فهلا إذا بلغت الرّوح الحلقوم ترجعونها؟ (14 : 740)

مكارم الشّيرازيّ: إنّ ضعفكم هذا دليل أيضًا على أنّ مالك الموت و الحياة واحد، و أنّ الجزاء بيده، و هو الّذي يُحيي و يُميت. (17 : 504)

فضل الله: فلو كان الأمر كما تقولون في نفي الحساب و الجزاء، أو في الغفلة عن قدرة الله عليكم و ربوبيّته لكم، { تَرْجِعُونَهَا اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ‘} في ما قد تتحسّسون في موقفكم المتمرّد على الله، الّذي توحون به إلى أنفسكم بالقدرة المطلقة، انطلاقًا من الغفلة المطبقة على عقولكم، فحاولوا إرجاع الرّوح إلى الجسد عند ما تبلغ الحلقوم، و لكنّكم لاتملكون شيئًا من ذلك، لأنفسكم و لغيركم، لأ نّكم خاضعون لله في وجودكم، و في نهايتكم. (21 : 346)

اَرْجِعُ

يُوسُفُ اَ يُّهَا الصِّدّيقُ‘ اَفْتِنَا فى سَبْعِ بَقَرَ ات سِمَان يَاْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلات خُضْر وَ اُخَرَ يَابِسَات لَعَلّى‘ اَرْجِعُ اِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ.

يوسف : 46

ابن عبّاس: { اِلَى النَّاسِ } إلى الملِك { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } لكي يعلموا رؤيا الملك. (198)

نحوه مُقاتِل. (2 : 338)

الطّبَريّ: كي أرجع إلى النّاس فأُخبرهم، ليعلموا تأويل ما سألتك عنه من الرّؤيا. (7 : 228)

نحوه البُرُوسَويّ. (4 : 268)

الزّجّاج: أى لعلّهم يعلمون تأويل رؤيا الملك. و يجوز أن يكون: لعلّهم يعلمون مكانك فيكون ذلك سبب خلاصك من الحبس. (3 : 113)

نحوه النّحّاس. (3 : 433)

الماوَرْديّ: أي لكي أرجع إلى النّاس، و هو الملِك و قومه. و يحتمل أن يريد الملك وحده، فعبّر عنه ب- { النَّاسِ } تعظيمًا له.

{ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } لأ نّه طمع أن يعلموا و أشفق أن لايعلموا، فلذلك قال:{ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } يعني تأويلها. و لم يكن ذلك منه شكًّا في علم يوسف، لأ نّه قد وقّر في نفسه علمه و صدقه، و لكن تخوّف أحد أمرين: إمّا أن تكون الرّؤيا كاذبةً، و إمّا ألا يُصدّقوا تأويلها لكراهتهم له، فيتأخّر الأمر إلى وقت العيان. (3 : 44)

الطُّوسيّ: معنى ( لَعَلَّ ) الشّكّ، لأ نّها طمع و إشفاق، و إنّما قال ذلك لطمعه أن يكون، و أشفق أن لايكون. و لو قال: لأرجع إلى النّاس ليعلموا، لكان فيه تعليل السّؤال، غير أنّ الشّكّ في ( لَعَلَّ ) قد يكون للمتكلّم، و قد يكون للمخاطب، و الرّجُوع إلى الشّي‌ء: المرور إلى الجهة الّتي جاء منها، و الرّجوع عنه: الذّهاب عنه. [ثمّ قال نحو الزّجّاج] (6 : 148)

الواحديّ: { النَّاسِ } يعني الملِك و أصحابه،و العلماء الّذين جمعهم لتعبير رؤياه،{ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} كي يعرفوا ذلك، و قيل:لعلّهم يعلمون فضلك و علمك. (2 : 616)

نحوه البغَويّ (2 : 495)،و القُرطُبيّ (9 : 203)، والخازن(3 : 235)،و الشِّربينيّ (2 : 112)،و الكاشانيّ (3 : 24).

الزّمَخْشَريّ: كلّمه كلام محترز، فقال: { لَعَلّى‘ اَرْجِعُ اِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } لأ نّه ليس على يقين من الرّجوع، فربّما اخترم دونه، و لامن علمهم فربّما لم يعلموا. أو معنى { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ }: لعلّهم يعلمون فضلك و مكانك من العلم، فيطلبوك و يُخلّصوك من محنتك. (2 : 324)

ابن عَطيّة: قوله: { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } أي تأويل هذه الرّؤيا، فيزول همّ الملك لذلك و همّ النّاس. و قيل: { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } مكانتك من العلم و كُنْه فضلك، فيكون ذلك سببًا لتخلّصك. (3 : 250)

الطَّبْرِسيّ: [نحو الواحديّ إلا أ نّه قال:]

{ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فضلك و علمك، فيُخرجوك من السّجن. و قيل: لعلّهم يعرفون تأويل رؤيا الملك.

(3 : 238)

نحوه شُبّر (3 : 283)، و الشَّوْكانيّ (3 : 40)، و مَغْنِيّة (4 : 322).

ابن الجَوْزيّ: [ نحو الواحديّ و قال:]

و ذكر ابن الأنباريّ في تكرير ( لَعَلَّ ) قولين: أحدهما: أنّ ( لَعَلَّ ) الأُولى متعلّقة بالإفتاء، و الثّانية: مبنيّة على الرّجوع، و كلتاهما بمعنى « كي ».

و الثّاني: أنّ الأُولى بمعنى « عسى »، و الثّانية بمعنى « كي » فأُعيدت لاختلاف المعنيين، و هذا هو الجواب عن قوله: { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يوسف : 62. (4 : 232)

الفَخْرالرّ ازيّ: المراد: لعلّي أرجع إلى النّاس بفتواك، لعلّهم يعلمون فضلك و علمك. و إنّما قال: لعلّي أرجع إلى النّاس بفتواك، لأ نّه رأى عجز سائر المعبّرين عن جواب هذه المسألة، فخاف أن يعجز هو أيضًا عنها، فلهذا السّبب قال: { لَعَلّى اَرْجِعُ اِلَى النَّاسِ}. (18 : 149)

البَيْضاويّ: أعود إلى الملك و من عنده، أو إلى أهل البلد؛ إذ قيل: إنّ السّجن لم يكن فيه. { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ }: تأويلها أو فضلك و مكانك، و إنّما لم يَبتّ الكلام فيهما، لأ نّه لم يكن جازمًا بالرّجوع، فربّما اخترم دونه، و لامن علمهم. (1 : 498)

نحوه البُقاعيّ (4 : 52)،و مثله المشهديّ (4 : 633).

النّسَفيّ: { اِلَى النَّاسِ } إلى الملِك و أتباعه، { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فضلك و مكانك من العلم، فيطلبوك و يخلّصوك من محنتك. (2 : 225)

النَّيسابوريّ:{ لَعَلّى اَرْجِعُ } فيه نوع من حسن الأدب، لأ نّه لم يقطع بأ نّه يعيش إلى أن يعود إليهم، و على تقدير أن يعيش فربّما عرض له ما يمنعه عن الوصول إليهم، من الموانع الّتي لاتُحصى كثرة. و كذا في قوله: { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فضلك و مكانك من العلم فيُخلّصوك، أو يعلمون فتواك، فيكون فيه نوع شكّ، لأ نّه رأى عجز سائر المعبّرين.

و قيل: كُرّر ( لَعَلَّ ) مراعاةً لفواصل الآي، و إلا كان مقتضى النّسق: لعلّي أرجع إلى النّاس فيعلموا، و مثله في هذه السّورة { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يوسف : 62. (13 : 11)

أبوحَيّان: أي بتفسير هذه الرّؤيا. و احترز بلفظة { لَعَلّى‘ }، لأ نّه ليس على يقين من الرّجوع إليهم؛ إذ من الجائز أن يخترم دون بلوغه إليهم. و قوله: { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } كالتّعليل لرجوعه إليهم بتأويل الرّؤيا. و قيل: لعلّهم يعلمون فضلك و مكانك من العلم، فيطلبونك و يخلّصونك من محنتك، فتكون ( لَعَلَّ ) كالتّعليل لقوله: { اَفْتِنَا }. (5 : 315)

أبوالسُّعود: { اِلَى النَّاسِ } أي إلى الملِك و من عنده، أو إلى أهل البلد إن كان السّجن في الخارج - كما قيل - فأُنبّئهم بذلك، { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } ذلك و يعملون بمقتضاه، أو يعلمون فضلك و مكانك، مع ما أنت فيه من الحال، فتتخلّص منه. و إنّما لم يَبتّ القول في ذلك مجاراةً معه على نهج الأدب، و احترازً ا عن المجازفة؛ إذ لم يكن على يقين من الرّجوع، فربّما اختُرم دونه. أو لعلّ المنايا دون ما تعداني، و لامِن علمهم بذلك، فربّما لم يعلموه. (3 : 399)

نحوه الآلوسيّ (12 : 254)، و القاسميّ (9 : 3548).

رشيد رضا: { اِلَى النَّاسِ } أُولي الأمر، و أهل الحلّ و العقد، بماتُلقيه إليّ من التّأويل و الرّ أي.

{ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } مكانتك من العلم فينتفعون به، أو يعلمون ما جهلوا من التّأويل رؤيا الملِك و ما يجب أن يعلموا بعد العلم به. ف- ( لَعَلَّ ) الأُولى تعليل لرجوعه إليهم بإفتائه، و ( لَعَلَّ ) الثّانية تعليل لمايرجوه من علمهم بها، و الرّجاء: توقّع خير بوقوع

أسبابه. (12 : 318)

ابن عاشور: و المراد ب- { النَّاسِ }: بعضهم، كقوله تعالى: { اَ لَّذينَ‘ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ اِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ } آل عمران : 173. و { النَّاسَ } هنا هم الملِك و أهل مجلسه، لأنّ تأويل تلك الرّؤيا يهمّهم جميعًا، ليعلم الملِك تأويل رؤياه، و يعلم أهل مجلسه أنّ ما عجزوا عن تأويله قد علمه من هو أعلم منهم. و هذا وجه قوله: { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } مع حذف معمول{يَعْلَمُونَ} لأنّ كلّ أحد يعلم مايفيده علمَه. (12 : 73)

الطَّباطَبائيّ:( لَعَلَّ ) الأوّ ل تعليل لقوله:{اَفْتِنَا} و ( لَعَلَّ ) الثّاني تعليل لقوله: { اَرْجِعُ }، و المراد: أفتنا في أمر هذه الرّؤيا، ففي إفتائك رجاء أن أرجع به إلى النّاس و أُخبرهم بها، و في رجوعي إليهم رجاء أن يعلموا به، فيخرجوا به من الحيرة و الجهالة.

و من هنا يظهر أنّ قوله: { اَرْجِعُ } في معنى: أرجع بذلك، فمن المعلوم أ نّه لو أفتى فيه فرجع المستفتي إلى النّاس، كان رجوعه رجوع عالم بتأويله خبير بحُكمه، فرجوعه عندئذ إليهم رجوع بمصاحبة ما أُلقي إليه من التّأويل، فافهم ذلك.

و في قوله: أوّ لا : { اَفْتِنَا } و ثانيًا: { لَعَلّى‘ اَرْجِعُ اِلَى النَّاسِ} دلالة على أ نّه كان يستفتيه بالرّسالة عن الملك و الملإ، و لم يكن يسأله لنفسه حتّى يعلمه ثمّ يُخبرهم به، بل ليحمله إليهم، و لذلك لم يخصّه يوسف بالخطاب، بل عمّ الخطاب له و لغيره، فقال: {تَزْرَعُونَ...}. (11 : 189)

عبد الكريم الخطيب: و فى قوله: { لَعَلّى‘ اَرْجِعُ اِلَى النَّاسِ } الرّجاء هنا ليس واقعًا على عودته إلى النّاس؛ إذ إنّ عودته إليهم أمر مقطوع به، غير متعلّق على شي‌ء.

و إنّما وقع الرّجاء هنا على محذوف، تقديره: لعلّي أرجع إلى النّاس بما يكشف لهم عمّا أصابهم من بلبلة و اضطراب، إزاء هذه الرّؤيا الّتي رآها الملِك، و حار العلماء و السّحرة و المنجّمون في فكّ طلاسمها، و حلّ رموزها.

أمّا الرّجاء في قوله: { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } فهو واقع على النّاس، و على العلم الّذي يجيئهم به من يوسف عن هذه الرّؤيا، أي لعلّهم يعلمون من هذا قدرك و فضلك، و أ نّك الصّدّيق الّذي لايُتّهم، و أ نّهم قد اتّهموك ظلمًا، و أودعوك السّجن بغير جريرة. أو لعلّهم يعلمون ما غاب عنهم علمه من هذه الرّؤيا، و أعجزهم الوصول إليه. (6 : 1281)

مكارم الشّيرازيّ: كلمة { النَّاسِ } تشير إلى احتمال أنّ رؤيا الملِك صيّرها أطرافه المتملّقون و حاشيته حادثة مهمّة لذلك اليوم، فنشروها بين النّاس و عمّموا حالة القلق من القصر إلى الوسط الاجتماعيّ العامّ. (7 : 201)

فضل الله: { لَعَلَّهُمْيَعْلَمُونَ } حقيقة الأمر، فيطمئنّون إلى مستقبل حياتهم. (12 : 220)

يُرْجَعُ

وَ للهِ غَيْبُ السَّموَ اتِ’ وَ الاَ_رْضِ وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُ الاَ_مْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ مَا رَ بُّكَ بِغَافِل عَمَّا تَعْمَلُونَ.

هود : 123

ابن عبّاس: و إلى الله يُرْجع أمر العباد كلّه في الآخرة. (193)

مُقاتِل: يعني أمر العباد يرجع إلى الله يوم القيامة؛ و ذلك قوله: { وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورُ } البقرة : 210، يعني أُمور العباد. (2 : 302)

ابن جُرَيْج: فيقضي بينهم بحكمه بالعدل.

(الطّبَريّ 7 : 145)

الطّبَريّ: يقول: و إلى الله معاد كلّ عامل و عمله، و هو مجاز جميعهم بأعمالهم. (7 : 145)

الثّعلبيّ: و إلينا يرجع الأمر كلّه في المعاد، حتّى لايكون للخلق أمر. و قرأ نافع و حفص بضمّ الياء، أي { يُرْجَعُ }. (5 : 195)

الطُّوسيّ: أي يذهب إلى حيث ابتدأ منه، فرجوع الأمر إلى الله بالإعادة بعد النّشأة الأُولى. و قيل: ترجع الأُمور إلى أن لايملكها سواه تعالى، في قول أبي عليّ الجُبّائيّ. (6 : 90)

الواحديّ: في المعاد. (2 : 598)

البغَويّ: في المعاد. قرأ نافع و حفص: { يُرْجَعُ } بضمّ الياء و فتح الجيم، أي يُردّ. و قرأ الآخرون بفتح الياء و كسر الجيم، أي يعود الأمر كلّه إليه حتّى لايكون للخلق أمر. (2 : 472)

نحوه شُبّر. (3 : 256)

المَيْبُديّ: في المعاد، فلايبقى لأحد فيه مُلك و لاأمر. (4 : 458)

الزّمَخْشَريّ: فلابدّ أن يرجع إليه أمرهم و أمرك إليه، فينتقم لك منهم. (2 : 299)

نحوه البَيْضاويّ (1 : 485)، و النّسَفيّ (2 : 209)، و أبوحَيّان (5 : 275)، و أبوالسُّعود (3 : 360)، و المشهديّ (4 : 576)، و البُرُوسَويّ (4 : 205).

الطَّبْرِسيّ: [ذكر القراءة و قال:]

و من ضمّ الياء من { يُرْجَعُ } فلقوله: { ثُمَّ رُدُّوا اِلَى اللهِ مَوْ ليهُمُ ’الْحَقِّ } الأنعام : 62، و المعنى: رُدّ أمرهم إلى الله، و من فتح الياء فلقوله: { وَ الاَ_مْرُ يَوْمَئِذ للهِِ‚ } الانفطار : 19، و المعنيان متقاربان. [إلى أن قال:]

أي إلى حُكمه يرجع في المعاد كلّ الأُمور، لأنّ في الدّنيا قد يملك غيره بعض الأمر و النّهي و النّفع و الضّرّ. (3 : 202 ، 205)

أبوالفُتُوح: [ذكر القراءة و قال:]

و القراءة الأُولى: ( يَرْجِِعُ ) من رجَِعَ يَرْجِع، و القراءة الثّانية:{ يُرْجَعُ }من رُجِعَ يُرْجَِع. و رجَعَ لازم و متعدّ، و يفترقان بالمصدر، بأن يكون مصدر اللا زم الرُّجوع، و مصدر المتعدّي هو الرّجْع.

(10 : 354)

ابن الجَوْزيّ: و المعنى: أنّ كلّ الأُمور ترجع إليه في المعاد. (4 : 175)

الفَخْرالرّ ازيّ: [قال في بحث:]

و أشرف الصّفات الثّبوتيّة الدّ الّة على الكمال و الجلال صفتان: العلم و القدرة، فلهذا السّبب وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بهما، في معرض التّعظيم و الثّناء و المدح. أمّاصفة العلم فقوله: { وَ للهِ† غَيْبُ السَّموَ اتِ’ وَ الاَ_رْضِ } [إلى أن قال:]

و أمّا صفة القدرة، فقوله: { وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُ الاَمْرُ

كُلُّهُ}، و المراد: أنّ مرجع الكلّ إليه، و إنّما يكون كذلك لو كان مصدر الكلّ و مبدأ الكلّ هو هو. و الّذي يكون مبدأ لجميع الممكنات، و إليه يكون مرجع كلّ المُحدَثات و الكائنات، كان عظيم القدرة، نافذ المشيئة، قهّارً ا للعدم بالوجود و التّحصيل، جبّارًا(صلی الله علیه و آله) له بالقوّة و الفعل و التّكميل. فهذان الوصفان هما المذكوران في شرح جلال المبدإ و نعت كبريائه.

(18 : 81)

القُرطُبيّ: أي يوم القيامة؛ إذ ليس لمخلوق أمر إلا بإذنه. (9 : 117)

النَّيسابوريّ: أمر أهل السّعادة و الشّقاء، و مظاهر اللّطف و القهر. (12 : 75)

الخازن: أمر الخلق كلّهم في الدّنيا و الآخرة.

(3 : 212)

مثله الشِّربينيّ. (2 : 87)

ابن كثير: و أ نّه إليه المرجع و المآب، و سيؤتى كلّ عامل عمله يوم الحساب، فله الخلق و الأمر.

(3 : 588)

البُقاعيّ: { وَ اِلَيْهِ } أي وحده { يُرْجَعُ } بعد أن كان ظهر للجاهل أن خرج عنه. و الرّجوع: ذهاب الشّيء إلى حيث ابتدأ منه، { الاَ_مْرُ كُلُّهُ } في الحال على لبس و خفاء، و في المال على ظهور و اتّضاح و جلاء، فهو شامل القدرة، كما هو شامل العلم. فلابدّ من أن يرجع إليه أمرك و أمر أعدائك، أي يعمل فيهعمل من يرجع الأمر، فيجازي المحسن بإحسانه و المسيء بإساءته. (3 : 592)

الآلوسيّ: { وَ اِلَيْهِ } لاإلى غيره عزّ شأنه { يُرْجَعُ الاَ_مْرُ } أي الشّأن { كُلُّهُ } فيُرجع لامحالة أمرك و أمرهم إليه. [إلى أن قال:]

{ كُلُّهُ } أي كلّ شأن من الشّؤون، فإنّ الكلّ منه.

(12 : 167)

القاسميّ: أي أمر العباد في الآخرة، فيجازيهم بأعمالهم. و فيه تسلية للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) و تهديد للكفّار بالانتقام منهم. (9 : 3500)

الحائريّ: أي إلى حُكمه يرجع في المعاد كلّ الأُمور، لأنّ في الدّنيا قد يكون يملك غيره سبحانه بعض الأمر و النّهي و النّفع و الضّرّ، و لكن هناك كلّ الأُمور راجعة إليه. [إلى أن قال نحو الفَخْرالرّ ازيّ]

(5 : 351)

المَراغيّ: فأمرك و أمرهم لامحالة راجع إليه، و ما شاء كان، و ما لم يشأ لم يكن. (12 : 101)

ابن عاشور: و تقديم المجرورين في { وَ للهِ غَيْبُ السَّموَ اتِ’ وَ الاَ_رْضِ وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُ الاَ_مْرُ كُلُّهُ } لإفادة الاختصاص، أي الله لاغيره يملك غيب السّماوات و الأرض، لأنّ ذلك ممّا لايشاركه فيه أحد. و إلى الله لا إلى غيره يرجع الأمر كلّه، و هو تعريض بفساد آراء الّذين عبدوا غيره، لأنّ من لم يكن كذلك لايستحقّ أن يُعبَد، و من كان كذلك كان حقيقًا بأن يُفرَد بالعبادة.

و معنى إرجاع الأمر إليه: أنّ أمر التّدبير و النّصر و الخذلان و غير ذلك يرجع إلى الله، أي إلى علمه و قدرته. و إن حسب النّاس و هيّأُوا فطالما كانت الأُمور حاصلة على خلاف ما استعدّ إليه المستعدّ،

و كثيرً ا ما اعتزّالعزيز بعزّته، فلقي الخذلان من حيث لايرتقب، و ربّما كان المستضعفون بمحلّ العزّة و النّصرة على أُولي العزّة و القوّة. [ثمّ نقل القراءتين و قال:]

و على كلتا القراءتين، فالرّجوع تمثيل لهيئة عجز النّاس عن التّصرّف في الأُمور حسب رغباتهم، بهيئة متناول شي‌ء للتّصرّف به، ثمّ عدم استطاعته التّصرّف به فيُرجعه إلى الحريّ بالتّصرّف به، أو تمثيل لهيئة خضوع الأُمور إلى تصرّف الله، دون تصرّف المحاولين التّصرّف فيها، بهيئة المتجوّ ل الباحث عن مكان يستقرّ به، ثمّ إيوائه إلى المقرّ اللا ئق به و رجوعه إليه. فهي تمثيليّة مكنيّة رمز إليها بفعل { يُرْجَعُ}، و تعديته ب- { اِلَيْهِ }. (11 : 354)

مَغْنِيّة: و لاشي‌ء يستطيع الهرب من سلطانه.

(4 : 281)

الطَّباطَبائيّ: لمّا كان أمره تعالى نبيّه (صلی الله علیه و آله) أن يأمرهم بالعمل بما تهوى أنفسهم و الانتظار، وإخبارهم بأ نّه و من آمن معه عاملون و منتظرون، في معنى أمره و من تبعه بالعمل و الانتظار، عقّبه بهاتين الجملتين، ليكون على طيب من النّفس، و ثبات من القلب، من أنّ الدّ ائرة ستكون له عليهم.

و المعنى: فاعْمَل و انتظر أنت و من تبعك، فغيب السّماوات و الأرض الّذي يتضمّن عاقبة أمرك و أمرهم، إنّما يملكه ربّكالّذي هو الله سبحانه، دون آلهتهم الّتي يُشركون بها، و دون الأسباب الّتي يتوكّلون عليها، حتّى يديروا الدّ ائرة لأنفسهم، و يُحوّلوا العاقبة إلى ما ينفعهم. و إلى ربّك الّذي هو الله يرجع الأمر كلّه، فيظهر من غيبه عاقبة الأمر على ما شاءه و أخبر به، فالدّ ائرة لك عليهم، و هذا من عجيب البيان. (11 : 72)

عبد الكريم الخطيب: أي أنّ مصائر الأُمور كلّها راجعة إليه سبحانه، فهو سبحانه الّذي يرسل الأُمور، فتجري في قدرها المقدور لها، ثمّ تستقرّ آخر الأمر عند الغاية الّتي أرادها الله لها، فهو سبحانه الّذي يُجريها، و هو سبحانه الّذي يُرسيها. (6 : 1226)

مكارم الشّيرازيّ: [قال في كلام له:]

و من جهة ثانية، فإنّ أزمّة جميع الأفعال مرهونة بقدرته { وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُ الاَ_مْرُ كُلُّهُ } و هذه مرحلة توحيد الأفعال. (7 : 98)

فضل الله: ليس لأحد معه شي‌ء، فهو الواحد في أُلوهيّته، و هو المستحقّ للعبادة، فاعْبُدْه و لاتعبد غيره. (12 : 155)

يُرْجَعُونَ

1 - اَ فَغَيْرَ دين‘ اللهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ اَسْلَمَ مَنْ فِى السَّموَاتِ ’وَ الاَ_رْضِ طَوْعًا وَ كَرْهًا وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُون.

آل عمران : 83

ابن عبّاس: بعد الموت. (51)

الطّبَريّ: [ذكر القراءات إلى أن قال:]

و أمّا قوله: { وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُون }. فإنّه يعني: و إليه يا معشر من يبتغي غير الإسلام دينًا من اليهود و النّصارى و سائر النّاس ترجعون، يقول: إليه

تصيرون بعد مماتكم، فمجازيكم بأعمالكم، المحسن منكم بإحسانه، و المسي‌ء بإساءته.

و هذا من الله عزّو جلّ تحذير خلقه أن يرجع إليه أحد منهم، فيصير إليه بعد وفاته، على غير ملّة الإسلام. (3 : 336)

هكذا أكثر التّفاسير بتفاوت يسير.

أبوحَيّان: تهديد عظيم لمن اتّبع و ابتغى غير دين الله، و تقدّم معنى الرّجوع إليه. و يحتمل أن يكون قد عُطف على قوله: { وَ لَهُ اَسْلَمَ } فيكون مشاركًا له في الحاليّة، و كأ نّه نعى عليهم ابتغاء غير دين من انقاد إليه المكلّفون كلّهم، و من إليه مرجعهم، فيجازيهم على أعمالهم.

و المعنى: أنّ من كان بهاتين الصّفتين لايبتغي دينًا غير دينه. و يحتمل أن يكون استئنافًا و إخبارً ا بأ نّه تعالى إليه مصيرهم و منقلبهم، فيجازيهم بأعمالهم.

(2 : 516)

أبوالسُّعود: أي من فيهما، و الجمع باعتبار المعنى. [ ثمّ قال نحو أبي حَيّان ملخّصًا] (1 : 387)

الآلوسيّ: أي إلى جزائه تصيرون على المشهور، فبادروا إلى دينه، و لاتخالفوا الإسلام. وجوّزوا في الجملة أن تكون مستأنفة، للإخبار بما تضمّنته من التّهديد، وأن تكون معطوفة على { وَ لَهُ اَسْلَمَ } فهي حاليّة أيضًا.

وقرأ عاصم بياء الغيبة و الضّمير ل- ( مَنْ) أو لمن عاد إليه ضمير{ يَبْغُونَ }. فإن قرئ بالخطاب فهو التفات. و قرأ الباقون بالخطاب، والضّمير عائد لمن عاد اليه ضمير { يَبْغُونَ }،فعلى الغيبة فيه التفات أيضًا. (3 : 214)

ابن عاشور: و معنى { وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُون }: أ نّه يرجعكم إليه، ففِعل < رجَعَ > المتعدّي أُسند إلى المجهول، لظهور فاعله، أي يُرْجِعكم الله بعد الموت و عند القيامة. و مناسبة ذكر هذا، عقب التّوبيخ و التّحذير، أنّ الرّبّ الّذي لامفرّ من حُكمه، لايجوز للعاقل أن يعدل عن دين أمره به، و حقّه أن يُسلّم إليه نفسه مختارً ا قبل أن يُسلّمها اضطرارً ا. و قد دلّ قوله: { وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُون } على المراد من قوله: { وَ كَرْهًا }.

(3 : 146)

الطَّباطَبائيّ: هذا سبب آخر لوجوب ابتغاء الإسلام دينًا، فإنّ مرجعهم إلى الله مولاهم الحقّ، لا إلى ما يهديهم إليه كفرهم و شركهم. (3 : 336)

2 - اِنَّمَا يَسْتَجيبُ‘ الَّذينَ‘ يَسْمَعُونَ وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّاِلَيْهِ يُرْجَعُون. الأنعام : 36

ابن عبّاس: في المحشر، فيجزيهم بأعمالهم. (108)

نحوه أكثر التّفاسير.

الطّبَريّ: ثمّ إلى الله يرجعون المؤمنون الّذين استجابوا لله و الرّسول، و الكفّار الّذين يحول الله بينهم و بين أن يفقهوا عنك شيئًا، فيُثيب هذا المؤمن على ما سلف من صالح عمله في الدّنيا، بما وعد أهل الإيمان به من الثّواب، و يعاقب هذا الكافر بما أوعد أهل الكفر به من العقاب، لايظلم أحدً ا منهم مثقال ذرّة. (5 : 185)

المَيْبُديّ: من أسلم منهم و من لم يُسلم. (3 : 342)

الزّمَخْشَريّ: للجزاء، فكان قادرً ا على هؤلاء الموتى بالكفر أن يُحييهمبالإيمان، و أنت لاتقدر على ذلك. و قيل: معناه: و هؤلاء الموتى - يعني الكفرة - يبعثهم الله { ثُمَّ اِلَيْهِ يُرْجَعُونَ }، فحينئذ يسمعون، و أمّا قبل ذلك فلاسبيل إلى استماعهم. و قرئ: ( يَرْجِعُون)، بفتح الياء. (2 : 16)

ابن عَطيّة: { وَ اِلَيْهِ } أي إلى سطوته و عقابه { يُرْجَعُونَ } و قرأت هذه الطّائفه [الحسَن و مُجاهِد و قَتادَة:] ( يَرْجِِعُونَ ) بياء، و الواو على هذا عاطفة جملة كلام على جملة. (2 : 289)

الطَّبْرِسيّ:{ وَاِلَيْهِ} أي إلى حكمه {يُرْجَعُونَ}، و قيل: معناه: يبعثهم الله من القبور، ثمّ يُرْجعون إلى موقف الحساب. (2 : 296)

أبوالسُّعود: للجزاء، فحينئذ يستجيبون، و أمّا قبل ذلك فلاسبيل إليه. و قرئ ( يَرْجِعُون ) على البناء للفاعل من: رَجَع رُجُوعًا. و المشهور أوفى بحقّ المقام، لإنبائه عن كون مرجِعِهم إليه تعالى بطريق الاضطرار.

(2 : 379)

البُرُوسَويّ: { وَ اِلَيْهِ } تعالى لاإلى غيره { يُرْجَعُونَ }، أي يُرَدّون للجزاء. (3 : 26)

الآلوسيّ: للجزاء، فحينئذ يسمعون، و أمّا قبل ذلك فلاسبيل إلى سماعهم، لما أنّ على قلوبهم أكِنّة، و في آذانهم وَ ْقرً ا. (7 : 142)

نحوه شُبّر. (2 : 254)

عبدالكريم الخطيب: الضّمير فى { يُرْجَعُونَ }، يعود إلى هؤلاء المعاندين، الّذين لن يهتدوا أبدً ا إلى أن يموتوا، ثمّ يُبعثُوا مع الموتى، ثمّ يُرجعُون إلى الله للحساب و الجزاء. و هذا هو سرّ العطف ب- { ثُمَّ }الّذي يفيد التّراخي الزّمنيّ، فهم إذ خوطبوا كانوا أحياء،ثمّ يُبعثون، ثمّ يُحشرون. (4 : 166)

3 - اِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الاَ_رْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ اِلَيْنَا يُرْجَعُونَ. مريم : 40

ابن عبّاس: يوم القيامة، فأجزيهم بأعمالهم الحسنة بالحسنة، و السّيّئة بالسّيّئة. (256)

نحوه الطّبَريّ (8 : 346)، و هكذا أكثر التّفاسير.

الطُّوسيّ: أي يُردّون يوم القيامة إلى الموضع الّذي لايملك الأمر و النّهي غيرنا. (7 : 127)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (3 : 515)

الفَخْرالرّ ازيّ: أي إلى محلّ حكمنا و قضائنا، لأ نّه تعالى منزّه عن المكان حتّى يكون الرّجوع إليه. و هذا تخويف عظيم و زجر بليغ للعصاة. (21 : 222)

أبوحَيّان: و قرأ الجمهور { يُرْجَعُونَ } بالياء من تحت مبنيًّا للمفعول، و الأعرج بالتّاء من فوق. و قرأ السُّلَميّ و ابن أبي إسحاق و عيسى بالياء من تحت مبنيًّا للفاعل، و حكى عنهم الدّ اني بالتّاء. (6 : 191)

السّمين: [ذكر القراءات ثمّ قال:]

يجوز أن يكون التفاتًا و ألا يكون. (4 : 508)

أبوالسُّعود: أي يُردّون للجزاء لاإلى غيرنا، استقلالا أو اشتراكًا. (4 : 241)

نحوه الآلوسيّ. (16 : 95)

البُرُوسَويّ: [مثل أبي السُّعود ثمّ أضاف:]

اعلم أنّ الرّجوع على نوعين: رجوع بالقهر، و هو رجوع العوامّ، لأنّ نفوسهم باقية مطمئنّة بالدّنيا،فلايخرُجُون ممّاهم عليه إلا بالكراهة. و رجوع باللّطف و هو رجوع الخواصّ، لأنّ نفوسهم فانية غير مطمئنّة بالدّنيا و العقبى بل بالمولى الأ على، فيخرجون من الدّنيا و الموت، و لقاء الله تعالى أحبّ إليهم من كلّ شي‌ء.

فعلى السّالك أن يجتهد فى تحصيل الفناء و البقاء، و تكميل الشّوق إلى اللّقاء، و يرجع إلى الله تعالى قبل أن يرجع، فإنّ سرّ { لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ } المؤمن : 16، دائر على هذا. (5 : 335)

ابن عاشور: و أفاد هذا التّذييل التّعريف بتهديد المشركين، بأ نّهم لامفرّ لهم من الكون في قبضة الرّبّ الواحد، الّذي أشركوا بعبادته بعض ما على الأرض، و أنّ آلهتهم ليست بمرجوّة لنفعهم؛ إذ ما هي إلا ممّا يرثه الله. و بذلك كان موقع جملة { وَ اِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } بيّنًا.

فالتّقديم مفيد القصر، أي لايُرجعون إلى غيرنا. و محمل هذا التّقديم بالنّسبة إلى المسلمين الاهتمام، و محمله بالنّسبة إلى المشركين القصر، كما تقدّم في قوله: { اِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الاَ_رْضَ } مريم : 40. (16 : 42)

مَغْنِيّة: الأرض و من عليها لله، و لاأحد يملك معه شيئًا، و الإنسان فيها عابر غير مقيم، و كلّ ما في يده عارية، مسؤول عنها، و محاسب عليها.

و بالاختصار أنّ هذه الآية ترادف كلمة: {اِنَّا ِللهِ وَاِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } البقرة : 156، و القصد منها تخويف العصاة و زجرهم من جهة، و التّخفيف من حزن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و ألمه، لإعراض الكافرين عن دعوتهمن جهة ثانية. (5 : 182)

الطَّباطَبائيّ: { وَ اِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } عطف تفسير، و بمنزلة التّعليل للجملة الثّانية أو لمجموع الجملتين بتغليب أُولي العقل على غيرهم، أو لبروز كلّ شي‌ء يومئذ أحياء عقلاء. (14 : 51)

مكارم الشّيرازيّ: [قال في الهامش من تفسيره:]

هل أنّ هذه الآية إشارة إلى القيامة، أو إلى زمان فناء الدّنيا؟ فإن كانت إشارة إلى القيامة، فإنّها لاتُناسب ظاهرً ا جملة: { وَ اِلَيْنَا يُرْجَعُونَ }، و إن كانت إشارة إلى زمان فناء الدّنيا، فإنّها لاتناسب جملة: { وَ مَنْ عَلَيْهَا }، لأ نّه لايُوجد أيّ حيّ عند فناء الدّنيا، حتّى يصدق عليه تعبير { مَنْ عَلَيْهَا }.

و ربّما فسّر بعض المفسّرين كالعلا مة الطَّباطَبائيّ هذه الجملة هكذا: إنّا نحن نرث عنهم الأرض، لهذا السّبب. إلا أنّ هذا التّفسير أيضًا يخالف الظّاهر قليلا، لأنّ { وَ مَنْ عَلَيْهَا } عُطفت بالواو. و هنا أيضًا احتمال آخر، و هو أنّ مفعول{ نَرِثُ } تارةً يكون الشّخص الّذي يترك الأموال، مثل: { وَ وَرِثَ سُلَيْمنُ دَاوُدَ } النّمل : 16، و تارة أُخرى الأموال الّتي بقيت للإرث، مثل:{نَرِثُ الاَ_رْضَ}. مريم: 40، و في الآية أعلاه ورد كلا التّعبيرين. (9 : 454)

4 - اَ لا اِنَّ للهِ‚ مَا فِى السَّموَ اتِ ’وَ الاَ_رْضِ قَدْ يَعْلَمُ

ما اَنْتُمْ عَلَيْهِ وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ اِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَ اللهُ بِكُلِّ شَىْ‌ء عَليمٌ‘. النّور : 64

راجع: < ي و م >: < يَوْمَ >.

تُرْجَعُون

1 - كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَ كُنْتُمْ اَمْوَ اتًا فَاَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. البقرة : 28

ابن عبّاس: في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم. (6)

و هكذا أكثر التّفاسير.

الطّبَريّ: لأنّ الله جلّ ثناؤه يُحييهم في قبورهم قبل حشرهم، ثمّ يحشرهم لموقف الحساب، كما قال جلّ ذكره: { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَ_جْدَ اثِ سِرَاعًا كَاَ نَّهُمْ اِلى" نُصُب يُوفِضُونَ } المعارج : 43، و قال: { وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَاِذَا هُمْ مِنَ الاَ_جْدَ اثِ اِلى" رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ‌َ } يس : 51. (1 : 226)

الماوَرْديّ: فيه تاويلان:

أحدهما: إلى الموضع الّذي يتولّى الله الحكم بينكم.

و الثّاني: إلى المجازاة على الأعمال. (1 : 92)

الطُّوسيّ: معناه: ترجعون للمجازاة على الأعمال، كقول القائل: طريقك عليّ و مرجعك إليّ، يريد أنّي مجازيك و مقتدر عليك.

و سمّي الحشر رجوعًا إلى الله، لأ نّه رجوع إلى حيث لايتولّى الحكم فيه غير الله، فيجازيكم على أعمالكم. كما يقول القائل: أمر القوم إلى الأمير أو القاضي، و لايراد به الرّجوع من مكان إلى مكان،

و إنّما يراد به أنّ النّظر صار له خاصّة دون غيره.

(1 : 123)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (1 : 71)

ابن عَطيّة: و الضّمير في { اِلَيْهِ } عائد على الله تعالى، أي إلى ثوابه أوعقابه. و قيل: هو عائد على الإحياء؛ و الأوّ ل أظهر. (1 : 114)

الفَخْرالرّ ازيّ: تمسّك المجسّمة بقوله تعالى: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } على أ نّه تعالى في مكان. و هذا ضعيف، و المراد: أ نّهم إلى حكمه يُرْجعُون، لأ نّه تعالى يبعث من في القبور، و يجمعهم في المحشر؛ و ذلك هو الرّجوع إلى الله تعالى. و إنّما وُصف بذلك، لأ نّه رجوع إلى حيث لايتولّى الحكم غيره، كقولهم: رجع أمره إلى الأمير، أي إلى حيث لايحكم غيره. (2 : 152)

العُكْبَريّ: { اِلَيْه } الهاء ضمير اسم الله. و يجوز أن يكون ضمير الإحياء المدلول عليه بقوله: { فَاَحْيَاكُمْ }. (1 : 45)

ابن عَرَبيّ: للمجازاة، أو ثمّ يميتكم عن أنفسكم بالموت الإراديّ الّذي هو الفناء في الوحدة، ثمّ يحييكم بالحياة الحقيقيّة الّتي هي البقاء بعد الفناء بالوجود الموهوب الحقّانيّ.{ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } للمشاهدة، إن كانت الوحدة وحدة الصّفات، أو الشّهود إن كانت وحدة الذّات. (1 : 25)

القُرطُبيّ: أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم.

و قيل: إلى الحياة و إلى المسألة، كما قال تعالى: {كَمَا بَدَ اْنَا اَوَّ لَ خَلْق نُعيدُ‘هُ} الأنبياء : 104، فإعادتهم كابتدائهم، فهو رجوع. [ثمّ نقل القراءة] (1 : 250)

أبوحَيّان: و الظّاهر في قوله تعالى: { اِلَيْهِ } أنّ الهاء عائدة على الله سبحانه و تعالى، لأنّ الضّمائر السّابقة عائدة عليه تعالى، و يكون ذلك على حذف مضاف، أي إلىجزائه من ثواب أو عقاب.

و قيل: عائدة على الجزاء على الأعمال.

و قيل: عائدة على الموضع الّذي يتولّى الله الحكم بينكم فيه.

و قيل: عائدة على الإحياء المدلول عليه بقوله: { فَاَحْيَاكُمْ } و شرح هذا أ نّكم تُرْجعُون بعد الحياة الثّانية إلى الحال الّتي كنتم عليها في ابتداء الحياة الأُولى، من كونكم لاتملكون لأنفسكم شيئًا. و استدلّت المجسّمة بقوله: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } على أ نّه تعالى في مكان، و لاحجّة لهم في ذلك.

و قرأ الجمهور{ تُرْجَعُونَ } مبنيًّا للمفعول من < رجَع > المتعدّي. و قرأ مُجاهِد، و يحيى بن يَعْمُر، و ابن أبي إسحاق، و ابن مُحَيْصِن، و الفيّاض بن غزوان، و سلا م، و يعقوب: مبنيًّا للفاعل، حيث وقع في القرآن من < رجَع > اللا زم، لأنّ < رجَع > يكون لازمًا و متعدّ يًا.

و قراءة الجمهور أفصح، لأنّ الإسناد في الأفعال السّابقة هو إلى الله تعالى { فَاَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ } البقرة : 28، فكان سياق هذا الإسناد أن يكون الفعل في الرّجوع مسندًا إليه. لكنّه كان يفوت تناسب الفواصل و المقاطع؛ إذ كان يكون التّرتيب: ثمّ إليه مرجعكم، فحذف الفاعل للعلم به، و بني الفعل للمفعول حتّى لايفوت التّناسب اللّفظيّ. و قد حصل التّناسب المعنويّ بحذف الفاعل، إذ هو و قبل البناء للمفعول مبنيّ للفاعل.

وأمّا قراءة مُجاهِد، ومن ذكر معه، فإنّه يفوت التّناسب المعنويّ؛إذ لايلزم من رجوع الشّخص إلى شيء أنّ غيره رجعه إليه؛ إذ قد يرجع بنفسه من غير رادّ. و المقصود هنا إظهار القدرة و التّصرّف التّامّ بنسبة الإحياء و الإماتة، و الإحياء و الرّجوع إليه تعالى، و إن كنّا نعلم أنّ الله تعالى هو فاعل الأشياء جميعها.

و في قوله تعالى: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } من التّرهيب و التّرغيب ما يزيد المسيء خشيةً و يردّه عن بعض ما يرتكبه، و يزيد المحسن رغبةً في الخير و يدعوه رجاؤه إلى الازدياد من الإحسان. و فيها ردّ على الدّهريّة و المعطّلة و منكري البعث؛ إذ هو بيده الإحياء و الإماتة و البعث، و إليه يرجع الأمر كلّه. (1 : 132)

صدر المتألّهين: [ذكر الاحتمالات في الإماتة و الإحياء إلى أن قال:]

و أيضًا، لأحد أن يحمل قوله: { ثُمَّ يُحْييكُمْ } على الحياة الّتي تكون في القبر، لأ نّها ليست بدائمة، و قوله: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } على الحياة الدّ ائمة الأُخرويّة، فتكون الآية دليلا على إثبات الحياة في القبر...

تمسّكت المجسّمة بقوله تعالى: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } على المكانيّة، و رُدّ بأنّ المراد: رجوعهم إلى حُكمه. [انظُر: الفَخْرالرّ ازيّ.2 : 152]

و الرّدّ كالمردود ضعيف، و الحقّ أنّ أشخاص

الإنسان يرجعون إلى الله رجوعًا جبلّيًّا بحركة ذاتيّة إنّي-ّة، لارجوعًا مكانيًّا عرضيّة أينيّة. و هذا ما حقّقه المحقّقون القائلون: بأنّ للإنسان من مبدإ نشوئه إلى غاية كماله، انقلابات في ذاته وتطوّرات في جوهره، فكان ترا بًا، ثمّ نطفة، ثمّ صورة لحميّة و عظميّة، ثمّ صورة حيوانيّة، ثمّ صورة إنسانيّة ، ثمّ صورة ملكيّة، ثمّ صورة مفارقة، ثمّ ما شاء الله. (2 : 268)

الكاشانيّ: في الآخرة بأن تموتوا في القبور بعد الإحياء، ثمّ تُحيوا للبعث يوم القيامة، تُرْجعُون إلى ما وعدكم من الثّواب على الطّاعات إن كنتم فاعليها و من العقاب على المعاصي إن كنتم مقارفيها. (1 : 92)

نحوه البَحْرانيّ. (1 : 311)

المشهديّ:ليحاسبكم أويجازيكم على أعمالكم. و إن أُريد بقوله: { يُحْييكُمْ } الحياة في القبر، فينبغي أن يراد ب- { تُرْجَعُونَ }: الإحياء يوم النّشور. و يلزم منه إهمال إماتتهم في القبر. اللّهمّ إلا أن يقال: معنى { اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }: أ نّهم يُرْجعُون، بتلك الإماتة، و إحياء يوم النّشور.

و لو جُعل { ثُمَّ يُحْييكُمْ }، متناولا لإحيائين جميعًا، أي يحييكم مرّة بعد أُخرى، بقرينة المقام، يلزم أيضًا ذلك الإهمال. إلا أن يقال: يُفهَم من تعدّد الإحيائين، تخلّل إماتة بينهما. و الظّاهر أنّه لم يعتدّ بالإحياء في القبر، لأ نّه ليس له زمان يُعتدّ به.

(1 : 212)

البُرُوسَويّ: بعد الحشر، لاإلى غيره، فيجازيكم بأعمالكم إن خيرً ا فخير، و إن شرًّ ا فشرّ، و إليه تُنشَرون من قبوركم للحساب. فما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه. [إلى أن قال:]

و في < التّأويلات النّجميّة >...{ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بدلالة الأنبياء، و قُدّم التّوحيد على جادّة الشّريعة إلى درجات الجنّات، و أمّا خطاب تشريف للأنبياء و الأولياء، أي أتكفرون و كنتم أمواتًا في كتم العدم، فأحياكم بالتّكوين في عالم الأرواح و رشاش النّور فخمّر طينة أرواحكم بماء نور العناية و تخمير يد المحبّة بأربعي صباح الوصال، ثمّ يميتكم بالمفارقة عن شهود الجمال، إلى مقبرة الحسّ و الخيال، ثمّ يحييكم: أمّا الأنبياء فبنور نور الوحي، و أمّا الأولياء فبروح روح نور الإيمان، {ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أمّا الأنبياء فبالعروج، و أمّا الأولياء فبالرّجوع بجذبات الحقّ، كما قال تعالى: { اِرْجِعى اِلى" رَ بِّكِ }.

فلمّا أثبت أنّ الرّجوع إليه أمر ضروريّ: إمّا بالاختيار، كقراءة يعقوب ( تَرْجِِعُونَ) بفتح التّاء و كسر الجيم، و إمّا بالاضطرار كقراءة الباقين، أشار إلى أنّ الّذي تُرْجعُون اليه { هُوَ الَّذى‘ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الاَ_رْضِ جَميعًا‘...} البقرة : 29. (1 : 90)

شُبّر: قوله تعالى: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بعد النّشور للجزاء، أو تُبعثُون من قبوركم للحساب. ف- < واو > { وَ كُنْتُمْ } للحال، و الحال هي العلم بجملة القصّة لاكلّ جملة منها، لمضيّ بعضها، و استقبال بعضها، و كلاهما لايصحّ حالا .

و المعنى: على أيّ حال تكفرون و أنتم عالمون بهذه القصّة بأسرها، و فيه إشارة إلى أنّ القادر على

الإحياء الأوّ ل أولى بالقدرة على الثّاني. (1 : 84)

الآلوسيّ: لادليل للمجسّمة القائلين: بأ نّه تعالى في مكان، في { ثُمَّ الَيْهِ تُرْجَعُونَ }، لأنّ المراد بالرّجوع إليه: الجمع في المحشر؛ حيث لايتولّى الحكم سواه، و الأمر يومئذ لله، و وراء هذا من المقال ما لايخفى على العارفين.

و في قوله تعالى: { تُرْجَعُونَ } على البناء للمفعول دون < يرجعكم > المناسب للسّياق، مراعاةً لتناسب رؤُوس الآي، مع وجود التّناسب المعنويّ للسّياق، و لهذا قيل: إنّ قراءة الجمهور أفصح من قراءة يعقوب و مُجاهِد و جماعة ( تَرْجعُونَ ) مبنيًّا للفاعل. و لايرد أنّ الآية إذا كانت خطابًا للكفّار، و معنى العلم ملاحظ فيها، امتنع خطابهم بما بعد < ثمّ و ثمّ > من الفعلين، لأ نّهم لايعلمون ذلك، لأنّ تمكّنهم من العلم لوضوح الأدلّة آفاقيّة و أنفُسيّة، و سطوع أنوارها عقليّة و نقليّة، منزل منزل العلم في إزاحة العذر. و بهذا يندفع أيضًا ما قيل: هم شاكّون في نسبة ما تقدّم إليه تعالى، فكيف يتأتّى ذلك الخطاب به؟! (1 : 216)

ابن عاشور: أي يكون رجوعكم إليه، شُبّه الحضور للحساب برجوع السّائر إلى منزله، باعتبار أنّ الله خلق الخلق، فكأ نّهم صدروا من حضرته، فإذا أحياهم بعد الموت فكأ نّهم أرجعهم إليه، و هذا إثبات للحشر و الجزاء.

و { تُرْجَعُونَ } بضمّ التّاء و فتح الجيم في قراءة الجمهور، و قرأه يعقوب بفتح التّاء و كسر الجيم. و القراءة الأُولى علىاعتبار أنّ الله أرجعهم و إن كانوا كارهين، لأ نّهم أنكروا البعث، و القراءة الثّانية باعتبار وقوع الرّجوع منهم، بقطع النّظر عن الاختيار أو الجبر. (1 : 372)

مكارم الشّيرازيّ: و المقصود بالرّجوع، هو الرّجوع إلى نعم الله تعالى يوم القيامة، و الرّجوع غير البعث. و القرآن يفصل بين الاثنين، كما في قوله تعالى: { وَ الْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ اِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } الأنعام : 36.

قد يكون الرّجوع في الآية الكريمة إشارة إلى معنى أدقّ، هو: أنّ جميع الموجودات تبدأ مسيرة تكاملها من نقطة العدم الّتي هي نقطة « الصّفر » و تواصل السّير نحو « اللا نهاية » ((1))الّتي هي ذات الله سبحانه و تعالى. من هنا فإنّ هذه المسيرة لاتتوقّف لدى الموت، بل تستمرّ في الحياة الأُخرى، على مستوى أسمَى. (1 : 131)

فضل الله: و إذا كان الله هو الّذي أطلق لكم البداية من إرادته و قدرته، فمنه المبدأ الّذي يعيدكم إلى رعايته من جديد. { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لتواجهوا مسؤوليّاتكم أمامه، ليكون لكم الاستقرار الموعود في ثوابه أو عقابه. (1 : 205)

2 - مَنْ ذَا الَّذى ‘يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ


1) (1) الصّواب: ما لانهاية...لأنّ < أل > التّعريف لاتدخل على الحروف، ك< لا >...و هو خطأ قد شاع حديثًا.

لَهُ اَضْعَافًا كَثيرَ‘ةً وَ اللهُ يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

البقرة : 245

ابن عبّاس: بعد الموت، فتُجزون بأعمالكم. (34)

قَتادَة: و إلى التّرابيعودون. (الطّبَري 2 : 609)

الطّبَريّ: يعني تعالى ذكره بذلك: و إلى الله معادكم أيّها النّاس، فاتّقوا الله في أنفسكم أن تضيّعوا فرائضه و تتعدّوا حدوده، و أن يعمل من بُسط عليه منكم في رزقه بغير ما أذن له بالعمل فيه ربّه، و أن يحمل المُقتِرَ منكم. - إذ قبض عنه رزقه - إقتارُه على معصيته، و التّقدّم على ما نهاه، فيستوجب بذلك عند مصيره إلى خالقه، ما لاقِبَل له به من أليم عقابه.

(2 : 609)

أبوحَيّان: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } خبر، معناه: الوعيد، أي، فيجازيكم بأعمالكم. (2 : 253)

الشِّربينيّ:أي فيجازيكم على ما قدّمتم. (1 : 159)

البُرُوسَويّ: فيجازيكم على ما قدّمتم من الأعمال خيرً ا و شرًّ ا، على الجود بالجنّة، و على البخل بالنّار، و هو وعد و وعيد، أو هو تنبيه على أنّ الغنيّ لمفارق ماله بالموت، فليبادر إلى الإنفاق قبل الفوت. (1 : 380)

المَراغيّ: ثمّ بيّن مصير الخلق، و مجازاتهم على أعمالهم من خير أو شرّ. و فيه وعد و وعيد، فقال: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }.

و الرّجوع إلى الله ضربان:

1 - رجوع في هذه الحياة بالسّير على سننه الحكيمة، و نظمه في الخليقة، بأن يعرف المرء أنّ الغنيّ يكون بعمل العامل، و توفيق الله و تسخيره، و أنّ البذل من فضل الله يأتي بالمنافع الخاصّة للباذل، و بالمنافع العامّة لقومه الّذين يعتزّ بهم و يسعد بسعادتهم، و أنّ تركه يعقبه مفاسد و مضارّ عامّة و خاصّة للأُمم و الأفراد، وأ نّه لايستقلّ بعمله مهما أُوتي من رجاحة عقل، بل له حاجة إلى معونة الله و توفيقه بتسخير الأسباب له.

2 - رجوع في الآخرة حين تظهر للمرء نتائج أعماله و آثار أفعاله: { يَوْمَ لايَنْفَعُ مَالٌ وَ لابَنُونَ* اِلا مَنْ اَتَى اللهَ بِقَلْب سَليمٍ‘ } الشّعراء: 88، 89. (2 : 213)

ابن عاشور: و قوله: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } خبر مستعمل في التّنبيه و التّذكير، بأنّ ما أعدّ لهم في الآخرة من الجزاء على الإنفاق في سبيل الله، أعظم ممّا وعدوا به من الخير في الدّنيا، و فيه تعريض بأنّ المُمسك البخيل عن الإنفاق في سبيل الله محروم من خير كثير. (2 : 461)

3 - وَ اتَّ-قُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيهِ ‘اِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفىّٰ كُلُّ نَفْس مَا كَسَبَتْ وَ هُمْ لايُظْلَمُونَ. البقرة : 281

الماوَرْديّ: فيه قولان:

أحدهما: يعني إلى جزاء الله.

و الثّاني: إلى مُلك الله. (1 : 353)

الطُّوسيّ: و الهاء في قوله: { اِلَيْهِ } عائدة إلى الله، و معناه: إلى الله تُرْجعُون في الآخرة. (2 : 287)

البغَويّ: قرأ أهل البصرة بفتح التّاء، أي تصيرون إلى الله. و قرأ الآخرون بضمّ التّاء و فتح الجيم، أي

تردّون إلى الله تعالى. (1 : 391)

ابن عَطيّة: و قرأ أبوعمرو بن العلاء ( تَرْجِعُونَ ) بفتح التّاء و كسر الجيم، و قرأ باقي السّبعة { تُرْجَعُونَ } بضمّ التّاء و فتح الجيم، فمثل قراءة أبي عمرو { اِنَّ اِلَيْنَا اِيَابَهُمْ } الغاشية : 25،و مثل قراءة الجماعة { ثُمَّ رُدُّوا اِلَى اللهِ } الأنعام : 62، { وَ لَئِنْ رُدِدْتُ اِلى" رَ بّى } الكهف : 36، المخاطبة في القراءتين بالتّاء، على جهة المبالغة في الوعظ و التّحذير. و قرأ الحسَن ( يَرْجِعُونَ ) بالياء، على معنى يرجع جميع النّاس.

قال ابن جنّيّ: كأنّ الله تعالى رفق بالمؤمنين على أن يواجههم بذكر الرّجعة؛ إذ هي ممّا تنفطر له القلوب. فقال لهم: { وَ اتَّ-قُوا يَوْمًا } ، ثمّ رجع في ذكر الرّجعة إلى الغيبة رِفْقًا بهم، و قرأ أُبيّ بن كعب ( يَوْمًا تُرَدُّونَ ) بضمّ التّاء،...

و في قوله: { اِلَى اللهِ } مضاف محذوف، تقديره: إلى حكم الله و فصل قضائه، و قوله: { وَ هُمْ } رُدّ على معنى: كلّ نفس، لاعلى اللّفظ إلا على قراءة الحسَن ( يَرْجِعُونَ )، فقوله: { وَ هُمْ } رُدّ على ضمير الجماعة في ( يَرْجِعُونَ ). و في هذه الآية نصّ على أنّ الثّواب و العقاب متعلّق بكسب الإنسان. و هذا رَدّ على الجبريّة. (1 : 378)

الطَّبْرِسيّ: تُردّون جميعًا إلى جزاء الله. و يقال: إلى مُلك الله، لنفعكم و ضرّكم، دون غيره ممّن ملكه إيّاه في دار الدّنيا. و هو المراد بكلّ ما في القرآن من هذا اللّفظ، لأنّ الله سبحانه لايغيب عن أحد و لايغيب أحد عن علمه و مُلكه و سلطانه، و يدلّ عليه قوله: { وَ هُوَ مَعَكُمْ اَيْنَ مَا كُنْتُمْ } الحديد:4، و { مَا يَكُونُ مِِنْ نَجْوى ثَلثَ-ة ’اِلا هُوَ رَابِعُهُمْ }المجادلة : 7. (1 : 394)

الفَخْرالرّ ازيّ: قرأ أبوعمرو ( تَرْجِعُونَ ) بفتح التّاء، و الباقون بضمّ التّاء. و اعلم أنّ الرّجوع لازم ، و الرّجْع متعدّ، و عليه تخرج القراءتان. [إلى أنقال:]

المسألة الخامسة: الرّجوع إلى الله تعالى ليس المراد منه ما يتعلّق بالمكان و الجهة، فإنّ ذلك محال على الله تعالى، و ليس المراد منه الرّجوع إلى علمه و حفظه، فإنّه معهم أينما كانوا، لكن كلّ ما في القرآن من قوله: { تُرْجَعُونَ اِلَى اللهِ } له معنيان:

الأوّ ل: أنّ الإنسان له أحوال ثلاثة على التّرتيب.

فالحالة الأُولى: كونهم في بطون أُمّهاتهم، ثمّ لايملكون نفعهم و لاضرّهم، بل المتصرّف فيهم ليس إلا الله سبحانه و تعالى.

و الحالة الثّانية: كونهم بعد البروز عن بطون أُمّهاتهم، و هناك يكون المتكفّل بإصلاح أحوالهم في أوّل الأمر الأبوين، ثمّ بعد ذلك يتصرّف بعضهم في البعض في حكم الظّاهر.

و الحالة الثّالثة: بعد الموت، و هناك لايكون المتصرّف فيهم ظاهرً ا، و في الحقيقة إلا الله سبحانه، فكأنّه بعد الخروج عن الدّنيا عاد إلى الحالة الّتي كان عليها قبل الدّخول في الدّنيا، فهذا هو معنى الرّجوع إلى الله.

و الثّاني: أن يكون المراد: يرجعون إلى ما أعدّ الله

لهم من ثواب أو عقاب، و كلا التّأويلين حسَن مطابق للّفظ. (7 : 88)

نحوه النَّيسابوريّ. (3 : 82)

الآلوسيّ: { تُرْجَعُونَ فيهِ ‘} على البناء للمفعول من الرّجْع، و قرئ على البناء للفاعل من الرّجوع و الأوّ ل أدخل - كما قيل - في التّهويل. و قرئ ( يُرْجَعُونَ ) على طريق الالتفات، و قرأ أُبيّ( تَصيرُونَ )، و عبد الله ( تُرَدُّونَ اِلَى اللهِ ) أي حكمه و فصله. (3 : 54)

الحائريّ: تُرَدّون جميعًا إلى جزاء الله، و تصيرون فيه إِلى اللهِ لمحاسبة أعمالكم. (2 : 142)

راجع: و ق ي : < و اتَّقُوا >.

4 - كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ اِلَيْنا تُرْجَعُونَ. الأنبياء : 35

الفَخْرالرّ ازيّ: فيه مسائل:...

المسألة الرّ ابعة: احتجّت التّناسخيّة بقوله: { وَ اِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } فإنّ الرّجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه. و الجواب أ نّه مذكور مجازً ا.

المسألة الخامسة: المراد من قوله: { وَ اِلَيْنَا تُرْجَعُونَ }: أ نّهم يُرْجعُون إلى حكمه و محاسبته و مجازاته، فبيّن بذلك بطلان قولهم في نفي البعث و المعاد. و استدلّت التّناسخيّة بهذه الآية، و قالوا: إنّ الرّجوع إلى موضع مسبوق بالكون فيه، و قد كنّا موجودين قبل دخولنا في هذا العالم، و استدلّت المجسّمة بأ نّا أجسام، فرُجُوعنا إلى الله تعالى يقتضي كون الله تعالى جسمًا. و الجواب عنه قد تقدّم في مواضع كثيرة. (22 : 170)

البَيْضاويّ: فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصّبر و الشّكر، و فيه إيماء بأنّ المقصود من هذه الحياة: الابتلاء و التّعريض للثّواب و العقاب تقريرً ا لما سبق. (2 : 72)

النَّيسابوريّ: بيّن بقوله: { وَ اِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } أنّ الجزاء على الأعمال ثابت مرئيّ ألبتّة بعد المفارقة. استدلّتالمجسّمة بقوله: { وَ اِلَيْنَا } أ نّه تعالى جسم ليمكن الرّجوع إلى حيث هو، و التّناسخيّة بأنّ الرّجوع مسبوق بالكون في المكان المرجوع إليه.

و جواب الأوّلين: أ نّه أراد الرّجوع إلى حيث لاحكم إلا له، و جواب الآخرين: التّسليم، لكنّه لايفيد مطلوبهم، لأنّ الرّجوع إلى المبدإ غير الرّجوع إلى دار الدّنيا. و اعلم أنّ مثل هذه الآية سيجي‌ء في سورة العنكبوت : 57، إلا أ نّه قال هناك: { ثُمَّ اِلَيْنَا } و لم يذكر قوله: { وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً }، فكأنّ هذه الفاصلة قامت مقام التّراخي في « ثمّ ».

(17 : 24)

أبوحَيّان: فنجازيكم على ما صدر منكم في حالة الابتلاء من الصّبر و الشّكر، و في غير الابتلاء. و قرأ الجمهور { تُرْجَعُونَ } بتاء الخطاب مبنيًّا للمفعول، و قرأت فرقة بالتّاء مفتوحة مبنيًّاللفاعل، و قرأت فرقة بضمّ الياء للغيبة مبنيًّا للمفعول، على سبيل الالتفات. (6 : 311)

الآلوسيّ: لا إلى غيرنا، لااستقلالا و لااشتراكًا

فنجازيكم حسبما يظهر منكم من الأعمال،...

و في الآية إيماء إلى أنّ المراد من هذه الحياة الدّنيا: الابتلاء و التّعريض للثّواب و العقاب. و قرئ ( يُرْجَعُونَ ) بياء الغيبة على الالتفات. (17 : 46)

ابن عاشور: و جملة { وَ اِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } إثبات للبعث، فجمعت الآية الموت و الحياة و النّشر.

و تقديم المجرور للرّعاية على الفاصلة، وإفادة تقوّي الخبر. و أمّا احتمال القصر فلايقوم هنا؛ إذ ليس ذلك باعتقاد للمخاطبين، كيفما افترضتهم. (17 : 48)

الطَّباطَبائيّ: فيقضي عليكم و لكم. (14 : 287)

مكارم الشّيرازيّ: أي إنّ مكانكم الأصليّ ليس هو هذه الدّنيا، بل هو مكان آخر. و إنّما تأتون هنا لتؤُدّوا الاختبار و الامتحان، و بعد اكتسابكم التّكامل اللا زم سترجعون إلى مكانكم الأصليّ، و هو الدّار الآخرة. (10 : 147)

5 - اَ فَحَسِبْتُمْ اَ نَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَ اَ نَّكُمْ اِلَيْنَا لاتُرْجَعُونَ. المؤمنون : 115

راجع: ع ب ث: < عَبَثًا >.

6 - وَ هُوَ اللهُ لا اِلهَ" اِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِى الاُ_ولى وَ الا_خِرَةِ ’وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. القصص : 70

الفَخْرالرّ ازيّ: أمّا قوله: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فالمعنى: و إلى محلّ حكمه و قضائه تُرْجعُون. فإنّ كلمة < إلى > لانتهاء الغاية، و هو تعالى منزّه من المكان

و الجهة. (25 : 11)

ابن عَرَبيّ: بالفناء في وجوده، أو أفعاله و صفاته أو ذاته. (2 : 235)

البُرُوسَويّ: بالبعث لاإلى غيره. و في < التّأويلات النّجميّة >: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالاختيار أو بالاضطرار.

فأمّا بالاختيار، فهو الرّجوع إلى الحضرة، بطريق السّير و السّلوك، و المتابعة و الوصول، و هذا مخصوص بالإنسان دون غيره.

و أمّا بالاضطرار فبقبض الرّوح، و هو الحشر و النّشر و الحساب و الجزاء بالثّواب و العقاب.

يقال: ثمانية أشياء تعمّ الخلق كلّهم: الموت، و الحشر، و قراءة الكتاب، و الميزان، و الحساب، و الصّراط، و السّؤال، و الجزاء. (6 : 425)

ابن عاشور: و أمّا جملة { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فمسوقة مساق التّخصيص بعد التّعميم، فبعد أن أثبت لله كلّ حمد و كلّ حُكم، أي أ نّكم تُرْجعُون إليه في الآخرة، فتمجّدونه، و يجري عليكم حكمه. و المقصود بهذا إلزامهم بإثبات البعث.

و تقديم المجرور في { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } للرّعاية على الفاصلة، و للاهتمام بالانتهاء إليه، أي إلى حكمه. (20 : 98)

مَغْنِيّة: و لامناص لأحد من هذا المَرْجِع، و السّعيد من ثبتت حجّته، و قُبلت معذرته. (6 : 82)

الطَّباطَبائيّ: إنّ الرّجوع للحساب و الجزاء، و إذ كان هو المرجع، فهو المحاسب المجازي، و إذ كان هو المحاسب المجازي وحده، فهو الّذي يجب أن يُعبَد

وحده، و له دين يجب أن يُتعبّد به وحده. (16 : 70)

7 - وَ لاتَدْعُ مَعَ الله اِلهًا ا"خَرَ لااِلهَ اِلا هُوَ كُلُّ شَىْء هَالِكٌ اِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. القصص : 88

الطّبَريّ: و إليه تُرَدّون من بعد مماتكم، فيقضي بينكم بالعدل، فيجازي مؤمنيكم جزاءهم، و كفّاركم ما وعدهم. (10 : 119)

ابن عَطيّة: إخبار بالحشر و العودة من القبور. وقرأ الجمهور { تُرْجَعُونَ } بضمّ التّاء و فتح الجيم، و قرأ عيسى ( تَرْجِعُونَ ) بفتح التّاء و كسر الجيم، و قرأ أبوعمرو بالوجهين. (4 : 304)

أبوالسُّعود: عند البعث للجزاء بالحقّ و العدل.

(5 : 139)

البُرُوسَويّ: { وَ اِلَيْهِ } لا إلى غيره تعالى. { تُرْجَعُونَ }تُرَدّون عند البعث للجزاء بالحقّ والعدل. فمن كان رجوعه بالاضطرار، وجد الجبّار القهّار فوَفّاه حسابه، و من كان رجوعه بالاختيار، وجد العفوّ الغفّار فأفرغ عليه ثوابه؛ و ذلك بالفناء قبل الفناء، بإزالة حجاب التّعيّن، و إذابة أنانيّات الوجود.

(6 : 443)

الآلوسيّ: عند البعث للجزاء بالحقّ و العدل، لاإلى غيره تعالى. و رجوع العباد إليه تعالى عند الصّوفيّة - أهل الوحدة - بمعنى ما وراء طور العقل.

(20 : 132)

سيّد قُطْب: فلامناص من حُكمه، و لامفرّ من قضائه، و لاملجأ دونه، و لامهرب. (5 : 2716)

مكارم الشّيرازيّ: جملة { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فسّروها بالرّجوع إلى الله في أخذ الشّريعة عنه.

(12 : 295)

8 - ...فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. العنكبوت : 17

الزّمَخْشَريّ: و قرئ: بفتح التّاء، فاستعدّوا للقائه، بعبادته و الشّكر له على أنعُمه. (3 : 201)

نحوه البُرُوسَويّ (6 : 457)، و المَراغيّ (20 : 125).

ابن عاشور: و جملة { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تعليلللأمر بعبادته و شكره، أي لأ نّه الّذي يجازي على ذلك ثوا بًا، و على ضدّه عقابًا؛ إذ إلى الله لاإلى غيره مرجعكم بعد الموت. و في هذا إدماج تعليل بالعبادة. بإثبات البعث. (20 : 149)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في مقام التّعليل لقوله: { وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ }، و لذا جي‌ء بالفصل من غير عطف. و في هذا التّعليل صرفهم عن عبادة الإله ابتغاءً للرّزق إلى عبادته للرّجوع و الحساب. إذ لو لاالمعاد لم يكن لعبادة الإله سبب محصّل، لأنّ الرّزق و ما يجري مجراه له أسباب خاصّة كونيّة غير العبادات و القُربات، و لايزيد و لاينقص بإيمان أو كفر. لكن سعادة يوم الحساب تختلف بالإيمان و الكفر و العبادة و الشّكر و خلافهما، فليكن الرّجوع إلى الله هو الباعث إلى العبادة و الشّكر، دون ابتغاء الرّزق. (16 : 116)

9 - كُلُّ نَفْس ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ اِلَيْنَا تُرْجَعُونَ.

العنكبوت : 57

ابن عبّاس: بعد الموت، فيجزيكم بأعمالكم.

(337)

و هكذا أكثر التّفاسير.إلا أنّ بعضهم ذكروا القراءة، كما سبق في الآيات الماضية، فلانكرّرها.

10 - اَللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُ‘هُ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

الرّوم : 11

الفارِسيّ:اختلفوا في الياء و التّاء من قوله جلّ و عزّ: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فقرأ أبوعمرو و عاصم في رواية أبي بكر ( ثُمَّ اِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ) بالياء، و قرأابن كثير و نافع و ابن عامر و حمزة و الكِسائيّ و حفص عن عاصم، و عبّاس عن أبي عمرو { تُرْجَعُونَ } بالتّاء.

حجّة الياء أنّ المتقدّم ذكره غيبة { يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ } ، و الخلق هم المخلوقون في المعنى، و جاء قوله: { يُعيدُهُ } على لفظ الخلق، و قوله: ( يُرْجَعُونَ ) على المعنى، و لم يرجع على لفظ الواحد، كما كان { يُعيدُهُ} كذلك. و وجه التّاء أ نّه صار الكلام من الغيبة إلى الخطاب، و نظيره: { اَلْحَمْدُ للهِ } الفاتحة : 2، و { اِيَّاكَ نَعْبُدُ } الفاتحة : 5. (3 : 267)

نحوه أبوزُرْعَة. (556)

ابن الجَوْزيّ: [نحو الفارِسيّ و قال:]

و المراد بذكر الرّجوع: الجزاء على الأعمال.

(6 : 291)

ابن عَرَبيّ: { اَللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ } بإظهار الفُرس على الرّوم، { ثُمَّ يُعيدُهُ } بإظهار الرّوم على الفُرس { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالفناء فيه. (2 : 258)

البَيْضاويّ: للجزاء، و العدول إلى الخطاب للمبالغة في المقصود. و قرأ أبوبكر و أبوعمرو، و روح بالياء على الأصل. (2 : 217)

أبوالسُّعود: إلى موقف الحساب و الجزاء. و الالتفات للمبالغة في التّرهيب. و قرئ بالياء.

(5 : 167)

نحوه البُرُوسَويّ. (7 : 12)

الآلوسيّ: { ثُمَّ يُعيدُهُ } بالبعث، { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } للجزاء. و تقديم المعمول للتّخصيص، و كان الظّاهر ( يُرْجَعُونَ ) بياء الغيبة، إلا أ نّه عدل عنه إلى خطاب المشركين، لمكافحتهم بالوعيد،و مواجهتهم بالتّهديد، و إيهام أنّ ذلك مخصوص بهم، فهو التفات للمبالغة في الوعيد و التّرهيب.

و قرأ أبوعمرو، و روح ( يُرْجَعُونَ ) بياء الغيبة كما هو الظّاهر. (21 : 24)

مكارم الشّيرازيّ: و جملة { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } إشارة إلى أ نّه بعد النّشور و القيامة يعود الجميع إلى محكمة الله، و الأسمى من ذلك أنّ المؤمنين يمضون في تكاملهم، نحو ذات الله المقدّسّة إلى ما لانهاية.

(12 : 441)

11 - قُلْ يَتَوَفّيكُمْ’ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذى‘ وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ اِلى" رَ بِّكُمْ تُرْجَعُونَ. السّجدة: 11

الماوَرْديّ: فيه وجهان:

أحدهما: إلى جزائه.

الثّاني: إلى أن لايملك لكم أحد ضرًّ ا و لانفعًا إلا الله. (4 : 358)

الطُّوسيّ: معناه: إنّكم إلى جزاء الله من الثّواب و العقاب تُرَدّون. و إنّما جُعل الرّجوع إلى الجزاء رجوعًا إليه تفخيمًا للأمر. (8 : 300)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (4 : 329)

ابن كثير: أي يوم معادكم و قيامكم من قبوركم لجزائكم. (5 : 407)

البُرُوسَويّ: تُرَدّون بالبعث للحساب و الجزاء. و هذا معنى لقاء الله. (7 : 114)

الآلوسيّ: بالبعث للحساب و الجزاء. و مناسبة هذه الآية لما قبلها - على ما ذكرنا - في توجيه الإضراب ظاهرة، لأ نّهم لمّا جحدوا لقاء ملائكة ربّهم عند الموت، و ما يكون بعده، ذكر لهم حديث توفّي ملك الموت إيّاهم، إيماءً إلى أ نّهم سيلاقونه، و حديث الرّجوع إلى الله تعالى بالبعث للحسابو الجزاء.

و أمّا على ما قيل: فوجه المناسبة أ نّهم لمّا أنكروا البعث و المعاد ردّ عليهم بما ذُكر، لتضمّن قوله تعالى: { ثُمَّ اِلى" رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ } البعث، و زيادة ذكر توفّي ملك الموت إيّاهم، و كونه موكّلا بهم لتوقّف البعث على وفاتهم، و لتهديدهم و تخويفهم، و للإشارة إلى أنّ القادر على الإماتة قادر على الإحياء.

و قيل: إنّ ذلك لردّ ما يُشعر به كلامهم من أنّ الموت بمقتضى الطّبيعة؛ حيث أسندوه إلى أنفسهم في قولهم: { ءَ اِذَا ضَلَلْنَا فِى الاَ_رْضِ } فليس عندهم بفعل الله تعالى و مباشرة ملائكته، و لايخفى بُعْده.

و أبعَد منه ما قيل في المناسبة: إنّ عزرائيل و هو عبد من عبيده تعالى، إذا قدر على تخليص الرّوح من البدن، مع سريانها فيه سريان ماء الورد في الورد و النّار في الجمر، فكيف لايقدر خالق القوى و القدر جلّ شأنه على تمييز أجزائهم المختلطة بالتّراب؟ و كيف يستبعد البعث مع القدرة الكاملة له عزّ و جلّ، لما أنّ ذلك السّريان ممّا خفي على العقلاء حتّى أنكره بعضهم، فكيف بجهلة المشركين؟ فتأمّل. (21 : 126)

الطَّباطَبائيّ: هو الرّجوع الّذي عبّر عنه في الآية السّابقة باللّقاء، و موطنه البعث المترتّب على التّوفّي و المتراخي عنه، كما يدلّ عليه العطف ب- { ثُمَّ }الدّ الّة على التّراخي. (16 : 251)

12 - وَ مَا لِىَ لااَعْبُدُ الَّذى‘ فَطَرَنى وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

يس : 22

الماوَرْديّ: أي تُبعَثون. فإن قيل: فلِمَ أضاف الفطرة إلى نفسه و البعث إليهم، و هو معترف أنّ الله فطرهم جميعًا، و يبعثهم إليه جميعًا؟

قيل: لأ نّه خلق الله تعالى له نعمة، عليه توجب الشّكر، و البعث في القيامة وعيد يقتضي الزّجْر، فكان إضافة النّعمة إلى نفسه إضافة شكر، وإضافة الزّجر إلى الكافر أبلغ أثرً ا. (5 : 14)

و فيه مطالب راجع: ع ب د: < لااَعْبُدُ >.

13 - فَسُبْحَانَ الَّذى‘ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْ‌ء وَ اِلَيْهِ

تُرْجَعُونَ. يس: 83

الطُّوسيّ: يوم القيامة الّذي لايملك فيه الأمر و النّهي سواه، فيُجازيكم على قدر أعمالكم من الطّاعات و المعاصي بالثّواب و العقاب. (8 : 479)

ابن كثير: و إليه يُرجع الأمر كلّه، و له الخلق و الأمر، و إليه يُرجع العباد يوم المعاد، فيجازي كلّ عامل بعمله، و هو العادل المنعم المتفضّل. (5 : 634)

نحوه المَراغيّ. (23: 39)

صدرالمتألّهين:قوله:{بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْء } مع قوله: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يدلا ن على أنّ ذاته المقدّسةمنزّهة عن وصمة القصور و الفتور، كما أ نّه فاعل لجميع الممكنات كذلك غاية لها، فهو أوّ ل الأشياء و آخرها، و مُبدئها و تمامها، فالوجود كما صدر منه على التّرتيب الصّدوريّ و النّظام النّزوليّ، كذا ورد عليه و رجع إليه بالتّرتيب الصّعوديّ و النّظام العروجيّ، على التّعاكس في السِّلسلتَيْن... (5 : 404)

البُرُوسَويّ: { وَ اِلَيْهِ } لاإلى غيره؛ إذ لامالك سواه على الإطلاق، { تُرْجَعُونَ} تُرَدّون بعد الموت، فيجازيكم بأعمالكم، و هو وعد للمقرّين و وعيد للمنكرين.

و في < التّأويلات النّجميّة >...{ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالاختيار أهل القبول و بالاضطرار أهل الرّدّ، عصمنا الله من الرّدّ بفضله و سعة كرمه. (7 : 442)

ابن عاشور: و جملة { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } عطف على جملة التّسبيح، عطف الخبر على الإنشاء، فهو ممّا شملته الفصيحة. و المعنى: قد اتّضح أ نّكم صائرون إليه، غير خارجين من قبضة مُلكه؛ و ذلك بإعادة خلقكم بعد الموت.

و تقديم { اِلَيْهِ } على { تُرْجَعُونَ } للاهتمام و رعاية الفاصلة، لأ نّهم لم يكونوا يزعمون أنّ ثمّة رجعة إلى غيره، و لكنّهم ينكرون المعاد من أصله.

(22 : 282)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } خطاب لعامّة النّاس من مؤمن و مشرك، و بيان لنتيجة البيان السّابق بعد التّنزيه. (17 : 117)

عبدالكريم الخطيب: و في قوله تعالى: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تقرير للبعث، و تأكيد له. و أ نّه ما دام بيد الله ملكوت كلّ شيء و النّاس من أشياء هذا الوجود الّذي هو مُلك لله، فإنّهم لابدّ راجعون إلى الله.

و إلى أين يذهب النّاس بعد الموت إذا لم يرجعوا إلى الله؟ إنّهم إذا لم يرجعوا إليه، فليسوا إذن فى مُلكه. و ليس هناك شي‌ء غير مملوك لله. (12 : 959)

14 - قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَميعًا‘ لَهُ مُلْكُ السَّموَ اتِ وَ الاَ_رْضِ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. الزّمر : 44

الطّبَريّ: يقول: ثمّ إلى الله مصيركم، و هو معاقبكم على إشراككم به، إن متّم على شرككم.

(11 : 10)

نحوه المَراغيّ. (24 : 14)

الطُّوسيّ: أي إلى حيث لايملك أحد التّصرّف و الأمر و النّهي سواه، و هو يوم القيامة فيُجازي كلّ إنسان على عمله، على الطّاعات بالثّواب و على

المعاصي بالعقاب. (9 : 33)

الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: بِمَ يتّصل قوله: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }؟

قلت بما يليه، معناه: له ملك السّماوات و الأرضِ اليوم، ثمّ إليه تُرجعون يوم القيامة، فلايكون الملك في ذلك اليوم إلا له، فله ملك الدّنيا و الآخرة. (4 : 132)

أبوالسُّعود: يوم القيامة، لاإلى أحد سواه، لااستقلالا و لااشتراكًا، فيفعل يومئذ ما يريد.

(5 : 397)

الآلوسيّ: قوله تعالى: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } عطف على قوله تعالى: { لَهُ مُلْكُ...}، و كأ نّه تنصيص على مالكيّة الآخرة الّتي فيها معظم نفع الشّفاعة، و إيماء إلى انقطاع المُلك الصّوريّ عمّا سواه عزّ و جلّ.

و جُوّز أن يكون عطفًا على قوله تعالى: { للهِ‚ الشَّفَاعَةُ }، و جعله في < البحر > تهديدً ا لهم، كأ نّه قيل: ثمّ إليه تُرجعون، فتعلمون أ نّهم لايشفعون لكم، و يخيب سعيكم في عبادتهم، و تقديم { اِلَيْهِ } للفاصلة و للدّ لالة على الحصر؛ إذ المعنى: إليه تعالى،لاإلى أحد غيره سبحانه، لااستقلالا و لااشتراكًا، ترجعون.

(24 : 10)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تعليل آخر، لكونه يملك الشّفاعة جميعًا الدّ الّ على الحصر؛ و ذلك أنّ الشّفاعة إنّما يملكها الّذي ينتهي إليه أمر المشفوع له، إن شاء قبِلَها و أصلح حال المشفوع له. و أمّا غيره فإنّما يملكها إذا رضي بها و أذن فيها، و الله سبحانه هو الّذي يرجع إليه العباد دون الّذين يدعون من دون الله، فالله هو المالك للشّفاعة جميعًا، فقولهم: يكون أولياؤهم شفعاء لهم مطلقًا، ثمّ عبادتهم لهم كذلك بناء بلامبنى يُعتمَد عليه.

و قيل: قوله: { ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تهديد لهم، كأ نّه قيل: ثمّ إليه تُرجعُون فتعلمون أ نّهم لايشفعون لكم، و يخيب سعيكم في عبادتهم.

و قيل: يحتمل أن يكون تنصيصًا على مالكيّة الآخرة الّتي فيها معظم نفع الشّفاعة، و إيماء إلى انقطاع المُلك الصّوريّ عمّا سواه تعالى، و الوجه ما قدّمناه.

(17 : 271)

عبدالكريم الخطيب: هو دعوة إلى النّاس أن يرجعوا إلى الله، و أن يسلّموا أمرهم إليه وحده، يوم الحساب و الجزاء، فهو سبحانه الّذي يتولّى حساب النّاس و جزاءهم، فمن السّفه و الجهل معًا أن يكون هناك عمل يتّجه به إلى غيره، إنّه عمل ضائع، لايقام له وزن! بل هو وِزْر يحمله الإنسان معه، لأ نّه حجّةعن الله، وقصّر به دون العمل لمرضاته. (12 : 1170)

15 - وَ قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا اَنْطَقَنَا اللهُ الَّذى‘ اَنْطَقَ كُلَّ شَىْ‌ء وَ هُوَ خَلَقَكُمْ اَوَّ لَ مَرَّة وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. فصّلت : 21

الطُّوسيّ: في الآخرة، إلى حيث لايملك أحد النّهي و الأمر سواه. (9 : 118)

مثله الطَّبْرِسيّ. (5 : 10)

أبوالسُّعود: فإنّ من قدر على خلقكم

و إنشائكم أوّ لا، و على إعادتكم و رجعكم إلى جزائه ثانيًا، لايُتعجّب من إنطاقه لجوارحكم، و لعلّ صيغة المضارع - مع أنّ هذه المحاورة بعد البعث و الرّجْع - لما أنّ المراد بالرّجْع ليس مجرّد الرّدّ إلى الحياة بالبعث، بل ما يعمّه و ما يترتّب عليه من العذاب الخالد المترقّب عند التّخاطب، على تغليب المتوقّع على الواقع، على أنّ فيه مراعاة الفواصل. (5 : 441)

نحوه البُرُوسَويّ. (8 : 249)

الآلوسيّ: و قوله تعالى: { وَ هُوَ خَلَقَكُمْ اَوَّ لَ مَرَّة وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يحتمل أن يكون من تمام كلام الجلود و مقول القول، و يحتمل أن يكون مستأنفًا من كلامه عزّ و جلّ؛ و الأوّ ل أظهر.

و المراد على كلّ حال: تقرير ما قبله، بأنّ القادر على الخلق أوّ ل مرّة قادر على الإنطاق. و صيغة المضارع إذا كان الخطاب يوم القيامة- مع أنّ الرّجْع فيه متحقِّق لامستقبل - لما أنّ المراد بالرّجْع ليس مجرّد الرّدّ إلى الحياة بالبعث، بل ما يعمّه و ما يترتّب عليه من العذاب الخالد المترقّب عند التّخاطب،على تغليب المتوقّع على الواقع. و جُوّز أن تكون لاستحضار الصّورة، مع ما في ذلك من مراعاة الفواصل.

(24 : 116)

ابن عاشور: { وَ هُوَ خَلَقَكُمْ اَوَّ لَ مَرَّة وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يجوز أن تكون هذه الجملة و الّتي عُطفت عليها من تمام ما أنطق الله به جلودهم قُتِفِّيَ ((1)) على مقالتها تشهيرً ا بخطئهم في إنكارهم البعث، و المصير إلى الله لزيادة التّنديم و التّحسير. و هذا ظاهر كون الواو في أوّ ل الجملة واو العطف، فيكون التّعبير بالفعل المضارع في قوله: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لاستحضار حالتهم، فإنّهم ساعتئذ في قبضة تصرّف الله مباشرةً.

و أمّا رجوعهم بمعنى البعث، فإنّه قد مضى بالنّسبة لوقت إحضارهم عند جهنّم، أو يكون المراد بالرّجوع: الرّجوع إلى ما ينتظرهم من العذاب.

و يجوز أن تكون هذه الجملة و ما بعدها اعتراضًا بين جملة { وَ يَوْمَ يُحْشَرُ اَعْدَ اءُ اللهِ اِلى النَّارِ } فصّلت : 19، و جملة { فَاِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُم } فصّلت : 24، موجّهًا من جانب الله تعالى إلى المشركين الأحياء، لتذكيرهم بالبعث عقب ذكر حالهم في القيامة، انتهازً ا لفرصة الموعظة السّابقة عند تأثّرهم بسماعها.

و يكون فعل{ تُرْجَعُونَ } مستعملا في الاستقبال على أصله، و الكلام استدلال على إمكان البعث. قال تعالى: { اَ فَعَيينَا‘ بِالْخَلْقِ الاَ_وَّ لِ بَلْ هُمْ فى لَبْس مِنْ خَلْق جَديدٍ‘ } ق: 15، و تقديم متعلِّق { تُرْجَعُونَ } عليه للاهتمام، و رعاية الفاصلة. (25 : 38)

عبدالكريم الخطيب: و في قوله تعالى: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } إشارة إلى هذا الخلق الآخر، و هو البعث بعد الموت. (12 : 1306)

فضل الله: فهو القادر على أن يبعث فيكم الحياة من جديد، ليحاسبكم على كلّ ما صنعتموه في حياتكم. (20 : 109)

16 - وَ تَبَارَ كَ الَّذى‘ لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ ’وَ الاَ_رْضِ


1) (1) كذا .

وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

الزّخرف : 85

الطُّوسيّ: يوم القيامة فيجازي كلا على قدر عمله. فمن قرأ بالتّاء خاطب الخلق، و من قرأ بالياء ردّ الكناية إلى الكفّار الّذين تقدّم ذكرهم. (9 : 220)

المَيْبُديّ: قرأ ابن كثير و حمزة و الكِِسائيّ و يعقوب برواية رويس، بالياء، و الوجه أ نّه على الغيبة، لأنّ ما قبله كذلك، و هو قوله: { فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَ يَلْعَبُوا }. و قرأ الباقون و يعقوب برواية روح، { تُرْجَعُونَ } بالتّاء، و الوجه أ نّه على تقدير < قُل >، كأ نّه قال: قل لهم: و إليه تُرجعُون.

و يجوز أن يراد به مخاطبون و غائبون، فغلب حكم الخطاب. و كان يعقوب وحده يفتح أوّله و يكسر الجيم، و الباقون يضمّون أوّله و يفتحون الجيم، يعني إليه تُرجَعون للثّواب و العقاب. (9 : 86)

أبوالسُّعود: للجزاء، و الالتفات للتّهديد. و قرئ على الغيبة، و قرئ ( تُحْشَرُونَ ). (6 : 44)

البُرُوسَويّ: الالتفات للتّهديد، أي تُرَدّونللجزاء، فاهتمّوا بالاستعداد للقائه.

قال بعض الكبار: و إليه تُرجعون بالاختيار و الاضطرار، فأهل السّعادة يُرجعون إليه بالاختيار على قدم الشّوق و المحبّة و العبوديّة، و أهل الشّقاوة يُرجعون إليه بالاضطراربالموت بالسّلاسل والأغلال، يُسحَبون على وجوههم إلى النّار.

الرّجوع بالاضطرار قد يكون نافعًا ممدوحًا مقبولا ، و هو أن يؤخذ العبد بالجذبة الإلهيّة، و يُجرّ إلى الله جرًّ ا عنيفًا، و وقع ذلك لكثير من المنقطعين إلى الله تعالى. [ثمّ نقل حكاية من الجنيد فراجع] (8 : 398)

ابن عاشور: و لمّا كان قوله: { الَّذى‘ لَهُ مُلْكُ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضِ } مفيدً ا التّصرّف في هذه العوالم مدّة وجودها و وجود ما بينها، أردفه بقوله: { وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } للدّ لالة على أنّ له مع مُلك العوالم الفانية مُلك العوالم الباقية، و أ نّه المتصرّف في تلك العوالم بما فيها بالتّنعيم و التّعذيب، فكان قوله: { وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } توطئة لقوله: { وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }، و إدماجًا لإثبات البعث.

و تقديم المجرور في { اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لقصد التّقوّي؛ إذ ليس المخاطبون بمثبتين رُجْعى إلى غيره، فإنّهم لايؤمنون بالبعث أصلا ...

و قرأ الجمهور { تُرْجَعُونَ } بالفوقيّة على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمباشرة بالتّهديد.

و قرأ ابن كثير و حمزة و الكِسائيّ بالتّحتيّة،تبعًا لأُسلوب الضّمائر الّتي قبله، و هم متّفقون على أ نّه مبنيّ للمجهول. (25 : 301)

فضل الله: و تقفون بين يديه، و تُقدّمون حساب أعمالكم إليه، ليحكم بينكم، و عليكم و على كلّ تاريخ حياتكم الدّنيا الّتي عشتم فيها عمركم.

(20 : 269)

اِرْجِعْ

1 - اِرْجِعْ اِلَيْهِمْ فَلَنَاْتِيَنَّهُمْ بِجُنُود لاقِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا اَذِلَّةً وَ هُمْ صَاغِرُونَ. النّمل : 37

الفَرّ اء: هذا من قول سليمان لرسولها، يعني بلقيس. و في قراءة عبد الله ( ارْجِعُوا اِلَيْهِمْ ) و هو صواب على ما فسّرت لك، من قوله: { يَاءَ يُّهَا النَّبِىُّ اِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ } الطّلاق : 1، من الذَّهاب بالواحد إلى الّذين معه في كثير من الكلام. (2 : 294)

الطّبَريّ: هذا قول سليمان لرسول المرأة.

(9 : 518)

الثّعلبيّ: قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد: { اِرْجِعْ اِلَيْهِمْ } بالهديّة. (7 : 209)

نحوه البغَويّ (3 : 504)، و القُرطُبيّ (13 : 201)، و الخازن (5 : 122).

المَيْبُديّ: يعني إلى بلقيس و قومها، بما صحبك من الهديّة.

و قيل: محتمل أنّ المخاطب هاهنا الهُدهُد، أي { اِرْجِعْ اِلَيْهِمْ } قائلا لهم: { فَلَنَاْتِيَنَّهُمْ...}. (7 : 213)

الزّمَخْشَريّ: { اِرْجِعْ } خطاب للرّسول. و قيل: للهُدهُد مُحمَلا كتابًا آخر. (3 : 148)

مثله الفَخْرالرّ ازيّ (24 : 196)، و النّسَفيّ (3 : 212)، و الشّريف الكاشانيّ(5 : 99).

ابن عَطيّة: و راجَع سليمان مع ردّ الهديّة بما في الآية، و عبّر عن « المرسلين » ب- { جَاءَ } النّمل : 36، و بقوله: { اِرْجِعْ } لما أراد به الرّسول الّذي يقع على الجمع و الإفراد و التّأنيث و التّذكير. و قرأ ابن مَسعود ( فَلَمَّا جاؤُوا سُلَيمن ) و قرأ ( ارْجِعُوا }، و وعيد سليمان لهم مقترن بدوامهم على كفرهم. (4 : 259)

نحوه الثّعالِبيّ. (2 : 499)

أبوحَيّان: هو خطاب للرّسول الّذي جاء بالهديّة، و هو المنذر بن عمرو أمير الوفد، و المعنى: ارْجِع إليهم بهديّتهم. و تقدّمت قراءة عبد الله ( ارْجعُوا اِلَيْهِمْ )، و ( ارْجِعُوا ) هنا لاتتعدّى، أي انقلبوا وانصرفوا إليهم. (7 : 74)

أبوالسُّعود: أفرد الضّمير هاهنا بعد جمع الضّمائرالخمسة فيما سبق، لاختصاص الرّجوع بالرّسول، و عموم الإمداد، و نحوه للكلّ، أي ارْجِع أيّها الرّسول { اِلَيْهِمْ } أي إلى بلقيس و قومها. (5 : 84)

مثله البُرُوسَويّ. (6 : 346)

الآلوسيّ: { اِرْجِعْ } أمرٌ للرّسول. [ثمّ قال نحو أبي السُّعود و أضاف:]

و قيل: هو أمر للهُدهُد مُحمَلا كتابًا آخر. و أخرج ذلك ابن أبي حاتم عن زهير بن زهير، و تعقّب بأ نّه ضعيف دراية و رواية.

و قرأ عبد الله ( ارْجِعُوا ) على أ نّه أمر للمرسلين، و الفعل هنا لازم، أي انقَلِبْ و انْصَرِف { اِلَيْهِمْ }، أي إلى بلقيس و قومها. (19 : 201)

مَغْنِيّة: الخطاب في { اِرْجِعْ } لرئيس الوفدالّذين جاؤُوا بالهديّة، و المعنى: ارْجِع أنت و من معك بما جئتم به، و بَلّغ قومك إنّي سأغزوهم بجيش من الإنس و الجنّ و الطّير، لاطاقة لهم و لالغيرهم بمقاومته و الصّمود له. (6 : 21)

2 - 3- اَ لَّذى‘ خَلَقَ سَبْعَ سَموَ ات ’ طِبَاقًا مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ

فُطُور * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ يَنْقَلِبْ اِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسيرٌ.‘ الملك : 3 ، 4

ابن عبّاس: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } رُدّ البصر بالنّظر إلى السّماء،...{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ } رُدّ البصر إلى السّماء، و تفكّر بالنّظر إلى السّماء، { كَرَّتَيْنِ } مرّتين.

(478)

مُقاتِل: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } يعني أعِدِ البصر ثانيةً إلى السّماوات...{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ }، يقول: أعِدِ البصر الثّانية. (4 : 389)

الفَرّ اء:ثمّ قال: { فَارْجِعِ }، و ليس قبله فعل مذكور، فيكون الرّجوع على ذلك الفعل، لأ نّه قال: { مَا تَرى }، فكأ نّه قال: انظُر، ثمّ ارْجِع. (3 : 170)

الطّبَريّ: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } يقول: فرُدّ البصر... { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } يقول جلّ ثناؤه: ثمّ رُدّ البصر يا ابن آدم كرّتين، مرّة بعد أُخرى، فانْظُر.

(12 : 165)

القُمّيّ: { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ } انْظُر في ملكوت السّماوات و الأرض. (2 : 378)

الشّريف الرّضيّ: و هذه من الاستعارات المشهورة، و المراد بها - و الله أعلم - أي كَرِّر أيّها النّاظر بصرك إلى السّماء، مفكّرً افي عجائبها و مستنبطًا غوامض تركيبها. (211)

الثّعلبيّ: { فَارْجِعِ } فرُدّ { الْبَصَرَ }... { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ }: رُدّ البصر، و كَرِّر النّظر { كَرَّتَيْنِ} مرّتين. (9 : 356)

الطُّوسيّ: ثمّ أكّد ذلك بقوله: { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ } أي دفعةً ثانيةً، لأنّ من نظر في الشّي‌ء كرّة بعد أُخرى، بانَ له ما لم يكن بائنًا له. (10 : 59)

البغَويّ: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ }: كَرّر النّظر، معناه: انْظُر ثمّ ارْجِع. (5 : 125)

الزّمَخْشَريّ: و قوله تعالى: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ...} متعلّق به على معنى التّسبيب، أخبره بأ نّه لاتفاوت في خلقهنّ، ثمّ قال: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } حتّى يصحّ عندك ما أخبرت به بالمعاينة، و لاتبقى معك شبهة فيه. [إلى أن قال:]

و أمره بتكرير البصر فيهنّ متصفّحًا و متتبّعًا يلتمس عيبًا و خللا { يَنْقَلِبْ اِلَيْكَ } أي إن رجعت البصر و كرّرت النّظر، لم يرجع إليك بصرك بما التمسته من رؤية الخلل و إدراك العيب، بل يرجع إليك بالخسُوء و الحسُور...

فإن قلت: كيف ينقلب البصر خاسئًا حسيرً ا برجعه كرّتين اثنتين؟

قلت: معنى التّثنية التّكرير بكثرة، كقولك: لبّيك و سعديك، تريد إجابات كثيرة بعضها في إثْر بعض، و قولهم في المثل: < دُهْدَرّ يْن((1))

سعد القين > من ذلك، أي باطلا بعد باطل.

فإن قلت: فما معنى {ثُمَّ ارْجِعِ } ؟

قلت: أمره برجع البصر، ثمّ أمره بأن لايقتنع بالرّجعة الأُولى و بالنّظرة الحمقاء، و أن يتوقّف بعدها


1) (1) الدُّهْدُرّ: مفرد: دُهْدُرَّيْن و هو الباطل...فارسيّ معرّب.

و يجمّ بصره، ثمّ يعاود و يعاود، إلى أن يُحسُر بصره من طول المعاودة، فإنّه لايعثر على شيء من فطور.

(4 : 135)

نحوه ملخّصًا الشِّربينيّ (4 : 339) ، و الشّريف الكاشانيّ (7 : 125).

ابن عَطيّة: قال منذر بن سعيد: أمر الله تعالى بالنّظر إلى السّماء و خلقها، ثمّ أمر بالتّكرير في النّظر، و كذلك جميع المخلوقات متى نظرها ناظر، ليرى فيها خللا أو نقصًا، فإنّ بصره ينقلب خاسِئًا حسيرً ا. و رجع البصر: ترديده في الشّي‌ء المُبصَر. و قوله: { كَرَّتَيْنِ } معناه مرّتين، و نصبه على المصدر. (5 : 338)

الطَّبْرِسيّ: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ }، أي فرُدّ البصر و أدِرْه في خلق الله، و استَقْص في النّظر مرّةً بعد أُخرى، و التّقدير: انْظُر ثمّ ارجع النّظر في السّماء...{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } أي ثمّ كَرّر النّظر مرّتين، لأنّ من نظر في الشّي‌ء كَرّةً بعد أُخرى، بانَ له ما لم يكن بائنًا.

و قيل: معناه: أدِم النّظر، و التّقدير: ارْجِع البصر مرّةً بعد أُخرى، و لايريد حقيقة التّثنية، لقوله: { وَ هُوَ حَسيرٌ‘} و لايصير حسيرً ا بمرّتين، و نظيره قولهم: < لبّيك و سعديك > أي إلبابًا بعد إلباب، و إسعادً ا بعد إسعاد، يعني كلّما دعوتني فأنا ذو إجابة بعد إجابة،و ذو ثبات بمكاني بعد ثبات، من قولهم: لَبّ بالمكان و ألَبّ، إذا ثبت و أقام، و هو نصب على المصدر، أي أُجيبك إجابةً بعد إجابة. (5 : 323)

الفَخْرالرّ ازيّ: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور }، و المعنى: أ نّه لمّا قال: { مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت }، كأ نّه قال بعده: و لعلّك لاتحكم بمقتضى ذلك بالبصر الواحد، و لاتعتمد عليه بسبب أ نّه قد يقع الغلط في النّظرة الواحدة. و لكن ارْجِع البصر و ارْدُد النّظرة مرّةً أُخرى، حتّى تتيقّن أ نّه ليس في خلق الرّحمان من تفاوت ألبتّة...

{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} أمر بتكرير البصر في خلق الرّحمان على سبيل التّصفّح و التّتبّع، هل يجد فيه عيبًا و خللا ، يعني أ نّك إذا كرّرت نظرك، لم يرجع إليك بصرك بما طلبته، من وجدان الخلل و العيب، بل يرجع إليك خاسئًا. [ثمّ ذكر قول الفَرّ اء و قال:]

و هاهنا سؤالان:

السّؤال الأوّ ل: كيف ينقلب البصر خاسئًا حسيرً ا برَجْعه كرّتين اثنتين؟

الجواب: التّثنية للتّكرار بكثرة، كقولهم: لبّيك و سعديك يريد إجابات كثيرة متوالية.

السّؤال الثّاني: فما معنى { ثُمَّ ارْجِعِ }؟

الجواب: أمره برجع البصر، ثمّ أمره بأن لايقنع بالرّجعة الأُولى، بل أن يتوقّف بعدها و يجمّ بصره، ثمّ يعيده و يعاوده إلى أن يَحسُر بصره من طول المعاودة، فإنّه لايعثر على شي‌ء من فطور. (30 : 58)

القُرطُبيّ: { فَارْجِعِالْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور } أي ارْدُد طرفك إلى السّماء. و يقال: قَلّبِ البصر في السّماء. و يقال: اجْهَد بالنّظر إلى السّماء، و المعنى متقارب. [إلى أن قال:]

{ كَرَّ تَيْنِ } في موضع المصدر، لأنّ معناه: رجعتين، أي مرّةً بعد أُخرى. و إنّما أمر بالنّظر مرّتين، لأنّ

الإنسان إذا نظر في الشّي‌ء مرّةً لايرى عيبه ما لم ينظر إليه مرّة أُخرى. (18 : 209)

البَيْضاويّ: و قوله تعالى: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ...} متعلِّق به، على معنى التّسبّب، أي قد نظرت إليها مرارً ا فانظُر إليها مرّةً أُخرى متأمّلا فيها، لتُعاين ما أخبرت به من تناسبها و استقامتها، و استجماعها ما ينبغي لها.

{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } أي رَجْعتَين أُخريين في ارتياد الخلل، و المراد بالتّثنية: التّكرير و التّكثير، كما في لبّيك و سعديك. (2 : 489)

مثله أبوالسُّعود (6 : 275)، و الكاشانيّ (5 : 201)، و المشهديّ (10 : 531)، و شُبّر (6 : 250).

ابن جُزَيّ: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ... } إرجاع البصر: ترديده في النّظر، و معني الآية: الأمر بالنّظر إلى السّماء، فلايُرى فيه شقاق و لاخلل، بل هي ملتئمة مستوية.

{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } أي انظُر نظرً ا بعد نظر، للتّثبّت و التّحقّق. (4 : 134)

أبوحَيّان: و لمّا أخبر تعالى أ نّه لاتفاوت في خلقه، أمر بترديد البصر في الخلق المناسب، فقال: { فَارْجِعِ }، ففي الفاء معنى التّسبّب، والمعنى: أنّ العيان يطابق الخبر.[إلى أن قال:]

{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ } أي رَدّدْه كرّتين، هي تثنية لاشفع الواحد، بل يراد بها التّكرار، كأ نّه قال: كَرّة بعد كَرّة، أي كرّ ات كثيرة، كقوله: لبّيك، يريد إجابات كثيرة بعضها في إثْر بعض، و أُريد بالتّثنية التّكثير، كما أُريد بما هو أصل لها التّكثير، و هو مفرد عطف على مفرد. [ثمّ استشهد بشعر]

و قيل: أمر برجع البصر إلى السّماء مرّتين. [إن] غلط في الأُولى، فيستدرك بالثّانية.

و قيل: الأُولى ليرى حُسنها و استواءها، و الثّانية ليبصر كواكبها في سيرها و انتهائها. (8 : 298)

الثّعالِبيّ: و رَجْع البصر: ترديده في الشّي‌ء المُبصَر، و { كَرَّ تَيْنِ } معناه: مرّتين. (3 : 357)

البُرُوسَويّ: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } أي رُدّه إلى رؤية السّماء حتّى يتّضح ذلك بالمعاينة، و لايبقى عندك شبهة ما. و < رجَع > يجيء لازمًا و متعدّ يًا، يقال: رجع بنفسه رُجُوعًا و هو العود إلى ما منه البدء، مكانًا كان أو فعلا أو قولا ، بذاته كان رجوعه، أو بجزء من أجزائه، أو بفعل من أفعاله، و رجَعَه غيره رَجْعًا، أي رَدّه. [إلى أن قال:]

{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ} أي رجْعَتَيْن أُخريين و أعِدِ النّظر مرّة بعد مرّة في طلب الخلل و العيب. و المراد بالتّثنية: التّكرير و التّكثير، كما فى لبّيك و سعديك، يريد إجابات كثيرة و إعانات وفيرة، بعضها فى إثْر بعض؛ و ذلك، لأنّ الكلال الآتي لايقع بالمرّتين، أي رجْعَةً بعدرَجْعَة و إن كثرت. قال الحسَن رحمه الله: لو كَرّرتَه مرّةً بعد مرّة إلى يوم القيامة لم تَرَ فيه فطور. و قال الواسطيّ رحمه الله: { كَرَّتَيْنِ } أي قلبًا و بصرً ا، لأنّ الأوّ ل كان بالعين خاصّة.

و الحاصل: أنّ تكرار النّظر و تجوال الفكر ممّا يفيد تحقيق الحقائق، و إذا كان ذلك النّظر فيها عند طلب الخروق و الشّقوق لايفيد إلا الكَلال و الحِرْمان تحقّق

الامتناع، و ما أتعب من طلب وجود الممتنع. (10 : 80)

الشَّوْ كانيّ: أخبر أوّ لا بأ نّه لاتفاوت في خلقه، ثمّ أمر ثانيًا بترديد البصر في ذلك، لزيادة التّأكيد و حصول الطّمأنينة...

{ كَرَّتَيْنِ } أي رجْعَتَيْن مرّةً بعد مرّة. و انتصابه على المصدر، و المراد بالتّثنية: التّكثير، كما في لبّيك و سعديك، أي رَجْعَةً بعد رَجْعَة و إن كثرت.

و وجه الأمر بتكرير النّظر على هذه الصّفة، أ نّه قد لايرى ما يظنّه من العيب في النّظرة الأُولى و لافي الثّانية. و لهذا قال أوّ لا : { مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت }، ثمّ قال ثانيًا: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ }، ثمّ قال ثالثًا: { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجّة، و أقطع للمعذرة. (5 : 316)

الآلوسيّ: و قوله تعالى: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور } متعلِّق بما قبله، على معنى التّسبّب، أي عن الإخبار بذلك، فإنّه سبب للأمر بالرّجوع، دفعًا لما يُتوهّم من الشّبهة، فهو في المعنى جواب شرط مقدّر،أي إن كنت في ريب من ذلك، فارْجِع البصر حتّى يتّضح الحال، و لايبقى لك ريب و شُبهة في تحقّق ما تضمّنه ذلك المقال، من تناسب خلق الرّحمان،

و استجماعه ما ينبغي له.

{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } أي رجْعَتَيْن أُخريين في ارتياد الخلل. و المراد بالتّثنية: التّكرير و التّكثير، كما قالوا في لبّيك و سعديك: أي رَجْعَةً بعد رَجْعَة، أي رجعات كثيرة بعضها في إثْر بعض، و هذا كما أُريد بأصل المثنّى التّكثير في قوله:

لوعُدّ قبر و قبر كان أكرمهم

بيتًا و أبعدهم عن منزل الذّامّ

فإنّه يريد لو عُدّت قبور كثيرة. و قيل: هو على ظاهره، و أمر برَجْع البصر إلى السّماء مرّتين؛ إذ يمكن غلط في الأُولى، فيستدرك بالثّانية، أو الأُولى ليرى حُسنها و استواءها، و الثّانية ليبصر كواكبها في سيرها و انتهائها، و ليس بشي‌ء. و يؤيّد الأوّ ل قوله تعالى: { يَنْقَلِبْ اِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا }، فإنّه جواب الأمر، و الجوابيّة تقتضي الملازمة، و ما تضمّنه لايلزم من المرّتين غالبًا. (29 : 7)

المَراغيّ: أي إنّك إذا كرّرت النّظر لم يرجع إليك البصر بما طلبته من وجود الخلل و العيب، بل يرجع إليك صاغرً ا ذليلا ، لم ير ما يهوى منهما، حتّى كأ نّه طرد، و هو كليل من طول المعاودة، و كثرة المراجعة.

(29 : 7)

سيّد قُطْب: و السّماء خلق ثابت أمام الأعينالجاهلة، لاتتجاوزه إلى اليد الّتي أبدعته، و لاتلتفت لما فيه من كمال. و لكنّ السّورة تبعث حركة التّأمّل و الاستغراق في هذا الجمال و الكمال، و ما وراءها من حركة و أهداف. [إلى أن قال:]

{ فَارْجِعِ الْبَصَرَ}...و انظر مرّة أُخرى للتّأكّد و التّثبّت: { هَلْ تَرى مِنْ فُطُور } و هل وقع نظرك على شقّ أو صدع أو خلل؟ { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } فربّما فاتك شي‌ء في النّظرة السّابقة لم تتبيّنه، فأعِدِ النّظر ثمّ أعِدْه، { يَنْ-قَلِبْ اِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسيرٌ‘}. (6 : 3629)

ابن عاشور: و الخطاب [{ مَاتَرى }] لغير معيّن، أي لاترى أيّها الرّ ائي تفاوتًا.

و المقصود منه التّعريض بأهل الشّرك؛ إذ أضاعوا النّظر و الاستدلال بما يدلّ على وحدانيّة الله تعالى. [إلى أن قال:]

و فرّع عليه قوله: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ...}، و التّفريع للتّسبّب، أي انتفاء رؤية التّفاوت جعل سببًا للأمر بالنّظر، ليكون نفي التّفاوت معلومًا عن يقين دون تقليد للمُخبر.

و رَجْع البصر:تكريره، و الرّجْع: العود إلى الموضع الّذي يجاء منه. و فعل < رجَع > يكون قاصرً ا و متعدّيًا إلى مفعول، بمعنى: ارْجِع، ف- { ارْجِعِ } هنا فعل أمر من < رجَعَ > المتعدّي.

و الرّجْع يقتضي سبق حلول بالموضع، فالمعنى: أعِدِ النّظر، و هو النّظر الّذي دلّ عليه قوله: { مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت } أي أعِدْ رؤية السّماوات و أ نّها لاتفاوتفيها، إعادة تحقيق و تبَصُّر، كما يقال: أعِدْ نظرً ا.

و الخطاب في قوله: { مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت } و قوله: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ...} خطاب لغير معيّن.

و صيغة الأمر مستعملة في الإرشاد للمشركين، مع دلالته على الوجوب للمسلمين، فإنّ النّظر في أدلّة الصّفات واجب لمن عرض له داعٍ إلى الاستدلال. و البَصَر مستعمل في حقيقته. و المراد به: البصر المصحوب بالتّفكّر و الاعتبار، بدلالة الموجودات على موجدها. [إلى أن قال:]

و عطف { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ} دالّ على التّراخيّ الرُّتبيّ كما هو شأن { ثُمَّ } في عطف الجمل، فإنّ مضمون الجملة المعطوفة ب- { ثُمَّ } هنا أهمّ و أدخل في الغرض، من مضمون الجملة المعطوف عليها، لأنّ إعادة النّظر تزيد العلم بانتفاء التّفاوت في الخلق، رسوخًا و يقينًا.

و {كَرَّ تَيْنِ } تثنية كرّة و هي المرّة، و عبّر عنها هنا بالكرّة مشتقّة من الكَرّ، و هو العود، لأ نّها عود إلى شي‌ء بعد الانفصال عنه، ككرّة المقاتل يحمل على العدوّ بعد أن يَفرّ فرارً ا مصنوعًا.و إيثار لفظ{كَرَّتَيْنِ} في هذه الآية دون مرادفة، نحو: مرّ تين و تارتين، لأنّ كلمة كرّة لم يغلب إطلاقها على عدد الاثنين، فكان إيثارها في مقام لايراد فيه اثنين أظهر، في أ نّها مستعملة في مطلق التّكرير، دون عدد اثنَيْن أو زوج. و هذا من خصائص الإعجاز؛ ألاترى أنّ مقام إرادة عدد الزّوج كان مقتضيًا تثنية مرّة،في قوله تعالى: { اَلطَّلاقُ مَرَّ تَان ِ} البقرة : 229، لأ نّه أظهر في إ‘رادة العدد؛ إذ لفظ مرّة أكثر تداولا .

و تثنية { كَرَّ تَيْنِ } ليس المراد بها عدد الاثنين الّذي هو ضِعْف الواحد؛ إذ لايتعلّق غرض بخصوص هذا العدد، و إنّما التّثنية مستعملة كناية عن مطلق التّكرير، فإنّ من استعمالات صيغة التّثنية في الكلام أن يراد بها التّكرير؛ و ذلك كما في قولهم: لبّيك و سعديك يريدون تلبّيات كثيرة و إسعادً ا كثيرً ا، و قولهم: دَواليك .

و منه المثَل « دُهْدُرَّ يْن، سعد القَيْن ». الدُّهْدُرّ: الباطل، أي باطلا على باطل، أي أتيت يا سعد القَيْن دُهْدُرّ يْن، و هو تثنية < دُهْدُرّ > الدّ ال المهملة في أوّله مضمومة، فهاء ساكنة، فدال مهملة مضمومة، فراء مشدّدة، و أصله كلمة فارسيّة نقلها العرب، و جعلوها بمعنى الباطل. و سبب النّقل مختلف فيه و تثنيته مكنّى بها عن مضاعفة الباطل، و كانوا يقولون هذا المثَل عند تكذيب الرّجل صاحبه.

و أمّا سعد القَيْن، فهو اسم رجل كان قينًا، و كان يمرّ على الأحياء لصقل سيوفهم و إصلاح أسلحتهم، فكان يُشيع أ نّه راحل غدً ا، ليسرع أهل الحيّ بجلب ما يحتاج للإصلاح. فإذا أتوه بها أقام و لم يرحل، فضُرب به المثَل في الكذب، فكان هذا المثَل جامعًا لمثَلَيْن. و قد ذكره الزّمَخْشَريّ في « المستقصى »، و < الميدانيّ >في « مجمع الأمثال » و أطال.

فمعنى{ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } عاوِد التّأمّل فيخلق السّماوات و غيرها غير مرّة . (29 : 17)

مَغْنِيّة: { كَرَّ تَيْنِ } : مرّتين، و المراد بهما هنا: أكثر من مرّة، و مرّة بعد مرّة. [ثمّ قال في إعرابه: ]

{كَرَّ تَيْنِ } قائم مقام المفعول المطلق، أي رجْعَتَيْن مثل ضربته مرّتين. [إلى أن قال:]

و المعنى: حَقّقْ و تفَحّصْ و تأمّل جيّدً ا، و عاوِد النّظر مرّ ات و مرّ ات في خلق الكائنات، فإنّك لاترى و لن ترى إلا الحكمة و الدّقّة و النّظام و الانسجام و التّناسق في كلّ شيء. (7 : 374)

الطَّباطَبائيّ: و المراد بإرجاع البصر: النّظر ثانيًا، و هو كناية عن المداقّة في النّظر و الإمعان فيه. [إلى أن قال:]

و قوله: { كَرَّ تَيْنِ } الكَرّة :الرّجعة، و المراد بالتّثنية: التّكثير و التّكرير، و المعنى: ثمّ ارْجِع البصر رَجْعَةً بعد رَجْعَة، أي رجعات كثيرة، ينقلب إليك البصر منقبضة مهينة، و الحال أ نّه كليل مُعيًا لم يجد فطورً ا. (19 : 350)

عبدالكريم الخطيب: و قوله تعالى: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور } هو دعوة إلى الإنسان أن ينظر بعقله، ليرى مصداق قوله تعالى: { مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت }، أي أنّ من شكّ في هذه الحقيقة، أو من لم يقع له بعد علم بها، فليُلْق بصره على هذا الوجود، و ليَقِفْ بين يديه وقفَة المتأمّل الدّ ارس، ثمّ ليسأل نفسه: هل يرى من فطور؟ أي هل يرى خللا ، أو اضطرابًا، أو تفاوتًا ؟

و قوله تعالى: { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ...} ، أي إذا انكشف لنظرتك الّتي ألقيتها على هذا الوجود، أ نّه ليس فى خلق الله من تفاوت، أو من فطور، فلاتَقِف عند حدود هذه النّظرة، الّتي أعطتك علمًا يقينيًّا، بأن ليس فى خلق الله الرّحمان من تفاوت أو فطور. فهذا الّذي وقع لك من علم هو خير كثير، فاحرص عليه، و اجعل منه زادً ا تتزوّد به فى طريقك إلى الإيمان بالله. ثمّ اطْلُبْ مزيدً ا من هذا العلم؛ و ذلك بمعاودة النّظر بعد النّظر فى ملكوت الله، الّذي لاحدود له. فإنّك إن فعلت سلك بك ذلك طريقًا لانهاية له، من العلم اليقينيّ بقدرة الله، و عظمته، و جلاله. و إنّ بصرك إذ يعود

إليك بعد هذه الرِّحْلة الطّويلة السّابحة في ملكوت لله، سيعود إليك خاسئًا. (15 : 1051)

مكارم الشّيرازيّ:...إنّ الإنسان كلّما دقّق و تَدبّر في عالم الخلق و الوجود، فإنّه لايستطيع أن يرى أيّ خلل أو اضطراب فيه.

لذا يضيف سبحانه مؤكّدً ا هذا المعنى في الآية اللا حقة؛ حيث يقول: { ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ يَنْقَلِبْ اِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسيرٌ‘ }.

{ كَرَّتَيْنِ } من مادّة < كَرّ >على وزن < شَرّ > بمعنى التّوجّه و الرّجوع إلى شي‌ء معيّن، و < كرّة > بمعنى التّكرار، و { كَرَّتَيْنِ } مثنّاها، إلا أنّ بعض المفسّرين ذكر أنّ المقصود من { كَرَّ تَيْنِ } هنا ليس التّثنية، بل الالتفات و التّوجّه المتكرِّر المتعاقب و المتعدِّد.

و بناء على هذا، فإنّ القرآن الكريم يأمر النّاس في هذه الآيات أن يتطلّعوا و يتأمّلوا و يُدقّقوا النّظر في عالم الوجود ثلاث مرّ ات كحدّ أدنى، و يتدبّروا أسرار الخلق. و بمعنى آخر، فإنّ على الإنسان أن يدقّق في خلق الله سبحانه مرّ ات و مرّ ات، و عند ما لايجد أيّ خلل أو نقص في هذا النّظام العجيب و المحيّر لخلق الكون، فإنّ ذلك سيؤدّي إلى معرفة خالق هذا الوجود العظيم، و مدى علمه و قدرته اللا متناهية، ممّا يؤدّي إلى عمق الإيمان به سبحانه، و القرب من حضرته المقدّسة. (18 : 437)

فضل الله: { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُور } فليس هذا التّناسق الدّقيق الّذي لايُخفي أيّة ثغرة في داخله، نتيجة انطباعٍ كوّنته نظرة عابرة سطحيّة، لاتُحدّق إلا بالظّاهر بشكل سريع، بل هي النّظرة الدّقيقة الّتي تتكرّر، لتلاحظ وتُدقّق بالصّورة بجميع جوانبها، بدقّة و إمعان؛ بحيث إذا فاتها شيء في النّظرة الأُولى، فلابدّ من أن يبدو في النّظرة الثّانية، ثمّ لن ترى هناك أيّ اختلال في ما تراه.

{ ثُمَّ اْرجِعِ الْبَصَرَ كَرَّ تَيْنِ } أي رَجْعَةً بعد رَجْعَة، و تابع النّظر بشكل دقيق لتكتشف بعض الخلل هنا و بعض الثّغرات هناك، { يَنقَلِبْ اِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسيرٌ‘ }. (23 : 15)

فَارْجِعْ-نَا

وَ لَوْ تَرى اِذِ الْمُجْرِمُون نَاكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَ بَّنا اَبْصَرْ نَا وَ سَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا اِنَّا مُوقِنُونَ.

السّجدة : 12

ابن عبّاس: حتّى نؤمن بك. (348)

الطُّوسيّ: أي رُدّنا إلى دار التّكليف. (8 : 300)

مثله الطَّبْرِسيّ (4 : 329)، و ابن كثير (5 : 408).

المَيْبُديّ: < رجَع > إذا صرف، و < رجَع > إذا انصرف. قال الله تعالى: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ }، أي صرفك الله، { فَارْجِعْنَا }، أي فارْدُدنا إلى الدّنيا، { نَعْمَلْ } بطاعتك { اِنَّا مُوقِنُونَ } الآن. (7 : 522)

البُرُوسَويّ: فارْدُدنا إلى الدّنيا، من رجَعَه رَجْعًا، أي رَدّه و صَرَفه. (7 : 115)

المَراغيّ: و هذا منهم عود على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النّار، كما حكى عنهم سبحانه قولهم: { لَوْ كُ-نَّا نَسْمَعُ اَوْ نَعْ-قِلُ مَا كُ-نَّا فى اَصْحَابِ السَّعيرِ ‘}.

(21 : 108)

اِرْجِعُوا

1 - اِرْجِعُوا اِلى" اَبيكُمْ فَ-قُولُوا يَا اَبَانَا اِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ مَا شَهِدْ نَا... يوسف : 81

النَّيسابوريّ: [التّأويل:]{ قَالَ كَبيرُهُمْ } هو العقل...{ اِرْجِعُوا اِلى" اَبيكُ-مْ } الرّوح على أقدام العبوديّة، و تبديل الأخلاق، { اِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ } لأ نّه وجد في رَحْله مشربة المحبّة الّتي بها يُكال الحُبّ على وفده. (13 : 36)

ابن جُزَيّ: من قول كبيرهم، و قيل: من قول يوسف و هو بعيد. (2 : 125)

الثّعالبيّ: الأمر بالرّجوع، قيل: هو من قول كبيرهم، و قيل: من قول يوسف؛ و الأوّ ل أظهر.

(2 : 170)

الآلوسيّ: الظّاهر أنّ هذا القول من تتمّة كلام كبيرهم، و قيل: هو من كلام يوسف ، و فيه بُعْدٌ،كما أنّ الظّاهر أ نّهم أرادوا أ نّه سرق في نفس الأمر.

(13 : 37)

فضل الله: طلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم، ليُخبروه بتفاصيل ما حدث، بالطّريقة الحكيمة الحاسمة. (12 : 253)

2 و 3 - فَاِنْ لَمْ تَجِدُوا فيهَا‘ اَحَدً ا فَلاتَدْخُلُوهَا حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَ اِنْ قيلَ‘ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ اَزْ كى لَكُمْ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَليمٌ‘. النّور : 28

سعيد بن جُبَيْر: { فَارْجِعُوا } أي لاتقفوا على أبواب النّاس. (ابن كثير 5 : 85)

مُقاتِل: و لاتقعدوا و لاتقوموا على أبواب النّاس، فإنّ لهم حوائج. (3 : 195)

الطّبَريّ: يقول: و إن قال لكم أهل البيوت الّتي تستأذنون فيها ارْجعَوا فلاتدخلوها، فارجعوا عنها و لاتدخلوها. (9 :299)

الثّعلبيّ: { فَارْجِعُوا } و لاتقفوا على أبوابهم، و لاتلازموها. (7 : 85)

الطُّوسيّ: { فَارْجِعُوا } أي لاتدخلوا إذا قيل لكم: لاتَدْخُلو‌ا. (7 : 427)

المَيْبُديّ: يعني إذا كان فى البيت قوم، فقالوا: ارْجِع فليَرْجِع، و لايقعد على الباب ملازمًا. (6 : 510)

نحوه البغَويّ (3 : 399)، و الخازن (5 : 55).

الزّمَخْشَريّ: { فَارْجِعُوا } أي لاتلحّوا في إطلاق الإذن، و لاتلجّوا في تسهيل الحجاب، و لاتقفوا على الأبواب منتظرين، لأنّ هذا ممّا يجلب الكراهة و يقدح في قلوب النّاس، خصوصًا إذا كانوا ذوي مروءة و مرتاضين بالآداب الحسنة، و إذا نهى عن ذلك، لأدائه إلى الكراهة، وجب الانتهاء عن كلّ مايؤدّي إليها: من قرع الباب بعُنْف، و التّصييح بصاحب الدّ ار، و غير ذلك ممّا يدخل في عادات من لم يتهذّب من أكثر النّاس. (3 : 60)

نحوه النّسَفيّ. (3 : 139)

الطَّبْرِسيّ: أي فانصرفوا و لاتلجوا عليهم؛ و ذلك بأن يأمروكم بالانصراف صريحًا، أو يوجد منهم ما يدلّ عليه. (4 : 136)

ابن الجَوْزيّ: أي إن رَدّوكم فلاتقفوا على

أبوابهم و لاتلازموها. (6 : 28)

الفَخْرالرّ ازيّ: و ذلك لأ نّه كما يكون الدّخول قد يكرهه صاحب الدّ ار، فكذا الوقوف على الباب قد يكرهه، فلاجرم كان الأولى و الأزكى له أن يرجع، إزالةً للإيحاش و الإيذاء. (23 : 200)

أبوحَيّان: و هذا عائد إلى من استأذن في دخول بيت غيره فلم يُؤذن له، سواء كان فيه من يأذن أم لم يكن، أي لاتلحّوا في طلب الإذن، و لافي الوقوف على الباب منتظرين. { هُوَ اَزْكى" } أي الرّجوع أطهر لكم و أنمى خيرً ا، لما فيه من سلامة الصّدر، و البُعْد عن الرّيبة. (6 : 446)

أبوالسُّعود: أي إن أُمرتم من جهة أهل البيت بالرّجوع، سواء كان الآمر ممّن يملك الإذن أولا، فارجعوا و لاتلحّوا بتكرير الاستئذان كما في الوجه الأوّ ل، لاتلحّوا بالإصرار على الانتظار إلى أن يأتي الآذن كما في الثّاني، فإنّ ذلك ممّا يجلب الكراهة في قلوب النّاس، و يقدح في المروءة أيّ قدح. (4 : 452)

الشّريف الكاشانيّ: فانصرفوا و لاتلحّوا، لما فيه من سلامة الصّدور و البُعْد من الرّيبة. و استُثني من ذلك ما إذا عرض في دار حريق، أو هجوم سارق، أو ظهور منكر يجب إنكاره. (4 : 494)

البُرُوسَويّ: [نحو أبي السُّعود إلى أن قال:]

[التّأويل:] { اِرْجِعُوا} أي إلى ربّكم { فَارْجِعُوا} و لاتتصرّفوا فيها تصرّف المطمئنّين بها { هُوَ اَزْ كى" لَكُمْ } لئلا تقعوا في فتنة من الفتن الإنسانيّة، و تكونوا مع الله بالله بلاأنتم. { وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الرّجوع إلى الله و ترك تعلّقات البيوت الجسدانيّة { عَليمٌ‘ } أ نّه خيرلكم. (6 : 139)

الشَّوْكانيّ: أي إن قال لكم أهل البيت ارْجعُوا فارْجعُوا، و لاتعاودوهم بالاستئذان مرّة أُخرى، و لاتنتظروا بعد ذلك أن يأذنوا لكم، بعد أمرهم لكم بالرّجوع. (4 : 26)

الآلوسيّ: أي إن أُمرتم من جهة أهل البيت بالرّجوع، سواءٌ كان الآمر من يملك الإذن أم لا، فارجعوا، و لاتلحّوا. (18 : 137)

نحوه القاسميّ. (12 : 4502)

مَغْنِيّة: و لاتلحّوا في طلب الدّخول، و لايكن في أنفسكم أيّة غضاضة على صاحب البيت، و احملوه على الأحسن، و قولوا له: عذر مشروع. انظُر تفسير قوله تعالى: { وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة : 83، ج: 1 ص: 141، فقرة: « أصل الصّحّة ». (5 : 412)

فضل الله: بين الإذن و الرّجوع عند إرادة دخول البيوت:

ففي حال رفض أصحاب البيت استقبال القادمين لارتباطهم بموعد سابق، أو لوجود عمل شاغل لهم، أو لوجود مانع صحّيّ أو ذاتيّ خاصّ، أو ما إلى ذلك من موانع، فإنّ على هؤلاء القادمين أن يحترموا إرادة أصحاب البيت، و لايتعقّدوا من هذا الرّفض، و لايفرضوا أنفسهم عليهم، لأنّ من حقّهم الطّبيعيّ الإنسانيّ الشّرعيّ، أن لايستقبلوا النّاس إلا بموعد سابق، نظرً ا لما يعيشه النّاس عادةً من ظروف ضاغطة في حياتهم الخاصّة، أو في علاقاتهم العامّة. و قد

لايكون هناك فرق في النّتيجة بين أن يُصرّحوا له بالرّفض، و بين أن يُلمّحوا له، و بين أن يرى التّحفّظ باديًا على وجوههم، ممّا يوحي بأ نّهم يواجهون الإحراج الكبير في استقباله، حياءً أو خوفًا أو نحو ذلك... (16 : 284)

4 - وَ اِذْ قالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا اَهْلَ يَثْرِبَ لامُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَاْذِنُ فَريقٌ‘ مِنْهُمُ النَّبِىَّ يَ-قُولُونَ اِنَّ بُيُوتَ-نَا عَوْرَ ةٌ وَ مَا هِىَ بِعَوْرَة اِنْ يُريدُ‘ونَ اِلا فِرَ ارً ا.

الأحزاب : 13

ابن عبّاس: إلى المدينة. (351)

مُقاتِل: إلى المدينة خوفًا و رُعبًا من الجُهْد و القتال في الخندق. (3 : 478)

الطّبَريّ: يقول: فارجعوا إلى منازلكم، أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله (صلی الله علیه و آله) و الفرار منه، و ترك رسول الله (صلی الله علیه و آله) . (10 : 270)

نحوه الثّعلبيّ (8 : 19)، و أبوحَيّان (7 : 217).

المَيْبُديّ: الى منازلكم عن اتّباع محمّد (صلی الله علیه و آله)، و قيل: فارجعوا عن القتال إلى مساكنكم. (8 : 24)

مثله البغَويّ. (3 : 621)

الزّمَخْشَريّ: إلى المدينة، أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله(صلی الله علیه و آله)، و قيل: قالوا لهم: ارجعوا كفّارً ا و أسلموا محمّدً ا، و إلا فليست يثرب لكم بمكان.

(3 : 254)

نحوه النَّيسابوريّ. (21 : 81)

ابن عَطيّة: معناه إلىمنازلكم و بيوتكم، و كان هذا على جهة التّخذيل عن رسول الله(صلی الله علیه و آله). (4 : 373)

مثله الثّعالِبيّ. (2 : 567)

الفَخْرالرّ ازيّ: أي عن محمّد، و اتّفقوا مع الأحزاب تخرجوا من الأحزان. (25 : 199)

البَيْضاويّ: إلى منازلكم هاربين. و قيل: المعنى: لامقام لكم على دين محمّد، فارجعوا إلى الشّرك،

و أسلموه لتسلموا، أو لامقام لكم بيثرب فارجعوا كفّارً ا، ليمكنكم المقام بها. (2 : 241)

الخازن: أي إلى منازلكم، و قيل: عن اتّباع محمّد (صلی الله علیه و آله) و قيل: عن القتال. (5 : 201)

البُرُوسَويّ: أي إلى منازلكم بالمدينة، و مرادهم: الأمر بالفرار، لكنّهم عبّروا عنه بالرّجوع، و ترويجًا لمقالهم، و إيذا نًا بأ نّه ليس من قبيل الفرار المذموم. و قد ثبّطوا النّاس عن الجهاد و الرّباط، لنفاقهم و مرضهم. و لم يوافقهم إلا أمثالهم، فإنّ المؤمن المُخلِص لايختار إلا الله و رسوله. (7 : 151)

الآلوسيّ: أي إلى منازلكم بالمدينة، ليكون ذلك أسلم لكم من القتل، أو ليكون لكم عند هذه الأحزاب يد.

و قيل: يجوز أن يكونوا خافوا من قتل النّبيّ (صلی الله علیه و آله) إيّاهم بعد غلبته عليه الصّلاة و السّلام؛ حيث ظهر أ نّهم منافقون. فقالوا: { لامُ-قَامَ لَكُمْ } على معنى لامقام لكم مع النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، لأ نّه إن غلب قتلكم، فارجعوا عمّا بايعتموه عليه، و أسلموه عليه الصّلاة والسّلام، أو فارجعوا عن الإسلام و اتّفقوا مع الأحزاب، أو ليس لكم محلّ إقامة في الدّنيا أصلا إن بقيتم على ما أنتم عليه، فارجعوا عمّا بايعتموه عليه،

عليه الصّلاة و السّلام إلى آخره. و الأوّ ل أظهر و أنسب بما بعده، و بعض هذه الأوجه بعيد جدًّ ا، كما لايخفى. (21 : 160)

الطَّباطَبائيّ: أي لاوجه لإقامتكم هاهنا قبال جنود المشركين، فالغلبة لهم لامحالة، فارجعوا.

(16 : 286)

عبدالكريم الخطيب: ارجعوا إلى دياركم و أهليكم؛ حيث الأمن و السّلامة، و حيث الرّ احة من هذا العبث الّذي لاشيء وراءه...

و دعوتهم هى: { يَا اَهْلَ يَثْرِبَ لامُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا }. و استجابة المستجيبين لهذه الدّعوة كانت على أُسلوبين: أُسلوب الرّجوع بغير استئذان من النّبيّ، و أُسلوب الرّجوع بعد الإذن منه، أي أنّ هؤلاء الّذين استجابوا لتلك الدّعوة من المنافقين و من في قلوبهم مرض، كانوا فريقين:

أحدهما: استجاب للدّعوة فورً ا، فلم يلتفت إلى شي‌ء، و لم يراجع نفسه، أو يرجع إلى النّبيّ.

و الآخر: أراد أن يُداري نفاقه و يَسْتُر ضعف إيمانه بهذا العذر الّذي يعتذر به للنّبيّ، و هو أنّ بيته مُهَدّد بمن يعتدي عليه، و يهتك ستره. (11 : 665)

فضل الله: إلى المدينة، و اهربوا من عسكر رسول الله، ليراكم المشركون بعيدين عن ساحة المعركة، فيؤمّنوكم.

و قيل: قالوا لهم: ارجعوا كفّارً ا و سالموامحمّدً ا و إلا فليست يثرب لكم بمكان. و هكذا كانت المسألة عندهم أن يُثيروا الخوف في قلوب أهل المدينة، من أجل خلخلة الوضع الدّ اخليّ في اتّجاه الهزيمة النّفسيّة في معسكر النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، ليسهل على المشركين اقتحام المدينة من دون مقاومة. (18 : 276)

5 - يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قيلَ‘ ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورً ا. الحديد : 13

ابن عبّاس: قال المؤمنون: ارجعوا من حيث جئتم من الظّلمة، فالتمسوا هنالك النّور.

(الطّبَريّ 11 : 677)

قَتادَة: تقول لهم الملائكة: { ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ } من حيث جئتم، { فَالْتَمِسُوا نُورً ا }: فاطلبوا هناك لأنفسكم نورً ا، فإنّه لاسبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا. فيرجعون في طلب النّور فلايجدون شيئًا، فينصرفون إليهم ليلقوهم، فيميّز بينهم و بين المؤمنين.

(البغَويّ 5 : 29)

الفَرّ اء: قال المؤمنون للكافرين: ارجعوا إلى الموضع الّذي أخذنا منه النّور، فالتمسوا النّور منه.

(3 : 134)

الطّبَريّ: فيجابون بأن يقال لهم: ارجعوا من حيث جئتم، و اطلبوا لأنفسكم هنالك نورً ا، فإنّه لاسبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا. (11 : 677)

أبومسلم الأصفهانيّ: المراد من قول المؤمنين: { ارْجِعُوا} منع المنافقين عن الاستضاءة، كقول الرّجل لمن يريد القرب منه: < وراءك أوسع لك >.(الفَخْرالرّ ازيّ 29 : 225)

الطُّوسيّ: أي ارْجعُوا إلى خلفكم فاطلبوا النّور، فإنّه لانور لكم عندنا. (9 : 526)

القُشَيْريّ: أي إلى الدّنيا و أخلصوا ! تعريفًا لهم أ نّهم كانوا منافقين في الدّنيا.

و يقال: ارجعُوا إلى حكم الأزل، و اطلبوا النّور من القسمة. و هذا على جهة ضرب المثل و الاستبعاد.

(6 : 105)

المَيْبُديّ: [نقل قول ابن عبّاس و قَتادَة و أضاف:]

و قيل: { ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ } يعني إلى الدّنيا، فاعملوا عملا يجعله الله بين أيديكم نُورً ا، فإنّ نورنا إنّما اقتبسنا في الدّنيا.

و قيل: { ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ } هذا استهزاؤهم جزاء على استهزائهم فى الدّنيا، كقوله: { لاتَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا اِلى" مَا اُتْرِفْتُمْ فيهِ ‘} الأنبياء : 13، ‘و كقوله: { ذُقْ اِنَّكَ اَنْتَ الْعَزيزُ‘ الْكَريمُ ‘‘} الدّخان : 49، { فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} التّوبة: 35. (9 : 483)

الزّمَخْشَريّ: طرد لهم و تهكّم بهم، أي ارجعوا إلى الموقف إلى حيث أُعطينا هذا النّور فالتمسوه هنالك، فمن ثَمّ يُقتبَس.

أو ارجعوا إلى الدّنيا، فالتمسوا نورً ا بتحصيل سببه، و هو الإيمان.

أو ارجعوا خائبين و تنحّوا عنّا، فالتمسوا نورً ا آخر، فلاسبيل لكم إلى هذا النّور. و قد علموا أن لانور وراءهم، و إنّما هو تخييب و إقناط لهم. (4 : 63)

نحوه النّسَفيّ (4 : 225)، و الشِّربينيّ (4 : 207)، والشّريف الكاشانيّ (6 : 597)، و المشهديّ (10 : 254).

ابن عَطيّة: و قوله تعالى: { قيلَ ‘ارْجِعُوا } يحتمل أن يكون من قول المؤمنين، و يحتمل أن يكون من قول الملائكة.

و قوله: { وَرَ اءَكُمْ } حكى المهدويّ و غيره من المفسّرين: أ نّه لاموضع له من الإعراب، و أ نّه كما لو قال: ارْجعُوا ارْجعُوا، و أ نّه على نحو قول أبي الأسود الدُّؤليّ للسّائل: وراءك أوسع لك.

و لست أعرف مانعًا يمنع من أن يكون العامل فيه { ارْجِعُوا }، و القول لهم: { فَالْتَمِسُوا نُورً ا } هو على معنى التّوبيخ لهم، أي إ نّكم لاتجدونه. (5 : 262)

نحوه الثّعالِبيّ. (3 : 297)

الطَّبْرِسيّ: أي ارْجعُوا إلى المحشر؛ حيث أُعطينا النّور { فَالْ-تَمِسُوا نُورً ا } فيرجعون فلايجدون نورً ا، عن ابن عبّاس؛ و ذلك أ نّه قال: تغشى الجميع ظلمة شديدة ثمّ يُقسَّم النّور و يُعطَى المؤمن نورً ا و يُترَ ك الكافر و المنافق.

و قيل: معنى قوله: { ارْجِعُوا } إلى الدّنيا إن أمكنكم، فاطلبوا النّور منها، فإنّا حملنا النّور منها بالإيمان و الطّاعات. و عند ذلك يقول المؤمنون: ربّنا أتمم لنا نورنا. (5 : 235)

ابن الجَوْزيّ: في القائل لهم قولان:

أحدهما: أ نّهم المؤمنون، قاله ابن عبّاس.

و الثّاني: الملائكة، قاله مُقاتِل.

و في معنى الكلام ثلاثةأقوال:

أحدها: ارجعُوا إلى المكان الّذي قبستم فيه النّور،

فيرجعون، فلايرون شيئًا.

و الثّاني:ارجعوا فاعملوا عملا يجعله الله لكم نورً ا.

و الثّالث: أنّ المعنى لانور لكم عندنا. (8 : 165)

الفَخْرالرّ ازيّ: ذكروا في المراد من قوله تعالى وُجُوهًا:

أحدها: أنّ المراد منه: ارجعوا إلى دار الدّنيا، فالتمسوا هذه الأنوار هنالك، فإنّ هذه الأنوار إنّما تتولّد من اكتساب المعارف الإلهيّة، و الأخلاق الفاضلة، و التّنزّه عن الجهل و الأخلاق الذّميمة. و المراد من ضرب السّور، هو امتناع العود إلى الدّنيا.

و ثانيها: قال أبوأُمامة: النّاس يكونون في ظلمة شديدة، ثمّ المؤمنون يُعطون الأنوار، فإذا أسرع المؤمن في الذَّهاب قال المنافق:{انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ}، فيقال لهم: { ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورً ا } قال: و هي خدعة خُدع بها المنافقون، كما قال: { يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ } النّساء : 142، فيرجعون إلى المكان الّذي قسّم فيه النّور فلايجدون شيئًا، فينصرفون إليهم، فيجدون السّور مضروبًا بينهم و بين المؤمنين.

و ثالثها: [قول أبي مسلم، ثمّ قال:]:

فعلى هذا القول، المقصود من قوله: { ارْجِعُوا } أن يقطعوا بأ نّه لاسبيل لهم إلى وجدان هذا المطلوب ألبتّة، لاأ نّه أمر لهم بالرّجوع . (29 : 225)

ابن عَرَبيّ: إلى الدّنيا و محلّ الكسب، فإنّ النّور إنّما يُكتَسب بالآلات البدنيّة و القوى الجسمانيّة، من الحواسّ الظّاهرة و الباطنة بالأعمال الحسنة و العلوم الحقّة. (2 : 603)

القُرطُبيّ: أي قالت لهم الملائكة: { ارْجِعُوا }. و قيل: بل هو قول المؤمنين لهم: { ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ } إلى الموضع الّذي أخذنا منه النّور، فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورً ا، فإنّكم لاتقتبسون من نورنا.

(17 : 246)

البَيْضاويّ: إلى الدّنيا، { فَالْتَمِسُوا نُورً ا } بتحصيل المعارف الإلهيّة و الأخلاق الفاضلة، فإنّه يتولّد منها، أو إلى الموقف، فإنّه من ثمّة يقتبس، أو إلى حيث شئتم فاطلبوا نورً ا آخر، فإنّه لاسبيل لكم إلى هذا، و هو تهكّم بهم و تخييب من المؤمنين أو الملائكة. (2 : 453)

النَّيسابوريّ: أي إلى الموقف؛ حيث أُعطينا هذا النّور فاطلبوا نورً ا، و هو تهكّم بهم، أو إلى الدّنيا { فَالْتَمِسُوا نُورً ا } بتحصيل سببه، و هو الإيمان و العمل الصّالح، أو اكتساب المعارف الإلهيّة و الأخلاق الفاضلة، كأ نّها خدعة خُدع بها المنافقون، كقوله: { يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ } النّساء: 142، و على هذا فالسّور هو امتناع العود إلى الدّنيا، و على الأوّ ل قالوا: إنّهم يرجعون إلى المكان الّذي قسّم فيه النّور، فلايجدون شيئًا، فينصرفون إليهم فيجدون السّور مضروبًا بينهم وبين المؤمنين. (27 : 96)

ابن جُزَيّ: يحتمل أن يكون هذا من قول المؤمنين، أو قول الملائكة، و معناه: الطّرد للمنافقين، و التّهكّم بهم، لأ نّهم قد علموا أن ليس وراءهم نور، و { وَرَ اءَكُمْ } ظرف، العامل فيه { ارْجِعُوا }.

وقيل:إنّه لاموضع له من الإعراب،و أ نّه كما لو قال:ارجعوا. [ثمّ قال في معنى هذا الرّجوع نحو الزّمَخْشَريّ] (4 : 97)

أبوحَيّان: القائل: المؤمنون، أو الملائكة. و الظّاهر أنّ { وَرَ اءَكُمْ } معمول ل- { ارْجِعُوا }. و قيل: لامحلّ له من الإعراب، لأ نّه بمعنى ارجعوا، كقولهم: وراءك أوسع لك،أي ارجع تجد مكانًا أوسع لك. و { ارْجِعُوا} أمر توبيخ و طَرْد، أي ارجعوا إلى الموقف؛ حيث أُعطينا الفوز فالتمسوه هناك، أو ارجعوا إلى الدّنيا و التمسوا نورً ا، أي بتحصيل سببه و هو الإيمان، أو تنحُّوا عنّا، { فَالْتَمِسُوا نُورً ا } غير هذا، فلاسبيل لكم إلى الاقتباس منه. و قد علموا أن لانور وراءهم، و إنّما هو إقناط لهم. (8 : 221)

السّمين: قوله: { وَرَ اءَكُمْ } فيه وجهان؛ أظهرهما: أ نّه منصوب ب- { ارْجِعُوا }. [ثمّ ذكر الاحتمالات الثّلاثة، كما سبق عن الزّمَخْشَريّ]

و الثّاني: أنّ { وَرَ اءَكُم } اسم للفعل، فيه ضمير فاعل، أي ارجعوا رجوعًا، قاله: أبوالبقاء، و مُنع أن يكون ظرفًا ل- { ارْجِعُوا }. قال: لقلّة فائدته، لأنّ الرّجوع لايكون إلا إلى وراء. و هذا فاسد،لأنّ الفائدة جليلة، كما تقدّم شرحها. (6 : 276)

ابن كثير: و هي خدعة الله الّتي خدع بها المنافقين؛ حيث قال: { يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ }فيرجعون إلى المكان الّذي قسّم فيه النّور، فلايجدون شيئًا، فينصرفون إليهم، و قد ضرب بينهم بسُور...

{ ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ } من حيث جئتم من الظّلمة، فالتمسوا هنالك النّور. (6 : 556)

أبوالسُّعود: [نحو الزّمَخْشَريّ إلا أ نّه أضاف:]

و إنّما قالوه تخييبًا لهم، أو أرادوا بالنّور: ما وراءهم من الظّلمة الكثيفة تهكّمًا بهم. (6 : 203)

الكاشانيّ: إلى الدّنيا، { فَالْتَمِسُوا نُورً ا } بتحصيل المعارف الإلهيّة و الأخلاق الفاضلة و الأعمال الصّالحة، فإنّ النّور يتولّد منها. (5 : 134)

البُرُوسَويّ: [ نحو الزّمَخْشَريّ و أضاف:]

قال بعض أهل الإشارة: كأنّ استعداداتهم الفطريّة الفائتة عنهم تقول بلسان الحال: ارجعوا إلى استعداداتكم الفطريّة الّتي أفسدتم بحُبّ الدّنيا و لذّاتها و شهواتها، و اقتبسوا منها نورً ا. (9 : 361)

شُبّر: { قيلَ‘ } لهم تهكّمًا بهم { ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ } إلى المحشر؛ حيث أُعطينا النّور. { فَالْتَمِسُوا نُورً ا } أو إلى الدّنيا فاطلبوه بالإيمان و الطّاعة. (6 : 160)

الشَّوْكانيّ: أي قال لهم المؤمنون أو الملائكة زجرًا لهم و تهكّمًا بهم، أي ارجعوا وراءكم إلى الموضع الّذي أخذنا منه النّور، { فَالْتَمِسُوا نُورً ا } أي اطلبوا هنالك نورً ا لأنفسكم، فإنّه من هنالك يُقتبَس.

(5 : 210)

الآلوسيّ: قال ابن عبّاس: أي من حيث جئتم من الظّلمة، أو إلى المكان الّذي قسّم فيه النّور، على ما صحّ عن أبي أُمامة، { فَالْتَمِسُوا نُورً ا } هناك. قال

مُقاتِل: هذا منالاستهزاء بهم، كما استهزؤوا بالمؤمنين في الدّنيا، حين قالوا: آمنّا، و ليسوا بمؤمنين؛ و ذلك قوله تعالى: { اَللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } البقرة : 15، أي حين يقال لهم: { ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورً ا}.

و قال أبوأُمامة: يرجعون حين يقال لهم ذلك، إلى المكان الّذي قسّم فيه النّور، فلايجدون شيئًا فينصرفون إليهم. و قد ضُرب بينهم بسُور و هي خُدعة الله تعالى الّتي خُدع بها المنافقين؛ حيث قال سبحانه: {يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ } النّساء : 142.

و قيل: المراد: ارجعوا إلى الدّنيا و التمسوا نورً ا، أي بتحصيل سببه و هو الإيمان، أو تنحُّوا عنّا و التمسوا نورً ا غير هذا، فلاسبيل لكم إلى الاقتباس منه. و الغرض التّهكّم و الاستهزاء أيضًا. (27 : 176)

القاسميّ: [ذكر قول الزّمَخْشَريّ و أضاف:]

و كلامه يدلّ على حمل النّور على حقيقته. و لامانع من أ نّه كنّى به عن الإيمان و العمل الصّالح، أي ارجعوا إلى الدّنيا، فالتمسوا إيمانًا و عملا طيّبًا يهديكم إلى النّجاة، كما أنّ النّور يهدي في الظّلمات، على طريق الاستعارة، و الأمر للتّخسير و التّنديم. و هذا، مع ما ذكره الزّمَخْشَريّ رحمه الله، وجه رابع. [ثمّ ذكر قول أبي مسلم و قال:]

و هذا وجه خامس. (16 : 5682)

المَراغيّ: أي ارجعوا من حيث أتيتم. (27 : 170)

سيّد قُطْب: إنّ هناك المنافقين و المنافقات، في حيرة و ضلال، و في مهانة و إهمال، و هميتعلّقون بأذيال المؤمنين و المؤمنات: { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذينَ‘ امَنُوا ’انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ } فحيثما تتوجّه أنظار المؤمنين و المؤمنات يَشعّ ذلك النّور اللّطيف الشّفيف، و لكن أ نّى للمنافقين أن يقتبسوا من هذا النّور، و قد عاشوا حياتهم كلّها في الظّلام؟ إنّ صوتًا مجهَلا يناديهم: { قيلَ‘ ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورً ا }، و يبدو أ نّه صوت للتّهكّم، و التّذكير بما كان منهم في الدّنيا من نفاق، و دسّ في الظّلام: ارجعوا وراءكم إلى الدّنيا، إلى ما كنتم تعملون. ارجعوا فالنّور يُلتمَس من هناك، من العمل في الدّنيا، ارجعوا فليس اليوم يُلتمَس النّور.

(6 : 3486)

ابن عاشور: و { وَرَ اءَكُمْ } تأكيد لمعنى { ارْجِعُوا }؛ إذ الرّجوع يستلزم الوراء، و هذا كما يقال: رجَع القهقرى. و يجوز أن يكون ظرفًا لفعل { فَالْتَمِسُوا نُورً ا }، أي في المكان الّذي خلفكم.

و تقديمه على عامله للاهتمام، فيكون فيه معنى الإغراء بالتماس النّور هناك، و هو أشدّ في الإطماع، لأ نّه يوهم أنّ النّور يتناول من ذلك المكان الّذي صدر منه المؤمنون، و بذلك الإيهام لايكون الكلام كذبًا، لأ نّه من المعاريض لاسيّما مع احتمال أن يكون { وَرَ اءَكُمْ } تأكيدً ا لمعنى { ارْجِعُوا }. (27 : 345)

مَغْنِيّة: هذا هو جواب استغاثتهم: ارجعُوا إلى صاحبكم الشّيطان، واقتبسوا منه نورً ا، فهو وراءكم اليوم، كما كان وراءكم بالأمس. إنّ هذا النّور لمن عمل في دنياه لآخرته، أمّا من اشترى الحياة الدّنيا بالآخرة فما هو بخارج من الظّلمات إلا إلى ما هو

أشدّ. (7 : 246)

الطَّباطَبائيّ: القائل به إمّا الملائكة أو قوم من كُمّل المؤمنين، كأصحاب الأعراف.

و كيف كان، فهو من الله و بإذنه، و الخطاب بقوله: { ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورً ا } قيل: إنّه خطاب مبنيّ على التّهكّم و الاستهزاء، كما كانوا يستهزئون في الدّنيا بالمؤمنين. و الأظهر على هذا أن يكون المراد بالوراء: الدّنيا، و محصّل المعنى: ارجعوا إلى الدّنيا الّتي تركتموها وراء ظهوركم، و عملتم فيها ما عملتم على النّفاق، و التمسوا من تلك الأعمال نورً ا، فإنّما النّور نور الأعمال أو الإيمان، و لاإيمان لكم و لاعمل.

و يمكن أن يُجعَل هذا وجهًا على حياله من غير معنى الاستهزاء، بأن يكون قوله: { ارْجِعُوا } أمرً ا بالرّجوع إلى الدّنيا، و اكتساب النّور بالإيمان و العمل الصّالح، و ليسوا براجعين و لايستطيعون، فيكون الأمر بالرّجوع كالأمر بالسّجود المذكور في قوله: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاق وَ يُدْعَوْنَ اِلَى السُّجُودِ فَلايَسْتَطيعُونَ *... وَ قَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ اِلَى السُّجُودِ وَ هُمْ سَالِمُونَ } القلم : 42 ، 43. (19 : 156)

مكارم الشّيرازيّ: كان من الممكن أن تحصلوا على النّور من الدّنيا الّتي تركتموها وراءكم؛ و ذلك بإيمانكم و أعمالكمالصّالحة، إلا أنّ الوقت فات و ذهبت الفرصة عليكم، و لامكان هنا لحصولكم على النّور. (18 : 40)

فضل الله: مَن هو القائل؟ هل هم الملائكة أو هم المؤمنون و المؤمنات، أو هم أُناس من أصحاب الأعراف؟ إنّ الآية لاتدلّ على شي‌ء من ذلك، بل هي انطلقت في أُسلوب تجهيل الفاعل، لأنّ المقصود هو إثارة الفكرة الّتي تضعهم وجهًا لوجه أمام الحقيقة الصّارخة. فليس في الأمر نور يواجهونه، بل لابدّ لهم من أن يبحثوا وراءهم ليلتمسوا النّور هناك، لو كان هناك شي‌ء من النّور. و لكن أين هي منطقة الوراء؟ هل هي الدّنيا الّتي تركوها، و الّتي يستمدّون منها النّور من الإيمان و العمل الصّالح، و إذا كانت الدّنيا هي « الوراء » فكيف يرجعون إليها، و لامجال هناك لرجوع، فيكون التّعبير واردً ا على سبيل الاستهزاء و التّهكّم، أو هي المنطقة الّتي يمكن أن يُوزَّع فيها النّور على الخلق، فلعلّهم يجدون فيها بعضًا من النّور الّذي يبقى بعد التّوزيع الشّامل على المؤمنين و المؤمنات؟ و لكنّهم لن يجدوا شيئًا من ذلك، لأنّ النّور قد استنفد من الجوّ كلّه. (22 : 26)

ارْجِعُون ِ

حَتى اِذَا جَاءَ اَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ.

المؤمنون : 99

ابن عبّاس: إلى الدّنيا. (290)

من لم يُزكّ و لم يحجّ سأل الرّجعَة.

(أبوحَيّان6 : 421)

الضّحّاك: يعني أهل الشّرك. (الطّبَريّ 9 : 242)

الإمام الصّادق علیه السلام : < مَن منع الزّ كاة سأل الرّجعَة عند الموت، و هو قوله تعالى: { رَبِّ ارْجِعُونِ}. (الكاشانيّ 3 : 410)

مُقاتِل: إلى الدّنيا حين يعاين ملك الموت يؤخذ

بلسانه، فينظر إلى سيّئاته قبل الموت، فلمّا هجم على الخزي سأل الرّجعَة إلى الدّنيا، ليعمل صالحًا فيما ترك، فذلك قوله سبحانه: {رَبِّ ارْجِعُونِ }إلى الدّنيا.

(3 : 165)

ابن جُرَيْج: قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لعائشة: < إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نُرْجِعك إلى الدّنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم و الأحزان؟ فيقول: بل قدِّماني إلى الله. و أمّا الكافر فيقال: نُرْجِعك؟ فيقول: { لَعَلّى اَعْمَلُ صَالِحًا فيمَا‘ تَرَكْتُ } المؤمنون : 100. (الطّبَريّ 9 : 242)

الأوزاعيّ: هو مانع الزّكاة. (أبوحَيّان 6 : 421)

ابن زَيْد: هذه في الحياة الدّنيا؛ ألاتراه يقول: { حَتى| اِذَا جَاءَ اَحَدَهُمُ الْمَوْتُ } حين تنقطع الدّنيا و يعاين الآخرة، قبل أن يذوق الموت.

(الطّبَريّ 9 : 242)

الفَرّ اء: فجعل الفعل كأ نّه لجميع، و إنّما دعا ربّه. فهذا ممّا جرى على ما وصف الله به نفسه من قوله: ( وَ قَدْ خَلَقْنَاكَ مِنْ قَبْلُ ) ((1))مريم: 9، في غير مكانمن القرآن، فجرى هذا على ذلك. (2 : 241)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: حتّى إذا جاء أحد هؤلاء المشركين الموت، و عاين نزول أمر الله به، قال لعظيم ما يعاين ممّا يقدم عليه من عذاب الله، تندّمًا على ما فات، و تلهّفًا على ما فرّط فيه قبل ذلك من طاعة الله و مسألته للإقالة: { رَبِّ ارْجِعُون ِ} إلى الدّنيا فردّوني إليها. [إلى أن قال:]

و قيل:{ رَبِّ ارْجِعُونِ }، فابتدأ الكلام بخطاب الله تعالى، ثمّ قيل: { ارْجِعُونِ }، فصار إلى خطاب الجماعة، و الله تعالى ذكره واحد. و إنّما فعل ذلك كذلك، لأنّ مسألة القوم الرّدّ إلى الدّنيا، إنّما كانت منهم للملائكة الّذين يقبضون روحهم، كما ذكر ابن جُرَيْج أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قاله. و إنّما ابتدئ الكلام بخطاب الله جلّ ثناؤه، لأ نّهم استغاثوا به، ثمّ رجعوا إلى مسألة الملائكة الرّجوع و الرّدّ إلى الدّنيا.

و كان بعض نحويّي الكوفة يقول: [فذكر نحو قول الفَرّ اء ] (9 : 242)

الزّجّاج: و قوله: { رَبِّ ارْجِعُون ِ} و هو يريد الله عزّ و جلّ وحده، فجاء الخطاب في المسألة على لفظ الإخبار،لأنّ الله عزّ و جلّ قال: { رَبِّ ارْجِعُون ِ} ق : 43، و هو وحده يُحيي و يُميت، و هذا لفظ تعرفه العرب للجليل الشّأن يُخبر عن نفسه بما يخبر به الجماعة، فكذلك جاء الخطاب في { ارْجِعُون ِ} .

(4 : 21)

نحوه ابن الجَوْزيّ. (5 : 489)

القُمّيّ: إنّها نزلت في مانع الزّكاة و الخُمس.

(2 : 93)

النّحّاس: قال: { رَبِّارْجِعُون ِ} و لم يقل:


1) (1) و قد أورد المؤلّف قراءة حمزة و الكسائيّ و قد وافقهما الأعمش. أمّا الباقون: فقرائتهم ( خَلَقْتُكَ ). و قوله: < في غير مكان من القرآن > فكأنّه يريد لفظ ( خَلَقْنَا ) فهو الّذي يتكرّر في القرآن واقعًا على الإنسان أو على غيره.

< ارْجِعْنِ > فخاطَبَ على ما يُخبر الله جلّ و عزّ به عن نفسه، كما قال: { اِنَّا نَحْنُ نُحْيِى الْمَوْتى" } يس, : 12، و فيه معنى التّوكيد و التّكرير. (4 : 484)

نحوه الواحديّ. (3 : 297)

عبد الجبّار: و ربما قيل في قوله تعالى: { قَالَ رَبِّ ارْجِعُون ِ* لَعَلّى‘ اَعْمَلُ صَالِحًا فيمَا‘ تَرَكْتُ } فحكى جلّ و عزّ عنه ذلك ثمّ قال:{ كَلا اِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا } المؤمنون : 100، ما الفائدة في ذلك و هو معلوم من قبل؟

و جوابنا: أنّ المراد هذه طريقة في هذه الكلمة، أ نّه يكرّرها و يتمنّى عوده، من حيث لايتلافى و يقتصر على التّمنّي. (280)

الثّعلبيّ: { قَالَ رَبِّ ارْجِعُون ِ} و لم يقل< ارْجِعْني> و هو خطاب الواحد على التّعظيم، كقوله: { اِنَّا نَحْنُ } فخوطب على نحو هذا، كما ابتدأ بلفظ التّعظيم.

وقال بعضهم: هذه المسألة إنّما كانت منهم للملائكة الّذين يقبضون روحه،و إنّما ابتدأ الكلام بخطاب الله سبحانه، لأ نّهم استغاثوا أوّ لا بالله سبحانه، ثمّ رجعوا الى مسألة الملائكة الرّجوع الى الدّنيا.

(7 : 55)

نحوه البغَويّ (3 : 374)، و المَيْبُديّ (6 : 467)، و ابن عَطيّة (4 : 155)، و أبوالفُتُوح (14 : 51).

القَيْسيّ: إنّما جاءت المخاطبة من أهل النّار بلفظ الجماعة، لأنّ الجبّار يُخبِر عن نفسه بلفظ الجماعة، فخوطب بالمعنى الّذي هو يُخبر به عننفسه.

و قيل: معناه التّكرير، المعنى: ارجعني ارجعني، فجمع في المخاطبة ليدلّ على معنى التّكرير، و كذلك قال المازنيّ في قوله تعالى: { اَلْقِيَا فى جَهَنَّمَ } معناه ألْقِ ألْقِ. (2 : 113)

مثله أبوالبَرَكات. (2 : 189)

الطُّوسيّ: أي رُدّني إلى دار التّكليف... و إنّما قال : { رَبِّ ارْجِعُون ِ} على لفظ الجمع لأحد أمرين: [ذكر نحو الثّعلبيّ ثمّ أضاف:]

و روى النّضربن سمأل قال: سُئل الخَليل عن قوله: { رَبِّ ارْجِعُون ِ} ففكّر ثمّ قال: سألتموني عن شيء لاأُحسنه و لاأعرف معناه، و الله أعلم، لأ نّه جمع، فاستحسن النّاس منه ذلك. (7 : 393)

نحوه الطَّبْرِِسيّ. (4 : 117)

القُشَيْريّ: إذا أخذ البلاء بخناقهم، و استمكن الضّرّ من أحوالهم، و علموا ألا مَحيص و لامَحيد، أخذوا فى التّضرّع و الاستكانة، و دون ما يرومون خَرْط القَتاد! و يقال لهم: هلا كان عُشْر عشر هذا قبل هذا؟و لقد قيل:

قلت للنّفس: إن أردت رجوعًا

فارجعي قبل أن يُسَدّ الطّريق

(4 : 261)

الزّمَخْشَريّ: خطاب الله بلفظ الجمع، للتّعظيم كقوله:

• فإن شئت حرّمت النّساء سواكم *

و قوله:

• ألا فارحموني يا إله محمّد *

إذا أيقن بالموت و اطّلع على حقيقة الأمر، أدركته

الحسرة على ما فرّط فيه من الإيمان و العمل الصّالح فيه، فسألربّه الرّجعَة. (3 : 42)

نحوه الشِّربينيّ. (2 : 591)

الفَخْرالرّ ازيّ: اختلفوا في قوله: { حَتى اِذَا جَاءَ اَحَدَهُمُ الْمَوْتُ } فالأكثرون على أ نّه راجع إلى الكفّار. و قال الضّحّاك: كنت جالسًا عند ابن عبّاس، فقال: من لم يُزكّ و لم يحجّ سأل الرّجعَة عند الموت، فقال واحد إنّما يسأل ذلك الكفّار. فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: أنا أقرأ عليك به قرآنًا { وَ اَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ اَنْ يَاْتِىَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا اَخَّرْ تَنى‘ اِلى" اَجَل قَريب فَاَصَّدَّقَ وَ اَكُنْ مِنَ الصَّالِحينَ ‘} المنافقون : 10.

قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): « إذا حضر الإنسان الموت جمع كلّ شي‌ء كان يمنعه من حقّه بين يديه، فعنده يقول: {قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلّى‘ اَعْمَلُ صَالِحًا فيمَا‘ تَرَكْتُ}.

و الأقرب هو الأوّ ل، إذا عرف المؤمن منزلته في الجنّة، فإذا شاهدها لايتمنّى أكثر منها. و لو لا ذلك لكان أدونهم ثوابًا، يغتمّ بفقد ما يفقد من منزلة غيره.

و أمّا ما ذكره ابن عبّاس رضي الله عنهما من قوله: { وَ اَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ اَنْ يَاْتِىَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ} المنافقون : 10، فهو إخبار عن حال الحياة في الدّنيا، لاعن حال الثّواب، فلايلزم على ما ذكرنا.

المسألة الثّالثة: اختلفوا في وقت مسألة الرّجعَة، فالأكثرون على أ نّه يسأل في حال المعاينة، لأ نّه عندها يضطرّ إلى معرفة الله تعالى، و إلى أ نّه كان عاصيًا، و يصير ملجأً إلى أ نّهلايفعل القبيح، بأن يعلمه الله تعالى أ نّه لو رامه لمُنع منه. و مَن هذا حاله يصير كالممنوع من القبائح بهذا الإلجاء، فعند ذلك يسأل الرّجعة، و يقول: { رَبِّ ارْجِعُونِ...}.

و قال آخرون: بل يقول ذلك عند معاينة النّار في الآخرة. و لعلّ هذا القائل إنّما ترك ظاهر هذه الآية، لمّا أخبر الله تعالى في كتابه عن أهل النّار في الآخرة، أ نّهم يسألون الرّجعَة، لكن ذلك ممّا لايمنع أن يكونوا سائلين الرّجعة في حال المعاينة، و الله تعالى يقول: { حَتى| اِذَا جَاءَ اَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون ِ} فعلّق قولهم هذا بحال حضور الموت، و هو حال المعاينة، فلاوجه لترك هذا الظّاهر.

المسألة الرّ ابعة: اختلفوا في قوله سبحانه و تعالى: { ارْجِعُونِ } مَن المراد به؟

فقال بعضهم: الملائكة الّذين يقبضون الأرواح، و هم جماعة، فلذلك ذكره بلفظ الجمع.

و قال آخرون: بل المراد هو الله تعالى، لأنّ قوله: { رَبِّ } بمنزلة أن يقول: يا ربّ، و إنّما ذُكر بلفظ الجمع للتّعظيم، كما يخاطب العظيم بلفظه، فيقول: فعلنا و صنعنا. [ثمّ استشهد بشعر]

و من يقول بالأوّ ل،يجعل ذكر الرّبّ للقسم، فكأنّه عند المعاينة قال: بحقّ الرّبّ:{ ارْجِعَونِ }.

و هاهنا سؤالات: السّؤال الأوّ ل: كيف يسألون الرّجعَة و قد علموا صحّة الدّين بالضّرورة، و من الدّين أن لارجعَة؟

الجواب: أ نّه و إن كان كذلك، فلايمتنع أن يسألوه،

لأنّ الاستعانة بهذا الجنس من المسألة تحسن و إن علم أ نّه لايقع. فأمّا إرادته للرّجعَة، فلايمتنع أيضًا على سبيل ما يفعله المتمنّي... (23 : 119)

نحوه ملخّصًا النَّيسابوريّ. (18 : 38)

العُكْبَريّ: فيه ثلاثة أوجُه:

أحدها: أ نّه جُمع على التّعظيم، كما قال تعالى: { اِنَّا نَحْنُ نَزَّ لْنَا الذِّكْرَ } الحجر : 9، { اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللهَ اَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَاَخْرَجْنَا } فاطر : 27.

الثّاني: أ نّه أراد: ياملائكة ربّي { ارْجِعُونِ }.

و الثّالث: أ نّه دلّ بلفظ الجمع على تكرير القول، فكأ نّه قال: ارجعني ارجعني. (2 : 960)

نحوه السّمين. (5 : 200)

القُرطُبيّ: تمنّى الرّجعَة كي يعمل صالحًا فيما ترك. و قد يكون القول في النّفس، قال الله عزّ و جلّ: { وَ يَقُولُونَ فى اَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِمَا نَقُولُ } المجادلة : 8. [ثمّ قال نحو العُكْبَريّ و أضاف:]

قال الضّحّاك: المراد به أهل الشّرك.

قلت: ليس سؤال الرّجعَة مختصًّا بالكافر، فقد يسألها المؤمن، كما في آخر سورة المنافقين على ما يأتي، و دلّت الآية على أنّ أحدً ا لايموت حتّى يعرف اضطرارً ا أهو من أولياء الله أم من أعداء الله؟ و لولا ذلك لما سأل الرّجعَة، فيعلموا ذلك قبل نزول الموت و ذواقه . (12 : 149)

البَيْضاويّ: رُدّوني إلى الدّنيا، و الواو لتعظيم المخاطب. و قيل: لتكرير قوله: ارجعني، كما قيل: في قفا و أطرقا. (2 : 114)

نحوه النّسَفيّ (3 : 127)، و الثّعالِبيّ (2 :432)، و أبوالسُّعود (4 : 432)، و الكاشانيّ (3 : 409)، و المشهديّ (6 : 636)، و شُبّر (4 : 291)، و الشَّوْكانيّ (3 : 622).

أبوحَيّان: [نحو الزّمَخْشَريّ و قال:]

و إمّا استغاث أوّ لا بربّه و خاطب ملائكة العذاب، قاله ابن جُرَيْج.

و الظّاهر أنّ الضّمير في { اَحَدَهُمْ } راجع إلى الكفّار، و مساق الآيات إلى آخرها يدلّ على ذلك.

(6 : 421)

البُرُوسَويّ: رُدّني إلى الدّنيا، و الواو لتعظيم المخاطب، لأنّ العرب تخاطب الواحد الجليل الشّأن بلفظ الجماعة. و فيه رَدّ على من يقول: الجمع للتّعظيم في غير المتكلّم، إنّما ورد في كلام المولّدين. (6 : 105)

الآلوسيّ: أي رُدّني إلى الدّنيا، و الواو لتعظم المخاطب، و هو الله تعالى. [ثمّ استشهد بشعر]

و الحقّ أنّ التّعظيم يكون في ضمير المتكلّم و المخاطب، بل و الغائب، و الاسم الظّاهر، و إنكار ذلك غير رضيّ، و الإيهام الّذي يدّعيه ابن مالك هنا لايُلتفَت إليه.

و قيل: الواو لكون الخطاب للملائكة عليهم السّلام، و الكلام على تقدير مضاف، أي يا ملائكة ربّي ارجِعُوني. و جُوّز أن يكون { رَبِّ } استغاثة به تعالى، و { ارْجِعُون ِ} خطاب للملائكة .

و ربّما يُستأنس لذلك بما أخرجه ابن جرير... [فذكر رواية ابن جُرَيْج الماضي ثمّ قال:]

و قال المازنيّ: جُمع الضّمير ليدلّ على التّكرار، فكأ نّه قال: ربّ ارجعْني ارجعْني ارجعْني، ومثل ذلك تثنية الضّمير في:< قفانبك >((1))، و نحوه.

و استشكل ذلك الخفاجيّ بأ نّه إذا كان أصل ( ارْجِعُوا ) مثلا ارجعْ ارجعْ ارجعْ، لم يكن ضمير الجمع، بل تركيبه الّذي فيه حقيقة، فإذا كان مجازً ا فمن أيّ أنواعه، و كيف دلالته على المراد، و ما علاقته؟ و إلا فهو ممّا لاوجه له. و من غريبه أنّ ضميره كان مفردً ا واجب الاستتار، فصار غير مفرد واجب الإظهار.

ثمّ قال: لم تزل هذه الشّبهة قديمًا في خاطري، و الّذي خطر لي أنّ لنا استعارة أُخرى غير ما ذُكر في المعاني، و لكونها لاعلاقة لها بالمعنى لم تُذْكر، و هي استعارة لفظ مكان لفظ آخر لنكتة، بقطع النّظر عن معناه، و هو كثير في الضّمائر، كاستعمال الضّمير المجرور الظّاهر مكان المرفوع المستتر في < كفى به >، حتّى لزم انتقاله عن صفة إلى صفة أُخرى، و من لفظ إلى آخر. و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّه غير الضّمائر المستترة إلى ضمير جمع ظاهر، فلزم الاكتفاء بأحد ألفاظ الفعل، و جُعل دلالة ضمير الجمع على تكرّر الفعل قائمًا مقامه في التّأكيد، من غير تجوّز فيه. و لابن جنّيّ في < الخصائص > كلام يدلّ على ما ذكرناه، فتأمّل. انتهى كلامه.

و لعمري لقد أبعد جدًّا، و لعلّ الأقرب أن يقال: أراد المازنيّ أ نّه جُمع الضّمير للتّعظيم بتنزيل المخاطب الواحد منزلةالجماعة المخاطبين، و يتبع ذلك كون الفعل الصّادر منه بمنزلة الفعل الصّادر من الجماعة، و يتبعهما كون { ارْجِعُون ِ} مثلا بمنزلة ارجعني ارجعني ارجعني، لكن إجراء نحو هذا في نحو <قفانبك> لايتسنّى إلا إذا قيل: بأ نّه قد يُقصَد بضمير التّثنية التّعظيم كما قد يُقصَد ذلك بضمير الجمع، و لم يخطر لي أنّي رأيته، فليتتبّع و ليتدبّر. (18 : 63)

نحوه ملخّصًا القاسميّ. (12 : 4417)

المَراغيّ: إلى الدّنيا. (18 : 55)

ابن عاشور: و ضمير الجمع في { ارْجِعُون ِ} تعظيم للمخاطب. و الخطاب بصيغة الجمع لقصد التّعظيم طريقة عربيّة، و هو يلزم صيغة التّذكير، فيقال في خطاب المرأة إذا قُصد تعظيمها: أنتم. و لايقال: أنتنّ. [ثمّ استشهد بشعر و قال:]

و قد حصل لي هذا باستقراء كلامهم، و لم أر من وقف عليه. (18 : 100)

مَغْنِيّة: طلب الرّجعَة إلى الحياة ليعمل. و هكذا كلّ مقصّر يُضيّع الفرصة حين يتمكّن منها.(5 : 388)

مكارم الشّيرازيّ: ارجعني يا ربّ { لَعَلّى‘ اَعْمَلُ صَالِحًا فيمَا‘ تَرَكْتُ }، و لكنّ قانون الخلق العادل لايسمح بمثل هذه العودة، لايسمح بعودة الصّالح و لاالطّالح، فيأتيه النّداء الدّ امغ { كَلا|...}.

من هو المخاطب في قوله تعالى:{رَبِّ ارْجِعُونِ }؟

بملاحظة كلمة { رَبِّ } الّتي هي مخفّف « ربّي >


1) (1) في مطلع معلّقة امرئ القيس: قِفا نبك من ذكرى حبيب و منزل...

بمعنى إلهي، تشير بداية الجملة إلى أنّ المخاطب هو الله سبحانه و تعالى، إلا أنّ مجي‌ء { ارْجِعُونِ }بصيغة الجمع يمنع أن يكون المخاطب هو الله عزّ و جلّ. و هذان التّعبيران في الجملة السّابقة يثيران سؤالا و تساؤُلا .

يرى عدد من المفسّرين أنّ المخاطب هو الله، و صيغة الجمع هنا للاحترام و التّعظيم. و لكنّ استعمال صيغة الجمع في مخاطبة المفرد معروف في الفارسيّة، لكنّه ليس مألوفًا في العربيّة، خاصّة فيما مضى، و لانظير له في القرآن المجيد، و بهذا يتّضح ضعف هذا التّفسير.

و قال عدد آخر من المفسّرين: إنّ المخاطب هم الملائكة المكلّفون بقبض الأرواح، و كلمة { رَبِّ } نوع من الاستعانة بالله، و هذا مألوف في حياتنا اليوميّة حيث يستغيث المرء بالله في الشّدائد، ثمّ يستنجد النّاس و يصرخ:«ياربّ!يا ربّ! أنقذوني، عجّلوا بمساعدتي » و يبدو هذا التّفسير أقرب إلى الصّواب. (10 : 449)

فضل الله: إلى الدّنيا، و ساحة المسؤوليّة.

(16 : 198)

اِرْجِعى

يَاءَ يَّ-تُهَا النَّ-فْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعى‘ اِلى" رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً. الفجر : 27 ، 28

ابن عبّاس: إلى ما أعدّ الله لك في الجنّة. (511)

تردّ الأرواح المطمئنّة يوم القيامة في الأجساد.

(الطّبَريّ 12 : 582)

إلى جسدك عند البعث في القيامة.

(الماوَرْديّ 6 : 272)

عِكْرِمَة: إلى الجسد. (الطّبَريّ 12 : 582)

الضّحّاك: يأمر الله الأرواح يوم القيامة أن ترجع إلى الأجساد، فيأتون الله، كماخلقهم أوّ ل مرّة.

(الطّبَريّ 12 : 582)

نحوه الأخفش. (الثّعلبيّ10 : 204)

الحسَن: معناه: ارْجِعيإِلى ثواب ربّكِ و كرامته.

(الثّعلبيّ 10 : 204)

ابن كيسان: { رَ بِّكِ } أي أمثالك من عباد ربّك الصّالحين. (الثّعلبيّ10 : 204)

الطّبَريّ: اختلف أهل التّأويل في تأويله، فقال بعضهم: هذا خبر من الله جلّ ثناؤه عن قيل الملائكة لنفس المؤمن عند البعث، تأمرها أن ترجع في جسد صاحبها، قالوا: و عُني بالرّدّ هاهنا: صاحبها.

و قال آخرون: بل يقال ذلك لها عند الموت. عن أبي صالح: هذا عند الموت.

و أولى القولين في ذلك بالصّواب: القول الّذي ذكرناه عن ابن عبّاس و الضّحّاك: أنّ ذلك إنّما يقال لهم عند ردّ الأرواح في الأجساد يوم البعث، لدلالة قوله:{ فَادْخُلى‘ فى عِبَادى‘ * وَ ادْخُلى‘ جَنَّتى } .

(12 : 581)

القُمّيّ: إذا حضر المؤمن الوفاة نادى مناد من عند الله: ياأيّتها النّفس المطمئنّة ارجعي بولاية عليّ، مرضيّة بالثّواب. (2 : 422)

الثّعلبيّ: اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، و وقت هذه المقالة، فقال قوم:

يقال ذلك لها عند الموت: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَ بِّكِ }،

و هو الله عزّ و جلّ‌ّ. [ثمّ نقل بعض الرّوايات]

و قال آخرون: إنّما يقال ذلك لها عند البعث: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَ بِّكِ }، أي صاحبك و جسدك، فيأمر الله سبحانه الأرواح أن ترجع إلى الأجساد. و إلى هذا القول ذهب عِكْرِمَة و عطاء و الضّحّاك، و هي رواية العَوْفيّ عن ابن عبّاس.

و دليل هذا التّأويل ماأخبرنا محمّد بن نعيم ... عن ابن عبّاس أ نّه قرأها: ( فَادْخُلى‘ فى عَبْدى‘ ) على التّوحيد.

و قال بعض أهل الإشارة: { يَاءَ يَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ }إلى الدّنيا، { اِرْجِعى‘ } إلى الله بتركها.

و الرّجوع إلى الله، هو سلوك سبيل الآخرة. (10 : 203)

نحوه الطَّبْرِسيّ (5 : 489)، و ملخّصًا القُرطُبيّ (20 : 58)، و الخازن (7 : 206).

الماوَرْديّ: فيه وجهان: [الأوّ ل و الثّاني: قول ابن عبّاس و أبي صالح]

و يحتمل تأويلا ثالثًا: إلى ثواب ربّك في الآخرة.

(6 : 272)

الطُّوسيّ: تقول لهم الملائكة إذا أعطوهم كتبهم بأيمانهم: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَ بِّكِ }، أي إلى ما أعدّه الله لك من الثّواب. و قد يجوز أن يقولوا لهم هذا القول، يريدون: ارجعوا من الدّنيا إلى هذا المرجِع.

ثمّ بيّن ما يقال لها، و تُبشّر به بأ نّه يقال لها: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَ بِّكِ } أي إلى الموضع الّذي يختصّ الله تعالى بالأمر و النّهي به دون خلقه. (10 : 348)

الواحديّ: هذا عند خروجها من الدّنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله. [ثمّ قال نحو الثّعلبيّ] (4 : 486)

نحوه البغَويّ. (5 : 253)

المَيْبُديّ: و اختلفوا في وقت هذه المقالة، فقال قوم: يقال لها ذلك عند الموت، فيقال لها: ارجعي إلى الله. [إلى أن قال:]

و قال آخرون: إنّما يقال لها ذلك عند البعث.

قال ابن عبّاس: الخطاب لروح المؤمن،يأمرها الله بالرّجوع إلى الجسد،فيكون قوله: { اِلى" رَبِّكِ } أي إلى أمر ربّك.و قيل: أي إلى بدن صاحبك، فسُمّي ذلك ربًّا كما يقال: ربّ الدّ ار و ربّ الدّا بّة. (10 : 490)

الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: متى يقال لها ذلك؟

قلت: إمّا عند الموت، و إمّا عند البعث، و إمّا عند دخول الجنّة، على معنى ارجعي إلى موعد ربّك.

(4 : 254)

ابن عَطيّة: اختلف النّاس في هذا النّداء متى يقع، فقال ابن زَيْد و غيره: هو عند خروج نفس المؤمن من جسده في الدّنيا... و معنى { اِرْجِعى اِلى" رَ بِّكِ } على هذا التّأويل، ارجِعي بالموت،...

و قال قوم: النّداء عند قيام الأجساد من القبور، فقوله: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَ بِّكِ } معناه: بالبعث من موتك ارجعي إلى الله. [إلى أن قال:]

و قال آخرون: إنّما هو الموقف عندما ينطلق بأهل النّار إلى النّار، فنداء النّفوس على هذا إنّما هو نداء أرباب النّفوس، و معنى { اِرْجِعى اِلى" رَبِّكِ } على هذا: إلى رحمة ربّك، و العباد هنا: الصّالحون المنعّمون.

(5 : 481)

نحوه أبوالفُتُوح. (20 : 275)

الفَخْرالرّ ازيّ: من القدماء من زعم أنّ النّفوس أزليّة، و احتجّوا بهذه الآية، و هي قوله: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَ بِّكِ }، فإنّ هذا إنّما يقال، لما كان موجودً ا قبل هذا البدن.

و اعلم أنّ هذا الكلام يتفرّع على أنّ هذا الخطاب متى يوجد؟ و فيه وجهان:

الأوّ ل: أ نّه إنّما يوجد عند الموت، و هاهنا تقوىحجّة القائلين بتقدّم الأرواح على الأجساد، إلا أ نّه لايلزم من تقدّمها عليها قدمها.

الثّاني:أ نّه إنّما يوجد عند البعث و القيامة، و المعنى: ارجعي إلى ثواب ربّك، { فَادْخُلى‘ فى عِبَادى‘}، أي ادخلي في الجسد الّذي خرجتِ منه.

[و] المجسّمة تمسّكوا بقوله: {اِلى" رَ بِّكِ } و كلمة (اِلى" ) لانتهاء الغاية، و جوابه: إلى حكم ربّك، أو إلى ثواب ربّك، أو إلى إحسان ربّك.

و الجواب الحقيقيّ المفرَّع على القاعدة العقليّة الّتي قرّرناها، أنّ القوّة العقليّة بسيرها العقليّ تترقّى من موجود إلى موجود آخر، و من سبب إلى سبب، حتّى تنتهي إلى حضرة واجب الوجود، فهناك انتهاء الغايات و انقطاع الحركات. (31 : 178)

البَيْضاويّ: إلى أمره أو موعده بالموت، و يشعر ذلك بقول من قال: كانت النّفوس قبل الأبدان موجودة في عالم القدس، أو بالبعث. (2 : 559)

نحوه ملخّصًا المشهديّ. (11 : 351)

النّسَفيّ: موعد ربّك أو ثواب ربّك. (4 : 357)

النَّيسابوريّ: إلى حيث لامالك سواه، أو إلى ثوابه. (30 : 96)

ابن جُزَيّ: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَبِّكِ } هذا الخطاب و النّداء يكون عند الموت، و قيل: عند البعث، و قيل: عند انصراف النّاس إلى الجنّة أو النّار؛ و الأوّ ل أرجح. [ثمّ أيّده برواية] (4 : 199)

أبوحَيّان: [ذكر الأقوال في هذا النّداء، و قال:]

{ اِلى" رَ بِّكِ } أي إلى موعد ربّك. و قيل: الرّبّ هنا الإنسان دون النّفس،أي ادخُل في الأجساد، و { النَّفْسُ } اسم جنس.

و قيل: هذا النّداء هو الآن للمؤمنين، لمّا ذكر حال الكفّار قال: يا مؤمنون دُوموا و جدّوا حتّى ترجعوا راضين مرضيّين... (8 : 472)

الثّعالِبيّ: [نحو أبي حَيّان إلا أ نّه قال:]

و لامانع أن يكون النّداء في جميع هذه المواطن.

(3 : 480)

الشِّربينيّ: أي إلى أمره و إرادته. (4 : 535)

أبوالسُّعود: أي إلى موعده أو إلى أمره.

(6 : 429)

الشّريف الكاشانيّ: إلى أمره أو موعده بالموت. و هذا النّداء إمّا عند الموت، أو عند البعث، أو عند دخول الجنّة. (7 : 429)

الكاشانيّ: { اِرْجِعى‘ اِلى رَبِّكِ } كما بدأتِ منه.

(5 : 327)

مثله شُبّر. (6 : 409)

البُرُوسَويّ: أي إلى ما وعد لك من الكرامة

و الزُّلفى، فكونه تعالى منتهى الغاية. إنّما هو بهذا الاعتبار، فسقط تمسّك المجسّمة، و استدلّ بالرّجوع الّذي هو العود على تقدّم الرّوح خلقًا. (10: 432)

الشَّوْكانيّ: أي ارجعي إلى الله. [ثمّ ذكر بعض الأقوال و قال:]

و الأوّ ل أولى. (5 : 544)

الآلوسيّ: { اِرْجِعى‘ } أي من حيث حوسبت، { اِلى" رَ بِّكِ } أي إلى محلّ عنايته تعالى و موقف كرامته عّز و جلّ لك أوّ لا . و هذا، لأنّ للسّعداء قبل الحساب - كما يفهم من الأخبار - موقفًا في المحشر مخصوصًا يُكرمهم الله تعالى به، لايجدون فيه ما يجده غيرهم في مواقفهممن النُّصُب، و منه ينادي الواحد بعد الواحد للحساب، فمتى كان هذا القول عند تمام الحساب اقتضى أن يكون المعنى ما ذُكر.

و يجوز أن يكون المعنى ارجعي بتخلية القلب عن الأعمال، و الالتفات إليها، و الاهتمام بأمرها أتقبل أم لا؟ أي إلى ملاحظة ربّك و الانقطاع إليه، و ترك الالتفات إلى ما سواه عزّ و جلّ، كما كنت أوّ لا ، كان النّفس المطمئنّة لمّا دُعيت للحساب شغل فكرها، و إن كانت مطمئنّة بمقتضى الطّبيعة، و حال اليوم بأمر الحساب و ما ينتهي إليه، و أ نّه ماذا يكون حال أعمالها أتقبل أم لا؟ فلمّا تمّ حسابها و قُبلت أعمالها قيل لها ذلك، تطييبًا لقلبها، بأنّ الأمر قد انتهى و فرغ منه، و ليس بعد الأكل خير.

و نداؤها بعنوان الاطمئنان، لتذكيرها بما يقتضي الرّجوع، نظير قولك لشجاع مشهور بالشّجاعة، أحجَم في بعض المواقف: يا أيّها الشّجاع أقْدِم و لاتَحْجِم. و الظّاهر أ نّه على الأوّ ل لايناسبها، و لايخفى ما في قوله سبحانه: { اِلى" رَ بِّكِ } على الوجهين من مزيد اللّطف بها، و لذا لم يقل نحو: ارجعي إلى الله تعالى، أو إليّ.[إلى أن قال:]

و قيل: المراد: ارجعي إلى موعد ربّك، و استظهر أنّ المراد بموعده تعالى - على تقدير كون القول المذكور بعد تمام الحساب - ما وعده سبحانه من الجنّة، و الكون مع عباده تعالى الصّالحين، و الفاء تفسيريّة. و استشكل عليه الأمر بالرّجوع إذ يقتضي أنتكون الجنّة مقرًّا للنّفس قبل ذلك؟ و أُجيب بتحقّق هذا المقتضى بناء على وجودها بالقوّة في ظهر آدم حين كان في الجنّة. [إلى أن قال:]

و قيل: المراد: ارجعي إلى أمر ربّك، و استظهر أنّ المراد بالأمر على ذلك التّقدير: واحد الأُمور، و يُفسَّر بمعاملة الله تعالى إيّاها بما ليس فيه ما يشغل بالَها، أو بتمييزها بموقف كريم، أو بنحو ذلك ممّا يتحقّق معه ما يقتضيه ظاهر الرّجوع.

و قيل: المراد: ارجعي إلى كرامة ربّك. و يراد جنس كرامته سبحانه، و الرّجوع إليه باعتبار أ نّها كانت بعد الموت في البرزخ، أو بعد البعث و قبل الحساب في نوع منه، و الفاء عليه قيل: تفسيريّة أيضًا.

و عن عِكْرِمَة و الضّحّاك: أنّ ذلك القول عند البعث، فقيل: { النَّفْسُ } بمعنى الذّات أيضًا، و المراد بالرّبّ هو الله عزّ و جلّ، و الكلام على حذف مضاف، و لايقدّر محلّ كرامته تعالى، مرادً ا به الموقف الخاصّ

على ما سمعت، لأ نّه إنّما يكون لها بُعْد.

و قيل: { النَّفْسُ } بمعنى الرّوح، و المراد بالرّبّ: الصّاحب، و فُسّر بالجسد، و باقي الآية على حالة، أي ارجعي إلى جسدك كما كنت في الدّنيا، فادخلي بعد الرّجوع إليه في جملة عبادي، و ادخلي دار ثوابي.

و قيل: المراد ب- { النَّفْسُ } و الرّبّ ما ذُكر، و قوله تعالى: { فى عِِبَادى ‘} على حذف مضاف، أي فادخلي في أجساد عبادي. و جاء هذا في رواية عن ابن عبّاس و ابن جُبَيْر، و لايضرّ الإفراد أوّلا و الجمع ثانيًا، لأنّ المعنى على الجنس.

و قال ابن زَيْد و جماعة: إنّ ذلك القول عند الموت. [ثمّ أيّده بروايات إلى أن قال:]

و عن بعض السّلف ما يؤيّدبعض هذه الأوجُه. [فذكر قول أبي صالح و أضاف:]

و قيل: إنّ هذا القول بعد الموت و قبل القيامة، و المراد برجوعها إلى ربّها: رجوعها إلى جسدها لسؤال الملكين...

و قيل: إنّه في مواطن ثلاثة: أخرج ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن زَيْد بن أسلم، أ نّه قال في الآية: بُشّرتِ بالجنّة عند الموت و عند البعث و يوم الجمع. و تُفسَّر عليه بما ينطبق على الجميع.

و قيل: يجوز أن يكون ذلك، في سائر أوقات النّفس في حياتها الدّنيا. و المراد بالأمر بالرّجوع إلى الرّبّ: الأمر بالرّجوع إليه تعالى، في كلّ أمر من الأُمور. و المراد بالأمر بالدّخول في العباد: الأمر بالدّخول في زُمرة العباد الخُلّص الّذين ليس للشّيطان عليهم سلطان، بالإكثار من العمل الصّالح، و بالأمر بالدّخول في الجنّة: الأمر بالدّخول فيها بالقوّة القريبة، فكأ نّه سبحانه بعد أن بالغ جلّ و علا في سوء حال الأمّارة و وعيدها، خاطب المطمئنّة بذاك، و أرشدها سبحانه إلى ما فيه صلاحها و نجاتها. و لايخفى ما فيه، فلاينبغي أن يُعَدّ وجهًا. و أيًّا ما كان من الأوجُه، فالظّاهر العموم فيها. (30 : 130)

القاسميّ: { اِلى" رَ بِّكِ } أي وعده و ثوابه.

(17 : 6157)

المَراغيّ: أي ارجعي إلى محلّ الكرامة بجوار ربّك. (30 : 154)

ابن عاشور: هذا قول يصدر يوم القيامة من جانب القدّوس من كلام الله تعالى، أو من كلام الملائكة.

فإن كان من كلام الله تعالى كان قوله:{اِلى"رَ بِّكِ } إظهارً ا في مقام الإضمار، بقرينة تفريع{ فَادْخُلى‘ فى عِبَادى‘} عليه.و نكتة هذا الإظهار ما في وصف{رَبِّ} من الولاء و الاختصاص، و ما في إضافته إلى ضمير النّفس المخاطبة من التّشريف لها.

و إن كان من قول الملائكة، فلفظ { رَ بِّكِ } جرى على مقتضى الظّاهر، و عطف { فَادْخُلى‘ فى عِبَادى‘ } عطف تلقين يصدر من كلام الله تعالى، تحقيقًا لقول الملائكة { اِرْجِعى‘ اِلى" رَ بِّكِ }، و الرّجوع إلى الله مستعار للكون في نعيم الجنّة الّتي هي دار الكرامة عند الله، بمنزلة دار المضيف، قال تعالى:{ فى مَقْعَدِ صِدْق عِنْدَ مَليك ‘ مُقْتَدِر } القمر : 55، بحيث شُبّهت الجنّة

بمنزل للنّفس المخاطبة، لأ نّها استحقّته بوعد الله، على أعمالها الصّالحة، فكأ نّها كانت مغتربة عنه في الدّنيا، فقيل لها: ارجعي إليه، و هذا الرّجوع خاصّ غير مطلق الحلول في الآخرة...

و الأمر في { اِرْجِعى‘ اِلى" رَ بِّكِ } مراد منه تقييده بالحالين بعده، و هما { رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} و هو من استعمال الأمر في الوعد، و الرّجوع مجاز أيضًا.

(30 : 301)

الطَّباطَبائيّ: قوله تعالى: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } خطاب، ظرفه جميع يوم القيامة، من لدن إحيائها إلى استقرارها في الجنّة، بل من حين نزول الموت إلى دخول جنّة الخُلد. و ليس خطابًا واقعًا بعد الحساب، كما ذكره بعضهم. (20 : 285)

بنت الشّاطئ: قيل: إنّه أمر لنفس المؤمن أن ترجع في جسد صاحبها. و تأوّلوا { رَ بِّكِ } بمعنى صاحبك.

و قال آخرون: إنّ الأمر بالرّجوع يكون عند الموت، ثمّ { ادْخُلى‘ جَنَّتى‘} يوم القيامة. فباعدوا بين المعطوفين بالواو، و جعلوا أحدهما عند الموت، و الآخر عند نهاية المصير في الجنّة.

(التّفسير البيانيّ للقرآن 2 : 165)

فضل الله: بعد كلّ هذا العَناء الطّويل، و البلاء الكبير، و الآلام الكثيرة، و الصّبر الجميل، و العَضّ على الجراح، و الاستعلاء على الأحزان، و الابتعاد عن كل انفعالات الغربة و الوحشة، في محيط الكفر و الضّلال، ليستقبلك الله بعطفه و حَنانه و رحمته و رضوانه. (24 : 254)

رَ اجِعُونَ

1 - اَ لَّذينَ‘ يَظُنُّونَ اَ نَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ اَ نَّهُمْ اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ. البقرة : 46

ابن عبّاس: بعد الموت. (8)

أبوالعالية: يستيقنون أ نّهم يرجعون إليه يوم القيامة. (الطّبَريّ 1 : 302)

مُقاتِل: فيجزيهم بأعمالهم. (1 : 102)

مثله الثّعلبيّ (1 : 190)، و البغَويّ (1 : 112).

الطّبَريّ: الهاء و الميم اللّتان في قوله: { وَ اَ نَّهُمْ } من ذكر الخاشعين، و الهاء في { اِلَيْهِ } من ذكر الرّبّتعالى ذكره في قوله: { مُلاقُوا رَ بِّهِمْ }، فتأويل الكلمة: و إنّها لكبيرة إلا على الخاشعين الموقنين أ نّهم إلى ربهم راجعون. ثمّ اختُلف في تأويل الرّجوع. [و ذكر قول أبي العالية و أضاف:]

و قال آخرون: معنى ذلك أ نّهم إليه يرجعون بموتهم.

و أولى التّأويلين بالآية القول الّذي قاله أبوالعالية، لأنّ الله تعالى ذكره، قال في الآية الّتي قبلها: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَ كُنْتُمْ اَمْوَ اتًا فَاَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } البقرة : 28، فأخبر الله جلّ ثناؤه أنّ مرجِعهم إليه بعد نشرهم و إحيائهم من مماتهم؛ و ذلك لاشكّ يوم القيامة، فكذلك تأويل قوله: { وَ اَ نَّهُمْ اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }. (1 : 302

الزّجّاج: و قوله: { اَ نَّهُمْ مُلاقُوا } هاهنا لايصلح في موضعها < اِنّهُمْ > بالكسر، لأنّ الظّنّ واقع،

فلابدّ من أن تكون تليه < اَنّ > إلا أن يكون في الخبر لام.

و يصلح في { اَ نَّهُمْاِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } الفتح و الكسر، إلا أنّ الفتح هو الوجه الّذي عليه القراءة. فإذا قلت: ( وَاِنَّهُمْاِلَيْهِ رَ اجِعُونَ ) - في الكلام - حمَلتَ الكلام على المعنى، كأ نّه: < و هم إليه راجعون> و دخلت < أنْ > مؤكّدة، و لولا ذلك لما جاز إبطالك الظّنّ مع اللا م، إذا قلت: ظننت إنّك لعالم. (1 : 127)

القَيْسيّ: و الهاء في { اِلَيْهِ } تعود على الله، جلّ ذكره. و قيل: بل تعود على اللّقاء، لقوله: { مُلاقُوا رَبِّهِمْ }. (1 : 44)

نحوه ابن الأنباريّ (1 : 80)، و العُكْبَريّ (1 : 60).

الطُّوسيّ: فإن قيل: ما معنى الرّجوع هاهنا، و هم ما كانوا قطّ في الآخرة، فيعودوا إليها؟

قيل: راجعون بالإعادة في الآخرة، في قول أبي العالية. و قيل: يرجعون بالموت، كما كانوا في الحال المتقدّمة، لأ نّهم كانوا أمواتًا، ثمّ أُحيوا، ثمّ يموتون، فيرجعون أمواتًا كما كانوا؛ و الأوّ ل أظهر و أقوى.

و قيل: إنّ معناه: إنّهم راجعون إلى أن لايملك أحدهم ضرًّ ا و لانفعًا غيره تعالى، كما كانوا في بدو الخلق، لأ نّهم في أيّام حياتهم قد يملك الحكم عليهم غيرهم، و التّدبير لنفعهم و ضرّهم، بيّن ذلك قوله: { مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ‘ } الفاتحة : 3، و معنى ذلك أ نّهم يُقرّون بالنّشأة الآخرة، فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعًا إليه. [إلى أن قال:]

قال الزّجّاج: و يجوز كسر الهمزة من قولهم: { اَ نَّهُمْ اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }، لكن لم يقرأ به أحد على معنى الابتداء، و لايجوز كسر الأُولى لأنّ الظّنّ وقع عليها.

(1 : 207)

نحوه الماوَرْديّ (1 : 116)،و الطَّبْرِسيّ (1 : 102).

الواحديّ: أي يصدّ قون بالبعث و يُقرّون بالنّشأة الثّانية، و جعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعًا إليه. (1 : 132)

ابن عَطيّة: قيل: معناه: بالموت، و قيل: بالحشر و الخروج إلى الحساب و العرض، و تقوّي هذا القولالآية المتقدّمة قوله تعالى: { ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } البقرة : 28، الحجّ : 66، الرّوم : 40، و الضّمير في { اِلَيْهِ } عائد على الرّبّ تعالى، و قيل: على اللّقاء الّذي يتضمنّه { مُلاقُوا }. (1 : 138)

أبوالفُتُوح:{اَ نَّهُمْاِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }:ليس تكرارً ا، و إن حُمل اللّقاء على المصير فالمصير و المرجِع بمعنًى، و الرّجوع: العود.

و إن قيل: كيف قال: { رَ اجِعُونَ }، و الرّ اجع يُطلق على من كان في مكان، ثمّ يقدم من مكان آخر إليه، و ما كان هؤلاء في القيامة فيرجعون إليها؟

و الجواب من وُجُوه ثلاثة:

الأوّ ل: أ نّهم كانوا في الدّنيا في قبضة الله و سلطانه، و إن كانوا يستظهرون أحيانًا بمعصيته على طاعته، و لم يتعجّل عقوبتهم لمصلحة ما، لأ نّه تعالى يُؤوّلهم إلى الفناء، و يرجعهم إلى البقاء، فلايزالون في حوزته، و يبقون في قبضته.

و الثّاني: الرّجوع في الآية بمعنى الصّيرورة. يقال:

رجع على فلان منه مكروه، و عاد إليه منه بلاء، و إن لم يكن شيءمنه قبله، كما قال الشّاعر:

فإن تكن الأ يّ-ام أحسن مرّة

إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب

أي صارت، و قبل ذلك ما عصى الدّهر.

و الثّالث: أ نّهم يوجدون بتقدير الله، و يُحيون بتقديره بعد الفناء حتّى يُرجعهم. (1 : 261)

الفَخْرالرّ ازيّ: المراد من الرّجوع إلى الله تعالى: الرّجوع إلى حيث لايكون لهم مالك سواه، و أن لايملك لهم أحد نفعًا و لاضرًّ ا غيره، كما كانوا كذلك في أوّ ل الخلق، فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أوّ لا رجوعًا إلى الله، من حيث كانوا في سائر أيّام حياتهم، قد يملك غيره الحكم عليهم، و يملك أن يضرّهم و ينفعهم، و إن كان الله تعالى مالكًا لهم في جميع أحوالهم.

و قد احتجّ بهذه الآية فريقان من المبطلين:

الأوّ ل: المجسّمة، فإنّهم قالوا: الرّجوع إلى غير الجسم محال، فلمّا ثبت الرّجوع إلى الله، وجب كون الله جسمًا.

الثّاني: التّناسخيّة، فإنّهم قالوا: الرّجوع إلى الشّي‌ء مسبوق بالكون عنده، فدلّت هذه الآية على كون الأرواح قديمة، و أ نّها كانت موجودة في عالم الرّوحانيّات. و الجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدّم. (3 : 51)

نحوه النَّيسابوريّ. (1 : 303)

ابن عَرَبيّ: بفناء صفاتهم، و محوها في صفاته.

(1 : 46)

القُرطُبيّ: { اِلَيْهِ } أي إلى ربّهم. و قيل: إلى جزائه { رَ اجِعُونَ } إقرار بالبعث و الجزاء، و العرض على الملك الأعلى. (1 : 376)

النّسَفيّ: لايملك أمرهم في الآخرة أحد سواه.

(1 : 46)

الخازن: يعني بعدالموت، فيَجزيهم بأعمالهم.

(1 : 47)

نحوه القاسميّ. (2 : 120)

أبوحَيّان: اختُلف فيالضّمير في { اِلَيْهِ } على من يعود، فظاهر الكلام و التّركيب الفصيح أ نّه يعود إلى الرّبّ، و أنّ المعنى: و أ نّهم إلى ربّهم راجعون، و هو أقرب ملفوظ به.

و قيل: يعود على اللّقاء الّذي يتضمّنه { مُلاقُوا رَ بِّهِم }.

و قيل: يعود على الموت، و قيل: على الإعادة، و كلاهما يدلّ عليه { مُلاقُوا }. و قد تقدّم شرح الرّجوع، فأغنى عن إعادته هنا. و قيل: بالقول الأوّ ل، و هو أنّ الضّمير يعود على الرّبّ، فلايتحقّق الرّجوع، فيحتاج في تحقّقه إلى حذف مضاف، التّقدير: إلى أمر ربّهم راجعون.

و قيل: المعنى بالرّجوع: الموت. و قيل: راجعون بالإعادة في الآخرة، و هو قول أبي العالية.

و قيل: راجعون إلى أن لايملك أحدهم ضرًّ ا و لانفعًا لغيره، كما كانوا في بدء الخلق.

و قيل: راجعون فيَجزيهم بأعمالهم.

و ليس في قوله: { وَ اَ نَّهُمْ اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } دلالة للمجسّمة و التّناسخيّة، على كون الأرواح قديمة، و إنّما كانت موجودة في عالم الرّوحانيّات. قالوا: لأنّ الرّجوع إلى الشّي‌ء المسبوق بالكون عنده. (1 : 186)

السّمين: { وَ اَ نَّهُمْ اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } عطف على { اَ نَّهُم } و ما في حيّزها، و { اِلَيْهِ } متعلّق ب- { رَ اجِعُونَ }، و الضّمير: إمّا للرّبّ سبحانه أو الثّواب، كما تقدّم، أو اللّقاء المفهوم من { مُلاقُوا }.

(1 : 213)

ابن كثير: أي أُمورهم راجعة إلى مشيئته يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لمّا أيقنوا بالمعاد و الجزاء سهّل عليهم فعل الطّاعات، و ترك المنكرات. (1 : 153)

الثّعالِبيّ: قيل: معناه بالموت، و قيل: بالحشر، و الخروج إلى الحساب و العرض، و يقوّي هذا القول الآية المتقدّمة، قوله تعالى: { ثُمَّ يُميتُكُمْ ...} البقرة : 28. (1 : 72)

أبوالسُّعود: أ نّهم يُحشَرون إليه للجزاء، فيعملون على حسب ذلك رغبةً و رهبةً. (1 : 131)

الشّريف الكاشانيّ: إلى نيل ما عنده { رَ اجِعُونَ }، أو يتيقّنون أ نّهم يُحشَرون إلى الله، فيجازيهم. (1 : 142)

الكاشانيّ: إلى كراماته و نعيم جنّاته. (1 : 112)

البُرُوسَويّ: أي و يعلمون أ نّهم راجعون يوم القيامة إلى الله تعالى، أي إلى جزائه إيّاهم على أعمالهم. [إلى أن قال:]

قال في < التّأويلات النّجميّة >...{اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } بجذبات الحقّ الّتي كلّ جذبة منها توازي عمل الثّقَلَين.

(1 : 125)

شُبّر:يتوقّعون لقاء ثوابه و الحشر إليه، فيجازيهم.

(1 : 95)

الشَّوْكانيّ: و في هذا [أوّ ل الآية] و ما بعده إقرار بالبعث، و ما وعد الله به في اليوم الآخر. (1 : 103)

الآلوسيّ:[فيه كلام، راجع:ظ ن ن: { يَظُنُّونَ }]

و من باب الإشارة { اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } بفناء صفاتهم، و محوها في صفاته، فلايجدون في الدّ ار إلا شؤون الملِكاللّطيف القهّار. (1 : 250)

المَراغيّ: أي لاتثقل الصّلاة على الخاشعين الّذين يتوقّعون لقاء ربّهم يوم الحساب و الجزاء، و أ نّهم راجعون إليه بعد البعث، فيجازيهم بما قدّموا من صالح العمل. (1 : 107)

ابن عاشور: الملاقاة و الرّجوع هنا مجازان عن الحساب و الحشر، أو عن الرّؤية و الثّواب، لأنّ حقيقة اللّقاء - و هو تقارب الجسمين - و حقيقة الرّجوع و - هو الانتهاء إلى مكان خرج منه المنتهى - مستحيلة هنا. (1 : 465)

و فيه بعض المطالب راجع: ظ ن ن: < يظُنّون >.

2 - اَ لَّذينَ‘ اِذَا اَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قَالُوا اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ. البقرة : 156

النّبيّ (صلی الله علیه و آله): من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، و أحسن عُقباه، و جعل له خلفًا صالحًا يرضاه. (الطّبَريّ 2 : 45)

من أُصيب بمصيبة فأحدث استرجاعًا و إن تقادم عهدها، كتب الله له من الأجر مثل يوم أُصيب.

(الثّعلبيّ 2 : 23)

أربع من كُنّ فيه كتبه الله من أهل الجنّة: من كانت عصمته شهادة أن لا إله إلا الله، و من إذا أنعم الله عليه النّعمة قال: الحمد لله، و من إذا أصاب ذنبًا قال: أستغفر الله، و من إذا أصابته مصيبة قال: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }. (الطَّبْرِسيّ 1 : 238)

الإمام عليّ علیه السلام: [في حديث:] عن صالح بن أبي حمّاد...: جاء أمير المؤمنين إلى الأشعث بن قيس يُعزّيه بأخ له، يقال له: عبد الرّحمان، فقال له أمير المؤمنين: « إن جزعت فحقّ الرّحم أتيت، وإن صبرت فحقّ الله أدّيت، على أ نّك إن صبرت جرى عليك القضاء و أنت محمود، و إن جزعت جرى عليك القضاء و أنت مذموم ».

فقال له الأشعث: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }. فقال أمير المؤمنين : « أ تدري ما تأويلها؟» فقال الأشعث: أنت غاية العلم و منتهاه.

فقال له: « أمّا قولك: { اِنَّا للهِ }، فإقرار منك بالمُلك، و أمّا قولك: { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }، فإقرار منك بالهلاك ». (البَحْرانيّ 2 : 38)

ابن عبّاس: أخبر الله أنّ المؤمن إذا سلّم الأمر إلى الله و رجع و استرجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصّلاة من الله، و الرّحمة، و تحقيق سبيل الهدى. (الطّبَريّ 2 : 45)

سعيدبن جُبَيْر: ما أُعطي أحد ما أُعطيت هذه الأُمّة { اَ لَّذينَ‘ اِذَا...} الآية، و لو أُعطيها أحد لأُعطيها يعقوب ، ألم تسمع إلى قوله: { يَا اَسَفى عَلى" يُوسُفَ } يوسف : 84. (الطّبَريّ2 : 46)

الإمام الباقر علیه السلام : ما من عبد يصاب بمصيبة فيسترجع عند ذكره المصيبة، و يصبر حين تفجأه، إلا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه. و كلّ من ذكر مصيبةً فاسترجع عند ذكره المصيبة، غفر الله له كلّ ذنب فيما بينهما. (الكاشانيّ 1 : 186)

الإمام الصّادق علیه السلام: من ذكر مصيبةً و لو بعد حين، فقال: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّااِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } و الحمد لله ربّ العالمين، اللّهمّ أجرني على مصيبتي و اخلف عليّ أفضل منها، كان له من الأجر مثل ما كان له عند أوّ ل صدمته. (الكاشانيّ 1 : 186)

[في حديث]: « قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): قال الله تبارك و تعالى: إنّي أعطيت الدّنيابين عبادي قرضًا، فمن أقرضني منها قرضًا، أعطيته لكلّ واحدة منهنّ عشرً ا إلى سبعمئة ضِعْف و ما شئت، فمن لم يقرضني منها قرضًا فأخذتها منه قسرً ا فصبر، أعطيته ثلاث خصال، لو أعطيت واحدة منهنّ ملائكتي رضوا بها»...[ثمّ قال:]

{ اَ لَّذينَ‘ اِذَا اَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ‘ قالُوا اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَ-يْهِ رَ اجِعُ-ونَ } إلى قوله:{وَ اُولئِ-كَ’ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } البقرة : 156 ، 157. (البَحْرانيّ 2 : 39)

الفَرّ اء: لم تكسِر العرب { اِنَّا } إلا في هذا الموضع مع اللا م في التّوجّع خاصّة. فإذا لم يقولوا: { للهِ } فتحوا، فقالوا: أنّا لِزيد محبّون، و أ نّا لِربّنا حامدون

عابدون.

و إنّما كُسرت في { اِنَّا للهِ } لأ نّها استُعملت فصارت كالحرف الواحد، فأُشير إلى النّون بالكسر لكسرة اللا م الّتي في { للهِِ } ،كما قالوا: هالك و كافر، كسرت الكاف من كافر لكسرة الألف، لأ نّه حرف واحد، فصارت { اِنَّا للهِ† } كالحرف الواحد لكثرة استعمالهم إيّاها، كما قالوا: الحمد لله. (1 : 94)

الطّبَريّ: يعني تعالى ذكره: و بَشّر يا محمّد الصّابرين، الّذين يعلمون أنّ جميع ما بهم من نعمة فمنّي فيقرّون بعبوديّتي، و يوحّدونني بالرّبوبيّة، و يصدّ قون بالمعاد و الرّجوع إليّ، فيستسلمون لقضائي، و يرجون ثوابي، و يخافون عقابي، و يقولون عند امتحاني إيّاهم ببعض محني، و ابتلائي إيّاهم بما و عدتهم أن أبتليهم به، من الخوف و الجوع و نقص الأموال و الأنفس والثّمرات، و غير ذلك من المصائب الّتي أنا ممتحنهم بها: إنّا مماليك ربّنا و معبودنا أحياء، و نحن عبيده، و إنّا إليه بعد مماتنا صائرون، تسليمًا لقضائي، و رضًا بأحكامي. (2 : 45)

الزّجّاج: { اِنَّا للهِ } أي نحن و أموالنا لله، و نحن عبيده يصنع بنا ما شاء، و في ذلك صلاح لنا و خير.

{ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } أي نحن مصدّقون بأ نّا نُبعَث و نُعطي الثّواب على تصديقنا، و الصّبر على ما ابتلانابه. (1 : 231)

نحوه ابن الجَوْزيّ. (1 : 162)

الثّعلبيّ: { اِنَّا‌للهِ } عبيدً ا تجمع و ملكًا. { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } في الآخرة.

أمال نُصَيْر النّون في قوله: { اِنَّا‌للهِ} ، فأمال قُتَيْبَة، النّون و اللا م جميعًا.[و] فخّمها الباقون. و قال أبوبكر الورّ اق: { اِنَّا‌للهِ}: إقرار منّا له بالملك، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }: في الآخرة، إقرار على أنفسنا بالهلاك.

(2 : 23)

نحوه أبوالفُتُوح. (2 : 240)

الماوَرْديّ: يعني إذا أصابتهم مصيبة في نفس أو أهل أو مال، قالوا: { اِنَّا للهِ } أي نفوسنا و أهلونا و أموالنا لله، لايظلمنا فيما يصنعه بنا،{ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } يعني بالبعث في ثواب المحسن و معاقبة المسيء. (1 : 210)

الطُّوسيّ: في قوله: { اِنَّا للهِ } إقرار لله بالعبوديّة، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } فيه إقرار بالبعث و النّشور، و أنّ مآل الأمر يصيرإليه. و إنّما كانت هذه اللّفظة تعزية عن المصيبة، لما فيها من الدّ لالة على أنّ الله يَجْزها إن كانت عدلا ، و ينصف من فاعلها إن كانت ظلمًا. و تقديره: { اِنَّا للهِ †}: تسليمًا لأمره و رضًا بتدبيره، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }: ثقةً بأ نّا إلى العدل نصير.

و معنى الرّجوع إلى الله: الرّجوع إلى انفراده بالحكم، كما كان أوّ ل مرّة، لأ نّه قد ملّك قومًا في الدّنيا شيئًا من الضّرّ و النّفع لم يكونوا يملكونه، ثمّ يرجع الأمر إلى ما كان، إذا زال تمليك العباد.

و أصل الرّجوع هو مصير الشّي‌ء إلى ما كان، و لذلك يقال: رجعت الدّ ار إلى فلان، إذا اشتراها مرّة ثانيةً. و الرّجوع و العود، و المصير نظائر.

و في الآية معنى الأمر، لأ نّها مدح عامّ، لكلّ من كان على تلك الصّفة بتلك الخصلة.

و أجاز الكِسائيّ و الفَرّ اء في { اِنَّا للهِ } الإمالة. و لايجوز ذلك في غير اسم الله، مثل قولك: إنّا لزيد، لايجوز إمالته، و إنّما جاز الإمالة مع اسم الله لكثرة الاستعمال، حتّى صارت بمنزلة الكلمة الواحدة. و إنّما لم يجز الإمالة في غير ذلك، لأنّ الحروف كلّها و ما جرى مجراها، لايجوز فيها الإمالة، مثل < حتّى > و < لكنّ > و < ممّا > و ما أشبه ذلك، لأنّ الحروف بمنزلة بعض الكلمة، من حيث امتنع فيها التّصريف الّذي يكون في الأسماء و الأفعال. (2 : 39)

الواحديّ: { اِنَّا للهِ}أي نحن و أموالنا لله، يصنع بنا ما يشاء، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } إقرار بالفناء و الهلاك.

و معنى الرّجوع إلى الله تعالى: الرّجوع إلى انفراده بالحكم، إذ قدملّك في الدّنيا الأحكام، فإذا زال حكم العباد رجع الأمر إلى الله. (1 : 237)

الرّ اغِب: و ليس يريد بالقول اللّفظ فقط، فإنّ التّلفّظ بذلك مع الجزع القبيح و تسخّط القضاء، ليس يُغني شيئًا.

و إنّما يريد تصوّر ما خلق الإنسان لأجله و القصد له، و الاستهانة بما يعرض في طريق الوصول إليه. فأمر تعالى ببشارة من اكتسب العلوم الحقيقيّة و تصَوّرَها، و قصَد هذا المقصد، و وَطّن نفسه عليه.

(القاسميّ 2 : 327)

البغَويّ: { اِنَّا للهِ} عبيدً ا و مِلكًا، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } في الآخرة. (1 : 186)

مثله الخازن. (1 : 110)

المَيْبُديّ: { اِنَّا للهِ } أي نحن و أموالنا لله عبيدً ا و مِلْكًا، يفعل فيها ما يشاء، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } أي مُقرّون بالبعث بعد الموت، فالله تعالى قادر عليه.

(1 : 418)

ابن عَطيّة: و جعل هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، و عصمة للممتحنين، لما جمعت من المعاني المباركة؛ و ذلك توحيد الله، و الإقرار له بالعبوديّة و البعث من القبور، و اليقين بأنّ رجوع الأمر كلّه إليه، كما هو له. (1 : 228)

نحوه القُرطُبيّ (2 : 176)، و الشَّوْكانيّ (1 :202).

الطَّبْرِسيّ: { اِنَّا للهِ } هذا إقرار بالعبوديّة، أي نحن عبيد الله و مِلْكه، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }: هذا إقرار بالبعث و النّشور، أي نحن إلى حكمه نصير. [ثمّ ذكر قول عليّ ] (1 : 238)

الفَخْرالرّ ازيّ: أمّا قوله: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } ففيه مسائل:

المسألة الأُولى: قال أبوبكر الورّ اق: { اِنَّا للهِ } إقرار منّا له بالمِلْك: { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } إقرار على أنفسنا بالهلاك.

و اعلم أنّ الرّجوع إليه ليس عبارة عن الانتقال إلى مكان أو جهة، فإنّ ذلك على الله محال، بل المراد أ نّه يصير إلى حيث لايملك الحكم فيه سواه؛ و ذلك هو الدّ ار الآخرة، لأنّ عند ذلك لايملك لهم أحد نفعًا و لاضرًّ ا، و ما داموا في الدّنيا قد يملك غير الله نفعهم

و ضرّهم بحسب الظّاهر. فجعل الله تعالى هذا رجوعًا إليه تعالى، كما يقال: إنّ الملك و الدّولة يرجع إليه، لابمعنى الانتقال، بل بمعنى القدرة و ترك المنازعة.

المسألة الثّانية: هذا يدلّ على أنّ ذلك إقرار بالبعث و النّشور، و الاعتراف بأ نّه سبحانه سيُجازي الصّابرين على قدر استحقاقهم، و لايضيع عنده أجر المحسنين.

المسألة الثّالثة: قوله: { اِنَّا للهِ } يدلّ على كونه راضيًا بكلّ ما نزل به في الحال من أنواع البلاء، و قوله: { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } يدلّ على كونه فيالحال راضيًا بكلّ ما سينزل به بعد ذلك، من إثابته على ما كان منه، و من تفويض الأمر إليه على ما نزل به، و من الانتصاب ممّن ظلمه، فيكون مُذلِّلا نفسه، راضيًا بما وعده الله به، من الأجر في الآخرة. [إلى أن قال:]

قال أبوبكر الرّ ازيّ: اشتملت الآية على حكمين: فرض، و نَفْل.

أمّا الفرض فهو التّسليم لأمر الله تعالى، و الرّضا بقضائه، و الصّبر على أداء فرائضه لايصرف عنها مصائب الدّنيا.

و أمّا النّفل فإظهارً ا لقوله: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }، فإنّ في إظهاره فوائد جزيلة:

منها: أنّ غيره يقتدي به إذا سمعه.

و منها: غيظ الكفّار و علمهم بجدّه و اجتهاده في دين الله، و الثّبات عليه و على طاعته.

و حُكي عن داود الطّائيّ قال: الزّهد في الدّنيا أن لايُحبّ البقاء فيها، و أفضل الأعمال الرّضا عن الله، و لاينبغي للمسلم أن يحزن، لأ نّه يعلم أنّ لكلّ مصيبة ثوا بًا.

و لنختم تفسير هذه الآية ببيان الرّضا بالقضاء، فنقول: العبد إنّما يصبر راضيًا بقضاء الله تعالى بطريقين: إمّا بطريق التّصرّف، أو بطريق الجذب.

أمّا طريق التّصرّف فمن وُجُوه:

أحدها: أ نّه متى مال قلبه إلى شي‌ء، و التفت خاطره إلى شي‌ء، جعل ذلك الشّي‌ء منشأ للآفات، فحينئذ ينصرف وجه القلب عن عالم الحدوث إلى جانب القدس. فإنّ آدم لمّا تعلّق قلبه بالجنّة، جعلهامحنة عليه حتّى زالت الجنّة، فبقي آدم مع ذكر الله. و لمّا استأنس يعقوب بيوسف  أوقع الفراق بينهما حتّى بقي يعقوب مع ذكر الحقّ. و لمّا طمع محمّد من أهل مكّة في النّصرة و الإعانة صاروا من أشدّ النّاس عليه، حتّى قال: « ما أُوذي نبيّ مثل ما أُوذيت ».

و ثانيها: أن لايجعل ذلك الشّي‌ء بلاء، و لكن يرفعه من البين حتّى لايبقى، لاالبلاء و لاالرّحمة، فحينئذ يرجع العبد إلى الله تعالى.

و ثالثها: أنّ العبد متى توقّع من جانب شيئًا، أعطاه الله تعالى بلاواسطة خيرً ا من متوقّعه، فيستحي العبد، فيرجع إلى باب رحمة الله.

و أمّا طريق الجذب فهو كما قال : « جذبة من جذبات الحقّ توازي عمل الثّقَلَين ».

و من جذبه الحقّ إلى نفسه صار مغلوبًا، لأنّ الحقّ غالب لامغلوب، و صفة الرّبّ الرّبوبيّة، و صفة العبد

العبوديّة، و الرّبوبيّة غالبة على العبوديّة لابالضّدّ. و صفة الحقّ حقيقة، و صفة العبد مجاز، و الحقيقة غالبة على المجاز لابالضّدّ. و الغالب يقلب المغلوب من صفة إلى صفة تليق به. و العبد إذا دخل على السّلطان المَهيب نسي نفسه، و صار بكلّ قلبه و فكره و حسّه مُقبلا عليه، و مشتغلا به، و غافلا عن غيره، فكيف بمن لحظ بصره حضرة السّلطان الّذي كلّ من عداه حقير بالنّسبة إليه، فيصير العبد هنالك كالفاني عن نفسه و عن حظوظ نفسه، فيصير هنالك راضيًا بأقضية الحقّسبحانه و تعالى، و أحكامه، من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة. (4 : 174)

[و له كلام طويل ذيل الآية 84، من سورة يوسف: { يَا اَسَفى عَلى" يُوسُفَ..} و من أراد التّفصيل يرجع هناك إلا أ نّنا نأتي منها ما يناسب المقام:]

فإن قيل: أليس أنّ الأولى عند نزول المصيبة الشّديدة أن يقول: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } حتّى يستوجب الثّواب العظيم المذكور في قوله: { اُولئِكَ’ عَلَيْهِمْ صَلَوَ اتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ اُولئِكَ ’هُمُ الْمُهْتَدُونَ } البقرة : 157؟

قلنا: قال بعض المفسّرين: إنّه لم يُعطَ الاسترجاع أُمّة إلا هذه الأُمّة، فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة. و هذا عندي ضعيف، لأنّ قوله: { اِنَّا للهِِ } إشارة إلى:أ نّا مملوكون لله، و هو الّذي خلقنا و أوجدنا. و قوله: { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } إشارة إلى أ نّه لابدّ من الحشر و القيامة، و من المحال أنّ أُمّة من الأُمم لايعرفون ذلك. فمن عرف عند نزول بعض المصائب به، أ نّه لابدّ في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى، فهناك تحصل السّلوة التّامّة عند تلك المصيبة، و من المحال أن يكون المؤمن بالله غير عارف بذلك.

(18 : 195)

العُكْبَريّ: الجمهور على تفخيم الألف في { اِنَّا}، و قد أمالها بعضهم لكثرة ما ينطق بهذا الكلام. و ليس بقياس، لأنّ الألف من الضّمير الّذي هو « نا ». و ليست منقلبة، و لافي حكم المنقلبة. (1 : 129)

ابن عَرَبيّ: قالوا: { اِنَّا للهِ‚ } أي سلّموا و أيقنوا أنّهم مِلْكي، أتصرّف فيه، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } أي تفانوا فيّ، و شاهدوا تهلّكهم فيّ بي. (1 : 100)

البَيْضاويّ: و ليس الصّبر بالاسترجاع باللّسان، بل به و بالقلب، بأن يتصوّر ما خُلق لأجله، و أ نّه راجع إلى ربّه، و يتذكّر نعم الله عليه، ليرى أنّ ما بقي عليه أضعاف ما استردّه منه، فيهون على نفسه، و يستسلم له. (1 : 91)

نحوه أبوالسُّعود. (1 : 221)

النَّيسابوريّ: [نحو الفَخْرالرّ ازيّ ملخّصًا إلا أ نّه قال:]

{ اِنَّا للهِ }: اعتراف منّا له بالمِلْك، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ }: إقرار على أنفسنا بالهلك. { اِنَّا للهِ } إشارة إلى المبدإ، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ }تصريح بالمعاد. { اِنَّا للهِ† } إعلام بالفناء فيه، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } إشعار بالبقاء به. { اِنَّا للهِ† } إيمان بقضائه، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ} إيمان بقَدَره. (2 : 36)

ابن جُزَيّ: { اِنَّا للهِ‚ }: اللا م للمُلك، و المالك يفعل

في ملكه ما يشاء، { رَ اجِعُونَ }: تذكّروا الآخرة لتهون عليهم مصائب الدّنيا. (1 : 65)

أبوحَيّان:{ قَالُوا } : جواب( اِذَا ) و الشّرط و جوابه صلة ل- { اَ لَّذينَ‘ }. و {اِنَّا } : أصله إنّنا، لأ نّها < إنّ > دخلت على الضّمير المنصوب المتّصل، فحُذفت نون من< إنّ >. و ينبغي أن تكون المحذوفة هي الثّانية، لأ نّها ظرف، و لأ نّها عُهِد فيها الحذف إذا خُفّفت، فقالوا: إنْ زَيْدٌ لقائم، و هو حذف هنا لاجتماعالأمثال، فلذلك عملت، إذ لو كان من الحذف لالهذه العلّة، لانفصل الضّمير، و ارتفع و لم تعمل، لأ نّها إذا خُفّفت هذا التّخفيف لم تعمل في الضّمير.

و { للهِ } معناه الإقرار بالملك و العبوديّة لله، فهو المتصرّف فينا بما يريد من الأُمور.

{ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ }: إقرار بالبعث، و تنبيه على مصيبة الموت الّتي هي أعظم المصائب، و تذكير أنّ ما أصاب الإنسان دونها فهو قريب، ينبغي أن يصبر له. و للمفسّرين في هاتين الجملتين المقولتين أقوال:

أحدها: أنّ نفوسنا و أموالنا و أهلينا لله، لايظلمنا فيما يصنعه بنا.

الثّاني: أسلمنا الأمر لله، و رضينا بقضائه، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ راجِعُونَ } يعني: للبعث لثواب المحسن و معاقبة المسي‌ء.

الثّالث: { رَ اجِعُونَ } إليه في جبر المصاب و إجزال الثّواب.

الرّ ابع: أنّ معناه إقرار بالمملكة في قوله:{ اِنَّا للهِ}، و إقرار بالهلكة في قوله: { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }. [ثمّ قال نحو ما سبقت عن الفَخْرالرّ ازيّ] (1 : 451)

السّمين: قوله: { اِنَّا للهِ }، إنّ و اسمها و خبرها في محلّ نصب بالقول، والأصل: إنّنا بثلاث نونات، فحذفت الأخيرة من < إنّ > لا الأُولى، لأ نّه قد عهد حذفها، ولأ نّها طرف والأطراف أولى بالحذف، لايقال: إنّها لو حُذفت الثّانية لكانت مخفّفة، و المخفّفة لاتعمل على الأفصح، فكان ينبغي أن تُلغى، فينفصل الضّميرالمرفوع حينئذ، إذ لاعمل لها فيه، فدلّ عدم ذلك على أنّ المحذوف النّون الأُولى، لأنّ هذا الحذف حذف لتوالي الأمثال، لا ذاك الحذف المعهود في < إِنّ >.

(1 : 413)

ابن كثير: أي تَسَلّوا بقولهم هذا عمّا أصابهم، و علموا أ نّهم مِلْك لله، يتصرّف في عبيده بما يشاء،

و علموا أ نّه لايضيع لديه مثقال ذرّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأ نّهم عبيده، و أ نّهم إليه راجعون في الدّ ار الآخرة. و لهذا أخبر تعالى عمّا أعطاهم على ذلك، فقال: { اُولئِكَ ’عَلَيْهِمْ صَلَوَ اتٌ مِنْ رَ بِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ } البقرة : 157. (1 : 347)

الثّعالِبيّ: [نحو ابن عَطيّة ثمّ قال:]

و اعلم أنّ قوله: { اِنَّا للهِ } يدلّ على كونه راضيًا بكلّ ما نزل به. (1 : 127)

البُقاعيّ:{ اِنَّا للهِ } أي الملك المحيط بكلّ شيء إسلامًا بأنفسهم لربّهم، فهو يفعل بنا من هذه المصيبة و غيرها ما يريد، فهو المسؤول في أن يكون ذلك أصلح لنا.

و لمّا كان التّقدير بيانًا، لكونهم لله، تقريرً ا

للاستسلام به: نحن مبتدئون، عطف عليه، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ} أي لا إلى غيره { رَ اجِعُونَ } معنى في أنّ جميع أُمورنا لايكون شيء منها إلا به، و حسابًا لبعث و ظهور ذلك بعده ظهورً ا تامًّا.

قال الحراليّ: لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم و أموالهم، و ما نقصوا من أنفسهم، فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب، كانتلافيهم أن يُسلّموا أمرهم لله، و يذكروا مرجعهم إليه، و يُشعروا أنّ ما أُخذ من أنفسهم و ما معها ذخيرة عنده، فيكون ذلك شاهد إيمانهم، و رجائهم للقائهم، فتقع مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الّذي فاتهم، و جعلها جامعة مطلقة لكلّ من أصابته مصيبة، فاسترجع بها ثبت أجره بما أُصيب و تلاقاه الله بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه ذلك. (1 : 281)

الشِّربينيّ: { اِنَّا للهِ } عبيدً ا و مِلْكًا، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ } في الآخرة. [إلى أن قال نحو البَيْضاويّ]

(1 : 106)

البُرُوسَويّ: { اِنَّا للهِ } أي نحن عبيد الله، و العبد و ما في يده لمولاه. فإن شاء أبقاه في أيدينا، و إن شاء استردّه منّا، فلانجزع بما هو مِلْكه، بل نصبر. فإن عِشْنا فعليه رزقنا، و إن مِتْنا فإنّا إليه راجعون، و إليه مَرَدّنا، و عنده ثوابنا، و نحن راضون بحكمه. فما أعطانا ربّنا كان فضلا منه، و لايليق بكرمه الارتجاع في عطاياه، و إنّما أخذه ليكون ذخيرة لنا عنده.

فقولنا: { اِنَّا للهِ } إقرار منّا له تعالى بالملك، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } إقرار على أنفسنا بالهلك. و قيل: الرّجوع إليه تعالى ليس عبارة عن الانتقال إلى مكان وجهة، فإنّ ذلك على الله محال، بل المراد منه أن يصير إلى حيث لايملك الحكم فيه سواه، و ذلك هو الدّ ار الآخرة؛ إذ لاحاكم فيها - حقيقة و بحسب الظّاهر - إلا اللهتعالى، بخلاف دار الدّنيا، فإنّ غير الله قد يملك الحكم فيها بحسب الظّاهر.

و قول المصاب عند مصيبته: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } له فوائد:

منها: الاشتغال بهذه الكلمة عن كلام لايليق.

و منها: أ نّها تسلّي قلب المصاب و تقلّل حزنه.

و منها: أ نّها تقطع طمع الشّيطان في أن يوافقه في كلام لايليق.

و منها: أ نّه إذا سمعه غيره اقتدى به.

و منها: أ نّه إذا قال ذلك بلسانه يتذكّر بقلبه الاعتقاد الحسن، و التّسليم لقضاء الله و قدَره، فإنّ المصاب يُدهش عند المصيبة، فيحتاج إلى ما يذكر له التّسليم المذكور. (1 : 260)

الآلوسيّ: [ نحو البَيْضاويّ و أضاف:]

و الصّبر من خواصّ الإنسان، لأ نّه يتعارض فيه العقل و الشّهوة، و الاسترجاع من خواصّ هذه الأُمّة.

فقد أخرج الطّبَرانيّ و ابن مردويه عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنه، قال: قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): « أُعطيت أُمّتي شيئًا لم يعطه أحد من الأُمم، أن تقول عند المصيبة: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }.[إلى أن قال:]

و من باب الإشارة:...{ اَ لَّذينَ ‘اِذَا اَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ‘} من تصرّفاتي فيهم شاهدوا آثار قُدرتي، بل

أنوار تجلّيات صفتي، و استسلموا و أيقنوا أ نّهم ملكي أتصرّف فيه بتجلّياتي، و تفانوا فيّ و شاهدوا هلكهم بي، فقالوا: { اِنَّا للهِ† وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ * اُولئِكَ ’عَلَيْهِمْ صَلَوَ اتٌ مِنْ رَبِّهِمْ }بالوجود الموهوب لهم بعد الفناء المنهلّة عليه صفاتي، السّاطعة عليه أنواري،{وَرَحْمَةٌ} أي هداية يهدون بها خلقي. و من أراد التّوجّه نحوي { وَ اُولئِكَ’ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } البقرة: 157، بي ، الواصلون إليّ بعد تخلّصهم من وجودهم الّذي هو الذّنب الأعظم عندي. (2 : 23)

القاسميّ: { اِنَّا للهِ }، أي مِلْكًا و خَلْقًا، فلاينبغي أن نخاف غيره، لأ نّه غالب على الكلّ. أو نبالي بالجوع، لأنّ رزق العبد على سيّده. فإن مُنع وقتًا، فلابدّ أن يعود إليه. و أموالنا و أنفسنا و ثمراتنا مِلْك له، فله أن يتصرّف فيها بما يشاء.

{ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } في الدّ ار الآخرة، فيحصل لنا عنده ما فوّته علينا، لأ نّه لايضيع أجر المحسنين. فالمصاب يهون عليه خَطْبُه، إذا تسلّى بقوله هذا، و تصوّر ما خلق له، و أ نّه رجع إلى ربّه، و تذكّر نعم الله عليه، و رأى أنّ ما أبقى عليه أضعاف ما استردّه منه.

(2 : 326)

المَراغيّ: يقولون: هذه المقالة المعبَّرة عن الإيمان بالقضاء و القدَر. [إلى أن قال نحو الطَّبْرِسيّ] (2 : 24)

سيّد قُطْب: { اِنَّا للهِ } كلّنا،كلّ ما فينا، كلّ كياننا و ذاتيّتنا لله، و إليه المَرجِع و المآب، في كلّ أمر، و في كلّ مصيرالتّسليم، التّسليم المطلق، تسليم الالتجاء الأخير المنبَثِق من الالتقاء، وجهًا لوجه بالحقيقة الوحيدة ، و بالتّصوّر الصّحيح. (1 : 145)

ابن عاشور:و التّوكيد ب- ( اِنَّ )في قولهم:{اِنَّاللهِ} لأنّ المقام مقام اهتمام، و لأ نّه ينزل المصاب فيه منزلة المنكر، كونه مِلْكًا لله تعالى و عبدًا له؛ إذ تُنسيه المصيبة ذلك، و يحول هولها بينه و بين رشده، و اللا م فيه للمِلْك. (2 : 56)

مَغْنِيّة: و معنى { اِنَّا للهِ }: الاعتراف له بالملك و العبوديّة، و معنى { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }: الإقرار بالبعث بعد الموت. (1 : 243)

عبد الكريم الخطيب: فحين يذكر المؤمن أ نّه ذاتًا و مالا و أهلا و ولدً ا مِلْك لله، لايملك مثقال ذرّة ممّا في ملك الله، و أنّ مصائر الأُمور كلّها إلى الله، و مَرَدّها جميعًا إليه. حين يذكر المؤمن هذا لايأسى على فائت، و لايحزن على مفقود، و تلك هي أولى بشريات المؤمنين فى هذه الدّنيا، لاينزل الحزن ساحتهم، و لايرهق الهمّ و الكرب قلوبهم. (1 : 176)

مكارم الشّيرازيّ: الإقرار التّامّ بالعبوديّة المطلقة لله، يعلّمنا أن لانحزن على ما فاتنا، لأ نّه سبحانه مالكنا، و مالك جميع ما لدينا من مواهب، إن شاء منحنا إيّاها، و إن استوجبت المصلحة أخذها منّا، و في المنحة و المحنة مصلحة لنا.

و الالتفات المستمرّ إلى حقيقة عودتنا إلى الله سبحانه، يُشعرنا بزوال هذه الحياة، و بأنّ نقص المواهب المادّ يّة و وفورها غرض زائل، و وسيلة لارتقاء الإنسان على سُلّم تكامله، فاستشعار العبوديّة و العودة في عبارة {اِنَّاللهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ}

له الأثر الكبيرفي تعميق روح المقاومة، و الاستقامة و الصّبر في النّفس.

واضح أنّ المقصود من قول هذه العبارة، ليس ترديدها باللّسان فقط، بل استشعار هذه الحقيقة، و الالتفات إلى ما تنطوي عليه من توحيد و إيمان. [إلى أن قال:]

الالتفات إلى أنّ نكبات الحياة و مشاكلها مهما كانت شديدة و قاسية، فهي مؤقّتة و عابرة. و هذا الإدراك يجعل كلّ المشاكل و الصّعاب عرضًا عابرً ا و سحابة صيف. و هذا المعنى تضمّنته عبارة: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }.

« كلمة الاسترجاع » هذه خلاصة كلّ دروس التّوحيد، و الانقطاع إلى الله، و الاعتماد على ذاته المقدّسة في كلّ شي‌ء، و في كلّ زمان. و أولياء الله ينطلقون من هذا التّعليم القرآنيّ، فيسترجعون لدى المصائب، كي لاتهزمهم الشّدائد، و كي يجتازوا مرحلة الاختبار بسلام، في ظلّ الإيمان بمالكيّة الله، و الرّجوع إليه. (1 : 387)

فضل الله: { قَالُوا اِنَّا للهِ } فنحن مِلْك الله من موقع أ نّنا خلقه، فله أن يتصرّف بنا كما يشاء، و علينا أن نتقبّل ذلك بكلّ رضًى من دون اعتراض، و أن نؤمن بأ نّه في موقع رحمته لايريد بنا إلا خيرً ا ممّا يُقرّبنا إلى المصلحة، و يُبعدنا عن المفسدة، { وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ } فسنصير إلى الله في نهاية المطاف و نتخفّف من كلّ هذه الآلام، فنجد عنده الخير الكثير الّذي نحصل فيه على كلّ السّعادة الّتي يذوب معها كلّ حزن و ألم، ممّا عشناه في الحياة، و بذلك لايبقىلآلام الحياة قيمة في إحساسنا الذّاتيّ، لأنّ انتظار لقاء الله في روح رضوانه و نعيم جنّته، يطرد كلّ المشاعر الذّاتيّة الخائفة و الحزينة و القلقة، في أجواء المصائب. [ثمّ أيّده برواية عليّ ] (3 : 122)

3 - وَ تَقَطَّعُوا اَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ.

الأنبياء : 93

الطّبَريّ: ثمّ أخبر جلّ ثناؤه عمّا هم إليه صائرون. و أنّ مرجِع جميع أهل الأديان إليه، متوعّدً ا بذلك أهل الزّيَغ منهم و الضّلال، و مُعْلمُهُم أ نّه لهم بالمرصاد، و أ نّه مجاز جميعهم جزاء المحسن بإحسانه،

و المسي‌ء بإساءته. (9 : 81)

و هكذا أكثر التّفاسير ملخّصًا.

الشّريف الرّضيّ: فجميعهم راجع إلى الله سبحانه، على أحد وجهين:

إمّا أن يكون ذلك رجوعًا في الدّنيا، فيكون المعنى: أ نّهم و إن اختلفوا في الاعتقادات صائرون إلى الإقرار، بأنّ الله سبحانه خالقهم و رازقهم،ومصرّفهم ومدبّرهم. أو يكون ذلك رجوعًا في الآخرة، فيكون المعنى: أ نّهم راجعون إلى الدّ ار الّتي جعلها الله تعالى مكان الجزاء على الأعمال، و موفّي الثّواب و العقاب، و إلى حيث لايحكم فيهم و لايملك أمرهم إلا الله سبحانه.

(تلخيص البيان : 118)

الطُّوسيّ: أي إلى حكمنا، في الوقت الّذي لايقدر على الحكم فيه سوانا، كما يقال: رجع أمرهم

إلى القاضي، أي إلى حكمه. (7 : 277)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (4 : 62)

الفَخْرالرّ ازيّ: فقد توعّدهم بأنّ هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو محاسبهم و مجازيهم.

(22 : 219)

ابن عَرَبيّ: على أيّ مقصد و أيّة طريقة و أيّة وجهة كانوا، فنجازيهم بحسب أعمالهم و طرائقهم.

(2 : 90)

النَّيسابوريّ: و في قوله: { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ } وعيد عظيم للفرق المختلفة. (17 : 64)

أبوحَيّان: ثمّ توعّدهم برجوع هذه الفرقة المختلفة إلى جزائه. و قيل: { كُلٌّ } من الثّابت على دينه الحقّ، و الزّائغ عنه إلى غيره. (6 : 338)

الشّربينيّ:ثمّ توعّدهم بقوله تعالى: { كُلٌّ } أي من هذه الفرق و إن بالغ في التّمرّد، { اِلَيْنَا } يوم القيامة { رَ اجِعُونَ }، فنحكم بينهم فيتسبّب عن ذلك أ نّا نجازيهم إقامة للعدل، فنُعطي كلا من المحقّ التّابع لأصفيائنا و المبطل المائل إلى الشّياطين أعدائنا ما يستحقّه؛ و ذلك هو معنى قوله تعالى، فارقًا بين المحسن و المسيء، تحقيقًا للعدل، و تشويقًا إلى الفضل.

(2 : 529)

أبوالسُّعود: { كُلٌّ } أي كلّ واحدة من الفرق المتقطّعة، أو كلّ واحد من آحاد كلّ واحدة من تلك الفرق { اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ } بالبعث، لاإلى غيرنا، فنجازيهم حينئذ بحسب أعمالهم. و إيراد اسم الفاعل للدّ لالة على الثّبات و التّحقّق. (4 : 356)

نحوه الشّوكانيّ (3 : 532)، و الآلوسيّ.(17 : 90).

البُرُوسَويّ: [نحو أبي السّعُود و أضاف:]

و فى < التّأويلات النّجميّة >: يشير إلى أنّ الخلق تفرّقوا في أمرهم، فمنهم من طلب الدّنيا، و منهم من طلب الآخرة، و منهم من طلب الله تعالى، ثمّ قال { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ }. فأمّا طالب الدّنيا فراجع إلى صورة قهرنا و هي جهنّم، و أمّا طالب الآخرة فراجع إلى صورة لطفنا و هي الجنّة، و أمّا طالبنا فراجع إلى وحدانيّتنا. (5 : 522)

سيّد قُطْب: فالمرجِع إليه وحده، و هو الّذي يتولّى حسابهم، و يعلم ما كانوا عليه من هُدى أو ضلال. (4 : 2397)

ابن عاشور: و جملة { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ } مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، لجواب سؤال يجيش في نفس سامع، قوله تعالى: { وَ تَقَطَّعُوا اَمْرَهُمْ }، و هو معرفة عاقبة هذا التّقطّع.

و تنوين { كُلٌّ } عوض عن المضاف إليه، أي كلّهم، أي أصحاب ضمائر الغيبة و هم المشركون. و الكلام يفيد تعريضًا بالتّهديد.

و دلّ على ذلك التّفريع في قوله تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } الأنبياء : 94، إلى آخره.

(17 : 104)

مَغْنِيّة: هذا تهديد و وعيد على تفرّقهم و شتاتهم، و انحرافهم عن الحقّ. (5 : 298)

الطَّباطَبائيّ: فيه بيان أنّ اختلافهم في أمر الدّين

لايترك سدًى لاأثر له، بل هؤلاء راجعون إلى الله جميعًا، و هم مجزيّون حسب ما اختلفوا، كما يلوح إليه التّفصيل المذكور في قوله بعد: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ } إلخ.

و الفصل في جملة: { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ }، لكونها في معنى الجواب عن سؤال مقدّر، كأ نّه قيل: فإلامَ ينتهي اختلافهم في أمر الدّين؟ و ما ذا ينتج؟ فقيل: { كُلٌّ اِلَيْنَا رَ اجِعُونَ } فنجازيهم كما علموا .

(14 : 323)

مكارم الشّيرازيّ: فإنّ هذا الاختلاف عرضيّ يمكن اقتلاعه، و سيسيرون في طريق الوحدة جميعًا في يوم القيامة. و قد أكّد على هذه المسألة في كثير من الآيات القرآنيّة، و هي أنّ واحدة من خصائص يوم القيامة زوال الاختلافات و ذوبانها، و الرّجوع إلى الوحدة، فنقرأ في المائدة : 48، { اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا ‘فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فيهِ‘ تَخْتَلِفُونَ }. (10: 215)

فضل الله: { رَ اجِعُونَ } و مجموعون إلى ميقات يوم معلوم. (15 : 266)

4 - وَ الَّذينَ‘ يُؤْتُونَ مَا ا"تَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ اَ نَّهُمْ اِلى" رَبِّهِمْ رَ اجِعُونَ. المؤمنون : 60

راجع: و ج ل: < وَجِلَةٌ >.

رَجْعٌ

ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَابًا ذلِ-كَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘. ق : 3

ابن عبّاس: رَدّ. (438)

مثله زَيْد بن عليّ (383)، و أبوعُبَيْدَة (2 : 222)، و ابن الجَوْزيّ (8 : 6).

الضّحّاك: قالوا: كيف يُحيينا الله، و قد صرنا عظامًا و رفاتًا، و ضللنا في الأرض؟

(الطّبَريّ 11 : 407)

مُقاتِل: { رَجْعٌ } إلى الحياة، { بَعيدٌ‘ } بأنّ البعث غير كائن. (4 : 110)

الفَرّ اء: قوله: { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَابًا } كلام لم يظهر قبله، ما يكون هذا جوابًا له، و لكن معناه مضمر، إنّما كان، و الله أعلم:{ ق وَ الْ-قُرْ ا"ن ِالْمَجيدِ } لتبعثنّ بعد الموت، فقالوا: أنبعث إذا كنّا ترابًا؟ فجحدوا البعث، ثمّ قالوا:{ ذلِكَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘ } جحدوه أصلا ، و قوله: { بَعيدٌ‘ } كما تقول للرّجل يخطئ في المسألة: لقد ذهبت مذهبًا بعيدً ا من الصّواب، أي أخطأت.

(3 : 75)

الأخفش:لم يذكر:إنّه رَجْعٌ؛ و ذلك، - و الله أعلم - لأ نّه كان على جواب، كأ نّه قيل لهم: إنّكم ترجعون. فقالوا: { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا ذلِ-كَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘ }.

(2 : 696)

ابن قُتَيْبَة: يريدون البعث بعد الموت، أي لايكون. (417)

الطّبَريّ: يقول القائل: لم يَجْر للبعث ذكر، فيخبر عن هؤلاء القوم بكفرهم ما دعوا إليه من ذلك، فما وجه الخبر عنهم بإنكارهم ما لم يدعوا إليه، و جوابهم عمّا لم يسألوا عنه؟

قيل: قد اختلف أهل العربيّة في ذلك، فنذكر ما قالوا في ذلك، ثمّ نتبعه البيان إن شاء الله تعالى. [ ثمّ نقل نحو الأخفش و الفَرّ اء و أضاف:]

و الصّواب من القول في ذلك عندنا: أنّ في هذا متروكًا، استُغني بدلالة ما ذُكر عليه من ذكره؛ و ذلك أنّ الله دلّ بخبره عن تكذيب هؤلاء المشركين الّذين ابتدأ هذه السّورة بالخبر عن تكذيبهم رسوله محمّدًا(صلی الله علیه و آله) بقوله: { بَلْ عَجِبُوا اَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَالْكَافِرُونَ هذَا شَىْ‌ءٌ عَجيبٌ } ق, : 2، على وعيده إيّاهم على تكذيبهم محمّدً ا (صلی الله علیه و آله)، فكأ نّه قال لهم إذ قالوا منكرين رسالة الله رسوله محمّدً ا (صلی الله علیه و آله): { هذَ ا شَىْ‌ءٌ عَجيبٌ‘} ستعلمون أيّها القوم إذا أنتم بُعثتم يوم القيامة ما يكون حالكم في تكذيبكم محمّدً ا(صلی الله علیه و آله)، و إنكاركم نبوّته، فقالوا: مجيبين رسول الله (صلی الله علیه و آله): { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا } نعلم ذلك، و نرى ما تَعِدنا على تكذيبك { ذلِكَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘ }، أي إنّ ذلك غير كائن، و لسنا راجعين أحياء بعد مماتنا، فاستُغني بدلالة قوله: { بَلْ عَجِبُوا اَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هذَا شَىْ‌ءٌ عَجيبٌ‘ } من ذكر ما ذكرت من الخبر عن وعيدهم. [ثمّ ذكر قول الضّحّاك و قال: ]

و فيه دلالة على صحّة ما قلنا من أ نّهم أنكروا البعث إذا توعّدوا به. (11 : 406)

الزّجّاج: أي يبعد عندنا أن نُبعَث بعد الموت.

(5 : 42)

مثله الخازن. (6 : 194)

الطُّوسيّ: أي يبعد عندنا أن نُبعَث بعد الموت، لأنّ ذلك غير ممكن. (9 : 358)

نحوه القُشَيْريّ. (6 : 15)

البغَويّ: { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا }، نُبعَث، تُرك ذكر البعث، لدلالة الكلام عليه { ذلِكَ ’رَجْعٌ }، أي رَدّ إلى الحياة، { بَعيدٌ‘ } و غير كائن، أي يبعد أن نُبعَث بعد الموت. (4 : 270)

المَيْبُديّ: استفهام إنكار و استبعاد، و العامل فيه مضمر، تقديره: أ نُبعَث؟ أ نُرْجَع؟ { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَابًا ذلِكَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘ } عن الصّدق، لايكون. و ليس المراد بعد الزّمان. وقيل: { بَعيدٌ‘ }، أي محال، هذا كقوله: { اِ نَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } الطّارق : 8.

الرّجْع: الجواب، و الرّجْع: الرّدّ، و الرّجْع: المطر، نطق بكلّها القرآن، فالرّجْع فى قوله تعالى: { فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَة مِنْهُمْ } التّوبة: 83، و في قوله: { وَ لَئِنْ رُجِعْتُ اِلى" رَ بّى }،فصّلت : 50، معناهما: الرّدّ. و الرّجْع فى قوله: { اَلا يَرْجِعُ اِلَيْهِمْ قَوْ لا } طه" : 89، معناه: الجواب. و الرّجْع فى قوله: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ }،الطّارق : 11، معناه: المطر. (9 : 275)

الزّمَخْشَريّ: { ذ "لِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ‘‘ } مُستَبعَد مُستَنكَر، كقولك: هذا قول بعيد. و قد أبعد فلان في قوله، و معناه: بعيد من الوهم و العادة. و يجوز أن يكون الرّجْع بمعنى المرجوع، و هو الجواب، و يكون من كلام الله تعالى، استبعادً ا لإنكارهم ما أُنذروا به من البعث. و الوقف قبله على هذا التّفسير حسَن. و قرئ ( اِذَا متْنَا )، على لفظ الخبر، و معناه: إذا متنا بعد أن نرجع، و الدّ الّ عليه { ذلِ-كَ’ رَجْعٌ بَعيدٌ‘‘ }.

فإن قلت: فما ناصب الظّرف إذا كان الرّجْع بمعنى المرجوع؟ قلت: ما دلّ عليه المُنذِر من المُنذَر به، و هو البعث. (4 : 4)

نحوه النّسَفيّ (4 : 176)، و البُرُوسَويّ (9 : 103).

ابن عَطيّة: و الرّجْع: مصدر: رجَعتُه. و قوله: { بَعيدٌ‘ } في الأوهام و الفكر كونه، فأخبر الله تعالى ردًّا على قولهم: بأنّه يعلم ما تأكل الأرض من ابن آدم و ما تُبقي منه، و إنّ ذلك في الكتاب، و كذلك يعود في الحشر معلومًا ذلك كلّه. (5 : 156)

الطَّبْرِِسيّ: أي رَدٌّ بعيد عن الأوهام، و إعادة بعيدة عن الكون. و المعنى: إنّه لايكون ذلك، لأ نّه غير ممكن. (5 : 141)

أبوالفُتُوح: قالوا استفهامًا و استبعادً ا: { ءَ اِذَا مِتْنَا...}. و في الكلام محذوف، و التّقدير: نُرْجَع بَعْدَه؟ { ذلِكَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘ }، و الرّجْع: متعدّ، و الرّجوع: لازم.

(18 : 57)

الفَخْرالرّ ازيّ: إنّهم لمّا أظهروا العجب من رسالته، أظهروا استبعاد كلامه، و هذا كما قال تعالى عنهم: { قَالُوا مَا هذَا اِلا رَجُلٌ يُريدُ‘ اَنْ يَصُدَّ كُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ا"بَاؤُكُمْ وَ قَالُوا مَا هذَا اِلا اِفْكٌ مُفْتَرًى } سبأ : 43 ، و فيه مسائل:

المسألة الأُولى: فقوله: { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا } إنكار منهم بقول أو بمفهوم، دلّ عليه قوله تعالى: { جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ } ق, : 2، لأنّ الإنذار لمّا لم يكن إلا بالعذاب المقيم و العقاب الأليم، كان فيه الإشارة للحشر، فقالوا { ءَاِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَابًا }.

المسألة الثّانية:...و الرّجْع: مصدر رجَع يَرْجِع، إذا كان متعدّيًا، و الرّجوع مصدره، إذا كان لازمًا، و كذلك الرُّجْعى مصدر عند لزومه، و الرّجْع أيضًا يصحّ مصدرً ا للا زم، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: { ذ"لِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ ‘}، أي رجوع بعيد. و يحتمل أن يكون المراد: الرّجْعالمتعدّي، و يدلّ على الأوّ ل قوله تعالى: { اِنَّ اِلى" رَ بِّكَ الرُّجْعى } العلق : 8، و على الثّاني قوله تعالى: { ءَ اِنَّا لَمَرْدُودُونَ } النّازعات : 10، أي مرجعون، فإنّه من الرّجْع المتعدّي. فإن قلنا: هو من المتعدّي، فقد أنكروا كونه مقدورً ا في نفسه.

(28 : 151)

القُرطُبيّ: { ءَاِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا } نُبعَث، ففيه إضمار،{ ذلِكَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘ }. الرّجْع: الرّدّ، أي هو رَدّ بعيد، أي محال. يقال: رجَعتُه أرجعه رَجْعًا، و رجَعَ هو يَرْجِع رُجُوعًا. و فيه إضمار آخر، أي و قالوا: أ نُبعَث إذا متنا. و ذكر البعث و إن لم يجرها هنا، فقد جرى في مواضع، و القرآن كالسّورة الواحدة. و أيضًا ذِكْر البعث منطَو تحت قوله: { بَلْ عَجِبُوا اَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ }، لأ نّه إنّما يُنذر بالعقاب و الحساب في الآخرة.

(17 : 4)

البَيْضاويّ: أي بعيد عن الوهم أو العادة أو الإمكان. و قيل: الرّجْع: بمعنى المرجوع. (2 : 413)

نحوه أبوالسُّعود (6 : 123)، و المشهديّ (9 : 631)، و المَراغيّ (26 : 152).

النَّيسابوريّ: { ذ "لِكَ } الرّجْع، أي البعث، { رَجْعٌ بَعيدٌ‘ }، أي يستبعد في العقول. و قيل: إنّه من كلام الله عزّو جلّ. و الرّجْع بمعنى الجواب، أي جواب هؤلاء الكفّار في دعوى المُنذر جواب بعيد عن حيّز العقل، لدلالة البراهين السّاطعة على وجود الحشر

و النّشر.

منها: شمول علم الله تعالى بأجزاء الميّت علىالتّفصيل، و إلى هذا أُشير بقوله: { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الاَ_رْضُ‌ُُ } ق : 4. (26 : 76)

ابن جُزَيّ: الرّجْع: مصدر: رجَعتُه، و المراد به: البعث بعد الموت. و معنى{ بَعيدٌ‘‘ }، أي بعيد الوقوع عندهم. و قيل: الرّجع: الجواب، أي جوابهم هذا بعيد عن الحقّ. و على هذا يكون قوله: { ذلِكَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘ } من كلام الله تعالى. و أمّا على الأوّ ل، فهو حكاية كلام الكفّار؛ و هو أظهر. (4 : 63)

أبوحَيّان: و قرأ الجمهور: { ءَاِذَا } بالاستفهام، و هم على أُصولهم في تحقيق الثّانية و تسهيلها، و الفصل بينهما.

و قرأ الأعرج، و شيبة، و أبوجعفر، و ابن وَثّاب، و الأعمش، و ابن عتبة عن ابن عامر ( اِذَا ) بهمزة واحدة على صُورة الخبر، فجاز أن يكون استفهامًا حُذفت منه الهمزة، و جاز أن يكونوا عدلوا إلى الخبر و أُضمر جواب ( اِذَا )، أي إذا متنا و كنّا ترا بًا رجعنا.

و أجاز صاحب < اللّوامح >: أن يكون الجواب ’{ رَجْعٌ بَعيدٌ‘ }، على تقدير حذف الفاء. و قد أجاز بعضهم في جواب الشّرط ذلك، إذا كان جملة اسميّة، و قصره أصحابنا على الشّعر في الضّرورة.

و أمّا في قراءة الاستفهام، فالظّرف منصوب بمضمر، أي أ نُبعَث إذا متنا؟ و إليه الإشارة بقوله: { ذ"لِكَ }، أي البعث{ رَجْعٌ بَعيدٌ ‘}، أي مُستَبعَد في الأوهام و الفكر.

و قال الزّمَخْشَري: و ( اِذَا ) منصوب بمضمر معناه: أحين نموت و نبلى نرجع؟ انتهى. و أخذه منقول ابن جنّيّ.

قال ابن جنّيّ: و يحتمل أن يكون المعنى: أئذا متنا بعد رجعنا، فدلّ { رَجْعٌ بَعيدٌ‘‘} على هذا الفعل، و يحلّ محلّ الجواب، لقولهم: أئذا. [ثمّ ذكر بقيّة قول الزّمَخْشَريّ و قال:]

و كون { ذ"لِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ‘ } بمعنى مرجوع، و أ نّه من كلام الله تعالى، لامن كلامهم، على ما شرحه مفهوم عجيب ينبو عن إدراكه فهم العرب. (8 : 120)

نحوه السّمين. (6 : 174)

ابن كثير: أي بعيد الوقوع، و المعنى: أ نّهم يعتقدون استحالته، و عدم إمكانه. (6 : 396)

الشِّربينيّ: و لمّا كان المتعجّب منه مجملا، أوضحه بقوله تعالى حكاية عنهم، مبالغين في الإنكار، بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاريّ: { ءَ اِذَا مِتْنَا } ففارقت أرواحنا أبداننا { وَ كُنَّا تُرَ ابًا }، لافرق بينه و بين تراب الأرض. و لمّا كان العامل في الظّرف ما تقديره نرجع، دلّ عليه بقوله تعالى، دالا بالإشارة بأداة البُعْد إلى عظيم استبعادهم: { ذ"لِكَ } أي الأمر الّذي في غاية البُعْد، و هو مضمون الخبر برجوعنا { رَجْعٌ } أي رَدّ إلى ما كنّا عليه { بَعيدٌ‘ } جدًّ ا، لأ نّه لايمكن تمييز ترابنا من بقيّة التّراب. (4 : 79)

الشّريف الكاشانيّ:[نحوالزّمَخْشَريّ وأضاف:] و المعنى: ذلك الإنكار مرجوع، أي مردود بعيد

عن العقل. (6 : 442)

شُبّر: { رَجْعٌ بَعيدٌ‘ } عن الوهم. (6 : 67)

الشَّوْكانيّ: قرأ الجمهور { ءَ اِذَا }بالاستفهام، و قرأ [بعضهم] بهمزة واحدة، فيحتمل الاستفهام كقراءة الجمهور، و همزة الاستفهام مقدّرة، و يحتمل أنّ معناه الإخبار، و العامل في الظّرف مقدّر، أي أيبعثنا، أو أ نُرْجَع إذا متنا، لدلالة ما بعده عليه. هذا على قراءة الجمهور، و أمّا على القراءة الثّانية، فجواب ( اِذَا ) محذوف، أي، رجعنا. و قيل: { ذ"لِكَ رَجْعٌ }، و المعنى: استنكارهم للبعث بعد موتهم و مصيرهم ترابًا.

ثمّ جزموا باستبعادهم للبعث، فقالوا: { ذ"لِكَ } أي البعث { رَجْعٌ بَعيدٌ‘ } أي بعيد عن العقول، أو الأفهام، أو العادة أو الإمكان. يقال: رَجَعتُه أرْجعُه رَجْعًا، و رجَع هو يَرْجِع رُجُوعًا. (5 : 88)

الآلوسيّ: و قوله تعالى:{ ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا } تقرير للتّعجّب و تأكيد للإنكار، أو بيان لموضع تعجّبهم. و العامل في ( اِذَا ) مضمر غنيّ عن البيان، لغاية شهرته، مع دلالة ما بعده عليه، أي أحين نموت و نصير ترا بًا نرجع، كما ينطق به النّذير و المنذَر به، مع كمال التّباين بيننا و بين الحياة حينئذ. و قوله سبحانه: { ذلِ-ِكَ ’} إشارة إلى محلّ النّزاع، و هو الرّجْع و البعث بعد الموت، أي ذلك الرّجع { رَجْعٌ بَعيدٌ‘ }، أي عن الأوهام أو العادة أو الإمكان.

و قيل: الرّجْع بمعنى المرجوع، أي الجواب. يقال: هذا رَجْع رسالتك و مرجوعها و مرجوعتها، أي جوابها، و الإشارة عليه إلى { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا...}، و الجملة منكلام الله تعالى، و المعنى: ذلك جواب بعيد منهم لمنذرهم، و ناصب ( اِذَا ) حينئذ ما ينبئ عنه المُنذِر من المُنذَر به: و هو البعث، أي أئذا متنا و كنّا ترا بًا بُعثنا. و قد يقال: إنّه لمّا تقرّر أنّ ذلك جواب منهم لمُنذِرهم، فقد علم أ نّه أنذرهم بالبعث، ليُصلح ذلك جوا بًا له، فهو دليل أيضًا على المقدّر.

فالقول بأ نّه: إذا كان الرّجع بمعنى المرجوع و هو الجواب، لايكون في الكلام دليل على ناصب ( اِذَا )، مندفع. نعم هذا الوجه في نفسه بعيد، بل قال أبوحَيّان: إنّه مفهوم عجيب ينبو عن إدراكه فهم العرب. [ثمّ ذكر القراءات كما سبقت عن أبي حَيّان] (26 : 172)

سيّد قُطْب: المسألة إذن في نظرهم هي مسألة استبعاد الحياة بعد الموت و البِلَى. و هي نظرة ساذجة كما أسلفنا، لأنّ معجزة الحياة الّتي حدثت مرّة يمكن أن تحدث مرّة أُخرى. كما أنّ هذه المعجزة تقع أمامهم في كلّ لحظة، و تحيط بهم في جنبات الكون كلّه. و هذا هو الجانب الّذي قادهم إليه القرآن في هذه السّورة.

غير أ نّنا قبل أن نمضي مع لمسات القرآن و آياته الكونيّة في معرض الحياة، نقف أمام لمسة البِلَى و الدُّثور الّتي تتمثّل في حكاية قولهم و التّعليق عليه: { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا }؟ و إذن فالنّاس يموتون، و إذن فهم يصيرون ترا بًا.

و كلّ من يقرأ حكاية قول المشركين يلتفت مباشرة إلى ذات نفسه، و إلى غيره من الأحياء حوله. يلتفت ليتصوّرالموت و البِلَى و الدُّثور، بل ليحسّ دبيب البِلَى في جسده، و هو بعد حيّ فوق التّراب! و ما

كالموت يهزّ قلب الحيّ، و ليس كالبِلَى يمسّه بالرّجفة و الارتعاش.

و التّعقيب يعمق هذه اللّمسة و يقوّي وقعها، و هو يصوّر الأرض تأكل منهم شيئًا فشيئًا: { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الاَ_رْضُ مِنْهُم... } ق : 4. (6 : 3358)

ابن عاشور: و الاستفهام مستعمل في التّعجيب و الإبطال، يريدون تعجيب السّامعين من ذلك، تعجيب إحالة لئلا يؤمنوا به. و جعلوا مناط التّعجيب الزّمان الّذي أفادته ( اِذَا ) و ما أُضيف إليه، أي زمن موتنا و كوننا ترا بًا.

و المُستَفهَم عنه محذوف، دلّ عليه ظرف { ءَاِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا }، و التّقدير: أ نرجع إلى الحياة في حين انعدام الحياة منّا بالموت، و حين تفَتُّت الجسد

و صيرورته ترا بًا؛ و ذلك عندهم أقصى الاستبعاد. و متعلِّق ( اِذَا ) هو المُستَفهَم عنه المحذوف المقدّر، أي نرجع أو نعود إلى الحياة. و هذه الجملة مستقلّة بنفسها.

و جملة { ذ"لِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ‘ } مؤكّدة لجملة { ءَاِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا } بطريق الحقيقة و الذّكر، بعد أن أُفيد بطريق المجاز و الحذف، لأنّ شأن التّأكيد أن يكون أجلى دلالة.

و الرّجْع: مصدر رجَع، أي الرّجُوع إلى الحياة. و معنى { بَعيدٌ‘ } أ نّه بعيد عن تصوّر العقل، أي هو أمر مستحيل. (26: 232)

مَغْنِيّة: أنكروا البعث، لأ نّهم عاجزون عن إدراكه،و نحن نؤمن بعجزهم هذا. و لكن هل العجز عن إدراك الشّيء دليل على عدم ثبوته؟ و أيّ عاقل يتّخذ من جهله بالأشياء دليلا على نفيها، أمّا الشّبهة الّتي أوقعتهم بهذا الجهل، فقد بيّنوها بقولهم: { مَنْ يُحْىِ الْعِظَامَ وَ هِىَ رَميمٌ‘‘ } ؟ و قال تعالى في جوابهم: { يُحْييهَا‘ الَّذى‘ اَنْشَاَهَا اَوَّ لَ مَرَّة وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليمٌ‘ } يس : 79. و تكرّر هذا المعنى في العديد من الآيات.

(7 : 128)

الطَّباطَبائيّ: الرّجْع و الرّجُوع بمعنى، و المراد: بالبُعْد البُعْد عن العقل.

و جواب( اِذَا ) في قولهم: { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا } محذوف، يدلّ عليه قولهم: { ذلِكَ ’رَجْعٌ بَعيدٌ‘ }، و التّقدير: أءذا متنا و كنّا ترابًا نُبعَث و نُرْجَع؟ و الاستفهام للتّعجيب، و إنّما حُذف للإشارة إلى أ نّه عجيب؛ بحيث لاينبغي أن يُذكَر؛ إذ لايقبله عقل ذي عقل.

و الآية في مساق قوله: { وَ قَالُوا ءَ اِذَا ضَلَلْنَا فِى الاَ_رْضِ ءَ اِنَّا لَفى خَلْق جَديد ‘ }: الم السّجدة : 10.

و المعنى: أ نّهم يتعجّبون، و يقولون: أءذا متنا و كنّا ترابًا،- و بطلت ذواتنا بطلا نًا لاأثر معه منها نبعث و نرجع؟ ثمّ كأنّ قائلا يقول لهم: ممّ تتعجّبون؟ فقالوا: ذلك رَجْع بعيد يستبعده العقل و لايسلمه. (18 : 338)

عبدالكريم الخطيب: هو ممّا تسلّط عليه اسم الإشارة { هذَا } في الآية السّابقة. فقولهم: { هذَا شَىْ‌ءٌ عَجيبٌ‘ } مشار به إلى ما سبقه من قوله تعالى:{ بَلْ عَجِبُوا اَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ }، ثمّ هو مشاربه إلى ما بعده من قوله تعالى: { ءَ اِذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَ ابًا }.

ثمّ هو مشاربه إلى ما بعده، من قوله تعالى: { ءَ اِذَا

مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَابًا }، أي أإذا متنا و كنا ترا بًا تعود إلينا الحياة مرّة أُخرى؟ { ذ"لِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ‘ } تنكره الحياة، و لاتُصدّقه العقول!! فما أبعد ما بين الحياة، و هذا التّراب الهامد الّذي غربت فيه الحياة! هكذا يقولون، ساخرين، مستهزئين. (13 : 466)

مكارم الشّيرازيّ: كانوا يتصوّرون أنّ العودة للحياة مرّة أُخرى بعيدة لايُصدّقها العقل، بل كانوا يرونها مُحالا ، و يُعدوّن من يقول بها: ذا جِنّة، كما نقرأ ذلك في الآيتين : 7 و 8 ، من سورة سبأ، إذ: { وَ قَالَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى" رَجُل ٍ يُنَبِّئُكُمْ اِذَا مُزِّ قْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق ٍانَّكُمْ لَفى خَلْق جَديد ‘* اَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا اَمْ بِهِ جِنَّةٌ }.

و لم يكن هذا الإشكال الّذي أوردوه على النّبيّ هنا فحسب، بل أشكلوا عليه به عدّة مرّ ات، و سمعوا ردّه عليهم، إلا أ نّهم كرّروا عليه ذلك عنادً ا.

و على كلّ حال، فإنّ القرآن، يردّ عليهم بطرق متعدّدة، فتارةً يشير إلى علم الله الواسع، فيقول: { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الاَ_رْضُ مِنْهُمْ وَ عِنْدَ نَا كِتَابٌ حَفيظٌ ‘} ق : 4.

إذا كان إشكالكم هو أ نّه كيف تجتمع عظام الإنسان النّخرة، و لحمه الّذي صار ترا بًا، و ذرّ اته الّتي تبدّلت إلى بخارو غازات متفرّقة في الهواء، و مَن يجمعها؟! أو من يعرف عنها شيئًا؟! فجواب ذلك معلوم، فالله الّذي أحاط بكلّ شي‌ء علمًا، يعرف جميع هذه الذّرّات، و يجمعها متى شاء، كما أنّ ذرّ ات الحديد المتناثرة في تلّ من الرّمل يمكن جمعها بقطعة من « المغناطيس » فكذلك جَمْع ذرّ ات الإنسان أيسر على الله من ذلك.

و إذا كان إشكالهم أ نّه من يحفظ أعمال الإنسان ليوم المعاد؟ فالجواب على ذلك: أنّ جميع أعمال النّاس في لوح محفوظ، و لايضيع أيّ شي‌ء في هذا العالم، و كلّ شي‌ء- حتّى أعمالكم سيظلّ باقيًا و إن تغيّر شكله. (17 : 14)

فضل الله: أي رجوع يستبعده العقل، فكيف يتحدّث بذلك من يدّعي سلامة العقل، و يوحي بأ نّه قد جاءنا ليرفع من شأن العقل لدينا، و يُطوّر و عينا الفكريّ.

و لكنّ الله يردّ عليهم كلّ ذلك بمنطق عقليّ، يضعهم وجهًا لوجه أمام المعادلة العقليّة الّتي تقيس الأشياء بأمثالها، ليقف الجميع على القاعدة الّتي تحكم كلّ هذه الأُمور: { قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الاَ_رْضُ مِنْهُمْ } ق : 4. (21 : 174)

الرَّجْعِ

وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ *اِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ. الطّارق: 11 - 13

ابن عبّاس: أقسم بالسّماء ذات المطر بعد المطر، و السّحاب بعد السّحاب، عامًا بعد عام. (508)

نحوه سيّد قُطْب. (6 : 3880)

السّحاب فيه المطر.

يعني بالرّجْع: القطر و الرّزق كلّ عام.

(الطّبَريّ12 : 539)

مُجاهِد: السّحاب يمطر، ثمّ يَرْجِع بالمطر.

(الطّبَريّ 12 : 539)

الضّحّاك: يعني: المطر. (الطّبَريّ 12 : 539)

هكذا أكثر المفسّرين.

عِكْرِمَة: رجعت بالمطر. (الطّبَريّ 12 : 539)

الحسَن: ترجع بأرزاق النّاس كلّ عام.

(الطّبَريّ 12 : 539)

قَتادَة: ترجع بأرزاق العباد كلّ عام، لولاذلك هلكوا و هلكت مواشيهم. (الطّبَريّ 12 : 539)

نحوه الثّعلبيّ (10 : 180)، و القاسميّ (17 : 6126).

ترجع بالغيث كلّ عام. (الطّبَريّ 12 : 539)

ابن زَيْد: شمسها و قمرها و نجومها يأتين من هاهنا. (الطّبَريّ 12 : 539)

الفَرّ اء: تبتدئ بالمطر، ثمّ ترجع به في كلّ عام.

(3 : 255)

أبوعُبَيْدة: الماء. [ثمّ استشهد بشعر] (2 : 294)

ابن قُتَيْبَة: أي المطر. [ثمّ استشهد بشعر] (523)

الطّبَريّ: ترجع بالغيوم و أرزاق العباد كلّ عام. [ثمّ استشهد بشعر و قال:]

و بنحو الّذي قلنا في ذلك قال أهل التّأويل.

و قال آخرون: يعني بذلك أنّ شمسها و قمرها يغيب و يطلع. (12 : 538)

الزّجّاج: أي ذات المطر، سمّي به، لأ نّه يجيء و يرجع و يتكرّر. (5 : 312)

نحوه البغَويّ (5 : 240)، و ابن الجَوْزيّ (9 : 84)، و الخازن (7 : 195).

الشّريف الرّضيّ: و هذه استعارة. و المراد بها: صفة السّماء بأ نّها ترجع بدرور الأمطار، و تعاقب الأنواء، مرّة بعد مرّة، و تُعطي الخير حالةً بعد حالة.

و قد قيل: إنّ الرّجْع الماء نفسه. [ثمّ استشهدبشعر]

(236)

الماوَرْديّ: فيه أربعة أقاويل:

أحدها: ذات المطر، لأ نّه يرجع في كلّ عام، قاله ابن عبّاس.

الثّاني: ذات السّحاب، لأ نّه يرجع بالمطر.

الثّالث: ذات الرّجُوع إلى ما كانت، قاله عِكْرِمَة.

الرّ ابع: ذات النّجوم الرّ اجعة، قاله ابن زَيْد.

و يحتمل خامسًا: ذات الملائكة، لرجوعهم إليها بأعمال العباد، و هذا قسَم. (6 : 248)

الطُّوسيّ: قيل: رَجْع السّماء: إعطاؤها الخير، يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان. رجَعَه يَرْجِعُه رَجْعًا، إذا أعطاه مرّة بعد مرّة.

و قيل: الرّجْع: الماء الكثير، تردّده بالرّياح الّتي تمرّ عليه. [ثمّ استشهد بشعر] (10 : 326)

الواحديّ: يعني ذات المطر، في قول جميع المفسّرين. (4 : 467)

المَيْبُديّ: [نحو الزّجّاج و أضاف:]

و قيل:ترجع بنجومها و كواكبها و شمسها و قمرها طالعةً عقب مغيبها. (10 : 453)

الزّمَخْشَريّ: سمّي المطر رَجْعًا كما سمّي أوْ بًا، تسمية بمصدري < رَجَعَ > و < آبَ >؛ و ذلك أنّ العرب

كانوا يزعمون أنّ السّحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثمّ يُرجعُه إلى الأرض، أو أرادوا التّفاؤل، فسمّوه رَجْعًا و أوْ بًا، ليرجع و يثوب.

و قيل: لأنّ الله يرجعه وقتًا فوقتًا. (4 : 241)

نحوه أبوالسُّعود. (6 : 411)

ابن عَطيّة: [ذكر قول ابن عبّاس و الحسَن ثمّ أضاف:]

و قال ابن زَيْد: { الرَّجْعِ } : مصدر رجوع الشّمس من حال إلى حال؛ و من منزله تذهب و ترجع. (5 : 466)

الطَّبْرِسيّ: أي ذات المطر، عن أكثر المفسّرين... و قيل: رَجْع السّماء: إعطاؤها الخير الّذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان، فترجع بالغيث و أرزاق العباد. (5 : 472)

أبوالفُتُوح: و السّماء ذات المطر. و قيل: المراد ب- { السَّمَاءِ }: السّحاب، و العرب تسمّي السّحاب سماءً على سبيل المقاربة، كما يسمّى المطر سماءً أيضًا. يقال: أصابنا سَماءٌ، أي مطر. [ثمّ استشهد بقول ابن عبّاس و أبي عُبَيْدَة] (20 : 230)

الفَخْرالرّ ازيّ: اعلم أ نّه سبحانه و تعالى لمّا فرغ من دليل التّوحيد و المعاد، أقسم قسمًا آخر. أمّا قوله: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } فنقول: قال الزّجّاج: الرّجْع: المطر، لأ نّه يجي‌ء و يتكرّر. و اعلم أنّ كلام الزّجّاج و سائر أئمّة اللُّغة صريح في أنّ الرّجْع ليس اسمًا موضوعًا للمطر، بل سُمّي رَجْعًا على سبيل المجاز. و لحُسن هذا المجاز وُجُوه:

أحدها: قال القفّال: كأ نّه من ترجيع الصّوت، و هو إعادته و وصل الحروف به، فكذا المطر لكونه عائدً ا مرّة بعد أُخرى سُمّي رَجْعًا.

و ثانيها: أنّ العرب كانوا يزعمون أنّ السّحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثمّ يرجعه إلى الأرض.

و ثالثها: أ نّهم أرادوا التّفاؤل فسمّوه رَجْعًا ليرجع. و رابعها:أنّ المطر يرجع في كلّ عام.

إذا عرفت هذا فنقول: للمفسّرين أقوال:

أحدها: [هو الأوّ ل من قول ابن عبّاس]

ثانيها: رَجْع السّماء: إعطاء الخيرالّذي يكون من جهتها حالا بعد حال على مرور الأزمان، ترجعه رَجْعًا، أي تُعطيه مرّة بعد مرّة.

و ثالثها: قال ابن زَيْد: هو أ نّها تردّ و ترجع شمسها و قمرها بعد مغيبهما؛ و القول: هو الأوّ ل. (31 : 133)

نحوه النَّيسابوريّ. (30 : 70)

ابن عَرَبيّ: أي و الرّوح ذات الرّجْع في النّشأة الثّانية. (2 : 794)

القُرطُبيّ: أي ذات المطر، تَرْجع كلّ سنة بمطر بعد المطر، كذا قال عامّة المفسّرين. [ثمّ ذكر بعض الأقوال]

(20 : 10)

البَيْضاويّ: ترجع في كلّ دورة إلى الموضع الّذي تتحرّ ك عنه. و قيل: الرّجْع: المطر، سمّي به كما سمّي أوْ بًا، لأنّ الله يُرجعه وقتًا فوقتًا، أو لما قيل: من أنّ السّحاب يحمل الماء من البحار، ثمّ يُرجعه إلى الأرض؛ و على هذا يجوز أن يراد ب- { السَّمَاءِ } السّحاب.

(2 : 553)

نحوه الكاشانيّ (5 : 314)، و المشهديّ (11 : 298)، و شُبّر (6 : 394)، و فريد وجدي (803).

النّسَفيّ: أي المطر، و سُمّي به لعوده كلّ حين.

(4 : 348)

ابن جُزَيّ: المراد بالرّجْع عند الجمهور: المطر، و سمّاه رَجْعًا بالمصدر، لأ نّه يرجع كلّ عام، أو لأ نّهيرجع إلى الأرض. (4 : 192)

أبوحَيّان: [ذكر بعض الأقوال ثمّ أضاف:]

و قيل: الرّجْع: الملائكة، سُمّوا بذلك لرجوعهم بأعمال العباد. و قيل: السّحاب. و المشهور عند أهل اللُّغة و قول الجمهور: أنّ الرّجْع هو المطر. (8 : 456)

الثّعالبيّ: المطر و ماؤه. (3 : 467)

الشِّربينيّ: أي الّتي ترجع بالدّوران إلى الموضع الّذي تتحرّ ك عنه، فترجع الأحوال الّتي كانت و تصرّمت من اللّيل و النّهار و الشّمس و القمر و الكواكب، و الفصول من الشّتاء و ما فيه من بَرَد و مطر، و الصّيف و ما فيه من حرّ و صفاء و سكون، و غير ذلك.

و قيل: ذات النّفع، و قيل: ذات الملائكة، لرجوعهم فيهم بأعمال العباد. و قيل: ذات المطر لعوده كلّ حين، أو لما قيل: من أنّ السّحاب تحمل الماء من البحار، ثمّ ترجعه إلى الأرض؛ و على هذا يجوز أن يراد

ب- { السَّمَاءِ }: السّحاب. (4 : 518)

صدرالمتألّهين: فذكرها الله سبحانه في هذه السّورة الكريمة على ترتيبها بألطف وجه و أمتنه، و أوضح بيان و أبينه. فبيّن في أوّ ل السّورة إلى قوله: { فَلْيَنْظُرِ الاِ_نْسَانُ مِمَّ خُلِقَ } أمر المبدإ، و منه إلى قوله: { اِنَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } أمر المعاش، و منه إلى قوله: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } أمر المعاد.

و لأحد أن يقول: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } لاستدارة حركتها، فهي في كلّ آن ترجع إلى موضع فارقته. أو أ نّها ذاتالرّجع ،لكونها ذات كواكب راجعة في سيرها، و سُمّي الكوكب رَجْعًا بأحد الوجهين المذكورين، و هي الخمسة المتحيّرة الّتي يكون كلّ منها في فلك غير شامل للأرض، يسمّى: بالتّدوير يحمله فلك شامل لها يسمّى: بالحامل، نسبة حركة أحدهما و هو التّدوير إلى حركة الآخر سرعةٌ أعظم، من نصف قطر الآخر إلى نصف قطره، و نسبة حركة الآخر إلى الأوّ ل بُطْءٌ بالعكسن كما برهن عليه في علم الهيئة بمقدّمات هندسيّة.

و هاهنا وجه آخر: و هو أنّ الإنسان لمّا كان عالَمًا صغيرً ا، فيه جميع ما في هذا العالم، فلايبعد أن يراد بقوله: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ }: الدّماغ و ما فيه من القُوى المدركة و المتصرّفة، و ما يحصل له من الأحوال المذكّرة و الإلهامات، و العلوم الرّ اجعة المتكرّرة.

و عند هذا التّأويل يكون معنى { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ }: العقل الفعّال، لأ نّه يسترجع النّفوس من هذا العالم إلى ما هبطت منه من المحلّ الأعلى، كما قال بعض الحكماء. (7 : 350)

البُرُوسَويّ: و الرّجْع: المطر، سمّي رَجْعًا لما أنّ العرب كانوا يزعمون أنّ السّحاب يحمل الماء من بحار

الأرض، ثمّ يُرجعه إلى الأرض. أو أرادوا بذلك التّفاؤّل ليرجع، و لذلك سمّوه: أوْ بًاليؤوب، فيكون الرّجْع مصدرً ا من اللا زم بمعنى الرّجوع، لامن المتعدّي، قاله بعض العلماء . أو لأنّ الله يُرجعه و قتًا فوقتًا، بعد إيجاده و إحداثه.

و قال الرّ اغِب: سمّيالمطر رَجْعًا، لردّ الهواء ما تناوله من الماء.

و قال عبد القاهر الجُرْجانيّ فى كتاب < إعجاز القرآن >: إنّما قال للسّماء { ذَاتِ الرَّجْعِ }، لأنّ شمسها و قمرها يغيب و يطلع، و بعض نجومها يرجع. [إلى أن قال:]

و فى الآية إشارة إلى أنّ { السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْع} كالأب، { وَ الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } كالأُمّ، و ما ينبت من الأرض كالولد، أقسم الله بالسّماء أوّ لا مجرّدةً عن التّوصيف، و ثانيًا مقيّدة بكونها { ذَاتِ الرَّجْعِ }، و كذا ب- { الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } إيماء إلى المنّة عليهم بكثرة المنافع، و دلالة على العلم التّامّ و القدرة الكاملة فيهما.

و فيه إشارة إلى سماء الرّوح ذات الرّجْع في النّشأة الثّانية، و أرض البدن ذات الصّدع بالانشقاق عن الرّوح وقت زهوقه، أو الشّقّ بعد اتّصاله. (10 : 400)

الآلوسيّ: [نحو البُرُوسَويّ إلا أ نّه قال في وجه تسمية المطر بالرّجْع:]

أو لأنّ السّحاب يحمله من بحار الأرض، ثمّ يُرجعه إلى الأرض. و بنى هذا غير واحد على الزّعم، و فيه بحث...

و قيل: رجوعها نفسها، فإنّها ترجع في كلّ دورة إلى الموضع الّذي تتحرّ ك منه. و هذا مبنيّ على أنّ السّماء و الفلك واحد، فهي تتحرّ ك، و يصير أوجُهَا حضيضًا و حضيضها أوْجًا. و قد سمعت فيما تقدّم أنّ ظاهر كلام السّلف أنّ السّماء غير الفلك، و أ نّها لاتدور و لاتتحرّ ك، و الّذي ذُكر رأي الفلاسفة و منتابعهم. (30 : 99)

المَراغيّ: الرّجْع: إعادة الشّيء إلى حال أو مكان كان فيه أوّ لا ، و المراد به: المطر، و سمّي بذلك لكونه يعاد إلى الأرض من السّماء. [إلى أن قال:]

أي قسَمًا بالسّماء ذات المطر، و هو أنفع شي‌ء ينتظره المخاطبون من السّماء؛ إذ يبدّل جدبهم خِصْبًا، و يعيد موات أرضهم حيًّا، و يصير به لهب صحرائهم هواءً عليلا . (30 : 116 ، 117)

عِزّ ة دروزة: ذات السّحاب الممطر. (2 : 57)

ابن عاشور: و افتتح الكلام بالقسَم، تحقيقًا لصدق القرآن في الإخبار بالبعث، و في غير ذلك ممّا اشتمل عليه من الهدى. و لذلك أُعيد القسَم ب- { السَّمَاءِِ } كما أقسم بها في أوّ ل السّورة، و ذكر من أحوال السّماء ما له مناسبة بالمقسَم عليه، و هو الغيث الّذي به صلاح النّاس، فإنّ إصلاح القرآن للنّاس كإصلاح المطر...

و في اسم الرّجْع مناسبة لمعنى البعث، في قوله: { اِنَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } الطّارق : 8، و فيه مُحسّن الجناس التّامّ، و في مسمّى الرّجْع - و هو المطر المُعاقب لمطر آخر - مناسبة لمعنى الرّجْع: البعث، فإنّ البعث

حياة معاقبة بحياة سابقة. (30 : 237)

الطّالقانيّ: لعلّ المراد بقوله: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ }: الرّجوع الطّبيعيّ للسّماء، < الأجزاء العلويّة>، أي ترجع إلى حالها الأُولى بعد قطعها دورة كاملة، و طلوعها بشكل نجم ثاقب، فتنفجر و تتحوّ ل إلى مادّة غازيّة، ثمّ تعود إلى عالم المادّة و الوحدةو القدرة، و كذلك الأرض.

و استنتج علماء الفلك أنّ نطفة النّجوم الجديدة تنعقد - بعد مرحلة التّكامل و الانفجار - من العناصر المنتشرة في الفضاء مع الغاز الكائن بين النّجوم، فيرجع الفضاء و جرمه، و الكواكب المرتبط به إلى المادّة الأُولى: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ }((1)). (4 : 335)

الطَّباطَبائيّ: إقسام بعد إقسام لتأكيد أمر القيامة، و الرّجوع إلى الله.

و المراد بكون السّماءِ ذاتِ رَجْع، ما يظهر للحسّ من سيرها بطلوع الكواكب بعد غروبها، و غروبها بعد طلوعها. (20 : 260)

شريعتي: الرّجْع: العود كما قلنا، و يراد بعود السّماء و رجعها: طلوع الشّمس و القمر و غروبهما، و ظهور النّجوم و أُفولها، فهي تعود دائمًا بعد الغروب ثانية، فتطلع ثمّ تغيب. و كذا الكواكب، فهي تختفي في النّهار، و تظهر في اللّيل، و هكذا دواليك.

و لعلّ المراد المطر، لأنّ العرب تسمّي المطر رَجْعًا، أو لأ نّه ينزل من السّماء مرارً ا و تكرارً ا، و بين كلّ مطرتين فترة، أو أ نّه يصعد إلى السّماء بخارً ا ثمّ يرجع إلى الأرض ماءً.

و لعلّهم سمّوا المطر رَجْعًا للتّفاؤل، و هذا كثير في اللُّغة، فأطلقوا على اللّديغ: سليمًا تفاؤلا بسلامته و نجاته، و على الفلاة: مفازة تفاؤلا بفوز من يقطعهاو خلاصه من الهلاك. (135)

عبد الكريم الخطيب: هو قسَم ب- { السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْع ِ}، أي ذات المطر الّذي ينزل من السّحاب. و سمّي المطر رَجْعًا، لأ نّه خرج من الأرض، و إليها يرجع و قسَمٌ آخر ب- { الاَ_رْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ } أي الّتي تتشقّق ليخرج منها النّبات، الّذي يتخلّق في رحمها من هذا الماء المصبوب فيها.

فالسّماء الّتي ينزل منها الماء، إنّما تُعيد هذا الماء إلى الأرض الّذي خرج منها إلى السّماء، و الأرض الّتي تتصدّع عن النّبات تُعيد هذا النّبات الّذي نفذ إليها من ظهرها تُعيد0 إلى ظهرها مرّة أُخرى. و في هذا، و ذاك دليل على تلك الدّورة الّتي يدور فيها الإنسان، فينقل من ظهر الأرض إلى بطنها، ثمّ يعود من بطنها إلى ظهرها. (15 : 1524)

مكارم الشّيرازيّ:{ الرَّجْعِ }: من الرّجُوع، بمعنى العود. و يطلق على الأمطار اسم: الرّجْع، لأ نّها تبدأ من مياه الأرض و البحار، ثمّ تعود إليها تارةً أُخرى عن طريق الغيوم، أو لأنّ هطول المطر يكون في فواصل زمنيّة مختلفة.

و يسمّى الغدير رَجْعًا: إمّا للمطر الّذي فيه، و إمّا


1) (1) راجع الفصل الثّاني من كتاب < مجموعة علمي جهان >: مجموعة العالم العلميّة.

لتراجع أمواجه، و تردّده في مكانه.

و بملاحظة معنى { الرَّجْع } في الآية السّابقة، نصل إلى أنّ مراد الآية ب- { الصَّدْعِ } هو شقّ الأرض اليابسة بالأمطار، و خروج النّباتات منها.

فالقسمان يشيران إلى إحياء الأراضي الميّتة بالأمطار. و هذا ما تكرّر ذكره في القرآن الكريم، كدليل على إمكانيّةالمعاد، كما في قوله تعالى: { وَ اَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذ"لِكَ الْخُرُوجُ } ق, : 11.

و هنا تتجسّد بلاغة الأُسلوب القرآنيّ، من خلال ربطه الدّ قيق، فيما بين ما يُقسم به و ما يُقسم له.

و بعبارة أُخرى، فالسّورة قد استندت إلى المقارنة فيما بين خلق الإنسان من نطفة، و بين إحياء الأرض الميّتة بالأمطار في استدلالها. و جاء شبيه هذا الاستدلال في: { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اِنْ كُنْتُمْ فى رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَاِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَ اب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ...

وَ تَرَى الاَ_رْضَ هَامِدَةً فَاِذَا اَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ اَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ‘ }، الحجّ : 5.

و قيل أيضًا: إنّ الآية: { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ } تشير إلى دوران الكواكب في مسارات معيّنة، كدوران الأرض حول نفسها و حول الشّمس، و حركة الكواكب السّيّارة للمنظومة الشّمسيّة، و كذلك شروق و غروب الشّمس و القمر و النّجوم؛ حيث إنّ كلّ هذه الحركات تتضمّن الرّجوع و العودة. و هذا الرّجوع علامة لرجوع النّاس العامّ إلى الحياة.

و لكن من خلال ما تقدّم يظهر لنا أنّ التّفسير الأوّل أنسب و أقرب لقرائن السّورة؛ حيث إنّه إشارة إلى مسألة شقّ الأرض مع أدلّة المعاد. (20 : 105)

فضل الله: [نحو الزّجّاج و قال:]

صحيح أنّ الرّجْع قد يراد به لغة - كما تقدّم - المطر، إلا أ نّه قد يُعمّم، لينتحل كلّ الظّواهر السّماويّة المتكرّرةالبادية للحسّ أو للعيان، كما في طلوع الكواكب و غروبها، و نحو ذلك. (24 : 187)

رَجْعِهِ

اِ نَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ. الطّارق : 8

ابن عبّاس: على ردّ ذلك الماء إلى الإحليل.

(508)

مثله مُجاهِد. (الفَرّ اء 3 : 255)

مُجاهِد: على أن يردّ الماء في الإحليل.

(الطّبَريّ 12 : 536)

الضّحّاك: إن شئتُ ردَدْتُه كما خلقته من ماء.

[و في رواية:] إن شئتُ ردَدْتُه من الكبر إلى الشّباب، و من الشّباب إلى الصِّبا، و من الصِّبا إلى النّطفة. (الطّبَريّ 12 : 537)

مثله مُقاتِل. (الواحديّ 4 : 465)

عِِكْرِمَة: إنّه على ردّه في صُلبه { لَقَادِرٌ }.

(الطّبَريّ 12 : 536)

على أن يعيده حيًّا بعد موته.

مثله الحسَن و قَتادَة. (الماوَرْديّ 6 : 247)

الحسَن: يعني أنّ الّذي خلقه ابتداءً من هذا الماء، يقدر على أن يرجعه حيًّا بعد الموت.

مثله قَتادَة و الجُبّائيّ. (الطَّبْرِسيّ 5 : 471)

قَتادَة: إن الله تعالى ذكره على بعثه [الإنسان] و إعادته قادر. (الطّبَريّ 12 : 537)

مُقاتِل:قادر على أن يبعثه يوم القيامة. (4 : 659)

ابن زَيْد: على رَجْع ذلك الماء { لَقَادِرٌ }، حتّى لايخرج، كما قدر على أن يخلق منه ما خلق، قادر على أن يُرجعه. (الطّبَريّ 12 : 537)

الفَرّ اء: ردّ الإنسان بعد الموت. (3 : 255)

الطّبَريّ: و اختلف أهل التّأويل في الهاء الّتي في قوله: { عَلى" رَجْعِه ِ} على ما هي عائدة، فقال بعضهم: هي عائدة على الماء. و قالوا: معنى الكلام: إنّ الله على ردّ النّطفة في الموضع الّتيخرجت منه { لَقَادِرٌ }.

و قال آخرون: بل معنى ذلك: إنّه على ردّ الإنسان ماء، كما كان قبل أن يخلقه منه.

و قال آخرون: بل معنى ذلك: إنّه على حبس ذلك الماء { لَقَادِرٌ }.

و قال آخرون: بل معنى ذلك: إنّه قادر على رَجْع الإنسان من حال الكبر إلى حال الصّغر.[ثمّ ذكر قول الضّحّاك و قال:]

و على هذا التّأويل تكون الهاء في قوله: { عَلى" رَجْعِه ِ} من ذكر الإنسان.

و قال آخرون ممّن زعم أنّ الهاء للإنسان: معنى ذلك: إنّه على إحيائه بعد مماته { لَقَادِرٌ }.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب، قول من قال معنى ذلك: إنّ الله على ردّ الإنسان المخلوق من ماء دافق من بعد مماته حيًّا، كهيئته قبل مماته { لَقَادِرٌ }.

و إنّما قلت هذا أولى الأقوال في ذلك بالصّواب، لقوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ } الطّارق : 9،فكان في إتباعه قوله: { اِنَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } نبأ من أنباء القيامة، دلالة على أنّ السّابق قبلها أيضًا منه، و منه: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ } يقول تعالى ذكره: إنّه على إحيائه بعد مماته {لَقَادِرٌ } يوم تُبلى السّر ائِر، فاليوم من صفة الرّجْع، لأنّ المعنى: إنّه على رجعه يوم تُبلى السّرائر لقادر. (12 : 536)

نحوه ابن كثير. (7 : 265)

الزّجّاج: جاء في التّفسير: على رَجْع الماء إلى الإحليل { لَقَادِرٌ }.

و جاء أيضًا على رجعه إلى الصُّلب، و جاء أيضًا على رجعه على بعث الإنسان، و هذا يشهد لهقوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ } أي إنّه قادر على بعثه يوم القيامة. (5 : 312)

القُمّيّ:كما خلقه من نطفة، يقدر أن يَرُدّه إلى الدّنيا و إلى القيامة. (2 : 415)

الثّعلبيّ: [نقل الأقوال و قال:]

و أولى الأقاويل بالصّواب تأويل قَتادَة، لقوله تعالى: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ }. (10 : 180)

نحوه أبوالفُتُوح. (20 : 229)

الماوَرْديّ: فيه خمسة أوجُه: [ذكر قول مُجاهِد و الضّحّاك و قولي عِكْرِمَة، ثمّ قال:]

الخامس: على أن يحبس الماء فلايخرج.

و يحتمل سادسًا: على أن يُعيده إلى الدّنيا بعد بعثه في الآخرة، لأنّ الكفّار يسألون الله فيها الرّجعة.

(6 : 247)

الطُّوسيّ: و الرّجْع: الماء. [و استشهد بشعر]

و معنى الآية: إنّ الّذي ابتدأ الخلق من ماء دافق، أخرجه من بين الصُّلب و التّرائب حيًّا، قادر على إعادته. { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ }، لأنّ الإعادة أهون من ابتداء النّشأة. (10 : 325)

القُشَيْريّ: إنّه على بعثه و خلقه مرّة أُخرى { لَقَادِرٌ }، لأ نّه قادر على الكمال، و القدرة على الشّيء تقتضي القدرة على مثله، و الإعادة في معنى الابتداء. (6 : 283)

الواحديّ: [ذكر الأقوال ثمّ نقل قول قَتادَة و قال:]

و هذا هو الاختيار، لقوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ } أي إنّه قادر على بعثه يوم القيامة. و معنى الرّجْع: رَدّ الشّيء إلى أوّ ل حاله. (4 : 465)

نحوه البغَويّ (5 : 239)، و الطَّبْرِسيّ (5 : 471)، و الخازن (7 : 194).

المَيْبُديّ: رَجْع الإنسان بعد البلى إلى الحياة.

(10 : 452)

الزّمَخْشَريّ: على إعادته خصوصًا. (4 : 241)

ابن عَطيّة: الضّمير في { اِنَّهُ } لله تعالى. و اختلف المفسّرون في الضّمير في { رَجْعِهِ }، فقال قَتادَة و ابن عبّاس: هو [عائد] على { الاِ_نْسَانُ } الطّارق : 5،أي على ردّه حيًّا بعد موته. و قال الضّحّاك: هو عائد على { الاِ_نْسَانُ }، لكنّ المعنى يرجعه ماءً كما كان أوّ لا ، و قال الضّحّاك أيضًا: يُرَدّ من الكبر إلى الشّباب.

و قال عِكْرِمَة و مُجاهِد: هو عائد على الماء، أي يردّه في الإحليل، و قيل: في الصُّلب، و العامل في {يَوْمَ} على هذين القولين الأخيرين فعل مضمر، تقديره :اذكر { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ }.و على القول الأوّل، و هو أظهر الأقوال و أبينها. (5 : 466)

نحوه ابن الجَوْزيّ (9 : 83)، و الشِّربينيّ (4 : 517).

أبوالبَرَكات: {اِنَّهُ } الهاء فيها وجهان:

أحدهما: أ نّها تعود على الماء، أي على رجع الماء إلى موضعه من الصُّلب { لَقَادِرٌ }. و { يَوْمَ تُبْلَى...} ظرف، و لايجوز أن يتعلّق ب- { رَجْعِهِ }، لأ نّه يؤدّي إلى الفصل بين الصّلة و الموصول بخبر ( اِنّ )، و هو قوله تعالى: { لَقَادِرٌ }، و فيما يتعلّق به وجهان: أحدهما: أ نّه يتعلّق بفعل يدلّ عليه قوله: { رَجْعِهِ }،و تقديره: يرجعه يوم تُبلى السّرائر.

و الثّاني: أ نّه يتعلّق بقوله: { لَقَادِرٌ }، و الوجه الأوّل أوجه، لأنّ الله قادر في جميع الأوقات، فأيّ فائدة في تعيين هذا الوقت. و من جعل الهاء عائدة على < الماء > لاعلى{ الاِ_نْسَانُ }،نصب {يَوْمَ} ب- {تُبْلَى}، بتقدير: اذكُر، لأ نّه لم يُرِد أن يُخبر أ نّه قادر على رَدّ الماء إلى موضعه من الصُّلب في الآخرة، و الله أعلم.

(2 : 507)

الفَخْر الرّ ازيّ: فيه مسألتان:

المسألة الأُولى: الضّمير في { اِنَّهُ } للخالق، مع أ نّه لم يتقدّم ذكره، و السّبب فيه وجهان:

الأوّ ل: دلالة { خُلِقَ } عليه، و المعنى: أنّ ذلك

الّذي خلق قادر على رجعه.

الثّاني: أ نّه و إن لم يتقدّم ذكره لفظًا، و لكن تقدّم ذكر ما يدلّ عليه سبحانه، و قد تقرّر في بداءة العقول أنّ القادر على هذه التّصرّفات، هو الله سبحانه و تعالى، فلمّا كان ذلك في غاية الظّهور كان كالمذكور.

المسألة الثّانية: الرّجْع: مصدر رجَعْتُ الشّي‌ء، إذا رددته، و الكناية في قوله: { عَلى" رَجْعِهِ } إلى أيّ شي‌ء ترجع؟ فيه وجهان:

أوّلهما: و هو الأقرب، أ نّه راجع إلى{ الاِ_نْسَانُ }، و المعنى: أنّ الّذي قدر على خلق الإنسان ابتداءً وجب أن يقدر بعد موته على ردّه حيًّا، و هو كقوله تعالى: { قُلْ يُحْييهَا الَّذى‘ اَنْشَاَهَا اَوَّ لَ مَرَّة } يس, : 79،و قوله: { وَ هُوَ اَهْوَنُ عَلَيْهِ } الرّوم : 27.

و ثانيهما: أنّ الضّمير غير عائد إلى الإنسان. [ثمّ نقل قول مُجاهِد و عِكْرِمَة و الضّحّاك و مُقاتِل بن حَيّان، و قال:]

و اعلم أنّ القول الأوّ ل أصحّ، و يشهد له قوله: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ }، أي إنّه قادر على بعثه يوم القيامة. (31 : 131)

نحوه ملخّصًاالنَّيسابوريّ. (30 : 70)

العُكْبَريّ: و الهاء في { رَجْعِهِ } تعود على { الاِ_نْسَانُ }، فالمصدر مضاف إلى المفعول، أي الله قادر على بعثه؛ فعلى هذا في قوله تعالى: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ } أوجُه:

أحدها: هو معمول ( قَادِرٌ ).

و الثّاني: على التّبيين، أي يرجع يوم تُبلى.

و الثّالث: تقديره: اذْكُر.

و لايجوز أن يعمل فيه{ رَجْعِهِ } للفصل بينهما بالخبر.

و قيل: الهاء في { رَجْعِهِ } للماء، أي قادر على رَدّ الماء في الإحليل أو في الصُّلب؛ فعلى هذا يكون منقطعًا عن قوله تعالى: { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَ ائِرُ }، فيعمل فيه اذْكُر. (2 : 1281)

النّسَفيّ: على إعادته خصوصًا. (4 : 348)

ابن جُزَيّ: الضّمير في { اِنَّهُ } لله تعالى، و في { رَجْعِهِ } للإنسان، و المعنى: أنّ الله قادر على رجع الإنسان حيًّا بعد موته، و المراد: إثبات البعث. [ثمّ نقل الأقوال و قال:]

و هذا كلّه ضعيف بعيد، و القول الأوّ ل هو الصّحيح المشهور. (4 : 192)

أبوحَيّان: [نقل بعض الأقوال و أضاف:]

و قال عِكْرِمَة و مُجاهِد: الضّمير عائد على الماء، أي على ردّ الماء في الإحليل أو في الصُّلب. و على هذا القول و قول الضّحّاك يكون العامل في{ يَوْمَ تُبْلَى } مضمر، تقديره: اذكُر، و على قول ابن عبّاس، و هو الأظهر.

فقال بعض النّحاة: العامل { نَاصِر } من قوله: { وَ لانَاصِر }، و هذا فاسد، لأنّ ما بعد الفاء لايعمل فيما قبلها، و كذلك ( ما ) النّافية لايعمل ما بعدها فيما قبلها، على المشهور المنصور.

و قال آخرون، و منهم الزّمَخْشَريّ: العامل { رَجْعِهِ } و رُدّ بأنّ فيه فصلا بين الموصول و متعلِّقه،

و هو من تمام الصّلة، و لايجوز. و قال الحُذّاق من النّحاة: العامل فيه مضمر يدلّ عليه المصدر، تقديره: يُرجعه يوم تُبلى السّرائر. (8 : 455)

السّمين: قوله: { عَلى" رَجْعِهِ } في الهاء وجهان:

أحدهما: أ نّه ضمير { الاِ_نْسَانُ }، أي على بعثه بعد موته.

و الثّاني: أ نّه ضمير < الماء >، أي يُرْجِع المنيّ في الإحليل أو الصُّلب. [ثمّ قال نحو أبي حَيّان] (6 : 507)

الثّعالِبيّ: قال ابن عبّاس و قَتادَة: المعنى: إنّ الله على ردّ الإنسان حيًّا بعد موته { لَقَادِرٌ }. و هذا أظهر الأقوال و أبينها. (3 : 466)

أبوالسُّعود: على إعادته بعد موته. (6 : 411)

مثله البُرُوسَويّ. (10 : 399)

الكاشانيّ: قال: كما خلقه من نطفة، يقدر أن يردّه إلى الدّنيا و إلى القيامة. (5 : 315)

الشَّوْكانيّ: و الضّميرفي { رَجْعِهِ } عائد إلى { الاِ_نْسَانُ }، و المعنى: أنّ الله على رجع الإنسان، أي إعادته بالبعث بعد الموت { لَقَادِرٌ }. هكذا قال جماعة من المفسّرين. [ثمّ نقل الأقوال الأُخر و أضاف:]

والأوّ ل أظهر، و رجّحه ابن جرير و الثّعلبيّ و القُرطُبيّ. (5 : 517)

الآلوسيّ: الضّمير الأوّ ل للخالق تعالى شأنه، و كما فُخّم أوّ لا بترك الفاعل في قوله تعالى: { مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ... }الطّارق : 5 ، 6؛ إذ لايذهب إلى خالق سواه عزّو جلّ، فُخّم بالإضمار ثانيًا، و الضّمير الثّاني للإنسان، أي إنّ ذلك الّذي خلقه ابتداءً ممّا ذُكر على إعادته بعد موته، لبيِّن القدرة. [إلى أن قال:]

و قال مُجاهِد و عِكْرِمَة: الضّمير الثّاني للماء، أي إنّه تعالى على ردّ الماء في الإحليل أو في الصُّلب { لَقَادِرٌ }، و ليس بشي‌ء، و مثله كون المعنى، على تقدير كونه للإنسان أ نّه جلّ و علا ردّه من الكِبَر إلى الشّباب { لَقَادِرٌ }، كما رُوي عن الضّحّاك. و ما ذكرناه أوّ لا مرويّ عن ابن عبّاس. (30 : 98)

القاسميّ: و قوله تعالى: { اِنَّهُ } أي الحافظ سبحانه، المتقدّم في قوله: { لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ } الطّارق : 4، أو الخالق المفهوم من { خُلِقَ }الطّارق : 6، { عَلى" رَجْعِهِ } أي رجع الإنسان و إعادته في النّشأة الثّانية، { لَقَادِرٌ } كما قدر على إبدائه في النّشأة الأُولى. (17 : 6125)

المَراغيّ: أي إنّ الّذي قدر على خلق الإنسان ابتداءً من هذه المادّة، قادر أن يردّه حيًّا بعد أنيموت.

و نحو الآية قوله: { قُلْ يُحْييهَا‘ الَّذى‘ اَنْشَاَها اَوَّ لَ مَرَّة } يس, : 79، و أصرح منهما قوله:{ وَ هُوَ الَّذى‘ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ‘ وَ هُوَ اَهْوَنُ عَلَيْهِ } الرّوم : 27.

(30 : 115)

سيّد قُطْب: إنّه الله الّذي أنشأه و رعاه إنّه لقادر على رجعه إلى الحياة بعد الموت، و إلى التّجدّد بعد البِلى، تشهد النّشأة الأُولى بقدرته، كما تشهد بتقديره و تدبيره. فهذه النّشأة البالغة الدّ قّة و الحكمة، تذهب كلّها عبثًا؛ إذا لم تكن هناك رجعة، لتختبر السّرائر وتُجزَى جزاءها العادل. (6 : 3880)

ابن عاشور: استئناف بيانيّ ناشئ عن قوله: { فَلْيَنْظُرِ الاِ_نْسَانُ مِمَّ خُلِقَ } الطّارق : 5، لأنّ السّامع

يتساءل عن المقصد من هذا الأمر بالنّظر في أصل الخلقة؛ و إذ قد كان ذلك النّظر نظر استدلال، فهذا الاستئناف البيانيّ له يتنزّ ل منزلة نتيجة الدّليل، فصار المعنى: إنّ الّذي خلق الإنسان من ماء دافق، قادر على إعادة خلقه بأسباب أُخرى، و بذلك يتقرّر إمكان إعادة الخلق، و يزول ما زعمه المشركون من استحالة تلك الإعادة.

و ضمير { اِنَّهُ} عائد إلى الله تعالى و إن لم يسبق ذكر لمعاد، و لكنّ بناء الفعل للمجهول في قوله: { خُلِقَ مِنْ مَاء دَ افِق } الطّارق : 6، يؤذن بأنّ الخالق معروف لايحتاج إلى ذكر اسمه. و أُسند الرّجع إلى ضميره، دون سلوك طريقة البناء للمجهول، كما في قوله: { خُلِقَ }، لأنّ المقام مقام إيضاح و تصريح، بأنّ الله هوفاعل ذلك.

و ضمير { رَجْعِهِ } عائد إلى { الا_ِنْسَانُ } الطّارق : 5.

و الرّجْع: مصدر رجعه المتعدّي. و لايقال في مصدر رجَع القاصر إلا الرّجوع. (30 : 236)

الطّالقانيّ: قوله: { اِنَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } جواب آخر للقسم في قوله:{وَالسَّمَاءِ...} الطّارق: 1، لأ نّه جاء بدون حرف عطف، أو أ نّه معمول لقوله: {فَلْيَنْظُر...}الطّارق : 5، أي كما أ نّه قادر على إيجاد النّور و الحرارة و الحياة من تفاعل المادّة، فهو قادر على رَجْع الإنسان بشكل آخر وفق التّفاعل الّذي حدث في أعماله الخفيّة، و آثاره المزويّة. (4 : 334)

الطَّباطَبائيّ: الرّجْع: الإعادة، و ضمير { اِنَّهُ } له تعالى، و اكتفى بالإضمار، مع أنّ المقام مقام الإظهار لظهوره، نظير قوله: { خُلِقَ } مبنيًّا للمفعول.

و المعنى: أنّ الّذي خلق الإنسان من ماء صفته تلك الصّفة، على إعادته و إحيائه بعد الموت و إعادته مثل بدئه { لَقَادِرٌ }، لأنّ القدرة على الشّيء قدرة على مثله؛ إذ حكم الأمثال فيما يجوز و فيما لايجوز واحد.

(20 : 260)

عبدالكريم الخطيب: أي إنّ الله سبحانه الّذي خلق هذا الإنسان من هذا الماء الدّ افق، قادر على أن يُرجعه إلى الحياة بعد الموت، و يخلقه خلقًا آخر، كما خلقه أوّ ل مرّة. فهذا الماء لايختلف في تقدير الإنسان عن هذا التّراب الّذي يُبعَث منه الإنسان بعد موته، كلاهماشي‌ء بعيد عن صورة الإنسان. فما أبعد ما بين الإنسان، و بين الماء، أو التّراب! (15 : 1523)

مكارم الشّيرازيّ: فالإنسان ترابًا قبل أن يكون نطفة، ثمّ مرّ بمراحل عديدة مُدهشَة حتّى أصبح إنسانًا كاملا ، و ليس من الصّعوبة بحال على الخالق أن يعيد حياة الإنسان بعد أن نخرت عظامه و صار ترابًا، فالّذي خلقه من التّراب أوّ ل مرّة، قادر على إعادته مرّة أُخرى.

و قد ورد هذا المعنى في الآية من سورة الحجّ : 5،{ يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اِنْ كُنْتُمْ فى رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَاِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَ اب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة }، بالإضافة إلى الآية (67) من سورة مريم: { اَوَ لايَذْكُرُ الاِ_نْسَانُ اَ نَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْ-ً-ا= }. (20 : 102)

فضل الله: { اِنَّهُ عَلى "رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } فإنّ إعادته

إلى الحياة ليست بأكثر صعوبةً من إيجاده بهذا الشّكل الدّقيق، في عمق القدرة و الإبداع، بل إنّ الإيجاد على غير مثال أشدّ في مسألة القدرة، من الإعادة على صورة المثال الموجود. (24 : 185)

الرُّجْعى

اِنَّ اِلى" رَبِّكَ الرُّجْعى . العلق : 8

ابن عبّاس: مرجع الخلائق في الآخرة. (515)

نحوه الثّعلبيّ (10 : 246)، و البغَويّ (5 : 281)،

و القاسميّ (17 : 6212).

الضّحّاك: المنتهى. (الماوَرْديّ6: 306)

زَيْدبن عليّ: المرجِع و المعاد. (490)

أبوعُبَيْدَة: المرجِع و الرّجوع. (2 : 304)

مثله السِّجستانيّ. (222)

ابن قُتَيْبَة: المرجع. (533)نحوه عدّة من المفسّرين.

الطّبَريّ: يقول: إنّ إلى ربّك يا محمّد مرجعه، فذائق من أليم عقابه ما لاقِبَل له به. (12 : 646)

ابن خالَوَيْه: { الرُّجْعى } نصب ب- (اِنَّ )، و لاعلامة للنّصب لأ نّه مقصور، و معناه: إنّ إلى ربّك رجوعنا.و إنّما قيل:{ الرُّجْعى }ليوافق رؤوس الآي { عَبْدً ا اِذَا صَلى|} العلق: 10،{كَذَّبَ وَ تَوَلى} العلق : 13. (138)

الماوَرْديّ: فيه وجهان:

أحدهما: [قول الضّحّاك]

الثّاني: المرجع في القيامة.

و يحتمل ثالثًا: يرجعه الله إلى النّقصان بعد الكمال، و إلى الموت بعد الحياة . (6 : 306)

الطُّوسيّ: فالرُّجْعى و المرجِع و الرُّجوع واحد، أي مصيرهم و مرجِعهم إلى الله، فيجازيهم الله على أفعالهم على الطّاعات بالثّواب، و على المعاصي بالعقاب. (10 : 380)

القُشَيْريّ: أي الرّجُوع يوم القيامة. (6 : 316)

الواحديّ: أي المرجِع. و { الرُّجْعى } مصدر على < فُعْلى >. (4 : 529)

المَيْبُديّ: يعني: المرجِع في الآخرة، فيجازى على طغيانه و مجاوزته حدّه في كفره، تقول: كتبت إليك مرّات، و ما وجدت رُجْعى، أي جوا بًا. (10 : 551)

الزّمَخْشَريّ: قوله [الآية] واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان، تهديدً ا له و تحذيرً ا من عاقبة الطّغيان. و الرُّجْعى: مصدر كالبُشْرى، بمعنى الرّجوع.

(4 : 271)

نحوه البَيْضاويّ (2 : 567)، و النّسَفيّ (4 : 368)، و الكاشانيّ (5 : 349)، و المشهديّ (11 :432).

ابن عَطيّة: أي الحشر و البعث يوم القيامة.

و الرُّجْعى: مصدر كالرّجوع، و هو على وزن: العُقْبى و نحوه، و في هذا الخبر وعيد للطّاغين من النّاس.

(5 : 502)

الطَّبْرِِسيّ: و الرُّجْعى و الرُّجوع و المرجِع واحد.

[إلى أن قال:]

أي إلى الله مرجع كلّ أحد، أي فهذا الطّاغي كيف يطغى بماله و يعصي ربّه و رجوعه إليه، و هو قادر

على إهلاكه، و على مجازاته إذا رجع إليه.

(5 : 513 ، 515)

الفَخْر الرّ ازيّ: فيه مسائل:

المسألة الأُولى: [قال نحو الزّمَخْشَريّ]

المسألة الثّانية: { الرُّجْعى }: المرجِع و الرّجوع، و هي بأجمعها مصادر. يقال: رجع إليه رجُوعًا و مرجِعًا، و رُجْعَى على وزن < فُعْلى >، و في معنى الآية وجهان:

أحدهما: أ نّه يرى ثواب طاعته و عقاب تمرّده و تكبّره و طغيانه، و نظيره قوله: { وَ لاتَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلا } إلى قوله: { اِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فيهِ‘ ‘الاَ_بْصَارُ } إبراهيم : 42، و هذه الموعظة لاتؤثّر إلا في قلب من له قدم صدق. أمّا الجاهل فيغضب و لايعتقد إلا الفرح العاجل.

و القول الثّاني: أ نّه تعالى يردّه و يُرجعُه إلى النّقصان و الفقر و الموت، كما ردّه من النّقصان إلى الكمال؛ حيث نقله من الجماديّة إلى الحياة، و من الفقر إلى الغنى، و من الذُّلّ إلى العزّ، فما هذا التّعزُّز و القوّة.(32 : 19)

ابن عَرَبيّ: بالفناء الذّاتيّ، فلاذات لك و لاصفة، فارتدع متأدّ بًا بأدب حاله. و قال: لست بقارئ، أي ما أنا بقارئ إنّما القارئ أنت. (2 : 829)

القُرطُبيّ: أي مرجِع من هذا وصفه، فنجازيه. و الرُّجْعى و- المرجِع و الرّجُوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجُوعًا و مرجِعًا. و رُجْعى، على وزن < فُعْلى >.

(20 : 124)

النَّيسابوريّ: أي الرُّجوع، وعيد و تذكير، كأ نّه قيل: مصيرك إلى الله و إلى حيث لايدفع عنك المال و الكسب، فما هذه الحيلة و العصيان و الكبر و الطّغيان. (30 : 135)

الخازن: [نحو الزّمَخْشَريّ و أضاف:]

ثمّ هو عامّ لكلّ طاغ متكبّر. (7 : 224)

ابن جُزَيّ: هذا تهديد لأبي جهل و أمثاله.

(4 : 208)

أبوحَيّان:أي الرّجوع، مصدر على وزن<فُعْلى>. الألف فيه للتّأنيث، و فيه وعيد للطّاغي المستغني، و تحقير لما هو فيه، من حيث مآله إلى البعث

و الحساب، و الجزاء على طغيانه. (8 : 493)

ابن كثير: أي إلى الله المصير و المرجع، و سيحاسبك على مالِك من أين جمَعتَه و فيم صرفتَه؟ .

(7 : 327)

الثّعالِبيّ: أي بالحشر و البعث يوم القيامة. و في هذا الخبر وعيد للطّاغين من النّاس. (3 : 503)

البُقاعيّ: { اِنَّ اِلى" رَبِّكَ } أي المحسن إليك بالرّسالة الّتي رفع بها ذكرك، لاإلى غيره منالتّراب و نحوه { الرُّجْعى }، أي الرّجوع الأعظم، الثّابت الّذي لامحيد عنه، أمّا في الدّنيا فلامحيد عن الإقرار به، فإنّه لايقدر أحد على شيء إلا بتقديره، و أمّا في الآخرة فبما أثبت في برهانه في سورة التّين، فيحاسب النّاس بأعمالهم، و يجازي كلّ أحد بما يستحقّ من ثواب أو عقاب، ففيه وعيد للطّاغي، و تحقير لغنيّ ينقطع.

و لمّا أخبر بطغيانه و عجّل بذكر دوائه، لأنّ المبادرة بالدّواء لئلا يتحكّم الدّ اء واجبة، دلّ على طغيانه مُخوّفًا من عواقب الرُّجْعى في أُسلوب التّقرير، لأ نّه أوقع في النّفس وأروع للُّبّ. (8 : 483)

الشِّربينيّ: { اِنَّ اِلى" رَ بِّكَ } أي المحسن إليك بالرّسالة الّتي رفع بها ذكرك، لاإلى غيره. { الرُّجْعى } مصدر كالبُشْرى بمعنى الرُّجوع، ففي ذلك تخويف للإنسان بأن يجازي العاصي بما يستحقّه. (4 : 562)

أبوالسُّعود: و قوله تعالى: [الآية] تهديد للطّاغي، و تحذير له عن عاقبة الطّغيان. و الالتفات للتّشديد في التّهديد. و الرُّجْعى: مصدر بمعنى الرُّجوع كالبُشْرى، و تقديم الجارّ و المجرور عليه [للقصر] أي أنّ إلى مالك أمرك رجوع الكلّ بالموت و البعث، لاإلى غيرهِ استقلالا و لا اشتراكًا، فسَتَرى حينئذ عاقبة طُغيانك. (6 : 450)

الشّريف الكاشانيّ: [نحو الزّمَخْشَريّ و أضاف: ]

أي إلى حكمه و جزائه الرّجوع. (7 : 471)

البُرُوسَويّ: { الرُّجْعى } مصدر بمعنى الرُّجوع، و الألف للتّأنيث، أي إنّإلى مالك أمرك أيّها الإنسان رجوع الكلّ بالموت. (10 : 474)

نحوه الحائريّ. (12 : 186)

شُبّر: خطاب وعيد للإنسان على الالتفات. و قيل: أُريد به أبوجهل. و القُمّيّ قال: إنّ الإنسان إذا استغنى يكفر و يطغى، و ينكر إلى ربّه الرُّجْعى.

(6 : 430)

الشَّوْكانيّ: أي المرجِع، و الرُّجْعى و المرجِع

و الرّجوع: مصادر. يقال: رجَع إليه مَرْجِعًا و رُجوعًا و رُجْعى، و تقدّم الجارّ و المجرور للقصر، أي الرُّجْعى إليه سبحانه لا إلى غيره. (5 : 579)

الآلوسيّ: تهديد للطّاغي، وتحذير له من عاقبة الطّغيان. و الخطاب قيل للإنسان، و الالتفات للتّشديد في التّهديد.

و جُوّز أن يكون الخطاب لسيّد المخاطبين (صلی الله علیه و آله)،

و المراد أيضًا: تهديد الطّاغي و تحذيره. و لعلّه الأظهر نظرً ا إلى الخطابات قبله. و { الرُّجْعى "} مصدر. [ أدام نحو أبي السُّعود] (30 : 182)

المَراغيّ: أي إنّ المرجِع إلى ربّك وحده، و هو مالك أمرك و ما تملك، و سيتبيّن لك عظيم غرورك، حينما تخرج من هذه الحياة، و تظهر فى مظهر الذُّلّ، و تُحاسب على كلّ ما اجترحته في حياتك الأُولى، قَلّ أو كثر، عظُم أو حقر، كما قال: { وَ لاتَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ... * ... وَ اَفْ-ِدَ=تُهُمْ هَوَ اءٌ} إبراهيم : 42 ، 43. (30 : 203)

سيّد قُطْب: و حين تبرز صورة الإنسان الطّاغي الّذي نسي نشأته و أبطره الغنى، يجي‌ء التّعقيب بالتّهديد الملفوف: { اِنَّاِلى" رَبِّكَ الرُّجْعى } فأين يذهب هذا الّذي طغى و استغنى؟

وفي الوقت ذاته تبرز قاعدة أُخرى من قواعد التّصوّر الإيمانيّ، قاعدة الرّجعَة إلى الله، الرّجعة إليه في كلّ شيء و في كلّ أمر و في كلّ نيّة و في كلّ حركة، فليس هناك مرجع سواه. إليه يرجع الصّالح و الطّالح،

و الطّائع و العاصي، والمحقّ و المبطل، والخيّر والشّرّير، و الغنيّ و الفقير. و إليه يرجع هذا الّذي يطغى أن رآه استغنى. ألا إلى الله تصير الأُمور؛ و منه النّشأة و إليه المصير.

و هكذا تجتمع في المقطعين أطراف التّصوّر الإيمانيّ الخلق و النّشأة، و التّكريم و التّعليم، ثمّ الرّجعَة و المآب لله وحده بلاشريك: { اِنَّ اِلى" رَبِّكَ الرُّجْعى }.

(6 : 3942)

ابن عاشور: و جملة: { اِنَّ اِلى" رَبِّكَ الرُّجْعى } معترضة بين المقدّمة و المقصد، و الخطاب للنّبيّ (صلی الله علیه و آله)، أي مرجع الطّاغي إلى الله، و هذا موعظة و تهديد على سبيل التّعريض لمن يسمعه من الطّغاة، و تعليم للنّبيّ(صلی الله علیه و آله) و تثبيت له، أي لايحزنك طغيان الطّاغي، فإنّ مرجعه إليّ، و مرجِع الطّاغي إلى العذاب. قال تعالى: { اِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادً ا * لِلطَّاغينَ‘ مَا"بًا } النّبأ : 21، 22، و هي موعظة للطّاغي، بأنّ غناه لايدفع عنه الموت، و الموت: رجوع إلى الله، كقوله: { يَاءَ يُّهَا الاِ_نْسَانُ اِنَّكَ كَادِحٌ اِلى" رَ بِّكَ كَدْحًا فَمُلاقيهِ‘ } الانشقاق : 6.

و فيه معنى آخر، و هو أنّ استغناءه غير حقيقيّ،لأ نّه مفتقر إلى الله في أهمّ أُموره، و لايدري ماذا يصيّره إليه ربّه من العواقب، فلايَزْدَهِ بغنًى زائف في هذه الحياة، فيكون:{ الرُّجْعى } مستعملا في مجازه، و هو الاحتياج إلى المرجوع إليه. و تأكيد الخبر ب- ( اِنَّ ) مراعًى فيه المعنى التّعريضيّ، لأنّ معظم الطّغاة ينسون هذه الحقيقة؛ بحيث يُنزّلون منزلة من ينكرها.

و { الرُّجْعى } : بضمّ الرّ اء مصدر رجَع، على زنة < فُعْلى > مثل البُشْرى. و تقديم { اِنَّ اِلى" رَبِّكَ } على { الرُّجْعى } للاهتمام بذلك. (30 : 393)

مَغْنِيّة: لاتغترّ بالدّنيا و زينتها أيّها الطّاغية، و لابالعلم و قنابله و المال و خداعه، فإنّ قوّة الحقّ أمضى من القنابل النّوويّة. فهذه ثورة الإنسان ضدّ الاستغلال و الاستعباد في الهند الصّينيّة و غيرها، قد لقّنت أرباب المعامل و الصّناعة العسكريّة في امريكا أبلغ الدّروس، ثمّ يردّون إلى عالم الغيب و الشّهادة فينبّئهم بما كانوا يعملون. (7 : 588)

الطَّباطَبائيّ:{ الرُّجْعى } هو الرّجوع، و الظّاهر من سياق الوعيد الآتي أ نّه وعيد و تهديد بالموت و البعث، و الخطاب للنّبيّ (صلی الله علیه و آله). و قيل: الخطاب للإنسان بطريق الالتفات للتّشديد؛ و الأوّ ل أظهر.

(20 : 325)

بنت الشّاطئ: و الرّجْع في العربيّة: العود. و رَجْع الصّوت: تردّده، و المراجعة: المعاودة.

و المعجميّون يضعون الرُّجْعى مع الرّجْع والرّجوع و المرجِع و الرُّجْعان، مصادر للفعل رجَع.

و أكثر المفسّرين على أنّ { الرُّجْعى} هنا بمعنى الرّجوع. قال أبوحَيّان: <{ الرُّجْعى}، أي الرّجوع، مصدر على وزن < فُعْلى >، الألف فيه للتّأنيث.>.

و أحسب أنّ صيغة { الرُّجْعى } ليس ملحوظًا فيها المصدريّة، بقدر ما يُلحظ فيها إطلاق الرّجوع إلى غايته القُصْوى.

و لم تأت صيغة { الرُّجْعى } في القرآن الكريم إلا

في هذه الآية، ردعًا للإنسان المغترّ الطّاغية، و نظيرًا له بأنّ { اِلى" رَ بِّكَ } غاية مصيره، و نهاية مرجعه.

و بعد آية العلق: { اِنَّ اِلى" رَبِّكَ الرُّجْعى } تتالت الآيات المحكمات، مُنبّهَة و مُنذِرة بالمصير إلى الله سبحانه: { وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُ الاَ_مْرُ كُلُّهُ } هود : 123، و { اِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ} الأنعام: 60، و { مَرْجِعُهُمْ } الأنعام : 108، و { اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } البقرة : 28 ، و { يُرْجَعُونَ } آل عمران : 83.

و في سياق النّذير جاءت آية الصّافّات : 68، بالجحيم، مرجِعًا للظّالمين: { ثُمَّ اِنَّ مَرْجِعَهُمْ لاِلَى الْجَحيمِ‘ }.

و جاءت آيةالفجر: 28 - 30، في سياق البُشْرى للنّفس المطمئنّة: { اِرْجِعى‘ اِلى" رَبِّكِ رَ اضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلى‘ فى عِبَادى‘ * وَادْخُلى‘ جَنَّتى‘ }.

و يُلحظ مع ما تُؤذن به صيغة { الرُّجْعى } من دلالة على غاية المرجِع و المصير، ارتباطها بخلقالإنسان من علَق، إيذانًا بأنّ إليه تعالى المبتدأ و المنتهى.و مثله آية اللّيل : 13، { وَ اِنَّ لَنَ-ا لَلا_ "خِ-رَةَ

وَ الاُ_ولى" } . (2 : 25)

عبدالكريم الخطيب: هو تهديد لهذا الإنسان الّذي جحد نعمة الله عليه، و اتّخذ منها أسلحة يحارب بها الفضيلة، و يقطع بها ما أمر الله به أن يُوصَل. إنّ هذا الإنسان راجع إلى ربّه يومًا، و سيُلقى جزاء بغيه و عدوانه. (15 : 1627)

مكارم الشّيرازيّ: و هو الّذي يعاقب الطّغاة على ما اقترفوه، و كما أنّ رجوع كلّ شي‌ء إليه، و ميراث السّماوات و الأرض له سبحانه: { وَ للهِ† ميرَاثُ السَّموَِا ت ِوَ الاَ_رْضِ } آل عمران : 180، فكلّ شي‌ء في البداية منه، و لامبرّر للإنسان أن يُشعر بالاستغناء و يطغى. (20 : 301)

فضل الله: النّاس خاضعون لربّ العالمين. { اِنَّ اِلى" رَ بِّكَ الرُّجْعى } فهذه هي الحقيقة الإيمانيّة الّتي تفرض نفسها على كلّ مخلوق حيّ مسؤول، فالنّاس في الدّنيا خاضعون في ضعفهم و قوّتهم، لتقدير الله و تدبيره و إرادته، فلايملكون شيئًا لأنفسهم من نفع أو ضرر، و لااستقلال لهم في شي‌ء من ذلك، و لااستغناء لهم عنه، بل هو السّرّ في وجودهم بكلّ دقائقه، لأ نّه الخالق لهم، و المدبّر لأُمورهم.

و لن تنتهي حاجتهم إليه بالموت، لأنّ الله سيبعثهم من جديد، و سيواجهون الموقف أمامه، ليقدّموا حساب أعمالهم، و ليسألهم عن طغيانهم النّفسيّ و العمليّ، في ما أولاهم من النّعم الّتي كان من المفروض أن يفهموا عُمقالحاجة إليه من خلالها، بدلا من أن يُخيّل إليهم غناهم عنه و استقلالهم بأنفسهم، فلايجدون لذلك جوابًا. و ستقوم الحجّة عليهم من الله، ليواجهوا الموقف الصّعب الّذي يؤدّي بهم إلى النّار، إذا لم يغفر لهم ذلك. (24 : 338)

مَرْجِعُهُم

1 - وَ لاتَسُبُّوا الَّذينَ ‘يَدْعُونَ مِنْ دُون ِاللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوً ا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَ-ذلِكَ ’زَيَّنَّا لِكُلِّ اُمَّة عَمَلَهُمْ ثُمَّ اِلى" رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. الأنعام 108

ابن عبّاس: بعد الموت. (117)

الطّبَريّ: ثمّ مرجعهم بعد ذلك و مصيرهم إلى ربّهم. (5 : 306)

ابن عَطيّة: و قوله: { ثُمَّ اِلى"... } يتضمّن وعدً ا جميلا للمحسنين، و وعيدً ا ثقيلا لمسيئين. (2 : 332)

2 - وَ اِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذى‘ نَعِدُهُمْ اَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَاِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهيدٌ ‘عَلى" مَا يَفْعَلُونَ. يونس : 46

ابن عبّاس: بعد الموت. (175)

الطّبَريّ: يقول: فمصيرهم بكلّ حال إلينا و مُنقلبهم. (6 : 564)

نحوه ابن كثير. (3 : 506)

الزّجّاج: و الّذي تدلّ عليه الآية، أنّ الله جلّ و عزّ أعلمَه أ نّه إن لم ينتقم منهم في العاجل انتقم منهم في الآجل، لأنّ قوله: { اَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَاِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهيدٌ‘ عَلى" مَا يَفْعَلُونَ } يدلّ على ذلك. و قد أعلم كيف المجازاة على الكفر و المعاصي. (3 : 23)

الزّمَخْشَريّ: { فَاِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } جواب { نَتَوَفَّيَنَّكَ }، و جواب { نُرِيَنَّكَ } محذوف، كأ نّه قيل: و إمّا نُرينّك بعض الّذي نعدهم في الدّنيافذاك، أو نتوفّينّك قبل أن نريكه، فنحن نريكه في الآخرة.

(2 : 239)

نحوه الفَخْر الرّازيّ (17 : 105)، و البَيْضاويّ ملخّصًا (1 : 449)، و النّسَفيّ (2 : 166)، و ابن جُزَيّ (2 :94)، و الشّريف الكاشانيّ (3 : 215)،و الشَّوْكانيّ (2 : 561)، و المَراغيّ (11 : 115).

ابن عَطيّة: و معنى هذه الآية الوعيد بالرّجوع إلى الله تبارك و تعالى، أي إن أريناك عقوبتهم أو لم نركها، فهم على كلّ حال راجعون إلينا إلى الحساب و العذاب، ثمّ مع ذلك، فالله شهيد من أوّ ل تكليفهم على جميع أعمالهم. (3 : 123)

الطَّبْرِسيّ: أي إلى حُكمنا مصيرهم في الآخرة، فلايفوتوننا. و قيل: إنّ الله سبحانه وعد نبيّه (صلی الله علیه و آله) أن ينتقم له منهم: إمّا في حياته، أو بعد وفاته، و لم يحدّه بوقت، فقال: إنّ ما وعدناه حقًّا لامحالة. (3 : 114)

ابن الجَوْزيّ: بعد الموت، و المعنى: إن لم ننتقم منهم عاجلا ، انتقمنا آجلا . (3 : 36)

نحوه القُرطُبيّ. (8 : 349)

النَّيسابوريّ: [نحو الزّمَخْشَريّ ثمّ قال: التّأويل:] رجوعًا اضطراريًّا لااختياريًّا.

(11 : 88 ، 94)

أبوحَيّان: و الظّاهر أنّ جواب الشّرط هو قوله: { فَاِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ }، و كذا قاله الحَوْفيّ و ابن عَطيّة. [ثمّ نقل كلام ابن عَطيّة و الزّمَخْشَريّ و قال:]

فجعل الزّمَخْشَريّ الكلام شرطين لهما جوابان. و لاحاجة إلى تقدير جواب محذوف، لأنّ قوله: { فَاِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } صالح أن يكون جوا بًا للشّرطو المعطوف عليه. و أيضًا فقول الزّمَخْشَري: فذاك، هو اسم مفرد لاينعقد منه جواب شرط، فكان ينبغي أن يأتي بجملة يتّضح منها جواب الشّرط؛ إذ لايُفهم من قوله: فذاك، الجزء الّذي حُذف المتحصّل به فائدة الإسناد. (5 : 164)

السّمين: [نحو أبي حَيّان ثمّ أضاف:]

قلت: قد تقرّر أنّ اسم الإشارة قد يُشار به إلى شيئين فأكثر، و هو بلفظ الإفراد، فكأنّ ذالك واقعٌ موقع الجملة الواقعة جوا بًا. و يجوز أن يكون قد حُذف الخبر لدلالة المعنى عليه؛ إذالتّقدير: فذاك المراد و المتمنّى أو نحوه. و قوله: < إذ لايُفهم الخبر الّذي حُذف > إلى آخره ممنوع، بل هو مفهوم كما رأيت، و هي شيء يتبادر إليه الذّهن. (4 : 38)

أبوالسُّعود: أي كيفما دارت الحال أريناك بعض ما وعدناهم أوّ لا ، فإلينا مرجعُهم في الدّنيا و الآخرة، فننجز ما وعدناهم ألبتّة. (3 : 246)

البُرُوسَويّ: أي رجوعهم رجُوعًا اضطراريًّا، فنُريكه في الآخرة، و إنّا منهم منتقمون. و هو جواب { نَتَوَفَّيَنَّكَ }، لأنّ الرّجوع إنّما يكون في الآخرة بعد الموت، فهو لايصلح أن يكون جوابًا للشّرط و ما عطف عليه، و لأنّ قوله تعالى في الزّخرف : 41 ، 42 : { فَاِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَاِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ * اَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذى‘ وَعَدْ نَاهُمْ فَاِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ } يدلّ على ما ذكرنا، و القرآن يفسّر بعضه بعضًا. هكذا لاح ببال الفقير أصلحه الله القدير. (4 : 50)

شُبّر:إلى حكمنا مصيرهم في الآخرة، فلايفوتونا، و هو جواب { نَتَوَفَّيَنَّكَ }. و جواب { نُرِيَنَّكَ } محذوف تقديره: فذاك. (3 : 162)

الآلوسيّ: { فَاِلَيْنَامَرْجِعُهُمْ } جواب للشّرط و ما عطف عليه. و المعنى: إنّ عذابهم في الآخرة مقرّر، عُذّبوا في الدّنيا أولا.

و قيل: هو جواب { نَتَوَفَّيَنَّكَ } كأ نّه قيل: إمّا نتوفّينّك، فإلينا مرجعهم فنُريكه في الآخرة. و جواب الأوّ ل محذوف، أي إمّا نرينّك فذاك المراد، أو المتمنّى، أو نحو ذلك.

و قال الطّيّبيّ: أي فذاك حقّ و صواب، أو واقع أو ثابت. و اختار الأوّ ل أبوحَيّان، و الاعتراض عليه بأنّ الرّجوع لايترتّب على تلك الإراءة ،فيحتاج إلى التزام كون الشّرطيّة اتّفاقيّة، ناشئ من الغفلة عن المعنى المراد. و المراد: من نَعِدُهُم وعدناهم، إلا أ نّه عدل إلى صيغة الاستقبال، لاستحضار الصّورة، أو للدّ لالة على التّجدّد و الاستمرار، أي نعدهم وعدً ا متجدّدً ا، حسبما تقتضيه الحكمة، من إنذار غِبّ إنذار.

(11 : 129)

القاسميّ: أي فنُنجزهم ما وعدناهم، كيفما دار الحال. (9 : 3354)

رشيد رضا: المعنى: و إن نرينّك أيّها الرّسول بعض الّذي نعدهم من العقاب في الدّنيا فذاك. و فيه إشارة إلى أ نّه سيريه بعضه لاكلّه، { اَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } بقبضك إلينا قبل إراءتك إيّاه، فإلينا مرجعهم و علينا حسابهم؛ حيث يكون القسم الثّاني منه و هو عقاب الآخرة. و يجوز أن يُجعل هذا جواب الشّرط بقسْمَيه، و المعنى: فإلينا وحدنا يرجع أمرهم في الحالين.

(11 : 388)

ابن عاشور: ثمّ أكّد التّعليق الشّرطيّ تأكيدً اثانيًا بنون التّوكيد، و تقديم المجرور على عامله و هو

{ مَرْجِعُهُمْ } للاهتمام. و جملة: { فَاِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } اسميّة تفيد الدّوام و الثّبات، أي ذلك أمر في تصرّفنا دومًا. (11 : 97)

مَغْنِيّة: و ضمير { نَعِدُهُمْ } و { مَرْجِعُهُمْ }للّذين كذّبوا بنبوّته، و المعنى: إنّ الله سبحانه هدّد و توعّد المكذّبين بالخزي و الذّلّ على تكذيبهم. و هذا الخزي واقع بهم لامحالة في حياة الرّسول أو بعد وفاته، و في سائر الأحوال، فإنّ مصيرهم إليه تعالى، فيعذّبهم العذاب الأكبر. (4 : 164)

الطَّباطَبائيّ: و المعنى: إلينا مرجعهم على أيّ تقدير. (10 : 71)

مكارم الشّيرازيّ: الآية تهديد للكفّار، و تسلية لخاطر النّبيّ (صلی الله علیه و آله). (6 : 342)

فضل الله: إنّ القضيّة ليست متعلّقة بك، و ليست داخلة في مسؤوليّتك، فسيرجعون إلينا، و يلاقون الجزاء الأكبر من العذاب، في ما يلاقونه من مصير الهلاك و الدَّمار. (11 : 318)

3 - مَتَاعٌ فِى الدُّ نْيَا ثُمَّ اِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّديدَ ‘بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ. يونس : 70

الطّبَريّ: يقول: ثمّ إذا انقضى أجلهم الّذي كتب لهم إلينا مصيرهم و منقلبهم. (6 : 584)

نحوه أكثر التّفاسير.

الطُّوسيّ: فالمرجِع: المصير إلى الشّي‌ء بعد الذَّهاب عنه، فهؤلاء ابتدأهم الله ثمّ يصيرون إلى الهلاك بالموت. ثمّ يرجعون بالإنشاء ثانية. (5 : 468)

ابن عَطيّة: و قوله: { ثُمَّ اِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } إلى آخر الآية، توعّد بحقّ. (3 : 131) القُرطُبيّ: أي رجوعهم. (8 : 361)

ابن عاشور: { ثُمَّ } للتّراخي الرّتبيّ، لأنّ مضمونه هو مَحْقُه أ نّهم لايفلحون، فهو أهمّ مرتبة من مضمون { لايُفْلِحُونَ }.

و المرجع: مصدر ميميّ بمعنى الرّجوع. و معنى الرّجوع إلى الله: الرّجوع إلى وقت نفاذ حُكمه المباشر فيهم. و تقديم { اِلَيْنَا } على متعلِّقه و هو المرجِع، للاهتمام بالتّذكير به، و استحضاره، كقوله: { وَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَعْمَالُهُمْ كَسَرَ اب بِقيعَة ‘ } إلى قوله: { وَ وَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفيهُّٰ حِسَابَهُ } النّور : 39.

و يجوز أن يكون المرجِع كناية عن الموت. و جملة: { ثُمَّ نُذيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّديدَ‘ } بيان لجملة: {ثُمَّ اِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ }، و حرف { ثُمَّ } هذا مؤكّد لنظيره الّذي في الجملة المبيّنة على أنّ المراد بالمرجع: الحصول في نفاذ حكم الله. (11 : 136)

و جاءت بهذا المعنى الآيتان:

4 - وَ مَنْ كَفَرَ فَلايَحْزُنْكَ كُفْرُهُ اِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا اِنَّ اللهَ عَليمٌ‘ بِذَاتِ الصُّدُورِ. لقمان : 23

5 - ثُمَّ اِنَّ مَرْجِعَهُمْ لاِلَى الْجَحيمِ‘. الصّافّات : 68

مَرْجعُكُمْ

1 - اِذْ قَالَ اللهُ يَا عيسى اِنّى مُتَوَفّيكَ وَ رَافِعُكَ اِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذينَ‘ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَاَحْكُمُ

بَيْنَكُمْ فيمَا‘ كُنْتُمْ فيهِ‘ تَخْ-تَلِفُونَ . آل عمران : 55

ابن عبّاس: بعد الموت. (48)

الطّبَريّ: يعني مصيركميوم القيامة...

و هذا من الكلام الّذي صُرف من الخبر عن الغائب إلى المخاطبة؛ و ذلك أنّ قوله: { ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ } إنّما قُصد به الخبر عن متّبعي عيسى و الكافرين به.

و تأويل الكلام: و جاعل الّذين اتّبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة، ثمّ إليّ مرجع الفريقين: الّذين اتّبعوك، و الّذين كفروا بك، فأحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون. و لكن ردّ الكلام إلى الخطاب، لسبوق القول، على سبيل ما ذكرنا من الكلام الّذي يخرج على وجه الحكاية، كما قال: { حَتى| اِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِريحٍ‘ طَيِّ-بَة }يونس: 22. (3 : 291)

الطُّوسيّ: و قوله: { ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ } وجه اتّصاله بالكلام، كأ نّه قال: أمّا الدّنيا فأنتم فيها على هذه الحال، و أمّا الآخرة فيقع فيها التّوفية للحقوق، على التّمام و الكمال.

و إنّما عدل عن الغيبة إلى الخطاب في قوله: { ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ } لتغلّب الحاضر على الغائب، لما دخل معه في المعنى، كما يقول بعض الملوك: قد بلغني عن أهل بلد كذا جميل، فأُحسن إليكم معشر الرّعيّة.

(2 : 479)

ابن عَطيّة: الخطاب لعيسى، و المراد: الإخبار بالقيامة و الحشر، فلذلك جاء اللّفظ عامًّا من حيث الأمر في نفسه، لايخصّ عيسى وحده، فكأ نّه قال له: { ثُمَّ اِلَىَّ }، أي إلى حكمي و عدلي يرجع النّاس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة؛ إذ هو أحدها، و إذ هي مرادة في المعنى. (1 : 445)

الفَخْر الرّ ازيّ: المعنى: أ نّه تعالى بشّر عيسى ، بأ نّه يعطيه في الدّنيا تلك الخواصّ الشّريفة، و الدّرجات الرّفيعة العالية. و أمّا في القيامة فإنّه يحكم بين المؤمنين به، و بين الجاحدين برسالته، و كيفيّة ذلك الحكم ما ذكره في الآية الّتي بعد هذه الآية. (8 : 74)

البَيْضاويّ: الضّمير لعيسى (صلی الله علیه و آله) و من تبعه و من كفر به، و غلّب المخاطبين على الغائبين. (1 : 163)

نحوه الخازن (1 : 300)، و الشّريف الكاشانيّ (1 : 494)، و مثله الشّربينيّ (1 : 221).

النّيسابوريّ: و فيه بشارة لعيسى بأ نّه سيحكم بين المؤمنين و بين الجاحدين، و تفسيره قوله: { فَاَمَّا الَّذينَ‘ كَفَرُوا...}. (3 : 206)

[التّأويل:] باللّطف أو القهر بالاختيار على قدم السّلوك، أو بالاضطرار عند نزع الرّوح. (3 : 210)

أبوحَيّان: هذا إخبار بالحشر و البعث، و المعنى: ثمّ إلى حكمي. و هذا عندي من الالتفات، لأ نّه سبق ذكر مكذّبيه، و هم اليهود، و ذكر من آمن به و هم الحواريّون. و أعقب ذلك قوله: { وَ جَاعِلُ الَّذينَ‘ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا } فذكر متّبعيه الكافرين. فلو جاء على نمط هذا السّابق، لكان التّركيب: ثمّ إليّ مرجعهم، و لكنّه التفت على سبيل الخطاب للجميع، ليكون الإخبار أبلغ في التّهديد، و أشدّ زجرً ا لمن يزدجر.

ثمّ ذكر لفظة { اِلَىَّ }، و لفظة { فَاَحْكُمُ }، بضمير المتكلّم، ليُعلَم أنّالحاكم هناك من لاتخفى عليه خافية. و ذكر أ نّه يحكم فيما اختلفوا فيه من أمر الأنبياء و اتّباع شرائعهم، و أتى بالحكم مبهمًا، ثمّ فصّل المحكوم بينهم إلى: كافر و مؤمن، وذكر جزاء كلّ واحد منهم. [ثمّ نقل قول ابن عَطيّة و قال:]

و الأولى عندي أن يكون من الالتفات، كما ذكرته. (2 : 474)

السّمين: و في قوله: { ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ } إلى { كُنْتُمْ فيهِ‘ تَخْتَلِفُونَ }.التفات من غيبة إلى خطاب، و ذلك أ نّه قدّم تعالى ذكر من كذّب بعيسى و افترى عليه، و هم اليهود - لُعنوا - و قدّم أيضًا ذكر من آمن به و هم الحواريّون - رضي الله عنهم - و قضى بعد ذلك بالإخبار بأ نّه يجعل متّبعي عيسى فوق مخالفيه. فلو جاء النّظم على هذا السّياق من غير التفات، لكان: < ثمّ إليّ مرجعهم فأحكُم بينهم فيما كانوا >. و لكنّه التفت إلى الخطاب، لأ نّه أبلغ في البشارة و أزجَر في النّذارة. (2 : 116)

الثّعالِبيّ: خطاب لعيسى، و المراد: الإخبار بالقيامة، و الحشر. (2 : 259)

أبوالسُّعود: بالبعث، و { ثُمَّ } للتّراخي،و تقديم الجارّ و المجرور للقصر المفيد لتأكيد الوعد و الوعيد. و الضّمير لعيسى عليه الصّلاة و السّلام و غيره من المتّبعين له و الكافرين به، على تغليب المخاطب على الغائب في ضمن الالتفات، فإنّه أبلغ فى التّبشير

و الإنذار. (1 : 376)

نحوه البُرُوسَويّ. (2 : 42)

شُبّر: فيه تغليب للمخاطبين على غيرهم.(1 : 328)

الشَّوْكانيّ: أي رجوعكم، و تقديم الظّرف للقصر. (1 : 439)

الآلوسيّ: أي مصيركم بعد يوم القيامة و رجوعكم، و الضّمير لعيسى (صلی الله علیه و آله) و الطّائفتين. و فيه تغليب على الأظهر، و { ثُمَّ } للتّراخي، و تقديم الظّرف للقصر المفيد لتأكيد الوعد و الوعيد، و يحتمل أن يكون الضّمير لمن اتّبع و كفر فقط. و فيه التفات، للدّ لالة على شدّة إرادة إيصال الثّواب و العقاب، لدلالة الخطاب على الاعتناء. (3 : 184)

رشيد رضا: فيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب، و بذلك يشمل المسيح و المختلفين معه، و يشمل الاختلاف بين أتباعه و الكافرين به. (3 : 318)

نحوه المَراغيّ. (3 : 170)

ابن عاشور: و جملة: { ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ } عطف على جملة { وَ جَاعِلُ الَّذينَ‘ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا} إذ مضمون كلتا الجملتين من شأن جزاء الله، متّبعي عيسى و الكافرين به. و { ثُمَّ } للتّراخي الرّتبيّ، لأنّ الجزاء الحاصل عند مرجِع النّاس إلى الله يوم القيامة، مع ما يقارنه من الحكم بين الفريقين فيما اختلفوا فيه، أعظم درجةً و أهمّ، من جعل متّبعي عيسى فوق الّذين كفروا في الدّنيا...

و المرجِع: مصدر ميميّ، معناه: الرّجوع. و حقيقة الرّجوع غير مستقيمة هنا، فتعيّن أ نّه رجوع مجازيّ.

فيجوز أن يكون المراد به: البعث للحساب بعد الموت، و إطلاقه على هذا المعنى كثير في القرآن، بلفظهو بمرادفه نحو المصير. و يجوز أن يكون مرادً ا به انتهاء إمهال الله إيّاهم في أجل أراده، فينفذ فيهم مراده في الدّنيا.

و يجوز الجمع بين المعنيين باستعمال اللّفظ في مجازيه، و هو المناسب لجمع العذابين في قوله:{ فَاُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَديدً ا‘ فِى الدُّ نْيَا وَ الا_"خِرَةِ } و على الوجهين يجري تفسير حكم الله بينهم، فيما هم فيه يختلفون. (3 : 109)

مَغْنِيّة: إنّ ضمير الخطاب هنا يشمل الغائبين في كلّ زمان و مكان، من الّذين اختلفوا في السّيّد المسيح، أو في صفة من صفاته. (2 : 72)

الطَّباطَبائيّ: و قد جمع سبحانه في هذا الخطاب بين عيسى و بين الّذين اتّبعوه و الّذين كفروا به، و هذا مآل أمرهم يوم القيامة، و بذلك يختتم أمر عيسى و خبره من حين البشارة به، إلى آخر أمره و نبئه.

(3 : 210)

مكارم الشّيرازيّ: كلّ ما قيل في الآيات السّابقة كان يخصّ الانتصارات في الدّنيا. أمّا المحاكمة النّهائيّة و تلقّي نتائج الأعمال، فتناولته هذه الآية.

(2 : 386)

فضل الله: و هذه اللَّفتة القرآنيّة تنقل النّاس من أجواء الحياة الدّنيا الّتي يتخبّط فيها النّاس في الضّلال، من خلال ما يخوضونه من صراع الحقّ و الباطل، إلى أجواء الآخرة الّتي يسود فيها العدل، في حسابات الصّراع الفكريّ و العمليّ.

فلامجال إلا للحقّ الّذي يقف فيه المحقّ رافع الرّأس عاليًا، لأ نّه لايخافمن الاضطهاد الّذي يمارسه ضدّه أهل الباطل، في خنق صوت الحقّ في الحياة، و يقف فيه المبطل مهزو مًا ذليلا ، لأ نّه لايملك في ذلك الموقف الوسائل الكفيلة، بإعطاء الباطل صورة الحقّ من خلال ما يحشده من الألوان المزيَّفة، و الأساليب المضلَّلة المستَنِدة إلى القوّة الغاشمة.

و ربّما كانت القيامة في هذه اللّفتة، أ نّها تُوحي للمحقّ بالقوّة في موقفه، لأ نّها تُبعّد عنه كلّ المشاعر السّلبيّة الّتي قد يخضع لها الإنسان، تحت ضغط الاضطهاد الّذي قد يقوده إلى اليأس، كما توحي للمبطل بأ نّه مهما استطاع أن يصنع القوّة المبطلة لمواقفه، فإنّه لايستطيع ذلك إلى نهاية الشّوط. فإنّ النّهاية ستكون في موقف الجميع عند الله، ليكون هو الحكم في ما يختلفون فيه، و هنالك يخسر المبطلون.

(6 : 52)

و راجعنا التّفاسيرفي الآيات التّالية، و لم نجد شيئًايُستَحقّ الذّكر إلا بعض ما كُرّر قبلا في الأبحاث الماضية ،و إن شئت راجع: ن ب أ: < فَيُنَبِّئُكُمْ> < فََاُنَبِّئُكُمْ >، < فَنُنَبِّئُكُمْ >، و :و ع د: < وَعْدَ الْحَقّ >.

2 - ...وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَ احِدَةً وَ لكِنْ’ لِيَبْلُوَكُمْ فى مَا ا"تيكُمْ’ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَ اتِ اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعً-‘ا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فيهِ‘ تَخْتَلِفُونَ. المائدة : 48

3 - ...اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعً-‘ا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. المائدة : 105

4 - ...ثُمَّ اِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.الأنعام : 60

5 - ... وَ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى ثُمَّ اِلى" رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فيهِ‘ تَخْتَلِفُونَ. الأنعام : 164

6 - ... اِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا‘ وَعْدَ اللهِ حَقًّا اِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ‘. يونس : 4

7 - يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلى" اَ نْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيوةِ الدُّ نْيَا ثُمَّ اِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. يونس : 23

8 - ... وَ لاتَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى ثُمَّ اِلى" رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اِنَّهُ عَليمٌ‘ بِذَاتِ الصُّدُورِ. الزّمر : 7

9 - اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَ هُوَ عَلى" كُلِّ شَىْ‌ء قَديرٌ‘. هود : 4

10 - وَ وَصَّيْنَا الاِ_نْسَانَ بِوَ الِدَيْهِ حُسْنًا وَ اِنْ جَاهَدَ اكَ لِتُشْرِكَ بى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاتُطِعْهُمَا اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. العنكبوت : 8

11 - ...وَ اتَّبِعْ سَبيلَ‘ مَنْ اَنَابَ اِلَىَّ ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. لقمان : 15

يَتَرَاجَعَا

فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلاتَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا اَنْ يَتَرَ اجَعَا اِنْ ظَنَّا اَنْ يُقيمَا‘ حُدُودَ اللهِ... البقرة : 230

ابن عبّاس: بمَهْر و نكاح جديد. (32)

مثله مُقاتِل. (1 : 196)

يقول: إذا تزوّجَتْ بعد الأوّ ل، فدخل الآخر بها، فلاحرج على الأوّ ل أن يتزوّجها إذا طلّق الآخر، أو مات عنها، فقد حلّت له. (الطّبَريّ 2 : 491)

الضّحّاك: إذا طلّق واحدة أو ثنتين، فله الرّجعة ما لم تنقض العدّة. و الثّالثة قوله: { فَاِنْ طَلَّقَهَا } يعني الثّالثة فلارجعة له عليهاحتّى تنكح زوجًا غيره، فيدخل بها، فإن طلّقها هذا الأخير بعد ما يدخل بها، فلاجناح عليهما أن يتراجعا، يعني الأوّ ل.

(الطّبَريّ 2 : 491)

الفَرّ اء: يريد: فلاجناح عليهما في أن يتراجعا. ( اَنْ ) في موضع نصب إذا نزعت الصّفة، كأ نّك قلت: فلاجناح عليهما أن يراجعها.

و كان الكِسائيّ يقول: موضعه خفض. و لاأعرف ذلك. (1 : 148)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: فلاحرج على المرأة الّتي طلّقها هذا الثّاني من بعد بينونتها من الأوّ ل، و بعد نكاحه إيّاها. و على الزّوج الأوّ ل الّذي كانت حُرّمت عليه ببينونتها منه بآخر التّطليقات، أن يتراجعا بنكاح جديد. [إلى أن قال:]

و ( اَنْ ) الّتي في { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } جعلها بعض أهل العربيّة في موضع نصب بفقد الخافض، لأنّ معنى الكلام: فلاجناح عليهما في أن يتراجعا. فلمّا حُذفت < في > الّتي كانت تخفضها نصبها، فكأ نّه قال: فلاجناح عليهما تراجعهما. و كان بعضهم يقول: موضعه خفض، و إن لم يكن معها خافضها، و إن كان محذوفًا فمعروف موضعه. (2 : 491)

نحوه أبوالفُتُوح. (3 : 279)

الزّجّاج: أي { فَاِنْ طَلَّقَهَا } الزّوج الثّاني، فلاجناح عليها و على الزّوج الأوّ ل { اَنْ يَتَرَ اجَعَا }.

و موضع ( اَنْ ) نصب، المعنى: لايأثمان في أن يتراجعا، فلمّا سقطت < في > وصل معنى الفعل فنصب.

و يُجيز الخَليل أن يكون موضع ( اَنْ ) خفضًا على إسقاط < في >، و معنىإرادتها في الكلام، و كذلك قال الكِسائيّ.

والّذي قالاه صواب، لأنّ ( اَنْ ) يقع فيها الحذف، و يكون جعلها موصولة عوضًا ممّا حُذف. ألاترى أ نّك لو قلت: لاجناح عليهما الرّجوع لم يصلح، و الحذف مع ( اَنْ ) سائغ، فلهذا أجاز الخَليل و غيره أن يكون موضِع جرّ على إرادة < في >. (1 : 309)

القُمّيّ: في الطّلاق الأوّ ل و الثّاني. (1 : 76)

الثّعلبيّ: { فَلاجُنَاحَ عَلَيْهِمَا } يعني على المرأة المطلّّقة و على الزّوج الأوّ ل { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } بنكاح جديد، فذكر النّكاح بلفظ التّراجع...

و محلّ ( اَنْ ) في قوله: { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } نصب بنزع حرف الجرّ، أي في أن يتراجعا. (1 : 177)

نحوه الحائريّ. (2 : 74)

القُشَيْريّ:يعنى تتزوّج بالزّوج الأوّ ل. و الإشارة فيه أنّ استيلاء المحبّة على القلب. يُهَوّن مُقاساة كلّ شديدة، فلو انطوى الزّوجان بعد الفُرقة على التّحسّر على ما فاتهما من الوُصْلة، و ندما على ذلك غاية النّدامة، فلاجناح عليهما أن يتراجعا، و المرأة في هذه الحالة، كأ نّها من الزّوج الأوّ ل بمكان الزّوج الثّاني، و الزّوج كالآتي على نفسه في احتمال ذلك. (1: 194) (1 : 194)

الطُّوسيّ: و موضع ( اَنْ ) في قوله:{ اَنْ يَتَرَ اجَعَا } خفض، و تقديره: في أن يتراجعا، عند الخَليل و الكِِسائيّ و الزّجّاج. و قال الفَرّ اء: موضعه النّصب، و اختاره الزّجّاج و باقي النّحويّين. و قال الفَرّ اء: الخفض لاأعرفه. و موضع ( اَنْ ) الثّانية في قوله: { اَنْ يُقيمَا‘حُدُودَ اللهِ } نصب بلاخلاف ب- { ظَنَّا }. و إنّما جاز حذف < في > من { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } و لم يجز من التّراجع، لأ نّه إنّما جاز مع ( اَنْ ) لطولها بالصّلة، كما جاز: الّذي ضربت زيد، لطول الّذي بالصّلة، و لم يجز في المصدر، كما لم يجز في اسم الفاعل، نحو: زيد ضارب عمرو، و تريد ضاربه. (2 : 249)

الزّمَخْشَريّ: أن يرجع كلّ واحد منهما إلى صاحبه بالزّواج. (1 : 368)

نحوه البَيْضاويّ (1 : 121)، و النّسَفيّ (1 : 116)، و أبوالسُّعود (1 : 273)، و الكاشانيّ (1 : 238)، و المشهديّ (1 : 548)، و البُرُوسَويّ (1 : 358)، و شُبّر (1 : 231)، و مَغْنِيّة (1 : 350).

الطَّبْرِسيّ: [مثل الطُّوسيّ ثمّ قال:]

أي فلاجناح على الزّوج و على المرأة أن يعقدا بينهما عقد النّكاح، و يعودا إلى الحالة الأُولى، فذكر النّكاح بلفظ التّراجع. (1 : 330)

الفَخْر الرّ ازيّ: { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } بنكاح جديد، فذكر لفظ النّكاح بلفظ التّراجع، لأنّ الزّوجيّة كانت حاصلة بينهما قبل ذلك، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النّكاح، فهذا تراجع لغويّ.

بقي في الآية مسألتان:

المسألة الأُولى: ظاهر الآية يقتضي أنّ عند ما يطلّقها الزّوج الثّاني تحلّ المراجعة للزّوج الأوّ ل، إلا أ نّه مخصوص بقوله تعالى: { وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَ بَّصْنَ بِاَنْفُسِهِنَّ ثَلثَةَ قُرُوء } البقرة : 228، لأنّ المقصود من العدّةاستبراء الرّحم. و هذا المعنى حاصل هاهنا، و هذا هو الّذي عوّ ل عليه سعيد بن المسيَّب، في أنّ التّحليل يحصل بمجرّد العقد، لأنّ الوطء لو كان معتبرً ا لكانت العدّة واجبة، و هذه الآية تدلّ على سقوط العدّة، لأنّ الفاء في قوله: { فَلاجُنَاحَ...} تدلّ على أنّ حلّ المراجعة حاصل عقيب طلاق الزّوج الثّاني، إلا أنّ الجواب ما قدّمنا.

المسألة الثّانية: قال الخَليل و الكِسائيّ: موضع { اَنْ يَتَرَاجَعَا } خفض بإضمار الخافض، تقديره: في أن يتراجعا، و قال الفَرّ اء: موضعه نصب بنزع الخافض.

(6 : 114)

نحوه النَّيسابوريّ. (2 : 271)

العُكْبَريّ: أي في أن يتراجعا. (1 : 183)

القُرطُبيّ: { عَلَيْهِمَا }، أي المرأة و الزّوج الأوّ ل. قاله ابن عبّاس، و لاخلاف فيه. [ثمّ بيّن كلام الفقهاء]

(3 : 152)

نحوه الثّعالِبيّ. (1 : 176)

الشِّربينيّ: { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } إلى النّكاح بعقد جديد بعد انقضاء العدّة. (1 : 150)

نحوه الآلوسيّ (2 : 142)، و القاسميّ (3 : 607).

الطَّباطَبائيّ: { عَلَيْهِمَا }، أي على المرأة و الزّوج الأوّ ل { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } إلى الزّوجيّة بالعقد، بالتّوافق من الجانبين، و هو التّراجع. و ليس بالرّجوع الّذي كان حقًّا للزّوج في التّطليقتين الأُوليين. [إلى أن قال:]

و قوله تعالى: { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } كُنّي به عن العقد.

(2 : 235)الوُجُوه و النّظائر

الحيريّ: الرّجُوع على ثلاثة أوجُه:

أحدها: الرّجوع بعينه، كقوله سبحانه: { فَهُمْ لايَرْجِعُونَ } البقرة : 18. و { وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَة اَهْلَكْنَاهَا اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } الأنبياء : 95. و قوله: { يَاءَ يَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعى اِلى" رَبِّكِ رَ اضِيَةً مَرْضِيَّةً }. الفجر :27، 28.

و الثّاني: الإجابة، كقوله: { يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ اِلى" بَعْض الْقَوْلَ } سبأ : 31.

و الثّالث: المطر، كقوله: { وَ السَّمَاءِِ ذَاتِ الرَّجْعِ } الطّارق : 11. (263)

الدّ امغانيّ: الرّجُوع و الرّجْع على ثمانية أوجُه: المطر، رُدّوني، الرّجُوع بعينه، الرّجعَة، الموت، الرّجوع إلى الدّنيا، الإقبال على النّفس، التّوبة.

فوجه منها: الرّجْع يعني المطر، قوله: { وَ السَّمَاءِِ ذَاتِ الرَّجْعِ } الطّارق : 11، يعني المطر .

و الوجه الثّاني: ارجعوني، أي رُدّوني، قوله : { فَارْجِعِ الْبَصَرَ } الملك : 3، أي ردّ البصر، كقوله : { قَالَ رَبِّ ارْجِعُون ِ} المؤمنون : 99، أي رُدّوني، كقوله: { فَرَجَعْ-نَاكَ اِلى" اُمِّكَ } طه ": 40، أي رددناك.

و الوجه الثّالث: الرّجوع بعينه، قوله: { لَعَلّى‘ اَرْجِعُ اِلَى النَّاسِ }، يوسف : 46، أي أتحوّ ل إلى النّاس، كقوله: { اِرْجِعْ اِلَيْهِمْ }، النّمل : 37، أي عِدْ إليهم، مثلها: { لَئِنْ رَجَعْنَا اِلَى الْمَدينَةِ } المنافقون : 8، أيلئن عُدْنا.

و الوجه الرّ ابع: الرّجعَة، قوله: { اَنْ يَتَرَ اجَعَا } البقرة : 230، من الرّجعَة.

و الوجه الخامس: الرّجوع: الموت، قوله: { ثُمَّ اِلَيْنا تُرْجَعُونَ } العنكبوت : 57، { ثُمَّ اِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ } يونس : 23، يعني الموت .

و الوجه السّادس: الرّجوع إلى الدّنيا، قوله: { وَ حَرَ امٌ عَلى" قَرْ يَة اَهْلَكْنَاهَا اَ نَّهُمْ لايَرْجِعُونَ } الأنبياء : 95، أي لايرجعون إلى الدّنيا.

و الوجه السّابع: الرّجُوع: الإقبال على النّفس بالملامة، قوله: { فَرَجَعُوا اِلى" اَنْفُسِهِمْ } الأنبياء : 64، يعني فاقبلوا على أنفسهم بالملامة.

و الوجه الثّامن: الرّجوع، يعني التّوبة، قوله: { وَبَلَوْ نَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَ السَّيِّ-ا"تِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الأعراف : 168، أي يتوبون و نظائره كثير. (363)

الفيروزاباديّ: وردت هذه المادّة في القرآن على عشرة أوجُه: [ قال نحو الدّ امغانيّ و أضاف: ]

التّاسع: بمعنى مصير الخلق إلى الله تعالى، و مصير أُمور العالَم إلى كلمته تعالى: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ } البقرة : 156، { وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورُ } البقرة : 210.

العاشر: رجوع إخوة يوسف إليه { اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يوسف: 62، { اِرْجِعُوا اِلى" اَبيكُمْ } يوسف : 81.

وقوله تعالى: { بِمَيَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } النّمل : 35، من الرّجوع أو من رَجْع الجواب. و قوله: {فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } النّمل : 28، من رَجْع الجواب لاغير.

(بصائر ذوي التّمييز 3: 39)

الأُصول اللُّغويّة

1- الأصل في هذه المادّة الرُّجوع : الارتداد و الانصراف ؛ يقال : رَجَع يَرجِع رَجْعًا و رُجوعًا و رُجْعى ورُجْعانًا و مَرجِعًا و مَرجِعةً ، أي انصرف .

و الرَّجْعة : المرّة من الرُّجوع .

و رَجَعتُ الشّيءَ أرجِعه رَجْعًا و مَرجِعًا و مَرجَعًا ، فرَجَع رُجوعًا : رددتُه فارتدّ ، و أرجعتُه أيضًا ، و هي لغة هذيل .

و راجعَ الشّيءَ: رَجَع إليه .

و تراجع القومُ : رَجَعوا إلى محلّهم .

و رجّعَه و أرجعَه ناقتَه: باعها منه ثمّ أعطاه إيّاها ليَرجِع عليها.

و رجّع الفحلُ في هديره، إذا ردّده، و منه: التّرجيع في الأذان.

و رجّعت النّاقةُ في حنينها: قطّعته، و كذلك رجّع الحمام في غنائه و استرجعَ .

و رجّعت القوسُ: صوّتت .

و رجّعَ الرّجلُ و ترجّعَ : ردّدَ صوتَه في قراءة أو أذان أو غناء أو زمر أو غير ذلك ممّا يترنّم به.

ورجّعَ النّقشَ و الوشمَ و الكتابةَ : ردّدَ خطوطَها، و ترجيعها أن يعاد عليها السّواد مرّة بعد أُخرى.

و رَجْع الواشمة: خطّها.

و الرَّجْعة : الرُّجوع إلى الدّنيا بعد الموت ؛ يقال: فلان يؤمن بالرَّجْعة .

و الرَّجْعة و الرِّجْعة: مراجعة الرّجل أهله بعد الطّلاق؛ يقال : طلّق فلانفلانةَ طلاقًا يملك فيه الرَّجْعة والرِّجْعة. و منه قول الإمام عليّ في الدّنيا: <قد طلّقتُكِ ثلاثًا لا رَجْعة فيها >((1)).

و الرَّجْعة و الرِّجْعة أيضًا: النّاقة تباع و يشترى بثمنها مثلها، فالثّانية راجِعة و رَجيعة ؛ يقال: باعَ فلان إبلَه فارتجعَ منها رِجْعةً و رَجْعةً صالحة، أي ردّها.

و جاء فلان برِجْعة حسنة: بشيءٍ صالحٍ اشتراه مكان شيء صالح، أو مكان شيء قد كان دونه .

و ارتجعَ فلان مالا ، و هو أن يبيع إبلَه المسنّةَ و الصّغارَ ثمّ يشتري الفتيّةَ والبكارَ ، أو يبيع الذّكورَ و يشتري الإناثَ.

و أرجعَ إبلا : باع الهرمى و شرى البكارةَ الفتيّةَ، أو باع الذّكورَ و شرى الإناثَ.

و الرَّجيعة: أن يباع الذّكر و يشترى بثمنه الأُنثى، فالأُنثى الرَّجيعة، و قد ارتجعتُها و ترجّعتُها و رَجَعتُها.

و الرَّجيع و الرُّجْعى من الدّوابّ: ما رَجَعتَه من سفرٍ إلى سفرٍ، و هو الكالّ ، و الأُنثى رَجيع و رَجيعة، والجمع رَجائع.

و سفر رَجيع: مَرجوع فيه مرارًا، و الإياب منه أيضًا؛ يقال : فلان رِجْع سفر و رَجيع سفر .

و السّفرة المُرجِعة: الّتي لها ثواب و عاقبة حسنة؛ يقال: جعلها الله سفرة مُرجِعة.

و الرَّجيع: الجِرّة، لرَجْعه لها إلى الأكل، و كذلك كلّ شيء مُردَّد من قولٍ أو فعلٍ، لأنّ معناه مرجوع ، أي مردودٌ.

و الرَّجيع: الشّواء يسخّنثانية، و كلّ طعام برد فأعيد على النّار، و كلّ ما رُدِّد فهو رَجيع.

و حبل رَجيع:نقض ثمّ أُعيد فتله، و كذلك كلّ ما ثنيتَه.

و الرَّجيع: العرق، سمّي رَجيعًا لأ نّه كان ماء فعاد عرقًا.

و الرَّجيع و الرَّجْع: النّجو و الرّوث و ذو البطن؛ يقال : هذا رَجيع السّبع و رَجْعه، أي نجوه.

وأرجعَ، إذا أنجى.

و رَجيع القول: المكروه.

و الرَّجيع من الكلام: المردود إلى صاحبه.

و استرجعتُ منه الشّيءَ، إذا أخذتَ منه ما دفعتَه إليه.

و ترجّعَ الرّجل عند المصيبة و استرجعَ : قال : إنّا لله و إنّا إليه راجعون.

و الرِّجاع : رجوع الطّير بعد قطاعها؛ يقال : رَجَعَت الطّيرُ رُجوعًا و رِجاعًا، أي قطعت من المواضع الحارّة إلى الباردة .

و الرِّجاع : ما وقف على أنف البعير من خطامه ؛


1) (1) نهج البلاغة - قصار الحكم ( 77 ) .

يقال : رَجَعَ فلان على أنف بعيره، إذا انفسخ خطمه فردّه عليه، ثمّ يسمّى الخطام رِجاعًا.

و الرَّجْع: ردّ الدّابّة يديها في السّير و نحوه، و هو رَجيعها أيضًا.

و راجعت النّاقة رِجاعًا، إذا كانت في ضرب من السّير فرجعت إلى سير سواه.

و الرَّجْع: المطر، لأ نّه يَرجِع مرّة بعد مرّة.

و الرَّجْع و الرَّجيع و الرّاجِعة: الغدير يتردّد فيه الماء، و الجمع رُجْعان و رِجاع .

و رَجْع الكتف و مَرجِعها: أسفلها، و هو ما يلي الإبط منها من جهة منبضالقلب؛ يقال: طعنه في مَرجِع كتفه.

و رَجْع الجواب و رَجْع الرّشق في الرّمي: ما يردّ عليه.

و الرَّجْع و الرُّجْعى و الرُّجْعان و المَرجوعة و المَرجوع : جواب الرّسالة ؛ يقال : رَجَع إليّ الجوابُ يَرجِع رَجْعًا و رُجْعانًا.

و أرسلتُ إليك فما جاءني رُجْعى رسالتي : مَرجوعها.

و هل جاء رُجْعة و رَجْعة كتابك و رُجْعانه: جوابه.

و رَجَعَ إلى فلانٍ من مَرجوعه كذا: يعني ردّه الجواب.

و ما كان من مَرجوع أمر فلان عليك: من مردوده و جوابه.

و ليس لهذا البيع مَرجوع : لا يُرجَع فيه.

و متاع مُرجِع: له مَرجوع .

و ما أرجعَ إليه كلامًا: ما أجابه.

و راجعَه الكلامَ مراجعةً و رِجاعًا: حاوره إيّاه.

و الرّاجع من النّساء: الّتي يموت زوجها أو يطلّقها فتَرجِع إلى أهلها، و هي المُراجِع أيضًا.

و رجل راجع، إذا رَجَعَت إليه نفسه بعد شدّة ضنى.

و راجعَ الرّجلُ : رَجَعَ إلى خيرٍ أو شرٍّ .

و رَجَعَ الكلبُ في قيئه: عاد فيه.

و أتان راجِع و ناقة راجِع، إذا كانت تشول بذنبها و تجمع قطريها و توزّع ببولها، فتظنّ أنّ بها حملا ثمّ تخلف.

و رَجَعَت النّاقةُ تَرجِع رِجاعًا و رُجاعًا ، و هي راجِع : لقحت ثمّ أخلفت ، لأ نّها رَجَعَت عمّا رُجِيَ منها، ونوق رَواجِع .

و حُوار رَواجِع: رَجَعَت على أولادها؛ يقال :رواجِع نُزَّع.

و الرَّواجِع: الرّياح المختلفة، لمجيئها و ذهابها.

و أرجعَت الإبلُ، إذا هزلت ثمّ سمنت.

و أرجعَت النّاقةُ فهي مُرجِع: حسنت بعد الهزال.

و أرجعَ يده إلى سيفه ليستلّه، أو إلى كنانته ليأخذ سهمًا: أهوى بها إليها.

و أرجعَ الرّجلُ يديه، إذا ردّهما إلى خلفه ليتناول شيئًا، فعمّ به.

و أرجعَ اللهُ همَّه سرورًا: أبدل همَّه سرورًا .

و أرجعَ اللهُ بيعةَ فلان : كما يقال : أربح اللهُ بيعتَه.

و هذا أرجعُ في يدي من هذا: أنفع.

و قد رَجَعَ كلامي في الرّجل و نجعَ فيه.

و رَجَعَ في الدّابّة العلف و نجعَ ، إذا تبيّن أثره.

و الشّيخ يمرض يومين فلا يَرجِع شهرًا: لا يثوب إليه جسمه و قوّته شهرًا.

و رَجَعَ إليه: كرَّ .

و رَجَعَ عليه و ارتجعَ: ك- رَجَعَ .

و ارتجعَ على الغريم و المتّهم: طالبه.

و ارتجعَ إليّ الأمرَ : ردّه إليّ .

2- و المَرجِع : مصدر ميميّ للفعل: رَجَع يَرجِع رُجوعًا و مَرجِعًا و مَرجِعةً، و هو شاذّ ، لأنّ القياس فيه <مَرجَع>؛ قال الجوهريّ : < المصدر من: فَعَلَ يَفعِل ( مَفعَل ) بفتح العين>((1)).

غير أنّ الاسم فيه مكسور؛ قال الفرّاء : <كلّ ما كان على فَعَلَ يَفعِل ف- ( المَفعِل ) منه إذا أردت الاسم مكسور ، و ليسبالكثير >((2)) .

و المَرجِع عند الشّيعة الإماميّة : من يحوز درجة الاجتهاد و الأعلميّة في الفقه و الأُصول ، و يتحلّى بالورع و التّقوى و العدالة ، فيرجع إليه النّاس فيما يخصّ دينهم و دنياهم ، و يقلّدونه في المسائل الظّنّيّة .

و كان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) مَرجِع المسلمين في حياته ، لقوله تعالى : {وَ مَا ا"تيكُمُ ’الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهيكُمْ’ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللهَ اِنَّ اللهَ شَديدُ‘ الْعِقَابِ} الحشر : 7 .

و يعتقد الشّيعة أنّ أهل البيت هم المَرجِع بعد النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لقوله: <إنّي تارك فيكم الثّقلين، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما>((3)). و أمر أهل البيت شيعتهم باتّباع و تقليد العالم الجامع لشروط التّقليد: <فأمّا من كان من الفقهاء صائنًا لنفسه، حافظًا لدينه، مخالفًا لهواه، مطيعًا لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلّدوه >((4)) .

الاستعمال القرآنيّ

جاءت جميع مشتقّاتها من الثّلاثيّ المجرّد، إلا فعلا مضارعًا واحدًا من (التّفاعل)، فمن الأفعال : الماضي المعلوم عشر مرّات و المجهول مرّة واحدة، و المضارع المعلوم 24 مرّة و المجهول 32 مرّة، و الأمر 13 مرّة.و من المصادر: على (فَعْل) ثلاث مرّات، و على (فُعْلى) مرّة واحدة، و المصدر الميميّ 16 مرّة. و اسم الفاعل أربع مرّات، في 103 آيات.

يلاحظ أوّلا : أنّ فيها خمسة محاور:الخلقة،والقصّة، و التّشريع، و السّيرة ، و المعاد.

المحورالأوّل: (الخلقة)، و فيه ثلاث آيات:

أ- رجع البصر:

1 و 2 - { اَ لَّذى خَلَقَ سَبْعَ سَموَا تٍ طِبَاقًا مَا تَرى" فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى" مِنْ


1) (1) الصّحاح ( ج ي أ ) .

2) (2) ترتيب إصلاح المنطق ( 367 ) .

3) (3) الاحتجاج ( 1 : 391 ) .

4) (4) المصدر السّابق ( 2 : 263 ) .

فُطُورٍ* ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ اِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسيرٌ } الملك:3 و 4

ب - رجع السّماء:

3-{ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ} الطّارق:11

و فيها بحوثٌ:

1- يراد من رجع البصر في (2): {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ اِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَ هُوَ حَسيرٌ } التّفكّر في ملكوت السّماوات بالنّظر إليها، و كرّر في الآيتين مرّتين، و أكّد في الثّانية بلفظ {كَرَّ تَيْنِ} إمّا للاقتصار على هذا العدد؛ قال الطُّوسيّ:<لأنّ من نظر في الشّيء كرّة بعد أُخرى، بأنّ له ما لم يكن بائنًا له>. وإمّا للتّكرير بكثرة؛ قال الزَّمَخْشريّ: <هذا كقولك: لبّيك و سعديك، تريد إجابات كثيرة بعضها في إثر بعض>.

و من ذهب إلى حقيقة التّثنية على القول الأوّل، فقد تمسّك بظاهر الآية، و من ذهب إلى دوام الفعل وتكثّره، نظر إلى سياقها، و لكلا القولين وجه وجيه.

2 - فسّر الرّجع في (3) : { وَ السَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ}بالسّحاب و المطر، و هو قول ابن عَبّاس، وبالكواكب و النّجوم، و هو قول ابن زيد، و برجوع السّماء إلى الموضع الّذي تتحرّك عنه، و هو قول عكرمة، و بالملائكة، وهو ما احتمله الماورديّ، و بالدّماغ، و هو قول صدر المتألّهين.

و هذه الأقوال - عدا القول الأوّ ل - ممّا استحدثه المفسّرون تأوّ لا و توسّعًا، و ليس لها شاهد في اللّغة و لا في الأثر.

و الرّجع على التّحقيق: المطر، و هو اسم له، و زعم الفَخْر الرّازيّ أنّه سمّي رجعًا على سبيل المجاز، و ليس كذلك.

و نسب الزَّمَخْشريّ قول العرب: <إنّ السّحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثمّ يرجعه إلى الأرض> إلى الظّنّ، و لكن ثبت في العصر الحديث أنّ الماء يصعد إلى السّماء بخارًا، ثمّ يرجع إلى الأرض ماء.

المحور الثّاني : (القصّة)، و فيه 18 آية:

أ- قوم هود و صالح و لوط :

4- { وَ لَقَدْ اَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَ صَرَّفْنَا الا"_يَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الأحقاف:27

ب - إبراهيم :

5-{ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا اِلا كَبيرً ا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ اِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } الأنبياء:58

6- { فَرَجَعُوا اِلى" اَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا اِنَّكُمْ اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ } الأنبياء:64

7- { وَ جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الزّخرف:28

ج - يوسف :

8-{ يُوسُفُ اَ يُّهَا الصِّدّيقُ‘ اَفْتِنَا فى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَان ٍ يَاْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَاُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلّى اَرْجِعُ اِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ }

يوسف:46

9-{وَ قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونى بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ اِلى" رَبِّكَ فَسْ-َلْهُ= مَا بَالُ النِّسْوَةِ التى ّٰقَطَّعْنَ اَيْدِيَهُنَّ اِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَليمٌ } يوسف:50

10 و 11- {وَ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فى

رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ*فَلَمَّا رَجَعُوا اِلى" اَبيهِمْ‘ قَالُوا يَا اَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَاَرْسِلْ مَعَنَا اَخَانَا نَكْتَلْ وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}

يوسف:62 ،63

12- { اِ رْجِعُوا اِلى" اَبيكُمْ‘ فَقُولُوا يَا اَبَانَا اِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَ مَا شَهِدْ نَا اِلا بِمَا عَلِمْنَا وَ مَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظينَ } يوسف:81

د - موسى :

13-{وَ لَمَّا رَجَعَ مُوسى" اِلى" قَوْمِهِ غَضْبَانَ اَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونى مِنْ بَعْدى اَعَجِلْتُمْ اَمْرَ رَبِّكُمْ وَ اَلْقَى الاَ_لْوَاحَ وَ اَخَذَ بِرَاْسِ اَخيهِ يَجُرُّهُ اِلَيْهِ قَالَ ابْنَ اُمَّ اِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونى وَ كَادُوا يَقْتُلُونَنى فَلا تُشْمِتْ بِىَ الاَ_عْدَاءَ وَ لا تَجْعَلْنى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمينَ }

الأعراف:150

14-{اِذْ تَمْشى اُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ اَدُلُّكُمْ عَلى" مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ اِلى" اُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَ لاتَحْزَنَ وَ قَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنينَ فى اَهْلِ مَدْ يَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى" قَدَرٍ يَا مُوسى }

طه:40

15-{ فَرَجَعَ مُوسى اِلى"قَوْمِهِ غَضْبَانَ اَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ اَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا اَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ اَمْ اَرَدْتُمْ اَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَاَخْلَفْتُمْ مَوْعِدى } طه:86

16-{اَفَلا يَرَوْنَ اَ لا يَرْجِعُ اِلَيْهِمْ قَوْ لا وَ لا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعًا} طه:89

17-{ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفينَ حَتى يَرْجِعَ اِلَيْنَا مُوسى } طه:91

18-{وَ مَا نُريهِمْ‘ مِنْ ا"يَةٍ اِلا هِىَ اَكْبَرُ مِنْ اُخْتِهَا وَ اَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الزّخرف:48

ه- - سليمان:

19 - { اِ ذْهَبْ بِكِتَابی هذَا فَاَلْقِهِ اِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } النّمل:28

20-{وَ اِنّى مُرْسِلَةٌ اِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} النّمل:35

21-{ اِ رْجِعْ اِلَيْهِمْ فَلَنَاْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَ لَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا اَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ } النّمل:37

و فيها بحوث:

1- تقدّم حرف التّرجّي <لعلّ> فعل الرّجوع في (4) و (5) و (7) و(8) و (10) و (18)، و التّرجّي فيها للمخلوق دون الخالق، لأ نّه تعالى يعلم سلفًا أنّ الكافرين يلزمون الكفر و لا يبارحونه.

و يرى فريق من المفسّرين أنّ <لعلّ> في (4) : { وَ صَرَّفْنَا الا_يَاتِ’ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } للتّعليل، أي لكي يرجعوا من الكفر إلى الإيمان. و لفّق ابن عاشور بين المعنيين، فقال:<جملة {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} مستأنفة لإنشاء التّرجّي، و موقعها موقع المفعول لأجله، أي رجاء رجوعهم>.

و هذا لا يستقيم، لأنّ المفعول لأجله مصدر يبيّن سبب ما قبله، وهو لا يوافق معنى التّرجّي.

2- علّق الرّجوع بالتّرجّي في (5) : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا اِلا كَبيرً ا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ اِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } : لبعد حصوله، إذا كان الصّنم هو من يرجع إليه، إلا عن

سخريّة و استهزاء، و أمّا الرّجوع إلى إبراهيم فإنّ عبدة الأصنام كانوا سادرين في غيّهم، مصرّين على كفرهم، و لا يثنيهم قوله عن الإقلاع عن عبادتها.

و لعلّ في استعمال <لعلّ> مع الرّجوع و غيره في القرآن إشارة تربويّة، سنتعرّض لها في موضعها إن شاء الله.

3- أقرّ قوم إبراهيم في (6): { فَرَجَعُوا اِلى" اَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا اِنَّكُمْ اَنْتُمُ الظَّالِمُونَ }:على أنفسهم بالظّلم بعد رجوعهم إلى أنفسهم، و لعلّهم كانوا فريقين: فريق متشدّد متعنّت، و هم أتباع السلطان، و فريق متسهّل متسمّح، و هم سائر الرّعيّة.

و يظهر على هذا أنّ الفريق الثّاني أنحى باللا ئمة على الفريق الأوّل عند حجاج إبراهيم لهم و انقطاع بيانهم، إلا أنّهم نكصوا على أعقابهم خوفًا من شوكة السّلطان و أتباعه.

4- أُسند فعل الرّجوع في (7): {وَ جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فى عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} إلى الواو، و يرادبه مشركو مكّة كما قال المفسّرون، و لم تذكر صلته لدلالة ما تقدّم من الآيات عليها، و التّقدير: لعلّهم إلينا، أو إلى ربّهم، أو إلى دين إبراهيم يرجعون. و هوإسناد كلّيّ يراد به بعض، فمنهم من كان حنيفًا موحّدًا يعبد الله على دين إبراهيم، و لكنّه يكتم دينه تقيّة، و هم قليل، و منهم من كان يشرك مع الله إلهًا آخر، و هم كثير.

5 - وضع الرّجوع في (8): { يُوسُفُ اَ يُّهَا الصِّدّ يقُ‘ اَفْتِنَا فى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَاْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ اُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلّى اَرْجِعُ اِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ} علّة للإفتاء، و سعى المستفتي جاهدًا إلى تحقّقه، و تودّد إلى المفتي في هذا الأمر، فذكر اسمه <يوسف>، و خاطبه بصفته { اَ يُّهَا الصِّدّيقُ }، و عظّمه بإغفال ذكر الملك أمامه، و كلّ ذلك إمعان في جعل العلّة تامّة، أي توقّف رجوع المستفتي إلى الملك و قومه على إفتاء يوسف و تأويله.

6- ردّ يوسف في (9) أمر الملك: {ائْتُونى بِهِ} بقوله لرسوله: {ارْجِعْ اِلى" رَبِّكَ فَسْ-َلْهُ= مَا بَالُ النِّسْوَةِ التىّٰ قَطَّعْنَ اَيْدِيَهُنَّ}؟ فانصاع الملك لأمر يوسف و سأل النّسوة: {مَا خَطْبُكُنَّ اِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} ؟ ولمّا نفّذ ما أمر به يوسف، كرّر قوله بأمر مشوب بالتّشويق و التّرغيب: { ا ئْتُونى بِهِ اَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسى } .

انظر إلى حكمة يوسف و شجاعته، إذ لم تأخذه في الله لومة لائم، فردّ دعوة الملك و هو تحت سلطانه! وانظر إلى عدل الملك و حلمه، إذ لم يتوسّل لتحقيق مأربه بسلطانه، فلبّى أمر يوسف و هو يقبع في سجنه! و لم يقتصر الأمر على هذا، بل أكرمهو احتفى به: {اِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكينٌ اَمينٌ }، و طلب منه يوسف اتّكالا على أمانته وعلمه:{اجْعَلْنى عَلى خَزَائِنِ الاَ_رْضِ اِنّى حَفيظٌ‘ عَليمٌ }، و هذا لعمري من معجز النبّوّة و سلطان العلم، فأخرج من الرّكيّة و أجلس على الأريكة !

7- علّق بعض المفسّرين رجوع إخوة يوسف على ما جاد به عليهم في (10): {وَ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا

بِضَاعَتَهُمْ فى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} و هذا بعيد، لأنّ يوسف كان يعلم علم اليقين أنّهم يرجعون إليه لا محالة، لما انتهى إليه حين فسّر رؤيا الملك أنّ النّاس سيجدبون و يعيشون في ضنك وجشب، فيقصدونه من كلّ حدب و صوب، و منهم إخوته.

و نرى وضعه بضاعتهم في رحالهم كرمًا منه و سخاء، و الكرم من شيم الأنبياء، فما الضّير في إكرام نبيّ نبيًّا، و خاصّة إذا كان بين الآباء و الأبناء والإخوة و بني العلا ت.

8- رجوع أبناء يعقوب إلى يعقوب في (11): {فَلَمَّا رَجَعُوا اِلى" اَبيهِمْ‘} رجوع تأميل، و رجوعهم إليه في (12): { ارْجِعُوا اِلى" اَبيكُمْ‘} رجوع تهويل، فكان كلامهم معه في الرّجوع الأوّل بتيسّر، و في الرّجوع الثّاني بتعسّر، لأ نّهم نسبوا <بنيامين> في (11) إليهم: {اَخَانَا}، و نسبوه في (12) إلى أبيهم: {ابْنَكَ}، و هذا يكشف مدى بعد قول من قال في (12): هو من قول يوسف، فتأمّل.

9- كان رجوع موسى في (13) إلى (16) رجوعًاحقيقيًّا، بينما كان رجوع آل فرعون في (18) { وَ اَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} مجازيًّا، وكذلك رجع العجل في (16) {اَفَلا يَرَوْنَ اَ لا يَرْجِعُ اِلَيْهِمْ قَوْ لا ... } ، أي جوابه. أو كان رجوعه - على طريقة أهل المعنى - رجوع يقين، و رجوع أعدائه رجوع ظنين، فنفي في (16) الرّجع، و بان في أحلامهم الصّدع، و ترجّى في (18) رجوعهم عن الكفر إلى الإيمان، و لكنّهم تمادوا في الغيّ و العصيان.

و لمّا أسند الرّجوع إلى موسى على لسان الله جاء فعلا ماضيًا، كما في (14) و (15) و (16)، و على لسان قومه جاء مضارعًا، كما في (17) :{ قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفينَ حَتى |يَرْجِعَ اِلَيْنَا مُوسى }. و لمّا أسند إلى العجل و إلى قوم فرعون جاء مضارعًا أيضًا، كما في (16) و(18) .

10- الفعل{يَرْجِعُونَ} في (19) { ... ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ } من الرّجع، لأ نّه استوفى مفعوله {مَاذَا}. والفعل{يَرْجِعُ} في (20) { فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ} من الرّجوع على الأصحّ، و لو كان من الرّجع لقيل: ماذا يرجع، كما في الآية السّابقة. و الفعل{ارْجِعْ} في (21) { اِ رْجِعْ اِلَيْهِمْ... } من الرّجوع، لأ نّه استوفى صلته < إلى>.

و كان سليمان يطمع في دخول بلقيس و قومها في دينه، و كانت بلقيس تتوخّى قبول سليمان هديّتها، فغاية الأنبياء هداية النّاس لصلاح دنياهم و آخرتهم، و غاية الملوك كسب رضا النّاس لإرساءقواعد ملكهم، وشتّان بين الغايتين.

المحور الثّالث: (التّشريع)، و فيه 5 آيات:

22 -{وَ اَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ للهِ‚ فَاِنْ اُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَ لاتَحْلِقُوا رُ ؤُسَكُمْ حَتى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَريضًا اَوْ بِهِ اَذًى مِنْ رَاْسِهِ فَفِدْ يَةٌ مِنْ صِيَامٍ اَوْ صَدَقَةٍ اَوْ نُسُكٍ فَاِذَا اَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلثَةَ اَيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ اِذَا

رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذ"لِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ اَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا اَنَّ اللهَ شَديدُ‘ الْعِقَابِ} البقرة:196

23 -{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَ-لَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْ قَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدّينِ‘ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ اِذَا رَجَعُوا اِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }

التّوبة : 122

24 -{ يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اَللهُ اَعْلَمُ بِايْمَا نِهِنَّ فَاِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاتَرْجِعُوهُنَّ اِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَ لا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَ ا"تُوهُمْ مَا اَنْفَقُوا وَ لاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ اَنْ تَنْكِحُوهُنَّ اِذَا ا"تَيْتُمُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ وَ لا تُمْسِكُوا بِعِ-صَمِ الْكَ-وَافِرِ وَ اسْ-َلُو=ا مَا اَنْفَقْتُمْ وَ لْيَسْ-َلُو=ا مَا اَنْفَقُوا ذ"لِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَ اللهُ عَليمٌ حَكيمٌ } الممتحنة:10

25-{فَاِنْ لَمْ تَجِدُوا فيهَا‘ اَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتى| يُؤْذَنَ لَكُمْ وَ اِنْ قيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَاَزْكى" لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَليمٌ } النّور:28

26-{فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتى| تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا اَنْ يَتَرَاجَعَا اِنْ ظَنَّا اَنْ يُقيمَا ‘حُدُودَ اللهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} البقرة:230

و فيها بحوثٌ:

1- ذكر الرّجوع في (22): {اِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}دون صلته، فقدّرها بعض بالحرف <من> الواقعة لابتداء الغاية في المكان أو الزّمان، أي إذا رجعتم من منى، أو من النّفر و الفراغ من أعمال الحجّ. و جوّز على هذا الرّأي الصّوم في الطّريق، و هو قول أبي حنيفة و أحد قولي مالك.

و قدّرها آخرون بالحرف <إلى> الواقع لانتهاء الغاية في المكان، و هو الأصل فيه، أي إذا رجعتم إلى أهليكم و أمصاركم. و منع هذا الرّأي الصّوم في الطّريق ، و هو قول أئمّة أهل البيت، و الشّافعيّ، و مالك في أحد قوليه.

و القول الثّاني هو الأقرب، لاتّفاق الفريقين عليه، إلا أنّ الفريق الأوّل عدّه رخصة، و الثّاني عدّه فرضًا. وحريّ بالفريق الأوّل أن يجعل صوم المتمتّع سبعة أيّام في الأمصار احتياطًا؛ قال محمّد رشيد رضا:<لا يخفى أنّ الاحتياط أن يصومها بعد الوصول إلى أهله، لأ نّه المتبادر من العبارة، و لأنّ الصّيام في السّفر خلاف الأصل في هذه القربة>.

و ليس في الصّوم أثناء السّفر نصّ من الكتاب أو السّنّة، بل يذوده قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذى اُنْزِلَ فيهِ الْقُرْ ا"نُ هُدًى لِلنَّاسِ وَ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدى"وَ الْفُرْ قَان ِفَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَريضًا‘ اَوْ عَلى" سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ اَيَّامٍ اُخَرَ يُريدُ‘‘ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُريدُ‘ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى" مَا هَ-د"يكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة:185. و ما روي في الصّحيح: <أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) بعث مناديًا ينادي أنّ أيّام منى أيّام أكل و شرب>. و ما روي عن ابن عَبّاس، قال: <لمّا قدمنا مكّة قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) : اجعلوا إهلالكم بالحجّ عمرة إلا من قلّد الهدي، فطفنا

بالبيت و بالصّفا و المروة، و أتينا النّساء، و لبسنا الثّياب، ثمّ أمرنا عشيّة التّروية أن نهلّ بالحجّ، فلمّا فرغنا قال: عليكم الهدي، فإن لم تجدوا فصيام ثلاثة في الحجّ و سبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم>.

و احتجّ الشّافعيّ ببطلان الصّيام في السّفر بثلاث حجج: الأُولى: عقليّة، و هي أنّ الرّجوع إلى الوطن شرط، و إذا انتفى الشّرط انتفى المشروط، و هو الصّوم.

و الثّانية: روائيّة، و هي الخبر و الحديث المتقدّم.

و الثّالثة: قياسيّة، و هي أنّه كما أسقط الله الصّوم عن المسافر في رمضان، أسقطه عنه في صوم التّمتّع كذلك، لأ نّه أخفّ شأنًا منه. و كان حريّ بأبي حنيفة أن يعمل بهذا الإلحاق وفقًا لنهجه في القياس، و لكنّه عدل عنه هنا، فتأمّل.

2- قيل: الرّاجع في (23): {وَ مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِى الدّينِ‘ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْاِذَا رَجَعُوا اِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} هو النّافر إلى الجهاد، و الرّاجع إليه القاعد الّذي تعلّم القرآن و السّنن و الفرائض و الأحكام، فيتعلّمها المجاهد منه بعد رجوعه من القتال. أو الرّاجع هو من تعلّم هذه العلوم، ثمّ يرجع إلى قومه يعلّمهم ما تعلّم .

و قيل: لا تعلّم و لا تعليم ثَمّة، و إنّما الرّاجع من نفر إلى الجهاد، يرجع إلى قومه الكفّار فيخبرهم بنصر الله النّبيّ و المؤمنين، فيثبّط عزائمهم و يصدّهم عن قتال المسلمين. و القول الأوّل هو الأظهر و الأشهر، و الله أعلم.

3- كان الأمر بالرّجوع في (25): {فَاِنْ لَمْ تَجِدُوا فيهَا اَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتّى" يُؤْذَنَ لَكُمْ وَ اِنْ قيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ اَزْكى" لَكُمْ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَليمٌ } لمن دخل بيتًا غير بيته، و لم يستأذن أهله، ولم يسلّم عليهم،لأنّ الاستئذان والسّلام يسبقان الدّخول، فلا بدّ لكلّ زائر أن يقوم بهذه المراحل الثّلاثة حين زيارة المزور في بيته.

و لا زالت هذه العادة جارية في زماننا أيضًا، إلا أنّ الطّريقة قد تغيّرت بتغيّر الأزمان و تطوّر الأحوال، فالاستئذان يجري هذه الأيّام بالجرس الحاكي أو الرّائي، كما يتعذّر دخول البيوت، لأ نّها ذات أبواب حصينة، تفتح آليًّا أو ذاتيًّا بمشيئة أصحابها.

4- أُبيح لمن طلّق زوجته ثلاث مرّات في (26): {فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى" تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا اَنْ يَتَرَاجَعَا اِنْ ظَ-نَّا اَنْيُقيمَا‘ ‘حُدُودَ اللهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} أن يرجع إليها بشرطين؛ الأوّل: زواجها بغيره و دخوله بها، و الثّاني: رضاها بالزّواج به ثانية. و الشّرط الأوّل شرعيّ، و الثّاني توافقيّ، و لذا جاء الفعل على وزن (تفاعل) الّذي يفيد المشاركة، أي يتزاوجان وفق إرادتهما، دون أن تكره المرأة على الزّواج، أو يكره زوجها الثّاني على طلاقها.

المحور الرّابع: (السّيرة)، و فيه (12) آية:

أ- المشركون:

27 -{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ

اَيْدِى النَّاسِ لِيُذيقَهُمْ بَعْضَ الَّذى عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} الرّوم:41

28 -{وَ لَنُذيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الاَ_دْنى" دُونَ الْعَذَابِ الاَ_كْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} السّجدة:21

29-{وَ كَذ"لِكَ نُفَصِّلُ الا_يَاتِ’ وَ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}

الأعراف:174

30-{ فَلا يَسْتَطيعُو‘نَ تَوْصِيَةً وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} يس:50

31-{وَ لَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَ لا يَرْجِعُونَ} يس:67

ب - المنافقون:

32-{فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَاْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ اَبَدًا وَ لَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّ ا اِنَّكُمْ رَضيتُمْ‘ بِالْقُعُودِ اَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفينَ } التّوبة:83

33-{وَ اِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا اَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَاْذِنُ فَريقٌ مِنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ اِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ اِنْ يُريدُ‘ونَاِلا فِرَارًا }

الأحزاب:13

34-{يَعْتَذِرُونَ اِلَيْكُمْ اِذَا رَجَعْتُمْ اِلَيْهِمْ قُلْ لاتَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّاَنَا اللهُ مِنْ اَخْ-بَارِكُمْ وَ سَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ اِلى" عَالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}

التّوبة:94

35-{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ}. البقرة:18

36-{يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا اِلَى الْمَدينَةِ‘ لَيُخْرِجَنَّ الاَ_عَزُّ مِنْهَا الاَ_ذَلَّ وَ للهِ‚ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنينَ وَ لكِنَّ’ الْمُنَافِقينَ لايَعْلَمُونَ } المنافقون:8

ج - اليهود:

37-{وَ قَطَّعْنَاهُمْ فِى الاَ_رْضِ اُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَ مِنْهُمْ دُونَ ذ"لِكَ وَ بَلَوْ نَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَ السَّيِّ-ا"تِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . الأعراف:168

38-{وَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ اَهْلِ الْكِتَابِ ا"مِنُوا بِالَّذى اُنْزِلَ عَلَى الَّذينَ ا"مَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَ اكْفُرُوا ا"خِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} . آل عمران:72

و فيها بحوث:

1- ذكر الرّجوع في (27): {لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} دون قيد، فقدّره المفسّرون بالحرف <عن> تارةً، و بالحرف <إلى> تارةً أُخرى، كما فسّر بعضهم الرّجوع بالمراجعة. فمن وصله ب- <عن> ضمّنه معنى الإقلاع على الاستعارة، و التّقدير: لعلّهم يرجعون عن الذّنوب و المعاصي، و هو قول ابن عَبّاس، و من وصله ب- <إلى> فسّره على الأصل، لأ نّه يتعدّى بهذا الحرف عادة، و التّقدير: لعلّهم يرجعون إلى الحقّ أو التّوبة، وهو قول النّخعيّ. و أمّا من فسّره بالمراجعة فقد عدّاه بنفسه، فاستغنى بذلك عن القيد أو الصّلة، و التّقدير: لعلّهم يراجعون بصائرهم في طاعة الله تعالى، و هو قول ابن عطيّة. و نظيرها الآيتان: (28) و (29) أيضًا.

2- وصل المفسّرون ذيل (30): { فَلايَسْتَطيعُو‘نَ تَوْصِيَةً وَ لا اِلى" اَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ} بالجملة <فيوصون إليهم>، و هو رأي الطّوسيّ، أو شبه الجملة <من الأسواق>، كما رواه الفرّاء، أو ظرف الزّمان <أبدًا>،

و هو ما احتمله ابن عطيّة. و قدّر الفرّاء <قولا > صلة لها، فجعل الفعل متعدّيًا، أي لا يرجعون إلى أهلهم قولا ، نظير الآية (17)، و هو بعيد، إذ ليس في الآية ما يدلّ عليه.

3- قدّر الزّمخشريّ الفعل {يَرْجِعُونَ} في (31) بالمصدر، فقال: <لا يقدرون أن يبرحوه بإقبال و لا إدبار ولا مضيّ و لا رجوع>، فجعله معطوفًا على {مُضِيًّا} : مفعول الفعل {اسْتَطَاعُوا}، و يلزم قوله أن يكون الفعل {يَرْجِعُونَ} منصوبًا بالفعل {اسْتَطَاعُوا} أيضًا، و هذا لا يسوغ في اللّغة، لأنّ الفعل لا ينصب الفعل.

و قيل: { يَرْجِعُونَ } معطوف على { فَمَا اسْ-تَطَاعُوا } ، مردود أيضًا، إذ يشترط عند عطف فعل على فعل اتّفاق زمانهما، و إذا ورد خلاف ذلك أُوّل بما يفيد اتّحادهما.

و نرى أنّ جملة {وَ لا يَرْجِعُونَ} معطوفة على فعل محذوف، هو <يمضون>، و {مُضِيًّا}: مفعول مطلق، ولفعل الرّجوع مفعول مطلقمحذوف، هو <رجوعًا>، و التّقدير: فما استطاعوا يمضون مضيًّا و لا يرجعون رجوعًا، و حذف <رجوعًا> لرعاية الفواصل، لأنّ أغلب رويّ آيات هذه السّورة نون يسبقها واو أو ياء.

4- زعم ابن عاشور أنّ الرّجع في (32): {فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَاْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِىَ اَبَدًا وَ لَنْ تُقَاتِلُوا مَعِىَ عَدُوًّا اِنَّكُمْ رَضيتُمْ‘ بِالْقُعُودِ اَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفينَ } مجازيّ، و فسّره بالإرجاع إلى الحديث مع المنافقين المخلّفين، و ليس الرّجع من غزوة تبوك إلى المدينة، كما قال ابن عبّاس والمفسّرون قاطبة. و كان ابن عَبّاس أدرك غزوة تبوك و لم يشهدها لصغر سنّه، فكان عمره آنذاك اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة، و لا بدّ من أنّه انتهى إليه خبرها، و رأى من شهدها و سمع حديثه عنها، فكلام من سمع حجّة على من لم يسمع.

5- أمرت طائفة من المنافقين أهل المدينة بالرّجوع إلى مدينتهم و مساكنهم في (33): {وَ اِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا اَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَاْذِنُ فَريقٌ مِنْهُمُ النَّبِىَّ يَقُولُونَ اِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ اِنْ يُريدُ‘ونَ اِلا فِرَارًا}، و هو قول ابن عبّاس و الجمهور الأعظم من المفسّرين. و قيل: كان الأمر بالرّجوع عن دين محمّد (صلی الله علیه و آله)، و نسب الماورديّ هذا القول إلى الحسن.

و القول الأوّل ألصق بالسّياق، خلافًا للقول الثّاني، إذ يحتمل فيه أن يكون المنافقون داخلالمدينة حينما أمروا قومهم بترك الإسلام، فلا يكون حينئذٍ لاستئذان الفريق الثّاني منهم النّبيّ (صلی الله علیه و آله) معنى، و القرآن منزّه عن اللّغو و الخطل.

و يلزم على هذا المعنى أيضًا تقدير صلة للفظ {مُقَامَ}، و هي الباء، لأ نّه بمعنى الإقامة؛ يقال: أقام بالمكان، أي لبث فيه و اتّخذه وطنًا، و التّقدير: لا مقام لكم بها؛ قال بشر بن جذلم لمّا نعى الإمام الحسين إلى أهل المدينة:

يا أهلَ يثربَ لا مُقامَ لكم بها

قُتِلَ الحسينُ فأدمعي مِدرارُ

الجسمُ منه بكربلاءَ مضرَّجٌ

و الرّأسُ منه على القناةِ يدارُ((1))

6- وصف الله حال المنافقين في (35): {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} بأ نّه لمّا ذهب بنورهم في الآخرة { وَ تَرَكَهُمْ فى ظُلُمَاتٍ لا يُبْصِرُونَ } ، بقوا متحيّرين؛ صمّ لايسمعون، و بكم لاينطقون، و عمي لايبصرون، {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} إلى ما كانوا عليه من السّمع و النّطق و البصر.

و إن أريد بحالهم في الدّنيا - و ليس كذلك - كان الوصف مجازيًّا، و إن أريد بحالهم في الآخرة، كان الوصف حقيقيًّا، و هو ما نميل إليه، و نظيره قوله: { وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ عَلى" وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَ بُكْمًا وَصُمًّا مَاْويهُمْ ’جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْ نَاهُمْ سَعيرًا‘} الإسراء:97، و قوله: { وَمَنْ اَعْرَضَ عَنْ ذِكْرى فَاِنَّ لَهُ مَعيشَةً ضَنْكًا وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيمَةِ اَعْمى"} طه:124.

7- قال الطَّبْرسيّ في (37): {وَ قَطَّعْنَاهُمْ فِى الاَ_رْضِ اُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَ مِنْهُمْ دُونَ ذ"لِكَ وَ بَلَوْ نَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَ السَّيِّ-ا"تِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}: <متى قيل: كيف يصحّ الرّجوع إلى أمر لم يكونوا عليه قطّ؟ فالقول فيه: إنّ الذّاهب عن الشّيء قد يقال له: ارجِعْ إليه، أي صِرْ إليهن كما أنّ من رأى غيره سالكًا في المهالك قد يقول له: ارجِعْ إلى الطّريق المستقيم، يريد إخراجه عن المهالك>.و يظهر من أقوال المفسّرين أنّهم احترزوا من هذا الإشكال، فعدّوا الرّجوع بالحرف <عن>، و منهم ابن عَبّاس؛ قال: <لكي يرجعوا عن معصيتهم و كفرهم>، أي ينصرفوا و يرتدّوا. كما يقال ذلك في الآية: (38) أيضًا.

بيد أنّ الطّبريّ عدّاه بالحرف <إلى>، فقال: <ليرجعوا إلى طاعة ربّهم و ينيبوا إليه>، يريد ليصيروا إلى طاعته.

المحور الخامس: المعاد، و فيه 65 آية:

أ- رجوع العباد إلى الله:

تُرجَعون :

39- {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَ كُنْتُمْ اَمْوَاتًا فَاَحْ-يَاكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة:28

40- {مَنْ ذَا الَّذى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ اَضْعَافًا كَثيرَ ةً وَ اللهُ يَقْبِضُ وَ يَبْسُطُ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة:245

41- { وَ اتَّ-قُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيهِ اِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى" كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ } البقرة:281

42- {هُوَ يُحْيى وَيُميتُ‘ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

يونس:56

43- { وَ لا يَنْفَعُكُمْ نُصْحى اِنْ اَرَدْتُ اَنْ اَنْصَحَ لَكُمْ اِنْ كَانَ اللهُ يُريدُ اَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

هود:34

44- {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَ نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَ الْخَيْرِ فِتْنَةً وَ اِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } الأنبياء:35

45- { اَفَحَسِبْتُمْ اَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَ اَنَّكُمْ اِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } المؤمنون:115


1) (1) مقتل الحسين لأبي مخنف الأزديّ (90) و مثير الأحزان لابن نما الحلّيّ (239).

46- {وَ هُوَ اللهُ لا اِلهَ" اِلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِى الاُ_ولى" وَ الا"_خِرَةِ وَ لَهُ الْحُكْمُ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} القصص:70

47- {وَ لاتَدْعُ مَعَ اللهِ اِله-ًا ا"خَرَ لا اِلهَ اِلا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ اِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

القصص:88

48- {اِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون ِاللهِ اَوْثَانًا وَ تَخْلُقُونَ اِفْكًا اِنَّ الَّذينَ‘ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْ قًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} العنكبوت:17

49- {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ اِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}

العنكبوت:57

50- {اَ للهُ يَبْدَاُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ‘ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

الرّوم:11

51- { قُلْ يَتَوَفّ-يكُمْ ’مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذى وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ اِلى" رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} السّجدة:11

52- {وَ مَا لِىَ لا اَعْبُدُ الَّذى فَطَرَنى وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يس:22

53- {فَسُبْحَانَ الَّذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يس:83

54- {قُلْ للهِ‚ الشَّفَاعَةُ جَميعًا‘ لَهُ مُلْكُ السَّموَا تِوَ الاَ_رْضِ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} الزّمر:44

55 - {وَ قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا اَنْطَقَنَا اللهُ الَّذى اَنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ اَوَّلَ مَرَّةٍ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فصّلت:21

56-{وَ تَبَارَ كَ الَّذى لَهُ مُلْكُ السَّموَا تِ وَ الاَ_رْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا وَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} الزّخرف:85

57- {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ اَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ اِلى" رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} الجاثية:15

يُرجَعون :

58-{اَفَغَيْرَ دينِ‘ اللهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ اَسْلَمَ مَنْ فِى السَّموَا تِ وَ الاَ_رْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُونَ}

آل عمران:83

59- {اِنَّمَا يَسْتَجيبُ‘ الَّذينَ‘ يَسْمَعُونَ وَ الْمَوْتى" يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ اِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} الأنعام: 36

60- {اِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الاَ_رْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ اِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} مريم:40

61- {اَلا اِنَّ للهِ‚ مَا فِى السَّموَ"اتِ وَ الاَ_رْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا اَنْتُمْ عَلَيْهِ وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ اِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَ اللهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَليمٌ } النّور:64

62- {وَ اسْتَكْبَرَ هُوَ وَ جُنُودُهُ فِى الاَ_رْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ ظَنُّوا اَنَّهُمْ اِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ} القصص:39

63- {فَاصْبِرْ اِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَاِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذى نَعِدُهُمْ اَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَاِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} المؤمن :77

راجعون:

64- {اَ لَّذينَ‘ يَظُنُّونَ اَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَ اَ نَّهُمْ اِلَيْهِ رَاجِعُونَ} البقرة:46

65- { اَ لَّذينَ‘ اِذَا اَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ‘ قَالُوا اِنَّا للهِ‚ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ} البقرة:156

66- {وَ تَقَطَّعُوا اَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ اِلَيْنَا رَاجِعُونَ}الأنبياء:93

67- { وَ الَّذينَ‘ يُؤْتُونَ مَا ا"تَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ اَنَّهُمْ

اِلى" رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} المؤمنون:60

مَرْجِعُكُم:

68- {اِذْ قَالَ اللهُ يَا عيسى اِنّى مُتَوَفّيكَ‘ وَ رَافِعُكَ اِلَىَّ وَ مُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا وَ جَاعِلُ الَّذينَ‘ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اِلى" يَوْمِ الْ-قِيمَةِ ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَاَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فيمَا‘ كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُونَ}

آل عمران:55

69- {وَ اَنْزَلْنَا اِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْ-كُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا اَنْزَلَ اللهُ وَ لاتَتَّبِعْ اَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجًا وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَ لكِنْ’ لِيَبْلُوَكُمْ فى مَا ا"تيكُمْ ’فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا‘ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُونَ} المائدة:48

70- { يَا ءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا عَلَيْكُمْ اَنْفُسَكُمْ لايَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ اِذَا اهْتَدَيْتُمْ اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا‘ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} المائدة:105

71-{ وَ هُ-وَ الَّ-ذى يَتَوَفّ-يكُمْ’ بِالَّيْلِ وَ يَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فيهِ لِيُقْضى" اَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ اِلَ-يْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّ-ئُكُمْ بِمَا كُنْ-تُمْ تَعْمَلُونَ }

الأنعام:60

72- { قُلْ اَغَيْرَ اللهِ اَبْغى رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ وَ لا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ اِلا عَلَيْهَا وَ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى" ثُمَّ اِلى" رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فيهِ تَخْتَلِفُونَ } الأنعام:164

73- { اِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا‘ وَعْدَ اللهِ حَقًّا اِنَّهُ يَبْدَ اُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ‘ لِيَجْزِىَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَميمٍ ‘وَعَذَابٌ اَليمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} يونس:4

74- { فَلَمَّا اَنْجيهُمْ’ اِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الاَ_رْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا ءَ يُّهَا النَّاسُ اِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلى" اَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيو"ةِ الدُّ نْ-يَا ثُمَّ اِلَيْ-نَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} يونس:23

75- {اِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَ هُوَ عَلى" كُلِّ شَىْءٍ قَديرٌ } هود:4

76- {وَ وَصَّيْنَا الاِ_نْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَ اِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاتُطِعْهُمَا اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} العنكبوت:8

77- { وَ اِنْ جَاهَدَاكَ عَلى" اَنْ تُشْرِكَ بى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَ صَاحِبْهُمَا فِى الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَ اتَّبِعْ سَبيلَ‘ مَنْ اَنَابَ اِلَىَّ ثُمَّ اِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَاُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} لقمان:15

78- {اِنْ تَكْفُرُوا فَاِنَّ اللهَ غَنىٌّ عَنْكُمْ وَ لا يَرْضى" لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَ اِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ لا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى" ثُمَّ اِلى" رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ اِنَّهُ عَليمٌ ‘بِذَاتِ الصُّدُورِ} الزّمر:7

مَرْجِعُهُمْ:

79- { وَ لاتَسُبُّوا الَّذينَ‘ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذ"لِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ اُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ اِلى" رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}

الأنعام : 108

80-{وَ اِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذى نَعِدُهُمْ اَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ

فَاِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُشَهيدٌ‘ عَلى" مَا يَفْ-عَلُونَ}

يونس:46

81- {مَتَاعٌ فِى الدُّ نْيَا ثُمَّ اِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّديدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} يونس:70

82-{وَ مَنْ كَفَرَ فَلايَحْزُنْكَ كُفْرُهُ اِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا اِنَّ اللهَ عَليمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}

لقمان:23

رُجِعتُ:

83- {وَ لَئِنْ اَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذَا لى وَ مَا اَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ اِلى" رَبّى اِنَّ لى عِنْدَهُ لَلْحُسْنى" فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذينَ‘ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَ لَنُذيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَليظٍ‘}

فصّلت:50

الرَّجْع:

84- {ءَ اِ ذَا مِتْنَا وَ كُ-نَّا تُرَابًا ذ"لِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ }

ق:3

85 - {اِنَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ }

الطّارق:8

الرُّجعى:

86 - {اِنَّ اِلى" رَبِّكَ الرُّجْعى"}

العلق:8

ارجِعي:

87 - { يَا ءَ يَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعى اِلى" رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} الفجر:27 و 28

ب - رجوع الأمر إليه:[و هذه الآيات السّبع، أقرب إلى محور ( الخلقة) من محور (المعاد) ، و تحتمل أُمور الدّنيا و الآخرة جميعًا ]

الأمر:

88 - {وَ للهِ‚ غَيْبُ السَّموَا تِ وَ الاَ_رْضِ وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُ الاَ_مْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَ تَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَ مَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} هود:123

الأُمور:

89- {هَلْ يَنْظُرُونَ اِلا اَنْ يَاْتِيَهُمُ اللهُ فى ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَ الْمَلئِكَةُ’ وَ قُضِىَ الاَ_مْرُ وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورُ}

البقرة:210

90-{وَ للهِ‚ مَا فِى السَّموَا تِ وَ مَا فِى الاَ_رْضِ وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورُ} آل عمران:109

91-{وَ اِذْ يُريكُمُو هُمْ اِذِ الْتَقَيْتُمْ فى اَعْيُنِكُمْ قَليلا ‘ وَ يُقَلِّلُكُمْ فى اَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ اللهُ اَمْرًا كَانَ مَفْعُولا وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ

الاُ_مُورُ} الأنفال:44

92-{يَعْلَمُ مَا بَيْنَ اَيْديهِمْ‘ وَ مَا خَلْفَهُمْ وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورُ} الحجّ:76

93-{وَ اِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورُ} فاطر:4

94-{لَهُ مُلْكُ السَّموَ"اتِ وَ الا_َرْضِ وَ اِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورُ} . الحديد:5

ج - رجوع الكافرين إلى الجحيم :

مرجعهم:

95- { ثُمَّ اِنَّ مَرْجِعَهُمْ لاِلَى الْجَ-حيمِ‘ }

الصّافّات:68

د - رجع الكافرين القول إلى بعضهم بعضًا:

يَرجِع:

96-{وَ قَالَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْ-قُرْ ا"نِ

وَ لا بِالَّذى بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَوْ تَرى اِذِ الظَّالِمُونَ مَوْ قُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ اِلى" بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ

الَّذينَ‘ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذينَ‘ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا اَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنينَ‘} سبأ:31

ه- - الرّجوع إليه قسرًا :

تَرجِعونها:

97-{ فَلَوْ لا اِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدينينَ ‘ *تَرْجِعُونَهَا اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ } الواقعة: 86 ،87

يَرجِعون:

98-{وَ حَرَامٌ عَلى" قَرْ يَةٍ اَهْلَكْنَاهَا اَ نَّهُمْ لايَرْجِعُونَ} الأنبياء:95

99-{ اَلَمْ يَرَوْا كَمْ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُون ِاَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ } يس:31

ارجِعون ِ:

100-{حَتّى" اِذَا جَاءَ اَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون ِ } المؤمنون:99

فارجِعْنا :

101-{وَ لَوْ تَرى" اِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُ ؤُسِهِمْ عِنْدَ رَ بِّهِمْ رَ بَّ-نَا اَبْصَرْ نَا وَ سَمِعْ-نَا فَارْجِعْ-نَا نَعْمَلْ صَالِحًا اِنَّا مُوقِنُونَ} السّجدة:12

ارجِعوا:

102-{ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا اِلى" مَا اُتْرِفْتُمْ فيهِ وَ مَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْ-َلُو=نَ} الأنبياء:13

103-{يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} الحديد:13

و فيها بحوثٌ :

1- جاءت الآيات (39) إلى (67) تهديدًا و وعيدًا للكافرين، إلا آيات خطابًا للمسلمين، إمّا تحذيرًا كما في (41)، و إمّا تأكيدًا للجزاء كما في (40) و (44) و(47) و (49) و (64) و (65) و (67) .

و ينبئ الفعل {تُرْجَعُونَ} في الآيات (39) إلى (57)، و الفعل {يُرْجَعُونَ} في الآيات (58) إلى (63) بأنّهم يساقون إلى الله كرهًا لا طوعًا، لما يفيده بناء الفعلين للمجهول، خلافًا للفعل {يَرْجِعُونَ}، كما يأتي بيانه.

2- الأصل في الرّجوع الرّدّ و التّكرار كما قال ابن فارس، والفعلان:<تُرجَعون> و <يُرجَعون> و كذا اسم الفاعل <راجِعون> يؤكّد أنّ من ذكر في هذه الآيات كانوا عند الله و هم ما كانوا هناك، فكيف استعمل الرّجوع هنا ؟

قال الطَّبْرسيّ: < جوابه من وجوه؛ أحدها: أنّهم راجعون بالإعادة في الآخرة، عن أبي العالية. و ثانيها: أنّهم يرجعون بالموت كما كانوا في الحال المتقدّمة، لأ نّهم كانوا أمواتًا فأحيوا، ثمّ يموتون فيرجعون أمواتًا كما كانوا. و ثالثها: أ نّهم يرجعون إلى موضع لا يملك أحد لهم ضرًّا و لا نفعًا غيره تعالى>.

3- قرأ الحسن الآية (41) {تُرْجَعُونَ فيهِ اِلَى اللهِ} : <و اتّقوا يومًا يُرجَعون فيه> بياء مضمومة، و كأنّ هذه القراءة راقت ابن جنّيّ، فقال:< إنّما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة رفقًا من الله سبحانه

بصالحي عباده المطيعين لأمره، و ذلك أنّ العود إلى الله للحساب أعظم ما يخوّفه و يتوعّد به العباد. فإذا قرئ {تُرْجَعُونَ فيهِ اِلَى اللهِ} فقد خوطبوا بأمر عظيم يكاد يستهلك ذكره المطيعين العابدين، فكأنّه تعالى انحرف عنهم بذكر الرّجعة، فقال: <يُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ>((1)).

و يستلزم قوله أن تكون سائر الآيات الّتي تخاطب المسلمين كذلك، أي تقرأ(يُرْجَعُونَ) بياء مضمومة على قراءة الحسن، و لكن ليس الأمر كما قال، إذ لم يأتِ من هذه الآيات على هذه القراءة - عدا (41)- إلا الآية (49) .

4- اقترن الرّجوع بالإحياء و الإماتة في (42): {هُوَ يُحْيى وَ يُميتُ‘ وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، مثلما اقترن بهما في (39): {وَ كُنْتُمْ اَمْوَاتًا فَاَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُميتُكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أيضًا، و هذا دليلٌ على أنّه البعث و المعاد، وليس الموت كما أشار إليه قول قَتادة في (40) : {وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}: < إلى التّراب يعودون>.

و اقترن كذلك في (50): {اَ للهُ يَبْدَاُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ‘ ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ببدء الخلق و بإعادتهم، أي إعادتهم بعد الموت أحياء مرّة أُخرى، و الرّجوع هنا تأكيد للجزاء يوم البعث.

5- تقدّم المعمول <إليه> على العامل <تُرْجَعُونَ> في (46):{وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} للحصر، أي إلى الله تُرجَعون ، لا إلى غيره، لا استقلالا و لا اشتراكًا. و لرعاية الفواصل في الآيات أيضًا، و هذا ما يلحظ في الآيات (39) إلى (67)،عدا الآيتين: (41): {تُرْجَعُونَ فيهِ اِلَى اللهِ}، و (61): {وَ يَوْمَ يُرْجَعُونَ اِلَيْهِ}، فلمّا استغني عن السّببين المذكورين تقدّم فيهما العامل على المعمول.

6- سبق حرف العطف <ثمّ> معمول الرّجوع المتقدّم على عامله في (39) و(49) و (50) و (51) و (54) و(57) و (59)، و الواو في(40) و (42) و (43) و (44) و (46) و (47) و (52) و (53) و (55) و (56) و (58) و (60)، والفاء في (63)، والحرف المشبّه بالفعل متّصلا بالضّمير<أنّهم> في (62) و (64) و 67)، و < أ نّكم> في (45)، و <إنّا> في (65)، و لفظ <كلّ> في (66) .

و لم يسبقه شيء من ذلك في (48)، و أرجع الطّباطبائيّ ذلك إلى أنّه تعليل لما سبقه، أي { وَ اعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ}، فقال:< و لذا جيء بالفصل من غير عطف >.

7- اختلفوا في جملة {ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} في (54)، فقيل: هي إشارة إلى أنّ لله ملك الآخرة فضلا عن الدّنيا، و هو رأي الزّمخشريّ؛ قال: <معناه: له ملك السّماوات و الأرض اليوم، ثمّ إليه ترجعون يوم القيامة، فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له، فله ملك الدّنيا و الآخرة>.

و قيل:تهديد للكافرين، و هو رأي أبي حيّان؛قال: <لمّا أخبر أنّه له ملك السّماوات و الأرض، هدّدهم بقوله: {ثُمَّ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، فيعلمون أ نّهم لا يشفعون، و يخيب سعيهم في عبادتهم> .


1) (1) المحتسب (1 : 145).

و قيل: تعليل لقوله المتقدّم:{قُلْ للهِ‚ الشَّفَاعَةُ جَميعًا‘}، و هو رأي الطّباطبائيّ: <لكونه يملك الشّفاعة جميعًا الدّالّ على الحصر، و ذلك أنّ الشّفاعة إنّما يملكها الّذي ينتهي إليه أمر المشفوع له، إن شاء قبلها و أصلح حال المشفوع له، و أمّا غيره فإنّما يملكها إذا رضي بها و أذن فيها، و الله سبحانه هو الّذي يرجع إليه العباد دون الّذين يدعون من دون الله>.

و يظهر أنّ رأي الزّمخشريّ هو الأقرب، إذ لا يقتصر التّهديد على هذه الآية كما ذهب إليه أبو حيّان، بل يشمل سائر الآيات الّتي خاطبتالكافرين، كما بيّنّا في (39). و أمّا قول الطّباطبائيّ فلا يستقيم هنا، لأنّ هذه الجملة جاءت معطوفة بالحرف <ثمّ> ، و لولاه لاستقام التّعليل، كما حقّقه بنفسه في (48).

8 - جملة {وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} في (55) عطف على الجملة الاسميّة {وَ هُوَ خَلَقَكُمْ اَوَّلَ مَرَّةٍ}، و كلاهما من كلام الله أو الملائكة على الأصحّ. و ذهب الآلوسيّ إلى أنّه من كلام الجلود، و هو بعيد، لأنّ الرّجوع جاء بالفعل المضارع خلافًا لسائر الأفعال في الآية، ففيه تهديد و وعيد ليوم البعث كما قلنا آنفًا. ثمّ إنّ فيه احتجاجًا بالنّشأة الأولى و المعاد، فالأقرب أن يجري على لسان الله أو ملائكته، انظر: (ش ه- د).

9- جاءت (65) : { اَ لَّذينَ‘ اِذَا اَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ‘ قَالُوا اِنَّا للهِ‚ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ } صلة بين الآية السّابقة والآية اللاّحقة، فأوّلها <الّذين> صفة لآخر ما تقدّمها <الصّابرين> في قوله:{وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوع ِوَ نَقْصٍ مِنَ الاَ_مْوَالِ وَ الاَ_نْفُسِ وَ الثَّمَرَاتِ

وَ بَشِّرِ الصَّابِرينَ‘}، و مبتدأ لأوّل ما تأخّر عنها <أولئك> في قوله: {اُولئِكَ ’عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ اُولئِكَ ’هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.

إنّ هذه الآيات الثّلاث لدليل ناطق و شاهد صادق لرحمة الله الواسعة و وطأته الشّاسعة، لأ نّه تعالى أنذرهم بادئ ذي بدء بما ذكره في الأُولى بأنواع البلاء، و أشعرهم في الثّانية بما يفعلون عند البلاء، فلقّنهم قول:{ اِنَّاللهِ‚ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعُونَ }، ثمّ جبر ما أصابهم من مصيبة و بلاء.فالآية السّابقة تنبيه، و هذه الآية تفقيه، والآية اللا حقة ترفيه، أو الأُولى تأنيب، و الوسطى تأديب، و الأُخرى تثويب .

10- استعمل < المرجع > في الآيات (68) إلى (82) ، و هو مصدر ميميّ يعني الرّجوع، و لعلّه يعني المكان أيضًا، نحو: المَرتَع، أي مكان رتوع الماشية، و ليس الرّجوع كذلك، فلم يستعمل في القرآن.

و المراد بالمرجع في هذه الآيات الموضع الّذي يتولّى الله الحكم فيه بين العباد، و مجازاتهم على أعمالهم أيضًا، إذ لايتولّى الحكم هناك غيره تعالى، و هذا كقولهم: أمر القوم إلى الأمير.

11- أُكّدت الآية (83) بلام القسم و الموطّئة له أيضًا ستّ مرّات دلالة على التّشديد:{وَ لَئِنْ اَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذَا لى وَمَا اَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً}، و التّوطيد:{فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَليظٍ‘} .

و قال بعض: <لعلّ قوله:{وَ لَئِنْ رُجِعْتُ اِلى" رَبّى

اِنَّ لى عِنْدَهُ لَلْحُسْنى"} إنّما هو على سبيل الاستهزاء>، وهو ليس بشيءٍ، لأ نّه لايناسب التّأكيد المذكور، إلا إذا جعلناه زائدًا، و هذا لغو يناقض آيات الله المحكمة: {الر "كِتَابٌ اُحْكِمَتْ ا"يَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكيمٍ‘ ‘خَبيرٍ } هود:1.

12- استنكر الكافرون البعث و استبعدوه في(84): {ءَ اِ ذَا مِتْنَا وَ كُنَّا تُرَابًا ذ"لِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ‘}، و الرّجع: الرّجوع، و قيل: الجواب، و قوله: {ذ"لِكَ رَجْعٌ بَعيدٌ } من قول منكري البعث على المعنى الأوّل، أو من قول الله تعالى على المعنى الثّاني، و الأوّل هو الأقرب، لأ نّه يفصح عن إيغالهم في العتوّ و الإنكار.

13- أرجع أغلب المفسّرين الضّمير في { رَجْعِهِ } من الآية (85) : { اِنَّهُ عَلى" رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } إلى الإنسان، لأنّه المقصود في هذه السّورة، و هو منكر البعث، و يدلّ عليه لفظ <الإنسان> قبله:{فَلْيَنْظُرِ الاِ_نْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} الطّارق:5، و يوم البعث بعده:{يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ} الطّارق:9. و لو أرجع الضّمير إلى الماء - كما فعل بعض - لاحتاج الظّرف إلى تقدير، أي يرجعه { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}، أو اذكر { يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}، و هو تمحّل واضح.

14- الرّجعى في (86): {اِنَّ اِلى" رَبِّكَ الرُّجْعى } مصدر بمعنى الرّجوع كما قال المفسّرون بأسرهم، إلا أنّ لبنت الشّاطئ فيه حسًّا رهيفًا و رأيًا ثقيفًا، إذ انهمكت في سبر غوره، فقالت:<أحسب أنّ صيغة {الرُّجْعى } ليس ملحوظًا فيها المصدريّة، بقدر ما يلحظ فيها إطلاق الرّجوع إلى غايته القصوى>. و نرى ورود هذا اللّفظ مرّة واحدة في القرآن و تقديم الجارّ و المجرور عليه لرعاية فواصل الآيات (44) إلى (52) و موافقة رويّها.

15- يعود الضّمير المستتر في فعل الأمر{اِ رْجِعى } من الآية (87){ يَا ءَ يَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعى اِلى" رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً } إلى ما تقدّم ذكره، أي {النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ}، و هي نفس المؤمن، و قد خاطبها الله تعالى دونه لأ نّها جوهر و الحياة عرض، فشرّفها بالدّعاء، وعظّمها بالرّضاء، انظر (ر و ح) و (ن ف س ).

16- أُكّد الأمر في (88): {وَ اِلَيْهِ يُرْجَعُ الاَ_مْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ} بلفظ <كلّه>، أي أنّ الأمر إلى الله يرجع يوم القيامة حقيقة لا مجازًا. و قدّم لفظ الجلالة <لله> المجرور بلام الملك على <غيب>، و الهاء العائد إليه تعالى <إليه> المجرور ب- <إلى> صلة الرّجوع على {يُرْجَعُ}، إيذانًا بأنّ غيب السّماوات و الأرض و رجوع الأمر مختصّان به دون غيره.

17- تقدّم المعمول على العامل في (88) إلى (94) {وَاِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُ_مُورِ} ، و جاء الرّجوع فيها مبنيًّا للمفعول، و جرّت صلته <إلى>لفظ الجلالة <الله>، و نائب الفاعل فيها <الأُمور>: جمع الأمر، عدا (88)، إذ جرّت صلته الهاء العائد إليه تعالى، و نائب الفاعل فيها <الأمر>: مفرد الأُمور، و أُكّد بلفظ <كلّه> دونها كما تقدّم آنفًا.

18- زعم عبد الكريم الخطيب أنّ الفعل {يَرْجِعُ} في (96): {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ اِلى" بَعْضٍ} لازم؛ قال: < عُبّر

بالفعل <يَرجِع> اللا زم بدلا من <يُرجِع> المتعدّي إلى مفعوله، ليتضمّن الفعل معنى الإلقاء>.

و هذا وهم، لأنّ الفعل <رَجَعَ> يلزم و يتعدّى كما تقدّم، فمن لزومه قوله تعالى: {فَرَجَعَ مُوسى اِلى"قَوْمِهِ غَضْبَانَ اَسِفًا} طه:86، و من تعدّيه قوله: {فَاِنْ رَجَعَكَ اللهُ اِلى" طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} التّوبة:83، و هذه الآية أيضًا، إذ نصب < القولَ> فيها على المفعوليّة. كما أنّ الفعل <أُلقي>- من الإلقاء - متعدٍّ أيضًا، و منه قوله: {اِنَّا سَنُلْقى عَلَيْكَ قَوْلا ثَقيلا ‘} المزّمّل:5.

19- قال النّيسابوريّ في (97): {تَرْجِعُونَهَا اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ } :<يحتمل عندي أن يكون الضّمير في {تَرْجِعُونَهَا} عائدًا إلى ملائكة الموت، بدليل قوله: {وَ نَحْنُ اَقْرَبُ}، و المعنى: فلولا تردّون عن ميّتكم ملائكة الموت إن كنتم غير مقهورين تحت قدرتنا وإرادتنا >.

و لكنّ الضّمير يعود إلى الرّوح على الأظهر كما يعود إليها في الآية المتقدّمة: {فَلَوْ لا اِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ}. ثمّ إنّ ما ذكره لا يناسب معنى الرَّجْع على الأصحّ، لأ نّه كما قال الطُّوسيّ:< الرَّجْع: جعل الشّيء على الصّفة الّتي كان عليها قبل، و هو انقلابه إلى الحال الأُولى، و لو انقلب إلى غيرهالم يكن راجعًا>.

و أمّا ما استدلّ به - أي قوله:{وَ نَحْنُ اَقْرَبُ } - فهو على تفسير القرب بالقدرة دون العلم، و المعنى بهما أوضح، كما ينبئ به سياق آيات هذه السّورة، ولعلّ تفسير القرب بالعلم وحده يصلح دليلا على رجوع الرّوح، لأ نّه من إطلاق السّبب و إرادة المسبّب، كما سنبيّن ذلك في ( ق ر ب ) إن شاء الله.

20- يرى أغلب المفسّرين أنّ الرّجوع في (98): { وَ حَرَامٌ عَلى" قَرْ يَةٍ اَهْلَكْنَاهَا اَنَّهُمْ لايَرْجِعُونَ} رجوع إلى الدّنيا، و هو ليس ممّا ذهب إليه أتباع أهل البيت عليهم السّلام في عقيدة الرّجعة، فهم يعتقدون أنّ الله تعالى يعيد قومًا من الأموات إلى الدّنيا قبل يوم القيامة في صورهم الّتي كانوا عليها، فيعزّ فريقًا و يذلّ فريقًا، و ينصر المحقّين على المبطلين و المظلومين على الظّالمين. و لهم في ذلك أدلّة من الآيات و الرّوايات.

و لا تخصّ الرّجعة الكافرين في هذه الآية؛ قال الإمام الباقر : <كلّ قرية أهلك الله أهلها بالعذاب لا يرجعون في الرّجعة >.

21- جملة: {لا يَرجِعُونَ} في ذيل ( 99): {اَ نَّهُمْ اِلَيْهِمْ لايَرْجِعُونَ} في محلّ رفع خبر<أنّ>. و {اَنَّهُمْ } في محلّ نصب بالفعل {يَرَوْا} في صدرها: {اَلَمْ يَرَوْا كَمْ اَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْ-قُرُو ن ِ}، و < أنّ> بدل في المعنى من جملة {كَمْ اَهْلَكْنَا}، فهي و ما بعدها إمّا في تأويل المفرد، كما قال سيبويه، و التّقدير: ألم يروا أنّ القرون الّذين أهلكناهم إليهم لايرجعون، و إمّا في تأويل المعنى لا المفرد، كما قال الزَّمَخْشريّ، و التّقدير: ألم يروا كثرة إهلاكنا القرون من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم.

و يرى ابن هشام {اَنَّهُمْ} مفعول لأجله؛ سدّت مسدّ مفعولي <يَرَوْا>، كما يراها أبوحَيّان مفعولا لفعل محذوف دلّ عليه المعنى، و التّقدير:قضينا أو حكمنا {اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ}.

و ذهب بعض إلى أنّ جملة: {اَنَّهُمْ اِلَيْهِمْلايَرْجِعُونَ} في محلّ جرٍّ بحرف مقدّرٍ، صلة {اَهْلَكْنَاهُمْ}، والتّقدير: أهلكناهم بأنّهم إليهم لايرجعون، أي بالاستئصال.

و الرّؤية في قوله: {اَلَمْ يَرَوْا} إمّا قلبيّة و إمّا بصريّة، كما تقدّم في (ر أ ي)، بيد أنّنا وجدنا بعد استقصاء الآيات أنّ فعل الرؤية المنفيّ ب- <لم> و المسبوق بهمزة الاستفهام، سواء كان مفردًا أم جمعًا للمخاطب أو الغائب، هو رؤية قلبيّة.[لاحظ : ر و ي : <اَلَمْ يَرَوْا>]

22- اختلف في من سأل الرّجعة إلى الدّنيا في (100): {حَتى اِذَا جَاءَ اَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون ِ} أهو المؤمن أم الكافر؟ قال ابن عَبّاس و الإمام الصّادق و الأوزاعيّ: هو مانع الزّكاة، و قال الضّحّاك و ابن جريج و الطّبريّ و غيرهم: هو الكافر.

و كلا القولين على صوابٍ، فإنّما يسأل الرّجعة المؤمن أيضًا، و ذلك قوله تعالى: { وَ اَنْ-فِقُوا مِمَّا رَزَ قْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ اَنْ يَاْتِىَ اَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا اَخَّرْتَنى اِلى" اَجَلٍ قَريبٍ‘ فَاَصَّدَّقَ وَ اَكُنْ مِنَ الصَّالِحينَ } المنافقون:10. و ما يؤيّد هذا المعنى أنّ للإمام الصّادق قولين في هذه الآية، يحسبهما بعض متناقضين، و ليس كذلك، فهما من باب اتّحاد الحكم و اختلاف المورد؛ الأوّل: المؤمن؛ قال: <من منع الزّكاة سأل الرّجعة عند الموت، و هو قوله تعالى: {رَبِّ ارْجِعُون ِ}>. و الثّاني: الكافر؛ قال:<إذا مات الكافر شيّعه سبعون ألف ملك من الزّبانية إلى قبره، و إنّه ليناشد حامليه بصوت يسمعه كلّ شيء إلا الثّقلان؛ يقول: {اَوْ تَقُولَ حينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ اَنَّ لى كَرَّةً فَاَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنينَ } الزّمر:58، يقول: {رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلّى اَعْمَلُ صَالِحًا فيمَا تَرَكْتُ}، فتجيبه الزّبانية: {كَلا اِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} > .

23- سأل الكافرون الرّجعة في (101): {وَ لَوْ تَرَى اِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُ ؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَ بَّ-نَا اَبْصَرْ نَا وَسَمِعْ-نَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا اِنَّا مُوقِنُونَ} كما سألها المؤمن أو الكافر في (100) لاستئناف العمل الصّالح، إلا أنّه علّق ذلك بالرّجوع هنا، فلهذا عطف بالفاء السّببيّة، أي لربط المسبّب بالسّبب، بينما علّق هناك بالتّرجّي، و <هذا أعزّ من الأبلق العقوق>، كما في المثل،فردّ سؤله بالرّدع و الزّجر: <كلا >.

24 - أمر المنافقون بالرّجوع إلى المحشر في (103): {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قيلَ ارْجِعُوا

وَرَاءَكُمْ ...} . و قيل: إلى الدّنيا، و الأوّل أرجح، لأ نّهم يرجعون إلى هناك حينما يقال لهم ذلك، و لكنّهم لا يجدون شيئًا، كما روي عن ابن عَبّاس. و لو أمروا بالرّجوع إلى الدّنيا، لما انصاعوا لهذا الأمر، لعلمهم أنّ ذلك محال، و هو من قبيل الاستهزاء بهم.

و يلاحظ ثانيًا: تكاد الآيات المكّيّة تستغرق هذهالمادّة، فهي تشمل محوري القصّة والخلقة معًا، وأغلب محور المعاد و الآخرة، بينما تشمل الآيات المدنيّة محور التّشريع بآياته الخمس و أغلب محور السّيرة بآياته

الثّلاث عشرة فقط.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن :

الرّجوع : القدوم.

الإياب: {اِنَّ اِلَيْنَا اِيَابَهُمْ} الغاشية:25

العودة : {وَ الْقَمَرَ قَدَّرْ نَاهُ مَنَازِلَ حَتّى" عَادَ كَالْعُرْجُون ِالْقَديمِ } يس :39

الرَّجْع: الجواب .

الإجابة: { وَ يَوْمَ يُنَاديهِمْ‘ فَيَقُولُ مَاذَا اَجَبْتُمُ الْمُرْسَلينَ } القصص : 65

الرّدّ: {وَ اِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِاَحْسَنَ مِنْهَا اَوْ رُدُّوهَا اِنَّ اللهَ كَانَ عَلى" كُلِّ شَىْءٍ حَسيبًا‘} . النّساء : 86

الرّ َجْع: المطر، راجع: ( د ر ر ) .

ر ج ف

اشارة

4 ألفاظ، 8 مرّ ات: 7 مكّيّة،1مدنيّة

في5 سور:4 مكّيّة، 1 مدنيّة

تَرْجُف 2 : 2

الرّجْفَة 4 : 4

الرّاجِفَة 1 : 1

المُرْجِفُونَ 1: - 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: رجَفَ الشّيء يَرْجُف رَجْفًا و رَجَفانًا، ك- <رَجَفان البعير تحت الرّحْل> و ك- <ما تَرْجُف الشّجرة إذا رجّفَتْها الرّيح> و ك- <ما تَرْجُف الأسنان إذا نُفضَت أُصولها> . و نحوه: رَجفَتِ الأرض: تزَلزَلت.

و رجَفَ القوم: تهيّأُوا للحرب.

و أرْجَفُوا: خاضوا في الأخبار السّيّئة من الفتنة و نحوها.

و الرَّجْفَة: كلّ عذاب أُنزل فأخذ قومًا، فهو رَجْفَة و صَيْحَة و صاعقة.

و الرّعْد يَرْجُف رَجْفًا ورَجيفًا، و هو تردّد هِدّته في السّماء . (6 : 109)

أبوعمروالشّيبانيّ: و الرَّجْف: المال المهزول.

(2 : 8)

ابن الأعرابيّ: أرجَفَ البلد، إذا تزلزل، و قد رجَفتِ الأرض و أرجَفَت وأُرجِفَت.

رجَفَت الأرض، إذا تزلزلت.(الأزهَري 11 : 43)

كراعُ النّمل: و الرّجَفان: الإسراع.

(ابن سيده 7 : 394)

ابن دُرَيْد: و رجَفَ الشّيء يَرْجُف رُجُوفًا و رَجْفانًا، إذا اضطرب اضطرا بًا شديدًا.

و رجَفتِ الأرض، إذا زُلزلت. و في التّنزيل:{ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } النّازعات : 6، الرَّجْفَة أيضًا.

و رَجفَ القلب، إذا اضطرب من فزَع.

و يسمّى البحر رَجّافًا لاضطراب موجه. [ثمّ استشهد بشعر]

و إنّما قيل: أرجَ-فَ النّاس بكذا و كذا، إذا

خاضوا فيه و اضطربوا. (2 : 81)

الأزهَريّ: الرّجْفَة: الزّلزلة معها الخَسْف.

[و قيل:] الرّجّاف: البحر اسم له (11 : 42)

الصّاحِب: رجَفَ الشّيء يَرْجُف رَجْفًا و رَجَفانًا، ك- <رَجَفان البعير تحت الرّحْل>، و الشّجر إذا رجَفَتْه الرّيح، و الأسنان إذا نغَضَت أُصولها.

ورجَفتِ الأرض: تزلزلت.

و رجَفَ القوم: تهيّأُوا للحربِ.

و أرجَفُوا: خاضوا في الأخبار السّ-يّئة، و من قوله عزّ و جلّ:{ وَ الْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ‘ } الأحزاب: 60.

و الرّعد يَرْجُف رَجْفًا و رجيفًا: و هو تردّد هَدْهَدَتِه في السّحابِ.

و الرّجْفَة في القرآن: كلّ عذاب أخذ قومًا، و كذلك الصّيحة و الصّاعقة.

و الرَّجّاف: البحر، لرَجَفانه. والجِسْر على الفُرات. و ضرب من السّير.

و الرّ اجف: الحُمّى ذات الرِّعْدَة. (7 : 88)

الجَوهَريّ: الرّجْفَة: الزّلزلة. و قد رجَفتِ الأرض تَرْجُف رَجْفًا.

و الرّجَفان: الاضطراب الشّديد.

الرَّجّاف: البحر، سمّي بذلك لاضطرابه. [ثمّ استشهد بشعر]

و الإرجاف: واحد أراجيف الأخبار.

و قد أرجَفُوا في الشّيء، أي خاضوا فيه.

(4 : 1362)

ابن فارِس: الرّ اء و الجيم و الفاء أصل يدلّ على اضطراب. يقال رجفَتِ الأرض و القلب. و البحر رَجّاف، لاضطرابه. و أرجَفَ النّاس في الشّيء، إذا خاضُوا فيه و اضطربوا. (2 : 491)

أبوهلال: الفرق بين الرّجْفَة و الزّلزلة: أنّ الرّجْفَة: الزّلزلة العظيمة، و لهذا يقال: زُلزلت الأرض زلزلة خفيفةً، و لايقال: رجَفتْ، إلا إذا زُلزلت زلزلةً شديدة. و سمّيت زَلزلة السّاعة رجْفَةً لذلك.

و منه الإرجاف، و هو الإخبار باضطراب أمر الرّجل.

و رجَفَ الشّيء: إذا اضطرب، يقال: رجَفتُ منه إذا تقَلْقَلْتَ. (249)

ابن سيده: الرّجْفَة: الخَفْقَة.

رجَفَ الشّيء يَرْجُف رَجْفًا و رُجوفًا، و رَجَفانًا، و رجيفًا.

و أرجَفَ: خفَق و اضطرب اضطرا بًا شديدً ا، و تزلزل.

و رجفَتِ الأرض: اضطربت و تزلزلت، و قوله تعالى: { فَلَمَّا اَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ‌ّ لَوْ شِئْتَ اَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ اِيَّاىَ } الأعراف : 155، أي لو شئت أمَتّهُم قبل أن تبتليهم. و يقال: إنّه رجَفَ بهم الجبل فماتوا.

و رجَفَ القلب: اضطرب من الفزع.

و الرّ اجف: الحُمّى المحرِّكة ،مذكّر.

و رجَفَ الشّجر يَرْجُف: حرّكته الرّيح، و كذلك الإنسان.

و استَرْجَف رأسه: حرّكه.

و الرّجّاف: البحر لتحرّ ك موجه، اسم كالقَدّ اف.

و رجَفَ القوم: تهيّؤوا للقتال.

و أرجَفُوا: خاضوا في الفتنة و الأخبار السّيّئة.

و رجَفَ الرّعْد: يَرْجُف رَجْفًا تردّدت هَدْهَدَته في السّحاب. [و استشهد بالشّعر 4مرّ ات] (7 : 393)

الرّ اغِب: الرّجَفُ: الاضطراب الشّديد. يقال : رجَفتِ الأرض ورجَفَ البحر، و بحر رَجّاف. قال تعالى: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } النّازعات : 6، { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّمّل : 14، {فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } الأعراف : 78.

و الإرجاف: إيقاع الرّجْفَة، إمّا بالفعل،و إمّا بالقول. قال تعالى: { وَ المْ-ُرْجِفُونَ فىِ المْ-َدينَةِ‘ } الأحزاب : 60.

و يقال: الأراجيف: ملاقيح الفتن. (189)

الزّمَخْشَريّ: رجَفَ البحر: اضطربت أمواجه، و من أسمائه: الرّجّاف.

و رجَفتِ الأرض { فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } الأعراف : 78، { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّمّل : 14، و رجَفَ الشّجر و أرجَفَتْه الرّيح.

و رجَفَ البعير تحت الرّحْل.

و المَطيّ تحت رحالها رواجف و رُجّفٌ.

و رجَفتِ الأسنان: نغَضَ-ت أسناخها.

و جاءنا شيخ تُرْجُف عظامه.

و أرجَفتِ الإبل واستَرْجَفَت رؤوسها في السّير.

و من المجاز: خرجوا يسترجفون الأرض نَجْدَة. و ارتجفت بهم دفّتا الشّرق و الغرب.

و أرجَفُوا في المدينة بكذا، إذا أخبروا به على أن يوقعوا في النّاس الاضطراب، من غير أن يصحّ عندهم.

و هذا من أراجيف الغُواة.

و الإرجاف: مقدّمة الكون.

و تقول: إذا وقعت المخاويف كثُرت الأراجيف.

[و استشهد بالشّعر مرّتين] (أساس البلاغة : 156)

ابن الأثير: فيه: < أ يّها النّاس اذكروا الله، جاءت الرّ اجفة تَتبَعَها الرّ ادِفة >.

الرّ اجفة: النّفخة الأُولى الّتي يموت لها الخلائق ، والرّ ادِفة: النّفخة الثّانية الّتي يَحْيَون لها يوم القيامة.

و أصل الرَّجْف: الحركة والاضطراب،و منه حديث المَبْعَث:<فرَجَعَ تَرْجُف بها بَوادِره>. (2 : 203)

الفَيُّوميّ: رجَفَ الشّيء رَجْفًا، من باب < قتَل > و رجيفًا و رَجَفانًا: تحرّ ك و اضطرب. و رجَفتِ الأرض كذلك. و رجَفَتْ يده: ارتعَشَتْ من مرض أو كِبَر.

و رجَفتْه الحُمّى: أرعَدَتْه، فهو راجف على غير قياس.

و أرجَفَ القوم في الشّيء و به إرجافًا: أكثروا من الأخبار السّيّئة، و اختلاق الأقوال الكاذبة حتّى يضطرب النّاس منها،و عليه قوله تعالى:{وَالمْ-ُرْجِفُونَ فىِ المْ-َدينَةِ‘ } الأحزاب : 60. (1 : 220)

الفيروزاباديّ: رجَفَ: حرّ ك، و تحرّ ك، و اضطرب شديدً ا: رَجْفًا ورَجَفانًا و رُجُوفًا و رَجيفًا، و الأرض زُلزلت كأرجَفَتْ. و القوم تهيّؤوا للحرب.

و الرّعْد: تردّدت هَدْهَدَتُه في السّحاب.

و الرّجْفَة: الزَّلزلة.

و الرّ اجفَة: النّفخة الأُولى، و الرّ ادفة: الثّانية.

و كشدّ اد: البحر لاضطرابه، و يوم القيامة، و الحشر، و ضرب من السّير.

و الرّ اجف: الحُمّى ذات الرِّعْدَة.

و أرجَفتِ النّاقة: جاءت مُعْيِيَةً مُستَرخيَةً أُذُناها تَرْجُف بهما.

والقوم: خاضوا في أخبار الفتن و نحوها؛ و منه: { وَ المْ-ُرْجِفُونَ فىِ المْ-َدينَةِ‘ } الأحزاب : 60.

و في الشّيء، وبه: خاضوا فيه.

و الأرض: زُلزلت، كأُرْجفَت، بالضّمّ. (3 : 147)

الطُّرَيحيّ: أصله: من الرّجْفَة، و هي الزّلزلة، لكونه خبرً ا متزلزلا غير ثابت.

و منه: < الأراجيف الملفّقة > واحدها: الإرجاف.

و رجَفَ الشّيء من باب < قتَل >: تحرّ ك و اضطرب.

و يقال:أُرجفوافي الشّيء،أي خاضوا فيه. (5 : 62)

مَجْمَعُ اللُّغة: 1 - رجَفَ يَرْجُف رَجْفًا و رَجَفانًا: تحرّ ك و اضطرب اضطرا بًاشديدً ا.

2 - و الرّجْف: الاضطراب، و الرّجْفَة : المرّة منه.

3 - الرّاجفة: الواقعة الّتي تُزلزَل عندها الأجرام.

4 - و أرجَفَه: زَلزَله و حرّ كه حركةً شديدة.

و أرجَفَ إرجافًا: خاض فيالفتنة و الأخبار السّيّئة، فهو مُرجِف.

و المُرجفُون: الّذين يشيعون في النّاس الأخبار السّيّئة، ليوقعوهم في الاضطراب. (1 : 458)

العَدْنانيّ: رجَفَ، ارتجَفَ

و يخطّئون من يستعمل الفعل < ارتجف >،أي تحرّ ك و اضطرب اضطرا بًاشديدً ا، معتمدين في تخطئتهم على اكتفاء القرآن الكريم بذكر الفعل { تَرْجُفُ } في الآية 14 من سورة المزّمّل: {يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ} و في الآية السّادسة من سورة النّازعات: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ }.

و يعتمدون أيضًا على عدم ورود الفعل <ارتَجَفَ> في معجم ألفاظ القرآن الكريم، و مفردات الرّ اغِب الأصفهانيّ.

أمّا في الحديث، فقد ورد في حديث المبعث قوله: < فرجع تَرْجُف بها بَوادره >.

و نحن لانستطيع الاعتماد على هذه وحدها، لأ نّها ليست مصادر لُغويّة. و لكنّ المصادر اللُّغويّة الآتية، اكتفت بذكر الفعل < رجَفَ > و لم تذكر < ارتَجَفَ>: ابن الأعرابيّ، و الصِّحاح، و معجم مقاييس اللُّغة، و المختار، و اللّسان، و المصباح، و القاموس، و التّاج، و المتن.

و لكن:

ذكر الفعل < ارتَجَفَ > الأساس، الّذي قال في مجازه: <ارتجفت بهم دفّتا الشّرق و الغرب >. و ذكرهذا الفعل أيضًا: المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و الوسيط.

و ممّا لاشكّ فيه أنّ الفعل < رجَفَ > أعلى من الفعل < ارتَجَفَ >.

أمّا فعله فهو: رجَفَ يَرجُف رَجَفًا، و رَجَفانًا، و رجيفًا، و رُجُوفًا. (253)

محمّد إسماعيل إبراهيم: رجَفَ رَجْفًا: تحرّ ك و اضطرب اضطرا بًا شديدً ا.

رجَفَ الرّجل: اضطرب و لم يستقرّ، لخوف عرض له.

رجَفتِ الأرض تَرْجُف: تحرّكت و تزلزلت بما عليها.

أرجَفَ: خاض في الأخبار السّيّئة، و المُرجفُون: الّذين ينشرون أخبار السّوء و يُلفّقون الأكاذيب و الأراجيف قصد إثارة النّاس.

و الرّجْفَة: اسم المرّة من الرّجف و الزّلزلة.

و الرّاجفَة: الواقعة الّتي تُزلزل الأرض بعدالنّفخ في الصُّور. (1 : 213)

المُصْطَفَويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة: هو شدّة الزّلزلة، و قد سبق في- < رجّ >، الفرق بين موادّ الزّلزلة و الرّجْف و الرّجّ و الحركة و الاضطراب، و أنّ الرّجْف هو الزّلزلة الشّديدة، و الزّلزلة: استرسال من دون قصد. (4 : 66)

النُّصوص التّفسيريّة

تَرْجُفُ

يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ... المزّمّل : 14

ابن عبّاس: تُزلزل الأرض. (490)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: إنّ لدينا لهؤلاء المشركين من قريش الّذين يؤذونك يا محمّد العقوبات الّتي وصفها في يوم تَرْجُف الأرض و الجبال. و رَجَفان ذلك: اضطرابه بمن عليه، و ذلك يوم القيامة.

(الطّبَريّ 12 : 289)

القُمّيّ: { تَرْجُفُ }، أي تخسَف. (2 : 392)

الطُّوسيّ: أي اعتدناهذه الأنواع من العذاب في يوم تَرْجُف الأرض، أي تتحرّ ك باضطراب شديد.

(10 : 166)

المَيْبُديّ: أي تتحرّ ك الأرض حركة شديدة، و تزول الجبال عن أماكنها. (10 : 269)

الزّ مَخْشَريّ: الرّجْفَة: الزّلزلة الشّديدة. (4 : 177)

نحوه الفَخْرالرّ ازيّ. (30 : 181)

ابن عَطيّة: و العامل في قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ } الفعل الّذي تضمّنه قوله: { اِنَّ لَدَيْنَا } المزّمّل :12، و هو استقرار أوثبوت، و الرّجَفان: الاهتزاز و الاضطراب من فزع و هول. (5 : 389)

الطَّبْرِسيّ: أي تتحرّ ك باضطراب شديد.

(5 : 380)

القُرطُبيّ: أي تتحرّ ك و تضطرب بمن عليها. و انتصب { يَوْمَ } على الظّرف أي ينكل بهم و يعذَّبون { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ }.

و قيل: بنزع الخافض، يعنى هذه العقوبة في يوم تَرْجُف الأرض و الجبال.

و قيل: العامل { ذَرْنى } المزّمّل : 11، أي و ذرني و المكذّبين يوم ترجف الأرض و الجبال. (19 : 46)

أبوحَيّان:{ تَرْجُفُ }: تضطرب. و قرأ الجمهور { تَرْجُفُ } بفتح التّاء مبنيًّا للفاعل، و زَيْد بن

عليّ:بضمّها مبنيًّا للمفعول. (8 : 364)

أبوالسُّعود:أي تضطرب و تَتَزلزل. (6 : 323)

البُرُوسَويّ: و الرّجْفَة: الزّلزلة و الزّعْزعَة الشّديدة، أي تضطرب و تَتَزلزل بهيبة الله و جلاله، ليكون علامة لمجيء القيامة، و أمارة لجريان حكم الله في مؤاخذة العاصين. (10 : 214)

ابن عاشور: و الرّجْف:الزّلزلة و الاضطراب، و المراد: الرّجف المتكرّر المستمرّ، و هو الّذي يكون به انفراط أجزاء الأرض و انحلالها. (29 : 253)

عبد الكريم الخطيب: إشارة إلى ما يحدث للأرض في هذا اليوم من اضطراب، حيث تُشقّق القبور، و يخرج ما فيها؛ و حيث تموج بهذه الأمواج المتدافعة من الخلق الّذين يساقون إلى المحشر.

و رَجْفَة الأرض و الجبال، هي من رجفة الخلائق يوم البعث، من فزعهم من أحوال هذا اليوم العظيم، كما يقول سبحانه: { وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِِعَ مَنْ فِى السَّموَ "اتِ وَ مَنْ فِى الاَ_رْضِ اِلا مَنْ شاءَ اللهُ } النّمل: 87. (15 : 1263)

المُصْطَفَويّ: عبّر بهذه المادّة إ شارةً الى الحِدّة و الشّدّة، فإنّ تلك الموارد إنّما هي في مواقع الأخذ و البلاء و العذاب. (4 : 67)

فضل الله: الرّجف: الاضطراب الشّديد. يقال رجَفتِ الأرض و البحر (23 : 187)

الرَّ اجِفَةُ

يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ.

النّازعات : 6 ، 7

النّبيّ (صلی الله علیه و آله) : جاءت الرّ اجفة تتبعها الرّ ادفة، جاء الموت بما فيه. (الطّبَريّ 12 : 425)

ابن عبّاس: قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } يقول: النّفخة الأُولى. و قوله: { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ} يقول: النّفخة الثّانية. (الطّبَريّ 12 : 424)

إنّ الرّ اجفة: القيامة ، و الرّ ادفة: البعث.

(الماوَرْديّ 6 : 194)

مُجاهِد: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } ترجف الأرض والجبال، و هي الزّلزلة. و قوله: { الرَّ ادِفَةُ } هو قوله: { اِذَا السَّمَاءُانْشَقَّتْ } الإنشقاق : 1، { فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً } الحاقّة : 14. (الطّبَريّ 12 : 425)

الرّ اجفة: الزّلزلة، { تَتْ-بَعُهَا الرَّ ادِفَةُ }: الصّيحة.

(القُرطُبيّ 19 : 193)

عِكْرِمَة: الأُولى من الدّنيا، و الثّانية من الآخرة .

(الماوَرْديّ 6 : 195)

الضّحّاك: قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } النّفخة الأُولى { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } النّفخة الأُخرى.

(الطّبَريّ 12 : 425)

الحسَن: قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ } هما النّفختان: أمّا الأُولى فتُميت الأحياء، وأمّا الثّانية فتُحيي الموتى. [ثمّ قال:]

{ وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّموَ" اتِ وَ مَنْ فِى الاَ_رْضِ اِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فيهِ‘ اُخْرى فَاِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } الزّمر : 68. الطّبَريّ 12 : 425)

عطاء: { الرَّ اجِفَةُ }: القيامة، و { الرَّ ادِفَةُ }: البعث، و الرّ اجفة: الصّوت و الحركة السّريعة

الشّديدة. (المَيْبُديّ 10 : 368)

قَتادَة: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } هما الصّيحتان: أمّا الأُولى فتُميت كلّ شيء بإذن الله، وأمّا الأُخرى فتُحيي كلّ شيء بإذن الله.

(الطّبَريّ 12 : 425)

ابن زَيْد: { الرَّ اجِفَةُ }: الأرض تهتزّ بأهلها، لنفخة الصُّور الأُولى.

{الرَّ اجِفَةُ}: الموت، و { الرَّ ادِفَةُ }: السّاعة.

(ابن عَطيّة5 : 431)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: يوم ترجف الأرض و الجبال للنّفخة الأُولى، { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } تتبعها الأُخرى بعدها، هي النّفخة الثّانية الّتيردفت الأُولى لبعث يوم القيامة.

و قال آخرون: ترجف الأرض،{ وَ الرَّ ادِفَةُ}: السّاعة. (12 : 424)

الماوَرْديّ: و فيهما ثلاثة أقاويل:

أحدها: [قول ابن عبّاس]

الثّاني: [قول الحسَن]

الثّالث : [قول مُجاهِد عن الطّبَريّ]

و يحتمل رابعًا: أنّ { الرَّ اجِفَةُ }: أشراط السّاعة، و { وَ الرَّ ادِفَةُ }: قيامها. (6 : 194)

الطُّوسيّ: قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } فالرّجف: حركة الشّيء من تحت غيره بترديد و اضطراب، و هي الزّلزلة العظيمة: رجَفَ يَرْجُف رَجْفًا و رَجيفًا و رُجُوفًا.

و أرجَفُوا، إذا أزعجوا النّاس باضطراب الأُمور، كما ينزعج الّذي يرجف ما تحته. و منه الرّجْفَة، و هي الزّعزَعَة الشّديدة من تحت ما كان من الحيوان. و قيل: إنّ الأرض مع الجبال تتزعزع.

و قوله: { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } و معناه تتبع الرّ اجفة الرّ ادفة، أي تجيء بعدها، و هي الكائنة بعد الأوّل في موضع الرّدف من الرّ اكب: ردفهم الأمر ردفًا فهو رادف، و ارتَدَف الرّ اكب إذا اتّخذ رديفًا. (10 : 253)

المَيْبُديّ: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } زلزلة السّاعة تَرْجُف الأرض، فتلفظ من فيها، ثمّ { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } فتُدعى كلّ أُمّة إلى كتابها، و تُنادى كلّ نفس باسمها، فتساق إلى حسابها. و قيل: { الرَّ اجِفَةُ } : النّفخة الأُولى الّتي تموت لها الخلائق.{تَتْ-بَعُهَا الرَّ ادِفَةُ}، أي النّفخة الثّانية الّتي تُبعَث عندهاالخلائق، و بينهما أربعون سنة. (10 : 368)

الزّمَخْشَريّ: و { الرَّ اجِفَةُ }: الواقعة الّتي تَرْجُف عندها الأرض و الجبال، و هي النّفخة الأُولى، وصفت بما يحدث بحدوثها { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ }، أي الواقعة الّتي تردف الأُولى، و هي النّفخة الثّانية.

و يجوز أن تكون (الرّ ادِفة) من قوله تعالى:{ قُلْ عَسى اَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذى تَسْتَعْجِلُونَ } النّمل : 72، أي القيامة الّتي يستعجلها الكفرة استبعادً ا لها، و هي رادفة لهم لاقترابهم.

و قيل الرّ اجفة: الأرض و الجبال، من قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَالْجِبَالُ } المزّمّل : 14، و الرّ ادفة: السّماء و الكواكب، لأ نّها تنشقّ و تنتثر كواكبها على أثر ذلك.

فإن قلت: ما محلّ { تَتْبَعُهَا }؟

قلت: الحال، أي ترجف تابعتها الرّ ادفة.

فإن قلت: كيف جُعلت { يَوْمَ تَرْجُفُ } ظرفًا للمضمر الّذي هو لتُبعثنّ و لايُبعثون عند النّفخة الأُولى؟

قلت: المعنى لتُبعَثنّ في الوقت الواسع الّذي يقع فيه النّفختان، و هم يُبعثون في بعض ذلك الوقت الواسع، وهو وقت النّفخة الأُخرى. و دلّ على ذلك أنّ قوله: { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } جُعل حالا عن { الرَّ اجِفَةُ }.

(4 : 212)

ابن عَطيّة: و قيل: { الرَّ اجِفَةُ }: النّفخة نفسها، و { الرَّ ادِفَةُ }: النّفخة الأُخرى. و يروى أنّ بينهما أربعين سنة. (5 : 431)

الطَّبْرِسيّ: يعني النّفخةالأُولى الّتي يموت فيها جميع الخلائق. و { الرَّ اجِفَةُ }: صيحة عظيمة فيها تردّد و اضطراب كالرّعد إذا تمخّض { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } يعني النّفخة الثّانية تعقب النّفخة الأُولى، و هي الّتي يُبعَث معها الخلق، و هو كقوله: { وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّموَ" اتِ وَ مَنْ فِى الاَ_رْضِ اِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فيهِ‘ اُخْرى فَاِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } الزّمر : 68. (5 : 430)

الفَخْرالرّ ازيّ: الرّجفة في اللُّغة تحتمل وجهين:

أحدهما: الحركة،لقوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّمّل : 14.

الثّاني: الهدّة المنكرة و الصّوت الهائل، من قولهم: رجَفَ الرّعد يَرْجُف رَجْفًا و رجيفًا؛ و ذلك تردّد أصواته المنكرة و هَدْهَدَتُه في السّحاب؛ و منه قوله تعالى: { فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } الأعراف : 91، فعلى هذا الوجه { الرَّ اجِفَةُ } صيحة عظيمة فيها هول و شدّة كالرّعد، و أمّا { الرَّ ادِفَةُ } فكلّ شيء جاء بعد شيء آخر، يقال: ردفه، أي جاء بعده. [إلى أن قال:]

اتّفق جمهور المفسّرين على أنّ هذه الأُمور أحوال يوم القيامة، و زعم أبو مسلم الأصفهانيّ أ نّه ليس كذلك، و نحن نذكر تفاسير المفسّرين، ثمّ نشرح قول أبي مسلم.

أمّا القول الأوّ ل، و هو المشهور بين الجمهور: أنّ هذه الأحوال أحوال يوم القيامة، فهؤلاء ذكروا وُجُوهًا:

أحدها: أنّ { الرَّ اجِفَةُ } هي النّفخة الأُولى، و سمّيت به إمّا لأنّ الدّنيا تتزلزل و تضطرب عندها،و إمّا لأنّ صوت تلك النّفخة هي الرّ اجفة، كما بيّنّا القول فيه، { وَ الرَّ اجِفَةُ }: رجفة أُخرى تتبع الأُولى، فتضطرب الأرض لإحياء الموتى، كما اضطربت في الأُولى لموت الأحياء، على ما ذكره تعالى في سورة الزّمر. ثمّ يروى عن الرّسول (صلی الله علیه و آله) أنّ بين النّفختين أربعين عامًا، و يُروى في هذه الأربعين يُمطر الله الأرض، و يصير ذلك الماء عليها كالنُّطف، و أنّ ذلك كالسّبب للإحياء، و هذا ممّا لاحاجة إليه في الإعادة، و لله أن يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد.

و ثانيها: { الرَّ اجِفَةُ } هي النّفخة الأُولى و { الرَّ ادِفَةُ } هي قيام السّاعة، من قوله: { عَسى اَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذى تَسْتَعْجِلُونَ } النّمل :

72، أي القيامة الّتي يستعجلها الكفرة استبعادً ا لها، فهي رادفة لهم لاقترابها

و ثالثها: { الرَّ اجِفَةُ }: الأرض و الجبال، من قوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّمّل : 14، و{ الرَّ ادِفَةُ }: السّماء و الكواكب، لأ نّها تنشقّ وتنتثر كواكبها على أثر ذلك

و رابعها: { الرَّ اجِفَةُ }: هي الأرض تتحرّ ك و تتزلزل و { الرَّ ادِفَةُ }: زلزلة ثانية تتبع الأُولى، حتّى تنقطع الأرض و تفنى.

القول الثّاني: - و هو قول أبي مسلم - أنّ هذه الأحوال ليست أحوال يوم القيامة؛ و ذلك لأ نّا نقلنا عنه أ نّه فسّر{ النَّازِعَاتِ } بنزع القوس { وَ النَّاشِطَاتِ } بخروج السّهم، { وَ السَّابِحَاتِ } بعَدْو الفرَس، { وَالسَّابِقَاتِ } بسبقها،{ وَ الْمَدبِّرَاتِ} بالأُمور الّتي تحصل أدبار ذلك الرّمي و العَدْو، ثمّ بنى على ذلك، فقال: { الرَّ اجِفَةُ } هي خيل المشركين و كذلك { الرَّ ادِفَةُ }، و يراد بذلك طائفتان من المشركين غزوا رسول الله (صلی الله علیه و آله) فسبقت إحداهما الأُخرى. (31 : 33)

القُرطُبيّ: و { الرَّ اجِفَةُ }: أي المضطربة، كذا قال عبدالرّحمان بن زَيْد. قال: هي الأرض، و { الرَّ ادِفَةُ }: السّاعة.

و قيل: { الرَّ اجِفَةُ}: تحرّ ك الأرض، و {الرَّادِفَةُ}: زلزلة أُخرى تُفني الأرضين، فالله أعلم. و قد مضى في آخر< النّمل > ما فيه كفاية في النّفخ في الصّور.

و أصل الرّجفة: الحركة، قال الله تعالى: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ } المزّمّل : 14. و ليست الرّجفة هاهنا من الحركة فقط، بل من قولهم: رجف الرّعد يَرْجُف رَجْفًا و رجيفًا، أي أظهر الصّوت و الحركة؛ و منه سُمّيت الأراجيف، لاضطراب الأصوات بها، و إفاضة النّاس فيها. (19 : 193)

البَيْضاويّ: و المراد ب- { الرَّ اجِفَةُ }: الأجرام السّاكنة الّتي تشتدّ حركتها حينئذ، كالأرض و الجبال، لقوله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّ مّل : 14، أو الواقعة الّتي ترجف الأجرام عندها، و هي النّفخة الأُولى.

{ تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } التّابعة، و هي السّماء و الكواكب تنشقّ و تنتشر، أو النّفخة الثّانية. و الجملة في موقع الحال. (2 : 536)

أبوالسُّعود: و المراد ب- { الرَّ اجِفَةُ }: الواقعة الّتي تَرْجُف عندها الأجرام السّاكنة، أي تتحرّك حركة شديدة، وتتزلزل زلزلزلةً عظيمة، كالأرض و الجبال، و هي النّفخة الأُولى.

و قيل: { الرَّ اجِفَةُ }: الأرض و الجبال، لقوله تعالى: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّمّل : 14، و قوله تعالى: { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ }، أي الواقعة الّتي تردف الأُولى، وهي النّفخة الثّانية حال من{الرَّاجِفَةُ} مصحّحة لوقوع < اليوم > ظرفًا للبعث، أي لتُبعَثنّ يوم النّفخة الأُولى، حال كون النّفخة الثّانية تابعة لها لاقبل ذلك. فإنّه عبارة عن الزّمان الممتدّ الّذي يقع فيه النّفختان و بينهما أربعون سنة. و اعتبار امتداده مع أنّ البعث لايكون إلا عند النّفخة الثّانية، لتهويل اليوم،

ببيان كونه موقعًا لداهيتين عظيمتين، لايبقى عند وقوع الأُولى حيٌّ إلا مات، و لاعند وقوع الثّانية ميّت إلا بُعث و قام. و وجه إضافته إلى الأُولى ظاهر.

(6 : 366)

البُرُوسَويّ: و المراد ب- { الرَّ اجِفَةُ }: الواقعة الّتى ترجف عندها الأجرام السّاكنة كالأرض و الجبال، أي تتحرّ ك حركة شديدة و تتزلزل زلزلة عظيمة، من هول ذلك اليوم، و هى النّفخة الأُولى، أُسند إليها الرّجف مجازً ا على طريق إسناد الفعل إلى سببه. فإنّ حدوث تلك النّفخة سبب لاضطراب الأجرام السّاكنة من الرّجَفان، و هي شدّة الاضطراب؛ و منه الرّجفة للزّلزلة لما فيه من شدّة الاضطراب و كثرة الانقلاب.

و فيه إشعار بأنّ تغَيّر السِّفليّ مقدّم على تغيّر العِلويّ و إن لم يكنمقطوعًا. [ثمّ أدام نحو أبي السُّعود]

(10 : 316)

الآلوسيّ: و المراد ب- { الرَّ اجِفَةُ }: الواقعة أو النّفخة الّتي تَرْجُف الأجرام عندها، على أنّ الإسناد إليها مجازيّ، لأ نّها سبب الرّجف، أو التّجوّز في الظّرف بجعل سبب الرّجف راجفًا.

و جُوّز أن تُفسّر الرّ اجفة بالمحرّكة، و يكون ذلك حقيقة، لأنّ < رجَفَ > يكون بمعنى حرّ ك و تحرّ ك، كما في < القاموس > و هي النّفخة الأُولى. و قيل: المراد بها: الأجرام السّاكنة الّتي تشتدّ حركتها حينئذ، كالأرض و الجبال،لقوله تعالى:{يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ} المزّمّل : 14. و تسميتها راجفة باعتبار الأوّ ل، ففيه مجاز مرسل، و به يتّضح فائدة الإسناد . و قوله تعالى: { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ }، أي الواقعة أو النّفخة الّتي تردف و تتبع الأُولى، و هي النّفخة الثّانية. و قيل: الأجرام التّابعة، و هي السّماء و الكواكب، فإنّها تنشقّ و تنتثر بعد. و الجملة حال من { الرَّ اجِفَةُ } مصحّحة لوقوع < اليوم > ظرفًا للبعث، لإفادتها امتداد الوقت و سعته؛ حيث أفادت أنّ < اليوم > زمان الرّجفة المقيّدة بتبعيّة الرّادفة لها، و تبعيّة الشّيء الآخر فرع وجود ذلك الشّيء، فلابدّ من امتداد اليوم إلى الرّ ادفة، و اعتبار امتداده، مع أنّ البعث لايكون عند الرّ ادفة أعني النّفخة الثّانية، و بينها و بين الأُولى أربعون، لتهويل اليوم، ببيان كونه موقعًا لداهيتين عظيمتين. (30 : 26)

طنطاوي: الرّجف: شدّة الحركة، أي لتُبعَثنّ يوم تتحرّ ك النّفخة الأُولى حركة شديدة، و تضطرب بها الأرض حتّى يموت كلّ من عليها، وُصفت بما يحدث بحدوثها، حال كون الرّ اجفة { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ }، أي التّابعة و هي النّفخة الثّانية، لأ نّها تردف الأُولى، فالأُولى لإماتة الخلق و الثّانية لإحيائهم. (25 : 33)

سيّد قُطْب: و { الرّ َاجِفَةُ } ورد أ نّها الأرض، استنادً ا إلى قوله تعالى في سورة أُخرى: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّمّل : 14 و { الرَّ ادِفَةُ }: ورد أ نّها السّماء. أي أ نّها تردف الأرض و تتبعها في الانقلاب؛ حيث تنشقّ و تتناثر كواكبها.

كذلك ورد أنّ { الرّ َاجِفَةُ } هي الصّيحة الأُولى الّتي تَرْجُف لها الأرض و الجبال و الأحياء جميعًا، و يصعق لها من في السّماوات و من في الأرض إلا من شاء الله و { الرَّ ادِفَةُ } هي النّفخة الثّانية الّتي يصحون

عليها و يُحشَرون. [كما جاء في سورة الزّمر آية: 68]

و سواء كانت هذه أم تلك، فقد أحسّ القلب البشريّ بالزّلزلة و الرّجفة و الهول و الاضطراب، و اهتزّ هزّة الخوف و الوجل و الرّعب و الارتعاش، و تهيّأ لإدراك ما يصيب القلوب يومئذ من الفزع الّذي لاثبات معه و لاقرار. و أدرك و أحسّ حقيقة قوله: { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَ اجِفَةٌ* اَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ } النّازعات: 8 ، 9.

فهي شديدة الاضطراب بادية الذّلّ، يجتمع عليها الخوف و الانكسار و الرّجفة و الانهيار. و هذا هو الّذي يقع يوم ترجف الرّ اجفة تتبعها الرّ ادفة، و هذا هو الّذي يتناوله القسم بالنّازعات غرقًا... و هو مشهد يتّفق في ظلّه و إيقاعه مع ذلك المطلع. (6 : 3812)

ابن عاشور: و جملة { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } إلى { خَاشِعَةٌ } جواب القسم، و صريح الكلام موعظة. والمقصود منه لازمه و هو وقوع البعث، لأنّ القلوب لاتكون إلا في أجسام.

و قد علم أنّ المراد ب- { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } هو يوم القيامة، لأ نّه قد عُرّف بمثل هذه الأحوال في آيات كثيرة مّما سبق نزوله، مثل قوله:{ اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ } الواقعة : 4، فكان في هذا الجواب تهويل ليوم البعث، و في طيّه تحقيق وقوعه، فحصل إيجاز في الكلام، جامع بين الإنذار بوقوعه، و التّحذير ممّا يجري فيه.

و { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } ظرف متعلّق ب- { وَ اجِفَةٌ } فآلَ إلى أنّ المقسم عليه المراد تحقيقه هو وقوع البعث، بأُسلوب أوقع في نفوس السّامعين المنكرين، من أُسلوب التّصريح بجواب القسم؛ إذ دلّ على المقسم عليه بعض أحواله الّتي هي من أهواله، فكان في جواب القسم إنذار. [إلى أن قال:]

و الرّجف: الاضطراب و الاهتزاز، و فعله من باب < نصَر >. و ظاهر كلام أهل اللُّغة أ نّه فعل قاصر و لم أر من قال: إنّه يُستعمل متعدّيًا، فلذلك يجوز أن يكون إسناد { تَرْجُفُ } إلى { الرَّ اجِفَةُ }حقيقيًّا. فالمراد ب- { الرَّ اجِفَةُ }: الأرض، لأ نّها تضطرب و تهتزّ بالزّلازل الّتي تحصل عند فناء العالم الدّنيويّ، و المصير إلى العالم الأُخرويّ. قال تعالى: { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ } المزّمّل : 14، و قال: { اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ رَجًّا } الواقعة : 4، و تأنيث { الرَّ اجِفَةُ } لأ نّها الأرض، و حينئذ فمعنى { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } أنّ رجفة أُخرى تتبع الرّجفة السّابقة، لأنّ صفة { الرَّ اجِفَةُ } تقتضي وقوع رجفة، ف- { الرَّ ادِفَةُ } رجفة ثانية تتبع الرّجفة الأُولى.

ويجوز أن يكون إسناد{ تَرْجُفُ } إلى{الرَّ اجِفَةُ} مجازً ا عقليًّا ، أُطلق { الرَّ اجِفَةُ } على سبب الرّجف.

فالمراد ب- { الرَّ اجِفَةُ }: الصّيحة و الزّلزلة الّتي ترجف الأرض بسببها، جُعلت هي الرّ اجفة مبالغةً كقولهم: عيشة راضية ، و هذا هو المناسب لقوله: { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } أي تتبع تلك الرّ اجفة، أي مسبّبة الرّجف رادفة، أي واقعة بعدها.

و يجوز أن يكون الرّجف مستعارً ا لشدّة الصّوت، فشُبّه الصّوت الشّديد بالرّجف، و هو التّزلزل. و تأنيث { الرَّ اجِفَةُ } على هذا، لتأويلها بالواقعة أو

الحادثة .

و { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ }: التّالية، يقال : ردف بمعنى تبع، و الرّديف: التّابع لغيره، قال تعالى : { اَنّى مُمِدُّكُمْ بِاَلْ-ف مِنَ الْ-مَلئِكَةِ ’مُرْدِفينَ‘ } الأنفال : 9، أي تتبع الرّجفة الأُولى ثانية، فالمراد: رادفة من جنسها، و هما النّفختاناللّتان في قوله تعالى: { وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّموَ "اتِ وَ مَنْ فِى الاَ_رْضِ اِلا مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فيهِ ‘اُخْرى فَاِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } الزّمر : 68، و جملة { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } حال من { الرَّ اجِفَةُ }

(30 : 59)

الطَّباطَبائيّ: قوله تعالى: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } فسّرت { الرَّاجِفَةُ } بالصّيحة العظيمة الّتي فيها تردّد و اضطراب و { الرَّ ادِفَةُ } بالمتأخّرة التّابعة. و عليه تنطبق الآيتان على نفختي الصّور الّتي يدلّ عليهما قوله تعالى: { وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ... } [ إلى آخر الآية] الزّمر : 68.

و قيل:{ الرَّ اجِفَةُ } بمعنى المحرّكة تحريكًا شديدً ا، فإنّ الرّجف يُستَعمل لازمًا بمعنى التّحرّك الشّديد، و متعدّيًا بمعنى التّحريك الشّديد، و المراد بها أيضًا: النّفخة الأُولى المحرّكة للأرض والجبال،و ب-{الرَّادِفَةُ} النّفخة الثّانية المتأخّرة عن الأُولى.

و قيل:المراد ب- {الرَّاجِفَةُ}الأرض و ب- {الرّادفة} السّماوات و الكواكب الّتي تَرْجُف و تضطرب و تنشقّ، و تتلاشى. و الوجهان لايخلوان من بُعْد، و لاسيّما الأخير.

و الأنسب بالسّياق على أيّ حال كون قوله:{ يَوْمَ تَرْجُفُ...} ظرفًا لجواب القسم المحذوف، للدّ لالة على فخامته و بلوغه الغاية في الشّدّة، و هو < لتُبعَثنّ >.

و قيل: إنّ { يَوْمَ }منصوب على معنى: قلوب يومئذ واجفة يوم ترجف الرّ اجفة، و لايخلو، من بُعْد.

(20 : 184)

عبد الكريم الخطيب: و { الرَّ اجِفَةُ}: الأرض، و { الرَّ ادِفَةُ }: السّماء، فالأرض ترجف يوم القيامة، ثمّ تتبعها السّماء، فيما يقع فيها من أحداث هذا اليوم، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: { يَوْمَ تُبَدَّ لُ الاَ_رْضُ غَيْرَ الاَ_رْضِ وَ السَّموَ "اتُ } إبراهيم : 48.

و قيل:{ الرَّ اجِفَةُ }: النّفخة الأُولى، و هي صعقة الموت: { وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّموَ ا تِ وَ مَنْ فِى الاَ_رْضِ اِلا مَنْ شَاءَ اللهُ } الزّمر : 68. و { الرَّ ادِفَةُ }: النّفخة الثّانية، و هي نفخة البعث: { ثُمَّ نُفِخَ فيهِ ‘اُخْرى فَاِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ } الزّمر : 68، و جملة { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } حال من { الرَّ اجِفَةُ}.

(16 : 1432)

المُصْطَفَويّ: أي تزلزل زلزلة شديدة، و تضطرب اضطرابًا عميقًا و بحِدّة، كلّ من كان متزلزلا في سيره و سيرته، غير ثابت في عقيدته، غير مؤمن بالله و رسوله، غير راسخ في سلوكه. و يتبعه من هو في رديفه، و سالكًا بأثره.

و أمّا المؤمنون فهم كالجبل الرّ اسخ، لاتحرّ كه العواصف، أصحاب الجنّة يومئذ خير مستقرًّ ا و أحسن مَقيلا .

و التّأنيث باعتبار الأفراد أو الجمعيّة و الجماعة، أو النّفس و النّفوس، و يؤيّده بعدها. { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَ اجِفَةٌ اَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ }. (6 : 67)

مكارم الشّيرازيّ:أييوم تحدث الزّلزلة العظيمة المهوّلة،ثمّ { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ }.

الرّ اجفة من < الرّجْف >، بمعنى الاضطراب و التّزلزل، و لذا يقال: للأخبار الّتي توقع الاضطراب بين أوساط النّاس ب- < الأراجيف >.

الرّ ادفة: من < الرّدف >، و هو الشّخص أو الشّيء الّذي يأتي بعد نظيره تتابعًا، و لذا يقال لمن يركب خلف آخر: رديفه.

و يعتقد كثير من المفسّرين بأنّ { الرَّ اجِفَةُ }: هي الصّيحة و نفخة الصّور الأُولى الّتي تُعلن عن موت جميع الخلائق، و { الرَّ ادِفَةُ } هي الصّيحة و نفخة الصّور الثّانية الّتي يُبعَث فيها الخلق مرّة أُخرى، ليعيشوا يوم القيامة.

و عليه، فالآيتان تشيران إلى نفس ما أشارت إليه الآية من سورة الزّمر: { وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ... } إلخ

و قيل: { الرَّ اجِفَةُ }: إشارة إلى الزّلزلة الّتي تُدمّر الأرض، و { الرَّ ادِفَةُ }:إشارة إلى الزّلزلة الّتي تُدمّر السّماوات.

و التّفسير الأوّل كما يبدو أقرب للصّواب.

(19 : 334)

فضل الله: { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ } و هي الصّيحة العظيمة، الّتي فيها تردّد و اضطراب كما قيل. { تَتْبَعُهَا الرَّ ادِفَةُ } و هي المتأخّرة التّابعة، و لعلّها النّفخة الّتي تبعث النّاس من الأجداث، ثمّ تجمعهم إلى الموقف الحاسم بين يدي الله.

و قد ذكر < صاحب الميزان > أنّ كلمة { يَوْمَ تَرْجُفُ...} ظرف لجواب القسم المحذوف، للدّ لالة على فخامته و بلوغهالغاية في الشّدّة و هو: < لتُبعَثُنّ».

و في هذا الوجه خفاء، و قد ذكرنا قريبًا أنّ هناك احتمالا في تفسير هذه الفقرات؛ بحيث لاتكون واردة في سياق القسم، و الله العالم. (24 : 33)

الرَّجْفَةُ

فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَاَصْبَحُوا فى دَ ارِهِمْ جَاثِمينَ‘.

الأعراف : 78

مُجاهِد: الرّجْفَة: الصّيحة. (الطّبَريّ 5 : 539)

مثله السُّدّيّ. (الطّبَريّ 5 : 539)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: فأخذت الّذين عقروا النّاقة من ثمود الرّجفة، و هي الصّيحة.

و { الرَّجْفَةُ } الفَعْلَة، من قول القائل: رجَفَ بفلان كذا يَرْجُف رَجْفًا، و ذلك إذا حرّكه و زعْزَعَه.

[ثمّ استشهد بشعر]

و إنمّا عنى ب- { الرَّجْفَةُ }، ها هنا: الصّيحة الّتي زعزعتهم و حرّكتهم للهلاك، لأنّ ثمود هلكت بالصّيحة ، فيما ذكر أهل العلم. (5 : 539)

أبومسلم الأصفهانيّ: الزّلزلة، أُهلكوا بها.

(الطَّبْرِسيّ2 : 441)

الطُّوسيّ: أخبر الله تعالى في هذه الآية بما حلّ بثمود من العذاب، فقال: { فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } و هي

حركة القرار المُزعِجَة لشدّة الزّعزَعَة. تقول: رجَفَ بهم السّقف يَرْجُف رُجُوفًا، إذا اضطرب من فوقهم.

و قال مُجاهِد و السُّدّيّ: الرّجفة: الصّيحة.

و قال آخرون: هي زلزلة أُهلكوا بها. [ثمّ استشهد بشعر] (4 : 485)

الزّمَخْشَريّ:{ الرَّجْفَةُ }: الصّيحة الّتي زلزلت لها الأرض و اضطربوا لها. (2 : 91)

ابن عَطيّة: و {الرَّجْفَةُ } ما تؤثره الصّيحة أو الطّامّة الّتي يَرْجُف بها الإنسان، و هو أن يتَزعْزَع و يتحرّ ك و يضطرب و يرتعد

و منه قول خديجة: فرجع بها رسول الله (صلی الله علیه و آله) يَرْجُف فؤاده. [ثمّ استشهد بشعر]

و منه: إرجاف النّفوس لكريه الأخبار، أي تحريكها. وروي أنّ صيحة ثمود كان فيها من صوت كلّ شيء هائل الصّوت، و كانت مُفرطة شَقّت قلوبهم فجُثّوا على صدورهم. (2 : 423)

الطَّبْرِسِيّ:أي الصّيحة: عن مُجاهِد، و السُّدّيّ. و قيل: الصّاعقة، و قيل: كانت صيحة زلزلت بها الأرض. و أصل الرّجْفَة: الحركة المُزعجَة بشدّة الزّعْزَعَة. (2 : 441)

الفَخْرالرّ ازيّ: طعن قوم من الملحدين في هذه الآيات، بأنّ ألفاظ القرآن قد اختلفت في حكاية هذه الواقعة، و هي الرّجفة و الطّاغية و الصّيحة، و زعموا أنّ ذلك يوجب التّناقض.

و الجواب: قال أبومسلم: الطّاغية: اسم لكلّ ما تجاوز حدّه سواء كان حيوانًا أو غير حيوان، و أُلحق الهاء به للمبالغة. فالمسلمون يسمّون الملِك العاتي بالطّاغية و الطّاغوت. و قال تعالى: { اِنَّ الاِ_نْسَانَ لَيَطْغى" اَنْ رَ ا"هُ اسْتَغْنى"} العلق: 6، 7، و يقال: طَغى طُغيانًا و هو طاغ و طاغيَة. و قال تعالى: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْويهَا } الشّمس : 11، و قال في غير الحيوان: { اِنَّا لمَ-َّا طَغَا المْ-َاءُ } الحاقّة : 11،أي غلب و تجاوز عن الحدّ.

وأمّا الرّجْفَة، فهي الزّلزلة في الأرض، و هيحركة خارجة عن المعتاد، فلم يبعد إطلاق اسم الطّاغية عليها.

و أمّا الصّيحة، فالغالب أنّ الزّلزلة لاتنفكّ عن الصّيحة العظيمة الهائلة.

و أمّا الصّاعقة، فالغالب أ نّها الزّلزلة، و كذلك الزّجرة. قال تعالى: { فَاِنمَّ-َا هِىَ زَجْرَةٌ وَ احِدَةٌ * فَاِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ } النّازعات : 13 ، 14، فبطل ما قاله الطّاعن. (14 : 166)

البُرُوسَويّ: { فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } أي الزّلزلة الشّديدة، لكن لاإثر ما قالوا. بل بعد ما جرى عليهم ما جرى من مبادئ العذاب، في الأ يّام الثّلاثة، كما سيجيء. ورد في حكاية هذه القصّة { فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } و في موضع { فَاَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ } الحجر : 73، و في موضع { فَاُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ } الحاقّة : 5، و لاتناقض، لأنّ الرّجفة مترتّبة على الصّيحة، لأ نّه لم-ّا صيح بهم رجفت قلوبهم فماتوا، فجاز أن يُسنَد الإهلاك إلى كلّ واحدة منهما.

و قال الحدّ اديّ: فأخذتهم الزّلزلة ثمّ صيحة

جبريل. (3 : 193)

الآلوسيّ: قال الفَرّ اء و الزّجّاج: أي الزّلزلة الشّديدة. و قال مُجاهِد و السُّدّيّ: هي الصّيحة، و جمع بين القولين بأ نّه يحتمل أ نّه أخذتهم الزّلزلة من تحتهم، و الصّيحة من فوقهم. و قال بعضهم: الرّجفة: خفقان القلب و اضطرابه حتّى ينقطع. و جاء في موضع آخر: الصّيحة، و في آخر: بالطّاغية.

و لامنافاة بين ذلك كما زعم بعض الملاحدة، فإنّ الصّيحة العظيمة الخارقةللعادة، حصل منها الرّجفة لقلوبهم، و لعظمها و خروجها عن الحدّ المعتاد تسمّى: الطّاغية، لأنّ الطّغيان: مجاوزة الحدّ؛ و منه قوله تعالى: { اِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ } الحاقّة : 11، أو يقال: إنّ الإهلاك بذلك بسبب طغيانهم، و هو معنى الطّاغية.

و هذا الأخذ ليس إثر ماقالوا، بل بعد ما جرى عليهم ما جرى من مبادئ العذاب في الأيّام الثّلاثة، كما ستعلمه إن شاء الله تعالى. والفاء لاتأبى ذلك.

(8 : 165)

رشيدرضا: { الرَّجْفَةُ }: المرّة من الرّجف، و هو الحركة و الاضطراب. يقال: رجف البحر، إذا اضطربت أمواجه، و رجَفتِ الأرض زلزلت و اهتزّت، و رجف القلب و الفؤاد من الخوف. و في حديث الوحي: < فرجع إلى مكّة يَرْجُف بها فؤاده > و في سورة هود: {وَ اَخَذَ الَّذينَ‘ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } هود : 67، و نحوه في سورة القمر.

و قد اختلف المفسّرون في تفسير اللّفظين و الجمع بينهما، فقيل: { الصَّيْحَةُ } صيحة جبريل، رجفت منها قلوبهم. و قيل: بل { الرَّجْفَةُ }: الزّلزلة أخذتهم من تحتهم، و { الصَّيْحَةُ } من فوقهم. و جعل الزّمَخْشَريّ { الصَّيْحَةُ } سببًا للزّلزلة. و من الغريب أنّ مثل السّيّد الآلوسيّ وهو متأخّر، واسع الاطّلاع، ينقل هذه الأقوال، و يجمع بين الكلمتين بما ذكر، و يُصحّح بحقّ التّعبير عن الصّيحة العظيمة الخارقة للعادة بالطّاغية، و هي الكلمة الّتي وردت في سورة الحاقّة. و ينسىكالّذين نُقل عنهم: أ نّها الصّاعقة، و هي الأصل كما ورد في سورة < حم السّجدة >و في سورة < الذّاريات>. فالأوّل قوله تعالى: { فَاَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْْهُونِ} فصّلت:17، و الثّاني: { فَاَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ } الذّاريات : 44.

و لنزول الصّاعقة صيحة شديدة القوّة و الطّغيان، ترجف من وقعها الأفئدة، و تضطرب أعصاب الأبدان. و ربّما اضطربت الأرض و تصدّع ما فيها من بنيان، و سببها اشتعال يُحدثه الله تعالى باتّصال كهربائيّة الأرض بكهربائيّة الجوّ الّتي يحملها السّحاب، فيكون له صوت كالصّوت الّذي يحدث باشتعال قذائف المدافع و تأثيره في الهواء، و هذا الصّوت هو المسمّى بالرّعد، كما بيّنّاه من قبل.

و أمّا الصّاعقة فهي الشّرارة الكهربائيّة الّتي تتّصل بالأرض، فتحدث فيها تأثيرات عظيمة بقدرها، كصعق النّاس و الحيوانات و موتهم، و هدم المباني أو تصديعها، و إحراق الشّجر و المتاع، و غير ذلك. هذا ما وصل إليه علم البشر في هذا العصر.

و من الدّ لائل على صحّته أنّ علمهم بسنّة الله

تعالى فيه هُداهم إلى اتّقاء ضرر الصّواعق في المباني العظيمة، بوضع ما يسمّونه قضيب الصّاعقة عليها، فيمتنع بسنّة الله نزولها بها. يجوز أن يكون الخالق القادر القدر قد جعل هلاكهم في وقت ساق فيه السّحاب المتشبّع بالكهرباء إلى أرضهم بأسبابه المعتادة، كما يجوز أن يكون قد خلق تلك الصّاعقة لأجلهم على سبيلخرق العادة، و أيّاماكان الواقع، فالآية قد وقعت و صدق الله و رسوله في إنذار قومه.

(8 : 506)

ابن عاشور: و جملة { فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ } معترضة بين جملة { فَعَقَرُوا النَّاقَةَ } الأعراف : 77، و بين جملة { فَتَوَلىّٰ عَنْهُمْ } الأعراف : 79، أُريد باعتراضها التّعجيل بالخبر، عن نفاذ الوعيد فيهم بعَقب عُتوّهم، فالتّعقيب عرفيّ ، أي لم يكن بين العقر و بين الرّجفة زمن طويل، كان بينهما ثلاثة أيّام، كما ورد في آية سورة هود : 65، { فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تمَتَّعُوا فى دَ ارِكُمْ ثَلثَةَ اَيَّامٍ ذ"لِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب } [إلى أن قال:]

و{ الرَّجْفَةُ }: اضطراب الأرض و ارتجاجها، فتكون من حوادث سماويّة كالرّياح العاصفة و الصّواعق، و تكون من أسباب أرضيّة كالزّ لازل. ف- { الرَّجْفَةُ }: اسم للحالة الحاصلة، و قد سمّاها في سورة هود بالصّيحة. فعلمنا أنّ الّذي أصاب ثمود هو صاعقة أو صواعق متوالية، رجفت أرضهم و أهلكتهم صَعِقين، و يحتمل أن تقارنها زلازل أرضيّة. (8 : 175)

الطَّباطَبائيّ: الرّجفة: هي الاضطراب و الاهتزاز الشّديد، كما في زلزلة الأرض و تلاطم البحر...

و قد ذكر الله هنا في سبب هلاكهم أ نّه أخذتهم الرّجفة، و قال في موضع آخر: { وَ اَخَذَ الَّذينَ‘ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } هود : 67، و في موضع آخر: { فَاَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ } حم السّجدة: 17،والصّواعق السّماويّة لاتخلو عن صيحة هائلة تُقارنها و لاينفكّ ذلك غالبًا عن رجفة الأرض، هي نتيجة الاهتزاز الجوّيّ الشّديد إلى الأرض، و ترجف من جهة أُخرى القلوب، و ترتعد الأركان.

فالظّاهر أنّ عذابهم إنمّا كان بصاعقة سماويّة، اقترنت صيحة هائلة، و رجفة في الأرض، أو في قلوبهم.

و الآية تدلّ على أنّ ذلك كان مرتبطًا بما كفروا و ظلموا آية من آيات الله، مقصودً ا بها عذابهم عذاب الاستئصال، و لانظر في الآية إلى كيفيّة حدوثها، و الباقي ظاهر. (8 : 182)

مكارم الشّيرازيّ: إنّها كانت رجفة عظيمة، تهاوت على أثرها قصورهم و بيوتهم القويّة، واندثرت حياتهم الجميلة، حتّى أ نّه لم يبق منهم إلا أجساد ميّتة، هكذا أصبحوا. [إلى أن قال:]

و هنا يُطرح سؤال، و هو: يستفاد من الآية الحاضرة أنّ الشّيء الّذي أهلك هؤلاء المتمرّدون كان هو الزّلزال. و لكن يظهر من الآية : 13، من سورة فصّلت أ نّه كان الصّاعقة، بينما نقرأ في الآية : 4، من سورة الحاقّة { فَاَمَّا ثمَ-ُودُ فَاُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ} يعني أنّ قوم ثمود أُهلكوا بشيء مُدمّر، فهل هناك تناقض بين

هذه التّعابير؟

إنّ الجواب على هذا السّؤال يمكن أن يُلخّص في جملة واحدة، و هي جميع هذه العبارات ترجع إلى معنى واحد، أو أ نّه يلازم بعضها بعضًا، فكثيرً ا ما تحدث الرّجّة الأرضيّة في منطقة ما بفعل صاعقة عظيمة، أي

أ نّه تحدث صاعقة أوّ لا ، ثمّ تحدث على أثرها رجّة أرضيّة. (5 : 94)

و جاءت { الرَّجْفَةُ } بمعنى الصّيحة و الصّاعقة و الزّلزلة في الآيات : 91 و 155 من سورة الأعراف و 37 من سورة العنكبوت.

المُرْجِفُونَ

... وَ الَّذينَ ‘فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ‘ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لايُجَاوِرُونَكَ فيهَا‘ اِلا قَليلا‘ .

الأحزاب : 60

ابن عبّاس: إنّ الإرجاف: التماس الفتنة.

(الماوَرْديّ 4 : 424)

قَتادَة: الإرجاف: الكذب الّذي كان نافقه أهل النّفاق، و كانوا يقولون: أتاكم عَدَد و عُدّة.

(الطّبَريّ10 : 333)

إ نّهم الّذين يذكرون من الأخبار ما يُضعف به قلوب المؤمنين، و تقوى به قلوب المشركين.

(الماوَرْديّ 4 : 424)

السُّدّي: أ نّهم الّذين يكاثرون النّساء و يتعرّضون لهنّ. (الماوَرْديّ 4 : 424)

الكَلْبيّ: كانوا يُحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا و يفشوا الأخبار. (المَيْبُديّ 8 : 89)

ابن زَيْد: هم أهل النّفاق الّذين يُرجفون برسول الله (صلی الله علیه و آله)، و بالمؤمنين. (الطّبَريّ10 : 333)

الطّبَريّ:يقول: و أهل الإرجاف في المدينة بالكذب و الباطل. و كان إرجافهم فيما ذُكر... أنّ المنافقين أرادوا أن يُظهروا ما في قلوبهم من النّفاق، فأوعدهم الله بهذه الآية...، فلمّا أوعدهم الله بهذه الآية كتموا ذلك و أسرّوه. (10 : 333)

الماوَرْديّ: { وَ الْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ‘ } فيهم ثلاثة أقاويل: [و نقل أقوال المفسّرين ثمّ قال:]

و سمّيت الأراجيف لاضطرابالأصوات بها، و إفاضة النّاس فيها. (4 : 424)

الطُّوسيّ: فالإرجاف: إشاعة الباطل للاعتمام به. { وَ الْمُرْجِفُونَ } هم الّذين كانوا يطرحون الأخبار الكاذبة بما يُشغلون به قلوب المؤمنين. (8 : 361)

المَيْبُديّ: {وَ الْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ‘ } بالكذب والباطل. المُرْجِف: الكذّاب، و قوم من المنافقين يُرجفون دائمًا في المدينة و يكذبون، بأنّ المجاهدين و جُند الإسلام، هُزموا من العدوّ و قُتلوا، لذا نزلت الآية في حقّهم. (8 : 89)

الزّمَخْشَريّ: { وَ المْ-ُرْجِفُون‌َ } ناس كانوا يُرجفُون بأخبار السّوء عن سرايا رسول الله (صلی الله علیه و آله)، فيقولنّ: هُزموا و قُتلوا و جرى عليهم كَيْت و كَيْت، فيكسرون بذلك قلوب المؤمنين. يقال: أرجف بكذا، إذا أخبر به على غير حقيقة، لكونه خبرً ا متزلزلا غير ثابت، من الرّجفة، و هي الزّلزلة.

و المعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم و كيدهم، و الفسقة عن فجورهم، و المُرجفون عمّا يؤلّفون من أخبار السّوء، لنأمُرنّك بأن تفعل بهم الأفاعيل الّتي تسوءهم وتنوءهم. (3 : 274)

نحوه البُرُوسَويّ. (7 : 241)

ابن عَطيّة: ‘ هم قوم من المنافقين، كانوايتحدّثون بغزو العرب المدينة، و بأنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) سيُغلب و نحو هذا، ممّا يُرجِفُون به نفوس المؤمنين. فيحتمل أن تكون هذه الأصناف مفترقة بعضها من بعض، و يحتمل أن تكون داخلة في جملة المنافقين. لكنّه نصّ على هاتين الطّائفتين، و هوقد ضمّهم عموم لفظة النّفاق، تنبيهًا عليهم، و تشريدً ا بهم، وغضًّا منهم. (4 : 399)

الطَّبْرِسيّ: و هم المنافقون أيضًا الّذين كانوا يُرجِفُون في المدينة بالأخبار الكاذبة المُضعِّفة لقلوب المسلمين، بأن يقولوا: اجتمع المشركون في موضع كذا، قاصدين لحرب المسلمين و نحو ذلك، و يقولوا لسرايا المسلمين: إنّهم قُتلوا و هُزموا. (4 : 370)

الفَخْرالرّ ازيّ: المُرجف: الّذي يؤذي النّبيّ بالإرجاف، بقوله: غُلب محمّد و سيخرج من المدينة وسيُؤخذ. و هؤلاء و إن كانوا قومًا واحدً ا إلا أنّ لهم ثلاثة اعتبارات، و هذا في مقابلة قوله تعالى: {اِنَّ الْمُسْلِمينَ‘ وَ الْمُسْلِمَاتِ وَ الْمُؤْمِنينَ‘ وَ المْ-ُؤْمِنَاتِ} الأحزاب : 35، حيث ذكر أصنافًا عشرة، و كلّهم يوجد في واحد، فهم واحد بالشّخص، كثير بالاعتبار.

(25 : 231)

القُرطُبيّ: قوم كانوا يُخبرون المؤمنين بما يسوءهم من عدوّهم، فيقولون: إذا خرجت سرايا رسول الله(صلی الله علیه و آله) إنّهم قد قُتلوا أو هُزموا، وإنّ العدوّ قد أتاكم، قاله قَتادَة وغيره.

و قيل: كانوا يقولون: أصحاب الصّفّة قوم عزّاب، فهم الّذين يتعرّضون للنّساء. و قيل: هم قوم من المسلمين ينطقون بالأخبار الكاذبة حبًّا للفتنة. و قد كان في أصحاب الإفْك قوم مسلمون، و لكنّهم خاضوا حبًّا للفتنة.

و قال ابن عبّاس: الإرجاف التماس الفتنة، و الإرجاف: إشاعة الكذب و الباطل للاعتمام به.و قيل: تحريك القلوب...

فالإرجاف حرام، لأنّ فيه إذاية، فدلّت الآية على تحريم الإيذاء بالإرجاف.[و استشهد بالشّعر 3مرّ ات]

(14 : 245)

أبوحَيّان: و لم-ّا ذكر حال المشرك الّذي يؤذي الله و رسوله، و المُجاهرالّذي يؤذي المؤمنين، ذكر حال المُسرّ الّذي يؤذي الله و رسوله، و يظهر الحقّ و يُضمر النّفاق.

و لم-ّا كان المؤذون ثلاثة، باعتبار إذايتهم: لله و لرسوله و للمؤمنين، كان المشركون ثلاثة: منافق، و من في قلبه مرض، و مُرْجِف. فالمنافق يؤذي سرًّ ا، و الثّاني يؤذي المؤمن باتّباع نسائه، و الثّالث يُرجِف بالرّسول، يقول: غُلب، سيخرج من المدينة، سيُؤخذ، هُزمت سراياه.

و ظاهر العطف التّغاير بالشّخص، فيكون المعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عداوتهم و كيدهم، و الفسقة

عن فجورهم، و المُرجفُون عمّا يقولون من أخبار السّوء و يُشيعونه.

و يجوز أن يكون التّغاير بالوصف، فيكون واحدً ا بالشّخص ثلاثة بالوصف، كما جاء: { اِنَّ الْمُسْلِمينَ‘ وَ الْمُسْلِمَاتِ } الأحزاب : 35، فذكر أوصافًا عشرة، و الموصوف بها واحد. و نصّ على هذين الوصفين من المنافقين لشدّة ضررهما على المؤمنين. (7 : 251)

أبوالسُّعود: { وَ الْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ } من الفريقين عمّا هم عليه من نشر أخبار السّوء، عن سرايا المسلمين، و غير ذلك من الأراجيف الملفّقة المستتبعة للأذيّة. و أصل الإرجاف: التّحريك منالرّجفة الّتي هي الزّلزلة، وُصفت به الأخبار الكاذبة، لكونها متزلزلة غير ثابتة. (5 : 239)

نحوه الآلوسيّ. (22 : 90)

ابن عاشور: و الإرجاف: إشاعة الأخبار، و فيه معنى كون الأخبار كاذبة أو مسيئة لأصحابها، يعيدونها في المجالس ليطمئنّ السّامعون لها مرّة بعد مرّة بأ نّها صادقة، لأنّ الإشاعة إنّما تُقصَد للتّرويج بشيء غير واقع، أو ممّا لايُصدّق به لاشتقاق ذلك منالرّج-ْف.

والرّجَفان، و هوالاضطراب والتّزلزل.فالمُرجفُون قوم يتلقّون الأخبار، فيحدّثون بها في مجالس و نَواد و يخبرون بها من يسأل و من لايسأل.

و معنى الإرجاف هنا: أ نّهم يُرجفُون بما يؤذي النّبيّ (صلی الله علیه و آله) والمسلمين و المسلمات، و يتحدّثون عن سرايا المسلمين، فيقولون : هُزموا أو أسرع فيهم القتل أو نحو ذلك، لإيقاع الشّكّ في نفوس النّاس و الخوف، و سوء ظنّ بعضهم ببعض. و هم من المنافقين و الّذين في قلوبهم مرض و أتباعهم، و هم الّذين قال الله فيهم: { وَ اِذَا جَاءَهُمْ اَمْرٌ مِنَ الاَ_مْنِ اَوِ الْخَوْفِ اَذَاعُوا بِهِ } النّساء : 83.

فهذه الأوصاف لأصناف من النّاس، و كان أكثر المرجفين من اليهود و ليسوا من المؤمنين، لأنّ قوله عقبه : {لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } لايساعد أنّ فيهم مؤمنين.

(21 : 330)

المُصْطَفَويّ: الإرجاف: هو جعل الغير راجفًا متزلزلا . يقال أرجفه في عقيدته و أفكاره، أو في سيره و سلوكه، أو في عمله و وظائفه، أو فينظم الاجتماع أو في نظم البلد. و لم يُذكَر قيد له، فإنّ المراد مطلق الإرجاف و إخلال النّظام في المدينة قولا أو عملا ؛ بحيث يوجب خللا في النّظام و اضطرابًا في الأُمور.

و المنافقون هم الّذين لا إيمان في قلوبهم حقيقةً، ثمّ بعدهم الّذين اختلط إيمانهم بالأمراض القلبيّة، و رذائل الصّفات الباطنيّة، فإنّهم لايستطيعون أن يعملوا إخلاصًا و بدون نظر و غرض، و لايُتوقّع منهم إيفاء ما عليهم، و العمل بما فيه صلاح المسلمين. ثمّ بعدهم الّذين لايتوجّهون إلى صلاح الاجتماع، و حفظ النّظام، و رعاية النّظم، و إجراء قانون الاتّحاد و الاتّفاق، و تحكيم العزم و تثبيت الأقدام، بل يعملون عملا يوجب التّشتّت بين المسلمين، و التّفرقة في صفوفهم، و الاختلاف بينهم، و التّزلزل في نيّاتهم.

و الظّرف{فِى الْمَدينَةِ‘} متعلّق ب- { الْمُرْجِفُونَ }،

فإنّ النّفاق و الاتّصاف بسوء صفة باطنيّة،لاخصوصيّة لهما بمكان. و أمّا الإرجاف: فهو إنّما يتحقّق و يُؤثّر في المدينة، و هي مجتمع المسلمين يومئذ.

فهذه ثلاث فرق يسيرون على خلاف صفوف المسلمين: واحدة من داخلهم و هم المرجفون، و فرقتان في أيّ مكان استقرّوا. (4 : 67)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرَّجْف: الاضطراب و التّحرّ ك. يقال: رَجَفَ الشّيء يَرْجُف رَجْفًا و رُجُوفًا و رَجَفانًا و رَجيفًا، وأرْجَفَ، أي خفق و اضطرب اضطرا بًا شديدً ا.

و الرَّجْفَة: الزّلزلة. يقال: رَجَفَ البلد، إذا تزلزل، و قد رَجَفتِ الأرضُ وأرْجَفَت و أُرْجِفَت، إذا تزلزلت.

و الرّ اجِفة: الزّلزلة أيضًا.

و الرّ اجِف: الحُمّى المُحرِّكة.

و الرّجّاف: البحر، سمّي به لاضطرابه و تحرّ ك أمواجه.

و رَجَفَت الشّجرة، إذا حَرّكَتْها الرّيح.

و رَجَفتِ السّنّ، إذا نغض أصلها.

و رَجَفَ القلب: اضطرب من الجزع أو الفزع. و في حديث المبعث: < فرجع تَرْجُف بها بوادره >، أي تتحرّ ك و تضطرب.

و استَرْجَفَ رأسَه: حرّ كه.

و من المجاز: رَجَفَ الرّعد يَرْجُفُ رَجْفًا و رَجيفًا: تردّدت هَدهَدتُه في السّحاب.

و رَجَفَ القوم، إذا تهيّؤوا للحرب.

و الإرجاف: واحد أراجيف الأخبار، و قد أرجفوا في الشّيء، أي خاضوا فيه.

و أرْجَفَ القوم، إذا خاضوا في الأخبار السّيّئة و ذكر الفتن.

2 - و ذكر الزّمَخْشَريّ في المجاز: < ارتجفت بهم دفّتا الشّرق و الغرب >، < افتعل > من الرَّجْف، و لم يشرحه، و جعله العَدْنانيّ بمعنى رَجَفَ، تعويلا على المعاجم التّالية: المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و الوسيط.

و هو مولّد، إذ لم يؤثر < الافتعال > من هذه المادّة عن العرب، كما لم يذكره من اهتمّ بالتّكملة كالصّغانيّ، أو بالاستدراك كالزّبيديّ.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها فعل المضارع مرّتين، و المصدر أربع مرّات،واسم الفاعل مجرّدً ا و مزيدً ا- من باب الإفعال - : ( المرجفون) مرّة، كلّ منهما واحدة.

يلاحظ أوّ لا : أنّ فيها ثلاثة محاور: القصص ، و المنافقون، و الآخرة:

القصص: و فيه أربع آيات :

1 - 2 - { فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَاَصْبَحُوا فى دَ ارِهِمْ جَاثِمينَ ‘} الأعراف : 78 ، 91

3 - { فَكَذَّبُوهُ فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَاَصْبَحُوا فى دَ ارِهِمْ جَاثِمينَ‘ } العنكبوت : 37

4 - { وَ اخْ-تَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعينَ‘ رَجُلا لِميقَا‘تِنَا

فَلَمَّا اَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ اَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ اِيَّاىَ اَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا اِنْ هِىَ اِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدى‘ مَنْ تَشَاءُ اَنْتَ وَ لِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرينَ‘ } الأعراف : 155

المنافقون: آية واحدة:

5 - { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ‘ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لايُجَاوِرُونَكَ فيهَا‘ اِلا قَليلا ‘ } الأحزاب : 60

الآخرة: آيتان:

6 - { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثيبًا‘ مَهيلا‘ } المزّمّل : 14

7 - { يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّ اجِفَةُ * تَتْ-بَعُهَا الرَّ ادِفَةُ }

النّازعات : 6 ، 7

و فيها بُحُوثٌ:

1 - الأصل في معنى هذه المادّة الحركة و الاضطراب الشّديد، و في كلّ مورد استُعمل في القرآن كذلك، ففي الآية(1 و 2) من القصص جاء حين نزو ل البلاء و العذاب، بعد تماديهم في طغيانهم و ارتكابهم المعاصي { فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَاَصْبَحُوا فى دَ ارِهِمْ جَاثِمينَ ‘} و في الآية (4) بعد تكذيبهم نبيّهم موسى، و طلبهم من نبيّهم رؤية الله جهرة { وَ اخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعينَ‘ رَجُلا لِميقَا‘تِنَا فَلَمَّا اَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ...}.

و في الآية (5) جاءفي شأن المنافقين، فإنّهم بنشر الأكاذيب يطلبون التّزلزل و الاضطراب في الاجتماع للوصول إلى مقاصدهم الخبيثة {... وَ الْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ‘ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فيهَا‘ اِلا قَليلا ‘}

و في الآية (5 و 6) جاء في علامات و قوع الآخرة { يَوْمَ تَرْجُفُ الاَ_رْضُ وَ الْجِبَالُ وَ كَانَتِ الْجِبَالُ كَثيبًا‘ مَهيلا ‘} و هي الزّ لزلة الكُبرى: و قدأخبر الله عن هذه العلامات في كتابه في مواضع متعدّدة منها: { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اتَّ-قُوا رَ بَّكُمْ اِنَّ زَلْزَ لَةَ السَّاعَةِ شَىْءٌ عَظيمٌ‘ } الحجّ : 1

2 - و الرّجفة: في (1 - 3) ،{ فَاَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَاَصْبَحُوا فى دَ ارِهِمْ جَاثِمينَ ‘} اضطراب الأرض و ارتجاجها، فتكون من حوادث سماويّة كالرّياح العاصفة و الصّواعق، و تكون من أسباب أرضيّة كالزلازل. فالرّجفة اسم للحالة الحاصلة، و قد سمّاها في سورة هود : 67، بالصّيحة، فقال: { وَ اَخَذَ الَّذينَ‘ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } فيُعلم أنّ الّذي أصاب ثمود هو صاعقة، و الصّواعق السّماويّة لا تخلو عن صيحةهائلة تقارنها، و لاينفكّ ذلك غالبًا عن رجفة الأرض، و هي نتيجة الاهتزاز الجوّيّ الشّديد إلى الأرض، و تُوجف من جهة أُخرى القلوب و ترتعد الأركان، فعذابهم إنّما كان بصاعقة سماويّة اقترنت صيحة هائلة و رجفة في الأرض، أو في قلوبهم فأصبحوا في دارهم، أي في بلدهم جاثمين ساقطين على وجوههم و رُكَبهم.

3 - سمّى الله عذاب قوم ثمود في سورة الحاقّة : 5، بالطّاغية، فقال: { فَاَمَّا ثَمُودُ فَاُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ } لأنّ { الطَّاغِيَةِ } اسم لكلّ ما تجاوز حدّه، سواء كان حيوانًا أو غير حيوان - و أُلحق الهاء به للمبالغة- و هذه الرّجفة أو الصّاعقة غلب و تجاوز عن الحدّ،

فكانت خارجة عن المعتاد، فأُطلق اسم { الطَّاغِيَةِ } عليها.

و الآيات تدلّ على أنّ ذلك كان مرتبطًا بما كفروا و ظلموا آية من آيات الله، و هي عقرهم النّاقة، و قد بيّنها الله بقوله: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْويهَا ’* اِذِ انْ-بَعَثَ اَشْقيهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ نَاقَةَ اللهِ وَ سُقْيهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَ بُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَويهَاّٰ * وَ لايَخَافُ عُقْبيهَا } الشّمس : 11 - 15.

4 - و الرّجفة في (4) تدلّ على أنّ قوم موسى أخذتهم الرّجفة، و لم تأخذهم إلا لظلم عظيم ارتكبوه، حتى| أدّى بهم إلى الهلاك، بدليل قول موسى : { رَبِّ لَوْ شِئْتَ اَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ اِيَّاىَ اَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا } الأعراف : 155، و هذهالقصّة هي الّتي بيّنها الله تعالى بقوله: { وَ اِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتى| نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَاَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ اَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} البقرة : 55، و بقوله: { يَسْئَلُكَ اَهْلُ الْكِتابِ اَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَاَلُوا مُوسى اَكْبَرَ مِنْ ذ"لِكَ فَقالُوا اَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَاَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْ نَا عَنْ ذ"لِكَ} النّساء : 153. فالمراد بالرّجفة الّتي أخذتهم في الميقات: رجفة الصّاعقة، لارجفة في أبدانهم، كما احتمله بعض المفسّرين.

5 - { الْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ ‘} في الآية (5) هم الّذين يرجفون أخبار السّوء عن سرايا المسلمين و نحوها. و أصله التّحريك من الرّجفة و هي الزّلزلة، سمّي به الإخبار الكاذب، لكونه متزلزلا غير ثابت. وهم يبثّون هذه الأخبار كاذبةً و مسيئةً في مجالسهم، ليطمئنّ السّامعون لها مرّة بعد مرّة بأنّها صادقة، لأنّ الإشاعة إنّما تُقصَد للتّرويج بشي‌ء غير واقع، أو ممّا لايصدق به، لاشتقاق ذلك من الرّجف و الرّجَفان و هو الاضطراب و التّزلزل.

6 - و يُستفاد من سياق الآية أنّ ثلاث فئات في المدينة كانت مشتغلة بأعمال التّخريب و الهدم، و كلّ منها كان يحقّق أهدافه بأُسلوب خاصّ:

فالفئة الأُولى: هم « المنافقون » الّذين كانوا يسعون لاقتلاع جذور الإسلام عبر مؤامرتهم ضدّه، و أشار إليهم قولهتعالى: { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ...}. و هم دون المنافقين في الرّزالة.

و الثّانية: هم « الأراذل » الّذين يعبّر عنه القرآن: { الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ }.

و الفئة الثّالثة: هم الّذين كانوا يبثّون الإشاعات في المدينة، و خاصّة عند ما كان النّبي (صلی الله علیه و آله) و جيش المسلمين يتّجهون إلى الغزوات، لهدم معنويّاتهم، و كانوا ينشرون الأخبار الكاذبة عن هزيمة النّبيّ و المؤمنين، و عبّر عنهم القرآن ب- { وَالْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ‘} وهؤلاء هم « اليهود » برأي بعض المفسّرين.

7 - هدّد الله هذه الفئات الثّلاث جميعًا، و قال: { لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذينَ‘ فى قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِى الْمَدينَةِ‘ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لايُجَاوِرُونَكَ فيهَا‘ اِلا قَليلا ‘ }. و مهما كان، فإنّ القرآن يقول: إنّ هؤلاء إن استمرّوا في أعمالهم القبيحة

الشّنيعة، فسنصدر أمرً ا بالهجوم العامّ عليهم، لنقتلع جذورهم من المدينة، بحركة المؤمنين الشّعبيّة، و لايقدرون على البقاء في المدينة بعد ذلك. و عند ما يُطرَدون من المدينة، يخرجون عن حماية الحكومة الإسلاميّة، فإنّهم سيكونون { مَلْعُونينَ‘ اَيْنَمَا ثُقِفُوا اُخِذُوا وَ قُ-تِّلُوا تَ-قْتيلا ‘ }.

8 - الرّجفة في (6 و 7) بمعنى الزّ لزلة و الزّعْزَعَة الشّديدة، و هي من علامات وقوع القيامة، أي تضطرب الأرض و تَتَزلزل بهيبة الله و جلاله، ليكونعلامة لمجيء القيامة، و أمارة لجريان حكم الله في مؤاخذة العاصين. و إشارة إلى ما يحدث للأرض في هذا اليوم من اضطراب؛ حيث تُشقّق القبور، و يخرج ما فيها؛ و حيث تموج بهذه الأمواج المتدافعة من الخلق الّذين يساقون إلى المحشر،كما قال الله تعالى: { اِذَا رُجَّتِ الاَ_رْضُ رَجًّا * وَ بُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا } الواقعة : 4 - 6.

9 - و { الرَّ اجِفَةُ } في (7) بمعنى الواقعة الّتى ترجف عندها الأجرام السّاكنة، كالأرض و الجبال، أي تتحرّ ك الأرض حركة شديدة و تتزلزل زلزلة عظيمة، من هول ذلك اليوم، أُسند إليها الرّجف مجازً ا على طريق إسناد الفعل إلى سببه. و قد اختُلف فيها: فقيل: { الرَّ اجِفَةُ }: القيامة، و { الرَّ ادِفَةُ }: البعث، و قيل: هما الصّيحتان: أمّا الأُولى فتُميت كلّ شيء بإذن الله، وأمّا الأُخرى فتُحيي كلّ شيء بإذن الله.

و ثانيًا: كلّها آيات مكّيّة إلا ماجاءت و عيدً ا للمنافقين في الأحزاب.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن:

الرَّجْف:

التّذبذب: { اِنَّ الْمُنَافِقينَ‘ يُخَادِعُونَ اللهَ وَ هُوَ خَادِعُهُمْ وَ اِذَا قَامُوا اِلَى الصَّلو"ةِ قَامُوا كُسَالى" يُرَ اءُونَ النَّاسَ وَ لايَذْكُرُونَ اللهَ اِلا قَليلا ‘*مُذَبْذَبينَ‘ بَيْنَ ذ "لِ-كَ لااِلى" هؤُ لاءِ وَ لا اِلى" هؤُ لاءِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبيلا ‘ } النّساء : 142 ، 143

و انظر سائر نظائر هذا المعنى في مادّة < ر ج ج >.

الإرجاف:

اللَّبْس : { وَ لاتَلْبِسُواالْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ اَنْ-تُمْ تَعْلَمُونَ } البقرة : 42

المَرَج: { بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فى اَمْر مَريجٍ‘} ق : 5

الموج: { وَ تَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذ يَمُوجُ فى بَعْض وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا } الكهف : 99

ر ج ل

اشارة

15 لفظًا، 73 مرّة: 44 مكّيّة، 29 مدنيّة

في 33 سورة: 24 مكّيّة، 9 مدنيّة

رجُل 16 : 13 - 3

رَجِلِك 1 : 1

رجلا 8 : 8

برجلِك 1 : 1

رجُلان 1 : - 1

رجْلَين 1 : - 1

رجُلَين 4 : 3 - 1

ارجل 1 : 1

الرّجال 10 : 3 - 7

ارْجُلهم 5 : 2 - 3

رجال 7 : 3 - 4

ارْجُلُهنّ 2 : - 2

رجالا 9 : 5 - 4

ارْجُلكم 5 : 4 - 1

رجالكم 2 : - 2

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: هذا رجُل، أي ليس بأُنثى. و هذا رجُل، أي كامل.

و لغة طيّء: هذه رَجُلَة. و هذا رجُل، أي راجِل، و هي رَجُلة، أي راجلة.

و هذا أرْجَلُ الرّجُلَين، أي فيه رُجوليّة ليست في الآخر.

و الرَّجْل: جماعة الرّ اجِل، كالرَّ كْب للرّ اكب.

و هم الرَّجّالة و الرُّجّال.

و قد جاء في الشّعر: الرَّجْلَة، يريد به الرّجّالة.

و الرِّجْلَة: مَنْبِت العَرْفَج الكثير في روضة واحدة.

و التّراجيل: الكَرَفْس،بلغة العجم، و هو اسم سواديّ من بُقول البساتين.

ورِجْل القوس: سِيَتُها السُّفلى، و يَدُها: سَيَتُها العُليا.

و فلان قائم على رِجْل إذا جدّ في أمر حَزَ بَه.

و الرِّجْل: القطيع من الجراد، ونحوه من الخَلْق.

و الرُّجْلَة: نجابة الرّجيل من الدّوابّ و الإبل، و هو الصّبور على طول السّير. و لم أسمع منه فعلا إلا في النُّعوت خاصّة.

ناقة رَجيلَة، و حمار رَجيل، و رجُل رجيل، أي مَشّاء.

و ارتجَل الرّجل: رَكِب رِجْلَيْه في صاحبه((1)) و مضى. و يقال: ارْتَجِلْ ما ارْتَجَلْتَ، أي ارْكَبْ ما رَكِبْتَ من الأمرِ.

و ارتجَل الرّجل الزّ نْدَ، إذا أخذها تحت رِجْلِه.

و تَرَجّل القوم: نزلوا عن دوا بّهم في الحرب للقتال.

و يقال: < حمَلكَ الله عن الرُّجْلَة و من الرُّجْلَة >. و الرُّجْلَة ها هنا: فِعْل الرّجل الّذي لادا بّة له.

و الرُّجْلَة أيضًا: مصدر الأرْجَل من الدّوابّ بإحدى رِجْلَيْه بياض.

و يقال: به رُجْلَة و ترجيل، يُتَشاءَم به، إلا أن يكون فيه بياض في موضع غير ذلك، فيقال: مُطلق.

و تصغير رَجُل: رُجَيْل.

و العامّة تقول: رُوَيْجِل صِدْق و رُوَيْجِل سوء، يرجعون إلى الرّ اجلِ، لأنّ اشتقاقه منه، كما أنّ العَجِل من العاجل، و الحَذِر من الحاذر.

و ارتَجَل الكلام.

و تَرَجّل النّهار: ارتفع.

و رجُلٌ رَجِلٌ بيّن الرّجَل، أي شَعْره رَجِل.

و حَرّة رَجْلاء، أي مستوية بالأرض، كثيرة الحِجارة.

و الأرْجَل من الرّجال: العظيم الرِّجْل.

و تَرَجّلتُ البِئر، أي نزلتها من غير تَدَلٍّ.

< و الرِّجْل جُبارٌ > و هو أن تَنفَحَه الدّا بّة، ليس على راكبها غُرْم، و هو هَدَر.

وأرجَلتُه: أخذت دا بّته، فجَعلتُه راجلا .

[و استشهد بالشّعر 4مرّ ات] (6 : 101)

سيبَوَيه: قالوا: رجُل صَنَعٌ و قوم صنَعُون ، ورجُل رَجَلٌ و قوم رجَلُون.

والرّجَل هو الرّجِل الشّعَر، و لم يكسرو هما على شيء، استُغني بذلك عن تكسيرهما. (3 : 629)

اللّيث: الرّجل: معروف. و في معنى تقول: هذا رجل كامل، وهذا رجل، أي فوق الغلام.

(الأزهَريّ 11 : 29)

الكِسائيّ: رجُل بيّن الرُّجولة، و راجل بيّن الرُّجْلَة.

(الأزهَريّ 11 : 31)

يقال: رَجِلْتُ بالكسر رَجَلا ، أي بقيتُ راجلا .

مثله أبوزَيْد. (الجَوهَريّ 4 : 1706)

الأُمَويّ: إذا ولدت الغنم بعضها بعد بعض قيل: ولّدتُها الرُّجَيْلاء، و ولدتها طبقًا و طبقةً.

(الأزهَريّ 11 : 33)

أبوعمرو الشّيبانيّ:لقد طال رُجْلُه ، إذا لم يكن له دا بّة.

و حملك الله من الرُّجْل.

و رجَلَها : نكَحَها. (1 : 292)

رجَل مع أُمّه يَرْجُل رُجولا ، و أرْجَلتَه أنت.

(1 : 309)

التّرجّل: نزول في البئر. (2 : 11)

و الارتجال، تقول: ارتَجِلْ رِجْلتَك. (2 : 14)


1) (1) هكذا في الأصل...و الظّاهر: ركب رِجْلَيْه في حاجته و مضى، كما ذكره الأزهَريّ عن اللّيث.

و الإرجال: أن تُرْسِل البَهْمَ مع أُمّهِ. [ثمّ استشهد بشعر]

و التّرجيل: أن تَسْلُخ الشّاة فلاتَشْرَع منها إلا رِجْلا واحدة.

(2 : 35)

و الإرجال، تقول: أرجَل الغيث مكان كذا و كذا، أي أصابه.

(2 : 38)

التّرجّل: أن ينزل في البئر بغير رِشاء. (2 : 39)

الرّ اجلَة: كبش الرّاعي الّذي يحمل عليه متاعه. [ثمّ استشهد بشعر] (الأزهَريّ 11 : 36)

ارْتَجَلْتُ الرّجُل، إذا أخذتَه برِجْلِه.

(الجَوهَريّ 4 : 1706)

الفَرّ اء: الجِلْد المُرَجّل: الّذي سُلخ من رِجْل واحدة.

و المنجول: الّذي يُشَقّ عُرقوباه جميعًا، كما يسلخ النّاس اليوم.

و المُزقَّق: الّذي يُسلَخ من قِبَل رأسه.

(الأزهَريّ 11 : 34)

يقال على الماشي إلى بيت الله حافيًا، و هو قول أهل الحجاز، و أهل نجد يقولون: راجلا و رَجِلا ، و كلّ حسَن؛ و الجمع: الرُّجُل و الرَّجال و الرُّجّال، قال الله تعالى: { بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ } الإسراء:64.

(الحَرْبيّ 2 : 419)

يقال: رجَلتُ البَهْمَ، إذا ربَطْتَه مع أُمّهاته.

وأرْجَلْتَه: أرسَلتَه مع أُمّهاته يرعى.

(الحَرْبيّ 2 : 423)

أبوعُبَيْدَة: ارتجَلْتُ الكلام ارتجالا ، و اقتَضَبتُه اقتِضا بًا، معناهما: ألا يكون هيّأه قبل ذلك. [ثمّ استشهد بشعر] (الأزهَريّ 11 : 33)

(الأزهريّ11: 33)

أبوزَيْد: نَعْجَة رَجْلاء، و هي البيضاء إحدى الرِّجْلَين إلى الخاصرة، و سائرها أسود.

(الأزهَريّ 11 : 33)

الأصمَعيّ: الأرْجَل منالرّجال: العظيم الرِّجْل و الأرْكَب: العظيم الرُّكبة، و الأرْأس: العظيم الرّ أس.

و العرب تقول: ترَجَّلْتُ البئر ترجُّلا ، إذا نزلتها من غير أن تُدَلّى.

إذا خَلَط الفرس العَنَقَ بالهَمْلَجَة، قيل: ارتجَل ارتجالا . (الأزهَريّ 11 : 32)

[في قصّة] سعيدبن المسيَّب: <... ماهلك على رِجْل موسى...>.

قوله: < على رِجْل موسى > أي في زمانه و المعنى أنّ شريعته لاتُنسَخ إلى يوم القيامة. (الخَطّابيّ 1 : 426)

[في حديث]:< نهى النّبيّ (صلی الله علیه و آله)عن التّرجّل إلا غِبًّا >.

و قوله: < نهى عن التّرجّل >، رَجِلَ شَعَره يَرْجَل رَجَلا . و الرّجِل و الرّجَل فيه تكَسُّر و تَعَقُّف، و قد يقال: رَجّل شَعَرَه إذا سَرّحَه و دَهَنَه. [ ثمّ استشهد بشعر]

[ في حديث أنس]: <...فماتَرَجّل النّهار حتّى أُتي بهم>. قوله: < تَرَجّل النّهار > يعني ارتفع.

يقال: فرس أرْجَل؛ و الأُنثى: رَجْلاء، إذا كان البياض في إحدى الرِّجْلَين. [ ثمّ استشهد بشعر]

(الحَرْبيّ 2 : 415)

[ في حديث] < أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) جعل للفارس سَهْمَين

و للرّاجل سهمًا >.

قوله: < للرّ اجل سهم > يقال: رَجِلْتُ أرْجَلُ رَجَلا و رُجْلَةً. وهو رجُل في رجال و رَجّالة و رُجّال، و رَجَالى. و فلان رَجيل، أي قويّ على المشى، و إنّه لذو رُجْلَة. [ ثمّ استشهد بشعر] (الحَرْبيّ 2 : 417)

فلان رجيل، أي قويّ على المشي، و إنّه لذُو رُجْلَة. و امرأة رَجْلَة. (الحَرْبيّ 2 : 419)

رِجْلُ القوس مايسفل عن كبدها، و ما علا فهو: اليَد.

و الرِّجْلَة؛ و الجمع:رِجَل: مكان ليّن، فهو خُرُوق تُمسِك الماء، تُنبت أحرار البقلول رِجْلة و رِجَل، إذاجرى أسفل الوادي. [ ثمّ استشهد بشعر]

(الحَرْبيّ 2 : 422)

يقال: ارْتَجلْتُ الكلام ارتجالا ، إذا ابتَدأتَه من غير تدبّر.

و ارْتَجَلتُ الرّ أي ارتجالا ، إذا انفَرَدتَ به من غير مَشُورة.

و تَرَجّلتُ في البئر ترجُّلا ، و هو نزولك فيها من غير تَدَلٍّ.

الارتجال: أن يخلط الفرس العَنَق بشيء من الهَمْلَجَة، أو رَواحٌ بين شيء من ذا و شيء من ذا. يقال: مرّ يَرْتَجِل ارتجالا . (الحَرْبيّ 2 : 423)

إذا لَهِج الفصيل بالمصرورة، صَرَرْ تَها رِجْل الغُراب بنَكْسِ طرف التّودية الّذي يلي الخِلْف المؤخّر، فتَشُدّ به الخلف المقدّم، و تُحوّل طرفه الّذى يلي الخِلْف المقدّم، فتَشُدّ به المؤخّر، ليكون الصَّرّ على سجيحَته، و تَنْكُس طرف الخِلْفَين، فتصرّه على أقصى فَخِذِها ممّا يلي الذّنَب، لئلا يقدر أن يَجْعلَه في فيه. [ثمّ استشهد بشعر] (الحَرْبيّ 2 : 424)

أبوعُبَيْد: رَجَلْت الشّاة و ارْتَجَلتُها، إذا علّقتها برِجْلها. (الأزهَريّ 11 : 35)

ابن الأعرابيّ: يقال: لي في مالِكَ رِجْل، أي سهم.

رجل بيّن الرُّجُولة و الرُّجوليّة.

و قوم رَجّالة، و رِجّال و رُجالى و رُجْلَة و رُجّال.

و سمعت بعض العرب يقول للرّ اجل: رَجّال؛ و يجمع: رجاجيل.

و الرّجيل من الخيل: الّذي لايُعرَف.

و الرّجيل من النّاس: المشّاء الجيّد المشي.

(الأزهَريّ 11 : 30)

أرْجُل القِسيّ إذا وُترَتْ:أعاليها، وأيديها: أسافلها. و أرْجُلها: أشدّ من أيديها. [ثمّ استشهد بشعر]

(الأزهَريّ 11 : 34)

و ارْتَجِلْ رجَلَك، أي عليك شأنك فالزَمْه.

(ابن سيده 7 : 383)

و ثَوْبٌ مِرْجَليّ: من المُمَرْجَل، و في المثل: * حديثًا كان بُرْدك مِرْجَليّا *

أي إنّما كُسيَت المراجل حديثًا، و كنت تلبس العباء. (ابن سيده 7 : 384)

ابن السّكّيت: و أتيتُه حين تَرَجّلت الضُّحى.

و ترجُّلُها: علوّها واختلاطها (424)

و الرَّجْل الرَّجّالة، و الرِّجْل: رِجْل الإنسان

و غيره.

و يقال: كان ذاك على رِجْل فلان، أي في حياته و دهره.

و الرِّجْل: القطعة من الجراد . (إصلاح المنطق : 13)

و الرَّجْل: الرَّجّالة، و الرَّجَل: مصدر رَجِل الرّجُل يَرْجَل رجَلا، إذا صار راجِلا.

و يقال: شَعَرٌ رِجَْل و رَجَل، إذا لم يكن شديد الجُعودة و لاسَبْطًا.

و الرَّجَل: أن تُرْسَل البَهْمَ مع أُمّهاته ترضعها. و البَهْمة مع أُمّها ترضعها.

يقال: بَهْمَة رَجَل و بَهْم أرجال، و قد رَجَل أُمّه يَرْجُلها رَجْلا إذا رضعَها. (إصلاح المنطق : 52)

يقال: رجُل سَبِط و سَبَط، و شَعْر رَجِلٌ و رَجَلٌ.

(إصلاح المنطق : 100)

الرّجَل: أن تُرْسَل البَهْمَة مع أُمّها ترضعها متى شاءت.

يقال: بَهْمَة رَجَل، و بَهْمٌ رَجَل، و قد رَجَل أُمّه يَرْجُلها رَجْلا إذا رضعها، و قد أرجَلها الرّ اعي مع أُمّهاتها. [ثمّ استشهدبشعر] (الأزهَريّ 11 : 33)

شَعَرٌ رَجَل، و رَجِل، إذا لم يكن شديد الجُعودة و لاسَبِطًا. تقول منه: رَجّل شعره تَرْجيلا .

(الجَوهَريّ 4 : 1706)

(الأزهريّ11: 33)

شَمِ-ر: الرِّجَل: مسايل الماء؛ واحدها: رَجْلَة. [ثمّ استشهد بشعر] (الأزهَريّ 11 : 30)

الرُّجْلَة: القوّة على المشي. يقال: رَجِل الرّجُل رَجَلا و رُجَلَةً، إذا كان يمشي في السّفر وحده، و لادا بّة له يركبها. (الأزهَريّ 11 : 31)

أبوالهَيْثَم: في قوله: و حَرّة رَجْلاء: الحَرّة: أرض حجارتها سود، و الرَّجْلاء: الصُّلبة الخشنة، لايعمل فيها خيل و لاإبل، و لايسلكها إلا راجل.

(الأزهَريّ 11 : 32)

الدّينَوريّ: رِجْلُ القَوْس أتمّ من يدها، قال: وقال أبوزياد الكلابيّ: القوّ اسون يُسَحّفون الشِّقّ الأسفل من القَوْس، و هو الّذي نُسمّيه يدً ا لتَعْنَت القياس فيَنفُق ما عندهم. (ابن سيده 7 : 381)

الرِّجَل: تكون في الغِلَظ و اللّين، و هي أماكن سهلة، تَنصَبّ إليها المياه فتُمسِكها.

الرِّجْلَة: كالقَريّ و هي واسعة تُحَلّ، و هي مسيل سهلة مِنْبات.

و من كلامهم: أحمق من رِجْلِه؛ و ذلك لأ نّها تنبت على طرق النّاس فتُداس. (ابن سيده 7 : 383)

و الرِّجْل: نصف الرّ اوية من الخمر و الزّيت.

(ابن سيده 7 : 384)

الحَرْبيّ: عن ابن عبّاس: < لعن رسول الله (صلی الله علیه و آله) المُتَرجّلات من النّساء >.

قوله: <لعن المُتَرجّلات > يعني اللا تي يتشَبّهن بالرّجال في زِيّهنّ. و إن تَشَبّهن بالرّجال في الرّ أي و العلم، فذلك محمود. (2 : 414 و 416)

عن البراء، قال: < رمت هوازن أصحاب النّبيّ(صلی الله علیه و آله)برِشْق، كأ نّه رِ جْل جَراد >.

قوله: < رِجْل جَراد > يقال لجماعة الجراد: رِجْل.

[ثمّ استشهد بشعر] (2 : 416)

[في حديث النّبيّ(صلی الله علیه و آله)]: < الرِّجْل جُبار، و المَعْدِن و البئر و السّائمة جُبار >.

قوله: < الرِّجْل جُبار > يعنى ما أصابت الدّا بّة برِجْلها و صاحبها راكب عليها أو يقودها، فلاعَقْل فيه و لاقَوَد، فإن كان يسوقها فما أصابت برِجْلها فعلى السّائق دون القائد و الرّ اكب.

و الرِّجْل من الدّا بّة و الإنسان: معروفة.

(2 : 416 و 422)

المُبَرِّد:المراجل : ثياب من ثياب اليمن. [ثمّ استشهد بشعر] (1 : 175)

رِجْل جَراد: القطعة منه الّتي قوي بعضها ببعض.

(الفائق 1 : 235)

ابن دُرَيْد:و الرِّجْل: معروفة.

و الرَّجْل: الرّجّالة؛ الواحد: راجل، مثل شارب و شَرْب و صاحِب و صَحْب.

و رَجُل رَجيل: صبور على المشي، و امرأة رَجيلة.

و رُجّال: جمع راجل أيضًا.

و قوم رُجالى و رَجّالة و رَجْلَة، أي مشاة على أرجل.

و شكا فلان الرُّجْلة، أي المشي.

و فرَس رَجيل، أي جريء على المشي.

و فرَس أرجل؛ و الأُنثى: رَجْلاء، إذا كان في إحدى رِجْلَيه بياض.

و حَرّة رَجْلاء: يصعب فيها المشي.

و رجُل بيّن الرَّجْلَة، إذا كان بيّن الجَلَد.

و رأيت رِجْلا من جراد، أي قطعة عظيمة.

و الرِّجْلَة: نبت من الحَمْض. قال أبوحاتِم:و قوم من مُتَحَذْلقي المولِّدين: يسمُّون البقلة الحَمْقاء: الرِّجْلَة، و لاأعرف هذا.

و المِرْجَل: معروف، عربيّ صحيح.

و رَجّل الرّجُل شَعْرَه، إذا سرّحه.

و تَرَجّلَتِ الضُّحى، إذا انبسَطَت. و تَرَجّل الرّجُل في البئر، إذا رمى بنفسه فيها.

و ارتَجَل خُطبَة، إذا أنشأها.

و أرجَلتُ الفصيل مع أُمّه، إذا تركته يرضع متى شاء،و كذلك الجَدْي. [و استشهد بالشّعر6مرّ ات]

(2 : 83)

و المُرَجَّل: الّذي تُرى آثارأجنحته. (3 : 456)

رَجَلٌ ورَجِلٌ و رِجْل، يعني رَجَل الشّعر.

(3 : 472)

الأزهَريّ:تقول: هذا رجُل، أي راجل.

و في هذا المعنى للمرأة، هي رَجُلَة. أي راجلة.

و يقال: هذا أرجَلُ الرّجُلَيْن، أي فيه رُجْليّة، ليست في الآخر.

و الرَّجْل: جماعة الرّ اجل، و هم الرَّجّالة و الرُّجّال.

و الرِّجْل خلاف اليَدْ، و كذلك رِجْل القوس: و هي سِيَتُها السُّفلى، و يدها سيَتها العليا.

و يقال: فلان قائم على رِجْل، إذا أخذ في أمر حَزَبه.

و الرِّجْل: القدم.

و الرِّجْل: القطعة من الجراد.

و الرِّجْل: السّراويل الطّاق؛ و منه الخبر أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) اشترى رِجْل سراويل، ثم قال للوزّ ان: < زِنْ وأرجح >.

و الرِّجْل: الخوف و الفزَع من فوت الشّيء، أنامن أمري على رِجْلٍ، أي على خوف من فوته.

و الرِّجْل، قال أبوالمكارم: تجتمع القُطُر، فيقول الجمّال: لي الرِّجْل، أي أنا أتقدّم.و يقول الآخر: لا، بل الرِّجل لي. و يتشاحُّون على ذلك، أي يتضايقون.

و الرِّجْل: الزّمان. يقال: كان ذلك على رِجْل فلان، أي في حياته و زمانه.

و رَجَل رُجْليّ: للّذي يغزو على رِجْلَيه، منسوب إلى الرُّجْلَة.

و الرّجيل: القويّ على المشي، الصّبور عليه.

و امرأة رَجيلَة: صبور على المشي. و ناقة رَجيلَة.

و يقال: ارْتَجَل النّهار، وتَرَجّل النّهار، أي ارتفع.

و شَعْرٌ رَجِلٌ بيّن الرَّجَل.

و حَرّة رَجْلاء، و هي المستوية بالأرض، الكثيرة الحجارة.

وفي الحديث: < العَجْماء جَرْحُها جُبار >. و روى بعضهم: < الرِّجْل جُبار >، و فسّره من ذهب إليه أنّ راكب الدّا بّة إذا أصابت - و هو راكبها - إنسانًا، أو وَطِئَتْ شيئًا، فضمانه على راكبها. و إن أصابته برِجْلها فهو جُبار، أي هَدَر. و هذا إذا أصابته و هي تسير.

فأمّا أن تصيبه و هي واقفة في الطّريق، فالرّ اكب ضامن ما أصابت بيَد أو رِجْل.

و كان الشّافعيّ يرى الضّمان واجبًا على راكبها على كلّ حال، نفحت الدّا بّة برِجْلها، أو خَبَطَتْ بيدها، سائرةً كانت أو واقفةً. والحديث الّذي رواه الكوفيّون أنّ < الرِّجْل جُبار > غير صحيح عند الحُفّاظ.

الرَّجْل: النَّزْو. يقال:بات الحصان يَرْجُل الخيل، و أرْجَلتُ الحصان في الخيل، إذا أرْسَلتَ فيها فَحْلا .

و طريق رَجيلٌ، إذا كان غليظًا وَعْرً ا في الجبل.

و العرب تقول: أمرك ما ارْتَجَلْتَ، معناه: ما استَبْدَدْت برأيك فيه.

و في الحديث: أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) < نهى عن التّرَجُّل إلا غِِبًّا > ، معناه أ نّه كره كثرة الأدّهان، و مَشْط الشّعر وتسويته كلّ يوم.

وروى عليّ بن الخَليل عن أبيه أ نّه قال: يقال: جاءت رِجْل دَفّاع، أي جيش كثير، شُبِّه برِجْل الجراد.

و الرِّجْل: القرطاس الخالي، و الرِّجْل: البُؤْس والفقر، و الرِّجْل: القاذورة من الرّجال، و الرِّجْل: الرَّجُل النّؤُوم، و الرِّجْلَة: المرأة النّؤُوم؛ كلّ هذا بكسر الرّ اء.

و قال: الرَّجُل في كلام أهل اليمن: الكثير المجامعة، حكاه عن خالٍ للفرزدق، قال: سمعت الفرزدق يقول ذلك. و زعم أنّ من العرب من يسمّيه العُصفوريّ.

و المَراجِل: ضرب من بُرُود اليمن.

ويقال للبَقْلة الحَمْقاء رِجْلَة. يقال: < فلان أحمق من رِجْلة > يعنون هذه البقلة، لأ نّها أكثر ما تنبت في المسايل، فيقطعها ماء السّيل. [و استشهد بالشّعر

6مرّات]

(11 : 29)

الصّاحِب: رَجُلٌ و رَجْلٌ.

و رَجُلٌ رَجُلٌ: كامِل.

و رَجُل بيّن الرَّجْلِ.

و هذا رَجُل، و هذه رَجُلَة؛ للمرأة.

و هذا أرْجَلُ الرّجُلَين، أي فيه رَجُلِيَّة لَيْسَت في الآخر.

و تصغِير رَجُل: رُوَيْجِل و رُجَيْل، و تصغير الرِّجالِ: رُجَيّال و رُجَيْلون.

و الرِّجْل: خِلاف اليَدْ.

و كان ذاك على رِجْل فلان، أي في عهده.

و رَجِلَ من رِجْلِه، أي أصابه فيها ما يكره.

و رَجُلٌ رَجَليّ: يُغِيْر على رِجْلَيْه لخُبثه و قُوّته.

و رَجّلَتْ هذه الدّا بّة قوائمها، أي صيّرَتْها رَجيلَةً قويّةً.

و يقال للسّراويل: الرَّجْل. و بُزّ عنه رِجْلَه.

و الرَّجْل: جَماعة الرّ اجل كالرّكْب. و هم الرَّجّالة و الرُّجّال و الرَّجْلَة، و الرَّجْلان ((1))و الرَّجِل والأرجال.

و هو رَجِل، و هي رَجِلَة، أي راجلَة. [ثمّ استشهد بشعر]

و رَجُلٌ رَجيلٌ: مَشّاء.

و ارتَجَل الرّجل: رَكِبَ رِجلَيْه.

و ارْتَجِلْ ما ارتَجَلْتَ من الأمر، أي اركَبْ ما رَكِبْتَ منه.

و ارْتَجَل الزّ نْد: أخذَه تَحتَ رِجْله.

و تَرَجّل القوم في الحرب.

و حَمَلْتُه عن الرُّجْلَة و من الرُّجْلَة.

و الرُّجْلَة: مصدر الأرْجَل من الدّوابّ، و هو الّذي بإحدى رِجْلَيْه بياض، و كذلك التّرجيل.

و قوم رُجالى: إذا مَشَوا رُجّالا .

و الرُّجْل: الرُّجْلَة.

و الأراجيل: الصّيّادون.

و الرِّجْلَة: مَنْبِتُ العَرْفَج الكثير في روضة واحدة.

و التّراجيل: اسم سواديّ تُسمّيه العجم الكَرَفْس.

و رِجْل القوس: سِيَتُها السُّفلى.

و هو قائم على رِجْل: إذا أجَدّ في أمر حَزَ بَه.

و القطيع من الجراد و نحوه من الخَلْق: رِجْل.

و الرِّجْلَة: جماعة من الوحش، و بَقْلَة الحَمْقاء. و يقولون: < أحمَق من رِجْلَة > لأ نّها تَنبُت في الرِّجْل يعني مسايل الماء.

و الرُّجْلَة: نَجابة الرّجيل من الدّوابّ، و هي الصّبور على طول السّير. و ناقة رَجيلَة و حمار رَجيل. و رَجّلَتْها قوائمُها، أي صيّرَتْها رَجيلَة.

و تَرَجّل النّهار: ارتفَع.

و شَعْرٌ مُرَجَّل: مُسَرّح.

و ثوب مُرَجَّل: مُوشّى.

و قوم أرجال، إذا كان كلّ واحِد منهم رَجِلَ الشّعر.


1) (1) و عند بعض اللُّغويّين، بضمّ الرّ اء: الرُّجْلان... و واحده: رَجْلان، بفتح الرّ اء.

و ارْتَجَل الرّ أي و الكلام.

و الرّجيل: الكلام المُرْتجَل .

و إذا خَلَط الفرس العَنَقَ بالهَمْلَجَة قيل: ارتَجَل ارتجالا .

و حَرّة رَجْلاء، و هي المُستوية بالأرضِ الكثيرة الحِجارة لايُجاوِزها الرّ اكِب حتّى يتَرَجّل.

و مكان رَجيل: صُلْب.

و الإرجال:أن يُترَ ك الولد مع الأُمّ تُربّيه و يَرْضَعُها متى شاء، أرْجَلْتُ المُهْر أُرْجِلُه؛ و الاسم: الرّجَل. و قد رَجَلَ أُمّه يَرْجُلُها رَجْلا ، إذا رَضَِعَها.

و إذا نَزا عليها التّيس فقد رَجَلَها. و يُستَعمل في الخيل أيضًا، يقال: فرس رَجَلٌ، أي مُرْسَل على الخيل، و خيل رَجَلٌ.

و هذه ناقة راجل على ولدها، أي ليست بمصرورة؛ و الجميع: رُجّل. و قد رَجَلَتْ تَرْجُل رُجُولا ، و أرْجَلتُها أنا.

و الرَّجُل مُتَرجِّل.

و ترجيل الحوض: نَصائبُه و إيثاقُه، و أصله في شدّ رِجْل الحِصان و أيثاقِه.

و التّرجيل: أن تُسْلَخإحدى رِجْلَي الشّاة و تُترَ ك الرِّجل الأُخرى بفَخِذها و ساقِها.

و سِقاءٌ مُرَجَّل.

و المَرْجُول: الّذي يُسْلَخ من قِبَل رِجْلَيه إلى رأسه.

و المُرَجّلَة و الرَّجْلاء من الشّاء: الّتي ابيَضّت إحدى رِجْلَيها من رُسغِها الى عُرقوبها.

و المُرْتَجِل: الّذي يَجمَع رِجْلا من الجراد، أي جماعة منه. و الّذي يَقْدَح النّار.

و يقال رِجْل من جَراد و رِجْلَة.

و يقال للكلام القبيح: مِرْجَل؛ تشبيهًا.

و حَرّ ة راجل: بين السِّرّ و مشاريف حَوْرانَ.

و راجِلٌ: واد يَنْحَدر من هناك.

و الرُّجْل و الرُّجْلَة: لمصدر الرّ اجل. (7 : 81)

ابن جنّيّ: و يقال لهم: [للرّجال] المَرْجَل؛ و الأُنثى: رَجُلَة. (ابن سيده 7 : 377)

الأراجل: جمع الرَّجّالة، على المعنى لاعلى اللّفظ. فيجوز أن يكون أراجل: جمع أرْجِلَة، و أرْجِلَة: جمع رِجال، و رجال: جمع راجِل، كصاحب و صِحاب. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (ابن سيده 7 : 379)

الجَوهَريّ: الرِّجْل: واحدة الأرْجُل. و قولهم: كان ذلك على رِجْل فلان، أي في عهده و زمانه.

و الرِِّجْل أيضًا: الجماعة الكثيرة من الجراد خاصّةً، و هو جمع على غير لفظ الواحد.

و رِجْل الطّائر مِيْسَم.

و رِجْل الغراب: ضرب من صِرار الإبل، لايقدر الفصيل على أن يَرْضَع معه، و لاينحلّ.

و الرِّجْلَة: بَقْلَة، و تسمّى: الحمقاء، لأ نّها لاتُنبت إلا في مَسيل؛ و منه قولهم: < هو أحمَق من رِجْلَة >و العامّة تقول: من رِجْلِهِ.

و الرِّجْلَة أيضًا: واحدة الرِّجْل، و هي مسايل الماء.

و الرَّجَل بالتّحريك: مصدر قولك: رَجِل بالكسر، أي بقي راجلا . و أرْجَلَه غيره.

وأرْجَلَه أيضًا، بمعنى أمْهَلَه.

و الرَّجَل: أن تُرسِل البَهْمَة مع أُمّها ترضَعُها متى شاءت. يقال: بَهْمَةٌ رَجَل، و بَهْمٌ أرجال. تقول منه: أرْجَلتُ الفصيل.

و قد رَجَل الفصيل أُمّه يَرْجُلُها رَجْلا ، أي رضَعَها.

و رَجَلْتُ الشّاة: علّقتُها برِجْلها.

و الأرْجَل من الخيل: الّذي في إحدى رِجْلَيه بياض، و يُكره إلا أن يكون به وَضَحٌ غيره.

و شاة رَجْلاء كذلك.

و الأرْجَل أيضًا من النّاس: العظيم الرِّجْل.

و المِرْجَل: قِدْرٌ من نُحاس.

و الرّ اجِل: خلاف الفارس؛ و الجمع: رَجْل، مثل صاحب و صَحْب و رَجّالة و رَجّال.

و الرَّجْلان أيضًا: الرّ اجِل؛ و الجمع: رَجْلى و رِجال مثل عَجْلان و عِجال.

و يقال أيضًا: رَجِلٌ و رَجالَى، مثل عَجِل و عَجالَى.

و امرأة رَجْلَى مثل عَجْلى، و نسوة رِجال مثل عِجال، و رَجالَى مثل عَجالَى.

و الرّجُل: خلاف المرأة؛ و الجمع: رِجال و رِجالاتُ، و أراجِلُ قال أبوذؤيب:

أهَمّ بنيه صَيفهُم و شتاؤهم

و قالوا تَعَدَّوَاغْزُ وَسْطَ الأراجِل

يقول: أهمّهم نفقة صيفِهم و شِتائهم، و قالوا لأبيهم: تَعَدَّ، أي انصَرفْعنّا.

و يقال للمرأة: رَجُلَة. و يقال: كانت عائشة رضي الله عنها رَجُلَة الرّ أي.

و تصغير الرّجُل رُجَيْل و رُوَيْجِل أيضًا، على غير قياس، كأ نّه تصغير راجِل.

و الرُّجْلَة بالضّمّ: مصدر الرّجُل. و الرّ اجِل و الأرْجَل. يقال: رَجُل بيّن الرُّجْلَة و الرُّجُولة و الرُّجوليّة، و راجِل جيّد الرُّجْلَة.

و فرس أرجَلُ بيّن الرَّجَل والرُّجْلَة.

و الرّجيل من الخيل: الّذي لايحفى. و رجُل رَجيل، أي قويّ على المشي.

و حَرّة رَجْلاء، أي مستوية كثيرة الحجارةِ يَصْعُب المشي فيها.

و ارتِجال الخُطبة و الشِّعر: ابتداؤه من غير تهيئة قبل ذلك.

و ارتَجَل الفرس، إذا خلط العَنَق بشيء من الهَمْلَجَة، فراوَح بين شيءٍ من هذا .و شيءٍ من هذا.

و ارتَجَل فلان، أي جمع قطعةً من الجراد ليشويها.

و تَرَجّل في البئر، أي نزل فيها من غير أن يُدَلّى.

وتَرَجّل النّهار، أي ارتفع. [و استشهد بالشّعر 9 مرّات] (4 : 1704)

ابن فارِس: الرّ اء و الجيم و اللا م مُعظم بابه، يدلّ على العُضو الّذي هو رِجْل كلّ ذي رِجْل، و يكون بعد ذاك كلمات تشذّ عنه. فمعظم الباب الرِّجْل: رِجْل الإنسانِ و غيره.

و الرَّجْل: الرّجّالة، و إنّما سُمّوا رَجْلا لأ نّهم يمشون على أرجلِهم، و الرُّجّال و الرُّجالَى: الرِّجال.

و الرَّجْلان : الرّاجِل؛ و الجماعة: رَجْلى. [ثمّ

استشهد بشعر]

رَجَلْتُ الشّاة: عَلَّقتُها برِجْلها.

و يقال: كان ذاك على رِجْلِ فلان، أي في زمانِه. و الأرْجَل من الدّوابّ: الّذي ابيضّ أحد رِجْلَيْه مع سواد سائر قوائمه؛ و هو يُكرَه.

و الأرْجَل: العظيم الرِّجْل.

و رجُلٌ رَجيل و ذُو رُجْلَة، أي قويّ على المشي. و رَجِلْتُ أرجَلُ رَجَلا .

و تَرَجّلْتُ في البئر، إذا نَزَلْتَ فيها من غير أن تُدَلّى. و ارْتَجَل الفرس ارتجالا ، إذا خَلَط العَنَق بالهَمْلَجَة.

و أرْجَلتُ الفصيل: تركتُه يمشي مع أُمّه، يَرْضَع متى شاء.

و يقال راجِل بيّن الرُّجْلَة.

و ارتَجَلْتُ الرَّجْل: أخذت برِجْله.

و رِجْل الطّائر: ضرب من المِِيْسَم.

و رِجْل الغُرابِ: ضرب من صَرّ أخلاف النّوق.

و حَرّة رَجْلاء: يَصعُب المشي فيها.

و هذا كلّه يرجِع إلى الباب الّذي ذكرناه.

و ممّا شذّ عن ذاك: الرّجُل الواحد من الرِّجال، و ربما قالوا للمرأة: الرّجُلَة.

و ممّا شذّ عن الأصل أيضًا: الرِّجْلَة، هي الّتي يقال لها: البَقْلة الحَمْقاء. قالوا: و إنّما سُمّيت الحَمْقاء، لأ نّها لاتنبُت إلا في مسيلِ ماء.

و قال قوم: بل الرِّجَل مسايِل الماء؛ واحدتها: رِجْلَة.

فأمّا قولهم: تَرَجّل النّهار، إذا ارتفع، فهو من الباب الأوّ ل، كأ نّه استعارة، أي إنّه قام على رِجْله. و كذلك رَجَّلْتُ الشَّعْر، هو من هذا، كأ نّه قُوّي. و المِرْجَل مشتقّ منهذا أيضًا، لأ نّه إذا نُصِب، فكأ نّه أُقيم على رِجْل.

و ممّا شذّ عن هذه الأُصول ما رواه الأُمَويّ، قال: إذا ولدت الغنم بعضها بعد بعض قالوا: ولّدْتُها الرُّجَيْلاء. (2 : 492)

أبوهلال: الفرق بين الرّجل و المرء: أنّ قولنا: رجل، يُفيد القوّة على الأعمال، و لهذا يقال في مدح الإنسان: إنّه رجُل. و المرء يفيد أ نّه أدب النّفس، و لهذا يقال المروءة أدب مخصوص. (229)

الهَرَويّ: قوله تعالى: { يَاْتوُ كَ رِجَالا } الحجّ : 27،الرّجال: جمع راجِل، مثل صاحب و صِحاب.

و في الحديث: < نهى عن التّرجُّل إلا غبًّا > كأ نّه كره كثرة الادّهان و امتشاط الشَّعر، و شَعْر مُرَجَّل ، أي مُسرّح. و المِرْجَل و المِسْرح: المُشْط.

في حديث ابن المسيَّب: < لاأعلم نبيًّا هَلَك على رِجْله من الجبابرة ما هَلَك على رِجْل موسى > أي في زمانه.

يقال: كان ذلك على رِجْل فلان، أي في حياته، و دهره.

و في الحديث: < فكان بينهم رِجْل جراد > أي جماعة منها.

و في الحديث: < الرّؤيا لأوّ ل عابر، وهي على رِجْل طائر >، يقول: ذلك القِسم الّذي قسَمَه الله له

معلّق بما قدّره الله و طيّره له، يعني قسَمَه.

و الرِّجْل: السّراويل، في غير هذا الموضع.

قال الثّوريّ: يُكرَه للرّجل أن يجمع بين امرأتين إذا كانت إحداهما رَجُلا لم تحِلّ له الأُخرى ، إذا كانامن نسَب.

قال القُتَيْبيّ: أراد الثّوريّ مثل عمّة والخالة لايجوز أن يُنكحا على ابنةالأخ و على ابنةالأُخت، لأ نّك إذا جعلت العمّة رجُلا صارت عَمًّا فلم تحلّ له بنت الأخ، و إذا جعلت الخالة رجُلا صارت خالا فلم تحلّ له بنت الأخ، وكذلك تحريم الجمع بين الأُختين ، يرى ذلك سببه، و الله أعلم، و لأ نّك إذا جَعَلتَ إحد ى الأُختين أخًا لم تحلّ له الأُخت.

و قول السّفيان:< إذا كان ذلك من نسَب > يريد إنّما يُكرَه هذا في النّسَب، و لايُكرَه في الصّهر؛ ألاترى أ نّهم قد أجازوا للرّجل أن يجمع بين امرأة الرّجل و ابنته من غيرها. (3 : 720)

أبوسهل الهَرَويّ: رجل بيّن الرُّجُوليّة و الرُّجُولة ، أي أ نّه جَلْدٌ ظاهرجَلَدُه صحيح نَفاذه و فضله ولايراد به الرّجُل الّذي هو ضدّ المرأة. (32)

و الرِّجْلة بالكسر: مطمئنّ من الأرض، و هو ما انخفض منها و كان مجرى الماء. (65)

ابن سيده: الرّجُل: الذّكر من نوع الإنسان. و قيل: إنّما يكون رَجُلا فوق الغلام، و ذلك إذا احتلم و شَبّ.

و قيل: هو رجل ساعة تلده أُمّه إلى ما بعد ذلك.

و تصغيره: رُجَيْل، و رُوَيْجِل، على غير قياس، حكاه سيبَوَيه؛ و الجمع: رجال، و في التّنزيل: { وَ اسْتَشْهَدُوا شَهيدَ‘يْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } البقرة : 282، أراد: من أهل ملّتكم.

و رجالات: جمع الجمع.

قال سيبَوَيه: و لم يُكَسّر على بناء من أبنية أدنى العدد، يعني أ نّهم لم يقولوا: أرجال.

قال سيبَوَيه: و قالوا: ثلاثة رَجْلَة، جعلوه بدلا من أرجال، و نظيره ثلاثة أشياء، جعلوا لفُعاء بدلا من أفعال.

و حكى أبوزَيْد في جمعه: رَجِلَة، و هو أيضًا اسم للجمع، لأنّ < فَعِلَة > ليست من أبنية الجموع.

و ذهب أبوالعبّاس:إلى أنّ رَجْلَة مخفّف عنه.

و حكى ابن الأعرابيّ: أنّ أبا زَيْد الكلابيّ قال في حديث له مع امرأته: فتهايَجَ الرّجلان، يعني نفسه و امرأته، كأ نّه أراد: فتهايج الرّجل و الرّجُلَة، فغلَّب المذكّر.

و تَرَجّلتِ المرأة: صارت كالرّجل. و قد يكون الرّجل صفة، يعني بذلك الشّدّة و الكمال.

و على ذلك أجاز سيبَوَيه الجرّ في قولهم: مررت برجُل رجُل أبوه، و الأ كثر الرّفع. و قال في موضع آخر: إذا قلت: هذا الرّجل، فقد يجوز أن تعني كماله، و أن تريد كلّ رجل تكلّم و مشى على رِجْلَين فهو رجُل، لاتريد غير ذلك المعنى.

ذهب سيبَوَيه إلى أنّ معنى قولك: هذا زَيْد: هذا الرّجل الّذي من شأنه كذا، و لذلك قال في موضع آخر حين ذكر الصّعِق و ابن كُراع: و ليس هذا بمنزلة زيد

و عمرو، من قِبَل أنّ هذه أعلام جمعت ما ذكرنا من التّطويل فحذفوا، و لذلك قال الفارسيّ: إنّ التّسمية اختصار جملة أو جُمَل.

و رجل بيّن الرُّجُولة، و الرُّجْلَة، و الرُّجْلِيّة، و الرُّجُوليّة، الأخيرة عن ابن الأعرابيّ؛ و هي من المصادر الّتي لاأفعال لها.

و هذا أرْجَلُ الرّجُلَين، أي أشدّهما، و أراه من باب: أحنك الشّاتين، أي إنّه لافعل له، و إنّما جاء فعل التّعجّب من غير فعل.

و حكى الفارسيّ: امرأةمُرْجِل: تلد الرّجال، و إنمّا المشهور مُذْكِر.

و قالوا: ما أدري أيّ ولد الرّجل هو: يعني آدم علیه السلام.

وبُرْدٌ مُرَجّل: فيه صور كصور الرّجال.

و الرِّجْل: قدم الإنسان و غيره؛ أُنثى.

قال أبوإسحاق: و الرِّجْل من أصل الفخذ إلى القدم؛ أُنثى.

و قولهم: في المثَل:< لاتمش برِجْل مَن أبى > كقولهم: لايُرَحِّل رَحْلك من ليس معك.

يقول:إنّما يقضيها المُشمّرون القيام، لا المُتزمِّلون النّيام.

و الجمع: أرْجُل، قال سيبَوَيه: لانعلمه، كُسّر على غير ذلك.

قال ابن جنّيّ: استَغنَوا فيه بجمع القلّة عن جمع الكثرة، و قوله تعالى: { وَ لايَضْرِبْنَ بِاَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفينَ‘ مِنْ زينَتِهِنَّ } النّور : 31.

و رجل أرْجَل: عظيم الرِّجْل، و قد رَجِل.

و رجَلَه يَرْجُلُه رَجْلا : أصاب رِجْله.

و رُجِلَ رَجْلا : شكا رِجْله.

و حكى الفارسيّ < رَجِل > في هذا المعنى.

و الرُّجْلَة: أن يشكو رِجْله.

و رَجِل الرّجُل رَجَلا ، فهو راجلٌ، و رَجُلٌ و رَجِلٌ، و رَجِيل، و رَجْلٌ، و رَجْلان، - الأخيرة عن ابن الأعرابيّ - إذا لم يكن له ظهر في سفر يركبه.

و الجمع: رِجال، و رَجّالة، و رُجّال، و رَجالَى، و رُجالَى، و رُجْلان، و رَجْلَة، و رِجْلَة، و أرْجِلَة، و أراجِل، و أراجِيل.

و الرَّجْل: اسم للجمع عند سيبَوَيه، و جمع عند أبي الحسَن. و رجّح الفارسيّ قول سيبَوَيه، وقال: لو كان جمعًا ثمّ صُغّر لرُدّ إلى واحده ثمّ جُمع، و نحن نجده مصغّرً ا على لفظه.

و العرب تقول في الدّعاء على الإنسان: ما له رَجِل، أي عَدِم المركوب فبقي راجلا .

و حكى اللِّحيانيّ: لاتفعل كذا و كذا أُمّك راجل، و لم يفسّره إلا أ نّه قال قبل هذا: أُمّك هابل و ثاكل و قال بعد هذا: أُمّك عَقْرى و خَمْشَى و حَيْرى، فدلّنا ذلك بمجموعة أ نّه يريد الحُزْن و الثُّكْل.

و الرُّجْلَة: المشي راجلا .

و الرَّجْلَة، و الرِّجْلَة: شدّة المشي، حكاهماأبوزَيْد.

و حَرّة رَجْلاء: لايُستطاع المشي فيها لخشونتها و صعوبتها، حتّى يتَرَجّل فيها.

و تَرَجّل الرّجُل: ركب رِجْلَيه.

و تَرَجّل الزَّ نْد، و ارْتَجَله: وضعه تحت رِجْلَيه.

و رَجَل الشّاة، و ارتجَلَها: عَقَلها برِجْلَيه.

و رَجَلها يَرْجُلها رَجْلا ، و ارتجَلَها: علّقها برِجْلَيْها.

و المُرَجَّل من الزّقاق: الّذي يُسْلَخ من رجل واحدة.

و قيل: الّذي يُسْلَخ من قبل رِجْله.

و الرُّجْلَة، و التَّرْجيل: بياض في إحدى رِجْلي الدّا بّة.

رَجِلَ رَجَلا ، و هو أرجْل؛ و الأُنثى: رَجْلاء.

و نعجة رَجْلاء: ابيَضّت رِجْلاها مع الخاصرتين و سائرها أسود.

و رَجّلتِ المرأة ولدَها: خرَجَتْ رِجْلاه قبل رأسه عند الولادة. و هذا يقال له: اليَتْن.

و رِجْل الغُراب: ضرب منصرّ الإبل، لايقدر الفصيل على أن يرضع معه و لاينحلّ.

رِجْل الغراب: مصدر، لأ نّه ضرب من الصّرّ، فهو من باب: رجع القَهْقَرَى، و اشتمل الصَّماء.

و الرُّجْلَة: القوّة على المشي.

و رَجُلٌ راجِلٌ، و رَجِيل: قويّ على المشي. و كذلك: البعير و الحمار. و الجمع: رَجْلَى،

و رَجالَى؛ و الأُنثى: رَجِيلَة.

و الرّجيل أيضًا من الرّجال: الصُّلْب.

و فلان قائم على رِجْل، إذا حَزَبه أمر فقام له.

و رِجْل القوس: سِيَتُها السّفلى. و يدها: سِيَتُها العُليا.

و قيل: رِجْل القوس: ما سفل عن كبدها.

و رِجْلا السّهم: حَرْفاه.

و رِجْل البحر:خَليجه، عن كُراع.

و ارتَجَل الفرس: راوَح بين العَنَق و الهَمْلَجَة.

و تَرَجّل البئر، و تَرَجّل فيها، كلاهما: نزلها من غير أن يُدَلّى.

و ارتَجَل الكلام: تكلّم به من غير أن يُهيّئه.

و ارتَجَل برأيه: انفرد به، و لم يشاور أحدً ا فيه.

و شعَر رَجَل، و رَجِل، و رَجْل: بين السُّ-بُوطة و الجُعُودة . و قد رَجِل رَجَلا ، و رَجّلَه هو.

و رَجُلٌ رَجِلُ الشّعر و رَجَلُه؛ و جمعهما: أرجال، و رَجالَى.

قال سيبَوَيه: أمّا < رَجَل > بالفتح فلايُكسّر، استغنوا عنه بالواو و النّون؛ و ذلك في الصّفة. و أمّا < رَجِل > بالكسر فإنّه لم يَنُص عليه، و قياسه قياس < فَعلَ > في الصّفة، ولايُحمَل على باب: أنجاد و أنكاد، جمع نَجِد و نَكِِد، لقلّة تكسير هذه الصّفة، من أجل قلّة بنائها. إنّما الأعرف في جميع ذلك الجمع بالواو و النّون. لكنّه ربما جاء منه الشّيء مكسّرً ا، لمطابقته الاسم في البناء، فيكون ما حكاه اللُّغويّون من: رَجالَى و أرجال: جمع رَجِل و رَجَل، على هذا.

و مكان رَجيل: صُلْب.

و مكان رَجيل: بعيد الطّرفين، موطوء رَكُوب.

و الرّجَل: أن يُترَ ك الفصيل و المُهْر و البَهْمَة مع أُمّه حتّى يرضعها متى شاء.

و رجَلَها يَرْجُلها رَجْلا ، و أرجَلَها: أرسله معها.

و رجَلَ البَهْمُ أُمّه يَرْجُلها رَجْلا : رضِعَها. و بَهْمَة

رَجَلٌ، و رَجِلٌ.

و الرِّجْل: الطّائفة من الشّيء، و القطعة منه؛ أُنثى. و خصّ بعضهم به القطعة العظيمة من الجراد؛ و الجمع: أرجال.

و المُرْتَجِل: الّذي يقع برِجْل من جراد فيشتوي منها أو يطبخ.

و ارتَجَل الرّجُل: جاء من أرض بعيدة، فاقتدح نارً ا، و أمسك الزّند بيديه و رِجلَيْه، لأ نّه وحده.

و المُرَجَّل من الجراد: الّذي يُرى آثار أجنحته في الأرض.

و كان ذلك على رِجْل فلان، أي في حياته و على عهده.

و تَرَجّل النّهار: ارتفع.

و الرَّجْلَة: مَنْبِت العَرْفَج في روضة واحدة.

و الرِّجْلَة: مسِيل الماء من الحرّة إلى السّهلة.

و الرِّجْلَة: ضرب من الحَمْض.

و قوم يُسمّون البَقْلة الحمقاء: الرِّجْلَة، و إنّما هي العَرْفج؛ و الجمع:رِجَل.

و التّراجيل، الكَرَِفْس، سواديّة.

و المِرْجَل: القِدْر من الحجارة و النّحاس، مذكّر. و قيل: هو قِدْر النُّحاس خاصّة.

و قيل: هي كلّ ما طُبخ فيها من قِدْر و غيرها.

و ارتَجَل الرّجل: طبخ في المِرْجَل.

و المُمَرْجَل: ضرب من ثياب الوَشْي فيه صور المَراجِل. فمُمَرْجَل على هذا < مُمَفْعَل >.

و أمّا سيبَوَيه فجعله رباعيًّا و جعل دليله على ذلك ثبات الميم في المُمَرْجَل. و قد يجوز أن يكون من باب: تَمَدْرَع و تَمَسْكَن، فلا يكون له في ذلك دليل. [و استشهد بالشّعر 15 مرّ ات] (7 : 377)

الطُّوسيّ:تقول: رجل بيّن الرُّجُولة، أي القوّة، و هو أرجلهما، أي أقواهما.

و فرس رجيل: قويّ على المشي.

و الرِّجْلك معروفة، لقوّتها على المشي.

و رِجْل من جراد، أي قطعة منه تشبيهًا بالرِّجْل، لأ نّها قطعة من الجملة.

و الرّ اجل: الّذي يمشي على رِجْله.

و ارتَجَل الكلام ارتجالا ، لأ نّه قوي عليه من غير ركوب فكرة، و لارويّة.

و تَرَجّل النّهار، لأ نّه قوي ضياؤُه بنزول الشّمس إلى الأرض.

و رَجّل شَعرَه، إذا طوّله، لأ نّه قوي بكثرته من غير أن يركب بعضه بعضًا، فيقلّ في رأي العين.

و المِرْجَل: معروف.

و أصل الباب: القوّة. (2 : 241)

الرّ اجل: هو الكائن على رِجْله واقفًا كان أو ماشيًا.واحد الرّجال: راجل؛ و جمعه: رجال، مثل تاجر و تجار، و صاحب، و صِحاب، و قائم، و قيام. (2 : 277)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (1 : 343)

و الأرْجُل: جمع رِجْل، و هي الجارحة الّتي يمشي بها من يمين و شمال.

و الرّ اجل: خلاف الرّ اكب.

و تَرَجّل الإنسان، إذا نزل عن دابّته واقفًا على رِجْله. و رَجّله غيره.

و ارتَجَل القول ارتجالا ، إذا كان فيه كالرّ اجل الّذي لم يستَعِن بركوب غيره.

و رجّل الشّعر، إذا سرّحه حاطًا له عن ركوب بعضه بعضًا. (4 : 542)

الرّ اغِب: الرّجُل: مختصّ بالذّكر من النّاس، و لذلك قال تعالى:{ وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا } الأنعام : 9.

و يقال: رَجْلَة للمرأة، إذا كانت متشبّهة بالرّجُل في بعض أحوالها. [ثمّ استشهد بشعر]

و رجل بيّن الرُّجُولة و الرُّجُوليّة، و قوله: { وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ رَجُلٌ يَسْعى } يس, : 20، { وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } المؤمن : 28، فالأولى به الرُّجوليّة و الجلادة، و قوله: { اَ تَ-قْتُ-لُونَ رَجُلا اَنْ يَ-قُ-ولَ رَ بِّىَ اللهُ } المؤمن : 28، و فلان أرْجَلُ الرّجُلَين. و الرِّجْل : العضو المخصوص بأكثر الحيوان، قال تعالى:{وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَ اَرْجُلَكُمْ اِلَى الْكَعْبَيْنِ } المائدة : 6.

و اشتُقّ من الرِّجل: رَجِلٌ و راجل للماشي بالرِّجْل.

و رجُل بيّن الرُّجْلَة، فجَمْع الرّ اجل: رَجّالة و رَجْل، نحو: رَكْب، و رِجال نحو: رِكاب لجمع الرّاكب.

و يقال: رجُل راجل، أيقويّ على المشي؛ جمعه: رِجال، نحو قوله تعالى: { فَرِجَالا اَوْ رُكْبَانًا } البقرة : 239، و كذا رَجيل و رَجْلَة.

و حَرّة رَجْلاء: ضابطة للأرجل بصعوبتها.

و الأرْجَل: الأبيض الرِّجْل من الفرس، و العظيم الرِّجْل.

و رَجَّلْتُ الشّاة: علّقتها بالرِّجْل، و استُعير الرّجل للقطعة من الجراد، و لزمان الإنسان. يقال: كان ذلك على رِجْل فلان، كقولك: على رأس فلان. و لمسيل الماء؛ الواحدة: رِجْلَة، و تسميته بذلك كتسميته بالمذانب.

و الرِّجْلَة: البقلة الحمقاء، لكونها نابتة في موضع القدم.

و ارتَجَل الكلام: أورده قائمًا من غير تدبّر.

و ارتَجَل الفرس في عَدْوه.

و تَرَجّل الرّجل: نزل عن دابّته؛ و تَرَجّل في البئر تشبيهًا بذلك.

و تَرَجّل النّهار: انحطّت الشّمس عن الحيطان، كأ نّها تَرَجّلَتْ.

و رَجّل شعره، كأ نّه أنزله إلى حيث الرِّجْل.

و المِرْجَل: القدر المنصوبة. و أرجَلتُ الفصيل: أرسَلتُه مع أُمّه، كأ نّما جعَلْت له بذلك رِجْلا . (189)

الزّمَخْشَريّ: هذا رجل، أي كامل في الرّجال، بيّن الرَّجوليّة و الرُّجوليّة.

و هذا أرْجَلُ الرّجُلَين.

و هو راجلٌ و رَجِلٌ بيّن الرُّجْلَة.

و حملك الله عن الرُّجْلة و من الرُّجْلة.

و قوم رُجّال و رِجال و رَجّالة و رَجْل و رَجْلى

و رُجالَى و أراجيل.

و رَجِلَ الرّجُل يَرْجَل.

و تَرَجّلوا في القتال:نزلوا عن دوا بّهم للمنازلة.

و رآه فترجّل له.

و رجُل أرْجَل: عظيم الرِّجل.

و رجُل رَجيل و ذو رُجلة: مشّاء. و بعير رَجيل و ناقة رَجيلة.

و رجُلٌ رِجْليّ: عدّ اء. و قوم رِجْليّون.

و تَرَجّلتُ في البئر: نزلت فيها على رجلي، لم أُدلّ فيها.

و بئر صعبة التّرجُّل و المُتَرجّل.

و حَرّة رَجْلاء: يصعب المشي فيها.

و فرس أرجَلُ: أبيض إحدى الرِّجْلَين.

و هو من رِجالات قُريش: من أشرافهم.

و نبتت الرِّجْلَ-ة في الرِّجْلَة، أي البقلة الحمقاء في المسيل.

و رَجّل الشّعر: سرّحه.

و شَعْر رَجِل‌ٌ: بيّن السّبوطة و الجعودة.

و ارتَجَل الكلام.

و من المجاز: كان ذلك على رِجْل فلان، أي في عهده و حياته.

و تَرَجّلتِ الشّمس: ارتفعت.

و تَرَجّل النّهار.

و فلان قائم على رِجْل، إذا جَدّ في أمر حَزَ بَه.

و فلان لايعرف يد القوس من رِجْلها، أي سِيَتها العُليا من السُّفلى.

و بُزّعنه رِجْله، أي سراويله.

و رأيت رِجْلا من جراد: طائفة منه.

و صَرّ ناقته رِجْل الغُراب، و هو ضرب من الصّرّ شديد. [و استشهد بالشّعر مرّتين]

(أساس البلاغة : 156)

المَدينيّ: في حديث العُرَنيّين < فما تَرَجّل النّهار حتّى أُتي بهم > أي ماارتفع. يقال تَرَجّلتِالضّحى، أي ارتفع وقتها،كما ارتفع الرّجُل عن الصّبا.

في الحديث: < الرِّجْل جُبار > يعني ما أصاب الدّا بّة برِجْلها و صاحبها راكب عليها أو يقودها، فلاقَوَد فيه، و لادية. فإن كان يسوقها سائق فما أصابت برِجْلها فعلى السّائق دون القائد و الرّ اكب.

فإن اجتمع معها راكب و سائق و قائد، فما أصابت بيدها فعليهم أثلاثًا، و ما أصابت برِجْلهافعلى السّائق دون غيره، و للفقهاء في هذه المسألة خلاف.

في الحديث: < و لصدره أزيزٌ كأزيز المِرْجَل > قيل: المِرْجَل ما يُطبَخ فيه الشّيء من حجارة أو حديد أو خَزَف، لأ نّه إذا نُصب، كأ نّه أُقيم على رِجْل.

في الحديث: < نَحتَه بالمِرْجَل >، أي المُشْط، و المِسْرَح أيضًا . و هو الرّجِلُ الشّعْر، و رَجَلٌ شَعْرُه.

(1 : 741)

ابن الأثير: فيه < أ نّه نهى عن التّرَجُّل إلا غِبًّا > التّرَجُّل و التّرجيل: تسريح الشّعَر و تنظيفه و تحسينه. كأ نّه كره كثرة التّرفّه و التّنعّم. و المِرْجَل و المِِسْرح: المُشْط،و له في الحديث ذكرٌ،و قد تكرّر ذِكر<التّرجيل> في الحديث بهذا المعنى.

و في صفته عليه الصّلاة و السّلام: < كان شَعْره رَجِلا > أي لم يكن شديد الجُعُودة و لاشديد السُّبوطةِ، بل بينهما.

و في رواية: < لعَنَ الرّجُلَة من النّساء > بمعنى المُترَجّلة. و يقال امرأة رَجُلَة، إذا تشبّهت بالرّجال في الرّ أي والمعرفة.

و في حديث أيّوب : < أ نّه كان يغتسل عُريا نًا، فخرّ عليه رِجْلٌ من جَرادِ ذهب > الرِّجْل بالكسر: الجراد الكثير.

و منه الحديث: <كأنّ نَبْلهُم رِجْل جَراد >.

و حديث ابن عبّاس: < أ نّه دَخل مكّة رِجْل من جراد، فجعل غلمان مكّة يأخذون منه، فقال: أما إنّهم لو علموا لم يأخذوه >. كُرِه ذلك في الحرم لأ نّه صيد.

و فيه: <الرُّ ؤيا لأوّ ل عابر،و هي على رِجْل طائر> أي إ نّها على رِجْل قَدَر جارٍ، و قضاء ماض من خير أو شرّ، و أنّ ذلك هو الّذي قسَمَه الله لصاحبها، من قولهم: اقتسموا دارً ا فطار سهم فلان في ناحيتها، أي وقع سهمه و خرج. و كلّ حركة من كلمة أو شيء يجري لك، فهو طائر.

و المراد: أنّ الرّؤيا هي الّتي يُعَبّرها المُعَبّر الأوّل، فكأ نّها كانت على رِجْل طائر، فسَقطَت و وقعت حيث عُبِّرت، كما يَسْقُط الّذي يكون على رِجْل الطّائر بأدنى حركة.

و منه حديث الصّعب بن جَثّامة: < أ نّه أهدى إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله) رِجْل حمار و هو مُحرم> أي أحد شِقّيه. و قيل أراد فَخِذَه.

و فيه: < أ نّه عليه الصّلاة و السّلام اشترى رِجْل سَراويل >. هذا كما يقال: اشترى زَوْج خُفّ، و زَوْج نَعْل، و إنّما هما زوجان. يريد رِجلَيْ سَراويل، لأنّ السّراوِيل من لباس الرِّجْلَين. و بعضهم يسمّي السَّراويل رِجْلا .

و في حديث الجلوس في الصّلاة: < إنّه لجَفَاء بالرّجُل > أي بالمُصلّي نفسه. و يُروى بكسر الرّ اءو سكون الجيم، يريد جُلوسه على رِجْلِه في الصّلاة.

و في حديث صلاة الخوف: < فإن كان خوف هو أشدّ من ذلك، صلُّوا رِجالا و رُكبا نًا >. الرّجال: جمع راجِل، أي ماشٍ. [ثمّ استشهد بشعر]

و في حديث رفاعة الجُذامي ذِكر < رِجْلَى > هي بوزن < دِفْلَى >: حَرّة رِجْلَى في ديار جُذام. (2 : 203)

الفَيُّوميّ: رِجْل الإنسان: الّتي يمشي بها، من أصل الفَخِذ إلى القدَم، و هي أُنثى؛ وجمعُها: أرجُل. و لاجمع لها غير ذلك.

و الرّجُل: الذّكر من الأناسيّ؛ جمعه: رجال، و قد جُمِع قليلا على: رَجْلةٍ وِزان تَمْرَةٍ، حتّى قالوا: لايوجد جمع على < فَعْلةٍ > بفتح الفاء إلا رَجْلَة و كَمْأة: جمع كمءٍ. و قيل: كَمْأة للواحدة مثل نظيره من أسماء الأجناس.

قال ابن السّرّ اج: جُمِع رجُل على رَجْلَةٍ في القلّة استغناء عن أرجال.

و يُطلق الرّجُل على الرّاجل، و هُو خلاف الفارس.

و جمع الرّ اجل: رَجْل، مثل : صاحبٍ و صَحْبٍ،

و رَجّالة، و رُجّال أيضًا.

و رَجِلَ رَجَلا من باب < تعب >: قوِي على المشي. و الرُّجْلَة بالضّمّ: اسم منه. و هو ذو رُجْلَةٍ، أي قُوّةٍ على المشي.

و في الحديث: < أنّ رجُلا من حضرموت و آخر من كندة اختصما إلى النّبيّ(صلی الله علیه و آله) في أرض >، فالحضرميّ اسمه عَيْدان - بفتح العين المهملة و سكون الياء المُثنّاة آخر الحروف - ابن الأشْوَع، و الكنديّ امرُؤ القيس بن عابس، بكسر الباء المُوحّدة. و استعمل النّبيّ(صلی الله علیه و آله) رجُلا علىالصّدقات يقال: اسمه عبد الله ابن اللُّتْبِيّة، بضمّ اللا م و سكون التّاء، نسبةً إلى لُتْب بطنٍ من أزْد عُمان، و قيل: فتح التّاء لغة، و لم يصحّ. و جاء رجُل إلى النّبيّ(صلی الله علیه و آله) فقال: هلَكتُ و أهلَكتُ، قال: ما فعلت؟ قال: وقعت على امرأتي في نهار رمضان، هو صخر ابن خنساء.

و الرِّجْلَة بالكسر: البقلة الحَمْقاء. و تَرَجّلتَ في البئر: نزلت فيها من غير أن تُدَلّى.

و المِرْجَل بالكسر: قِِدْر من نُحاسٍ، و قيل: يُطلَق على كلّ قِدْرٍ يُطبَخ فيها. و رَجّلتَ الشّعر ترجيلا : سَرّحتَه، سواء كان شَعْرَك أو شَعْرُ غيرك و تَرَجّلتَ إذا كان شَعْر نفسك.

و رَجِلَ الشّعر رَجَلا من باب < تعب > فهو رِجِلٌ بالكسر، و السّكون تخفيف، أي ليس شديد الجُعُودة و لاشديد السُّبوطة بل بينهما.

و ارتَجَلتُ الكلام: أتيت به من غير رويّةٍ و لافكرٍ. و ارتَجَلْتُ برأي: انفَردتُ به من غير مَشُورَةٍ فمَضيتُ له. (1 : 220)

الفيروزاباديّ: الرّجل بضمّ الجيم و سكونه: معروف، و إنّما هو إذا احتلم و شَبّ، أو هو رجلٌ ساعةَ يُولد؛ تصغيره: رُجَيْل و رُوَيْجِل.

و الكثير الجماع، و الرّ اجل، و الكامل؛ جمعه : رِجال و رِجالات و رَجْلَة و رِجَلَة كعِنَبَة، و مَرْجَل

و أراجل؛ و هي: رَجْلَة.

و تَرَجّلَتْ: صارت كالرّجُل.

و رجُل بيّن الرُّجُوليّة و الرُّجْلَة و الرُّجْليّة، بضمّهنّ، و الرَّجُوليّة، بالفتح.

و هو أرْجَلُ الرّجُلَين:أشدّهما.

و امرأة مُرْجِل، كمُحْسن: مُذْكر.

و بُرْد مُرَجّل، كمُعظّم: فيه صُوَر الرّجال.

و الرِّجْل بالكسر: القدَم، أو من أصل الفَخِذ إلى القدم؛ جمعه: أرْجُل.

و رجُلٌ أرْجَلُ: عظيم الرِّجْل.

و رَجِلَ كفَرِح، فهو راجل و رَجُل و رَجِلٌ و رَجيل و رَجْل ورَجْلان: إذا لم يكن له ظهر يركبه؛ جمعه: رِجال ورَجّالة و رُجّال و رُجَالَى و رَجَالى و رَجْلَى و رُجْلان بالضّمّ، و رَجْلَة و رِجْلَة و أرْجِلة و أراجِل و أراجيل.

و الرَّجْلَة، و يُكسَر: شدّة المشي، أو بالضّمّ: القوّة على المشي.

و حَرّة رَجْلَى، كسَكْرَى، و يُمَدّ ،خشِنة يُتَرَجّل فيها، أو مستوية كثيرة الحجارة.

و تَرَجّل: ركب رِجْلَيه، و الزّند: و ضعَه تحت

رِجْلَيه كارْتَجَلَه، و النّهار: ارتفع.

و رَجَل الشّاة و ارتَجَلها: عقَلَها برِجْلَيه، أو علّقها برِجلها.

و المُرَجَّل، كمُعظّم: المُعْلَم و الزِّقّ يُسْلَخ من رِجْل واحدة، و الزِّقّ: المَلآ_ن خمرً ا، و من الجراد: الّذي تُرى آثار أجنحته في الأرض.

و الرُّجْلَة، بالضّمّ، و التّرجيل: بياض في إحدى رِجْلَي الدّا بّة.

رَجِلَ كفَرِح، و النّعت أرْجَلُ و رَجْلاء.

و رجَلَتِ المرأة ولدَها: وضَعَتْه بحيث خرَجَتْ رِجْلاه قبل رأسه.

و رِجْل الغراب: نبت -و ذُكِر في: غ ر ب - و ضَرْب من صَرّ الإبل، لايقدر الفصيل أن يرضع معه و لاينحلّ.

و رجُلٌ راجل و رُجيل مشّاء؛ جمعه: كسَكْرَى و سُكارى.

و كأمير: الرّجُل الصُّلْب.

و هو قائم على رِجْل، إذا حَزَبه أمر فقام له.

و رِجْل القوس: سِيتُها السُّفلى، و من البحر: خليجه، و من السّهم: حَرْفاه.

و رِجْل الطّائر: مِيْسَم.

و رِجْل الجراد: نبت كالبَقْلة اليمانيّة.

و ارتَجَل الكلام: تكلّم به من غير أن يهيّئه، و برأيه: انفرد، و الفرس: راوَح بين العَنَق و الهَمْلَجَة.

و تَرَجّل البئر، و فيها: نزل، و النّهار: ارتفع، و فلان: مشى راجلا .

و شَعَر رَجْل، وكجَبَل و كتف: بين السُّبوطة و الجُعُودة، و قد رَجِلَ، كفَرِح، و رَجّلتُه ترجيلا . و رجُلٌ رَجْلُ الشّعَر و رَجِلَه و رَجَلَه؛ جمعه: أرجال و رَجالَى

و مكان رجيل: بعيد الطّريقين.

و فرس رجيل: موطُوء رَكُوب لايَعْرَق.

و كلام رجيل: مُرْتَجَل.

و الرّجَل، محرّكة: أن يُترك الفصيل يرضع أُمّه ما شاء.

و رجَلَها: أرسله معها، كأرجَلَها، و البَهْمُ أُمّه: رضَعَها، و بَهْمَة رَجَلٌ و رَجِلٌ.

و ارْتَجِلْ رَجَلَك: عليك شأنك فالْزَمْه.

و الرِّجْل، بالكسر: الطّائفة من الشّيء، ونصف الرّ اوية من الخمر و الزّيت، و القطعة العظيمة من الجراد - جُمع على غير لفظ الواحد، كالعانة و الخيط والصِّوار؛ جمعه: أرجال - و السّراويل الطّاق، و السّهم في الشّيء، و الرّجُل النّؤُوم،و القِرْطاس الأبيض، و البُؤْس، و الفقر، و القاذورة منّا، و الجيش، و التّقدّم؛ جمعه: أرجال.

و المُرْتَجِل: من يقع برِجْل من جَراد فيشوي منها، و من يُمسك الزَّ نْد بيَدَيْه و رِجلَيه.

و كان ذلك على رِجْل فلان: في حياته، و على عهده.

و الرِّجْلَة بالكسر: مَنْبِت العَرْفَج في روضة واحدة، و مسيل الماء من الحرّة إلى السّهلة؛ جمعه: كعنب،

و ضرب من الحَمْض و العَرْفَج؛ و منه: أحمق من رِجْلة، و العامّة تقول من رِجْله.

و رِجْلَة التّيس: موضع بين الكوفة و الشّام.

و رِجْلَة أحجار: موضع بالشّام.

و رِجْلتا بقر: موضع بأسفل حَزْن بني يربوع.

و ذو الرِّجْل: لقمان بن توبة، شاعر.

و كمنبر: الُمشْط، والقِدْر من الحجارة و النُّحاس، مذكّر.

و ارتَجَل: طبَخَ فيه.

و التّراجيل: الكَرَفْس.

و المُمَرْجَل: ثياب فيها صُور المَراجل.

و كشَدّ اد: ابن عُنْفُوَة، قَدِم في وَفْد بني حنيفة، ثمّ ارتَدّ، فتَبِع مُسيلمَة، قتله زَيْد بن الخطّاب يوم اليمامة. و وَهِم من ضبطه بالحاء، و ابن هند: شاعر.

و ككتاب: أبوالرّجال سالم بن عطاء: تابعيّ، و محدّث روى عن أُمّه عَمْرَة.

و عُبَيْد بن رجال: شيخ للطّبرانيّ.

وأرْجَلَه: أمهَلَه، أو جعله راجلا .

و إذا ولدت الغنم بعضها بعد بعض، قيل: ولّدتها الرُّجَيْلاء، كالغُمَيْصاء.

والرّ اجِلَة: كبش الرّ اعي الّذي يحمل عليه متاعه وكمَقْعَد و منبر: بُرْد يمنيّ.

و الرَّجْل: النّزْو.

و الرُّجَيْلاء و الرّجَليّون محرّكة: قوم كانوا يَعْدُون على أرجلهم؛ الواحد: رَجَليّ؛ و هم: سُلَيْك المَقانب، و المنتشر بن وَهْب الباهليّ، و أوفى بن مطَر المازنيّ.

و يقال: أمرُ ك ما ارْتَجَلْتَ، أي ما استَبْدَدْتَ فيه برأيك.

و سمّوا: رِجْلا و رِجْلَة، بكسرهما.

و الرَّجْلاء: ماء لبني سعيد بن قُرْط.

وكعِنَب: موضع باليمامة.

و التّرجيل: التّقوية.

و فرس رَجَل، محرّكة: مُرْسَل على الخيل، و كذا خَيْلٌ رَجَلٌ.

وناقةٌ راجل على ولدها: ليست بمصرورة.

وذو الرُّجَيْلَة، كجُهَيْنَة: ثلاثة: عامر بن مالك التّغلبيّ وكعب بن عامر النَّهْديّ، و عامر بن زَيْد مناة. و الأراجيل: الصّيّادون. (3 : 392)

الطُّرَيحيّ: في الحديث:< للرّ اجل سهم > و هو خلاف الفارس، سواءٌ كان راجلا أم راكبًا غير الفرَس.

و الرّجّالة بالتّشديد و فتح الرّ اء: جمع الرّ اجل.

و الرّجُل: خلاف المرأة، قاله في الصِّحاح.

و في القاموس: الرّجُل بالضّمّ معروف، و إنّما هو لمن شَبّ و احتَلم.أو هو رجل ساعة يُولد.

و في المصباح: هو الذّكر من النّاس. و في كتب كثير من المحقّقين: تقييد بالبالغ.و هو أقرب، و يؤيّده العُرف. و الجمع: رجال و رجالات، مثل جمالو جمالات.

و إذا أُطلق < الرّجل > في الحديث، فالمراد به عليّ ابن محمّد الهاديّ .

و الرِّجْل بالكسر: واحدة الأرْجُل.

و في< المصباح> : هي من أصل الفَخِذ إلى القدَم.

و الرِّجْلَة: بَقْلة، و تسمّى الحَمْقاء، لأ نّها لاتنبت إلا بالمسيل.

و في الحديث: < بعض نساء النّبيّ(صلی الله علیه و آله) تُرَجّل شَعَرها > أي تُسرّحه.و ترجيل الشّعَر: تسريحه؛ و منه رَجِلَ شَعْرَه: أرسَله بالمِرْجَل، و هو المُشْط.

و رَجِلَ الشّعَر رَجَلا ، من باب < تعب > فهو رِجْلٌ بالكسر و السّكون تخفيف. وشَعَرٌ رِجْلٌ: إذا لم يكن شديد الجُعُودة و لاسَبطًا . (5 : 380)

مَجْمَعُ اللُّغة: 1 - الرّجُل الذّكر من نوع الإنسان. و قد يُطلق على الذّكر من الجنّيّ أيضًا؛ و جمعه: رِجال.

2 - و رَجِلَ يَرْجَل رَجَلا: لم يكن له ما يركبه، فهو رَجِلٌ و راجل؛ و الجمع: رجال، و الرّجْل: اسم جمع.

3 - الرِّجْل: القدَم، أو من أصل الفَخِذ إلى القدَم؛ و جمعها: أرجُل. (1 : 458)

العَدْنانيّ: الرَّجُلَة

و يخطّئون من يقول: إنّ الرَّجُلة هي مؤنّث الرّجُل، و يقولون: إنّ الصّواب هو المرأة.

و لكن:

جاء في < النّهاية > و في الحديث أ نّه: < لعن المُترَجّلات من النّساء > يعني اللا تي يتشبّهن بالرّجال في زيّهم و هيأتهم، فأمّا في العلم و الرّأي فمحمود.

و في رواية: < لعن الرَّجْلَة من النّساء > بمعنى المَترَجِّلة.

و يقال امرأة رَجُلة،إذا تشبّهت بالرّجال في الرّ أيو المعرفة؛ و منه الحديث: < إنّ عائشة كانت رَجُلَة الرّأي >.

و ممّن ذكر أنّ الرَّجُلَة هي مؤنّث الرّجُل، أو المرأة: ابن الأعرابيّ، و الكامل للمُبَرِّد، و التّهذيب، و الصِّحاح ، و معجم مقاييس اللُّغة، و الرّ اغِب الأصفهانيّ، و المختار، و اللّسان، والقاموس، والتّاج، و المدّ، ومحيط المحيط، و أقرب الموارد، والمتن ، و الوسيط.

وحكى ابن الأعرابيّ أنّ أبازياد الكلابيّ قال في حديث له مع امرأته: فتهايج الرّجُلان، يعني نفسه و امرأته ، كأ نّه أراد: فتهايج الرّجل و الرّجُلَة، فغلّب المذكّر.

و استشهد المُبَرِّد ، و الصِّحاح و اللّسان و التّاج بقول الشّاعر:

كلّ جار ظلّ مغتبطًا

غير جيراني بني جَبَلَة

مزّقوا جيب فتاتهم

لم يُبالو حُرمَة الرَّجُلَه

أورد المُبَرِّد: خرّقوا بدل من: مزّقوا.

و استشهد الرّ اغِب الأصفهانيّ في < مفرداته > بعَجُز البيت الثّاني:< لم ينالوا حُرمة الرَّجْلَة >

و الصّواب كما رَوَتْه المعجمات الثّلاثة و المُبَرِّد.

الرُّجُولَة، الرُّجُوليّة، الرُّجْلَة، الرَّجُوليّة، الرُّجْليّة.

و يخطّئون من يستعمل المصدر < الرُّجُولَة > و يقولون: إنّ الصّواب هو < الرُّجُوليّة > و كلا المصدرين صحيح.

فممّن ذكر < الرُّجُولَة > الصِّحاح و مفردات الرّاغب الأصفهانيّ والمختار، واللّسان ، والمدّ ، ومحيطالمحيط، و أقرب الموارد ، و المتن، و الوسيط.

و ممّن ذكر < الرُّجُوليّة > ابن الأعرابيّ، و الصِّحاح، و مفردات الرّ اغِب الأصفهانيّ، و الأساس، و المختار، و اللّسان، والقاموس، والتّاج، و المدّ، ومحيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.

و هناك ثلاثة مصادر أُخرى، هي:

1 - الرُّجْلَة: الصِّحاح، و معجم مقاييس اللُّغة، و المحكم، و الحريريّ في المَقامة الوَ بَريّة، و الأساس، و المختار، و اللّسان، و المصباح، و القاموس، والتّاج، والمدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، والمتن.

2 - و الرَّجُوليّة : الكسائيّ، و التّهذيب، و المحكم، و الأساس،و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد،و المتن.

3 - و الرُّجْليّة: اللّسان، والقاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد.

و قد أخطأالمتن حين ذكر المصدر < الرُّجْليَة > بدلا من الرُّجْليّة.

و أخطأ الوسيط حين ذكر < الرِّجُوليّة > بدلا من < الرَّجُوليّة > و حين أهمل ذكر المصادر الثّلاثة الأخيرة.

و جميع هذه الكلمات الخمس، الّتي جعَلتُها عنوان هذه المادّة هي مصادر لاأفعال لها.

المَراجِل:

القِدْر من الطّين المطبوخ أو النُّحاس،يُطلِقون عليها اسم: المِرْجَل، و يجمعه المُبَرِّد في الكامل على: مراجِلَ و مراجيل.

و الصّواب هو < مراجِل > كما يقول القاموس، و المدّ، و محيط المحيط و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.

أمّا إجازة جمع الاسمَيْن الرّباعيّيْن: جعفر، وبُرْثُن ٍ: مِخْلَب الأسد أو ظُفْر مِخْلَبه على جعافر و جعافير، و بَراثِن و بَراثين، فلأنّ حروف هذين الاسمين الرّباعيّين أصليّة، بينما الميم في < مِرْجَل > مزيدة، تحول دون جواز جمعها على: مراجيل. (253)

رجالات:

و يقولون: هذا من رَجالات العرب المشهورين و الصّواب: من رِجالات العرب؛ و هي جمع الجمع.

و للرّجُل و تسكين الجيم لغة ، نقلها الصّاغانيّ، عدّة جُموع، هي: رجال و رَجْلَة و أراجل، و رِجَلَة و مَرْجَل. أمّا < رَجِلَة > فهي اسم جمع.

و يُصغّر رَجُل على رُجَيْل قياسًا، و على رُوَ يْجِل على غير قياس. (معجم الأخطاء الشّائعة : 101)

محمّدإسماعيل إبراهيم: الرّجُل بفتح الرّ اء: الذّكر البالغ من بني الإنسان؛ و الجمع: رجال.

والرِّجْل بكسر الرّ اء: القدم، و جمعها: أرجل.

وجاء فلان يمشي رِجْلا ، أي غير راكب.

والرّ اجل: من يمشي على رِجْلَيْه، و هو خلاف الفارس؛ و جمعه: رَجْل و رِجال، و هم الجنود المُشاة.

(1 : 213)

محمود شيت:الرّ اجل العسكريّ الماشي على

قدميه. جُنديّ المُشاة .

تَرَجّل: نزل عن دابّته. وإيعاز عسكريّ: أمر للنّزول عن الدّا بّة، يقال: تَرَجَّلْ.

الرُّجُولَة: الشّجاعة، و الإقدام. (1 : 282)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق:أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو العضو المخصوص من كلّ حيوان، الّذي به يمشي. و يُشتقّ منه كلمات انتزاعيّة؛ فيقال: رَجِلَ يَرْجَل رَجَلا ، إذا مشى برِجْله، فهو راجِل و رَجِلٌ و رَجَلان و رَجيل، أي متّصف بالمشي على القدم، و قويّ عليه.

و تَرَجّل النّهار، إذا ارتفع و استقام و تثبّت. و تَرَجّل الشّعر و رَجِل و رَجّله، أى قام على قدمه و استقام فهو مُسترسل.

و ارتَجَل الكلام، أتاه من غير رويّة، فكأ نّه تكلّم به على قدمه، و قائمًا من غير استقرار.

و تَرَجّل في البئر، إذا نزل في البئر من غير تَدَلٍّ، فكأ نّه استند على رِجْله.

و بمناسبة هذا الأصل الثّابت: يُطلق الرّجُل على الذّكر من الأناسيّ، فإنّه من يستبدّ برأيه، و يقوم بقدمه، و يستند إلى رِجْله و يمشي لتأمين معاشه و معاش عائلته، و هو قويّ على العمل و الحركة و السّير.

و هذا بخلاف المرأة، فإنّها تعيش تحت قيمومة الرّجل، و هي ضعيفة لطيفة، لاتستطيع أن تمشي في تأمين حوائجها مستندة على نفسها، و لهذا ترى مادّة الأُنثى مأخوذة من الأنَث و هو اللّين، و المرأة من المَرَء و هو الهناء، و النّساء من النَّسَأ، و هو يقابل الذُّكر، و إنّه مظهر التّذكّر، و الخلف من الوالدين.

و بهذا يظهر أنّاستعمال كلمة: الرّجُل أو الرّجال في القرآن الكريم، انّما هو في موارد يلاحَظ فيها خصوصيّات المادّة، من الاستقرار و الاستبداد و الاستناد على نفسه، و لو ادّعاءً أو تقديرً ا أو تلقينًا، كما أنّ استعمال < الذّكَر > في موارد يلاحظ فيها جهة الذُّكورة فقط، في قبال الأُنوثة: { وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُ_نْثى" }آل عمران : 36،{ مِِنْ ذَكَرٍ َواُنْثى" } الحجرات : 13،

و الرُّجُوليّة تحقيقًا، كما في: { فيهِ‘ رِجَالٌ يُحِبُّونَ اَنْ يَتَطَهَّرُوا } التّوبة : 108، { الرِّجَالُ قَوَّ امُونَ عَلَى النِّسَاءِ} النّساء : 34،{وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ اََقْصَا الْمَدينَةِ }‘ القصص : 20، { وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } المؤمن : 28.

و ظاهرً ا، كما في: { رَجُلَيْنِ اَحَدُهُمَا اَبْكَمُ لايَقْدِرُ عَلى شَىْءٍ } النّحل : 76، { وَ الْمُسْتَضْعَفينَ‘ مِنَ الرِّجَالِ } النّساء : 75، { اَوِ التَّابِعينَ‘ غَيْرِ اُولِى الاِ_رْ بَةِ }النّور : 31 { وَ اَ نَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الاِ_نْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ } الجنّ : 6، تدلّ الآية الكريمة على أنّ مفهوم الرّجل يصدق على من كان من الإنس أو الجنّ، فيستفاد أنّ < الرُّجوليّة > توجد في الجنّ أيضًا. قال تعالى: { وَ مِنْ كُلِّ شَىْ‌ء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } الذّاريات : 49، و زوجيّة كلّ نوع بحسبه و بمقتضى خلقته.

{ اَكَفَرْتَ بِالَّذى‘ خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ

سَوّيكَ رَجُلا } الكهف : 37، { لِ-لرِّجَالِ نَصيبٌ‘ مِمَّا تَرَ كَ الْوَالِدَانِ} النّساء :7، { وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثيرً ا‘ وَ نِسَاءً } النّساء : 1،تدلّ الآيات الكريمة على صحّة إطلاق الرّجل على الذّكَر من حين التّولّد، إلى أيّ زمان من عمره بلغ.

و أمّا المِرْجَل: هو اسم آلة مُنتَزعًا من: الرّ اجل أو من الرّجُل، فكأ نّه وسيلة من أسباب الرّ اجل في السّفر، ليطبخ فيه الطّعام، أو أ نّه علامة الرُّجُوليّة.

و أمّا الرِّجْل: قلنا: انّه الأصل في هذه المادّة، و يُجمَع على: أرجُل، جمع قلّة:{ وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَ اَرْجُلَكُمْ } المائدة : 6،{ وَ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِكُمْ } الأنعام : 65.

و الرّجال: جمع: رجُل كما مرّ، و جمع: رَجِل و رجيل، بمعنى راجل أيضًا. { فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا اَوْ رُكْبَانًا } البقرة : 239،.{ يَاْتُوكَ رِِجَالا وَ عَلى كُلِّ ضَامِر } الحجّ : 27، { وَ اَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ } الإسراء : 64.

و أمّا المعاني الأُخر المذكورة في ذيل المادّة، في كتب اللُّغة المبسوطة: فإنّما هي من باب المجاز و الاستعارة، كما لايخفى. (4 : 71)

النُّصوص التّفسيريّة

رَجُل

1 - ... وَ اسْتَشْهِدُوا شَهيدَ‘يْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَاِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ... البقرة : 282

راجع: ش ه- د: < شَهيدَ‘يْن >.

2 - وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَة‘ يَسْعى قَالَ يَا مُوسى اِنَّ الْمَلاَ يَاْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ اِنّى لَكَ مِنَ النَّاصِحينَ‘. القصص : 20

الضّحّاك: هو مؤمن آل فرعون.(الماوَرْديّ 4 : 244)

مثله الطُّوسيّ. (8 : 139)

اسمه حزقيل بن شمعون.

مثله الكَلْبيّ. (الماوَرْديّ 4 : 244)

قَتادَة:شمعون مؤمن آل فرعون.

(القُرطُبيّ 13 : 266)

نحوه الطّبَريّ. (10 : 50)

الكَلْبيّ : هوابن عمّ فرعون أخي أبيه.

(الماوَرْديّ 4 : 244)

ابن إسحاق: شمعان. (الماوَرْديّ 4 : 244)

الزّجّاج: يقال: إنّه مؤمن آل فرعون، و إنّه كان نجّارً ا. (4 : 138)

الثّعلبيّ: اختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التّأويل: هو حزقيل بن صَبُورا مؤمن آل فرعون، و كان ابن عمّ فرعون، فقال شعيب الجُبّائيّ: اسمه شمعون، و قيل : شمعان.

(7 : 242)

نحوه الزّمَخْشَريّ (3 : 169)، و الطَّبْرِسيّ (4 : 246)، و النّسَفيّ (3 : 230).

البغَويّ: من شيعة موسى. (3 : 528)

السُّهيليّ: طالوت. (القُرطُبيّ 13 : 266)

القُرطُبيّ: قيل: شمعان. قال الدّ ارقُطني: لايُعرَف شمعان بالشّين المعجمة إلا مؤمن آل فرعون. (13 : 266)

البُرُوسَويّ: هو خربيل. (6 : 392)

الآلوسيّ: اسمه قيل: شمعان، و قيل: شمعون بن إسحاق، و قيل: حزقيل، و قيل: غير ذلك. و كون هذا الرّجل الجائي مؤمن آل فرعون هو المشهور، و قيل: هو غيره.

(20 : 58)

مكارم الشّيرازيّ: يبدو أنّ هذا الرّجل هو مؤمن آل فرعون الّذي كان يكتم إيمانه و يُدْعى حزقيل. و كان من أُسرة فرعون، و كانت علاقته بفرعون وثيقة؛ بحيث يشترك معه في مثل هذه الجلسات.

و كان هذا الرّجل متألّ-مًا من جرائم فرعون،و ينتظر أن تقوم ثورةإلهيّة. و يبدو أ نّه كان له أمل كبير بموسى ، إذ كان يتوسّم في وجهه رجلا ربّانيًّا صالحًا ثوريًّا، و لذلك فحين أحسّ بأنّ الخطر مُحدَق بموسى أوصل نفسه بسرعة إليه، و أنقذه من مخالب الخطر،

و سنرى بعدئذ أنّ هذا الرّجل لم يكن في هذا الموقف فحسب سندً ا و ظهيرً ا لموسى، بل كان يُعَدّ عينًا لبني إسرائيل في قصر فرعون، في كثير من المواقف و الأحداث. (12 : 188)

3 - وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ رَ جُلٌ يَسْعى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ‘. يس, : 20

كعب الأحبار: كان رجلا من أهل أنطاكية و كان اسمه حبيبًا، و كان يعمل الجرير، و كان رجلا سقيمًا، قد أسرع فيه الجُذام. و كان منزله عند باب من أبواب المدينة قاصيًا، و كان مؤمنًا ذا صدقة، يجمع كسبه إذا أمسى فيما يذكرون، فيقسمه نصفين: فيُطعم نصفًا عيالَه، و يتصدّق بنصف، فلم يُهمّه سُقمه

و لاعمله و لاضعفه، عن عمل ربّه. فلمّا أجمع قومه على قتل الرّسل، بلغ ذلك حبيبًا و هو على باب المدينة الأقصى، فجاء يسعى إليهم يذكّرهم بالله، و يدعوهم إلى اتّباع المرسلين، فقال { يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ‘ }.

(الطّبَريّ 10 : 433)

مثله وَهْب بن مُنبِّه (الطّبَريّ 10 : 433)، و نحوه قَتادَة (الطّبَريّ 10 : 434).

السُّدّيّ:كان قصّارً ا. (البغَويّ 4 : 11)

الطّبَريّ: يقول: و جاء من أقصى مدينة هؤلاءالقوم - الّذين أُرسلت إليهم هذه الرّسل - رجل يسعى إليهم. و ذلك أنّ أهل المدينة هذه عزموا، و اجتمعت آراؤهم على قتل هؤلاء الرّسل الثّلاثة فيما ذُكر، فبلغ ذلك هذا الرّجل، و كان منزله أقصى المدينة، و كان مؤمنًا، و كان اسمه - فيما ذكر - حبيب بن مريّ. (10 : 433)

الزّجّاج: هذا رجل كان يعبد الله في غار في جبل، فلمّا سمع بالمرسَلين جاء يسعى، أي يَعْدُو إليهم، فقال: أتريدون أجرً ا على ما جئتم به، فقال المرسلون: لا، و كان يقال لهذا الرّجل - فيما روي: - حبيب النّجّار.

(4 : 282)

الزّمَخْشَريّ: هو حبيب بن إسرائيل النّجّار و كان ينحت الأصنام، و هو ممّن آمنوا برسول الله (صلی الله علیه و آله) و بينهما ستّمئة سنة، كما آمن به تُبّع الأكبر و ورقة بن

نوفل و غيرهما و لم يؤمن بنبيّ أحد إلا بعد ظهوره.

و قيل: كان في غار يعبد الله، فلمّا بلغه خبر الرّسل أتاهم وأظهر دينه و قاول الكفرة، فقالوا: أو أنت تخالف ديننا، فوثبوا عليه فقتلوه.

و قيل: توطّؤوه بأرجلهم حتّى خرج قصبه من دُ بُره.

و قيل: رجموه و هو يقول: اللّهمّ اهْدِ قومي. و قبره في سوق أنطاكية، فلمّا قُتل غضب الله عليهم، فأُهلكوا بصيحة جبريل .

وعن رسول الله (صلی الله علیه و آله) "سُبّاق الأُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: عليّ بن أبي طالب و صاحب يس, و مؤمن آل فرعون. (3 : 318)

نحوه القُرطُبيّ (15 : 17)، و البَيْضاويّ (2 :278)، و أبوالسُّعود (5 : 294)، و شُبّر (5 : 222).

الفَخْرالرّ ازيّ: و في التّفسير مسائل:

المسألة الأُولى: قوله: { وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ رَ جُلٌ } في تنكير < الرّجل > مع أ نّه كان معروفًا معلومًا عند الله، فائدتان: الأُولى: أن يكون تعظيمًا لشأنه، أي رجل كامل في الرّجوليّة.

الثّانية: أن يكون مفيدً ا لظهور الحقّ من جانب المرسَلين؛ حيث آمن رجل من الرّجال، لامعرفة لهم به، فلايقال: إنّهم تواطؤا. و الرّجل هو حبيب النّجّار، كان ينحت الأصنام، و قد آمن بمحمّد (صلی الله علیه و آله) قبل وجوده؛ حيث صار من العلماء بكتاب الله، و رأى فيه نعت محمّد (صلی الله علیه و آله) و بعثته. (26 : 54)

أبوحَيّان: اسمه حبيب، قاله ابن عبّاس و أبومِجْلَز و كعب الأحبار و مُجاهِد و مُقاتِل.

قيل: و هو ابن إسرائيل، و كان قصّارً ا، و قيل: إسكافًا، و قيل: كان ينحت الأصنام، و يمكن أن يكون جامعًا لهذه الصّنائع.

و{ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ } أي من أبعَد مواضعها. فقيل: كان في خارج المدينة يعاني زرعًاله، و قيل: كان في غار يعبد ربّه، و قيل: كان مجذومًا، فمُيِّزله أقصى باب من أبوابها.

عبد الأصنام سبعين سنة يدعوهم لكشف ضُرّه، فلمّا دعاه الرّسل إلى عبادة الله، قال: هل من آية؟ قالوا: نعم، ندعو ربّنا القادر يُفرّج عنك مابك. فقال: إنّ هذا لعجيب لي! سبعون سنة أدعو هذه الآلهة فلم تستطع، يُفرّجه ربّكم في غداة واحدة؟ قالوا: نعم، ربّنا على ما يشاء قدير،و هذه لاتنفع شيئًا و لاتضرّ، فآمن.

و دعوا ربّهم، فكشف الله ما به، كأن لم يكن به بأس. فأقبل على التّكسّب. فإذا مشى تصدّق بكسبه، نصف لعياله، و نصف يُطعمه. فلمّا همّ قومه بقتل الرّسل جاءهم، فقال: {قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ‘ }.

و حبيب هذا ممّن آمن برسول الله (صلی الله علیه و آله)، و بينهما ستّمئة سنة، كماآمن به تُبّع الأكبر، و ورقة بن نوفل و غيرهما، و لم يؤمن بنبيّ غيره أحد إلا بعد ظهوره. و قال ابن أبي ليلى: سُبّاق الأُمم ثلاثة، لم يكفروا قطّ طرفة عين: عليّ بن أبي طالب، و صاحب يس,، و مؤمن آل فرعون.

(7 : 328)

البُرُوسَويّ: فيه إشارة إلى رجوليّة الجائى و جلادته، و تنكيره لتعظيم شأنه، لالكونه رجلا

منكورً ا غير معلوم، فإنّه رجل معلوم عند الله تعالى، و كان منزله عند أقصى باب في المدينة. (7 : 383)

الآلوسيّ:[نحو أبي حَيّان والزّمَخْشَريّ و أضاف:]

و الّذي يترجّح في نظري أ نّه كان مؤمنًا بالمرسلين قبل مجيئه، و نُصحه لقومه. ولاجزم لي بإيمانه و لاعدمه قبل إرسال الرّسل، و ظواهر الأخبار في ذلك متعارضة، و مع هذا لم يتحقّق عندي صحّة شيء منها، و الله تعالى أعلم بحقيقة الحال. (22 : 225)

ابن عاشور: هذا الرّجل غير مذكور في سِفْر أعمال الرّسل، و هو ممّا امتاز القرآن بالإعلام به. و عن ابن عبّاس و أصحابه وُجد أنّ اسمه حبيب بنمرّة، قيل: كان نجارًّ ا، و قيل: غير ذلك. فلمّا أشرف الرّسل على المدينة رآهم، ورأى معجزة لهم أو كرامة فآمن. و قيل: كان مُؤمنًا من قبل.

و لايبعد أن يكون هذا الرّجل الّذي وصفه المفسّرون بالنِّجّار أ نّه هو سمعان الّذي يُدْعى بالنّيجر المذكور في الإصحاح الحادي عشر من سفر أعمال الرّسل، و أنّ وصف النّجّار مُحرّف عن نيجر. فقد جاء في الأسماء الّتي جرت في كلام المفسّرين عن ابن عبّاس: اسم شمعون الصّفا أو سمعان. و ليس هذا الاسم موجودً ا في كتاب أعمال الرّسل.

و وَصْفُ الرّجل بالسّعي يفيد أ نّه جاء مسرعًا و أ نّه بلغه هَمّ أهل المدينة برجم الرّسل أو تعذيبهم، فأراد أن ينصحهم خشية عليهم وعلى الرّسل. و هذا ثناء على هذا الرّجل، يفيد أ نّه ممّن يُقتدى به في الإسراع إلى تغيير المنكر. (22 : 213)

الطَّباطَبائيّ: وقع نظير هذا التّعبير في قصّة موسى و القبطيّ، و فيها { وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ يَسْعى } القصص: 20، فقُدّم { رَجُلٌ } هناك و أُخّر هاهنا. و لعلّ النّكتة في ذلك أنّ الاهتمام هناك بمجيء الرّجل و إخباره موسى بائتمار الملإ لقتله، فقُدّم الرّجل، ثمّ أُشير إلى اهتمام الرّجل نفسه بإيصال الخبر و إبلاغه فجيء بقوله: { يَسْعى } حالا مؤخّرً ا بخلاف ما هاهنا. فالاهتمام بمجيئه من أقصى المدينة ليُعلم أن لاتواطؤ بينه و بين الرّسل في أمر الدّعوة، فقُدّم { مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ } و أُخرّ الرّجلو سعيه.

و قد اشتدّ الخلاف بينهم في اسم الرّجل و اسم أبيه وحرفته و شُغله، و لايهمّنا الاشتغال بذلك في فهم المراد. ولو توقّف عليه الفهم بعض التّوقّف، لأشار سبحانه في كلامه إليه، و لم يُهمله.

و إنّما المهمّ هو التّدبّر في حظّه من الإيمان، في هذا الموقف الّذي انتهض فيه لتأييد الرّسل  و نصرتهم، فقد كان على ما يُعطيه التّدبّر في المنقول من كلامه رجلا نوّر الله سبحانه قلبه بنور الإيمان، يؤمن بالله إيمان إخلاص، يعبده لاطمعًا في جنّة أو خوفًا من نار، بل لأ نّه أهل للعبادة، و لذلك كان من المكرَمين و لم يصف الله سبحانه في كلامه بهذا الوصف إلا ملائكته المقرّبين و عباده المخلَصين، و قد خاصم القوم فخصمهم، و أبطل ما تعلّق به القوم من الحجّة على عدم جواز عبادة الله سبحانه، و وجوب عبادة آلهتهم، و أثبت وجوب عبادته وحده، و صدّق الرّسل في

دعواهم الرّسالة ثمّ آمن بهم. (17 : 75)

مكارم الشّيرازيّ: هذا الرّجل الّذي يذكر أغلب المفسّرين أنّ اسمه حبيب النّجّار، هو من الأشخاص الّذين قُيّض لهم الاستماع إلى هؤُلاء الرّسل و الإيمان، وأدركوا بحقّانيّة دعوتهم و دقّة تعليماتهم، و كان مؤمنًا ثابت القدم في إيمانه. و حينما بلغه بأنّ مركز المدينة مضطرب، و يحتمل أن يقوم النّاس بقتل هؤلاء الأنبياء، أسرع - كما يُستشَفّ من كلمة{ يَسْعى" } - و أوصل نفسه إلى مركز المدينة، و دافع عن الحقّ بمااستطاع، بل إنّه لم يدّخر وسعًا في ذلك.

التّعبير ب- { رَجُلٌ } بصورة النّكرة يحتمل انّه إشارة إلى أ نّه كان فردً ا عاديًّا، ليس له قدرة أو إمكانيّة متميّزة في المجتمع، و سلك طريقه فردً ا وحيدً ا. و كيف، أ نّه في نفس الوقت دخل المعركة بين الكفر و الإيمان مدافعًا عن الحقّ، لكي يأخذ المؤمنين في عصر الرّسول الأكرم (صلی الله علیه و آله) درسًا بأ نّهم و إن كانوا قلّة في عصر صدر الإسلام، إلا أنّ المسؤوليّة تبقى على عواتقهم، و أنّ السّكوت غير جائز حتّى للفرد الواحد.

(14 : 143)

فضل الله: الرّجل - النّموذج

و هذا رجل - نموذج، يُمثّل الإنسان الّذي يخرج من قلب مجتمعه، ليدخل في مواجهة معه، انطلاقًا من موقف الحقّ أمام الباطل الّذي يتبنّاه المجتمع كلّه، و من موقف المساندة للمجموعة الرّساليّة الصّغيرة الدّ اعية إلى الله، في مقابل الجماهير الغفيرة المشركة به، أو المنكرة له.

و من خلال دراستنا لشخصيّته، و لروح القوّة الّتي تعيش في داخل عقله و شعوره، و لإشراقة الإيمان الّتي تشرق في روحه منيرةً كلّ المواقع، نستطيع أن نخلُص إلى الفكرة الّتي لاتُعتَبر فساد البيئة الّتي يعيش فيها الفرد أساسًا حتميًّا لفساده الذّاتي؛ بحيث تُمثّل الضغط الّذي لايستطيع أن يواجهه أو يثبت معه، بل يمكن له أن يتمرّد على واقع البيئة الفكريّ و العمليّ، عندما يملك عقله و وجدانه، و يحمي شعورهمن الاهتزاز العاطفيّ و الانفعاليّ بما حوله، أو بمن حوله، و يجلس مع نفسه جلسةً هادئةً، في أجواء الهدوء و الحياد الفكريّ. ليكتشف في المسألة الفكريّة شيئًا غير ما يفكّر به الآخرون، و يجد في المسألة العمليّة خطًّا غير الخطّ الّذي يتحرّ ك بانسجام مع البيئة المنحرفة الضّاغطة.

و على المستوى الواقعيّ، لابد من الاعتراف بصعوبة الوقوف أمام ضغط البيئة في انحرافها الفكريّ و العمليّ، لكن تحدّي هذا الضّغط ليس شيئًا مستحيلا ، ممّا يجعل القضيّة خاضعةً للضّغط المضادّ الّذي يستنفر فيه الإنسان طاقاته الرّوحيّة و الفكريّة و العمليّة، ممّا يسمح بالمواجهة بطريقة متوازنة حاسمة، لاسيّما حين يتمّ إبراز النّماذج الواقعيّة المتحرّكة في أكثر من موقع من مواقع ساحات الصّراع، كما في مثل هذا الرّجل النّموذج، الّذي برز فجأةً من بين القوم، ليرفع صوته بنداء قويّ حاسم. (19 : 139)

4- وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ ايمَانَهُ اَتَقْتُلُونَ رَجُلا اَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللهُ وَ قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ... المؤمن : 28

ابن عبّاس: اسمه حزبيل. (الثّعلبيّ 8 : 273)

وَهْب بن مُنَبِّه : اسمه حزيقال. (الثّعلبيّ 8 : 273)

السُّدّيّ: هو ابن عم فرعون. (الطّبَريّ 11 : 54)

مثله مُقاتِِل. (الثّعلبيّ 8 : 273)

مُقاتِِل:يعني قبطيّ مثل فرعون. (3 : 711)

ابن إسحاق: خبرل. (الثّعلبيّ 8 : 273)

الطّبَريّ: اختلف أهل العلم في هذا الرّجلالمؤمن، فقال بعضهم: كان من قوم فرعون، غير أ نّه كان قد آمن بموسى، و كان يُسِرّ إيمانه من فرعون و قومه خوفًا على نفسه.

و يقال: هو الّذي نجا مع موسى. فمن قال هذا القول و تأوّ ل هذا التّأويل ،كان صوا بًا الوقف إذا أراد القارئ الوقف على قوله: {مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } لأنّ ذلك خبر متناه قد تمّ.

و قال آخرون: بل كان الرّجل إسرائيليًّا، و لكنّه كان يكتم إيمانه من آل فرعون.

و الصّواب على هذا القول لمن أراد الوقف، أن يجعل وقفه على قوله: { يَكْتُمُ ايمَانَهُ } لأنّ قوله: { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } صلة لقوله: { يَكْتُ-مُ ايمَانَهُ } فتمامه قوله: { يَكْتُ-مُ ايمَ-انَهُ } و قد ذُكر أنّ اسم هذا الرّجل المؤمن من آل فرعون: جبريل.

و أولى القولين في ذلك بالصّواب عندي القول الّذي قاله السُّدّيّ: من أنّ الرّجل المؤمن كان من آل فرعون، قد أصغى لكلامه و استمع منه ما قاله، و توقّف عن قتل موسى عند نهيه عن قتله. و قيله ما قاله، و قال له: ما أُريكم إلا ما أرى و ما أهديكم إلا سبيل الرّشاد. ولو كان إسرائيليًّا لكان حريًّا أن يعاجل هذا القائل له و لملئه ما قال بالعقوبة على قوله، لأ نّه لم يكن يستنصح بني إسرائيل، لاعتداده إيّاهم أعداء له، فكيف بقوله عن قتل موسى لو وجد إليه سبيلا ؟ و لكنّه لمّا كان من ملإ قومه استمع قوله، و كفّ عمّا كان هَمّ به في موسى. (11 : 54)

الزّجّاج: جاء فيالتّفسير أنّ هدا الرّجل - أعني مؤمن آل فرعون - كان يسمّى سِمَعان، و قيل: كان اسمه حبيبًا، ويكون { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } صفة للرّجل، و يكون { يَكْتُمُ ايم-َا‘نَهُ} معه محذوف ، ويكون المعنى يكتم إيمانه منهم، و يكون { يَكْتُمُ }من صفة {رَجُلٌ }، فيكون المعنى: و قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون.

(4 : 371)

الثّعلبيّ:اختلفوا في هذا المؤمن،فقال بعضهم: كان من آل فرعون،غير أ نّه كان آمن بموسى، و كان يكتم إيمانه من فرعون و قومه خوفًا على نفسه. [ثمّ نقل قولي السُّدّيّ و مُقاتِل و أضاف:]

و قال آخرون: كان إسرائيليًّا، و مجاز الآية : و قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون.

(8 : 272)

الطُّوسيّ : قال السُّدّيّ: كان القائل ابن عمّ فرعون، فعلى هذا يكون قوله: { اَدْخِلُوا الَ فِرْعَوْنَ اَشَدَّ الْعَذَابِ } المؤمن : 46، مخصَّصًا. و قال غيره: كان

المؤمن إسرائيليًّا يكتم إيمانه عن آل فرعون، فعلى هذا يكون الوقف عند قوله: { وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ }، و يكون قوله: { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } متعلّقًا بقوله: { يَكْتُمُ } أي يكتم إيمانه من آل فرعون. و الأوّ ل أظهر في أقوال المفسّرين. (9 : 72)

الزّمَخْشَريّ:قرئ: ( رَجْل ) بسكون الجيم، كما يقال: عَضْد في عَضُد، و كان قبطيًّا ابن عمّ لفرعون، آمن بموسى سرًّ ا. و قيل: كان إسرائيليًّا.

(3 : 423)

نحوه النّسَفيّ.

(4 : 76)

ابن عَطيّة:قرأت فرقة (رَجْل ) بسكون الجيم، كعَضْد و عَضُد و سَبْع و سَبُع، و قراءة الجمهور بضمّ الجيم.

و اختلف النّاس في هذا الرّجل، فقال السُّدّيّ وغيره: كان من آل فرعون و أهله، و كان يكتم إيمانه، ف- { يَكْتُمُ } على هذا في موضع الصّفة دون تقديم و تأخير. و قال مُقاتِل: كان ابن عمّ فرعون، و قالت فرقة: لم يكن من أهل فرعون بل من بني إسرائيل، و إنمّا المعنى: و قال رجل يكتم إيمانه من آل فرعون. ففي الكلام تقديم و تأخير. و الأوّ ل أصحّ، و لم يكن لأحد من بني إسرائيل أن يتكلّم بمثل هذا عند فرعون. و يحتمل أن يكون من غير القبط، و يقال فيه: من آل فرعون؛ إذ كان في الظّاهر على دينه، و من أتباعه. [ثمّ استشهد بشعر] (4 : 556)

الفَخْرالرّ ازيّ: فيه مسائل:

المسألة الأُولى: اختلفوا في ذلك الرّجل الّذي كان من آل فرعون، فقيل: إنّه كان ابن عمّ له، و كان جاريًا مجرى وليّ العهد، و مجرى صاحب الشّرطة. و قيل: كان قبطيًّا من آل فرعون، و ما كان من أقاربه. و قيل: إنّه كان من بني إسرائيل. و القول الأوّ ل أقرب، لأنّ لفظ < الآل > يقع على القرابة و العشيرة، قال تعالى: { اِلا الَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَر } القمر: 34.

و عن رسول الله(صلی الله علیه و آله) أ نّه قال: < الصّدّيقون ثلاثة: حبيب النّجّار مؤمن آل ياسين، و مؤمن آل فرعون الّذي قال: { اَتَقْتُلُونَرَجُلا اَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللهُ } و الثّالث: عليّ بن أبي طالب، و هو أفضلهم. (27 : 57)

القُرطُبيّ: ذكر بعض المفسّرين: أنّ اسم هذا الرّجل حبيب، و قيل: شمعان بالشّين المعجمة. قال السّهيليّ: و هو أصحّ ما قيل فيه. و في تاريخ الطّبَريّ رحمه الله: اسمه خبرك. و قيل: حزقيل، ذكره الثّعلبيّ عن ابن عبّاس و أكثر العلماء. الزّمَخْشَريّ: و اسمه سمعان أو حبيب. و قيل: خربيل أو حزبيل.

واختلف هل كان إسرائيليًّا أو قبطيًّا؟ فقال الحسَن و غيره: كان قبطيًّا. [إلى أن قال:]

و كان هذا الرّجل له وجاهة عند فرعون. فلهذا لم يتعرّض له بسُوء. و قيل: كان هذا الرّجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون، عن السُّدّيّ أيضًا. ففي الكلام على هذا تقديم و تأخير، و التّقدير: و قال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون.

فمن جعل الرّجل قبطيًّا ف- ( مِنْ ) عنده متعلّقة بمحذوف صفة الرّجل، التّقدير: و قال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون، أي من أهله و أقاربه. و من جعله إسرائيليًّا ف- ( مِنْ ) متعلّقة ب- { يَكْتُمُ } في موضع

المفعول الثّاني ل- { يَكْتُمُ }.

القُشَيْريّ: و مَن جعله إسرائيليًّا ففيه بُعْدٌ، لأ نّه يقال: كتمه أمر كذا و لايقال: كتم منه. قال الله تعالى: { وَ لايَكْتُمُونَ اللهَ حَديثًا ‘} النّساء : 42، و أيضًا ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول.

(15 : 306)

البَيْضاويّ: منأقاربه، و قيل: ( مِنْ ) متعلّق بقوله: { يَكْتُمُ ايمَ-انَهُ }، و الرّجل إسرائيليّ أو غريب موحّد كان ينافقهم. (2 : 334)

أبوحَيّان: قيل: كان قبطيًّا ابن عمّ فرعون، و كان يجري مجرى وليّ العهد، و مجرى صاحب الشّرطة. وقيل: كان قبطيًّا ليس من قرابته. و قيل: قيل فيه: { مِنْ ا"لِ فِرْعَوْنَ}، لأ نّه كان في الظّاهر على دينه و دين أتباعه. و قيل: كان إسرائيليًّا و ليس من آل فرعون، و جُعل { الِ فِرْعَوْنَ } متعلّقًا بقوله: { يَكْتُمُ ايمَانَهُ }، لا في موضع الصّفةل- { رَجُلٌ }، كما يدلّ عليه الظّاهر.

و هذا فيه بُعْد؛ إذ لم يكن لأحد من بني إسرائيل أن يتجاسر عند فرعون بمثل ما تكلّم به هذا الرّجل. و قد رُدّ قول من علّق { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } ب- { يَكْتُمُ } فإنّه لايقال: كتمت من فلان كذا، إنّما يقال: كتمت فلا نًا كذا، قال تعالى: { وَ لاَيَكْتُمُونَ اللهَ حَديثًا ‘} النّساء: 42. [ثمّ استشهد بشعر]

قيل: و اسمه سمعان، و قيل: حبيب، و قيل: حزقيل. و قرأ الجمهور: { رَجُلٌ } بضمّ الجيم، و قرأ عيسى، و عبد الوارث، و عبيد بن عقيل، و حمزة بن القاسم عن أبي عمرو، بسكون، و هي لغة تميم و نجد. (7 : 460)

البُرُوسَويّ: كان ذلك الرّجل المؤمن من أقارب فرعون، أي ابن عمّه، و هو منذر موسى بقوله: { اِنَّ الْمَلاَيَاْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } القصص : 20، كما سبق فى سورة القصَص، و اسمه شمعان بالشّين المعجمة، و هو أصحّ ما قيل فيه، قاله الإمام السّهيليّ. و فىتاريخ الطّبَرىّ اسمه جبريل، و قيل: حبيب النّجّار، و هو الّذي عمل تابوت موسى حين أرادت أُمّه أن تُلقيه فى اليَمّ، و هو غير حبيب النّجّار صاحب يس,. و قيل: خربيل ابن نوحائيل أو حزقيل، و يدلّ عليه قوله : < سُبّاق الأُمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين : حزقيل مؤمن آل فرعون، و حبيب النّجّار صاحب يس, و عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه >، و هو رضي الله عنه أفضلهم، كما فى إنسان العيون نقلا عن العرآئس. [إلى أن قال:]

قال فى < التّكملة >: فإن قلت: الآل قد يكون فى غير القرابة، بدليل قوله تعالى: { اَدْخِلُوا الَ فِرْعَوْنَ اَشَدَّ الْعَذَابِ } المؤمن : 46، و لم يُرد الأكل من كان على دينه من ذوى قرابته و غيرهم.

فالجواب: أنّ هذا الرّجل لم يكن من أهل دين فرعون، و إنّما كان مؤمنًا، فإذا لم يكن من أهل دينه، فلم يبق لوصفه بأ نّه من آله إلا أن يكون من عشيرته، انتهى.

و قيل: كان إسرائيليًّا ابن عمّ قارون، أو أبوه من آل فرعون و أُمّه من بنى إسرائيل، فيكون { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } صلة { يَكْتُمُ } و فيه أ نّه لامقتضى هنا

لتقديم المتعلِّق، و أيضًا أنّ فرعون كان يعلم إيمان بنى إسرائيل؛ ألاترى إلى قوله: { اَبْ-نَاءَ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا مَعَهُ } المؤمن : 25، فكيف يمكنهم أن يفعلوا كذلك مع فرعون؟ و قيل: كان عربيًّا موحّدً ا ينافقهم لأجل المصلحة. (8 : 176)

شُبّر: ابن خاله، و قيل: ابن عمّه، و كلاهما مرويّان. (5 : 342)

الآلوسيّ: قيل: كان قبطيًّا ابن عمّ فرعون،و كان يجري مجرى وليّ العهد، و مجرى صاحب الشّرطة. و قيل: كان إسرائيليًّا، و قيل: كان غريبًا ليس من الفئتين، و وصفه على هذين القولين بكونه { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } باعتبار دخوله في زُمرتهم و إظهار أ نّه على دينهم و ملّتهم، تقيّةً و خوفًا. و يقال نحو هذا في الإضافة في مؤمن آل فرعون الواقع في عدّة أخبار.

و قيل: { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } على القولين متعلّق بقوله تعالى: { يَكْتُمُ ايمَ-انَهُ } و التّقديم للتّخصيص، أي رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون دون موسى و من اتّبعه. و لابأس على هذا في الوقف على { مُؤْمِنٌ } و اعتُرض بأن < كتم > يتعدّى بنفسه دون < مِن > فيقال: كتمت فلا نًا كذا، دون كتمت من فلان، قال الله تعالى: { وَ لايَكْتُمُونَ اللهَ حَديثًا‘ } [ثمّ استشهد بشعر]

و أراد على ما في < البحر > كتمتك أحاديث نفس و همين، و فيه أ نّه صرّح بعض اللُّغويّين بتعدّيه ب- <مِن> أيضًا. قال في< المصباح> من باب < قتل > يتعدّى إلى مفعولين، و يجوز زيادة من المفعول الأوّ ل، فيقال: كتمت من زيد، الحديث، كما يقال: بعته الدّ ار و بعتها منه. نعم تعلّقه بذلك خلاف الظّاهر، بل الظّاهر تعلّقه بمحذوف وقع صفة ثانية ل- { رَجُلٌ }و الظّاهر على هذا كونه من آل فرعون حقيقةً، و في كلامه المحكيّ عنه بعد ما هو ظاهر في ذلك.

و اسمه قيل: شمعان بشين معجمة، و قيل: خربيل بخاء معجمة مكسورة و راء مهملة ساكنة، وقيل: حزبيل بحاء مهملة و زاي معجمة، و قيل: حبيب. و قرأ عيسى و عبد الوارث و عبيد بن عقيل و حمزة بن القاسم عن أبي عمرو ( رَجْل ) بسكون الجيم و هي لغة تميم و نجد. (24 : 63)

ابن عاشور: عطف قول هذا الرّجل يقتضي أ نّه قال قوله هذا في غير مجلس شورى فرعون، لأ نّه لو كان قوله جاريًا مجرى المحاورة مع فرعون في مجلس استشارته، أو كان أجاب به عن قول فرعون:{ ذَرُونى اَقتُلْ مُوسى } المؤمن : 26، لكانت حكاية قوله بدون عطف على طريقة المُحاورات. و الّذي يظهر أنّ الله ألهم هذا الرّجل بأن يقول مقالته إلهامًا، كان أوّ ل مظهر من تحقيق الله لاستعاذة موسى بالله. فلمّا شاع توعُّد فرعون بقتل موسى جاء هذا الرّجل إلى فرعون ناصحًا، و لم يكن يتّهمه فرعون، لأ نّه من آله.

و خطابه بقوله: { اَتَقْتُلُونَ } موجّه إلى فرعون، لأنّ فرعون هو الّذي يُسنَد إليه القتل، لأ نّه الآمر به، و لحكاية كلام فرعون عقّب كلام مؤمن آل فرعون بدون عطف بالواو في قوله: { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا اُريكُمْ اِلا

مَا اَرى } المؤمن : 29.

و وصفُه بأ نّه { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } صريح في أ نّه من القبط، و لم يكن من بني إسرائيل خلافًا لبعض المفسّرين؛ ألاترى إلى قوله تعالى بعده: { يَا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرينَ‘ فِى الاَ_رْضِ فَمَنْ يَنْصُرُ نَا مِنْ بِاْسِ اللهِ اِنْ جَاءَنَا }المؤمن : 29، فإنّ بني إسرائيل لم يكن لهم مُلك هنالك.

و الأظهر أ نّه كان من قرابة فرعون و خاصّته، لما يقتضيه لفظ( ال ) من ذلك حقيقةً أو مجازً ا. و المراد أ نّه مؤمن بالله و مؤمن بصدق موسى، و ما كان إيمانه هذا إلا لأ نّه كان رجلا صالحًا اهتدى إلى توحيد الله. إمّا بالنّظر في الأدلّة، فصدّق موسى عندما سمع دعوته... و كان كتمه الإِيمان متجدّدً ا مستمرًّ ا تقيّةً من فرعون و قومه؛ إذ علم أنّ إظهاره الإيمان يُضرّه و لاينفع غيره، كما كان سقراط يكتم إيمانه بالله في بلاد اليونان، خشية أن يقتلوه انتصارً ا لآلهتهم.

و أراد بقوله : { اَتَقْتُلُونَ رَجُلا } إلى آخره أن يسعى لحفظ موسى من القتل، بفتح باب المجادلة في شأنه، لتشكيك فرعون في تكذيبه بموسى، و هذا الرّجل هو غير الرّجل المذكور في سورة القصص : 20، في قوله تعالى: { وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ يَسْعى } فإنّ تلك القصّة كانت قُبَيْل خروج موسى من مصر، و هذه القصّة في مبدإ دخوله مصر. و لم يوصف هنالك بأ نّه مؤمن و لابأ نّه من آل فرعون، بل كان من بني إسرائيل، كما هو صريح سفر الخروج.

والظّاهر أنّ الرّجل المذكور هنا كان رجلا صالحًا نظّارً ا في أدلّة التّوحيد، و لم يستقرّ الإيمان في قلبه على وجهه إلا بعد أن سمع دعوة موسى، و إنّ الله يقيّض لعباده الصّالحين حُماة عند الشّدائد.

قيل: اسم هذا الرّجل حبيب النّجّار، وقيل:سمعان، و قد تقدّم في سورة < يس, > أنّ حبيبالنّجّار من رُسل عيسى ، و قصّة هذا الرّجل المؤمن من آل فرعون غير مذكورة في « التّوراة » بالصّريح، و لكنّها مذكورة إجمالا في الفقرة السّابعة من الإصحاح العاشر: « فقال عبيد فرعون: إلى متى يكون لنا هذا، أي موسى فخًّا أطْلِق الرّجال ليعبدو ا الرّبّ إلههُم ».

(24 : 183)

مَغْنِيّة: هذا رجل من قوم فرعون، آمن بالله عن صدق و يقين، و لكنّه كتم إيمانه خوفًا على نفسه من القتل. و لمّا أراد فرعون الشّرّ بموسى دفعت به حرارة الإيمان الخالص إلى أن يحذر و يستنكر، و لكن بأُسلوب العالِم العاقل و النّاصح المُشفِق، و قال فيما قال: ما ذا جنى هذا الرّجل حتّى استحقّ منكم القتل؟ أ لأ نّه قال: ربّي الله؟ و معه الحجّة القاطعة الّتي أفحَمْتُكم و أعجَزْ تُكم، كاليد البيضاء و العصا الّتي تلقف ما تأفكون؟! . (6 : 448)

الطَّباطَبائيّ:ظاهر السّياق أنّ{ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } صفة { رَجُلٌ } و { يَكْتُمُ ايمَانَ-هُ } صفة أُخرى، فكان الرّجل من القبط من خاصّة فرعون، و هم لايعلمون بإيمانه لكتمانه إيّاهم ذلك تقيّةً.

و قيل: قوله: { مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } مفعول ثان لقوله: { يَكْتُمُ } قُدّم عليه، و الغالب فيه و إن كان التّعدّي

إلى المفعول الثّاني بنفسه، كما في قوله: { وَ لايَكْتُمُونَ اللهَ حَديثًا ‘} النّساء : 42، لكنّه قد يتعدّى إليه ب- < مِن > كما صرّح به في < المصباح >.

و فيه أنّ السّياق يأباه، فلانكتة ظاهرة تقتضي تقدّم المفعولالثّاني على الفعل من حصر و نحوه. على أنّ الرّجل يُكرّر نداء فرعون و قومه بلفظة { يَا قَوْمِ }، و لو لم يكن منهم لم يكن له ذلك. (17 : 328)

فضل الله: مؤمن آل فرعون: نموذج إنسانيّ إيمانيّ { وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ ايمَانَ-هُ }. وهذا نموذج إنسانيّ إيمانيّ، يريد القرآن أن يُقدّمه لنا، عبر ما يُمثّله من مواقف في تاريخ العقيدة الإِلهيّة و حركة الأنبياء، و تأثيرها في حياة مجتمعاتهم الكافرة و الضّالّة، و يضعه في مستوى الظّاهرة البارزة، بسبب الموقف الرّ ائع الّذي اتّخذه في عمليّة التّحدّي.

فليس من المستَبعَد أن ينشأ إنسان مؤمن في مجتمع الكفر بصورة عامّة، و لكنّ من المستَبعَد جدًّ ا أن يكون هذا الإنسان المؤمن جزءً من الجهاز الحاكم الّذي يرعى حركة الكفر و يُنمّيها، و يحارب كلّ من يعارضها أو يقف في وجهها، باعتبار أنّ الكفر هو مصدر امتيازات الحكم الّتي حصل عليها. و بالتّالي فإنّ سيادة الإيمان في المجتمع تفقده قداسة الشّخصيّة و قداسة المركز، و هو أمر نلاحظه في وضعيّة فرعون بالنّسبة لمجتمعه، فهو كان يحكم المجتمع من موقع شعور النّاس بقداسته، لأ نّه يُجسّد الأُلوهيّة أو يحمل جزءً منها، يبرّر مطالبتهم بالخضوع له و تقديسه.(20 : 33)

5 - مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فى جَوْ فِهِ...

الأحزاب : 4

ابن عاشور: لفظ { رَجُل } لامفهوم له، لأ نّه أُريد به الإنسان، بناءً على ما تعارفوه في مخاطباتهم من نوط الأحكام و الأوصاف الإنسانيّة بالرّجال، جريًا على الغالب في الكلام، ما عدا الأوصاف الخاصّة بالنّساء، يُعلَم أيضًا أ نّه لايُدْعى لامرأة أنّ لها قلبين بحكم فحوى الخطاب أو لحن الخطاب. (21 : 183)

6 - وَ قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْ ا"نُ عَلى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيمٍ‘. الزّخرف : 31

مُجاهِد: عتبة بن ربيعة من أهل مكّة و ابن عبد ياليل الثّقفيّ من الطّائف. (الطّبَريّ 11 : 181)

قَتادَة: الرّجل: الوليد بن المغيرة، قال: لو كان ما يقول محمّد حقًّا أنزل عليّ هذا أو على ابن مَسعود الثّقفيّ . (الطّبَريّ 11 : 181)

نحوه الفَرّ اء.

(3 : 31)

السُّدّيّ: الوليد بن المغيرة القرشيّ و كنانة بن عبد بن عمرو بن عُمير عظيم أهل الطّائف.

(الطّبَريّ 11 : 182)

مُقاتِل: القريتان مكّة والطّائف و كان عظمة أنّ الوليد عظيم أهل مكّة في الشّرف، و أبا مَسعود عظيم أهل الطّائف في الشّرف. (3 : 794)

ابن زَيْد: كان أحد العظيمين عُروة بن مَسعود الثّقفيّ، كان عظيم أهل الطّائف. (الطّبَريّ 11 : 181)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: و قال هؤلاء

المشركون بالله من قريش، لمّا جاءهم القرآن من عند الله: هذا سحر، فإن كان حقًّا، فهلا نُزّ ل على رجل عظيم من إحدى هاتين القريتين: مكّة أو الطّائف...

و اختُلف في الرّجل الّذي وصفوه بأ نّه عظيم،فقالوا: هلا ن-ُزّل عليه هذا القرآن، فقال بعضهم: هلا ن-ُزّل على الوليد بن المُغيرة المخزوميّ من أهل مكّة،أو حبيب بن عمرو بن عُمير الثّقفيّ من أهل الطّائف؟

و قال آخرون: بل عُني به عُتْبَة بن ربيعة من أهل مكّة، و ابن عبد ياليل من أهل الطّائف.

و قال آخرون: بل عُني به من أهل مكّة: الوليد بن المُغيرة، و من أهل الطّائف: ابن مَسعود.

و قال آخرون: بل عُني به من أهل مكّة: الوليد بن المغيرة، و من أهل الطّائف: كنانة بن عبيد بن عمرو.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب أن يقال، كما قال جلّ ثناؤه مخبرً ا عن هؤلاء المشركين : { وَ قَالُوا لَوْ لا ن-ُزِّلَ هذَا الْقُرْ ا"نُ عَلى" رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيمٍ‘ } إذ كان جائزً ا أن يكون بعض هؤلاء، و لم يضع الله تبارك و تعالى لنا الدّ لالة على الّذين عُنُوا منهم في كتابه و لاعلى لسان رسوله(صلی الله علیه و آله) ،و الاختلاف فيه موجود على ما بيّنت. (11 : 181)

نحوه المَيْبُديّ.

(9 : 58)

الزّجّاج: الرّجلان أحدهما: الوليد بن المغيرة المخزوميّ من أهل مكّة، و الآخر: حبيب بن عمرو بن عُمير الثّقفيّ من أهل الطّائف. (4 : 309)

الزّمَخْشَريّ: قرئ ( عَلى" رجْل ) بسكون الجيم. [ثمّ نقل الأقوال:]

(3 : 485)

نحوه القُرطُبيّ (16 : 83)، و البُرُوسَويّ (8 : 365).

الطَّبْرِسيّ: [اكتفى بنقل بعض الأقوال] (5 : 46)

الفَخْرالرّ ازيّ: قال المفسّرون: و الّذي بمكّة هو الوليد بن المغيرة، والّذي بالطّائف هو عُروة بن مَسعود الثّقفيّ. (27 : 209)

الطَّباطَبائيّ: [نقل الأقوال الّتي في< مجمع البيان> و أضاف:]

و الحقّ أنّ ذلك من تطبيق المفسّرين، و إنّما قالوا ما قالوا على الإبهام، و أرادوا أحد هؤلاء من عظماء القريتين، على ما هو ظاهر الآية. (18 : 98)

فضل الله: و هذا أُسلوب جديد من أساليبهم المثيرة الّتي يستهدفون من خلالها احتواء تأثيرات الدّعوة الإِيجابيّة على النّاس، و إرباك الوجدان العامّ حولها.

و يعتمد هذا الأُسلوب على التّركيز على العنصر الطّبقيّ في عقليّة المجتمع الجاهليّ، الّذي يرى أنّ الرّجال الكبار الّذين يملكون الموقع الاجتماعيّ المميَّز، هم وحدهم الّذين يحقّ لهم أن يتولّوا قيادة المجتمع، بما يحملونه من أفكار، و بما يحرّكونه من أوضاع، و هم الموقع الطّبيعيّ الّذي يجب أن تنزل عليه الرّسالات من الله - إذا كانت مسألة الوحي في الرّسالة أمرً ا واردً ا بالنّسبة للعقل - لأ نّهم يملكون تحريك الرّسالة في وجدان النّاس من خلال قوّة تأثيرهم على مواقع حياتهم، في ما يملكونه من أُمورهم الاقتصاديّة و الاجتماعيّة الّتي تمكّنهم من الضّغط

عليهم.

و في ضوء ذلك، كانوا يُشيرون إلى فقر النّبيّ، و فقدانه الموقع الاجتماعيّ البارز الّذي يملكه أصحاب رؤوس الأموال، ليؤكّدوا للنّاس أنّ الرّسالة الّتي يكلّف الله ربّ العالمين بها بعضهم، فينزل الوحي عليهم، و هو القرآن الّذي يدّعي النّبيّأ نّه مُنزَل من الله، لايمكن أن تنزل على هذا الفقير اليتيم المُعدَم، الّذي لايستطيع حماية نفسه من العُدوان، فكيف يحمي دعوته، كما أ نّه لايملك الوسائل الّتي يستطيع بها التّأثير على النّاس، لأ نّهم لايسمعون إلا من الكبار في المجتمع. و لهذا كان لابدّ من أن ينزل القرآن - لو كان حقيقة - على رجل عظيم من القريتين: مكّة و الطّائف.

و قد تحدّث المفسّرون عن أسماء عديدة، كالوليد ابن المغيرة و عتبة بن أبي ربيعة من مكّة، و عُروة بن مَسعود الثّقفيّ من الطّائف، و غيرهم. و ربما كان ذلك صحيحًا و ربّما كانوا لايقصدون شخصًا بعينه. و هذا هو الأقرب، لأ نّهم تحدّثوا عن رجل عظيم من القريتين، باعتبارهما البَلدَيْن اللّذَيْن يعيشون فيهما، ما يوحي بأنّ الميزان الطّبقيّ هو مبدأ يشيرون إليه، لاشخص بعينه. (20 : 233)

رَجُلا

1- وَ لَوْجَعَلْنَاهُ مَلَكًالَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ. الأنعام : 9

ابن عبّاس: يقول: ما آتاهم إلا في صورة رجل، لأ نّهم لايستطيعون النّظر إلى الملائكة.

(الطّبَريّ 5 : 152)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: و لو جعلنا رسولنا إلى هؤلاء - العادلين بي القائلين: لولا أُنزل على محمّد ملَك بتصديقه - ملكًا ينزل عليهم من السّماء، يشهد بتصديق محمّد (صلی الله علیه و آله) و يأمرهم باتّباعه { لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا }، يقول: لجعلناه في صورة رجل منالبشر، لأ نّهم لايقدرون أن يروا الملَك في صورته.

يقول: و إذا كان ذلك كذلك، فسواء أنزلت عليهم بذلك ملَكًا أو بشرً ا؛ إذ كنت إذا أنزلت عليهم ملكًا إنّما أنزله بصورة إنسيّ، و حُججي في كلتا الحالتين عليهم ثابتة، بأ نّك صادق، و أنّ ما جئتهم به حقّ. (5 : 152)

الماوَرْديّ: يعني ولو جعلنا معه ملَكًا يدلّ على صدقه، لجعلناه في صورة رجل.

و في وجوب جعله رجلا وجهان:

أحدهما: لأنّ الملائكة أجسامهم رقيقة لاتُرى، فاقتضى أن يُجعَل رجلا لكثافة جسمه حتّى يُرى.

و الثّاني: أ نّهم لايستطيعون أن يروا الملائكة على صورهم، و إذا كان في صورة الرّجل لم يعلموا: ملَك هو أو غير ملك. (2 : 96)

و هكذا أكثر التّفاسير

2 - وَ اخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعينَ‘ رَجُلا لِميقَا‘تِنَا.

الأعراف : 155

راجع: خ ي ر: < اخْتَار >.

3- نَحْنُ اَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ اِذْ يَسْتَمِعُونَ اِلَيْكَ

وَ اِذْ هُمْ نَجْوى اِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا. الإسراء:47

راجع: س ح ر: < مَسْحُورً ا >.

4 - قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ اَكَفَرْتَ بِالَّذى‘ خَلَقَكَ مِنْ تُرَ اب ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّيكَ ’رَجُلا .

الكهف : 37

الطّبَريّ: يقول: ثمّ عدلك بشرً ا سويًّا رجلا ذكرً ا لاأُنثى. (8 : 224)

نحوه الثّعلبيّ.

(6 : 171)

الزّمَخْشَريّ:عدلك و كمَّلك إنسا نًا ذكرً ابالغًا مبلغ الرّجال. (2 : 484)

نحوه البُرُوسَويّ. (5 : 247)

5 - اَوْ يُلْقى اِلَيْهِ كَنْزٌ اَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَاْكُلُ مِنْهَا وَ قَالَ الظَّالِمُونَ اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا.

الفرقان : 8

راجع: س ح ر: < مَسْحُورً ا >.

6 - وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ ايمَانَهُ اَتَقْتُلُونَ رَجُلا اَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللهُ. المؤمن : 28

راجع: ر ج ل: < رجُل >.

7 - ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فيهِ‘ شُرَكَاءُ مُتَشَا كِسُونَ وَ رَجُلا سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا اَلْحَمْدُ للهِ بَلْ اَكْثَرُهُمْ لايَعْلَمُونَ. الزّمر : 29

الإمام عليّ علیه السلام: أنا ذاك الرّجل السّلَم لرسول الله(صلی الله علیه و آله). (الطَّبْرِسيّ 4 : 497)

ابن عبّاس: هذا مثل المؤمن يعبد ربّه وحده، وأسلم دينه و عمله لله. (388)

الإمام موسى بن جعفر علیه السلام : الرّجل السَّلَم للرّجل حقًّا عليّ و شيعته. (الطَّبْرِسيّ 4 : 497)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: مثّل الله مثلا للكافر بالله الّذي يعبد آلهة شتّى و يطيع جماعة من الشّياطين، و المؤمن الّذي لايعبُد إلا الله الواحد. يقول تعالى ذكره: { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا } لهذا الكافر { رَجُلا فيهِ‘ شُرَكَاءُ } يقول: هو بين جماعة مالكين متشاكسين، يعني مختلفين متنازعين سيّئة أخلاقهم، من قولهم: رجل شكس، إذا كان سيّئ الخُلق، و كلّ واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه و مِلكه فيه. و { وَ رَجُلا سَلَمًا لِرَجُل } يقول: و رجلا خُلوصًا لرجل، يعنيالمؤمن الموحّد الّذي أخلص عبادته لله لايعبد غيره، و لايدين لشيء سواه بالرّبوبيّة. (10 : 631)

البُرُوسَويّ: . و المعنى: جعل الله تعالى للمشرك مثَلا ، حسبما يقود إليه مذهبه، من ادّعاء كلّ من معبوديه عبوديّته عبدً ا يتشارك فيه جماعة، يتجاذبونه و يتعاورونه في مهمّاتهم المتباينة، فى تحسّره وتوزّع قلبه. و { رَجُلا } أي و جعل للموحّد مثَلا { سَلَمًا } خالصًا { لِرَجُل } فرد ليس لغيره عليه سبيل أصلا. فالتّنكير فى كلّ منهما للأفراد، أي فردً ا من الأشخاص لفرد من الأشخاص...

و الرّجل ذكَر من بنى آدم جاوز حد الصّغر.

و تخصيص الرّجل، لأ نّه أنطق لما يجرى عليه من الضّرّ و النّفع، لأنّ المرأة و الصّبيّ قد يغفلان عن ذلك.

(7 : 103)

نحوه الآلوسيّ. (23 : 262)

مكارم الشّيرازيّ: أي إنّ هناك عبدً ا يمتلكه عدّة أشخاص، كلّ واحد منهم يأمره بتنفيذ أمر معيّن، فهذا يقول له: نَفّذِ العمل الفلانيّ، و الآخر ينهاه عن تنفيذ ذلك العمل، و هو في وسطهم كالتّائه الحيران، لايدري أيّ أمر يُنفّذ، فالأمران متناقضان و متضادّ ان، و لايدري أيًّا منهما يُرضيه؟

و الأدهى من كلّ ذلك أ نّه عندما يطلب من أحدهم توفير مستلزمات حياته، يرميه على الآخر، و الآخر يرميه على الأوّ ل، و هكذا يبقى محرومًا محتاجًا عاجزًا تائهًا. و في مقابله هناك رجل سَلَِم لرجل واحد {وَ رَجُلا سَلَمًا لِرَجُل }.

فهذا الشّخص خطّه و منهجه واضح، و وليّ أمره معلوم فلاتردّد و لاحيرة و لاتضادّ و لاتناقض، يعيش بروح هادئة، و يخطو خطوات مطمئنّة، و يعمل تحت رعاية فرد يدعمه في كلّ شيءٍ و في كلّ أمر، و في كلّ مكان. فهل أنّ هذين الرّجلين متساويان { هَلْ يَسْتَويَانِ مَثَلا }.

هذا المثال ينطبق على المشرك و الموحّد، فالمشرك يعيش في وسط المتضادّ ات و المتناقضات، و كلّ يوم يتعلّق قلبه بمعبود جديد، فلا استقرار في حياته و لااطمئنان و لامسير واضح يسلكه. أمّا الموحّدون فإنّهم يعشقون الله وحده، و في كلّ الأحوال يلجؤون إلى ظلّ لطفه، و لاتنظر عيونهم إلى سواه، فطريقهم و نهجهم واضح، و مصيرهم و نهايتهم واضحة أيضًا.

و جاء في حديث لأمير المؤمنين : < أنا ذاك الرّجل السّلَم لرسول الله >. و ورد في حديث آخر عنه أيضًا: < الرّجل السّلَم للرّجل حقًّا علىّ و شيعته >.

(15 : 69)

فضل الله: متشاجرون تبعًا لاختلاف مصالحهم و طباعهم السّيّئة، فكلّ واحد منهم يريد الاحتفاظ به لنفسه و توجيهه إلى أفكاره و مشاريعه، و ربطه بمصالحه و مشاريعه، ممّا يجعله موَزّع الشّخصيّة و الانتماء و الحركة، مع هذا أو ذاك. و هكذا يتمثّل المشركون الخاضعون لأ كثر من إله، في الانتماء و العبادة و الحركة.

{ وَ رَجُلا سَلَمًا لِرَجُل } أي خالصًا لرجل لايشاركه فيه أحد، فهو يتحرّ ك معه ضمن خطّةواحدة و نهج واحد، في أوامره و نواهيه و توجيهاته، فهناك وحدة في العلاقة و التّصوّر و الحركة و الانتماء. و هكذا هو الإنسان المؤمن في إيمانه بالله الواحد، و في التزامه بأوامره و نواهيه، و في انطلاقه في معنى العبادة، في توحيد العبادة لله، الّذي يؤدّي إلى شعوره بالحرّ يّة أمام النّاس كلّهم، و الكون كلّه، فلاسلطة هناك إلا سلطة الله، و لاعبادة لغيره، و لا طاعة إلا له، و لامنهج إلا منهجه في ما أنزله الله من كتاب، و أرسله من رسول.

(19 : 330)

رَجُلان

قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذينَ‘ يَخَافُونَ اَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَاِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَاِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَ عَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا اِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ‘.

المائدة : 23

ابن عبّاس: رجعوا يعني النّقباء الاثنى عشر إلى موسى، فأخبروه بما عاينوا من أمرهم، فقال لهم موسى: اكتموا شأنهم، و لاتُخبروا به أحدً ا من أهل العسكر، فإنّكم إن أخبرتموهم بهذا الخبر فَشِلوا و لم يدخلوا المدينة. فذهب كلّ رجل منهم فأخبر قريبه و ابن عمّه، إلا هذين الرّجلين يوشع بن نون، وكلاب بن يوفنة، فإنّهما كتما و لم يُخبرا به أحدً ا، و هما اللّذان قال الله عزّ و جلّ: { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذينَ‘ يَخَافُونَ اَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا }.

(الطّبَريّ 4 : 517)

نحوه مُجاهِد و قَتادَة و السُّدّيّ (.(الماوَرْديّ 2 : 26) و الزّمَخْشَريّ (1 : 604).

أ نّهما رجلان، كانافيالمدينة الجبّارين أنعم الله عليهما بالإسلام. (الماوَرْديّ 2 : 26)

الطّبَريّ: هذا خبر من الله عزّ ذكره عن الرّجلين الصّالحين من قوم موسى: يوشع بن نون، و كالب بن يوفنا، أ نّهما و فيا لموسى بما عهد إليهما من ترك إعلام قومه بني إسرائيل، الّذين أمرهم بدخول الأرض المقدّسة، على الجبابرة من الكنعانيّين، بما رأيا و عاينا من شدّة بطش الجبابرة و عِظم خلقهم، و وصفهما الله عزّ و جلّ بأ نّهما ممّن يخاف الله، و يراقبه في أمره و نهيه.

(4 : 517)

ابن عَطيّة: قال أكثر المفسّرين الرّجلان يوشع ابن نون و هو ابن أُخت موسى، و كالب بن يوفنا. و يقال فيه: كلاب، و يقال: كالوث بثاء مثلّثة، و يقال في اسم أبيه: يوفيا، و هو صهر موسى على أُخته، قال الطّبريّ: اسم زوجته مريم بنت عمران. (2 : 175)

هكذا في أكثر التّفاسير

رَجُلَيْن

وَ دَخَلَ الْمَدينَةَ‘ عَلى حينِ‘ غَفْلَة مِنْ اَهْلِهَا فَوَجَدَ فيهَا‘ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذَا مِنْ شيعَتِهِ وَ هذَا مِنْ عَدُوِّهِ...

القصص : 15

ابن عبّاس: لمّا بلغ موسى أشُدّه و كان من الرّجال، لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم و لاسُخرة، حتّى امتنعوا كلّ الامتناع، فبينا هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان: أحدهما من بني إسرائيل، و الآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيليّ على الفرعونيّ،فغضب موسى و اشتدّ غضبه، لأ نّه تناوله و هو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل و حفظه لهم، و لايعلم النّاس إلا أنّما ذلك من قِبَل الرّضاعة من أُمّ موسى، إلا أن يكون الله اطلع موسى من ذلك على علم ما لم يطّلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعونيّ فقتله،

و لم يرهما أحد إلا الله والإسرائيليّ، فقال موسى حين قتل الرّجل: { هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } الآية.

(الطّبَريّ 10 : 44)

مُجاهِد: يعني من شيعته إنّه كان اسرائيليًّا، و الآخر إنّه كان قبطيًّا. (الطُّوسيّ 8 : 136)

ابن إسحاق:من شيعته مسلم و من عَدوّه كافر.

(الماوَرْديّ 4 : 241)

الثّعلبيّ: قال عليّ بن أبي طالب : في قوله: { حينِ‘ غَفْلَة مِنْ اَهْلِهَا } كان يوم عيد لهم، قد اشتغلوا بلهوهم و لعبهم، { فَوَجَدَ فيهَا‘ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذَا مِنْ شيعَتِهِ } من أهل دينه من بني إسرائيل،{ وَ هذَا مِنْ عَدُوِّهِ }: من مخالفيه من القبط. قال المفسّرون: الّذي هو من شيعته هو السّامريّ، و الّذي من عَدُوّه طباخ فرعون، و اسمه فليثون. (7 : 240)

الواحديّ: أحدهما إسرائيليّ و الآخر قبطيّ يُسخّر الإسرائيليّ ليحمل حَطَبًا إلى مطبخ فرعون.

(3 : 393)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (4 : 243)

البَيْضاويّ: أحدهما ممّن شايعه على دينه و هم بنو إسرائيل، و الآخر من مخالفيه و هم القبط، و الإشارة على الحكاية. (2 : 189)

نحوه أبو السُّعود (5 : 116)، و البُرُوسَويّ (6 : 390).

و هكذا أكثر التّفاسير.

رِجَالِ

1 - ...وَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللهُ عَزيزٌ‘ حَكيمٌ.‘

البقرة : 228

راجع: د ر ج: < دَرَجَةٌ >.

2 - وَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَ عَلَى الاَ_عْرَ افِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسيميهُمْ ’وَ نَادَوْا اَصْحَابَ الْجَنَّةِ اَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَ هُمْ يَطْمَعُونَ.

الأعراف : 46

أبوحَيّان: و اختلف هؤلاء في تفسير { رِجَالٌ }، و قال أبومِجْلَز: ملائكة في صور رجال ذكور، و سُمّوا رجالا، لقوله: { وَ لَوْ جَعَلْنَ-اهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَ-اهُ رَجُلا }.

و قال مُجاهِد و الحسَن: هم فضلاء المؤمنين و علماؤهم. و قيل: هم الشّهداء و قاله الكَرْمانيّ، و اختاره النّحّاس. و قال: هو أحسَن ما قيل فيه. و قيل: حمزة و العبّاس و عليّ و جعفر الطّيّار، و روي هذا عن ابن عبّاس. و قيل: هم الأنبياء. (4 : 302)

الآلوسيّ: و هم العُرفاء أهل الله سبحانه وخاصّته. و قيل: و إنّما سُمّوا رجالا، لأ نّهم يتصرّفون بإذن الله تعالى فيما سواه عزّ و جلّ تصرّف الرّجال بالنّساء، و لايتصرّف فيهم شيء من ذلك. (8 : 131)

3 - اِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ. الأعراف : 81

البُرُوسَويّ: في إيراد لفظ { الرِّجَالَ } دون الغلمان و المردان و نحوهما، مبالغة في التّوبيخ.

(3 : 196)

نحوه القاسميّ. (7 : 2801)

الطَّباطَبائيّ: إتيان { الرِّجَالَ } كناية عن العملبهم بذلك، و قوله: { شَهْوَةً} قرينة عليه، و قوله: { مِنْ دُونِ النِّسَاءِ } قرينة أُخرى على ذلك، و يفيد مضافًا إلى ذلك أ نّهم كانوا قد تركوا سبيل النّساء و اكتفوا بالرّجال. و لتعدّيهم سبيل الفطرة و الخلقة إلى غيره، عدّهم متجاوزين مُسرفين، فقال: { بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ

مُسْرِفُونَ }.

(8 : 184)

4 - رِجَالٌ لاتُلْهيهِمْ تِجَارَةٌ وَ لابَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ اِقَامَِ الصَّلو"ةِ وَ ايتَ-اءِ ا لزَّ كو"ةِ يَخَافُونَ يَوْ مًا تَتَقَ-لَّبُ فيهِ‘ الْ-قُ-لُوبُ وَ الاَ_ بْصَارُ. النّور : 37

البغَويّ: قيل: خصّ الرّجال بالذّكر في هذه المساجد، لأ نّه ليس على النّساء جُمعَة و جماعة.

(3 : 420)

نحوه المَيْبُديّ (6 : 538)، و الفَخْرالرّازيّ (24 : 5)، و النَّيسابوريّ (18 : 113)، و الخازن (5 : 66).

5 - مِنَ الْمُؤْمِنينَ‘ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّ لُوا تَبْديلا ‘. الأحزاب : 23

أنس بن مالك: إ نّهم قوم لم يشهدوا بدرً ا، فعاهدوا الله ألا يتأخّروا عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) في حرب يشهدها أو أمربها، فوفوا بما عاهدوا الله عليه.

(الماوَرْديّ 4 : 389)

يحي بن سلا م: إ نّهم بايعوا الله على ألا يفرُّوا، فصدقوا في لقائهم العدوّ يوم أُحد. (الماوَرْديّ 4 : 389)

البُرُوسَويّ: قال الحكيم التّرمذيّ : خصّ الله الإنس من بين الحيوان، ثمّ خصّ المؤمنين من بين الإنس،ثمّ خصّ الرّجال من المؤمنين، فقال: { رِجَالٌ صَدَقُوا } فحقيقة الرّجوليّة الصّدق، و من لم يدخل فى ميادين الصّدق، فقد خرج من حدّ الرّجوليّة.

(7 : 158)

ابن عاشور: أعقب الثّناء على جميع المؤمنين الخُلّص على ثباتهم ويقينهم، و استعدادهم للقاء العدوّ الكثير يومئذ، و عزمهم على بذل أنفسهم و لم يقدَّر لهم لقاؤه، كما يأتي في قوله: { وَ كَفَى اللهُ الْمُؤْمِنينَ‘ الْقِتَالَ} الأحزاب : 25، بالثّناء على فريق منهم كانوا وَ فوا بما عاهدوا الله عليه وفاءً بالعمل و النّيّة، ليحصل بالثّناء عليهم بذلك ثناء على إخوانهم الّذين لم يتمكّنوا من لقاء العدوّ يومئذ، ليعلم أنّ صدق أُولئك يؤذن بصدق هؤلاء، لأنّ المؤمنين يَدٌ واحدة .

و الإخبار عنهم ب- { رِجَالٌ } زيادة في الثّناء، لأنّ الرّجل مشتقّ من < الرِّجْل > و هي قوّة اعتماد الإنسان، كما اشتُقّ الأيد من اليَدْ.

فإن كانت هذه الآية نزلت مع بقيّة آي السّورة بعد غزوة الخندق، فهي تذكير بما حصل من المؤمنين من قبل، و إن كانت نزلت يوم أُحُد، فموضعها في هذه السّورة إنمّا هو بتوقيف من النّبيّ (صلی الله علیه و آله) فهو تنبيه على المعنى الّذي ذكرناه، على تقدير أ نّها نزلت مع سورة الأحزاب. (21 : 227)

رِجَالا

1 - فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا اَوْ رُكْبَا نًا فَاِذَا اَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ. البقرة : 239

الطّبَريّ: يعني تعالى ذكره بذلك: و قوموا لله في صلاتكم مطيعين له، لما قد بيّنّاه من معناه، فإن خفتم من عدوّ لكم - أيّها النّاس - تخشونهم على أنفسكم، في حال التقائكم معهم، أن تصلُّوا قيامًا على أرجلكم

بالأرض قانتين لله، فصلُّوا { رِجَالا }: مُشاةً على أرجلكم، و أنتم في حربكم و قتالكم و جهاد عدوّكم أو { رُكْبَانًا } على ظهور دوا بّكم، فإنّ ذلك يُجزيكم حينئذ من القيام منكم، قانتين.

و لما قلنا: من أنّ معنى ذلك كذلك، جاز نصب < الرّجال > بالمعنى المحذوف؛ و ذلك أنّ العرب تفعل ذلك في الجزاء خاصّة، لأن ّثانيه شبيه بالمعطوف على أولّه. و يُبيّن ذلك أ نّهم يقولون: إن خيرً ا فخيرً ا و إن شرًّ ا فشرًّ ا، بمعنى إن تَفعَلْ خيرً ا تُصِبْ خيرً ا، و إن تَفعَلْ شرًّ ا تُصِبْ شرًّ ا، فيعطفون الجواب على الأوّ ل لانجزام الثّاني بجزم الأوّل. فكذلك قوله: { فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا اَوْ رُكْبَانًا}، بمعنى: إن خفتم أن تصلُّوا قيامًا بالأرض، فصلُّوا رجالا .

و الرّجال: جمع راجِل و رَجِل. و أمّا أهل الحجاز فإنّهم يقولون لواحد الرّجال: رَجُل، مسموع منهم: مشى فلان إلى بيت الله حافيًا رَجُلا ، و قد سُمع من بعض أحياء العرب في واحدهم رَجْلان. [ثمّ استشهد بشعر]

فمن قال: رَجْلان للذّكر، قال للأُنثى: رَجْلى، و جاز في جمع المذكّر و المؤنّث فيه أن يقال: أتى القوم رُجَالى و رَجالى، مثل كُسالى و كَسالى.

و قد حُكي عن بعضهم أ نّه كان يقرأ ذلك ( فَاِنْخِفْتُم فَرُجَّالا ) مشدّدة. و عن بعضهم أ نّه كان يقرأ ( فَرُجَالا )، و كلتا القراءتين غير جائزة القراءة بها عندنا، لخلافها القراءة الموروثة المستفيضة في أمصار المسلمين. (2 : 587)

الزّجّاج: أي فصلّوا رُكبانًا أو رِجالا ، و رجال: جمع راجِل و رجال،مثل صاحب و صحاب. (1 : 321)

نحوه البغَويّ.

(1 : 326)

الطُّوسيّ : معنى قوله: { فَرِجَالا } أي على أرجُلكم، لأنّ الرّ اجل، هو الكائن على رِجْله واقفًا كان، أو ماشيًا. واحد الرّجال: راجِل، و جمعه: رِجال، مثل تاجر و تجار، و صاحب، و صحاب، و قائم، و قيام...

و العامل في قوله: { فَرِجَالا } محذوف، و تقديره: فصلّوا رِجالا أو رُكبا نًا. (2 : 277)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (1 : 344)

الزّمَخْشَريّ: فصلّوا راجلين، و هو جمع راجِل، كقائم و قيام، أو رَجِل، يقال: رَجُلٌ رَجِْلٌ، أي راجِل. و قرئ ( فَرُجَالا ) بضمّ الرّ اء، و ( رُجَّالا ) بالتّشديد و ( رُجَّلا ). (1 : 376)

نحوه البَيْضاويّ. (1 : 127)

ابن عَطيّة:قوله تعالى: { فَرِجَالا } هو جمع: راجِل أو رجِل، من قولهم رَجِل الإنسان يَرْجَل رَجَلا ، إذا عدم المركب و مشى على قدميه، فهو رَجِل و راجِل. و رَجُل بضمّ الجيم، و هي لغة أهل الحجاز، يقولون: مشى فلان إلى بيت الله حافيًا رَجُلا ، حكاه الطّبَريّ و غيره، و رَجْلان و رجيل و رَجِل. [ثمّ استشهد بشعر]

و يُجمَع على: رِجَال و رُجَيلى و رُجالَى و رُجّالى و رَجّالة و رُجّال و رَجَالى ورُجْلان و رَجْلَة و رِجْلَة و رِجَلَة بفتح الجيم، و أرْجُلة و أراجل و أراجيل.

و الرّجُل: الّذي هو اسم الجنس يُجمَع أيضًا على رجال، فهذه الآية، و قوله تعالى: { يَاْتُوكَ رِجَالا } الحجّ : 27، هما من لفظ الرِّجْلة، أي عدم المركوب، و قوله تعالى:{ شَهيدَ‘يْنِ مِنْ رِجَِالِكُمْ } البقرة : 282، فهو جمع اسم الجنس المعروف. و حكى المهدويّ عن عِكْرِمَة و أبي مِجْلَزْ أ نّهما قرآ ( فَرُجَّالا ) بضمّ الرّ اء و شدّ الجيم المفتوحة. و عن عِكْرِمَة أيضًا أ نّه قرأ ( فَرُجَالا ) بضمّ الرّ اء و تخفيف الجيم. و حكى الطّبَريّ عن بعضهم أ نّه قرأ ( فَرُجَّلا ) دون ألف، على وزن < فُعّل > بضمّ الفاء و شدّ العين. و قرأ جمهور القرّ اء { اَوْ رُكْبَانًا } و قرأ بديل بن ميسرة ( فَرِجَالا فَرُكْبَانًا ) بالفاء. (1 : 324)

نحوه القُرطُبيّ (3 : 223)، و أبوحَيّان (2 : 243).

الفَخْرالرّ ازيّ: في الآية مسائل:

المسألة الأُولى: يُروى ( فَرُجَالا ) بضمّ الرّ اء و ( رُجَّالا ) بالتّشديد و ( رُجّلا ).

المسألة الثّانية: [في معنى الآية]

المسألة الثّالثة: في الرّجال قولان: أحدهما: رِجالا جمع راجِل، مثل تجار و تاجر و صحاب و صاحب. و الرّ اجل هو الكائن على رِجْله، ماشيًا كان أو وافقًا. و يقال في جمع راجِل: رُجَّل و رَجّالة و رُجّالة و رُجّال و رِجال.

و القول الثّاني: ماذكره القفّال، و هو أ نّه يجوز أن يكون جمع الجمع، لأنّ < راجلا > يُجمَع على رُجّل، ثمّ يُجمَع رُجّل على رِجال. (6 : 164)

الآلوسيّ: حالان من الضّمير في جواب الشّرط، أي فصلّوا راجلين أو راكبين. و الأوّ ل جمع راجِل، و هو الماشي على رِجْلَيْه، و رَجُِل بفتح فضمّ أو بفتح فكسر بمعناه. و قيل: الرّاجل: الكائن على رِجْلَيه واقفًا أو ماشيًا. (2 : 157)

و هنا مطالب راجع: خ و ف: < خِفْتُم >.

2 - وَ نَادى اَصْحَابُ الاَ_عْرَ افِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسيميهُ-مْ ’ قَالُوا مَا اَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ مَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ. الأعراف : 48

راجع: ع ر ف: < الاَ_عْرَاف >.

3 - وَ اَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاْتُوكَ رِجَالا وَ عَلى كُلِّ ضَامِر يَاْتينَ‘ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَميقٍ‘. الحجّ : 27

ابن عبّاس:مُشاة. (الطّبَريّ 9 : 135)

نحوه مُجاهِد (الطّبَريّ9 : 136)، و الطَّبْرِسيّ (4 : 81).

على أرجلهم. (الطّبَريّ 9 : 136)

ابن قُتَيْبَة: أي رَجّالةً جمع راجِل، مثل صاحِب و صِحاب. (292)

نحوه الزّجّاج.

(3 : 422)

الطّبَريّ: يقول: فإنّ النّاس يأتون البيت الّذي تأمرهم بحجّه مُشاة على أرجُلهم. (9 : 134)

نحوه الثّعلبيّ (7 : 18)، و الماوَرْديّ (4 : 18)، و الطُّوسيّ (7 : 309).

الزّمَخْشَريّ: { رِجَالا } مُشاة، جمع راجل، كقائم و قيام. و قرئ ( رُجَالا ) بضمّ الرّ اء مخفّف الجيم

و مثقّلة، و ( رُجَالَى )كعُجَالى، عن ابن عبّاس. (3 : 11)

نحوه البَيْضاويّ (2 : 90)، و البُرُوسَويّ (6 : 25).

ابن عَطيّة:{ رِجَالا }: جمع راجِل، كتاجر و تِجار. و قرأ عِكْرِمَة و ابن عبّاس و أبومِجْلَزْ و جعفر بن محمّد ( رُجَّالا ) بضمّ الرّ اء و شدّ الجيم، ككاتب و كُتّاب. و قرأ عِكْرِمَة أيضًا و ابن أبي إسحاق (رُجَالا ) بضمّ الرّ اء و تخفيف الجيم، و هو قليل في أبنيةالجمع، و رُويَتْ عن مُجاهِد و قرأ مُجاهِد: ( رُجَالَى ) على وزن < فُعَالَى > فهو كمثل كُسَالى...

و في تقديم { رِجَالا } تفضيل للمُشاة في الحجّ. قال ابن عبّاس: ما آسى على شيء فاتني إلا أن أكون حَجَجْتُ ماشيًا. (4 : 117)

الآلوسيّ: قوله سبحانه:{ رِجَالا } في موضع الحال، أي مُشاةً، جمع راجل، كقيام جمع قائم. و قرأ ابن أبي إسحاق ( رُجَالا ) بضمّ الرّ اء و التّخفيف، و روي ذلك عن عِكْرِمَة و الحسَن و أبي مِجْلَزْ، و هو اسم جمع لراجِل كطُؤار لطائر، أو هو جمع نادر، و روي عن هؤلاء و ابن عبّاس و محمّد بن جعفر و مُجاهِد رضي الله تعالى عنهم ( رُجَّالا ) بالضّمّ و التّشديد، على أ نّه جمع راجِل كتاجر و تجّار. و عن عِكْرِمَة أ نّه قرأ ( رُجَالى ) كسُكارى، و هو جمع رَجْلان أو راجِل. و عن ابن عبّاس و عطاء و ابن حدير مثل ذلك، إلا أ نّهم شدّدوا الجيم. (17 : 143)

ابن عاشور:قوله: { رِجَالا } حال من ضمير الجمع في قوله: { يَاْتُوكَ }.

و عطف عليه { وَ عَلى" كُلِّ ضَامِر } بواو التّقسيم الّتي بمعنى < أو > كقوله تعالى: { ثَيِّبَات وَ اَبْكَارً ا } التّحريم : 5؛ إذ معنى العطف هنا على اعتبار التّوزيع بين راجل و راكب، إذ الرّ اكب لايكون راجلا و لاالعكس. و المقصود منه استيعاب أحوال الآتين تحقيقًا للوعد، بتيسير الإتيان المشار إليه، بجعل إتيانهم جوابًا للأمر، أي يأتيك من لهم رواحل، و من يمشون على أرجُلهم.

و لكون هذه الحال أغرب قَدّم قوله: { رِجَالا } ثمّ ذكر بعده { وَ عَلى كُلِّ ضَامِر } تكملة لتعميم الأحوال؛ إذ إتيان النّاس لايعدو أحد هذين الوصفين. و { رِجَالا }: جمع راجل، و هو ضدّ الرّ اكب.

(17 : 176)

4 - وَ قَالُوا مَا لَنَا لا نَرى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الاَ_شْرَ ارِ. ِص : 62

راجع: ش ر ر: < الاَ_شْرَارِ >.

رِجَالِكُمْ

...وَ اسْتَشْهِدُوا شَهيدَ‘يْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَاِِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَاَتَان ِمِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَ اءِ اَنْ تَضِلَّ اِحْ-ديهُمَ-ا’... البقرة : 282

راجع: ش ه- د: < شَهيدَ‘يْنِ >.

اَرْجُلِهِمْ

وَ لَوْ اَ نَّهُمْ اَقَامُوا التَّوْريةَ وَ الاِ_نْجيلَ‘ وَ مَا اُنْزِلَ اِلَيْهِمْ مِنْ رَ بِّهِمْ لاَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ اُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثيرٌ‘ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ.

المائدة : 66

راجع: ت ح ت: < تَحْت >.

رَجِلِكَ

وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَمِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ اَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شَارِكْ-هُمْ فِي الاَ_مْوَالِ وَ الاَ_وْ لادِ وَ عِدْهُمْ وَ مَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ اِلا غُرُورً ا.

الأسراء : 64

راجع: خ ي ل: < بِخَيْلِكَ >.

الوُجُوه والنّظائر

الحيريّ: باب < الرّجال > على ثلاثة عشر وجهًا:

أحدها: الأزواج: كقوله: { وَ لِلرِّجَال عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} البقرة : 228، و قوله: { اَلرِّجَالُ قَوَّ امُون عَلَى النِّسَاءِ } النّساء : 34.

و الثّاني: المُشاةعلى الأرجُل: { فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا } البقرة : 239، و قوله: { يَاْتُ-وكَ رِجَالا } الحجّ : 27.

و الثّالث: الأحرار، كقوله: { وَ اسْتَشْهِدُوا شَهيدَ‘يْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } البقرة : 282.

و الرّ ابع: الذّكور: { وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثيرًا‘ وَ نِسَاءً } النّساء : 1، و قوله: { غَيْرِ اُولِى الاِ_رْ بَةِمِنَ الرِّجَالِ } النّور : 31.

والخامس: أصحاب الأعراف، كقوله: { وَ عَلَى الاَ_عْرَ افِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسيميهُمْ ’} الأعراف : 46.

و السّادس: المستنجون: كقوله: { فيهِ ‘رِجَالٌ يُحِبُّونَ اَنْ يَتَطَهَّرُوا } التّوبة : 108.

السّابع: الأنبياء، كقوله: { وَمَا اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ اِلا رِجَالا نُوحى اِلَيْهِمْ } يوسف : 109،نظيرها في الأنبياء : 7، و النّحل : 43.

و الثّامن: المصلّون { رِجَالٌ لاتُلْهيهِمْ تِجَارةٌ } النّور : 37.

التّاسع: الغزاة، كقوله: { مِنَ الْمُؤْمِنينَ‘ رِجَالٌ صَدَقُوا } الأحزاب : 23.

و العاشر: البالغون من أصحاب محمّد (صلی الله علیه و آله) { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَا اَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ } الأحزاب : 40.

و الحادي عشر: المسلمون: كقوله: { وَقَالُوا مَا لَنَا لانَرى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الاَ_شْرَ ارِ } ص : 62.

و الثّاني عشر: ضعفاء المسلمين: كقوله: { وَ لَوْ لا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ } الفتح : 25.

و الثّالث عشر: رجال من الجنّ، كقوله: { رِجَالٌ مِنَ الاِ_نْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ } الجنّ : 6.

باب < الرّجلين > على أربعة أوجُه:

أحدها: الشّاهدان، كقوله: { فَاِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} البقرة : 282.

و الثّاني: عثمان و أبوجهل، كقوله: { وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ اَحَدُهُمَا اَبْكَمُ لايَ-قْدِرُ عَلى" شَىْء } النّحل: 76.

والثّالث: الأحبار من الأُمم الماضية، أحدهما: مؤمن، وهو يهوذا، و الآخر: كافر، و هو أبوقرطوس، و قيل: أبوالطّروس، كقوله: { وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاَ‚حَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ اَعْنَاب } الكهف : 32.

و الرّ ابع: إسرائيليّ و قبطيّ، كقوله: { فَوَجَدَ فيهَا‘

رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلان ِ} القصص : 15، يوشع بن نون، و الثّاني: كالب بن يوفنا، كقوله: { قَالَ رَجُلان ِمِنَ الَّذينَ‘ يَخَافُونَ اَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا } المائدة : 23.

باب < الرّجُل > علىتسعة أوجُه:

أحدها: الشّاهد، كقوله: { فَرَجُلٌ وَ امْرَاَتَانِ } البقرة : 282.

و الثّاني: أخ الأُمّ، كقوله: { وَ اِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً اَوِ امْرَ اَةٌ وَ لَهُ اَخٌ اَوْ اُخْتٌ } النّساء : 12.

و الثّالث: آدم، كقوله: { وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا } الأنعام : 9، { اَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا اَنْ اَوْحَيْ-نَا اِلى" رَجُل مِنْهُمْ اَنْ اَنْذِرِ النَّاسَِ } يونس : 2.

و الرّ ابع: النّبيّ(صلی الله علیه و آله){ اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا} الإسراء : 47. نظيرها في الفرقان : 8.

و الخامس: ذكر، كقوله: {ثُمَّ سَوّيكَ رَجُلا } الكهف : 37.

و السّادس: حزقيل المؤمن، كقوله: { وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ يَسْعى } القصص : 20، { وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ ِيَكْتُمُ ايمَانَ-هُ } المؤمن : 28.

و السّابع: حبيب النّجّار ،كقوله: { وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ رَجُلٌ يَسْعى قَالَ يَاقَوْمِ } يس : 20.

و الثّامن: رجل من الرّجال، كقوله: { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فيهِ‘ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ } الزّمر : 29.

و التّاسع: الوليدبن المغيرة و أبوالسُّعود الثّقفيّ، كقوله: { وَ قَالُوا لَوْ لانُزِّلَ هذَا الْقُرْ انُ عَلى" رَجُل مِنَ الْقَرْ يَتَيْنِ عَظيمٍ‘ } الزّخرف : 31.

(277)

الدّ امغانيّ: تفسير الرّجال:

الرّجال على عشرة أوجُه: مُشاة ، بعولة، ذُكور من ولد آدم، أهل قبا، أهل بدر، المحافظون على أوقات الصّلاة، الملائكة،المستضعفون بمكّة، فقراء المسلمين، الرّسل.

فوجه منها: { رِجَالا } يعني مُشاةً، فذلك قوله في سورة البقرة : 239، { فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا } يعني مُشاةً، نظيرها في الحجّ : 27، { يَاْتُوكَ رِجَالا } يعني مُشاةً.

و الوجه الثّاني: { الرِّجَالُ } يعني البعولة، قوله تعالى في النّساء : 33، { الرِّجَالُ قَوَّ امُونَ عَلَى النِّسَاءِ } يعني البعولة، كقوله: البقرة : 228، { وَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ }.

و الوجه الثّالث: < الرّجال > يعني ذُكور بني آدم، قوله في سورة النّساء:1، { وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثيرً ا‘ وَ نِسَاءً } يعني ذُكورً ا و إناثًا،مثلها في سورة الأحزاب : 40، { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَا اَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ } يعني من ذكوركم.

و الوجه الرّ ابع:{ رِجَالٌ } يعني أهل مسجد قبا، قوله في سورة التّوبة : 108: { فيهِ‘ رِجَالٌ يُحِبُّونَ اَنْ يَتَطَهَّرُوا }.

و الوجه الخامس: { رِجَالٌ }، يعني الصّادقين من أصحاب محمّد (صلی الله علیه و آله) يوم بدر، قوله في سورة الأحزاب: 23، { رِجَالٌ صَدَقُو مَاعَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ } و هم أهل بدر.

و الوجه السّادس:{ رِجَالٌ }يعني المحافظين على أوقات الصّلاة، قوله في سورة النّور : 37، { رِجَالٌ لاتُلْهيهِ-مْ تِجَارةٌ وَ لابَيْعٌ عَنْ ذِكْر ِاللهِ }.

و الوجه السّابع:{ رِجَالٌ } و هم الملائكة،قوله في سورة الأعراف : 46، { وَ عَلَى الاَ_عْرَ افِ رِجَالٌ }، و هم الملائكة، قال أبومحمّد: و يقالأبوالحسَن.

و الوجه الثّامن: { رِجَالٌ } يعني المستضعفين في الأرض بمكّة، قوله الفتح : 25، { وَ لَوْ لا رِجَالٌ مُؤْمِِنُونَ وَ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ }.

و الوجه التّاسع: < رجال > يعني فقراء المسلمين، قوله في سورة ص : 62، إخبارً ا عن الكفّار: { وَ قَالُوا مَالَنَا لانَرى رِجَالا } يعنون فقراء المسلمين.

و الوجه العاشر: { رِجَالا } يعني الرّسل، قوله تعالى: يوسف : 109، { وَ مَا اَرْسَلْنَامِنْ قَبْلِكَ اِلا رِجَالا } يعني بشرً ا أنبياء { نُوحى‘ اِلَيْهِمْ }.

تفسير رجل

رجُل على عشرة أوجُه: شخص، أبومَسعود الثّقفيّ، و ليد بن المغيرة، آدميّ، حربيل ، أخوين من بني إسرائيل، يوشع، و كالب، حبيب النّجّار، حزقيل، الوثن، الكافر.

فوجه منها، { رَجُل } معناه شخص، قوله في سورة الأحزاب : 4، { مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ } يعني لشخص من البشر من قلبين ، { فى جَوْفِهِ }،كأ نّه يقول: ما جعل الله لرجل و لاامرأة و لاصبيّ و لامراهق من قلبين في جوفه. و يقال: نزلت في أبي مَعْمَر بن جميل بن أسد.

و الوجه الثّاني: { رَجُلٍ } يعني أبا مَسعودالثّقفيّ، و الوليد بن المغيرة، قوله في سورة الزّخرف : 31، {وَ قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْ ا"نُ عَلى" رَجُل مِنَ الْ-قَرْ يَتَيْنِ عَظيمٍ‘ } يريدون بها أبا مَسعود الثّقفيّ و الوليدبن المغيرة.

و الوجه الثّالث:< الرّجل > يعني الآدميّ، قوله: يونس : 2،{ اَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا اَنْ اَوْحَيْنَا اِلى" رَجُل مِنْهُمْ } يعني آدميّ مثلهم { اَنْ اَنْذِرِالنَّاسَ } كقوله في سورة سبأ : 7، { وَ قَالَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُل } يعني على آدميّ { يُنَبِّئُكُمْ } الآية.

و الوجه الرّ ابع: { رَجُلٌ } يعني حزبيل من آل فرعون، قال الله تعالى في سورة حم المؤمن : 28، { وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ الِ فِرْعَوْنَ } يعني حزبيل .

و الوجه الخامس:{ رَجُلَيْنِ } : أخوين من بني اسرائيل، قوله في سورة الكهف : 32، { وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ} أي أخوين من بني إسرائيل، يعني يهودا و أبوفطروس.

و الوجه السّادس: { رَجُلانِ } يعني يوشع و كالب، قال في سورة المائدة : 23، { قَالَ رَجُلان ِ} يعني يوشع و كالب بن يوحنّا.

و الوجه السّابع: { رَجُلٌ }يعني حبيب النّجّار، قوله في سورة يس : 20، { وَجَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَة ِ رَجُلٌ يَسْعى } يعني حبيب النّجّار يسعى.

و الوجه الثّامن: { رَجُلٌ } و هو حزقيل، قوله في القصص : 20، { وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ يَسْعى } و هو حزقيل.

و الوجه التّاسع: < رجُل > يعني الوثن، قوله في سورة النّحل : 76: { وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ اَحَدُهُمَا اَبْكَمُ } يعني الوثن، إلى قوله: { وَ هُوَ كَلٌّ عَلى"

مَوْليهُ } يعني الوثن كَلّ على عابده { هَلْ يَسْتَوى‘ هُوَ وَ مَنْ يَاْمُرُ بِالْعَدْلِ } يعني نفسه عزّ و جلّ.

و الوجه العاشر:{ رَجُلا } يعني الكافر،قوله في الزّمر : 29: { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فيهِ‘ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ } يعني الكافر و الشّركاء: الشّياطين. { وَ رَجُلا سَلَمًا لِرَجُل } هو المؤمن يعمل لله وحده.

(377)

نحوه الفيروزاباديّ. (بصائرذوي التّمييز3 : 41)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرِّجْل: العضو المعروف؛ و الجمع: أرجُل، و هي قدم الإنسان و غيره. و قيل: هي من أصل الفخذ إلى القدم. يقال: رَجِلَ الرّجُل يَرْجَل رَجَلا ، إذا لم يكن له ظهر في سفر يركبه، فهو راجِل و رَجُل و رَجِل ورَجيل و رَجْل و رَجْلان؛ و الجمع: رجال و رَجّالة و رُجّال و رُجالى و رُجّالى و رَجالى و رُجْلان و رَجْلَة و رِجْلَة و رِجَلَة و أرْجِلَة و أراجِل و أراجيل.

و جاءنا فلان حافيًا رَجُلا ، أي راجِلا .

و رَجِلَ رَجَلا : بقي راجلا ، و أرْجَلَه غيره.

و في الدّعاء عليه: ما له رَجِلَ، أي عَدِم المركوب فبقي راجلا .

و الرُّجْلَة: المشي راجلا . يقال: حملَكَ الله على الرُّجْلَة.

و الرُّجْلَة: أن يشكو الرّجُل رِجْلَه.

و الرُّجْلَة: القوّة على المشي.

و رَجِلَ الرّجُل يَرْجَلُ رَجَلا و رُجْلَةً، إذا كان يمشي في السّفر وحده، و لادا بّة له يركبها.

و رَجُل رُجْليّ: الّذي يغزو على رِجْلَيه، منسوب إلى الرُّجْلَة.

و الرُّجْلَة: نجابة الرّجيل من الدّوابّ و الإبل، و هو الصّبور على طول السّير.

و رَجُل راجل و رَجيل: قويّ على المشي، و كذلك البعير و الحمار؛ و الجمع: رَجْلى و رَجالى.

و امرأة رَجيلَة: قويّة على المشي، و ناقةٌ رَجيلَة أيضًا.

و الرّجيل من الرّجال: الصّلب.

و الرّجيل من النّاس: المشّاء الجيّد المشي.

و الرّجيل من الخيل: الّذي لايحفى.

و مكان رَجيل: صلب.

و طريق رَجيل، إذا كان غليظًا وعرً ا في الجبل.

و الرَّجْلَة و الرِّجْلَة: شدّة المشي.

و الرَّجْلى: الرّ اجِلَة؛ و الجمع: رِجال و رَجالى.

و الرّ اجِلَة: كبش الرّ اعي الّذي يحمل عليه متاعه. و رَجُل أرْجَل: عظيم الرِّجْل، و قد رَجِل.

و رجَلَه يَرْجُله رَجْلا : أصاب رِجْلَه.

و تَرَجّل الرّجل: ركب رِجْليه و مشى راجِلا .

و ارتجَل الرّجل ارتجالا ، إذا ركب رِجْلَيه في حاجته و مضى.

و ارتجَلْ ما ارتجَلتَ: اركَبْ ما ركِبتَ من الأُمور، على المجاز.

و حَرّة رَجْلاء: لايستطاع المشي فيها لخشونتها

و صعوبتها حتّى يُترَجّل فيها.

و تَرَجّل الزّند و ارتجلَه: وضعه تحت رِجْلَيه.

و المُرتجل: الّذي اقتدح النّار بزنده، جعلها بين رِجْلَيه و فتل الزّند في فرضها بيده حتّى يوري.

و ارتجَل الرّجل: جاء من أرض بعيدة، فاقتدح نارًا و أمسك الزّند بيديه و رِجْلَيه، لأ نّه وحده.

و تَرَجّل القوم، إذا نزلوا عن دوا بّهم في الحرب للقتال.

و رَجَل الشّاة و ارتجلَها: عقلَها برِجْليها.

و رَجَلَها يَرْجُلها رَجْلا و ارتجلَها: علّقها برِجْلها.

و المُرجّل من الزّقاق: الّذي يسلخ من رِجْل واحدة.

و رَجّلتِ المرأة ولدها: وضَعَتْه بحيث خرجت رِجْلاه قبل رأسه عند الولادة.

و الرُّجْلَة: بياض في إحدى رِجْلي الدّ ابّة، لابياض به في موضع غير ذلك. يقال: به رُجْلَة و ترجيل.

و الأرجل من الخيل: الّذي في إحدى رِجْلَيه بياض. يقال: فرس أرجَل، أي بيّن الرّجَل و الرُّجْلَة، و قد رَجِل رَجَلا .

و نعجةٌ رَجْلاء: و هي البيضاء إحدى الرِّجْلَين إلى الخاصرة و سائرها أسود.

و الرِّجْلَة: البقلة الحمقاء. يقال: هو أحمق من رِجْلَة، و ذلك لأ نّها تنبت على طرق النّاس فتُداس ، و في المسايل فيقلعها ماء السّيل؛ و الجمع: رِجَل.

و رِجْل القوس: سِيَتها السّفلى، و يدها: سِيَتها العليا.

و رِجْلا السّهم: حرفاه.

و رِجْل البحر: خليجه.

و الرِّجْل: السّراويل، و في الخبر عن النّبيّ: < أ نّه اشترى رِجْل سراويل >، أي رِجْلي سراويل، لأنّ السّراويل من لباس الرِّجْلَين.

و الرِّجْل: الطّائفة من الشّيء؛ و منه: رِجْل الجراد، و هي القطعة العظيمة منه؛ و الجمع: أرجال. و في الحديث: < كأنّ نبلهم رِجْل جراد >.

و جاءت رِجْل دفاع: جيش كبير، شُبّه برِجْل الجراد.

و الرِّجْلَة: القطعة من الوحش.

و المُرتجل: الّذي يقعبرِجْل جراد، فيشتوي منها أو يطبخ. يقال: ارتجَل فلان، أي جمع قطعة من الجراد ليشويها.

و تَرَجّل البئر ترجّلا و تَرَجّل فيها: نزلها من غير أن يُدلّى.

و ارتجَل الفرس ارتجالا : راوح بين العنق و الهملجة.

و من المجاز: فلان قائم على رِجْل، إذا حزبه أمر فقام له.

و ارتجَل الشّعر و الكلام ارتجالا ، إذا اقتضبه اقتضابًا، و تكلّم به من غير أن يهيّئه قبل ذلك.

و ارتجَل برأيه: انفرد به و لم يشاور أحدً ا فيه. يقال: أمرُ ك ما ارتجَلتَ، أي ما استبدَدتَ برأيك فيه.

و ارتجِلْ رَجَلَك: عليك شأنك فالزِمْه.

و تَرَجّل النّهار و ارتجَل: ارتفع، تشبيهًا بارتفاع الرّجل عن الصّبا.

و أتيتُه حين ترجّلت الضّحى، و ترجّلها علوّها و اختلاطها.

و الرّجَل: أن يُترَك الفصيل مع أُمّه يرضعها متى شاء، لأ نّه يمشي معها. يقال: رَجَلَها يَرْجُلها رَجْلا ، أي رضعها.

و رَجَل الرّ اعي الفصيل يَرْجُله و أرْجَلَه: أرسله مع أُمّه.

و شَعرٌ رَجَلٌ و رَجِلٌ و رَجْلٌ: بيّن السبوطة و الجعودة، كأ نّه تُرك و شأنه كما يُترَ ك الفصيل مع أُمّه و قد رَجِلَ رَجَلا ، و رجّله هو ترجيلا .

و التّرجّل و التّرجيل: تسريح الشّعر، و في الحديث: < أنّ النّبيّ نهى عن التّرجّل إلاّ غبًّا >، أي كره كثرة الادّهان و مشط الشّعر و تسويته كلّ يوم، كأ نّه كره كثرة التّرفّه و التّنعّم.و المِرْجَل: المُشْط.

و المِرْجَل: القدر من الحجارة و النّحاس، من الرّجْلاء: الصُّلبة الخشنة، لايسلكها إلاّ راجِل؛ و الجمع: مراجِل، و منه قول الإمام عليّ : < جاشَتْ مراجِل الأضغان >((1))، أي القدور.

و المُرْتجل: الّذي نصب مِرْجلا يطبخ فيه طعامًا.

و الرّجل: الذّكر من نوع الإنسان. يقال: هذا رجل، أي ليس بأُنثى؛ والجمع: رِجال، و جمع الجمع رِجالات، و تصغيره رُجَيْل و رُوَيجِل.

و الرّجُلَة: الأُنثى منه، و غلّب الذّكر على الأُنثى لكماله، فقالوا: هذا رَجُل، أي كامل. و سمّي بذلك، لأ نّه يقوم على رِجْل، و يمشي على رِجْل.

و الرُّجْلَة: مصدر الرّجُل و الرّ اجِل و الأرْجَل. يقال: رَجُل جيّد الرُّجْلَة، و رَجُل بيّن الرُّجُولَة و الرُّجْلَة و الرُّجْليّة و الرُّجُوليّة.

و هذا أرْجَل الرّجُلين: أشدّهما، أو فيه رُجْليّة ليست في الآخر.

و ما أدري أيّ ولد الرّجُل هو؟ يعني آدم .

و امرأة رَجُلَة، إذا تشبّهت بالرِّجال في الرّ أي و المعرفة، و في الحديث: < كانت عائشة رَجُلَة الرّ أي > و ترجّلت المرأة: صارت كالرّجل، و في الحديث: < أ نّه لعن المُترجّلات من النّساء >: اللا تي يتشبّهن بالرّجال في زيّهم و هيآتهم.

و في رواية: < لعن الله الرّجُلَة من النّساء >: المُتَرجّلَة.

و الرَّجْل: النّزو، لأ نّهمن صفات الرّجُل، و الرّجُل في كلام أهل اليمن: الكثير المجامعة. يقال: بات الحصان يَرْجُل الخيل.

و أرجَلتُ الحصان في الخيل، إذا أرسَلتَ فيها فحلا .

2 - و علم الرّجال: علم يُبحَث فيه أحوال رواة الحديث ذاتًا و وصفًا، و يراد بالذّات: معرفة أسمائهم و أسماء آبائهم، و بالوصف: الوقوف على صفاتهم الّتي تؤثّر في قبول الحديث أو ردّه، كالوثاقة و العدالة


1) (1) نهج البلاغة - الكتاب: (15).

و الصّدق و الضّعف والطّعن و غيرها.((1))

و أُصوله عند الإماميّة خمسة، و هي: رجال الكشّيّ، و رجال النّجاشيّ، و رجال الطُّوسيّ، و فهرست الطُّوسيّ، و رجال البرقيّ.

و نُسب إلى هذا العلم، فقيل: كتاب رجاليّ، كما نُسب إلى من حذق وتبحّر فيه، فقيل: فلان رجاليّ. و هي نسبة شاذّة، لأ نّه لايُنسب إلى لفظ مجموع غير علم و ما جرى مجراه. و القياس أن يقال: كتاب رَجُليّ، و فلان رَجُليّ. و يُنسب إلى العَلم المجموع على لفظه، مثل: أنماريّ، و إلى ما جرى مجراه كذلك، مثل: أنصاريّ.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها الاسم: مفردً ا ( رَجُل ) 24 مرّة، و مثنّى ( رَجلَيْن ) 5 مرّ ات، و جمعًا ( رِجال ) 27 مرّة، و رِجْل و رِجْلَين كلّ منهما مرّة، و اَرْجُلْ13مرةً ، و الوصف( رِجالا ) مرّتين، و رَجِل، مرّ ةً في 66 ، آية:

و يلاحظ أوّ لا : أنّها محوران: رَجُل و رِجْل: وآياتهماتنقسم إلى عقيدة و تشريع و قصص فنبحثهما معًا:

و العقيدة تنقسم إلى أربعة أصناف: التّوحيد، و الإيمان و الكفر، و المعاد يوم القيامة، و النّبوّة، و الرّسالة، و القرآن.

و التّشريع صنفان: عبادات و غيرها.

و القصص: قصص الأنبياء، من آدم إلى الخاتم صلوات الله عليهم أجمعين.

أمّا العقيدة:

فأوّلها التّوحيد، ثلاث آيات:

1 - { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَ بَّكُمُ الَّذى‘ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَ احِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثيرً ا وَنِسَاءً وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذى ‘تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ اِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيبًا } النّساء : 1

2 - { اَلَهُمْ اَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا اَمْ لَهُمْ اَيْد يَبْطِشُونَ بِهَا اَمْ لَهُمْ اَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا اَمْ لَهُمْ ا"ذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كيدُ ونِ فَلاتُنْظِرُون ِ}

الأعراف : 195

3- { وَ اللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" اَرْ بَعٍ يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَاءُ اِنَّ اللهَ عَلى" كُلِّ شَىْء قَديرٌ } النّور : 45

و في كلّ منها بُحُوث:

أُولاها: { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَ بَّكُمُ الَّذى‘ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَ احِدَة وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا...}:

1 - صدر الآية و ذيلها بيان للتّقوى، و وسطها راجع إلى التّوحيد ببيانالخليقة، و هي أوّ ل آية من سورة النّساء، و جاء فيها: { رِجَالا كَثيرً ا وَ نِسَاءً }، و قد كُرّرت لفظ النّساء فيها، فسمّيت بها.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 2) في اللُّغة: < البَثّ:


1) (1) طرائف المقال عليّ البروجرديّ (33) و دروس موجزة في علمي الرّجال و الدّراية جعفر السّبحانيّ (9).

النّشر. يقال: بثّ الله الخلق؛ و منه قوله: { كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ } القارعة : 4...

و أصل الرّ قيب من التّرقّب، و هو الانتظار؛ و منه الرُّقبى، لأنّ كلّ واحد منهما ينتظر موت صاحبه. يقال: رَ قِبَ، يَرْقُب، رَ قُوبًا، و رَ قْبَةً، و رُ قبًا، فعلى هذا يكون الرّ قيب فعيلا بمعنى الفاعل، و هو الحافظ الّذي لايغيب عنه شيء >.

3 - و قال في: { الَّذى ‘خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَ احِدَة }: < المراد بالنّفس هنا: آدم عند جميع المفسّرين، و إنّما لم يقل نفس واحد بالتّذكير، و إن كان المراد آدم، لأنّ لفظ النّفس مؤنّث بالصّيغة...>، ثمّ فسّر الآية تمامًا.

و ثانيتها: { اَلَهُمْ اَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا اَمْ لَهُمْ اَيْد يَبْطِشُونَ بِهَا اَمْ لَهُمْ اَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا...}:

1 - هذه آخر الآيات السّتّ في نفي الشّرك بدءً من الآية 190، من سورة الأعراف { فَلَمَّا ا"تيهُمَا’ صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ...}.

2 - و قوله: {فَ-لَمَّا ا"تيهُمَا’ صَالِحًا...}، من تتمّة الآية قبلها { هُوَ الَّذى ‘خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَ احِدَة وَ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا... } ، و المراد بالمثنّى{ ا"تيهُمَا’ } : آدم و زوجه .

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (2: 509): < اختُلف في من يرجع الضّمير الّذي في { جَعَلا } إليه على وجُوه:

أحدها: أ نّه يرجع إلى النّسل الصّالح، أي المعافى في الخلق و البدن، لافي الدّين، و إنّما ثنّى، لأنّ حوّ اء كانت تلد في كلّ بطن ذكرً ا و أُنثى، يعني أنّ هذا النّسل الّذين هم ذكر و أُنثى، جعلا له شركاء فيما أعطاهما من النّعمة، فأضافا تلك النّعم إلى الّذين أتّخذوهم آلهة مع الله تعالى، من الأصنام والأوثان، عن الجُبّائيّ.

و ثانيها: إنّه يرجع إلى النّفس و زوجها من وُلد آدم لاإلى آدم و حوّ اء، عن الحسَن، و قَتادَة، و هو قول الأصَمّ. قال: و يكون المعنى في قوله: { خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَ احِدَة } خلق كلّ واحد منكم من نفس واحدة، ولكلّ نفس زوج هو منها، أي من جنسها، كما قال سبحانه: { وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ اَنْفُسِكُمْ اَزْوَ اجًا لِتَسْكُنُوا اِلَيْهَا } الرّوم : 21، فلمّا تغشّى كلّ نفس زوجها { حَمَلَتْ حَمْلا خَفيفًا ‘}، و هو ماء الفحل، { فَلَمَّا اَثْقَلَتْ } بمصير ذلك الماء لحمًا و دمًا و عظمًا، دعا الرّجل و المرأة ربّهما، { لَئِنْ ا"تَيْتَنَا صَالِحًا } أي ذكرً ا سويًّا { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرينَ ‘}، و كانت عادتهم أن يئدوا البنات، { فَلَمَّا ا"تيهُمَا ’} يعني الأب و الأُمّ صالحًا، جعلا له شركاء فيما آتاهما، لأ نّهم كانوا يُسمّون عبد العُزّى، و عبد اللا ت، و عبد منات، ثمّ رجعت الكناية إلى جميعهم في قوله: { فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }. فالكناية في جميع ذلك غير متعلّقةبآدم و حوّ اء، و لو كانت متعلّقة بهما، لقال: عمّا يشركان.

و قال أبومسلم: تقدير الآية: هو الّذي خلقكم، و الخطاب لجميع الخلق، { مِنْ نَفْس وَ احِدَة }، يعني: آدم، وجعل من ذلك النّفس زوجها، و هي حوّ اء، ثمّ انقضى حديث آدم و حوّ اء، و خصّ بالذّكر المشركين من أولاد آدم الّذين سألوا ما سألوا، و جعلوا له شركاء فيما آتاهم...>.

و ثالثها: أنّ الضّمير يرجع إلى آدم و حوّ اءعلیهماالسلام

• كما سبق منّا - و يكون التّقدير في قوله: { جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ } جعل أولادهما له شركاء، فحُذف المضاف و أُقيم المضاف إليه مُقامه، فصار { جَعَلا }...>.

و ثالثتها: {وَ اللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّة مِنْ مَاء فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" بَطْنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" رِجْلَيْنِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" اَرْ بَعٍ...}:

1 - هذه من جملة الآيات السّتّ في التّوحيد من سورة النّور بدءً من الآية 41: { اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِى السَّموَ" اتِ وَ الاَ_رْضِ...}، و ختمًا بالآية 46: { لَقَدْ اَنْزَلْنَا ا"يَات مُبَيِّنَات ...}.

2 - و التّوحيد فيها من قبل ذكر ما خلق الله، و ما يُسبّح له، و ما هو ملك له من السّماوات و الأرض، والسّحاب و الماء الّذي ينزل منه، و تقليب اللّيل و النّهار، و خلق كلّ دابّة من ماءٍ. و قد جمعها في الآية 46: { لَقَدْ اَنْزَلْنَا ا"يَات مُبَيِّنَات وَ اللهُ يَهْدى ‘مَنْ يَشَاءُ اِلى" صِرَاط مُسْتَقيم ‘}، فالتّوحيد الحاصل من النّظر في ملكوت الله، و ما خلق من الإنسان و الحيوان و النّبات و السّماوات و الأرض و اللّيل و النّهار، هو صراط مستقيم.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 148) في معنى الآية: < { وَ اللهُ خَلَقَ كُلَّ دَا بَّة ...} أي كلّ حيوان يدبّ على وجه الأرض، و لايدخل فيه الجنّ و الملائكة. { مِنْ مَاء } أي من نطفة. و قيل: عنى به الماء، لأنّ أصل الخلق من الماء، لأنّ الله خلق الماء، و جعل بعضه نارً ا، فخلق الجنّ منها، و بعضه ريحًا، فخلق منه الملائكة، و بعضه طينًا فخلق منه آدم . فأصل الحيوان كلّه الماء، و يدلّ عليه قوله: { وَ جَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىْ‌ء حَىّ }. {فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" بَطْنِهِ}كالحيّة و الحوت و الدّود. {وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" رِجْلَيْنِ } كالإنس و الطّير، { وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى عَلى" اَرْ بَعٍ } كالأنعام و الوحوش و السّباع، و لم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع، لأ نّه كالّذي يمشي على أربع في رأي العين، فترك ذكره لأنّ العبرة تكفي بذكر الأربع...>.

و ثانيها: الإيمان و الكفر سبع آيات:

4 - {وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ اَحَدُهُمَا اَبْكَمُ لايَقْدِرُ عَلى" شَىْء وَ هُوَ كَلٌّ عَلى" مَوْليهُ اَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لايَاْتِ بِخَيْر هَلْ يَسْتَوى ‘هُوَ وَ مَنْ يَاْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى" صِرَ اطٍ مُسْ-تَ-قيم ‘ } النّحل : 76

5 - { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فيهِ‘ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَ رَجُلا سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا اَلْحَمْدُ للهِ بَلْاَكْثَرُهُمْ لايَعْلَمُونَ } الزّمر : 29

6 - { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَ هُوَ يُحَاوِرُهُ اَكَفَرْتَ بِالَّذى‘ خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَويكَّٰ رَجُلا }

الكهف : 37

7 - { رِجَالٌ لاتُلْهيهِمْ‘ تِجَارَةٌ وَ لابَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ اِقَامِ الصَّلو"ةِ وَ ايتَاءِ ‘الزَّكو"ةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فيهِ‘ الْقُلُوبُ وَ الاَ_بْصَارُ } النّور : 37

8 - { مِنَ الْمُؤْمِنينَ‘ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ مَا بَدَّلُوا تَبْديلا‘ } الأحزاب : 23

9 - { وَ اَ نَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الاِ_نْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ فَزَ ادُوهُمْ رَهَقًا } الجنّ : 6

10 - { مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فى جَوْفِهِ وَ مَا جَعَلَ اَزْوَ اجَكُمُ اللا "ئى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ اُمَّهَاتِكُمْ وَ مَا جَعَلَ اَدْعِيَاءَكُمْ اَبْنَاءَكُمْ ذ"لِكُمْ قَوْلُكُمْ بِاَفْوَ اهِكُمْ وَ اللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِى السَّبيلَ‘ } الأحزاب : 4

و في كلّ منها بُحُوث:

أُولاها: {وَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ اَحَدُهُمَا اَبْكَمُ لايَقْدِرُ عَلى" شَىْء ...} :

1 - هذه عطف على ما قبلها: { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْدً ا مَمْلُوكًا لايَقْدِرُ عَلى" شَىْ‌ء وَ مَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا...}، و هاتان الآيتان من جملة أمثال القرآن، ذكر الله في أُولاهما رجلين عبدً ا مملوكًا و من رزقه الله رزقًا حسنًا، و ذكر في ثانيتها رجلين: رجلا أبكم لايقدر على شيء ، و رجلا يأمر بالعدل، و هو على صراط مستقيم.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (3 : 374) في اللُّغة: < الأبكم: الّذي يولد أخرس لايُفهِم، و لايُفهَم. و قيل: الأبكم الّذي لايمكنه أن يتكلّم. و الكَلّ: الثّقل.يقال: كلّ عن الأمر يكلّ كَلا ، إذا ثقل عليه، فلم ينبعث فيه. و كلّت السّكّين كلولا ، إذا غلظت شفرتها. و كلّ لسانه، إذا لم ينبعث في القول لغلظه، و ذهاب حدّه. فالأصل فيه: الغلظ المانع من النّفوذ، و التّوجيه: الإرسال في وجه من الطّريق...>.

3 - و قال في معناها: < ثمّ بيّن سبحانه للمشركين أمر ضلالتهم، فقال: { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا عَبْدً ا مَمْلُوكًا لايَقْدِرُ عَلى" شَىْ‌ء } أي بيّن الله مثلا ، فيه بيان المقصود، تقريبًا للخطاب إلى أفهامهم، ثمّ ذكر ذلك المثل...>. و ثانيتها: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فيهِ ...}:

1 - هذه جاءت بعد { وَ لَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فى هذَا الْقُرْ ا"نِ مِنْ كُلِ‌ّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرْ ا"نًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذى عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ }، فكأ نّها من أوّ ل مصاديق تلك الأمثال.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (4 : 496) في { مُتَشَاكِسُونَ }: <و التّشاكس: التّمانع و التّنازع. تشاكسوا في الأمر تشاكسًا، و أصله من الشّكاسة، و هو سوء الخُلُق. و الاختصام: ردّ كل واحد من الاثنين ما أتى به الآخر، على وجه الإنكار عليه، و قد يكون أحدهما محقًّا، و الآخر مبطلا ، و قد يكونان جميعًا مبطلين كاليهوديّ و النّصرانيّ، وقد يكونان جميعًا محقّين >.

3 - و قال في الإعراب (4 : 497): < { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا }: ف- { رَجُلا } بدل من قوله: { مَثَلا }، والتّقدير: ضرب الله مثلا مثل رجل، فحذف المضاف. و قوله: { فيهِ ‘شُرَكَاءُ } يرتفع بالظّرف، و { رَجُلا }: عطف على الأوّ ل أي و مثل رجل سالم >.

4 - و قال في المعنى: < ثمّ ضرب سبحانه مثلا للكافر و عبادته الأصنام، فقال: { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا رَجُلا فيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ } أي مختلفون، سيّئوا الأخلاق، متنازعون. و إنّما ضرب هذا المثل لسائر المشركين، و لكنّه ذكر رجلا واحدً ا وصفه بصفة موجودة في سائر المشركين، فيكون المثل المضروب له مضروبًا لهم جميعًا، و يعني بقوله: { رَجُلا فيهِ ‘شُرَكَاءُ } أي يعبد آلهة مختلفة، و أصنامًا كثيرة، و هم متشاجرون متعاسرون، هذا يأمره، و هذا ينهاه، و يريد كلّ واحد

منهم أن يفرده بالخدمة، ثمّ يَكِل كلّ منهم أمره إلى الآخر، و يَكِل الآخر إلى الآخر، فيبقى هو خاليًا عن المنافع. و هذا حال من يخدم جماعة مختلفة الآراء و الأهواء، هذا مثَل الكافر. ثمّ ضرب سبحانه مثل المؤمن الموحّد، فقال: { وَ رَجُلا سَلَمًا لِرَجُل } أي خالصًا يعبد مالكًا واحدً ا، لايشوب بخدمته خدمة غيره، و لايأمل سواه. و من كان بهذه الصّفة نال ثمرة خدمته، لاسيّما إذا كان المخدوم حكيمًا قادرً ا كريمًا >. ثمّ روى أحاديث تأويليّة، فلاحظ.

و ثالثتها: { قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَ هُوَ يُحَاوِرُهُ اَكَفَرْتَ بِالَّذى ‘خَلَقَكَ مِنْ تُرَ اب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَويكَ ّٰرَجُلا }:

1 - هذه من تتمّة حديث رجلين و جنّتين في سورةالكهف، بَدْءً من الآية 32: { وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ...}، و ختمًا بالآية 44: {هُنَالِكَ الْوَ لايَةُ للهِ الْحَقِّ...}.

2 - و قد روى الطَّبْرِسيّ (3 : 468) نقلا عن ابن عبّاس: < يريد ابني ملك كان في بنى اسرائيل، تُوفّي و ترك ابنين، و ترك مالا جزيلا ، فأخذ أحدهما حقّه منه، و هو المؤمن منهما، فتقرّب إلى الله تعالى، و أخذ الآخر حقّه فتملّك به ضياعًا، منها هاتان الجنّتان >.

و نقل عن عليّ بن إبراهيم: < أ نّه يريد رجلا كان له بستانان كبيران، كثير الثّمار - كما حكى سبحانه - وكان له جار فقير، فافتخر الغنيّ على الفقير...، و قال:...و هذا أليق بالظّاهر...>.

3 - و قال في معناها: < { وَ هُوَ يُحَاوِرُهُ } أي يخاطبه، و يجيبه، مكفّرً ا له بما قاله: {اَكَفَرْتَ بِالَّذى‘ خَلَقَكَ مِنْ تُرَ اب } يعني أصل الخلقة، أي خلق أباك من تراب، و هو آدم . و قيل: لمّا كانت النّطفة خلقها الله سبحانه بمجرى العادة من الغذاء، و الغذاء ينبت من ترابٍ، جاز أن يقول خلقك من ترابٍ، { ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَويكَ ّٰرَجُلا } أي نقلك من حالٍ إلى حالٍ، حتّى جعلك بشرً ا سويًّا، معتدل الخلقة و القامة، و إنّما كفره بإنكاره المعاد. و في هذا دلالة على أنّ الشّكّ في البعث و النّشور كفر >.

و رابعتها: { رِجَالٌ لاتُلْهيهِمْ‘ تِجَارَةٌ وَ لابَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ...}:

1 - هذه من تتمّة آية النّور و ما بعدها،و{رِجَالٌ} فاعل لقوله في الآية قبلها: { يُسَبِّحُ لَهُ فيهَا‘ بِالْغُدُوِّ وَ الا_صَ-ا’لِ * رِجَالٌ } فهم المسبّحون.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 145): < ثمّ بيّن سبحانه المسبّح فقال: { رِجَالٌ لاتُلْهيهِمْ‘ تِجَارَةٌ } أي لاتشغلهم، و لاتصرفهم { تِجَارَةٌ وَ لابَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَ اِقَامِ الصَّلو"ةِ } أي إقامة الصّلاة. حذف الهاء لأ نّها عوض عن الواو في < إقوام >. فلمّا أضافه صار المضاف إليه عوضًا عن الهاء >.

3 - و قد وصف الله هؤلاء الرّجال بأوصاف ثلاثة:

أ - لاتلهيهم تجارة و لابيع عن ذكر الله، و الصّلاة، و الزّكاة.

ب - { يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فيهِ ‘الْقُلُوبُ وَ الاَ_بْصَارُ } و هو يوم القيامة.

ج - متمنّين جزاء ربّهم: { لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ اَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَ يَزيدَ‘هُمْ مِنْ فَضْلِهِ...}.

4 - و قال الطَّبْرِسيّ في النّظم: < اتّصلت الآية الأُولى بما قبلها اتّصال المِثْل بالمِثْل، لأ نّه تعالى لمّا بيّن وجوه المنافع و المصالح، و علم الشّرائع فيما سبق، بيّن بعده أنّ منافع أهل السّماوات و الأرض منه، لأنّ اسم< النّور > يُطلق على ذلك، كما تقدّم بيانه...>. و آية النّور و ما بعدها في سورة النّور : 35، مثال كامل عن الله و أوصافه، و بها سمّيت.

و خامستها: { مِنَ الْمُؤْمِنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ...}:

1 - هذه من تتمّة آيات نزلت في سورة الأحزاب، بشأن غزوة الأحزاب - وبها سمّيت السّورة - بدءً من الآية 9: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ اِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ...}، و ختمًا بالآية 25: { وَ رَدَّ اللهُ الَّذينَ ‘كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ...}.

2- و ذكر الطَّبْرِسيّ (4 : 340): غزوة الأحزاب باسم: قصّة غزوة الخندق نقلا عن أصحاب السّير.

3 - و قال في تفسير الآية: { مِنَ الْمُؤْمِنينَ رِجَالٌ صَدَقُوا...}: < أي بايعوا أن لايفرّوا، فصدقوا في لقائهم العدو ّ{ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ } أي مات، أو قُتل في سبيل الله، فأدرك ما تمنّى، فذلك قضاء النّحب. و قيل: { قَضى نَحْبَهُ } معناه: فرغ من عمله، و رجع إلى ربّه، يعني من استشهد يوم أُحد، عن محمّد بن إسحاق.

و قيل: معناه قضى أجله على الوفاء و الصّدق، عن الحسَن.

و قال ابن قُتَيْبَة: أصل النّحب: النّذر، و كان قومًا نذروا - إن يلقوا العدوّ - أن يقاتلوا حتّى يُقتَلوا، أو يفتح الله، فقُتِلوا. فقيل: فلان قضى نحبه، إذا قُتل...>.

و سادستها: {وَ اَ نَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الاِ_نْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَال مِنَ الْجِنِّ ...}:

1 - هذه من تتمّة قول الجنّ لمّا سمعوا القرآن، بدءً من أوّ ل السّورة، و ختمًا بالآية 15: { وَ اَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا }.

2 - و قد شرح الله فيها ما قالته الجنّ، لمّا سمعوا القرآن من أ نّه يهدي إلى الرّشد، و أ نّهم آمنوا به إلى آخرها. ثمّ قال تعالى في الآية 16: { وَ اَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَىالطَّريقَةِ ‘لاَسْ-قَيْ-نَاهُمْ مَاءً غَدَ قًا...}.

3 - و سورة الجنّ مكّيّة، فكانت قصّة الجنّ في مكّة، و في موضعها بنوا في مكّة < مسجد الجنّ >.

و سابعتها: { مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فى جَوْفِهِ...}:

1 - هذه بدءً آيتين من سورة الأحزاب في مسألتي الظّهار، و الأبناء الأدعياء إلى الآية 5، منها: { ادْعُوهُمْ لا"بَائِهِمْ هُوَ اَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ...}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 336) { مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل }: < فإنّ أمر الرّجل الواحد لاينتظم و معه قلبان، فكيف تنتظم أُمور العالم و له إلاهان معبودان؟>. و ذكر وجُوهًا أُخرى، فلاحظ.

3 - و في الآيات بعد هاتين الآيتين جاءت حكاية غزوة الأحزاب.

و ثالثها: المعاد يوم القيامة،تسع آيات:

11 - { وَ لَوْ اَنَّهُمْ اَقَامُوا التَّوْريةَ وَ الاِ_نْجيلَ‘ وَ مَا اُنْزِلَ اِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لاَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ

اَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ اُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَ كَثيرٌ‘ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ}

المائدة : 66

12 - { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى" اَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ اَوْ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِكُمْ اَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَ يُذيقَ ‘بَعْضَكُمْ بَاْسَ بَعْض اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الا"_يَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } الأنعام : 65

13 و 14 - { وَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَ عَلَى الاَ_عْرَ افِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسيميهُمْ ’وَ نَادَوْا اَصْحَابَ الْجَنَّةِ اَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَ هُمْ يَطْمَعُونَ * ...* وَ نَادى اَصْحَابُ الاَ_عْرَ افِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسيميهُمْ ’قَالُوا مَااَغْنى" عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ مَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ }

الأعراف : 46 و 48

15 - { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ اَلْسِنَتُهُمْ وَ اَيْديهِمْ‘ وَ اَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } النّور : 24

16 - { يَوْمَ يَغْشيهُمُ’ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ اَرْجُلِهِمْ وَ يَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }.

العنكبوت : 55

17 - { وَ قَالَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى" رَجُل يُنَبِّئُكُمْ اِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق اِنَّكُمْ لَفى خَلْق جَديد ‘} .

سبأ : 7

18 - { اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى" اَفْوَاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا اَيْديهِمْ‘ وَ تَشْهَدُ اَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يس, : 65

19 - { وَ قَالُوا مَا لَنَا لانَرى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الاَ_شْرَ ارِ } ص : 62

و في كلّ منها بُحُوثٌ:

أُولاها: { وَ لَوْ اَ نَّهُمْ اَقَامُوا التَّوْريةَ وَ الاِ_نْجيلَ‘ وَ مَا اُنْزِلَ اِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لاَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِهِمْ...} :

1 - هذه من جملة آيات في المنافقين و أهل الكتاب، من سورة المائدة بدءً من الآية 41: { يَاءَ يُّهَا الرَّسُولُ لايَحْزُنْكَ الَّذينَ ‘يُسَارِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذينَ ‘قَالُوا ا"مَنَّا بِاَفْوَ اهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَ مِنَ الَّذينَ ‘هَادُوا...}، وختمًا بالآية 86: { وَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِا"يَاتِنَا اُولئِكَ ’اَصْحَابُ الْجَحيمِ‘ }، و بينها آيات في الولاية بالمعنى العامّ تنزيلا و الخاصّ تأويلا .

2 - و قبلها: { وَ لَوْ اَنَّ اَهْلَ الْكِتَابِ ا"مَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْ نَا عَنْهُمْسَيِّ-ا"تِهِمْ وَ لاَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعيمِ‘ }، و المراد ب- { اَهْلَ الْكِتَابِ } فيها: اليهود و النّصارى جميعًا، كما قال في هذه الآية: {وَلَوْ اَ نَّهُمْ اَقَامُوا التَّوْريةَ وَالاِ_نْجيلَ‘...}، و التّوراة كتاب اليهود، و الإنجيل كتاب النّصارى.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 221) في معناها: { وَ لَوْ اَ نَّهُمْ اَقَامُوا التَّوْريةَ وَ الاِ_نْجيلَ‘...}: < أي: عملوا بما فيهما على ما فيهما، دون أن يُحرّفوا شيئًا منهما، أو يغيّروا، أو يبدّ لوا - كما كانوا يفعلونه - و يحتمل أن يكون معناه: عملوا بما فيهما، بأن أقاموهما نصب أعينهم، لئلا يزلّوا في شيء من حدودهما { وَ مَا اُنْزِلَ اِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ }: يريد به القرآن، عن ابن عبّاس، و اختاره الجُبّائيّ.

و قيل: المراد به كلّ ما دلّ الله عليه من أُمور الدّين { لاَكَلُوا مِنْ فَوْ قِهِمْ } بإرسال السّماء عليهم مدرارً ا، { وَمِنْ تَحْتِ اَرْجُلِهِمْ }: بإعطاء الأرض خيرها

و بركتها، عن ابن عبّاس، و قَتادَة، و مُجاهِد. و قيل: المراد: لأكلوا ثمار النّخيل و الأشجار من فوقهم، و الزّرع من تحت أرجلهم. و المعنى:...>. و قد أطال الكلام في معنى هذه الآية، فلاحظ.

و ثانيتها: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى اَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ اَوْ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِكُمْ...}:

1 - هذه من تتمّة آيات بعضها عطف على بعض في وصف الله تعالى، بدءً من الآية 59: {وَ عِنْدَهُ مَفَاتِحُالْغَيْبِ...}، ثمّ الآية 60: { وَ هُوَ الَّذى‘ يَتَوَفّيكُمْ ’ بِالَّيْلِ...}، ثمّ الآية 61: { وَ هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ...}، ثمّ الآية 65: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلى اَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا...}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 314) في لغاتها: < و اللُّبس: اختلاط الأمر، و اختلاط الكلام، و لابَسْتُ الأمر: خالطته.

و الشِّيع: الفِرَق، و كلّ فرقة شيعةٌ على حدة. و شَيّعتُ فلانًا: اتّبعتُه. و التّشيّع: هو الاتّباع على وجه التّديّن والولاء للمتبوع. و الشّيعة صارت في العرف اسمًا لمتّبعي أمير المؤمنين عليّ على سبيل الاعتقاد لإمامته بعد النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بلافصل من الإماميّة، و الزّيديّة، وغيرهم. و لايقع إطلاق هذه اللّفظة على غيرهم من المتّبعين، سواء كان متبوعيهم مُحقًّا أو مُبطلا ، إلا أن يسقط عنه لام التّعريف، و يضاف بلفظ < من > للتّبعيض، فيقال: هؤلاء شيعة بني العبّاس، أو من شيعة بني فلان >.

3 - و قال في المعنى:{ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ اَوْ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِكُمْ...}: <قيل: فيه وجُوه:

أحدها: أنّ { عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ }: عنى به الصّيحة، و الحجارة، و الطّوفان و الرّيح، كما فعل بعاد، و ثمود، و قوم شعيب، و قوم لوط.

{ اَوْ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِكُمْ } عنى به الخسف، كما فعل بقارون، عن سعيد بن جُبَيْر، و مُجاهِد.

و ثانيها: أنّ المراد بقوله: { مِنْ فَوْقِكُمْ } أي من قبل كباركم، { اَوْ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِكُمْ } من سفلتكم، عن الضّحّاك.و ثالثها: أنّ { مِنْ فَوْقِكُمْ } : السّلاطين الظّلمة، و { اَوْ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِكُمْ }: العبيد السّوء، و من لاخير فيه، عن ابن عبّاس، و هو المرويّ عن أبي عبد الله - جعفر بن محمّد - ...>ثمّ فسّر باقي الآية، فلاحظ.

و ثالثتها و رابعتها: آيتان من آيات أصحاب الأعراف، و هما الآية 46: {وَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَ عَلَى الاَ_عْرَ افِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسيميهُمْ ...}، و الآية 48: {وَ نَادى اَصْحَابُ الاَ_عْرَ افِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسيميهُمْ ’قَالُوا مَا اَغْنى "عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ مَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ }:

1 - و في أصحاب الأعراف أربع آيات: 46 - 49 من سورة الأعراف - و بها سمّيت السّورة - و هي من جملة آيات مكالمة أهل الجنّة و أهل النّار، بدءً بالآية 37 منها: {حَتىّٰ اِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْ نَهُمْ قَالُوا اَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ...}، و ختمًا بالآية 51: { اَ لَّذينَ‘ اتَّخَذُوا دينَهُمْ لَهْوً ا وَ لَعِبًا...}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 423): < ثمّ ذكر سبحانه

الفريقين في الجزاء، فقال: { وَ بَيْنَهُمَا حِجَابٌ } أي بين الفريقين أهل الجنّة، و أهل النّار ستر - و هو الأعراف - و الأعراف: سور بين الجنّة و النّار، عن ابن عبّاس، ومُجاهِد، و السُّدّيّ.

و في التّنزيل: { فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } الحديد : 13.

وقيل: الأعراف: شُرف ذلك السُّور، عن الجُبّائيّ. و قيل: الأعراف: الصّراط، عنالحسَن بن الفضل.

{ وَ عَلَى الاَ_عْرَ افِ رِجَالٌ } اختُلف في المراد ب- < الرّجال > هنا على أقوالٍ:

فقيل: إنّهم قوم استوت حسناتهم وسيّئاتهم، فحالت حسناتهم بينهم و بين النّار، و حالت سيّئاتهم بينهم و بين الجنّة، فجُعلوا هناك حتّى يقضي الله فيهم ما شاء، ثمّ يُدخلهم الجنّة، عن ابن عبّاس، و ابن مَسعود.

و ذُكر أنّ بكر بن عبد العزيز المزنيّ قال للحسَن: بلغني أ نّهم قوم استوت حسناتهم و سيّئاتهم. فضرب الحسن بيده على فخذه، ثمّ قال: هؤلاء قوم جعلهم الله على تعريف أهل الجنّة و النّار، يميّزون بعضهم من بعض، و الله لاأدري لعلّ بعضهم معنا في هذا البيت.

و قيل: إنّ الأعراف: موضع عال على الصّراط، عليه حمزة، و العبّاس، و عليّ ، و جعفر، يعرفون محبّيهم ببياض الوجُوه، و مبغضيهم بسواد الوجُوه، عن الضّحّاك، عن ابن عبّاس، رواه الثّعلبيّ بالإسناد في تفسيره.

و قيل: إنّهم الملائكة في صورة الرّجال، يعرفون أهل الجنّة و النّار، و يكونون خزنة الجنّة و النّار جميعًا، أو يكونون حفظة الأعمال الشّاهدين بها في الآخرة، عن أبي مجلز.

و قيل: إنّهم فضلاء المؤمنين، عن الحسَن، و مُجاهِد.

و قيل: إنّهم الشّهداء، و هم عدول الآخرة، عن الجُبّائيّ.

و قال أبوجعفر الباقر علیه السلام: هم آل محمّد علیهم السلام، لايدخل الجنّة إلا من عرفهم وعرفوه، و لايدخل النّار إلا من أنكرهم و أنكروه.

و قال أبوعبد الله جعفر بن محمّد علیهاالسلام: الأعراف: كثبان بين الجنّة و النّار، فيقف عليها كلّ نبيّ، وكلّ خليفة نبيّ مع المذنبين من أهل زمانه، كما يقف صاحب الجيش مع الضّعفاء من جنده، و قد سيق المحسنون إلى الجنّة، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه: أُنظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سيقوا إلى الجنّة، فيسلّم المذنبون عليهم؛ و ذلك قوله: { وَ نَادَوْا اَصْحَابَ الْجَنَّةِ اَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ }. ثمّ أخبر سبحانه أ نّهم لم يدخلوها و هم يطمعون، يعني هؤلاء المذنبين لم يدخلوا الجنّة و هم يطمعون أن يدخلهم الله إيّاها بشفاعة النّبيّ و الإمام، و ينظر هؤلاء المذنبون إلى أهل النّار، فيقولون: ربّنا لاتجعلنا مع القوم الظّالمين، ثمّ ينادي أصحاب الأعراف - و هم الأنبياء - و الخلفاء أهل النّار مقرعين لهم: ما أغنى عنكم جمعكم، و ما كنتم تستكبرون...>.

3 - و لمعرفة أصحاب الأعراف لاحظ التّفاسير، ففيهم خلاف كثير، و قد ذكرنا بعض الأقوال.

و خامستها: { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ اَلْسِنَتُهُمْ وَ اَيْديهِمْ‘ وَ اَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }:

1 - هذه من جملة آيات الإفك العشرين في سورة النّور بدءً من الآية 4: {وَ الَّذينَ‘ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاْتُوا بِاَرْ بَعَةِ شُهَدَ اءَ...}، و ختمًا بالآية 26: { الْخَبيثَا‘تُ لِلْخَبيثينَ ...}.

2 - و قد اهتمّ الله تعالىبأمر الإفك، فخصّ به و بما يلحق به عشرين آية و بدأ السّورة أيضًا بحكم الزّنى في الآيتين 2 و 3 منها: { اَلزَّ انِيَةُ وَ الزَّ انى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَ احِد مِنْهُمَا ...* الزَّ انى لايَنْكِحُ اِلا زَ انِيَةً...}. و أربع مرّ ات قال فيها: {وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ...} في الآيات 10، و 14، و 20، و 21، تأكيدً ا عقاب الإفك. و عبّر عنها في الآية 21: ب- { خُطُوَ اتِ الشَّيْطَانِ }.

3 - و قد شرح الطَّبْرِسيّ (4 : 130) أمر الإفك تحت < النّزول > و قال في معنى الإفك: < أي بالكذب العظيم الّذي قُلّب فيه الأمر عن وجهه >.

4- و قال في معنى الآية: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ...}، بيّن الله سبحانه أنّ ذلك العذاب يكون في يومٍ تشهد ألسنتهم فيه عليهم بالقذف، و سائر أعضائهم بمعاصيهم. و في كيفيّة شهادة الجوارح أقوال >، و ذكر ثلاثة أقوالٍ، فلاحظ.

و سادستها: { يَوْمَ يَغْشيهُمُ’ الْعَذَابُ مِنْ فَوْ قِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ اَرْجُلِهِمْ وَ يَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }:

1 - هذه إحدى ثلاث آيات في استعجال المشركين العذاب من سورة العنكبوت، بدءً بالآية 53: { وَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ...}، و ختمًا بهذه الآية {يَوْمَ يَغْشيهُمُ’ الْعَذَابُ...}

2 - و قال الطَّّبْرِسيّ (4 : 289): < { يَوْمَ يَغْشيهُمُ’ الْعَذَابُ...}، يعني أنّ العذاب يحيط بهم، لا أنّه يصل إلى موضعٍ منهم دون موضع، فلايبقى جزءٌ منهم إلا و هو معذّب في النّار، عن الحسَن. و هذا كقوله: { لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَ مِنْ فَوْقِهِمْ غَوَ اش } الأعراف : 41. { وَ يَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }، أي جزاء أعمالكم و أفعالكم القبيحة >.

3 - فجواب استعجالهم العذاب أمران:

أحدهما: ما جاء ذيل الآية 53: { وَ لَوْ لا اَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَ لَيَاْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لايَشْعُرُونَ }.

و ثانيهما هذه الآية: {يَوْمَ يَغْشيهُمُ’ الْعَذَابُ...}.

و سابعتها: { وَ قَالَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ...}:

1 - قد صدّر الله السّورة بالآيتين في التّوحيد، ثمّ انصرفت إلى المعاد في 3: { وَ قَالَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا لاتَاْتينَا‘ السَّاعَةُ...}، و استمرّت إلى هذه الآية، مع فصلٍ بينهما بآية قبلها بشأن القرآن: {وَ يَرَى الَّذينَ ‘اُوتُوا الْعِلْمَ الَّذى ‘اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ...}، و جاءت بعدها آية في القرآن و المعاد معًا: { اَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا اَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذينَ ‘لايُؤْمِنُونَ بِالا_خِرَةِ’...}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 379): { وَ قَالَ الَّذينَ‘ كَفَرُوا...}: < أي بعضهم لبعض، أو القادة للأتباع على وجه الاستبعاد، و التّعجّب { هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى" رَجُل }

يعنون محمّدً ا (صلی الله علیه و آله) { يُنَبِّئُكُمْ اِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق اِنَّكُمْ لَفى خَلْق جَديد ‘ } أي يزعم أ نّكم تبعثون بعد أن تكونوا عظامًا و رُفاتًا و ترا بًا، و هو قوله: { اِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّق } أي فُرّقتم كلّ تفريقٍ، و قُطّعتم كلّتقطيع، و أكلتكم الأرض و السّباع و الطّيور، و الجديد المستأنف المعاد. و المعنى: أ نّكم يُجدّد خلقكم بأن تُنشروا، و تُبعَثوا...>.

3 - و لاحظ أنّ القرآن يطرح أبحاث التّوحيد و الرّسالة و المعاد متداخلات بعضها ضمن بعضٍ، و هذه الآيات نموذج لذلك.

و ثامنتها: { اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى" اَفْوَ اهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنَا اَيْديهِمْ‘ وَ تَشْهَدُ اَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } :

1 - هذه من جملة الآيات العشرين في يوم القيامة من سورة يس, بدءً بالآية 48: { وَ يَقُولُونَ مَتى" هذَا الْوَعْدُ اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ‘}، و ختمًا بالآية 67: { وَ لَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلى" مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَ لايَرْجِعُونَ } .

2 - و قال الطَّّبْرِسيّ (4 :430): < { اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى" اَفْوَ اهِهِمْ } هذا حقيقة الختم، فتوضع على أفواه الكفّار يوم القيامة، فلايقدرون على الكلام و النّطق { تُكَلِّمُنَا اَيْديهِمْ‘ } بما عملوا، { وَ تَشْهَدُ اَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } أي نستنطق الأعضاء الّتي كانت لاتنطق في الدّنيا لتشهد عليهم، و نختم على أفواههم الّتي عُهد منها النّطق. و اختُلف في كيفيّة شهادة الجوارح على وجُوه >، و ذكرها نحو ما سبق، فلاحظ.

3 - و قد ذكر الله في جواب سؤالهم: { مَتى" هذَا الْوَعْدُ } جملةمن أحوال القيامة ثوا بًا و عقابًا، من دون بيان وقتها.

و تاسعتها: {وَ قَالُوا مَا لَنَا لانَرى رِجَالا كُنَّانَعُدُّهُمْ مِنَ الاَ_شْرَ ارِ } :

1 - هذه جاءت بعد الآيات المبشّرة للمتّقين و المنذرة للطّاغين من سورة ص, بدءً بالآية 49: { هذَا ذِكْرٌ وَ اِنَّ لِلْمُتَّقينَ‘ لَحُسْنَ مَا"ب }، و ختمًا بالآية 64: { اِنَّ ذ"لِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ اَهْلِ النَّارِ }.

2 - و قال الطَّّبْرِسيّ (4 : 484): < ثمّ حكى سبحانه عن أهل النّار بقوله: { وَ قَالُوا مَا لَنَا لانَرى رِجَالا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الاَ_شْرَ ارِ } أي يقولون ذلك حين ينظرون في النّار، فلايرون من كان يخالفهم فيها معهم، وهم المؤمنون، عن الكَلْبيّ.

و قيل: نزلت في أبي جهل، و الوليد بن المغيرة، و ذويهما، يقولون: ما لنا لانرى عمّارً ا و خَبابًا و صُهيبًا و بلالا الّذين كنّا نعِدّهم في الدّنيا من جملة الّذين يفعلون الشّرّ و القبيح، و لايفعلون الخير، عن مُجاهِد.

3 - ثمّ قال: < و روى العيّاشيّ بالإسناد، عن جابر، عن أبي عبد الله أ نّه قال: إنّ أهل النّار يقولون: ما لنا لانرى رجالا كنّا نعدّهم من الأشرار يعنونكم - يعني الشّيعة - لايرونكم في النّار، لايرون و الله أحدً ا منكم في النّار >. و هذا تأويله للآية.

و رابعها: الرّسالة و النّبوّة و القرآن 11 آيات:

20 - { وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } الأنعام : 9

21 - { اَوَعَجِبْتُمْ اَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ لِتَتَّقُوا وَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }الأعراف : 63

22 - { اَوَعَجِبْتُمْ اَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...}

الأعراف: 69

23 - { اَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا اَنْ اَوْحَيْنَا اِلى" رَجُل مِنْهُمْ اَنْ اَنْذِرِ النَّاسَ وَ بَشِّرِ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ اِنَّ هذَا لَسَاحِرٌ مُبينٌ ‘}

يونس : 2

24 - { وَ مَا اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ اِلا رِجَالا نُوحى اِلَيْهِمْ مِنْ اَهْلِ الْقُرى اَفَلَمْ يَسيرُ‘وا فِى الاَ_رْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذينَ ‘مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَدَارُ الا"_خِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذينَ ‘اتَّقَوْا اَفَلا تَعْقِلُونَ } يوسف : 109

25 - { وَ مَا اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ اِلا رِجَالا نُوحى اِلَيْهِمْ فَاس-َلُو=ا اَهْلَ الذِّكْرِ اِنْ كُنْتُمْ لاتَعْلَمُونَ }

النّحل : 43

26 - { وَ مَا اَرْسَلْنَا قَبْلَكَ اِلا رِجَالا نُوحى اِلَيْهِمْ فَاسْ-َلُو=ا اَهْلَ الذِّكْرِ اِنْ كُنْتُمْ لاتَعْلَمُونَ } الأنبياء : 7

27 - {نَحْنُ اَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ اِذْ يَسْتَمِعُونَ اِلَيْكَ وَ اِذْ هُمْ نَجْوى اِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا } الإسراء : 47

28 - { اَوْ يُلْقى" اِلَيْهِ كَنْزٌ اَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَاْكُلُ مِنْهَا وَ قَالَ الظَّالِمُونَ اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا } .

الفرقان : 8

29 - { وَ قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْ ا"نُ عَلى" رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيمٍ‘ } الزّخرف : 31

30 - { وَ اِذَا تُتْلى" عَلَيْهِمْ ا"يَاتُنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هذَا اِلا رَجُلٌ يُريدُ ‘اَنْ يَصُدَّ كُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ا"بَاؤُكُمْ وَ قَالُوا مَا هذَا اِلا اِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ اِنْ هذَا اِلا سِحْرٌ مُبينٌ ‘} سبأ : 43

و في كلّ منها بُحُوثٌ :

أُولاها: { وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَ لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } :

1 - هذه تتمّة لما قبلها حكاية عن المشركين بشأن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) وجوب الله لهم: {وَ قَالُوا لَوْ لا اُ نْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ اَ نْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِىَ الاَ_مْرُ ثُمَّ لايُنْظَرُونَ } .

2 - فالمشركون قالوا: لِمَ لم يُرسل الله بدل محمّد (صلی الله علیه و آله) مَلَكًا نبيًّا، فردّ الله عليهم بأمرين:

الأوّ ل: قال الطَّّبْرِسيّ (2 : 276): < { وَ لَوْ اَ نْزَلْنَا مَلَكًا } على ما أقترحوه، لما آمنوا به، و اقتضت الحكمة استئصالهم، و أن لايُنظرهم، و لايُمهلهم؛ و ذلك معنى قوله: { لَقُضِىَ الاَ_مْرُ ثُمَّ لايُنْظَرُونَ } أي لأُهلكوا بعذاب الاستئصال، عن الحسَن، و قَتادَة، و السُّدّيّ.

و قيل: معناه لو أنزلنا ملكًا في صورته، لقامت السّاعة، أو وجب استئصالهم، عن مُجاهِد.

الثّاني: و قال الطَّّبْرِسيّ: < ثمّ قال تعالى: { وَ لَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا } أي لو جعلنا الرّسول ملكًا، أو الّذي ينزل عليه ليشهد بالرّسالة، كما يطلبون ذلك { لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا } لأ نّهم لايستطيعون أن يروا الملك في صورته، لأنّ أعين الخلق تُحار عن رؤية الملائكة إلا بعد التّجسّم بالأجسام الكثيفة، ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس، وكان جبرائيل يأتي

النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في صورةدحية الكَلْبيّ، وكذلك نبأ الخصم إذ تسوّروا المحراب، و إتيانهم إبراهيم و لوطا في صورة الضّيفان من الآدميّين. { لَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ }. قال الزّجّاج: كانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، فيقولون: إنّما هذا بشر مثلكم. فقال: لو أنزلنا ملكًا فرأوهم...>.

3 - و قال: < و هذا احتجاج عليهم بأنّ الّذي طلبوه، لايزيدهم بيانًا، بل يكون الأمر في ذلك على ما هم عليه من الحيرة. و قيل: معناه و لو أنزلنا ملكًا لما عرفوه الا بالتّفكّر، و هم لايتفكّرون، فيبقون في اللّبس الّذي كانوا فيه، فأضاف اللّبس إلى نفسه، لأ نّه يقع عند إنزاله الملائكة >.

و ثانيتها: { اَوَعَجِبْتُمْ اَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى" رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ لِتَتَّقُوا وَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}:

1 - هذه من جملة رسالة نوح في سورة الأعراف بدءً من الآية 59: { لَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوحًا اِلى" قَوْمِهِ ...}، و ختمًا بالآية 64: { فَكَذَّبُوهُ فَاَنْجَيْنَاهُ...}.

2 - و قال الطَّّبْرِسيّ (2 : 434): < { اَوَعَجِبْتُمْ } هذه همزة استفهام دخلت على واو العطف، على جهة الإنكار، فبقيت الواو مفتوحة، كما كانت. فالكلام مستأنف من وجه متّصلٍ من وجه. { اَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ } أي لأن جاءكم بيان، و قيل: نبوّة و رسالة. { مِنْ رَبِّكُمْ عَلى" رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ } أي على بشر مثلكم ليخوّفكم العقاب إن لم تؤمنوا. و قيل: إنّ { عَلى "} هنا بمعنى < مع > أي مع رجل منكم تعرفونمولده ومنشأه، ليُعلِمَكم بموضع المخافة...>.

3 - و قال في سبب إنكاره عليهم: < و إنّما أنكر عليهم التّعجّب، لأ نّه ليس في إرساله إليهم ليُرشدهم إلى ما فيه صلاحهم موضع تعجّب. و إنّما العجب من إهمال أمرهم، كيف و وجوب الرّسالة إذا كان للخلق فيها مصلحة أمر قد اقتضته الحكمة،و دلّ عليه العقل>.

وثالثتها: { اَوَعَجِبْتُمْ اَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُل مِنْكُمْ ... }هذه من جملة قصّة عاد بدءً من الآية 64 من سورة الأعراف أيضًا : { وَ اِلى" عَادٍ اَخَاهُمْ هُودًا...} و ختمًا بالآية 71 منها: { فَاَنْجَيْنَاهُ وَالَّذينَ‘ مَعَهُ بِرِحْمَةٍ مِنَّا ...} .

2- و هي من تتمّة جواب قوم هود لقومه لمّا اتّهموه بقولهم: { اِنَّا لَنَرَاكَ فى سَفَاهَةٍ وَاِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبينَ‘* قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ ... وَاَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ اَمِينٌ * اَوَعَجِبْتُمْ ...}.

3 - و جوابه لقومه مثل جواب نوح لقومه في الآية 60 ، منها لمّا قالوا له: {اِنَّا لَنَرَاكَ فى ضَلالٍ مُبينٍ‘} فقال لهم: {ِلَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ...اَوَعَجِبْتُمْ اَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ...}.

4 - و قال الطّبرسيّ (2: 436) في اللّغة في كلمة : (اَوَعَجِبْتُمْ): < و الفرق بين العَجَب و العُجْب أنّ العُجب بضمّ العين عقد النّفس على فضيلة لها ينبغي أن يعجب منها و ليس كذلك العَجَب بفتح العين و الجيم لأ نّه قد يكون حسنًا و في المثل لا خير فيمن لا يتعجّب من العَجب و أرذل منه المتعجَب من غير عجب>.

و رابعتها : { اَكَانَلِلنَّاسِ عَجَبًا اَنْ اَوْحَيْنَا اِلى" رَجُل مِنْهُمْ...}:

1 - هذه ثاني الآيات في سورة يونس، تخاطب المشركين و تجادلهم إلى الآية 71 الّتي جاءت فيها و بعدها القصص، بدء بقصّة نوح: { وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَاَ نُوحٍ...}، و فيها آية واحدة في يونس : 98 - و بها سُمّيت السّورة - : { فَلَوْ لا كَانَتْ قَرْ يَةٌ ا"مَنَتْ فَنَفَعَهَا ايمَا نُهَا اِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا ا"مَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْىِ...}.

2 - و قال الطَّّبْرِسيّ (5 : 88): < هذه ألف استفهام، المراد به الإنكار. و قيل: إنّ المراد ب- < النّاس > هنا أهل مكّة. قالوا: نعجب أنّ الله سبحانه لم يجد رسولا يرسله إلى النّاس، إلا يتيم أبي طالب. أو التّقدير: أكان إيحاؤنا إلى رجلٍ من النّاس بأن يُنذرهم عجبًا، و معناه: لماذا تعجبون أن أوحينا إلى رجل منهم، و ليس هذا موضع التّعجّب، بل هو الّذي كان يجب فعله عند كلّ العقلاء، فإنّ الله تعالى لم-ّا أكمل لعباده عقولهم، وكلّفهم معرفته، و أداء شكره وعلم أ نّهم لايصلحون، و لايقومون بذلك إلا بداع يدعوهم إليه، و منبّه ينبّههم عليه، وجب في الحكمة أن يفعل ذلك >.

و خامستها : {وَ مَا اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ اِلا رِجَالا نُوحى اِلَيْهِمْ مِنْ اَهْلِ الْقُرى ...}:

1 - هذه من تتمّة آيات سورة يوسف بعد ختم قصّته في الآية 104: { ذ"لِكَ مِنْ اَ نْبَاءِ الْغَيْبِ...}.

و قد خاطب الله النّبيّ في الخاتمة، بدءً من الآية 103: { وَ مَا اَكْثَرُ النَّاسِوَ لَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنينَ‘} إلى آخر السّورة، بما هو بمنزلة نتيجة لتلك القصّة الطّويلة.

2 - و قال الطَّّبْرِسيّ (3 : 269): < بيّن سبحانه أ نّه إنّما أرسل الرّسل من أهل الأمصار، لأ نّهم أرجح عقلا وعلمًا من أهل البوادي، لبُعد أهل البوادي عن العلم و أهله، عن قَتادَة.

و قال الحسَن: لم يبعث الله نبيًّا قطّ من أهل البادية، و لامن الجنّ، و لامن النّساء؛ و ذلك أنّ أهل البادية يغلب عليهم القسوة و الجفاء، و أهل الأمصار أحَدُّ فطنًا...>.

3 - و قد حملوا قوله تعالى: { مِنْ اَهْلِ الْقُرى } على الأمصار فقط دون البوادي. و الظّاهر أ نّه ليس المراد ب- { الْقُرى } الأمصار خاصّة، فلاحظ آيات النّبوّة، فإنّ بعضها ينطبق على أهل البادية.

و سادستها : { وَ مَا اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ اِلا رِجَالا نُوحى اِلَيْهِمْ...}:

1 - هذه من جملة آيات سورة النّحل - و هي مكّيّة- يخاطب الله فيها المشركين و يجادلهم، و يذكر لهم آيات الله من خلقه و يُنذرهم يوم القيامة و يُذكّرهم بالوحي على النّبيّين من قبله. و هذه كلّها من مضامين السّور المكّيّة.

2 - و قد جاءت في الآية 41: { وَ الَّذينَ‘ هَاجَرُوا فِى اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِى الدُّ نْيَا حَسَنَةً...}، وفي الآية 110، منها: {ثُمَّ اِنَّ رَ بَّكَ لِلَّذينَ‘ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَ صَبَرُوا...}، فربّما يُظنّ أنّ السّورة مدنيّة من أجل ذكر الهجرة فيهما، و ليس كذلك، لأ نّهما نزلتا بشأن الّذين كانوا يُهاجرون إلىالحبشة أو بلد آخر قبل هجرة النّبيّ إلى المدينة، و لها نظير في سائر السّور.

3 - و قال الطَّّبْرِسيّ (3 : 361): < { وَ مَا اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ...} إلى الأُمم الماضية { اِلا رِجَالا } من البشر { نُوحى اِلَيْهِمْ } أي أوحينا إليهم كما أوحينا إليك، و أرسلناهم إلى أُممهم كما أرسلناك إلى أُمّتك؛ و ذلك أنّ مشركي مكّة كانوا يُنكرون أن يُرسل إليهم بشر مثلهم، فبيّن سبحانه أ نّه لايصلح أن يكون الرّسل إلى النّاس إلا من يشاهدونه، و يخاطبونه، و يفهمون عنه، و أنّه لاوجه لاقتراحهم إرسال الملك >.

4 - تتمّة هذه الآية في الآية التّالية: { بِالْبَيِّنَاتِ وَ الزُّ بُرِ }، و بينهما جملة معترضة، و هي: { فَاسْ-َلُو=ا اَهْلَ الذِّكْرِ اِنْ كُنْتُمْ لاتَعْلَمُونَ }، و الآية هكذا: { اِلا رِجَالا نُوحى اِلَيْهِمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَ الزُّ بُرِ }.

5 - و قال الطَّّبْرِسيّ { فَاسْ-َلُو=ا اَهْلَ الذِّكْرِ...}: فيه أقوال، و ذكرها تفصيلا ، و بعضها تأويل.

و سابعتها : { وَ مَا اَرْسَلْنَا قَبْلَكَ اِلا رِجَالا نُوحى اِلَيْهِمْ فَاسْ-َلُو=ا اَهْلَ الذِّكْرِ اِنْ كُنْتُمْ لاتَعْلَمُونَ }:

1 - الآيات قبلها في سورة الأنبياء، من الآية 2: { مَا يَاْتيهِمْ‘ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَث ...} إلى الآية 6: { مَا ا"مَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَة اَهْلَكْنَاهَا اَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } كانت بشأن القرآن.

و هذه الآية إلى الآيتين بعدها بيان للرّسالة، بأنّالله تعالى أرسل قبل النّبيّ رجالا أوحى إليهم، دفعًا لقول المشركين إنّ الله يجب أن يُرسل إليهم ملكًا.

2 - و هاتان الآيتان من سورتي النّحل و الأنبياء جاءتا بلفظ واحد بتفاوت { مِنْ قَبْلِكَ } و { قَبْلَكَ } في صدرهما، و إضافة { بِالْبَيِّنَاتِ وَ الزُّ بُر ِ}، ختمًا للأُولى بعد جملة معترضة - كما سبق - دون الثّانية.

3 - و المفسّرون و إن اختلفوا في: { اَهْلَ الذِّكْرِ } تفسيرً ا و تأويلا ، إلا أنّ المراد بهم بقرينة آيات أُخرى: علماء اليهود، فإنّهم كانوا يؤيّدون النّبيّ و هو في مكّة ضدّ المشركين، لكنّهم أنكروه بعد أن هاجر إلى المدينة و إليهم. و ينبغي جمع هذه الآيات الّتي أيّدوه، أو أنكروه.

و ما جاء في الرّوايات من حمل { اَهْلَ الذِّكْرِ } على أهل البيت، فكلّها تأويل، فلاحظ.

و ثامنتها و تاسعتها : { اِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا }، و { وَ قَالَ الظَّالِمُونَ اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا } :

1 - هاتان آيتان من سورتي الإسراء و الفرقان، و جاءت قبل الأُولى آيات بشأن القرآن، بدءً من الآية 45: {وَ اِذَا قَرَاْتَ الْقُرْ ا"نَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ الَّذينَ‘ لايُؤْمِنُونَ بِالا"_خِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورً ا }، إلى هذه الآية، و صدرها: { نَحْنُ اَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ اِذْ يَسْتَمِعُونَ اِلَيْكَ وَ اِذْ هُمْ نَجْوى اِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ...} .

و جاءت قبل الثّانية أيضًا آيات بشأن القرآن في سورة الفرقان حكايةعن المشركين، بدءً من الآية 4: { وَ قَالَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا اِنْ هذَا اِلا اِفْكٌ افْتَريهُ وَ اَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ اخَرُ ونَ...}، و ختمًا بالآية 11: { بَلْ كَذَّ بُوا بِالسَّاعَةِ...}.

2 - فالآيتان سياقهما وصف القرآن، إلا أنّ ذيلهما: { اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا}، راجع إلى الرّسالة و النّبوّة.

3 - و قال الطَّّبْرِسيّ (3 : 418) في آية الإسراء { وَ اِذْ هُمْ نَجْوى }: < أي: متناجون. و قيل: هم ذوُو نجوى، و المعنى أنّا نعلمهم في حال ما يصغون إلى سماع قراءتك، و في حال ما يقومون من عندك، و يتناجون فيما بينهم، فيقول بعضهم: هو ساحر، و بعضهم: هو كاهن، و بعضهم: هو شاعر. و قيل: يعني به أباجهل، و زمعة بن الأسود، وعمرو بن هشام، و خويطب بن عبد العُزّى، اجتمعوا و تشاوروا في أمر النّبيّ(صلی الله علیه و آله). فقال أبوجهل: هو مجنون، و قال زمعة: هو شاعر، و قال خويطب: هو كاهن. ثمّ أتوا الوليد بن المغيرة، و عرضوا ذلك عليه، فقال: هو ساحر: { اِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا }، ثمّ ذكر الخلاف في معنى هذه الجملة على وجُوه أربعة، فلاحظ.

4 - و قال الطَّّبْرِسيّ (4 : 161) في آية الفرقان : { اِنْ تَتَّبِعُونَ اِلا رَجُلا مَسْحُورً ا}: < أي ما تتّبعون إلا رجلا مخدوعا ، مغلوبا على عقله >.

و عاشرتها: { وَ قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْ ا"نُعَلى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيمٍ‘ } :

1 - هذه الآية تتمّة لما قبلها، بدءً بأقوال المشركين في ردّ القرآن: { وَ لَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هذَا سِحْرٌ ...} إلى الآية بعدها: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ...}، و كلّها جاءت بشأن القرآن.

2 - و قال الطَّّبْرِسيّ (5 : 46) { عَلى" رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيمٍ ‘}: < يعنون بالقريتين مكّة و الطّائف، و تقدير الآية: على رجلٍ عظيمٍ من القريتين، أي من إحدى القريتين، فحُذف المضاف. و يعنون بالرّجل العظيم من إحدى القريتين: الوليد بن المغيرة من مكّة، و أبامسعود عروة بن مسعود الثّقفيّ من الطّائف، عن قَتادَة. و قيل: عُتبة بن أبي ربيعة من مكّة، و ابن عبد ياليل من الطّائف، عن مُجاهِد. و قيل: الوليد بن المُغيرة من مكّة، و حبيب بن عمر الثّقفيّ من الطّائف، عن ابن عبّاس... فقال سبحانه ردًّ ا عليهم: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ...} يعني النّبوّة بين الخلق...>.

3 - و كان المشركون يقيسون النّبوّة بالمال و القدرة البدنيّة الّتي كانت في هؤلاء الرّجال، فردّ الله عليهم بأنّ النّبوّة لاتقاس بذلك بل لها أهل يعلمه الله تبارك و تعالى.

و إحدى عشرتها: { وَ اِذَا تُتْلى" عَلَيْهِمْ ا"يَاتُنَا بَيِّنَات قَالُوا مَا هذَا اِلا رَجُلٌ يُريدُ ‘اَنْ يَصُ-دَّ كُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ا"بَاؤُكُمْ } :

1 - هذه الآية 43 من سورة سبأ، وصفًا لموضعالمشركين أمام القرآن - مثل آيات قبلها و بعدها - .

2 - و جاء فيها:

أوّ لا: إنكارهم للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) بحجّة أ نّه يريد أن يصدّهم عمّا كان يعبد آباؤهم.

و ثانيًا: إنكار القرآن بحجّة أ نّه إفكٌ مُفترًى، و أ نّه سحر.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 395) في المعنى { وَ اِذَا تُتْلى" عَلَيْهِمْ ا"يَاتُنَا...}: < أي تقرأ عليهم حججنا { بَيِّنَات } أي واضحات من القرآن الّذي أنزلناه على نبيّنا. { قَالُوا } عند ذلك: { مَا هذَا اِلا رَجُلٌ يُريدُ ‘اَنْ

يَصُدَّ كُمْ } أي يمنعكم { عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ا"بَاؤُكُمْ } فزعوا إلى تقليد الآباء لمّا أعوزتهم الحجّة { وَ قَالُوا مَا هذَ ا } القرآن { اِلا اِفْكٌ } أي كذب، { مُفْتَرًى } قد تخرّصه و افتراه...>.

و أمّا التّشريع، فأحكام :

1 - الوضوء آية واحدة :

31 - { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ا"مَنُوا اِذَا قُمْتُمْ اِلَى الصَّلو"ةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ اَيْدِيَكُمْ اِلَى الْمَرَ افِقِ وَ امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَ اَرْجُلَكُمْ اِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ اِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَ اِنْ كُنْتُمْ مَرْضى اَوْ عَلى" سَفَر اَوْ جَاءَ اَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ اَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعيدً‘ ا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ اَيْديكُمْ‘ مِنْهُ مَا يُريدُ ‘اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ’ يُريدُ‘ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

المائدة : 6

و فيها بُحُوثٌ:

1 - بيّن الله كيفيّة الوضوء في سورة المائدة النّازلة في أواخر ما بعد الهجرة، فقال خطابًا إلى المؤمنين: { يَاءَ يُّهَا الَّذين ‘ا"مَنُوا...}، اهتمامًا بشأن الوضوء، بعد ما كان دائرً ا بين المسلمين من بدو البعثة الشّريفة. و عندنا أنّ فيه تغييرً ا عمّا كان قبلها، فإنّه كما يظهر من الرّوايات - كانوا يغسلون الأرجل، ثمّ صار المسح بدل الغَسْل يُسرً ا في العمل - كما هو صريح الآية - حيث عطفت فيه الأرجل على الرّؤوس. و لكن الغَسْل بقي بين أهل السُّنّة إلى اليوم بدعوى عطف الأرجل في الآية على الوجوه و هو بعيدٌ جدًّ ا.

و التزمت الشّيعة بمسح الرّجلين حسب ظاهر الآية، و باتّباع أهل البيت فيما وصل إليهم من رواياتهم. فلاحظ الكتب الأربعة للإماميّة، باب < الطّهارة >.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 163) في القراءة: < قرأ نافع، و ابن عامر، و يعقوب، و الكِسائيّ، و حفص، والأعشى، عن أبي بكر عن عاصم ( وَ اَرْجُلَكُمْ ) بالنّصب. و الباقون: { وَ اَرْجُلِكُمْ } بالجرّ، و قد ذكرنا اختلافهم في { لامَسْتُمُ } في سورة النّساء، و سنذكر ما قيل في( اَرْجُلَكُمْ ) على القراءتين في المعنى، لأنّ الكلام فيه يتعلّق بما اختلفت فيه الأُمّة من القول، بوجوب غَسْل الرّجلين، أو مسحهما، أو التّخيير بين الغَسْل و المسح، أو وجوب الأمرين كليهما على ما سنبيّنه إن شاء تعالى >.

و قال في المعنى: { اِذَا قُمْتُمْ اِلَى الصَّلو"ةِ }:< معناه: إذا أردتم القيام إلى الصّلاة، و أنتم على غير طهر. و حُذفت الإرادة، لأنّ في الكلام دلالة على ذلك، و مثله قوله: { فَاِذَا قَرَ اْتَ الْقُرْ ا"نَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ } النّحل : 98، { وَ اِذَا كُنْتَ فيهِمْ‘ فَاَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلو"ةَ } النّساء : 102، و المعنى: إذا أردت قراءة القرآن، و إذا كنت فيهم، فأردت أن تقيم لهم الصّلاة و هو قول ابن عبّاس، و أكثر المفسّرين.

و قيل: معناه إذا أردتم القيام إلى الصّلاة، فعليكم الوضوء، عن عِكْرِمَة. و إليه ذهب داود، قال: و كان عليّ يتوضّأ لكلّ صلاة، و يقرأ هذه الآية، و كان الخلفاء يتوضّؤون لكلّ صلاة. و القول الأوّ ل هو

الصّحيح، وإليه ذهب الفقهاء كلّهم، و ما رووه من تجديد الوضوء فمحمول على النّدب و الاستحباب.

و قيل: إنّ الفرض كان في بدء الإسلام التّوضّؤ عند كلّ صلاة، ثمّ نُسخ بالتّخفيف، و به قال ابن عمر، قال: حدّثتني أسماء بنت زيد بن الخطّاب، أنّ عبد الله ابن حنظلة بن أبي عامر الغسيل، حدّثها أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أُمر بالوضوء عند كلّ صلاة، فشُقّ ذلك عليه، فأُمر بالسّواك، و رفع عنه الوضوء، إلا من حدث، فكان عبد الله يرى أنّ فرضه على ما كان عليه، فكان يتوضّأ>.

و ذكر أحاديث أُخرى إلى أن قال: < هذا أمر منه سبحانه بغسل الوجه. و الغسل هو إمرار الماء على المحلّ حتّى يسيل، و المسح أن يُبَلّ المحلّ بالماء، من غير أن يسيل >.

3 - و قال: < و اختُلففي حدّ الوجه > و ذكرها، و ذكر تفسير باقي الآية.

2 - الصّلاة و المسجد آيتان:

32 - { لاتَقُمْ فيهِ اَبَدً ا لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ اَوَّ لِ يَوْمٍ اَحَقُّ اَنْ تَقُومَ فيهِ فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ اَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرينَ ‘}

التّوبة : 108

33 - { فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا اَوْ رُكْبَانًا فَاِذَا اَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ }

البقرة : 239

و في كلّ منهما بُحُوثٌ:

أُولاها: { لاتَقُمْ فيهِ اَبَدً ا لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوى ...} :

1 - هذه من آيات مسجد ضرار الأربع في سورة التّوبة بدءً من الآية 107: { وَ الَّذينَ ‘اتَّخَذُوا مَسْجِدً ا ضِرَارً ا وَ كُفْرً ا وَ تَفْريقًا‘ بَيْنَ الْمُؤْمِنينَ.‘..}، و ختمًا بالآية 110: { لايَزَ الُ بُنْيَانُهُمُ الَّذى ‘بَنَوْا ريبَةً ‘فى قُلُوبِهِمْ...}.

2 - و قد مدح الله فيها الّذين بنوا مسجد قُبا بقوله: { لَمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ اَوَّ لِ يَوْم ٍاَحَقُّ اَنْ تَقُومَ فيهِ فيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ اَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرينَ ‘}.

و ذمّ الّذين بنوا مسجد الضّرار - و هم المنافقون - بقوله: { اَمْ مَنْ اَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلى" شَفَا جُرُف هَار فَا نْهَارَ بِهِ فى نَارِ جَهَنَّمَ وَ اللهُ لايَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمينَ.‘..}.

3 - و ذكر الطَّبْرِسيّ (3 : 72) قصة مسجد ضرار في< النّزول > فلاحظ.

4 - و قال في تفسير الآية{ لَمَسْجِدٌ }: < أي و الله لمسجد { اُسِّسَ عَلَى التَّقْوى } أي بُني أصله على تقوى الله، و طاعته، { مِنْ اَوَّ لِيَوْمٍ } أي منذ أوّ ل يوم وُضع أساسه، عن المُبَرِّد. { اَحَقُّ اَنْ تَقُومَ فيهِ‘ } أي أولى بأن تصلّي فيه >.

5 - و قال: < واختُلف في هذا المسجد، فقيل: هو مسجد قبا عن ابن عبّاس، و الحسَن، و عروة بن الزّبير. و قيل: هو مسجد رسول الله(صلی الله علیه و آله)، عن زَ يْد بن ثابت، و ابن عمر، و أبي سعيد الخُدْريّ. و روى هو عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قال: هو مسجدي هذا. و قيل: هو كلّ مسجد بُني للإسلام، و أُريد به وجه الله، عن أبي مسلم>. و هو بعيد جدًّ ا.

6 - و قال: < ثمّ وصف المسجد و أهله فقال...>.

و ثانيتهما: { فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا اَوْ رُكْبَانًا...}:

1 - هذه تتمّة ما قبلها الآية 238: { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَ اتِ وَ الصَّلو"ةِ الْوُسْطى" وَ قُومُوا للهِ‌ِ قَانِتينَ }.

2 - و قد بسّط الطَّبْرِسيّ (1 : 343) الكلام في المراد ب- { الصَّلو"ةِ الْوُسْطى" }. [لاحظ: و س ط: < الوُسْطى" >]

3 - و قال في اللُّغة: < الرّجال: جمع راجل، مثل تجّار و صحاب و قيام، في جمع: تاجر و صاحب و قائم. و الرّ اجل: هو الكائن على رجله، واقفًا كان أو ماشيًا. و الرُّكبان: جمع راكب، كالفُرسان: جمع فارس، و كلّ شيء علا شيئًا فقد ركبه، و الرِّكاب: المطيّ. و ركبت الرّجل أركبه ركبًا، أي ضربته برُكبتي، و أصَبتُ ركبته أيضًا. و هذا قياس في جميع الأعضاء نحو: رأستُه، و بطنتُه، و ظهرته >.

4 - و قال في المعنى: < لم-ّا قدّم سبحانه وجوب المحافطة على الصّلاة،عقّبه بذكر الرّخصة عند المخافة، فقال: { فَاِنْ خِفْتُمْ } أي إن لم يمكنكم أن تقوموا قانتين، موفين الصّلاة حقّها، لخوف عرض لكم { فَرِجَالا }، أي فصلّوا رجالا على أرجلكم. و قيل: مُشاة. { اَوْ رُكْبَانًا } أي على ظهور دوابّكم. عنى بها صلاة الخوف، و صلاة الخوف من العدوّ: ركعتان في السّفر و الحضر، إلا المغرب فإنّها ثلاث ركعات - ثمّ ذكر روايتين في صلاة النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يوم الأحزاب، و صلاة عليّ ليلة الهِرّير ثمّ أدام - { فَاِذَا اَمِنْتُمْ } من الخوف { فَاذْكُرُوا اللهَ } أي فصلّوا صلاة الأمن. و قيل: اذكروا الله بالثّناء عليه، و الحمد له { كَمَا عَلَّمَكُمْ } من أُمور دينكم، و غير ذلك من أُموركم { مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ } >.

3 - الحجّ، آية واحدة:

34 - { وَ اَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاْتُوكَ رِجَالا وَ عَلى" كُلِّ ضَامِر يَاْتينَ ‘مِنْ كُلِّ فَجّ ٍعَميق ٍ} الحجّ : 27

و فيها بُحُوثٌ:

1 - هذه من تتمّة قصّة إبراهيم بدءً من الآية 26: { وَ اِذْ بَوَّ اْنَا لاِبْرهيمَ‘’ مَكَانَ الْبَيْتِ...}، و ختمًا بالآية 28: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ...}، لكنّ الله عقّبها بالخطاب إلى المؤمنين في ذيلها: { فَكُلُوا مِنْهَا وَ اَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقيرَ ‘}، فهي تُعَدّ من جملة آيات التّشريع الإسلاميّ.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 80): { وَ اَذِّنْ فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ } : < أي نادِ في النّاس، و أعْلِمْهُم بوجوب الحجّ. واختُلف في المخاطب به على قولين:

أحدهما: إنّه ابراهيم،عن عليّ و ابن عبّاس، و اختاره أبومسلم. قال ابن عبّاس: قام في المقام فنادى: يا أيّها النّاس إنّ الله دعاكم إلى الحجّ، فأجابوا ب- < لبّيك اللّهمّ لبّيك >.

و الثّاني: إنّ المخاطب به نبيّنا محمّد، عليه أفضل الصّلوات، أي و أذّن يا محمّد في النّاس بالحجّ فأذّن، صلوات الله عليه في حجّة الوداع، أي أعلَمَهُم بوجوب الحجّ، عن الحسَن و الجُبّائيّ.

و جمهور المفسّرين على القول الأوّ ل، و قالوا: أسمع الله تعالى صوت إبراهيم كلّ من سبق علمه، بأنّه

يحجّ إلى يوم القيامة، كما أسمع سليمان مع ارتفاع منزلته، و كثرة جنوده حوله، صوت النّملة مع خفضه وسكونه >. ثمّ ذكر أحاديث أُخرى، فلاحظ.

3 - و قال: < { يَاْتُوكَ رِجَالا } أي مُشاةً على أرجُلهم { وَ عَلى" كُلِّ‌ّ ضَامِر } أي رُكبانًا. قال ابن عبّاس: يريد الإبل، و لايدخل بعير و لاغيره الحرم، إلا و قد هزل >. ثمّ روى حديثًا في فضل الحجّ، فلاحظ.

< { يَاْتينَ مِنْ كُلِّ‌ّ فَجٍّ‌ّ عَميقٍ ‘} أي طريقٍ بعيد >. ثمّ روى حديثًا عن أنس بن مالك، ثمّ فسّر باقي الآية، فلاحظ.

4 - الجهاد و الهجرة، أربع آيات:

35 - { وَ مَا لَكُمْ لاتُقَاتِلُونَ فى سَبيلِ‘ اللهِ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ‘ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الْوِلْدَانِ الَّذينَ‘ يَقُولُونَ رَ بَّنَا اَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ الْقَرْ يَةِ الظَّالِمِ اَهْلُهَا وَ اجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَ-ل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصيرًا}‘ النّساء : 75

36 - { اِلا الْمُسْتَضْعَفينَ‘ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الْوِلْدَ انِ لايَسْتَطيعُو‘نَ حيلَةً‘ وَ لايَهْتَدُونَ سَبيلا ‘}

النّساء : 98

37 - { اِنَّمَا جَزَاءُ الَّذينَ‘ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الاَ_رْضِ فَسَادًا اَنْ يُقَتَّلُوا اَوْ يُصَلَّبُوا اَوْ تُقَطَّعَ اَيْديهِمْ وَاَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ ...‘ }

المائدة: 33

38 - { هُمُ الَّذينَ ‘كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَ امِ وَ الْهَدْىَ مَعْكُوفًا اَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَ لَوْ لا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ اَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فى رَحْمَتِهِ

مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذينَ ‘كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا اَليمًا ‘} الفتح : 25

و في كلّ منها بُحُوثٌ:

أُولاها: الآية 75 من سورة النّساء: { وَ مَا لَكُمْ لاتُقَاتِلُونَ فى سَبيلِ‘ اللهِ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ ‘مِنَ الرِّجَالِ...}:

1 - هذه من جملة آيات القتال التّسع في سورة النّساء، بدءً بالآية 71: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَات اَوِ انْفِرُوا جَميعًا‘}، و ختمًا بالآية 79: { مَا اَصَابَكَ مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللهِ...}.

2 - و قبلها: { فَلْيُقَاتِلْ فى سَبيلِ‘ اللهِ الَّذينَ ‘يَشْرُونَ الْحَيو"ةَ الدُّ نْ-يَا بِالا_خِرَةِ’ وَ مَنْ يُقَاتِلْ فى سَبيلِ‘ اللهِ فَيُقْتَلْ اَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤتيهِ ‘اَجْرً ا عَظيمًا ‘}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 75) في اللُّغة: < الوِلْدان: جمع ولد، و وَلَد و وِلْدان، مثل خَرَب و خِرْبان، و بَرَقو بِرْقان، و وَرل و وِرْلان، و الأغلب على بابه < فِعال > نحو: جِبال و جِمال. و قد ذكرنا القرية في سورة البقرة >.

4 - و قال (2 : 75) في الإعراب:< ( مَا ):للاستفهام في موضع رفع بالابتداء، و { لاتُقَاتِلُونَ } في موضع نصبٍ على الحال، و تقديره: أيّ شيء لكم تاركين للقتال.{ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ‘ }: جُرّ بالعطف على ما عملت فيه ( فى ) أي و في المستضعفين.

و قال المبَرِّد: هو عطف على اسم الله، و إنّما جاز أن يُجري { الظَّالِمِ } صفة على { الْقَرْ يَةِ }، و هو في المعنى للأهل، لأ نّها قويّة على العمل لقربها من الفعل، و تمكّنها في الوصفيّة، بأ نّها تُؤنّث و تُذكّر، و تُثنّى

وتُجمَع، بخلاف باب: أفعل منك، فلذلك جاز مررت برجل الظّالم أبوه، و لم يجز مررت برجل خير منه أبوه، بل يقال: مررت برجل خيرٌ منه أبوه، لتكون الجملة في موضع الجرّ.

5 - و قال في المعنى: { وَ مَا لَكُمْ لاتُقَاتِلُونَ }: < أي أيّ عذر لكم في ترك القتال، مع اجتماع الأسباب الموجبة للقتال.{ فى سَبيلِ‘ اللهِ}: أي في طاعة الله. و يقال: في دين الله. و يقال: في نصرة دين الله. و يقال: في إعزاز دين الله و إعلاء كلمته.{ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ ‘} أي و في المستضعفين، أو في سبيل المستضعفين، أي نصرة المستضعفين.

و قيل: في إعزاز المستضعفين، و في الذّبّ عن المستضعفين. { مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الْوِلْدَانِ } قيل: يريد بذلك قومًا من المسلمين، بقوا بمكّة، و لم يستطيعوا الهجرة، منهم: سلمة بن هشام، و الوليد بن الوليد، و عيّاش بن أبي ربيعة، و أبوجندل بن سهيل، جماعة كانوا يدعون الله أن يُخلّصهم من أيدي المشركين، و يُخرجهم من مكّة، و هم { الَّذينَ ‘يَقُولُونَ رَ بَّنَا اَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ الْقَرْ يَةِ الظَّالِمِ اَهْلُهَا }: أي يقولون في دعائهم: ربّنا سهّل لنا الخروج من هذه القرية، يعني مكّة، عن ابن عبّاس، و الحسن، و السُّدّيّ، و غيرهم. { الظَّالِمِ اَهْلُهَا } أي الّتي ظلم أهلها بافتتان المؤمنين عن دينهم، و منعهم عن الهجرة ...>.

و ثانيتها: { اِلا الْمُسْتَضْعَفينَ ‘مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ } .

1 - هذه من تتمّة الآيات السّبع في الجهاد و الهجرة في سورة النّساء، بدءً من الآية 94: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اِذَا ضَرَبْتُمْ فى سَبيلِ‘ اللهِ...}، و ختمًا بالآية 100: { وَ مَنْ يُهَاجِرْ فى سَبيلِ‘ اللهِ يَجِدْ فِى الاَ_رْضِ مُرَ اغَمًا كَثيرً ا...}.

2 - و قبلها: {اِنَّ الَّذينَ ‘تَوَفيهُمُ ّٰالْمَلئِكَةُ’ ظَالِمى اَ نْفُسِهِمْ قَالُوا فيمَ‘ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفينَ ‘فِى الاَ_رْضِ قَالُوا اَلَمْ تَكُنْ اَرْضُ اللهِ وَ اسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فيهَا‘ فَاُولئِ-كَ ’مَاْويهُمْ ’جَهَنَّمُ وَ سَاءَتْ مَصيرً ا‘ }، فقوله: { اِلا الْمُسْتَضْعَفينَ ‘}، استثناء من قوله في قبلها: {فَاُولئِكَ ’مَاْويهُمْ ’جَهَنَّمُ...}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 98) في النّزول: < قالأبوحمزة الثّماليّ: بلغنا أنّ المشركين يوم بدر، لم يخلفوا؛ إذ خرجوا أحدً ا، إلا صبيًّا، أو شيخًا كبيرً ا، أو مريضًا. فخرج معهم ناس ممّن تكلّم بالإسلام، فلمّا التقى المشركون و رسول الله(صلی الله علیه و آله)، نظر الّذين كانوا قد تكلّموا بالإسلام إلى قلّة المسلمين، فارتابوا و أُصيبوا فيمن أُصيب من المشركين، فنزلت فيهم الآية، و هو المرويّ عن ابن عبّاس، و السُّدّيّ، و قَتادَة.

و قيل: إنّهم قيس بن الفاكه بن المُغيرة، و الحارث ابن زَمعَة بن الأسود، و قيس بن الوليد بن المغيرة، و أبوالعاص بن منبّه بن الحجّاج، و عليّ بن أُميّة بن خلف، عن عِكْرِمَة، و رواه أبوالجارود عن أبي جعفر - الباقر- قال ابن عبّاس: كنت أنا من المستضعفين، وكنتُ غلامًا صغيرً ا. و ذُكر عنه أيضًا أ نّه قال: كان أبي من المستضعفين من الرّجال، و أُمّي كانت من المستضعفات من النّساء، و كنت أنا من

المستضعفين من الولدان >.

4 - و قال في المعنى: <ثمّ استثنى من ذلك فقال: { اِلا الْمُسْتَضْعَفينَ ‘} الّذين استضعفهم المشركون { مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الْوِلْدَ انِ } و هم الّذين يعجزون عن الهجرة لإعسارهم، و قلّة حيلتهم، و هو قوله: { لايَسْتَطيعُو‘نَ حيلَةً‘ وَ لا يَهْتَدُونَ سَبيلا ‘} في الخلاص من مكّة.

و قيل: معناه لا يهتدون لسوء معرفتهم بالطّريق، طريق الخروج منها، أي لايعرفون طريقًا إلى المدينة، عن مُجاهِد، و قَتادَة، و جماعة منالمفسّرين...>.

و ثالثتها: { اِنَّمَا جَزَاءُ الَّذينَ‘ يُحَارِبُونَ ...}

1 - هذه الآية وحيدة في حكم (القتال ) في سورة المائدة الّتي فيها عديد من التّشريع و الأحكام ، و عديد من قصص الأنبياء بدءً بآدم و ختمًا ب- عيسى  و آيات في بنى إسرائيل و فيها آية 66 منها آية التّبليغ : { يَا ءَ يُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَبِّك... } بشأن ولاية عليّ حسب الأحاديث .

2 - و المعروف أنّ هذه السّورة من أواخر السّور النّازلة. و عندنا أ نّها نزلت في فتح مكّة لقرائن عديدة فيها. و البحث موكول إلى مقام آخر.

3 - و قال الطّبرسيّ (2 : 187)في اللّغة في معنى كلمة (يُنْفَوْنَ):< أصل النّفي الإهلاك بالإبعاد، و منه النّفاية لردي‌ء المتاع و منه النّفي و هو ما تطاير من الماء عن الدلو. [ثمّ استشهد بشعر]

4 - و قال في المعنى: <لمّا قدّم تعالى ذكر القتل و حكمه عقّبه بذكر قطّاع الطّريق و الحكم فيهم فقال : { اِنَّما جَزاءُ الَّذينَ‘ يُحَارِبُونَ اللهَ} >. و بناءً على ما قال هذه الآية بيان حكم قطّاع الطّريق الّذين يحاربون الله دون القتال بمعنى الجهاد في سبيل الله .

5 - ثمّ فسر الآية إلى آخرها.

و رابعتها: { هُمُ الَّذينَ ‘كَفَرُوا... وَ لَوْ لا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ اَنْ تَطَؤُهُمْ...}:

1 - هذه من تتمّة آيات القتال في سورة الفتح النّازلة في صلحالحديبيّة، و ما يرتبط بالقتال بعده.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 94) في اللُّغة: < و المعكوف: الممنوع من الذّهاب في جهة بالإقامة في مكانه؛ و منه الاعتكاف، و هو الإقامة في المسجد للعبادة. و عكف على هذا الأمر يعكف عكوفًا، إذا قام عليه.

و المَعرّة: الأمر القبيح المكروه، يقال: عرّ فلان فلانًا، إذا شانه، و ألحق به عيبًا، و به سمّي الجرب عَرًّ ا. والعذرة: عرّة >.

3 - و قال في النّزول: < سبب نزول قوله: { وَ هُوَ الَّذى ‘كَفَّ اَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ } أنّ المشركين بعثوا أربعين رجلا ، عام الحديبيّة ليصيبوا من المسلمين، فأُتي بهم إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أسرى فخلّى سبيلهم، عن ابن عبّاس.

و قيل: إنّهم كانوا ثمانين رجلا من أهل مكّة، هبطوا من جبل التّنعيم، عند صلاة الفجر، عام الحديبيّة ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله (صلی الله علیه و آله) فأعتقهم، عن أنس.

و قيل: كان رسول الله(صلی الله علیه و آله) جالسًا في ظلّ شجرة، و بين يديه عليّ صلوات الله عليه، يكتب كتاب

الصّلح، فخرج ثلاثون شابًّا عليهم السّلاح، فدعا عليهم النّبيّ(صلی الله علیه و آله) فأخذ الله تعالى بأبصارهم، فقمنا فأخذناهم، فخلّى سبيلهم، فنزلت هذه الآية، عن عبد الله بن المغفّل >.

4 - و قال في تفسير الآية: { هُمُ الَّذينَ‘...} : < أن تطوفوا و تحلّوا من عُمرتكم يعني قريشًا، { وَ الْهَدْىَ مَعْكُوفًا اَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } أي و صدّوا الهدي، و هي البُدْن الّتي ساقها رسول الله (صلی الله علیه و آله) معه، و كانت سبعين بدَنَة، حتّى بلغ ذيالحليفة، فقلّد البُدْن الّتي ساقها، و أشعرها، و أحرم بالعمرة حتّى نزل بالحديبيّة، و منعه المشركون، و كان الصّلح. فلمّا تمّ الصّلح نحروا البُدْن، فذلك قوله: { مَعْكُوفًا } أي محبوسًا عن أن يبلغ مَحِلّه، أي منحره، و هو حيث يحلّ نحره يعني مكّة، لأنّ هدي العمرة لايُذبَح إلا بمكّة، كما أنّ هدي الحجّ لايُذبَح إلا بمنى.

{ وَ لَوْ لا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ } يعني المستضعفين الّذين كانوا بمكّة بين الكفّار من أهل الإيمان، { لَمْ تَعْلَمُوهُمْ } بأعيانهم لاختلاطهم بغيرهم، { اَنْ تَطَؤُهُمْ } بالقتل، و توقعوا بهم،{ فَتُصيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ } أي إثم و جناية، عن ابن زَ يْد.

و قيل: فيلحقكم بذلك عيب يُعيبكم المشركون بأ نّهم قتلوا أهل دينهم.

و قيل: هو غُرم الدّية و الكفّارة في قتل الخطإ، عن ابن عبّاس. و ذلك أ نّهم لو كبسوا مكّة و فيها قوم مؤمنون، لم يتميّزوا من الكفّار، لم يأمنوا أن يقتلوا المؤمنين، فتلزمهم الكفّارة، و تلحقهم السّيّئة بقتل من على دينهم، فهذه المَعرّة الّتي صان الله المؤمنين عنها.

و جواب { لَوْ لا } محذوف و تقديره: لولا المؤمنون الّذين لم تعلموهم، لوطأتم رقاب المشركين بنصرنا إيّاكم.

و قوله: { بِغَيْرِ عِلْمٍ } موضعه التّقديم، لأنّ التّقدير لولا أن تطؤوهم بغير علمٍ...>.

5 - الاستشهاد في الدَّين، آية واحدة:

39 - { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اِذَا تَدَايَنْ-تُمْ بِدَيْن اِلى" اَجَل مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لاَيَاْبَ كَاتِبٌ اَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ الَّذى ‘عَلَيْهِ الْحَقُّ وَ لْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَ لا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْ-ًا= فَاِنْ كَانَ الَّذى ‘عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفيهًا ‘اَوْضَعيفًا‘ اَوْ لايَسْتَطيعُ اَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَ اسْتَشْهِدُوا شَهيدَ ‘يْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَاِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَاَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَ اءِ اَنْ تَضِلَّ اِحْديهُمَا’’ فَتُذَكِّرَ اِحْديهُمَا’’ الاُ_خْرى وَ لايَاْبَ الشُّهَدَاءُ اِذَا مَا دُعُوا وَ لاتَسْ-ئَمُوا اَنْ تَكْتُبُوهُ صَغيرًا‘ اَوْ كَبيرً ا‘ اِلى" اَجَلِهِ ذ"لِكُمْ اَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَ اَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَ اَدْنى" اَ لا تَرْتَابُوا اِلا اَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُديرُو‘نَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَ لا تَكْتُبُوهَا وَ اَشْه دُوا اِذَا تَبَايَعْتُمْ وَ لايُضَار كَاتِبٌ وَ لاشَهيدٌ وَ‘ اِنْ تَفْعَلُوا فَاِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَ اللهُ بِكُلِّ‌ّ شَىْ‌ء عَليمٌ ‘} البقرة : 282

و فيها بُحُوثٌ:

1 - هذه من فقرات آية الدّين الطّويلة 282، من سورة البقرة بدءً ب-: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ا"مَنُوا اِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن ...}، و ختمًا بقوله: { وَ اتَّقُوا اللهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللهُ

وَ اللهُ بِكُلِّ‌ّ شَىْ‌ء عَليمٌ ‘}.

2 - أمر الله بكتابة الدّين أوّ لا بقوله:{ فَاكْتُبُوهُ...} ثمّ أمر بالاستشهاد عليه بالشّهيدين من الرّجال، أو رجلٍ و امرأتين... ثمّ نهى الشّهداء عن أن يأبوا عنالشّهداء إذا دُعوا إليها بقوله: { وَ لايَاْبَ الشُّهَدَ اءُ اِذَا مَا دُعُوا...}. ثمّ أمر مرّةً أُخرى بالكتابة بقوله: { وَ لاتَسْئَمُوا اَنْ تَكْتُبُوهُ صَغيرً ا‘ اَوْ كَبيرً ا‘ اِلى" اَجَلِهِ ...}، ثمّ أكّده عليه بذكر سبب الاستشهاد بقوله: { ذ"لِكُمْ اَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَ اَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ...}، ثمّ استثنى التّجارة الحاضرة بقوله: { اِلا اَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُديرُو‘نَهَا بَيْنَكُمْ...}، ثمّ أكّد مرّةً ثانيةً الشّهادة بقوله: {وَ اَشْهِدُوا اِذَا تَبَايَعْتُمْ وَ لايُضَارَّ كَاتِبٌ وَ لاشَهيدٌ }‘، ثمّ نهى عن المضارّة بالكاتب و الشّهيد أخيرً ا بقوله: { وَ لايُضَارَّ }.

و بذلك ظهر أنّ قسمًا كبيرً ا من آية الدَّ يْن، مصروف إلى كتابته، و الاستشهاد عليه.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (1 : 398): < ثمّ أمر سبحانه بالإشهاد فقال: { وَ اسْتَشْهِدُوا شَهيدَيْنِ‘ مِنْ رِجَالِكُمْ } يعني أُطلبوا الشّهود، و أشهدوا على المكتوب رجلين من رجالكم، أي من أهل دينكم. و قال مُجاهِد: من الأحرار العالمين البالغين المسلمين، دون العبيد و الكفّار. و الحرّ يّة ليست بشرط عندنا في قبول الشّهادة، و إنّما اشترط الإسلام مع العدالة، و به قال شُرَيْح، و اللّيثيّ و أبوثور.

و قيل: هذا أمر للقُضاة بأن يلتمسوا عند القضاء بالحقّ شهيدين من المدّعي عند إنكار المدّعى عليه، فيكون < السّين > في الحالتين سين السّؤال و الطّلب.

{ فَاِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ} يعني: فإن لم يكن الشّهيدان رجلين { فَرَجُلٌ وَ امْرَاَتَانِ } أي فليكن رجل و امرأتان، أو فليشهد رجل وامرأتان، { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَ اءِ }: عدالته. و هذا يدلّ على أنّ العدالة شرط في الشّهود، و يدلّ أيضًا على أنّا لم نتعبّد بإشهاد مرضيين على الإطلاق، لقوله: { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ}، و لم يقل: من المرضيّين، لأ نّه لاطريق لنا إلى معرفة من هو مرضيّ عند الله تعالى، و إنّما تعبدنا بإشهاد من هو مرضيّ عندنا في الظّاهر، و هو من نرضى دينه و أمانته، و نعرفه بالسّتر و الصّلاح.{ اَنْ تَضِلَّ اِحْديهُمَا’ }...>.

6 - حجاب النّساء و بيعتهنّ، آيتان:

40- { وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ اَبْصَارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَ لايُبْدينَ ‘زينَتَهُنَّ اِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ لْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى" جُيُوبِهِنَّ وَ لايُبْدينَ ‘زينَتَهُنَّ اِلا لِبُعُولَتِهِنَّ اَوْ ا"بَائِهِنَّ اَوْ ا"بَاءِ بُعُولَتِهِنَّ اَوْ اَبْنَائِهِنَّ اَوْ اَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ اَوْ اِخْوَ انِهِنَّ اَوْ بَنى اِخْوَ انِهِنَّ اَوْ بَنى اَخَوَاتِهِنَّ اَوْ نِسَائِهِنَّ اَوْ مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُهُنَّ اَوِ التَّابِعينَ‘ غَيْرِ اُولِى الاِ_رْ بَةِ مِنَ الرِّجَالِ اَوِ الطِّفْلِ الَّذينَ ‘ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى" عَوْرَ اتِ النِّسَاءِ وَ لايَضْرِبْنَ بِاَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفينَ ‘مِنْ زينَتِهِنَّ وَ تُوبُوا اِلَى اللهِ جَميعًا‘ اَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } النّور : 31

41- { يَاءَ يُّهَا النَّبِىُّ اِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلى" اَنْ لايُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْ-- ا= وَ لايَسْرِقْنَ وَ لايَزْنينَ ‘ وَ لايَقْتُلْنَ اَوْ لاَدَهُنَّ وَلايَاْتينَ ‘بِبُهْتَان يَفْتَرينَهُ‘ بَيْنَ

اَيْديهِنَّ‘ وَ اَرْجُلِهِنَّ وَ لايَعْصينَكَ فى مَعْرُوف فَبَايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } الممتحنة : 12

و في كلّ منهما بُحُوثٌ:

أُولاها في الحجاب: { وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ اَبْصَارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...}:

1 - هذه جاءت بعد الآية 30، من سورة النّور - الّتي كانت في غضّ الرّجال أبصارهم و فروجهم - في غضّ النّساء أبصارهنّ و فروجهنّ، بدءً من الآية: { قُلْ لِلْمُؤْمِنينَ ‘يَغُضُّوا مِنْ اَبْصَارِهِمْ ...}، و ختمًا ب- { وَ تُوبُوا اِلَى اللهِ جَميعًا‘ اَ يُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }.

2 - و سورة النّور - كما سبقت - تحدّث عن حكم الزّنى، و عن قصّة الإفك و رمي المحصنات إلى الآية 26، ثمّ عن دخول البيوت غير بيوتهم في ثلاث آيات: 27 - 29، ثمّ عن غضّ الرّجال و النّساء أبصارهم و فروجهم في الآيتين 30 و 31، ثمّ عن النّكاح في آيتين 32 و 33، ثمّ عن القرآن في الآية 34، ثمّ ابتدأ بآية النّور في 35، و ما يلحق بها، فلاحظ.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 137) في اللُّغة: < أصل الغضّ: النّقصان. يقال: غضّ من صوته، و من بصره، أي نقص؛ و منه حديث عمرو بن العاص لمّا مات عبد الرّحمان بن عوف: هنيئًا لك خرجت من الدّنيا ببطنتك لم تتغضغض منها بشيء. يقال: غَضغَضتُ الشّيء فتغضغض، إذا نقص.

و الإربة: فعلة من الأرب كالمشية و الجلسة >. ثمّ ذكرحديثًا.

4 - و قال في المعنى: { وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ...}: <أمر النّساء بمثل ما أمر به الرّجال من غضّ البصر، و حفظ الفرج. { وَ لايُبْدينَ ‘زينَتَهُنَّ } أي لايُظهرن مواضع الزّينة لغير محرم، و من هو في حكمه. و لم يرد نفس الزّينة، لأنّ ذلك يحلّ النّظر إليه، بل المراد مواضع الزّينة. و قيل: الزّينة زينتان ظاهرة و باطنة. فالظّاهرة لايجب سترها، و لايحرم النّظر إليها، لقوله: { اِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا }.

و فيها ثلاثة أقاويل:

أحدها: أنّ الظّاهرة: الثّياب، و الباطنة، الخلخالان و القرطان و السّواران، عن ابن مَسعود.

و ثانيها: أنّ الظّاهرة الكُحْل و الخاتَم و الخدّ ان و الخضاب في الكفّ، عن ابن عبّاس. و الكُحْل و السّوار والخاتم، عن قَتادَة. و ثالثها: إنّها الوجه و الكفّان، عن الضّحّاك و عطاء و الوجه و البنان، عن الحسَن. و في تفسير عليّ ابن إبراهيم: الكفّان و الأصابع >. ثمّ فسّر باقي الآية.

5 - و قد جاء في آية الغضّ لفظان من مادّة: ر ج ل: < الرّجال > في قوله: { اُولِى الاِ_رْ بَةِ مِنَ الرِّجَالِ }، و < أرجل > في قوله: {وَ لايَضْرِبْنَ بِاَرْجُلِهِنَّ }.

و ثانيتهما في البيعة: { يَاءَ يُّهَا النَّبِىُّ اِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ...}:

1 - هذه الآية 12، من سورة الممتحنة، و الآيات الأُولى منها في العلاقة السّيّئة بين المؤمنين، و أعدائهم من مشركي مكّة إلى الآية 9، ثمّ بيّن حكم المؤمنات

المهاجرات فيالآية، ثمّ حُكم أزواجهم اللا تي فاتتهم إلى الكفّار، أي رجعوا إلى مكّة، ثمّ حُكم المؤمنات المبايعات إيّاه صلوات الله عليه.

2 - فإذا بايعنه على ستّة تروك: أن لايُشركن، و لايسرقن، و لايزنين، و لايقتلن أولادهنّ، و لايأتين ببهتان، و لايعصينه في معروف، فهو مأمور بما بايعهنّ، و الاستغفار لهنّ، كما قال: { فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 275): < ثمّ ذكر سبحانه بيعة النّساء - و كان ذلك يوم فتح مكّة - لم-ّا فرغ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) من بيعة الرّجال، و هو على الصّفا، جاءته النّساء يبايعنه، فنزلت هذه الآية. فشرط الله تعالى في مبايعتهم أن يأخذ عليهنّ هذه الشّروط >، و ذكرها تفسيرً ا لباقي الآية، و من جملتها قوله: { وَ لايَاْتينَ‘ بِبُهْتَان يَفْتَرينَهُ‘ بَيْنَ اَيْديهِنَّ‘ }: أي لايلحقن بأزواجهنّ غير أولادهم، عن ابن عبّاس.

و قال الفَرّ اء: كانت المرأة تلتقط المولود، فتقول لزوجها: هذا ولدي منك. فذلك البهتان المفترى بين أيديهنّ و أرجلهنّ، و ذلك أنّ الولد إذا وضعته الأُمّ سقط بين يديها و رجليها. و ليس المعنى على نهيهنّ من أن يأتين بولد من الزّنى، فينسبنه إلى الأزواج، لأنّ الشّرط بنهي الزّنى قد تقدّم. و قيل: البهتان الّذي نهين عنه: قذف المحصنات، و الكذب على النّاس، وإضافة الأولاد إلى الأزواج على البطلان في الحاضر و المستقبل من الزّمان >. ثمّ فسّر باقي الآية، فلاحظ.

4 - و من جملتها: <و روي أ نّه (صلی الله علیه و آله) كان إذا بايع النّساء، دعا بقدح ماء، فغمس فيه يده، ثمّ غَمَسْن أيديهنّ فيه. و قيل: إنّه كان يبايعهنّ من وراء الثّوب، عن الشّعبيّ...>.

7 - الطّلاق، آية واحدة:

42 - { وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَ بَّصْنَ بِاَنْفُسِهِنَّ ثَلثَةَ قُرُوء وَ لايَحِلُّ لَهُنَّ اَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فى اَرْحَامِهِنَّ اِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الا_خِ-رِ’ وَ بُعُولَتُهُنَّ اَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فى ذ"لِكَ اِنْ اَرَ ادُوا اِصْلاحًا وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذى ‘عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللهُ عَزيزٌ ‘حَكيمٌ }

البقرة : 228

و فيها بُحُوثٌ:

1 - هذه أوّ ل آية من آيات الطّلاق في السّورة، و آخرها الآية 251: { كَذ"لِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ ا"يَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }.

2 - و في هذه الآية جملة من أحكام المطلّقات، مثل تربّص العدّة بثلاثة قروء، و حُرمة كتمان حملهنّ، و أنّ بعولتهنّ أحقّ بردّهنّ، و أنّ لهنّ مثل الّذي عليهنّ من الحقوق بالمعروف، و أنّ للرّجال عليهنّ درجةً.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (1 : 325) في اللُّغة: < القروء: جمع قَرْء، و جمعه القليل: أقرء، و الكثير: أقراء و قروء. وصار بناء الكثير فيه أغلب في الاستعمال. يقال: ثلاثة قروءٍ، مثل ثلاثة شُسوع، استُغني ببناء الكثير عن بناء القليل... و هذا الحرف من الأضداد...

و البعُولة: جمع بَعْل، و يقال: بَعَل يَبْعَل بُعُولةً، و هو بَعْل، و سمّي الزّوج بعلا، لأ نّه عال على المرأة بملكه لزوجيّتها...> .

4 - و قد فسّر الطَّبْرِسيّ الآية، و ذكر أحكام الطّلاق، و قال في { مِثْلُ الَّذى ‘عَلَيْهِنَّ...}: < و هذا من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمّة. و إنّما أراد بذلك ما يرجع إلى حُسن العشرة، و ترك المضارّة، و التّسوية في القسم و النّفقة و الكسوة، كما أنّ للزّوج حقوقًا عليها، مثل الطّاعة الّتي أوجبها الله عليها له، و أن لاتدخل فراشه غيره، و أن تحفظ ماءه فلاتحتال في إسقاطه...>.

8 - الإرث، خمس آيات :

43 - { لِلرِّجَالِ نَصيبٌ‘ مِمَّا تَرَكَ الْوَ الِدَ انِ وَ الاَ_قْرَ بُونَ وَ لِلنِّسَاءِ نَصيبٌ‘ مِمَّا تَرَ كَ الْوَ الِدَ انِ وَ الاَ_قْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ اَوْكَثُرَنَصيبًا‘ مَفْرُوضًا }

النّساء : 7

44 - { وَ لَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَ كَ اَزْوَ اجُكُمْ اِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَاِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّ بُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصينَ ‘بِهَا اَوْ دَيْن وَ لَهُنَّ الرُّ بُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ اِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَاِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا اَوْ دَيْن وَ اِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً اَوِ امْرَاَةٌ وَ لَهُ اَخٌ اَوْ اُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَاِنْ كَانُوا اَكْثَرَ مِنْ ذ"لِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِهَا اَوْ دَيْن غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَليمٌ ‘حَليمٌ ‘}

النّساء : 12

45 - { يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتيكُمْ‘ فِى الْكَلالَةِ اِنِ امْرُؤٌا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ اُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُهَا اِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَاِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَ اِنْ كَانُوا اِخْوَةًرِجَالا وَ نِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُ_نْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ اَنْ تَضِلُّوا وَ اللهُ بِكُلِ‌ّ شَىْ‌ء عَليمٌ ‘} النّساء : 176

46 - { وَ لاتَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْض لِلرِّجَالِ نَصيبٌ‘ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَ لِلنِّسَاءِ نَصيبٌ‘ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَ اسْ-َلُو=ا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ اِنَّ اللهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْء عَليمًا ‘} النّساء : 32

47 - { اَلرِّجَالُ قَوَّ امُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض وَ بِمَا اَنْفَقُوا مِنْ اَمْوَ الِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَ التىّٰ تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَاِنْ اَطَعْنَكُمْ فَلاتَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبيلا ‘ اِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبيرً ا } النّساء : 34

و في كلّ منها بُحُوثٌ:

أُولاها: { لِلرِّجَالِ نَصيبٌ‘ مِمَّا تَرَكَ الْوَ الِدَ انِ وَ الاَ_قْرَبُونَ...} :

1 - هذه الآية نصّ في حقوق الرّجال و النّساء من الإرث عن الوالدين و الأقربين بنحو العموم، ثمّ بيّن سبحانه في الآيات بعدها سهم كلّ وارث. لكن اهتمّ اهتمامًا كبيرً ا بإرث النّساء، و لهذا سمّيت السّورة باسمهنّ: سورة النّساء.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 10):< قيل: كانت العرب في الجاهليّة يورّثون الذّكور دون الإناث، فنزلت الآية ردًّا لقولهم، عن قَتادَة، و ابن جُرَ يْج، و ابن زَ يْد. و قيل: كانوا لايُورّثون إلا من طاعن بالرّماح، و ذاد عن الحريم و المال، فقال تعالى مبيّنًا حكم أموال النّاس بعد موتهم، بعد أن بيّن حكمها في حال حياتهم >.

3 - و قال في اللُّغة: <{ نَصيبٌ } أيحَظّ و سهم. { مِمَّا تَرَ كَ الْوَ الِدَ انِ وَ الاَ_قْرَبُونَ }، أي من تركة الوالدين و الأقربين...>.

4 - و قال: < و هذه الآية تدلّ على بطلان القول بالعُصبَة، لأنّ الله تعالى فرض الميراث للرّجال و للنّساء، فلو جاز منع النّساء من الميراث في موضعٍ، لجاز أن يجري الرّجال مجراهنّ في المنع من الميراث، و تدلّ أيضًا على أنّ ذوي الأرحام يرثون، لأ نّهم من جملة النّساء، و الرّجال الّذين مات عنهم الأقربون...>.

ثانيتها و ثالثتها: {... وَ اِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً...} و { يَسْتَفْتُونَكَ...}:

1 - قد ذكر الله في سورة النّساء حكم الكلالة في آيتين: أُولاهما: ذيل الآية 12، منها، و جاء فيها: { فَلِكُلِّ‌ّ وَ احِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَاِنْ كَانُوا اَكْثَرَ مِنْ ذ"لِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِى الثُّلُثِ...}.

و الثّانية: الآية 176 - و هي آخر آية من هذه السّورة - و جاء فيها: { فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَ كَ...فَاِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَ كَ وَ اِنْ كَانُوا اِخْوَةً رِجَالا وَ نِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُ_نْثَيَيْنِ...}.

و الفرق بينهما أنّ الأُولى تُبيّن حكم الأُخت و الإخوة من غير أُمّها، و الثّانية في الأُخت و الإخوة من أُمّ واحدة.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 19): < أصل الكلالة الإحاطة؛ و منه الإكليل لإحاطته بالرّ أس، و منه الكُلّ لإحاطته بالعدد. فالكَلالة: تحيط بأصل النّسب الّذي هو الولد و الوالد.

و قال أبومسلم: أصلها من < كَلَّ > أي أعيا، فكأنّ الكلالة تناول الميراث من بُعْد، على كلالٍ و إعياء.

و قال الحسين بن عليّ المغربيّ: < أصله عندي: ما تركه الإنسان وراء ظهره، مأخوذً ا من الإكل و هو الظّهر، تقول العرب: وَ لا ني فلان إكلّه، على وزن إطلّه، أي وَ لا ني ظهره...>.

3 - و جاء فيهما من هذه المادّة لفظي { رَجُلٌ } و { رِجَالا }.

و رابعتها: الآية 32، منها:{ وَ لاتَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى" بَعْض لِلرِّجَالِ نَصيبٌ ...} :

1 - قال الطَّبْرِسيّ (2 : 40) في نزولها: < قيل: جاءت وافدة النّساء إلى رسول الله(صلی الله علیه و آله) فقالت: يا رسول الله ! أليس الله ربّ الرّجال و النّساء، و أنت رسول الله إليهم جميعًا، فما بالنا يذكر الله الرّجال و لايذكرنا، نخشى أن لايكون فينا خير، و لالله فينا حاجة؟ فنزلت هذه الآية.

و قيل: إنّ أُمّ سلمة قالت: يا رسول الله ! يغز و الرّجال و لاتغزو النّساء، و إنّما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزو و نبلغ ما يبلغ الرّجال. فنزلت الآية عن مُجاهِد.

و قيل: لمّا نزلت آية المواريث قال الرّجال: نرجو أن نُفضّل على النّساء بحسناتنا في الآخرة، كما فُضّلنا عليهنّ في الميراث، فيكون أجرنا على الضِّعف من أجر النّساء. و قالت النّساء: إنّا نرجو أن يكون الوزر علينا، نصف ما على الرّجال في الآخرة، كما لنا الميراث على النّصف من نصيبهم في الدّنيا، فنزلت

الآية، عن قَتادَة، و السُّدّيّ >.

2 - و قال: < لم-ّا بيّن سبحانه حكم الميراث، و فضّل بعضهم على بعض في ذلك، ذكر تحريم التّمنّي الّذي هو سبب التّباغض، فقال: {وَ لاتَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى" بَعْض ...} أي لايقل أحدكم: ليت ما أُعطي فلان من المال، و النّعمة، و المرأة الحسناء كان لي، فإنّ ذلك يكون حسدً ا، و لكن يجوز أن يقول: اللّهمّ أعطني مثله، عن ابن عبّاس، و هو المرويّ عن أبي عبد الله - جعفر بن محمّد - .

3 - ثمّ ذكر وجُوهًا في معناها، أحسنها أنّ المعنى: لكلٍّ حَظٌّ من الثّواب على حسب ما كلّفه الله من الطّاعات بحسن تدبيره، فلاتتمنّوا خلاف هذا التّدبير...>.

و خامستها: الآية 34، منها: { اَلرِّجَالُ قَوَّ امُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى" بَعْض ...}:

1 - قال الطَّبْرِسيّ (2 : 43) في اللُّغة: < يقال: رجل قيّم، و قيّام، و قوّ ام، و هذا البناء للمبالغة و التّكثير. و أصل القنوت: دوام الطّاعة؛ و منه القنوت في الوتر، لطول القيام فيه، و أصل النّشوز: التّرفّع على الزّوج بخلافه، مأخوذٌ من قولهم: فلان على نشز من الأرض، أي ارتفاع...

و الهَجْر: التّرك عن قِلًى. يقال: هجرت الرّجل، إذا تركت كلامه عن قِلًى. و الهاجرة: نصف النّهار، لأ نّه وقت يُهجَر فيه العمل...

و أصل الضّجوع: الاستلقاء، يقال: ضَجَع ضجُوعًا، و اضطجع اضطجاعًا، إذا استلقى للنّوم...

و البُغيَة: الطّلب، يقال: بغَيْتُ الضّالّة، إذا طلبتها...>.

2 - و قال في النّزول: < قال مُقاتِل: نزلت الآية في سعد بن الرّبيع بن عمرو - و كان من النّقباء - و في امرأته حبيبة بنت زَ يْد بن أبي زهير - و هما من الأنصار - و ذلك أ نّها نشزت عليه، فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النّبيّ(صلی الله علیه و آله)، فقال: أفرشته كريمتي فلطمها! فقال النّبيّ(صلی الله علیه و آله): لتقتصّ من زوجها. فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النّبيّ(صلی الله علیه و آله): ارجعوا فهذا جبرائيل أتاني و أنزل الله هذه الآية، فقال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): " أردنا أمرً ا، و أراد الله أمرً ا، و الّذي أراد الله خير، و رفع القصاص >، ثمّ ذكر قولين آخرين في نزولها، فلاحظ.

3- و ذكر في المعنى: < لم-ّا بيّن تعالى فضل الرّجال على النّساء، ذكر عقيبه فضلهم في القيام بأمر النّساء، فقال: { الرِّجَالُ قَوَّ امُونَ عَلَى النِّسَاءِ...}، أي قيّمون على النّساء، مسلّطون عليهنّ في التّدبير، و التّأديب، والرّياضة، و التّعليم، { بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ}. هذا بيان سبب تولية الرّجال عليهنّ، أي إنّما ولا هم الله أمرهنّ، لما لهم من زيادة الفضل عليهنّ: بالعلم، و العقل، و حسن الرّأي، و العزم، { وَ بِمَا اَنْفَقُوا مِنْ اَمْوَ الِهِمْ } عليهنّ من المهر و النّفقة...>.

و أمّا القصص، فهي 19 آية :

آدم:

48 - { وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ اَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شَارِكْهُمْ فِى الاَ_مْوَ الِ وَالاَ_وْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَ مَا يَعِدُهُمُ الشَّ-يْطَانُ اِلا غُرُورً ا }

الإسراء : 64

نوح:

49 - { اِنْ هُوَ اِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَ بَّصُوا بِهِ حَتىّٰ حين } . المؤمنون : 25

هود:

50 - { اِنْ هُوَ اِلا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَ مَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنينَ ‘} المؤمنون : 38

لوط :

51 - { اِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُون ِ النِّسَاءِ بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } الأعراف : 81

52 - { وَ جَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ اِلَيْهِ وَ مِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّي-ِِّ-ا"تِ قَالَ يَا قَوْمِ هؤُ "لاءِ بَنَاتى هُنَّ اَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَ لاتُخْزُون ِ في ضَيْفى اَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ ‘} هود : 78

53 - { اَئِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُون ِ النِّسَاءِ بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } النّمل : 55

54 - { اَئِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الرِّجَالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبيلَ‘ وَ تَاْتُونَ فى نَاديكُمُ‘ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَ ابَ قَوْمِهِ اِلا اَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ اِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقينَ }

العنكبوت : 29

أيّوب:

55 - { اُرْ كُضْ بِرِجْلِكَ هذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَ شَرَ ابٌ } ص : 42

موسى و هارون:

56 - { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذينَ‘ يَخَافُونَ اَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَاِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَاِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا اِنْ كُنْ-تُمْ مُؤْمِنينَ }

المائدة : 23

57 - { وَ اخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعينَ ‘رَجُلا لِميقَا‘تِنَا فَلَمَّا اَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَاَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ اِيَّاىَ اَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا اِنْ هِىَ اِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدى ‘مَنْ تَشَاءُ اَنْتَ وَلِ-يُّ-نَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرينَ ‘} الأعراف : 155

58 - { لاُقَطِّعَنَّ اَيْدِيَكُمْ وَ اَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاف ثُمَّ لاُصَلِّبَنَّكُمْ اَجْمَعينَ ‘} الأعراف : 124

59 - { قَالَ ا"مَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ اَنْ ا"ذَنَ لَكُمْ اِنَّهُ لَكَبيرُ‘كُمُ الَّذى ‘عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلاُقَطِّعَنَّ اَيْدِيَكُمْ وَ اَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاف وَ لاُصَلِّبَنَّكُمْ فى جُذُوعِ النَّخْلِ وَ لَتَعْلَمُنَّ اَ يُّنَا اَشَدُّ عَذَابًا وَ اَبْقى" } طه" : 71

60 - { قَالَ ا"مَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ اَنْ ا"ذَنَ لَكُمْ اِنَّهُ لَكَبيرُ ‘كُمُ الَّذى ‘عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لاُقَطِّعَنَّ اَيْدِيَكُمْ وَاَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاف وَ لاُصَلِّبَنَّكُمْ اَجْمَعينَ ‘}

الشّعراء : 49

61- { وَ دَخَلَ الْمَدينَةَ‘ عَلى" حينِ غَفْلَة مِنْ اَهْلِهَا فَوَجَدَ فيهَا‘ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلان ِ هذَا مِنْ شيعَتِهِ‘ وَ هذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذى ‘مِنْ شيعَتِهِ‘ عَلَى الَّذى ‘مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى" عَلَيْهِ قَالَ هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ اِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ ‘} القصص : 15

62 - { وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ يَسْعى" قَالَ يَا مُوسى اِنَّ الْمَلاَ يَاْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ اِنّى لَكَ مِنَ النَّاصِحينَ ‘} . القصص : 20

63 - { وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ رَجُلٌ يَسْعى" قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ‘} يس, : 20

64 - { وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ا"لِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ ايمَا نَهُ اَتَقْتُلُونَ رَجُلا اَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللهُ وَ قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْوَ اِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ اِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذى ‘يَعِدُكُمْ اِنَّ اللهَ لايَهْدى ‘مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } المؤمن : 28

65 - { وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لاَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ اَعْنَاب وَ حَفَفْنَاهُمَا بِنَخْل وَ جَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا } الكهف : 32

محمّد (صلی الله علیه و آله):

66 - { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَا اَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لكِنْ’ رَسُولَ اللهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيّينَ ‘وَ كَانَ اللهُ بِكُلِّ شَىْء عَليمًا‘}

الأحزاب : 40

و في كلّ منها بُحُوث:

أُولاها: في آدم و الملائكة، آية واحدة:

{ وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَ اَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ وَ شَارِكْهُمْ...}:

1 - هذه من جملة الآيات الخمس من سورة الإسراء في أمر الله الملائكة بالسّجود لآدم و إباء إبليس، بدءً بالآية 61، منها : { وَ اِذْ قُ-لْنَا لِلْمَ-لئِكَةِ’ اسْجُدُوا لا"‚دَمَ...}، و ختمًا بالآية 65: { اِنَّ عِبَادى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ...}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (3 : 425) في اللُّغة: < و الاستفزاز: الإزعاج و الاستنهاض على خفّة و إسراعٍ، و أصله: القطع. و تفزّز الثّوب، إذا تخرّق، و فزّزته تفزيزً ا. فكأنّ معنى استفزّه استزلّه بقطعه عن الصّواب. و رجل فزأى: خفيف.

و الاستطاعة: قوّة تنطاع بها الجوارح للفعل؛ و منه الطّوع و الطّاعة، و هو الانقياد للفعل.

و الإجلاب: السّوق بجلبة من السّائق، و الجلبة: شدّة الصّوت. و قال ابن الأعرابيّ: أجلب الرّجل علىصاحبه، إذا توعّده بالشّرّ، و جمع عليه الجيش >.

3 - و قال في المعنى: { وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ } أي و استَزِل من استطعت منهم، أضلّهم بدعائك و وسوستك، من قولهم: صوّت فلان بفلان إذا دعاه. و هذا تهديد في صورة الأمر، عن ابن عبّاس. ويكون كما يقول الإنسان لمن يهدّده: اجهد جهدك، فسترى ما ينزل بك. و إنّما جاء التّهديد في صورة الأمر، لأ نّه بمنزلة أن يؤمر الغير بإهانة نفسه.

و قيل: بصوتك، أي بالغناء، و المزامير، و الملاهي، عن مُجاهِد، و قيل: كلّ صوت يُدعَى به إلى الفساد، فهو من صوت الشّياطين.

{ وَ اَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَ رَجِلِكَ } أي اجمع عليهم ما قدرت عليه من مكايدك، و أتباعك، و ذرّ يّتك، و أعوانك. و على هذا فيكون الباء مزيدة في { بِخَيْلِكَ } و كلّ راكب أو ماش في معصية الله من الإنس و الجنّ، فهو من خيل إبليس و رجله.

و قيل: هو من أجلب القوم، و جلبوا، أي صاحوا، أي صِحْ بخيلك و رجلك، و احشرهم عليهم بالإغواء.

{ وَ شَارِكْهُمْ فِى الاَ_مْوَالِ وَ الاَ_وْ لاَدِ } و هو كلّ مال أُصيب من حرام و أُخذ بغير حقّه، و كلّ ولد زنى،

عن ابن عبّاس، و الحسَن، و مُجاهِد.

و قيل: إنّ مشاركتهم في الأموال أ نّه أمرهم أن يجعلوها سائبة و بحيرة، و غير ذلك، و في الأولاد أ نّهم هوّدوهم و نصّروهم و مجّسوهم، عن قَتادَة.

و قيل: إنّ كلّ مال حرام، أو فرج حرام، فلهفيه شرك، عن الكَلْبيّ.

و قيل: إنّ المراد بالأولاد: تسميتهم عبد شمس، و عبد الحرث، و نحوهما. و قيل: هو قتل الموؤدة من أولادهم. و القولان مرويّان عن ابن عبّاس.

{ وَ عِدْهُمْ } أي و منهم البقاء، و طول الأمل، و أ نّهم لايُبعثُون. و كلّ هذا زجر و تهديد في صورة الأمر...>.

و ثانيتها: في نوح آية واحدة: {اِنْ هُوَ اِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَ بَّصُوا بِهِ حَتىّٰ حين ٍ‘‘} :

1 - هذه من الآيات التّسع من قصّة نوح في سورة المؤمنون، بدءً من الآية 23: { وَ لَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوحًا اِلى" قَوْمِهِ...} ، و ختمًا بالآية 30: { اِنَّ فى ذ"لِ-كَ لا "يَات وَ اِنْ كُنَّا لَمُبْتَلينَ ‘}.

2 - و هي من تتمّة قول الملإ من قوم نوح : { فَقَالَ الْمَلَؤُا الَّذينَ ‘كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذَا اِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ...* اِنْ هُوَ اِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ...}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 104) { اِنْ هُوَ اِلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ }: <أي: حالة جنون { فَتَرَ بَّصُوا بِهِ حَتىّٰ حين } أي انتظروا موته، فتستريحوا منه.

و قيل: فانتظروا إفاقته من جنونه، فيرجع عمّا هو عليه.

و قيل: معناه: احبسوه مدّة ليرجع عن قوله >.

و ثالثتها: في هود : { اِنْ هُوَ اِلا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا وَ مَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنينَ ‘}:

1 - هذه جاءت بعد قصّة نوح في نفس السّورة، في إحدى عشرة آية، بدءً من الآية 31: { ثُمَّ اَنْشَاْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ا"خَرينَ ‘}، و ختمًا بالآية 41: {فَاَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ...}.

2 - و هي من جملة قول الملإ من قومه: { فَقَالَ الْمَلَؤُا الَّذينَ ‘كَفَرُوا ...}، إلى { اِنْ هِىَ اِلا حَيَاتُنَا الدُّ نْيَا نَمُوتُ وَ نَحْيَا وَ مَا نَحْنُ بِمَبْعُوثينَ ‘* اِنْ هُوَ اِلا رَجُلٌ...}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 106): < ثمّ عطف سبحانه على قصّة نوح، فقال: { ثُمَّ اَنْشَاْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ}،...قيل: يعني عادً ا قوم هود، لأ نّه المبعوث بعد نوح. و قيل: يعني ثمود لأ نّهم أُهلكوا بالصّيحة، عن الجُبّائيّ >.

4 - و قال في معناها { اِنْ هُوَ اِلا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا }: < أي: اختلق كذبًا...>.

و رابعتها إلى سابعتها في لوط :

الأُولى الآية 81، من سورة الأعراف: { اِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }:

1 - هذه الآية الثّانية من الآيات الخمس في سورة الأعراف من قصّة هود، بدء من الآية 80: { وَ لُوطًا اِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اَتَاْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ اَحَد مِنَ الْعَالَمينَ ‘}، و ختمًا بالآية 84 منها: { وَ اَمْطَرْ نَا عَلَيْهِمْ

مَطَرً ا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمينَ ‘}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 444): < قال الزّجّاج: لوط اسم غير مشتقّ، لأنّ العجميّ لايشتقّ من العربيّ، وإنّما قال ذلك، لأ نّه لم يوجد إلا علمًا في أسماء الأنبياء...

و الشّهوة: مطالبة النّفس بفعل ما فيه اللّذّة، و ليست كالإرادة، لأ نّهاقد تدعو إلى الفعل من جهة الحكمة، و الشّهوة ضروريّة فينا من فعل الله تعالى، و الإرادة من فعلنا. يقال شهَيتُ أشهى شهوة...>.

و الثّانية: الآية 78، من سورة هود: { وَ جَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ اِلَيْهِ ...اَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ ‘}:

1 - هذه من جملة الآيات السّبع من سورة هود في قصّة هود، بدءً من الآية 77: { وَ لَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سئَ بِهِمْ ...}، و ختمًا بالآية 83: { مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَ مَا هِىَ مِنَ الظَّالِمينَ ‘بِبَعيد ‘}.

2 - و هي من تتمّة قول هود: {قَالَ يَا قَوْمِ هؤُ لا’ءِ بَنَاتى هُنَّ اَطْهَرُ لَكُمْ...اَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ ‘}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (3 : 183) في معنى الآية { وَ جَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ اِلَيْهِ }: <أي يسرعون في المشي لطلب الفاحشة، عن قَتادَة، و مُجاهِد، و السُّدّيّ.

و قيل: معناه يُساقون، و ليس هناك سائق غيرهم، فكأنّ بعضهم يسوق بعضًا، عن أبي مسلم. و الهاء في { اِلَيْهِ }كناية عن لوط.

{ وَ مِنْ قَبْلُ } أي و من قبل إتيان الملائكة. و قيل: و من قبل مجيء قوم لوط إلى ضيفانه.

و قيل: من قبل مجيئهم إلى داره، عن الجُبّائيّ.

و قيل: إنّه من قبل بعثة لوط إليهم.

{كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّ-ا"تِ } أي يعملون الفواحش مع الذّكور.

{ قَالَ } لوط {يَا قَوْمِ هؤُ لاءِ بَنَاتى هُنَّ اَطْهَرُ لَكُمْ} معناه: أنّ لوط لمّا همّوا بأضيافه، و جاهروا بذلك، فألقوا جلبابالحياء فيه، عرض عليهم نكاح بناته، و قال: هنّ أحلّ لكم من الرّجال، فدعاهم إلى الحلال >.

ثمّ ذكر الخلاف في < البنات > و عرضهنّ، و أدام:

< { فَاتَّ-قُوا اللهَ } أي فاتّقوا عقاب الله في مواقعة الذّكور { وَ لاتُخْزُون ِفى ضَيْفى } أي لاتلزموني عارً ا، و لاتلحقوا بي فضيحة، و لاتخجلوني بالهجوم على أضيافي، فإنّ الضّيف إذا نزل به معرّة، لحق عارها للمُضّيف.

{ اَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ ‘} أي أليس في جملتكم رجل قد أصاب الرّشد، فيعمل بالمعروف، و ينهى عن المنكر، و يزجر هؤلاء عن قبيح فعلهم؟

و يجوز أن يكون { رَشيدٌ ‘}بمعنى مرشد، أي يرشدكم إلى الحقّ >.

و الثّالثة: الآية 55، من سورة النّمل: { اَئِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ }:

1 - هذه ثاني الآيات الخمس من السّورة في قصّة هود، بدءً من الآية 54: { وَ لُوطًا اِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اَتَاْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَ اَنْتُمْ تُبْصِرُونَ }، و ختمًا بالآية 58:

{ وَ اَمْطَرْ نَا عَلَيْهِمْ مَطَرً ا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرين ‘}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 228): < { الْفَاحِشَةَ } يعني الخصلة القبيحة، الشّنيعة، الظّاهرة القبح، و هي إتيان الذّكران في أدبارهم...>.

3 - و قال في { بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ }: < أي تفعلون أفعال الجهّال. قال ابن عبّاس: تجهلون القيامة، و عاقبة العصيان >.

و الرّ ابعة: الآية 29،من سورة العنكبوت: { اَئِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الرِّجَالَ وَ تَقْطَعُونَ السَّبيلَ ‘...} :

1 - هذه الآية الثّانية من الآيات الثّمان من قصّة لوط، نقلا من قوله في السّورة، بدءً بالآية 28: { وَ لُوطًا اِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ اَحَد مِنَ الْعَالَمينَ ‘}، و ختمًا بالآية 35، منها: { وَ لَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا ا"يَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }، و في خلالها ذكر من إبراهيم .

2 - وقال الطَّبْرِسيّ (4 : 280): < ثمّ فسّر الفاحشة بقوله: { اَئِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الرِّجَالَ } أي تنكحونهم، { وَ تَقْطَعُونَ السَّبيلَ ‘}. قيل: فيه وجُوه :

أحدها: تقطعون سبيل الولد باختياركم الرّجال على النّساء.

و ثانيها: أنّكم تقطعون النّاس عن الأسفار بإتيان هذه الفاحشة، فإنّهم كانوا يفعلون هذا الفعل بالمجتازين من ديارهم، و كانوا يرمون ابن السّبيل بالحجارة بالحذف فأيّهم أصابته كان أولى به، و يأخذون ماله، و ينكحونه، و يُغرمونه ثلاثة دراهم، و كان لهم قاض يقضي بذلك.

و ثالثها: إنّهم كانوا يقطعون الطّريق على النّاس، كما يفعل قُطّاع الطريق في زماننا >. ثمّ فسّر باقي الآية، فلاحظ.

{ وَ تَاْتُونَ فى نَاديكُمُ‘ الْمُنْكَرَ }، < قيل: فيه أيضًا وجُوه:

أحدها: هو أنّهم كانوا يتضارطون في مجالسهم من غير حشمة و لاحياء، عن ابن عبّاس، و روي ذلك عن الرّضا .

و ثانيها: أ نّهم كانوا يأتون الرّجال فيمجالسهم، يرى بعضهم بعضًا، عن مُجاهِد.

و ثالثها: كانت مجالسهم تشتمل على أنواع من المناكير و القبائح، مثل الشّتم، و السّخف، و الصّفع، و حذف الأحجار، على من مرّبهم، و ضرب المعازف و المزامير، و كشف العورات، و اللّواط >.

3 - و قال الزّجّاج: < و في هذا إعلام أ نّه لاينبغي أن يتعاشر النّاس على المناكير، و لا أن يجتمعوا على المناهي...>.

[ لاحظ: ن ك ر: < المُنكَر >]

4 - و قد كرّر الله في هذه الآيات الأربع مُنكَر اللّواط - تشديدً ا على قبحه - بفنون من التّعبير، مثل: { بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ }، و { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمينَ ‘} الأعراف : 81 و 84، و {وَ لَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سئَ بِهِمْ }، و { اَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشيدٌ}‘ هود: 77 و 78، و{ اَتَاْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَ اَنْتُمْ تُبْصِرُونَ }، و { بَلْ اَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } النّمل : 54 و 55، و { اِنَّكُمْ لَتَاْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ اَحَد مِنَ الْعَالَمينَ ‘}،

و { وَ تَقْطَعُونَ السَّبيلَ ‘وَ تَاْتُونَ فى نَاديكُمُ‘ الْمُنْكَرَ}، و {قَالَ رَبِّ‌ّ انْصُرْنى عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدينَ ‘}، و { وَ لَمَّا اَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سئَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا}، و { اِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى" اَهْلِ هذِهِ الْقَرْ يَةِ رِجْزً ا مِنَ السَّمَاءِ }، و { وَ لَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا ا"يَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } العنكبوت : 28 - 45.

و جاءت في خلالها و خلال سائر الآيات من قصّته أيضًا ذمّ من هذا القبيل.

وثامنتها في أيّوب علیه السلام :

و هي الآية 42 من سورة ص: { اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَ شَرَ ابٌ }:

1 - هذه الآية الثّانية من الآيات الأربع في قصّة أيّوب بدءً من الآية 41: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا اَ يُّوبَ...} و ختمًا بالآية 44: { وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ...}.

2 - و قد ذكر الله تعالى من قصّته أ نّه نادى ربّه بأ نّه مسّه الشّيطان بنَصْبٍ، أي بتعب و عذاب، فأجاب الله دعاءه، و قال له: ادفع برجلك الأرض، فدفع برجله فبرء و شرب...

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 477) في اللُّغة:

< الرِّكض: الدّفع بالرّجل على جهة الإسراع؛ و منه ركض الفرس لإسراعه، إذا دفعه برجله. قال سيبَوَيه: يقال: ركضَتِ الدّا بّة و ركضتُها، فهو مثل جبر العظم و جبرته.

و الضِّغْث: مِلْ ء الكفّ من الشّجرة و الحشيش و الشّماريخ، و ما أشبه ذلك >.

4 - و قال في المعنى: < فأجاب الله دعاءه، و قال له: { اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ } أي ادفع برجلك الأرض { هذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَ شَرَ ابٌ } و في الكلام حذف، أي فركض رجله، فنبعت بركضته عين ماء.

و قيل: نبعت عينان، فاغتسل من أحدهما فبرئ، و شرب من الآخر فروي، عن قَتادَة.

و المغتسل: الموضع الّذي يُغتسَل فيه. و قيل: هو اسم للماء الّذي يُغتسَل به، عن ابن قُتَيْبَة >.

و تاسعتها في موسى و هارون، و بني إسرائيل و فرعون، و أصحاب القرية، 19 آيات:

و في كلّ واحدة منها بُحُوثٌ:

الأُولى: الآية 23، من سورة المائدة: { قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذينَ ‘يَخَافُونَ ...}:

1 - هذه من جملة الآيات الحادية عشرة من قصّة بني إسرائيل في السّورة، بدءً من الآية 12: {وَ لَقَدْ اَخَذَ اللهُ ميثَا‘قَ بَنى اِسْرَاءيلَ.‘..}، و ختمًا بالآية 26: { قَالَ فَاِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ اَرْ بَعينَ ‘سَنَةً ...}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 180) في المعنى: <من جملة النّقباء الّذين بعثهم موسى ليعرف خبر القوم. و قيل: هما يوشع بن نون، و كالب بن يوفنا، عن ابن عبّاس، و مُجاهِد، و السُّدّيّ، و قَتادَة، و الرّبيع.

و قيل: رجلان كانا من مدينة الجبّارين، وكانا على دين موسى، لم-ّا بلغهما خبر موسى، جاءاه فاتّبعاه، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس >.

3 - ثمّ فسّر باقي الآية.

و الثّانية: الآية 155، من سورة الأعراف:

{ وَ اخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعينَ ‘رَجُلا لِميقَا‘تِنَا...}:

1 - و هذه من جملة الآيات الثّالثة و الخمسين من قصص موسى و بني إسرائيل و عدوّهم فرعون في سورة الأعراف - و هي أطول آياتهم بعد الآيات في سورة البقرة - بدءً من الآية 103: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِا"يَاتِنَا اِلى" فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ...}، و ختمًا بالآية 156: { وَ اكْتُبْ لَنَا فى هذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَ فِى الا_"خِرَةِ...}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 484) في اللُّغة: < الاختيار: إرادة ما هوخير، يقال: خيّره بين أمرين، فاختار أحدهما. و الاختيار و الإيثار بمعنى واحد. و الفتنة: الكشف و الاختبار...>.

3 - و قال في المعنى: < ثمّ أخبر تعالى عن اختيار موسى من قومه، عند خروجه إلى ميقات ربّه، فقال: { وَ اخْتَارَ مُوسى ...} و اختُلف في سبب اختياره إيّاهم و وقته:

فقيل: إنّه اختارهم حين خروجه إلى الميقات، ليكلّمه الله سبحانه بحضرتهم، و يعطيه التّوراة، فيكونوا شهداء له عند بني إسرائيل، لما لم يثقوا بخبره أنّ الله سبحانه يكلّمه... فابتدأ سبحانه بحديث الميقات، ثمّ اعترض حديث العِجْل، فلمّا تمّ عاد إلى بقيّة القصّة.

و هذا الميقات هو الميعاد الأوّ ل الّذي تقدّم ذكره، عن أبي عليّ الجُبّائيّ، و أبي مسلم، و جماعة من المفسّرين، و هو الصّحيح، و رواه عليّ بن إبراهيم في تفسيره.

و قيل: إنّه اختارهم بعد الميقات الأوّ ل للميقات الثّاني بعد عبادة العجل، ليعتذروا من ذلك...>.

و الثّالثة و الرّ ابعة و الخامسة: الآية 124، من سورة الأعراف، و 71، من سورة طه، و 49، من سورة الشّعراء:

{ لاُقَطِّعَنَّ اَيْدِيَكُمْ وَ اَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلاف ...} :

1 - و هي حكاية قول فرعون بسياقٍ واحد، في السّور الثّلاث، تهديدً ا للسّحرة الّذين آمنوا بموسى، لم-ّا رأوا ما فعله من تبديل العصا حيّةً، و اليد البيضاء.

فالأُولى: هي الآية 22، من الآيات الثّالث و الخمسين من سورة الأعراف من القصّة، بدءً من الآية 103: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِا"يَاتِنَا اِلى" فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ...}، و ختمًا بالآية 156: { وَ اكْتُبْ لَنَا فى هذِهِ الدُّ نْيَا حَسَنَةً وَ فِى الا"_خِرَةِ...}.

و الثّانية: الآية 59، من الآيات التّسعين من القصّة في سورة طه "، بدءً من الآية 9: { وَ هَلْ اَتيكَ’ حَديثُ‘ مُوسى }، و ختمًا بالآية 99: { كَذ"لِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ اَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَ قَدْ ا"تَيْنَاكَ مِنْ لَدُ نَّا ذِكْرً ا }، و هذه أيضًا من أطول الآيات من قصص موسى و فرعون.

و الثّالثة: الآية 39، من الآيات الثّمان و الخمسين من قصصهما في سورة الشّعراء بدءً من الآية 10: { وَ اِذْ نَادى رَ بُّكَ مُوسى اَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمينَ ‘}، و ختمًا بالآية 68: {وَ اِنَّ رَ بَّكَ لَهُوَ الْعَزيزُ‘ الرَّحيمُ }.

2- و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 463) - ذيل الآية الأُولى - في اللُّغة: < الصّلب: الشّدّ على الخشبة و غيرها، و أصله من صلابة الشّيء، و القُرّ اء كلّهم على تشديد

اللا م من التّصليب >.

3 - و قال في المعنى { مِنْ خِلاف }: < أي من كلّ شقّ طرفًا. قال الحسَن: هو أن يقطع اليد اليمنى مع الرّجل اليسرى، و كذلك اليد اليسرى مع الرّجل اليمنى. {ثُمَّ لاُصَلِّبَنَّكُمْ اَجْمَعينَ ‘} أي: لاأدع واحدً ا منكم إلا صلّبته.

و قيل: إنّ أوّ ل من قطَع الرّجل، و صلَب فرعون، صلبهم في جذوع النّخل علىشاطئ نهر مصر >.

و السّادسة: { وَ دَخَلَ الْمَدينَةَ‘ عَلى" حينِ غَفْلَة مِنْ اَهْلِهَا فَوَجَدَ فيهَا‘ رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ...}:

1 - هذه الآية 13، من الآيات الثّلاث و الأربعين من قصص موسى و فرعون في السّورة، بدءً من الآية 3: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَاِ مُوسى" وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ }، و ختمًا بالآية 46: { وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ اِذْ نَادَيْنَا...}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 242) في اللُّغة: < و الوَكْز: الدّفع. و قيل: هو بجمع الكفّ، و مثله: اللّكز و اللّهز >.

3 - و قال في المعنى {وَ دَخَلَ الْمَدينَةَ ‘}: < يريد مصر. و قيل: مدينة مَنف من أرض مصر. و قيل: على فرسخين من أرض مصر.

{ عَلى" حينِ غَفْلَة مِنْ اَهْلِهَا } أراد به نصف النّهار، و النّاس قائلون، عن سعيد بن جُبَيْر.

و قيل: ما بين المغرب و العشاء الآخرة، عن ابن عبّاس.

و قيل: كان يوم عيد لهم، و قد اشتغلوا بلعبهم، عن الحسَن.

و قيل: اختلفوا في سبب دخوله المدينة في هذا الوقت على أقوال > و ذكرها.

{ فَوَجَدَ فيهَا ‘رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ } < أي يختصمان في الدّين، عن الجُبّائيّ. و قيل: في أمر الدّنيا > ثمّ فسّر باقي الآية، فلاحظ.

و السّابعة و الثّامنة: الآية 20، من سورة القصص أيضًا: {وَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ يَسْعى"...}، و الآية 20، من سورة يس,: {وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَاالْمَدينَةِ‘ رَجُلٌ يَسْعى" قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلينَ ‘}:

1 - الأُولى هي الآية 8، من تلك الآيات في سورة القصص، تُبيّن سبب فرار موسى من مصر خائفًا إلى مَدْ يَن، و هو أنّ الملأ من قوم فرعون كانوا يأتمرون ليقتلوه.

2 - وقال الطَّبْرِسيّ ( 4 : 242 ) في اللُّغة : < والائتمار: التّشاور، و الارتياء. يقال: ائتمر القوم و ارتاؤوا بمعنى...>.

3 - و قال (4 : 246) في المدينة: <{ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ ‘} أي آخرها. فاختصر طريقًا قريبًا حتّى سبقهم إلى موسى.

{ يَسْعى" } أي يسرع في المشي، فأخبره بذلك، و أنذره. و كان الرّجل حزقيل مؤمن آل فرعون. و هو ابن عمّ فرعون.

و قيل: رجل اسمه شمعون. و قيل: سمعان.

{ قَالَ يَامُوسى اِنَّ الْمَلاَ } أي الأشراف من آل فرعون.

{ يَاْتَمِرُونَ بِكَ } أي: يتشاورون فيك، عن أبي عُبَيْدَة.

و قيل: يأمر بعضهم بعضًا...>.

4 - و الثّانية: هي الآية 8، من الآيات الخمس عشرة في سورة يس, من قصّة أصحاب القرية، بدءً من الآية 13: { وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا اَصْحَابَ الْقَرْ يَةِ اِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ }، و ختمًا بالآية 29: { اِنْ كَانَتْ اِلا صَيْحَةً وَ احِدَةً فَاِذَا هُمْ خَامِدُونَ }.

5 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 418): { وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ رَجُلٌ يَسْعى" }: < وكان اسمه حبيب النّجّار، عن ابن عبّاس، و جماعة من المفسّرين. و كان قد آمنبالرّسل عند ورودهم القرية. و كان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة. فلمّا بلغه أنّ قومه قد كذّبوا الرّسل، و همّوا بقتلهم، جاء يَعْدُو و يشتدّ >، و ذكر باقي الآية، و أصل القصّة، فلاحظ.

و التّاسعة: الآية 28، من سورة المؤمن: { وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ا"لِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ ايمَا نَهُ اَتَقْتُلُونَ رَجُلا ...}:

1 - هذه أوّ ل آية من قصّة رجل مؤمن من آل فرعون، إلى الآية 45، منها: {فَوَقيهُ اللهُ سَيِّ-ا"تِ مَا مَكَرُوا...}، و في خلالها قول من فرعون 36 و 37: { وَ قَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لى صَرْحًا...}، و { وَ مَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ اِلا فى تَبَاب }.

2 - وقال الطَّبْرِسيّ (4 : 521): < في صدره على وجه التّقيّة >، ثمّ ذكر حديثًافي التّقيّة عن الصّادق .

3 - و قال ابن عبّاس: < لم يكن من آل فرعون مؤمن غيره، و غير امرأة فرعون، و غير المؤمن الّذي أنذر موسى، فقال: { اِنَّ الْمَلاَ يَاْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } القصص : 20. قال السُّدّيّ و مُقاتِل: كان ابن عمّ فرعون، و كان آمن بموسى، و هو الّذي جاء من أقصى المدينة يسعى. و قيل: إنّه كان وليّ عهده من بعده، و كان اسمه حبيب. وقيل: اسمه حزبيل >، ثمّ فسّر باقي الآية.

و العاشرة: في نبيّنا (صلی الله علیه و آله) : { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَا اَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لكِنْ’ رَسُولَ اللهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيّينَ ‘...} :

1 - هذه من جملة آيات السّورة، و أكثرها فيالعلاقة بين المؤمنين و النّبيّ .

2 - و قد جاء فيها - و في ثلاث آيات أُخر - اسمه < محمّد > اهتمامًا بمواضيعها.

3 - و الآية تنفي كونه أبا أحد من الرّجال، إبطالا لمسألة الأدعياء؛ حيث كانوا يعتبرونه أبازَ يْد، و أنّ زيدً ا دَعيّه، كما جاء في الآية 37، منها: { وَ اِذْ تَقُولُ لِلَّذى ‘اَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَ اَنْعَمْتَ عَلَيْهِ...}.

4 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 361) { مَا كَانَ مُحَمَّدٌ اَبَا اَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ...}: < الّذين لم يلدهم. و في هذا بيان أ نّه ليس بأب لزيد فتحرم عليه زوجته، فإنّ تحريم زوجة الابن معلّق بثبوت النّسب، فمن لانسب له، لاحرمة لامرأته، و لهذا أشار إليهم فقال: { مِنْ رِجَالِكُمْ }.

و قد وُلد له (صلی الله علیه و آله) أولاد ذكور: إبراهيم، و القاسم، و الطّيّب، و المطهّر، فكان أباهم. و قد صحّ أ نّه قال للحسن : إنّ ابني هذا سيّد. و قال أيض-ًا للحسن

و الحسين علیهماالسلام: إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا.

و قال (صلی الله علیه و آله) : إنّ كلّ بني بنت ينتسبون إلى أبيهم إلا أولاد فاطمة، فإنّي أنا أبوهم .

و قيل: أراد بقوله: { رِجَالِكُمْ }: البالغين من رجال ذلك الوقت...>، و قد ذكر قصّة زَ يْد و نكاحالنّبيّ (صلی الله علیه و آله) زوجته، فلاحظ.

و يلاحظ ثانيًا: أنّ 25، آية ًمنها: مدنيّة و تشريع أو ما يلحق بها، و الباقي مكّيّة و أكثرها قصص.

و ثالثًا: ليس لهذه المادّة نظائر في القرآن.

ر ج م

اشارة

10 ألفاظ، 14 مرّة: 13 مكّيّة، 1 مدنيّة

في 12 سورة: 11 مكّيّة، 1 مدنيّة

لرَجَمْنَاك 1 : 1

المَرْجُومينَ ‘1 : 1

يَرْجُمُوكُمْ 1 : 1

رجيمٍ ‘4 : 4

تَرْجُمُون 1 : 1

الرّجيمِ ‘2 : 1 - 1

لاَرْجُمَنّكَ 1 : 1

رَجمْ-ًًا 1 : 1

لنَرْجُمَنَّكُمْ 1 : 1

رُجُومًا 1 : 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل:الرّجم في القرآن: القتل في شأن نُوح علیه السلام .

و الرّجم: اسم لما يُرْجَم به الشّيء؛ و الجميع: الرُّجُوم، و هي الحِجارة.

و الرُّجُوم: الّتي تُرمَى بها الشّياطين، و الشّيطان رجيمٌ مَرْجُومٌ ملعون.

و الرّجم: الرّمي بالحجارة.

و الرّجم: القذف بالغيب و بالظّنّ؛ و منه قوله تعالى: { لاَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا } مريم : 46، أي لأقولنّ فيك ما تكره.

و الرّجم: القبر؛ و يُجْمَع على: أرجام.

و الرُّ جْمَة: حجارةمجموعة، كأ نّها قبور عاد ؛ و تُجمَع رِجامًا.

و رجَمْتُ القبر: جَعَلتُ فوقه رُجْمَةً.

و الرِّجامان: خشبتان تُنصَبان على رأس البئر، يُنصَب القَعْر ونحوه من المساقي. [ثمّ استشهد بشعر]

و رجل مِرْجَم: مُدافع عن حسَبه ونسَبه في الحرب.

و بعير مِرْجَم: يَرْجُم الأرض بأخفافه رجمًا، و هو الثّقيل المشي من غير بُطْء. (6 : 119)

أبوعمرو الشّيبانيّ: الرُّجْمَة: العلَم من الحجارة. (1 : 294)

و الرِّجام: الهِضَاب الصّغار. (1 : 313)

الرِّجام: ما يُبنى على البئر، ثم تُعرَض عليه الخشبة للدّلو.

والرُّجُماتُ: المنار، و هي الحجارة الّتي تُجمَع، و كان يُطاف حولها تُشبّه بالبيت. (الأزهَريّ 11 : 70)

الأصمَعي: الرُّجْمَة دون الرِّضام، و الرِّضام: صخور عظام، تُجمَع في مكان. (الأزهَريّ 11 : 69)

الرِّجام: حجر يُشَدّ في طرف الحبل، ثم يُدَلّى في البئر، فتُخَضخَض به الحمْأة حتّى تثور، ثم يُستَقى ذلك الماء فتُستَنقى البئر. هذا إذا كانت البئر بعيدة القعر لايقدرون على أن ينزلوا فيها فيُنَقّوها.

(الأزهَريّ 11 : 70)

ارتَجَم الشّيء و ارْتَجَن، إذا ركب بعضه بعضًا.

(الأزهَريّ 11 : 71)

و في الحديث:< إنّه قال لأُسامة: انظُر هل ترى رَجَمًا > الرّجَمَة هي الحجارة الّتي يجمعها النّاس للبناء و طيّ الآبار، و هي الرِّجام. (الهَرَويّ 3 : 722)

اللِّحيانيّ: يقال تَرْجُمان و تُرْجُمان، وقَهْرمان و قُهْرمان.

والرّجْم: الهِجْران، والرّجْم: الطّرد، والرّجْم: اللّعن، والرّجْم: الظّنّ. (الأزهَريّ 11 : 71)

و جاء يَرْجُم، إذا مرّ يضطرم عَدْوُه

(ابن سيده 7 : 419)

أبوعُبَيْد: في حديث عبد الله بن مغفّل في وصيّته: < لاتُرَجِّمُوا قبري >.

و المحدّثون يقولون: لاتَرْجُمُوا قبري، إنّما هو لاتَرَجِّمُوا. يقول: لا تجعلوا عليه الرّجَم، و هي الرِّجام يعني الحجارة. و كانوا يجعلونها على القبور، و كذلك هي إلى اليوم حيث لايوجد التّراب. [ثمّ استشهد بشعر]

و قد تأوّله بعضهم على النّياحة و القول السّيّئ فيه، من قول أبي إبراهيم لإبراهيم: { لاَرْجُمَنَّكَ } مريم : 46، يعني لأقولنّ فيك ما تكره. و إنّما أراد ابن مغفّل تسوية القبر بالأرض، و أن لايكون مُسَنّمًا مُرتفعًا.______________________ (2 : 334)

ابن الأعرابيّ: دفع رجل رجلا، فقال: لتجدني ذا مِنْكَب مِزْحَم، و رُكن مِدْعَم، و لسان مِرْجَم.

و المِرْجام: الّذي تُرْجَم به الحجارة.

(الأزهَريّ 11 : 71)

و قد تراجمُوا و ارتجَمُوا. (ابن سيده 7 : 419)

ثَعْلَب: الرّجْم: الخليل و النّديم.

(ابن سيده 7 : 420)

ابن دُرَيْد: و الرّجْم: مصدر: رجَمتُه بيدي أرجُم رَجْمًا، بحجر أو غيره.

و الرّجُوم: النّجوم الّتي يُرْمى بها الشّياطين.

و سُمّي الشّيطان رجيمًا، فعيل في موضع مفعول.

و الرّجْمَة: القبر، بفتح الرّاء و ضمّها، و الضّمّ أعلى؛ و يُجمَع رُجَمًا و رِجَامًا.

و رجَم الرّجل بالغيب، إذا تكلّم بما لايعلم.

و أرْجَم الرّجل عن قومه، و راجم عن قومه، إذا ناضل عنهم.

و رِجَام: موضع.

و الرّجام: حجر يُشَدّ بطرف عَرْ قُوة الدّلو، ليكون أسرع لانحدارها.

ومَرْجُوم: لقب رجل من العرب، كان سيّدً ا، ففاخر رجلا من قومه إلى بعض ملوك الحيرة، فقال له: قد رجَمتُك بالشّرف، أي حكمت لك به، فسُمّي مرجومًا.

و المَراجم: قبيح الكلام، تراجَم القوم بينهم بمَراجم قبيحة، أي بكلام قبيح.

و فرَس مِرْجَم، أي يرجُم الأرض بحوافره، يرميها بها.

و كلام مُرَجّم: عن غير يقين. [و استشهد بالشّعر3 مرّ ات] (2 : 85)

المُراجَمة في الكلام: أن يجاوبه. (3 : 485)

الأزهَريّ: الرّجْم: الرّمي بالحجارة. يقال: رجَمْتُه فهو مرجوم، أي رمَيتُه.

و الرّجْم: القتل، و قد جاء في غير موضع من كتاب الله.

و إنمّا قيل للقتل: رَجْم، لأ نّهم كانوا إذا قتلوا رجلا رموه بالحجارة حتّى يقتلوه، ثمّ قيل لكلّ قتل: رَجْم؛ و منه رَجْم الثّيّبين إذا زنيا.

و الرّجْم: السّبّ و الشّتم؛ و منه قوله تعالى، حكاية عن أبي إبراهيم لابنه إبراهيم : { لاَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا } مريم : 46، أي لأسُبّنّك و أشتمنّك.

و الرّجْم أيضًا: اسم لما يُرْجَم به الشّيء المرجوم؛ و جمعه: رُجُوم، قال الله فيالشُّهب: { وَ جَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطينِ‘ } الملك : 5، أي جعلناها مرامي لهم.

و الرّجْم: اللّعن، و الشّيطان الرّجيم، بمعنى المرجوم، و هو الملعون المُبْعَد.

و الرّجْم: القول بالظّنّ و الحدس؛ و منه قول الله: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ} الكهف : 22.

والرّجَم بفتح الجيم: القبر، سُمّي رَجَمًا، لما يُجمَع عليه من الأحجار و الرِّجام.

قال أبوبكر: معنى قول عبد الله بن مغفّل في وصيّته بنيه: < لاتَرْجمُوا قبري > ، معناه: لاتنوحوا عند قبري، أي لاتقولوا عنده كلامًا سيّئًا قبيحًا.

قال: و الرّجيم في نعت الشّيطان: المرجوم بالنّجوم، فصُرف إلى فعيل من مفعول.

قال: و يكون الرّجيم بمعنى المشتوم المسبوب؛ من قوله: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ } مريم : 46، أي لأسُبّ-نَّك.

قال: و يكون الرّجيم بمعنى الملعون، و هو المطرود، قال: و هو قول أهل التّفسير.

و الرّجَم و الرِّجام: الحجارة المجموعة على القبور؛ و منه قول عبد الله بن المغفّل المُزنيّ: <لاتَرْجمُوا قبري >، يقول: لاتجعلوا عليه الرّجَم. أراد تسوية القبر بالأرض، و ألا يكون مُسَنّمًا مرتفعًا.

و يقال: الرّجَم: القبر نفسه.

و الرُّجْمَة هي الرُّجْبَة الّتي تُرَجّبُ النّخلة الكريمة بها، و لسان مِرْجَم، إذا كان قَوّالا. [و استشهد بالشّعر 8 مرّ ات] (11 : 68)

الصّاحِب: الرّجْم: الرّمي بالحجارة، و القتل،

و اسم لما يُرْجَم به الشّيء؛ و الجميع: الرّجُوم، و الشّيطان مرجوم رجِيم: لعين، و القَذْف بالغيبِ و بالظّنّ؛ و منه: حديث مُرَجّم.

و قوله عزّ و جلّ: { لاَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا } مريم : 46، أي لأقُولنّ فيك ما تكره و لأشْتِمَنّك.

و المُراجَمَة في الكلام و العَدْوِ و الحَرْبِ: العمل بأشدّه مساجلة .

و راجَم فلان عن فلان: ناضل عنه.

و الرّجَم: القبر؛ و جمعه: رِجام.

و الرُّجْمَة: حجارة مجموعة.

و ارتجَمَ الشّيء: ارْتكَمَ. و تراجَم: تراكَم.

و الرِّجامان: خشبتان تُنْصَبان على رأس البئر يُنصَب عليهما القَعْو.

و الرِّجام: حجر يُعلّق في طرف الرِّشاءِ، فيُخَضْخَض به الماء في البئر إذا كانت فيها حَمْأة لِتَثُور.

و الرُّجْمَة: البِناء من صخرٍ تُعْمَد به النّخلة. و بيت يُبنى للضّبُعِ لتُصاد به.

و ترجّم: أي اتّخذ رُجْمضَة.

و المِرْجام من الإبل: الّذي يمدّ عنقه في السّيرِ، كأ نّه يَرْجُم برأسه الأرض. و قيل: هو الشّديد. (7 : 102)

الجَوهَريّ: الرّجْم: القتل، و أصله: الرّمي بالحجارة. و قد رجَمتُه أرْجُمُه رَجْمًا، فهو رجيم و مرجوم.

و الرُّجْمَة، بالضّمّ: واحدة الرُّجَمِ و الرِِّجامِ، و هي حجارةٌ ضخام دون الرِّضامِ، و ربّما جمعت على القبر ليُسَنّم.

و قال عبد الله بن مغفّلٍ في وصيّته: <لاتُرَجِّمُوا قبري > أي لاتجعلوا عليهالرّجَم. أراد بذلك تسوية قبرِه بالأرض و أن لا يكون مسَنّمًا مرتفعًا.

و الرّجَم بالتّحريك: القبر.

و الرِّجام: المِرْجاس، و ربّما شُدّ بطرف عَرْقُوَة الدّلو ليكون أسرع لانحدارها. و رجل مِرْجًَم بالكسر، أي شديد، كأ نّه يُرْجَم به مُعادِيَه. و فرَس مِرْجَم: يَرْجُم في الأرض بحوافره.

و الرّجْم: أن يتكلّم الرّجل بالظّنّ. قال: تعالى: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } الكهف : 22، يقال صار فلان رَجْمًا: لايوقف على حقيقة أمره. و منه الحديث المُرَجّم، بالتّشديد. و تراجموا بالحجارة، أي ترامَوْا بها. و رجَم فلان عن قومه، إذا ناضل عنهم.

و الرِّجامانِ: خشبتان تُنْصْبان على رأس البئر، ينصب عليهما القَعْوُ.

و الرُّجْمَة بالضّمّ: وِ جار الضّبُع.

و يقال: قد تَرْجَم كلامه، إذا فُسّر بلسان آخر. ومنه التّرْجَمان، و الجمع: التّراجم، مثل زعفران و زعافر، و صَحْصَحان، و صَحاصح، يقال: ثَرْجُمان. و لك أن تضمّ التّاء لضمّة الجيم فتقول: تُرْجُمان، مثل يَسْرُوع و يُسْرُوع. [و استشهد بالشّعر مرّتين]

(5 : 1928)

ابن فارِس: الرّ اء و الجيم و الميم أصل واحد، يرجع إلى وجه واحد، و هي الرَّ مْي بالحجارة، ثمّ يُستعار ذلك.

من ذلك الرِّجام، و هي الحجارة. يقال رُجِم فلان،

إذا ضُرب بالحجارة.

و الرُّجْمَة: القبر. و يقال: هي الحجارة الّتي تُجمَع على القبر ليُسَنّم. و في الحديث: <لاتُرَجِّمُواقبري > أي لاتجعلوا عليه الحجارة، دَعَوْه مستوِيًا.

و قال بعضهم: الرِّجام حجر يُشَدّ بطرف عَرْ قُوَة الدّ لو، ليكون أسرع لانحدارها.

و الّذي يُستعار من هذا قولهم: رجمت فلا نًا بالكلام، إذا شتَمْته. وذُكر في تفسير ما حكاه عزّ و جلّ في قصّة إبراهيم : { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ } مريم : 46، أي لأشتُمنّك، و كأ نّه إذا شتَمه فقد رجمه بالكلام، أي ضربه به، كما يُرْجَم الإنسان بالحجارة.

و قال قوم:{ لاَرْجُمَنَّكَ }: لأقتُلنّك. و المعنى قريب من الأوّ ل. (2 : 493)

ابن سيده: الرّجْم: الرّمي بالحجارة.

رجَمَه يَرْجُمُه رَجْمًا، فهو مرجوم و رجيم؛ و منه: الشّيطان الرّجيم، أي المرجوم بالكواكب.

و قيل: رجيم ملعون مرجوم باللّعنة. و قوله تعالى حكاية عن قوم نوح : { لَتَكُونَنَّ مِنَ المْ-َرْجُومينَ‘} الشّعراء : 116، قيل: المعنى من المرجومين بالحجارة.

و الرّجْم: ما رُجم به؛ و الجمع: رُجوم.

و الرّجْم و الرُّجُوم: النّجوم الّتي يُرْمى بها، و في التّنزيل: { وَ جَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطينِ‘ } الملك : 5،

و فرَس مِرجَم يَرْجُم الأرض بحوافره، و كذلك البعير، و هو مدح. و قيل: هو الثّقيل من غير بُطْء.

و قد ارتجَمتِ الإبل و تراجمت.

و راجَم عن قومه: ناضل.

و الرِّجام: الحجارة. و قيل: هي الحجارة المجتمعة، و قيل: هي كالرِّضام، و هي صخور عظام أمثال الجُزُر، و قيل: هي أمثال القبورالعاديّة؛ واحدتها: رُجْمَة.

و الرُّجْمَة: حجارة مرتفعة، كانوا يطوفون حولها.

و قيل: الرُّجُم بضمّ الجيم، و الرُّجْمَة بسكون الجيم: جميعًا الحجارة الّتي تُنصَب على القبر.

و قيل: هما العلامة.

و الرُّجْمَة و الرَّجْمَة: القبر؛ و الجمع: رِجام، و هو الرّجَم؛ و الجمع: أرجام.

و رجَم القبر رَجْمًا: عَمِله، و قيل: رجَمَه يَرْجُمُه رَجْمًا: وضع عليه الرّجْم الّتي هي الحجارة .

و الرّجَم أيضًا الحُفرة و البئر و التّنّور.

و الرّجْم في القرآن: القتل.

و الرّجْم: القَذْف بالغيب و الظّنّ.

و كلام مُرَجّم: عن غير يقين، و في التّنزيل: { لاَرْجُمَنَّكَ } مريم : 46، أي لأهجُرنّك، و لأقولنّ عنك بالغيب ما تكره.

و المَراجم: الكلم القبيحة.

و تراجمُوا بينهم بمراجم: تراموا.

و الرِّجام: حجر يُشَدّ في طرف الحبل، ثمّ يُدلّى في البئر فتُخَضخَض به الحمْأة حتّى تثُور، ثمّ يُستَقى ذلك الماء فتُستَنقى البئر. و هذا كلّه إذا كانت البئر بعيدة القعر، لايقدرون على أن ينزلوا فيُنقّوها.

و قيل: هو حجر يُشَدّ بعَرْ قُوَة الدّلو، ليكون أسرع لانحدارها .

و الرِّجامان: خشبتان على رأس البئر، يُنصَب

عليهما القَعْو و نحوه من المساقي

و الرّجَم: الإخوان، عن كُراع وحده؛ واحدهم: رجْم و رَجَم و لاأدري كيف هذا.

و الرُّجْمَة : الدُّكّان الّذي تعتمد عليه النّخلةكالرُّجْبَة، عن كُراع و أبى حنيفة، قالا: أبدلوا الميم من الباء. و عندي أ نّها لغة كالرُّجْبَة.

و مرجُوم: لقب رجل من العرب، كان سيّدًا ففاخر رجلا من قومه إلى بعض ملوك الحيرة، فقال له: قد رجمتك بالشّرف، فسمّي مرجومًا.

و الرِّجام: موضع

و التَّرجُمان و التُّرجُمان: المفسّر للّسان.

و قد تَرْجَمه و تَرجَم عنه؛ و الجمع: تراجيم، و هو من المُثُل الّتي لم يذكرها سيبَوَيه.

قال ابن جنّيّ: أمّا تَرْجُمان فقد حكيت فيه تُرْجُمان، بضمّ أوّ له و مثاله < فُعْلُلان > كعُتْرُفان و دُحْمُسان.

و كذلك التّاء أيضًا فيمن فتحها أصليّة و إن لم يكن في الكلام، مثل جعفر، لأ نّه قد يجوز مع الألف و النّون من الأمثلة، ما لولاهما لم يجز، كعُنْفُوان و خِنْذِيان و رَيْهُقان. ألاترى أ نّه ليس في الكلام فُعْلُوٌ و لافِعْلِيٌ و لافَيْعُل. [و استشهد بالشّعر 5 مرّ ات]

(7 : 419)

الرّ اغِب: الرِّجام: الحجارة، و الرّجْم: الرّمي بالرِّجام.

يقال: رجَم فهو مرجوم، قال تعالى: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المْ-َرْجُومينَ‘ } الشّعراء : 116، أي المقتولين أقبح قتلة، و قال:{ وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} هود : 91، { اِنَّهُمْ اِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ } الكهف : 20.

و يُستعار الرّجْم للرّمي بالظّنّ، و التّوهّم، و للشّتم و الطّرد، نحو قوله تعالى: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } الكهف : 22. [ثمّ استشهدبشعر إلى أن قال:]

و الرَّجْمَة و الرُّجْمَة: أحجار القبر، ثمّ يعبّر بها عن القبر؛ و جمعها: رِجام و رُجَم.

و قد رجَمْتُ القبر: وضَعتُ عليه رِجامًا. و في الحديث: < لاتَرْجُمُوا قبري >.

و المُراجَمَة: المُسابّ-ة الشّديدة، استعارة كالمقاذَفة.

و التّرجمُان تَفْعُلان من ذلك. (190)

الزّمَخْشَريّ: رجَمَه: رماه بالرِّجام، و هي الحجارة.

و سُمع أعرابيّ يقول: جاءت امرأة تسترجم النّبيّ(صلی الله علیه و آله): تسأل الرّجْم.

و تراموا بالمَراجم، و هي القَذّافات؛ الواحدة مِرْجَمَة.

و غُيّب الميّت في الرّجَم، و هو القبر. و هذه أرجام عاد.

و رجَمُوا القبر رَجْمًا. و رجّمُوه ترجيمًا: جمعوا عليه الرِّجام.

و من المجاز: رجَمَ-ه قذَفَ-ه و شتَمَ-ه.

و رجَم بالظّ-نّ و رجّم به: رمى به، ثمّ كثر حتّى وضعوا الرّجم و التّرجيم موضع الظّنّ، فقالوا: قال ذلك رَجْمًا أي ظنًّا.

و حديث مُرَجَّم: مظنون.

و راجَمتُ عن قومي و راديت عنهم: ناضلت عنهم.

و فرَس مِرْجَم: يَرْجُم الأرض بحوافره.

و رجل مِرْجَم: يدفع عن حسبه. [و استشهد بالشّعر 3 مرّ ات ] (أساس البلاغة : 156)

ابن الأثير: و في حديث قَتادَة: <خلق الله هذه النّجوم لثلاث: زينة للسّماء، و رُجُومًا للشّياطين، و علامات يُهتَدى بها >.

الرُّجُوم: جمع رَجْم، و هو مصدر سمّي به. و يجوز أن يكون مصدرً ا لاجمعًا.

و معنى كونها رُجُومًا للشّياطين: أنّ الشُّهب الّتي تنْقَضّ في اللّيل، منفصلة من نار الكواكب و نورها، لا أ نّهم يرجمون بالكواكب أنفسِها، لأ نّها ثابتة لاتزول. و ما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار، و النّار ثابتة في مكانها.

و قيل: أراد بالرّجُوم: الظّنون الّتي تُحزَر و تُظنّ.

و منه قوله تعالى: { وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ } الكهف: 22، وما يُعانِيه المنجّمون من الحدس و الظّنّ و الحكم على اتّصال النّجوم و افتراقها، و إيّاهم عنى بالشّياطين لأ نّهم شياطين الإنس.

و قد جاء في بعض الأحاديث: < من اقْتَبَس بابًا من علم النّجوم لغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شُعْبَة من السّحر، المنجّم كاهن، و الكاهن ساحر، و السّاحِر كافر >.

فجعل المنجّم الّذي يتعلّم النّجوم للحكم بها و عليها، و ينسب التّأثيرات من الخير والشّرّ إليها كافرً ا، نعوذ بالله من ذلك، و نسأله العصمة في القول و العمل. و قد تكرّر ذكر رَجْم الغيب و الظّنّ في الحديث. (2 : 205)

الفَ-يُّوميّ: الرّجَم بفتحتين: الحجارة، و الرّجَم: القبر، سُمّي بذلك لما يُجمَع عليه من الأحجار.

و الرُّجْمَة: حجارة مجموعة؛ و الجمع: رِجام، مثل: بُرْمَة و بِرام.

و رَجَمْتُه رَجْمًا، من باب < قتل > ضربتُه بالرّجَم.

و رجَمْتُه بالقول: رمَيتُه بالفُحش. و قال: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } الكهف : 22، أي ظنًّا من غير دليلو لابرهان. (1 : 221)

الفيروزاباديّ: الرّجْم: القتل، و القذف، و الغيب، و الظّنّ، و الخليل، و النّديم، و اللّعن، و الشّتم، و الهجران، و الطّرد، و رمي بالحجارة، و اسم ما يُرْجَم به، الجمع: رُجُوم.

و بالتّحريك: البئر، و التّنّور، و الجَفْرة بالجيم، و جبَل بأجَأ.

و القبر كالرَّجْمَة بالفتح و الضّمّ، و الإخوان؛ واحدهم عن كُراع: رَجْمٌ و يُحرّ ك، و لا أدري كيف هو؟

و بضمّتين: النّجوم الّتي يُرمى بها، و حجارة تُنصَب على القبر كالرُّجْمَة بالضّمّ: الجمع: رُجَم كصُرَد، و جبال، أو هما العلامة.

و رجَم القبر: علّمه، أو وضع عليه الرِّجام، و مرّ

و هو يضطرم في عَدْوه.

و الرُّجْمَة بالضّمّ: وِ جار الضّبُع و الّتي تَرَجّبُ النّخلة الكريمة بها.

و المَراجم: قبيح الكلام.

و راجَم عنه: ناضَل، و في الكلام و العَدْو و الحَرْب: بالغَ بأشدّ مُساجَلة.

و مرجوم العصريّ: من أشراف عبد القيس، و آخر من سادات العرب فاخَر ملك الحيرة، فقال له: قد رجَمتُك بالشّرف، و مُضَحّى من مُضحّيات الحاجّ بالبادية.

وارتَجَم الشّيء: ركب بعضه بعضًا.

و التّرجُمان: في: < ت رج م >.

و الأرجام: جبَل، و رَجْمانُ و يُضمّ: قرية بالخابور.

و المِرْجام من الإبل: المادُّ عُنُقه في السّير أو الشّديد السّير، و الّذيتُرْجَم به الحجارة.

و ككتاب: موضع.

و رجل مِرْجَم كمِنبر: شديد، كأ نّه يَرْجُم به عدوّه.

و فرَس مِرْجَم: يَرْجُم الأرض بحوافره.

و حديث مُرَجّم كمعظّم: لايُوقَف على حقيقته.

و ككتاب: المِرْجاس، و ربّما شُدّ بطرف عُرْقُوَة الدّلو، ليكون أسرع لانحدارها، و ما يُبنى على البئر، ثمّ تُعرَض عليه الخشبة للدّلو.

و الرِّجامان: خشبتان تُنصَبان على البئر يُنصَب عليهما القَعْوُ. (4 : 118)

الطُّريحيّ: و في الدّعاء: < و لاتجعل جوعه علينا رُجُومًا >، أي عذابًا.

و الشّيطان الرّجيم، أي المرجوم باللّعنة، المطرود من مواضع الخير، لايذكره مؤمن إلا لعنه.

< و في علم الله السّابق أ نّه إذا خرج القائم عجّل الله فرجه، لايبقى مؤمن في زمانه إلا رجمَه بالحجارة كما كان قبل ذلك مرجومًا باللّعن >. (6 : 68)

مَجْمَعُ اللُّغة: 1 - رَجَمَه يَرْجُمُه رَجْمًا: رماه بالحجارة، ثمّ صار الرّجْم يُستَعمل في القتل مطلقًا.

و اسم المفعول: مرجُوم؛ و جمعه: مرجُومُون.

2- رَجَمَه يَرْجُمُه رَجْمًا: طرده أو لعنه.

و الرّجيم: فعيل بمعنى مفعول، أي مطرود أو ملعون.

3 - و الرّجْم بالغيب: القذف بالظّنّ.

4 - و الرّجْم: ما رُجم به، أي قُذف به؛ و جمعه: رُجُوم. (1 : 460)

محمّد إسماعيل إبراهيم: رَجَمَه يَرْجُمُه رَجْمًا: رماه بالرّجْم، و هو الحجارة الصّغيرة.و رَجَمَه: لعنه، و شتمه و طرده.

و رجَم بالغيب رَجْمًا: تكلّم بمالايعلم، تخمينًا و ظنًّا من غير دليل.

و الرّجُوم جمع: رجم، و هي الحجارة الّتي يُرْمى بها.

و الرّجيم: المرجُوم و هو الملعون و المحروم من كلّ خير. (1 : 214)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق:أنّ الأصل الواحد في

هذه المادّة: هو الرّمي إلى شخص أو موضوع معيّن بشي‌ء، سواء كان ذلك الشّي‌ء من حجارة أو غيرها من الجمادات، أو كلامًا، أو أمرً ا معنويًّا. فيقال: رجمت زيدً ا بالحجارة أو بزُبُر الحديد، أو بكلمات ذات خشونة و شدّة، أو بالقهر و قطع اللّطف و الرّحمة.

و يلاحظ في المادّة: الرّامي و المرميّ به و المرميّ إليه مطلقًا. و في الرّمي يلاحظ الرّ امي والمرميّ به فقط.

فظهر أنّ الرّمي بالحجارة و الفُحش و الشّتم و اللّعن من مصاديق الأصل. و أمّا الطّرد و القتل و الهجر: فمن آثاره و لوازمه.

و أمّا جمع الحجارة على القبر: فكأنّ الميّت يُرْجَم بالحجارة و يقع تحتها متروكًا.

فالرّجْم بالحجارة، كما في: { وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ } هود : 91، { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ } مريم: 46، { اِنَّهُمْ اِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ } الكهف : 20، { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المْ-َرْجُومينَ‘ } الشّعراء : 116، و الرّجْم بالحجارة لايلازم القتل و الموت،إلا في موارد يُقصَد به القتل.

و الرّجْم بالقول السّيّئ، كمافي :{ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ} الكهف : 22، الغيب و الغياب و الغيبوبة في مقابل الحضور، أي إنّ هذا القول منهم رمي قول إلى الموضوع في الغياب، و في حال عدم الاطّلاع و الحضور، فهو قول سيّئ صدر من غير تحقيق و علم.

و الرّجْم المطلق بأيّ شي‌ء كان، كما في: { وَ اِنّى عُذْتُ بِرَ بّى وَ رَبِّكُمْ اَنْ تَرْجُمُون ِ}الدّخان : 20، أى أن تُؤذونني و ترجمون بكلّ عمل شديد و قول سيّئ، و يوجب هذا الرّجْم التّبرّي و سوء الظّنّ، و الخلاف و العصيان للحقّ.

و الرّجْم المعنوىّ، كما في: { فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِ نَّكَ رَجيمٌ‘ } الحجر : 34، { فَاسْتَعِذْ بِِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ‘ } النّحل : 98، { وَ اِنّى اُعيذُ‘هَا بِكَ وَ ذُرِّ يَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ‘ }آل عمران: 36، فإنّه مرجوم بالحكم المعنويّ و الخطاب الرّوحانيّ، و بالتّبعيد عن مقام القرب و الإهباط عن درجة الطّاعة و العبوديّة و الرّوحانيّة.

و لا يخفى أنّ المراتب الأربعة للرّجْم من جهة الشّدّة و العذاب، على التّرتيب الّذي ذكرناه. فإنّ جراحات الحجارة تنقضي أيّامها، بخلاف جراحات اللّسان، و أشدّ منهما البُعْد و الحرمان الرّوحانيّ عن مقام الحقّ جلّ شأنه. (4 : 74)

النُّصوص التّفسيريّة

لَرَجَمْنَاكَ

وَ لَوْ لاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَ مَا اَ نْتَ عَلَيْنَا بِعَزيز ‘.

هود : 91

الطّبَريّ: يقول: يقولون: و لولا أنّك في عشيرتك و قومك { لَرَجَمْنَاكَ } يعنون: لسببناك.

و قال بعضهم: معناه لقتلناك. (7 : 104)

الماوَرْديّ: { لَرَجَمْنَاكَ } فيه وجهان:

أحدهما : لقتلناك بالرّجْم.

الثّاني: لشتمناك بالكلام. (2 : 499)

الطُّوسيّ: و قوله: { لَرَجَمْنَاكَ } فالرّجْم: الرّمي بالحجارة، و المعنى: لرميناك بالحجارة.

و قيل: معناه: لسببناك. (6 : 54)

المَيْبُديّ: أي لولا عشيرتك و أقرباؤك لقتلناك بالرّجْم، و هو من شرّ القتلات. و قيل: { رَجَمْنَاكَ } سببناك و شتمناك. (4 : 437)

الزّمَخْشَريّ: لقتلناك شرّ قتلة. (2 : 289)

ابن عَطيّة: و { لَرَجَمْنَاكَ }، قيل:معناه بالحجارة، وهو الظّاهر، و قاله ابن زَيْد.

و قيل: معناه: لرجمناك بالسّبّ، و به فسّر الطّبريّ. و هذا أيضًا تستعمله العرب؛ و منه قوله تعالى: { لاَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا } مريم: 46. (3: 202)

الطَّبْرِسيّ: لقتلناك بالحجارة. و قيل: معناه: لشتمناك و سببناك. (3 : 189)

الفَخْرالرّ ازيّ: الرّجْم في اللُّغة: عبارة عن الرّمي؛ و ذلك قد يكون بالحجارة عند قصد القتل. و لمّا كان هذا الرّجم سببًا للقتل لاجرم سمّوا القتل رجمًا. و قد يكون بالقول الّذي هو القذف، كقوله: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } الكهف : 22، و قوله: { وَ يَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَان بَعيد ‘} سبأ : 53، و قد يكون بالشّتم واللّعن، و منه قوله: { الشَّيْطَان ِالرَّجيمِ‘ } النّحل : 98، وقد يكون بالطّرد، كقوله: { رُجُومً-ا لِلشَّيَاطينِ‘ } الملك : 5، إذا عرفت هذا ففي الآية وجهان:

الأوّ ل: { لَرَجَمْنَاكَ }: لقتلناك.

الثّاني: لشتمناك و طردناك. (18 : 50)

القُرطُبيّ: و معنى { لَرَجَمْنَاكَ } : لقتلناك بالرّجْم، و كانوا إذا قتلوا إنسانًا رجموه بالحجارة، و كان رهطه من أهل ملّتهم.

و قيل: معنى { لَرَجَمْنَاكَ } : لشتمناك. [ثمّ استشهد بشعر] و الرّجْم أيضًا اللّعن، و منه الشّيطان الرّجيم.

(9 : 91)

أبوحَيّان: { لَرَجَمْنَاكَ } ظاهره القتل بالحجارة، و هي من شرّ القتلات، و به قال ابن زَيْد، و قال الطّبَريّ: رجمناك بالسّبّ. و هذا أيضًا تستعمله العرب؛ و منه: { لاَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا } مريم : 46.

و قيل:لأبعَدْناك وأخرجناك من أرضنا. (5 : 256)

البُرُوسَويّ: لقتلناك برمي الحجارة. و قد يُوضع الرّجْم موضع القتل و إن لم يكن بالحجارة؛ من حيث إ نّه سببه، و لأنّ أوّل القتل، و هو قتل قابيل هابيل لم-ّا كان بالحجارة سُمّي كلّ قتل رجمًا و إن لم يكن بها.

(4 : 178)

الآلوسيّ: أي لقتلناك برمي الأحجار، و هو المرويّ عن ابن زَيْد و قيل: ذلك كناية عن نكاية القتل، كأ نّهم قالوا: لقتلناك بأصعب وجه. (12 : 124)

عبد الكريم الخطيب: إذ لا يحقّ للسّفيه الأحمق أن يعيش بين العقلاء. (6 : 1192)

يَرْجُمُوكُمْ

اِنَّهُمْ اِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ اَوْ يُعيدُ‘وكُمْ فى مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا اِذًا اَبَدً ا. الكهف : 20

الحسَن: يرجموكم بأيديهم استنكارًا لكم .

(الماوَرْديّ 3 : 295)

أي يقتلوكم بالرّجْم، و هو من أخبث القتل. (الطَّبْرِسِيّ 3 : 457)

ابن جُرَيْج: يشتموكم بالقول، يؤذوكم. (الطّبَريّ 8 : 204)

الطّبَريّ: يعنون بذلك: دقّينوس و أصحابه. قالوا: إنّ دقّينوس و أصحابه إن يظهروا عليكم، فيعلموا مكانكم، يرجموكم شتمًا بالقول. (8 : 204)

الزّجّاج: أي يقتلوكم بالرّجْم، و الرّجْم من أخبث القتل. (3 : 276)

الماوَرْديّ: فيه ثلاثة تأويلات:

أحدها: [قول الحسَن]

الثّاني: [قول ابن جُرَيْج تقدّم من الطّبَريّ]

الثّالث: يقتلوكم. و الرّجْم: القتل، لأ نّه أحد أسبابه. (3 : 295)

المَيْبُدي: يسبّوكم، و قيل: يقتلوكم رجمًا بالحجارة. و كان من عادتهم القتل بالرّجم، و هو أخبث القتل. (5 : 662)

الزّمَخْشَريّ: يقتلوكم أخبث القتلة، و هي الرّجْم، و كانت عادتهم. (2 : 477)

ابن عَطيّة: قال الزّجّاج: معناه بالحجارة. و هو الأصحّ، لأ نّه كان عازمًا على قتلهم لو ظفر بهم.و الرّجْم فيما سلف هي كانت على ما ذُكر قتله مخالف دين النّاس، إذ هي أشفى لحملة ذلك الدّين، و لهم فيها مشاركة. و قال حجّاج: { يَرْجُمُوكُمْ } معناهبالقول. (4 : 506)

نحوه القُرطُبيّ. (10 : 375)

الفَخْرالرّ ازيّ: يقتلوكم، و الرّجْم بمعنى القتل كثير في التّنزيل، كقوله: { وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ } هود : 91، و قوله: { اَنْ تَرْجُمُون ِ} الدّخان : 20،و أصله الرّمي. (21 : 103)

البُرُوسَويّ: يقتلوكم بالرّجْم و هو الرّمي بالحجارة، إن ثبتّم على ما أنتم عليه، و هو أخبث القَتْلَة، و كان من عادتهم. [إلى أن قال:]

{ يَرْجُمُوكُمْ } بالملامة فيما يشاهدون منكم - يا أهل المعرفة - من وسعة الولاية و قوّتها، و استحقاق التّصرّف في الكونين، و انعدام تصرّفهما فيكم، فإنّهم بمعزل عن بصيرة يشاهدون بها أحوالكم، فمن قصر نظرهم يطعنون فيكم. (5 : 299)

الآلوسيّ: إن لم تفعلوا ما يريدونه منكم، و ثبتّم على ما أنتم عليه. و الظّاهر أنّ المراد: القتل بالرّجْم بالحجارة. و كان ذلك عادة فيما سلف فيمن خالف في أمر عظيم؛ إذ هو أشفى للقلوب، و للنّاس فيه مشاركة.

و قال الحجّاج: المراد الرّجم بالقول، أي السّبّ، و هو للنّفوس الأبيّة أعظم من القتل. (15 : 231)

ابن عاشور: و الرّجْم: القتل برمي الحجارة على المرجوم حتّى يموت، وهو قتل إذلال و إهانة وتعذيب.

و جملة: { يَرْجُمُوكُمْ } جواب شرط { اِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ }. ومجموع جملتي الشّرط و جوابه دليل على خبر < اِنْ > المحذوف، لدلالة الشّرط و جوابه عليه.(15 : 40)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { يَرْجُمُوكُمْ } أي يقتلوكم

بالحجارة و هو شرّ القتل، و يتضمّن معنى النّفرة والطّرد.

و في اختيار الرّجْم على غيره من أصناف القتل، إشعار بأنّ أهل المدينة عامّة كانوا يعادونهم لدينهم، فلو ظهروا عليهم بادروا إليهم، و تشاركوا في قتلهم، و القتل الّذي هذا شأنه يكون بالرّجْم عادة. (13 : 261)

فضل الله: و يقتلوكم بأبشع أدوات القتل - و هو الرّجم بالحجارة - إذا أصررتم على البقاء في خطّ الإيمان، و امتنعتم عن الخضوع لهم في السّير في خطّ الكفر و الضّلال الّذي يسيرون عليه. (14 : 295)

تَرْجُمُون

وَ اِ نّى عُذْتُ بِرَ بّى وَ رَبِّكُمْ اَنْ تَرْجُمُون ِ.الدّخان : 20

ابن عبّاس: يعني رَجْم القول. (الطّبَريّ 11 : 233)

مثله أبوصالح. (الطّبَريّ 11 : 233)

تشتمون، فتقولوا: ساحر كذّاب. (القُرطُبيّ 16 : 135)

قَتادَة: أي أن ترجُمُون بالحجارة. (الطّبَريّ 11 : 233)

السُّدّيّ: أن تقتلوني. (الماوَرْديّ 5 : 250)

مثله الزّمَخْشَريّ. (3 : 503)

أبوصالح: أن تقولوا : هو ساحر. (الطّبَريّ 11 : 233)

الطّبَريّ: و اختلف أهل التّأويل في معنى الرّجْم الّذي استعاذ موسى نبيّ الله بربّه منه، فقال بعضهم: هو الشّتم باللّسان.

و قال آخرون: بل هو الرّجْم بالحجارة.

و قال آخرون: بل عنَى بقوله: { اَنْ تَرْجُمُون ِ} : أن تقتلوني.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب ما دلّ عليه ظاهر الكلام، و هو أنّ موسى استعاذ بالله من أن يرجُمه فرعون و قومه، و الرّجْم قد يكون قولا باللّسان و فعلا باليد.

و الصّواب أن يقال: استعاذ موسى بربّه من كلّ معاني رجمهم، الّذي يصل منه إلى المرجوم أذًى و مكروه، شتمًا كان ذلك باللّسان، أو رجمًا بالحجارة باليد. (11 : 233)

ابن عَطيّة: و اختلف النّاس في قوله: { اَنْ تَرْجُمُون ِ} فقال قَتادَة و غيره: أراد الرّجْم بالحجارة المؤدّي إلى القتل. و قال ابن عبّاس و أبو صالح: أراد الرّجْم بالقول من السّباب و المخالفة و نحوه.

و الأوّ ل أظهر، لأ نّه أُعيذ منه و لم يُعَذْ من الآخر بل قيل فيه ، و له. (5 : 71)

الفَخْرالرّ ازيّ: قيل: المراد أن تقتلون، و قيل: { اَنْ تَرْجُمُون ِ} بالقول، فتقولوا: إنّه ساحر كذّاب. (27 : 245)

القُرطُبيّ: كأ نّهم تُوعّدُوه بالقتل، فاستجار بالله.(16 : 135)

أبوحَيّان:كانوا قد توعّدوه بالقتل، فاستعاذ من

ذلك. قال قَتادَة و غيره: الرّجْم هنا بالحجارة. و قال ابن عبّاس، و أبوصالح: بالشّتم. و قول قَتادَة: أظهر، لأ نّه قدوقع منهم في حقّه ألفاظ لاتناسب. (8 : 35)

أبوالسُّعود: من أن ترجموني، أي تؤذوني ضربًا أو شتمًا، أو أن تقتلوني. (6 : 50)

نحوه البُرُوسَوي (8 : 410)، و الآلوسيّ (25 : 121).

ابن عاشور: و الرّجْم: الرّمي بالحجارة تباعًا، حتّى يموت المرميّ أو يثخنه الجرّ اح. و القصد منه تحقير المقتول، لأ نّهم كانوا يرمون بالحجارة من يطردونه، قال: { فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِنَّكَ رَجيمٌ‘ } الحجر : 34.

و إنّما استعاذ موسى منه، لأ نّه علم أنّ عادتهم عقاب من يخالف دينهم بالقتل رميًا بالحجارة. و جاء في سورة القصص : 33، { فَاَخَافُ اَنْ يَقْتُلُونِ } و معنى ذلك: إن لم تؤمنوا بما جئت به فلاتقتلوني، كما دلّ عليه تعقيبه بقوله: { وَ اِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لى }. (25 : 324)

عبد الكريم الخطيب: فترجمونى بقوارص الكلم، و بذيئه.فالمراد بالرّجْم هنا: القذف بالكلمات البذيئة، من غير حساب. (13 : 196

مكارم الشّيرازيّ: و لمّا كان المستكبرون وعبيد الدّنيا لايَدَعُون أيّ تهمة و افتراء، إلا و ألصقوهما بمن يرونه مخالفًا لمنافعهم و مصالحهم غيرالمشروعة، بل لايتورّعون حتّى عن قتله و إعدامه، لذا فإنّ موسى يُضيف للحدّ من مسلكهم هذا { وَ اِنّى عُذْتُ بِرَ بّى وَ رَبِّكُمْ اَنْ تَرْجُمُونِ} إنّ هذا التّعبير لعلّه إشارة إلى أ نّي لاأخاف تهديداتكم، و سأصمد حتّى آخر نفس، و الله حافظي و حارسي.

و كانت مثل هذه التّعبيرات تُمنَح القادة الإلهيّين حزمًا أكبر في دعوتهم، و تزيد في انهيار إرادة الأعداء و معنويّاتهم، وتزيد من جانب آخر ثبات المحبّينو المؤمنين و استقامتهم، لأ نّهم يعلمون أنّ إمامهم و قائدهم يقاوم حتّى اللّحظات الأخيرة.

و ربّما كان التّأكيد على مسألة الرّجم من جهة، أنّ كثيرً ا من رُسل الله قبل موسى قد هدّدوا بالرّجْم، و من جملتهم نوح { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المْ-َرْجُومينَ‘ } الشّعراء : 116.

و كذلك الحال بالنّسبة إلى إبراهيم لمّا هدّده آزر و قال له: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ } مريم : 46، و شعيب لم-ّا هدّده الوثنيّون قالوا له: { وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ } هود : 91.

أمّا اختيار الرّجْم من بين أنواع القتل، فلأ نّه أشدّها جميعًا. و على قول بعض أرباب اللُّغة فإنّ هذه الكلمة جاءت بمعنى مطلق القتل أيضًا.

و احتمل كثير من المفسّرين أن يكون الرّجْم بمعنى الاتّهام و إساءة الكلام، لأنّ هذه الكلمة قد استُعملت في هذا المعنى أيضًا. (16 : 130)

لاَرْ جُمَنَّكَ

...يَا اِبْرهيمُ‘’ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا. مريم : 46

ابن عبّاس: لأضربنّك. (القُرطُبيّ11 : 111)

الضّحّاك: رجم القول. (الطّبَريّ 8 : 347)

لأرجمنّك بالذّمّ باللّسان و العيب بالقول. (الماوَرْديّ 3 : 374)

مثله السُّدّيّ، و ابن جُرَيْج. (الماوَرْديّ 3 : 374)

الحسَن: بالحجارة حتّى تباعد عنّي. (الماوَرْديّ 3 : 374)

نحوه الجُبّائيّ. (الطَّبْرِسيّ 3 : 516)

السُّدّيّ: بالشّتيمة و القول. (الطّبَريّ 8 : 347)

ابن جُرَيْج: بالقول،لأشتمنّك. (الطّبَريّ 8 : 347)

الطّبَريّ: يقول: لأرجمنّك بالكلام؛ و ذلك السّبّ، و القول القبيح. (8 : 347)

المَيْبُديّ: { لاَرْجُمَنَّكَ } أي لأشتمنّك. يقال: فلان يرمى فلا نًا و يَرْجُم، إذا شتمه؛ و منه قوله سبحانه: { وَ الَّذينَ‘ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ }.النّور : 4. (6 : 51)

الزّمَخْشَريّ: لأرمينّك بلساني، يريد الشّتم و الذّمّ؛ و منه < الرّجيم > المرميّ باللّعن، أو لأقتلنّك من رجم الزّ اني، أو لأطرُدَنّك رَمْيًا بالحجارة.

و أصل الرّجْم: الرّمي بالرِّجام. (2 : 511)

ابن عَطيّة: قال الحسن بن أبي الحسن: معناه: لأرجمنّك بالحجارة. و قالت فرقة: معناه لأقتلنّك.

و هذان القولان بمعنى واحد. (4 : 18)

الفَخْرالرّازيّ: ففيه مسائل:

المسألة الأُولى: في الرّجْم هاهنا قولان:

الأوّ ل: أ نّه الرّجْم باللّسان، و هو الشّتم و الذّمّ؛و منه قوله: { وَ الَّذينَ‘ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ } النّور : 4، أي بالشّتم، و منه الرّجْم، أي المرميّ باللّعن. قال مُجاهِد: الرّجْم في القرآن كلّه بمعنى الشّتم.

و الثّاني: أ نّه الرّجْم باليد، و على هذا التّقدير ذكروا وجوهًا:

أحدها: لأرجمنّك بإظهار أمرك للنّاس، ليرجموك و يقتلوك.

و ثانيها: لأرجمنّك بالحجارة لتتباعد عنّي.

و ثالثها: عن المؤرّج: لأقتلنّك، بلغة قريش.

و رابعها: قالأبومسلم: لأرجمنّك، المراد منه: الرّجْم بالحجارة، إلا أ نّه قد يقال ذلك في معنى الطّرد و الإبعاد اتّساعًا، و يدلّ على أ نّه أراد الطّرد قوله تعالى:{ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا }.

واعلم أنّ أصل الرّجْم هو الرّمي بالرِّجام، فحمله عليه أولى.

فإن قيل: أفما يدلّ قوله تعالى: { وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا } على أنّ المراد به الرّجْم بالشّتم؟

قلنا: لا، و ذلك لأ نّه هدّده بالرّجْم إن بقي على قربه منه، و أمره أن يبعد هربًا من ذلك، فهو في معنى قوله: { وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا }. (21: 228)

القُرطُبيّ: و قيل: لأظهرنّ أمرك. (11 : 111)

أبوالسُّعود: تهديد و تحذير عمّا كان عليه من العِظة و التّذكير، أي و الله لئن لم تنته عمّا كنت عليه من النّهي عن عبادتها، لأرجمنّك بالحجارة، و قيل: باللّسان. (4 : 243)

نحوه الآلوسيّ. (16 : 99)

البُرُوسَويّ: بالحجارة حتّى تموت أو تبعد عنّي.

و قيل: باللّسان، يعني الشّتم و الذّمّ؛ و منه: الرّجيم: المرميّ باللّعن. و أصل الرّجْم: الرّمي بالرِّجام بالكسر، و هى الحجارة. (5 : 337)

ابن عاشور: و الرّجْم: الرّمي بالحجارة، و هو كناية مشهورة في معنى القتل بذلك الرّمي. و إسناد أبي إبراهيم ذلك إلى نفسه يحتمل الحقيقة: إمّا لأ نّه كان من عادتهم أنّ الوالد يتحكّم في عقوبة ابنه، و إمّا لأ نّه كان حاكمًا في قومه. و يحتمل المجاز العقليّ؛ إذ لعلّه كان كبيرً ا في دينهم فيرجم قومهإبراهيم استنادً ا لحُكمه بمروقه عن دينهم. (16 : 49)

الطَّباطَبائيّ: و الرّجْم: الرّمي بالحجارة، و المعروف من معناه القتل برمي الحجارة...

و في الآية تهديد لإبراهيم بأخزَى القتل و أذلّه، و هو الرّجْم الّذي يُقتَل به المطرودون، و فيها طرد آزر لإبراهيم عن نفسه. (14 : 59)

عبدالكريم الخطيب: هكذا يقولها:{ يَا اِبْر"هيمُ‘ } و لم يقل يابُنيّ، أو يا ولدي، ثمّ يتبع ذلك بهذا التّهديد: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ } أهكذا تبلغ غلظة القلب، و عمى البصيرة، حتّى تنزع من صاحبها كلّ عاطفة، و حتّى يجد الأب اليد الّتي تطاوعه على رجْم ابنه؟ أ إلى هذا الحدّ ينحدر الإنسان إلى مالايرضى به الحيوان لنفسه مع أولاده؟

و لقد أفاق الرّجل من سكرة جهله، و ضلاله، حين نطق بهذه الكلمة { لاَرْجُمَنَّكَ }، و رأى أنّ ابنه قتيل بيده، و أ نّه دمه يسيل فيُغطّي الأرض من حوله.

و مع هذا فلم تكن هذه الصّحوة لتُعيد إلى الرّجل ما عزب من عقله، أو لتُصحّح ما انحرف من عاطفته، بل إنّ كلّ ما كان لهذه الصّحوة، هي أن جعلته يذكر أ نّه أبٌ، قد كانت بينه و بين هذا الإنسان الّذي يهمّ برجمه، شؤون و شؤون، و هذا ما جعله يمسك يديه عن هذا الفعل الآثم، فيصرخ فى إبراهيم: أن أغرب عن وجهي، قبل أن يعود إليّ جنوني، و أفتك بك. و هذا هو سرّ العطف بين قوله تعالى: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ } و قوله تعالى: { وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا }. (8 : 739)

مكارم الشّيرازيّ: المُلفت للنّظر أنّ آزرلم يكن راغبًا حتّى في أن يُجرى إنكار الأصنام أو مخالفتها و تحقيرها على لسانه، بل إنّه قال: أراغب أنت عن هذه الآلهة؟ حتّى لاتُهان الأصنام هذا أوّ لا .

ثانيًا: إِنّه عندما هدّد إبراهيم، هدّده بالرّجْم، ذلك التّهديد المؤكّد الّذي يُستفاد من لام و نون التّوكيد الثّقيلة في { لاَرْجُمَنَّكَ } و من المعلوم أنّ الرّجْم من أشدّ و أسوإ أنواع القتل.

ثالثًا: إِنّه لم يكتف بهذا التّهديد المشروط، بل إنّه اعتبر إبراهيم في تلك الحال وجودً ا لايُحتمل، وقال له { وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا } أي ابتَعِد عنّي دائمًا و إلى الأبد. كلمة { مَلِيًّا } - حسب قول الرّاغِب في المفردات - أُخذت من مادة الإملاء، أي الإمهال الطّويل، و هي تُعني هنا أن ابتَعِد عنّي لمدّة طويلة، أو على الدّوام.

وهذا التّعبير المحقِّر جدًّ ا لايستعمله إلا الأشخاص الإجلاف، و القُساة ضدّ مخالفيهم.

و بعض المفسّرين لايرى أنّ جملة { لاَرْجُمَنَّكَ } تعني الرّمي بالحجارة، بل اعتقد أ نّها تعني تشويه

السُّمعة و الاتّهام، إلا أنّ هذا التّفسير يبدو بعيدً ا، وملاحظة سائر آيات القرآن - الّتي وردت بهذا التّعبير- شاهد على ما قلناه. (9 : 408)

فضل الله: { لاَرْجُمَنَّكَ } و هذا يعني تهديده بالقتل رميًا بالحجارة. (15 : 52)

لَنَرْجُمَنَّكُمْ

...لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوالَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ اَليمٌ‘. يس: 18

مُجاهِد: معناه: لنشتمنّكم. (الطُّوسيّ 8 : 450)

قَتادَة:لنرجمنّكم بالحجارة. (الماوَرْديّ 5 : 12)

السُّدّيّ: لنقتلنّكم. (الماوَرءديّ 5 : 12)

الفَرّ اء: لنقتلنّكم، و عامّة ما في القرآن من الرّجْم معناه القتل. (القُرطُبيّ 15 : 16)

النّ-قّاش:لنشتمنّ-كم و نؤذيكم. (الماوَرْديّ 5 : 12)

الطُّوسيّ: الرّجْم: الرّمي بالحجارة. يقال: رجَم يَرْجُم رَجْمًا، و رجّم بالغيب ترجيمًا. (8 : 450)

الفَخْرالرّ ازيّ: و قوله: { لَنَرْجُمَنَّكُمْ } يحتمل وجهين:

أحدهما: لنشتمنّكم، من ا لرّجْم بالقول. و على هذا فقوله: { وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ } ترقّ، كأ نّهم قالوا:و لايكتفي بالشّتم، بل يؤدّي ذلك إلى الضّرب و الإيلام الحسّيّ.

و ثانيهما: أن يكون المراد: الرّجْم بالحجارة، وحينئذ فقوله: { وَ لَيَمَسَّنَّكُمْ } بيان للرّجْم، يعني و لايكون الرّجْم رَجْمًا قليلا نرجمكم بحجرو حجرين، بل نُديم ذلك عليكم إلى الموت، و هو عذاب أليم. و يكون المراد: لنرجمنّكم و ليمسّنّكم بسبب الرّجْم عذاب منّا أليم. (26 : 53)

الآلوسيّ: { لَنَرْجُمَنَّكُمْ } بالحجارةن قاله قَتادَة و ذكر فيه احتمالان: احتمال أن يكون الرّجْم للقتل، أي لنقتلنّكم بالرّجْم بالحجارة، و احتمال أن يكون للأذى، أي لنؤذينّكم بذلك. و أخرج عبد بن حميد عن مُجاهِد أ نّه قال: أي لنشتمنّكم، ثم قال: و الرّجْم في القرآن كلّه الشّتم. (22 : 223)

فضل الله: { لَنَرْجُمَنَّكُمْ } بالحجارة حتّى نُدميكم أو نقتلكم. (19 : 135)

المَرْجُومينَ

قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومينَ.‘ الشّعراء : 116

الضّحّاك: من المرجومين بالشّتم. (الطَّبْرِسيّ 4 : 196)

قَتادَة: بالحجارة. (الماوَرْديّ 4 : 179)

السُّدّيّ: بالشّتيمة. (الماوَرديّ 4 : 179)

الطّبَريّ: يقول: قال لنوح قومه: لئن لم تنتَه يا نوح عمّا تقول وتدعو إليه، وتُعيب به آلهتنا، لتكوننّ من المشتومين، يقول: لنشتمك. (9 : 458)

الماوَرديّ: فيه ثلاثة أقاويل:

أحدها: [قول قَتادَة]

الثّاني: بالقتل ، قاله محمّد بن الحسَن.

الثّالث: [قول السُّدّيّ] (4 : 179)

الطُّوسيّ: بالحجارة، و قيل: من المرجومين بالشّتم. فالرّجْم: الرّمي بالحجارة، و لايقال للرّمي بالقوس: رَجْم، و يسمّى المشتوم مرجومًا، لأ نّه يُرمَى بما يُذَمّ به. (8 : 42)

المَيْبُديّ: يعني المشتومين. و قيل من المقتولين بالحجارة. (7 : 139)

ابن عَطيّة: و قولهم: { مِنَ الْمَرْجُومينَ‘ } يحتمل أن يريدوا بالحجارة، و يحتمل أن يريدوا بالقولو الشّتم و نحوه، و هو شبيه برجْم الحجارة، و هو من الرّجْم بالغيب و الظّن، و نحو ذلك. (4 : 237)

الفَخْرالرّ ازيّ: و المعنى: أ نّهم خوّفوه بأن يُقتَل بالحجارة، فعند ذلك حصل اليأس لنوح من فلاحهم. (24 : 155)

نحوه أبوحَيّان. (7 : 32)

أبوالسُّعود: من المشتومين أو المرميّين بالحجارة، قالوه قاتلهمالله تعالى في أواخر الأمر. (5 : 53)

الآلوسيّ: أي المرميّين بالحجارة، كما روي عن قَتادَة، و هو توعّد بالقتل، كما روي عن الحسَن

و أخرج ابن أبي حاتم عن السُّدّيّ: أنّ المعنى من المشتومين، على أنّ الرّجْم مُستعار للشّتم كالطّعن. (19 : 108)

ابن عاشور: و الرّجْم: الرّمي بالحجارة، و قد غلب استعماله في القتل به. و { مِنَ المْ-َرْجُومينَ‘ } يفيد من بين الّذين يعاقبون بالرّجْم، أي من فئة الدُّعّار الّذين يستحقّون الرّجْم، كما تقدّم في قوله: { وَ مَا اَنَا مِنَ المْ-ُهْتَدينَ‘ } الأنعام : 56. (19 : 171)

الطَّباطَبائيّ: و الرّجْم هو الرّمي بالحجارة. و قيل: المراد به الشّتم، و هو بعيد. و هذا ممّا قالوه في آخر العهد من دعوتهم، يهدّدونه بقول جازم، كما يشهد به ما في الكلام من وجوه التّأكيد. (15 : 297)

مكارم الشّيرازيّ: و التّعبيرب- { مِنَ الْمَرْجُومينَ ‘} يدلّ على أنّ الرّجْم بالحجارة بينهم كان جاريًا في شأن المخالفين، و في الحقيقة إنّهم يقولون لنوح: إذا قرّرت أن تواصل دعوتك للتّوحيد،و الاستمرار على عقيدتك و دينك، فستنال ما يناله المخالفون - عامّة - و هو الرّجْم بالحجارة، الّذي يُعَدّ واحدً ا من أسوإ أنواع القتل. (11 : 370)

فضل الله: فقد تمرّدتَ على تقاليدنا و عقائدنا و أوضاعنا، و جئتَ بطريقة جديدة في العقيدة و العبادة و الشّريعة، بما لاينسجم مع تاريخنا و مجتمعنا، فإذالم ترجع إلى ما ندعوك إليه من الآن، فسنرجمك بالحجارة، و تكون من الهالكين.

و هكذا لم يجدوا الكلمة المعبِّرة عن الفكرة المتّزنة، و الحُجّة القويّة، الّتي يجابهون بها فكرته و حجّته، كما هو شأن الضّعفاء في الفكر، الأقوياء بالمال و الرّجال والسّلاح، فيضغطون من خلال القوّة الغاشمة، لامن خلال الحجّة البالغة. و بذلك أغلقوا باب الحوار،و لم يبق هناك مجال لحديث دعوة أو كلمة هداية، بعد أن استنفدت كلّ أساليب الدّعوة، و كلّ كلمات الهداية. (17 : 136)

رَجيمٍ

1 - وَ حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ‌ّ شَيْطَان رَجيمٍ‘. الحجر : 17

ابن عبّاس: { رَجيمٍ‘ } : ملعون مشؤوم. (الطَّبْرِسيّ 3 : 331)

قَتادَة: أ نّه الملعون. (الماوَرْديّ 3 : 152)

الجُبّائيّ: أي مرجُوم مرميّ بالشُّهب. (الطَّبْرِسيّ 3 : 331)

مثله أبومسلم الأصفهانيّ. (الطَّبْرِسيّ 3 : 331)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: و حفظنا السّماء الدّنيا من كلّ شيطان لعين، قد رجمه الله و لعنه. (7 : 499)

الماوَرْديّ: و في الرّجيم ثلاثة أوجُه:

أحدها:[قول قَتادَة]

الثّاني: المرجوم بقول أو فعل. [ثمّ استشهد بشعر]

الثّالث: أ نّه الشّتيم. (3 : 152)

الطُّوسيّ: و الرّجْم بمعنى المرجوم، و الرّجْم: الرّمي بالشّيء بالاعتماد، من غير آلة مهيّأة للإصابة، فإنّ النّفوس يُرمَى عنها و لاتُرْجَم. (6 : 324)

ابن عَطيّة: و ذكرالزّهراويّ عن أبي رجاء العطارديّ أ نّه قال: كنّا لا نرى الرّجْم بالنّجوم قبل الإسلام.

و { رَجيمٍ‘ } فعيل بمعنى مفعول. فإمّا من رجم الشُّهب، و إمّا من الرّجْم الّذي هو الشّتم و الذّمّ.و يقال: تبعت الرّجل و اتبعتُه، بمعنى واحد. (3 : 355)

الفَخْرالرّ ازيّ: معنى الرّجْم في اللُّغة: الرّمي بالحجارة،ثمّ قيل للقتيل: رجْم تشبيهًا له بالرّجْم بالحجارة.

و الرّجْم أيضًا: السّبّ و الشّتم، لأ نّه رمي بالقول القبيح؛ و منه قوله: { لاَرْجُمَنَّكَ } أي لأسُبّ-نّك.

و الرّجْم: اسم لكلّ ما يُرمى به؛ و منه قوله: { وَ جَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطينِ ‘}الملك : 5، أي مراميًا لهم. و الرّجْم: القول بالظّنّ؛ و منه قوله: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ} الكهف : 22، لأ نّه يرميه بذلك الظّنّ.

و الرّجْم أيضًا: اللّعن و الطّرد، و قوله: الشّيطان الرّجيم، قد فسّروه بكلّ هذه الوُجُوه. (19 : 169)

أبوالسُّعود: مرميّ بالنّجوم، فلايقدر أن يصعد إليها، و يوسوس في أهلها، و يتصرّف فيها، و يقف على أحوالها. (4 : 12)

مثله البُرُوسَويّ. (4 : 448)

الآلوسيّ: مطرود عن الخيرات. و يُطلق الرّجْم على الرّمي بالرِّجام، و هي الحجارة. فالمراد بالرّجيم: المرميّ بالنّجوم، و يُطلق أيضًا على الإهلاك و القتل الشّنيع. (14 : 23)

ابن عاشور: و الرّجيم : المحقَّر، لأنّ العرب كانوا إذا احتقروا أحدً ا حصّبوه بالحصباء، كقوله تعالى:{ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِنَّكَ رَجيمٌ‘ } سورة الحجر : 34، أي ذميم محقّر.

و الرُّجام بضمّ الرّاء: الحجارة ، قيل: و هي أصل الاشتقاق، و يحتمل العكس. و قد كان العرب يرجمون قبر أبي رِغال الثّقفيّ الّذي كان دليل جيش الحبشة إلى مكّة. [ثمّ استشهد بشعر]

و الرّجْم: عادة قديمة، حكاها القرآن عن قوم نوح: { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المْ-َرْجُومينَ‘ } الشّعراء : 116، و عن أبي إبراهيم:

{ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ } سورة مريم : 46 ، و قال قوم شعيب: { وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ } هود : 91.

وليس المراد به الرّجْم المذكور عقّبه في قوله :{ فَاَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبينٌ‘ } لأنّ الاستثناء يمنع من ذلك في قوله: { اِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَاَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبينٌ‘ }. (13 : 25)

2- قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِنَّكَ رَجيمٌ‘.الحجر : 34

قَتادَة: و الرّجيم: الملعون. (الطّبَريّ 7 : 515)

ابن جُرَيْج: ملعون. و الرّجْم في القرآن: الشّتم. (الطّبَريّ 7 : 515)

الطّبَريّ: و الرّجيم: المرجُوم، صُرف من مفعول إلى فعيل، و هو المشتوم، كذلك قال جماعة من أهل التّأويل. (7 : 515)

الطُّوسيّ: أي مرجوم بالذّمّ و الشّتم، فعيل بمعنى مفعول. و قد يكون فعيل بمعنى فاعل، مثل رحيمو راحم. (6 : 335)

المَيْبُديّ: ملعون مطرود. و قيل: معنى { رَجيمٌ‘}، أي إن حاولتالرّجوع إلى السّماء رُجمت بالشّهاب، كما يُرْجَم الشّياطين. (5 : 308)

الزّمَخْشَريّ: شيطان من الّذين يُرْجَمُون بالشُّهب. أو مطرود من رحمة الله، لأنّ من يُطرَد يُرجَم بالحجارة. و معناه: ملعون، لأنّ اللّعن هو الطّرد من الرّحمة، و الإبعاد منها. (2 : 391)

ابن عَطيّة: و الرّجيمٌ‘: المشتوم، أي المرجوم بالقول و الشّتم. (3 : 361)

الطَّبْرِسيّ: أي مشؤوم مطرود ملعون. (3 : 336)

البُرُوسَويّ: مطرود عن جوارنا، لأ نّك قبلت الكفر دون الإيمان. (4 : 465)

الآلوسيّ: مطرود من كلّ خير و كرامة، فإنّ من يُطرَد يُرجَم بالحجارة، فالكلام من باب الكناية. و قيل: أي شيطان يُرجَم بالشُّهُب، و هو وعيد بالرّجْم بها.

و قد تضمّن هذا الكلام الجواب عن شبهته؛ حيث تضمّن سوء حاله، فكأ نّه قيل: إنّ المانع لك عن السّجود شقاوتك و سوء خاتمتك، و بُعْدك عن الخير، لاشرف عنصرك الّذي تزعمه. و قيل: تضمّنه ذلك، لأ نّه علم منه أنّ الشّرف بتشريف الله تعالى و تكريمه، فبطل ما زعمه من رجحانه؛ إذ أبعده الله تعالى و أهانه، و قرّب آدم عليه الصّلاة و السّلام و كرّمه.و قيل:تضمّنه للجواب بالسّكوت، كما قيل: جواب ما لايرتضي السّكوت.

و في تفسير الرّجيم بالمرجوم بالشُّهُب، إشارة لطيفة إلى أنّ اللّعين لم-ّا افتخر بالنّار، عُذّب بها في الدّنيا، فهو كعابد النّار يهواها و تحرقه. (14 : 47)

ابن عاشور: و الرّجيم: المطرود، و هوكناية عن الحقارة. و تقدّم في أوّ ل هذه السّورة { وَ حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان رَجيمٍ ‘} الحجر : 17. (13 : 38)

الطَّباطَبائيّ: الرّجيم: فعيل بمعنى المفعول، من الرّجْم، و هو الطّرد. و شاع استعماله في الطّرد بالحجارة و الحصاة، و اللّعن: هو الطّرد و الإبعاد من الرّحمة. (12 : 156)

عبدالكريم الخطيب: و الرّجيم: هو المرجُوم، و ما يُرْجَم به هنا هو اللّعنة. (7 : 236)

فضل الله: أي مطرود من الجنة و من رحمتي، فهذا هو الجواب عن موقفك، فلامكان في الجنّة إلا للمطيعين لله، الخاضعين لأوامره ونواهيه. (13 : 159)

3 - قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِنَّكَ رَجيمٌ‘. ص : 77

قَتادَة: و الرّجيم: اللّعين. (الطّبَريّ 10 : 606)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره لإبليس: { فَاخْرُجْ مِنْهَا }يعني من الجنّة { فَاِنَّكَ رَجيمٌ‘ } يقول: فإنّك مرجوم بالقوم، مشتوم ملعون. (10 : 606)

الطُّوسيّ: أي مرجُوم إن رجعت إليها بمثل الشُّهُب الّتي تُرْجَم به الشّياطين. و أصل الرّجيم: المرجوم، و هو المرميّ بالحجر. (8 : 584)

الزّمَخْشَريّ: و الرّجيم: المرجُوم، و معناه: المطرود، كما قيل له: المدحور و الملعون، لأنّ من طُرد رُمي بالحجارة على أثره. و الرّجم: الرّمي بالحجارة. أو لأنّ الشّياطين يرجمون بالشُّهُب. (3 : 384)

الفَخْرالرّ ازيّ: و الرّجيم: المرجوم، و فيه قولان:

الأوّ ل: أ نّه مجاز عن الطّرد، لأنّ الظّاهر أنّ من طُرد فقد يُرْمي بالحجارة،و هو الرّجْم. فلمّا كان الرّجْم من لوازم الطّرد، جُعل الرّجْم كناية عن الطّرد. فإن قالوا: الطّرد هو اللّعن، فلو حملنا قوله: { رَجيمٌ‘ } على الطّرد، لكان قوله بعد ذلك: { وَاِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتى } تكرارً ا.

و الجواب من وجهين:

الأوّ ل: أ نّا نحمل الرّجْم على الطّرد من الجنّة أو من السّماوات، و نحمل اللّعن على الطّرد من رحمة الله.

و الثّاني: أ نّا نحمل الرّجْم على الطّرد، و نحمل قوله: { وَ اِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتى‘ اِلى" يَوْمِ الدّينِ ‘} على أنّ ذلك الطّرد يمتدّ إلى آخر القيامة، فيكون هذا فائدة زائدة، و لايكون تكريرً ا.

و القول الثّاني: في تفسير الرّجيم أن نحمله على الحقيقة، و هو كون الشّياطين مرجومين بالشُّهُب، و الله أعلم. (26 : 233)

الخازن: إن قلت: إذاكان الرّجم بمعنى الطّرد

و كذلك اللّعنة، لزم التّكرارفما الفرق؟

قلت: الفرق أن يُحمَل الرّجْم على الطّرد من الجنّة و السّماء، و تُحمَل اللّعنة على معنى الطّرد من الرّحمة، فتكون أبلغ، و حصل الفرق و زال التّكرار. (6 : 55)

الآلوسيّ: تعليل للأمر بالخروج، أي مطرود من كلّ خير و كرامة. فالرّجْم كناية عن الطّرد، لأنّ المطرود يُرجَم بالحجارة، أو شيطان يُرجَم بالشُّهُب، كذا قالوا. وقد يقال : المراد ب- { رَجيمٌ‘ }: ذليل، فإنّ الرّجْم يستدعي الذّلّة، و هو أبعَد من توهّم التّكرار مع الجملة بَعُدَ من الوجه الأوّ ل، وأوفق لما في الأعراف : 13، من قوله تعالى: { فَاخْرُجْ اِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرينَ‘ }. (23 : 228)

مكارم الشّيرازيّ: { رَجيمٌ‘ } من < رجم >، و بما أنّ لازمها الطّرد، فقد وردت بهذا المعنى هنا. (14 : 508)

4 - وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان رَجيمٍ‘. التّكوير: 25

الحسن: معناه رجمه الله باللّعنة. (الطُّوسيّ 10 : 287)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: و ما هذا القرآن بقول شيطان ملعون مطرود، ولكنّه كلام الله و وحيه. (12 : 474)

الطُّوسيّ: معناه: أ نّه ليس هذا القرآن قولا لشيطان رجيم. قال الحسَن: معناه: رجمه الله باللّعنة.

وقيل: رجيم بالشُّهُب طردً ا من السّماء، فهو فعيل بمعنى مفعول. (10 : 287)

المَيْبُديّ: أي ما القرآن بقول شيطان مطرود مرميّ بالشُّهُب، من قوله:{ وَ مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطينُ‘} الشّعراء : 210. (10 : 399)

الزّمَخْشَريّ: أي بقول بعض المسترقة للسّمع و بوحيهم إلى أوليائهم من الكهَنة. (4 : 226)

ابن عَطيّة: معناه: مرجُوم مُبعَد بالكواكب و اللّعنة و غير ذلك. (5 : 444)

الطَّبْرِسيّ: رجمه الله باللّعنة، عن الحسَن. و قيل: رُجم بالشُّهب طردً ا من السّماء. و المعنى: و ليس القرآن بقول شيطان رجيم ألقاه إليه، كما قال المشركون: إنّ الشّيطان يُلقي إليه كما يُلقي إلى الكهَنة. (5 : 446)

الفَخْرالرّ ازيّ: كان أهل مكّة يقولون: إنّ هذاالقرآن يجيء به شيطان فيُلقيه على لسانه، فنفى الله ذلك.

فإن قيل: القول بصحّة النّبوّة موقوف على نفي هذا الاحتمال، فكيف يمكن نفي هذا الاحتمال بالدّليل السّمعيّ؟

قلنا: بيّنّا أنّ على القول بالصّرفة لاتتوقّف صحّة النّبوّة على نفي هذا الاحتمال، فلاجرم يمكن نفي هذا الاحتمال بالدّليل السّمعيّ. (31 : 74)

أبوالسُّعود: أي قول بعض المسترقة للسّمع، وهو نفي لقولهم: إ نّه كهانة و سحر. (6 : 388)

البُرُوسَويّ: أي قول بعض المسترقة للسّمع دلّ عليه توصيفه بالرّجيم، لأ نّه بمعنى المرميّ بالشُّهُب و هو نفي لقولهم: إنّه كهانة و سحر، كما قال: { وَ مَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطينُ‘ }. الشّعراء : 210.

و فيه إشارة إلى أ نّه ليس محمّد القلب عند الإخبار، عن المواهب الغيبيّة و الإلهامات السّرّ يّة بمتّهم بالكذب والافتراء، و ما هو بقول بعض القوى البشريّة. (10 : 353)

الآلوسيّ: { وَ مَا هُوَ } أي القرآن { بِقَوْلِ شَيْطَان رَجيمٍ‘ } أي بقول بعض المسترقة للسّمع، لأ نّها هي الّتي ترجم، و هو نفي لقولهم: إنّه كهانة. (30 : 61)

ابن عاشور: و { رَجيمٌ‘ } فعيل بمعنى مفعول، أي مرجُوم، و المرجُوم: المُبعَد الّذي يتباعد النّاس من شرّه، فإذا أقبل عليهم رجموه. فهو وصف كاشف للشّيطان، لأ نّه لايكون إلا مُتَبّرأ منه. (30 : 145)

الطَّباطَبائيّ: نفي لاستناد القرآن إلى إلقاء شيطان، بما هو أعمّ من طريق الجنون، فإنّ الشّيطان بمعنى الشّرير، والشّيطان الرّجيم، كما أُطلق في كلامه تعالى على إبليس و ذرّ يّته، كذلك أُطلق على أشرار

سائر الجنّ. قال تعالى: { قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِنَّكَ رَجيمٌ‘} ص : 77، و قال: { وَ حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان رَجيمٍ‘ } الحجر : 17. فالمعنى: أنّ القرآن ليس بتسويل من إبليس وجنوده، و لابإلقاء من أشرار الجنّ، كما يُلقونه على المجانين. (20 : 219)

مكارم الشّيرازيّ: { رَجيمٍ‘ }: من < الرّجم >،و < رجام > على وزن < لجام > بمعنى أخذ الحجارة، و تُطلق على رمي الحجار على الأشخاص أو الحيوانات. و يُستعار الرّجْم للرّمي ب- :الظّنّ، التّوهّم، الشّتم، و الطّرد. و الشّيطان الرّجيم، بمعنى المطرود من رحمة الله. (19 : 414)

فضل الله: فقد كانوا يقولون: إنّه ممّن يأتيه شيطان في ما يُلقى إليه، تمامًا كما هو حال الكهان، الّذين تأتيهم الشّياطين من الجنّ بالغيب الّذي يُلقونه في وعيهم، أو على ألسنتهم. و لكنّهم لايملكون أيّ دليل على ذلك، بل إنّ النّبيّ يملك الحجّة الواضحة على أنّ القرآن حديث منزّل من الله، في ما تحدّى به الإنس و الجنّ أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا . (24 : 99)

الرَّجيمِ

...وَ اِنّى اُعيذُهَا بِكَ وَذُرِّ يَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ‘. آل عمران : 36

راجع: ع و ذ: < اُعيذُ‘هَا >.

رَجْمًا

... وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًابِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ... الكهف : 22

قَتادَة: أي قذفًا بالظّنّ. (الطّبَريّ 8 : 205)

المؤرّج: ظنًّا بالغيب بلغة هُذَيْل. (الطُّوسيّ 7 : 27)

الطّبَريّ: يقول: قذفًا بالظّنّ غير يقين علم، كما قال الشّاعر:

• و أجْعَلُ مِنّي الحقّ غَيْبًا مُرَجّمَا * (8 : 205)

الطُّوسيّ: قال قوم: ما لم تستيقنه، فهو الرّجُم بالغيب. (7 : 27)

المَيْبُديّ: أي قذفًا بالظّنّ من غير يقين، و ما يقوله: يقولون بالظّنّ، من حجاب لامن اليقين. (5 : 667)

الزّمَخْشَريّ: رميًا بالخبر الخفي و إتيانًا به، كقوله: {وَيَقْذِفُونَ بِالْغَْيبِ } سبأ : 53، أي يأتون به. أو وُضع الرّجْم موضع الظّنّ، فكأ نّه قيل: ظنًّا بالغيب، لأ نّهم أكثروا أن يقولوا: رجم بالظّنّ مكان قولهم: ظنّ، حتّى لم يبق عندهم فرق بين العبارتين. ألاترى إلى قول زهير:

• و ما هو عنها بالحديث المرجّم * (2 : 478)

ابن عَطيّة: معناه: ظنًّا، و هو مستعار من الرّجْم، كأنّ الإنسان يرمي الموضوع المشكل المجهول عنده بظنّه المرّة بعد المرّة، يرجمه به عسى أن يُصيب. و من هذا هو التّرجمان و ترجمة الكتاب؛ و منه قول زهير:

و ما الحرب إلا ما علمتم و ذقتم

و ما هو عنها بالحديث المرجّم (4 : 507)

الفَخْرالرّ ازيّ: الرّجْم: هو الرّمي، و الغيب: ما غاب عن الإنسان، فقوله: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } معناه: أن يُرمىماغاب عنه و لايعرفه بالحقيقة. يقال: فلان يرمي بالكلام رميًا، أي يتكلّم من غير تدبّر. (21 : 107)

القُرطُبيّ: و الرّجم: القول بالظّن، يقال لكلّ ما يخرص: رَجْم فيه و مرجُوم و مُرْجَم. (10 : 383)

النَّيسابوريّ: أي يرمون رميًا بالخبر الخفيّ. يقال: فلان يرمي بالكلام رميًا، أي يتكلّم من غير تدبّر، و كثيرً ا ما يقال: رجَم بالظّنّ مكان قولهم: ظنّ. (15 : 110)

أبوحَيّان: [نحو ابن عَطيّة و أضاف:]

وأتت هذه عقب ما تقدّم، ليدلّ على أنّ قائل تلك المقالتين لم يقولوا ذلك عن علم، و إنّما قالوا ذلك على سبيل التّخمين و الحدس، وجاءت المقالة الثّالثة خالية عن هذا القيد مُشعرة أ نّها هي المقالة الصّادقة، كما تقدّم ذكر ذلك عن عليّ، و عن رسول الله عن جبريل عليهما الصّلاة و السّلام.

و انتصب { رَجْمًا } على أ نّه مصدر لفعل مُضمر، أي يرجمون بذلك، أو لتضمين { سَيَقُولُونَ }

و { يَقُولُونَ } معنى يرجمون. أو لكونه مفعولا من أجله، أي قالوا ذلك لرميهم بالخبر الخفيّ، أو لظنّهم ذلك، أي الحامل لهم على هذا القول، هو الرّجْم بالغيب. (6 : 114)

أبوالسُّعود: رَمْيًا بالخبر الخفيّ الّذي لامُطلَعَ عليه أو ظنًّا بالغيب، من قولهم: رجم بالظّنّ، إذا ظنّ. و انتصابه على الحالية من الضّمير في الفعلين جميعًا، أي راجمين، أو على المصدريّة منهما، فإنّ الرّجْمو القول واحد، أو من محذوف مستأنف واقع موقع الحال من الضّمير في الفعلين معًا، أي يرجمون رجمًا. و عدم إيراد السّين للاكتفاء بعطفه، على ما فيه ذلك. (4 : 182)

نحوه البُرُوسَويّ. (5 : 233)

الآلوسيّ: أي رَمْيًا بالخبر الغائب الخفيّ عنهم، الّذي لامُطلَعَ لهم عليه، و إتيانًا به أو ظنًّا بذلك.

و على الأوّل: أُستعير الرّجْم، - و هو الرّمي بالحجارة الّتي لاتُصيب غرضًا و مرمًي - للمتكلّم، من غير علم و ملاحظة، بعد تشبيهه به. و في < الكشف >: أ نّه جُعل الكلام الغائب عنهم علمه بمنزلة الرِّجام المرميّ به، لايُقصَد به مخاطب معيّن، و لو قصد لأخطأ، لعدم بنائه على اليقين، كما أنّ الرِّجام قلّما يُصيب المرجوم على السَّداد بخلاف السّهم و نحوه، و لهذا قالوا: قذفًا بالغيب و رجمًا به، و لم يقولوا: رميًا به. و أمّا الرّمي في السّبّ و نحوه، فالنّظر إلى تأثيره في عرض المرميّ تأثير السّهم في الرّمية، انتهى.

و على الثّاني: شُبّه ذكر أمر من غير علم يقينيّ و اطمئنان قلب، بقذف في الحجر الّذي لافائدة في قذفه، و لايصيب مرماه، ثمّ استُعير له، و وُضع الرّجْم موضع الظّنّ حتّى صار حقيقة عرفيّة فيه، و في < الكشف > أيضًا: أ نّه لم-ّا كثر استعمال قولهم: رجمًا بالظّنّ فهموا من المصدر معناه، دون النّظر إلى المتعلِّق، فقالوا: رجمًا بالغيب، أي ظنًّا به. [ثمّ استشهد بشعر]

و انتصاب { رَجْمًا } هنا على الوجهين: إمّا علىالحاليّة من الضّمير في الفعلين، أي راجمين، أو على المصدريّة منهما، فإنّ الرّجْم و القول و احد.

و في < البحر >: أ نّه ضمّن القول معنى الرّجْم، أو من محذوف مستأنف، أو واقع موقع الحال من ضمير الفعلين معًا، أي يرجمون رجمًا. و جوّز أبوحَيان كونه منصوبًا على أ نّه مفعول من أجله، أي يقولون ذلك لرميهم بالغيب، أو لظنّهم بذلك، أي الحامل لهم على القول هو الرّجْم بالغيب، و هو كما ترى. (15 : 241)

الطَّباطَبائيّ: يذكر تعالى اختلاف النّاس في عدد أصحاب الكهف و أقوالهم فيه، و هي على ما ذكره تعالى - و قوله الحقّ - ثلاثة مترتِّبة متصاعِدة:

أحدها: أ نّهم ثلاثة رابعهم كلبهم.

و الثّاني أ نّهم خمسة و سادسهم كلبهم، و قد عقّبه بقوله: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } أي قولا بغير علم.

و هذا التّوصيف راجع إلى القولين جميعًا، و لو اختصّ بالثّاني فقط كان من حقّ الكلام أن يقدّم القول الثّاني و يؤخّر الأوّ ل، و يُذكَر مع الثّالث الّذي لم يُذكَر معه، ما يدلّ على عدم ارتضائه.

و القول الثّالث: أ نّهم سبعة و ثامنهم كلبهم، و قد ذكره الله سبحانه و لم يعقّبه بشيء يدلّ على تزييفه، و لايخلو ذلك من إشعار بأ نّه القول الحقّ... (13 : 267)

مكارم الشّيرازيّ: و بالرّغم من أنّ القرآن لم يُشر إلى عددهم بصراحة، لكن نفهم من العلامات الموجودة في الآية، أنّ القول الثّالثهو الصّحيح المطابق للواقع؛ حيث أنّ كلمة { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } وردت بعد القول الأوّ ل و الثّاني، و هي إشارة إلى بطلان هذين القولين، إلا أنّ القول الثّالث لم يُتبع بمثل الاستنكار بل استُتْبع بقوله تعالى: { قُلْ رَ بّى اَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ }، و أيضًا بقوله: { مَا يَعْلَمُهُمْ اِلا قَليلٌ‘ }. و هذا بحدّ ذاته دليل على صحّة هذا القول الثّالث. (9 : 203)

رُجُومًا

وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّ نْيَا بِمَصَابيحَ‘ وَ جَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطينِ‘... الملك : 5

الضّحّاك: الكواكب الّتي تُرى لايُرجَم بها، و الّتي تُرجَم بها الشّياطين لاتُريها النّاس. (المَيْبُديّ 10 : 172)

الجُبّائيّ: ينفصل من الكواكب شُهُب تكون رجُومًا للشّياطين، فأمّا الكواكب أنفسها فليست تزول إلى أن يُريد الله تعالى إفناءها. (الطَّبْرِسيّ 5 : 323)

الطّبَريّ: و جعلنا المصابيح الّتي زيّنّا بها السّماء الدّنيا رجُومًا للشّياطين تُرجَم بها. (12 : 166)

المَيْبُديّ: أي رَمْيًا لهم اذا استمعوا إلى السّماء. (10 : 172)

الزّمَخْشَريّ: و الرّجُوم: جمع رجم، و هو مصدر سمّي به ما يُرجَم به.

و معنى كونها مراجم للشّياطين: أنّ الشُّهُب الّتي تنقضّ لرمي المسترقة منهم، منفصلة من نار الكواكب، لا أ نّهم يُرجمُون بالكواكب أنفسها، لأ نّها قارّة في

الفلك على حالها. و ما ذاك إلا كقبس يُؤخذ من نار، و النّار ثابتة كاملة لاتنقص.و قيل: معناه: و جعلناها ظنونًا و رجُومًا بالغيب، لشياطين الإنس، و هم النّجّامون. (4 : 135)

ابن عَطيّة: معناه: و جعلنا منها، و هذا كما تقول: أكرمت بني فلان و صنعت بهم، و أنت إنمّا فعلت ذلك ببعضهم دون بعض. و يُوجب هذا التّأويل في الآية أنّ الكواكب الثّابتة و البروج، و كلّ ما يُهتَدى به في البَرّ و البحر، فليست براجم، و هذا نصّ في حديث السّير. (5 : 339)

الفَخْرالرّ ازيّ: اعلم أنّ الرّجُوم جمع رَجْم، وهو مصدر سمّي به ما يُرجَم به، و ذكروا في معرض هذه الآية وجهين:

الوجه الأوّ ل: أنّ الشّياطين إذا أرادوا استراق السّمع رُجموا بها. فإن قيل: جَعْل الكواكب زينة للسّماء يقتضي بقاءها و استمرارها و جعلها رجومًا للشّياطين و رميهم بها يقتضي زوالها، و الجمع بينهما متناقض.

قلنا: ليس معنى رَجْم الشّياطين، هو أ نّهم يُرمَون بأجرام الكواكب، بل يجوز أن ينفصل من الكواكب شُعَل تُرمى الشّياطين بها، و تلك الشُّعَل هي الشُّهَب، وما ذاك إلا قبس يؤخذ من نار و النّار باقية.

الوجه الثّاني: في تفسير كون الكواكب رجُومًا للشّياطين أ نّا جعلناها ظنونًا و رجُومًا بالغيب لشياطين الإنس، و هم الأحكاميّون من المنجّمين. (30 : 59)

القُرطُبيّ: أي جعلنا شُهُبًا، فحُذف المضاف، دليله { اِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَاَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } الصّافّات : 10. و على هذا فالمصابيح لاتزولو لايُرجَم بها.

و قيل: إنّ الضّمير راجع إلى المصابيح، على أنّ الرّجْم من أنفس الكواكب، و لايسقط الكوكب نفسه، إنّما ينفصل منه شيء يُرجَم به من غير أن ينقص ضوؤه و لاصورته. قاله أبوعليّ جوا بًا لمن قال: كيف تكون زينة و هي رجُوم لاتبقى؟

قال المهدويّ: و هذا على أن يكون الاستراق من موضع الكواكب. و التّقدير الأوّ ل على أن يكون الاستراق من الهوى الّذي هو دون موضع الكواكب.

القُشَيْريّ: و أمثل من قول أبي عليّ أن نقول: هي زينة قبل أن يُرجَم بها الشّياطين. و الرّجُوم: جمع رجم، و هو مصدر سُمّي به ما يُرجَم به. (18 : 210)

أبوحَيّان: أي جعلنا منها، لأنّ السّماء ذاتها ليست يُرجَم بها الرّجُوم. هذا إن عاد الضّمير في قوله: { وَ جَعَلْن-َاهَا } على { السَّمَاءَ }. و الظّاهر عوده على { مَصَابيحَ‘} و نُسب الرّجْم إليها، لأنّ الشّهاب المتّبع للمسترق منفصل من نارها، و الكوكب قارٌّ في مُلكه على حاله، فالشّهاب كقبس يُؤخذ من النّار، و النّار باقية لاتنقص. و الظّاهر أنّ الشّياطين هم مسترقو السّمع، و أنّ الرّجْم هو حقيقة، يُرمَون بالشُّهُب، كما تقدّم في سورة الحجر و سورة الصّافّات.

و قيل: معنى { رُجُومًا }: ظنونًا لشياطين الإنس، و هم المنجّمون، يُنسَبُون إلى النّجوم أشياء على جهة

الظّنّ من جُهّالهم، و التّمويه و الاختلاق من أزكيائهم. و لهم في ذلك تصانيف تشتمل على خرافات، يُمَوّهون بها على الملوك و ضعفاء العقول،و يعملون موالد يحكمون فيها بالأشياء، لايصحّ منها شيء. و قد وقفنا على أشياء من كذبهم في تلك الموالد، و ما يحكونه عن أبي معشر و غيره من شيوخ السّوء كذب، يغرّون به النّاس الجهّال. (8 : 299)

أبوالسُّعود: و جعلنا لها فائدة أُخرى هي رَجْم أعدائكم، بانقضاض الشُّهُب المقتبسة من نار الكواكب. و قيل: معناه: و جعلناها ظنونًا و رجُومًا بالغيب لشياطين الإنس، و هم المنجّمون، و لايساعده المقام. و الرّجُوم: جمع رَجْم بالفتح، و هو ما يُرجَم به. (6 : 275)

البُرُوسَويّ: جمع رَجْم بالفتح، و هو ما يُرجَم به و يُرمي للطّرد و الزّجر، أو جمع راجم كسُجود جمع ساجد. (10 : 85)

الآلوسيّ: الضّمير للمصابيح، على ما هو الظّاهر لا للسّماء الدّنيا، على معنى: جعلنا منها، أي من جهتها، كما قيل. و الرّجُوم: جمع رَجْم بالفتح، و هو مصدر سمّي به ما يُرجَم به، أي يُرمى، فصار له حكم الأسماء الجامدة، و لذا جُمع و إن كان الأصل في المصادر أ نّها لاتُجمَع. و قيل: إنّه هنا مصدر بمعنى الرّجْم أيضًا، و المراد بالشّياطين: مسترقو السّمع و رجمهم، على ما اشتهر بانقضاض الشُّهُب المسبّبة عن الكواكب، و إليه ذهب غير واحد من المفسّرين. و هو مبنيّ على ما قرّره الفلاسفة المتقدّمون: من أنّ الكواكب نفسها غير منقضّة، وإنّما المنقضّ شُعَل ناريّة تحدث من أجزاء متصاعدة لكرة النّار، لكنّها بواسطة تسخين الكواكب للأرض، فالتّجوّزفي إسناد الجعل إليها أو في لفظها، و هو مجاز بوسائط.

و قال الشّهاب: لامانع من جعل المنقضّ نفسه من جنس الكواكب و إن خالف اعتقاد الفلاسفة وأهل الهيئة، و لكن في النُّّصوص الإلهيّة ما فيه رجوم للشّياطين، انتهى.

و أقول: لايخفى أنّ ذلك المبنى لايتمّ أيضًا إلا بثبوت كرة النّار، الّذي لاتراهم يستدلّون عليه إلا بحدوث هذه الشُّهُب. و سلف الأُمّة لا يقولون بذلك، و كذا أهل الفلسفة الجديدة. و هؤلاء لم يحقّقوا إلى الآن أمر هذه الشُّهُب لكن يميلون إلى أ نّها أجسام انفصلت عن الكواكب، الّتي يزعمونها عوالم مشتملة على جبال ونحوها اشتمال الأرض على ذلك، و خرجت لبعض الحوادث عن حدّ القوى الجاذبة لها إلى ما انفصلت عنه، و لم تصل إلى حدّ جذب قوّة الأرض لها، فبقيت تدور عند منتهى كرة الأرض، و ما يحيط بها من الهواء.

فإذا عرض لها الدّخول في هواء الأرض أثناء حركتها، احترقت كلا أو بعضًا، كما تحترق بعض الأجسام المحفوظة عن الهواء إذا صادمها الهواء. و ربّما تصل في بعض حركاتها إلى حدّ جذب الأرض، فتقع عليها.

و بعضهم يزعم في الحجارة السّاقطة من الجوّ الّتي تسمّى عندهم ب- < الأبروليت > يعنون حجارة الهواء،

أ نّها من تلك الأجسام، و كلّ ذلك حديث خرافة، و رَجْم بظنون فاسدة. و قُصارى ما يقال في هذه الشُّهُب: إنّها تحتمل أن تكون ناشئة من أجرام منجنس الكواكب، فيها قوّة الإحراق، سواء كان كلّ مضيء مُحرقًا أم لا، متكوّنة في جوّ هذا الفضاء المشاهَد، إلا أ نّها لغاية صغرها لاتُشاهَد و لو بالنّظّارات، حتّى إذا قربت بانقضاضها شُوهدت. و قد تُصادف في انقضاضها أجسامًا متصاعدة من الأرض، فتحرقها. و ربمّا يتّصل الحريق إلى ما يقرب من الأرض جدًّ ا، و ربّما تكوّنت الحجارة من ذلك.

ثمّ إنّ العقل يجوز أن يكون لها دوران على شكل من الأشكال، فترجع بعدما يُشاهَد لها من الانقضاض و إن تتلاشى بعد انقضاضها، و يخلق الله تعالى غيرها من مادّة لايعلمها إلا هو عزّ و جلّ.

والضّمير المنصوب في { جَعَلْنَاهَا } و إن عاد على المصابيح، لكن لم يعد عليها إلا باعتبار الجنس، دون خصوصيّة كونها مزيّنة بها السّماء الدّنيا، نظير: و ما يُعمِّر من مُعمِّر و لاينقص من عمره، و عندي درهم و نصفه، لما أنّ التّزيين باعتبار الظّهور، و لاظهور لهذه الأجرام قبل انقضاضها و إن اعتُبر في كونها مصابيح أو كواكب أو نجومًا، ظهورها في نفسها و لمن يقرب منها، دون خصوصيّة ظهورها لنا. و في كونها زينة للسّماء كونها زينة لها في الجملة، فالأمر ظاهر جدًّ ا. و يحتمل أن تكون ناشئة من المصابيح المشاهَدة المزيّن بها، بأن ينفصل عنها، و هي في محلّها شُعَل هي الشُّهُب و ما ذاك إلا كقبس يؤخذ من نار و النّار ثابتة. و إليه ذهب الجُبّائيّ و كثير، و هو محتمل لأن يكون لكلّ منهاقابليّة أن ينفصل عنه ذلك، و أن يكون القابليّة لبعضها دون بعض. و هذا لعدم الاطّلاع على حقائق الأجرام العِلويّة و أحوالها في أنفسها.

و الكلام نحو قولك: أسكن الأمير قبيلة كذا في ثغر كذا، و جعلها ترمي بالبنادق من يقرب منه، فإنّه لايلزم أن يكون لكلّ واحد منها قابليّة الرّمي، ثمّ لايلزم أن يكون كلّ ما يشاهَد من الشُّهُب قبسًا من المصابيح، بل يجوز أن يكون بعضه، و هو الّذي تُرمى به الشّياطين منها، و بعضه من أُمور تحدث في الجوّ من اصطكاك أو نحوه.

و تفاوت الشُّهُب قلّة و كثرة، يحتمل أن يكون لتفاوت حوادث الجوّ، و أن يكون لتفاوت الاستراق و ليس في الآيات و الأخبار ما هو نصّ في أنّ الشُّهُب لاتكون إلا لرمي الشّياطين. فيحتمل أن يكون أكثر الشُّهُب من الحوادث الجوّ يّة وذوات الأذناب منها في رأي المتقدّمين، و هي في أنفسها دون أذنابها نجوم كثيرة جدًّ ا، تدور لاكما يدور غيرها من النّجوم، فتقرب تارةً و تبعد أُخرى، فتخرج عن مدارات السّيّارات، إلى حيث لاتشاهَد أصلا عند فلاسفة العصر، و لهم فيها كلام أطول من أذنابها.

و قد أورد الإمام الرّ ازيّ في هذا الفصل أسئلة و شُبهًا أجاب عنها بما أجاب، و نحن فعلنا نحو ذلك فيما تقدّم على وجه أتمّ، فليتذكّر. و قد أطنبنا هناك الكلام فيما يتعلّق بهذا المقام، إلا أنّ بعضًا ممّا ذكرناه هناك، فخذ من الموضعين ما صفا، و دَعْ ما كدر بعدأن

تتأمّل حقّ التّأمّل و تتدبّر.

و قيل: معنى الآية: و جعلناها ظنونًاو رجُومًا بالغيب لشياطين الإنس، و هم المنجّمون المعتقدون تأثير النّجوم في السّعادة و الشّقاوة و نحوهما. و قد رددنا عليهم أيّ ردّ فيما تقدّم، فأرجع إليه إن إردته، فإنّه نفيس جدًّ ا. (29 : 8)

ابن عاشور: و الرّجُوم: جمع رَجْم، و هو اسم لما يُرجَم به، أي ما يرمي به الرّاميّ من حجر و نحوه، تسمية للمفعول بالمصدر، مثل الخَلْق بمعنى المخلوق، في قوله تعالى: { هذَا خَلْقُ اللهِ } لقمان : 11. و الّذي جُعل رُجُومًا للشّياطين هو بعض النّجوم الّتي تبدو مضيئة، ثمّ تلوح منقضّة، و تسمّى: الشُّهُب، و مضى القول عليها في سورة الصّافّات.

و ضمير الغائبة في { جَعَلْنَاهَا } المتبادر أ نّه عائد إلى المصابيح، أي أنّ المصابيح رجُوم للشّياطين.

و معنى جعل المصابيح رجُومًا جار على طريقة إسناد عمل بعض الشّيء إلى جميعه، مثل إسناد الأعمال إلى القبائل، لأنّ العاملين من أفراد القبيلة، كقوله تعالى: { ثُمَّ اَنْتُمْ هؤُلاءِ’ تَقْتُلُونَ اَنْفُسَكُمْ } البقرة: 85، و قول العرب : قتلت هُذَيل رضيع بني ليث تَمّام ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب.

و جعل بعض المفسّرين الضّمير المنصوب في { جَعَلْنَاهَا } عائد إلى { السَّمَاءَ الدُّ نْيَا } على تقدير: و جعلنا منها رجُومًا: إمّا على حذف حرف الجرّ، و إمّا على تنزيل المكان الّذيصدر منه الرّجُوم، منزلة نفس الرّجوم، فهو مجاز عقليّ؛ و منه قوله تعالى: { فَجَعَلْنَاهَا نَكَالا لمِ-َا بَيْنَ يَدَيْهَا وَ مَا خَلْفَهَا } البقرة : 66، و لكنّها على جعل الضّمير المنصوب راجعًا إلى < القرية > و إن لم تُذكَر في تلك الآية، و لكنّها ذُكرت في آية سورة الأعراف : 163، { وَ سْ-ئَلْه-ُمْ عَنِ الْقَرْ يَةِ الَّتى كَانَتْ حَاضِرةَ الْبَحْرِ } و قصّتها هي المشار إليها بقوله: { وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذينَ‘ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فىِ السَّبْتِ } البقرة : 65، فالتّقدير: فجعلنا منها، أي من القرية نكالا ، و هم القوم الّذين قيل لهم: { كُونُوا قِرَدَةً ًخَاسِ-ينَ=‘ } البقرة : 65. (29 : 20)

الطَّباطَبائيّ: أي و جعلنا الكواكب الّتي زيّنّا بها السّماء رجُومًا يُرجَم بها من استرق السّمع من الشّياطين، كما قال تعالى: { اِلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَاَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبينٌ‘ } الحجر : 18، و قال: { اِلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَاَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } الصّافّات : 10.

قيل: إنّ الجملة دليل أنّ المراد بالكواكب المزيّنة بها السّماء مجموع الكواكب الأصليّة و الشُّهُب السّماويّة، فإنّ الكواكب الأصليّة لا تزول عن مستقرّها، والكواكب و النّجم يُطلقان على الشُّهُب، كما يُطلقان على الأجرام الأصليّة.

وقيل: تنفصل من الكواكب شُهُب تكون رجُومًا للشّياطين، أمّا الكواكب أنفسها فليست تزول إلا أن يريد الله إفناءها.

و هذا الوجه أوفق للأنظار العلميّة الحاضرة، و قد تقدّم بعض الكلام فيمعنى رمي الشّياطين بالشّهب. (19 : 351)

المُصْطَفَويّ: من مصاديق { السَّمَاءَ الدُّ نْيَا }:

السّماوات المحسوسة في مقابل الأرض من جميع طبقاتها، و المصابيح: كلّ كوكب مضي‌ء فيها،و الرّجوم: جمع الرّجْم و هو مصدر يُطلق على ما يُرجَم به مبالغةً، و الشّياطين: كلّ من كان مهجورً ا و مبعدً ا و مطرودً ا من الرّحمة و القرب.

و أمّا كون المصابيح رجُومًا: فإنّها آيات إلهيّة،و مظاهر من العلم و القدرة و الحكمة، و في حركاتها و نظمها الكامل و سائر خصوصيّاتها المفصّلة المضبوطة في محالّها، لعبرة لذوي البصائر، و برهان بيّن، و حجّة باهرة بالغة على المخالفين المنكرين، و رجُوم على الشّياطين المبعَدين.

و من مصاديق { السَّمَاءَ الدُّ نْيَا }: المرتبة الرّوحانيّة المدركة في هذا العالم المحسوس، فإنّها أدنى العوالم الرّوحانيّة، و فيها مصابيح مضيئة من الأنبياءو الأولياء المعلّقة أرواحهم بالملإ الأعلى، و الذّا بّون عن حرم الحقّ و حريم الدّين، و الدّ افعون وساوس الشّياطين، و النّافون عن مسير السّالكين شُبهات المخالفين، و أوهام المطرودين.

و يدلّ على هذا المعنى: التّعبير بلفظ الشّياطين الدّالّ على البُعد و الطّرد المعنويّ، و قوله تعالى. { وَ حِفْظًا ذ"لِكَ تَقْديرُ‘الْعَزيزِ‘ الْعَليمِ‘ } فصّلت : 12، { وَ حِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَان مَارِد *لايَسَّمَّعُونَ اِلَى الْمَلاِ الاَ_عْلى" وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورً ا } الصّافّات : 7- 9، فإنّ حفظ السّماء الدّنيا و عدم التّسمّع إلى الملإ الأعلى، و المقذوفيّة من كلّ جانب، و الطّرد و الدّحُور: كلّ منها لايلائم العالم المادّيّ، فانّ السّماوات الطّبيعيّة، كالأرض من جهة الجاذبة و الدّ افعة و خصوصيّات أُخر.

مضافًا إلى أنّ الآيات الكريمة في موارد الإيمان و الكفر و الإقبال و الإدبار و الإنعام و التّعذيب. { فَاِنْ اَعْرَضُوا فَقُلْ اَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً } فصّلت : 13، { وَ لِلَّذينَ‘ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } الملك : 6.

و أمّا كون المصابيح و الكواكب بأنفسها رجُومًا مادّ يّة ترجم و تقذف الشّياطين أو تُرجَم بها، فغير معقول لنا. فإنّ المؤمن و الكافر لا فرق بينهم في هذه الجهة و من هذا اللّحاظ المادّيّ، و لاسيّما إذا أُريد من الشّيطان: أفراده من الجنّ، فإنّهم أشدّ قوّة و لطافة و نفوذًا و سيرً ا من أفراد الإنس، و لامعنى في كونهم مرجومين بالكواكب المادّ يّة، دون الآدميّين.

و أيضًا التّعبير بمادّة الصّبح و المصباح الدّالّة على الضّوء دون النّجم و الكوكب،تأييد آخر لما قلناه. فانّ المصباح في نفسه مضيء و منوِّر، إلا أ نّه مِرْجام بالنّسبة إلى الشّياطين، و مختصًّا بهم { اِنَّ فِى اخْتِلافِ الَّيْلِ وَ النَّهَارِ وَ مَا خَلَقَ اللهُ فِىالسَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضِ لايَات ’ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ } يونس: 6، راجع: < الكوكب >. (4 : 76)

مكارم الشّيرازيّ: الرّجُوم بمعنى الرَّصاص، و هي إشارة إلى الشُّهُب الّتي تُقذَف كرصاصة من جهة إلى أُخرى من السّماء، كما أنّ الشُّهُب هي بقايا النّجوم المتلاشية، و الّتي تأثّرت بحوادث معيّنة، و بناء على هذا، فإنّ المقصود بجعل الكواكب رجُومًا للشّياطين، هو هذه الصّخور المتبقّية.

أمّا كيفيّة رَجْم الشّياطين برصاصات الشُّهُب الأحجار الصّغيرة، الّتي تسير بصورة غير هادفة في جوّ السّماء، فقد بيّنّاه بشكل تفصيليّ في التّفسير الأمثل، في تفسير الآية 18، من سورة الحجر، و كذلك في تفسير الآية 20، من سورة الصّافّات. (18 : 439)

فضل الله: أي يُرجَم بها من استرق السّمع من الشّياطين، و هو ما أشار الله إليه في أكثر من آية. و الظّاهر أنّ المراد بها انفصال الشُّهُب عن الكواكب، لتكون رجُومًا للشّياطين، لأنّ الكواكب تُمثّل عوالم مستقلّة، لاتنفصل عن مواقعها. (23 : 16)

الوُجُوه و النّظائر

مُقاتِل: تفسير الرّجْم على أربعة وُجُوه:

فوجه منها: الرّجْم يعني القتل، فذلك قوله في يس: 18: {لَنَرْجُمَنَّكُمْ } يعني لنقتلنّكم، و قال في الدّخان: 200، { وَ اِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَ رَبِّكُمْ اَنْ تَرْجُمُون ِ} يعني أن تقتلون، و قال في هود : 91، { وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْ-نَاكَ } يعنيلقتلناك.

و الوجه الثّاني: الرّجْم: الشّتم، فذلك قوله في سورة مريم، يحكي قول والد إبراهيم : {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ } يعني لأشتمنّك.

و الوجه الثّالث: الرّجْم: يعني الرّمي، فذلك قوله في الملك : 5: { وَ جَعَلْنَاهَا } يعني الكواكب { رُجُومًا لِلشَّيَاطينِ‘ } يرمون بها. و قال في الكهف : 22: { رَجْمًا بِالْغَيْبِ } يعني رَمْيًا بقول الظّنّ.

و الوجه الرّ ابع: يعني الملعون، فذلك قوله في النّحل : 98: { فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ‘ } يعني الملعون. (264)

نحوه هارون الأعور. (284)

حبيش تفليسيّ: [ذكر نحو مُقاتِل و أضاف:]

و الوجه الخامس: الرّجْم بمعنى الظّنّ، كما في سورة الكهف: 22،{ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ }. (111)

نحوه الدّ امغانيّ. (387)

الفيروزاباديّ:[ذكر نحو مُقاتِل و أضاف:]

الخامس: بمعنى الطّرد { وَ حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان ٍ رَجيمٍ‘ } الحجر : 17، { فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجيمِ‘ } النّحل : 98. (بصائر ذوي التّمييز3 : 44)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرَّجْم: اسم لما يُرْجَم به الشّيء؛ و الجمع: رُجوم. يقال: رَجَمَ الشّيء يَرْجُمُه رَجْمًا فهو مَرْجُوم و رجيم.

و المِرْجام: الّذي تُرْجَم به الحجارة .

و الرّجائم: الجبال الّتي ترمي بالحجارة؛ واحدتها: رجيمة.

و قيل للقتل: رَجْم، لأ نّهم كانوا إذا قتلوارجلا رموه بالحجارة حتّى يقتلوه، و قد تراجم القومو ارتجَمُوا.

و الرُّجُم و الرُّجُوم: النّجوم الّتي يُرمَي بها الشّيطان. يقال: الشّيطان الرّجيم، أي المرجوم بالكواكب.

و الرُّجْمَة: حجارة مجموعة كأنّها قبور عاد، و ربّما جُمعت على القبر ليُسنّم؛ و الجمع: رِجام. يقال: رَجَمْتُ القبر، أي جَعَلتُ فوقه رُجْمَة.

و الرُّجْمَة: حجارة مرتفعة كانوا يطوفون حولها.

و الرُّجْمَة و الرُّجُم: العَلم من الحجارة ، و الحجارة الّتي تنصب على القبر. يقال: رَجَمْتُ القبر، أي جَعَلتُ فوقه رُجْمَة.

و الرُّجْمَة و الرَّجْمَة: القبر؛ و الجمع: رِجام.

و الرّجَم: القبر؛ و الجمع: أرجام ، سمّي رَجَمًا لما يُجمَع عليه من الأحجار.

و الرّجَم و الرِّجام : الحجارة المجموعة على القبور. يقال : رجَمَ القبر رَجْمًا، أي وضع عليه الرّجَم، و هي الحجارة .

و الرّجَم: الحجارة ، و الحفرة، و البئر، و التّنّور.

و الرِّجام: حجارة كالرِّضام، و هي صخور عظام أمثال الجُزُر، أو هي كالقبور العاديّة؛ واحدتها رُجْمَة.

و الرِّجام : المِرْجاس، و ربّما يُشَدّ بطرف عرقوة الدّ لو ليكون أسرع لانحدارها.

و الرِّجام: ما يُبنى على البئر، ثمّ تُعرّض عليه الخشبة للدّلو.

و فرس مِرْجَمٌ: يَرْجُم الأرض بحوافره، كأ نّه يرمي بها.

و بعير مِرْجَمٌ: يَرْجُم الأرض بأخفافه رَجْمًا.

و رجل مِرْجَمٌ: شديد، كأ نّه يُرْجَم به مُعاديه.

و جاء يَرْجُم، إذا مرّ يضطرم عَدْوُه.

و من المجاز: الرَّجْم: الهجران، و الطّرد، و السّبّ و الشّتم، و قيل: الشّيطان الرّجيم: مرجوم باللّعنة، مُبعَد مطرود.

و الرَّجْم: القول بالظّنّ و الحدس. يقال: صار فلان رَجْمًا و مُرَجّمًا، أي لايوقف على حقيقة أمره.

و كلامٌ مُرَجّمٌ: عن غير يقين.

و رَجَمَ الرّجل بالغيب، إذا تكلّم بما لايعلم.

و المَراجِم: قبيح الكلام. يقال: تراجم القوم بينهم بمَراجِم قبيحة، أي تراموا بكلام قبيح.

و لسان مِرْجَمٌ ، إذا كان قوّ الا .

و رجل مِرْجَمٌ: مدافع عن حسبه و نسبه في الحرب.

و أرْجَمَ الرّجل عن قومه و راجَمَ عنهم، إذا ناضل عنهم.

2 - و زعم < آرثر جفري > أنّ لفظ < الرّجيم > حبشيّ المنشإ،لأ نّه يُستَعمل في الحبشيّة صفة للشّيطان! فيقول الأحباش: < شيطان رِجُم >، أي الشّيطان الرّجيم، و هو المطرود و الملعون، و ليس المرجوم بالحجارة((1)).

و أغرق < نلدكه > في القول، إذ ادّعى أ نّه ما دام لفظ < الشّيطان > حبشيًّا، فصفته - أي الرّجيم - حبشيّة أيضًا! ثمّ تردّد في أصله ، فاحتمل أن يكون مشتقًّا من اللّفظ العبريّ < راجَم >، أو اللّفظ السّريانيّ < رَِجَم>، أي رجَمَ في كليهما((2)).


1) الألفاظ الدّخيلة في القرآن.

2) المصدر السّابق.

الاستعمال القرآني

جاء منها فعل الماضي و اسم المفعول كلّ منهما مرّة واحدة، و المضارع 4 مرّ ات، و الصّفة المشبّهة6 مرّ ات، و المصدر مرّتين، في 13 آية:

1 - { وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان ٍرَجيم ٍ* فَاَيْنَ تَذْهَبُونَ* اِنْ هُوَ اِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمينَ‘ }التّكوير : 25 - 27

2 - { فَاِذَا قَرَاْتَ الْ-قُرْ ا"نَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَان ِ الرَّجيمِ‘ } النّحل : 98

3 - { قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِنَّكَ رَجيمٌ‘ * وَ اِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ اِلى" يَوْمِ الدّينِ‘} الحجر : 34 ، 35

4 - { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومينَ‘ } الشّعراء : 116

5 - { قَالَ اَرَ اغِبٌ اَنْتَ عَنْ ا"لِهَتى يَا اِبْر هيمُ‘’ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا } مريم : 46

6 - { قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثيرً ا‘‘ مِمَّا تَقُولُ وَ اِنَّا لَنَريكَ فينَا ‘ضَعيفًا‘ وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَ مَا اَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزيز ‘ٍ}هود : 91

7 - { وَ اِنّى عُذْتُ بِرَ بّى وَ رَبِّكُمْ اَنْ تَرْجُمُو ن ِ} الدّخان:20

8 - { قَالُوا اِنَّا تَطَيَّرْ نَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَ لَيَمَسَّ-نَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ اَليمٌ ‘} يس : 18

9 - { اِنَّهُمْ اِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ اَوْ يُعيدُ‘وكُمْ فى مِلَّتِهِمْ وَ لَنْ تُفْلِحُوا اِذًا اَبَدً ا } الكهف : 20

10 - { سَيَقُولُونَ ثَلثَةٌ رَ ابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَ يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَ بّى اَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْاِلا قَليلٌ‘ فَلا تُمَارِ فيهِمْ‘ اِلا مِرَاءً ظَاهِرً ا وَ لاتَسْتَفْتِ فيهِمْ‘ مِنْهُمْ اَحَدً ا } الكهف : 22

11 - { فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ اِنّى وَضَعْ-تُهَا اُنْثى وَ اللهُ اَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَ لَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُ_ نْثى وَ اِنّى سَمَّ-يْتُهَا مَرْ يَمَ وَ اِنّى اُعيذُ‘هَا بِكَ وَ ذُرِّ يَّ-تَهَا مِنَ الشَّيْطَان ِالرَّجيمِ‘ } آل عمران : 36

12 - { وَ لَقَدْ زَيَّ-نَّا السَّمَاءَ الدُّ نْ-يَا بِمَصَابيحَ‘وَ جَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّ-يَاطينِ‘ وَ اَعْ-تَدْ نَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعيرِ ‘* وَ لِلَّذينَ‘ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصيرُ‘ } الملك : 5 - 6

13 - { وَ لَقَدْ جَعَلْ-نَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّ-نَّاهَا لِلنَّاظِرينَ‘ * وَ حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان ٍرَجيم ٍ‘} الحجر : 16 ، 17

و يلاحظ أوّ لا : أنّ فيها أربعة محاور:

الأوّ ل و الثّاني: القرآن و رجم الشّياطين 3 آيات، و فيها بُحُوث:

1 - الآية الأُولى: { وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَان ٍرَجيم ٍ‘} نفي لاستناد القرآن إلى الشّيطان { اِنْ هُوَ اِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمينَ‘ } فالمقصود منها أنّ القرآن ليس بتسويل من إبليس و جنوده، و لابإلقاء من أشرار الجنّ، كما يُلقُونه على المجانين. و لكنّهم لايملكون أيّ دليل على هذه النّسبة، بل إنّ النّبيّ يملك الحجّة الواضحة على أنّ القرآن حديث منزّ ل من الله، في ما تحدّى به الإنس و الجنّ أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا .

2 - و الآيةالثّانية أمر بالاستعاذة بالله منالشّيطان

الرّجيم، حين قراءة القرآن، فإنّ للشّيطان سلطانًا على كلّ قارئ إمّا بتحريف اللّفظ، أو المعنى للقارئ.

و المقصود منه رفع الحُجب المخيّمة على وجودنا، و إزالتها عن محيط فكرنا و روحنا، كي نتمكّن من تحصيل هذا المحتوى الثّريّ الغنيّ، و لهذا يقول القرآن: {فَاِذا قَرَ اْتَ الْقُرا"نَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَان ِالرَّجيمِ‘} و لايقصد من الاستعاذة الاكتفاء بذكرالله، بل ينبغي لها أن تكون مقدّمة لتحقيق و إيجاد الحالة الرّوحيّة المطلوبة ،حالة التّوجّه إلى الله عزّ و جلّ، الانفصال عن هوى النّفس، و العناد المانع للفهم و الدّرك الصّحيح للإنسان، البُعد عن التّعصّبات و الغرور و حبّ الذّات، و محوريّة الذّات التّي تضغط على الإنسان ليُسخّر كل شي‌ء حتّى كلام الله في تحقيق رغباته المنحرفة.

و إن لم تتحقّق للإنسان هذه الحالة فسيتعذّر عليه إدراك الحقائق القرآنيّة، و ربّما سيجعل القرآن وسيلة لتبرير آرائه و رغباته الملوّثة بالشّرك، بواسطة« تفسير بالرّ أي ».

3 - إنّما شرّعت الاستعاذة عند ابتداء القراءة، إيذانًا بنفاسة القرآن و نزاهته؛ إذ هو نازل من العالم القدسيّ الملكيّ، فجعل افتتاح قراءته بالتّجرّد عن النّقائص النّفسانيّة الّتي هي من عمل الشّيطان، و لااستطاعة للعبد أن يدفع تلك النّقائص عن نفسه إلا بأن يسأل الله تعالى أن يُبعد الشّيطان عنه بأن يعوذ بالله، لأنّجانب الله قدسيّ لا تسلك الشّياطين إلى من يأوي إليه، فأرشد الله رسوله إلى سؤال ذلك، و ضمن له أن يعيذه منه، و أن يعيذ أُمّته عوذًا مناسبًا، كما شُرّعت التّسمية في الأُمور ذوات البال، و كما شرّعت الطّهارة للصّلاة .

4 - إذا كان هذا حال النّبيّ مع الشّيطان، فكيف يكون حال الأُمّة معه، و المراد بالخطاب: الأُمّة، و إنّما خصّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) به لتعتبر الأُمّة و تتنبّه أنّ مثل النّبيّ(صلی الله علیه و آله) مهمايكن مأمورً ا بالاستعاذة بالله من الشّيطان الرّجيم، فتكون الأُمّة بها أولى و أحقّ،لاحظ: ع و ذ: < فَاسْتَعِذْ >.

5 - و الثّالثة أمر من الله تعالى لإبليس أن يخرج من الجنّة، لمّا استكبر و أبى أن يسجدلآدم.

6 - و اتّصف الشّيطان في ا لأُوليين، و إبليس في الأخيرة ب- { الرَّجيمِ‘ } و كذا في الآي 3 خطابًا لإبليس: { فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِنَّكَ رَجيمٌ ‘}، و في الآية : 13،حفظًا للنّجوم من الشّيطان: { وَ حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَان رَجيم ٍ‘} .

7 - وفي الفرق بين < إبليس > و < شيطان > لاحظ: <ب ل س > و <ش ط ن >.

8 - و { الرَّجيمِ‘ } صفة مشبّهة، أو صيغة مبالغة، و هو الأنسب بالشّيطان الشّرير، و الرّجْم في اللُّغة: الرّمي بالحجارة،ثمّ قيل للقتيل: رَجْم تشبيهًا له بالرّجْم بالحجارة.أو الرّجْم: السّبّ و الشّتم، لأ نّه رمي بالقول القبيح. أو الرّجْم: اسم لكلّ ما يُرمى به.أو الرّجْم: القول بالظّن أو اللّعن و الطّرد. و قد فسّروه بكلّ هذهالوُجُوه. و المناسب بالآيات، و لاسيّما الأخيرة هذا المعنى الأخير، لأ نّ الشّيطان بعد لعنه و طرده عن رحمة الله، لاقدرة له لاستراق السّمع.

9 - و{ الرَّجيمِ‘ } : المحقّر، لأنّ العرب كانوا إذا احتقروا أحدً ا حصّبوه بالحصباء. و الرّجْم: عادة قديمة، حكاها القرآن عن قوم نوح: { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المْ-َرْجُومينَ‘ } الشّعراء : 116،و قال قوم شعيب: { وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ } هود : 91، و الشّيطان محقّر عند الله بعد تمرّده و استكباره عن أمر الله.

10 - الشّيطان أو إبليس ا تّصف بهذا الوصف في القرآن خمس مرّ ات، لأ نّه خالف الله و تمرّد عن أمره، وهو ما بيّنه الله بقوله: { فَاِذَا سَوَّ يْتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ‘ مِنْ رُوحى‘ فَقَعُوا لَهُ سَاجِدينَ‘ * فَسَجَدَ الْمَلئِكَةُ’ كُلُّهُمْ اَجْمَعُونَ * اِلا اِبْليسَ اَبى" اَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدينَ‘ قَالَ يَا اِبْليسُ مَا لَكَ اَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدينَ‘ * قَالَ لَمْ اَكُنْ لاَ‚سْجُدَ لِبَشَر ٍخَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون ٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَاِنَّكَ رَجيمٌ‘ * وَ اِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ اِلى" يَوْمِ الدّينِ‘ } الحجر : 29 - 35، و منه يُعلَم أنّ كلّ مخلوق خالف أمر خالقه و استكبر فهو مطرود و ملعون من رحمة الله تبارك و تعالى، إلا أن يتداركه بالتّوبة و العمل الصّالح.

11 - قد تكرّر قصّة الشّيطان و طرده عن رحمة الله في تسع سُوَر بلفظ < إِبليس‘ > لاحظ: ب ل س: < إبليس >.

الثّالث: القصص 8 آياتو فيها بُحُوثٌ:

1 - قد جاء الرّجم بألفاظ مختلفة في أربع آيات (4 - 6 و 8 ) من القصص:

قصّة نوح: { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومينَ‘ }

و قصّة إبراهيم: { لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاَرْجُمَنَّكَ وَ اهْجُرْنى مَلِيًّا }

و قصّة شعيب: { وَ لَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَ مَا اَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزيز ‘}

و قصّة رُسل الله إلى أصحاب القرية: { قَالُوا اِنَّا تَطَيَّرْ نَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّ-نَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ اَليمٌ ‘}. و كلّها تهديد على هؤلاء من قبل المشركين و الكفّار بالرّجم و هو القتل، أو الرّجم بالحجارة أو الشّتم لتحقيرهم رُسل الله.

2 - و جاءالرّجم في أربع آيات أُخرى (7 و 9 - 11) في قصص موسى و أصحاب الكهف و أُمّ مريم:

فأمّا موسى فهو في مقام محاجّته لفرعونو استعاذته بربّه فقال: { وَ اِنّى عُذْتُ بِرَ بّى وَ رَبِّكُمْ اَنْ تَرْجُمُون ِ}.

و أمّا في قصّة أصحاب الكهف فجاء مرّتين:

أحدهما: في مقام تحاورهم بعد بعثهم من النّوم الطّويل: { فَابْعَثُوا اَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ اِلَى الْمَدينَةِ‘ فَلْيَنْظُرْ اَ يُّهَا اَزْكى" طَعَامًا فَلْيَاْتِكُمْ بِرِزْق مِنْهُ وَ لْيَتَلَطَّفْ وَ لايُشْعِرَنَّ بِكُمْ اَحَدً ا * اِنَّهُمْ اِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ اَوْ يُعيدُ‘وكُمْ فى مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا اِذًا اَبَدً ا } الكهف : 19، 20.

و ثانيهما: لبيان قول الّذين يريدون إعلام عدّة أصحاب الكهف: { سَيَقُولُونَ ثَلثَ-ةٌ ’رَ ابِعُهُمْ كَلْبُهُمْوَ يَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَ ثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَ بّى اَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ

مَا يَعْلَمُهُمْ اِلا قَليلٌ‘ فَلا تُمَارِ فيهِمْ اِلا مِرَاءً ظَاهِرً ا وَ لاتَسْتَفْتِ فيهِمْ‘ مِنْهُمْ اَحَدً ا}.

و أمّا أُمّ مريم فقد أعاذت ولدها وذرّ يّتها بالله من الشّيطان الرّجيم، فقالت: { وَ اِنّى اُعيذُ‘هَا بِكَوَ ذُرِّ يَّ-تَهَا مِنَ الشَّيْطَان ِالرَّجيمِ‘ } فاثنتان منها استعاذة بالله، و واحدة منها خوف من الرّجم و القتل، و واحدة بيان لعدم الدّليل في القول.

3 - و يستفاد من الآية (9) في قصّة أصحاب الكهف، بأنّ أهل المدينة عامّة كانوا يعادونهم و يخالفونهم، لأنّ النّاس كانوا على دين ملوكهم، فلو ظهروا عليهم بادروا إليهم، و تشاركوا في قتلهم.

و القتل الّذي هذا شأنه يكون بالرّجم عادة، و كان ذلك عادة فيما سلف فيمَن خالف في أمر عظيم؛ إذ هو أشفى للقلوب، و للنّاس فيه مشاركة.

الرّ ابع: تزيين السّماء بمصابيح آيتان، و فيهما بُحُوثٌ:

1 - إنّ الرّجُوم جمع رَجْم، في الأُولى وهو مصدر سمّي به ما يُرجَم به، و في معنى كون المصابيح مراجم للشّياطين وجهين:

الأوّ ل: أنّ الشّياطين إذا أرادوا استراق السّمع فرُجموا بها.

الثّاني: أ نّا جعلناها ظنونًا و رجُومًا بالغيب لشياطين الإنس، و هم الأحكاميّون من المنجّمين.

2 - معنى كون الكواكبرجومًا للشّياطين: أنّ الشُّهُب الّتي تنقضّ لرمي المسترقّة منهم، منفصلة من نار الكواكب، لاأ نّهم يُرْجمُون بالكواكب أنفسها، لأ نّها قارّة في الفلك على حالها.، و ما ذاك إلا كقبس يُؤخذ من نار، و النّار ثابتة كاملة لاتنقص. و هذا الوجه أوفق للأنظار العلميّة الحاضرة.

3 - و يمكن أن يقال: إنّ « السّماء » كناية عن سماء الحقّ و الإيمان، و الشّياطين تسعى أبدًا لاختراق هذه السّماء و التّسلّل إلى قلوب المؤمنين المخلصين عن طريق تخديرهم بأنواع الوساوس لصرعهم. و لكنّ النّجوم و الشُّهب: - و هم القادة الرّ بّانيّون من الأنبياء و الأئمّة و العلماء - يبعدونهم و يطردونهم بالعلم و التّقوى.

و ثانيًا: هذه الآيات كلّها مكّيّة سوى آية(11) الّتي كانت من جملة قصّة مريم عليها السّلام في سورة آل عمران، و السّبعة الباقية من القصص كلّها مكّيّة - كما هو الغالب في القصص القرآنيّة - و كذا فيما هو وصف للقرآن، أو للخلقة كالنّجوم و اللّيل و النّهار و نحوها.

و ثالثًا : من نظائر هذه المادّة في القرآن:

الرَّجْم: الحصب:{ اِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون ِاللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ اَنْ-تُمْ لَهَا وَارِدُونَ} الأنبياء: 98

الرّمي:{ تَرْميهِمْ بِحِجَارَة مِنْ سِجّيل ٍ‘}الفيل : 4

القذف: { لايَسَّمَّعُونَ اِلَى الْمَلاِ الاَ_عْلى" وَ يُقْذَ فُونَ مِنْ كُلِّ جَانِب } الصّافّات : 8

الرَّجْم: الحدس:

الظّنّ: { وَ اِذَا قيلَ‘ اِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَ السَّاعَةُلارَيْبَ فيهَا‘ قُلْتُمْ مَا نَدْرى‘ مَا السَّاعَةُ اِنْ نَظُنُّ اِلا ظَنًّا وَ مَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنينَ‘ } الجاثية : 32

الحسبان: { اَحَسِبَ النَّاسُ اَنْ يُتْرَكُوا اَنْ يَقُولُوا ا"مَنَّا وَ هُمْ لايُفْتَنُونَ } العنكبوت : 2

الزّعم: { زَعَمَ الَّذينَ‘ كَ-فَرُوا اَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُ-لْ بَلى"

وَ رَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذلِ-كَ’ عَلَى اللهِ يَسيرٌ‘ } التّغابن : 7

ر ج و

اشارة

11 لفظًا، 28 مرّة: 17 مكّيّة، 11 مدنيّة

في 21 سورة: 15 مكّيّة، 6 مدنيّة

يَرْجُوا 5 : 2 - 3

يَرْجُون 12 : 7 - 5

تَرْجُوا 1 : 1

تَرْجُون 2 : 1 - 1

تَرْجُوها 1 : 1

اَرْجُوا 1 : 1

مَرْجُوًّ ا 1 : 1

اَرْجَائِها 1 : 1

تُرْجى 1 : - 1

اَرْجِهْ 2 : 2

مُرْجَوْن 1 : - 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الرّجاء ممدود: نقيض اليأس، رجا يَرْجُو رجاءً. و رجّى يُرَجّي. و ارْ تَجَى يَرْتَجي. و تَرَجّى يتَرَجّى ترجّ-يًا.

و من قال: رجاة أن يكون كذا، فقد أخطأ، إنّما هو رجاء.

و الرّجا، مقصور: ناحية كلّ شيء.

و الاثنان: رجَوان؛ و الجميع: أرْجاء.

و الرّجْوُ: المبالاة. يقال: ما أرجُو، أي ما أُبالي، من قول الله عزّ و جلّ: { مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ وَ قَارً ا } نوح : 13، أي لاتخافون و لاتُبالون. [ثمّ استشهد بشعر](6 : 176) (6: 176)

أبوعمرو الشّيبانيّ: التّرجيه: منع المكان. (2 : 1) (2: 1)

قال الثّقفيّ في الرّجاء: إنّه الخوف. (2 : 33) (2: 41)

أرْجَأتِ الحامل: إذا دنا أن يخرج ولدها، فهي مُرْجئٌ و مُرجِئَة. (الأزهَري 11 : 183) (الأزهريّ11: 183)

الفَرّ اء: يقال: بَعِلَ، و بَقِرَ، و رَتِجَ، و رَجِيَ، و عَقِرَ، إذا أراد الكلام فأُرْتِجَ عليه. (الأزهَري 11 : 182) .(الأزهريّ11: 182)

ابن السِّكّيت: يقال أرْجأتُ الأمر و أرْجَيتُه، إذا أخّرته. (الأزهَري 11 : 183)

و تقول: هذا رجل مرجئ، و هم المُرجئَة، و إن

شئت قلت: مُرْجٍ، و هم المُرجيَة، لأ نّه يقال: أرجَأتُ الأمر وأرْجَيتُه، إذا أخّرتَه.

قال الله جلّ ثناؤه: { وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَمْرِ الله‌ِ ِ} التّوبة : 106، أي مؤخّرون، و قال الله جلّ و عزّ { اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ } الأعراف : 111، و قد قرئ ( اَرْجِئْهُ وَ اَخَاهُ ).

و يُنسَب إلى من قال: مُرْج بلاهمز: هذا رجل مُرْجيّ. و من قال: هذا رجل مرجئ ثمّ نُسب إليه، قال: هذا رجل مرجئيّ. (إصلاح المنطق : 146)

الزّجّاج: و رجا الرّجل الشّيء يرجُوه، إذا أمّله.

و أرجَأ الأمر يُرْجئُه، إذا أخّره. (فعلت و أفعلت : 19)

ابن دُرَيْد: و الرّجاء ممدود، رجَوْتُه أرجُوه رَجاءً.

و رَجا البئر أو القبر: ناحيته، مقصور؛ و الجمع: أرجاء.

و يثنّى الرّجا في البئر و القبر: رجَوان.

و ما لي في فلان رَجِيّ-ة، أي ما أرجُوه.

و ناقة رَجّاء: مُرتجّة السّنام، ممدود. زعموا، و لاأدري ما صحّته؟

و قد سمّت العرب: رَجاءو مَرَجّى.

و أرجأت الأمر أُرجِئُه إرجاءً فهو مُرْجَأ، إذا أخّرته.

قال أبوزَيْد: تقول العرب: فعَلْتُ كذا و كذا رَجاءَتَك، في معنى رجائك. (3 : 223)

أُرْجُوان، و هو صَبْغ أحمر، و قد تكلّمت به العرب قديمًا. (3 : 414)

الأُرْجُوان: و هو فارسيّ معرّب. و قالوا: قِرْمِز، إنّما هو دُود أحمر يُصبَغ به. (3 : 500)

الأزهَريّ: [نقل قول الخَليل و أضاف:]

قلت: أمّا قوله: رَجِيَ يَرْجَى، بمعنى رَجا، فما سمعته لغير اللّيث.

و لكن يقال: رجِيَ الرّجل يَرْجَى، إذا دُهِش.

و أمّا قوله: الرّجْوُ: المبالاة، فهو مُنكَر. إنمّا يُستَعمل الرّجاء في موضع الخوف إذا كان معه حرف نفي؛ و منه قول الله جلّ و عزّ: { مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ لله ِ‚وَ قَارً ا } نوح : 13، المعنى: مالكم لاتخافون لله عظمةً.

و الأرجاء: يُهمَز و لايُهمَز. [ نقل قول ابن السِّكّيت و قال:]

و قال غيره: إنّما قيل لهذه العِصابة مُرْجئَة، لأ نّهم قدّموا القول. وأرجِئُوا العمل، أي أخّروه. [ و استشهد بالشّعر مرّتين] (11 : 181)

البندنيجيّ: الرّجاء: ناحية البئر، و كلّ ناحية؛ و الجميع: أرجاء، قال الله جلّ و عزّ: {وَ الْمَلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا } الحاقّة : 17، أي على نواحيها، والله أعلم. (92)

الصّاحِب: الرّجاء ممدود: نقيض اليأْسِ، رجا يَرْجُو، و رَجّى يُرجّي، و ارْ تَجَى يَرْ تَجي، وتَرَ جّىيَتَرَجّى.

و يقولون: رَجاة أن يكون ذاك و رجاء.

و ما آتيك إلا رجاوة الخيرِ، أي رجاءه.

و رَجَّ-يْ-تَني حتّى رجَوْت.

و رَجّيت خيره، أي رجَوْتُه ترجِيَةً.

و الرّجا مقصور: ناحية كلّ شيءٍ، و ما حوالي البِئرِ؛ و الجميع: الأرجاء، و الاثنان: رجَوان، و قد يُمَدّ فيقال: رجاء.

و في المثَل:< فلان لايُرمَى به الرّجَوان >، أي لايُخْدَع فيُزال عن وجه إلى وجه.

و الرّجْوُ: المبالاة، ما أرجُو، أي ما أُبالي. و في القرآن: { مَا لَكُم لاتَرْجُونَ للهِِ وَ قَارً ا } نوح : 13، أي لاتخافون و لاتُبالون.

و رجَوْتُ: خِفتُ، و ارتَجَيْتُ: مثله.

و رَجِيَ الرّجل يَرْجَى رَجًى، مقصور، أي انقطع عن الكلامِ. و ضَحِك حتّى رَجِيَ ضحكه.

و رُجِيَ على الرّجل: أُرْتِج عليه.

و أرجَيْتُ الأمر بغيرِ همز: في معنى أرْجَأت.

و الأُرْجُوان: كلّ لون أحمَر. و هو أيضًا: ضرب من الثّيابِ و نحوه. (7 : 174)

الخطّابيّ: في حديث حذيفة: < أ نّه لمّا أُتي بكَفنِه، فقال: إن يُصِبْ أخوكم خيرً ا فعسى، و إلا فليتَرامَ بي رَجَواها إلى يوم القيامة >.

قوله: < رَجَواها >يريد ناحيتَي القبر. و إنّما أ نّث على نيّة الأرض، أو إضمار الحُفْرة، كقوله جلّ و عزّ: { وَ لَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَ كَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّة } النّحل : 61، و لم يتقدّم للأرض ذكر، و كقوله:{ حَتى| تَوَ ارَتْ بِالْحِجَابِ } ص : 32، و لم يتقدّم للشّمس ذكر. [ثمّ استشهد بشعر]

و أرجاء الشّيء: نواحيه، قال الله تعالى:{ وَ المْ-َلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا } الحاقّة: 17.

و واحدها: رجًا مقصور، والتّثنية: رجَوان. قال الشّاعر:

فما أنا بابن العمّ يُجعَل دونه الْ***قَصِيّ و لايُرمى به الرّجَوان

و إنّما ظهرت الواو في التّثنية على ما تأوّله النّحويّون، لأنّ الاسم في الأصل متحرّ ك الحشو، و تقدير بِنائِه <فعَل >، فقيل: رجَوان، كما قالوا: أخَوان و أبَوان. و لو كان ساكن الحَشْو لم تظهر الواو، كقولهم يدان و دَمان. (2 : 332)

الجَوهَريّ: أرجَيْتُ الأمر: أخّرتُه، يُهمَزو لايُهمَز. و قد قرئ {وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَ‚مْرِ اللهِ } التّوبة : 106، { اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ } الأعراف : 111.

فإذا وصَفتَ الرّجل به قلت: رجل مُرْج و قوم مُرْجِيَة.

و إذا نسَبتَ إليه قلت: رجل مُرجيٌّ بالتّشديد، على ما ذكرناه في باب الهمز.

و الرّجاء من الأمل ممدود. يقال: رَجَوْتُ فلا نًا رَجْوً ا و رَجاءً و رجاوَةً.

و يقال: ما أتيتك إلا رجاوَة الخير.

و تَرَجّيتُه كلّه، بمعنى رجَوْته.

و مالي في فلان رَجِيّة، أي ما أرجُوه. و قد يكون الرّجْو و الرّجاء بمعنى الخوف. قال الله تعالى: { مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ وَ قارً ا } نوح : 13، أي تخافون عظمة الله.

و الرّجا مقصور: ناحيةالبئر و حافتاها. و كلّ ناحية رجًا، يقال منه: أرْجَيْتُ.

والرّجَوان: حافتا البئر. فإذا قالوا: < رُمِي به الرّجَوان >، أرادوا أ نّه طُرِح في المهالك.

و الجمع: أرْجاء، قال تعالى: { وَ المْ-َلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا } الحاقّة : 17.

و قطيفة حمراء: أُرْجُوان.

و أرجَتِ النّاقة: دنا نِتاجها، يُهمَز و لايُهمَز.

و الأُرْجُوان: صِبْغٌ أحمر شديد الحُمْرة.

قال أبوعُبَيْد: و هو الّذي يقال له: النّشَاسْتَج. قال: و البَهْرَمان دونه.

و يقال: أيضًا الأُرْجُوان مُعرّب، و هو بالفارسيّةأُرْغُوان، و هو شجر له نَوْرٌ أحمَرأحسَن ما يكون. و كلّ لون يُشبهه فهو أُرْجُوان. [و استشهد بالشّعر 4 مرّ ات] (6 : 2352)

ابن فارِس: الرّ اء و الجيم و الحرف المعتلّ أصلان متباينان، يدلّ أحدهما على الأمَل، و الآخر على ناحية الشّيء.

فالأوّ ل: الرّجاء، و هو الأمَل. يقال رجَوْتُ الأمر أرجُوه رجاءً. ثمّ يُتّسَع في ذلك، فربّما عُبّر عن الخوف بالرّجاء. قال الله تعالى:{ مَالَكُمْ لاَتَرْجُونَ للهِ وَ قَارً ا } نوح : 13، أي لاتخافون له عظمة.

و ناس يقولون: ما أرجُو، أي ما أُبالي. و فسّروا الآية على هذا.

و يقال: للفرس إذا دنا نِتاجها: قد أرْجَتْ تُرْجِي إرجاءً.

و أمّا الآخر: فالرّجا، مقصور: النّاحية من البئر، و كل ناحية رَجًا. قال الله جلّ جلاله: { وَ الْمَلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا } الحاقّة : 17؛و التّثنية: الرّجَوان.

و أمّا المهموز فإِنّه يدلّ على التّأخير. يقال: أرجَأْت الشّيء: أخّرته. قال الله جلّ ثناؤه: { تُرْجى‘‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } الأحزاب : 51، و منه سمّيت المُرجئَة.

قال الشّيبانيّ: أرْجَأتْ((1)).[و استشهد بالشّعر مرّتين] (2 : 494)

أبوهلال: الفرق بين الانتظار و التّرجّي: أنّ التّرجّي انتظار الخير خاصّة، و لايكون إلا مع الشّكّ. و أمّا الانتظار و التّوقّع، فهو طلب ما يقدر أن يقع. (59)

الفرق بين الرّجاء و الطّمع: أنّ الرّجاء هو الظّنّ بوقوع الخير الّذي يعتري صاحبه الشّكّ فيه، إلا أنّ ظنّه فيه أغلب، و ليس هو من قبيل العلم. و الشّاهد أ نّه لايقال: أرجُو أن يدخل النّبي الجنّة، لكون ذلك متيقّنًا. و يقال: أرجُو أن يدخل الجنّة، إذا لم يعلم ذلك.

و الرّجاء: الأمَل في الخير، و الخشية و الخوف في الشّرّ، لأ نّهما يكونان مع الشّكّ في المرجُوّ و المخوف. و لايكون الرّجاء إلا عن سبب يدعو إليه من كرم المرجُوّ أو ما به((2)) إليه، و يتعدّى بنفسه، تقول: رجوت زيدً ا، و المراد: رجوت الخير من زيد، لأنّ الرّجاء لايتعدّى إلى أعيان الرّجال.

و الطّمع: ما يكون من غير سبب يدعو إليه، فإذا


1) (1) كذا و في < المجمل>: يقال للنّاقة إذا دنا نتاجها: قد أرجت إرجاء. قال الشّيبانيّ: هو أرجأت.

2) (2) كذا ، و يحتمل: أومأبه إليه .

طمعت في الشّيء فكأ نّكحدّثت نفسك به، من غير أن يكون هناك سبب يدعو إليه، و لهذا ذُمّ الطّمع ولم يُذَمّ الرّجاء.

و الطّمع يتعدّى إلى المفعول بحرف، فتقول: طمعت فيه، كما تقول: فرقت منه وحذرت منه.

و اسم الفاعل طَمِعٌ مثل حَذِر و فَرِق و دَ ئِب، إذا جعلته كالنّسبة، و إذا بنيته على الفعل قلت: طامع. (203)

الهَرَويّ: و وصف ابن الزّبيرمعاوية، فقال: < كان النّاس يَرِدُون منه أرجاءَ واد رَحْب > مدحه بسعة العَطَن و الأناة و الاحتمال.

و في حديث عثمان: <أ نّه غطّى وجهه بقطيفة حمراء أُرْجُوان وهو مُحْرم >. الأُرْجُوان: الشّديد الحُمْرة، فإذا كان دون ذلك، فهو البَهْرَمان. (3 : 723)

ابن سيده: الرّجاء: نقيض اليَأْس.

رجَاه رَجْوً ا و رجاءً، و رجاوةً، و مَرْجاةً، و رجاةً.

و رَجيَه، و رَجّاه و ارْتجاه، و تَرَجّاه.

و الرّجاء: الخوف، و في التّنزيل: { مَا لَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ وَ قَارً ا } نوح : 13، و قال ثَعْلَب: قال الفَرّ اء: الرّجاء في معنى الخوف لايكون إلا مع الجحد، تقول: ما رجَوْتك، في معنى ما خفتك، و لاتقول: رجوتك في معنى خفتك.

و الرّجا: ناحية كلّ شيء، و خصّ بعضهم به ناحية البئر من أعلاها إلى أسفلها؛ و تثنيته: رجَوان.

و رُمي به الرّجَوان: استُهين به، فكأ نّه رُمي به هناك؛ و الجمع: أرجاء.

و أرجاها: جعل لهارجًا.

و أرْجَى الأمر: أخّره، لغة في أرجأه.

و الأُرْجيّة: ما أُرْجي من شيء.

و أرْجَى الصّيد: لم يُصِب منه شيئًا كأرجَأه.

و إنّما قضينا بأنّ هذا كلّه < واو > لوجود < ر ج و > ملفوظًا به مُبرهنًا عليه، و عدم < ر ج ي > على هذه الصّفة، و قوله تعالى: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } الأحزاب : 51، من ذلك.

و الأُرْجُوان: الحُمْرة.

و قيل: هو النّشَاسْتَج، و هو الّذي تسمّيه العامّة النّشَا.

و الأُرْجُوان: الثّياب الحُمْر، عن ابن الأعرابيّ.

و الأُرْجُوان: الأحمَر. و قال الزّجّاج :الأُرْجُوان صَِبْغ أحمَر، و حكى السّيرافيّ: أحمَر أُرْجُوان على المبالغة به، كما قالوا: أحمر قانئ؛ و ذلك لأنّ سيبَوَيه إنّما مثّل به في الصّفة: فإمّا أن يكون على المبالغة الّتي ذهب إليها السّيرافيّ، و إمّا أن يريد الأُرْجُوان الّذي هو الأحمَر مطلقًا.

و رجاء و مُرَجّى: اسمان. [ و استشهد بالشّعر 3 مرّات ] (7 : 545)

الرّ اغِب: رجا البئر و السّماء و غيرهما: جانبها؛ و الجمع: أرجاء، قال تعالى: { وَ المْ-َلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا } الحاقّة : 17.

و الرّجاء: ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة،

و قوله تعالى: { مَا لَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ وَ قَارً ا } نوح : 13، قيل: ما لكم لاتخافون. [ ثمّ استشهد بشعر]

و وجه ذلك أنّ الرّجاء و الخوف يتلازمان، قال تعالى: { وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَالايَرْجُونَ } النّساء : 104، { وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِ‚مْرِ اللهِِ } التّوبة : 106.

و أرْجَتِ النّاقة: دنا نِتاجها، و حقيقته: جعلت لصاحبها رجاء في نفسها بقرب نتاجها.

و الأُرْجُوان: لون أحمَر يُفرّح تفريح الرّجاء. (190)

الزّمَخْشَريّ: أرجُو من الله المغفرة.

و رَجَوْت في ولدي الرّشد.و أتيتُه رجاء أن يُحسن إليّ.

و رجَوْت زيدً ا و ارتجَيتُه و رجّيتُه و ترجّيتُه.

و رجّيتني حتّى ترجّيت، كقولك: منّيتني حتّى تمنّيت.

و أرجَتِ الحامل فهي مُرْجيَة: أدنت فرُجيَ ولادها.

و قطيفة أُرْجُوان: شديدة الحُمْرة.

و من المجاز: استعمال الرّجاء في معنى الخوف و الاكتراث. يقال: لقيت هولا ما رجَوْته و ما ارتجَيتُه.

و في مث-َل: <لايُرمَ-ى به الرّجَوان > لمن لايُخدَع فيُزال عن وجه إلى وجه. و أصله: الدّلو يُرمَى بها رَجَوا البئر.

و فلان وَرَدْنا منه أرجاء و اد رَحْب .

و تقول: فناؤه فسيح الأرجاء، مقصد لأهل الرّجاء. [و استشهد بالشّعر 3 مرّ ات] (أساس البلاغة : 157)

المَدينيّ: في حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما: < و الطّعام مُرجًى > أي غائب مؤجّل.

في الحديث: ذِكْر المُرْجئَة: قيل: هو من أرجَأ أمرً ا، و ارتكب الكبائر؛ و ذلك أنّ الله تبارك و تعالى أرجأهم في تعذيبهم و غفرانهم.و قال ابن قُتَيْبَة: من قال: الإيمان قول بلاعمل، قدّم القول و أخّر الفعل. و قد يُهمَز فيقال: مُرجِئٌ. (1 : 743)

ابن الأثير : في حديث توبة كعب بن مالك: < و أرجَأ رسول الله (صلی الله علیه و آله) أمْرَنا >، أي أخّره.

و الإرجاء: التّأخير، و هذا مهموز.

و منه حديث ذِكْر: < المُرجئَة > و هم فرقة من فِرَق الإسلام، يعتقدون أ نّه لايضرّ مع الإيمان معصية، كما أ نّه لاينفع مع الكفر طاعة.

سُمّوا مُرجِئَة لاعتقادهم أنّ الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي أخّره عنهم.

و المُرجئَة تُهمَز و لاتُهمَز، و كلاهما بمعنى التّأخير. يقال: أرجَأت الأمر و أرجَيتُه، إذا أخّرته. فتقول من الهمز: رجل مُرجئ، و هم المُرجئَة، و في النّسب: مُرجِئِيٌّ، مثال مُرْجِع، ومُرجعَة، و مُرجعيٍّ. و إذا لم تَهمِزه قلت: رجل مُرْجٍ و مُرجيَة، و مُرجيٌّ، مثل مُعْط ، و مُعطية، و مُعطيّ.

و منه حديث ابن عبّاس: < ألاترى أ نّهم يتبايعون الذّهب و الطّعام مُرْجًى >، أي مُؤجّلا مؤخّرً ا، و يُهمَز و لايُهمَز. و في كتاب الخطّابيّ على اختلاف نسخه: مُرَجّى بالتّشديد للمبالغة.

و معنى الحديث: أن يشتري من إنسان طعامًا بِدينار إلى أجل، ثمّ يبيعه منه أو من غيرِه، قبل أن يقبِضه بدينارين مثلا ، فلايجوز، لأ نّه في التّقدير: بيع ذهب بذهب و الطّعام غائب، فكأ نّه قد باعه ديناره الّذي اشترى به الطّعام بدينارين، فهو ربًى، و لأ نّه بيع غائب بناجزٍ، و لايصحّ.

و قد تكرّر فيه ذكر الرّجاء بمعنى التّوقّع و الأمل. تقول: رجَوْته أرجُوه رَجْوً ا و رجاءً و رجاوةً، و همزته مُنقلبة عن واو، بدليل ظهورها في رجاوة، و قد جاء فيها: رجاءة.

و منه الحديث: < إلا رجاءة أن أكون من أهلها >.

و في حديث حذيفة: < لم-ّا أُتي بكفنه قال: إن يُصِبْ أخوكم خيرً ا فعسى، و إلا فليتَرام بي رَجَواها إلى يوم القيامة >، أي جانِبا الحُفْرة، و الضّمير راجع إلى غير مذكور، يريد به الحُفْرة.

و الرّجا مقصور: ناحية الموضع، و تثنيته: رجَوان، كعصًا و عصَوان؛ و جمعه: أرجاء. و قوله:< فليتَرام بي > لفظه أمر، والمراد به الخبر، أي و إلا ترامى بي رجَواها، كقوله: { فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّ ا } مريم : 75. (2 : 206)

الفَيُّوميّ: رجَوْتُه أرجُوه رُجُوًّ ا على< فُعُول > أمّلتُه أو أرَدْ تُه، قال تعالى: { لايَرْجُونَ نِكَاحًا } النّور : 60، أي لايريدونه؛ و الاسم: الرّجاء بالمدّ.

و رجَيتُه أرْجِيْهِ من باب < رَمَى > لغة، و يُستَعمل بمعنى الخو ف، لأنّ الرّ اجي يخاف أ نّه لايُدْرِك ما يتَرَجّاه.

و الرّجا مقصور: النّاحية من البئر و غيرها؛و الجمع: أرجاء مثل سبب و أسباب.

وأرجَأتُه بالهمزة أخّرته.

و المُرْجئَة: اسم فاعل من هذا، لأ نّهم لايحكمون على أحد بشيء في الدّنيا، بل يؤخّرون الحكم إلى يوم القيامة. و تُخفّف فتُقلَبالهمزة ياءً مع الضّمير المتّصل، فيقال: أرْجَيتُه. و قرئ بالوجهين في السّبعة.

و الأُرْجُوان: بضمّ الهمزة و الجيم: اللّون الأحمر. (1 : 221)

الفيروزاباديّ: الرّجاء: ضدّ اليأس، كالرّجْو و الرّجاة و المَرْجاة و الرّجاوة و التّرجّي و الارتجاء و التّرجيَة.

و الرّجا: النّاحية أو ناحية البئر، و يُمَدّ، و هما رجَوان؛ الجمع: أرجاء، و قرية بسرخس، و موضع بوَجْرَة.

و أرْجَى البئر: جعَل لها رجًا، و الصّيد: لم يُصِب منه شيئًا.

و رُمي به الرّجَوان: استهزاء، كأ نّه رُمي به رَجَوا بئر.

و الأُرْجُوان بالضّمّ: الأحمر، و ثياب حُمْر و صِبْغ أحمَر، و الحُمْرة، و النّشَاسْتَجُ.

و أحمَر أُرْجُوانيّ: قانئ.

و الإرجاء: التّأخير.

و المُرجئَة: < في ر ج أ> سُمّوا لتقديمهم القول، و إرجائهم العمل، و هو مُرْج و مُرْجئٌ ومُرْجِيّو مُرْجائيّ.

و أرجَأتْ: دنَتْ أن يخرج ولدها، فهي مُرْجئَةو مُرْجِئٌ.

و رجِيَ كرَضي: انقطع عن الكلام.

و رُجِيَ عليه كعُني: أُرْتِجَ عليه.

و ارتجاه: خافه.

و الأُرْجيّة كأُثفيّة: ما أُرْجئ من شيء.

و رَجّاء مشدّدة: صحابيّة غَنَويّة بَصْريّة، روى عنها ابن سيرين في تقديم ثلاثة من الولد. (4 : 334)

الطُّرَيحيّ: و قد اختُلف في المُرْجئَة، فقيل: همفرقة من فِرَق الإسلام، يعتقدون أ نّه لايضرّ مع الإيمان معصية، كما لاينفع مع الكفر طاعة، سُمّوا مُرْجئَة، لاعتقادهم أنّ الله تعالى أرجأ تعذيبهم عن المعاصي، أي أخّره عنهم.

و عن ابن قُتَيْبَة أ نّه قال: هم الّذين يقولون: الإيمان قولا بلاعمل، لأ نّهم يقدّمون القول و يؤخّرون العمل.

و قال بعض أهل المعرفة بالملل: إنّ المُرْجئَة هم الفرقة الجبريّة الّذين يقولون: إنّ العبد لافعل له، و إضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى المجازات، كجَرَى النّهر و دارت الرّحا. و إنّما سمّيت المُجَبِّرة مُرْجئَة، لأ نّهم يؤخّرون أمر الله و يرتكبون الكبائر.

و في < المُغْرب > نقلا عنه: سمّوا بذلك، لإرجائهم حكم أهل الكبائر إلى يوم القيامة.

و في الحديث: < مُرْجئ يقول: من لم يُصلّ و لم يصُم و لم يغتسل من جنابة و هَدَم الكعبة و نكَح أُمّه، فهو على إيمان جبرئيل و ميكائيل >.

و في الحديث خطابًا للشّيعة: < أنتم أشدّ تقليدً ا أم المُرْجئَة؟ >.

قيل: أراد بهم ما عدا الشّيعة من العامّة، اختاروا من عند أنفسهم رجلا بعد رسول الله و جعلوه رئيسًا، و لم يقولوا بعصمته عن الخطإ، و أوجبوا طاعته في كلّ ما يقول، و مع ذلك قلّدوه في كلّ ما قال، و أنتم نصبتم رجلا يعني عليًّا و اعتقدتم عصمته عن الخطإ، و مع ذلك خالفتموه في‌كثير من الأُمور. و سمّاهم مُرْجِئَة،لأ نّهم زعموا أنّ الله تعالىأخّر نصب الإمام، ليكون نصبه باختيار الأُمّة بعد النّبي (صلی الله علیه و آله).

و في الحديث: < القرآن يخاصم به المرجئو القدَريّ و الزّنديق الّذي لايؤمن به>، و فُسّر المرجئ بالأشعريّ، و القدَريّ بالمعتزليّ.

و في حديث آخر قال: < ذكَرتُ المُرجئَة و القدَريّة و الحروريّة، فقال : لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة الّتي لايعبدون الله على شي‌ء >.

و في حديث المُشتبه أمره: < فأرْجِه حتّى تلقى إمامك >، أي أخّره و احْبِس أمره، من الإرجاء و هو التّأخير.

قال بعض الأفاضل من نقَدَ ة الحديث: في هذا الحديث و ما وافقه، دلالة على وجوب التّوقّف عند تعادل الحديثين المتناقضين. و في بعض الأخبار: التّوسعة في التّخيير من باب التّسليم، و قد جمع بعض فقهائنا بين الكلّ بحمل التّخيير على واقعة لاتعلّق لها في حقوق النّاس، كالوضوء و الصّلاة و نحوها،و التّوقّف في واقعة لها تعلّق بحقوقهم، انتهى. و هو جيّد.

و في حديث عليّ : < يدّعي بزعمه أ نّه يَرْجُو

الله، كَذِب و العظيم، ما باله لايتبيّن رجاؤه في عمله >؟!

و فيه ذمّ من يرجُو الله بلاعمل، فهو كالمدّعي للرّجاء، و كلّ من رجا عُرف رجاؤه في عمله.

و في الحديث: < أرجُو ما بيني و ما بين الله > أي أتوقّع. و الرّجاء من الأمل ممدود، قاله الجَوهَريّ.

و منه‌الحديث: < أعوذ بك من الذّنوب الّتي تقطع الرّجاء > و هي فسّرها باليأس من روح الله،و القنوط من رحمة الله، و الثّقة بغير الله، و التّكذيب بوعده.

و في حديث خيمةآدم الّتي هبط بها جبرئيل: < أطنابها من ظفائر الأُرْجُوان>، هو بضمّ همز و جيم: اللّون الأحمَر شديد الحُمْرة. قيل: هو معرّب، و قيل: الكلمة عربيّة، و الألف و النّون زائدتان.

قال الجَوهَريّ: و يقال أيضًا: شجر له نور أحمَر أحسن ما يكون، و كلّ لون يُشبهه فهو أُرْجُوانيّ، انتهى. و فيه نهى عن ميثرة الأُرْجُوان، و ستُذكر في بابها إن شاء الله تعالى. (1 : 177)

مَجْمَعُ اللُّغة: 1- رجاه يَرْجُوه رَجْوً ا و رجاءًو رَجّاه: توقّعه و فيه مَسَرّة. و اسم المفعول: مَرْجُوّ.

و يُستَعمل الرّجاء في معنى الخوف، لأنّ الرّ اجي يخاف ألا يتحقّق أمله. و لم يقع في القرآن بهذا المعنى و هو الخوف إلا مع النّفي.

2- أرْجَى الأمر يُرْجيه إرجاءً: أخّره، لغة في أرجأه، و قد يكون أرجأه، بمعنى: نحّاه في رجًا و ناحية حتّى يأتي وقته. و اسم المفعول: مُرْجًى؛ و جمعه: مُرْجَوْن.

3 - الأرجاء: جمع الرّجا، و هو الجانب و النّاحية من كلّ شيء. (1 : 461)

العَدْنانيّ: 1 - أرجُو صفحك عنّي، أرجُو منك الصّفح عنّي

و يقولون: أرجُو ك الصّفح عنّي، و الصّواب: أرجُو صفحك عنّي، أو أرجُومنك الصّفح عنّي، لأنّ الفعل< رجا > يكتفي بمفعول به واحد. قال تعالى في الآية 104، من سورةالنّساء: { فَاِنَّهُمْيَاْلَمُونَ كَمَا تَاْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لايَرْجُونَ } و جاء في الآية 110، من سورة الكهف: { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَ بِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا }. و قد ورد الفعل المضارع من < رجا > في القرآن الكريم تسع عشرة مرّة أُخرى، متلوًّ بمفعول به صريح أو مُؤوّ ل.

و اكتفى الصِّحاح بقوله : رَجَوْتُ فلا نًا،و استشهدبقول بِشْر يخاطب بنتَه:

فرَجِّي الخير و انتظري إيابي

إذا ما القارظ العَنَزيُّ آبا

ثمّ أورد الرّ اغِب الأصفهانيّ في < مفرداته > القسم الثّاني من الآية 104، من سورة النّساء المذكورة آنفًا، و تلاه < الأساس > فقال: < أرجُو من الله المغفرة، و رجَوْتُ في ولدي الرّشد >.

و جاء بعده < اللّسان > فذكر أنّ فعلَه هو: < رجاه يَرْجُوه رَجْوً ا و رَجاءً و رَجاوَةً و مَرْجاةً و رَجاةً و رَجِيَه و رَجاه و ارْتَجاه و تَرَجّاه بمعنى >.

ثمّ قال < المصباح>: < رَجَوتُه أرجُوه رُجُوًّ ا على < فُعُول >، و الاسم: الرّجاء، و رجَيتُه أرْجِيْه، لغة >.

و اكتفى المتن فالوسيط بذكر < رجاه > ولم يذكرا أ نّنا يجوز أن نقول: رَجا منه الشّيء.

لذا قُل:

1 - أرجُو صفحك عنّي، أو أرجُو أن تصفح عنّي.

و 2 - أرجُومنك الصّفح عنّي، أو أرجُو منك أن تصفح عنّي. ( معجم الأخطاء الشّائعة: 101)

محمّد إسماعيل إبراهيم: رجا الشّيء: أمّله أو خافه، و ارتجى: أمّل، و أرجَى الأمر: أرجأهو أخّره.

و الرّجا و الرّجاء: من معانيه: النّاحية و الجانب؛

و الجمع: أرجاء.

و المَرْجُوّ: موضع الرّجاء.

و أرْجِه: أصله: أرْجِئْه حُذفت الهمزة، و سُكّنت الهاء. (1 : 214)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق‌أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو توقّع لما يمكن حصوله من خير و الميل إليه. و قد سبق في الأمل: أنّ الرّجاء واقع بين الطّمعو الأمل. فإنّ أكثر استعمال الأمل فيما يُستَبعَد حصوله، و الطّمع فيما قرب حصوله. و سبق في الخوف: أنّ الخوف يقابل الأمن، و يعتبر فيه توقّع ضرر مشكوك و الظّنّ بوقوعه، كما انّ الرّجاء لايكون إلا مع الشّكّ.

و أمّا التّرجّي: فهو < تَفَعُّل > و يدلّ على المطاوعة و اختيار الرّجاء.

و الفرق بين هذه المادّة و بين موادّ التّمنّي و الانتظار و التّوقّع و التّرقّب و الشّهوة و المحبّة:

أنّ الشّهوة: لاتتعلّق إلا بما يُلَذّ من المحسوسات، و هو ميلان الطّبع بما مضى و سبق من الملاذّ.

و التّمنّي: علاقة و ميل في القلب إلى حصول الشّي‌ء فيما بعد، و هو يرى فوته عنه فيما مضى أو مستقبلا ، سواء كان من الملاذّ أو من المكاره.

و الانتظار: توقّع لحصول الشّي‌ء و نظر إليه خيرً ا كان أو شرًّ ا.

و التّوقّع و التّرقّب: انتظار لحصول الشّي‌ء عن قريب، و النّظر في التّوقّعإلى جهة الوقوع، و هو أقوى من الطّمع، و في التّرقّب إلى جهة المراقبة له.

و الحُبّ: هو الميل الشّديد و الوَداد، و يقابله البغض و النّظر فيه إلى جهة الوَداد.

فمفهوم الانتظار مأخوذ في موادّ الرّجاء و الطّمع و الأمل و التّمنّي و التّوقّع و التّرقّب، و يلاحظ في كلّ واحد منها ما يخصّه من القيود.

و أمّا الشّهوة و العشق و المحبّة و المشيئة و القصد و الإرادة و الميل و التّصميم و العزم و القضاء: فليس فيها انتظار، و يلاحظ فيها جهة فعليّة التّمايل.و سيجي‌ء في مادّة الرّود: ما يتعلّق بهذه الموادّ فراجعها.

ثمّ إنّ الرّجاء يُستَعمل في مقابل الخوف، فإنّ الخوف حالة اضطراب بمواجهة ضرر، فيلزمه التّوقّي و التّحفّظ ليأمن منه، و الرّجاء خلافه، و هو حالة تمايل و توقّع لحصول خير، فيتهيّأ لتحصيله و تحقّقه.

و أمّا الإرجاء بمعنى التّأخير: فهو إمّا من مادّة الرّجأ و هو التّأخير، أو من الرّجاء، فإنّ انتظار الخير يلازم التّأخير. فمعنى الإرجاء: هو جعل الشّخص راجيًا و منتظرً ا للخير، فيُستفاد منه التّأخير

و الصّبر.

و أمّا < الرّجا > مقصورً ا بمعنى النّاحية، فهو اسم من الرّجاء، و معناه الحقيقيّ: هو ما يُترجّى حصوله بَعْدُ و يُتوقّع وقوعه في الجوانب مكانًا أو زمانًا، و ليس بمعنى مطلق النّاحية و الجانب.

{ مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَالله ِ} العنكبوت : 5، { لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ } الأحزاب : 21، { وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ} الزّمر : 9، { يَرْجُونَ تِجارَةً } فاطر : 29،

{ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_خِ-رَ ’} العنكبوت: 36،أي الانتظار و التّوقّع لحصول هذه الخيرات.

{ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا } يونس : 7، { لايَرْجُونَ اَ يَّامَ اللهِ } الجاثية : 14، { لايَرْجُونَ حِسَابًا } النّبأ : 27، { لايَرْجُونَ نُشُورً ا } الفرقان : 40، أي لاينتظرون و لايتوقّعون و لايتهيّئون لمواجهتها...

هذه الآيات الكريمة و الرّجاء فيها: نظير الرّجاء بالنّسبة إلى الوقار، [نوح : 13] أي إنّهم لايتوجّهون أقلّ توجّه و اعتقاد إلى هذه الموضوعات، لينتج لهم التّنبّه في سيرهم، و الإنابة إلى صراط الحقّ، و التّوجّه إلى إصلاح النّفس، و الخوف من عظمة تلك الأيّام و الخشية منها.

و أمّا كون هذه الموضوعات خيرً ا بالنّسبة إليهم، حتّى يصحّ استعمال الرّجاء متعلِّقًا إليها: فإنّ تحقّق أيّام مخصوصة لله و لحكمه و سلطانه، و إجراء عدله و فضله، و كذلك القطع بالمحاسبة و إجراء الميزان، و رعاية كمال العدل في جزاء الأعمال، و كذلك تحقّق النّشور للوصول إلى نتائج الأفعال و الأعمال: توجب الاطمينان بأنّ قانون العدل جار فيهم، و لايتركون سُدًى، و لاتكون حركاتهم و أعمالهم عبثًا { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍخَيْرً ا يَرَهُ } الزّلزال : 7، فيجتهد كلّ امرئ منهم في ازدياد صالح الأعمال، و البلوغ إلى كمال الخير و السّعادة.

{ تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْى‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } الأحزاب : 51، إمّا من المهموز بمعنى التّأخير في مقابل الإيواء، و إمّا من الرّجاء بمعنى جعلها راجية خيرً ا و حُسْنَ جزاء، و عاقبة صالحة مرضيّة، يواعدها بها.

و كذلك { اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ } الأعراف : 111، {وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ...} التّوبة : 106.

و لايبعد أن يكون بين مادّتي الرّجو و الرّجأ اشتقاق أكبر، و أن يكون المهموز مأخوذًا من المعتلّ، فإنّ التّأخير من آثار الرّجاء. (4 : 78)

النُّصوص التّفسيريّة

يَرْجُوا

1 - ...فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَ لايُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ اَحَدً ا. الكهف : 110

الكَلْبيّ: من كان يُصدّق بلقاء ربّه. (الماوَرْديّ 3 : 349)

مُقاتِل: من كان يخشى البعث في الآخرة . (2 : 605)

فمن كان يخاف لقاء ربّه.

مثله قُطْرُب. (الماوَرْديّ 3: 349)

ابن قُتَيْبَة: أي يخاف لقاء ربّه. (271)

الطّبَريّ: يقول: فمن يخاف ربّه يوم لقائه ،

و يراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته. (الطّبَريّ8 : 299)

الماوَرْديّ: فيه ثلاثة أوجُه:

أحدها: [قول مُقاتِل و قُطْرُب]

الثّاني: من كان يأمل لقاء ربّه.

الثّالث: [قول الكَلْبيّ] (3 : 349)

الطُّوسيّ: و{ يَرْجُوا } معناه: يأمل، و قيل: معناه: يخاف. (7 : 100)

المَيْبُديّ: أي يطمع ثواب ربّه و صالح المنقلب عنده. و قيل: يخاف المصير إليه.

يُستَعمل الرّجاء بمعنى: الطّمع و الخوف، و هذين المعنيين موجود في هذا الشّعر:

فلاكلّ ما ترجو من الخير كائن***و لاكلّ ما ترجو من الشّرّ واقع

و قيل: لايكون الرّجاء بمعنى الخوف إلا في النّفي.(5 : 751)

ابن عَطيّة: { يَرْجُوا } على بابها، و قالت فرقة: { يَرْجُوا } بمعنى يخاف، و قد تقدّم القول في هذا المقصد، فمن كان يؤمن بلقاء ربّه، و كلّ موقن بلقاء ربّه، فلامحالة أ نّه بحالتي خوف و رجاء، فلو عبّر بالخوف لكان المعنى تامًّاعلى جهة التّخويف و التّحذير، و إذا عبّر بالرّجاء فعلى جهة الإطماع و بسط النّفوس إلى إحسان الله تعالى. (3 : 547)

الطَّبْرِسيّ: أي فمن كان يطمع في لقاء ثواب ربّه، و يأمله، و يقرّ بالبعث إليه و الوقوف بين يديه. و قيل: معناه: فمن كان يخشى لقاء عقاب ربّه. و قيل: إنّ الرّجاء يشتمل على كلا المعنيين: الخوف و الأمل. (3 : 499)

الفَخْرالرّ ازيّ: و الرّجاء: هو ظنّ المنافع الواصلة إليه. و الخوف: ظنّ المضارّ الواصلة إليه.(21 : 177)

القُرطُبيّ: أي يرجو رؤيته و ثوابه و يخشى عقابه. (11 : 69)

أبوحَيّان: { يَرْجُوا } بمعنى يطمع ... و قيل:

{ يَرْجُوا } أي يخاف سوء {لِقَاءَ رَ بِّهِ }، و حمل الرّجاء على بابه أجود لبسط النّفس إلى إحسان الله تعالى. (6 : 169)

الشِّربينيّ: أي يخاف المصير إليه. و قيل: يأمل رؤية ربّه. و الرّجاء: يكون بمعنى الخوف و الأمل جميعًا، قال الشّاعر:

فلاكلّ ما ترجو من الخير كائن***و لاكلّ ما ترجو من الشّرّ واقع

فجمع بين المعنيين. (2 : 411)

أبوالسُّعود: الرّجاء: توقّع وصول الخير في المستقبل، و المراد بلقائه تعالى: كرامته و إدخال الماضي على المستقبل، للدّ لالة على أنّ اللا ئق بحال المؤمن الاستمرار و الاستدامة على رجاء اللّقاء، أي فمن استمرّ على رجاء كرامته تعالى:{ فَلْيَعْمَلْ }. (4 : 223)

الآلوسيّ: الرّجاء: طمع حصول ما فيه مسرّة في

المستقبل، و يُستَعمل بمعنى الخوف. (16 : 53)

2 - مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ فَاِنَّ اَجَلَ اللهِ لات وَ’ هُوَ السَّميعُ‘ الْعَليمُ‘. العنكبوت : 5

سعيد بن جُبَيْر: من كان يخشى لقاء الله.

مثله السُّدّيّ. (الماوَرْديّ 4 : 276)

معناه: من كان يخاف عقاب الله.

مثله السُّدّيّ. (الطُّوسيّ 8 : 187)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: من كان يرجو الله يوم لقائه، و يطمع في ثوابه، فإنّ أجل الله الّذي أجّلهلبعث خلقه للجزاء و العقاب، لآت قريبًا. (10 : 122)

الماوَرْديّ: فيه وجهان:

أحدهما: [ قول سعيد بن جُبَيْر]

الثّاني: من كان يؤمِّل. (4 : 276)

الطُّوسيّ: أي من كان يأمل لقاء ثواب الله. (8 : 187)

المَيْبُديّ: يعني من كان يرجو الله في يوم لقائه، و يطمع في ثوابه.

قيل: معنى { يَرْجُوا }: يخاف، أي من كان يخاف الموت و المصير إلى الله و إلى موضع المحاسبة و المجازاة، فليتقدّم في إصلاح أعماله بالتّوبة. [إلى أن قال:]

و تلخيص الكلام: أنّ من يخشى الله أو يأمله، فليستعدّ له، و ليعمل لذلك اليوم، كما قال تعالى:{ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا } الكهف : 110. (7 : 367)

ابن عَطيّة: و في قوله: { مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ } تثبيت، أي من كان على هذا الحقّ فليُوقن بأ نّه آت و ليتزيّد بصيرة. و قال أبوعُبَيْدَة: { يَرْجُوا } ها هنا بمعنى (يخاف) و الصّحيح: أنّ الرّجاء ها هنا على بابه متمكّنًا. (4 : 307)

الطَّبْرِسيّ: [ نحو الطُّوسيّ و أضاف:]

و المعنى: من كان يخشى البعث، و يخاف الجزاء و الحساب، أو يأمل الثّواب، فليبادر بالطّاعة قبل أن يلحقه الأجل. (4 : 273)

الفَخْرالرّازيّ: قال بعض المفسّرين: المراد من الرّجاء: الخوف، و المعنيّ من قوله: { مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ } من كان يخاف الله، و هو أيضًا ضعيف. فإنّ المشهور في الرّجاء هو توقّع الخير لاغير، و لأ نّاأجمعنا على أنّ الرّجاء ورد بهذا المعنى، يقال: أرجُو فضل الله، و لايُفهَم منه أخاف فضل الله، و إذا كان واردً ا لهذا لايكون لغيره دفعًا للاشتراك. (25 : 31)

القُرطُبيّ: { يَرْجُوا } بمعنى يخاف، من قول الهُذَليّ في وصف عسّال:

*إذا لسعته النّحل لم يَرْجُ لسعها *

و أجمع أهل التّفسير على أنّ المعنى: من كان يخاف الموت فليعمل عملا صالحًا، فإنّه لابدّ أن يأتيه، ذكره النّحّاس و( مَنْ )في موضع رفع بالابتداء، و{ كَانَ } في موضع الخبر، و هي في موضع جزم بالشّرط،و{ يَرْجُوا } في موضع خبر { كَانَ }. (13 : 327)

أبوحَيّان: و الظّاهر أنّ { يَرْجُوا } على بابها.(7 : 141)

أبوالسُّعود: أي يتوقّع ملاقاة جزائه ثوا بًا أو عقابًا، أو ملاقاة حكمه يوم القيامة.

و قيل: يرجو لقاء الله عزّ و جلّ في الجنّة، و قيل: يرجو ثوابه، و قيل: يخاف عقابه. (5 : 142)

البُرُوسَويّ: الرّجاء: ظنّ يقتضي حصول مافيه مسرّة، و تفسيره بالخوف، لأنّ الرّجاء و الخوف متلازمان. (6 : 447)

الآلوسيّ: أي من كان يخشى البعث في الآخرة، فالرّجاء بمعنى الخوف. [ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال:]

فمعنى: { مَنْ كَانَ... }: من كان يأمل تلك الحال، و أن يلقى فيها الكرامة من الله تعالى و البُشرى. فالكلام عنده من باب التّمثيل، و الرّجاء بمعنى الأمل و التّوقّع.

و جُوّز أن يكون بمعنى ذلك، إلا أنّ الكلامبتقدير مضاف، أي من كان يتوقّع ملاقاة جزاء الله تعالى ثوابًا أو عقابًا، أو ملاقاة حكمه عزّ وجلّ يوم القيامة، و أن يكون بمعنى الخوف، و المضاف محذوف أيضًا، أي من كان يخاف ملاقاة عقاب الله تعالى، و أن يكون بمعنى ظنّ حصول ما فيه مسرّة و توقّعه، كما هو المشهور، والمضاف كذلك أيضًا، أي من كان يرجو ملاقاة ثواب الله تعالى. و يجوز أن لايقدّر مضاف، و يُجعَل لِقاء اللهِ تعالى مجازً ا عن الثّواب، لما أ نّه لازم له.

و اختار بعضهم: أنّ الرّجاء بمعناه المشهور، و أنّ لقاء الله تعالى مشاهدته سبحانه على الوجه اللا ئق به عزّو جلّ، كما يقولوه أهل السّنّة و الجماعة؛ إذ لاحاجة للخروج عن الظّاهر من غير ضرورة، و ما حسبه المعتزليّ منها فليس منها، كما بيّن في علم الكلام، أي من كان يتوقّع مشاهدة الله تعالى يوم القيامة، الّتي لانعيم يعدلها، و يلزمها الفوز بكلّ خير و نعيم {فَاِنَّ اَجَلَ اللهِ}... (20 : 137)

الطَّباطَبائيّ: رجوع إلى بيان حال من يقول: آمَنتُ، فإنّه إنمّا يؤمن لو صدق بعض الصّدق، لتوقّعه الرّجوع إلى الله سبحانه يوم القيامة؛ إذ لولا المعاد لُغي الدّين من أصله، فالمراد بقوله: { مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ }: من كان يؤمن بالله، أو من كان يقول: آمنت بالله، فالجملة من قبيل وضع السّبب موضع المسبّب.

و المراد ب- { لِقَاءَ اللهِ }: وقوف العبد موقفًا لاحجاب بينه وبين ربّه، كما هو الشّأن يوم القيامة، الّذي هو ظرف ظهور الحقائق، قال تعالى: { وَ يَعْلَمُونَ اَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ المْ-ُبينُ‘ } النّور : 25.

و قيل: المراد ب- { لِقَاءَ اللهِ }: هو البعث. و قيل: الوصول إلى العاقبة من لقاء ملَك الموت و الحساب و الجزاء. و قيل: المراد ملاقاة جزاء الله من ثواب أو عقاب. و قيل: ملاقاة حُكمه يوم القيامة. و الرّجاء على بعض هذه الوُجُوه، بمعنى الخوف.

و هذه وُجُوه مجازيّة بعيدة، لاموجب لها، إلا أن يكون من التّفسير بلازم المعنى. (16 : 102)

عبد الكريم الخطيب: هو دعوة للمؤمنين إلى ما أعدّ الله لهم من نعيم، و تطمين لقلوبهم بما وعدهم به من مغفرة و رضوان. فهم لهذا الوعد يعملون، و على رجاء لقاء ربّهم يجاهدون، و يصبرون على ما يلقون من أذى و بلاء. (10 : 404)

فضل الله: من هؤلاء المؤمنين الّذين أحسنوا السّير في خطّ الإيمان في الفكر و العمل، و راقبوا الله في سرّهم و علانيتهم، و رأوا في ذلك فرصة للقاء الله في الدّ ار الآخرة، للحصول على رضوانه، و الدّخول في جنّته. و لذا فإنّهم يرجون ذلك و يحبّونه و ينتظرونه؛ إذ لاسبب لديهم يدعوهم إلى الخوف من ذلك، لأ نّهم لن يجدوا أيّة مشكلة في لقاء الله و الوقوف بين يديه، في لحظة الحساب الّتي يواجه فيها النّاس نتائج مسؤوليّتهم عن أعمالهم في الدّنيا، في ما قدّموه من خير أو شرّ. (18 : 15)

3 - لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فى رَسُولِ اللهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الا_خِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثيرًا.الأحزاب : 21

ابن عباس: يرجوا ثواب الله. (المَيْبُديّ 8 : 28)

سعيد بن جُبَيْر: لمن كان يرجوا الله بإيمانه،و يُصدّق بالبعث الّذي فيه جزاء الأعمال. (الماوَرْديّ 4 : 388)

مُقاتِل: يخشى الله عزّ و جلّ، و يخشى البعث الّذي فيه جزاء الأعمال. (3 : 483)

الطّبَريّ: يقول: فإنّ من يرجو ثواب الله و رحمته في الآخرة لايرغب بنفسه، و لكنّه تكون له به أُسوة في أن يكون معه حيث يكون هو. (10: 278)

الرُّمّانيّ: لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر. (الماوَرْديّ 4 : 388)

الطُّوسيّ: الرّجاء: توقّع الخير، فرجاء الله: توقّع الخير من قِبَله، و مثل الرّجاء الطّمع و الأمل، و متى طمع الإنسان في الخير من قبل الله فيكون راجيًا له. (8 : 328)

الزّمَخْشَريّ: يرجوالله، و اليوم الآخر، من قولك: رجَوْتُ زيدً ا و فضله، أي فضل ز يد، أو يرجو أيّام الله، و اليوم الآخر خصوصًا. و الرّجاء، بمعنى الأمل أو الخوف. (3 : 256)

ابن عَطيّة: و رجاء الله تعالى تابع للمعرفة به، و رجاء اليوم الآخر: ثمرة العمل الصّالح. (4 : 377)

القُرطُبيّ: قيل: أي لمن كان يرجو ثواب الله في اليوم الآخر. و لايجوز عند الحُذّاق من النّحويّين أن يكتب { يَرْجُوا } إلا بغير ألف إذا كان لواحد، لأنّ العلّة الّتي في الجمع ليست في الواحد. (14 : 156)

الفيروزاباديّ: رَجَا البئْرِ والسّماءِ وغيرهما: جانبهما؛ والجمع: أرْجاء.

و الرّجاء: الاستبشار بوجود فضل الرّبّ تعالى،و الارتياح لمطالعة كرمه، و قيل: هو الثّقة بوجودالرّبّ. و قيل: الرّجاء: ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرّة، و هو من أجلّ منازل السّالكين و أعلاهاو أشرفها. و قد مدح الله تعالى أهله و أثنى عليهم فقال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فى رَسُولِ اللهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَ الْيَوْمَ الا"_خِرَ }.

و أخبر تعالى عن خواص عباده، الّذين كان المشركون يزعمون أ نّهم يتقرّبون بهم إِلى الله، أ نّهم كانوا راجين له خائفين منه، فقال: { قُلِ ادْعُوا الَّذينَ‘ زَعَمْتُم مِن دُونِهِ فَلايَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ

وَ لاتَحْويلا ‘ * اُولئِكَ ’الَّذينَ‘ يَدْعُونَ يَبْ-تَغُونَ اِلى"رَ بِّهِمُ الْوَسيلَةَ‘ اَ يُّهُمْ اَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخَافُ-ونَ عَذَابَ-هُ اِنَّ عَ-ذَابَ رَ بِِّكَ كَانَ مَحْذُورً ا } الإسراء: 56 و 57، و فى الحديث الصّحيح فيما يُروى عن ربّه تعالى: < ابن آدم إنّك ما دعوتني و رجوتني غفرت لك على ما كان منك و لا أُبالي >.

فالرّجاء عبوديّة و تعلّق بالله، من حيث اسمه البَرّ المُحسن. فذلك التّعبّد و التّعلّق بهذا الاسم و المعرفة بالله، هو الّذي أوجب للعبد الرّجاء، من حيث يدري و من حيث لايدري. فقوّة الرّجاء على حسب قوّة المعرفة بالله و أسمائه و صفاته، و غلبة رحمته على غضبه. و لولا رُوح الرّجاء لعُطّلت عبوديّة القلب و الجوارح، و هُدّمت صوامِعُ و بيَعٌ و صَلواتٌ و مساجد يُذْكر فيها اسم الله كثيرً ا. بل لولاروح الرّجاء لما تحرّكت الجوارح بالطّاعة، ولولا ريحه الطّيّبة لما جرت سُفُن الأعمال فى بحرالإرادات. قال بعض مشايخنا:

لولا التّعلُّق بالرّجاء تقطّعت***نفسُ المحبّ تحسُّرً ا وتمزُّ قًا

و كذلك لولا بَرْدهُ لحرارة الْ-***أكباد ذابت بالحجاب تحرّ قًا

أيكون قطُّ حليفُ لايُرى***برجائه لحبيبه متعلّق-ًا

أم كلّما قويت محبّته له***قوّى الرّجاء فزاد فيه تشوّ قًا

لولا الرّجا يحدو المطيّ لما سرت***بحُمولها لديارهم ترجو اللّقا

و على حسب المحبّة و قوّتها يكون الرّجاء. و كلّ مُحبّ راج و خائف بالضّرورة، فهو أرجى ما يكون بحبيبه أحَبّ ما كان إليه.

و كذلك خوفه، فإنّه يخاف سقوطه من عينه، و طرد محبوبه له، و إبعاده و احتجابه عنه، فخوفه أشدّ خوف. فكلّ محبّة مصحوبة بالخوف و الرّجاء، و على قدر تمكّنها من قلب المحبّ يشتدّ خوفه و رجاؤه.و لكن خوف المحبّ لايصحبه خشية بخلاف خوف المسيء، و رجاء المحبّ لايصحبه غاية، بخلاف رجاء الأجير. فأين رجاء المُحبّ من رجاء الأجير؟! بينهما كما بين حاليهما.

وبالجملة فالرّجاء ضروريّ للسّالك و العارف، و لو فارقه لحظة لتلف أو كاد، فإنّه دائر بين ذنب يرجو غفرانه، و عيب يرجو إصلاحه، و عمل صالح يرجو قبوله، و استقامة يرجو حصولها أو دوامها، و قُرب من الله و منزلة عنده يرجووصوله إليها. و لاينفكّ أحد من السّالكين من هذه الأُمور أو من بعضها.

و الفرق بين الرّجاء و التّمنّي: أنّ التّمنّي يكون مع الكسل، و لايسلك بصاحبه طُرُق الجدّ و الاجتهاد، و الرّجاء يكون مع بذل الجُهْد و حسن التّوكّل، و لهذا أجمع العارفون على أنّ الرّجاء لايصحّ إلا مع العمل.

و الرّجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غُرور مذموم. فالأوّ لان: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نورمن الله، فهو راجٍ لثوابه، و رجل أذنب ذنبًا ثمّ تاب منه، فهو راج لمغفرته. و الثّالث: رجل متماد فى التّفريط و الخطايا يرجو رحمة الله بلاعمل، فهذا هو

الغُرور والتّمنّيّ، والرّجاء الكاذب.

و للسّالك نظران: نظر إلى نفسه و عيوبه و آفات عمله يفتح عليه بابَ الخوف، و نظر إلى سعة فضل ربّه و كرمه و برّه يفتح عليه باب الرّجاء، و هما كجناحَي الطّائر إذا استويا استوى الطّائر وتمّ طيرانه.

و اختلفوا أيّ الرّجاءَيْن أكمل: رجاء المحسن ثواب إحسانه، أو رجاء المذنب التّائب عفو ربّه و عظيم غفرانه؟ فطائفة رَجّحت رجاء المحسن لقوّة أسباب الرّجاء معه، و طائفة رجّحت رجاء المذنب، لأنّ رجاءه مجرّد عن علّة رؤية العمل، مقرون برؤية ذِلّة الذّنب.

قال يحيى بن مُعاذ: إلهي أحلى العطايا في قلبي رجاؤُك، وأعذب الكلام على لساني ثناؤُك، و أحَبُّ السّاعات إليّ ساعةٌ يكون فيها لقاؤُك. و قال أيضًا:يكاد رجائي لك مع الذُّ نُوب يغلب على رجائي لك مع الأعمال، لأ نّي أجدني أعتمد في الأعمال على الإخلاص، وكيف أُحرزها وأنا بالآفات معروف. وأجدني في الذّنب أعتمد على عفوك. و كيف لاتغفرها و أنت بالجود موصوف؟!

فإن قلت: ما تقول فى قول من جعل الرّجاء من أضعف [منازل] المريدين؟قلت: إنّما أرادوا بالنّسبة إلى ما فوقه من المنازل، كمنزلة المحبّة و المعرفة و الإخلاص و الصّدق و التّوكّل و الرّضا، لا أنّ مرادهم ضَعْف هذه المنزلة فى نفسها، و أ نّها منزلة ناقصة، فافهم. فقد أوضحنا لك أ نّها من أجلّ المنازل و أعلاها وأشرفها، و الله أعلم. (بصائر ذوي التّمييز 3 : 46)

أبوالسُّعود: أي ثواب الله، أو لقاءه، أو أيّام الله و اليوم الآخر خصوصًا. و قيل: هو مثل قولك: أرجُو زيدً ا و فضله، فإنّ اليوم الآخر من أيّام الله تعالى، و{ لِمَنْ كَانَ } صلة ل- { حَسَنَةٌ } أو صفة لها، و قيل: بدل من { لَكُمْ } و الأكثرون على أنّ ضمير المخاطب لايُبدَل منه. (5 : 217)

الآلوسيّ: أي يؤمّل الله تعالى و ثوابه، كما يرمز إليه أثر عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، و عليه يكون قد وضع {الْيَوْمَ الا_"خِرَ } بمعنى يوم القيامة موضع الثّواب، لأنّ ثوابه تعالى يقع فيه، فهو على ما قال الطّيّبيّ: من إطلاق اسم المحلّ على الحالّ، و الكلام نحو قولك: أرجُو زيدً ا و كرمه، ممّا يكون ذكر المعطوف عليه فيه توطئة للمعطوف، و هو المقصود، و فيه من الحُسن و البلاغةما ليس في قولك: أرجُو زيدً ا كرمه، على البدليّة.

و قال < صاحب الفرائد >: يمكن أن يكون التّقدير: يرجُو رحمة الله أو رضا الله و ثواب اليوم الآخر، ففي الكلام مضافان مقدّران.

و عن مُقاتِل: أي يخشى الله تعالى، و يخشى البعث الّذي فيه جزاء الأعمال، على أ نّه وضع{ الْيَوْمَ الا_"خِرَ} موضع البعث، لأ نّه يكون فيه. و الرّجاء عليه بمعنى الخوف، و متعلِّق الرّجاء بأيّ معنى كان أمر من جنس المعاني، لأ نّه لايتعلّق بالذّوات.

و قدّر بعضهم المضاف إلى الاسم الجليل لفظ < أيّام > مرادً ا بها الوقائع، فإنّ اليوم يُطلق على ما يقع فيه من الحروب و الحوادث، و اشتهر في هذا حتّى صار

بمنزلة الحقيقة، و جُعل قرينة هذا التّقدير المعطوف، و جُعل العطف من عطف الخاصّ على العامّ. و الظّاهر أنّ الرّجاء على هذا بمعنى الخوف.

و جُوّز أن يكون الكلام عليه، كقولك: أرجُو زيدً ا و كرمه، و أن يكون الرّجاء فيه بمعنى الأمل إن أُريد ما في اليوم من النّصر و الثّواب، و أن يكون بمعنى الخوف و الأمل معًا، بناءً على جواز استعمال اللّفظ في معنييه أو في حقيقته و مجازه، و إرادة ما يقع فيه من الملائم و المنافر، و عندي: أنّ تقدير < أيّام > غير متبادر إلى الفهم.

و فسّر بعضهم: { الْيَوْمَ الا_خِرَ ’} بيوم السّياق، و المتبادر منه يوم القيامة، و ( مَنْ ) علىما قيل: بدل من ضمير الخطاب في { لَكُمْ }، و أُعيد العامل للتّأكيد، و هو بدل كلّ من كلّ، و الفائدة فيه الحَثّ على التّأسّي. و إبدال الاسم الظّاهر من ضمير المخاطب، هذا الإبدال جائز عند الكوفيّين و الأخفش، و يدلّ عليه قوله:

بكم قريش كفينا كلّ معضلة***و أمّ نهج الهدى من كان ضلّيلا

و منع ذلك جمهور البصريّين، و من هنا قال< صاحب التّقريب >: هو بدل اشتمال أو بدل بعض من كلّ، و لايتسنّى إلا على القول بأنّ الخطاب عامّ، و هو مخالف للظّاهر كما سمعت، و مع هذا يحتاج إلى تقدير < منكم >. و قال أبوالبقاء:يجوز أن يكون( لِمَنْ ) متعلّقًا ب- { حَسَنَةٌ }أو بمحذوف وقع صفة لها، لأ نّه وقع بعد نكرة. و قيل: يجوز أن يكون صفة ل- { اُسْوَةٌ } و تعقّب بأنّ المصدر الموصوف لايعمل فيما بعد وصفه، و كذا تعَدّد الوصف بدون العطف لايصحّ، و قد صرّح بمنع ذلك الإمام الواحديّ. و لايخفى أنّ المسألة خلافيّة فلاتغفل. (21 : 168)

فضل الله: و يرغب في رضاه، و يهتدي بهداه، ويقتدي برسله. (18 : 285)

يَرْجُونَ

1 - اِنَّ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَ الَّذينَ‘ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فى سَبيلِ‘ اللهِ اُولئِكَ ’يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘. البقرة: 218

الطّبَريّ: أي يطمعون أن يرحمهم الله، فيدخلهم جنّته بفضل رحمته إيّاهم. (2 : 368)

الماوَرْديّ: فإن قيل :فكيف قال: { اُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ } و رحمة الله للمؤمنين مستحقّة؟ ففيه جوابان:

أحدهما: أ نّهم لم-ّا لم يعلموا حالهم في المستقبل، جاز أن يرجوا الرّحمة، خوفًا أن يحدث من مستقبل أُمورهم مالايستوجبونها معه.

و الجواب الثّاني: أ نّهم إنّما رجو الرّحمة، لأ نّهم لم يتيقّنوها بتأدية كلّ ما أوجبه الله تعالى عليهم. (1 : 275)

الطُّوسيّ:... و في الآية دلالة على أنّ من مات مُصرًّ ا على كبيرة لايرجو رحمة الله لأمرين:

أحدهما:أنّ ذلك دليل الخطاب؛ و ذلك غير صحيح عند أكثر المحصّلين.

و الثّاني: أ نّه قد يجتمع عندنا الإيمان و الهجرة والجهاد مع ارتكاب الكبيرة، فلايخرج من هذه صورته عن تناول الآية له.

و إنّما ذكر المؤمنين برجاء الرّحمة و إن كانت هي لهم لامحالة، لأ نّهم لايدرون ما يكون منهم من الإقامة على طاعة الله، أو الانقلاب عنها إلى معصيته، لأ نّهم لايدرون كيف تكون أحوالهم في المستقبل.

و قال الجُبّائيّ: لأ نّهم لايعلمون أ نّهم أدّوا كما يجب لله عليهم، لأنّ هذا العلم من الواجب، و هم لايعلمونه إلا بعلم آخر، و كذلك سبيل العلم في أ نّهم لايعلمونه إلا بعلم غيره، و هذا يوجب أ نّهم لايعلمون إذًا كما يجب لله عليهم.

و قال ابن الأخشاد: لأ نّه لايتّفق للعبد التّوبة من كلّ معصية، و استدلّ على ذلك بإجماع الأُمّة على أ نّه ليس لأحد غير النّبيّ(صلی الله علیه و آله)، و من شهد له عليه، فلا.

و يمكن في الآية وجه آخر على مذهبنا: و هو أن يكون رجاءهم لرخصة الله في غفران معاصيهم الّتي لم يتّفق لهم التّوبة عنها، و اخترموا دونهم، فهم يرجون أن يُسقط الله عقابها عنهم تفضّلا .

فأمّا الوجه الأوّ ل، فإنمّا يصحّ على مذهب من يُجوّز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه، أو يفعل في المستقبل كبيرة يحبط ثواب إيمانه. و هذا لايصحّ على مذهبنا في الموافاة. و ما قاله الجُبّائيّ: يلزم عليه وجوب ما لانهاية له، لأ نّه إذا وجب عليه أن يعلم أ نّه فعل ما وجب عليه بعلم آخر، و ذلك العلم ممّا وجب عليه أيضًا، فيجب ذلك بعلم آخر، و في ذلك التّسلسل.

و إنّما ضمّ إلى صفة الإيمان غيره في اعتبار الرّجاء للرّحمة، ترغيبًا في كلّ خصلة من تلك الخصال، لأ نّها من علامات الفلاح. فأمّا الوعد، فعلى كلّ واحدة منها إذا سلمت ممّا يبطلها. و قال الحسَن: الرّجاء، و الطّمع هاهنا على الإيمان إذا سلم العمل. و ذكر الجُبّائيّ: أنّ هذه الآية تدلّ على أ نّه لايجوز لأحد أن يشهد لنفسه بالجنّة، لأنّ الرّجاء لايكون إلا مع الشّكّ، و قد بيّن الله تعالى: أنّ صفة المؤمن الرّجاء للرّحمة، لاالقطع عليها، لامحالة.

و وجه اتّصال هذه الآية بما قبلها، هو أ نّه لم-ّا ذكر في الأُولى العذاب، ذكر بعدها آية الرّحمة، ليكون العبد بين الخوف و الرّجاء؛ إذ ذلك أوكد في الاستدعاء، و أحقّ بتدبير الحكماء. (2 : 210)

المَيْبُديّ: قد أشكل على قوم الرّجاء و التّمنّي، و لايفرِّ قون بينهما. و الفرق إن كان مع الرّجاء الغفلة، و في الطّاعة الفترة، فهو التّمنّيّ، و التّمنّيّ هو الأمل و الأمل في سبيل الدِّين معلول. و صاحب الرّجاء بالعكس فهو في سبيل الدِّين محمول . و قال الله عزّ و جلّ في هذه الآية: من إيمانهم و هجرتهم و جهادهم، ثمّ مدحهم بالرّجاء ، فقال : { اُولئِكَ ’يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِِ } ، و قال في موضع آخر:{ يَحْذَرُ الا_خِرَ ةَ’ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ } الزّمر: 9.

قال ابن خبيق: الرّجاؤون ثلاثة:

أحدهم: صاحب العمل الصّالح، و هو يرجو أن يقبل أعماله و يجزي به.

و الثّاني: رجل فاسق يتوب، و يرجو العفو

و المغفرة .

و الثّالث: رجل يذنب و يقول: إنّي أرجُوأن يغفر لي ربّي، وهذاصاحب التّمنّيّ، و الأوّ لان صاحب الرّجاء.

رُوي أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) دخل على أصحابه من باب بني شيبة فرآهم يضحكون، فقال: < أ تضحكون؟ لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا و لبكيتم كثيرً ا >. ثمّ مرّ ثمّ رجع القهقرى، و قال: < نزل عليّ جبرئيل، و أتى بقوله تعالى: { نَبِّئْ عِبَادى‘ اَنّى‘ اَنَا الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘ } > الحجر: 49. (1 : 579)

الزّمَخْشَريّ: و عن قَتادَة: هؤلاء خيار هذه الأُمّة، ثمّ جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، و إنّه مَن رجا طلب، و من خاف هرب. (1 : 357)

ابن عَطيّة:معناه:يطمعون و يستقربون، و الرّجاء تنعّم، و الرّجاء أبدً ا معه خوف و لابدّ، كما أنّ الخوف معه رجاء. و قد يُتجوّز أحيانًا، و يجيء الرّجاء بمعنى ما يقارنه من الخوف. كما قال الهذليّ:

إذا لسعته النّحل لم يرْج لسعَها***و حالفهافي بيت نوب عوامل

و قال الأصمَعيّ:< إذا اقترن حرف النّفي بالرّجاء، كان بمعنى الخوف> كهذا البيت، وكقوله عزّ و جلّ{ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا } يونس : 7 ، 11 ، 15، سورة الفرقان : 21، المعنى: لايخافون.

و قد قيل: إنّ الرّجاء في الآية على بابه، أي لايرجون الثّواب في لقائنا، و بإزاء ذلك خوف العقاب. و قال قوم: اللّفظة من الأضداد دون تجوّز في إحدى الجهتين، و ليس هذا بجيّد. (1 : 291)

الطَّبْرِسيّ: أي يأملون نعمة الله في الدّنياو العُقبى، و هي النّصرة في الدّنيا، و المثوبة في العقبى... و إنّما ذكر لفظ الرّجاء للمؤمنين، و إن كانوا يستحقّون الثّواب قطعًا و يقينًا، لأ نّهم لايدرون ما يكون منهم في المستقبل: الإقامة على طاعة الله، أو الإنقلاب عنها إلى معصية الله.

و وجه آخر و هو الصّحيح، و هو: أن يرجوا رحمة الله في غفران معاصيهم الّتي لم يتّفق لهم التّوبة منها، و اخترموا دونها، فهم يرجون أن يُسقط الله عقابها عنهم تفضّلا .

فأمّا الوجه الأوّ ل: فإنّما يصحّ على مذهب منيُجوّز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه، أو يفعل في المستقبل كبيرة تحبط ثواب إيمانه. و هذا لايصحّ على مذهبنا في الموافاة.

و قال الحسَن: أراد به إيجاب الرّجاء و الطّمع على المؤمنين، لأنّ رجاء رحمة الله من أركان الدّين،و اليأس من رحمته كفر، كما قال: { لايَايئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ ...} يوسف : 87، و الأمن من عذابه خسران كما قال: { فَلايَاْمَنُ مَكْرَ اللهِ اِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } الأعراف : 99، فمن الواجب على المؤمن أن لاييأس من رحمته، وأن لايأمن من عقوبته، و يؤيّده قوله تعالى: { يَحْذَرُ الا_خِرَةَ ’وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ } الزّمر : 9، و قوله: { يَدْعُونَ رَ بَّهُمْ خَوْفًا وَ طَمَعًا } السّجدة : 16.

و ليس في الآية دلالة على أنّ من مات مصرًّ ا على كبيرة، لايرجو رحمة الله لأمرين:

أحدهما: إنّ الدّليل المفهوم غير صحيح، عند أكثر المحصّلين.

و الآخر: إنّه قد يجتمع عندنا الإيمان و الهجرة والجهاد مع ارتكاب الكبيرة، و لايخرج مَن هذه صورته عن تناول الآية له. (1 : 313)

الفَخْرالرّ ازيّ: و فيه قولان:

الأوّ ل: أنّ المراد منه الرّجاء، و هو عبارة عن ظنّ المنافع الّتي يتوقّعها. و أراد تعالى في هذا الموضع، أنّهم يطمعون في ثواب الله؛ و ذلك لأنّ عبد الله بن جَحْش ما كان قاطعًا بالفوز و الثّواب في عمله، بل كان يتوقّعه و يرجوه.

فإن قيل: لِمَ جعل الوعد مطلقًا بالرّجاء، و لم يقطع به، كما في سائرالآيات؟

قلنا: الجواب من وُجُوه:

أحدها: أنّ مذهبنا: أنّ الثّواب على الإيمانو العمل غير واجب عقلا ، بل بحكم الوعد، فلذلك علّقه بالرّجاء.

و ثانيها: هَبْ أ نّه واجب عقلا بحكم الوعد، و لكنّه تعلّق بأن لايكفر بعد ذلك. و هذا الشّرط مشكوك فيه لامتيقّن، فلاجرم كان الحاصل هو الرّجاء لاالقطع.

و ثالثها: أنّ المذكور هاهنا هو الإيمان، و الهجرة، و الجهاد في سبيل الله، و لابدّ للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، و هو أن يرجو أن يوفّقه الله لها، كما وفّقه لهذه الثّلاثة، فلاجرم علّقه على الرّجاء.

و رابعها: ليس المراد من الآية أنّ الله شكّك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأ نّهم يفارقون الدّنيا مع الهجرة و الجهاد، مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى، يرون أ نّهم لم يعبدوه حقّ عبادته، و لم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف و الرّجاء، كما قال: { وَ الَّذينَ‘ يُؤْتُونَ مَا ا"تَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ اَنَّهُمْ اِلى" رَبِّهِمْ رَ اجِعُونَ } المؤمنون : 60.

القول الثّاني: أنّ المراد من الرّجاء: القطع و اليقين في أصل الثّواب، و الظّنّ إنّما دخل في كمّيّته و في وقته، وفيه وُجُوه قرّرناها في تفسير قوله تعالى: { اَ لَّذينَ‘ يَظُنُّونَ اَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ } البقرة : 46. (6 : 41)

القُرطُبيّ: و { يَرْجُونَ } معناه : يطمعونو يستقربون. و إنمّاقال:{ يَرْجُونَ } و قد مدحهم، لأ نّه لايعلم أحد في هذه الدّنيا أ نّه صائر إلى الجنّة، ولو بلغ في طاعة الله كلّ مبلغ، لأمرين:

أحدهما: لايدري بما يختم له.

و الثّاني: لئلا يتّكل على عمله، و الرّجاء ينعمّ، و الرّجاء أبدً ا معه خوف و لابدّ، كما أنّ الخوف معه رجاء. و الرّجاء من الأمل ممدود، يقال: رجَوْتُ فلا نًا رَجْوً ا و رجاءً و رجاوةً، يقال: ما أتيتك إلا رجاوة الخير. و تَرَجّيتَه و ارْتجَيتُه و رَجَيتُه، و كلّه بمعنى: رجَوْته، [ثمّ استشهد بشعر]

و ما لي في فلان رجيّة، أي ما أرْجُو. و قد يكون الرّجْو و الرّجاء بمعنى الخوف، قال الله تعالى: { مَا لَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا } نوح : 13، أي لاتخافون عظمة الله.

و الرّجا مقصور: ناحية البئر و حافّتاها، و كلّ ناحية رجا. و العوامّ من النّاس يخطؤون في قولهم:

يا عظيم الرّجا، فيقصرون و لايمدّون. (3 : 50)

أبوحَيّان: و أتى بلفظة: { يَرْجُونَ }، لأ نّه ما دام المرء في قيد الحياة، لايقطع أ نّه صائر إلى الجنّة و لو أطاع أقصى الطّاعة؛ إذ لايعلم بما يختم له، و لايتّكل على عمله، لأ نّه لايعلم أقُبِل أم لا؟

و أيضًا فلأنّ المذكورة في الآية ثلاثة أوصاف، و لابدّ مع ذلك من سائر الأعمال، و هو يرجو أن يوفّقه الله لها كما وفّقه لهذه الثّلاثة، فلذلك قال: { اُولئِكَ ’ يَرْجُونَ } . أو يكون ذكر الرّجاء لما يتوهّمون أ نّهم ما وفَوْاحقّ نصرة الله في الجهاد، ولاقضوا ما لزمهم من ذلك، فهم يقدمون على الله مع الخوف و الرّجاء، كما قال تعالى: { وَ الَّذينَ‘ يُؤْتُونَ مَا ا"تَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } المؤمنون : 60.

و روي عن قَتادَة أ نّه قال: هو لأخيار هذه الأُمّة، ثمّ جعلهم الله أهل رجاء، كما يسمعون. و قيل: الرّجاء دخل هنا في كمّيّة الثّواب و وقته، لافي أصل الثّواب؛ إذ هو مقطوع متيقّن بالوعد الصّادق. (2 : 152)

ابن عاشور : و الرّجاء: ترقّب الخير مع تغليب ظنّ حصوله، فإنّ وعد الله و إن كان لايخلف فضلا منه و صدقًا، و لكنّ الخواتم مجهولة، و مصادفة العمل لمراد الله قد تفوت لموانع لايدريها المكلّف، و لئلا يتّكلوا في الاعتماد على العمل. (2 : 320)

2 - ... وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لايَرْجُونَ وَ كَانَ اللهُ عَليمًا‘ حَكيمًا‘. النّساء : 104

الفَرّ اء: قال بعض المفسّرين: معنى { تَرْجُونَ }: تخافون، و لم نجد معنى الخوف يكون رجاءً إلا و معه جَحْد، فإذا كان كذلك، كان الخوف على جهة الرّجاء و الخوف، و كان (الرّجا) كذلك، كقوله تعالى: { قُلْ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذينَ‘ لايَرْجُونَ اَ يَّامَ اللهِ } الجاثية : 14، هذه للّذين لايخافون أيّام الله. و كذلك قوله:{ مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ وَ قَارً ا } نوح : 13، لاتخافون لله عظمة، وهي لغة حجازيّة. [ثمّ استشهد بشعر]

و لايجوز: رجَوْتك، و أنت تريد خِفتُك،و لاخفتك، و أنت تريد رجَوْتك. (1 : 286)

الماوَرْديّ: أي هذه زيادة لكم عليهم، وفضيلة خُصّصْتم بها دونهم، مع التّساوي في الألم.

و في هذا الرّجاء اثنان من التّأويلات:

أحدهما: معناه: أنّكم ترجون من نصر الله ما لايرجون.

و الثّاني: تخافون من الله مالايخافون، و منه قوله تعالى: { مَا لَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا } نوح : 31 ، أي لاتخافون لله عظمة. (1 : 527)

الطُّوسيّ: و قال بعضهم: معنى { وَ تَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَالايَرْجُونَ } أي تخافون من جهته مالايخافون، كما قال: { قُلْ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذينَ‘ لايَرْجُونَ اَيَّامَ اللهِ } الجاثية : 14، بمعنى لايخافون. و قال قوم: لايُعرَف في كلام العرب: الرّجاء بمعنى الخوف، إلا إذا كان في الكلام جَحْد سابق، كما قال: { مَالَكُمْ لاتَرْجُون للهِ وَ قَارً ا } نوح : 13، بمعنى لاتخافون لله عظيمة.

و لايجوز أن تقول: رجَوْتك بمعنى خفتك. و إنّما

استُعمل الرّجاء بمعنى الخوف، لأنّ الرّجاء أمَل قد يخاف ألا يتمّ، و هي لغة حجازيّة. قال الكِسائيّ: لم أسمعها إلا بتهامة، و يذهبون معناها إلى قولهم: ما أُبالي و ما أحفل. [و استشهد بالشّ-عر3 مرّ ات] (3 : 314)

ابن عَطيّة: ثمّ تأكّد التّشجيع بقوله تعالى:{ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَيَرْجُونَ }. و هذا برهان بيّن. ينبغي بحسبه أن تقوِّي نفوس المؤمنين، و باقي الآية بيّن. (2 : 108)

الفَخْرالرّ ازيّ: و المعنى: أنّ حصول الألم قدر مشترك بينكم و بينهم، فلمّا لم يصر خوف الألم مانعًا لهم عنقتالكم، فكيف صار مانعًا لكم عن قتالهم؟ ثمّ زاد في تقرير الحجّة، و بيّن أنّ المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين، لأنّ المؤمنين مُقرّون بالثّواب و العقاب و الحشر و النّشر، والمشركين لايُقرّون بذلك. فإذا كانوا مع إنكارهم الحشر و النّشر يجدّون في القتال، فأنتم أيّها المؤمنون المقرّون بأنّ لكم في هذا الجهاد ثوا بًا عظيمًا، و عليكم في تركه عقابًا عظيمًا، أولى بأن تكونوا مُجدّين في هذا الجهاد، و هو المراد من قوله تعالى: { وَ تَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَيَرْجُونَ }.

و يحتمل أيضًا أن يكون المراد من هذا الرّجاء: ما وعدهم الله تعالى في قوله: { لِيُظْهِرَه ُعَلَى الدّينِ‘ كُلِّهِ } التّوبة : 33، الفتح : 28، الصّفّ : 9، و في قوله: { يَاءَ يُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المْ-ُؤْمِنينَ‘} الأنفال : 64.

و فيه وجه ثالث: و هو أ نّكم تعبدون الإله العالم القادر السّميع البصير، فيصحّ منكم أن ترجوا ثوابه. و أمّا المشركون فإنهّم يعبدون الأصنام و هي جمادات، فلايصحّ منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثوابًا، أو يخافوا منها عقابًا. (11 : 31)

القُرطُبيّ: قوله تعالى: { اِنْ تَكُونُوا تَاْ لَمُونَ } أي تتألّمون ممّا أصابكم من الجراح، فهم يتألّمون أيضًا ممّا يُصيبهم، و لكم مزيّة، و هي أ نّكم ترجون ثواب الله و هم لايرجونه؛ و ذلك أنّ من لايؤمن بالله، لايرجون منالله شيئًا. و نظير هذه الآية: { اِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } آل عمران : 140، و قد تقدّم. (5 : 374)

أبوالسُّعود: تعليل للنّهي، و تشجيع لهم، أي ليس ما تقاسونه من الآلام مختصًّا بكم بل هو مشترك بينكم و بينهم، ثمّ إنّهم يصبرون على ذلك، فما لكم لاتصبرون مع أنّكم أولى به منهم؛ حيث ترجون من الله من إظهار دينكم على سائر الأديان، و من الثّواب في الآخرة مالايخطر ببالهم. (2 : 193)

نحوه البُرُوسَوي. (2 : 277)

الآلوسيّ: [نحو أبي السُّعود و أضاف:]

و جُوّز أن يُحمَل الرّجاء على الخوف، فالمعنى: أنّ الألم لاينبغي أن يمنعكم، لأنّ لكم خوفًا من الله تعالى، ينبغي أن يُحتَرز عنه فوق الاحتراز عن الألم، و ليس لهم خوف يُلجئهم إلى الألم، و هم يختارونه لإعلاء دينهم الباطل، فمالكم و الوهن! و لايخلوا عن بُعْد، و أبعد منه ما قيل: إنّ المعنى إنّ الأ لم قدر مشترك، و أ نّكم تعبدون الإله العالم القادر السّميع البصير الّذي

يصحّ أن يُرْجى منه، و أ نّهم يعبدون الأصنام الّتي لاخيرهنّ يُرْجى، و لاشَرّهنّ يُخشى. (5 : 138)

ابن عاشور: و قوله: { مِنَ اللهِ } متعلّقب- { تَرْجُونَ }. و حذف العائد المجرور ب- ( مِنْ ) من جملة { مَا لايَرْجُونَ }، لدلالة حرف الجرّ - الّذي جُرّ به اسم الموصول - عليه. و لك أن تجعل مَا صْدق((1)){ مَا لايَرْجُونَ } هو النّصر، فيكون وعدً ا للمسلمين، بأنّ الله ناصرهم،و بشارةً بأنّ المشركين لايرجون لأنفسهم نصرً ا، وأ نّهم آيسون منه بما قذف الله في قلوبهم من الرُّعب، و هذا ممّا يفتّ في ساعدهم. و على هذا الوجه يكون قوله: { مِنَ اللهِ } اعتراضًا، أو حالا مقدّمة على المجرور بالحرف، و المعنى على هذا كقوله: { ذ "لِكَ بِاَنَّ اللهَ مَوْ لَى الَّذينَ‘ ا "مَنُوا وَ اَنَّ الْكَافِرينَ‘ لامَوْ لى" لَ-هُمْ } محمّد : 11. (4 : 245)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { وَ تَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَالايَرْجُونَ } حال من ضمير الجمع الغائب، و المعنى: أنّ حال الفريقين في أنّ كلا منهما يألم، واحد، فلستم أسْوَء حالا من أعدائكم، بل أنتم أرفه منهم و أسعد؛ حيث إنّ لكم رجاء الفتح و الظّفر و المغفرة من ربّكم الّذي هو وليّكم، و أمّا أعداؤكم فلامولى لهم، و لارجاء لهم من جانب يُطيِّب نفوسهم، و ينشطهم في عملهم و يسوقهم إلى مبتغاهم. (5 : 63)

مكارم الشّيرازيّ: تأتي الآية باستدلال حيّ و واضح للحكم الّذي جاءت به، فتسأل المسلمين لماذا الوهن؟ فأنتم حين يصيبكم ضرر في ساحة الجهاد، فإنّ عدوّكم سيصيبه هو الآخر سهم من هذا الضّرر، مع فارق هو أنّ المسلمين يأملون أن يعينهم الله و يشملهم برحمته الواسعة، بينما الكافرون لايرجون و لايتوقّعون ذلك؛ حيث تقول الآية: { اِنْ تَكُونُوا تَاْلمَ-ُونَ فَاِنَّهُمْ يَاْلمَ-ُونَ كَمَا تَاْلمَ-ُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لايَرْجُونَ }. (3 : 380)

فضل الله: من النّصر و المعونة و التّأييدوالرّضوان و الجنّة، فأنتم تتحرّ كون من موقع الثّقة بالله و الأمل الكبير به، بخلافهم، فإنّهم لايتمسّكون بشيء من ذلك. (7 : 437)

3 - اِنَّ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَ رَضُوا بِالْحَيو"ةِ الدُّنْيَا وَ اطْمَاَ نُّوا بِهَا وَ الَّذينَ‘ هُمْ عَنْ ا"يَاتِنَ-ا غَافِلُونَ. يونس : 7

ثَعْلَب:لايخافون. (الهَرَويّ 3 : 723)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: إنّ الّذين لايخافون لقاءنا يوم القيامة، فهم لذلك مكذّبون بالثّواب و العقاب، متنافسون في زين الدّنيا و زخارفها. (6 : 533)

نِفْطَوَيه: كلّ راج فهو مؤمِّل ما يرجوه، و خائف فوته، فللرّ اجي هاتان الخَلّتان. فإذا انفرد بالخوف أتبعته العرب حرف النّفي، و دلّت ب- < لا > على الخوف. (الهَرَويّ 3 : 723)

الماوَرْديّ: فيه تأويلان:

أحدهما: لايخافون عقابنا.


1) (1) كذا !!!

الثّاني: لايطمعون في ثوابنا. (2 : 423)

مثله الطُّوسيّ. (5 : 393)

المَيْبُديّ: إن الّذين لايصدّقون بالبعث بعد الموت. و قيل: معناه: لايخافون عقابنا و لايرجون ثوابنا. (4 : 252)

الزّمَخْشَريّ: لايتوقّعونه أصلا ، و لايخطرونه ببالهم، لغفلتهم المستولية عليهم، المُذهلة باللّذّات و حُبّ العاجل، عن التّفطّن للحقائق. أو لايأملون حسن لقائنا كما يأمله السّعداء، أو لايخافون سوء لقائنا الّذي يجب أن يخاف. (2 : 226)

ابن عَطيّة: قالأبوعُبَيْدَة و تابعه القُتَبيّ و غيره: { يَرْجُونَ } في هذه الآية بمعنى يخافون، و احتجّوا ببيت أبي ذُؤيب:

إذا لسَعَته النّحل لم يَرْجُ لسعها.

و حالفها في بيت نوب عواسل

و حكى المهدويّ عن بعض أهل اللُّغة، و قال ابن سيده و الفَرّ اء: إنّ لفظة الرّجاء إذا جاءت منفيّة، فإنّها تكون بمعنى الخوف، و حكي عن بعضهم: أ نّها تكون بمعناها في كلّ موضع، تدلّ عليه قرائن ما قبله و ما بعده؛ فعلى هذا التّأويل معنى الآية: إنّ الّذين لايخافون لقاءنا.

و قال ابن زَيْد: هذه الآية في الكفّار. و قال بعض أهل العلم: الرّجاء في هذه الآية على بابه، و ذلك أنّ الكافر المكذّب بالبعث ليس يرجو رحمة في الآخرة، و لايحسن ظنًّا بأ نّه يلقى الله، و لاله في الآخرة أمل، فإنّه لو كان له فيها أمل لقارنه لامحالة خوف، و هذه الحال من الخوف المقارن هي القائدة إلى النّجاة.

و الّذي أقول: إنّ الرّجاء في كلّ موضع على بابه، وإنّ بيت الهُذَليّ معناه: < لم يَرْجُ فقد لسعها > فهو يبني عليه و يصبرإذ يعلم أ نّه لابدّ منه. (3 : 106)

الفَخْرالرّ ازيّ: في تفسير هذا الرّجاء قولان:

القول الأوّ ل: و هو قول ابن عبّاس و مُقاتِل و الكَلْبيّ: معناه: لايخافون البعث، و المعنى: أ نّهم لايخافون ذلك، لأ نّهم لايؤمنون بها. و الدّليل على تفسير الرّجاء هاهنابالخوف، قوله تعالى: { اِنَّمَا اَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشيهَا } النّازعات : 45، و قوله: { وَ هُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ } الأنبياء : 49، و تفسير الرّجاء بالخوف جائز، كما قال تعالى: { مَا لَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا} نوح : 13. [ثمّ استشهد بشعر الهُذَليّ]

و القول الثّاني: تفسير الرّجاء بالطّمع، فقوله: { لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا } أي لايطمعون في ثوابنا، فيكون هذا الرّجاء هو الّذي ضدّه اليأس، كما قال: { قَدْ يَئِسُوا مِنَ الا_"خِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ } الممتحنة : 13.

و اعلم أنّ حمل الرّجاء على الخوف بعيد، لأنّ تفسير الضّدّ بالضّدّ غير جائز، و لامانع هاهنا من حمل الرّجاء على ظاهره ألبتّة، و الدّليل عليه: أنّ لقاء الله إمّا أن يكون المراد منه تجلّي جلال الله تعالى للعبد و إشراق نور كبريائه في روحه، و إمّا أن يكون المراد منه الوصول إلى ثواب الله تعالى و إلى رحمته.

فإن كان الأوّ ل فهو أعظم الدّرجات و أشرف السّعادات و أكمل الخيرات، فالعاقل كيف لايرجوه، و كيف لايتمنّاه؟ و إن كان الثّاني فكذلك، لأنّ كلّ

أحد يرجو من الله تعالى أن يوصله إلى ثوابه و مقامات رحمته، و إذا كان كذلك، فكلّ من آمن بالله فهو يرجو ثوابه، و كلّ من لم يؤمن بالله و لابالمعاد فقد أبطل على نفسه هذا الرّجاء، فلاجرم حسُن جعل عدم هذا الرّجاء كناية عن عدم الإيمان بالله و اليوم الآخر. (17 : 38)

القُرطُبيّ:{ يَرْجُونَ } يخافون. [ثمّ استشهد بشعر]

و قيل: { يَرْجُونَ } يطمعون. فالرّجاء يكون بمعنى الخوف و الطّمع، أي لايخافون عقابًا، و لايرجون ثوا بًا. (8 : 311)

الآلوسيّ: و الرّجاء: يُطلق على توقّع الخير كالأمل، و على الخوف و توقّع الشّرّ، و على مطلق التّوقّع. و هو في الأوّ ل حقيقة، و في الأخيرين مجاز.و اختار بعض المحقّقين المعنى المجازيّ الأخير المنتظم للأمل و الخوف، فالمعنى: لايتوقّعون الرّجوع إلينا، أو لقاء حسابنا المؤدّي إلى حسن الثّواب أو إلى سوء العقاب، فلايأملون الأوّ ل و لايخافون الثّاني، و يشير إلى عدم أملهم، قوله سبحانه: { وَ رَضُوا بِالْحَيوةِ الدُّ نْ-يَا } . (11 : 72)

ابن عاشور: و الرّجاء: ظنّ وقوع الشّيء من غير تقييد كون المظنون محبوبًا، و إن كان ذلك كثيرً ا في كلامهم، لكنّه ليس بمتعيّن، فمعنى{ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا }: لايظنّونه و لايتوقّعونه. (11 : 23)

عبد الكريم الخطيب: هو وعيد لأُولئك الّذين لايتدبّرون في ملكوت الله، و لايتفكّرون في خلق السّماوات و الأرض، فلقد أهملوا استعمال ملكاتهم الّتي أودعها الله سبحانه و تعالى فيهم، و شغلوا بأنفسهم، و ألهتهم الحياة الدّنيا عن أن يرفعوا أبصارهم إلى أبعد ممّا تصل إليه أيديهم، من مطلوب شهواتهم البهيميّة، و لذّاتهم الجسديّة. فغفلوا عن آيات الله، و عموا عن النّظر إلىملكوت الله، و رضوا بالحياة الدّنيا و اطمأنّوا بها، و إنّه ليس لهؤلاء اللا هين الغافلين إلا النّار، لأ نّهم لم يكسبوا في حياتهم الدّنيا إلا ما هو من النّار و إلى النّار. (6 : 963)

لاحظ: ل ق ي: < لِقَاءَنَا >.

4 - اُولئِ-كَ ’الّذينَ ‘يَدْعُ-ونَ يَبْ-تَغُونَ اِلى" رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ‘ اَ يُّهُمْ اَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَ-تَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ اِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورً ا. الإسراء : 57

الطّبَريّ: { وَ يَرْجُونَ } بأفعالهم تلك { رَحْمَتَهُ } و يخافون بخلافهم أمره. (8 : 95)

نحوه الطُّوسيّ. (6 : 491)

الماوَرْديّ: يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون هذا الرّجاء و الخوف في الدّنيا.

الثّاني: أن يكونا في الآخرة.

فإن قيل: إنّه في الدّنيا، احتمل وجهين:

أحدهما: أنّ رجاء الرّحمة التّوفيق و الهداية، و خوف العذاب شدّة البلاء. و إن قيل: إنّ ذلك في الآخرة، احتمل وجهين:

أحدهما: أنّ رجاء الرّحمة دوام النّعم، وخوف عذاب النّار.

الثّاني: أنّ رجاء الرّحمة العفو، و خوف العذاب

مناقشة الحساب.

و يحتمل هذا الرّجاء و الخوف وجهين:

أحدهما: أن يكون لأنفسهم إذا قيل: إنّ أصل الدّعاء كان لهم.

الثّاني: لطاعة الله تعالى إذا قيل: إنّ الدّعاء كان لغيرهم. و لايمتنع أن يكون على عمومه في أنفسهم و فيمن دعوه.

قال سهل بن عبد الله: الرّجاء و الخوف ميزانان على الإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، و إن رُجّح أحدهما بطل الآخر. قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): « لو وُزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا ». (3 : 251)

القُشَيْريّ: هم يطلبون الوسيلة إلى الله، أي يتقرّبون إلى الله بطاعتهم رجاء إحسان الله، و طمعًا في رحمته، ويخافون العذاب من الله، فكيف يرفعون عنكم البلاء و هم يرجون الله و يخافونه في أحوال أنفسهم؟

و يقال في المثَل: تعلّق الخَلْق بالخَلْق تعلّق مسجون بمسجون.

و يقال: إذا انضمّ الفقير إلى الفقير ازداد فاقة.

و يقال: إذا قاد الضّرير ضريرً ا سقطا معًا في البئر. (4 : 26)

المَيْبُديّ: أي معبودوكم طالبوا الزُّلفة إلى الله،و رجوا رحمته و خائفو عذابه. يقول: إنّ الّذين يزعمونهم المعبود، يتقرّبون إلى الله و يرجون رحمته، و يخافون عذابه، وطلب الرّحمة و الخوف لايليق بالله. (5 : 573)

الزّمَخْشَريّ: و يرجون و يخافون كما غيرهم من عباد الله، فكيف يزعمون أ نّهم آلهة؟! (2 : 454)

الطَّبْرِسيّ: أي: و هم مع ذلك يستغفرون لأنفسهم، فيرجون رحمته إن أطاعوا، و يخافون عذابه إن عصوا، و يعملون عمل العبيد. (3 : 422)

الفَخْرالرّ ازيّ: { وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ } و إذا كان كذلك، كانوا موصوفين بالعجز والحاجة، و الله تعالى أغنىالأغنياء، فكان الاشتغال بعبادته أولى.

فإن قالوا: لانُسلّم أنّ الملائكة محتاجون إلى رحمة الله و خائفون من عذابه.

فنقول: هؤلاء الملائكة إمّا أن يقال: إنّها واجبة الوجود لذواتها، أو يقال: ممكنة الوجود لذواتها. و الأوّ ل باطل، لأنّ جميع الكفّار كانوامعترفين بأنّ الملائكة عباد الله و محتاجون إليه. و أمّا الثّاني فهو يوجب القول بكون الملائكة محتاجين في ذواتها و في كمالاتها إلى الله تعالى، فكان الاشتغال بعبادة الله أولى من الاشتغال بعبادة الملائكة. (20 : 232)

الآلوسيّ:{ وَ يَرْجُونَ } عطف على {يَبْتَغُونَ }، أي يبتغون القربة بالعبادة، و يتوقّعون { رَحْمَتَهُ }. [إلى أن قال:]

و تقديم الرّجاء على الخوف، لما أنّ متعلّقه أسبق من متعلّقه، ففي الحديث القدسيّ: < سبقت رحمتي غضبي >. و في اتّحاد أُسلوبَي الجملتين إيماء إلى تساوي رجاء أُولئك الطّالبين للوسيلة إليه تعالى بالطّاعة والعبادة و خوفهم. و قد ذكر العلماء أ نّه ينبغي للمؤمن ذلك ما لم يحضره الموت، فإذا حضره

الموت ينبغي أن يغلب رجاءه على خوفه.

و في الآية دليل على أنّ رجاء الرّحمة و خوف العذاب ممّا لايحلّ بكمال العابد. وشاع عن بعض العابدين أ نّه قال: لست أعبد الله تعالى رجاء جنّته و لاخوفًا من ناره، و النّاس بين قادح لمن يقول ذلك، و مادح.

و الحقّ التّفصيل، و هو أنّ من قاله إظهارً اللاستغناء عن فضل الله تعالى و رحمته، فهو مُخطئ كافر، و من قاله لاعتقاد أنّ الله عزّ و جلّ أهل للعبادة لذاته حتّى لو لم يكن هناك جنّة و لانار، لكان أهلا لأن يُعبَد، فهو متحقّق عارف، كما لايخفى. (15 : 100)

فضل الله:{ وَ يَرْجُونَ رَحْمَ-تَهُ} في لهفة المترقّب الّذي ينتظر هطول الرّحمة عليه بالمغفرة و الرّضوان، { وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ } في شعور الإنسان المذنب الّذي يعرف أ نّه مستحقّ للعذاب، و لذا فإنّه يخاف عذاب الله، و يحذر من وقوعه. (14 : 154)

لاحظ: و س ل: < الوسيلة >.

5 - وَ الْقَوَ اعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللا تى لايَرْجُونَ نِكَاحًا... النّور : 60

الطّبَريّ: يقول: اللا تي قد يئسن من البُعُولة، فلايطمعن في الأزواج. (9 : 348)

الماوَرْديّ: أي إنّهنّ لأجل الكبر لايُرِدْن الرّجال و لايُريدهنّ الرّجال. (4 : 121)

الطُّوسيّ: اللا تي لايطمعن في النّكاح، أي لايطمع في جماعهنّ لكبرهنّ. (7 : 461

نحوه الطَّبْرِسيّ. (4 : 155)

المَيْبُديّ: أي لايطمعن في أن تتزوّجن لكبرهنّ. (6 : 565)

نحوه الزّمَخْشَريّ (3 : 76)، و أبوالسُّعود (4 : 484)، و البُرُوسَويّ (6 : 178)، و الآلوسيّ (18 : 216).

ابن عاشور: { اللا تى لايَرْجُونَ نِكَاحًا } وصف كاشف ل- { الْقَوَ اعِدُ } و ليس قيدً ا. (18 : 238)

الطَّباطَبائيّ: فقوله: { اللا تى لايَرْجُونَ نِكَاحًا } وصف توضيحيّ. و قيل: هي الّتي يئست من الحيض، و الوصف احترازيّ. (15 : 164)

عبد الكريم الخطيب: اللا تي لاإرْ بَة لهنّ فيالرّجال، و لا أرب للرّجال فيهنّ، هنّ أشبه بالأطفال الّذين لم يبلغوا الحُلم. (9 : 1323)

المُصْطَفَويّ: { الْقَوَ اعِدُ }: اللا تي يقعدن عن القيام بوظائف الزّواج، و لااقتضاء في وجودهنّ لهذا المعنى، و يعبّر عنه بالفارسيّة بكلمة < بازنشست > ((1))و النّكاح: هو الاختلاط و الازدواج، و يعبّر عنه بالفارسيّة بكلمة < زناشويى >، أي لايطمعن في الزّواج و لايتوقّعن النّكاح و الاختلاط من أنفسهنّ، و ماتت شهوة المزاوجة فيهنّ، فإنّهنّ ليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنّ الّتي كانت للحجاب من الخمارو الجلباب، بشرط أن لايتبرّجن بزينة. (4 : 80)

مكارم الشّيرازيّ: و في آخر الآيات - موضع البحث - استثناء لحكم الحجاب؛ حيث استثنت النّساء


1) (1) يعني متقاعد.

العجائز و المسنّات من هذا الحكم، فقال: { وَ الْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللا تى لاَيَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ اَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزينَة‘ }.

ولهذا الاستثناء شرطان:

أوّلهما: وصول هذه العجائز إلى عمر لايتوقّع أن يتزوّجن فيه، أو بعبارة أُخرى: أن يفقدن كلّ جاذبيّة أُنثويّة.

و ثانيهما: ألا يتزيّن بزينة بعد رفع حجابهنّ، و يتّضح بذلك أ نّه لاضير في رفع الحجاب بعد إجراء هذين الشّرطين. و لهذا استثناهنّ الإسلام من حكم الحجاب. (11 : 139)

فضل الله: لأ نّهن بلغن سنًّا كبيرً ا لايرغب أحد معه في الزّواج منهنّ. و قيل: هنّ اللا ئي يئسن منالحيض. (16 : 360)

6 - اِنَّ الَّذينَ‘ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَ اَقَامُوا الصَّلو"ةَ وَ اَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّ ا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ. فاطر : 29

راجع: ت ج ر: < تِجَارَةً >.

7 - قُلْ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذينَ‘ لايَرْجُونَ اَ يَّامَ اللهِ... الجاثية : 14

مُجاهِد: لايُبالون نِعم الله أو نِقم الله. (الطّبَريّ 11 : 256)

الكَلْبيّ: لايخشون عذاب الله. (الماوَرْديّ 5 : 262)

نحوه مُقاتِل. (3 : 837)

أبومسلم الأصفهانيّ: لايطمعون في نصر الله في الدّنيا و لافي الآخرة. (الماوَرْديّ 5 : 262)

الطُّوسيّ: أي لايخافون عذاب الله إذا أنالوكم الأذى و المكروه، و لايرجون ثوابه بالكفّ عنكم. و قيل: معناه: لايرجون ثواب الله للمؤمنين، إنّ الله يُعرّفهم عقاب سيّآتهم بما عملوا من ذلك و غيره. (9 : 252)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (5 : 75)

المَيْبُديّ: أي لايخافون سطواته، و قيل: لايخافون مثل عقوبات الأ يّام الخالية. و العرب تُعبّر عن الوقائع بالأيّام كيوم أُحُد و يوم حُنين. و قيل: معناه: لايطمعون فى أيّام الله نصرة لأولياء الله. و قيل:لايطمعون في أيّام الله الّتي وعدها الله المؤمنين في الجنّة. (9 : 124)

الزّمَخْشَريّ: لايتوقّعون وقائع الله بأعدائه، من قولهم لوقائع العرب: أيّام العرب. و قيل: لايأملون الأوقات الّتي وقّتها الله لثواب المؤمنين، و وعدهم الفوز فيها. (3 : 510)

ابن عَطيّة: و قوله:{ اَ يَّامَ اللهِ } قالت فرقة: معناه: أيّام إنعامه و نصره و تنعيمه في الجنّة و غير ذلك، ف- { يَرْجُونَ } على هذا هو من بابه.

و قال مُجاهِد: أيّام الله تعالى هي أيّام نقمه و عذابه، ف- { يَرْجُونَ } على هذا هي الّتي تتنزّ ل منزلة < يخافون > و إنمّا تنزّلت منزلتها من حيث الرّجاء و الخوف متلازمان، لاتجد أحدهما إلا والآخر معه مقترن. و قد تقدّم شرح هذا غير مرّة. (5 : 83)

الآلوسيّ:أي يعفوا و يصفحوا عن الّذين لايتوقّعون و قائعه تعالى بأعدائه و نقمته فيهم، فالرّجاء مجاز عن التّوقّع، و كذا الأ يّام مجاز عن الوقائع، من قولهم: أيّام العرب لوقائعها، و هو مجاز مشهور. و روي ذلك عن مُجاهِد. أو لايأملون الأوقات الّتي وقّتها الله تعالى لثواب المؤمنين و وعدهم الفوز فيها. (25 : 146)

ابن عاشور: الرّجاء: ترقّب و تطلّب الأمر المحبوب، و هذا أشهر إطلاقاته، و هو الظّاهر في هذه الآية. (25 : 359)

لاحظ: ي و م: < اَ يَّا مَ اللهِ >.

8 - اِنَّهُمْ كَانُوا لايَرْجُونَ حِسَابًا. النّبأ : 27

ابن عبّاس: لايرجون ثوا بًا و لايخافون عقابًا. (الماوَرْديّ 6 : 187)

مُجاهِد: لايبالون فيُصدّقون بالغيب. (الطّبَريّ 12 : 409)

الحسَن: أي لايرجون المجازاة على الأعمال، و لايتوقّعونه. (الطُّوسيّ 10 : 245)

مثله قَتادَة. (الطُّوسيّ 10 : 245)

كانوا لايؤمنون بالبعث، و لابأ نّهم محاسَبون.(الطَّبْرِسيّ 5 : 424)

قَتادَة: لايخافون حسا بًا. (الطّبَريّ 12 : 409

ابن زَيْد:لايؤمنون بالبعث و لابالحساب، و كيف يرجو الحساب من لايوقن أ نّه يحيا، و لايوقن بالبعث. (الطّبَريّ 12 : 409)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: إنّ هؤلاء الكفّار كانوا في الدّنيا لايخافون محاسبة الله إيّاهم في الآخرة على نعمه عليهم، و إحسانه إليهم، و سوء شكرهم له على ذلك. (12 : 408)

الزّجّاج:أي لايؤمنون بالبعث و لابأ نّهم يحاسَبون، و يرجون ثواب حساب. (5 : 274)

أبومسلم الأصفهانيّ: لايرجون المجازاة على الأعمال، و لايظنّون أنّ لهم حسابًا. (الطَّبْرِسيّ 5 : 424)

الماوَرْديّ: فيه وجهان:

أحدهما: [قول ابن عبّاس]

الثّاني: لايخافون وعيد الله بحسابهم و مجازاتهم،و هذا معنى قول قَتادَة. (6 : 187)

الطُّوسيّ: قيل: معناه: إنّهم كانوا لايرجون حسن الجزاء في الحساب لتكذيبهم، فالرّجاء: التّوقّع لوقوع أمر يخاف ألا يكون، فهؤلاء كان يجب عليهم أن يتوقّعوا الحساب على يقين أ نّه يكون، فلم يفعلوا الواجب في هذا، و لاقاربوه لاعتقادهم أ نّه لايكون، فاللّوم أعظم لهم و التّقريع لهم أشدّ.

و قيل: معنى { لايَرْجُونَ }:لايخافون. (10 : 245)

القُشَيْريّ: لايؤمنون فيرجون الثّواب و يخافون العقاب . (6 : 246)

المَيْبُديّ: أي لايخافون محاسبة الله إيّاهم. (10 : 356)

ابن عَطيّة: و { يَرْجُونَ } قال أبوعُبَيْدَة و غيره:معناه: يخافون. و قال غيره: الرّجاء هنا: على بابه، و لارجاء إلا و هو مقترن بخوف، و لاخوف إلا و هو

مقترن برجاء، فذكر أحد القسمين، لأنّ المقصد العبارة عن تكذيبهم، كأ نّه قال: إنّهم كانوا لايُصدّ قون بالحساب، فلذلك لايرجونه و لايخافونه. (5 : 427)

الطَّبْرِسيّ: أي فعلنا ذلك بهؤلاء الكفّار، لأ نّهم كانوا لايخافون أن يحاسَبوا. (10 : 424)

الفَخْرالرّ ازيّ: و فيه سؤالان:

الأوّ ل: و هو أنّ الحساب شيء شاقّ على الإنسان، و الشّيء الشّاقّ لايقال فيه: إنّه يُرجى، بل يجب أن يقال: إنّهم كانوا لايخشون حسا بًا.

و الجواب من وُجُوه:

أحدها: قال مُقاتِل و كثير من المفسّرين: قوله: { لايَرْجُونَ } معناه: لايخافون، و نظيره قولهم في تفسير قوله تعالى: { مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا } نوح: 13.

و ثانيها: أنّ المؤمن لابدّ و أن يرجو رحمة الله، لأ نّه قاطع بأنّ ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر، فقوله: { اِنَّهُمْ كَانُوا لايَرْجُونَ حِسَابًا } إشارة إلى أ نّهم ما كانوا مؤمنين.

و ثالثها: أنّ الرّجاء هاهنا بمعنى التّوقّع، لأنّ الرّاجي للشّيء متوقّع له، إلا أنّ أشرف أقسام التّوقّع هو الرّجاء، فسمّي الجنس باسم أشرف أنواعه.

و رابعها: أنّ في هذه الآية تنبيهًا على أنّ الحساب مع الله جانب الرّجاء فيه أغلب من جانب الخوف؛ و ذلك لأنّ للعبد حقًّا على الله تعالى بحكم الوعد فيجانب الثّواب، و لله تعالى حقّ على العبد في جانب العقاب، و الكريم قد يسقط حقّ نفسه، و لايسقط ما كان حقًّا لغيره عليه، فلاجرم كان جانب الرّجاء أقوى في الحساب، فلهذا السّبب ذكر الرّجاء، و لم يذكر الخوف.

السّؤال الثّاني: أنّ الكفّار كانوا قد أتوا بأنواع من القبائح و الكبائر، فما السّبب في أن خصّ الله تعالى هذا النّوع من الكفر بالذّكر في أوّ ل الأمر؟

الجواب: لأنّ رغبة الإنسان في فعل الخيرات، و في ترك المحظورات، إنمّا تكون بسبب أن ينتفع به في الآخرة، فمن أنكر الآخرة، لم يقدم على شيء من المستحسنات، و لم يحجم عن شيء من المنكرات، فقوله: { اِنَّهُمْ كَانُوا لايَرْجُونَ حِسَابًا } تنبيه على أ نّهم فعلوا كلّ شرّ و تركوا كلّ خير. (31 : 16)

أبوحَيّان: لايخافون أو لايؤمنون. و الرّجاء و الأمل مقترنان، و المعنى هنا: لايُصدّقون بالحساب، فهم لايؤمنون و لايخافون. (8 : 414)

الشِّربينيّ: بيان لما وافقه هذا الجزاء، أي لايخافون أن يحاسَبوا. و المعنى: أ نّهم كانوا لايؤمنون بالبعث و لا أنّهم يُحاسَبون. (4 : 472)

أبوالسُّعود: تعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور، أي كانوا لايخافون أن يحاسَبوا بأعمالهم. (6 : 360)

البُرُوسَويّ: تعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور، و بيان لفساد قوّتهم العمليّة، أى كانوا ينكرون الآخرة، ولايخافون أن يحاسَبوا بأعمالهم،فلذا كانوا يُقد مون على جميع المنكرات، و لايرغبون في شيء من الطّاعات.

و فُسّر الرّجاء بالخوف، لأنّ الحساب من أصعَب

الأُمور على الإنسان، و الشّيء الصّعب لايقال فيه: إنّه يُرجى، بل يقال: إنّه يُخاف و يُخشى. (10 : 306)

الآلوسي: تعليل لاستحقاق العذاب المذكور، أي كانوا لايخافون أن يحاسَبوا بأعمالهم. (30 : 16)

ابن عاشور: و قوله: { لايَرْجُونَ حِسَابًا } نفي لرجائهم وقوع الجزاء. و الرّجاء اشتهر في ترقّب الأمر المحبوب، و الحساب ليس خيرً ا لهم حتّى يُجعَل نفي ترقّبه من قبيل نفي الرّجاء، فكان الظّاهر أن يعبّر عن ترقّبه بمادّة التّوقّع الّذي هو ترقّب الأمر المكروه. فيظهر أنّ وجه العدول عن التّعبير بمادّة التّوقّع إلى التّعبير بمادّة الرّجاء، أنّ الله لم-ّا أخبر عن جزاء الطّاغين و عذابهم تلقّى المسلمون ذلك بالمسرّة، و علموا أ نّهم ناجون ممّا سيلقاه الطّاغون، فكانوا مترقّبين يوم الحساب ترقّب رجاء، فنفي رجاء يوم الحساب عن المشركين جامعٌ بصريحه معنى عدم إيمانهم بوقوعه، و بكنايته رجاء المؤمنين وقوعه بطريقة الكناية التّعريضيّة تعريضًا بالمسلمين، و هي أيضًا تلويحيّة لما في لازم مدلول الكلام من الخفاء.

و من المفسّرين من فسّر: { يَرْجُونَ } بمعنى يخافون، و هو تفسير بحاصل المعنى، و ليس تفسيرً ا للّفظ (30 : 35)

الطَّباطَبائيّ: تعليل يُوضّح موافقة جزائهملعملهم؛ و ذلك أ نّهم لم يرجوا الحساب يوم الفصل، فأيسوا من الحياة الآخرة. (20 : 168)

عبد الكريم الخطيب: هو بيان للسّبب الّذي من أجله صاروا إلى هذا المصير الكئيب المشؤوم، إنّهم كانوا لايتوقّعون حسابًا، و لايؤمنون به، بل كذّبوا بآيات الله الّتي تُحدّ ثهم عن البعث و الجزاء و الحساب، فلم يعملوا لهذا اليوم حسا بًا. (16 : 1421)

مكارم الشّيرازيّ: و يُذكّر القرآن سبب الجزاء، فيقول: { اِنّهُمْ كَانُوا لايَرْجُونَ حِسَابًا }.

و بعبارة أُخرى: إنّ عدم الإيمان بالحساب سبب للطّغيان، فيكون الطّغيان سببًالذلك الجزاء الأليم.

وبما أنّ { لايَرْجُونَ } من الرّجاء و يأتي بمعنى الأمل، و كذلك بمعنى عدم الخوف. و من الطّبيعيّ أن يشعر الإنسان بالخوف في حال الأمل و الانتظار، و إلا لم يخف، فبين الأمرين تلازم، و لهذا فالّذين ليس لديهم أمل و رجاء لايحسّون بخوف أيضًا.

( اِنَّ ) في{ اِنَّهُمْ} للتّأكيد، و { كَانُوا } للماضي المستمرّ. و { حِسَابًا } نكرة جاءت بعد نفي، لتُعطي معنى العموم.

و كلّ هذا البيان جاء ليُبيّن أ نّهم ما كانوا ينتظرون حسابًا مطلقًا، و ما كانوا يشعرون بالخوف من ذلك. و بعبارة أُخرى: إنّهم تناسوا حساب يوم القيامة بالكلّيّة، و لم يفرزوا له مكا نًا في كلّ حياتهم، و لاجرم أنّ عاقبة أمرهم سيؤول إلى العذاب الأليم، لما اقترفوه من جرائم عظمى، و كبائر الذّنوب.(19 : 305)

فضل الله: لأ نّهم كانوا لايؤمنون بالآخرة،و لذلك فلم يجدوا ضرورة للتّدقيق في حساباتهم لتتوافق مع حساباتها، فكانوا يخبطون في حياتهم خبط عشواء، فلايميّزون بين الحقّ و الباطل، و لايفصلون بين

الخير و الشّرّ و الحسن و القبيح. (24 : 20)

تَرْجُوا

وَ مَا كُنْتَ تَرْجُوا اَنْ يُلْقى اِلَيْكَ الْكِتَابُ اِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ... القصص : 86

راجع: ل ق ي: < يُلْقى >.

تَرْجُونَ

1 - و َتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لايَرْجُونَ وَ كَانَ اللهُ عَليمًا‘ حَكيمًا‘. النّساء : 104

مضى في: < يَرْجُونَ >.

2 - مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ وَ قَارً ا. نوح : 13

ابن عبّاس: ما لكم لاتُعظّمون الله حقّ عظمته.

ما لكم لاتعلمون لله عظمة. (الطّبَريّ 12 : 250)

لا تخشون لله عقا بًا، و ترجون منه ثوا بًا. (الماوَرْديّ 6 : 101)

معناه: ما لكم لاتخافون لله عذا بًا، و لاترجون منه ثوا بًا. (الطَّبْرِسيّ 5 : 361)

أبوالعالية: ما لكم لاترجون لله ثوا بًا،و لاتخافون له عقا بًا.

مثله سعيد بن جُبَيْرو عطاء. (القُرطُبيّ 18 : 303)

مُجاهِد: لاترون لله عظمة.

لاتُبالون لله عظمة. (الطّبَريّ 12 : 250)

مثله الضّحّاك. (القُرطُبيّ 18 : 303)

و الرّجاء: الطّمع و المخافة. (الطّبَريّ 12 : 250)

ما لكم لاتعرفون لله عظمة.

مثله عِكْرِمَة. (الماوَرْديّ 6 : 101)

الحسَن: لاتعرفون لله حقّه و لاتشكرون له نعمه. (الماوَرْديّ 6 : 101)

ابن زَيْد: لاتؤدّون لله طاعة. (الماوَرْديّ 6 : 101)

ابن كيسان: مالكملاترجون في عبادة الله و طاعته أن يُثيبكم على توقيركم خيرً ا. (القُرطُبيّ 18 : 303)

الطّبَريّ: اختلف أهل التّأويل في تأويل ذلك،

فقال بعضهم: معناه: ما لكم لاترون لله عظمة.

و قال آخرون: معنى ذلك: لاتُعظّمون الله حقّ عظمته.

وقال آخرون: ما لكم لاتعلمون لله عظمة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لكم لاترجون لله عاقبة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ما لكم لاترجون لله طاعة.

و أولى الأقوال في ذلك عندنا بالصّواب قول من قال: معنى ذلك: ما لكم لاتخافون لله عظمة؛ و ذلك أنّ الرّجاء قد تضعه العرب، إذا صحبه الجحد في موضع الخوف. (12 : 249)

الزّجّاج: قيل: ما لكم لاتخافون لله عظمة. و قيل: لاترجون عاقبة، و حقيقته - و الله أعلم - ما لكم لاترجون عاقبة الإيمان فتوحّدون الله، و قد جعل لكم في أنفسكم آية تدلّ على توحيده من خلقه إيّاكم،و من خلق السّماوات و الأرضين و الشّمس و القمر، فقال: { وَ قَدْ خَلَقَكُمْ اَطْوَ ارً ا} نوح : 14. (5 : 229)

أبومسلم الأصفهانيّ: ما لكم لاتعتقدون لله إثباتًا. (الطَّبْرِسيّ 5 : 361)

و معناه: مالكم لاتُثبّتون وحدانيّة الله تعالى، و أ نّه إلهكم لاإله لكم سواه. (القُرطُبيّ 18 : 303)

القُشَيْريّ: ما لكم لاتخافون لله عظمة؟ و ما لكم لاترجون و لاتؤمّلون على توقيركم للأمر من الله لطفًا و نعمة؟ (6 : 204)

المَيْبُديّ: هذا الرّجاء بمعنى الخوف، و الوقار:العظمة، أي لاتخافون لله عظمة. و قيل: معناه لاتشكرون لله نعمة، و لاتعرفون له حقّا. (10 : 239)

الزّمَخْشَريّ: لاتَأملون له توقيرً ا، أي تعظيمًا. و المعنى: ما لكم لاتكونون على حال تَأملون فيها تعظيم الله إيّاكم في دار الثّواب. (4 : 163)

ابن عَطيّة: قال أبوعُبَيْدَة و غيره: { تَرْجُونَ } معناه: تخافون. [ثمّ استشهد بشعر]

قالوا: و الوقار: العظمة و السّلطان، فكأنّ الكلام على هذا وعيد و تخويف. و قال بعض العلماء:{ تَرْجُونَ } على بابها في الرّجاء، و كأ نّه قال: ما لكم لاتجعلون رجاءكم لله و تلقاءه وقارً ا، ويكون على هذا التّأويل منهم، كأ نّه يقول: تؤدةً منكم و تمكّنًا في النّظر، لأنّ الكفر مضمّنه الخفّة و الطّيش و ركوب الرّ أس. (5 : 374)

الطَّبْرِسيّ: أي لاتخافون لله عظمة. فالوقار: العظمة اسم من التّوقير، و هو التّعظيم. و الرّجاء: الخوف هنا، و المعنى: لاتُعظّمون الله حقّ عظمته، فتوحّدوه و تطيعوه، عن ابن عبّاس، و مُجاهِد.

و قيل: معناه: ما لكم لاترجون لله عاقبة، عن قَتادَة، أي لاتطمعون في عاقبة لعظمة الله تعالى. (5 : 361)

الفَخْرالرّ ازيّ: و فيه قولان:

الأوّ ل: أنّ الرّجاء هاهنا بمعنى الخوف. [ثمّ استشهد بشعر]

و الوقار: العظمة، و التّوقير: التّعظيم، و منه قوله تعالى: { وَ تُوَ قِّرُوهُ } الفتح : 9، بمعنى ما بالكم لاتخافون لله عظمة.

وهذا القول عندي غير جائز، لأنّ الرّجاء ضدّ الخوف في اللُّغة المتواترة الظّاهرة، فلو قلنا: إنّ لفظة الرّجاء في اللُّغة موضوعة بمعنى الخوف، لكان ذلك ترجيحًا للرّواية الثّابتة بالآحاد على الرّواية المنقولة بالتّواتر، و هذا يُفضي إلى القدح في القرآن، فإنّه لالفظ فيه إلا و يمكن جعل نفيه إثباتًا، و إثباته نفيًا بهذا الطّريق.

الوجه الثّاني: ما ذكره صاحب < الكشّاف > و هو أنّ المعنى: مالكم لاتُأمِّلون لله توقيرً ا، أي تعظيمًا، و المعنى: مالكم لاتكونوا على حال تُأمِّلون فيها تعظيم الله إياكم، و { للهِ ‚} بيان للموقّر، و لو تأخّر لكان صلة للوقار. [إلى أن قال: ]

ثمّ قال على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار:{ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا} أي لاترجون لله ثباتًا و بقاءً، فإنّكم لو رجوتم ثباته و بقاءه لخفتموه، و لَمَا أقدمتم على الاستخفاف برسله و أوامره. و المراد من قوله: { تَرْجُونَ } أي تعتقدون، لأنّ الرّ اجي للشّيء معتقدله. (30 : 138)

القُرطُبيّ: قيل: الرّجاء هنا بمعنى الخوف، أي مالكم لاتخافون لله عظمة و قدرة على أحدكم بالعقوبة، أي أيّ عذر لكم في ترك الخوف من الله...

و قال قُطْرُب: هذه لغة حجازيّة، و هُذَيْل و خزاعة و مضرّ يقولون: لم أرْجُ: لم أُبال. و الوقار: العظمة. و التّوقير: التّعظيم.

و قال قَتادَة: مالكم لاترجون لله عاقبة، كأنّ المعنى: مالكم لاترجون للهعاقبة الإيمان...

و قيل: مالكم لاتوحّدون الله، لأنّ من عظّمه فقد وحّده. (18 : 303)

أبوالسُّعود: إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقارً ا، على أنّ الرّجاء بمعنى الاعتقاد، و { لاتَرْجُونَ } حال من ضمير المخاطبين، و العامل فيها معنى الاستقرار في{ لَكُمْ } على أنّ الإنكار متوجّه إلى السّبب فقط، مع تحقّق مضمون الجملة الحاليّة لا إليهما معًا، كما في قوله تعالى: { وَ مَالِىَ لااَعْبُدُ الَّذى‘ فَطَرَنى } يس, : 22، و{ للهِ} متعلّق بمضمر وقع حالا من { وَ قَارً ا} و لو تأخّر لكان صفة له، أي أيّ سبب حصل لكم حال كونكم غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة لتعظيمه بالإيمان به و الطّاعة له. (6 : 308)

البُرُوسَوي : إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقارً ا، على أنّ الرّجاءبمعنى الاعتقاد، أي الظّنّ، بناءً على أ نّه أي الرّجاء إنّما يكون بالاعتقاد، و أدنى درجته الظّنّ و الوقار في الأصل السّكون و الحلم، و هو هاهنا بمعنى العظمة، لأ نّه يتسبّب عنها في الأغلب، و { لاتَرْجُونَ } حال من ضمير المخاطبين، و العامل فيها معنى الاستقرار في {لَكُمْ }،و { لله‚}‚ متعلّق بمضمر وقع حالا من{وَقَارًا} و لو تأخّر لكان صفة له، و المعنى: أيّ سبب حصل لكم و استقرّ حال كونكم غير معتقدين لله عظمة موجبة لتعظيمه بالإيمان و الطّاعة له، أي لاسبب لكم في هذا مع تحقّق مضمون الجملة الحاليّة.

و في < التّأويلات النّجميّة >: مالكم لاتطلبون و لاتكسبون من اسم الله الأعظم ما يوقّركم عنده بالتّخلّق بكلّ اسم تحته، حتّى تصيروا بسبب تحقّقكم بجميع أسمائه الدّ اخلة فيه مظهره و مجلاه. (10 : 177)

الآلوسيّ: إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقارً ا، على أنّ الرّجاء بمعنى الخوف، كما أخرجه الطّستيّ عن ابن عبّاس، مجيبًا به سؤال ابن الأزرق، منشدً ا قول أبي ذؤيب:

إذا لسعته النّحل لم يرج لسعها

و حالفها في بيت نوب عواسل

أو على أ نّه بمعنى الاعتقاد، كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم و أبوالشّيخ و جماعة، و عبّر به بالرّجاء التّابع لأدنى الظّنّ مبالغةً. و { لاتَرْجُونَ } حال من ضمير المخاطبين، و العامل فيها معنى الاستقرار في { لَكُمْ }، على أنّ الإنكار متوجّه إلى السّبب فقط، مع تحقّق مضمون الجملة الحاليّة لا إليها معًا، و { لله‚}‚ متعلّق بمضمر وقع حالا من { وَ قَارً ا } و لو تأخّر لكان صفة له، و الوقار - كما رواه جماعة عن الحِبر-: بمعنى العظمة، لأ نّه على ما نقل الخفاجيّ عن الانتصاف ورد

في صفاته تعالى بهذا المعنى ابتداء، أو لأ نّه بمعنى التّؤدة، لكنّها غير مناسبة له سبحانه، فأُطلقت باعتبار غايتها و ما يتسبّب عنها من العظمة في نفس الأمر، أو في نفوس النّاس، أي أيّ سبب حصل لكم حال كونكم غير خائفين، أو غير معتقدين لله تعالى عظمة موجبة لتعظيمه سبحانه بالإيمان به جلّ شأنه، و الطّاعة لهتعالى. (29 : 73)

ابن عاشور: و جملة { لاتَرْجُونَ } في موضع الحال من ضمير المخاطبين، و كلمة { مَا لَكُمْ } و نحوها تلازمها حال بعدها، نحو { فَمَا لهَ-ُمْ عَنِ التَّذْكِرَة ِمُعْرِضينَ‘ } المدّثّر : 49.

و قد اختُلف في معنى قوله: { مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا } و في تعلّق معمولاته بعوامله على أقوال: بعضها: يرجع إلى إبقاء معنى الرّجاء على معناه المعروف، و هو ترقّب الأمر، و كذلك معنى الوقار على المتعارف، و هو العظمة المقتضية للإجلال، و بعضها: يرجع إلى تأويل معنى الرّجاء، و بعضها: إلى تأويل معنى الوقار، و يتركّب من الحمل على الظّاهر.

و من التّأويل: أن يكون التّأويل في كليهما، أو أن يكون التّأويل في أحدهما مع إبقاء الآخر على ظاهر معناه. فعلى حمل الرّجاء على المعنى المتعارف الظّاهر و حمل الوقار كذلك قال ابن عبّاس و سعيد بن جُبَيْر و أبوالعالية و عطاء بن أبي رباح و ابن كيسان: ما لكم لاترجون ثوا بًا من الله و لاتخافون عقا بًا، أي فتعبدوه راجين أن يُثيبكم على عبادتكم وتوقيركم إيّاه. و هذا التّفسير ينحو إلى أن يكون في الكلام اكتفاء، أي و لاتخافون عقا بًا، و إنّ نكتة الاكتفاء بالتّعجّب من عدم رجاء الثّواب: أنّ ذلك هو الّذي ينبغي أن يقصده أهل الرَّشاد و التّقوى. و إلى هذا المعنى قال صاحب« الكشّاف » إذ صدّر بقوله: ما لكم لاتكونون على حال تأمُلُون فيها تعظيم الله إيّاكم في دارالثّواب.

وهذا يقتضي أن يكون الكلام كناية تلويحيّة عن حثّهم على الإيمان بالله الّذي يستلزم رجاء ثوابه

و خوف عقابه، لأنّ من رجا تعظيم الله إيّاه آمن به و عبده و عمل الصّالحات.

وعلى تأويل معنى الرّجاء قال مُجاهِد و الضّحّاك: معنى { لاتَرْجُونَ } لاتبالون لله عظمة. قال قُطْرُب: هذه لغة حجازيّة لمضر، و هُذَيْل و خزاعة يقولون : لم أرْجُ ، أي لم أُبال. و قال الوالبيّ و العَوْفيّ عن ابن عبّاس: معنى { لاتَرْجُونَ } لاتعلمون، و قال مُجاهِد أيضًا: لاترون. [إلى أن قال:]

قال الفَرّ اء: إنّما يوضع الرّجاء موضع الخوف، لأنّ مع الرّجاء طرفًا من الخوف من النّاس، و من ثمّ استُعمل الخوف بمعنى العلم، كقوله تعالى: { فَاِنْ خِفْتُمْ اَ لا يُقيمَا‘ حُدُودَ الله } البقرة : 229، و المعنى: لاتخافون عظمة الله و قدرته بالعقوبة.

و على تأويل الوقار قال قَتادَة: الوقار: العاقبة، أي ما لكم لاترجون لله عاقبة، أي عاقبة الإيمان، أي أنّ الكلام كناية عن التّوبيخ على تركهم الإيمان بالله. و جعل أبو مسلم الأصفهانيّ: الوقار بمعنى الثّبات، قال: و منه قوله تعالى: { وَ قَرْنَ فى بُيُوتِكُنَّ } الأحزاب : 33، أي اثبُتن، و معناه: ما لكم لاتُثبتون وحدانيّة الله.

و تتركّب من هذين التّأويلين معان أُخرى، من كون الوقار مسندً ا في التّقدير إلى فاعله أو إلى مفعوله، و هي لاتخفى. (29 : 185)

الطَّباطَبائيّ: استفهامإنكاريّ، و الوقار كما في < المجمع >: بمعنى العظمة، اسم من التّوقير بمعنى التّعظيم، والرّجاء مقابل الخوف، و هو الظّنّ بما فيه مسرّة، و المراد به في الآية: مطلق الاعتقاد على ما قيل. و قيل: المراد به الخوف، للملازمة بينهما.

و المعنى: أيّ سبب حصل لكم حال كونكم لاتعتقدون، أو لاتخافون لله عظمة توجب أن تعبدوه.

و الحقّ: أنّ المراد بالرّجاء معناه المعروف، و هو ما يقابل الخوف، و نفيه كناية عن اليأس، فكثيرً ا ما يكنّى به عنه، يقال: لاأرجو فيه خيرً ا، أي أنا آئس من أن يكون فيه خير. و الوقار: الثّبوت و الاستقرار و التّمكّن، و هو الأصل في معناه، كما صرّح به في < المجمع >. و وقاره تعالى: ثبوته و استقراره في الرّبوبيّة المستتبع لأُلوهيّته و معبوديّته،كأنّ الوثنيّين طلبوا ربًّا له و قار في الرّبوبيّة لعبدوه، فيئسوا منه تعالى فعبدوا غيره و هو كذلك، فإنّهم يرون أ نّه تعالى لايحيط به أفهامنا، فلاسبيل للتّوجّه العباديّ إليه، و العبادة أداء لحقّ الرّبوبيّة الّتي يتفرّع عليها تدبير الأمر، و تدبير أُمور العالم مفوّض إلى أصناف الملائكة و الجنّ، فهم أربابنا الّذين يجب علينا عبادتهم، ليكونوا شفعاء لنا عند الله. و أمّا هو تعالى فليس له إلا الإيجاد، إيجاد الأرباب و مربوبيهم جميعًا دون التّدبير.

و الآية أعني قوله: { مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا } و ما يتلوها إلى تمام سبع آيات مسوقةلإثبات وقاره تعالى في الرّبوبيّة، و حجّة قاطعة في نفي ما لفّقوه لوجوب عبادة غيره من الملائكة و غيرهم لاستناد تدبير العالم إليهم، و يتبيّن به إمكان التّوجّه العباديّ إليه تعالى.

و محصّل الحجّة: ما الّذي دعاكم إلى نفي ربوبيّته تعالى المُستتبع للأُلوهيّة و المعبوديّة و اليأس عن وقاره؟ و أنتم تعلمون أ نّه تعالى خلقكم و خلق العالم الّذي تعيشون فيه طورً ا من الخلق، لاينفكّ عن هذا النّظام الجاري فيه، و ليس تدبير الكون و من فيه من الإنسان إلا التّطوّرات المخلوقة في أجزائه و النّظام الجاري فيه، فكونه تعالى خالقًا هو كونه مالكًا مدبّرً ا، فهو الرّبّ لاربّ سواه، فيجب أن يُتّخذ إله-ًا معبودً ا؟.

و يتبيّن به صحّة التّوجّه إليه تعالى بالعبادة، فإنّا نعرفه بصفاته الكريمة من الخُلق و الرّزق و الرّحمة وسائر صفاته الفعليّة، فلنا أن نتوجّه إليه بما نعرفه من صفاته. (20 : 30)

عبد الكريم الخطيب: هو من دعوة نوح قومه إلى الإيمان بالله، و هو في هذا الاستفهام ينكر عليهم ما هم فيه من غفلة عن الله، و استخفاف بجلاله و عظمته. إنّهم لايُوقّرون له، و لاينظرون إليه نظر من يرجو ثوابه و يخشى عقابه، إنّهم لايعرفون الله، و لايقدرونه قدره. (15 : 1198)

المُصْطَفَويّ: الوقار: هو السّكون و العظمة و الرّزانة، و التّعبير بالرّجاء: إشارة إلى أدنى مرتبة الاعتقاد الممكن لهم، و إلى الوقار المفيد لهم و المُنتج

بحالهم. فإنّ الرّجاءلتوقّع الخير و انتظار ما هو نافع لهم، و الوقار و العظمة الذّاتيّة للحقّ تعالى مبدأ كلّ إحسان و إفضال، و منشأ كلّ خير و بركة و نعمة، و سبب كلّ إفاضة و إجابة.

و تفسير بعضهم الرّجاء بالخوف ضعيف جدًّ ا، مضافًا إلى كونه خلاف الأصل، أنّ الخوف لايلائم الوقار و العظمة، فإنّ الوقار يلازم الإفضال و الإفاضة، لاالتّرهيب و التّخويف و التّشديد.

و مثله تفسير الوقار لازمًا بالتّوقير متعدّ يًا. (4 : 80)

تَرْجُوهَا

وَ اِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْ لا مَيْسُورً ا. الإسراء : 28

سعيدبن جُبَيْر: أي رزق تنتظره .(الطّبَريّ8 : 70)

النّخعيّ: انتظار الرّزق. (الطّبَريّ 8 : 69)

مثله الضّحّاك. (الطّبَريّ8 : 70)

مُجاهِد: انتظار رزق الله. (الطّبَريّ 8 : 70)

عِكْرِمَة: انتظار رزق من الله يأتيك.

رزق تنتظره ترجوه. (الطّبَريّ8 : 70)

ابن زَيْد: إذا خشيت إن أعطيتهم، أن يتقوّوا بها على معاصي الله عزّ وجلّ، و يستعينوا بها عليها، فرأيت أن تمنعهم خيرً ا، فإذا سألوك { فَقُلْ لَهُمْ قَوْ لا مَيْسُورً ا } قولا جميلا رزقك الله، بارك الله فيك. (الطّبَريّ 8 : 69)

الطّبَريّ: يقول: انتظار رزق تنتظره من عند ربّك، وترجو تيسير الله إيّاه لك، فلاتؤيّسهم. (8 : 60)

و هذا القول الّذي ذكرناه عن ابن زَيْد مع خلافه أقوال أهل التّأويل في تأويل هذه الآية، بعيد المعنى، ممّا يدلّ عليه ظاهرها؛ و ذلك أنّ اللهتعالى قال لنبيّه (صلی الله علیه و آله): { وَ اِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَ بِّكَ تَرْجُوهَا } فأمره أن يقول: إذا كان إعراضه عن القوم الّذين ذكرهم انتظار رحمة منه يرجوها من ربّه { قَوْ لا مَيْسُورً ا} و ذلك الإعراض ابتغاء الرّحمة، لن يخلو من أحد أمرين:

إمّا أن يكون إعراضًا منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها لنفسه، فيكون معنى الكلام كما قلناه، و قاله أهل التّأويل الّذين ذكرنا قولهم، و خلاف قوله، أو يكون إعراضًا منه ابتغاء رحمة من الله يرجوها للسّائلين الّذين أُمر نبيّ الله (صلی الله علیه و آله) بزعمه أن يمنعهم ما سألوه خشية عليهم من أن ينفقوه في معاصي الله. فمعلوم أنّ سخط الله على من كان غير مأمون منه صَرْف ما أُعطي من نفقة ليتقوّى بها على طاعة الله في معاصيه، أخوف من رجاء رحمته له؛ وذلك أنّ رحمة الله إنمّا تُرجى لأهل طاعته، لا لأهل معاصيه. إلا أن يكون أراد توجيه ذلك إلى أنّ نبيّ الله (صلی الله علیه و آله) أمر بمنعهم ما سألوه، ليُنيبوا من معاصي الله، و يتوبوا بمنعه إيّاهم ما سألوه، فيكون ذلك وجهًا يحتمله تأويل الآية، و إن كان لقول أهل التّأويل مخالفًا. (8 : 69)

الطُّوسيّ: و قوله: { تَرْجُوهَا } معناه: تُأمّلها، والرّجاء: تعلّق النّفس بطلب الخير ممّن يجوز منه، و من يقدرعلى كلّ خير و صَرْف كلّ شرّ، فهو أحقّ بأن

يُرجى، و لذلك قال أمير المؤمنين : < ألا لايَرْجُوَنّ أحدكم إلا ربّه، و لايخافنّ إلا ذنبه >. (6 : 470)

المَيْبُديّ:أي لانتظار رزق من الله سبحانه ترجوه أن يأتيك. (5 : 545)

الطَّبْرِسيّ: أي راجيًاإيّاها، و { تَرْجُوهَا } جملة في موضع الجرّ بكونها صفة ل- { رَحْمَةً }. و يجوز أن يكون في موضع النّصب على الحال من الضّمير في { تُعْرِضَنَّ }. [ إلى أن قال:]

أي لتبتغي الفضل من الله، و السّعة الّتي يمكنك معها البذل بأمل تلك السّعة، و ذلك الفضل. (3 : 411)

الفَخْرالرّ ازيّ: و قوله: { اِبْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا } كناية عن الفقر، لأنّ فاقد المال يطلب رحمة الله و إحسانه. (20 : 194)

أبوالسُّعود: أي لفقد رزق من ربّك، إقامة للمسبّب مقام السّبب، فإنّ الفقد سبب للابتغاء {تَرْجُوهَا } من الله تعالى لتُعطيهم . (4 : 125)

مثله البُرُوسَويّ. (5 : 151)

ارْجُوا

وَ اِلى" مَدْ يَنَ اَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_"خِرَ... العنكبوت : 36

الطُّوسيّ: يحتمل أن يكون أراد: و خافوا عقاب اليوم الآخرة بمعاصي الله، و يحتمل أن يكون أراد و اطلبوا ثواب يوم القيامة بفعل الطّاعات. (8 : 208)

المَيْبُديّ: أي خافوا اليوم الآخر و احذروه. و قيل: هو من الرّجاء، أي أقِرّوا به و صَدِّقوه و تيقّنوه، لأنّ الرّ اجي للشّي‌ء عالم به غير منكر، و لأ نّه لم يوجد الرّجاء في كلامهم بمعنى الخوف إلا إذا قارنه الجحد. (7 : 391)

الزّمَخْشَريّ: { وَ ارْجُوا } و افعلوا ما ترجون به العاقبة، فأُقيم المسبّب مقام السّبب. أو أُمروا بالرّجاء، و المراد: اشتراط ما يسوغه من الإيمان، كما يؤمر الكافربالشّرعيّات على إرادة الشّرط. و قيل: هو من الرّجاء بمعنى الخوف. (3 : 205)

الطَّبْرِسيّ: أي و أمِّلوا ثواب اليوم الآخر،و اخشوا عقابه بفعل الطّاعات، و تجنّب السّيّئات. (4 : 283)

الفَخْرالرّ ازيّ: و قوله:{ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_"خِ-رَ} فيه مسائل:

المسألة الأُولى: هذا يدلّ على صحّة مذهبنا، فإنّ عندنا من عبد الله طول عمره يُثيبه الله تفضّلا ، و لايجب عليه ذلك، لأنّ العابد قد وصل إليه من النّعم ما لو زاد على ما أتى به لما خرج عن عهدة الشّكر، و من شكر المُنعم على نِعَم سبقت، لايلزم المنعم أن يزيده، و إن زاده يكون إحسانًا منه إليه و إنعامًا عليه، فنقول: قوله: { وَ ارْجُوا الْيَوْمَ } بعد قوله: { اعْبُدُوا اللهَ } يدلّ على التّفضّل لاعلى الوجوب، فإنّ الفضل يُرجى،و الواجب من العادل يقطع به.

المسألة الثّانية: قال: { وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_"خِرَ } و لم يقل: < و خافوه >، مع أنّ ذلك اليوم مخوف عند الكلّ، و غير مرجوّ عند كثير من النّاس، لفسقه و فجوره و محبّته الدّنيا، و لايرجوه إلا قليل من عباده.

فنقول: لمّا ذكر التّوحيد بطريق الإثبات و قال:

{ اعْبُدُوا } و لم يذكره بطريق النّفي، و ما قال:و لاتعبدوا غيره، قال بلفظ الرّجاء، لأنّ عبادة الله يُرجى منها الخير في الدّ ارين.

و فيه وجه آخر، و هو أنّ الله حكى في حكايةإبراهيم أ نّه قال: إنّكم اتّخذتم الأوثان مودّ ة بينكم في الحياة الدّنيا، و أمّا في الآخرة فتكفرون بها، و قال هاهنا: لاتكونوا كالّذين سبق ذكرهم لم يرجوا اليوم الآخر، فاقتصروا على مودّ ة الحياة الدّنيا، و ارجوا اليوم الآخر، و اعملوا له. (25 : 65)

القُرطُبيّ: و قال يونس النّحويّ: أي اخشوا الآخرة الّتي فيها الجزاء على الأعمال. (13 : 343)

أبوالسُّعود: أي توقّعوه، و ما سيقع فيه من فنون الأهوال، و افعلوا اليوم من الأعمال ما تأمنون غائلته. و قيل: و ارجوا ثوابه بطريق إقامة المسبّب مقام السّبب. و قيل: الرّجاء بمعنى الخوف. (5 : 152)

نحوه البُرُوسَويّ. (6 : 468)

الآلوسيّ: [مثل أبي السُّعود و أضاف:]

و في الكلام مضاف مقدّر، فالمعنى: افعلوا ما ترجون به ثواب اليوم الآخر. و جُوّز أن لايقدّر مضاف و إرادة الثّواب من إطلاق الزّمان على ما فيه. و قيل: الأمر برجاء الثّواب أمر بسببه، اقتضاءً بلاتجوّز فيه بعلاقة السّببيّة. (20 : 157)

الطَّباطَبائيّ: يدعوهم إلى عبادة الله و هو التّوحيد، و إلى رجاء اليوم الآخر و هو الاعتقاد بالمعاد. (16 : 126)

فضل الله:{ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_"خِرَ } في أقوالكم و أعمالكم و أوضاعكم و علاقاتكم، و لاتستغرقوا في الدّنيا في ما ترجونه من شهواتها و لذّاتها و أرباحها، لأنّ رجاء الدّنيا سوف ينقلب إلى يأس و خيبة أمل، أمّا رجاءالآخرة، فهو الرّجاء الباقي الّذي تتّصل نتائجه بالله القادر على كلّ شيء، المهيمن على الدّنيا و الآخرة. (18 : 51)

مَرْجُوًّا

قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فينَا‘ مَرْجُوًّ ا قَبْلَ هذَا اَتَنْهينا اَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ا"بَاؤُنَا... هود : 62

ابن عبّاس: فاضلا خيرً ا نقدّمك على جميعنا.(الزّمَخْشَريّ 2 : 278)

مُقاتِل: يعني مأمولا قبل هذا، كنّا نرجوأن ترجع إلى ديننا، فما هذا الّذي تدعونا إليه ؟ . (2 : 288)

كانوا يرجون رجوعه إلى دينهم؛ إذ كان يبغض أصنامهم، و يعدل عن دينهم، فلمّا أظهر إنذارهم انقطع رجاؤهم منه. (أبوحَيّان 5 : 238)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: قالت ثمود لصالح نبيّهم: { يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فينَا‘ مَرْجُوًّ ا }، أي كنّا نرجُو أن تكون فينا سيّدً ا قبل هذا القول الّذي قلته لنا، من أ نّه مالنا من إله غير الله. (7 : 62)

الماوَرْديّ: فيه وجهان:

أحدهما: أي مُؤمّلا برجاء خيرك.

الثّاني: أي حقيرً ا، من الإرجاء و هو التّأخير، فيكون على الوجه الأوّ ل عتبًا، و على الثّاني زَجْرً ا. (2 : 479)

يرجون خيره، فلمّا أنذرهم انقطع رجاؤه خيره.

(أبوحَيّان 5 : 238)

الطُّوسيّ: و معناه قد كنّا نرجو منك الخير،و نطمع فيه من جهتك قبل هذا، لماكنت عليه من الأحوال الجميلة، فالآن يئسنا منك.

و الرّجاء: تعلّق النّفس بمجيء الخير على جهةالظّنّ، و مثله الأمل و الطّمع. (6 : 17)

المَيْبُديّ: المَرْجُوّ هو الّذي يليق بالفعل العظيم و يرجوالبرّ منه، و لذلك يسمّى مُرَجًّا. و قالوا: ياصالح إنّامرجون أن تكون سيّدنا و قائدنا قبل هذا اليوم، لأ نّا رأيناك شا بًّاعاقلا و كيّسًا، و متينًا، و نظنّ أن ترجع في ديننا. و قالوا: هذا من هذه الجهة، لأنّ صالح خالف قبل هذاليوم عبادة الأصنام، و لكن ما نهاهم عنه، و أمّا بعد نهيهم من عبادة الأصنام قالوا هذه الأقاويل. (4 : 411)

الزّمَخْشَريّ: { مَرْجُوًّ ا } كانت تلوح فيك مخايل الخير و أمارات الرّشد، فكنّا نرجوك لننتفع بك و تكون مشاورً ا في الأُمور و مسترشدً ا في التّدابير، فلمّا نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك و علمنا أنّ لاخير فيك.

و قيل: كنّا نرجو أن تدخل في ديننا، و توافقنا على ما نحن عليه. (2 : 278)

ابن عَطيّة: و الظّاهر الّذي حكاه جمهور المفسّرين أنّ قوله: { مَرْجُوًّ ا } معناه مَسودً ا نؤمل فيك أن تكون سيّدً ا سادًّ ا مسدّ الأكابر، ثمّ قرّروه على جهة التّوبيخ في زعمهم بقولهم: { اَتَنْهينا }.

و حكى النّقّاش عن بعضهم أ نّه قال: معناه حقيرً ا.

فأمّا أن يكون لفظ { مَرْجُوًّ ا } بمعنى حقير، فليس ذلك في كلام العرب، و إنّما يتّجه ذلك على جهة التّفسير للمعنى؛ و ذلك أنّ القصد بقولهم: { مَرْجُوًّ ا } يكون: لقد كنت فينا سهلا مرامك قريبًا، ردّ أمرك ممّن لايظنّ أن يستفحل من أمرهمثل هذا، فمعنى{مَرْجُوًّا} أي مرجوّ إطراحه و غلبته و نحو هذا، فيكون ذلك على جهة الاحتقار، فلذلك فُسّر بحقير. (3 : 183)

الطَّبْرِسيّ: أي كنّا نرجو منك الخير لما كنت عليه من الأحوال الجميلة قبل هذا القول، فالآن يئسنا منك، و من خيرك، بإبداعك ما أبدعت.

و قيل: معناه كنّا نرجوك و نظنّك عونًا لنا على ديننا. (3 : 174)

الفَخْرالرّ ازيّ: و فيه وُجُوه:

الأوّ ل: أ نّه لم-ّا كان رجلا قويّ العقل قويّ الخاطر، و كان من قبيلتهم، قوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم و يُقوّي مذهبهم، و يُقرّر طريقتهم، لأ نّه متى حدّث رجل فاضل في قوم، طمعوا فيه من هذا الوجه.

الثّاني: قال بعضهم: المراد أ نّك كنت تعطف على فقرائنا و تعين ضعفاءنا و تعود مرضانا، فقوي رجاؤنا فيك أ نّك من الأنصار و الأحباب، فكيف أظهرت العداوة و البغضة.

ثمّ إنّهم أضافوا إلى هذا الكلام التّعجّب الشّديد من قوله: فقالوا: { اَتَنْهينا اَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ا"بَاؤُ نَا }،

و المقصود من هذا الكلام التّمسّك بطريق التّقليد، و وجوب متابعة الآباء و الأسلاف. و نظير هذا التّعجّب ما حكاه الله تعالى عن كفّار مكّة؛ حيث

قالوا: { اَجَعَلَ الا_لِهَةَ اِ’له-ًا وَ احِدً ا اِنَّ هذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } ص : 5. (18 : 17)

القُرطُبيّ: أي كنّا نرجو أن تكون فينا سيّدً ا قبل هذا، أي قبل دعوتك النّبوّة. و قيل: كان صالح يعيب آلهتهم و يشنؤها، وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم، فلمّا دعاهم إلى الله قالوا: انقَطَع رجاؤنا منك. (9 : 59)

أبوحَيّان: قال كعب: كانوا يرجوه للمملكة بعد مُلكهم، لأ نّه كان ذا حسب و ثروة. و قيل: لمّا كان قويّ الخاطر و كان من قبيلتهم، قوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم و يُقوّي مذهبهم. (5 : 238)

أبوالسُّعود: أي كنّا نرجوا منك لم-ّا كنّا نرى منك من دلائل السّداد و مخايل الرَّشاد أن تكون لنا سيّدً ا و مستشارً ا في الأُمور. و قيل: كنّا نرجو أن تدخل في ديننا و توافقنا على ما نحن عليه. {قَبْلَ هذَا } الّذي باشرته من الدّعوة إلى التّوحيد و ترك عبادة الآلهة، أو { قَبْلَ هذَا } الوقت. فكأ نّهم لم يكونوا إلى الآن على يأس من ذلك و لو بعد الدّعوة إلى الحقّ، فالآن قد انصرم عنك رجاؤنا. و قرأ طلحة ( مَرْجُوءًا) )بالمدّ و الهمزة. (3 : 328)

البُرُوسَويّ: { مَرْجُوًّ ا} مأمولا { قَبْلَ هذَا } الوقت، و هو وقت الدّعوة، كانت تلوح فيك مخايل الخير و أمارات الرّشد و السَّداد، فكنّا نرجوك أن تكون لنا سيّدً ا ننتفع بك، و مستشارً ا في الأُمور،

و مسترشدً ا في التّدابير، فلمّا سمعنا منك هذا القول انقطع رجاؤنا عنك، و علمنا أنّ لاخير فيك، كما يقول بعض أهل الإنكار لبعض من يسلك طريق الإرادة: إنّ هذا قد فسد بل جنّ، و كان قبل هذا رجلا صالحًا عاقلا ، فلايُرجى منه الخير. (4 : 155)

الآلوسيّ: أي الّذي باشرته من الدّعوة إلىالتّوحيد و ترك عبادة الآلهة، فلمّا سمعنا منك ما سمعناه انقطع عنك رجاؤنا. و قيل: كانوا يرجون دخوله في دينهم بعد دعواه إلى الحقّ، ثمّ انقطع رجاؤهم. ف- { قَبْلَ هذَا } قبل هذا الوقت، لاقبل الّذي باشره من الدّعوة.

و حكى النّقّاش عن بعضهم:أنّ {مَرْجُوًّ ا} بمعنى حقيرً ا، و كأ نّه فسّره أوّ لا بمؤخّرً ا غير مُعتَنى به و لامهتمّ بشأنه، ثمّ أراد منه ذلك، و إلا ف- { مَرْجُوًّ ا } بمعنى حقيرً ا لم يأت في كلام العرب. (12 : 89)

ابن عاشور: هذا جوابهم عن دعوته البليغة الوجيزة المَلأى إرشادً ا و هديًا. و هو جواب مليء بالضّلال و المكابرة و ضعف الحجّة.

و افتتاح الكلام بالنّداء لقصد التّوبيخ أو الملام و التّنبيه، كما تقدّم في قوله: { قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَة } هود : 53، و قرينة التّوبيخ هنا أظهر، و هي قولهم: { قَدْ كُنْتَ فينَا‘ مَرْجُوًّ ا قَبْلَ هذَا } فإنّه تعريض بخيبة رجائهم فيه، فهو تعنيف.

و { قَدْ } لتأكيد الخبر، و حُذف متعلّق { مَرْجُوًّ ا} لدلالة فعل الرّجاء على أ نّه ترقّب الخير، أي مرجوًّ ا للخير، أي و الآن وقع اليأس من خيرك. و هذا يُفهَم منه أنّهم يعدّون ما دعاهم إليه شرًّ ا، و إنّما خاطبوه بمثل هذا، لأ نّه بُعث فيهم و هو شابّ، كذا قال البغَويّ في تفسير سورة الأعراف، أي كنت مرجوًّ ا لخصال السّيادة و حماية العشيرة و نصرة آلهتهم. (11 : 288)

الطَّباطَبائيّ: الرّجاءإنمّا يتعلّق بالإنسان، لا من جهة ذاته بل من جهة أفعاله و آثاره، و لايُرجى منها إلا الخير و النّفع، فكونه { مَرْجُوًّ ا } هو أن يوجد ذا رشد و كمال في شخصه و بيته، فيُستَهلّ منه الخير و يُترَقّب منه النّفع. و قوله: { قَدْ كُنْتَ فينَا‘ } دليل على كونه مرجُوًّ ا لعامّتهم و جمهورهم.

فقولهم: { يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فينَا‘ مَرْجُوًّا قَبْلَ هذَ ا } معناه: أنّ ثمود كانت ترجو منك أن تكون من أفرادها الصّالحة، تنفع بخدماتك مجتمعهم، و تحمل الأُمّة على صراط التّرقّي و التّعالي لما كانت تشاهد فيك من أمارات الرّشد و الكمال، لكنّهم يئسوا منك و من رزانة رأيك اليوم، بما أبدعت من القول و أقمت من الدّعوة. (10 : 311)

عبد الكريم الخطيب: بهذا السّفه كان ردّ القوم على تلك الدّعوة الكريمة الّتي دعاهم إليها صالح ، لقد أنكروه حين سمعوا هذه الدّعوة منه، و تغيّرت في الحال حاله عندهم، و شاهت صورته في أعينهم. فلقد كان عندهم الرّجل المرجُوّ لكلّ مُلمّة، المدعوّ لكلّ معضلة، المُؤمّل لكلّ طالب خير، و مرتاد فلاح و رشاد. و لكنّه الآن و قد دعاهم إلى هذه الدّعوة، قد صار في نظرهم إنسانًا غير هذا الإنسان الّذي عرفوه. { يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فينَا‘ مَرْجُوًّ ا قَبْلَ هذَا } أي كنت مرجُوًّ ا للخير و الفلاح قبل أن تدعونا إلى هذا الّذي تدعونا إليه، أمّا الآن فلارجاء فيك، و لاخير يؤمل منك. (6 : 1163)

مكارم الشّيرازيّ: و الآن لنلاحظ ما الّذي كانجواب المخالفين لنبيّ الله صالح إزاء منطقه الحيّ الدّ اعي إلى الحقّ.

لقد استفادوا من عامل نفسيّ للتّأثير على النّبيّ صالح، أو على الأقلّ للمحاولة في عدم تأثير كلامه على المستمعين له من جمهور النّاس، و بالتّعبير العاميّ الدّ ارج: أرادوا أن يضعوا البِطّيخ تحت إبطه، فقالوا: { يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فينَا‘ مَرْجُوًّ ا قَبْلَ هذَا }، و كنّا نتوجّه إليك لحلّ مشاكلنا و نستشيرك في أُمورنا، و نعتقد بعقلك و ذكائك و درايتك، و لم نشكّ في إشفاقك و اهتمامك بنا، لكن رجاءنا فيك ذهب أدراج الرّياح؛ حيث خالفت ما كان يعبد آباؤنا من الأوثان، و هو منهج أسلافنا و مفخرة قومنا، فأبديت عدم احترامك للأوثان و للكبار، و سخرت من عقولنا. (6 : 542)

فضل الله: فقد كانت الآمال معقودة عليك في قيادة المجتمع نحو الخير لانحو الشّرّ. (12 : 91)

اَرْجَائِهَا

وَ الْمَلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْ قَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ. الحاقّة : 17

ابن عبّاس:حروفها، و جوانبها، و نواحيها، و أطرافها. (483)

و الملك على حافّات السّماء حين تشقّق.

[و في رواية] على ما لم يَهِ منها.

مثله سعيدبن جُبَيْر. (الطّبَريّ 12 : 215)

ابن المسيَّب: الأرجاء: حافّات السّماء.

مثله سعيدبن جُبَيْر. (الطّبَريّ12 : 215)

على جوانبها.

[و في رواية] على أرجاء الدّنيا. (الماوَرْديّ 6 : 81)

مُجاهِد: أطرافها. (الطّبَريّ 12 : 215)

على أرجاء السّماء.

مثله قَتادَة. (الماوَرْديّ 6 ، 81)

الضّحّاك: حافّاتها.

مثله قَتادَة. (الطّبَريّ 12 : 215)

على نواحيها. (الماوَرْديّ 6 : 81)

مثله قَتادَة و الثّوريّ. (الطّبَريّ 12 : 215)

الحسَن: أبوابها. (الماوَرْديّ 6 : 81)

الرّبيع: ما استَدقّ منها. (الماوَرْديّ 6 : 81)

أبوعُبَيْدَة: الأرجاء: الجوانب و الحروف، يقال: رُمي بفلان الرّجَوان، فهذا من الجوانب، أي لايستطيع أن يستمسك. (2 : 268)

بلغني أ نّها أقطارها. (الطّبَريّ 12 : 215)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: و الملَك على أطراف السّماء حين تشقّق و حافّاتها. (12 : 214)

الماوَرْديّ: و وقوف الملائكة على أرجائها، لما يُؤمَرون به فيهم من جنّة أو نار. (6 : 81)

الطُّوسيّ: فالأرجاء: النّواحي، واحدها: رجا، مقصور، و تُثنّى: رجوان بالواو، و الرّجا: جانب البئر. [ثمّ استشهد بشعر]

و هو من رجَوْت، لأنّ الجانب يُرْجى فيه السّلامة مع خوف السّقوط، و الملائكة ذلك اليوم على جوانب السّماء تنتظر ما تُؤمَر به في أهل النّار من السّوق إليها، و في أهل الجنّة من التّحيّة و التّكرمة فيها. (10 : 99)

الزّمَخْشَريّ: على جوانبها؛ الواحد: رجا مقصور، يعني أ نّها تنشقّ، و هي مسكن الملائكة، فينضوون إلى أطرافهاوماحولها من حافّاتها. (4: 152)

ابن عَطيّة: و قال جمهور المفسّرين: الضّمير في { اَرْجَائِهَا } عائد على السّماء، أي الملائكة على نواحيها و ما لم يَهِِمنها. و الرّجا: الجانب من الحائط والبئر ونحوه. [ثمّ استشهد بشعر]

و قال الضّحّاك أيضًا و ابن جُبَيْر: الضّمير في { اَرْجَائِهَا } عائد على الأرض و إن كان لم يتقدّم لها ذكر قريب، لأنّ القصّة و اللّفظ يقتضي إفهام ذلك . و فسّر هذه الآية بما روي أنّ الله تعالى يأمر ملائكة سماء الدّنيا فيقفون صفًّا على حافّات الأرض، ثم ّيأمر ملائكة السّماء الثّانية فيصفّون خلفهم، ثمّ كذلك ملائكة كلّ سماء، فكلّما فرّ أحد من الجنّ و الإنس وجد الأرض قد أُحيط بها. قالوا: فهذا تفسير هذه الآيات، و هو أيضًا معنى قوله تعالى: { وَ جَاءَ رَ بُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } الفجر : 22، و هو أيضًا تفسير قوله: { يَوْمَ التَّ-نَادِ } المؤمن : 32 ، { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرينَ‘ } المؤمن : 33، على قراءة من شدّ الدّ ال و هو تفسير قوله:{ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِ_نْسِ اِنِْ اسْتَطَعْتُمْ اَنْ تَنْفُذُوا مِنْ اَقْطَارِ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضِ فَانْفُذُوا } الرّحمن : 33. (5 : 359)

الطَّبْرِسيّ: و السّماء مكان الملائكة، فإذا وهت صارت في نواحيها. و قيل: إنّ الملائكة يو مئذ على جوانب السّماء تنتظر ما يُؤمَر به في أهل النُّذّار من السّوق إليها، و في أهل الجنّة من التّحيّة و التّكرمة

فيها. (5 : 346)

الفَخْرالرّ ازيّ: الأرجاء في اللُّغة: النّواحي، يقال: رجا و رجَوان، و الجمع: الأرجاء. و يقال: ذلك لحرف البئر و حرف القبر و ما أشبه ذلك. و المعنى: أنّ السّماء إذا انشقّت عدلتالملائكة عن مواضع الشّقّ إلى جوانب السّماء. فإن قيل: الملائكة يموتون في الصعقة الأُولى، لقوله: { فَصَعِق مَنْ فىِ السَّموَ "اتِ وَ مَنْ فىِ الاَ_رْضِ } الزّمر : 68، فكيف يقال: إنّهم يقفون على أرجاء السّماء؟

قلنا: الجواب من وجهين:

الأوّ ل: أ نّهم يقفون لحظة على أرجاء السّماء ثمّ يموتون.

الثّاني: أنّ المراد الّذين استثناهم الله في قوله: { اِلا مَنْ شَاءَ اللهُ } الزّمر : 68. (30 : 108)

القُرطُبيّ:[نقل أقوال السّابقين و أضاف:]

و الأرجاء: النّواحي و الأقطار بلغة هُذَيْل؛ واحدها: رجًا مقصور، و تثنيته: رجَوان، مثل عصًا و عصَوان. [ثمّ استشهد بشعر] (18 : 266)

أبوالسُّعود: أي جوانبها، جمع رجا بالقصر، أي تنشقّ السّماء الّتي هي مساكنهم، فيلجأون إلى أكنافها و حافّاتها. (6 : 295)

البُرُوسَويّ: أي جوانب السّماء، جمع: رجا بالقصر، و هي جملة حاليّة. و يحتمل أن تُعطَف على ما قبلها، كذا قالوا. (10 : 137)

الآلوسيّ: أي جوانبها، جمع: رجا بالقصر، و هو من ذوات الواو، و لذا برزت في التّثنية. [ثمّ استشهد بشعر]

و الضّمير للسّماء، و المراد بجوانبها: أطرافها الّتي لم تنشقّ.

أخرج ابن المنذر عن ابن جُبَيْر و الضّحّاك قال: إنّهما قالا: { وَ الْمَلَكُ عَلى اَرْجَائِهَا }، أي على ما لم ينشقّ منها. و لعلّ ذلك التجاء منهم للأطراف، ممّا داخلهممن ملاحظة عظمة الله عزّ و جلّ، أو اجتماع هناك للنّزول.

و أخرج ابن المنذر و عبد بن حُمَيْد عن الرّبيع بن أنس قال: { وَ الْمَلَكُ عَلى اَرْجَائِهَا }: أي الملائكة على شقّها، ينظرون إلى شقّ الأرض، و ما أتاهم من الفزع؛ و الأوّ ل أظهر.

و لعلّ هذا الانشقاق بعد موت الملائكة عند النّفخة الأُولى و إحيائهم، و هم يُحيَون قبل النّاس، كما تقتضيه الأخبار. و يجوز أن يكون ذلك بعد النّفخة الثّانية، و النّاس في المحشر. ففي بعض الآثار ما يُشعر بانشقاق كلّ سماء يومئذ و نزول ملائكتها، و اليوم متّسع كما أشرنا إليه.

و قال الإمام: يحتمل أ نّهم يقفون على الأرجاء لحظة ثمّ يموتون. و يحتمل أن يكون المراد بهم :الّذين استثناهم الله تعالى، في قوله سبحانه: { اِلا مَنْ شَاءَ اللهُ} الزّمر : 68.

و على الوجهين ينحلّ ما يقال: الملائكة يموتون في الصّعقة الأُولى، لقوله تعالى: { فَصَعِقَ مَنْ فىِ السَّموَ" اتِ وَ مَنْ فىِ الاَ_رْضِ } الزّمر : 68، فكيف يقال: إنّهم يقفون على أرجاء السّماء؟.

و في < أنوار التّنزيل >: لعلّ قوله تعالى:{ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ... } الحاقّة : 16، تمثيل لخراب العالم بخراب المبنيّات، و انضواء أهلها إلى أطرافها و إن كان على ظاهره، فلعلّ موت الملائكة أثر ذلك، انتهى. و أنا لاأقول باحتمال التّمثيل.

و في < البحر > عن ابن جُبَيْر و الضّحّاك: أنّ ضمير{ اَرْجَائِهَا } للأرض، و أنّ بعد ذكرها قالا: إنّهم ينزلون إليها يحفظون أطرافها، كما روي أنّ الله تعالى يأمر ملائكة السّماء الدّنيا فيقفون صفًّا على حافّات الأرض، ثمّ ملائكة الثّانية فيصفّون حولهم، ثمّ ملائكة كلّ سماء، فكلّما ندّ أحد من الجنّ والإنس وجد الأرض أُحيط بها. و لعلّ ما نقلناه عنهما أولى بالاعتماد. (29 : 45)

عبد الكريم الخطيب: أي و يرى الملائكة في هذا اليوم على جنبات السّماء، في أحوال شتّى، بين ساجد و قائم، و غاد و رائح، هكذا يراهم النّاس يومئذ، فالملائكة المحجوبون عن أنظارنا اليوم نراهم يوم القيامة، كما يرى بعضنا بعضًا في هذا، من كان من أهل الجنّة، أو من أهل النّار. و قد ذكر القرآن الكريم لقاءات كثيرة للنّاس مع الملائكة في موقف الحساب، و في الجنّة، و في النّار. (15 : 1134)

المُصْطَفَويّ: قلنا مكرّرً ا: إنّ المراد من انشقاق السّماء: انشقاق ما وراء عالم الأرض و الطّبيعة، و استرخاء عالم الرّوحانيّة، و رفع الاشتداد و الصّلابة و الحِدّة عنه، و ظهور الملائكة و الرّوحانيّين في جوانبه الّتي هي موارد الرّجاء و مواضع التّوقّع و الانتظار، بأن تكون فيها الملائكة.

و لايبعد أن تكون هذه الكلمة أيضًا مأخوذة من < الرّجأ > مهموزً ا، فتكون بمعنى التّأخير و المتأخّر،و المعنى حينئذ: و الملائكة ظاهرة و مستقرّة فيما وراء الحجاب و السّماء، و في أطرافها و جوانبها المتأخّرة.

و لايخفى أنّ التّفسير بسماء عالم المادّة لايلائم بكون الملائكة على أرجائها، فإنّها من عوالم فوق المادّة، و السّماوات المحسوسة الطّبيعيّة، لافرق بينها و بين الأرض من جهة المادّ يّة، و لاامتياز لها عنها. و أمّا جهة الفوقيّة و العلوّ: فهي اعتباريّة صرفة، و كلّ من المنظومات عال من جهة و سافل بنسبة. (4 : 82)

مكارم الشّيرازيّ: أرجاء:جمع رجا، بمعنى جوانب و أطراف شيء معيّن، و { الْمَلَكُ } هنا بالرّغم من ذكرها بصيغة المفرد، إلا أنّ المقصود بها هو الجنس و الجمع. إنّ ملائكة الرّحمان - في الآية أعلاه - يصطفّون على جوانب و أطراف السّماوات، ينتظرون تلقّي أمر الواحد الأحد لإنجازه بمجرّد الإشارة، و كأ نّهم جنود جاهزون لما يُؤمَرون به. (18 : 530)

فضل الله: على جوانبها في حالة ظهور و استعداد للمهمّات الجديدة الّتي أوكل الله أمرها إليه. (23 : 73)

تُرجى

تُرْجى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُ-ؤْى‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ... الأحزاب : 51

عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرّجل؟ حتّى أنزل الله { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ و تُ-ؤْى‘‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } فقلت: إنّ ربّك ليسارع في

هواك. (الطّبَريّ10 : 314)

ابن عبّاس: يقول: تؤخّر. (الطّبَريّ10 : 313)

قوله: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } أُمّهات المؤمنين، { وَتُؤْى‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } يعني: نساء النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و يعني بالإرجاء: يقول: من شئت خلّيت سبيله منهنّ.و يعني بالإيواء: يقول: من أحببت أمسكت منهنّ. (الطّبَريّ10 : 313)

تُطلّق من تشاء من نسائك، و تُمسك من تشاء منهنّ. (الماوَرْديّ 4 : 415)

خيّره الله بين طلاقهنّ و إمساكهنّ. (الطُّوسيّ 8 : 354)

مُجاهِد: تعزل بغير طلاق من أزواجك من تشاء، { وَتُؤْى‘ اِلََيْكَ مَنْ تَشَاءُ }: تردّها إليك. (الطّبَريّ 10 : 313)

تعزل من شئت من أزواجك فلاتأتيها، و تأتي من شئت من أزواجك فلاتعزلها. (الماوَرْديّ 4 : 415)

الضّحّاك: فما شاء صنع في القسمة بين النّساء، أحل الله له ذلك. (الطّبَريّ 10 : 313)

الحسَن: كان نبيّ الله (صلی الله علیه و آله) إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها، حتّى يتزوّجها أو يتركها. (الطّبَريّ 10 : 314)

تترك نكاح من تشاء، و تنكح من تشاء. (الماوَرْديّ 4 : 415)

قَتادَة: فجعله الله في حلّ من ذلك أن يَدَع من يشاء منهنّ، و يأتي من يشاء منهنّ بغير قسم، وكان نبيّ الله يقسم. (الطّبَريّ10: 313)

تؤخّر من تشاء من أزواجك، و تضمّ إليك من تشاء منهنّ. (الماوَرْديّ 4 : 415)

ابن زَيْد: كان أزواجه قد تغايَرْن على النّبيّ (صلی الله علیه و آله) فهجرهنّ شهرً ا، ثمّ نزل التّخيير من الله له فيهنّ، فقرأ حتّى بلغ { وَ لاتَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الاُ_ولى "} الأحزاب : 33، فخيّرهنّ بين أن يخترن أن يُخلّي سبيلهنّ و يُسرّحهنّ، و بين أن يُقمنَ إن أردن الله و رسوله على أنّهنّ أُمّهات المؤمنين، لاينكحن أبدً ا. و على أ نّه يؤوي إليه من يشاء منهنّ ممّن وهبت نفسها له، حتّى يكون هو يرفع رأسه إليها، و يُرجيمن يشاء حتّى يكون هو يرفع رأسه إليها، و من ابتغى ممّن هي عنده و عزل فلاجناح عليه... (الطّبَريّ 10 : 314)

أبورزين:و كان ممّن آوى إليه عليه الصّلاة والسّلام: عائشة و حفصة و زينب و أُمّ سلمة، فكان قسمه من نفسه لهنّ سوى قسمه. و كان ممّن أرجى: سُودة و جويرية و صفيّة و أُمّ حبيبة و ميمونة، فكان يقسم لهنّ ما شاء، و كان أراد أن يفارقهنّ، فقلن له: أقسم لنا من نفسك ما شئت، و دعنا نكون على حالنا. (الطّبَريّ 10 : 313)

الطّبَريّ: اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُ-ؤْى‘‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } فقال بعضهم: عنى بقوله: { تُرْجى‘ }: تؤخّر، و بقوله: { تُؤْى‘ }: تضمّ.

وقال آخرون: معنى ذلك: تُطلّق و تُخلّي سبيل من شئت من نسائك، و تُمسك من شئت منهنّ فلاتُطلّق.

و قال آخرون: بل معنى ذلك: تترك نكاح من

شئت، و تنكح من شئت من نساء أُمّتك.

و قيل: إنّ ذلك إنمّا جعل الله لنبيّه حين غار بعضهنّ على النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و طلب بعضهنّ من النّفقة زيادةً على الّذي كان يعطيها، فأمره الله أن يخيّرهنّ بين الدّ ار الدّنيا و الآخرة، و أن يُخلّي سبيل من اختار الحياة الدّنيا و زينتها، و يُمسك من اختار الله و رسوله. فلمّا اختَرْن الله و رسوله قيل لهنّ: اقْررن الآن على الرّضا بالله و برسوله، قسَم لَكُنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) أو لم يقسم، أو قسَم لبعضكنّ ولم يقسم لبعضكنّ، و فضّل بعضكنّ على بعض في النّفقة أو لم يفضّل، سَوّى بينكنّ، أولم يُسَوّ، فإنّ الأمر في ذلك إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله)، ليس لكم من ذلك شيء، و كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) فيما ذُكر مع ما جعل الله له من ذلك يسوّي بينهنّ في القسم، إلا امرأة منهنّ أراد طلاقها، فرضيت بترك القسم لها.

و أولى الأقوال في ذلك عندي بالصّواب أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره جعل لنبيّه أن يُرجي من النّساء اللّواتي أحلّهنّ له من يشاء، و يُؤوي إليه منهنّ من يشاء؛ و ذلك أ نّه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللّواتي كنّ في حباله عندما نزلت هذه الآية دون غيرهنّ، ممّن يستحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهنّ. وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: تؤخّر من تشاء ممّن وهبت نفسها لك، و أحللت لك نكاحها،فلاتقبلها و لاتنكحها، أو ممّن هنّ في حبالك، فلاتقربها. و تضمّ إليك من تشاء ممّن وهبت نفسها لك، أو أردت من النّساء اللا تي أحللت لك نكاحهنّ، فتقبلها أو تنكحها، و ممّن هي في حبالك، فتُجامعها إذا شئت و تتركها إذا شئت، بغير قَسْم. (10 : 312)

الزّجّاج:{ تُرْجى ‘} بالهمز و غير الهمز، و الهمز أكثر و أجود، و معنى{ تُرْجى ‘} تؤخّر بالهمز و غير الهمز، المعنى واحد. و هذا ممّا خصّ الله به النّبيّ فكان له أن يؤخّر من أحبّ من نسائه و يؤوي إليه من أحبّ من نسائه، و ليس ذلك لغيره من أُمّته، و له أن يَرُدّ من أخّر إلى فراشه . (4 : 233)

الطُّوسيّ: قرأ ابن كثير و أبوعمرو و ابن عامر و أبوبكر عن عاصم ( تُرْجِئُ) مهموزة. الباقون بغير همز. من هَمَز خفّفها و من ترك الهمز ليَّن، و هما لغتان، يقال: أرْجأت و أرْجَيتُ.

هذا خطاب من الله تعالى لنبيّه محمّد (صلی الله علیه و آله) يخيّره في نسائه بين أن يُرجئ منهنّ من شاء، أي تؤخّر و تُبعد.

قال قوم: معناه تترك نكاح من شئت و تنكح من شئت من نساء أُمّتك...و قال زَيْد بن أسلم: نزلت في اللا تي وَهَبْن أنفسهنّ، فقال الله له تزوّج من شئت منهنّ و اتْرُك من شئت، و هو اختيار الطّبَريّ، و هو أليق بما تقدّم.

فالإرجاء هو التّأخير، و هو من تبعيد وقت الشّيء عن وقت غيره؛ و منه الإرجاء في فُسّاق أهل الصّلاة، و هو تأخير حكمهم بالعقاب إلى الله. (8 : 354)

المَيْبُديّ: { تُرْجى‘ } أي تؤخّر، { مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤْى‘ اِِلَيْكَ } أي تضمّ إليك من تشاء.

الإرجاء: تأخير المرأة من غير طلاق، و الإيواء: إمساك المرأة على القَسْم السّويّ من غير إرجاء.

قال أهل التّفسير: كان التّسوية بينهنّ في القَسْم واجبًا عليه، فلمّا نزلت هذه الآية سقط عنه، و صار الاختيار إليه فيهنّ. (8 : 70)

الزّمَخْشَريّ: رُوي أنّ أُمّهات المؤمنين حين تغايَرْن و ابتغين زيادة النّفقة و غظْنَ رسول الله (صلی الله علیه و آله) هجَرهُنّ شهرً ا، و نزل التّخيير فأشْفَقْن أن يُطلّقهُنّ فقُلن: يا رسول الله افرض لنا من نفسك و مالك ما شئت. و روي أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إنّي أرى ربّك يسارع في هواك { تُرْجى‘ } بهمز و غير همز:تؤخّر { وَ تُؤْى ‘} تضمّ، يعني تتركمضاجعة من تشاء منهنّ. و تضاجع من تشاء. أو تُطلّق من تشاء و تُمسك من تشاء. أو لاتقسم لأيّتهنّ شئت و تقسم لمن شئت. أوتترك تزوّج من شئت من نساء أُمّتك و تتزوّج من شئت. (3 : 269)

ابن عَطيّة: { تُرْجى‘ } معناه تؤخّر. [ثمّ نقل القراءتين و قال:]

{ وَتُؤْى‘ } معناه: تضمّ و تُقرّب.

و قال المُبَرِّد: هو معدّى رَجَى يَرْجُو، تقول: رَجَا الرّجل و أرْجَيتُه: جعَلتُه ذا رجاء. و معنى هذه الآية: أنّ الله فسح لنبيّه فيما يفعله في جهة النّساء. و الضّمير في { مِنْهُنَّ } عائد على من تقدّم ذكره من الأصناف، حسب الخلاف المذكور في ذلك.

و هذا الإرجاء و الإيواء يحتمل معاني:

منها: أنّ معناه في القَسْم أن تُقرّب من شئت في القسمة لها من نفسك، و تؤخّر عنك من شئت، و تُكثر لمن شئت، و تُقلّ لمن شئت، لاحرج عليك في ذلك. فإذا علمن هُنّ أنّ هذا هو حكم الله تعالى لك و قضاؤه، زالت الأ نَفة و التّغاير عنهنّ، و رضين و قرّت أعينهنّ، و هذا تأويل مُجاهِد و قَتادَة و الضّحّاك.

لأنّ سبب هذه الآيات إنمّا كان تغايرً ا وقع بين زوجات النّبيّ (صلی الله علیه و آله) عليه فشقي بذلك، ففسح الله له، و أنّبهنّ بهذه الآيات.

و قال أبورزين و ابن عبّاس: المعنى: في طلاق من شاء ممّن حصل في عصمته و إمساك من شاء. قال أبوزَيْد: و كان رسول الله (صلی الله علیه و آله) قد همّ بطلاق بعض نسائه، فقلن له: أقسم لنا ما شئت... و قال الحسَن بن أبي الحسَن: المعنى: في تزويج من شاء من النّساء و ترك من شاء. و قالتفرقة: المعنى: في ضمّ من شاء من الواهبات و تأخير من شاء.

و على كلّ معنى، فالآية معناها التّوسعة على رسول الله (صلی الله علیه و آله) و الإباحة له. قالت عائشة: لمّا قرأ عليّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) هذه الآية قلت: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك.

و ذهب هبة الله في < النّاسخ و المنسوخ > له، إلى أنّ قوله: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ } الآية ناسخ لقوله:{ لايَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } الأحزاب : 52، و قال: ليس في كتاب الله تعالى ناسخ تقدّم المنسوخ إلا هذا. و كلامه يُضعّف من جهات... (4 : 392)

الطَّبْرِسيّ: نزلت الآية الأُولى حين غار بعض أُمّهات المؤمنين على النّبي (صلی الله علیه و آله)، و طلب بعضهنّ زيادة النّفقة، فهَجَرهنّ شهرً ا حتّى نزلت آية التّخيير، فأمره الله تعالى أن يخيّرهنّ بين الدّنيا و الآخرة، و أن يُخلّي

سبيل من اختار الدّنيا، و يُمسك من اختار الله تعالى و رسوله، على أ نّهنّ أُمّهات المؤمنين، و لاينكحن أبدً ا. و على أ نّه يؤوي من يشاء منهنّ، و يُرجي من يشاء منهنّ، ويرضين به، قسَم لهنّ، أو لم يقسم، أو قسَم لبعضهنّ، و لم يقسم لبعضهنّ، أو فضّل بعضهنّ على بعض في النّفقة و القسمة و العِشْرة، أو سوّى بينهنّ، و الأمر في ذلك إليه، يفعل ما يشاء، و هذه من خصائصه (صلی الله علیه و آله)، فرضين بذلك كلّه، و اخترنه على هذا الشّرط.

فكان (صلی الله علیه و آله) يُسوّي بينهنّ مع هذا إلا امرأةً منهنّ أراد طلاقها، و هي سُودة بنت زَمْعَة، فرضيت بترك القسم، و جعلت يومها لعائشة، عنابن زَيْد و غيره. و قيل: لم-ّا نزلت آية التّخيير، أشفقن أن يُطلّقن، فقلن: يا نبيّ الله، اجعل لنا من مالك و نفسك ما شئت، و دعنا على حالنا. (4 : 366)

الفَخْرالرّ ازيّ: لم-ّا بيّن أ نّه أحلّ له ما ذكرنا من الأزواج، بيّن أ نّه أحلّ له وجوه المعاشرة بهنّ حتّى يجتمع كيف يشاء، و لايجب عليه القَسْم؛ و ذلك لأنّ النّبيّ بالنّسبة إلى أُمّته نسبة السّيّد المطاع.و الرّجل و إن لم يكن نبيًّا، فالزّوجة في ملك نكاحه و النّكاح عليها رقّ، فكيف زوجات النّبيّ بالنّسبة إليه. فإذن هنّ كالمملوكات له، و لايجب القسم بين المملوكات. و الإرجاء: التّأخير، و الإيواء: الضّمّ، { وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَ لْتَ } يعني إذا طلبت من كنت تركتها، فلاجناح عليك في شيء من ذلك.

و من قال: بأنّ القَسْم كان واجبًا مع أ نّه ضعيف بالنّسبة إلى المفهوم من الآية، قال: المراد: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ } أي تؤخّرهنّ إذا شئت؛ إذ لايجب القَسْم في الأوّ ل، و للزّوج أن لاينام عند أحد منهنّ، { وَ اِنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّن ْعَزَلْتَ فَلاجُنَاحَ عَلَيْكَ}، فابدأ بمن شئت و تمّم الدّور، و الأوّ ل أقوى. (25 : 221)

أبوالسُّعود: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } أي تؤخّرها، و تترك مضاجعتها، { وَتُ-ؤْى‘‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} و تضمّ إليك من تشاء منهنّ و تضاجعها، أو تُطلّق من تشاء منهنّ، و تُمسك من تشاء.

و قرئ ( تُرْجِئُ )بالهمزة، و المعنى واحد. (5 : 234)

البُرُوسَويّ: قرأ نافع و حمزة و الكِسائيّ و حفص و أبوجعفر { تُرْجى‘ } بياء ساكنة، و الباقون ( تُرْجِئُ ) بهمزة مضمومة، و المعنى واحد؛ إذ الياء بدل من الهمزة. و ذكر في < القاموس > في الهمزة: أرجأ الأمر: أخّره، و تَرْك الهمزة لغة. و في النّاقص الإرجاء: التّأخير، و هو بالفارسيّة < وابس افكندن >.

قال في < كشف الأسرار >: الإرجاء: تأخير المرأة من غير طلاق، و المعنى: تؤخّر يا محمّد من تشاء من أزواجك، و تترك مضاجعتها من غير نظر إلى نوبة و قَسْم و عدل. { وَتُ-ؤْى‘‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } يقال: آوى إلى كذا، أي انضمّ، و آواه غيره إيواءً، أي وتضمّها إليك و تضاجعها، من غير التفات إلى نوبة و قسمة أيضًا. فالاختيار بيديك في الصّحبة بمن شئت، و لو أيّامًا زائدة على النّوبة، وكذا في تركها، أو تُطلّق من تشاء منهنّ و تُمسك من تشاء، أو تترك تزوّج من شئت من نساء أُمّتك و تتزوّج من شئت، كما في < بحر

العلوم >. (7 : 207)

الآلوسي: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } أي تؤخّر من تشاء من نسائك، و تترك مضاجعها، { وَ تُ-ؤْى‘‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } و تضمّ إليك من تشاء منهنّ و تضاجعها، و روي هذا عن قَتادَة، و عن ابن عبّاس و الحسَنن، أي تُطلّق من تشاء منهنّ و تُمسك من تشاء.

و قال بعضهم: الإرجاء و الإيواء لإطلاقهما يتناولان ما في التّفسيرين و ما ذكر فيهما، فإنمّا هو من باب التّمثيل، و لايخلو عنحُسْن. و في رواية عن الحسَن أنّ ضمير { مِنْهُنَّ } لنساء الأُمّة، و المعنى: تترك نكاح من تشاء من نساء أُمّتك، فلاتنكح، وتنكح منهنّ من تشاء. (22 : 61)

ابن عاشور: و الإرجاء: حقيقته التّأخير إلى وقت مستقبل. يقال: أرْجأت الأمر و أرْجَيْتُه مهموزً ا و مخفّفًا، إذا أخّرته. و فعله ينصرف إلى الأحوال لاالذّوات، فإذا عُدّي فعله إلى اسم ذات، تعيّن انصرافه إلى وصف من الأوصاف المناسبة، و الّتي تراد منها. فإذا قلت: أرْجأت غريمي، كان المراد: أ نّك أخّرت قضاء دينه إلى وقت يأتي.

و الإيواء: حقيقته جعل الشّيء آويًا، أي راجعًا إلى مكانه. يقال: آوى، إذا رجع إلى حيث فارق، و هو هنا مجاز في مطلق الاستقرار، سواء كان بعد إبعاد أم بدونه، و سواء كان بعد سبق استقرار بالمكان أم لم يكن.و مقابلة الإرجاء بالإيواء تقتضي أنّ الإرجاء مراد منه ضدّ الإيواء، أو أنّ الإيواء ضدّ الإرجاء، و بذلك تنشأ احتمالات في المراد من الإرجاء و الإيواء، صريحهما و كنايتهما.

فضمير { مِنْهُنَّ } عائد إلى النّساء المذكورات، ممّن هُنّ في عصمته، و من أحلّ الله له نكاحهنّ غيرهنّ من بنات عمّه و عمّاته و خاله وخالاته، و الواهبات أنفسهن، فتلك أربعة أصناف:

الصّنف الأوّ ل: و هنّ اللا ئي في عصمة النّبيّ عليه الصّلاة و السّلام، فهنّ متّصِلْنَ به، فإرجاء هذا الصّنف ينصرف إلى تأخير الاستمتاع إلى وقت مستقبليريده، و الإيواء ضدّه. فيتعيّن أن يكون الإرجاء منصرفًا إلى القَسْم، فوسّع الله على نبيّه (صلی الله علیه و آله) بأن أباح له أن يسقط حقّ بعض نسائه في المبيت معهنّ، فصار حقّ المبيت حقًّا له لالهنّ، بخلاف بقيّة المسلمين. و على هذا جرى قول مُجاهِد و قَتادَة وأبي رزين، قاله الطّبَريّ.

و قد كانت إحدى نساء النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أسقطت عنه حقّها في المبيت، و هي سُودة بنت زَمْعَة، و هبت يومها لعائشة، فكان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يقسم لعائشة بيومها و يوم سُودة، و كان ذلك قبل نزول هذه الآية، و لم-ّا نزلت هذه الآية صار النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام مخيّرً ا في القَسْم لأزواجه. و هذا قول الجمهور، قال أبوبكر بن العَرَبيّ: و هو الّذي ينبغي أن يُعوّل عليه. و هذا تخيير للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) إلا أ نّه لم يأخذ لنفسه به تكرّمًا منه على أزواجه. قال الزُّهريّ. ما علمنا أنّ رسول الله أرجأ أحدً ا من أزواجه بل آواهنّ كلّهنّ.

قال أبوبكر بن العَرَبيّ: و هو المعنى المراد. و قال أبورزين العُقَيْليّ: أرجأ ميمونة و سُودة وجويرية و أُمّ

حبيبة و صفيّة ، فكان يقسم لهنّ ما شاء، أي دون مساواة لبقيّة أزواجه. و ضعّفه ابن العَرَبيّ.

و فُسّر الإرجاء بمعنى التّطليق، و الإيواء بمعنى الإبقاء في العصمة، فيكون إذنًا له بتطليق من يشاء تطليقها، و إطلاق الإرجاء على التّطليق غريب.

و قد ذكروا أقوالا أُخر و أخبارً ا في سبب النّزول، لم تصحّ أسانيدها، فهي آراء لايوثق بها.و يشمل الإرجاء الصّنف الثّاني، و هنّ ما ملكت يمينه، و هو حكم أصليّ؛ إذ لايجب للإماء عدل في المعاشرة، و لافي المبيت.

و يشمل الإرجاء الصّنف الثّالث، و هنّ: بنات عمّه و بنات عمّاته و بنات خاله و بنات خالاته، فالإرجاء: تأخير تزوّج مَن يحلّ منهنّ، و الإيواء: العقد على إحداهنّ، و النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لم يتزوّج واحدة بعد نزول هذه الآية؛ و ذلك إرجاء العمل بالإذن فيهنّ إلى غير أجل معيّن.

و كذلك إرجاء الصّنف الرّ ابع اللا ئي وهَبْن أنفسهنّ، سواء كان ذلك واقعًا بعد نزول الآية أم كان بعضه بعد نزولها، فإرجاؤهنّ عدم قبول نكاح الواهبة، عُبّر عنه بالإرجاء إبقاءً على أملها أن يقبلها في المستقبل، و إيواؤهنّ قبول هبتهنّ.

قرأ نافع و حمزة و الكِسائيّ و حفص عن عاصم و أبوجعفر و خلف { تُرْجى‘ } بالياء التّحتيّة في آخره، مخفّف < تُرْجِئ > المهموز. و قرأه ابن كثير و ابن عامر و أبوعمرو و أبوبكر عن عاصم و يعقوب ( تُرْجِئُ ) بالهمز في آخره. و قال الزّجاج: الهمز أجود و أكثر. و المعنى واحد.

و اتّفق الرّواة على أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) لم يستعمل مع أزواجه ما أُبيح له أخذًا منه بأفضل الأخلاق، فكان يعدل في القَسْم بين نسائه، إلا أنّ سُودة وهَبَتْ يومها لعائشة طلبًا لمسرّة رسول الله (صلی الله علیه و آله). (21 : 297)

الطَّباطَبائيّ: الإرجاء: التّأخير و التّبعيد، و هو كناية عن الرّدّ، و الإيواء: الإسكان في المكان، و هو كناية عنالقبول و الضّمّ إليه. و السّياق يدلّ على أنّ المراد به أ نّه (صلی الله علیه و آله) على خيرة من قبول من وهَبَتْ نفسها له أو ردّه. (16 : 335)

عبد الكريم الخطيب:الإ‘رجاء: الإمهال و الإنظار، و الإيواء: الضّمّ و الجمع. و الآية ترسم السّياسة الّتي يأخذ بها النّبيّ هذا العدد الكثير من النّساء اللا ئي جمعهنّ إليه.

إنّهنّ إذا حاسبن النّبيّ محاسبة الزّوجات لأزواجهنّ، و اقتضين حقوق الزّوجيّة كاملة منه، كان ذلك عِبئًا ثقيلا على النّبيّ، الّذي يحمل أعباء ثقالا تنوء بها الجبال، في إقامة بناء المجتمع الإسلاميّ،و إرساء قواعد الدّين.

فكان من رحمة الله برسوله، و إحسانه إليه، أن أخلى يديه جميعًا من تلك الواجبات المفروضة على الرّجال قبل أزواجهم في المعاشرة و المباشرة؛ و ذلك حتّى يفرغ النّبيّ للمهمّة العظيمة الّتي أقامه الله عليها.

فللنّبيّ أن يُرجئ من يشاء من نسائه، بمعنى أن يتجنّبهنّ تجنّ-بًا مؤقّتًا من غير طلاق، و له صلوات الله و سلامه عليه أن يضمّ إليه من يشاء من نسائه، و أن

يقسم بينهنّ كيف يشاء، ثمّ إنّ له بعد هذا أن يضمّ إليه من أرجأ منهنّ ،إذا رغب فيها.

فذلك كلّه، تخفيف عن النّبيّ، و رفع لإعناته و إرهاقه بعد أن حمل هذا العِبْ‌ء الثّقيل من النّساء إلى جانب ما حمل من أعباء ثقال. (11 : 739)

مكارم الشّيرازيّ: { تُرْجى‘ } من الإرجاء، أي التّأخير، { وتُؤْى‘ } من الإيواء، و يعني استضافة شخص في بيتك.

و نعلم أنّ أحكام الإسلام في شأن الزّوجات المتعدّدة تقضي بأن يُقسّم الزّوج أوقاته بينهنّ بصورة عادلة، فإن بات ليلة عند واحدة، فيجب أن يبيت اللّيلة الأُخرى عند غيرها، إذ لافرق و لااختلاف بين النّساء من هذه الجهة، و يُعبّرون عن هذا الموضوع في الكتب الفقهيّة الإسلاميّة بحقّ القَسْم.

فكانت إحدى مختصّات النّبيّ (صلی الله علیه و آله) هي سقوط رعاية حقّ القَسْم منه بحكم الآية أعلاه؛ و ذلك نتيجة للظّروف الخاصّة الّتي كان يعيشها، والأوضاع المضطربة الّتي كانت تحيط به من كلّ جانب، و خاصّة أنّ الحرب كانت تفرض عليه كلّ شهر تقريبًا، و كان له في نفس الوقت زوجات متعدّدة، و بسقوط هذا الواجب عنه، فقد كان قادرً ا على أن يقسم أوقاته كيف يشاء، غير أ نّه (صلی الله علیه و آله)كان يُراعي تحقيق العدالة ما أمكن رغم هذه الظّروف، كما جاء ذلك في التّواريخ الإسلاميّة صريحًا.

إلا أنّ وجود هذا الحكم الإلهيّ قد منح نساء النّبيّ الرّ احة و الاطمئنان، و أضفى على حياته الدّ اخليّة الهدوء و السّكينة. (13 : 290)

فضل الله: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } فتؤخّرها و تُبعدها عنك في هجرانها مدّة، تبعًا لظروفك الخاصّة و العامّة، الدّ اخليّة و الخارجيّة، { وَتُؤْى‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ }، أي تُقرّبها إليك و تعاشرها، من خلال طبيعة المعطيات الّتي تتحرّ ك فيها أفعالك و علاقاتك، و ليس ذلك الأمر حتمًا مقضيًّا لازمًا لك؛ بحيث لاتستطيع الرّجوع عنه. (18 : 334)

اَرْجِهْ

11- قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ وَ اَرْسِلْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرينَ‘. الأعراف : 111

ابن عبّاس: أخّره. (الطّبَريّ 6 : 19)

مثله الحسَن. (الماوَرْديّ 2 : 245)

قَتادَة: أحبسه و أخاه. (الطّبَريّ 6 : 19)

مثله الكَلْبيّ. (الماورديّ2: 245)

الفَرّ اء: جاء التّفسير: أحبسهما عندك و لاتقتلهما. و الإرجاء: تأخير الأمر، و قد جزم الهاء حمزة و الأعمش. و هي لغة للعرب، يقفون على الهاء المكنّى عنها في الوصل إذا تحرّ ك ما قبلها. وكذلك بهاء التّأنيث، فيقولون: هذه طَلْحَهْ قد أقبلت، جزم. [ و استشهد بالشّعر مرّتين] (1 : 388)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: قال الملأ من قوم فرعون لفرعون: أرْجِئْه، أي أخّره.

وقال بعضهم: معناه: احْبِس.

و الإرجاء في كلام العرب: التّأخير. يقال منه: أرْجَيْتُ هذا الأمر و أرْجَأته، إذا أخّرته؛ و منه قول الله

تعالى: { تُرْجى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } الأحزاب : 51، تؤخّر، فالهمز من كلام بعض قبائل قيس، يقولون: أرْجَأت هذا الأمر، و ترك الهمز من لغة تميم و أسَد، يقولون: أرْجَيتُه.

واختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته عامّة قرأة المدينة و بعض العراقيّين (اَرْجِهِ) بغير الهمز، و بجرّ الهاء.

و قرأه بعض قرأة الكوفيّين { اَرْجِهْ } بترك الهمز و تسكين الهاء، على لغة من يقف على الهاء في المكنِّي في الوصل، إذا تحرّ ك ما قبلها. [ثمّ استشهد بشعر]

و قد يفعلون مثل هذابهاء التّأنيث، فيقولون: هذه طَلْحَهْ قد أقبلت.

و قرأه بعض البصريّين: ( اَرْجِئْهُ )بالهمز و ضمّ الهاء على لغة من ذكرت من قيس.

و أولى القراءات في ذلك بالصّواب، أشهرها وأفصحها في كلام العرب؛ و ذلك ترك الهمز وجرّ الهاء، و إن كانت الأُخرى جائزة، غير أنّ الّذي اخترنا أفصح اللُّغات و أكثرها على ألسن فصحاء العرب.

و اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله: { اَرْجِهْ }

فقال بعضهم: معناه: أخّره.

وقال آخرون. معناه احبسه. (6 : 18)

الزّجّاج: تفسير { اَرْجِهْ } أخّره، و معناه: أخّر أمره و لاتعجل في أمره بحكم، فتكون عجلتك حجّة عليك.

و في قوله: { اَرْجِهْ } ثلاثة أوجُه، قد قرئ بها: قرأ أبوعمرو ( اَرْجِئْهُ وَ اَخَاهُ )، و قرأ جماعة من القُرّ اء: ( اَرْجِهِ وَ اَخَاهُ )، و قرأ بعضهم: { اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ }، بإسكان الهاء، و فيهاأوجُه لاأعلمه قرئ بها. يجوز: اَرْجِهُو و أخاه، و أرْجِهي، و أرْجِئْهي، وأرْجِئْهُو بغير همز. فأمّا من قرأ{ اَرْجِهْ } بإسكان الهاء، فلايعرفها الحذّاق بالنّحو، و يزعمون أنّ هاء الإضمار اسم لايجوز إسكانها. و زعم بعض النّحويّين أنّ إسكانها جائز، و قد رُويت لعمري في القراءة، إلا أنّ التّحريك أكثر و أجود. و زعم أيضًا هذا أنّ هاء التّأنيث يجوز إسكانها، و هذا لايجوز، و استشهد في هذا بشعرمجهول، قالأنشدني بعضهم:

لم-ّارأى ألا دَعَهْ و لاشَبَعْ***مالَ إلى أرْطاة حِقْف فالطّجع

و هذا شعر لايُعرف قائله و لاهو بشيء، و لو قاله شاعر مذكورلقيل: أخطأ، لأنّ الشّاعرقد يجوز أن يخطئ.

و أنشد أيضًا آخر أجهل من هذا و هو قوله:

لست إذن لزَعْب-َلَهْ***إن لم أُغيّربَكْلَتي

إن لم أساو بالطّول

فجزم الهاء في < زَعْبَلَهْ > و جعلها هاء، و إنّما هي تاء في الوصل. و هذا مذهب لايُعرَج عليه. (2 : 365)

الفارِسيّ: اختلفوا في الهمز و إسقاطه، من قوله تعالى: { قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ } فقرأ ابن كثير ( اَرْجِئْهُو وَ اَخَاهُ ) مهموز بواو بعد الهاء في اللّفظ، و قرأ أبوعمرو مثله، غير أ نّه كان يضمّ الهاء ضمّة من غير أن يبلغ بها الواو، و كانا يهمزان ( مُرْجَؤُنَ ) التّوبة : 106،

و ( تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ ) الأحزاب : 51.

و قرأ نافع وحده ( اَرْجِهِ وَ اَخَاهُ )بكسر الهاء، و لايبلغ بها الياء، و لايهمز هذه رواية المسيّبيّو قالون.

و روى ورش عنه: ( اَرْجِهى‘ وَ اَخَاهُ ) يصلها بياء، و لايهمز بين الجيم و الهاء، و كذلك قال إسماعيل بن جعفر عن نافع.

و قال خلف و ابن سعدان عن إسحاق عن نافع: أنّه وصل الهاء بياء.

و قرأ ابن عامر ( اَرْجِئْهُ وَ اَخَاهُ ) في رواية هشام بن عمّار مثل أبيعمرو.

و في رواية ابن ذكوان: كسرها بالهمز و كسر الهاء ( اَرْجِئْهِ ) و همز(مُرْجَؤُنَ) و (تُرْجِئُ ). و هذا غلط، لايجوز كسر الهاء مع الهمز، و إنّما يجوز إذا كان قبلهاياء ساكنة أو كسرة.

و اختلف عن عاصم فروى هارون بن حاتِم عن حسين الجُحفيّ عن أبي بكر عن عاصم أ نّه قرأ مثل أبي عمرو(اَرْجِئْهُ) مضمومًا.

و قال خلف عن يحيى عن أبي بكر أ نّه ربّما كان هَمَزها و رفع الهاء.

و حدّثني محمّد بن الجهم عن ابن أبي اُميّة عن أبي بكر عن عاصم (اَرْجِئْهْ) مهموز ساكنة الهاء.

وقال محمّدبن الجهم فيمانحسب - شكّ ابن الجهم - بهمز الألف الّتي قبل الرّ اء.

و قال إبراهيم بن أحمد الوكيعيّ، عن أبي عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم (اَرْجِئْهْ) مهموز جزم. و حدّثني موسى بن إسحاق القاضي، عن أبي هشام عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم{ اَرْجِهْ } جَزْمٌ بغير همز.

و كذلك روى خلف عن يحيى عنه جزم.

و كذلك حدّثني عبد الله بن شاكر عن يحيى عن أبي بكر: بجزم الهاء، و الكِسائيّ عن أبي بكر عن عاصم: بجزم الهاء، و لم يذكر هو الهمز.

قال الأعشى عن أبي بكر عن عاصم: { اَرْجِهْ } بغير همز، و يهمز ( مُرْجَؤن ) و لايهمز { تُرْجى‘ } أبوالبحتريّ عن يحيى عن أبي بكر عنه أ نّه لايهمز { تُرْجى‘ } و لا{ مُرْجَوْنَ }.

و قال هبيرة عن حفص عن عاصم: أ نّه جزم الهاء فيالأعراف، و جرّها في الشّعراء : 36.

و قال غير هبيرة عن حفص: { اَرْجِهْ } جزم و لايهمز{ مُرْجَوْنَ } و { تُرْجى‘ }، و في الشّعراء { اَرْجِهْ } جزم، و كذلك قال و هيب بن عبد الله عن الحسن بن مبارك عن أبي حفص عمرو بن الصّباح عن أبي عمر عن عاصم.

و قرأ حمزة و الكِسائيّ { اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ }. و اختلفا في الهاء، فأسكنها حمزة مثل عاصم، و وصلها الكِسائيّ بياء، فقال: ( اَرْجِهئْ وَ اَخَاهُ ).

قال أبوزَيْد: أرْجَأت الأمر إرجاء، إذا أخرّته، فقوله: ( اَرْجِئْهُ ) أفْعِلْه، من هذا، و ضمّ الهاء مع الهمزة لايجوز غيره، و أن لايبلغ الواو أحسن، لأنّ الهاء خفيّة، فلو بلغ بها الواو لكان كأ نّه قد جمع بين ساكنين. ألاترى أنّ من قال: رُدُّ يا فتى، فضمّ، فإنّه إذا وصل بالدّ ال الضّمير المؤنّث قال: رُدّها، ففتح، كما تقول:

رُدًّ ا، لخفاء الهاء، فكذلك (اَرْجِئْهُ) لاينبغي أن يبلغ بها الواو، فيصير كأ نّه جمع بين ساكنين.

و من قال: ( اَرْجِئْهُو ) فألحق الواو، فلأنّ الهاء متحرّكة و لم يلتق ساكنان، لأنّ الهاء فاصل، فقال: ( اَرْجِئْهُو ) كما تقول: اضْرِبْهُو قبل، و لو كان مكان الباء حرف لين لكان وصلها بالواو أقبح، نحو عليهُو، لاجتماع حروف متقاربة، مع أنّ الهاء ليس بحاجز قويّ في الفصل، و اجتماع المتقاربة في الكراهة كاجتماع الأمثال.

قال: و قرأ نافع ( اَرْجِهِ و اَخَاهُ ) بكسر الهاء،و لايبلغ بها الياء، و لايهمز، هذه رواية المسيّبيّ و قالون.

و روى ورْش( اَرْجِهي ) يصلها بياء، و لايهمز بين الجيم و الهاء، و كذلك قال إسماعيل بن جعفر. وصل الهاء بياء إذا قال: ( اَرْجِهي) لأنّ هذه الهاء توصل في الإدراج بواو أوياء، نحو: بِهُو أو بِهي و ضَرَبهُو،و لاتقول في الوصل: بِهُ، و لابِه، و لاضربه حتّى تُشبع، فتقول: بهو فاعلم، و بهي داء، أو: بهُو داء، إلا في ضرورة شعر،كقوله:

• و ما له من مجد تليد *

و قرأ ابن عامر ( اَرْجِئْه وَ اَخَاهُ ) في رواية هشام بن عمّار مثل أبي عمرو، و في رواية ابن ذكوان كسرها بالهمز.كسر الهاء مع الهمز غلط، لايجوز، و إنّما يجوز إذا كان قبلها ياءٌ ساكنة أو كسرة، و لو خفّف الهمزة فقلبها ياءً، فقال: ( اَرْجِيْهِ ) فكسر الهاء لم يستقم، لأنّ هذه الياء في تقدير الهمزة، فكما لم يُدغِم نحو: رؤيا، إذا خُفّفت الهمزة، لأنّ الواو في تقدير الهمزة، كذلك لايحسن تحريك الهاء بالكسر مع الياء المنقلبة عن الهمز.

و قياس من قال: رُ يًّا، فأُدغم أن يحرّ ك الهاء أيضًا بالكسر، و على هذا المسلك قول من قال: ( اَنْبِيْهِمْ ) البقرة: 33، إذا كسر الهاء مع قلب الهمزة ياءً.

و اختلف عن عاصم فروى هارون بن حاتِم عن حسين الجُحفيّ عن أبي بكر عن عاصم أ نّه قرأ مثل قراءة أبي عمرو ( اَرْجِئه ) مهموز.

و قال خَلَف عن يحيى عن أبي بكر عن عاصم أ نّه كان ربّما همزها و رفع الهاء.

و روى أبان عن عاصم: { اَرْجِهْ } جزم. قال أبوعليّ: و هذا لأ نّه قد جاء في أرْجَأتُ لغتان: أرْجَأت، و أرْجَيْتُ، و إذا قال: { اَرْجِهْ }كان من أرْجَيْتُ. (2 : 255)

نحوه الطُّوسيّ (4 : 526)، و ابن عَطيّة ملخّصًا (2 : 437).

الزّمَخْشَريّ: و معنى ( اَرْجِئْه و اَخَاهُ ): أخّرهما، و أصدرهما عنك حتّى ترى رأيك فيهما و تدبّر أمرهما. و قيل: احبسوهما. و قرئ ( اَرْجِئْه ) بالهمزة و { اَرْجِهْ } من أرجأه و أرجاه. (2 : 102)

الطَّبْرِسيّ: [ نقل القراءات و توجيهها إلى أن قال:]

أي: قالوا لفرعون: أخّره و أخاه هارون،و لاتعجل بالحكم فيهما بشيء، فتكون عجلتك حجّة عليك، عن الزّجّاج. و قيل: أخّره، أي احبسه. و الأوّ ل

أصحّ، لأ نّه كان يعلم أ نّه لايقدر على حبسه، مع ما رأى من تلك الآيات. (2 : 459)

الفَخْرالرّ ازيّ: اعلم أنّ في الآية مسائل:

المسألة الأُولى: [في القراءات و توجيهها]

المسألة الثّانية: في تفسير قوله: { اَرْجِهْ } قولان:

الأوّ ل: الإرجاء: التّأخير، فقوله: { اَرْجِهْ }، أي أخّره. و معنى أخّره، أي أخّر أمره و لاتعجل في أمره بحكم، فتصير عجلتك حجّة عليك، و المقصود أ نّهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم، ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى . [و استشهدبالشّعرمرّتين]

القول الثّاني: و هو قول الكَلْبيّ و قَتادَة { اَرْجِهْ } احبسه.

قال المحقّقون: هذا القول ضعيف لوجهين:

الأوّ ل: أنّ الإرجاء في اللُّغة هو التّأخيرلاالحبس.

و الثّاني: أنّ فرعون ما كان قادرً ا على حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا. (14 : 198)

القُرطُبيّ: [نقل القراءات و أضاف:]

وقال ابن عبّاس: أخّره. و قيل: { اَرْجِهْ } مأخوذ من رجا يَرْجُو، أي أطمعه و دَعْه يَرْجُو، حكاه النّحّاس عن محمّد بن يزيد. و كسر الهاء على الإتباع، و يجوز ضمّها على الأصل. و إسكانها لحن لايجوز إلا في شذوذ من الشّعر،{ وَ اَخَاهُ } عطف على الهاء. (7 : 257)

أبوحَيّان: أي قال من حضر مناظرة موسى من عقلاء ملإفرعون و أشرافه، قيل: و لم يكن يجالس فرعون ولدغَيّة، و إنمّا كانوا أشرافًا، و لذلك أشاروا عليه بالإرجاء، و لم يشيروابالقتل، و قالوا: إن قتلته دخلت على النّاس شبهة، و لكن أغْلِبْه بالحجّة.

و قرئ بالهمز و بغير همز، فقيل: هما بمعنى واحد. و قيل: المعنى احبسه. و قيل: { اَرْجِهْ } بغير همز: أطمعه، جعله من رجوت، أدخل عليه همزة الفعل، أي أطمعه و أخاه، و لاتقتلهما حتّى يظهر كذبهما، فإنّك إن قتلتهما ظنّ أ نّهما صدقا. (4 : 359)

أبوالسُّعود: {قَالَ الْمَلاُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ} الأعراف: 109، أي الأشراف منهم، و هم أصحاب مشورته: { اِنَّ هذَ ا لَسَاحِرٌعَليمٌ‘ } أي مبالغ في علم السّحر ما هِرفيه، قالوه تصديقًا لفرعون، و تقريرً ا لكلامه، فإنّ هذا القول بعينه معزيٌّ في سورة الشّعراء إليه. { يُريدُ‘ اَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ اَرْضِكُمْ } أي من أرض مصر { فَمَاذَا تَاْمُرُونَ }. [إلى أن قال:]

و قيل: قاله الملأ من قبله بطريق التّبليغ إلى العامّة. فقوله تعالى: { قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ } على الأوّ ل، و هو الأظهر، حكاية لكلام الملإ الّذين شاورهم فرعون، و على الثّاني لكلام العامّة الّذين خاطبهم الملأ و يأباه أنّ الخطاب لفرعون، و أنّ المشاورة ليست وظائفهم، أي أخّره و أخاه، و عدم التّعرّض لذكره لظهور كونه معه، حسبما تنادي به الآيات الأُخر، و المعنى: أخّر أمرهما و أصدرهما عنك، حتّى ترى رأيك فيهما و تدبّر شأنهما. (3 : 15)

الآلوسيّ: أي أخّر أمرهما و اصدرهما عنك، و لاتعجل في أمرهما حتّى ترى رأيك فيهما. و قيل:

احبسهما و اعترض بأ نّه لم يثبت منه الحبس.

و أُجيب بأنّ الأمر به لايوجب وقوعه. و قيل عليه أيضًا: إنّه لم يكن قادرً ا على الحبس بعد أن رأى مارأى، و قوله: { لاَجْعَلَنَّكَ مِنَ المْ-َسْجُونينَ‘ } في الشّعراء : 29، كان قبل هذا.

و أُجيب بأنّ القائلين لعلّهم لم يعلموا ذلك منه. و قال أبومنصور: الأمر بالتّأخير دلّ على أ نّه تقدّم منه أمر آخر، و هو الهمّ بقتله، فقالوا: أخّره ليتبيّن حاله للنّاس، و ليس بلازم كما لايخفى.

و أصل { اَرْجِهْ }: أرْجِئْهُبهمزة ساكنة وهاء مضمومة دون واو، ثمّ حُذفت الهمزة و سُكّنت الهاء لتشبيه المنفصل بالمتّصل، و جُعل: جه، و كابل في إسكان وسطه، و بذلك قرأ أبوعمرو و أبوبكر و يعقوب، على أ نّه من < أرجأت > و كذلك قراءة ابن كثير و هشام و ابن عامر ( ارْجئْهُو ) بهمزة ساكنة و هاء متّصلة بواو الإشباع.

و قرأ نافع في رواية ورْش و إسماعيل و الكِسائيّ ( ارْجهي ) بهاء مكسورة بعدها ياء من < أرْجَيْتُ > و في رواية قالون ( أنّ (اَرْجِهْ ) بحذف الياء للاكتفاء عنها بالكسرة. و قرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان ( ارْجئْه ) بالهمزة و كسر الهاء. و قد ذكر بعضهم أنّ ضمّ الهاء و كسرها و الهمز و عدمه لغتان مشهورتان، و هل هما مادّتان أو الياء بدل من الهمزة كتوضّأت و توضّيت؟ قولان.

و طُعن في القراءة على رواية ابن ذكوان، فقال الحوفيّ: إنّها ليست بجيّدة، و قال الفارسيّ: إنّ ضمّ الهاء مع الهمزة لايجوز غيره، وكسرها غلط، لأنّ الهاء لاتُكسر إلا بعد ياء ساكنة أو كسرة. و أُجيب كماقال الشّهاب عنه: بوجهين:

أحدهما: أنّ الهمزة ساكنة،و الحرف السّاكن حاجز غير حصين، فكأنّ الهاء وُليت الجيم المكسورة، فلذا كسرت.

والثّاني: أنّ الهمزة عُرضَة للتّغيير كثيرً ا بالحذف، و إبدالها ياء إذا سُكّنت بعد كسرة، فكأ نّها وُليت ياء ساكنة، فلذا كُسرت. وأورد على ذلك أبوشامة أنّ الهمزة تُعدّ حاجزً ا، و أنّ الهمزة لو كانت ياء كان المختار الضّمّ، نظرً ا لأصلها، و ليس بشيء بعد أن قالوا: إنّ القراءة متواترة، و ما ذكر لغة ثابتة عن العرب. هذا. واستشكل الجمع بين ( مَا ) هنا و ( مَا ) في الشّعراء، فإنّ فيها { قَالَ لِلْمَلاِ حَوْلَهُ اِنَّ هذَ ا لَسَاحِرٌ عَليمٌ‘ * يُريدُ‘ اَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ اَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَاْمُرُونَ } الشّعراء: 34 ، 35، و هو صريح في { اِنَّ هذَ ا لَسَاحِرٌ } إلى { فَمَاذَا تَاْمُرُونَ } كلام فرعون،و ( ما ) هنا صريح في نسبة قول ذلك للملإ، و القصّة واحدة، فكيف يختلف القائل في الموضعين، و هل هذا إلا منافاة؟

و أُجيب: بأنّه لامنافاة لاحتمالين:

الأوّ ل: أنّ هذا الكلام قاله فرعون و الملأ من قومه، فهو كوقع الحافر على الحافر، فنقل في الشّعراء كلامه و هنا كلامهم.

و الثّاني: أنّ هذا الكلام قاله فرعون ابتداءً، ثمّ قاله الملأ: إمّا بطريق الحكاية لأولادهم و غيرهم، و إمّا

بطريق التّبليغ لسائر النّاس، ف- ( مَا ) في الشّعراء: كلام فرعون ابتداءً، و ( ما ) هنا كلام الملإ نقلا عنه.

و اختار الزّمَخْشَريّ أنّ ( مَا ) هنا هو قول الملإ، نقلا عن فرعون بطريق التّبليغ لاغير، لأنّ القوم لم-ّا سمعوه خاطبوا فرعون بقولهم: { اَرْجِهْ } إلخ، و لو كان ذلك كلام الملإ ابتداءً لكان المطابق أن يجيبوهم ب- < ارجئوا > و لاسبيل إلى أ نّه كان نقلا بطريقالحكاية، لأ نّه حينئذ لم يكن مؤامرة و مشاورة مع القوم، فلم يتّجه جوابهم أصلا ، فتعيّن أن يكون بطريق التّبليغ، فلذا خاطبوه بالجواب. بقي أن يقال: هذا الجواب بالتّأخير في الشّعراء كلام الملإ لفرعون، و هاهنا كلام سائر القوم، و لكن لامنافاة لجواز تطابق الجوابين.

و قول شيخ الإسلام: إنّ كون ذلك جواب العامّة يأباه أنّ الخطاب لفرعون، و أنّ المشاورة ليست من وظائفهم، ليس بشيء، لأنّ الأمر العظيم الّذي تصيب تبعته أهل البلد يشاور فيه الملك الحازم عوامّهم و خواصّهم، و قد يجمعهم لذلك و يقول لهم: ماذا ترون، فهذا أمر لايصيبني وحدي، و رُبّ رأي حسن عند من لم يظنّ به، على أنّ في ذلك جمعًا لقلوبهم عليه، و على الاحتفال بشأنه. و قد شاهدنا أنّ الحوادث العظام يُلتفَت فيها إلى العوامّ، و أمر موسى كان من أعظم الحوادث عند فرعون، بعد أن شاهد منه ما شاهد، ثمّ إنّهم اختلفوا في قوله تعالى: { فَمَاذَا تَاْمُرُونَ } فقيل: إنّه من تتمّة كلام الملإ، و استظهره غير واحد، لأ نّه مسوق مع كلامهم من غير فاصل، فالأنسب أن يكون من بقيّة كلامهم.

و قال الفَرّ اء و الجُبّائيّ: إنّ كلام الملإ قد تمّ عند قوله سبحانه: { يُريدُ‘ اَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ اَرْضِكُمْ }، ثمّ قال فرعون: { فَمَاذَا تَاْمُرُونَ }، قالوا: { اَرْجِهْ }و حينئذ يحتمل - كما قال القُطْب - أن يكون كلام الملإ مع فرعون، و خطاب الجمع في { يُخْرِجَكُمْ } إمّالتفخيم شأنه أو لاعتباره مع خدَمه و أعوانه، و يحتمل أن يكون مع قوم فرعون و المشاورة منه، ثم قال: و إنّما التزموا هذا التّعسّف ليكون مطابقًا لما في الشّعراء، في أنّ قوله: { فَمَاذَا تَاْمُرُونَ } من كلام فرعون، و قوله:{ اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ }كلام الملإ. لكن ماارتفعت المخالفة بالمرّة، لأنّ قوله: { اِنَّ هذَ ا لَسَاحِرٌ عَليمٌ‘ * يُريدُ‘‘ اَنْ يُخْرِجَكُمْ } كلام فرعون للملإ. و في هذه السّورة على ما وجّهوه كلام الملإ لفرعون، و لعلّهم يحملونه على أ نّه قاله لهم مرّة، و قالوه له أُخرى، انتهى.

و يمكن أن يقال: إنّ الملأ لم-ّا رأوا من موسى مارأوا، قال بعضم لبعض: إنّ هذا لساحر عليم، يريد أن يُخرجكم من أرضكم فماذا تشيرون و ما تستحسنون في أمره؟ و لم-ّا رآهم فرعون أ نّهم مهتمّون من ذلك، قال لهم: تنشيطًا لهم و تصويبًا لما هم عليه قبل أن يجيب بعضهم بعضًا بما عنده، مثل ماقالوه فيما بينهم. فالتفتوا إليه، و قالوا: { اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ }، فحكى سبحانه هنا مشاورة بعضهم لبعض، و عرض ماعندهم على فرعون أوّ ل وهلة قبل ذكره فيما بينهم، و حكى في الشّعراء كلامه لهم و مشاورته إيّاهم، الّتي هي طبق مشاورة بعضهم بعضًا المحكيّة هنا، و جوابهم له بعد تلك

المشاورة. و على هذا لايدخل العوامّ في الشّورى،و يكون هاهنا أبلغ في ذمّ الملإ فليتدبّر، و الله تعالى أعلم بأسرار كلامه. (9 : 21)

ابن عاشور: و جملة: { قَالُوا اَرْجِهْ } جواب القوم المستشارين،فتجريدها من حرف العطف لجريانها في طريق المحاورة، أي فأجاب بعض الملإ بإبداء رأي لفرعون، فيما يتعيّن عليه اتّخاذه. و يجوز أن تكون جملة { قَالُوا اَرْجِهْ } بدلا من جملة { قَالَ المْ-َلاُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ } بإعادة فعل القول، و هو العامل في المبدل منه إذا كان فرعون هو المقصود بقولهم: { فَمَاذَا تَاْمُرُونَ }.

و فعل { اَرْجِهْ } أمر من الإرجاء، و هو التّأخير. قرأه نافع، و عاصم، و الكِسائيّ، و أبوجعفر { اَرْجِهْ } بجيم ثمّ هاء، و أصله: ( اَرْجِئْهُ ) بهمزة بعد الجيم، فسُهّلت الهمزة تخفيفًا، فصارت ياء ساكنة، و عوملت معاملة حرف العلّة في حالة الأمر. و قرأه الباقون بالهمز ساكنًا على الأصل، و لهم في حركات هاء الغيبة و إشباعها وجوه مقرّرة في علم القراءات.

و المعنى: أخّر المجادلة مع موسى إلى إحضار السّحرة الّذين يدافعون سحره. و حكى القرآن ذكر < الأخ > هنا للإشارة إلى أ نّه طوي ذكره في أوّ ل القصّة، و قد ذكر في غير هذه القصّة ابتداء. (8 : 230)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { قَالُوا اَرْجِهْ } إلخ، حكاية ما قدّموه من رأي الجميع إلى فرعون، و قد اتّفقوا عليه. و قد حكى الله سبحانه في موضع آخر من كلامه هذا القول بعينه من فرعون، يخاطب به ملأه، قال تعالى: { قَالَ لِلْمَلاِ حَوْلَهُ اِنَّ هذَا لَسَاحِرٌ عَليمٌ‘ * يُريدُ‘ اَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ اَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَاْمُرُونَ * قَالُوا اَرْجِهْ وَاَخَاهُ وَ ابْعَثْ فِى الْمَدَ ائِنِ حَاشِرينَ‘ } الشّعراء :34 - 36، و يظهر ممّا في الموضعين أ نّهم إنمّا شاوروا حول ما قاله فرعون، ثمّ صوّبوه، و رأوا أن يجيبه بسحر مثل سحره.

و قد حكى الله أيضًا هذا القول عن فرعون يخاطب به موسى، حتّى بالّذي أشار إليه الملأ من معارضة سحره بسحر آخر مثله إذقال: { قَالَ اَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ اَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسى * فَلَنَاْتِيَنَّكَ بِسِحْر مِثْلِهِ } طه" : 57، 58، و لعلّ ذلك محصّل ما خرج من مشاورتهم، حول ما قاله فرعون، بعد ما قدم إلى فرعون مخاطب به موسى من قبل نفسه.

و للملإ جلسة مشاورة أُخرى أيضًا، بعد قدوم السّحرة إلى فرعون، ناجى فيها بعضهم بعضًا بمثل ما في هذه الآيات، قال تعالى: { فَتَنَازَعُوا اَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَ اَسَرُّوا النَّجْوى * قَالُوا اِنْ هذَا نِ لَسَاحِرَانِ يُريدَ ‘انِ اَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ اَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَ يَذْهَبَا بِطَريقَتِكُمُ الْمُثْلى" } طه" : 62 ، 63.

فتبيّن أنّ أصل الكلام لفرعون، ألقاه إليهم، ليتشاوروا فيه و يروا رأيهم فيما يفعل به فرعون، فتشاوروا و صدّ قوا قوله، و أشاروا بالإرجاء و جمع السّحرة للمعارضة فقبله، ثمّ ذكره لموسى، ثمّ اجتمعوا للمشاورة و المناجاة ثانيًا بعد مجيء السّحرة، و اتّفقوا أن يجتمعوا عليه و يعارضوه، بكلّ ما يقدرون عليه من السّحر صفًّا واحدً ا.[إلى أن قال:]

قوله تعالى: { قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ وَ اَرْسِلْ فىِالمْ-َدَائِنِ حَاشِرينَ‘ } إلى آخر الآية التّالية.{اَرْجِهْ } بسكون الهاء أمر من الإرجاء، بمعنى التّأخير، و الهاء للسّكت، أي أخّره و أخاه، و لاتعجل لهما بشرّ كالقتل و نحوه، حتّى تُرمى بظلم أو قسوة و نحوهما، بل ابعث في المدائن من جنودك حاشرين يجمعون السّحرة، فيأتوك بهم، ثمّ عارض سحر موسى بسحر السّحرة.

و قرئ ( اَرْجِهِ ) بكسر الجيم و الهاء، و أصله:( اَرْجِئْهُ ) قُلبت الهمزة ياءً ثمّ حُذفت، و الهاء ضمير راجع إلى موسى، و أخوه هو هارون. (8 : 214)

عبد الكريم الخطيب: { اَرْجِهْ } أي انْظِره و أخّر الأمر فيه إلى أن نجمع ما في المُدن من السّحرة، أصحاب العلم و التّخصّص في هذا الباب، و بهذا نُلقي سحره بسحر مثله يستند إلى علم و معرفة. (5 : 452)

مكارم الشّيرازيّ: فهل هذا الاقتراح من جانب حاشية فرعون كان لأجل أ نّهم كانوا يحتملون صدق ادّعاء موسى للنّبوّة، و كانوا يريدون اختباره؟

أو أ نّهم على العكس كانوا يعتبرونه كاذبًا في دعواه، و يريدون افتعال ذريعة سياسيّة، لأيّ موقف سيتّخذونه ضدّ موسى، كما كانوا يفعلون ذلك في بقيّة مواقفهم و نشاطاتهم الشّخصيّة؟

و لهذا اقترحوا إرجاء أمر قتل موسى و أخيه، نظرًا لمعجزتيه اللّتين أورثتا، رغبةً في مجموعة كبيرة من النّاس، في دعوته و انحيازهم إليه، و مزجت صورة نبوّته بصورة المظلوميّة و الشهادة، و أضفت بضمّ الثّانية إلى الأُولى مَسْحَة من القداسة والجاذبيّة عليه و على دعوته.

و لهذا فكّروا في بداية الأمر في إجهاض عمله، بأعمال خارقة للعادة مماثلة، و يسقطوا اعتباره بهذه الطّريقة، ثمّ يأمرون بقتله لتُنسى قصّة موسى وهارون و تُمْحى عن الأذهان إلى الأبد.

يبدو أنّ الاحتمال الثّاني بالنّظر إلى القرائن الموجودة في الآيات أقرب إلى النّظر. (5 : 136)

فضل الله: أخّرهما، و لاتنتقم منهما، حتّى يظهر للنّاس كذبهما، فلايتّبع قولهما أحد من بعد ذلك. (10 : 204)

2 - قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ وَ ابْعَثْ فِى الْمَدَائِنِ حَاشِرينَ‘. الشّعراء: 36

و هذه مثل ماقبلها قراءةً و معنًى.

مُرْجَوْنَ

وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَ‚مْرِ الله اِمَّا يُعَذِّ بُهُمْ وَ اِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَليمٌ‘ حَكيمٌ‘. التّوبة : 106

الطّبَريّ: يعني مُرْجئُون لأمر الله و قضائه. يقال منه: أرجَأتُه أُرجئُه إرجاءً، و هو مُرْجَأ بالهمز و ترك الهمز، و هما لغتان معناهما واحد. و قد قرأت القرأة بهما جميعًا. (6 : 467)

الماوَرْديّ: أي مؤخّرون موقوفون، لما يرد من أمر الله تعالى فيهم. (2 : 400)

الطُّوسيّ: قرأ أهل المدينة عن أبي بكر{ مُرْجَوْنَ }، بغير همزة، الباقون بالهمزة. و الوجه فيهما أ نّهما لغتان، و يقال: أرجَأت و أرجَيْتُ، بمعنى

واحد.

و هذه الآية عطف على قوله: { وَ مِنْ اَهْلِ المْ-َدينَةِ‘ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ } التّوبة : 101، { وَ ا"خَرُونَ اعْتَرَفُوابِذُنُوبِهِمْ } التّوبة : 102، { وَا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَ‚مْرِ اللهِ} و الإرجاء: تأخير الأمر إلى وقت. يقال: أرْجَأتُ الأمر إرجاءً و أرجَيتُه، بالهمزة و ترك الهمزة لغتان. (5 : 341)

القُشَيْريّ: لم يُصرّح بقبول توبتهم، و لم يَسِمْهُم باليأس من غفرانه، فوقفوا على قدم الخجل، متميّلين بين الرّهبَة و الرّغبَة، متردّدين بين الخوف و الرّجاء.

أخبرالله سبحانه أ نّه إن عذّبهم فلااعتراض يتوجّه عليه، و إن رحمهم فلاسبيل لأحد إليه. (3 : 61)

المَيْبُديّ: { مُرْجَوْنَ }، أي مؤخّرون، و الإرجاء: التّأخير. المعنى: هم الّذين لاييأسوا و لايرجون بالتّمام. و تفسير الإرجاء في نفس الآية { اِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ اِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ }. (4 : 210)

الزّمَخْشَريّ: قرئ { مُرْجَوْنَ} و ( مُرْجَؤُونَ ) من أرْجَيتُه و أرْجَأته:، إذا أخّرته؛ و منه المُرجِئَة، يعني وآخرون من المتخلّفين موقوف أمرهم. (2 : 213)

ابن عَطيّة: و قرأ نافع و الأعرج و ابن نصّاح و أبوجعفر و طلحة و الحسَن و أهل الحجاز{ مُرْجَوْنَ } من أرجى دون همز، و قرأ أبوعمرو و عاصم و أهل البصرة ( مُرْجَؤُونَ )من أرْجَأ يُرْجئ بالهمز، و اختُلف عن عاصم، و هما لغتان، و معناهما التّأخير؛ و منه المُرجِئَة، لأ نّهم أخّروا الأعمال، أي أخّروا حكمها و مرتبتها. و أنكر المُبَرِّد ترك الهمز في معنى التّأخير، و ليس كما قال. (3 : 80)

نحوه القُرطُبيّ. (8 : 252)

الفَخْرالرّ ازيّ: [نقل القراءات و أضاف:]

و سُمّيت المُرجِئَة بهذا الاسم، لأ نّهم لايجزمون القول بمغفرة التّائب، و لكن يؤخّرونها إلى مشيئة الله تعالى.

و قال الأوزاعيّ: لأ نّهم يؤخّرون العمل عن الإيمان. (16 : 191)

البُرُوسَويّ: قرأ نافع و حمزة و الكِسائيّ و حفص { مُرْجَوْنَ } بالواو، على أن يكون أصله: < مُرْجَيُونَ > بالياء، و الباقون < مُرْجَؤُونَ > بالهمزة. يقال: أرْجَيتُه و أرْجَأتُه بالياء و الهمزة، إذا أخّرته. و النّسبة إلى المهموز مرجئيّ، كمرجعيّ، لامُرْج كمُعْط، و إلى غير < مرجيّ > بياء مشدّدة عقيب الجيم، و هم المُرجِئَة بالهمزة و المُرجِيَة بالياء مخفّفة، كما في < القاموس >.

و المُرْجِئَة: قوم لايقطعون على أهل الكبائر بشيء من عفو أو عقوبة، بل يُرجئون الحكم في ذلك، أي يؤخّرونه إلى يوم القيامة، كما فى < المُغْرب > و المعنى: مؤخّرون { لاَ‚مْرِ اللهِ } في شأنهم، أي حتّى ينزل الله فيهم ما يريد. (3 : 502)

الآلوسيّ: و قرأ أهل المدينة و الكوفة غير أبي بكر { مُرْجَوْنَ } بغير همز، و الباقون ( مُرْجئُون ) بالهمز، و هما لغتان. يقال: أرْجَئتُه وأرْجَيتُه كأعْطَيتُه. و يحتمل أن يكون الياء بدلا من الهمزة، كقولهم: قرأتو قريت، و توضّأت و توضّيت، و هو في كلامهم كثير.

و على كونه لغة أصليّة هو يائيّ، و قيل: إنّه واويّ؛ و من هذه المادّة المُرجِئَة إحدى فرق أهل القبلة، وقد جاء فيه الهمز و تركه.

وسمّوا بذلك لتأخيرهم المعصية عن الاعتبار في استحقاق العذاب؛ حيث قالوا: لاعذاب مع الإيمان، فلم يبق للمعصية عندهم أثر. و في < المواقف > سمّوا مُرجِئَة، لأ نّهم يرجون العمل عن النّيّة، أي يؤخّرونه في الرّتبة عنها و عن الاعتقاد، أو لأ نّهم يعطون الرّجاء في قولهم: لايضرّ مع الإيمان معصية، إنتهى.

و على التّفسيرين الأوّلين يحتمل أن يكون بالهمز و تركه. و أمّا على الثّالث فينبغي أن يقال: مُرَجّئة، بفتح الرّ اءو تشديد الجيم، و المراد بهؤلاء < المرجون > كما في الصّحيحين: هلال بن أُميّة و كعب بن مالك و مرارة بن الرّبيع، و هو المرويّ عن ابن عبّاس و كبار الصّحابة رضي الله عنهم. (11 : 16)

ابن عاشور:[اكتفى بنقل القراءات] (10 : 200)

الطَّباطَبائيّ: الإرجاء: التّأخير، و الآية معطوفة على قوله: { وَ ا"خَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ }، و معنى إرجائهم إلى أمر الله: أ نّهم لاسبب عندهم يُرجّح لهم جانب العذاب أو جانب المغفرة، فأمرهم يؤول إلى أمر الله ما شاء و أراد فيهم، فهو النّافذ في حقّهم. (9 : 380)

عبد الكريم الخطيب: الإرجاء: التّأخيرو الانتظار. يقال: أرْجَأت الأمر و أرْجَيتُه، أي أخّرتُه، و { مُرْجَوْنَ لاَمْرِ اللهِ }، أي مؤخّرون و مُنظَرون لما يقضي به الله فيهم. (6 : 891)

مكارم الشّيرازيّ: { مُرْجَوْنَ } مأخوذ من مادّة < إرجاء > بمعنى التّأخير و التّوقيف، و في الأصل أُخذتمن < رجاء > بمعنى الأمل. و لم-ّا كان الإنسان قد يؤخّر شيئًا مّا أحيانًا رجاء تحقّق هدف من هذا التّأخير، فإنّ هذه الكلمة قد جاءت بمعنى التّأخير، إلا أ نّه تأخير ممزوج بنوع من الأمل.

إنّ هؤلاء في الحقيقة ليس لهم من الإيمان الخالص و العمل الصّالح؛ بحيث يمكن عدّهم من أهل السّعادة و النّجاة، و ليسوا ملوّثين بالمعاصي و منحرفين عن الجادّة؛ بحيث يُكتبون من الأشقياء، بل يُوكَل أمرهم إلى اللّطف الإلهيّ كيف سيعامل هؤلاء، و هذا طبعًا حسب أوضاعهم الرّوحيّة و مواقعهم. (6 : 195)

فضل الله: فلم يحسم أمرهم، و تركهم لإرادته في يوم القيامة، فأخّر إعلان الحكم عليهم إلى وقت مّا. (11 : 204)

الوُجُوه و النّظائر

مُقاتِل: تفسير الرّجاء على وجهين:

فوجه منها: الرّجاء: يعني الطّمع، فذلك قوله في الإسراء : 57، { يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } يعني يطمعون في رحمته { وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ }، و قال في البقرة : 218، { اُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ }، يعني يطمعون في رحمة الله، و نحوه كثير.

الوجه الثّاني: الرّجاء: يعني الخشية، فذلك قوله في الكهف : 110، { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّه } يعني من كان يخشى البعث {فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا}، و في العنكبوت : 5، { مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ فَاِنَّ اَجَلَ اللهِ

لاتٍ } ، يقول: من كان يخشى البعثفإنّ القيامة جائية. و قال في يونس : 7، { اِنَّ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا}، يعني لايخشون البعث. و قال في النّبإ : 27، { اِنَّهُمْ كَانُوا لايَرْجُونَ حِسَابًا }، يعني لايخشون. (168)

مثله هارون الأعور. (164)

الحيريّ: باب الرّجاء على أربعة أوجُه:

أحدها: الطّمع، كقوله: { اُولئِكَ ’يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ } البقرة : 218، و قوله: { وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُوَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ } الإسراء : 57، و قوله: { اَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ا"نَاءَ الَّيْلِ سَاجِدً ا وَ قَائِمًا يَحْذَرُ الا_خِرَةَ ’وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ } الزّمر : 9.

و الثّاني: الخوف، كقوله: { اِنَّ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَ رَضُوا بالْحَيوةِ الدُّ نْيَا } يونس : 7، و قو له: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ } الكهف : 110، و قوله: { مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ فَاِنَّ اَجَلَ اللهِ لا "ت } العنكبوت : 5.

و الثّالث: الرّغبة، كقوله: { وَ الْقَوَ اعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللا تى لايَرْجُونَ نِكَاحًا } النّور : 60.

و الرّ ابع: العلم، كقوله: {مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا} نوح : 13. (282)

الدّ امغانيّ: الرّجاء على خمسة أوجُه: الطّمع، الخشية، الحبس، الطّرف و النّاحية، و التّرك.

فوجه منها: الرّجاء، يعني الطّمع، قوله في الإسراء: 57، { يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } يعني يطمعون في جنّته

{ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ} يعني ناره، كقوله في سورة البقرة : 218، { اُولئِ-كَ’ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ } يعني يطمعون في جنّة الله، و نحوه كثير.

و الوجه الثّاني: الرّجاء، يعني الخشية، فذلك قوله في سورة الكهف : 110، { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّه }، يعني من كانيخشى البعث، كقوله في سورة العنكبوت : 5، { مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ } يقول من كان يخشى البعث، كقوله: في الفرقان : 21، { وَ قَالَ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا }، مثلها في النّبإ: 27، { اِنَّهُمْ كَانُوا لايَرْجُونَ حِسَابًا } ،يعني لايخافون حسابًا.

و الوجه الثّالث: { اَرْجِهْ } يعني احبسه، قوله في الأعراف : 111، و الشّعراء : 36، { قَالُوا اَرْجِهْ }، يعني احْبِسْه { وَ اَخَاهُ } يعني موسى و هارون.

و الوجه الرّ ابع: الأرجاء، الحروف و النّواحي، قوله في سورة الحاقّة : 17، { وَ الْمَلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا }، يعني على نواحيها و أطرافها.

و الوجه الخامس: الرّجاء التّرك، قوله في سورة الأحزاب : 51، { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } أي تترك من الواهبات أنفسهنّ من تشاء { وَتُ-ؤْى‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ }. (355)

الفيروزاباديّ: قال بعض المفسّرين: ورد الرّجاء في القرآن على ستّة أوجُه:

أوّلها: بمعنى الخوف: { مَا لَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ‚ وَ قَارً ا} نوح : 13، أى ما لكم لاتخافون. [ثم استشهد بشعر]

و منه: { اِنَّهُمْ كَانُواْ لايَرْجُونَ حِسَابًا } النّبأ : 27، و قوله: { مَن كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ } الكهف : 110.

الثّاني: بمعنى الطّمع: { وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } الإسراء : 57، { اُولئِ-كَ’ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِِ } البقرة : 218.

الثّالث: بمعنى توقّع الثّواب: { يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } فاطر : 29.

الرّ ابع: الرّجا المقصور: بمعنى الطّرف: { وَ الْمَلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا } الحاقّة : 17.

الخامس: الرّجاء المهموز: { قَالُواْ اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ } الأعراف : 111، أي احْبِسْه.

السّادس: بمعنى التّرك والتّأخير: { تُرْجى‘ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } الأحزاب : 51، تؤخّره.{ وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَ‚مْرِ اللهِ اِمَّا يُعَذِّ بُهُمْ وَ اِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } التّوبه : 106. (بصائر ذوي التّمييز 3 : 46)

الأُصول اللُّغويّة

1 - لهذه المادّة أصلان: الأوّ ل: الرّجا: ناحية البئر و جانبها.يقال: أرجاها، أي جعل لها رَجًا، و مثنّاه: رَجَوان؛ و جمعه: أرجاء. يقال: رُمِي به الرّجَوان، أي استُهين به، فكأ نّه رُمِي به هناك، أرادوا أ نّه طُرِح في المهالك.

ثمّ استُعمل في كلّ شيء؛ و منه حديث ابن عبّاس: < كان النّاس يَرِدُون منه أرجاء وادٍ رحب >، أي نواحيه، وصفه بسَعة العطن و الاحتمال و الأناة.

و الثّاني: الرّجاء: نقيض اليأس. يقال: رجاه يَرْجُوه رَجْوً ا و رَجاءً و رَجاوةً و مَرْجاةً و رَجاةً، و كذا رَجِيَه و ارتجاه و ترجّاه، أي أمّله.

و ما لي في فلان رَجِيّة: ما أرجوه.

و ما أتَيتُك إلا رَجاوة الخير.

و فعَلتُ ذلك رَجاء كذا.

و الرّجاء: الخوف، كأنّ صاحبه يخاف أن لايصيب ما يَرْجُوه. يقال: ما رَجَوتُك، أي ما خفتُك، لايستعمل إلا مع الجحد.

2 - أمّا الإرجاء، أي التّأخير، فهو من < ر ج أ >، غير أ نّهم سهّلواهمزته للخفّة. قال الجَوهَريّ: < أرْجَيتُ الأمر: أخّرتُه، يُهمَز و لايُهمَز. و قد قرئ: { وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَ‚مْرِ اللهِ } التّوبة : 106، { اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ } الأعراف : 111.

و الأصحّ أن يُهمَز، و قد فرّق الزّجّاج بين الهمزو التّسهيل، فقال: < رَجا الرّجل الشّيء يَرْجُوه، إذا أمّله ، و أرجأ الأمر يُرْجِئُه، إذا أخّره >.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منهامجرّدً ا الفعل المضارع إيجابًا و سلبًا 20، مرّة، و الأمر ( ارْجُوا ) و اسم المفعول ( مَرْجُوّ )،و الاسم جمعًا ( اَرْجَائِهَِا ) كلّ منها مرّةً. و مزيدً امن ( الإفعال ): المضارع ( تُرْجى ) مرّةً، و الأمر ( اَرْجِهْ ) مرّتين، و اسم المفعول ( مُرْجَوْنَ ) مرّة في 27 آية:

و يلاحظ أوّ لا : أنّها تتمحور ستّة محاور:

1 - رجاء الرّحمة:

1 - { وَ مَا كُنْتَ تَرْجُوا اَنْ يُلْقى اِلَيْكَ الْكِتَابُ اِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاتَكُونَنَّ ظَهيرً ا‘ لِلْكَافِرينَ‘ }القصص : 86

2 - { وَ اِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْ لا مَيْسُورً ا } الإسراء : 28

3 - { اَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ا"نَاءَ الَّيْلِ سَاجِدً ا وَ قَائِمًا يَحْذَرُ الا_خِ-رَ’ةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذينَ‘ يَعْلَمُونَ وَ الَّذينَ‘ لايَعْلَمُونَ اِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُوا الاَ_لْبَابِ }. الزّمر : 9

4 - { اِنَّ الَّذينَ‘ا"مَنُوا وَ الَّذينَ‘ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فى سَبيلِ‘ اللهِ اُولئِكَ ’َرْجُ-ونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُ-ورٌ رَحيمٌ ‘} البقرة : 218

5 - { اُولئِكَ ’الَّذينَ‘ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ اِلى" رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ‘ اَ يُّهُمْ اَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ اِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورً ا } الإسراء : 57

6 - { وَ لاتَهِنُوا فِى ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ اِنْ تَكُونُوا تَاْ لَمُونَ فَاِنَّهُمْ يَاْ لَمُونَ كَمَا تَاْ لَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَالايَرْجُونَ وَ كَانَ اللهُ عَليمًا‘ حَكيمًا‘ } النّساء : 104

و فيها بُحُوث:

1 - الرّجاء: هي تعلّق النّفس بطلب الخير ممّن يجوز منه، و من يقدرعلى كلّ خير و صَرْف كلّ شرّ، فهو أحقّ برجاء الرّحمة و طلب الخير، و لاينبغي طلبه إلا من الله تبارك و تعالى. و لذلك قال أمير المؤمنين : < ألا لايَرْجُوَنّ أحدكم إلا ربّه، و لايخافنّ إلا ذنبه >((1)) ، أي راجيًا إيّاه.

2 - و في الآية الأُولى كلمة { تَرْجُوا } في سياق النّفي تكشف عن حقيقة، و هي عدم قطع النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بنزول القرآن عليه - مع ما ظهرله من الخوارق حين ولادته و ماظهر أيّام رضاعه و بعده قبل بعثته -. بل كان يرجو رحمة من ربّه.

و على هذا: الاستثناء متّصل، أي إنّ هذا القرآن الّذي فرضه الله عليك أيّها النّبيّ لم يكن عن أُمنيّة تمنّيتها، و لاعن سعي سعيت له، فذلك ممّا لايحصل بالسّعي، و لايستدعى بالأمانيّ، و إنمّا هو رحمة خالصة من عند الله، قال مكارم الشّيرازيّ: (12 :292) < كان كثير من النّاس قد سمعوا بالبشارة بظهور الدّين الجديد، و لعلّ طائفة من أهل الكتاب و غيرهم، كانوا ينتظرون أن ينزل عليهم الوحي، و يحمّلهم الله هذه المسؤوليّة، و لكنّك أيّها النّبيّ لم تكن تظنّ أ نّه سينزل عليك الوحي { وَمَا كُنْتَ تَرْجُوا اَنْ يُلْقى اِلَيْكَ الْكِتَابُ } إلا أنّ الله رآك أجدر بالأمر، و أنّ هذا الدّين الجديد ينبغي أن ينتشر و يتّسع على يدك في هذا العالم الكبير >.

3 - و هذه الآية منسجمة مع آيات سابقة، كانت تتحدّث عن موسى ، و تخاطب النّبيّ، كقوله تعالى: { وَ ما كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِىِّ اِذْ قَضَيْنَا اِلى" مُوسَى الاَ_مْرَ...} القصص : 44، و { وَ ما كُنْتَ ثَاوِيًا فى اَهْلِ مَدْ يَنَ...} القصص : 45، و { وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ اِذْ نَادَيْنَا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} القصص : 46، فعلى هذا يكون المقصود ب- { الْكِتَابُ } في { وَ مَا كُنْتَ تَرْجُوا اَنْ يُلْقى اِلَيْكَ الْكِتَابُ } هو قصص الأنبياء السّابقين .إلا أنّ هذا التّفسير لاينافي التّفسير المتقدّم، بل يُعَدّ قسمًا منه في الواقع.


1) (1) نهج البلاغة شرح محمّد عبده ج4 : 18.

4 - و في الثّانية قد فُسّر كلمة { رَحْمَتَهُ } بالرّزق أي لتبتغي الفضل من الله، و السّعة الّتي يمكنك معها البذل بأمل تلك السّعة. و قوله: { ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا } كناية عن الفقر، لأنّ فاقد المال يطلب رحمة الله و إحسانه . فهو يبتغي الفضل من الله، و السّعة الّتي يمكن معها البذل بأمل تلك السّعة، و ذلك الفضل.

5 - و قدجمع الله في الثّالثة بين الحذر و الرّجاء: { يَحْذَرُ الا_"خِرَ ةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ...} و في الخامسة بين الخوف و الرّجاء: { وَ يَرْجُونَ رحْمَتَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ } لأ نّه لايعلم أحد في هذه الدّنيا أ نّه صائر إلى الجنّة، ولو بلغ في طاعة الله كلّ مبلغ، لأمرين: أحدهما: لايدري بما يختم له. و الثّاني: لئلا يتّكل على عمله. و الرّجاء أبدً ا معه خوف، كما أنّ الخوف معه رجاء.

6 - و جاء الرّجاء في الرّ ابعة: { اِنَّ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا وَ الَّذينَ‘ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فى سَبيلِ‘ اللهِ اُولئِكَ ’يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ } لبيان حال المؤمنين حيث يرجون رحمة الله، لأ نّهم لم-ّا لم يعلموا حالهم في المستقبل، جاز أن يرجوا الرّحمة، خوفًا أن يحدث في مستقبلهم مالايستوجبونها معه. أو لأ نّهم لم يتيقّنوها بتأدية كلّ ما أوجبه الله تعالى عليهم، بل يرون أ نّهم لم يعبدوه حقّ عبادته، و لم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف و الرّجاء، كما قال الله تعالى: { وَ الَّذينَ‘ يُؤْتُونَ مَا ا"تَوْا وَ قُ-لُوبُهُمْ وَجِلَةٌ اَنَّهُمْ اِلى" رَبِّهِمْ رَ اجِعُونَ } المؤمنون : 60.

7 - و قدضمّ فيها إلى صفة الإيمان صفة الهجرة و الجهاد في اعتبار الرّجاء للرّحمة، ترغيبًا في كلّ خصلة من تلك الخصال، لأ نّها من علامات الفلاح. و هذه الآية تدلّ على أ نّه لايجوز لأحد أن يشهد لنفسه بالجنّة، لأنّ الرّجاء لايكون إلا مع الشّكّ،و قد بيّن الله تعالى أنّ صفة المؤمن الرّجاء للرّحمة، لاالقطع عليها، لامحالة.

8 - و الرّجّاؤون ثلاثة:

أحدهم: صاحب العمل الصّالح، و هو يرجو أن يقبل الله أعماله و يجزي بها.

الثّاني: و رجل فاسق يتوب، و يرجو العفوو المغفرة .

و الثّالث: رجل يذنب و يقول: إنّي أرجُوأن يغفر لي ربّي، و هذا صاحب التّمنّي، و الأوّ لان صاحب الرّجاء.

9- و الفرق بين التّمنّي و الرّجاء: أنّ الرّجاء هو توقّع لما يمكن حصوله من خير و الميل إليه. و التّمنّي: علاقة و ميل في القلب إلى حصول الشّي‌ء في ما بعد، و هو يرى فوته عنه فيما مضى أو مستقبلا ، سواء كان من الملاذّ أو من المكاره، فلاحظ النُّصوص.

10 - الرّجاء و الخوف ميزانان للإنسان، فإذا استويا استقامت أحواله، و إن رُجّح أحدهما بطل الآخر. قال رسول الله (صلی الله علیه و آله) : « لو وُزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتَدلا ».

11 - وجاء الرّجاء في السّادسة موجبًا و منفيًّا فقال بعضهم: معنى { وَ تَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَالايَرْجُونَ }، أي تخافون من جهته مالايخافون، كما قال : { قُلْ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذينَ‘ لايَرْجُونَ اَ يَّامَ اللهِ } الجاثية :

13، بمعنى لايخافون. و قال قوم: لايُعرَف في كلام العرب: الرّجاء بمعنى الخوف، إلا إذا كان في الكلام جَحْد سابق، كما قال: { مَالَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ وَ قَارً ا } نوح : 13، بمعنى: لاتخافون لله عظيمة. و لايجوز أن تقول: رجَوْتك،بمعنى خفتك.

12 - و المعنى فيها: أنّ حصول الأ لم قدر مشترك بينكم و بينهم، فلمّا لم يكن خوف الأ لم مانعًا لهم عن قتالكم، فكيف صار مانعًا لكم عن قتالهم؟

و قد ذكروا لتقرير هذا المعنى وجُوهًا:

منها: أنّ المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين، لأنّ المؤمنين مُقرّون بالثّواب و العقاب و الحشر و النّشر، و المشركون لايُقرّون بذلك.

و منها: أن يكون المراد من هذا الرّجاء، ماو عدهم الله تعالى في قوله:{لِيُظْهِرَه ُعَلَى الدّينِ‘ كُلِّهِ } التّوبة : 33، الفتح : 28، الصّفّ : 9، و في قوله :{يَاءَ يُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللهُ وَ مَنِ اتَّ-بَعَكَ مِنَ المْ-ُؤْمِنينَ‘} الأنفال : 64.

و منها: أ نّكم تعبدون الإله العالم القادر السّميع البصير، فيصحّ منكم أن ترجو ثوابه. و أمّا المشركون فإنهّم يعبدون الأصنام و هي جمادات، فلايصحّ منهم أن يرجوا من تلك الأصنام ثوا بًا، أو يخافوا منها عقابًا.

2 - رجاء لقاء الله:

7 -{ قُلْ اِنَّمَا اَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى "اِلَىَّ اَنَّمَا اِلهُكُمْ’ اِلهٌ وَ احِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَ لايُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ اَحَ-دً ا } الكهف : 110

8 - { مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ فَاِنَّ اَجَلَ اللهِ لات وَهُوَ السَّميعُ‘ الْعَليمُ‘ } العنكبوت : 5

9 - { اِنَّ الَّذينَ‘ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَ رَضُوابِالْحَيو"ةِ الدُّ نْ-يَا وَ اطْمَاَ نُّوا بِهَا وَ الَّذينَ‘ هُمْ عَنْ ا"يَاتِنَا غَافِلُونَ } يونس : 7

10- { وَ لَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ اِلَيْهِمْ اَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذينَ‘ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }يونس : 11

11 - { وَ اِذَا تُتْلى" عَلَيْهِمْ ا"يَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْ ا"ن غَيْرِ هذَا اَوْ بَدِّ لْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لى اَنْ اُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَائِ نَفْسى اِنْ اَتَّبِعُ اِلا مَا يُوحى" اِلَىَّ اِنّى اَخَافُ اِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْم عَظيمٍ‘ } يونس : 15

12 - { وَ قَالَ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْ لا اُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلئِكَةُ’ اَوْ نَرى رَ بَّ-نَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فى اَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْ عُتُوًّ ا كَبيرً ا‘ } الفرقان : 21

13 - { مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ للهِ‚ وَقَارً ا }نوح : 13

و فيها بُحُوث:

1 - اختلفوا في معنى لقاء الله، فقال الأشاعرة: المقصود به: رؤية الله تبارك و تعالى بالبصر،و المعتزلة حملوه على لقاء ثواب الله.

و الحقّ أنّ لقاء الله بمعنى المشاهدة الباطنيّة،و رؤية الذّات المقدّسة بعين البصيرة، هو أمر ممكن في هذه الدّنيا بالنّسبة للمؤمنين المخلَصين، إلا أنّ هذه المزيّة تكتسب جانبًا عامًّا يوم القيامة، بسبب مشاهدة الآثار الكبيرة الواضحة و الصّريحة للخالق تبارك

و تعالى. ولعلّ القرآن استخدم من أجلها هذاالتّعبير في خصوص يوم القيامة.

2 - و قد ذُكرت في الآية السّابعة لرجاء لقاء الله علامات: و هي العمل الصّالح من دون شرك، خالصًا لوجهه الكريم، فإنّ الإنسان الّذي ينتظر أمرً ا معيّ-نًا، و يأمل شيئًا مّا، فمن الطّبيعيّ أن يهيّئ نفسه و يُعَدّها لاستقبال ذلك الأمر. أمّا الشّخص الّذي يدّعي و لايستعدّ، و ينتظر و لايعمل، فهو في الواقع مُدّع ٍكاذب لاغير، و لهذا قال: { فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا } بصيغة الأمر، الأمر الّذي يلازمه الرّجاء و الأمل بانتظار لقاء الله.

و في آخرالآية بيّنه بقوله: { وَ لايُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَ بِّهِ اَحَدً ا } لأنّ العمل لايكون صالحًا ما لم تتجلّى فيه حقيقة الإخلاص.

3 - و الرّجاء في الثّامنة بمعنى الرّجاء عن ترقّب البعث، لأنّ الكلام مسوق للمؤمنين، و هم ممّن يرجو لقاء الله، لأ نّهم يترقّبون البعث لما يأملون من الخيرات فيه. فإنّ من أمل الثّواب يفرّ من أعمال تُورث العذاب، و يعانق المجاهدات، فإنّها تورث المشاهدات.

4 - و قد نفى الرّجاءعن لقاء الله في الآيات (9 - 12) و قد جاء لهذ النّفي علامات: ففي التّاسعة: الرّضا بالحياة الدّنيا، و الاطمئنان بها، و الغفلة عن آيات الله: { اِنَّ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَ نَا وَ رَضُوا بِالْحَيو"ةِ الدُّ نْ-يَا وَ اطْمَاَ نُّوا بِهَا وَ الَّذينَ‘ هُمْ عَنْ ا"يا"تِنَا غَافِلُونَ }.

و في العاشرة: الطّغيان: { فَنَذَرُ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا فى طُغْ-يَانِهِمْ يَعْمَهُونَ }.

و في الحادية عشرة: اللّجاج و المقابلة مع الرّسول: { وَ اِذَا تُتْلى" عَلَيْهِمْ ا"يَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْ ا"ن غَيْرِ هذَا اَوْ بَدِّ لْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لى اَنْ اُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَائ ِنَفْسى اِنْ اَتَّبِعُ اِلا مَا يُوحى" اِلَىَّ...}.

و في الثّانية عشرة: الاستكبار و العُتُوّ: { وَ قَالَ الَّذينَ‘ لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْ لا اُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلئِكَةُ’ اَوْ نَرى رَ بَّ-نَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فى اَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْ عُتُوًّ ا كَبيرً ا‘ }.

فأثر هذه الأعمال و الأخلاق الرّذيلة هو اليأس عن لقاء الله و رحمته.

5 - وجاء نفي الرّجاء في الثّالثة عشرة إثر السّؤال عن الوقار والعظمة لله، و هذه الآية من جملة الآيات الّتي جاءت في دعوة نوح، فنوح يسأل قومه{ مَا لَكُمْ لاتَرْجُونَ للهِ وَ قَارً ا } بعد دعوته و استكبارهم عن قبوله { وَ اِنّى كُلَّمَا دَعَوْ تُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا اَصَابِعَهُمْ فى ا"ذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَ اَصَرُّوا وَ اسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارً ا } نوح : 7، ففي هذه الآية جاء الاستكبار أيضًا من علامات عدم الرّجاء.

6 - ومن ملاحظة جميع الآيات في < لقاءاللهو عدمه > يستفاد أنّ الأعمال الصّالحة الخالصة لوجهه الكريم توجب الرّجاء، و الأخلاق الرّزيلة و الأعمال الفاسدة توجب اليأس و عدم الرّجاء للقاء الله، والاعتقاد بعدم الوقار و العظمة لله.

3 - رجاء الله و اليوم الآخر و الحساب:

14 - { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فى رَسُولِ اللهِ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌلِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الا_خِ-رَ ’وَ ذَكَرَ اللهَ كَثيرً ا ‘} الأحزاب : 21

15 - { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فيهِمْ‘ اُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَ الْيَوْمَ الا_"خِ-رَ وَ مَنْ يَتَوَلَّ فَاِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَميدُ‘ } الممتحنة : 6

16- { وَ اِلى" مَدْ يَنَ اَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_"خِرَوَ لاتَعْثَوْا فِى الاَ_رْضِ مُفْسِدينَ‘ }العنكبوت : 36

17 - { اِنَّ الَّذينَ‘ يَتْ-لُونَ كِتَابَ اللهِ وَ اَقَامُوا الصَّلو"ةَ وَ اَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّ ا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ }فاطر : 29

18 -{ قُلْ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذينَ‘ لايَرْجُونَ اَ يَّامَ اللهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } الجاثية : 14

19 - { وَ لَقَدْ اَتَوْا عَلَى الْقَرْ يَةِ الَّتى اُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ اَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْ نَهَا بَلْ كَانُوا لايَرْجُونَ نُشُورً ا} الفرقان : 40

20 - { اِنَّهُمْ كَانُوا لايَرْجُونَ حِسَابًا }النّبأ : 27

21 - { وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَ‚مْرِ اللهِ اِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ اِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَليمٌ‘ حَكيمٌ‘ } التّوبة : 106

و فيها بُحُوث:

قد جاءت في هذه الآيات الثّماني لرجاء رحمة الله مع رجاء يوم الآخر و عدمه، علامات:

1 - في الآيةالرّ ابعة عشرة جاء من علامات الرّجاء اعتبار النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أُسوة للاقتداء به، فإنّ النّبي (صلی الله علیه و آله) خير نموذج في كلّ مجالات الحياة، فإنّ كلا من معنويّاته العالية، و صبره و استقامته و ذكائه و درايته، و إخلاصه، و توجّهه إلى الله، و تسلّطه، وسيطرته على الحوادث، و عدم خضوعه و ركوعه أمام الصّعاب و المشاكل، نموذج يحتذي به كلّ المسلمين.

2 - إنّ هذا القائد العظيم لايدع للضّعف و العجلة إلى نفسه سبيلا عند ما تُحيط بسفينته أشدّ العواصف، و تعصف بها الأمواج المتلاطمة، فهو ربّان السّفينة، و مُرساها المطمئنّ الثّابت، و هو مصباح الهداية، و مبعث الرّ احة و الهدوء و الاطمئنان الرّوحيّ لرُكّابها.

3 - إنّه يأخذ المِعْوَ ل بيده ليحفر الخندق مع بقيّة المؤمنين، فيجمع ترابه بمسحاة و يخرجه بوعاء معه، و يمزح مع أصحابه لتقوية معنويّاتهم و التّخفيف عنهم، و يرغّبهم في إنشاد الشّعر الحماسيّ، لإلهاب مشاعرهم و تقوية قلوبهم، و يدفعهم دائمًا نحو ذكر الله تعالى، و يبشّرهم بالمستقبل الزّ اهر، و الفتوحات العظيمة.

4 - إنّه يحذّرهم من مؤامرات المنافقين،و يمنحهم الوعي و الاستعداد اللا زم. و لايغفل لحظة عن التّجهيز و التسلّح الحربيّ الكامل ، و انتخاب أفضل الأساليب العسكريّة، و لايتوانى في الوقت نفسه عن اكتشاف الطّرق المختلفة الّتي تؤدّي إلى بثّ التّفرقة، و إيجاد التّصدّع في صفوف الأعداء.

5 - و في الآية الخامسة عشرة بيّن الله الاقتداء بإبراهيم و من معه من علامات الرّجاء لملاقاة ثوابه في اليو م الآخر، لأنّ الرّجاء بالله و اليوم الآخر يقتضي تأسّيهمبالمؤمنين السّابقين، و هم إبراهيم و الّذين معه، فهم كانوا لنا أُسوة، في موقفهم ضدّ منهج الكفر و عبدة الأوثان، و أُسوة لنا في الدّعاء بين يدي

البارئ عزّ و جلّ، و طلب المغفرة منه، و إنّ هذا الاقتداء في حقيقته يتمثّل في الّذين تعلّقوا بالله سبحانه، و نوّر الإيمان بالمبدإ و المعاد قلوبهم، و نهجوا منهج الحقّ و تحرّكوا في طريقه. و بدون شكّ فإنّ هذا التّأسّيّ و الاقتداء يرجع نفعه إلى المسلمين أنفسهم قبل الآخرين.

6 - و في الآية السّادسة عشرة أمر بعبادة الله و الرّجاء ليوم الآخر، فقال: { وَ اِلى" مَدْ يَنَ اَخَاهُمْ شُعَيْ-بًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_"خِرَ وَلاتَعْثَوْ ا فِى الاَ_رْضِ مُفْسِدينَ‘ }. و إنّما قال فيها: { وَ ارْجُوا الْيَوْمَ الا_خِ-رَ’} و لم يقل: و خافوه، مع أنّ ذلك اليوم مخوف عند الكلّ و غير مرجوّ عند كثير من النّاس، لفسقهم و فجورهم، و حبّهم الدّنيا، و لايرجوه إلا قليل، و أمره إيّاهم بترقّب اليوم الآخر دلّ على أ نّهم كانوا لايؤمنون بالبعث.

و قيل: الرّجاء هنا بمعنى الخوف، و المعنى: و خافوا جزاء اليوم الآخر من انتقام الله تعالى منكم إن لم تعبدوه.

7 - و في الآية السّابعة عشرة جاء من علامات الرّجاء باليو م الآخر: تلاوة الكتاب، و إقامة الصّلاة،و الإنفاق ممّا رزقهم الله سرًّ ا و علانيةً { اِنَّ الَّذينَ‘ يَتْ-لُونَ كِتَابَ اللهِوَ اَقَامُوا الصَّلو"ةَ وَ اَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّ ا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ } و هذه الآية جاءت بعد الآية الّتي عَدّت الخشية من علامات العلماء،{اِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمؤُا اِنَّ اللهَ عَزيزٌ‘ غَفُورٌ } فاطر : 28، فإنّ الإنسان بهذين الجناحين - الخشية و الرّجاء - يمكنه أن يرتقي في سماء السّعادة ، و يطوي سبيل تكامله.

8 - و في الآية الثّامنة عشرة أمر الله المؤمنين بالغفران للّذين لايرجون الله { قُلْ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذينَ‘ لايَرْجُونَ اَ يَّامَ اللهِ } و الأيّام: جمع يوم، و هذا الجمع أو مفرده إذا أُضيف إلى اسم أحد أو قوم أو قبيلة، كان المراد به: اليوم الّذي حصل فيه لمن أُضيف هو إليه نَصرٌ و غَلبٌ على معاند أو مقاتل؛ و منه أُطلق على أيّام القتال المشهورة بين قبائل العرب: أيّام العرب، أي الّتي كان فيها قتال بين قبائل منهم، فانتصر بعضهم على بعض، كما يقال: أيّام عبس، و أيّام داحس و الغبراء، و أيّام البسوس. و قد يُطلق أيّام اللهِ في القرآن على الأيّام الّتي حصل فيها فضله و نعمته على قوم، و هو أحد تفسيرين لقوله تعالى: { وَ ذَكِّرْ هُمْ بِاَ يَّامِ اللهِ} إبراهيم : 5.

و معنى الآيةيغفروا للّذين لاتترقّب نفوسهم أيّام نصر الله، لهم: إمّا لأ نّهم لايتوكّلون على الله،و لايستنصرونه بل يستنصرون الأصنام، و إمّا لأ نّهم لايخطر ببالهم أ نّهم منصورون بحول الله و قوّته.فلايخطر ببالهم سؤال نصرالله أو رجاؤه.

9 - و في الآية التّاسعة عشرة نفى عنهم الرّجاء { وَ لَقَدْ اَتَوْا عَلَى الْقَرْ يَةِ الَّتى اُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ اَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْ نَهَا بَلْ كَانُوا لايَرْجُونَ نُشُورً ا } لأنّ الإنسان لايتحمّل متاعب التّكاليف و مشاقّ النّظر و الاستدلال إلا لرجاء ثواب الآخرة، فإذا لم يُؤمن بالآخرة لم يُرْجَ ثوابها، فلايتحمّل تلك المشاقّ

و المتاعب. و عبّر عن إنكارهم البعث بعدم رجائه، لأنّ منكر البعث لايرجو منه نفعًا و لا يخشى منه ضرًّ ا، فعبّر عن إنكار البعث بأحد شقّي الإنكار، تعريضًا بأ نّهم ليسوا مثل المؤمنين يرجون رحمة الله.

10 - و في الآية العشرين جاء عدم الرّجاء للحساب مسبّ-بًا عن تكذيبهم آيات الله { اِنَّهُمْ كَانُوا لايَرْجُونَ حِسَابًا * وَ كَذَّ بُوا بِ-ا"يَا تِنَا كِذَّابًا } لأ نّهم كانوا لايؤمنون بالبعث، و لابأ نّهم محاسبون ولايرجون المجازاة على الأعمال، و لايظنّون أنّ لهم حسابًا.

11 - و في الآية الحادية و العشرين جاءت كلمة { مُرْجَوْنَ } { وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَ‚مْرِ اللهِ اِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَ اِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } مأخوذة من مادّة < إرجاء > بمعنى التّأخير و التّوقيف، و في الأصل أُخذت من < رجاء > بمعنى الأمل، و لمّا كان الإنسان قد يؤخّر شيئًا مّا أحيانًا رجاء تحقّق هدف من الأهداف، فإنّ هذه الكلمة قد جاءت بمعنى التّأخير، إلا أ نّه تأخير ممزوج بنوع من الأمل.12 - و فيها أنّ هؤلاء في الحقيقة ليس لهم من الإيمان الخالص و العمل الصالح؛ بحيث يمكن عدّهم من أهل السّعادة و النّجاة، و ليسوا ملوّثين بالمعاصي و منحرفين عن الجادّة بحيث يُكتبُون من الأشقياء، بل يوكل أمرهم إلى اللّطف الإلهيّ كيف سيعامل هؤلاء، و هذا طبعًا حسب أوضاعهم الرّوحية و مواقعهم.

13 - و هنا يُطرَح سؤال مهمّ، و هو ما الفرق بين هذه الفئة، و الفئة الّتي مرّبيان حالتها في الآية: (102) من هذه السّورة { وَ ا"خَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَ ا"خَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ اَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } ؟ فإنّ كلا الجماعتين كانوا من المذنبين، و كلا المجموعتين تابوا، لأنّ المجموعة الأُولى اعترفوا بذنوبهم، و أظهروا النّدم عليها، و المجموعة الثّانية تستفاد توبتهم من قوله تعالى: { وَ اِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ} و كلا الفئتين ينتظر أفرادها الرّحمة الإلهيّة، و يعيشون حالة الخوف و الرّجاء ؟.

و للجواب عن هذا السّؤال نقول: إنّه يمكن التّفرقة بين هاتين الطّائفتين بطريقين:

أحدهما: أنّ الطّائفة الأُولى تابوا بسرعة،و أظهروا ندمهم بصورة واضحة، صريحًا، و أظهروا استعدادهم لتحمّل الكفّارة البدنيّة و الماليّة مهما كانت. و أمّا أفراد الطّائفة الثّانية، فإنّهم لم يُظهروا ندمهم في البداية، و إن ندموا في أنفسهم و وجدانهم، و لم يُظهروا استعدادهم لتحمّل ما يترتّب علىذنبهم و معصيتهم، فهم في الواقع كانوا يطمحون إلى العفو عن ذنوبهم الكبيرة، بكلّ بساطة و يسر.

ثانيهما: أنّ الطّائفة الأُولى بالرّغم من أ نّهم عصوا بتخلّفهم عن أداء واجب إسلاميّ كبير، أو لتسريبهم بعض الأسرار العسكريّة إلى الأعداء، إلا أ نّهم لم يرتكبوا الكبائر العظيمة، كقتل حمزة سيد الشّهداء، و لهذا فإنّهم بمجرّد أن تابوا و استعدّوا للجزاء، قبل الله توبتهم. غير أنّ قتل حمزة و أمثاله لم يكن بالشّي‌ء الّذي يمكن جبرانه، و لهذا فإنّ نجاة هذا الفريق مرتبطة بأمر الله و إرادته، إمّا يعفو عنهم أو يعاقبهم.

14 - و فيها جملة: { اِمَّا يُعَذِّبُهُ-مْ وَ اِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } بيان لجملة: { وَ ا"خَرُونَ مُرْجَوْنَ } باعتبار متعلّق خبرها، و هو { لاَ‚مْرِ اللهِ }، أي أمر الله الّذي هو إمّا تعذيبهم، و إمّا توبته عليهم.

فإن قلت:( اِمَّا )للشّكّ و الله تعالى منزّه عنه؛ إذ هو عالم بما يصير إليه أمرهم؟

قلت: التّرديد راجع الى العباد، و المعنى ليكن أمرهم عندكم بين الخوف و الرّجاء.

4 - التّشريع:

22 - { وَ الْقَوَ اعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللا تى لايَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ اَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزينَة ‘ وَ اَنْ يَسْتَعْ-فِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللهُ سَميعٌ‘ عَليمٌ‘ } النّور : 60

23 - { تُرْجى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْى‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَفَلاجُنَاحَ عَلَيْكَ ذ"لِ-كَ’ اَدْنى" اَنْ تَقَرَّ اَعْ-يُنُهُنَّ وَ لايَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ بِمَا ا"تَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَ اللهُ يَعْلَمُ مَا فى قُلُوبِكُمْ وَ كَانَ اللهُ عَليمًا‘ حَليمًا‘ } الأحزاب : 51

و فيهما بُحُوث :

1 - في الآية الثّانية و العشرين، استثناء لحكم الحجاب؛ حيث استثنت النّساء العجائز و المُسنّات من هذا الحكم، فقال: { وَ الْقَوَ اعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللا تى لايَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ اَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَات بِزينَة ‘ } و لهذا الاستثناء شرطان:

أوّلهما: وصول هذه العجائز إلى عمر لايُتَوقّع أن يتزوّجن فيه.

و ثانيهما: ألا يتزيّن بزينة بعد رفع حجابهنّ. و من الواضح أ نّه لايقصد برفع العجائز للحجاب إباحة خلع الملابس كلّها و التّعرّي، بل خلع اللّباس الفوقانيّ فقط. كما عبّرت عنه بعض الأحاديث بالجلباب و الخمار.

2 - و تُضيف الآية في ختامها { وَ اَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ } فالإسلام يرغب في أن تكون المرأة أكثر عفّة و أنقى و أطهر. و لتحذير النّساء اللّواتي يئسن، تقول الآية محذّرة إيّاهنّ: { وَ اللهُ سَميعٌ‘ عَليمٌ‘ } كلّما تقولونه يسمعه الله، و ما تكتمونه في قلوبكم يعلمه الله أيضًا.

3 - و في الآية الثّالثة و العشرين، جاء <الإرجاء> بمعنى التّأخير و التّبعيد: { تُرْجى مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْى‘ اِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ } و هو كناية عن الرّدّ،و < الإيواء > بمعنىالإسكان في المكان، و هو كناية عن القبول و الضّمّ إليه.

4 - و في هذا الإرجاء و الإيواء عند المفسّرين احتمالات، أظهرها: أنّ المراد تقدّم من تشاء من نسائك في الإيواء إليك، و هو الدّعاء إلى الفراش، و تؤخّر من تشاء في ذلك، و تُدخل من تشاء منهنّ في القسم، و لاتُدخل من تشاء، لأ نّه (صلی الله علیه و آله) يقسم أوقاته بين أزواجه، و قد أباح الله له ترك ذلك. فكانت إحدى مختصّات (صلی الله علیه و آله)هي سقوط رعاية حقّ القسم منه بحكم الآية؛ و ذلك نتيجة للظّروف الخاصّة الّتي كان يعيشها، و الأوضاع المضطربة الّتي كانت تحيط به من كلّ جانب، و خاصّة أنّ الحرب كانت تفرض عليه كلّ

شهر تقريبًا، و كان له في نفس الوقت زوجات متعدّدة، و بسقوط هذا الواجب عنه، فقد كان قادرً ا على أن يقسم أوقاته كيف يشاء، غير أ نّه (صلی الله علیه و آله) كان يراعي تحقيق العدالة ما أمكن رغم هذه الظّروف.

5 - نقل الطَّبْرِسيّ (4 : 367) عن أبي جعفرو أبي عبد الله أنّ المراد في الآية: < من أرجى لم ينكح و من آوى فقد نكح > و هذه الرّواية يحتمل أن يكون المراد منها ماقدّمناه، من عدم لزوم رعاية القسم بينهنّ، و أن يكون المراد منها ما جاء في الآية الّتي بعدها { لايَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لااَنْ تَبَدَّ لَ بِهِنَّ مِنْ اَزْوَ اجٍ وَ لَوْ اَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ اِلا مَا مَلَكَتْ يَمينُكَ‘ وَ كانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَىْ‌ء رَقيبًا ‘} الأحزاب : 52

5 - القصص:

24 - { قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فينَا‘ مَرْجُوًّ ا قَبْلَهذَا اَتَنْهينَا اَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ا"بَاؤُنَا وَ اِنَّنَا لَفى شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا اِلَيْهِ مُريب } هود : 62

25 - { قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ وَ اَرْسِلْ فِى الْمَدَ ائِنِ حَاشِرينَ‘ } الأعراف : 111

26 - { قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ وَ ابْعَثْ فِى الْمَدَ ائِنِ حَاشِرينَ‘ } الشّعراء : 36

وفيها بُحُوث:

1 - و في الآية الرّ ابعة و العشرين استُعمل كلمة { مَرْجُوًّا } في قصّة صالح و قومه ثمود، لأ نّهم استفادوا من عامل نفسيّ للتّأثير على النّبيّ صالح أو على الأقلّ للمحاولة في عدم تأثير كلامه على المستمعين له من جمهور النّاس، فقالوا: { يَا صَالِ-حُ قَدْ كُنْتَ فينَا‘ مَرْجُوًّ ا قَبْلَ هذَا اَتَنْهينَا اَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ا"بَاؤُ نَا } أي كانت تلوح فيك مخايل الخيرو أمارات الرّشد فكنّا نرجوك لننتفع بك، و تكون مشاورً ا في الأُمور و مسترشدً ا في التّدابير، فلمّا نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك، و علمنا أن لاخير فيك.

2 - و قيل: كانوا يرجون رجوعه إلى دينهم؛ إذ كان يبغض أصنامهم و يعدل عن دينهم قبل هذا، أي الّذي باشرته من الدّعوة إلى التّوحيد و ترك عبادة الآلهة، فلمّا سمعنا منك ما سمعناه ، انقطع عنك رجاؤنا.

و قيل: كانوا يرجون دخوله في دينهم بعد دعواه إلى الحقّ، ثمّ انقطع رجاؤهم.

و قيل: إنّ { مَرْجُوًّ ا} بمعنى حقيرً ا، و كأ نّه فسّره أوّ لا ب- < مؤخّرً ا > غير معتنى به و لامهتمّ بشأنه،ثمّ أراد منه ذلك و إلا ف- { مَرْجُوًّ ا } بمعنى < حقيرً ا > لم يأت في كلام العرب.

3 - و في الآية الخامسة و العشرين و السّادسة و العشرين جاء ت كلمة { اَرْجِهْ } في سور تي الأعراف و الشّعراء: { قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ وَ اَرْسِلْ فِى الْمَدَ ائِنِ حَاشِرينَ‘ } و { قَالُوا اَرْجِهْ وَ اَخَاهُ وَ ابْعَثْ فِى الْمَدَ ائِنِ حَاشِرينَ‘ } و جملة { قالُوا اَرْجِهْ } جواب القوم المستشارين، فتجر يدها من حرف العطف، لجريانها في طريق المحاورة، أي فأجاب بعض الملإ بإبداء رأي لفرعون، فيما يتعيّن عليه اتّخاذه.

4 - و فعل { اَرْجِهْ } أمر من الإرجاء، و هو التّأخير. قرأه المشهور { اَرْجِهْ } بجيم ثم هاء و أصله

أرْجئه بهمزة بعد الجيم، فسُهّلت الهمزة تخفيفًا، فصارت ياء ساكنة، و عُوملت معاملة حرف العلّة في حالة الأمر. و قرئ بالهمز ساكنًا على الأصل، فالتّأخير ملحوظ في كلاالقراءتين.

5 - و في تفسير قوله: { اَرْجِهْ } قولان:

الأوّ ل: الإرجاء: التّأخير، فقوله: { اَرْجِهْ } أي أخّره، و معنى أخّره: أي أخّر أمره و لاتعجل في أمره بحكم، فتصير عجلتك حجّة عليك. و المقصود أ نّهم حاولوا معارضة معجزته بسحرهم، ليكون ذلك أقوى في إبطال قول موسى .

و القول الثّاني: و هو قول الكَلْبي و قَتادَة {اَرْجِهْ}احبِسْه. قال المحقّقون: هذا القول ضعيف لوجهين:

الأوّ ل: أنّ الإرجاء في اللُّغة هو التّأخيرلاالحبس، و الثّاني: أنّ فرعون ما كان قادرً اعلى حبس موسى بعد ما شاهد حال العصا.

6 - الأرجاء في القيامة:

27 - { وَ الْمَلَكُ عَلى" اَرْجَائِهَا وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْ قَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ } الحاقّة : 17

و فيها بُحُوث:

1 - الأرجاء في اللُّغة: النّواحي؛ يقال: رجاو رجوان؛ و الجمع: الأرجاء. و يقال ذلك لحَفر البئر و حَفر القبر، و ما أشبه ذلك. و المعنى: أنّ السّماء إذا انشقّت عدلت الملائكة عن مواضع الشّق إلى جوانب السّماء، كما قال: { وَ الْمَلَكُ عَلى اَرْجَائِهَا وَ يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْ قَهُمْ يَوْمَئِذ ثَمَانِيَةٌ }.

2 - الضّمير في { اَرْجَائِهَا } عائد إلى السّماء، أي الملائكة على نواحيها. و قيل: الضّمير عائد إلى الأرض و إن كان لم يتقدّم لها ذكر قريب، لأنّ القصّة و اللّفظ يقتضي إفهام ذلك. و الأوّ ل أولى لتقدّم ذكر السّماء.

3 - { وَ الْمَلَكُ } أي الخلق المعروف بالملَك، و هو أعمّ من الملائكة. ألاترى الى قولك: < ما من ملك الا و هو شاهد > أعمّ من قولك: < ما من ملائكة >؟ و إنّ ملائكة الرّحمان يصطفّون على جوانب و أطراف السّماوات، ينتظرون تلقّي أمر الواحد الأحد لإنجازه بمجرّد الإشارة، كأ نّهم جنود جاهزون لما يؤمرون به.

4 - أنّ حملة العرش في هذه الآية هل هم من الملائكة أم من جنس آخر؟ و المقصود ب- { ثَمَانِيَةٌ }هل هم ثمانية ملائكة؟ أم ثمانية مجاميع من الملائكة؟ و ما معنى حمل العرش؟ لاحظ: م ل ك: < المَلَك >، و: ع ر ش: < عَرْش >.

و ثانيًا: أكثر هذه الآيات مكّيّة و موضوعها القصص أو الدّ ار الآخرة، و عدّة منها مدنيّة تشريعًا أو سيرةً.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن:

الرّجاء: الأُمنيّة:

الأمل: { ذَرْهُمْ يَاْكُلُوا وَ يَتَمَتَّ-عُوا وَ يُلْهِهِمُ الاَ_مَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } الحجر : 3

التّمنّي: { وَ مَا اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَ لانَبِىٍّ اِلا اِذَا تَمَنّى اَلْقَى الشَّيْطَانُ فى اُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ

اللهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ ا"يَاتِهِ وَ اللهُ عَليمٌ‘حَكيمٌ‘ } الحجّ : 52

الرّجاء: الذُّعر: راجع: < خ ش ي >.

الرّجاء: التّأجيل:

التّأخير: { يُنَبَّ-ؤُا الاِ_نْسَانُ يَوْمَئِذ بِمَا قَدَّمَ وَ اَخَّرَ } القيمة : 13

الإمهال: { فَمَهِّلِ الْكَافِرينَ‘ اَمْهِلْهُمْ رُوَيْدً ا } الطّارق : 17

الإنساء: { اِنَّمَا النَّسئُ ‘زِيَادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذينَ‘ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَ يُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِؤُ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ اَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لايَهْدِى الْقَوْمَ الْكَافِرينَ‘ } التّوبة : 37

الإنظار: { قَالَ اَنْظِرْنى اِلى" يَوْمِ يُبْعَثُونَ *قَالَ اِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرينَ‘ } الأعراف : 14 ، 15

الإملاء: { وَ الَّذينَ‘ كَذَّبُوا بِا"يَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْحَيْثُ لايَعْلَمُونَ * وَ اُمْلى لَهُمْ اِنَّ كَيْدى‘ مَتينٌ‘ } الأعراف : 182، 183

الرّجا: الصّقع:

القطر: { يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الاِ_ نْسِ اِن اسْتَطَعْتُمْ اَنْ تَنْفُذُوا مِنْ اَقْطَارِ السَّموَ" اتِ وَ الاَ_رْضِ فَانْفُذُوالاتَنْفُذُونَ اِلا بِسُلْطَان } الرّحمن : 34

الجانب: { وَ نَادَيْنَ-اهُ مِنْ جَانِبِ الطُّ-ورِ الاَ_يْمَنِ وَ قَرَّ بْنَاهُ نَجِيًّا } مريم : 52

المنكب: { هُوَ الَّذى‘ جَعَلَ لَكُمُ الاَ_رْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ اِلَيْهِ النُّشُورُ } الملك : 15

الأُفق: { سَنُريهِ-مْ ا"يَاتِنَ-ا فِى الا"_فَاقِ وَ فى اَنْفُسِهِمْ حَتى| يَتَبَيَّنَ لَهُمْ اَنَّهُ الْحَقُّ اَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ اَ نَّهُ عَلى" كُلِّ شَىْء شَهيدٌ‘ } فصّلت : 53

ر ح ب

اشارة

لفظان، 4 مرّ ات: 2 مكّيّتان ،2 مدنيّتان

في سورتين: 1 مكّيّة ،1 مدنيّة

رَحُبَت 2 : - 2 مَرْحَبًا 2 : 2

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل:رَحُبَ الشّيء رُحْبًا و رَحابَةً.

و رجل رحيب الجَوْف، أي أكول.

و قال نَصْر بن سيّار: أرَحُبَكُم الدّخول في طاعة الكِِرْمانيّ؟ أي أوَسِعكُم؟

هذه كلمة شاذّة على < فَعُل > مُجاوز ، و < فَعُل > لايجاوز أبدً ا.

و أرْحَبُ: حَيّ أو موضع تُنْسَب إليه النّجائب الأرْحَبيّة.

و قوله: مَرْحَبًا، أي انْزِلْ في الرُّحْب و السّعَة. قال اللّيث: و سُئِل الخَليل عن نصبه، فقال: فيه كمين الفعل، أراد: انْزِلْ أو أقِمْ فنُصِب بفعل مضمر، فلمّا عُرِف معناه المراد أُمِيتَ الفعل.

و الرُّحْبَى: سِمَةٌ للعربِ على جنب البعير.

و الرَّجْيَ: سِمَةُ العرب على جَنْبِ البعير. (3 : 215)

ابن شُميّل: أرض رحيبة: واسعة.(الأزهَريّ 5 : 25)

الرِّحاب: في الأودية؛ الواحدة: رَحْبَة، و هي مواضع متواطئة يستنقع الماء فيها، و هي أسرع الأرض نباتًا، تكون عند منتهى الوادي و في وسطه، و قد تكون في المكان المُشْرف و يستنقع فيه الماء، و ما حولها مُشرف عليها.

و إذا كانت في الأرض المستوية نزلها النّاس، و إذا كانت في بطن المسيل لم ينزلها النّاس، و إذا كانت في بطن الوادي فهي أُقْنَةٌ تمُسِك الماء، ليست بالقعيرة جدًّا،

و سعتها قدر غَلْوَة، و النّاس ينزلون ناحيةً منها.و لاتكون الرِّحاب في الرّمل، و تكون في بطون الأرض و في ظواهرها. (الأزهَريّ 5 : 27)

أبوعمرو الشّيبانيّ:و الرُّحْبَى: مَنْبض القلب. [ثمّ استشهد بشعر] (2 : 28)

الفَرّ اء: يقال: رحُبَتْ بلادك رَحْبًا و رَحابَةً و رَحِبَتْ رَحَبًا و رُحْبًا. ويقال: أرحَبَتْ، لغةٌ بذلك المعنى. (الأزهَريّ 5 : 27)

في الحديث: < أ نّه قال لخزيمة بن حكيم مَرْحَبًا > معناه: رحّبَ الله بك مَرْحَبًا، كأ نّه وُضِع موضع التّرحيب. (الهَرَويّ 3 : 724)

الأصمَعيّ: في الحديث: < أ نّه قال لخزيمة بن حكيم مَرْحَبًا > أي لقيتَ رُحْبًا، أي سعةً.

و سمّيت الرَّحْبَة رَحْبَةً لسَعَتها. (الهَرَويّ 3 : 724)

أبوعُبَيْد: الرُّحْبَيان مَرْجِعا الِمرْفَقَين، و النّاحز إنّما يكون في الرُّحْبَيَيْن. (الأزهَريّ 5 : 27)

ابن الأعرابيّ: يقول: مَرْحبَك الله و مَسْهَلك،و مَرْحَبًا بك الله و مَسْهلا بك الله.

و تقول العرب: لامَرْحبًا بك، أي لارحُبَتْ عليك بلادك. و هي من المصادر الّتيتقع في الدّعاء للرّجل و عليه، نحو سَقْيًاو رَحْبًا و جَدْعًا و عَقْرً ا، يريدون: سقاك الله و رعاك. (الأزهَريّ 5 : 26)

ابن السِّكّيت:قوله: < مَرْحَبًا و أهْلا > أي أتَيتَ أهلا و أتَيتَ سَعَةَ، فلاسَعَةً فاسْتَأنِسْ و لاتَسْتَوحِشْ. (584)

الدّينَوريّ: الرّحْبَة و الرّحَبَة، و التّثقيل أكثر: أرض واسعة مِنْبات مِحْلال. (ابن سيده 3 : 318)

المُبَرِّد: قوله < و أن تَرْحَبا > يريد أن تتّسعا، أي تتّسع صدورهما، من قولهم: فلان رحيب الصّدر. (1 : 387)

ابن دُرَيْد: و المكان الرَّحْب: الواسع، و كذلك الرّحيب.

و الرّحْبَة، بتسكين الحاء و فتحها: الفَجْوَة الواسعة بين دُور و غيرها.

و قد سَمَّت العرب مَرْحَبًا، و هو < مَفْعَل > من ذلك.

و قولهم للرّجل: مَرْحَبًا و سَهْلا ، أي لقيت سَعةً و سهولةً.

و بنو رَحْبَة: بطن من حِمْيَر، و بنو أرْحَب: بطن من هَمْدان.

و الإبل الأرْحَبيّة: منسوبة إلى أرْحَب، رجل من هَمْدان معروف.

و الرُّحابة: أطُم بالمدينة.

و الرُّحَيْباوان: الواحدة رُحَيْباء، و هو من الفرس أعلى الكَشْحَين، و يقال لها: الرُّحْبَيان؛ الواحدة: أحسبه رُحْبَى، مقصور. و كذلك من الإنس، و هي أواخر الأضلاع. [ثمّ استشهد بشعر] (1 : 220)

يقال: موضع رَحْب، و لايقال: بالضّمّ. و يقولون: بالرُّحْب و السّعَة، فيضمّون. (2 : 190)

الأزهَريّ: قال ابن الأعرابيّ: الرَّحْبَة: ما اتّسع من الأرض؛ و جمعها: رُحَبٌ، مثل قَرْية و قُرًى.

قلت: و هذا يجيء شاذًّا في باب النّاقص، فأمّا

السّالم فما سمعت < فَعْلَة > جُمعَت على < فُعَل >، و ابن الأعرابيّ ثقة لايقول إلا ما قد سمعه.

وقال اللّيث: الرَّحْبُ و الرّحيب: الشّيء الواسع.

قال: رَحْبَة المساجد: ساحاتها. و نقول: رحُبَ يَرْحُبُ رُحْبًا و رَحابةً.

و رجل رحيب الجوف: واسعه.

و قال نصر بن سيّار. أرَحُبَكُم الدّخول في طاعة الكِرْمانيّ؟ يعنى أوَسِعَكم.

و قال اللّيث: و هذه كلمة شاذّة على < فَعُل > مُجاوز و < فَعُل > لايكون مجاوزًا أبدً ا.

قلت: لايجوز < رَحُبَكُم > عند النّحويّين، و نصر ليس بحجّة.

و قال اللّيث: أرحَبُ: حيّ أو موضع يُنسَب إليه النّجائب الأرْحَبيّية.

قلت: و يحتمل أن يكون أرْحَبُ فحلا نُسبت إليه النّجائب، لأ نّها من نسله.

و قال اللّيث: في قول العرب: مَرْحَبًا، معناه انْزِل في الرّحْب و السّعَة، فأقِمْ فلك عندنا ذلك.

و سُئل الخَليل عن نصب مَرْحَبًا، فقال: فيه كمين الفعل، أراد به انْزِل أو أقِمْ فنُصب بفعل مضمر، فلمّا عُرف معناه المراد به أُميت الفعل.

قلت: و قال غيره في قولهم: مَرْحَبًا، أتيت رُحْبًا و سَعةً لاضيقًا. وكذلك قال: سهلا ، أراد نزَلْتَ بلدً ا سهلا لاحَزْ نًا غليظًا.

الرُّحْبَى: مَنْبِض القلب من الدّوابّ و الإنسان.

و رَحْبَة مالك بن طوق: مدينة أحدثها مالك على شاطئ الفرات.

و رُحابَة: موضع معروف.

و قال الفَرّ اء: يقال للصّحراء بين أفنيَة القومو المسجد: رَحْبَة. و رَحَبَةٌ: اسم، و رَحْبَة نعت. يقال: بلاد رَحْبَة، و لايقال: رَحَبَة.

قلت: ذهب الفَرّ اء إلى أ نّه يقال: بلد رَحْبٌ و بلاد رَحْبَةٌ، كما يقال: بلد سَهْل و بلاد سَهْلَة. (5 : 25)

الصّاحِب: الرَّحْبُ: الشّيء الرّحيب؛ رَحُبَ رُحْبًا و رَحابةً، و أرْحَبَ إرْحابًا. و رَحِبَتْ بلادك بكسر الحاء تَرْحَب رَحَبًا، و أرحَبَتْ.

و الرّحْبَة و الرّحَبَة: واحِد.

و رَحْبَة المسجد: ساحَتُه.

و قوله مَرْحَبًا بك، أي انْزل في الرُّحْب و السّعَة.

و الرُّحْبَى: أعرَضُ ضِلَع ٍفي الصّدر، و هما رُحْبَيَان. و هي أيضًا سِمَة على جَنْب البعير.

و أرْحَبُ: حيّ أو موضِع، تُنسَب إليه النّجائب الأرْحَبِيّة.

و الرَّحْبَة: مُستقرّ الماء من الأرض. و هي من الرّمل الغليظ منه؛ و جمعه: رَحَبات.

و يقال للفرس: ارْحَبي، إذا زجَرْتَها، أي أوْسِعي و تنَحّى، و للذّكر ارْحَبْ. (3 : 86)

الجَوهَريّ:الرُّحْبُ بالضّمّ: السّعَة. تقول منه: فلان رُحْبُ الصّدر.

و الرَّحْبُ، بالفتح: الواسِع، تقول منه: بلد رَحْبٌ و أرض رَحْبَةٌ، و قد رَحُبْتَ بالضّمّ تَرْحُبُ رُحْبًا و رَحابَةً.

و قولهم: مَرْحَبًا و أهْلا ، أي أتَيْتَ سَعَةً و أتَيْتَ أهلا ، فاستَأنِسْ و لاتَسْتَوحِشْ.

و قد رَحّبَ به ترحيبًا، إذا قال له: مَرْحَبًا.

و قِدْرٌ رُحَابٌ، أي واسعة. و الرُّحْبَى:أعْرَضُ الأضلاعِ. و إنّما يكون النّاحز في الرُّحْبَيَيْن و هما مرجِعُ المرفقين. و هو أيضًا سِمَةفي جنب البعير.

و الرّحيب: الأكول.

و فلان رحيب الصّدر، أي واسع الصّدرِ.

و رحائب التُّخُومِ: سَعَة أقطارِ الأرضِ.

و رَحُبَت الدّ ار و أرْحَبَتْ بمعنًى، أي اتّسَعتْ.

[ثمّ نقل قول الخَليل و أضاف:]

و لم يجئ في الصّحيح < فَعُلَ > بضمّ العين متعدّيًا غيره. و أمّا المعتلّ فقد اختلفوا فيه. قال الكِسائيّ: أصل قُلْتُه: قَوُلتُه. و قال سيبَوَيه:لايجوز ذلك، لأ نّه يتعدّى. وليس كذلك طُلْتُه؛ وألاترى أ نّك تقول: طويل.

و أرْحَبْتُ الشّيء: وسّعتُه.

و يقال أيضًا في زَجْر الفرس: أرْحِبْ و أرْحِبي، أي تَوَسّعي و تباعدي.

و رَحَبَة المسجد بالتّحريك: ساحَتُه؛ و الجمع: رَحَبٌ ورَحَبات و رِحاب. [واستشهد بالشّعر3مرّات] (1 : 134)

ابن فارِس: الرّ اء و الحاء و الباء أصل واحد مُطّرد، يدلّ على السّعَة. من ذلك: الرُّحْب، و مكان رَحْبٌ. و قولهم في الدّعاء: مَرْحَبًا: أتَيْتَ سعَةً.

و الرُّحْبَى: أعْرَضُ الأضلاع في الصّدر.

و الرّحِيب: الأكول، و ذلك لسَعة جوفه.

و يقال: رَحُبَت الدّ ار،و أرْحَبَت.

و الرَّحْبَة: الأرض المِحْلال المِِئْناث.

و يقال للخيل: أرْحِبِي أي توسّعي. (2 : 499)

الهَرَويّ:في الحديث: < أ نّه قال لخزيمة بن حكيم: مَرْحَبًا >. و العرب تقول: مَرْحبَك الله، ومَسْهَلك، و مَرْحَبًا بك الله و مَسْهلا .

و في حديث: ابن زِمْل < على طريق رَحْب > أيواسع.(3 : 724)

ابن سيده: رَحُبَ الشّيء رُحْبًا و رَحابَةً، فهو رَحْبٌ و رحيب و رُحاب.

و أرْحَبَ: اتّسع. و قالوا: رَحُبَتْ عليك و طُلّتْ، أي رَحُبَت البلاد و طُلّتْ.

و قال أبوإسحاق: رَحُبَتْ بلادك و طُلَّتْ، أي اتّسعت و أصابها الطَّلّ.

و رجل رَحْبُ الصّدر و رحيب الجوف: و اسعُهما.

و امرأة رُحابٌ: واسعة.

و قولهم في تحيّة الوارد: أهلا و مَرْحَبًا، أي صادَفْتَ أهلا و مَرْحَبًا.

و قالوا: مَرْحبَك الله و مَسْهَلك. و قد أبَنْتُ تعليله في الكتاب < المخَصّص > بما فيه كفاية.

و رَحّبَ بالرّجل: دعاه إلى الرُّحْب و السّعَة.

و رَحْبَة المسجد و الدّ ار: ساحتهما و متّسَعُهما. و قال سيبَوَيه: رحَبَة و رِحاب كرَقبَة و رِقاب.

و رِحاب الوادي: مسايل الماء من جانبيه فيه؛ واحدتها: رحَبَة.

و رَحَبَة الثُّمام: مجتمعه و مَنْبتُه.

و الرّحَبَة: موضع العِنَب، بمنزلة الجُرَيْن للتّمر، و كلّه من الاتّساع.

وكلمة شاذّة تُحْكَى عن نصر بن سيّار قال: أرَحُبَكم الدّخول في طاعة ابن الكِرْمانيّ، أي أوَسِعَكُم؟ فعَدّى < فَعُل > وليست متعدّيةً عند النّحويّين. إلا أنّ أبا عليّ الفارِسيّ حكى أنّ هُذَيلا تُعدّيها إذا كانت قابلة للتّعدّي بمعناها.

ويقال للخيل: ارْحَبي زَجْرٌ لها، أي توسّعي وتَنَحِّيْ

و الرُّحْبى: أعرَضُ ضِلْع في الصّدر.

و الرُّحْبَيان: الضّلعان اللّتان تليان الإبِطَيْن في أعلى الأضلاع. و قيل: هما مرجع المرفَقَين؛ واحدهما:رُحْبَى.

و قيل: الرُّحْبَى ما بين مَغْرِز العنُق إلى مُنقطع الشّراسيف. و قيل: هي ما بين ضِلْعَي أصل العنُق إلى مرجع الكتِف.

و الرُّحَيْباء من الفرس: أعلى الكشحَيْن، و هما رُحَيْباوان.

والرُّحْبَى: سمَة على جَنْب البعير.

و بنُو رَحْبَةَ: من حِمْيَر.

و بنُوأرْحَبَ: بطن من همدان إليهم تُنسَب النّجائب الأرْحَبيّة.

و مَرْحَبٌ: اسم.

و مَرْحَبٌ: فرس عبد الله بن عَبْد.

و الرُّحابَة: أُطُمٌ بالمدينة . (3 : 318)

الرّ اغِب: الرُّحْبُ: سَعَة المكان؛ و منه: رَحَبَة المسجد.

و رَحُبَت الدّ ار: اتّسعت.

و استُعير للواسع الجوف، فقيل: رَحْبُ البطن، و لواسع الصّدر، كما استعير < الضّيق > لضدّه، قال تعالى: { ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ } التّوبة : 118، و فلان رحيب الفِناء: لمن كثُرت غاشيته.

و قولهم: مَرْحَبًا و أهلا ، أي وجَدْتَ مكانًا رَحْبًا. قال تعالى: {...لامَرْحَبًا بِهِمْ اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبً-ا بِكُمْ }.ص : 59 ، 60. (191)

الزّمَخْشَريّ : مكان رَحْبٌ و رحيب، و رَحُبَتْ بلادك.

و مَرْحَبًا بك.

و رَحّب به.

و لقيته بالتّرحيب و التّرجيب.

و ضاقت عليّ الأرض برُحْبها و بما رَحُبَت. و انْزِل في الرُّحْب و السّعَة.

ولفلان جوف رحيب، و أكل رغيب. و أرْحَبَ الله جوفه.

و يقال للخيل: ارْحَبيأي تنحِّي و أوسِعي، يقال ذلك: في المأزق المتضايق.

و بين دُورهم رَحَبَة واسعة، و هي فَجْوَة بينها.

و قعد فلان في رَحْبَة داره و رَحَبَة داره، و الفتح أفصح، و هي ساحتها.

قال أبوعمرو: يقال للصّحراء من أفنية القوم: رَحَبَة.

و قال: الرّحَبَة: محلّة لها مناكب يحلّ عليها النّاس.

و رِحاب فلان رِحاب.

و كان عليّ رضي الله تعالى عنه يقضي في رَحَبَة مسجد الكوفة، و هي صحنه.

و من المجاز: فلان رَحْبُ الذّراع بهذا الأمر، إذا كان مطيقًا له.

و رَحْبُ الباع و الذّراع و رحيبهما: سخيّ.

و هذا أمر إن تراحبت موارده فقد تضايقت مصادره. [و استشهد بالشّعرمرّتين] (أساس البلاغة : 157)

و في صفة النّبيّ (صلی الله علیه و آله):<... رَحْبُ الرّ احة...>. رَحْبُ الرّ احة: دليل الجواد؛ و ضيقتها و صغرها دليل البخل. [ثمّ استشهد بشعر] (الفائق 2 : 230)

المَدينيّ : في حديث نصر بن سيّار: أرَحُبَكُم الدّخول في طاعة فلان ؟ أي أوَسعَكُم؟ قاله الخَليل، و هو شاذّ.

و منه حديث ابن عوف: < قلّدوا أمركم رَحْب الذّراع >، أي واسع القوّة عند الشّدائد. (1 : 745)

ابن الأثير: فيه: أ نّه قال لخُزَيمَة بن حكيم:< مَرْحَبًا > أي لقِيت رُحْبًا و سَعَة. و قيل: معناه: رحّب الله بك مَرْحَبًا، فجعل المَرْحَب موضع التّرحِيب.

و في حديث كعب بن مالك: فنحن كما قال اللهفينا: { وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ } التّوبة : 25. (2 : 207)

الفَيُّوميّ: رحُبَ المكان رُحْبًا من باب < قَرُب > فهو رحيب و رَحْبٌ، مثال قريب و فَلْس. و في لغة: رَحِبَ رَحَبًا من باب < تعِب >، و أرْحَبَ بالألف مثله.

و يتعدّى بالحرف، فيقال: رحُبَ بك المكان، ثمّ كثُر حتّى تعدّى بنفسه، فقيل رحُبَتْك الدّ ار.

هذا شاذّ في القياس، فإنّه لايوجد < فَعُل > بالضّمّ إلا لازمًا، مثل: شرُف و كرُم، و من هنا قيل: مَرْحَبًا بك، و الأصل: نَزَلتَ مكانًا واسعًا.

و رَحّبَ به بالتّشديد: قال له: مَرْحَبًا.

و رَحْبَة المسجد: السّاحة المنبسطة، قيل: بسكون الحاء؛ و الجمع: رِحابٌ مثل: كَلْبَة و كِلاب.

و قيل: بالفتح، و هو أكثر؛ و الجمع: رَحَبٌو رَحَباتٌ، مثل: قصَبَة و قصَب و قصَبات

و الرَّحْبَة: البُقْعَة المتّسعة بين أفنية القوم بالوجهين؛ و جمعها: عند ابن الأعرابيّ: رُحَبٌ، مثل: قَرْية و قُرًى.

قال الأزهَريّ: هذا البناء يجيء نادرً ا في باب المعتلّ، فأمّا السّالم فما سمعت فيه < فَعْلَة > بالفتح جُمعَت على < فُعَل > و ابن الأعرابيّ ثقة لايقول إلا ما سمعه.

و أرْحَبُ: وزان أحمر: قبيلة من هَمْدان. و قيل: موضع، و إليه تُنسَب النّجائب. (1 : 222)

الفيروزاباديّ: الرُّحْبُ، بالضّمّ: موضع لهُذَيْل. و كغُراب: موضع بحَوْران.

و رَحُبَ، ككَرُم و سمع، رُحْبًا، بالضّمّ، و رَحابةً، فهو رَحْبٌ و رحيب و رُحاببالضّمّ: اتّسع، كأرْحَبَ.

و أرْحَبَه: وسّعه.

و أرْحِبْ و أرْحِبي: زَجْران للفرس، أي توسّعي

و تباعَدي.

و امرأة رُحابٌ بالضّمّ: واسعة.

و مَرْحَبًا و سَهْلا ، أي صادَفتَ سعَة.

و مَرْحبَك الله و مَسْهَلك، و مَرْحَبًا بك الله و مَسْهلا .

و رَحّبَ به ترحيبًا: دعاه إلى الرُّحْب. و رَحَبَة المكان، و تُسَكّن: ساحته و مُتّسَعه، و من الوادي: مسيل مائه من جانبَيه فيه، و من الثُّمام: مُجتَمعُه و مَنْبتُه، و موضع العنب، و الأرض الواسعة المِنْبات المِحْلال؛ جمعه: رِحاب و رَحَبٌ و رَحَبات، محرّكتين و يسكّنان.

و رَحُبَكُم الدّخول في طاعته، ككَرُم: وَسِعَكُم. شاذّ، لأنّ < فَعُل > ليست متعدّيةً، إلا أنّ أبا عليّ حكى عن هُذَيْل تعديتها.

و الرُّحْبَى، كحُبْلى: أعْرَضُ ضِلَع في الصّدر،و سِمَةٌ في جنب البعير.

و الرُّحْبَيان: الضّلعان تليان الإبطين في أعلى الأضلاع، أو مرجع المِرْفَقَين، أو هي مَنْبِض القلب.

و الرُّحْبَة، بالضّمّ: ماءَةٌ بأجَإ ، و بئر في ذي ذَرَوان من أرض مكّة، بوادي جبل شمنصير، و قرية حذاء القادسيّة، و واد قُرْب صنعاء، و ناحية بين المدينة و الشّام قُرْب وادي القُرى، و موضع بناحية اللّجاة.

و بالفتح: رَحْبَة مالك بن طوق على الفرات، و قرية بدِمَشْق، و محلّة بها أيضًا، و محلّة بالكوفة، و موضع ببغداد، و واد يسيل في الثّلَبُوت، و موضعبالبادية، و قرية باليمامة، و صحراء بها أيضًا فيها مياه و قرًى. و النّسبة: رحَبيّ، محرّكة.

و بنُو رَحْبَة: بطن من حِمْيَر.

و كقُمامَة: موضع بالمدينة.

و ككتاب: اسم ناحية بأذربيجان و دربند، و أكثر إرمينيّة.

و بنُو رحَب، محرّكة: بطن من هَمْدان.

و أرْحَبُ: قبيلة منهم، أو فحل، أو مكان؛ و منه: النّجائب الأرحَبيّات.

و كأمير: الأكول.

و رحائب التُّخُوم: سعة أقطار الأرض.

و سمّوا: رَحْبًا، و كمُعظّم و مَقْعَد.

وكمَقْعَد: فرس عبد الله بن عبد الحنفيّ، و صنم كان بحضرموت.

و ذو مَرْحَب: ربيعة بن معدي كَرِب، كان سادِنَه. (1 : 74)

الطُّرَيحيّ: في الحديث: < مَرْحَبًا بقوم قضُوا الجهاد الأصغر > الحديث، أي لقيتم رُحْبًا بالضّمّ، أي سَعَةً لاضيقًا، فيكون منصوبًا بفعل لازم الحذف سماعًا، كأهلا و سهلا .

و عن المُبَرِّد نصبه على المصدر، أي رَحُبَت بلادكم مَرْحَبًا، و الباء في < بقَوْم > إمّا للسّببيّة أو للمصاحبة.

قال بعض شرّ اح الحديث: هذه الكلمة كلمة استئناس، يخاطبون بها من حلّ بهم من وافد أو باغ خيرً ا، أو قاصد في حاجة.

و رَحُبَ المكان، من باب < قَرُب > و في لغة من باب < تعِب >: اتّسع، و يتعدّى بالحرف، فيقال: رَحُبَ بك المكان، ثمّ كثر حتّى تعدّى بنفسه، فقيل: < رحُبَتك

الدّ ار >.

و من أمثالهم عِشْ رَحْبًا ترى عجبًا، أي رَحْبًا بعد رَحْب، فحذف.

قيل: رَحْب كناية عن السّنة، و من نظر في سنة واحدة و رأى تغيّر فصولها، قاس الدّهر عليها.

و مَرْحَب: اسم رجل شجاع قتله عليّ .

و رجل رَحْبُ الذّراعين، أي واسع القُوّة عند الشّدائد، و منه: قلّدوا أمركم رَحْبَ الذّراع، أي واسع القدرة و القوّة و البطش.

و في الحديث: < لايغُرَ نّكم رَحْبُ الذّراعين بالدّم، فإنّ له قاتلا لايموت > يعني النّار. و من صفاته(صلی الله علیه و آله): " <رَحْب الرّاحَة >، و معناه: واسع الرّاحة كبيرها.

و العرب تمدح كبير اليد، و تهجو صغيرها، فيقولون:< رَحْب الرّ احة كثير العطاء > كما يقولون: < ضيّق الباع > في الذّمّ.

و أرحَبَ الله جوفه: وسّعه.

و < رَحْبَة المسجد > بالفتح: السّاحة المنبسطة، قيل: هي مثل كَلْبة؛ و جمعها: رحَبَات ككلبات، و قيل: مثل قصَبَة و قصَبات و قصَب، و هو أكثر.

و الرُّحْبَة: محلّة بالكوفة. (2 : 68)

مَجْمَعُ اللُّغة:1 - رَحُب الشّيء يَرْحُبُ رُحْبًا و رَحابةً: اتّسع، فهو رَحْب و رحيب.

2 - و يقال: في تحيّة الخير القادم: مَرْحَبًا، أي أتيت أو صادَفتَ سَعَة، فاسْتأنِسْ و لاتَسْتَوحِشْ.

و يقال في استقبال القادم بالمكروه: لامَرْحَبًا.(1 : 462)

محمّد إسماعيلإبراهيم: رَحُبَ المكان: اتّسع، فهو رَحْبٌ و رحيب.

و رَحّبَ به : أحسَن رِفْدَه و دعاه إلى الرُّحْب، و قال له: مَرْحَبًا، أي أن تنزل في مكان رَحْب و سَهْل. و يقال في الدّعاء عليه: لامَرْحَبًا بك.(1 : 215)

العَدْنانيّ: رَحُبَت الدّ ار و أرْحَبَت.

و يخطّئون من يقول: أرْحَبَت الدّ ار، أي اتّسعت. و يقولون: إنّ الصّواب هو: رَحُبَت الدّ ار، اعتمادً ا على قوله تعالى: في الآية 25، من سورة التّوبة:{ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَ لَّيْتُمْ مُدْبِرينَ‘ } و جاء في الآية : 118، من سورة التّوبة أيضًا: {حَتىّٰ اِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ اَنْفُسُهُمْ }.

و اعتمدوا أيضًا على قول معجم ألفاظ القرآن الكريم و مفردات الرّاغِب الأصفهانيّ، و الأساس الّذي قال: < رَحُبَتْ بِلادك >.

و لكن أجاز قول: رَحُبَت الدّ ار، و أرْحَبَتْ، كلّ من أدب الكاتب في باب أبنية الأفعال، و الصّحاح، و معجم مقاييس اللُّغة، و المختار،و اللّسان، و المصباح، و القاموس، و التّاج، و المدّ ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.

و يُجيز أن نقول جُملتي: رَحُبَ المكان، و أرْحَبَ المكان كلتيهما: الصّحاح، و اللّسان، و المصباح، و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.

و اكتفى الأساس بذكر: أرْحَبَ الله جوفه.

و يجوز أن يُصبح الفعل < رَحُبَ > متعدّيًا، فنقول: رَحُبَتْكُم الدّ ار: وَسِعَتْكم.

ابن الأعرابيّ الّذي قال:لم يأت < فَعُل > مضموم العين من الصّحيح متعدّ يًا إلا : رَحُبَتْكُم الدّ ار، و حملوه على الحذف و الإيصال، أي رَحُبَت بكم الدّ ار.

و أبوعليّ الفارسيّ الّذي قال: إنّ قبيلة هُذَيْل تُعَدّي < رَحُبَ > و الصّحاح، و اللّسان، و المصباح و القاموس، و التّاج و المدّ، و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن، و الوسيط.

و فعله: رَحُبَ المكان يَرْحُب رُحْبًا، و رَحابةً

و هناك أيضًا الفعل: رَحِبَ يَرْحَب رَحَبًا: اتّسع.

مكان رَحْب و رَحيبٌ و رُحاب.

و يخطّئون من يقول: هذا مكان رحيب، أي واسع، و يقولون: إنّ الصّواب هو هذا مكان رَحْبٌ. و في الحقيقة يجوز أن نقول : مكان رَحْبٌ و رحيب،و رُحاب. الصّحاح، و اللّسان، و القاموس، و التّاج، و المدّ، و محيط المحيط، و المتن، و الوسيط.

و اكتفت المصادر الآتية بذكر: رَحْب و رَحيبٌ، معجم ألفاظ القرآن الكريم، و الأساس، و المختار، و المصباح.

و اكتفى معجم مقاييس اللُّغة بذكر: رَحْب.

أمّا فعله فهو :

أ - رَحُبَ المكان يَرْحُب رُحْبًا، و رَحابةً: اتّسع. جاء في الآية:25، من سورة التّوبة: { وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَ لَّيْتُمْ مُدْبِرينَ ‘}.

ب - رَحِبَ المكان يَرْحَب رَحَبًا، حكاه الصّاغانيّ.

ج - و جاء رَحُبَه متعدّ يًا، و روي عن نصر بن سيّار أ نّه قال: أرَحُبَكُمُ الدّخول في طاعة ابن الكِرْمانيّ؟أي أوَسِعَكُم؟فعَدّى < فَعُل > و ليست متعدّية عند النّحاة، إلا أنّ أبا عليّ الفارسيّ حكى أنّ هُذَيْلا تُعدّيها. و قال ابن الأعرابيّ: لم يأت < فَعُل > مضموم العين من الصّحيح متعدّ يًا إلا : رَحُبَتْكُم الدّ ار، و حملوه على الحذف و الإيصال كحَذِرَه.

على الرُّحْب و السّعة

و يُرَحّبون بالضّيف، فيقولون له: على الرَّحْب و السّعة؛ و الصّواب: على الرُّحْب و السّعة، لأنّ الرُّحْب هو أحد مصدَرَي الفعل: رَحُبَ المكان يَرْحُب رُحْبًاو رَحابةً.

أمّا إذا أردنا وَصْفَ مكان بالرَّحابة فإنّنا نقول: هذا مكان رَحْب، أي واسع.

و من معاني الرَّحْب.

أ - رَحْب الصّدر: واسعُه، طويل الأناة.

ب - رَحْب الذّراع: عظيم القوّة عند الشّدائد.

ج - رَحْب الذّراع والباع: سخيّ، مجاز.

د - رَحْب الرّ احة: واسعها و كبيرها، كثير العطاء.

ه- - رَحْب الفهم: متّبع العقل.

لَقيَه بالتّرحيب

و يقولون: لقيه بالتَّرْحاب، و الصّواب: لقيه بالتّرحيب،لأ نّني لم أجد التّرحاب في الصّحاح،و الأساس، و المختار، و اللّسان، و المصباح،و القاموس، و التّاج، و متن اللُّغة، و الوسيط.

وقال محيط المحيط: التَّرْحاب: الدّعاء إلى الرُّحْب

و السّعة، و نقلها عنه أقرب الموارد، دون أن يتحقّق من صحّة ذلك، و كلا المعجمين لاأثق بهما إذا انفردا بذكر مادّة ما، دون غيرهما من المعجمات. (255)

محمود شيْت:و الرَّحْبَة: الأرض الواسعة،و السّيّارات مأواها. و سَريَة الرَّحْبَة: سَريَة مَقَرّ من سرايا السّيّارات. و سَريَة رَحْبَة الهندسة: سَريَة آلياتها و أدواتها.

و يقال: رَحْبَة الدّ بّابات، و رَحْبَة النّاقلات، و رَحْبَة الحافلات. (1 : 283)

المُصْطَفَويّ: الأصل الواحد في هذه المادّة: هو السّعة في محلّ. و مفهوم هذه المادّة أخصّ من مفهوم التّوسّع، فإنّ السّعة أعمّ من أن يكون في محلّ أو موضوع آخر، مادّ يًّا أو معنويًّا، كمافي: وسع علمه.

{ وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ } التّوبة : 25، أي مع اتّساعها.

قالوا: { بَلْ اََنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ اَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَ ارُ } ص : 60، أي لايكن هذا المحلّ ذا سعة لكم، و كونوا في مضيق.

و لايخفى أنّ ضيق المحلّ من أعظم و سائل العذاب و الشّدّة، كما أنّ الرّحْبَة في المحلّ من علائم السّعة الرّوحانيّة، من سعادة المرء سعة داره.

و المراد من المضيقة في الأرض: أن يكون الرّجل محدودً ا من جهة التّصرّف والعمل والفعّاليّة، و التّسلّط بحدود معيّنة مضيقة من جهة المحلّ و المحيط.

{ وَ اِذَا اُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنينَ‘ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورً ا } الفرقان : 13، و لمّا كانت موارد استعمال الرّحْب في الآيات الكريمة مخصوصة بالمحلّ، عبّر فيها بهذه المادّة دون مادّة السّعة. (4 : 84)

النُّصوص التّفسيريّة

رَحُبَتْ

1 - لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فى مَوَاطِنَ كَثيرَ‘ة وَ يَوْمَ حُنَيْن اِذْ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْ-ا = وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَ لَّيْتُمْ مُدْبِرينَ‘. التّوبة: 25

الطّبَريّ: يقول: و ضاقت الأرض بسعتها عليكم.

و < الباء > هاهنا في معنى < في >، و معناه: و ضاقت عليكم الأرض في رُحبها، و برُحبها.

يقال منه: مكان رحيب، أي واسع. و إنّما سمّيت الرِّحاب رحابًا لسَعَتها. (6 : 340)

الثّعلبيّ:أي برُحبها و سعتها، و هما المصدر.(5 : 26)

نحوه الواحديّ (2 : 487)، و البغَويّ (2 : 333).

الطُّوسيّ: الرُّحْب: السّعة في المكان، و قد يكون في الرّزق، والسّعة في المنفعة. (5 : 231)

الزّمَخْشَريّ: ( ما ) مصدريّة، و < الباء > بمعنى < مع > أي مع رُحبها، و حقيقته مُلتبسة برُحبها، على أنّ الجارّ و المجرور في موضع الحال، كقولك: دخلت عليه بثياب السّفر، أي ملتبسًا بها لم أحلّها، تعني: مع ثياب السّفر. و المعنى:لاتجدون موضعًا تستصلحونه لهربكم إليه و نجاتكم، لفرط الرُّعب، فكأ نّها ضاقت عليكم. (2 : 182)

نحوه النّسَفيّ.(2 : 122)

ابن عَطيّة: أي بقدر ما هي رَحْبَة واسعة لشدّة الحال و صعوبتها، ف- < مَا > مصدريّة. (3 : 19)

الطَّبْرِسيّ: أي برُحبتها. و < الباء > بمعنى < مع >، و المعنى: ضاقت عليكم الأرض مع سعتها، كما يقال: اخرج بنا إلى موضع كذا، أي معنا. و المراد: لم تجدوا من الأرض موضعًاللفرار إليه.(3 : 17)

الفَخْرالرّ ازيّ: يقال: رَحُبَ يَرْحُبُ رُحْبًا و رَحابةً، فقوله: { بِمَا رَحُبَتْ } أي برُحبها، و معناه: مع رُحبها، ف- ( ما ) هاهنا مع الفعل بمنزلة المصدر.

و المعنى: أنّكم لشدّة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض، فلم تجدوا فيها موضعًا يصلح لفراركم عن عدوّكم. (16 : 21)

القُرطُبيّ: و الرُّحْب بضمّ الرّ اء: السّعة، تقول منه: فلان رُحْب الصّدر. و الرَّحْب بالفتح: الواسع. تقول منه: بلد رَحْبٌ، و أرض رَحْبَة. و قد رَحُبَتْ تَرْحُبُ رُحْبًا و رَحابة.

و قيل: < الباء > بمعنى < مع > أي مع رُحبها. و قيل: بمعنى < على >، أي على رُحبها. و قيل: المعنى برُحبها، ف- ( ما ) مصدريّة. (8 : 101)

البَيْضاويّ: برُحبها، أي بسعتها. لاتجدون فيها مفرًّ ا تطمئنّ إليه نفوسكم من شدّة الرّعب، أو لاتثبتون فيها كمن لايسعه مكانه. (1 : 410)

نحوه أبوالسُّعود (3 : 136)، و البُرُوسَويّ (3 : 406) ، و الآلوسيّ (10 : 74).

وهناك مطالب أُخرى راجع:ض ي ق:<ضاقت >.

و جاء بهذا المعنى هذه الآية:

2 - وَ عَلَى الثَّلثَةِ الَّذينَ‘ خُلِّفُوا حَتىّٰ اِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ اَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا اَنْ لامَلْجَاَ مِنَ اللهِ اِلا اِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا اِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ‘. التّوبة : 118

مَرْحَبًا

هذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لامَرْحَبًا بِهِمْ اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ اَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَ ارُ. ص : 59 ، 60

ابن عبّاس: لاوسَع الله عليهم. (384)

أبوعُبَيْدَة: تقول العرب للرّجل: لامَرْحَبًا بك، أي لارَحُبَت عليك، أي لا اتّسعت. [ثمّ استشهد بشعر] (2 : 186)

الطّبَريّ: أي لا اتّسعت بكم أماكنكم. (10 : 601)

نحوه الماوَرْديّ (5 : 109) و الطُّوسيّ (8 : 575 ).

الزّجّاج: و قيل لهم: { لامَرْحَبًا } منصوب، كقولك: رَحُبَتْ بِلادك مَرْحَبًا، و صَادَفْتَ مَرْحَبًا، فأدْخَلْتَ ( لا ) على ذلك المعنى. (4 : 339)

الثّعلبيّ:يعني بالاتّباع. (8 : 214)

نحوه البغَويّ.(4 : 75)

الواحديّ: المَرْحَب و الرُّحب معناه: السّعة، أي لااتّسعت بهم مساكنهم، و المعنى: لاكرامة لهم. هذا إخبار أنّ مودّتهم تنقطع و تصير عداوةً. (3 : 564)

الزّمَخْشَريّ: { لامَرْحَبًا بِهِمْ } دعاء منهم على

أتباعهم. تقول لمن تدعو له: مَرْحَبًا، أي أتيت رحبًا من البلاد لاضيقًا: أو رَحُبَت بلادك رُحْبًا، ثمّ تدخل عليه < لا > في دعاء السّوء.

و { بِهِمْ} بيان للمدعوّ عليهم{اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ} تعليل لاستيجابهم الدّعاء عليهم. و نحوه قوله تعالى: { كُلَّمَا دَخَلَتْ اُمَّةٌ لَعَنَتْ اُخْتَهَا } الأعراف : 38.

و قيل: { هذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ }، كلام الخزنة لرؤساء الكفرة في أتباعهم.

و { لامَرْحَبًا بِهِمْ اِنَّهُمْصَالُوا النَّارِ } كلام الرّؤساء.

و قيل: هذا كلّه كلام الخزنة . (3 : 379)

ابن عَطيّة:أي لاسَعة مكان، و لاخير يلقونه.(4 : 511)

الطَّبْرِسيّ: أي لااتّسعت لهم أماكنهم، لأ نّهم لازموا النّار، فيكون المعنى على القول الاوّ ل: [على أن يكون المراد بالفوج الأوّ ل] القادة و الرّؤساء، يقولون للأتباع: لامَرْحَبًا بهؤلاء، إنّهم يدخلون النّار مثلنا، فلافرح لنا في مشاركتهم إيّانا، فيقول الأتباع لهم: { بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ } أي لانلتم رَِحْبًا و سَعَةً. (4 : 483)

الفَخْرالرّازيّ:قوله تعالى: { لامَرْحَبًا بِهِمْ } دعاء منهم على أتباعهم. يقول الرّجل لمن يدعو له: مَرْحَبًا، أي أتيت رحبًا في البلاد لاضيقًا أو رَحُبَتْ بلادك رُحْبًا، ثمّ يُدخَل عليه كلمة < لا >في دعاء السّوء...

قالوا: أي الأتباع { بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ } يريدون أنّ الدّعاء الّذي دعوتم به علينا أيّها الرّؤساء أنتم أحقّ به، و علّلوا ذلك بقولهم: { اَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } و الضّمير للعذاب، أو لصليهم. (26 : 222)

نحوه النّسَفيّ.(4 : 45)

القُرطُبيّ: قوله تعالى:{ لامَرْحَبًا بِهِمْ }، أي لااتّسعت منازلهم في النّار. و الرُّحْب: السّعة؛ و منه رَحْبَة المسجد و غيره. و هو في مذهب الدّعاء، فلذلك نصب. [ثمّ استشهد بشعر] (15 : 223)

البَيْضاويّ: دعاء من المتبوعين على أتباعهم،أو صفة ل- { فَوْجٌ } أو حال منه، أي مقولا فيهم لامَرْحَبًا، أي ما أتوا بهم رحبًا و سعةً. (2 : 313)

نحوه شُبّر(5 : 292)، و القاسميّ (14 : 5115).

السّمين: في { مَرْحَبًا } وجهان:

أظهرهما: أ نّه مفعول بفعل مقدّر، أي لاأتيتهم مَرْحَبًا، أو لاسمعتم مَرْحَبًا.

و الثّاني: أ نّه منصوب على المصدر. قاله أبوالبقاء، أي لارَحِبَتْكم داركم مَرْحَبًا بل ضيقًا.

ثمّ في الجملة المنفيّة وجهان:

أحدهما: أ نّها مستأنفة سيقت للدّعاء عليهم...

والثّاني: أ نّها حاليّة، و قد يُعتَرض عليه بأ نّه دعاء، و الدّعاء طلب، و الطّلب لايقع حالا .

و الجواب: أ نّه على إضما رالقول، أي مقولا لهم: لامَرْحَبًا. (5 : 542)

أبوالسُّعود: قوله تعالى: { لامَرْ حَبًا بِهِمْ } من إتمام كلام الخزنة بطريق الدّعاء على الفوج، أو صفة للفوج، أو حال منه، أي مقول أو مقولا في حقّهم:

{ لامَرْحَبًا بِهِمْ } ، أي لاأتوا مَرْحَبًا أولارَحُبَت بهم الدّ ار مَرْحَبًا.

{ اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ } تعليل من جهة الخزنة، لاستحقاقهم الدّعاء عليهم، أو وصفهم بما ذُكر.

و قيل: { لامَرْحَبًا بِهِمْ } إلى هنا كلام الرّؤساء في حقّ أتباعهم، عند خطاب الخزنة لهم باقتحام الفوج معهم، تضجّرً ا من مقارنتهم، وتنفرًّ ا من مصاحبتهم. و قيل: كلّ ذلك كلام الرّؤساء بعضهم مع بعض في حقّ الأتباع. { قَالُوا}: أي الأتباع عند سماعهم ماقيل في حقّهم. و وجه خطابهم للرّؤساء في قولهم: بل أنتم لامرحبًا بكم على الوجهين الأخيرين ظاهر.

و أمّا على الوجه الأوّ ل فلعلّهم إنّما خاطبوهم مع أنّ الظّاهر أن يقولوا بطريق الاعتذار إلى الخزنة:{ بَلْ هُمْ لامَرْحَبًا بِهِمْ...} قصدً ا منهم إلى إظهار صدقهم بالمخاطبة مع الرّؤساء، و التّحاكم إلى الخزنة طمعًا في قضائهم بتخفيف عذابهم، أو تضعيف عذاب خُصمائهم، أي بل أنتم أحقّ بما قيل لنا أو قلتم. (5 : 368)

البُرُوسَويّ: { لامَرْحَبًا بِهِمْ } مصدر بمعنى الرُّحْب و هو السّعة، و { بِهِمْ }بيان للمدعوّ، و انتصابه على أ نّه مفعول به لفعل مقدّر، أي لايصادفون رُحبًا و سَعةً، أو لايأتون رُحْب عيش و لاوسعة مسكن و لاغيره، و حاصله لاكرامة لهم.

أو على المصدر، أي لارحبهم عيشهم و منزلهم رُحبًا، بل ضاق عليهم.

يقول الرّجل لمن يدعوه: مَرْحَبًا، أي أتيت رحبًا من البلاء و أتيت واسعًا و خيرً ا كثيرً ا.

قال الكاشفيّ { مَرْحَبًا }كلمة لإكرام الضّيف. و قال غيره: يقصد به إكرام الدّ اخل و إظهار المسرّة بدخوله، ثمّ يُدخل عليه كلمة< لا > فى دعاء السّوء.

و فى بعض شروح الحديث:التّكلّم بكلمة<مَرْحَبًا> سنّة اقتداء بالنّبيّ(صلی الله علیه و آله) حيث قال: « مَرْحَبًا يا أُمّ هانئ » حين ذهبت إلى رسول الله عام الفتح، و هى بنت أبي طالب، أسلمت يوم الفتح، و من أبواب الكعبة بابأُمّ هانئ، لكون بيتها فى جانب ذلك الباب، و قد صحّ أ نّه عُرج به من بيتها. (8 : 52)

الآلوسيّ:{ مَرْحَبًا } من الرُّحْب بضمّ الرّاء، و هو السّعة؛ و منه: الرُّحْبَة للفضاء الواسع. و هو مفعول به لفعل واجب الإضمار.

و { بِهِمْ } بيان للمدعوّ عليهم، وتكون الباء للبيان كاللا م في نحو: سقيًا له، و كون اللا م دون الباء كذلك دعوى من غير دليل، أي ما أتوا بهم رُحبًا و سَعة.

و قيل : الباء للتّعدية، فمجرورها مفعول ثان ل- < أتوا >، و هو مبنيّ على زعم أنّ اللا م لاتكون للبيان، و كفى بكلام الزّمَخْشَريّ و أبي حَيّان دليلا على خلافه.

و يقال: مَرْحبًا بك، على معنى رَحُبَت بلادك رُحْبًا، كما يقال على معنى: أتيت رُحْبًا من البلاد لاضيقًا.

و يفهم من كلام بعضهم جواز أن يكون { مَرْحَبًا } مفعولا مطلقًا لمحذوف، أي لارَحُبت بهم الدّ ار مرحبًا.

و الجمهور على الأوّ ل، و أيًّا ما كان فالمراد بذلك مثبتًا الدّعاء بالخير و منفيًّا الدّعاء بالسّوء.

{ اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ } تعليل من جهة الملائكة لاستحقاقهم الدّعاء عليهم، أو وصفهم بما ذُكر، أو تعليل من الرّؤساء لذلك. و الكلام عليه يتضمّن الإشارة إلى عدم انتفاعهم بهم، كأ نّه قيل: إنّهم داخلون النّار بأعمالهم مثلنا، فأيّ نفع لنا منهم، فلامرحبًا بهم، { قَالُوا } أي الأتباع و هم الفوج المقتحم للرّؤساء: { بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ } أيبل أنتم أحقّ بما قيل لنا أو بما قلتم لنا.

و لعلّهم إنّما خاطبوهم بذلك على تقدير كون القائل الملائكة الخزنة ، مع أنّ الظّاهر أن يقولوا بطريق الاعتذار إلى أُولئك القائلين: بل هم لامَرْحبًا بهم، قصدً ا منهم إلى إظهار صدقهم بالمخاصمة مع الرّؤساء، والتّحاكم إلى الخزنة طمعًا في قضائهم بتخفيف عذابهم، أو تضعيف عذاب خصمائهم.

و في< البحر > خاطبوهم لتكون المواجهة لمن كانوا لايقدرون على مواجهتهم في الدّنيا بقبيح أشفى لصدورهم؛ حيث تسبّبوا في كفرهم و أنكى للرّؤساء. و هذا أيضًا بتأويل القول بناء على أنّ الإنشاء لايكون خبرً ا، بل أنتم مقول فيكم، أي أحقّ أن يقال فيكم: لامَرْ حبًا بكم .{ اَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } تعليل لأحقّيّتهم بذلك، وضمير الغيبة في { قَدَّمْتُمُوهُ } للعذاب لفهمه ممّا قبله، أو للمصدر الّذي تضمّنه. (23 : 217)

ابن عاشور: و جملة: { لامَرْحَبًا بِهِمْ } معترضة مستأنفة، لإِنشاء ذمّ الفوج، و { لامَرْحَبًا } نفي لكلمةٍ يقولها المزور لزائره، و هي إنشاء دعاء الوافد.

و { مَرْحَبًا } مصدر بوزن < المَفْعَل >، و هو الرُّحْب بضمّ الرّ اء، و هو منصوب بفعل محذوف دلّ عليه معنى الرُّحْب، أي أتيت رُحْبًا، أي مكانًا ذا رَحْب. فإذا أرادوا كراهية الوافد و الدّعاء عليه قالوا: لامَرْحَبًا به، كأ نّهم أرادوا النّفي بمجموع الكلمة.

و ذلك كما يقولون فيالمدح: حبّذا، فإذا أرادوا ذمًّا قالوا: لاحَبّذا. [ثمّ استشهد بشعر]

و معنى الرُّحْب في هذا كلّه: السّعة المجازيّة، و هي الفرح. و لقاء المرغوب في ذلك المكان، بقرينة أن ّنفس السّعة لاتفيد الزّائد، و إنمّا قالوا ذلك، لأ نّهم كرهوا أن يكونوا هم و أتباعهم في مكان واحد، جريًا على خلق جاهليّتهم من الكبرياء و احتقار الضّعفاء...

{ قَالُوا بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ اَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَ ارُ } فسمِعهم الأتباع فيقولون: { بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ } إضرا بًا عن كلامهم. وجيء بحكاية قولهم على طريقة المحاورات، فلذلك جُرّد من حرف العطف، أي أنتم أولى بالشّتم و الكراهية بأن يقال: { لامَرْحَبًا بِكُمْ }، لأ نّكم الّذين تسبّبتم لأنفسكم، و لنا في هذا العذاب، بإغرائكم إيّانا على التّكذيب، والدّوام على الكفر.

و { بَلْ } للإِضراب الإِبطالي لردّ الشّتم عليهم، و أ نّهم أولى به منهم. وذكر ضمير المخاطبين في قوله: { اَنتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ } للتّنصّل من شتمهم، أي أنتم المشتومون، أي أولى بالشّتم منّا. و قد استُفيد هذا المعنى من حرف الإبطال لامن الضّمير، لأنّ الضّمير

لامفهوم له، و لأنّ موقعه هنا لايقتضي حصرً ا و لاتقوّيًا، لأ نّه مخبر عنه بجملة إنشائيّة، أي أنتم يقال لكم: لامَرْحَبًا بكم.

وإذا قد كان قول: { مَرْحَبًا }، إنشاء دعاءبالخير، و كان نفيُه إنشاء دعاء بضدّه، كان قوله: { بِهِمْ } بيانًا لمن وُجّه الدّعاء لهم، أي إيضاحًا للسّامع أنّ الدّعاء على أصحاب الضّمير المجرور بالباء، فكانت الباء فيه للتّبيين.

قال في « الكشّاف »: و{ بِهِمْ } بيان لمدعوّ عليهم. وقال الهَمْذانيّ في شرحه « للكشّاف »: يعني البيان المصطلح، كأنّ قائلا يقول: بمن يحصل هذا الرُّحْب؟ فيقول: { بِهِمْ } وهذا كما في { هَيْتَ لَكَ } يوسف : 23، يعني أنّ الباء فيه بمعنى لام التّبيين.

و هذا المعنى أغفله ابن هشام في معاني الباء، وأشار الهَمْذانيّ إلى أ نّه متولّد من معنى السّببيّة.

و الأحسن عندي أن يكون متولّدً ا من معنى المصاحبة بطريق الاستعارة التّبعيّة، ثمّ غلب استعمال الباء في مثله في كلامهم، فصار كالحقيقة، لأ نّه لمّا صار إنشاء دعاء لم تبق معه ملاحظة الإخبار بحصول الرُّحب معهم أو بسببهم، كما يتّجه بالتّأمّل. (23 : 179)

الطَّباطَبائيّ: قوله: { لامَرْحَبًا بِهِمْ اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ } جواب المتبوعين لمن يخاطبهم بقوله: { هذَا فَوْج ٌ} و { مَرْحَبًا } تحيّة للوارد، معناه: عَرْض رُحْب الدّ ار و سعتها له، فقولهم: { لامَرْحَبًا بِهِمْ }: معناه نفي الرُّحْب و السّعة عنهم.

و قولهم: { اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ } أي داخلوهاو مقاسو حرارتها أو متبعوها، تعليل لتحيّتهم بنفي التّحيّة. (17 : 219)

فضل الله: كيف يتلقّى الطّاغون بعضهم بعضًا في النّار؟: { هذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ } يتقدّم الأفواج الأُخرى، و يندفع الفريق السّابق الّذي كان قد سبقهم إلى النّار، وهو الفريق الّذي قادهم إلى الضّلال، ليقول لهذا الفوج القادم: { لامَرْحَبًا بِهِمْ }، و تلك هي التّحيّة السّلبيّة الّتي يُطلقها المتبوعون للتّابعين، خوفًا من النّتائج المترتّبة على وجودهم معهم، في ما يمكن أن يزيد من مسؤوليّتهم في ساحة الضّلال، فيزيد بذلك عقابهم، فيواجهونهم بالنّداء { اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ } كمظهر من مظاهر الرّ فض لهم، والتّنديد بهم،و الاحتقار لهم.

و يأتي الجواب من أُولئك القادمين: { قَالُواْ بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ } فأنتم الّذين تستحقّون التّحيّة الرّافضة لوجودكم، المملوءة بالاحتقار لمواقعكم، لأ نّكم سبب دخولنا النّار من خلال و سائل الضّلال الّتي كنتم تستخدمونها معنا، و تدفعوننا إلى الأخذ بها، و السّير في طريقها، { اَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَ ارُ } فهم قد اجتمعوا سويّة في هذا المكان النّائي و هو النّار، ثمّ تتضاعف النّقمة في نفوسهم، وتثور البغضاء الحانقة في وجدانهم، فتتحوّ ل إلى دعاء ينطلق من أعماقهم، ليطلب من الله أن يزيد في عذاب هؤلاء الرّؤساء المتبوعين، لأ نّهم أضلّوا النّاس في مواقع ضلالهم، فأضافوا إلى جريمتهم جريمةً.(19 : 279)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة الرَّحْبَة : ما اتّسع من الأرض؛ و الجمع: رُحَب، و هي الرّحَبَة أيضًا؛ و جمعها: رِحاب.

و يقال للصّحراء بين أفنية القوم و المسجد: رَحْبَة و رَحَبَة. يقال: منزل رحيب و رَحْب.

و الرَّحْب و الرّحيب: الشّيء الواسع. يقال: بلد رَحْب، و أرض رَحْبَة و رحيبة، و قد رَحُبَت تَرْحُب رُحْبًا و رَحابةً.

و رَحُبَت الدّ ار و أرْحبَت: اتّسعت.

و رَحُبَت بلادك و طُلّت : اتّسعت و أصابها الطّلّ.

و رَحَبَة الثُّمام : مجتمعه و منبته.

و الرَّحْبَة: موضع العنب، بمنزلة الجرين للتّمر، و كلّه من الاتّساع.

و رِحاب الوادي: مسايل الماء من جانبيه فيه؛ واحدتها: رَحْبَة.

و رَحائب النّجوم : سعة أقطار الأرض.

و الرُّحْب : السّعة، يقال: رَحُبَ الشّيء رُحْبًا و رَحابةً، أي اتّسع ، فهو رَحْب و رحيب و رُحاب.

و أرْحَبَ الشّيء: اتّسع.

و أرْحَبتُه : وسّعتُه.

و قِدْر رُحاب: واسعة.

و الرُّحْبى: أعرض ضلع في الصّدر.

و الرُّحْبى: سِمَة تَسِم بها العرب على جنب البعير.

و الرُّحْبى: منبض القلب من الدّوابّ و الإنسان، أي مكان نبض قلبه وخفقانه.

و الرُّحَيْباء من الفرس: أعلى الكشحين، و هما رُحَيْباوان.

و الرُّحَيْبان من الإنسان: الضّلعان اللّتان تليان الإبطين في أعلى الأضلاع؛ واحدهما: رُحْبى.

و قيل للخيل: أرْحِبْ ، و أرْحِبي، أي توسّعي و تباعدي و تنحّي: زجرلها.

و رجل رَحْبُ الصّدر، و رُحْبُ الصّدر، و رحيب الصّدر: واسعه، على التّشبيه.

و مَرْحَبًا: مصدر ميميّ يعني الرَّحْب، أي السّعة، و يُستعمل منصوبًا بفعل مضمر، و تقديره: انزل أو أقِمْ. يقال: لامَرْحَبًا بك، أي لارَحُبَت عليك بلادك، و هو من المصادر الّتي تقع في الدّعاء للرّجل و عليه ، نحو: سَقْيًا، أي سقاك الله، و رَعْيًا، أي رعاك الله.

و قولهم في تحيّة الوارد : أهلا و مَرْحَبًا، أي صادَفتَ أهلا و مَرْحَبًا، أو أتيتَ أهلا و سعةً.

و رَحّبَ بالرّجل ترحيبًا : قال له: مَرْحَبًا، أي دعاه إلى الرَّحْب و السّعة.

و مَرْحَبَك الله و مَسْهَلك، و مَرْحَبًا بك الله و مَسْهَلا بك الله، أي رَحّبَ الله بك مَرْحَبًا.

2 - و قد أُسند الرَّحابة في اللُّغة إلى جوف الرّجل، كناية عن الشّرَه إلى الطّعام و الحرص عليه. يقال: رجل رحيب الجوف، أي أكول.

و أُسند إلى البلعوم في حديث الإمام عليّ كذلك، قال: < أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل

رَحْبُ البلعوم >((1))أي واسعه. قال ابن أبي الحديد في شرحه: < و كثير من النّاس يذهب إلى أ نّه عنى زيادً ا، و كثير منهم يقول: إنّه عنى الحجّاج، و قال قوم: إنّه عنى المغيرة بن شعبة. و الأشبه عندي أ نّه عنى معاوية، لأ نّه كان موصوفًا بالنّهم و كثرة الأكل، و كان بطينًا، يقعد بطنه -إذا جلس - على فخذيه...

كان معاوية يأكل فيكثر، ثمّ يقول: ارفعوا، فوالله ما شبَعتُ، و لكن ملَلْتُ و تعَبْتُ! و تظاهَرْتُ الأخبار أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) دعا على معاوية لمّا بعث إليه يستدعيه فوجده يأكل، ثمّ بعث إليه ، فوجده يأكل، فقال: < اللّهمّ لاتشبع بطنه >. قال الشّاعر:

و صاحب لي بطنه كالهاويه***كأنّ في أحشائه معاويه ((2))

الاستعمال القرآني

جاء منها فعل الماضي ( رَحُبَتْ ) مرّتين، و المصدر الميميّ ( مَرْحَبًا ) مرّتين، في (4) آيات، في محورين:

الأوّ ل: السّيرة:

1 - { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فى مَوَاطِنَ كَثيرَ‘ة وَيَوْمَ حُنَيْن اِذْ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْ-ًا= وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ ‘}التّوبة: 25

2 - { وَعَلَى الثَّلثَةِ الَّذينَ‘ خُلِّفُوا حَتى اِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ اَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا اَنْ لامَلْجَاَ مِنَ اللهِ اِلا اِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا اِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ‘}التّوبة : 118 التّوبة: 118

الثّاني: الآخرة:

3 - 4 - { هذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لامَرْحَبًا بِهِمْ اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ اَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ } ص : 59 ، 60 ص : 59، 60

ويلاحظ أوّ لا : أن ّهذه الكلمة جاءت في القرآن موافقًا لمعناها اللُّغويّ و فيها بُحُوثٌ:

1 - استُعملت هذهالمادّ ة في القرآن في الآية (1) { وَ يَوْمَ حُنَ-يْن اِذْ اَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْ--ًا= وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْ-تُمْ مُدْبِرينَ‘} في مورد نفى الله عنهم سعة الصّدر، و أثبت عليهم ضيق الأرض مع سعتها لعُجبهم عن كثرتهم، أي إنّكم لشدّة ما لحقكم من الخوف ضاقت عليكم الأرض، فلم تجدوا فيها موضعًا يصلح لفراركم عن عدوّكم.

2 - جملة: { وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ } تمثيل لحال المسلمين، لمّا اشتدّ عليهم البأس و اضطربوا، و لم يهتدوا لدفع العدوّ عنهم، بحال من يرى الأرض الواسعة ضيّقة. فالضّيق غير حقيقيّ بقرينة قوله: { بِمَا رَحُبَتْ } و استعير{ وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ } استعارة تمثيليّة تمثيلا لحال من لايستطيع الخلاص من شدّة، بسبب اختلال قوّة تفكيره، بحال من هو في مكان ضيّق من الأرض، يريد


1) (1) نهج البلاغة - الخطبة: (57) ، كما ذكره القندوزيّ في ينابيع المودّة أيضًا (1 : 205).

2) (2) شرح نهج البلاغة: 4 : 55.

أن يخرج منه فلايستطيع تجاوزه، و لا الانتقال منه.

3 - و يُفهَم من هذه الآية مسألة مهمّة، و هي أنّ على كلّ قائد أن ينبّه أتباعه في اللّحظات الحسّاسة بأ نّه إذا كان فيهم بعض الأشخاص من ضعاف الإيمان و الّذين يحجبهم التّعلّق بالمال و الولد و الأزواج و ما إلى ذلك عن الجهاد في سبيل الله، فلاينبغي أن يقلق المؤمنون المخلصون من هذا الأمر، و عليهم أن يواصلوا طريقهم، لأنّ الله لم يتخلّ عنهم في كلّ حال: كانوا قليلا ، كما هو الحال في معركة بدر، أو كثيرً ا كما في معركة حنين، و قد أعجبتهمالكثرة فلم تُغن عنهم شيئًا، لكنّ الله سبحانه أنزل جنودً ا لم تروها، و عذّب الّذين كفروا، ففي الحالين ينصر الله المؤمنين و يُرسل إليهم مدده.

4 - استُعملت كلمة { رَحُبَتْ} مرّتين: مرّة في الّذين فرّوا عن الغزو مُدبرين، و مرّة في الّذين تخلّفوا عن الغزو خائفين، و هذا الإدبار و الخوف كلاهما ينشآن من ضعف إيمانهم. و هذه الحالة أوجبت لهم الفرار و النّفاق، فقال الله فيهم: { وَ ضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ } و { حَتى| اِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ }.

5 - و الآية (2) تقول: إنّ الرّحمة الإلهيّة لم تشمل هذا القسم الكبير الّذي شارك في الجهاد فقط، بل شملت حتّى الثّلاثة الّذين تخلّفوا عن القتال و مشاركة المجاهدين في ساحة الجهاد و لكن لم يشمل هؤلاء المتخلّفين بهذه السّهولة، بل عند ما عاش هؤلاء في حالة اجتماعيّة شديدة، و قاطعهم كلّ النّاس بالصّورة الّتي تُصوّرها الآية، فتقول: { حَتى| اِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ } و إنّ صدور هؤلاء امتلأت همًّا و غمًّا بسبب مجانبة الأولياء و الأحبّاء، و نظر النّاس لهم بعين الإهانة؛ بحيث ظنّوا أن لامكان لهم في الوجود، فكأ نّه ضاق عليهم { وَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ اَنْفُسُهُمْ } فابتعد أحدهم عن الآخر، و قطعوا العلاقة فيما بينهم.عند ذلك رأوا كلّ الأبواب مغلقة بوجوههم. فأيقنوا و ظنّوا أن لا ملجأ مِن اللهِ إلا إليه، فأدركتهم رحمة الله مرّة أُخرى، و سهلت و يسّرتعليهم أمرهم.

6 - جاءت كلمة _{ مَرْحَبًا } في الآية (3 و 4) في تخاطب أهل النّار، تقول لمن تدعو له: مرحبًا، أي أتيت رحبًا من البلاد لا ضيقًا، أو رحبت بلادك رحبًا، ثمّ تدخل عليه < لا > في دعاء السّوء. فتقول : لامَرْحَبًا. يقول: مرحبك الله و مسهلك، و مرحبًا بك الله و مسهلا بك الله. و تقول العرب: لامرحبًا بك، أي لارحبت عليك بلادك. و هي من المصادر الّتي تقع في الدّعاء للرّجل و عليه، نحو: سقيًا رحبًا و جَدْعًا و عَقْرً ا، يريدون سقاك الله و رعاك.

7 - كان في الدّنيا بين أهل النّار تنازع و تخاصم، و كان السبّ يتبادل بينهم كثيرً ا، و هذه الصّفة تجسّم لهم في الآخرة فيدعو كلّ فريق على الآخر فصوّر الله هذه الحالة، و قال: { هذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لامَرْحَبًا بِهِمْ اِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ * قَالُوا بَلْ اَنْتُمْ لامَرْحَبًا بِكُمْ اَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَ ارُ }.

و ثانيًا: جاءت الأُوليان بشأن السّيرةالنّبويّة في

سورة واحدة مدنيّة، و هي التّوبة، و جاءت الأُخريان بشأن الآخرة في سورة مكّّ-يّة، و هي: ص .

و ثالثًا : من نظائر هذه المادّة في القرآن:

السّعة: { اِنَّ الَّذينَ‘ تَوَفّيهُمُ ’الْمَ-لئِكَةُ’ ظَالِمى اَنْفُسِهِمْ قَالُوا فيمَ ‘كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفينَ‘ فِى الاَ_رْضِ قَالُوا اَلَمْ تَكُنْ اَرْضُ اللهِ وَ اسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فيهَا‘‌فَاُولئِكَ ’مَاْويهُ-مْ’ جَهَنَّمُ وَ سَاءَتْ مَصيرً ا‘} النّساء: 97

الفسحة : { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا اِذَا قيلَ‘ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَ اِذَا قيلَ‘ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذينَ‘ اُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبيرٌ ‘} المجادلة : 11

ر ح ق

اشارة

رحيق ٍ

لفظ واحد، مرّة واحدة، في سورة مكّيّة

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: الرّحيق: من أسماء الخَمْر.[ثمّ استشهد بشعر] (3 : 45)

نحوه الأزهَريّ.(4 : 37)

أبوعُبَيْد:من أسماء الخمر الرّحيق و الرّ اح.(الأزهَريّ 4 : 37)

ابن السِّكّيت: الرّحيق: صِفْوة الخَمْر. (214)

نحوه الجَوهَريّ. (4 : 1480)

ابن دُرَيْد: والرَّحْق: أصل بناء الرّحيق. قالوا: هو الصّافي، و الله أعلم. و في التّنزيل: { مِنْ رَحيق‘ مَخْتُوم }. المطفّفين : 25، و خلط فيه أبوعُبَيْدَة فلاأُحبّ أن أتكلّم فيه.

و قد قالوا: رحيق و رُحاق، و قد جاء رُحاق في الشّعر الفصيح، ولم أسمع له فعلا متصرّفًا. (2 : 140)

الصّاحِب:الرّحيق: الخمر العتيقة، في قوله:{ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحيق‘ }. و حَسَبٌ رحيق: خالص.

و الرّحيق: ضرب من الطّيب و الغِسْل. (2 : 349)

ابن فارِس: الرّ اء و الحاء و القاف كلمة واحدة. و هي الرّحيق: اسم من أسماء الخمر، ويقال: هي أفضلها. (2 : 497)

ابن سيده: الرّحيق: من أسماء الخمر، قيل: هي من أعتقها و أفضلها، و قيل: هي صَفْوتُها و ما لاغشّ فيه، و قيل: الرّحيق: السّهل من الخمر. و الرّحيق و الرّحاق: الصّافي، و لافعل له.(2 : 576)

الزّمَخْشَريّ: سقاه الرّحيق، و هو الخالص من الخمر.

و تقول: يا شارب الرّحيق أبشر بعذاب الحريق.

و من المجاز: مِسْك رحيق: لاغشّ فيه. [ثمّ استشهد بشعر]

و حَسَبٌ رحيق: لاشَوْب فيه. (أساس البلاغة : 157)

ابن الأثير: فيه: < أيّما مؤمن سقى مؤمنًا على ظَمَإ، سقاه الله يوم القيامة من الرّحيق المختوم >. الرّحيق: من أسماء الخمر، يريد خمر الجنّة. (2 : 208)

الفيروزاباديّ: الرّحيق: الخمر، أو أطيبها أو أفضلها أو الخالص أو الصّافي، كالرُّحاق.

و ضَرْب من الطّيب.

و رُحْقان، كعُثمان: موضع بالحجاز قُرب المدينة.(3 : 243)

الطُّرَيحيّ: الرّحيق: الخالص من الشّراب. (5 : 167)

مَجْمَعُ اللُّغة: الرّحيق: أجودالخمر. (1 : 462)

محمّد إسماعيل إبراهيم: الرّحيق: اسم لأجود الخمر الخالصة ممّا يشوبها من الغَوْل و الغشّ، و هو خمر الجنّة. (1 : 215)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق:أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هو الخمر الصّافي عن الغشّ، و البعيد عن أيدي العموم و الخصوص.

{ يُسْ-قَوْنَ مِنْ رَحيقٍ مَخْتُوم ٍ} المطفّفين : 25،التّعبير بالفعل المجهول إشارة إلى أ نّه إفضال و إنعام، و ليس تحت جريان عاديّ.

و الرّحيق: هو الخمر الخالص العزيز المخصوص. و سبق في الخمر: أنّ الأصل فيه هو السّتر المخصوص، و ساتريّته في عالم المادّة: عن أُمور روحانيّة مخصوصة، بما وراء عالم الطّبيعة. و في عالم الآخرة: عمّا يختصّ بعالم الطّبيعة.

فالخمر في ذلك العالم: عبارة عن التّجلّيات الحقّة من الأسماء و الصّفات اللا هوتيّة؛ بحيث يجعل العبد المؤمن حيران سكران، غافلا عن نفسه و إنّي-ّته، فانيًا في الجمال المتجلّي، و هذا كمال اللّذّة في ذلك العالم، أُعدّ للأبرار المقرّبين.

و قلنا في خَمَر: إنّ المادّة الّتي يؤخذ منها الخمر ليست مأخوذة في مفهوم هذا اللّفظ. و أمّا جهة الحرمة في المُسكر المادّيّ: فإنّه يستر العقل و يمنع عن تجلّي عالم النّور، و هذا بخلاف المُسكر الرّوحانيّ، و هو معكوس.

و لايخفى أنّ هذا النّوع من التّجلّيات و الجذَبات الإلهيّة، قد يحصل للأبرار من أهل الإيمان و المعرفة في حياتهم الدّنيويّة، و لامشاحّة في إطلاق لفظ الخمر عليه استعارةً، أو بدعوى أ نّه من مصاديق مفهوم الخمر.

ثمّ إنّ موادّ الرّهق، الرّيق، الرَّوق، الرَّنق: لايبعد أن يكون اشتقاق أكبر بينها و بين الرُّحاق، فإنّ الرّهق بمعنى الغشيان. يقال: رجل فيه رَهَقٌ، أي غشيان من شُرب المُسكر. و الرّوق و كذلك الرّيق: بمعنى الأفضل من كلّ شي‌ء، يقال: راقَالسّراب، إذا لمع، و راقَ الشّراب، إذا صفا. و الرّنق: بمعنى الكدورة، يقال: ماء رَنِقٌ، أي كَدِر. و هذا المعنى مقابل الصّفوة، و ذلك بمناسبة حرف النّون، فإنّه من المجهورة، و الهاء و الحاء و الياء و الواو من المهموسة. (4 : 85)

النُّصوص التّفسيريّة

رَحيق

يُسْ-قَ-وْنَ مِنْ رَحيق ٍمَخْ-تُومٍ. المطفّفين : 25

ابن مَسعود:الرّحيق:الخمر.

نحوه ابن عبّاس، و مُجاهِد، و قَتادَة، و ابن زَيْد. (الطّبَريّ 12 : 497).

الحسَن : إنّه عين في الجنّة مَشُوب بمِسْك.(الماوَرْديّ 6 : 230)

مُقاتِل: هو الخمر الأبيض إذا انتهى طيبه.(4 : 624)

ابن أبي الدّرداء: إنّه شراب أبيض يختمون به شرابهم. (الماوَرْديّ 6 : 230)

أبوعُبَيْدَة: الرّحيق: الّذي ليس فيه غشّ، رحيق مُعرَّق من مسك أو خمر. (2 : 288)

ابن قُتَيْبَة: الرّحيق: الشّراب الّذي لاغشّ فيه.

و يقال: الرّحيق: الخمر العتيقة. (519)

الطّبَريّ: يقول: يُسقى هؤلاء الأبرار من خمر صرف لاغشّ فيها. (12 : 496)

الزّجّاج:الرّحيق: الشّراب الذّي لاغشّ فيه. [ثمّ استشهد بشعر] (5 : 300)

نحوه المَيْبُديّ (10 : 418)، و الزّمَخْشَريّ (4 : 233)، و السّمين (6 : 494).

القُمّيّ: ماء إذا شربه المؤمن وجد رائحة المسك فيه. (2 : 421)

الثّعلبيّ: خمر صافيةطيّبة. و قيل: هي الخمر العتيقة. (10 : 155)

الماوَرْديّ: و في الرّحيق ثلاثة أقاويل:

أحدها: قول الحسَن. [المتقدّم]

الثّاني: قول ابن أبي الدّرداء. [المتقدّم]

الثّالث : أ نّه الخمر في قول الجمهور. [ثمّ استشهد بشعر ]

لكن اختلفوا أيّ الخمر هي، على أربعة أقاويل:

أحدها: أ نّها الصّافية، حكاه ابن عيسى.

الثّاني: أ نّها أصفى الخمر و أجوده، قاله الخَليل.

الثّالث: أنّها الخالصة من غشّ، حكاه الأخفش.

الرّ ابع: أنّها العتيقة. (6 : 230)

الطُّوسيّ: الرّحيق: الخمر الصّافية الخالصة من كلّ غشّ. (10 : 302)

نحوه الطَّبْرِسيّ (5 : 456)، و مكارم الشّيرازيّ (20 : 35).

البغَويّ: خمر صافية طيّبة. (5 : 226)

نحوه ابن عَطيّة (5 : 453)، و الشِّربينيّ (4 : 504)، و مَغْنِيّة (7 : 537).

الفَخْرالرّازيّ: فيه مسألتان:

المسألة الأُولى: في بيان أنّ الرّحيق ما هو؟ قال اللّيث: الرّحيق: الخمر. [ثمّ استشهد بشعر]

و قال أبوعُبَيْدَة و الزّجّاج: الرّحيق من الخمر: ما لاغشّ فيه، و لاشيء يفسده. و لعلّه هو الخمر الّذي وصفه الله تعالى بقوله: { لافيهَا‘ غَوْلٌ } الصّافّات : 47.

المسألة الثّانية: ذكر الله تعالى لهذا الرّحيق صفات. راجع: خ ت م: < مختوم >. (31 : 99)

البَيْضاويّ: شراب خالص.(2 : 547)

نحوه النّسَفيّ (4 : 341)، و أبوالسُّعود (6 : 397)، و الكاشانيّ (5 : 301)، و شُبّر(6 : 381 )، و القاسميّ (17 : 6100).

البُرُوسَويّ: و الرّحيق: صافي الخمر و خالصها، و المعنى: يُسْقَوْن في الجنّة من شراب خالص لاغشّ فيه، و لاما يكرهه الطّبع، و لاشيء يفسده، و أيضًا صاف عن كدورة الخمار و تغيير النّكهة و إيراث الصّداع. (10 : 371)

المَراغيّ: أي يُسْقَون خمرً ا لاغشّ فيها،و لايصيب شاربها خُمار، و لايناله منها أذًى، كما قال تعالى: { لافيهَا‘ غَوْلٌ وَ لاهُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ } الصّافّات : 47. (30 : 81)

الطَّباطَبائيّ: الرّحيق: الشّراب الصّافي الخالص من الغشّ، و يناسبه وصفه بأ نّه مختوم، فإنّه إنّما يُختَم على الشّيء النّفيس الخالص، ليسلم من الغشّ و الخلط، و إدخال ما يُفسده فيه. (20 : 238)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرّحيق: اسم من أسماء الخمر، أو هو صفوتها، وهو الرُّحاق أيضًا، و لم يسمع منه جمع و لافعل.

و في الحديث: < أيّما مؤمن سقى مؤمنًا على ظمإ، سقاه الله يوم القيامة الرّحيق المختوم >. قال ابن الأثير: < الرّحيق: من أسماء الخمر، يريد خمر الجنّة >.

2 - و زعم < آرثر جفري > أنّ هذه المادّة لاأصل لها في العربيّة، و أنّ أرباب اللُّغة لم يهتدوا إلى معنى الرّحيق بدقّة، وأنّ أقوالهم اضطربت فيه ؛ أهو رحيق أم رُحاق؟!

و لمّا أبعده عن العربيّة قرّبه إلى إحدى اللّغات السّاميّة، كما هو ديدنه دائمًا ، فقال: < لعلّ الرّحيق يراد به اللّفظ السُّريانيّ < رِحِق >، أو الآراميّ <رِحيق> أي البعيد و القديم > .((1))

و ذهب < فرانكل > إلى ذلك أيضًا، و تشبّث بقول ابن سيده: < الرّحيق: من أسماء الخمر، و قيل: هي من أعتقها و أفضلها >. و قوّ اه بما كان عليه عرب الجاهليّة، إذ كانوا يحبّون الخمر المعتّقة، و استشهد لذلك بأمثلة كثيرة من الشّعر الجاهليّ.((2))

و لكنّ اللُّغوّ يّين تواطؤوا جميعًا - دون أن يشذّ منهم أحد - على أنّ الرّحيق عربيّ من < ر ح ق >، و الرُّحاق: لغة فيه، و هو الخمر، غير أ نّهم اختلفوا في صفتها ، فقال بعض: هو صفوتها، و قال آخر: هو السّهل منها. قال ابن دُرَ يْد : < الرَّحْق: أصل بناء الرّحيق، قالوا: هو الصّافي، و الله أعلم. و قد قالوا: رحيق و رُحاق، و قد جاء رُحاق في الشّعر الفصيح، و لم أسمع له فعلا متصرّفًا >.

و أمّا معنى العتق و البُعد فغير معروف في الفصيح من الكلام، و من أجل ذلك نسبه ابن سيده إلى <القيل>. و لعلّه دخل في العربيّة بعد عصر الاحتجاج، فلايعتدّ به، لأ نّه من الدّخيل.


1) (1) المفردات الأعجميّة في القرآن الكريم.

2) (2) المصد رالسّابق.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها لفظ واحدعلى وزن فعيل و هو( رَحيق ) في آية:

{ اِنَّ الاَبْرَارَ لَفى نَعيمٍ ‘* عَلَى الاَ_رَ ائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعيمِ‘ * يُسْ-قَوْنَ مِنْ رَحيق ‘ مَخْ-تُوم * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَ فى ذ"لِ-كَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ } المطفّفين : 22 - 26

و يلاحظ أوّ لا : أنّ فيها بُحُوثًا:

1- الرّحيق: الخمر الصّافية الخالصة من كلّ غَشّ، بل هي أفضل الخمر و أجودها، و هو البعيد عن أيدى العموم، و الخصوص. { يُسْ-قَوْنَ مِنْ رَحيق ‘مَخْ-تُوم } و التّعبير بالفعل المجهول إشارة إلى أنّه إفضال و إنعام، و ليس تحت جريان عاديّ.

2- و الرّحيق هو الخمر الخالص، و الأصل في الخمر هو السّتر المخصوص، و ساتريّته في عالم المادّة: عن أُمور روحانيّة مخصوصة بما وراء عالم الطّبيعة، و في عالم الآخرة: عمّا يختصّ بعالم الطّبيعة.

فالخمر في ذلك العالم: عبارة عن التّجلّيات الحقّة من الأسماء و الصّفات اللا هوتيّة بحيث يجعل العبد المؤمن حيران سكران، غافلا عن نفسه و إنّيّته، فانيًا في الجمال المتجلّي، و هذا كمال اللّذة في ذلك العالم، أُعدّ للأبرار المقرّبين.

3- و هذا النّوع من التّجلّيات و الجذبات الإلهيّة قد يحصل للأبرار، من أهل الإيمان و المعرفة في حياتهم الدّنيويّة، و لامشاحّة في إطلاق لفظ الخمر عليه استعارةً، أو بدعوى أ نّه من مصاديق مفهوم الخمر.

4- و المُسكر المادّيّ يستر العقل و يمنع عنتجلّي عالم النّور، و هذا بخلاف المُسكر الرّوحانيّ، و هو معكوس.

5 - قال أبوعبد الله - جعفر بن محمّد - : « من ترك الخمر لغير الله، سقاه الله من الرّحيق المختوم ». قيل: يا بن رسول الله، من تركه لغير الله؟ قال: « نعم، صيانةً لنفسه ».((1))وهذه الرّوايةتدلّ على أنّ ترك شرب الخمر في الدّنيا ولو كان لغيرالله، يوجب إفضالا و إنعامًا من الله في الآخرة .

6- و وُصف الرّحيق ب- { خِتَامُهُ مِسْكٌ } أي مختوم أوانيه و أكوابه بالمسك مكان الطّين. و الظّاهر أنّ الختام ما يُختم به، و أنّ الختم على حقيقته، لأنّ الختم على الشّي‌ء - أعني الاستيثاق منه بالختم - طريقه ذلك، و خُتِم اعتناءً به و إظهارً ا لكرامة شاربه، و كان ذلك بما هو على هيئة الطّين، ليكون على النّهج المألوف. و يجوز أن يكون ذلك تمثيلا لكمال نفاسته، و إلا فليس ثَ-مّة غُبار أو ذُباب أو خيانةٌ ليُصان على ذلك بالختم.

و ثانيًا: جاء مرّة واحدة في سورة مكّيّة، و لعلّ وجهه شيوع هذه الكلمة عند أهل مكّة، لاسيّما عند مُترفيهم و ذوي النّعم منهم، لأ نّه من أسماء الخمر، و هم كانوا أهل أشَر و بَطَر و خمر و عيش.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن:


1) (1)القُمّيّ 2 : 421.

الخمر: { مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فيهَا‘ اَنْهَارٌ مِنْ مَاء غَيْرِ ا"سِن وَ اَنْهَارٌ مِنْ لَبَن لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَ اَنْهَارٌ مِنْ خَمْر لَذَّة لِلشَّارِ بينَ‘ وَاَنْهَارٌ مِنْ عَسَل مُصَفًّى وَلَهُمْ فيهَا‘ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَ اتِ وَ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ وَ سُقُوا مَاءً حَميمًا‘ فَقَطَّعَ اَمْعَاءَ هُمْ } محمّد:15

الكأس: { اِنَّ الاَ_بْرَ ارَ يَشْرَ بُونَ مِنْ كَاْس كَانَ مِزَ اجُهَا كَافُورً ا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَ-جِّرُونَهَا تَفْجيرً ا‘ }الدّهر : 5 ، 6

السَّكَر: { وَ مِنْ ثَمَرَ اتِ النَّخيلِ‘ وَ الاَ_عْ-نَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرً ا وَ رِزْ قًا حَسَ-نًا اِنَّ فى ذ"لِ-كَ لا "يَةً لِقَوْم يَعْ-قِلُونَ } النّحل : 67 النّحل : 67.

الشّراب: { وَ اِنَّ لِلْمُتَّ-قينَ‘ لَحُسْنَ مَ-ا"ب * جَنَّاتِ عَدْن مُفَ-تَّحَةً لَهُمُ الاَ_ بْوَ ابُ * مُتَّ-كِئينَ‘ فيهَا‘ يَدْعُونَ فيهَا‘ بِفَاكِهَةٍ كَثيرَ‘ةٍ وَشَرَ اب } ص : 49 - 51

ر ح ل

اشارة

4 ألفاظ، 4 مرّ ات: في سورتين مكّيّتين

رَحْل 1 : 1 رِحالهم 1 : 1

رَحْلِه 1 : 1 رِحْلة 1 : 1

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل:الرّ احِلة: المَرْكب من الإبل ذكَرً ا كان أو أُنثى.

و رَحَلْتُ بعيري أرْحَلُه رَحْلا ، و ارتَحَل البعير ةً، أي سار فمضى، ثمّ جرى في المنطق حتّى يقال: ارتَحَل القوم.

و الرّحيل: اسم الارتحال للمسير.

و المُرتَحَل: نقيض المَحَلّ.

و قد يكون < المُرتَحَل > اسم الموضِع الّذي تَحُلّ فيه.

و تَرَحّل القوم: و هو ارتحال في مُهْلَة.

و رَحْل الرّجل: منزِله و مسكنه. يقال:إنّه لخَصيب الرَّحْل.

و رَحَلتُه بمكروه أرْحَلُه، أي رَكِبتُه بها.

و المُرَحَّل: ضرب من بُرُود اليمن، سُمّي به، لأنّ عليه تصاوير رَحْل و ما يُشْبهُه.

و العرب تقذف أحدَهم وتَكْني، فتقول: يا ابن مُلقَى أرْحُل الرُّ كْبان.

و راحيل: اسم أُمّ يوسف . [و استشهد بالشّعر مرّتين] (3 : 207)

اللّيث: الرَّحْل: مَرْكَبٌ للبعير. و الرِّحالة نحوه، كلّ ذلك من مَراكِب النّساء. (الأزهَريّ 5 : 3)

الأُمَوىّ: ناقة حِضار، إذا جمَعَتْ قُوّةً و رُحْلَةً يعني جودة السّير. (الأزهَريّ 5 : 7)

أبوعمرو الشّيبانيّ: ناقة رحيلة: بَيّنة الرُّحْلَة.(1 : 291)

رَحَلَه بالسّيف، أي ضربه على مَنْكِبه. (1: 293)

استَرْحَل فلان فلا نًا، إذا طلب إليه أن يركب في حاجته. (1 : 295)

قال أبوزياد الكلابيّ: ناقة رحيلة: بَيّنة الرُّحْلَة، و جمَل رحيل، إذا كان نجيبًا فارهًا.

و الرُّحْلَة: الوجه. يقول: أين كانت رُحْلتُك؟ أي وجهك؟

و الرُّحْلَة: الارتحال. (1 : 298)

و راحلة الشّيطان: الجرادة الطّويلة القوائم.(2 : 2)

و تقول: ارْتَحِلْ رُحْلتَك، أي عليك أمرَ ك. (2 : 5)

و المُرَحَّل : المُنيَّر، و هو المُعْلَم. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (2 : 24)

ناقة رحيلة: شديدة قويّة على السّير، و جمَل رَحيل مثله، و إنّها لذات رُحْلَة. (الأزهَريّ 5 : 7)

الرُّحْلَة بالضّمّ: الوجه الّذي تريده.

يقال: أنتم رُحْلَتي، أي الّذين أرْتَحِل إليهم.

و الرِّحْلَة بالكسر: الارتحال، يقال: دَ نَتْ رِحْلتُنا. (الجَوهَريّ 4 : 1707)

الفَرّ اء: رِحْلَة و رُحْلَة، بمعنًى واحد.(الأزهَريّ 5 : 7)

أبوعُبَيْدَة: في شيات الخيل: إذا كان الفرس أبيض الظّهر فهو أرْحَلُ و إن كان أبيض العَجُز فهو آزَرُ. (الأزهَريّ 5 : 8)

أبوزَيْد: أرْحَل الرّجل البعير، و هو رجل مُرْحِل؛ و ذلك إذا أخذ بعيرً ا صَعْبًا فجعله راحِلَةً.

و في الحديث: < عند اقتراب السّاعة تخرج نار من قصر عَدَن تُرَحِّل النّاس > رواه شُعبة و معنى: < تُرَحِّل >، أي تَنزِل معهم إذا نَزَلوا، و تَقيل إذا قالوا. (الأزهَريّ 5 : 4)

في شيات الغنم: إن ابْيَضّ طول النّعجَة غير موضع الرّاكب منها، فهي رَحْلاء، فإن ابْيَضّتْ إحدى رِجْلَيها، فهي رَجْلاء.

و يقال: ارْتَحَل فلان فلا نًا إذا علا ظَهرَه و ركبَه.

و منه حديث النّبيّ(صلی الله علیه و آله): "< أ نّه سَجَد فركبَه الحسَن فأبطَأ في سجوده، و قال: < إنّ ابني ارْتَحَلني فكرِهت أن أُعْجِله >. (الأزهَريّ 5 : 8)

الرِّحْلَة: بالكسر اسم من الارتحال، و بالضّمّ الشّيء الّذي يُرْتَحَل إليه. يقال قَرُ بَت رِحْلتُنا بالكسر و أنت رُحْلتُنا بالضّمّ، أي القصد الّذي يُقصَد.(الفَيُّوميّ 1 : 222)

أبوعُبَيْد: عن ابن مَسعود: < إنّما هو رَحْل و سَرْج، فرَحْل إلى بيت الله، و سَرْج في سبيل الله >.

قوله: < فرَحْل إلى بيت الله > أراد أنّ البيت إنّما يُزار على الرّحال، كأ نّه كره المَحْمِل؛ و ذلك أ نّه ممّا أحدث النّاس، و كذلك حديث عمر: < إذا حَطَطْتُم الرِّحال فشدّوا السّروج >.

و ممّا يُبيّن ذلك أنّ الحجّ على الرِّحال أفضل. قول طاووس، قال: حدّثناهفضيل بن عياض عن ليث عن طاووس قال: < حجّ الأبرار على الرِّحال >.

و كذلك قول إبراهيم، قال: حدّثنا ابن مهديّ عن سفيان عن خالد الحنفيّ، قال: اختَلفتُ أنا و ذرّ

في المحمل و الرّحْل أو القَتَب أيّهما أفضل؟ فسألت إبراهيم، فقال:< صاحب الرِّحْل أفضل >. (2 : 225)

الرَّحُول من الإبل: الّذي يَصْلُح لأن يُرْحَل.

و بعير ذو رُحْلَة، إذا كان قويًّا على أن يُرْحَل.

و الرّ احُول: الرَّحْل (الأزهَريّ 5 : 5)

و رجل مُرْحِل، أي له رواحل كثيرة، كما يقال: مُعْرِب،إذا كان له خيل عِرابٌ. (الجَوهَريّ 4: 1707)

ابن السِّكّيت: العرب تُكنّي عن القذف للرّجل بقولهم: <يا ابن مُلقَى أرْحُل الرّكبان >. [ثمّ استشهد بشعر] (الأزهَريّ 5 : 8)

شَمِر: في حديث: < عند اقتراب السّاعة تخرج نار من قصر عَدَن تُرَحِّل النّاس > قيل: معنى< تُرَحّلهم >، أي تُنزِلهم المَراحل.

و التّرحيل و الإرحال بمعنى الإشخاص و الإزعاج، يقال: رَحَل الرّجل، إذا سار. و أرْحَلتُه أنا. (الأزهَريّ 5 : 4)

ارْ تَحَلتُ البعير، إذا شَدَدْتَ الرَّحْل عليه. و ارْتَحَلتُه، إذا رَكبتَه بقَتَب أواعْرَوْرَيتَه. [ثمّ استشهد بشعر]

و لو أنّ رجلا صَرَع آخر و قعد على ظهره، لقلت: رأيتُه مُرتَحِله.

و مُرتَحل البعير: موضع رَحْلهِ من ظهره، و هو مَرْحَلُه. و بعير ذو رُحْلَةٍ و ذو رِحْلَة.

و بعير مِرْحَل و رحيل، إذا كان قويًّا. (الأزهَريّ 5 : 7)

ابن قُتَيْبَة: روي عنالنّبيّ (صلی الله علیه و آله) أ نّه قال: <تجدون النّاس كإبل مائة ليس فيها راحلة >.

< الرّاحِلة >: هي النّاقة يختارها الرّجل لمركبهو رَحْلِه على النّجابة، و تمام الخَلْق و حُسْن المنظر. و إذا كانت في جماعة الإبل تبيّنتْ و عُرفَتْ.

فالنّاس متساوون، ليس لأحد منهم على أحد فضل في النّسَب، و لكنّهم أشباه كإبل مائة ليست فيها راحِلة، تتبَيّن فيها و تتميّز منها بالتّمامِ و حُسْن المنظر.(الأزهَريّ 5 : 5)

المُبَرِّد: قوله: < راحلة رحيل > أي قويّة على الرِّحْلَة معَوَّدةلها. (2 : 305)

ابن دُرَيْد:و الرِّحالة: مركب يركبه النّساءو الرّجال. (2 : 54)

الرَّحْل: معروف، رَحْل البعير؛ و الجمع: رِحال، و أدنى العدد: أرْحُل.

و رحَلتُه أرْحَله رَحْلا ، أي جعلت عليه رَحْلا ، فهو مرحول و أنا راحل.

و بعير رحيل، إذا كان قويًّا على حمل الرّحْل صبورً ا عليه

و ما أبْيَن الرُّحْلَة في بعيرك، أي الصّبر على إغباط الرّحْل.

و أردت الرِّحْلَة إلى موضع كذا و كذا، أي الارتحال.

و الرّ احلة: البعير، و هو مقلوب فاعلة في موضع مفعول،كما قالوا: حجاب مستور في موضع ساتر، و مثله قوله عزّو جلّ : { فى عيشَة رَاضِيَة } القارعة:7، أي مرضيّة، { لاعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ اَمْرِ

اللهِ } هود : 43، أي لامعصوم، و الله أعلم .

و المَرْحَلَة: الموضع الّذي تنزل به من حيثيُرتَحَل، فكلّ موضع نزلت فيه ثمّ ارتحلت عنه فهو مَرْحَلَة؛ و الجميع: مراحل.

و رَحْل الرّجل: منزله.

و يقال: فلان واسع الرَّحْل، أي خصيب المنزل.

و مثَل من أمثالهم: < لايَرْحَل رَحْلَك من ليس معَك، هكذا جاء المثَل. و قال قوم: < لايَرْحلَنْ رَحْلَك من ليس معَك >.

و الرّحيل: الارتحال، ارْتحَلتُ البعير و رَحَلتُه. [ثمّ استشهد بشعر]

و قد قيل: ما له رَحُولة و لارَكُوبة و لاقَتُوبَة، أي ليس له ما يرتحله و لاما يركبه و لاما يُقْتبه.

و الرُّحيل: منزل بين مكّة و البصرة.

و فرس أرْحَل، إذا كان في موضع مُلبَده بياض من البَلَق. (2 : 142)

الأزهَريّ: قال اللّيث: الرَّحْل: مركب للبعير، و الرِّحالة نحوه، كلّ ذلك من مَراكِب النّساء.

قلت: الرَّحْل في كلام العرب على وُجُوه.

قال شَمِر: قال أبوعُبَيْدَة: الرَّحْل بجميع رَ بَضِه و حَقَبِه و حِلْسِه و جميع أغْرُضِه. قال: و يقولون أيضًا لأعواد الرَّحْل بغير أداة: رَحْل، و أنشد:

كأنّ رَحْلي و أداة َرَحْلي***على حَزاب كأُتان الضَّحْل

قلت: و هذا كما قال أبوعُبَيْدَة: و هو من مراكب الرّجال دون النّساء.

و أمّا الرِّحالة فهي أكبر من السّرج و تُغَشّى بالجُلود، تكون للخيل و النّجائب من الإبل.

قلت: فقد صحّ أنّ الرَّحْل و الرِّحالة من مراكب الرّجال دون النّساء.

و الرَّحْل في غير هذا:منزل الرّجل و مَسْكنُه و بَيتُه. يقال: دخلت على الرّجل رَحْلَه، أي منزِله.

و في حديث يزيد بن شَجَرة: < أ نّه خطب النّاس في بَعْث كان هو قائدهم، فحثّهُم على الجهاد، و قال: إنّكم ترون ما أرى من بين أصفَر و أحمَر، و في الرِّحال ما فيها، فاتّقوا الله و لاتخزوا الحُور العين>.

يقول: معكم من زَهْرَة الدّنيا وزُخْرفها مايوجب عليكم ذكر نعمة الله عليكم و اتّقاء سَخَطه، و أن تَصْدُقوا العدوّ القتال، و تجاهدوهم حقّ الجهاد، فاتّقوا الله و لاتركنوا إلى الدّنيا و زُخْرُفها، و لاتولّوا عن عدوّ كم إذا التقيتُم، و لاتُخْزُوا الحُور العين بأن لاتُبلوا و لاتجتهدوا، و تفشلوا عن العدوّ فيُولّين، يعني الحُور العين عنكم بخَزاية و استحياء لكم. و قد فُسّر الخَزاية في موضعها.

و روي عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أ نّه قال: <إذا ابتَلّت النّعال فالصّلاة في الرِّحال>. و قد مرّ تفسيره في كتاب <العين>.

و يقال: إنّ فلا نًا يَرْحَل فلا نًا بما يكره، أي يَرْكَبُه.

و يقال: رَحَلتُ البعير أرْحَلُه رَحْلا ، إذا شدَدتَ عليه الرَّحْل.

و يقال: رَحَلتُ فلا نًا بسيفي أرْحَلُه رَحْلا ، إذا

عَلوتُه.

و المَرْحَلة: المنزِل يُرْتَحل منها. و ما بين المنزلين مرْحَلة.

و رجل رَحُول، و قوم رُحُل، أي يرتحلون كثيرًا.

و جمَل رحيل و ناقة رحيلة، بمعنى النّجيب و الظّهير. [ونقل كلام ابن قُتَيْبَة ثمّ قال:]

قلت: غَلِط ابن قُتَيْبَة في شيئين، في تفسير هذا الحديث:

أحدهما: أ نّه جعل الرّ احلَة النّاقة، و ليس الجمَل عنده راحِلَة. و الرّ احِلَة عند العرب كلّ بعير نجيب جواد، سواء كان ذكرً ا أو أُنثى، و ليست النّاقة أولى باسم الرّاحلة من الجمَل. تقول العرب للجَمَل إذا كان نجيبًا: راحلة؛ و جمعه: رواحل. و دخول الهاء في الرّ احلة للمبالغة في الصّفة، كما يقال: رجل داهية و باقِعة و علا مة.

و قيل: إنّها سُمّيت راحِلَةً، لأ نّها تُرْحَل، كما قال الله: { فى عيشَة ‘ رَ اضِيَة } القارعة : 7، أي مرضيّة،{ خُلِقَ مِنْ مَاء دَ افِق } الطّارق : 8، أي مدفوق.

و قيل: سمّيت راحِلَة، لأ نّها ذات رَحْل، و كذلك عيشة راضية: ذات رضًى. و ماء دافِق: ذُو دَفْق.

و أمّا قوله: < إنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أراد أنّ النّاس متساوون في الفضل، ليس لأحد منهم فضل على الآخر، و لكنّهم أشباه كإبل مائة ليس فيها راحلة >. فليس المعنى ما ذهب إليه. و الّذي عندي فيه: أنّ الله تبارك و تعالى ذمّ الدّنيا و رُكون الخَلْق إليها، و حذّر عباده سوء مغبّتها، و زهّدَهم في اقتنائها و زُخرفها، و ضرب لهم فيها الأمثال ليعوها و يعتبروا بها، فقال: { اِعْلَمُوا اَ نَّمَا الْحَيوةُ الدُّ نْيَا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زينَةٌ‘وَ تَفَاخُرٌ } الحديد : 20.

و كان النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يحذّر أصحابه بما حذّرهم الله من ذميم عواقبها، و ينهاهم عن التّبَ-قّر فيها، و يُزهّدهم فيما زهّدهم اللهفيه منها. فرغب أكثر أصحابه بعده فيها، و تشاحّوا عليها، و تنافسوا في اقتنائها، حتّى كان الزّهد في النّادر القليل منهم، فقال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < تجدون النّاس بعدي كإبل مائة ليس فيها راحلة > و لم يُرد بهذا تساويهم في الشّرّ، و لكنّه أراد أنّ الكامل في الخير و الزّ اهد في الدّنيا مع رغبته في الآخرة و العمل لها قليل، كما أنّ الرّ احلة النّجيبة نادر في الإبل الكثير.

و سمعت غير واحد من مشايخنا يقول: إنّ زُهّاد أصحاب رسول الله عليه الصّلاة و السّلام لم يتتامّوا عشرةً مع وفور عددهم و كثرة خيرهم، و سبقهم الأُمّة إلى مايستوجبون به كريم المآب، برحمة الله إيّاهم و رضوانه عليهم،- فكيف مَن بعدهم و قد شاهدوا التّنزيل و عاينوا الرّسول، و كانوا مع الرّغبة الّتي ظهرت منهم في الدّنيا خير هذه الأُمّة الّتي وصفها الله جلّ و عزّ، فقال: { كُنْتُمْ خَيْرَ اُمَّة اُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } آل عمران : 110، و واجب على من بعدهم الاستغفار لهم و التّرحّم عليهم، و أن يسألوا الله ألا يجعل في قلوبهم غلا لهم، و لايذكروا أحدً ا بما فيه منقصة لهم، و الله يرحمنا و إيّاهم، و يتغمّد زَلَلَنا بفضله و رحمته، إنّه هو الغفور الرّحيم.

و يقال للرّ احلة الّتي ريضَتْ و أُدّبت: قد أرْحَلتْ إرْحالا و أمْهَرتْ إمْهارً ا، إذا جعلها الرّ ائض مهريّة و راحلةً.

و في نوادر الأعراب:ناقة رحيلة و رحيل، و مُرْحِلَة و مُسْتَرحِلَة، أي نجيبة، و بعير مُرْحِل، إذا كان سمينًا و إن لم يكن نجيبًا. (5 : 3)

الصّاحِب: الرَّحْل مَرْكَب للبعير، و الرِّحالة نحوه. و هو السّرج أيضًا.

و الرّ احلة: المركب من الإبل. رَحَلتُ بعيرً ا،و أنا أرْحَلُه رَحْلا .

و ارتَحَل البعير رِحْلَةً : سار فمضى.

و الرّحيل: اسم ارتحال القوم.

و المُرْتَحَل: نقيض المحَلّ. و قد يكون اسم الموضع الّذي يُرْتحَل عنه.

و ترحّل القوم، و هو ارتحال في مُهلة.

و ناقة رحيلة: صابرة على الرّحيل.

و الرّحُول من الإبل: الّتي تَصْلُح لأن تُرْكَب.

و الرُّحْلَة: السُّفرة. و هو أيضًا الوجه الّذي تُريد أن تَرْتَحِل إليه.

و الرِّحْلَة: الارتحال.

و رجل مُرْحِل: كثير الإبل للرَّحْلَة.

و رَحْلُ الرّجل: منزله و مسكنه.

و رأيت فلا نًا يَرْحَل فلا نًا بما يكره، أي يركبه به.

و العرب تقذف أحدهم و تَكْني، فتقول: يا ابن مُلْقى أرْحُل الرُّ كبان.

و لأرْحَلنّك بالسّيف، أي لأعْلُوَ نّك.

و المُرَحَّل: ضرب من البرود باليمن، سمّي بذلك لأنّ عليه تصاوير رَحْل.

و الأرْحَل: الأبيض الظّهر، و كذلك الرَّحْلاء من الشّاء و الدّوابّ.

و التّرحيل: شُهبَة أو حُمْرة على الكَتِفين.

و إذا وَلَدَت الغَنَم بعضها بعد بعض قيل: ولَدَت الرُّحَيْلاء.

و الرُّحْلَة: نجابة النّاقة. إنّ في ناقتك لرُحْلَةً، أي نجابةً. و الرُّحْلَة: القوّة أيضًا.

و ناقة رُحْلَة، أي ظهيرة سريعة.

و جمَل رُحْليّ، أي نجيب.

و أرْحَل البعير: قوي ظَهْره بعد ضَعْف.

و أرْحَل الرّجل البعير إرحالا: أخذه صعبًا فجعله راحلةً.

و الرّ احُولة: خشبات تُقابَل بينهنّ كهيئة الرّحْل، ثمّ تُحَفّ بثوب؛ و الجميع: الرّواحيل.

و قال النّضر: و النّعجة تسمّى الرِّحالة، و تُدعى فيقال: رِحالَهْ رِحالَهْ، سمّيت لبياض بظهرها (3 : 78)

الخطّابيّ : في حديث النّبيّ: < أنّ رجلا من المشركين بِمُؤتَة سبّ النّبيّ، فطفق يسبّه، فقال له رجل من المسلمين: و الله لتَكُفّنّ عن شتمه، أو لأرْحَلنّك بسيفي...>.

قوله: < لأرْحَلنّك >يريد لأعلُوَ نّك بالسّيف ضربًا. يقال: فلان يَرْحَل فلا نًا بما يكره، أي يركبه بمكروه. (1 : 601)

الجَوهَريّ: الرَّحْل: مسكن الرّجل، و ما يستصحبه من الأثاث.

و الرّحْل أيضًا: رَحْل البعير، و هو أصغر من القتَب؛ و الجمع: الرِّحال، و ثلاثة أرْحُل. و منه قولهم في القذف: يا ابن مُلْقى أرْحُل الرُّكبان!

و الرِّحال أيضًا: الطّنافس الحيريّة.

و رَحَلْت البعير أرْحَلُه رَحْلا ، إذا شددت على ظهره الرَّحْل.

و يقال: رَحَلْتُ له نفسي، إذا صبَرت على أذاه.

و رَحَل فلان و ارْتَحَل و تَرَحّل: بمعنًى؛ و الاسم:الرّحيل.

و استَرْحَلَه، أي سأله أن يَرْحَل له.

و أرْحَلَت الإبل، إذا سمنت بعد هُزال فأطاقت الرِّحْلَة.

و راحَلْتُ فلا نًا، إذا عاونتَه على رِحْلَتِه.

و أرْحَلْتَه، إذا أعطَيتَه راحِلَةً.

و رَحّلتَه بالتّشديد، إذا أظعَنتَه من مكانه و أرسَلتَه.

و الرّ احِلَة: النّاقة الّتي تَصْلُح لأن تُرْحَل.و كذلك الرَّحُول.

و يقال: الرّ احِلَة: المَرْكَب من الإبل، ذكرً ا كان أو أُنثى.

و الأرْحَل من الخيل: الأبيض الظّهر، و من الغنم: الأسود الظّهر.

قال أبوالغوث: الرَّحْلاء من الشّاء: الّتي ابيَضّ ظهرها و اسودّ سائرها. و كذلك إذا اسودّ ظهرها و ابيضّ سائرها. و من الخيل الّتي ابيَضّ ظهرها لاغير.

و الرِّحالَة: سَرْج من جلود ليس فيه خَشَبٌ، كانوا يتّخذونه للرّكض الشّديد؛ و الجمع: الرَّحائل.

و إذا عَجِل الرّجل إلى صاحبه بالشّرّ قيل: استَقْدَمَتْ رِحالتُك.

و المَرْحَلَة: واحدة المَراحِل. يقال: بينه و بين كذا مَرْحَلَة أو مَرْحَلتان. [و استشهد بالشّعر 5 مرّ ات] (4 : 1706)

ابن فارِس: الرّ اء و الحاء و اللا م أصل واحد، يدلّ على مُضيّ في سفر. يقال: رَحَل يَرْحَل رِحْلَةً.

و جمَل رحيل: ذو رِحْلَة، إذا كان قويًّا على الرِّحْلَة، و الرّحْلَة: الارتحال.

فأمّا الرَّحْل في قولك: هذا رَحْل الرّجل، لمنزله و مأواه، فهو من هذا، لأنّ ذلك إنّما يقال في السّفر: لأسبابه الّتي إذا سافر كانت معه، يرتحل بها و إليها عند النّزول.

هذا هو الأصل، ثمّ قيل لمأوى الرّجل في حضره: هو رَحْلُه.

فأمّا قولهم لما ابيَضّ ظهره من الدّوابّ: أرْحَل، فهو من هذا أيضًا، لأ نّه يُشبَّه بالدّا بّة الّتي على ظهرها رِحالة.

والرِّحالة: السّرج.

و يقال في الاستعارة: إنّ فلا نًا يَرْحَل فلا نًا بما يكره.

و المُرَحَّل: ضرب من برود اليمن، و تكون عليه

صُور الرِّحال. و يقال: أرْحَلَت الإبل: سَمِنَت بعد هُزال، فأطاقت الرِّحْلَة.

و الرِّحال: الطّنافس الحيريّة. [ ثمّ استشهد بشعر]

و الرّ احِلَة: المَرْكَب من الإبل، ذكرً ا كان أو أُنثى.

و يقال: راحَل فلان فلا نًا، إذا عاوَ نَه على رِحْلته. و رَحّله، إذا أظعَنَه من مكانه. و أرْحَلَه: أعطاه راحِلةً.

و رجل مُرْحِل: كثير الرّواحِل.

و يقولون في القَذْف:يا ابن مُلْقى أرْحُل الرُّكبان، يشيرون به إلى أمر قبيح. (2 : 497)

أبوهلال: الفرق بين الظّعْن و الرَّحْل: أنّ الظّعْن هو الرّحيل في الهوادج، و من ثَمّ سمّيت المرأة إذا كانت في هودجها ظعينة، ثمّ كثر ذلك حتّى سمّيت كلّ امرأة ظعينة، و الظِّعان: حَبْل يُشَدّ به الهودج. [ثمّاستشهد بشعر]

ثمّ كثر الظّعْن حتّى قيل لكلّ رَحْل: ظعن،و الأصل: ما قلناه. (244)

الهَرَويّ: في حديث يزيد بن شجرة: < و في الرِّحال ما فيها > يقال لمنزل الإنسان، و مسكنه: رَحْلَه؛ و الجمع: رِحال، و إنّه لخصيب الرَّحْل.

و يقولون: انتهيناإلى رِحالنا، أي إلى منازلنا.

و في الحديث: < ابتلّت النِّعال، فالصّلاة في الرِّحال > يعني في الدّور و المساكن.

و الرَّحْل أيضًا الرِّحالة، و هي من مراكب الرّجال دون النّساء.

و الرَّحْل: شدّ الرَّحْل على البعير، و قد رَحّلتُه أُرَحِّله.

و في الحديث: أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) سجد فركبه الحسَن عنه، فأبطأ في سجوده، فقال: إنّ ابني ارتحَلَني فكرِهت أن أُعْجِلَه > يقال: ارتَحَل فلان فلا نًا، إذا ركبه و علا ظهره، و ارتَحَل أيضًا، إذا شدّ عليه الرَّحْل؛ فالارتحال بمَعنَيَين.

و في حديث عائشة رضي الله عنها: < أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) خرج ذات غداة و عليه مِرْط مُرَحّل من شَعَر أسود >.

قيل < المُرَحّل >: المُوَشّى، سمّي مُرَحّلا ، لأنّ عليه تصاوير الرِّحال؛ و جمعها: المَراحل.

و منه الحديث: < حتّى يَبْني النّاس بيوتًا يُوَشُّونها وَشْي المَراحل >. و يقال لها: المَراجِل بالجيم أيضًا، و يقال: أيضًا لها: الرّ احُولات، و يقال لذلك العمل: التّرحيل.(3 : 727)

ابن سيده: الرَّحْل: مَرْكَب للبعير و النّاقة؛و جمعه: أرْحُل و رحال.

و في الحديث: < إذا ابتلّت النِّعال فالصّلاة في الرِّحال > أي صلّوا رُكْبا نًا. و النِّعال هنا: الحِرار، واحدها: نَعْل.

و حكى سيبَوَيه عن العرب: وضَعا رِحالهما، يعني رَحْلي الرّ احلتين، فأجْرَوا المُنفصل من هذا الضّرب كالرّحْل مُجرَى غير المُنفصل، كقوله: {فَاقْطَعُوا اَيْدِيَهُمَا } المائدة : 38، و قوله: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} التّحريم : 4، و هذا من المنفصل

قليل، و لذلك ختم سيبَوَيه فَصْلَ <ظَهْراهما مثل ظهور التُّرسَين >.

و قد كان يجب أن يقولوا: وضَعا أرْحُلَهما، لأنّ الاثنين أقرب إلى أدنى العدد، لكن كذا حُكي عن العرب.

و أمّا { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } التّحريم : 4، فليس بحجّة، لأنّ القلب ليس له أدنى عدد، و لو كان له أدنى عدد، لكان القياس أن يُستَعمل هاهنا.

و قول < خطام >: <ظَهراهما مثل ظهور التُّرسَين> من هذا أيضًا، إنّما حكمه مثل: أظهُر التُّرسَين، لما قدّمنا.

و هو الرِّحالة؛ و جمعها: رحائل، و الرِّحالة في أشعار العرب: السّرج.

و الرِّحالة: سرج من جلود ليس فيه خشب، كانوا يتّخذونه للرَّكْض الشّديد.

و رَحَل البعير يَرْحَلُه رَحْلا، فهو مرحُو و رحيل.

و ارْتَحَله: جعل عليه الرَّحْل.

و رَحَلَه رِحْلَةً: شدّ عليه أداته.

و إنّه لحسَن الرِّحْلَة، أي الرَّحْل للإبل، أعني شَدّه لرحالها.

و رجل رَحّال: عالم بذلك مُجيد.

و إبل مُرَحَّلة: عليها رِحالها، و هي أيضًا الّتي وُضعَت عنها رحالها.

و الرّحُول و الرّحُولة من الإبل: الّتي تَصْلُح أن تُرْحَل، و هي الرّ احلة، تكون للذّكر و الأُنثى، فاعلة بمعنى مفعولة، و قد يكون على النّسب.

و أرْحَلَها صاحبها: راضها حتّى صارت راحلة.

و المُرَحّل: ضرب من برود اليمن، سمّي مُرَحّلا ، لأنّ عليه تصاوير رَحْل.

و شاة رَحْلاء: سوداء بيضاء، موضع مَرْكِب الرّاكب من مآخر كِتفَيْها. و إن ابيضّت و اسودّ ظهرها، فهي أيضًا رَحْلاء.

و فرس أرْحَل: أبيض الظّهر، و لم يصل البياض إلى البطن و لا إلى العَجُز و لا إلى العنق.

و تَرَحّله: ركبه بمكروه.

و بعير ذو رُحْلة، أي قوّة على السّير. و جمَل رحيل و ناقة رحيلة كذلك.

و ارتَحَل البعير رِحْلَةً سار فمضى، ثمّ جرى ذلك في المنطق، حتّى قيل: ارتَحَل القوم عن المكان. و رحَل عن المكان يَرْحَل، و هو راحل من قوم رُحّل: انتقل. و رحّل غيره.

و التّرَحُّل و الارتحال: الانتقال، و هو الرِّحْلَة و الرُّحْلَة.

حكى اللِّحيانيّ: إنّه لذو رِحْلَة إلى الملوك و رُحْلَة.

و قال بعضهم: الرِّحْلَة: الارتحال، و الرُّحْلَة: الوجه الّذي تأخذ فيه و تريده.

و قيل: الرُّحْلَة:السَّفْرَة الواحدة.

و الرّحيل: اسم ارتحال القوم للمسير.

و الرّحيل: القويّ على الارتحال و السّير؛ و الأُنثى: رحيلة.

و رَحْلُ الرّجل: منزله و مسكنه؛ و الجمع: أرْحُل.

و الرّحيل: منزل بين مكّة و البصرة.

و راحيل: اسم أُمّ يوسف .

و رِحْلَة هضَبة معروفة، زعم ذلك < يعقوب >.

[و استشهد بالشّعر 11مرّة] (3 : 300)

الطُّوسيّ:و الرُّحْلَة: حال السّير على الرّ احلة، و هي النّاقة القويّة على السّفر، و منه الحديث المرويّ: < النّاس كإبل مائة لايوجد فيها راحلَة >.

و الرَّحْل: متاع السّفر، و الارتحال: احتمال الرّحْل للمسير في السّفر. (10 : 413)

مثله الطَّبْرِسيّ. (5 : 544)

الرّ اغِب:الرَّحْل: ما يوضع على البعير للرّكوب، ثمّ يُعبّر به تارةً عن البعير، و تارةً عمّا يُجلَس عليه في المنزل؛ و جمعه: رحال { وَ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فى رِحَالِهِمْ } يوسف : 62.

و الرِّحْلَة: الارتحال، قال تعالى:{ رِحْلَةَ الشِّتَاءِوَ الصَّيْفِ } قريش : 2.

و أرْحَلتُ البعير: و ضعت عليه الرّحْل.

و أرْحَل البعير: سَمِن، كأ نّه صار على ظهره رَحْل لسِمَنه و سنامه.

و رَحَلتُه: أظْعَنتُه، أي أزلتُه عن مكانه.

والرّ احلة: البعير الّذي يَصْلُح للارتحال.

و راحَله: عاوَنه على رِحْلَته.

و المُرَحَّل: بُرْدٌ عليهصورة الرِّحال.(191)

الزّمَخْشَريّ :رحَل عن البلد: ظعَن عنه.

و ارْتَحَل، و ترحّل، و رحّلته أنا.

و غدً ا يوم الرّحيل و الرِّحْلَة. و مكّة رُحْلَتي: وجهي الّذي أُريد أن أرتحل إليه. و أنتم رُحْلَتي.

و فلان عالم رُحْلَة: يُرْتحَل إليه من الآفاق.

و رَحَل بعيره.

و شدّ رَحْلَه على راحلته. و شدّوا رحالهم.

و أرحلهم على رواحلهم.

و ألقى رحالته على ظهره، و هي السّرج.

و الماء في رَحْله: في منزله و مأواه.

و صلّوا في رحالكم.

و أرْحَلَه: أعطاه راحلَةً.

و أرْحَلتُ بعيري: جعلته راحلةً.

و استَرْحَله: طلب منه راحلةً، كقولك: استحمله.

و استَرْحَله: سأله أن يَرْحَل له.

و من المجاز: رحَلْتُ الرّجل رَحْلا، و ارْتَحَلتُه ارتحالا : ركبته.

و <عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) حين ركبه الحسين، فأبطأ في سجوده: إنّ ابني ارْتَحَلني.

و لأرْحَلنّك بسيفي. و رَحَلَه بسيفه، إذا علاه به.

و رَحَل الأمر و ارتَحَله: ركبه.

و ارْتَحَل فلان أمرً ا ما يطيقه.

و رحَل فلان صاحبه بما يكره.

و استَرْحَل النّاس نفسه: أذلهّا لهم، فهم يركبونها بالأذى.

و مشَتْ رواحله، إذا شاب و ضعف.

و حَطّ فلان رَحْلَه، وألقى رَحْلَه: أقام.

و في القذف: يا ابن مُلقى أرْحُل الرُّ كبان.

و فرس أرْحَلُ و نعجة رَحْلاء: يراد بياض الظّهر، لأ نّه موضع الرّحْل. [و استشهد بالشّعر 4 مرّات] (أساس البلاغة : 157)

سُئل (صلی الله علیه و آله) < أيّ الأعمال أفضل؟فقال: الحالّ المُرْتَحِل، قيل: و ما ذاك؟ قال: الخاتِم المفتَتِح >.

أراد الرّجل المواصل لتِلاوة القرآن الّذي يختمه ثمّ يفتتحه، شبّهه بالمسفار الّذي لايُقْدِم على أهله فيَحلّ، إلا أنشأ سفرً ا آخر، فارْتَحَل.

و قيل : أراد الغازي الّذي لايقفل عن غزو فيختمه إلا عقّبه بآخر يفتتحه.

و التّقدير: عمل الحالّ المُرْتَحِل فحُذف، لأ نّه معلوم. (الفائق 1 : 308)

إنّ رجلا من المشركين بمؤتة سبّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) فطَفَق يسبّه، فقال له رجل من المسلمين: و الله لتَكُفّنّ عن شتمه أو لأرْحَلنّك بسيفي هذا، فلم يزد إلا استعرا بًا فضَربه ضَرْبةً لم تَجُزْ عليه، و تغاوى عليه المشركون فقتلوه، ثمّ أسلم الرّجل المضروب و حَسُن إسلامه، فكان يقال له: الرّحيل.

يقال: فلان يَرْحَل فلا نًا بما يكره، أي يركبه به. و أصله: من رَحَلْتُ النّاقة. (الفائق2 : 50)

المَدينيّ: في حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما: قال: جاء عمر فقال: يا رسول الله: < حَوّلتُ رَحْلي البارحة >.

< الرَّحْل >: منزل الرّجل و مأواه، و مركب البعير أيضًا يُرْكب عليه، و قد رَحَلَه و ارْتحَلَه: ركبه و علاه؛ و منه:<لأرْحَلنّك بالسّيف >.

و أراد به غِشْيانه امرأته من دُ بُرها في قُبُلها، لأنّ المُجامِع يعلوها و يركبها، فلمّا أتاها من غير مأتاها - فيما قيل - سمّاه تحويلا ، كنّى بالرّحْل عن الغِشْيان.

و الرّ احلة في قوله: < لاتجد فيها راحلة > قيل: هي بمعنى مَرْحُولة،كَسِرٍّ كاتِم، و ليل نائم. (1 : 746)

ابن الأثير: في حديث النّابغة الجَعْديّ: < إنّ ابن الزُّبير أُمرله براحلَة رحيل > أي قويّ على الرِّحْلَة، و لم تثبت الهاء في رحيل، لأنّ الرّ احلَة تقع على الذّكر.

و منه الحديث: < في نجابة و لارُحْلَة >. الرُّحْلَة بالضّمّ: القوّة، و الجودة أيضًا، و تُروى بالكسر: بمعنى: الارتحال.

و فيه: < إذا ابْتَلّت النِّعال فالصّلاة في الرِّحال > يعني الدُّور و المساكن و المنازل، و هي جمع رَحْل.

يقال لمنزل الإنسان و مسكنه: رَحْلُه. و انتهينا إلى رحالنا، أي منازلنا؛ و منه حديث يزيد بن شجرة: < و في الرِّحال ما فيها >.

و منه حديث ابن مَسعود: < إنّما هو رَحْلو سَرْج، فرَحْل إلى بيت الله، و سَرْج في سبيل الله >، يريد أن الإبل تُرْكَب في الحجّ، و الخيل تُرْكَب في الجهاد.

و فيه: < عند اقتِراب السّاعة تخرج نار من قعر عَدَن تُرَحّل النّاس >، أي تحملهم على الرّحيل.

و الرّحيل و التّرحيل و الإرْحال، بمعنى الإزعاج و الإشخاص. و قيل:تُرَحّلهم، أي تُنزلهم المرَاحل.و قيل: تَرْحَل معهم إذا رحَلوا و تَنزِل معهم إذا نزلوا.

و فيه: < أنّ رسول الله(صلی الله علیه و آله) خرج ذات غداةو عليه مِرْطٌ مُرَحّل >.

< المُرَحّل >: الّذي قد نُقش فيه تصاوير الرّحال.

و منه حديث عائشة، و ذكَرَت نساء الأنصار: < فقامت كلّ امرأة إلى مِرْطها المُرَحّل >.

و منه الحديث: < كان يُصلّي و عليه من هذه المُرَحّلات > يعني المُرُوط المُرَحّلة، و تُجمَع على المَراحل.

و منه الحديث: < حتّى يَبني النّاس بيوتًا يُوَشُّونها وَشْيَ المَراحل >. ويقال لذلك العمل: التّرحيل. (2 : 209)

الفَ-يُّوميّ: رحَل عن البلد رحيلا ، و يتعدّى بالتّضعيف، فيقال: رَحّلتُه و ترحّلت عن القومو ارْتَحَلتُ.

و الرِّحْلَة بالكسر، و الضّمّ: لغة: اسم من الارتحال. و الضّمّ هو الوجه الّذي يريده الإنسان.

و الرَّحْل: كلّ شيء يُعَدّ للرّحيل: من وعاء للمتاع، و مَرْكَب للبعير، و حِلْس و رَسَن؛ و جمعه: أرْحُل و رِحال، مثل : أفْلُس و سِهام.

و من كلامهم في القذف: هو ابن مُلْقى أرْحُل الرُّكبان.

و رَحَلتُ البعير رَحْلا ، من باب < نفع > شددت عليه رَِحْله.

و رَحْل الشّخص: مأواه في الحضر، ثمّ أُطلق على أمتعة المسافر، لأ نّها هناك مأواه.

و الرِّحالة بالكسر: السّرج من جلود.

و الرّ احِلَة: المركب من الإبل ذكرً ا كان أو أُنثى. و بعضهم يقول: الرّ احلَة: النّاقة الّتي تَصْلُح أن تُرْحَل؛ و جمعها: رواحل.

و أرْحَلتُ فلا نًا بالألف: أعطَيتُه راحلَةً.

و المَرْحَلة: المسافة الّتي يقطعها المسافر في نحو يوم؛ و الجمع: المراحل. (1 : 222)

الفيروزاباديّ: الرَّحْل: مركب للبعير، كالرّ احُول؛ جمعه: أرْحُل. و رِحال، مسكنك، و ما تستصحبه من الأثاث.

و الرِّحالة، ككتابة: السّرج، أو من جلود لاخشب فيه، يُتّخذ للرَّكْض الشّديد.

رحَل البعير، كمنع، و ارْتَحَله: حَطّ عليه الرّحْل، فهو مَرْحُول و رحيل.

و إنّه لحسَن الرِّحْلة بالكسر، أي الرّحْل للإبل.

و الرّحّال: العالم به المُجيد.

و المُرَحّلة، كمُعظّمة: إبل عليها رحالها، و الّتي وُضعت عنها، ضدّ.

و الرَّحُول والرّحُولة و الرّ احلة: الصّالحة لأن تُرْحَل.

و أرحلها: راضها فصارت راحلةً.

و كمُعظّم: بُرْدٌ فيه تصاوير رَحْل. و تفسير الجَوهَريّ إيّاه بإزار خزّ فيه عَلَم، غير جيّد، إنّما ذلك تفسير المُرَجّل، بالجيم.

و كمنبر: القويّ من الجِمال.

و بعير ذو رِحْلَة، بالكسر؛ و الضّمّ: قويّ.

وشاة رَحْلاء: سوداء و ظهرها أبيض، أو عكسه.

وفرس أرْحَل: أبيض الظّهر فقط.

و بعير ذو رِحْلَة، و جمَل رحيل: قويّ على السّير.

و تَرَحّله: ركبه بمكروه.

و ارْتَحَل البعير: سار و مضى.

و القوم عن المكان: انتقلوا، كتَرَحّلوا.

و الاسم: الرُّحْلَة، بالضّمّ و الكسر، أو بالكسر: الارتحال، و بالضّمّ الوجه الّذي تقصده، و السّفرة الواحدة.

و الرّحيل، كأمير: اسم ارتحال القوم، و منزل بين مكّة و البصرة.

و راحيل أُمّ يوسف، .

و رِحْلَة: هَضْبَة.

و أرْحَل: كثُرت رواحله، و البعير: قوي ظهره بعد ضَعْف، و الإبل: سمنت بعد هُزال فأطاقت الرِّحْلَة.

و فلا نًا: أعطاه راحِلَةً.

و رَحَل، كمنع: انتقل.

و رَحّلتُه ترحيلا فهو راحل من رُحَّل، كرُكّع.

و فلا نًا بسيفه: علاه.

و المَرْحَلة: واحدة المراحل.

و راحَلَه: عاونه على رِحْلَته.

و استَرْحَله: سأله أن يرحل له.

و الرّحال، ككتاب: الطّنافس الحيريّة.

و رِحالَهْ رِحالَهْ: دُعاء للنّعجة.

و التّرحيل:شُهْبة أو حُمْرة على الكتفين.

و ناقة مُستَرْحلَة: نجيبة.

و الرّ احُولات في قول الفرزدق: الرّحل المَوْشيّ.(3 : 394)

الطُّرَيحيّ: يقال في الوعاء: رَحْل. و للمسكن: رَحْل. و أصله: الشّيء المُعَدّ للرّحيل.

و في الحديث: < كان رَحْل رسول الله (صلی الله علیه و آله) ذراعًا>. وكأنّ المراد: مؤخّرالرَّحْل، كما بُيّن في موضع آخر. و المراد بالرّحْل: رَحْل البعير.

قال الجَوهَريّ: هو أصغر من القَتَب، و هو كالسّرج للفرس؛ و يُجمَع على رحال ككتاب.

و رَحَلتُ البعير، من باب < نفع >: شددت عليه الرَّحْل.

و في الحديث: < إذا ابتلَّت النِّعال فالصّلاة في الرِّحال >. هو جمع رَحْل، و هو مسكن الرّجل.

و الصّلاة بالنّصب بتقدير صلّوا، و بالرّفع على الابتداء. و الرَّحْل: ما يُستَصْحَب من الأثاث.

و في الحديث: < الرّحيل أحد اليومين > أي إنّ لابن آدم يوم قدوم إلى هذه الدّ ار و هو يوم ولادته، و يوم رحيل عنها و هو يوم الموت، فينبغي أن لايزول أبدً ا عن خاطره بل يجعله نصب عينيه.(5 : 380)

مَجْمَعُ اللُّغة:1 - رَحَل عن المكان يَرْحَل رَحْلا ، و ارْتَحَل: انتقل.

و الرِّحْلة: الانتقال عن المكان للسّفر.

2 - و الرَّحْل: ما يُوضع على البعير للرّكوب، و يُطلَق على ما يستصحبه الرّ احل من الأثاث و الأوعية؛ و جمعه: رِحال.(1 : 462)

العَدْنانيّ:الرَّحْل كُرسيّ المُصحَف

و يسمّون الكرسيّ الّذي يوضع عليه المصحف رَحْلَةً، و الصّواب هو الرَّحْل، كما قال الخفاجيّ في شفاء الغليل، و التّاج، و المدّ، و المتن.

و قد ذكر المتن: أنّ تسمية ذلك الكُرسيّ بالرَّحْل هو من المجاز، و يجوز إبقاء اسمه القديم: كرسيّ المُصْحَف.

أمّا شَكْل الرَّحْل، فهو كعلامة الضّرب.

و يُخيَّل إليّ أنّ الرّحْل الّذي يعني كرسيّ المُصْحَف، لم يكن معروفًا قبل القرن الحادي عشر الهجريّ ، لأنّ أقْدَم مصدر عندي، أتى على ذكره، هو شفاء الغليل، الّذي تُوفّي مؤلّفه الخفاجيّ سنة1069ه-.

و من معاني الرَّحْل الأُخرى:

1 - ما يوضع على ظهر البعير للرّكوب.

2 - كلّ شيء يُعَدّ للرّحيل من وعاء للمتاع و غيره، مجاز.

3 - مسكن الإنسان و ما يستصحبه من الأثاث مجاز.

4 - حَطّ فلان رَحْلَه، و ألقى رَحْلَه: أقام. (256)

محمّد إسماعيل إبراهيم:رحَل عن المكان: تركه، و الرِّحْلَة: الارتحال و الانتقال من المكان للسّفر.

و الرَّحْل و جمعها: رِحال: الأوعية الّتي يضع فيها المسافر زاده و متاعه و غيرها على ظهر الدّوابّ، و هي مثل السُّرُج. (1 : 215)

محمود شيت: المَرْحَلة: ما يقطعه الجُنْديّ أو تقطعه القطعة العسكريّة في يوم واحد سيرً ا على الأقدام، أو بالوسائط الآلية.

يقال: جدول المراحل: الجدول الّذي يُنظّم لقطع المراحل.

و يقال: مرحلة المشاة، و مرحلة الخيالة،و مرحلة السّيّارات، و مرحلة الدّ بّابات إلخ، جمعه: مراحل. (1 : 284)

المُصْطَفَويّ: و التّحقيق‌أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة: هوالخروج في سفر مع أسباب و وسائل، لامطلقًا. و هذا القيد لازم أن يلاحظ في جميع صيغها و موارد استعمالها، و بهذا اللّحاظ يُطلق على تلك الأسباب الّتي تُعَدّ للسّفر: الرَّحْل، و يقال: الرِّحالة للسّرج و نظيره. و الرُّحلة: الّذي تُشَدّ إليه الرَّحْل. و الرّ احلة: ما تشدّ عليه الرّحْل و يُرْكَب.

و رَحَل و ارْتَحَل و تَرَحّل: خرج إلى السّفر مع الرّحْل. و إطلاق الرّحْل على المأوى بهذا اللّحاظ، لامطلقًا.

و لايبعد أن يكون الرَّحْل في الأصل مصدرً ا، بمعنى الخروج و السّفر مع أسباب و أثاثيّة، ثمّ غلب استعماله في تلك الأثاثيّة المُعَدّة المنظورة للسّفر.

و لايخفى أنّ النّظر الأصليّ في أمثال ذلك السّفر:

إلى حفظ تلك الأسباب و الأثاثيّة: إمّا لتوقّف المعيشة عليها، أو للمعاملة و التّجارة بها، أو بمقاصدأُخرى.

فظهر الفرق بين هذه المادّة و بين موادّ السّفر، و الخروج و الحركة و الظّعن و المضيّ: فإنّ النّظر في السّفر إلى الخروج إلى مسافة بعيدة، حتّى يبعد عن محيط بلده، و ينكشف له محيط آخر. و النّظر في الخروج إلى مجرّد الخروج عن محلّه. و النّظر في الحركة إلى مطلق التّحرّ ك، و نقض السّكون. و النّظر في الظّعن إلى السّفر في الهوادج و أمثالها. و النّظر في المضىّ إلى مطلق العبور و المرور حتّى يغيب.

{لايلا‘فِ قُرَيْش * ايلا‘فِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِوَ الصَّيْفِ } قريش : 1 ، 2، أي جعل بلدكم محلّ أمن، و ردّ عنكم كيد أصحاب الفيل، ليديموا الرِّحْلتَيْن: رِحْلَة الشّتاء إلى اليمن، و رِحْلَة الصّيف إلى شمال الجزيرة و الشّامات، فيتّجرون و يحوّلون الأمتعةو يبيعونها، و يأخذون أجناسًا((1)) أُخر مناسبة.

فظهر لطف التّعبير بالمادّة دون السّفر و الخروج و الظّعن، و أمثالها. (4 : 87)

النُّصوص التّفسيريّة

رَحْل

1 - فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فى رَحْلِ اَخيهِ‘ ثُمَّ اَذَّنَ مُؤَذِّنٌ اَيَّتُهَا الْعيرُ‘ اِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ. يوسف : 70

قَتادَة:أي متاع أخيه. (الطّبَريّ 7 : 253)

نحوه الطّبَريّ (7 : 253)،و الثّعلبيّ (5 : 239)، و الطَّبْرسيّ (3 : 253)، و شُبّر (3 : 295).

الطُّوسيّ: الرَّحْل آلة السّفر من وعاء أو مركب، والمراد هاهنا: وعاء أخيه الّذي يحمل فيه طعامه. (6 : 169)

و جاء بهذا المعنى قوله:

2 - قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذلِ-كَ’ نَجْزِى الظَّالِمينَ‘ يوسف : 75

رِحَالِهِمْ

وَ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. يوسف : 62

الطّبَريّ: و الرِّحال،جمع رَحْل؛ و ذلك جمع الكثير. فأمّا القليل من الجمع منه، فهو أرْحُل؛ و ذلك جمع ما بين الثّلاثة إلى العشرة . (7 : 245)

الثّعلبيّ: في أوعيتهم، و هي جمع رَحْل؛ و الجمع القليل منه: الرّحيل.

قال ابن الأنباريّ: يقال للوعاء: رَحْل،و للمسكن: رَحْل. (5 : 235)

الطُّوسيّ: و الرِّحال: جمع رَحْل، و هوالشّيء المُعَدّ للرّحيل، من وعاء المتاع، أو مركب من مراكب الجمال؛ و جمعه في القليل: أرْحُل، و في الكثير:


1) (1) سِلَعًا أو بَضائع، لأنّ <أجناسًا > اصطلاح فارسيّ.

رحال. و إنّما جعل بضاعتهم في رحالهم، ليقوّي دواعيهم في الرّجوع إليه إذا رأوا إكرامه إيّاهم، و ردّ بضاعتهم إليهم مع جُدُوب الزّمان و شدّته.

و يجوز أن يكون جعلها في رحالهم، ليرجعوا إليه متعرّفين عن سبب ردّها.

و قال قوم: معناه: ليعلموا أ نّي لست أطلب أخاهم للرّغبة في مالهم. (6 : 162)

الواحديّ: في أوعيتهم، و الرَّحْل: كلّ شيء مُعَدّ للرّحيل، من وعاء للمتاع، و مركب لبعير، و حِلْس و رَسَن. (2 : 620)

الفَخْرالرّ ازيّ: و الرّحال: تفيد العددالكثير، فوجب أن يكون الّذين يباشرون ذلك عمل الكثيرين. (18 : 168)

الآلوسيّ: الرِّحال: فيه جمع كثرة، و مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، فينبغي أن يكون في مقابله صيغة جمع الكثرة. و على القراءة الأُخرى يستعار أحد الجمعين للآخر. رويأ نّه وَكّل بكلّ رَحْل رجلا ، يعني فيه بضاعتهم الّتي اشتروا بها الطّعام، و كانت نعالا و أدَمًا. [إلى أن قال:]

و الظّاهر أنّ هذا الأمر كان بعد تجهيزهم، و قيل: قبله، ففيه تقديم و تأخير و لاحاجة إليه. (13 : 10)

رِحْلَةَ

ايلا‘‘فِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ. قريش : 2

ابن عبّاس: الرِّحْلتَين: الشّتاء و الصّيف، و كانوا يرتحلون في كلّ سنة رِحْلَتَيْن: رِحْلَة إلى اليمن بالشّتاء، و رِحْلَة إلى الشّام بالصّيف، فدفع عنهم مؤونة ذلك. (520)

كانوا يشتون بمكّة و يصيفون بالطّائف. (الطّبَريّ 12 : 703)

عِكْرِمَة: إنّ كلتا الرّحْلَتَيْن إلى فلسطين، لكن رِحْلَة الشّتاء في البحر، طلبًا للدّفْء، و رِحْلَة الصّيف على بُصْرى و أذرعات، طلبًا للهواء. (الماوَرْديّ 6 : 347)

الكَلْبيّ: كانت لهم رحلتان: رِحْلَة في الشّتاء إلى اليمن، و رِحْلَة في الصّيف إلى الشّأم. (الطّبَريّ 12 : 703)

ابن زَيْد: كانت لهم رحلتان: الصّيف إلى الشّام، و الشّتاء إلى اليمن في التّجارة،إذا كان الشّتاء امتنع الشّأم ((1))منهم لمكان البرد، و كانت رحلتهم في الشّتاء إلى اليمن. (الطّبَريّ 12 : 702)

الطّبَريّ: و قوله: { رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ } يقول: رِحْلة قريش: الرِّحْلَتَيْن: إحداهما: إلى الشّام في الصّيف، و الأُخرى: إلى اليمن في الشّتاء.(12 : 702)

الزّجّاج:التّأويل: أنّ قريشًاكانوا يرحلون في الشّتاء إلى الشّام، و في الصّيف إلى اليمن، فيمتارون. و كانو في الرِّحْلتَيْن آمنين و النّاس يُتَخَطّفُون. و كانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهل حرم


1) (1) كذا ، و الظّاهر: الشّام .

الله، فلايُتعَرّض لهم، فأعلم الله سبحانه أنّ من الدّ لالة على وحدانيّته ما فعل بهؤلاء، لأ نّهم ببلد لازَرْع فيه، و أ نّهم فيه آمنون. قال الله تعالى جلّ ثناؤه: { اَوَ لَمْ يَرَوْ ا اَ نَّاجَعَلْنَاحَرَمًا ا"مِنًا وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ اَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ } العنكبوت : 67، أي يؤمنون بالأصنام، و يكفرون بالله عزّ و جلّ الّذي أنعم عليهم بهذه النّعمة، فأمرهم بعبادته وحده، لأنْ آلفَهُم هاتين الرِّحْلتَيْن.(5 : 365)

القُمّيّ:نزلت في قريش، لأ نّه كان معاشهم من الرِّحْلتَيْن: رِحْلَة في الشّتاء إلى اليمن، و رِحْلَة في الصّيف إلى الشّام. و كانوا يحملون من مكّة الأدَم و اللّباس، و ما يقع من ناحية البحر من الفُلفُل و غيره، فيشترون بالشّام الثّياب و الدّرْمَك((1)) و الحبوب، و كانوا يتألّفون في طريقهم و يُثبتون في الخروج في كلّ خرجة رئيسًا من رؤساء قريش، و كان معاشهم من ذلك. فلمّا بعث الله نبيّه  استغنوا عن ذلك، لأنّ النّاس و فدوا على رسول الله  و حجّوا إلى البيت، فقال الله: { فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَ االْبَيْتِ * اَ لَّذى‘ اَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ } قريش : 3 ، 4، فلايحتاجون أن يذهبوا إلى الشّام {وَ ا"مَنَهُمْ مِنْ خَوْف } يعني خوف الطّريق. (2 : 444)

الثّعلبيّ:اختلفوا في وجه انتصاب < الرِّحْلَة > فقيل: نُصبت على المصدر، أي ارتحالهم رِحْلَة، و إن شئت نصبته بوقوع { ايلا‘فِهِمْ } عليه، و إن شئت على الظّرف بمعنى: على رِحْلَة، و إن شئت جعلتهما في محلّ الرّفع على معنى: هما رحلتا الشّتاء و الصّيف. و الأوّ ل أعجب و أحَبّ إليّ، لأ نّها مكتوبة في المصاحف بغير ياء.

و أمّا التّفسير: فروى عِكْرِمَة و سعيد بن جُبَيْر عن ابن عبّاس قال: كانوا يشتون بمكّة و يصيفون بالطّائف، فأمرهم الله سبحانه أن يشتوا بالحرم، و يعبدوا ربّ البيت.

و قال أبوصالح: كانت الشّام فيها أرض باردة و فيها أرض حارّة، و كانوا يرتحلون في الشّتاء إلى الحارّة، و في الصّيف إلى الباردة. و كانت لهم رحلتان كلّ عام للتّجارة: أحدهما في الشّتاء إلى اليمن، لأ نّها أدفأ، و الأُخرى في الصّيف إلى الشّام. و كان الحرم واديًا جَدْبًا لازَرْع فيه و لاضَرْع، و لاماء و لاشجر، و إنّما كانت قريش تعيش بها بتجارتهم و رحلتهم، و كانوا لايُتعَرّض لهم بسوء.

و كانوا يقولون: قريش سُكّان حرم الله و ولاة بيته، فلولا الرّحلتان لم يكن لأحد بمكّة مُقام، و لولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التّصرّف، فشقّ عليهمالاختلاف إلى اليمن والشّام. و أخصبت تبالة و جرش و الجُنْد من بلاد اليمن، فحملوا الطّعام إلى مكّة أهل السّاحل في البحر على السّفن، و أهل البرّ على الإبل و الحُمُر، فألقى أهل السّاحل بجِدّة، و أهل البرّ بالمُحصّب. و أخصبت الشّام فحملوا الطّعام إلى مكّة، فحمل أهل الشّام إلى الأبطح،


1) (1) الدّرْمَك: الدّقيق الأبيض.

و حمل أهل اليمن إلى الجِدّة، فامتاروا من قريب، و كفاهم الله مؤونة الرِّحْلتَين، و أمرهم بعبادة ربّ البيت . (10 : 302)

نحوه البغَويّ. (5 : 310)

الماوَرْديّ:كانت لقريش في كلّ عام رحلتان، و الرّحلة: السّفرة لما يعانى فيها من الرّحيل و النّزول: رحلة في الصّيف و رحلة في الشّتاء، طلبًا للتّجارة و الكسب.

و اختُلف في رِحْلَتَي الشّتاء و الصّيف على قولين:

أحدهما: [ قول عِكْرِمَة المتقدّم]

الثّاني: [ قول ابن زَيْد المتقدّم]

فإن قيل: فما المعنى في تذكيرهم رحلة الشّتاء و الصّيف؟ ففيه جوابان:

أحدهما: أ نّهم كانوا في سفرهم آمنين من العرب، لأ نّهم أهل الحرم، فذكّرهم ذلك، ليعلموا نعمته عليهم في أمنهم، مع خوف غيرهم.

الثّاني: لأ نّهم كانوايكسبون فيتوسّعون، و يُطعمون و يصلون، فذكّرهم الله تعالى هذه النّعمة. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (6 : 347)

القُشَيْريّ:كانت لهم رحلتان للامتيار: رِحْلَة إلى الشّام في القيظ، ورِحْلَة إلى اليمن في الشّتاءِ. و المعنى: أنعم الله عليهم بإهلاك عدوّهم، ليؤلّفهم رحلتيهم. (6 : 339)

نحوه الواحديّ. (4 : 556)

الزّمَخْشَريّ: كانت لقريش رحلتان، يرحلون في الشّتاء إلى اليمن، و في الصّيف إلى الشّام، فيمتارون و يتّجرون، و كانوا في رحلتيهم آمنين، لأ نّهم أهل حرم الله و وُلاة بيته، فلايُتعَرّض لهم و النّاس غيرهم يُتخَطّفُون و يُغار عليهم. (4 : 287)

نحوه البَيْضاويّ (2 : 577)، و النّسَفيّ (4 : 378)، و أبوالسُّعود (6 : 473)، و شُبّر (6 : 453).

الطَّبْرِسيّ:{ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ } منصوبة بوقوع { ايلا‘فِهِمْ } عليها. و تحقيقه: أنّ قريشًا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليهم فيه، و أن يعرض لهم أحد بالسّوء إذا خرجت منه لتجارتها، و الحرم واد جديب، إنّما كانت تعيش قريش فيه بالتّجارة. و كانت لهم رحلتان في كلّ سنة: رِحْلَة في الشّتاء إلى اليمن، لأ نّها بلاد حامية. و رِحْلَة في الصّيف إلى الشّام، لأ نّها بلاد باردة. و لولا هاتان الرّحلتان، لم يمكنهم به مُقام، و لولا الأمن لم يقدروا على التّصرّف. فلمّا قصد أصحاب الفيل مكّة، أهلكهم الله لتآلف قريش هاتين الرِّحْلتَين اللّتين بهما معيشتهم، و مُقامهم بمكّة.

و قيل: إنّ كلتا الرِّحْلتَين كانت إلى الشّام، و لكن رحلة الشّتاء في البحر و إيلة طلبًاللدّفْء و رِحْلَة الصّيف إلى بُصْرى و أذرعات طلبًا للهواء. (5 : 545)

الفَخْرالرّ ازيّ: فيه مسائل:

المسألة الأُولى: قال اللّيث: الرِّحْلَة اسم الارتحال من القول للمسير، و في المراد من هذه

الرِّحْلَة قولان: الأوّ ل، و هو المشهور.

قال المفسّرون: كانت لقريش رِحْلَتان: رِحْلَة بالشّتاء إلى اليمن، لأنّ اليمن أدفأ، و بالصّيف إلى الشّأم. و ذكر عطاء عن ابن عبّاس: أنّ السّبب في ذلك هو أنّ قريشًا إذا أصاب واحدً ا منهم مَخمَصَة خرج هو و عياله إلى موضع، و ضربوا على أنفس خباء حتّى يموتوا، إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف، و كان سيّد قومه، و كان له ابن يقال له: أسد، و كان له تِرْبٌ من بني مخزوم يُحبّه و يلعب معه، فشكا إليه الضّرر و المجاعة، فدخل أسد على أُمّه يبكي، فأرسلت إلى أُولئك بدقيق و شحم، فعاشوا فيه أيّامًا، ثمّ أتى تِرْبُ أسد إليه مرّة أُخرى و شكا إليه من الجوع، فقام هاشم خطيبًا في قريش، فقال: إنّكم أجدبتم جدبًا تقلّون فيه و تَذلّون، و أنتم أهل حرم الله و أشراف وُلد آدم، و النّاس لكم تَبَعٌ قالوا: نحن تَبَعٌ لك، فليس عليك منّا خلاف. فجمع كلّ بني أب على الرّحْلتَيْن في الشّتاء إلى اليمن، و في الصّيف إلى الشّام للتّجارات، فما ربح الغنيّ قسّمه بينه و بين الفقير، حتّى كان فقيرهم كغنيّهم. فجاء الإسلام و هم على ذلك، فلم يكن في العرب بنو أب أكثرمالا ولا أعزّ من قريش. [ثمّ استشهد بشعر]

و اعلم أنّ وجه النّعمة و المنّة فيه أ نّه لو تمّ لأصحاب الفيل ما أرادوا، لترك أهل الأقطار تعظيمهم، و أيضًا لتفرّقوا و صار حالهم كحال اليهود المذكور في قوله: { وَ قَطَّعْنَاهُمْ فِى الاَ_رْضِ اُمَمًا } الأعراف : 168، و اجتماع القبيلة الواحدة في مكان واحد أدخل في النّعمة من أن يكون الاجتماع من قبائل شتّى. و نبّه تعالى أنّ من شرط السّفر المؤانسة و الأُلفة؛ و منه قوله تعالى: { وَ لاجِدَ الَ فِى الْحَجِّ } البقرة : 197، و السّفر أحوج إلى مكارم الأخلاق من الإقامة.

القول الثّاني: أنّ المراد: رِحْلَة النّاس إلى أهل مكّة، فرِحْلَة الشّتاء و الصّيف عمرة رجب و حجّ ذي الحجّة، لأ نّه كان أحدهما شتاء و الآخر صيفًا، و موسم منافع مكّة يكون بهما، و لو كان يتمّ لأصحاب الفيل ما أرادوا لتعطلّت هذه المنفعة.

المسألة الثّانية:نُصب <الرِّحْلَة> ب- { لايلا‘فِهِمْ} مفعولا به، وأراد: رِحْلَتي الشّتاء و الصّيف، فأفرد لأمن الإلباس، كقوله:< كلوا في بعض بطنكم >. و قيل: معناه رِحْلَة الشّتاء و رِحْلَة الصّيف، و قرئ ( رُحْلَة ) بضمّ الرّ اء و هي الجهة. (32 : 106)

نحوه البُرُوسَويّ. (10 : 519)

القُرطُبيّ: عن ابن عبّاس في قوله: { لايلا‘فِ قُرَيْش } قال: نعمتي على قريش { ايلا‘فِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ }. قال:كانوا يشتون بمكّة،و يصيفون بالطّائف. و على هذا القول يجوز الوقف على رؤوس الآي و إن لم يكن الكلام تامًّا، على ما نبيّنه أثناء السّورة.

و قيل: ليست بمتّصلة، لأنّ بين السّورتين { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} و ذلك دليل على انقضاء السّورة و افتتاح الأُخرى. (20 : 201)

أبوحَيّان: قرأ الجمهور:{ رِحْلَةَ } بكسر الرّ اء،

و أبوالسّمال: بضمّها، فبالكسر مصدر، و بالضّمّ الجهة الّتي يُرْحَل إليها. و الجمهور على أ نّهما رحلتان، فقيل: إلى الشّام في التّجارة و نيل الأرباح. و قال ابن عبّاس: رِحْلَة إلى اليمن، و رِحْلَة إلى بُصْرى. و قال: يرحلون في الصّيف إلى الطّائف حيث الماء و الظّلّ، و يرحلون في الشّتاء إلى مكّة للتّجارة و سائر أغراضهم.

و قال الزّمَخْشَريّ: و أراد رِحْلَتَي الشّتاء و الصّيف، فأفرد لأمن الإلباس. انتهى. [ثمّ استشهد بشعر]

وهذا عند سيبَوَيه لايجوز إلا في الضّرورة.

و قال النّقّاش: كانت لهم أربع رِحَل. قال ابن عَطيّة: و هذا قول مردود، انتهى. [إلى أن قال:]

رِحْلَة هنا: اسم جنس يصلح للواحد و لأكثر.[و استشهد بالشّعر 3مرّ ات] (8 : 514)

نحوه السّمين (6 : 573)، و الآلوسيّ (30 : 239).

المَراغيّ: لهم رِحْلَتان: رِحْلَة إلى اليمن شتاءً، لجلب الأعطار و الأفاويه الّتي تأتي من بلاد الهند و الخليج الفارسيّ إلىتلك البلاد، و رِحْلَة فى الصّيف إلى بلاد الشّام، لجلب الحاصلات الزّراعيّة إلى بلادهم المحرومة منها. (30 : 245)

ابن عاشور: و الرِّحْلَة بكسر الرّ اء: اسم للارتحال، و هو المسير من مكان إلى آخر بعيد؛ و لذلك سمّي البعير الّذي يُسافَر عليه راحلة.و إضافة { رِحْلَةَ } إلى { الشِّتَاءِ } من إضافة الفعل إلى زمانه الّذي يقع فيه، فقد يكون الفعل مستغرقًا لزمانه، مثل قولك: سَهَر اللّيل، و قد يكون وقتًا لابتدائه مثل صلاة الظّهر. و ظاهر الإضافة أنّ رِحْلَة الشّتاء و الصّيف معروفة معهودة، و هما رحلتان، فعطف { وَ الصَّيْفِ } على تقدير مضاف، أي و رِحْلَة الصّيف، لظهور أ نّه لاتكون رِحْلَة واحدة تبتدأ في زمانين، فتعيّن أ نّهما رحلتان في زمَنَين.

وجوّز الزّمَخْشَريّ أن يكون لفظ { رِحْلَةَ } المفرد مضافًا إلى شيئين، لظهور المراد، و أمن اللّبس. و قال أبوحَيّان: هذا عند سيبَوَيه لايجوز إلا في الضّرورة. [إلى أن قال:]

و هاتان الرِّحْلتان، هما رِحْلَتا تجارة و ميرة، كانت قريش تجهّزهما في هذين الفصلين من السّنة: إحداهما في الشّتاء إلى بلاد الحبشة ثمّ اليمن، يبلغون بها بلاد حِمْيَر، و الأُخرى في الصّيف إلى الشّام، يبلغون بها مدينة بُصْرى من بلاد الشّام.

و كان الّذين سنّ لهم هاتين الرّحْلتَين هاشم بن عبد مناف. و سبب ذلك أ نّهم كانوا تعتريهمخصاصة، فإذا لم يجد أهل بيت طعامًا لقُوتهم، حمل ربّ البيت عياله إلى موضع معروف، فضرب عليهم خِباء، و بقوا فيه حتّى يموتوا جوعًا، و يسمّى ذلك: الاعتفار بالعين المهملة و بالرّ اء، و قيل: بالدّ ال عوض الرّ اء و بفاء.

فحدث أنّ أهل بيت من بني مخزوم أصابتهم فاقة شديدة، فهمّوا بالاعتفار، فبلغ خبرهم هاشمًا، لأنّ

أحد أبنائهم كان تِرْ بًا لأسد بن هاشم، فقام هاشم خطيبًا في قريش، و قال: إنّكم أحدثتم حدثًا تَقِلّون فيه و تكثُر العرب، و تَذلّون و تَعزّ العرب، و أنتم أهل حرم الله و النّاس لكم تَبَعٌ، و يكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم، ثمّ جمع كلّ بني أب على رِحْلتَين للتّجارات، فما ربح الغنيّ قسّمه بينه و بين الفقير من عشيرته، حتّى صار فقيرهم كغنيّهم. [ثمّ استشهد بشعر]

و لم تزل الرِّحْلتان من إيلاف قريش حتّى جاء الإسلام، و هم على ذلك.

و المعروف المشهور أنّ الّذي سنّ الإيلاف هو هاشم، و هو المرويّ عن ابن عبّاس. و ذكر ابن العَرَبيّ عن الهَرَويّ: أنّ أصحاب الإيلاف هاشم، و إخوته الثّلاثة الآخرون: عبد شمس، و المطّلب، و نوفل، و أن كان واحد منهم أخذ حبلا ، أي عهدً ا من أحد الملوك الّذين يمرّون في تجارتهم على بلادهم، و هم: ملك الشّام، و ملك الحبشة ، و ملك اليمن، و ملك فارس. فأخذ هاشم هذا من ملك الشّام و هو ملك الرّوم، و أخذ عبد شمس من نجاشيّ الحبشة، و أخذ المطّلب من ملك اليمن، و أخذ نوفل منكسرى ملك فارس، فكانوا يجعلون جُعْلا لرؤساء القبائلو سادات العشائر يُسمّى الإيلاف أيضًا، يُعطونهم شيئًا من الرّبح و يحملون إليهم متاعًا، و يسوقون إليهم إبلا مع إبلهم، ليكفّوهم مؤونة الأسفار، و هم يكفّون قريش دفع الأعداء، فاجتمع لهم بذلك أمن الطّريق كلّه إلى اليمن و إلى الشّام، و كانوا يُسمّون: المجيرين.

و قد توهّم النّقّاش من هذا أنّ لكلّ واحد من هؤلاء الأربعة رِحْلَة، فزعم أنّ الرِّحَل كانت أربعًا. قال ابن عَطية: و هذا قول مردود. و صدق ابن عَطيّة، فإنّ كون أصحاب العهد الّذي كان به الإيلاف أربعة، لايقتضي أن تكون الرّحلات أربعًا، فإنّ ذلك لم يقله أحد. و لعلّ هؤلاء الإخوة كانوا يتداولون السّفر مع الرّحلات على التّناوب، لأ نّهم المعروفون عند القبائل الّتي تمرّ عليهم العير، أو لأ نّهم توارثوا ذلك بعد موت هاشم، فكانت تضاف العير إلى أحدهم، كما أضافوا العير الّتي تعرّض المسلمون لها يوم بدر عير أبي سفيان؛ إذ هو يومئذ سيّد أهل الوادي بمكّة.

و معنى الآية: تذكير قريش بنعمة الله عليهم؛ إذ يسّر لهم ما لم يتأتّ لغيرهم من العرب، من الأمن من عُدوان المعتدين، و غارات المغيرين في السّنة كلّها، بما يسّر لهم من بناء الكعبة و شرعة الحجّ، و أن جعلهم عُمّار المسجد الحرام، و جعل لهم مهابة و حرمة فينفوس العرب كلّهم في الأشهر الحُرُم و في غيرها. (30 : 488)

مَغْنِيّة: كان لقريش رِحْلَتان للتّجارة: إحداهما إلى اليمن في الشّتاء.

و الثّانية إلى الشّام في الصّيف، و كانوا يذهبون في تجارتهم آمنين، و يعودون سالمين، لايمسّهم أحد بأذًى، لأ نّهم سكّان مكّة و جيران بيت الله الحرام كما قال المفسّرون، أو كما نظنّ نحن من أنّ العرب لاغنى لهم عن الحجّ إلى مكّة، فإذا تعرّضوا لقوافل

قريش اقتصّوا منهم حين يحجّون إلى بلدهم.(7 : 612)

الطَّباطَبائيّ: الرِّحْلَة حال السّير على الرّاحلة، و هي النّاقة القويّة على السّير كما في < المجمع >، و المراد بالرِّحْلَة: خروج قريش من مكّة للتّجارة؛ و ذلك أنّ الحرم واد جديب لازَرْع فيهو لاضرع، فكانت قريش تعيش فيه بالتّجارة،و كانت لهم في كلّ سنة رِحْلَتان للتّجارة: رِحْلَة في الشّتاء إلى اليمن، و رِحْلَة بالصّيف إلى الشّام، و كانوا يعيشون بذلك، و كان النّاس يحترمونهم لمكان البيت الحرام، فلايتعرّضون لهم بقطع طريقهم أو الإغارة على بلدهم الآمن. (20 : 365)

مكارم الشّيرازيّ: مكّة تقع في واد غير ذي زَرْع، و الرّعي فيها قليل، لذلك كانت عائدات أهل مكّة غالبًا من قوافل التّجارة، في فصل الشّتاء يتّجهون إلى أرض اليمن في الجنوب؛ حيث الهواءمعتدل، و في فصل الصّيف إلى أرض الشّام في الشّمال؛ حيث الجوّ لطيف. و الشّام و اليمن كانا من مراكز التّجارة آنئذ، و مكّة و المدينة حلقتا اتّصال بينهما. هذه هي رِحْلَة الشّتاء و رِحْلَة الصّيف.

و المقصود ب- { ايلا‘فِهِمْ } في الآية أعلاه، قد يكون جعلهم يألفون الأرض المقدّسة خلال رحلاتهم و ينشدّون إليها لما فيها من أمن، كي لاتُغريهم أرض اليمن و الشّام، فيسكنون فيها، و يهجرون مكّة.

و قد يكون المقصود إيجاد الأُلفة بينهم و بين سائر القبائل طوال مدّة الرِّحْلَتَين، لأنّ النّاس بدأُوا ينظرون إلى قوافل قريش باحترام، و يُعيرونها أهمّيّة خاصّة بعد قصّة اندحار جيش أبرهة.

قريش لم تكن طبعًا مستحقّة لكلّ هذا اللّطف الإلهيّ، لما كانت تقترفه من آثام، لكنّ الله لطف بهم، لما كان مقدّرً ا للإسلام و النّبيّ الأكرم (صلی الله علیه و آله) أن يظهرا من هذه القبيلة، و تلك الأرض المقدّسة.

الآية الأخيرة تقول: إنّ هذه النّعم الإلهيّة الّتي أغدقت على قريش ببركة الكعبة، يجب أن تدفعهم إلى عبادة ربّ البيت لا الأوثان. (20 : 434)

فضل الله: { ايلا‘فِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ } الّتي أكّدت لهم حياة الرّخاء و الرّفاهيّة، بالرّغم من جفاف بلادهم و فقرها، فقد هيّأ الله لهم السّبيل إلى رِحْلَة تجاريّة ضَخْمَة إلى اليمن في الشّتاء، و إلى رِحْلَة تجاريّة إلى الشّام فيالصّيف، ما جعل لبلدهم الأهمّيّة الاقتصاديّة في المنطقة، بالإضافة إلى الأهمّيّة الدّينيّة، فعاشوا في رخاء و سَعَة و هَناء. (24 : 433)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرّحْل: مركب البعير و النّاقة؛ و الجمع: أرْحُل و رِحال، و هو الرِّحالة و الرّ احول. يقال: رَحَل البعير يَرْحَله رَحْلا ، أي شدّ عليه الرَّحْل، فهو مرحول و رحيل.

و رَحَلَه رِحْلةً: شدّ عليه أداته. يقال: إنّه لحسَن الرِّحْلَة، أي الرَّحْل للإبل، أعني شدّه لرِحالها.

و إبل مُرَحّلة: عليها رِحالها ، أو وُضع عنها

رِحالها.

و ارْتحَلْتُ البعير، إذا شدَدتَ الرَّحْل عليه.

و رَحَلتُ البعير أرْحَله رَحْلا ، إذا علوته.

و ارْتحَلتُ البعير، إذا ركبتَه بقتَب أو اعرَورَيتَه.

و ارْتحَل فلان فلانًا، إذا علا ظهره و ركبه؛ و منه الحديث: أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) سجد، فركبه الحسَن فأبطأ في سجوده، فلمّا فرغ سُئل عنه، فقال: < إنّ ابني ارْتحَلني، فكرهت أن أعجله >، أي جعلني كالرّ احلة فركب على ظهري.

و الرِّحالة: سرج من جلود، ليس فيه خشب، كانوا يتّخذونه للرّكض الشّديد؛ و الجمع: رَحائل.

و الرِّحال: الطّنافس الحيريّة، على المقاربة، لأ نّها توضع فوق الرَّحْل.

و المُرَحَّل: ضرب من بُرُود اليمن، سمّي مُرَحّلا لأنّ عليه تصاوير رَحْل؛ و الجمع؛ مَراحِل.

و مِرْط مُرَحّل: إزار خزّعليه تصاوير الرِّحال.

و الرَّحْل: مسكن الرّجل و ما يصحبه من الأثاث، لأ نّه كالرِّحال تُشَدّ أدواتها و توضع؛ و الجمع: رِحال و أرْحُل. يقال: دخلت على الرّجل رَحْلَه، أي منزله.

و انتهينا إلى رِحالنا، أي منازلنا.

و فلان واسع الرَّحْل، و خصيب الرَّحْل: خصيب المنزل.

و الرّ احِلة: المَرْحُولة، أي المركب من الإبل، ذكرً ا كان أو أُنثى، و الهاء للمبالغة في الصّفة؛ و الجمع: رواحِل. و سمّيت راحِلة، لأ نّها ذات رَحْل. و أرْحلَها صاحبُها: راضَها حتّى صارت راحلة. يقال: أرْحَل الرّجل البعير، إذا أخذ بعيرً ا صعبًا فجعله راحِلةً، و هو رجل مُرْحِل.

و يقال للرّ احِلة الّتي ريضت و أُدّبت: قد أُرحِلَت إرْحالا .

و الرُّحْلة: الوجه الّذي تأخذ فيه و تريده، و هي الرِّحْلَة أيضًا، لأنّ الرّجل يشدّ لذلك رَحْله و يهيّئ أداته. يقال: إنّه لذو رِحْلة إلى الملوك و رُحْلة.

و ارْتحَل البعير رِحْلةً: سار فمضى. قال الخَليل: < ثمّ جرى ذلك في المنطق حتّى قيل: ارْتحَل القوم عن المكان ارتحالا >.

و الرّ احِلة: النّاقة الّتي تصلح لأن تُرْحَل؛و الجمع: رواحِل، و هي الرَّحُول و الرَّحُولة أيضًا.

و رجل مُرْحِل: له رَواحِل كثيرة.

و ناقة رحيلة: شديدة قويّة على السّير، و كذلك جمل رحيل.

و بعير ذو رُحْلَة و رِحْلة، إذا كان قويًّا على أن يَرْحَل.و بعير مِرْحَل و رحيل، إذا كان قويًّا.

و جمل رحيل: نجيب و ظهير.

و ناقة رحيلة و رحيل و مُرْحِلة و مُستَرحِلَة: نجيبة.

و بعير مُرْحِل، إذا كان سمينًا و إن لم يكن نجيبًا.

و أر ْحلَت الإبل: سمنت بعد هزال فأطاقت الرِّحْلَة.

و التّرَحّل و الارتحال: الانتقال، و هو الرِّحْلَة

و الرُّحْلَة.

و التّرَحّل: ارتحال في مهلة. يقال: تَرَحّل القوم.

و الرِّحْلة: اسم للارتحال للمسير. يقال: دَ نَتْ رِحْلتُنا، و رَحَل فلان وارْتحَل و ترحّل، بمعنى.

و الرّحيل: اسم ارتحال القوم للمسير.

و رَحَل الرّجل عن المكان يَرْحَل: انتقل، و هو راحِل من قوم رُحّل، وأرْحَلتُه أنا و رَحّلتُه.

و رجل رَحُول و قوم رُحّل: يرتحلون كثيرً ا.

و رجل رَحّال: عالم بذلك، مجيد له.

و راحَلتُ فلانًا، إذا عاونتَه على رِحْلته.

و أرْحَلتُه، إذا أعطيتَه راحِلة.

و رَحّلتُه، إذا أظعَنتَه من مكانه و أرسَلتَه.

و استَرْحَل فلان فلانًا، إذا طلب إليه أن يركب في حاجته.

و المُرْتحَل: اسم الموضع الّذي يُحَلّ فيه.

و المَرْحَلة: المنزلة يُرْتحَل منها، و ما بين المنزلين؛ و الجمع: مراحِل. يقال: بيني و بين كذا مَرْحَلَة أو مَرْحَلتان.

و فرس أرْحَل: أبيض الظّهر، و لم يصل البياضإلى البطن و لاإلى العجز و لاإلى العنق، و هو من هذا الباب. قال ابن فارِس: < لأ نّه يشبّه بالدّ ابّة الّتي على ظهرها رِحالة، و الرِّحالة: السّرج >.

و شاة رَحْلاء: سوداء، بيضاء موضع مركب الرّ اكب من مآخير كتفيها، وإن ابيَضّت و اسودّ ظهرها فهي أيضًا رَحْلاء.

و يقال مجازً ا: إنّ فلانًا يَرْحَل فلانًا بما يكره، أي يركبه.

و تَرَحّله: ركبه بمكروه.

و رَحَلتُ له نفسي، إذا صبَرتَ على أذاه.

و رَحَلَه بالسّيف، أي ضربه على منكبه.

و رَحَلتُ فلانًا بسيفي أرْحَله رَحْلا ، إذا علوتَه.

2 - و يُستعمل لفظ < المَرْحَلة > في معنى الطّور مجازً ا، كمراحِل الخلقة في قوله تعالى: { وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الاِ_نْسَانَ مِنْ سُلالَة مِنْ طين ‘ *ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فى قَرَار مَكين ‘ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْ نَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ اَنْشَاْنَاهُ خَلْقًا ا"خَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ اَحْسَنُ الْخَالِقينُ‘ } المؤمنون : 12 - 14.

و يُستَعمل هذه الأيّام في معنى الفترة و الزّمن كثيرً ا، كمَرْحَلة الطّفولة، و هي الفترة ما بين نهاية الرَّضاع و سنّ البلوغ، و تنقسم إلى ثلاث مراحِل:

أ - الطّفولة الأُولى: بين نهاية الرَّضاع و سنّ السّادسة.

ب - الطّفولة الوسطى: بين السّادسة و العاشرة .ج - الطّفولة الأخيرة: بين سنّ العاشرة و الثّانية عشرة، و هي قبل المراهقة.((1))

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها الاسم مفردً ا على وزن فَعْل( رَحْل ) مرّتين، وعلى وزن فِعْلَة ( رِحْلَة ) وعلى وزن فِعال


1) (1) التّعريفات: (293).

( رِحَال ) جمعًا، كلّ منهما مرّة واحدة أيضًا، في أربع آيات :

1 - { وَ قَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يوسف : 62

2 - { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَفى رَحْ-لِ اَخيهِ‘ ثُمَّ اَذَّنَ مُ-ؤَذِّنٌ اَ يَّ-تُهَا الْعيرُ‘ اِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } يوسف : 70

3 - { قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ اِنْ كُنْ-تُمْ كَاذِ بينَ‘ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَ-ذلِ-كَ’ نَجْزِى الظَّالِمينَ‘} يوسف: 74،75

4 - { لايلا‘فِ قُرَ يْش ٍ* ايلا‘فِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ * اَ لَّذى‘ اَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَ ا"مَنَهُمْ مِنْ خَوْف } قريش : 1 - 4

و يلاحظ أوّ لا: أنّ ثلا ثًا منهابشأن يوسف، و واحدة بشأن قريش، و فيها بُحُوثٌ:

1 - أُولاها حكاية قول يوسف لفتيانه - و جاء فيها < رِحَال >- حين جاء إخوة يوسف إليه فعرفهم و هم له منكرون، و لم يكن< بن يامين> فيهم، فأحبّ يوسف أن يُري أخاه، فقال: في الآيتين : 62 و 63: {وَقَالَ لِفِتْ-يَانِهِ اجْعَلُوابِضَاعَتَهُمْ فى رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا اِذَا انْقَلَبُوا اِلى" اَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَلَمَّا رَجَعُوا اِلى" اَبيهِمْ‘ قَالُوا يَا اَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَاَرْسِلْ مَعَنَا اَخَانَا نَكْتَلْ وَاِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } .

2 - الآيتان (2 و 3) و جاء فيهما < رَحْل > و فيهما حكاية جعل يوسف السّقاء في رَحْل أخيه ، ليتّخذ أخاه عنده حين جاء إخوة يوسف و فيهم بن يامين : كما قال في الآية : 69: { وَ لَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ ا"وى اِلَيْهِ اَخَاهُ قَالَ اِنّى اَنَا اَخُوكَ فَلاتَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } فأحبّ يوسف أن يأخذ أخاه عنده، كما قال في الآيات: ( 70 - 75) : { فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقا"يَةَ فى رَحْلِ اَخيهِ‘ ثُمَّ اَذَّنَ مُؤَذِّنٌ اَيَّ-تُهَا الْعيرُ‘ اِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَ اَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ * قَالُوا نَفْقِدُ صُوَ اعَ الْمَلِكِ وَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير وَ اَنَا بِهِ زَعيمٌ‘ * قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الاَ_رْضِ وَ مَا كُنَّا سَارِقينَ ‘ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ اِنْ كُنْتُمْ كَاذِبينَ‘ * قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذلِ-كَ’ نَجْزِى الظَّالِمينَ‘ }.

3 - و كان ذلك سببًا لتمكّن يوسف من أخذ أخيه عنده. و لولا هذا الكيد، لما كانت شريعة القبط تُجوّزله ذلك، كما في الآية : 76، { كَ-ذلِكَ ’كِدْ نَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاْخُذَ اَخَاهُ فى دينِ‘ الْمَلِكِ اِلا اَنْ يَشَاءَ اللهُ }.

4 - و أُسند الكيدفيهما إلى الله تعالى، لأ نّه مُلهمه. و جُعل الكيد لأجل يوسف ، لأنّ فيه تسكين لآلام روحه من فراق أبيه و أخيه، و كان ذلك مقدّمة لظهور علوّ مقامه على إخوته، و تحقّق مارآه في المنام في الآية : 4، { اِنّى رَاَيْتُ اَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَاَيْتُهُمْ لى سَاجِدينَ‘ }.

5 - و قصّة يوسف مملوءة بالحِكَم و العِبَر، و بألطاف الله تعالى في حقّ يوسف و أهله. و منها أنّ الله قد أجرى على لسان إخوته أنّ جزاء السّارق هو

الاسترقاق، و لاجرم لمّا ظهر الصّواع في رحله حكموا عليه بالاسترقاق، و البقاء عندهم، و نال يوسف بمطلوبه.

6 - و بهذا العمل ظهر علوّمقام يوسف على إخوته، فإنّهم لمّا حسدوا عليه قالوا: { اُقْتُلُوا يُوسُفَ اَوِ اطْرَحُوهُ اَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ اَبيكُمْ ...} يوسف : 9، إلى آخر مافعلوه في حقّه و حقّ أبيه يعقوب حسدً ا و حقدً ا، و لكن يوسف لمّا أراد أن يأخذ أخاه ،حُبًّا و حنانًا، أخذه بهذه الحيلة القانونيّة و قدأشار الله بذلك في الآية : 76، {نَرْفَعُ دَرَجَات مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْم ٍعَليمٌ ‘}.

أمّا الآية الأخيرة: فقد جاءت فيها { رِحْلَةَ } و فيها بُحُوثٌ:

1 - إنّ قريشًاكانوا يرحلون في الشّتاء إلى الشّام، و في الصّيف إلى اليمن، فيمتارون. و كانوا في الرِّحْلتَيْن آمنين و النّاس يُتَخَطّفُون. و كانوا إذا عرض لهم عارض قالوا: نحن أهلحرم الله، فلايُتعَرّض لهم، فأعلم الله سبحانه أنّ من الدّ لالة على وحدانيّته ما فعل بهؤلاء، لأ نّهم ببلدلازَرْع فيه، و أ نّهم فيه آمنون. قال الله تعالى جلّ ثناؤه في الآية 67، من سورة العنكبوت:{ اَوَ لَمْ يَرَوْ ا اَ نَّاجَعَلْنَاحَرَمًا ا"مِنًا وَ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ اَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ } فأمرهم بعبادته وحده، لأن آلفَهُم هاتين الرِّحْلتَيْن.

2 - و قيل: المراد: رِحْلَة النّاس إلى أهل مكّة، فرِحْلَة الشّتاء و الصّيف: عمرة رجب و حجّ ذي الحجّة، لأ نّه كان أحدهما شتاءً و الآخر صيفًا، و موسم منافع مكّة يكون بهما، و لو كان يتمّ لأصحاب الفيل ما أرادوا لتعطلّت هذه المنفعة؛ و الأوّ ل أشهر.

3 - معنى الآية: تذكير قريش بنعمة الله عليهم؛ إذ يسّر لهم ما لم يتأتّ لغيرهم من العرب، من الأمن من عُدوان المعتدين، و غارات المغيرين في السّنة كلّها، بما يسّر لهم من بناء الكعبة و شرعة الحجّ، و أن جعلهم عُمّار المسجد الحرام، و جعل لهم مهابة و حرمة في نفوس العرب كلّهم، في الأشهر الحُرُم و في غيرها.

4 - و قيل: هذه السّورة مرتبطة بسورة الفيل، و وجهه أنّ النّعمة و المنّة فيه، لوتمّ لأصحاب الفيل ما أرادوا، لترك أهل الأقطار تعظيمهم، و أيضًا لتفرّقوا و صار حالهم كحال اليهود المذكور فيالآية 168، من الأعراف: { وَ قَطَّعْنَاهُمْ فِى الاَ_رْضِ اُمَمًا } و اجتماع القبيلة الواحدة في مكان واحد أدخل في النّعمة من أن يكون الاجتماع من قبائل شتّى.

و ثا نيًا: هذه الآيات كلّها مكّيّة، و لعلّ وجهه عدم شيوع هذه الكلمةفي غير أهل مكّة، لأنّ معيشتهم كانت من طريق الرّحلةغالبًا، و لها علاقة بالسّفر، و لذا فُسّرا الرَّحْل: بما يوضع على البعير للرّكوب، ثمّ يُعبّر به تارةً عن البعير نفسها،أ و عمّا يُجلَس عليه في المنزل، أو عن متاع السّفر، أو عن وعاءه الّذي يُجعَل فيه متاع السّفر، كما تقدّم في النُّصوص.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّ ة في القرآن:

السّفر: { فَلَمَّا جَاوَزَ ا قَالَ لِفَتيهُ ا"تِنَا غَدَ اءَنَا لَقَدْ لَقينَا‘ مِنْ سَفَرِنَا هذَا نَصَبًا }الكهف : 62

الظّعن: { وَ اللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُ-لُودِ الاَ_ نْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِ-فُّونَهَا يَوْمَظَعْنِكُمْ وَ يَوْمَ اِقَامَتِكُمْ وَ مِنْ اَصْوَ افِهَا وَ اَوْ بَارِهَا وَ اَشْعَارِهَا ا َثَاثًا وَ مَتَاعًا اِلى" حين ‘ }النّحل : 80

السّياحة: { فَسيحُوا فِى الاَ_رْضِ اَرْ بَعَةَ اَشْهُر وَ اعْلَمُوا اَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللهِ وَ اَنَّ اللهَ مُخْزِى الْكَافِرينَ‘ } التّوبة : 2

ر ح م

اشارة

35 لفظًا، 339 مرّة: 217 مكّيّة، 122 مدنيّة

في 63 سورة: 39 مكّيّة، 24 مدنيّة

رَحِمَ 4 : 4 اِرْحَمْهُمَا 1 : 1

رَحِمَه 1 : 1 اِرْحَمْنَا 3 : 2 - 1

رَحِمَنَا 1 : 1 الرّاحِمين ‘6 : 6

رَحِمْتَه 1 : 1 رحيم ‘61 : 18 - 43

رَحِمْنَاهُمْ 1 : 1 الرّحيمِ ‘156 : 120 - 36

يَرْحَم 1 : 1 رحيمًا‘ 20 : 2 - 18

سَيَرْحَمُهُمْ 1 : - 1 رُحَمَاء 1 : - 1

يَرْحَمَكُمْ 1 : 1 اَرْحَمُ 4 : 4

يَرْحَمْكُمْ 1 : 1 رَحْمَة 73 : 57 - 16

يَرْحَمْنَا 1 : 1 الرّحْمَة 6 : 5 - 1

تَرْحَمْنى 1 : 1 رَحْمَتَه 25 : 11 - 14

تَرْحَمْنَا 1 : 1 رَحْمَتِكَ 3 : 3

تُرْحَمُون 8 : 4 - 4 رَحْمَتى 2 : 2

اِرْحَمْ 1 : 1رَحْمَتِنَا 5 : 5

رُحْمًا 1 : 1الاَرْحَام 7 : 1 - 6

الرّحْمَان 169 : 137 - 32 اَرْحَامِهِنّ 1 : - 1

بِالمَرْحَمَةِ 1 : 1اَرْحَ-امَكُمْ2 : - 2

اَرْحَام 2 : 2

النُّصوص اللُّغويّة

الخَليل: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }: اسمان مشتقّان من الرّحْمَة، و رحمة الله وسعت كلّ شيء، و هو أرحم الرّ احِمين.

و يقال: ما أقرَبَ رُحْمَ فلان، إذا كان ذا مَرْحمَة و بِرّ .

و قوله جلّ و عزّ: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } الكهف : 81، أي أبَرّ بالوالدين من القتيل الّذي قتله الخضِر، و كان الأبوان مُسلمَيْن و الابن كان كافرً ا، فوُلد لهما بَعْدُ بِنتٌ فوَلدت نبيًّا .

و المَرْحمَة: الرّحمَة. تقول: رَحِمْتُه أرْحَمُه رَحْمَةً

و مَرْحمَةً .

و تَرَحّمتُ عليه، أي قلت: رحمة الله عليه، و قال الله جلّ و عزّ: { وَ تَوَ اصَوْ ا بِالصَّبْرِ وَ تَوَ اصَوْا بِالمْ-َرْحَمَةِ } البلد : 17، أي أوصى بعضهم بعضًا برحمة الضّعيف و التّعطّف عليه.

و الرّحِم: بَيْت مَنْبِت الولد، و وعاؤه في البطن.

وبينهما رَحِمٌ، أي قرابة قريبة؛ و جمعه: الأرحام.

و أمّا الرّحِم الّذي جاء في الحديث: < الرّحِمُ معلّقة بالعرش، تقول: اللّهمّ صِلْ من وصَلني، و اقْطَع من قطعني > فالرّحِم: القرابة تجمع بني أب .

و ناقة رَحُوم: أصابها داء في رحمها فلاتَلْقَح.

و تقول: قد رَحُِمْتُ رُحْمًا، و كذلك المرأة رَحِمَتْ و رَحُمَتْ، إذا اشتكت رحِمَها. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (3 : 224)

ابن الأعرابيّ: الرَّحْمُ:خروج الرّحِم من علّة ، و الرّحِمُ مؤنّثة، لاغير. (الأزهَريّ 5 : 51)

اللِّحيانيّ : الرُّحام: أن تلد الشّاة، ثمّ لايسقط سلاها. (ابن سيده 3 : 338)

في حديث مُجاهِد: < أ نّه قال: من أسماء مكّة بكّة و هي أُمّ رُحْم، و هي أُمّ القُرى، و هي كوثَى، و هي الباسة >. [إلى أن قال:]

و الرُّحْم: الرّحمَة، يقال: رحِمْتُه رَحْمَةً و رُحْمًاو مَرْحمَةً.

و سمّيت أُمّ رُحْم، لأ نّها تصل ما بين النّاس كلّهم في الحجّ، فيجتمع فيها أهل كلّ بلد. و يقال: لأنّ النّاس يتزاحمون فيها. (الخَطّابيّ 3 : 71)

ابن السِّكّيت: و الرَّحُوم: الّتي تشتكي رحِمَها بعد الولادة. (343)

ابن دُرَيْد: و الرّحِم: رَحِم المرأة، ثمّ صارت أنساب القرابة أرْحامًا. و في التّنزيل: { وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ } النّساء : 1، أي الأنساب الّتي تواصلون عليها. و من قرأ بالجرّ، فقد لحن عند البصريّين.

و تقول: جزاك الله خيرً ا و الرّحِم، الرّفع و النّصب جائز، و تقول: جزاك الله والقطيعة شَرًّا، نَصْبٌ لاغير.

و الرَّحْم والرُّحْم واحد. و تقول: رحِمتُه رَحْمةً و رُحَمًا و مَرْحمَةً أيضًا.

و الله عزّ و جلّ، { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } قال أبوعُبَيْدَة: هما اسمان مشتقّان من الرّحمة، مثل نَدْمان و نديم.

قال أبوبكر: أخبرني عمّي الحسين بن دُرَيْد عن أبيه عن ابن الكَلْبيّ عن أبيه، قال: { الرَّحْمنِ } : اسم لله تبارك و تعالى، لايُدْعى به غيره، و { الرَّحيمِ‘}: صفة، لأنّ العرب تقول: كُن بي رحيمًا، و لم تقل: كُن بي رحمانًا.

و في القرآن دليل على هذا قوله عزّ و جلّ: { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ اَ يًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاَ_سْمَاءُ الْحُسْنى" } الإسراء : 110، فالله اسم ليس لأحد فيه شركة، و كذلك الرّحمان. و قد سمّت العرب مَرْحُومًا و رحيمًا.

و يقال: ناقة رَحُوم، و امرأة رَحُوم، إذا اشتكت رحِمها في عقب الولادة، و قد رحِِمَت تَرْحَم رَحمًا،

و نسوة رحِم. (2 : 144)

الزّجّاج: و الرُّحْمُ و الرُّحُمُ في اللُّغة: العَطْف و الرّحمَة. (الأزهَريّ 5 : 50)

الأزهَريّ: [ نقل كلام الخَليل و أضاف:]

و قال غيره: الرُّحام: أن تلد الشّاة ثمّ لاتُلقي سلاها.

و شاة راحم و غنم رواحم، إذا وَرِم رحمُها. و قد رحِمَتِ المراة و رحُمَتْ، إذا اشتكت رحمَها. (5 : 51)

الصّاحِب: { الرَّحْمنِ } و {الرَّحيمِ‘ } : اسمان مشتقّان من الرّحمَة.

و المَرْحمَة: الرّحمَة، رحِمْتُه رَحْمَةً و مَرْحَمَةً، وتَرَحّمتُ عليه. والرّحَمَة بفتحتين مثله.

و ما أقرَبَ رُحْم فلان، إذا كان ذا برّ و رحمَة.

و الرَّحِم: بَيتُ مَبيْت الولد، و وعاؤه في البطن.

و ناقة رَحُوم: أصابها داء في رحمها فلاتقبل اللَّقاح، يقال: رَحُمَتْ.

و الرّحِم: القرابة، و الأرْحام: جمع. و الرّحمة: السّلى في بطن النَّتوج. (3 : 95)

الخَطّابيّ: في حديث النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < أ نّه قال: ثلاث ينقص بهنّ العبد في الدّنيا و يُدرك بهنّ في الآخرة ما هو أعظم من ذلك: الرُّحْم و الحياء و عيّ اللّسان >.

الرُّحْم: الرّحمَة؛ و منهقوله تعالى: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا} الكهف : 81، أي بِرًّ ا و مَرْحمَةً. [ثمّ استشهد بشعر] (1 : 479)

الجَوهَريّ: الرّحمَة: الرّقّة و التّعطّف. و المَرْحَمَة مثله. و قد رحِمتُه و تَرَحّمْتُ عليه.

و تراحَم القوم: رحِمَ بعضهم بعضًا.

و الرّحَمُوت من الرّحمَة. يقال: < رهَبُوت خير من رحَمُوت >، أي لأن تُرْهَب خير من أن تُرْحَم.

و رجل مَرْحُوم و مُرَحَّم، شُدّد للمبالغة.

و الرَّحِم: رحم الأُنثى؛ و هي مؤنّثة.

و الرّحِم أيضًا: القرابة. و الرِّحْم بالكسر مثله.

و { الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ }: اسمان مشتقّان من الرّحمة، و نظيرهما في اللُّغة: نديم و نَدْمان، و هما بمعنًى.

و يجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على جهة التّوكيد، كما يقال: فلان جادّ مجدّ. إلا أنّ الرّحمان اسم مختصّ لله تعالى، لايجوز أن يسمّى به غيره. ألاترى أ نّه تبارك و تعالى قال: { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِادْعُوا الرَّحْمنَ } الإسراء : 110، فعادل به الاسم الّذي لايشركه فيه غيره.

و كان مسيلمة الكذّاب يقال له:<رحمان اليمامة>.

و { الرَّحيمِ‘ } قد يكون بمعنى المرحوم، كما يكون بمعنى الرّ احِم.

و الرُّحْم بالضّمّة: الرّحمة، قال تعالى: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } الكهف : 81.

و أُمّ رُحْم أيضًا: اسم من أسماء مكّة.

و الرَّحُوم: النّاقة الّتي تشتكي رحِمَها بعد النّتاج. و قد رَحُمَتْ بالضّمّ رَحامَةً،و رَحِمَتْ بالكسررَحَمًا. [ و استشهد بالشّعر 3مرّ ات] (5 : 1929)

ابن فارِس: الرّ اء و الحاء و الميم أصل واحد، يدلّ على الرّ قّة و العطف و الرّ أفة. يقال من ذلك: رَحِمَه يَرْحَمُه، إذا رَقّ له و تعطّف عليه.

و الرُّحْم و المَرْحمَة و الرّحْمَة بمعنًى.

و الرّحِم: علاقة القرابة، ثمّ سمّيت رَحِم الأُنثى رَحِمًا من هذا، لأنّ منها ما يكون ما يُرْحَم ويُرَقّ له من ولد.

و يقال: شاة رَحُوم، إذا اشتكت رحمَها بعد النّتاج، و قد رحُمَتْ رَحامَةً، و رُحِمَتْ رَحْمًا.

و قال الأصمَعيّ: كان أبوعمرو بن العلاء يُنشد بيت زُهَير:

ومَن ضرِيبته التّقوى و يعصمه

من سيّئ العثرات الله و الرُّحُمُ

قال: و لم أسمع هذا الحرف إلا في هذا البيت، و كان يقرأ ( وَ اَقْرَبَ رُحُمًا ) الكهف : 81، و كأنّ أباعمرو ذهب إلى أنّ الرُّحُم الرّحمَة.

و يقال: إنّ مكّة كانت تسمّى أُمّ رُِحْم. (2 : 498)

أبوهلال: الفرق بين الرّحمَة و النّعمة: أنّ الرّحمة الإنعام على المحتاج إليه، و ليس كذلك النّعمة، لأ نّك إذا أنعمت بمال تعطيه إيّاه فقد أنعمت عليه، و لاتقول: إنّك رحمتَه.

الفرق بين { الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ }: أنّ{ الرَّحْمنِ } على ما قال ابن عبّاس: أرقّ من الرّحيم، يريد أ نّه أبلغ في المعنى، لأنّ الرّ قّة و الغِلظَة لايوصف الله تعالى بهما، و الرّحمة من الله تعالى على عبادهو نعمته عليهم في باب الدّين والدّنيا.

و أجمع المسلمون أنّ الغيث رحمة من الله تعالى.

و قيل: معنى قوله: < رحيم > أنّ من شأنه الرّحمة، و هو على تقدير يُديم، و { الرَّحْمنِ } في تقدير بزمان، و هو اسم خُصّ به الباري عزّو جلّ. و مثله في التّخصيص قولنا لهذا النّجم: سِماك، و هو مأخوذ من السّمك الّذي هو الارتفاع، و ليس كلّ مرتفع سِماكًا. و قولنا للنّجم الآخر: دَ بَران، لأ نّه يَدْبر الثّريّا، و ليس كلّ ما دَبَر شيئًا يسمّى دبَرانًا.

فأمّا قولهم لمسيلمة: رحمان اليمامة، فشيء وضعه له أصحابه على وجه الخطإ، كما وضع غيرهم اسم الإلهيّة لغير الله. و عندنا أنّ { الرَّحيمِ‘ } مبالغة لعدوله، و أنّ { الرَّحْمنِ } أشدّ مبالغة، لأ نّه أشدّ عدولا ، و إذا كان العدول على المبالغة كلّما كان أشدّ عدولا كان أشدّ مبالغةً. (160)

الفرق بين الرّ قّة و الرّحمَة: أنّ الرّ قّة و الغِلظَة يكونان في القلب و غيره خِلقةً، والرّحمة فعل الرّ احم. و النّاس يقولون: رقّ عليه فرحمه، يجعلون الرّ قّة سبب الرّحمة.

الفرق بين الرّ أفة و الرّحمة: أنّ الرّ أفة أبلغ من الرّحمة، و لهذا قال أبوعُبَيْدَة: إنّ في قوله تعالى: { رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 117، تقديمًا و تأخيرً ا، أراد أنّ التّوكيد يكون في الأبلغ في المعنى، فإذا تقدّم الأبلغ في اللّفظ كان المعنى مؤخّرً ا. (161)

الهَرَويّ: من صفاته جلّ جلاله: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } الفاتحة : 2، قالأبوعُبَيْدَة: هما اسمان مشتقّان من الرّحمة، تقديرهما: نَدْمان و نديم.

قال الحسَن: { الرَّحْمنِ } اسم ممتنع، لايسمّى به غير الله، و قد يقال: رجل رحيم. و الرّحمة في بني آدم عند العرب: رقّة القلب ثمّ عطفه، و رحمة الله: عطفه

و إحسانه و رزقه. (3 : 728)

ابن سيده: الرّحمة: الرّ قّة، و الرّحمة: المغفرة، و قوله تعالى في وصف القرآن: { هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } الأعراف : 52، أي فصّلناه هاديًا و ذا رحمة، و قوله تعالى: { وَ رَحْمَةٌ لِلَّذينَ ‘ ا"مَنُوا مِنْكُمْ } التّوبة : 61، أي هو رحمة، لأ نّه كان سبب إيمانهم.

رحِمَه رُحْمًا و رُحُمًا و رَحْمَةً و رَحَمَة ً- الأخيرة عن سيبَوَيه - و مَرْحمَة.

و قوله تعالى: { اِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَريبُ مِنَ المْ-ُحْسِنينَ‘ } الأعراف : 56، فإنمّا ذُكّر على النّسب، و كأ نّه اكتفى بذكر الرّحمة عن الهاء. و قيل: إنمّا ذلك لأ نّه تأنيث غير حقيقيّ. و الاسم: الرُّحْمَى.

و في المثَل: < رَهَبُوت خير من رَحَمُوت > أي إن تُرْهَب خير من أن تُرْحَم، لم يُستَعمل على هذه الصّيغة إلا مُزْدَوَجًا.

و ترحّم عليه: دعا له بالرّحمة.

و استَرْحمَه: سأله الرّحمة.

و قوله عزّ و جلّ: { وَ اَدْخَلْنَاهُ فى رَحْمَتِنَا } الأنبياء : 75، قال ابن جنّيّ: هذا مجاز، و فيه من الأوصاف ثلاثة: السّعة، و التّشبيه، و التّوكيد.

أمّا السّعة، فلأ نّه كأ نّه زاد في أسماء الجهاتو المحالّ اسمًا هو الرّحمة.

وأمّا التّشبيه، فلأ نّه شبّه الرّحمة و إن لم يصحّ الدّخول فيها بما يجوز الدّخول فيه، فلذلك وضعها موضعه.

وأمّا التّوكيد، فلأ نّه أخبر عن العَرَض بما يُخبر به عن الجَوهَر. و هذا تعالِ بالعرض، و تفخيم منه إذا صُيّر إلى حَيّز ما يُشاهد و يُلمَس و يُعايَن؛ ألاترى إلى قول بعضهم في التّرغيب في الجميل: و لو رأيتم المعروف رجلا لرأيتموه حسنًا جميلا .

و قوله تعالى: { وَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } البقرة : 105، معناه: يختصّ بنبوّته ممّن أخبر عزّ و جلّ أ نّه مصطفى مختار.

و الله { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، بُنيت الصّفة الأُولى على < فَعْلان > لأنّ معناه الكثرة؛ و ذلك لأنّ رحمته وسعت كلّ شيء، فأمّا { الرَّحيمِ‘ } فإنّما ذُكر بعد { الرَّحمنِ" }، لأنّ{ الرَّحمنِ" } مقصور على الله عزّ و جلّ، و { الرَّحيمِ‘ } قد يكون لغيره.

قال الفارسيّ: إنمّا قيل: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ}‘ فجيء ب- {الرَّحيمِ‘}بعد استغراق{الرَّحْمنِ } معنى الرّحمة، لتخصيص المؤمنين به في قوله: { وَ كَانَ بِالمْ-ُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا ‘} الأحزاب : 43، كما قال:{ اِقْرَ اْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذى‘ خَلَقَ } ثم قال:{ خَلَقَ الاِ_نْسَانَ مِنْ عَلَق } العلق : 1 ، 2، فخصّ بعد أن عمّ، لما في الإنسان من وجوه الصّناعة، و وجوه الحكمة و نحوه كثير. و قد استقصيت شرح ذلك في الكتاب < المخصّص > عندذكر أسمائه الحسنى.

قال الزّجّاج: { الرَّحْمنِ } اسم من أسماء الله تعالى، مذكور في الكتب الأُوَل، و لم يكونوا يعرفونه من أسماء الله. قال أبوالحسَن: أُراه يعني أصحاب الكتب الأُوَل. و معناه عند أهل اللُّغة: ذو الرّحمة الّتي لاغاية بعدها في الرّحمة، لأنّ < فَعْلان > بناء من أبنية

المبالغة.

و < رحيم > < فعيل > بمعنى < فاعل >، كما قالوا: سميع بمعنى سامع، و قدير بمعنى قادر، و كذلك رجل رَحُوم و امرأة رَحُوم، و ما أقرَبَ رُحْم فلان، أي ما أرحَمَه و أبَرّه، و في التّنزيل: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } الكهف : 81، وقرئت ( رُحُمًا ).

و أُمّ الرُّحْم: مكّة.

و المرحُومة: من أسماء مدينة النّبيّ (صلی الله علیه و آله) يذهبون بذلك إلى مؤمني أهلها.

و الرَّحِم و الرَّحْم: مَنْبِت الولد، و وعاؤه في البطن؛

و الجمع: أرحام، لايُكَسَّر على غير ذلك.

و امرأة رَحُوم، إذا اشتكت بعد الولادة؛ و الجمع: رُحُم. و قد رحِمَتْ رَحَمًا و رُحِمَتْ رَحْمًا. و كذلك العَنْز، و كلّ ذات رَحِم تُرْحَم.

و ناقة رَحُوم كذلك. و قال اللِّحيانيّ: هي الّتي تشتكي رحمَها بعد الولادة فتموت. و قد رَحُمَتْ رَحامَة و رَحِمَتْ رَحَمًا، وهي رَحِمَة، و رُحِمَتْ رَحْمًا. و قيل: هو داء يأخذ في رحمها فلاتقبل اللِّقاح.

وشاة راحم: وارِمَة الرّحِم.

و يقال: أعْيَى من يَد في رحِم، يعني الصّبيّ، هذا تفسير ثَعْلَب.

و الرّحِمُ: أسباب القرابة، و أصلها: الرّحِمالّتي هي مَنْبِت الولد، و هي الرِّحْم. قال:

خذوا حِذْرَكم يا آل عِكْرِمَ و اذكروا.

أواصِرنا، و الرِّحْم بالغيب تُذْكَر

و ذهب سيبَوَيه إلى أنّ هذا مُطّرد في كلّ ما كان ثانيه حرف حلق - بكريّة - و الجمع منهما: أرحام.

و قالوا: جزاك الله خيرً ا و الرَّحِمُ، و الرَّحِمَ، بالرّفع والنّصب، و جزاك الله شرًّ ا و القطيعةَ، بالنّصب لاغير. و هي أُنثى.

و في الحديث: < إنّ الرّحِمَ شِجْنَة معلّقة بالعرش، تقول: اللّهمّ صِلْ من وصَلني، و اقْطَعْ من قطعني>.

و رحِمَ السِّقاء رَحَمًا، فهو رَحِمٌ: ضيّعه أهله بعد عينَتِه، فلم يَدْهِنُوه حتّى فسد، فلم يلزم الماء.

و مرحُوم و رحيم اسمان. [و استشهد بالشّعر مرّتين] (3 : 336)

الرّ اغِب: الرّحِم: رَحِم المرأة.

و امرأة رَحُوم تشتكي رحمَها؛ و منه استُعير الرّحِم للقرابة، لكونهم خارجين من رَحِم واحدة.

يقال: رَحِمٌ و رُحْمٌ، قال تعالى: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } الكهف: 81.

و الرّحمة رقّة تقتضي الإحسان إلى المرحُوم، و قد تُستعمل تارةً في الرّ قّة المجرّدة، و تارةً في الإحسان المجرّد عن الرّ قّة، نحو: رَحِم الله فلا نًا.

و إذا وُصف به الباري فليس يُراد به إلا الإحسان المجرّد دون الرّ قّة. و على هذا رُوي أنّ الرّحمة من الله إنعام و إفضال، و من الآدميّين رقّة و تعَطّف.

و على هذا قول النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ذاكرً ا عن ربّه: < إ نّه لم-ّا خلق الرّحِم قال له: أنا الرّحمان، و أنْتِ الرّحِم، شققت اسمك من اسمي، فمن وصَلكِ وصَلتُه، ومن قطَعَكِ بتَتُّه> فذلك إشارة إلى ما تقدّم، و هو أنّ الرّحمة مُنطويَة على معنيين: الرّ قّة و الإحسان.

فركّز تعالى في طبائع النّاس الرّ قّة، و تفرّد بالإحسان، فصار كما أنّ لفظ الرّحِم من الرّحمة، فمعناه الموجود في النّاس من المعنى الموجود لله تعالى، فتَناسَب معناهما تَناسُب لفظيهما.

و { الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ }، نحو: نَدْمان و نديم، و لايطلق { الرَّحْمنِ } إلا على الله تعالى، من حيث إنّ معناه لايصحّ إلا له؛ إذ هو الّذي وسع كلّ شيء رحمةً، و { الرَّحيمِ‘ }، يُستعمل في غيره، و هو الّذي كثرت رحمته، قال تعالى: { اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘} البقرة : 182، و قال في صفة النّبيّ (صلی الله علیه و آله): { لَقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنْفُسِكُمْ عَزيزٌ‘ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالمْ-ُؤْمِنينَ‘ رَ ؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 128.

و قيل: إنّ الله تعالى هو رحمان الدّنيا، و رحيم الآخرة؛ و ذلك أنّ إحسانه في الدّنيا يعمّ المؤمنين و الكافرين، و في الآخرة يختصّ بالمؤمنين؛ و على هذا قال: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فَسَاَكْتُبُهَا لِلَّذينَ‘ يَت-َّقُونَ } الأعراف : 156، تنبيهًا أ نّها في الدّنيا عامّة للمؤمنين و الكافرين، و في الآخرة مختصّة بالمؤمنين.(191)

الزّ مَخْشَريّ: رَحِمتُه رَحمَةً و مَرْحمَةً و رُحْمًا. و ما أقرَب رُحَم فلان، إذا كان ذا مَرْحمَة.

و منزلي في أُمّ رُحْم، و هي مكّة.

و رَهَبُوت خير من رحَمُوت،و هو مرحُوم و مُرَحَّم للمبالغة.

و تَرَحّمتُ عليه و استَرْحمتُه: استعطفته.

و تراحموا: تعاطفوا، و المؤمنون متراحمون.

و وقعت النّطفة في الرّحِم: { هُوَ الَّذى‘ يُصَوِّرُكُمْ فِى الاَ_رْحَامِ } آل عمران : 6، و هي مَنْبِت الولد، و وعاؤه في البطن.

و رَحُمَ-تِ المرأة رَحامَةً و رَحِمَتْ رَحَمًاو رَحَمَتْ رَحْمًا، إذا اشتكت رحمَها بعد الولادة.

و من المجاز: رحمه الله، و هو الرّحمان الرّحيم: الواسع الرّحمة.

و بينهما رَحِم و رُحْ-م. [ثمّ استشهد بشعر]

{ وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } الكهف : 81، و هي علاقة القرابة و سببها.

وأُنشِدُك بالله و الرّحِم.

و وصَلتْك رَحِمٌ، و وصلوا الأرحام و قطعوها. (أساس البلاغة : 158)

ابن الأثير:في أسماء الله تعالى:{ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ}‘ و هما اسمان مشتقّان من الرّحمة، مثل نَدْمان و نَديم، و هُما من أبنية المبالغة.

و رحمان أبلغ من رحيم. و { الرَّحمنِ" }خاصّ لله، لايسمّى به غيره، و لايُوصف. و{ الرَّحيمِ‘ }يوصف به غير الله تعالى، فيقال: رجل رحيم، ولايقال: رَحْمان.

و فيه: < ثلاث يَنْقص بهنّ العبد في الدّنيا، و يُدْرك بهنّ في الآخرة ما هو أعظم من ذلك: الرُّحْم، و الحياء و عَِيّ اللّسان >.

الرُّحْم بالضّمّ: الرّحمَة، يقال: رَحِم رُحْمًا. و يريد بالنّقصان: ما ينال المرء بقسوة القلب، و وقاحة الوجه. و بسطة اللّسان: الّتي هي أضداد تلكالخصال، من الزّيادة في الدّنيا.

و فيه: < من ملَك ذا رَحِم مَحْرم فهو حُرّ > ذو الرّحِم هم الأقارب، ويقع على كلّ من يجمع بينك و بينه نسَب، ويُطلق في الفرائض على الأقارب من جهة النّساء، يقال ذو رَحِم مَحْرم و محرّم، و هم من لايحلّ نكاحه كالأُمّ و البنت و الأُخت و العمّة و الخالة. و الّذي ذهب إليه أكثر أهل العلم من الصّحابة و التّابعين.

و إليه ذهب أبوحنيفة و أصحابه و أحمد: أنّ من ملَك ذا رَحِم مَحْرم عَتَق عليه ذكرً ا كان أو أُنثى. و ذهب الشّافعيّ و غيره من الأئمّة و الصّحابةو التّابعين إلى أ نّه يَعْتِق عليه الأولاد و الآباءو الأُمّهات، و لايعتق عليه غيرهم من ذوي قرابته. و ذهب مالك إلى أ نّه يعتق عليه الولد و الوالدان و الإخوة، و لايعتق غيرهم. (2 : 210)

الفَيُّوميّ: رحِمَنا الله و أنالَنا رحمتَه الّتي وسعت كلّ شيء.

و رَحِمْتُ زيدً ا رُحْمًا بضمّ الرّ اء و رَحْمَةًو مَرْحمَةً، إذا رقَقتَ له و حنَنْتَ. و الفاعل راحم، و في المبالغة رحيم؛ و جمعه: رُحَماء.

و في الحديث:<إنّما يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء>. يُروى بالنّصب على أ نّه مفعول < يَرْحَم >، و بالرّفع على أ نّه خبر < إنّ > و < ما > بمعنى < الّذين >.

و الرَّحِم: موضع تكوين الولد، و يُخفّف بسكون الحاء مع فتح الرّ اء، و مع كسرها أيضًا في لغة بني كلاب، و في لغة لهم تُكسَر الحاء إتباعًا لكسرة الرّ اء، ثمّ سمّيت القرابةو الوُصلة من جهة الوَلاء رَحِمًا.

فالرّحِم: خلاف الأجنبيّ، و الرّحِم: أُنثى في المعنيين. و قيل: مذكّر، و هو الأكثر في القرابة. (1 : 223)

الفيروزاباديّ: الرّحمَة، و يُحَرّ ك: الرّ قّةو المغفرة و التّعطّف، كالمَرْحمَة و الرُّحْم بالضّمّ و بضمّتين، و الفعل كعَلِم.

و رَحّم عليه ترحيمًا و تَرَحّم - و الأُولى الفُصْحى؛ و الاسم: الرُّحْمى - : قال له: رحمه الله.

< و رَهَبُوت خير لك من رَحَمُوت > لم يُستَعمل إلا مُزْدَوِجًا، أي أن تُرْهَب خير لك من أن تُرْحَم.و { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } البقرة : 105، أي بنبوّته.

و الرِّحْم بالكسر و ككَتِف: بَيْتُ مَنْبِت الولد، و وعاؤه. و القرابة، أو أصلها و أسبابها؛ الجمع: أرحام.

و أُمّ رُحْم بالضّمّ و أُمّ الرُّحْم: مكّة، والمَرْحُومة: المدينة شرّفهما الله تعالى.

و الرَّحُوم والرَّحْماء: الّتي تشتكي رحمها بعد الولادة، فتموت منه، وقد رحُمَتْ ككرم و فرح، و عُني رَحامَة و رَحْمًا، و يُحَرّك. أو هو داء يأخذ في رحمها فلاتقبل اللِّقاح، أو أن تلد فلايسقط سَلاها.

و شاة راحم: وارِمَة الرّحِم.

و رحمَة: من أسمائهنّ. (4 : 119)

الطُّرَيحيّ: و الرّحِم: ما يشتمل على ماء الرّجل من المرأة، و يكون فيه الحمل؛ و الجمع: الأرحام، و منه قوله تعالى { يُصَوِّرُكُمْ فِى الاَ_رْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ }... آل عمران : 6.

قوله: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } هما اسمان مشتقّان من

الرّحمة، و هي في بني آدم عند العرب: رقّة القلب ثمّ عطفه، و في الله: عطفه و بِرّه و رزقه و إحسانه.و { الرَّحْمنِ } هو ذو الرّحمة، و لايوصف به غير الله، بخلاف { الرَّحيمِ ‘} الّذي هو عظيم الرّحمة.

و أمّا قول بني حنيفة في مسيلمة: <رحمان اليمامة> و قول شاعرهم فيه

• و أنت غيث الورى لازلت رحمانًا *

فمن نعتهم و كفرهم، فلايُعبَأ به.

و الرُّحْم بالضّمّ: الرّحمة. و منه قوله تعالى: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا }، و قد حرّكه زهير مثل عُسر و عُسِِر.

و في الحديث: < صلوا أرحامكم > جمع رَحِم، و هم القرابة. و يقال: على من يجمع بينك و بينه نسَب.

و قيل: من عرَف بنسبه و إن بَعُد، كما روي في قوله تعالى: { وَ تُقَطِّعُوا اَرْحَامَكُمْ } محمّد : 22، إنّها نزلت في بني أُميّة بالنّسبة إلى أئمّة الحقّ. و أراد بالصّلة: ما يسمّى بِرًّ ا، كما تقدم في < وصل >.

و فيه: < لايُؤكل من الذّبيحة الرّحِم و الحياء >. و يراد منه: مَنْبِت الولد.

و منه < أفضل البُدْن ذوات الأرحام من الإبل والبقر > يريد به: من كثرت أولادهما.

والرّحِم المحرّمة: من لايحلّ نكاحه، كالأُمّ و البنت و الأُخت و العمّة و الخالة و نحو ذلك، ممّا هو مذكور في محلّه.

و منه الحديث: <لاتسافرالمرأة إلا مع مَحْرَم منها>.و الاسترحام: منا شدة الرّحِم.

و رَحمتُ الرّجل: إذا رققت له و حَسّنت عليه. و الفاعل: راحم، و في المبالغة: رحيم؛ و الجمع: رُحَماء.

و في الخبر:< إنمّا يَرْحَم الله من عباده الرُّحَماء >. يُروى بالنّصب، على أ نّه مفعول < يَرْحَم >، و بالرّفع على أ نّه خبر< إنّ>، و< ما> بمعنى < الّذين >.

وفيه: < من لايَرْحَمْ لايُرْحَمْ >بالجزم فيهما، و يجوز الرّفع فيهما، على أنّ< مَنْ > شرطيّة أو موصولة.

و في الحديث القدسيّ: < رحمتي تغلّب على غضبي> أي تعلّق إرادتي بإيصال الرّحمة أكثر من تعلّقها بإيصال العقوبة. فإنّ الأوّ ل من مقتضيات صفته، و الغضب باعتبار المعصية.

و في الحديث: < إنّ لله تعالى مائة رحمة > قصد به ضرب التّفاوت بين الدّنيا و الآخرة، لاالتّحديد.

و قوله: < اختلاف أُمّتي رحْمَة >أراد بذلك قوله تعالى: { فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْ قَة مِنْهُمْ} التّوبة : 122، فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) و يختلفوا إليه فيعلموا، ثم ّيرجعوا إلى قومهم فيُعلّموهم. إنّما أراد اختلافهم إلى البلدان لا الاختلاف في الدّين، إنمّا الدّين واحد، كذا في < معاني الأخبار >. (6 : 68)

مَجْمَعُ اللُّغة: 1 - رحِمَه يَرْحَمُه رَحْمًا و رُحْمًاو رَحْمَةً و مَرْحمَةً: رقّ له قلبه و عطف عليه، فهو راحم، و يقال في المبالغة: رحيم، و أفعل التّفضيل: أرْحَم. و جمع رحيم: رُحَماء.

و الرّحْمَة من الله: الإحسان، و أكثر الآيات رحْمَة من الله، أي إحسان.

و تطلق الرّحْمَة أيضًا على ما يكون سببًا في رحمة الله، من كتاب أو رسول.

و تطلق على النّعمة الّتي تنشأ عن الرّحمة.

2 - { الرَّحْمنِ }: اسم من الرّحمة، و لايطلق إلا على الله وحده.

3 - الرّحِم: مكان الجنين في جوف الأُنثى؛ و جمعه: أرحام.

و الرّحِم: القرابة؛ و جمعها: أرحام.

و أُولو الأرحام: هم ذُوو القرابة مطلقًا، أو الّذين تربط بينهم الرّحِم لاالعصَب. (1 : 463)

العَدْنانيّ: رحِمُها صغيرةٌ أو صغيرٌ

و يخطّئون من يقول: رحمُها صغير، و يقولون: إنّ الصّواب هو: رحمُها صغيرة، اعتمادً ا على الصّحاح، و معجم مقاييس اللُّغة، و الأساس، و ابن برّيّ استشهد بقولهم: < الرّحم معقومة > و اللّسان، الّذي استشهد بالبيت الّذي أنشده ابن سيده:

خذوا حذركم يا آل عِكْرم و اذكُروا

أواصِرُنا، و الرِّحْم بالغيب تُذْكَر

و محيط المحيط، و أقرب الموارد، و المتن.

و لكن:

ذكر النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أنّ الله جلّ جلاله لم-ّا خلق الرّحِم، قال لها أو له في حديث قُدسيّ: < أنا الرّحمان و أنتِ < الرّ اغِب > أو أنتَِ < المدّ > الرّحِم، شَقَقتُ اسمَكِ < الرّاغِب > أو اسمكَِ من اسمي، فمن وصَلكِ <الرّ اغِب > أو وصلكَِ وصَلتُه، و من قطعكِ < الرّ اغِب > أوقطعكَِ قطعته >.

و قال الرّاغِب الأصفهانيّ في مفرداته: إنّها مؤنّثة، و روى الحديث القُدسيّ بصيغة التّأنيث. و لكنّه ذكر أنّ الله سبحانه و تعالى قال له < للرّحِم > و لم يقل: قال لها.

و ممّن أ نّث < الرّحِم > و ذكّرها المصباح، و التّاج الّذي قال: إنّ الصّحاح و ابن برّيّ أنّثاها، ثمّ قال: و الرّحِم هم الأقارب، و يقع < لم يقل: و تقع > على كلّ من يجمع بينك و بينه نَسَبٌ، و يُطلق < لم يقل: و تُطلَق > في الفرائض على الأقارب من جهة النّساء. و أ نّثهاو ذكّرها أيضًا المدّ و الوسيط كلاهما.

و الرّحِم و الرِّحْم و الرَّحْم < لهجة بني كلاب > هو: بيت مَنْبِت الولد، و وعاؤه في البطن.

و جمعه: أرحام، قال تعالى في الآية: 6، من سورة آل عمران: { هُوَ الَّذى‘ يُصَوِّرُكُمْ فِى الاَ_رْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } و قد ورد هذا الجمع { الاَ_رْحَامِ } إحدى عشرة مرّة أُخرى في القرآن الكريم.

و من معاني الرّحِم:

1 - القرابة مجاز.

2 - علاقة القرابة و أصلها و سببها مجاز.

3 - هم ذوُو رحِم: أقارب مجاز. (256)

محمّد إسماعيل إبراهيم: رحِمَه رحمَةً و مَرْحمَةً و رُحْمًا: رقّ له قلبه و عطف عليه.

و الرّحِم: القرابة، و ذُوو الأرحام: الأقارب، و قطع الرّحم: عدم صلته و البرّ به.

و تطلق الرّحمَة على كلّ مايكون سببًا في رحمة الله، من كتاب أو رسول.

و الرّحمَة من الله: هي الإحسان منه تعالى.

و الرّحِم: مُستودَع الجنين في أحشاء المرأة؛و الجمع: أرحام.

و { الرَّحْمنِ }: اسم من أسماء الله الحسنى، و لايجوز أن يقال لغيره.

و { الرَّحيمِ‘ }: صفة من صفاته تعالى. و في الحديث القدسيّ: < أنا الرّحمان خلقت الرّحم،و شققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصَلتُه، و من قطعها قطعته >. (1 : 216)

المُصْطَفَويّ:[قد ذكر نصوصًا عربيّةً عن المصباح، و مقاييس اللّغة و الاشتقاق، و نصًّا عربيًّا عِبريًّا عن القاموس العِبريّ، ثمّ قال: ] فقد ظهر من هذه الكلمات المنقولة أُمور نشير إليها:

1 - إنّ هذه المادّة مذكورة في اللُّغة العبريّة باختلاف في الهيئة، كما في سائر الكلمات المشتركة المسبوقة فيها، بل كانت قريبة منها لفظًا و معنًى في اللُّغة السُّريانيّة < آراميّة > أيضًا.

و هذا الاشتراك لايوجب كون كلمة{ الرَّحْمنِ } عبريّة، كما قال به بعضهم.

2 - إنّّ إطلاق كلمة { الرَّحْمنِ } على الله المتعال، إذا كان معرّفًا باللا م، و قد نقلنا الكلمة العبريّة < ها رحمان > مرادً ا بها الله المتعال، إذا ذُكرت بحرف < ها > بدلا عن لام التّعريف. و أمّا نفس الكلمة بلالام و منكّرً ا: فلاإشكال في التّسمية بها في غير الله المتعال. و هذا نظير كلمة < إله > بلالام، فيطلق على كلّ من يُعبَدحقًّا أو باطلا .

و أمّا خصوصيّة مفهومه: فهي كما في سائر أسمائه الحسنى، و لاتراد تلك المفاهيم الحقيقيّة عند التّسمية بها غيره تعالى، و لايتوجّه إليها.

3 - و قد خلط أهل المعاجم حقيقة مفهوم هذه المادّة، كما في سائر الموادّ، و ذكروا لها معاني الرّ قّة، الرّأفة، اللُّطف، الرّفق، العطوفة، الحبّ، الشّفقة، الحِنّة، و غيرها، من دون تدقيق و تمييز بينها.

و قد عرفت خصوصيّة كلّ واحد منها: فإنّ النّظر في الرّ قّة إلى ما يقابل الغِلْظة، و في اللُّطف إلى الدّ قّة و التّوجّه إلى الخصوصيّات، و في العطوفة إلى التّمايل و جلب التّوجّه، و في الرّ أفة إلى شفقة شديدة، و في الحبّ إلى مطلق المحبّة، و في الحِنّة إلى رقّة مخصوصة، كما سبق في مادّتها.

فالرّ قّة توجد في القلب أوّ لا ، ثمّ يحصل اللّطف، ثمّ العطوفة، ثمّ الحِنّة، ثمّ المحبّة، ثمّ الشّفقة، ثمّ الرّ أفة، ثمّ الرّحمة.

فالرّحمة: إنّما هي تجلّي الرّ أفة و ظهور الحِنّة و الشّفقة، و في مقام التّعلّق و الإظهار، و يلاحظ فيها الخير و الصّلاح، و لو أوجدت كراهة أو ألم-ًا أو ابتلاءً، كما في إسقاء الدّواء المُرّ للمريض.

و أمّا الإحسان و الإنعام و الإفضال: فيصدق في مواردها الرّحمة، مع خصوصيّات و قيود ملحوظة فيه، و كلّ واحد منها نوع من الرّحمة.

و سنزيد خصوصيّة كلّ من هذه الموادّ في محلّها، فراجعه.

4 - و الفرق بين صيغة{الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ }:

هو اختلاف وزنهما، و ما يختصّ بكلّ من الهيئتين، فإنّ < الفعيل > يدلّ على اللّزوم و يُبنى للدّ لالة على الثّبوت، كالحميد و العزيز و الكريم و المجيد و البصير. و < فعلان > يدلّ على مَلإ_ و حرارة و وفور، مادّ يًّا أو معنويًّا، كما في الشّبعان و رَيّان و عطشان و صَدْيان و جَوْعان، و في المعنويّ غضبان و غَيران و لهَفان، أي الممتلِئ من هذه الصّفات.

ف- { الرَّحْمنِ } : مَنْ امتلأ رحمة. و لم-ّا كان امتلاء كلّ شي‌ء بحسبه، فيكون امتلاء الحقّ المتعال عبارة عن فعليّة الرّحمة الكلّيّة الواسعة، لجميع الموجودات و قاطبة الممكنات فيه تعالى. و هذا إذا أُطلقت هذه الصّيغة معرّفة باللا م عليه تعالى، و قد ذُكر في القرآن الكريم في: 57، موردً ا، كلّها معرّفًا و مرادً ا بها الله المتعال.

و أمّا عموميّة الرّحمة و سعتها: يقول الله تعالى { رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْ‌ء } الأعراف : 156، { كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } الأنعام : 54، { فَاِنْكَذَّ بُوكَ فَقُلْ رَ بُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَ اسِعَة } الأنعام : 147، { رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَ عِلْمًا } المؤمن : 7.

فالرّحمة في مقام التّكوين و الخلق: كما في{ اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ } الزّخرف : 32، { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا } آل عمران : 159، { مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت } الملك : 3، { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ }البقرة : 105،{ وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَ النَّهَارَ } القصص : 73.

و في مقام الهداية، كما في: { هذَا بَصَائِرُ مِنْ رَ بِّكُمْ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ } الأعراف : 203، { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } الأنبياء : 107، { وَ اَدْخِلْنى بِرَحْمَتِكَ فى عِبَادِكَ الصَّالِحينَ ‘} النّمل : 19.

و في مقام إيجاد يلزم في الحياة، كما في: { اَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ اَنْفُسِكُمْ اَزْوَ اجًا لِتَسْكُنُوا اِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً } الرّوم : 21، { وَ يَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } الكهف : 82.

و في مقام رفع الموانع، كما في: { لاعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ اَمْرِ اللهِ اِلا مَنْ رَحِمَ } هود : 43، { نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَ الَّذينَ‘ ا"مَ-نُوا مَعَ-هُ بِرَحْمَة مِنَّا } هود : 94، { وَ نَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرينَ‘ } يونس : 86.

و في مقام رفع الضّرر، كما في: { وَ اَ يُّوبَ اِذْ نَادى رَ بَّهُ اَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ } الأنبياء : 83، { وَ لَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَ كَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ } المؤمنون : 75.

و في مقام المغفرة و العفو، كما في: { وَ اِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا } الأعراف : 23، { وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْوَ ارْحَمْ } المؤمنون : 118، { اَنْتَ وَ لِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا} الأعراف : 155.

و في مقام التّفضّل، كما في: { وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مَا زَكى" مِنْكُمْ } النّور : 21،{ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فىِ الدُّ نْيَا وَ الا_"خِرَةِ لَمَسَّكُمْ } النّور : 14.

و في مقام رفع الموانع الرّوحيّة، كما في:{ وَ لايَزَ الُونَ مُخْتَلِفينَ*‘ اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ } هود : 118، 119، { اِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ اِلا مَا رَحِمَ

رَ بّى } يوسف : 53.

و في مقام التّوفيق و الإصلاح، كما في: { وَ اَدْخَلْنَاهُ فى رَحْمَتِنَا اِنَّهُ مِنَ الصَّالِحينَ‘ }.الأنبياء : 75.

و في مقام إيجاد مقدّمات للرّحمة، كما في: { كِتَابٌ اَنْزَلْنَاهُ مُبَارَ كٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } الأنعام : 155، { وَ اَطيعُوا اللهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } آل عمران : 132.

و قد يُذْكر الرّحمة في ما سوى الله الرّحمان، كما في { وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ } الإسراء : 24،{ وَ الَّذينَ‘ مَعَهُ اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } الفتح : 29، { وَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } البلد : 17،{ اَنْ يُبْدِلَهُمَا رَ بُّهُمَا خَيْرً ا مِنْهُ زَكو"ةً وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } الكهف : 81.

و قد يكون موضوع خارجيّ مصداقًا للرّحمة، كما في { وَ اِنَّهُ لَهُدًى وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ‘} النّمل : 77، أى القرآن، { وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ‘ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا } التّوبة : 61.

و ممّا يدلّ على سريان الرّحمة و عموميّتها: أ نّها يُذْكَر في مورد العذاب، و يرجَى نزولها، كما في: { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ } العنكبوت : 21، { رَ بُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْ اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَشَاْيُعَذِّبْكُمْ } الإسراء : 54، { لَوْ لاتَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } النّمل : 46.

نعم يُستثنى من عموميّة الرّحمة، إذا كانت موجبة للفساد، و منتجة خلاف المطلوب، كما قال تعالى:{ وَ لَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَ كَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوافى طُغْيَانِهِمْ } المؤمنون: 75.

و في مقابل هذا الاستثناء تعبير في حقّ المؤمنين المتّقين، بما يدلّ على غاية تشريفهم، و كمال تجليلهم في نزول الرّحمة، فيعبّر بإدخال هؤلاء في رحمته، فيقول تعالى: { فَاَمَّا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَ بُّهُمْ فى رَحْمَتِهِ } الجاثية: 30، { وَ اَدْخَلْنَاهُ فى رَحْمَتِنَا اِنَّهُ مِنَ الصَّالِحينَ‘ } الأنبياء : 75.{ وَ اِسْمعيلَ’‘ وَ اِدْريسَ وَ ذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرينَ‘ * وَ اَدْخَلْنَاهُمْ فى رَحْمَتِنَا اِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحينَ ‘} الأنبياء : 85 ، 86، { فَاَمَّا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا بِاللهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فى رَحْمَة مِنْهُ وَ فَضْل } النّساء : 175.

فظهر أنّ < الرّحمة > فيض منبسط و نور متّسع، و محيط بجميع عالم الوجود، سماءً و أرضًا ظاهرً ا و باطنًا إيجادً ا و إبقاءً مادّ يًّا و روحانيًّا، و نور الرّحمة في سريانه و نفوذه و جريانه و شموله، كنور الوجود المنبسط منه تعالى شأنه و عظم برهانه. ففي كلّ مورد ورد نور الوجود منه تعالى يلازمه نور الرّحمة، و في كلّ مورد أحاط به علمه الواسع المحيط، يحيط به الرّحمة الواسعة { اَللهُ نُورُ السَّموَ" اتِ وَ الاَ_رْضِ }النّور : 35، { رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْ‌ء رَحْمَةً وَ عِلْمًا } المؤمن : 7.

و هذا المقام: مقام الرّحمانيّة الإلهيّة المنبسطة التّامّة المحيطة، و كما أنّ لنور الوجود بل للنّور الحسّيّ مراتب شدّة و ضَعفًا، كذلك للرّحمة الحقّة، فكلّ فرد من موجودات سماويّة أو أرضيّة يستفيد من الرّحمة المنبسطة، على حسب استعداده الذّاتيّ و الفعليّ، إلى أن يصل في الكمال إلى درجة فوق الاستفادة، و هو

مقام الصّالحين، فيدخلهم الله عزّ و جلّ في رحمته الخالصة النّافذة. و إلى أن ينتهي في الضّعف و النّزول إلى حدّ لايُستفاد فيه إلا من الرّحمة العموميّة فقط { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَ اِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } العنكبوت : 21. { وَ اَدْخِلْنَا فى رَحْمَتِكَ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ } الأعراف : 151.

ثمّ إنّ للرّحمة منزلتين: منزلة بسط أوّليّة تُساوق نور الوجود المنبسط، و منزلة ظهور ثانويّة تتعلّق بالموجودات بعد الوجود، في مقام الرّبوبيّة و الهداية و الفضل و الإصلاح و التّكميل و الإكرام و الإنعام، و إدامة المحبّة و الحِنّة.

و إلى المنزلة الأُولى ناظر قوله تعالى:{ اَ لَّذى‘ خَلَقَ سَبْعَ سَموَ "ات طِبَاقًا مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت } الملك : 3، { اَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ ا"لِهَةً يُعْبَدُونَ } الزّخرف : 45، { ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ } الفرقان : 59، { وَ اِذَا قيلَ‘ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَاالرَّحْمنُ } الفرقان : 60، { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ } الإسراء : 110، { اِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضِ اِلا ا"تِى الرَّحْمنِ عَبْدً ا } مريم: 93.

فإنّ الخلق و الأُلوهيّة و الاستواء على العرش و السّجدة و الدّعوة و العبوديّة:كلّها في تلك المرتبة، و لاإشكال في إرادة مطلق مفهوم الرّحمانيّة الشّاملة على المرحلتين.

و أمّا التّعبير بهذه المادّة: إشارة إلى جهة الوصف و الرّحمة أيضًا الدّ اعية إلى تحقيق العبوديّة و الأُلوهيّة و السّجدة و الدّعوة.

فذكر هذا الاسم في موارده، يدلّ على تعليل و إتيان حجّة و برهان يناسبها المورد، و قد يقال: إنّ تعليق حكم بالوصف مُشعر بالعلّيّة.

و إلى المنزلة الثّانويّة يشير قوله عزّ و جلّ:{ يَا اَبَتِ لاتَعْبُدِ الشَّيْطَانَ اِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا } مريم : 44، { يَا اَبَتِ اِنّى اَخَافُ اَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا } مريم : 45، { قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّ ا } مريم : 75، { وَ مَايَاْتيهِمْ‘ مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَث اِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضينَ‘ } الشّعراء : 5، { عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } الحشر : 22، { الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْ انَ } الرّحمن : 1 ، 2 ، { تَنْزيلٌ‘ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } ‘فصّلت : 2، فإنّ البُعْد و الشّطن و اتّباع الشّيطان و ولايتهو الضّلالة و الهداية و الطّاعة و الإعراض و التّعليم و التّنزيل و الذّكر، و الآيات: كلّها في هذه المرتبة.

و لايخفى أنّ الشّيطان إنسيًّا أو من الجنّ: مشمول للرّحمة الأوّليّة المنبسطة، و أمّا الرّحمة الثّانويّة: فقد جعل نفسه محرومة عنها و مُبعَدة، و الشّطْن بمعنى البُعْد، فالشّيطان في مقابل الرّحمان، و هو المظهر التّامّ للمرتبة النّازلة من البُعْد، و من أعرض الرّحمان و عصاه: فهو من أولياء الشّيطان، و يكون من المحرومين و المبعَدين عن هذه الرّحمة الظّاهرة المتعلّقة بالموجودات { وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَ-يِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرينٌ‘} الزّخرف : 36.

و لايخفى أنّ تطبيق المنزلتين على الآيات الكريمة المذكورة و غيرها:يراد منه النّظر الأوّليّة إلى الحيثيّة الأوّليّة من المنزلتين، أو الحيثيّة الثّانويّة. و ليس المراد نفي الدّ لالة إلى حيثيّة أُخرى، أو تخصيص الدّ لالة عليها.

و قد يكون النّظر إلى الحيثيّتين معًا في عرض واحد، و يراد من الكلمة عموم المعنى و مطلق المفهوم الشّامل على المنزلتين، كما في قوله تعالى و تبارك: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘* اَلْحَمْدُ للهِ‚رَبِّ الْعَالَمينَ‘ * الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } الفاتحة:1 - 3، { وَ اِله-ُكُمْ’ اِلهٌ وَ احِدٌ لا اِلهَ اِلا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } البقرة : 163، { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِالَّيْلِ وَ النَّهَارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِرَ بِّهِمْ مُعْرِضُونَ }الأنبياء : 42.

و أمّا { الرَّحيمِ‘ }: قلنا: إنّ الصّيغة تدلّ على الثّبوت، و اتّصاف الذّات بالوصف على سبيل اللّزوم، فإنّ الكسرة تدلّ على رسوخ و ثبوت زائد، و الياء من حروف المدّ تدلّ على امتداد في الاتّصاف، و هذا هو الفارق بين فعِل و فعيل كخَشِن و شريف، و هكذا صيغة فَعْل و فَعْلان كصَعْب و عطشان، فإنّ الألف و النّون تدلا ن على ظهور امتداد و توسعة في الا تّصاف.

ف- { الرَّحيمِ‘ } هو: ذو رحمة ثابتة راسخة، لاسعة فيها كمًّا. و على هذا يقال: إنّه رحيم بالمؤمنين، أو رحيم في الأُمور المعنويّة، أو بخصوصيّات أُخر.

و قد ذُكر في القرآن المجيد في 115، موردً ا، منها بعد كلمة < الغفور > في 72، موردً ا { اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘} و بعد كلمة < التّوّ اب > في 9، موارد { اِنَّهُ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ‘ } و بعد كلمة < رؤوف > في 9، موارد أيضًا { اِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ }. و ذُكر بعد كلمات وَدُود، العزيز، الرّحمن، البرّ، أيضًا.

و كلّ منها بمناسبة اقتضاء المورد.

و كلّ هذه الموارد الّتي استُعمل لفظ { الرَّحيم‘ } فيها: مرجعها إلى توبة العباد، و مغفرة الذّنوب، و العفو عن الخطايا، و ما يرجع إلى الأُمور المعنويّة.

ثمّ إنّ{ الرَّحيم‘ } المطلق هو الله المتعال، كما في سائر أسمائه الحسنى. و أمّا الرّحيم في الجملة فيُطلق على كلّ ذى رحمة باعتبار تلك الرّحمة { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح :29.

و أمّا الرّحِم: فهذه الصّيغة < فَعِل > كخَشِن من صيغ الصّفة المُشبّهة، و الاستمرار و الامتداد فيها أقلّ من صيغة الرّحيم.

فالرّحِم بمعنى من يقوم به الرّحمة على سبيل الثّبوت، و المصداق الأتمّ له من بين النّاس، هو الأقارب من ذوي النّسب، الأقرب فالأقرب.

و أقرب الأرحام للمرأة ولدها الّذي تلده و تُربّيه، و لم-ّا كان الولد في مقام المرحمَة و العُطوفة و القرابة بمنزلة لايوجد في الطّبيعة ما فوقه: يطلق على محلّ نشُوءه و تكَوّنه و ما يشار به إليه، و ما هو سبب بقائه و حياته: الرَّحِم.

{ لَنْ تَنْفَعَكُمْ اَرْحَامُكُمْ وَ لا اَوْ لادُكُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ }’ الممتحنة : 3، أي مع أنّ الأرحام و من بينهم الأولاد أقرب النّاس إليكم رحمة و مودّة.

{ هُوَ الَّذى يُصَوِّرُكُمْ فِى الاَ_رْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } آل عمران : 6، { اَللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ اُنْثى وَ مَا تَغيضُ‘ الاَ_رْحَامُ وَ مَا تَزْدَادُ } الرّعد : 8، { وَ نُقِرُّ فىِ الاَ_رْحَامِ مَا نَشَاءُ اِلى" اَجَل } الحجّ : 5.

فتدلّ الآيات الكريمة: على أنّ الحكم و السّلطة و كيفيّة التّقدير و التّصوير في مرحلة الجنين لله تعالى، كما أ نّه مالك يوم الدّين.

فعالم التّكوين و ما دام الإنسان جنينًا و عالم الآخرة: ليس للإنسان فيها اختيار، و دار الاختيار هو الحياة الدّنيا فقط.

{ وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ‘ وَ الْمُهاجِرينَ‘ } الأحزاب :6، أي مصاحبو الأرحام و الّذين يتعلّقون بهم و يرجعون إليهم، فيشمل جميع طبقات الأقرباء و ذوي النّسب و الحسَب، فيكون الأرحام جمع الرّحِم، و يمكن أن يكون جمع الرّحِم الّذي بمعنى القرابة - كما قيل - و إطلاق الرّحِم على القرابة للمبالغة، لكونها مظهر الرّحِم راجع: < أُولو >.

{ وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ } النّساء : 1، { اَنْ تُفْسِدُوا فِى الاَ_رْضِ وَ تُقَطِّعُوا اَرْحَامَكُمْ } محمّد : 22، التّعبير بهذه المادّة دون الأقارب و غيرها: للإشارة إلى علّة الحكم، و هي تحقّق الرّحمة بينهم بالطّبيعة و الفطرة الذّاتيّة، و لازم أن يلاحظ جانب الفطرة، و لاسيّما إذا يؤيَّد بحكم الشّريعة.

و لايبعد أن يكون الرّحِم بمعناه اللُّغويّ العامّ شاملا على الأرحام الرّوحانيّة أيضًا، فإنّ النّبيّ مصداق كامل لهذا المفهوم { حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 128، ثمّ أوصياؤه المطهّرون و الأولياء المخلصون من المؤمنين.

فكما أنّ قطع الرّحِم الظّاهريّ يوجب الاختلال في الأُمور الانفراديّة و الاجتماعيّة: كذلك الانقطاع عن أرحام الرّوحانيّين الّذين يحبّون الخير و صلاح الاجتماع و السّعادة و الفوز و النّجاح و الفلاح، يوجب الخيبة و الخسران والضّلالة و الحيرة و الحرمان في الدّنيا و الآخرة. { وَ يَقْطَعُونَ ما اَمَرَ اللهُ بِهِ اَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِى الاَ_رْضِ اُولئِكَ ’هُمُ الْخَاسِرُونَ } البقرة :27. (4 : 91)

النُّصوص التّفسيريّة

رَحِمَ

1 - ...قَالَ لاعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ اَمْرِ اللهِ اِلا مَنْ رَحِمَ وَ حَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَ قينَ‘ هود : 43

راجع: ع ص م: < عَاصِمَ >.

2 - لايَزَ الُونَ مُخْتَلِفينَ‘ * اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ ... هود : 118 ، 119

ابن عبّاس: عصم. (192)

أهل الحقّ. (الطّبَريّ 7 : 138)

مثله مُجاهِد (الطّبَريّ 7 : 138)، و عطاء (الماوَرْديّ 2 : 511).

أهل الطّاعة. (الماوَرْديّ 2 : 511)

عِكْرِمَة: أهل القبلة. (الطّبَريّ 7 : 138)

الحسَن: مختلفين في الرّزق، فهذا غنيّ و هذا فقير، { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ } من أهل القناعة. (الماوَرْديّ 2 : 511)

الأعمش: { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ } مَن جعله على الإسلام. (الطّبَريّ 7 : 139)

ابن المبارك : أهل الحقّ، ليس فيهم اختلاف. (الطّبَريّ 7 : 138)

الزّجّاج: ( مَنْ ) استثناء، على معنى: لكن مَن رحم ربّك، فإنّه غير مخالف. (3 : 83)

الطُّوسيّ: و قوله: { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ} استثناء منقطع، و لذلك جُعل رأس آية، و لوكان متّصلا لم يجز ذلك، و إنّما كان استثناءً منقطعًا، لأنّ الأوّ ل على أ نّهم يختلفون بالباطل، وليس كذلك { مَنْ رَحِمَ } لاجتماعهم على الحقّ، و المعنى:{لايَزَ الُونَ مُخْتَلِفينَ‘} بالباطل، {اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ } بفعل اللّطف لهم الّذي يؤمنون عنده و يستحقّون به الثّواب. فإنّ مَن هذه صورته ناج من الاختلاف بالباطل. (6 : 84)

نحوه ملخّصًا الطَّبْرِسيّ. (3 : 203)

القُشَيْريّ:{ اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ} في سابق حُكمه، فعصمهم عن الخلاف في حاصل أُمورهم، و أقامهم به، و نصبهم له، و أثبتهم في الوفاق و المحبّة و التّوحيد. (3 : 163)

المَيْبُديّ: إلا مَن عصم ربّك برحمته فهداه إلى الإيمان، فإنّه ناج من الاختلاف بالباطل. (4 : 456)

الزّمَخْشَريّ: إلا ناسًا هداهم الله و لطف بهم، فاتّفقوا على دين الحقّ غير مختلفين فيه. (2 : 298)

ابن عَطيّة: استثنى الله تعالى من الضّمير في { يَزَ الُونَ } من رحمَه من النّاس، بأن هداه إلى الإيمان و وفّقه له. (3 : 215)

الفَخْرالرّ ازيّ: احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ الهداية و الإيمان لاتحصل إلا بتخليق الله تعالى؛ و ذلك لأنّ هذه الآية تدلّ على أنّ زوال الاختلاف في الدّين لايحصل إلا لمن خصّه الله برحمته، و تلك الرّحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة و العقل، و إرسال الرّسل، و إنزال الكتب، و إزاحة العذر، فإنّ كلّ ذلك حاصل في حقّ الكفّار، فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرّحمة هو أ نّه سبحانه خلق فيه تلك الهداية و المعرفة.

قال القاضي: معناه: { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ } بأن يصير من أهل الجنّة و الثّواب، فيرحمه الله بالثّواب.و يحتمل إلا من رحمه الله بألطافه، فصار مؤمنًا بألطافه و تسهيله، و هذان الجوابان في غاية الضّعف.

أمّا الأوّ ل: فلأنّ قوله: { لايَزَ الُونَ مُخْتَلِفينَ‘ * اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ } يفيد أنّ ذلك الاختلاف إنّما زال بسبب هذه الرّحمة، فوجب أن تكون هذه الرّحمة جارية مجرى السّبب المتقدّم على زوال هذا الاختلاف، و الثّواب شيء متأخّر عن زوال هذا الاختلاف، فالاختلاف جار مجرى المسبّب له، و مجرى المعلول، فحمل هذه الرّحمة على الثّواب بعيد.

و أمّا الثّاني: و هو حمل هذه الرّحمة على الألطاف، فنقول: جميع الألطاف الّتي فعلها في حقّ المؤمن فهي مفعولة أيضًا في حقّ الكافر، و هذه الرّحمة أمر اختُصّ

به المؤمن، فوجب أن يكون شيئًا زائدً ا على تلك الألطاف. و أيضًا فحصول تلك الألطاف هل يوجب رجحان وجود الإيمان على عدمه أو لايوجبه؟

فإن لم يوجبه كان وجود تلك الألطاف و عدمها بالنّسبة إلى حصول هذا المقصود سيّان، فلم يك لطفًا فيه، و إن أوجب الرّجحان فقد بيّنّا في الكتب العقليّة أ نّه متى حصل الرّجحان فقد وجب، و حينئذ يكون حصول الإيمان من الله.

و مم-ّا يدلّ على أنّ حصول الإيمان لايكون إلا بخلق الله، أ نّه ما لم يتميّز الإيمان عن الكفر و العلم عن الجهل، امتنع القصد إلى تكوين الإيمان و العلم، و إنمّا يحصل هذا الامتياز إذا عُلم كون أحد هذين الاعتقادين مطابقًا للمعتقد، و كونالآخر ليس كذلك، و إنمّا يصحّ حصول هذا العلم، أن لو عرف أنّ ذلك المعتقد في نفسه كيف يكون.

و هذا يوجب أ نّه لايصحّ من العبد القصد إلى تكوين العلم بالشّيء إلا بعد أن كان عالم-ًا؛ و ذلك يقتضي تكوين الكائن و تحصيل الحاصل و هو محال، فثبت أنّ زوال الاختلاف في الدّين و حصول العلم و الهداية لايحصل إلا بخلق الله تعالى، و هو المطلوب. (18 : 77)

القُرطُبيّ: { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ } استثناء منقطع، أي لكن من رحم ربّك بالإيمان و الهدى، فإنّه لم يختلف. (9 : 114)

البَيْضاويّ: إلا ناسًا هداهم الله من فضله، فاتّفقوا على ما هو أُصول دين الحقّ و العُمْدة فيه. (1 : 485)

أبوحَيّان: استثناء متّصل من قوله: { لايَزَ الُونَ مُخْتَلِفينَ‘ } و لاضرورة تدعو إلى أ نّه بمعنى < لكن >، فيكون استثناء منقطعًاكما ذهب إليه الحوفيّ. (5 : 273)

الشِّربينيّ: أي أراد لهم الخير، فلايختلفون فيه، فيجب حمل الاختلاف على معنى يصحّ أن يُستثنى منه ذلك. و في هذه الآية دلالة على أنّ الهداية و الإيمان لاتحصل إلا بتخليق الله تعالى، لأنّ تلك الرّحمة ليست عبارة عن إعطاء القدرة و العقل و إرسال الرّسل

و إنزال الكتب و إزاحة العذر، فإنّ كلّ ذلك حاصل في حقّ الكفّار، فلم يبق إلا أن يقال: تلك الرّحمة هو أ نّه سبحانه و تعالى خلق فيهمتلك الهداية و المعرفة. (2 : 86)

أبوالسُّعود: إلا قومًا قد هداهم الله تعالى بفضله إلى الحقّ، فاتّفقوا عليه و لم يختلفوا فيه، أي لم يخالفوه، و حمله على مطلق الاختلاف الشّامل لما يصدر من المُحقّ و المُبطل يأباه الاستثناء المذكور. (3 : 359)

البُرُوسَويّ: استثناء متّصل من الضّمير في { مُخْتَلِفينَ‘} و إن شئت من فاعل{ لايَزَ الُونَ }. [ثمّ أدام مثل أبي السُّعود] (4 : 202)

مكارم الشّيرازيّ:... و مع جميع ما لديهم من اختلافات، و مع الاحتفاظ بالحرّ يّة و الاختيار، فإنّهم سيخطون خطوات في طريق الحقّ، و إن كانوا يتفاوتون في هذا المسير.

و لهذا يقول القرآن الكريم في الآية بعدها: { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ }، و لكن هذه الرّحمة الإلهيّة ليست

خاصّة بجماعة معيّنة، فالجميع يستطيعون شريطة رغبتهم أن يستفيدوا منها { وَ لِذلِكَ ’خَلَقَهُمْ }.

و أُولئك الأشخاص الّذين يريدون أن يستظلّوا برحمة الله، فإنّ الطّريق مفتوح لهم الرّحمة الّتي أفاضها الله لجميع عباده، عن طريق تشخيص العقل و هداية الأنبياء.

و متى ما استفادوا من هذه الرّحمة و الموهبة، فإنّ أبواب الجنّة و السّعادة الدّ ائمة تفتح بوجوههم، و إلا فلا، { وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَ بِّكَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِوَ النَّاسِ اَجْمَعينَ‘ }. (7 : 94)

فضل الله: { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ } من المؤمنين الّذين تقبّلوا ما أفاضه الله على النّاس من رحمته، فاختاروا الإيمان من مواقع الوضوح، و ساروافي خطّ الهدى على ضوء العقل الواعي الّذي يُتابع الأُمور، بتركيز و اتّزان. ذلك أنّ بعض النّاس يتعامل مع الرّحمة الإلهيّة بالانفتاح في الوعي و الفكر المسؤول، فيصل إلى الحقيقة من أقرب طريق. أمّا البعض الآخر، فيعيش لونًا من الضّباب العاطفيّ والحسّيّ، ويستغرق في دائرة من الانغلاق الفكريّ عن مواقع الحقيقة، فيبتعد عنها. (12 : 150)

3 - وَ مَا اُبَرِّئُ نَفْسى‘ اِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ اِلا مَا رَحِمَ رَبّى اِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَحيمٌ‘. يوسف : 53

الطّبَريّ: و ( مَا ) في قوله: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } في موضع نصب؛ و ذلك أ نّه استثناء منقطع عمّا قبله، كقوله: { وَ لاهُمْ يُنْقَذُونَ * اِلا رَحْمَةً مِنَّا } يس, : 43، 44، بمعنى إلا أن يُرحمُوا. و < إنّ >، إذا كانت في معنى المصدر، تُضارع < ما >. (7 : 237)

الماوَرْديّ: قوله عزّ و جلّ: { وَ مَا اُبَرِّئُ نَفْسى‘ } فيه ثلاثة أوجُه:

أحدها: أ نّه قول العزيز، أي و ما أُبرّئ نفسي من سوء الظّنّ بيوسف.

{ اِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } يحتمل وجهين:

أحدهما: الأمّارة بسوء الظّنّ.

الثّاني: بالاتّهام عند الارتياب.

{ اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } يحتمل وجهين:

أحدهما: إلا ما رحم ربّي إن كفاه سوء الظّنّ.

الثّاني: أن يثنيه حتّى لايعمل. فهذا تأويل من زعم أ نّه قول العزيز.

الوجه الثّاني: أ نّه قول امرأة العزيز و ما أُبرّئ نفسي إن كنت راوَدْتُيوسف عن نفسه، لأنّ النّفس باعثة على السّوء إذا غلبت الشّهوة عليها.

{ اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } يحتمل وجهين:

أحدهما: إلا ما رحم ربّي من نزع شهوته منه.

الثّاني: إلا ما رحم ربّي في قهره لشهوة نفسه، فهذا تأويل من زعم أ نّه من قول امرأة العزيز.

الوجه الثّالث: أ نّه من قول يوسف. (3 : 48)

الطُّوسيّ: و قوله: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } استثناء من الأنفس الّتي يرحمها الله، فلاتدعو إلى القبيح، بأن يفعل معها من الألطاف ماتنصرف عن ذلك. (6 : 155)

المَيْبُديّ: أي إلا رحمَة ربّي، يعني كلّ نفس تأمر صاحبها هواها إلا ما أدركته رحمة الله فدفعته.

و قيل: المعنى: لكن من رحمه الله عصمه ممّا تأمره به نفسه. (5 : 84)

الزّمَخْشَريّ: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } إلا لبعض الّذي رحمه ربّي بالعصمة كالملائكة.

و يجوز أن يكون { مَا رَحِمَ } في معنى الزّمن، أي إلا وقت رحمة ربّي، يعني أ نّها أمّارة بالسّوء في كلّ وقت و أوان ، إلا وقت العصمة.

و يجوز أن يكون استثناءً منقطعًا، أي و لكن رحمة ربّي هي الّتي تصرف الإساءة، كقوله:{ وَ لاهُمْ يُنْقَذُونَ * اِلا رَحْمَةً مِنَّا } يس : 43 ، 44.

و قيل: معناه: ذلك ليعلم الله أ نّي لم أخُنْه، لأنّ المعصية خيانة.

و قيل: هو من كلام امرأة العزيز، أي ذلك الّذي قلت: ليعلم يوسف أ نّي لم أخُنْه و لم أكذب عليه في حال الغيبة، و جئت بالصّحيح و الصّدقفيما سُئلتُ عنه، و ما أُبرّئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإنّي قد خنته حين قرفته، و قلت: { مَا جَزَاءُ مَنْ اَرَادَ بِاَهْلِكَ سُؤً ا اِلا اَنْ يُسْجَنَ } يوسف: 25و أودعته السّجن، تريد الاعتذار ممّا كان منها، أنّ كلّ نفس لأمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربّي: إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف. (2 : 327)

ابن عَطيّة: و ( ما )في قوله: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } مصدريّة. هذا قول الجمهور فيها، و هو على هذا استثناء منقطع، أي إلا رحمة ربّي.

و يجوز أن تكون بمعنى< مَن > هذا على أن تكون { النَّفْسَ } يراد بها النّفوس ؛ إذ النّفس تجري صفة لمن يعقل كالعين و السّمع، كذا قال أبوعليّ، فتقدير الآية: إلا النّفوس الّتي يرحمها الله.

و إذن { النَّفْسَ } اسم جنس، فصحّ أن تقع ( مَا ) مكان < من > إذ هي كذلك في صفات من يعقل و في أجناسه، و هو نصّ في كلام المُبَرِّد، و هو عندي معنى كلام سيبَوَيه و هو مذهب أبي عليّ، ذكره في< البغداديّات >.

و يجوز أن تكون ( مَا )ظرفيّة، المعنى: أنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلا مدّة رحمة الله العبد، و ذهابه عن اشتهاء المعاصي. (3 : 254)

الطَّبْرِسيّ: أي إلا من رحمه الله تعالى، فعصمه بأن لطف له، فيكون ( مَا ) بمعنى< مَن > كقوله: { مَا طَابَ لَكُمْ...} النّساء : 3، و يجوز أن يكون معناه: إلا مدّة ما عصم ربّي.

و من قال: إنّه من كلام يوسف، قال: إنّه أراد الدّعاء و المنازعة و الشّهوة، و لم يُرد العزمعلى المعصية، أي لاأُبرّئ نفسي ممّا لاتعرى منه طباع البشر، و إنمّا امتنعت عن الفاحشة بحول الله و لطفه و هدايته، لابنفسي. (3 : 241)

الفَخْرالرّ ازيّ: قالوا: ( مَا ) في قوله: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } بمعنى < مَن > و التّقدير: إلا من رحم ربّي، و < ما > و< مَن > كلّ واحد منهما يقوم مقام الآخر، كقوله تعالى: { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ } النّساء : 3.

و قال:{ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَمْشى‘ عَلى" اَرْ بَعٍ } النّور : 45، و قوله: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } استثناء متّصل أو

منقطع، فيه وجهان:

الأوّل: أ نّه متّصل، و في تقريره وجهان:

الأوّ ل: أن يكون قوله: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } أي إلا البعض الّذي رحمه ربّي بالعصمة كالملائكة.

الثّاني: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى }، أي إلا وقت رحمة ربّي. يعني أ نّها أمّارة بالسّوء في كلّ وقت إلا في وقت العصمة.

و القول الثّاني: أ نّه استثناء منقطع، أي و لكن رحمة ربّي هي الّتي تصرف الإساءة، كقوله: { وَ لاهُمْ يُنْصَرُونَ } البقرة : 48، { اِلا رَحْمَةً مِنَّا } يس, : 44. (18 : 157)

القُرطُبيّ: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } في موضع نصب بالاستثناء، و ( مَا ) بمعنى < مَن > أي إلا من رحم ربّي فعصمه، و ( مَا )بمعنى < مَن > كثير، قال الله تعالى:{ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ } النّساء : 3، و هو استثناء منقطع، لأ نّه استثناء المرحوم بالعصمة من النّفس الأمّارة بالسّوء. (9 : 210)أبوحَيّان: إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة. (5 : 317)

أبوالسُّعود: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } من النّفوس الّتي يعصمها من الوقوع في المهالك و من جملتها نفسي، أو هي أمّارة بالسّوء في كلّ وقت إلا وقت رحمة ربّي و عصمته لها. (3 : 405)

البُرُوسَويّ: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } من النّفوس الّتي يعصمها من الوقوع في المهالك، و من جملتها نفسي و نفوس سائر الأنبياء، و نفوس الملائكة. أمّا الملائكة فإنّه لم تركّب فيهم الشّهوة،و أمّا الأنبياء، فهم إن رُكّبت هي فيهم، لكنّهم محفوظون بتأييد الله تعالى معصومون.

ف- ( مَا ) موصولة بمعنى < مَن >، و فيه إشارة إلى أنّ النّفس من حيث هي كالبهائم، و الاستثناء من{ النَّفْسَ } أو من الضّمير المستتر في { اَمَّارَةٌ} كأ نّه قيل: إنّ النّفس لأمّارة بالسّوء إلا نفسًارحمها ربّي، فإنّها لاتأمر بالسّوء، أو بمعنى الوقت، أي هي أمّارة بالسّوء في كلّ وقت إلا وقت رحمة ربّي و عصمته لها. (4 : 275)

الآلوسيّ: [ نقل قول ابن عَطيّة ثمّ قال:]

و جُوّز أن يكون استثناء من أعمّ الأوقات، و ( مَا ) مصدريّة ظرفيّة زمانيّة، أي هي أمّارة بالسّوء في كلّ وقت إلا في وقت رحمة ربّي و عصمته. و النّصب على الظّرفيّة لاعلى الاستثناء كما تُوُهّم، لكن فيه التّفريغ في الإثبات.

و الجمهور على أ نّه لايجوز إلا بعد النّفي أو شبهه. نعم أجازه بعضهم في الإثبات إن استقامالمعنى،ك- < قرأت إلا يوم الجمعة>. و أُورد على هذا بأ نّه يلزم عليه كون نفس يوسف و غيره من الأنبياء مائلة إلى الشّهوات في أكثر الأوقات، إلا أن يُحمَل ذلك على ماقبل النّبوّة، بناءً على جواز ماذُكر قبلها، أو يراد جنس النّفس، لاكلّ واحدة .

و تعقّب بأنّ الأخير غير ظاهر، لأنّ الاستثناء معيار العموم، و لايرد ماذُكر رأسًا، لأنّ المراد هضم النّوع البشريّ اعترافًا بالعجز لولا العصمة، على أنّ وقت الرّحمة قد يعمّ العُمر كلّه لبعضهم، انتهى.

و لعلّ الأولى الاقتصار على ما في حيّز العِلاوة

فتأمّل، و أن يكون استثناء من { النَّفْسَ } أو من الضّمير المستتر في { اَمَّارَةٌ } الرّ اجع إليها، أي كلّ نفس أمّارة بالسّوء إلا الّتي رحمها الله تعالى و عصمها عن ذلك كنفسي، أو من مفعول أمّارة المحذوف، أي أمّارة صاحبها إلا مارحمه الله تعالى. و فيه وقوع ( مَا ) على من يعقل، و هو خلاف الظّاهر، و ليُنظر الفرق في ذلك بينه و بين انقطاع الاستثناء. (13 : 2)

ابن عاشور: و الاستثناء في { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } استثناء من عموم الأزمان، أي أزمان وقوع السّوء، بناءً على أنّ أمر النّفس به يبعث على ارتكابه في كلّ الأوقات إلا وقت رحمة الله عبده، أي رحمته بأن يُقيّض له ما يصرفه عن فعل السّوء، أو يقيّض حائلا بينه و بين فعل السّوء ، كما جُعل إباية يوسف من إجابتها إلى ما دعَتْه إليه حائلا بينها و بينالتّورّط في هذا الإثم؛ و ذلك لطف من الله بهما. (12 : 79)

الطَّباطَبائيّ: أي إنّ النّفس بطبعها تدعو إلى مشتهياتها من السّيّئات على كثرتها و وفورها، فمن الجهل أن تبرأ من الميل إلى السّوء، و إنّما تكفّ عن أمرها بالسّوء، و دعوتها إلى الشّرّ برحمة من الله سبحانه، تصرفها عن السّوء، و توفّقها لصالح العمل.

و من هنا يظهر أنّ قوله: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } يفيد فائدتين:

إحداهما: تقييد إطلاق قوله: { اِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } فيفيد أنّ اقتراف الحسنات الّذي هو برحمة من الله سبحانه من أمر النّفس، و ليس يقع عن إلجاء و إجبار من جانبه تعالى.

و ثانيتهما: الإشارة إلى أنّ تجَنّبُه الخيانة كان برحمة من ربّه. (11 : 198)

عبد الكريم الخطيب: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } أي إلا ما أراد الله دفعه من السّوء، لمن رحمهم من عباده، و حفّهم بألطافه.

فالاستثناء في قوله تعالى: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } متعلّق { بِالسُّوءِ }، بمعنى أنّ النّفس تأمر بالسّوء و تدفع إليه، و أنّ النّاس تبع لما تأمرهم به أنفسهم، فيأتون كلّ ما تَسَوّ ل لهم به، إلا ما أراد الله دفعه عنهم من سوء، رحمَةً منه، و لطفًا بعباده. و هذا بعض السّرّ في كلمة ( مَا ) الّتي لغير العاقل.

و هذا، يعني أنّ النّاس جميعًا بلااستثناء واقعون تحت سلطان أنفسهم، و أنّ هذا السّلطان غالب عليهم، و أنّ رحمة الله هي الّتيتعصم من تعصمه منهم من مواقعة المنكرات، و اقتراف الآثام، و إن كان ذلك لايمنع من أن تقع منهم الهفوات و الزّ لا ت، فكلّ ابن آدم خطّاء، و خير الخطّائين التّوّ ابون. (7 : 3)

فضل الله: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى } في مايعصم الإنسان، و يُثيره في نفسه من عوامل الهداية. (12 : 225)

4 - اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ اِنَّهُ هُوَ الْعَزيزُ‘ الرَّحيمُ‘. الدّخان : 42

ابن عبّاس: يريد المؤمن، فإنّه تشفع له الأنبياء و الملائكة. (الفَخْرالرّازيّ 27 : 251)

الكِسائيّ: { مَنْ رَحِمَ } منصوب على الاستثناء

المنقطع، أي لكن من رحمه الله لاينالهم ما يحتاجون فيه من لعنهم من المخلوقين. (أبوحَيّان 8 : 39)

الفَرّ اء: و قوله: {اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ } فإنّ المؤمنين يُشفّع بعضهم في بعض، فإن شئت فاجعل ( مَنْ ) في موضع رفع، كأ نّك قلت: لايقوم أحد إلا فلان، و إن شئت جعلته نصبًا على الاستثناء و الانقطاع عن أوّل الكلام، تريد: اللّهمّ إلا من رحمت. (3 : 42)

الطّبَريّ: اختلف أهل العربيّة في موضع ( مَنْ )في قوله:{ اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ } فقال بعض نحويّي البصرة: { اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ } فجعله بدلا من الاسم المضمر في { يُنْصَرُونَ } الدّخان : 41، و إن شئت جعلته مبتدأ و أضمرت خبره، يريد به إلا من رحم الله فيُغني عنه.

و قال بعض نحويّي الكوفة قوله: { اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ } قال: المؤمنون يشفع بعضهم في بعض، فإنشئت فاجعل ( مَنْ )في موضع رفع، كأ نّك قلت: لايقوم أحد إلا فلان. و إن شئت جعلته نصبًا على الاستثناء و الانقطاع عن أوّ ل الكلام، يريد: اللّهمّ إلا من رحم الله.

و قال آخرون منهم: معناه: لايُغني مولى عن مولى شيئًا إلا من أذن الله له أن يشفع. قال: لايكون بدلا ممّا في{ يُنْصَرُونَ } لأنّ ( اِلا ) محقّق والأوّ ل منفيّ، و البدل لايكون إلا بمعنى الأوّ ل. قال: و كذلك لايجوز أن يكون مستأنفًا،لأ نّه لايُستأنف بالاستثناء.

و أولى الأقوال في ذلك بالصّواب: أن يكون في موضع رفع بمعنى: يوم لايُغني مولى عن مولى شيئًا إلا من رحم الله منهم، فإنّه يغني عنه بأن يشفع له عند ربّه. (11 : 242)

الطُّوسيّ: و قد استثنا ما أشرنا إليه بقوله: { اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ }، فإنّ من يرحمه الله إمّا أن يسقط عقابه ابتداءً أو يأذن في إسقاط عقابه بالشّفاعة فيه. (9 : 239)

المَيْبُديّ: يجوز أن يكون الاستثناء متّصلا، يعني: إلا المؤمنين، فإنّه يشفّع بعضهم لبعض بإذن الله. و قيل: الاستثناء منقطع، و معناه: لكن من رحمه الله، فإنّه مغفور له. (9 : 112)

الزّمَخْشَريّ: { اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ } في محلّ الرّفع على البدل من الواو في { يُنْصَرُونَ }، أي لايمنع من العذاب إلا من رحمه الله. و يجوز أن ينتصب على الاستثناء. (3 : 506)

ابن عَطيّة: و قوله: { وَ لاهُمْ يُنْصَرُونَ } إن كان الضّمير يراد به العالم، فيصحّ أن يكون من قوله: {اِلا مَنْ } في موضع نصب على الاستثناء المتّصل، و إن كان الضّمير يراد به الكفّار، فالاستثناء منقطع، و يصحّ أن يكون في موضع رفع علّة الابتداء و الخبر، تقديره: فإنّه يُغني بعضهم عن بعض في الشّفاعة و نحوها، أو يكون تقديره: فإنّ الله ينصره. (5 : 75)

الطَّبْرِسيّ: أي إلا الّذين رحمهم الله من المؤمنين، فإنّه إمّا أن يسقط عقابهم ابتداءً، أو يأذن بالشّفاعة فيهم لمن علَت درجته عنده، فيسقط عقاب المشفوع له لشفاعته. (5 : 67)

القُرطُبيّ: ( مَنْ )رفع على البدل من المضمر في { يُنْصَرُونَ } كأ نّك قلت: لايقوم أحد إلا فلان. أو

على الابتداء و الخبر مضمر، كأ نّه قال: إلا من رحم الله فمغفور له، أو فيُغني عنه و يشفع و ينصر. أو على البدل من { مَوْلًى } الأوّل،كأ نّه قال: لايُغني إلا من رحم الله.

و هو عند الكِسائيّ و الفَرّ اء نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من رحم الله لاينالهم ما يحتاجون فيه إلى من يغنيهم من المخلوقين.

و يجوز أن يكون استثناء متّصل، أي لايُغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنّه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض. (16 : 148)

أبوحَيّان: قيل: و يجوز أن يكون الاستثناء متّصلا ، أي لايُغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنّه يؤذن لهم في شفاعة بعضهم لبعض. و قال الحَوْفيّ: و يجوز أن يكون بدلا من مولى المرفوع. (8 : 39)

أبوالسُّعود: بالعفو عنه و قبول الشّفاعة في حقّه، و محلّه الرّفع علىالبدل من الواو، أو النّصب على الاستثناء. (6 : 53)

البُرُوسَويّ: بالعفو عنه و قبول الشّفاعة في حقّه و هم المؤمنون، و محلّه الرّفع على البدل من الواو، كما هو المختار، أو النّصب على الاستثناء. (8 : 425)

الآلوسيّ: في محلّ رفع على أ نّه بدل من ضمير { يُنْصَرُونَ } أو في محلّ نصب على الاستثناء منه، أي لايمنع من العذاب إلا من رحمه الله تعالى، و ذلك بالعفو عنه، و قبول الشّفاعة فيه.

و جُوّز كونه بدلا أو استثناء من { مَوْلى } و فيه كما في الأوّ ل دليل على ثبوت الشّفاعة، لكن الرّجحان للأوّ ل لفظًا و معنًى. و الاستثناء من أيّ كان متّصل.

و قال الكِسائيّ: إنّه منقطع، أي لكن من رحمه الله تعالى، فإنّه لايحتاج إلى قريب ينفعه و لا إلى ناصر ينصره، و لاوجه له مع ظهور الاتّصال، نعم إنّه لايتأتّى على كون الاستثناء من الضّمير و كونه راجعًا للكفّار، فلاتغفل. (25 : 131)

ابن عاشور: و الاستثناء بقوله: { اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ } وقع عقب جملتي { لايُغْنى مَوْ لًى عَنْ مَوْ لًى شَيْ-ا = وَ لاهُمْ يُنْصَرُونَ } فحُقّ بأن يرجع إلى ما يصلح للاستثناء منه في تينك الجملتين. ولنا في الجملتين ثلاثة ألفاظ، تصلح لأن يُستثنى منها، و هي { مَوْ لًى} الأوّ ل المرفوع بفعل { يُغْنى‘ }، و { مَوْ لًى} الثّاني المجرور بحرف { عَنْ }، و ضمير { وَ لاهُمْ يُنْصَرُونَ }، فالاستثناء بالنّسبة إلى الثّلاثة استثناء متّصل، أي إلا من رحمه الله من الموالي، أي فإنّه يأذن أن يُشفع فيه،و يأذن للشّافع بأن يَشفع، كما قال تعالى: { وَ لاتَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ اِلا لمِ-َنْ اَذِنَ لَه ُ} سبأ : 23، و قال: { وَ لايَشْفَعُونَ اِلا لمِ-َنِ ارْتَضى } الأنبياء : 28. [إلى أن قال: ]

و قيل هو استثناء منقطع، لأنّ من رحمه الله ليس داخلا في شيء قبله، ممّا يدلّ على أهل المحشر. و المعنى: لكن من رحمه الله لايحتاج إلى من يُغني عنه أو ينصره، و هذا قول الكِسائيّ و الفَرّ اء.

و أسباب رحمة الله كثيرة، مرجعها إلى رضاه عن عبده، و ذلك سرّ يعلمه الله. (25 : 337)

الطَّباطَبائيّ: استثناء من ضمير { لايُنْصَرُونَ }، و الآية من أدلّة الشّفاعة يومئذ، و قد تقدّم تفصيل القول في < الشّفاعة > في الجزء الأوّ ل من الكتاب.

هذا على تقدير رجوع ضمير { لايُنْصَرُونَ } إلى النّاس جميعًا، على ما هو الظّاهر.

و أمّا لو رجع إلى الكفّار كما قيل، فالاستثناء منقطع، و المعنى: لكن من رحمه الله و هم المتّقون، فإنّهم في غنًى عن مولى يُغني عنهم و ناصر ينصرهم.

و أمّا ما جوّزه بعضهم من كونه استثناءً متّصلا من { مَوْ لى } فقد ظهر فساده ممّا قدّمناه، فإنّ الإغناء إنّما هو فيما لم يكن عند الإنسان شيء من أسباب النّجاة، و من كان على هذه الصّفة لم يُغْن عنه مُغْن ٍو لااستثناء، و الشّفاعة نصرة تحتاج إلى بعض أسباب النّجاة، و هو الدّين المرضيّ، و قد تقدّم في بحث الشّفاعة. (18 : 147)

عبدالكريم الخطيب: هو استثناء من الضّمير فيقوله تعالى: { وَ لاهُمْ يُنْصَرُونَ } أي لاناصر لأحد في هذا اليوم، و لامُخلّص له من عذابه إلا من رحمه الله من عباده، فهداه إلى الإيمان، و وفّقه لطاعته.

فكلّ من زُحْزِح عن النّار و أُدخل الجنّة، فذلك برحمة من الله و فضل و إحسان، و في هذا يقول النّبيّ الكريم: « لايدخل أحد الجنّة بعمله » قيل: و لاأنت يا رسول الله؟ قال: « و لاأنا إلا أن يتغمّدني الله برحمته ». (13 : 210)

مكارم الشّيرازيّ: لاشكّ أنّ هذه الرّحمة الإلهيّة لاتُمنح اعتباطًا، بل تشمل الّذين آمنوا و عملوا الصّالحات فقط، و إذا كانوا قد بدر منهم زلَلٌ و معصية، فإنّها لاتبلغ حدًّ ا تقطع فيه علاقتهم بالله سبحانه، فهم يرفعون أكفّهم إلى الله و يرجون رحمته، فيتنعّمون بها، و يَرْوَون منها، و يتمتّعون بشفاعة أوليائه.

من هنا يتّضح أنّ نفي وجود صديق و وليّ و نصير في ذلك اليوم لاينافي مسألة الشّفاعة، لأنّ الشّفاعة أيضًا لاتحصل إلا بإذن الله تعالى.

و الطّريف أنّ الآية قرنت وصفه سبحانه بكونه عزيزًا و رحيمًا، والأوّ ل إشارة إلى قدرته غيرالمتناهية الّتي لاتعرف الهزيمة و الضّعف، و الثّاني إشارة إلى رحمته الّتي لاحدود لها. و المهمّ أن تكون رحمته عين قدرته.

وقد روي في بعض روايات أهل البيت، أنّ المراد من جملة: { اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ } وصيّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أمير المؤمنين عليّ و شيعته.[و هذا تأويل]

و لايخفى أنّ الهدف منها هو بيان المصداق الواضح. (16 : 153)فضل الله: مَن أدركته المغفرة برحمة الله. (20 : 292)

رَحِمَهُ

مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذلِكَ’ الْفَوْزُ الْمُبينُ‘. الأنعام : 16

راجع: ص ر ف: < يُصْرَفْ >.

رَحِمَنَا

قُلْ اَرَ اَيْتُمْ اِنْ اَهْلَكَنِىَ اللهُ وَ مَنْ مَعِىَ اَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجيرُ‘ الْكَافِرينَ ‘مِنْ عَذَاب اَليم ‘. الملك : 28

الطّبَريّ: { اَوْ رَحِمَنَا } فأخّر في آجالنا. (12 : 173)

الطُّوسيّ: بتأخير آجالنا ما الّذي ينفعكم من ذلك في رفع العذاب الّذي استحققتموه من الله، فلاتُعلّلوا في ذلك بما لايُغني عنكم شيئًا. (10 : 71)

المَيْبُديّ: فأبقينا و أخّر آجالنا. (10 : 177)

تمام الكلام سيأتي في: ه- ل ك: < اَهْلَكَنِىَ >.

رَحِمْتَهُ

وَ مَنْ تَقِ السَّيِّا "تِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذلِكَ’ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ‘. المؤمن : 9

الطّبَريّ: { فَقَدْ رَحِمْتَهُ } فنجّيته من عذابك.(11 : 43)

الطَّبْرِسيّ: فقد أنعمت عليه. (4 : 515)

لاحظ: و ق ي : < تَقِ >.

رَحِمْنَاهُمْ

وَ لَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَ كَشَفْنَا مَابِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. المؤمنون : 75

الطّبَريّ: و لو رحمنا هؤلاء الّذين لايؤمنون بالآخرة، و رفعنا عنهم ما بهم من القحط و الجَدْب وضرّ الجوع و الهُزال. (9 : 235)

الطُّوسيّ: في الآخرة، و رددناهم إلى دار الدّنيا،و كلّفناهم فيها. (7 : 384)

المَيْبُديّ: و قيل: معناه: لو رددناهم عن طريق النّار إلى الدّنيا، للجُّوا في طغيانهم يعمهون. (6 : 455)

لاحظ: ض ر ر: < ضُرٍّ >.

يَرْحَمُ

يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَ اِلَيْهِ تُقْلَبُونَ. العنكبوت : 21

الطّبَريّ: منهم ممّن تاب و آمن و عمل صالحًا. (10 : 131)

الطُّوسيّ: منهم فيعفو عنهم بالتّوبة و غير التّوبة. (7 : 198)

لاحظ :ع ذ ب: < يُعَذِّبُ >.

سَيَرْحَمُهُمْ

... وَ يُطيعُونَ اللهَ وَ رَسُولَهُ اُولئِكَ ’سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ اِنَّ اللهَ عَزيزٌ‘حَكيمٌ.‘ التّوبة : 71

الطّبَريّ:يقول: هؤلاء الّذين هذه صفتهم، الّذين سيرحمهم الله، فينقذهم من عذابه، و يدخلهم جنّته،لاأهل النّفاق و التّكذيب بالله و رسوله، النّاهون عن المعروف، الآمرون بالمنكر، القابضون أيديهم عن أداء حقّ الله من أموالهم. (6 : 415)

الطُّوسيّ: يعني المؤمنين، الّذين وصفهم أن ستنالهم في القيامة رحمته. (5 : 299)

المَيْبُديّ: يعني إذا صاروا إليه غدً ا هؤلاء المؤمنين يرحمهم الله، و يصلهم إلى الجنّة الّتي وعدهم. (4 : 171)

الزّمَخْشَريّ: { سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ } السّين مفيدة وجود ((1))الرّحمة لامحالة، فهي تؤكّد الوعد كما تؤكّدالوعيد، في قولك: سأنتقم منك يومًا، تعني أ نّك لاتفوتني و إن تباطأ ذلك و نحوه { سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُ دًّ ا } مريم : 96، و{ وَ لَسَوْفَ يُعْطيكَ‘ رَ بُّكَ فَتَرْضى } الضّحى : 5، و{ سَوْفَ يُؤْتيهِمْ‘ اُجُورَهُمْ } النّساء : 152. (2 : 202)

نحوه الفَخْرالرّ ازيّ. (16 : 131)

ابن عَطيّة: و السّين في قوله: { سَيَرْحَمُهُمُ } مُدخلَة في الوعد مُهلةً، لتكون النّفوس تنعم برجائه، و فضله تعالى، زعيم بالإنجاز. (3 : 58)

مثله القُرطُبيّ. (8 : 203)

الطَّبْرِسيّ: أي الّذين هذه صفتهم يرحمهم الله في الآخرة. (3 : 50)

أبوحَيّان:[نقل قول الزّمَخْشَريّ ثمّ قال:]

و فيه دفينة خفيّة من الاعتزال، بقوله: < السّين مفيدة وجوب الرّحمة لامحالة >، يشير إلى أ نّه يجب على الله تعالى إثابة الطّائع، كما تجب عقوبة العاصي. و ليس مدلول السّين توكيد ما دخلت عليه، إنمّا تدلّ على تخليص المضارع للاستقبال فقط. و لم-ّا كانت الرّحمة هنا عبارة عمّا يترتّب على تلك الأعمال الصّالحة من الثّواب و العقاب في الآخرة، أتى بالسّين الّتي تدلّ على استقبال الفعل. (5 : 71)

أبوالسُّعود: أي يفيض عليهم آثار رحمته من التّأييد و النّصرة ألبتّة لما أنّ السّين مؤكّدة للوقوع، كما في قولك: سأنتقم منك. (3 : 169)

البُرُوسَويّ: أي يفيض عليهم آثار رحمته من التّأييد و النّصرة ألبتّة، و ينجّيهم من العذاب الأليم، سواء كان عذاب النّار أو عذاب البُعْد من الملك الجبّار، بالإدخال إلى الجنّة، و الإيصال إلىالقربة و الوصلة.

و عن بعض أهل الإشارة: { سَيَرْحَمَهُمُ اللهُ } في خمسة مواضع: عند الموت و سكراته يُهوّن عليهم سكرات الموت، و يحفظ إيمانهم من الشّيطان. و في القبر و ظلماته يُنوّر قبورهم، و يحفظهم من عذاب القبر. و عند قراءة الكتاب و حسراته، يؤتيهم كتابهم بيمينهم، و يمحو سيّآتهم من كتابهم، كيلايتحسّروا على سيّآتهم. و عند الميزان و ندماته، يثقِّل موازينهم. و عند الوقوف بين يدي الله و سؤالاته يُسهّل عليهم جوابهم، و لايؤاخذ هم بعيوبهم.

و فى الحديث: « من صلّى صلاة الفجر هانَ عليه الموت و غُصّته، و من صلّى صلاة الظّهر هانَ عليه القبر و ضمّته، و من صلّى صلاة العصر هانَ عليه سؤال منكر و نكير و هيبته، و من صلّى صلاة المغرب هانَ عليه الميزان و خفّته، و من صلّى صلاة العشاء هانَ عليه الصّراط و دقّته ». (3 : 463)

الآلوسيّ: و قوله تعالى شأنه: { اُولئِكَ’سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ } في مقابلة { فَنَسِِِيَهُمْ } التّوبة : 67، المفسّر بمنع لطفه و رحمته سبحانه، و قيل: في مقابلة

{ اِنَّ الْمُنَافِقينَ ‘هُمُ الْفَاسِقُونَ } التّوبة : 67، لأ نّه بمعنى


1) (1) ذكره أبوحَيّان: وجوب الرّحمة، بدل: وجود الرّحمة.

المتّقين المرحومين. و الإشارة إلى المؤمنين و المؤمنات باعتبار اتّصافهم بما سلف من الصّفات الجليلة،و الإتيان بما يدلّ على البُعْد لما مرّ غير مرّ ة.

و السّين - على ما قال الزّمَخْشَريّ و تبعه غير واحد - لتأكيد الوعد، و هي كما تُفيد ذلك تفيد تأكيد الوعيد.

و نظر فيه < صاحبالتّقريب > و وجه ذلك بأنّ السّين في الإثبات في مقابلة < لَنْ > في النّفي، فتكون بهذا الاعتبار تأكيدً ا لما دخلت عليه. ولافرق في ذلك بين أن يكون وعدً ا أو و عيدً ا أو غيرهما.

و قال العلا مة ابن حجر: ما زعمه الزّمَخْشَريّ من أنّ السّين تفيد القطع بمدخولها، مردود بأنّ القطع إنمّا فُهم من المقام لامن الوضع، و هو توطئة لمذهبه الفاسد في تحتّم الجزاء، و من غفل عن هذه الدّسيسة وجّهه.

و تعقّبه الفهّامة < ابن قاسم > بأنّ هذا لاوجه له، لأ نّه أمر نقليّ لايدفعه ما ذُكر، و نسبة الغفلة للأئمّة إنّما أوجبه حبّ الاعتراض، و حينئذ فالمعنى: أُولئك المنعوتون بما فُصّل من النّعوت الجليلة يرحمهم الله تعالى لامحالة. [إلى أن قال:]

و يُفهَم من كلام البعض أنّ قوله سبحانه:{ سَيَرْحَمُهُمُ } بيان لإفاضة آثار الرّحمة الدّنيويّة من التّأييد و النّصر. و هذا تفصيل لآثار رحمته سبحانه الأُخرويّة، و الإظهار في مقام الإضمار لزيادة التّقرير، و الإشعار بعلّيّة الإيمان لما تعلّق به الوعد، و لم يضمّ إليه باقي الأوصاف، للإيذان بأ نّه من لوازمه و مستتبعاته. (10 : 135)

ابن عاشور: و قوله: { اُولئِكَ ’سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ } مقابل قوله في المنافقين: { فَنَسِيَهُمْ } التّوبة : 67.

و السّين لتأكيد حصول الرّحمة في المستقبل، فحرف الاستقبال يفيد مع المضارع ما تفيد < قَدْ >مع الماضي، كقوله: { وَ لَسَوْفَ يُعْطيكَ‘ رَ بُّكَ فَتَرْضى } الضّحى : 5.

و الإشارة للدّ لالة على أنّ ما سيرد بعد اسم الإشارة صاروا أحرياء به، من أجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة. (10 : 152)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { اُولئِكَ ’سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ } إخبار عمّا في القضاء الإلهيّ من شمول الرّحمة الإلهيّة لهؤلاء القوم الموصوفين بما ذُكر، و كأنّ في هذه الجملة محاذاة لما سرد في المنافقين، من قوله تعالى: { نَسُوا اللهَ فَنَسِِيَهُمْ } التّوبة : 67. (9 : 338)

عبد الكريم الخطيب:{ اُولئِكَ ’سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ } لأ نّهم لجؤوا إليه و التمسوا مرضاته، و أخلصوا القول و العمل له. (5 : 842)

مكارم الشّيرازيّ: أمّا ختام الآية، فإنّه يتحدّث عن امتيازات المؤمنين و المكافأة و الثّواب الّذي ينتظرهم. و أوّ ل ما تعرّضت لبيانه هو الرّحمة الإلهيّة الّتي تنتظرهم ف- { اُولئِكَ ’سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ }. إنّ كلمة < الرّحمة > الّتي ذُكرت هنا لها مفهوم واسع، و يدخل ضمنه كلّ خير و بركة و سعادة، سواء في هذه الحياة أو في العالم الآخر. و هذه الجملة في الواقع جاءت مقابلة لحال المنافقين الّذين لعنهم الله و أبعدهم عن رحمته. (6 : 113)

فضل الله: في ما أُخذوا به من أسباب الرّحمة، من الإيمان بالله و الطّاعة لرسوله، و الانسجام مع شريعته. (11 : 162)

يَرْحَمَكُمْ

عَسى" رَ بُّكُمْ اَنْ يَرْحَمَكُمْوَ اِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا... الإسراء : 8

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: لعلّ ربّكم يابني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم، بالقوم الّذين يبعثهم الله عليكم، ليسوء مبعثه عليكم وجوهكم،و ليدخلوا المسجد كما دخلوه أوّ ل مرّة، فيستنقذكم من أيديهم، و ينتشلكم من الذُّلّ الّذي يحلّه بكم، و يرفعكم من الخُمُولة الّتي تصيرون إليها، فيعزّكم بعد ذلك، و { عَسى } من الله واجب، و فعل الله ذلك بهم، فكثّر عددهم بعد ذلك، و رفع خَساستهم، و جعل منهم الملوك و الأنبياء. (8 : 41)

الماوَرْديّ: يعني ممّا حلّ بكم من الانتقام منكم. (3 : 231)

الطُّوسيّ: إن أقمتم على طاعته و ترك معاصيه، و { عَسى } من الله واجبة. و يجوز أن يكون بمعنى الإبهام على المخاطب. (6 : 452)

المَيْبُديّ: أي و هذا أيضًا ما أخبر أ نّه في الكتاب عسى ربّكم أن يرحمكم بعد أن عاقبكم بذنوبكم الله، و هذه الرّحمة عمران بيت المَقْدِس، و رجعة أهله إليه. (5 : 520)

الزّمَخْشَريّ: { اَنْ يَرْحَمَكُمْ } بعد المرّة الثّانية إن تُبتم توبة أُخرى،و انزجرتم عن المعاصي. (2: 439)

نحوه البُرُوسَويّ(5: 134)، و الآلوسيّ(15: 21).

ابن عَطيّة:{ عَسى رَ بُّكُمْ} إن أطعتم في أنفسكم و استقمتم { اَنْ يَرْحَمَكُمْ } و { عَسى } ترجّ في حقّهم. و هذه العِدَة ليست برجوع دولة، و إنمّا هي بأنيرحم المطيع منهم، و كان من الطّاعة اتّباعهم لعيسى و محمّد، فلم يفعلوا، و عادوا إلى الكفر و المعصية، فعاد عقاب الله، فضرب عليهم الذُّلّ و قتلهم، و أذلهّم بيدكلّ أُمّة. (3 : 440)

الطَّبْرِسيّ: { اَنْ يَرْحَمَكُمْ } بعد انتقامه منكم إن تبتم و رجعتم إلى طاعته. (3 : 399)

الفَخْرالرّ ازيّ: و المعنى: لعلّ ربّكم أن يرحمكم و يعفو عنكم، بعد انتقامه منكم يا بني إسرائيل. (20 : 159)

القُرطُبيّ:هذا ممّا أخبروا به في كتابهم، و {عَسى } وعد من الله أن يكشف عنهم، و { عَسى" } من الله واجبة { اَنْ يَرْحَمَكُمْ } بعد انتقامه منكم، و كذلك كان، فكثر عددهم و جعل منهم الملوك. (10 : 223)

أبوحَيّان: { عَسى رَ بُّكُمْ اَنْ يَرْحَمَكُمْ } بعد المرّة الثّانية إن تُبتم و انزجرتم عن المعاصي، و هذه التّرجئة ليست لرجوع دولة، و إنمّا هي من باب ترحّم المطيع منهم، و كان من الطّاعة أن يتّبعوا عيسى و محمّدً ا ، فلم يفعلوا. (6 : 11)

الطَّباطَبائيّ: أي بعد البعث الثّاني - على ما يفيده السّياق - و هو ترَجّ للرّحمة، على تقدير: أن يتوبوا و يرجعوا إلى الطّاعة و الإحسان، بدليل قوله:

{ وَ اِنْ تَعُودُوا نَعُدْ } الأنفال : 19، أي و إن تعودوا إلى الإفساد و العلوّ بعد ما رجعتم عنه و رحمكم ربّكم، نَعُدْ إلى العقوبة والنّكال، و جعلنا جهنّم للكافرين حصيرً ا و مكانًا حابسًا، لايستطيعون منه خروجًا.

و في قوله: { عَسى رَ بُّكُمْ اَنْ يَرْحَمَكُمْ } التفات من التّكلّم مع الغير إلى الغيبة، و كان الوجه فيه الإشارة إلى أنّ الأصل الّذي يقتضيه ربوبيّته تعالى أن يرحم عباده إن جروا على ما يقتضيه خلقتهم، و يرشد إليه فطرتهم، إلا أن ينحرفوا عن خطّ الخلقة و يخرجوا عن صراط الفطرة. و الإيماء إلى هذه النّكتة يوجب ذكر وصف الرّبّ، فاحتاج السّياق أن يتغيّر عن التّكلّم مع الغير إلى الغيبة، ثمّ لم-ّا استوفيت النّكتة بقوله: { عَسى رَ بُّكُمْ اَنْ يَرْحَمَكُمْ } عاد الكلام إلى ما كان عليه. (13 : 42)

عبدالكريم الخطيب: هو خطاب لبني إسرائيل، و إلفات لهم إلى بأس الله الّذي لايردّ عن القوم الظّالمين، و أ نّهم بعد أن ينفذ فيهم قضاء الله، و يقعوا تحت « وعد الآخرة » لن يرفع عنهم التّكليف المفروض على كلّ إنسان، فهم شأنهم شأن النّاس معرضون لرحمة الله، إن نزعوا عمّاهم عليه من شرّ و فساد، و رجعوا إلى الله، و استقاموا على طريق الحقّ و الخير. (8 : 458)

فضل الله: { عَسى رَ بُّكُمْ اَن يَرْحَمَكُمْ } بعد ذلك التّشريد و التّنكيل و الهلاك، إذا رجعتم إليه، و عملتم بكتابه، و سرتم على الصّراط المستقيم، ممّا يعيد إليكم عزّكم و مجدكم و امتدادكم في الأرض، لأنّ الله لن يسلب من أُمّة رحمته إذا أخذت بأسبابها، بعد أن كانت قد ابتعدت عنها، فهو جعل أبواب رحمته لمن أراد أن يدخلها. و لكن ذلك لايعني - في أيّ حال - أنّ الله يسمح للعبد أن يستغلّ ذلك في السّير مع خطّ الضّلال منجديد، أملا في أجواء الرّحمة. (14 : 35)

يَرْحَمْكُم

رَ بُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْ اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّبْكُمْ... الإسراء : 54

الحسَن: إن يشأ يرحمكم بالتّوبة أو يعذّبكم بالإقامة. (الماوَرْديّ 3 : 250)

نحوه الطُّوسيّ. (6 : 490)

الكَلْبيّ: إن يشأ يرحمكم فينجّيكم من أعدائكم، أويعذّبكم بتسلّطهم عليكم. (الماوَرْديّ 3 : 250)

ابن جُرَيْج: فتؤمنوا. (الطّبَريّ 8 : 93)

إن يشأ يوفّقكم للإسلام فيرحمكم، أو يميتكم على الشّرك فيعذّبكم. (القُرطُبيّ 10 : 278)

الطّبَريّ: فيتوب عليكم برحمته، حتّى تُنيبوا عمّا أنتم عليه من الكفر به، و باليوم الآخر. (8 : 93)

الماوَرْديّ: فيه ثلاثة أوجُه:

أحدها: إن يشأ يرحمكم بالهداية، أو يعذّبكم بالإضلال.

الثّاني: [قول الكَلْبيّ]

الثّالث: [قول الحسَن] (3 : 250)

المَيْبُديّ: { اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ } فينجّيكم من أعدائكم، { اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّ بْكُمْ } فيسلّطهم عليكم. (5 : 572)

الزّمَخْشَريّ: يعني يقولوا لهم هذه الكلمة و نحوها، و لايقولوا لهم: إنّكم من أهل النّار، و إنّكم معذّبون، و ما أشبه ذلك، ممّا يُغيظهم و يهيجهم على الشّرّ. (2 : 453)

الطَّبْرِسيّ: قيل: أراد أ نّه سبحانه مالك للرّحمة و العذاب، فيكون الرّجاء إليه، و الخوف منه، عن الجُبّائيّ. [و ذكر قول الحسَن و قال:]

و قيل: معناه: إن يشأ يرحمكم بإخراجكم من مكّة، و تخليصكم من إيذاء المشركين. أو إن يشأيعذّبكم بتسليطهم عليكم.

و قيل: إن يشأ يرحمكم بفضله، و إن يشأ يعذّبكم بعدله، و هو الأظهر. (3 : 421)

الفَخْرالرّ ازيّ: و المعنى: إن يشأ يرحمكم، و المراد بتلك الرّحمة: الإنجاء من كفّار مكّة و أذاهم، أو إن يشأ يعذّبكم بتسليطهم عليكم. (20 : 229)

أبوحَيّان: و الخطاب بقوله: { رَ بُّكُ-مْ } إن كان للمؤمنين، فالرّحمة: الإنجاء من كفّار مكّة و أذاهم،و التّعذيب: تسليطهم عليهم. { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ } أي على الكفّار حافظًا و كفيلا ، فاشتغل أنت بالدّعوة، و إنّماهدايتهم إلى الله. و قيل: {يَرْحَمْكُمْ } بالهداية إلى التّوفيق و الأعمال الصّالحة، و إن شاء عذّبكم بالخذلان، و إن كان الخطاب للكفّار فقال: يقابل يرحمكم الله بالهداية إلى الإيمان، و يعذّبكم: يميتكم على الكفر.

و ذكر أبوسليمان الدّمشقيّ: لم-ّا نزل القحط بالمشركين قالوا: { رَ بَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ اِنَّا مُؤْمِنُونَ } فقال الله: { رَ بُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْ } بالّذي يؤمن من الّذي لايؤمن { اِنْ يَشَاْيَرْحَمْكُمْ } فيكشف القحط عنكم { اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّ بْكُمْ } فيتركه عليكم. (6 : 49)

أبوالسُّعود: { يَرْحَمْكُمْ } بالتّوفيق للإيمان { اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّبْكُمْ } بالإماتة على الكفر. و هذا تفسير الّتي هي أحسن و ما بينهما اعتراض، أي قولوا لهم هذه الكلمة و ما يشاكلها، و لاتصرّحوا بأ نّهم من أهل النّار، فإنّه ممّا يهيجهم على الشّرّ، مع أنّ العاقبة ممّا لايعلمه إلا الله سبحانه، فعسى يهديهم إلى الإيمان.(4 : 137)

مثله البُرُوسَويّ (5 : 172)، و الآلوسيّ (15 : 94).

ابن عاشور: و معنى { اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّبْكُمْ } على هذا الكناية عن مشيئة هديه إيّاهم الّذي هو سبب الرّحمة، أو مشيئة تركهم و شأنهم.

و هذا أحسَن ما تفسّر به هذه الآية و يبيّن موقعها، و ما قيل غيره أراه لايلتئم.

و أُوتي بالمسند إليه بلفظ< الرّبّ > مضافًا إلى ضمير المؤمنين الشّامل للرّسول، تذكيرً ا بأنّ الاصطفاء للخير شأن من معنى الرّبوبيّة الّتي هي تدبير شؤون المربوبين، بما يليق بحالهم، ليكون لإيقاع المسند على المسند إليه بعد ذلك بقوله: { اَعْلَمُ بِكُمْ } وقع بديع، لأنّ الّذي هو الرّبّ هو الّذي يكون أعلم بدخائل النّفوس، و قابليّتها للإصطفاء.

و هذه الجملة بمنزلة المقدّمة لما بعدها، و هي جملة { اِنْ يَشَاْيَرْحَمْكُمْ... }، أي هو أعلم بما يناسب حال

كلّ أحد من استحقاق الرّحمة و استحقاق العذاب.

و معنى: { اَعْلَمُ بِكُمْ } أعلم بحالكم، لأنّ الحالة هي المناسبة لتعلّق العلم، فجملة { اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّبْكُمْ } مبيّنة للمقصود من جملة { رَ بُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْ }.

و الرّحمة و التّعذيب مكنًّى بهما عن الاهتداء و الضّلال، بقرينة مقارنته، لقوله: { رَ بُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْ }. الّذي هو كالمقدّمة. و سلك سبيل الكناية بهما لإفادة فائدتين: صريحهماوكنايتهما، و لإظهار أ نّه لايُسأل عمّا يفعل، لأ نّه أعلم بما يليق بأحوال مخلوقاته. فلمّا ناط الرّحمة بأسبابها و العذاب بأسبابه بحكمته و عدله، عُلم أنّ معنى مشيئته الرّحمة أو التّعذيب هو مشيئة إيجاد أسبابهما.

و فعل الشّرط محذوف، و التّقدير: إن يشأ رحمتَكم يَرْحَمْكم، أو إن يشأ تعذيبَكم يعذّ بكم، على حكم حذف مفعول فعل المشيئة في الاستعمال، و جيء بالعطف بحرف ( اَوْ ) الدّ الّة على أحد الشّيئين، لأنّ الرّحمة و التّعذيب لايجتمعان ف- ( اَوْ ) للتّقسيم.

و ذكر شرط المشيئة هنا فائدته التّعليم، بأ نّه تعالى لامُكره له، فجمعت الآية الإشارة إلى صفة العلم والحكمة، و إلى صفة الإرادة و الاختيار. و إعادة شرط المشيئة في الجملة المعطوفة، لتأكيد تسلّط المشيئة على الحالتين. (14 : 107)

الطَّباطَبائيّ: قد تقدّم أنّ الآية و ما بعدها تتمّة السّياق السّابق، و على ذلك، فصدر الآية من تمام كلام النّبيّ (صلی الله علیه و آله) الّذي أُمربإلقائه على المؤمنين بقوله: { وَ قُلْ لِعِبَادى‘ يَقُولُوا } الإسراء : 53، و ذيل الآية خطاب للنّبيّ خاصّة، فلاالتفات في الكلام.

و يمكن أن يكون الخطاب في صدر الآية للنّبىّ (صلی الله علیه و آله) و المؤمنين جميعًا، بتغليب جانب خطابه على غيبتهم. و هذا أنسب بسياق الآية السّابقة، و تلاحق الكلام و الكلام لله جميعًا.

وكيف كان فقوله: { رَ بُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْ اِنْ يَشَاْيَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّ بْكُمْ } في مقام تعليل الأمر السّابق ثانيًا، و يفيد أ نّه يجب على المؤمنين أن يتحرّزوا من إغلاظ القول على غيرهم، و القضاء بما الله أعلم به من سعادة أو شقاء، كأن يقولوا: فلان سعيد بمتابعة النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و فلان شقيّ، و فلان من أهل الجنّة، و فلان من أهل النّار، و عليهم أن يُرجعوا الأمرويفوّضوه إلى ربّهم،فربّكم - والخطاب للنّبيّ و غيره - أعلم بكم، و هو يقضي فيكم - على ما علم - من استحقاق الرّحمة أو العذاب، إن يشأ يرحمكم، و لايشاء ذلك الا مع الإيمان و العمل الصّالح، على ما بيّنه في كلامه. أو إن يشأ يُعذّبكم، و لايشاء ذلك إلا مع الكفر و الفسوق. وما جعلناك أيّها النّبيّ عليهم وكيلا مفوّضًا إليه أمرهم حتّى تختار لمن تشاء ما تشاء، فتُعطي هذا وتُحرم ذاك.

و من ذلك يظهر أنّ التّرديد في قوله: { اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّ بْكُمْ } باعتبار المشيئة المختلفة، باختلاف الموارد: بالإيمان و الكفر، و العمل الصّالح و الطّالح، و أنّ قوله: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكيلا ‘ } الإسراء : 54، لردع المؤمنين عن أن يعتمدوا في نجاتهم

على النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و الانتساب إلى قبول دينه، نظير قوله ليس: { بِاَمَانِيِّكُمْ وَ لا اَمَانِىِّ اَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُؤًا يُجْزَ بِهِ } النّساء : 123 و قوله: { اِنَّ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَ اَّلذينَ‘ هَادُوا وَالنَّصَ-ارى وَ الصَّابِ-ينَ=‘ مَنْ ا"مَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الا_خِرِ وَ ’عَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ اَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ } البقره : 62، وآيات أُخرى في هذا المعنى.

و فى الآيه أقوال أُخر تركنا التّعرّض لها لعدم الجَدْوى. (13 : 119)

عبد الكريم الخطيب: { اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ } أيّها المخلوقون، فيجعلكم من عباده، و أهل طاعته { وَ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّ بْكُمْ } فيُضلّكم، و يختم على قلوبكم، و ليس للمرحومين من النّاس، و لاللمعذّبين منهم مذهب إلى غير هذا المقام الّذي أقامهم الله فيه، و أرادهم له: { لايُسْ-َلُ=عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْ-َلُو=نَ } الأنبياء : 23. (8 : 502)

مكارم الشّيرازيّ: الآية الّتي بعدها تضيف: { رَ بُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْ اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّ بْكُمْ} بناءً على الرّ أيين السّابقين في تفسير مَن المُخاطَب في تعبير {عِبَادى‘} فإنّ هذه الآية أيضًا - و تبعًا لما سبق - تحتمل تفسيرين هما:

الأوّ ل: أيّها المشركون، إنّ ربّكم ذو رحمة واسعة، و ذو عقاب أليم، و سيشملكم منهما مايلائم أعمالكم، و لكنّ الأفضل أن تتوسّلوا برحمته الواسعة و تحذروا عذابه.

الثّاني: لاتظنّوا أيّها المؤمنون بأ نّكم وحدكم النّاجون، و أنّ غيركم سيكون مصيره النّار، فالله أعلم بأعمالكم و نواياكم، ولو أراد عزّ و جلّ لأخذكم بذنوبكم، و لو شاء لشملكم برحمته، ففكِّروا قليلا في أنفسكم، و ليَكُن حكمكم على أنفسكم و الآخرين بالإنصاف. (9 : 29)

فضل الله: فيغفر ذنوبكم، و يكفّرعنكم سيّئاتكم.(14 : 147)

يَرْحَمْنَا

قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا وَ يَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ‘. الأعراف : 149

الفَرّ اء: نُصب بالدّعاء: ( لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَ بَّنَا ) و يُقرأ { لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا}، و النّصب أحبّ إليّ، لأ نّها في مُصحف عبدالله ( قَالُوا رَ بَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا ). (1 : 393)

الطّبَريّ: اختلفت القرأة في قراءة ذلك:

فقرأه بعض قرأة أهل المدينة و مكّة و الكوفة و البصرة { لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّ-نَا} بالرّفع، على وجه الخبر. و قرأ ذلك عامّة قرأة أهل الكوفة ( لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَ بَّنَا) بالنّصب، بتأويل: لئن لم ترحمنا ياربّنا على وجه الخطاب منهم لربّهم.

و اعتلّ قارئو ذلك كذلك، بأ نّه في إحدى القراءتين ( قَالُوا رَ بَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَ بَّنَا و تَغْفِرْ لَنَا )؛ و ذلك دليل على الخطاب.

و الّذي هو أولى بالصّواب من القراءة في ذلك، القراءة على وجه الخبر بالياء في { يَرْحَمْنَا }، و بالرّفع في قوله: { رَ بُّنَا } لأ نّه لم يتقدّم ذلك ما يوجب أن

يكون موجّهًا إلى الخطاب.

و القراءة الّتي حُكيت على ما ذكرنا من قراءتها ( قَالُوا رَ بَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا)، لانعرف صحّتها من الوجه الّذي يجب التّسليم إليه.

و معنى قوله: { لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا وَ يَغْفِرْ لَنَا } لئن لم يتعطّف عليناربّنا بالتّوبة برحمته، و يتغمّد بها ذنوبنا، لنكوننّ من الهالكين الّذين حبطت أعمالهم. (6 : 64)

الطُّوسيّ: إخبار عمّا قال القوم، حين تبيّن ضلالهم و سقط في أيديهم، و التجائهم إلى الله،و اعترافهم بأ نّه إن لم يغفر لهم ربّهم و يتغمّدهم بمغفرته، يكونوا من جملة الخاسرين الّذين خسروا أنفسهم، بما يستحقّونه من العقاب الدّ ائم. (4 : 580)

القُشَيْريّ: حين تحقّقوا بقبح صنيعهم، تجرّعوا كاسات الأسف ندمًا، و اعترفوا بأ نّهم خسروا إن لم يتداركهم من الله جميل لطفه. (2 : 267)

المَيْبُديّ: قرأ حمزة و الكِسائيّ ( تَرْحَمْنَا و تَغْفِرْ لَنَا) بالتّاء، و ( رَ بَّنَا ) بالنّصب، بمعنى الدّعاء، يعني ياربّنا. (3 : 744)

الزّمَخْشَريّ: و قرئ ( لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَ بَّنَاو تَغْفِرْ لَنَا ) بالتّاء. و ( رَ بَّنَا ) بالنّصب على النّداء. و هذا كلام التّائبين، كما قال آدم و حوّ اء: { وَ اِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَاوَ تَرْحَمْنَا } الأعراف : 23. (2 : 118)

نحوه الفَخْرالرّ ازيّ. (15 : 9)

ابن عَطيّة: و قرأ ابن كثير و نافع و أبوعمرو و ابن عامر و عاصم و الحسَن و الأعرج و أبوجعفر و شيبة بن نصّاح و مُجاهِد و غيرهم { قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا } بالياء في { يَرْحَمْنَا }، و إسناد الفعل إلى الرّبّ تعالى، { وَ يَغْفِرْ } بالياء. و قرأ حمزة و الكِسائيّ والشّعبيّ و ابن وَثّاب و الجَحْدريّ و طلحة بن مُصرّف و الأعمش و أيّوب (تَرْحَمْنَا رَ بَّنَا) بالتّاء في ( تَرْحَمْنَا)، و نصب لفظة ( رَ بَّنَا ) علىجهة النّداء، ( وَ تَغْفِرْ ) بالتّاء من فوق، و في مُصحف أُبيّ ( قَالُوا رَ بَّنَا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا وَ تَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ‘ ). (2 : 456)

الطَّبْرِسيّ: ( لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا) بالتّاء، ( رَ بَّنَا ) بالنّصب، ( وَ تَغْفِرْ لَنَا ) بالتّاء، كوفيّ، غير عاصم.و الباقون: { يَرْحَمْنَا }، { وَ يَغْفِرْ لَنَا } بالياء،{ رَ بُّنَا } بالرّفع.

من قرأ بالياء جعل الفعل للغيبة، و ارتفع { رَ بُّنَا } به،{ وَ يَغْفِرْ لَنَا } فيه ضمير { رَ بُّنَا }. و من قرأ بالتّاء ففيه ضمير الخطاب، و ( رَ بَّنَا ) نداء، و حُذف حرف التّنبيه معه، لأنّ عامّة ما في التّنزيل حذف حرف التّنبيه، نحو قوله: { رَ بَّنَا اِنّى اَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّ يَّتى } إبراهيم : 37،{ رَ بَّنَا وَ ا"تِنَا مَا وَعَدْتَنَا }آل عمران : 194. [إلى أن قال:]

{ قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا } بقبول توبتنا{ وَ يَغْفِرْ لَنَا } ما قدّمناه من عبادة العجل. (2 : 480)

القُرطُبيّ: قرأ حمزة و الكِسائيّ (لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَ بَّنَا وَ تَغْفِرْ لَنَا ) بالتّاء على الخطاب. و فيه معنى الاستغاثة و التّضرّع و الابتهال في السّؤال و الدّعاء. ( رَ بَّنَا ) بالنّصب على حذف النّداء، و هو أيضًا أبلغ في الدّعاء و الخضوع. فقراءتهما أبلغ في الاستكانة

والتّضرّع، فهي أولى. (7 : 286)

أبوحَيّان: انقطاع إلى الله تعالى، و اعتراف بعظيم ما أقدموا عليه، و هذا كما قال آدم و حوّ اء: { وَ اِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا } الأعراف :23.

و لم-ّا كان هذا الذّنب و هو اتّخاذ غير الله إله-ًا أعظم الذّنوب، بدأُوا بالرّحمةالّتي وسعت كلّ شيء، ومن نتاجها غفران الذّنب. (4 : 394)

أبوالسُّعود: { قَالُوا } و الله { لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَارَ بُّنَا} بإنزال التّوبة المكفِّّرة { وَ يَغْفِرْ لَنَا} ذنوبنا، بالتّجاوز عن خطيئتنا. و تقديم الرّحمة على المغفرة، مع أنّ التّخلية حقّها أن تُقدّم على التّحلية، إمّا للمسارعة إلى ما هو المقصود الأصليّ، و إمّا لأنّ المراد بالرّحمة مطلق إرادة الخير بهم، و هو مبدأ لإنزال التّوبة المكفِّرة لذنوبهم. (3 : 32)

مثله الآلوسيّ. (9 : 65)

فضل الله: و لعلّ مثل هذه الرّوح الّتي انطلقت بهذا الابتهال الخاشع النّادم، تُوحي بأنّ القوم كانوا قد وصلوا إلى مرتبة جيّدة من الرّوح الإيمانيّة في أعماقهم، حتّى إذا انحرفت بهم الطّريق في اتّجاه الشّيطان، سارعوا إلى الرّجوع إلى الاستقامة في اتّجاه الله. (10 : 249)

تَرْحَمْنَا

قَالا رَ بَّنَا ظَلَمْنَا اَ نْفُسَنَا وَ اِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ‘. الأعراف : 23

الطّبَريّ: { وَ تَرْحَمْنَا } بتعطّفك عليناو تركك أخذنا به. (5 : 453)

تُرْحَمُونَ

وَ اَطيعُوا اللهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.آل عمران : 132

الطّبَريّ: يقول: لتُرحَمُوا فلاتُعذّبوا. (3 : 435)

الطُّوسيّ: يحتمل أمرين:

أحدهما:لتُرحَمُوا. و قد بيّنّا لذلك نظائر.

و الثّاني: أنّ معناه: ينبغي للعباد أن يعملوا بطاعة الله على الرّجاء للرّحمة بدخول الجنّة، لئلا يزلّوا فيستحقّوا الإحباط و العقوبة، أو يُوقعوها على وجه لايستحقّ به الثّواب، بل يستحقّ به العقاب. و فيها معنى الشّكّ، لكنّه للعباد دون الله تعالى. (2 : 590)

الطَّبْرِسيّ: أي لكي تُرحَمُوا فلايُعذّبكم. (1 : 503)

الفَخْرالرّ ازيّ: و لم-ّا ذكر الوعيد ذكر الوعد بعده، على ما هو العادة المستمرّة في القرآن. و قال: محمّد بن إسحاق بن يسار: هذه الآية معاتبة للّذين عصوا الرّسول (صلی الله علیه و آله) حين أمرهم بما أمرهم يوم أُحُد.

و قالت المعتزلة: هذه الآية دالّة على أنّ حصول الرّحمة موقوف على طاعة الله و طاعة الرّسول (صلی الله علیه و آله) و هذا عامّ، فيدلّ الظّاهر على أنّ من عصى الله و رسوله في شيء من الأشياء أ نّه ليس أهلا للرّحمة؛ و ذلك يدلّ على قول أصحاب الوعيد. (9 : 4)

القُرطُبيّ: أي كي يرحمكم الله. (4 : 203)

أبوحَيّان: و الرّحمة من الله إرادة الخير لعبيده، أو

ثوابهم على أعمالهم. (3 : 55)

أبوالسُّعود: راجين لرحمته، عقّب الوعيد بالوعد ترهيبًا عن المخالفة، و ترغيبًا في الطّاعة، و إيراد < لعلّ > في الموضعين للإشعار بعزّة منال الفلاح و الرّحمة. (2 : 32)

الآلوسيّ: أي لكي تنالوا رحمة الله تعالى أوراجين رحمته. (4 : 56)

عبد الكريم الخطيب: و في قوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } تذكير لهم بالرّحمة الّتي يجب أن تملأ قلوبهم عطفًا و بِرًّ ا بالنّاس، فلايغتالوا أموالهم بالرّبا،و لايأكلوها ظلمًا و عُدوانًا، فإنّهم إن رحموا النّاس، رحمهم ربّ النّاس، و في الأثر: « الرّ احمون يرحمهم الرّحمن ». (2 : 585)

فضل الله: بيّن لهم أنّ طاعة الله و الرّسول هي الّتي تجعل الإنسان موضعًا لرحمة الله، ليتحرّكوا - في طلبهم لرحمته - على هذا الأساس. (6 : 267)

ارْحَمْ - الرَّاحِمينَ

وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ اَنْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ.‘

المؤمنون : 118

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّد (صلی الله علیه و آله): و قل يا محمّد، ربّ استُر عليّ ذنوبي بعفوك عنها، و ارحمني بقبول توبتك، و تركك عقابي على ما اجترمت { وَاَنْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ‘ } يقول: و قل: أنت يا ربّ خير من رحم ذاذنب، فقبل توبته، و لم يعاقبه على ذنبه. (9 : 254)

الطُّوسيّ: أي اغْفِر الذّنوب، و أنعم على خلقك.

{وَ اَ نْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ‘ } معناه: أفضل من رحم و أنعم على غيره، و أكثرهم نعمة و أوسعهم فضلا . (7 : 402)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (4 : 122)

القُشَيْريّ: اغفر الذّنوب، و اسْتُر العيوب،و أجْزِل الموهوب. و ارْحَم حتّى لاتستولي علينا هواجم التّفرقة و نوازل الخطوب. و الرّحمة بالدّعاء من صنوف النّعمة، و يسمّىالحاصل بالرّحمة باسم الرّحمة، على وجه التّوسّع و حكم المجاز. (4 : 264)

المَيْبُديّ: و { قُلْ } يا محمّد، { رَبِّ اغْفِرْ } أي ذنوبى، { وَ ارْحَمْ } أي تضرّعي، { وَ اَنْتَ خَيْرُالرَّ احِمينَ ‘} لايرحم أحد رحمتك. قيل: إذا رحم عبدً ا لم يوبّخه على ذنبه. و هذا الدّعاء معطوف على ما علّمه من الدّعاء قبله في قوله: { وَ قُلْ رَبِّ اَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَ اتِ الشَّيَاطينِ ‘} المؤمنون : 97. (6 : 474)

ابن عَطيّة: أمر رسول الله (صلی الله علیه و آله) بالدّعاء في المغفرة و الرّحمة، و الذِّكر له تعالى بأ نّه { خَيْرُ الرَّ احِمينَ‘ }، لأنّ كلّ راحم فمتصرّف على إرادة الله و توقيفه، وتقديره لمقدار هذه الرّحمة، و رحمته تعالى لامشاركة لأحد فيها.

و أيضًا فرحمة كلّ راحم في أشياء و بأشياء حقيرات، بالإضافة إلى المعاني الّتي تقع فيها رحمة الله تعالى، من الاستنقاذ من النّار و هيئة نعيم الجنّة. و على ما في الحديث: فرحمة كلّ راحم بمجموعها كلّها جزء من مائة رحمة الله جلّت قدرته؛ إذ بثّ في العالم واحدة

وأمسك عنده تسعة و تسعين. (4 : 159)

الفَخْرالرّ ازيّ: أمر الرّسول (صلی الله علیه و آله) بأن يقول ربّ اغفر و ارحم، و يُثنّي عليه بأ نّه خير الرّ احمين. و قد تقدّم بيان أ نّه سبحانه خير الرّ احمين.

فإن قيل: كيف تتّصل هذه الخاتمة بما قبلها؟

قلنا: لأ نّه سبحانه لم-ّا شرح أحوال الكفّار في جهلهم في الدّنيا، و عذابهم في الآخرة، أمر بالانقطاع إلى الله تعالى والالتجاء إلى دلائل غفرانه و رحمته، فإنّهما هما العاصمان عن كلّ الآفات والمخافات. (23 : 128)

البُرُوسَويّ: أمر رسول الله بالاستغفارو الاسترحام إيذانًا بأ نّهما من أهمّ الأُمور الدّينيّة؛ حيث أمر به من غفر له ما تقدّم من ذنبه و ما تأخّر، فكيف بمن عداه، كما قال في < التّأويلات النّجميّة >:

< الخطاب مع محمّد يُشير إلى أ نّه مع كمال محبوبيّته و غاية خصوصيّته و رتبة نبوّته و رسالته، محتاج إلى مغفرته و رحمته، فكيف بمن دونه و بمن يدعو مع الله إله-ًا آخر، أي فلابدّ لأُمّته من الاقتداء به في هذا الدّعاء.

{ وَ اَنْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ‘ } يشير إلى أ نّه يحتمل تغَيّر كلّ راحم بأن يسخط على مرحومه فيُعذّبه بعد أن يرحمه، و إنّ الله جلّ ثناؤه إذا رحم عبده لم يسخط عليه أبدً ا، لأنّ رحمته أزليّة، لاتحتمل التّغيّر>.

و في حقائق البقليّ: < اغفر تقصيري في معرفتك، و ارحمني بكشف زيادة المقام في مشاهدتك، و أنت خير الرّ احمين؛ إذ كلّ الرّحمة في الكونين قطرة مستفادة من بحار رحمتك القديمة> . (6 : 113)

الآلوسيّ: و الظّاهر أنّ طلب كلّ من المغفرة و الرّحمة على وجه العموم، له عليه الصّلاة و السّلام و لمتّبعيه، و هو أيضًا أعمّ من طلب أصل الفعل و المداومة عليه فلاإشكال، و قد يقال في دفعه غير ذلك، و في تخصيص هذا الدّعاء بالذّكرما يدلّ على أهمّيّة ما فيه. (18 : 72)

عبدالكريم الخطيب: بهذه الآية الكريمة تُختَم السّورة، و بهذه الرّحمة الواسعة من ربّ كريم رحيم، يغاث النّاس، و يتداوون من جراحات الآثام و الذّنوب، الّتي شوّهت معالم فطرتهم، و ذهبت بالكثير من جمال خلقهم السّويّ، الّذي خلقهم الله عليه.

لقد ركب كثير من النّاس طُرُق الغواية و الضّلال، و كادت تضيع إنسانيّتهم في هذا التّيه، و لكن رحمة الله تداركتهم، فلقيتهم هناك في هذا الضّياع، و أعادتهم إلى مجتمع الإنسانيّة الكريم.

و هكذا ينتهى أمر النّاس برحمة عامّة شاملة، تنال البَرّ و الفاجر، و تكسو المطيع و العاصي.

و لتُرغَم أُنوف أُولئك الّذين يتألّون على الله، و يؤيّسون النّاس من رحمة ربّ النّاس، و يحتجزونها لأنفسهم، حتّى لكأ نّها لاتتّسع إلا لهم، و أ نّهلوشاركهم فيها غيرهم لضاقت بهم، و قلّ حظّهم منها. فهذا من سوء الظّنّ بالله، و من ضلال في الفهم لما لذاته من كمال مطلق: { اَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعيشَتَهُمْ فِى الْحَيو ةِ الدُّ نْيا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا

وَ رَحْمَتُ رَ بِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } الزّخرف : 32.

و من أسرار هذا الختام للسّورة بهذه الآية الكريمة، أ نّها جاءت تحمل الرّحمة و المغفرة الرّحمة الواسعة، و المغفرة الشّاملة، و بين يديها هذه الأحكام، و تلك الحدود، الّتي جاءت بهاسورة « النّور » الّتي تلي هذه الآية مباشرة، و كأ نّها تبشّر بالرّحمةو المغفرة، أُولئك الّذين تغلبهم أنفسهم، و تستعلي عليهم أهواؤهم، فيخرجون عن حدود الله، و يواقعون الإثم و المنكر.

فسبحانك سبحانك من ربّ كريم، غفور، رحيم، تعنو لجلاله الوجوه، و تستخزي في مواجهة كرمه و مغفرته و رحمته النّفوس، و يستحي من عصيانه و التّمرّد على طاعته أهل الحياء.

و ألاشاهت وجُوه الّذين يلقون رحمة الرّحمان الرّحيم بالتّمرّد و الكفران و ألاخسئ و خسر، أُولئك الّذين يُغريهم لطف اللّطيف، و إحسان المحسن، بالتّطاول عليه، و العدوان على حرماته. (9 : 1195)

مكارم الشّيرازيّ: و خُتمت السّورة بهذه الآية الشّريفة، كاستنتاج عامّ بأن وجّهت الكلام إلى الرّسول (صلی الله علیه و آله) { وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ اَ نْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ‘ }.

و الآن و قد اختارت فئة الشّرك سبيلا ، و جارت فئة أُخرى و ظلمت، فأنت - أيّها الرّسول - و من معك تدعون الله ربّكم أن يغفر لكم و يرحمكم بلطفه الواسع الكريم.

و لاشكّ في أنّ هذا الأمر بالدّعاء شامل لجميع المؤمنين، رغم كون المخاطب به هو النّبيّ بذاته. (10 : 474)

فضل الله: لأ نّك ترحم من موقع اللّطف الذّاتيّ، و لذلك فإنّ رحمتك تسع كلّ النّاس، حتّى الخاطئين. (16 : 209)

ارْحَمْهُمَا

وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ‌ّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَ بَّيَانى صَغيرً ا‘. الإسراء : 24

الطّبَريّ: يقول: ادْع الله لوالديك بالرّحمة، و قل: ربّ ارحمهما، و تعطّف عليهما بمغفرتك و رحمتك، كما تعطّفا عليّ في صغري، فرَحِماني و ربّياني صغيرً ا، حتّى استقللت بنفسي، و استغنيت عنهما. (8 : 62)

الطُّوسيّ: أي ادْع لهما بالمغفرة و الرّحمة، كما ربّياك في حال صغرك. (6 : 467)

المَيْبُديّ: و أمّا هذه الرّحمة و المغفرة ليستا إلا للمؤمنين. و قال ابن عبّاس: هو منسوخ بقوله: { مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ‘ وَ لَوْ كانُوا اُولى قُرْبى" } التّوبة : 113.

و قيل: هو خطاب للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) و المراد به أُمّته، من غير أن يكون للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) فيه اشتراك، لأ نّه (صلی الله علیه و آله) فَقَدأبويه قبل هذا الخطاب بالإجماع. و المعنى: يا ربّ تعطّف عليهما بمغفرتك و رحمتك، كما تعطّفا عليّ في صغري و رَحِماني و ربّياني صغيرً ا. (5 : 542)

الزّمَخْشَريّ: { مِنَ الرَّحْمَةِ } من فرط رحمتك لهما و عطفك عليهما، لكبرهما و افتقارهما اليوم إلى

من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس، و لاتكتف برحمتك عليهما الّتي لابقاء لها.

و ادْع الله بأن يرحمهما رحمته الباقية، و اجعل ذلك جزاءً لرحمتهما عليك في صغرك، و تربيتهما لك.

فإن قلت: الاسترحام لهما إنمّا يصحّ إذا كانا مسلمين.

قلت: و إذا كانا كافرين فله أن يسترحم لهما بشرط الإيمان، و أنيدعو الله لهما بالهداية و الإرشاد. و من النّاس من قال: كان الدّعاء للكفّار جائزً ا ثمّ نُسخ.

و سُئل ابن عُيَيْنَة عن الصّدقة عن الميّت فقال: كلّ ذلك واصل إليه، و لاشيء أنفع له من الاستغفار، و لو كان شيء أفضل منه لأمركم به في الأبوين. (2 : 445)

القُشَيْريّ: اخفض لهما جناح الذُّلّ بحسن المداراة و لين المنطق، و البدار إلى الخدمة، و سرعة الإجابة، و ترك البَرم بمطالبهما، و الصّبر على أمرهما، و ألا تدّخر عنهما ميسورً ا. (4 : 16)

ابن عَطيّة: و قوله: { مِنَ الرَّحْمَةِ }، ( مِنْ ) هنا لبيان الجنس، أي إنّ هذا الخفض يكون من الرّحمة المستكنّة في النّفس، لابأن يكون ذلك استعمالا .و يصحّ أن يكون لابتداء الغاية.

ثمّ أمر الله عباده بالتّرحّم على آبائهم، و ذكر منّتهما عليه في التّربية، ليكون تذكّر تلك الحالة ممّا يزيد الإنسان إشفاقًا لهما و حَنانًا عليهما، و هذا كلّه في الأبوين المؤمنين. (3 : 449)

الطَّبْرِسيّ: معناه: ادْع لهما بالمغفرة و الرّحمة في حياتهما، و بعد مماتهما، جزاءً لتربيتهما إيّاك في صباك. و هذا إذا كانا مؤمنين. و في هذا دلالة على أنّ دعاء الولد لوالده الميّت مسموع، و إلا لم يكن للأمر به معنًى.

و قيل: إنّ الله تعالى أوصى الأبناء بالوالدين لقصور شفقتهم، و لم يوص الوالدين بالأبناء لوفور شفقتهم. (3 : 410)

الفَخْرالرّ ازيّ: و فيهمباحث:

البحث الأوّ ل: قال القفّال رحمه الله تعالى: إنّه لم يقتصر في تعليم البِّر بالوالدين على تعليم الأقوال، بل أضاف إليه تعليم الأفعال، و هو أن يدعو لهما بالرّحمة، فيقول: { رَبِّ ارْحَمْهُمَا }. و لفظ الرّحمة جامع لكلّ الخيرات في الدّين و الدّنيا. [إلى أن قال:]

البحث الثّاني: اختلف المفسّرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال:

القول الأوّ ل: أ نّها منسوخة بقوله تعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكينَ‘ } التّوبة : 113، فلاينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين، و لايقول: { رَبِّ ارْحَمْهُمَا }.

و القول الثّاني: أنّ هذه الآية غير منسوخة،و لكنّها مخصوصة في حقّ المشركين. و هذا أولى من القول الأوّ ل، لأنّ التّخصيص أولى من النّسخ.

و القول الثّالث: أ نّه لانسخ و لاتخصيص، لأنّ الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو لهما بالهداية و الإرشاد، و أن يطلب الرّحمة لهما بعد حصول الإيمان.

البحث الثّالث: ظاهر الأمر للوجوب، فقوله:

{ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا } أمر، و ظاهر الأمر لايفيد التّكرار، فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرّة واحدة.

سُئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرّة أو في الشّهر أو في السّنة؟ فقال: نرجو أن نُجزئه إذا دعا لهما في أواخر التّشهّدات،كما أن الله تعالى قال: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ } الأحزاب : 56، فكانوا يرون أنّ التّشهّد يُجزي عن الصّلاة على النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و كما أنّ الله تعالى قال: {وَاذْكُرُوا اللهَ فى اَيَّامٍ مَعْدُودَ ات } البقرة : 203، فهم يكرّرون في أدبار الصّلوات. (20 : 191)

القُرطُبيّ: أمر تعالى عباده بالتّرحّم على آبائهم و الدّعاء لهم، و أن ترحمهما كما رحماك و ترفّق بهما كما رفقا بك، إذ ولّياك صغيرً ا جاهلا محتاجًا، فآثراك على أنفسهما، و أسهرا ليلهما، و جاعا و أشبعاك، و تَعرّيا و كسَواك، فلاتجزيهما إلا أن يبلغا من الكبر الحدّ الّذي كنت فيه من الصّغر، فتلي منهما ما ولّيا منك، و يكون لهما حينئذ فضل التّقدّم. (10 : 244)

أبوحَيّان: أمره تعالى بأن يدعو الله بأن يرحمهما رحمته الباقية؛ إذ رحمته عليهما لابقاء لها. ثمّ نبّه على العلّة الموجبة للإحسان إليهما و البِرّ بهما، و استرحام الله لهما، و هي تربيتهما له صغيرً ا. و تلك الحالة ممّا تزيده اشفاقًا و رحمة لهما؛ إذ هي تذكير لحالة إحسانهما إليه وقت أن لايقدر على الإحسان لنفسه.

و قال قَتادَة: نسخ الله من هذه الآية هذا اللّفظ، يعني { وَ قُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا } بقوله تعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكينَ ‘}التّوبة : 113.

و قيل: هي مخصوصة في حقّ المشركين. و قيل:لانسخ و لاتخصيص، لأنّ له أن يدعو الله لوالديه الكافرَين بالهداية و الإرشاد، و أن يطلب الرّحمة لهما بعد حصول الإيمان.

و الظّاهر أنّ الكاف في{ كَمَا } للتّعليل، أي { رَبِّ ارْحَمْهُمَا } لتربيتهما لي، و جزاءً على إحسانهما إليّ حالة الصّغر و الافتقار. و قال الحَوْفيّ: الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، تقديره: رحمة مثل تربيتي صغيرً ا. (6 : 28)

أبوالسُّعود: من فرط رحمتك و عطفك عليهما و رقّتك لهما، لافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما، و لاتكتف برحمتك الفانية بل ادْع الله لهما برحمته الواسعة الباقية.{ وَ قُلْ رَبِّ‌ّ ارْحَمْهُمَا } برحمتك الدّنيويّة و الأُخرويّة الّتي من جملتها الهداية إلى الإسلام، فلاينافي ذلك كفرهما. (4 : 123)

البُرُوسَويّ: ( مِنْ ) ابتدائيّة أو تعليليّة، أي من فرض رحمتك عليهما، لافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله إليهما. قالوا: ينظر إليهما بنظر المحبّة والشّفقة و التّرحّم.

و في الحديث: « ما من ولد ينظر إلى الوالد و إلى والدته نظر مرحمة إلا كان له بهاحِجّة و عُمرة » قيل: و إن نظر في اليوم ألف مرّة، قال: « و إن نظر في اليوم مائة ألف » كما في < خالصة الحقائق > و يُقبّل رجل أُمّه تواضعًا. [إلى أن قال:]

{ وَ قُلْ رَبِّ‌ّ ارْحَمْهُمَا } و ادْع الله أن يرحمهما برحمته الباقية، و لاتكتف برحمتك الفانية و إن كانا كافرين، لأنّ منالرّحمة أن يهديهما إلى الإسلام. (5 : 148)

الآلوسيّ: أي من فرط رحمتك عليهما، ف- ( مِنْ) ابتدائيّة على سبيل التّعليل. قال في < الكشف >: و لايحتمل البيان حتّى يقال: لو كان كذا، لرجعت الاستعارة إلى التّشبيه؛ إذ جناح الذُّلّ ليس من الرّحمة أبدً ا بل خفض جناح الذّلّ جاز أن يقال: إنّه رحمة، و هذا بيّن، و استفادة المبالغة من جعل جنس الرّحمة مبدأ للتّذلّل، فإنّه لاينشأ إلا من رحمة تامّة.

و قيل: من كون التّعريف للاستغراق. و ليس بذاك، و إنّما احتاجا إلى ذلك لافتقارهما إلى من كان أفقر الخلق إليهما، و احتياج المرء إلى من كان محتاجًا إليه غاية الضّراعة و المسكنة، فيحتاج إلى أشدّ رحمة. [ثمّ استشهد بشعر]

{ وَ قُلْ رَبِّ‌ّ ارْحَمْهُمَا } و ادْع الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية، و هي رحمة الآخرة،و لاتكتف برحمتك الفانية، و هي ما تضمّنها الأمر و النّهي السّالفان. و خصّت الرّحمة الأُخرويّة بالإرادة، لأ نّها الأعظم المناسب طلبه من العظيم، و لأنّ الرّحمة الدّنيويّة حاصلة عمومًا لكلّ أحد. و جُوّز أن يراد ما يعمّ الرّحمتين.

و أ يًّا ما كان، فهذه الرّحمة الّتي في الدّعاء قيل: إنّها مخصوصة بالأبوين المسلمين، و قيل: عامّة منسوخة بآية النّهي عن الاستغفار، و قيل: عامّة و لانسخ، لأنّ تلك الآية بعد الموت و هذه قبله. و من رحمة اللهتعالى لهما: أن يهديهما للإيمان، فالدّعاء بها مستلزم للدّعاء به، و لاضير فيه. (15 : 57)

ابن عاشور: و التّعريف في { الرَّحْمَةِ } عوض عن المضاف إليه، أي من رحمتك إيّاهما. و ( مِنْ ) ابتدائيّة، أي الذُّلّ النّاشئ عن الرّحمة لا عن الخوف أو عن المداهنة. و المقصود اعتياد النّفس على التّخلّق بالرّحمة، باستحضار وجوب معاملته إيّاهما بها، حتّى يصير له خُلقًا، كما قيل:

• إنّ التّخلّق يأتي دونه الخلق *

و هذه أحكام عامّة في الوالدين و إن كانا مشركين، و لايُطاعان في معصية و لاكفر، كما في آية سورة العنكبوت.

و مقتضى الآية التّسوية بين الوالدين في البِرّ، و إرضاؤهما معًا في ذلك، لأنّ موردها لفعل يصدر من الولد نحو والديه، و ذلك قابل للتّسوية. و لم تتعرّض لما عدا ذلك ممّا يختلف فيه الأبوان، و يتشاحّان في طلب فعل الولد، إذا لم يمكن الجمع بين رغبتيهما، بأن يأمره أحد الأبوين بضدّ ما يأمره به الآخر. و يظهر أنّ ذلك يجري على أحوال تعارض الأدلّة، بأن يسعى إلى العمل بطلبيهما إن استطاع. [إلى أن قال:]

ثمّ أمر بالدّعاء لهما برحمة الله إيّاهما، و هي الرّحمة الّتي لايستطيع الولد إيصالها إلى أبويه إلا بالابتهال إلى الله تعالى.و هذا قد انتقل إليه انتقالا بديعًا من قوله: { وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }.

فكان ذكر رحمة العبد مناسبة للانتقال إلى رحمة

الله، و تنبيهًا على أنّالتّخلّق بمحبّة الولد الخير لأبويه، يدفعه إلى معاملته إيّاهما به فيما يعلمانه و فيما يخفي عنهما، حتّى فيما يصل إليهما بعد مماتهما. (14 : 57)

الطَّباطَبائيّ: [نقل بعض كلام الطَّبْرِسيّ ثمّ قال:]

و الّذي يدلّ عليه، كون هذا الدّعاء في مظنّة الإجابة، و هو أدب دينيّ، ينتفع به الولد و إن فرض عدم انتفاع والديه به، على أنّ وجه تخصيص استجابة الدّعاء بالوالد الميّت غير ظاهر، و الآية مطلقة. (13 : 80)

مكارم الشّيرازيّ: أخيرً ا تنتهي الآيات إلى توجيه الإنسان نحو الدّعاء لوالديه و ذكرهم بالخير، سواءٌ كانا أمواتًا أم أحياءً، و طلب الرّحمة الرّ بّانيّة لهما جزاء لما قاما به من تربية { وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَ بَّيَانى صَغيرً ا‘ }. (8 : 397)

فضل الله: و ذلك يُمثّل التّواضع و الخضوع قولا و فعلا بِرًّ ا بهما، و شفقةً عليهما، كما يخفض الطّائر جناحه إذا ضمّ فرخه إليه، فكأ نّه سبحانه قال: ضمّ أبويك إلى نفسك، كما كانا يفعلان بك و أنت صغير. و بذلك نفهم كيف لايريد الله للولد أن يستثير حسّ الكرامة في نفسه تجاه أبويه، كما يستثيره تجاه الآخرين، بل لابدّ له من أن يشعر بالذُّلّ النّاشئ من الشّعور بالرّحمة لهما، لامن الشّعور بالانسحاق الذّاتيّ والانحطاط الرّوحيّ، كما يخضع الإنسان لمن يحبّه حبًّا له و رحمة به، فيتحمّل منه ما لايتحمّله من غيره، ويتنازل له عمّالايتنازل عنه للآخرين، و يعيش العفو و التّسامح معه إذا أخطأ.

إنّها الرّوح الإنسانيّة الّتي تنفتح على مواقع الرّحمة، فتهفو و تَرِقّ و تلين وتنساب بالخير و المحبّة و السّماح، و تعرف كيف تميّز بين مشاعر الرّحمة و مشاعر الذُّلّ أمام الآخرين، فتواجه الّذين أحسنوا إليها واحتضنوها بالمحبّة والرّحمة بالشّعور الطّاهر الخيّر نفسه، لتستمرّ حركة الإنسانيّة نحو العطاء، من خلال مواجهتها بالاعتراف الحيّ بالجميل، بالمشاعر الّتي تحفظ لها كلّ ما عملته من الخير.

{ وَ قُلْ رَبِّ‌ّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَ بَّيَانى صَغيرً ا‘ }و يتحوّل هذا الشّعور بالرّحمة إلى استذكار للتّاريخ الشّخصيّ لأبويه معه، كيف كانا يتعبان ليرتاح،و يجوعان ليشبع، و يسهران لينام، و يتألمّان ليلتذّ،و يضحّيان بكلّ حياتهما من أجل أن يُربّيا له جسمه و عقله، و كيف كانا يحتضنانه بالعطف و الحنان،و يحفظانه من كلّ سوء، ليأخذ القوّة من ذلك كلّه.

و تتجسّد كلّ هذه الذّكريّات في عقله و وجدانه و شعوره و حسّه، فتنفتح روحه بالحنان، و هو يشهد هذا الضّعف الّذي يرزحان تحته و يعانيان منه، و يستذكر أ نّه كان أحد أسباب ذلك، فيبتهل إلى الله في دعاء خاشع ليرحمهما و يرعاهما و يحفظهما، لأ نّهما كانا يعيشان الرّحمة له، و يُعانيان الجَهْد في تربيته، لأنّ الله قادر علىما لايقدر عليه من ذلك، فرحمته تملك خير الدّنيا و الآخرة، بينما لايملك - هو - من ذلك شيئًا. (14 : 84)

ارْحَمْنَا

...وَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا اَنْتَ مَوْلينَا فَانْصُرْ نَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرينَ‘. البقرة : 286

ابن زَيْد: لاننال العمل بما أمرتنا به، و لاترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك، و لم يَنجُ أحد إلا برحمتك. (الطّبَريّ 3 : 159)

الطّبَريّ: يعني بذلك جلّ ثناؤه: تغمّدنا منك برحمة تُنجينا بها من عقابك، فإنّه ليس بناج من عقابك أحد إلا برحمتك إيّاه دُون عمله، و ليست أعمالنا منجيتنا إن أنت لم ترحمنا، فوفّقنا لما يُرضيك عنّا. (3 : 159)

الثّعلبيّ: فإنّا لاننال العمل لطاعتك و لاترك معصيتك إلا برحمتك. و قيل: و اعف عنّا من المسخ، و اغفر لنا عن السّيّئات، و ارحمنا من القذف.

و قيل: و اعف عنّا من الأفعال، و اغفر لنا من الأقوال، و ارحمنا من العقود و الإضمان.

و قيل: و اعف عنّا الصّغائر، و اغفر لنا الكبائر، و ارحمنا بتثقيل الميزان مع إفلاسنا.

و قيل: و اعف عنّا في سكرات الموت، و اغفر لنا في ظلمة القبر، و ارحمنا في ظلمة القبر. (2 : 309)

المَيْبُديّ: معنى الرّحمة: العفو و المحبّة، لاإرادة النّعمة، كما قال أهل التّأويل: إنّ اعتقادنا أنّ ربّ العالمين رحمان في هذالعالم، على كلّ من كان مؤمنًا أو كافرًا، و رحيم في الآخرة على المؤمنين خاصّة.

و في الخبر: أنّ الله أرحم على عباده من الأُمّ على الولد، و من رحمانيّته أن جعل عباده بعضهم على بعض رحيمًا، و جعل رحمانيّته ثمرة لرحمانيّتهم، كما في الخبر. « الرّاحمون يرحمهم الرّحمان، ارحَمُوا من في الأرض يرحمكم من في السّماء ».

و استجابة هذا الدّعاء أنّ الله قال: { عَسى رَ بُّكُمْ اَنْ يَرْحَمَكُمْ } الإسراء : 8، و { كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } الأنعام : 54، و يقال: { وَ اعْفُ عَنَّا } من الأفعال { وَ اغْفِرْ لَنَا } من الأقوال: { وَ ارْحَمْنَا } من العقد و الإضمار، { وَ اعْفُ عَنَّا } في سكرات الموت { وَ اغْفِرْ لَنَا } في ظلمة القبر، { وَ ارْحَمْنَا } في أهوال القيامة.

و قيل: الحكمة أن قال: أوّ لا : العفو، و ثانيًا: المغفرة، و ثالثًا: الرّحمة، لأنّ العفو: عدم العقوبة على الذّنب و لو كان الذّنب ظاهرًا، و المغفرة: ستر الذّنب، و الرّحمة: الرّحم. فالمغفرة أبلغ من العفو و الرّحمة و أتمّ من المغفرة. و من هذه الجهة قال في أوّل الكلام: العفو، و في آخره: الرّحمة. (1 : 785)

ابن عَطيّة: أي تفضّل مبتدئًا برحمة منك لنا. فهي مُناح ٍللدّعاء متباينة، و إن كان الغرض المراد بكلّ واحد منها واحدً ا، و هو دخول الجنّة. (1 : 395)

الطَّبْرِسيّ: بإنعامك علينا في الدّنيا، و العفو في الآخرة، و إدخال الجنّة. (1 : 404)

الفَخْرالرّ ازيّ: اعلمأنّ تلك الأنواع الثّلاثة من الأدعية كان المطلوب فيها التّرك، و كانت مقرونة بلفظ {رَ بَّنَا} و أمّا هذا الدّعاء الرّ ابع، فقد حُذف منه لفظ {رَ بَّنَا} و ظاهره يدلّ على طلب الفعل، ففيه سؤالان:

السّؤال الأوّ ل: لِمَ لم يُذكَر هاهنا لفظ ربّنا؟

الجواب: النّداء إنمّا يحتاج إليه عند البُعْد، أمّا عند القرب فلا، و إنّما حُذف النّداء إشعارً ا بأنّ العبد إذا واظب على التّضرّع نال القرب من الله تعالى. و هذا سرّ عظيم يُطّلع منه على أسرار أُخر.

السّؤال الثّاني: ما الفرق بين العفو و المغفرةو الرّحمة؟

الجواب: أنّ العفو أن يسقط عنه العقاب، و المغفرة أن يستر عليه جرمه، صونًا له من عذاب التّخجيل والفضيحة، كأنّ العبد يقول: أطلب منك العفو، و إذا عفوت عنّي فاستره عليّ، فإنّ الخلاص من عذاب القبر إنمّا يَطيب إذا حصل عقيبه الخلاص من عذاب الفضيحة. و الأوّ ل: هو العذاب الجسمانيّ، و الثّاني: هو العذاب الرّوحانيّ، فلمّا تخلّص منهما أقبل على طلب الثّواب.

و هو أيضًا قسمان: ثواب جسمانيّ، و هو نعيم الجنّة و لذّاتها و طيّباتها، و ثواب روحانيّ، و غايته أن يتجلّى له نور جلال الله تعالى، و ينكشف له بقدر الطّاقة علوّ كبرياء الله؛ و ذلك بأن يصير غائبًا عن كلّ ما سوى الله تعالى، مستغرقًا بالكلّيّة في نور حضور جلال الله تعالى، فقوله: { وَ ارْحَمْنَا } طلب للثّواب الجسمانيّ. (7 : 160)

القُرطُبيّ: { وَ ارْحَمْنَا} أي تفضّل برحمة مبتدئًا منك علينا. (3 : 433)

أبوحَيّان: قيل: { وَ اعْفُ عَنَّا } من المسخ،{ وَ اغْفِرْ لَنَا } عن الخسف من القذف. و قيل:{ وَ اعْفُ عَنَّا} من الأفعال، { وَ اغْفِرْ لَنَا } من الأقوال، { وَ ارْحَمْنَا } بثقل الميزان. و قيل: { وَ اعْفُ عَنَّا } في سكرات الموت، { وَ اغْفِرْ لَنَا } في ظلمة القبر،{ وَ ارْحَمْنَا } في أهوال يوم القيامة. و كلّ هذه الأقوال تخصيصات لادليل عليها. (2 : 370)

نحوه الآلوسيّ. (3 : 71)

أبوالسُّعود: { وَ ارْحَمْنَا } و تعطّف بنا و تفضّل علينا، و تقديم طلب العفو و المغفرة على طلب الرّحمة لما أنّ التّخلية سابقة على التّحلية. (1 : 329)

مثله البُرُوسَويّ. (1 : 449)

الطَّباطَبائيّ: العفو: محو أثر الشّيء، و المغفرة: ستره، و الرّحمة معروفة. و أمّا بحسب المصداق فاعتبار المعاني اللُّغويّة يوجب أن يكون سوق الجمَل الثّلاث من قبيل التّدرّج من الفرع إلى الأصل، و بعبارة أُخرى من الأخصّ فائدة إلى الأعمّ. فعليها يكون العفو منه تعالى، هو إذهاب أثر الذّنب و إمحائه، كالعقاب المكتوب على المذنب، و المغفرة هي: إذهاب ما في النّفس من هيئة الذّنب و السّتر عليه. و الرّحمة هي: العطيّة الإلهيّة الّتي هي السّاترة على الذّنب و هيئته.

و عطف هذه الثّلاثة، أعني قوله: { وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا } على قوله: { رَ بَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا اِنْ نَسينَا ‘اَوْ اَخْطَاْنَا } على ما للجميع من السّياق و النّظم يُشعربأنّ المراد من العفو و المغفرة و الرّحمة ما يتعلّق بذنوبهم من جهة الخطإ و النّسيان و نحوها. [إلى أن قال:]

و قد كُرّر لفظ < الرّبّ > في هذه الأدعية أربع مرّ ات، لبعث صفة الرّحمة بالإيماء و التّلويح إلى صفة

العبوديّة، فإنّ ذكر الرّبوبيّه يخطر بالبال صفة العبوديّة و المذلّة. (2 : 445)

فضل الله: برحمتك الواسعة الّتي لاتضيق عن أحد، بالنّعم الّتي تغدقها علينا، و الرّضوان الّذي تمنحنا إيّاه. (5 : 191)

رَحيم

1 - وَ مَا كَانَ الله لِيُضيعَ‘ ايمَا‘نَكُمْ اِنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘. البقرة : 143

لاحظ: ر أ ف: < لَرَؤُفٌ >.

2 - فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لاعَاد فَلااِثْمَ عَلَيْهِ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘. البقرة : 173

لاحظ: غ ف ر: < غَفُورٌ >.

3 - سَلامٌ قَوْ لا مِنْ رَبٍّ رَحيمٍ‘. يس, : 58

الطّبَريّ: قوله :{ مِنْ رَبٍّ رَحيمٍ‘ } يعني رحيم بهم؛ إذ لم يعاقبهم بما سلف لهم من جُرم في الدّنيا. (10 : 456)

المَيْبُديّ: { مِنْ رَبٍّ رَحيم ٍ‘} الإشارة إلى الرّحمة في هذا الموضع: أن يقوّيهم برحمته، حتّى يسمعون كلام الله بلاواسطة، و لايتحيّرون و لايدهشون بلقاءه. (8 : 241)

لاحظ: س ل م: < سَلام >.

الرَّحْمنِ - الرَّحيمِ

1 - بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘. الفاتحة : 1

النّبيّ (صلی الله علیه و آله): إنّ عيسى بن مريم قال:{ الرَّحْمنِ }: رحمان الآخرة و الدّنيا، و { الرَّحيمِ‘ }: رحيم الآخرة. (الطّبَريّ1 : 84)

ابن عبّاس: { الرَّحْمنِ }: العاطف على البَرّ و الفاجر بالرّزق لهم، و دفع الآفات عنهم، { الرَّحيمِ‘ } خاصّة على المؤمنين بالمغفرة و إدخالهم الجنّة،

و يرحمهم في الآخرة ليدخلهم الجنّة. (2)

{ الرَّحْمنِ }: الفَعْلان من الرّحمة، و هو من كلام العرب.

{ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }: الرّقيق الرّفيق بمن أحبّ أن يرحمه، و البعيد الشّديد على من أحبّ أن يعنُف عليه، و كذلك أسماؤه كلّها. (الطّبَريّ1 : 85)

{ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} هما اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر. (البغَويّ 1 : 71)

مُجاهِد: { الرَّحْمنِ } بأهل الدّنيا، و { الرَّحيمِ‘ } بأهل الآخرة. و جاء في الدّعاء: يا رحمان الدّنيا و رحيم الآخرة. (الثّعلبيّ 1 : 99)

الضّحّاك: { الرَّحْمنِ } بأهل السّماء حين أسكنهم السّماوات، و طوّقهم الطّاعات، و جنّبهم الآفات، و قطع عنهم المطاعم و اللّذّات. و { الرَّحيمِ‘ } بأهل الأرض حين أرسل إليهم الرُّسل و أنزل عليهم الكتب، و أعْذَر إليهم في النّصيحة، و صرف عنهم البلايا. (الثّعلبيّ 1 : 99)

عطاء الخراسانيّ: كان { الرَّحْمنِ }، فلمّا اختُزل { الرَحْمنِ } من اسمه كان { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }. ( الطّبَريّ 1 : 86)

الإمام الصّادق : ((1)) إنّ الرّحمة و ما يحدث لنا منها شفقة و منها جود، و إنّ رحمة الله ثوابه لخلقه.

و للرّحمة من العباد شيئان:

أحدهما: يحدث في القلب الرّ أفة و الرّ قّة، لما يرى بالمرحوم من الضّرّ و الحاجة و ضروب البلاء.

و الآخر: ما يحدث منّا بعد الرّ أفة و اللّطف على المرحوم، و المعرفة منّا بما نزل به. و قد يقول القائل: انظر إلى رحمة فلان، و إنمّا يريد الفعل الّذي حدث عن الرّ قّة الّتي في قلب فلان، و إنمّا يضاف إلى الله عزّو جلّ من فعل ما حدث عنّا من هذه الأشياء، و أمّا المعنى الّذي في القلب، فهو منفيّ عن الله كما وصف عن نفسه، فهو رحيم لارحمة رقّة.

[و في رواية عنه ] { الرَّحْمنِ } : اسم خاصّ بصفة عامّة. و { الرَّحيمِ‘ }: اسم عامّ بصفة خاصّ-ة. (العَرُوسيّ 1 : 14)

{ الرَّحْمنِ } الّذي يرحم ببسط الرّزق علينا. [و في رواية] العاطف على خلقه بالرّزق، لايقطع عنهم موادّ رزقه و إن انقطعوا عن طاعته.{ الرَّحيمِ ‘} بنا في أدياننا و دنيانا و آخرتنا، خفّف علينا الدّين، و جعله سهلا خفيفًا، و هو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه. (الكاشانيّ1 : 69)

العَرْزَميّ: {الرَّحْمنِ } بجميع الخلق، {الرَّحيمِ‘}، بالمؤمنين (الطّبَريّ 1 : 84)

الإمام الرّضا : رحمان الدّنيا و الآخرةو رحيمهما، صلّ على محمّد و آل محمّد. (العَرُوسيّ 1 : 14)

أبوعُبَيْدَة: { الرَّحْمنِ } مجازه: ذو الرّحمة، و { الرَّحيمِ ‘} مجازه: الرّ احم، و قد يقدّرون اللّفظين من لفظ واحد، و المعنى واحد؛ و ذلك لاتّساع الكلام عندهم، و قدفعلوا مثل ذلك، فقالوا: نَدْمان و نديم. (1 : 21)

المُبَرِّد: هو إنعام بعد إنعام، و تفضّل بعد تفضّل. (البغَويّ 1 : 71)

قوله: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} جمع بينهما، لأنّ { الرَّحْمنِ } عبرانيّ و { الرَّحيمِ } عربيّ. (الأزهَريّ 5 : 49)

الطّبَريّ: القول في تأويل قوله: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }. و أمّا { الرَّحْمنِ }، فهو فَعْلان، من رَحِم،و { الرَّحيمِ ‘} فعيل منه. و العرب كثيرً ا ما تبني الأسماء من فَعِل يفْعَل على فَعْلان، كقولهم: من غضِب: غضبان، ومن سكر: سكران، و من عَطش: عطشان. فكذلك قولهم: < رحمن > من رَحِم، لأنّ فَعِل منه: رَحِم يَرْحم.

و قيل < رحيم > و إن كانت عين فَعِل منها مكسورة، لأ نّه مدح. و من شأن العرب أن يحملوا أبنية الأسماء إذا كان فيها مدح أو ذمّ على < فعيل >، و إن كانت عين فعل منها مكسورة أو مفتوحة، كما قالوا من عَلِم: عالم و عليم، و من قَدَر: قادر و قدير. و ليس ذلك منها بناء على أفعالها، لأنّ البناء من فَعِل يفْعَل


1) (1) مأخوذ من رسالة الإهليلجة المنسوب إلى الإمام الصّادق

و فعَل يَفعِل: فاعل. فلو كان { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } خارجين على بناء أفعالهما، لكانت صورتهما الرّ احم.

فإن قال قائل: فإذا كان الرَّحْمنِ وَ الرَّحيمِ ‘اسمين مشتقّين من الرّحمة، فما وجه تكرير ذلك، و أحدهما مؤدٍّ عن معنى الآخر؟

قيل له: ليس الأمر في ذلك على ما ظننت، بل لكلّكلمة منهما معنًى لاتؤدّي الأُخرى منهما عنها.

فإن قال: و ما المعنى الّذي انفردت به كلّ واحدة منهما، فصارت إحداهما غير مؤدّية المعنى عن الأُخرى؟

قيل: أمّا من جهة العربيّة، فلاتمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب، أنّ قول القائل: { الرَّحْمنِ } عن أبنية الأسماء من فَعِل يَفْعَل أشدّ عدولا من قوله:{الرَّحيمِ‘}، و لاخلاف مع ذلك بينهم، أنّ كلّ اسم له أصل في فَعِل يَفْعَل، ثمّ كان عن أصله من فَعِل يَفْعَل أشدّ عدولا أنّ الموصوف به مفضّل على الموصوف بالاسم المبنيّ على أصله من فَعِل يَفْعَل، إذا كانت التّسمية به مدحًا أو ذمًّا. فهذا ما في قول القائل:{ الرَّحْمنِ }، من زيادة المعنى على قوله:{ الرَّحيمِ‘ } في اللُّغة.

و أمّا من جهة الأثر و الخبر، ففيه بين أهل التّأويل اختلاف. [ و نقل كلام النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و العَرزَميّ ثمّ قال:]

فهذان الخبران قد أنبآ عن فرق ما بين تسمية الله جلّ ثناؤه باسمه الّذي هو رحمان، و تسميته باسمه الّذي هو رحيم، و اختلاف معنى الكلمتين و إن اختلفا في معنى ذلك الفرق، فدلّ أحدهما على أنّ ذلك في الدّنيا، و دلّ الآخر على أ نّه في الآخرة.

فإن قال: فأيّ هذين التّأويلين أولى عندك بالصّحّة؟

قيل: لجميعهما عندنا في الصّحّة مَخْرج، فلاوجه لقول قائل: أيّهما أولى بالصّحّة؟ و ذلك أنّ المعنى الّذي في تسمية الله ب- { الرَّحْمنِ }، دون الّذي في تسميته ب-{ الرَّحيمِ‘ }: هو أ نّه بالتّسمية ب- { الرَّحْمنِ } موصوف بعموم الرّحمة جميع خلقه، و أ نّه بالتّسمية ب- { الرَّحيمِ‘ }: موصوف بخصوص الرّحمة بعض خلقه، إمّا في كلّ الأحوال، و إمّا في بعض الأحوال. فلاشكّ إذا كان ذلك كذلك أنّ ذلك الخصوص الّذي في وصفه ب- { الرَّحيمِ‘ }: لايستحيل عن معناه في الدّنيا كان ذلك، أو في الآخرة، أو فيهما جميعًا.

فإذا كان صحيحًا ما قلنا من ذلك، و كان الله جلّ ثناؤه قد خصّ عباده المؤمنين في عاجل الدّنيا، بما لطف بهم من توفيقه إيّاهم لطاعته، و الإيمان به و برسله، و اتّباع أمره و اجتناب معاصيه، ممّا خُذل عنه من أشرك به، و كفر و خالف ما أمره به، و ركب معاصيَه. و كان مع ذلك قد جعل جلّ ثناؤه، ما أعدّ في آجل الآخرة في جنّاته، من النّعيم المقيم و الفوز المبين، لمن آمن به، و صدّق رسله، و عمل بطاعته خالصًا، دون من أشرك و كفر به، كان بيّنًا أنّ الله قد خصّ المؤمنين من رحمته في الدّنيا و الآخرة، مع ما قد عمّهم به و الكفّار في الدّنيا من الإفضال و الإحسان إلى جميعهم، في البسط في الرّزق، و تسخير السّحاب بالغَيْث، و إخراج النّبات من الأرض، و صحّة الأجسام و العقول، و سائر النّعم الّتي لاتُحصى، الّتي

يشترك فيها المؤمنون و الكافرون.

فربّنا جلّ ثناؤه رحمان جميع خلقه في الدّنياو الآخرة، و رحيم المؤمنين خاصّة في الدّنيا و الآخرة. فأمّا الّذي عمّ جميعهم به في الدّنيا منرحمته فكان رحمانًا لهم به، فما ذكرنا مع نظائره الّتي لاسبيل إلى إحصائها لأحد من خلقه، كما قال جلّ ثناؤه: { وَ اِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاتُحْصُوهَا } إبراهيم : 34، و النّحل : 18.

و أمّا في الآخرة، فالّذي عمّ جميعهم به فيها من رحمته، فكان لهم رحمانًا في تسويته بين جميعهم جلّ ذكره في عدله و قضائه، فلايظلم أحدً ا منهم مِثقال ذرّة، و إن تَكُ حسنة يُضاعفها و يُؤت من لَدنْه أجرً ا عظيمًا، وتُوفّى كلّ نفس ما كسبت. فذلك معنى عمومه في الآخرة جميعهم برحمته، الّذي كان به رحمانًا في الآخرة.

و أمّا ما خصّ به المؤمنين في عاجل الدّنيا من رحمته، الّذي كان به رحيمًا لهم فيها، كما قال جلّ ذكره: { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا‘ } الأحزاب : 43، فما وصفنا من اللّطف لهم في دينهم، فخصّهم به دون من خذَلَه من أهل الكفر به.

و أمّا ما خصّهم به في الآخرة، فكان به رحيمًا لهم دون الكافرين، فما وصفنا آنفًا ممّا أعدّ لهم دون غيرهم من النّعيم و الكرامة الّتي تقصر عنها الأمانيّ.

و أمّا القول الآخر في تأويله: فهو ما [قاله ابن عبّاس:]

و هذا التّأويل من ابن عبّاس، يدلّ على أنّ الّذي به ربّنا رحمان، هو الّذي به رحيم، و إن كان لقوله {الرَّحْمنِ } من المعنى، ما ليس لقوله: { الرَّحيمِ ‘}.لأ نّه جعل معنى { الرَّحْمنِ } بمعنى الرّقيق على من رقّ عليه، و معنى { الرَّحيمِ‘ }.بمعنىالرّفيق بمن رفق به.

و القول الّذي رويناه في تأويل ذلك عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) وذكرناه عن العَرْزَميّ، أشبه بتأويله من هذا القول الّذي رويناه عن ابن عبّاس. و إن كان هذا القول موافقًا معناه معنى ذلك، في أنّ ل- { الرَّحْمنِ‘ } من المعنى ما ليس ل- { الرَّحيمِ‘ }، و أنّ ل- { الرَّحيمِ‘ } تأويلا غير تأويل{ الرَّحْمنِ‘ }.

و القول الثّالث في تأويل ذلك ما [قاله عطاء الخراسانيّ و قد سبق]

و الّذي أراد، - إن شاء الله - عطاء بقوله هذا: أنّ { الرَّحْمنِ‘ }. كان من أسماء الله الّتي لايتسمّى بها أحد من خلقه، فلمّا تسمّى به الكذّاب مسيلمة و هو اختزاله إيّاه، يعني اقتطاعه من أسمائه لنفسه، أخبر الله جلّ ثناؤه أنّ اسمه: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } ليفصل بذلك لعباده اسمَه من اسم من قد تسمّى بأسمائه؛ إذ كان لايسمّى أحد { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } فيجمع له هذان الاسمان، غيره جلّ ذكره. و إنمّا يتسمّى بعض خلقه إمّا رحيمًا، أو يتسمّى رحمان. فأمّا < رحمان رحيم >، فلم يُجمعا قطّ لأحد سواه، و لايُجمعان لأحد غيره. فكأنّ معنى قول عطاء هذا: أنّ الله جلّ ثناؤه إنّما فصل بتكرير{ الرَّحيمِ‘ }على { الرَّحْمنِ }، بين اسمه و اسم غيره من خلقه، اختلف معناهما أو اتّفقا.

و الّذي قال عطاء من ذلك غير فاسد المعنى، بل

جائز أن يكون جلّ ثناؤه خصّ نفسه بالتّسمية بهما معًا مجتمعين، إبانةً لهما من خلقه، ليعرف عباده بذكرهما مجموعين أ نّه المقصود بذكرهما دون من سواه من خلقه، مع ما فيتأويل كلّ واحد منهما من المعنى الّذي ليس في الآخر منهما.

و قد زعم بعض أهل الغباء أنّ العرب كانت لاتعرف { الرَّحْمنِ } و لم يكن ذلك في لغتها، و لذلك قال المشركون للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) : { وَ مَا الرَّحْمنُ اَنَسْجُدُ لِمَا تَاْمُرُ نَا } الفرقان : 60، إنكارً ا منهم لهذا الاسم، كأ نّه كان محالا عنده أن ينكر أهل الشّرك ما كانوا عالمين بصحّته، أو: لا، و كأ نّه لم يَتْلُ من كتاب الله قول الله: { اَ لَّذينَ‘ ا "تَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ } يعني محمّدً ا { كَمَا يَعْرِفُونَ اَبْنَاءَهُمْ } البقرة : 146، و هم مع ذلك به مكذّبون، و لنبوّته جاحدون، فيعلم بذلك أ نّهم قد كانوا يدافعون حقيقة ما قد ثبت عندهم صحّته،و استحكمت لديهم معرفته.[ثمّ استشهد بشعر]

و قد زعم أيضًا بعض من ضعُفت معرفته بتأويل أهل التّأويل، و قلّت روايته لأقوال السّلف من أهل التّفسير، أنّ { الرَّحْمنِ } مجازه: ذو الرّحمة،و { الرَّحيمِ ‘} مجازه: الرّ احم، ثمّ قال: قد يقدّرون اللّفظين من لفظ و المعنى واحد، و ذلك لاتّساع الكلام عندهم. قال: و قد فعلوا مثل ذلك، فقالوا:نَدْمان و نَديم. ثمّ استشهد ببيت برج بن مسهر الطّائيّ:

و ندمان يزيد الكأس طيبًا

سقيت و قد تغوّر ت النّجوم

و استشهد بأبيات نظائره في النّديم و النّدْمَان، ففرّق بين معنى{ الرَّحْمنِ }و { الرَّحيمِ‘ } في التّأويل، لقوله:{الرَّحْمنِ }: ذو الرّحمة، و { الرَّحيمِ‘ }: الرّاحم، و إن كان قد ترك بيان تأويل معنيَيْهما على صحّته. ثمّ مثّل ذلك باللّفظين يأتيان بمعنى واحد، فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد، مع اختلاف الألفاظ.

و لاشكّ أنّ ذا الرّحمة هو الّذي ثبت أنّ له الرّحمة، و صحّ أ نّها له صفة، و أنّ الرّ احم هو الموصوف بأ نّه سيرحم، أو قد رحم فانقضى ذلك منه، أو هو فيه. و لادلالة له فيه حينئذ أنّ الرّحمة له صفة، كالدّ لالة على أ نّها له صفة، إذا وُصف بأ نّه ذو الرّحمة. فأين معنى { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } على تأويله، من معنى الكلمتين تأتيان مقدّرتين من لفظ واحد، باختلاف الألفاظ و اتّفاق المعاني؟ و لكنّ القول إذا كان على غير أصل معتَمَد عليه، كان واضحًا عواره.

و إن قال لنا قائل: و لِمَ قُدّم اسم الله الّذي هو { اللهِ } على اسمه الّذي هو { الرَّحْمنِ } و اسمه الّذي هو { الرَّحْمنِ }، على اسمه الذي هو { الرَّحيمِ ‘}؟

قيل: لأنّ من شأن العرب إذا أرادوا الخبر عن مُخبَر عنه، أن يُقدّموا اسمه، ثمّ يتّبعونه صفاته و نعوته. و هذا هو الواجب في الحكم أن يكون الاسم مقدّمًا قبل نعته و صفته، ليعلم السّامع الخبر، عمّن الخبر. فإذا كان ذلك كذلك، و كان لله جلّ ذكره أسماء قد حرّم على خلقه أن يتسمّوا بها، خصّ بها نفسه دونهم،و ذلك مثل { الله } و { الرَّحْمنِ } ، و { الرَّحيمِ ‘}و { الْخَالِقُ }، و أسماء أباح لهم أن يسمّي بعضهم بعضًا

بها؛ و ذلك: كالرّحيم و السّميع و البصير و الكريم، و ما أشبه ذلك من الأسماء، كان الواجب أن تُقدّم أسماؤه الّتي هي له خاصّة دون جميع خلقه، ليعرف السّامع ذلك من توجّه إليه الحمد و التّمجيد، ثمّ يُتبع ذلك بأسمائه الّتي قد تَسمَّى بها غيره،بعد علم المخاطب أو السّامع من توجّه إليه مايتلو ذلك من المعاني.

فبدأ الله جلّ ذكره باسمه الّذي هو { الله }، لأنّ الأُلوهيّة ليست لغيره جلّ ثناؤه من وجه من الوُجُوه، لامن جهة التّسمّي به، و لامن جهة المعنى. و ذلك أ نّا قد بيّنّا أنّ معنى { الله } تعالى ذكره معنى المعبود، و لامعبود غيره جلّ جلاله، و أن التّسمّي به قد حرّمه الله جلّ ثناؤه، و إن قصد المتسمّي به ما يقصد المتسَمّي بسعيد و هو شقيّ، و بحسَن و هو قبيح.

أو لاترى أنّ الله جلّ جلاله قال في غير آية من كتابه: { ءَاِلهٌ" مَعَ اللهِ } النّمل : 60، فاستكبر ذلك من المُقرّ به، و قال تعالى في خصوصه نفسه ب- { الله } و ب- { الرَّحْمنَ } : { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ اَ يًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاَ_سْمَاءُ الْحُسْنى"} الإسراء : 110، ثمّ ثنّى باسمه الّذي هو { الرَّحْمنَ }؛ إذ كان قد منع أيضًا خلقه التّسمّي به، و إن كان من خلقه من قد يستحقّ تسميته ببعض معانيه. وذلك أ نّه قد يجوز وصف كثير ممّن هو دون الله من خلقه ببعض صفاتالرّحمة. و غير جائز أن يستحقّ بعض الأُلوهيّة أحد دونه، فلذلك جاء { الرَّحْمن } ثانيًا لاسمه الّذي هو { الله }.

و أمّا اسمه الّذي هو { الرَّحيمِ ‘} فقد ذكرنا أ نّه ممّا هو جائز وَصْف غيره به، و الرّحمة من صفاته جلّ ذكره، فكان إذ كان الأمر على ما وصفنا واقعًا مواقع نُعوت الأسماء اللّواتي هنّ توابعها، بعد تقدّم الأسماء عليها. فهذا وجه تقديم اسم الله الّذي هو { اللهِ } على اسمه الّذي هو { الرَّحْمنِ }، و اسمه الّذي هو { الرَّحْمنِ } ، على اسمه الّذي هو { الرَّحيمِ ‘}.

و قد كان الحسَن البصريّ يقول: في { الرَّحْمنِ }، مثل ما قلنا: إنّه من أسماء الله الّتي منع التّسمّي بها العباد...عن الحسَن قال: { الرَّحْمن } اسم ممنوع.

مع أنّ في إجماع الأُمّة من منع التّسمّي به جميع النّاس، ما يُغني عن الاستشهاد على صحّة ما قلنا في ذلك بقول الحسَن و غيره. (1 : 83)

الزّجّاج: و قوله عزّ وجلّ: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، هذه الصّفات لله عزّ و جلّ، معناه فيما ذكرأبوعُبَيْدَة: ذو الرّحمة، و لايجوز أن يقال: الرّحمان إلا لله، و إنّما كان ذلك، لأنّ بناء < فَعْلان > من أبنية ما يبالغ في وصفه؛ ألاترى أ نّك إذا قلت: غضبان، فمعناه الممتلئ غضبًا، فرحمان الّذي وسعت رحمته كلّ شيء، فلايجوز أن يقال لغير الله: رحمان، و خُفضت هذه الصّفات، لأ نّها ثناء على الله - عزّ وجلّ - فكان إعرابها إعراب اسمه. و لو قلت في غير القرآن: بسم الله الكريم والكريم، و الحمد لله ربّ العالمين، و ربّ العالمين: جاز ذلك. (1 : 43)

الثّعلبيّ: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } قال قوم: هما بمعنى واحد مثل نَدْمان، و نديم و سلمان، و سليم، و هوان و هوين. و معناهما: ذو الرّحمة. و الرّحمة: إرادة الله الخير بأهله، و هي على هذا القول صفة ذات.

و قيل: هي ترك عقوبة من يستحقّ العقوبة، فعل الخير إلى من لم يستحقّ، و على هذا القول صفة فعل، يُجمَع بينهما للاتّساع،كقول العرب: جادّ مجدّ.

و فرّق الآخرون بينهما، فقال بعضهم:{الرَّحْمنِ} على زنة < فَعْلان >، و هو لايقع إلا على مبالغة القول. و قولك: رجل غضبان للممتلئ غضبًا، و سَكْران لمن غلب عليه الشّراب. فمعنى { الرَّحْمنِ }: الّذي وسعت رحمته كلّ شيء.

و قال بعضهم: { الرَّحْمنِ } العاطف على جميع خلقه، كافرهم و مؤمنهم، برّهم و فاجرهم، بأن خلقهم و رزقهم، قال الله تعالى: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } الأعراف : 156. و { الرَّحيمِ‘ }، بالمؤمنين خاصّة بالهداية و التّوفيق في الدّنيا، و الجنّة و الرّؤية في العُقبى، قال تعالى: {وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا‘ } الأحزاب : 43، ف- { الرَّحْمنِ } خاصّ اللّفظ عامّ المعنى،و { الرَّحيمِ ‘} عامّ اللّفظ خاصّ المعنى. و { الرَّحْمن } خاصّ من حيث إنّه لايجوز أن يسمّى به أحد إلا الله تعالى، عامّ من حيث إ نّه يشمل الموجودات من طريق الخلق و الرّزق و النّفع والدّفع. و { الرَّحيمِ‘ }، عامّ من حيث اشتراك المخلوقين في المسمّى به، خاصّ من طريق المعنى، لأ نّه يرجع إلى اللّطف و التّوفيق. و هذا قول جعفر بن محمّد الصّادق رضي الله عنه.

{ الرَّحْمنِ} اسم خاصّ بصفة عامّة، و {الرَّحيمِ‘} ‘اسم عامّ بصفة خاصة، و قول ابن عبّاس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر.

و قال عِكْرِمَة: { الرَّحْمنِ} برحمة واحدة، و { الرَّحيمِ ‘}بمائة رحمة. و هذا المعنى قد اقتبسه من قول النّبيّ (صلی الله علیه و آله) « إنّ لله تعالى مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض، فقسّمها بين خلقه، فبها يتعاطفون، و بها يتراحمون، و أخّر تسعة و تسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة ».

و في رواية أُخرى: « إن الله تعالى قابض هذه إلى تلك فمكمّلها مائة يوم القيامة، يرحم بها عباده ».

و قال ابن المبارك: { الرَّحْمنِ } الّذي إذا سُئل أعطى. و {الرَّحيمِ‘ } إذا لم يُسأل غضب. يدلّ عليه ما حدّثنا عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أ نّه قال: < من لم يسأل الله يغضب عليه > [ثمّ نقل شعرً ا إ‘لى أن قال:]

محمّد بن عمر الورّ اق يقول: { الرَّحْمنِ } بالنّعماء و هي ما أُعطي و حَبا، و { الرَّحيمِ‘ } بالآلاء، و هي ما صُرف وزُوي.

و قال محمّد بن عليّ المزيديّ: { الرَّحْمنِ } بالإنقاذ من النّيران، و بيانه قوله تعالى: { وَ كُنتُمْ عَلى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ فَاَنقَذَكُم مِنْهَا } آل عمران:103،و { الرَّحيمِ‘ } بإدخالهم الجنان، بيانه: { اُدْخُلُوهَا بِسَلام ا"مِنينَ ‘} الحجر:46.

وقال المحاسبيّ: { الرَّحْمنِ }: برحمة النّفوس، و { الرَّحيمِ‘ } برحمة القلوب.

وقال السّرّيّ بن مغلس: { الرَّحْمنِ } بكشف الكروب، و { الرَّحيمِ‘ } بغفران الذّنوب.

وقال عبد الله بن الجرّ اح: { الرَّحْمنِ } بالطّريق، و { الرَّحيمِ‘ } بالعصمة و التّوفيق.

و قال مطهّر بن الورّ اق: { الرَّحْمنِ } بغُفران

السّيّئات و إن كنّ عظيمات، و { الرَّحيمِ‘ } بقبول الطّاعات و إن كنّ قليلات.

و قال يحيى بن معاذ الرّ ازيّ: { الرَّحْمنِ } بمصالح معاشهم، و { الرَّحيمِ‘ } بمصالح معادهم.

و قال الحسين بن الفضل: { الرَّحْمنِ }: الّذي يرحم العبد على كشف الضّرّ ودفع الشّرّ، و{الرَّحيمِ}‘ الّذي يرقّ و ربّما لايقدر على الكشف.

و قال أبوبكر الورّ اق أيضًا: { الرَّحْمنِ } بمن جحده و { الرَّحيمِ‘ } بمن وحّده، و { الرَّحْمنِ } بمن كفر و { الرَّحيمِ‘ } بمن شكر، و { الرَّحْمنِ } بمن قال ندًّا و { الرَّحيمِ‘ } بمن قال فردً ا. (1 : 98)

الماوَرْديّ: و أمّا { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، فهما اسمان من أسماء الله تعالى، و { الرَّحيمِ‘ } فيها اسم مشتقّ من صفته. و أمّا { الرَّحْمنِ } ففيه قولان:

أحدهما: أ نّه اسم عبرانيّ معرّب، و ليس بعربيّ، كالفُسطاط روميّ معرّب، و الإستبرق فارسيّمعرّب، لأنّ قريشًا و هم فَطَنة العرب و فُصحاؤهم، لم يعرفوه حتّى ذُكر لهم، و قالوا: ما حكاه الله تعالى عنهم: { وَ مَا الرَّحْمنُ اَنَسْجُدُ لِمَا تَاْمُرُ نَا وَ زَ ادَهُمْ نُفُورً ا } الفرقان : 60، و هذا قول ثَعْلَب . قال: و لذلك جُمع بين{ الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ }، ليزول الالتباس. فعلى هذا يكون الأصل فيه تقديم { الرَّحيمِ‘ }، على{ الرَّحْمنِ } لعربيّته، لكن قدّم { الرَّحْمنِ } لمبالغته.

و القول الثّاني: أنّ { الرَّحْمنِ } اسم عربيّ ك { الرَّحيمِ‘ } لامتزاج حروفهما، و قد ظهر ذلك في كلام العرب، وجاءت به أشعارهم.

فإذا كانا اسمين عربيّين فهما مشتقّان من الرّحمة،و الرّحمة هي النّعمة على المحتاج، قال الله تعالى: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } الأنبياء : 107، يعني نعمة عليهم، و إنّما سمّيت النّعمة رحمة لحدوثها عن الرّحمة.

و { الرَّحْمنِ } أشدّ مبالغة من { الرَّحيمِ‘ }، لأنّ { الرَّحْمنِ } يتعدّى لفظه و معناه، و { الرَّحيمِ‘ }، لايتعدّى لفظه، و إنّما يتعدّى معناه، و لذلك سمّي قوم بالرّحيم، و لم يتسمّ أحد بالرّحمان. و كانت الجاهليّة تُسمّي الله تعالى به، و عليه بيت الشّنفري، ثمّ إنّ مسيلمة الكذّاب تَسمّى بالرّحمان، و اقتطعه من أسماء الله تعالى. قال عطاء: فلذلك قرنه الله تعالى ب- { الرَّحيم }‘، لأنّ أحدً ا لم يتسمّ بالرّحمان الرّحيم ليفصل اسمه عناسم غيره، فيكون الفرق في المبالغة. و فرّق أبوعُبَيْدَة بينهما، فقال بأنّ{ الرَّحْمنِ } ذو الرّحمة، و { الرَّحيمِ ‘} الرّ احم.

و اختلفوا في اشتقاق الرَّحْمن و الرَّحيمِ‘على قولين :

أحدهما: أ نّهما مشتقّان من رحمة واحدة، جُعل لفظ { الرَّحْمنِ } أشدّ مبالغة من { الرَّحيمِ‘ }.

و القول الثّاني: أ نّهما مشتقّان من رحمتين، والرّحمة الّتي اشتُقّ منها { الرَّحْمنِ }، غير الرّحمة الّتي اشتقّ منها { الرَّحيمِ }، ليصحّ امتياز الاسمين، و تغاير الصّفتين، و من قال بهذا القول اختلفوا في الرّحمتين على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنّ { الرَّحْمنِ } مشتقّ من رحمة الله لجميع

خلقه، و { الرَّحيمِ‘ } مشتقّ من رحمة الله لأهل طاعته.

و القول الثّاني: أنّ { الرَّحْمنِ } مشتقّ من رحمة الله تعالى لأهل الدّنيا و الآخرة، و { الرَّحيمِ‘ } مشتقّ من رحمته لأهل الدّنيا دون الآخرة.

و القول الثّالث: أنّ { الرَّحْمنِ } مشتقّ من الرّحمة الّتي يختصّ الله تعالى بها دون عباده، و { الرَّحيمِ ‘} مشتقّ من الرّحمة الّتي يوجد في العباد مثلها. [واستشهد بالشّعر مرّتين] (1 : 52)

الطُّوسيّ: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } هما اسمان مشتقّان من الرّحمة، و هي النّعمة الّتي يستحقّ بها العبادة، و هما موضوعان للمبالغة. و في < رحمان > خاصّة مبالغة يختصّ الله بها.

و قيل: إنّ تلك المزيّة من حيث فعل النّعمة الّتييستحقّ بها العبادة، لايشاركه في هذا المعنى سواه،

و الأصل في باب فعَل يَفعِل و فَعِل يَفعَل أن يكون اسم الفاعل فاعلا، فإن أرادوا المبالغة حملوا على فَعْلان و فعيل، كما قالوا: غضب فهو غضبان و سكر فهو سكران إذا امتلأ غضبًا و سكرً ا، و كذلك قالوا: رحِم فهو رحمان، و خصّوه به تعالى لما قلناه، و كذلك قالوا: علم فهو عليم، و رحِم فهو رحيم، و على هذا الوجه لايكونان للتّكرار، كقولهم: نَدْمان و نديم، بل التّزايد فيه حاصل، و الاختصاص فيه بيّن.

و قيل: في معنى{ الرَّحيمِ‘ }: لايكلّف عباده جميع ما يطيقونه، فإنّ الملك لايوصف بأ نّه رحيم إذا كلّف عبيده جميع ما يطيقونه - ذكره أبواللّيث - و إنّما قُدّم {الرَّحْمنِ } على { الرَّحيمِ ‘} لأنّ وصفه ب- { الرَّحْمن } بمنزلة الاسم العلم؛ من حيث لايوصف به إلا الله تعالى، فصار بذلك كاسم العلم، في أ نّه يجب تقديمه على صفته. و ورد الأثر بذلك. روى أبوسعيد الخدريّ عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) [تقدّم عن الطّبَريّ]

و روي عن بعض التّابعين أ نّه قال: { الرَّحْمنِ } بجميع الخلق و { الرَّحيمِ ‘} بالمؤمنين خاصّة، و وجه عموم { الرَّحْمنِ } بجميع الخلق هو إنشاؤه إيّاهم، و جعلهم أحياء قادرين، و خلقه فيهم الشّهوات، و تمكينهم من المشتهيات، و تعريضهم بالتّكليف لعظيم الثّواب. و وجه خصوص{ الرَّحيمِ ‘} بالمؤمنين، مافعل اللهتعالى بهم في الدّنيا من الألطاف الّتي لم يفعلها بالكفّار، و ما يفعله بهم في الآخرة من عظيم الثّواب، فهذا وجه الاختصاص.

و حكي عن عطاء أ نّه قال: < { الرَّحْمنِ } كان يختصّ الله تعالى به، فلمّا تسمّى مسيلمة بذلك صار { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } مختصّين به تعالى، و لايجتمعان لأحد >. وهذا الّذي ذكره ليس بصحيح، لأنّ تَسمّي مسيلمة بذلك لايخرج الاسم من أن يكون مختصًّا به تعالى، لأنّ المراد بذلك استحقاق هذه الصّفة؛ و ذلك لايثبت لأحد، كما أ نّهم سَمّوا أصنامهم آلهة، و لم يخرج بذلك من أن يكون الإله صفة يختصّ بالوصف به.

و قال بعضهم: إنّ لفظة { الرَّحْمنِ } ليست عربيّة، و إنمّا هي ببعض اللُّغات، كقوله تعالى: { بِالْقِسْطَاسِ } الإسراء : 35، فإنّها بالرّوميّة، و استدلّ على ذلك بقوله تعالى: { قَالُوا وَ مَاالرَّحْمنُ اَنَسْجُدُ لمِ-َا تَاْمُرُنَا } الفرقان : 60، إنكارً ا منهم لهذا الاسم، حكي ذلك عن

تَغْلب. و الصّحيح أ نّه معروف، و اشتقاقه من الرّحمة على ما بيّنّا.

و حُكي عن أبي عُبَيْدَة أ نّه قال: < رحمن>: ذو رحمة و < رحيم > معناه أ نّه راحم، و كُرّر لضرب من التّأكيد، كما قالوا: نَدْمان و نديم، و إنمّا قدّم اسم الله، لأ نّه الاسم الّذي يختصّ به من يحقّ له العبادة، و ذُكر بعده الصّفة، و لأجل ذلك أُعرب بإعرابه، و بدأ ب- { الرَّحْمنِ } لما بيّ-نّا أنّ فيه المبالغة. و ما روي عن ابن عبّاس: من أ نّهما اسمان رقيقانأحدهما أرقّ من الآخر. ف- { الرَّحْمنِ } الرّقيق و { الرَّحيمِ } العطاف على عباده بالرّزق، محمول على أ نّه يعود عليهم بالفضل بعد الفضل و بالنّعمة بعد النّعمة،لأ نّه تعالى لايوصف برقّة القلب.

و دلّت هذه الآية على التّوحيد، لأنّ وصفه ب- { الرَّحْمنِ } يقتضي مبالغة في الوصف بالرّحمة، على وجه يعمّ جميع الخلق؛ و ذلك لايقدر عليها غير الله القادر لنفسه؛ و ذلك لايكون إلا واحدً ا، و لأنّ وصفه بالإلهيّة يفيد أ نّه تحقّ له العبادة، و ذلك لايكون إلا للقادر للنّفس، و هي تدلّ على العدل، لأنّ وصفه بالرّحمة الّتي وسعت كلّ شيء، يعمّ كلّ محتاج إلى الرّحمة من مؤمن و كافر و طفل و بالغ من كلّ حيّ؛ و ذلك يبطل قول المجبّرة الّذين قالوا: ليس لله على الكافر نعمة، و لأنهّا صفة مدح تنافي وصفه بأ نّه يخلق الكفر في الكافر، ثم ّيعذّبه عليه، لأنّ هذا صفة ذمّ. (1 : 28)

البغَويّ: و اختلفوا فيهما: منهم من قال: هما بمعنى واحد، مثل نَدْمان و نديم، و معناهما: ذو الرّحمة، و ذُكر أحدهما بعد الآخر تطميعًا لقلوب الرّ اغبين. و منهم من فرّق بينهما، فقال: للرّحمان معنى العموم، و للرّحيم معنى الخصوص. ف- { الرَّحْمنِ }: بمعنى الرّزّاق في الدّنيا، و هو على العموم لكافّة الخلق، و { الرَّحيمِ‘ } بمعنى العافي في الآخرة، و العفو في الآخرة للمؤمنين على الخصوص، و لذلك قيل في الدّعاء: يا رحمان الدّنيا و رحيم الآخرة،ف-{ الرَّحْمنِ } من تصل رحمته إلى الخلق على العموم، و { الرَّحيمِ‘ } من تصل رحمته إليهم على الخصوص، و لذلك يُدعى غير الله: رحيمًا و لايدعى غير الله: رحمان. ف- { الرَّحْمنِ } عامّ المعنى خاصّ اللّفظ، و { الرَّحيمِ‘ } عامّ اللّفظ خاصّ المعنى، و الرّحمة إرادة الله الخير لأهله.

و قيل: هي ترك عقوبة من يستحقّها، و إسداء الخير إلى من لايستحقّ، فهي على الأوّ ل صفة ذات، و على الثّاني صفة فعل. (1 : 71)

الزّمَخْشَريّ: و { الرَّحْمنِ } فَعْلان من رحِم كغضبان و سكران من غضب و سكر، و كذلك{ الرَّحيمِ‘ } فعيل منه، كمريض و سقيم من مرض و سقم. و في { الرَّحْمنِ } من المبالغة ما ليس في{ الرَّحيمِ‘ } و لذلك قالوا: رحمان الدّنيا و الآحزة، و رحيم الدّنيا، و يقولون: إنّ الزّيادة في البناء لزيادة المعنى.

و ممّا طَنّ على أُذني من ملح العرب، أ نّهم يُسمّون مركبًا من مراكبهم بالشّقدف، و هو مركب خفيف، ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطّائف

لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل، أردت المحمل العراقيّ، فقال: أليس ذاك اسمه الشّقدف؟

قلت: بلى، فقال: هذا اسمه الشّقنداف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمّى، و هو من الصّفات الغالبة كالدّبران و العيُّوق و الصّعق، لم يُستعمل في غير الله عزّو جلّ، كما أنّ < الله > من الأسماء الغالبة.

و أمّا قول بني حنيفة في مسيلمة: رحمان اليمامة،و قول شاعرهم فيه:

• و أنت غيث الورى لازلت رحمانًا *

فباب من تعنّتهم في كفرهم.

فإن قلت: كيف تقول: الله رحمان، أتصرفه أم لا؟

قلت: أقيسه على أخواته من بابه، أعني نحو: عطشان و غرثان و سكران، فلاأصرفه.

فإن قلت: قد شرط في امتناع صرف < فَعْلان > أن يكون < فَعْلان > فَعْلَى، و اختصاصه بالله يحظر أن يكون فَعْلان فَعْلى فلِمَ تمنعه الصّرف؟

قلت: كما حظر ذلك أن يكون له مؤنّث على فَعْلى كعَطْشى فقد حظر أن يكون له مؤنّث على فَعْلانة كنَدْمانة، فإذًا لاعبرة بامتناع التّأنيث للاختصاص العارض، فوجب الرّجوع إلى الأصل قبل الاختصاص، و هو القياس على نظائره.

فإن قلت: ما معنى وصف الله تعالى بالرّحمة، و معناها العطف و الحنو، و منها الرّحم لانعطافها على ما فيها؟

قلت: هو مجاز عن إنعامه على عباده ، لأنّ الملِك إذا عطف على رعيّته و رقّ لهم، أصابهم بمعروفه و إنعامه، كما أ نّه إذا أدركته الفظاظة و القسوة عَنِف بهم و منعهم خيره و معروفه.

فإن قلت: فلِمَ قُدّم ما هو أبلغ من الوصفين على ما هو دونه؟ و القياس التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى، كقولهم: فلان عالم نحرير و شجاع باسل وجواد فيّاض.

قلت: لمّا قال: { الرَّحْمنِ }فتناول جلائل النّعم و عظائمها و أُصولها، أردفه { الرَّحيمِ‘}كالتّتمّة و الرّديف، ليتناول ما دقّ منها و لطف. (1 : 41)

ابن عَطيّة: و { الرَّحْمنِ } صفة مبالغة من الرّحمة، و معناها: أ نّه انتهى إلى غاية الرّحمة، كما يدلّ على الانتهاء سكران و غضبان، و هي صفة تختصّ بالله و لاتُطلق على البشر، و هي أبلغ من فعيل، و فعيل أبلغ من فاعل، لأنّ راحمًا يقال لمن: رحِم و لو مرّة واحدة، و رحيمًا يقال لمن: كثر منه ذلك، و { الرَّحْمنِ } النّهاية في الرّحمة.

و قال بعض النّاس: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } بمعنى واحد، كالنّدْمان و النّديم، و زعم أ نّهما من فعل واحد، و لكن أحدهما أبلغ من الآخر.

و أمّا المفسّرون فعبّروا عن { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } بعبارات، فمنها: أنّ العرزميّ قال: معناه: { الرَّحْمنِ } بجميع خلقه، في الأمطار و نعم الحواسّ و النّعم العامّة. { الرَّحيمِ‘ } بالمؤمنين في الهداية لهم و اللّطف بهم. و منها: أنّ أباسعيد الخُدْريّ و ابن مَسعود رويا أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: < { الرَّحْمنِ } رحمان الدّنياو الآخرة و { الرَّحيمِ‘ } رحيم الآخرة >.

و قال أبوعليّ الفارسيّ: { الرَّحْمنِ } اسم عامّ في

جميع أنواع الرّحمة، يختصّ به الله تعالى، و { الرَّحيمِ‘ } إنّما هو في جهة المؤمنين، كما قال تعالى: { وَ كَانَ بِالمْ-ُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا ‘} الأحزاب : 43، و هذه كلّها أقوال تتعاضد.

و قال عطاء الخراسانيّ:كان { الرَّحْمنِ } فلمّا اختُزل و سُمّي به مسيلمة الكذّاب، قال الله سبحانه لنفسه: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘} فهذا الاقتران بين الصّفتين ليس لأحد إلا لله تعالى، و هذا قول ضعيف، لأنّ{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } كان قبل أن ينجم أمر مسيلمة، و أيضًا فتسمّي مسيلمة بهذا لم يكن ممّا تأصّل و ثبت.

و قال قوم: إنّ العرب كانت لاتعرف لفظة{ الرَّحْمنِ } و لاكانت في لغتها، و استدلّوا على ذلك بقول العرب: { وَ مَا الرَّحْمنُ اَنَسْجُدُ لِمَا تَاْمُرُنَا } الفرقان: 60. و هذا القول ضعيف، و إنمّا وقفت العرب على تعيين الإله الّذي أُمروا بالسّجود له، لاعلى نفس اللّفظة.

و اختُلف في وصل { الرَّحيمِ‘ } ب- { اَلْحَمْدُ }: فروي عن أُمّ سلمة عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله) الرّحيم الحمد تُسكَّن الميم و يوقف عليها، و يُبتدأ بألف مقطوعة، و قرأ به قوم من الكوفيّين .

و قرأ جمهور النّاس { الرَّحيمِ‘ الْحَمْدُ} يُعرَّب{ الرَّحيم‘ } بالخفض، و توصل الألف من { الْحَمْدُ } و من شاء أن يقدّر أ نّه أسكن الميم، ثمّ لم-ّا وصل حرّكها للالتقاء، و لم يُعتَدّ بألف الوصل، فذلك سائغ، و الأوّ ل أخصر.

و حكى الكِسائيّ عن بعض العرب: أ نّها تُقرأ ( الرّحيم الحمد ) بفتح الميم وصلة الألف، كأنّها سُكّنت الميم و قُطعت الألف، ثمّ أُلقيت حركتها على الميم و حُذفت. و لم تُرْوَ هذه قراءة عن أحد فيما علمت، و هذا هو نظر يحيى بن زياد في قوله تعالى: {الم, اَللهُ } آل عمران: 1، 2. (1 : 63)

الطَّبْرِسيّ: و إنّما قدّم { الرَّحْمنِ } على{ الرَّحيمِ‘ } ، لأنّ { الرَّحْمن } بمنزلة اسم العلم؛ من حيث لايوصف به إلا الله، فوجب لذلك تقديمه بخلاف { الرَّحيمِ‘ }، لأ نّه يطلق عليه و على غيره. [إلى أن قال:]

و عن بعض التّابعين قال: { الرَّحْمنِ } بجميع الخلق، و { الرَّحيمِ‘ } بالمؤمنين خاصّة. و وجه عموم { الرَّحْمنِ } بجميع الخلق مؤمنهم و كافرهم، و بَرّهم و فاجرهم، هو إنشاؤه إيّاهم، و خلقهم أحياء قادرين، و رزقه إيّاهم. و وجه خصوص { الرَّحيمِ‘ } بالمؤمنين، هو ما فعله بهم في الدّنيا من التّوفيق و في الآخرة من الجنّة و الإكرام، وغفران الذّنوب و الآثام.

و إلى هذا المعنى يؤول ما روي عن الصّادق : أ نّه قال: < الرّحمن اسم خاصّ بصفة عامّة، و الرّحيم اسم عامّ بصفة خاصّة >. و عن عِكْرِمَة قال:< الرّحمن برحمة واحدة، و الرّحيم بمائة رحمة >. و هذا المعنى قد اقتبسه من قول الرّسول: < إنّ لله عزّ و جلّ مائة رحمة، و إنّه أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه بها يتعاطفون و يتراحمون، وأخّر تسعًاو تسعين لنفسه، يرحم بها عباده يوم القيامة >. و روي

< إنّ الله قابض هذه إلى تلك، فيكملها مائة، يرحم بها عباده يوم القيامة >. (1 : 21)

الفَخْر الرّ ازيّ: و أمّا قوله تعالى: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } فاعلم أنّ الرّحمة عبارة عن التّخليص من أنواع الآفات،و عن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات.

أمّا التّخليص عن أقسام الآفات، فلايمكن معرفته إلا بعد معرفة أقسام الآفات، و هي كثيرة لايعلمها إلا الله تعالى، و من شاء أن يقف على قليل منها فليطالع كتب الطّبّ، حتّى يقف عقله على أقسام الأسقام الّتي يمكن تولّدها في كلّ واحد من الأعضاء والأجزاء، ثمّ يتأمّل في أ نّه تعالى كيف هدى عقول الخلق إلى معرفة أقسام الأغذية و الأدوية من المعادن و النّبات و الحيوان، فإنّه إذا خاض في هذا الباب وجده بحرً ا لاساحل له.

و قد حكى < جالينوس > أ نّه لم-ّا صنّف كتابه في منافع أعضاء العين؛ قال: بخلت على النّاس بذكر حكمة الله تعالى في تخليق العصبين المجوّفين ملتقيين على موضع واحد، فرأيت في النّوم كأنّ ملَكًا نزل من السّماء، و قال: يا جالينوس إنّ إلهك يقول: لِمَ بخلت على عبادي بذكر حكمتي؟ قال: فانتبهت فصنّفت فيه كتا بًا. و قال أيضًا: إنّ طحالي قد غلظ فعالجته بكلّ ما عرفت فلم ينفع، فرأيت في الهيكل كأنّ ملَكًا نزل من السّماء و أمرني بفصد العرق الّذي بين الخِنصِر والبِنْصِر. و أكثر علامات الطّبّ في أوائلها تنتهي إلى أمثال هذه التّنبيهات و الإلهامات، فإذا وقف الإنسان على أمثال هذه المباحث، عرف أنّ أقسام رحمة الله تعالى على عباده خارجة عن الضّبط و الإحصاء. (1 : 7)

تشديد الرّ اء من قوله: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } لأجلإدغام لام التّعريف في الرّ اء، و لاخلاف بين القرّ اء في لزوم إدغام لام التّعريف في اللا م و في ثلاثة عشر حرفًا سواه، و هي: الصّاد و الضّاد و السّين و الشّين و الدّال و الذّال و الرّاء و الزّاي و الطّاء و الظّاء و التّاء و الثّاء و النّون انتهى، كقوله تعالى: { اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّ اكِعُونَ السَّاجِ-دُونَ الا_مِرُو’نَ بِالمْ-َعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عِن ِالمْ-ُنْكَرِ } التوبة : 112.

و العلّة الموجبة لجواز هذا الإدغام قرب المخرج، فإنّ اللا م و كلّ هذه الحروف المذكورة مخرجها من طرف اللّسان و ما يقرب منه، فحسُن الإدغام،و لاخلاف بين القرّ اء في امتناع إدغام لام التّعريف فيما عدا هذه الثّلاثة عشر، كقوله: { الْعَابِدَونَ الْحَامِدُونَ... الا"_مِرَونَ بِالْمَعْرُوفِ }،كلّها بالإظهار. و إنمّا لم يجز الإدغام فيها لبُعْد المخرج، فإنّه إذا بَعُد مخرج الحرف الأوّ ل عن مخرج الحرف الثّاني ثقل النّطق بهما دفعةً، فوجب تمييز كلّ واحد منهما عن الآخر، بخلاف الحرفين اللّذين يقرب مخرجاهما، لأنّ التّمييز بينهما مشكل صعب.

و أجمعوا على أ نّه لايُمال لفظ {الرَّحْمنِ } و في جواز إمالته قولان للنّحويّين:

أحدهما: أ نّه يجوز، و لعلّه قول سيبَوَيه، و علّة جوازه انكسار النّون بعد الألف.

و القول الثّاني: و هو الأظهر عند النّحويّين أنّه لايجوز.

و أجمعوا على أنّ إعراب { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } هو الجرّ، لكونهما صفتين للمجرور الأوّل، إلا أنّ الرّفع و النّصب جائزان فيهما بحسب النّحو: أمّا الرّفع فعلى تقدير: بسم الله هو الرّحمن الرّحيم، و أمّا النّصب فعلى تقدير: بسم الله أعني الرّحمن الرّحيم. (1 : 105)

الباب العاشر في البحث: المتعلّق بقولنا:{ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }. [ثمّ ذكر بحثًا في أنّ خلقة الإنسان من رحمة الله تبارك و تعالى، و أنّ الرّحمة ليست إلا لله، فلاحظ]

الباب الحادي عشر: في بعض النّكت المستخرجة من قولنا: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }. [ثمّ ذكر النّكات، فراجع] (1 : 164)

العُكْبَريّ: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘} صفتان مشتقّتان من الرّحمة. و { الرَّحْمنِ } من أبنية المبالغة،و في {الرَّحيمِ‘ } مبالغة أيضًا، إلا أنّ فَعْلان أبلغ من فعيل، و جرّهما على الصّفة، و العامل في الصّفة هو العامل في الموصوف. و قال الأخفش: العامل فيها معنويّ، و هو كونها تبعًا.

و يجوز نصبهما على إضمار < أعني > و رفعهما على تقدير < هو>. (1 : 4)

القُرطُبيّ: و اختلفوا في اشتقاق اسمه { الرَّحْمنِ }فقال بعضهم: لااشتقاق له، لأ نّه من الأسماء المختصّة به سبحانه، و لأ نّه لو كان مشتقًّا من < الرّحمة > لاتّصل بذكر المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمان بعباده، كما يقال: رحيم بعباده. وأيضًا لو كان مشتقًّا من <الرّحمة > لم تنكره العرب حين سمعوه؛ إذ كانوا لاينكرون رحمةربّهم، و قد قال الله عزّ و جل: { وَ اِذَا قيلَ‘ لهَ-ُمُ اسْجُدُوا للِرَّحْمنِ قَالوُا وَ مَا الرَّحْمنُ } الفرقان : 60، الآية.

و لم-ّا كتب عليّ رضي الله عنه في صلح الحديبيّة بأمر النّبيّ (صلی الله علیه و آله) : { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمن ِ الرَّحيمِ‘ }، قال سهيل بن عمرو: أمّا { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمن ِ الرَّحيمِ‘ } فما ندري ما{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمن ِ الرَّحيمِ‘ } و لكن اكتُب ما نعرف: < باسمك اللّهمّ > الحديث. قال ابن العَرَبيّ: إنّما جهلوا الصّفة دون الموصوف، و استدلّ على ذلك بقولهم: و ما الرّحمان؟ و لم يقولوا: و مَن الرّحمان؟ قال ابن الحصّار: و كأ نّه رحمه الله لم يقرأ الآية الأُخرى: { وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ } الرّعد : 30.

و ذهب الجمهور من النّاس إلى أنّ { الرَّحْمنِ } مشتقّ من < الرّحمة > مبنيّ على المبالغة، و معناه: ذو الرّحمة الّذي لانظير له فيها، فلذلك لايُثنّى و لايُجمع كما يُثنّى{ الرَّحيمِ‘ } و يُجمع.

قال ابن الحصّار: و ممّا يدلّ على الاشتقاق ما خرّجه التّرمذيّ و صحّحه عن عبدالرّحمان بن عوف، أ نّه سمع رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: قال الله عزّ و جلّ< أنا الرّحمان خلقت الرّحم و شققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته و من قطعها قطعته.> و هذا نصّ في الاشتقاق، فلامعنى للمخالفة و الشّقاق، و إنكار العرب له لجهلهم بالله و بما وجب له.

زعم المُبَرِّد فيما ذكر ابن الأنباريّ في كتاب< الزّ اهر > له: أنّ { الرَّحْمنِ } اسم عبرانيّ فجاء معه ب- {الرَّحيمِ‘ }.

قال أبوإسحاق الزّجّاج في < معاني القرآن > و قال أحمد بن يحيى: { الرَّحيمِ‘ } عربيّ و { الرَّحْمنِ } عبرانيّ، فلهذا جُمع بينهما.و هذا القول مرغوب عنه. و قال أبوالعبّاس: النّعت قد يقع للمدح، كما تقول: قال جرير الشّاعر. وروى مُطرّف عن قَتادَة في قول الله عزّ و جلّ:{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } قال: مدح نفسه. قال أبوإسحاق: و هذا قول حسن. و قال قُطْرُب: يجوز أن يكون جُمع بينهما للتّوكيد. قال أبوإسحاق: و هذا قول حسَن. و في التّوكيد أعظم الفائدة، و هو كثير في كلام العرب، و يستغني عن الاستشهاد، و الفائدة في ذلك ما قاله محمّد بن يزيد: إنّه تفضّل بعد تفضّل، و إنعام بعد إنعام، و تقوية لمطامع الرّاغبين، و وعد لايخيب آمله.

و اختلفوا هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟

فقيل: هما بمعنى واحد، كنَدْمان و نديم؛ قاله أبوعُبَيْدَة. و قيل: ليس بناء فَعْلان كفعيل، فإنّ فَعْلان لايقع إلا على مبالغة الفعل، نحو قولك: رجل غضبان، للممتلئ غضبًا. و فعيل قد يكون بمعنى الفاعل و المفعول.

ف- { الرَّحْمنِ } خاصّ الاسم عامّ الفعل،و { الرَّحيمِ‘ } عامّ الاسم خاصّ الفعل. هذا قول الجمهور.

قال أبوعليّ الفارسيّ: { الرَّحْمنِ } اسم عامّ في جميع أنواع الرّحمة، يختص به الله، و{ الرَّحيمِ‘ } إنّما هو في جهة المؤمنين، كما قالتعالى: { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا ‘} الأحزاب : 43.

و قال العَرْزميّ: { الرَّحْمنِ } بجميع خلقه في الأمطار و نعم الحواسّ و النّعم العامّة، و { الرَّحيمِ‘ } بالمؤمنين في الهداية لهم، و اللّطف بهم.

و قال ابن المبارك: { الرَّحْمنِ } إذا سُئل أُعطي،و { الرَّحيمِ‘ } إذا لم يسأل غضب.

و روى ابن ماجة في سُننه و التّرمذيّ في جامعه عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): < من لم يسأل الله يغضب عليه > لفظ التّرمذيّ. و قال ابن ماجة: < من لم يَدْعُ الله سبحانه غضب عليه >و قال: سألت أبازُرْعَة عن أبي صالح هذا، فقال: هو الّذي يقال له: الفارسيّ، و هو خوزيّ، و لاأعرف اسمه.

و قال ابن عبّاس: هما اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر، أي أكثر رحمةً.

قال الخطّابيّ: و هذا مشكل، لأنّ الرّ قّة لامدخل لها في شيء من صفات الله تعالى. و قال الحسين بن الفضل البجليّ: هذا وهم من الرّ اوي، لأنّ الرّ قّة ليست من صفات الله تعالى في شيء، و إنمّا هما اسمان رفيقان أحدهما أرفق من الآخر، و الرّفق من صفات الله عزّ و جلّ، قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): < إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق و يعطي علي الرّفق ما لايعطي عليّ العُنف >.

أكثر العلماء على أنّ { الرَّحْمنِ } مختصّ بالله عزّ و جلّ، لايجوز أن يسمّى به غيره، ألاتراه قال: { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ } الإسراء : 110، فعادل الاسم الّذي لايشركهفيه غيره. و قال:{ وَ سْ-َلْ= مَنْ اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا اَجَعَلْنَا مِنْ

دُونِ الرَّحْمنِ ا"لهِ-َةً يُعْبَدُونَ } الزّخرف : 45، فأخبر أنّ{ الرَّحْمنِ } هو المستحقّ للعبادة جلّ و عزّ. و قد تجاسر مسيلمة الكذّاب لعنه الله فتسمّى: برحمان اليمامة، و لم يتسمّ به حتّى قرع مسامعه نعت الكذّاب فألزمه الله تعالى نعت الكذّاب لذلك، و إن كان كلّ كافر كاذبًا، فقد صار هذا الوصف لمسيلمة علمًا يعرف به، ألزمه الله إيّاه.

و قد قيل في اسمه :{ الرَّحْمنِ }: إنّه اسم الله الأعظم، ذكره ابن العَرَبيّ.

{ الرَّحيمِ‘ } صفة مطلقة للمخلوقين، و لما في { الرَّحْمنِ } من العموم قُدّم في كلامنا على {الرَّحيمِ‘} مع موافقة التّنزيل، قاله المهدويّ.

و قيل: إنّ معنى{ الرَّحيمِ‘ } أي بالرّحيم وصلتم إلى الله و إلى { الرَّحْمنِ }، ف- { الرَّحيمِ‘ } نعت محمّد (صلی الله علیه و آله)، و قد نعته تعالى بذلك فقال: { رَؤُفٌ رَحيمٌ ‘} فكأنّ المعنى: أن يقول: بِسمِ اللهِ الرّحْمانِ و بالرّحيمِ، أي و بمحمّد (صلی الله علیه و آله) وصلتم إليّ، أي باتّباعه و بما جاء به وصلتم إلى ثوابي و كرامتي، و النّظر إلى وجهي، و الله أعلم.

روي عن عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه أ نّه قال في قوله: { بِسْمِ اللهِ } إنّه شفاء من كلّ داء، و عون على كلّ دواء. و أمّا { الرَّحْمنِ } فهو عون لكلّ من آمن به، و هو اسم لم يسمّ به غيره. و أمّا { الرَّحيمِ‘ } فهو لمن تاب و آمن و عمل صالحًا.

و قد فسّره بعضهم على الحروف، فروي عن عثمان بن عفّان أ نّه سأل رسول الله(صلی الله علیه و آله) عن تفسير { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} فقال: < أمّا الباء فبلاء الله و روحه و نضرته و بهاؤه، و أمّا السّين فسناء الله، و أمّا الميم فمُلك الله، و أمّا { اللهِ } فلاإله غيره، و أمّا {الرَّحْمنِ } فالعاطِف على البَرّ و الفاجر من خلقه و أمّا { الرَّحيمِ‘ } فالرّفيق بالمؤمنين خاصّة >...

و قد قيل: إنّ كلّ حرف هو افتتاح اسم من أسمائه، فالباء مفتاح اسمه بصير، و السّين مفتاح اسمه سميع، و الميم مفتاح اسمه مليك، و الألف مفتاح اسمه الله، واللا م مفتاح اسمه لطيف، و الهاء مفتاح اسمه هاديّ، والرّ اء مفتاح اسمه رازق، و الحاء مفتاح اسمه حليم، والنّون مفتاح اسمه نور، و معنى هذا كلّه دعاء الله تعالى عند افتتاح كلّ شيء. [و استشهد بالشّعر 3مرّ ات](1 : 103)

البَيْضاويّ: و { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } اسمان بُنيا للمبالغة من < رحم >، كالغضبان من غضب، و العليم من علم. و الرّحمة في اللُّغة: رقّة القلب و انعطاف يقتضي التّفضّل و الإحسان؛ و منه الرّحِم لانعطافها على ما فيها.

و أسماء الله تعالى إنمّا تؤخذ باعتبار الغايات الّتي هي أفعال دون المبادئ الّتي تكون انفعالات.و { الرَّحْمنِ } أبلغ من { الرَّحيمِ‘ }، لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى، كما في قطّع و قطَع و كُبّار و كِبار؛ و ذلك إنّما تؤخذ تارةً باعتبار الكمّ-يّة،و أُخرى باعتبار الكيفيّة، فعلى الأوّل قيل: يا رحمان الدّنيا، لأ نّه يعمّ المؤمن و الكافر، و رحيم الآخرة، لأ نّه يخصّ المؤمن، و على الثّاني قيل: يا رحمان الدّنيا

و الآخرة، و رحيم الدّنيا، لأنّ النّعم الأُخرويّة كلّها جسام، و أمّا النّعم الدّنيويّة فجليلة و حقيرة.

و إنّما قُدّم و القياس يقتضي التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى، لتقدّم رحمة الدّنيا، و لأ نّه صار كالعَلَم؛ من حيث إنّه لايوصف به غيره، لأنّ معناه المنعم الحقيقيّ، البالغ في الرّحمة غايتها؛ و ذلك لايصدق على غيره، لأنّ من عداه فهو مستعيض بلطفه و إنعامه، يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء، أو يُزيح رقّة الجنسيّة أو حُبّ المال عن القلب.

ثمّ إنّه كالواسطة في ذلك، لأنّ ذات النّعم و وجودها، و القدرة على إيصالها، و الدّ اعية الباعثة عليه، و التّمكّن من الانتفاع بها، و القوى الّتي بها يحصل الانتفاع، إلى غير ذلك من خلقه، لايقدر عليها أحد غيره.

أو لأنّ { الرَّحْمنِ } لمّا دلّ على جلائل النّعم و أُصولها ذكر { الرَّحيمِ‘ } ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتّتمّة و الرّديف له. أو للمحافظة على رؤوس الآي.

و الأظهر أ نّه غير مصروف و إن حظر اختصاصه بالله تعالى أن يكون له مؤنّث على: فَعْلى أو فَعْلانة، إلحاقًا له بما هو الغالب في بابه. و إنّما خُصّ التّسمية بهذه الأسماء، ليعلم العارف أنّ المستحقّ لأن يستعان به في مجامع الأُمور، هو المعبودالحقيقيّ الّذي هو مولى النّعم كلّها عاجلها و آجلها، جليلها و حقيرها، فيتوجّه بشراشره إلى جناب القُدس، و يتمسّك بحبل التّوفيق، و يشغل سرّه بذكره و الاستمداد به عن غيره. (1 : 6)

أبوحَ-يّان: { الرَّحْمنِ } : فَعْلان من الرّحمة، و أصل بنائه من اللا زم من المبالغة، و شذّ من المتعدّي، و ( أل ) فيه للغلبة، كهي في الصّعق، فهو وصف لم يُستعمل في غير الله، كما لم يُستعمل اسمه في غيره، و سمعنا مناقبه قالوا: رحمان الدّنيا و الآخرة، و وَصْف غير الله به من تعَنّت الملحدين. و إذا قلت: الله رحمان، ففي صرفه قولان: ليسند أحدهما: إلى أصل عامّ، و هو أنّ أصل الاسم الصّرف، و الآخر: إلى أصل خاصّ، و هو أنّ أصل < فَعْلان>المنع لغلبته فيه. و من غريب ما قيل فيه: إنّه أعجميّ بالخاء المعجمة، فعُرّب بالحاء، قاله ثَعْلَب.

{الرَّحيمِ ‘}: فعيل محَوّ ل من فاعل للمبالغة، و هو أحد الأمثلة الخمسة، و هي: فعال، و فعول، و مفعال، و فعيل، و فَعِل، و زاد بعضهم فِعّيلا فيها: نحوسِكّير، و لها باب معقود في النّحو، و قيل: و جاء رحيم بمعنى مرحوم. [ثمّ استشهد بشعر إلى أن قال:]

و { الرَّحْمنِ }: صفة لله عند الجماعة. و ذهب الأعلم و غيره إلى أ نّه بدل، و زعم أنّ{ الرَّحْمنِ } علم، و إن كان مشتقًّا من < الرّحمة >،لكنّه ليس بمنزلة الرّحيم و لاالرّ احم، بل هو مثل الدّبران،و إن كان مشتقًّا من دبر صيغ للعلميّة، فجاء على بناءلايكون في النّعوت، قال: و يدلّ على علميّته و وروده غير تابع لاسم قبله، قال تعالى: {الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى } طه" : 5، { اَلرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْ ا"نَ } الرّحمن : 2،1، و إذا ثبتت العلميّة امتنع النّعت، فتعيّن البدل.

قال أبوزَيْد السّهيليّ: البدل فيه عندي ممتنع،

و كذلك عطف البيان، لأنّ الاسم الأوّ ل لايفتقر إلى تبيين، لأ نّه أعرف الأعلام كلّها و أبينها؛ ألاتراهم قالوا: { وَ مَا الرَّحْمنُ }، و لم يقولوا: و ما الله، فهو وصف يراد به الثّناء، و إن كان يجري مجرى الإعلام.

{ الرَّحْم-ٰنِ الرَّحيمِ ‘} قيل: دلالتهما واحد، نحو نَدْمان و نديم. و قيل: معناهما مختلف، ف- { الرَّحْمنِ } أكثر مبالغة، و كان القياس التّرقّي، كما تقول: عالم نِحْرير، و شجاع باسل، لكن أردف { الرَّحْمنِ } الّذي يتناول جلائل النّعم و أُصولها ب- { الرَّحيمِ‘ } ليكون كالتّتمّة و الرّديف، ليتناول ما دقّ منها و لطف،و اختاره الزّمَخْشَريّ. و قيل: { الرَّحيمِ‘ }أكثر مبالغة، و الّذي يظهر أنّ جهة المبالغة مختلفة، فلذلك جُمع بينهما، فلايكون من باب التّوكيد. فمبالغة فَعْلان مثل غضبان و سكران؛ من حيث الامتلاء والغلبة، و مبالغة فعيل من حيث التّكرار و الوقوع بمحالّ الرّحمة، و لذلك لايتعدّى فَعْلان، و يتعدّى فعيل. تقول: زيد رحيمٌ المساكينَ كما تعدّى فاعلا ، قالوا: زيد حفيظٌعلمَك و عِلمَ غيرك، حكاه ابن سيده عن العرب.

و من رأى أ نّهمابمعنى واحد، و لم يذهب إلى توكيد أحدهما بالآخر، احتاج أ نّه يخصّ كلّ واحد بشيء، و إن كان أصل الموضوع عنده واحدً ا،ليخرج بذلك عن التّأكيد، فقال مُجاهِد: رحمان الدّنيا و رحيم الآخرة. و روى ابن مَسعود، و أبوسعيد الخُدْريّ أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: < الرّحمان رحمان الدّنيا و الرّحيم رحيم الآخرة >.و إذا صحّ هذا التّفسير وجب المصير إليه.

و قال المُزنيّ: بنعمة الدّنيا و الدّين. و قال العزيزيّ:{ الرَّحْمنِ } بجميع خلقه في الأمطار، و نِعَم الحواسّ، و النّعم العامّة،{ الرَّحيمِ‘ } بالمؤمنين في الهداية لهم و اللّطف بهم. و قال المحاسبيّ: برحمةالنّفوس و رحمة القلوب. و قال يحيى بن معاذ: لمصالح المعاد و المعاش. و قال الصّادق: خاصّ اللّفظ بصيغة عامّة في الرّزق، و عامّ اللّفظ بصيغة خاصّة في مغفرة المؤمن. و قال ثَعْلَب: :{ الرَّحْمنِ } أمدح، و { الرَّحيمِ‘ } ألطف، و قيل: { الرَّحْمنِ } المُنعم بما لايُتصوّر جنسه من العباد، و { الرَّحيمِ‘ } المُنعم بما يُتصوّر جنسه من العباد.

و وَصْف الله تعالى بالرّحمة مجاز عن إنعامه على عباده؛ ألاترى أنّ الملِك إذا عُطف على رعيّته و رقّ لهم أصابهم إحسانه، فتكون الرّحمة إذ ذاك صفةفعل؟ و قال قوم: هي إرادة الخير لمن أراد الله تعالى به ذلك، فتكون على هذاصفة ذات. و يبني على هذا الخلاف خلاف آخر، و هو أنّ صفات الله تعالى الذّاتيّة و الفعليّة أهي قديمة أم صفات الذّات قديمة و صفات الفعل محدثة قولان؟

و أمّا الرّحمة الّتي من العباد، فقيل: هي رقّة تحدث في القلب، و قيل: هي قصد الخير أو دفع الشّرّ، لأنّ الإنسان قد يدفع الشّرّ عمّن لايرقّ عليه، و يوصل الخير إلى من لايرقّ عليه. (1 : 15)

أبوالسُّعود: و { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } صفتان مبنيّتان، من < رحِم > بعد جعله لازمًا، بمنزلة الغرائز بنقله إلى < رحُم > بالضّمّ، كما هو المشهور. و قد قيل:

إنّ { الرَّحيمِ‘ }ليس بصفة مشبّهة بل هي صيغة مبالغة، نصّ عليه سيبَوَيه، في قولهم: هو رحيمٌ فلانًا. و الرّحمة في اللُّغة: رقّة القلب و الانعطاف؛ و منه: الرّحِم لانعطافها على ما فيها. و المراد هاهنا: التّفضّل و الإحسان، و إرادتهما بطريق إطلاق اسم السّبب بالنّسبة إلينا على مسبّبه البعيد أو القريب. فإنّ أسماء الله تعالى تؤخذ باعتبار الغايات الّتي هي أفعال دون المبادئ الّتي هي انفعالات، و الأوّل من الصّفات الغالبة؛ حيث لم يُطلَق على غيره تعالى.

و إنّما امتنع صرفه إلحاقًا له بالأغلب في بابه، من غير نظر إلى الاختصاص العارض، فإنّه كما حظر وجود < فَعْلى > حظر وجود < فعلانة >، فاعتباره يوجب اجتماع الصّرف و عدمه، فلزم الرّجوع إلى أصل هذه الكلمة قبل الاختصاص، بأن تُقاس إلى نظائرها، من باب فَعِل يَفْعَل. فإذا كانت كلّها ممنوعة من الصّرف،لتحقّق وجود < فَعْلى >فيها، عُلم أنّ هذه الكلمة أيضًا في أصلها، ممّا تحقّق فيها وجود < فَعْلى >، فتُمنع من الصّرف. و فيه من المبالغة ما ليس في{ الرَّحيمِ‘ } و لذلك قيل: < يا رحمان الدّنيا و الآخرة و رحيم الدّنيا >.

و تقديمه مع كون القياس تأخيره، رعايةً لأُسلوب التّرقّي إلى الأعلى، كما في قولهم: فلان عالم نِحْرير و شجاع باسل و جواد فيّاض، لأ نّه باختصاصه به عزّ و جلّ، صار حقيقًا بأن يكون قرينًا للاسم الجليل الخاصّ به تعالى، و لأنّ ما يدلّ على جلائل النّعم و عظائمها و أُصولها، أحقّ بالتّقديم ممّا يدلّ على دقائقها و فروعها. و إفراد الوصفين الشّريفين بالذّكر، لتحريك سلسلة الرّحمة. (1 : 18)

الكاشانيّ: [نقل حديث الإمام الصّادق ثمّ قال:]

أقول: رزق كلّ مخلوق ما به قوام وجوده،و كماله اللا ئق به، فالرّحمة الرّحمانيّة تعمّ جميع الموجودات و تشتمل كلّ النّعم، كما قال الله سبحانه: { اَعْطى" كُلَّ شَىْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى} طه" :50. و أمّا الرّحمة الرّحيميّة بمعنى التّوفيق في الدّنيا و الدّين، فهي مختصّة بالمؤمنين، و ما ورد من شمولها للكافرين فإنّما هي من جهة دعوتهم إلى الإيمان و الدّين، مثل ما في تفسير الإمام من قولهم:الرّحيم بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته، و بعباده الكافرين في الرّفق في دعائهم إلى موافقته. (1 : 69)

البُرُوسَويّ: { الرَّحْمنِ } الرّحمة في اللُّغة: رقّة القلب و الانعطاف؛ و منه الرّحِم لانعطافها على ما فيها، و المراد بها هاهنا: هو التّفضّل و الإحسان، أو إرادتهما بطريقة إطلاق اسم السّبب بالنّسبة إلينا على مسبّبه البعيد أو القريب، فإنّ أسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات الّتى هي أفعال دون المبادئ الّتي هى انفعالات. فالمعنى: العاطف على خلقه بالرّزق لهم، و دفع الآفات عنهم، لايزيد في رزق المتّقي لقبل تقواه، و لاينقص من رزق الفاجر لقبل فجوره، بل يرزق الكلّ بما يشاء. { الرَّحيمِ}المترحّم إذا سُئل أعطى،و إذا لم يُأل غضب، و بني آدم حين يُسأل يغضب.

و اعلم أنّ الرّحمة من صفات الذّات، و هو إرادته

إيصال الخير و دفع الشّرّ، و الإرادة صفة الذّات، لأنّ الله تعالى لو لم يكن موصوفًا بهذه الصّفة لما خلق الموجودات، فلمّا خلق الخلق علمنا أنّ رحمته صفة ذاتيّة، لأنّ الخلق إيصال خير الوجود إلى المخلوق، و دفع شرّ العدم عنهم، فإنّ الوجود خير كلّه.

قال الشّيخ القيصريّ: اعلم أنّ الرّحمة صفة من الصّفات الإلهيّة، و هي حقيقة واحدة، لكنّها تنقسم بالذّاتيّة و الصّفاتيّة، أي تقتضيها أسماء الذّات و أسماء الصّفات، و كلّ منهما عامّة و خاصّة، فصارت أربعًا، و يتفرّع منها إلى أن يصير المجموع مائة رحمة، و إليها أشار رسول الله (صلی الله علیه و آله) بقوله: « إنّ لله مائة رحمةأعطى واحدة منها لأهل الدّنيا كلّها، و ادّخر تسعًا و تسعين إلى الآخرة يرحم بها عباده ».

فالرّحمة العامّة و الخاصّة الذّاتيّتان ما جاء في البسملة من { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، و الرّحمة الرّحمانيّة عامّة لشمول الذّات جميع الأشياء علمًا و عينًا،و الرّحيميّة خاصّة، لأ نّها تفصيل تلك الرّحمة العامّة الموجب لتعيين كلّ من الأعيان، بالاستعداد الخاصّ بالفيض الأقدس، و الصّفاتيّة ما ذكره في الفاتحة من { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } الأُولى عامّة الحكم، لترتّبها على ما أفاض الوجود العامّ العلميّ من الرّحمة العامّة الذّاتيّة، و الثّانية خاصّة و تخصيصها بحسب استعداد الأصليّ الّذي لكلّ عين من الأعيان، و هما نتيجتان للرّحمتين الذّاتيّتين، العامّة و الخاصّة،انتهى كلامه.(1 : 8 )

الآلوسيّ: و { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } المشهور أ نّهما صفتان مشبّهتان بُنيتا لإفادة المبالغة، و أ نّهما من < رحم > مكسور العين نُقل إلى < رَحُم > مضمومها بعد جعله لازمًا، و هذا مطّرد في باب المدح و الذّمّ. و أنّ الرّحمة في اللُّغة: رقّة القلب، و لكونها من الكيفيّات التّابعة للمزاج المستحيل عليه سبحانه، تُؤخذ باعتبار غايتها:

إمّا على طريقة المجاز المرسَل بذكر لفظ السّبب و إرادة المسبّب.

و إمّا على طريقة التّمثيل، بأن شبّه حاله تعالى بالقياس إلى المرحومين، في إيصال الخير إليهم، بحالالملِِك إذا رقّ لهم، فأصابهم بمعروفه و إنعامه، فاستعمل الكلام الموضوع للهيئة الثّانية في الأُولى من غير أن يتمحّل في شي‌ء من مفرداته.

و إمّا على طريقة الاستعارة المصرّحة بأن يُشبّه الإحسان على ما اختاره القاضي أبوبكر، أو و إرادته على ما اختاره الأشعريّ بالرّحمة بجامع ترتّب الانتفاع على كلّ، و يستعار له الرّحمة، و يشتقّ منها { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } على حدّ الحال ناطقة بكذا.

و إمّا على طريقة الاستعارة المكنيّة التّخييليّة، بأن يُشبّه معنى الضّمير فيهما العائد إليه تعالى بملِك رَقّ قلبه على رعيّته، تشبيهًا مضمرً ا في النّفس، و يحذف المشبّه به، و يثبت له شي‌ء من لوازمه، و هو الرّحمة.

و قيل: الرّحمة في ذلك حقيقة شرعيّة، و أنّ {الرَّحْمنِ } أبلغ من { الرَّحيمِ‘ } لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى، فتُؤخذ تارة باعتبار الكمّيّة و أُخرى باعتبار الكيفيّة؛ فعلى الأوّ ل قيل: يا رحمان الدّنيا،

لأ نّه يعمّ المؤمن و الكافر، و رحيم الآخرة، لأ نّه يخصّ المؤمن؛ و على الثّاني قيل: يا رحمان الدّنيا و الآخرة و رحيم الدّنيا، لأنّ النّعم الأُخرويّة كلّها جسام.

و أمّا النّعم الدّنيويّة فجليلة و حقيرة، و أ نّه إنمّا قُدّم{ الرَّحْمنِ } و القياس يقتضي التّرقّي، لتقدّم رحمة الدّنيا، و لأ نّه صار كالعَلَم؛ من حيث إنّه لايوصف به غيره، لأنّمعناه: المنعم الحقيقيّ البالغ في الرّحمة غايتها؛ و ذلك لايصدق على غيره. و قول بني حنيفة في مُسيلمة: رحمان اليمامة، و قول شاعرهم فيه:

سموت بالمجد يابن الأكرمين أ بًا

و أنت غيث الورى لازلت رحمانًا

غلوّ في الكفر أو التّقديم، لأنّ { الرَّحْمنِ } لمّادلّ على جلائل النّعم و أُصولها ذكر { الرَّحيمِ‘}ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتّتمّة و الرّديف له، أو للمحافظة على رؤوس الآي. هذا و جميعه لايخلو عن مقال، و لايسلم من رَشْق نبال.

أمّا أوّ لا : فلأنّ الصّفة المشبّهة لاتُبنى إلا من لازم، و لذا قال في < التّسهيل >: إنّ ربًّا و ملِكًا و رحمانًا ليست منها، لتعدّي أفعالها، و لم يقل أحد بنقل ما تعدّى منها لفعل المضموم العين، و المسطور في المتون المعوّل عليها: أنّ فعل المفتوح و المكسور إذا قُصد به التّعجّب يُحوّل إلى فعل المضموم، كقضو الرّجل، بمعنى: ما أقضاه!

و حينئذ فيه اختلاف، هل يُعطي حكم نعم أو فعل التّعجّب، كما فصّلوه ثم-ّة، و إلحاقهم له بنعم كالصّريح في عدم تصرّفه، و أ نّه لايؤخذ منه صفة أصلا ، و كون رفيع الدّرجات، بمعنى رفيع درجاته لارافع الدّرجات لايُجدي نفعًا، و إنّما فسّروه بما ذُكر،لأنّ المراد درجات عزّه و جبروته، ليناسب المراد من قوله : { ذُو الْعَرْشِ يُلْقِى الرُّوحَ مِنْ اَمْرِهِ عَلى" مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبَادِهِ } المؤمن : 15، و هي بسطة مُلكه و سعةملكوته، و تلك الدّرجات ليست مرفوعة بفعل.

و نُقل ذلك عن الزّمَخْشَريّ في < الفائق > بعد تسليم أ نّه مذكور فيه، معارض بما صرّح به هو في غيره ك- < المفصّل > على أنّ قولهم: رحمان الدّنيا و رحيم الآخرة بالإضافة إلى المفعول - كما نصّ عليه - دون الفاعل، يقتضي عدم اللّزوم، و أ نّهما ليسا بصفة مشبّهة، فالأصحّ أ نّهما من أبنية المبالغة الملحقة باسم الفاعل و أُخِذا من فعل متعدّ، و ذلك في الرّحيم ظاهر. و قد نصّ عليه سيبَوَيه في قولهم: رحيمٌ فلا نًا، و كذا الزّجّاج، و الصّيغة تساعده.

و للاشتباه في { الرَّحْمنِ } و عدم ذكر النُّحاة له في أبنية المبالغة، قال الأعلم و ابن مالك: إنّه علَم في الأصل لاصفة، و لاعلَم بالغلبة التّقديريّة الّتي ادّعاها الجُلّ من العلماء.

و أمّا ثانيًا: فلأنّ نقل فعل المكسور إلى فعل المضموم، لايتوقّف على جعله لازمًا أوّ لا ، لأ نّه بمجرّد النّقل يصير كذلك، و تحصيل المناسبة بين المنقول و المنقول إليه باللّزوم، لعدم الاكتفاء فيها بمطلق الفعليّة، ممّا لايخفى ما فيه.

و أمّا ثالثًا: فلأنّ كون الرّحمة في اللُّغة رقّة القلب إنمّا هو فينا، و هذا لايستلزم ارتكاب التّجوّز عند

إثباتها لله تعالى، لأ نّها حينئذ صفة لائقة بكمال ذاته كسائر صفاته، و معاذ الله تعالى أن تقاس بصفات المخلوقين، و أين التّراب من ربّ الأرباب! و لو أوجب كون الرّحمة فينا رقّةالقلب ارتكاب المجاز في الرّحمة الثّابتة له تعالى، لاستحالة اتّصافه بما نتّصف به.

[ثمّ بحث في الخلاف بين المعتزلة و غيرهم في صفات الله تعالى، هل هي بمعنا ها الحقيقيّ أوالمجازيّ، إلى أن قال:]

و أمّا رابعًا: فلأنّ إجراء الاستعارة التّمثيليّة هنا مع أ نّه تكلّف، لاسيّما على مذهب السّيّد السّند قُدّس سرّه فيه، ظاهرً ا نوع من سوء الأدب؛ إذ لايقال: إنّ لله تعالى هيئة شبيهة بهيئة الملِك، و لم يرد إطلاق الحال عليه سبحانه و تعالى، فهل هذا إلا تصرّف في حقّ الله تعالى، بما لم يأذن به الله، و مثل هذا أيضًا مكنيّ في المكنيّة، و بلاغة القرآن غنيّة عن تكلّف مثل ذلك.

و أمّا خامسًا: فلأنّ وجه تشبيه الإحسان في احتمال الاستعارة المصرّحة بالرّحمة الّتي هي رقّة القلب غير صريح، لأ نّه لاينتفع بها نفسها، و إنمّا الانتفاع بآثارها، و كم من رَقّ قلبه على شخص حتّى أرقّ له، لم ينفعه بشي‌ء، و لاأعانه بحيّ و لاليّ.

أهمّ بأمر الحزم لاأستطيعه

و قد حيل بين العير و النّزوان

و لاكذلك الانتفاع بالإحسان. و أمّا الإرادة فهي إن قلنا بصحّة إرادتها هنا، لاتصحّ في وجه المجاز المرسل بالنّظر إليه تعالى، بل إنّك إذا تأمّلت و أنصفت وجدت الرّحمة إن تسبّبت الإحسان أو أرادته، فإنّما تسبّبه إذا كانت هي و هو صفتين لنا، و مجرّد السّببيّةو المسبّبيّة في هذه الحالة، لايوجب كون الرّحمة المنسوبة إليه عزّ شأنه مجازً ا مرسلا عن أحد الأمرين، و بفرض وجود الرّحمة بذلك المعنى فيه تعالى كيفما كان الفرض، لانجزم بالسّببيّة و المسبّبيّة أيضًا، و قياس الغائب على الشّاهد ممّا لاينبغي، و الفرق مثل الصّبح ظاهر، و الذّهن مقيّد عن دعوى الإطلاق لما لايخفى عليك، فتأمّل في هذا المقام، فقد غفل عنه أقوام بعد أقوام.

و أمّا سادسًا: فلأنّ كون { الرَّحْمنِ } أبلغ من { الرَّحيمِ‘ } غير مسلّم، و إن قال الرّ اغِب: إنّ فعيلا لمن كثر منه الفعل، و فَعْلان لمن كثر منه و تكرّر، حتّى قيل: { الرَّحيمِ‘} أبلغ لتأخّره، و قول ابن المبارك:{ الرَّحْمنِ }،إذا سُئل أعطى و { الرَّحيمِ‘ }، إذا لم يُسأل غضب، و قيل: هما سواء لظاهر الحديث الّذي أخرجه الحاكم في المستدرك مرفوعًا: « رحمان الدّنيا و الآخرة و رحيمهما » و إليه ذهب الجوينيّ، و قرّره بأنّ فَعْلان لمن تكرّر منه الفعل و كثر، و فعيل لمن ثبت منه الفعل و دام.

و فرّق بعضهم بينهما بأنّ { الرَّحْمنِ } دالّ على الصّفة القائمة به تعالى، و { الرَّحيمِ‘ } دالّ على تعلّقها بالمرحوم، فكان الأوّ ل للوصف و الثّاني للصّفة، فالأوّل دالّ على أنّ الرّحمة صفته، و الثّاني دالّ على أ نّه يرحم خلقه برحمته، و إذا أردت فهم ذلك، فتأمّل قوله تعالى: { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا‘ } الأحزاب : 43، { اِنَّهُ بِهِمْرَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 117، و لم يجئ

قطّ < رحمن >، فإنّه يُستشعر منه أنّ < رحمن > هو الموصوف بالرّحمة، و < رحيم > هو الرّاحم برحمته، و ما ذُكر من قولهم: لأنّ زيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى قاعدة أغلبيّة، أسّسها ابن جنّيّ فلعلّها لاتثبت مع { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } و قد نُقضت بحذر، فإنّه أبلغ من حاذر، مع زيادة حروفه.

فإن أُجيب بأ نّها أكثريّة فيأمر حبًّا بالوفاق، و إن أُجيب بأنّ ما ذُكر لاينافي أن يقع في البناء إلا نقص زيادة معنى بسبب آخر، كالإلحاق بالأُمور الجِبِلّيّة مثل شره و نهم، فجاز أنّ حاذرً ا أبلغ من حذِر، لدلالته على زيادة الحذر و إن لم يدلّ على ثبوته و لزومه، فهو على ما فيه لايصفو عن كدر، لأ نّهم صرّحوا بأ نّه قد كثر استعمال < فعيل > في الغرائز كشريف و كريم، و < فَعْلان > في غيرها كغضبان و سكران، فيقتضي أ نّه أبلغ و لو من وجه أوّ لا فسواء.

و إن أُجيب بأنّ القاعدة فيما إذا كان اللّفظان المتلاقيان في الاشتقاق متّحدي النّوع في المعنى: كغرث و غرثان و صدّ و صديان و رحيم و رحمان، لاكحذر و حاذر للاختلاف، فإنّ أحدهما اسم فاعل و الآخر صفة مشبّهة. فيقال: قد صرّح ابن الحاجب بأ نّه من أبنية المبالغة المعدودة من اسم الفاعل، فهما متّحدان نوعًا أيضًا، فيحصل الانتقاض ألبتّة.

ثمّ إنّهم استشكلوا الأبلغيّة بأنّ أصلالمبالغة ممّا لايمكن هنا، لأ نّها عبارة عن أن تُثبت للشّي‌ء أكثر ممّا له؛ و ذلك فيما يقبل الزّيادة و النّقص، و صفاته تعالى منزّهة عن ذلك، لاستلزامه التّغيّر المستلزم للحدوث.

و أُجيب بأنّ المراد الأكثريّة في التّعلّقات و المتعلّقات، لافي الصّفة نفسها، و هذا إذا كانت صفة ذات، و إن كانت صفة فعل فلاإشكال، على ما ذهب إليه الأشاعرة من القول بحدوثها، و أمّا على ما ذهب إليه ساداتنا الماتُريديّة القائلون: بقدوم صفة التّكوين، فيجاب بما أُجيب به عن الأوّ ل.

و أمّا سابعًا: فلأنّ قولهم: فعلى الأوّل قيل: يا رحمان الدّنيا، لأ نّه يعمّ المؤمن و الكافر، و رحيم الآخرة، لأ نّه يخصّ المؤمن، إن أرادوا به أنّ أبلغيّة { الرَّحْمنِ } هاهنا باعتبار كثرة أفراد الرّحمة في الدّنيا، لوجودها في المؤمن و الكافر، فلايستقيم عليه، و رحيم الآخرة إذ النّعم الأُخرويّة غير متناهية و إن خُصّت المؤمن. و إن أرادوا أ نّها باعتبار كثرة أفراد المرحومين، فلايخفى أنّ كثرة أفرادهم إنمّا تؤثّر في الأبلغيّة، باعتبار اقتضائها كثرة أفراد الرّحمة في الدّنيا أيضًا، و معلوم أنّ أفراد الرّحمة في الآخرةأكثر منها بكثير بل لانسبة للمتناهي إلى غير المتناهي أصلا، فهذا الوجه مخدوش على الحالين.

على أنّ في اختصاص رحمة الآخرة بالمؤمنين مقالا ؛ إذ قد ورد في الصّحيح شفاعته صلّى الله تعالى عليهو سلّم لعامّة النّاس من هول الموقف: { عَسى" اَنْ يَبْعَثَكَ رَ بُّكَ مَقامًا مَحْمُودً ا } الإسراء : 79، و روي تخفيف العذاب عن بعض الأشقياء في الآخرة. و كون الكفّار في الأوّ ل تبعًا غير مقصودين، كيف و هم بعد الموقف يلاقون ما هو أشدّ منه، فليس ذلك رحمة في حقّهم، و التّخفيف في الثّاني على تقدير تحقّقه نزول من

مرتبة من مراتب الغضب إلى مرتبة دونها، فليس رحمة من كلّ الوجوه، ليس بشي‌ء:

أمّا أوّ لا : فلأنّ القصد تبعًا و أصالة لامدخل له، و حبّذا الولد من أين جاء؟

و أمّا ثانيًا:فلأنّ ملاقاتهم بَعْدُ لما هو أشدّ، فلايكون ذلك رحمة في حقّهم، يستدعي أن لارحمة من الله تعالى لكافر في الدّنيا، كما قد قيل به، لقوله تعالى:{ وَ لايَحْسَبَنَّ الَّذينَ‘ كَفَرُوا اَ نَّمَا نُمْلى لَهُمْ خَيْرٌ لاَ‚نْفُسِهِمْ اِنَّمَا نُمْلى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا اِثْمًا وَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهينٌ‘ } آل عمران : 178، و قوله تعالى: { فَلاتُعْجِبْكَ اَمْوَ الُهُمْ وَ لا اَوْ لادُهُمْ اِنَّمَا يُريدُ ا للهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا } التّوبة : 55، فيبطل حينئذ دعوى شمول الرّحمة المؤمن و الكافر في الدّنيا؛ إذ لافرق بين ما يكون للكافر في الدّنيا ممّا يتراءَى أ نّه رحمة، و ما يكون له في الآخرة، فوراء كلّ عذاب شديد.

و أمّا ثالثًا: فلأنّ كون التّخفيف ليس برحمة من كلّ الوُجوه لايضرّ، و كلّ أهل النّار يتمنّى التّخفيف { وَ قَالَ الَّذينَ ‘فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَ بَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ } المؤمن : 49، و حنانَيكبعض الشّرّ أهون من بعض.

و أمّا ثامنًا: فلأنّ قولهم: و على الثّاني قيل: يا رحمان الدّنيا و الآخرة إلخ، فيه بعض شي‌ء، و هو أ نّه يصحّ أن يكون بالاعتبار الأوّ ل، لأنّ نِعَم الدّنيا و الآخرة تزيد على نعم الآخرة نِعَم. يجاب عنه بأ نّه يلزم حينئذ أن يكون ذكر رحيم الدّنيا لغوً ا، و لايلزم ذلك على اعتبار الكيفيّة؛ إذ المراد: يا مُولّيًا لجسام النّعم في الدّ ارين و لما دونها في الدّنيا. و أيضًا مقصود القائل التّوسّل بكلا الاسمين المشتقّين من الرّحمة في مقام طلبها، مشيرً ا إلى عموم الأوّ ل و خصوص الثّاني و يحصل في ضمنه الاهتمام برحمته الدّنيوية الواصلة إليه، الباعثة لمزيد شكره. إلا أ نّه يُرَدّ عليه كسابقه أنّ الأثر لايُعرَف و المعروف المرفوع « رحمان الدّنيا و الآخرة و رحيمهما » و كفاية كونه من كلام السّلف ليس بشي‌ء كما لايخفى.

و أمّا تاسعًا: فلأنّ السّؤال عن تقديم { الرَّحْمنِ } معترض بمقبول و مردود، و ذكر ابن هشام أ نّه غير متّجه، لأنّ هذا خارج عن كلام العرب؛ إذ لم يُستعمل صفة و لامجرّدً ا من< أل > فهو بدل لانعت و{ الرَّحيمِ‘} نعت له لانعت لاسم الله سبحانه؛ إذ لايتقدّم البدل على النّعت. و ممّا يوضّح لك أنّ { الرَّحْمنِ } غير صفة مجيئه كثيرً ا غير تابع، نحو: { اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى } طه" : 5، { اَلرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْ ا"نَ } الرّحمن : 1 ، 2،{ قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ } الإسراء : 110،{ وَ اِذَا قيلَ‘ لَهُمُاسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قَالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ } الفرقان : 60.

و قال ابن خرّوف: هو صفة غالبة، و لم يقع تابعًا إلا لله تعالى في البسملة و الحمدلة، و لذا حكم عليه بغلبة الاسميّة، و قلّ استعماله منكّرً ا و مضافًا، فوجب كونه بدلا لاصفة، لكون لفظة { الله } أعرف المعارف. و قال غير واحد: إنّهما ذُكرا لإفادة الشّمول و العموم، كما تقول: الكبير و الصّغير يعرفه، و لو عكست صحّ، و كان المعنى: بحاله، و مثله لايلزم فيه التّرتيب، كما

فُصّل في المثَل السّائر. و للعلماء في هذا التّرتيب كلام كثير.

و ادّعى العلا مة المدقّق في < الكشف > أنّ التّحقيق يقتضي أن يرد النّظم على هذا الوجه، و لايجوز غيره، لأنّ الله اسم للذّات الإلهيّة، باعتبار أنّ الكلّ منه و إليه وجودً ا و رُتبةً و ماهيّةً، و { الرَّحْمنِ } اسم له باعتبار إفاضة الرّحمة العامّة، أعني: الوجود على الممكنات، و { الرَّحيمِ‘ } اسم له باعتبار تخصيص كلّ ممكن بحصّة من الرّحمة، و هي الوجود الخاصّ و ما يتبعه من وجود كمالاته، فلو لم يُورَد كذلك لم يكن على النّهج الواقع المحقّق ذوقًا و شهودً ا عقلا و وجودً ا، و أيضًا لمّا كان المقصود تعليم وجه التّيمّن بأسمائه الحسنى، و تقديمها عند كلّ مُلِمّ، كان المناسب أن يبدأ من الأعلى فالأعلى، إرشادً ا لمن يقتصر على واحد أن يقتصر على الأولى فالأولى، و تقريرً ا في ذهن السّامع لوجه التّنزّل أوّ لا فأوّلا ، انتهى.

و يؤيّد بعضه بعض ما أسلفناه من الآثار،و البعض الآخر في القلب منه شي‌ء، لأنّ تخصيص {الرَّحْمنِ } بالوجود العامّ و { الرَّحيمِ‘ } بالكمالات تحكّم غير مرضيّ، و ربمّا ينافي المأثور، على أ نّه لامعنى لإفاضة الوجود على الكلّ، إلا تخصيص كلّ ممكن بحصّة منه، و هل يوجد في الخارج من النّوع إلا الحصص الإفراديّة، فتخصيص الإفاضة ب- {الرَّحْمنِ }و التّخصيص ب- { الرَّحيمِ‘ } على ما يلوح بمعزل عن التّحقيق، و العجب ممّن فاته ذلك.

و أمّا عاشرً ا: فلأنّ ما ذكروه في الجواب عن قول بني حنيفة بأ نّه غلوّ في الكفر، فيكون الإطلاق غير صحيح لغةً و شرعًا فيه، أ نّه إذا كان إطلاقه عليه تعالى شأنه مجازً ا - كما زعموا - و بالغلبة، فكيف يقال: إنّ استعماله في حقيقته و أصل معناه خطأ لغةً.

و قد ذهب السّبكيّ: إلى أنّ المخصوص به تعالى هو المعرّف دون المنكّر و المضاف، لوروده لغيره، ورَدّ به على القول بأ نّه مجاز، لاحقيقة له، و أنّ صحّة المجاز إنّما تقتضي الوضع للحقيقة لاالاستعمال، نعم هو في لسان الشّرع يُمنَع إطلاقه على غيره مطلقًا و إن جاز لغةً، كالصّلاة على الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام، و بذلك صرّح العزّبن عبد السّلام.

و قيل: إنّ رحمانًا في البيت مصدر لاصفة مشبّهة، و المراد: لازلت ذا رحمة. و فيه ما لايخفى. و أفهم كلامه أنّ{ الرَّحيمِ‘ } يوصف به غيره تعالى و هوالمعروف، لكن أخرج ابن أبي حاتم عن الحسَن البصريّ أ نّه قال: { الرَّحيمِ‘ } لايستطيع الناس أن ينتحلوه، و لعلّ مراده المعرّف دون المنكّر و المضاف، فافهم.

و أمّا الحادي عشر: فلأنّ المحافظة على رؤوس الآي إنّما تحسن - كما قال الزّمَخْشَريّ- - بعد إيقاع المعاني على النّهج الّذي يقتضيه حُسن النّظم و التئامه، فأمّا أن تُهمَل المعاني و يُهتمّ للتّحسين وحده، فليس من قبيل البلاغة.

و قال الشّيخ عبد القاهر: أصل الحُسن في جميع المحسّنات اللّفظيّة أن تكون الألفاظ تابعة للمعاني، فمجرّد المحافظة على الرّؤوس لايصير نكتة للتّقديم، إلا بعد أن يثبت أنّ المعاني إذا أُرسلت على سجيّتها

كانت تقتضي التّقديم، على أنّ المحافظة لاتجري في كلّ سورة، بل فيها ما يقتضي خلاف هذا كسورة الرّحمن، و أيضًا هو مبنيّ على أنّ الفاتحة أوّ ل نازل فروعيّ فيها ذلك، ثمّ اطّرد في غيرها، و على أنّ البسملة آية من السّورة و دون ذلك سور من حديد. و عندي من باب الإشارة أنّ تأخير { الرَّحيمِ‘ } لأ نّه صفة محمّد صلّى الله تعالى عليه و سلّم، قال تعالى: { بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 128، و به كمال الوجود،و ب- { الرَّحيمِ‘ } تم-ّت البسملة، و بتمامها تمّ العالم خلقًاو إبداعًا، و كان صلّى الله تعالى عليه و سلّم مبتدأ وجود العالم عقلا و نفسًا، فبه بدأ الوجود باطنًا، و به خُتم المقام ظاهرً ا في عالم التّخطيط،فقال: لارسول بعدي. ف- { الرَّحيمِ‘ } هو نبيّنا عليه الصّلاة و السّلام و { بِسْمِ اللهِ } هو أبونا آدم ، و أعني في مقام ابتداء الأمر و نهايته؛ و ذلك أنّ آدم حامل الأسماء، قال تعالى: { وَ عَلَّمَ ا "دَمَ الاَ_سْمَاءَ كُلَّهَا } البقرة : 31، و محمّد صلّى الله تعالى عليه و سلّم حامل معاني تلك الأسماء الّتي حملهاآدم .

و هي الكلم، قال صلّى الله تعالى عليه و سلّم: « أُوتيت جوامع الكلم » و من أثنى على نفسه أمكن و أتمّ ممّن أثنى عليه كيحيى و عيسى، و من حصل له الذّات فالأسماء تحت حكمه، و ليس كلّ من حصل اسمًا يكون‌المسمّى محصّلا عنده، و لهذا فُضّلت الصّحابة علينا رضوان الله تعالى عليهم، فإنّهم حصلوا الذّات و حصلنا الأسماء، و لمّا راعينا الاسم مراعاتهم الذّات، ضُوعف لنا الأجر، فللعامل منّا أجر خمسين ممّن يعمل بعمل الصّحابة، لامن أعيانهم بل من أمثالهم، و الحسرة الغيبة الّتي لم تكن لهم، فكان تضعيف على تضعيف، فنحن الإخوان و هم الأصحاب، و هو صلّى الله تعالى عليه و سلّم إلينا بالأشواق، و ما أفرحه بلقاء واحد منّا، و كيف لايفرح و قد ورد عليه من كان بالأشواق إليه.

و أيضًا وجدنا بين { اللهِ } و { الرَّحْمنِ } من المناسبة ما ليس بينه و بين{ الرَّحيمِ‘ } فلهذا قدّم { الرَّحْمنِ } على { الرَّحيمِ‘ }.

بيان ذلك أمّا أوّ لا: فلاقتران { الرَّحْمنِ } بالجلالة، في قوله تعالى: { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُواالرَّحْمنَ اَ يًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاَ_سْمَاءُ الْحُسْنى" } الإسراء : 110، و قد يشعر هذ الاقتران بجعلهما للذّات، و لذلك اختار من اختار البدل على النّعت، و جعلوه إشارة إلى مقام الجمع المرموز إليه، بما صحّ عند القوم من طريق الكشف أنّ الله تعالى خلق آدم على صورته، و { الرَّحيمِ‘ } ليس كذلك.

و أمّا ثانيًا: فلأنّ في { اللهِ } و في { الرَّحْمنِ } ألفين، ألف الذّات و ألف العلَم، و الأُولى في كلّ خفيّة و الثّانية ظاهرة، و إنمّا خفيت الأُولى في الأوّل، لرفع الالتباس في الخطّ بين الله و الإله. و في الثّاني على ما عليه أهل الله في رسمه، و هو أحد الرّسمين عند أهل الرّسوم، لدلالة الصّفات عليهما دلالة ضروريّة؛ من حيث قيام الصّفة بالموصوف، فخفيت الذّات و تجلّت للعالم الصّفات، فلم يعرفوا من الإله غيرها، و الجهل هنا كمال؛ و ذلك حقيقة العبوديّة.

ف- { الرَّحْمنِ } مشير إلى الذّات و سائر الصّفات، فالألف الظّاهرة و اللا م و الرّ اء إشارة إلى العلم و الإرادة و القدرة، و الحاء و الميم و النّون إشارة إلى الكلام و السّمع و البصر، و شرط هذه الصّفات الحياة، و لايتحقّق المشروط بدون الشّرط، فظهرت الصّفات السّبع بأسرها، و خفيت الذّات، كما ترى.

و ادّعى بعض العارفين أنّ الألف الخفيّة هنا ظهرت من حيث الجزئيّة من هذا اللّفظ في الشّيطان، بناء على أخذه من < شطن > و زيادة الألف فيه للإشارة إلى عموم الرّحمة، {اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى } طه" : 5، فللشّيطان أيضًا حصّة منها، و منها وجوده، و بقي سرّ لايمكن كشفه. ولاكذلك{الرَّحيمِ‘} إذ ليس فيه إلا ألف العَلَم، و لم-ّا كان هذا الاسم مشيرًا إلى سيّدنا محمّد صلّى الله تعالى عليه و سلّم باعتبار رتبته، ظهرت فيه لكونه المرسَل إلى النّاس كافّة، فطلب التّأييد فأُعطيها، فظهر بها.

و أمّا ثالثًا: فقد طال النّزاع في تحقيق لفظ{ الرَّحْمنِ } كما طال في تحقيق لفظ { اللهِ } حتّى تُوهّم أ نّه ليس بعربيّ، لنفور العرب منه، فإنّهم لمّا قيل لهم: اعبدوا الله، لم يقولوا: و ما الله؟ و لمّا قيل لهم: اسجدوا للرّحمن، قالوا: و مَا الرّحمن؟ و لعلّ سبب ذلك توهّمهم التّعدّد، و أ نّهم خافوا أن يكون المعبود الّذي يدلهّم عليهم من جنسهم، فأنكروه لذلك، لا لأ نّه ليس بعربيّ.

و اختُلف أيضًا في الصّرف و عدمه، قال ابن الحاجب: < النّون و الألف > إذا كانا في اسم، فشرطه العلَميّة، و في صفة، فانتفاء < فَعْلانة > و قيل: وجود فَعْلى، و من ثم-ّة اختُلف في < رحمن > دون سكران و نَدْمان، و بنو أسد يصرفون جميع < فَعْلان > لأ نّهم يقولون في كلّ مؤنّث له: فَعْلانة. و قال في < التّسهيل >: و اختُلف فيما لزم تذكيره كلحيان بمعنى كبير اللّحية، فمَن منعه ألحقه بباب سكران، لأ نّه أكثر، و من حذفه رأى أ نّه ضعف داعي منعه، و الأصل الصّرف.

و اختار الزّمَخْشَريّ و الشّيخ الرّضيّ و ابن مالك،و استظهره البَيْضاويّ عدم الصّرف، إلحاقًا له بما هو أغلب في بابه، لأنّ الغالب في فَعْلان صفة فَعْلى، حتّى ذكر الإمام السّيوطيّ أنّ ما مؤنّثه فَعْلانة لم يجئ إلا أربعة عشر لفظًا، بل إنّ فَعْلان صفة من فَعِل بالكسر لم يجئ منه ما مؤنّثه فَعْلانة أصلا، إلا ما رواه المرزوقيّ من خَشيان و خَشيانة، و إنّما اقتضى الإلحاق أظهريّة ذلك، مع أنّ كون الأصل في الاسم الصّرف يقتضي خلافه، لأنّ رعاية ما هو الغالب في النّوع أولى من رعاية الأصل، و الحشر مع الجماعة عيد.

و لم-ّا رأى السّعد أنّ هذه المسألة ممّا تعارض فيها الأصل و الغالب، و لم يترجّح عنده أحدهما، مال إلى جواز الصّرف و عدمه عملا بالأمرين، و الإعمال في الجملة أولى من الإهمال بالكلّيّة، و حيث لم يُسمع هذا الاسم إلا مضافًا أو معرّ فًا ب- < أل > أو منادى، و ما ورد شاذًّا كما في البيت، لايصلح شاهدً ا لأحد الأمرين، لاحتمال أن يكون ممنوعًا و ألفه للإطلاق، عدلوا إلى الاستدلال، و اتّسعت دائرة المقالو { الرَّحيمِ‘ } سليم من هذا، فافهم ذاك، و الله يتولّى

هداك. [و استشهد بالشّعر 3 مرّ ات] (1 : 58)

محمّد عبده: ما معناه و { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } مشتقّان من الرّحمة، و هي معنًى يلمّ بالقلب فيبعث صاحبه، و يحمله على الإحسان إلى غيره. و هو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر، لأ نّه في البشر ألم في النّفس شفاؤه الإحسان، و الله تعالى منزّه عن الآلام و الانفعالات.فالمعنى المقصود بالنّسبة إليه من الرّحمة أثرها و هو الإحسان. و قد مشى < الجلال > في تفسيره، وتبعه < الصّبيان > على أنّ { الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ } بمعنى واحد، وأنّ الثّاني تأكيد للأوّل. و من العجيب أن يصدر مثل هذا القول عن عالم مسلم، و ما هي إلا غفلة، نسأل الله أن يسامح صاحبها.

وأنا لاأُجيز لمسلم أن يقول في نفسه أو بلسانه: إنّ في القرآن كلمة تغاير أُخرى، ثمّ تأتي لمجرّد تأكيد غيرها بدون أن يكون لها في نفسها معنًى تستقلّ به. نعم قد يكون في معنى الكلمة ما يزيد معنى الأُخرى تقريرً ا أو إيضاحًا، و لكن الّذي لاأُجيزه: هو أن يكون معنى الكلمة هو عين معنى الأُخرى بدون زيادة، ثمّ يؤتى بها لمجرّد التّأكيد لاغير؛ بحيث تكون من قبيل ما يسمّى بالمترادف في عرف أهل اللُّغة. فإنّ ذلك لايقع إلا في كلام من يرمي في لفظه إلى مجرّد التّنميق و التّزويق.

و في العربيّة طرق للتّأكيد ليس هذا منها، و أمّا ما يسمّونه بالحرف الزّائد الّذي يأتي للتّأكيد، فهو حرف وضع لذلك، و معناه هو التّأكيد، و ليس معناه معنى الكلمة الّتي يؤكّدها، فالباء في قوله تعالى: { قُلْ كَفى بِاللهِ شَهيدً‘ ا } الرّعد : 43، تؤكّد معنى اتّصال الكفاية بجانب الله جلّ شأنه بذاتها، و معناها الّذي وُضعت له. و معنى وصفها بالزّيادة: أ نّها كذلك في الإعراب،و كذلك معنى ( مِنْ ) في قوله { وَ مَا هُمْ بِضَارّينَ‘ بِهِ مِنْ اَحَد اِلا بِاِذْنِ اللهِ} البقرة : 102، و نحو ذلك.

أمّا التّكرار للتّأكيد أو التّقريع أو التّهويل، فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه، كتكرار جملة { فَبِاَىِ ا "لاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان ِ} الرّحمن : 13، و نحوها عقب ذكر كلّ نعمة، و هي عند التّأمّل ليست مكرّرة، فإنّ معناها عند ذكر كلّ نعمة: أفبهذه النّعمة تكذّبان، و هكذا كلّ ما جاء في القرآن على هذا النّحو.

و الجمهور على أنّ معنى { الرَّحْمنِ }: المنعم بجلائل النّعم، و معنى { الرَّحيمِ‘ }: المنعم بدقائقها. و بعضهم يقول: إنّ { الرَّحْمنِ } هو المنعم بنعم عامّة تشمل الكافرين مع غيرهم، و { الرَّحيمِ‘ } هو المنعم بالنّعم الخاصّة بالمؤمنين. و كلّ هذا تحكّم في اللّغة مبنيّ على أنّ زيادة المبني تدلّ على زيادة المعنى. و لكنّ الزّيادة تدلّ على زيادة الوصف مطلقًا، فصفة { الرَّحْمنِ } تدلّ على كثرة الإحسان الّذي يعطيه، سواءٌ كان جليلا أو دقيقًا. و أمّا كون أفراد الإحسان الّذي يدلّ عليها اللّفظ الأ كثر حروفًا أعظم من أفراد الإحسان الّتي يدلّ عليها اللّفظ الأقلّ حروفًا، فهو غير معنيّ و لامراد. و قد قارب من قال: إنّ معنى { الرَّحْمنِ }: المحسن بالإحسان العامّ، و لكنّه أخطأ في تخصيص مدلول { الرَّحيمِ‘ } بالمؤمنين. و لعلّ الّذي حمل من قال: إنّ الثّاني مؤكّد للأوّل على قوله هذا،

هو عدم الاقتناع بما قالوه من التّفرقة، مع عدم التّفطّنلما هو أحسن منه.

و الّذي أقول: إنّ صيغة < فَعْلان > تدلّ على وصف < فَعْلى > فيه معنى المبالغة كفعال، و هو في استعمال اللُّغة للصّفات العارضة، كعَطشان و غرثان و غضبان. و أمّا صيغة < فعيل > فإنّها تدلّ في الاستعمال على المعاني الثّابتة كالأخلاق و السّجايا في النّاس، كعليم و حكيم و حليم و جميل. و القرآن لايخرج عن الأُسلوب العربيّ البليغ في الحكاية عن صفات الله عزّ و جلّ، الّتي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين. فلفظ { الرَّحْمنِ } يدلّ على من تصدر عنه آثار الرّحمة بالفعل، و هي إفاضة النّعم و الإحسان، و لفظ { الرَّحيمِ‘ } يدلّ على منشإ هذه الرّحمة و الإحسان، و على أ نّها من الصّفات الثّابتة الواجبة. و بهذا المعنى لايستغني بأحد الوصفين عن الآخر،و لايكون الثّاني مؤكّدً ا للأوّل.

فإذا سمع العربيّ وصف الله جلّ ثناؤه ب-{الرَّحْمنِ } و فهم منه أ نّه المفيض للنّعم فعلا ،لايعتقد منه أنّ الرّحمة من الصّفات الواجبة له دائمًا، لأنّ الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة و إن كان كثيرً ا، فعندما يسمع لفظ { الرَّحيمِ‘ } يكمل اعتقاده على الوجه الّذي يليق بالله تعالى و يرضيه سبحانه، و يعلم أنّ لله صفة ثابتة هي الرّحمة الّتي عنها يكون أثرها، و إن كانت تلك الصّفة على غير مثال صفات المخلوقين، و يكون ذكرها بعد { الرَّحْمنِ } كذكر الدّليل بعد المدلول، ليقوم برهانًا عليه. (رشيدرضا1 : 46)

رشيدرضا:[نقل كلام أُستاذه محمّد عبده ثمّ قال:]

قد سبق العلا مة ابن القيّم إلى مثل هذه التّفرقة، و لكنّه عكس في دلالة الاسمين الكريمين. قال: و أمّا الجمع بين { الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ } ففيه معنى بديع، و هو أنّ { الرَّحْمنِ } دالّ على الصّفة القائمة به سبحانه، و {{ الرَّحيمِ‘ } دالّ على تعلّقها بالمرحوم، و كأنّ الأوّ ل الوصف و الثّاني الفعل. فالأوّل دالّ على أنّ الرّحمة صفته، أي صفة ذات له سبحانه. والثّاني دالّ على أ نّه يرحم خلقه برحمته، أي صفة فعل له سبحانه، فإذا أردت فهم هذا فتأمّل قوله تعالى: { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا‘ } الأحزاب : 43، { اِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 117، و لم يجئ قطّ رحمان بهم، فعلمت أنّ رحمان هو الموصوف بالرّحمة. و رحيم هو الرّ احم برحمته. قال رحمه الله تعالى: هذه النّكتة لاتكاد تجدها في كتاب، و إن تنفّست عندها مرآة قلبك، لم تنجل لك صورتها.

و قال في كتاب آخر عند ذكر الاسمين الكريمين: و كُرّر أذانًا، أي إعلامًا بثبوت الوصف و حصول أثره، و تعلّقه بمتعلّقاته، ف- { الرَّحْمنِ }: الّذي الرّحمة و صفه، و { الرَّحيمِ‘ }: الرّاحم لعباده، و لهذا يقول تعالى: { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا‘ } الأحزاب : 43، { اِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 117، و لم يجئرحمان بعباده و لارحمان بالمؤمنين، مع ما في اسم { الرَّحْمنِ } الّذي هو على وزن < فَعْلان > من سعة هذا الوصف،

و ثبوت جميع معناه للموصوف به. ألاترى أ نّهم يقولون: غضبان للممتلئ غضبًا، و نَدْمان و حيران و سكران و لهفان لمن مُلئ بذلك، فبناء < فَعْلان > للسّعة و الشّمول المراد منه.

أقول: إنّ هذه الأمثلة تؤيّد ما قاله الأُستاذ الإمام، من أنّ صيغة <فَعْلان> تدلّ على الصّفة العارضة، و لاتدلّ على الدّ ائمة، فاحتيج إلى صيغة أُخرى تدلّ على الصّفة الثّابتة الدّ ائمة، و هي صيغة < فعيل > فهذا أقوى ما قيل في نكتة الجمع بين الاسمين الكريمين بالصّيغتين. و يليه دلالة أحدهما على الرّحمة بالقوّة، و الآخر دلالته عليها بالفعل، و هذا معنى آخر ألمّ به هذان الإمامان، و لكنّ ابن القيّم جعل لفظ { الرَّحيمِ‘} هو الدّ الّ على الرّحمة بالفعل، بدليل الآيتين اللّتين أوردهما، و لفظ { الرَّحْمنِ } هو الدّ الّ عليها بالقوّة، لعدم تعلّق مثل ذلك الظّرف به، و هو قويّ. و عكس « محمد عبده > و جعل ذلك من مدلول الصّيغة باللّزوم. (1 : 48)

مَغْنِيّة: و { الرَّحْمنِ } في الأصل وصف مشتقّ من الرّحمة، و معناها بالنّسبة إليه تعالى: الإحسان،و بالنّسبة إلى غيره معناها: رقّة القلب، ثمّ شاع استعمال {الرَّحْمنِ } في الذّات القدسيّة، حتىّ صار من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: { قُلِ ادْعُوا الله اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ اَ يًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاَ_سْمَاءُ الْحُسْنى" } الإسراء : 110، و على هذا فلك أن تعرب لفظة{ الرَّحْمنِ } صفة لله بالنّظر إلى الأصل، و لك أن تجعلها بدلا بالنّظر إلى النّقل.

{ الرَّحيمِ‘ } أيضًا وصف مشتقّ من الرّحمة، بمعنى الإحسان بالنّسبة إليه جلّ و عزّ.

و فرّق أكثر المفسّرين، أو الكثير منهم، بين لفظة { الرَّحْمنِ }، و لفظة { الرَّحيمِ‘ } بأنّ { الرَّحْمنِ } مشتقّ من الرّحمة الشّاملة للمؤمن و الكافر،و { الرَّحيمِ‘ } من الرّحمة الخاصّة بالمؤمن، و فرّ عوا على ذلك أن تقول: يا رحمان الدّنيا و الآخرة، و أن تقول: يا رحيم الآخرة فقط دون الدّنيا. أمّا أنا فأقول: يا رحمان يا رحيم الدّنيا و الآخرة: {اَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ} الزّخرف : 32. (1 : 25)

الطَّباطَبائيّ:و أمّا الوصفان:{ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘} فهما من الرّحمة، و هي وصف انفعاليّ و تأثّر خاصّ يلمّ بالقلب عند مشاهدة من يفقد، أو يحتاج إلى ما يتمّ به أمره، فيبعث الإنسان إلى تتميم نقصه و رفع حاجته، إلا أنّ هذا المعنى يرجع بحسب التّحليل إلى الإعطاء و الإفاضة لرفع الحاجة، و بهذا المعنى يتّصف سبحانه بالرّحمة. و { الرَّحْمنِ } فَعْلان صيغة مبالغة تدلّعلى الكثرة، و { الرَّحيمِ‘ } فعيل صفة مشبّهة تدلّ على الثّبات و البقاء، و لذلك ناسب { الرَّحْمنِ } أن يدلّ على الرّحمة الكثيرة المفاضة على المؤمن و الكافر، و هو الرّحمة العامّة، و على هذا المعنى يُستعمل كثيرً ا في القرآن، قال تعالى: { اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى } طه " : 5. و قال { قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّ ا } مريم : 75، إلى غير ذلك، و لذلك أيضًا ناسب { الرَّحيمِ‘ } أنّ يدلّ على النّعمة الدّائمة و الرّحمة الثّابتة الباقية الّتي تفاض على

المؤمن، كما قال تعالى: { وَ كَانَ بِالمْ-ُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا ‘} الأحزاب: 43. و قال تعالى: { اِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 117، إلى غير ذلك، و لذلك قيل: إنّ{ الرَّحْمنِ } عامّ للمؤمن و الكافر، و { الرَّحيمِ ‘} خاصّ بالمؤمن. (1 : 18)

عبد الكريم الخطيب: و وصف الأُلوهيّة بهاتين الصّفتين: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }يدلّ على أنّ هذا الوجود إنمّا هو فيض من رحمانيّة الله و رحمته؛ إذ الوجود على أيّة صورة من صوره نعمة و خير، إذا هو قيس بالعدم الّ-ذي هو فناء مطلق، و تيه و ضياع. (1 : 17)

مكارم الشّيرازيّ: الرّحمة الإلهيّة الخاصّة و العامّة:

المشهور بين جماعة من المفسّرين أنّ صفة{ الرَّحْمنِ } تُشير إلى الرّحمة الإلهيّة العامّة، و هي تشمل الأولياء و الأعداء، و المؤمنين و الكافرين،و المحسنين والمسيئين، فرحمته تعمّ المخلوقات، و خوان فضله ممدود أمام جميع الموجودات، و كلّ العباد يتمتّعون بموهبة الحياة، و ينالون حظّهم من مائدة نعمه غيرالمتناهية. و هذه هي رحمته العامّة الشّاملة لعالم الوجود كافّة، و ما تسبّح فيه من كائنات.

و صفة { الرَّحيمِ‘ } إشارة إلى رحمته الخاصّة بعباده الصّالحين المطيعين، قد استحقّوها بإيمانهمو عملهم الصّالح، و حرُم منها المنحرفون و المجرمون.

الأمر الّذي يشير إلى هذا المعنى أنّ صفة{ الرَّحْمنِ } ذُكرت بصورة مطلقة في القرآن الكريم، ممّا يدلّ على عموميّتها، لكن صفة { الرَّحيمِ‘ } ذُكرت أحيانًا مقيّدة، لدلالتها الخاصّة، كقوله تعالى: { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا‘ }، و أحيانًا أُخرى مطلقة، كما في هذه السّورة.

و في رواية عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السّلام قال: « و الله إله كلّ شيء الرّحمان بجميع خلقه، الرّحيم بِالمؤمنين خاصّة ».

من جهة أُخرى، كلمة { الرَّحْمنِ } اعتبروها صيغة مبالغة، و لذلك كانت دليلا آخر على عموميّة رحمته. و اعتبروا { الرَّحيمِ‘ } صفة مشبّهة تدلّ على الدّوام و الثّبات، و هي خاصّة بالمؤمنين.

و ثمّة دليل آخر، هو أنّ { الرَّحْمنِ } من الأسماء الخاصّة بالله، و لاتستعمل لغيره، بينما { الرَّحيمِ‘ } صفة تُنسَب لله و لعباده. فالقرآن وصف بها الرّسول الكريم؛ حيث قال: {عَزيزٌ‘ عَلَيْه ِمَا عَنِتُّمْ حَريصٌ‘ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 128.

و إلى هذا المعنى أشار الإمام الصّادق ، فيما روي عنه: < الرّحمان اسم خاصّ بصفة عامّة، و الرّحيم عامّ بصفة خاصّة ».

و مع كلّ هذا، نجد كلمة { الرَّحيمِ‘ } تستعمل أحيانًا كوصف عامّ. و هذا يعني أنّ التّمييز المذكور بين الكلمتين إنمّا هو في جذور كلّ منهما، و لايخلو من استثناء. في دعاء عرفة - المنقول عن الحسين بن عليّ عليهما السّلام - وردت عبارة: «يا رحمان الدّ نياو الآخرة و رحيمهما ».

نختتم هذا الموضوع بحديث عميق المعنى، عن

رسول الله(صلی الله علیه و آله) قال: « إنّ لله عزّ وجلّ مائة رحمة، و إنّه أنزل منها واحدة إلى الأرض، فقسّمها بين خلقه، بها يتعاطفون و يتراحمون، و أخّر تسعًا وتسعين لنفسه، يرحم بها عباده يوم القيامة ». (1 : 32)

فضل الله: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } هاتان الكلمتان الدّ الّتان على وصف واحد هو الرّحمة، الّتي تمثّل في مدلولها الإنسانيّ، حالة انفعال إيجابيّ، تُصيب القلب بفعل احتضانه لآلام الآخرين و آمالهم و مشاكلهم، في رعاية محبّبة، و عناية و دودة، وحنان دافق، و تنفذ إلى عُمق حاجتهم، إلى العاطفة المنفتحة، على كلّ كيانهم الجائع إلى الحنان الظّامئ، و إلى الحبّ المتحرّ ك، نحو احتواء الموقف كلّه.

أمّا في الجانب الإلهيّ، فهي لاتقترب من مشاعر الانفعال الممتنع على الله، لأ نّه من حالات الجسدالمادّيّ، و لكنّها تنطلق في النّتائج العمليّة المنفتحة على وجود الإنسان الّذي يمثّل وجهًا من وُجوه حركة الرّحمة الإلهيّة لديه، و على كلّ تفاصيل حياته في النّعم الّتي يغدقها الله عليه، و على كلّ مواقع خطاياه الّتي يغفرها الله له، و على كلّ مجالات حركته العامّة أو الخاصّة في آلامه و مشاكله، ليخفّفها عنه أو ليُبعدها عن حياته، و على كلّ تطلّعاته في أحلامه ليحقّقها له، وعلى كلّ مصيره في الدّنيا و الآخرة، ليجعل السّعادة له في دائرة رضوانه، في ذلك كلّه.

الوُجود مظهر الرّحمة الإلهيّة

إنّ الوجود كلّه هو مظهر الرّحمة الإلهيّة الّتي هي صفة من صفات الكمال لله، في ما تعبّر عنه من الموقع الرّحيم الّذي يطلّ به الله على الوجود و على الإنسان في كلّ مواقعه، في داخل طبيعة الوجود، و في عمق حركته. و هذا ما يريد الله في الإنسان أن يتصوّره به، ليشعر - دائمًا - بقُربه إليه من خلال حركة الرّحمة الّتي وسعت كلّ شيء، باعتبار أ نّها تُلاحق الإنسان لتُضَمّد له جراحه، و لتفتح قلبه على الأمل كلّه و الخير كلّه، و لتَعِدَه بمستقبل مشرق كبير. و هذا هو ما يوحي به الدّعاء المأثور: « اللّهمّ إن لم أكن أهلا أن أبلغ رحمتك، فإنّ رحمتك أهل أن تبلغني و تسعني، لأ نّها وسعت كلّ شيء ».

و لعلّ هذا هو الأُسلوب التّربويّ الّذي يعمل على تأكيد التّصوّر الإنسانيّ لله من موقع الرّحمة، ليبقى قريبًا منه في مواقعحاجته إليه؛ من حيث الأُفق الواسع المليء بالعطف و اللّطف و الحنان و الرّضوان. و لعلّ هذا الأُسلوب أيضًا، هو الّذي أوجب التّعبير عن الرّحمة بكلمتين، ليزداد تأكيد هذا المضمون في الوعي الشّعوريّ للإنسان تجاه ربّه.

و إذا كان التّأكيد يمثّل لونًا من التّكرار للفكرة، فإنّ الحاجة إليه لاتقتصر على دفع احتمال الاشتباه، كما يقرّر النّحويّون، بل قد تكون المسألة فيه هي الحاجة إلى تعميق المعنى الّذي تتضمنّه الكلمة بشكل عميق واسع، ممّا لايحصل الإنسان عليه بالكلمة الواحدة. فلاينافي ذلك بلاغة القرآن، لأنّ التّأكيد في مدلوله التّصويريّ التّعميقيّ لايكرّر المعنى بشكل جامد، بل يُعمّقه بشكل حيّ متحرّ كٍ.

المفسّرون و الفرق بين { الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ }

و قد أفاض المفسّرون في توضيح الفرق بين الكلمتين، فذهب بعض منهم إلى أنّ { الرَّحْمنِ } هو المنعم بجلائل النّعم، و أنّ { الرَّحيمِ ‘} هو المنعم بدقائقها، و ذهب آخرون إلى أنّ { الرَّحْمنِ } هو المنعم على جميع الخلق، و أنّ { الرَّحيمِ ‘} هو المنعم على المؤمنين خاصّة. و ذهب رأي ثالث إلى أنّ الوصفين بمعنى واحد، و أنّ الثّاني تأكيد للأوّ ل.

و ذكر بعض المفسّرين أنّ صيغة { الرَّحْمنِ } مبالغة في الرّحمة، و يُعلّق السّيّد الخوئيّ قدّس سرّه عليه، فيقول: « و هو كذلك في خصوص هذه الكلمة، سواءٌ أكانت هيئة فَعْلان مستعملةفي المبالغة أم لم تكن، فإنّ كلمة { الرَّحْمنِ } في جميع موارد استعمالها محذوفة المتعلّق، فيُستفاد منها العموم، و أنّ رحمته وسعت كلّ شيء. و ممّا يدلّنا على ذلك، أ نّه لايقال: إنّ الله بالنّاس أو بالمؤمنين لرحمان، كما يقال: إنّ الله بالنّاس أو بالمؤمنين لرحيم ».

أمّا صفة { الرَّحيمِ ‘} فهي صفة مشبّهة أو صيغة مبالغة. و من خصائص هذه الصّيغة أ نّها تستعمل غالبًا في الغرائز و اللّوازم غير المنفكّة عن الذّات، كالعليم والقدير و الشّريف و الوضيع و السّخيّ و البخيل والعليّ و الدّنيّ. فالفارق بين الصّفتين: أنّ { الرَّحيمِ ‘} يدلّ على لزوم الرّحمة للذّات و عدم انفكاكها عنها، و { الرَّحْمنِ } يدلّ على ثبوت الرّحمة فقط. و ممّا يدلّ على أنّ الرّحمة في كلمة « رحيم » غريزة و سجيّة: أنّ هذه الكلمة لم ترد في القرآن عند ذكر متعلّقها إلا متعدّ ية بالباء، فقد قال تعالى: { اِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } البقرة : 143، { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا‘ } الأحزاب : 43.

فكأنّها عند ذكر متعلّقها انسلخت عن التّعدية إلى اللّزوم.

و هناك وُجوه أُخرى، و لكنّا لانجد وجهًا واضحًا لهذه الاحتمالات، فهي لم ترتكز إلى دليل واضح.

نقاش رأي السّيّد الخوئيّ قدّس سرّ ه

أمّا ما ذكره أُستاذنا المحقّق السّيّد الخوئيّ قدّس سرّه من دلالة كلمة { الرَّحْمنِ } على المبالغة في الرّحمة: إمّا لكونهامن صيغ المبالغة، كما ذكر البعض، و إمّا لحذف المتعلّق ممّا يفيد العموم، فهو غير واضح، لأنّ دلالتها على المبالغة لم تثبت، و ربمّا كانت ملاحظة ما كان على هذا الوزن من الكلمات الأُخرى تدفع ذلك، كما أنّ حذف المتعلّق لايفيد العموم دائمًا، فربّما كان ذلك من أجل التّركيز على المبدإ. أمّا بالنّسبة إلى صيغة « فعيل » فقد تُستعمل في ما يكون من قبيل الغرائز، و لكنّها قد تُستعمل في غيره.

و هناك وجه آخر قد يكون أقرب الوُجوه إلى الاعتبار، و هو الّذي ذكره بعض المتأخّرين،و خلاصته: أنّ الوصفين متغايران تمام التّغاير، ف- { الرَّحْمنِ } صفة ذاتيّة هي مبدأ الرّحمةو الإحسان، و{ الرَّحيمِ‘ }صفة فعل تدلّ على وصول الرّحمة و الإحسان، و تعدّيهما إلى المنعم عليه. و يدلّ على هذا أنّ { الرَّحْمنِ } لم تُذكَر في القرآن إلا مُجرى عليها الصّفات ،كما هو شأن أسماء الذّات: { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ } الإسراء : 110، { لِمَن يَكْفُرُ

بِالرَّحْمنِ } الزّخرف : 33، { اَنْ دَعَوْ ا لِلرَّحْمنِ وَلَدً ا } مريم : 91، { اِنّى اَخَافُ اَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمنِ } مريم : 45، { اَلرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْ ا"نَ } الرّحمن : 1 ، 2، { اَلرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى } طه " : 5، و هكذا…

أمّا { الرَّحيمِ ‘} فقد كثر استعمالها وصفًا فعليًّا، و جاءت بأُسلوب التّعدية و التّعلّق بالمنعم عليه: { اِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘} البقرة : 143، { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا‘ } الأحزاب : 43، { وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘ } يونس : 107، كما جاءت الرّحمة كثيرً ا على هذا الأُسلوب: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } الأعراف : 156، { يَنْشُرْ لَكُمْ رَ بُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ } الكهف : 16، و لم يُرَ في القرآن تعبير ما برحمانيّة الله.

و قد نستطيع التّعبير عن هذا الوجه بأنّ كلمة { الرَّحْمنِ } هي صفته في ذاته، بينما { الرَّحيمِ‘ } تمثّل صفته في حركة الرّحمة في خلقه. و لعلّ هذا هو المتبادر للذّهن من موارد استعمالها، و الله العالم. (1 : 41)

2 - الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘. الفاتحة : 2

الطّبريّ: القول في تأويل قوله: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } قد مضى البيان عن تأويل قوله: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } في تأويل { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

و لم نحتَج إلى الإبانة عن وجه تكرير ذلك في هذا الموضع؛ إذ كنّا لانرى أنّ { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } من فاتحة الكتاب آية، فيكون علينا لسائل مسألة بأن يقول: ما وجه تكرير ذلك في هذا الموضع، و قد مضى وصف الله عزّ و جلّ به نفسه في قوله: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، مع قرب مكان إحدى الآيتين من الأُخرى، و مجاورتها صاحبتها؟ بل ذلك لنا حجّة على خطإ دعوى من ادّعى أنّ { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } من فاتحة الكتاب آية؛ إذ لو كان ذلك كذلك، لكان ذلك إعادة آية بمعنى واحد و لفظ واحد مرّتين؛ من غير فصل يفصلبينهما. و غير موجود في شيء من كتاب الله آيتان متجاورتان مكرّرتان بلفظ واحد و معنى واحد، لافصل بينهما من كلام يخالف معناه معناهما. و إنما يُؤتى بتكرير آية بكمالها في السّورة الواحدة، مع فصول تفصل بين ذلك، و كلام يُعترض به بغير معنى الآيات المكرّرات أو غير ألفاظها، و لافاصل بين قول الله تبارك و تعالى اسمه: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } من { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، و قول الله: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } من { اَلْحَمْدُللهِ‚ رَبِّ الْعَالَمينَ‘}.

فإن قال: فإنّ { اَلْحَمْدُللهِ‚ رَبِّ الْعَالَمينَ‘ } فاصل من ذلك.

قيل: قد أنكر ذلك جماعة من أهل التّأويل،و قالوا: إنّ ذلك من المؤخّر الّذي معناه التّقديم، و إنمّا هو: الحمد لله الرّحمن الرّحيم ربّ العالمين مَلِك يوم الدّين. و استشهدوا على صحّة ما ادّعوا من ذلك بقوله: ( مَلِك يَوْمِ الدّينِ‘ )، فقالوا: إن قوله: ( مَلِك يَوْمِ الدّينِ‘ ) تعليم من الله عبده أن يصفه بالمُلْك في قراءة من قرأ ( مَلِك )، و بالمِلْك في قراءة من قرأ { مَالِكِ }.

قالوا: فالّذي هو أولى أن يكون مجاور وصفه

بالمُلْك أو المِلْك، ما كان نظير ذلك من الوصف؛ و ذلك هو قوله: { رَبِّ الْعَالَمينَ‘ } ، الّذي هو خبر عن مِلكه جميع أجناس الخلق، و أن يكون مجاور وصفه بالعظمة و الأُ لُوهة ما كان له نظيرً ا في المعنى من الثّناء عليه؛ و ذلك قوله: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } فزعموا أنّ ذلكلهم دليل على أنّ قوله: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } بمعنى التّقديم قبل { رَبِّ الْعَالَمينَ‘ } و إن كان في الظّاهر مؤخّرً ا.

و قالوا: نظائر ذلك من التّقديم الّذي هو بمعنى التّأخير، و المؤخّر الّذي هو بمعنى التّقديم في كلام العرب أفشى، و في منطقها أكثر من أن يُحصى. من ذلك قول جرير بن عَطيّة:

طاف الخيال و أين منك? لمامًا

فارجع لزورك بالسّلام سلامًا

بمعنى: طاف الخيال لمامًا، و أين هو منك؟ و كما قال جلّ ثناؤه في كتابه: { اَلْحَمْدُللهِ‚ الَّذى اَنْ-زَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا * قَيِّمًا...} الكهف : 1، 2، بمعنى الحمد لله الّذي أنزل على عبده الكتاب قيّمًاو لم يجعل له عوجًا، و ما أشبه ذلك. ففي ذلك دليل شاهد على صحّة قول من أنكر أن تكون: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْ-منِ الرَّحيمِ‘ } من فاتحة الكتاب آية. (1 : 93)

الطُّوسيّ: آية مخفوضان، لأ نّهما نعت لله و قد مضى معناهما. (1 : 33)

القُشَيْريّ: اسمان مشتقّان من الرّحمة، و الرّحمة صفة أزليّة، و هي إرادة النّعمة، و هما اسمان موضوعان للمبالغة، و لافضل بينهما عند أهل التّحقيق.

و قيل: { اَلرَّحْمنِ } أشدّ مبالغة و أتمّ في الإفادة، و غير الحقّ سبحانه لايسمّى ب- { اَلرَّحْمنِ } على الإطلاق، و { الرَّحيمِ‘ }يُنعت به غيره، و برحمته عرف العبد أ نّه الرّحْمانِ، و لولارحمته لما عرف أحد أ نّه الرّحْمانِ، و إذا كانت الرّحمة إرادةالنّعمة، أو نفس النّعمة، كما هي عند قوم، فالنّعم في أنفسها مختلفة، و مراتبها متفاوتة، فنعمة هي نعمة الأشباح و الظّواهر، و نعمة هي نعمة الأرواح و السّرائر.

و على طريقة من فرّق بينهما ف- {اَلرَّحْمنِ } خاصّ الاسم عامّ المعنى، و { الرَّحيمِ‘ } عامّ الاسم خاص المعنى، فلأ نّه { اَلرَّحْمنِ } رزَق الجميع ما فيه راحة ظواهرهم، و لأ نّه { الرَّحيمِ‘ } وفّق المؤمنين لما به حياة سرائرهم، فالرَّحْمان بما روّح،و الرّحيم }‘ بما لوّح، فالتّرويح بالمَبارّ، و التّلويح بالأنوار، و الرّحمانِ بكشف تجلّيه و الرّحيم بلطف تولّيه، و الرّحمانِ بما أولى من الإيمان و الرّحيم بما أسدى من العرفان، و الرّحمان بما أعطى من العرفان و الرّحيمِ بما تولّى من الغفران، بل الرّحمان بما ينعم به من الغفران و الرّحيم بما يَمُنّ به من الرّضوان ، بل الرّحمان بما يكتم به و الرّحيم بما ينعم به من الرّؤية و العيان، بل الرّحمانِ بما يوفّق، و الرّحيم‘ بما تحقّق، و التّوفيق للمعاملات، و التّحقيق للمواصلات، فالمعاملات للقاصدين، و المواصلات للواجدين، و الرّحْمانِ بما يصنع لهم و الرّحيمِ‘ بما يدفع عنهم، فالصّنع بجميل الرّعاية و الدّفع بحسن العناية. (1 : 59)

الكَرْمانيّ: أوّ ل المتشابهات قوله: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ * مَالِكِ ...} فيمن جعل { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ

الرَّحيمِ‘} آية من الفاتحة، و في تكراره قولان: قال عليّ بن عيسى:إنّما كرّر للتّوكيد. و أنشد قول الشّاعر:

• هلا سألت جموع كندة يوم و لّوا أين أينا *

و قال قاسم بن حبيب: إنّما كُرّر، لأنّ المعنى وجب الحمد لله، لأ نّه الرّحمان الرّحيم.

قلت: إنّما كُرّر، لأنّ الرّحمة هي الإنعام على المحتاج، و ذكر في الآية الأُولى المنعم و لم يذكر المنعَم عليهم، فأعادها مع ذكرهم، و قال: { رَبِّ الْعَالمَينَ*‘ اَلرَّحْمنِ }، لهم جميعًا، يُنعم عليهم و يرزقهم،{ الرَّحيمِ ‘} بالمؤمنين خاصّة يوم الدّين، يُنعم عليهم و يغفر لهم. (19)

المَيْبُديّ: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } اسمان من الرّحمة، و التّأكيد باللّفظين مختلفين، كنَدْمان و نديم و لهفان و لهيف و سلمان و سليم، و مثله قوله تعالى: { يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَ نَجْويهُمْ ’} التّوبة : 78.

قال أمير المؤمنين عليّ : { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } ينفى بهما القنوط عن خلقه فله الحمد.

إن قيل: قال في ابتداء آية التّسمية: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } و ما فائدة التّكرير؟ و ما الحكمة؟

والجواب: أنّ في الابتداء قصد التّبرّك، يعني ابتدئوا بذكر الله و باسمه تتبرّكوا، لأ نّه رحيم بكم و غفور. و هاهنا في بيان المدح لله جلّ جلاله، و إظهار الرّ أفة و الرّحمة بعد التّرهيب و التّهويل الّذي أشار إليه في { الْعَالمَينَ ‘} و أيضًا قال من قبل: { اَلْحَمْدُ للهِ‚ }يعنى- إنّما وجب الحمد لله، لأ نّه الرّحمان الرّحيم. (1 : 14)

الطَّبْرِسيّ: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }. قد مضى تفسيرها. و إنمّا أعاد ذكر { الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ } للمبالغة. و قال عليّ بن عيسى الرُّمّانيّ: في الأوّ ل ذكر العبوديّة، فوصل ذلك بشكر النّعم الّتي بها يستحقّ العبادة، و هاهنا: ذكر الحمد، فوصله بذكر ما به يستحقّ الحمد من النّعم، فليس فيه تكرار. (1 : 23)

الفَخْرالرّ ازيّ: في تفسير قوله: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } و فيه فوائد:

الفائدة الأُولى: { اَلرَّحْمنِ } : هو المنعم بما لايتصوّر صدور جنسه من العباد، و { الرَّحيمِ‘ }: هو المنعم بما يتصوّر جنسه من العباد. حُكي عن إبراهيم ابن أدهم أ نّه قال: كنت ضيفًا لبعض القوم، فقُدّم المائدة، فنزل غراب وسلب رغيفًا، فأتبعته تعجًّبا، فنزل في بعض التّلال، و إذا هو برجل مقيّد مشدود اليدين، فألقى الغراب ذلك الرّغيف على وجهه.

و روي عن ذي النّون أ نّه قال: كنت في البيت؛ إذ وقعت وَلْوَلة في قلبي، و صرت بحيث ما ملكت نفسي، فخرجت من البيت، و انتهيت إلى شطّ النّيل، فرأيت عقربًا قويًّا يعدو، فتبعته، فوصل إلى طرف النّيل فرأيت ضِفْدعًا واقفًا على طرف الوادي، فوثب العقرب على ظهر الضِّفدع و أخذ الضّفدع يسبح و يذهب، فركبت السّفينة و تبعته، فوصل الضِّفدع إلى الطّرف الآخر من النّيل، و نزل العقرب من ظهره و أخذ يعدو، فتبعته، فرأيت شا بًّا نائمًا تحتشجرة، و رأيت أفعَى يقصده، فلمّا قربت الأفعَى من ذلك الشّابّ، وصل العقرب إلى الأفعَى، فوثب العقرب على الأفعَى فلَدَغَه، و الأفعَى أيضًا لَدَغ العقرب فماتا

معًا، و سلم ذلك الإنسان منهما.

و يُحكى أنّ ولد الغراب كما يخرج من قشر البيضة يخرج من غير ريش، فيكون كأ نّه قطعة لحم أحمر، والغراب يفرّ منه و لايقوم بتربيته، ثمّ إنّ البعوض يجتمع عليه، لأ نّه يُشبه قطعة لحم ميّت، فإذا وصلت البعوض إليه التقم تلك البعوض و اغتذى بها، و لايزال على هذه الحال إلى أن يقوى و ينبت ريشه و يخفى لحمه تحت ريشه، فعند ذلك تعود أُمّه إليه. و لهذا السّبب جاء في أدعية العرب: <يا رازق النُّعاب في عُشّه >. فظهر بهذه الأمثلة أنّ فضل الله عامّ،و إحسانه شامل، و رحمته واسعة.

و اعلم أنّ الحوادث على قسمين: منه ما يُظنّ أ نّه رحمة مع أ نّه لايكون كذلك، بل يكون في الحقيقة عذابًا و نقمةً، و منه ما يُظنّ في الظّاهر أ نّه عذاب و نقمة، مع أ نّه يكون في الحقيقة فضلا و إحسانًا و رحمةً.

أمّا القسم الأوّ ل: فالوالد إذا أهمل ولده حتّى يفعل ما يشاء و لايؤدّبه، و لايحمله على التّعلّم، فهذا في الظّاهر رحمة، و في الباطن نقمة.

و أمّا القسم الثّاني: كالوالد إذا حبس ولده في المكتب و حمله على التّعلّم، فهذا في الظّاهر نقمة، و في الحقيقة رحمة، و كذلك الإنسان إذا وقع في يده الآكلة، فإذاقُطعت تلك اليد، فهذا في الظّاهر عذاب و في الباطن راحة و رحمة، فالأبله يغترّ بالظّواهر، و العاقل ينظر في السّرائر.

إذا عرفت هذا، فكلّ ما في العالم من محنة و بليّة و ألَم و مشقّة، فهو و إن كان عذا بًا و ألَمًا في الظّاهر إلا أ نّه حكمة و رحمة في الحقيقة، و تحقيقه ما قيل في الحكمة: إنّ ترك الخير الكثير لأجل الشّرّ القليل شَرّ كثير، فالمقصود من التّكاليف: تطهير الأرواح عن العلائق الجسدانيّة، كما قال تعالى: { اِنْ اَحْسَنْتُمْ اَحْسَنْتُمْ لاَ ‚نْفُسِكُمْ } الإسراء : 7 ، و المقصود من خلق النّار، صرف الأشرار إلى أعمال الأبرار، و جذبها من دار الفرار إلى دار القرار، كما قال تعالى: { فَفِرُّوا اِلَى اللهِ } الذّاريات : 50، و أقرب مثال لهذا الباب قصّة موسى و الخضر ، فإنّ موسى كان يبني الحكم على ظواهر الأُمور، فاستنكر تخريق السّفينة و قتل الغلام و عمارة الجدار المائل، و أمّا الخضر فإنّه كان يبني أحكامه على الحقائق و الأسرار، فقال: { اَمَّا السَّفينَةُ‘ فَكَانَتْ لِمَسَاكينَ‘ يَعْمَلُونَ فِى الْبَحْرِ فَاَرَدْتُ اَنْ اَعيبَهَا‘ وَ كَانَ وَرَ اءَهُمْ مَلِكٌ يَاْخُذُ كُلَّ سَفينَة‘ غَصْبًا * وَ اَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ اَبَوَ اهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشينَا‘ اَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَ كُفْرً ا * فَاَرَدْ نَا اَنْ يُبْدِلَهُمَا رَ بُّهُمَا خَيْرً ا مِنْهُ زَكو"ةً وَ اَقْرَبَ رُحْمًا * وَ اَمَّا الْجِدَ ارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتيمَيْنِ فِى الْمَدينَةِ‘ وَ كَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَ كَانَ اَبُوهُمَا صَالِحًا فَاَرَادَ رَ بُّكَ اَنْيَبْلُغَا اَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } الكهف : 79 - 82.

فظهر بهذه القصّة أنّ الحكيم المحقّق هو الّذي يبني أمره على الحقائق لاعلى الظّاهر، فإذا رأيت ما يكرهه طبعك و ينفر عنه عقلك، فاعلم أنّ تحته أسرارً ا خفيّة و حِكَمًا بالغة، و أنّ حكمته و رحمته اقتضت ذلك، و عند ذلك يظهر لك أثر من بحار أسرار قوله:{ اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }.

الفائدة الثّانية: { اَلرَّحْمنِ }: اسم خاصّ بالله، و {الرَّحيمِ‘ }: ينطلق عليه و على غيره.

فإن قيل: فعلى هذا { اَلرَّحْمنِ } أعظم، فلِِمَ ذكر الأدنى بعد ذكر الأعلى؟

و الجواب: لأنّ الكبير العظيم، لايُطلب منه الشّيء الحقير اليسير. حُكي أنّ بعضهم ذهب إلى بعض الأكابر، فقال: جئتك لمهمّ يسير، فقال: اطلب للمهمّ اليسير رجلا يسيرً ا، كأ نّه تعالى يقول: لو اقتصرت على ذكر { اَلرَّحْمنِ } لاحتشمت عنّي، و لتعذّر عليك سؤال الأُمور اليسيرة، و لكن كما علّمتني رحمانًا تطلب منّي الأُمور العظيمة، فأنا أيضًا رحيم، فاطلب منّي شراك نعلك و ملح قِدْرك، كما قال تعالى لموسى: < يا موسى سلني عن مِلْ-ح قِدْرك و علف شاتك >.

الفائدة الثّالثة: وصف نفسه بكونه رحمانًا رحيمًا ثمّ إنّه أعطى مريم عليها السّلام رحمة واحدة؛ حيث قال: { وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كَانَ اَمْرً ا مَقْضِيًّا } مريم : 21، فتلك الرّحمة صارت سببًا لنجاتها من توبيخ الكفّار الفجّار، ثمّ إنّا نصفه كلّ يوم أربعة وثلاثين مرّة أ نّه رحمان و أ نّه رحيم؛ و ذلك لأنّ الصّلوات سبع عشرة ركعةً، و يُقرأ لفظ { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } في كلّ ركعة مرّتين: مرّة في { بِسْمِ اللهِ اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، و مرّة في قوله: { اَلْحَمْدُ للهِ‚ رَبِّ الْعَالمَينَ‘ * الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘}، فلمّا صار ذكر الرّحمة مرّة واحدة سببًا لخلاص مريم عليها السّلام عن المكروهات، أفلايصير ذكر الرّحمة هذه المرّ ات الكثيرة طول العمر سببًا لنجاة المسلمين من النّار و العار والدَّمار؟

الفائدة الرّ ابعة: أ نّه تعالى رحمان، لأ نّه يخلق ما لايقدر العبد عليه، رحيم ،لأ نّه يفعل ما لايقدر العبد على جنسه، فكأ نّه تعالى يقول: أنا رحمان، لأ نّك تُسلّم إليّ نطفة مذرة، فأُسلّمها إليك صورة حسنة، كما قال تعالى: { وَ صَوَّرَكُمْ فَاَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } المؤمن: 64، و أنا رحيم، لأ نّك تُسلّم إليّ طاعة ناقصة فأُسلّم إليك جنّة خالصة.

الفائدة الخامسة: روي أنّ فتًى قربت وفاته، و اعتقل لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله، فأتوا النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و أخبروه به، فقام و دخل عليه، و جعل يعرض عليه الشّهادة، و هو يتحرّ ك و يضطرب و لايعمل لسانه، فقال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) : أما كان يُصلّي؟ أما كان يصوم؟ أما كان يُزكّي؟ فقالوا: بلى، فقال هل عقّ والديه؟ فقالوا: بلى، فقال : هاتوا بأُمّه، فجاءت و هي عجوز عوراء، فقال : هلا عفوت عنه؟ فقالت: لا أعفو، لأ نّه لطمني ففقأ عيني، فقال : هاتوا بالحطب و النّار، فقالت:و ما تصنع بالنّار؟ فقال : أُحرقه بالنّار بين يديك جزاء لما عمل بك، فقالت: عفوت عفوت، أللنّار حَملتُه تسعة أشهر؟ أللنّار أرضَعتُه سنتين؟ فأين رحمة الأُمّ ؟ فعند ذلك انطلق لسانه و ذكر أشهد أن لا إله إلا الله.

والنّكتة أ نّها كانت رحيمة و ما كانت رحمانة، فلأجل ذلك القدر القليل من الرّحمة ما جوّزت الإحراق بالنّار، ف- { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } الّذي لم يتضرّر بجنايات عبيده مع عنايته بعباده، كيف يستجيز أن

يحرق المؤمن الّذي واظب على شهادة أن لا إله إلا الله سبعين سنة بالنّار؟

الفائدة السّادسة: لقد اشتهر أنّ النّبيّ لم-ّا كُسرت رباعيّته، قال: < اللّهمّ اهد قومي فإنّهم لايعلمون > فظهر أ نّه يوم القيامة يقول: أُمّتي أُمّتي، فهذا كرم عظيم منه في الدّنيا و في الآخرة، و إنمّا حصل فيه هذا الكرم و هذا الإحسان لكونه رحمة، كما قال تعالى: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالمَينَ ‘} الأنبياء : 107، فإذا كان أثر الرّحمة الواحدة بلغ هذا المبلغ، فكيف كرم من هو رحمان رحيم؟

و أيضًا روي أ نّه قال: < اللّهمّ اجعل حساب أُمّتي على يدي > ثمّ إنّه امتنع عن الصّلاة على الميّت، لأجل أ نّه كان مديونًا بدرهمين، و أخرج عائشة عن البيت بسبب الإفك، فكأ نّه تعالى قال له: إنّ لك رحمة واحدة، و هي قوله:{وَمَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالمَينَ‘ } الأنبياء : 107، و الرّحمة الواحدة لاتكفي في إصلاح عالم المخلوقات، فذرني وعبيدي، و اتركني و أُمّتك، فإنّي أنا الرّحمان الرّحيم، فرحمتي لانهاية لها، و معصيتهم متناهية، و المتناهي في جنب غير المتناهي يصير فانيًا، فلاجرم معاصي جميع الخلق تفني في بحار رحمتي، لأ نّي أنا الرّحمان الرّحيم.

الفائدة السّابعة: قالت القدريّة: كيف يكون رحمانًا رحيمًا مَن خلق الخلق للنّار و لعذاب الأبد؟ و كيف يكون رحما نًا رحيمًا من يخلق الكفر في الكافر و يعذّبه عليه؟ و كيف يكون رحمانًا رحيمًا من أمر بالإيمان ثمّ صدّ و منع عنه؟

و قالت الجبريّة: أعظم أنواع النّعمة و الرّحمة هو الإيمان، فلو لم يكن الإيمان من الله بل كان من العبد، لكان اسم { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }بالعبد أولى منه بالله، و الله أعلم. (1 : 233)

القُرطُبيّ: وصف نفسه تعالى بعد { رَبِّ الْعَالمَينَ ‘} بأ نّه { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } لأ نّه لم-ّا كان في اتّصافه ب- { رَبِّ الْعَالمَينَ ‘} ترهيب، قرنه ب- { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘} لما تضمّن من التّرغيب، ليجمع في صفاته بين الرّهبة منه و الرّغبة إليه، فيكون أعون على طاعته و أمنع، كما قال: { نَبِّئْ عِبَادى‘ اَنّى اَنَا الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘ * وَ اَنَّ عَذَابى هُوَ الْعَذَابُ الاَ_ليمُ‘ } الحجر : 49، 50، و قال: { غَافِرِ الذَّنْبِ وَ قَابِلِ التَّوْبِ شَديدِ‘ الْعِقَابِ ذِى الطَّوْلِ } المؤمن : 3.

و في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله) قال: < لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنّته أحد، و لو يعلمالكافر ما عند الله من الرّحمة ما قنط من جنّته أحد >. و قد تقدّم ما في هذين الاسمين من المعاني، فلامعنى لإعادته. (1 : 139)

أبوحَيّان: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } تقدّم الكلام عليهما في البسملة، و هما مع قوله: { رَبِّ الْعَالمَينَ ‘} صفات مدح، لأنّ ما قبلهما علم لم يعرض في التّسمية به اشتراك فيخصّص. و بدأ أوّ لا بالوصف بالرّبوبيّة، فإن كان الرّبّ بمعنى السّيّد، أو بمعنى المالك، أو بمعنى المعبود، كان صفة فعل للموصوف بها التّصريف في المسود و المملوك و العابد، بما أراد من الخير و الشّرّ، فناسب ذلك الوصف بالرّحمانيّة و الرّحيميّة، لينبسط

أمل العبد في العفو إن زلّ، و يقوى رجاؤه إن هفا. و لايصحّ أن يكون الرّبّ بمعنى الثّابت، و لابمعنى الصّاحب، لامتناع إضافته إلى { الْعَالَمينَ‘ }.

و إن كان بمعنى المصلح، كان الوصف بالرّحمة مشعرً ا بقلّة الإصلاح، لأنّ الحامل للشّخص على إصلاح حال الشّخص رحمته له. و مضمون الجملة و الوصف أنّ من كان موصوفًا بالرّبوبيّة و الرّحمة للمربوبين، كان مستحقًّا للحمد. و خفض { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } الجمهور، و نصبهما أبوالعالية و ابن السّميفع و عيسى بن عمرو، و رفعهما أبو رزين العقيليّ و الرّبيع ابن خيثم و أبوعمران الجونيّ. فالخفض على النّعت، و قيل في الخفض: إنّه بدل أو عطف بيان، و تقدّم شيء من هذا. و النّصب و الرّفع للقطع. و في تكرار{ اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } إن كانت التّسمية آية من الفاتحة، تنبيه على عظم قدر هاتين الصّفتين، و تأكيد أمرهما.

و جعل مكّيّ تكرارها دليلا على أنّ التّسمية ليست بآية من الفاتحة. قال: إذ لو كانت آية لكنّا قد أتينا بآيتين متجاورتين بمعنى واحد، و هذالايوجد إلا بفواصل تفصل بين الأُولى والثّانية. قال: و الفصل بينهما ب- { اَلْحَمْدُ للهِ‚ رَبِّ الْعَالمَينَ‘ } ك- < لافصل >، قال: لأ نّه مؤخّريراد به التّقديم، تقديره: الحمد لله الرّحْمنِ الرّحيمِ‘رَبِّ العالمين.

و إنّما قلنا بالتّقديم، لأنّ مجاورة الرّحمة بالحمد أولى، و مجاورة الملك بالملك أولى. قال: و التّقديم و التّأخير كثير في القرآن.

وكلام مكّيّ مدخول من غير وجه، و لولا جلالة قائله نزّهت كتابي هذاعن ذكره. و التّرتيب القرآنيّ جاء في غاية الفصاحة، لأ نّه تعالى وصف نفسه بصفة الرّبوبيّة و صفة الرّحمة، ثمّ ذكر شيئين: أحدهما: مُلكه يوم الجزاء، و الثّاني: العبادة. فناسب الرّبوبيّة للمُلك، و الرّحمة للعبادة. فكان الأوّل للأوّل، و الثّاني للثّاني. (1 : 19)

أبوالسُّعود: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } صفتان لله، فإن أُريد بما فيهما من الرّحمة ما يختصّ بالعقلاء من العالمين، أو ما يفيض على الكلّ بعد الخروج إلى طور الوجود من النّعم، فوجه تأخيرهما عن وصف الرّبوبيّة ظاهر، و إن أُريد ما يعمّ الكلّ فيالأطوار كلّها، حسبما في قوله تعالى: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } الأعراف : 156، فوجه التّرتيب أنّ التّربية لاتقتضي المقارنة للرّحمة، فإيرادهما في عقبها للإيذان، بأ نّه تعالى متفضّل فيها، فاعل بقضيّة رحمته السّابقة، من غير وجوب عليه، و بأ نّها واقعة على أحسن ما يكون. و الإقتصار على نعته تعالى بهما في التّسمية، لما أ نّه الأنسب بحال المتبرّك المستعين باسمه الجليل، و الأوفق لمقاصده. (1 : 23)

البُرُوسَويّ: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } في التّكرار وُجُوه:

أحدها: ما سبق من أنّ رحمتي البسملة ذاتيّتان، و رحمتي الفاتحة صفاتيّتان كماليّتان.

و الثّاني: ليُعلَم أنّ التّسمية ليست من الفاتحة، و لو كانت منها لما أعادهما، لخلوّ الإعادة عن الفائدة.

و الثّالث: أ نّه ندب العباد إلى كثرة الذّكر، فإنّ من

علامة حبّ الله حبّ ذكر الله، و في الحديث: « من أحبّ شيئًا أكثر ذكره ».

و الرّ ابع: أ نّه ذكر { رَبِّ الْعَالمَينَ‘ } فبيّن أنّ { رَبِّ الْعَالمَينَ‘ } هو { اَلرَّحْمنِ } الّذي يرزقهم فى الدّنيا{ الرَّحيمِ‘ } الّذي يغفر لهم في العقبى، و لذلك ذكر بعده { مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ‘ } يعني أنّ الرّبوبيّة: إمّا بالرّحمانيّة و هي رزق الدّنيا و إ مّا بالرّحيميّة و هي المغفرة في العقبى.

و الخامس: أ نّه ذكر الحمد...

و السّادس: أنّ التّكرار للتّعليل، لأنّ ترتيب الحمد على هذه الأوصاف أمارةعليّة مأخذها، فالرّحمانيّة و الرّحيميّة من جملتها، لدلالتهما على أنّه مختار في الإحسان لاموجب، و في ذلك استيفاء أسباب استحقاق الحمد من فيض الذّات ب- { رَبِّ الْعَالمَينَ‘ } و فيض الكمالات ب- { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }، و لاخارج عنهما في الدّنيا، و فيض الأثوبة لطفًا و الأجزية عدلا في الآخرة، و من هذا يُفهم وجه ترتيب الأوصاف الثّلاثة.

و الفرق بين { اَلرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ }: إمّا باختصاص الحقّ بالأوّل أو بعمومه، أو بجلائل النّعم. فعلى الأوّ ل: هو الرّحمان بما لايصدر جنسه من العباد، و الرّحيم بما يتصوّر صدوره منهم. [و نقل حكاية ذكرناه من الفَخْر ثمّ قال:]

و أمّا على أنّ { اَلرَّحْمنِ } عامّ، فقيل: كيف ذلك و قلّما يخلو أحد بل حالة له عن نوع بلوى؟

قلنا: الحوادث منها ما يُظنّ أ نّه رحمة و يكون نقمة، و بالعكس،قال الله تعالى:{وَعَسى اَنْ تَكْرَهُوا شَيْ--ًا=} البقرة : 216، فالأوّل: كما قال:

إنّ الشّباب و الفراغ و الجِدَه

مفسدة للمرء أيّ مفسده

و كلّ منها في الظّاهر نعمة، و الثّانى: كحبس الولد في المكتب، و حمله على التّعلّم بالضّرب، و كقطع اليد المتأكّلة، فالأبله يعتبر بالظّواهر، و العاقل ينظر إلى السّرائر، فما من بليّة و محنة إلا و تحتها رحمة و منحة، و ترك الخير الكثير للشّرّ القليل شرّ كبير، فالتّكاليف لتطهير الأرواحعن العلائق الجسدانيّة، و خلق النّار لصرف الأشرار إلى أعمال الأبرار، و خلق الشّيطان لتمَيّز المخلصين من العباد، فشأن المحقّق أن يبني على الحقائق، كالخضر في قصّة موسى معه. فكلّ ما يكره الطّبع فتحته أسرار خفيّة و حكمة بالغة، فلولا الرّحمة و سَبْقها للغضب، لم يكن وجود الكون، و لما ظهر للاسم المُنعم عين.

و إمّا على أنّ { اَلرَّحْمنِ } لجلائل النّعم، فإنمّا أتبعه ب- { الرَّحيمِ‘ }، لدفع توهّم أن يكون طلب العبد الشّيء اليسير سوء أدب، كما قيل لبعضهم: جئتك لحاجة يسيرة، قال: أُطلب لها رجلا يسيرً ا، فكأنّ الله يقول: لو اقتصرت على{ اَلرَّحْمنِ } لاحتشمت عنّي، و لكنّي رحيم، فاطلب منّي حتّى شراك نعلك و مِلْح قِدْرك.[ثمّ استشهد بشعر]

قال أهل الحقيقة: الحضرات الكلّيّة المختصّة ب- { اَلرَّحْمنِ } ثلاث: حضرة الظّهور و حضرة البطون وحضرة الجمع، و كلّ موجود فله هذه المراتب،

و لايخلو عن حِكَمها. و على هذه المراتب تنقسم أحكام الرّحمة فى السّعداء و الأشقياء، و المتنعّمين بنفوسهم دون أبدانهم، كالأرواح المجرّدة و بالعكس، و الجامعين بين الأمرين، و كذا من أهل الجنّة منهم سعداء من حيث نفوسهم بعلُومهم دون صورهم، لكونهم لم يُقدّموا في الجنّة الأعمال ما يستوجبون به النّعيم الصّوريّ، و إن كان فنزر يسير بالنّسبة إلى من سواهم.

و عكس ذلك كالزّهّاد والعبّاد الّذين لاعلم لهم، فإنّ أرواحهم قليلة الحظّ من النّعيم الرّوحانيّ، لعدم المناسبة بينهم و بين الحضرات العلميّة الإلهيّة، و لهذا لم تتعلّق هممهم زمان العمل بما وراء العمل بل ظنّوه الغاية، فوقفوا عنده و اقتصروا عليه رغبةً فيما وُعِدوا به، و رهبةً ممّا حُذِّروا منه. و أمّا الجامعون بين النّعيمين تمامًا فهم الفائزون بالحظّ الكامل في العلم و العمل، كالرّسل عليهم الصّلاة و السّلام، و من كملت وراثته منهم، أعني الكُمّل من الأولياء. (1 : 13)

الآلوسيّ: و قد تقدّم الكلام عليهما، و الجمهور على خفضهما، و نصبهما زَيْد و أبوالعالية و ابن السّميقع و عيسى بن عمرو، و رفعهما أبورزين العقيليّ و الرّبيع بن خيثم و أبوعمران الجوليّ. و استدلّ بعض ساداتنا بتكرارهما، على أنّ البسملة ليست آية من الفاتحة. و ليس بالقويّ، لأنّ التّكرار لفائدة، فذكرهما في البسملة تعليل للابتداء باسمه عزّ شأنه، و ذكرهما هنا تعليل لاستحقاقه تعالى الحمد.

و قال الإمام الرّ ازيّ قُدّس سرّه في بيان حكمة التّكرار: التّقدير كأ نّه قيل له: اذكر أنّي إله و ربّ مرّة واحدة، و اذكر أ نّي رحمان رحيم مرّتين، لتعلم أنّ العناية بالرّحمة أكثر منها بسائر الأُمور، ثمّ لم-ّا بيّن الرّحمة المضاعفة، فكأ نّه قال: لاتغترّوا بذلك فإنّي مالك يوم الدّين، و نظيره قوله تعالى: { غَافِرِ الذَّنْبِ وَ قَابِلِ التَّوْبِ شَديدِ‘ الْعِقَابِ } المؤمن :3، انتهى.

و في القلب منه شيء، فإنّ الأُلوهيّة مكرّرة أيضًا كما ترى، و عندي بمسلك صوفيّ أنّ ذكر { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }تفصيل من وجه لما في { رَبِّ الْعَالمَينَ‘ } من الإجمال؛ و ذلك أنّ التّربية تنقسم ببعض الاعتبارات إلى قسمين:

أحدهما: التّربية بغير واسطة كالكلمة، لأ نّه لايُتصوّر في حقّه واسطة ألبتّة.

و ثانيهما: التّربية بواسطة، كما فيمن دون الكلمة. و هذا الثّاني له قسمان أيضًا: قسم ممزوج بألَم، كما في تربية العبد بأُمور مؤلمة له شاقّة عليه، و قسم لامزج فيه، كما في تربية كثير ممّن شمله اللّطف السّبحانيّ.

غافل و السّعادة أحتضنته

و هو عنها مستوحش نفار

ف- { اَلرَّحْمنِ } يشير إلى التّربية بالوسائط وغيرها في عالمه، و { الرَّحيمِ‘ } يشير إلى التّربية بلاواسطة في كلماته. و رحمة { اَلرَّحْمنِ } أيضًا قد تمُزَْج با لألَم كشُرب الدّواء الكره الطّعم و الرّائحة، فإنّه و إن كان رحمة بالمريض لكنّ فيه مالايلائم طبعه. و رحمة { الرَّحيمِ‘ } لايمازجها شوب، فهي محض النّعمة، و لاتوجد إلا عند أهل السّعادات الكاملة.

أللّهمّ اجعلنا سعداء الدّ ارين بحرمة سيّد الثّقلين صلّى الله تعالى عليه و سلّم. (1 : 82)

رشيد رضا: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } تقدّم معناهما، و بقي الكلام في إعادتهما، و النّكتة فيها ظاهرة، و هي أنّ تربيته تعالى للعالمين ليستلحاجة به إليهم، كجلب منفعة أو دفع مضرّة، و إنمّا هي لعموم رحمته و شمول إحسانه. و ثَمّ نكتة أُخرى و هي أنّ البعض يفهم من معنى الرّبّ: الجبروت و القهر، فأراد الله تعالى أن يذكّرهم برحمته و إحسانه، ليجمعوا بين اعتقاد الجلال و الجمال، فذكر { اَلرَّحْمنِ } و هو المفيض للنّعم بسعة و تجدّد لامنتهى لهما، و { الرَّحيمِ ‘} الثّابت له وصف الرّحمة لايزايله أبدً ا . فكأنّ الله تعالى أراد أن يتحبّب إلى عباده، فعرّفهم أنّ ربوبيّته ربوبيّة رحمة و إحسان، ليعلموا أنّ هذه الصّفة هي الّتي ربمّا يرجع إليها معنى الصّفات، و ليتعلّقوا به و يُقبلوا على اكتساب مرضاته، منشرحةً صدورهم، مطمئنّةً قلوبهم.

و لاينافي عموم الرّحمة و سبقها ما شرعه الله من العقوبات في الدّنيا، و ما أعدّه من العذاب في الآخرة للّذين يتعدّون الحدود، و ينتهكون الحُرُمات، فإنّه و إن سمّي قهرً ا بالنّسبة لصورته و مظهره، فهو في حقيقته و غايته من الرّحمة، لأنّ فيه تربية للنّاس، و زجرً ا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشّريعة الإلهيّة، و في الانحراف عنها شقاؤهم و بلاؤهم، و في الوقوف عندها سعادتهم و نعيمهم، و الوالد الرّؤوف يُربّي ولده بالتّرغيب فيما ينفعه، و الإحسان عليه إذا قام به، و ربّما لجأ إلى التّرهيب و العقوبة إذا اقتضت ذلك الحال، و لله المثل الأعلى لا إله إلا هو و إليه يٍرجعون.

أقول الآن: إنّني لاأرىوجهًا للبحث في عدّ ذكر { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } في سورة الفاتحة تكرارً ا أو إعادة مطلقًا. أمّا على القول بأنّ البسملة ليست آية منها، فظاهر، و أمّا على القول بأ نّها آية منها، فيحتاج إلى بيان، و هو أن جعلها آية منها، و من كلّ سورة يراد به ما تقدّم شرحه آنفًا، من أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) كان يلقّنها و يبلّغها للنّاس على أ نّها - أي السّورة - مُنزلَة من عند الله تعالى، أنزلها برحمته لهداية خلقه، و أ نّه(صلی الله علیه و آله) لاكسب له فيها و لاصنع، و إنمّا هو مبلّغ لها بأمر الله تعالى، فهي مقدّمة للسّور كلّها إلا سورة براءة المنزلة بالسّيف، و كشف السّتار عن نفاق المنافقين، فهي بلاء على من أُنزل أكثرها في شأنهم لارحمة بهم. و إذا كان المراد ببدء الفاتحة بالبسملة أ نّها مُنزلَة من الله رحمةً بعباده، فلاينافي ذلك أن يكون من موضوع هذه السّورة بيان رحمة الله تعالى مع بيان ربوبيّته للعالمين، و كونه الملك الّذي يملك وحده جزاء العاملين على أعمالهم، و أ نّه بهذه الأسماء و الصّفات كان مستحقًّا للحمد من عباده، كما أ نّه مستحقّ له في ذاته، و لهذا نسب الحمد إلى اسم الذّات، الموصوف بهذه الصّفا.

و الحاصل: أنّ معنى الرّحمة في بَسمَلة كلّ سورة، هو أنّ السّورة منزلة برحمة الله و فضله، فلايُعَدّ ما عساه يكون في أوّ ل السّورة أو أثنائها من ذكر الرّحمة مكرّرً ا مع ما في البسملة، و إن كان مقرونًا بذكر التّنزيل كأوّ ل سورةفصّلت: { حم * تَنْزيلٌ‘ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} 1 ، 2، لأنّ الرّحمة في البسملة

للمعنى العامّ في الوحي والتّنزيل، و في السّور للمعنى الخاصّ الّذي تبيّنه السّورة، و قد لاحظ هذا المعنى من قال: إنّ البسملة آية مستقلّة فاصلة بين السّور. و أمّا من قال: إنّها آية من كلّ سورة، فمراده أ نّها تُقرَأ عند الشّروع في قراءتها، وأنّ من حلف ليقرأنّ سورة كذا، لايبرأ إلا إذا قرأ البسملة معها، و أنّ الصّلاة لاتصحّ إلا بقراءتها أيضًا.

هذا، و أمّا حظّ العبد من وصف الله بالرّبوبيّة، فهو أنّ بحمده تعالى عليه و بشكره له، باستعمال نعمه الّتي تتربّى بها القُوى الجسديّة و العقليّة، فيما خُلقت لأجله، فليُحسن تربية نفسه و تربية من يُوكَل إليه تربيته، من أهل و ولد و مريد و تلميذ، و باستعمال نعمته بهداية الدّين في تربية نفسه الرّوحيّة و الاجتماعيّة، و كذا تربية من يُوكَل إليه تربيتهم، و أن لايبغی كما بغى فرعون، فيدّعي أ نّه ربّ النّاس، و كما بغى فراعنة كثيرون و لايزالون يبغون، بجعل أنفسهم شارعين يتحكّمون في دين النّاس، بوضع العبادات الّتي لم ينزلها الله تعالى، و بقولهم: هذا حلال و هذا حرام من عند أنفسهم أو من عند أمثالهم، فيجعلون أنفسهم شركاء لله في ربوبيّته. قال تعالى: { اَمْ لَهُمْ شُرَكؤُ"ا شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدّينِ‘ مَا لَمْ يَاْذَنْ بِهِ اللهُ } الشّوری : 21، و فسّر النّبيّ (صلی الله علیه و آله) اتّخاذ أهل الكتاب أحبارهم و رهبانهم أربابًا بمثلهذا.

و أمّا حظّ العبد من وصف الله بالرّحمة، فهو أن يطالب نفسه بأن يكون رحيمًا بكلّ من يراه مستحقًّا للرّحمة، من خلق الله تعالى حتّى الحيوان الأعجم، و أن يتذكّر دائمًا أ نّه يستحقّ بذلك رحمة الله تعالى، قال (صلی الله علیه و آله): < إنمّا يرحم الله من عباده الرُّحماء > رواه الطّبَرانيّ عن جرير بسند صحيح، و قال : < الرّ احمون يرحمهم الرّحمان تبارك و تعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء > رواه أحمد وأبوداود و التّرمذيّ و الحاكم من حديث ابن عمر، و رويناه مسلسلا بالأوّليّة من طريق الشّيخ أبي المحاسن محمّد القاوقجيّ الطّرابلسيّ الشّاميّ. و قال (صلی الله علیه و آله):< من رحم و لو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة > رواه البخاريّ في <الأدب المفرد> و الطّبرانيّ عن أبي أمامة، و أشار السُّيوطيّ في < الجامع الصّغير > إلى صحّته. [ثمّ ذكر حديثًاآخر]

و من مباحث اللُّغة: أنّ لفظ { اَلرَّحْمنِ } خاصّ بالله تعالى كلفظ الجلالة. قالوا: لم يُسمَع عن أحد من العرب أ نّه أطلقه على غير الله تعالى، و كذلك لفظ < رحمن > غير معرّف. قالوا: لم يرد إطلاقه على غير الله تعالى إلا في شعر، لبعض الّذين فتنوا بمسيلمة الكذّاب قال فيه:

• و أنت غيث الورى لازلت رحمانًا *

و قيل: إنّ هذا تعنّت و غلوّ، لامن الاستعمال المعروف عند العرب. (1 : 51)

ابن عاشور: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } و صفان مشتقّان من رَحِم، و في « تفسير القُرطُبيّ» عن ابنالأنباريّ عن المُبَرِّد: أنّ { اَلرَّحْمنِ } اسم عبرانيّ نُقل إلى العربيّة، قال: و أصله بالخاء المعجمة، أي فأُبدلت خاؤه حاءً مهملة عند أكثر العرب، كشأن التّغيير في

التّعريب، وأنشد على ذلك قول جرير يخاطب الأخطل:

أو تتركُنّ إلى القسّيس هِجْرَتكم

و مَسْحَكُم صُلْبَكم رَخْمان قربانا

الرّواية بالخاء المعجمة، و لم يأت المُبَرِّد بحجّة على ما زعمه، و لِمَ لايكون { اَلرَّحْمنِ } عربيًّا كما كان عبرانيًّا، فإن العربيّة و العبرانيّة أُختان، و ربّما كانت العربيّة الأصليّة أقدم من العبرانيّة. و لعلّ الّذي جرّأه على ادّعاء أنّ { اَلرَّحْمنِ } اسم عبرانيّ ما حكاه القرآن عن المشركين في قوله: { قَالوُا وَ مَا الرَّحْمنُ } الفرقان : 60، و يقتضي أنّ العرب لم يكونوا يعلمون هذا الاسم لله تعالى، كما سيأتي بعض عرب اليمن يقولون: رَخِم رخمة بالمعجمة.

و اسم الرّحمة موضوع في اللُّغة العربيّة: لرقّة الخاطر و انعطافه، نحو حيّ؛ بحيث تحمل من اتّصف بها على الرّفق بالمرحوم و الإحسان إليه، و دفع الضّرّ عنه و إعانته على المَشاقّ. فهي من الكيفيّات النّفسانيّة لأ نّها انفعال، و لتلك الكيفيّة اندفاع يحمل صاحبها على أفعال وجوديّة بقدر استطاعته، و على قدر قوّة انفعاله، فأصل الرّحمة من مقولة الانفعال، و آثارها من مقولة الفعل. فإذا وُصف موصوف بالرّحمة، كان معناه حصول الانفعالالمذكور في نفسه، و إذا أُخبر عنه بأ نّه رحم غيره، فهو على معنى صدر عنه أثر من آثار الرّحمة؛ إذ لاتكون تعدية فعل رَحِم إلى المرحوم إلا على هذا المعنى.

فليس لماهيّة الرّحمة جزئيّات وجوديّة، و لكنّها جزئيّات من آثارها، فوَصْف الله تعالى بصفات الرّحمة في اللُّغات ناشئ على مقدار عقائد أهلها فيما يجوز على الله و يستحيل، و كان أكثر الأُمم مجسّمة. ثمّ يجيء ذلك في لسان الشّرائع تعبيرً ا عن المعاني العالية، بأقصى ما تسمح به اللّغات، مع اعتقاد تنزيه الله عن أعراض المخلوقات، بالدّليل العامّ على التّنزيه، و هو مضمون قول القرآن: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } الشّورى: 11، فأهل الإيمان إذا سمعوا أو أطلقوا وَصْفَي{ اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } لايفهمون منه حصول ذلك الانفعال الملحوظ في حقيقة الرّحمة في متعارف اللُّغة العربيّة، لسطوع أدلّة تنزيه الله تعالى عن الأعراض، بل إنّه يراد بهذا الوصف في جانب الله تعالى إثبات الغرض الأسمى من حقيقة الرّحمة، و هو صدور آثار الرّحمة من الرّفق واللّطف و الإحسان و الإعانة، لأنّ ما عدا ذلك من القيود الملحوظة في مسمّى الرّحمة في متعارف النّاس لاأهمّيّة له، لولا أ نّه لايمكن بدونه حصول آثاره فيهم. ألاترى أنّ المرء قد يرحم أحدً ا و لايملك له نفعًا لعجز أو نحوه.

و قد أشار إلى ما قلناه أبوحامد الغزّاليّ في« المقصد الأسنى» بقوله: « الّذي يريد قضاء حاجةالمحتاج و لايقضيها، فإن كان قادرً ا على قضائها لم يسمّ رحيمًا؛ إذ لو تمّت الإرادة لوفّى بها، و إن كان عاجزًافقد يسمّى رحيمًا، باعتبار ما اعتوره من الرّحمة و الرّقّة، و لكنّه ناقص ».

و بهذا تعلم أنّ إطلاق نحو هذا الوصف على الله تعالى ليس من المتشابه، لتبادر المعنى المراد منه بكثرة

استعماله، و تحقّق تنزّه الله عن لوازم المعنى المقصود في الوضع، ممّا لايليق بجلال الله تعالى، كما نُطلق العليم على الله مع التّيقّن بتجرّد علمه عن الحاجة إلى النّظر و الاستدلال و سبق الجهل، و كما نُطلق الحيّ عليه تعالى مع اليقين بتجرّد حياته عن العادة و التّكوّن، و نُطلق القدرة مع اليقين بتجرّد قدرته عن المعالجة و الاستعانة. فوصفه تعالى ب- {اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } من المنقولات الشّرعيّة، فقد أثبت القرآن رحمة الله في قوله: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } الأعراف : 156، فهي منقولة في لسان الشّرع إلى إرادة الله إيصال الإحسان إلى مخلوقاته في الحياة الدّنيا، و غالب الأسماء الحسنى من هذا القبيل.

و أمّا المتشابه فهو ما كانت دلالته على المعنى المنزّه عنه أقوى و أشدّ، و سيأتي في سورة آل عمران : 7، عند قوله تعالى: { وَ اُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ }، و الّذي ذهب إليه صاحب < الكشّاف > و كثير من المحقّقين: أنّ{ الرَّحْمنِ } صفة مشبّهة كغضبان، و بذلك مثّله في « الكشّاف ».

و فعل < رَحِم > و إن كان متعدّ يًا و الصّفةالمشبّهة إنّما تصاغ من فعل لازم إلا أنّ الفعل المتعدّي إذا صار كالسّجيّة لموصوفه ينزل منزلة أفعال الغرائز، فيُحوّ ل من < فِعَل> بفتح العين أو كسرها إلى < فَعُل > بضمّ العين، للدّ لالة على أ نّه صار سجيّة؛،كما قالوا: فَقُه الرّجل وظَرُف و فَهُم، ثمّ تُشتَقّ منه بعد ذلك الصّفة المشبّهة، و مثله كثير في الكلام.

و إنمّا يُعرَف هذا التّحويل بأحد أمرين: إمّا بسماع الفعل المحَوّل، مثل < فَقُه > و إمّا بوجود أثره، و هو الصّفة المشبّهة، مثل < بليغ > إذا صارت البلاغة سجيّة له، مع عدم أو قلّة سماع بلغ. و من هذا < رحمن > إذ لم يُسمَع رحم بالضّمّ. و من النُّحاة من منع أن يكون { الرَّحْمنِ } صفة مشبّهة بناءً على أنّ الفعل المشتقّ هو منه فعل متعدّ، و إليه مال ابن مالك في « شرح التّسهيل » في باب الصّفة المشبّهة و نظره بربّ و ملك.

و أمّا { الرَّحيمِ‘ } فذهب سيبَوَيه إلى أ نّه من أمثلة المبالغة، و هو باق على دلالته على التّعدّي، و صاحب « الكشّاف » و الجمهور لم يُثبتوا في أمثلة المبالغة وزن < فعيل > ف- { الرَّحيمِ‘ } عندهم صفة مشبّهة أيضًا، مثل مريض و سقيم، و المبالغة حاصلة فيه على كلا الاعتبارين. والحقّ ما ذهب إليه سيبَوَيه.

و لاخلاف بين أهل اللُّغة في أنّ الوصفين دالا ن على المبالغة في صفة الرّحمة، أي تمكنّها و تعلّقها بكثير من المرحومين. و إنمّا الخلاف في طريقةاستفادة المبالغة منهما، و هل هما مترادفان في الوصف بصفة الرّحمة أو

بينهما فارق؟

و الحقّ: أنّ استفادة المبالغة حاصلة من تتبّع الاستعمال، و أنّ الاستعمال جرى على نكتة في مراعاة واضعي اللُّغة زيادة المبنى لقصد زيادة في معنى المادّة.

قال في « الكشّاف »: « و يقولون: إنّ الزّيادة في البناء لزيادة المعنى، و قال الزّجّاج في الغضبان: هو الممتلئ غضبًا. و ممّا طنّ على أُذني من ملح العرب أ نّهم يسمّون مَرْكبًا من مراكبهم بالشُّقْدُف، و هو مركب

خفيف ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطّائف لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقيّ، فقال: أليس ذاك اسمه الشُّقندف؟ قلت: بلى، فقال: هذا اسمه الشِّقِنْداف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمّى » ، و هي قاعدة أغلبيّة لاتتخلّف إلا في زيادات معروفة موضوعة لزيادة معنى جديد، دون زيادة في أصل معنى المادّة، مثل زيادة ياء التّصغير، فقد أفادت معنًى زائدً ا على أصل المادّة، و ليس زيادة في معنى المادّة. و أمّا نحو < حَذِر > الّذي هو من أمثلة المبالغة، و هو أقلّ حروفًا من < حاذر > فهو من مستثنيات القاعدة، لأ نّها أغلبيّة.

و بعد كون كلّ من صفتي { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ } دالّة على المبالغة في اتّصافه تعالى بالرّحمة، فقد قال الجمهور: إنّ { اَلرَّحْمنِ } أبلغ من { الرَّحيمِ‘ } بناء على أنّ زيادة المبنى تُؤذِن بزيادة المعنى، و إلى ذلك مال جمهور المحقّقين،مثل أبي عُبَيْدَة و ابن جنّيّ و الزّجّاج و الزّمَخْشَريّ. و على رعي هذه القاعدة، أعني أنّ زيادة المبنى تُؤذِن بزيادة المعنى، فقد شاع ورود إشكال على وجه إرداف وصفه { اَلرَّحْمنِ } بوصفه ب- { الرَّحيمِ‘ } مع أنّ شأن أهل البلاغة إذا أجروا وصفين في معنى واحد على موصوف في مقام الكمال، أن يرتقوا من الأعمّ إلى الأخص، و من القويّ إلى الأقوى، كقولهم: شجاع باسل، و جواد فيّاض، وعالم نحرير، و خطيب مُصْقِع، و شاعر مُفْلِق.

و قد رأيت للمفسّرين في توجيه الارتقاء من { اَلرَّحْمنِ } إلى { الرَّحيمِ‘ } أجوبة كثيرة مرجعها إلى اعتبار{ اَلرَّحْمنِ } أخصّ من { الرَّحيمِ‘ } فتعقيب الأوّ ل بالثّاني تعميم بعد خاصّ، و لذلك كان وصف{ اَلرَّحْمنِ } مختصًّا به تعالى، و كان أوّ ل إطلاقه ممّا خصّه به القرآن على التّحقيق؛ بحيث لم يكن التّوصيف به معروفًا عند العرب، كما سيأتي. و مدلول { الرَّحيمِ ‘} كون الرّحمة كثيرة التّعلّق؛ إذ هو من أمثلة المبالغة، و لذلك كان يُطلق على غير الله تعالى، كما في قوله تعالى في حقّ رسوله: { بِالمْ-ُؤْمِنينَ‘ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 128، فليس ذكر إحدى الصّفتين بمُغْن عن الأُخرى.

و تقديم { اَلرَّحْمنِ } على { الرَّحيمِ‘ } لأنّ الصّيغة الدّ الّة على الاتّصاف الذّاتيّ أولى بالتّقديم في التّوصيف، من الصّفة الدّ الّة على كثرة متعلّقاتها. و يُنسَب إلى قُطْرُب أنّ {اَلرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ‘ } يدلا ن على معنى واحد من الصّفة المشبّهة، فهما متساويان، و جعل الجمع بينهما في الآية من قبيل التّوكيد اللّفظيّ، و مال إليه الزّجّاج. و هو وجه ضعيف؛ إذ التّوكيد خلاف الأصل، و التّأسيس خير من التّأكيد، و المقام هنا بعيد عن مقتضى التّوكيد. و قد ذُكرت وُجُوه في الجمع بين الصّفتين ليست بمقنعة.

وقد ذكر جمهور الأئمّة: أنّ وصف { اَلرَّحْمنِ } لم يُطلق في كلام العرب قبل الإسلام، و أنّ القرآن هو الّذي جاء به صفة لله تعالى، فلذلك اختصّ به تعالى، حتّى قيل: إنّه اسم له و ليس بصفة، و استدلّوا على ذلك بقوله تعالى: { وَ اِذَا قيلَ‘ لهَ-ُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قَالوُا وَ مَا الرَّحْمنُ } الفرقان : 60، و قال: { وَ هُمْ

يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ } الرّعد : 30، و قد تكرّر مثل هاتين الآيتين في القرآن، و خاصّة في السّور المكّيّة، مثل سورة الفرقان و سورة المُلك، و قد ذُكر{ الرَّحْمن } في سورة المُلك باسمه الظّاهر و ضميره ثماني مرّ ات، ممّا يفيد الاهتمام بتقرير هذا الاسم لله تعالى في نفوس السّامعين، فالظّاهر أنّ هذا الوصف تُنُوسي في كلامهم، أو أنكروا أن يكون من أسماء الله.

و من دقائق القرآن أ نّه آثر اسم { اَلرَّحْمنِ } في قوله: { مَا يُمْسِكُهُنَّ اِلا الرَّحْمنُ } في سورة المُلك: 19، و قال: { مَا يُمْسِكُهُنَّ اِلا اللهُ } في سورة النّحل : 79؛ إذ كانت آية سورة المُلك مكّيّة و آية سورة النّحل القدر النّازلبالمدينة من تلك السّورة. و أمّا قول بعض شعراء بني حنيفة في مسيلمة:

سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أ بًا

و أنت غيث الورى لازلت رحمانًا

فإنمّا قاله بعد مجيء الإسلام، و في أيّام ردّة أهل اليمامة، و قد لقّبوا مسيلمة أيّامئذٍ: رحمان اليمامة، وذلك من غلوّهم في الكفر. و إجراء هذين الوصفين العلّيّين على اسم الجلالة بعد وصفه بأ نّه { رَبِّ الْعَالمَينَ‘ } لمناسبة ظاهرة للبليغ، لأ نّه بعد أن وُصف بما هو مقتضى استحقاقه الحمد من كونه { رَبِّ الْعَالمَينَ‘ } أي مدبّر شؤونهم و مُبلغهم إلى كمالهم في الوجودين الجثمانيّ و الرّوحانيّ، ناسب أن يُتبَع ذلك بوصفه ب- { اَلرَّحْمنِ } أي الّذي الرّحمة له وصف ذاتيّ تصدر عنه آثاره بعموم و اطّراد، على ما تقدّم، فلمّا كان رَ بًّا للعالمين و كان المربوبون ضعفاء، كان احتياجهم للرّحمة واضحًا، و كان ترقّبهم إيّاها من الموصوف بها بالذّات ناجحًا.

فإن قلت: إنّ الرّبوبيّة تقتضي الرّحمة، لأ نّها إبلاغ الشّيء إلى كماله شيئًا فشيئًا؛ و ذلك يجمع النّعم كلّها، فلماذا احتيج إلى ذكر كونه رحمانًا؟

قلت: لأنّ الرّحمة تتضمّن أنّ ذلك الإبلاغ إلى الكمال لم يكن على وجه الإعنات، بل كان برعاية ما يناسب كلّ نوع و فرد، و يلائم طوقه و استعداده، فكانت الرّبوبيّة نعمة، و النّعمة قد تحصل بضرب من الشّدّة و الأذى، فأتبع ذلك بوصفه ب- { اَلرَّحْمنِ } تنبيهًاعلى أنّ تلك النّعم الجليلة وصلت إلينا بطريق الرّفق و اليسر و نفي الحرج، حتّى في أحكام التّكاليف و المناهي و الزّواجر، فإنّها مرفوقة باليسر بقدر ما لايبطل المقصود منها. فمعظم تدبيره تعالى بنا هو رحمات ظاهرة، كالتّمكين من الأرض و تيسير منافعها، و منه ما رحمته بمراعاة اليسر بقدر الإمكان، مثل التّكاليف الرّ اجعة إلى منافعنا كالطّهارة و بثّ مكارم الأخلاق، و منها ما منفعته للجمهور فتتبعها رحمات الجميع، لأنّ في رحمة الجمهور رحمة بالبقيّة في انتظام الأحوال كالزّكاة .

و قد اختُلف في أنّ لفظ < رَحْمن > لو لم يُقرَن بلام التّعريف هل يُصرف أو يُمنع من الصّرف؟ قال في < الكافية >: « النّون و الألف إذا كانا في صفة، فشرط منعه من الصّرف انتفاء فَعْلانة، و قيل: وجود فَعْلى، ومن ثمّ اختُلف في < رحمن >، و بنو أسد يصرفون جميع < فَعْلان > لأ نّهم يقولون: في كلّ مؤنّث له فَعْلانة ».

و اختار الزّمَخْشَريّ و الرّضيّ و ابن مالك عدم صرفه. (1 : 166)

عبد الكريم الخطيب: استفاضة رحمانيّة الله و شمول رحمته، يجدها كلّ موجود في نفسه، و فيما حوله،و لهذا كان حمد الله واقعًا بين هاتين الصّفتين، كأ نّه تعقيب عليهما أوّ لا ، و كأ نّهما تعليل له ثانيًا.(1 : 18)

مكارم الشّيرازيّ:معنى { اَلرَّحْمنِ }و { الرَّحيمِ‘ } و اتّساع مفهومهما و الفرق بينهما، شرحناه في تفسير < البسملة>، و لاحاجة إلى التّكرار. وما نُضيفه هنا هو أن ّهاتين الصّفتين تتكرّران في البسملة و الحمد، و الملتزمون بذكر البسملة في السّورة بعد الحمد يكرّرون هاتين الصّفتين في صلواتهم اليوميّة الواجبة ثلاثين مرّة؛ و بذلك يصفون الله برحمته ستّين مرّة يوميًّا.

و هذا في الواقع درس لكلّ جماعة بشريّة سائرة على طريق الله، و توّاقة للتّخلّق بأخلاق الله. إنّه درس يبعد البشريّة عن تلك الحالات الّتي شهدها تاريخ الرّقّ في ظلّ القياصرة و الأكاسرة و الفراعنة.

القرآن يُركّز على علاقة الرّحمة و الرّ أفة بين ربّ العباد و العباد؛ حيث يقول: { قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذينَ‘ اَسْرَفُوا عَلى" اَنْفُسِهِمْ لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ اِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًا‘ } الزّمر : 53.

هذه العلاقة نستحضرها مرّ ات يوميًّا، إذ نقول: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘}، لنربّي أنفسنا تربية صحيحة في علاقتنا بالله، و في علاقتنا بأبناء جنسنا. (1 : 43)

فضل الله: { اَلرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘ }. و قد تقدّم الحديث عن ملامح هاتين الكلمتين في معناهما. أمّا موقعهما في هذه السّورة، فلعلّه كان بلحاظ الإيحاء بأنّ الرّبوبيّة الشّاملة تنفتح على الخلق، و لاسيّما الإنسان، من خلال الرّحمة الواسعة الّتي تتّسع لتشمل الخلائق كلّهم، ليقفوا أمامه في أمل كبير و رجاء عظيم، على هذا الصّعيد، ليتوازن الشّعور لديهم بين الخوف،من خلال وحي الرّبوبيّة الشّاملة، و بين الرّجاء، من خلال وحي الرّحمة الواسعة. (1 : 52)

3 - وَ اِله-ُكُمْ’ اِله ٌ وَ احِدٌ لا اِلهَ اِلا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘. البقرة : 163

الطُّوسيّ: فإن قيل: كيف يتّصل الوصف بالرّحمة بما قبله؟

قلنا: لأنّ العبادة تُستَحقّ بالنّعمة الّتي هي في أعلى مرتبة، و لذلك بُولغ في الصّفة بالرّحمة، ليدلّ على هذا المعنى. (2 : 53)

المَيْبُديّ: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } اسمان رقيقان، أحدهما أرقّ من الآخر. و هذان الاسمان المغفرة و الرّحمة و { الرَّحْمنُ }: أبلغ و أكمل، و في ضمنه أنواع من الرّحمة، لأنّ الرّ أفة و الشّفقة و اللّطف و العطوفة من هذا، و لأنّ هذا الاسم خاصّ به و يليق له مطلقًا، و ليس لأحد في هذا الاسم كفوٌ له.و قال ابن عبّاس في تفسير: { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } مريم : 65، ليس أحد يسمّى { الرَّحْمنُ } غيره جلّ و علا. و في الخبر الصّحيح حكي عن النّبيّ عن الله أ نّه قال: « أنا

الرّحمان خلقت الرّحم و شققت لها اسمًا من اسمي ».

و هذا الخبر دليل على أنّ فعل الله مشتقّ من اسمه، لا أنّ اسمه مشتقّ من فعله، كما أنّ الخالق و الباعث و أمثالهما اسم على الفعل السّابق، لا أنّ الفعل اسم على الخالق و خلق الخلق، بل يقولون: خلق الخلق من جهة أ نّه خالق، و المخلوق خلافه، بمعنى أنّ اسمه مشتقّ من فعله، لايقول للمخلوق: رحيم حتّى يرحم. (1 : 434)

الزّمَخْشَريّ: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } المولى لجميع النّعم أُصولها و فروعها، و لاشيء سواه بهذه الصّفة، فإنّ كلّ ما سواه إمّا نعمة و إمّا منعم عليه. (1 : 325)

الطَّبْرِسيّ: إنمّا قرن { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } بقوله: { لا اِلهَ اِلا هُوَ } لأ نّه بيّن به سبب استحقاق العبادة على عباده، و هو ما أنعم عليهم من النّعم العظام الّتي لايقدر عليها أحد غيره، فإنّ الرّحمة هي النّعمة على المحتاج إليها. (1 : 244)

الفَخْرالرّ ازيّ: أمّا { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } فقد تقدّم القول في تفسيرهما، و بيّنّا أنّ الرّحمة في حقّه سبحانه هي النّعمة و فاعلها هو الرّ احم. فإذا أردنا إفادة الكثرة قلنا: < رحيم > و إذا أردنا المبالغة التّامّة الّتي ليست إلا له سبحانه قلنا: { الرَّحْمنُ }.

و اعلم أ نّه سبحانه إنّما خصّ هذا الموضع بذكر هاتين الصّفتين، لأنّ ذكر الإلهيّة و الفردانيّة يفيد القهر و العلوّ، فعقّبهما بذكر هذه المبالغة في الرّحمة، ترويحًا للقلوب عن هيبة الإلهيّة، و عزّة الفردانيّة، و إشعارً ا بأنّ رحمته سبقت غضبه، و أ نّه ما خلق الخلق إلا للرّحمة و الإحسان. (4 : 200)

أبوحَيّان: { الرَّحْم-ٰنُ الرَّحيمُ‘ } ذكر هاتين الصّفتين منبّهًا بهما على استحقاق العبادة له، لأنّ من ابتدأك بالرّحمة إنشاء بشرً ا سويًّا عاقلا ، و تربية في دار الدّنيا موعودً ا الوعد الصّدق، بحسن العاقبة في الآخرة، جدير بعبادتك له، و الوقوف عند أمره و نهيه،و أطمعك بهاتين الصّفتينفي سعة رحمته. و جاءت هذه الآية عقيب آية مختومة باللّعنة و العذاب، لمن مات غير موحّد له تعالى، إذ غالب القرآن أ نّه إذا ذُكرت آية عذاب، ذُكرت آية رحمة، و إذا ذُكرت آية رحمة، ذُكرت آية عذاب. و تقدّم شرح هاتين الصّفتين، فأغنى عن إعادته.

و يجوز ارتفاع { الرَّحْمنُ } على البدل من ( هُوَ )، و على إضمار مبتدإ محذوف، أي هو الرّحمن الرّحيم، وعلى أن يكون خبرً ا بعد خبر،لقوله:{ وَ اِله-ُكُمْ ’}، فيكون قد قضى هذا المبتدأ ثلاثة أخبار: { اِلهٌ" وَ احِدٌ } خبر، و { لا اِلهَ" اِلا هُوَ } خبر ثان، و { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ} خبر ثالث. ولايجوز أن يكون خبرًا ل- {هُوَ} هذه المذكورة، لأنّ المستثنى هنا ليس بجملة، بخلاف قولك: ما مررت برجل إلا هو أفضل من زيد. قالوا: و لايجوز أن يرتفع على الصّفة ل- { هُوَ }، لأنّ المضمر لايوصف، انتهى.

و هو جائز على مذهب الكِسائيّ، إذا كانت الصّفة للمدح، و كان الضّمير الغائب. و أهمل ابن مالك القيد الأوّ ل، فأطلق عن الكسائيّ أ نّه يُجيز وصف الضّمير الغائب. (1 : 464)

أبوالسُّعود: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } خبران آخران للمبتدإ، أو لمبتدإ محذوف، و هو تقرير للتّوحيد، فإنّه تعالى حيث كان مولّيًا لجميع النّعم أُصولها و فروعها جليلها و دقيقها، و كان ما سواه كائنًا ما كان، مفتقرً ا إليه في وجوده، و ما يتفرّع عليه من كمالاته، تحقّقتوحدانيّته بلاريب، و انحصر استحقاق العبادة فيه تعالى قطعًا. (1 : 225)

البُرُوسَويّ: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘} أي المولى لجميع النّعم أُصولها و فروعها، و لاشيء سواه مستحقّ هذه الصّفة، فإنّ كلّ شيء سواه إمّا نعمة و إمّا مُنعَم عليه، فثبت أنّ غيره لايستحقّ العبادة فلايكون إله-ًا، فقوله: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } كالحجّة على الوحدانيّة.

و عن أسماء بنت يزيد أ نّها قالت: سمعت رسول الله (صلی الله علیه و آله) يقول: « إنّ في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم و إلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرّحمن الرّحيم، و الله لا إله إلا هو الحيّ القيّوم >. (1 : 267)

الآلوسيّ: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } خبران آخران بعد خبر، أو خبرين لقوله تعالى: { اِله-ُكُمْ’} أو لمبتدإ محذوف، و الجملة معترضة، أو بدلان على رأي. و جيء بهما لتمييز الذّات الموصوفة بالوحدة عمّا سواه، و ليكون الجواب موافقًا لما سألوه. و في ذلك إشارة إلى حجّة الوحدانيّة، لأ نّه لمّا كان مولى النّعم كلّها أُصولا و فروعًا دنيا و أُخرى، و ما سواه إمّا خير محض أو خير غالب، و هو إمّا نعمة أو مُنعَم عليه، لم يستحقّ العبادة أحد غيره، لاستواء الكلّ في الاحتياج إليه تعالى في الوجود، و ما يتبعه من الكمالات. (2 : 30)

ابن عاشور: و قوله: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ ‘}: وصفان للضّمير، أي المنعم بجلائل النّعم و دقائقها، و هما و صفان للمدح، و فيهما تلميح لدليل الأُلُوهيّة والانفراد بها، لأ نّه منعم، و غيره ليس بمنعم. و ليس في الصّفتين دلالة على الحصر، و لكنّهما تعريض به هنا، لأنّ الكلام مسوق لإبطال أُلوهيّة غيره، فكان ما يذكر من الأوصاف المقتضية للأُلوهيّة هو في معنى قصرها عليه تعالى، و في الجمع بين وصفي { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } ما تقدّم ذكره في سورة الفاتحة، على أنّ في ذكر صفة { الرَّحْمنُ } إغاظة للمشركين، فإنّهم أبوا وصف الله ب- { الرَّحْمنُ } كما حكى الله عنهم بقوله: { قَالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ } الفرقان : 60. (2 : 74)

الطَّباطَبائيّ: قوله تعالى: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } قد مرّ الكلام في معناهما في تفسير البسملة من سورة الفاتحة، و بذكر الاسمين يتمّ معنى الرّبوبيّة، فإليه تعالى ينتهي كلّ عطيّة عامّة بمقتضى رحمانيّته، و كلّ عطيّة خاصّة واقعة في طريق الهداية و السّعادة الأُخرويّة بمقتضى رحيميّته. (1 : 395)

مكارم الشّيرازيّ: بعد ذلك تصف الآية الله بأ نّه { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ }، لتقول: إنّ الله الّذي تشمل رحمته العامّة كلّ الموجودات، و رحمته الخاصّة المؤمنين، هو اللا ئق بالعبوديّة، لاالموجودات المحتاجة.(1 : 407)

فضل الله: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } الّذي أوجدكم برحمته، و أنعم عليكم بنعمه، و هداكم إلى الحقّ

بهدايته، و وعدكم برضوانه و جنّته، على امتداد الوجود كلّه. (3 : 144)

4 - اِنَّهُ مِنْ سُلَيْمنَ وَ اِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘. النّمل : 30

الماوَرْديّ: و أمّا قولها: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} فلاستنكار هذا الاستفتاح الّذي لم تعرفه هي و لاقومها، لأنّ أوّ ل من افتتح { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} سليمان. (4 : 206)

الطُّوسيّ: و قوله: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} حكاية ما قالته على المعنى باللُّغة العربيّة، و إن كانت لم تقل هي بهذا اللّفظ. و الحكاية على ثلاثة أوجُه: حكاية على المعنى فقط، و حكاية على اللّفظ فقط، من غير أن يعلم معناه. و حكاية على اللّفظ و المعنى، و هو الأصل في الحكاية الّتي لايجوز العدول عنها إلا بقرينة. (8 : 92)

ابن عَطيّة: و { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} استفتاح شريف بارع المعنى، معبّر عنه بكلّ لغة، و في كلّ شرع. (4 : 258)

الفَخْرالرّ ازيّ: فيه أبحاث:

البحث الأوّ ل: أ نّه استئناف...

البحث الثّاني: يقال: لِِمَ قدّم سليمان اسمه على قوله: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘}؟

جوابه: حاشاه من ذلك، بل ابتدأ هو ب- { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘}، و إنّما ذكرت بلقيس أنّ هذا الكتاب من سليمان، ثمّ حكت ما في الكتاب، و الله تعالى حكى ذلك، فالتّقديم واقع في الحكاية.

البحث الثّالث: أنّ الأنبياء لايطيلون بل يقتصرون على المقصود، و هذا الكتاب مشتمل على تمام المقصود؛ و ذلك لأنّ المطلوب من الخلق إمّا العلم أو العمل، و العلممقدّم على العمل، فقوله: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} مشتمل على إثبات الصّانع سبحانه و تعالى و إثبات كونه عالم-ًَا قادرً ا حيًّا مريدً ا حكيمًا رحيمًا. (24 : 194)

البُرُوسَويّ: الباء بقاؤه، و السّين سناؤه، و الميم مُلكه، و الألف أحديّته، و اللا مان جماله و جلاله، و الهاء هويّته، و { الرَّحْمنِ } إشارة إلى رحمته لأهل العموم في الدّنيا و الآخرة، و { الرَّحيمِ‘ } إشارة إلى رحمته لأهل الخصوص في الآخرة.

قال بعض الكبار: إنّها بسملة براءة في الحقيقة، و لكن لم-ّا وقع التّبرّيّ من أهلها، أُعطيت للبهائم الّتي آمنت بسليمان، و اكتفى في أوّ ل السّورة بالباء؛ إذ كلّ شيء في الوجود الكونيّ لايخلو من رحمة الله عامّة أو خاصّة، و هذه البسملة ليست بآية تامّة، مثل: { بِسْمِ اللهِ مَجْريهَا وَ مُرْ سيهَا}’ هود : 41، بخلاف ما وقع في أوائل السّور،فإنّها آية منفردة، نزلت مئة و أربع عشرة مرّة عدد السّور. (6 : 342)

فضل الله: إنّه الكتاب الّذي تدلّ طبيعته، من خلال مرسله و كلماته، على أ نّه كتاب كريم ذو قيمة حقيقيّة، في مضمونه الّذي يوحي بالأهمّيّة و العظمة، فهو يبدأ باسم صاحبه الّذي يملك القوّة الكبيرة السّاحقة الّتي تؤهّله، لأن يخاطبنا بهذه الطّريقة الاستعلائيّة، و بالكلمة الّتي تتحدّث عن الله { الرَّحْمنِ

الرَّحيمِ‘ } الّذي تبدأ كلّ القضايا باسمه، و تخضع كلّ الأشياء له. كأ نّه يريد أن يُثير قوّة الله أمامنا إذا انحرفنا وتمرّدنا، و يقدّم إلينا رحمته إذا قبلنا و أطعنا، و يطلب إلينا أن لانبتعد عن مواقع سلطته و لانتمرّد عليها، فلانعلو و لانستكبر، بل نأتيه منقادين طائعين مسلمين لما يريده منّا، من التزام و سلوك و موقف، بعيدً ا عمّا نختاره لأنفسنا من ذلك كلّه، و بذلك كان يحمل التّهديد و الدّعوة معًا. (17 : 204)

5- تَنْزيلٌ‘ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘. فصّلت : 2

سيأتي تمام الكلام في: ن ز ل: < تنزيل >.

6 - هُوَ اللهُ الَّذى لا اِلهَ اِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘. الحشر : 22

الطّبَري: يقول: هو رحمان الدّنيا و الآخرة، رحيم بأهل الإيمان به. (12 : 51)

الطُّوسيّ: و قوله: { هُوَ الرَّحْمنُ } يعني المنعم على جميع خلقه، { الرَّحيمُ‘ } بالمؤمنين. و لايوصف ب- { الرَّحْمنُ } سوى الله تعالى. و أمّا { الرَّحيمُ‘ }، فإنّه يوصف به غيره تعالى. (9 : 573)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (5 : 266)

المَيْبُديّ: ذو الرّحمة الكاملة. (10 : 56)

البُرُوسَويّ: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } كرّر هو، لأنّ له شأ نًا شريفًا و مقامًا منيفًا، من اشتغل به ملك، من أعرض عنه هلك، و الله تعالى رحمته الدّنيويّة عامّة لكلّ إنسيّ وجنّيّ مؤمنًا كان أو كافرً ا.

أديم زمين سفره عامّ اوست

برين خان يغما چه دشمن چه دوست

على ما قال :< أيّها النّاس إنّ الدّنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر، و إنّ الآخرة وعد صادق يحكم فيها مَلِك عادل قادر يُحقّ فيها الحقّ ويُبطل الباطل، كونوا من أبناء الآخرة، و لاتكونوا من أبناء الدّنيا، فإنّ كلّ أُمّ يتبعها ولدها > و لذلك يقال: يارحمان الدّنيا، لأنّ مافيه زيادة حرف يراد به زيادة في المعنى، و رحمته الأُخرويّة خاصّة بالمؤمنين، و لذا يقال: يارحيم الآخرة. فعلى هذا في معنى { الرَّحْمنُ } زيادة باعتبار المُنعَم عليه، و نقصان باعتبار الأنواع و الأفراد، في تخصيص هذين الاسمين المنبئين عن وفور رحمته في الدّ ارين، تنبيه على سبق رحمته، و تبشير للعاصين أن لايقنطوا من رحمة الله، و تنشيط للمطيعين بأ نّه يقبل القليل و يُعطي الجزيل. و حظّ العبد من اسم{ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ ‘} أن يكون كثير الرّحمة، بأن يرحم نفسه أوّ لا ظاهرً ا و باطنًا، ثمّ يرحم غيره بتحصيل مراده و إرشاده، و النّظر إليه بعين الرّحمة، كما قال بعض المشايخ:

و ارحم بنيّ جميع الخلق كلّهُمُو

و انظر إليهم بعين اللُّطف والشّفقة

وَقِّر كبيرهُمُو و ارْحَم صغيرهُمُو

و راع في كلّ خلق حقّ من خلقه

[إلى أن قال:]

و في < التّأويلات النّجميّة > تشير الآية إلى هويّته الجامعة: عالم غيب الوجود المسمّى باسم الباطن،

ص: 854

و عالم الشّهادة الوجود المسمّى باسم الظّاهر، و هو{الرَّحْمنُ الرَّحيمُ ‘} أي هو المتجلّي بالتّجلّي الرّحمانيّ العامّ، و هو المتجلّي بالتّجلّي الرّحيميّ الخاصّ ، و هو المطلق عن العموم و الخصوص، في عين العموم و الخصوص، غير اعتباراته و حيثيّاته. (9 : 457)

الآلوسيّ: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } برحمة تليق بذاته سبحانه. (28 : 62)

المَراغيّ: و هو ذو الرّحمة الواسعة الشّاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمان الدّنيا و الآخرة و رحيمهما. (28 : 58)

ابن عاشور: و ضمير { هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ } ضمير فصل، يفيد قصر الرّحمة عليه تعالى، لعدم الاعتداد برحمة غيره لقصورها، قال تعالى: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } الأعراف : 156، و قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) « جعل الله الرّحمة في مائة جُزء فأمسك عنده تسعة و تسعين جزءً و أنزل في الأرض جزءً واحدً ا. فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتّى ترفع الفرَس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ».

و وجه تعقيب صفة عموم العلم بصفة الرّحمة: أنّ عموم العلم يقتضي أن لايغيب عن علمه شيء من أحوال خلقه و حاجتهم إليه، فهو يرحم المحتاجين إلى رحمته، و يُهْمل المعاندين إلى عقاب الآخرة، فهو رحمان بهم في الدّنيا. و قد كثر اتّباع اسم الجلالة بصفتي{ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘}، في القرآن، كما في الفاتحة. (28 : 106)

مَغْنِيّة: { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ‘ }: هذان الوصفان مشتقّان منالرّحمة، بمعنى الإحسان، و قد يكون الجمع بين الكلمتين للإشارة إلى أنّ رحمته وسعت كلّ شي‌ء حتّى في حال غضبه، و إنّ القنوط منها كفر و ضلال. (7 : 295)

مكارم الشّيرازيّ: [بحث في علمه بالغيب و الشّهادة إلى أن قال:]

والتّوجّه بهذا الفهم نحو الذّات الإلهيّة يؤدّي بالإنسان إلى الإيمان، بأنّ الله حاضر و ناظر في كلّ مكان، و عندئذ يتسلّح بالتّقوى، ثمّ يعتمد على رحمته العامّة الّتي تشمل جميع الخلائق: { الرَّحْمنُ } و رحمته الخاصّة الّتي تخصّ المؤمنين، و { الرَّحيمُ‘ } لتُعطي للإنسان أملا ، و لتُعينه في طريق بناء نفسه و التّكامل بأخلاقه، و سلوكه بالسّير نحو الله، لأنّ هذه المرحلة - الحياة الدّنيا - لايمكن للإنسان أن يجتازها بغير لطفه، لأ نّها ظلمات و خطر و ضياع. (18 : 207)

فضل الله: { هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ ‘} الّذي يستشعر عباده رحمته في مفردات وجودهم، كما كانوا صدى رحمته في أصل هذا الوجود، و يتصوّرون رحمته في الآخرة الّتي يرجونها منه، كما يطلبونها في الدّنيا ليعيشوها في ساحة نعمه و ألطافه. (22 : 136)

7 - فَتَلَقىّٰ ا"دَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ اِنَّهُ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ‘. البقرة : 37

الطّبَريّ: قوله: { الرَّحيمُ‘ } فإنّه يعني أ نّه المتفضّل عليه مع التّوبة بالرّحمة. و رحمته إيّاه: إقالة عثرته، و صفحه عن عقوبة جُرمه. (1 : 283)

الطُّوسيّ: إنمّا ذكر { الرَّحيمُ‘ }، ليدلّ بذلك على أ نّه متفضّل بقبولالتّوبة، و منعم به، و أنّ ذلك ليس هو على وجه الوجوب. (1 : 172)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (1 : 89)

أبوالسُّعود: { الرَّحيمُ‘ }: المبالغ في الرّحمة، و في الجمع بين الوصفين وعد بليغ للتّائب بالإحسان، مع العفو و الغفران، و الجملة تعليل لقوله تعالى: { فَتَابَ عَلَيْهِ }. (1 : 123)

مثله البُرُوسَويّ. (1 : 114)

الآلوسيّ: و قيل في ذكر { الرَّحيمُ‘‘ }: بعده إشارة إلى أنّ قبول التّوبة ليس على سبيل الوجوب، كما زعمت المعتزلة بل على سبيل التّرحّم و التّفضّل، و أ نّه الّذي سبقت رحمته غضبه، فيرحم عبده في عين غضبه، كما جعل هبوط آدم سبب ارتفاعه و بعده سبب قربه. فسبحانه من توّاب ما أكرمه! و من رحيم ما أعظمه. (1 : 238)

ابن عاشور: و تعقيبه ب- { الرَّحيمُ‘ }، لأنّ الرّحيم جار مجرى العلّة للتّوّ اب؛ إذ قبوله التّوبة عن عباده ضرب من الرّحمة بهم، و إلا لكانت التّوبة لاتقتضي إلا نفع التّائب نفسه بعدم العود للذّنب، حتّى تترتّب عليه الآثام. و أمّا الإثم المترتّب، فكان من العدل أن يتحقّق عقابه، لكن الرّحمة سبقت العدل هنا بوعد من الله. (1 : 425)

رُحَمَاءُ

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَ الَّذينَ‘ مَعَهُ اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَريهُ-مْ’ رُكَّعًا سُجَّدً ا... الفتح : 29

قتَادَة: ألقى الله في قلوبهم الرّحمة بعضهم لبعض. (الطّبَريّ11 : 369)

الطّبَري: رقيقة قلوب بعضهم لبعض، ليّنة أنفسهملهم، هيّنة عليهم لهم. (11 : 369)

الثّعلبيّ: متعاطفون متوادّون بعضهم على بعض، كقوله تعالى: { اَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنينَ‘ اَعِزَّة عَلَى الْكَافِرينَ‘ } المائدة : 54. (9 : 65)

نحوه المَيْبُديّ. (9 : 231)

الطُّوسيّ: أي يرحم بعضهم بعضًا و يتحنّن بعضهم على بعض. (9 : 336)

القُشَيْريّ: { رُحَمَاءُ }: جمع رحيم، وصفهم بالرّحمة و التّوادّ فيما بينهم. (5 : 433)

الزّمَخْشَريّ: و وجه من قرأ ( اَشِدَّ اءَ )و ( رُحَمَاءَ ) بالنّصب، أن ينصبهما على المدح، أو على الحال بالمقدّر في { مَعَهُ } و يجعل { تَريهُ-مْ’ } الخبر. (3 : 550)

ابن عَطيّة: و قوله: { وَ الَّذينَ‘ مَعَهُ } ابتداءو خبره { اَشِدَّ اءُ } و { رُحَمَاءُ } خبر ثان. و قال قوم من المتأوّلين: { مُحَمَّدٌ } ابتداء، و { رَسُولُ اللهِ } صفة له، { وَ الَّذينَ‘ } عطف عليه، و { اَشِدَّ اءُ } خبر عن الجميع، و { رُحَمَاءُ } خبر بعد خبر. ففي القول الأوّ ل اختصّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بوصفه و هؤلاء بوصفهم، و في القول الثّاني اشترك الجميع في الشّدّة و الرّحمة.

و الأوّ ل عندي أرجح، لأ نّه خبر مضادّ لقول الكفّار لانكتب محمّد رسول الله. [إلى أن قال:]

و قرا الجمهور { اَشِدَّ اءُ } { رُحَمَاء ُ} بالرّفع،

و روى قُرّة عن الحسَن ( اَشِدَّ اءَ ) ( رُحَمَاءَ ) بنصبهما. قال أبوحاتم: ذلك على الحال، و الخبر { تَريهُ-مْ’ }. (5 : 140)

الطَّبْرِسيّ: و بلغ تراحمهم فيما بينهم، أن كانلايرى مؤمن مؤمنًا إلا صافحه و عانقه، و مثله قوله: { اَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنينَ‘ اَعِزَّة عَلَى الْكَافِرينَ‘ } المائدة : 54. (5: 127)

القُرطُبيّ: أي يرحم بعضهم بعضًا. و قيل: متعاطفون متوادّون. و قرأ الحسَن ( اَشِدَّاءَ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ ) بالنّصب على الحال، كأ نّه قال: و الّذين معه في حال شدّتهم على الكفّار و تراحمهم بينهم. (16 : 292)

أبوحَيّان: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } كقوله: { اَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنينَ ‘} المائدة : 54، و كقوله: { وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ } التّوبة : 73، و قوله: { بِالْمُؤْمِنينَ ‘رَؤُفٌ رَحيمٌ ‘} التّوبة : 128.

و قرأ الحسَن: ( اَشِدَّ اءَ ) ( رُحَمَاءَ ) بنصبهما. قيل:على المدح، و قيل: على الحال، و العامل فيهما العامل في { مَعَهُ } ، و يكون الخبر عن المتبدإ المتقدّم { تَريهُمْ }. (8 : 102)

أبوالسُّعود: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } و { رُحَمَاءُ }: جمع رحيم، و المعنى: أ نّهم يُظهرون لمن خالف دينهم الشّدّة و الصّلابة، و لمن وافقهم في الدّين الرّحمة والرّ أفة كقوله تعالى: { اَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ‘ اَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ‘ } المائدة : 54.

و قرئ ( اَشِدّ اءَ ) و ( رُحَمَاءَ ) بالنّصب على المدح أو على الحال من المستكنّ في{ مَعَهُ } لوقوعه صلة، فالخبر حينئذ قوله تعالى: { تَريهُ-مْ’ }. (6 : 107)

نحوه البُرُوسَويّ. (9 : 57)

الآلوسيّ: المعنى: أنّفيهم غلظة و شدّة على أعداء الدّين، و رحمة و رقّة على إخوانهم المؤمنين، و في وصفهم بالرّحمة بعد وصفهم بالشّدّة تكميل و احتراس، فإنّه لو اكتفى بالوصف الأوّ ل لربّما تُوهّم أنّ مفهوم القيد غير معتبر، فيُتَوهّم الفظاظة و الغلظة مطلقًا، فدُفع بأرادف الوصف الثّاني. و مآل ذلك أ نّهم مع كونهم أشدّ اء على الأعداء رُحماء على الإخوان. و نحوه قوله تعالى: { اَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنينَ‘ اَعِزَّة عَلَى الْكَافِرينَ‘ } المائدة : 54. (26 : 123)

ابن عاشور: و أمّا كونهم { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } فذلك من رسوخ أُخُوّة الإيمان بينهم في نفوسهم. و قد وردت أخبار أُخوّتهم و تراحمهم في مواضع كثيرة من القرآن و كلام الرّسول (صلی الله علیه و آله) .

و في الجمع لهم بين هاتين الخِلّتين المتضادّتين الشّدّة و الرّحمة، إيماء إلى أصالة آرائهم و حكمة عقولهم، و أ نّهم يتصرّفون في أخلاقهم و أعمالهم تصرّف الحكمة و الرَّشد، فلاتغلب على نفوسهم محمدة دون أُخرى، و لايندفعون إلى العمل بالجبلّ-ة و عدم الرّؤية. و في معنى هذه الآية قوله تعالى: { اَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنينَ‘ اَعِزَّة عَلَى الْكَافِرينَ‘ } المائدة : 54.

و في تعليق { رُحَمَاءُ } مع ظرف ( بَيْنَ ) المفيد للمكان، الدّ اخل وسط ما يضاف هو إليه، تنبيه على انبثاث التّراحم فيهم جميعًا. قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): « تجد

المسلمين في توادّهم و تراحمهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منهعضو اشتكى له جميع الجسد بالسّهَر و الحُمّى ». (26 : 173)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { وَ الَّذينَ‘ مَعَهُ اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْ-نَهُمْ } مبتدأ و خبر، فالكلام مسوق لتوصيف الّذين معه، و الشّدّة و الرّحمة المذكورتان من نعوتهم.

و تعقيب قوله: { اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ } بقوله:{ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } لدفع ما يمكن أن يُتوَهّم أنّ كونهم أشدّ اء على الكفّار يستوجب بعض الشّدّة فيما بينهم، فدُفع ذلك بقوله: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}، و أفادت الجملتان أنّ سيرتهم مع الكفّار الشّدّة، و مع المؤمنين فيما بينهم الرّحمة. (18 : 299)

عبد الكريم الخطيب: و الصّفة الّتي تغلب على هذا المجتمع، و يُعرَف بها في النّاس، أ نّه مجتمع شديد الغلظة على الكفّار، الّذين يحادّون الله و رسوله، فلايكون بينه و بين الكافرين ولاء أو مودّة يُجار فيها على دين الله، أو ينتقص بها حقّ من حقوق المسلمين.

هذا حالهم مع أعداء الله، أمّا هم فيما بينهم فهم رحماء، تفيض قلوبهم حَنانًا و رحمةً و مودّ ةً، تجمعهم أُخوّة بارّة في الله، و في دين الله.

هذا ما تنطوي عليه صدورهم، و تفيض به مشاعرهم، نحو أعداء الله، و أوليائه. (13 : 429)

مكارم الشّيرازيّ: ثمّ تصف الآية أصحابه و خلالهم و سجاياهم الباطنيّة و الظّاهريّة، ضمن خمس صفات؛ إذ تقول في وصفهم: { اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ }.

وصفتهم الثّانية أ نّهم: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ }.

أجل: هم مُنطلَق للمحبّة و الرّحمة فيما بينهم، كما أ نّهم نار ملتَهِبة، و سدّ محكم بوجه أعدائهم الكفّار.

و في الحقيقة أنّ عواطفهم و أفكارهم تتلخّص في هاتين الخصلتين: < الرّحمة و الشّدّة >لكن لاتضادّ في الجمع بينهما أوّ لا ، و لارحمتهم فيما بينهم و شدّتهم على الكفّار، تقتضي أن تحيد أقدامهم عن جادّة الحقّ ثانيًا. (16 : 455)

فضل الله: أصحاب الرّسول أشدّ اء رُحَمَاء:

{ اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ } من موقع أ نّهم أشدّ اء على الكفر بالتزامهم الإيمان، و دفاعهم عنه، و وقوفهم ضدّ كلّ من يريد تأكيد قوّة الكفر و إضعاف الإيمان. و شدّتهم هنا ليست حالة لاإنسانيّة، تمثّل القسوة و التّعصّب والانغلاق، بل هي حالة إنسانيّة غرضها الانفتاح على الإنسان، من مواقع الحقّ الّذي يمثّله الإيمان، لإغناء قِيَم الحرّ يّة و العدالة، و تحريكها في آفاق الانفتاح على الله، لتكون عنصرً ا إيجابيًّا في معنى تعزيز الإنسانيّة، بدلا من أن تكون عنصرً ا سلبيًّا مضمونه الكفر.

و في ضوء ذلك، نفهم أنّ الشّدّة هنا ناظرة إلى مواقع المسلمين في ساحة الصّراع، لا إلى موقعهم في ساحة الدّعوة، أو في ساحة التّعايش، أو في أجواء الحوار. و هم كذلك { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } من خلال روحانيّة الإسلام الّذي يشدّ جميع النّاس إلى بعضهم البعض، ليكونوا كالجسد الواحد، تتفاعل المعاناة بين

أعضائه، و تنساب الرّحمة في كلّ خلاياه، انطلاقًا من الخطّ الاجتماعيّالّذي أراد الله للمؤمنين أن يسيروا عليه في بناء علاقاتهم الاجتماعيّة، و هو خطّ التّواصي بالمرحمة، بكلّ ما يعنيه ذلك من تبادل المشاعر الرّحيمة، و الأحاسيس الحميمة، و التّكافل الاجتماعيّ . (21 : 128)

اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ

1 - قَالَ رَبِّ‌ّ اغْفِرْ لى وَ لاَ‚خى‘ وَ اَدْخِلْنَا فى رَحْمَتِكَ وَ اَ نْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘. الأعراف : 151

الطّبَريّ: يقول: و ارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين، فإنّك أنت أرحم بعبادك، من كلّ من رحم شيئًا. (6 : 70)

الطُّوسيّ: و قوله: { وَ اَ نْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ }، اعتراف من موسى بأنّ الله تعالى أرحم الرّ احمين، و اعترافه بذلك دليل على قوّة طمعه في نجاح طلبته، و لأنّ من هو أرحم الرّ احمين يؤمّل الرّحمة من جهته، و من هو أجود الأجودين يؤمّل الجود من قبله. (4 : 584)

المَيْبُديّ: أرْحَم بنا منّا بأنفسنا، و أرْحَم بنا من الأبوين. (3 : 746)

نحوه البُرُوسَويّ. (3 : 246)

الطَّبْرِسيّ: ظاهر المعنى: و إنّما يُذكَر في آخر الدّعاء لبيان شدّة الرّجاء من جهته، فإنّ الابتداء بالنّعمة يوجب الإتمام، و سعة الرّحمة تقتضي الزّيادة فيها، فيقال: أرحم الرّ احمين، لاستدعاء الرّحمة من جهته، كما يقال: أجود الأجودين، لاستدعاء الجود من قبله. (2 : 483)

أبوالسُّعود: فلاغرو في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدّنيا و الآخرة، والجملة اعتراض تذييليّ مقرّر لما قبله. (3 : 33)

مثله الآلوسيّ. (9 : 69)

ابن عاشور: و جملة: { وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ } تذييل، و الواو للحال أو اعتراضيّة، و { اَرْحَمُ الرَّاحِمينَ‘.} الأشدّ رحمة من كلّ راحم. (8 : 300)

2 - فَالله ُخَيْرٌ حَافِظًا وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘.يوسف : 64

الطّبَريّ: يقول: و الله أرحم راحم بخلقه، يرحم ضعفي على كبر سنّي، و وحدتي بفقد ولدي، فلايضيّعه، و لكنّه يحفظه حتّى يردّه عليّ لرحمته.(7 : 247)

الماوَرْديّ: { وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ } يحتمل وجهين:

أحدهما: أرحم الرّ احمين في حفظ ما استودع.

و الثّاني: أرحم الرّ احمين فيما يرى من حزني. (3 : 57)

الزّمَخْشَريّ: فأرجو أن ينعم عليّ بحفظه، و لايجمع عليّ مصيبتين. (2 : 331)

نحوه البُرُوسَويّ (4 : 289)، و الآلوسيّ (13 : 11).

الطَّبْرِسيّ: يرحم ضعفي و كبر سنّي، و يردّه

عليّ. و ورد في الخبر: إنّ الله سبحانه قال: فبعزّتي لأردّ نّهما إليك من بعد ما توكّلتَ عليّ. (3 : 248)

أبوحَيّان: { وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ } اعتراف بأنّ الله هو ذو الرّحمة الواسعة، فأرجو منه حفظه، و أن لايجمع عليّ مصيبته و مصيبة أخيه. (5 : 323)

3 - قَالَ لاتَثْريبَ‘ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘. يوسف : 92

ابن إسحاق: حين اعترفوا بذنبهم. (الطّبَريّ 7 : 292)

الطّبَريّ: يقول: و الله أرحم الرّ احمين لمن تابمن ذنبه، و أناب إلى طاعته بالتّوبة من معصيته. (7 : 292)

الماوَرْديّ: يحتمل وجهين:

أحدهما: في صنعه بي حين جعلني ملكًا.

الثّاني: في عفوه عنكم عمّا تقدّم من ذنبكم. (3 : 75)

الطُّوسيّ: الرّحمة: النّعمة على المحتاج، و من الرّحمة ما هو واجب، و فيها ماليس بواجب: فالواجبة مالايجوز الإخلال بها، و إن كان سببها تفضّلا ، كالثّواب الّذي سببه التّكليف، و هوتفضّل. (6 : 191)

البُرُوسَويّ: لأنّ رحمة الرّ احمين أيضًا برحمته، أو لأنّ رحمتهم جزء من مئة جزء من رحمته تعالى.و المخلوق إذا رحم فكيف الخالق. [إلى أن قال:]

و قال في < التّأويلات النّجميّة >: في قوله: { وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ } إشارة إلى أ نّه أرحم من أن يجري على عبد من عباده المقبولين أمرً ا، يكون فيه ضرر لعبد آخرفي الحال و أنفع في المآل، ثمّ لايوفّقه لاسترضاء الخصم، ليعفو عنه ماجرى منه، و يستغفر له حتّى يرحمه الله، و أيضًا أ نّه تعالى أرحم للعبد المؤمن من والديه وجميع الرّحماء، انتهى. (4 : 314)

الآلوسيّ: فإنّ كلّ من يرحم سواه جلّ و علا، فإنّما يرحم برحمته سبحانه، مع كون ذلك مبنيًّا على جلب نفع أو دفع ضرّ، و لاأقلّ من دفع ما يجده في نفسه من التّألّم الرّوحانيّ ممّا يجده في المرحوم.

و قيل: لأ نّه تعالى يغفر الصّغائر و الكبائر الّتي لايغفرها غيرهسبحانه، و يتفضّل على التّائب بالقبول. و الجملة إمّا بيان للوثوق بإجابة الدّعاء، أو تحقيق لحصول المغفرة، لأ نّه عفا عنهم، فالله تعالى أولى بالعفو و الرّحمة لهم، هذا. (13 : 51)

عبدالكريم الخطيب: لقد غفر هو لهم، ما كان منهم معه سابقًا و لاحقًا. و إنّ رحمة الله لأوسع و أرحب، فلن يحرمهم الله سبحانه مغفرته و رحمته، و كيف.{ وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ }؟ (7 : 42)

مكارم الشّيرازيّ: أي أنّ الله سبحانه و تعالى قد قبل توبتكم و عفا عنكم، لأ نّه أرحم الرّ احمين.

و هذا دليل على علوّ قدر يوسف و غاية فضله؛ حيث إنّه لم يَعفُ عن سيّئات إخوته فحسب، بل رفض حتّى أن يُوبّخ و يعاتب إخوته - فضلا عن أن يجازيهم و يعاقبهم - إضافةً إلى هذا، فإنّه طمأ نهم على أنّ الله سبحانه و تعالى رحيم غفور، و أ نّه تعالى سوف يعفو عن سيّئاتهم، و استدلّ لهم على ذلك بأنّ الله سبحانه

و تعالى { وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ }. (7 : 258)

4 - قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لى وَلاَخى‘ وَ اَدْخِلْنَا فى رَحْمَتِكَ وَ اَ نْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘. الأعراف : 151

الطّبَريّ: يقول: و ارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين، فإنّك أنت أرحم بعبادك من كلّ من رحم شيئًا. (6 : 70)

الطُّوسيّ: اعتراف من موسى بأنّ الله تعالى أرحم الرّ احمين، و اعترافه بذلك دليل على قوّة طمعه في نجاح طلبته، لأنّ من هو أرحم الرّ احمين يؤمَّل الرّحمة من جهته، و من هوأجود الأجودين يؤمّل الجود من قبله. (4 : 584)

المَيْبُديّ: أرحم بنا منّا بأنفسنا، و أرحم بنا من الأبوين. (3 : 746)

الطَّبْرِسيّ: ظاهر المعنى: و إنمّا يذكر في آخر الدّعاء لبيان شدّة الرّجاء من جهته، فإنّ الابتداء بالنّعمة يوجب الإتمام، وسعة الرّحمة تقتضي الزّيادة فيها، فيقال: أرحم الرّ احمين: لاستدعاء الرّحمة من جهته، كما يقال: أجود الأجودين لاستدعاء الجود من قبله. (2 : 483)

أبوالسُّعود: { وَ اَ نْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘.} فلا غَرْوَ في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدّنيا و الآخرة. و الجملة اعتراض تذييليّ مقرِّر لما قبله. (3 : 33)

البُرُوسَويّ: { وَ اَدْخِلْنَا فى رَحْمَتِكَ } بمزيد الإنعام علينا بعد غفران ما سلف منّا. قال الحدّ اديّ: أي جنّتك.{ وَ اَ نْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘.} و أنت أرحم بنا منّا على أنفسنا، و من آبائنا و أُمّهاتنا. (3 : 246)

الآلوسيّ: { وَ اَدْخِلْنَا } جميعًا { فى رَحْمَتِكَ } الواسعة بمزيد الإنعام علينا. و هذا ما يقتضيه المقابلة بالمغفرة و العدول عن < ارحمنا > إلى ما ذُكر: { وَ اَ نْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ } فلاغَرْوَ في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدّنيا و الآخرة.

و الجملة اعتراض تذييليّ مقرّر لمضمون ما قبله، و ادّعى بعضهم: أنّ فيه إشارة إلى أ نّه سبحانه استجاب دعاءه، و فيه خفاء. (9 : 69)

ابن عاشور: و الإدخال في الرّحمة: استعارة، لشمول الرّحمة لهما فيسائر أحوالهما؛ بحيث يكونان منها، كالمستقرّ في بيت أو نحوه ممّا يحوي، فالإدخال استعارة أصليّة، و حرف ( فى ) استعارة تبعيّة، أوقع حرفه الظّرفيّة موقع باء الملابسة.

و جملة: { وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘‘ } تذييل، و الواو للحال أو اعتراضيّة، و { اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘ } الأشدّ رحمة من كلّ راحم. (8 : 300)

رَحْمَة

1 - اُولئِ-كَ ’عَلَيْهِمْ صَلَوَ اتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ اُولئِ-كَ ’هُمُ الْمُهْتَدُونَ. البقرة : 157

الطّبَريّ: و قوله: { رَحْمَةٌ } يعني و لهم مع المغفرة الّتي بها صفح عن ذنوبهم وتغمّدها، رحمة من الله و رأفة. (2 : 46)

الماوَرْديّ:...ثمّ قال: { وَ رَحْمَةٌ } فأعادها مع

اختلافها للفظين، لأ نّه أوكد و أبلغ، كما قال: { مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَ الْهُدى } البقرة: 159. (1 : 210)

الطُّوسيّ: و الرّحمة: الإنعام على المحتاج، و كلّ واحد يحتاج إلى نعمة الله. (2 : 41)

الطَّبْرِسيّ: { وَ رَحْمَةٌ } أي نعمة عاجلا و آجلا . فالرّحمة: النّعمة على المحتاج، و كلّ أحد يحتاج إلى نعمة الله في دنياه، و عقباه. (1 : 238)

الفَخْرالرّ ازيّ: و أمّا رحمته، فهي النّعم الّتي أنزلها به عاجلا ثمّ آجلا . (4 : 175)

القُرطُبيّ: قيل: أراد بالرّحمة: كشف الكربة و قضاء الحاجة. (2 : 177)

أبوحَيّان: و الرّحمة: قيل: هي الصّلوات، كُرّرت تأكيدً ا لما اختلف اللّفظ، كقوله: { رَ اْفَةً وَرَحْمَةً } الحديد : 27.

و قيل: الرّحمة: كشف الكربة و قضاء الحاجة. (1 : 452)

الآلوسيّ: و من باب الإشارة و التّأويل:... { وَرَحْمَةٌ } أي هداية يهدون بها خلقي، و من أراد التّوجّه نحوي. (2 : 24)

2 - ذلِ-كَ’ تَخْفيفٌ‘ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذ"لِكَ فَلَهُ عَذَابٌ اَليمٌ‘. البقرة : 178

قَتادَة: و إنمّا هي رحمة رحم الله بها هذه الأُمّة ، أطعمهم الدّية و أحلّها لهم، و لم تحلّ لأحد قبلهم. فكان أهل التّوراة إنمّا هو القصاص أو العفو، و ليس بينهما أرْش، و كان أهل الإنجيل إنمّا هو عفو أُمروا به. فجعل الله لهذه الأُمّة القود و العفو و الدّية إن شاؤوا، أحلّها لهم و لم تكن لأُمّة قبلهم. (الطّبَريّ2 : 116)

3 - اِنَّ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَ الَّذينَ‘ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فى سَبيلِ‘ اللهِ اُولئِ-كَ ’يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘. البقرة : 218

لاحظ: ر ج و: < يَرْجُونَ >.

4 - رَ بَّ-نَا لاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً اِنَّكَ اَ نْتَ الْوَهَّابُ. آل عمران : 8

ابن عبّاس: ثبِّتنا على دينك. (43)

الضّحّاك: تجاوزً ا و مغفرة الصّدق على شرط السّنّة. (الثّعلبيّ 3 : 17)

الطّبَريّ: يعني بذلك: هب لنا من عندك توفيقًا و ثباتًا للّذي نحن عليه، من الإقرار بمحكم كتابك و متشابهه. (3 : 187)

الثّعلبيّ: و آتنا منلدنك رحمةً و توفيقًا و تثبيتًا، للّذي نحن عليه من الهدى و الإيمان. (3 : 17)

المَيْبُديّ: الرّحمة هاهنا: الثّبات على الصّواب، و العصمة من الشّكّ. (2 : 22)

الزّمَخْشَريّ: من عندك نعمة بالتّوفيق و المعونة. (1 : 414)

ابن عَطيّة: و المراد: هَبْ لنا نعيمًا صادرً ا عن الرّحمة، لأنّ الرّحمة راجعة إلى صفات الذّات،فلاتتصوّر فيها الهبة. (1 : 404)

مثله القُرطُبيّ. (4 : 21)

الطَّبْرِسيّ: أي من عندك لطفًا نتوصّل به إلى الثّبات على الإيمان؛ إذ لانتوصّل إلى الثّبات على الإيمان إلا بلطفك، كما لايتوصّل إلى ابتدائه إلا بذلك. و قيل: نعمة. (1 : 412)

الفَخْرالرّ ازيّ: و إنمّا قال: { رَحْمَةً } ليكون ذلك شاملا لجميع أنواع الرّحمة:

فأوّلها: أن يحصل في القلب نور الإيمان و التّوحيدو المعرفة.

و ثانيها: أن يحصل في الجوارح و الأعضاء نور الطّاعة و العبوديّة و الخدمة.

و ثالثها: أن يحصل في الدّنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن و الصّحّة و الكفاية.

و رابعها: أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت.

و خامسها: أن يحصل في القبر سهولة السّؤال، وسهولة ظلمة القبر.

و سادسها: أن يحصل في القيامة سهولة العقاب والخطاب، و غفران السّيّئات و ترجيح الحسنات، فقوله: { مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً } يتناول جميعهذه الأقسام. و لمّا ثبت بالبراهين الباهرة القاهرة أ نّه لارحيم إلا هو، و لاكريم إلا هو، لاجرم أكّد ذلك بقوله: { مِنْ لَدُنْكَ } تنبيهًا للعقل و القلب و الرّوح، على أنّ المقصود لايحصل إلا منه سبحانه. و لم-ّا كان هذا المطلوب في غاية العظمة بالنّسبة إلى العبد، لاجرم ذكرها على سبيل التّنكير، كأ نّه يقول: أطلب رحمة و أيّة رحمة، أطلب رحمة من لدنك، و تليق بك، و ذلك يوجب غاية العظمة. (7 : 194)

النَّيسابوريّ: و نكّر { رَحْمَةً } ليشمل جميع أنواعها. [ذكرنحو الفَخْرالرّ ازيّ و أضاف:]

و سابعها: في الجنّة ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين.

و ثامنها: في الحضرة رفع الأستار، و رؤية الملك الجبّار. (3 : 131)

أبوحَيّان: و الرّحمة إن كانت من صفات الذّات فلايمكن فيها الهبة، بل يكون المعنى نعيمًا، أو ثوا بًا صادرً ا عن الرّحمة. و لم-ّا كان المسؤول صادرً ا عن الرّحمة، صحّ أن يسألوا الرّحمة إجراء للسّبب مجرى المسبّب. و قيل: معنى { رَحْمَةً } توفيقًا و سدادً ا،و تثبيتًا لما نحن عليه من الإيمان و الهدى. (2 : 386)

الشِّربينيّ: { رَحْمَةً } أي توفيقًا و تثبيتًا للّذي نحن عليه من الإيمان و الهدى، أو مغفرة للذّنوب. (1 : 198)

أبوالسُّعود: { رَحْمَةً } واسعة تزلفنا إليك و نفوز بها عندك، أو توفيقًا للثّبات على الحقّ. و تأخير المفعول الصّريح عن الجارّين لما مرّ مرارً ا من الاعتناء بالمقدّم و التّشويق إلى المؤخّر، فإنّمن حقّه التّقديم، إذا أُخّر تبقى النّفس مترقّبة لوروده، لاسيّما عند الإشعار بكونه من المنافع باللا م، فإذا أورده يتمكّن عندها فضل تمكّن. (1 : 338)

الطَّباطَبائيّ: و سألوه أن لايُزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، و أن يهب لهم من لدُنْه رحمةً تُبقي لهم هذه النّعمة، و يعينهم على السّير في صراط الهداية

و السّلوك في مراتب القرب.

و أمّا سؤال أن يهبهم رحمةً بعد سؤال أن لايُزيغ قلوبهم، فلأنّ عدم إزاغة القلب لايستلزم بقاء الرّسوخ في العلم، فمن الجائز أن لايزاغ قلوبهم و ينتزع عنها العلم، فتبقى سدًى مهملة لاسعداء بالعلم و لاأشقياء بالإزاغة، بل في حال الجهل و الاستضعاف، و هم في حاجة مُبرمة إلى ما هم عليه من العلم، و مع ذلك لاتقف حاجتهم في ما هم عليه من الموقف، بل هم سائر طريق ، يحتاجون فيه إلى أنواع من الرّحمة، لايعلمها و لايحصيها إلا الله سبحانه، و هم مستشعرون بحاجتهم هذه، و الدّليل عليه قولهم بعد: { رَ بَّنَا اِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لارَيْبَ فيهِ‘ }.آل عمران : 9.

فقولهم: { رَ بَّنَا لاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنَا } استعاذة من نزول الزّيغ إلى قلوبهم، و إزاحته العلم الرّاسخ الّذي فيها. و قولهم: { وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً اِنَّكَ اَ نْتَ الْوَهَّابُ } استمطار لسحاب الرّحمة حتّى تدوم بها حياة قلوبهم، و تنكير الرّحمة و توصيفها بكونها من لدنه، إظهار منهم الجهل بشأن هذه الرّحمة، و أنّها كيف ينبغي أن تكون، غير أ نّهم يعلمون أ نّه لولارحمة من ربّهم، و لولاكونها من لدنه، لم يتمّ لهم أمر.

و في الاستعاذة من الزّيغ إلى الله محضًا، و استيهاب الرّحمة من لدنه محضًا، دلالة على أ نّهم يرون تمام المُلك لله محضًا من غير توجّه إلى أمر الأسباب. (3 : 29)

فضل الله: تكَفّلْ لنا بها خير الدّنيا و الآخرة. (5 : 243)

5 - وَاَمَّا الَّذينَ‘ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ. آل عمران : 107

ابن عبّاس: المراد الجنّة. (الفَخْرالرّ ازيّ 8 : 184)

الطّبَريّ: { فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ } يقول: فهم في رحمة الله، يعني: في جنّته و نعيمها، و ما أعدّ الله لأهلها فيها. (3 : 388)

الزّجّاج: أي في الثّواب الّذي أصارهم الله إليه برحمة خالدون.

أعلَم أ نّه إنّما يدخل الجنّة برحمته و إن اجتهد المجتهد في طاعة الله، لأنّ نعم الله عزّ و جلّ دون الجنّة لايكافئها اجتهاد الآدمييّن.

و قال: { فى رَحْمَةِ اللهِ } و هويريد ثواب رحمة الله، كما قال: { وَسْ-َلِ= الْقَرْ يَةَ } يوسف : 82، المعنى: أهل القرية، كما تقول العرب: بنو فلان يطؤهم الطّريق، المعنى: يطؤهم مارّة الطّريق. (1 : 455)

الطُّوسيّ: و قوله: { فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ } قيل: في معناه قولان:

أحدهما: أ نّهم في ثواب الله، و أنّ الرّحمة هي الثّواب.

و الثّاني: أنّهم في ثواب رحمة الله، فحُذف، كما قال: { وَسْ-َلِ= الْقَرْ يَةَ}يوسف : 82، ذكره الزّجّاج.

و الأوّ ل أجود، لأنّ < الرّحمة > هاهنا هي الثّواب. و إذا صحّ حمل الكلام على ظاهره من غير حذف، كان أولى من تقدير محذوف منه من غير ضرورة. و الآية تدلّ على أنّ ثواب الله تفضّل، لأنّ رحمة الله إنمّا هي نعمته، و كلّ نعمة فإنّه يُستَحقّ بها الشّكر، و كلّ

نعمة تفضّل، و لو لم تكن تفضّلا لم تكن نعمة.

و قيل: في وجه كونه تفضّلا قولان:

أحدهما: إنمّا كان تفضّلا ، لأنّ السّبب الّذي هو التّكليف تفضّل.

والثّاني: إنّه تفضّل، لأ نّه بمنزلة إيجاز الوعد، في أ نّه تفضّل مُستَحقّ، لأنّ المبتدئ به قد كان له أن لايفعله، فلمّا فعله وجب عليه الوفاء به، لأ نّه لايجوز الخُلف، وهو مع ذلك تفضّلا ، لأنّه جرّ إليه تفضّل. و اختار الرُّمّانيّ هذا الوجه.

و إنّما كُرّر الظّرف في قوله: { فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ }. لأمرين:

أحدهما: للتّأكيد.

و الثّاني: للبيان عن صحّة الصّفتين أ نّهم في رحمة الله، و أ نّهم فيها خالدون، وكلّ واحدة قائمة بنفسها. (2 : 553)

المَيْبُديّ: أي في جنّته. (2 : 236)

الزّمَخْشَريّ: ففي نعمته، و هي الثّواب المخلّد.

فإن قلت: كيف موقع قوله: { هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ } بعد قوله: { فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ }؟

قلت: موقع الاستئناف كأ نّه قيل: كيف يكونون فيها، فقيل: { هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ }، لايظعنون عنها و لايموتون. (1 : 454)

ابن عَطيّة: و قوله تعالى:{ فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ } أي في النّعيم الّذي هو موجب رحمة الله. (1 : 488)

الطَّبْرِسيّ: { فَفى رَحْمَةِ اللهِ } أي ثواب الله، و قيل: جنّة الله.{ هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ } أعاد كلمة الظّرف، وهي قوله: { فيهَا‘ } تأكيدً ا لتمكين المعنى في النّفس.

و قيل: إنّما أعادها لأ نّه دلّ بقوله: { فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ } على إدخاله إيّاهم في الرّحمة، و بقوله: { هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ } على خلودهم فيها. و سمّى الله تعالى الثّواب رحمة، والرّحمة: نعمة يُستَحقّ بها الشّكر، و كلّ نعمة تفضّل. و الوجه في ذلك أنّ سبب الثّواب الّذي هو التّكليف تفضّل، فيكون الثّواب على هذا الوجه تفضّلا .

و قيل: إنمّا جاز أن يكون تفضّلا ، لأ نّه بمنزلة إنجاز الوعد في أ نّه تفضّل مستحقّ، لأنّ المبتدئ به قد كان له أن لايفعله، فلمّا فعله وجب عليه الوفاء به، لأنّ الخُلف قبيح، و هو مع ذلك تفضّل، لأ نّه جرّ إليه تفضّل.(1 : 485)

الفَخْرالرّ ازيّ: و فيه سؤالات:

السّؤال الأوّ ل: ما المراد برحمة الله؟

الجواب: قال ابن عبّاس: المراد: الجنّة. و قال المحقّقون من أصحابنا: هذا إشارة إلى أنّ العبد و إن كثرت طاعته، فإنّه لايدخل الجنّة إلا برحمة الله، و كيف لانقول ذلك، و العبد ما دامت داعيته إلى الفعل و إلى التّرك على السّويّة، يمتنع منه الفعل؟ فإذن ما لم يحصل رجحان داعية الطّاعة، امتنع أن يحصل منهالطّاعة؛ و ذلك الرّجحان لايكون إلا بخلق الله تعالى، فإذن صدور تلك الطّاعة من العبد نعمة من الله في حقّ العبد، فكيف يصير ذلك موجبًا على الله شيئًا؛ فثبت أنّ دخول الجنّة لايكون إلا بفضل الله و برحمته و بكرمه،

لاباستحقاقنا.

السّؤال الثّاني: كيف موقع قوله: { هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ } بعد قوله: { فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ }؟

الجواب: كأ نّه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: { هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ }، لايظعنون عنها و لايموتون.

السّؤال الثّالث: الكفّار مخلّدون في النّار، كما أن المؤمنين مخلّدون في الجنّة، ثمّ إنّه تعالى لم ينصّ على خلود أهل النّار في هذه الآية، مع أ نّه نصّ على خلود أهل الجنّة فيها، فما الفائدة؟

و الجواب: كلّ ذلك إشعارات بأنّ جانب الرّحمة أغلب؛ و ذلك لأ نّه ابتدأ في الذّكر بأهل الرّحمة و ختم بأهل الرّحمة، و لم-ّا ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه، بل قال: { فَذُوقُوا الْعَذَابَ } مع أ نّه ذكر الرّحمة مضافة إلى نفسه؛ حيث قال: { فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ } و لم-ّا ذكر < العذاب > ما نصّ على الخلود، مع أ نّه نصّ على الخلود في جانب الثّواب، و لم-ّا ذكر العذاب علّله بفعلهم، فقال: { فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } و لم-ّا ذكر الثّواب علّله برحمته، فقال: { فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ}، ثمّ قال في آخر الآية { وَ مَا اللهُ يُريدُ‘ ظُلْمًا لِلْعَالمَينَ‘ }. و هذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب، و كلّ ذلك ممّا يشعر بأنّ جانب الرّحمةمُغلّب. يا أرحم الرّاحمين لاتحرمنا من برد رحمتك و من كرامة غفرانك و إحسانك. (8 : 184)

نحوه النَّيسابوريّ. (4 : 33)

القُرطُبيّ: أي في جنّته و دار كرامته. (4 : 169)

أبوحَيّان: [ نقل كلام الزّمَخْشَريّ ثمّ قال:]

و هو حسَن. (3 : 26)

الشِّربينيّ: أي جنّته، عبّر عنها بالرّحمة، تنبيهًا على أنّ المؤمن و إن استغرق عمره في طاعة الله تعالى لايدخل الجنّة إلا برحمته و فضله. (1 : 239)

نحوه أبوالسُّعود (2 : 15)، و البُرُوسَويّ (2 : 77).

الآلوسيّ: أي الجنّة، فهو من التّعبير بالحالّ عن المحلّ، و الظّرفيّة حقيقيّة، و قد يراد بها الثّواب فالظّرفيّة حينئذ مجازيّة، كما يقال: في نعيم دائم و عيش رغد. و فيه إشارة إلى كثرته و شموله للمذكورين شمول الظّرف، و لايجوز أن يراد بالرّحمة ما هو صفة له تعالى؛ إذ لايصحّ فيها الظّرفيّة. و يدلّ على ما ذُكر مقابلتها بالعذاب و مقارنتها للخلود في قوله تعالى: { هُمْ فيهَا‘ خَالِدُونَ }. و إنمّا عبّر عن ذلك بالرّحمة إشعارً ا بأنّ المؤمن و إن استغرق عمره في طاعة الله تعالى، فإنّه لاينال ما ينال إلا برحمته تعالى، و لهذا ورد في الخبر: < لن يُدخل أحدَكم الجنّة عملُه، فقيل له: حتّى أنت يارسول الله، فقال: حتّى أنا، إلا أن يتغمّدني الله تعالى برحمته >. (4 : 26)

6 - فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليظَ‘ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... آل عمران : 159

قَتادَة: فبرحمة من الله لنت لهم. (الطّبَريّ 3 : 494)

الفَرّ اء: العرب تجعل ( مَا ) صلة في المعرفةو النّكرة واحدً ا.

قال الله: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثَا‘قَهُمْ } النّساء : 155، و المعنى: فبنقضهم، و { عَمَّا قَليل ٍلَيُصْبِحُنَّ نَادِمينَ‘ }

المؤمنون : 40، و المعنى: عن قليل. والله أعلم. و ربّما جعلوه اسمًا و هي في مذهب الصّلة، فيجوز فيما بعدها الرّفع على أ نّه صلة، و الخفض على إتباع الصّلة لما قبلها، كقول الشّاعر:

فكفى بنا فضلا على من غيرنا

حُبّ النّبيّ محمّد إيّانا

و ترفع < غير > إذا جعلت صلة بإضمار < هو > و تخفض على الاتباع ل- < م-َنْ > و قال الفرزدق:

إنّي و إيّاك إن بلّغن أرحُلَنا

كمن بِواديه بعد المَحْل ممطور

فهذا مع النّكرات، فإذا كانت الصّلة معرفة آثروا الرّفع، من ذلك { فَبِمَا نَقْضِهِمْ } لم يقرأه أحد برفع و لم نسمعه، و لو قيل: جاز. و أنشدونا بيت عديّ:

لم أرَ مثل الفتيان فى غِيَرِ ال-

أيّام يَنْسَون ما عواقبها

والمعنى: ينسون عواقبها صلة ل- <ما>. و هو ممّا أكرهُه، أنّ قائله يلزمه أن يقول: { اَ يَّمَا الاَ_جَلَيْنِ قَضَيْتُ } القصص : 28، فأكرهُه لذلك و لا أردّه. و قد جاء، و قد وجّهه بعض النّحويّين إلى ينسون أيّ شيء عواقبُها، وهو جائز. و الوجه الأوّ ل أحبّ إليّ. و القرّاء لاتقرأ بكلّ ما يجوز فى العربيّة، فلايقبحنّ عندك تشنيع مُشنّعممّا لم يقرأه القُرّ اء ممّا يجوز. (1 : 244)

الطّبَريّ: يعني جلّ ثناؤه بقوله:{ فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ } فبرحمة من الله، و ( مَا )صلة. و قد بيّنت وجه دخولها في الكلام في قوله: { اِنَّ اللهَ لايَسْتَحْيى اَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْ قَهَا } البقرة : 26،و العرب تجعل ( مَا ) صلة في المعرفة و النّكرة، كما قال: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثَا‘قَهُمْ } النّساء : 155، و المائدة : 13، و المعنى: فبنقضهم ميثاقهم، و هذا في المعرفة. وقال في النّكرة: { عَمَّا قَليلٍ‘ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمينَ‘ } المؤمنون : 40، و المعنى: عن قليل. و ربّما جُعلت اسمًا و هي في مذهب صلة، فيُرفَع ما بعدها أحيانًا على وجه الصّلة،و يُخفَض على إتباع الصّلة ما قبلها. [ثمّ استشهد بشعر]

إذا جعلت غير صلة رفعتَ بإضمار < هو > و إن خفضت أتبَعتَ < مَنْ >فأعربته. فذلك حكمه على ما وصفنا مع النّكرات.

فأمّا إذا كانت الصّلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتباع، كما قيل: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثَا‘قَهُمْ } النّساء : 155، و الرّفع جائز في العربيّة.

و بنحو ما قلنا في قوله: { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ } قال جماعة من أهل التّأويل. (3 : 494)

الزّجّاج: ( مَا ) بإجماع النّحوييّن ها هنا: صلة لاتمنع < الباء > من عملها فيما عملت. المعنى: فبرحمة من الله لنت لهم. إلا أنّ ( مَا ) قد أحدثت بدخولها توكيد المعنى، و لو قُرئت( فَبِمَارَحْمَةٌ مِنَ اللهِ ) جاز، المعنى: فبما هو رحمة، كما أجازوا ( مَثَلا مَا بَعُوضَةٌ ) البقرة : 26، و لاتقرأنّ بها، فإنّ القراءة سُنّة. و لايجوز أن يقرأ قارئ بما لم يقرأ به الصّحابة أو التّابعون، أو من كان من قُرّ اء الأمصار المشهورين في القراءة.

و المعنى: أنّ لينك لهم ممّا يوجب دخولهم في الدّين، لأ نّك تأتيهم بالحجج و البراهين، مع لين

و خُلْق عظيم. (1 : 482)

الثّعلبيّ: أي فبرحمة من الله، ( مَا ) صلة، كقوله عزّ و جلّ:{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ } المائدة : 13، و {عَمَّا قَليل ‘} المؤمنون : 40، و { جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ } ص : 11.

و قال بعضهم: يحتمل لأن تكون ( مَا ) استفهامًا للتّعجّب، تقديره: فبأيّ رحمة من الله { لِنْتَ لَهُمْ }، أي سهّلت لهم أخلاقك، و كثر احتمالك ، و لم يسرع إليهم فيما كان منهم يوم أُحد. (3 : 190)

الماوَرْديّ: يعني فبرحمة من الله، و ( مَا ) صلة دخلت لحُسْن النّظم. (1 : 432)

الطُّوسيّ: و المعنى قوله: { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ ...} معناه فبرحمة، و ( مَا ) زائدة بإجماع المفسّرين، ذهب إليه قَتادَة، و الزّجّاج، و الفَرّ اء و جميع أهل التّأويل. و مثله قوله: { عَمَّا قَليل ‘ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمينَ‘ } المؤمنون : 40، فجاءت ( مَا ) مؤكّدة للكلام، و سبيل دخولها لحُسْن النّظم، كدخولها لاتّزان الشّعر. و كلّ ذلك تأكيد ليتمكّن المعنى في النّفس، فجرى مجرى التّكرير.

قال الحسَن بن عليّالمغربيّ: عندي أنّ معنى ( مَا ) <أيّ > و تقديره: فبأيّ رحمة من الله. و هذا ضعيف. و{رَحْمَة } مجرورة بالباء، و لو رفعت كان جائزً ا، على تقدير: فبما هو رحمة. و المعنى: إنّ لينك لهم ممّايوجب دخولهم في الدّين، لأ نّك تأتيهم بالحُجَج و البراهين مع لين خُلق. (3 : 31)

المَيْبُديّ: ( مَا ) صلة، يعني فبرحمة من الله لنت لهم يا محمّد في القول، و سهّلت أخلاقك لهم، و كثر احتمالك فلم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أُحُد. (2 : 324)

الزّمَخْشَريّ: ( مَا ) مزيدة للتّوكيد، و الدّ لالة على أنّ لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله و نحوه { ِفَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثَا‘قَهُمْ لَعَنَّاهُمْ } المائدة : 13، و معنى الرّحمة: ربطه على جأشه و توفيقه للرّفق و التّلطّف بهم، حتّى أثابهم غمًّا بغمّ، و أساهم بالمثابة بعد ما خالفوه و عصوا أمره، وانهزموا و تركوه. (1 : 474)

ابن عَطيّة: معناه: فبرحمة من الله، و ( مَا ) قد جُرّد عنها معنى النّفي، و دخلت للتّأكيد، و ليست بزائدة على الإطلاق لامعنى لها. و أطلق عليها سيبَوَيه اسم الزّيادة من حيث زال عملها، و هذه بمنزلة قوله تعالى: { ِفَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثَا‘قَهُمْ } النّساء : 155. قال الزّجّاج: الباء بإجماع من النّحويّين صلة، و فيها معنى التّأكيد. و معنى الآية: التّقريع لجميع من أخلّ يوم أُحُد بمركزه، أي كانوا يستحقّون الملام منك، و أن لاتلين لهم، و لكن رحم الله جميعكم، أنت يا محمّد،بأن جعلك الله على خُلُق عظيم، و بعثك لتُتمّ محاسن الأخلاق، و هم بأنّ لينك لهم، و جُعلت بهذه الصّفات لما علم تعالى في ذلك من صلاحهم. (1 : 533)

الفَخْرالرّ ازيّ: ذهب الأكثرون إلى أنّ ( مَا ) في قوله: { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ } صلة زائدة، و مثله في القرآن كثير، كقوله: { عَمَّا قَليل ‘} المؤمنون : 40، و { جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ } ص : 11، { ِفَبِمَا نَقْضِهِمْ }النّساء : 155، المائدة : 13، { مِنْ خَطَايَاهُمْ } العنكبوت : 12، قالوا: و العرب قد تزيد في الكلام للتّأكيد ما يُستغنى

عنه، قال تعالى: { فَلَمَّا اَنْ جَاءَ الْبَشيرُ ‘} يوسف : 96، أراد فلمّا جاء، فأكّد ب- ( اَنْ ).

و قال المحقّقون: دخول اللّفظ المهمل الضّائع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز، و هاهنا يجوز أن تكون ( ما ) استفهامًا للتّعجّب، تقديره: فبأيّ رحمة من الله لنت لهم؛ و ذلك لأنّ جنايتهم لم-ّا كانت عظيمة، ثمّ إنّه ما أظهر ألبتّة تغليظًا في القول، و لاخشونة في الكلام، علموا أنّ هذا لايتأتّى إلا بتأييد ربّانيّ و تسديد إلهيّ، فكان ذلك موضع التّعجّب من كمال ذلك التّأييد و التّسديد، فقيل: فبأيّ رحمة من الله لنت لهم، و هذا هو الأصوب عندي.

اعلم أنّ هذه الآية دلّت على أنّ رحمة الله هي المؤثّرة في صيرورة محمّد عليه الصّلاة والسّلام رحيمًا بالأُمّة، فإذا تأمّلت حقيقة هذه الآية عرفت دلالتها على أ نّه لارحمة إلا لله سبحانه، و الّذي يُقرّر ذلك وُجُوه:

أحدها: أ نّه لولا أنّ الله ألقى في قلب عبده داعية الخير و الرّحمة و اللّطف لم يفعل شيئًا من ذلك، و إذا ألقى في قلبه هذه الدّ اعية فعل هذه الأفعال لامحالة، و على هذا التّقدير: فلارحمة إلا لله.

و ثانيها: أنّ كلّ رحيم سوى الله تعالى فإنّه يستفيد برحمته عوضًا: إمّا هربًا من العقاب، أو طلبًا للثّواب، أو طلبًا للذّكر الجميل. فإذا فرضنا صورة خالية عن هذه الأُمور كان السّبب هو الرّ قّة الجنسيّة، فإنّ من رأى حيوانًا في الأ لم رقّ قلبه، وتألّم بسبب مشاهدته إيّاه في الأ لم، فيُخلّصه عن ذلك الألم دفعًا لتلك الرّ قّة عن قلبه، فلو لم يوجد شيء من هذه الأعراض لم يرحم ألبتّة، أمّا الحقّ سبحانه و تعالى فهو الّذي يرحم لالغرض من الأغراض، فلارحمة إلا لله.

و ثالثها: أنّ كلّ من رحم غيره، فإنّه إنمّا يرحمه بأن يُعطيه مالا ، أو يبعد عنه سببًا من أسباب المكروه و البلاء، إلا أنّ المرحوم لاينتفع بذلك المال إلا مع سلامة الأعضاء، و هي ليست إلا من الله تعالى، فلارحمة في الحقيقة إلا لله. و أمّا في الظّاهر فكلّ من أعانه الله على الرّحمة سمّي رحيمًا، قال :< الرّ احمون يرحمهم الرّحمان > و قال في صفة محمّد : {بِالمْ-ُؤْمِنينَ‘ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘} التّوبة :128. (9 : 62)

القُرطُبيّ: قوله : ( مَا ) صلة فيها معنى التّأكيد، أي فبرحمة،كقوله: { عَمَّا قَليل ‘ } المؤمنون : 40،{ ِفَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثَا‘قَهُمْ } النّساء :155، { جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ } ص : 11، و ليست بزائدة على الإطلاق، وإنّما أطلق عليها سيبَوَيه معنى الزّيادة من حيث زال عملها.

ابن كيسان: ( مَا ) نكرة في موضع جرّ بالباء و { رَحْمَة } بدل منها. و معنى الآية: أ نّه (صلی الله علیه و آله) لم-ّا رفق بمن تولّى يوم أُحُد و لم يُعنّ-فهم بيّن الرّبّ تعالى أ نّه إنّما فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إيّاه.

وقيل:( مَا ) استفهام، و المعنى: فبأيّ رحمة من الله لنت لهم، فهو تعجيب. و فيه بُعْد، لأ نّه لو كان كذلك لكان< فبم > بغير ألف. (4 : 248)

النَّيسابوريّ: و ( مَا )مزيدة للتّوكيد. أمّا الحكم بزيادتها، فللنّظر إلى أصل المعنى، و عمل حرف الجرّ

فيما بعدها، فكأ نّه قال: فبرحمة. و أمّا إفادتها التّوكيد فلاستحالة زيادة حرف لافائدة فيه أصلا .

و جوّز بعضهم أن تكون استفهاميّة للتّعجّب،و التّقدير: فبأيّ رحمة. و إنمّا كان لينه و رفقه رحمةً من الله، لأنّ الدّواعي و القصود و الإرادات كلّها بفعل الله تعالى، فلارحمة بالحقيقة إلا له، و لارحيم إلا هو، لأنّ كلّ رحيم سواه، فإنّه يستفيد برحمته عوضًا كالخوف من العقاب، أو الطّمع في الثّواب، أو الثّناء، أو يحمله على ذلك رقّة طبع أو حميّة أو عصبيّة، إلى غير ذلك من الأغراض.

وأيضًا رحمة المخلوق على غيره لن تتمّ و لن ينتفع بها المرحوم إلا بعد مواتاة سائر الأسباب السّماويّة، من سلامة الأعضاء و غيرها. فلارحمة إلا بإعانة اللهو توفيقه بربطه على جأش الرّ احم، و ضبطه حال المرحوم. (4 : 107)

أبوحَيّان: متعلّق الرّحمة المؤمنون. فالمعنى فبرحمة من الله عليهم لِنت لهم، فتكون الرّحمة امتنّ بها عليهم، أي دمثت أخلاقك و لانَ جانبك لهم، بعدما خالفوا أمرك و عصوك. في هذه القراءة، و ذلك برحمةالله إيّاهم. و قيل: متعلّق الرّحمة المخاطب (صلی الله علیه و آله) أي برحمة الله إيّاك جعلك لين الجانب موطّئ الأكناف، فرحمتهم ولنت لهم، و لم تؤاخذهم بالعصيان و الفرار و إفرادك للأعداء، و يكون ذلك امتنانًا على رسول الله (صلی الله علیه و آله) .

و يحتمل أن يكون متعلّق الرّحمة النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بأن جعله على خُلُق عظيم، و بعثه بتتميم محاسن الأخلاق والمؤمنين، بأنّ لينه لهم. و ( مَا ) هنا زائدة للتّأكيد،و زيادتها بين الباء و عَنْ و مِنْ و الكاف، و بين مجروراتها شيء معروف في اللّسان، مقرّر في علم العربيّة. و ذهب بعض النّاس إلى أ نّها نكرة تامّة، و { رَحْمَة } بدل منها، كأنّه قيل: فبشيء أُبهم، ثمّ أُبدل على سبيل التّوضيح، فقال: رحمة. و كان قائل هذا يفرّ من الإطلاق عليها أ نّها زائدة. و قيل: ( مَا ) هنا استفهاميّة.

قال الرّازيّ: قال المحقّقون: دخول اللّفظ المهمل الوضع في كلام أحكم الحاكمين غير جائز، و هنا يجوز أن تكون ( مَا ) استفهاميّة للتّعجّب، تقديره: فبأيّ رحمةمن الله لنت لهم، و ذلك بأنّجنايتهم لم-ّا كانت عظيمة. ثمّ إنّه ما أظهر ألبتّة تغليظًا في القول،و لاخشونةفي الكلام، علموا أنّ هذا لايتأتّى إلا بتأييد ربّانيّ قبل ذلك، انتهى كلامه.

و ما قاله المحقّقون صحيح، لكنّ زيادة( مَا ) للتّوكيد لاينكره في أماكنه من له أدنى تعلّق بالعربيّة، فضلا عن مَنْ يتعاطى تفسير كلام الله، و ليس مافي هذا المكان ممّا يتوهّمه أحد مُهمَلا ، فلايحتاج ذلك إلى تأويلها بأن يكون استفهامًا للتّعجّب.

ثمّ إنّ تقديره ذلك: فبأيّ رحمة، دليل على أ نّه جعل ( مَا ) مضافة للرّحمة، و ما ذهب إليه خطأ من وجهين:

أحدهما: أ نّه لاتضاف ( مَا) الاستفهاميّة،و لاأسماء الاستفهام غير< أيّ> بلاخلاف، و < كم > على مذهب أبي إسحاق.

و الثّاني: أنّه إذا لم تصحّ الإضافة فيكون إعرابه بدلا ، و إذا كان بدلا من اسم الاستفهام فلابدّ من إعادة همزة الاستفهام في البدل. و هذا الرّجل لحظ المعنى و لم يلتفت إلى ما تقرّر في علم النّحو من أحكام الألفاظ، و كان يُغنيه عن هذا الارتباك والتّسلّق إلى ما لايحسنه و التّسوّر عليه. قول الزّجّاج في ( مَا ) هذه، إنّها صلة فيها معنى التّوكيد، بإجماع النّحويّين. (3: 97)

الشِّربينيّ: و معنى الرّحمة: توفيقه للرّفق بهم حتّى اغتمّ لهم بعد أن خالفوه. (1 : 259)

أبوالسُّعود: تلوين للخطاب، و توجيه له إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله) ، و الفاء لترتيب مضمون الكلام علىما ينبئ عنه السّياق، من استحقاقهم اللا ئمة، و التّعنيف بموجب الجبلّة البشريّة، أو من سعة ساحة مغفرته تعالى و رحمته. و الباء متعلّقة ب- { لِِنْتَ } قُدّمت عليه للقصر، و( مَا ) مزيدة للتّوكيد أو نكرة، و { رَحْمَة } بدل منها مبيّن لإبهامها، والتّنوين للتّفخيم، و( مِنْ ) متعلّقة بمحذوف وقع صفة ل- { رَحْمَةٍ } أي فبرحمة عظيمة لهم كائنة من الله تعالى - و هي ربطه على جأشه، و تخصيصه بمكارم الأخلاق - كنت ليّن الجانب لهم، و عاملتهم بالرّفق و التّلطّف بهم، حيث اغتممت لهم بعد ما كان منهم ما كان، من مخالفة أمرك، و إسلامك للعدوّ. (2 : 55)

نحوه ملخّصًاالبُرُوسَويّ. (2 : 115)

الآلوسيّ: خطاب للنّبيّ صلّى الله تعالى عليه و سلّم، و الفاء لترتيب مضمون الكلام على ما يُنبئ عنه السّياق، من استحقاق الفارّين الملامةو التّعنيف منه صلّى الله تعالى عليه وسلّم، بمقتضى الجبلّة البشريّة؛ حيث صدروا عنه و حياض الأهوال مَترعَة و شمّروا للهزيمة و الحرب قائمَة على ساق، أو من سعة فضاء مغفرته و رحمته. و الباء متعلّقة ب- { لِنْتَ }، و التّقديم للقصر، و ( مَا ) مزيدة للتّأكيد، و عليه أجلّة المفسّرين، و هو المأثور عن قَتادَة، و حكى الزّجّاج: الإجماع عليه.

و فيه نظر، فقد قال الأخفش و غيره: يجوز أن تكون نكرة بمعنى شيء، و { رَحْمَة } بدل منها، و جُوّز أن تكون صفة لها.

و قيل : إنّها استفهاميّة للتّعجّب، و التّقدير: فبأيّ رحمة لنت لهم؟ و التّنوين في {رَحْمَة } على كل ّتقدير للتّفخيم، و ( مِنْ ) متعلّقة بمحذوف وقع صفة لها، أي فبما رحمة عظيمة كائنة من الله تعالى كنت ليّن الجانب لهم و لم تُعنّفهم. و لعلّ المراد بهذه الرّحمة: ربطه سبحانه و تعالى على جأشه صلّى الله تعالى عليه و سلّم،و تخصيصه له بمكارم الأخلاق، و جعل الرّفق و لين الجانب مسبّبًا عن ربط الجأش، لأنّ من ملِك نفسه عند الغضب كان كامل الشّجاعة.

قيل: و أفاد الكلام في هذا المقام فائدتين:

إحداهما: ما يدلّ على شجاعته صلّى الله تعالى عليه و سلّم.

والثّانية: ما يدلّ على رفقه، فهو من باب التّكميل، و قد اجتمعت فيه صلّى الله تعالى عليه و سلّم هاتان الصّفتان يوم أُحُد، حيث ثبت حتّى كرّ عليه أصحابه، مع أ نّه عراه ما عراه، ثمّ مازجرهم و لاعنّفهم على

الفرار بل آساهم في الغمّ. (4 : 105)

ابن عاشور: الفاء للتّفريع على ما اشتمل عليه الكلام السّابق الّذي حُكي فيه مخالفة طوائف لأمر الرّسول من مؤمنين و منافقين، و ما حكي من عفو الله عنهم فيما صنعوا.

و لأنّ في تلك الواقعة المحكيّة بالآيات السّابقة مظاهر كثيرة من لين النّبيّ (صلی الله علیه و آله) للمسلمين؛ حيث استشارهم في الخروج، و حيث لم يُثرّبهم على ما صنعوا من مغادرة مراكزهم، ولمّا كان عفو الله عنهم يعرف في معاملة الرّسول إيّاهم، ألانَ الله لهم الرّسول تحقيقًا لرحمته و عفوه، فكان المعنى: و لقد عفا الله عنهم برحمته،فلانَ لهم الرّسول بإذن الله و تكوينه إيّاه راحمًا، قال تعالى: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالمَينَ‘ } الأنبياء: 107.

و الباء للمصاحبة، أي لنت مع رحمة الله؛ إذ كان لينه في ذلك كلّه لينًا لاتفريط معه لشيء من مصالحهم، و لامجاراةً لهم في التّساهل في أمر الدّين، فلذلك كان حقيقًا باسم الرّحمة.

و تقديم المجرور مفيد للحصر الإضافيّ، أي برحمة من الله لابغير ذلك من أحوالهم. و هذا القصر مفيد التّعريض بأنّ أحوالهم كانت مستوجبة الغلظ عليهم، و لكنّ الله ألانَ خُلق رسوله رحمةً بهم، لحكمة علمها الله في سياسة هذه الأُمّة.

و زيدت ( مَا ) بعد باء الجرّ لتأكيد الجملة بما فيه من القصر، فتعيّن بزيادتها كون التّقديم للحصر، لالمجرّد الاهتمام،و نبّه عليه في « الكشّاف ». (3 : 265)

الطَّباطَبائيّ: و في الآية التفات عن خطابهم إلى خطاب رسول الله (صلی الله علیه و آله)، و أصل المعنى: فقد لانَ لكم رسولنا برحمة منّا، و لذلك أمرناه أن يعفو عنكم و يستغفر لكم و يشاوركم في الأمر و أن يتوكّل علينا إذا عزم.

و نكتة الالتفات ما تقدّم في أوّل آيات الغزوة، أنّ الكلام فيه شوب عتاب و توبيخ، و لذلك اشتمل على بعض الإعراض في ما يناسبه من الموارد، و منها هذا المورد الّذي يتعرّض فيه لبيان حال من أحوالهم، لها مساس بالاعتراض على النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، فإنّ تحزّنهم لقتل من قُتل منهم ربمّادلهّم على المناقشة في فعل النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و رميه بأ نّه أوردهم مورد القتل و الاستئصال، فأعرض الله تعالى عن مخاطبتهم، و التفت إلى نبيّه (صلی الله علیه و آله) فخاطبه بقوله: { فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ }.

و الكلام متفرّع على كلام آخر يدلّ عليه السّياق، و التّقدير: و إذا كان حالهم ما تراه من التّشبّه بالّذين كفروا، و التّحسّر على قتلاهم، فبرحمة منّا لنت لهم، و إلا لانفضّوا من حولك، و الله أعلم. (4 : 56)

عبد الكريم الخطيب: الباء هنا للسّببيّة، أي بسبب ما أودع الله فيك من رحمة، كان منك هذا اللّين، و ذلك العطف على المؤمنين. (2 : 627)

مكارم الشّيرازيّ: و لقد أُشير في هذه الآية - قبل أيّ شيء - إلى واحدة من المزايا الأخلاقيّة لرسول الله (صلی الله علیه و آله)، ألا و هي اللّين مع النّاس و الرّحمة بهم، وخُلوّه من الفظاظة و الخشونة. (2 : 578)

فضل الله: أي فبرحمة، و ( مَا ) زائدة بإجماع

المفسّرين - قاله صاحب < مجمع البيان > - قال: و مثله قوله: { عَمَّا قَليل ‘ } المؤمنون : 40، جاءت ( مَا ) مؤكّدة للكلام، و دخولها تحسن النّظم كدخولها لاتّزان الشّعر في نحو قول عنترة:

يا شاةُ ما قَنص لِمَن حلّت له

حرُمت عليّ و ليْتَها لم تُحرَم

و يكون معنى الآية، أي بسبب الرّحمة الّتي رحم الله بها المسلمين الّذين اتّبعوك و آمنوا بك، و ما أودعه في شخصيّتك الرّساليّة، في محبّتها لهم و انفتاحها على قضاياهم،و إحساسها بالمسؤوليّة في تثبيتهم على الخطّ الإيمانيّ و التزامهم به، و في إبعادهم عن حالة الاهتزاز النّفسيّ الّتي قد تُحرّكها في الذّات الأجواء السّلبيّة، الّتي قد تُسيطر عليها من خلال ردود الفعل على قسوة هنا و غضب هناك، و تشنّج من الدّ اعية في بعض المواقع. (6 : 341)

7 - دَرَجَات مِنْهُ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا‘. النّساء : 96

الطّبَريّ: { وَ رَحْمَةً } يقول: و رأفةً بهم،{ رَحيمًا‘ } بهم، يتفضّل عليهم بنعمه، مع خلافهم أمره و نهيه، و ركوبهم معاصيه. (4 : 234)

الطُّوسيّ: { رَحيمًا‘ } بهم، متفضّلا عليهم. (3 : 301)

الزّمَخْشَريّ: و انتصب { مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً } بإضمار فعلهما، بمعنى و غفر لهم و رحمهم، مغفرةًو رحمةً. (1 : 556)

الطَّبْرِسيّ: { وَ رَحْمَةً} هذا بيان خلوص النّعيم، بأنّه لايشوبه غمّ بما كان منه من الذّنوب، بل غفر له ذلك ثمّ رحمه بإعطائه النّعم و الكرامات. (2 : 97)

أبوحَيّان: قيل: { مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً } معطوفان على { دَرَجَات }. و قيل: انتُصبا بإضمار فعلهما، أي غفر ذنبهم مغفرةً و رحمهم رحمةً. (3 : 333)

أبوالسُّعود: و { رَحْمَةً } بدل الكلّ من {اَجْرً ا} النّساء : 95، مثل { دَرَجَات }، و يجوز أن يكون انتصابهما. [{ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً } ] بإضمار فعلهما، أي غفر لهم مغفرةً و رحمهم رحمةً. (2 : 185)

مثله البُرُوسَويّ (2 : 266)، والآلوسيّ (5 : 123).

الطَّباطَبائيّ: و قوله:{ وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً } ظاهره كونه بيانًا ل- { دَرَجَات }، فإنّ الدّرجات و هي المنازل من الله سبحانه أيًّاما كانت فهي مصداق المغفرة و الرّحمة، و قد علمت في بعض المباحث السّابقة أنّ الرّحمة - و هي الإفاضة الإلهيّة للنّعمة - تتوقّف على إزالة الحاجب و رفع المانع من التّلبّس بها، و هي المغفرة، و لازمه أنّ كلّ مرتبة من مراتب النّعم، و كلّ درجة و منزلة رفيعة مغفرة بالنّسبة إلى المرتبة الّتى بعدها. والدّرجة الّتى فوقها، فصحّ بذلك أنّ الدّرجات الأُخرويّة كائنة ما كانت مغفرة و رحمة من الله سبحانه. و غالب ما تُذكَر الرّحمة و ما يشابهها في القرآن تُذكَر معها المغفرة، كقوله: { مَغْفِرَةٌ وَ اَجْرٌ عَظيمٌ ‘} المائدة : 9، و قوله: { وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَريمٌ‘ } الانفال : 4، و قوله: { مَغْفِرَةٌ وَ اَجْرٌ كَبيرٌ ‘} هود : 11، و قوله: { وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ

اللهِ وَ رِضْوَ انٌ } الحديد : 20، و قوله: { وَ اغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا } البقرة : 286، إلى غير ذلك من الآيات. (5 : 48)

8 - فَاَمَّا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فى رَحْمَة مِنْهُ وَ فَضْل ... النّساء : 175

ابن عبّاس: أي نعمة منه هي الجنّة. (الطَّبْرِسيّ 2 : 147)

الطّبَريّ: يقول: فسوف تنالهم رحمته الّتي تُنجيهم من عقابه، و توجب لهم ثوابه و رحمته و جنّته،و يلحقهم من فضله ما لحق أهل الإيمان به و التّصديق برسله. (4 : 378)

الطُّوسيّ: معناه: ستنالهم رحمته الّتي تُنجيهم من عقابه، و توجب لهم ثوابه، و جنّته، و يلحقهم مالحق أهل الايمان به، و التّصديق لرُسله. (3 : 407)

المَيْبُديّ: يعني الجنّة. (2 : 787)

الزّمَخْشَريّ: في ثواب مستحقّ. (1 : 589)

ابن عَطيّة: و الرّحمة و الفضل: الجنّة و تنعيمها. (2 : 141)

الفَخْرالرّ ازيّ: الرّحمة و الفضل محمولان على ما في الجنّة من المنفعة و التّعظيم. (11 : 120)

أبوحَيّان: و الرّحمة و الفضل: الجنّة. و قال الزّمَخْشَريّ: { فى رَحْمَة مِنْهُ وَ فَضْل }: في ثواب مستحقّ و تفضّل، انتهى. و لفظ مستحقّ من ألفاظ المعتزلة. و قيل: الرّحمة: زيادة ترقية و رفع درجات. و قيل: الرّحمة: التّوفيق و الفضل: القبول. (3 : 405)

الشِّربينيّ: أي ثواب عظيم هو رحمته لهم،لابشيء استوجبوه. (1 : 349)

أبوالسُّعود: و تنوين { رَحْمَة مِنْهُ وَ فَضْل ٍ} تفخيميّ. (2 : 230)

البُرُوسَويّ: ثواب قدره بإزاء إيمانه و عمله رحمةً منه، لاقضاءً لحقّ واجب. (2 : 333)

الآلوسيّ: أي ثواب عظيم قدره بإزاء إيمانهم و عملهم رحمةً منه سبحانه، لاقضاءً لحقّ واجب. و عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّ المراد بالرّحمة: الجنّة. فعلى الأوّ ل التّجوّز في كلمة ( فى ) لتشبيه عموم الثّواب، و شموله بعموم الظّرف، و على الثّاني التّجوّز في المجرور دونالجارّ، قاله الشّهاب. و البحث في ذلك شهير، و { مِنْهُ } متعلّق بمحذوف وقع صفة مشرفة ل- { رَحْمَة }. (6 : 43)

9 - فَاِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَ بُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَ اسِعَة ... الأنعام : 147

الطُّوسيّ: و اقتضى ذكر الرّحمة أحد أمرين: الأوّ ل: إنّه برحمته أمهلهم مع تكذيبهم بالمؤاخذة عاجلا ، في قول أبي عليّ الجُبّائيّ.

الثّاني: إنّه ذكر ذلك ترغيبًا لهم في ترك التّكذيب،و تزهيدً ا في فعله، و إنمّا قابل بين لفظ الماضي في قوله: {كَذَّبُوكَ } بالمستقبل في قوله: { فَقُلْ } لتأكيد وقوع القول بعد التّكذيب؛ إذ كونه جوا بًا يدلّ على ذلك. (4 : 332)

ابن عَطيّة: إذ لايعاجلكم بالعقوبة مع شدّة

جرمكم.

و هذا كما تقول عند رؤية معصية أو أمر مبغيّ: ما أحلم الله! و أنت تريد لإمهاله على مثل ذلك، في قوله: { رَ بُّ-كُمْ ذُو رَحْمَة وَ اسِعَة } قوّة وصفهم بغاية الاجترام و شدّة الطّغيان. (2 : 359)

الطَّبْرِسيّ: لذلك لايُعجّل عليكم بالعقوبة بل يمهلكم. (2 : 379)

نحوه الفَخْرالرّ ازيّ (13 : 224)، و النَّيسابوريّ (8 : 49).

القُرطُبيّ: أي من سعة رحمته حلم عنكم، فلم يعاقبكم في الدّنيا. (7 : 128)

أبوحَيّان: حيث لم يُعاجلكم بالعقوبة مع شدّة هذا الجُرم، كما تقول عند رؤية معصية عظيمة: ما أحلم الله! و أنت تريد لإمهاله العاصي. و قيل:الضّمير للمشركين الّذين كان الكلام معهم. (4 : 246)

الشِّربينيّ: أي بتأخير العذاب عنكم، فلم يعاجلكم بالعقوبة في ذلك تلطّفًا بدعائهم إلى الإيمان.(1 : 456)

أبوالسُّعود: لايؤاخذكم لكلّ ما تأتونه من المعاصي، و يمهلكم على بعضها. (2 : 456)

نحوه الآلوسيّ. (8 : 49)

البُرُوسَويّ: لايعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلاتغترّوا بذلك، فإنّه إمهال لاإهمال. (3 : 115)

ابن عاشور: تفريع على الكلام السّابق الّذي أبطل تحريم ما حرّموه، ابتداء من قوله: { ثمَ-َانِيَةَ اَزْوَاجٍ} الأنعام : 143، الآيات، أي فإن لم يَرْعَوُوا بعد هذا البيان، و كذّبوك في نفي تحريم الله ما زعموا أ نّه حرّمه، فذكّرهم ببأس الله لعلّهم ينتهون عمّا زعموه، و ذكّرهم برحمته الواسعة، لعلّهم يبادرون بطلب ما يُخوّلهم رحمته من اتّباع هَدْي الإسلام. فيعود ضمير { كَذَّبُوكَ } إلى المشركين، و هو المتبادر من سياق الكلام: سابقه و لاحقه. و على هذا الوجه يجوز أن يكون في قوله: { فَقُلْ رَ بُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَ اسِعَة } تنبيه لهم بأنّ تأخير العذاب عنهم هو إمهال داخل في رحمة الله رحمة مؤقّتة لعلّهم يُسلمون، و عليه يكون معنى فعل: { كَذَّبُوكَ } الاستمرار، أي إن استمرّوا على التّكذيب بعد هذه الحجج.

و يجوز أن يعود الضّمير إلى { الَّذينَ‘ هَادُوا } الأنعام : 146، تكملة للاستطراد، و هو قول مُجاهِدو السُّدّيّ: ‘إنّ اليهود قالوا: لم يُحرّم الله علينا شيئًا، و إنّما حرّمنا ما حرّم إسرائيل على نفسه، فيكون معنى الآية: فرض تكذيبهم قوله: { وَ عَلَى الَّذينَ‘ هَادُوا حَرَّمْنَا } الأنعام : 146، إلخ، لأنّ أقوالهم تخالف ذلك، فهم بحيث يكذّبون ما في هذه الآية، و يشتبه عليهم الإمهال بالرّضى، فقيل لهم:{ رَ بُّكُمْ ذُورَحْمَة وَ اسِعَة } و من رحمته إمهاله المجرمين في الدّنيا غالبًا. (7 : 108)

عبد الكريم الخطيب: و في هذا وعيد لليهود، و تجريم لهم، و أ نّهم مع سعة رحمة الله لاينالون هذه الرّحمة، و لايدخلون فيمن يرحمهم الله من عباده، لأ نّهم أجرموا في حقّ الله. (4 : 333)

مكارم الشّيرازيّ: و لم-ّا كان عناد اليهود

المشركين أمرً ا بيّ-نًا، و كان من المحتمل أن يتصلّبوا و يتمادّوا في تكذيب رسول الله (صلی الله علیه و آله)، أمر الله تعالى نبيّه في الآية الأُخرى أ نّهم إن كذّبوه يقول لهم: إنّ ربّكم ذو رحمة واسعة، فهو لايسارع إلى عقوبتكم و مجازاتكم، بل يمهلكم لعلّكم تؤوبون إليه، و ترجعون عن معصيتكم، و تندمون من أفعالكم، و تعودون إلى الله، {فَاِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَ بُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَ اسِعَة }. (4 : 463)

فضل الله: و من رحمته أ نّه لايعاجل المكذّبين بالعقوبة، بل يُمهلهم و يفتح لهم باب التّوبة، ليرجعوا إليه و يتراجعوا عمّا هم فيه من العصيان و التّمرّد، و لكنّه لايُهمل العاصين و الظّالمين إذا استمرّوا، وليس لهم من أحد يدافععنهم أمام الله. (9 : 358)

10 - اَهؤُ لاءِ الَّذينَ ‘اَقْسَمْتُمْ لايَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَة اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا اَنْتُمْ تَحْزَنُونَ. الأعراف : 49

لاحظ : ن ي ل: < يَنَالُهُمُ >.

11 - ...اِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَريبٌ‘ مِنَ الْمُحْسِنينَ‘. الأعراف : 56

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: إنّ ثواب الله الّذي وعد المحسنين على إحسانهم في الدّنيا قريب منهم. و ذلك هو رحمته، لأ نّه ليس بينهم و بين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته، و ما أعدّ لهم من كرامته، إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم . (5 : 515)

الأزهَريّ: و سمّى الله الغيث رحمة، لأ نّه برحمته ينزل من السّماء . و تاء قوله: { اِنّ رَحْمَتَ اللهِ} أصلها هاء و إن كتبت تاء. (5 : 51)

لاحظ: ق ر ب: < قَريبٌ‘ >.

12 - قَالُوا اَتَعْجَبينَ‘ مِنْ اَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ اَهْلَ الْبَيْتِ اِنّهُ حَميدٌ‘ مَجيدٌ‘. هود : 73

الطّبَريّ: يقول: رحمة الله و سعادته لكم أهل بيت إبراهيم. (7 : 75)

الطُّوسيّ: و قوله: { رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ.. } يحتمل معنيين:

أحدهما: الدّعاء لهم بالرّحمة و البركة.

الثّاني: التّذكير بنعمة الله و بركاته عليهم،و الإخبار لهم بذلك. (6 : 34)

المَيْبُديّ: هذا دعاء الملائكة لأُسرة إبراهيم ، و هذا الدّعاء باق إلىالأبد في شريعة المصطفى بأن يقولوا في التّشهّد:كما صلّيت و باركت على إبراهيم و على آل إبراهيم.

و قيل: إنّما وحّد الرّحمة، لأنّ الرّحمة مصدر فصلحت لجميع البركة، لأنّ المراد به بقاء كلّ خير. (4 : 416)

الزّمَخْشَريّ: كلام مستأنف علّل به إنكار التّعجّب، كأ نّه قيل: إيّاك و التّعجّب، فإنّ أمثال هذه الرّحمة و البركة متكاثرة من الله عليكم.

و قيل: الرّحمة: النّبوّة، و البركات: الأسباط من بني إسرائيل، لأنّ الأنبياء منهم، و كلّهم من وُلد إبراهيم. (2 : 281)

ابن عَطيّة: يحتمل اللّفظ أن يكون دعاءً و أن يكون إخبارً ا، و كونه إخبارً ا أشرف، لأنّ ذلك يقتضي حصول الرّحمة و البركة لهم، و كونه دعاءً إنّما يقتضي أ نّه أمر يُترجّى و لم يتحصّل بعد. (3 : 191)

الطَّبْرِسيّ: أي ليس هذا موضع تعجّب، لأنّ التّعجّب إنمّا يكون من الأمر الّذي لايُعرَف سببه،و نعمة الله تعالى و كثرة خيراته النّامية الباقية عليكم. و هذا يحتمل أن يكون إخبارً ا عن ثبوت ذلك لهم، و تذكيرً ا بنعمة الله و بركاته عليهم. و يحتمل أن يكون دعاءً لهم بالرّحمة و البركة من الملائكة، فقالوا: رحمة اللهِ و بركاته عليكم يا أهل البيت، كما يقال: أتتعجّب من كذا؟ بارك الله فيك و يرحمك الله. (3 : 180)

الفَخْرالرّ ازيّ: و المقصود من هذا الكلام ذكر ما يُزيل ذلك التّعجّب، و تقديره: إنّ رحمة الله عليكم متكاثرة، و بركاتهلديكم متوالية متعاقبة، و هي النّبوّة و المعجزات القاهرة، و التّوفيق للخيرات العظيمة. فإذا رأيت أنّ الله خرق العادات في تخصيصكم بهذه الكرامات العالية الرّفيعة، و في إظهار خوارق العادات و إحداث البيّنات و المعجزات، فكيف يليق به التّعجّب؟! (18 : 28)

نحوه النَّيسابوريّ. (12 : 46)

القُرطُبيّ: { رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ } مبتدأ، و الخبر { عَلَيْكُمْ }... و هل هو خبر أو دعاء؟ و كونه إخبارً ا أشرف، لأنّ ذلك يقتضي حصول الرّحمة و البركة لهم، و المعنى: أوصل الله لكم رحمته و بركاته أهل البيت. و كونه دعاء إنمّا يقتضي أنّه أمر يُترَجّى و لم يتحصّل بعد. (9 : 71)

أبوحَيّان: [نقل كلام الزّمَخْشَريّ ثمّ قال:]

و قيل: رحمته: تحيّته، و بركاته: فواضل خيره بالخلّة و الإمامة. (5 : 244)

أبوالسُّعود: أي قدرته و حكمته، أو تكوينه أو شأنه، أنكروا عليها تعجّبها من ذلك، لأ نّها كانت ناشئة في بيت النّبوّة و مهبط الوحي. [إلى أن قال:]

و إلى ذلك أشاروا بقوله تعالى: { رَحْمَتُ اللهِ } الّتي وسعت كلّ شيء و استتبعت كلّ خير، و إنمّا وُضع المُظهر موضع المضمر لزيادة تشريفها. [إلى أن قال:]

و الجملة كلام مستأنف علّل به إنكار تعجّبها، كأ نّه قيل: ليس المقام مقام التّعجيب، فإنّ الله تعالى على كلّ شيء قدير، و لستم يا أهل بيت النّبوّة و الكرامة و الزّلفى كسائر الطّوائف، بل رحمتهالمستتبعة لكلّ خير، الواسعة لكلّ شيء، و بركاته، أي خيراته النّامية الفائضة منه، بواسطة تلك الرّحمة الواسعة، لازمة لكم لاتفارقكم. (3 : 334)

نحوه الآلوسيّ. (12 : 100)

البُرُوسَويّ: { رَحْمَتُ اللهِ} الّتي وسعت كلّ شيء و استبقت كلّ خير. [إلى أن قال:]

و الجملة مستأنفة، فقيل: خبر، و هو الأظهر، و قيل: دعاء، و قيل: الرّحمة: النّبوّة. (4 : 164)

ابن عاشور: و جملة: { رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ } تعليل لإنكار تعجّبها، لأنّ الإنكار في قوّة النّفي، فصار المعنى: لاعجب من أمر الله، لأنّ إعطاءك الولد رحمة من الله و بركة، فلاعجب في تعلّق قدرة الله

بها و أنتم أهل لتلك الرّحمة و البركة، فلاعجب في و قوعها عندكم.

و وجه تعليل نفي العجب بهذا: أنّ التّعجّب إمّا أن يكون من صدور هذا من عند الله، و إمّا أن يكون في تخصيص الله به إبراهيم و امرأته، فكان قولهم: { رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ } مفيدً ا تعليل انتفاء العجبين. (11 : 298)

عبد الكريم الخطيب: و فى قوله تعالى: {رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ اَهْلَ الْبَيْتِ } تطمين لها، و توكيد لهذه البُشرى الّتي بُشّرت بها، و أ نّها رحمة من الله و بركة على أهل هذا البيت الّذين اختصّهم الله برحمته و بركاته. و إذ كانوا كذلك، فإنّ مايتلقّونه من الله من فضل لايكون موضع عجب، و إن جاء على غير ما يعهد النّاس، فإنّ لله سبحانه في أوليائه ألطافًا، لاينالها غيرهم ممّن لم ينزلوامنازل رحمته و رضوانه. (6 : 1172)

مكارم الشّيرازيّ: و هذه الرّحمة الإلهيّة لم تكن خاصّة بذلك اليوم فحسب، بل هي مستمرّة في أهل هذا البيت، و أيّ بركة أعظم من وجود رسول الله محمّد (صلی الله علیه و آله) و الأئمّة الطّاهرين ، في هذه الأُسرة، و في هذا البيت بالذّات. (7 : 11)

فضل الله: في ما أفاض عليهم من نعمه و ألطافه السّالفة، و في ما يفيضه عليكم في الحاضر و المستتقبل. و إذا انطلقت رحمة الله و بركاته في حياة الإنسان، فإنّها تفتح له كلّ الأبواب، و تُيسّر له كلّ عُسر، و تأتي إليه بالعجائب على أكثر من صعيد. (12 : 99)

13 - وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْ ا"ن ِمَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ‘وَ لايَزيدُ‘ الظَّالِمينَ‘ اِلا خَسَارً ا. الإسراء : 82

لاحظ: ش ف ي: < شِفَاءٌ >.

14 - قُلْ لَوْ اَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَ ائِنَ رَحْمَةِ رَ بّى اِذًا لاَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الاِ_نْفَاقِ... الإسراء : 100

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره لنبيّه: قل يا محمّد لهؤلاء المشركين: لو أنتم أيّها النّاس تملكون خزائن أملاك ربّي من الأموال - و عنى بالرّحمة في هذا الموضع: المال - { اِذًا لاَمْسَكْتُمْ...}. (8 : 154)

المَيْبُديّ: قيل: الرّحمة ها هنا: المال. (5 : 621)

الزّمَخْشَريّ: و رحمة الله: رزقه و سائر نعمه على خلقه. (2 : 468)

ابن عَطيّة: و الرّحمة في هذه الآية: المال و النّعم الّتي تُصرَف في الأرزاق، و من هذا سمّيت رحمَة. (3 : 488)

النَّيسابوريّ: رحمة الله،و هي رزقه و سائر نعمه على خلقه الّتي لانهاية لها. (15 : 88)

و قد تقدّم بعض النُّصوص في: <خ ز ن > فلاحظ.

15 - ... رَ بَّنَا ا"تِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنَا مِنْ اَمْرِنَا رَشَدً ا. الكهف : 10

الطّبَريّ: رغبةً منهم إلى ربّهم، في أن يرزقهم من عنده رحمة. (8 : 182

مثله الطُّوسيّ. (7 : 12)

المَيْبُديّ: أي أعطنا من عندك و قِبَلِك تعطّفًا. (5 : 649)

الزّمَخْشَريّ: أي رحمةً من خزائن رحمتك، و هي المغفرة و الرّزق و الأمن من الأعداء. (2 : 473)

ابن عَطيّة: دَعَوْ ا الله تعالى بأن يؤتيهم من عنده رحمة، و هي الرّزق فيما ذكر المفسّرون. (3 : 499)

الطَّبْرِسيّ: أي نعمةً ننجو بها من قومنا، و فرّج عنّا ما نزل بنا. (3 : 452)

الفَخْرالرّ ازيّ: أي رحمةً من خزائن رحمتك و جلائل فضلك و إحسانك، و هي الهداية بالمعرفة و الصّبر، و الرّزق و الأمن من الأعداء. (21 : 83)

القُرطُبي: أي مغفرةً ورزقًا. (10 : 362)

النَّيسابوريّ: و التّنوين في { رَحْمَةً } إمّا للتّعظيم أو للنّوع. و تقديم {مِنْ لَدُ نْكَ} للاختصاص، أي رحمةً مخصوصة، بأ نّها من خزائن رحمتك، و هي المغفرة و الرّزق و الأمن من الأعداء. (15 : 104)

الشِّربينيّ: توجب لنا المغفرة و الرّزق و الأمن من عدوّ ك. (2 : 353)

أبوالسُّعود: رحمةً خاصّة تستوجب المغفرة والرّزق، و الأمن من الأعداء. (4 : 171)

مثله البُرُوسَويّ. (5 : 219)

الآلوسيّ: رحمةً عظيمة،أو نوعًا من الرّحمة، فالتّنوين للتّعظيم أو للنّوع، و ( مِنْ ) للابتداء متعلّق ب- { ا"تِنَا }، و يجوز أن يتعلّق بمحذوف وقع حالا من { رَحْمَةً } قُدّم عليها، لكونها نكرة، و لو تأخّر لكان صفة لها. و فسّرت الرّحمة بالمغفرة و الرّزق و الأمن، و الأولى تفسيرها بما يتضمّن ذلك و غيره. (15 : 211)

الطَّباطَبائيّ: تفريع لدعائهم على أويهم، كأ نّهم اضطرّوا - لفقد القوّة و انقطاع الحيلة - إلى المبادرة إلى المسألة، و يؤيّده قولهم: { مِنْ لَدُ نْكَ }. فلولا أنّ المذاهب أعيَتهُم، و الأسباب تقطّعت بهم، و اليأس أحاط بهم، ما قيّدوا الرّحمة المسؤولة أن تكون من لدنه تعالى، بل قالوا: آتنا رحمة، كقول غيرهم: { رَ بَّ-نَا ا"تِنَا فىِ الدُّ نْيَا حَسَنَةً} البقرة : 201، { رَ بَّ-نَا وَ ا"تِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلى رُسُلِكَ } آل عمران : 194، فالمراد بالرّحمة المسؤولة: التّأييد الإلهيّ؛ إذ لامؤيّد غيره.

و يمكن أن يكون المراد بالرّحمة المسؤولة من لدنه: بعض المواهب و النّعم المختصّة به تعالى، كالهداية الّتي يصرّح في مواضع من كلامه بأ نّها منه خاصّة، و يشعر به التّقييد بقوله: { مِنْ لَدُ نْكَ }، و يؤيّده ورود نظيره في دعاء الرّ اسخين في العلم، المنقول في قوله: { رَ بَّ-نَا لاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنَا وَ هَبْ لَنَا مِنْ لَدُ نْكَ رَحْمَةً } آل عمران : 8، فما سألوا إلا الهداية. (13 : 247)

مكارم الشّيرازيّ: استخدام تعبير { مِنْ لَدُنْكَرَحْمَةً } إشارة إلى أنّ هؤلاء الفتية عند ما لجأوا إلى الغار، تركوا جميع الوسائل و الأسباب الظّاهريّة، و كانوا لايأملون سوى رحمة الله. (9 : 185)

فضل الله: في شعور عميق بالانفتاح على الله في ساعات الشّدّة، الّتي لامجال فيها إلا للرّحمة الإلهيّة الّتي تفتح لهم أبواب الحلّ، و تنزل عليهم ألطاف الخير، وتسير بهم في اتّجاه النّجاة. و ربمّا كان لنا أن نستوحي من ذلك، أ نّهم تركوا أمرهم إلى الله، و لم يقترحوا شيئًا محدّدً ا، بل كانوا يتطلّعون إلى الرّحمة المطلقة الّتي تغمرهم بالفيض الإلهيّ من دون حدود. (14 : 281)

16 - فَوَجَدَ ا عَبْدً ا مِنْ عِبَادِنَا ا"تَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُ نَّا عِلْمًا. الكهف : 65

مُقاتِل: يقول: أعطيناه النّعمة، و هي النّبوّة. (2 : 594)

الماوَرْديّ: فيه أربعة تأويلات:

أحدها: [قول مُقاتِل]

الثّاني: النّعمة.

الثّالث: الطّاعة.

الرّ ابع: طول الحياة. (3 : 324)

الطُّوسي: أي أعطيناه رحمة، أي نعمة من عندنا. (7 : 69)

القُشَيْريّ: أي صار مرحومًا من قبلنا بتلك الرّحمة الّتي خصّصناه بها من عندنا، فيكون الخضر بتلك الرّحمة مرحومًا، و يكون بها راحمًا على عبادنا.(4 : 79)

المَيْبُديّ: يعني: النّبوّة و العلم و الطّاعة و طول الحياة. (5 : 719)

الزّ مَخْشَريّ: هي الوحي و النّبوّة. (2 : 492)

ابن عَطيّة: و الرّحمةفي هذه الآية: النّبوّة. (3 : 530)

الطَّبْرِسيّ: يعني النّبوّة. و قيل: طول الحياة. (3 : 483)

الفَخْرالرّ ازيّ: و الرّحمة هي النّبوّة، بدليل قوله تعالى: { اَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ } الزّخرف : 32، و قوله: { وَ مَا كُنْتَ تَرْجُوا اَنْ يُلْقى اِلَيْكَ الْكِتَابُ اِلا رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } القصص : 86، و المراد من هذه الرّحمة: النّبوّة. و لقائل أن يقول: نُسلّم أنّ النّبوّة رحمة، أمّا لايلزم أن يكون كلّ رحمة نبوّة. (21 : 148)

نحوه النَّيسابوريّ. (16 : 9)

القُرطُبيّ: الرّحمة في هذه الآية: النّبوّة، و قيل: النّعمة. (11 : 16)

أبوحَيّان: و الرّحمة الّتي آتاه الله إيّاها هي الوحي و النّبوّة. و قيل: الرّزق. (6 : 147)

الشِّربينيّ: أي وحيًا و نبوّةً، و كونه نبيًّا هو قول الجمهور، و قيل: إنّه ليس بنبيّ. قال البغَويّ: عند أكثر أهل العلم، أي فعندهم إنّه وليّ. (2 : 391)

أبوالسُّعود: هي الوحي و النّبوّة، كما يشعر به تنكير الرّحمة، و اختصاصها بجناب الكبرياء. (4 : 203)

البُرُوسَويّ: [ نقل قول أبي السُّعودثمّ قال:]

قال الإمام مسلم: إنّ النّبوّة رحمة، كما قوله تعالى: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } الزّخرف : 32، و نحوه، و لكن لايلزم أن تكون الرّحمة نبوّة، فالرّحمة هنا: هي طول العمر على قول من ذهب إلى عدم نبوّته.(5 : 270)

الآلوسيّ: قيل: المرادبها: الرّزق الحلال و العيش الرّغد. و قيل: العُزلة عن النّاس و عدم الاحتياج إليهم.

و قيل: طول الحياة مع سلامة البنية، و الجمهور على أ نّها الوحي و النّبوّة، و قد أُطلقت على ذلك في مواضع من القرآن، و أخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، و هذا قول من يقول بنبوّته . و فيه أقوال

ثلاثة: فالجمهور على أ نّه نبيّ و ليس برسول، و قيل: هو رسول، و قيل: هو وليّ، و عليه القُشَيْريّ و جماعة، و المنصور ما عليه الجمهور. (15 : 320)

ابن عاشور: و إيتاء الرّحمة يجوز أن يكون معناه: أ نّه جُعل مرحومًا؛ و ذلك بأن رفق الله به في أحواله. و يجوز أن يكون جعلناه سبب رحمة بأن صرفه تصرّفًا يجلب الرّحمة العامّة. (15 : 106)

الطَّباطَبائيّ: { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } كلّ نعمة، فإنّها رحمة منه تعالى لخلقه، لكن منها: ما تتوسّط فيه الأسباب الكونيّة و تعمل فيه، كالنّعم الظّاهريّة بأنواعها، و منها: ما لايتوسّط فيه شي‌ء منها، كالنّعم الباطنيّة من النّبوّة و الولاية بشعبها و مقاماتها، و تقييد الرّحمة بقوله: { مِنْ عِنْدِنَا } الظّاهر في أ نّها من موهبته لاصنع لغيره فيها يُعطي أ نّها من القسم الثّاني، أعني النّعم الباطنيّة، ثمّ اختصاص الولاية بحقيقتها به تعالى، كما قال: { فَاللهُ هُوَ الْوَلِىُّ } الشّورى : 9. و كون النّبوّة ممّا للملائكة الكرام فيه عمل كالوحي و نحوه، يؤيّد أن يكون المراد بقوله: {رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } - حيث جي‌ء بنون العظمة، و لم يقل: من عندي - هو النّبوّة دون الولاية، و بهذا يتأيّد تفسير من فسّر الكلمة بالنّبوّة، و الله أعلم. (13 : 341)

مكارم الشّيرازيّ: أمّا ما هو المقصود من عبارة { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } فقد ذكر المفسّرون تفاسير مختلفة، فقال بعضهم: إنّها إشارة إلى مقام النّبوّة،و البعض الآخر: اعتبرها إشارة للعمر الطّويل.

و لكن يحتمل أن يكون المقصود هو الاستعداد الكبير و الرّوح الواسعة، و سعة الصّدر الّتي وهبها الله تعالى لهذا الرّجل، كي يكون قادرً ا على استقبال العلم الإلهيّ. (9 : 283)

فضل الله: ربّما كانت هي النّبوّة، و ربّما كانت شيئًا آخر ممّا يرحم به عباده، و يختصّ بعضهم بميزةٍ خاصّة في موقعه و في ملكاته. (14 : 363)

17 - ...فَاَرَ ادَ رَ بُّكَ اَنْ يَبْلُغَا اَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ... الكهف : 82

الزّجّاج: و قوله: { رَحْمَةً } منصوب على وجهين:

أحدهما: قوله: { فَاَرَ ادَ رَ بُّكَ } و أردنا ما ذكرنا رحمة، أي للرّحمة، أي فعلنا ذلك رحمة، كما تقول: أنقذتُك من الهلكة رحمةً بك.

و يجوز أن يكون { رَحْمَةً } منصوبًا على المصدر، لأنّ معنى فأراد ربّك أن يبلغا أشُدّهما و يستخرجا كنزهما رحمهما الله بذلك. و جميع ماذُكر من قوله: { فَاَرَدْتُ اَنْ اَعيبَهَا }الكهف: 79، و من قوله: { فَاَرَدْ نَا اَنْ يُبْدِلَهُمَا رَ بُّهُمَا } الكهف: 81، معناهما: رحمهما الله رحمة. (3 : 307)

الطُّوسيّ: أي نعمةً من ربّك. (7 : 82)

المَيْبُديّ: قيل: هو متّصل باستخراج الكنز، و قيل: متّصل بفعله، يعني فعلت ما فعلت رحمةً من ربّك. (5 : 726)

الزّمَخْشَريّ: { رَحْمَةً } مفعول له. أو مصدر منصوب ب- { اَرَ ادَ رَ بُّكَ }، لأ نّه في معنى رحمهما. (2 : 496)

نحوه النَّيسابوريّ. (16 : 16)

الطَّبْرِسيّ:{ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } منصوب على ضربين:

أحدهما: أنّ المعنى: فعلنا ذلك رحمةً، أي للرّحمة، كما تقول: أنقذتُك من الهلكة رحمةً لك.

و الآخر: أن يكون منصوبًا على المصدر، لأنّ معنى قوله: { فَاَرادَ رَ بُّكَ اَنْ يَبْلُغَا اَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا } رحمهما الله بذلك. (3 : 486)

أي نعمةً من ربّك، و المعنى: أنّ كلّ ما فعلته رحمة من الله تعالى، أي رحم الله بذلك المساكين و أبوي الغلام و اليتيمين رحمةً. (3 : 488)

الفَخْرالرّ ازيّ: يعني إنّما فعلت هذه الفعال لغرض أن تظهر رحمة الله تعالى، لأ نّها بأسرها ترجع إلى حرف واحد، و هو تحمّل الضّرر الأدنى لدفع الضّرر الأعلى، كما قرّرناه. (21 : 162)

العُكْبَريّ: مفعول له، أو موضع الحال. (2 : 858)

أبوحَيّان: و انتصب { رَحْمَةً } على المفعول له. و أجازالزّمَخْشَريّ أن يُنصَب على المصدر ب- {اَرَادَ}، قال: لأ نّه في معنى رحمهما. و أجاز أبوالبقاء أن ينتصب على الحال، و كلاهما متكلّف. (6 : 156)

أبوالسُّعود: مصدر في موقع الحال، أي مرحومين منه عزّ و جلّ، أو مفعولله، أو مصدر مؤكّد ل- { اَرَ ادَ }، فإنّ إرادة الخير رحمة.

و قيل: متعلّق بمضمر، أي فعلت ما فعلت من الأُمور الّتي شاهدتها رحمةً من ربّك، و يعضده إضافة الرّبّ إلى ضمير المخاطب دون ضميرهما، فيكون قوله عزّ و علا: { وَ مَا فَعَلْتُهُ عَنْ اَمْرى‘ } أي عن رأيي و اجتهادي، تأكيدً ا لذلك. (4 : 209)

البُرُوسَويّ:مصدر في موقع الحال، أي مرحومين من قبله تعالى أو علّة ل- { اَرَ ادَ } فإنّ إرادة الخير رحمة، أو مصدر لمحذوف، أي رحمهما الله بذلك رحمةً. (5 : 287)

الآلوسيّ: مفعول له ل- { اَرَ ادَ } و أُقيم الظّاهر مُقام الضّمير و ليس مفعولا له ل- { يَسْتَخْرِجَا } لاختلاف الفاعل. و بعضهم أجاز ذلك لعدم اشتراطه الاتّحاد، أو جعل المصدر من المبنيّ للمفعول، و أجاز أن يكون النّصب على الحال، و هو من ضمير{ يَسْتَخْرِجَا } بتأويل مرحومين. و الزّمَخْشَريّ النّصب على أ نّه مفعول مطلق ل- { اَرَ ادَ } فإنّ إرادة ذلك رحمة منه تعالى.

و اعتُرض بأ نّه إذا كان { اَرَ ادَ رَ بُّكَ } بمعنى رحم، كانت الرّحمة من الرّبّ لامحالة، فأيّ فائدة في ذكر قوله تعالى: { مِنْ رَ بِّكَ }؟ و كذا إذا كان مفعولا له. و قيل: في الكلام حذف، و التّقدير: فعلت ما فعلت رحمةً من ربّك، فهو حينئذ مفعول له، بتقدير إرادة، أو رجاء رحمة ربّك، أو منصوب بنزع الخافض، و الرّحمة بمعنى الوحي، أي برحمة ربّك و وحيه. (16 : 14)

ابن عاشور: تصريح بما يزيل إنكار موسىعليه تصرّفاته هذه، بأ نّها رحمة و مصلحة، فلاإنكار فيها بعد معرفة تأويلها. [إلى أن قال:]

و انتصب{ رَحْمَةً }.على المفعول لأجله، فينازعه كلّ من { َارَدْتُ } الكهف : 79، و { اَرَدْ نَا } الكهف :

81، و { اَرَ ادَ رَ بُّكَ } . (15 : 119)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } تعليل للإرادة، فرحمته تعالى سبب لإرادة بلوغهماو استخراجهما كنزهما، و كان يتوقّف على قيام الجدار، فأقامه الخضر، و كان سبب انبعاث الرّحمة صلاح أبيهما. (13 : 348)

عبدالكريم الخطيب: إنّها رحمة الله ينزلها حيث يشاء، و يختصّ بها من يشاء حسب ما تقضي به حكمته، و يحكم به علمه في خلقه، كما يقول سبحانه: { نُصيبُ‘ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ } يوسف : 56، و كما يقول جلّ و علا: { وَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ‘ } البقرة : 105.

و الأمر كلّه في حقيقته قائم على الرّحمة، فخرق السّفينة كان كما آل إليه الأمررحمةً بأصحابها.

و قتل الغلام كان كما آل إليه الأمر رحمةً به، و بأبويه، و رحمةً بالنّاس.

و إقامة الجدار كان كما آل إليه أمره رحمةً بالغلامين اليتيمين. إنّ أمر الله و قضاءه في خلقه حيث كان، و على أيّة صورة وقع، هو رحمة من ربّ رحيم. و هذا ما يشير إليه قوله سبحانه: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْ‌ء } الأعراف : 156.

و رحمة الله إنّما تجري بأسباب، و تنزل حيث تنزل بقوى مسخّرة، تدفع بهاإلى المواطن المسوقة إليها بقدر مقدور، و تقرير معلوم. (8 : 665)

18 - قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى‘ فَاِذَا جَاءَ وَعْدُ رَ بّى‘ جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كَانَ وَعْدُ رَ بّى‘ حَقًّا. الكهف : 98

الطّبَريّ: { رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى ‘} رحم بها من دون الرّدم من النّاس، فأعانني برحمته لهم حتّى بنيته و سوّيته، ليكفّ بذلك غائلة هذه الأُمّة عنهم. (8 : 288)

الزّجّاج: أي هذا التّمكين الّذي أدركت به السّدّ رحمة ربّي. (3 : 312)

الماوَرْديّ: يحتمل وجهين:

أحدهما: أنّ عمله رحمة من الله تعالى لعباده.

الثّاني: أنّ قدرته على عمله رحمة من الله تعالى له.(3 : 344)

المَيْبُديّ: فلمّا فرغ من بناء السّدّ و جاء كما أحَبّ ذوالقرنين، قال: { هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى }، أي هذا العمل نعمة من الله عليّ و على من خاف معرّة يأجوج و مأجوج. (5 : 746)

الزّمَخْشَريّ : أي هذا السّدّ نعمة من الله و { رَحْمَةٌ} على عباده. أو هذا الإقدار و التّمكين من تسويته. (2 : 499)

نحوه الفَخْرالرّازيّ. (21 : 172)

ابن عَطيّة: و قوله: { هذَا رَحْمَةٌ... } القائل ذو القرنين، و أشار بهذا إلى الرّدم و القوّة عليه و الانتفاع به. و قرأ ابن أبي عَبْلَة ( هذِهِ رَحْ-مَةٌ ). (3 : 544)

نحوه القُرطُبيّ. (11 : 63)

الطَّبْرِسيّ: أي هذا السّدّ نعمة من الله لعباده، أنعم بها عليهم في دفع شرّ يأجوج و مأجوج عنهم. (3 : 495)

أبوحَيّان: [ نقل كلام الزّمَخْشَريّ ثمّ قال:]

قيل: و في الكلام حذف، و تقديره: فلمّا أكمل بناء السّدّ و استوى و استحكم، قال: { هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى }. (6 : 165)

أبوالسُّعود: أي أثر رحمة عظيمة، عبّر عنه بها مبالغة. (4 : 218)

البُرُوسَويّ: { رَحْمَةٌ } عظيمة و نعمة جسيمة. (5 : 299)

الآلوسيّ: أي أثر رحمة عظيمة، و عبّر عنه بها للمبالغة { مِنْ رَ بّى ‘} على كافّة العباد، لاسيّما على مجاوريه. و كون السّدّ رحمة على العباد ظاهر، و إذا جعلت الإشارة إلى التّمكّن فكونه رحمة عليهم، باعتبار أ نّه سبب لذلك، و ربمّا يرجع المتقدّم أيضًا باحتياج المتأخّر إلى هذا التّأويل، و إن كان الأمر فيه سهلا ، و في الإخبار عنه بما ذُكر إيذان على ما قيل، بأ نّه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادةً، بل هو إحسان إلهيّ محض و إن ظهر بالمباشرة. و في التّعرّض لوصف الرّبوبيّة تربية معنى الرّحمة. و قرأ ابن أبي عَبْلَة ( هذ ه ِرَحْمَةٌ ) بتأنيث اسم الإشارة و خرّج على أ نّه رعاية للخبر، أو جعل المشار إليه القدرة و القوّة على ذلك. (16 : 42)

ابن عاشور: و جملة { قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى ‘} مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، لأ نّه لم-ّا آذن الكلام بانتهاء حكاية وصف الرّدم، كان ذلك مثيرً ا سؤال من يسأل: ماذا صدر من ذي القرنين حين أتمّ هذا العمل العظيم؟ فيجاب بجملة: {قَالَ هذَا رَحْمَةٌمِنْ رَ بّى ‘}.

و الإشارة بهذا إلى الرّدم، و هو رحمة للنّاس، لما فيه من ردّ فساد أُمّة يأجوج و مأجوج عن أُمّة أُخرى صالحة. (15 : 136)

الطَّباطَبائيّ: أي قال ذو القرنين بعد ما بنى السّدّ { هذَا }، أي السّدّ { رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى }، أي نعمة و وقاية يدفع به شرّ يأجوج و مأجوج عن أُمم من النّاس. (13 : 365)

عبد الكريم الخطيب: أي إنّ هذا الرّدم، هو رحمة من رحمة الله، ساقها الله سبحانه و تعالى إلى هؤلاء القوم على يديه. (8 : 710)

مكارم الشّيرازيّ: مهما كان الإنسان قويًّا و متمكّنًا، و صاحب قدرة و استطاعة في إنجاز الأعمال، فعليه أن لايغترّ بنفسه، و هذا هو درس آخر نتعلّمه من قصّة « ذو القرنين ». فقد اعتمد في جميع شؤونه على قدرة الخالق جلّ و علا، و قال بعد إتمام السّدّ: { هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى ‘}. (9 : 323)

فضل الله: فهو مكّنني من الخير و هيّأ لي الظّروف، و ساعدني على مساندة الآخرين لي في ما أُريد القيام به، في خطّ المواجهة للمفسدين في الأرض، و في مجابهة القوّة العدوانيّة بالقوّة العادلة. (14 : 391)

19 - ذِكْرُ رَحْمَتِ رَ بِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. مريم : 2

مُقاتِل: عنى نعمة ربّك يامحمّد. (2 : 620)

الماوَرْديّ: فذكر رحمته حين أجابه إلى ما سأله، فاحتمل وجهين:

أحدهما: أ نّه رحمه بإجابته له.

الثّاني: أنّه إجابة لرحمته له. (3 : 354)

المَيْبُديّ: { ذِكْرُ رَحْمَتِ } خبر مبتدإ محذوف. و في الآية تقديم و تأخير، أي هذا الّذي نتلوه عليك ذكر ربّك عبده زكريّا برحمته. و على هذا القول يكون الرّبّ فاعل للذّكر، و { عَبْدَهُ } مفعول له. يقول: و هذه القصّة الّتي أدعوك بها، ذكر ربّك، يعني ذكر عبده زكريّا برحمته، و جائز أنّ تمام الكلام في قوله:{ اِذْنَادى رَ بَّهُ }، أي دعاء زكريّا ربّه كان من رحمة ربّك و إلهامه إيّاه. و يقولون: إنّ دعاء زكريّا و الإجابة من الحقّ، كان من رحمته ألهمه الله. (6 : 6)

الفَخْرالرّ ازيّ: يحتمل أن يكون المراد من قوله: { رَحْمَتِ رَبِّكَ } أعني عبده زكريّا، ثمّ في كونه رحمة وجهان:

أحدهما: أن يكون رحمة على أُمّته، لأ نّه هداهم إلى الإيمان و الطّاعات.

و الآخر: أن يكون رحمة على نبيّنا محمّد (صلی الله علیه و آله) و على أُمّة محمّد، لأنّ الله تعالى لم-ّا شرح لمحمّد (صلی الله علیه و آله) طريقه في الإخلاص و الابتهال في جميع الأُمور إلى الله تعالى، صار ذلك لفظًا داعيًا له و لأُمّته إلى تلك الطّريقة، فكان زكريّا رحمة. و يحتمل أن يكون المراد أنّ هذه السّورة فيها ذكر الرّحمة الّتي رحم بها عبده زكريّا. (21 : 179)

القُرطُبيّ: وَ (رَحْمَة )تكتب، و يوقف عليها بالهاء، و كذلك كلّ ما كان مثلها، لااختلاف فيها بين النّحويّين. و اعتلّوا في ذلك أنّ هذه الهاء لتأنيث الأسماء، فرقًا بينها و بين الأفعال. (11 : 75)

النَّيسابوريّ: [ نقل وجوه الإعراب في{ ذِكْرُ } و{ رَحْمَتَ } و { عَبْدَهُ } ثمّ قال:]

و قيل: يحتمل على هذا أن تكون الرّحمة عبارة عن زكريّا، لأنّ كلّ نبيّ رحمة لأُمّته. و يجوز أن يكون رحمة لنبيّنا (صلی الله علیه و آله) و لأُمّته، لأنّ طريقه في الإخلاص و الابتهال يصلح لأن يُقتَدى به، و كان ذكره رحمة لنا و لنبيّنا. (16 : 35)

الشِّربينيّ: تنبيه: اعلم أ نّه تعالى ذكر في هذه السّورة قصص جملة من الأنبياء:

الأُولى: هذه القصّة، و هي قصّة زكريّا، فيحتمل أنّ المراد من قوله تعالى: {رَحْمَتِ رَبِّكَ } أ نّه عنى عبده زكريّا، في كونه رحمة وجهان:

أحدهما: أ نّه يكون رحمة على أُمّته، لأ نّه هداهم إلى الإيمان و الطّاعة.

و الثّاني: أن يكون رحمة على نبيّنا محمّد (صلی الله علیه و آله)، لأنّ الله تعالى لم-ّا شرع له (صلی الله علیه و آله) طريقته في الإخلاص و الابتهال، في جميع الأُمور إلى الله تعالى، صار ذلك لطفًا داعيًا له و لأُمّته إلى تلك الطّريقة، فكان زكريّا رحمة. و يحتمل أن يكون المراد: أنّ هذه السّورة فيها ذكر الرّحمة الّتي يرحم بها عبده زكريّا (2 : 413)

الآلوسيّ:و قرأ الحسَن و ابن يعمر كما حكاه أبوالفتح ( ذَكَّرَ ) فعلا ماضيًا مشدّدً ا، و ( رَحْمَتَ ) بالنّصب، على أ نّه كما في < البحر > مفعول ثان ل- ( ذَكّرَ ) و المفعول الأوّ ل محذوف، و { عَبْدَهُ } مفعول ل- ( رَحْمَتَ )، و فاعل ( ذكّر ) ضمير القرآن المعلوم من السّياق، أي ذكّر القرآن النّاس أن رحم سبحانه عبده.

و يجوز أن يكون فاعل ( ذكر ) ضمير ( كهيعص ) بناء على أنّ المراد منه القرآن، و يكون مبتدأ، و الجملة خبره، و أن يكون الفاعل ضميره عزّ و جلّ، أي ذكر الله تعالى النّاس ذلك.

و جُوّز أن يكون{ رَحْمَتَ رَبِّكَ } مفعولا ثانيًا، و المفعول الأوّ ل هو { عَبْدَهُ }، و الفاعل ضميره سبحانه، أي ذكر الله تعالى عبده رحمته، أي جعل العبد يذكر رحمته. [إلى أن قال:]

و قيل: يجوز أن يكون الفاعل ضميره تعالى،و الرّحمة مفعولا أوّ لا ، و { عَبْدَهُ } مفعولا ثانيًا،و يرتكب المجاز، أي جعل الله تعالى الرّحمة ذاكرة عبده و قيل: ( رَحْمَتَ ) نُصب بنزع الخافض، أي ذكر برحمة. و ذكر الدّ اني عن أبي يعمر أ نّه قرأ ( ذَكِّرْ ) على الأمر و التّشديد، و ( رَحْمَتَ ) بالنّصب، أي ذكّر النّاس رحمة أو برحمة ربّك عبده زكريّا.

و قرأ الكَلْبيّ ( ذكَر ) فعلا ماضيًا خفيفًا و ( رَحْمَتَ رَبِّكَ ) بالنّصب على المفعوليّة ل- ( ذكَر ). (16 : 58)

ابن عاشور: و قد جاء نظم هذا الكلام على طريقة بديعة من الإيجاز، و العدول عن الأُسلوب المتعارف في الإخبار. و أصل الكلام: ذكر عبدنا زكريّا إذ نادى ربّه، فقال: ربّ إلخ. فرحمة ربّك، فكان في تقديم الخبر بأنّ الله رحمه اهتمام بهذه المنقبة له، و الإنباء بأنّ الله يرحم من التجأ إليه، مع ما في إضافة رَبّ إلى ضمير النّبيّ(صلی الله علیه و آله) و إلى ضمير زكريّا من التّنويه بهما. [إلىأن قال:]

و المراد بالرّحمة: استجابة دعائه، كما سيصرّح به بقوله: { يَا زَكَرِيَّا اِنَّا نُبَشِّرُ كَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى" } مريم : 7، و إنّما حكي في الآية وصف دعاء زكريّا كما وقع، فليس فيها إشعار بالثّناء على إخفاء الدّعاء. (16 : 8)

الطَّباطَبائيّ: و المراد بالرّحمة: استجابته سبحانه دعاء زكريّا على التّفصيل الّذي قصّه بدليل قوله تلوً ا: { اِذْ نَادى رَ بَّهُ }. (14 : 7)

عبدالكريم الخطيب : و معنى { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَ بِّكَ } أي هذا خبر رحمة ربّك، و ألطافه بعبده زكريّا.

و قوله تعالى: { اِذْ نَادى رَ بَّهُ نِدَ اءً خَفِيًّا } مريم : 3، بيان للظّرف الّذي كانت فيه مهابّ أنسام هذه الرّحمة، و إذ كانت رحمة الله لاتنقطع عن عباده المؤمنين و خاصّة من اصطفاهم لرسالته، فإنّ ذكر الرّحمة و الحديث عنها في هذا الظّرف، هو لبيان مزيد هذه الرّحمة، و مجيئها في صورة تكاد لما حملت من ألطاف تكون رحمة خاصّة،تستحقّ الذّكر والتّنويه. (8 : 722)

فضل الله: هذا ما تريد السّورة أن تُذكّر المؤمنين به، ليعرفوا كيف يرحم الله عباده الصّالحين الّذين يبتهلون إليه، في ما أهمّهم من أمر دنياهم و آخرتهم، من خلال نموذج مميّز هو عبد الله الصّالح زكريّا الّذي كان يعيش المحبّة لله، كأعمق ما يعيشه الإنسان المؤمن الصّالح أمام ربّه، و كان موضعًا لرحمة الله في تفاصيل قصّته المثيرة للتّفكير و للإيمان، { اِذْ نَادى رَ بَّهُنِدَ اءً خَفِيًّا } مريم : 3. (15 : 11)

20 - وَ لِنَجْعَلَهُ ا"يَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كَانَ اَمْرً ا مَقْضِيًّا. مريم : 21

مُقاتِل: يعني و نعمة منّا لمن تبعه على دينه، مثل قوله سبحانه: { وَ ما اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } الأنبياء : 107، يعني بالرّحمة نعمة لمن اتّبعه على دينه. (2 : 624)

الطُّوسيّ: أي و نجعله نعمة من عندنا. (7 : 116)

المَيْبُديّ: أي نعمة منّا على الخلق ليدعوهم إلى الهدى، فيهتدوا به و ينفعهم. (6 : 29)

الطَّبْرِسيّ: {وَ رَحْمَةً مِنَّا } له، و لنجعله نعمة منّا على الخلق يهتدون بسببه. (3 : 511)

الفَخْرالرّ ازيّ: فأمّا قوله تعالى:{ وَ رَحْمَةً مِنَّا } فيحتمل أن يكون معطوفًا على { وَ لِنَجْعَلَهُ ا"يَةً لِلنَّاسِ} أي فعلنا ذلك، { وَ رَحْمَةً مِنَّا} فعلنا ذلك. و يحتمل أن يكون معطوفًا على الآية، أي و لنجعله آية و رحمة فعلنا ذلك. (21 : 200)

النَّيسابوريّ: { وَ رَحْمَةً مِنَّا } على عبادنا، لأنّ كلّ نبيّ رحمة لأُمّته، فبه يهدون إلى صلاح الدّ ارين. (16 : 47)

الشِّربينيّ:{وَ رَحْمَةً مِنَّا} على العباد يهتدون به. (2 : 419)

البُرُوسَويّ: { وَ رَحْمَةً } عظيمة كائنة { مِنَّا } عليهم، يهتدون بهدايته و يسترشدون بإرشاده. و بين قوله: { وَ رَحْمَةً مِنَّا } و قوله: { يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحَمَتِهِ } الدّهر : 31، فرق عظيم، و هو أ نّه تعالى إذا أدخل عبدً ا في رحمته يرحمه و يُدخله الجنّة، و من جعله رحمةمنه يجعله متّصفًا بصفته، وكذا بين قوله: { رَحْمَةً مِنَّا } و قوله في حقّ نبيّنا :{ وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالمَينَ‘ } الأنبياء : 107، أبدً ا، أمّا في الدّنيا فبأن لايُنسَخ دينه، و أمّا في الآخرة فبأن يكون الخلق محتاجين إلى شفاعته حتّى إبراهيم ، فافهم جدًّ ا، كذا في < التّأويلات النّجميّة >. (5 : 323)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { وَ رَحْمَةً مِنَّا } ذكر بعض ما هو الغرض من خلق المسيح على هذا النّهج الخارق، و هو معطوف على مقدّر، أي خلقناه بنفخ الرّوح من غير أب لكذا و كذا، و لنجعله آية للنّاس بخلقته، و رحمة منّا برسالته، و الآيات الجارية على يده. و حذف بعض الغرض و عطف بعضه المذكور عليه كثير في القرآن، كقوله تعالى: { وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنينَ ‘} الأنعام : 75، و في هذه الصّنعة إيهام أنّ الأغراض الإلهيّة أعظم من أن يحيط بها فَهْم، أو يفي بتمامها لفظ. (14 : 42)

فضل الله: في ما نريد أن نعدّه له من دور في حمل الرّسالة للنّاس، و في رفع مستواهم الرّوحيّ و الفكريّ و الحياتيّ، و تلك هي الإرادة الإلهيّة الحاسمة الّتي لامجال للشّكّ فيها، و لاللتّراجع عنها. (15 : 33)

21 - وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘. الأنبياء : 107

ابن عبّاس: في قول الله في كتابه { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } من آمن بالله و اليوم الآخر، كُتب له الرّحمة في الدّنيا و الآخرة، و من لم يؤمن بالله و رسوله عُوفي ممّا أصابالأُمم من الخسف و القذف. (الطّبَريّ 9 : 100)

ابن زَيْد: العالمون: من آمن به و صدّقه، { وَ اِنْ

اَدْرى‘ لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتَاعٌ اِلى" حين ‘ } الأنبياء : 111، فهو لهؤلاء فتنة و لهؤلاء رحمة، و قد جاء الأمر مجملا رحمةً للعالمين، و العالمون هاهنا: من آمن به و صدّقه و أطاعه. (الطّبَريّ9 : 101)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّد (صلی الله علیه و آله): و ما أرسلناك يا محمّد إلى خلقنا إلا رحمةً لمن أرسلناك إليه من خلقي.

ثمّ اختلف أهل التّأويل في معنى هذه الآية أجميع العالم الّذين أُرسل إليهم محمّد أُريد بها مؤمنهم و كافرهم؟ أم أُريد بها أهل الإيمان خاصّة دون أهل الكفر؟ فقال بعضهم: عنى بها جميع العالم المؤمن و الكافر.

و قال آخرون: بل أُريد بها أهل الإيمان دون أهل الكفر.

و أولى القولين في ذلك بالصّواب: القول الّذي روي عن ابن عبّاس، و هو أنّ الله أرسل نبيّه محمّدً ا (صلی الله علیه و آله) رحمةً لجميع العالم مؤمنهم و كافرهم. فأمّا مؤمنهم فإن الله هداه به و أدخله بالإيمان به و بالعمل بما جاء من عند الله الجنّة، و أمّا كافرهم فإنّه دفع به عنه عاجل البلاء الّذي كان ينزل بالأُمم المكذّبة رسُلها من قبله. (9 : 100)

الماوَرْديّ: فيما أُريد بهذه الرّحمة وجهان:

أحدهما: الهداية إلى طاعة الله و استحقاق ثوابه.

الثّاني: أ نّه ما رفع عنهم من عذاب الاستئصال. (3 : 475)

الطُّوسيّ: أي نعمةعليهم، و لأن ترحمهم.

و في الآية دلالة على بطلان قول المُجبّرة في أ نّه: ليس لله على الكافرين نعمة، لأ نّه تعالى بيّن أنّ إرسال الله رسوله نعمة على العالمين، و على كلّ من أُرسل إليهم.

و وجه النّعمة على الكافر أ نّه عرضه للإيمان و لطف له في ترك معاصيه. و قيل: هي نعمة على الكافر بأن عُوفي ممّا أصاب الأُمم قبلهم من الخسف و القذف، في قول ابن عبّاس. (7 : 285)

القُشَيْريّ: أمّا من أسلم فبك ينجون، و أمّا من كفر فلانعذّبهم ما دُمتَ فيهم، فأنت رحمة منّا على الخلائق أجمعين. (4 : 298)

المَيْبُديّ: نعمة تشملهم، قيل: هي للمؤمنين خاصّة، و إليه ذهب ابن عبّاس. و قيل: عامّ فيهم أمنو الخسف و المسخ و العذاب، يعنى من آمن به كُتبت له الرّحمة في الدّنيا و الآخرة، و من لم يؤمن به عُوفي ممّا أصاب الأُمم قبله، من الخسف و الغرق و نحوهما.

و قد قال (صلی الله علیه و آله): « إنّما أنا رحمة مهداة ». (6 : 318)

نحوه أبوحَيّان. (6 : 344)

الزّمَخْشَريّ: أُرسل (صلی الله علیه و آله) { رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ ‘} لأ نّه جاء بما يُسعدهم إن اتّبعوه. و من خالف و لم يتّبع، فإنّما أتى من عند نفسه حيث ضيّع نصيبه منها.و مثاله: أن يُفجّر الله عينًا غديقة، فيسقي ناس زروعهم و مواشيهم بمائها فيفلحوا، و يبقى ناس مفرّطون عن السّقي فيضيّعوا، فالعين المفجّرة في نفسها نعمة من الله و رحمة للفريقين، و لكنّ الكَسلان محنة على نفسه؛ حيث حرّمها ما ينفعها. وقيل: كونه رحمة للفُجّار، من

حيث إنّ عقوبتهم أُخّرت بسببه، و أمنوا به عذاب الاستئصال. (2 : 586)

ابن عَطيّة: و قوله: { اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } قالت فرقة: عمّ العالمين و هو يريد من آمن فقط، و ذلك أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ليس برحمة على من كفر به و مات على الكفر.

و قالت فرقة: « العالمون » عامّ و رحمته للمؤمنين بيّنة، و هي للكافرين بأنّ الله تعالى رفع عن الأُمم أن يصيبهم ما كان يصيب القرون قبلهم، من أنواع العذاب المستأصلة كالطّوفان و غيره.

و يحتمل الكلام أن يكون معناه { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } أي هو رحمة في نفسه، و هذا بيّن أخذ به من أخذ، و أعرض عنه من أعرض. (4 : 103)

الطَّبْرِسيّ: أي نعمة عليهم، قال ابن عبّاس: رحمة للبَرّ و الفاجر و المؤمن و الكافر، فهو رحمة للمؤمن في الدّنيا و الآخرة، و رحمة للكافر بأن عُوفي ممّا أصاب الأُمم من الخسف و المسخ

و روي أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) قال لجبرائيل لم-ّا نزلت هذه الآية:< هل أصابك من هذه الرّحمة شيء؟ قال: نعم، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر، فآمنت بك لم-ّا أثنى الله عليّ بقوله:{ ذى‘ قُوَّة عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكين ‘ } التّكوير: 20> و قد قال: < إنّما أنا رحمة مهداة >.أو قيل: إنّ الوجه في أ نّه نعمة على الكافر أ نّه عرضه للإيمان و الثّواب الدّائم، و هداه و إن لم يهتد، كمن قدّم الطّعام إلى جائع فلم يأكل، فإنّه مُنعم عليه و إنلم يقبل.

و في الآية دلالة على بطلان قول أهل الجبر، في أ نّه ليس لله على الكافر نعمة، لأ نّه سبحانه بيّن أنّ في إرسال محمّد (صلی الله علیه و آله) نعمة على العالمين و على كلّ من أُرسل إليهم. (4 : 67)

الفَخْرالرّ ازيّ: أمّا قوله تعالى: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } ففيه مسائل:

المسألة الأُولى: أ نّه كان رحمة في الدّين و في الدّنيا:

أمّا في الدّين فلأ نّه بُعث و النّاس في جاهليّةو ضلالة، و أهل الكتابين كانوا في حيرة من أمر دينهم، لطول مكثهم و انقطاع تواترهم، و وقوع الاختلاف في كتبهم، فبعث الله تعالى محمّدً ا (صلی الله علیه و آله) حين لم يكن لطالب الحقّ سبيل إلى الفوز و الثّواب، فدعاهم إلى الحقّ، و بيّن لهم سبيل الثّواب، و شرع لهم الأحكام، و ميّز الحلال من الحرام. ثمّ إنمّا ينتفع بهذه الرّحمة من كانت همّته طلب الحقّ، فلايركن إلى التّقليد و لا إلى العناد و الاستكبار، و كان التّوفيق قرينًا له، قال الله تعالى: { قُلْ هُوَ لِلَّذينَ ‘ا"مَنُوا هُدًى وَ شِفَاءٌ }إلى قوله: {وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } فصّلت : 44.

و أمّا في الدّنيا فلأ نّهم تخلّصوا بسببه من كثير من الذُّلّ و القتال و الحروب، و نُصروا ببركة دينه.

فإن قيل: كيف كان رحمة، و قد جاء بالسّيف و استباحة الأموال؟

قلنا: الجواب من وُجُوه:

أحدها: إنّما جاء بالسّيف لمن استكبر و عاند، و لم يتفكّر و لم يتدبّر، ومن أوصاف الله { الرَّحْمنِ

الرَّحيمِ‘}، ثمّ هو منتقم من العصاة، و قال: { وَ نَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِِ مَاءً مُبارَكًا } ق, : 9، ثمّ قد يكون سببًا للفساد.

و ثانيها: أنّ كلّ نبيّ قبل نبيّنا، كان إذا كذّبه قومه، أهلك الله المكذّبين بالخسف و المسخ و الغرق، و أ نّه تعالى أخّر عذاب من كذّب رسولنا إلى الموت أو إلى القيامة، قال تعالى: { وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ اَنْتَ فيهِمْ‘} الأنفال : 33، لايقال: أليس أ نّه تعالى قال: { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِاَيْديكُمْ } التّوبة : 14، و قال تعالى:{لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقينَ ‘وَ الْمُنَافِقَاتِ} الأحزاب : 73 ؟ لأ نّا نقول: تخصيص العامّ لايقدح فيه.

و ثالثها: أ نّه كان في نهاية حُسن الخُلُق، قال تعالى: { وَ اِنَّكَ لَعَلى" خُلُق ٍعَظيم ٍ‘} القلم : 4، و قال أبوهريرة رضي الله عنه: « قيل لرسول الله(صلی الله علیه و آله) أُدع على المشركين، قال: إنمّا بُعثت رحمةً و لم أُبعث عذا بًا ».

و قال في رواية حذيفة: « إنّما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيمّا رجل سببته أو لعنته، فاجعلها اللّهمّ عليه صلاة يوم القيامة ».

و رابعها: قال عبد الرّحمان بن زَيْد: { اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } يعني المؤمنين خاصّة. قال الإمام أبوالقاسم الأنصاريّ: و القولان يرجعان إلى معنى واحد، لما بيّنّا أ نّه كان رحمة للكلّ لو تدبّروا في آيات الله و آيات رسوله، فأمّا من أعرض و استكبر، فإنّما وقع في المحنة منقبل نفسه، كما قال: { وَ هُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } فصّلت : 44.

المسألة الثّانية: قالت المعتزلة: لو كان الله تعالى أراد من الكافرين الكفر و لم يُرد منهم القبول من الرّسول، بل ما أراد منهم إلا الرّدّ عليه، و خلق ذلك فيهم و لم يخلقهم إلا كذلك، كما يقوله أهل السّنّة، لوجب أن يكون إرساله نقمةً و عذا بًا عليهم لارحمةً؛ و ذلك على خلاف هذا النّصّ. لايقال: إنّ رسالته رحمة للكفّار من حيث لم يُعجّل عذابهم في الدّنيا، كما عجّل عذاب سائر الأُمم، لأ نّا نقول: إنّ كونه رحمة للجميع على حدّ واحد، و ما ذكرتموه للكفّار فهو حاصل للمؤمنين أيضًا. فإذًا يجب أن يكون رحمة للكافرين من الوجه الّذي صار رحمة للمؤمنين. و أيضًا فإنّ الّذي ذكروه من نعم الدّنيا كانت حاصلة للكفّار قبل بعثته (صلی الله علیه و آله) كحصولها بعده، بل كانت نعمهم في الدّنيا قبل بعثته أعظم، لأنّ بعد بعثته نزل بهم الغمّ و الخوف منه، ثمّ أمر بالجهاد الّذي فني أكثرهم فيه، فلايجوز أن يكون هذا هو المراد.

و الجواب: أن نقول: لم-ّا علم الله سبحانه و تعالى أنّ أبا لهب لايؤمن ألبتّة، و أخبر عنه أ نّه لايؤمن، كان أمره إيّاه بالإيمان أمرً ا يقلب علمه جهلا ، و خبره الصّدق كذبًا، و ذلك محال، فكان قد أمره بالمحال. و إن كانت البعثة مع هذا القول رحمة، فلِمَ لايجوز أن يقال: البعثة رحمة مع أ نّه خلق الكفر في الكافر؟ و لأنّ قدرة الكافر إن لم تصلح إلا للكفر فقط، فالسّؤال عليهم لازم، و إن كانت صالحة للضّدّين توقّف للتّرجيح على مُرجّح من قبل الله تعالى، قطعًا للتّسلسل.و حينئذ يعود الإلزام.

ثمّ نقول: لِمَ لايجوز أن يكون رحمة للكافر بمعنى تأخير عذاب الاستئصال عنه؟ قوله أوّ لا : لمّا كان

رحمة للجميع على حدّ واحد، وجب أن يكون رحمة للكفّار من الوجه الّذي كان رحمة للمؤمنين.

قلنا: ليس في الآية أ نّه رحمة للكلّ باعتبار واحد، أو باعتبارين مختلفين، فدعواك بكون الوجه واحدً ا تحكّم.

قوله: نعم الدّنيا كانت حاصلة للكفّار من قبل.

قلنا: نعم و لكنّه لكونه رحمة للمؤمنين لم-ّا بُعث، حصل الخوف للكفّار من نزول العذاب، فلمّا اندفع ذلك عنهم بسبب حضوره، كان ذلك رحمة في حقّ الكفّار.

المسألة الثّالثة: تمسّكوا بهذه الآية، في أ نّه أفضل من الملائكة، قالوا: لأنّ الملائكة من العالمين، فوجب بحكم هذه الآية أن يكون رحمة للملائكة، فوجب أن يكون أفضل منهم.

و الجواب: أ نّه معارض بقوله تعالى في حقّ الملائكة: { وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ ‘ا"مَنُوا } المؤمن : 7، و ذلك رحمة منهم في حقّ المؤمنين، و الرّسول داخل في المؤمنين، و كذا قوله تعالى: { اِنَّ اللهَ وَ مَلئِكَتَهُ’ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ } الأحزاب : 56. (22 : 230)

النَّيسابوريّ: و البلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط و الوسائل، و لامطلوب أجلّ من سعادةالدّارين، فكلّ من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتمّ الأكمل، كان وجوده رحمة من الله للطّالب المتحيّر، و ما ذاك إلا خاتم النّبيّين، فلهذا قال: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } و كونه رحمة للكلّ لاينافي قتله بعض الكفَرة و التّعرّض لأموالهم و أولادهم، كما أنّ كَيّ بعض أعضاء المريض بل قطعه لاينافي حذق الطّبيب و إشفاقه على المريض. و من هنا قيل: آخر الدّواء الكَيّ. و العاقل لاينسب التّقصير إلى الفاعل لقصور في القابل.

قالت المعتزلة: لو كان كفر الكافر بخلق الله،لم يكن إرسال الرّسول رحمة له، لأ نّه لايحصل له حينئذ إلا لزوم الحجّة عليه.

و أُجيب: بأ نّّٰ كونه رحمة للفجّار، هو أ نّهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال، و لايلزم أن يكون الرّسول رحمة للمؤمنين، من جهة كونه رحمة للكافرين.و الجواب المحقّق: أنّ كونه رحمة عامّة بالنّسبة إلى أُمّة الدّعوة، لاينافي كونه رحمة خاصّة بالنّسبة إلى أُمّة الإجابة، و هو قريب ممّا ذكرناه أوّ لا ، و الحجّة و تبعتها لازمة على الكافر و إن لم يُبعث النّبيّ، غايته أ نّها بعد البعثة ألزم. و في الآية دلالة على أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) أفضل من الملائكة، لأ نّه رحمة لهم، فإنّهم من العالمين.

و عورض بقوله:{ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فى ِالاَ_رْضِ } الشّورى : 5، و الاستغفار رحمة.

و الجواب: أنّ الرّحمةبمعنى كونه في نفسه مكمّلا كاملا في الغاية، غير الرّحمة بمعنى الدّعاء، فلايلزم من كون الأوّل سببًا للأفضليّةكون الثّاني كذلك. (17 : 69)

الشِّربينيّ: كلّهم أهل السّماوات و أهل الأرض من الجنّ و الإنس، وغيرهم طائعهم بالثّواب و عاصيهم بتأخير العقاب الّذي كنّا نستأصل الأُمم به، فنحن نمهلهم ونترفّق بهم إظهارً الشرفك، و إعلاءً

لقدرك، ثمّ نردّ كثيرً ا منهم إلى دينك و نجعلهم من أكابر أنصارك و أعاظم أعوانك، بعد طول ارتكابهم الضّلال، و ارتباكهم في إشراك المحال. و من أعظم ما يظهر فيه هذا الشّرف في عموم الرّحمة وقت الشّفاعة العُظمى، يوم يجمع الله تعالى الأوّلين و الآخرين، و تقوم الملائكة صفوفًا و الثّقلان وسطهم، و يموج بعضهم في بعض من شدّة ما هم فيه، يطلبون من يشفع لهم، فيقصدون أكابر الأنبياء نبيًّا نبيًّا عليهم الصّلاة و السّلام، فيُحيل بعضهم على بعض، و كلّ منهم يقول: لست لها حتّى يأتوه (صلی الله علیه و آله) فيقول: « أنا لها »، و يقوم معه لواء الحمد، فيشفعه الله تعالى، و هو المقام المحمود الّذي يغبطه به الأوّلون و الآخرون، فهو (صلی الله علیه و آله) أفضل الخلق أجمعين. (2 : 533)

أبوالسُّعود: { اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ ‘} هو في حيّز النّصب، على أ نّه استثناء من أعمّ العلل أو من أعمّ الأحوال، أي ما أرسلناك بماذُكر لعلّة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة للعالمين قاطبةً، أو ما أرسلناك في حال من الأحوال إلا حال كونك رحمةً لهم، فإنّ ما بُعثتبه سبب لسعادة الدّ ارين، و منشأ لانتظام مصالحهم في النّشأتين. و من لم يغتنم مغانم آثاره، فإنّما فرّط في نفسه و حُرمة حقّه، لا أ نّه تعالى حرمه ممّا يُسعده.

و قيل: كونه رحمةً في حقّ الكفّار، أمنهم من الخسف و المسخ و الاستئصال، حسبما ينطق به قوله تعالى: { وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّ بَهُمْ وَ اَنْتَ فيهِمْ‘ } الأنفال : 33. (4 : 361)

البُرُوسَويّ: فإنّ ما بُعثت به سبب لسعادة الدّارين، و منشأ لانتظام مصالحهم في النّشأتين، و من أعرض عنه و استكبر، فإنّما وقع في المحنة من قبل نفسه، فلايُرحَم، و كيف كان رحمةً للعالمين، و قد جاء بالسّيف و استباحة الأموال.

قال بعضهم: جاء رحمة للكفّار أيضًا، من حيث إنّ عقوبتهم أُخّرت بسببه، و أمنوا به عذاب الاستئصال و الخسف و المسخ. ورد في الخبر أ نّه قال لجبريل: « إنّ الله يقول: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ } إلى آخره، فهل أصابك من هذه الرّحمة ؟» قال: نعم، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر فأمنت بك لثناء أثنى الله عليّ بقوله: { ذى‘ قُوّة عِنْدَ ذِى الْعَ-رْشِ مَكين ‘ * مُطَاعٍ ثَمَّ اَمين ‘ } التّكوير : 20 ،21.

قال بعض الكبار: و ما أرسلناك إلا رحمةً مطلقة تامّة، كاملة عامّة شاملة جامعة محيطة بجميع المقيّدات، من الرّحمة الغيبيّة و الشّهادة العلميّة و العينيّة و الوجوديّة و الشّهوديّة، و السّابقة و اللا حقة، و غير ذلك للعالمين، جمع عوالم ذوي العقول و غيرهم، من عالم الأرواح والأجسام، و من كان رحمةً للعالمين لزم أن يكون أفضل من كلّ العالمين. و عبارة ضمير الخطاب فى قوله: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ } خطاب للنّبىّ فقط، و إشارته خطاب لكلّ واحد من ورثته الّذين هم على مشربه إلى يوم القيامة، بحسب كونه مظهرً ا لإرثه.

و قال بعض الكبار: إنّما كان رحمةً للعالمين بسبب اتّصافه بالخُلق العظيم،ورعايته المراتب كلّها في محالّها، كالمُلك و الملكوت و الطّبيعة و النّفس و الرّوح و السّرّ.

و في < التّأويلات النّجميّة >: في سورة مريم بين قوله: { وَرَحْمَةً مِنَّا } مريم : 21، في حقّ عيسى، و بين قوله في حقّ نبيّنا : { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } فرق عظيم، و هوأ نّه في حقّ عيسى ذكر الرّحمة مقيّدة بحرف( مِنْ ) و< من > للتّبعيض، فلهذا كان رحمةً لمن آمن به، و اتّبع ما جاء به، إلى أن بُعث نبيّنا ، ثمّ انقطعت الرّحمة من أُمّته بنسخ دينه، و في حقّ نبيّنا ذكر الرّحمة للعالمين مطلقًا، فلهذا لاتنقطع الرّحمة على العالمين أبدً ا، أمّا في الدّنيا فبأن لايُنسَخ دينه، و أمّا فى الآخرة فبأن يكون الخلق محتاجين إلى شفاعته حتّى إبراهيم ، فافهم جدًّ ا.

قال في < عرائس البقليّ >: أيّها الفهيم إنّ الله أخبرنا أنّ نور محمّد أوّ ل ما خلقه، ثمّ خلق جميع الخلائق من العرش إلى الثّرى من بعض نوره، فإرساله إلى الوجود و الشّهود رحمة لكلّ موجود؛ إذالجميع صدر منه، فكونه كون الخلق، و كونه سبب وجود الخلق وسبب رحمة اللهعلى جميع الخلائق، فهو رحمة كافية.

وافهم أنّ جميع الخلائق صورة مخلوقة مطروحة في فضاء القدرة بلاروح، حقيقة منتظرة لقدوم محمّد فإذا قدم إلى العالم صار العالم حيًّا بوجوده، لأ نّه روح جميع الخلائق. و يا عاقل إنّ من العرش إلى الثّرى لم يخرج من العدم إلا ناقصًا، من حيث الوقوف على أسرار قدمه بنعت كمال المعرفة و العلم، فصاروا عاجزين عن البلوغ إلى شطّ بحار الأُلوهيّة، و سواحل قاموس الكبريائيّة، فجاء محمّد إكسير أجساد العالم، و روح أشباحه بحقائق علوم الأزليّة، و أوضح سبيل الحقّ للخلق؛ بحيث جعل سِفْر الآزال و الآباد للجميع خُطوة واحدة، فإذا قدم من الحضرة إلى سفر القربة بلغهم جميعًا بخطوة من خطوات صحاري{ سُبْحَانَ الَّذى‘ اَسْرى بِعَبْدِهِ } الإسراء : 1، حتّى وصل إلى مقام أوأدْنى، فغفر الحقّ لجميع الخلائق بمقدمه المبارك.

قال بعض العلماء: إنّ كلّ نبىّ كان مقدّمة للعقوبة، لقوله تعالى: { وَ مَا كُن-َّا مُعَذِّبينَ‘ حَتى| نَبْعَثَ رَسُولا } الإسراء : 15، و نبيّنا كان مقدّمة للرّحمة، لقوله: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ } إلى آخره، و أراد الله تعالى أن يكون خاتمة على الرّحمة لاعلى العقوبة، لقوله تعالى:< سبَقَتْ رحمتي على غضبي > و لذا جُعلنا آخر الأُمم، فابتداء الوجود رحمة، و آخره و خاتمته رحمة.

و اعلم أ نّه لم-ّا تعلّقت إرادة الحقّ بايجاد الخلق، أبرز الحقيقةالأحمديّة من كمون الحضرة الأحديّة، فميّزه بميم الإمكان، و جعله رحمة للعالمين، و شرّف به نوع الإنسان، ثمّ انبجست منه عيون الأرواح، ثمّ بدا ما بدا في عالم الأجساد و الأشباح، كما قال : « أنا من الله و المؤمنون من فيض نوري » فهو الغاية الجليلة من ترتيب مبادئ الكائنات، كما قال تعالى: « لولاك لما خلقت الأفلاك ».

علّت غائيّه هر عالم اوست

سرور أولاد بني آدم اوست

واسطهء فيض وجوديّ همه

رابطه بود ونبودي همه

قال العرفيّ الشّيرازيّ في قصيدته النّعتيّة:

ازبس شرف گوهر تومنشئ تقدير

آن روزكه بگذاشتي اقليم عدم را

تاحكم نزول تودرين دار نوشته است

صدره بعبث باز تراشيده قلم را

المراد من العبث مقلوبه و هو البعث، يعني يكفيك شرفًا و فضلا ، أنّ الله سبحانه إنمّا خلق الخلق و بعث الأنبياء و الرّسل، ليكونوا مقدّمة لظهورك في عالم المُلك و الشّهادة، فأرواحهم و أجسادهم تابعة لروحك الشّريف و جسمك اللّطيف.

ثمّ اعلم أ نّ حياته رحمةً و مماته رحمةً، كما قال: « حياتي خير لكم، و مماتي خير لكم ». قالوا: هذا خيرنا فى حياتك فما خيرنا في مماتك؟ فقال: « تُعرَض عليّ أعمالكم كلّ عشيّة الاثنين و الخميس، فما كان من خير حمدت الله تعالى، و ما كان من شرّ أستغفر الله لكم ». [ثمّ نقل أشعا رً ا من الجاميّفلاحظ] (5 : 527)

الآلوسيّ:استثناء من أعمّ العلل، أي و ما أرسلناك بما ذُكر لعلّة من العلل إلا لترحم العالمين بإرسالك، أو من أعمّ الأحوال، أي { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ } في حال من الأحوال إلا حال كونك رحمةً، أو ذا رحمة، أو راحمًا لهم ببيان ما أُرسلت به. و الظّاهر أنّ المرادب- { لِلْعَالَمينَ‘ } : ما يشمل الكفّار، و وجه ذلك عليه أ نّه أُرسل بما هو سبب لسعادة الدّ ارين و مصلحة النّشأتين، إلا أنّ الكافر فوّت على نفسه الانتفاع بذلك، و أعرض لفساد استعداده عمّا هنالك، فلايضرّ ذلك في كونه (صلی الله علیه و آله) أُرسل رحمة بالنّسبة إليه أيضًا، كما لايضرّ في كون العين العذبة مثلا نافعة، عدم انتفاع الكسلان بها لكسله و هذا ظاهر، خلافًا لمن ناقش فيه.

و هل يراد ب-{ لِلْعَالَمينَ‘} ما يشمل الملائكة أيضًا؟ فيه خلاف مبنيّ على الخلاف في عموم بعثته (صلی الله علیه و آله) لهم .

فإذا قلنا بالعموم، كما رجّحه من الشّافعيّة البارزيّ و تقيّ الدّين السّبكيّ و الجلال المحلّيّ في < خصائصه >، و من الحنابلة ابن تيميّة و ابن حامد و ابن مفلّح في كتاب< الفروع > و من المالكيّة عبد الحقّ، قلنا: بشمول العالمين لهم هنا، و كونه (صلی الله علیه و آله) أُرسل رحمة بالنّسبة إليهم، لأ نّه جاء عليه الصّلاة و السّلام أيضًا بما فيه تكليفهم من الأوامر و النّواهي، وإنلم نعلم ما هنا، و لاشك ّأنّ في امتثال المكلّف ما كُلّف به نفعًا له و سعادة.

و إن قلنا: بعدم العموم، كما جزم به الحليميّ و البيهقيّ و الجلال المحلّيّ في شرح < جمع الجوامع > و زين الدّين العراقيّ في < نكته > على ابن الصّلاح من الشّافعيّة و محمود بن حمزة في كتابه < العجائب و الغرائب > من الحنفيّة، بل نقل البرهان النّسَفيّ و الفَخْرالرّ ازيّ في تفسيرَيهما الإجماع عليه - و إن لم يسلّم - قلنا: بعدم شموله لهم هنا، و إرادة من عداهم منه. و قيل: هم داخلون هنا في العموم، و إن لم نقل ببعثته (صلی الله علیه و آله) إليهم، لأ نّهم وقفوا بواسطة إرساله عليه الصّلاة و السّلام على علوم جمّة و أسرار عظيمة، ممّا أودع في كتابه الّذي فيه بناء ما كان و ما يكون عبارة

و إشارة، و أيّ سعادة أعظم من التّحلّي بزينة العلم، و كونهم لايجهلون شيئًا، ممّا لم يذهب إليه أحد من المسلمين. و قيل: لأ نّهم أظهر مَن فضَّلهم على لسانه الشّريف ما أظهر.

و قال بعضهم: إنّ الرّحمة في حقّ الكفّار أمنهم ببعثته (صلی الله علیه و آله) من الخسف و المسخ و القذف و الاستئصال. و أخرج ذلك الطّبَرانيّ و البيهقيّ و جماعة عن ابن عبّاس، و ذكر أ نّها في حقّ الملائكة الأمن من نحو ما ابتلي به هاروت و ماروت، و أُيّد بما ذكره صاحب < الشّفاء > أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) قال لجبريل : هل أصابك من هذه الرّحمة شيء؟ قال: نعم، كنت أخشى العاقبة، فأمنت لثناء الله تعالى عليّفي القرآن بقوله سبحانه: { ذى‘ قُوَّة عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكين ‘ } التّكوير : 20.

و إذا صحّ هذا الحديث، لزم القول بشمول{ لِلْعَالَمينَ‘ } للملائكة إلا أنّ الجلال السُّيوطيّ ذكر في < تزيين الأرائك > أ نّه لم يوقف له على إسناد. و قيل: المراد ب- { لِلْعَالمَينَ‘ } جميع الخلق، فإنّ العالم ما سوى الله تعالى و صفاته جلّ شأنه، و جُمِع جمع العقلاء تغليبًا للأشرف على غيره، و كونه (صلی الله علیه و آله) رحمة للجميع باعتبار أ نّه عليه الصّلاة و السّلام واسطة الفيض الإلهيّ على الممكنات، على حسب القوابل، و لذا كان نوره (صلی الله علیه و آله) أوّ ل المخلوقات. ففي الخبر: < أوّ ل ما خلق الله تعالى نور نبيّك يا جابر و جاء الله تعالى المعطي و أنا القاسم> .

و للصّوفيّة قُدّست أسرارهم في هذا الفصل كلام فوق ذلك، و في < مفتاح السّعادة > لابن القيّم: أ نّه لو لاالنّبوّ ات لم يكن في العالم علم نافع ألبتّة، و لاعمل صالح و لاصلاح في معيشة، و لاقوام لمملكة، و لكان النّاس بمنزلة البهائم و السّباع العاديّة و الكلاب الضّارّ يّة الّتي يعدو بعضها على بعض، و كلّ خير في العالم فمن آثار النّبوّة، وكلّ شرّ وقع في العالم أو سيقع فبسبب خفاء آثار النّبوّة و دروسها، فالعالم جسد روحه النّبوّة، و لاقيام للجسد بدون روحه. و لهذا إذا انكسفت شمس النّبوّة من العالم، و لم يبق في الأرض شيء من آثارها ألبتّة، انشقّت سماؤه، و انتشرت كواكبه، و كُوّرت شمسه، وخُسف قمره، و نُسفتجباله و زُلزلت أرضه، و أُهلك من عليها، فلاقيام للعالم إلا بآثار النّبوّة، انتهى.

و إذا سُلّم هذا عُلم منه بواسطة كونه (صلی الله علیه و آله) أكمل النّبيّين، و ما جاء به أجلّ ممّا جاؤوا به و إن لم يكن في الأُصول اختلاف، وجه كونه عليه الصّلاة و السّلام أُرسل رحمةً للعالمين أيضًا، لكن لايخلو ذلك عن بحث.

و زعم بعضهم:أنّ{ لِلْعَالمَينَ‘ }هنا خاصّ بالمؤمنين و ليس بشيء. و لواحد من الفضلاء كلام طويل في هذه الآية الكريمة، نقَض فيه و أبرَم و منَع و سلّم،و لاأرى له منشأ سوى قلّة الاطّلاع على الحقّ الحقيق بالاتبّاع. و أنت متى أخذت العناية بيدك بعد الاطّلاع عليه، سهل عليك ردّه، و لم يَهُولك هزله و جدّه.و الّذي أختاره: أ نّه (صلی الله علیه و آله) إنّما بُعث رحمةً لكلّ فرد فرد من العالمين، ملائكتهم و إنسهم و جنّهم. و لافرق بين المؤمن و الكافر من الإنس و الجنّ في ذلك. و الرّحمة

متفاوتة، و لبعض من العالمين المعلّى، و الرّقيب منها. و مايرى أ نّه ليس من الرّحمة، فهو إمّا منها في النّظر الدّقيق، أو ليس مقصودً ا بالقصد الأولى، كسائر الشّرور الواقعة في العالم، بناء على ما حُقّق في محلّه أنّ الشّرّ ليس داخلا في قضاء الله تعالى بالذّات.

و ممّا هو ظاهر في عموم( العالمين) الكفّار ما أخرجه مسلم عن أبي هُريرة، قال: قيل يا رسول الله: أُدع على المشركين، قال: إنّي لم أُبعث لعّانًا، و إنمّا بُعثت رحمةً. ولعلّه يؤيّد نصب { رَحْمَةً } في الآية على الحال، كقوله(صلی الله علیه و آله): الّذي أخرجه البيهقيّ في < الدّ لائل> عن أبي هريرة: < إنمّا أنا رحمة مهداة >.

و لايشين احتمال التّعليل، ما ذهب إليه الأشاعرة، من عدم تعليل أفعاله عز ّوجلّ، فإنّ الماتريديّة و كذا الحنابلة ذهبوا إلى خلافه، و ردّوه بما لامزيد عليه، على أ نّه لامانع من أن يقال فيه كما قيل في سائر ما ظاهره التّعليل. و وجود المانع هنا توهّم محض، فتدبّر. ثمّ لايخفى أنّ تعلّق { لِلْعَالمَينَ‘ } ب- (رحمة) هو الظّاهر. (17 : 104)

ابن عاشور: أُقيمت هذه السّورة على عماد إثبات الرّسالة لمحمّد (صلی الله علیه و آله) و تصديق دعوته. فافتُتحت بإنذار المعاندين باقتراب حسابهم، و وَشْك حلول وعد الله فيهم، و إثبات رسالة محمّد (صلی الله علیه و آله) و أ نّه لم يكن بدعًا من الرّسل، و ذكروا إجمالا ، ثمّ ذكرت طائفة منهم على التّفصيل، و تُخُلّل ذلك بمواعظ و دلائل.

و عُطفت هذه الجملة على جميع ما تقدّم من ذكر الأنبياء الّذين أُوتوا حُكمًا و علمًا و ذكر ما أُوتوه من الكرامات، فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمّد (صلی الله علیه و آله) ، و مزيّتها على سائر الشّرائع مزيّة تناسب عمومها و دوامها، و ذلك كونها رحمة للعالمين، فهذه الجملة عطف على جملة { وَ جَعَلْنَاهَا وَ ابْ-نَهَا ا"يَةً لِلْعَالَمينَ‘ } الأنبياء : 91، ختامًا لمناقب الأنبياء، و ما بينهما اعتراض و استطراد.

و لهذه الجملة اتّصال بآية { وَ اَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذينَ‘ ظَلَمُوا هَلْ هذَا اِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ اَ فَتَاْتُونَ السِّحْرَ وَ اَنْ-تُمْ تُبْصِرُونَ } الأنبياء : 3.

و وزانها في وصف شريعة محمّد (صلی الله علیه و آله) وزان آية: { وَ لَقَدْ ا"تَيْنَا مُوسى وَ هرُ ونَ الْفُرْ قَانَ } الأنبياء : 48، و آية: { وَ لَقَدْ ا"تَيْنَا اِبْرهيمَ ’‘رُشْدَهُ } الأنبياء : 51، و الآيات الّتي بعدهما في وصف ما أُوتيه الرُّسل السّابقون.

و صيغت بأبلغ نظم؛ إذ اشتملت هاته الآية بوجازة ألفاظها على مدح الرّسول عليه الصّلاةو السّلام، و مدح مُرسله تعالى، و مدح رسالته بأن كانت مظهر رحمة الله تعالى للنّاس كافّة، و بأ نّها رحمة الله تعالى بخلقه.

فهي تشتمل على أربعة و عشرين حرفًا، بدون حرف العطف الّذي عُطفت به، ذُكر فيه الرّسول، و مُرسله، و المرسَل إليهم، و الرّسالة، و أوصاف هؤلاء الأربعة، مع إفادة عموم الأحوال، و استغراق المرسَل إليهم، و خصوصيّة الحصر. و تنكير { رَحْمَةً } للتّعظيم؛ إذ لامقتضى لإيثار التّنكير في هذا المقام غير إرادة التّعظيم، و إلا لقيل: إلا لنرحم العالمين، أو إلا

أنّك الرّحمة للعالمين. و ليس التّنكير للإفراد قطعًا، لظهور أنّ المراد جنس الرّحمة، و تنكير الجنس هو الّذي يعرض له قصد إرادة التّعظيم. فهذه اثنا عشر معنًى خصوصيًّا، فقد فاقت أجمع كلمة لبلغاء العرب، و هي:

• قِفا نَبكِ من ذكرى حبيب و منزل *

إذ تلك الكلمة قصاراها، كما قالوا: « إنّه وقف و استوقف و بكى و استبكى و ذكر الحبيب و المنزل » دون خصوصيّة أزيد من ذلك، فجمع ستّة معان لاغير و هي غير خصوصيّة، إنمّا هي وفرة معان. و ليس تنكير « حبيب و منزل » إلا للوحدة، لأ نّه أراد فردً ا معيّنًا من جنس الأحباب، و فردً ا معيّ-نًا من جنس المنازل، و هما حبيبه صاحب ذلك المنزل، و منزله.

و اعلم أنّ انتصاب { رَحْمَةً } على أ نّه حال من ضمير المخاطب، يجعله وصفًا من أوصافه، فإذا انضمّ إلى ذلك انحصار الموصوف في هذه الصّفة، صار من قصر الموصوف على الصّفة. ففيه إيماء لطيف إلى أنّ الرّسول اتّحد بالرّحمة و انحصر فيها، و من المعلوم أنّ عنوان الرّسوليّة ملازم له في سائر أحواله، فصار وجوده رحمة، و سائر أكوانه رحمة. و وقوع الوصف مصدرً ا يفيد المبالغة في هذا الاتّحاد؛ بحيث تكون الرّحمة صفة متمكّنة من إرساله، و يدلّ لهذا المعنى ما أشار إلى شرحه النّبيّ(صلی الله علیه و آله) بقوله:«إنّما أنا رحمة مهداة». و تفصيل ذلك يظهر في مظهرين:

الأوّ ل: تخلّق نفسه الزّكيّة بخُلق الرّحمة.

و الثّاني: إحاطة الرّحمة بتصاريف شريعته.

فأمّا المظهر الأوّ ل: فقد قال فيه أبوبكر محمّد بن طاهر القيسيّ الإشبيليّ: أحد تلاميذ أبي علىّ الغسّانيّ و ممّن أجاز لهم أبوالوليد الباجي من رجال القرن الخامس: «زيّن الله محمّدً ا (صلی الله علیه و آله) بزينة الرّحمة، فكان كونه رحمة، و جميع شمائله رحمة و صفاته رحمة على الخلق »، انتهى. و ذكره عنه عياض في « الشّفاء».

قلت: يعني أنّ محمّدً ا (صلی الله علیه و آله) فُطِر على خُلق الرّحمة في جميع أحوال معاملته الأُمّة، لتتكوّن مناسبة بين روحه الزّكية و بين ما يُلقى إليه من الوحي بشريعته الّتي هي رحمة، حتّى يكون تلقّيه الشّريعة عن انشراح نفس، أن يجد ما يُوحى به إليه ملائمًا رغبته و خُلقه.قالت عائشة: « كان خُلقه القرآن » و لهذا خصّ الله محمّدً ا (صلی الله علیه و آله) في هذه السّورة بوصف الرّحمة، و لم يصف به غيره من الأنبياء، و كذلك في القرآن كلّه، قال تعالى: { لقَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنْ-فُسِكُمْ عَزيزٌ‘ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَريصٌ‘ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنينَ‘رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 128، و قال تعالى: { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ }آل عمران : 159، أي برحمة جبلّك عليها و فطرك بها، فكنت لهم ليّنًا. و في حديث مسلم: أنّ رسول الله لم-ّا شُجّ وجهه يوم أُحُد شقّ ذلك على أصحابه، فقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: « إنّي لم أُبعث لعّانًا، و إنّما بُعثت رحمة ».

و أمّا المظهر الثّاني: من مظاهر كونه رحمة للعالمين، فهو مظهر تصاريف شريعته، أي ما فيها من مقوّمات الرّحمة العامّة للخلق كلّهم، لأنّ قوله تعالى:

{ لِلْعَالَمينَ‘ } متعلّق بقوله { رَحْمَةً }. [إلى أن قال:]

لاجرم أنّ الله تعالى خصّ الشّريعة الإسلاميّة بوصفالرّحمة الكاملة، و قد أشار إلى ذلك قوله تعالى فيما حكاه، خطابًا منه لموسى : {وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْ‌ء فَسَاَكْتُبُهَا لِلَّذينَ‘ يَتَّ-قُونَ وَ يُؤْ تُونَ الزَّ كو ةَ وَ الَّذينَ‘ هُمْ بِا"يَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * اَ لَّذينَ‘ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الاُ_مِّىَّ } الأعراف : 156 ، 157، ففي قوله تعالى: { وَسِعَتْ كُلَّ شَىْ‌ء } إشارة إلى أنّ المراد رحمة هي عامّة، فامتازت شريعة الإسلام بأنّ الرّحمة ملازمة للنّاس بها في سائر أحوالهم، و أ نّها حاصلة بها لجميع النّاس، لا لأُمّة خاصّة.

و حكمة تمييز شريعة الإسلام بهذه المزيّة: أنّ أحوال النّفوس البشريّة مضت عليها عصور و أطوار، تهيّأت بتطوّراتها، لأن تُساس بالرّحمة، و أن تدفع عنها المشقّة إلا بمقادير ضروريّة لاتُقام المصالح بدونها، فما في الشّرائع السّالفة من اختلاط الرّحمة بالشّدّة، و ما في شريعة الإسلام من تمحّض الرّحمة، لم يجر في زمن من الأزمان إلا على مقتضى الحكمة. و لكن الله أسعد هذه الشّريعة و الّذي جاء بها و الأُمّة المتّبعة لها بمصادفتها للزّمن و الطّور الّذي اقتضت حكمة الله في سياسة البشر، أن يكون التّشريع لهم تشريع رحمة إلى انقضاء العالم.

فأُقيمت شريعة الإسلام على دعائم الرّحمة و الرّفق و اليُسْر. قال تعالى: { وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدّينِ‘ مِنْ حَرَجٍ } الحجّ: 78، و قال تعالى: { يُريدُ‘ اللهُ بِكُمُ الْ-يُسْرَ وَ لايُريدُ‘ بِكُمُ الْعُسْرَ } البقرة : 185، و قال النّبيّ‌ّّ (صلی الله علیه و آله): « بُعثت بالحنيفيّة السّمحة » و مايُتخيّل من شدّة في نحو القصاص و الحدود، فإنّما هو لمراعاة تعارض الرّحمة و المشقّة، كما أشار إليه قوله تعالى: { وَ لَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيو ةٌ } البقرة : 179. فالقصاص و الحدود شدّة على الجُناة، و رحمة ببقيّة النّاس.

و أمّا رحمة الإسلام بالأُمم غير المسلمين، فإنّما نعني به رحمته بالأُمم الدّ اخلة تحت سلطانه، و هم أهل الذّمّة، و رحمته بهم: عدم إكراههم على مفارقة أديانهم، و إجراء العدل بينهم في الأحكام بحيث لهم ما للمسلمين، و عليهم ما عليهم في الحقوق العامّة.

هذا . و إن أُريد ب- { لِلْعَالَمينَ‘ } في قوله تعالى: { اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } النّوع من أنواع المخلوقات ذات الحياة، فإنّ الشّريعة تتعلّق بأحوال الحيوان في معاملة الإنسان إيّاه و انتفاعه به؛ إذ هو مخلوق لأجل الإنسان، قال تعالى: { هُوَ الَّذى‘ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الاَ_رْضِ جَميعًا ‘} البقرة : 29، و قال تعالى: { وَ الاَ_ نْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فيهَا‘ دِفْ‌ءٌ وَ مَنَافِعُ وَ مِنْهَا تَاْكُلُونَ* وَ لَكُمْ فيهَا‘ جَمَالٌ حينَ ‘تُريحُو نَ وَ حينَ‘ تَسْرَحُونَ* وَ تَحْمِلُ اَثْقَالَكُمْ اِلى" بَلَد لَمْ تَكُونُوا بالِغيهِ‘ اِلا بِشِقِّ الاَ_ نْفُسِ اِنَّ رَ بَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } النّحل : 5 - 7.

و قد أذنت الشّريعة الإسلاميّة للنّاس في الانتفاع بما يُنتفع به من الحيوان، و لم تأذن في غير ذلك، و لذلك كره صيد اللّهو و حرّم تعذيبالحيوان لغير أكله، و عدّ فقهاؤنا سباق الخيل رخصة للحاجة في الغزو و نحوه.

و رغبت الشّريعة في رحمة الحيوان، ففي حديث

«الموطّأ »عن أبي هريرة مرفوعًا: « إنّ الله غفر لرجل وجد كلبًا يلهث من العطش، فنزل في بئر فملأ خُفّه ماءً، و أمسكه بفمه حتّى رقِي فسقَى الكلب، فغفر الله له ».

أمّا المؤذي و المُضرّ من الحيوان، فقد أذن في قتله و طرده، لترجيح رحمة النّاس على رحمة البهائم. و هي تفاصيل الأحكام من هذا القبيل كثرة، لايُعْوِز الفقيه تتبُّعها. (17 : 120)

الطَّباطَبائيّ: أي إنّك رحمة مرسَلة إلى الجماعات البشريّة كلّهم، و الدّليل عليه الجمع المحلّى باللا م، و ذلك مقتضى عموم الرّسالة.

و هو (صلی الله علیه و آله) رحمة لأهل الدّنيا، من جهة إتيانه بدين، في الأخذ به سعادة أهل الدّنيا في دنياهم و أُخراهم.

و هو(صلی الله علیه و آله) رحمة لأهل الدّنيا، من حيث الآثار الحسنة الّتي سرت من قيامه بالدّعوة الحقّة في مجتمعاتهم، ممّا يظهر ظهورً ا بالغًا بقياس الحياة العامّة البشريّة اليوم إلى ما قبل بعثته(صلی الله علیه و آله)، و تطبيق إحدى الحياتين على الأُخرى. (14 : 331)

عبد الكريم الخطيب: الخطاب للنّبيّ صلوات الله و سلامه عليه، و أنّ الله سبحانه و تعالى إنمّا أرسله رحمة للنّاس جميعًا، كما يقول صلوات الله و سلامه عليه: « أنا رحمة مُهداة ».

و يسأل سائل:كيف يكون النّبيّ صلوات الله و سلامه عليه رحمةًللعالمين جميعًا، النّاس كلّهم أسودهم و أحمرهم، و ما بين أسودهم و أحمرهم،و قليل من كثيرهم، أُولئك الّذين آمنوا به و اهتدوا بهديه، و انتفعوا برسالته؟ كيف هذا، و قوله تعالى: { لِلْعَالَمينَ‘ } يفيد العموم و الشّمول؟

و الجواب على هذا، و الله أعلم من وُجُوه:

أوّ لا : أنّ الهدى الّذي جاء به صلوات الله و سلامه عليه، هو خير ممدود للنّاس جميعًا، و هو رحمة غير محجوزة عن أحد، بل إنّها مبسوطة لكلّ إنسان، أيًّا كان لونه و جنسه، و في هذا يقول الله تعالى لنبيّه الكريم: { قُلْ يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اِنّ-ى‘ رَسُولُ اللهِ اِلَيْكُمْ جَميعًا‘ الَّذى‘ لَهُ مُلْكُ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضِ لا اِله َاِ لا هُوَ يُحْيى‘ وَ يُميتُ فَا "مِنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِ-هِ النَّبِىِّ الاُ_مِّىِّ الَّذى‘ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَ كَلِمَاتِهِ وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } الأعراف : 158، فهو صلوات الله و سلامه عليه رحمة مُهداة، يطرق بها باب كلّ إنسان، من غير أن يطلب لذلك أجرً ا، و ليس على النّبيّ بعد هذا أن يرغم المتأ بّين عليه أن يقبلوا ما يقدّمه هدية لهم، إنّه أشبه بالشّمس، و هي رحمة عامّة لكلّ حيّ، و لكنّ كثيرً ا من الأحياء يَعْشَوْن عن ضوئها، و كثير من الأحياء، إذا آذنهم ضوؤها انجحروا و قضوا يومهم في ظلام دامس، فآية النّهار قائمة، و لكنّها بالنّسبة لهم منسوخة غير عاملة.

و ثانيًا: أنّ الّذين آمنوا بهذا النّبيّ، و الّذين يؤمنون به في كلّ جيل من أجيال النّاس، و في كلّ أُمّة من الأُمم، و فيكلّ جماعة من الجماعات، هم رحمة في هذه الدّنيا على أهلها جميعًا؛ إذ كانوا بما معهم من إيمان عناصر خير، و خمائر رحمة، و مصابيح هدًى، و بهم تنكسر ضراوة الشّرّ، و تخفّ وطأة الظّلم، و ترقّ كثافة

الظّلام.

و ثالثًا: هذا الكتاب الّذي تلقّاه النّبيّ صلوات الله و سلامه عليه وحيًا من ربّه، و هذه الآيات المضيئة الّتي نطق بها، و الّتي وعتها الآذان، و سجّلتها الصّحف، كلّ هذا رحمة قائمة في النّاس جميعًا، و ميراث من النّور و الهدى، يستهدي به النّاس، و يُصيبون منه ما يسع جهدهم، و ما تطول أيديهم من خير.

و على هذا، فالمراد ب- { لِلْعَالمَينَ‘ } : النّاس جميعًا، منذ مبعث النّبيّ إلى أن يرث الله الأرض و من عليها، و هذا ما يشير إليه قوله تعالى: { اَرْسَلْنَاكَ } الّذي يُفهم منه أنّ الرّحمة كانت منذ إرساله و مبعثه، صلوات الله و سلامه عليه. (9 : 963)

مكارم الشّيرازيّ: النّبيّ رحمة للعالمين

لم-ّا كانت الآيات السّابقة قد بشّرت العباد الصّالحين بوراثة الأرض و حكمها، و مثل هذه الحكومة أساس الرّحمة لكلّ البشر. فإنّ الآية الأُولى أشارت إلى رحمة وجود النّبيّ (صلی الله علیه و آله) العامّة، فقالت: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ }، فإنّ عامّة البشر في الدّنيا، سواء الكافر منهم و المؤمن، مشمولون لرحمتك، لأ نّك تكفّلت بنشر الدّين الّذي ينقذ الجميع. فإذا كان جماعة قد انتفعوا به و آخرون لم ينتفعوا، فإنّ ذلك يتعلّق بهم أنفسهم، ولايخدش في عموميّة الرّحمة.

و هذا يُشبه تمامًا أن يؤسّس جماعة مستشفى مجهّزة لعلاج كلّ الأمراض، و فيها الأطبّاء المهرّة، و أنواع الأدوية، و يفتحوا أبوابها بوجه كلّ النّاس بدون تمييز، أليست هذه المستشفى رحمة لكلّ أفراد المجتمع؟ فإذا امتنع بعض المرضى العنودين من قبول هذا الفيض العامّ، فسوف لايؤثّر في كون تلك المستشفى عامّة.

و بتعبير آخر، فإنّ كون وجود النّبي ّرحمة للعالمين، له صفة المقتضي و فاعليّة الفاعل، و من المسلّم أنّ فعليّة النّتيجة لها علاقة بقابليّة القابل.

إنّ التعبير ب- { لِلْعَالمَينَ ‘} له إطار واسع يشمل كلّ البشر، و على امتداد الأعصار و القرون، و لهذا يعتبرون هذه الآية إشارة إلى خاتميّة نبيّ الإسلام، لأنّ وجوده رحمة و إمام و قُدوة لكلّ النّاس إلى نهاية الدّنيا، حتّى أنّ هذه الرّحمة تشمل الملائكة أيضًا.

ففي حديث شريف مرويّ عنه (صلی الله علیه و آله) يؤيّد هذه العموميّة؛ إذ نلاحظ فيه أنّ هذه الآية لم-ّا نزلت سأل النّبيّ جبرئيل، فقال: « هل أصابك من هذه الرّحمة شي‌ء؟ فقال جبريل: نعم، إنّي كنت أخشى عاقبة الأمر، فآمنت بك لمّا أثنى الله عليّ بقوله : { عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكين ‘ } التّكوير : 20.

و على كلّ حال، ففي دنيا اليوم حيث ينتشر الفساد و الظّلم و الاستبداد في كلّ جانب، و نيران الحروب مستعرّة في كلّ جهة، و أخذت قبضاتالجبّارين العُتاة بأنفاس المستضعفين المظلومين، في الدّنيا الغارقة في الجهل و فساد الأخلاق و الخيانة و الظّلم و الجور، أجل في مثل هذه الدّنيا سيتّضح أكثر فأكثر معنى كون النّبيّ رحمة للعالمين، و أيّ رحمة أسمى من أ نّه أتى بدين إذا عُمل به، فإنّه يعني نهاية كلّ المآسي و النّكبات و الأيّام السّوداء؟

أجل، إنّه هو و أوامره، و دينه و أخلاقه كلّها رحمة، رحمة للجميع، و ستكون عاقبة استمرار هذه الرّحمة حكم الصّالحين المؤمنين، في كلّ أرجاء المعمورة. (10 : 235)

فضل الله: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } لأ نّك جئتهم بالرّسالة الّتي تنفتح عليهم في كلّ أُمورهم، لتقودهم إلى الصّراط المستقيم في الدّنيا، و إلى النّعيم الخالد في الآخرة، و تُثير فيهم كلّ نوازع الخير، و تبتعد بهم عن نوازع الشّرّ، و تُركّز العلاقات فيما بينهم على أُسُس ثابتة من القيم و المبادئ، فلاتهتزّ و لاتنحرف، و لاتسقط بفعل المطامع و الأهواء و الشّهوات، وتوحي إليهم بالسّلام الرّوحيّ الّذي يطوف بهم في كلّ آفاق الصّفاء و النَّقاء و الإشعاع،و الإيمان و الهدوء النّفسيّ القائم على الخير و العدل و الحياة.

أمّا رحمته في شخصه، فقد كان يمثّل الخُلُق العظيم الّذي ينساب في قلب كلّ من حوله حُبًّا و عاطفةً وروحًا و خيرً ا و سلامًا، و هكذا اجتمعت فيه رحمة الرّسول، و رحمةالرّسالة في الفكر و الحركة و الإنسان و الحياة.

و هذا هو ما يجب أن يعيشه المسلمون في دعوتهم للإسلام، و في ممارستهم له، و في حركتهم من أجله، و ذلك بتجسيد الرّحمة في مواقفهم و كلماتهم و علاقاتهم و روحيّتهم في كلّ المجالات، لا أن تكون الرّحمة حركة انفعال، بل أن تكون موقف حقّ و خير واستقامة و إيمان، لأنّ الرّحمة تُمثّل العمق في شخصيّة الإنسان الفكريّة و العمليّة، فتتفاعل في كلّ دوائره الصّغيرة أو الكبيرة، ليكون القُدْوة في الرّحمة، و الرّحمة في القُدْوة. (15 : 277)

22 - وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ اَ نْفُسِكُمْ اَزْوَ اجًا لِتَسْكُنُوا اِلَ-يْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّ ةً وَ رَحْمَةً اِنَّ فى ذ"لِكَ لايَات’ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ. الرّوم : 21

ابن عبّاس: المودّ ة للكبير، و الرّحمة للصّغير. (المَيْبُديّ 7 : 446)

مُجاهِد: المودّة: الجماع، الرّحمة: الولد. (المَيْبُديّ 7 : 446)

نحوه عِكْرِمَة (ابن عَطيّة 4 : 333)، و الحسَن (الزّمَخْشَريّ 3 : 218 ).

السُّدّيّ: المودّة: المحبّة، و الرّحمة: الشّفقة. (الطَّبْرِسي 4 : 300)

الطّبَريّ: يقول: جعل بينكم بالمصاهرة و الختونة مودّة تتوادّون بها، و تتواصلون من أجلها، و رحمة رحمكم بها، فعطف بعضكم بذلك على بعض. (10 : 176)

الطُّوسيّ: أي جعل بينكمرقّة التّعطّف؛ إذ كلّ واحد من الزّوجين يرقّ على الآخر رأفة العطف عليه، بما جعله الله في قلب كلّ واحد لصاحبه، ليتمّ سروره. (8 : 240)

المَيْبُديّ: يودّ الرّجل زوجته، و المرأة زوجها. وَ { رَحْمَةً } يعطف كلّ واحد منهما على صاحبه.

روي أنّ رجلا أتى النّبيّ(صلی الله علیه و آله) فقال: يا نبيّ الله لقد

عجبت من أمر، و أ نّه لعجب أنّ الرّجل ليتزوّج المرأة و ما رآها و ما رأته قطّ، حتّى إذا ابتنى بها أصبحا و ما شي‌ء أحبّ إلى أحدهما من الآخر، فقال رسول الله (صلی الله علیه و آله): { وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً }.

و قيل: { مَوَدَّ ةً }: أيّام الشّباب، و { رَحْمَةً }:أيّام المشيب. و في الخبر: المقت من الله، و الفِرْك من الشّيطان. (7 : 446)

الزّمَخْشَريّ: التّوادّ و التّراحم بعصمة الزّواج، بعد أن لم تكن بينكم سابقة معرفة، و لالقاء، و لاسبب يوجب التّعاطف من قرابة أو رحم. و عن الحسن رضي الله عنه: المودّة: كناية عن الجماع، و الرّحمة: عن الولد، كما قال: { وَ رَحْمَةً مِنَّا} مريم : 21، و قال: { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ }.مريم : 2.

و قيل: إنّ المودّة و الرّحمة من قبل الله، و إنّ الفِرْك من قبل الشّيطان. (3 : 218)

ابن عَطيّة: و المودّة و الرّحمة على بابها المشهور، من التوادّ و التّراحم، هذا هو البليغ. (4 : 333)

الطَّبْرِسيّ: يريد بين المرأة و زوجها، جعل سبحانه بينهما المودّة و الرّحمة، فهما يتوادّ ان و يتراحمان. و ما شي‌ء أحبّ إلى أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما. (4 : 300)الفَخْرالرّ ازيّ: فيه أقوال:

قال بعضهم: { مَوَدَّةً }: بالمجامعة، و { رَحْمَةً }: بالولد، تمسّكًا بقوله تعالى: { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } مريم : 2.

و قال بعضهم: محبّة حالة حاجة نفسه، و{رَحْمَةً } حالة حاجة صاحبه إليه. و هذا لأنّ الإنسان يحبّ مثلا ولده، فإذا رأى عدوّه في شدّة من جوع و ألم، قد يأخذ من ولده و يُصلح به حال ذلك، و ما ذلك لسبب المحبّة، و إنّما هو لسبب الرّحمة. و يمكن أن يقال: ذكر من قبل أمرين:

أحدهما: كون الزّوج من جنسه.

و الثّاني: ما تفضي إليه الجنسيّة، و هو السّكون إليه، فالجنسيّة توجب السّكون، و ذكر هاهنا أمرين:

أحدهما: يُفضي إلى الآخر، فالمودّة تكون أوّ لا ، ثمّ إنّها تُفضي إلى الرّحمة، و لهذا فإنّ الزّوجة قد تخرج عن محلّ الشّهوة بكبر أو مرض، و يبقى قيام الزّوج بها، و بالعكس. (25 : 110)

القُرطُبيّ: و قيل: المودّة و الرّحمة عَطْف قلوبهم بعضهم على بعض. و قال السُّدّيّ: المودّة: المحبّة، و الرّحمة: الشّفقة، و روي معناه عن ابن عبّاس قال: المودّة :حُبّ الرّجل امرأته، و الرّحمة: رحمته إيّاها أن يصيبها بسوء. (14 : 17)

النَّيسابوريّ: { مَوَدَّ ةً } عن الحسَن: هي الجماع { وَرَحْمَةً } : هي الولد. و قال غيره: المودّة: حالة حاجة نفسه إليها، و الرّحمة: حالة حاجة صاحبته إليه. و قد تُفضي المودّة إلى مجرّد الرّحمة؛و ذلك إذا خرجت عن محلّ الشّهوة بكبر أو مرض، أو خرج عن إمكان رعاية حقّها بكبر أو زمانة أو فقر.

قال بعضهم: المودّة و الرّحمة بعصمة الزّواج من غير سابقة معرفة و قرابة، و هي من قبل الله، و الفِرْك من قبل الشّيطان. (21 : 29)

أبوحَيّان: { مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً } أي بالأزواج، بعد أن لم يكن سابقة تعارف يوجب التّوادّ.

و قال مُجاهِد و الحسَن و عِكْرِمَة: المودّة: النّكاح، و الرّحمة: الولد، كُنّي بذلك عنهما.

و قيل: مودّة: للشّا بّة، و رحمة: للعجوز، و قيل: مودّة: للكبير، و رحمة: للصّغير. و قيل: هما اشتباك الرّحم. و قيل: المودّة من الله، و البغض من الشّيطان. (7 : 166)

الشِّربينيّ: أي معنًى من المعاني يوجب أن لايحبّ أحد من الزّوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه، { وَرَحْمَةً } أي معنًى يحمل كُلا على أن يجتهد للآخر في جلب الخير و دفع الضّرّ. (3 : 162)

أبوالسُّعود: فإنّ المراد بهما ما كان منهما بعصمة الزّواج قطعًا، أي جعل بينكم بالزّواج الّذي شرعه لكم توادًّ ا و تراحمًا، من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة و لارابطة مصحّحة للتّعاطف من قرابة أو رحم.

قيل: المودّة و الرّحمة من قبل الله تعالى، و الفِرْك من الشّيطان. (5 : 170)

الآلوسيّ: [نقل قول أبي السُّعود ثمّ قال:] و قال الحسَن و مُجاهِد و عِكْرِمَة: المودّة:كناية عن النّكاح، والرّحمة: كناية عن الولد، و كون المودّةبمعنى المحبّة : كناية عن النّكاح، أي الجماع للزومها له، ظاهر. و أمّا كون الرّحمة: كناية عن الولد، للزومها له فلايخلو عن بُعْد.

وقيل: مودّة: للشّابّة، و رحمة: للعجوز، و قيل: مودّة: للكبير، و رحمة: للصّغير. و قيل: هما اشتباك الرّحم، و الكلّ كماترى. (21 : 31)

ابن عاشور: و أن جُعل بين كلّ زوجين مودّة و محبّة، فالزّوجان يكونان من قبل التّزاوج متجاهلين، فيُصبحان بعد التّزاوج متحابيّن، و أن جُعل بينهما رحمة فهما قبل التّزاوج لاعاطفة بينهما، فيُصبحان بعد بعده متراحمين كرحمة الأُبوّة و الأُمومة، و لأجل ما ينطوي عليه هذا الدّليل و يتبعه من النّعم و الدّ لائل. (21 : 32)

الطَّباطَبائيّ: المودّة: كأ نّها الحُبّ الظّاهر أثره في مقام العمل، فنسبة المودّة إلى الحُبّ كنسبة الخضوع الظّاهر أثره في مقام العمل، إلى الخشوع الّذي هو نوع تأثّر نفسانيّ عن العظمة و الكبرياء.

و الرّحمة: نوع تأثّر نفسانيّ عن مشاهدة حرمان المحروم عن الكمال، و حاجته إلى رفع نقيصته، يدعو الرّ احم إلى إنجائه من الحرمان و رفع نقصه.

و من أجل موارد المودّة و الرّحمة المجتمع المنزليّ، فإنّ الزّوجين يتلازمان بالمودّة و المحبّة، و هما معًا- و خاصّة الزّوجة - يرحمان الصّغار من الأولاد، لما يريان ضعفهم و عجزهم عن القيام بواجب العمل، لرفع الحوائج الحيويّة،فيقومان بواجب العمل في حفظهم و حراستهم، و تغذيتهم و كسوتهم و إيوائهم و تربيتهم. و لو لا هذه الرّحمة لانقطع النّسل، و لم يعش النّوع قطّ.

و نظير هذه المودّة و الرّحمة مشهود في المجتمع الكبير المدنيّ بين أفراد المجتمع، فالواحد منهم يأنس بغيره بالمودّة و يرحم المساكين، و العجزة و الضّعفاء

الّذين لايستطيعون القيام بواجبات الحياة.

و المراد بالمودّة و الرّحمة في الآية: الأُوليان على ما يعطيه مناسبة السّياق، أو الأخيرتان على ما يُعطيه إطلاق الآية. (16 : 166)

عبد الكريم الخطيب: إشارة إلى أنّ المودّة و الرّحمة أمران يتولّدان من الأُلفة و السّكن، و أ نّه لولا السّكن و الائتلاف، ما قامت مودّة و رحمة، لهذا جاء النّظم القرآنيّ مفرّ قًا بين الأمرين، فجعل المشاكلة في الطّبيعة البشريّة بين النّاس، ذكورً ا و إناثًاخلقًا، أي في أصل الخلقة، على حين جعل المودّة و الرّحمة، عرضًا من أعراض هذه الطّبيعة، و ثمرة من ثمراتها، فعبّر عنها بلفظ « الجعل ». { وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّ ةً وَ رَحْمَةً }.

و هذا إعجاز من إعجاز القرآن، الّذي يتجلّى في روعة أُسلُوبه، و جلال صدقه؛ إذ ليس كلّ لقاء بين طبيعتين متماثلتين يُحدث الرّحمة و المودّة، و إن كان من شأنه أن يجمع، و يُقرّب، فإنّ المودّة و الرّحمة ثمرة احتكاك و تجاوب بين النّفوس، و جهد مبذول،و معاناة معطاة من كلّ نفس. و على قدر هذاالجهد و تلك المعاناة تكون الثّمرة، و ما أكثر الأشجار الّتي لاتُعطي ثمرً ا! (11 : 497)

فضل الله: { وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّ ةً وَرَحْمَةً } في ما أودعه في عمق إحساس الرّجل و المرأة، من مشاعر الحُبّ و الوُدّ، و من علاقة الرّحمة النّابضة بالرّوح الكامنة في حركة الحياة لديهما، في ما يكفل معه كلّ واحد منهما الآخر، فيتحمّل مسؤوليّته، فيتألّم لألمه ويفرح لفرحه، و يقوم برعايته في حالات ضعفه، من موقع الرّحمة المتحرّ كة في الذّات، المُرفرِفة في الرّوح و الشّعور.

و هذا هو سرّ الإعجاز في تكوين الإنسان الّذي يعيش التّنوّع في طبيعة الخصائص الذّاتيّة، و لكنّه يتحرّ ك في اتّجاه الوحدة و التّكامل، من خلال حاجة كلّ خصوصيّة إلى الخصوصيّة الأُخرى؛ بحيث تفقد معنى الحياة من دون التّكامل معها، ولذلك فهي تتّجه إليها تلقائيًّا بكلّ محبّة و رعاية و انجذاب و رحمة، تنطلق في حركة الإحساس و الممارسة. (18 : 115)

23 - وَ اِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْ ا رَ بَّهُمْ مُنيبينَ‘ اِلَيْهِ ثُمَّ اِذَا اَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً اِذَا فَريقٌ‘ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. الرّوم : 33

الطّبَريّ: يقول: ثمّ إذا كشف ربّهم تعالى ذكره عنهم ذلك الضُّرّ و فرّجه عنهم، و أصابهم برخاء و خصب و سَعة. (10 : 185)

الطُّوسيّ: بأن يعافيهم من المرض، أو يُغنيهم من الفقر، نعمة منه تعالى عليهم. (8 : 250)

المَيْبُديّ: { رَحْمَةً }عافية من الضّرّ النّازل بهم. (7 : 453)

الطَّبْرِسيّ: بأن يُعافيهم من المرض أو يُغنيهم من الفقر، أو يُنجيهم من الشّدّة. (4 : 304)

الفَخْرالرّ ازيّ: قوله تعالى: { مِنْهُ }، أي من الضّرّ في هذا التّخصيص، ما ذكرناه من الفائدة، و هي أنّ الرّحمة غير مطلقة لهم، إنّما هي عن ذلك الضّرّ وحده، و أمّا الضّرّ المؤخّر فلايذوقون منه رحمة. (25 : 121)

القُرطُبيّ: عافية و نعمة. (14 : 33)

النَّيسابوريّ: و الرّحمة: المطر و الصّحّة و الأمن، و أمثالها. (21 : 39)

نحوه الشِّربينيّ. (3 : 170)

أبوحَيّان: الضُّرّ: الشّدّة: من فقر أو مرض أو قحط أو غير ذلك، و الرّحمة: الخلاص من ذلك الضُّرّ. (7 : 173)

نحوه أبوالسُّعود (5 : 177)، و البُرُوسَويّ (7 : 37).

الآلوسيّ: خلاصًا من تلك الشّدّة. [إلى أن قال:]

و تنكير { ضُرٌّ } و { رَحْمَةً } للتّعليل، إشارة إلى أ نّهم لعدم صبرهم، يجزعون لأدنى مصيبة، و يطغون لأدنى نعمة و ( ثُمَّ ) للتّراخي الرّتبيّ أو الزّمانيّ. (21 : 42)

مكارم الشّيرازيّ: و الطّريف هنا أنّ «الرّحمة» في الآية مسندة إلى « الله »، فهو سبحانه مصدر الرّحمة للعباد، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، إلا أنّ الضُّرّ لم يُسنَد إليه سبحانه، لأنّ كثيرً ا من الابتلاءات و المشاكل الّتي تحوطنا،هي من نتائج أعمالنا و ذنوبنا. (12 : 485)

فضل الله: فأحسّوا ببرد العافية في حياتهم، و بطمأنينة الأمن في ساحتهم، رجعوا إلى أصنامهم البشريّة، و استسلموا لعلاقاتهم الصّنميّة، ليلجأوا إليها، و يتعبّدوا لها، و يستغرقوا في أوضاعها الكافرة

و المنحرفة، و ليبتعدوا عن الله من جديد. (18 : 135)

24 - وَ اِذَا اَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَ اِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْديهِ-مْ اِذَا هُمْ يَ-قْ-نَطُونَ. الرّوم : 36

يحيى بن سلا م :يعني الخِصْب و السّعة و العافية. (القُرطُبيّ 14 : 34)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: إذا أصاب النّاس منّا خِصْب و رخاء، و عافية في الأبدان و الأموال، فرحوا بذلك. (10 : 186)

النّ-قّاش: النّعمة و المطر. (القُرطُبيّ 14 : 34)

الطُّوسيّ: يقول الله تعالى مخبرً ا عن خلقه: بأ نّه إذا أذاقهم رحمة من عنده، بأن يُنعم عليهم بضروب النّعم، و يصحّ أجسامهم و يُدرّ أرزاقهم، و يُكثر مواشيهم، و غير ذلك من النّعم، إنّهم يفرحون بذلك و يُسرّون به. (8 : 252)

المَيْبُديّ: غنًى و صحّةً و غيثًا و خِصْبًا. (7 : 454)

الزّمَخْشَريّ: أي نعمة من مطر أو سعة أو صحّة. (3 : 223)

نحوه أبوحَيّان (7 : 174)، و أبوالسُّعود (5 : 177)، و البُرُوسَويّ (7 : 38)، و الآلوسيّ (21 :43).

ابن عَطيّة: لم-ّا ذكر تعالى حالة النّاس متى تأتيهم شدّة و ضرّ، و نجوا منه إلى سَعة، ذكر في هذه الآية الأمر أيضًا من الطّرف الآخر، بأن تنال الرّحمة ثمّ تعقب الشّدّة، فلهم في الرُّتبة الأُولى تضرّع، ثمّ إشراك و قلّة شكر، و لهم في هذه فرج و بطر، ثمّ قنط و يأس، و كلّ أحد يأخذ من هذه الخُلق بقسط، و المُقلّ و المُكثر، إلا من ربطت الشّريعة جأشه، و نهجت

السّنّة سبيله، و تأدّب بأدب الله تعالى، فصبر عند الضّرّاء، و شكر عند السّرّ اء، و لم يبطر عند النّعمة، و لاقنط عند الابتلاء. (4 : 338)

الطَّبْرِسيّ: أي إذا آتيناهم نعمة من عافية و صحّة جسم، أو سعة رزق أو أمن و دِعَة. (3 : 305)

القُرطُبيّ: يعني الخِصْب و السّعة و العافية، قاله يحيى بن سلا م. النّقّاش: النّعمة و المطر. وقيل: الأمن و الدِّعَة، و المعنى متقارب. (14 : 34)

الشِّربينيّ: أي نعمة من خِصْب و كثرة مطر وغنًى و نحوه، لاسبب لها إلا رحمتنا. (3 : 170)

فضل الله: و هناك ظاهرة أُخرى معكوسة يُجسّدها قوله تعالى: { وَ اِذَا اَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا }، و هي الظّاهرة الّتي يعيش النّاس فيها الرّحمة في أجواء العافية و الرّخاء، حتّى يستسلموا للأمل الكبير في استمرارها و دوامها، و يعيشوا النَّشْوَة اللّذيذة في الأحاسيس الحُلْوة الّتي تُثيرها في حياتهم؛ حيث لم يدرسوا واقع الحياة المتغيّر الّذي لاتثبت فيه الأُمور على حال منالأحوال، ليعرفوا أنّ العافية قد تختزن في مُستقبلها البلاء، وأنّ الرّخاء قد يتحوّل إلى الشّدّة، فيدهمهم عندها البلاء في هزّة عاصفة تفاجئهم، من حيث لايدرون أو يتوقّعون. (18 : 136)

25 - قُلْ مَنْ ذَا الَّذى‘ يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ اِنْ اَرَ ادَ بِكُمْ سُ-ؤًا اَوْ اَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَ لايَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَ لانَصيرً ا‘. الأحزاب : 17

قَتادَة: إن أراد بكم عذا بًا، أو أراد بكم خيرً ا. (الماوَرْديّ 4 : 384)

السُّدّيّ: إن أراد بكم قتلا أو أراد بكم توبةً. (الماوَرْديّ 4 : 384)

النّ-قّاش: إن أراد بكم هزيمةً أو أراد بكم نصرً ا. (الماوَرْديّ 4 : 384)

المَيْبُديّ: { اَوْ اَرَ ادَ بِكُمْ رَحْمَةً } هاهنا إضمار، يعني: و من ذا الّذي يخذلكم أو يحرمكم إن أراد بكم رحمةً و ظفرً ا و نصرً ا و غنيمة، يعني فإذا علمتم أ نّه لادافع و لارادّ لقضاء الله و لامردّ لأمره، فاعلموا أ نّه لايضرّكم الثّبات و لاينفعكم الفرار. (8 : 25)

الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: كيف جعلت الرّحمة قرينة السّوء في العصمة، و لاعصمة إلا من السّوء؟

قلت: معناه: أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختُصر الكلام، و أجري مجرى قوله:

• متقلّدًا سيفًا و رُمحًا *

أو حمل الثّاني على الأوّ ل، لما في العصمة من معنى المنع. (3 : 255)

الطَّبْرِسيّ: أي نصرً ا و عزًّ ا، فإنّ أحدً ا لايقدر على ذلك. (4 : 348)

الشِّربينيّ: أي خيرً ا،سمّاه بها، لأ نّه أثرها، و المعنى: هل احترزتم في جميع أعماركم عن سوء أراده فنفعكم الاحتراز أو اجتهد غيره في منعكم رحمة منه، فتمّ له أمره، أو أوقع الله بكم شيئًا من ذلك، فقدر أحد مع بذل الجهد على كشفه بدون إذنه؟ و يمكن أن تكون الآية من الاحتباك ذكر السّوء أوّ لا دليلا على حذف ضدّه ثانيًا، و ذكر الرّحمة ثانيًادليلا على حذف ضدّها أوّ لا . (3 : 231)

البُرُوسَويّ: من عافية و نصرة و غيرهما، ممّا هو من آثار الرّحمة قرينة السّوء في العصمة، و لاعصمة إلا من السّوء، لأنّ معناه: أو يصيبكم بسوء إن أراده بكم رحمة، فاختُصر الكلام، كما في قوله:

• متقلّدً ا سيفًا و رُمحًا * ( 7 : 153)

الآلوسيّ: استفهام في معنى النّفي، أي لاأحد يمنعكم من الله عزّو جلّ و قدره جلّ جلاله، إن خيرً ا و إن شرًّ ا، فجُعلت الرّحمة قرينة السّوء في العصمة، مع أ نّه لاعصمة إلا من السّوء، لما في العصمة من معنى المنع. و جُوّز أن يكون في الكلام تقدير، و الأصل: قُل من ذا الّذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءً أو يُصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة، فاختُصر نظير قوله:

و رأيت زوجك في الوغي

متقلّدً ا سيفًا و رُمحً-ا

فإنّه أراد: و حاملا أو و معتقلا رُمحًا، و يجري نحو التّوجيه السّابق في الآية. و جوّز الطّيّبيّ أن يكون المعنى: مَن الّذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءً، أو مَن الّذي يمنع رحمة الله منكم إن أراد بكم رحمة؟و قرينة التّقدير: ما في { يَعْصِمُكُمْ } من معنى المنع. و أُختير الأوّ ل لسلامته عن حذف جملة بلاضرورة. (21 : 163)

ابن عاشور: و عطف { اَوْ اَرَ ادَ بِكُمْ رَحْمَةً } على { اَرَ ادَ بِكُمْ } المجعول شرطًا، يقتضي كلامًا مقدّرً ا في الجواب المتقدِّم، فإنّ إرادته الرّحمة تناسب فعل { يَعْصِمُكُمْ } لأنّ الرّحمة مرغوبة. فالتّقدير: أو يحرمكم منه إن أراد بكم رحمة، فهو من دلالة الاقتضاء، إيجازً ا للكلام. (21 : 214)

عبد الكريم الخطيب: و في قوله تعالى: { قُلْ مَنْ ذَا الَّذى‘ يَعْصِمُكُمْ ...} في هذا ما يُسأل عنه، و هو: إذا صحّ أنّ الإنسان يطلب معتصمًا يعتصم به حال الضّرّ و السّوء، فكيف يصحّ أن يطلب معتصمًا حين يراد به الخير و الرّحمة؟ و إذا صحّ أن يفرّ الإنسان من مواطن الخطر و الشّرّ، فهل يصحّ أن يفرّ من مواطن الخير و الإحسان؟ و إذًا فما تأويل قوله تعالى: { مَنْ ذَا الَّذى‘ يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ اِنْ اَرَ ادَ بِكُمْ سُ-ؤًااَوْ اَرَ ادَ بِكُمْ رَحْمَةً } ؟

و الجواب على هذا من وجهين:

فأوّ لا : أنّ الإنسان لايملك مع أمر الله شيئًا، و أنّ ما يساق إليه من سوء أو رحمة، هو من عند الله. و على هذا، فإنّه إذا رأى بلاء الله واقعًا به، و طلب معتصمًا يعتصم به، و ملجأً يلجأ إليه من هذا البلاء، فلن يجد، كما أ نّه إذا أراد الله به خيرً ا و رحمة، فإنّ هذه الرّحمة و ذلك الخير لابدّ أن يصلا إليه، مهما حاول هو - عن جهل و غباء - أن يفرّمنهما.

و ثانيًا: أنّ تقدير الإنسان للأُمور لايقع على وجه صحيح في كلّ حال، فقد يفرّ الإنسان من أمر،

و يُعرض عنه متكرّهًا له، طالبًا السّلامة منه، و هو في صميمه خير له، و بركة عائدة عليه، و أنّ الله سبحانه لو كان يريد به الخير لأمسكه على هذا المكروه، و لم-ّا صرفه عنه و لو أراد به سبحانه السّوء لخلّى بينه و بين ما يريد، فيقع في المكروه الّذي يتوقّع النّجاة منه بإعراضه عنه، و فراره منه؛ و ذلك بما يفوته من الخير

المطويّ في هذا المكروه.

و هذا هو حال هؤلاء الفارّين من ميدان القتال، إنّهم يكرهوا((1)) هذا الأمر، و فرّوا منه، و هو في صميمه خير و رحمة و بركة. و إذ لم يُرد الله بهم خيرً ا، فقد خلّى بينهم و بين ما أراد وا، على حين أ نّه سبحانه أمسك على هذا المكروه، من أراد بهم الخير و الرّحمة من عباده المؤمنين. و هذا ما يشير إليه قوله تعالى: { وَ لَوْ عَلِمَ اللهُ فيهِ-مْ خَيْرً ا لاَسْمَعَهُمْ } الأنفال : 23. (11 : 669

26 - مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة فَلامُمْسِكَ لَهَا وَ مَا يُمْسِكْ فَلامُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ... فاطر : 2

ابن عبّاس: من توبة. (الماوَرْديّ 4 : 462)

الضّحّاك: من دعاء. (الماوَرْديّ 4 : 463)

الحسَن: من وحي. (الماوَرْديّ 4 : 462)

قَتادَة: أي من خير. (الطّبَريّ 10 : 394)

السُّدّيّ: من مطر. (الماوَرْديّ 4 : 2 46)

الكَلْبيّ: من عافية. (الماوَرْديّ 4 : 463)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: مفاتيح الخيرو مغالقه كلّها بيده، فمايفتح الله للنّاس من خير فلامُغلق له، و لاممسك عنهم، لأنّ ذلك أمره لايستطيع أمره أحد، و كذلك ما يغلق من خير عنهم فلايبسطه عليهم، و لايفتحه لهم، فلافاتح له سواه، لأنّ الأُمور كلّها إليه و له. (10 : 394)

الماوَرْديّ: فيه سبعة تأويلات:

أحدها: ٍ[قول قَتادَة]

الثّاني: [قول السُّدّيّ]

الثّالث: [قول ابن عبّاس]

الرّ ابع: [قول الحسَن]

الخامس: من رزق و هو مأثور.

السّادس: [قول الكَلْبيّ]

السّابع: [قول الضّحّاك]

و يحتمل ثامنًا: من توفيق و هداية. (4 : 462)

الطُّوسيّ: معنى ( ما ) < الّذي >، و تقديره: الّذي يفتح الله للنّاس من نعمة و رحمة. (8 : 412)

المَيْبُديّ: يعني ما يُرسل الله للنّاس من رحمة مطر و رزق و عافية. (8 : 162)

الزّمَخْشَريّ: { مِنْ رَحْمَة }، أي من نعمة رزق أو مطر، أو صحّة أو أمن، أو غير ذلك من صنوف نعمائه الّتي لايحاط بعددها. و تنكيره( الرّحمة ) للإشاعة و الإبهام،كأ نّه قال: من أيّة رحمة كانت سماويّة أو أرضيّة،فلاأحد يقدرعلى إمساكهاوحبسها، و أيّ شي‌ء يُمسك الله فلاأحد يقدر على إطلاقه.

فإن قلت: لم أ نّث الضّمير أوّ لا ، ثمّ ذكّر آخرً ا؟ و هو راجع في الحالين إلى الاسم المتضمّن معنى الشّرط؟

قلت: هما لغتان: الحمل على المعنى و على اللّفظ، و المتكلّم على الخيرة فيهما، فأ نّث على معنى الرّحمة، و ذكّر على أنّلفظ المرجوع إليه لاتأنيث فيه، و لأنّ الأوّ ل فُسّر بالرّحمة، فحسُن اتّباع الضّمير التّفسير، و لم يُفسّر الثّاني، فتُرك على أصل التّذكير.


1) (1) و في الأصل تكرهوا.

فإن قلت: لابدّ للثّاني من تفسير، فماتفسيره؟

قلت: يحتمل أن يكون تفسيره مثل تفسير الأوّ ل، و لكنّه تُرك لدلالته عليه، و أن يكون مطلقًا في كلّ ما يُمسكه من غضبه و رحمته، و إنّما فُسّر الأوّ ل دون الثّاني، للدّ لالة على أنّ رحمته سبقت غضبه.

فإن قلت: فما تقول فيمن فسّر الرّحمة بالتّوبة، و عزاه إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما؟

قلت: إن أراد بالتّوبة: الهداية لها و التّوفيق فيها، هو الّذي أراده ابن عبّاس رضي الله عنهما، إن قاله فمقبول. و إن أراد أ نّه إن شاء أن يتوب العاصي تاب، و إن لم يشأ لم يتب، فمردود، لأنّ الله تعالى يشاء التّوبة أبدً ا، و لايجوز عليه أن لايشاؤها. (3 : 298)

ابن عَطيّة: و قوله: { مِنْ رَحْمَة } عامّ في كلّ خير يعطيه الله تعالى للعباد، جماعتهم و أفذاذهم. (4 : 429)

الطَّبْرِسيّ: أي ما يأتيهم به من مطر أو عافية أو أيّ نعمة شاء، فإنّ أحدً ا لايقدر على إمساكه. (4 : 400)

الفَخْرالرّ ازيّ: لم-ّا بيّن كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة و نفاذ الأمر و قال: { مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ } يعني: إن رحم فلامانع له، و إن لم يرحم فلاباعث له عليها. و في الآية دليل على سبقرحمته غضبه من وُجُوه:

أحدها: التّقديم، حيث قُدّم بيان فتح أبواب الرّحمة في الذّكر، و هو و إن كان ضعيفًا، لكنّه وجه من وُجُوه الفضل.

و ثانيها: هو أ نّه أ نّث الكناية في الأوّ ل، فقال: { مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة فَلامُمْسِكَ لَهَا }، و جاز من حيث العربيّة أن يقال: < لَه > و يكون عائدً ا إلى ( مَا )، و لكن قال تعالى:( لَهَا ) ليُعلم أنّ المفتوح أبواب الرّحمة و لامُمسك لرحمته فهي وصلة إلى (من رحمة). و قال عند الإمساك: { وَ مَا يُمْسِكْ فَلامُرْسِلَ لَهُ } بالتّذكير، و لم يقل: < لها > فما صرّح بأ نّه لامرسل للرّحمة، بل ذكره بلفظ يحتمل أن يكون الّذي لايُرسَل هو غير الرّحمة، فإنّ قوله تعالى: { وَ مَا يُمْسِكْ } عامّ من غير بيان و تخصيص، بخلاف قوله تعالى: { مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة } فإنّه مخصّص مبيّن.

و ثالثها: قوله:{ مِنْ بَعْدِهِ } أي من بعد الله، فاستثنى هاهنا، و قال: لامرسل له إلا الله، فنزل له مرسلا . و عند الإمساك قال: لاممسك لها، و لم يقل: غير الله، لأنّ الرّحمة إذا جاءت لاترتفع، فإنّ من رحمه الله في الآخرة لايُعذّبه بعدها هو و لاغيره، و من يعذّبه الله فقد يرحمه الله بعد العذاب، كالفسّاق من أهل الإيمان. (26 : 3)

القُرطُبيّ: و أجاز النّحويّون في غير القرآن: فلاممسك له، على لفظ ( مَا ) و ( لَهَا )على المعنى و أجازوا: و ما يُمسك فلامرسل لها، و أجازوا: ( مَا يَفتَحُ الله للنَّاسِ مِنْ رَحْمَة ) بالرّفع، تكون (مَا )بمعنى < الّذي > أي إنّ الرّسل بُعثوا رحمة للنّاس، فلايقدر على إرسالهم غير الله.

و قيل: ما يأتيهم به الله من مطر أو رزق فلايقدر أحد أن يمسكه، و ما يُمسك من ذلك فلايقدر

أحد على أن يُرسله.

و قيل: هو الدّعاء: قاله الضّحّاك. ابن عبّاس: من توبة. و قيل: من توفيق و هداية.

قلت: و لفظ < الرّحمة > يجمع ذلك؛ إذ هي منكّرة للإشاعة و الإبهام، فهي متناولة لكلّ رحمة على البدل، فهو عامّ في جميع ما ذكر. (14 : 321)

أبوحَيّان: و المعنى: أيّ شيء يُطلق الله { مِنْ رَحْمَة }، أي نعمة و رزق، أو مطر، أو صحّة، أو أمن، أو غير ذلك من صنوف نعمائه الّتي لايحاط بعددها. و ما روي عن المفسّرين المتقدّمين من تفسير {رَحْمَة } بشي‌ء معيّن، فليس على الحصر منه، إنّما هو مثال. قال الزّمَخْشَريّ: و تنكير الرّحمة للإشاعة و الإبهام، كأ نّه قال: من أ يّة رحمة كانت سماويّة أو أرضيّة، فلايقدر أحد على إمساكها و حبسها، و أيّ شي‌ء يُمسك الله فلاأحد يقدر على إطلاقه، انتهى.

و العموم مفهوم من اسم الشّرط و { مِنْ رَحْمَة } لبيان ذلك العامّ، من أيّ صنف هو، و هو ممّا اجتُزئ فيه بالنّكرة المفردة عن الجمع المعرّف المطابق في العموم لاسم الشّرط، و تقديره: من الرّحمات. و ( مِنْ ) في موضع الحال، أي كائنًا من الرّحمات، و لايكون في موضع الصّفة، لأنّ اسم الشّرط لايوصف. و الظّاهر أنّ قوله: { وَ مَايُمْسِكْ } عامّ في الرّحمة و في غيرها، لأ نّه لم يذكر له تبيين، فهو باق على العموم في كلّ ما يُمسك. فإن كان تفسيره { مِنْ رَحْمَة }، و حذفت لدلالة الأوّل عليه، فيكون تذكير الضّمير في{ فَلامُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ } حملا على لفظ ( مَا )، و أُ نّث في { مُمْسِكَ لَهَا } على معنى ( مَا )، لأنّ معناها الرّحمة. و قرئ ( فَلامُرْسِلَ لَهَا )، بتأنيث الضّمير، و هو دليل على أنّ التّفسير هو من رَحمَةٍ، و حذف لدلالة ما قبله عليه. (7 : 299)

الشِّربينيّ: أي من الأرزاق الحسّ-يّة و المعنويّة، من اللّطائف و المعارف الّتي لاتدخل تحت حصر، قلّت أو كثرت فيُرسلها. (3 : 311)

أبوالسُّعود : و تنكيرها للإشاعة و الإبهام، أي أيّ شيء يفتح الله من خزائن رحمته، أيّة رحمة كانت من نعمة و صحّة و أمن و علم و حكمة، إلى غير ذلك ممّا لايحاط به. (5 : 270)

نحوه البُرُوسَويّ. (7 : 315)

الآلوسيّ: [ذكر مثل أبي السُّعود و أضاف:]

كما أخرج ابن المنذر عن محمّد بن جعفر بن الزّبير عنه في ركوب المحمل < هي و الله رحمة فُتحت للنّاس، ثمّ يقول: { مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة } > و أخرج ابن أبي حاتم عن السُّدّيّ: الرّحمة: المطر، و عن ابن عبّاس: التّوبة، و المراد التّمثيل، و الجارّ و المجرور في موضع الحال لافي موضع الصّفة، لأنّ اسم الشّرط لايوصف. (22 : 165)

ابن عاشور: و { مِنْ رَحْمَة } بيان لإبهام ( مَا ) و الرّابط محذوف، لأ نّه ضمير منصوب.و الفتح: تمثيليّة لإعطاء الرّحمة؛ إذ هي من النّفائس الّتي تُشبه المدخّرات المتنافس فيها، فكانت حالة إعطاء الله الرّحمة شبيهة بحالة فتح الخزائن للعطاء، فأُشير إلى هذا التّمثيل بفعل < الفتح >،و بيانه بقوله:{ مِنْ رَحْمَة }

قرينة الاستعارة التّمثيليّة. (22 : 111)

الطَّباطَبائيّ: و التّعبير بالفتح أنسب من الإرسال في الخزائن، ففيه إشارة إلى أنّ الرّحمة الّتي يُؤتاها النّاس مخزونة في خزائن محيطة بالنّاس،لايتوقّف نيلهم منها إلا إلى فتحها، من غير مئونة زائدة.

و قد عبّر عن الرّزق الّذي هو النّعمة بالرّحمة، للدّ لالة على أنّ إفاضته تعالى لهذه النّعم ناشئة من مجرّد الرّحمة، من غير توقّع لنفع يعود إليه، أو كمال يستكمل به. (17 : 15)

عبد الكريم الخطيب: و قد قُيّد ما يُرسَل من الله سبحانه بالرّحمة، إشارة إلى ما لله سبحانه و تعالى من فضل و إحسان و أ نّه رحيم بعباده، و أنّ رحمته وسعت كلّ شي‌ء، و أُطلق ما يُمسك، و لم يُقيَّد بالرّحمة أو غيرها، إشارة إلى أنّ الله سبحانه إنّما يمسك ما يمسك لاضنًّا بما يمسكه، و إنّما لحكمة و تقدير. (11 : 852)

مكارم الشّيرازيّ: ملاحظات:

1 - التّعبير ب- { يَفْتَح ِ} من مادّة « فتح »إشارة إلى وجود خزائن الرّحمة الإلهيّة الّتي ورد ذكرها أيضًا، في آيات أُخرى من القرآن الكريم. و المُلفت للنّظر أنّ هذه الخزائن بمجرّد فتحها، تجري الرّحمة على الخلائق بلا أدنى حاجة إلى شي‌ءآخر، و بدون أن يستطيع أحد منعها من ذلك.

و تقدّم مفهوم « فتح الرّحمة » على « إمساكها »، لأنّ رحمة الله تسبق غضبه دومًا.

2 - تعبير « الرّحمة » له معنًى واسع و شامل لكلّ المواهب الإلهيّة في الكون، معنويّة و مادّ يّة، و لهذا السّبب يحس المؤمن عند ما توصد أمامه جميع الأبواب، بأنّ الرّحمة تنساب في قلبه و روحه، فيكون مسرورً ا و قانعًا هادئًا و مطمئنًّا، حتّى و إن كان مأسورً ا في السّجن.

و تارةً ينعكس الحال، و ذلك حينما تكون جميع الأبواب الظّاهريّة مفتوحة أمام الإنسان، و مع ذلك يحسّ في أعماقه بالضّيق و الضّغط، و يرى الدّنيا على سعتها سجنًا مظلمًا موحشًا، لمجرّد عدم انفتاح باب الرّحمة الإلهيّة في أعماقه. و هذا أمر محسوس و ملموس للجميع.

3 - في استعمال صفتي (العزيز و الحَكيم‘) لتوضيح قدرة الله سبحانه و تعالى... (14 : 15)

27 - ... قُلْ ا َفَرَاَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُون ِاللهِ اِنْ اَرَادَنِىَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ اَوْ اَرَ ادَ نى بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ... الزّمر : 38

الطّبَريّ: يقول: إن أرادني ربّي برحمة أن يُصيبني سَعة في معيشتي، و كثرة مالي، و رخاء و عافية في بدني، هل هنّ ممسكات عنّي ما أراد أن يُصيبني به من تلك الرّحمة؟ و ترك الجواب لاستغناء السّامع بمعرفة ذلك، و دلالة ما ظهر من الكلام عليه.

و المعنى: فإنّهم سيقولون: لا، فقل: حسبي اللهممّا سواه من الأشياء كلّها، إيّاه أعبُد، و إليه أفزع في أُموري دون كلّ شي‌ء سواه، فإنّه الكافي، و بيده الضّرّ و النّفع، لاإلى الأصنام و الأوثان الّتي لاتضرّ و لاتنفع. (11 : 8)

الثّعلبيّ: { بِرَحْمَة } نعمة و رخاء. (8 : 237)

المَيْبُديّ: { اَوْ اَرَ ادَنى بِرَحْمَة } نعمة و بركة. (8 : 419)

الطَّبْرِسيّ: { بِرَحْمَة } أي بخير أو صحّة. (4 : 499)

لاحظ: م س ك: < ممسكات >.

28 - قُلْ يَاعِبَادِىَ الَّذينَ‘ اَسْرَفُوا عَلى اَ نْفُسِهِمْ لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ اِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًا‘ اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘. الزّمر : 53

راجع: ق ن ط: < تَقْنَطُوا >.

29- ...وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْ‌ء رَحْمَةً وَ عِلْمًا... المؤمن : 7

يحيى بن سلا م: ملأت كلّ شيء رحمة و علمًا، أو رحمةً عليه و علمًا به. (الماوَرْديّ 5 : 144)

الطّبَريّ: و قد اختلف أهل العربيّة في وجه نصب: < الرّحمة و العلم> فقال بعض نحويّي البصرة: انتصاب ذلك كانتصاب: <لك مثله عبدً ا> لأ نّك قد جعلت { وَسِعْتَ كُلَّ شَىْ ء }، و هو مفعول له،و الفاعل التّاء، و جاء بالرّحمة و العلم تفسيرً ا، و قد شغلت عنهما الفعل كما شغلت < المثل > بالهاء، فلذلك نصبته تشبيهًا بالمفعول بعد الفاعل.

و قال غيره: هو من المنقول، و هو مفسّر:وسعت رحمته و علمه، و وسع هو كلّ شي‌ء رحمةً، كما تقول: طابت به نفسي، و طبت به نفسًا. و قال:أما لك مثله عبدًا؟ فإنّ المقادير لاتكون إلا معلومة، مثل: عندي رَطل زيتًا، و المِثْل غير معلوم، و لكن لفظه لفظ المعرفة و العبد نكرة، فلذلك نصب العبد، و له أن يرفع،و استشهد لقيله ذلك بقول الشّاعر:

ما في معدّ و القبائل كلّها

قحطان مثلك واحد معدود

و قال: ردّ < الواحد >على< مثل >لأ نّه نكرة، قال: و لو قلت: ما مثلك رجل، و مثلك رجل، و مثلك رجلا ، جاز، لأن ّمثل يكون نكرة، و إن كان لفظها معرفة. (11: 41)

الزّجّاج: و قوله: { رَحْمَةً وَ عِلْمًا } منصوب على التّمييز. (4 : 367)

الماوَرْديّ: فيه وجهان:

أحدهما: [قول يحيى بن سلا م]

الثّاني: معناه: وسعت رحمتك و علمك كلّ شيء. (5 : 144)

الطُّوسيّ: { رَحْمَةً وَ عِلْمًا } و نصبهما على التّمييز، و معناه: وسعت رحمتك، أي نعمتك و معلومك كلّ شي‌ء، فنُقل الفعل إلى الموصوف على وجه المبالغة، كما قالوا: طبت به نفسًا. (9 : 57)

المَيْبُديّ: أي نالت رحمتك فى الدّنيا كلّ شي‌ء، و أحاط علمك بكلّ شي‌ء. (8 : 453)

الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: تعالى الله عن المكان، فكيف صحّ أن يقال: وسع كلّ شي‌ء؟

قلت: الرّحمة و العلم هما اللّذان وسعا كلّ شي‌ء في المعنى. و الأصل: وسع كلّ شي‌ء رحمتك و علمك، و لكن أُزيل الكلام منأصله، بأن أُسند الفعل إلى

صاحب الرّحمة و العلم، و أُخرجا منصوبين على التّمييز للإغراق في وصفه بالرّحمة و العلم، كأنّ ذاته رحمة و علم واسعان كلّ شي‌ء.

فإن قلت: قد ذكر الرّحمة و العلم، فوجب أن يكون ما بعد الفاء مشتملا على حديثهما جميعًا، و ما ذكر إلا الغفران وحده؟

قلت: معناه فاغفر للّذين علمت منهم التّوبة و اتّباع سبيلك. (3 : 416)

ابن عَطيّة: نُصب الرّحمة على التّمييز، و فيه حذف تقديره:يقولون، و معناه: وسعت رحمتكو علمك كلّ شي‌ء، و هذا نحو قولهم: تفقّأت شحمًا، و تصبّبت عرقًا، و طبت نفسًا. (4 : 548)

الطَّبْرِسيّ: و المعنى: أ نّه لااختصاص لمعلوماتك، بل أنت عالم بكلّ معلوم، و لاتختص رحمتك حيًّا دون حيّ بل شملت جميع الحيوانات، و في هذا تعليم الدّعاء ليبدأ بالثّناء عليه قبل السّؤال. (4 : 515)

الفَخْر الرّ ازيّ: و فيه مسائل. [إلى أن قال:]

المسألة الثّالثة: اعلم أنّ الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصّفات: الرّبوبيّة، و الرّحمة، و العلم.

أمّا الرّبوبيّة فهي إشارة إلى الإيجاد و الإبداع، و فيه لطيفة أُخرى و هي أنّ قولهم: { رَ بَّنَا } إشارة إلى التّربية، و التّربية عبارة عن إبقاء الشّي‌ء على أكمل أحواله و أحسن صفاته. و هذا يدلّ على أنّ هذه الممكنات، كما أ نّها محتاجة حال حدوثها إلىإحداث الحقّ سبحانه و تعالى و إيجاده، فكذلك إنّها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله.

و أمّا الرّحمة فهي إشارة إلى أنّ جانب الخير و الرّحمة و الإحسان راجح على جانب الضّرّ، و أ نّه تعالى إنّما خلق الخلق للرّحمة و الخير، لاللإضرار و الشّرّ.

فإن قيل: قوله: { رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْ‌ء رَحْمَةً وَ عِلْمًا } فيه سؤال، لأنّ العلم وسع كلّ شي‌ء، أمّا الرّحمة فما وصلت إلى كلّ شي‌ء، لأنّ المضرور حال وقوعه في الضّرر لايكون ذلك الضّرر رحمة، و هذا السّؤال أيضًا مذكور في قوله: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْ‌ء } الأعراف : 156.

قلنا: كلّ موجود فقد نال من رحمة الله تعالى نصيبًا؛ و ذلك لأنّ الموجود إمّا واجب و إمّا ممكن. أمّا الواجب فليس إلا الله سبحانه و تعالى، و أمّا الممكن فوجوده من الله تعالى و بإيجاده، و ذلك رحمة. فثبت أ نّه لاموجود غير الله إلا و قد وصل إليه نصيب و نصاب من رحمة الله، فلهذا قال: { رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَ عِلْمًا }.

و في الآية دقيقة أُخرى، و هي أنّ الملائكة قدّموا ذكر الرّحمة على ذكر العلم، فقالوا: { رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَ عِلْمًا } و ذلك لأنّ مطلوبهم إيصال الرّحمة، و أن يتجاوز عمّا علمه منهم من أنواع الذّنوب. فالمطلوب بالذّات هو الرّحمة، و المطلوب بالعرض أن يتجاوز عمّا علمه منهم، و المطلوب بالذّات مقدّم على المطلوب بالعرض. ألاترى أ نّه لم-ّا كان إبقاء الصّحّة مطلوبًا بالذّات و إزالةالمرض مطلوبًا بالعرض، لاجرم لم-ّا ذكروا حدّ الطّبّ، قدّموا

فيه حفظ الصّحّة على إزالة المرض، فقالوا: الطّبّ علم يتعرّف منه أحوال بدن الإنسان، من جهة ما يصحّ و يزول عن الصّحّة، لتُحفظ الصّحّة حاصلة و تُستَردّ زائلة، فكذا هاهنا المطلوب بالذّات هو الرّحمة.

و أمّا التّجاوز عمّا علمه منهم من أنواع الذّنوب، فهو مطلوب بالعرض، لأجل أنّ حصول الرّحمة على سبيل الكمال لايحصل إلا بالتّجاوز عن الذّنوب، فلهذا السّبب وقع ذكر الرّحمة سابقًا على ذكر العلم.

المسألة الرّ ابعة: دلّت هذه الآية على أنّ المقصود بالقصّة الأُولى في الخلق و التّكوين، إنمّا هو الرّحمة و الفضل و الجود و الكرم، و دلّت الدّ لائل اليقينيّة على أنّ كلّ ما دخل في الوجود من أنواع الخير و الشّرّ و السّعادة و الشّقاوة، فبقضاء الله و قَدَره، و الجمع بين هذين الأصلين في غاية الصّعوبة، فعند هذا قالت الحكماء: الخير مراد مرضيّ، و الشّرّ مراد مكروه، و الخير مقضيّ به بالذّات، و الشّرّ مقضيّ به بالعرض، و فيه غور عظيم.

المسألة الخامسة: قوله: { وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَ عِلْمًا } يدلّ على كونه سبحانه عالم-ًا بجميع المعلومات الّتي لانهاية لها من الكلّيّات و الجزئيّات،و أيضًا فلولا ذلك، لم يكن في الدّعاء و التّضرّع فائدة، لأ نّه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء، فعلى هذا التّقدير لايعرف هذا الدّاعي أنّ الله سبحانه يعلمه و يعلم دعاءه، و على هذا التّقدير لايبقى في الدّعاء فائدة ألبتّة. (27 : 35)

القُرطُبيّ: أي وسعت رحمتك و علمك كلّ شيء. فلمّا نُقل الفعل عن الرّحمة و العلم، نُصب على التّفسير. (15 : 295)

البَيْضاويّ: أي وسعت رحمتك و علمك، فأُزيل عن أصله للإغراق في وصفه بالرّحمة و العلم و المبالغة في عمومها، و تقديم الرّحمة لأ نّها المقصودة بالذّات ها هنا. (2 : 331)

مثله أبوالسُّعود. (5 : 409)

النَّيسابوريّ: و في تقديم الرّحمة على العلم فائدة، هي أنّ مطلوب الملائكة في هذا المقام، هو أن يرحم المؤمنين، فكأ نّهم قالوا: ارحم من علمت منه التّوبة و اتّباع الدّين.

قالت علماء المعتزلة: الفائدة في استغفارهم لهم و هم تائبون صالحون، طلب مزيد الكرامة و الثّواب، فهو بمنزلة الشّفاعة، و إذا ثبت شفاعة الملائكة لأهل الطّاعة، فكذلك شفاعة الأنبياء ضرورة أ نّه لاقائل بالفرق. (24 : 28)

أبوحَيّان: و أُسند الوسع إلى صاحبها مبالغة، كأنّ ذاته هي الرّحمة و العلم، و قد وسع كلّ شي‌ء. و قُدّم الرّحمة، لأ نّهم بها يستمطرون إحسانه،و يتوسّلون بها إلى حصول مطلوبهم من سؤال المغفرة. (7 : 451)

البُرُوسَويّ: نُصب على التّمييز، و الأصل: وسعت رحمتك و علمك لاذاتك، لامتناع المكان في حقّه، فأُزيل عن أصله للإغراق فيوصفه بالرّحمة و العلم، كأنّ ذاته رحمة و علم واسعان كلّ شيء، و تقديم الرّحمة و إن كان العلم أشمل و أقدم تعلّقًا من

الرّحمة، لأ نّها المقصودة بالذّات هاهنا. و في < عين المعاني > ملأت كلّ شيء نعمةً و علمًا به.

يقول الفقير: دخل في عموم الآية الشّيطان و نحوه، لأنّ كلّ موجود فله رحمة دنيويّة ألبتّة، و أقلّها الوجود، و للشّيطان إنظار إلى يوم الدّين و يكون من الرّحمة الدّنيويّة إلى غير ذلك. (8 : 157)

الآلوسيّ: و نُصب { رَحْمَةً وَ عِلْمًا } على التّمييز، و هو محوّ ل عن الفاعل، و الأصل: وسعت رحمتك و علمك كلّ شيء، و حُوّل إلى ما في النّظم الجليل للمبالغة في وصفه عزّ وجلّ بالرّحمة و العلم؛ حيث جُعلت ذاته سبحانه كأ نّها عين الرّحمة و العلم، مع التّلويح إلى عمومها، لأنّ نسبة جميع الأشياء إليه تعالى مستوية فتقتضي استواءها في شمولهما، و وصفه تعالى بكمال الرّحمة و العلم كالتّمهيد لقوله سبحانه:{ فَاغْفِرْ لِلَّذينَ‘ تَابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبيلَكَ‘... }. [إلى أن قال:]

و يتضمّن التّمهيد المذكور الإشارة إلى أنّ الرّحمة الواسعة و العلم الشّامل، يقتضيان أن ينال هؤلاء، الفوز العظيم و القسط الأعلى من الرّضوان. و فيه إيماء إلى معنى:

إن تغفر اللّهمّ تغفر جمًّا* و أيّ عبد لك لا ألم-ًّا

فإنّ العبد و إن بالغ حقّ المبالغة في أداء حقوقه تعالى، فهو مقصّر، و إليه الإشارة بقوله (صلی الله علیه و آله) :< و لاأنا إلا أن يتغمّدني الله تعالى برحمته >. و تقديم الرّحمة، لأ نّها المقصودة بالذّات هاهنا. (24 : 47)

ابن عاشور: و افتتح دعاء الملائكة للمؤمنين بالنّداء، لأ نّه أدخل في التّضرّع و أرجى للإجابة، و توجّهوا إلى الله بالثّناء بسعة رحمته و علمه، لأنّ سعة الرّحمة ممّا يُطمَع باستجابة الغفران، و سعة العلم تتعلّق بثبوت إيمان الّذين آمنوا.

و معنى السّعة في الصّفتين: كثرة تعلّقاتهما، و ذكر سعة العلم كناية عن يقينهم بصدق إيمان المؤمنين، فهو بمنزلة قول القائل: أنت تعلم أ نّهم آمنوا بك و وحّدوك.

و جي‌ء في وصفه تعالى، بالرّحمة الواسعة و العلم الواسع بأُسلوب التّمييز المحوّل عن النّسبة، لما في تركيبه من المبالغة بإسناد السّعة إلى الذّات ظاهرً ا، حتّى كأنّ ذاته هي الّتي وسعت، فذلك إجمال يستشرف به السّامع إلى ما يرد بعده، فيجي‌ء بعده التّمييز المبيّن لنسبة السّعة، أنّها من جانب الرّحمةو جانب العلم، و هي فائدة تمييز النّسبة في كلام العرب، لأنّ للتّفصيل بعد الإجمال تمكينًا للصّفة في النّفس، كما في قوله تعالى: { وَ اشْتَعَلَ الرَّ اْسُ شَيْبًا } مريم : 4.

و المراد أنّ الرّحمة و العلم وسعا كلّ موجود، الآن، أي في الدّنيا، و ذلك هو سياق الدّعاء، كما تقدّم آنفًا، فما من موجود في الدّنيا إلا و قد نالته قسمة من رحمة الله، سواء في ذلك المؤمن و الكافر و الإنسانو الحيوان.

{ كُلَّ شَىْ‌ء }: كلّ موجود، و هو عامّ مخصوص بالعقل بالنّسبة للرّحمة، أي كلّ شي‌ء محتاج إلى الرّحمة، و تلك هي الموجودات الّتي لها إدراك تُدرك به المُلائم و المُنافر و النّافع و الضّارّ، من الإنسان

و الحيوان؛ إذ لافائدة في تعلّق الرّحمة بالحجَر و الشّجر و نحوهما. و أمّا بالنّسبة إلى العلم فالعموم على بابه، قال تعالى: { اَلايَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } الملك : 14.

و لم-ّا كان سياق هذا الدّعاء أ نّه واقع في الدّنيا كما تقدّم، اندفع ما عسى أن يقال: إنّ رحمة الله لاتسع المشركين يوم القيامة؛ إذ هم في عذاب خالد، فلاحاجة إلى تخصيص عموم كلّ شي‌ء بالنّسبة إلى سعة الرّحمة بمخصّصات الأدلّة المنفصلة القاضية، بعدم سعة رحمة الله للمشركين بعد الحساب.

و تفرّع على هذه التّوطئة بمناجاة الله تعالى ما هو المتوسّل إليه منها، و هو طلب المغفرة للّذين تابوا، لأ نّه إذا كان قد علم صدق توبة من تاب منهم، و كانت رحمته وسعت كلّ شي‌ء، فقد استحقّوا أن تشملهم رحمته، لأ نّهم أحرياء بها. (24 : 153)

الطَّباطَبائيّ: و قوله: { رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَ عِلْمًا... } حكاية متن استغفارهم، و قد بدأوا فيه بالثّناء عليه تعالى بسعة الرّحمة و العلم، و إنّما ذكروا الرّحمة و شفّعوها بالعلم، لأ نّه برحمته يُنعم على كلّ محتاج، فالرّحمة مبدأ إفاضة كلّ نعمة، و بعلمه يعلم حاجة كلّ محتاجمستعدّ للرّحمة. [إلى أن قال:]

و لازم سعة الرّحمة و هي عموم الإعطاء، أنّ له أن يعطي ما يشاء لمن يشاء، و يمنع ما يشاء ممّن يشاء. و هذا معنى العزّة الّتي هي القدرة على الإعطاء و المنع. و لازم سعة العلم لكلّ شي‌ء، أن ينفذ العلم في جميع أقطار الفعل، فلايداخل الجهل شيئًا منها، و لازمه إتقان الفعل، و هو الحكمة. (17 : 309)

عبدالكريم الخطيب: و في قوله تعالى: { رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَ عِلْمًا } هو من تسبيح الملائكة لله، و من استمطارهم من واسع رحمته للمؤمنين، فمن رحمة الله الّتي وسعت كلّ شي‌ء يطلب الملائكة الرّحمة للمؤمنين، الّذين تابوا، و اتّبعوا سبيل الله بالإيمان به.

و في قرن الرّحمة بالعلم، إشارة إلى أنّ رحمة الله إنمّا تقع حيث علم الله موقعها من عباده. (12 : 1209)

فضل الله: فأنت الرّحيم بعبادك، العالم بكلّ الظّروف الدّ اخليّة و الخارجيّة الّتي فرضت عليهم الانحراف، و أوقعتهم في المعصية، و أبعدتهم عنك.(20 : 17)

30 - اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعيشَتَهُمْ فِى الْحَيوةِ الدُّ نْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ. الزّخرف : 32

قَتادَة: { وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ } يعني الجنّة.

مثله السُّدّيّ. (الطّبَريّ 11 : 182)

مُقاتِل: { رَحْمَتَ رَبِّكَ } يقول: أ بأيديهم مفاتيح الرّسالة، فيضعونها حيثشاؤوا، و لكنّها بيدي أختار من أشاء من عبادي للرّسالة.{ وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ } يعني الجنّة. (3 : 794)

الطّبَريّ: يقول تعالى ذكره: أ هؤلاء القائلون: لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، يا محمّد، يقسمون رحمة ربّك بين خلقه، فيجعلون كرامته لمن شاؤوا، و فضله لمن أرادوا، أم الله الّذي

يقسم ذلك، فيعطيه من أحبّ، و يحرمه من شاء؟

{ وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } يقول تعالى ذكره: و رحمة ربّك يا محمّد بإدخالهم الجنّة خير لهم ممّا يجمعون من الأموال في الدّنيا. (11 : 182)

الماوَرْديّ: { رَحْمَتَ رَ بِّكَ } يعني النّبوّة فيضعوها حيث شاؤوا.

{ وَرَحْمَتَ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } فيه أربعة أوجُه:

أحدها: أنّ النّبوّة خير من الغنى.

الثّاني: أنّ الجنّة خير من الدّنيا.

الثّالث: أنّ إتمام الفرائض خير من كثرة النّوافل.

الرّ ابع: أنّ ما يتفضّل به عليهم خير ممّا يجازيهم عليه من أعمالهم، قاله بعض أصحاب الخواطر. (5 : 223)

الطُّوسيّ: قال تعالى: { وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } يعني رحمة الله و نعمه من الثّواب في الجنّة، خير ممّا يجمعه هؤلاء الكفّار من حُطام الدّنيا. (9 : 196)

المَيْبُديّ: { رَحْمَتَ رَبِّكَ } يعني النّبوّة و الرّسالة. [إلى أن قال] { وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ } يعنى النّبوّة، { خَيْرٌ مِمَّايَجْمَعُونَ } من المال.

و قيل معناه: { وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ} عباده بالإيمان و الاسلام، { خَيْرٌ } من الأموال الّتي يجمعونها.

و قيل: { وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ } يعني الجنّة،{ خَيْرٌ }، للمؤمنين، { مِمَّا يَجْمَعُونَ } يجمع الكفّار من الأموال. (9 : 65)

الزّمَخْشَريّ:{ اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ } هذه الهمزة للإنكار المستقلّ بالتّجهيل و التّعجيب من اعتراضهم و تحكّمهم، و أن يكونوا هم المدبّرين لأمر النّبوّة و التّخيّر لها من يصلح لها و يقوم بها، و المتولّين لقسمة رحمة الله الّتي لايتولا ها إلا هو بباهر قدرته و بالغ حكمته. [إلى أن قال:]

فما ظنّك بهم في تدبير أُمور الدّين الّذي هو رحمة الله الكبرى و رأفته العُظمى؟ و هو الطّريق إلى حيازة حظوظ الآخرة و السّلم إلى حلول دار السّلام؟ ثمّ قال: { وَ رَحْمَتُ رَ بِّكَ } يريد: و هذه الرّحمة، و هي دين الله و ما يتبعه من الفوز في المآب، خير ممّا يجمع هؤلاء من حطام الدّنيا. (3 : 485)

ابن عَطيّة: وقف على جهة التّوبيخ لهم بقوله: { اَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ }، المعنى على اختيارهم و إرادتهم تنقسم الفضائل و المكانة عند الله. و الرّحمة: اسم يعمّ جميع هذا. [إلى أن قالو قوله تعالى:{ وَ رَحْمَتُ رَ بِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} قال قَتادَة و السُّدّيّ: يعني الجنّة.

لاشكّ أنّ الجنّة هي الغاية، و رحمة الله في الدّنيا بالهداية، و الإيمان خير من كلّ مال. و هذا اللّفظ تحقير للدّنيا. (5 : 53)

الطَّبْرِسيّ: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ } يعني النّبوّة بين الخلق، بيّن سبحانه أ نّه هو الّذي يقسم النّبوّة لاغيره. [إلى أن قال:]

{ وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } أي و رحمة الله سبحانه و نعمته من الثّواب و الجنّة خير ممّا يجمعه

هؤلاء من حُطام الدّنيا. (5 : 46)

أبوحَيّان:{ اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ } فيه توبيخ و تعجيب من جهلهم، كأ نّه قيل: على اختيارهم و إرادتهم تُقسَم الفضائل من النّبوّة و غيرها. ثمّ في إضافته في قوله: { رَحْمَتُ رَ بِّكَ }، تشريف له (صلی الله علیه و آله)، و أنّ هذه الرّحمة الّتي حصلت لك ليست إلا من ربّك المصلح لحالك و المربّيك. [إلى أن قال:]

و { رَحْمَتُ رَ بِّكَ }، قيل: النّبوّة، و قيل: الهداية و الإيمان. و قال قَتادَة و السُّدّيّ: الجنّة خير ممّا يجمع هؤلاء من حطام الدّنيا. و في هذا اللّفظ تحقير للدّنيا و ما جُمع فيها من متاعها. (8 : 13)

الشِّربينيّ: أي إكرام المحسن إليك، و إنعامه، و تشريفه بأنواع اللّطف و البِرّ، و إعظامه بما ربّاك له من تخصيصك بالإرسال إليهم، لإنقاذهم من الضّلال،و جعلك - و أنت أفضل العالمين - الرّسول إليهم، ففُضّلوا بفضيلتك مع أ نّك أشرفهم نسبًا و أفضلهم حسبًا، و أعظمهم عقلا و أصفاهم لُبًّا و أرحمهم قلبًا، ليتصرّفوا في تلك الرّحمة الّتي هي روح الوجود و سرّ الأمر، لابحسب شهواتهم، و هم لايقدرون على التّصرّف في المتاع الزّائل بمثل ذلك.[إلى أن قال:]

{ وَرَحْمَتُ رَ بِّكَ } أي المربّي لك و المدبّر لأمرك بإرسالك، و إنارة الوجود برسالتك الّتي هي لعظمها جديرة بأن تضاف إليه، و لايسمّى غيرها رحمة. (3 : 561)

أبوالسُّعود: :{ اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ } إنكار فيه، تجهيل لهم و تعجيب من تحكّمهم، و المراد بالرّحمة: النّبوّة. [إلى أن قال:]

{ وَ رَحْمَتُ رَ بِّكَ } أي النّبوّة و ما يتبعها من سعادة الدّارين. (6 : 33)

نحوه البُرُوسَويّ. (8 : 365)

الآلوسيّ: إنكار فيه تجهيل و تعجيب من تحكّمهم، بنزول القرآن العظيم على من أرادوا. و الرّحمة يجوز أن يكون المراد بها ظاهرها - و هو ظاهر كلام < البحر > - و نُزِّل تعيينهم لمن ينزل عليه الوحي منزلة التّقسيم لها، و تدخل النّبوّة فيها. و يجوز أن يكون المراد بها النّبوّة و هو الأنسب لما قيل، و عليه أكثر المفسّرين. و في إضافة الرّبّ إلى ضميره (صلی الله علیه و آله) من تشريفه عليه الصّلاة و السّلام ما فيه. و في إضافة الرّحمة إلى الرّبّ إشارة إلى أ نّها من صفات الرّبوبيّة. [إلى أن قال:] أي النّبوّة و ما يتبعها من سعادة الدّارين. و قيل: الهداية و الإ‘يمان . (25 : 78)

ابن عاشور: و لم-ّا كان الاصطفاء للرّسالة رحمة لمن يصطفى لها، و رحمة للنّاس المرسَل إليهم، جعل تحكّمهم في ذلك قسمة منهم لرحمة الله، باختيار هم من يختار لها، و تعيين المتأهّل لإبلاغها إلى المرحومين. [إلى أن قال:]

و جملة { وَ رَحْمَتُ رَ بِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } تذييل للرّدّ عليهم. و في هذا التّذييل ردّ ثان عليهم، بأنّ المال الّذي جعلوه عماد الاصطفاء للرّسالة هو أقلّ من رحمة الله، فهي خير ممّا يجمعون من المال الّذي جعلوه سبب التّفضيل، حين قالوا: { لَوْ لا نُزِّ لَ هذَا الْقُرْ ا"نُ عَلى" رَجُل مِنَ الْقَرْ يَتَيْنِ عَظيم ٍ‘} الزّخرف :

31، فإنّ المال شي‌ء جمعه صاحبه لنفسه، فلايكون مثل اصطفاء الله العبد ليُرسله إلى النّاس.

و رحمة الله:هي اصطفاؤه عبده للرّسالة عنه إلى النّاس، وهي الّتي في قوله:{اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} و المعنى: إذا كانوا غير قاسمين أقلّ أحوالهم، فكيف يقسمون ما هو خير من أهمّ أُمورهم؟ (25 : 244)

الطَّباطَبائيّ: المراد بالرّحمة على ما يعطيه السّياق: النّبوّة. [إلى أن قال:]

{ وَ رَحْمَتُ رَ بِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } أي النّبوّة خير من المال، فكيف يملكون قسمها و هم لايملكون قسم المال فيمابينهم. (18 : 98)

عبد الكريم الخطيب: قوله تعالى: { وَ رَحْمَتُ رَ بِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } الرّحمة هنا: هي القرآن الكريم، الّذي هو رحمة من رحمة الله، الّتي أشار إليها سبحانه في قوله: { اَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ } فهذا القرآن، و ما يحمل إلى النّاس من خير، هو خير من كلّ ما يجمع النّاس جميعًا من مال، و ما يقتنون من متاع، و ما يُرزقون من بنين. (13 : 128)

فضل الله: و هذا هو التّعليق القرآنيّ على هذه المقولة، فإنّ الرّسالةليست شأ نًا بشريًّا يرجع أمره إلى النّاس، ليُحدّدوا ملامح الرّسول على أساس طبقيّ، بل هي شأن إلهيّ، يرحم الله به من يشاء فيمن يصطفيه لكرامته، و يختاره لرسالته، ممّن تتوفّر في فكره الصّفات الرّساليّة، وأخلاقه و منهجه، و لهذا فإنّهم عندما يتحدّثون بهذه الطّريقة، فإنّهم يتدخّلون في شؤون الإرادة الإلهيّة، لجهة ما يقسم الله فيه رحمته بين عباده، من خلال ما يعرفه من أُمور صلاحهمو فسادهم، ممّا لامكان لإبداء الرّ أي فيه، و لاأساس للاعتراض عليه. (20 : 234)

31 - اَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا اِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ‘* رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ اِنَّهُ هُوَ السَّميعُ‘ الْعَليمُ‘. الدّخان : 5 و 6

ابن عبّاس: أي رأفة منّا بخلقنا، و نعمة منّا عليهم بما بعثنا عليهم من الرّسل. (الطَّبْرِسيّ 5 : 61)

الفَرّ اء: { اَمْرً ا } هو منصوب بقوله:{ يُفْرَقُ } على معنى يُفرَق كلّ أمرفرقًا و أمرً ا، و كذلك قوله: { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ }، يُفرَق ذلك رحمة من ربّك، و يجوز أن تُنصَب الرّحمة بوقوع { مُرْسِلينَ‘ } الدّخان : 5، عليها، تجعل الرّحمة هي النّبيّ (صلی الله علیه و آله). (3 : 39)

الطّبَريّ: و اختلف أهل العربيّة في وجه نصب قوله:{ اَمْرً ا } الدّخان : 5، فقال بعض نحويّي الكوفة: نُصب على { اِنَّا اَنْزَلْنَاهُ } الدّخان : 3، أمرً ا،و { رَحْمَةً } على الحال. و قال بعض نحويّي البصرة: نصب على معنى يُفرَق كلّ أمر فرقًا و أمرً ا. قال:و كذلك قوله: { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ }. قال: و يجوز أنتُنصَب الرّحمة بوقوع { مُرْسِلينَ‘ } الدّخان : 5، عليها، فجعل الرّحمة للنّبيّ (صلی الله علیه و آله). (11 : 223)

نحوه الزّجّاج. (4 : 424)

الماوَرْديّ: و في { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } هنا وجهان:

أحدهما: أ نّها نعمة الله ببعثة رسوله (صلی الله علیه و آله).

الثّاني: أ نّها رأفته بهداية من آمن به. (5 : 246)

الطُّوسيّ: إخبار منه تعالى أ نّه يُرسل الرّسل { رَحْمَةً }، أي نعمة. و نصبه على المصدر، و اختار الأخفش النّصب على الحال، أي أنزلناه آمرين راحمين. و يجوز أن يكون نصبًا على أ نّه مفعول له، أي أنزلناه للرّحمة. و سمّيت النّعمة رحمة، لأ نّها بمنزلة ما يُبعَث على فعله رقّة القلب على صاحبه، و مع داعي الحكمة إلى الإحسان إليه يؤكّد أمره. (9 : 225)

القُشَيْريّ: { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } و هي الرّسول (صلی الله علیه و آله) ، قال صلوات الله عليه:« أنا رحمة مُهداة ». (5 : 380)

المَيْبُديّ: { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } أي رأفة منّي بخلقي، و نعمة عليهم بما بعثنا إليهم من الرّسل. و قيل: معناه: أنزلنا القرآن أمرً ا من عندنا، و أرسلنا محمّدً ا رحمةً منّا لقوله: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } الأنبياء : 107. (9 : 95)

الزّمَخْشَريّ: فإن قلت: { اِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ‘ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } بِمَ يتعلّق؟

قلت: يجوز أن يكون بدلا من قوله: { اِنَّا كُنَّا مُنْذِرينَ‘ } الدّخان : 3، ‘و { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } مفعولا له، على معنى إنّا أنزلنا القرآن، لأنّ من شأننا إرسال الرّسلبالكتب إلى عبادنا لأجل الرّحمة عليهم، و أن يكون تعليلا ل- { يُفْرَقُ } أو لقوله: { اَمْرً ا مِنْ عِنْدِنَا } الدّخان : 5، و { رَحْمَةً } مفعولا به. و قد وصف الرّحمة بالإرسال كما وصفها به في قوله تعالى: { وَ مَا يُمْسِكْ فَلامُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ } فاطر : 2، أي يُفصَل في هذه اللّيلة كلّ أمر. أو تصدر الأوامر من عندنا، لأنّ من عادتنا أن نرسل رحمتنا.

و فصل { كُلُّ اَمْر } من قسمة الأرزاق و غيرها من باب الرّحمة، و كذلك الأوامر الصّادرة من جهته عزّ و علا، لأنّ الغرض في تكليف العباد تعريضهم للمنافع. و الأصل: إنّا كنّا مرسلين رحمة منّا، فوُضع الظّاهر موضع الضّمير، إيذانًا بأنّ الرّبوبيّة تقتضي الرّحمة على المربوبين.

و قرأ الحسَن: ( رَحْمَةٌ مِنْ رَ بِّكَ) على: تلك رحمة، و هي تنصر انتصابها بأ نّها مفعول له. (3 : 501)

ابن عَطيّة: و قوله: { اِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ ‘} يحتمل أن يريد الرّسل و الأنبياء، و يحتمل أن يريد الرّحمة الّتي ذُكر بعد. و على التّأويل الأوّل نُصب قوله: { رَحْمَةً } على المصدر، و يحتمل أن يكون نصبها على الحال. (5 : 69)

الطَّبْرِسيّ: و قوله: { رَحْمَةً } منصوب على أ نّه مفعول له، أي أنزلناه للرّحمة. و قال الأخفش: هو منصوب على الحال، أي راحمين رحمة. (5 : 61)

القُرطُبيّ: و هو [اَمْرً ا] مصدر في موضع الحال، و كذلك { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } و هما عند الأخفش حالان، تقديرهما: أنزلناه آمرين به و راحمين.(16 : 128)

الفَخْرالرّ ازيّ: { اِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ‘ } فبيّن أنّ ذلك الإنذار و الإرسال إنّما حصل من الله تعالى، ثمّ بيّن أنّ ذلك الإرسال إنّما كان لأجل تكميل الرّحمة، و هو قوله: { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } و كان الواجب أن يقال: رحمة منّا، إلا أ نّه وُضع الظّاهر موضع المضمر، إيذانًا

بأنّ الرّبوبيّة تقتضي الرّحمة على المربوبين، ثمّ بيّن أنّ تلك الرّحمة وقعت على وفق حاجات المحتاجين، لأ نّه تعالى يسمع تضرّعاتهم، و يعلم أنواع حاجاتهم. (27 : 240)

أبوحَيّان: و جوّزوا في { رَحْمَةً } أن يكون مصدرً ا، أي رحمنا رحمة، و أن يكون مفعولا له ب- { اَنْزَلْنَاهُ } الدّخان:3، أو ل- { يُفْرَقُ } الدّخان : 4، أو ل- { اَمْرً ا مِنْ عِنْدِنَا }. و أن يكون مفعولا ب- { مُرْسِلينَ‘ } و الرّحمة توصف بالإرسال، كما وُصفت به في قوله: { وَ مَا يُمْسِكْ فَلامُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ } فاطر : 2، و المعنى على هذا: أ نّا نفصل في هذه اللّيلة كلّ أمر، أو تصدر الأوامر من عندنا، لأنّ من عادتنا أن نُرسل رحمتنا.

و قرأ زَيْد بن عليّ، و الحسَن ( رَحْمَةٌ ) بالرّفع، أي تلك رحمة من ربّك، التفاتًا من مضمر إلى ظاهر؛ إذ لو رُوعي ما قبله، لكان رحمة منّا، لكنّه وُضع الظّاهر موضع المضمر، إيذانًا بأنّ الرّبوبيّة تقتضي الرّحمة على المربوبين. (8 : 33)

الشِّربينيّ: بيّن تعالى حال الرّسالات بقوله تعالى: { رَحْمَةً } و عدل لأجل ما اقتضاه التّعبيربالرّحمة، عمّا كان من أُسلوب التّكلّم بالعظمة، من قوله: < مِنّا > إلى قوله تعالى { مِنْ رَ بِّكَ } أي المحسن إليك بإرسالك و إرسال كلّ نبيّ مضى من قبلك، فإنّ رسالاتهم كانت لُبّ الأنوار في العبادات، و تمهيد الشّرائع في البلاد، حتّى استنارت القلوب و اطمأ نّت النّفوس، بما صارت تعهد من شرع الشّرائع و توطئة الأديان، فتسهّلت طرق الرّبّ لتعميم رسالتك، حتّى ملأت أنوارك الآفاق، فكنت نتيجة كلّ من تقدّمك من الرّفاق. (3 : 580)

أبوالسُّعود: و قوله تعالى: { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } غاية للإرسال متأخّرة عنه، على أنّ المراد بها: الرّحمة الواصلة إلى العباد، و باعث متقدّم عليه، على أنّ المراد مبدؤها، أي إنّا أنزلنا القرآن، لأنّ من عادتنا إرسال الرّسل بالكتب إلى العباد، لأجل إفاضة رحمتنا عليهم، أو لاقتضاء رحمتنا السّابقة إرسالهم.

و وضع الرّبّ موضع الضّمير، للإيذان بأنّ ذلك من أحكام الرّبوبيّة و مقتضياتها، و إضافته إلى ضميره عليه الصّلاة و السّلام لتشريفه، أو تعليل ل- { يُفْرَقُ } الدّخان: 4، أو لقوله تعالى: { اَمْرً ا } ، على أنّ قوله تعالى: { رَحْمَةً } مفعول للإرسال، كما في قوله تعالى: { وَ مَا يُمْسِكْ فَلامُرْسِلَ لَهُ } فاطر : 2، أي يُفرَق فيها كلّ أمر، أو تصدر الأوامر من عندنا، لأنّ من عادتنا إرسال رحمتنا.

و لاريب في أنّ كلا من قسمة الأرزاق و غيرها، و الأوامر الصّادرة منه تعالى من باب الرّحمة، فإنّ الغاية لتكليفالعبادة تعريضهم للمنافع.

و قرئ ( رَحْمَةٌ ) بالرّفع، أي تلك رحمة. (6 : 48)

نحوه البُرُوسَويّ. (8 : 405)

الآلوسيّ: و قوله تعالى: { اِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ‘ * ‘رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ }، تعليل ل- { يُفْرَقُ } الدّخان : 4، أو لقوله تعالى: { اَمْرً ا مِنْ عِنْدِنَا } و { رَحْمَةً } مفعول به ل- { مُرْسِلينَ‘} ، و تنوينها للتّفخيم، و الجارّ و المجرور

في موضع الصّفة لها، و إيقاع الإرسال عليها هنا كإيقاعه عليها في قوله سبحانه: { مَايَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة فَلامُمْسِكَ لهَ-َا وَ مَايُمْسِكْ فَلامُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ } فاطر : 2.

و المعنى على ما في < الكشّاف >: يفصل في هذه اللّيلة كلّ أمر، لأنّ من عادتنا أن نرسل رحمتنا، و فصل كلّ أمر من قسمة الأرزاق و غيرها من باب الرّحمة، أي أنّ المقصود الأصليّ بالذّات من ذلك الرّحمة، أو تصدر الأوامر من عندنا، لأنّ من عادتنا ذلك.و الأوامر الصّادرة من جهته تعالى من باب الرّحمة أيضًا، لأنّ الغاية لتكليف العباد تعريضهم للمنافع.

و فيه كما قيل: إشارة إلى أن جعله تعليلا لقوله سبحانه: { اَمْرً ا مِنْ عِنْدِنَا } ، إنّما هو على تقدير: أن يراد بالأمر مقابل النّهي، و هو يجري على تقديري المصدريّة و الحاليّة. [إلى أن قال:]

و جُوّز أن يكون قوله تعالى:{ اِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ ‘} بدلا من قوله سبحانه: { اِنَّا كُنَّا مُنْذِرينَ‘ } الدّخان : 3،الواقع تعليلا لإنزال الكتاب بدل كلّ أو اشتمال، باعتبار الإرسال و الإنذار، و يكون {رَحْمَةً} حينئذ مفعولا له، أي أنزلنا القرآن، لأنّ عادتنا إرسال الرّسل و الكتب إلى العباد لأجل الرّحمة عليهم.

و اختيار كون الرّحمة مفعولا له، ليتطابق البدل و المبدل منه؛ إذ معنى المبدل منه: فاعلين الإنذار، و يطابقه: فاعلين الإرسال. و لم يُجوّز كونها كذلك على وجه التّعليل، بل أوجب كونها مفعولا به ليصحّ؛ إذ لو قيل: فيها تفصيل كلّ شأن حكيم، لأ نّا فاعلون الإرسال لأجل الرّحمة، لم يفد أنّ الفصل رحمة، و لاأ نّه سبحانه مُرسل، فلايستقيم التّعليل .قيل:و ينصر نصب{ رَحْمَةً } على المفعول، قراءة الحسَن و زَيْد بن عليّ برفعها، لأنّ الكلام عليه جملة مستأنفة، أي هي رَحْمَةٌ تعليلا للإرسال، فيلائم القول بأ نّها في قراءة النّصب مفعول له، و ليطابق قراءتهما في كون معنى{اِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ} : إنّا كنّا فاعلين الإرسال.

و قال بعض أجلّة المحقّقين: <إنّ القول بأ نّه تعليل أظهر من القول بأ نّه بدل، ليكون الكلام على نسق في التّعليل غبّ التّعليل، و لما ذكر في الحالة المقتضية للإبدال، و لوقوع الفصل> و أشار على ما قيل بما ذُكر في الحالة المقتضية للإبدال، بأنّ المبدل منه غير مقصود، و أ نّه في حكم السّقوط، و هاهنا ليس كذلك. وتعقّب هذا بأ نّه أغلبيّ لامطّرد، و قوله:لوقوع الفصل، أي بين البدل و المُبدل منه، بأنّ الفاصل غير أجنبيّ فلايضرّ الفصل به، فتدبّر. و جُوّز كون { رَحْمَةً } مصدرً ا لرحمتنا مقدّر، و كونها حالا من ضمير { مُرْسِلينَ ‘}، و كونها بدلا من { اَمْرً ا } فلاتغفل. (25 : 114)

الطَّباطَبائيّ: قوله تعالى: { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ اِنَّهُ هُوَ السَّميعُ‘ الْعَليمُ‘ } أي إنزاله رحمة من ربّك، أو أنزلناه لأجل إفاضة الرّحمة على النّاس، أو لاقتضاء رحمة ربّك إنزاله، فقوله: { رَحْمَةً } حال على المعنى الأوّ ل، و مفعول له على الثّاني و الثّالث. (18 : 133)

عبدالكريم الخطيب: تعليل لبيان الحكمة الّتي من أجلها يُرسل الله سبحانه و تعالى الرّسل إلى عباده، فهو سبحانه إنمّا يُرسلهم رحمةً منه، و فضلا و إحسانًا.

و إلا فإنّ مع كلّ إنسان رسولا يدعوه إلى الإيمان بالله، و هو عقله، الّذي لو أحسن النّظر به، و وجّهه نحو الاتّجاه الصّحيح لعرف ربّه، و آمن به. و لكنّ من رحمة الله سبحانه و تعالى بعباده و لطفه بهم، أ نّه لم يدعهم لعقولهم الّتي قد تضلّ و تزيغ، فبعث إلى هذه العقول رسولا من عنده، ينبّه الغافل منها، و يوقظ النّائم، و يهدي الضّالّ الحائر.{ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } النّساء : 165 (13 : 185)

مكارم الشّيرازيّ: و لأجل تبيان العلّة الأساسيّة لنزول القرآن، و إرسال النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و كون المقدّرات في ليلة القدر، تُضيف الآية: { رَحْمَةً مِنْ رَ بِّكَ } نعم، فإنّ رحمتهالّتي لاتُحَدّ توجب أن لايترك العباد و شأنهم، بل يجب أن تُرسَل إليهم التّعليمات اللا زمة، لترشدهم في سيرهم إلى الله، عبر ذلك المسير التّكامليّ الملي‌ء بالالتواءات و التّعرّجات، فإنّ كلّ عالم الوجود يصدر عن رحمته الواسعة و ينبع منها، و البشر أكثر تنعّمًا بهذه الرّحمة من كلّ الموجودات. (16 : 119)

فضل الله: { رَحْمَةً مِن رَ بِّكَ } الّذي يشرف على رعاية عباده بالرّحمة الّتي تُدير أُمورهم، و تقودهم إلى سعادتهم في الدّنيا و الآخرة. (20 : 279)

32 - وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى اِمَامًا وَ رَحْمَةً... الأحقاف : 12

الكِسائيّ: { اِمَامًا } يُؤتمّ به، { وَ رَحْمَةً } لمن آمن و عمل به، و نُصبا على الحال. (الثّعلبيّ 9 : 10)

أبوعُبَيْدَة: فيه إضمار، أي أنزلناه أو جعلناه إمامًا و رحمةً. (الثّعلبيّ 9 : 10)

الزّجّاج: { اِمَامًا } منصوب على الحال، و قوله: { وَرَحْمَةً } عطف عليه. (4 : 440)

نحوه ابن عَطيّة. (5 : 95)

الطُّوسيّ: { اِمَامًا وَ رَحْمَةً } أي جعلناه إمامًا و رحمة، و أنزلناه إمامًا يُهتَدى به، و رحمةً، أي نعمة على الخلق. (9 : 274)

المَيْبُديّ { اِمَامًا } يُقتَدى به، { وَ رَحْمَةً }، لمن آمن به، و هما منصوبان على الحال. و قيل: فيه إضمار، أي جعلناه إمامًا و رحمة. و في الكلام محذوف تقديره: جعلنا كتاب موسى إمامًا و رحمة، و لم يهتدوا به. (9 : 148)

نحوه الطَّبْرِِسيّ. (5 : 85)

الزّمَخْشَريّ: و معنى {اِمَامًا } قُدْوَة يُؤتَمّ به في دين الله و شرائعه، كما يُؤتَمّ بالإمام، { وَ رَحْمَةً } لمن آمن به و عمل بما فيه. (3 : 519)

الفَخْرالرّ ازيّ: و معنى { اِمَامًا }، أي قُدْوَة { وَرَحْمَةً } يُؤتَمّ به في دين الله و شرائعه، كما يُؤتمّ بالإمام، { وَ رَحْمَةً } لمن آمن به و عمل بما فيه. و وجه تعلّق هذا الكلام بما قبله أنّ القوم طعنوا في صحّة القرآن، و قالوا: لو كان خيرً ا ما سبقنا إليه هؤلاء الصّعاليك، و كأ نّه تعالى قال: الّذي يدلّ على صحّة القرآن أ نّكم لاتنازعون في أنّ الله تعالى أنزل التّوراة على موسى ، و جُعل هذا الكتاب إمامًا يُقتَدى به. ثمّ إنّ التّوراة مشتملة على البشارة بمقدم محمّد (صلی الله علیه و آله)،

فإذا سلّمتم كون التّوراة إمامًا يُقتَدى به، فأقبلوا حكمه في كون محمّد (صلی الله علیه و آله) حقًّا من الله. (28 : 12)

القُرطُبيّ: { اِمَامًا } يُقتَدى بما فيه، و { وَ رَحْمَةً} من الله. و في الكلام حذف، أي فلم تهتدوا به؛ و ذلك أ نّه كان في التّوراة نعت النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و الإيمان به فتركوا ذلك.و { اِمَامًا } نُصب على الحال، لأنّ المعنى و- تقدّمه كتاب موسى { اِمَامًا وَ رَحْمَةً } معطوف عليه. و قيل: انتصب بإضمار فعل، أي أنزلناه { اِمَامًاوَ رَحْمَةً }. (16 : 191)

الشِّربينيّ: { اِمَامًا }، أي يستحقّ أن يَؤُمّه كل من سمع به، { وَ رَحْمَةً } لما فيه من نعم الدّ لائل على الله تعالى، و البيان الشّافي. و في الكلام محذوف، تقديره: و تقدّمه كتاب موسى إمامًا و رحمة و لم يهتدوا به، كما قالتعالى في الآية الأُولى:{وَ اِذْ لَمْ يَهْتَدُوابِهِ} الأحقاف : 11. (4 : 8)

أبوالسُّعود: { اِمَامًا وَ رَحْمَةً } حالان من { كِتَابُ مُوسى }، أي إمامًا يُقتَدى به فى دين الله تعالى و شرائعه، كما يُقتَدى بالإمام، و رحمة من الله تعالى لمن آمن به و عمل بموجبه. (6 : 71)

نحوه البُرُوسَويّ. (8 : 471)

الآلوسيّ: و قوله سبحانه: { اِمَامًا وَ رَحْمَةً } حال من الضّمير في الخبر، أو من { كِتَابُ } عند من جوّز الحال من المبتدإ. و قيل: حال من محذوف و العامل كذلك، أي أنزلناه إمامًا، و هو كما ترى.و المعنى: و كائن من قبله كتاب موسى يُقتَدى به في دين الله تعالى و شرائعه، كما يُقتَدى بالإمام، و رحمة من الله سبحانه لمن آمن به و عمل بموجبه. (26 : 15)

ابن عاشور: و { اِمَامًا وَ رَحْمَةً } حالان من { كِتَابُ مُوسى }، و يجوز كونهما حالين من{ مُوسى } و المعنيان متلازمان. [إلى أن قال:]

و الرّحمة: اسم مصدر لصفة الرّ احم، و هي من صفات الإنسان، فهي رقّة في النّفس تبعث على سوق الخير لمن تتعدّى إليه. و وَصْف الكتاب بها استعارة، لكونه سببًا في نفع المتّبعين، لما تضمّنه من أسباب الخير في الدّنيا و الآخرة.

و وَصْف الكتاب بالمصدر مبالغة في الاستعارة، و موسى أيضًا رحمة لرسالته، كما وُصف محمّد (صلی الله علیه و آله) بذلك في قوله: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } الأنبياء :107. (26 : 21)

عبدالكريم الخطيب: هو ردّ على مقولة المشركين في القرآن بأ نّه إفك قديم، أي إنّ هذا القرآن ليس إفكًا قديمًا كما يدّعون، فلقد سبقه كتاب موسى الّذي هو إمام، أي هُدًى يُهتَدى به النّاس، و رحمة من الله إليهم. و هذا القرآن هو مصدّق لما في كتاب موسى، ليُنذرهؤلاء المشركين الّذين ظلموا أنفسهم بالإعراض عنه، و يُبشّر المحسنين الّذين أحسنوا إلى أنفسهم بهذا الخير الّذي ساقوه إليها من هذا الكتاب. (13 : 272)

مكارم الشّيرازيّ: و التّعبير ب- { اِمَامًا وَ رَحْمَةً } يحتمل أن يكون من جهة أنّ ذكر الإمام يستدعي أحيا نًا أن تخطر في الذّهن مسألة التّكليف الشّاقّ الصّعب، نتيجة الذّكريّات الّتي كانت لديهم عن أئمّتهم، إلا أنّ ذكر الرّحمة يبدّ ل هذا الخطور الذّهنيّ

إلى ما يبعث على الاطمئنان، فهو يقول: إنّ هذا الإمام توأم الرّحمة و مقترن بها، فحتّى إذا أتاكم بالتّكاليف و الأوامر فهي رحمة أيضًا، و أيّ رحمة أعمّ و أسمى من تربية نفوس هؤلاء القوم؟ (16 : 240)

33 - ... وَجَعَلْنَا فى قُلُوبِ الَّذينَ‘ اتَّ-بَعُوهُ رَاْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ... الحديد: 27

راجع : ر أ فَ : <رَأفَ-ةً>

الرَّحْمَة

1- قُلْ لِمَنْ مَا فِى السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضِ قُلْ ِللهِ‌ِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ ’لارَيْبَ فيهِ..‘. الأنعام : 12

النّبيّ (صلی الله علیه و آله): لمّا فرغ اللهمن الخلق كتب كتابًا: < إنّ رحمتي سبقت غضبي >. (الطّبَريّ 5 : 155)

كعب الأحبار: كتب الله كتابًا لم يكتبه بقلم و لامداد، و لكنّه كتب بأصبعه يتلوها الزّبرجَد و اللُّؤلؤ و الياقوت: < أنا الله لا إله إلا أنا سبقت رحمتي غضبي >. (الطّبَريّ 5 : 156)

سلمان الفارسيّ: إن الله تعالى ذكره لم-ّا خلق السّماء و الأرض، خلق مئة رحمة، كلّ رحمة مل‌ء ما بين السّماء إلى الأرض، فعنده تسع و تسعون رحمة،و قسم رحمة بين الخلائق، فبها يتعاطفون و بها تشرب الوحش و الطّير الماء، فإذا كان يوم القيامة قصّرها الله على المتّقين، و زادهم تسعًا و تسعين. (الطّبَريّ5 : 155)

[ و عنه أيضًا] نجد في التّوراة عطفتين: أنّ الله خلق السّماوات و الأرض، ثمّ خلق مئة رحمة أو جعل مئة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثمّ خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، و أمسك عنده تسعًا و تسعين رحمة، فبها يتراحمون، و بها يتباذلون، و بها يتعاطفون، و بها يتزاورون، و بها تحنّ النّاقة، و بها تثُوج البقرة، و بها تيعر الشّاة، و بها تتابع الطّير، و بها تتابع الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع الله تلك الرّحمة إلى ما عنده، و رحمته أفضل و أوسع. (الطّبَريّ 5 : 155)

عِكْرِمَة: إذا فرغ الله عزّ وجلّ من القضاء بين خلقه، أخرج كتابًا من تحت العرش، فيه:< إنّ رحمتي سبقت غضبي، و أنا أرحم الرّ احمين > فيخرج من النّار مثل أهل الجنّة، أو قال: مِثْلا أهل الجنّة، و لاأعلمه إلا قال: < مِثْلا >و < أمّا مثل > فلاأشكّمكتوبًا هاهنا، و أشار الحكم إلى نحره، عتقاء الله. فقال رجل لعِكْرِمَة: يا أبا عبد الله، فإنّ الله يقول: { يُريدُونَ اَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَ مَا هُمْ بِخَارِجينَ‘ مِنْهَا وَ لَهُمْ عَذَابٌ مُقيمٌ ‘} المائدة : 37، قال: ويلك أُولئك أهلها الّذين هم أهلها. (الطّبَريّ 5 : 155)

الكَلْبيّ : و قيل: أوجب على نفسه الرّحمة لأُمّة محمّد، بأن لايعذّبهم عند التّكذيب كما عذّب من قبلهم من الأُمم الماضية و القرون الخالية عند التّكذيب، بل يؤخّرهم إلى يوم القيامة . (الطَّبْرِسيّ 2 : 277)

ابن كيسان: إنّ الله تعالى لم-ّا خلق الخلق، لم يعطف شي‌ء على شي‌ء، حتّى خلق مئة رحمة، فوضع بينهم رحمة واحدة، فعطف بعض الخلق على بعض.(الطّبَريّ 5 : 155)

عبد الله بن عمرو: أ نّه كان يقول: إنّ لله مئة رحمة، فأهبط رحمة إلى أهل الدّنيا، يتراحم بها الجنّ و الإنس، و طائر السّماء و حيتان الماء، و دوابّ الأرض و هوامّها و ما بين الهواء، و اختزن عنده تسعًا و تسعين رحمة، حتّى إذا كان يوم القيامة اختلج الرّحمة الّتي كان أهبطها إلى أهل الدّنيا، فحواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنّة و على أهل الجنّة. (الطّبَريّ 5 : 156)

الفَرّ اء: إن شئت جعلت { الرَّحْمَةَ } غاية كلام، ثمّ استأنفت بعدها { لَيَجْمَعَنَّكُمْ }، و إن شئت جعلته في موضع نصب، كما قال: { كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ اَ نَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ } الأنعام : 54، و العرب تقول فيالحروف الّتي يصلح معها جواب الأيمان ب- < أن > المفتوحة و ب- < اللا م >، فيقولون: أرسلت إليه أن يقوم، و أرسلت إليه ليقومنّ. (1 : 328)

الطّبَريّ: و قوله: { كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } يقول: قضى أ نّه بعباده رحيم، لايعجّل عليهم بالعقوبة، و يقبل منهم الإنابة و التّوبة. و هذا من الله تعالى ذكره استعطاف للمعرضين عنه إلى الإقبال إليه بالتّوبة، يقول تعالى ذكره: إنّ هؤلاء العادلين بي الجاحدين نبوّتك يا محمّد، إن تابوا و أنابوا قُبلت توبتهم، و إنّي قد قضيت في خلقي أنّ رحمتي وسعت كلّ شي‌ء. (5: 155)

الزّجّاج: الله عزّ وجلّ تفضّل على العباد، بأن أمهلهم عند كفرهم و إِقدامهم على كبائِر ما نهاهم عنه، بأن أنظرهم و عمّرهم، وفسح لهم ليتوبوا، فذلك كَتْبه الرّحمةعلى نفسه. (2 : 232)

الماوَرْديّ: و فيها أربعة أوجُه:

أحدها: أ نّها تعريض خلقه لما أمرهم به من عبادته الّتي تفضي بهم إلى جنّته.

و الثّاني: ما أراهم من الآيات الدّ الّة على وجوب طاعته.

و الثّالث:إمهالهم عن معالجة العذاب و استئصالهم بالانتقام.

و الرّ ابع: قبوله توبة العاصي، و العفو عن عقوبته. (2 : 96)

الطُّوسيّ: و معنى { كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } أي كتب على نفسه ألا يستأصلكم و لايعجّل عقوبتكم، بل يعذر و يُنذر و يجمع آخركم إلى أوّلكم قرنًا بعد قرن إلى يومالقيامة، و هو الّذي لاريب فيه. (4 : 91)

المَيْبُديّ: و معنى الرّحمة في هذه الآية: أن لايعذّبهم بتكذيبهم و بكفرهم، و لايخسف و لايمسخ و لايعجّل بالعقوبة، كما عجّل بعقوبة من كان قبلهم،و يعرض عليهم التّوبة حتّى يتوبوا و إن لم يتوبوا تأخّر عقوبتهم إلى يوم القيامة. (3 : 306)

الزّمَخْشَريّ: أي أوجبها على ذاته في هدايتكم إلى معرفته، و نصب الأدلّة لكم على توحيده بما أنتم مقرون به من خلق السّماوات و الأرض، ثمّ أوعدهم على إغفالهم النّظر و إشراكهم به من لايقدر على خلق شي‌ء بقوله: { لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ }’. (2 : 7)

ابن عَطيّة: معناه قضاها و أنفذها، و في هذا المعنى أحاديث عن النّبيّ تتضمّن كتب الرّحمة، و معلوم

من غير ما موضع من الشّريعة، أنّ ذلك للمؤمنين في الآخرة و لجميع النّاس في الدّنيا، منها: أنّ الله تعالى خلق مئة رحمة، فوضع منها واحدة في الأرض، فيها تتعاطف البهائم و ترفع الفرس رجلها لئلا تطأ ولدها، و بها تتعاطف الطّير و الحيتان، و عنده تسع و تسعون رحمة، فإذا كان يوم القيامة صيّر تلك الرّحمة مع التّسعة و التّسعين، و بثّها في عباده.

فما أشقى من لم تسعه هذه الرّحمات، تغمّدنا الله بفضل منه.

و منها: حديث آخر: إنّ الله عزّ و جلّ كتب عنده كتا بًا، فهو عنده فوق العرش: أنّ رحمتي سبقت غضبي، ويُروى: نالت غضبي، و معناه سبقت .[ثمّ استشهد بشعر] و يتضمّن هذا الإخبار عن الله تعالى بأ نّه كتب الرّحمة تأنيس الكفّار و نفي يأسهم من رحمة الله إذا تابوا، و أنّ باب توبتهم مفتوح. قال الزّجّاج: { الرَّحْمَةَ } هنا إمهال الكفّار، و تعميرهم ليتوبوا. (2 : 271)

الطَّبْرِسيّ: أي أوجب على نفسه الإنعام على خلقه، و قيل: معناه: أوجب على نفسه الثّواب لمن أطاعه، و قيل: أوجب على نفسه الرّحمة بإنظاره عباده و إمهاله إيّاهم، ليتداركوا ما فرّطوا فيه، و يتوبوا عن معاصيهم. (2 : 277)

الفَخْرالرّ ازيّ: ثمّ إنّه تعالى لم-ّا بيّن بهذا الطّريق كمال إلهيّته و قدرته و نفاذ تصرّفه في عالم المخلوقات بالكلّيّة، أردفه بكمال رحمته و إحسانه إلى الخلق، فقال: { كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } فكأ نّه تعالى قال: إنّه لم يرض من نفسه بأن لايُنعم و لابأن يَعِد بالإنعام، بل أبدً ا يُنعم و أبدً ا يَعِد في المستقبل بالإنعام، و مع ذلك فقد كتب على نفسه ذلك، و أوجبه إيجاب الفضل و الكرم.

و اختلفوا في المراد بهذه الرّحمة، فقال بعضهم: تلك الرّحمة هي أ نّه تعالى يُمهلهم مدّة عمرهم، و يرفع عنهم عذاب الاستئصال، و لايعاجلهم بالعقوبة في الدّنيا. و قيل: إنّ المراد أ نّه كتب على نفسه الرّحمة لمن ترك التّكذيب بالرّسل و تاب و أناب، و صدّقهم و قبل شريعتهم.

و اعلم أ نّه جاءت الأخبار الكثيرة في سعة رحمة الله تعالى، عن النّبيّ(صلی الله علیه و آله) أ نّه قال: « لم-ّا فرغ الله من الخلق كتب كتابًا إنّ رحمتي سبقت غضبي ».

فإن قيل: الرّحمة هي إرادة الخير، و الغضب هو إرادة الانتقام، و ظاهر هذا الخبر يقتضي كون إحدى الإرادتين سابقة على الأُخرى، و المسبوق بالغير مُحدَث، فهذا يقتضي كون إرادة الله تعالى مُحدَثة ! !.

قلنا: المراد بهذا السّبق سبق الكثرة لاسبق الزّمان. و عن سلمان: أ نّه تعالى لم-ّا خلق السّماء و الأرض خلق مائة رحمة، كلّ رحمة مل‌ء ما بين السّماءو الأرض، فعنده تسع و تسعون رحمة، و قسم رحمة واحدة بين الخلائق، فبها يتعاطفون و يتراحمون، فإذا كان آخر الأمر قصّرها على المتّقين. (12 : 165)

القُرطُبيّ: أي وعد بها فضلا منه و كرمًا، فلذلك أمهل. و ذكر النّفس هنا عبارة عن وجوده و تأكيد وعده، و ارتفاع الوسائط دونه، و معنى الكلام: الاستعطاف منه تعالى للمتولّين عنه إلى الإقبال إليه،

و إخبار منه سبحانه بأ نّه رحيم بعباده لايعجّل عليهم بالعقوبة، و يقبل منهم الإنابة و التّوبة.

و في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله): < لمّا قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده: إنّ رحمتي تغلب غضبي > أي لمّا أظهر قضاءه و أبرزه لمن شاء، أظهر كتابًا في اللّوح المحفوظ أو فيما شاءه، مقتضاه خبر حقّ و وعد صدق: < إنّ رحمتي تغلب غضبي > أي تسبقه وتزيد عليه. (6 : 395)

أبوحَيّان: و { الرَّحْمَةَ } هنا الظّاهر أ نّها عامّة فتعمّ المحسن و المسي‌ء في الدّنيا، و هي عبارة عن الا تّصال إليهم و الإحسان إليهم، و لم يذكر متعلّق الرّحمة لمن هي، فتعمّ كما ذكرنا. و قيل: الألف و اللا م للعهد، فيراد بها: الرّحمة الواحدة الّتي أنزلها الله تعالى من المائة الرّحمة الّتي خلقها، و أخّر تسعة و تسعين يرحم بها عباده في الآخرة... و قيل: { الرَّحْمَةَ } لمن آمن و صدّق الرّسل. (4 : 81)

الشِّربينيّ: تفضّلا منه و إحسانًا، فالرّحمة تعمّ الدّ ارين، و من ذلك الهداية إلى معرفته و العلم بتوحيده، بنصب الأدلّة و إنزال الكتب و الإمهال على الكفرة و العصاة و المذنبين، و لو شاء لسلّط عليهم المضارّ، و جعل عيشهم من غير اللّذيذ كالتّراب و بعض القاذورات الّتي تعيش فيها الحيوانات.

روي أ نّه (صلی الله علیه و آله) قال: « لم-ّا قضى الله الخلق كتب كتابًا عنده فوق عرشه: إنّ رحمتي غلبت غضبي » و في رواية « سبقت غضبي » و في رواية « إنّ لله تعالى مئة رحمة، واحدة بين الجنّ و الإنس و البهائم و الهوامّ، فبها يتعاطفون، و بها يتراحمون، و بها تعطف الوحوش على أولادها، وأخّر تسعًا و تسعين رحمة، يرحم بها عباده يوم القيامة ».

و روي أ نّه (صلی الله علیه و آله) قَدِم عليه سبيّ فإذا امرأة من السّبي قد غلب ثديها؛ إذ وجدت صبيًّا في السّبي أخذته و ألصقته ببطنها و أرضعته، فقال النّبيّ (صلی الله علیه و آله):« أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النّار، و هيتقدر على أن لاتطرحه؟ » فقلنا: لا و الله يا رسول الله، فقال: « الله أرحم بعباده من هذه بولدها ». (1 : 412)

أبوالسُّعود: و قوله تعالى: { كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } جملة مستقلّة داخلة تحت الأمر، ناطقة بشمول رحمته الواسعة لجميع الخلق شمول ملكه و قدرته للكلّ، مسوقة لبيان أ نّه تعالى رؤوف بعباده لايعجّل عليهم بالعقوبة بل يقبل منهم التّوبة و الإنابة.

و أنّ ما سبق ذكره و ما لحق من أحكام الغضب، ليس من مقتضيات ذاته تعالى، بل من جهة الخلق، كيف لا و من رحمته أن خلقهم على الفطرة السّليمة، و هداهم إلى معرفته و توحيده بنصب الآيات الأنفسيّة و الآفاقيّة، و إرسال الرّسل و إنزال الكتب المشحونة بالدّعوة إلى موجبات رضوانه، و التّحذير عن مقتضيات سخطه، و قد بدّلوا فطرة الله تبديلا ،و أعرضوا عن الآيات بالمرّة، وكذّبوا بالكتب،و استهزؤوا بالرّسل، و ما ظلمهم الله و لكن كانوا هم الظّالمين. و لولا شمول رحمته، لسلك بهؤلاء أيضًا مسلك الغابرين. و معنى كتب الرّحمة على نفسه: أنّه

تعالى قضاها و أوجبها بطريق التّفضّل و الإحسان على ذاته المقدّسة بالذّات، لابتوسّط شيء أصلا . (2 : 360)

نحوه البُرُوسَويّ. (3 : 13)

الآلوسيّ: [نقل كلام أبي السُّعود و بعض الرّوايات ثم ّقال:]

و المراد بالرّحمة في الآية: ما يعمّ الدّ ارين مع عموم متعلّقها، فماروي عن الكَلْبيّ - من أنّ المعنى أوجب لنفسه الرّحمة، لأُمّة محمّد (صلی الله علیه و آله) بأن لايعذبّهم عند التّكذيب، كما عذّب من قبلهم من الأُمم الخاليةو القرون الماضية عند ذلك، بل يؤخّرهم إلى يوم القيامة - لم يدع إليه إلا إظهار ما يناسب المقام من أفراد ذلك العامّ. (7 : 105)

ابن عاشور: و جملة {كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } معترضة، و هي من المقول الّذي أمر الرّسول بأن يقوله. و في هذا الاعتراض معان:

أحدها: أنّ ما بعده لم-ّا كان مشعرً ا بإنذار بوعيد، قدّم له التّذكير بأ نّه رحيم بعبيده عساهم يتوبون و يقلعون عن عنادهم، على نحو قوله تعالى: { كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ اَ نَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُؤًا بِجَهَالَة ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ اَصْلَحَ فَاَنَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } الأنعام : 54، و الشّرك بالله أعظم سوء و أشدّ تلبّسًا بجهالة.

و الثّاني: أنّ الإخبار بأنّ لله ما في السّماوات و ما في الأرض يُثير سؤال سائل عن عدم تعجيل أخذهم على شركهم بمن هم ملكه. فالكافر يقول: لو كان ما تقولون صدقًا لعَجّل لنا العذاب، و المؤمن يستبطئ تأخير عقابهم، فكان قوله: { كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} جوابًا لكلا الفريقين بأ نّه تفضّل بالرّحمة، فمنها: رحمة كاملة، و هذه رحمته بعباده الصّالحين،و منها: رحمة موقّتة، و هي رحمة الإمهال و الإملاء للعصاة و الضّالّين.

و الثّالث: أنّ ما في قوله: { قُلْ لِمَنْ مَا فِىالسَّموَا تِ وَ الاَ_رْضِ قُلْ للهِ‚ } من التّمهيد لما في جملة { لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ لارَيْبَ فيهِ‘ } من الوعيد و الوعد. ذُكرت رحمة الله تعريضًا ببشارة المؤمنين و بتهديد المشركين.

الرّ ابع: أنّ فيه إيماء إلى أنّ الله قد نجّى أُمّة الدّعوة المحمّديّة من عذاب الاستئصال الّذي عذّب به الأُمم المكذّبة رسلها من قبل؛ و ذلك ببركة النّبيّ محمّد (صلی الله علیه و آله)، إذ جعله رحمةً للعالمين في سائر أحواله، بحكم قوله تعالى: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ ‘} الأنبياء : 107. [ثمّ أدام البحث فلاحظ] (6 : 31)

الطَّباطَبائيّ: الكتابة: هو الإثبات، و القضاء الحتم، و إذ كانت الرّحمة و هي إفاضة النّعمة على مستحقّها، و إيصال الشّي‌ء إلى سعادته الّتي تليق به من صفاته تعالى الفعليّة، صحّ أن يُنسَب إلى كتابته تعالى، و المعنى: أوجب على نفسه الرّحمة، و إفاضة النّعم، و إنزال الخير لمن يستحقّه. (7 : 26)

عبد الكريم الخطيب: و معنى كتب على نفسه الرّحمة، أي أوجبها سبحانه و تعالى على نفسه؛ حيث اقتضتها حكمته، و استدعاها فضله، فالملك الّذي بين

يدي المالك سبحانه و تعالى، هو من آثار رحمة الله، تلك الرّحمة العامّة الشّاملة الّتي تمسّ كلّ مخلوق،و تنال البرّ و الفاجر، و المؤمن و الكافر. و لو لاهذه الرّحمة لما تنفّس الكافر نفسًا في هذه الحياة، و لما أمهل في محادّته لله، و عدوانه علىرسله، و لكن رحمة الله الّتي وسعت كلّ شي‌ء، لم يحرم الكافر نصيبه منها، فأفسح الله له في الحياة، ليرجع إليه، و يُصلح من أمره ما أفسده.

فإذا مضى الكافر على كفره، ثمّ أخذ بذنبه، كان من رحمة الله أن يؤدّب و أن يعاقب، ففي هذا العقاب إصلاح لنفسه الّتي فسدت، و صقل لمعدنه الّذي أكله الصّدأ. (4 : 138)

فضل الله: الرّحمة الإلهيّة مصلحة للإنسان و ترقّ الصّورة، و تنساب بالحنان ليعيش معها الإنسان إحساسًا بالجوّ الحميم الآمن المطمئنّ، فقد { كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ }، لأنّ الخلق لم ينطلق من شعور، بل من موقع الحكمة الّتي تحرّ ك الوجود في اتّجاه غاية عظيمة، تفيض بالرّحمة على الأشياء لتصل بها إلى غايتها، و لذلك كانت الرّحمة في حركة الوجود، و في حيويّة الحياة، و ما فيها من نعم و ألطاف، و كانت أيضًا في تنظيم حياة الإنسان على أساس المسؤوليّة، ليحميه من نفسه ويحمي غيره منه.

و بذلك كان البعث للحساب لونًا من ألوان الرّحمة الّتي لاتعني العاطفة، بل تعني مصلحة الإنسان في وجوده، و ذلك لجزاء المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، و لذلك أتبع الرّحمة الّتي كتبها على نفسه بقوله: { لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ لارَيْبَ فيهِ ‘}، فذلك يحقّق للوجود غايته في مواجهة نتائج العمل في الدّنيا، و هو الّذي يحقّق للإيمان قوّته، عندما يتحوّ ل إلى حركة مستقيمة، تربطالنّتائج بمقدّماتها، و تشير إلى النّهاية من خلال انطلاقة البداية. (9 : 43)

2 - وَ اِذَا جَاءَكَ الَّذينَ‘ يُؤْمِنُونَ بِا "يَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ... الأنعام : 54 الماوَرْديّ: و { الرَّحْمَةَ } يحتمل المراد بها هنا وجهين:أحدهما: المعونة. و الثّاني: العفو. (2 : 119)

المَيْبُديّ: أي قضى و أوجب على نفسه لخلقه الرّحمة إيجابًا مؤكّدً ا. و قيل: كتب ذلك فى اللّوح المحفوظ. و قيل: هو ما قال النّبيّ (صلی الله علیه و آله): « لم-ّا قضى الله الخلق كتب كتابًا فهو عنده فوق عرشه: إنّ رحمتي سبقت غضبي ».

و بيّن أنّ ما هذه الرّحمة؟ و قال:{ اَ نَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُ-ؤًا } يعني كتب أ نّه من عمل منكم سوءً بجهالة... (3 : 366)

الزّمَخْشَريّ: و كذلك قوله: { كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } من جملة ما يقول لهم: ليسرّهم و يبشّرهم بسعة رحمة الله، و قبوله التّوبة منهم. (2: 23)

الفَخْرالرّ ازيّ: فيه مسائل: [إلى أن قال:]

المسألة الثّالثة: قالت المعتزلة: قوله: { كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } ينافي أن يقال: إنّه تعالى يخلق الكفر في الكافر، ثمّ يعذّبه عليه أبد الآباد، و ينافي أن يقال: إنّه يمنعه عن الإيمان، ثمّ يأمره حال ذلك المنع

بالإيمان، ثمّ يعذّبه على ترك ذلك الإيمان.

وجواب أصحابنا: أ نّه ضارّ نافع، مُحي مُميت، فهو تعالى فعل تلك الرّحمة البالغة، و فعل هذا القهر البالغ و لامنافاة بين الأمرين. (13 : 4)

أبوالسُّعود: أي قضاها و أوجبها على ذاته المقدّسة بطريق التّفضّل و الإحسان بالذّات، لابتوسّط شيء مّا أصلا ، تبشيرً ا لهم بسعة رحمته تعالى و بنيل المطالب، إثْر تبشيرهم بالسّلامة عن المكاره، و قبوله التّوبة منهم. و في التّعرّض لعنوان الرّبوبيّة مع الإضافة إلى ضميرهم، إظهار اللّطف بهم و الإشعار بعلّة الحكم.

و قيل: إنّ قومًا جاؤوا إلى النّبيّ، فقالوا: إنّا أصبنا ذنوبًا عظامًا، فلم يردّ عليهم شيئًا، فانصرفوا،فنزلت. (2 : 390)

البُرُوسَويّ: قال في < التّأويلات النّجميّة > قال في حديث ربّانيّ للجنّة: « إنمّا أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي » فيرحم بجنّته من شاء من عباده، و يرحم بذاته من شاء من عباده. (3 : 39)

عبد الكريم الخطيب: فهذه الرّحمة الّتي أوجبها الله على نفسه، رحمة منه و كرمًا و فضلا ، هي الّتي تُضفي على الدّ اخلين في الإسلام: الأمن و السّلام، بالتّجاوز عمّا اقترفوا من قبل من آثام، فهم أبناء الإسلام منذ اليوم الّذي دخلوا فيه، و لاشي‌ء عليهم ممّا اقترفوه من قبل. (4 : 196)

3 - وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ اِنْ يَشَاْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ... الأنعام : 133

الطّبَريّ: يقول عزّ ذكره: فلم أخلقهم يا محمّد و لم آمرهم بما أمرتهم به و أنههم عمّا نهيتهم عنه، لحاجة لي إليهم و لاإلى أعمالهم، و لكن لأتفضّلعليهم برحمتي و أُثيبهم على إحسانهم إن أحسنوا، فإنّي ذو الرّ أفة و الرّحمة. (5 : 347)

الطُّوسيّ: و { ذُو الرَّحْمَةِ } يعني صاحب الرّحمة، و هو تعالى بهذه الصّفة لرحمته بعباده. (4 : 303)

القُشَيْريّ: و أخبرهم بقوله: { ذُو الرَّحْمَةِ } عن إفضاله، فبجلاله يكاشفهم فيُفنيهم، و بإفضاله يلاطفهم فيُحييهم.

و يقال: سماع غناه يوجب محوهم، و سماع رحمته يوجب صحوهم، فهم في سماع هذه الآية متردّدون بين بقاء و بين فناء، و بين إكرام و بين اصطلام، و بين تقريب و بين تذويب، و بين اجتياح و بين ارتياح. (2 : 199)

المَيْبُديّ: { ذُو الرَّحْمَةِ } بخلقه، فلايعجّل عليهم بالعقوبة. (3 : 494)

الزّمَخْشَريّ: { ذُو الرَّحْمَةِ } يترحّم عليهم بالتّكليف ليعرضهم للمنافع الدّ ائمة. (2 : 52)

الطَّبْرِسيّ: أي صاحب النّعمة على عباده، بيّن سبحانه أ نّه مع غناه عن عباده يُنعم عليهم، و أنّ إنعامه و إن كثر لاينقص من ملكه و لامن غناه. (2 : 369)

الفَخْرالرّ ازيّ: في الآية مسائل:

المسألة الأُولى: اعلم أ نّه تعالى لم-ّا بيّن ثواب

أصحاب الطّاعات و عقاب أصحاب المعاصي و المحرّمات، و ذكر أنّ لكلّ قوم درجة مخصوصةو مرتبة معيّنة، بيّن أنّ تخصيص المطيعين بالثّواب و المذنبين بالعذاب، ليس لأجل أ نّه محتاج إلى طاعة المطيعين، أو ينتقص بمعصية المذنبين، فإنّه تعالى غنيّ لذاته عن جميعالعالمين، و مع كونه غنيًّا فإنّ رحمته عامّة كاملة، و لاسبيل إلى ترتيب هذه الأرواح البشريّة و النّفوس الإنسانيّة، و إيصالها إلى درجات السّعداء الأبرار، إلا بترتيب التّرغيب في الطّاعات و التّرهيب عن المحظورات، فقال: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ }، و من رحمته على الخلق ترتيب الثّواب و العقاب على الطّاعة و المعصية، فنفتقر هاهنا إلى بيان أمرين:

الأوّ ل: إلى بيان كونه تعالى غنيًّا، فنقول: إنّه تعالى غنيّ في ذاته و صفاته و أفعاله و أحكامه عن كلّ ما سواه، لأ نّه لو كان محتاجًا لكان مستكملا بذلك الفعل، و المستكمل بغيره ناقص بذاته، و هو على الله محال. و أيضًا فكلّ إيجاب أو سلب يُفرَض، فإن كان ذاته كافية في تحقّقه وجب دوام ذلك الإيجاب أو ذلك السّلب بدوام ذاته، و إن لم تكن كافية فحينئذ يتوقّف حصول تلك الحالة و عدمها على وجود سبب منفصل أو عدمه، فذاته لاتنفكّ عن ذلك الثّبوت و العدم، و هما موقوفان على وجود ذلك السّبب المنفصل و عدمه. و الموقوف على الموقوف على الشّي‌ء موقوف على ذلك الشّي‌ء، فيلزم كون ذاته موقوفة على الغير،و الموقوف على الغير ممكن لذاته، فالواجب لذاته ممكن لذاته و هو محال، فثبت أ نّه تعالى غنيّ على الإطلاق.

و اعلم أنّ قوله: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِيُّ } يفيد الحصر [إلى أن قال:]

و أمّا إثبات أ نّه{ ذُو الرَّحْمَةِ } فالدّليل عليه أ نّه لاشكّ في وجود خيرات وسعادات و لذّات و راحات: إمّا بحسب الأحوال الجسمانيّة، و إمّا بحسب الأحوال الرّوحانيّة، فثبت بالبرهان الّذي ذكرناه أنّ كلّ ما سواه فهو ممكن لذاته، و إنّما يدخل في الوجود بإيجاده و تكوينه و تخليقه، فثبت أنّ كلّ ما دخل في الوجود من الخيرات و الرّ احات و الكرامات و السّعادات، فهو من الحقّ سبحانه و بإيجاده و تكوينه. ثمّ إنّ الاستقراء دلّ على أنّ الخير غالب على الشّرّ، فإنّ المريض و إن كان كثيرً ا فالصّحيح أكثر منه، و الجائع و إن كان كثيرً ا فالشّبعان أكثر منه، و الأعمى و إن كان كثيرً ا إلا أنّ البصير أكثر منه، فثبت أ نّه لابدّ من الاعتراف بحصول الرّحمة و الرّ احة، و ثبت أنّ الخير أغلب من الشّرّ و الأ لم و الآفة، و ثبت أنّ مبدأ تلك الرّ احات و الخيرات بأسرها هو الله تعالى، فثبت بهذا البرهان أ نّه تعالى هو { ذُو الرَّحْمَةِ }.

و اعلم أنّ قوله: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ } يفيد الحصر، فإنّ معناه: أ نّه لارحمة إلا منه، و الأمر كذلك، لأنّ الموجود: إمّا واجب لذاته أو ممكن لذاته،و الواجب لذاته واحد، فكلّ ما سواه فهو منه، و الرّحمة داخلة فيما سواه، فثبت أ نّه لارحمة إلا من الحقّ، فثبت بهذا البرهان صحّة هذا الحصر، فثبت أ نّه لاغنيّ إلا

هو، فثبت أ نّه لارحيم إلا هو.

فإن قال قائل: فكيف يمكننا إنكار رحمة الوالدين على الولد و المولى على عبده، و كذلك سائر أنواع الرّحمة؟

فالجواب: أنّ كلّها عند التّحقيق من الله، و يدلّ عليه وُجُوه:

الأوّ ل: لولا أ نّه تعالى ألقى في قلب هذا الرّحيم داعية الرّحمة، لما أقدم على الرّحمة، فلمّا كان موجد تلك الدّ اعية هو الله كان الرّحيم هو الله، ألاترى أنّ الإنسان قد يكون شديد الغضب على إنسان قاسي القلب عليه، ثمّ ينقلب رؤوفًا رحيمًا عطوفًا، فانقلابه من الحالة الأُولى إلى الثّانية ليس إلا بانقلاب تلك الدّواعي، فثبت أنّ مقلّب القلوب هو الله تعالى بالبرهان قطعًا للتّسلسل، و بالقرآن، و هو قوله: { وَ نُقَ-لِّبُ اَفْ-ِدَ= تَهُمْ وَ اَبْصَارَهُمْ } الانعام : 110، فثبت أنّه لارحمة إلا من الله.

و الثّاني: هَبْ إنّ ذلك الرّحيم أعطى الطّعام و الثّوب و الذّهب، و لكن لاصحّة للمزاج و التّمكّن من الانتفاع بتلك الأشياء، و إلا فكيف الانتفاع؟ فالّذي أعطى صحّة المزاج و القدرة و المكنة هو الرّحيم في الحقيقة.

و الثّالث: أنّ كلّ من أعطى غيره شيئًا فهو إنّما يُعطي لطلب عوض، و هو إمّا الثّناء في الدّنيا أو الثّواب في الآخرة أو دفع الرّ قّة الجنسيّة عن القلب، و هو تعالى يُعطي لالغرض أصلا فكان تعالى هو الرّحيم الكريم، فثبت بهذه البراهين اليقينيّة القطعيّة صحّة قوله سبحانه و تعالى: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ } بمعنى أ نّه لاغنيّ و لارحيم إلا هو، فإذا ثبت أ نّه غنيّ عن الكلّ ثبت أ نّه لايستكمل بطاعات المطيعين، و لاينتقص بمعاصي المذنبين،و إذا ثبت أ نّه ذو الرّحمة ثبت أ نّه ما رتّب العذاب على الذّنوب و لاالثّواب على الطّاعات إلا لأجل الرّحمة و الفضل و الكرم و الجود و الإحسان، كما قال في آية أُخرى: { اِنْ اَحْسَنْتُمْ اَحْسَنْ-تُمْ لاَ‚نْفُسِكُمْ وَ اِنْ اَسَاْتُمْ فَلَهَا } الإسراء : 7، فهذا البيان الإجماليّ كاف في هذا الباب، و أمّا تفصيل تلك الحالة و شرحها على البيان التّامّ، فممّا لايليق بهذا الموضع.

المسألة الثّانية: أمّا المعتزلة فقالوا: هذه الآية إشارة إلى الدّليل الدّ الّ على كونه عادلا منزّهًا عن فعل القبيح، و على كونه رحيمًا محسنًا بعباده. أمّا المطلوب الأوّ ل فقال: تقريره أ نّه تعالى عالم بقبح القبائح و عالم بكونه غنيًّا عنه، و كلّ من كان كذلك فإنّه يتعالى عن فعل القبيح.

أمّا المقدّمة الأُولى: فتقريرها إنّما يتمّ بمجموع مقدّمات ثلاث:

أوّلها: أنّ في الحوادث ما يكون قبيحًا نحو: الظّلم و السّفه و الكذب و الغيبة، و هذه المقدّمة غير مذكورة في الآية لغاية ظهورها.

و ثانيها: كونه تعالى عالم-ًا بالمعلومات، و إليه الإشارة بقوله قبل هذه الآية: { وَ مَا رَ بُّكَ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ } الأنعام : 132.

و ثالثها: كونه تعالى غنيًّا عن الحاجات، و إليه

الإشارة بقوله: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ }. و إذا ثبت مجموع هذه المقدّمات الثّلاث، ثبت أ نّه تعالى عالم بقبح القبائح و عالم بكونه غنيًّا عنها،فإذا ثبت هذا امتنع كونه فاعلا لها، لأنّ المقدم على فعل القبيح إنمّا يقدم عليه إمّا لجهله بكونه قبيحًا، و إمّا لاحتياجه، فإذا كان عالم-ًا بالكلّ امتنع كونه جاهلا بقبح القبائح، و إذا كان غنيًّا عن الكلّ امتنع كونه محتاجًا إلى فعل القبائح؛ و ذلك يدلّ على أ نّه تعالى منزّه عن فعل القبائح متعال عنها، فحينئذ يُقطَع بأ نّه لايظلم أحدً ا،. فلمّا كلّف عبيده الأفعال الشّاقّة وجب أن يُثيبهم عليها، و لم-ّا رتّب العقاب و العذاب على فعل المعاصي وجب أن يكون عادلا فيها. فبهذا الطّريق ثبت كونه تعالى عادلا في الكلّ.

فإن قال قائل: هَبْ أنّ بهذا الطّريق انتفى الظّلم عنه تعالى، فما الفائدة في التّكليف؟

فالجواب: أنّ التّكليف إحسان و رحمة على ما هو مقرّر في « كتب الكلام » فقوله: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ } إشارة إلى المقام الأوّ ل، و قوله: { ذُو الرَّحْمَةِ } إشارة إلى المقام الثّاني، فهذا تقرير الدّ لائل الّتي استنبطها طوائف العقلاء من هذه الآية، على صحّة قولهم.

و اعلم يا أخي أنّ الكلّ لايحاولون إلا التّقديس و التّعظيم، و سمعت الشّيخ الإمام الوالد ضياء الدّين عمر بن الحسين رحمه الله، قال: سمعت الشّيخ أبا القاسم سليمان بن ناصر الأنصاريّ يقول: نظر أهل السّنّة على تعظيم الله في جانب القدرة و نفاذ المشيئة، و نظر المعتزلة على تعظيم الله في جانب العدل و البراءة عن فعل ما لاينبغي، فإذا تأمّلتعلمت أنّ أحدً ا لم يصف الله إلا بالتّعظيم و الإجلال و التّقديس و التّنزيه،و لكن منهم من أخطأ و منهم من أصاب، و رجاء الكلّ متعلّق بهذه الكلمة، و هي قوله: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ }. (13 : 199)

القُرطُبيّ: { ذُو الرَّحْمَةِ } أي بأوليائه و أهل طاعته. (7 : 88)

أبوحَيّان: لم-ّا ذكر تعالى من أطاع و من عصى و الثّواب و العقاب، ذكر أ نّه هو الغنيّ من جميع الجهات، لاتنفعه الطّاعة و لاتضرّه المعصية، و مع كونه غنيًّا هو ذو الرّحمة، أي التّفضّل التّامّ. قال ابن عبّاس: { ذُو الرَّحْمَةِ } بأوليائه و أهل طاعته. و قيل: بكلّ خلقه، و من رحمته تأخير الانتقام من العصاة. و قيل: { ذُو الرَّحْمَةِ } جاعل نفع الخلائق بعضهم ببعض. (4 : 225)

الشِّربينيّ: { ذُو الرَّحْمَةِ } أي التّجاوز عن خلقه، فمن رحمته إرسال الرّسل و تأخير العذاب عن المذنبين، لعلّهم يتوبون و يرجعون. (1 : 450)

أبوالسُّعود: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ } مبتدأ و خبر. [إلى أن قال:]

و قوله تعالى: { ذُو الرَّحْمَةِ } خبر آخر، أو هو الخبر، و{ الْغَنِيُّ } صفة، أي يترحّم عليهم بالتّكليف تكميلا لهم، و يُمهلهم على المعاصي. و فيه تنبيه على أنّ ما سلف ذكره من الإرسال ليس لنفعه، بل لترحّمه على العباد، و تمهيد لقوله تعالى: { اِنْ يَشَاْ يُذْهِبْكُمْ }. (2 : 446)

نحوه الآلوسيّ. (8 : 30)

البُرُوسَويّ: { ذُو الرَّحْمَةِ } يترحّم عليهم بالتّكليف تكميلا لهم، و يُمهلهم على المعاصي.

و في < التّأويلات النّجميّة > يعني مع غناه عن الخلق له رحمة قد اقتضت إيجاد الخلق، ليربحوا عليه لاليربح عليهم. (3 : 107)

ابن عاشور: و { ذُو الرَّحْمَةِ } خبر ثان . و عَدَل عن أن يوصف بوصف الرّحيم إلى وصفه بأ نّه { ذُو الرَّحْمَةِ }، لأنّ الغنيّ وصف ذاتيّ لله لاينتفع الخلائق إلا بلوازم ذلك الوصف، و هي جوده عليهم، لأ نّه لاينقص شيئًا من غناه، بخلاف صفة الرّحمة، فإنّ تعلّقها ينفع الخلائق.

فأُوثرت بكلمة < ذُو > لأنّ < ذُو > كلمة يُتوصّل بها إلى الوصف بالأجناس، و معناها صاحب، و هي تشعر بقوّة أو وفرة ما تضاف إليه، فلايقال: ذو إنصاف إلا لمن كان قويّ الإنصاف، و لايقال: ذو مال لمن عنده مال قليل، و المقصود من الوصف بذي الرّحمة هنا: تمهيد لمعنى الإمهال الّذي في قوله: { اِنْ يَشَاْ يُذْهِبْكُمْ }، أي فلايقولنّ أحد: لما ذا لم يذهب هؤلاء المكذّبين؟ أي أ نّه لرحمته أمهلهم إعذارً ا لهم. (7 : 65)

الطَّباطَبائيّ: و ربّك هو الّذي يوصف بالغنيّ المطلق الّذي لافقر معه و لاحاجة، و بالرّحمة المطلقة الّتي وسعت كلّ شي‌ء، و مقتضى ذلك أ نّه قادر على أن يُذهبكم بغناه و يستخلف من بعدكم ما يشاء من الخلق برحمته، و الشّاهد عليه أ نّه أنشأكم برحمته من ذرّ يّة قوم آخرين أذهبهم بغناه عنهم. (7 : 356)

عبدالكريم الخطيب:و فى وصف الله سبحانه و تعالى ب- {الْغَنِىُّ } و { الرَّحْمَةِ }، مناسبة لما بعد هذين الوصفين الكريمين، من أنّ الله سبحانه و تعالى قادر على أن يُذهب النّاس جميعًا، لأ نّه في غنًى عنهم، و لكنّه ذو رحمة واسعة، فلايعجّل بعقوبة هؤُلاء المشركين، و لايؤاخذ النّاس بما كسبوا، بل يُمهلهم، و يُقيم بين أيديهم دلائل الحقّ و الهدى، لعلّهم يرجعون عمّا هم فيه من ضلال و كفران. (4 : 313)

فضل الله: { ذُو الرَّحْمَةِ } فقد كانت رحمته سبب وجود الكون و الخلق، و كانت رحمته سبب كلّ نعمة تكفل للوجود استمراره، و للعباد حياتهم، فلم تنطلق رحمته من حاجة، ليكون غناه سببًا في بُعْده عنهم، بل انطلقت من ذاته الّتي تُعطي الرّحمة للعاصي كما تعطيها للمطيع. (9 : 332)

4 - وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَ-نَاحَ الذُّلِ‌ّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ‌ّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَ بَّ-يَانى صَغيرً ‘ا. الإسراء : 24

تقدّم في: < اِرْحَمْهُمَا > فلاحظ.

5 - يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُ للَّذينَ ‘ ا"مَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ... فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بَابُ بَاطِنُهُ فيهِ‘ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ.الحديد : 13

عبد الله بن عمرو [بن العاص] : سُور مسجد بيت المَقْدِس الشّرقيّ باطنه من المسجد. (الثّعلبيّ 9 : 238)

الحسَن: إنّ الرّحمة الّتي في باطنه الجنّة، و العذاب

الّذي في ظاهره جهنّم. (الماوَرْديّ 5 : 375)

ابن زَيْد: في قوله:{بَاطِنُهُ فيهِ ‘الرَّحْمَةُ }: الجنّة و ما فيها. (الطّبَريّ 11 : 679)

نحوه الثّعلبيّ (9 : 238)، و الطُّوسيّ (9 : 526)، و المَيْبُديّ (9: 484)،والزّمَخْْشَريّ (4: 63)،و القُرطُبيّ (18 : 246)، و أبوحَيّان(8 : 221)، و البُرُوسَويّ (9 : 361).

الطّبَريّ: و قوله: { لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فيهِ ‘الرَّحْمَةُ } يقول تعالى ذكره: لذلك السُّور باب باطنه فيه الرّحمة و ظاهره من قبل ذلك الظّاهر العذاب: يعني النّار. (11 : 678)

الزّجّاج: أي مايلي المؤمنين ففيه الرّحمة،و ما يلي الكافرين ظاهره يأتيهم من قبله العذاب. (5 : 124)

الماوَرْديّ: فيه قولان:

أحدهما: [قول الحسَن]

الثّاني: [ قول عبد الله بن عمرو بن العاص]

و يحتمل ثالثًا: أنّ الرّحمة الّتي في باطنه نور المؤمنين، و العذاب الّذي في ظاهره ظلمة المنافقين. (5 : 475)

ابن عَطيّة: و فيه باب يسمّى باب الرّحمة، سمّاه في تفسير هذه الآية عُبادة و كعب. و في الشّرق من الجدار المذكور واد يقال له: وادي جهنّم، سمّاه في تفسير هذه الآية عبد الله بن عمر، و ابن عبّاس، و هذا القول في (السُّور) بعيد، و الله أعلم. (5 : 262)

الطَّبْرِسيّ: و قيل: { بَاطِنُهُ } أي باطن ذلك السُّور فيه خارج السّور من قبله يأتيهم العذاب، يعني أنّ المؤمنين يسبقونهم و يدخلون الجنّة، و المنافقون يُجعَلون في النّار والعذاب، و بينهم السُّور الّذي ذكره الله. (5 : 236)

الفَخْرالرّ ازيّ: { بَاطِنُهُ فيهِ ‘الرَّحْمَةُ }، أي في باطن ذلك السُّور الرّحمة، و المراد من الرّحمة: الجنّة الّتي فيها المؤمنين، { وَ ظَاهِرُهُ } يعني و خارج السُّور { مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } أي من قبله يأتيهم العذاب. و المعنى: أنّ ما يلي المؤمنين ففيه الرّحمة، و ما يلي الكافرين يأتيهم من قبله العذاب.

و الحاصل: أنّ بين الجنّة و النّار حائط و هو السُّور، و لذلك السّور باب، فالمؤمنون يدخلون الجنّة من باب ذلك السُّور، و الكافرون يبقون في العذاب و النّار. (29 : 458)

الشِّربينيّ: وهي ما لهم من الكرامة، لأ نّه يلي الجنّة الّتي هي ساترة تبطن من فيها بأشجارهاو بأستارها، كما كانت بواطنهم ملآنة رحمة. (4 : 207)

الآلوسيّ: { فيهِ‘ الرَّحْمَةُ } الثّواب و النّعيم الّذي لايكتنه. (27 : 177)

الطَّباطَبائيّ: و جملة { فيهِ‘ الرَّحْمَةُ } مبتدأ و خبر، و هي خبر { بَاطِنُهُ }. (19 : 156)

رَحْمَتُهُ

1 - ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذ"لِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرينَ‘. البقرة : 64

أبوالعالية:{فَضْلُ اللهِ}:الإسلام، و{وَرَحْمَتُهُ}: القرآن. (الطّبَريّ 1 : 370)

الطّبَريّ:...رحمته الّتي رحمكم بها، و تجاوز عنكم خطيئتكم الّتي ركبتموها بمراجعتكم طاعة ربّكم. (1 : 369)

الثّعلبيّ: بتأخير العذاب عنكم. (1 : 212)

و لاحظ: ف ض ل: < فَضْلُ اللهِ >.

2 - وَ هُوَ الَّذى‘ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواوَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَ لِىُّ الْحَميدُ‘. الشّورى : 28

السُّدّيّ: المطر. (432)

الطّبَريّ: { وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } يقول: و ينشر في خلقه رحمته، و يعني بالرّحمة: الغيث الّذي ينزله من السّماء. (11 : 149)

الثّعلبيّ: و يبسط مطره. (8 : 318)

المهدويّ: ظهور الشّمس بعد المطر. (القُرطُبيّ 16 : 29)

الماوَرْديّ: { وَ يَنشُرُ رَحْمَتَهُ } بالغيث فيما يعمّ و يخص . (5 : 203)

الطُّوسيّ: و نشر الرّحمة عمومها لجميع خلقه، فهكذا نشر رحمة الله مجدَّدة حالا بعد حال. ثمّ يضاعفها لمن يشاء، و كلّ ذلك على مقتضى الحكمة و حُسن التّدبير الّذي ليس شي‌ء أحسن منه. (9 : 162)

القُشَيْريّ: الله سبحانه محيي القلوب، فكما أ نّه { هُوَ الَّذى‘ يُنَزِّ لُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ }، فبعد ما أصابت الأرض جدوبة، و أبطأ نزول الغيث، و قنط النّاس من مجي‌ء المطر، و أشرف الوقت على حدّ الفوات يُنزّ ل الله بفضله الغيث،و يُحيي الأرض بعد قنوط أهلها، فكذلك العبد إذا ذبل غصن وقته، و تكدّر صفو وُدّه، و كُسفت شمس أُنسه، و بَعُد عن الحضرة و ساحات القرب عهده، فلربمّا ينظر إليه الحقّ برحمته فينزل على سرّه أمطار الرّحمة، و يعود عوده طريًّا، و ينبت في مشاهد أُنسه وردً ا جنيًّا. (5 : 354)

المَيْبُديّ: نعمته و خصبه، و قيل: مطره، فيعمّ السّهل و الجبل و العامر و الغامر. و نشرها: عمومها جميع الخليقة. (9 : 28)

الزّمَخْشَريّ: أي بركات الغيث و منافعه، و ما يحصل به من الخِصْب. و يجوز أن يريد رحمته في كلّ شي‌ء، كأ نّه قال: يُنزل الرّحمة الّتي هي الغيث، و ينشر غيرها من رحمته الواسعة. (3 : 469)

نحوه الفَخْرالرّ ازيّ. (27 : 171)

ابن عَطيّة: و اختلف المتأوّلون في قوله تعالى: { وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } فقالت فرقة: أراد بالرّحمة: المطر، و عدّد النّعمة بعينها بلفظتين، الثّاني منهما يؤكّد الأوّ ل.

و قالت فرقة: الرّحمة في هذا الموضع الشّمس، فذلك تعديد نعمة غير الأُولى. و ذلك أنّ المطر إذا ألَمّ بعد القنط حسُن موقعه، فإذا دام سُئم، فتجي‌ء الشّمس بعده عظيمة الموضع. (5 : 36)

الطَّبْرِسيّ: أي و يفرق نعمته و يبسطها بإخراج النّبات و الثّمار الّتي يكون سببها المطر. (5 : 31)

أبوحَيّان: يُظهرها من آثار الغيث من المنافع و الخِصْب، و الظّاهر أنّ رحمته: نشرها أعمّ ممّا في الغيث. (7 : 518)

الشِّربينيّ: { وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } أي يبسط مطره، كما قال تعالى: { وَ هُوَ الَّذى‘ اَرْسَلَ الرِّ يَاحَ بُشْرً ا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } الفرقان : 48، و إن كان الأصل بنشره، لأ نّه بيّن أ نّه غيث، فقال { رَحْمَتَهُ } بيانًا و تعميمًا، فيُنزل من السّحاب المحمول بالرّيح من الماء ما لو اجتمع عليه الخلائقما أطاقوا عمله، فتُصبح الأرض ما بين غُدْران و أنهار، و نبات نجم و أشجار و زهر و حَبّ و ثمار، و غير ذلك من المنافع الصّغار و الكبار، فللّه ما أعلى هذه القدرة الباهرة و الآية الظّاهرة، فيخرج من الأرض الّتي هي من صلابتها تعجز عنها المعاول نجمًا، هو في لينه ألين من الحرير، و في لطافته ألطف من النّسيم، و من سوق الأشجار الّتي تنثني فيها المناقير أغصانًا ألطف من ألسنة العصافير. فما أجْلَفُ من ينكر إخراجه الموتى من القبور أو يحيد عن ذلك بنوع من الغرور!. (3 : 542)

أبوالسُّعود: أي بركات الغيث و منافعه في كلّ شيء، من السّهل و الجبل و النّبات و الحيوان، أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذُكر انتظامًا أوّليًّا. (6 : 19)

البُرُوسَويّ: أي بركات الغيث و منافعه في كلّ شيء من السّهل و الجبل و النّبات و الحيوان. و في < فتح الرّحمان >: { وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } و هي الشّمس؛ و ذلك تعديد نعمة غير الأُولى، و ذلك أنّ المطر إذا جاء بعد القنوط حَسُن موقعه، فإذا دام سُئم، و تجيء الشّمس بعده عظيمة الوقع. (8 : 319)

الآلوسيّ: أي منافع الغيث و آثاره في كلّ شيء، من السّهل و الجبل والنّبات و الحيوان، أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذُكر انتظامًاأوّليًّا. و قيل: الرّحمة هناظهورالشّمس، لأ نّه إذادام المطرسُئم فتجيء الشّمس بعده عظيمة الموقع، ذكره المهدويّ و ليس بشيء. و من البعيد جدًّ اما قاله السُّدّيّ: منأنّ الرّحمة هنا الغيث نفسه، عدّد النّعمة نفسها بلفظين، و أيًّامّا كان فضمير { رَحْمَتُهُ } لله عزّ و جلّ، و جُوّز على الأوّ ل كونه للغيث. (25 : 39)

الطَّباطَبائيّ: و نشر الرّحمة: تفريق النّعمة بين النّاس بإنبات النّبات و إخراج الثّمار الّتي يكون سببها المطر.

و في الآية انتقال من حديث الرّزق إلى آيات التّوحيد الّتي لها تعلّق مّا بالأرزاق، و يتلوها في هذا المعنى آيات. (18 : 57)

عبد الكريم الخطيب: أي يُنزّل الغيث على عباده بعد أن يئسوا، و ظنّوا أن لاغياث لهم ممّا هم فيه، من جدب يسوقهم إلى التّهلكة.

فإذا أصابهم الغيث بعد هذا الكرب العظيم، زغردت في صدورهم بلابل البهجة و المسرّة، و أقبلت عليهم الحياة بمواكب الأعراس، تزفّ إليهم بشائر الرّزق و الرّحمة.

{ وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } أي ببثّها هنا و هناك، فيكون فيها الحياة للأرض، و الغذاء و الرّيّ للإنسان، و الحيوان، و النّبات. (13 : 56)

فضل الله: و يُوزّع نعمه بين النّاس، عبّر توزيع ما تنتجه الأرض من نبات و ما تُعطيه من ثمار يحتاجها النّاس في حياتهم. (20 : 181)

رَحْمَتِهِ

1 - ...وَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ‘. البقرة : 105

الإمام عليّ : إنّه أراد النّبوّة. (الطُّوسيّ 1 : 391)

مثله الحسَن، و الإمام الباقر ، و الجُبّائيّ،و البلخيّ، و الرُّمّانيّ. (الطُّوسيّ 1 : 392)

ابن عبّاس:إ نّه أراد دين الإسلام. (الطُّوسيّ 1 : 392) الطّبَريّ: يعني بقوله جلّ ثناؤه: { وَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ }، و الله يختصّ من يشاء بنبوّته و رسالته، فيُرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضّل بالإيمان على من أحَبّ فيهديه له.

و اختصاصه إيّاهم بها إفرادهم بها دون غيرهم من خلقه. و إنّما جعل الله رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، و هدايته من هدى من عباده رحمةً منه له، ليصيّره بها إلى رضاه و محبّته، و فوزه بها بالجنّة،

و استحقاقه بها ثناءه، و كلّ ذلك رحمة من الله له. (1 : 520)

الطُّوسيّ: [نقل قول ابن عبّاس ثمّ قال:]

و هذا بعيد، لأ نّه تعالى وصف ذلك بالإنزال، و ذلك لايليق إلا بالنّبوّة . (1 : 391)

المَيْبُديّ: يريد بهذه الرّحمة النّبوّة، و قيل:يريد بها الإسلام، أي أنّ الله يصطفي لنبوّته و رسالته من يشاء، و حقيق به، أن ينيط الدّين بمن يشاء،حتّى يعلم أهل الكتاب أ نّه ليس ملكًا قطّ، و أنّ ذلك من فضل الله، قال جلّ جلاله: { لِئَلا يَعْلَمَ اَهْلُ الْكِتَابِ اَ لا يَقْدِرُونَ عَلى" شَىْ‌ء مِنْ فَضْلِ اللهِ وَ اَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتيهِ ‘مَنْ يَشاءُ } الحديد : 29. (1 : 307)

الزّمَخْشَريّ: و الله يختصّ بالنّبوّة { مَنْ يَشاءُ } و لايشاء إلا ما تقتضيه الحكمة. (1 : 303)

ابن عَطيّة: و الرّحمة في هذه الآية: عامّة لجميع أنواعها الّتي قد منحها الله عباده قديمًا و حديثًا. و قال قوم: الرّحمة: هي القرآن، و قال قوم: نبوّة محمّد (صلی الله علیه و آله)، وهذه أجزاء الرّحمة العامّة الّتي في لفظ الآية. (1 : 190)

القُرطُبيّ: قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: { يَخْ-تَصُّ بِرَحْمَتِهِ } أي بنبوّته، خصّ بها محمّدً ا (صلی الله علیه و آله). و قال قوم: الرّحمة: القرآن، و قيل: الرّحمة في هذه الآية: عامّة لجميع أنواعها الّتي قد منحها الله عباده قديمًا و حديثًا، يقال: رَحِم يَرْحَم، إذا رَقّ. و الرّحم و المرحمة و الرّحمة بمعنى، قاله ابن فارس. و رحمة الله لعباده: إنعامه عليهم و عفوه لهم. (2 : 61)

أبوحَيّان: و الرّحمة هنا: عامّة بجميع أنواعها، أو النّبوّة و الحكمة و النّصرة، اختصّ بها محمّد (صلی الله علیه و آله)، قاله عليّ و الباقر و مُجاهِد و الزّجّاج، أو الإسلام، قاله ابن عبّاس، أو القرآن، أو النّبيّ (صلی الله علیه و آله) { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ } الأنبياء : 107، و هو نبيّ الرّحمة : أقوال خمسة؛ أظهرها الأوّ ل. (1 : 341)

أبوالسُّعود: جملة ابتدائيّة سيقت لتقرير ما سبق من تنزيل الخير، و التّنبيه على حكمته و إرغام الكارهين له. و المراد برحمته: الوحي، كما في قوله

سبحانه: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ } الزّخرف : 32، عبّر عنه باعتبار نزوله على المؤمنين بالخير، و باعتبار إضافته إليه تعالى بالرّحمة. قال عليّ رضي الله عنه: ب-<نبوّته، خصّ بها محمّدً ا> فالفعل متعدّ و صيغته الافتعال للإنباء عن الاصطفاء، و إيثاره على التّنزيل المناسب للسّياق الموافق لقوله تعالى: { اَنْ يُنَزِّ لَ اللهُ مِنْفَضْلِهِ عَلى" مَنْ يَشَاءُ } البقرة : 90، لزيادة تشريفه، و إقناطهم ممّا علّقوا به أطماعهم الفارغة. والباء داخلة على المقصود، أي يؤتى رحمته. (1 : 179)

البُرُوسَويّ: و الرّحمة: النّبوّة و الوحي و الحكمة والنّصرة، و المعنى: يُفرِد برحمته من يشاء إفراده بها،و يجعلها مقصورة عليه، لاستحقاقه الذّاتيّ الفائض عليه، بحسب إرادته عزّ وجلّ، لاتتعدّ اه إلى غيره، لايجب عليه شيء، و ليس لأحد عليه حقّ. و ما وقع في عبارة مشايخنا في حقّ بعض الأشياء إنّه واجب في الحكمة، يعنون به أ نّه ثابت متحقّق لامحالة في الوجود، لايُتصوّر أن لايكون، لا أ نّه يجب ذلك بإيجاب موجب. (1 : 199)

الآلوسيّ: جملة ابتدائيّة سيقت لتقرير ما سبق من تنزيل الخير، و التّنبيه على حكمته، و إرغام الكارهين له. و المراد من الرّحمة ذلك الخير، إلا أ نّه عبّر عنه بها اعتناءً به، و تعظيمًا لشأنه. (1 : 350)

ابن عاشور: و الرّحمة هنا: مثل الخير المنزل عليهم؛ و ذلك إدماج للامتنان عليهم، بأنّ ما نزل عليهم هو رحمة بهم، و معنى الاختصاص: جعلها لأحد دون غيره، لأنّ أصل الاختصاص و التّخصيص راجع إلى هذا المعنى، أعني جعل الحكم خاصًّا غير عامّ سواء خصّ واحدً ا أو أكثر. و مفعول المشيئة محذوف، كما هو الشّأن فيه، إذا تقدّم عليه كلام أو تأخّر عنه، أي من يشاء اختصاصه بالرّحمة. (1 : 635)

فضل الله: فهو يملك العطاء و المنع، و هويعلم مصالح عباده في ما يُعطيهم أو يمنعهم، و يطّلع على خصائص أوضاعهم الدّ اخليّة و الخارجيّة، فيصطفي من رسله مَن يشاء و يُنزّل رسالته على من يشاء، تفضّلا منه و كرمًا، في خطّ الحكمة الإلهيّة الّتي يختصّ بها عباده. (2 : 154)

2 - وَ هُوَ الَّذى‘ يُرْسِلُ الرِّ يَاحَ بُشْرً ا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ... الأعراف : 57

الطّبَريّ: الرّحمة الّتي ذكرها جلّ ثناؤه في هذا الموضع: المطر. فمعنى الكلام إذن: و الله الّذي يُرسل الرّياح ليّنًا هبوبها، طيّبًا نسيمها، أمام غيثه الّذي يسوقه بها إلى خلقه. (5 : 517)

الزّمَخْشَريّ: أمام رحمته، و هي الغيث الّذي هو من أتمّ النّعم و أجلّها و أحسنها أثرً ا. (2 : 84)

نحوه الشِّربينيّ. (1 : 482)

أبوحَيّان: و معنى{ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } أمام نعمته، و هو المطر الّذي هو من أجلّ النّعم و أحسنها أثرً ا، و التّعيين عن أمام الرّحمة بقوله: { بَيْنَ يَدَىْ } من مجاز الاستعارة؛إذ الحقيقة هو ما بين يدي الإنسان من الإحرام. (4 : 317)

أبوالسُّعود: { بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ }: قُدّ ام رحمته

الّتي هي المطر، فإنّ الصّبا تُثير السّحاب، و الشّمال تجمعه، و الجنوب تدرّه، و الدَّبور تُفرّقه. (2 : 499)

مثله البُرُوسَويّ. (3 : 179)

الآلوسيّ: أي قُدّام رحمته، و هو من المجاز، كما نُقل عن أبي بكر الأنباريّ. و المراد بالرّحمة كما ذهب إليه غالب المفسّرين: المطر، و سمّي رحمة لما يترتّب عليه بحسب جري العادة من المنافع.

و لايخفى أنّ الرّحمة في المشهور عامّة، فإطلاقها على ذلك إن كان من حيث خصوصه مجاز، لكونه استعمال اللّفظ في غير ما وُضع له؛ إذ اللّفظ لم يوضع لذلك الخاصّ بخصوصه، و إن كان إطلاقها عليه لابخصوصه، بل باعتبار عمومه، و كونه فردً ا من أفراد ذلك العامّ، فهو حقيقة، لأ نّه استعمال اللّفظ فيما وُضع له، على ما بُيّن في < شرح التّلخيص > و غيره.

و ادّعى الشّهاب إثبات بعض أهل اللُّغة كون المطر من معاني الرّحمة، و قول ابن هشام في رسالته الّتي ألّفها في بيان وجه تذكير { قَريبٌ‘ } الأعراف : 56، المارّ عن قريب: إنّا لانجد أهل اللُّغة حيث يتكلّمون على الرّحمة، يقولون: و من معانيها المطر، فلو كانت موضوعة له لذكروه، قُصارى ما فيه عدم الوجدان، و هو لايستدعي عدم الوجود. (8 : 145)

الطَّباطَبائيّ: أي قُدّام المطر، و فيه استعارة تخييليّة، بتشبيه المطر بالإنسان الغائب الّذي ينتظره أهله، فيقدم و بين يديه بشير يبشّر بقدومه. (8 : 160)

فضل الله: الّتي تغدق البركات من خلال رحمته، في ما تُثيره في الكون من حركة الرّياح الّتي تتنوّع في سرعتها، و في طبيعتها، و في حملها، فهي تتحرّ ك لأداء المهمّة الّتي أوكلها الله إليها، و في الخطّ الّذي أرادها أن تسير فيه، من خلال القوانين الطّبيعيّة الّتي أودعها في الكون، بحكمته و إرادته و قوّته. (10 : 148)

3 - ...وَ صَلَوَ اتِ الرَّسُولِ اَلا اِنَّهَا قُرْ بَةٌلَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فى رَحْمَتِهِ... التّوبة : 99

الطّبَريّ: يقول: سيُدخلهم الله في من رحمه فأدخله برحمته الجنّة. (6 : 453)

الطُّوسيّ: وَعْدٌ منه لهم بأن يرحمهم و يُدخلهم فيها، و فيه مبالغة، فإنّ الرّحمة و سعتهم و غمرتهم. و لو قال فيهم: رحمة الله، لأفاد أ نّهم اتّسعوا للرّحمة من الله تعالى. (5 : 331)

نحوه الطَّبْرِسيّ. (3 : 63)

المَيْبُديّ: أحصى طاعاتهم و أعمالهم و رضيها منهم،إلا أ نّه أوكل نجاتهم برحمته لابأعمالهم، كما قال المصطفى (صلی الله علیه و آله): < ما منكم من أحد يُنجيه عمله >، قالوا: و لاأنت يارسول الله؟ قال: < و لاأنا، إلا أن يتغمّدني الله بفضل منه و رحمته >.

فينجيهم من النّار و يدخلهم الجنّة بفضله، و ينعم عليهم نعمة أُخرى، فيمتّع بعضهم بنعيم الجنّة و طيبها لقاء أعمالهم، و يبهجهم فيها: { كُ-لُوا وَ اشْرَ بُوا هَنيئًا‘ بِمَا اَسْلَفْتُمْ فِى الاَ_يَّامِ الْخَالِيَةِ } الحاقّة: 24، { جَزَ اءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } السّجدة: 17، { هَلْ جَزَ اءُ الاِ_حْسَان ِاِلا الاِ_حْسَانُ } الرّحمن" : 60، و كلّ ذلك من نعمته عليهم و توفيقه إيّاهم، سبحانه ما أرأفه بعباده: { وَ اللهُ رَؤُفٌ

بِالْعِبَادِ } البقرة : 207!. (4 : 199)

الآلوسيّ: وعد لهم بإحاطة رحمته سبحانه بهم، كما يُشعر بذلك ( فى ) الدّ الّة على الظّرفيّة، و هو في مقابلة الوعيد للفرقة السّابقة، المشار إليه بقوله تعالى: { وَ اللهُ سَميعٌ‘ عَليمٌ‘ } التّوبة : 98. (11 : 7)

4 - وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَ النَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فيهِ‘ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ... القصص : 73

الطُّوسيّ: { وَ مِنْ رَحْمَتِهِ } أي من نعمه عليكم. (8 : 173)

لاحظ: س ك ن: < لِتَسْكُنُوا >.

رَحْمَتِكَ

1 - قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لى وَ لاَ‚خى‘ وَ اَدْخِلْنَا فى رَحْمَتِكَ وَ اَ نْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ‘. الأعراف : 151

مضى في: ر ح م : < الرَّ احِمينَ ‘>.

2 - وَ نَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرينَ‘. يونس : 86

لاحظ: ن ج و: < نَجِّنَا > .

رُحْمًا

فَاَرَدْ نَا اَنْ يُبْدِلَهُمَا رَ بُّهُمَا خَيْرً ا مِنْهُ زَكو"ةً وَ اَقْرَبَ رُحْمًا. الكهف : 81

ابن عبّاس: أوصل رُحْمًا، فرزق الله لهما جارية، فتزوّج بها نبيّ من الأنبياء، فولدت نبيًّا من الأنبياء، فهدى الله على يديه أُمّة من النّاس، و كان الغلام رجلا كافرً ا لُصًّا قتّالا : فمن ذلك قتله الخضر، و كان اسمه جيسور. (251)

نحوه الكَلْبيّ. (الثّعلبيّ 6 : 187)

أوصل للرّحم و أبَرّبوالديه. (الثّعلبيّ 6 : 187)

قَتادَة: أبَرّبوالديه.

[و في رواية] أقرَبَ خيرً ا. (الطّبَريّ 8 : 267)

ابن جُرَيْج: أرحم به منهما بالّذي قتل الخضر. (الطّبَريّ 8 : 267)

مُقاتِل: يعني و أحسَن منه برًّ ا بوالديه، و كان في شرف وعده. (2 : 598)

الفَرّ اء: يقول: أقرب أن يرحما به. و هو مصدررحمت. (2 : 157)

الطّبَريّ: قوله: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } اختلف أهل التّأويل في تأويله، فقال بعضهم: معنى ذلك: و أقرب رحمة بوالديه، و أبرّبهما من المقتول.

و قال آخرون: بل معنى ذلك: و أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول.

و كان بعض أهل العربيّة يتأوّل ذلك: و أقرب أن يرحماه، و الرُّحْم: مصدر رحمت. يقال: رحمتُه رحمَةً و رُحْمًا. و كان بعض البصريّين يقول: من الرَّحِم والقرابة. و قد يقال: رُحْم و رُحُِم مثل عُسْر و عُسُر، و هُلْك و هُلُك. [ثمّ استشهد بشعر]

و لاوجه للرَّحِم في هذا الموضع، لأنّ المقتول كان الّذي أبدل الله منه والديه ولدً ا لأبوي المقتول، فقرابتهما من والديه، و قربهما منه في الرَّحِم سواء. و إنّما معنى ذلك: و أقرب من المقتول أن يرحم والديه

فيُبرّهما، كما قال قَتادَة. و قد يتوجّه الكلام إلى أن يكون معناه: و أقرب أن يرحماه، غير أ نّه لاقائل من أهل تأويل تأوّله كذلك. فإذ لم يكن فيه قائل، فالصّواب فيه ما قلنا، لما بيّنّا. (8 : 267)

الزّجّاج: و معنى: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } أي أقرب عطفًا و أمَسّ بالقرابة، و الرُّحْم و الرَّحْم في اللُّغة: العطف و الرّحمة. [ثمّ استشهد بشعر] (3 : 305)

الثّعلبيّ: هو من الرّحم و القرابة، و قيل: هو من الرّحمة ، يقال: رحَم و رحُم للرّحمة مثل هلَك و هلُك و عمَر و عمُر. [ثمّ استشهدبشعر] (6 : 187)

الماوَرْديّ: فيه ثلاثة أوجُه:پ

أحدها: يعني أكثر برًّ ا بوالديه من المقتول، قاله قَتادَة، و جعل الرُّحم: البِرّ.

الثّاني: أعجل نفعًا و تعطّفًا. قال أبويونس النّحويّ: و جعل الرُّحم المنفعة و التّعطّف.

الثّالث: أقرب أن يرحمابه، و الرُّحم: الرّحمة، قاله أبو عَمْرو بن العلاء. [و استشهد بالشّعر3 مرّات] (3 : 335)

الطُّوسيّ: أي أبرّ بوالديه من المقتول في قول قَتادَة، يقال: رحمه رحمَةً و رُحْمًا. و قيل: الرَّحم و الرُّحم. و قيل: معناه و أقرب أن يرحما بهما. (7 : 81)

المَيْبُديّ: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } قرأ ابن عامرو يعقوب ( رُحُمًا ) بضمّ الحاء، و قرأ الباقون { رُحْمًا } بسكون الحاء، و الوجه: إنّ رُحُمًا و رُحْمًا واحد،و المضموم عينه أصل و المسكَّن مخفّف منه، و كالشُّغُل و الشُّغْل، أي رحمةً و عطفًا. الرَّحِم و الرّحْمَةو المَرْحَمَة بمعنى واحد.

و قيل هو من الرّحِم و القرابة،أي أبرّ بوالديه، و أوصل للرّحم. (5 : 725)

ابن عَطيّة: و «الرُّحْم» الرّحمة، و المراد عند فرقة أي يرحمهما، و قيل: أي يرحمانه. [ثمّ استشهد بشعر]

و قرأ ابن عامر ( رُحُمًا )بضمّ الحاء، و قرأ الباقون { رُحْمًا } بسكونها، و اختلف عن أبي عمرو. و قرأ ابن عبّاس ( رَ بُّهُمَا اَزْكى" مِنْهُ وَ اَقْرَبَ رُحْمًا ) و روي عن ابن جُرَيْج: أ نّهما بُدّ لا" غلامًا مسلمًا، و روي عن ابن جُرَيْج أ نّهما بُدّلا جارية،و حكى النّقّاش أنّها ولدت هي و ذرّ يّتها سبعين نبيًّا، و ذكره المهدويّ عن ابن عبّاس.

و هذا بعيد، و لاتُعرَف كثرة الأنبياء إلا في بني إسرائيل، و هذه المرأة لم تكن فيهم. (3 : 536)

الطَّبْرِسيّ: و الرُّحْم: العطف و الرّحمة. و قيل: معناه أبرّ بوالديه و أوصل للرّحِم عن ابن عبّاس. و قيل: معناه و أقرب أن يرحمابه. (3 : 487)

الفَخْرالرّ ازيّ: أي يكون هذا البدل أقرب عطفًا و رحمةً بأبويه، بأن يكون أبرّبهما و أشفق عليهما. و الرُّحْم: الرّحمة و العطف. روي أ نّه ولدت لهما جارية تزوّجها نبيّ، فولدت نبيًّا، هدى الله على يديه أُمّة عظيمة. (21 : 161)

القُرطُبيّ: قرأ ابن عبّاس ( رُحُمًا )بالضّمّ. الباقون بسكونها. [ و استشهد بالشّعر مرّتين ]

واختلف عن أبي عمرو { رُحْمًا } معطوف على { زَكو"ةً }، أي رحمَةً، يقال: رحِمَه رَحمَةً و رُحْمًا،

و ألفه للتّأنيث، و مذكّره رُحْم. قيل: إنّ الرُّحْم هنا بمعنى الرَّحِم، قرأها ابن عبّاس. ( و اَوْصَل رُحْمًا ) أي رَحِمًا. (11 : 37)

أبوحَيّان: و الرُّحم و الرّحمَة: العطف، مصدران كالكُثر و الكَثرة، و أفعل هنا ليست للتّفضيل، لأنّ ذلك الغلام لازكاة فيه و لارحمة. و الظّاهر أنّ قوله: { وَ اَقْرَبَ رُحْمًا }، أي رحمةً والديه، و قال ابن جُرَيْج:يرحمانه. [ثمّ استشهد بشعر] (6 : 155)

الشِّربينيّ: أي رحمَةً و عطفًا عليهما. و قيل: هو من الرَّحِم و القرابة. قال قَتادَة: أي أوصل للرّحِم و أبَرّ للوالدين. و عنجعفر بن محمّد عن أبيه قال: أبدلهما الله تعالى جارية، ولدت سبعين نبيًّا، و قال ابن جُرَيْج: أبدلهما بغلام مسلم. [ثمّ ذكر القراءات](2 : 398)

أبوالسُّعود: أي رحمَةً و عطفًا. قيل: وُلدت لهما جارية تزوّجها نبيٌّ فولدت نبيًّا، هدى الله تعالى على يديه أُمّة من الأُمم...

و قرئ ( رُحُمًا ) بضمّ الحاء أيضًا و انتصابه على التّمييز، مثل ( زَكو"ةً ). (4 : 208)

البُرُوسَويّ: { رُحْمًا }: رحمَةً و بِرًّ ا بوالديه. (5 : 285)

الآلوسيّ: أي رحمة. [ثمّ استشهد بشعر]

و هما مصدران كالكُثر و الكَثرة، و المراد: أقرب رحمةً عليهما و بِرًّ ا بهما، و استظهر ذلك أبوحَيّان. و لعلّ وجهه كثرة استعمال المصدر مبنيًّا للفاعل، مع ما في ذلك هنا من موافقة المصدر قبله.

و أخرج ابن أبي شيبة و ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن عَطيّة: أنّ المعنى هما به أرحم منهما بالغلام، و لعلّ المراد على هذا أ نّه أحبّ إليهما من ذلك الغلام: إمّا لزيادة حسن خُلقه أو خَلقه أو الاثنين معًا. و هذا المعنى أقرب للتّأسيس من المعنى الأوّ ل، على تفسير المعطوف عليه بما سمعت، إلا أ نّه يؤيّد ذلك التّفسير ما أخرجه ابن المنذر و ابن أبي حاتم عن ابن عبّاس: أ نّهما أُبدلا جارية ولدت نبيًّا.

و قال الثّعلبيّ: إنّها أدركت يونس بن متّى فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت نبيًّا هدى الله على يده أُمّة من الأُمم. و فيرواية ابن المنذر عن يوسف بن عمر: أ نّها ولدت نبيّين.

و في رواية أُخرى عن ابن عبّاس و جعفر الصّادق رضي الله تعالى عنهما: أ نّها ولدت سبعين نبيًّا.و استبعد هذا ابن عَطيّة، و قال: لايُعرَف كثرة الأنبياء  إلا في بني إسرائيل، و لم تكن هذه المرأة منهم. و فيه نظر ظاهر، و وجه التّأييد أنّ الجارية بحسب العادة تُحبّ أبويها و ترحمهما و تعطف عليهما و تُبرّ بهما أكثر من الغلام. قيل: أبدلهما غلامًا مؤمنًا مثلهما.

و انتصاب المصدرين على التّمييز، و العامل ما قبل كلّ من أفعل التّفضيل، و لايخفى ما في الإبهام أوّ لا ثمّ البيان ثانيًا من اللُّطف، و لذا لم يقل: فأردنا أن يُبدلهما ربّهما أزكى منه وأرحم، على أنّ خبر{ زَكو ةً} من المدح ما ليس في أزكى، كما يظهر بالتّأمل الصّادق.

و ذكر أبوحَيّان: أنّ < أفعل > ليس للتّفضيل هنا،

لأ نّه لازكاة في ذلك الغلام و لارحمة. و تعقّب بأ نّه كان زاكيًا طاهرً ا من الذّنوب. بالفعل إن كان صغيرً ا، و بحسب الظّاهر إن كان بالغًا، فلذا قال موسى { نَفْسًا زَكِيَّةً }، الكهف : 74، و هذا في مقابلته، فخير من زكاة من هو زكيّ في الحال و المآل بحسب الظّاهر والباطن، ولو سُلّم فالاشتراك التّقديريّ يكفي في صحّة التّفضيل، و أنّ قوله: < و لارحمةً > قول بلادليل، انتهى.

و قال الخفاجيّ: إنّ الجواب الصّحيح هنا أن يكتفي بالاشتراكالتّقديريّ، لأنّ الخضر كان عالم-ًا بالباطن، فهو يعلم أ نّه لازكاة فيه و لارحمة، فقوله: < إنّه لادليل عليه > لاوجه له، و أنت تعلم أنّ الرّحمة على التّفسير الثّاني ممّا لايصحّ نفيها، لأ نّها مدار الخشية، فافهم.

و الظّاهر أنّ الفاء للتّفريع، فيفيد سببيّة الخشية للإرادة المذكورة، و يُفهم من تفريع القتل - و لم يُفرّعه نفسه مع أ نّه المقصود - تأويله اعتمادً ا على ظهور انفهامه من هذه الجملة على ألطف وجه. و فيها إشارة إلى رد ّما يلوح به كلام موسى من أنّ قتله ظلم و فساد في الأرض. [ثمّ ذكر القراآت] (16 : 11)

ابن عاشور: و الرُّحْم: بضمّ الرّ اء و سكون الحاء، نظير الكُثر للكَثرة. (15 : 118)

الطَّباطَبائيّ: و المراد بكونه أقربَ مِنه رُحْمًا كونه أوصل للرّحِم و القرابة، فلايُرهقهما.

و أمّا تفسيره بكونه أكثر رحمةً بهما، فلايناسبه قوله: < أقرَب منه > تلك المناسبة، و هذاكما عرفت يؤيّد كون المراد من قوله:{ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَ كُفْرً ا } الكهف : 80، في الآية السّابقة إرهاقه إيّاهما بطغيانه و كفره، لاتكليفه إيّاهما الطّغيان و الكفر، و إغشاؤهما ذلك.

و الآية على أيّ حال تلوح إلى أنّ إيمان أبويه كان ذا قدر عند الله، و يستدعي ولدً ا مؤمنًا صالحًا يصل رحمهما. و قد كان المقضيّ في الغلام خلاف ذلك، فأمر الله الخضر بقتله ليُبدلهما خيرً ا منه زكاةً و أقرب رُحْمًا.(13 : 348)

عبد الكريم الخطيب: و الرُّحْم: الرّحمة الّتي تكون بين المتراحمين، من أبناء و آباء، و إخوةو أصدقاء.

فهذا الولد الّذي سيُرزَقه هذان الأبوان خلفًا لابنهما القتيل، سيكون لهما فيه قُرّة عين، و أُنس نفس، و مسرّة قلب، ممّا يريان فيه من صلاح و تقوى، و ما يجدان منه من بِرّ بهما، و إحسان إليهما. (8 : 662)

فضل الله: بمعنى أشدّ وصلا للقرابة و للرّحم فلايرهقهما بشيء. (14 : 376)

اَرْحَامُ

1 - ...قُلْ ا"لذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ اَمِ الاُ_نْثَيَيْنِ اَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ اَرْحَامُ الاُ_نْثَيَيْنِ... الأنعام : 143

لاحظ: ش م ل : < اشْتَمَلَتْ >.

الاَرْحَام

1 - هُوَ الَّذى‘ يُصَوِّرُكُمْ فِى الاَ_رْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ. آل عمران : 6

لاحظ : ص و ر: < يُصَوِّرُكُمْ >.

2 - ...وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ اِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيبًا‘. النّساء : 1

ابن عبّاس{ وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ } و اتّقوا الله في الأرحام فصلوها. (الطّبَريّ 3 : 569)

النّخعيّ: يقول: اتّقوا الله الّذي تُعاطفون به و الأرحام. يقول: الرّجل يسأل بالله و بالرّحم. (الطّبَريّ 3 : 568)

مُجاهِد: يقول: أسألك بالله و بالرَّحِم.

اتّقوا الأرحام أن تقطعوها.

مثله عِكْرِمَة و ابن زَيْد. (الطّبَريّ 3 :568، 569)

الضّحّاك: يقول: اتّقوا الله في الأرحام فصلوها.

مثله الرّبيع. (الطّبَريّ 3 : 568)

الحسَن: هو قول الرّجل: أُنشدك بالله و الرَّحِم.

{ اتَّقُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ }، و اتّقوه في الأرحام. (الطّبَريّ 3 : 569)

قَتادَة: ذُكر لنا أنّ نبيّ الله (صلی الله علیه و آله) كان يقول: اتّقوا الله و صلوا الأرحام، فإنّه أبقى لكم في الدّنيا، و خير لكم في الآخرة. (الطّبَريّ 3 : 568)

السُّدّيّ: يقول: اتّقوا الله، و اتّقوا الأرحام لاتقطعوها. (الطّبَريّ 3 : 568)

الفَرّ اء: و قوله:{ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ }. فنصب {الاَ_رْحَامَ}، يريد: واتّقوا الأرحام أن تقطعوها. و عن الأعمش عن إبراهيم أ نّه خفض { الاَ_رْحَامَ }، قال: هو كقولهم: بالله و الرّحم. و فيه قبح، لأنّ العرب لاتردّ مخفوضًا على مخفوض، و قد كُنّي عنه، و قد قال الشّاعر

نُعلّق فى مثل السّوارى سيوفنا

و ما بينها و الكعب غوطٌ نَفَانف

و إنّما يجوز هذا في الشّعر لضيقه. (1 : 252)

الطّبَريّ: و أمّا قوله: { وَ الاَ_رْحَامَ }، فإنّ أهل التّأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: معناه: و اتّقوا الله الّذي إذا سألتم بينكم، قال السّائل للمسؤول: أسألك به و بالرّحِم.

و على هذا التّأويل [على ما قاله الحسَن] قول بعض من قرأ قوله: ( وَ الاَ_رْحَامِ ) بالخفض عطفًا: بالأرحام على الهاء الّتي في قوله: ( بِهِ ) كأ نّه أراد: و اتّقوا الله الّذي تساءلون به و بالأرحام، فعطف بظاهر على مكنيّ مخفوض. و ذلك غير فصيح من الكلام عند العرب، لأ نّها لاتَنسُق بظاهر على مكنيّ في الخفضإلا في ضرورة شعر؛ و ذلك لضيق الشّعر. و أمّا الكلام فلاشي‌ء يضطرّ المتكلّم إلى اختيار المكروه من المنطق و الرّدي‌ء في الإعراب منه. و ممّا جاء في الشّعر من ردّ ظاهر على مكنيّ في حال الخفض، قول الشّاعر:

نُعلِّق في مثل السّواري سُيُوفنا

و ما بينها و الكعب غوطٌ نَفَانِف

فعطف <الكعب> و هو ظاهر على الهاء و الألف في قوله: <بينها> و هي مكنيّة.

و قال آخرون: تأويل ذلك { وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ } و اتّقوا الأرحام أن تقطعوها.

... ابن عبّاس كان يقرأ { وَ الاَ_رْحَامَ } يقول: اتّقوا الله لاتقطعوها.

و على هذا التّأويل قرأ ذلك من قرأه نصبًا، بمعنى:

و اتّقوا الله الّذي تساءلون به، و اتّقوا الأرحام أن تقطعوها، عطفًا بالأرحام في إعرابها بالنّصب على اسم الله تعالى ذكره.

و القراءة الّتي لانستجيز للقارئ أن يقرأ غيرها في ذلك النّصب: { وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَرْحامَ } بمعنى: و اتّقوا الأرحام أن تقطعوها، لما قد بيّنّا أنّ العرب لاتعطف بظاهر من الأسماء على مكنيّ في حال الخفض، إلا في ضرورة شعر، على ما قد وصفت قبل. (3 : 567)

الزّجّاج: القراءة الجيّدة نصب { الاَ_رْحَامَ } المعنى: و اتّقوا الأرحام أن تقطعوها. فأمّا الجرّ في { الاَ_رْحَامَ } فخطأ في العربيّة، لايجوز إلا فياضطرار شعر، و خطأ أيضًا في أمر الدّين عظيم، لأنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) قال: لاتحلفوا بآبائكم، فكيف يكون تساءلون به و بالرّحِم على ذا؟ (2 : 6)

الماوَرْديّ: و معنى قوله: { تَسَاءَلُونَ بِهِ }، هو قولهم: أسألك بالله و بالرّحِم، و هذا قول مُجاهِد وإبراهيم. و قرأ حمزة ( وَ الاَ_رْحَامِ ) بالكسر على هذا المعنى.

و في { وَ الاَ_رْحَامَ } قول آخر: أ نّه أراد صِلُوها و لاتقطعوها، و هو قول قَتادَة ، و السُّدّيّ، لأنّ الله تعالى قصد بأوّ ل السّورة حين أخبرهم أ نّهم من نفس واحدة، أن يتواصلوا و يعلموا أ نّهم إخوة و إن بعدوا. (1 : 447)

الطُّوسيّ: قرأ حمزة وحده ( وَ الاَ_رْحَامِ ) بجرّ الميم، الباقون بفتحها.

{ وَ الاَرْحَامَ } القراءة المختارة عند النّحويّين النّصب في { وَ الاَ_رْحَامَ } على تقدير: و اتّقوا الأرحام،و تكون معطوفة على موضع ( بِهِ ) ذكره أبوعليّ الفارسيّ. فأمّا الخفض فلايجوز عندهم إلا في ضرورة الشّعر. [ثمّ استشهد بالشّعر المتقدّم ] (3 : 98)

القُشَيْريّ: أي اتّقوا الأرحام أن تقطعوها، فمن قطع الرّحم قطع، و مَن وصلها وصل. (2 : 7)

المَيْبُديّ: ( وَ الاَ_رْحامِ ) بجرّ الميم قراءة حمزة ، و معطوف على ضمير اسم الله، كما قالت العرب: اسألك بالله و الرّحِم، و يعطفون قوم من النّحاة الكوفة على مضمر مجرّد بدون إعادة الجارّ، و على هذا المعنى أنشدوا الأشعار واستشهدوا عليها، و هذه جار بينهم. و أمّا من جهة القياس فضعيف، لأنّ العرب لاتقول: مررت به و زيد، بدون إعادة حرف الجارّ، لكن تقول: مررت به و بزيد، مع إعادة الجارّ، قال الله تعالى: { فَخَسَفْنَا بِهِ وَ بِدَ ارِهِ الاَ_رْضَ }. القصص : 81، و باقي القرّ اء { وَ الاَ_رْحَامَ } يقرؤن بالنّصب عطفًا على اسم الله تعالى، يعني: فاتّقوا لله فلاتعصوه، و اتّقوا الأرحام فلاتقطعوها. (2 : 406)

الزّمَخْشَريّ: و قرئ { وَ الاَ_رْحَامَ } بالحركات الثّلاث، فالنّصب على وجهين:

إمّا على: ( وَ اتَّ-قُوا اللهَ وَ الاَ_رْحَامَ) ، أو أن يعطف على محلّ الجارّ و المجرور، كقولك: مررت بزيد و عمرً ا. و ينصره قراءة ابن مَسعود ( تَسْاَلُون بِهِ و بِالاَ_رْحَامِ).

و الجرّ على عطف الظّاهر على المضمر، و ليس بسديد، لأنّ الضّمير المتّصل متّصل كاسمه، و الجارّ

و المجرور كشي‌ء واحد، فكانا في قولك: « مررت به و زيد » و « هذا غلامه و زيد » شديدي الاتّصال، فلمّا اشتدّ الاتّصال لتكرّره، أشبه العطف على بعض الكلمة فلم يجز، و وجب تكرير العامل، كقولك: « مررت به و بزيد » و « هذا غلامه و غلام زيد » ألاترى إلى صحّة قولك: « رأيتك و زيدً ا» و « مررت بزيد و عمرو » لما لم يقوّ الاتّصال، لأ نّه لم يتكرّر، و قد تمحّل لصحّة هذه القراءة بأ نّها على تقدير تكرير الجارّ، و نظيرها:

• فما بِك و الأ يّامِ مِن عَجَب *

و الرّفع على أ نّه مبتدأ خبره محذوف، كأ نّه قيل: و الأرحام كذلك، على معنى: و الأرحام ممّا يُتّقى، أو و الأرحام ممّا يتساءل به. و المعنى أ نّهم كانوا يُقرّون بأنّ لهم خالقًا، و كانوا يتساءلون بذكر الله و الرّحِم، فقيل لهم: اتقوا الله الّذي خلقكم، و اتّقوا الّذين تتناشدون به، و اتّقوا الأرحام، فلاتقطعوها. أو و اتّقوا الله الّذي تتعاطفون بإذكاره و بإذكار الرّحم. و قد آذن عزّ و جلّ إذ قرن الأرحام باسمه أنّ صلتها منه بمكان، كما قال: { اَ لا تَعْبُدُوا اِلا اِيَّاهُ وَ بِالْوَ الِدَيْنِ اِحْسَانًا } الإسراء : 23.

و عن الحسَن: إذا سألك بالله فأعطه، و إذا سألك بالرّحِم فأعطه. و للرّحم حجنة عند العرش. و معناه ما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما: « الرّحِم معلّقة بالعرش فإذا أتاها الواصل بشّت به و كلّمته، و إذا أتاها القاطع احتجبت منه ».

و سئل ابن عُيَيْنَة عن قوله عليه الصّلاة و السّلام:

«تخيّروا لنطفكم » فقال: يقول: لأولادكم. و ذلك أن يضع ولده في الحلال. ألم تسمع قوله تعالى: { وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ } و أوّ ل صلته أن يختار له الموضع الحلال، فلايقطع رحمه و لانسبه، فإنّما للعاهر الحَجَر، ثمّ يختار الصّحّة و يجتنب الدّعوة، و لايضعه موضع سوء يتّبع شهوته و هواه، بغير هُدًى من الله. (1 : 493)

ابن عَطيّة: { وَ الاَ_رْحَامَ } نصب على العطف على موضع ( بِهِ ) لأنّموضعه نصب. و الأظهر أ نّه نُصب بإضمار فعل، تقديره: و اتّقوا الأرحام أن تقطعوها. و هذه قراءة السّبعة إلا حمزة، و عليها فسّر ابن عبّاس و غيره.

و قرأ عبد الله بن يزيد: (وَ الاَ_رْحَامُ ) بالرّفع؛و ذلك على الابتداء، و الخبر مقدّر، تقديره: و الأرحام أهلٌ أن توصل.

و قرأ حمزة و جماعة من العلماء .( وَ الاَ_رْحَامِ ) بالخفض عطفًا على الضّمير، و المعنى عندهم: أ نّها يتساءل بها، كما يقول الرّجل: أسألك بالله و بالرّحِم، هكذا فسّرها الحسَن و إبراهيم النّخعيّ و مُجاهِد.

و هذه القراءة عند رؤساء نحويّي البصرة لاتجوز، لأ نّه لايجوز عندهم أن يُعطَف ظاهر على مضمر مخفوض. قال الزّجّاج عن المازنيّ: لأنّ المعطوف و المعطوف عليه شريكان يحلّ كلّ واحد منهما محلّ صاحبه، فكما لايجوز: مررت بزيد، و ك، فكذلك لايجوز مررت بك و زيد، و أمّا سيبَوَيه فهي عنده قبيحة لاتجوز إلا في الشّعر. [ثمّ ذكرالشّعر المتقدّم]

المضمر المخفوض لاينفصل فهو كحرف من الكلمة، و لايُعطَف على حرف، و يُرَدّ عندي هذه القراءة من المعنى و جهان:

أحدهما: أنّ ذكر الأرحام فيما يتساءل به لامعنى له في الحضّ على تقوى الله، و لافائدة فيه أكثر من الإخبار بأنّ الأرحام يتساءل بها، و هذا تفرّق في معنى الكلام و غضّ من فصاحته، و إنّما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلّة.

و الوجه الثّاني: أنّ في ذكرها على ذلك تقريرً اللتّساؤل بها و القسَم بحُرمتها، و الحديث الصّحيح يردّ ذلك في قوله : « من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ». و قالت طائفة: إنّما خفض .( وَ الاَ_رْحَام ) على جهة القسَم من الله على ما اختصّ به: لا إله إلا هو، من القسم بمخلوقاته، و يكون المُقسَم عليه فيما بعد من قوله: { اِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيبًا‘ }. و هذا كلام يأباه نظم الكلام و سرده، و إن كان المعنى يُخرجه. (2 : 4)

الطَّبْرِسيّ: قيل في معناه قولان:

أحدهما: أ نّه من قولهم: أسألك بالله أن تفعل كذا،و أُنشدك بالله و بالرّحم، و نَشَدْتُك الله و الرّحم، و كذا كانت العرب تقول، عن الحسن و إبراهيم. و على هذا يكون قوله: { وَ الاَ_رْحَامَ } عطفًا على موضع قوله: ( بِهِ )و المعنى: إنّكم كما تُعظّمون الله بأقوالكم فعظمّوه بطاعتكم إيّاه.

و الآخر: أنّ معنى { تَسَاءَلُونَ بِهِ } تطلبون حقوقكم و حوائجكم فيما بينكم به، { وَ الاَ_رْحَامَ } معناه: و اتّقوا الأرحام أن تقطعوها، عن ابن عبّاس و قَتادَة و مُجاهِد و الضّحّاك و الرّبيع، و هو المرويّ عن أبي جعفر [الباقر] ، فعلى هذا يكون منصوبًا عطفًا على اسم الله تعالى. و هذا يدلّ على وجوب صلة الرّحم، و يؤيّده ما رواه عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله)أ نّه قال: < قال الله تعالى أنا الرّحمان خلقت الرّحم و شققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، و من قطعها بتته >، و في أمثال هذا الخبر كثرة.

و صلة الرّحم قد تكونبقبول النّسب و قد تكون بالإنفاق على ذي الرّحِم وما يجري مجراه. (2: 3)

الفَخْر الرّ ازيّ: قرأ حمزة وحده: ( وَ الاَ_رْحَامِ ) بجرّ الميم، قال القفّال رحمه الله: و قد رويت هذه القراءة عن غير القرّاء السّبعة عن مُجاهِد و غيره، و أمّا الباقون من القرّاء فكلّهم قرأوا بنصب الميم. و قال صاحب « الكشّاف »: قرئ ( وَ الاَ_رْحَام ) بالحركات الثّلاث.

أمّا قراءة حمزة فقد ذهب الأكثرون من النّحويّين إلى أ نّها فاسدة، قالوا: لأنّ هذا يقتضي عطف المُظهر على المضمر المجرور، و ذلك غير جائز.

و احتجّوا على عدم جوازه بوُجُوه:

أوّلها: قال أبوعليّ الفارسيّ: المضمرالمجرور بمنزلة الحرف، فوجب أن لايجوز عطف <المظهر عليه> .

إنمّا قلنا: المضمر المجرور بمنزلة الحرف لوُجُوه:

الأوّ ل: أ نّه لاينفصل ألبتّة، كما أنّ التّنوين لاينفصل؛ و ذلك أنّ الهاء و الكاف في قوله: ( بِهِ )،و< بك > لاتُرى واحدً ا منفصلا عن الجارّ ألبتّة، فصار كالتّنوين.

الثّاني: أ نّهم يحذفون الياء من المنادى المضاف في الاختيار، كحذفهم التّنوين من المفرد؛ و ذلك كقولهم: ياغلام، فكان المضمر المجرور مشابهًا للتّنوين من هذا الوجه. فثبت أنّ المضمر المجرور بمنزلة حرف التّنوين، فوجب أن لايجوز عطف المُظهر عليه، لأنّ من شرط العطف حصول المشابهة بين المعطوف و المعطوف عليه، فإذا لم تحصل المشابهةهاهنا وجب أن لايجوز العطف.

و ثانيها: قال عليّ بن عيسى: إ نّهم لم يستحسنوا عطف المُظهر على المضمر المرفوع. فلايجوز أن يقال: اذهب و زيد، و ذهبت و زيد، بل يقولون: اذهب أنت و زيد، و ذهبت أنا و زيد. قال تعالى: { فَاذْهَبْ اَنْتَ وَ رَ بُّكَ فَقَاتِلا }المائدة : 24، مع أنّ المضمر المرفوع قد ينفصل، فإذا لم يجز عطف المُظهر على المضمر المجرور مع أ نّه أقوى من المضمر المجرور بسبب أ نّه قد ينفصل، فلأن لايجوز عطف المظهر على المضمر المجرور - مع أ نّه ألبتّة لاينفصل - كان أولى.

و ثالثها: قال أبوعثمان المازنيّ: المعطوف و المعطوف عليه متشاركان، و إنّما يجوز عطف الأوّ ل على الثّاني لو جاز عطف الثّاني على الأوّ ل، و هاهنا هذا المعنى غير حاصل؛ و ذلك لأ نّك لاتقول: مررت بزيد و ك، فكذلك لاتقول: مررت بك و زيد.

و اعلم أنّ هذه الوُجُوه ليست وجوهًا قويّة في دفع الرّوايات الواردة في اللُّغات؛ و ذلك لأنّ حمزة أحَد القرّ اء السّبعة، و الظّاهر أ نّه لم يأت بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عن رسول الله (صلی الله علیه و آله)، و ذلك يوجب القطع بصحّة هذه اللُّغة، و القياس يتضاءل عند السّماع، لاسيّما بمثل هذه الأقيسة الّتي هي أوهن من بيت العنكبوت، و أيضًا فلهذه القراءة و جهان:

أحدهما: أ نّها على تقدير تكرير الجارّ، كأ نّه قيل: تساءلون به و بالأرحام.

و ثانيها: أ نّه ورد ذلك في الشّعر، و أنشد سيبَوَيه في ذلك:

فاليوم قد بتّ تهجونا و تشتمنا

فاذهب فما بك و الأيّام من عجب

و أنشد أيضًا:

نعلّق في مثل السّواري سيوفنا

و ما بينها و الكعب غوط نفانف

و العجب من هؤُلاء النّحاة أ نّهم يستحسنون إثبات هذه اللُّغة بهذين البيتين المجهولين، و لايستحسنون إثباتها بقراءة حمزة و مُجاهِد، مع أ نّهما كانا من أكابر علماء السّلف في علم القرآن.

و احتجّ الزّجّاج على فساد هذه القراءة من جهة المعنى، بقوله (صلی الله علیه و آله) : « لاتحلفوا بآبائكم »، فإذا عطفت الأرحام على المكنّى عن اسم الله، اقتضى ذلك جواز الحلف بالأرحام. و يمكن الجواب عنه، بأنّ هذا حكاية عن فعل كانوا يفعلونه في الجاهليّة، لأ نّهم كانوا يقولون: أسألك بالله و الرّحِم، و حكاية هذا الفعل عنهم في الماضي لاتُنافي ورود النّهي عنه في المستقبل.

و أيضًا فالحديث نهى عن الحلف بالآباء فقط، و هاهنا ليس كذلك، بل هو حلف بالله أوّ لا ثمّ يقرن به بعده ذكر الرّحم، فهذا لاينافي مدلول ذلك الحديث. فهذا جملة الكلام في قراءة قوله: ( وَ الاَرْحَامِ ) بالجرّ.

أمّا قراءته بالنّصب، ففيه وجهان:

الأوّ ل: و هو اختيار أبي عليّ الفارسيّ، و عليّ بن عيسى، أ نّه عطف على موضع الجارّ و المجرور، كقوله:

• فلسنا بالجبال و لا الحديد ا *

و الثّاني: و هو قول أكثر المفسّرين: أنّ التّقدير:و اتّقوا الأرحام أن تقطعوها، و هو قول مُجاهِد و قَتادَة و السُّدّيّ و الضّحّاك و ابن زَيْد و الفَرّ اء و الزّجّاج، و على هذا الوجه فنصب { الاَ_رْحَامَ } بالعطف على قوله: { اللهَ } أي اتّقوا الله و اتّقوا الأرحام، أي اتّقوا حقّ الأرحام فصِلُوها و لاتقطعوها.

قال الواحديّ رحمه الله: و يجوز أيضًا أن يكون منصوبًا بالإغراء، أي و الأرحام فاحفظوها و صِلُوها كقولك: الأسد الأسد، و هذا التّفسير يدلّ على تحريم قطيعة الرّحم، و يدلّ على وجوب صلتها.

و أمّا القراءة بالرّفع فقال صاحب « الكشّاف »: الرّفع على أ نّه مبتدأ خبره محذوف، كأ نّه قيل:و الأرحام كذلك، على معنى و الأرحام ممّا يُتّقى، أو و الأرحام ممّا يتساءل به. [إلى أن قال:]

قال بعضهم: اسم الرّحِم مشتقّ من الرّحمة الّتي هي النّعمة، و احتجّ بماروي عن النّبيّ (صلی الله علیه و آله)أ نّه قال: « يقول الله تعالى أنا الرّحمان و هي الرّحم اشتققت اسمها من اسمي ». و وجه التّشبيه أنّ لمكان هذه الحالة تقع الرّحمة من بعض النّاس لبعض. و قال آخرون: بل اسم الرّحم مشتق من الرّحِم الّذي عنده يقع الإنعام و أ نّه الأصل. و قال بعضهم: بل كلّ واحد منهما أصل بنفسه،و النّزاع في مثل هذا قريب. (9 : 163)

نحوه القُرطُبيّ. (5 : 2)

أبوحَيّان: { وَ الاَ_رْحَامَ } قرأ جمهور السّبعة بنصبالميم، و قرأ حمزة: بجرّها، و هي قراءة النّخعيّ و قَتادَة و الأعمش. و قرأ عبد الله بن يزيد: بضمّها.

فأمّا النّصب فظاهره أن يكون معطوفًا على لفظ الجلالة، و يكون ذلك على حذف مضاف، التّقدير: و اتّقوا الله و قطع الأرحام. و على هذا المعنى فسّرها ابن عبّاس و قَتادَة و السُّدّيّ و غيرهم. و الجامع بين تقوى الله و تقوى الأرحام هذا القدر المشترك، و إن اختلف معنى التّقويين، لأنّ تقوى الله بالتزام طاعته و اجتناب معاصيه، و اتّ-قاء الأرحام بأن توصَل و لاتُقطَع فيما يفضّل بالبر ّو الإحسان. و بالحمل على القدر المشترك يندفع قول القاضي: كيف يراد باللّفظ الواحد المعاني المختلفة؟

و نقول أيضًا: إنّه في الحقيقة من باب عطف الخاصّ على العامّ، لأنّ المعنى و اتّقوا الله، أي اتّقوا مخالفة الله. و في عطف { الاَ_رْحَامَ } على اسم { اللهَ } دلالة على عظم ذنب قطع الرّحم، و انظر إلى قوله:{ لاتَعْبُدُونَ اِلا اللهَ وَ بِالْوَ الِدَيْنِ اِحْسَانًا وَ ذِى الْقُرْبى" } البقرة : 83، كيف قرن ذلك بعبادة الله في أخذ الميثاق.

و في الحديث: « من أبَرّ؟ قال: أُمّك > و فيه: < أنت و مالك لأبيك ».

و قال تعالى في ذمّ من أضلّه: من الفاسقين {اَ لَّذينَ‘ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ ميثَا‘قِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما اَمَرَ اللهُ بِهِ اَنْ يُوصَلَ }.البقرة : 27.

و قيل: النّصب عطفًا على موضع ( بهِ )كما تقول:

مررت بزيد و عمرً ا. لمّالم يشاركه في الإتباع على اللّفظ، أُتبع على موضعه، و يؤيّد هذا القول قراءة عبد الله:( تَسَاءَلُونَ بِهِ و بِالاَ_رْحَام ).

أمّا الرّفع فوجه على أ نّه مبتدأ و الخبر محذوف، قدّره ابن عَطيّة: و الأرحام أهل أن توصل. و قدّره الزّمَخْشَريّ: و الأرحام ممّا يُتّقى، أو ممّا يتساءل به. و تقديره أحسن من تقدير ابن عَطيّة؛ إذ قدّر ما يدلّ عليه اللّفظ السّابق، و ابن عَطيّة قدّر من المعنى.

و أمّا الجرّ فظاهره أ نّه معطوف على المضمر المجرور من غير إعادة الجارّ، و على هذا فسّرها الحسَن و النّخعيّ و مُجاهِد. و يؤيّده قراءة عبد الله :و ( بِالاَ_رْحَام ) و كانوا يتناشدون بذكر الله و الرّحِم.

قال الزّمَخْشَريّ: و ليس بسديد، يعني الجرّ عطفًا على الضّمير. قال: لأنّ الضّمير المتّصل متّصل كاسمه، و الجارّ و المجرور كشي‌ء واحد، فكانا في قولك: مررت به و زيد، و هذا غلامه و زيد، شديدي الاتّصال، فلمّا اشتدّ الاتّصال لتكرّره اشتبه العطف على بعض الكلمة فلم يُجرّ، و وجب تكرير العامل كقولك: مررت به و بزيد، و هذا غلامه و غلام زيد. ألاترى إلى صحّة: رأيتك و زيدً ا، و مررت بزيد و عمرو، لمّا لم يقو الاتّصال لأ نّه لم يتكرّر؟ و قد تمحّل لصحّة هذه القراءة بأ نّها على تقدير تكرير الجارّ، و نظير هذا قول الشّاعر:

• فما بك و الأ يّام من عجب *

[ و نقل كلام ابن عَطيّة ثمّ قال:]

و ذهبت طائفة إلى أنّالواو في { وَ الاَ_رْحَامَ } واو القسم لا واو العطف، و المتلقّى به القسم هي الجملة بعده. و لله تعالى أن يُقسم بما شاء من مخلوقاته، على ما جاء في غير ما آية في كتاب الله تعالى. و ذهبوا إلى تخريج ذلك فرارً ا من العطف على الضّمير المجرور بغير إعادة الجارّ، و ذهابًا إلى أنّ في القسم بها تنبيهًا على صلتها و تعظيمًا لشأنها، و أ نّها من الله تعالى بمكان. قال ابن عَطيّة: و هذا قول يأباه نظم الكلام و سرّه، انتهى. و ما ذهب إليه أهل البصرة و تبعهم فيه الزّمَخْشَريّ و ابن عَطيّة: من امتناع العطف على الضّمير المجرور إلا بإعادة الجارّ، و من اعتلالهم لذلك غير صحيح، بل الصّحيح مذهب الكوفيّين في ذلك، و أ نّه يجوز. و قد أطلنا الاحتجاج في ذلك عند قوله تعالى: { وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرَ امِ }. البقرة : 217، و ذكرنا ثبوت ذلك في لسان العرب نثرها و نظمها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

و أمّا قول ابن عَطيّة: <و يردّ عندي هذه القراءة من المعنى وجهان > فجسارة قبيحة منه لاتليق بحاله و لابطهارة لسانه؛ إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله) قرأ بها سلف الأُمّة، و اتّصلت بأكابر قرّاء الصّحابة الّذين تلقّوا القرآن مِِنْ في رسول الله (صلی الله علیه و آله) بغير واسطة عثمان و عليّ و ابن مَسعود و زَيْد بن ثابت. و أقرأ الصّحابة أُبيّ بن كعب عمد إلى ردّها بشي‌ء خطر له فيذهنه. و جسارته هذه لاتليق إلا بالمعتزلة كالزّمَخْشَريّ، فإنّه كثيرً ا ما يطعن في نقل القرّ اء و قراءتهم، و حمزة رضي الله عنه: أخذ القرآن عن سليمان بن مهران الأعمش، و حمدان بن أعين،

و محمّد بن عبد الرّحمان بن أبي ليلى، و جعفر بن محمّد الصّادق، و لم يقرأ حمزة حرفًا من كتاب الله إلا بأثر.

و كان حمزة صالحًا وَرِعًا ثقةً في الحديث، و هو من الطّبقة الثّالثة، وُلد سنة ثمانين و أحكم القراءة، و له خمس عشرة سنة، و أمَّ النّاس سنة مائة، و عرض عليه القرآن من نظرائه جماعة منهم: سفيان الثّوريّ،و الحسن بن صالح. و من تلاميذه جماعة منهم إمام الكوفة في القراءة و العربيّة أبوالحسن الكِسائيّ. و قال الثّوريّ و أبوحنيفة و يحيى بن آدم: غلب حمزة النّاس على القرآن و الفرائض. و إنّما ذكرت هذا و أطلت فيه لئلا يطّلع غمر((1))على كلام الزّمَخْشَريّ و ابن عَطيّة في هذه القراءة فيسي‌ء ظنًّا بها و بقارئها، فيقارب أن يقع في الكفر بالطّعن في ذلك. و لسنا متعبّدين بقول نحاة البصرة و لاغيرهم ممّن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيّين من كلام العرب لم ينقله البصريّون، و كم حكم ثبت بنقل البصريّين لم ينقله الكوفيّون. و إنّما يُعرَف ذلك مَن لهاستبحار في علم العربيّة، لاأصحاب الكنانيس المشتغلون بضروب من العلوم الآخذون عن الصّحف دون الشّيوخ. (3 : 157)

أبوالسُّعود: { وَ الاَ_رْحَامَ } بالنّصب عطفًا على محل الجارّ و المجرور، كقولك: مررت بزيد و عمرً ا،و ينصره قراءة ( تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ بِالاَ_رْحَام ) فإنّهم كانوا يقرنونها في السّؤال و المناشدة بالله عزّ و جلّ،و يقولون: أسألك بالله و بالرّحِم، أو عطفًا على الاسم الجليل، أي اتّقوا الله و الأرحام و صِلُوها و لاتقطعوها، فإنّ قطيعتها ممّا يجب أن يُتّقى، و هو قول مُجاهِد و قَتادَة و السُّدّيّ و الضّحّاك و الفَرّ اء و الزّجّاج. و قد جوّز الواحديّ: نصبه على الإغراء، أي و ألزموا الأرحام و صِلُوها. و قرئ بالجرّ عطفًا على الضّمير المجرور. و بالرّفع على أ نّه مبتدأ محذوف الخبر، تقديره:و الأرحام كذلك، أي ممّا يُتّقي أو يتساءل به. (2 : 93)

البُرُوسَويّ: أي يسأل بعضكم بعضًا بالله، فيقول: بالله و بالرّحِِم، و أُنا شدك الله و الرّحِِم افْعَل كذا، على سبيل الاستعطاف. و جرت عادة العرب على أنّ أحدهم إذا استعطف غيره يقرن الرّحِم في السّؤال و المناشدة بالله، و يستعطف به. فقوله:{ وَ الاَ_رْحَامَ } بالنّصب عطف على محلّ الجارّو المجرور، كقولك:مررت بزيد و عمرً ا، أو على{ الله}، أي اتّقوا الله و اتّقوا الأرحام فصِلُوها و لاتقطعوها.

و قد نبّه سبحانه إذ قرن( الأرحام) باسمه، علىأنّ صلتها بمكان منه، و عنه (صلی الله علیه و آله) < الرّحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله و من قطعني قطعه الله > و قال (صلی الله علیه و آله) : < ما من عمل حسنة أسرع ثوا بًا من صلة الرّحم، و ما من عمل سيّئة أسرع عقوبة من البغي >، فينبغي للعباد مراعاة الحقوق، لأنّ الكلّ أخ لأب و أُمّ هما آدم و حوّ اء سيّما المؤمنين، لأنّ فيهم قرابة الإيمان و الدّين، و كذا الحال في قرابة الطّين. (2 : 159)

الآلوسيّ: [ قال نحو أبي السُّعود و أضاف:]

و قرأ حمزة بالجرّ. [ثمّ ذكر إيراد النّحاة على هذه


1) ([1]) غمر النّاس غمارهم، و غمار النّاس جمعهم المزدهم المتكاثف. المعجم الوسيط.

القرءة و دفاع أبي حَيّان عنه و قال:]

و قد أطال أبوحَيّان في < البحر > الكلام في الرّدّ عليهم، و ادّعى أنّ ما ذهبوا إليه غير صحيح، بل الصّحيح ما ذهب إليه الكوفيّون من الجواز، و ورد ذلك في لسان العرب نثرً ا و نظمًا، و إلى ذلك ذهب ابن مالك. و حديث أنّ ذكر الأرحام حينئذ لامعنى له في الحضّ على تقوى الله تعالى، ساقط من القول، لأنّ التّقوى إن أُريد بها تقوى خاصّة، و هي الّتي في حقوق العباد الّتي من جملتها صلة الرّحم، فالتّساؤل بالأرحام ممّا يقتضيه بلاريب، و إن أُريد الأعمّ فلدخوله فيها.

و أمّا شبهة أنّ في ذكرها تقرير التّساؤل بها،و القسم بحرمتها، و الحديث يردّ ذلك للنّهي فيه عن الحلف بغير الله تعالى، فقد قيل في جوابها: لانُسلّم أنّ الحلف بغير الله تعالى مطلقًا منهيّ عنه، بل المنهيّ عنه ما كان مع اعتقاد وجوب البِرّ. و أمّا الحلف علىسبيل التّأكيد مثلا فممّا لابأس به، ففي الخبر: < أفلح و أبيه إن صدق >.

و قد ذكر بعضهم أنّ قول الشّخص لآخر: أسألك بالرّحِِم أن تفعل كذا، ليس الغرض منه سوى الاستعطاف، و ليس هوك- <قول القائل: و الرّحِم لأفعلنّ كذا > و لقد فعلت كذا، فلايكون متعلّق النّهي في شيء. و القول بأنّ المراد هاهنا: حكاية ما كانوا يفعلون في الجاهليّة، لايخفى ما فيه، فافهم.

و قد خرّج ابن جنّيّ هذه القراءة على تخريج آخر، فقال في < الخصائص >: باب في أنّ المحذوف إذا دلّت الدّ لالة عليه، كان في حكم الملفوظ به، من ذلك:

• رسم دار وقفت في طلله *

أي ربّ رسم دار. و كان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت يقول: خير عافاك الله تعالى، أي بخير، و يُحذف الباء لدلالة الحال عليها، و على نحو من هذا تتوجّه عندنا قراءة حمزة. و في < شرح المفصّل > أنّ الباء في هذه القراءة محذوفة لتقدّم ذكرها، و قد مشى على ذلك أيضًا الزّمَخْشَريّ في أحاجيه، و ذكر صاحب < الكشف >: أ نّه أقرب من التّخريج الأوّ ل عند أكثر البصريّة، لثبوت إضمار الجارّ، في نحو الله لأفعلنّ، و في نحو: ما مثل عبدالله و لاأخيه يقولان ذلك، و الحمل على ما ثبت هو الوجه. و نُقل عن بعضهم: أنّ الواو للقسم، على نحو:اتّق الله تعالى، فوالله إنّه مطّلع عليك، و ترك الفاء، لأنّ الاستئناف أقوى الأصلين، و هو وجه حسن.

و قرأ ابن زَيْد ( وَالاَ_رْحَامُ ) بالرّفع. [ثمّ ذكر توجيه هذه القراءة، و بعض الأحاديث إلى أن قال:]

و المراد بالرّحِم: الأقارب، و يقع على كلّ من يجمع بينك و بينه نسَب و إن بَعُد، و يطلق على الأقارب من جهة النّساء، وتخصيصه في باب الصّلة بمن ينتهي إلى رحم الأُمّ منقطع عن القبول؛ إذ قد ورد الأمر بالإحسان إلى الأقارب مطلقًا. (4 : 184)

رشيدرضا: و أمّا قوله تعالى: { وَ الاَ_رْحَامَ } فقد قرأه الجمهور بالنّصب . قال أكثر المفسّرين: معطوف على الاسم الكريم، أي واتّقوا الأرحام أن تقطعوها، أو اتّقوا إضاعة حقّ الأرحام بأن تصلوها، و لاتقطعوها. و جعله بعضهم عطفًا على محلّ الضّمير المجرور في ( بِهِ)،

و اختاره الأُستاذ الإمام. و جوّز الواحديّ نصبه بالإغراء، كالقول المأثور عن عمر رضي الله عنه: يا سارية الجبل، أي ألزم الجبل و لُذْ به ، و المعنى:و احفظوا الأرحام و أدّوا حقوقها. و قرأه حمزة وحده بالجرّ ، قيل: إنّه على تقدير تكرير الجارّ، أي و اتّقوا الله الّذي تساءلون به و بالأرحام، و قد سُمع عطف الاسم المظهر على الضّمير المجرور بدون إعادة الجارّ الّذي هو الأكثر. [و استشهد بالشّعر مرّتين]

و قد اعترض النّحاة البصريّون على حمزة في قراءته هذه، لأنّ ما ورد قليلا عن العرب لايعدّونه فصيحًا، و لايجعلونه قاعدة بل يُسمّونه شاذًّا، و هذا من اصطلاحاتهم. و مثل هذه اللّغات الّتي لم يُنقَل منها شواهد كثيرة قدتكون فصيحة، و لكن هؤُلاء النّحاة مفتونون بقواعدهم. و قد نبّه الأُستاذ الإمام على خطئهم في تحكيمها في كتاب الله تعالى، على أ نّه ليس لهم أن يجعلوا قواعدهم حجّة على عربيّ مّا، و قال هنا: إنّ { الاَ_رْحَامَ } إمّا منصوب عطفًا على لفظ الجلالة، و إمّا مجرور عطفًا على الضّمير في ( بِهِ ) و هو جائز بنصّ هذه الآية على هذه القراءة، و هي متواترة خلافًا لبعضهم.

و قال الرّ ازيّ هنا: و العجب من هؤلاء النّحاة أ نّهم يستحسنون إثبات هذه اللُّغة بهذين البيتين المجهولين. و لايستحسنون إثباتها بقراءة حمزة،و مُجاهِد مع أ نّهما من أكابرعلماء السّلف في علم القرآن. هذا، و إنّ المنكرين على حمزة جاهلون بالقراءات و رواياتها متعصّبون لمذهب البصريّين من النّحاة. والكوفيّون يرون مثل هذا العطف مقيسًا،و رجّح مذهبهم هذا بعض أئمّة البصريّين، و أطال بعض العلماء في الانتصار له.

و قد اعترض بعضهم على قراءة حمزة من جهة المعنى، فقالوا: إنّ ذكره في مقام الأمر بالتّقوى،و التّرغيب فيها مخلّ بالبلاغة، لأ نّه أجنبيّ من هذا المقام، ثمّ إنّ فيه تقريرً ا لما كانت عليه الجاهليّة من التّساؤل بالأرحام، كما يتساءل بالله تعالى. و هذا ممّا منعه الإسلام بدليل حديث الصّحيحين: < مَن كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت >.

و أُجيب عن الأوّ ل بأنّ ذكر التّساؤل بالأرحام ليس أجنبيًّا من مقام الأمربالتّقوى هنا، لأنّ هذا الأمر تمهيد لحفظ حقوق القرابة و الرّحِم، و التزام الأحكام الّتي جاءت بها السّورة في ذلك، حتّى أنّ بعض المفسّرين قد أرجع قراءة الجمهور إلى قراءة حمزة بجعل نصب { وَ الاَ_رْحَامَ } بالعطف على محلّ الضّمير، من قوله:{ تَسَاءَلُونَ بِهِ } كما تقدّم.

و أُجيب عن الثّاني بأنّ الحلف بغير الله ليس ممنوعًا مطلقًا، و إنّما يُمنع الحلف الّذي يُعتقَد وجوب البرّ به لاما قُصد به محض التّأكيد، على طريقة العرب في التّأكيد بصيغة القسم، كالتّأكيد ب- <أنّ >.

و أقول: إنّ هذا الجواب مبنيّ على كون التّساؤل بالأرحام هو قسمًا بها و هو خطأ، فإنّ السّؤال بالله غير القسم بالله، و السّؤال بالرّحِم غير الحلف بها. [ثمّ نقل كلامًا طويلا عن ابن تيميّة، بالقسم و قال:]

و حاصل معنى الآية: أنّ الله تعالى يقول: يا أيّها

النّاس اتّقوا ربّكم. [إلى أن قال:]

و اتّقوا الله في أمره و نهيه في حقوق الرّحِم الّتي هي أخصّ من حقوق الإنسانيّة، بأن تصلوا الأرحام الّتي أمركم بوصلها، و تحذروا مانهاكم عنه من قطعها، اتّقوه في ذلك لما في تقواه من الخير لكم الّذي يذكّركم به تساؤلكم فيما بينكم باسمه الكريم، و حقّه على عباده و سلطانه الأعلى على قلوبهم و بحقوق الرّحِم، و ما في هذا التّساؤل من الاستعطاف و الإيلاف، فلاتفرطوا في هاتين الرّ ابطتين بينكم: رابطة الإيمان بالله و تعظيماسمه، و رابطة و شيجة الرّحم، فإنّكم إذا فرّطتم في ذلك أفسدتم فطرتكم فتفسد البيوت و العشائر، و الشّعوب و القبائل. (4 : 332)

ابن عاشور: { وَ الاَ_رْحَامَ } قرأه الجمهور بالنّصب عطفًا على اسم { الله }. و قرأه حمزة بالجرّ عطفًا على الضّمير المجرور. فعلى قراءة الجمهور يكون { الاَ_رْحَامَ } مأمورً ا بتقواها على المعنى المصدريّ، أي اتّ-قائها، و هو على حذف مضاف، أي اتّ-قاء حقوقها، فهو من استعمال المشترك في معنييه، و على هذه القراءة، فالآية ابتداء تشريع، و هو ممّا أشار إليه قوله تعالى: { وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا }.

و على قراءة حمزة يكون تعظيمًا لشأن الأرحام، أي الّتي يسأل بعضكم بعضًا بها؛ و ذلك قول العرب: « ناشَدْتك الله و الرّحِِم » كما روي في « الصّحيح »: أنّ النّبيّ(صلی الله علیه و آله) حين قرأ على عتبة بن ربيعَة سورة< فصّلت > حتّى بلغ: { فَاِنْ اَعْرَضُوا فَقُلْ اَنْذَرْ تُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَاد وَ ثَمُودَ } فصّلت : 13، فأخذت عتبة رهبة، و قال: ناشَدْتُك الله و الرّحِم. و هو ظاهر محمل هذه الرّواية و إن أباه جمهور النّحاة، استعظامًا لعطف الاسم على الضّمير المجرور بدون إعادة الجارّ، حتّى قال المُبَرِّد: « لو قرأ الإمام بهاته القراءة لأخَذتُ نعلي و خرَجْتُ من الصّلاة » و هذا من ضيق العطن و غرور، بأنّ العربيّة منحصرة فيما يعلمه. و لقد أصاب ابن مالك في تجويزه العطف على المجرور بدون إعادة الجارّ، فتكون تعريضًابعوائد الجاهليّة، إذ يتساءلون بينهم بالرّحِم و أواصر القرابة، ثمّ يُهملون حقوقها و لايصلونها، و يعتدون على الأيتام من إخوتهم و أبناء أعمامهم، فناقضت أفعالهم أقوالهم، و أيضًا هم قد آذوا النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و ظلموه، و هو من ذوي رحمهم و أحقّ النّاس بصلتهم، كما قال تعالى: { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنْفُسِكُمْ } التّوبة : 128، و قال: { لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ‘ اِذْ بَعَثَ فيهِمْ‘ رَسُولا مِنْ اَنْفُسِهِمْ } آل عمران : 164، و قال: {قُلْ لااَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ اَجْرً ا اِلا الْمَوَدَّ ةَ فِى الْقُرْبى" } الشّورى : 23، و على قراءة حمزة يكون معنى الآية تتمّة لمعنى الّتي قبلها. (4 : 11)

الطَّباطَبائيّ: قوله: { وَ الاَ_رْحَامَ } فظاهره أ نّه معطوف على لفظ الجلالة، و المعنى: و اتّقوا الأرحام، و ربّما قيل: إنّه معطوف على محلّ الضّمير في قوله:( بِهِ) و هو النّصب، يقال: مررت بزيد و عمرً ا، و ربّما أيّدته قراءة حمزة ( وَ الاَ_رْحَامِ ) بالجر ّعطفًا على الضّمير المتّصل المجرور - و إن ضعّفه النّحاة - فيصير المعنى: و اتّقوا الله الّذي تسئلون به و بالأرحام، يقول أحدكم لصاحبه: أسألك بالله و أسألك بالرّحِم، هذا ما

قيل، لكن السّياق و دأب القرآن في بياناته لايلائمانه، فإنّ قوله: { وَ الاَ_رْحَامَ } إن جعل صلة مستقلّة للّذي، و كان تقدير الكلام: و اتّقوا الله الّذي تسئلون بالأرحام، كان خاليًا من الضّمير، و هو غير جائز، و إن كان المجموع منه، و ممّا قبله صلة واحدة للّذيكان فيه تسوية بين الله عزّ اسمه و بين الأرحام في أمر العظمة و العزّة، و هي تنافي أدب القرآن.

و أمّا نسبة التّقوى إلى { الاَ_رْحَامَ } كنسبته إليه تعالى، فلاضير فيها بعد انتهاء الأرحام إلى صنعه و خلقه تعالى، و قد نُسب التّقوى في كلامه تعالى إلى غيره، كما في قوله:{وَ اتَّ-قُوايَوْمًاتُرْجَعُونَ فيهِ ‘اِلَى اللهِ} البقرة : 281، و قوله: { وَ اتَّ-قُوا النَّارَ الَّتى اُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ‘ } آل عمران : 131، و قوله: { وَ اتَّ-قُوا فِتْنَةً لاتُصيبَنَّ الَّذينَ ‘ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً } الأنفال : 25.

و كيف كان، فهذا الشّطر من الكلام بمنزلة التّقييد بعد الإطلاق، و التّضييق بعد التّوسعة بالنّسبة إلى الشّطر السّابق عليه، أعني قوله:{يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا} إلى قوله: { وَ نِسَاءً }، فإنّ محصّل معنى الشّطر الأوّ ل: أن اتّ-قوا الله من جهة ربوبيّته لكم، و من جهة خلقه، و جعله إيّاكم معاشر أفراد الإنسان من سنخ واحد محفوظ فيكم، و مادّة محفوظة متكثّرة بتكثّركم، و ذلك هو النّوعيّة الجوهريّة الإنسانيّة، و محصّل معنى هذا الشّطر: أن اتّقوا الله من جهة عظمته و عزّته عندكم، - و ذلك من شئون الرّبوبيّة و فروعها - و اتّقوا الوحدة الرّحميّة الّتي خلقها بينكم. و الرّحم: شعبة من شعب الوحدة، و السّنخيّة السّارية بين أفراد الإنسان.

و من هنا يظهر وجه تكرار الأمر بالتّقوى،و إعادته ثانيًا في الجملة الثّانية، فإنّالجملة الثّانية في الحقيقة تكرار للجملة الأُولى مع زيادة فائدة، و هي إفادة الاهتمام التّامّ بأمر الأرحام.

و الرّحِم في الأصل: رحم المرأة، و هي العضو الدّاخليّ منها المعبّأ لتربية النّطفة وليدً ا، ثمّ استُعير للقرابة بعلاقة الظّرف و المظروف، لكون الأقرباء مشتركين في الخروج من رحم واحدة، فالرّحِم هو القريب، و الأرحام الأقرباء. و قد اعتنى القرآن الشّريف بأمر الرّحِم كما اعتني بأمر القوم و الأُمّة، فإنّ الرّحم مجتمع صغير كما أنّ القوم مجتمع كبير، و قد اعتنى القرآن بأمر المجتمع و عدّه حقيقة ذات خواصّ و آثار، كما اعتنى بأمر الفرد من الإنسان و عدّه حقيقة ذات خواصّ و آثار تُستَمدّ من الوجود، قال تعالى: { وَ هُوَ الَّذى‘ مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذَا عَذْبٌ فُرَ اتٌ وَ هذَا مِلْحٌ اُجَاجٌ وَ جَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَ حِجْرً ا مَحْجُورً ا* وَ هُوَ الَّذى‘ خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرً ا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَ صِهْرً ا وَ كَانَ رَ بُّكَ قَديرً ا‘ } الفرقان :53، 54، و قال تعالى:{ وَ جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَ قَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا } الحجرات: 13، و قال تعالى: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ } الأحزاب : 6، و قال تعالى: { فَهَلْ عَسَيْتُمْ اِنْ تَوَلَّيْتُمْ اَنْ تُفْسِدُوا فِى الا_رْضِ وَتُ-قَطِّعُوا اَرْحَامَكُمْ} محمّد : 22، و قا ل تعالى:{ وَ لْيَخْشَ الَّذينَ‘ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّ يَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ } النّساء : 9، إلى غير ذلكمن الآيات. (4 : 137)

عبد الكريم الخطيب: { وَ الاَ_رْحَامَ } قرئ قوله

تعالى: { وَ الاَ_رْحَامَ } بالنّصب عطفًا على قوله تعالى: { وَ اتَّ-قُوا اللهَ } بمعنى اتّقوا الله و الأرحام.

و تقوى الأرحام هي من تقوى الله، فكما أنّ لله حقوقًا، ينبغي رعايتها و الحرص عليها، فكذلك الأرحام و هم الأقارب، و منهم الأبوان، لهم حقوق يجب رعايتها و الحرص عليها؛ إذ كان لهما شأن في تربية الإنسان و رعايته.

فهذا الواجب الّذي يؤدّيه الإنسان لذوي رحمه، هو وفاء لحقوق لهم عليه، و أداء لدين أقرضوه إيّاه، و قد آنَ أوان استقضائه منه، حين قدر و عجزوا،و ملك و لم يملكوا.

و في الجمع بين اتّقاء حقوق الله، و حقوق ذوي الأرحام لَفَتات منها:

أوّ لا : التّنويه بشأن الصّلة الّتي تصل الإنسان بأُصوله و فروعه، و أ نّها صلة يجب أن تقوم على التّوادّ و التّراحم، و أنّ في رعايتها مرضاة لله، و استكمالا لتقواه.

ثانيًا: الإلفات إلى حقوق الله، و أ نّها حقوق عظيمة، لايستطيع الإنسان الوفاء ببعضها، و أنّ الغفلة عنها، أو التّفريط فيها عدوان على الله، و كفران به و بنعمه، و أ نّه إذا كان فرضًا لازمًا على الإنسان أن يبرّ أبويه، و يرعى ذوي رحمه بدواعي الانتساب إليهم، فإنّ حبّه لله و رعايته لحقوقه، بالتزام تقواه أوجب و ألزم؛ إذ كان نسبه إلى خالقه و ربّه و إلهه هو النّسب الحقّ الأصيل، و ما سواهتبع و إضافيّ.

كذلك قرئ قوله تعالى: ( وَ الاَ_رْحَامِ) بالجرّ، عطفًا على الضّمير فى ( بِهِ ) في قوله تعالى: { وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ } بمعنى و اتّقوا الله الّذي تساءلون به و بالأرحام، أي الّذي هو مل‌ء خواطركم و أفكاركم، كما هو شأنكم مع أهليكم و ذوي أرحامكم.فالإنسان أكثر ما يدور على لسانه، و يجري في خاطره، هم أهله و قرابته، و ربّما شغل الإنسان بأهله عن الله، و هذا ما نبّه الله سبحانه و تعالى إليه، و حذّر منه في قوله سبحانه: { قُلْ اِنْ كان ا "بَاؤُكُمْ وَ اَبْنَاؤُكُمْ وَ اِخْوَ انُكُمْ وَ اَزْوَ اجُكُمْ وَ عَشيرَ‘تُكُمْ وَ اَمْوَ الٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَ تِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَاوَ مَسَاكِنُ تَرْضَوْ نَهَا اَحَبَّ اِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهَاد فى سَبيلِهِ‘ فَتَرَ بَّصُوا حَتى| يَاْتِىَ اللهُ بِاَمْرِهِ وَ اللهُ لايَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقينَ‘ } التّوبة: 24، و يقول تعالى: { فَاِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ ا"بَاءَكُمْ اَوْ اَشَدَّ ذِكْرً ا } البقرة : 200، و مع هذا فإنّ القراءتان بالنّصب و الجرّ يُكملان بعضهما و يكشفان عن وجه من وُجُوه الإعجاز القرآنيّ، و يأخذان على النّاس السّبيل إلى الانحراف عن سواء السّبيل في الجمع بين تقوى الله و برّ ذوي الأرحام، فمن النّاس من يلتفت بوجوده كلّه إلى الله، و يذهل عن حقّ أهله و ذوي قرابته، و من النّاس من تشغله أُمور أهله و ذوي قرابته، فيجور على حقّ الله عنده. و الطّريق القويم هو أن يرعى الأمرين معًا،فللّه حقوق يجب أن يؤدّيها، و للأهل حقوق ينبغي أن يرعاها، و هو ملوم إن قصّر في حقّ على حساب الحقّ الآخر. (2 : 685)

مكارم الشّيرازيّ: الدّعوة إلى العناية بالرّحِم:

بعد ذكر ما بيّن أبناء النّوع الإنسانيّ من وشيجة القربى قال سبحانه: { وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ }.

إنّ أهمّيّة التّقوى، و دورها في بناء قاعدة المجتمع الصّالح سبّبت في أن تُذكر مجدّدً ا في نهاية الآية الحاضرة، و أن يدعو سبحانه النّاس إلى التزام التّقوى، غاية الأمر أ نّه تعالى أضاف إليها جملة أُخرى؛ إذ قال: { وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ }. اتّقوا الله الّذي هو عندكم عظيم، و تذكرون اسمه عند ما تطلبون حقوقكم و حوائجكم فيما بينكم.

ثمّ إنّه يقول: { وَ الاَ_رْحَامَ } و هو عطف على { اللهَ }، و لهذا كانت القراءة المعروفة هي نصب { وَ الاَ_رْحَامَ } فيكون معناها: و اتّقوا الأرحام، و لاتقطعوا صلاتكم بهم.

إنّ ذكر هذا الموضوع هنا يدل أوّ لا على الأهمّيّة الفائقة الّتي يُعطيها القرآن الكريم لمسألة الرّحِم و وشيجة القربى، إلى درجة أ نّه يذكر اسم الأرحام بعد ذكر اسم الله سبحانه. و هو إشارة ثانيًا إلى الأمر الّذي ذُكر في مطلع الآية، و هو أ نّكم جميعًا من أب واحد و أُمّ واحدة. و هذا يعني في الحقيقة أنّ جميع أبناء آدم أقرباء وأرحام، و هذا الارتباط و التّرابط يستوجب أن يتحابّ الجميع و يتوادّوا دون تفريق أو تمييز بين عنصر و آخر، و قبيلة و أُخرى تمامًا، كما يتحابّ أفراد القبيلة الواحدة. (3 : 77)

فضل الله: العلاقة بالأرحام في الإسلام: { وَاتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ اِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيبًا‘ } و جاءت هذه الفقرة آمرةً بالتّقوى، تأكيدً ا للخطّ الّذي يريد الله لعباده السّير عليه و ينهجوا نهجه. و ربّما كان في إلحاق كلمة الجلالة، بقوله: { الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ } إيحاء بالصّلة الوثيقة الّتي تربط الإنسان بالله، من جهة مناشدة الآخرين له و مساءلتهم إيّاه بالله، في ما يطلبونه من حاجات و ما يبتغونه من قضايا، ممّا يعني مزيدً ا من الحضور الممتدّ في وعي الإنسان، و من الشّعور العميق بمسؤوليّته تجاهه، حتّى إنّ النّاس يتوسّلون إليه باسمه، و يستنجحون طلباتهم من خلاله، الأمر الّذي يقتضي المراقبةو المحاسبة الّتي تقود إلى الانضباط في الانطلاق بالإرادة، في خطّ رضاه. فإذا كانت المساءلة بالله مظهرً ا للتّعظيم، فإنّ طاعته و تقواه تعتبر مظهرً ا أقوى و أكثر تأكيدً ا.

أما كلمة: { وَ الاَ_رْحَامَ }، فقد وردت فيها القراءة بالكسر، و ذلك بأن تكون معطوفة على الضّمير في كلمة ( بِهِ )، على أساس ما يُتعارف بين النّاس في قول بعضهم لبعض: أُنشدك بالله و الرّحِم؛ بحيث تكون متعلّقًا للمساءلة و المناشدة،كما كان الأمر كذلك بالنّسبة إلى الله. و ذلك باعتبار أ نّهما أقرب شيء إلى الإنسان، فإنّ الله سبحانه هو الخالق، و الرّحِم هو القريب في النّسب.

و لكنّ الطّبَريّ في تفسيره يقول: « و ذلك غير فصيح من الكلام عند العرب، لأ نّها لاتنسق بظاهر على مكنيّ في الخفض إلا في ضرورة شعر؛ و ذلك لضيق الشّعر، و أمّا الكلام فلاشيء يضطرّ المتكلّم إلى

اختيار المكروه من المنطق و الرّديء في الإعراب منه. و ممّا جاء في الشّعر من ردّ ظاهر على مكنيّ في حال الخفض قول الشّاعر:

نعلّق في مثل السّواري سيوفنا

و ما بينها و الكعب غوط نفانف

فعطف < الكعب > و هو ظاهر، على الهاء و الألف في قوله < بينها> و هي مكنيّة> .

و يقول صاحب < الميزان > في هذا الاتّجاه:« لكن السّياق و دأب القرآن في بياناته لايلائمانه، فإنّ قوله: { وَ الاَ_رْحَامَ }، إن جُعل صلة مستقلّة ل- (الّذي) و كان تقدير الكلام: و اتّقوا الله الّذي تساءلون بالأرحام، كان خاليًا من الضّمير، و هو غير جائز، و إن كان المجموع منه و ممّا قبله صلة واحدة للّذي، كان فيه تسوية بين { اللهَ } - عزّ اسمه - و بين { الاَ_رْحَامَ } في أمر العظمة و العزّة و هي تنافي أدب القرآن ».

و في ضوء ذلك، نلتقي بقراءة النّصب في كلمة { وَالاَ_رْحَامَ }، لنختارها باعتبار أ نّها هي الأرجح و الأقرب، و ذلك في مارواه الضّحّاك أنّ ابن عبّاس كان يقرأ { وَ الاَ_رْحَامَ }، على هذا القول: اتّقوا الله في الأرحام فصلوها. و عن الرّبيع قال: اتّقوا الله الّذي تساءلون به و الأرحام، قال: يقول: و اتّقوا الله في الأرحام فصلوها، و جاء في الحديث عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله قال: « سألته عن قول الله عزّ و جل: { وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ اِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيبًا‘ } قال: هي أرحام النّاس. أمر الله تبارك و تعالى بصلتها و عظّمها. ألاترى أ نّه جعلها معه؟ >.

السّرّ في التّأكيد على صلة الأرحام

و قد يتساءل الإنسان عن سرّ هذا التّأكيد على الأرحام، في ما يريد القرآن أن يُوحي به من الاهتمام بصلتها و عدم مقاطعتها، و اعتبار ذلك قيمة إسلاميّة. و ربّما يضيف البعض إلى ذلك أنّ هذا الاتّجاه في العلاقات الإنسانيّة قد يفسح المجال للعصبيّة العائليّة أن تولد و تتحرّ ك بما تمثّله صلة الرّحم من خصوصيّة شرعيّة ترقى إلى مستوى القيمة الإسلاميّة الكبيرة، و قد يؤدّي ذلك إلى المزيد من الانغلاق في داخل النّطاق العائليّ.

و لكن القضيّة - في ما نفهمه من حكمة التّشريع - لاتتحرّ ك في هذا الجوّ، بل تبتعد عنه ابتعادً ا كلّيًّا، لأ نّها تدخل في الفكرة الإسلاميّة الّتي تُخطّط لتعميق العلاقات الإنسانيّة و امتدادها، و العمل على التّحرّ ك من أجل تطويق الانفعالات السّلبيّة الّتي تنمو في النّفس، من خلال حالةالتّماس المتواصل الّذي تفرضه صلة القرابة، ممّا قد يؤدّي إلى تقاطع شديد و عداوة عميقة؛ و ذلك إذا حدثت بعض الأوضاع الشّاذّة في نطاق الأقرباء، كما نشاهده كثيرً ا في المشاكل العائليّة الصّعبة الّتي تحدث بين ذوي القربى، بالمستوى الّذي يُثير الحقد و البغضاء لمدّة طويلة.

فأراد الإسلام أن يجعل لهذه العلاقة قاعدتها الرّوحيّة، بالإضافة إلى القاعدة العاطفيّة الطّبيعيّة الّتي تفرضها العوامل الذّاتيّة المؤثّرة في حركة المشاعر، حتّى يكون ذلك أساسًا تربويًّا للانسجام في خطّ

السّيطرة على الأوضاع السّلبيّة، للحيلولة دون تدهور العلاقات الإنسانيّة، لأنّ الإنسان الّذي لايقدر على امتصاص السّلبيّات في نوازعه و مشاعره مع النّاس الّذين يرتبط معهم بصلة الرّحِم، فإنّه قد لايكون قادرً ا على مثل ذلك في علاقته بالنّاس الآخرين الّذين لايرتبط معهم بصلة، في مثل هذا المستوى.

و ربّما كان هذا الأُسلوب الإسلاميّ في رعاية العلاقات الإنسانيّة ظاهرة في التّشريع، في جميع الموارد الّتي تتمثّل فيها العلاقات في نطاق التّماس المتواصل، على أساس الرّحِم تارةً، أو الجوار أُخرى، أو الإيمان في حركة العقيدة الواحدة ثالثة، فقد نلاحظ أنّ الأحاديث الواردة في هذه المجالات تؤكّد على التّواصل حتّى في حالات المقاطعة من قبل الآخرين، و على الإحسان حتّى في حالات الإساءة، و على العفو و التّسامح و اللّين حتّى في مجالاتالاعتداء.

و إذا كان هناك من يقول: إنّ هذه المبادئ تمثّل الطّابع العامّ للخلق الإسلاميّ و ليست شيئًا خاصًّا بمثل هذه العلاقات. فإنّنا نجيب عن ذلك بالتّأكيد على أصل المبدإ، و لكن مع الملاحظة التّالية: و هي أنّ إثارة هذه المبادئ في حديث هذه الحالات كان بطريقة أكثر حسمًا و تأكيدً ا، ممّا يُوحي بأنّ القضيّة ترقى إلى ما لاترتقي إليه الأُمور الأُخرى من الأهمّيّة.

فقد جاء في حديث صلة الرّحِم عن الإمام جعفر الصّادق - في ما رواه السّكونيّ - قال: « قال رسول الله(صلی الله علیه و آله): لاتقطع رحمك و إن قطعتك ».

و جاء في كتاب الكافي، عن عنبسة العابد قال: « جاء رجل فشكا إلى أبي عبد الله أقاربه، فقال له: اكظُم غيظك و افْعَل، فقال: إنّهم يفعلون و يفعلون، فقال: أتريد أن تكون مثلهم، فلاينظر الله إليكم ». و جاء في الحديث عن أبي حمزة الثّماليّ قال: « قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في خطبته: أعوذ بالله من الذّنوب الّتي تُعجّل الفناء، فقام إليه عبد الله بن الكوّ اء اليشكريّ، فقال: يا أمير المؤمنين أوَ يكون ذنوب تُعجّل الفناء؟ فقال: نعم ويلك، قطيعة الرّحم، إنّ أهل البيت ليجتمعون و يتواسون و هم فجرة، فيرزقهم الله عزّ و جلّ، و إنّ أهل البيت ليتفرّقون و يقطع بعضهم بعضًا، فيحرمهم الله و هم أتقياء ».

و هكذا نجد أنّ القضيّة لاتتحرّ ك من موقع الاختناق في أجواء العصبيّةالعائليّة، بل تتحرّ ك في آفاق التّأكيد على أصالة العلاقات الإنسانيّة، و العمل على تعميقها و امتدادها الأخلاقيّ في شخصيّة الإنسان المسلم، فلاتخضع للأوضاع السّلبيّة الطّارئة في ما تفرزه التّشنّجات من سلبيّات. أمّا حدود هذه العلاقات و مجالها الحركيّ و امتدادها في الخطّ الإنسانيّ، فتتكفّل بها التّشريعات الإسلاميّة الّتي تضع هذه العلاقات في نطاق التّفاصيل الشّرعيّة، من حيث انسجامها مع الخطوط الأُخرى الّتي تتحرّ ك فيها العلاقات العامّة، كما نواجه ذلك في الخطّ الإيمانيّ الّذي يضع للإنسان المسلم الحدود الفاصلة لعلاقته بالمؤمنين و الكافرين في ما يتحفّظ به، أو في ما ينطلق فيه، و ذلك ما يمثّل الضّوابط الثّابتة لحركة علاقة

الإنسان بأرحامه. (7 : 31)

3 - ...وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْ لى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ... ِالأنفال : 75

مُجاهِد: يعني في الميراث، فنُسخت الّتي قبلها، و صار التّوارث لذوي الأرحام. (الماوَرْديّ 2 : 334)

مثله عِكْرِمَة و الحسَن و السُّدّيّ . (الماوَرْديّ 2 : 334)

الطّبَريّ: و المتناسبون بالأرحام بعضهم أولى ببعض في الميراث - إذا كانوا ممّن قسم الله له منه نصيبًا و حظًّا - من الحليف و الوليّ. (6 : 299)

الزّجّاج: أي بعضهم في المواريث أولى ببعض. و هذه المواريث في الولاية بالهجرة منسوخة، نسخها ما في سورة النّساءِمن الفرائض. (2 : 425)

الطُّوسيّ: في الآية دلالة على أنّ من كان قرباهأقرب إلى الميّت كان أولى بالميراث، سواء كان عصبة أو لم يكن، أو له تسمية أو لم يكن، لأنّ مع كونه أقرب تبطل التّسمية. و من وافقنا في توريث ذوي الأرحام يستثني العصبة، و ذوي السّهام.

و هذه الآية نسخت حكم التّوارث بالنّصرة و الهجرة، فإنّهم كانوا لايورّثون الأعراب من المهاجرين، على ما ذكر في الآيات الأُو ل. و من قال: الولاية في الآية الأُولى ولاية النّصرة دون الميراث، يقول:ليست هذه ناسخة لها، بل هما محكمتان. (5 : 192)

المَيْبُديّ: أي الأقوياء الّذين تجمعهم بالقرب رحِم واحدة، أو يُنسبُون إلى أب واحد بعضهم أولى ببعض في الميراث من الأجانب. (4 : 84)

الزّمَخْشَريّ: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ } أُولو القرابات أو أولى بالتّوارث، و هو نسخ للتّوارث بالهجرة و النّصرة. (2 : 170)

ابن عَطيّة: و قوله: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ } إلى آخر السّورة، قال: من تقدّم ذكره هي في المواريث، و هي ناسخة للحكم المتقدّم ذكره، من أن يرث المهاجريّ الأنصاريّ، و وجب بهذه الآية الأخيرة أن يرث الرّجل قريبه و إن لم يكن مهاجرً ا معه. و قالت فرقة منها مالك بن أنس رحمه الله: إنّ الآية ليست في المواريث، و هذا فرار عن توريث الخال و العمّة و نحو ذلك.

و قالت فرقة: هي في المواريث إلا أنهّا نُسخت بآية المواريث المبيّنة. (2 : 557)

الطَّبْرِسيّ: معناه: و ذوو الأرحام و القرابة بعضهم أحقّ بميراث بعضهممن غيرهم، عن ابن عبّاس و الحسَن و جماعة المفسّرين. و قالوا: صار ذلك نسخًا لما قبله من التّوارث بالمعاقدة و الهجرة و غير ذلك من الأسباب، فقد كانوا يتوارثون بالمؤاخاة، فإنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) كان آخى بين المهاجرين و الأنصار. (2 : 563)

القُرطُبيّ: قوله تعالى: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ } ابتداء. و الواحد: ذو، و الرّحم مؤنّثة؛ و الجمع: أرحام. و المراد بها ها هنا العصبات دون المولود بالرّحِم. و ممّا يبيّن أنّ المراد بالرّحِم العصبات قول العرب: وصلتك رحِم. لايريدون قرابة الأُمّ...

و اختلف السّلف و من بعدهم في توريث ذوي

الأرحام. [ ثمّ نقل آراء الفقهاء في هذه المسألة] (8 : 58)

أبوحَيّان: أي و أصحاب القرابات، و من قال: إنّ قوله في المؤمنين المهاجرين و الأنصار { بَعْضُهُمْ اَوْلِيَاءُ بَعْض ٍ} الأنفال: 72، في المواريث بالأُخوّة الّتي كانت بينهم، قال: هذه في المواريث، و هي نسخ للميراث بتلك الأُخوّة، و إيجاب أن يرث الإنسان قريبه المؤمن و إن لم يكن مهاجرً ا. و استدلّ بها أصحاب أبي حنيفة على توريث ذوي الأرحام.

و قالت فرقة منهم مالك: ليست في المواريث، و هذا فرار عن توريث الخال و العمّة و نحو ذلك.

و قالت فرقة: هي في المواريث إلا أ نّها نسختها آية المواريث المبيّنة. (4 : 523)

الآلوسيّ: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ } أي ذوو القرابة { بَعْضُهُمْ اَوْ لى"بِبَعْض } آخر منهم في التّوريث من الأجانب { فى كِتَابِ اللهِ } أي في حكمه أو في اللّوح المحفوظ...

و أخرج ابن مردويه عنه [ابن عبّاس] رضي الله تعالى عنه، قال: توارث المسلمون لمّا قدموا المدينة بالهجرة، ثمّ نُسخ ذلك بهذه الآية، و استدلّ بها على توريث ذوي الأرحام الّذين ذكرهم الفرضيّون؛ و ذلك لأ نّها نُسخ بها التّوارث بالهجرة، و لم يفرق بين العصبات و غيرهم، فيدخل مَن لاتسمية لهم و لاتعصيب و هُم هُم ((1))و بها أيضًا احتجّ ابن مَسعود - كما أخرجه ابن أبي حاتم و الحاكم - على أنّ ذوي الأرحام أولى من مولى العتاقة، و لم-ّا سمع الحَبْر قال: هيهات هيهات أين ذهب؟ إنّما كان المهاجرون يتوارثون دون الأعراب فنزلت، و خالفه سائر الصّحابة رضي الله تعالى عنهم أيضًا على ما قيل.

و أنت تعلم أ نّه إذا أُريد بكتاب الله تعالى آيات المواريث السّابقة في سورة النّساء، أو حكمه سبحانه المعلوم هناك، لايبقى للاستدلال على توريث ذوي الأرحام بالآية وجه، و كذا ما قاله ابن الفرس من أ نّه قد يُستَدلّ بها لمن قال: إنّ القريب أولى بالصّلاة على الميّت من الوالي. (10 : 39)

ابن عاشور: و ظاهر لفظ { الاَ_رْحَامِ } جمع رحِم و هو مقرّ الولد في بطن أُمّه، فمن العلماء من أبقاه على ظاهره في اللُّغة، فجعل المراد من أُولي الارحام: ذويالقرابة النّاشئة عن الأُمومة، و هو ما درج عليه جمهور المفسّرين، و منهم من جعل المراد من { الاَ_رْحَامِ } العصابات دون المولودين بالرّحِم. قاله القُرطُبيّ، و استدلّ له بأنّ لفظ < الرّحِم > يراد به العصابة، كقول العرب في الدّعاء: « و صلتك رحم ». [ثمّ استشهدبشعر و أدام البحث في ولاية أُولو الأرحام فراجع] (9 : 176)

الطَّباطَبائيّ: قوله تعالى: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْ لى" بِبَعْ-ض فى كِتَابِ اللهِ } إلى آخر الآية، جعل للولاية بين أُولي الأرحام و القرابات، و هي ولاية الإرث، فإنّ سائر أقسام الولاية لاينحصر فيما بينهم.

و الآية تنسخ ولاية الإرث بالمواخاة الّتي أجراها


1) (1) أي ذووالأرحام.

النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بين المسلمين في أوّ ل الهجرة، و تُثبت الإرث بالقرابة، سواء كان هناك ذو سهم أو لم يكن، أو كان عصبة أو لم يكن، فالآية مطلقة كما هو ظاهر. (9 : 142)

عبد الكريم الخطيب: و في قوله تعالى بعد هذا { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض }: إشارة إلى ما بين المؤمنين من سبق منهم و من لحق من نسب قريب، و رحم ماسّة فيهم جميعًا أبناء أب واحد، هو الإسلام، الّذي يولدون فيه حالا بعد حال، و جيلا بعد جيل. [إلى أن قال:]

هذا، و قد ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّ قوله تعالى: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض }: هو مراد بهالولاية فى التّوارث، بحكم القرابة بينهم، على ما جاء فى كتاب الله سبحانه، في أحكام الميراث. و على هذا تكون هذه الآية ناسخة لما قرّرته الآيات السّابقة في قوله تعالى: { اِنَّ الَّذينَ ‘ا "مَنُوا وَ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا بِاَمْوَالِهِمْ وَ اَنْفُسِهِمْ فى سَبيلِ ‘اللهِ وَ الَّذينَ‘ ا"وَوْ ا وَ نَصَرُوا اُولئِكَ ’بَعْضُهُمْ اَوْ لِيَاءُ بَعْض } الأنفال: 72، إلى قوله تعالى: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض } .

و قد روي عن ابن عبّاس قال:« آخى رسول الله (صلی الله علیه و آله) بين أصحابه، و ورّث بعضهم من بعض، حتّى نزلت هذه الآية، فتركوا ذلك، و توارثوا بالنّسب >.

و يروى عن ابن عبّاس أيضًا، أ نّه استدلّ بقوله تعالى: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض } على توريث ذوي الأرحام الّذين ذكرهم الفرضيّون؛ و ذلك لأ نّها نسخ بها التّوارث بالهجرة، و لم يُفرّق بين العصبيّات و غيرهم، فيدخل من لاتسمية لهم،و لاتعصّب، و هُم هُم أي ذوو الأرحام.

و القول بنسخ هذه الآية لما قرّرته الآيات الّتي قبلها، من ولاء المسلمين بعضهم لبعض، و تناصرهم و تعاطفهم، هذا القول مردود من وُجُوه:

فأوّ لا : أنّ الأحكام الّتي قرّرتها الآيات السّابقة من وجوب قيام تلك الوحدة الشّعوريّة بين المسلمين؛ بحيث تجعل منهم كيانًا واحدً ا، هذه الأحكام هي من صميم الدّعوة الإسلاميّة، و من الدّعائم القويّة الّتي قام عليها بناء المجتمعالإسلاميّ؛ بحيث يؤثر المؤمن إخوانه في الإيمان على أهله و ذوي قرابته. [ ثمّ استشهد بآيات قرآنيّة، التّوبة : 23، و المجادلة: 22، و قال:]

فهذه العُزلة الشّعوريّة الّتي تعزل المؤمن عن الّذين يحادّون الله و رسوله، من أهله و أقرب المقربّين إليه، يقابلها تلاحم في المشاعر، و تزاوج في العواطف، بين المؤمن و جماعة المؤمنين.

فالإيمان عند المؤمن هو نسبه الّذي ينتسب إليه، و على هذا النّسب يصل النّاس أو يقطعهم، و يوادّهم أو يجافيهم، و يسالمهم أو يحاربهم. فكيف تجى‌ء آية قرآنيّة تنسخ هذا المبدأ، الّذي هو أقوى دعامة في بناء المجتمع الإسلاميّ؟!

و ثانيًا: آيات المواريث الّتي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة النّساء، تُقرّر في صراحة واضحة أحكام الميراث بين ذوي القربى؛ بحيث لاتدع مجالا لغيرهم أن يشاركهم في هذا الميراث، الّذي فرض لهم فيها.

فقوله تعالى: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض } لايضيف جديدً ا إلى ما قرّرته آيات المواريث، و لو كان لها مكان في أحكام الميراث، لكان مكانها بين آيات الميراث، لافي هذا الموضع الّذي يُقرّر أُسُسًا و مبادئ للعلاقات الّتي تقوم بين المؤمنين، ثمّ بينهم و بين غير المؤمنين.

و ثالثًا: ما يقال: من أنّ هذه الآية نسخت التّوارث الّذي قام بين المهاجرين و الأنصار بحكم التّآخي الّذي أقامهالرّسول بينهم متوجّه له، لأنّ آيات المواريث تُغني في تطبيقها عن الاحتياج إلى نصّ صريح بتحريم التّوارث، على هذا النّسب الّذي أقامه النّبيّ الكريم بين المهاجرين و الأنصار، بل إنّ آيات المواريث نفسها قد تقدّمها النّصّ القرآنيّ. [ثمّ ذكر الآيات:النّساء : 7، و الأحزاب : 6 .] (5 : 688)

مكارم الشّيرازيّ: و تشير الآية في ختامها إلى ولاية الأرحام بعضهم لبعض، و أوّليّتها فيما جعله الله في عباده من أحكام، فتقول: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ }.

و في الحقيقة، فإنّ الآيات السّابقة تتكلّم عن ولاية المؤمنين و المسلمين العامّة بعضهم إلى بعض، أمّا هذه الآية محلّ البحث فتؤكّد هذا الموضوع في شأن الأرحام و الأقارب، فهم إضافة إلى ولاية الإيمان و الهجرة يتمتّعون بولاية الأرحام أيضًا. و من هنا فهم يرثون و يورّثون بعضهم بعضًا، إلا أ نّه لاإرث بين غيرهم من المؤمنين الّذين لاعلاقة قربى بينهم.

فبناءً على ذلك، فإنّ الآية الأخيرة لاتتكلّم عن الإرث، بل تتكلّم عن موضوع واسع من ضمنه موضوع الإرث.

و إذا وجدنا في الرّوايات الإسلاميّة، و في الكتب الفقهيّة، استدلالا بهذه الآية و الآية المشابهة لها في سورة الأحزاب على الإرث، فلايعني ذلك أنّ الآي الّذي استُدلّ به على الإرث منحصر بهذا الشّأن فحسب، بل تُوضّح قانونًا كلّيًّا، و الإرث جزء منه.و لهذا نجد أ نّه استُدلّ بهذه الآية محلّ البحث على موضوع خلافة النّبيّ، مع أ نّها غير داخلة في موضوع الإرث الماليّ.

و استُدلّ بها على أولويّة غسل الميّت، كما صرّحت به الرّوايات الإسلاميّة.

و بملاحظة ما ذكرناه آنفًا يتّضح أ نّه لادليل على ما أصرّ عليه جماعة من المفسّرين على انحصار هذه الآية بمسألة الإرث، و إذا أردنا أن نختار مثل هذه التّفسير، فإنّ السّبيل الوحيد له أن نُعدّه مستثنيًا الإرث من الولاية المطلقة، الّتي بيّنتها الآيات السّابقة لعامّة المهاجرين و الأنصار، فنقول: إنّ الآية الأخيرة تقول: بأنّ ولاية المسلمين العامّة بعضهم لبعض لاتشمل الإرث.

و أمّا الاحتمال بأنّ الآيات السّابقة تشمل الإرث أيضًا، ثمّ نسخت الآية الأخيرة هذا الحكم منها، فيبدو بعيدً ا جدًّ ا، لأنّ التّرابط في المفهوم بين هذه الآيات جميعًا من النّاحية المعنويّة، بل حتّى التّشابه اللّفظيّ، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الآيات نزلت معًا في وقت واحد. و بهذا لايمكن القول بالتّناسخ بين هذه الآيات.

و على كلّ حال، فإنّ التّفسير الأكثر تناسبًا لهذه الآيات هو ما بيّنّاه آنفًا. (5 : 459)

فضل الله: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْ لى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ } في ما يتوارثون به، فالأقرب أولى من الأبعد في الإرث، و هذه الآية تُقرّر إرث الأقرباء الّذين لم تذكرهم آيات الإرث في سورة النّساء، كالأخوال والأعمام و أبنائهم كما استفادمنها مذهب أهل البيت في إعطاء البنت المنفردة، أو الأُخت المنفردة، أو الأُختين و الأخوات التّركة كلّها من ناحية الفرض و من ناحية القرابة. فلايجوز اشتراك الأخ مع البنت أو الأعمام أو الأخوال مع الأخوات، وهكذا ممّا تفصّله كتب الفقه. (10 : 433)

4 - اَللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ اُ نْثى وَ مَا تَغيضُ الاَ_رْحَامُ وَ مَا تَزْدَ ادُ... الرّعد : 8

لاحظ: غ ي ض: < تَغيضُ‘ >.

5 -....وَ نُقِرُّ فِى الاَ_رْحَامِ مَا نَشَاءُ اِِلى "اَجلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ... الحجّ : 5

لاحظ: أ ج ل: < اَجَلٍ >و : ق ر ر: < نُقِرُّ >.

اَرْحَامِهِنَّ

وَ لايَحِلُّ لَهُنَّ اَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُُ فى اَرْحَامِهِنَّ اِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الا_خِرِ..’. البقرة : 228

لاحظ: ك ت م : < يَكْتُمْنَ >.

اَرْحَامَكُمْ

1 - فَهَلْ عَسَيْتُمْ اِنْ تَوَلَّيْتُمْ اَنْ تُفْسِِدُوا فِى الاَ_رضِ وَ تُقَطِّعُوا اَرْحَامَكُمْ. محمّد : 22

لاحظ: ق ط ع: <تُقَطِّعُوا >.

2 - لَنْ تَنْفَعَكُمْ اَرْحَ-امُكُمْ وَ لا اَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْ-قِيمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ... الممتحنة : 3

لاحظ:ن ف ع :< تَنْفَعَكُمْ >.

الْمَرْحَمَةِ

ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذينَ امَنُوا وَ تَوَ اصَوْ ا بِالصَّبْرِوَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ. البلد : 17

ابن عبّاس: مرحمةالنّاس. (الطّبَريّ 12 : 597)

كلّ ما يؤدّي إلى رحمة الله تعالى . (ابن عَطيّة 5 : 486)

الطّبَريّ: يقول: و أوصى بعضهم بعضًا بالمرحمة. (12 : 597)

الماوَرْديّ: أي بالتّراحم فيما بينهم، فرحموا النّاس كلّهم.

و يحتمل ثانيًا: و تواصوا بالآخرة، لأ نّها دار الرّحمة فيتواصوا بترك الدّنيا و طلب الآخرة . (6 : 280)

الطُّوسيّ: أي وصّى بعضهم بعضًا بأن يرحموا الفقراء و ذوي المسكنة. (10 : 355)

القُشَيْريّ: أي من الّذين يرحم بعضهم بعضًا. (6 : 299)

المَيْبُديّ: بأن يرقّ للفقير و المسكين بالإنعام عليهما. و قيل: تواصَوْا بالآخرة، لأ نّها دار الرّحمة. (10 : 500)

الزّمَخْشَريّ: و { الْمَرْحَمَة }:الرّحمة، أي أوصى بعضهم بعضًا بالصّبر على الإيمان و الثّبات عليه. أو بالصّبر عن المعاصي و على الطّاعات و المحن الّتي يبتلي بها المؤمن، و بأن يكونوا متراحمين متعاطفين. أو بما يؤدّي إلى رحمة الله. (4 : 257)

ابن عَطيّة: و { بِالْمَرْحَمَةِِ }، قال ابن عبّاس: كلّ ما يؤدّي إلى رحمة الله تعالى.

و قال آخرون: هو التّراحم و عطف بعض من النّاس على بعض، و في ذلك قوام النّاس ولو لم يتراحموا جملةً هلكوا. (5 : 486)

الفَخْرالرّ ازيّ: قوله تعالى: { وَ تَوَ اصَوْ ا بِالصَّبْرِ وَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } فالمعنى: أ نّه كان يوصي بعضهم بعضًابالصّبر على الإيمان و الثّبات عليه، أو الصّبر على المعاصي و على الطّاعات و المحن الّتي يبتلي بها المؤمن، ثمّ ضمّ إليه التّواصي { بِالْمَرْحَمَةِ }، و هو أن يحثّ بعضهم بعضًا على أن يرحم المظلوم أو الفقير، أو يرحم المُقدم على منكر فيمنعه منه، لأنّ كلّ ذلك داخل في الرّحمة. و هذا يدلّ على أ نّه يجب على المرء أن يدلّ غيره على طريق الحقّ و يمنعه من سلوك طريق الشّرّ و الباطل ما أمكنه.

و اعلم أنّ قوله: { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذينَ ‘ا"مَنُواوَ تَوَ اصَوْ ا بِالصَّبْرِ وَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } يعني يكون مقتحم العقبة من هذه الزّمرة و الطّائفة، و هذه الطّائفة هم أكابر الصّحابة كالخلفاء الأربعة و غيرهم، فإنّهم كانوا مبالغين في الصّبر على شدائد الدّين و الرّحمة على الخلق. و بالجملة فقوله: { وَ تَوَ اصَوْ ا بِالصَّبْرِ } إشارة إلى التّعظيم لأمر الله، و قوله: { وَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } إشارة إلى الشّفقة على خلق الله، و مدار أمر الطّاعات ليس إلا على هذين الأصلين، و هو الّذي قاله بعض المحقّقين؛ إنّ الأصل في التّصوّف أمران: صدق مع الحقّ و خُلق مع الخلق. (31 : 187)

القُرطُبيّ: أي بالرّحمة على الخلق، فإنّهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم و المسكين. (20 : 71)

البَيْضاويّ: بالرّحمة على عباده، أو بموجبات رحمة الله تعالى. (2 : 560)

أبوحَيّان: أي بالتّعاطُف و التّراحم، أو بما يؤدّي إلى رحمة الله. (8 : 476)

أبوالسُّعود: بالرّحمةعلى عباده أو بموجبات رحمته من الخيرات. (6 : 432)

البُرُوسَويّ: { وَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } مصدر بمعنى الرّحمة، أي أوصى بعضهم بعضًا بالرّحمة على عباد الله، أو بموجبات رحمته تعالى من الخيرات، على حذف المضاف، أو ذكر المسبّب و إرادة السّبب، تنبيهًا على كماله في السّببيّة. و الرّحمة بهذا المعنى أعمّ من الرّحمة بالمعنى الأوّ ل، و هى الشّفقة لمن يستحقّها من العباد، يتيمًا أو فقيرً ا أو نحو ذلك. و في الحديث: < لايرحم الله من لايرحم النّاس>.

فقوله: {وَ تَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ } إشارة إلى التّعظيم لأمر الله، و قوله: { وَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } إشارة إلى

الشّفقة على خلق الله، و إلى التّكميل بعد الكمال، فإنّ الإيمان كمال فى نفسه، و كذا الصّبر و المرحمة و غيرهما من الأعمال الصّالحة، و التّواصي من باب تكميل الغير. قال بعضهم: الإطعام خصوصًا وقت شدّة الحاجة أفضل أنواع العفّة، و الإيمان أجلّ أنواع الحكمة، و هو الإيمان العلميّ اليقينيّ، و جاء فيه بلفظ { ثُمّ }لبُعد رتبته عن الفضيلة الأُولى في الارتفاع و العُلوّ لكونه الأساس، و الصّبر على الشّدائد من أعظم أنواع شجاعة، و أخّره عن الإيمان لامتناع حصول فضيلة الشّجاعة بدون اليقين، و التّراحم و التّعاطف من أفضل أنواع العدالة. (10 : 439)

الآلوسيّ: أي بالرّحمة على عباده عزّ و جلّ؛ و من ذلك الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر، أوتواصوا بأسباب رحمة الله تعالى و ما يؤدّي إليها من الخيرات، على أنّ المرحمة مجاز عن سببها، أو الكلام على تقدير مضاف. و ذُكر أنّ { تَوَ اصَوْا بِالصَّبْرِ } إشارة إلى تعظيم أمر الله تعالى،{وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} إشارة إلى الشّفقة على خلق الله تعالى، و هما أصلان عليهما مدار الطّاعة، و هو الّذي قاله بعض المحقّقين: الأصل في التّصوّف أمر ان: صدق مع الحقّ، و خُلْق مع الخَلْق. (30 : 139)

ابن عاشور: و خصّ بالذّكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصّبر و تواصيهم بالمرحمة، لأنّ ذلك أشرف صفاتهم بعد الإيمان، فإنّ الصّبر ملاك الأعمال الصّالحة كلّها، لأ نّها لاتخلو من كبح الشّهوة النّفسانيّة، و ذلك من الصّبر.

و المرحمة: ملاك صلاح الجامعة الإسلاميّة، قال تعالى: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } الفتح : 29.

و التّواصي بالرّحمة: فضيلة عظيمة، و هو أيضًا كناية عن اتّصافهم بالمرحمة، لأنّ من يوصي بالمرحمة هو الّذي عرف قدرها و فضلها، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها، كما تقدّم في قوله تعالى: { وَ لاتَحَاضُّونَ عَلى" طَعَامِ الْمِسْكينِ‘ } الفجر : 18.

و فيه تعريض بأنّ أهل الشّرك ليسوا من أهل الصّبر و لامن أهل المرحمة. (30 : 319)

الطَّباطَبائيّ:{ الْمَرْحَمَةِ } مصدر ميميّ من الرّحمة، و التّواصي بالصّبر: وصيّة بعضهم بعضًا بالصّبر على طاعة الله، و التّواصي بالمرحمة: وصيّة بعضهم بعضًا بالرّحمة على ذوي الفقر و الفاقةو المسكنة.

و الجملة أعني قوله: { ثُمَّ كَانَ... } البلد : 17، معطوفة على قول: { اقْتَحَمَ } البلد : 11، و التّقدير: فلااقتحم العقبة و لاكان من الذين آمنوا... و قيل: فيها غير ذلك ممّا لاجدوى فيه. (20 : 293)

عبدالكريم الخطيب: و قوله تعالى:{ وَ تَوَ اصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوَ اصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } إشارة إلى أنّ الإيمان مجرّد الإيمان لايمكّن المرء من اقتحام هذه العقبة، و إن كان يدعو إلى اقتحامها، و يشدّ البصر نحوها، إذ لابدّ من أن يقوم مع الإيمان دعوة موجّهة إلى الصّبر، و إلى الرّحمة، و أن يتزوّد المرء بزاد عتيد منها.

و التّواصي بالصّبر و المرحمة، هو إلحاح المرء على نفسه بالدّعوة إليهما، و التّمسّك بهما، فإذا جزع فى

مواجهة مال يخرج من يده، حمل نفسه على الصّبر على ما تكره، و استدعى من مشاعره دواعي الحنان و الرّحمة، فذلك ممّا يُعينه على مغالبة أهوائه، و قهر شُحّه و بُخله، ثمّ لايقف المرء عند هذا، بل ينبغى أن يكون هو داعية إلى الصّبر و إلى الرّحمة، يبشّر بهما في النّاس، و يدعو إليهما في كلّ مجتمع، فذلك من شأنه أن يترك آثاره فيه، إلى جانب ما يتركه من إشاعة هذا المعروف بين النّاس. (16 : 1580)

مكارم الشّيرازيّ: ثمّ تواصل الآية التّالية بيان طبيعة هذه العقبة، و سبل اجتيازها، فتقول: { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَ تَوَ اصَوْ ا بِالصَّبْرِ وَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } فالقادرون على اجتيازهذه العقبة متحلّون بالإيمان، و متواصون بالصّبر و الاستقامة على الطّريق، و متواصون بالرّحمة و العطف.

و بهذا السّياق القرآنيّ لبيان طبيعة العقبة نفهم أنّ القادرين على اجتيازها هم المتحلّون بالإيمان و الخُلق الكريم، كالتّواصي بالصّبر و الرّحمة، و ذوو أعمال البِرّ و الإحسان، كتحرير العبيد و إطعام الأيتام

و المساكين، إنّهم - بعبارة أُخرى - أُولئك الّذين يلجون ميادين الإيمان و الأخلاق و العمل و يخرجون منها ظافرين منتصرين. [إلى أن قال:]

و قال بعضهم: إنّ { الصَّبْرِ } في الآية إشارة إلى توطين النّفس على طاعة الله و الاهتمام بأوامره، و { الْمَرْحَمَةِ } إشارة إلى علاقة الودّ مع النّاس، و نعلم أن أساس الدّين هو تنظيم هذه الرّابطة بين العبد و ربّه، وبين الإنسان و أخيه الإنسان. (20 : 207)

فضل الله: [بحث في التّواصي بالصّبر و التّواصي بالمرحمة و أضاف:]

و أمّا { الْمَرْحَمَةِ }، فهي العنصر الحيويّ في كلّ القيم الإنسانيّة الّتي تتفاعل مع آلام النّاس و مشاكلهم و حاجاتهم؛ بحيث تُحَشّد المشاعر العميقة لتُثير الفكرة الّتي تنفتح، و تُحرّ ك الشّعور الّذي يتعاطف، و توحي بالعمل الّذي يحتوي ذلك كلّه في عمليّة مشاركة في الحلّ، و مبادرة للتّخفيف و لاحتواء كلّ الأجواء السّلبيّة، و تحويلها إلى أجواء إيجابيّة. و قد أراد الله أن يُجسّد الاهتمامبها، فاعتبرها من صفاته الكماليّة الّتي يُحبّ لعباده أن يذكروه بها في كلمتين: « الرّحمن > و < الرّحيم »، ليتأكّد المضمون العقيديّ الأخلاقيّ في استيحاء علاقة الله بهم في مواقع الرّحمة، ليمتدّ ذلك في حياتهم كأساس للقيمة الإنسانيّة الكبيرة.

و التّواصي بالمرحمة: يُمثّل خطوة تثقيفيّة تربويّة، في المستوى الإعلاميّ و العمليّ للسّيطرة على كلّ نوازع الأنانيّة الذّاتيّة، و مشاعر القسوة المعقّدة النّاشئة من جفاف الينابيع الإنسانيّة في أعماقهم، و سيطرة العناصر الوحشيّة في شخصيّاتهم، ممّا قد يُهدّد سلامة المجتمع. و لعلّ هذه الحركة الاجتماعيّة الّتي لاتنحصر في هيئةٍ معيّنةٍ، بل تمتدّ إلى مسؤوليّة كلّ فرد في الجماعة، هي الّتي تخلق رأيًا عامًّا في مسألة الرّحمة، وإحساسًا عميقًا في روحيّة المجتمع؛ بحيث تتحوّ ل من حالة عاطفيّة فرديّة، إلى قاعدة أخلاقيّة اجتماعيّة في تفكير المجتمع و إحساسه و حركته، على مستوى

القيمة الكبيرة.

بين الأمر بالمعروف و التّواصي بالصّبر و المرحمة

و قد نخرج من التّأكيد على التّواصي بالصّبرو التّواصي بالمرحمة، في بناء الشّخصيّة الباحثة في طبيعتها و في عملها عن الحصول على رضَى الله، بفكرة إسلاميّة على مستوى القاعدة، و هي أنّ الإسلام يعمل على توجيه المسلم إلى تحمّل المسؤوليّة، في إشاعة القيمة الرّوحيّة الأخلاقيّة في الوعي الاجتماعيّ؛ بحيث يعمل علىإثارة كلّ مفرداتها في مسؤوليّته الإعلاميّة، كجزء من مسؤوليّته الدّينيّة في الدّعوة إلى الالتزام بالله في رسالته، في ما قد يأخذ بعض ملامح الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر.

فلامجال للمواقف الانعزاليّة عن مجريات الواقع الإنسانيّ من حوله، البعيدة عن الاهتمام بحركة السّلبيّات فيه، سواء كان ذلك في نطاق الانحراف الفرديّ أو في نطاق الانحراف الاجتماعيّ، بعيدً ا عن كلّ تهاويل الإثارة الرّ افضة للتّدخّل في شؤون الآخرين، في ما يمارسونه من انحرافات أخلاقيّةٍ، بعنوان الحفاظ على الحرّ يّة الشّخصيّة، لأنّ المسألة تتّصل بالسّلامة الاجتماعيّة.

و بهذا، فإنّ القضيّة لاتختصّ بالصّبر و المرحمة، بل تشمل كلّ القيم الأخلاقيّة الأُخرى. و ربّما كان التّأكيد عليهما باعتبارهما عنوانين شاملين للمفردات الأخلاقيّة الإنسانيّة في مواقعها العمليّة، و لمناسبتهما للجوّ الّذي يسود السّورة. و في التّعبير بكلمة« التّواصي »، بعض الإيحاء بالأُسلوب الهادئ الحكيم الحميم الّذي ينفذ إلى الفكر بحكمة و اتّزان، و يُسر و سهولة على أساس الرّفق، لأنّ العُنف لايستطيع أن يغيّر القناعات و المشاعر، بل يعقّدها بشكل كبير، فليس هناك إلا اللّين في الكلمة و الأُسلوب، و الجوّ الّذي يحمل عنوان الوصيّة الّتي تُوحي بأكثر من معنى شعوريّ حميم، في ما يحمّل النّاس بعضهم البعض المسؤوليّة عن بعض الأشياء الّتي يُحبّونها لأنفسهمو لغيرهم من موقع المحبّة، و عمق العلاقة و الإيحاء بارتباطات الاهتمام بهذه الأشياء بعلاقتهم العامّة و الخاصّة. (24 : 274)

الوُجُوه و النّظائر

هارون الأعور: تفسير الرّحمة على أحد عشر وجهًا:

فوجه منها: الرّحمة يعني دين الإسلام، فذلك قوله عزّوجلّ في الدّهر : 31: {يُدْ خِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحْمَتِهِ } يعني في دينه الإسلام. نظيرها في حم, عسق : 8: { وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ اُمَّةً وَ احِدَةً وَ لكِنْ’ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحْمَتِهِ }، يعني في دينه، و قوله في الفتح : 25: { لِيُدْخِلَ اللهُ فى رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } يعني في دينه، و قوله البقرة : 105: { وَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ} يعني دينه الإسلام، نظيرها في آل عمران.

الوجه الثّاني: الرّحمة يعني الجنّة. فذلك قوله في آل عمران : 107: { وَ اَمَّا الَّذينَ ‘ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ } يعني ففى الجنّة، نظيرها في النّساء : 175: { فَاَمَّا الَّذينَ‘ ا "مَنُوا بِاللهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فى

رَحْمَةٍ مِنْهُ } يعني الجنّة، و قوله في الجاثية : 30:{ فَيُدْخِلُهُمْ رَ بُّهُمْ فى رَحْمَتِهِ } أي جنّته، و قال في البقرة : 218: { اُولئِكَ ’يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ } أي جنّة الله. و قوله في العنكبوت : 23: { اُولئِكَ ’’ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتى } يعني من جنّتى.

الوجه الثّالث: الرّحمة يعني المطر، فذلك قوله عزّ و جلّ في الأعراف : 57: { وَ هُوَ الَّذى‘ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرً ا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } يعني قُدّ ام المطر، نظيرها في الفرقان48. و قال في حم, عسق : 28: { وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } أي المطر، و قال في الرّوم : 33: {اِذَا اَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً} يعني المطر. و قال أيضًا: 46: { وَ لِيُذيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ } يعني المطر.

الوجه الرّ ابع: الرّحمة يعني النّبوّة، فذلك قوله في ص : 9: { اَمْ عِنْدَهُمْ خَزَ ائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ } يعني مفاتيح النّبوّة. نظيرها في الزّخرف : 32: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } يعني النّبوّة.

الوجه الخامس: يعني النّعمة، فذلك قوله في النّساء : 83: { وَ لَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ } يعني و نعمته، نظيرهافي البقرة، و في النّور؛حيث يقول:{ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ } يعني و نعمته و نحوه كثير.

الوجه السّادس: الرّحمة يعني القرآن، فذلك قوله في يونس : 58: { قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَ بِرَحْمَتِهِ } يعني القرآن. و قال في آل عمران : 138: {هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ} يعني القرآن { وَ هُدًى وَ مَوْ عِظَةً لِلْمُتَّقينَ‘}كذا في آخر يوسف.

الوجه السّابع: الرّحمة يعني الرّزق، فذلك قوله في الأسراء : 100: { قُلْ لَوْ اَ نْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَ ائِنَ رَحْمَةِ رَ بّى } يعني مفاتيح الرّزق { اِذًا لاَمْسَكْتُمْ }، و قال أيضًا: { ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا } الإسراء : 28، يعني انتظار رزق ترجوه من الله. و قال في فاطر : 2: { مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة } يعني من رزق، و قال فيالكهف : 10: { ا"تِنَا مِنْ لَدُ نْكَ رَحْمَةً } يعني رزقًا، و قال أيضًا: { يَنْشُرْ لَكُمْ رَ بُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ } الكهف : 16، يعني من رزقه.

الوجه الثّامن: الرّحمة يعني النّصر، فذلك قوله في الأحزاب : 17: { قُلْ مَنْ ذَا الَّذى‘ يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ } إلى قوله: { اَوْ اَرَ ادَ بِكُمْ رَحْمَةً } يعني خيرً ا و هو النّصر و الفتح.

الوجه التّاسع: الرّحمة يعني العافية: فذلك قوله في الزّمر : 38:{ اَوْ اَرَ ادَنى بِرَحْمَة } يعني بعافية { هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ } يعني عافيته.

الوجه العاشر: الرّحمة يعني المودّة، فذلك قوله عزّ و جلّ في الحديد : 27: { وَ جَعَلْنَا فى قُلُوبِ الَّذينَ‘ اتَّبَعُوهُ رَ اْفَةً وَ رَحْمَةً }، يعني مودّة، و قوله في الفتح : 29: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} يعني متوادّين.

الوجه الحادي عشر: الرّحمة يعني الإيمان، فذلك قوله في هود : 28: { اِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَة مِنْ رَ بّى وَ ا"تينى رَحْمَةً } يعني نعمة و هو الإيمان، و مثلها أيضًا في قول صالح. (53)

حُبيش تِفليسيّ:[ ذكرنحو هارون الأعورإلا أ نّه قال:]

الوجه الثّاني عشر: الرّحمة بمعنى < عيسى > قال في سورة مريم: 21: {وَ لِنَجْعَ-لَهُ ا"يَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا } يعني عيسى .

الوجه الثّالث عشر: الرّحمة بمعنى محمدّ كما قال في سورة الأنبياء : 107: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ ‘} يعني محمّدًا . (112)

الحيريّ: باب الأرحام على وجهين:أحدهما: الأُمّهات، كقوله: { مَا خَلَقَ اللهُ فى اَرْحَامِهِنَّ } البقرة : 228.

و الثّاني: القرابة، كقوله: { وَ اتَّ-قُوا اللهَ الَّذى‘ تَسَاءَ لُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ } النّساء : 1. (104)

باب الرّحيم، و هو على أربعة أوجُه:

أحدها: الرّ احم كقوله: { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ‘} الفاتحة : 1، و قوله: { بِا لْمُؤْمِنينَ‘ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘} التّوبة : 128، و قوله:{ بِا لنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘} البقرة: 143، و قوله: { اِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحيمًا‘ } الأحزاب : 5، و النّساء : 29.

و الثّاني: المنعم، كقوله: { اِنَّهُ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ‘ } البقرة : 37 ، 54 و الحجرات : 12.

و الثّالث: رحيم بكم حين رخّص عليكم الرّخص كقوله في البقرة : 173، و المائدة : 3، و الأنعام : 145، و النّحل : 115: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لاعَاد فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ }، { فَاِنَّ رَ بَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ }.

و الرّ ابع: رحيم بكم إذا متّم كقوله: { وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } النّساء : 96، و غيرها من سور أُخرى. (258)

باب الرّحمة على خمسة عشر وجهًا:

أحدها: النّعمة،كقوله: { فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ } في البقرة : 64، و النّساء : 83، و قوله في الأنبياء : 84: { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا }، و في ص : 43: { رَحْمَةً مِنَّا }.

و الثّاني: الجنّة، كقوله في البقرة : 218: { اُو لئِكَ’ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ }، و قوله في آل عمران :107:{ وَ اَمَّا الَّذينَ ‘ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفى‘ رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فيهَا‘ خَالِدُون }، و قوله في النّساء : 175: { فَسَيُدْخِلُهُمْ فى رَحَمَة مِنْهُ وَ فَضْل }، و قوله: { وَ يَرْجُونَ رَحَمَتَهُ} الإسراء : 58، و قوله: { اُولئِكَ ’يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتى } العنكبوت: 23، و قوله: { يَحْذَرُ الا_خِرَ’ةَ وَ يَرْجُوا رَحَمَةَ رَ بِّهِ } الزّمر : 9، و في الجاثية الآية : 30:{ فَيُدْخِلُهُمْ رَ بُّهُمْ فى رَحْمَتِهِ }.

و الثّالث: الثّبات،كقوله في آل عمران : 8: { رَ بَّنَا لاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنَا وَ هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً } و قوله: { مْنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنَا مِنْ اَمْرِنَا رَشَدً ا } الكهف : 10.

و الرّ ابع: العصمة،كقوله: { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمَهُ } الأنعام : 16، و قوله: { لاعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ اَمْرِ اللهِ اِلا مَنْ رَحِمَ } هود : 43، و قوله في يوسف الآية : 53: { اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى‘ }، و في المؤمن : 9:{ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ }.

و الخامس: المطر،كقوله: { بُشْرً ا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ} الأعراف : 57، و قوله في عسق, : 28، و قوله في الرّوم : 50: { فَانْظُرْ اِلى" ا"ثَارِ رَحَمَتِ اللهِ } و قوله:

{ وَ لِيُذيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ } الرّوم : 46.

و السّادس: القرآن، كقوله في يوسف : 111: { وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }، و قوله: { قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَ بِرَحْمَتِهِ } يونس : 58، أي بالإسلام والقرآن، و قيل: التّوفيق و العصمة،و قيل: بمحمّد (صلی الله علیه و آله) و شفاعته، و قيل: تحبيب الإيمان و تكريه الكفر، و قيل: التّوبة و قبولها، و قيل: ستر الذّنوب و غفرانها، و قيل: دين الإسلام و شرائعه، و قيل: آلاء الله و نعماؤه، و قيل: القرآن و ما فيه من المعاني، و قيل: المغفرة و الجنّة.

و السّابع: التّوراة، كقوله: { وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى اِمَامًا وَ رَحْمَةً اُولئِ-كَ ’يُؤْمِنُونَ بِهِ } في هود : 17.

و الثّامن: الإيمان، كقوله في هود أيضًا: 28: { وَ ا"تينى رَ’حْمَةً مِنْ عِنْدِهِ } ، وقوله: { وَ ا"تينى ’ مِنْهُ رَحْمَةً} هود : 63.

و التّاسع: النّجاة، كقوله: { اِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ } في الإسراء : 54.

و العاشر: الرّزق، كقوله في الإسراء : 100: { قُلْ لَوْ اَنْتُمْ تمَ-ْلِكُونَ خَزَ ائِنَ رَحْمَةِ رَ بّى‘ } و قوله في فاطر: 2: { مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة فَلامُمْسِكَ لهَ-َا }.

و الحادي عشر: النّصرة، كقوله: { اِنْ اَرَ ادَ بِكُمْ سُوءًا اَوْ اَرَ ادَ بِكُمْ رَحَمَةً } الأحزاب : 17.

و الثّاني عشر: النّبوّة، كقوله في ص : 9: { اَمْ عِنْدَهُمْ خَزَ ائِنُ رَحْمَةِ رَ بِّكَ }، في الزّخرف : 32: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَ بِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا }.

و الثّالث عشر: العافية، كقوله في الزّمر : 38: { اَوْ اَرَ ادَنى بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ }.

و الرّ ابع عشر: دين الإسلام، كقوله: { وَ لكِنْ’ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحْمَتِهِ }الشّورى : 8، و الفتح : 25، و الدّهر : 31.و الخامس عشر: المودّة، كقوله { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح : 29، و قوله: { وَ جَعَلْنَا فى قُلُوبِ الَّذينَ‘ اتَّ-بَعُوهُ رَاْفَةً وَ رَحْمَةً } الحديد : 27. (266)

الدّ امغانيّ: [ نحو هارون الأعور إلا أ نّه أضاف ثلاثة أوجُه: و قال:]

و الوجه الثّاني عشر: الرّحمة: التّوفيق، قوله في البقرة : 64: { فَلَوْ لافَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ } يعني التّوفيق و المنّة، مثلها في النّساء : 83، و النّور : 10، و نحوه كثيرة.

و الوجه الثّالث عشر: الرّحمة يعني عيسي بن مريم، قوله في سورة مريم : 21: { وَ لِنَجْعَلَهُ ا"يَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا } يعني عيسى بن مريم .

والوجه الرّ ابع عشر: الرّحمة يعني محمّد (صلی الله علیه و آله) قوله الأنبياء : 107:{ وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ ‘}. (350)

الفيروزاباديّ: و قد ورد الرّحمة في القرآن على عشرين وجهًا:

الأوّ ل: بمعنى منشور القرآن: { وَ نُنَزِّ لُ مِنَ الْقُرْ ا"ن ِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ‘ }. الإسراء : 82.

الثّانى: بمعنى سيّد الرّسل: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ‘ }.الأنبياء : 107، و قال (صلی الله علیه و آله): < إنّما أنا رحمة مُهداة >.

الثّالث: بمعنى توفيق الطّاعة و الإحسان: { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ } آل عمران : 159.

الرّ ابع: بمعنى نبوّة المرسلين: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } الزّخرف : 32.

الخامس: بمعنى الإسلام والإيمان: { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ } البقرة : 105.

السّادس: بمعنى نعمة العرفان: { وَ ا"تينى رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ } هود : 28، أي معرفة.

السّابع: بمعنى العصمة من العصيان: { اِلا مَنْ رَحِمَ} هود : 43.

الثّامن: بمعنى أرزاق الإنسان و الحيوان: { لَوْ اَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَ ائِنَ رَحْمَةِ رَ بّى‘ }.الإسراء : 100.

التّاسع: بمعنى قطرات ماء الغيثان: { وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ } الشّورى : 28.

العاشر: بمعنى العافية من الابتلاء و الامتحان: { اَوْ اَرَ ادَنى بِرَحْمَة } الزّمر : 38.

الحادي عشر: بمعنى النّجاة من عذاب النّيران: { وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} النّور : 10.

الثّاني عشر: بمعنى النّصرة على أهل العدوان: { اَوْ اَرَ ادَ بِكُمْ رَحْمَةً } الأحزاب : 17.

الثّالث عشر: بمعنى الأُلفة و الموافقة بين أهل الإيمان: { وَ جَعَلْنَا فى قُلُوبِ الَّذينَ‘ اتَّبَعُوهُ رَاْفَةً وَ رَحْمَةً } الحديد : 27.

الرّ ابع عشر: بمعنى الكتاب المنزل على موسى بن عمران: { وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى اِمَامًا وَ رَحْمَةً } هود : 17.

الخامس عشر:بمعنى الثّناء على إبراهيم والولدان: { رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ اَهْلَ الْبَيْتِ } هود : 73.

السّادس عشر: بمعنى إجابة دعوة زكريّا مبتهلا إلى الله المنّان: { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } مريم : 2.

السّابع عشر: بمعنى العفو عن ذوي العصيان: { لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ }الزّمر : 53

الثّامن عشر: بمعنى فتح أبواب الرّوح و الرّيحان: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلامُمْسِكَ لَهَا } فاطر : 2.

التّاسع عشر: بمعنى الجنّة دار السّلام و الأمان: { اِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَريبٌ‘ مِنَ الْمُحْسِنينَ‘ } الأعراف : 56.

العشرون: بمعنى صفة الرّحيم الرّحمان: { كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } الأنعام : 54، و في الخبر: < إنّّ الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، و قدّر الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، و كتب الرّحمة على نفسه قبل الأرزاق بأربعة آلاف سنة > و لهذا قال: < سبقت رحمتي غضبي،و عفوي عقابي >. (بصائر ذوي التّمييز 3 : 55)

الأُصول اللُّغويّة

1 - الأصل في هذه المادّة: الرّحِم، أي منبت الولدو وعاؤه في البطن، و هي الرِّحْم أيضًا؛ و الجمع: أرحام. يقال: رَحِم معقومة.

و الرَّحَم: خروج الرّحِم من علّة ، و قد رَحِمَت رَحَمًا، و رَحُمَت رَحْمًا، و كذلك العنز، و كلّ ذات

رَحِم تُرْحَم.

و امرأة رَحُوم ، إذا اشتكت بعد الولادة رَحِمَها،و كذلك ناقة رَحُوم؛ و الجمع: رُحُم ، و قد رَحُمَت رَحامَةً، و رَحِمَت رَحَمًا ، و هي رَحِمَة.

و ناقة رَحُوم: هو داء يأخذها في رَحِمها، فلاتقبل اللَّقاح.

و شاة راحِم: وارمَة الرَّحِم، و شياه رَواحِم.

و الرُّحام: أن تلدالشّاة ثمّ لايسقط سلاها.

و الرَّحِم: أسباب القرابة. يقال: بينهما رَحِم، أي قرابة قريبة.

و ذوُو الرَّحِم: هم الأقارب، و يقع على كلّ من يجمع بينك و بينه نسب.

و ذُو رَحِم مَحْرَم و مُحرّم: من لايحلّ نكاحه، كالأُمّ و البنت و الأُخت و العمّة و الخالة. و في الحديث: < من ملك ذا رَحِم مَحْرَم فهو حُرّ >.

و من المجاز قولهم: رَحِمَ السّقاء رَحَمًا فهو رَحِم، أي ضيّعه أهله بعد عينته، فلم يدهنوه حتّى فسد، فلم يلزم الماء.

و الرَّحْمَة: الرّ قّة و التّعطّف، و هي المَرْحَمة أيضًا، لأنّها صفة ذوي الرَّحْم. يقال : رَحِمَه يَرْحَمُه رُحْمًا و رُحُمًا و رَحْمةً و مَرْحَمةً، و هو راحِم و ذاك مرحوم و مُرَحّم، شُدّد للمبالغة.

و ترحّمَ عليه: دعا له بالرّحْمَة ، و قال: رَحْمَة الله عليه.

و تراحم القوم: رَحِم بعضهم بعضًا.

و استَرحمَه: سأله الرّحْمَة.

و الرُّحْمى: اسم من الرّحْمَة.

و الرّحَمُوت: من الرّحْمة، و في المثل: < رَهَبُوت خير من رَحَمُوت >، أي لأن تُرْهَب خير من أن تُرْحَم.

و الرُّحْم و الرُّحُم: الرّحْمَة. يقال: ما أقرَب رُحْمَ فلان، إذا كان ذا مَرْحَمَة، أي ما أرحمَه و أبرّه!

و أُمّ رُحْم و أُمّ الرُّحْم: مكّة، لأنّ النّاس يتراحمون فيها.

و المَرْحُومَة: من أسماء مدينة سيّدنا رسول الله (صلی الله علیه و آله)، يذهبون بذلك إلى مؤمني أهلها.

و الرَّحْمان: < فَعْلان >من الرّحْمَة، و يعني المبالغة و الكثرة، و هو اسم من أسماء الله تعالى، لأنّ رَحْمتَه وسعت كلّ شيء.

و الرّحيم: < فعيل > بمعنى < فاعل > من الرّحْمَة، و هو وصف يوصف به الله وغيره. يقال: الله رحيم،و رجل رحيم.

2 - و زعم < آرثر جفري > أنّ لفظ < الرّحمان > عبريّ ، لوروده في التّلمود! و لكنّ العرب أعرف الأُمم السّاميّة بهذا اللّفظ، لوروده في الشّعر الجاهليّ و في القرآن الكريم و في اللُّغة كثيرً ا، كما اعترف هو بذلك.((1))

و كان اليهود لايعرفون هذا اللّفظ؛ إذ لم يرد في الكتاب المقدّس، فاستعاره أحبارهم من اللُّغة الآراميّة و استعملوه في التّلمود .


1) (1) المفردات الأعجميّة في القرآن الكريم.

الاستعمال القرآنيّ

جاء منها الفعل المجرّد ماضيًا 8 مرّ ات، و مضارعًا معلومًا 7 مرّ ات، و مجهولا 8 مرّ ات، و مصدرً ا (رَحْمَة) 114 مرّة، و ( مَرْحَمة )، و ( رُحْمًا ) كلّ منهما مرّةً، و وصفًا: ( راحم ) 6 مرّ ات، و ( الرّحمن ) 57 مرّة، و ( الرّحيم ) 115 مرّة، و ( رُحَماء ) مرّة، و أفعل التّفضيل و اسم الفاعل: ( اَرْحَم ) و ( الرّ احمين ) كلّ منهما أربع مرّ ات، و اسمًا: ( اَرْحام ) 12 مرّة، و كلّها 313 آية:

يلاحظ أوّ لا : أنّها تتمحور أحد عشر محورً ا:

المحور الأوّ ل: ما جاء بشأن القرآن، في 16 آية: تُرْحَمُون:

1 - { وَ هذَا كِتَابٌ اَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَ اتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } الأنعام : 155

2 - { اَوَعَجِبْتُمْ اَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَ لِتَتَّقُوا وَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } الأعراف : 63

3 - { وَ اِذَا قُرِئَ الْقُرْ ا"نُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ اَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } الأعراف : 204 رَحْمَة:

4- { اَوْ تَقُولُوا لَوْ اَنَّا اُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا اَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ فَمَنْ اَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِا"يَاتِ اللهِ وَ صَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِى الَّذينَ ‘يَصْدِفُونَ عَنْ ا"يَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ } الأنعام : 157

5 - { وَ لَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَاب فَصَّلْنَاهُ عَلى" عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } الأعراف : 52

6- { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفَاءٌ لِمَا فِى الصُّدُورِ وَ هُدًى وَ رَحْمَة لِلْمُؤْمِنينَ ‘}يونس : 57

7 - { وَ اِذَا لَمْ تَاْتِهِمْ بِا"يَة قَالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ اِنَّمَا اَتَّبِعُ مَا يُوحى" اِلَىَّ مِنْ رَبّى هذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } الأعراف : 203

8 - { وَ مَا اَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ اِلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فيهِ وَ هُ-دًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }النّحل : 64

9 - { وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فى كُلِّ اُمَّة شَهيدًا ‘عَلَيْهِمْ مِنْ اَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنَا بِكَ شَهيدًا ‘عَلى" هؤُ لاءِ وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَىْء وَ هُدًى وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمينَ ‘} النّحل : 89

10 - { وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْ ا"ن ِمَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ‘وَ لايَزيدُ ‘الظَّالِمينَ ‘اِلا خَسَارً االإسراء : 82

11 - { وَ لَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذى اَوْحَيْنَا اِلَيْكَ ثُمَّ لاتَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكيلا ‘* اِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ اِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبيرً ا‘ } الإسراء : 86 و 87

12 - { اِنَّ هذَا الْقُرْ ا"نَ يَقُصُّ عَلى" بَنى اِسْرَايلَ= اَكْثَرَ الَّذى ‘هُمْ فيهِ ‘يَخْتَلِفُونَ * وَ اِنَّهُ لَهُدًى وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ‘} النّمل : 76 و 77

13 - { وَ مَا كُنْتَ تَرْجُوا اَنْ يُلْقى" اِلَيْكَ الْكِتَابُ اِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاتَكُونَنَّ ظَهيرًا ‘لِلْكَافِرينَ ‘}القصص : 86

14 - { اَوَلَمْ يَكْفِهِمْ اَنَّا اَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ اِنَّ فى ذ"لِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } العنكبوت : 51

15 - { تِلْكَ ا"يَاتُ الْكِتَابِ الْحَكيمِ ‘* هُدًى وَ رَحْمَةً لِلْمُحْسِنينَ ‘} لقمان : 2 و 3

16 - { هذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } الجاثية : 20

و فيها بُحُوثٌ:

1 - جاءت < الرّحمة > فيها بصيغتين، و مع ضمائم و خواتم.

2 - أمّا الصّيغة فقد جاءت بصيغة المضارع المجهول جمعًا: { تُرْحَمُونَ } 3 مرّ ات، في الآيات (1 و 2 و 3) : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }، و بصيغة المصدر { رَحْمَة } في الباقي.

3- و أمّا الضّمائم فقد جاء المصدر { رَحْمَةٌ } مع بَصَائِرُ و هُدًى مرّتين في (7) : { هذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }، و (16): { هذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍيُوقِنُونَ }.

و جاءت مع البيّنة و هُدًى في (4): { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ...}، و مع البيّنة و شاهد في (الآية19 بشأن التّوراة) : { اَفَمَنْ كَانَ عَلى" بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى اِمَامًا وَ رَحْمَةً }.

و مع موعظة و شفاء و هُدًى في (6):{ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفَاءٌ لِمَا فِى الصُّدُورِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ‘}.

و مع شفاء في (10): { مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ‘}

و مع هُدًى وحدها، في 4 آيات: في (5): { وَ لَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَاب فَصَّلْنَاهُ عَلى" عِلْمٍ هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }، و (8): {وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }، و (12): {وَ اِنَّهُ لَهُدًى وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ‘}، و (15): { هُدًى وَ رَحْمَةً لِلْمُحْسِنينَ ‘}.

و مع تصديق للّذي بين يديه و تفصيل كلّ شيء

و هُدىً في (37): { وَ لكِنْ ’تَصْديقَ ‘الَّذى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصيلَ ‘كُلِّ شَىْء وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.

و مع تبيانًا لكلّ شىء و هُدًى و رَحْمةً و بُشْرى في (9): { وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَىْء وَ هُدًى وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمينَ ‘}.

و مع ذِكْرى في (14):{اِنَّ فى ذ"لِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.

و جاءت { رَحْمَةً } وحدها في آيتين: في (11): { اِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ اِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبيرً ا ‘}، و (13): { وَ مَا كُنْتَ تَرْجُوا اَنْ يُلْقى اِلَيْكَ الْكِتَابُ اِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ}.

4 - و أمّا الخواتم، فقد جاء الختم بالإيمان في 7 آيات:

بلفظ يؤمنُون في (5 و 8): { هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }، و (14): { اِنَّ فى ذ"لِكَ لَرَحْمَةً وَ ذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }، وبلفظ المؤمنين في (6): { وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ ‘}، و (10): { مَا هُوَ شِفَاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنينَ}‘.و (12): {وَ اِنَّهُ لَهُدًى وَ رَحْمَةٌ

لِلْمُؤْمِنينَ}‘.

و بالإسلام في (9): { وَ هُدًى وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمينَ ‘}. و بالإحسان في (15): { هُدًى وَ رَحْمَةً لِلْمُحْسِنينَ ‘}. و بالإيقان في (16): { هذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ }. و بفَضْله في (11): {اِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ اِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبيرً ا‘ }.

و بالنّهي عن ظهر الكافرين في (13): { اِلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلاتَكُونَنَّ ظَهيرًا‘ لِلْكَافِرينَ ‘}.

وهذا نهي عن ضدّ ما سبق في الآيات، من الإيمان و الإسلام و الإحسان و الإيقان.

5 - و هناك اختلاف بينها في صيغها: فعلا : { يُؤْمِنُونَ } و { يُوقِنُونَ }،و اسم فاعلٍ:{الْمُؤْمِنينَ }‘و { الْمُسْلِمينَ ‘} و { الْمُحْسِنينَ ‘} و { الْكَافِرينَ ‘)، و في هذا الاختلاف تنويع في التّعبير، و مزيد في البلاغة ممّا غايته الإعجاز.

6 - و في (20) ممّا جاء بشأن التّوراة تصريح بالقرآن أيضًا: { وَ هذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا }، بل هي من أوّلها وآخرها جاءت بشأن القرآن، و إنّما جاء ذكر التّوراة ضمنيًّا.والمحورالثّاني: ما جاء بشأن التّوراة في 4 آيات:

17 - { ثُمَّ ا"تَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذى اَحْسَنَ وَ تَفْصيلا ‘لِكُلِّ شَىْء وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ } الأنعام : 154

18 - { وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ اَخَذَ الاَ_لْوَ احَ وَ فى نُسْخَتِهَا هُدًى وَ رَحْمَةٌ لِلَّذينَ ‘هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ } الأعراف : 154

19 - { اَفَمَنْ كَانَ عَلى" بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى اِمَامًا وَ رَحْمَةً اُولئِكَ’ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ مَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الاَ_حْزَ ابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاتَكُ فى مِرْ يَة مِنْهُ اِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَ لكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لايُؤْمِنُونَ } هود : 17

20 - { وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسى اِمَامًا وَ رَحْمَةً وَ هذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذينَ ‘ظَلَمُوا وَ بُشْرى لِلْمُحْسِنينَ ‘} الأحقاف : 12

و فيها بُحُوثٌ:

1 - الصّيغة فيها واحدة { رَحْمَة }، أمّا الضّمائم فجاءت { هُدًى وَ رَحْمَة } في (17) و (18)، و { اِمَامًاوَرَحْمَةً } في(19) و (20).

و أمّا الخواتم ففي (17): { لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ }، و في (18): { لِلَّذينَ ‘هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ }، و في (19){ وَ لكِنَّ اَكْثَرَ النَّاسِ لايُؤْمِنُونَ} و في (20) : { وَ بُشْرى لِلْمُحْسِنينَ ‘}.

2 - و هذا الختام جاء فيها بشأن القرآن دون التّوراة، فلاحظ.

3 - و الكلام في سرّ اختلاف الصِّيَغ و الضّمائمو الختام ما تقدّم فيما جاء بشأن القرآن، فلاحظ.

والمحور الثّالث: القصص في 35 آيةً بشأن أحدَ عشَر من الأنبياء و الصّالحين :

1 - آدم:

21 - { قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا اَنْفُسَنَا وَ اِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَاوَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ ‘} الأعراف : 23

2 - نوح:

22 - { قَالَ يَا قَوْمِ اَرَاَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلى" بَيِّنَة مِنْ رَ بّى وَ ا"تينى ’رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ اَنُلْزِمُكُمُوهَا وَ اَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ } هود : 28

23 - { قَالَ سَا"وى اِلى" جَبَل ٍيَعْصِمُنى مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ اَمْرِ اللهِ اِلا مَنْ رَحِمَ وَ حَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقينَ }‘ هود : 43

24 - { قَالَ رَبِّ اِنّى اَعُوذُ بِكَ اَنْ اَسْاَلَكَ مَا لَيْسَ لى بِهِ عِلْمٌ وَ اِلا تَغْفِرْ لى وَ تَرْحَمْنى اَكُنْ مِنَ الْخَاسِرينَ ‘}هود : 47

3 - هود:

25 - { فَاَنْجَيْنَاهُ وَ الَّذينَ ‘مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ قَطَعْنَا دَابِرَ الَّذينَ ‘كَذَّ بُوا بِا"يَاتِنَا وَ مَا كَانُوا مُؤْمِنينَ ‘}الأعراف : 72

26 - { وَ لَمَّا جَاءَ اَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودً ا وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَاب غَليظ } هود : 58

4 - صالح:

27 - { قَالَ يَا قَوْمِ اَرَاَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلى" بَيِّنَة مِنْ رَبّى وَ ا"تنيى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنى مِنَ اللهِ اِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزيدُ‘ونَنى غَيْرَتَخْسير ‘} هود : 63

28 - { فَلَمَّا جَاءَ اَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ مِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذ اِنَّ رَ بَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزيزُ ‘} هود : 66

5 - إبراهيم:

29 - { قَالُوا اَتَعْجَبينَ ‘مِنْ اَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ اَهْلَ الْبَيْتِ اِنَّهُ حَميدٌ ‘مَجيدٌ ‘} هود : 73

6 - إسمعيل’و إدْريس و ذا الكفلِ:

30- { وَ اِسْمعيلَ‘’ وَ اِدْريسَ‘ وَ ذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرينَ ‘* وَ اَدْخَلْنَاهُمْ فى رَحْمَتِنَا اِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحينَ}‘ الأنبياء : 85 و 86

7 - لوط:

31 - { وَ لُوطًا ا"تَيْنَاهُ حُكْمًا وَ عِلْمًا...* وَ اَدْخَلْنَاهُ فى رَحْمَتِنَا اِنَّهُ مِنَ الصَّالِحينَ ‘} الأنبياء : 74 و 75

8 - يوسف:

32 - { وَ مَا اُبَرِّئُ نَفْسى اِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى اِنَّ رَ بّى غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } يوسف : 53

33 - { وَ كَذ"لِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاَ_رْضِ يَتَبَوَّاُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصيبُ ‘بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَ لانُضيعُ‘ اَجْرَ الْمُحْسِنينَ ‘} يوسف : 56

34- { قَالَ هَلْ ا"مَنُكُمْ عَلَيْهِ اِلا كَمَا اَمِنْتُكُمْ عَلى اَخيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} يوسف : 64

35 - { قَالَ لاتَثْريبَ ‘عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} يوسف : 92

36 - { قَالَ سَوْفَ اَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَ بّى اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ ‘} يوسف : 98

37 - { لَقَدْ كَانَ فى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُولِى الاَ_لْبَابِ مَا كَانَ حَديثًا ‘يُ-فْ-تَرى وَ لكِنْ ’تَ-صْديقَ ‘الَّذى‘بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصيلَ‘ كُلِّ شَىْء وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} يوسف : 111

9 - أيّوب:

38 و 39 - { وَ اَ يُّوبَ اِذْ نَادى رَ بَّهُ اَنّى مَسَّنِىَ

الضُّرُّ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ وَ ا"تَيْنَاهُ اَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَاوَ ذِكْرى لِلْعَابِدينَ ‘} الأنبياء : 83 و 84

40 - { وَ وَهَبْنَا لَهُ اَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَ ذِكْرى لاُولِى الاَ_لْبَابِ } ص : 43

10 - شُعَيْب:

41 - { وَ لَمَّا جَاءَ اَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ اَخَذَتِ الَّذينَ ‘ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَاَصْبَحُوا فى دِيَارِهِمْ جَاثِمينَ ‘} هود : 94

11 - موسى:

42 - { وَ لَمَّا سُقِطَ فى اَيْديهِمْ وَ رَاَوْا اَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا وَ يَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ ‘} الأعراف : 149

43 - { وَ اخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعينَ ‘رَجُلا لِميقَا‘تِنَا فَلَمَّا اَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ اَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ اِيَّاىَ اَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا اِنْ هِىَ اِلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَ تَهْدى ‘مَنْ تَشَاءُ اَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرينَ ‘} الأعراف : 155

44 - { فَوَجَدَ ا عَبْدً ا مِنْ عِبَادِنَا ا"تَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا } الكهف : 65

45 - { وَ اَمَّا الْجِدَ ارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتيمَيْنِ فِى الْمَدينَةِ ‘وَ كَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَ كَانَ اَبُوهُمَا صَالِحًا فَاَرَادَ رَ بُّكَ اَنْ يَبْلُغَا اَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ مَا فَعَلْتُهُعَنْ اَمْرى ‘ذ"لِكَ تَاْويلُ ‘مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرً ا} الكهف : 82

46 - { وَ وَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا اَخَاهُ هرُ"ونَ نَبِيًّا } مريم : 53

47 - { وَ لَقَدْ ا"تَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا اَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الاُ_ولى" بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } القصص : 43

48 - { وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ اِذْ نَادَيْنَا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا اَتيهُمْ مِنْ نَذيرٍ ‘مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } القصص : 46

12 - زكرِيّا و مريم:

49 - { ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } مريم : 2

50 - { قَالَتْ اِنّى اَعُ-وذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ اِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } مريم : 18

51 - { قَالَ كَذ"لِكِ قَالَ رَ بُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ

وَ لِنَجْعَلَهُ ا"يَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كَانَ اَمْرً ا مَقْضِيًّا } مريم : 21

13 - أصحاب الكهف:

52 - { اِذْ اَوَى الْفِتْيَةُ اِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَ بَّنَا ا"تِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنَا مِنْ اَمْرِنَا رَشَدً ا} الكهف : 10

53 - { وَ اِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَ مَا يَعْبُدُونَ اِلا اللهَ فَاْوُا اِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَ بُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ اَمْرِكُمْ مِرْفَقًا } الكهف : 16

14 - ذو القرنين:

54 - { قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى فَاِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كَانَ وَعْدُ رَ بّى حَقًّا } الكهف : 98

15 - خاتمة القصص:

55 - { وَ لَوْ شَاءَ رَ بُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ اُمَّةً وَ احِدَةً وَ لايَزَ الُونَ مُخْتَلِفينَ ‘* اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ وَ لِذ"لِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَتُرَبِّكَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ اَجْمَعينَ ‘} هود : 118 و 119

و نتعرّض لها حسب ترتيبهم و في كلّ منها بحوث:

أوّلها قصّة نوح ، 3 آيات:

أُولاها: الآية 28، من سورة هود: { قَالَ يَا قَوْمِ اَرَاَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلى" بَيِّنَة مِنْ رَ بّى وَ ا"تينى ’رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ اَنُلْزِمُكُمُوهَا وَاَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ }.

1 - هذه من جملة آيات جاءت بشأن نوح في سورة هود، ابتداءً من الآية 25: { وَ لَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوحًا اِلى" قَوْمِهِ اِنّى لَكُمْ نَذيرٌ ‘مُبينٌ ‘}، و اختتامًا بالآية 49: { تِلْكَ مِنْ اَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحيهَا ‘اِلَيْكَ...}، و جاءت فيها دعوة نوح قومه و إنكارهم، و الجدال معهم طويلا ، و حكاية صُنعه الفُلْك و ركوبها، و تخلّف ابنه فيمن تخلّف عنه و هلاكه مع هلاك قومه بالطّوفان، و الإعلام بأ نّها من أنباء الغيب ما كان النّاس و النّبيّ يعلمونها من قبل، فهذه 25، آية من قصّة نوح في هذه السّورة.

2 - و جاءت خلالها في الآية 35: { اَمْ يَقُولُونَ افْتَريهُ قُلْ اِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَىَّ اِجْرَ امى وَ اَنَا بَرئٌ ‘مِمَّا تُجْرِمُونَ }.

و يبدو أ نّها كالجملة المعترضة بين تلك القصّة تؤكّد أنّ ما حكاه النّبيّ من القصص ليست افتراء على الله، بل هي وحي من الله تعالى. و هذا ما أيّده المفسّرون، و منهم الطَّبْرِسيّ (3 : 158) حكاه عن مُقاتِل، وحكى عن ابن عبّاس، أ نّه راجع إلى نوح تلوً ا لغيرها من الآيات.

و يُؤيّد الأوّ ل أ نّه قد سبق في هذه السّورة ذكر عن اتّهامهم النّبيّ بالافتراء على الله، فجاء في الآية 13 منها: { اَمْ يَقُولُونَ افْتَريهُ قُلْ فَاْتُوا بِعَشْرِ سُوَر مِثْلِهِ مُفْتَرَيَات وَ ادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ‘}، وفي الآية 18: { وَ مَنْ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا اُولئِكَ ’يُعْرَضُونَ عَلى" رَبِّهِمْ وَ يَقُولُ الاَ_شْهَادُ هؤُ لاءِ الَّذينَ ‘كَذَبُوا عَلى" رَبِّهِمْ اَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمينَ ‘}.

3 - و كأنّ حكاية قصّة نوح مع التّصريح في آخرها بأ نّها من أنباء الغيب، احتجاج من الله تعالى على رفض الافتراء عن النّبيّ .

4 - و الّذي يلفت النّظرأنّ هذه القصّة مع طولها في هذه السّورة ليست فيها < رحمة > سوى ثلاث مرّ ات و كلّها في حقّ نفسه: مرّة في هذه الآية حكاية عن نوح مصدَّرً ا بلفظ ( رَ بّى ) و منكَّرً ا إشعارً ا بالتّ-كبيرو التّعظيم و مذيَّلا ب- { مِنْ عِنْدِهِ }: { وَ ا"تينى رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ}، و مرّة في الآية 43، منها ماضيًا { رَحِمَ }: { لاعَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ اَمْرِ اللهِ اِلا مَنْ رَحِمَ }، و مرّة في الآية 47، منها { تَرْحَمْنى }: { وَ اِلا تَغْفِرْ لى وَ تَرْحَمْنى }.

5 - فهذه قصّ-ة غاضبته، كما أنّ هذه الآية سياقها الغضب أيضًا: { فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ اَنُلْزِمُكُمُوهَا وَ اَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ }.

ثانيتهما: الآية 43، منها حكاية عن ابنه: { قَالَ

سَ-اوى اِلى" جَبَل يَعْصِمُنى مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ اَمْرِ اللهِ اِلا مَنْ رَحِمَ وَ حَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَالْمُغْرَقينَ ‘}.

1 - هذه من تتمّة ما قبلها في دعوة نوح ابنه إلى الرّكوب معه في الفلك: { وَ نَادى نُوحٌ ابْنَهُ وَ كَانَ فى مَعْزِل يَا بُنَىَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَ لاتَكُنْ مَعَ الْكَافِرينَ ‘}.

2 - و جاء فيها كلمات يُبحَث عنها في موادّها: آوى، جَبَل، يعصمني و عاصم، الماء، أمر، حال، المَوْج، المغرقين.

3 - و حكاية تخلُّف ابن نوح عن الرُّكوب معه في الفُلك، صارت مثلا في الأدب الإسلاميّ في جميع لغاتها، منها في الأدب الفارسيّ في خذلان ابن الأنبياء مع نجاة آباءهم؛ حيث قال شاعرهم سعديّ:

پسر نوح با بدان بنشست

خاندان نبوّتش گم شد

سگ اصحاب کهف روزی چند

پی مردم گرفت مردم شد

و الثّانية: قصّة عاد و نبيّهم هود ، آيتان:

أُولاهما: { وَ لَمَّا جَاءَ اَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودً ا وَ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَليظٍ }.

1 - هذه من جملة آيات قصّة عاد - و كلّها 11 آية- في < سورة هود > بدءً من الآية 50: { وَ اِلى" عَادٍ اَخَاهُمْ هُودً ا...}، و ختمًا بالآية 60: { اَلا اِنَّ عَادً ا كَفَرُوا رَ بَّهُمْ اَلا بُعْدً ا لِعَاد قَوْمِ هُود }.

و جاءت { رَحْمَةً }في آية واحدة منها - و هي هذه الآية - و الباقي كلّها خذلان و ضلال لهم. و قد جاءت فيها دعوة هود قومه إلى عبادة الله وحده، و أ نّه لايسألهم عليها أجرً ا، و دعاهم إلى الاستغفارو التّوبة، ثمّ إنكارهم إيّاه بحجّة أ نّه ما جاءهم ببيّنة، وأ نّهم لايتركون آلهتهم، و أ نّه أشهدهم على أ نّه بريءٌ ممّا يشركون، و أ نّه توكّل على الله، و أنّه لم-ّا جاء أمر الله نجّى هودً ا و الّذين آمنوا معه برحمة منه، و أنّ قومه أُتبعوا في الدّنيا و الآخرة لعنةً و بُعْدً ا لهم. لاحظ: أ م ن: < آمنوا معه >.

2 - و لقد كُرّر فيها{ نَجَّيْنَا } مزيدً ا في اللُّطف مرّتين: مرّة للرّحمة و مرّة للعذاب، مع تقديم الرّحمة على العذاب: فجاء في أوّلها: { نَجَّيْنَا هُودً ا وَ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا }، و في آخرها: { وَ نَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَليظ ‘}.

3 - كما أنّ تعبير الله عن نفسه بصيغة الجمع: { نَجَّيْنَا } و { رَحْمَة مِنَّا} مزيد في الإكرام و التّعظيم.

4 - و أيضًا في إضافة { رَحْمَة } إلى نفسه{ رَحْمَة مِنَّا } ، دون { عَذَاب } - مع أ نّه منه أيضًا- تكريم للرّحمة، و تحقير للعذاب، و لهذا نظائر في القرآن و مثل أعلى منه في سورة الفاتحة - الّتي أمرنا بقراءتها في الصّلوات كلّها مرّتين، أو أربع مرّ ات في ركعتي الثّالثة و الرّ ابعة بدل التّسبيح فيهما - و قد أضاف فيها< الهداية > إلى نفسه دون < غضبه و ضلاله >: { اِهْدِنَا الصِّرَ اطَ الْمُسْتَقيمَ }، و {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّا لّينَ ‘}.

5 - و كلّ من { رَحْمَة } و { عَذَاب } في هذه الآية جاء نكرة، و لعلّ التّنكير فيهما جميعًا للتّكبير.

6 - كما أنّ نصب { رَحْمَةً} و جرّ { عَذَاب } تمثيل أيضًا للتّعظيم والتّحقير، و نظيره: { اَ نْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} و { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّا لّينَ ‘} في سورة الحمد.

7 - و أيضًا في توصيف { رَحْمَة مِنَّا } بإضافتها إلى نفسه، و توصيف { عَذَاب } ب- { عَذَابٍ غَليظٍ } من دون إضافته إلى نفسه مزيد في ما ذُكر من التّعظيم و التّحقير.

و الثّالثة: قصّة صالح :

في آيتين من سورة هود أيضًا 63: { قَالَ يَا قَوْمِ اَرَاَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلى" بَيِّنَة مِنْ رَ بّى وَ ا"تينى مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنى مِنَ اللهِ اِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزيدُو‘نَنى غَيْرَ تَخْسير ‘}، و 66: { فَلَمَّا جَاءَ اَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ مِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذ اِنَّ رَ بَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزيزُ ‘}.

1 - هاتان الآيتان من جملة آيات قصّة ثمودو نبيّهم صالح في سورة هود أيضًا، بدءً من الآية 61: { وَ

اِلى" ثَمُودَ ا اَخَاهُمْ صَالِحًا...}، و ختمًا بالآية 68 : { اَلا اِنَّ ثَمُودَ اكَفَرُوا...} - و كلّها 8 آيات - و جاءت فيها دعوة نوح قومه إلى عبادة الله وحده، و الجدال بينه و بين قومه، و جعله ناقة الله معجزة له من الله تعالى، فعقروها و كفروا به، فأخذتهم الصّيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، و قد نجّى الله صالحًا و الّذين آمنوا معه برحمة منه.

2 - و ممّا يلفت النّظر وحدة دعوة نوح و هودو صالح في سياق التّوحيد،فقال نوح لقومه: { اَلا تَعْبُدُوا اِلا اللهَ }، و قال هود و صالح: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ اِله ٍ غَيْرُهُ }.

و كذلك احتجاج نوح و صالح على قومهما بسياق واحد: { قَالَ يَا قَوْمِ اَرَاَيْتُمْ اِنْ كُنْتُ عَلى" بَيِّنَة مِنْ رَ بّى وَا"تينى رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ } أو { وَ ا"تينى مِنْهُ رَحْمَةً }.

و هذا شاهد على وحدة دعوة الأنبياء أمام أقوامهم. و قد أكّد القرآن ذلك في آيات، مثل الآية 165، من سورة النّساء: { رُسُلا مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ ‘} و الآية 48، من سورة الأنعام، و 56 من سورة الكهف: { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلينَ ‘اِلا مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ} . لاحظ: ر س ل: < نُرسل >، و: ن ب ء: < الأنبياء >.

3 - و سياق الآيتين نقلا عن صالح ذمّ قومه في ذيلهما، فجاء ذيل الأُولى: { فَمَنْ يَنْصُرُنى مِنَ اللهِ اِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزيدُو‘نَنى غَيْرَ تَخْسيرٍ ‘} ، و ذيل الثّانية: { وَ مِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذ اِنَّ رَ بَّكَ هُ-وَ الْ-قَوِىُّ الْعَزيزُ ‘}.

4 - و قد جاءت فيهما { رَحْمَة ٍ} نكرةً مع تفاوت و اشتراك بينهما:

أمّا التّفاوت، فجاءت في الأُولى خاصّة بصالح { وَ ا"تينى مِنْهُ رَحْمَةً }، و في الثّانية شاملةً له و لمن آمن معه { نَجَّيْنَا صَالِحًا وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا }.

و جاءت{ رَحْمَة} في الأُولى نصبًا ب- { ا"تينى } و في الثّانية جرًّ ا بالباء المتعلّقة ب- { نَجَّيْنَا }.

و أمّا الاشتراك، فقد قُيّدت الرّحمة بكونها منه تعالى، تعظيمًا و تقويمًا لها {وَ ا"تينى مِنْهُ رَحْمَةً }،و { بِرَحْمَة مِنَّا }.

5 - و قد شاع بين المسلمين ذكر عاد و ثمود معًا، و هذا مأخوذ من القرآن، بأنّه ذكر قصّتيهما في هذه السّورة كذلك. إحداهما تلو الأُخرى مع مشابهات بينهما:

أوّ لا : قد بدأت قصّة عاد بقوله: { وَ اِلى" عَاد اَخَاهُمْ هُودً ا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ اِله غَيْرُهُ...}.

و بدأت قصّة ثمود بقوله: {وَ اِلى" ثَمُودَ اَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ اِله غَيْرُهُ } الأعراف : 72.

و ثانيًا: كلّ من هود و صالح أمرا قومهما بالاستغفار و التّوبة، فقد قال هود لقومه في الآية 52: { وَ يَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَ بَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا اِلَيْهِ }، و قال صالح لقومه في الآية 61: { فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا اِلَيْهِ }.

و ثالثًا: و قد صرّح الله بنجاتهما و قومهما بسياقٍ واحد: { وَ لَمَّا جَاءَ اَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودً ا وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا }، و { فَلَمَّا جَاءَ اَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا }.

الرّ ابعة: قصّة إبراهيم آية واحدة:

{ قَالُوا اَتَعْجَبينَ ‘مِنْ اَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ اَهْلَ الْبَيْتِ اِنَّهُ حَميدٌ ‘مَجيدٌ ‘}

1 - هذه من جملة آيات في سورة هود بشأن إبراهيم جاءت بعد آياتتحمل قصص نوح و هود و صالح ، حسب تاريخ حياتهم، بدءً من الآية 69: { وَ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا اِبْر"هيمَ بِالْبُشْرى }، و ختمًا بالآية 76: { يَا اِبْر"هيمُ اَعْرِضْ عَنْ هذَا }.

2 - و جاء فيها مجيء رُسل الله إليه بالبُشرى بالولد، و سلامه عليهم و إطعامهم بالعِجْل، فرأى أنّ أيديهم لاتصل إلى الطّعام، فنكرهم و أوجس منهم خيفة. و لم-ّا بشّروه بالولد عجبت امرأته - و هي ضاحكة - لأ نّها كانت عجوزً ا و زوجها إبراهيم كان شيخًا، فقالوا لها: { اَتَعْجَبينَ‘ مِنْ اَمْرِ اللهِ...}. ثمّ جادلهم في قوم لوط، فأمره الله بالإعراض عنهم، لأ نّه جاء أمر ربّه بعذابهم.

3 - و جاء { اَهْلَ الْبَيْتِ } في القرآن مرّتين:

إحداهما: هذه الآية، و المراد بها: أهل بيت إبراهيم ، و تعمّ أعقابه إلى نبيّنا و أهل بيته  .

و الأُخرى: الآية 33، من سورة الأحزاب: { اِنَّمَا يُريدُ‘ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ اَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرًا‘ }.

و قد نزلت في نساء النّبيّ و عترته. و جاء في الرّوايات إنّهم مصداقها خاصّةً. [لاحظ: أ ه- ل: < اَهْلَ الْبَيْت >.]

و استمرّت الآيات بعدها في نساء النّبيّ أيضًا، فدلّت على عدم اختصاصها بالعترة إلا على سبيل أنّهم مصداق لها دون غيرهم من آل البيت .

4 - و الإرادة في { اِنّمَايُريدُ‘ اللهُ } إرادة تشريعيّة فجميع أهل بيت النّبيّ كانوا مأمورين بأن يتطهّروا تطهيرًا كاملا ، لكنّه لم يتحقّق منهمتطهيرٌكامل - و هو العصمة- إلا من العترة الطّاهرة خاصّة تأويلا والّذين خصّوا (اَهْلَ الْبَيْتِ) بالعترة الطّاهرة تنزيلا حملوا الإرادةفيها على الإرادة التّكوينيّة فالتزموا الفصل بين ماقبلها ومابعدها مع أنّهما جميعًا خطابٌ إلى نساء

النّبيّ (صلی الله علیه و آله) . [ لاحظ: رود : <يُريدُ>]

5- و الّذي ‘يلفت النّظر أنّ المخاطب في كلتا الآيتين النّساء: ففي الأُولى امرأة إبراهيم ، و في الثّانية نساء النّبيّ (صلی الله علیه و آله). لكن اختصّت { وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهيرً ا‘ } مصداقًا بالعترة الطّاهرة ، كما جاء في روايات الفريقين .

6 - و جاءت { رَحْمَة } بتاءٍ قصيرة في أكثر الآيات، و بتاءٍ طويلة { رَحْمَتَ } في هذه الآية من ( سورة هود)، و في خمس اُخرى من الآيات ، و هي الآية 218 من (سورة البقرة) و 56 من (الأعراف ) و 3 من (مريم) و 50 من (الرّوم) و 32 من (الزّخرف ) فلاحظ .

الخامسة: قصّة شُعيب و قومه { مَدْ يَنَ } آية واحدة:

{ وَ لَمَّا جَاءَ اَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ اَخَذَتِ الَّذينَ ‘ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَاَصْبَحُوا فى دِيَارِهِمْ جَاثِمينَ ‘}

1 - هذه من آيات قصّة شُعيب في سورة هود - و كلّها 12، آية - بدءً من الآية 84: { وَ اِلى" مَدْ يَنَ اَخَاهُمْ شُعَيْبًا...}، و ختمًا بالآية 95: { كَاَنْ لَمْ يَغْنَوْا فيهَا ‘اَ لا بُعْدً ا لِمَدْ يَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ }.

2- و جاء فيها إعلامرسالة شعيب إلى قومه مَدْ يَن يدعوهم إلى عبادة الله وحده، و يمنعهم عن نقص المكيال و الميزان - و كان شائعًا بين قومه - و يُنذرهم بيوم القيامة { يَوْم ٍمُحيطٍ } و يأمرهم ثانيًا بإيفاء المكيال و الميزان بالقسط، و يمنعهم عن نحس النّاس، و عن الفساد في الأرض، و يُعلنهم بأنّ بقيّة الله خير لهم. ثمّ إنكار قومه إيّاه بأنّه: هل صلاته تأمرهم أن يتركوا عبادة الأصنام الّتي آباءهم كانوا يعبدونها؟ و جوابه لهم بأنّه على بيّنة من ربّه، و أ نّه رزقه رزقًا حسنًا، و أ نّه لايريد أن يخالفهم إلى ما نهاهم عنه، و لايريد إلا الإصلاح ما استطاع، و أنّ توفيقه بالله و متوكّل عليه، و إليه يُنيب. و أنذرهم بأن لايجرمنّ شقاقهم إيّاه، أن يُصيبهم ما أصاب قوم نوح أو قوم هود، أو قوم صالح، و أنّ قوم لوط ليسوا منهم ببعيد. ثمّ أمرهم بالاستغفار و التّوبة مثل ما أمر به نوح و هود وإبراهيم أقوامهم . ثمّ إنكار قومه إيّاه، و قولهم: إنّه لو لارَهْطه لرجمناه، و جوابه لهم بأنّ رهطه هل هم أعزّ عليهم من الله ؟.

و باتّخاذهم الله وراءهم ظِهْريًّا، إلى أن قال الله تعالى في الآية 94: { وَ لَمَّا جَاءَ اَمْرُ نَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَة مِنَّا وَ اَخَذَتِ الَّذينَ ‘ظَلَمُواالصَّيْحَةُ...}.

3 - و يلاحظ وحدة سياق هذه الآيات الّتي نزلت تباعًا بشأن هؤلاء الأنبياء و أقوامهم، مع ما يختصّ من الانحراف و الفساد لكلّ قومٍ منهم، مثل شيوعالفاحشة في قوم لوط، و نقص المكيال و الميزان في قوم شُعيب .

السّادسة: قصّة يوسف 6 آيات:

1 - و جاءت خلال قصّته الطّويلة الّتي جاءت في سورة يوسف و سمّيت باسمه، و شغلت السّورة كلّها سوى آيتين من أوّلها، و 18 آيات من آخرها. و قصّته

بدأت بالآية 3 : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ اَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا اَوْحَيْنَا اِلَيْكَ هذَا الْقُرْ ا"نَ وَ اِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلينَ ‘}، و خُتمت بالآية 102: { ذ"لِكَ مِنْ اَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحيهِ اِلَيْكَ وَ مَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ اِذْ اَجْمَعُوا اَمْرَهُمْ وَ هُمْ يَمْكُرُونَ }.

فالسّورة مع طولها قصّة واحدة، و هذه المزيّة خاصّة بهذه القصّة الّتي عبّر عنها الله تعالى ب- { اَحْسَنَ الْقَصَصِ } و بسورة نوح أيضًا، فكلّها قصّة نوح .

2 - و الّذي يلفت النّظر مجيء الرّحمة فيها 9 مرّ ات بصيغٍ مختلفة: { رَحِم } و { رَحْمَتِنَا} و { رَحْمَة } كلّ منها مرّة، و { رَحيم ‘}، و { اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} كلّ منهما مرّتين، فلاحظ.

فهذه السّور ة تُعتَبر < سورة الرّحمة > قبال < سورة الغضب > في بعض السّور مثل <سورة الكافرون>.

أمّا الآيات السّتّ فأُولاها الآية 53: { وَ مَا اُبَرِّئُ نَفْسى اِنَّ النَّفْسَ لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ اِلا مَا رَحِمَ رَبّى اِنَّ رَ بّى غَفُورٌ رَحيمٌ‘ }.

1 - هذه جاءت بعد قول امرأة العزيز قبلها:{ قَالَتِ امْرَ اَتُ الْعَزيزِ ‘الْ-نَ" حَصْحَصَ الْحَقُّ اَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ اِنَّهُلَمِنَ الصَّادِقينَ ‘* ذ"لِكَ لِيَعْلَمَ اَنّى لَمْ اَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ اَنَّ اللهَ لايَهْدى ‘كَيْدَ الْخَائِنينَ ‘}.

2 - و في قائلها خلاف :

فقال الماوَرْديّ: < فيه ثلاثة أوجُه:

أحدها: أ نّه قول العزيز، أي و ما أُبرِّئ نفسي من سوء الظّنّ بيوسف...

الوجه الثّاني: أ نّه قول امرأة العزيز، و ما أُبرِّئ نفسي إن كنت راودت يوسف عن نفسه، لأنّ النّفس باعثة على السّوء إذا غلبت الشّهوة عليها...

الوجه الثّالث: أ نّه من قول يوسف >.

و الزّمَخْشَريّ عدَّها من كلام يوسف، ثمّ قال: < و قيل: هو من كلام امرأة العزيز، أي ذلك الّذي قلت ليعلم يوسف أ نّي لم أخنه و لم أكذب عليه في حال الغيبة، و جئت بالصّحيح و الصّدق فيما سُئلتُ عنه، و ما أُبرِّئ نفسي مع ذلك من الخيانة، فإنّي قد خنته حين قرفته، و قلت: { مَا جَزَ اءُ مَنْ اَرَادَ بِاَهْلِكَ سُوءًا اِلا اَنْ يُسْجَنَ } يوسف : 25، و أودعته السّجن. تريد الاعتذار ممّا كان منها بأنّ كلّ نفس لأمّارة بالسّوء إلا ما رحم ربّي: إلا نفسًا رحمها الله بالعصمة كنفس يوسف >.

و نقول: ظاهركلام جملة من المفسّرين أنّ القائل هو يوسف ، و يؤيّده أنّ مثل هذا الكلام التّوحيديّ لايصدر عن امرأة العزيز، بل يصدر عن مثل يوسف النّبيّ ، و لاسيّما قوله: { اِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَحيمٌ ‘}، إلا أنّ السّياق شاهد على أنّه كلام امرأة العزيز،و لاسيّما قولها قبلها:{ذ"لِكَ لِيَعْلَمَ اَنّى لَمْ اَخُنْهُ بِالْغَيْبِ...}، فكأنّ يوسف أيّام إقامته في مصرو حشره مع عائلة العزيز، كان له تأثير في إيمان هذه المرأة و إيمان غيرها حتّى العزيز نفسه بالله تعالى، فصدر منهم مثل هذا الكلام الّذي لايصدر عن غير المؤمنين بالله تعالى.

و أمّا احتمال أ نّه من كلام العزيز - كما احتمله الماوَرْديّ - فهو في غاية البُعْد.

3 - و للمفسّرين بُحُوثٌ في ( ما ) من{ اِلا مَا رَحِمَ رَ بّى }، و في معنى { لاَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } و غيرها، فلاحظ النُّصوص.

4 - و في سياقها تكريم كبير من الله تعالى ليوسف من وجُوه:

أوّ لا : أ نّها جاءت عقيب براءة يوسف من الاتّهام بخيانته العزيز في امرأته، و بعد تأمين الملِك إيّاه بقوله: { وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونى بِهِ اَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسى فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ اِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكينٌ ‘اَمينٌ ‘ }، و بعد قول يوسف للمَلِك: { قَالَ اجْعَلْنى عَلى" خَزَائِنِ الاَ_رْضِ اِنّى حَفيظٌ‘ عَليمٌ ‘}. ممّا دلّ على استحقاق يوسف بمثل هذا التّكريم.

و ثانيًا: الإشارة إليها بقوله: { وَ كَذ"لِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاَ_رْضِ يَتَبَوَّاُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ }.

و ثالثًا: تعظيم الله نفسه بضمير الجمع أربع مرّ ات: {نُصيبُ‘ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَ لانُضيعُ ‘}.

و رابعًا و خامسًا: عدّه ذلك أجرً ا له لايُضيعه، و عدّه يوسف من المحسنين: { وَ لانُضيعُ‘ اَجْرَ الْمُحْسِنينَ ‘}.

و سادسًا: وعده بأجر الآخرة في الآية بعدها:{ وَ لاَجْرُ الا"_خِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذينَ ‘ا"مَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ }،و هذه شاملة ليوسف، و لكلّ من آمن به و أعانه على أعماله في مصر.

و ثانيتها: الآية 56: { وَ كَذ"لِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاَ_رْضِ يَتَبَوَّاُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصيبُ ‘بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلانُضيعُ‘ اَجْرَ الْمُحْسِنينَ ‘}.

1 - هذه الآية جاءت بعد استخلاص العزيز يوسف لنفسه، و قول يوسف له: { اجْعَلْنى عَلى" خَزَ ائِنِ الاَ_رْضِ }، و يُعَدّ ذلك بدء مكانة يوسف في مصر الّتي أشار الله إليها بقوله: { وَ كَذ"لِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الاَ_رْضِ يَتَبَوَّاُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ }، و كلّ من التّمكين في الأرض و التّبوُّء منها حيث يشاء بيان لسعة تلك المكانة ليوسف .

2 - و هذه المنزلة الكبيرة كانت لطفًا من الله تعالى ليوسف، فقد نصّ الله في الآية على عظمها، تعبيرً ا عن نفسه بالضّمائر الخمسة جمعًا: { مَكَّنَّا }، { نُصيبُ‘ }، { بِرَحْمَتِنَا }، { مَنْ نَشَاءُ }، { وَ لانُضيعُ ‘اَجْرَ الْمُحْسِنينَ ‘}، كما أكّدها مرّتين: إثباتًا ب- { مَكَّنَّا }،و سلبًا عن ضدّها ب- { وَ لانُضيعُ ‘}، ثمّ تذييلها بقوله: { اَجْرَ الْمُحْسِنينَ ‘}، رمزً ا إلى أنّ يوسف كان من المحسنين الّذين يستحقّون الأجر، و أنّ هذه المكانة الكبيرة له كانت أجرً ا لإحسانه.

3 - و قد عقّب الله هذا الأجر العظيم الدُّنيويّ ليوسف بأجر الآخرة في الآية بعدها { وَ لاَجْرُ الا"_خِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ } رمزً ا إلى أنّ يوسف كانمن المؤمنين المتّقين.

و الثّالثة: الآية 64، منها: { قَالَ هَلْ ا"مَنُكُمْ عَلَيْهِ اِلا كَمَا اَمِنْتُكُمْ عَلى" اَخيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}.

1 - هذه حكاية قول يعقوب، جوا بًا لأبنائه الّذين سألوه إرسال أخي يوسف من أُمّه معهم في الآية قبلها: { فَلَمَّا رَجَعُوا اِلى" اَبيهِمْ ‘قَالُوا يَا اَبَانَا مُنِعَ مِنَّا

الْكَيْلُ فَاَرْسِلْ مَعَنَا اَخَانَا نَكْتَلْ وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }.

2 - فيبدو أنّ يعقوب رفض أوّ لا سؤال أبنائه بإرسال أخيهم معهم، بحجّة أنّه آمنهم في إرسال يوسف معهم، فلم يحفظوه بل قالوا لأبيهم كذبًا: { اَكَلَهُ الذِّئْبُ } يوسف : 14، لكنّه وافقهم بعد ذلك اعتمادً ا على الله تعالى بقوله: { فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّاحِمينَ ‘}.

3 - فيعقوب لم يعتمد على وعدهم المؤكَّد بحفظه: { وَ اِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }، بل اعتمد على حفظ الله الّذي أكّده بجملتين: { فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا }، و { هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}، و سنبحثها.

و الرّ ابعة: الآية 92، منها: { قَالَ لاتَثْريبَ ‘عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}.

1 - هذه حكاية قول يوسف لإخوته و بعد اعتذارهم منه عمّا صنعوه من الإساءة في حقّه،و اعترافهم بخطائهم بقولهم: { قَالُوا تَاللهِ لَقَدْ ا"ثَرَ كَ اللهُ عَلَيْنَا وَ اِنْ كُنَّا لَخَاطِئينَ ‘}.

2 - و قد اعترفوا كما اعترف أبوهم، و كما اعترف يوسف أيضًا بأنّ تلك المكانة العظيمة ليوسفكانت بإيثار الله تعالى.

و هذا من مستلزمات الاعتقاد بالتّوحيد، لأنّ الحوادث كلّها من قبل الله تعالى من أيّ شخصٍ صدرت، و بأيّ وسيلة حصلت.

3 - وقد جمع يوسف - تأكيدً ا لقبول عذرهم - بين أُمور ثلاثة:

نفي التّثريب عليهم. { لاتَثْريبَ ‘عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ }، و هذا الأمر من قبله، و لكنّه لم يُصرّح به، و غفران الله لهم {يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ }، و رحمة الله الّذي هو { اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}.

و هذان من قبل الله تعالى، فقد رجّح يوسف ما كان من الله في قبول اعتذارهم، على ما كان من قبل نفسه بوجهين:

الأوّ ل: أنّه لم يصرّح بأنّ نفي التّثريب من قبله، بل قال: { لا تَثْريبَ ‘عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ }، لكنّه صرّح بأنّ الغفران و الرّحمة كلاهما من قبل الله تعالى.

الثّاني: أ نّه اكتفى فيما يرجع إليه بواحد، و هو نفي التّثريب، لكنّه أتى بأمرين فيما يرجع إلى الله تبارك وتعالى.

و الخامسة: الآية 98 منها: { قَالَ سَوْفَ اَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَ بّى اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ ‘} .

1 - هذه حكاية قول يعقوب، جوا بًا لطلب أبنائه أن يستغفر لهم، و وعدٌ لهم من قبل أبيهم بأن يستغفر لهم، جوا بًا لقولهم قبلها: {قَالُوا يَا اَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا اِنَّا كُنَّا خَاطِئينَ ‘}.

2 - و قد جاء في قولهم هذا أمران: طلبهم استغفار أبيهم لهم ذنوبهم، و اعترافهم بخطائهم. و قد قُدّم الاستغفار من قبلهم علىالاعتراف بالخطاء تكبيرً ا للخطاء، و تعظيمًا للاستغفار، أي ينبغي الاستغفار عن الذّنب اهتمامًا به قبل الاعتراف به.

أو أنّ الاعتراف بالذّنب له دخل في الاستغفار، و جزء منه.

3 - و في قول يعقوب هذا، تسويف و تلطيف:

{ سَوْفَ اَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَ بّى }، و التّسويف إشارة إلى أنّ للاستغفار مثل الدّعاء - بل هو دعاء أيضًا - وقتًا، فاختار وقتًا يرجو إجابة الله له، تلطيفًا له بذكر{ رَ بّى } بدل < الله >.

4 - و قد أكمل رجاءه هذا بتأكيد وصف الله تعالى بصيغتين مبالغتين بدءً ب- { اِنَّهُ هُوَ }، و مصحوبًا بلام التّعريف { اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ ‘}، ففي كلّ من الغفران و الرّحمة وحدها رجاء قبول الاستغفار، فكيف في الجمع بينهما مؤكّدً ا بتأكيدات. [و يأتي الكلام في < الرّحيم >]

5 - و الّذي يلفت النّظر في جميع هذه الآيات أنّ يعقوب و يوسف و إخوته كلّهم، اعتبروا الغفران من عندالله تعالى، لامن عند أنفسهم.

و السّادسة: الآية 111، منها: { لَقَدْ كَانَ فى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُولِى الاَ_لْبَابِ مَا كَانَ حَديثًا ‘يُفْتَرى وَ لكِنْ تَصْديقَ ‘الَّذى ‘بَيْنَ يَدَيْهِ وَ تَفْصيلَ ‘كُلِ‌ّ شَىْ‌ء وَ هُدًى وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } .

1 - هذه بمنزلة خاتمة قصّة يوسف، لكنّها تعمّ هذه القصّة و سائر قصص الأنبياء، تصريحًا باشتراكها في الغاية، و فيما يترتّب عليها من الثّمرات، و أهمّها العبرةلأُولى الألباب.

2 - و قد نفى الله فيها الافتراءعن القصص كلّها { مَا كَانَ حَديثًا ‘يُفْتَرى }، و أثبت لها عدّة ثمرات :

منها: أنّها تصديق لما تقدَّمها من كتب الأنبياء فيما سبق، و لاسيّما العهد القديم، فإنّ هذه القصص مذكورة فيه.

و منها: أ نّها تفصيل لكلّ شيء و لكلّ حالة من الأحوال، لهؤلاء الأنبياء.

و منها: أ نّها { هُدًى وَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنينَ ‘}.

3 - فهذه الآية تبيان للهدف من كلّ قصص القرآن، بأ نّها رحمة و هداية لكلّ مَن آمن بالقرآن،و ليس الغرض منها نقل القصّة صرفًا.

و السّابعة : قصص موسى و خضر  في 8 آيات، من ثلاث سور: الأعراف، و الكهف،و القصص، نبحثها حسب ترتيب قصصهم، لاحسب ترتيب هذه السّور الثّلاث :

أمّا سورة القصص فجاءت فيها الآية 46، خطابًا للنّبيّ بشأن موسى: { وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ اِذْ نَادَيْنَا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا اَتيهُمْ مِنْ نَذير ‘مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ }.

1 - هذه من جملة قصّة موسى في 4 آيات من تلك السّورة: بدءً من الآية 43: { وَ لَقَدْ ا"تَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ...}، و ختمًا بالآية 46: { وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ اِذْ نَادَيْنَا...}.

و قد خاطب الله فيها النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ثلاث مرّ ات بشأن موسى، في ثلاثة مواقف: جانب الغربيّ، و مَدْ يَن، و جانب الطّور:

{ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِىِّ...}، { وَ مَا كُنْتَ ثَاوِيًا فى اَهْلِ مَدْ يَنَ }،{ وَ مَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ }.

2 - و هذه الآيات الأربع، و ما بعدها خطاب إلى نبيّنا، و إنّما جاء ذكر موسى خلالها تبعًا تذكيرً ا للنّبيّ بأهمّ قضايا موسى.

3 - و جاءت الرّحمة فيها أيضًا بلفظ { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } بالإضافة إلى { رَبِّكَ } لطفًا في الخطاب.

و أمّا سورة الكهف فجاءت فيها آيتان بشأن موسى و خضر: 65{ فَوَجَدَا عَبْدً ا مِنْ عِبَادِنَا ا"تَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا }، و 85 {وَ اَمَّا الْجِدَ ارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتيمَيْنِ‘ فِى الْمَدينَةِ ‘ وَ كَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَ كَانَ اَبُوهُمَا صَالِحًا فَاَرَادَ رَبُّكَ اَنْ يَبْلُغَا اَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَ مَا فَعَلْتُهُ عَنْ اَمْرى ذ"لِكَ تَاْويلُ ‘مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرً ا }.

1 - الآيتان من جملة آيات قصّة موسى و خضر ، خلال 23، آية من تلك السّورة، بدءً من الآية 60: { وَ اِذْ قَالَ مُوسى لِفَتيهُ لا اَبْرَحُ...}، و ختمًا بالآية 82: { وَ اَمَّا الْجِدَ ارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ...}.

و فيها حكاية مجيء موسى مع فتاه إلى مجمع البحرين، فلمّا جاوزا المجمع طلب موسى من فتاه الغداء - وكان حُوتًا - فأجابه بنسيانه الحوت،و باتّخاذ الحوت سبيله في البحر إذ أويا إلى الصّخرة، فقال له موسى: { ذ"لِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّ ا عَلى" ا"ثَارِهِمَا قَصَصًا * فَوَجَدَ ا عَبْدً ا مِنْ عِبَادِنَا ا"تَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُ نَّا عِلْمًا }، و هو خضر ، فقال لهموسى: { هَلْ اَتَّبِعُكَ عَلى" اَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا }، فقال له: { اِنَّكَ لَنْ تَسْتَطيعَ ‘مَعِىَ صَبْرً ا }، إلى أن كرّرها له ثلاث مرّ ات بعد اعتراض موسى ثلاث مرّ ات، ثمّ أخبره بسرّ ما فعله من خرق السّفينة، و قتل الغلام، و إقامة الجدار من دون أجر، ممّا لم يصبر عليه موسى.

2 - و جاءت الرّحمة في الأُولى مع العلم و التّعليم { ا"تَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُ نَّا عِلْمًا }، و في الثّانية وحدها من دون ضميمة { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ }.

3 - و الّذي يلفت النّظر هو تذييل كلّ من الرّحمة و العلم في الآيتين ثلاث مرّ ات، بأ نّها من عند الله تعالى، مع تفاوت بينهما: فقد جاء في الأُولى: { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } و { عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا }، بالفرق بينهما بلفظي { عِنْدَ } و { لَدُنْ } و بإضافة كلّ منهما إلى ( نا ) تعظيمًا لله، و تكبيرً ا للرّحمة و العلم.

و جاءت في الثّانية: { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ } لطفًا في الخطاب. و التّفنّن في التّعبير - كما سبق - مزيد في البلاغة لغاية الإعجاز.

و أمّا سورة الأعراف فجاءت في الآية 149: { وَ لَمَّا سُقِطَ فى اَيْديهِمْ‘ وَ رَاَوْا اَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا وَ يَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ ‘} .

1 - هذه من جملة قصّة موسى في سورة الأعراف، و فيها أكثر ما جاء في موسى و بني إسرائيل - سوى ما جاء في سورة البقرة - بدءً من الآية 103: { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِا"يَاتِنَااِلى" فِرْعَوْنَ وَ مَلائِهِ...}، و ختمًا بالآية 171: { وَ اِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَاَنَّهُ ظُلَّةٌ...}، و كلّها 69 آية .

2 - و هي من تتمّة قصّة اتّخاذ قوم موسى عِجْلا عبدوه في الآية قبلها { وَ اتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدً ا لَهُ خُوَ ارٌ...}.

3 - و دلّت على أ نّهم لمّا رأوا ضلالهم في عبادة

العِجْل، و رجعوا عن عبادته و استغفروا الله { قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا وَ يَغْفِرْ لَنَا }.

4 - و قد قدّموا - عند استغفارهم - رحمة الله على غفرانه { قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا وَ يَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ ‘}، بلسان النّفي دون الإثبات، ممّا يدلّ على قلّة رجائهم لرحمته و غفرانه.

5 - وتقديم الرّحمة على الغفران فيها ، لأنّهما من قبل الله تعالى ، فا الله يرحم العبد أوّلا ثمّ يغفر له كما سبق في الآيةرقم (149)من سورة الأعراف : { قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَ بُّنَا وَ يَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ}.

و أمّا إذاكانا من قبل العبدفإنّه يستغفرالله أوّلا ، ثمّ يطلبه الرّحمة ، كما تقدّم في الآية رقم (43) 155 من سورة الأعراف أيضًا، حكاية عن موسى : { اَنْتَ وَ لِيُّ-نَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْ-نَا...}

6 - وقدعبّروا عن الله تعالى كما في آيات أُخرى ب- { رَ بُّنَا } تلطيفًا و جَلْبًا للطفه بهم .

و الثّامنة: قصّة أيّوب في ثلاث آيات من سورتي الأنبياء و ص :

أمّا سورة الأنبياء، فجاءت فيها آيتان: {وَ اَيُّوبَ اِذْ نَادى رَ بَّهُ اَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرّ وَ ا"تَيْنَاهُ اَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ ذِكْرى لِلْعَابِدينَ ‘} .

1 - هاتان جاءتا في سورة الأنبياء - و بهم سمّيت السّورة - بشأن أيّوب في جملة قصص جماعة، بدءً من الآية 48 - 50 بشأن موسى و هارون: { وَ لَقَدْ ا"تَيْنَا مُوسى وَ هرُ"ونَ الْفُرْقَانَ...}، ثمّ آيات بشأن إبراهيم من 51 - 73، ثمّ الآيتين 74 و 75 بشأن لوط ، ثمّ الآيتين 76 و 77 بشأن نوح ، ثمّ آيات بشأن داود و سليمان  ، من 78 - 82، ثمّ الآيتين 83 و 84 ، بشأن أيّوب ، ثمّ الآيتين 85 و 86، بشأن إسماعيل و إدريس و ذا الكفل، ثمّ الآيتين 87 و 88، بشأن ذي النّون - و هو يونس - ثمّ الآيتين 89 و 90، بشأن زكريّا ،ثمّ الآية 91، بشأن مريم‚.

و ختامها الآية 92: { اِنَّ هذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمَّةً وَ احِدَةً وَ اَنَا رَ بُّكُمْ فَاعْبُدُونِ }.

2 - و في الآية الأُولى جاءت حكاية عن أيّوب خطابًا لله { وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}، و سنتكلّم حول { اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}.

3 - و في الثّانية جاءت: { وَ ا"تَيْنَاهُ اَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَ ذِكْرى لِلْعَابِدينَ ‘}، و جاء بعد { ا"تَيْنَاهُ } مفعوله الثّاني بلفظين، عُطف أحدهما على الآخر: { اَهْلَهُ } و { مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ }، كما جاء بعده مفعول لأجله، كذلك، أي بلفظين عُطف أحدهما على الآخر: { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } و {ذِكْرى لِلْعَابِدينَ ‘}. و في هذا السّياق تنويع في التّعبير، و بلاغة أيضًا.

و أمّا سورة < ص > فجاءت فيها بشأن أيّوب : { وَ وَهَبْنَا لَهُ اَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَ ذِكْرى لاُولِى الاَ_لْبَابِ } .

1 - هذه من الآيات الأربع في قصّة أيّوب في سورة < ص > بدء بالآية 41: { وَ اذْكُرْ عَبْدَنَا اَ يُّوبَ اِذْ نَادى رَ بَّهُ ...}، و ختمًا بالآية 44: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا...}.

2 - و جاء فيها نداء أيّوب ربّه أنّ الشّيطان مسّه بنُصبٍ و عذاب، و أمر الله إيّاه بركض رجله، و وهب الله له أهله و مثلهم معهم رحمةً منه و ذكرى لأُولي الألباب. ثمّ أمره أن يأخذ بيده ضغثًا و يضربه و لايحنث، فقد وجده الله صابرً ا، و أ نّه نعم العبد، و أنّه أوّ اب.

3 - و جاء فيها مثل ما جاء في الآية الثّانية من سورة الأنبياء: { اَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ...}، بتفاوت في أوّلهما ب- { ا"تَيْنَاهُ } في < الأنبياء >،{ وَ وَهَبْنَا لَهُ } في < ص >، و بتفاوت في آخرهما ب- { رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } و { ذِكْرى لِلْعَابِدينَ ‘} في الأنبياء، و { رَحْمَةً مِنَّاوَ ذِكْرى لاُولِى الاَ_لْبَابِ } في < ص > فاختلفتا اختلافًا لفظيًّا في قصّة واحدة، تنويعًا في التّعبير،و مزيدً ا في البلاغة، كما سبق في نظائرهما، فلاحظ.

والتّاسعة: قصّة زكريّا و يحيى في آيتين:

أُولاهما: الآية 2، من سورة مريم، خطابًا إلى نبيّنا (صلی الله علیه و آله) :{ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَعَبْدَهُ زَكَرِيَّا } .

1 - هذه من جملة آيات قصص زكريّا و يحيى بدءً بهذه الآية، و ختمًا بالآية 15: { وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا }.

2 - و جاء فيها: ذكر زكريّا و نداؤه ربَّه بوهن عَظْمه، و اشتعال رأسه شيبًا، و أنّه لم يكن بدعاء ربّه شقيًّا، وأ نّه يخاف الموالي من ورائه، و أنّ امرأته كانت عاقرً ا، طالبًا منه أن يهبه ولدً ا يرثه و يرث من آل يعقوب، و يجعله رضيًّا.

فبشّره الله بغلامٍ اسمه يحيى، لم يجعل له من قبل سميًّا، فتعجّب زكريّا: { قَالَ رَبِّ اَنّى" يَكُونُ لى غُلامٌ وَ كَانَتِ امْرَاَتى عَاقِرً ا وَ قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا }، فقال الله له: { هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْ-ا =}، فقال: { رَبِّ‌ّ اجْعَلْ لى ا"يَةً }، فجعل آيته أن لايتكلّم ثلاث ليالٍ سويًّا، فخرج من محرابه مشيرً ا إلى النّاس: { اَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا }.

3 - ثمّ ذكر ثانيتهما الآية 3 منها خطابًا إلى ابنه يحيى: { خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّة }، و آتاهُ الله الحُكْمَ صبيًّا،و جعله حَنانًا من لدُنه و زكاةً و كان تقيًّا، ثمّ قال:{وَ سَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا}.

4 - فقد بدأ الله قصّة زكريّا بذكر رحمة الرّبّ عبده زكريّا، فقارن بين رحمته بوصف نفسه رَ بّه، و وصف زكريّا ( عَبْدَهُ )، مُعلنًا بذلك استلزام الرُّبوبيّة العبوديّة.

و العاشرة : قصّة مريم و عيسى ، آية واحدة:

{ قَالَ كَذ"لِكِ قَالَ رَ بُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ ا"يَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كَانَ اَمْرً ا مَقْضِيًّا } .

1- هذه من جملة آيات قصّتهما في تلك السّورة ،و كلّها 19، آية ، بدءً من الآية 16: { وَ اذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْ يَمَ...}، و ختمًا بالآية 34: { ذ"لِكَ عيسَى ابْنُ مَرْ يَمَ قَوْلَ الْحَقِ‌ّ الَّذى ‘فيهِ يَمْتَرُونَ }.

2 - و جاء فيها بشأن مريم: { اِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ اَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَاَرْسَلْنَا اِلَيْهَا رُوحَنَا - جبرائيل - فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرً ا سَوِيًّا }، فاستعاذت منه بالرّحمان، فقال جبرائيل: { اِنَّمَا اَ نَا رَسُولُ رَبِّكِ لاَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكيًّا }. فقالت: { اَنىّٰ يَكُونُ لى غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنى بَشَرٌ وَ لَمْ اَكُ بَغِيًّا}، فقال

جبرائيل: { كَذ"لِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ }، و أعلنها بأنّ الله يجعله آيةً للنّاس رحمةً منه، و أ نّه أمر مَقضيّ: { فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا * فَاَجَاءَهَا الْمَخَاضُ اِلى" جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنى مِتُّ قَبْلَ هذَا وَ كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا}، فناداها ابنه من تحتها{ اَلا تَحْزَنى ...* وَ هُزّى اِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا }، و أمرها أن تأكل و تشرب و أن تكون قرير العين و أن لاتُكلِّم النّاس، فأتت به قومها فقالوا لها: { يَا مَرْ يَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْ-- ا= فَرِيًّا}، و أنّ أباها ما كان امرء سَوء، و أنّ أُمّها لم تكن بغيّة. فأشارت إلى ابنه عيسى أن يُكلّموه، فقالوا: { كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا }، فقال عيسى: {اِنّى عَبْدُ اللهِ ا"تَانِىَ الْكِتَابَ وَ جَعَلَنى نَبِيًّا * وَ جَعَلَنى مُبَارَكًا اَيْنَ مَا كُنْتُ وَ اَوْصَانى بِالصَّلو"ةِ وَ الزَّكو"ةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَ بَرًّ ا بِوَ الِدَتى وَ لَمْ يَجْعَلْنى جَبَّارً ا شَقِيًّا * ...* ذ"لِكَ عيسَى ابْنُ مَرْ يَمَ }.

3 - و قد قارن الله في هذه الآية بين أنّ عيسى آية الله للنّاس، و أنّه رحمة من الله: { وَ لِنَجْعَلَهُ ا"يَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا }. أمّا أنّه آية فلأ نّه ولد خلاف الطّبيعة بلاوالد. و أمّا أنّه رحمة من الله، فلاريب أنّ وجود عيسى بين اليهود الأشقياء نموذجٌ من رحمة الله عليهم، و على كلّ البشر.

و الحادية عشرة: قصّة ذي القرنين آية واحدة :

{ قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى فَاِذَا جَاءَ وَعْدُ رَ بّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كَانَ وَعْدُ رَ بّى حَقًّا } .

1 - هذه من قصّة ذي القرنين في تلك السّورة، و كلّها 15، آية بدءً من الآية 83، خطابًا للنّبيّ (صلی الله علیه و آله): { وَ يَسَْ-َلُو=نَكَ عَنْ ذِى الْقَرْ نَيْنِ قُلْ سَاَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرً ا }، و ختمًا بالآية 98: { قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى ...}.

2 - و جاء فيها سؤال النّاس النّبيّ عن ذي القرنين - و لاحظ: قصّته في: ذ ي، و: ق ر ن: < ذي القرنين > - .

فقال لهم النّبيّ: { سَاَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرً ا }، فأخبرهم بأنّ الله مكَّن لذي القرنين في الأرض، و آتاه من كلّ شيء سببًا، فسافر فلمّا بلغ مغرب الشّمس وجدها تغرب في عينٍ حَمِئة و وجد عندها قومًا، فقال الله له: إمّا أن تُعذّبهم أو أحسن إليهم.

فقال: أُعذّب الظّالم منهم، ثمّ يُرَدّ إلى ربّهفيُعذّبه عذا بًا نُكرً ا، و من عمل صالحًا فله جزاء الحسنى، و سنقول له من أمرنا يُسرً ا. ثمّ سار حتّى بلغ مطلع الشّمس، فوجدها تطلع على قوم لم يجعل الله لهم من دون الشّمس سِترً ا ثمّ سار بين السّدَّين فوجد من دونهم قومًا لايكادون يفقهون قولا ، فقالوا له: { اِنَّ يَاْجُوجَ وَ مَاْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى الاَ_رْضِ }، و طلبوا منه أن يجعل بينهم و بين هؤلاء المفسدين سدًّ ا، فأرادوا أن يُعطوه خرجًا فأبى، و قال: { مَا مَكَّنى فيهِ ‘رَ بّى خَيْرٌ فَاَعينُونى بِقُوَّة ...} فبنى هناك سدًّ ا فما استطاعوا أن يُظهروه و أن يجعلوا له نَقْبًا، فقال لهم: { هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى ...}.

3 - و قوله: { هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى ...} أي أعانني الله برحمته عليّ في بناء هذا السّدّ، أو برحمته على هواء القوم ليكفّ بذلك غائلة يأجوج و مأجوج عنهم.

و قال الماوَرْديّ: < يحتمل وجهين:

أحدهما: أنّ عمله رحمة من الله تعالى لعباده.

الثّاني: أنّ قدرته على عمله رحمة من الله تعالى له>.

و قال المَيْبُديّ: < أي هذا العمل نعمة من الله عليّ و على من خاف مَعَرّة يأجوج و مأجوج >.

و قال الزّمَخْشَريّ: < أي هذا السّدّ نعمة من الله و { رَحْمَةٌ } على عباده. أو هذا الإقدار و التّمكين من تسويته>، و نحوه الفَخْرالرّ ازيّ.

و قال ابن عَطيّة: < القائل ذو القرنين، و أشار بهذا إلى الرّدم و القوّة عليه و الانتفاع به>.

و نحوها قال الطَّبْرِسيّ و مَن بعده.

4 - و جاءت { رَحْمَةٌ } منكّرة و حُملت على التّعظيم.

قال أبوالسُّعود: < أي أثر رحمة عظيمة، عبّر عنه بها مبالغةً >.

و قال البُرُوسَويّ: < { رَحْمَةٌ} عظيمة و نعمة جسيمة >.

و قال الآلوسيّ: < أي أثر رحمة عظيمة، و عبّر عنه بها للمبالغة - إلى أن قال - و في الإخبار عنه بما ذكر إيذان - على ما قيل - بأ نّه ليس من قبيل الآثار الحاصلة بمباشرة الخلق عادة، بل هو إحسان إلهيّ محض و إن ظهر بالمباشرة >.

5 - ثمّ قال في معنى { مِنْ رَ بّى }: < و في التّعرّض لوصف الرّبوبيّة < تربيةً > معنى الرّحمة >.

6 - و قد قُرئت: ( هذِهِ رَحْمَة ).

7 - و قال ابن عاشور في إعرابها: < و جملة { قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى } مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، لأ نّه لم-ّا آذن الكلام بانتهاء حكاية وصف الرَّدم، كان ذلك مثيرً ا سؤال من يسأل: ماذا صدر من ذي القرنين حين أتمّ هذا العمل العظيم؟ فيجاب بجملة: { قَالَ هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَ بّى }.

و الإشارة بهذا إلى الرّدم، و هو رحمة للنّاس لما فيه من ردّ فساد أُمّة يأجوج و مأجوج عن أُمّة أُخرى صالحة >.

و نحوها الطَّباطَبائيّ و الخطيب و المكارم و فضل الله، فلاحظ. [و لاحظ: د ك ء: < دكّاء >.]

و الثّانية عشر خاتمة القصص،آية واحدة:

{ وَ لَوْ شَاءَ رَ بُّكَ لَجَعَلَالنَّاسَ اُمَّةً وَ احِدَةً وَ لايَزَ الُونَ مُخْتَلِفينَ ‘* اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ وَ لِذ"لِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ اَجْمَعينَ ‘} هود: 18 ، 19.

1 - هاتان من جملة خاتمة تلك القصص في سورة هود ، بدءً من الآية 111: { وَ اِنَّ كُلا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَ بُّكَ اَعْمَالَهُمْ اِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبيرٌ ‘}، و ختمًا بالآية 120: { وَ كُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ اَ نْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَ كَ وَ جَاءَكَ فى هذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَ ذِكْرى لِلْمُؤْمِنينَ ‘}.

2 - و لقد قلنا خلال تلك القصص: - سوى قصّة يوسف - إنّ سياقها الغضب على هؤلاء الأقوام الكافرة، و إنّما الرّحمة فيها تختصّ بالرُّسل و مَن آمن معهم. و سياق إحدى هاتين الآيتين أيضًا السّخط و الغضب؛ حيث قال: { وَ لايَزَ الُونَ مُخْتَلِفينَ ‘}، و الآية

الأُخرى مستثنى منها، و صدرها رحمةٌ من الله لهؤلاء الرُّسل و المؤمنين بهم { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ وَ لِذ"لِكَ خَلَقَهُمْ }، و ذيلها غضب شديد عامّ للكافرين بهم {وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ اَجْمَعينَ ‘}.

3 - و مع أنّ الغضب غالب على تلك القصص و خاتمتها، فقد عبّر الله فيها عن نفسه خطابًا للنّبيّ ب- { رَبِّكَ} الدّ الّ على كمال لطفه به، و بُعْده عن تلك الغضب أربع مرّ ات: ثلاث في هاتين الآيتين: { وَ لَوْ شَاءَ رَ بُّكَ}، و { اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ }، و { وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ }، و مرّةً في الآية 117، قبلهما: { وَ مَا كَانَ رَ بُّكَ لِيُهْلِكَالْقُرى بِظُلْمٍ وَ اَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }، مصرِّحًا بأنّ الغضب و الهلاك لغير المصلحين، و أ نّهما مُبعدان عن المصلحين.

4 - و قد عبّر الله عن تلك الأُمم في قصصهم بأسمائهم، مثل عاد و ثمود و قوم هود...، و عبّر عنهم في هذه الآية ب- { الْقُرى }: { لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ }، كما عبّر عنهم فيها ب- { النَّاسَ } مرّتين: { لَجَعَلَ النَّاسَ اُمَّةً وَ احِدَةً }، { و مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ اَجْمَعينَ ‘}،و { النَّاسَ} في الأُولى وحدها، وفي الثّانية مع{ الجِنَّةِ} و كلّ ذلك تنويع في التّعبير و مزيد في البلاغة.

5 - و مع غلبة سياق الغضب على تلك القصص فقد جاءت < الرّحمة > فيها 38، مرّة بصيغ مختلفة: ثلاث ماضيًا { رَحِمَ } في 23 و 32 و 55، و ثلاث مضارعًا : { تَرْحَمَنَا }: 21، و { تَرْحَمْنى }: 24، و { يَرْحَمْنَا }: 42، و { اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} وثلاث 34 و 35 و 38، و { رَحْمَتِنَا } و أربع : 30 و 31، و 33 و 46، و مرّةً { رَحْمَتِهِ } 53، و مرّة { رَحْمَةُ رَبِّكَ } 37، و { رَحْمَة } في الباقي20، مرّة : رفعًا و نصبًا و جرًّا.

و هذه الأعداد عامّة في سورها. أمّا سورة يوسف خاصّة، فقد سبق وجود الرّحمة فيها بصيغ مختلفة 6 مرّ ات، فلاحظ.

و المحور الرّ ابع:أصناف < الرّحمة>، نذكرها خلال آياتها:

النّبيّ رحمة، آيتان:

56 - { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَليظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْحَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شَاوِرْهُمْ فِى الاَ_مْرِ فَاِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ اِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلينَ ‘} آل عمران : 159

57 - { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ ‘}الأنبياء : 107

أُولاهما: { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ َ...} .

1 - قالوا في: { فَبِمَا رَحْمَة }: ( مَا ) زائدة إجماعًا، و قد طوّلوا الكلام نثرً ا و نظمًا في فائدتها، و ذكروا مواضعها في الآيات، فلاحظ.

و منهم الطّبَريّ قال: < يعني جلّ ثناؤه بقوله:{ فَبِمَا رَحْمَة مِنَ الله ِ} فبرحمة من الله، و ( مَا ) صلة. و قد بَيّنتُ وجه دخولها في الكلام في قوله: { اِنَّ اللهَ لايَسْتَحْيى اَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْ قَهَا } البقرة : 26، و العرب تجعل ( مَا ) صلة في المعرفةو النّكرة، كما قال: { فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثَا‘قَهُمْ } النّساء :

155، و المائدة: 13، و المعنى: فبنقضهم ميثاقهم، و هذا في المعرفة. و قال في النكرة: { عَمَّا قَليلٍ ‘لَيُصْبِحُنَّ نَادِمينَ‘} المؤمنون : 40، و المعنى: عن قليلٍ. و ربّما جُعلت اسمًا، و هي في مذهب صلة، فيرفع ما بعدها أحيانًا على وجه الصّلة، و يخفض على اتباع الصّلة ما قبلها. [و استشهد بشعرٍ ثمّ قال:]

إذا جعلت غير صلة رفعت بإضمار < هو > و إن خفضت أتبعت < مَن > فأعربته. فذلك حكمه على ما وصفنا مع النّكرات.

فأمّا إذا كانت الصّلة معرفة، كان الفصيح من الكلام الإتباع، كما قيل:{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ ميثَا‘قَهُمْ } النّساء : 155، و الرّفع جائز في العربيّة.

و بنحو ما قلنا في قوله: { فَبِمَا رَحْمَة مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ } قال جماعة من أهل التّأويل >.

و قال الزّجّاج: < ( ما ) بإجماع النّحوييّن ها هنا صلة لاتمنع < الباء > من عملها فيما عملت. المعنى: فبرحمة من الله لنت لهم. إلا أنّ ( مَا ) قد أحدثت بدخولها توكيد المعنى >. ثمّ أجاز الرّفع في ( رَحْمَة ) كما أجازوا { مَثَلا مَا بَعُوضَةً } البقرة: 26، لكن لم تقرأ هنا بالرّفع، لأنّ القراءة سُنّة.

و قال الثّعلبيّ: <... و قال بعضهم: يحتمل لأن تكون ( مَا ) استفهامًا للتّعجُّب تقديره: فبأيّ رحمة من الله { لِنتَ لَهُمْ } أي سهّلت لهم أخلاقك وكثر احتمالك، و لم يُسرع إليهم فيما كان منهم يوم أُحُد >.

و قال الطُّوسيّ: < فجاءت ( مَا ) مؤكّدة للكلام، و سبيل دخولها لحسن النّظم، كدخولها لاتّزان الشّعر، وكلّ ذلك تأكيد ليتمكّن المعنى في النّفس، فجرى مجرى التّكرير. قال الحسن بن عليّ المغربيّ: عندي أنّ معنى ( مَا )< أيّ > و تقديره: فبأيّ رحمة من الله، و هذا ضعيف >. ثمّ ذكر كسر(رَحْمَة) ، و جُوّز رفعها على تقدير: فبما هو رحمةٌ، و الدّ لالة على أنّ لينه ما كان إلا برحمة من الله...>.

و قال الزَّمخْشَريّ: <( مَا ) مزيدة للتّوكيد،و الدّ لالة على أنّ لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله...>.

2 - و قال في معنى < الرّحمة >: < و معنىالرّحمة: ربطه على جأشه و توفيقه للرّفق و التّلطّف بهم حتّى أثابهم غمًّا بغمّ، و آساهم بالمثابة بعد ما خالفوه و عصوا أمره و انهزموا و تركوه >.

و قال ابن عَطيّة: < و معنى الآية التّقريع لجميع من أخلّ يوم أُحُد بمركزه، أي كانوا يستحقّون الملام منك وأن لاتلين لهم، و لكن رحم الله جميعكم، أنت يا محمّد بأن جعلك الله على خُلُق عظيم، و بعثك لتُتمّ محاسن الأخلاق، و هم بأن ليّنك لهم، و جُعلت بهذه الصّفات لما علم تعالى في ذلك من صلاحهم >.

3 - و لاحظ سائر النُّصوص و لاسيّما نصّ الفَخْرالرّ ازيّ، فقد أطال في تفسير الآية.[ لاحظ: ل ي ن: < لِنْتَ >، و: ف ظ ظ: < فَظًّا غَليظا >، و: ف ض ض: < لانْفَضُّوا >] .

4 - و لاحظ تفسير بقيّة الآية ديل تلك النّصوص. و لاحظ : عفو: <فَاعْفُ عَنْهُمْ> و : ش و ر: <شَاوِرْهُمْ> .

و ثانيتهما: الآية 107، من سورة الأنبياء: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ ‘}.

1 - و قبلها: { اِنَّ فى هذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدينَ ‘}، و هي جاءت بشأن القرآن، ثمّ جاء عقيبه بشأن الرّسول الّذي أوحى الله هذا القرآن إليه بجملة تدلّ على الحصر، أي الهدف من إرساله منحصر في أ نّه رحمة للعالمين، وفيها تذكار بأمرين هامَّين:

أوّلهما: أنّ إرساله صرف الرّحمة ليس فيه أيّ مشقّة أو تكليف شاقّ على النّاس.

ثانيهما: أ نّه ليس رسولا لقريش، أو للعرب فحسب، بل هو رحمةٌ لجميعالبشر إلى يوم القيامة.

2- و بعدها مرتبط بالقرآن أيضًا: { قُلْ اِنَّمَا يُوحى" اِلَىَّ اَنَّمَا اِلهُكُمْ اِلهٌ" وَ احِدٌ فَهَلْ اَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }.

و هذه إشارة إلى أنّ أصل رسالته هو التّوحيد، و أنّ سائر ما جاء في رسالته كلّها من فروع التّوحيد. و هذا أصل مهمّ في دعوة القرآن، فلاينبغي أن يُعَدّ التّوحيد في عرض سائر العقائد و الأعمال الإسلاميّة، و لهذا قال بعدها: { فَهَلْ اَنْتُمْ مُسْلِمُونَ }، أي إنّ التّوحيد هو أصل الإسلام و تمامه.

3 - و قال ابن عبّاس في معنى الحصر: < من آمن بالله و اليوم الآخر كُتب له الرّحمة في الدّنيا و الآخرة، ومن لم يؤمن بالله و رسوله عوفي ممّا أصاب الأُمم من الخسف و القذف >.

و قال الطّبَريّ: < اختلف أهل التّأويل في معنى هذه الآية: أجميع العالم الّذين أُرسل إليهم محمّد أُريد بها، مؤمنهم و كافرهم؟ أم أُريد بها أهل الإيمان خاصّة دون أهل الكفر؟- إلى أن قال - : و أولى القولين في ذلك بالصّواب القول الّذي روي عن ابن عبّاس: و هو أنّ الله أرسل نبيّه محمّدً ا (صلی الله علیه و آله) رحمةً لجميع العالم مؤمنهم وكافرهم: فأمّا مؤمنهم فإنّ الله هداه به و أدخله الجنّة بالإيمان به و بالعمل بما جاءه من عند الله. و أمّا كافرهم فإنّه دفع به عنه عاجل البلاء الّذي كان ينزل بالأُمم المكذّبة رسلها من قبله >.

و نقول: معنى الآية واضح، فإنّ الرّسول رحمة لكلّ العالم، فيجب الإيمان به، و من لم يؤمن به فقدأساء بنفسه و حرّمها عن تلك الرّحمة، و ليست الرّحمة هنا الجنّة بل شخص الرّسول هو الرّحمة، و أيّ رحمة.

4 - و رحمة الرّسول أعظم الرّحمات عمومًا،و بعدها آيات ذيل 24، عنوانًا، نبحثها حسب عناوينها من غير تفصيل في كلّ آية منها، و نِكلُ التّفصيل إلى سائر الموادّ في كلّ آية.

إذاقة الرّحمة 6 ،آيات:

58 - { وَ اِذَا اَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّ اءَ مَسَّتْهُمْ اِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فى ا"يَاتِنَا قُلِ اللهُ اَسْرَعُ مَكْرً ا اِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } يونس : 21

59 - { وَ لَئِنْ اَذَقْنَا الاِ_نْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ اِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ } هود : 9

60 - { وَ اِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَ بَّهُمْ مُنيبينَ ‘ اِلَيْهِ ثُمَّ اِذَا اَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً اِذَا فَريقٌ ‘مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } الرّوم : 33

61 - { وَ اِذَا اَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَ اِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْديهِمْ ‘اِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ }الرّوم : 36

62 - { وَ لَئِنْ اَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَر َّاءَ

مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذَا لى وَ مَا اَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَ لَئِنْ رُجِعْتُ اِلى" رَ بّى اِنَّ لى عِنْدَهُ لَلْحُسْنى" فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذينَ ‘ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَ لَنُذيقَنَّهُمْ‘ مِنْ عَذَاب غَليظ ‘}فصّلت : 50

63 - { فَاِنْ اَعْرَضُوا فَمَا اَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفيظًا اِ‘نْ عَلَيْكَ اِلا الْبَلاغُ وَ اِنَّا اِذَا اَذَقْنَا الاِ_نْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَ اِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْديهِمْ ‘فَاِنَّ الاِ_نْسَانَ كَفُورٌ } الشّورى : 48

1 - في جميعها التّفرقةبين حالتي الإنسان: حالة إذاقة الله إيّاه الرّحمة ، فإنّه يفرح بها، أو يكفر بربّه، و لايشكر تلك الرّحمة، أو يُنكر السّاعة. و حالة نزع الرّحمة منه، أو مسّه الضُّرّ، أو إصابته السّيّئة، فإنّه يدعو ربّه، أو ييأس، أو يقنط من رحمة الله تعالى.

2 - و جاء فيها إذاقة الرّحمة منسوبة إلى الله تعالى، دون الضّرّ و السّيّئة، تكريمًا لله تعالى - كما قلنا سابقًا بشأن سورة الحمد - حيث قال في الضّرّ: { مِنْ بَعْدِ ضَرَّ اءَ مَسَّتْهُمْ }، أو { وَ اِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ }، و قال في السّيّئة مرّتين: { وَ اِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ اَيْديهِمْ ‘}. لكنّه أضاف نزع الرّحمة مثل إ ذاقتها إلى نفسه؛ حيث قال: { وَ لَئِنْ اَذَقْنَا الاِ_نْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } تكريمًا لنفسه.

3 - و قد جاء { اَذَقْنَا } بضمير الجمع في جميعها، تعظيمًا له تعالى، سوى في واحدة حيث جاء فيها بضمير الغائب: { ثُمَّ اِذَا اَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً } فرقًا بين صيغتي التّكلّم و الغائب . فإنّ الله إذانسب الإذاقة إلى نفسه جاء بصيغة (اَذَقْنَا) تكريمًا لنفسه.

4 - و قد عبّر عن من أذاقه رحمة في ثلاث منها ب- {النَّاسَ }، و في ثلاث ب- { الاِ_نْسَانَ }.

5 - و جاء في اثنتين منها: { اِذَا اَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا }، و { اِذَا اَذَقْنَا الاِ_نْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا}، فنصّ ب- < الفرح > مرّة في إذاقة النّاس، و مرّة في إذاقة الإنسان. فلاحظ هذا النّظمالكريم في الآيات.

6 - و الّذي يلفت النّظرفيها أمران:

أحدهما: أنّ (رَحْمَةً) في جميعها جاءت نكرة منصوبًا ب- (اَذَقْنَا) و التّنكير للتّعميم: أي أيّ رحمة صغيرة و كبيرةمادّ يّة و معنويّة...

ثانيهما: التّعبير ب- (الإذاقة) - بدل أهدينا و نحوه - الّتي في الأصل تختصّ بالمأكولات .

قال الطّبرسيّ(3: 101) : < وحقيقة الذّوق إنّما يكون فيما له طعم يُوجَدُ طعمه بالفم. و إنّما قال: (اَذَقْنَاهُمُ الرَّحْمَةَ ) على طريقة المبالغة، لشدّة إدراك الحاسّة إيّاها . > [لاحظ : ذ و ق : <اَذَقْنَا>]

رحمةمن ربّك، و رحمة ربّك 4 آيات:

64 - { وَ اِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَولا مَيْسُورً ا } الإسراء : 28

65 - { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ اِنَّهُ هُوَ السَّميعُ ‘الْعَليمُ ‘}الدّخان : 6

66 - { اَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَتِ رَبِّكَ الْعَزيزِ‘ الْوَهَّابِ } ص : 9

67 - { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعيشَتَهُمْ فِى الْحَيو"ةِ الدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَ رَحْمَتُ

رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } الزّخرف : 32

1 - جاء في الأُوليين { رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ }، و في الأخيرتين { رَحْمَتِ رَبِّكَ }، ثلاث مرّات تنويعًا في الكلام، و مزيدً ا في البلاغة.

2 - و خاتمتها تختلف أيضًا، تنويعًا في الكلام و تناسبًا للمقام:

فجاء في الأُولى {قَوْ لا مَيْسُورَا}، و في الثّانية { اِنَّهُ هُوَ السَّميعُ ‘الْعَليمُ ‘}، و في الثّالثة { رَبِّكَ الْعَزيزِ ‘الْوَهَّابِ }، و في الرّابعة { رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } .

3 - و سياقها - فيما سوى الأُولى - وصف القرآن: فجاءت الثّانية و الثّالثة خلال آيات مرتبطة بالقرآن في السّورتين: الدّخان و ص: { حم * وَ الْكِتَابِ الْمُبينِ ‘* اِنَّا اَنْزَلْنَاهُ فى لَيْلَة مُبَارَكَة اِنَّا كُنَّا مُنْذِرينَ ‘* فيهَا ‘يُفْرَقُ كُلُّ اَمْر حَكيمٍ ‘* اَمْرً ا مِنْ عِنْدِنَا اِنَّا كُنَّا مُرْسِلينَ ‘* رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ...}.

و { ص وَ الْ-قُرْ ا"ن ِذِى الذِّكْرِ * ...* ءَ اُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فى شَكّ مِنْ ذِكْرى بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ * اَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ...}.

و أمّا الرّابعة فقد جاء قبلها { وَ قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْ ا"نُ عَلى" رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيمٍ ‘}.

4 - فينبغي أن تُعَدّ هذه الثّلاث من المحور الأوّ ل: < القرآن > أيضًا.

رحمة منّا، آية واحدة:

68 - { وَاِنْ نَشَاْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْ-قَذُونَ * اِلا رَحْمَ-ةً مِنَّا وَ مَتَاعً-ا اِلى" حين }‘يس : 43، 44

1 - هذه آخر آيات سفينة نوح في سورة يس, بدءً من الآية 41: { وَ ا"يَةٌ لَهُمْ اَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّ يَّتَهُمْ فِى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ }.

2 - و قوله: { وَ ا"يَةٌ لَهُمْ...} عطف على آيتين قبلها 33: { وَ ا"يَةٌ لَهُمُ الاَ_رْضُ الْمَيْتَةُ اَحْيَيْنَاهَا...}،و 37: { وَ ا"يَةٌ لَهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ...}.

3 - دلّت الآيتان: {... وَ اِنْ نَشَاْ نُغْرِقْهُمْ } إلى { مَتَاعًا اِلى" حين }‘، على أنّ الله كان قادرً ا على أن يُغرق نوحًا وذرّ يّته كما أغرق سائر النّاس الكافرين به، لكنّه لم يُغرقهم رحمةً منه عليهم، ليتمتّعوا في الحياة الدّنيا إلى حين موتهم أو إلى قيام القيامة.

4 - و قد أضاف الله فيها { رَحْمَةً } تكريمًاو تعظيمًا إلى نفسه بضمير الجمع { مِنَّا } كما في غيرها من الآيات.

مودّةً و رحمةً، آية واحدة:

69 - { وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ اَنْفُسِكُمْ اَزْوَ اجًا لِتَسْكُنُوا اِلَيْهَا وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً اِنَّ فى ذ"لِكَ لايَات ’لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } الرّوم : 21

1 - هذه ثانية آيات في سورة الرّوم، بدأت ب- { وَ مِنْ ا"يَاتِهِ...} ابتداءً من آية قبلها: {وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَ ابٍ...}، و ختامًا بالآية 25: {وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَ الاَ_رْضُ بِاَمْرِهِ...}، و جاءت في الآية 46 منها أيضًا: {وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَ ات ...}.

2 - و هي خطاب من الله تعالى للنّاس منّةً عليهم

أن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا ليسكنوا إليها، ثمّ منّ عليهم أيضًا بأن جعل بينهم مودّةً و رحمةً.

3 - و الظّاهر أنّ المراد بها جعل المودّة و المرحمة بين النّاس و أزواجهم، لكنّه خاطب النّاس جميعًا، و قال: { وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ } تعميمًا لهذين النّعمتين:< المودّة و الرّحمة > بينجميع النّاس فضلا عن جعلهما بين الزّوجين منهم.

4 - ثمّ ختم الآية بما يعمّ هذه الآية و الآيات قبلها: { اِنَّ فى ذ"لِكَ لايَات’ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ }، مصرِّحًا بأنّ تذكار هذه الآيات خاصّ بالّذين يتفكّرون في آيات الله، و مشيرً ا إلى عدم تذكُّر مَن لم يتفكّر فيها.

آثار رحمة الله، آية واحدة:

70 - { فَانْظُرْ اِلى" ا"ثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْييِ الاَ_رْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا اِنَّ ذ"لِكَ لَمُحْييِِ الْمَوْتى" وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَىْء قَديرٌ }‘ الرّوم : 50

1 - قد أشار الله تعالى بقوله: { ا"ثَارِ رَحْمَتِ اللهِ } إلى ما ذكره في الآيات قبلها من هذه السّورة من خلق الله، بدءً بالآية 8 : { اَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فى اَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللهُ السَّموَ" اتِ وَ الاَ_رْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا...} الشّاملة لكلّ ما ذكره بعدها من مخلوقاته. و الآيتان: أوّلها و آخرها عامّتان لكلّ ما ذُكرت بينهما في الآيات من خلق الله تعالى.

2 - و قد احتجّ الله في هذه و في آيات كثيرة بإحياء الأرض بالنّبات - بعد موتها بالجدب - على إحياء الموتى في الآخرة، مصرّحًا بأ نّه تعالى على كلّ شيءٍ قديرٍ.

3 - و الّذي يلفت النّظر أ نّه تعالى اعتبر جميع خلقه من آثار رحمته الّتي يحتجّ بها على إحياء الإنسان في القيامة بعد موته في الدّنيا.

فتح الرّحمة، آية واحدة:

71 - { مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَة فَلامُمْسِكَ لَهَا وَ مَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ الْعَزيزُ‘الْحَكيمُ ‘} فاطر : 2

1 - هذه الآية الثّانية من سورة فاطر، و أوّلها: { اَلْحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضِ جَاعِلِ الْمَلئِكَةِ’ رُسُلا ...} - و بها سمّيت السّورة - و قد ذكر فيها أمران مهمّان: خلق العالم كلّه - و هو السّماوات و الأرض - وإرسال رسله من الملائكة، ثمّ صرّح بعدها بأنّ هذين الأمرين هما بمنزلة < فتح الرّحمة > كباب فتحه للرّحمة. فخلق العالم و إرسال الرّسل - أي الملائكة - إلى الأنبياء هدايةً بمنزلة للنّاس، يُعتبران فتح رحمة الله تعالى عليهم .

2 - ثمّ صرّح بحالتي إمساك الرّحمة، و عدم إمساكها: فما فتحه من باب الرّحمة لامُمسك لها، أي ليس لغيره تعالى إمساكها، و ما أمسكه فلامُرسل و لافاتح له غيره، فهو الفاتح و الممسك للرّحمة.

3 - و قد ختمها بما دلّ على عزّته و حكمته معًا: { وَ هُوَ الْعَزيزُ ‘الْحَكيمُ ‘}، أي إنّ فتح هذا الباب و الإمساك له، كلاهما مقتضى قدرة الله و حكمته، و إنّ قدرته لاتخلو عن حكمة حتّى تنتهي إلى ظلم.

4 - و الآية بعدها تناسبها أيضًا؛ حيث تذكر { نِعْمَةَ اللهِ }: { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ

عَلَيْكُمْ...} إشارة إلى أنّ رحمته للنّاس هي نعمته للنّاس، و قد كُرّر { النَّاسُ } فيهما تأكيدً ا لرحمته و نعمته عليهم.

رجاء الرّحمة، 3 آيات:

72 - { اِنَّ الَّذينَ ا"مَنُوا وَ الَّذينَ ‘هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فى سَبيلِ ‘اللهِ اُولئِكَ’ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَ اللهُغَفُورٌ رَحيمٌ ‘} البقرة : 218

73 - { اُولئِكَ الَّذينَ ‘يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ اِلى" رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ اَ‘يُّهُمْ اَقْرَبُ وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ اِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورً ا } الإسراء : 57

74 - { اَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ا"نَاءَ الَّيْلِ سَاجِدً ا وَ قَائِمًا يَحْذَرُ الا_خِرَةَ ’وَ يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذينَ ‘يَعْلَمُونَ وَ الَّذينَ ‘لايَعْلَمُونَ اِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُو الاَ_لْبَابِ } الزّمر : 9

1 - جاء في الأُولى أنّ رجاء الرّحمة خاصّ بمن آمن و هاجر و جاهد في سبيل الله، فإنّ جملة: { اُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ } تفيد الحصر.

2 - و قد أتمّ الرّحمة في ذيلها بقوله: { وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘} فجمع بين الوصفين تنبيهًا على أنّ الله إذا رحم أحدً ا فقد غفره، و تجاوز عن سيّئاته، و إلا فلايُوجد من يستحقّ الرّحمة من دون غفران، كما قال تعالى في الأنعام : 16: { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذ"لِكَ الْفَوْزُ الْمُبينُ ‘}، و يأتي بحثها.

3 - و قد سبق في الآية (42) 149 من الأعراف أنّ الرّحمة والغفران إذا كانا من قبل العباد، فالغفران مقدّم على الرّحمة، وإذا كانا من قبل الله فالرّحمة مقدّمة على الغفران. لكن في ذيل هذه الآية { وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘} وصف الله نفسه أوّلا ب- (غَفُور) ثمّ ب- (رَحيمٌ ) لأنّ رجاء الرّحمة من قبل العباد{ اُولئِكَ’ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ} فهي مشتركة بين الرّبّ و العبد ،و الله تعالى برحمته على العباد قدّم فيها جانب العبد على جانب الرّبّ . و لها نظائرفي آيات (غَفُورٌ رَحيمٌ‘) و غيرها فلاحظ.

4 - و جاء في الثّانية < رجاء الرّحمة > بعد الحذر عن( الآخرة ) - أي عن عذابها - إشارة إلى نكتة مهمّة في تحقّق الرّجاء، و هي: أنّ رجاء الرّحمة ملازم للحذر عن عذاب الآخرة، فمن لايحذر عذابها بالطّاعات - الّتي منها قنوت اللّيل ساجدً ا و قائمًا - لاينبغي له رجاء الرّحمة، فلو رجاها من دون تلك الحذر، فلاثمرة لهذا الرّجاء، و وجوده كعدمه.

5 - و قد أشار في ذيلها بقوله: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذينَ ‘يَعْلَمُونَ وَ الَّذينَ ‘لايَعْلَمُونَ اِنَّمَا يَتَذَكَّرُ اُولُو الاَ_لْبَابِ } إلى أنّ هذا الأمر - ملازمة الرّجاء للحذر - يحكم به كلّ من كان له عقل { اُولُو الاَ_لْبَابِ } و هو بديهيّ كبداهة أنّ مَن يعلم و مَن لايعلم لايستويان.

6 - و جاء في الثّالثة رجاء الرّحمة مع الخوف عن العذاب: { وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ اِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورً ا }.

7 - و قد أكّد العذاب في ذيلها بأمرين متضادّين: { عَذَابَ رَبِّكَ } و { كَانَ مَحْذُورً ا }:

فأضاف العذاب أوّ لا إلى { رَبِّكَ } جمعًا بين ا لخوف و الرّجاء، فإنّ في العذاب خوفًا، و في { رَبِّكَ } لطفًا، و رجاءً.

و وصفه ثانيًا بأ نّه محذور: { كَانَ مَحْذُورً ا } أي يجب الحذر عن عذاب ربّك، راجيًا به غفرانه، لأ نّه ربّك.

8 - و الفرق بين الآيات الثّلاث من جهات:

أُولاها: أنّ الآية الأُولى خصّت بالرّجاء و ليس فيهاذكر الخوف: { اُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ }،و الأخيرتان جمعتا بين الخوف والرّجاء، مع تفاوت بينهما:

أوّ لا : فقد جاء في الأُولى منهما { يَخَافُونَ عَذَابَهُ} و في الأُخرى {يَحْذَرُ الا_خِرَةَ ’}، فجاء فيهما < الحذر > بدل < الخوف > و < الآخرة> بدل < عذابه >.

و ثانيًا: قُدّم الرّجاء على الخوف في أُولاهما { وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَ يَخَافُونَ عَذَابَهُ } و عكسها في الأُخرى { يَحْذَرُ الا_خِرَةَ ’وَ يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ }.

و ثانيتها: جاء في الأُولى { يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ } فعلا مضارعًا جمعًا- المفيد للدّوام - مع إضافة

< الرّحمة> إلى < الله >.

و في الثّانية: { وَ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } مضارعًا مفردً ا، مع إضافة < الرّحمة > إلى ضميرٍ يرجع إلى { رَ بِّهِمْ } في { يَبْتَغُونَ اِلى" رَبِّهِمُ الْوَسيلَةَ ‘}.

و في الثّالثة: { يَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ }، و فيهما تلطيف في الكلام، ليس في الأُولى.

و ثالثتها: في كلّ من الثّلاث عُلّق الرّجاء على فعل الطّاعات، و هي في الأُولى: الإيمان و الهجرة و الجهاد في سبيل الله.

و في الثّانية: الدّعاء بابتغاء الوسيلة إلى ربّهم أيّهم أقرب.

و في الثّالثة: القنوت آناء اللّيل ساجدً ا و قائمًا.

و في هذا التّفاوت أيضًا - كما سبق - تنويع في الكلام، و مزيد للبلاغة القرآنيّة.

إمساك الرّحمة ،آيتان:

75 - { قُلْ لَوْ اَنْتُمْتَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَ بّى اِذًا لاَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الاِ_نْفَاقِ وَ كَانَ الاِ_نْسَانُ قَتُورً ا } الإسراء : 100

76 - { وَ لَئِنْ سَاَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ اَفَرَ اَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ اِنْ اَرَ ادَنِىَ اللهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ اَوْ اَرَ ادَنى بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِىَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ } الزّمر : 38

1 - الأُولى ذمّ للنّاس بأنهّم لو ملكوا خزائن رحمة الله، لأمسكوا عن إنفاقها خشية الفقر، و بأنّ الإنسان كان قتورً ا.

2- و { خَزَ ائِنَ رَحْمَتِ اللهِ } تكثير لرحمة الله، شاملة لجميعها. [لاحظ: خ ز ن: < خَزَ ائِنَ >]

3 - و قد بالغ في ذمّهم بإضافة < الخشية > إلى { الاِ_نْفَاقِ } بدل إضافته إلى < الفقر>، فإنّ{ الاِ_نْفَاقِ } جاء بمعنى < الفقر > أيضًا. [لاحظ: ن ف ق: < الاِ_نْفَاق >، و: ق ت ر: < قتورً ا >]

4 - و الثّانية عجزٌ للأصنام - اللّتي كان المشركون يعبدونها - عن قدرتها على إمساك ما أراده الله من الرّحمة للنّاس، كما أنّها عجز لها عن قدرتها على كشف ما أراده الله من الضُّرّ للنّاس، أي إنّ الأصنام

عاجزات عن دفع ما أراده الله تعالى جميعًا من الرّحمة و الضُّرّ.

5 - و قد جاء فيها قوله: { كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ } مقابلا ل- { مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ}، و هذا اصطلاح قرآنيّ.

6 - و قد كُرّر فيها { اَرَ ادَنى } في كلّ من كشف الضُّرّ و الرّحمة، كما كُرّر { رَحْمَة } مرّتين فيناحية الممسكات: { اَوْ اَرَادَنى بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ }.

7 - و قد ختم الله الأُولى ب- { وَ كَانَ الاِ_نْسَانُ قَتُورًا} ذمًّا للإنسان فإنّه طبيعة له، و ختم الثّانية ب- { قُلْ حَسْبِىَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ }، مدحًا لله و للمتوكّلين عليه. فالغالب على سياق الأُولى الذّمّ، و على الثّانية المدح. القنوط من رحمة الله ،آيتان:

77 - { قَالَ وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ اِلا الضَّالُّونَ } الحجر : 56

78 - { قُلْ يَا عِبَادِىَ الَّذينَ ‘اَسْرَفُوا عَلى" اَنْفُسِهِمْ لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ اِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًا ‘اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ ‘} الزّمر : 53

1 - قد خصّ القنوط من رحمة الله في الأُولى بالضّالّين، و في الثّانية جعله لعباده بأنّه من الضّالّين الّذين أسرفوا على أنفسهم، من دون اختصاص بهم.

2 - و حكم في الأُولى على القانط من رحمته جزمًا من دون خطاب إليه، وخاطب في الثّانية عبادة المُسرفين من دون جزمٍ، فسياقها أقرب إلى الرّحمة من سياق الأُولى، فرقًا بين العباد < المسرفين > و النّاس < الضّالّين >، و بين الحكم عليهم غيابًا، و خطابًا.

3 - و مع ذلك لطف الله في الأُولى بهؤلاء الضّالّين؛ حيث قال فيها: { وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ }، و قال في الثّانية: { لاتَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ }،بدل { رَحْمَتِ رَبِّهِ }.ففي كلّ منهما لطف بالقانطين من رحمته: في الأُولى ب- { رَحْمَةِ رَبِّهِ} . و في الثّانية بخطابهم ب- { يَا عِبَادِىَ } .

4 - و فرق آخر بينهما: أنّ الأُولى من جملة ما بشّر رسل الله إبراهيم بالولد، و قالوا له: { قَالُوا بَشَّرْ نَاكَ بِالْحَقِّ‌ّ فَلاتَكُنْ مِنَ الْقَانِطينَ ‘}، و قال لهم إبراهيم : { وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ اِلا الضَّالُّونَ }، فسياقها بملاحظة ما قبلها لطف و رحمة أيضًا.

أمّا الثّانية فعلاقتها بما عُطفت عليها من الآيات مُشعرةً بالذّمّ: { وَ اتَّبِعُوا اَحْسَنَ مَا اُ نْزِلَ اِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ اَنْ يَاْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَ اَنْتُمْ لاتَشْعُرُونَ * اَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَ تى عَلى" مَا فَرَّطْتُ فى جَنْبِ اللهِ وَ اِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرينَ ‘* اَوْ تَقُولَ لَوْ اَنَّ اللهَ هَدينى لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقينَ ‘* اَوْ تَقُولَ حينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ اَنَّ لى كَرَّةً فَاَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنينَ ‘} إلى { مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرينَ ‘} الزّمر 55 - 60

و مع ذلك كلّه ففي ختامها رجاء لطف أيّ لطف: { اِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَميعًا ‘اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ ‘}.

الغنيّ ذو الرّحمة آية واحدة:

79 - { وَ رَ بُّكَ الْغَنىُّ ذُو الرَّحْمَةِ اِنْ يَشَاْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا اَنْشَاَكُمْ مِنْ ذُرِّ يَّةِ قَوْمٍ ا"خَرينَ ‘} الأنعام : 133

1- هي خطابٌ للنّبيّ (صلی الله علیه و آله) وصفًا لله تعالى على لطفه به {وَ رَبُّكَ}.

2 - وقال الطُّوسيّ: < و { ذُو الرَّحْمَةِ } يعني صاحب الرّحمة،وهوتعالى بهذه الصّفة لرحمته بعباده >.

و قال القُشَيْريّ: < و بقوله: { ذُو الرَّحْمَةِ } عن أفضاله فبجلاله يكاشفهم ،فيفنيهم، و بأفضاله يلاطفهم فيحييهم.

و يقال: سماع غناه يوجب محوهم، و سماع رحمته يوجب صحوهم، فهم في سماع هذه الآية متردِّدون بين بقاء و بين فناء، و بين إكرام و بين اصطلام، و بين تقريب و بين تذويب، و بين اجتياح و بين ارتياح >.

و قال المَيْبُديّ: < { ذُو الرَّحْمَةِ } بخلقه فلايعجّل عليهم بالعقوبة >.

و قال الزّمَخْشَريّ: < يترحّم عليهم بالتّكليف ليعرضهم للمنافع الدّ ائمة >.

و قال الطَّبْرِسيّ: < أي صاحب النّعمة على عباده، بيّن سبحانه أنّه مع غناه عن عباده يُنعم عليهم و أنّ إنعامه و إن كثر لاينقص من مُلكه و لامن غناه >. و نحوها الآخرون.

و أمّا الفَخْرالرّ ازيّ فقال: < و في الآية مسائل: - و ذكرها- و من جملتها: أنّ قوله: { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ ذُو الرَّحْمَةِ } يفيد الحصر، فإنّ معناه: أ نّه لارحمة إلا منه>.

و شرحه، ثمّ طرح مسألة رحمة الوالدين على الولد، و أ نّها من جملة رحمة الله، فلاحظ كلامه المفصّل.

و قال أبوالسُّعود: < { وَ رَ بُّكَ الْغَنِىُّ } مبتدأ و خبر... و { ذُو الرَّحْمَةِ } خبر آخر، أو هو الخبر و { الْغَنِىُّ } صفة...>.

و قال ابن عاشور: < و { ذُو الرَّحْمَةِ } خبر ثان. و عدل عن أن يوصف بوصف < الرّحيم > إلى وصفه بأ نّه { ذُو الرَّحْمَةِ } لأنّ الغنيّ وصف ذاتيّ لله لاينتفع الخلائق إلا بلوازم ذلك الوصف، و هي جوده عليهم،لأ نّه لاينقص شيئًا من غناه، بخلاف صفة الرّحمة، فإنّ تعلّقها ينفع الخلائق، فأُوثرت بكلمة ( ذُو ) لأنّ ( ذُو ) كلمة يتوصّل بها إلى الوصف بالأجناس، و معناها: صاحب، و هي تشعر بقوّة أو وفرة ما تضاف إليه، فلايقال: < ذو إنصاف > إلا لمن كان قويّ الإنصاف، و لايقال: < ذو مال > لمن عنده مال قليل.

و المقصود من الوصف ب- < ذي الرّحمة > هنا تمهيد لمعنى الإمهال الّذي في قوله: { اِنْ يَشَاْ يُذْهِبْكُمْ }، أي فلا يقولنّ أحد: لما ذا لم يذهب هؤلاء المكذّبين، أي إنّه لرحمته أمهلهم إعذارً ا لهم >.

و قال الطَّباطَبائيّ: < و ربّك هو الّذي يوصف بالغنيّ المطلق الّذي لافقر معه و لاحاجة، و بالرّحمة المطلقة الّتي وسعت كلّ شي‌ء. و مقتضى ذلك أ نّه قادر على أن يُذهبكم بغناه و يستخلف من بعدكم ما يشاء من الخلق برحمته. و الشّاهد عليه أ نّه أنشأكم برحمته من ذرّ يّة قوم آخرين أذهبهم بغناه عنهم >.

و قال عبدالكريم الخطيب: < و في وصف الله سبحانه و تعالى ب- {الْغَنِيَّ } و { ذُو الرَّحْمَةِ }، مناسبة لما بعد هذين الوصفين الكريمين، من أنّ الله سبحانه و تعالى قادر على أن يُذهب النّاس جميعًا، لأ نّه في غنًى عنهم، و لكنّه ذو رحمة واسعة، فلايُعجّل بعقوبة هؤُلاء

المشركين، و لايؤاخذ النّاس بما كسبوا، بل يمهلهم، و يقيم بين أيديهم دلائل الحقّ و الهدى، لعلّهم يرجعون عمّا هم فيه من ضلال و كفران >.

و قال فضل الله: < فقد كانت رحمته سبب وجود الكون و الخلق، و كانت رحمته سبب كلّ نعمة تكفل للوجود استمراره، و للعباد حياتهم، فلم تنطلق رحمته من حاجة، ليكون غناه سببًا في بُعْده عنهم، بل انطلقت من ذاته الّتي تُعطي الرّحمة للعاصي كما تعطيها للمطيع>.

رحمة واسعة، ثلاث آيات:

80 - { فَاِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَ بُّكُمْ ذُو رَحْمَة وَ اسِعَة وَ لايُرَدُّ بَاْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمينَ ‘} الأنعام : 147

81 - { وَ اكْتُبْ لَنَا فى هذِهِ الدُّ نْيَا حَسَنَةً وَفِى الا_"خِرَةِ اِنَّا هُدْ نَا اِلَيْكَ قَالَ عَذَابى اُصيبُ ‘بِهِ مَنْ اَشَاءُ وَرَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فَسَاَكْتُبُهَا لِلَّذينَ‘ يَتَّ-قُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكو"ةَ وَالَّذينَ‘ هُمْ بِا"يَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }.الأعراف : 156

82 - { الَّذينَ ‘يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْء رَحْمَةً وَ عِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذينَ‘ تَابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبيلَكَ ‘وَ قِهِمْ عَذَابَ الْجَحيمِ ‘}المؤمن : 7

1 - جاء قبل أُولاهما آيتان: إحداهما تشريع إسلاميّ للمشركين: { قُلْ لااَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلى" طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا...}، و هذه ردٌّ على المشركين في تشريعاتهم المذكورة قبلها في الآيتين:143 و 144: { ثَمَانِيَةَ اَزْوَ اجٍ ...} و { وَ مِنَ الاِ_بِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ...}.

و الثّانية تشريع لليهود: {وَ عَلَى الَّذينَ ‘هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذى ظُفُر ...}، و قد ذُكرت ردًّ ا على الأُولى لتكون نموذجًا من تشريع الله تعالى .

و الظّاهر أنّ المراد بقوله: { فَاِنْ كَذَّبُوكَ...} أي كذّبك المشركون ما شرّعنا عليهم من الدّم المسفوح و غيره، فلهما ربط بالآية 143. و هذا هو سياق التّفاسير، و قد صرّح به ابن عاشور حيث قال: < تفريع على الكلام السّابق الّذي أبطل تحريم ما حرّموه، ابتداءً من قوله: { ثمَ-َانِيَةَ اَزْوَاج ٍ} أي فإن لم يرعَوُوا بعد هذا البيان وكذّبوك...>، لكنّه قال بعدها:

< و يجوز أن يعود الضّمير يعني في{ فَاِنْ كَذَّبُوكَ } إلى { الَّذينَ‘ هَادُوا } تكملة للاستطراد، و هو قول مُجاهِد و السُّدّيّ: إنّ اليهود قالوا: لم يُحرّم الله علينا شيئًا، و إنّما حرّمنا ما حرّم إسرائيل على نفسه...>.

و كذلك قال عبد الكريم الخطيب: < و في هذا وعيد لليهود، و تجريم لهم ...>، و مكارم. و أمّا فضل الله فسكت عن ذلك، و عمّ الآية للمكذّبين، فلاحظ.

2 - و كيف كان المكذّبون، فإنّ الله تعالى أعلمهم بأنّه لايعالجهم بالعقوبة مع شدّة جرمهم بل يُمهلهم. و هذا كما تقول عند رؤية معصية من أحد: < ما أحلَم الله؟ > و أنت تريد إمهاله للعاصي.

و قال الطُّوسيّ: < و اقتضى ذكر الرّحمة أحد أمرين:

الأوّ ل: أنّه برحمته أمهلهم مع تكذيبهم، بالمؤاخذة

عاجلا في قول أبي عليّ الجُبّائيّ.

الثّاني: إنّه ذكر ذلك ترغيبًا لهم في تركالتّكذيب، و تزهيدً ا في فعله >.

3 - و قال أيضًا: < و إنمّا قابل بين لفظ الماضي في قوله: { كَذَّبُوكَ } بالمستقبل في قوله: { فَقُلْ } لتأكيد وقوع القول بعد التّكذيب؛ إذ كونه جوابًا يدلّ على ذلك >.

4 - و جاء في الثّانية: {... وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْ‌ء رَحْمَةً وَ عِلْمًا }، و هذا قول الملائكة الّذين يحملون العرش و من حَوْله - كما في صدر الآية - فإنّهم يسبّحون بحمد ربّهم، و يؤمنون به، و يستغفرون للّذين آمنوا، و يدعون لهم بقولهم: { رَ بَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْ‌ء رَحْمَةً وَ عِلْمًا فَاغْفِر...}.

5 - و قالوا في معناها: < ملأت كلّ شيء رحمةً و علمًا، أو رحمةً عليه و علمًا به، أو وسعت رحمتك و علمك كلّ شيء، أو نالت رحمتك في الدّنيا كلّ شيء، و أحاط علمك بكلّ شيء > و المعنى واحد.

6 - و للفَخْر الرّ ازيّ - كعادته - مسائل في الآية، فلاحظ:

و منها سأل أنّ علمه وسع كلّ شي‌ء، أمّا رحمته فما وصلت إلى كلّ شي‌ء، لأنّ المضرور حال وقوعه في الضّرر لايكون ذلك الضّرر رحمة، و أنّ هذا السّؤال يأتي أيضًا في الآية 156، من سورة الأعراف:{ وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْ‌ء }. و قد مضت في آيات قصّة موسى .

و أجاب: < بأنّ كلّ موجد فقد نال من رحمة الله تعالى نصيبًا؛ و ذلك لأنّ الموجود إمّا واجب و إمّا ممكن. أمّا الواجب فليس إلا الله سبحانه، و أمّا الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده، و ذلك رحمة، فلاموجود إلا و قد وصل إليه نصيب و نصاب من رحمة الله >.

و الظّاهر أنّ الجواب لايوافق السّؤال، كما أنّ < الواجب و الممكن > أيضًا أجنبيّ عن السّؤال.

و لنا أن نُجيب في خصوص آية الأعراف، بأنّ الرّحمة فيها خاصّة بالآخرة، كما دلّ عليه سياقها: { وَ اكْتُبْ لَنَا فى هذِهِ الدُّ نْيَا حَسَنَةً وَ فِى الا"_خِرَةِ اِنَّا هُدْ نَا اِلَيْكَ قَالَ عذَ ابى اُصيبُ ‘بِهِ مَنْ اَشَاءُ وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فَسَاَكْتُبُهَا لِلَّذينَ ‘يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّ كو"ةَ وَ الَّذينَ ‘هُمْ بِا"يَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }.

و ينبغي الجواب عنها في هذه الآية، بأنّ في العذاب رحمة أيضًا، لأ نّه مقتضى عدل الله تعالى، و في كلّ الآيات بأنّ كلّ موجود في نفسه رحمة من الله إلا أنّ النّاس بعصيانهم و بسوء أعمالهم يُبدّلون الرّحمة نقمةً عليهم.

7 - و جاءت في هذه الآية الرّحمة مع العلم:{ وَسِعْتَ كُلَّ شَىْ‌ء رَحْمَةً وَ عِلْمًا } كما جاءت فيها و في غيرها الرّحمة مع الغفران، و كلّ منهما يناسب سياق الآيات.

8 - و قال النَّيسابوريّ: < و في تقديم الرّحمة على العلم فائدة، هي أنّ مطلوب الملائكة في هذا المقام هو أن يرحم المؤمنين، فكأ نّهم قالوا: ارحم من علمتَ منه التّوبة و اتّباع الدّين >.

9 - و في إعرابها: قال أكثرهم إنّ {رَحْمَةً وَ عِلْمًا} تمييز. و قد حكى الطّبَريّ خلافهم فيه، فلاحظ.

باب الرّحمة آية واحدة:

83 - { يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الْمُنَافِقَاتُلِلَّذينَ‘ ا"مَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قيلَ ‘ارْجِعُوا وَرَ اءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورً ا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُور لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فيهِ‘ الرَّحْمَةُ وَ ظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ } الحديد : 13

1 - هذه الآية حكاية قول المنافقين يوم القيامة حيث هم في الظّلمات، و يرون للمؤمنين نورً ا فيقولون لهم: { انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ }. و قبلها: { يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنينَ ‘وَ الْمُؤْمِنَاتِ يَسْعى" نُورُهُمْ بَيْنَ اَيْديهِمْ...‘}، فإحدى الآيتين حكاية حال المؤمنين، و الأُخرى حكاية حال المنافقين في الآخرة، و الّذي يلفت النّظر أنّ الله ذكر فيهما المؤمنات و المنافقات مع المؤمنين و المنافقين، تعميمًا للرّحمة و العذاب للفريقين، نصًّا بجنسيهما، مع أنّ الوصفين المؤمنين و المنافقين في الآيات الأُخرى شاملان للجنسين معًا.

2 - و قال الحسَن و كثير منهم: إنّ الرّحمة هي الجنّة، و العذاب جهنّم. و قال عبد الله بن عمر العاص: < سُور مسجد بيت المَقدِس الشّرقيّ باطنه من المسجد >، و الآية بعيدة عن سور ذلك المسجد. فهذه متعلّقة بوصف المؤمنين و المنافقين يوم القيامة.

3 - و في هذه الآية كغيرها - و هي كثيرة - قوبلت { الرَّحْمَةُ } ب- { الْعَذَابُ } أو بما في معناه، كما قوبلت الجنّة والنّار و أهلهما في كثير من الآيات، تأكيدً ا للتّرغيب و التّرهيب، و إكمالا للإنذار و التّبشير. [لاحظ: ب ط ن: < باطنه > و: ظ ه- ر: <ظاهره >]

رأفةً و رحمةً، آية واحدة :

84 - { ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلى" ا"ثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَ قَفَّيْنَا بِعيسَى‘ ابْنِ مَرْ يَمَ وَ ا"تَيْنَاهُ الاِ_نْجيلَ‘ وَ جَعَلْنَا فى قُلُوبِ الَّذينَ‘ اتَّبَعُوهُ رَاْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ اِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَ انِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَ-ا"تَيْنَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مِنْهُمْ اَجْرَهُمْ وَ كَثيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ } الحديد : 27

1 - هذه آخر آيات ثلاث في وصف الرّسل - من دون تفصيلٍ في قصصهم - في سورة الحديد و أوّلها الآية 25: { لَقَدْ اَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ...}، و جاء فيها ذكر عيسى دون قصّته: { وَ قَفَّيْنَا بِعيسَى ابْنِ مَرْ يَمَ }، و جاء قبلها: { وَ لَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوحًا وَ اِبْرهيمَ’‘ وَ جَعَلْنَا فى ذُرِّ يَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَ الْكِتَابَ...}، من دون قصّتهما أيضًا، و لهذا لم نذكر الآيتين في آيات القصص.

2 - و قد جاء فيها بعد ذكر عيسى أمران مهمّان في حياته:

أحدهما: إعطائه الإنجيل: { وَ ا"تَيْنَاهُ الاِ_نْجيلَ ‘} و قدّم على الباقي اهتمامًا به. [لاحظ الإنجيل]

ثانيهما: إعطائه التّابعين المميّزين: { وَ جَعَلْنَا فى قُلُوبِ الَّذينَ ‘اتَّبَعُوهُ رَاْفَةً وَ رَحْمَةً وَ رَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا...}.

3 - و جاءت فيها: { رَ اْفَةً وَ رَحْمَةً }بتقديم ( رَ اْفَةً) اهتمامًا أكثر ب- { رَاْفَةً } ، كما قدّمتا على{ رَهْبَانِيَّةً } لذلك.

4 - و قد تقدّمت نصوصها في: ر أ ف: < رأفة >،

و جاء فيها أنّ الرّ أفة هي أشدّ الرّحمة .

5 - و قد وصف { رَهْبَانِيَّةً } بثلاث صفات:{ ابْتَدَعُوهَا }، و { مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ اِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَ انِ اللهِ }، و { فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا }. [لاحظ نصوصها و البحث عنها في: رأ ف، و: ر ه- ب]

لاينالهم الله برحمته آية واحدة:

85 - { اَهؤُ لاءِ الَّذينَ ‘اَقْسَمْتُمْ لايَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لااَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} الأعراف : 49

1 - هذه من جملة آيات أصحاب الأعراف،و الكلام بينهم و بين أصحاب الجنّة، و أصحاب النّار، بدءً من الآية 37: { حَتىّٰ اِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْ نَهُمْ قَالُوا اَيْنَ مَا كُنْتُمْ...}، إلى الآية 50: { وَ نَادى اَصْحَابُ النَّارِ اَصْحَابَ الْجَنَّةِ اَنْ اَفيضُو‘ا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ...} ، و قد جاء لفظ { الا_َعْرَافِ } مرّتين في الآيتين 46 و 48: { وَ عَلَى الاَ_عْرَ افِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلا بِسيميهُم ’}، و { وَ نَادى اَصْحَابُ الاَ_عْرَافِ رِجَالا يَعْرِفُونَهُمْ بِسيميهُمْ’ }.

2 - و الآية من قول أصحاب الأعراف لأصحاب النّار في الآيتين 48: {... مَا اَغْنى" عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ مَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * اَهؤُ لاءِ الَّذينَ ‘اَقْسَمْتُمْ لايَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَة ...}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 422): < و الأعراف: الأمكنة المرتفعة، أُخذتمن < عُرف الفرس >، و منه: < عُرف الدّيك >، و كلّ مرتفع من الأرض: عُرف، لأ نّه بظهوره أعرف ممّا انخفض...>.

و قال أيضًا (2 : 423): < و الأعراف: سُور بين الجنّة والنّار...، و قيل: الأعراف: شرف ذلكالسُّور...> .

4 - و قال: < اختُلف في المراد بالرّجال هنا على أقوال >و ذكرها ...[لاحظ: ع ر ف:<الأعراف >]

5 - و أصحاب الأعراف يقولون لأصحاب النّار في الآيتين: ما أغنى عنكم جمعكم أهؤلاء - يعني أهل الجنّة - { الَّذينَ ‘اَقْسَمْتُمْ لايَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَة ...}، ثمّ قالوا لأهل الجنّة: { لاخَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لااَنْتُمْ تَحْزَنُونَ}.

كتب على نفسه الرّحمة، آيتان:

86 - { قُلْ لِمَنْ مَا فِى السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضِ قُلْ للهِ كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ’ لارَيْبَ فيهِ اَلَّذينَ ‘خَسِرُوا اَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لايُؤْمِنُونَ } الأنعام : 12

87 - { وَ اِذَا جَاءَكَ الَّذينَ ‘يُؤْمِنُونَ بِا"يَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ اَ نَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَة ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ اَصْلَحَ فَاَنَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ } الأنعام : 54

1 - هاتانآيتان من سورة الأنعام كلاهما خطاب للنّبيّ بلفظ { قُلْ }: أحدهما خاصّة بالمشركين والأُخرى بالمؤمنين.

2 - أُولاهما: أمر للنّبيّ بأن يقول للمشركين، احتجاجًا عليهم بأصلين من أُصول الدّين - التّوحيد والمعاد -: { قُلْ لِمَنْ مَا فِى السَّموَ" اتِ وَالاَ_رْضِ...} و { لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ ...}.

3 - و قبلها خطاب للنّبيّ احتجاجًا عليهم أيضًا: { قُلْ سيرُو‘ا فِى الاَ_رْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبينَ ‘}.

4 - و صدرها سؤال و جواب كلاهما بلسان النّبيّ بتكرار { قُلْ } فيهما، ثمّ قال توضيحًا للجواب: { كَتَبَ رَ بُّكُمْ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ }. ثمّ ذكر موضع تلك الرّحمة في الآخرة { لَيَجْمَعَنَّكُمْ اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ لارَيْبَ فيهِ }. ثمّ وصف هؤلاء المشركين ب- { اَلَّذينَ ‘خَسِرُوا اَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لايُؤْمِنُونَ }، بدءً بالعذاب على سببه، و هو أنّهم لايؤمنون تبيانًا لشدّة العذاب.

5 - و التّعبير ب- { كَتَبَ عَلى" نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } في الآيتين تثبيت و تسجيل للرّحمة بأشدّ مراتبها، كما قال تعالى في الآية 29، من سورة النّبأ: { وَ كُلَّ شَىْء اَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا }.

و على العموم فكتابة شيء في القرآن، تحكيم و تثبيت له. [لاحظ: ك ت ب، و قد كُرّرت هذه المادّة في القرآن بألفاظ مختلفة 319، مرّة، اهتمامًا بها]

6 - و اللا م في { الرَّحْمَةَ } - و جاءت في القرآن 6 مرّ ات - للجنس تعميمًا لها بأقسامها في الدّنياو الآخرة، كما أنّ { رَحْمَة } تنكيرً ا في 70 آية تعظيم لها أيضًا و ليست تحقيرً ا.

7 - و ثانيتهما: خطاب من النّبيّ إلى الّذين آمنوا بآياته إذا جاؤوه بأن يُكرمهم بثلاث: بالسّلام عليهم، و بإخبارهم بأنّ ربّهم كتب على نفسه الرّحمة لهم، و بأنّ مَنعمل منهم بجهالة سوءً، ثمّ تاب و أصلح، فإنّ الله غفور رحيم بهم. و في كلّ منها تكريم عظيم لهؤلاء المؤمنين. كما أنّ في غفران من عمل منهم سوءً ثلاث شروط: أن يكون بجهالة، و أن يتوب بعده، و أن يُصلح عمله.

8 - و هذه الآية بما فيها من الإكرام للمؤمنين جاءت في السّورة بعد آيات تحمل الإنذار و التّبشير للفريقين بدءً من الآية 48: { وَ مَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلينَ ‘اِلا مُبَشِّرينَ ‘وَ مُنْذِرينَ.‘..}، و ختمًا بإنذار الكافرين: {وَ كَذ"لِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْض لِيَقُولُوا اَهؤُ لاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا...}، ثمّ جاءت هذه الآية تبشيرً ا للمؤمنين.

الخلود في رحمة الله، آية واحدة:

88 - { وَ لاتَكُونُوا كَالَّذينَ ‘تَفَرَّقُوا وَ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَ اُولئ-ِكَ ’لَهُمْ عَذَابٌ عَظيمٌ ‘* يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَاَمَّا الَّذينَ ‘اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ اَكَفَرْتُمْ بَعْدَ ايمَا نِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَ اَمَّا الَّذينَ ‘ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفى رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فيهَا ‘خَالِدُونَ } آل عمران : 105 - 107

1 - هذه تتمّة لما قبلها: { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَاَمَّا الَّذينَ ‘اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ اَكَفَرْتُمْ بَعْدَ ايمَا نِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَ اَمَّا الَّذينَ‘ ابْيَضَّتْ ...}.

و الآيتان توصيف للنّاس يوم القيامة بأنّ النّاس يوم ذاك قسمان: وجوه بعضهم مسودّة و وجوه بعضهم مبيضّة، و هذان وصفان لأهل الجنّة و أهل النّار. و لعلّ البياض والسّواد في وجوه الفريقين كناية عن فرحهم و يأسهم عن مستقبلهم، فأهل الجنّة فرحون، و أهل

النّار في حزن و يأسٍ.

و قال الطَّبْرِسيّ (1 : 485): < و قال بعضهم: المراد بإبيضاض الوجوه إشراقها و إسفارها بالسّرور بنيل البُغية، والظّفر بالمنيّة،... و المراد بإسودادها: ظهور أثر الحزن عليها لما يصير إليه من العقاب...و في هذا القول عدول عن حقيقة اللّفظ من غير ضرورة. و الأصحّ الأوّ ل > و هو قوله في معنى الآية: < و إنّما تبيضّ وجوه للمؤمنين ثوابًا لهم على الإيمان والطّاعة و تسودّ فيه الوجوه للكافرين عقوبة لهم على الكفر والسيّئات...>.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (1 : 484): < العامل في قوله: { يَوْمَ }، قوله: { عَظيمٌ ‘}، و تقديره: عظيم عذابهم يوم تبيضّ وجوه. و لايجوز أن يكون العامل فيه { عَذَابٌ } لأ نّه موصوف قد فصلت صفة بينه و بين معموله. لكن يجوز أن تعمل فيه الجملة، لأ نّها في معنى يعذّبون، كما يقال: المال لزيد يوم الجمعة فالعامل الفعل و الجملة خلف عنه .

و جواب ( اَمَّا ) في قوله: { فَاَمَّا الَّذينَ ‘اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ } محذوف، و تقديره: فأمّا الّذين اسودّت وجوههم، فيقال لهم: أكفرتم، فحُذف لدلالة اسوداد الوجوه على حال التّوبيخ، حتّى كأ نّه ناطق به. و إنّما تبيضّ فيه الوجوه للمؤمنين ثوا بًا لهم على الإيمان و الطّاعة، و تسودّ فيه الوجوه للكافرين عقوبةلهم على الكفر و السّيّئات، بدلالة ما بعده، و هو قوله: { فَاَمَّا الَّذينَ‘ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ اَكَفَرْتُمْ } أي يقال لهم: { اَكَفَرْتُمْ بَعْدَ ايمَا نِكُمْ }...>.

ثمّ ذكر الأقوال في أ نّهم الّذين كفروا بعد إيمانهم، أو جميع الكفّار، أو أ نّهم أهل الكتاب، أو أهل البدع والأهواء مثل الخوارج.

3- و قال في: { فَفى رَحْمَةِ الله ِ}: < أي ثواب الله. وقيل: جنّة الله { هُمْ فيهَا ‘خَالِدُونَ } أعاد كلمة الظّرف، وهي قوله: ( فيهَا ‘) تأكيدً ا لتمكين المعنى في النّفس. و قيل: إنّما أعادها لأ نّه دلّ بقوله: { فَفى رَحْمَةِ اللهِ } على إدخاله إيّاهم في الرّحمة، و بقوله: {هُمْ فيهَا ‘خَالِدُونَ } على خلودهم فيها.

4 - و قال: < و سمّى الله تعالى الثّواب رحمة،و الرّحمة نعمة يُستَحقّ بها الشّكر، وكلّ نعمة تفضّل. و الوجه في ذلك أنّ سبب الثّواب الّذي هو التّكليف تفضّل، فيكون الثّواب على هذا الوجه تفضّلا ...>.

5 - و الّذي يلفت النّظر أنّ الله قدّم أوّ لا : { تَبْيَضُّ وُجُوهٌ } على { تَسْوَدُّ وُجُوهٌ } ، و لمّا أراد بيان حكم كلّ من الفريقين قدّم { اَمَّا الَّذينَ اسْوَدَّتْ } على { الَّذينَ ‘ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ } ، تقديمًا للعقوبة على المثوبة، اهتمامًا بها.

الغفران و الرّحمة، ثلاث آيات هنا و آيات عديدة في غيرها من آيات الرّحمة:

89 - { وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فى سَبيلِ ‘اللهِ اَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَ رَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } آل عمران : 157

90 - { دَرَجَات مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا ‘} النّساء : 96

91 - { وَ رَ بُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَ اخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ

دُونِهِ مَوْ ئِلا } الكهف : 58

1 - أُولاها: تتمّة لما قبلها: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا لاتَكُونُوا كَالَّذينَ ‘كَفَرُوا وَ قَالُوا لاِخْوَانِهِمْ اِذَا ضَرَبُوا فِى الاَ_رْضِ اَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَ مَا قُتِلُوا...}، و نزلت في أقرباء الّذين ماتوا أو قُتلوا في سبيل الله، فقالوا: لو كانوا عندنا و لم يشتركوا في القتال ما ماتوا و ما قُتلوا، فردّ الله على هؤلاء القائلين تبشيرً ا لإخوانهم الّذين ماتوا أو قُتلوا: { وَ لَئِنْ قُتِلْتُمْ فى سَبيلِ‘ اللهِ...}، مُعْلنًا بأنّ الموت أو القتل في سبيل الله باعثان على مغفرة من الله و رحمته، مع التّأكيد بأنّ الموت و القتل هما نفس المغفرة و الرّحمة، و أ نّهما خير ممّا يجمعون، ثمّ أكّد ذلك بعدها ب-: { وَ لَئِنْ مُتُّمْ اَوْ قُتِلْتُمْ لاِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ } عدولا من الغيبة إلى الخطاب، مزيدً ا في التّبشير.

2 - و قد قُدّمت < المغفرة > على < الرّحمة > في هذه الآيات و في غيرها، لأنّ المغفرة تُزيل معاصيهم الموجبة للعذاب، و المانعة من الرّحمة، فإذا أُزيلت تمهّد السّبيل للرّحمة بهم.

3 - و قد كُرّر فيها { مُتُّمْ اَوْ قُتِلْتُمْ } مع تفاوت فيهما، بتقديم { قُتِلْتُمْ } في الأُولى على{ مُتُّمْ } مقيّدة ب- { فى سَبيلِ ‘اللهِ}، لأنّ المقتول في سبيل الله شهيد، فهو أعلى قدرً ا من الّذي مات حين القتال.

و فرق آخر بينهما في الخاتمة الّتي هي بمنزلة الجزاء لهما فالخاتمة في الأُولى { خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }، و هو جزاء الدّنيا، و في الأخيرة { لاِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ } و هو جزاء الآخرة.

4 - و الآية الثّانية تتمّة لآية قبلها بشأن المجاهدين في سبيل الله و القاعدين: { فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدينَ‘ بِاَمْوَالِهِمْ وَ اَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدينَ ‘دَرَجَةً وَ كُلا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى" وَ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدينَ ‘عَلَى الْقَاعِدينَ ‘اَجْرًا عَظيمًا ‘}، فقال فيها: { دَرَجَةً } بيانًا لجنسها، و في بعدها: { دَرَجات } تحديدً ا لمراتبها.

5 - و قد جمع الله فيها بين { دَرَجَات } و { مَغْفِرَةً} و{ رَحْمَةً }، و ليست الدّرجات إلا درجات رحمته و مغفرته ، فهما كالتّفسير ل- { دَرَجَات } ، قال الطَّباطَبائيّ: < ظاهره كونه بيانًا ل- { دَرَجَات } فإنّ الدّرجات و هي المنازل من الله سبحانه أيًّاما كانت، فهي مصداق المغفرة و الرّحمة...>.

6 - و قال الزّمَخْشَريّ - و كذا غيره - : <و انتصب { مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً } بإضمار فعلهما، بمعنى و غفر لهم و رحمهم، مغفرةً و رحمةً >.

و نقول: { مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً } عطف على { دَرَجَات } و هي - كما قلنا - تفسير ل- { دَرَجَةً } في الآية قبلها، فأُعربت بإعرابها. و قد قال الطَّبْرِسيّ (3 : 66) في إعرابها: < { دَرَجَةً }: منصوب على أ نّه اسم وضع موضع المصدر، أي تفضيلا بدرجة >. و قال في{ دَرَجَات }: < و { دَرَجَات } في موضع نصبٍ بدلا من قوله - في الآية قبلها - { اَجْرً ا عَظيمًا ‘} و هو مفسّر ل- { اَجْرً ا }.و المعنى: فضّل الله المجاهدين درجات و مغفرةً و رحمةً. و يجوز أن يكون منصوبًا على التّأكيد ل- { اَجْرً ا عَظيمًا ‘} لأنّ الأجر العظيم هو رفع الدّرجات من الله و المغفرة و الرّحمة ...>.

7 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 97) في معنى {وَرَحْمَةً}: < هذا بيان خلوص النّعيم، بأ نّه لايشوبه غمّ بما كان منه من الذّنوب، بل غفر له ذلك، ثمّ رحمه بإعطائه النّعم و الكرامات...>.

8 - و قد كُرّر الغفران و الرّحمة مرّةً أُخرى ذيلها بصيغة المبالغة: { وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا ‘}، و صيغة المبالغة مبيّنة لدرجاتهما أيضًا. و هذا - كما قلنا مرارً ا - تنويع في الكلام رمزً ا للبلاغة.

9 - و الآية الثّالثة، تتمّة للآية قبلها: { وَ مَنْ اَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِا"يَاتِ رَبِّهِ فَاَعْرَضَ عَنْهَا...} إلا أنّ هذه كالثّناء لما قبلها، و كجملة معترضة بين ما جاء قبلها و بعدها من العذاب أُنسًا بهم، و رجاءً لعدولهم عن ما يوجب العذاب من الكفر و العصيان.

10 - و قد جمع الله في هذه الجملة بين ألفاظ ثلاثة، كلّها مبالغة في الرّحمة، و هي { رَ بُّكَ } و { الْغَفُورُ } و { ذُو الرَّحْمَةِ }.

الوعد بالرّحمة أو العذاب، 15 آية :

92 - { عَسى" رَ بُّكُمْ اَنْ يَرْحَمَكُمْ وَ اِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَ جَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرينَ ‘حَصيرً ا ‘} الإسراء : 8

93 - { رَ بُّكُمْ اَعْلَمُ بِكُمْاِنْ يَشَاْ يَرْحَمْكُمْ اَوْ اِنْ يَشَاْ يُعَذِّبْكُمْ وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكيلا } الإسراء : 54

94 - { وَ لَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَ كَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرّ لَلَجُّوا فى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } المؤمنون : 75

95 - { وَ اَقيمُوا‘ الصَّلو"ةَ وَ ا"تُوا الزَّكوةَ وَ اَطيعُوا‘ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } النّور : 56

96 - { قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْ لا تَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } النّمل : 46

97 - { يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَ اِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } العنكبوت : 21

98 - { وَاِذَا قيلَ ‘لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ اَيْديكُمْ ‘وَ مَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } يس, : 45

99 - { وَ قِهِمُ السَّيِّ-ا"تِ وَ مَنْ تَقِ السَّيِّ-ا"تِ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَ ذ"لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ ‘} المؤمن : 9

100 - { يَوْمَ لايُغْنى مَوْ لًى عَنْ مَوْلًى شَيْ-ا= وَ لاهُمْ يُنْصَرُونَ * اِلا مَنْ رَحِمَ اللهُ اِنَّهُ هُوَ الْعَزيزُ‘ الرَّحيمُ ‘} الدّخان : 41 و 42

101 - { اِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ فَاَصْلِحُوا بَيْنَ اَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } الحجرات : 10

102 - { قُلْ اَرَ اَيْتُمْ اِنْ اَهْلَكَنِىَ اللهُ وَ مَنْ مَعِىَ اَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجيرُ ‘الْكَافِرينَ ‘مِنْ عَذَاب اَليمٍ ‘}الملك : 28

103 - {وَ اَطيعُوا‘ اللهَ وَ الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} آل عمران : 132

104 - { مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذ فَقَدْ رَحِمَهُ وَ ذ"لِكَ الْفَوْزُ الْمُبينُ ‘} الأنعام : 16

105 - { وَ مِنْهُمُ الَّذينَ ‘يُؤْذُونَ النَّبِىَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ اُذُنٌ قُلْ اُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنينَ ‘وَ رَحْمَةٌ لِلَّذينَ ‘ا"مَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذينَ ‘يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ اَليمٌ } التّوبة : 61

106 - { وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ اَوْلِيَاءُ بَعْض يَاْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ

وَ يُقيمُو نَ الصَّلو"ةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكو ةَ وَ يُطيعُو نَ اللهَ وَ رَسُولَهُ اُولئِكَ’ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ اِنَّ اللهَ عَزيزٌ‘ حَكيمٌ ‘} التّوبة : 71

1 - أكثر الآيات فيها وعد أو إنذار للرّحمة أو للعذاب، فآيات التّبشير و الإنذار و الغفران و الوعد. و جميع آيات الآخرة و الجنّة و النّار و كثير من آيات التّشريع و القصص و غيرها، و في الحقيقة كلّ آيات القرآن الكريم فيها نوع من الوعد بالفوز أو بالعقوبة، و لكنّا اكتفينا بما جاء فيها الرّحمة صراحةً.

2 - أمّا هذه الآيات فقد جاءت فيها < الرّحمة >: إمّا بصيغة فعل الماضي أو المضارع أو الأمر - و هي 16، آية: (1 - 16) - أو بلفظ { رَحْمَة } في الباقي، و هي قسمان:

أحدهما: ما جاءت فيه الرّحمة و العذاب معًا، و هي أكثرها.

و الثّاني: ما جاءت فيه الرّحمة من دون العذاب - و هي خمسٌ - مثل الآيات (103): { وَ اَطيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }، و (101): { وَ اتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }، و (114): { وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }، و (96): { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }، و (106): { اُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ اِنَّ اللهَ عَزيزٌ ‘حَكيمٌ ‘}.3 - و فيها قسمان آخران:

أحدهما: ما يختصّ بالآخرة أو يعمّ الدّنياو الآخرة، و هي أكثرها.

و الثّاني: ما يختصّ بالدّنيا، مثل الآيتين (55): { وَ لايَزَالُونَ مُخْتَلِفينَ ‘* اِلا مَنْ رَحِمَ رَ بُّكَ }،و (105): { وَرَحْمَةٌ لِلَّذينَ ‘ا"مَنُوا مِنْكُمْ }.

4 - و مثلها آيات أُخرى، فلاحظ.

رحمة الله قريب من المحسنين،آية واحدة:

107 - { وَ لاتُفْسِدُوا فِى الاَ_رْضِ بَعْدَ اِصْلاحِهَا وَ ادْعُوهُ خَوْفًا وَ طَمَعًا اِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَريبٌ ‘مِنَ الْمُحْسِنينَ ‘} الأعراف : 56

1 - هذه تتمّة آية قبلها في التّوحيد: { اِنَّ رَ بَّكُمُ اللهُ الَّذى ‘خَلَقَ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضَ...}، و كذا الآيتان بعدهما 57 و 58: { وَ هُوَ الَّذى ‘يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرً ابَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ...}، إلى { كَذ"لِكَ نُصَرِّفُ الا"_يَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ }.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 429) في{ وَلاتُفْسِدُوا}: و معناه النّهي عن قتل المؤمنين، و إضلالهم، و العمل بالمعاصي في الأرض، بعد أن أصلحها الله بالكتب و الرُّسل، عن السُّدّيّ، و الحسَن، و الضّحّاك، و الكَلْبيّ و قيل: بعد أن أمر الله بالإصلاح فيها. قال الحسَن: و إصلاحها: اتّباع أوامر الله تعالى فيها. و روي عنه أيضًا أنّه قال: لاتفسدوها بقتل المؤمن بعد إصلاحها ببقائه.

و قيل: لاتفسدوها بالظّلم بعد إصلاحها بالعدل.

و قيل: معناه: لاتعصوا في الأرض، فيمسك الله المطر،و يهلك الحرث بمعاصيكم، عن عَطيّة.

و على هذا فيكون معنى قوله: { بَعْدَ اِصْلاحِهَا }: بعد إصلاح الله إيّاها بالمطر و الخِصب.

و روى ميسر عن أبي جعفر- محمّد بن عليّ الباقر- ، في هذه الآية قال: إنّ الأرض كانت فاسدة

فأصلحها الله بنبيّه(صلی الله علیه و آله).

3 - و قال في { وَ ادْعُوهُ خَوْفًا وَ طَمَعًا }: < خوفًا من عقابه، و طمعًا في ثوابه.

و قيل: خوفًا من الرّدّ، و طمعًا في الإجابة.

و قيل: خوفًا من عدله، و طمعًا في فضله، عن ابن جُرَ يْج.

و قيل: معناه: خوفًا من النّيران، و طمعًا في الجنان، عن عطاء .

4 - و قال في { اِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَريبٌ ‘مِنَ الْمُحْسِنينَ } : < معناه: أنّ إنعام الله قريب إلى فاعلي الإحسان.

و قيل: إنّ رحمة الله أي ثوابه قريب من المطيعين، عن سعيد بن جَُيْر.

و قيل: المراد ب- < الرّحمة > المطر، عن الأخفش...>.

تخفيف من ربّكم و رحمة، آية واحدة:

108 - { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِى الْقَتْلى" اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الاُ_نْثى" بِالاُ_نْثى" فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ اَخيهِ ‘شَىْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَدَاءٌ اِلَيْهِ بِاِحْسَان ذ"لِكَ تَخْفيفٌ ‘مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذ"لِكَ فَلَهُ عَذَابٌ اَليمٌ } البقرة : 178

1 - بدأ الله الآية بحكم القصاص في القتلى،و البحث فيها تفصيلا في: ق ص ص: < القصاص >.

2 - ذكر الله ذيلها حكم من عُفي له من القصاص من قبل أُولياء الدّم، فقال: { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَ اَدَاءٌ اِلَيْهِ بِاِحْسَان } أي ينبغي أن يعاملهم قبال عفوهم إيّاه عن القصاص بالمعروف و الإحسان إليهم.

3 - و قد قارن فيها الرّحمة بالتّخفيف: { ذ"لِكَ تَخْفيفٌ ‘مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ } مع التّلطيف ب- { رَبِّكُمْ}، و تقديمه على الرّحمة. لكنّه أكّد بالعذاب لمن اعتدى بعد ذلك بقتل أحد { فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذ"لِكَ فَلَهُ عَذَابٌ اَليمٌ }.

الدّعاء للرّحمة، 15 آية:

109- { اَ لَّذينَ ‘اِذَا اَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ‘ قَالُوا اِنَّاللهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ * اُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ اُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } البقرة : 156 و 157

110 - { لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَ بَّنَا لاتُؤَاخِذْنَا اِنْ نَسينَا ‘اَوْ اَخْطَاْنَا رَ بَّنَا وَ لاتَحْمِلْ عَلَيْنَا اِصْرً ا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذينَ ‘مِنْ قَبْلِنَا رَ بَّنَا وَ لاتُحَمِّلْنَا مَا لاطَاقَةَ لَنَا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا اَنْتَ مَوْ لانَا فَانْصُرْ نَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرينَ ‘} البقرة : 286

111 - { رَ بَّنَا لاتُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ اِذْ هَدَيْتَنَا وَ هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً اِنَّكَ اَنْتَ الْوَهَّابُ } آل عمران : 8

• { قَالا رَ بَّنَا ظَلَمْنَا اَنْفُسَنَا وَ اِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَ تَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرينَ ‘} الأعراف : 23

112 - { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لى وَ لاَخى وَ اَدْخِلْنَا فى رَحْمَتِكَ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّاحِمينَ } الأعراف : 151* {...اَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرينَ ‘} الأعراف : 155

• { قَالَ رَبِّ اِنّى اَعُوذُ بِكَ اَنْ اَسْاَلَكَ مَا لَيْسَ لى بِهِ

عِلْمٌ وَ اِلا تَغْفِرْ لى وَ تَرْحَمْنى اَكُنْ مِنَ الْخَاسِرينَ ‘}هود : 47

113 - { وَ نَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرينَ } يونس : 86

114 - { وَ اخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَ بَّيَانى صَغيرً ا} الإسراء : 24

• { اِذْ اَوَى الْفِتْيَةُ اِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَ بَّنَا ا"تِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنَا مِنْ اَمْرِنَا رَشَدً ا} الكهف : 10

115 - { قَالَ رَبِّ اِنّى ظَلَمْتُ نَفْسى فَاغْفِرْ لى فَغَفَرَ لَهُ اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ ‘} القصص : 16

116 - { اِنَّهُ كَانَ فَريقٌ ‘مِنْ عِبَادى ‘يَقُولُونَ رَ بَّنَا ا"مَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُالرَّاحِمينَ ‘} المؤمنون : 109

117 - { وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ اَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمين ‘} المؤمنون : 118

118 - { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَ قَالَ رَبِّ اَوْزِعْنى اَنْ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتى اَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَ عَلى" وَالِدَىَّ وَ اَنْ اَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضيهُ وَ اَدْخِلْنى بِرَحْمَتِكَ فى عِبَادِكَ الصَّالِحينَ ‘} النّمل : 19

• { وَ الَّذينَ ‘جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَ بَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لاِخْوَانِنَا الَّذينَ ‘سَبَقُونَا بِالا _يمَانِ وَ لاتَجْعَلْ فى قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذينَ ‘ا"مَنُوا رَ بَّنَا اِنَّكَ رَؤُفٌ رَحيمٌ } الحشر : 10

الأُولى: تختصّ بالّذين أصابتهم مصيبة، فإنّهم يقولون: { اِنَّا للهِ وَ اِنَّا اِلَيْهِ رَ اجِعُونَ }، و جزاؤهم صلوات من ربّهم ورحمة و أ نّهم مهتدون.

و هذه الجملة دائرة بين المسلمين في أنحاء البلاد حين أصابتهم مصيبة من عائلتهم أو من غيرها، فإنّهم يُواجهون المصيبة بهذه الجملة المباركة الشّاملة للتّوحيد و المعاد.

و الثّانية: تتمّة لآية قبلها في آخر سورة البقرة المطوَّلة، حكايةً عن الرّسول و المؤمنين:

{ ا"مَنَ الرَّسُولُ بِمَا اُ نْزِلَ اِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ا"مَنَ بِاللهِ وَ مَلئِكَتِهِ’ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ اَحَد مِنْ رُسُلِهِ وَ قَالُوا سَمِعْنَا وَ اَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَ بَّنَا وَ اِلَيْكَ الْمَصيرُ ‘* لايُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا اِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَ بَّنَالاتُؤَاخِذْنَا...}.

1 - فشروع الدّعاء منهم في الآية السّابقة من قولهم: { رَ بَّنَا وَ اِلَيْكَ الْمَصيرُ ‘}، و ما بينهما جملة معترضة، و بعدها تستمرّ الدّعاء من قولهم: { رَ بَّنَالاتُؤَاخِذْنَا...} إلى آخرها.

2- و ممّا يجلب النّظر أنّ الله تعالى، بعد ما طوّ ل الكلام في سورة البقرة - و هي أطول سورة في القرآن بين المكّيّات و المدنيّات - في جملة من الأحكام و التّشريعات، و في جملة من القصص و لاسيّما قصص اليهود، ختمها بهذا الدّعاء.

و الثّالثة: حكاية عن الرّ اسخين في العلم في الآية قبلها في تأويل المتشابهات: { وَ الرَّ اسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ا"مَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَ مَا يَذَّكَّرُ اِلا اُولُوا الاَ_لْبَابِ * رَ بَّنَا لاتُزِغْقُلُوبَنَا...}، و بعدها: { رَ بَّنَا اِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لارَيْبَ فيهِ ‘اِنَّ اللهَ لايُخْلِفُ الْميعَادَ ‘}، فالدّعاء بدأ في الآية قبلها و يستمرّ إلى ما بعدها.

و الرّ ابعة: حكاية عن آدم و زوجته لمّا ذاقا الشّجرة المنهيّة، و بدت لهما سواتهما و ناداهما ربّهما بقوله: { اَلَمْ اَ نْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ...} فقالا: { رَ بَّنَا ظَلَمْنَا اَنْفُسَنَا ...}، اعترافًا بالذّنب، و طلبًا للغفران و الرّحمة.

و الخامسة: حكاية قول موسى في جواب أخيه هارون لمّا أخذ برأس أخيه يجرّه إليه غضبًا عليه، و بعد اعتذار أخيه بأنّ القوم استضعفوه، و كادوا يقتلونه، فقال موسى اعتذارًا عمّا فعله بأخيه: { رَبِّ اغْفِرْ لى وَ لاَخى ...}، و ختامها: { وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}، و سنبحثها.

و السّادسة: حكاية قول موسى أيضًا لربّه، لمّا اختار من بني إسرائيل سبعين رجلا لميقاته، وأخذتهم الرّجفة فقال: { رَبِّ لَوْ شِئْتَ اَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ اِيَّاىَ ...اَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرينَ ‘} .

و السّابعة: جواب نوح لربّه بشأن ابنه الّذي كان في معزلٍ منه، و لم يركب السّفينة بدءً من الآية 45: { وَ نَادى نُوحٌ رَ بَّهُ فَقَالَ رَبِّ اِنَّ ابْنى مِنْ اَهْلى ...* قَالَ يَا نُوحُ اِنَّهُ لَيْسَ مِنْ اَهْلِكَ...}، فقال نوح: { رَبِّ‌ّ اِنّى اَعُوذُ بِكَ ...}،و هذا اعتذار منه ممّا قاله لله بشأن ابنه.

و الثّامنة: حكاية قولبني إسرائيل في جواب موسى لم-ّا قال لهم: { يَا قَوْمِ اِنْ كُنْتُمْ ا"مَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا اِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمينَ‘ * فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَ بَّنَا لاتَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمينَ ‘*وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرينَ}.

و التّاسعة: تتمّة لما قبلها ممّا فرض الله تعالى على النّبيّ و المؤمنين في حقّ الوالدين: { وَ قَضى رَ بُّكَ اَلا تَعْبُدُوا اِلا اِيَّاهُ وَ بِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَانًا اِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ اَحَدُهُمَا اَوْ كِلاهُمَا فَلاتَقُلْ لَهُمَا اُفّ وَ لاتَنْهَرْهُمَا وَ قُلْ لَهُمَا قَوْ لا كَريمًا * وَ اخْفِضْ لَهُمَا...}،

1 - و قد جمع الله فيها بين المصدر { مِنَ الرَّحْمَةِ }، و الأمر{ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا } ، ف- { الرَّحْمَةِ } وصف للعبد، و { ارْحَمْهُمَا } دعاء منه لله تعالى.

2 - و قد كُرّر في الآيتين لفظ < الرّبّ > مضافًا إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله): { رَ بُّكَ } و { رَبِّ } مزيدً ا في اللّطف بالنّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و بالوالدين أيضًا.

و العاشرة: حكاية قول أصحاب الكهف: { اِذْ اَوَى الْفِتْيَةُ اِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَ بَّ-نَا ا"تِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنَا مِنْ اَمْرِنَا رَشَدً ا }.

1 - وقد جمعوا في دعائهم بين{رَحْمَةً} و{رَشَدًا}و كلاهما منكّرً ا، تعظيمًا لهما، أي رحمةً و رشَدً ا كبيرين.

2 - و قال الله في جوابهم: { فَضَرَبْنَا عَلى" ا"ذَانِهِمْ فِى الْكَهْفِ سِنينَ ‘عَدَدً ا...}. [لاحظ أصحاب الكهف]

و الحادية عشرة: قولموسى لمّا قضى على أحد الرّجلين فقتله، فاستغفر ربّه و اعترف بأ نّه من عمل الشّيطان { فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قَالَ هذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ اِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبينٌ ‘* قَالَ رَبِ‌ّ اِنّى ظَلَمْتُ نَفْسى }، و قد خُتمت الآية ب- { اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ ‘}، و سنبحثها في < الرّحيم >.

و الثّانية عشرة: من جملة قول الله تعالى لأهل

النّار في القيامة، بدءً من الآية 105: { اَلَمْ تَكُنْ ا"يَاتى تُتْلى" عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَ بَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا...} إلى أن قال الله لهم في الآيتين بعدها: { اخْسَؤُا فيهَا ‘وَ لاتُكَلِّمُونِ * اِنَّهُ كَانَ فَريقٌ ‘مِنْ عِبَادى يَقُولُونَ رَبَّنَا ا"مَنَّا...}، و قد ختمها بقوله: { وَ اَ نْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ ‘}،و سنبحثها في{الرَّ احِمينَ ‘}.

و الثّالثة عشرة: آخر آية من سورة المؤمنون، أمرً ا من الله تعالى للنّبيّ .

1 - و قد جمع الله فيها و في الآيات قبلها بين طلب الغفران و طلب الرّحمة، تقديمًا للغفران على الرّحمة، فإنّه ما لم يغفر الذّنوب لايرحم العباد، أو لأنّ غفران الذّنوب هو نفس الرّحمة.

2 - و جاء في آخرها { خَيْرُ الرَّ احِمينَ ‘}و سنبحثها في (الرّاحمين).

و الرّ ابعة عشرة: { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَ قَالَ رَبِّ اَوْزِعْنى اَنْ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتى اَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلى" وَ الِدَىَّ وَ اَنْ اَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضيهُ وَ اَدْخِلْنى بِرَحْمَتِكَ فى عِبَادِكَ الصَّالِحينَ ‘}.

1 - و هذه قول سليمانضاحكًا من قول النّملة في الآية قبلها: { قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاءَ يُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لايَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمنُ وَ جُنُودُهُ...}.

2 - و قد طلب سليمان من الله في دعائه أوّ لا: توفيقه على شكر نعمته عليه و على والديه.

و ثانيًا: العمل الصّالح الّذي يُرضي الله تعالى.

و ثالثًا: إدخاله الجنّة في جملة عباده الصّالحين.

و معلوم أنّ الفلاح المطلوب يحصل بهذه المعطيات الثّلاث.

و الخامسة عشرة: { وَ الَّذينَ ‘جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَ بَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لاِخْوَانِنَا...}.

1 - و هذه تتمّة للآية قبلها تكريمًا للأنصار { وَالَّذينَ‘ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالا_يمَا‘نَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ اِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا اُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى اَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَاُولئِكَ ’ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

2 - كما أنّ تلك الآية تتمّة للآية قبلها توصيفًا للمهاجرين { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرينَ‘ الَّذينَ‘ اُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَاَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ اُولئِكَ ’ هُمُ الصَّادِقُونَ } .

3- فهذه الآية توصيف للتّابعين - بعد توصيف المهاجرين و الأنصار - بأنّهم { يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لا‚خْوَانِنَا الَّذينَ‘ سَبَقُونَا بِالا_يمَا‘نِ ...} فإنّهم يعدّون المهاجرين و الأنصار - الّذين سبقوهم بالإيمان - إخوانًا لهم، ويسئلون الله تعالى أن لايجعل في قلوبهم غلا لهم .

4 - وقد ختم الله هذه الآية بقوله: {رَؤُفٌ رَحيمٌ‘} و سنبحثها في (رَحيمٌ‘).

بُشرً ا بالرّحمة، 5 آيات:

119 - { وَ هُوَ الَّذى ‘يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرً ا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ حَتىّٰ اِذَا اَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَد مَيِّت فَاَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَاَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذ"لِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى" لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } الأعراف : 57

120 - { يُبَشِّرُهُمْ رَ بُّهُمْ بِرَحْمَة مِنْهُ وَ رِضْوَان

وَ جَنَّات لَهُمْ فيهَا ‘نَعيمٌ مُقيمٌ } التّوبة : 21

121 - { وَ هُوَ الَّذى ‘اَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرً ا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ وَ اَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورً ا } الفرقان : 48

122 - { اَمَّنْ يَهْديكُمْ ‘فى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرً ا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ءَ اِلهٌ" مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } النّمل : 63

123 - { وَ مِنْ ا"يَاتِهِ اَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَ ات وَ لِيُذيقَكُمْ‘ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ بِاَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }. الرّوم : 46

1 - و هذه الآيات كلّها مكّيّة إلا ثانيتها الآية 21 من سورة التّوبة : { يُبَشِّرُهُمْ رَ بُّهُمْ بِرَحْمَة مِنْهُ...} و هي من تتمّة ما قبلها: { اَ لَّذينَ ‘ا"مَنُوا وَ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا فى سَبيلِ ‘اللهِ بِاَمْوَالِهِمْ وَ اَنْفُسِهِمْ اَعْظَمُ دَرَجَةً...} ، و هي أيضًا متمّمة لما قبلها: { اَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَ عِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَ امِ كَمَنْ ا"مَنَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الا"_خِرِ وَ جَاهَدَ فى سَبيلِ ‘اللهِ لايَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ...}.

فهذه الآية تبشير للمؤمنين المهاجرين المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله و قد سبقت نظيرها في آيات من سورة التّوبة أيضًا.مثل الآية 117: { لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرينَ‘ وَالاَ_ نْصَارِ الَّذينَ‘ اتَّبَعُوهُ فى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَريقٍ‘ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ اِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحيمُ‘} .

2 - و قد ضمّ فيها إلى رحمته عليهم التّبشير ب-{ رِضْوَ ان وَ جَنَّات لَهُمْ فيهَا ‘نَعيمٌ ‘مُقيمٌ ‘}، و لعلّ < الرّحمة و الرّضوان > فيها خاصّتان بالدّنيا،و { جَنَّات...} بالآخرة، أو كلّها تبشير لهم بجزاء الآخرة، و هو أولى. [لاحظ: رض ي: < رضوان >]

3 - و التّنكير في { رَحْمَة } و { رِضْوَ ان } - كما سبق مرارً ا في أمثالهما - للتّعظيم و التّكثير لاللتّحقير والتّقليل.

4 - و أمّا الآيات الأربع الأُخرى من التّبشير، فكلّها تبشير بإرسال الرّياح لسير السّحاب: إنزالا للمطر، و إخراجًا للثّمرات من الأرض، و تقريبًا لإحياء الموتى في القيامة. و قد أضاف إليها في أخيرتها جريان الفلك، وابتغاء الفضل، و الشّكر لله:{ وَ لِتَجْرِىَ الْفُلْكُ بِاَمْرِهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }.

5 - و الّذي يجلب النّظر هو وحدة التّعبير في ثلاث منها، بقوله: { يُرْسِلُ - اَرْسَل - الرِّيَاحَ بُشْرً ا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ }، و يظهر منها أنّ إرسال الرّياح مقدّمة لرحمته، من دون فصل بينهما.

6 - و هذا مع اختلاف ذيلها حسب نتائجها:{ كَذ"لِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى" لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }، و { وَاَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورً ا }، و { ءَ اِلهٌ" مَعَ اللهِ تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }.

فضل الله و رحمته، 11 آية:

124 - { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذ"لِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرينَ ‘} البقرة : 64

125 - { مَا يَوَدُّ الَّذينَ ‘كَفَرُوا مِنْ اَهْلِ الْكِتَابِ وَ لاالْمُشْرِكينَ ‘اَنْ يُنَزَّ لَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبِّكُمْ وَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ ‘}البقرة : 105

126 - { قُلْ اِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتيهِ ‘مَنْ يَشَاءُ

وَ اللهُ وَاسِعٌ عَليمٌ *يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ } آل عمران : 73 و 74

127 - { وَاِذَا جَاءَهُمْ اَمْرٌ مِنَ الاَ_مْنِ اَوِ الْخَوْفِ اَذَاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ اِلَى الرَّسُولِ وَ اِلَى اُولِى الاَ_مْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذينَ ‘يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ اِلا قَليلا ‘ }النّساء : 83

128 - { وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ اَنْ يُضِلُّوكَ وَ مَا يُضِلُّونَ اِلا اَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَىْء وَ اَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَوَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظيمًا ‘} النّساء : 113

129 - { قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذ"لِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } يونس : 58

130 - { وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ اَنَّ اللهَ تَوَّ ابٌ حَكيمٌ ‘} النّور : 10

131 - { وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِى الدُّ نْيَا وَ الا"_خِرَةِ لَمَسَّكُمْ فى مَا اَفَضْتُمْ فيهِ‘ عَذَابٌ عَظيمٌ}‘ النّور : 14

132 و 133 - { وَ لَوْ لافَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ اَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحيمٌ ‘* يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا لاتَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَ مَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَ اتِ الشَّيْطَانِ فَاِنَّهُ يَاْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ مَا زَكى مِنْكُمْ مِنْ اَحَد اَبَدً ا وَ لكِنَّ اللهَ يُزَكّى مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ سَميعٌ‘ عَليمٌ ‘} النّور 20 و 21

134 - { وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَ النَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فيهِ ‘وَ لِتَبْتَ-غُوا مِنْ فَضْ-لِهِ وَ لَعَ-لَّكُمْ تَشْكُرُونَ } القصص : 73

1 - جاءت اثنتان منها (125 و 126) من سورتي البقرة و آل عمران بلفظ واحد: { يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ ‘}، و كلاهما ردٌّ على أهل الكتاب.

فصدر الأُولى: { مَا يَوَدُّ الَّذينَ ‘كَفَرُوا مِنْ اَهْلِ الْكِتَابِ وَ لاالْمُشْرِكينَ ‘اَنْ يُنَزَّ لَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْر مِنْ رَبِّكُمْ...}.

و جاء قبل الثّانية نقلا عن أهل الكتاب: { وَ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ اَهْلِ الْكِتَابِ ا"مِنُوا بِالَّذى ‘اُنْزِلَ عَلَى الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَ اكْ-فُرُوا ا"خِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * وَ لاتُؤْمِنُوا اِلا لِمَنْ تَبِعَ دينَكُمْ قُلْ اِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ اَنْ يُؤْتى" اَحَدٌ مِثْلَ مَا اُوتيتُمْ‘ اَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ اِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ...}.

2 - و الله تعالى قد أبطل فيهمابرحمته و فضله، و بتشديد أكيد فتنة أهل الكتاب - و معهم المشركون في الآية الأُولى - لإضلال المؤمنين، مُصدّرً ا بأ نّه تعالى تختصّ برحمته من يشاء من عباده المؤمنين، و مُذيّلا ب- { وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِالْعَظيمِ ‘}.

و فيها أطوار من التّأكيد: اختصاص رحمته بمن يشاء - مع الباء - في { بِرَحْمَتِهِ }، و تكرار لفظ الجلالة في الأُولى { وَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ }،و{وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظيمِ ‘}، و في الثّانية في هذه الجملة، و في قبلها { قُلْ اِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ...}، مع تكرار { الْفَضْلَ } فيها.

3 - و جاء في التّفاسير نقلا عن عليّ و غيره

أنّ المراد ب- < الرّحمة > فيها النّبوّة، و فيها أقوال أُخرى. [لاحظ النُّصوص لاسيّما نصّ القُرطُبيّ]

4 - و جاءت في الآيتين (129 و 134) من يونس و القصص أيضًا تأكيد < الرّحمة > و < الفضل > مع اختلاف في سياقهما: ففي آية يونس: { قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذ"لِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }، بتقديم < الفضل > على < الرّحمة >، و عطف < الرّحمة > على <الفضل >.

و في آية القصص: { وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَ النَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }، بتقديم < الرّحمة > على < الفضل > في جملتين عطفت إحديهما على الأُخرى.

5 - و في ختامها أيضًا اختلاف، ففي الأُولى: { هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}،و في الثّانية { وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.

6 - أمّا الآيات السّبع الباقية من ثلاث سُور: البقرة آية، و النّساء آيتين، و النّور أربع آيات - و كلّها مدنيّة - فجاءت فيها: < الرّحمة و الفضل > في جملة مماثلة، و ذُيولها مختلفة، مدحًا أو ذمًّا، تنويعًا للكلام،و تحقيقًا للبلاغة فلاحظ.

7 - و كلّها مسبوقة بأمرٍ مبغوضٍ منهّي عنه، يستثنى منه ب- { وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ }:

و هو في الأُولى من السّبع: التّولّي عن أمر الله:{ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذ"لِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ...}.

و في الثّانية: إذاعة ما جاءهم من الأمن أو الخوف: {وَ اِذَا جَاءَهُمْ اَمْرٌ مِنَ الاَ_مْنِ اَوِ الْخَوْفِ اَذَاعُوا بِهِ... وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ...}.

و في الثّالثة: كسب الخطيئة و الإثم و الرّمي به بريئًا: { وَ مَنْ يَكْسِبْ خَطيئَةً‘ اَوْ اِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَريئًا.‘.. وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ }.

و في الرّ ابعة و ما بعدها مسألة الإفك بإحدى زوجات النّبيّ (صلی الله علیه و آله) و قد جاءت في سورة النّور بعد الرّ ابعة و قبل الثّلاث الباقية في الآية 11، من السّورة: { اِنَّ الَّذينَ ‘جَاؤُ بِا لاِ_فْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ...} اهتمامًا بمسألة الإفك في حياة النّبيّ ، و تخطئةً للفاحشة، و قد كُرّر فيها أربع مرّ ات { وَ لَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ }.

8 - و قد جاءت حكاية الإفك في هذه السّورة الّتي تصدّرت بحكم الزّنى الآية 2: { اَلزَّانِيَةُ وَ الزَّانى فَا جْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة ...}، للرّبط بين الأمرين، فإنّ الإفك كان رمي إحدى زوجات النّبيّ (صلی الله علیه و آله) بالزّنى.

9 - و جاء في الآية (128) منها: { وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ }، خطابًا إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، و في الباقي: { وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ }، خطابًا إلى المؤمنين الخاطئين.

10 - و قد جاءت < الرّحمة > مع < الفضل > في آيات أُخرى، فلاحظ.

الإدخال في الرّحمة، 6 آيات:

135 - { فَاَمَّا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا بِاللهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فى رَحْمَة مِنْهُ وَ فَضْل وَ يَهْديهِمْ ‘اِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقيمًا ‘} النّساء : 175

136 - { وَ مِنَ الاَ_عْرَ ابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الا"_خِرِ وَ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَات عِنْدَ اللهِ وَ صَلَوَاتِ

الرَّسُولِ اَلا اِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فى رَحْمَتِهِ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘} التّوبة : 99

137 - { وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ اُمَّةً وَاحِدَةً وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِىٍّ وَ لانَصير ‘} الشّورى : 8

138 - { فَاَمَّا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَ بُّهُمْ فى رَحْمَتِهِ ذ"لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبينُ ‘} الجاثية : 30

139 - { هُمُ الَّذينَ ‘كَفَرُوا وَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَ امِ وَ الْهَدْىَ مَعْكُوفًا اَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَ لَوْ لارِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ اَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصيبَكُمْ‘ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْم لِيُدْخِلَ اللهُ فى رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذينَ ‘كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا اَليمًا ‘} الفتح : 25

140 - { يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمينَ‘ اَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا اَليمًا ‘} الدّهر : 31

1 - صدرها بيان لما يوجب الرّحمة، و ذيلها بيان لما يترتّب عليها أو على خلافها باختلاف فيها.

2 - أمّا الموجب للرّحمة، فأربع:

أ - الإيمان و الاعتصامبالله (135): { فَاَمَّا الَّذينَ‘ ا"مَنُوا بِاللهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فى رَحْمَة مِنْهُ وَ فَضْل وَيَهْديهِمْ ‘اِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقيمًا ‘}.

ب - الإيمان و العمل الصّالح في (138): { فَاَمَّا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فى رَحْمَتِهِ...}.

ج - الإيمان بالله و اليوم الآخر في (136): { وَ مِنَ الاَ_عْرَ ابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الا"_خِرِ...}.

د - مشيئة الله في (137): { وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ اُمَّةً وَ احِدَةً وَ لكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحْمَتِهِ }،و (139): { لِيُدْخِلَ اللهُ فى رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ }،و (140): { يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فى رَحْمَتِهِ }.

3 - و أمّا ما يترتّب على الرّحمة فثلاث:

أ - الهداية إلى الصّراط المستقيم في (135): { وَ يَهْديهِمْ‘ اِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقيمًا ‘}.

ب - و الفوز المبين في (138): { ذ"لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبينُ ‘}.

ج - و الغفران و الرّحمة في (136): { اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘}.

4 - و أمّا ما يترتّب على خلافها من سخط فثلاث:

أ - نفي النّصرة للظّالمين في (137): { وَ الظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَ لِىٍّ وَ لانَصير ‘}.

ب - و العذاب الأليم للّذين كفروا في (139): { لَوْ تَزَ يَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذينَ ‘كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا اَليمًا ‘}.

ج - و العذاب الأليم أيضًا للظّالمين في (140): { وَ الظَّالِمينَ ‘اَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا اَليمًا ‘}.

5 - و مع أنّ كلّها وعدللإدخال في الرّحمة في المستقبل فبينها فروق:

أ - اختصّت (135) بثلاثة: التّسويف في الإدخال، و بضمّ < الفضل > إلى الرّحمة، و بتوصيف الرّحمة بأ نّها منه تعالى: { فَسَيُدْخِلُهُمْ فى رَحْمَة مِنْهُ وَ فَضْل }.

ب - ضمّ الظّالمين إلى المؤمنين في (137) و (140) تعظيمًا للرّحمة على المؤمنين: { وَ الظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ

وَ لِىٍّ وَ لانَصير ‘}، و { وَ الظَّالِمينَ ‘اَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا اَليمًا}‘.

ج - اختصاص التّسويف في الأُولى الظّاهرة في رحمة الآخرة، و الأربع الباقية عامّة للرّحمة في الدّنيا والآخرة.

نشر الرّحمة، آية واحدة:

141 - { وَ هُوَ الَّذى ‘يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَ يَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَ هُوَ الْوَ لِىُّ الْحَميدُ ‘} الشّورى : 28

1 - المراد بنشر الرّحمة فيها: إنزال المطر بعد قنوط النّاس منه: { يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا }. [لاحظ: غ ي ث: < الغيث >]

2 - و هذه من جملة آيات عدّت المطر رحمةً: مثل {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الاَ_رْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فيهَا ‘وَ هُوَ الرَّحيمُ ‘الْغَفُورُ } سبأ : 2، و { اِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ مَا فِى الاَ_رْحَامِ وَ مَا تَدْرى ‘نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدً ا وَ مَا تَدْرى ‘نَفْسٌ بِاَىِّ اَرْض تَمُوتُ اِنَّ اللهَ عَليمٌ ‘خَبيرٌ ‘} لقمان : 34.

3 - و المراد بالرّحمة فيها: رحمة الدّنيا.

4 - و قد أكّد عِظَم هذه الرّحمة بوصفين لله تعالى:{ وَ هُوَ الْوَ لِىُّ الْحَميدُ }‘.

5 - و قال الطُّوسيّ: < و نشر الرّحمة عمومها لجميع خلقه، فهكذا نشر رحمة الله مجدَّدة حالا بعد حال. ثمّ يضاعفها لمن يشاء، و كلّ ذلك على مقتضى الحكمة، و حسن التّدبير الّذي ليس شي‌ء أحسن منه>.

6 - و قد فسّر بعضهم نشر الرّحمة بظهور الشّمس بعد خفائها تحت السّحاب، و ليس صوابًا. [لاحظ النُّصوص و لاسيّما نصّ الآلوسيّ]

كفلين من رحمته، آية واحدة:

142 - { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ا"مِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُورً ا تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِ-رْ لَكُمْ وَ اللهُ غَفُ-ورٌ رَحيمٌ ‘}الحديد : 28

1 - جاء في صدرها خطابًا للمؤمنين الأمر بالتّقوى و الإيمان برسوله، و سببًا لإيتائهم كفلين من رحمته.

2 - و الكفل: الحظّ و النّصيب. قال الطَّبْرِسيّ (5 : 243): <أي يؤتكم نصيبين من رحمته نصيبًا لإيمانكم بمن تقدّم من الأنبياء، و نصيبًا لإيمانكم بمحمّد (صلی الله علیه و آله)، عن ابن عبّاس >. و الظّاهر أنّ ابن عبّاس ذكر الإيمان بالأنبياء أحد الكفلين، لأنّ الآفات قبلها ابتداءً من الآية 26: { وَ لَقَدْ اَرْسَلْنَا نُوحًا...} تنصّ على جملة من الأنبياء، لكنّه لادليل عليه، بل المراد مضاعفة الرّحمة مرّتين: مرّةً للتّقوى، و مرّةً للإيمان برسوله. [لاحظ: ك ف ل: < الكفلين >]

3 - و قد عطف على إيتاء الكفلين أمرينآخرين: جعل نور لهم يمشون به، و الغفران لهم. و الظّاهر أنّ إيتاء الكفلين جزاء لهم في الدّنيا، و الأمران الآخران جزاء لهم في الآخرة، فلاحظ.

4 - و قد خُتمت الآية بذكر < الرّحمة > أيضًا مع < الغفران > في وصفين مبالغتين { وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ ‘}

تعظيمًا لرحمة الله بهؤلاء الّذين اتّقوا و آمنوا برسوله.

رحمتنا، آية واحدة هنا، و آيات أُخرى في مواضع أُخرى:

143 - { وَ وَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَ جَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق عَلِيًّا} مريم : 50

1 - هذه آخر آيات جاءت في سورة مريم، بشأن إبراهيم و إسحاق و يعقوب: ابتداءً من الآية 41: { وَ اذْكُرْ فِى الْكِتَابِ اِبْرهيمَ .‘.}.

2 - و قد عبّر الله عن الرّحمة عليهم ب- { وَ وَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا...} ترفيعًا لشأنهم، فإنّ الموهبة لأحد فيها تعظيم و احترام أكبر له من إيتائه الرّحمة.

3 - و له نظير في الآية 53 منها بشأن موسى : { وَ وَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا اَخَاهُ هرُ"ونَ نَبِيًّا }.

4 - و قد جاءت بدل { وَهَبْنَا } في الآية 56 من سورة يوسف بشأنه : {... نُصيبُ‘ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ }، و في الآيتين 75 و 86 من سورة الأنبياء بشأن لوط : { وَ اَدْخَلْنَاهُ فى رَحْمَتِنَا} ، و بشأن إسماعيل و إدريس و ذا الكفل: { وَ اَدْخَلْنَاهُمْ فى رَحْمَتِنَا}.

فلاحظ الفرق بين هذه الآيات الخمس بالتّعدّي ب- { مِنْ رَحْمَتِنَا } في الأُوليين، و ب- {بِرَحْمَتِنَا} في الثّالثة، و ب- { فى رَحْمَتِنَا } في الأخيرتين، و كلّ منها له مناسبة مع فعلها الّذي تعلّقت به { وَهَبْنَا }،و {نُصيبُ‘}، و{ اَدْخَلْنَاهُ }. مع أنّ فيها تنويعًا في الكلام أيضًا، مزيدً ا في البلاغة البالغة حدّ الإعجاز.

رحمتي و اليأس منها ،آيتان:

*{ وَ اكْتُبْ لَنَا فى هذِهِ الدُّ نْيَا حَسَنَةً وَ فِى الا_خِرَ’ةِ اِنَّا هُدْنَا اِلَيْكَ قَالَ عذَ ابى اُصيبُ بِهِ مَنْ اَشَاءُ وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فَسَاَكْتُبُهَا لِلَّذينَ ‘يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكو"ةَ وَ الَّذينَ ‘هُمْ بِا"يَاتِنَا يُؤْمِنُونَ } الأعراف : 156

144 - { وَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا بِا"يَاتِ اللهِ وَ لِقَائِهِ اُولئِكَ’ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتى وَ اُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ اَليمٌ }العنكبوت : 23

1 - أُولاها تتمّة لما قبلها من دعاء موسى : { ... فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرينَ ‘* وَ اكْتُبْ لَنَا...}. و هي من جملة قصّته الّتي بدأت بالآية 103، من سورة الأعراف { ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى ... } ، و خُتمت بالآية 168، منها: { وَ قَطَّعْنَاهُمْ فِى الاَ_رْضِ...}. و هي من جملة آيات < الرّحمة الواسعة >، و < كتابة الرّحمة > أيضًا: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فَسَاَكْتُبُهَا لِلَّذينَ‘ يَتَّ-قُونَ...}.

2 - و قد قوبل فيها العذاب بالرّحمة ككثير مثلها: { عَذَابى اُصيبُ ‘بِهِ مَنْ اَشَاءُ وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء }.

3 - و الأُخرى خاصّة بالعذاب فصدرها:{ وَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا بِا"يَاتِ اللهِ }، و ذيلها: { وَ اُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ اَليمٌ }.

4 - و هي ذيل الآيات اللا تي جاءت في سورة العنكبوت بعد آيات من قصّة إبراهيم و ليست من قصّته، ثم ّأدام الله بعدها قصّته بقوله في الآية 24: { فَمَا كَانَ جَوَ ابَ قَوْمِهِ - أي قوم إبراهيم - اِلا اَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ اَوْ حَرِّقُوهُ...}.

5 - و هي من جملة آيات اليأس من الرّحمة أيضًا،

كما قال: { اُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتى }.

6 - و < الرّحمة > كتبت في المصاحف بتاء صغيرة { رَحْمَة } في جميع الآيات، إلا في 7 آيات، و هي في الأرقام:

(55) البقرة: 218، و (88) الأعراف: 96، و (28) هود : 73، و (36) مريم : 2، و (52) الرّوم: 50 و(50) مرّتين الزّخرف : 32.

فكتبت فيها بتاءٍ طويلة { رَحْمَت }، و الظّاهر أنّ الاختلاف من ناحية كُتّاب القرآن من الصّحابة؛ حيث لم تكن يوم ذاك قاعدة مدوّنة للخطّ، فكلّ منهم كتب حسب عادته. و هذا الخلاف موجود في كتابة بعض الألفاظ بالسّين أو الصّاد.

7 - و بهذا تمّ البحث في المصدر < الرّحمة > بجميع ألفاظها معرفةً و نكرةً، و مضافًا إلى اسم أو إلى ضمير، أو مضافًا إليها، مثل: { ذُو الرَّحْمَةِ }، و الآن نبدأ البحث في مشتقّاتها.

المحور الخامس: الرّحمن الرّحيم، 118، آية :

145 - { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} 113، مرّة في أوّ ل السّور.

146 - { اِنَّهُ مِنْ سُلَيْمنَ وَ اِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} النّمل : 30

147 - { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} الفاتحة : 2

148 - { وَ اِلهُكُمْ اِلهٌ" وَ احِدٌ لا اِلهَ" اِلا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ } البقرة : 163

149 - { تَنْزيلٌ ‘مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ } فصّلت : 2

150 - { هُوَ اللهُ الَّذى ‘لا اِلهَ" اِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ } الحشر : 2

{ الرَّحمن الرَّحيم‘ } 113 مرّة في { بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘} أوائل جميع السّور غير سورة التّوبة، و في الآية 30، من سورة النّمل: { اِنَّهُ مِنْ سُلَيْمنَ وَ اِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ ‘}.

و في غير{ بِسْمِ اللهِ } خلال 4 آيات. فهنا فصول:

الفصل الأوّ ل: في < البسملة > و فيها بُحُوثٌ:

1 - بين المفسّرين خلاف في أنّ { بِسْمِ اللهِ } في أوائل السّور جزء من كلّ سورة - غير التّوبة - كما يقول به الشّيعة الإماميّة، تبعًا لما روي عن أئمّة أهل البيت، أو ليس جزءً منها كما هو المشهور عن أئمّة أهل السّنّة، غير الإمام الشّافعيّ القائل بأ نّها جزء من سورة الحمد خاصّة.

و نكتفي هنا بنصّ الطَّبْرِسيّ (1 : 18) قال: < اتّفق أصحابنا أ نّها آية من سورة الحمد، و من كلّ سورة، و أنّ من تركها في الصّلاة بطلت صلاته، سواء كانت الصّلاة فرضًا، أو نفلا ، و أ نّه يجب الجهر بها فيما يجهر فيه بالقراءة.

و يُستحبّ الجهر بها فيما يخافت فيه بالقراءة، و في جميع ما ذكرناه خلاف بين فقهاءالأُمّة، و لاخلاف في أ نّها بعض آية من سورة النّمل. و كلّ من عدّها آية جعل من قوله: { صِرَ اطَ الَّذينَ ‘} إلى آخر السّورة آية. و من لم يعدّها آية، جعل { صِرَاطَ الَّذينَ ‘اَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ }. و قال: إنّها افتتاح للتّيمّن و التّبرّ ك. و أمّا القرّ اء: فإنّ حمزة، وخَلفًا، و يعقوب، و اليزيديّ، تركوا الفصل بين السّور بالتّسمية. و الباقون: يفصلون بينها

بالتّسمية إلا بين الأنفال و التّوبة >.

2 - و لهم فيها بُحُوثٌ أُخرى، جاءت في أوّ ل سورة الحمد من التّفاسير، و في بحث < القراءة > خلال كتاب الصّلاة من كتب الفقه.

و نحن نكتفي هنا بذكر عناوينها، مع موجز من البيان في أمرين:

أحدهما: الفرق بين { الرَّحْمنِ } و { الرَّحيمِ ‘} من جهات:

أ - المعروف و كذا المرويّ: { الرَّحْمنِ } بجميع الخلق في الدّنيا، و { الرَّحيمِ ‘} بالمؤمنين خاصّة في الآخرة. قال الإمام جعفر بن محمّد الصّادق : < { الرَّحْمنِ } اسم خاصّ بصفة عامّة و { الرَّحيمِ ‘} اسم عامّ بصفة خاصّة>.

ب - هما لغتان عربيّتان مشبّهة أو صيغتا مبالغة، أو < { الرَّحْمنِ } عبرانيّ و { الرَّحيمِ ‘}عربيّ. و قيل: إنّ < { الرَّحْمنِ } غير مشتقّ.

ج - إنّ الله ذكر اسمه الخاصّ به { الله } أوّ لا ، ثمّ ثنّى باسمه { الرَّحْمنِ } الّذي لايجوز أن يسمّى به غيره، ثمّ باسمه { الرَّحيمِ ‘} الّذي يجوز أن يسمّى به غيره.

د - إعرابهما هو الجرّ،لكونهما صفتين للمجرور الأوّ ل، إلا أنّ الرّفع و النّصب كلاهما جائزان فيهما بحسب النّحو. أمّا الرّفع فعلى تقدير: بسم الله هو الرّحمن الرّحيم، و أمّا النّصب فعلى تقدير: بسم الله أعني الرّحمن الرّحيم. لكن القراءة بهما متوقّفة على قراءة القُرّ اء، و لم نقف عليها.

ه- - بعض النّكات المستخرجة من { بِسْمِ اللهِ } ذكرها الفَخْرالرّ ازيّ في الباب الحادي عشر من كلامه، فلاحظ.

و - وجوه التّأويل في{ بِسْمِ اللهِ } و الإشارة،و بعضها مرويّ أيضًا:

{ الرَّحْمنِ } بأهل السّماء حين أسكنهم السّماوات، و طوّقهم الطّاعات و جنّبهم الآفات، و قطع عنهم المطاعم و اللّذّات.

{ الرَّحْمنِ } برحمة واحدة، و { الرَّحيمِ ‘} بمائة رحمة.

{ الرَّحْمنِ } الّذي إذا سُئل أعطى، و { الرَّحيمِ ‘} إذا لم يُسأل غضب.

{ الرَّحْمنِ } بالنّعماء، و هي ما أعطى و حباه،و { الرَّحيمِ ‘} بالآلاء، و هي ما صُرف و زُوي.

{الرَّحْمنِ } بالإنقاض من النّيران، و {الرَّحيمِ‘} بإدخالهم الجنان.

{ الرَّحْمنِ } برحمة النّفوس، و { الرَّحيمِ‘} برحمة القلوب.

{ الرَّحْمنِ } بكشف الكروب، و { الرَّحيمِ ‘} بغفران الذّنوب.

{ الرَّحْمنِ } بالطّريق، و { الرَّحيمِ ‘} بالعصمةو التّوفيق.

{ الرَّحْمنِ } بغفران السّيّئات و إن كنّ عظيمات،و { الرَّحيمِ ‘} بقبول الطّاعات، و إن كنّ قليلات.

{ الرَّحْمنِ } بمصالح معاشهم، و { الرَّحيمِ ‘} بمصالح معادهم.

{ الرَّحْمنِ }: الّذي يرحم العبد على كشف الضُّرّ و دفع الشّرّ، و { الرَّحيمِ ‘} الّذي يرقّ و ربّما لايقدر على الكشف.

{ الرَّحْمنِ } بمن جحده، و { الرَّحيمِ ‘} بمن وحّده.

{ الرَّحْمنِ } بمن كفر، و { الرَّحيمِ ‘}بمن شكر.

{ الرَّحْمنِ } بمن قال نِدًّ ا، و { الرَّحيمِ ‘} بمن قال فردً ا.

{ الرَّحْمنِ }: مشتقّ من رحمة الله بجميع خلقه،و { الرَّحيمِ ‘}: مشتقّ من رحمة الله لأهل طاعته.

{ الرَّحْمنِ }: ذو رحمة، و { الرَّحيمِ ‘}: راحم.

و { الرَّحْمنِ }: الرّقيق، و { الرَّحيمِ ‘}:انعطاف على عباده بالرّزق، يعود عليهم بالفضل بعد الفضل، و بالنّعمة بعد النّعمة.

{ الرَّحْمنِ }: أمدح، و { الرَّحيمِ ‘}: ألطف.

{ الرَّحْمنِ }: المنعم بما لايتصوّر جنسه من العباد، و { الرَّحيمِ ‘}: المنعم بما يتصوّر جنسه من العباد.

و ثانيهما في معناهما: هما مشتقّان من < الرّحمة > و هي رقّة في القلب، يحمل صاحبه على الإحسان إلى غيره. وهو محال على الله تعالى بالمعنى المعروف عند البشر،لأ نّه في البشر ألم النّفس و شفاؤه الإحسان، و الله تعالى منزّه عن الآلام و الانفعالات. فالمعنى المقصود من < الرّحمة > بالنّسبة إليه تعالى أثرها، و هو الإحسان مع تفاوت بينهما، حسب ما سبق.

و بهذا ثبت أنّ كلا منهما عبارة عن أثر الرّحمة، فهما صفات فعل لله تعالى. و لكن أفاد بعضهم أنّ { الرَّحْمنِ } صفة ذاتيّ لله تعالى، هي مبدأ الرّحمة و الإحسان، و { الرَّحيمِ ‘} صفة فعل تدلّ على قبول الرّحمة و الإحسان، وتعدّيهما إلى المنعَم عليه. و يدلّ على هذا أنّ { الرَّحْمنِ } لم تُذكر في القرآن إلا مجرًى عليها الصّفات، كما هو شأن أسماء الذّات: { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ }، و غيرها من الآيات الكثيرة.

أمّا { الرَّحيمِ ‘} فقد كثر استعمالها وصفًا فعليًّا،و جاءت بأُسلوب التّعدية و التّعلّق بالمنعم عليه: { اِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ }، و غيرها، كما جاءت < الرّحمة > كثيرً ا على هذا الأُسلوب: { وَ رَحْمَتى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } .

والنّتيجة أنّ {الرَّحْمنِ } صفة ذات،و {الرَّحيمِ‘} صفة فعل.

الفصل الثّاني: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ } من غير { بِسْمِ اللهِ} 4 آيات:

أُولاها: { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ } الفاتحة : 2.

1 - قالوا في وجه تكرارهما في { بِسْمِ اللهِ }، و في السّورة: هذا دليل على أنّ{ بِسْمِ اللهِ } ليست جزء للسّورة، و إلا لزم إعادة آية بلفظ واحد و معنى واحد مرّتين، من غير فصلٍ بينهما، ممّا لايوجد مثله في غير الفاتحة، و لايُدفع هذا المحذور بالفصل بينهماب- { اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ ‘} لاحتمال أ نّه من المؤخّر الّذي معناه التّقديم، و إنّما هو: { اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمينَ ‘* الرَّحْمنِ الرَّحيمِ * مَالِكِيَوْمِ الدّين }‘ فلاحظ نصّ الطّبَريّ. و أجاب بعضهم بأنّ التّكرار للتّأكيد، أو لأنّ المعنى وجب الحمد لله، لأ نّه الرّحمان

الرّحيم. أو أنّ بينهما فرق: فقد ذُكر في { بِسْمِ اللهِ } المنعِم دون المُنعَم عليه، و ذُكر في السّورة المنعَم عليهم، و هم { الْعَالمَينَ ‘}، إلى غير ذلك.

و الحقّ أنّ{ بِسْمِ اللهِ } جزء من كلّ سورة بوصف عامّ فلاينافي تكراره بوجه خاصّ في سورة من السّور كالفاتحة و النّمل، و في ثلاث سور أُخرى.و للبُرُوسَويّ، و الآلوسيّ، و الفَخْرالرّ ازيّ وجوه أُخرى فلاحظ.

2 - و للفَخْرالرّ ازيّ سبع فوائد ذيل { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ } في سورة الحمد.

3 - و للقُرطُبيّ أيضًا نكات، فلاحظ.

4 - و ممّا جاء في كلام البُرُوسَويّ للإشارة: < قال أهل الحقيقة الحضرات الكلّيّة المختصّة ب- { الرَّحْمنِ } صلاة حضرة الظّهور، و حضرة البطون، وحضرة الجمع، و كلّ موجود فله هذه المراتب، و لايخلو عن حِكمها، و على هذه المراتب تنقسم أحكام الرّحمة في السّعداء و الأشقياء و المتنعّمين بنفوسهم دون أبدانهم، كالأرواح المجرّدة و بالعكس، و الجامعين بين الأمرين.

و كذا من أهل الجنّة منهم سعداء من حيث نفوسهم بعلومهم دون صورهم، لكونهم لم يقدّموا في الجنّة الأعمال ما يستوجبون به النّعيم الصّوريّ، و إن كان فنزر يسير بالنّسبة إلى من سواهم...>.

5 - و في إعرابهما قالالآلوسيّ: < و الجمهور على خفضهما - لأ نّه وصف لله - و نصبهما زيد، و أبوالعالية و ابن السّميقع و عيسى بن عمرو.و رفعهما أبورزين العقيليّ، و الرّبيع بن خيثم، و أبوعمران الجوليّ >.

6 - و للبُرُوسَويّ كلام أيضًا في أقسام التّربية بالواسطة و بغير الواسطة، و بما هو ممزوج بألَمٍ و غير ممزوجٍ، و أنّ { الرَّحْمنِ } يشير إلى التّربية بالوسائط، و { الرَّحيمِ ‘} يشير إلى التّربية بلاواسطة.

7 - و أمّا ابن عاشور، فمن جملة كلامه: أن ليس لماهيّة < الرّحمة > جزئيّات وجوديّة، و لكنّها جزئيّات من آثارها، فوصف الله تعالى بصفات الرّحمة في اللّغات ناشئ على مقدار عقائد أهلها فيما يجوز على الله و يستحيل، و كان أكثر الأُمم مجسّمة.

ثمّ يجيء ذلك في لسان الشّرائع تعبيرً ا عن المعاني العالية، بأقصى ما تسمح به اللّغات، مع اعتقاد تنزيه الله عن أعراض المخلوقات بالدّليل العامّ على التّنزيه،و هو مضمون قول القرآن: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ} الشّورى : 11.

8 - و قد حكي عن الغزاليّ في < المقصد الأسنى » قوله: « الّذي يريد قضاء حاجة المحتاج و لايقضيها، فإن كان قادرً ا على قضائها لم يسمّ رحيمًا؛ إذ لو تمّت الإرادة لوفّى بها، و إن كان عاجزً ا فقد يسمّى رحيمًا باعتبار ما اعتوره من الرّحمة و الرّقّة، و لكنّه ناقص ».

9 - و لابن عاشور أيضًانُكتٌ في كلامه، فلاحظ.

ثانيتها: { وَ اِلهُكُمْ’ اِلهٌ" وَ احِدٌ لا اِلهَ" اِلا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ } البقرة : 163

1 - قالوا في وجه الوصف بالرّحمة مرّتين بعد النّصّ على وحدة الله بالعبادة مرّتين: إنّ العبادة تُستحقّ بالنّعمة الّتي هي في أعلى مرتبة فتأكيد الرّحمة

تأكيد لاستحقاق الوحدة و العبادة بها. فالرّحمة سبب لاستحقاق العبادة. و أيضًا ذكر الإلهيّة و الفردانيّة يفيد القهر و العُلوّ، فعقّبهما بذكر هذه المبالغة في الرّحمة، ترويحًا للقلوب عن هيبة الإلهيّة و عزّة الفردانيّة، و إشعارً ا بأنّ رحمته سبقت غضبه، و أنّه ما خلق الخلق إلا للرّحمة و الإحسان.

2 - قالوا في إعرابهما: رُفع { الرَّحْمنُ } على البدل من ( هُوَ)، أو على إضمار مبتدإ محذوف أي <هو الرّحمن الرّحيم >، أو أن يكون خبرً ا بعد خبرٍ لقوله: { وَ اِلهُكُمْ’} فيكون قد قضى هذا المبتدأ{ اِلهُكُمْ’ } ثلاثة أخبار: { اِلهٌ" وَ احِدٌ } خبر، و { لااِلهَ اِلا هُوَ } خبر ثان، و { الرَّحْمنُ الرَّحيمُ } خبر ثالث.

و لايجوز أن تكون خبرً ا ل- ( هُوَ ) هذه المذكورات، لأنّ المستثنى هنا ليس بجملة، بخلاف قولك: < ما مررت برجل إلا و هو أفضل من زيد >.و لايجوز أن يرتفع على الصّفة ل- ( هُوَ ) لأنّ المضمر لايوصف.

3 - و لاحظ نصوص أبي حَيّان و الآلوسيّ و ابن عاشور.

ثالثتها: { حم, *تَنْزيلٌ‘ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ } فصّلت : 1 ، 2

1 - الأُولى في إعرابها أنّ { تَنْزيلٌ ‘} خبر للمبتدإ، و هو إمّا ( حم ,)، أو < هذا >، و { كِتَابٌ فُصِّلَتْ } عطف عليه بحذف العاطف، أو بدل منه.

2 - و هذا وصف بليغ للقرآن بأ نّه تنزيل من { الرَّحْمنِ الرَّحيمِ } أي جمع فيه كلّ رحمة من الله في الدّنيا و الآخرة.

3 - و قد أكّده بما بعده: { كِتَابٌ فُصِّلَتْ ا"يَاتُهُ }. [لاحظ: ف ص ل: < فُصّلت >]

رابعتها: {هُوَ اللهُ الَّذى ‘لا اِلهَ" اِلا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ } الحشر : 22

1 - هذه أوّ ل آية من الآيات الثّلاث في آخر سورة الحشر تؤكّد توحيد الله مع ذكر صفات له، لم تجتمع في غيرها من الآيات.

و بعدها: { هُوَ اللهُ الَّذى ‘لااِلهَ" اِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزيزُ ‘الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاَ_سْمَاءُ الْحُسْنى" يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّموَ اتِ وَ الاَ_رْضِ وَ هُوَ الْعَزيزُ ‘الْحَكيمُ }.

2 - و تلك الصّفات - و هي 16 صفة - حسب ترتيبها في الآيات الثّلاث:

في الأُولى: 3 صفات: عالم الغَيْب و الشّهادة، الرّحمن، الرّحيم .

و في الثّانية: 8 صفات: الْمَلِك، القُدُّوس، السّلام،المُؤْمِن، المُهَيْمِن، العَزيز، الجبّار، المُتَكبِّر.

و في الثّالثة: 5 صفات:الخالق، البارِئ، المُصَوِّر، العَزيز، الحكيم. [لاحظ كلّ صفة على حدة في مادّتها، والجميع في تفسير هذه الآيات]

3 - و في خلالها تصريح أكيد بالتّوحيد مرّتين بلفظ واحد { هُوَ اللهُ الَّذى ‘لااِلهَ" اِلا هُوَ }، و بالتّسبيح مرّتين أيضًا باختلاف في اللّفظ { سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } و { يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِى السَّموَ اتِ وَ الاَ_رْضِ }.

4 - و قد كُرّر فيها ( هُوَ ) ستّ مرّ ات. في كلّ منها مرّتين. و هذا أيضًا تأكيد آخر في الآيات الثّلاث على توحيد الله، و توصيفه بصفات الجمال و الجلال، لأ نّه تعالى مرجع الضّمير.

5 - و الّذي يجلب النّظر، أنّ هذه الآيات الثّلاث جاءت بلافصلٍ، عقيب وصف القرآن بوصف كبير في الآية قبلها: { لَوْ اَ نْزَلْنَا هذَا الْقُرْ ا"نَ عَلى" جَبَل لَرَ اَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَ تِلْكَ الاَ_مْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }.

و كأنّ تعقيبها بتلك الصّفات مزيد في وصف جديد للقرآن، بأ نّه توصيف لله تعالى بأحسن الصّفات، وتعريف له بأعظم الأحوال.

الفصل الثّالث: في { الرَّحْمن } منفردً ا، تحت عناوين:

دُعاء الرّحمن، آية:

151 - { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ اَ يًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الاَ_سْمَاءُ الْحُسْنى" وَ لاتَجْهَرْ بِصَلاتِكَوَ لاتُخَافِتْ بِهَا وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذ"لِكَ سَبيلا ‘} الإسراء :110

1 - ذكر الطَّبْرِسيّ (3 : 446) في سبب نزولها أقوالا :

أوّلها و أقربها: أنّ النّبيّ (صلی الله علیه و آله) كان يقول فيسجوده: < يا الله يا رحمان >. فقال المشركون: < هذا يزعم أنّ له إلهًا واحدً ا، وهو يدعو مَثْنى مَثْنى، فردّ الله عليهم بأ نّهما اسمان لله الواحد، و له أسماء حُسنى غيرها فادعوه بأيّ اسم شئتم >.

2 - و قال في إعرابها { اَ يًّا مَا تَدْعُوا }: { تَدْعُوا } مجزوم بالشّرط الّذي يتضمّنه{ اَ يًّا } و علامة الجزم فيه سقوط النّون. و ( مَا ) مزيدة مؤكّدة للشّرط.و{ اَ يًّا } منصوب ب- { تَدْعُوا } .

3 - و قال في معناها: < أيّ شيءٍ من أسمائه تدعونه به كان جائزً ا... فله الأسماء الحسنى، فإن أسماءه تنبئ عن صفات حسنة، وأفعال حسنة >. ثمّ ذكر تلك الصّفات و الأفعال.

4 - و قال: < في الآية دلالة على أنّ الاسم عين المسمّى، و على أنّ تقديم أسمائه الحسنى قبل الدّعاء والمسألة مندوب إليه ...>.

اتّخاذ الرّحمن ولدً ا، 6 آيات:

152 - { وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدً ا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْ-- ا= اِدًّ ا * تَكَادُ السَّموَ "اتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الاَ_رْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّ ا } مريم : 88 - 90

153 - 155 - { اَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَ لَدً ا * وَ مَا يَنْبَغى لِلرَّحْمنِ اَنْ يَتَّخِذَ وَلَدً ا * اِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّموَ"اتِ وَ الاَ_رْضِ اِلا ا"تِى الرَّحْمنِ" عَبْدً ا } مريم : 91 - 93

156 - { وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدً ا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ } الأنبياء : 26

157 - { قُلْ اِنْ كَانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَاَنَا اَوَّ لُ الْعَابِدينَ ‘} الزّخرف : 81

1 - الثّلاث الأُولى من سورة مريم، من أجل أنّ النّصارى اتّخذوا ابنها عيسى ولدً ا لله تعالى، و قد كُرّر { الرَّحْمن } فيها ثلاث مرّ ات تأكيدً ا أنّه لايحتاج إلى ولد، فإنّه رحمان الدّنيا و الآخرة.

2 - وإضافةً إلى ذلك فقد كُرّر { الرَّحْمن } في 13 آية منها - بحثناها في مواضعها - فكلّها 16، آية، و هي حسب أرقامها في السّورة:

1 - { قَالَتْ اِنّى اَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ اِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} مريم : 18

2 - { فَاِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ اَحَدًا فَقُولى اِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ اُكَلِّمَ الْيَوْمَ اِنْسِيًّا } مريم : 26

3 و 4 - { يَا اَبَتِ لاتَعْبُدِ الشَّيْطَانَ اِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا * يَا اَبَتِ اِنّى اَخَافُ اَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا } مريم : 44 و 45

5 - { اُولئِكَ الَّذينَ ‘اَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ ‘مِنْ ذُرِّ يَّةِ ا"دَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَ مِنْ ذُرِّ يَّةِ اِبْر"هيمَ‘ وَاِسْر"يلَ= وَ مِمَّنْ هَدَيْنَا وَ اجْتَبَيْنَا اِذَا تُتْلى" عَلَيْهِمْ ا"يَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدً ا وَ بُكِيًّا} مريم : 58

6 - { جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتى وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ اِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاْتِيًّا } مريم : 61

7 - { ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شيعَة ‘ اَ يُّهُمْ اَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا } مريم : 69

8 - { قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّ ا حَتىّٰ اِذَا رَ اَوْا مَا يُوعَدُونَ اِمَّا الْعَذَابَ وَاِمَّا السَّاعَةَ...} مريم : 75

9 - { اَطَّلَعَ الْغَيْبَ اَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدً ا } مريم : 78

10 - { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقينَ ‘اِلَى الرَّحْمنِ وَفْدً ا } مريم : 85

11 - { لايَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ اِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا } مريم : 87

12 - { وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدً ا } مريم : 88

13 - { تَكَادُ السَّموَ ا تُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ...اَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدً ا } مريم : 90

14 - { وَ مَا يَنْبَغى لِلرَّحْمنِ اَنْ يَتَّخِذَ وَلَدً ا } مريم : 92

15 - { اِنْ كُلُّ مَنْ فِى السَّموَ" اتِ وَ الاَ_رْضِ اِلا ا"تِى الرَّحْمنِ" عَبْدً ا } مريم : 93

16 - { اِنَّ الَّذين‘ ا"مَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّ ا } مريم : 96

3 - و هذا العدد الكثير من لفظ { الرَّحْمن } خاصّ بهذه السّورة، و جاءت أقلّ منها في غيرها: الأحزاب : 7، و الفرقان : 5، و في كلّ من الأنبياء و طه" و يس, و الملك 4، و في غيرها أقلّ من 4.

4 - و قد جاءت في هذه السّورة كلمة < الرّحمة > أيضًا في 4 آيات، و هي حسب أرقامها:

1 - { كهيعص,’ * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا } مريم :1،2

2 - { قَالَ كَذ"لِكِ قَالَ رَ بُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَ لِنَجْعَلَهُ ا"يَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَّا وَ كَانَ اَمْرً ا مَقْضِيًّا } مريم : 21

3 - { وَ وَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَ جَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْق عَلِيًّا } مريم : 50

4 - { وَ وَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا اَخَاهُ هرُ"ونَ نَبِيًّا} مريم : 53

5 - و قد صُدّرت السّورة ب- < الرّحمة > و دامت خلالها بلفظ { رَحْمَةً }، و { رَحْمَتِنَا }، و {الرَّحْمن }

إلى آخرها 21 مرّة.فينبغي أن تسمّى هذه السّورة ب- < سورة الرّحمة > أو < سورة الرّحمان > أيضًا.

6- و كلّها توصيف للأنبياء و الأولياء و المؤمنين، بدءً ب- < زَكَرِيَّا> 2، ثمّ ب- < مَرْ يَم > 18 و 26،ثمّ ب- < عيسى‘ > 21، ثمّ ب- < اِبْرهيم ‘ > 44 و 45، ثمّ ب- < اِسْحاقَ و يعقوب > ، ثمّ ب- < موسى و هارون> 53، ثمّ بالأنبياء من ذرّ يّة آدم إلى إبراهيم و إسرائيل.

7 - هذا كلّه في الآيات الثّلاث من سورة مريم ، في نفي الولد عن الله تعالى.

و أمّا الآية الرّ ابعة في نفي الولد، فهي الآية 26، و 27، من سورة الأنبياء: { وَ قَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدً ا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لايَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِاَمْرِهِ يَعْمَلُونَ...}، و قبلها: { وَ مَا اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول اِلا نُوحى اِلَيْهِ اَ نَّهُ لا اِلهَ" اِلا اَنَا فَاعْبُدُونِ }.و قبلها آيات في اتّخاذ المشركين آلهة غير الله بدءً من الآية 21:{ اَمِ اتَّخَذُوا ا"لِهَةً مِنَ الاَ_رْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ}.

8 - فموضوع البحث في هذه الآيات، هو اتّخاذ المشركين آلهة من دون الله، و المراد باتّخاذهم ولدً ا هو اتّخاذ الله الملائكة أولادً ا، و بنات له تعالى، كما قال الطَّبْرِسيّ (4 : 44): < يعني من الملائكة >، فليس المراد ب- < الولد > فيها عيسى كما كان في الآيات الثّلاث الأُولى. و يشهد به ما بعدها: { بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ...}.

9 - و الخامسة الآية82، من سورة الزّخرف المكّيّة، و الّتي هي أيضًا ردٌّ على المشركين، في اتّخاذهم الملائكة أولادً ا لله تعالى.

و الشّاهد عليه أنّ الآيات قبلها في المشركين أيضًا، و أنّ الله ذكر في الآيات (57 - 64) قبلها عيسى ، واختلاف النّصارى فيه، و جاء في الآيات 58 و ما بعدها نقلا عن المشركين: { وَ لَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْ يَمَ مَثَلا اِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَ قَالُوا ءَ ا"لِهَتُنَا خَيْرٌ اَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ اِلا جَدَ لا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * اِنْ هُوَ اِلا عَبْدٌ اَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَ جَعَلْنَاهُ مَثَلا لِبَنى اِسْرَايلَ= }.

و كأنّ المشركين كانوا يستشهدون لقولهم: إنّ لله ولدً ا بقول النّصارى إنّ عيسى ولد له تعالى، و كانوا يقايسون بين قولهم و قول النّصارى. و أنّ قولهم : إنّ الملائكة أولاد الله أحسن و أقرب إلى الصّواب، لأ نّهم ملائكة، و ليسوا بشرً ا، أمّا عيسى فهو بشر.

و هذا وجه آخر إزاء وجوه و أقوال أُخرى في معنى هذه الآيات. [لاحظ: الطَّبْرِسيّ 5 : 56]

الاستعاذة بالرّحمن، آية واحدة:

{ قَالَتْ اِنّى اَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ اِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } مريم : 18

1 - هذه حكاية قول مريم لمن تمثّل لها في صورة بشر في الآية قبلها: { فَاَرْسَلْنَا اِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرً ا سَوِيًّا }.

2 - قال الطَّبرسيّ (3 : 508): < معناه: إنّي أعتصم بالرّحمان من شرك، فاخرج من عندي إن كنت تقيًّا >.3 - ثمّ طرح سؤالا : < يقال: كيف شرطت في التّعوّذ منه أن يكون تقيًّا، و التّقيّ لايحتاج أن يتعوّذ منه، و إنّما يُتعوّذ من غير التّقيّ؟

و الجواب: إنّ التّقيّ إذا تعوّذ بالرّحمان منه ارتدع

عمّا يسخط الله، ففي ذلك تخويف و ترهيب له، و هذا كما تقول: إن كنت مؤمنًا فلاتظلمني.

فالمعنى: إن كنت تقيًّا فاتّعظ و اخرج.

و روي عن عليّ أ نّه قال: علمت أنّ التّقيّ ينهاه التُّقى عن المعصية. و قيل: إنّ معنى قوله: { اِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } ما كنتَ تقيًّا حيث استحللت النّظر إليّ، وخلوت بي >.

النّذر للرّحمن، آية واحدة:

158 - { فَكُلى وَ اشْرَبى وَ قَ-رّى ‘عَيْنًا فَاِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ اَحَدً ا فَقُولى اِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ اُكَلِّمَ الْيَوْمَ اِنْسِيًّا} مريم : 26

1 - هذه من تتمّة قصّة حمل مريم عيسى في الآية 22، من السّورة: { فَحَمَلَتْهُ فَا نْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا } إلى 24 - 26: { فَنَادَ اهَا مِنْ تَحْتِهَا اَ لا تَحْزَنى ...* فَكُلى وَ اشْرَبى ... فَاِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ اَحَدً ا فَقُولى اِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا...}.

و كلّها قول عيسى لأُمّها مريم، لطفًا بها و إزالةً لحزنها على ما حدث.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (3 : 509) نقلا عن أبي عليّ في القائل: < إنّه جبرائيل، أو عيسى . و قال بعض أهل التّأويل: لايكون إلا عيسى ، و لايكون جبرائيل، لأ نّه لو كان جبرائيل لناداها من فوقها...>.

3 - و جاء فيها { نَذَرْتُ}. [لاحظ. ن ذ ر: < نذرتُ >]

الرّحمن و الشّيطان ،آيتان:

159و 160- { يَا اَبَتِ لاتَعْبُدِ الشَّيْطَانَ اِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا * يَا اَبَتِ اِنّى اَخَافُ اَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَان ِوَلِيًّا } مريم : 44 ،45

1 - جاء فيهما و في آيتين قبلهما نداء { يَا اَبَتِ } أربع مرّ ات، و قد حكى الطَّبْرِسيّ (3 : 516) عن الزّجّاج و غيره: < العرب تقول في النّداء: < يا أبت و يا أُمّت >، و لايقال: < قال أبتي كذا >، و قالت: < أُمّتي كذا>. و قال: و زعم الخَليل وسيبَوَيه أنّهما بمنزلة قولهم: < يا عمّة و يا خالة >. و زعم أنّه بمنزلة قولهم: < رجل رَبِعَة، وغلام يفعة>. و أنّ الهاء عوض من ياء الإضافة في < يا أبي، و يا أُمّي >.

و قال الطَّبْرِسيّ أيضًا: < يا أبت، أي يا أبي.و دخلت التّاء للمبالغة في تحقيق الإضافة >.

2 - و قد خاطب إبراهيم أباه أربع مرّ ات: منعه في الأُولى عن عبادة الأصنام، و في الثّانية أخبره بأنّه جاءه العلم و لم يأته، فلابدّ أن يتبعه ليهديه الصّراط المستقيم. و في الثّالثة نهاه عن عبادة الشّيطان، فإنّه كان للرّحمان عصيًّا. و في الرّ ابعة أخبره بأ نّه يخاف أن يمسّ أباه عذاب من الرّحمان، فيكون وليًّا للشّيطان.

و فيها مبالغة أكيدة في حرمة عبادة غير الله تعالى، كما أنّ في تكرار الخطاب مزيد لطف بأبيه.

3 - و قد سبق منّا أنّ العذاب فيها مقرون ب- { الرَّحْمنِ }: { عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمنِ } تلطيفًا لعذاب أبيه، أو لطفًا به.

4 - و قد جاء في الرّوايات أنّ المخاطب لم يكن

أباه، بل رجل آخر من أقربائه. [لاحظ: إبراهيم]

آيات الرّحمن، آية واحدة:

161 - { اُولئِكَ الَّذينَ‘ اَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيّينَ‘ مِنْ ذُرِّ يَّةِ ا"دَمَ وَ مِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَ مِنْ ذُرِّ يَّةِ اِبْر"هيمَ‘ وَاِسْرَايلَ = وَ مِمَّنْ هَدَيْنَا وَ اجْتَبَيْنَا اِذَا تُتْلى" عَلَيْهِمْ ا"يَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدً ا وَ بُكِيًّا } مريم : 58

1 - هذه إحدى آيات سورة مريم وصفًا للنّبيّين من ذرّ يّة آدم إلى إبراهيم و إسرائيل. و قد وُصف النّبيّون فيه بأ نّهم الّذين أنعم الله عليهم، و أنّهم ممّن هداهم الله و اجتباهم، كما وُصفوا ب- { اِذَا تُتْلى" عَلَيْهِمْ ا"يَاتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدً ا وَ بُكِيًّا }. [لاحظ: خ رر: < خرّوا >، و: س ج د: < سُجّدً ا >، و: ب ك ي: < بُكِيًّا >]

2 - و المراد ب- { ا"يَاتُ الرَّحْمنِ } - كما عن ابن عَبّاس - القرآن. و عن غيره أ نّها جميع ما أُوحي إلى النّبيّين قبل القرآن، لأنّهم لم يُدركوا الوحي القرآنيّ. و يؤيّده ما بعده { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ }.

3 - و إضافة < الآيات > إلى { الرَّحْمنِ } مزيد في تكريم الآيات، بأنّها نزلت رحمة من الله على عباده برحمته الواسعة الشّاملة للدّنيا و الآخرة.

وعد الرّحمن، آيتان:

162 - { جَنَّاتِ عَدْن الَّتى وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبَادَهُبِالْغَيْبِ اِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاْتِيًّا } مريم : 61

163 - قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } يس, : 52

1 - أُولاها: تتمّة لما جاء قبلها استثناءً عمّن جاء خلف أُولئك الأنبياء:

{ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * اِلا مَنْ تَابَ وَ ا"مَنَ وَ عَمِلَ صَالِحًا فَاُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَ لاَيُظْلَمُونَ شَيْ-ا= * جَنَّاتِ عَدْن ...}. و { جَنَّاتِ } بالنّصب على البدل من { الْجَنَّةَ }.

2 - فقوله: { جَنَّاتِ عَدْن } توضيح لقوله:{ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } بأ نّها ليست جنّة واحدة بل هي { جَنَّاتِ عَدْن الَّتى وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ...}.

3 - و إضافة < الوعد > إلى { الرَّحْمنُ } مزيد في أنّه وعدٌ بالحُسنى، لأ نّه من { الرَّحْمنُ }، كما أنّ تعلّق الوعد ب- { عِبَادَهُ } - أي عباد الرحمان - لطفٌ بعد لطف، و كذا ذيلها { اِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَاْتِيًّا }. [لاحظ: ع د ن: < عَدْن >، و: غ ي ب: < الغيب >]

4 - ثانيتها: تتمّة لما قبلها أيضًا: { وَ نُفِخَ فِى الصُّورِ فَاِذَا هُمْ مِنَ الاَ_جْدَ اثِ اِلى" رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ }. فهي قول الّذين قاموا من قبورهم و قالوا: { يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْ قَدِنَا }؟ ثمّ أجابوا أنفسهم ب- { هذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }.

5 - و في الجملتين: { هذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ } و { وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ } تأكيد لحسن الوعد و صدقه، لأ نّه من { الرَّحْمنُ }، و من { الْمُرْسَلُونَ }.إنزال الرّحمن، آية واحدة:

164- { قَالُوا مَا اَنْتُمْ اِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَ مَا اَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْء اِنْ اَنْتُمْ اِلا تَكْذِبُونَ } يس, : 15

1 - هذه حكاية قول أصحاب القرية في الآيتين 13 و 14: { وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا اَصْحَابَ الْقَرْيَةِ اِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * اِذْ اَرْسَلْنَا اِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا

فَعَزَّزْ نَا بِثَالِث فَقَالُوا اِنَّا اِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا اَ نْتُمْ اِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا...}.

2 - و قولهم هذا احتجاج على الرّسل بثلاث حجج: { مَا اَ نْتُمْ اِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا } و { وَ مَا اَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْء } و { اِنْ اَنْتُمْ اِلا تَكْذِبُونَ }. و فيها ترتيب في الاحتجاج على الرّسل:

أوّ لا : فإنّهم بشر كسائر النّاس، ليست لهم مزيّة على غيرهم حتّى يختصّوا بالرّسالة عن الله تعالى، إلى النّاس.

و ثانيًا: فإذًا لم ينزل الله لكم علينا شيئًا.

و ثالثًا: فأنتم تكذبون كذبًا محضًا من دون رسالة لكم من الله علينا.

3 - و الّذي يجلب النّظر أنّ الكفّار قالوا في جواب المرسلين: { مَا اَنْزَلَ الرَّحْمنُ } دون < ما أنزل الله >.و ليس في كلام المرسلين قبلها سوى { اِنَّا اِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ }، لكن جاء في بعض كلام المرسلين في غيرها { اَنْزَلَ الرَّحْمنُ } يس : 15، و لعلّه كان مرادهم في قولهم: { اَنْزَلَ الرَّحْمنُ } فكان الاحتجاج عليهم ردًّ ا لقولهم: { اَنْزَلَ الرَّحْمنُ }، و يبدو أ نّه نوع استهزاء لهؤلاء المرسلين بتكرار قولهم: { اَنْزَلَ الرَّحْمنُ }.ذكرٌ من الرّحمن، 3 آيات و كلّها مكّ-يّة:

165 - { وَ مَا يَاْتيهِمْ ‘مِنْ ذِكْر مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَث اِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضينَ ‘} الشّعراء : 5

166 - { وَ اِذَا رَا"كَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا اِنْ يَتَّخِذُونَكَ اِلا هُزُوً ا اَهذَا الَّذى ‘يَذْكُرُ ا"لِهَتَكُمْ وَ هُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كَافِرُونَ } الأنبياء : 36

167 - { وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرينٌ ‘} الزّخرف : 36

1 - الأُولى جاءت بشأن القرآن الكريم خطابًا لأهل مكّة في سورة الشّعراء المكّيّة.

2 - و هذه توضّح: { ا"يَاتُ الْكِتَابِ الْمُبينِ ‘} في أوّ ل السّورة{ طسم , * ا"يَاتُ الْكِتَابِ الْمُبينِ ‘}.

3 - و قد وصف فيها القرآن بثلاث: ذكر، من الرّحمان، مُحدث، و التّعبير عن القرآن ب- { ذِكْر } و كذا عن التّوراة جاء في غيرها أيضًا. [لاحظ: ذ ك ر: < ذكر >]، و يدلّ هذا على وصف كبير للقرآن، بأ نّه مذكّر ذكرً ا كثيرً ا بالغًا، فإنّ المصدر < ذكر > مبالغة مثل < زيدٌ عدلٌ > مضافًا إلى تنكيره فإنّه مزيد في ذلك.

4 - و توصيف < الذّكر > بأنّه { الرَّحْمن } تلطيف و ترغيب بهذا الذّكر، بأ نّه نزل من قبل الرّحمان، فكلّه رحمة من الله تعالى.

5 - و توصيفه ب- { مُحْدَث } يعني أ نّه كتاب جديد من الله بعد الكتب السّابقة، و قد احتجّ به القائلون بحدوث كلام الله، كالمعتزلة و الشّيعة قبال من يقول بقِدَمه كالأشاعرة.

6 - و تعظيم القرآن بهذه الأوصاف المرغّبة إلى التّصديق به مزيد في ضلالالمعرضين عنه، في قوله: { اِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضينَ ‘}.

7 - و الثّانية آية من < سورة الأنبياء > المكّيّة، و هي ذمّ أكيد للمشركين الّذين اتّخذوا النّبيّ هُزُوً ا لمّا ذكر آلهتهم بسوءٍ، و الّذين كفروا بذكر الرّحمان.

8 - و الجمع بين هذين الوصفين: استهزاء النّبيّ، و الكفر بالرّحمان مبالغة في ذمّهم و ضلالهم.

9 - و الثّالثة من < سورة الزّخرف > المكّيّة أيضًا، و الّذي يلفت النّظر فيها أ نّه لم يأت فيها لفظ الجلالة إلا مرّة واحدة في الآية 87: { لَيَقُولُنَّ اللهُ } بل جاء مكانها { الرَّحْمن } في 7 آيات، و هي حسب أرقامها:

17 - { وَ اِذَا بُشِّرَ اَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّ ا وَ هُوَ كَظيمٌ ‘}.

19 - { وَ جَعَلُوا الْمَلئِكَةَ’ الَّذينَ ‘هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ اِنَاثًا اَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَ يُسْئَل-ُونَ }.

20 - { وَ قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْ نَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذ"لِكَ مِنْ عِلْمٍ اِنْ هُمْ اِلا يَخْرُصُونَ }.

33 - { وَ لَوْ لا اَنْ يَكُونَ النَّاسُ اُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة وَ مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ }.

36 - { وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرينٌ ‘}.

45 - { وَ سْ-َلْ= مَنْ اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا اَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ ا"لِهَةً يُعْبَدُونَ }.

81 - {قُلْ اِنْ كَانَلِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَاَنَا اَوَّ لُ الْعَابِدينَ‘}

10 - و كلّها حكاية عن الله تعالى في التّعبير عن نفسه بالرّحمان سوى 20: { وَ قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ } فهي حكاية قول الكفّار، و كأنّهم عبّروا به هُزءً بما جاء في القرآن، و كلّها ذمّ للكفّار بسوء أدبهم أمام الرّحمان.

11 - و الآية 36: {وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ } قد قارن الله و قابل فيها { الرَّحْمنِ } ب- < الشّيطان > فمن عمى عن الرّحمان نقيّض له شيطانًا قرينًا له. و هذا نظير ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم خطابًا لأبيه في الآيتين 44 و 45 من سورة < مريم >: { يَا اَبَتِ لاتَعْبُدِ الشَّيْطَانَ اِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا * يَا اَبَتِ اِنّى اَخَافُ اَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا }. فالشّيطان في منطق القرآن ضدّ للرّحمان، فمن عبد الرّحمان أعرض عنه الشّيطان، و من عبد الشّيطان كفر بالرّحمان.

12 - قال الطَّبْرِسيّ (5 : 48): < { مَنْ يَعْشُ } العَشْو: أصله النّظر ببصرٍ ضعيف... أي يُعرض عنه أو يعمّ، حكاهما عن ابن عبّاس و قَتادَة، و عن الجُبّائيّ: شبّههم بالأعمى لما لم يبصروا الحقّ. و قال: الذّكر هو القرآن. أو الآيات و الأدّلة.

و قال: { نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرينٌ ‘} أي نخلّ بينه و بين الشّيطان الّذي يُغويه، و يدعوه إلى الضّلالة، فيصير قرينه عوضًا عن ذكر الله، عن الحسَن و أبي مسلم...>.

خلق الرّحمن، آية واحدة:

168 - { اَ لَّذى ‘خَلَقَ سَبْعَ سَموَ ا ت طِبَاقًا مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُور } الملك : 3

1 - هذه تتمّة لما قبلها من أوّ ل السّورة: { تَبَارَكَ الَّذى ‘بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَ هُوَ عَلى" كُلِّ شَىْء قَديرٌ ‘* اَ لَّذى‘ خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيو"ةَ لِيَبْلُوَكُمْ اَ يُّكُمْ اَحْسَنُ عَمَلا وَ هُوَ

الْعَزيزُ ‘الْغَفُورُ * اَ لَّذى ‘خَلَقَ سَبْعَ سَموَ ا ت طِبَاقًا }.

2 - فبدأ الله تعظيم نفسه ببيان قدرته أوّ لا ، ثمّ ببيان خلقه الموت و الحياة ثانيًا، ثمّ ببيان خلقه السّماوات ثالثًا.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 321) في لغاتها: < { طِبَاقًا } مصدر طوبقت طباقًا، فهي مطبق بعضها على بعض، عن الزّجّاج. و قيل: هو جمع طبق مثل جمل و جمال. و التّفاوت: الاختلاف، و الاضطراب، و الفطور: الشّقوق >.

4 - و قال في معناها: < واحدة فوق الأُخرى. و قيل: أراد بالمطابقة المشابهة، أي يشبه بعضها بعضًا في الإتقان و الإحكام، و الاتّساق و الانتظام. { مَا تَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت } أي اختلاف و تناقضٍ من طريق الحكمة، بل ترى أفعاله كلّها سواء في الحكمة، و إن كانت متفاوتة في الصّور والهيئات...>.

عباد الرّحمن، 3 آيات:

169 - { وَ عِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذينَ ‘يَمْشُونَ عَلَى الاَ_رْضِ هَوْ نًا وَ اِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا } الفرقان : 63

170 و 171 - { وَ جَعَلُوا الْمَلئِكَةَ’ الَّذينَ ‘هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ اِنَاثًا اَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْوَ يُسْ-ئَلُونَ *وَ قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْ نَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذ"لِكَ مِنْ عِلْمٍ اِنْ هُمْ اِلا يَخْرُصُونَ }الزّخرف : 19 ، 20

1 - أُولاها: أوّ ل آية من سورة الفرقان في وصف عباد الله، و يستمرّ وصفهم بأوصاف كبار إلى الآية 76: { خَالِدينَ ‘فيهَا ‘حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّ ا وَ مُقَامًا } في 14 آية. [لاحظ: ع ب د: < عباد >]

2 - و قبلها من الآية 47: { وَ هُوَ الَّذى ‘جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاسًا...} إلى الآية 62: { وَ هُوَ الَّذى ‘جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً...} 16 آية، كلّها في وصف الله بأوصافه و أفعاله الكبار. فالله تعالى وصف أوّ لا في هذه السّورة نفسه ثمّ وصف عباده. و قلّ هذا السّياق في القرآن.

و عكسها سورة المؤمنين، فإنّها بدأت بصفات المؤمنين: { قَدْ اَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } إلى الآية 11:{اَ لَّذينَ‘ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فيهَا ‘خَالِدُونَ } ثمّ تلتها آيات في وصف الله تعالى، ابتداءً من الآية 12: { وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الاِ_نْسَانَ مِنْ سُلالَة مِنْ طين ‘}، إلى الآية 22:{ وَ عَلَيْهَا وَ عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ }.

3 - و أمّا إعرابها: ف- { عِبَادُ الرَّحْمنِ } مبتدأ،و { الَّذينَ ‘يَمْشُونَ } خبره، و { الَّذينَ ‘} في سائر الآيات عطف عليه، فكلّها خبر بعد خبر. هذا هو الظّاهر، و ما قيل في إعرابها غيره خلاف الظّاهر. [لاحظ الطَّبْرِسيّ 4 : 178]

4 - و أمّا معناها، فقال الطَّبْرِسيّ: < { وَعِبَادُ الرَّحْمنِ } يريد: أفاضلعباده. و هذه إضافة التّخصيص و التّشريف، كما يقال: ابني من يُطيعني، أي ابني الّذي أنا عنه راض، و يكون توبيخًا لأولاده الّذين لايطيعونه. { الَّذينَ يَمْشُونَ عَلَى الاَ_رْضِ هَوْ نًا } أي بالسّكينة و الوقار و الطّاعة، غير أشرين، و لامرحين، و لامتكبّرين، ولا مفسدين، عن ابن عبّاس و مُجاهِد. وقال أبوعبد الله - جعفر بن محمّد - : هو الرّجل

يمشي بسجيّته الّتي جبَل عليها، لايتكلّف و لايتبختر >.

5 - و الأُخريان تتمّة لما قبلها في ذمّ من اتّخذ لله ولدً ا: ابتداءً من الآية 15: { وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا اِنَّ الاِ_نْسَانَ لَكَفُورٌ مُبينٌ* ‘اَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات ...}.

6 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 41) في تفسيرها:< { جُزْءًا } أي نصيبًا، يعني: حكموا بأنّ بعض عباده - و هم الملائكة - له أولاد، و معنى الجعل هنا: الحكم، و هذا معنى قول ابن عبّاس، ومُجاهِد، و الحسَن قالوا: زعموا أن الملائكة بنات الله >.

و قال في تفسير الآيتين: < { وَجَعَلُوا الْمَلئِكَةَ’ الَّذينَ ‘هُمْ عِبَادُ الرَّحْمنِ اِنَاثًا...} بأن زعموا أ نّهم بنات الله. { اَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} هذا ردّ عليهم، أي أ حَضروا خلقهم حتّى علموا أ نّهم إناث؟ و هذا كقوله: { اَمْ خَلَقْنَا الْمَلئِكَةَ’ اِنَاثًا وَ هُمْ شَاهِدُونَ } الصّافّات : 150، { سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} بذلك { وَ يُسْ-ئَلُونَ } عنها يوم القيامة { وَ قَالُوا لَوْشَاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْ نَاهُمْ } أي لو شاء الرّحمان أن لانعبدهم ما عبدناهم، فإنّما عبدناهم بمشيئةالله...>.

خشية الرّحمن، آيتان:

172 - { اِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَ خَشِىَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَ اَجْر كَريمٍ } يس : 11

173 - { مَنْ خَشِىَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَ جَاءَ بِقَلْب مُنيب ‘} ق : 33

1 - أُولاهما: تتمّة آيات الإنذار ابتداءً من الآية 6: { لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا اُ نْذِرَ ا"بَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ }، و قبلها: { وَ سَوَ اءٌ عَلَيْهِمْ ءَاَ نْذَرْتَهُمْ اَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لايُؤْمِنُونَ }.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (4 : 418): < لم-ّا أخبر سبحانه عن أُولئك الكفّار أ نّهم لايؤمنون، و أ نّهم سواء عليهم الإنذار أو ترك الإنذار، عقّبه بذكر حال من ينتفع بالإنذار، فقال: { اِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ }، و المعنى: إنّما ينتفع بإنذارك و تخويفك من اتّبع القرآن، لأنّ نفس الإنذار قد حصل للجميع، { وَ خَشِىَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ } أي في حال غيبته عن النّاس بخلاف المنافق. و قيل: معناه: وخشي الرّحمان فيما غاب عنه من أمر الآخرة...>.

3 - و الّذي يلفت النّظر أنّ الله تعالى حينما ذكر خشية العبد إيّاه، عبّر عن نفسه ب- { الرَّحْمنَ } تنبيهًا على أنّ الله تعالى ليس بمثابة عبيده الظّالمين الّذين يخشى منهم النّاس لظلمهم، بل هو الرّحمان الّذي ينبغي للنّاس رجاء رحمته، دون الخوف من غضبه. و يجري هذا في الآية الثّانية أيضًا. [لاحظ: < غ ي ب > و: < خ ش ي >]

4 - ثانيتها: توصيف لأهل الجنّة، و قبلها 31و 32: { وَ اُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقينَ ‘غَيْرَ بَعيد ‘*هذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ اَوَّ اب حَفيظ ‘}، فقوله: { مَنْ خَشِىَ الرَّحْمنَ ...} تفسير و توضيح لما قبلها: { لِكُلِّ اَوَّ ابٍ حَفيظ ‘}.

5 - و هذه الآيات في وصف الجنّة و أهلها جاءت بعد آيات في وصف جهنّم و أهلها بدءً بالآية 25، إلى 30: { اَلْقِيَا فى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّار عَنيد ‘...}.

6 - قال الطَّبْرِسيّ (5 : 149): < لم-ّا أخبر سبحانه عمّا أعدّه للكافرين و العصاة، عقّبه بذكر ما أعدّه

للمتّقين، فقال: { وَ اُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقينَ ‘} أي قربت الجنّة، و أُدنيت للّذين اتّقوا الشّرك و المعاصي حتّى يروا ما فيها من النّعيم >.

ثمّ وصف الجنّة بما فيها من الأنهار و الأشجار و طيب الثّمار...

و قال: < { لِكُلِّ اَوَّ اب } أي توّ اب رجّاع إلى الطّاعة...{ حَفيظ ‘} لما أمر الله به، متحفّظ من الخروج إلى ما لايجوز من سيّئة تُدنّسه، أو خطيئة تحطّ منه و تشينه. { مَنْ خَشِىَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ } أي هو من خاف الله و أطاعه، و آمن بثوابه و عقابه، و لم يره. و قيل: { بِالْغَيْبِ } أي في الخلوة بحيث لايراه أحد، عن الضّحّاك و السُّدّيّ >.

الكفر بالرّحمن، آيتان:

174 - { كَذ"لِكَ اَرْسَلْنَاكَ فى اُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا اُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذى ‘اَوْحَيْنَا اِلَيْكَ وَ هُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَ بّى لااِلهَ" اِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ اِلَيْهِ مَتَابِ } الرّعد : 30

175 - { وَ لَوْ لا اَنْ يَكُونَ النَّاسُ اُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُبِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّة وَ مَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } الزّخرف : 33

1 - أُولاهما: تتمّة لآيات قبلها في وصف الأُمم،و ما أُنزل عليهم من النّعم، و هذه في وصف من أنعم عليهم بالرّسالة من هذه الأُمّة، و هم يكفرون بالرّحمان، و فيها و فيما بعدها وصف للقرآن أيضًا.

2 - و قد قارن الله فيها - وكذا في الآية الثّانية - < الكفر > ب- { الرَّحْمنِ } إعجابًا منهم حيث كفروا بالرّحمان غفلة عن آثار رحمته الواسعة.

3 - قال الطَّبْرِسيّ (3 : 293): < أي كما أنعمنا على المذكورين بالثّواب في الجنّة، أنعمنا على المرسَل إليهم بإرسالك. و قيل: إنّ معنى التّشبيه أنّا كما أرسلنا الأنبياء في الأُمم قبلك، أرسلناك { فى اُمَّة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا اُمَمٌ }...>.

4 - و ثانيتها: جاءت بعد حكاية قول الكفّار في الآية 31: { وَ قَالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْ ا"نُ عَلى" رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظيم ‘}، و إجابتهم ب- 32: { اَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ...}، و لها علاقة بالقرآن أيضًا.

5 - و التّعبير عن الكفّار ب- { مَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ } إعجاب منهم - كالآية الأُولى - كيف يكفرون بالرّحمان مع ظهور نعمه و رحمته الواسعة؟

6 - قال الطَّبْرِسيّ (5 :48): < لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا }، قوله: { لِبُيُوتِهِمْ } بدل من قوله: { لِمَنْ يَكْ-فُرُ }، و المعنى: لجعلنا لبيوت من يكفر بالرّحمان سُقفًا من فضّة. فالسّقف إذا كان من فضّة،فالحيطان من فضّة. و قيل: إنّ اللا م الثّانية بمعنى<على> فكأ نّه قال: لجعلنا لمن يكفر بالرّحمان على بيوتهم سُقفًا من فضّة...>.[لاحظ: ب ي ت: < بيوت >، و: س ق ف: < سُقُف >]

العُتُوّ على الرّحمن، آية واحدة:

176 - { ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شيعَة ‘ اَ يُّهُمْ اَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا} مريم : 69

1 - هذه من جملة ما حكاه الله عن الكفّار الّّذين لايؤمنون بالقيامة، بدءً من الآية 66: { وَ يَقُولُ

الاِ_نْسَانُ ءَ اِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ اُخْرَجُ حَيًّا }، و ختمًا بالآية 72: { ثُمَّ نُنَجِّى الَّذينَ ‘اتَّقَوْا...}، و قبلها:{ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطينَ ‘ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا }.

2 - فقد شرح الله عاقبة هؤلاء الكفّار بأ نّه تعالى يحشرهم - مع الشّياطين الّذين كانوا يُضلّونهم في الدّنيا - { حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا} أي متخاصمين، أو جماعات جماعات { ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شيعَةٍ} .

قال الطَّبْرِسيّ(3 : 523): < أي لنستخرجنّ من كلّ جماعة { اَ يُّهُمْ اَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا } أي الأعتى فالأعتى منهم. قال قَتادَة: لننزعنّ من كلّ أهل دين قادتهم و رؤوسهم في الشّرّ. و العِتيّ هاهنا: مصدر كالعُتوّ، و هو التّمرّد في العصيان. و قيل: يبدأ بالأكثر جُرمًا فالأكثر، عن مُجاهِد، و أبي الأحوص>.

3 - و التّعبير ب- { الرَّحْمنِ } بدل < الله > تشديد في ضلالهم و عذابهم حسب عتوّهم على الرّحمان الّذي عمّت رحمته و نعمته.

مدّ الرّحمن،آية واحدة:

177 - { قُلْ مَنْ كَانَ فِى الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّ ا حَتىّٰ اِذَا رَاَوْ ا مَا يُوعَدُونَ اِمَّا الْعَذَابَ وَ اِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَ اَضْعَفُ جُنْدً ا } مريم : 75

1 - هذه أيضًا من جملة ما حكاه الله ذمًّا للكفّار،و الآيات قبلها بيان عاقبتهم يوم الحشر و دخولهم جهنّم، أمّا هذه فبيان حالهم في الدّنيا و الآخرة.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (3 : 526): < { مَنْ كَانَ فِى الضَّلالَةِ } عن الحقّ، و العدول عن اتّباعه { فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّ ا }. هذا لفظ أمرٍ معناه الخبر، و تأويله: أنّ الله سبحانه جعل جزاء ضلالته أن يمدّ له بأن يتركه فيها، كما قال: { وَ نَذَرُهُمْ فى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } الأنعام : 110، إلا أنّ لفظ الأمر يؤكّد معنى الخبر، فكأنّ المتكلّم يقول: أفعل ذلك و آمر نفسي به. فالمعنى: فليعش ما شاء. و أضاف ذلك إلى نفسه، لأ نّه سبحانه يبقيه في الدّنيا، أي فليعش ما شاء الله من السّنين والأعوام، فإنّه لاينفعه طول عمره...>.

3 - و الّذي يلفت النّظر فيها أيضًا نسبة المدد في طول العمر إلى { الرَّحْمنِ } تنبيهًا إلى أنّ الإمداد في العمر أيضًا كأصل الخلق، منشأه الرّحمة الواسعة الإلهيّة،’ فيجب اغتنام الفرصة في الدّنيا من هذه الرّحمة العامّة، للوصول إلى رحمته الخاصّة في الآخرة، لكنّه مع الأسف لا يغتنمها، فيناله العذاب في الدّنيا أو في الآخرة، أو فيهما.

اتّخاذ العهد عندالرّحمن، آيتان:

178 - { اَطَّلَعَ الْغَيْبَ اَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا} مريم : 78

179 - { لايَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ اِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدً ا } مريم : 87

1 - أُولاهما: ردٌّ لقول الكفّار قبلها: { اَفَرَاَيْتَ الَّذى ‘كَفَرَ بِا"يَاتِنَا وَ قَال لاُوتَيَنَّ مَالا وَ وَلَدً ا }.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (3 : 527) في إعرابها:الموصول { الَّذى‘ كَفَرَ } هو المفعول الأوّ ل ل-{رَ اَيْتَ}،و الاستفهام في موضع المفعول الثّاني، و هو قوله تعالى:

{ اَطَّلَعَ الْغَيْبَ } >.

3 - و قال (3 : 528) في سبب نزولها: < روي في الصّحيح عن خبّاب بن الأرتّ، قال: كنت رجلا غنيًّا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لاأقضيك حتّى تكفر بمحمّد (صلی الله علیه و آله). فقلت: لن أكفر به حتّى تموت و تُبعَث. قال: فإنّي لمبعوث بعد الموت، فسوف أقضيك دينك إذا رجعتُ إلى مال و ولد! قال: فنزلت الآية...>.

4 - و قال (3 : 528) في إعرابها و معناها: < { اَفَرَاَيْتَ }: كلمة تعجيب ... { اَطَّلَعَ الْغَيْبَ } هذه همزة الاستفهام دخلت على همزة الوصل، فسقطت همزة الوصل، و معناه: أعلم الغيب حتّى يعلم أهو في الجنّة أم لا؟ عن ابن عبّاس، و مُجاهِد.

و قيل: معناه أنظر في اللّوح المحفوظ، عن الكَلْبيّ، و تأويله أشرف على علم الغيب حتّى علم أ نّه سنؤتيه مالا و ولدً ا، و أ نّه إن بُعث رُزق مالا و ولدً ا، { اَمِ اتَّخَذَ عِنْدَالرَّحْمنِ عَهْدً ا } أي اتّخذ عند الله عهدً ا بعملٍ صالحٍ قدَّمه، عن قَتادَة. و قيل: معناه أم عهد الله إليه أ نّه يدخل الجنّة، عن الكَلْبيّ. و قيل: معناه أم قال: < لاإله إلا الله > فيرحمه الله بها، عن ابن عبّاس >.

5 - و الّذي يلفت النّظر أنّه قيّد اتّخاذ العهد بقوله: { عِنْدَ الرَّحْمنِ } تأكيدً ا أنّ { الرَّحْمنِ } لرحمته العامّة الشّاملة سوف يفي بعهده. و زاده تأكيدً ا ب- كلمة { عِنْدَ } بدل < مِنْ >. [لاحظ: ط ل ع: < اطّلع> و: غ ي ب: < الغيب >]

6 - و المراد بثانيتهما تهديد المجرمين في الآية قبلها: { وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمينَ ‘اِلى" جَهَنَّمَ وِرْدً ا } بأن ليس لهم شفاعة من أحد يشفع لهم عند الله، حتّى يعافوا عن مجازات إجرامهم إلا أن يكون لهم عهد من الرّحمان بقبول الشّفاعة في حقّهم.

قال الطَّبْرِسيّ(3 : 531):<{لايَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ} أي لايقدرون على الشّفاعة، فلايشفعون، و لايشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض، لأنّ ملك الشفاعة على وجهين: أحدهما: أن يشفع للغير،و الآخر: أن يستدعي الشّفاعة من غيره لنفسه، فبيّن سبحانه أنّ هؤلاء الكفّار لاتنفذ شفاعة غيرهم فيهم، و لاشفاعة لهم لغيرهم. ثمّ استثنى سبحانه فقال: { اِلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدً ا } أي لايملكون الشّفاعة إلا هؤلاء. و قيل: لايشفع إلا لهؤلاء. و العهد، هو الإيمان، و الإقرار بوحدانيّة الله تعالى...>.[لاحظ: ش ف ع: < الشّفاعة >]

7 - و قد قيّد قبول الشّفاعة باتّخاذ عهد عليه عند الرّحمان تأكيدً ا أنّ { الرَّحْمنِ } سوف يفي بعهده لأ نّه - كما سبق - مقتضى رحمته العامّة.

الحشر إلى الرّحمن وَفْدً ا، آية واحدة:

180 - { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقينَ ‘اِلَى الرَّحْمنِ وَفْدً ا } مريم : 85

1 - قال الطَّبْرِسيّ (3 : 530):<{ وَفْدً ا } منصوب على الحال من { الْمُتَّقينَ ‘} أي وافدين... و الوفد: جمع وافد، و قد يُجمَع وفودً ا أيضًا. وَفَدَ يَفِد وَفْدً ا، و أوفد على الشّيء: أشرف عليه >.

2 - و قال (3 : 531) في معنى الآية: < أي اذكر لهم

يا محمّد اليوم الّذي نجمع فيه من اتّقى الله في الدّنيا بطاعته، و اجتنب معاصيه، { اِلَى الرَّحْمنِ } أي إلى جنّته، و دار كرامته، وفودً ا و جماعات، عن الأخفش.

و قيل: رُكبانًا يؤتون بنوق لم يُرَ مثلها، عليها رحائل الذّهب، و أزمّتها الزَّبرجد، فيركبون عليها حتّى يضربوا أبواب الجنّة، عن أمير المؤمنين ، و ابن عبّاس >.

3 - و قد قابل الله في الآيتين بين المتّقين و المجرمين يوم القيامة، فقال: { يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقينَ ‘اِلَى الرَّحْمنِ وَفْدً ا * وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمينَ ‘اِلى" جَهَنَّمَ وِرْدً ا} . قال الطَّبْرِسيّ: < و الوِرْد: الجماعة الّتي ترد الماء، يقال: ورد الماء يرد وَردً ا >.

4 - فالمتّقون في ذلك اليوم حشرهم إلى الرّحمانبما له من الرّحمة العامّة، و المُجرمون يُساقون إلى جهنّم بما لها من الآفات. و الفرق بين الحشر و السَّوق، كالفرق بين المشي بالاختيار راضيًا، و بين السّير إلى مكان إجبارً ا.

جعل الرّحمن وُدًّ ا للمؤمنين، آية واحدة:

181 - { اِنَّ الَّذينَ ‘ ا"مَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّ ا } مريم : 96

1 - و قد ذكر الطَّبْرِسيّ وجُوهًا:

أوّ لا : روايات في أنّ الآية نزلت، أو أُوّلت إلى فضائل عليّ .

و ثانيًا: أ نّها تعمّ غيره من المؤمنين الصّالحين؛ حيث سيجعل الله الرّحمان لهم المحبّة و الأُلفة و المقتة في قلوب الصّالحين، و ذكر روايات بهذا المعنى.

و ثالثًا: أنّ معناه: يجعل الله لهم محبّة في قلوب أعدائهم و مخالفيهم، ليدخلوا في دينهم و يعتزّوا بهم.

و رابعًا: يجعل بعضهم يحبّ البعض، فيكون كلّ واحد عَضُدً ا لأخيه المؤمن، و يكونون يدً ا واحدة على من خالفهم.

و خامسًا: يجعل لهم وُدًّ ا في الآخرة، فيُحبّ بعضهم بعضًا كمحبّة الوالد لولده، و في ذلك أعظم السُّرور و أتمّ النّعمة، عن الجُبّائي. ثمّ أيّد الوجه الأوّ ل برواية عن عليّ .

2 - و الظّاهر شمول الآية لكلّ هذه الوجوه، أو هي خاصّة بالوجه الثّاني، و الرّوايات تأويليّة.

3 - و الّذي يلفت النّظر أنّ هذا الحبّ و الوُدّ لهؤلاء المؤمنين في القلوب، صادر عن {الرَّحْمنُ } برحمته العامّة الشّاملة، فيزيد الوُدّ كمًّا و كيفًا، و دوامًا إلى ما لانهاية له.

استواء الرّحمن على العرش، آيتان:

182 - { اَ لرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى } طه" : 5

183 - { اَلَّذى خَلَقَ السَّموَ" اتِ وَ الاَ_رْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فى سِتَّةِ اَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْ-َلْ= بِهِ خَبيرً ا‘ } الفرقان : 59

1 - الأُولى: من جملة آيات أوّ ل سورة طه" في وصف القرآن: { مَا اَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْا"نَ لِتَشْقى }، إلى 4: { تَنْزيلا ‘مِمَّنْ خَلَقَ الاَ_رْضَ وَ السَّموَا تِ الْعُلى }. لكن هذه الآية و ما بعدها وصفٌ لله تعالى دون القرآن.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (4 : 2): < أي هو الرّحمان، لأ نّه لم-ّا قال: { مِمَّنْ خَلَقَ } بيّنه بعد ذلك فقال: هو

الرّحمان >.

3 - و قد ذكر الله تعالى في القرآن استوائه على العرش مرّ ات :

أولاها: الآية 29 من سورة البقرة: { هُوَ الَّذى ‘خَلَقَ لَكُمْ مَا فِى الاَ_رْضِ جَميعًا‘ ثُمَّ اسْتَوى اِلَى السَّمَاءِ فَسَو|يهُنَّ سَبْعَ سَموَا ت ...}.

و ثانيتها: الآية 54 من سورة الأعراف:{اِنَّ رَ بَّكُمُ اللهُ الَّذى ‘خَلَقَ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضَ فى سِتَّةِ اَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ...}.

و الفرق بينهما ب- { اسْتَوى اِلَى السَّمَاءِ }،و{ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ } كما في سائر الآيات،و ظاهر { عَلَى الْعَرْشِ } استقرار الله على العرش دون { اسْتَوى اِلَى السَّمَاءِ }.

4 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 2): < الاستواء: الإقبال على الشّيء، فكأنّه أقبلعلى خلق العرش، و قصد إلى ذلك...>. ثمّ حوّ ل إلى ما قاله (1 : 71) في آية البقرة من الوجُوه، فلاحظ: س و ي: < استوى >.

5 - و الّذي يلفت النّظر أ نّه تعالى قيّد استوائه على العرش بأيّ معنى كان بوصفه { الرَّحْمنُ } أي هذا الاستواء نشأ من رحمته العامّة الشّاملة.

6- و الثّانية من آيات التّوحيد في سورة الفرقان بدءً من الآية 53: { وَ هُوَ الَّذى ‘مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ...}، إلى الآية 63: { وَ هُوَ الَّذى ‘جَعَلَ الَّيْلَ وَ النَّهَارَ خِلْفَةً...}.

7 - و قال الطَّبْرِسيّ: < قد سبق تفسيرها في سورة الأعراف...>.

8 - و قال في { فَسْئَلْ بِهِ خَبيرً ا‘ }: < اختلف في تأويله:

فقيل: إنّ المعنى فاسأل عنه خبيرً ا، و< الباء> بمعنى < عن >. و الخبير هاهنا هو الله تعالى، عن ابن جُرَ يْج.و أنشد في قيام الباء مقام < عن > - و ذكر شعر علقمة بن عبدة...

و قيل: إنّ الخبير هنا محمّد (صلی الله علیه و آله)، و المعنى: ليسأل كلّ منكم عن الله تعالى محمّدً ا، فإنّه الخبير العارف به.

و قيل: إنّ الباء على أصلها، و المعنى: فاسأل بسؤالك أيّها الإنسان خبيرً ا يخبرك بالحقّ في صفته. و دلّ قوله: { فَسْئَلْ } على السّؤال، كما قالت العرب: من كذب كان شرًّ ا له، أي كان الكذب شرًّ ا له، و دلّ عليه كذب، و قد مرّ ذكر أمثاله.

و قيل: إنّ الباء فيه مثل الباء في قولك: لقيت بفلان ليثًا: إذا وصفت شجاعته، و لقيت به غيثًا: إذا وصفت سماحته...>.

ربّكم الرّحمن، آية واحدة:

184 - { وَ لَقَدْ قَالَ لَهُمْ هرُ"ونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ اِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَ اِنَّ رَ بَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونى وَ اَطيعُوا اَمْرى ‘} طه" : 90

1 - هذه من جملة قصص موسى و هارون لم-ّا عبد بنو إسرائيل العِجْل، حكاية عن قول هارون لهم: { يَا قَوْمِ اِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَ اِنَّ رَ بَّكُمُ الرَّحْمنُ }، فنهاهم عن عبادة العِجْل، و أرشدهم إلى أنّ ربّهم الرّحمان.

2 - و التّعبير ب- { الرَّحْمنُ } هنا لطف كبير في الكلام، و تصريح أكيد بالفرق البيّن بين ما عبدوه

مفتونين، و بين الله الخالق للخلق برحمته الواسعة الشّاملة.

3 - ثمّ أكّد دعوته إيّاهم إلى عبادة الرّحمان بأمرهم باتّباعه و إطاعة أمره.

ربّنا الرّحمن، آية واحدة:

185 - { قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعَانُ عَلى" مَا تَصِفُونَ } الأنبياء : 112

1 - هذه آخر آية من سورة الأنبياء، و هي تتمّة لما خاطب الله النّبيّ بقوله: 107: { وَ مَا اَرْسَلْنَاكَ اِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمينَ ‘}، و بعدها: { قُلْ اِنَّمَا يُوحى" اِلَىَّ...}،و بعدها: { فَاِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ...} و كان السّياق يقتضي أن يقول: < قُلْ رَبِّ احْكُمْ...> لكن بدّ ل الأمر < قُلْ > ب- { قَالَ } إشارة إلى أ نّه تعالى أمره بذلك، فأطاعه عاجلا و قال: { قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ }.

2 - و قد جمع الله فيها- توصيفًا لنفسه، و تلطيفًافي الكلام، و تحبيبًا نفسه عند العباد بين{ رَبُّنَا }و{ الرَّحْمنُ } و { الْمُسْتَعَانُ عَلى" مَا تَصِفُونَ }.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 38) في معناها: < { رَ بُّنَا الرَّحْمنُ } الّذي يرحم عباده { الْمُسْتَعَانُ} الّذي يعينهم في أُمورهم، فجمع بين الرّحمة و المعونة اللّتين تضمّنتا أُصول النّعم { عَلى" مَا تَصِفُونَ } من كذبكم و باطلكم في قولكم: { هَلْ هذَا اِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ }،و قولكم: { اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدً ا }. و قيل: معناه و ربّنا الرّحمان المستعان على دفع ما تصفون >.

خشوع الأصوات للرّحمن، آية واحدة:

186 - { يَوْمَئِذ يَتَّبِعُونَ الدَّ اعِىَ لاعِوَجَ لَهُ

وَ خَشَعَتِ الاَ_صْوَ اتُ لِلرَّحْمنِ فَلاتَسْمَعُ اِلا هَمْسًا } طه" : 108

1 - هذه من تتمّة آيات القيامة قبلها الحاكية عقوبة من أعرض عن الذّكر، بدءً من الآية99 و 100 إلى 108: {... وَ قَدْ ا"تَيْنَاكَ مِنْ لَدُ نَّا ذِكْرً ا * مَنْ اَعْرَضَ عَنْهُ فَاِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيمَةِ وِزْرً ا*....* يَوْمَئِذ يَتَّبِعُونَ الدَّ اعِىَ...}.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (4 : 31): < أي يوم القيامة يتّبعون صوت داعي الله الّذي ينفخ في الصّور، و هو إسرافيل . { لاعِوَجَ لَهُ } أي لدعاء الدّ اعي،و لايعدل عن أحد بل يحشرهم جميعًا عن أبي مسلم.

و قيل: معناه لاعوج لهم عن دعائه، لايميلون عنه، و لايعدلون عن ندائه، أي: يتّبعونه سراعًا، و لايلتفتون يمينًا، و لاشمالا ، عن الجُبّائيّ.

{ وَخَشَعَتِ الاَ_صْوَ اتُ لِلرَّحْمنِ } أي خضعت الأصوات بالسّكون لعظمة الرّحمان، عن ابن عبّاس.

{ فَلاتَسْمَعُ اِلا هَمْسًا } و هو صوت الأقدام، عن ابن عبّاس و ابن زَ يْد، أي لاتسمع من صوت أقدامهم إلا صوتًا خفيًّا، كما يُسمع من وطء الإبل. و قيل: الهَمْس إخفاء الكلام، عن مُجاهِد. و قيل: معناه إنّ الأصوات العالية بالأمر و النّهي في الدّنيا ينخفض و يذلّ أصحابها، فلاتسمع منهم إلا الهمس >.

3 - و الّذي يلفت النّظر أنّ هذه الآية بصدد بيان عظمة الموقف للنّاس يوم القيامة، بحيث خشعت أصواتهم من عظمة الله، فهي إلى العذاب أقرب من الرّحمة، و مع ذلك جاء فيها { الرَّحْمن } تأكيدً ا أنّ

رحمة الله الواسعة تعلوا ذلك الموقف الكبير أمام الله.

الكلأ من الرّحمن، آية واحدة:

187 - { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِالَّيْلِ وَ النَّهَارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ } الأنبياء : 42

1 - هذه الآية من تتمّة آيات ذمّ الكفّار، بدءً من الآية 36: { وَ اِذَا رَ ا"كَ الَّذينَ كَفَرُوا اِنْ يَتَّخِذُونَكَ اِلا هُزُوً ا ...} إلى الآية قبلها: { وَ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُل مِنْ قَبْلِكَ ...}، ثمّ قال: { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِالَّيْلِ وَ النَّهَارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ }، فهي بصدد إبطالهم فيما يقولون و يفعلون، و أنّ كلّها ناشئ ٌمن أ نّهم معرضون عن ذكر ربّهم.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (4 : 49): < الكلأ: الحفظ، أي يحفظكم من بأس الرّحمان وعذابه. و قيل: من عوارض الآفات. و هو استفهام معناه النّفي، تقديره: لاحافظ لكم من الرّحمان...>.

3 - و الّذي يلفت النّظر أنّ الآية مع أنّها بصدد الرّدّ عليهم و ذمّهم، و مع ذلك قال: { يَكْلَؤُكُمْ ...مِنَ الرَّحْمنِ } ليغلب جانب الرّحمة برحمة عامّة على جانب العذاب، حتّى حال العذاب، فعذابه لكونه عدلا رحمة على العباد، وعذابه مشوبة بالرّحمة، فهو أقلّ ما يستحقّون من العذاب.

المُلك للرّحمن، آية واحدة:

188 - { اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَ كَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرينَ ‘عَسيرً ا‘ } الفرقان : 26

1 - هذه من تتمّة آيات وصف عقاب الكفّار في القيامة، بدءً من الآية 21: { وَ قَالَ الَّذينَ ‘لايَرْجُونَ لِقَاءَنَا...} فيذكر الله سوء حالهم قبال حسن حال أهل الجنّة، إلى أن قال: { اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ ...}.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (4 : 167 ): < أي المُلك الّذي هو المُلك حقًّا، مُلك الرّحمان يوم القيامة، و يزول مُلك سائر الملوك فيه. و قيل: إنّ المُلك ثلاثة أضرب: مُلك عظمة و هو لله تعالى وحده، و مُلك ديانة و هو بتمليك الله تعالى، و مُلك جبريّة و هو بالغلبة...>.

3 - و الّذي يلفت النّظر أنّ الآية مع كونها سياقًا بصدد التّهديد للكفّار، و جاء في ذيلها: { وَ كَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرينَ ‘عَسيرً ا‘ } و مع ذلك عبّر عن الملك بأ نّه للرّحمان، أي أنّ ملكه ليس كمُلك سائر الملوك الظّالمين للنّاس، بل مُلكة توأم برحمتهالعامّة فلايصل المملوكين من ملكه سوى الرّحمة.

السّجود للرّحمن، آية واحدة:

189 - { وَ اِذَا قيلَ ‘لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قَالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ اَنَسْجُدُ لِمَا تَاْمُرُ نَا وَ زَادَهُمْ نُفُورً ا } الفرقان : 60

1 - هذه من تتمّة الآيات في ذمّ الكفّار و وصف { الرَّحْمن } ابتداءً من أوّ ل السّورة إلى آخرها.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (4 : 176): < أي و أيّ شيء{ الرَّحْمن }، و المعنى: إنّا لانعرف{ الرَّحْمن }. قال الزّجّاج: { الرَّحْمن }. اسم من أسماء الله عزّ اسمه، مذكور في الكتب الأُولى، و لم يكونوا يعرفونه من أسماء الله، فقيل لهم: إنّه من أسماء الله، و معناه عند أهل اللُّغة: ذو الرّحمة الّتي لا غاية بعدها في الرّحمة، لأنّ فعلان من أبنية المبالغة، تقول: رجل ريّان و عطشان في النّهاية

من الرّيّ و العطش، و فَرْحان و جَذْلان، إذا كان في النّهاية من الفرح و الجذل. { اَنَسْجُدُ لِمَا تَاْمُرُنَا وَ زَادَهُمْ نُفُورً ا } أي زادهم ذكر الرّحمان تباعدً ا من الإيمان، عن مُقاتِل. و المعنى: أنّهم ازدادوا عند ذلك نفورً ا عن الحقّ و قبول قول النّبيّ (صلی الله علیه و آله) >.

3 - و الّذي يلفت النّظر أنّ المشركين في مكّةلم يكونوا يعرفون الله بصفة { الرَّحْمن }، فتعبيرهم عن الله ب- { الرَّحْمن }، - كما سبق - استهزاء بالرّسول.

4 - و جاء فيها { الرَّحْمن }، مرّتين: مرّة حكاية عن النّبيّ - إثباتًاله - الّذي كانيأمرهم بالسّجود للرّحمان، و مرّة حكاية عن الكفّار - نفيًا له - .

5 - و اختصاص السّجود لله فيها بصفة{ الرَّحْمن } فيه جلب لرحمته العامّة لمن يسجد له تعالى، و ترغيب للكفّار بذلك.

إرادة الرّحمن ضُرًّ ا، آية واحدة:

190- { ءَاَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ ا"لِهَةً اِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرّ لاتُغْنِ عَنّى شَفَاعَتُهُمْ شَيْ--ً-ا= وَ لايُنْقِذُونِ } يس : 23

1 - هذه من تتمّة آيات أصحاب القرية: أوّلها: الآية 13: { وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا اَصْحَابَ الْقَرْيَةِ اِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ }، و آخرها: الآية 30: { يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَاْتيهِمْ ‘مِنْ رَسُول اِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ}.

2 - و حكى الطَّبْرِسيّ (4 : 419): القصّة، فقال: <قالوا: بعث عيسى رسولين من الحواريّين إلى مدينة أنطاكيّة، فلمّا قربا من المدينة، رأيا شيخًا يرعى غُنيمات له، و هو حبيب صاحب يس ، فسلّما عليه. [إلى آخرها، ثمّ ذكر الرّجل الّذي قال تعالى:] { وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ ‘رَجُلٌ يَسْعى ...}.

3 - و هذه الآية من تتمّة قول الرّجل الّذي ذكر في الآية 20: { وَ جَاءَ مِنْ اَقْصَا الْمَدينَةِ‘ رَجُلٌ يَسْعى ...}، وقبلها: { وَ مَا لِىَ لااَعْبُدُ الَّذى ‘فَطَرَنى وَ اِلَيْهِ تُرْجَعُونَ }، ثمّ قال: { ءَ اَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ ا"لِهَةً اِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرّ }.

4 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 421): < { ءَ اَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ ا"لِهَةً } أعبدهم { اِنْ يُرِدْن ِالرَّحْمنُ بِضُرّ } أي إن أراد الله إهلاكي، والإضرار بي { لاتُغْنِ عَنّى شَفَاعَتُهُمْ شَيْ-- ا= } أي لاتدفع، و لاتمنع شفاعتهم عنّي شيئًا،و المعنى لاشفاعة لهم فتُغني { وَ لايُنْقِذُونِ } أي و لايخلصوني من ذلك الهلاك، أو الضّرر و المكروه...>.

5 - و الّذي يلفت النّظر أ نّه نسب الضُّرّ إلى{ الرَّحْمن } تغليبًا للرّحمة على ضدّها، حتّى في ضرّهو إهلاكه، لأ نّه ليس إلا عدلا فهو رحمة بالرّحمة العامّة.

ضرب المثل للرّحمن، آية واحدة:

191 - { وَ اِذَا بُشِّرَ اَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّ ا وَ هُوَ كَظيمٌ ‘} الزّخرف : 17

1 - هذه من جملة آيات ذمّ المشركين، ابتداءً من الآية 5: { اَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا اَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفينَ ‘}، إلى الآية 42: { اَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذى ‘وَعَدْ نَاهُمْ فَاِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ }.

2 - و قبلها ما دلّ على نفي البنات لله تعالى: { اَمِ

اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَ اَصْفيكُمْ ’بِالْبَنينَ ‘}، و الآية في هذا الصّدد أيضًا.

3 - قال الطَّبْرِسيّ (5 : 43) { وَ اِذَا بُشِّرَ اَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلا }: < أي بما جعل لله شبهًا، و ذلك أنّ ولد كلّ شيء شبهه و جنسه، فالمعنى: و إذا بُشّر أحدهم بولادة ابنة له { ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّ ا } بما يلحقه من الغمّ بذلك { وَ هُوَ كَظيمٌ ‘} أي مملوء كربًا وغيظا ...>.

4 - و الّذي يلفت النّظر تقييد { بِمَا ضَرَبَ } ب- { لِلرَّحْمنِ } تنبيهًا على أنّ اتّخاذ البنات ينافي رحمته العامّة، لأنّها دلّت على الحاجة المنافية لتلك الرّحمة النّافية للحاجة.

جعل آلهة من دون الرّحمن، آية واحدة:

192 - { وَسْ-َلْ= مَنْ اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا اَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ ا"لِهَةً يُعْبَدُونَ } الزّخرف : 45

1 - هذه أيضًا حجّة على الكفّار في أقوالهم و أفعالهم الباطلة، أمام الله تعالى الّتي رأسها الشّرك به، و عبادة آلهة من دونه.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 49): {{ وَسْ-َلْ= مَنْ اَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ... }: < معناه: سَلْ مؤمني أهل الكتاب الّذين أرسلنا إليهم الرُّسل، هل جاءتهم الرّسل إلا بالتّوحيد؟ و هو قول أكثر المفسّرين، و التّقدير: سَلْ أُمم من أرسلنا، أو أتباع من أرسلنا، فحذف المضاف، و أقام المضاف إليه مُقامه.

و قيل: إنّ المراد: سَلْ أهل الكتابين التّوراة و الإنجيل - و إن كانوا كفّارً ا - فإنّ الحجّة تقوم بتواتر خبرهم. و الخطاب و إن توجّه إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله)، فالمراد به الأُمّة، أي سلوا من ذكرنا. { اَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ ا"لِهَةً يُعْبَدُونَ } أي هل جعلنا فيما مضى معبودً ا سوى الله يعبده قوم، فإنّهم يقولون: إنّا لم نأمرهم بذلك، و لاتعبّدناهم. و قيل: معناه: و سَل الأنبياء و هم الّذين جمعوا له ليلة الإسراء، و كانوا تسعين نبيًّا، منهم موسى و عيسى، و لم يسألهم - عليه و  - لأ نّه كان أعلم بالله منهم، عن الزُّهْريّ >.

3 - و الّذي يلفت النّظر أنّ الله حين أمر النّبيّبالسّؤال عن الرّسل قبله في عبادة غير الله، يُعبّر عنه تعالى ب- { الرَّحْمن } مُعلنًا أنّ وصف { الرَّحْمن } بما له من الرّحمة الواسعة كان دائرًا بين الأنبياء و الأُمم قبله، و أنّ هذا الوصف لايجامع تعدُّد الآلهة و ينافيها.

تعليم الرّحمن القرآن، آية واحدة:

193 - { الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْ ا"نَ } الرّحمن: 1 ، 2

1 - هذه أوّ ل آية من السّورة، و بها سمّيت. و مع أنّ أكثر آياتها تحكي عن رحمة الله على العباد في الدّنيا 1 - 32، أو في الآخرة 49 - 78، خُصّت 12، آية منها 33 - 45 فقط بالعذاب في الدّنيا أو الآخرة، و مع أنّ الآية: { فَبِاَىِّ‌ّ ا"لاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ } الشّاملة لجميع آلاء الله، قد كُرّرت في السّورة 31، مرّة، مع ذلك كلّه لم يأت فيها لفظ { الرَّحْمن } إلا مرّةً في صدرها.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 167): < { الرَّحْمنُ } افتتح سبحانه هذه السّورة بهذا الاسم، ليعلم العباد أنّ جميع ما وصفه يُعَدّ من أفعاله الحسنى، إنّما صدرت من الرّحمة الّتي تشمل جميع خلقه، و كأ نّه جواب لقولهم:

{ وَ مَا الرَّحْمنُ } في قوله: { وَ اِذَا قيلَ ‘لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قَالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ } الفرقان : 60.

و قد رُوي أ نّه لمّا نزل قوله: { قُلِ ادْعُوا اللهَ اَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ } الإسراء : 110، قالوا: ما نعرف { الرَّحْمن } إلا صاحب اليمامة، فقيل لهم: { الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْ ا"نَ } أي علّم محمّدً ا (صلی الله علیه و آله) القرآن، و علّمه محمّد (صلی الله علیه و آله)أُمّته، عن الكَلْبيّ. و قيل: هو جواب لأهل مكّة حين قالوا: إنّما يُعلِّمه بشر. فبيَّن سبحانه أنّ الّذي علَّمه القرآن هو { الرَّحْمن } >.

3 - و قال: < و التّعليم هو تبيين ما به يصير من لم يعلم عالم-ًا. و الإعلام: إيجاد ما به يصير عالم-ًا >.

4 - و قال: < ذكر سبحانه النّعمة فيما علم من الحكمة بالقرآن الّذي احتاج إليه النّاس في دينهم، ليؤدّوا ما يجب عليهم، و يستوجبوا الثّواب بطاعة ربّهم. قال الزّجّاج: معنى: { عَلَّمَ الْقُرْا"نَ } يسّره لأن تُذكَر >.

إمساك الرّحمن الطّير فوقهم، آية واحدة:

194 - { اَوَلَمْ يَرَوْا اِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَ يَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ اِلا الرَّحْمنُ اِنَّهُ بِكُلِّ شَىْء بَصيرٌ‘} الملك : 19

1 - هذه من جملة آيات في صفات الله و نعمائه تعالى، بدءً بالآية 14: { اَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ...} إلى الآية 30: { قُلْ اَرَ اَيْتُمْ اِنْ اَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرً ا فَمَنْ يَاْتيكُمْ بِمَاء مَعين ‘}.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (5 : 327): { اَوَلَمْ يَرَوْا اِلَى الطَّيْرِ فَوْ قَهُمْ صَافَّات }: < تصف أجنحتها في الهواء فوق رؤوسهم { وَ يَقْبِضْنَ } أجنحتهنّ بعد البسط، و هذا معنى الطّيران، و هو بسط الجناح و قبضه بعد البسط، أي يضربن بأرجلهنّ، و يبسطن أجنحتهنّ تارةً، و يقبضن أُخرى. فالجوّ للطّائر كالماء للسّابح.

و قيل: معناه أنّ منالطّير ما يضرب بجناحه فيصفّ، و منه ما يمسكه فيدفّ، و منه الصّفيف و الدّفيف.

{ مَا يُمْسِكُهُنَّ اِلا الرَّحْمنُ } بتوطئة الهواء لهنّ، و لو لا ذلك لسقطن. و في ذلك أعظم دلالة، و أوضح برهان و حجّة، بأنّ من سخّر الهواء هذا التّسخير على كلّ شيء قدير. و الصّفّ: وضع الأشياء المتوالية على خطّ مستقيم. و القبض: جمع الأشياء عن حال البسط. و الإمساك: اللّزوم المانع من السّقوط، عن عليّ بن عيسى...>.

3 - و الّذي يلفت النّظر أن كلا من القبض و البسط في طيران الطّيور كان بقدرة الله تعالى، لكنّه حينما يريد بيان إمساكه في الهواء - و هو أمر خلاف الطّبيعة - نسب الإمساك إلى { الرَّحْمنُ } إعلامًا منه بأنّ طيران الطّيور المستلزم لإمساكها ممّن يعلو عليها، هو من رحمته الواسعة الشّاملة للإنسان و الحيوان - و منه الطّيور - و للعالَم كلّه، فالعالم جميعًا مظهر رحمته و قدرته تعالى.

إمساك الرّحمن و النّصر من دون الرّحمن، آية واحدة:

195 -{اَمْ مَنْ هذَا الَّذى ‘هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ اِنِ الْكَافِرُونَ اِلا فى غُرُور } الملك : 20

1 - هذه جاءت بعد ا لآية السّابقة: { اَوَلَمْ يَرَوْ ا اِلَى الطَّيْرِ...} في سؤال آخر سوى الأسئلة المتقدّمة عليها بدءً بقوله 14:{ اَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطيفُ الْخَبيرُ ‘}، إلى الآية 22: { اَفَمَنْ يَمْشى مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ اَهْدى اَمْ مَنْ يَمْشى سَوِيًّا عَلى"صِرَاط مُسْتَقيم}‘ تسجيلا على المشركين توحيد الله تعالى بأفعاله المذكورة فيها.

2 - و قال الطَّبْرسيّ (5 : 327): < { اَمْ مَنْ هذَا الَّذى ‘هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ } هذا استفهام إنكاريّ، أي لاجند لكم ينصركم منّي، و يمنعكم من عذابي، إن أردت عذابكم، عن ابن عبّاس. و لفظ < الجند > موحَّد، و لذلك قال: { هذَا الَّذى ‘} و كأ نّه سبحانه يقول للكفّار: بأيّ قوّة تعصونني ألكم جند يدفع عنكم عذابي؟ بيّن بذلك أنّ الأصنام لايقدرون على نصرتهم.

3 - و الّذي يلفت النّظر أنّ آيات هذه السّورة كلّها أوصاف و أفعال لله تعالى، تتوالى بعضها بعضًا حجّةً على التّوحيد، و نفيًا للشّرك، و هديًا للمؤمنين،و إنذارً ا للمشركين في مكّة. لكنّ الله تعالى خصّ أربع آيات منها بوصف { الرَّحْمنُ }:

أُولاها: الآية 3: { اَ لَّذى ‘خلَقَ سَبْعَ سَموَ" ات طِبَاقًا مَاتَرى فى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُت ...} و هي شاملة لكلّ ما جاء بعدها من أفعال الله تعالى، لأ نّها جميعًا داخلة تحت { خَلْقِ الرَّحْمنِ }.

و ثانيتها: ما تقدّم من آية الطّير.

و الثّالثة: هذه الآية النّافية نصر الكفّار من عذاب الله تعالى.

و الرّ ابعة: آية ما قبل آخر آية من السّورة 29: { قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ ا"مَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فى ضَلال مُبين ‘}، و سنبحثها. و هي أيضًا عامّة لخلق الله كالآية الأُولى؛ فاثنتان منها -الأُولى و الأخيرة - عامّتان لكلّ خلق الله، و اثنتان منها خاصّتان بمواضعهما.

الإيمان بالرّحمن و التّوكّل عليه، آية واحدة:

196 - { قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ ا"مَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فى ضَلال مُبين ‘} الملك : 29

1 - هذه من آخر سورة الملك مبتدأ و خبر: { هُوَ الرَّحْمنُ } و قد وُصف بوصفين بلسان النّبيّ أو كلّ مخاطب للقرآن:{ ا"مَنَّا بِهِ } و { عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } فقد قُيّد الإيمان بالله، و التّوكّل عليه بوصفه { الرَّحْمنُ } مزيدً ا في اللّطف أي آمنّا بمن له الرّحمة العامّة، و كذلك عليه توكّلنا.

2 - قال الطَّبْرِسيّ (5 : 330): < { قُلْ } لهؤلاء الكفّار على وجه التّوبيخ لهم: { هُوَ الرَّحْمنُ } أي إنّ الّذي أدعوكم إليه هو { الرَّحْمنُ } الّذي عمّت نعمته جميع الخلائق { ا"مَنَّا بِهِ وَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } أي عليه اعتمدنا، و جميع أُمورنا إليه فوّضنا { فَسَتَعْلَمُونَ } معاشر الكفّار يوم القيامة { مَنْ هُوَ فى ضَلال مُبين ‘} اليوم أنحن أم أنتم؟...>.

3 - و هذه الآية و آيات قبلها، بدءً ب- الآية 23: { قُلْ هُوَ الَّذى ‘اَنْشَاَكُمْ ...}، و آية بعدها 30: { قُلْ اَرَ اَيْتُمْ اِنْ اَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرً ا...} مصدّرات ب- { قُلْ } تسجيلا لمحتوياتها و تأكيدً ا لها.

الرّحمن ربّ السّماوات و الأرض، آية واحدة:

197 - { رَبِّ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لايَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } النّبأ : 37

1 - هذه من جملة آيات في سورة النّبإ توصيفًا للمتّقين، ابتداءً من الآية 31: { اِنَّ لِلْمُتَّقينَ ‘مَفَازً ا }،و قبلها: { جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا * رَبِّ السَّموَ"اتِ وَ الاَ_رْضِ...}، و { رَبِّ السَّموَ "اتِ } مجرورٌ بدلا من { رَبِّكَ }، وبعدها: { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلئِكَةُ’ صَفًّا}، و هو ظرف ل- { لايَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا }.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 426): < و المعنى: أنّ الّذي يفعل بالمؤمنين ما تقدّم ذكره هو ربّ السّماوات والأرض، و مدبّرهما، و مدبّر ما بينهما، و المتصرّف فيهما، على ما يشاء الرّحمان المنعم على خلقه، مؤمنهم و كافرهم...>.

3 - و قد جاءت وصف المتّقين و جزاءهم في 8 آيات، منها: 31 - 38، و قبلها عشر آيات في وصف الكفّار والطّاغين و عقوبتهم، بدءً من الآية 21: { اِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادً ا }، إلى الآية 30 : { فَذُوقُوا فَلَنْ نَزيدَ‘كُمْ اِلا عَذَابًا }، فيبدو أنّ الله تعالى في هذه السّورة اهتمّ بعذاب الكفّار أكثر من جزاء المتّقين بأمرين: تقديم وصف الكفّار على المتّقين في الذّكر، و مزيد آيتين في عذابهم.

إذن الرّحمن بالشّفاعة و رضاه بها، آيتان:

198 - { يَوْمَئِذ لاتَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ اِلا مَنْ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ رَضِىَ لَهُ قَوْ لا } طه ": 109

199 - { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَ-لئِكَةُ ’صَفًّا لايَتَكَلَّمُونَ اِلا مَنْ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قَالَ صَوَابًا.} النّبأ : 38

1 - أُولاهما: من جملة آيات في وصف يوم القيامة في سورة طه"، بدءً بالآية 100: { مَنْ اَعْرَضَ عَنْهُ فَاِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيمَةِ وِزْرً ا } إلى الآية 112: { وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلايَخَافُ ظُلْمًاوَ لاهَضْمًا }، و قبلها: { وَ قَدْ ا"تَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرً ا }، و الذّكر هو القرآن، فهذه الآيات عقوبات لمن أعرض عن القرآن.

2 - و قد ذكر الله فيها ما يقع يوم القيامة، و منها ما يرتبط بالشّفاعة للعاصين و الكفّار. و قد صرّح الله فيها بأنّ الشّفاعة لاتنفع إلا لمن أذن له الرّحمان و رضي له قولا . [لاحظ: ش ف ع: < الشّفاعة >]

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 31): < أي لاتنفع ذلك اليوم شفاعة أحد في غيره، إلا شفاعة من أذن الله له في أن يشفع و رضي قوله فيها من الأنبياء و الأولياء،و الصّالحين و الصّدّيقين و الشّهداء...>.

4 - و الّذي يلفت النّظر أنّ الله علّق الإذن و الرّضى بالقول فيها بوصفه { الرَّحْمن } إعلامًا بأنّ الرّحمة العامّة لله تعالى هي الباعثة لقبول الشّفاعة للكافر، و إلا فهو مستحقّ للعقوبة.

5 - و الثّانية من جملة آيات وصف المتّقين أيضًا في سورة النّبإ بعد آية 38، في وصف { الرَّحْمن }، بأنّه ربّ السّماوات و الأرض المتقدّمة. و قد جاء فيها بدل الشّفاعة ما هو أعمّ منها، و هو { لايَتَكَلَّمُونَ } إلا من

أحرز الأمرين المذكورين: إذن الرّحمانله، و قول الصّواب، فمضمونهما واحد، و الفرق بينهما لفظيّ، مع فرق آخر معنويّ، و هو تصديرها ب- { يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلئِكَةُ’ صَفًّا }، و فيه مزيد في تعظيم ذلك اليوم بقيام الرّوح والملائكة صفًّا. و قد جاء تفصيلها في التّفاسير لا سيّما في المراد ب- { الرُّوحُ }. [لاحظ: ر و ح: < الرّوح >]

6 - و لاحظ التّشابه بينها و بين ما قبلها في لفظين: { لايَمْلِكُونَ } و { لايَتَكَلَّمُونَ }، فقد جاء فيهما: { الرَّحْمنِ لايَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا }، و { لايَتَكَلَّمُونَ اِلا مَنْ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ }.

7 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 427): < { اِلا مَنْ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ } و هم المؤمنون و الملائكة، { وَ قَالَ } في الدّنيا { صَوَ ابًا } أي شهد بالتّوحيد، و قال: لاإله إلا الله.

و قيل: إنّ الكلام هاهنا الشّفاعة، أي لايشفعون { اِلا مَنْ اَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ }، عن الحسَن، و الكَلْبيّ. و روى معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله - جعفر بن محمّد - قال: سُئل عن هذه الآية فقال: نحن و الله المأذون لهم يوم القيامة،...رواه العياشيّ مرفوعًا >.

8 - و قد مضت آية ثالثة في الشّفاعة، في الآية 37، من سورة النّبإ: { رَبِّ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضِ وَ مَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لايَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا }. فقال الطَّبْرِسيّ (5 : 427) : < أي لايملكون أن يسألوه إلا فيما أذن لهم فيه، كقوله: { لايَشْفَعُونَ اِلا لِمَنِ ارْتَضى } الأنبياء : 28، و قوله: { لاتَكَلَّمُ نَفْسٌ اِلا بِاِذْنِهِ } هود : 105، و الخطاب: توجيه الكلام إلى مُدرِك له بصيغة مُنبئة عن المراد على طريقة < أنت > و < ربّك >. قال مُقاتِل: لايقدر الخلق على أن يكلّموا الرّبّ إلا بإذنه >.

فهذه الآيات الثّلاث لها علاقة بالشّفاعة نصًّا، أو على وجه العموم.

هذا آخر ما أردنا ذكره في كلمة { الرَّحْمن }و سيتلوه البحث في { الرَّحيم ‘}:

الفصل الرّ ابع: الرّحيم منفردً ا، في عناوين:

التّوّ اب الرّحيم و توّ ابًا رحيمًا، 9 آيات:

200 - { فَتَلَقىّٰ ا"دَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات فَتَابَ عَلَيْهِ اِنَّهُ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ } البقرة : 37

201 - { وَ اِذْ قَالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ اَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا اِلى" بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا اَنْفُسَكُمْ ذ"لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ اِنَّهُ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ } البقرة : 54

202- { رَ بَّنَا وَ اجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّ يَّتِنَا اُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَ اَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَ تُبْ عَلَيْنَا اِنَّكَ اَنْتَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ } البقرة : 128

203 - { اِلا الَّذينَ ‘تََابُوا وَ اَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَاُولئِكَ اَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ اَنَا التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ } البقرة : 160

204 - { اَلَمْ يَعْلَمُوا اَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْ بَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَ يَاْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَ اَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ } التّوبة : 104

205 - { وَ عَلَى الثَّ-لثَةِ ا’لَّذينَ ‘خُلِّفُوا حَتىّٰ اِذَاضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَ_رْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ اَنْفُسُهُمْ وَ ظَنُّوا اَنْ لامَلْجَاَ مِنَ اللهِ اِلا اِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ

لِيَتُوبُوا اِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ‘ }التّوبة : 118

206 - { يَاءَ يُّهَا الَّذين ‘ا"مَنُوا اجْتَنِبُوا كَثيرً ا‘ مِنَ الظَّنِّ اِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ اِثْمٌ وَ لاتَجَسَّسُوا وَ لايَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا اَيُحِبُّ اَحَدُكُمْ اَنْ يَاْكُلَ لَحْمَ اَخيهِ ‘مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَ اتَّقُوا اللهَ اِنَّ اللهَ تَوَّ ابٌ رَحيمٌ } الحجرات : 12

207 - { وَ اللَّذَانِ يَاْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَا"ذُوهُمَا فَاِنْ تَابَا وَ اَصْلَحَا فَاَعْرِضُوا عَنْهُمَا اِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّ ابًا رَحيمًا } النّساء : 16

208 - { وَ مَا اَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول اِلا لِيُطَاعَ بِاِذْنِ اللهِ وَ لَوْ اَنَّهُمْ اِذْ ظَلَمُوا اَنْفُسَهُمْ جَاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّ ابًا رَحيمًا ‘} النّساء : 64

1 - جاء الوصف لله تعالى بالتّوّ اب الرّحيم معًا في خاتمة هذه الآيات التّسع، و مثلها كثير في القرآن.

2 - و جاء { التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ }في السّتّ الأُولى منها معرّفين خبرًا للمبتدإ مثل:{هُوَ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ } و في الباقي، منكَّرين إمّا مرفوعًا خبرً ا ل- ( اِنَّ ) { اِنَّ اللهَ تَوَّ ابٌ رَحيمٌ ‘}،أو منصوبًا خبرًا ل- (كَانَ) { اِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّ ابًا رَحيمًا ‘}أو مفعولا للفعل{ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّ ابًا رَحيمًا ‘} .

3 - و الثّلاث الأُولى منها، و السّادسة قصص،و ثلاث منها وعد من الله بقبول التّوبة، و الأخيرتان تشريع.

4 - و مقارنة الصّفتان{ التَّوَّ ابُ الرَّحيمُ ‘} -و كلاهما صيغة مبالغة و مفيدتان للرّحمة - توصيف له تعالى بمزيد من الرّحمة ليس لها حدّ. [لاحظ تفسير هذه الآيات في مواضعها]

غفورٌ رحيمٌ، و الغفور الرّحيم ،و غفورًا رحيمًا، و الرّحيم الغفور، مجموعها 63 آية:

غفور رحيم، و الغفور الرّحيم :

209 - { اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ ‘وَ مَا اُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لاعَاد فَلااِثْمَ عَلَيْهِ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } البقرة : 173

210 - { فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوص جَنَفًا اَوْ اِثْمًا فَاَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلااِثْمَ عَلَيْهِ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } البقرة : 182

211 - { فَاِنِ انْتَهَوْا فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } البقرة : 192

212 - { ثُمَّ اَفيضُو‘ا مِنْ حَيْثُ اَفَاضَ النَّاسُوَ اسْتَغْفِرُوا اللهَ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } البقرة : 199

213 - { لِلَّذينَ ‘يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَ بُّصُ اَرْ بَعَةِ اَشْهُر فَاِنْ فَاؤُ فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } البقرة : 226

214 - { قُلْ اِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونى يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ } آل عمران : 31

215 - { اِلا الَّذينَ ‘تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذ"لِكَ وَ اَصْلَحُوا فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } آل عمران : 89

216- { وَ للهِ مَا فِى السَّموَ "اتِ وَ مَا فِى الاَ_رْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ } آل عمران : 129

217 - { وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْ لا اَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْمَا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ مِنْ

فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَ اللهُ اَعْلَمُ بِ-ايمَا نِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَانْكِحُوهُنَّ بِاِذْنِ اَهْلِهِنَّ وَ ا"تُوهُنَّ اُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَات وَ لامُتَّخِذَاتِ اَخْدَان فَاِذَا اُحْصِنَّ فَاِنْ اَتَيْنَ بِفَاحِشَة فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذ"لِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَ اَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّساء : 25

218 - { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزيرِ ‘وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطيحَةُ ‘وَ مَا اَكَلَ السَّبُعُ اِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَ مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ اَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالاَ_زْ لامِ ذ"لِكُمْ فِسْقٌ اَلْيَوْمَ يَئِسَ الَّذينَ ‘كَفَرُوا مِنْ دينِكُمْ ‘فَلاتَخْشَوْهُمْ وَ اخْشَ-وْنِ اَلْيَ-وْمَ اَكْمَلْتُ لَكُ-مْ دينَكُمْ‘ وَ اَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتى وَ رَضيتُ ‘لَكُمُ الاِ_سْ-لامَ دينً-ا ‘فَمَنِ اضْ-طُرَّ فى مَخْمَ-صَة غَيْ-رَ مُتَ-جَانِف لاِثْ-مٍ فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } المائدة : 3

219 - { اِلا الَّذينَ ‘تَابُوا مِنْ قَبْلِ اَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا اَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } المائدة : 34

220 - { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ اَصْلَحَ فَاِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ } المائدة : 39

221 - { اَفَلا يَتُوبُونَ اِلَى اللهِ وَ يَسْتَغْفِرُونَهُ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ } المائدة : 74

222 - { اعْلَمُوا اَنَّ اللهَ شَديدُ ‘الْعِقَابِ وَ اَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ}‘ المائدة : 98

223 - { قُلْ لااَجِدُ فى مَا اُوحِىَ اِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ اِلا اَنْ يَكُونَ مَيْتَةً اَوْ دَمًا مَسْفُوحًا اَوْلَحْمَ خِنْزير ‘فَاِنَّهُ رِجْسٌ اَوْ فِسْقًا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَ لاعَاد فَاِنَّ رَ بَّكَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } الأنعام : 145

224 - { وَ هُوَ الَّذى ‘جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الاَ_رْضِ وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْض دَرَجَات لِيَبْلُوَكُمْ فى مَا ا"تيكُمْ’اِنَّ رَ بَّكَ سَريعُ ‘الْعِقَابِ وَ اِنَّهُ لَغَ-فُورٌ رَحيمٌ}‘ الأنعام : 165

225 - { وَ الَّذينَ ‘عَمِلُوا السَّيِِّ-ا"تِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَ ا"مَنُوا اِنَّ رَ بَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحيمٌ } الأعراف : 153

226 - { وَ اِذْ تَاَذَّنَ رَ بُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ اِلى" يَوْمِ الْقِيمَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ اِنَّ رَ بَّكَ لَسَريعُ الْعِقَابِ وَ اِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحيمٌ } الأعراف : 167

227 و 228 - { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَ اتَّقُوا اللهَ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ * يَاءَ يُّهَا النَّبِىُّ قُلْ لِمَنْ فى اَيْديكُمْ‘ مِنَ الاَ_سْرى اِنْ يَعْلَمِ اللهُ فى قُلُوبِكُمْ خَيْرً ا يُؤْتِكُمْ خَيْرً ا مِمَّا اُخِذَ مِنْكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ}‘ الأنفال : 69 ، 70

229 - { فَاِذَا انْسَلَخَ الاَ_شْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكينَ ‘حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ وَ خُذُوهُمْ وَ احْصُرُوهُمْ وَ اقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد فَاِنْ تَابُوا وَ اَقَامُوا الصَّلو"ةَوَ ا"تَوُا الزَّكو"ةَ فَخَلُّوا سَبيلَهُمْ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 5

230 - { ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذ"لِكَ عَلى" مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 27

231 - { لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَ لاعَلَى الْمَرْضى وَ لاعَلَى الَّذينَ ‘لايَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ اِذَا نَصَحُوا

للهِ وَ رَسُولِهِ مَا عَلَىالْمُحْسِنينَ ‘مِنْ سَبيلٍ ‘وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 91

232 - { وَ ا"خَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صَالِحًا وَ ا"خَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ اَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 102

233 - { وَ اِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلاكَاشِفَ لَهُ اِلا هُوَ وَ اِنْ يُرِدْ كَ بِخَيْر فَلارَادَّ لِفَضْلِهِ يُصيبُ ‘بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘ } يونس : 107

234 - { وَ قَالَ ارْكَبُوا فيهَا ‘بِسْمِ اللهِ مَجْريهَا’وَ مُرْسيهَا اِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَحيمٌ‘ } هود : 41

235 - { قَالَ سَوْفَ اَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَ بّى اِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘ } يوسف : 98

236 - { رَبِّ اِنَّهُنَّ اَضْلَلْنَ كَثيرً ا‘ مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنى فَاِنَّهُ مِنّى وَ مَنْ عَصَانى فَاِنَّكَ غَفُورٌ رَحيمُ‘ } إبراهيم : 36

237 - { نَبِّئْ عِبَادى اَنّى اَنَا الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘ } الحجر : 49

238 - { وَ اِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاتُحْصُوهَا اِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّحل : 18

239 - { ثُمَّ اِنَّ رَ بَّكَ لِلَّذينَ ‘هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَ صَبَرُوا اِنَّ رَ بَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّحل : 110

240 - { اِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ ‘وَ مَا اُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍوَ لاعَاد فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّحل : 115

241 - { ثُمَّ اِنَّ رَ بَّكَ لِلَّذينَ ‘عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَة ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذ"لِكَ وَ اَصْلَحُوا اِنَّ رَ بَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّحل : 119

242 - { وَ لايَاْتَلِ اُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ اَنْيُؤْتُوا اُولِى الْقُرْ بى" وَ الْمَسَاكينَ ‘وَ الْمُهَاجِرينَ ‘فى سَبيلِ‘ اللهِ وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا اَلاتُحِبُّونَ اَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّور : 22

243 - { اِلا الَّذينَ ‘تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذ"لِكَ وَ اَصْلَحُوا فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّور : 5

244 - { وَ لْيَسْتَعْفِفِ الَّذينَ ‘لايَجِدُونَ نِكَاحًا حَتىّٰ يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ الَّذينَ ‘يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ اَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ اِنْ عَلِمْتُمْ فيهِمْ ‘خَيْرً ا وَ ا"تُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذى ‘ا"تيكُمْ’ وَ لاتُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ اِنْ اَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيو"ةِ الدُّنْيَا وَ مَنْ يُكْرِهُّنَّ فَاِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ اِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّور : 33

245 - { اِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلى اَمْر جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتىّٰ يَسْتَاْذِنُوهُ اِنَّ الَّذينَ ‘يَسْتَاْذِنُونَكَ اُولئِكَ الَّذينَ ‘يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ رَسُولِهِ فَاِذَا اسْتَاْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَاْنِهِمْ فَاْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّور : 62

246 - { اِلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّ لَ حُسْنًا بَعْدَ سُوء فَاِنّى غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } النّمل : 11

247 - { نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحيمٍ‘ } فصّلت : 32

248 - {تَكَادُ السَّموَ ا تُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَ الْمَلئِكَةُ’ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِى

الاَ_رْضِ اَلا اِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘ } الشّورى : 5

249 - { اَمْ يَقُولُونَ افْتَريهُ قُلْ اِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلاتَمْلِكُونَ لى مِنَ اللهِ شَيْ--ًا= هُوَ اَعْلَمُ بِمَاتُفيضُو نَ فيهِ‘ كَفى" بِهِ شَهيدً ا‘ بَيْنى وَ بَيْنَكُمْ وَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيمُ‘ } الأحقاف : 8

250 - { وَ لَوْ اَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتىّٰ تَخْرُجَ اِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرً ا لَهُمْ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } الحجرات : 5

251 - { قَالَتِ الاَ_عْرَ ابُ ا"مَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا اَسْلَمْنَا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الا _يمَانُ فى قُلُوبِكُمْ وَ اِنْ تُطيعُوا‘ اللهَ وَرَسُولَهُ لايَلِتْكُمْ مِنْ اَعْمَالِكُمْ شَيْ-ا= اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } الحجرات : 14

252 - { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْويكُمْ’ صَدَقَةً ذ"لِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ اَطْهَرُ فَاِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } المجادلة : 12

253 - { عَسَى اللهُ اَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ الَّذينَ‘ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَ اللهُ قَديرٌ ‘وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } الممتحنة : 7

254 - { يَاءَ يُّهَا النَّبىُّ اِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلى" اَنْ لايُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْ--ًا =وَ لايَسْرِقْنَ وَ لايَزْنينَ‘ وَ لايَقْتُلْنَ اَوْ لادَهُنَّ وَ لايَاْتينَ ‘بِبُهْتَان يَفْتَرينَهُ بَيْنَ اَيْديهِنَّ ‘وَ اَرْجُلِهِنَّ وَ لايَعْصينَكَ فى مَعْرُوف فَبَايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } الممتحنة : 12

255 - { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اِنَّ مِنْ اَزْوَاجِكُمْ وَ اَوْلادِكُمْ عَدُوًّ ا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَ اِنْ تَعْفُوا وَ تَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَاِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } التّغابن : 14

256 - { يَاءَ يُّهَا النَّبىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا اَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغى مَرْضَاةَ اَزْوَ اجِكَ وَ اللهُ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } التّحريم : 1

257 - {...وَ مَا تُقَدِّمُوا لاَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرً ا وَ اَعْظَمَاَجْرً ا وَ اسْتَغْفِرُوا اللهَ اِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحيمٌ‘ } المزّمّل : 20 غَفُورً ا رحيمًا:

258 - { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ اُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْوَ اَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالاتُكُمْ وَ بَنَاتُ الاَ_خِ وَ بَنَاتُ الاُ_خْتِ وَ اُمَّهَاتُكُمُ التىّٰ اَرْضَعْنَكُمْ... وَ اَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الاُ_خْتَيْنِ اِلا مَا قَدْ سَلَفَ اِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } النّساء : 23

259 - { وَ مَنْ يُهَاجِرْ فى سَبيلِ ‘اللهِ يَجِدْ فِى الاَ_رْضِ مُرَ اغَمًا كَثيرً ا‘ وَسَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرً ا اِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ اَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } النّساء : 100

260 -{وَ اسْتَغْفِرِ اللهَ اِنَّ اللهَ كَ-انَ غَفُ-ورً ا رَحيمًا‘} النّساء : 106

261- { وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا اَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } النّساء : 110

262 - { وَ لَنْ تَسْتَطيعُو‘ا اَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلاتَميلُوا‘ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَ اِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَاِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } النّساء : 129

263 - { وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اَحَد مِنْهُمْ اُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتيهِمْ ‘اُجُورَهُمْ وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } النّساء : 152

264 - { قُلْ اَنْزَلَهُ الَّذى ‘يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّموَ ا تِ

وَ الاَ_رْضِ اِنَّهُ كَانَ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } الفرقان : 6

265 - { اِلا مَنْ تَابَ وَ ا"مَنَ وَ عَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَاُولئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّ-ا"تِهِمْ حَسَنَات وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } الفرقان : 70

266 - { ادْعُوهُمْلا"بَائِهِمْ هُوَ اَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَاِنْ لَمْ تَعْلَمُوا ا"بَاءَهُمْ فَاِخْوَانُكُمْ فِى الدّينِ ‘وَ مَوَ اليكُمْ وَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فيمَا ‘اَخْطَاْتُمْ بِهِ وَ لكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } الأحزاب : 5

267 - { لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّادِقينَ ‘بِصِدْقِهِمْ وَ يُعَذِّبَ الْمُنَافِقينَ ‘اِنْ شَاءَ اَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ اِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورً ا رَحيمًا}‘ الأحزاب : 24

268 - {...قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فى اَزْوَ اجِهِمْ وَ مَا مَلَكَتْ اَيْمَانُهُمْ لِكَيْلايَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا‘ } الأحزاب : 50

269 - { يَاءَ يُّهَا النَّبىُّ قُلْ لاَ‚زْوَ اجِكَ وَ بَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنينَ ‘يُدْنينَ ‘عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابيبِهِنَّ ذ"لِكَ اَدْنى" اَنْ يُعْرَفْنَ فَلايُؤْذَيْنَ وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا ‘} الأحزاب : 59

270 - { لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقينَ ‘وَ الْمُنَافِقَاتِ وَ الْمُشْرِكينَ ‘وَ الْمُشْرِكَاتِ وَ يَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنينَ‘ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا ‘} الأحزاب : 73

271 - { وَللهِ مُلْكُ السَّموَ ا تِ وَ الاَ_رْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَ كَانَ اللهُ غَفُورً ا رَحيمًا ‘} الفتح : 14 الرّحيم الغفور:

272 - { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الاَ_رْضِ وَ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَ مَا يَعْرُجُ فيهَا ‘وَ هُوَ الرَّحيمُ‘ الْغَفُورُ } سبأ : 2

1 - و الّذي يلفت النّظر فيها و في غيرها من عناوين { الرَّحيمُ‘ } أنّ جميعها ختام لهذه الآيات الكثيرة ككثير غيرها من خواتيم الآيات، و هذه إحدى مزايا القرآن الكريم ينبغي البحث عنها في المدخل.

2 - و سياق هذه الآيات قبل ختمها بالغفران و الرّحمة < بصيغة مبالغة > إمّا تشريع - و هو الغالب عليها - أو وعد و إنذار، أو غفران و استغفار، أو توبة من الله، أو من العباد،أو علم أو تقوى من الله تعالى. فلاحظ و تأمّل فإنّ لكلّ منها علاقة خاصّة بالوصفين.

3- و أمّا إعرابهما: فالمرفوع منهما إما خبر مبتدإ أو خبر ( اِنَّ) أو ( اَنَّ )، و المنصوب منهما خبر { كَانَ }، و المجرور منهما واحدة، و هي ( 247 ): { نُزُلا مِنْ غَفُور رَحيم ‘}، فلاحظ.

4 - و من هذا العدد خمسٌ منها معرفة و هي: (233 ، 235 ، 237 ، 248 ، و 249) و كلّها مرفوع. كما أنّ سبعًا منها دخلها لام التّأكيد خبرً ا ل- ( اِنَّ )وهي:(224،225 ، 226 ، 234 ، 238 ، 239 و 241) و كلّها مرفوع أيضًا.

و قد جاء فيها جميعًا الغفران قبل الرّحمة كما هو الشّائع، إلا في واحدة و هي (272) فقدّمت فيها الرّحمة على الغفران: { هُوَ الرَّحيمُ ‘الْغَفُورُ } مزيدً ا في رحمة الله حيث سبقت غفرانه، بل غفرانه من جملة رحمته أيضًا

و يأتي نظيرها في: { رَحيمٌ ‘وَدُودٌ } . رؤفٌ رحيمٌ، 9 آيات:

273 - { وَ كَذ"لِكَ جَعَلْنَاكُمْ اُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَ اءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيدً ا‘ وَ مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتى كُنْتَ عَلَيْهَا اِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى" عَقِبَيْهِ وَ اِنْ كَانَتْ لَكَبيرَةً‘اِلا عَلَى الَّذينَ ‘هَدَى اللهُ وَ مَا كَانَ اللهُلِيُضيعَ‘ ايمَا نَكُمْ اِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } البقرة : 143

274 - { لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِىِّ وَالْمُهَاجِرينَ ‘ وَ الاَ_نْصَارِ الَّذينَ ‘اتَّبَعُوهُ فى سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزيغُ ‘قُلُوبُ فَريق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ اِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 117

275 - { لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ اَنْفُسِكُمْ عَزيزٌ‘ عَلَيْ-هِ مَا عَنِتُّ-مْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُ-ؤْمِنينَ ‘رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } التّوبة : 128

276 - { وَ تَحْمِلُ اَثْقَالَكُمْ اِلى" بَلَد لَمْ تَكُونُوا بَالِغيهِ اِلا بِشِقِّ الاَ_نْفُسِ اِنَّ رَ بَّكُمْ لَرَ ؤُفٌ رَحيمٌ}‘النّحل : 7

277 - { اَوْ يَاْخُذَهُمْ عَلى" تَخَوُّف فَاِنَّ رَ بَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } النّحل : 47

278 - { اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِى الاَ_رْضِوَ الْفُلْكَ تَجْرى ‘فِى الْبَحْرِ بِاَمْرِهِ وَ يُمْسِكُ السَّمَاءَ اَنْ تَقَعَ عَلَى الاَ_رْضِ اِلا بِاِذْنِهِ اِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } الحجّ : 65

279 - {...وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ وَ اَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } النّور : 20

280 - { هُوَ الَّذى ‘يُنَزِّلُ عَلى" عَبْدِهِ ا"يَات بَيِّنَات لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ اِلَى النُّورِ وَ اِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } الحديد : 9

• { وَ الَّذينَ ‘جَاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَ بَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَ لاِخْوَ انِنَا الَّذينَ ‘سَبَقُونَا بِالا _يمَانِ وَ لاتَجْعَلْ فى قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذينَ ‘ا"مَنُوا رَ بَّنَا اِنَّكَ رَؤُفٌ رَحيمٌ‘ } الحشر : 10

1 - خمس منها تعلّقت بشيء: فاثنتان منها: (273و 278 ) تعلّقتا ب- (النّاس ) { اِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحيمٌ } ،‘ و واحدة (274) تعلّقت ب- ( هم ) { اِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحيمٌ } ، و واحدة (275) ب- ( المؤمنين ){ بِالْمُ-ؤْمِنينَ ‘رَؤُفٌ رَحيمٌ }،‘ و واحدة (280) ب- (كم ) { اِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَ ؤُفٌ رَحيمٌ } ، ‘و الباقي لم تتعلّق بشيءٍ.

2 - وخمس منها:وهي(273، 276- 278 و280) ، تعلّقت بها لام التّأكيد خبرً ا ل- ( اِنَّ ) .

3 - و الوصفان في كلّها نكرتان مرفوعان خبرً ا ل- ( اِنَّ ) أو (اَنّ) إلا واحدة: (275) فهما بدلان لما قبلهما.

4 - و كلّها مسبوق بنعمة من الله تعالى، إلا واحدة و هي (277)، فقبلها عذاب: { اَوْ يَاْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّف } و كذا الآيات قبلها.

5 - و اسم ( اِنَّ ) في (274) ( اِنَّهُ)، و في (276):( رَ بَّكُمْ )، و في الأخيرة: ( اِنَّكَ)، و في الباقي ( الله )، حيث أمرهم فيها بالاستغفار و التّوبة.

6 - و الّذي يلفت النّظر أنّ متعلّقها - في الخمس الّتي تعلّقت - مقدّم عليها رعايةً للرّويّ في الجميع حتمًا، و للاهتمام بالتّعلّق في بعضها احتمالا .

رحيمٌ وَدُودٌ، آية واحدة:

281 - { وَ اسْتَغْفِرُوا رَ بَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا اِلَيْهِ اِنَّ رَ بّى رَحيمٌ ‘وَدُودٌ } هود : 90.

1 - هذه من جملة قصّة شعيب خطابًا لقومه مَدْيَن.

2 - و الوصفان فيها مرفوعان خبرا ( اِنَّ)، و اسمها ( ربّى )، و في ( ربّى ) في هذه، و ( رَ بَّكُمْ ) في (276) مبالغةومزيد لطف منه تعالىللعباد.لاحظ:<ر ب ب>.

3- و قد قُدّمت فيها < الرّحمة > على < الوُدّ >. { رَحيمٌ ‘وَدُودٌ }، مبالغةً لرحمة الله، و مزيدً ا في لطفه للعباد، مثل الآية (272): { هُوَ الرَّحيمُ ‘الْغَفُورُ }.

4 - و التّوصيف بهما فيها مسبوقة بالغفرانو التّوبة معًا: { وَ اسْتَغْفِرُوا رَ بَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا اِلَيْهِ } في سياق السّبب لهما، أي استغفروا و توبوا إليه، فإنّه سوف يغفركم، و يقبل التّوبة منكم،لأ نّه رحيم وَدُودٌ.

5 - و الفصل بينهما ب- { ثُمَّ } شاهد على الفرق بينهما، و على سبق الاستغفار على التّوبة.

6 - و قال الطَّبْرِسيّ (3 : 188): < { وَ اسْتَغْفِرُوا رَ بَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا اِلَيْهِ } أي اطلبوا المغفرة من الله، ثمّ توصَّلوا إليها بالتّوبة.

و قيل معناه: استغفروا للماضي، و اعزموا في المستقبل.

و قيل: استنفروا ثمّ دوموا على التّوبة.

و قيل: استغفروا في العلانية، ثمّ أضمروا النّدامة في القلب عن الماضي. { اِنَّ رَ بّى رَحيمٌ‘ } بعباده فيقبل توبتهم، و يعفو عن معاصيهم. { وَدُودٌ } أي محبّ لهم، و معناه مريد لمنافعهم.

و قيل: معناه متودِّد إلى عباده بكثرة إنعامه عليهم.

و قيل: { وَدُودٌ } بمعنى الوادّ، أي يودّهم إذا أطاعوه...>. [لاحظ: غ ف ر: < اسْتَغْفِرُوا >، و: ت و ب: < تُوبُوا >، و: و د د: < وَدُودٌ >، و شُعيب]

العزيز الرّحيم، 12آية :

282 - 289-{ وَ اِنَّ رَ بَّكَ لَهُوَ الْعَزيزُ ‘الرَّحيمُ‘ } الشّعراء : 9 ، 68 ، 104 ، 122 ، 140 ، 159 ، 175 ، 191.

290 - { وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزيزِ ‘الرَّحيمِ }‘الشّعراء : 217

291 - { بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَ هُوَ الْعَزيزُ‘ الرَّحيمُ‘ } الرّوم : 5

292 - { ذ"لِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ الْعَزيزُ‘ الرَّحيمُ } السّجدة : 6

293 - { تَنْزيلَ ‘الْعَزيزِ ‘الرَّحيمِ }‘ يس : 5

1 - كُرّرت: { وَ اِنَّ رَ بَّكَ لَهُوَ الْعَزيزُ ‘الرَّحيمُ‘ } في سورة الشّعراء بهذا اللّفظ 8 مرّ ات بعد تكرار: { اِنَّ فى ذ"لِكَ لا"يَةً وَ مَا كَانَ اَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنينَ ‘}، أيضًا قبلها . و الوصفان { الْعَزيزُ ‘الرَّحيمُ‘ } مرفوعان خبرًا { اِنَّ رَ بَّكَ }، و جاء الوصفان فيها مرّة أُخرى في (290) بلفظ: { وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزيزِ ‘الرَّحيمِ }‘.

2 - و سورة الشّعراء من جملة السّور الّتي حكت جملة من قصص الأنبياء . و قد صدرت بخطاب النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في 8 آيات، بدءً ب- { طسم’ * تِلْكَ ا"يَاتُ الْكِتَابِ الْمُبينِ ‘}، و ختمًا بالآية 8 : { وَ اِنَّ رَ بَّكَ لَهُوَ الْعَزيزُ ‘الرَّحيمُ ‘}.

و خُتمت السّورة - بعد ذكر قصص جملة من الأنبياء - بخطاب النّبيّ أيضًا بدءً من الآية 192: { وَ اِنَّهُ لَتَنْزيلُ‘ رَبِّ الْعَالَمينَ ‘} إلى آخر السّورة. و في الخطابين بدءً و ختمًا وَصْفٌ جامع للقرآن الكريم، فلاحظ.

3- و قد حكى الله قصص ثمانية من الأنبياء في هذه السّورة، من دون رعاية ترتيب حياتهم، عكسسائر السُّور؛ حيث قدّم فيها الأقدم فالأقدم منهم، فقدّم عليهم قصّة موسى و فرعون و بني إسرائيل - بتفصيل أكثر من قصصهم، اهتمامًا بها و باليهود قوم موسى الّذين لهم دور كبير في القضايا السّياسيّة و الاقتصاديّة و الاجتماعيّة إلى اليوم - في 58، آيةً، بدءً بالآية 10: { وَ اِذْ نَادى رَ بُّكَ مُوسى اَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمينَ ‘}، و ختمًا بالآية 68.

ثمّ قصّة إبراهيم في 35، آية بدءً من الآية 69: { وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَاَ اِبْرهيمَ‘’ }، إلى الآية 104.

ثمّ قصّة نوح في 17، آية بدءً من الآية 105:{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلينَ ‘} إلى الآية 122.

ثمّ قصّة هود و قومه عاد في 8 آيات بدءً من الآية 123: { كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلينَ ‘} إلى الآية 140.

ثمّ قصّة صالح و قومه ثمود في 9 آيات، من الآية 141 - 159: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلينَ ‘}.

ثمّ قصّة لوط و قومه في 16، آية من الآية 160 - 175.

ثمّ قصّة شُعيب و أصحاب الأيكة في 16، آية أيضًا: من الآية 176 - 191.

ثمّ رجع إلى النّبيّ (صلی الله علیه و آله) في آيات عدّة، من الآية 192: { وَ اِنَّهُ لَتَنْزيلُ رَبِّ الْعَالَمينَ ‘}، إلى آخر السّورة.

4 - و الّذي يلفت النّظر - كما سبق - أنّ الله تعالى كرّر آيتين في آخر كلّ قصّة 8 مرّ ات، بدءً من نبيّنا إلى شُعيب  ، و هما: { اِنَّ فى ذ"لِكَ لايَ-ةً’ وَ مَا كَانَ اَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنينَ ‘* وَ اِنَّ رَ بَّكَ لَهُوَ الْعَزيزُ‘الرَّحيمُ ‘}، خطابًا إلى نبيّنا (صلی الله علیه و آله)، و تأكيدً ا لما جاء في كلّ قصّة من الأمر و النّهي، و التّبشير و الإنذار.

و هذا كلّه شرح الآيات التّسع الأُولى، و أمّا شرح ثلاث الآيات الأخيرة منها.

5 - فالعاشرة جاءت خلال الآيات في صدر سورة الرّوم، بإخبار الله تعالى بغلب الرّوم، ثمّ غلبتهم على عدوّهم - و هم الفرس - فقال: { وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فى بِضْعِ سِنينَ ‘للهِ‌ِ الاَ_مْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ وَ يَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزيزُ ‘الرَّحيمُ.‘..}.

و هذه من جملة الأخبار الغيبيّة في القرآن الكريم الّتي تحقّقت في حياة النّبيّ بعد سنين من إخباره، فقد أخبر به الله في سورة مكّيّة، و تحقّقت بعد الهجرة السّنة الثّانية، مقارنًا لغزوة بدر.

6 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 294) - و نقل القصّة - : < و هذه من الآيات الدّ الّة على أنّ القرآن من عند الله، عزّ و جلّ، لأنّ فيه إنباء ما سيكون، و ما يعلم ذلك إلا الله عزّ و جلّ... { وَ يَوْمَئِذ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ} أي و يوم يغلب الرّوم فارسًا، يفرح المؤمنون

بدفع الرّوم فارسًا عن بيت المَقدِس، لابغلبة الرّوم على بيت المَقدِس، فإنّهم كفّار. و يفرحون أيضًا لوجوه أُخرى، و هو اغتمام المشركين بذلك، و لتصديق خبر الله عزّ و جلّ، و خبر رسوله، و لأ نّه مقدّمة لنصرهم على المشركين { يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ } من عباده { وَ هُوَ الْعَزيزُ ‘} في الانتقام من أعدائه {الرَّحيمُ ‘} بمن أناب إليه من خلقه...>.

7 - و الحادية عشرة تتمّة للآيتين قبلها: { اَللهُ الَّذى ‘خَلَقَ السَّموَ "اتِ وَ الاَ_رْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا فى سِتَّةِ اَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلىّ وَلاشَفيعٍ‘ اَفَلاتَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الاَ_مْرَ مِنَ السَّمَاءِ اِلَى الاَ_رْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ اِلَيْهِ فى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَ ارُهُ اَلْفَ سَنَة مِمَّا تَعُدُّونَ ذ"لِكَ }، فالإشارة في { ذ"لِكَ عَالِمُ الْغَيْبِوَ الشَّهَادَةِ } راجعة إلى خلق السّماوات و الأرض و ما بعده. يعني الّذي خلق السّماوات و الأرض و فعل ما فعل، هو عالم الغيب والشّهادة و هو العزيز الرّحيم.

ثمّ أدام وصفه تعالى: { اَ لَّذى ‘اَحْسَنَ كُلَّ شَىْ‌ء خَلَقَهُ...}.

8 - و الثّانية عشرة تتمّة لما قبلها في صدر سورة يس, ، توصيفًا للقرآن الكريم: { يس * وَ الْقُرْ ا"نِ الْحَكيمِ ‘* اِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلينَ ‘*عَلى" صِرَاط مُسْتَقيمٍ‘ * تَنْزيلَ‘ الْعَزيزِ ‘الرَّحيمِ‘}، أي إنّ القرآن، تنزيل من عند الله العزيز الرّحيم الحكيم.

9 - و كلّ ما ذُكر في هذه الآيات وصفًا للقرآن - الحكيم - أو وصفًا للرّسول - إنّه من المرسلين و على صراط مستقيمٍ - أو وصفًا لله تعالى - العزيز الرّحيم - فلها دخل في صدق القرآن و صدق الرّسول.

ربّ رحيمٍ، آية واحدة:

294 - { سَلامٌ قَوْ لا مِنْ رَبّ رَحيمٍ ‘} يس, : 58

1 - هذه إحدى الآيات في وصف الله في سورة يس, ؛ حيث وُصف فيها ب- { رَبّ رَحيمٍ ‘} و وُصف فيها مرّة أُخرىب- { رَ بّى } في الآية 27: { بِمَا غَفَرَ لى رَ بّى وَ جَعَلَنى مِنَ الْمُكْرَمينَ ‘}، و ب- { رَ بُّنَا } في الآية 16: { قَالُوا رَ بُّنَا يَعْلَمُ اِنَّا اِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ }، و ب- { رَ بِّكُمْ } في الآية 25: { اِنّى ا"مَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ }، فقد وصف الله فيها ب- < الرّبّ > أربع مرّ ات بتفاوت في الضّمائر المضاف إليها.

و وُصف فيها ب- { الرَّحْمن } في أربع آيات أيضًا:

في الآية 11: { اِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَ خَشِىَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ...}، و الآية 15: { وَ مَا اَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَىْء }، و الآية 23: { ءَ اَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ ا"لِهَةً اِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرّ ...}، و الآية 52: { هذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمنُ وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ }.

و وُصف فيها بالعلم في آيتين:

الآية 79: { قُلْ يُحْييهَا ا لَّذى ‘اَنْشَاَهَا اَوَّ لَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْق عَليمٌ ‘}، و الآية 81 : { بَلى" وَ هُوَ الْخَلا قُ الْعَليمُ ‘} ، بصيغة مبالغة، و المعلوم فيهما < الخَلْق >.

2 - و في أوصاف الله في الآيات أسرار، و كلّ وصف مناسب لموضوع الآية يعلمها من تأمّلها.

3 - و جاء قبل قوله: { سَلامٌ قَوْ لا مِنْ رَبّ رَحيمٍ}‘ وصف أهل الجنّة يوم القيامة: { اِنَّ اَصْحَابَ

الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فى شُغُل فَاكِهُونَ ... لَهُمْ فيهَا ‘فَاكِهَةٌ وَ لَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ...}.

4 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 429): < { وَ لَهُمْ مَا يَدَّعُونَ } أي ما يتمنّون ويشتهون. قال أبوعُبَيْدَة: تقول العرب أُدع عليّ ما شئت، أي تمنّ عليّ.

و قيل: معناه أنّ كلّ من يدّعي شيئًا فهو له بحكم الله تعالى، لأ نّه قد هذّب طباعهم، فلايدعون إلا ما يحسن منهم. قال الزّجّاج: هو مأخوذ من الدّعاء، يعني أنّ أهل الجنّة كلّما يدعونه يأتيهم. ثمّ بيّن سبحانه ما يشتهون فقال: { سَلامٌ } أي لهم سلام، و مُنى أهل الجنّة أن يسلّم الله عليهم { قَوْ لا } أي يقول الله قولا { مِنْ رَبّ رَحيمٍ ‘} بهم يسمعونه من الله، فيؤذنهم بدوام الأمن و السّلامة، مع سبوغ النّعمة و الكرامة.

و قيل: إنّ الملائكة تدخل عليهم من كلّ باب، يقولون: سلام عليكم من ربّكم الرّحيم >.

5 - و الجمع بين { رَبّ } و { رَحيمٍ ‘} فيه مزيد لطف، لأنّ ( رَبّ ) كما سبق في < ر ب ب > فيه لطف من الله تعالى على العباد.

البَرّ الرّحيم، آية واحدة:

295 - { اِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ اِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحيمُ}‘ الطّور : 28

1 - هذه من تتمّة الآيات في وصف المتّقين في الجنّة، بدءً من الآية 17:{اِنَّ الْمُتَّقينَ ‘فى جَنَّات وَنَعيمٍ‘} إلى هذه الآية، و كلّها 13 آية.

2 - و قبلها حكاية عن أهل الجنّة:{ وَ اَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى" بَعْض يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا اِنَّا كُنَّا قَبْلُ فى اَهْلِنَا مُشْفِقينَ ‘* فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَ وَقينَا عَذَابَ السَّمُومِ * اِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ...}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 166): < { اِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ...} أي في الدّنيا {نَدْعُوهُ } أي ندعو الله تعالى، ونوحّده، و نعبده. { اِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ } أي اللّطيف، و أصله اللّطف مع عظم الشّأن، و منه البرّة للطفها مع عظم النّفع بها. و قيل البَرّ: الصّادق فيما وعده. { الرَّحيمُ ‘} بعباده >.

رحيمًا، 3 آيات:

296 - { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا لاتَاْكُلُوا اَمْوَ الَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ اِلا اَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَ اض مِنْكُمْ وَ لاتَقْتُلُوا اَنْفُسَكُمْ اِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحيمًا ‘} النّساء : 29

297 - { رَ بُّكُمُ الَّذى ‘يُزْجى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ اِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحيمًا ‘} الإسراء : 66

298 - { هُوَ الَّذى يُصَلّى عَلَيْكُمْ وَ مَ-لئِكَتُهُ’ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ اِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنينَ‘ رَحيمًا ‘} الأحزاب : 43

1 - أُولاها: هي بدء آية في الأموال بعد آيات في النّكاح، و استدام حكم الأموال فيها إلى الآية 34: { الرِّجَالُ قَوَّ امُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى" بَعْض وَ بِمَا اَنْفَقُوا مِنْ اَمْوَ الِهِمْ ...}، و بعدها من الآية 32، رجوع إلى أحكام النّكاح أيضًا.

2 - أمّا هذه الجملة: { وَ لاتَقْتُلُوا...} فظاهرة في قتل النّفس.

و قال الطَّبْرِسيّ (2 : 37): < فيه أربعة أقوال:

أحدها: أنّ معناه لايقتل بعضكم بعضًا، لأ نّكم

أهل دين واحد، و أنتم كنفس واحد، كقوله: { فَسَلِّمُوا عَلى" اَنْفُسِكُمْ }النّور : 61، عن الحسَن، و عطاء،و السُّدّيّ، و الجُبّائيّ.

و ثانيها: أ نّه نهى الإنسان عن قتل نفسه في حال غضب، أو ضجر، عن أبيالقاسم البلخيّ.

و ثالثها: أنّ معناه: لاتقتلوا أنفسكم بأن تُهلكوها بارتكاب الآثام، و العدوان في أكل المال بالباطل، و غيره من المعاصي الّتي تستحقّون بها العذاب.

ورابعها:ما رُوي عن أبي عبد الله - جعفر بن محمّد - أنّ معناه: لاتخاطروا بنفوسكم في القتال، فتقاتلوا من لاتطيقونه.

و قال: { اِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحيمًا ‘}، أي لم يزل بكم رحيمًا، و كان من رحمته أن حرّم عليكم قتل الأنفس و إفساد الأموال...>.

3 - و ثانيتها: هي بدء آيات خمس من سورة الإسراء في نعمته البَرّ و البحر و غيرهما من النّعم على النّاس، إلى الآية 70: { وَ لَقَدْ كَرَّمْنَا بَنى ا"دَمَ وَ حَمَلْنَاهُمْ فِى الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ...}.

4 - و قال الطَّبْرِسيّ (3 : 427): < { رَ بُّكُمُ } أي خالقكم ومدبّركم { الَّذى ‘يُزْجى لَكُمُ الْفُلْكَ } أي يجري لكم السّفن { فِى الْبَحْرِ } بما خلق من الرّياح، و بأن جعل الماء على وجه يمكن جري السّفن فيه. { لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ }، أي لتطلبوا من فضل الله تعالى بركوب السّفن على وجه الماء، فيما فيه صلاح دنياكم من التّجارة، أو صلاح دينكم من الغرق. { اِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحيمًا ‘}؛ حيث أنعم عليكم بهذه النّعم >.

5 - و ثالثتها: { هُوَ الَّذى ‘يُصَلّى عَلَيْكُمْ...} تتمّة لما قبلها: { يَاءَ يُّهَا الَّذينَ ‘ا"مَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرً ا كَثيرً ا‘ * وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ اَصيلا ‘}، و بعدها: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْ نَهُ سَلامٌ وَ اَعَدَّلَهُمْ اَجْرً ا كَريمًا ‘} من سورة الأحزاب .

6 - فهذه الآيات الأربع: 41 - 44 من سورة الأحزاب أمر للمؤمنين بالذّكر الكثير و التّسبيح بُكرةً و أصيلا ، و وعد لهم بإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، و بالرّحمة البالغة، و تبشير لهم بالإسلام و الأجر الكريم يوم اللّقاء. أمّا الآيات قبلها و بعدها فهي في رسالة الرّسول (صلی الله علیه و آله).

7 - و الثّلاث الأُولى منها خطاب للمؤمنين. و من قوله ذيل الثّالثة: { وَ كَانَ بِالْمُؤْمِنينَ.‘..} إلى آخر الأربع انصراف عن الخطاب إلى الغيبة، إعلامًا بأنّ ما أُمروا به قد تحقّق مبالغة. و هذا عكس ما جاء في سورة الحمد، فالآيات الثّلاث الأُولى فيها توصيف لله بلسان المصلّين غيابًا، و بعدها خطاب إليه كأ نّه تعالى كان أوّ لا غائبًا عنهم، ثمّ حضر أمامهم فخاطبوه، و كم من النّكات البلاغيّة مثلها في سورة الحمد؟

8 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 363): < خصّ المؤمنين بالرّحمة دون غيرهم، لأ نّه سبحانه جعل الإيمان بمنزلة العلّة في إيجاب الرّحمة، و النّعمة العظيمة الّتي هي الثّواب >.

المحور السّادس: رُحماء، آية واحدة:

299 - { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَ الَّذينَ ‘مَعَهُ اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...} الفتح : 29

1 - هذه صدر آخر آية من سورة الفتح، وصف الله فيها النّبيّ (صلی الله علیه و آله) ب- { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ } ثمّ وصف المؤمنين ب- { وَ الَّذينَ ‘مَعَهُ اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...}، و هيطويلة، و آخرها: { وَعَدَ اللهُ الَّذينَ‘ ا"مَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ اَجْرً ا عَظيمًا‘}.

2 - و < الرُّحماء > جمع: رحيم، مثل عُلماء جمع عليم.

3 - و قد عبّر عن المؤمنين ب- { وَ الَّذينَ ‘مَعَهُ }، أي مع النّبيّ تأكيدً ا لقربهم إلى النّبيّ . ثمّ بدأ وصفهم بعلاقتهم مع المؤمنين و الكفّار.

4 - و الّذي يلفت النّظر أ نّه قدّم عداوتهم للكفّار على محبّتهم للمؤمنين: { اَشِدَّ اءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ...} تأكيدً ا لتقدّم البراءة من الكفّار على المحبّة للمؤمنين.

5 - و قال الطَّبْرِسيّ (5 : 127): { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ }: <نصّ سبحانه على اسمه ليزيل كلّ شبهة، تمّ الكلام هنا. ثمّ أثنى على المؤمنين، فقال: { وَ الَّذينَ ‘ مَعَهُ }. قال الحسَن: بلغ من تشدّدهم على الكفّار أن كانوا يتحرّزون من ثياب المشركين، حتّى لاتلتزق بثيابهم، و عن أبدانهم حتّى لا تمسّ أبدانهم. و بلغ تراحمهم فيما بينهم أن كان لايرى مؤمن مؤمنًا إلا صافحه و عانقه، و مثله قوله: { اَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنينَ‘ اَعِزَّة عَلَى الْكَافِرينَ ‘} المائدة : 54...>. المحور السّابع: أرحم الرّ احمين 4 آيات، و قد سبقت خلال القصص:

{ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لى وَ لاَخى وَ اَدْخِلْنَا فى رَحْمَتِكَ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} الأعراف : 151

{ قَالَ هَلْ ا"مَنُكُمْ عَلَيْهِ اِلا كَمَا اَمِنْتُكُمْ عَلى اَخيهِ‘ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}يوسف : 64

{ قَالَ لاتَثْريبَ ‘عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} يوسف : 92

{ وَ اَ يُّوبَ اِذْ نَادى رَ بَّهُ اَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} الأنبياء : 83

أُولاها الآية 151، من سورة الأعراف: { قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لى وَ لاَخى ...}.

1 - و هذه حكاية عن موسى لم-ّا أخذ برأس أخيه يجرُّه إليه، و اعتذر هارون بأنّ القوم استضعفوه و كادوا يقتلونه، فاستغفر موسى عمّا صنعه بأخيه هارون ، فقال: { رَبِّ اغْفِرْ لى وَ لاَخى ...}.

2 - و قد جمع موسى في اعتزاره هذا بين أربع، تسجيلا لاعتذاره:

أوّلها: خطاب الله تعالى ب- { رَبِّ } الدّ الّ على كمال لطفه به.

ثانيها: طلب الغفران له و لأخيه: { اغْفِرْ لى وَ لاَخى }.

ثالثها: طلب إدخالهما في رحمته: { وَ اَدْخِلْنَا فى رَحْمَتِكَ }.

رابعها: توصيف الله تعالى خطابًا إليه ب-: { وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}.

فكرّر الرّحمة ثلاث مرّ ات بثلاثة ألفاظ:{ رَحْمَتِكَ } و { اَرْحَمُ } و { الرَّ احِمينَ ‘}، تشديدً ا

للرّحمة، و إصرارً ا على شمول رحمة الله تعالى إيّاه و أخاه.

3 - و قال الطّبَريّ: < يقول: و ارحمنا برحمتك الواسعة عبادك المؤمنين، فإنّك أنت أرحم بعبادك من كلّ من رحم شيئًا >.

و قال الطُّوسيّ: < اعتراف من موسى بأنّ الله تعالى{ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}، و اعترافه بذلك دليل على قوّة طمعه في نجاح طلبته، و لأنّ من هو أرحمالرّ احمين يؤمَّل الرّحمةُ من جهته، و من هو أجود الأجودين يؤمَّل الجودُ من قبله >.

و قال المَيْبُديّ: < أرحم بنا منّا بأنفسنا و أرحم بنا من الأبوين >.

و قال الطَّبْرِسيّ: <و إنّما يُذكَر في آخر الدّعاء لبيان شدّة الرّجاء من جهته، فإنّ الابتداء بالنّعمة يوجب الإتمام، و سعة الرّحمة تقتضي الزّيادة فيها...>.

و قال أبوالسُّعود: < فلاغرو في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدّنيا و الآخرة، و الجملة اعتراض تذييليّ مقرّر لما قبله >.

و قال ابن عاشور: < و جملة { وَ اَنْتَ...} تذييل، و الواو للحال أو اعتراضيّة، أي الأشدّ رحمة من كلّ راحم >.

و ثانيتها: الآية 64، من سورة يوسف: { فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}،

1 - و هذه حكاية قول يعقوب لبنيه لم-ّا سألوه إرسال أخيهم بنيامين معهم، فقال: { هَلْ ا"مَنُكُمْ عَلَيْهِ اِلا كَمَا اَمِنْتُكُمْ عَلى" اَخيهِ ‘مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حَافِظًا...}.

2 - و قال الطّبَريّ: < يقول: و الله أرحم راحم بخلقه، يرحم ضعفي على كبر سنّي و وحدتي بفقد ولدي، فلايضيّعه و لكنّه يحفظه حتّى يردّه عليّ لرحمته>.

و قال الماوَرْديّ: < يحتمل وجهين: أحدهما: أرحم الرّ احمين في حفظ ما استودع، و الثّاني: أرحم الرّ احمين فيما يرى من حزني >.

و قال الزّمَخْشَريّ: < فأرجو أن ينعم عليّ بحفظه، و لايجمع عليّمصيبتين >.

و قال الطَّبْرِسيّ: < يرحم ضعفي، و كبر سنّي، و يردّه عليّ...>.

و قال أبوحَيّان: < اعتراف بأنّ الله هو ذو الرّحمة الواسعة، فأرجو منه حفظه، و أن لايجمع عليّ مصيبته ومصيبة أخيه...>.

و ثالثتها: الآية 92، من سورة يوسف أيضًا: {قَالَ لاتَثْريبَ‘ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَ هُوَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} .

1 - و هذه حكاية قول يوسف لإخوته لم-ّا اعتذروا منه، و اعترفوا بذنبهم في حقّه.

2 - و قال الطّبَريّ: < يقول: و الله أرحم الرّ احمين لمن تاب من ذنبه، و أناب إلى طاعته بالتّوبة من معصيته >.

و قال الماوَرْديّ: < يحتمل وجهين:

أحدهما: في صنعه بي حين جعلني ملكًا.

الثّاني: في عفوه عنكم عمّا تقدّم من ذنبكم >.

و قال الطُّوسيّ: < الرّحمة: النّعمة على المحتاج >.ثمّ

قسّم الرّحمة إلى واجب و غير واجبٍ، فلاحظ.

و حكى البُرُوسَويّ عن < التّأويلات النّجميّة >: < إشارة إلى أنّه أرحم من أن يجر على عبد من عباده المقبولين أمرً ا يكون فيه ضرر لعبد آخر في الحال، و أنفع في المآل، ثمّ لايوفّقه لاسترضاء الخصم...>. [و لاحظ النُّصوص الأُخرى]

و رابعتها: الآية 83، من سورة الأنبياء:{ وَ اَ يُّوبَ اِذْ نَادى" رَ بَّهُ اَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘}.

1 - و سورة الأنبياء -كما سمّيت - وصف الله فيها عددًا من الأنبياء باختصار و بلاترتيب:

أوّلها: توصيف لموقف المشركين أمام دعوة النّبيّ و بيان رسالته يوم القيامة إلى الآية 47.

ثمّ بدأ بذكر موسى في الآية 48 -50: { وَ لَقَدْ ا "تَيْنَا مُوسى وَ هرُ"ونَ الْفُرْقَانَ...}، و قياس ما جاءهما من الفرقان، و ما جاء النّبيّ من الذّكر.

ثمّ ذكر إ براهيم في الآيات 51 - 73: { وَ جَعَلْنَاهُمْ اَئِمَّةً يَهْدُونَ بِاَمْرِنَا...}.

ثمّ ذكر لوطا في آيتين: 74 و 75.

ثمّ نوحًا في آيتين: 76 و 77.

ثمّ داود و سليمان في 5 آيات 78 - 82.

ثمّ أيّوب في آيتين: 83 و 84.

ثمّ إسماعيل و إدريس و ذا الكفل في آيتين: 85 و 86 .

ثمّ ذا النّون في آيتين: 87 و 88.

ثمّ زكريّا في آيتين 89 و 90.

ثمّ مريم و عيسى في آية 91.

ثمّ رجع إلى ما ذكره أوّ لا ، و ذكر آيات في الرّسالة و العقيدة، إلى آخر السّورة.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 59): {وَ اَيُّوبَ اِذْ نَادى } : < أي و اذكر يا محمّد أيّوب حين دعا ربّه لمّا امتدّت المحنة به { اَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ } أي نالني الضّرّ، و أصابني الجهد. { وَ اَنْتَ اَرْحَمُ الرَّ احِمينَ ‘} أي و لا أحد أرحم منك. و هذا تعريض منه بالدّعاء لإزالة ما به من البلاء، و هو من لطيف الكنايات في طلبالحاجات، و مثله قول موسى: { رَبِّ اِنّى لِمَا اَنْزَلْتَ اِلَىَّ مِنْ خَيْر فَقيرٌ ‘}. { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ } أي أجبنا دعاءه و نداءه...>.

المحور الثّامن: خير الرّ احمين، آيتان، و قد مضتا في ( 116 و 117).

1 - أُولاهما: { اِنَّهُ كَانَ فَريقٌ ‘مِنْ عِبَادى يَقُولُونَ رَبَّنَا ا"مَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَ اَنْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ ‘} المؤمنون : 109.

1- و هذه قول الله تعالى جوابًا لأصحاب النّار في محاجّة بينه و بينهم بدءً من الآية 105: { اَلَمْ تَكُنْ ا"يَاتى تُتْلى" عَلَيْكُمْ }، و ختمًا بالآية 116: { فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا اِلهَ" اِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَريمِ ‘}. و قبلها حكايةً عن قولهم و قوله تعالى: { رَ بَّنَا اَخْرِجْنَا مِنْهَا فَاِنْ عُدْ نَا فَاِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَؤُا فيهَا‘وَ لاتُكَلِّمُونِ * اِنَّهُ كَانَ فَريقٌ.‘..}.

2 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 120): < { اِنَّهُ كَانَ فَريقٌ‘ مِنْ عِبَادى } أي طائفة من عبادي، و هم الأنبياء، و المؤمنون { يَقُولُونَ رَ بَّنَا...} أي يدعون بهذه

الدّعوات في الدّنيا، طلبًا لما عندي من الثّواب...>.

و الثّانية: الآية 118 منها - و هي آخر السّورة - : { وَ قُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَ ارْحَمْ وَ اَنْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ ‘}

1- و هذه خطاب منه تعالى إلى النّبيّ أن يدعو الله بها.

2 - و قد جمع الله فيها بين الغفران مرّةً، و الرّحمة مرّتين: { اغْفِرْ }، و { ارْحَمْ }، و{ الرَّ احِمينَ ‘}.

3 - و قال الطَّبْرِسيّ (4 : 122): < و لم-ّا حكى سبحانه أقوال الكفّار، أمر نبيّه (صلی الله علیه و آله) بالتّبرّي منهم، والانقطاع إليه سبحانه، فقال: { وَ قُلْ } يا محمّد{ رَبِّ اغْفِرْ } الذّنوب { وَ ارْحَمْ } و أنعم على خلقك{ وَ اَنْتَ خَيْرُ الرَّ احِمينَ ‘} أي أفضل المنعمين،و أكثرهم نعمة، و أوسعهم فضلا >.

المحور التّاسع: المرحمة، آية واحدة:

300 - { ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا وَ تَوَ اصَوْ ا بِالصَّبْرِ وَ تَوَ اصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } البلد : 17

1 - هذه من تتمّة ما مدح الله به في سورة البلد أصحاب الميمنة، بدءً من الآية 10: { وَ هَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلااقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ }، و ختمًا بالآية 18: { اُولئِكَ ’اَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ }.

2 - قال ابن عبّاس: < مرحمة النّاس.كلّ ما يؤدّي إلى رحمة الله تعالى >.

و قال الطّبَريّ: < و أوصى بعضهم بعضًا بالمرحمة >.

و قال الماوَرْديّ: < أي بالتّراحم فيما بينهم، فرحموا النّاس كلّهم. و يحتمل ثانيًا: و تواصوا بالآخرة، لأ نّها دار الرّحمة فيتواصوا بترك الدّنيا و طلب الآخرة >.

و قال الطُّوسيّ: < أي وصّى بعضهم بعضًا بأن يرحموا الفقراء و ذوي المسكنة >، و نحوها الآخرون فلاحظ.

3 - و قال الزّمَخْشَريّ: < و المرحمة: الرّحمة >.

و قال الطَّباطَبائيّ: < المرحمة: مصدر ميميّ من الرّحمة >.

و قال البُرُوسَويّ: <مصدر بمعنى الرّحمة، أي أوصى بعضهم بعضًا بالرّحمة على عباد الله، أو بموجبات رحمته تعالى من الخيرات، على حذف المضاف أو ذكر المسبّب و إرادة السّبب، تنبيهًا على كماله في السّببيّة. و الرّحمة بهذا المعنى أعمّ من الرّحمة بالمعنى الأوّ ل، و هي الشّفقة لمن يستحقّها من العباد يتيمًا أو فقيرً ا، أو نحو ذلك.

و في الحديث: لايرحم الله من لايرحم النّاس. فقوله: { وَ تَوَاصَوْ ا بِالصَّبْرِ } إشارة إلى التّعظيم لأمر الله، و قوله: { وَ تَوَاصَوْ ا بِالْمَرْحَمَةِ } إشارة إلى الشّفقة على خلق الله، و إلى التّكميل بعد الكمال...>.

4 - و قال ابن عاشور: < خصّ بالذّكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصّبر و تواصيهم بالمرحمة، لأنّ ذلك أشرف صفاتهم بعد الإيمان، فإنّ الصّبر ملاك الأعمال الصّالحة كلّها، لأ نّها لاتخلو من كبح الشّهوة النّفسانيّة و ذلك من الصّبر.

و المرحمة: ملاك صلاح الجامعة الإسلاميّة، قال تعالى: { رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } الفتح: 29 >.

5 - و قال عبدالكريم الخطيب: < إشارة إلى أنّ الإيمان - مجرّد الإيمان - لايُمكِّن المرء من اقتحام هذه

العقبة، و إن كان يدعو إلى اقتحامها، و يشدّ البصر نحوها، إذ لابدّ من أن يقوم مع الإيمان، دعوة موجّهة إلى الصّبر، و إلى الرّحمة، و أن يتزوّد المرء بزاد عتيد منها...>.

6 - و لمن بعده - و لاسيّما فضل الله - أيضًا إضافات، فلاحظ.

المحور العاشر: الأرحام، 12 آية:

301 - { هُوَ الَّذى‘ يُصَوِّرُكُمْ فِى الاَ_رْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا اِلهَ" اِلا هُوَ الْعَزيزُ ‘الْحَكيمُ ‘} آل عمران : 6

302 - { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَ بَّكُمُ الَّذى ‘خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَ احِدَة وَ خَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَ بَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثيرً ا‘ وَنِسَاءً وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذى ‘تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ اِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقيبًا ‘} النّساء : 1

303 و 304- { ثَمَانِيَةَ اَزْوَاجٍ مِنَ الضَّاْنِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ اَمِ الاُ_نْثَيَيْنِ اَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَ-يْهِ اَرْحَامُ الاُ_نْثَيَيْنِ نَبِّئُونى بِعِ-لْمٍ اِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ ‘* وَ مِنَ الاِ_بِلِ اثْنَيْنِ وَ مِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ اَمِ الاُ_نْثَيَيْنِ اَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ اَرْحَامُ الاُ_نْثَيَيْنِ اَمْ كُنْتُمْ شُهَدَ اءَ اِذْ وَصّيكُمُ’ اللهُ بِهذَ ا فَمَنْ اَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ اِنَّ اللهَ لايَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمينَ ‘} الأنعام : 143 ، 144

305 - { وَ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هَاجَرُواوَ جَاهَدُوا مَعَكُمْ فَاُولئِكَ مِنْكُمْ وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ اِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَىْء عَليمٌ ‘} الأنفال : 75

306 - { اَللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ اُنْثى وَ مَا تَغيضُ ا‘لاَ_رْحَامُ وَ مَا تَزْدَادُ وَ كُلُّ شَىْء عِنْ-دَهُ بِمِ-قْدَ ار }الرّعد : 8

307 - { يَاءَ يُّهَا النَّاسُ اِنْ كُنْتُمْ فى رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَاِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَ غَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِىالاَ_رْحَامِ مَا نَشَاءُ اِلى" اَجَل مُسَمًّى...} الحجّ : 5

308 - { اِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَ يَعْلَمُ مَا فِى الاَ_رْحَامِ وَ مَا تَدْرى ‘نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَ مَا تَدْرى ‘نَفْسٌ بِاَىِّ اَرْض تَمُوتُ اِنَّ اللهَ عَليمٌ‘ خَبيرٌ ‘} لقمان : 34

309 - { النَّبِىُّ اَوْ لى" بِالْمُؤْمِنينَ ‘مِنْ اَنْفُسِهِمْ وَ اَزْوَ اجُهُ اُمَّهَاتُهُمْ وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ ‘وَ الْمُهَاجِرينَ ‘اِلا اَنْ تَفْعَلُوا اِلى" اَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذ"لِكَ فِى الْكِتَابِ مَسْطُورً ا } الأحزاب : 6

310- { فَهَلْ عَسَيْتُمْ اِنْ تَوَلَّيْتُمْ اَنْ تُفْسِدُوا فِى الاَ_رْضِ وَ تُقَطِّعُوا اَرْحَامَكُمْ } محمّد : 22

311 - { لَنْ تَنْفَعَكُمْ اَرْحَامُكُمْ وَ لا اَوْ لادُكُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصيرٌ‘ } الممتحنة : 3

312- { وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِاَنْفُسِهِنَّ ثَلثَةَ قُرُوء وَ لايَحِلُّ لَهُنَّ اَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فى اَرْحَامِهِنَّ اِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الا"_خِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ اَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فى ذ"لِكَ اِنْ اَرَادُوا اِصْلاحًا وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذى ‘عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللهُ عَزيزٌ ‘حَكيمٌ ‘} البقرة : 228

1 - الأرحام على وزن < أفعال > جمع بوزن واحد، و مفرداتها بأوزان مختلفة: < الأرحام > جمع: < رحم >، و<الأعضاء > جمع: < عضو >، و < الأصوات > جمع: < صوت >، و < الأعلام > جمع: < عَلم >، و < الأفعال > جمع: < فِعل >.

2 - و { الاَ_رْحَامِ } فيهذه الآيات جاءت بمعنيين: الرّحِم، و الأقرباء. أمّا الرّحِم، ففي 7 آيات:

(301): { هُوَ الَّذى ‘يُصَوِّرُكُمْ فِى الاَ_رْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ...}.

(303 و 304): {... قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ اَمِ الاُ_نْثَيَيْنِ اَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ اَرْحَامُ الاُ_نْثَيَيْنِ }، و المراد بهما رحم الحيوان و في الأربع الأُخرى رحم الإنسان.

(306): { اَللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ اُنْثى" وَ مَا تَغيضُ الاَ_رْحَامُ وَ مَا تَزْدَ ادُ ...}.

(307): {...لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِى الاَ_رْحَامِ مَا نَشَاءُ اِلى" اَجَل مُسَمًّى...}.

(308): {...وَ يَعْلَمُ مَا فِى الاَ_رْحَامِ...}.

(312): { وَ الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِاَنْفُسِهِنَّ ثَلثَةَ ’ قُرُوء وَ لايَحِلُّ لَهُنَّ اَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فى اَرْحَامِهِنَّ}.

و أمّا الأقرباء ففي 5 آيات:

(302): {...وَ اتَّقُوا اللهَ الَّذى ‘تَسَاءَلُونَ بِهِ وَ الاَ_رْحَامَ...}.

(305): {...وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ...}.

(309): {...وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ ‘وَ الْمُهَاجِرينَ.‘..}.

(310): { فَهَلْ عَسَيْتُمْ اِنْ تَوَلَّيْتُمْ اَنْ تُفْسِدُوا فِى الاَ_رْضِ وَ تُقَطِّعُوا اَرْحَامَكُمْ }.

(311): { لَنْ تَنْفَعَكُمْ اَرْحَامُكُمْ وَ لا اَوْ لادُكُمْ يَوْمَ الْقِيمَةِ ...}.

3 - قال الطَّبْرِسيّ (1 : 408): < و الأرحام: جمع رَحِم، و أصله: الرّحمة؛ و ذلك لأ نّها ممّا يتراحم به و يتعاطف، يقولون: وصلتكرحم...{ هُوَ الَّذى‘ يُصَوِّرُكُمْ } أي يخلق صوركم { فِى الاَ_رْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ } على أيّ صورة شاء، و على أيّ صفة شاء، من ذكر أو أُنثى، أو صبيح أو دميم، أو طويل أو قصير...>.

4 - و قد طوّ ل المفسّرون الكلام في الآية (301) من جهات:

الأولى: في إعراب { وَ الاَ_رْحَامَ } فقد قُرئت بالحركات الثّلاث، فقال الفَخْرالرّ ازيّ: ما حاصله: أ نّها قرئت بجرّ الميم و هي قراءة حمزة، وذكر لها وجهان:

أحدهما: أ نّها على تقدير تكرار الجارّ، كأنّه قيل: و تساءلون به و بالأرحام...

ثانيهما: أ نّه ورد ذلك في الشّعر - و ذكر شعرين - ثمّ قال: < و العجب من هؤُلاء النّحّاة أ نّهم يستحسنون إثبات هذه اللُّغة بهذين البيتين المجهولين،و لايستحسنون إثباتها بقراءة حمزة و مُجاهِد، مع أ نّهما كانا من أكابر علماء السّلف في علم القرآن >.

و حكى عن أكثر النّحويّين أ نّها فاسدة بحجج: منها أنّها تقتضي عطف المُظهر على المُضمر المجرور،

و ذلك غير جائز- ثمّ ذكر وجوهًا على عدم جوازه - فلاحظ.

ثمّ ذكر وجهين في قراءتها بالنّصب:

أحدهما: أ نّه عطف على موضع الجارّ و المجرور، كقوله: < فلسنا بالجبال و لا الحديد >.

و الثّاني: - و هو قول أكثر المفسّرين - أنّ التّقدير: و اتّقوا الأرحام أن تقطعوها، و عليه فنصب{ الاَ_رْحَامَ } بالعطف علىقوله: { اللهَ } أي اتّقوا الله و اتّقوا الأرحام، أي اتّقوا حقّ الأرحام فصلوها و لاتقطعوها.

ثمّ نقل عن الواحديّ أن يكون منصوبًا بالإغراء، أي و الأرحام فاحفظوها و صلوها، كقولك: الأسد الأسد، و هذا التّفسير يدلّ على تحريم قطيعة الرّحم، و يدلّ على وجوب صلتها.

و أمّا القراءة بالرّفع فقال صاحب « الكشّاف »: الرّفع على أ نّه مبتدأ خبره محذوف، كأ نّه قيل:و الأرحام كذلك، على معنى و الأرحام ممّا يُتّقى، أو و الأرحام ممّا يُتساءل به...

و الثّانية: في معناها - و قد ظهر من وجوه القراءة أيضًا - قال الطَّبْرِسيّ: < قيل: في معناه قولان:

أحدهما: أ نّه من قولهم: أسألك بالله أن تفعل كذا،

و أُنشدك بالله و بالرّحم، و نشدتك الله و الرّحم. و كذا كانت العرب تقول عن الحسَن و إبراهيم، و على هذا يكون قوله: { وَ الاَ_رْحَامَ } عطفًا على موضع قوله: ( بِهِ )، و المعنى: إنّكم كما تُعظّمون الله بأقوالكم فعظّموه بطاعتكم إيّاه.

و الآخر: أنّ معنى{تَسَاءَلُونَ بِهِ }: تطلبون حقوقكم و حوائجكم فيما بينكم به، { وَ الاَ_رْحَامَ }، معناه: واتّقوا الأرحام أن تقطعوها...>.

و قال الطَّباطَبائيّ: < { وَ الاَ_رْحَامَ } فظاهره أ نّه معطوف على لفظ الجلالة، و المعنى: و اتّقوا الأرحام >، ثمّ ذكر الوجُوه الأُخرى.

الثّالثة: في العلاقة بالأرحام في الإسلام.

و قد أطال الكلام فيهافضل الله تحت عنوان: < السّرّ في تأكيد صلة الأرحام >، فلاحظ.

5 - و جاءت في الآيتين 304 و 305: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ } بلفظ واحد، في سورتين مدنيّتين: الأنفال : 75، و الأحزاب : 6، بإضافة في الثّانية: { اَوْ لى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ ‘وَ الْمُهَاجِرينَ ‘}.

و سورة الأنفال نزلت في السّنة الثّانية من الهجرة، بمناسبة غزوة بدر و ما غنم المؤمنون فيها من الأنفال - و بها سمّيت - أمّا سورة الأحزاب فنزلت في السّنة الخامسة بمناسبة غزوة الأحزاب - و بها سمّيت - .

و المفسّرون لم يفرّقوا بين الآيتين، و قالوا ذيل كلّ منها: إنّها نسخت التّوارث بالهجرة، و المآخاة الّتي قرّرها النّبيّ في أوّ ل الهجرة، فكان المهاجرون و الأنصار الّذين آخا بينهم النّبيّ يتوارثون حتّى نُسخت.

و نحن نرجّح أنّ النّسخ كان بآية سورة الأحزاب الّتي صرّحت به: {... وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ بَعْضُهُمْ اَوْلى" بِبَعْض فى كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنينَ ‘وَ الْمُهَاجِرينَ.‘..}.

فقد تأخّر النّسخ إلى بعد غزوة الأحزاب، و بقي التّوارث بالأرحام. و أمّا آية الأنفال فاختصّت بالتّوارث بين ذوي الأرحام على سبيل الإجمال و العموم، و قد فصّلته سورة النّساء.

6 - و ممّن تنبّه لذلك هو عبد الكريم الخطيب، فإنّه قد حكى أوّ لا عن أكثر المفسّرين أنّ هذه الآية من الأنفال ناسخةلما قرّرته الآيات السّابقة في قوله 72: { اِنَّ الَّذينَ ‘ا"مَنُوا وَ هَاجَرُوا وَ جَاهَدُوا بِاَمْوَالِهِمْ وَ اَ نْفُسِهِمْ فى سَبيلِ‘ اللهِ وَالَّذينَ ‘ا"وَوْ ا وَ نَصَرُوا اُولئِكَ’ بَعْضُهُمْ اَوْلِيَاءُ بَعْض } .

• و كذلك نُقل عن ابن عبّاس - ثمّ قال: < و القول بنسخ هذه الآية لما قرّرته الآيات الّتي قبلها، من ولاء المسلمين بعضهم لبعض، و تناصرهم و تعاطفهم هذا القول مردود من وجُوه:

فأوّ لا : أنّ الأحكام الّتي قرّرتها الآيات السّابقة من وجوب قيام تلك الوحدة الشّعوريّة بين المسلمين؛ بحيث تجعل منهم كيانًا واحدًا هذه الأحكام، هي من صميم الدّعوة الإسلاميّة، و من الدّعائم القويّة الّتي قام عليها بناء المجتمع الإسلاميّ؛ بحيث يؤثر المؤمن إخوانه في الإيمان، على أهله و ذوي قرابته...>. و استشهد بآيات و أتمّ بحثه.

و ثانيًا: آيات المواريث الّتي ذكرها الله سبحانه و تعالى في سورة النّساء تُقرِّر في صراحة واضحة أحكام الميراث بين ذوي القُربى؛ بحيث لاتدع مجالا لغيرهم أن يشاركهم في هذا الميراث الّذي فرض لهم فيها، فقوله تعالى: { وَ اُولُوا الاَ_رْحَامِ...} لايُضيف جديدً ا إلى ما قرّرته آيات المواريث...

و ثالثًا: ما يقال من أنّ هذه نسخت التّوارث الّذي قام بين المهاجرين و الأنصار، بحكم التّآخي الّذي أقامه الرّسول بينهم متوجّه له، لأنّ آيات المواريث تُغني في تطبيقها عن الاحتياج إلىنصّ صريحٍ بتحريم التّوارث على هذا النّسب الّذي أقامه النّبيّ الكريم بين المهاجرين و الأنصار...>. و تبعه الآخرون كمكارم.

المحور الحادي عشر: رُحْمًا، آية واحدة:

313- { فَاَرَدْ نَا اَنْ يُبْدِلَهُمَا رَ بُّهُمَا خَيْرً ا مِنْهُ زَكو"ةً وَ اَقْرَبَ رُحْمًا } الكهف : 81

1 - هذه من جملة قصّة موسى و خضر بدءً بالآية 65، من سورة الكهف: { فَوَجَدَ ا عَبْدً ا مِنْ عِبَادِنَا ا"تَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا...}، إلى الآية 82:{ وَ اَمَّا الْجِدَ ارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتيمَيْنِ فِى الْمَدينَةِ‘...}.

و قبلها حكاية عن خضر توجيهًا لقتله الغلام: { وَ اَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ اَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشينَا‘ اَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَ كُفْرً ا * فَاَرَدْ نَا...}.

2 - و هذه القصّة حجّة للأقطاب الصّوفيّة الّذين يظهر منهم أفعال ظاهرها خلاف الشّريعة، و لكن لهم توجيهات لها، و يمنعون أتباعهم عن الشّكّ فيهاو الاعتراض عليهم و السّؤال عنهم، حتّى يكشفوا هم الغطاء عنها.

و كم الفرق بين هؤلاء الأقطاب - المأمورين بما شرّعه الله في الكتاب و السّنّة - و بين خضر الّذي يُعَدّ من جملة الأنبياء الّذي قال تعالى في شأنه: { فَوَجَدَ ا عَبْدً ا مِنْ عِبَادِنَا ا"تَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا } ، كم الفرق

بينهم و بين خضر؟ .

3 - و الّذي يلفت النّظر أن خضرً ا حينما نبّأ موسى بتأويل ما لم يستطع عليه صبرً ا، يستند عيب السّفينة إلى نفسه: { فَاَرَدْتُ اَنْ اَعيبَهَا } ، و قتل الغلام إلى الجمع الشّامل له و لربّه: {فَاَرَدْ نَا اَنْ يُبْدِلَهُمَا رَ بُّهُمَا خَيْرً ا مِنْهُ }، و إقامة الجدار إلى ربّه: { فَاَرَادَ رَ بُّكَ اَنْ يَبْلُغَا اَشُدَّهُمَا وَ يَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا...}،و للمفسّرين فيها نكات فلاحظ.

4 - و قالوا في { اَقْرَبَ رُحْمًا }: أوصل رُحْمًا، أوصل للرّحم و أبرّ بوالديه، أقرب خيرً ا، أرحم به منهما بالّذي قتل الخضر، أحسن منه برًّ ا بوالديه، أقرب أن يرحما به، أقرب رحمةً بوالديه، و أبرّ بهما من المقتول، أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول، أقرب أن يرحماه، أقرب عطفًا، و أمَسّ بالقرابة.

و قال الماوَرْديّ: < فيه ثلاثة أوجه: أكثر برًّ ا بوالديه، أعجل نفعًا و تعطّفًا ، أقرب أن يرحما به >، و نحوه الآخرون.

5 - و قال المَيْبُديّ: < قرأ ابن عامر و يعقوب( رُحُمًا ) بضمّ الحاء، و قرأ الباقون { رُحْمًا } بسكون الحاء، و الوجه إنّ رُحُمًا و رُحْمًا واحد، و المضموم عينه أصل، و المسكَّن مخفّف منه، و كالشُّغُل و الشُّغْل>.

و قال غيره: < مثل العُسْر و العُسُر، و هُلْكو هُلُك >.

6 - و قال: < الرّحِم و الرّحْمَة و المرحَمَة بمعنى واحد. و قيل: هو من الرّحِم و القرابة، أي أبرّ بوالديه و أوصل للرّحم >. و نحوه الطَّبْرِسيّ و آخرون.

و قال الآلوسيّ: < هما مصدران كالكُثُر و الكَثَر... و انتصاب المصدرين على التّمييز، و العامل ما قبل كلّ من أفعل التّفضيل. و لايخفىما في الإبهام أوّ لا، ثمّ البيان ثانيًا من اللُّطف...>.

و قال الطَّباطَبائيّ: < و المراد بكونه أقرب منه رُحمًا كونه أوصل للرّحم و القرابة فلايرهقهما. و أمّا تفسيره بكونه أكثر رحمةً بهما فلايناسبه قوله: < أقرَب منه > تلك المناسبة...

و الآية على أيّ حال تلوح إلى أنّ إيمان أبويه كان ذا قدر عند الله و يستدعي ولدً ا مؤمنًا صالحًا يصل رحمهما، و قد كان المقضيّ في الغلام خلاف ذلك، فأمر الله الخضر بقتله ليبدلهما خيرً ا منه زكاة و أقرب رُحمًا>.

و يلاحظ ثانيًا: أنّ أكثر آياتها و هي آيات في وصف القرآن، و التّوراة، و القصص، و العقائد مكّيّة، و الباقي و هي حوالي 85 آية من آيات التّشريع و الغزوات و نحوها مدنيّة، و اثنتان من سورة الحجّ مختلف فيهما. و الأرجح عندنا أنّها مكّيّة أيضًا.

و ثالثًا: من نظائر هذه المادّة في القرآن:

الرّحِم: الآصرة:

القرابة: { وَ اَنْذِرْ عَشيرَ‘تَكَ الاَ_قْرَبينَ ‘}الشّعراء : 214

النّسب: { فَاِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ فَلااَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذ وَ لايَتَسَاءَلُونَ } المؤمنون : 101

الكلالة: { يَسْ-تَفْ-تُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتيكُمْ‘ فِى

الْكَلالَةِ ... } النّساء : 176

الحميم: { وَ لاصَديق ٍ‘حَميم ٍ‘} الشّعراء : 101

الرّحْمَة: الرّ قّة:

الرّ أفة: { الزَّ انِيَةُ وَ الزَّ انى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة وَ لاتَاْخُذْكُمْ بِهِمَا رَ اْفَةٌ فى دينِ ‘اللهِ...} النّور : 2

الحنَان: { وَحَنَانًا مِنْ لَدُ نَّا وَ زَكو"ةً وَ كَانَ تَقِيًّا } مريم : 13

فهرس الأعلام المنقول عنهم بلا واسطة وأسماء کتبهم

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

فهرس الأعلام المنقول عنهم بالواسطة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة

صورة