ghaemiyeh.com
بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-
عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف
Nhjol-Balaghah. Commantries
عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 18 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.
تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.
مواصفات المظهر:8ج
ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :
حالة القائمة: الفيفا
ملاحظة: عربي.
ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation
المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف
المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah
ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397
تصنيف ديوي: 297/9515
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095
معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شناسنامه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدلله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين سيما بقية الله فى الارضين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين
انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللهِ وَاتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللهِ وَاقْبَلُوا بنَصِيحَةِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ وَأَخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ وَبَيَّنَ مَحَابَّهُ مِنَ الاَْعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه واله كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلّا يَأْتِي فِي كُرْهٍ وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلّا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ فَرَحِمَ اللهُ رَجُلاً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً وَإِنَّهَا لا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوًى وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُوْمِنَ لا يُمْسِي وَلا يُصْبِحُ إِلّا وَنَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ فَلا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَمُسْتَزِيداً لَهَا فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ ـ قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ وَطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِل.
وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ وَالْهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ
نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ وَلا لاَِحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لاَْوَائِكُمْ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلالُ فَاسْأَلُوا اللهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّقٌ وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ.
الْعَمَلَ الْعَمَلَ ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ وَالاِسْتِقَامَةَ الاِسْتِقَامَةَ ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ وَإِنَّ لِلاِْسْلامِ غَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ وَاخْرُجُوا إِلَى اللهِ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَحَجِيجٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ أَلا وَإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَالْقَضَاءَ الْمَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ وَإِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اللهِ وَحُجَّتِهِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ وَقُلْتُمْ رَبُّنَا اللهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ ثُمَّ لا تَمْرُقُوا مِنْهَا وَلا تَبْتَدِعُوا فِيهَا وَلا تُخَالِفُوا عَنْهَا فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ الاَْخْلاقِ وَتَصْرِيفَهَا وَاجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً وَلْيَخْزُنِ الرَّجُلُ لِسَانَهُ فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ وَاللهِ مَا أَرَى
عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ لِسَانَهُ وَإِنَّ لِسَانَ الْمُوْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ لاَِنَّ الْمُوْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَمَا ذَا عَلَيْهِ وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُوْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ وَيُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَلَكِنَّ الْحَلالَ مَا أَحَلَّ اللهُ وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الاُْمُورَ وَضَرَّسْتُمُوهَا وَوُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَضُرِبَتِ لَكُمْ الاَْمْثَالُ وَدُعِيتُمْ إِلَى الاَْمْرِ الْوَاضِحِ فَلا يَصَمُّ عَنْ ذَلِکَ إِلّا أَصَمُّ وَلا يَعْمَى عَنْ ذَلِکَ إِلّا أَعْمَى وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ بِالْبَلاءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ وَأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ فَإِنَّ النَّاسَ رَجُلانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً وَمُبْتَدِعٌ بِدْعَةً لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَلا ضِيَاءُ حُجَّة.
وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ وَسَبَبُهُ الاَْمِينُ وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَمَا لِلْقَلْبِ جِلاءٌ غَيْرُهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ وَبَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُون.
فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه واله كَانَ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الْخَيْرَ وَدَعِ الشَّرَّ ـ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ أَلا وَإِنَّ
الظُّلْمَ ثَلاثَةٌ فَظُلْمٌ لا يُغْفَرُ وَظُلْمٌ لا يُتْرَکُ وَظُلْمٌ مَغْفُورٌ لا يُطْلَبُ فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُغْفَرُ فَالشِّرْکُ بِاللهِ قَالَ اللهُ إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَکَ بِهِ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُتْرَکُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً الْقِصَاصُ هُنَاکَ شَدِيدٌ لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى وَلا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِکَ مَعَهُ فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللهِ فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى وَلا مِمَّنْ بَقِيَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وَطُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وَأَكَلَ قُوتَهُ وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة.
أى بما بيّنه في كتابه وعلى لسان نبيّه صلی الله علیه واله فانّه لقول فصل وما هو بالهزل، وفيه تذكرة وذكري لاولى الألباب وهدى وبشرى بحسن الماب فمنفعته أتمّ المنافع، وفايدته أعظم الفوايد.
قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ)(1).
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَوُفٌ رَحِيمٌ)(2).
وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً
وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآْياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون)(1).
لتفوزوا جنّة النعيم والفوز العظيم، وتنجوا من نار الجحيم والعذاب الأليم.
قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِْحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(2).
فانّها مودّية إلى درجات الجنات منجية من دركات الهلكات، والاتيان بلفظ الجلالة والتصريح باسمه سبحانه في جميع الجملات مع اقتضاء ظاهر المقام للاتيان بالضمير لايهام الاستلذاذ ولإدخال الرّوع في ضمير المخاطبين وتربية المهابة وتقوية داعى المأمورين لامتثال المأمور به.
ونصحت لزيد أنصح له نصحا ونصيحة، هذه اللّغة الفصيحة وعليها قوله تعالى : (إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ)(3) وفي لغة يتعدّى بنفسه وهو الاخلاص والصّدق في
المشورة والعمل(4).
وفي (الصحاح): نصحتک نصحا ونصحة والاسم النصيحة...(5).
وقبول نصيحة الناصح من الواجبات العقليّة وكان الأنبياء يقولون لاممهم: انّا لكم ناصحون أمينون.
يعني أنّه سبحانه قد أبدى العذر اليكم في عقاب العاصين منكم بالاعذار الجليّة و البراهين الواضحة من الايات الكريمة لأنّه لا يكلّف نفسا إلّا ما اتيها ليهلک من هلک عن بيّنة ويحيى من حىّ عن بيّنة.
والجليّة: الخبر اليقين...(1).
قال تعالى: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(2).
وقال تعالى: (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)(3).
بارسال الرّسول وإنزال الكتاب يعني أنّه أتمّ الحجّة على المكلّفين بما اتاهم وعرّفهم حتى لا يكون لهم عذر في ترک التكاليف ولا يكون للنّاس عليه حجّة بعد الرّسل.
والحجّة: البرهان...(4).
قال تعالى: (لِئَلّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ...)(5).
وقال تعالى: (لِيَهْلِکَ مَنْ هَلَکَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ...)(6).
أى بيّن في كتاب العزيز الفرائض والواجبات من الحجّ والجهاد والصوم
والصّلاة وغيرها من الأعمال الصّالحات المطلوبة له والمحبوبة عنده، والمحظورات من الكذب والغيبة والنميمة والسعاية وغيرها من الأفعال القبيحة المبغوضة له المكروهة لديه.
قال تعالى: (وَقَضى رَبُّکَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَکَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً)(1) إلى
أن قال: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً)(2) إلى أن
قال: (وَلا تَجْعَلْ يَدَکَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِکَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً)(3) إلى أن قال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً * وَلا
تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً * وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْوُلاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِکَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُوادَ كُلُّ أُولئِکَ كانَ عَنْهُ مَسْوُلاً * وَلا تَمْشِ فِي الاَْرْضِ مَرَحاً إِنَّکَ لَنْ تَخْرِقَ الاَْرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً كُلُّ ذلِکَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّکَ مَكْرُوهاً)(4).
وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)(5).
وقال تعالى: (وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ
وَالاَْرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولئِکَ جَزاوُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ)(1).
وقال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ * فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الآْخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(2).
وقال تعالى: (بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)(3).
وقال تعالى: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِکَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الاَْمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين)(4).
وقال تعالى: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)(5).
وقال تعالى: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)(6).
وقال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)(1).
وقال تعالى: (لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(2).
وقال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الاَْرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)(3).
وقال تعالى: (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيما آتاکَ اللهُ الدَّارَ الآْخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَکَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْکَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الاَْرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)(4).
وقال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ...)(5).
وقال تعالى: (وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)(6).
وقال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّکَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الاَْرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِکَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِکَ إِنَّ أَنْكَرَ الاَْصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(7).
وقال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي
الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابا مُهِينا * وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُوْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً)(1).
قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ...)(2).
قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً)(3).
فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه واله كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ...
فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه واله كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ
يعني أنّ الجنّة محفوفة بالصبر على مشاقّ الطاعات والكفّ عن لذائذ السيّئات و كلاهما مكروه للنّفس، فمن صبر على ذلک المكروه يكون مصيره إلى الجنّة وكذلک النار محفوفة باطلاق عنان النفس وارتكاب ما تشتهيها وتتمناها من الشهوات والمحرّمات، فمن أقدم عليها وأتى بها يكون عاقبته إلى النار وكفى
بالجنّة ثوابا ونوالا في تسهيل تحمّل تلک المكاره، وكفى بالنار عقابا ووبالا في التنفير عن هذه الشهوات.
عن رسول الله صلی الله علیه واله : أنّ الله تعالى لمّا خلق الجنّة قال لجبرئيل: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر فقال أي ربّ وعزّتک لا يسمع بها أحد إلّا دخلها، ثمّ حفّها بالمكاره، وقال لجبريل: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر فقال: أي ربّ وعزّتک لقد خشيت ألّا يدخلها أحد فلّما خلق النّار قال يا جبريل: اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال: وعزّتک لا يسمع بها أحد فيدخلها، فحفّها بالشّهوات ثمّ قال له: اذهب فانظر إليها فنظر فقال وعزّتک لقد خشيت ألا يبقى أحدا إلّا دخلها(1).
ومن المكاره: الصّوم لكونه كفّا عن الطعام والشراب والنساء، حتّى سمّي الصبر و فسّر في قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)(2) بالصّوم.
وقال النبيّ صلی الله علیه واله : دخلت الجنّة فرأيت أكثر أهلها الّذين يصومون ثلاثة أيام في كلّ شهر فقلت: كيف خصّ به الأربعاء والخميسان فقال: إنّ من قبلنا من الامم كان إذا نزل عليهم العذاب انزل في هذه الأيام فصام النبيّ صلی الله علیه واله الأيّام المخوفة(3).
وفي الخبر: الصوم جنّة من النار(4).
وروي نصر بن مزاحم: أنّ أبا عرفاء جبلة بن عطيّة الذّهلي قال للحصين: هل لک أن تعطيني رايتک أحملها فيكون لک ذكرها ويكون لي أجرها؟ فقال له الحصين: وما غناي عن أجرها مع ذكرها قال له: لا غناء لک عن ذلک أعيرها عنک
ساعة فما أسرع ما ترجع إليک فعلم انّه يريد أن يستقتل قال: فما شئت فأخذ الراية أبو عرفاء فقال: يا أهل هذه الرّاية انّ عمل الجنّة كره كلّه وانّ عمل النّار خفّ كلّه وانّ الجنّة لا يدخلها إلّا الصابرون الذين صبّروا أنفسهم على فرائض الله وأمره وليس شيء ممّا افترض الله على العباد أشدّ من الجهاد وهذا أفضل الأعمال ثوابا وإذا رأيتموني قد شددت فشدّوا، ويحكم أما تشتاقون إلى الجنّة؟ أما تحبّون أن يغفر الله لكم؟ قال فقاتل حتّى قتل(1).
وروى ابن بابويه عن محمّد بن يحيى الصّولي عن جدّته أم أبيه المسمّاة بغدر قال: قالت لي: اشتريت مع عدّة جوار من الكوفة وكنت من مولّداتها فحملنا إلى المأمون فكنّا في داره في جنّة من الأكل والشرب والطّيب وكثرة الدّنانير فوهبني المأمون للرضا علیه السلام فلّما صرت في داره فقدت جميع ما كنت فيه من النّعيم وكانت علينا قيّمة تنبّهنا من اللّيل وتأخذنا بالصلاة وكان ذلک من أشدّ شيء علينا فكنت أتمنّى الخروج من داره إلى أن وهبني لجدّک عبدالله بن العباس فلما صرت إلى منزله كنت كأنّي قد ادخلت الجنّة وكان الرّضا علیه السلام يصلّي الغداة في أوّل الوقت ثمّ يسجد فلا يرفع رأسه إلى أن ترتفع الشمس(2).
ثمّ بعد تسهيل المكاره التي يشتمل عليها الطاعات يكون غايتها أشرف الغايات وتحقير الشهوات الّتي يريد التنفير عنها يكون غايتها أخسّ الغايات نبّه على أنّه لا تأتى طاعته إلّا في كره ولا معصيته إلّا في شهوة، وهو قوله :
العبادة ثقيلة على الإنسان كما انّها في ميزان العمل ثقيلة.
المعصية على الإنسان خفيفة كما انّها في ميزان العمل كذلک. وانّ النّفس للقوّة الشهويّة أطوع من القوّة العاقلة خصوصا فيما هو أقرب إليها من اللّذات المحسوسة الّتي يلحقها العقاب عليها.
نزع عن الأمر نزوعا: انتهى عنه، ونزعت الشيء من مكان: قلعته...(1).
وقول ابن أبي الحديد: نزع شهوته أي: أقلع(2).
قمعته وأقمعته بمعنى، أي: قهرته وأذللته...(3).
قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى)(4).
قال ابن أبي الحديد: منزعا أي: مذهبا(5).
وقال الطريحى: أي رجوعا عن المعصية(1).
نزع إلى أهله ينزع نزاعا أي: اشتاق وبعير نازع وناقة نازع إذا حنّت إلى أوطانها ومرعاها...(2).
قال ابن أبي الحديد: ومن الكلام المرويّ عنه علیه السلام ويروى عن غيره: «أيّها النّاس انّ هذه النّفوس طلعه فألّا تقذعوها تنزع بكم إلى شرّ غاية» وقال الشاعر:
وما النّفس إلّا حيث يجعلها الفتى فان اطمعت تاقت وإلّا تسلّت(3)
انّ المراد انّ المومن سيّيء الظّنّ بنفسه أنّ النّفس ضعيفة قليلة الحيلة لا تقدر على أن تحتال وتعالج في أن تغر المومن وتورده موارد الهلكة بل هو غالب عليها في كلّ حال قال الجوهري: الظّنون الرجل السّيّيء الظنّ(4).
قال أبو عمرو: (الزّارى) على الإنسان، الذي لا يعدّه شيئا وينكر عليه فعله(5).
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ
يُوْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُوْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ * أُولئِکَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ)(1).
قال تعالى: (أُولئِکَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هوُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ * أُولئِکَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ...)(2).
قوّضت البناء تقويضا نقضته من غير هدم(3).
يعني أنهم قطعوا علايق الدّنيا وارتحلوا إلى الاخرة كما أنّ الرّاحل إذا أراد الارتحال يقوّض متاعه وينقض خيمته.
أى طووا أيام الدّنيا ومدّة عمرهم كما يطوى المسافر منازل طريقه.
ومحصّل الجملتين أنّ السابقين الأوّلين من المقرّبين وأصحاب اليمين لما عرفوا بعين بصائرهم أنّ الدّنيا ليست لهم بدار وأن الاخرة دار قرار لا جرم كانت همّتهم مقصورة في الوصول إليها، فجعلوا أنفسهم في الدّنيا بمنزلة المسافر، وجعلوها عندهم بمنزلة المنازل فاخذوا من ممرّهم ما يبلغهم إلى مقرّهم فلما ارتحلوا عنها لم يبق لهم علاقة فيها كما أنّ المسافر إذا ارتحل من منزل لا يبقى له
شيء فيه فأمر المخاطبين بأن يكونوا مثل هولاء في الزّهد في الدّنيا وترک العلايق والامنيّات والرغبة في العقبي والجنّات العاليات وهي أحسن منزلا ومقيلا.
عن الكاظم علیه السلام ، قال لهشام بن الحكم: إنّ العقلاء زهدوا في الدّنيا ورغبوا في الآخرة، لأنّهم علموا أنّ الدُّنيا طالبة ومطلوبة وأنّ الآخرة طالبة مطلوبة فمن طلب الآخرة طلبته الدّنيا حتّى يستوفي منها رزقه ومن طلب الدّنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته، يا هشام إنّ العاقل نظر إلى الدّنيا وإلى أهلها فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، ونظر إلى الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، فطلب المشقة أبقاها(1).
قال الشاعر:
قَوْمٌ فَعَلُوا خَيْراً فَعَلَوْا***وَعَلى دَرَجِ الْعُلْيا دَرَجُوا
فَهُمْ فَهِمُوا مَعْنَى الْمَعْنى***وَبِذْكرِ اللهِ لَهُمْ لَهِجُوا
دَخَلُوا فُقَراءَ عَلَى الْدُّنيا***فَكَما دَخَلُوا مِنْها خَرَجُوا(2)
قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(3).
بخلاف باقي الناصحين فقد يغشون، قال الشاعر: «و موتمن بالغيب غير امين»(4).
واستشار مروان بن محمد، إسماعيل بن عبدالله القشيري لمّا انهزم من المسودة بحران أن يلحق بالروم مكاتبا لصاحبها معاهدا له حتى يحصل له استعداد وكان هو الرأي فغشه وقال له اعيذک بالله من هذا الرأي تحكم أهل الشرک في بناتک وحرمک ولكن اقطع الفرات ثم استنفر الشام إلى أن قال بعد ذكر وثوب أهل البلاد عليه فعلم مروان ان اسماعيل غشه في الرأي وانه فرط في مشورته إذ شاور رجلا من قحطان موترا متعصبا من قومه على اضدادهم من نزار، وان الرأي الذي هم بفعله من قطع الدرب ونزول بعض حصون الروم ومكاتبة ملكها إلى أن يرتأى في أمره كان أولى ـ إلخ ـ (1).
قال تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)(2).
وقال تعالى: (... قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُوْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدا)(3).
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ فِيهِ مَنَارُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى فَلْيَجْلُ جَالٍ بَصَرَهُ وَيَفْتَحُ لِلضِّيَاءِ نَظَرَهُ فَإِنَّ التَّفَكُّرَ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ كَمَا يَمْشِي الْمُسْتَنِيرُ فِي الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ(4).
قال تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)(1).
عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ علیه السلام : إِنَّ الْعَزِيزَ الْجَبَّارَ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ كِتَابَهُ وَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ فِيهِ خَبَرُكُمْ وَخَبَرُ مَنْ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَنْ بَعْدَكُمْ وَخَبَرُ السَّمَاءِ وَالاَْرْضِ وَلَوْ أَتَاكُمْ مَنْ يُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِکَ لَتَعَجَّبْتُمْ(2).
وعن أبي وداعة الحميدي قال: كنت إلى جنب مالک بن عبادة أبي موسى الغافقي وعقبة بن عامر يحدث عن النبيّ صلی الله علیه واله فقال أبو موسى: ان صاحبكم لحافظ أو هالک ان النبيّ صلی الله علیه واله خطبنا في حجة الوداع، فقال: عليكم بالقرآن فانكم ترجعون إلى قوم يشتهون الحديث فمن عقل شيئا فليحدث به ومن افترى على فليتبوّأ مقعده من النار(3).
وكل حديث لا يوافقه كذب ـ عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبدالله علیه السلام يا محمد ما جاءک في رواية من بر أو فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءک في رواية من بر أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به(4).
إذا لم يكن من أهل العناد والطغيان.
اذ فيه من الايات البيّنات والبراهين الباهرات ما يزيد في بصيرة المستبصر، وينقص من جهالة الجاهل.
وأما من كان من أهل اللجاج فلا يزيده إلّا عمى، قال تعالى: (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ * أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ)(1).
وقال تعالى: (... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُوْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِکَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)(2).
وقال في المومنين: (إِنَّمَا الْمُوْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)(3).
وقال في غيرهم: (وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اتَّخَذَها هُزُواً...)(4).
كان الفضيل بن عياض في أوّل أمره يقطع الطريق بين ابيورد وسرخس وعشق جارية فبينما يرتقي الجدران اليها سمع تاليا يتلو: (أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ)(5) فقال: يا ربّ قد آن، فرجع وأوى الى خربة فاذا فيها رفقة
فقال بعضهم: نرتحل، وقال بعضهم: حتّى نصبح فانّ فضيلا على الطريق يقطع
علينا، فتاب الفضيل وامّنهم، وحكي انّه جاور الحرم حتّى مات وكان وفاته يوم عاشوراء سنة (187)(1).
وكان الوليد بن يزيد زنديقا وإنه فتح المصحف يوما فرأى فيه: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)(2)؛ فاتخذ المصحف غرضا ورماه بالنّبل حتى مزّقه؛ وهو
يقول :
أتوعد كلّ جبّار عنيد***فها أنا ذاک جبّار عنيد
فإن لاقيت ربّک يوم حشر***فقل يا ربّ خرّقنى الوليد(3)
قال تعالى: (... تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ...)(4).
وقال تعالى: (وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الاَْرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)(5).
قال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)(6).
أى من أمراضكم الظاهرة والباطنة والرّوحانية والجسمانيّة، فانّ فيه شفاء من
كلّ ذلک قال سبحانه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ)(1).
عن الصادق علیه السلام عليكم بالقرآن فما وجدتم آية نجا بها من كان قبلكم فاعملوا به، وما وجدتموه ممّا هلک من كان قبلكم فاجتنبوه(2).
وعن أبي عبدالله عن آبائه عليهم السّلام قال: شكى رجل إلى النبيّ صلی الله علیه واله وجعا في صدره فقال: استشف بالقرآن فانّ الله عزّ وجلّ يقول: (وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ)(3)،(4).
أي: شدّتكم، أى من شدائد الدّهر ومحن الزمان وطوارق البلايا والحدثان. عن الزهري، قال علي بن الحسين علیه السلام لو مات من بين المشرق والمغرب ما توحشت بعد ما كان القرآن معي، وكان علیه السلام إذا قرأ مالِکِ يَوْمِ الدِّينِ(5) يكررها حتى كاد أن
يموت(6).
وعن المنقري قال: سمعت أبا إبراهيم علیه السلام يقول من استكفى باية من القرآن من المشرق إلى المغرب كفى إذا كان بيقين(7).
وعن الأصبغ بن نباتة عن أميرالمومنين علیه السلام أنّه قال: والّذي بعث محمّدا صلی الله علیه واله
بالحقّ وأكرم أهل بيته ما من شيء تطلبونه من حرز من حرق أو غرق أو سرق أو إفلات دابّة من صاحبها أو ضالّة أو آبق إلّا وهو في القرآن فمن أراد ذلک فليسألني عنه الحديث(1).
وأنت إذا لاحظت الروايات الواردة في خواصّ السّور والايات تجد أنها كنز لا يفنى وبحر لا ينفد، وأنّ فيها ما به نجاة من كلّ همّ ونجاة من كلّ غمّ وعوذة من كلّ لمم وسلامة من كل ألم وخلاص من كلّ شدّة ومناص من كلّ داهية ومصيبة وفرج من ضيق المعيشة ومخرج إلى سعة العيشة إلى غير هذه مما هو خارج عن حدّ الاحصاء ومتجاوز عن طور الاستقصاء، فلا شيء أفضل منه للاستشفاء من الأسقام والأدواء ولا للاستعانة من الشدائد واللأواء.
قال تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِکَ بِرَبِّنا أَحَداً)(2).
وقال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُوْمِنِينَ)(3).
قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِاللهِ علیه السلام : لا وَاللهِ لا يَرْجِعُ الاَْمْرُ وَالْخِلافَةُ إِلَى آلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَبَداً وَلا إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ أَبَداً وَلا فِي وُلْدِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ أَبَداً وَذَلِکَ أَنَّهُمْ نَبَذُوا الْقُرْآنَ وَأَبْطَلُوا السُّنَنَ وَعَطَّلُوا الاَْحْكَامَ وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله : الْقُرْآنُ هُدًى مِنَ الضَّلالِ
وَتِبْيَانٌ مِنَ الْعَمَى وَاسْتِقَالَةٌ مِنَ الْعَثْرَةِ وَنُورٌ مِنَ الظُّلْمَةِ وَضِيَاءٌ مِنَ الاَْحْدَاثِ وَعِصْمَةٌ مِنَ الْهَلَكَةِ وَرُشْدٌ مِنَ الْغَوَايَةِ وَبَيَانٌ مِنَ الْفِتَنِ وَبَلاغٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الآْخِرَةِ وَفِيهِ كَمَالُ دِينِكُمْ وَمَا عَدَلَ أَحَدٌ عَنِ الْقُرْآنِ إِلّا إِلَى النَّارِ(1).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله إِنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ فِي أَعْلَى دَرَجَةٍ مِنَ الآْدَمِيِّينَ مَا خَلا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ فَلا تَسْتَضْعِفُوا أَهْلَ الْقُرْآنِ حُقُوقَهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارِ لَمَكَاناً عَلِيّاً(2).
عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله : ان أحق الناس بالتخشع في السرّ والعلانية لحامل القرآن وان أحقّ الناس في السر والعلانية بالصلاة والصوم لحامل القرآن ـ ثم نادى بأعلى صوته: يا حامل القرآن، تواضع به يرفعک الله، ولا تعزز به فيذلّک الله، يا حامل القرآن تزيّن به لله يزينک الله به، ولا تزين به للناس فيشينک الله به ـ إلى أن قال ـ: ومن أوتي القرآن فظن أن أحداً من الناس أوتي أفضل ممّا أوتي فقد عظم ما حقّر الله وحقّر ما عظّم الله(3).
وعن يعقوب الأحمر عن أبي عبدالله علیه السلام : إنّ من الناس من يقرأ القرآن ليقال فلان قارئ، ومنهم من يقرأ القرآن ليطلب به الدّنيا ولا خير في ذلک، ومنهم من
يقرأ القرآن لينتفع به في صلاته وليله ونهاره(1).
وعن الباقر علیه السلام قال: قرّاء القرآن ثلاثة: رجل قرء القرآن فاتّخذه بضاعة واستدرّ به الملوک واستطال به على النّاس، ورجل قرء القرآن فحفظ حروفه وضيّع حدوده وأقامه إقامة القدح فلا كثر الله هولاء من حملة القرآن. ورجل قرء القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه فأسهر به ليله وأظمأ به نهاره وقام به في مساجده وتجافي به عن فراشه فباولئک يدفع الله العزيز الجبّار البلاء، وبأولئک يديل الله عزّ وجلّ من الأعداء، وبأولئک ينزل الله تبارک وتعالى الغيث من السماء فو الله لهولاء في قرّاء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر(2).
وعلّل الأمر بسوال الله به.
لأنّ له كرامة عند الله سبحانه ومقاما يغبطه به الأوّلون والاخرون حسبما تعرفه في الأخبار الاتية فهو أفضل الوسائل للسائل في انجاح المقاصد والمسائل الدنيويّة والأخرويّة، فالمتوجّه به إليه سبحانه لا يردّ دعاوه ولا يخيب رجاوه.
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّق...
قال ابن ميثم استعار علیه السلام لفظي (الشافع) و(المشفع) ووجه الاستعارة كون تدبره والعمل بما فيه ماحيا لما يعرض للنفس من الهيئات الردية من المعاصي وذلک
مستلزم لمحو غضبه كما يمحو الشفيع المشفع أثر الذنب عن قلب المشفوع إليه، وكذلک لفظ (القائل المصدق) ووجه الاستعارة كونه ذا ألفاظ إذا نطق بها لا يمكن تكذيبها(1).
ثم قال الخوئي :(2) لا يجوز حمل الكلام على المجاز ما دام إمكان الحمل على
الحقيقة ويدلّ على كونه على الحقيقة ما عَنْ سَعْدٍ الْخَفَّافِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: يَا سَعْدُ تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا الْخَلْقُ وَالنَّاسُ صُفُوفٌ عِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ صَفٍّ ثَمَانُونَ أَلْفَ صَفٍّ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ صَفٍّ مِنْ سَائِرِ الاُْمَمِ فَيَأْتِي عَلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ فِي صُورَةِ رَجُلٍ فَيُسَلِّمُ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ثُمَّ يَقُولُونَ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَعْرِفُهُ بِنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَاداً مِنَّا فِي الْقُرْآنِ فَمِنْ هُنَاکَ أُعْطِيَ مِنَ الْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ وَالنُّورِ مَا لَمْ نُعْطَهُ ثُمَّ يُجَاوِزُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى صَفِّ الشُّهَدَاءِ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ الشُّهَدَاءُ ثُمَّ يَقُولُونَ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ الرَّبُّ الرَّحِيمُ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَ الشُّهَدَاءِ نَعْرِفُهُ بِسَمْتِهِ(3)
وَصِفَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ مِنْ شُهَدَاءِ الْبَحْرِ فَمِنْ هُنَاکَ أُعْطِيَ مِنَ الْبَهَاءِ وَالْفَضْلِ مَا لَمْ نُعْطَهُ قَالَ فَيَتَجَاوَزُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى صَفِّ شُهَدَاءِ الْبَحْرِ فِي صُورَةِ شَهِيدٍ فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ شُهَدَاءُ الْبَحْرِ فَيَكْثُرُ تَعَجُّبُهُمْ وَيَقُولُونَ إِنَّ هَذَا مِنْ شُهَدَاءِ الْبَحْرِ نَعْرِفُهُ بِسَمْتِهِ وَصِفَتِهِ غَيْرَ أَنَّ الْجَزِيرَةَ الَّتِي أُصِيبَ فِيهَا كَانَتْ أَعْظَمَ هَوْلاً مِنَ الْجَزِيرَةِ الَّتِي أُصِبْنَا فِيهَا فَمِنْ هُنَاکَ أُعْطِيَ مِنَ الْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ وَالنُّورِ مَا لَمْ نُعْطَهُ ثُمَّ يُجَاوِزُ حَتَّى يَأْتِيَ صَفَّ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ فِي صُورَةِ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ فَيَنْظُرُ النَّبِيُّونَ وَالْمُرْسَلُونَ إِلَيْهِ فَيَشْتَدُّ لِذَلِکَ
تَعَجُّبُهُمْ وَيَقُولُونَ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ مُرْسَلٌ نَعْرِفُهُ بِسَمْتِهِ وَصِفَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ أُعْطِيَ فَضْلاً كَثِيراً قَالَ فَيَجْتَمِعُونَ فَيَأْتُونَ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه واله فَيَسْأَلُونَهُ وَيَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ مَنْ هَذَا فَيَقُولُ لَهُمْ أَ وَمَا تَعْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ مَا نَعْرِفُهُ هَذَا مِمَّنْ لَمْ يَغْضَبِ اللهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله هَذَا حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يُجَاوِزُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى صَفِّ الْمَلائِكَةِ فِي سُورَةِ مَلَکٍ مُقَرَّبٍ فَتَنْظُرُ إِلَيْهِ الْمَلائِكَةُ فَيَشْتَدُّ تَعَجُّبُهُمْ وَيَكْبُرُ ذَلِکَ عَلَيْهِمْ لِمَا رَأَوْا مِنْ فَضْلِهِ وَيَقُولُونَ تَعَالَى رَبُّنَا وَتَقَدَّسَ إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ مِنَ الْمَلائِكَةِ نَعْرِفُهُ بِسَمْتِهِ وَصِفَتِهِ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْمَلائِكَةِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ مَقَاماً فَمِنْ هُنَاکَ أُلْبِسَ مِنَ النُّورِ وَالْجَمَالِ مَا لَمْ نُلْبَسْ ثُمَّ يُجَاوِزُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى رَبِّ الْعِزَّةِ تَبَارَکَ وَتَعَالَى فَيَخِرُّ تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُنَادِيهِ تَبَارَکَ وَتَعَالَى يَا حُجَّتِي فِي الاَْرْضِ وَكَلامِيَ الصَّادِقَ النَّاطِقَ ارْفَعْ رَأْسَکَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَکَ وَتَعَالَى كَيْفَ رَأَيْتَ عِبَادِي فَيَقُولُ يَا رَبِّ مِنْهُمْ مَنْ صَانَنِي وَحَافَظَ عَلَيَّ وَلَمْ يُضَيِّعْ شَيْئاً وَمِنْهُمْ مَنْ ضَيَّعَنِي وَاسْتَخَفَّ بِحَقِّي وَكَذَّبَ بِي وَأَنَا حُجَّتُکَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِکَ فَيَقُولُ اللهُ تَبَارَکَ وَتَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لاَُثِيبَنَّ عَلَيْکَ الْيَوْمَ أَحْسَنَ الثَّوَابِ وَلاَُعَاقِبَنَّ عَلَيْکَ الْيَوْمَ أَلِيمَ الْعِقَابِ قَالَ فَيَرْجِعُ (فيرفع خ ل) الْقُرْآنُ رَأْسَهُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا أَبَا جَعْفَرٍ فِي أَيِّ صُورَةٍ يَرْجِعُ قَالَ فِي صُورَةِ رَجُلٍ شَاحِبٍ مُتَغَيِّرٍ يُبْصِرُهُ أَهْلُ الْجَمْعِ(1) فَيَأْتِي الرَّجُلَ مِنْ شِيعَتِنَا الَّذِي كَانَ يَعْرِفُهُ وَيُجَادِلُ بِهِ أَهْلَ الْخِلافِ فَيَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ مَا تَعْرِفُنِي فَيَنْظُرُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ مَا أَعْرِفُکَ يَا عَبْدَاللهِ قَالَ فَيَرْجِعُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْخَلْقِ
1) . شحب لونه كمنع ونصر وكرم وعمى: تغير من هزال أو جوع أو سفر وفي بعض النسخ]شاحب متغير ينكره أهل الجمع[.
الاَوَّلِ وَيَقُولُ مَا تَعْرِفُنِي فَيَقُولُ نَعَمْ فَيَقُولُ الْقُرْآنُ أَنَا الَّذِي أَسْهَرْتُ لَيْلَکَ وَأَنْصَبْتُ عَيْشَکَ سَمِعْتَ الاَْذَى وَرُجِمْتَ بِالْقَوْلِ فِيَّ أَلا وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ قَدِ اسْتَوْفَى تِجَارَتَهُ وَأَنَا وَرَاءَکَ الْيَوْمَ قَالَ فَيَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى رَبِّ الْعِزَّةِ تَبَارَکَ وَتَعَالَى فَيَقُولُ يَا رَبِّ يَا رَبِّ عَبْدُکَ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ قَدْ كَانَ نَصِباً فِيَّ(1) مُوَاظِباً عَلَيَّ يُعَادَى بِسَبَبِي وَيُحِبُّ فِيَّ وَيُبْغِضُ فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَدْخِلُوا عَبْدِي جَنَّتِي وَاكْسُوهُ حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةَ وَتَوِّجُوهُ بِتَاجٍ فَإِذَا فُعِلَ بِهِ ذَلِکَ عُرِضَ عَلَى الْقُرْآنِ فَيُقَالُ لَهُ هَلْ رَضِيتَ بِمَا صُنِعَ بِوَلِيِّکَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إِنِّي أَسْتَقِلُّ هَذَا لَهُ فَزِدْهُ مَزِيدَ الْخَيْرِ كُلِّهِ فَيَقُولُ وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَعُلُوِّي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لاََنْحَلَنَّ لَهُ الْيَوْمَ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ مَعَ الْمَزِيدِ لَهُ وَلِمَنْ كَانَ بِمَنْزِلَتِهِ أَلا إِنَّهُمْ شَبَابٌ لا يَهْرَمُونَ وَأَصِحَّاءُ لا يَسْقُمُونَ وَأَغْنِيَاءُ لا يَفْتَقِرُونَ وَفَرِحُونَ لا يَحْزَنُونَ وَأَحْيَاءٌ لا يَمُوتُونَ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآْيَةَ: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلّا الْمَوْتَةَ الاُْولى)(2) قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاکَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ وَهَلْ يَتَكَلَّمُ الْقُرْآنُ فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ رَحِمَ اللهُ الضُّعَفَاءَ مِنْ شِيعَتِنَا إِنَّهُمْ أَهْلُ تَسْلِيمٍ ثُمَّ قَالَ نَعَمْ يَا سَعْدُ وَالصَّلاةُ تَتَكَلَّمُ وَلَهَا صُورَةٌ وَخَلْقٌ تَأْمُرُ وَتَنْهَى قَالَ سَعْدٌ فَتَغَيَّرَ لِذَلِکَ لَوْنِي وَقُلْتُ هَذَا شَيْءٌ لا أَسْتَطِيعُ أَنَا أَتَكَلَّمُ بِهِ فِي النَّاسِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهَلِ النَّاسُ إِلّا شِيعَتُنَا فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الصَّلاةَ فَقَدْ أَنْكَرَ حَقَّنَا ثُمَّ قَالَ يَا سَعْدُ أُسْمِعُکَ كَلامَ الْقُرْآنِ قَالَ سَعْدٌ فَقُلْتُ بَلَى صَلَّى اللهُ عَلَيْکَ فَقَالَ: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ فَالنَّهْيُ كَلامٌ وَالْفَحْشَاءُ وَالْمُنْكَرُ رِجَالٌ وَنَحْنُ ذِكْرُ اللهِ وَنَحْنُ أَكْبَرُ(3).
وعن يونس بن عمّار عن الصادق علیه السلام قال ان الدواوين يوم القيامة ثلاثة: ديوان فيه النعم، وديوان فيه الحسنات، وديوان فيه السيئات، فيقابل بين ديوان النعم وديوان الحسنات فيستغرق النعم عامة الحسنات، ويبقى ديوان السيئات فيدعى بابن آدم المومن للحساب فيتقدّم القرآن أمامه في أحسن صورة فيقول: يا ربّ أنا القرآن وهذا عبدک المومن قد كان يتعب نفسه بتلاوتي ويطيل ليله بترتيلي وتفيض عيناه إذا تهجد، فارضه كما أرضاني فيقول تعالى: عبدى ابسط يمينک فيملأها من رضوان الله ويملأ شماله من رحمة الله، ثم يقال: هذه الجنّة مباحة لک فاقرأ واصعد درجة فإذا قرأ آية صعد درجة(1).
وعن إسحاق بن غالب عن أبي عبدالله علیه السلام قال إذا جمع الله تعالى الأولين والآخرين اذا هم بشخص قد أقبل لم ير قط أحسن صورة منه، فإذا نظر إليه المومنون وهو القرآن قالوا: هذا منّا هذا أحسن شيء رأيناه، حتى إذا انتهى إليهم جازهم ثم ينظر إليه الشهداء حتى إذا انتهى إلى آخرهم جازهم فَيَقُولُونَ هَذَا الْقُرْآن فيجوزهم كلّهم حتى إذا انتهى إلى المرسلين فيقولون: هذا القرآن فيجوزهم حتى ينتهي إلى الملائكة فيقولون هذا القرآن فيجوزهم ثم ينتهي حتى يقف عن يمين العرش فيقول الجبار وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأكرمنّ اليوم من أكرمک ولأهينن من أهانک(2).
وعن الفضيل بن يسار عن الصادق علیه السلام قال النبي صلی الله علیه واله : تعلموا القرآن فانّه يأتي صاحبه يوم القيامة في صورة شاب جميل شاحب اللون، فيقول له: أنا القرآن
الذي كنت أسهرت ليلک، وأظمأت هواجرک، وأجففت ريقک، وأسلت دمعتک أَئُولُ مَعَکَ حَيْثُمَا أُلْتَ وَكُلُّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ وَأَنَا الْيَوْمَ لَکَ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَةِ كُلِّ تَاجِرٍ وَسَيَأْتِيکَ كَرَامَةٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَبْشِرْ فَيُوْتَى بِتَاجٍ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُعْطَى الاَْمَانَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ فِي الْجِنَانِ بِيَسَارِهِ وَيُكْسَى حُلَّتَيْنِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اقْرَأْ وَارْقَهْ فَكُلَّمَا قَرَأَ آيَةً صَعِدَ دَرَجَةً وَيُكْسَى أَبَوَاهُ حُلَّتَيْنِ إِنْ كَانَا مُوْمِنَيْنِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمَا هَذَا لِمَا عَلَّمْتُمَاهُ الْقُرْآنَ(1).
ولكن حمل الأخبار الأربعة على الاستعارة أيضا جائزة وان كان خلاف الظاهر، ويشهد له ما في آخر الأول قال سعد: قلت يا أبا جعفر، وهل يتكلّم القرآن فتبسّم علیه السلام ثم قال: رحم الله الضعفاء من شيعتنا انّهم أهل تسليم، ثم قال نعم والصلاة تتكلّم، ولها صورة وخلق تأمر وتنهى.
قال سعد: فتغيّر لذلک لوني، وقلت هذا شيء لا أستطيع التكلّم به في الناس فقال علیه السلام وهل الناس إلّا شيعتنا فمن لم يعرف الصلاة فقد أنكر حقّنا ثم قال: يا سعد اسمعک كلام القرآن فقلت: بلى فقال: (... اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْکَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ...)(2) فالنهي كلام والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر الله
ونحن أكبر(3).
وكذلک ما مر في آخر الثاني «يقول تعالى: ابسط يمينک فيملأها من رضوان الله» فانّه معلوم كون هذا استعارة ـ والحمل على لسان الحال كما في قوله تعالى :
(... ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلاَْرْضِ)(1) غير بعيد.
من (محل به إلى السلطان) إذا سعى به إليه(2). يقال مَحَلَ فلان بفلان إذا قال
عليه قولا يوقعه في مكروه(3).
وشفاعة القرآن شفاعة صاحبه ومحله محله.
قال تعالى: (وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)(4).
وكتب منصور السلمي إلى بشر المريسي الكلام في القرآن خالق أو مخلوق بدعة اشترک فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له وتكلّف المجيب ما ليس عليه وما أعلم خالقا إلّا الله، وما دونه مخلوق ولو كان القرآن خالقا لم يكن للذين دعوه إلى الله شافعا ولا بالذين ضيّعوه ما حلا ـ فانته في القرآن إلى أسمائه التي سمّاه الله بها ولا تسّم القرآن باسم من عندک(5).
اما ابتلاء غير حرثة القرآن فواضح حتى بالنسبة إلى نكاح النساء للأولاد فقال تعالى: (نِساوُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ...)(6) وقال: (... يا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ...)(1) وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ...)(2)، واما حرثة
القرآن فهم حرثة الآخرة وفي سورة الشورى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُوْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)(3).
ومن حرث الدنيا الحرث وباقي مستمتعاتها، قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالاَْنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِکَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)(4)، ومن حرث القرآن، ما قال تعالى بعده: (قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ)(5).
هذا وقال ابن عياش كان الشعبي زوج اخت أعشى همدان وكان أعشى زوج اخت الشعبي فأتاه أعشى يوما ـ وكان أحد القرّاء للقرآن ـ فقال له: اني رأيت كأني أدخلت بيتا فيه حنطة وشعير، وقيل لي: خذ أيّهما شئت فأخذت الشعير، فقال: ان صدقت روياک تركت القرآن وقراءته، وقلت الشعر ـ فكان كما قال(6).
أي: اجعلوه دليلا.
أي: اجعلوه ناصحا.
في قباله.
عن أبي جعفر علیه السلام ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ان الآية ينزل أوّلها في شيء وآخرها في شيء ـ وزاد في خبر آخر ـ وهو كلام متصل ينصرف على وجوه(1).
أي: احكموا على أهوائكم المخالفة لها بالغش.
روى الصدوق عن النبي صلی الله علیه واله : لعن الله المجادلين في دين الله على لسان سبعين نبيا ومن جادل في آيات الله فقد كفر، قال عز وجل: (ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْکَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ)(2) ومن فسر القرآن برأيه فقد افترى
على الله الكذب ـ إلى أن قال الراوي عبد الرحمن بن سمرة ـ فقلت: يا رسول الله ارشدني إلى النجاة فقال: يا ابن سمرة إذا اختلفت الأهواء وتفرّقت الآراء فعليک بعلي بن أبي طالب ـ الخبر ـ (3).
قال الشارح البحراني: وانما قال هنا استغشوا وفي الاراء اتّهموا، لأنّ الهوا هو
ميل النفس الأمّارة من غير مراجعة العقل فاذا حكمت النفس عن متابعتها بحكم فهو غشّ صراح، وأمّا الرأى فقد يكون بمراجعة العقل وحكمه وقد يكون بدونه، فجاز ان يكون حقا وجاز أن يكون باطلا فكان بالتهمة أولى(1).
أى لازموا العمل الصّالح وراقبوا عليه.
أى بعد القيام بالأعمال الصالحة لاحظوا نهايتها وخاتمتها وجدّوا في الوصول إليها وهي الجنّة
قال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(2).
وقال تعالى: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ)(3).
وقال تعالى: (لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ)(4).
وهو أمر بالاستقامة على الجادّة الوسطى من العمل والثبات على الصراط المستقيم المودّى إلى غاية الغايات وأشرف النهايات أعني روضات الجنات.
قال تعالى: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...)(5).
وقال تعالى: (وَهذا صِراطُ رَبِّکَ مُسْتَقِيماً...)(1).
أي: على الطاعات (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)(2).
أي: عن المعاصي والمحرّمات.
عن أبي جعفر علیه السلام قال تعالى: يا ابن آدم اجتنب ما حرّمت عليک تكن من أورع الناس(3).
وعن الصادق علیه السلام يقول: ليس من شيعتنا من لا تتحدّث المخدَّرات بورعه في خدورهنَّ، وليس من أوليائنا من هو في قرية فيها عشرة آلاف رجل فيهم من خلق الله أورع منه(4).
نهايتنا الآخرة، وانتهاونا إليها العمل لها، قال مومن آل فرعون لقومه: (يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ)(5).
بالتحريک وهو العلامة.
قالوا: كان ابرهة بن الرائش، من ملوک اليمن أول من ضرب المنار على طريقه، في مغازيه ليهتدي بها إذا رجع(1).
قال: ابن أبي الحديد أراد علیه السلام بعلمهم الذي يجب عليهم الاهتداء إليه نفسه(2).
لأنّه تواتر عن النبي صلی الله علیه واله إذا وقع بين أمته اختلاف، يجب عليهم الرجوع إليه كما تواتر عنه صلی الله علیه واله أنّه علیه السلام على الحق، والحق يدور معه.
أي: حدودا.
ولا تتعدّوا حدوده، قال تعالى: (تِلْکَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِکَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(3).
وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ)(4).
قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)(1).
قال تعالى: (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ...)(2).
قال تعالى: (وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ للهِِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ)(3).
وقال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً، ثُمَّ لا يُوْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ)(4).
وقال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِکَ شَهِيداً عَلى هوُلاءِ...)(5).
وقال علي بن ابراهيم في قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ...)(6)
ينادى يوم القيامة مناد ليقم أبو بكر وشيعته، وعمر وشيعته، وعثمان وشيعته، وعلي وشيعته(7).
وعن الأصبغ، قال: أمرنا أميرالمومنين علیه السلام بالمسير إلى المدائن من الكوفة، فسرنا يوم الأحد وتخلّف عمرو بن حريث في سبعة نفر، فخرجوا إلى مكان بالحيرة، يسمّى الخورنق، فقالوا: نتنزّه، فإذا كان يوم الأربعاء خرجنا، فلحقنا عليا قبل أن يجمع، فبيناهم يتغدّون، إذ خرج عليهم ضبّ فصادوه، فأخذه عمرو، فنصب كفّه، فقال: بايعوا هذا، هذا أميرالمومنين، فبايعه السبعة وعمرو ثامنهم، وارتحلوا ليلة الأربعاء، فقدموا المدائن يوم الجمعة وأميرالمومنين علیه السلام يخطب ولم يفارق بعضهم بعضا، كانوا جميعا حتى نزلوا على باب المسجد فلما دخلوا نظر اليهم علیه السلام فقال: أيّها الناس ان رسول الله صلی الله علیه واله أسرّ إليّ ألف حديث، في كلّ حديث ألف باب، لكلّ باب الف مفتاح وأني سمعت الله يقول: (يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ...)(1) واني أقسم لكم بالله ليبعثنَّ يوم القيامة ثمانية نفر بإمامهم، وهو
ضبّ، ولو أردت أن أسمّيهم لفعلت ـ قال الأصبغ: فلقد رأيت عمرو بن حريث يتنفَّط مثل السعفة رعبا(2).
أي: ورد قليلا قليلا.
قال ابن أبي الحديد يعني علیه السلام بالقدر السابق، والقضاء الماضي خلافته علیه السلام (3).
ولكن الظاهر إرادته علیه السلام حدوث الخوارج، عن أبي سعيد الخدري، وأنس بن مالک، قالا: ان النبي صلی الله علیه واله قال: سيكون في أمتي اختلاف وفرقة يحسنون القيل،
ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، هم شرّ الخلق، طوبى لمن قاتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله، وليسوا منه في شيء(1).
قالوا: في الخير الوعد والعدة وفي الشر الايعاد والوعيد(2).
أي: برهانه.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ...
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُو وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)
قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(3) وبعدها: (نَحْنُ أَوْلِياوُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآْخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)(4).
عن أبي عبدالله علیه السلام : «تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ» يعني عند الموت(5). «أَلّا تَخافُوا
وَلا تَحْزَنُوا» قيل لا تخافوا مما أمامكم من أمور الآخرة ولا تحزنوا على ما
وراءكم وعلى ما خلفتم...(1).
قال رسول الله صلی الله علیه واله : لا يزال المومن خائفا من سوء العاقبة ولا يتيقّن الوصول إلى رضوان الله حتّى يكون وقت نزع روحه وظهور ملک الموت له، وذلک إنّ ملک الموت يرد على المومن وهو في شدّة علّته وعظيم ضيق صدره بما يخلفه من أمواله وبما هو عليه من اضطراب أحواله من معامليه وعياله قد بقيت في نفسه حسراتها اقتطع دون أمانيّه فلم ينلها، فيقول له ملک الموت ما لک تجرع غصصک قال: لاضطراب أحوالي واقتطاعک لي دون آمالي، فيقول له ملک الموت: وهل يحزن عاقل لفقد درهم زائف واعتياض ألف ألف ضعف الدّنيا؟! فيقول: لا، فيقول ملک الموت: فانظر فوقک، فينظر فيرى درجات الجنان وقصورها التي يقصر دونها الأماني فيقول ملک الموت: تلک منازلک ونعمک وأموالک وأهلک وعيالک ومن كان من أهلک ههنا وذرّيتک صالحا فهم هنالک معک أ فترضى بهم بدلا مما ههنا؟ فيقول: بلى والله، ثمّ يقول: انظر، فينظر فيرى محمّدا وعليّا والطيّبين من آلهما سلام الله عليهم أجمعين في أعلا علّيين فيقول: أو تراهم هولاء ساداتک وأئمتک هم هنالک جلاسک واناسک أ فما ترضى بهم بدلا مما تفارق هنا؟ فيقول : بلى وربّي فذلک ما قال الله عزّ وجلّ: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا) فيما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموها ولا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراري والعيال فهذا الّذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم، (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) هذه منازلكم وهولاء ساداتكم
1) . مجمع البيان: 9/17.
اناسكم وجلاسكم(1).
ولا تكونوا كالذين حكى الله تعالى هجرهم كتابه حتى يشكو نبيّهم منهم يوم القيامة في قوله تعالى: (وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً)(2).
أي: طريقه الواضح.
قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْناکَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الاَْمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(3).
قال الجوهري: مرق السهم من الرمية: خرج من الجانب الآخر، وبه سمّيت الخوارج مارقة لقول النبي صلی الله علیه واله يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية(4).
أي: من الطريقة الصالحة.
بالادخال في الدين ما ليس منه.
قال تعالى: (... فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(1).
قال الجوهري: فلان منقطع به إذا عجز عن سفره، بأن ذهبت نفقته أو قامت عليه راحلته أو أتاه أمر لا يقدر على أن يتحرّک(2).
سأل ابن الكوّاء عليّا علیه السلام عن قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالاَْخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)(3) فقال علیه السلام
هم كفرة أهل الكتاب فان أولاهم كانوا في حق فابتدعوا في دينهم وأشركوا بربهم، وهم يجتهدون في العبادة يحسبون أنّهم على شيء ـ ثم رفع صوته وقال: وما أهل النهروان غدا منهم ببعيد(4).
الهزع الاضطراب، يقال: تهزّع الرمح إذا اضطرب، واهتزّ، ويقال هزعت الشيء هزعا إذا كسرته وكذلک هزعته تهزيعا(1).
وتقليبها ونقلها من حال إلى حال كما هو شأن المنافق، فانّه لا يبقى على خلق و لا يستمرّ على حالة واحدة بل قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا، وتارة وفيّا واخرى غادرا، ومع الظالمين ظالما ومع العدول عادلا.
كما كان الزبير، فكان كما وصفه عمر، مومن الرضا كافر الغضب يوما انسان ويوما شيطان(2).
عن محمّد بن الفضيل قال: كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام أسأله عن مسألة، فكتب إلىّ إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصّلاة قاموا كسالى يرآون النّاس ولا يذكرون الله إلّا قليلا مذبذبين بين ذلک لا إلى هولاء ولا إلى هولاء ومن يضلل الله فلم تجد له سبيلا، ليسوا من الكافرين وليسوا من المومنين وليسوا من المسلمين يظهرون الايمان ويصيرون إلى الكفر والتكذيب لعنهم الله(3).
في الخبر، قال عز وجل لعيسى علیه السلام ليكن لسانک في السّر والعلانية واحدا(1).
وعن أبي جعفر علیه السلام قال: بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين يطرى أخاه شاهدا ويأكله غايبا، إن أعطى حسده وإن ابتلى خذله(2).
قال تعالى: (وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِوُن)(3).
وَلْيَخْزُنِ (ليختزن خ ل) الرَّجُلُ لِسَانَهُ
عن أميرالمومنين علیه السلام : ما من شيء أحق بطول السجن من اللسان(4).
وعن ابن القداح عن أبي عبدالله علیه السلام قال: قال لقمان لابنه: يا بنيّ إن كنت زعمت أنّ الكلام من فضّة فانّ السكوت من ذهب(5).
وعن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال: قال أبو الحسن علیه السلام : من علامات الفقه العلم والحلم والصّمت إنّ الصّمت باب من أبواب الحكمة إنّ الصّمت يكسب المحبّة إنّه دليل على كلّ خير(6).
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: كان أبو ذر يقول: يا مبتغى العلم
إنّ هذا اللّسان مفتاح خير ومفتاح شرّ فاختم على لسانک كما تختم على ذهبک وورقک(1).
وعن عليّ بن حسن بن رباط عن بعض رجاله عن أبي عبدالله علیه السلام قال: لا يزال العبد المومن يكتب محسنا ما دام ساكتا فاذا تكلّم كتب محسنا أو مسيئا(2).
فقد علم بذلک كلّه أنّ سلامة الانسان في حفظ اللّسان وأنّ نجاته من وبال الدّنيا ونكال الاخرة في الامساک عن فضول الكلام.
كفرس جموح، أخذ الاختيار من راكبه قال الشاعر:
خلعت عذاري جامحا ما يردّني***عن البيض أمثال الدمى زجر زاجر(3)
قال رسول الله صلی الله علیه واله : إن كان في شيء الشوم ففى اللّسان(4).
وَاللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ (يختزن خ ل) لِسَانَهُ
فانّ التقوى النافع هو ما يحفظه من غضب الجبّار وينجيه من عذاب النّار، ولا يحصّل ذلک إلّا بالاتّقاء من جميع المحرّمات والموبقات الموقعة في الجحيم والسخط العظيم، والكذب والغيبة والهجاء والسّعاية والنّميمة والقذف والسّب
ونحوها من حصائد الألسنة من أعظم تلک الموبقات، فلا بدّ من الاتّقاء منها واختزان اللّسان عنها.
عن الصادق علیه السلام نجاة المومن في حفظ لسانه(1).
وعن السجاد علیه السلام لسان ابن آدم يشرف كلّ يوم على جوارحه، فيقول: كيف أصبحتم، فيقولون بخير ان تركتنا، ويقولون: الله الله فينا، ويناشدونه ويقولون انما نثاب بک ونعاقب بک(2).
وعن النبي صلی الله علیه واله يجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعا لسانا له في قفاه وآخر من قدامه يلتهبان نارا حتى يلهبا جسده، ثم يقال: هذا الذي كان في الدنيا ذا وجهين ولسانين يعرف بذلک يوم القيامة(3).
وَإِنَّ لِسَانَ الْمُوْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَإِنَّ...
قال ابن أبي الحديد فان قلت المسموع (لسان العاقل من وراء قلبه وقلب الأحمق من وراء لسانه) فكيف نقله إلى المومن والمنافق ـ ثم أجاب بأنّه، قلَّ ان يكون المنافق إلّا أحمق، وقلّ ان يكون العاقل إلّا مومنا، فلأكثرية ذلک استعمل لفظ المومن وأراد العاقل(4).
قال التسترى: فقرة (لسان العاقل) وفقرة (لسان الأحمق) أيضا من كلامه علیه السلام مذكور في قصار النهج لكنّ ذلک في مقام وهذا في مقام وليس الأمر كما قال من
أنّه قلّ ان يكون المنافق إلّا أحمق بل قلّ ان يكون المنافق أحمق كيف وأكثر المنافقين دهاة وانما مراده علیه السلام ان المومن لسانه من وراء قلبه لا يتكلم لسانه إلّا بما شهد قلبه انّه ليس مخلا بدينه، والمنافق لا يراعي الدين إنما يراعي دنياه، واما الأحمق فلا يراعي دنياه أيضا، وقد شرح علیه السلام الفقرتين بعد قوله(1).
أي: غير مخلّ بدينه.
أي: أظهره ولفظ به.
أي: أخفاه، وأبقاه في صدره.
أي: في أمر دينه، وأما بالنسبة إلى دنياه فلا يقول إلّا ما لهم ويميت دينه لاحياء دنياه قال تعالى: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الاَْرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ)(2).
وَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله : لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ
فان الركن الأول من الايمان اعتقاد القلب.
أي: لا يفهم استقامة قلبه إلّا من استقامة لسانه لمّا مر ان لسانه لا يلفظ بشيء إلّا بعد مشاورة قلبه.
قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُم)(1).
أي: الكف.
قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِکَ لَهُمُ الاَْمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ)(2).
وقال عزَّ اسمه: (يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)(3).
وكان ربيعة بن أمية بن خلف صرّخ بقول النبي صلی الله علیه واله في حجّة الوداع ـ فقال أيها الناس ان رسول الله صلی الله علیه واله يقول: هل تدرون أي: شهر هذا؟ فقالوا الشهر الحرام ـ فقال يقول لكم ان الله قد حرّم عليكم دمائكم وأموالكم أن تلقوا ربّكم كحرمة شهركم هذا، ـ ثم قال ان رسول الله صلی الله علیه واله يقول لكم هل تدرون: أي بلد هذا؟ فيقولون البلد الحرام. فيقول قال لكم ان الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة بلدكم هذا، ـ فقال أيّها الناس يقول لكم رسول الله صلی الله علیه واله أ تدرون أي
يوم هذا؟ فقالوا يوم الحجّ الأكبر. فقال يقول لكم ان الله قد حرّم عليكم دمائكم وأموالكم إلى أن تلقوا ربّكم كحرمة يومكم هذا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَهُ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُم(1).
وقال النبى صلی الله علیه واله : الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِه(2).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ وَالْمُوْمِنُ مَنِ ائْتَمَنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ(3).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله يُعَذِّبُ اللهُ اللِّسَانَ بِعَذَابٍ لا يُعَذِّبُ بِهِ شَيْئاً مِنَ الْجَوَارِحِ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ عَذَّبْتَنِي بِعَذَابٍ لَمْ تُعَذِّبْ بِهِ شَيْئاً فَيُقَالُ لَهُ خَرَجَتْ مِنْکَ كَلِمَةٌ فَبَلَغَتْ مَشَارِقَ الاَْرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَسُفِکَ بِهَا الدَّمُ الْحَرَامُ وَانْتُهِبَ بِهَا الْمَالُ الْحَرَامُ وَانْتُهِکَ بِهَا الْفَرْجُ الْحَرَامُ وَعِزَّتِي وَجَلالِي لاَُعَذِّبَنَّکَ بِعَذَابٍ لا أُعَذِّبُ بِهِ شَيْئاً مِنْ جَوَارِحِکَ(4).
يعني أنّ المومن إذا ثبت عنده سابقا حلّية شيء بالكتاب أو السنّة وحكم بحلّيته عن نصّ فيحكم بحليّته الان، ولا ينقض الحكم الثابت بالنّص برأيه واجتهاده
وكذلک إذا ثبت عنده سابقا حرمة شيء بهما وحكم بحرمته عن دليل فيحكم بحرمته الان، ولا يخالف الحكم الثّابت ولا يتعدّى عنه بالرأى والقياس وهكذا ساير الأحكام الشرعية.
جاء رجل من أهل المشرق، إلى أبي حنيفة بكتاب وهو بمكة، فعرضه عليه، ـ وكان جمعه ممّا سمعه منه عاما أوّل، فرجع أبو حنيفة عمّا فيه كلّه، فوضع الرجل التراب على رأسه، ثم قال يا معشر الناس أتيت هذا الرجل عاما أوّل فأفتاني بهذا الكتاب، فاهرقت به الدماء، وأنكحت به الفروج ثم رجع عنه العام، ـ ثم قال لأبي حنيفة كيف هذا فقال كان رأيا رأيته، فرأيت العام غيره، قال فتأمنني أن لا ترى من قابل شيئا آخر قال لا أدري. فقال الرجل لكني أدري ان عليک لعنة الله(1).
من البدع بعد رسول الله صلی الله علیه واله :
مثل ما صدر عن أبي بكر من طلب البيّنة من فاطمة سلام الله عليها في باب فدک مع كون البيّنة على المدّعي، وغصب فدک عنها مع مخالفته لنصّ الكتاب والرّسول صلی الله علیه واله .
وما أحدثه عمر من صلاة التراويح، ومن وضع الخراج على أرض السواد، وازدياده أى أخذه الزيادة الجزية عما قرّرها رسول الله صلی الله علیه واله .
وما أبدعه عثمان من التفضيل في العطاء وإحداثه الأذان يوم الجمعة زايدا عمّا سنّه رسول الله صلی الله علیه واله ، وتقديمه الخطبتين في العيدين مع كون الصّلاة مقدّمة عليها في
1) . تاويل مختلف الحديث لابن قتيبة: 1/51.
زمان الرسول صلی الله علیه واله ، وإتمامه الصّلاة بمنى مع كونه مسافرا، وإعطائه من بيت المال الصّدقة المقاتلة وغيرها، وحمايته لحمى المسلمين مع أنّ رسول الله صلی الله علیه واله جعلهم شرعا سواء في الماء والكلاء إلى غير هذه من البدعات الّتي أحدثوها في الدّين وفصّلها أصحابنا رضوان الله عليهم في ذيل مطاعنهم.
لا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَلَكِنَّ الْحَلالَ...
ولا يحرّم شيئا عليكم مما أحلّ لكم، يعني قول هولاء المبدعين المغيّرين للأحكام لا يوجب تغييرها في الواقع، فلا يجوز الاعتماد على أقوالهم والاعتقاد بارائهم، وقد ذمّ الله اليهود والنّصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، فالاخذون بقول هولاء المبدعين يكونون مثل اليهود والنّصارى.
عن جابر عن أبي عبدالله علیه السلام قال: سألته عن قول الله: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ)(1) قال علیه السلام أما أنّهم لم يتّخذوهم آلهة إلّا أنّهم أحلّوا
لهم حلالا فأخذوا به، وحرّموا حراما فأخذوا به، فكانوا أربابا لهم من دون الله(2).
وعن حذيفة قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: اتَّخَذُوا الاية، فقال لم يكونوا يعبدونهم، ولكن كانوا إذا أحلّوا لهم شيئا استحلّوها، وإذا حرّموا عليهم حرّموها(3).
وعن أبي بصير عن أبي عبدالله علیه السلام قال: قلت له: اتَّخَذُوا الاية، فقال أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم ما أجابوهم، ولكن أحلّوا لهم حراما وحرّموا
عليهم حلالا فعبدوهم من حيث لا يشعرون(1).
وقال عليّ بن إبراهيم عند تفسير قوله تعالى: (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ): قال أبو جعفر علیه السلام : نزلت في الّذين غيّروا دين الله وخالفوا ما أمر الله، هل رأيتم شاعرا قط تبعه أحد إنما عني بذلک الّذين وضعوا دينا بارائهم فتبعهم النّاس على ذلک.
ويوكّد ذلک قوله أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ يعنى يناظرون بالأباطيل ويجادلون بالحجج المضلّة وفى كلّ مذهب يذهبون وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ قال علیه السلام يعظون النّاس ولا يتّعظون وينهون عن المنكر ولا ينتهون، ويأمرون بالمعروف ولا يعملون، وهم الّذين غصبوا آل محمّد حقّهم(2).
فظهر بذلک كلّه أنّ متابعة هولاء حرام، واستحلالهم استحلال ما أحلّوه واستحرام ما حرّموه غيّ وضلال، إذ ليس لهم أن يغيّروا الأحكام من تلقاء أنفسهم، و لا أن يبدّلوا الحلال بالحرام والحرام بالحلال.
عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللهِ علیه السلام ـ عَنِ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ فَقَالَ حَلالُ مُحَمَّدٍ حَلالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا يَكُونُ غَيْرُهُ وَلا يَجِيءُ غَيْرُه(3).
ولمّا أجبر الخوارج أميرالمومنين علیه السلام على منع الأشتر لقتال معاوية بعد رفع المصاحف، فكف، ورجع إليهم، قال لهم أمهلوني عدو الفرس فأني قد طمعت في النصر، فقالوا: إذن ندخل معک في خطيئتک، فقال لهم الأشتر حدّثوني عنكم، ـ وقد
قتل أماثلكم، وبقى أراذلكم، متى كنتم محقين، فقتلاكم الذين لا تنكرون فضلهم في النار إذن ان صرتم محقين بترک قتالهم، ـ إلخ ـ (1).
أي: عضضتموها باضراسكم، وميّزتم بين لينها وشديدها.
أى وعظكم الله سبحانه في كتابه بالامم الماضية وبما جرى منه في حقّ المومنين منهم من الجزاء الجميل وما جرى في حقّ العاصين منهم من العذاب الوبيل.
قال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ * فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ)(2).
الكثيرة الموضحة للحقّ من الباطل والفارقة بينهما.
قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)(3).
وقال تعالى: (... فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الاَْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ * إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاَْرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالاَْنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الاَْرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالاَْمْسِ كَذلِکَ نُفَصِّلُ الآْياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون)(1).
أى إلى أمر الدّين والاسلام الّذي أوضحه كتاب الله وسنّة رسوله حقّ الوضوح ولم يبق عليه سترة ولا حجاب.
قال تعالى: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُوْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَکَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(2).
وقال تعالى: (وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(3).
أى لا يغفل عن ما ذكر من الامور أو عن الأمر الواضح الّذى دعوا إليه إلّا الغافل البالغ في غفلته النهاية ولا يضلّ عنه ولا يجهل به إلّا من هو شديد الضلال والجهالة.
قال تعالى: (أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاَْرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الاَْبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)(4).
أى بما بلاه به من المكاره والمصائب وبالتجارب المكتسبة من مزاولة الامور ومقاساة الشدائد لم ينتفع بشيء من العظة لأنّ تأثير البلاء والتّجارب في النفس أشدّ وأقوى من تأثير النصح والموعظة، لأنّ الموعظة احالة على الغايب، والبلية والتجربة مدركة بالحسّ فمن لا ينفعه الأقوى لا ينفعه الأضعف بالطريق الأولى.
فان بعض الناس كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُوْمِنُوا إِلّا أَنْ يَشاءَ اللهُ...)(1) ـ وكما قال
عز وجل: (... وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ...)(2) فمثله كيف ينتفع بشيء.
أي: قدّامه وبين يديه.
يعني يبلغ اتيان النقص إليه من قدّامه بحد بصير، قائلا بعرفان ما أنكر، كالخوارج الذين كانوا منكرين لمعاوية ووجوب جهاده فصاروا عارفين به قائلين بحرمة الحرب معه.
فأنكروا أميرالمومنين علیه السلام وقد كانوا عارفين بوجوب جهاد أعدائه، فقالوا له: لو لم تجب إلى التحكيم، لنقتلنَّک.
أى متشرّع آخذ بشرايع الدّين، وسالک لمنهاج الشرع المبين، وهو العامل بكتاب الله سبحانه وسنّته والمقتبس من نورهما والمنتفع بما فيهما من النصايح والمواعظ والأمثال المضروبة، وهو من الّذين قال الله فيهم: (وَتِلْکَ الاَْمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلّا الْعالِمُونَ)(1). والشرعة الشريعة.
تودى به إلى الهلكة وعن الباقر علیه السلام أدنى الشرک أن يبتدع الرجل رأيا فيحب عليه، ويبغض عليه(2).
وعن الصادق علیه السلام من مشى إلى صاحب بدعة فوقره، فقد مشى في هدم الاسلام(3).
وهو الّذي لم ينتفع بهما بل نبذ أحكامهما ورائه واتّبع هويه وعمل بارائه ومقايسه فأعمى الله قلبه عن معرفة الحقّ وأصمّه عن استماعه كما قال: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ)(4) وليس له فيما أحدثه من البدعة دليل عليه من سنّة ولا حجّة بيّنة واضحة من الكتاب الكريم تنجيه لوضوحها وضيائها من ظلمة الجهل والضلال.
قال تعالى: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُوْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً)(1).
وقال تعالى: (أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ)(2).
قال أبو شيبة الخراساني: سمعت أبا عبدالله علیه السلام يقول: إنّ أصحاب المقاييس طلبوا العلم بالمقاييس فلم تزدهم المقاييس من الحقّ إلّا بعدا وانّ دين الله لا يصاب بالعقول(3).
وعن محمّد بن أبي عبدالله رفعه عن يونس بن عبد الرّحمان قال: قلت لأبي الحسن الأوّل علیه السلام : بما أوحّد الله عزّ وجلّ؟ فقال: يا يونس لا تكوننّ مبتدعا من نظر برأيه هلک، ومن ترک أهل بيت نبيّه صلی الله علیه واله ضلّ، ومن ترک كتاب الله وقول نبيّه كفر(4).
ولما ذكر أنّ أصحاب البدع ليس لهم دليل من سنّة يتمسّكون به ولا نور حجّة يستضيئون به أردفه بذكر ممادح القرآن تنبيها على كونه البرهان الحقّ والنّور المضيء أحقّ بالاتباع والاهتداء، وأجدر أن يقتبس من أنواره ويتّعظ بمواعظه ونصايحه، وعلى أنّ الراغبين عنه التابعين لأهوائهم والاخذين بالاراء والمقاييس تائهون في بوادى الجهالة، هائمون في فيافي الضلالة.
لأنّ الغرض من جميع المواعظ المتضمّنة للوعد والوعيد والترغيب والتهديد هو الجذب إلى طرف الحقّ والارشاد إلى حظيرة القدس، والقرآن أبلغ منها كلّها في إفادة ذلک الغرض وأكمل في تحصيل ذلک المقصود.
قال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ...)(1).
روى أحمد بن حنبل عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلی الله علیه واله : اني تارک فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»(2).
وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً...)(3) عن
أبي سعيد عن النبي صلی الله علیه واله قال: أيها الناس قد تركت فيكم الثقلين خليفتين ان أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض(4) ـ الخبر.
أي: واسطته. ووصفه بالامانة لأنه لا يخون المتوصّل به في ايصاله إلى حظاير القدس ومجالس الانس وقرب الحقّ.
لأنّ القلوب تلتذّ وتنشط وترتاح بتلاوة آياته وتدبّر ما فيها من المحاسن والمزايا وتفكّر ما تضمّنته تلک الايات من النكات البديعة واللطايف العجيبة، كما أنّ النفوس تلتذّ بأزهار الربيع وأنواره.
قال تعالى: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ...)(1).
قال تعالى: (... ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ...)(2).
وقال تعالى: (... تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ)(3).
وقال تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِْنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً...)(4).
إذ فيه منار الهدى ومصابيح الدّجى والتفكّر فيه يجلو القلوب من رين الشكوكات ويرتفع به عنها صدا الشبهات كما يجلو الصيقل المرآة.
عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام عَنْ آبَائِهِ : قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله : أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ فِي دَارِ هُدْنَةٍ(5) وَأَنْتُمْ عَلَى ظَهْرِ سَفَرٍ وَالسَّيْرُ بِكُمْ سَرِيعٌ وَقَدْ رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ يُبْلِيَانِ كُلَّ جَدِيدٍ وَيُقَرِّبَانِ كُلَّ بَعِيدٍ وَيَأْتِيَانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ فَأَعِدُّوا الْجَهَازَ (الجهاد خ ل) لِبُعْدِ الْمَجَازِ. قَالَ فَقَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ الاَْسْوَدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا دَارُ الْهُدْنَةِ قَالَ دَارُ بَلاغٍ وَانْقِطَاعٍ فَإِذَا الْتَبَسَتْ عَلَيْكُمُ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ فَعَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ(1) وَمَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ الدَّلِيلُ يَدُلُّ عَلَى خَيْرِ سَبِيلٍ وَهُوَ كِتَابٌ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَبَيَانٌ وَتَحْصِيلٌ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ وَلَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ فَظَاهِرُهُ حُكْمٌ وَبَاطِنُهُ عِلْمٌ ظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَبَاطِنُهُ عَمِيقٌ لَهُ نُجُومٌ وَعَلَى نُجُومِهِ نُجُومٌ(2) لا تُحْصَى عَجَائِبُهُ وَلا تُبْلَى غَرَائِبُهُ فِيهِ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَمَنَارُ الْحِكْمَةِ وَدَلِيلٌ عَلَى الْمَعْرِفَةِ لِمَنْ عَرَفَ الصِّفَةَ(3) فَلْيَجْلُ جَالٍ بَصَرَهُ وَلْيُبْلِغِ الصِّفَةَ نَظَرَهُ يَنْجُ مِنْ عَطَبٍ(4) وَيَتَخَلَّصْ مِنْ نَشَبٍ(5) فَإِنَّ التَّفَكُّرَ حَيَاةُ قَلْبِ الْبَصِيرِ كَمَا يَمْشِي الْمُسْتَنِيرُ فِي الظُّلُمَاتِ بِالنُّورِ
1) . شافع مشفع اي مقبول الشفاعة. ويقال: محل به إذا سعى به إلى السلطان وهو ماحل ومحولو في الدعاء «فلا تجعله ماحلا مصدقا» ولعله من هنا قيل في معناه: يمحل بصاحبه أييسعى به إذا لم يتبع ما فيه إلى الله تعالى.
2) . الأَنَق: الفرح والسرور قد أنق بالكسر يأنق الشيء أحبه وأنيق أي حسن معجب وقوله: «لهنجوم وعلى نجومه نجوم» أي آيات تدلّ على أحكام الله تهتدى بها وفيه آيات تدلّ علىهذه الآيات وتوضيحها ان المراد بالنجوم الثالث السنّة فان السنة توضيح القرآن أو الأئمّةعليهم السلام العالمون بالقرآن وفي بعض نسخ الحديث وبعض نسخ الكتاب ]له تخوم وعلىتخومه تخوم[ والتخوم ـ على ما قيل ـ: جمع تخم بمعنى منتهى الشيء.
3) . أى لمن عرف كيفية التعرف وإشارات القرآن ونكات بيانه ويعلم معاريضه.
4) . العطب: الهلاک.
5) . النشب في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص له منه.
فَعَلَيْكُمْ بِحُسْنِ التَّخَلُّصِ وَقِلَّةِ التَّرَبُّصِ(1)،(2).
وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النُّورُ الْمُبِينُ، وَالْحَبْلُ الْمَتِينُ، وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَالدَّرَجَةُ الْعُلْيَا، وَالشِّفَاءُ الاَْشْفَى، وَالْفَضِيلَةُ الْكُبْرَى، وَالسَّعَادَةُ الْعُظْمَى، مَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ نَوَّرَهُ اللهُ، وَمَنِ اعْتَقَدَ بِهِ فِي (عقد به خ ل) أُمُورِهِ عَصَمَهُ اللهُ، وَمَنْ تَمَسَّکَ بِهِ أَنْقَذَهُ اللهُ، وَمَنْ لَمْ يُفَارِقْ أَحْكَامَهُ رَفَعَهُ اللهُ، وَمَنِ اسْتَشْفَى بِهِ شَفَاهُ اللهُ، وَمَنْ آثَرَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ هَدَاهُ اللهُ، وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، وَمَنْ جَعَلَهُ شِعَارَهُ وَدِثَارَهُ أَسْعَدَهُ اللهُ، وَمَنْ جَعَلَهُ إِمَامَهُ الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ وَمُعَوَّلَهُ(3) الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ، أَدَّاهُ اللهُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَالْعَيْشِ السَّلِيمِ(4).
وما ورد عنهم عليهم السلام من أن أحاديثنا جلاء لقلوبكم لا ينافي كلامه علیه السلام إذ جميع أحاديثهم مأخوذة من القرآن قال الباقر علیه السلام لأبي الجارود: إذا حدثتكم بشيء ـ فاسألوني أين هو من كتاب الله ـ ثم قال في بعض حديثه: ان النبي صلی الله علیه واله نهى عن القيل والقال، وفساد المال وكثرة السوال فقيل له أين هذا من كتاب الله قال : قال عز وجل: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ...)(5) (وَلا تُوْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً...)(6) (... لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُوْكُمْ...)(7)،(8).
1) . التربص: الانتظار.
2) . الكافي: 2/598، ح2؛ بحار الأنوار: 89/17، ح16.
3) . يقال: عوّلنا إلى فلان في حاجتنا أي لجأنا وفزعنا إليه فوجدناه نعم المعوّل.
4) . تفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكرى 7: 449، ح297؛ بحار الأنوار: 89/31،ح34.
5) . النساء: 114.
6) . النساء: 5.
7) . المائدة: 101.
8) . الكافي: 1/60، ح5؛ بحار الأنوار: 46/303، ح50.
بالقرآن المتدبّرون في معانيه المستضيئون بضيائه المقتبسون من أنواره.
قال تعالى: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)(1).
قال تعالى: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ...)(2).
قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَ... وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الاِْثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقاب)(3).
وقال الشاعر:
الخير يبقى وان طال الزّمان به***والشّر أخبث ما أوعيت من زاد(4)
فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه واله كَانَ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الْخَيْرَ وَدَعِ الشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ
الجواد يأتي لمعان، قال الجوهرى: جاد الرّجل بماله ويجود فهو جواد وكذلک امرأة جواد قال:
صناع باشفاها حصان بشكرها *** جواد بقوت البطن والعرق زافر
وتقول: سرنا عقبة جوادا أي: بعيدة وجاد الفرس أي: صار رائعا يجود جودة بالضّمّ فهو جواد للذّكر والأنثى من خيل جياد وأجياد وأجاويد...(1) والمراد منه
هنا الأخير.
وكذلک قاصد يأتي لمعان، قال الجوهرى أيضا: القاصد القريب يقال: بيننا وبين الماء ليلة قاصدة أي: هيّنة السّير لا تعب فيه، ولا بطو، والقصد: بين الاسراف والتّقتير، والقصد: العدل...(2).
ويمكن إرادة كلّ منها، ويمكن أن يكون كلامه علیه السلام إشارة الى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(3).
وعن أبي جعفر علیه السلام قال: إنّ الشّمس لتطلع ومعها أربعة أملاک ملک ينادي يا صاحب الخير أتمّ وابشر وملک ينادي يا صاحب الشّرّ انزع واقصر وملک ينادي اعط منفقا خلفا وات ممسكا تلفا وملک ينضحها بالماء ولو لا ذلک اشتعلت الأرض(4).
ورواه الكلينى عن أبي جعفر علیه السلام أيضا(1).
جعل علیه السلام الشّرک من الظّلم لقوله تعالى: (وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِکْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)(2) وورد في الخبر: أنّ الشّرک شرک جليّ
وشرک خفيّ والرّياء من الشرک الخفي(3).
كما انّ المنافق كالمشرک لا يغفر تعالى له فقال لنبيّه صلی الله علیه واله : (... اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِکَ بِأَنَّهُمْ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ)(4).
قال تعالى ذلک في موضعين، الأول: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَکَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِکَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِکْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً)(5) والثاني: (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ
أَنْ يُشْرَکَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِکَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِکْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً)(6).
وعدم الغفران بالشرک مشروط بعدم التوبة، لأنّ الأمة أجمعت على أنّ الله يغفره
بالتوبة وإن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب وعندنا على وجه التفضّل والأنعام(1).
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ ـ الى ان قال ـ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ علیه السلام وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللهِ جَعَلَنِيَ اللهُ فِدَاکَ مَنْ تُكَلِّمُهُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ فَإِنِّي مَا سَمِعْتُ أَحَداً يَرُدُّ عَلَيْکَ مِنَ الْجَوَابِ شَيْئاً قَالَ ذَاکَ جَبْرَئِيلُ عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ فَقَالَ بَشِّرْ أُمَّتَکَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لا يُشْرِکُ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئاً دَخَلَ الْجَنَّة(2).
قال الجوهرى: في فلان هنات أي: خصلات شرّ ولا يقال ذلک في الخير(3).
قال تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ...)(4).
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)(5).
وقال تعالى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الاِْثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّکَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ...)(6).
والمراد بقوله علیه السلام «عند بعض الهنات» وقوع العصيان منه غفلة ثمّ يتذّكر فورا
كما هو مفاد تلک الآيات وامّا من يعص قصدا ويصرّ فهو ممّن قال تعالى: (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِکَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)(1) وإنّما
هو ظلم العبد نفسه لا ربّه لأنّه تعالى قال: (فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الاَْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون...)(2).
وعن الصّادق والكاظم عليهما السّلام عن النبيّ صلی الله علیه واله : من أصبح لا يهمّ بظلم أحد غفر الله له ما اجترم(3).
عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قال أبو عبدالله علیه السلام مبتدئا: من ظلم سلّط الله عليه من يظلمه أو على عقبه أو على عقب عقبه فقال: فانّ الله تعالى يقول : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً)(4)،(5).
وعن الصادق علیه السلام : أوحى الله تعالى الى نبيّ من الأنبياء في مملكة جبّار أن ائته وقل له: انّي لم استعملک على سفک الدّماء واتّخاذ الأموال وانّما استعملتک لتكفّ عنّي أصوات المظلومين وانّي لم أدع ظلامتهم وان كانوا كفّارا(6).
وعَنْ شَيْخٍ مِنَ النَّخَعِ قَالَ: قُلْتُ لاَِبِي جَعْفَرٍ علیه السلام إِنِّي لَمْ أَزَلْ وَالِياً مُنْذُ زَمَنِ الْحَجَّاجِ إِلَى يَوْمِي هَذَا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ فَسَكَتَ ثُمَّ أَعَدْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ لا حَتَّى تُوَدِّيَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ(1).
وعن هشام بن سالم عن أبي عبدالله علیه السلام قال: من ظلم مظلمة أخذ بها في نفسه أو في ماله أو في ولده(2).
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال: ما انتصر الله من ظالم إلّا بظالم وذلک قول الله عزّ وجلّ: (وَكَذلِکَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً)(3)،(4).
عن أميرالمومنين علیه السلام قال: من خاف القصاص كفّ عن ظلم النّاس(5).
ويوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم، لأنّ يوم الظالم الدّنيا فقط، ويوم المظلوم الدّنيا والاخرة والمنتقم هو الله سبحانه.
المدية ـ بالضّمّ ـ: الشفرة وقد تكسر والجمع مديات ومدى(6).
السّوط الّذي يضرب به والجمع أسواط وسياط(1).
قلّد يزيد بن عبد الملک عمر بن هبيرة العراق فلمّا صار اليه عزم على الجباية فخاف مكان صالح بن عبد الرحمن عند يزيد فقال لكاتبه هل الى صالح من سبيل قال: لا، الّا أن تظلمه قال: وكيف لي بظلمه، قال: كان رفع الى يزيد بن المهلّب ستّمأة ألف درهم ولم يأخذ منه بها براءة فكتب ابن هبيرة الى يزيد انّ بي الى صالح حاجة فان رأى ان يوجّهه اليّ فعل فدعا يزيد بصالح فأخبره فقال والله ما به اليّ حاجة ولقد تركت العراق ولو أتاه أبكم أكمه عرف ما فيه فأنفذه اليه فلمّا وصل الى ابن هبيرة أمر به فعذّب فكان كلّما عذّب بضرب من العذاب قال هذا القصاص قد كنت أعذّب الناس بمثل هذا حتّى عذّب بضرب منه كان يدعى الفزاديّة كان اياس بن معاوية دلّ ابن هبيرة عليه فقال صالح هذا ما لم اعذّب به فلمّا ألحّ ابن هبيرة على صالح بالعذاب جاء جبلة بن عبد الرّحمن وجبهان بن محرز والنّعمان السّكسكي وقالوا نحن نضمن صالحا وما عليه فقال لهم الكاتب احضروا المال فدخل الكاتب على ابن هبيرة فأعلمه فلم يخرج اليهم حتّى أمسوا وانصرفوا وأصبح صالح ميتا(2).
قال تعالى: (نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الاَْفْئِدَةِ)(3).
قال الأوزاعي للمنصور روي لي عن النبيّ صلی الله علیه واله لو أنّ ثوبا من ثياب أهل النّار علّق بين السماء والأرض لأحرق أهل الأرض قاطبة فكيف بمن يتقمّصه ولو انّ ذنوبا من حميم جهنّم صبّ على ماء الأرض كلّه لآجنه حتّى لا يستطيع مخلوق شربه فكيف بمن يتجرّعه ولو انّ حلقة من سلاسل النّار وضعت على جبل لذاب كما يذوب الرّصاص فكيف بمن يسلک فيها ويرد فضلها على عاتقه(1).
وقال أبو سعيد الخدري مرفوعا: لو ضرب جبال الدّنيا بمقمع(2) من تلک
المقامع من الحديد لصارت غبارا(3).
وقال الحسن البصري: الأغلال لم تجعل في أعناق أهل النّار انّهم أعجزوا الرّبّ ولكن اذا طغا بهم اللّهب أرسبتهم في النّار قال ثمّ خرّ الحسن صعقا وقال ودموعه تتحادر يا بن آدم نفسک فانّما هي نفس واحدة ان نجت نجوت وان هلكت لم ينفعک من نجا والله ما يقدر العباد قدر حرّها ولو انّ رجلا كان بالمشرق وجهنّم بالمغرب ثم كشف عن غطاء واحد منها لغلت جمجمته ولو انّ دلوا من صديدها صبّ في الأرض ما بقي على وجهها شيء فيه روح إلّا مات(4).
طاوس: أيّها النّاس انّ النّار لمّا خلقت طارت أفئدة الملائكة فلّما خلقتم سكنت(5).
مطرف بن الشّخير: انّكم لتذكرون الجنّة وانّ ذكر النّار قد حال بيني وبين أن
أسأل الله الجنّة(1).
عَن النبى صلی الله علیه واله أَنَّهُ كَانَ يَوْماً جَالِساً فِي أَصْحَابِهِ فَسَمِعَ هَدَّةً فَقَالَ هَذَا حَجَرٌ أَرْسَلَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ فَهُوَ يَهْوِي فِيهَا مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفاً حَتَّى بَلَغَ الآْنَ قَعْرَهَا(2)
و اعلم أنّ لهذا الخبر تماما ما يكشف سرّه، وهو أنّ الراوى قال: فسمعنا بعد ذلک صيحة وصراخا فقلنا: ما هذا فقالوا: فلان المنافق مات وكان عمره يومئذ سبعين سنة(3).
وفي دعاء كميل: وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض فكيف بي وأنا عبدک الضعيف الذّليل الحقير المسكين المستكين(4).
وعن عيص بن العاصم قال: ذكر عند أبي عبدالله علیه السلام قاتل الحسين علیه السلام فقال بعض أصحابه كنت أشتهي أن ينتقم الله منه في الدّنيا فقال كأنّک تستقلّ له عذاب الله وما عند الله أشدّ عذابا وأشدّ نكالا(5).
وأنّ الظلم الذي وقع في حقّ أميرالمومنين علیه السلام ليس بحيث يترک ويرفع اليد عنه، بل يقتصّ من ظالميه البتّة وينتقم بمقتضى العدل والله عزيز ذو انتقام، وحيث إنّ ظلامة آل محمّد صلی الله علیه واله أعظم ما وقع في الأرض من المظالم حيث غصبوا خلافتهم وأحرقوا باب بيتهم وأسقطوا محسنهم وقتلوا أميرالمومنين وابنيه الحسن والحسين عليهم السّلام بالسمّ وسيف العدوان وأداروا رأسه ورأس أصحابه على
الرماح والسنان، وشهروا نساءه وبناته في الأصقاع والبلدان إلى غير ذلک من الظلم والطغيان الّذي يعجز عن تقريره اللّسان ويضيق عنه البيان، فلا بدّ أن يكون قصاص ظلاماتهم أشدّ وعقوبة ظالميهم أعظم وأخزى وأحببت أن أورد بعض ما ورد فيه من الأخبار باقتضاء المقام.
عن سليم بن قيس الهلالى عن سلمان الفارسي قال: قال أميرالمومنين علیه السلام في يوم بيعة أبي بكر: لست بقائل غير شيء واحد اذكّركم بالله أيّها الأربعة ـ يعنيني والزبير وأبا ذر والمقداد ـ أسمعتم رسول الله صلی الله علیه واله يقول: إنّ تابوتا من النار فيه اثنى عشر رجلا، ستّة من الأوّلين وستّة من الاخرين في جبّ في قعر جهنّم في تابوت مقفل على ذلک الجبّ صخرة إذا أراد الله أن يسعر جهنّم كشف تلک الصخرة عن ذلک الجبّ فاستعاذت جهنّم من وهج ذلک الجبّ.
فسألناه عنهم وأنتم شهود، فقال النبي صلی الله علیه واله : أمّا الأوّلين فابن آدم علیه السلام الّذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة، والّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، ورجلان من بني اسرائيل بدّلا كتابهما وغيّر اسنّتهما أمّا أحدهما فهوّد اليهود والاخر نصّر النصارى وإبليس سادسهم والدّجال في الاخرين.و هولاء الخمسة أصحاب الصّحيفة الّذين تعاهدوا وتعاقدوا على عداوتک يا أخى والتظاهر عليک بعدي هذا وهذا حتّى عدّهم وسمّاهم، فقال سلمان: فقلنا صدقت نشهد أنّا سمعنا ذلک من رسول الله صلی الله علیه واله (1).
وعن الصّادق علیه السلام في قوله تعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ قال علیه السلام : الفلق جبّ في جهنّم يتعوّذ أهل النّار من شدّة حرّه سأل الله أن يأذن له يتنفّس فأذن له فتنفّس فأحرق جهنّم، فقال علیه السلام : وفي ذلک الجبّ صندوق من نار يتعوّذ منه أهل الجبّ من
1) . كتاب سليم بن قيس: 2/597؛ بحار الأنوار: 30/405، ح1.
حرّ ذلک الصّندوق وهو التابوت وفي ذلک ستّة من الأوّلين وستّة من الاخرين.
فأمّا الستّة الّتي من الأوّلين فابن آدم الّذي قتل أخاه، ونمرود إبراهيم الّذي ألقى إبراهيم في النار، وفرعون موسى، والسامرى الّذي اتّخذ العجل، والّذي هوّد اليهود، والّذي نصّر النصارى.
وأمّا الستّة من الاخرين فهو الأوّل، والثاني، والثالث، والرابع، وصاحب الجوارح، وابن ملجم وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ قال علیه السلام : الّذي يلقى الجبّ يقب (يغيب خ ل) فيه(1).
وعن إسحاق بن عمّار عن موسى بن جعفر عليهما السّلام قال لي: يَا إِسْحَاقُ إِنَّ فِي النَّارِ لَوَادِياً يُقَالُ لَهُ سَقَرُ لَمْ يَتَنَفَّسْ مُنْذُ خَلَقَهُ اللهُ لَوْ أَذِنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فِي التَّنَفُّسِ بِقَدْرِ مِخْيَطٍ لاََحْرَقَ مَا عَلَى وَجْهِ الاَْرْضِ وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ لَيَتَعَوَّذُونَ مِنْ حَرِّ ذَلِکَ الْوَادِي وَنَتْنِهِ وَقَذَرِهِ وَمَا أَعَدَّ اللهُ فِيهِ لاَِهْلِهِ وَإِنَّ فِي ذَلِکَ الْوَادِي لَجَبَلاً يَتَعَوَّذُ جَمِيعُ أَهْلِ ذَلِکَ الْوَادِي مِنْ حَرِّ ذَلِکَ الْجَبَلِ وَنَتْنِهِ وَقَذَرِهِ وَمَا أَعَدَّ اللهُ فِيهِ لاَِهْلِهِ وَإِنَّ فِي ذَلِکَ الْجَبَلِ لَشِعْباً يَتَعَوَّذُ جَمِيعُ أَهْلِ ذَلِکَ الْجَبَلِ مِنْ حَرِّ ذَلِکَ الشِّعْبِ وَنَتْنِهِ وَقَذَرِهِ وَمَا أَعَدَّ اللهُ فِيهِ لاَِهْلِهِ وَإِنَّ فِي ذَلِکَ الشِّعْبِ لَقَلِيباً يَتَعَوَّذُ أَهْلُ ذَلِکَ الشِّعْبِ مِنْ حَرِّ ذَلِکَ الْقَلِيبِ وَنَتْنِهِ وَقَذَرِهِ وَمَا أَعَدَّ اللهُ فِيهِ لاَِهْلِهِ وَإِنَّ فِي ذَلِکَ الْقَلِيبِ لَحَيَّةً يَتَعَوَّذُ جَمِيعُ أَهْلِ ذَلِکَ الْقَلِيبِ مِنْ خُبْثِ تِلْکَ الْحَيَّةِ وَنَتْنِهَا وَقَذَرِهَا وَمَا أَعَدَّ اللهُ فِي أَنْيَابِهَا مِنَ السَّمِّ لاَِهْلِهَا وَإِنَّ فِي جَوْفِ تِلْکَ الْحَيَّةِ لَسَبْعَةَ صَنَادِيقَ فِيهَا خَمْسَةٌ مِنَ الاُْمَمِ السَّالِفَةِ وَاثْنَانِ مِنْ هَذِهِ الاُْمَّةِ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاکَ وَمَنِ الْخَمْسَةُ وَمَنِ الاِثْنَانِ قَالَ وَأَمَّا الْخَمْسَةُ فَقَابِيلُ الَّذِي قَتَلَ هَابِيلَ وَنُمْرُودُ الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ فَقالَ أَنَا
1) . تفسير القمى: 2/449؛ بحار الأنوار: 8/296، ح46.
أُحْيِي وَأُمِيتُ وَفِرْعَوْنُ الَّذِي قَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الاَْعْلى وَيَهُودُ الَّذِي هَوَّدَ الْيَهُودَ وَيُونُسُ الَّذِي نَصَّرَ النَّصَارَى وَمِنْ هَذِهِ الاُْمَّةِ أَعْرَابِيَّانِ(1).
قال الخوئي: الأعرابيّان: الأوّل والثّاني اللّذان لم يومنا بالله طرفة عين(2).
وعن حنّان بن سدير قال: حدّثني رجل من أصحاب أبي عبدالله علیه السلام قال : سمعته يقول إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة لسبعة نفر أوّلهم ابن آدم الّذي قتل أخاه، ونمرود الّذي حاجّ إبراهيم في ربّه، واثنان في بني اسرائيل هوّدا قومهما ونصّراهما، وفرعون الّذي قال أنا ربكم الأعلى، واثنان في هذه الامة أحدهما شرّهما في تابوت من قوارير تحت الفلق في بحار من نار(3).
وعن يحيى بن محمّد الفارسي عن أبيه عن أبي عبدالله علیه السلام عن أبيه عن أمير المومنين صلوات الله عليه وآله قال: خرجت ذات يوم إلى ظهر الكوفة وبين يدىّ قنبر فقلت يا قنبر ترى ما أرى؟ فقال: قد ضوء الله لک يا أميرالمومنين عمّا عمى عنه بصرى، فقلت: يا أصحابنا ترون ما أرى؟ فقالوا: لا قد ضوء الله لک يا أمير المومنين عمّا عمى عنه أبصارنا فقلت والّذي فلق الحبّة وبرىء النسمة لترونه كما أراه ولتسمعنّ كلامه كما أسمع.
فما لبثنا أن طلع شيخ عظيم الهامة له عينان بالطول فقال: السّلام عليک يا أمير المومنين ورحمة الله وبركاته فقلت: من أين أقبلت يا لعين؟ قال: من الاثام،
فقلت: وأين تريد؟ فقال: الاثام، فقلت. بئس الشيخ أنت، فقال: تقول: هذا يا
أمير المومنين فو الله لأحدّثنک بحديث عنّى عن الله عزّ وجلّ ما بيننا ثالث، فقلت عنک عن الله عزّ وجلّ ما بينكما ثالث؟ قال: نعم.
قال: انّه لما هبطت بخطيئتي إلى السماء الرابعة ناديت إلهى وسيّدى ما أحسبک خلقت من هو أشقى منّي، فأوحى الله تبارک وتعالى بلى قد خلقت من هو أشقى منک فانطلق إلى مالک يريكه، فانطلقت إلى مالک فقلت: السّلام يقرئک السّلام ويقول: أرنى من هو أشقى منّى، فانطلق بي مالک إلى النّار فرفع الطبق الأعلى فخرجت نار سوداء ظننت أنها قد أكلتني وأكلت مالكا، فقال لها: اهدئى، فهدأت، ثمّ انطلق بى إلى الطبق الثاني فخرجت نار هي أشدّ من تلک سوادا وأشدّ حمى فقال لها: أخمدى، فخمدت، إلى أن انطلق بي إلى السابع وكلّ نار يخرج من طبق يخرج أشدّ من الاولى فخرجت نار ظننت أنها قد أكلتنى وأكلت مالكا وجميع ما خلقه الله عزّ وجلّ فوضعت يدي على عيني وقلت: مرها يا مالک أن تخمد وإلّا خمدت فقال: أنت لم تخمد إلى الوقت المعلوم، فأمرها فخمدت، فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النّيران معلّقين بها إلى فوق وعلى رووسهما قوم معهم مقامع النيران يقمعونهما بها، فقلت: يا مالک من هذان؟ فقال: أو ما قرئت في ساق العرش وكنت قرأته قبل أن يخلق الله الدّنيا بألفي عام لا إله إلّا الله محمّد رسول الله أيّدته ونصرته بعلىّ، فقال: هذان عدّوا أُولَئِکَ وَظَالِمَاهُمْ(1).
فلان متلوّن اذا كان لا يثبت على خلق واحد...(2).
تحذير لهم عن عدم الثبات على خلق واحد في أمر الدّين وعن التقلّب والتذبذب في أحكام الشرع المبين.
والظاهر أنه راجع الى جماعة بلغه علیه السلام من بعضهم توقّفهم في بيعته كعبدالله ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وحسّان بن ثابت واسامة بن زيد وأضرابهم، وعن بعضهم إرادة النكث والنقض للبيعة بعد توكيدها مثل طلحة والزبير وأتباعهما.
ومرجع هذا التحذير في الحقيقة إلى التحذير عن النّفاق، لأنّ المنافق لا يستقيم على رأى واحد.
وقد ذمّ الله المنافقين على ذلک بقوله: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِکَ لا إِلى هوُلاءِ وَلا إِلى هوُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)(1) وقال أيضا: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً * بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُوْمِنِينَ)(2).
وعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلامُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ : (الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)(3)، قَالَ: هُمَا وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ وَطَلْحَةُ
وَكَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً(4).
وعن الصّادق علیه السلام نزلت في فلان وفلان وفلان آمنوا برسول الله صلی الله علیه واله في أوّل الأمر ثُمَّ كَفَرُوا حين عرضت عليهم الولاية حيث قال من كنت مولاه فعليّ مولاه
ثُمَّ آمَنُوا بالبيعة لأميرالمومنين علیه السلام حيث قالوا له بأمر الله وأمر رسوله فبايعوه ثُمَّ كَفَرُوا حيث مضى رسول الله صلی الله علیه واله فلم يقرّوا بالبيعة ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً بأخذهم من بايعوه بالبيعة لهم فهولاء لم يبق من الايمان شيء(1).
قال الجاحظ كما نقل عنه ابن أبي الحديد: قال عمر للزّبير بعد جعله من احدى ستّة الشورى: امّا أنت فوعقة لقس مومن الرّضا كافر الغضب يوما إنسان ويوما شيطان ولعلّها لو أفضت اليک ظلّت يومک تلاطم بالبطحاء على مدمن شعير أ فرأيت أن أفضت اليک فليت شعري من يكون للناس يوم تكون شيطانا اماما ومن تكون يوم تغضب اماما إلخ(2) ولتلوّنه في دين الله يوما حارب عن أمير
المومنين علیه السلام ويوما حاربه ويوما قال لا ابايع غيره ويوما كان أوّل من نكث بعد بيعته.
فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ...
قال تعالى: (قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)(3).
وقال تعالى: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(1).
قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْکَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)(2).
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ علیهم السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله : إِنَّ أَسْرَعَ الْخَيْرِ ثَوَاباً الْبِرُّ وَإِنَّ أَسْرَعَ الشَّرِّ عِقَاباً الْبَغْيُ وَكَفَى بِالْمَرْءِ عَيْباً أَنْ يَنْظُرَ مِنَ النَّاسِ إِلَى مَا يَعْمَى عَنْهُ مِنْ نَفْسِهِ وَيُعَيِّرَ النَّاسَ بِمَا لا يَسْتَطِيعُ تَرْكَهُ وَيُوْذِيَ جَلِيسَهُ بِمَا لا يَعْنِيهِ(3).
وعَنِ الاَْصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ قَالَ أَمِيرُالْمُوْمِنِينَ علیه السلام قَالَ اللهُ تَبَارَکَ وَتَعَالَى لِمُوسَى علیه السلام : يَا مُوسَى احْفَظْ وَصِيَّتِي لَکَ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ أَوَّلُهُنَّ مَا دُمْتَ لا تَرَى ذُنُوبَکَ تُغْفَرُ فَلا تَشْتَغِلْ بِعُيُوبِ غَيْرِکَ وَالثَّانِيَةُ مَا دُمْتَ لا تَرَى كُنُوزِي قَدْ نَفِدَتْ فَلا تَغْتَمَّ بِسَبَبِ رِزْقِکَ وَالثَّالِثَةُ مَا دُمْتَ لا تَرَى زَوَالَ مُلْكِي فَلا تَرْجُ أَحَداً غَيْرِي وَالرَّابِعَةُ مَا دُمْتَ لا تَرَى الشَّيْطَانَ مَيِّتاً فَلا تَأْمَنْ مَكْرَهُ(4).
قال الطريحي في قوله تعالى: (طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)(1) أى طيب العيش، وقيل طوبى الخير وأقصى الامنية، وقيل اسم للجنّة بلغة أهل الهند، وفي الخبر عن النبيّ صلی الله علیه واله أنها شجرة في الجنّة أصلها في دارى وفرعها في دار عليّ علیه السلام فقيل له في ذلک فقال: داري ودار عليّ في الجنّة بمكان واحد، قال وفي الحديث هي شجرة في الجنّة أصلها في دار النبيّ صلی الله علیه واله وليس مومن إلّا وفي داره غصن منها لا يخطر على قلبه شهوة إلّا أتاه به ذلک الغصن، ولو أنّ راكبا مجدّا سار في ظلّها مأئة عام ما خرج ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتّى يسقط هرما(2).
قال ابن أبي الحديد: قال النبيّ صلی الله علیه واله ان الله يحبّ التقيّ النّقيّ الخفيّ(3) وكان
يقال: الاستيناس بالنّاس من علامات الافلاس(4).
عَنِ النَّبِيِّ صلی الله علیه واله أَنَّهُ قَالَ: أَجِيعُوا أَكْبَادَكُمْ وَأَعْرُوا صُوَرَكُمْ وَأَشْعِثُوا رُءُوسَكُمْ وَصُبُّوا عَلَيْكُمْ جِلْبَابَ الْحَزَنِ وَجَالِسُوا النَّاسَ قَلِيلاً وَمَعَ اللهِ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تَرَوْنَ الْحَقَّ بِقُلُوبِكُمْ(5).
قد مرّ الكلام مشبعا في فوايد العزلة وثمراتها في شرح الخطبة المأة والثانية(6).
فان قلت: أ ليس الاعتزال وملازمة البيت ملازما للفرقة الّتي نهى عنها سابقا
فكيف يجتمع النهي عن الفرقة مع الحثّ على العزلة المستفاد من هذه الجملة الخبريّة؟
قلت: لا تنافي بينهما، لأنّ النهى السابق محمول على الافتراق لاثارة الفتنة وطلب الباطل كما يشعر به كلامه السابق أيضا، وهذا محمول على الاعتزال لطلب الحقّ ومناجاة الرّب وتزكية النفس من رذائل الأخلاق.
قال ابن أبي الحديد قيل لبعضهم ما أصبرک على الوحدة فقال لست وحدي، أنا جليس ربّي اذا شئت ان يناجيني قرأت كتابه واذا شئت أن اناجيه صلّيت(1).
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله : أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَشِقَ الْعِبَادَةَ فَعَانَقَهَا وَأَحَبَّهَا بِقَلْبِهِ وَبَاشَرَهَا بِجَسَدِهِ وَتَفَرَّغَ لَهَا(2).
وقال النبيّ صلی الله علیه واله لعبدالله بن عامر الجهني لمّا سأله عن طريق النّجاة، ليسعک بيتک وامسک عليک دينک وابک على خطيئتک(3).
وقيل للحسن هاهنا رجل لم نره قطّ جالسا إلّا وحده خلف سارية فقال اذا رأيتموه فأخبروني فنظروا اليه ذات يوم فقالوا للحسن فمضى نحوه فقال ما يمنعک من مجالسة النّاس قال أمر شغلني عنهم، قال: فما يمنعک أن تأتي هذا الرّجل الّذي يقال له الحسن، فتجلس اليه قال: أمر شغلني عن النّاس وعن الحسن قال وما ذاک قال إنّي أصبح وأمسي بين نعمة وذنب، فاشغل نفسي بشكر الله على نعمه
والاستغفار من ذنوبي فقال له الحسن: أنت أفقه عندي من الحسن فالزم ما أنت عليه(1).
قال ابن أبي الحديد: قال الفضيل اذا رأيت اللّيل مقبلا فرحت به وقلت اخلو بربّي واذا رأيت الصّبح أدركني استرجعت كراهيّة لقاء النّاس وان يجيء إليّ من يشغلني عن ربّي(2).
قال ابن أبي الحديد كلامه علیه السلام تختلف مناهجه رجّح هنا العزلة على المخالطة وكلامه علیه السلام في دخوله على العلاء بن زياد الحارثي عائدا نهى عن العزلة ويجب أن يحمل ذلک على انّ من النّاس من العزلة خير له من المخالطة ومنهم من هو بالضّدّ من ذلک...(3).
ولكن كلامه علیه السلام متّفق الأطراف ولم ينه العلاء عن العزلة وانّما كان العلاء ترک أهله وولده ولهم حقوق وترک الاكتساب له ولهم وهو واجب وكلامه علیه السلام وارد في التنكّب عن مخالطة أهل الدّنيا الّذين دأبهم النّفاق ويلزمه الاشتغال بذكر عيوب النّاس وترک عبادة الله تعالى والمخاصمة مع عباده.
أى يدا ولسانا.
عن أبي البلاد رفعه قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلی الله علیه واله وهو يريد بعض غزواته فاخذ بغرز(1) راحلته فقال: يا رسول الله صلی الله علیه واله علّمني عملا أدخل به الجنّة، فقال صلی الله علیه واله
ما أحببت أن يأتيه الناس إليک فأته إليهم، وما كرهت أن يأتيه الناس إليک فلا تأته إليهم، خلّ سبيل الراحلة(2).
وعن عثمان بن جبلة عن أبي جعفر علیه السلام قال: قال رسول الله صلی الله علیه واله ثلاث خصال من كنّ فيه أو واحدة منهنّ كان في ظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلّا ظلّه(3): رجل
أعطى النّاس من نفسه ما هو سائلهم، ورجل لم يقدم رجلا ولم يوخّر رجلا حتى يعلم أنّ ذلک لله رضى، ورجل لم يعب أخاه المسلم بعيب حتّى ينفى ذلک العيب عن نفسه فانّه لا ينفى منها عيبا إلّا بدا له عيب وكفى بالمرء شغلا بنفسه عن الناس(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ وَلا يُجَاوِزَاهُ وَتَكُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَقُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ فَتَاهَا عَنْهُ وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا وَالإعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاوُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَالْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا وَالثِّقَةُ فِي أَيْدِينَا لاَِنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَتَيَا بِمَا لا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْم.
قال المسعودى: لمّا اصبح القوم على قتالهم فى ليلة الهرير وكانت ليلة الجمعة وقتل فيها من قتل وكسفت الشمس، وارتفع القَتام، وتقطعت الألوية والرايات ولم يعرفوا مواقيت الصلاة، وكان الأشتر في هذا اليوم ـ وهو يوم الجمعة ـ على ميمنة علي علیه السلام ، وقد أشرف على الفتح، ونادت مشيخة أهل الشام: يا معشر العرب الله الله في الحرمات والنساء والبنات، وقال معاوية: هلم مخبآتک يا ابن العاص فقد
هلكنا، وتذكر ولاية مصر، فقال عمرو: أيها الناس، من كان معه مصحف فليرفعه على رمحه، فكثر في الجيش رفع المصاحف، وارتفعت الضجة ونادوا: كتاب الله بيننا وبينكم، من لثغور الشام بعد أهل الشام؟ ومن لثغور العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترک؟ ومن للكفار؟ ورفع في عسكر معاوية نحو من خمسمائة مصحف، وفي ذلک يقول النجاشي بن الحارث :
فأصبح أهل الشام قد رفعوا القَنا***عليها كتاب الله خير قَرانِ
ونادوا عليا: يا ابن عم محمد***أما تتقي أن يهلِکَ الثقلانِ؟
فلما رأى كثير من أهل العراق ذلک قالوا: نجيب إلى كتاب الله ونُنيب اليه، وأحبّ القوم الموادعة، وقيل لعلي: قد أعطاک معاوية الحق، ودعاک الى كتاب الله فاقبل منه، وكان أشدهم في ذلک اليوم الأشعث بن قيس، فقال علي علیه السلام : أيها الناس، إنه لم يزل من أمركم ما أحب حتى قرحتكم الحرب، وقد والله أخذت منكم وتركت، وإني كنت بالأمس أميراً فأصبحت اليوم مأموراً، وقد أحببتم البقاء، فقال الأشتر: ان معاوية لا خَلَفَ له من رجاله، ولک بحمد الله الخلف، ولو كان له مثل رجالک لما كان له مثل صبرک ولا نصرک، فاقرع الحديد بالحديد واستعن با لله، وتكلم روساء أصحاب علي بنحو من كلام الأشتر، فقال الأشعث بن قيس: إنا لک اليوم على ما كنا عليه أمس، ولسنا ندري ما يكون غدا، وقد والله فُل الحديد، وكَلَّت البصائر، وتكلم معه غيره بكلام كثير، فقال علي علیه السلام : ويحكم إنهم ما رفعوها لأنكم تعلمونها ولا يعلمون بها، وما رفعوها لكم إلا خديعة ودهاء ومَكِيدة، فقالوا له: إنه ما يسعنا أن نُدْعَى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله، وساق الحديث الى ان قال : فاختار أهل الشام عمرو بن العاص، وقال الأشعث ومن ارتد بعد ذلک إلى رأي
الخوارج: رضينا نحن بأبي موسى الأشعري فقال علي علیه السلام : قد عصيتموني في أول هذا الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى ان أوليَ أبا موسى الأشعري، فقال الأشعث ومن معه: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري، قال: ويحكم! هو ليس بثقة، قد فارقني وخَذَّل الناس مني، وفعل كذا وكذا، وذكر أشياء فعلها أبو موسى، ثم إنه هرب شهوراً حتى أمنته، لكن هذا عبدالله بن عباس أولِّيه ذلک، فقال الأشعث وأصحابه: والله لا يحكم فينا مُضَريان، قال علي علیه السلام : فالأشتر، قالوا: وهل هاج هذا الأمر إلا الأشتر، قال علیه السلام : فاصنعوا الآن ما أردتم، وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه، فبعثوا الى أبي موسى وكتبوا له القصة، وقيل لأبي موسى: إن الناس قد اصطلحوا، فقال: الحمد لله، قيل: وقد جعلوک حكماً، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. الى ان قال المسعودى: وكان فيما كتب في الصحيفة أن يحيي الحكمان ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن، ولا يتبعان الهوى، ولا يُدَاهنان في شيء من ذلک فإن فعلا فلا حكم لهما، والمسلمون من حكمهما بَرَاء، وقال عليّ علیه السلام : للحكمين حين أكره على أمرهما، ورد الأشتر وكان قد أشرف في ذلک اليوم على الفتح، ان تحكما بما في كتاب الله، وكتاب الله كله لي، فإن لم تحكما بما في كتاب فلا حكم لكما، وصيروا الأجل إلى شهر رمضان على اجتماع الحكمين في موضع بين الكوفة والشام، وكان الوقت الذي كتبت فيه الصحيفة لأيام بقين من صفر سنة سبع وثلاثين، وقيل : بعد هذا الشهر منها، ومرَّ الأشعث بالصحيفة يقروها على الناس فرحاً مسروراً حتى انتهى إلى مجلس لبني تميم، فيه جماعة من زعمائهم، منهم عروة ابن أذَية التميمي، وهو أخو بلال الخارجي، فقرأها عليهم، فجرى بين الأشعث وبين أناس منهم خطب طويل، فقال له عروة بن أذَية: أتحكمون في دين الله وأمرِه ونهيه الرجال؟
لا حكم إلا لله، فكان أول من قالها، وحكم بها وقد تنوزع في ذلک، وشد بسيفه عَلَى الأشعث فصم فرسه عن الضربة فوقعت في عجز الفرس ونجا الأشعث، وفيه قال الشاعر:
عُرْو يا عرو كلُّ فتنة قوم***سلفت إنما تكون فَتِيَّه
ثم تَنْمِي ويعظم الخطب فيها***فاحذرنْ غِبَّ ما أتيت عُرَيَّه
أعَلَى الأشعث المعصب بالتا*** ج حملتَ السلاح يا ابن أذيه
إنها فتنة كفتنة ذي العجل،***أيا عروة العَصَا والعصيَّة
فانظر اليوم ما يقول عليّ***واتَّبِعه، فذاک خيرُ البريه(1)
وقال المسعودى: كان أبو موسى الأشعري يحدث قبل وقعة صِفِّين ويقول: ان الفتن لم تزل في بني إسرائيل ترفعهم وتخفضهم حتى بعثوا الحكمين يحكمان بحكم لا يرضى به من اتبعهما، وان هذه الأمة لا تزال بها الفتن ترفعها وتخفضها حتى يبعثوا حكمين يحكمان بما لا يرضى به من اتبعهما، فقال له سويد بن غفلة : إياک ان أدركت ذلک الزمان أن تكون احد الحكمين، قال: أنا؟ قال: نعم أنت، قال : فكان يخلع قميصه ويقول: لا جعل الله لي اذاً في السماء مصعداً، ولا في الأرض مقعداً، فلقيه سويد بن غَفَلة بعد ذلک فقال: يا أبا موسى، أتذكر مقالتک؟ قال: سل ربک العافية(2).
قال الشارح البحرانى: هذا الفصل من خطبة خطبها لما بلغه أمر الحكمين(3).
والظاهر أنه ره توهّم من قول السيّد ره ومن كلام له في معنى الحكمين أنّه تكلّم
به حين بلغه أمرهما، فان كان ظفر بتمام الخطبة واطلع على أنه خطبها حين
بلوغ أمرهما فهو، وإلّا فالظاهر أنّ هذا الكلام من فصول الاحتجاجات الّتي كانت له مع الخوارج وقد مرّ نظير هذا الكلام منه في ذيل الكلام المأة والسابع والعشرين(1) وبالمراجعة إلى شرح الكلام المذكور وشرح الكلام المأة والخامس
والعشرين(2) المتضمّنين لاحتجاجاته معهم يظهر لک توضيح ما ذكره في هذا
المقام وتعرف أنه ناظر إلى ردّ احتجاجهم الّذي احتجّوا به عليه وهو: أنک
قد حكمت الرّجال في دين الله ولم يكن ذلک إليک ثمّ أنكرت حكمهما لما حكموا عليک.
فأجابهم علیه السلام بقوله :
أى عزم روساءكم وكبراءكم واتّفق آراءهم
عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ
هما أبو موسى الأشعرى وعمرو بن العاص لعنهما الله تعالى من غير رضى منّى بتحكيمهما بل على غاية كره منّى بذلک.
كما يدلّ قوله لابن الكوا في النهروان حيث إنّه لما اعترض عليه بأمر الحكمين قال علیه السلام له: أ لم أقل لكم إنّ أهل الشام يخدعونكم بها(3) فانّ الحرب قد عضتهم فذرونى اناجزهم فأبيتم ألم ارد نصب ابن عمّى ـ أى عبدالله بن العبّاس ـ وقلت انّه
لا ينخدع فأبيتم إلّا أبا موسى وقلتم رضينا به حكما فأجبتكم كارها ولو وجدت في ذلک الوقت أعوانا غيركم لما أجبتكم(1).
أى على الرّجلين الحكمين.
من: جعجع البعير، اذا برک واستناخ.
أي تبع القرآن، افرد التبع لانه مصدر يقال: هو له تبع وهم له تبع.
قال ابن الصباغ المالكى: ولمّا حضر أبو موسى جاء الأحنف بن قيس إلى عليّ بن أبي طالب علیه السلام وكان الأحنف أيضاً معتزل القتال عن الفئتين فقال: يا أمير المومنين إنّک رُميت بحجر الأرض عمرو بن العاص وإنّي قد عجمت عود هذا الرجل (أبي موسى الاشعري خ ل) وحلبت أشطره (جليت اسطره خ ل) فوجدته كليل الشّفرة قريبَ القعر وإنّه لاَ يصلح لهولاء القوم إلّا رجل يدنو منهم حتّى يصير في أكفُهم ويبعد حتّى يصير بمنزلة النجم منهم، فإن أبيت أن تجعلني حَكماً وإلّا فاجعلني ثانياً أو ثالثاً فإنّه لن يعقد عمرو عقدةً إلّا حللتها، ولن يحلّ عقدةً إلّا ربطتها. فقال له علیه السلام : ان الناس قد أبوا ولن يرضوا بأحد إلّا أبا موسى. وحضر عمرو بن العاص عند عليّ علیه السلام ليكتب القصّة بحضوره فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن
1) . كشف الغمة (ط ـ القديمة): 1/264؛ بحار الأنوار: 33/395/ح 619.
الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أميرالمومنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام ومعاوية بن أبي سفيان ومن معهما، فقال عمرو بن العاص: هو أميركم وأمّا أميرنا فلا، امح اسم الإمرة، فقال الأحنف بن قيس لأميرالمومنين : لاَ تمحها ولو (و الّا خ ل) قتل الناس بعضهم بعضاً فإني أتخوّف إن محوتها لاَ ترجع إليک أبداً، فأبى ذلک عليٌّ علیه السلام ملياً من النهار ثمّ إنّ الأشعث بن قيس كلّمه في ذلک فمحاه، وقال عليّ علیه السلام : الله أكبر سنة بسنة، والله إنّي لكاتب رسول الله يوم الحديبية فكتب (فكتبت): محمّد رسول الله، فقال المشركون: لست برسول الله ولكن اكتب اسمک واسم أبيک، فأمرني رسول الله صلی الله علیه واله بمحوه، فقلت: لاَ أستطيع، قال: فأرنيه فأريته إيّاه فمحاه بيده وقال : إنّک ستدعى إلى مثلها فتجيب، قال عمرو: سبحان الله أنشبه الكفّار ونحن مومنون؟!
فقال: اكتبوا: هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. قاضى عليّ على أهل الكوفة ومَن كان معه من شيعته من المومنين والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن معهم إنّا ننزل عند حُكم الله وكتابه، وأن لاَ يكون بيننا غيره، وأنّ كتاب الله تعالى بيننا من فاتحته إلى خاتمته نحيا ما أحيا ونميت ما أمات. فما وجد الحَكمان ] ذلک [ في كتاب الله تعالى اتّبعناه وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص عملا به وما لم يجدا في كتاب الله تعالى فالسنّة العادلة الجامعة غير المفرقة.
وأخذ الحَكمان من عليٍّ ومعاوية وجنديهما عهوداً ومواثيق أنهما آمنان على أنفسهما ] وأموالهما [ وأهليهما والأُمّة لهما أنصار على الّذي يتقاضيان (يقضيان خ ل) عليه وعلى أبي موسى عبدالله بن قيس وعمرو عهد الله وميثاقه أن يحكما بين
هذه الأُمّة بحكم القرآن ولا يردّاها في حرب ولا فرقة حتّى يقضيا وأجل القضاء إلى انسلاخ رمضان، وإن أحبّا أن يوخّرا ذلک أخّراه وأنّ مكان قضيّتهما مكاناً عدلا بين أهل الكوفة وأهل الشام.
وكتب في الصحيفة الأشعث بن قيس، وعدي بن حجر، وسعد بن قيس الهمداني، وورقاء بن شمس، وعبدالله بن عكل العجلي، وحجر بن عدي الكندي، وعقبة بن زياد الحضرمي، ويزيد بن حجرة التميمي، ومالک بن كعب الهمداني، هولاء كلّهم من أصحاب عليٍّ علیه السلام .
وكتب من أصحاب معاوية: أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وزمل (زميل خ ل) بن عمرو العذري (العدوى خ ل)، ومرّة بن مالک الهمداني، وعبد الرحمن بن خالد المخزومي، وسبيع بن يزيد الأنصاري، وعتبة بن أبي سفيان، ويزيد بن الحارث العبسي.
وخرج بالكتاب الأشعث بن قيس يقرأه على الناس وكانت كتابته يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، واتّفقوا على أن يكون اجتماع الحَكمين ـ وهما أبو موسى عبدالله بن قيس الأشعري وعمرو بن العاص بن وايل السهمي ـ بدومة الجندل وهو موضع كثير النخل وبه حصن اسمه مارد قال أبو سعيد الضرير: دومة الجندل في غايظ من الأرض خمسة فراسخ فيها عين تسقي النخل والزرع، انتهى.
ثمّ رجع الناس عن صفّين ولمّا رجع عليّ علیه السلام إلى الكوفة خالفت الحرورية(1)
1) . الحرورية: جماعة من الخوارج والنواصب، والنسبة لبلد قرب الكوفة على ميلين منهاتسمى حُروراء، نزل بها هولاء بعد خروجهم على أمير المومنين (عليه السلام) حينما قَبلبالتحكيم بينه وبين معاوية، قيل لهم حينذاک: أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء وقال :شاعرهم :إذا الحرورية الحرى ركبوالاَ يستطيع لهم أمثالک الطلباوقالوا يومها: لاَ حكم إلّا لله، فقال عليّ علیه السلام كلمة حقّ أُريد بها باطل... انظر تذكرة الخواصّ: 95،ومروج الذهب: 2/404، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2 / 307 تحقيق محمّد أبوالفضل دارإحياء التراث العربي، وقعة صفين: 517.وسُموا أيضاً بالخوارج والمحكّمة، والسبب الّذي سُمّوا خوارج هو خروجهم على أميرالمومنين علیه السلام، والسبب الّذي سُمّوا محكّمة هو إنكارهم الحَكمين: وقولهم لاَ حكم إلّا لله...وانظر أيضاً فِرق الشيعة للنوبختي: 6 دار الأضواء ط 2.وقيل: هم الغلاة في إثبات الوعيد والخوف على المومنين، والتخليد في النار مع وجود الإيمان،وهم قوم من النواصب الخوارج، ومن مفرداتهم أنّ من ارتكب كبيرة فهو مشرک، ومذهبعامة الخوارج أنه كافر وليس بمشرک، فقال بعضهم: هو منافق في الدرک الأسفل من النار.وقيل لهم الحرورية لأنهم خرجوا إلى حروراء لقتال عليّ بن أبي طالب علیه السلام وحروراء: قريةبظاهر الكوفة، نزل بها الخوارج الّذين خالفوا عليّ بن أبي طالب علیه السلام وكان بها أوّل تحكيمهمواجتماعهم حين خالفوا عليه... انظر المعارف لابن قتيبة: 274، الخطط للمقريزي :2/350، معجم الفِرق الإسلامية لشريف الأمين: 94، مقالات الإسلاميين للأشعري: 127 ـ128، معجم البلدان: 3/256.
وخرجت وأنكرت التحكيم وقالت: لاَ حكم إلّا لله، ولا طاعة لمن عصى. وكان ذلک أوّل ما ظهر من مرامهم ورجعوا إلى غير الطريق الّذي كانوا فيه.
ولمّا جاء أميرالمومنين عليّ بن أبي طالب علیه السلام النُّخَيْلة(1) ورأى بيوت الكوفة فإذا بعبد الله بن وديعة الأنصاري قد لقاه فدنا منه وسلّم عليه وقال: مرحباً يا
1) . النُخيلة: موضع قرب الكوفة على سمت الشام، انظر معجم البلدان: 8/276.
أميرالمومنين، ثمّ إنّه سايره فقال له عليّ علیه السلام : ما سمعت الناس يقولون ]في أمرنا هذا؟[ قال: يقولون: إنّ عليّاً كان له جمع عظيم ففرَّقه، وكان له حصن حصين فهدمه فمتى يبني ما انهدم ويجمع ما تفرّق؟ ولو كان مضى بمن أطاعة إذ عصاه من عصاه فقاتل حتّى يظفر أو يهلک كان ذلک الحزم. فقال عليّ علیه السلام : أنا هدمت أم هم هدموا؟ أنا فرّقت أم هم فرّقوا؟ وأمّا قولهم «كان يمضي بمن أطاعه فيقاتل حتّى يظفر أو يَهلک» فوالله ما غبِيَ (خفى خ ل) هذا عنّي وإن كنت لسخيّاً بنفسي عن الدنيا طيّب النفس بالموت ولقد هَممتُ بالإقدام على القوم فنظرت إلى هذين قد ابتدراني ـ يعني الحسن والحسين علیهم السلام ـ ونظرت إلى هذين الآخرين وقد استقدماني ـ يعني عبدالله بن جعفر ومحمّد ابن الحنفية رضی الله عنه فعلمت أنّ هذين إن هلكا انقطع نسل محمّد صلی الله علیه واله من هذه الأُمّة فكرهتُ ذلک، وأشفقت أيضاً على هذين أن يهلكا على أثرهما؛ وأيم الله إن لقيتهم بعد يومي هذا لألقينّهم وهم معي في معسكر (وليس هما معي في معسكر ولا دار خ ل «وقعة صفين: 530»(1).
أى: تحيّرا.
قال عمرو بن العاص لأبي موسى: أ أنت على أن نسمّي رجلا يلي أمر هذه الامّة فسمّ لي، فإن أقدر على أن اتابعک فلک عليّ أن اتابعک وإلّا فلي عليک أن تتابعني. قال أبو موسى: اسمّي لک عبدالله بن عمر ـ وكان في من اعتزل ـ وقال :
1) . الفصول المهمة: 1/484 ـ 493.
انّي اسمّي لک معاوية. فلم يبرحا حتى استبّا، ثم خرجا إلى الناس فقال أبو موسى : إنّي وجدت مثل عمرو مثل الذي قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها)(1) فلمّا سكت أبو موسى تكلّم عمرو، فقال: أيها الناس إنّي وجدت مثل أبي موسى كمثل الذين قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً)(2). وكتب كلّ منهما مثله الذي ضربه لصاحبه إلى الأمصار(3).
وصدق كلّ منهما في مثله لصاحبه، كما صدقت اليهود والنصارى في قول كلّ منهما للاخر: (وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ)(4).
وقال اليعقوبي ـ بعد ذكر تسابهما ـ: فتنادى الناس حكم ـ والله ـ الحكمان بغير ما في كتاب الله، والشرط عليهما غير هذا(5).
هذا، وقالوا: شكا أبو العيناء إلى محمّد بن سليمان من ابن المدبر تأخيره لأرزاقه، فقال له: أنت اخترته. فقال: وما عليّ (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً)(6) فما كان منهم رجل رشيد، فأخذتهم الرجفة، واختار النبي صلی الله علیه واله ابن أبي سرح كاتبا، فلحق بالمشركين، واختار علي بن أبي طالب علیه السلام أبا موسى الأشعري حكما، فحكم عليه(7).
وروى البلاذرى: أنّ أهل البصرة اجتمعوا ـ أى: بعد موت يزيد ـ فقلّدوا أمرهم النعمان بن صهيان الأزدي، ثم الراسبي ورجلا من مضر، ليختاروا لهم رجلا يولونه عليهم، فقالوا: من رضيتماه لنا فقد رضينا به.
وكان رأي المضري في بني اميّة، ورأي النعمان في بني هاشم، فقال النعمان للمضرى: ما أرى أحدا أولى بهذا الأمر من فلان ـ يعنى: رجلا من بني امية ـ قال : أو ذاک رأيک قال: نعم. قال: فقد قلدتک أمري ورضيت بمن رضيت به. ثم خرجا إلى الناس، وقالوا لهما: ما صنعتما فقال المضرى: رضيت بمن رضي به النعمان، فمن سمّى فأنا راض به. فقال الناس للنعمان: ما تقول فقال: ما أرى أحدا غير عبدالله بن الحارث ـ يعني ببّة ـ فقال المضرى: ما هذا الذي سمّيت. فقال: إنّه لهو. فرضى الناس به فبايعوه(1).
باحث هشام بن الحكم بعض المخالفين في الحكمين، قال المخالف: كانا مريدين للإصلاح. فقال: بل غير مريدين له، قال تعالى في حكمي الزوجين (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا... إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا)(2)، فلما لم يوفق الله بينهما علمنا أنّهما لم يريدا الاصلاح(3).
وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاوُنَا (استيثاقنا خ ل) عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَالْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا
السوء والجور مفعولان ل (سبق)، والفاعل (استيثاقنا)، ومما يدل على كون (استثنائنا) محرّف (استيثاقنا) أنّ نصر بن مزاحم روى كتاب العهد عن زيد بن حسن هكذا: «و على الحكمين عهد الله وميثاقه أن لا يألوا اجتهادا، ولا يعتمدا جورا، ولا يدخلا في شبهة، ولا يعدوا حكم الكتاب وسنّة الرسول صلی الله علیه واله ، فان لم يفعلا برئت الذمة من حكمهما، ولا عهد لهما ولا ذمة»(1).
أراد علیه السلام به ما كان شرطه على الحكمين حين عزموا على التحكيم أن يحكما بما حكم القرآن وبما أنزل الله فيه من فاتحته إلى خاتمته وإلّا فلا ينفذ حكمهما فيه وفي أصحابه، فقد قدّم علیه السلام إليهما أن لا يعملا برأيهما وهواهما ولا يحكما بشيء من تلقاء أنفسهم الأمّارة بالسوء.
وَالثِّقَةُ فِي أَيْدِينَا لاَِنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ...
لما خدع عمرو أبا موسى وتشاتما، وانصرف عمرو إلى معاوية ولحق أبو موسى بمكة، وانصرف القوم إلى علي علیه السلام قال عدي له علیه السلام : أما والله لقد قدّمت القرآن، وأخّرت الرجال، وجعلت الحكم لله. فقال عليّ علیه السلام : أما إنّي قد أخبرتكم أنّ هذا يكون بالأمس، وجهدت أن تبعثوا غير أبي موسى فأبيتم علىّ ـ إلى ان قال ـ فقال علي علیه السلام لابنه الحسن علیه السلام : قم فتكلّم في أمر هذين الرجلين. فقام فقال: أيها الناس قد أكثرتم في أمر أبي موسى وعمرو، إنّما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى، فحكما بالهوى دون القرآن، فمن كان هكذا لم يكن حكما، ولكنّه محكوم عليه،
1) . وقعة صفين: 505.
وقد كان من خطأ أبي موسى أن جعله لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال : خالف أباه عمر، إذ لم يرضه لها ولم يره أهلا لها، وكان أبوه أعلم به من غيره، ولا أدخله في الشورى إلّا على الاشيء له فيها، شرطا مشروطا من عمر على أهل الشورى، فهذه واحدة، وثانية: لم يجمع عليه المهاجرون والأنصار الذين يعقدون الإمامة ويحكمون على الناس، وثالثة: لم يستأمر الرجل في نفسه، ولا علم ما عنده من ردّ أو قبول(1).
قلت: ذكره علیه السلام الخطأ الثاني عدم قبول المهاجرين والأنصار إنّما كان جدلا، وإلّا فيدلّ كتابه علیه السلام إلى معاوية أيام بيعة الناس له أنّ أهل البيت : هم خيرة الله، وانّه لا خيرة للناس المهاجرين والأنصار وغيرهما.
ولقد صدّق خطأه الأول والثاني ابن عمر نفسه، فانّ ابن عمر لمّا بلغه ما فعل أبو موسى كتب إليه: فانّک تقرّبت إليّ بأمر لم تعلم هواي فيه، أ كنت تظنّ أنّي أبسط يدا إلى أمر نهاني عنه أبي عمر أو كنت تراني أ تقدّم على عليّ علیه السلام ـ إلى أن قال ـ ثم أعظم من ذلک: خديعة عمرو إياك ـ إلى أن قال ـ إنّ أبا موسى كتب في جوابه : وأما خديعة عمرو فو الله ما ضرّ بخديعته عليّا ولا نفع معاوية، وقد كان الشرط ما اجتمعنا عليه، لا ما اختلفنا فيه(2).
وأنّه علیه السلام أمر ابن عباس أن يتكلّم في الحكمين بعد الحسن علیه السلام ، فقام وقال: أيّها الناس إنّ للحقّ أهلا أصابوه بالتوفيق، والناس بين راض به وراغب عنه، وإنّما بعث أبو موسى بهدى إلى ضلالة، وبعث عمرو بضلالة إلى هدى، فلما التقيا رجع أبو
موسى عن هداه، ومضى عمرو بضلاله ـ إلى أن قال ـ وقال عليّ علیه السلام لعبد الله بن جعفر: قم فتكلم. فقام وقال: أيها الناس، إنّ هذا الأمر كان النظر فيه لعليّ علیه السلام والرضا فيه إلى غيره، جئتم بأبي موسى مبرنسا، فقلتم: قد رضينا هذا فارض به، وايم الله ما استفدنا به علما، ولا انتظرنا منه غائبا، وما نعرفه صاحبا، وايم الله ما أصلحا بما فعلا الشام، ولا أفسدا العراق، ولا أماتا حقّ عليّ، ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق رقية راق، ولا نفخة شيطان، ونحن اليوم على ما كنّا عليه أمس(1).
هذا، وعن أبي عبيدة، قال: أمر بلال بن أبي بردة ـ وكان قاضيا ـ بتفريق بين رجل وامرأته، فقال الرجل: يا آل أبي موسى، إنّما خلقكم الله للتفريق بين المسلمين(2).
وبعث عبد الملک روح بن زنباع وبلال بن أبي بردة بن أبي موسى إلى زفر بن الحارث الكلابي بكلام، وحذرهما من كيده وخصّ بالتحذير روحا، فقال له: انّ أباه كان المخدوع يوم دومة الجندل لا أبي، علام تخوّفني الخداع والكيد. فغضب بلال وضحک عبد الملک(3).
وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص وهو على مصر قد قبضها بالشرط الذي اشترط على معاوية أما بعد فإن سوّال أهل الحجاز وزوار أهل العراق كثروا علي وليس عندي فضل عن أعطيات الحجاز فأعني بخراج مصر هذه السنة فكتب
عمرو إليه :
معاوي إن تدركک نفس شحيحة***فما مصر إلا كالهباءة في الترب
وما نلتها عفوا ولكن شرطتها***وقد دارت الحرب العوان على قطب
ولو لا دفاعي الأشعري ورهطه***لألفيتها ترغو كراغية السقب(1)
ثم كتب في ظاهر الكتاب :
معاوي حظي لا تغفل***و عن سنن الحق لا تعدل
أ تنسى مخادعتي الأشعري***و ما كان في دومة الجندل
ألين فيطمع في غرتي***و سهمي قد خاض في المقتل
فألمظه عسلا باردا***و أخبأ من تحته حنظلي
وأعليته المنبر المشمخر***كرجع الحسام إلى المفصل
فأضحي لصاحبه خالعا***كخلع النعال من الأرجل
وأثبتها فيک موروثة***ثبوت الخواتم في الأنمل
وهبت لغيري وزن الجبال***و أعطيتني زنة الخردل
وإن عليا غدا خصمنا***سيحتج بالله والمرسل
وما دم عثمان منج لنا***فليس عن الحق من مزحل
فلما بلغ الجواب إلى معاوية لم يعاوده في شيء من أمر مصر بعدها(2).
وكان رجل يحدّث بأخبار بني إسرائيل، فقال له الحجاج ابن حنتمة: ما كان اسم بقرة بني إسرائيل قال: حنتمة. فقال له رجل من ولد أبي موسى: أين وجدت
هذا؟ قال: في كتاب عمرو بن العاص(1).
وبعث بلال بن أبي بردة في ابن أبي علقمة الممرور، فلمّا أتى قال ـ: أ تدري لم بعثت إليک قال: لا. قال: بعثت إليک لأضحک منک. فقال له الممرور: لقد ضحک أحد الحكمين من صاحبه ـ عرّض له بجده أبي موسى، وضحک عمرو من خداعه له ـ فغضب عليه بلال، وأمر به إلى الحبس، فكلّمه الناس وقالوا: إنّ المجنون لا يعاقب ولا يحاسب. فأمر بإطلاقه وأن يوتى به إليه، فاتي به يوم السبت، وفي كمّه طرائف اتحف بها في الحبس، فقال له بلال: ناولني من هذا الذي في كمّک. قال: هو يوم سبت ليس يعطى فيه ولا يوخذ. عرّض به بعمة كانت له من اليهود(2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ وَلا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ وَلا يَحْوِيهِ مَكَانٌ وَ لا يَصِفُهُ لِسَانٌ وَلا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلا نُجُومِ السَّمَاءِ وَلا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ وَلا دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا وَلا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ وَخَفِيَّ طَرْفِ الاَْحْدَاق وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ وَلا مَشْكُوکٍ فِيهِ وَلا مَكْفُورٍ دِينُهُ وَلا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ وَخَلَصَ يَقِينُهُ وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلائِقِهِ وَالْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ وَالْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ رِسَالاتِهِ وَالْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى وَالْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى.
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُوَمِّلَ لَهَا وَالْمُخْلِدَ إِلَيْهَا ـ وَلا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا ـ وَايْمُ اللهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ ـ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا ـ لاَِنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ ـ وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ ـ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ
نِيَّاتِهِمْ وَوَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ ـ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِد وَإِنِّي لاََخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ ـ وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً ـ كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ ـ وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ ـ وَمَا عَلَيَّ إِلّا الْجُهْدُ ـ وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف.
أى: عن شأن آخر كما هو شأن النّاس، فاذا اشتغل أحد بالخياطة لا يمكنه النّجارة، وإذا تكلّم مع زيد لا يستطيع التكلّم مع عمرو، لأنّ الشغل عن الشيء بشيء آخر إمّا لنقصان القدرة أو العلم وهو تعالى على كلّ شيء قدير وبكلّ شيء محيط، فلا يشغله مقدور عن مقدور ولا معلوم عن معلوم.
كما يغيّر الخلق، لأنّه تعالى واجب الوجود والمتغيّر في ذاته أو صفاته لا يكون واجبا فلا يلحقه التغيّر ولأنه خالق الزّمان ولا زمان يلحقه فلا تغيّر يلحقه بتغيّره.
أى: لا يضمّه اذ لو كان محويا يلزم أن يكون محدودا وكلّ محدود جسم، وقد عرفت في شرح الخطبة الأولى (1) وفي شرح الخطبة المأة والثانية والخمسين(2)
تحقيق الكلام في تنزّهه عن المكان وعن الحدود بما لا مزيد عليه فليراجع المقامين.
كما يحوي الجسمانيّات، وفي الخبر: سأل يونس بن عبد الرّحمن الكاظم علیه السلام عن عروج النبيّ صلی الله علیه واله إلى السّماء ثم الى سدرة المنتهى ثمّ إلى حجب النّور، فخاطبه وناجاه هناک، والله لا يوصف بمكان. فقال علیه السلام : إنّ الله تبارک و تعالى لا يوصف بمكان، ولا يجري عليه زمان، ولكنّه عزّ وجلّ أراد أن يشرّف به ملائكته وسكّان سماواته، ويكرمهم بمشاهدته، ويريه من عجائب عظمته ما يخبر به بعد هبوطه(1).
أى لا يقدر لسان على وصفه ومدحه لأنّ اللّسان إنّما هو ترجمان للقلب معبّر عن المعاني المخزونة فيه، والقلب إذا كان عاجزا عن البلوغ إلى وصفه وعن تعقّل صفاته فاللّسان أعجز وألكن.
بيان ذلک أنّ وصف الشيء والثّناء عليه إنّما يتصوّر إذا كان مطابقا لما هو عليه في نفس الأمر، وذلک غير ممكن إلّا بتعقّل ذاته وكنهه، لكن لا يمكن للعقول تعقّل ذاته سبحانه وتعقّل ما له من صفات الكمال ونعوت الجلال، لأنّ ذلک التعقّل إمّا بحصول صورة مساوية لذاته تعالى وصفاته الحقيقيّة الذاتيّة أو بحضور حقيقته وشهود ذاته المقدّسة والأوّل محال إذ لا مثل لذاته كما قال عزّ من قائل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(2)، لأنّ كلّ ما له مثل أو صورة مساوية له فهو ذو جهة كلّية وهو
تعالى لا مهيّة له، والثاني أيضا كذلک إذ كلّ ما سواه من العقول والنفوس والذّوات والهويّات معلول له مقهور تحت جلاله وعظمته وكبريائه كانقهار عين الخفّاش تحت نور الشمس، فلا يمكن للعقول لقصورها عن درجة الكمال الواجبي إدراک ذاته على وجه الاكتناه والاحاطة، بل كلّ عقل له مقام معلوم لا يقدر على التعدّي عنه إلى ما فوقه، ولهذا قال جبرئيل الأمين لما تخلّف عن خير المرسلين ليلة المعراج: لو دنوت أنملة لاحترقت، فأنّى للعقول البشريّة الاطلاع على النعوت الالهيّة والصّفات الأحديّة على ما هى عليه من كمالها.
فالقول والكلام وإن كان في غاية الجودة والبلاغة واللّسان والبيان وإن كان في نهاية الحدّة والفصاحة يقف دون أدنى مراتب مدحه، والمادحون وإن صرفوا جهدهم وبذلوا وسعهم وطاقتهم في وصفه والثناء عليه فهم بمراحل البعد عمّا هو ثناء عليه بما هو أهله ومستحقه. ولهذا قال سيّد النّبيّين وأكمل المادحين: لا احصى ثناء عليک أنت كما أثنيت على نفسک(1).
قال تعالى: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(2).
أى: لا يغيب ولا يبعد.
بالكسر فالفتح، جمع قطرة.
من الأمطار والراكد في متراكم البحار والغدران والابار والجارى في الجداول و الأنهار، قال تعالى: (... وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً)(1).
ولا عدد نجوم السّماء من الثوابت والسّيار، قال تعالى: (... وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ...)(2).
جمع سافية، من سفت الرّيح التراب إذا ذرته.
والمراد ذرّات التراب التي تثيرها الرياح في الفضاء، قال تعالى: (... عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الاَْرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِکَ وَلا أَكْبَرُ إِلّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)(3).
وهو المشي على البطن.
أى: الصخرة الملساء قال تعالى: (... وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً...)(1).
قال الجوهرى: الذرّ جمع ذرّة، وهي أصغر من النّمل(3).
قال تعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الاَْرْضِ إِلّا عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)(4).
قال تعالى: (... وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الاَْرْضِ وَلا
رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)(1).
عن اضافة الصفة.
بالفتح فالسكون، قال الجوهرىّ: طرف بصره يطرف طرفا إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر. الواحدة من ذلک طرفة، يقال: أسرع من طرفة عين، وفلان مطروف العين بفلان إذا كان لا ينظر إلّا إليه(2).
جمع الحدقة سواد العين الأعظم، قال تعالى: (يَعْلَمُ خائِنَةَ الاَْعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ)(3).
فقد قال تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلّا اللهُ لَفَسَدَتا...)(4).
أحد، وكيف يعدل المخلوق بالخالق، وكيف يعدل من هو في غاية النقص بمن هو في نهاية الكمال.
وكيف وهو أظهر من الشمس، كيف لا والشمس أحد آثاره قال تعالى: (أَ فِي اللهِ شَکٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ...)(1).
وكيف وهو دين قيّم غير ذي عوج جامع لسعادة الدارين، فقد قال سفراوه تعالى: اعمل لدنياک كأنّک تعيش أبدا، واعمل لآخرتک كأنّک تموت غدا(2).
حتّى من الّذين جعلوا الأصنام له شركاء في العبادة قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالاَْرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ...)(3).
من الكذب وصادرة عن صميم القلب وعن اعتقاد جازم.
من الكدر.
من الريب ورين الشكوک والشبهات.
بالأعمال الصالحة، وإنّما قيّد علیه السلام شهادته بما قيّده، لأنّ الشهادة إذا لم تكن كذلک لم تكن بمفيدة، كشهادة المنافقين. واذا كانت على وجه الكمال توجب ثقل ميزان الأعمال.
ويدلّ عليه صريحا ما عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلی الله علیه واله قال: قال الله جلّ جلاله لموسى بن عمران: يا موسى لو أنّ السّماوات وعامريهنّ عندى و الأرضين السّبع في كفّة ولا إله إلّا الله في كفّة مالت بهنّ لا إله إلّا الله(1).
إلى خلقه.
أى: المصطفى.
من الأوّلين والآخرين، وعن ابن عبّاس في حديث المعراج: أنّ جبرئيل أتى النبيّ صلی الله علیه واله وقال: إنّ ربّي بعثني إليک وأمرني أن آتيه بک فقم، فإنّ الله تعالى يكرمک
1) . ثواب الأعمال: 2؛ وسائل الشيعة: 7/210/ح 9132 ـ 3.
كرامة لم يكرم بها أحد قبلک ولا بعدک(1).
وفي خبر آخر: فلمّا بلغ إلى سدرة المنتهى فانتهى الى الحجب فقال جبرئيل : تقدّم يا رسول الله ليس لي أن أجوز هذا المكان، ولو دنوت أنملة لا حترقت(2).
وفي خبر آخر: قال له جبرئيل: ما وطأ نبيّ قطّ مكانک(3).
أى: المختار، ولفظ اسمي الفاعل والمفعول في مثله، وإن كان واحدا إلّا أنّه هنا اسم مفعول كلفظ (المختص) بعده.
جمع حقيقة، قال ابن أبي الحديد: أي لشرح حقائق توحيده وعدله، ومعنى حقائق توحيده الأمور المحقّقة اليقينية الّتي لا تعتريها الشكوک، ولا تتخالجها الشبه، وهي أدلّة أصحابنا المعتزلة الّتي استنبطوها بعقولهم بعد أن دلّهم إليها ونبّههم على طرق استنباطها النبيّ صلی الله علیه واله بواسطة أميرالمومنين علیه السلام ، لأنّه إمام المتكلّمين الّذي لم يعرف علم الكلام من أحد قبله(4).
بل المراد بشرح حقائقه مطلق الأصول والفروع، فانّ النبيّ صلی الله علیه واله كما شرح التوحيد والعدل، شرح المعاد والثواب والعقاب، وشرح الحلال والحرام، ولا سيّما
بعض الأحكام التي بيّنها صلی الله علیه واله بواسطة أهل بيته :، فقال رجل للكاظم علیه السلام : إنّ رجلا من مواليک تزوّج جارية معصرا لم تطمث، فلمّا افتضّها سال الدّم فمكث سائلا لا ينقطع نحوا من عشرة أيام، وإنّ القوابل اختلفن في ذلک، فقال بعضهنّ: دم الحيض، وقال بعضهنّ: دم العذرة. فما ينبغي لها أن تصنع ـ إلى أن قال ـ قال علیه السلام له : سرّ الله فلا تذيعوه، ولا تعلّموا هذا الخلق أصول دين الله، بل ارضوا لهم ما رضي الله لهم من ضلال. ثمّ قال: تستدخل القطنة ثمّ تدعها مليّا، ثمّ تخرجها إخراجا رفيقا، فان كان الدّم مطوّقا في القطنة فهو من العذرة، وإن كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض. فبكى الرجل وقال له علیه السلام : من كان يحسن هذا غيرک؟ فرفع الكاظم علیه السلام يده إلى السماء وقال: والله إنّي ما أخبرک إلّا عن النبيّ صلی الله علیه واله عن جبرئيل علیه السلام عن الله عزّ وجلّ(1).
وفي خبر عن الصادق علیه السلام في اشتباه دم الحيض والقرحة: فان خرج الدم من الجانب الأيسر فهو من الحيض، وان خرج من الجانب الأيمن فهو من القرحة(2).
وقد شرح النبيّ صلی الله علیه واله الحقائق في ما نسبه أهل الكتاب إلى التوراة والإنجيل افتراء منهم، فقالوا: لحم الإبل كان محرّما في ملّة إبراهيم علیه السلام .
فكذّبهم النبيّ صلی الله علیه واله في ما أنزل تعالى في قوله: (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلّاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ)(3).
وشرح النبيّ صلی الله علیه واله قصص الأنبياء بحقائقها في ما أنزل تعالى عليه، فقال في (هود) بعد ذكر قصّة نوح: (تِلْکَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْکَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُکَ مِنْ قَبْلِ هذا...)(1)، وشرح خبر ذي القرنين(2)، وخبر أصحاب
الكهف(3)، إلى غير ذلک.
وكان في الأنصار تيه وتكرّم فيتحرّجون من مواكلة الأعمى والأعرج والمريض، ويتحرّجون هم من مواكلة الأصحّاء، فسألوا النبيّ صلی الله علیه واله عن ذلک فنزلت : (لَيْسَ عَلَى الاَْعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الاَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ...)(4)،(5)، وتوهّم غير الأصحّاء وجوب الجهاد عليهم كالأصحّاء
فنزلت: (لَيْسَ عَلَى الاَْعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الاَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ...)(6).
ثمّ لم خصّ ابن أبي الحديد شرح النبيّ صلی الله علیه واله للحقائق بالتوحيد والعدل من الأصول ولم لم يذكر المعاد وقد شرحه في كتابه، فقال: (وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ)(7).
ولم لم يذكر شرح النبيّ صلی الله علیه واله للإمامة الّتي هي أهمّ الحقائق إذ بها تكميل الدين،
ولو لم يشرحها كأن لم يبلّغ رسالته، كما نصّ على ذلک في الكتاب وقد شرحها في كتابه في قوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)(1)، وفي قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّکَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما
جاءَکَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ)(2)، وفي قوله تعالى: (... إِنَّما
يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(3)، وفي قوله صلی الله علیه واله بعد
تقرير الناس بكونه أولى بهم من أنفسهم: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه(4). وفي قوله صلی الله علیه واله : أنت منّي يا عليّ بمنزلة هارون من
موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي(5) إلى غير ذلک.
جمع عقيلة: أى نفائس.
قال تعالى له صلی الله علیه واله : (أَ لَمْ نَشْرَحْ لَکَ صَدْرَکَ * وَوَضَعْنا عَنْکَ وِزْرَکَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَکَ * وَرَفَعْنا لَکَ ذِكْرَکَ)(6)، وقال عزّ وجلّ له: (وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَکَ رَبُّکَ وَما قَلى * وَلَلاْخِرَةُ خَيْرٌ لَکَ مِنَ الاُْولى * وَلَسَوْفَ
يُعْطِيکَ رَبُّکَ فَتَرْضى * أَ لَمْ يَجِدْکَ يَتِيماً فَآوى * وَوَجَدَکَ ضَالّاً فَهَدى * وَوَجَدَکَ عائِلاً فَأَغْنى... وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّکَ فَحَدِّثْ(1)، وقال عزّ اسمه: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاَْقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا...)(2)، وقال سبحانه: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحى)(3)،
وقد جعل عزّ وجلّ ذكره صلی الله علیه واله مقرونا بذكره في كلّ يوم خمس مرّات على المنائر، وجعل الشهادة برسالته موصولة بالشّهادة بتوحيده جلّ وعلا على المنائر.
وفي خبر المعراج: أنا المحمود وأنت محمّد شققت اسمک من اسمي، فمن وصلک وصلته، ومن قطعک بتلته، انزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إيّاک، وإنّي لم أبعث نبيّا إلّا جعلت له وزيرا، وأنّک رسولي، وأنّ عليّا وزيرک(4).
أى: المختار.
إلى بريّته قال تعالى: (ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى)(5). وقال صلی الله علیه واله : إنّما بعثت لاتمّم مكارم الأخلاق(6).
صلى الله عليه وآله.
جمع شرط بفتحتين، أى: علائم.
قال ابن الزبعرى فيه صلی الله علیه واله :
هادي العباد إلى الرشاد وقائد للمومنين بضوء نور ثاقب(1)
عطف على اشراط، أى: شدائد سواد.
فرفع به صلی الله علیه واله المنكرات والشنائع، فصار الناس به بصيرين، وفي الخبر: سأل ابن الكوا أميرالمومنين علیه السلام عن مسائل، منها: ما الأعمى باللّيل بصير بالنّهار فقال علیه السلام : ذلک رجل جحد الأنبياء الّذين مضوا، ثمّ أدرک النبيّ صلی الله علیه واله فأمن به، فعمي باللّيل وأبصر بالنّهار(2).
أى تخدعه.
أى: الراكن إليها، وذلک مشهود بالعيان معلوم بالتجربة والوجدان، فانّا نرى كثيرا من المومّلين لها والراكنين إليها تعرض لهم مطالب وهميّة خياليّة فتوجب ذلک طول أملهم فيختطفهم الموت دون نيلها وينكشف بطلان تلک الخيالات.
قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ. وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الاَْرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ...)(1).
أى: لا ترغب ولا تضنّ في من وبمن رغب فيها وضنّ بها.
أى من ملكها وأخذها بالقهر والغلبة فعن قليل تقهره وتهلكه.
قال ابن الاثير: بعد ذكر فتح صلاح الدّين حلب في سنة (579) وذكر مطعونيّة أخيه تاج الملوک الّذي كان فارسا شجاعا كريما حليما جامعا لمحاسن الأخلاق في ذاک الحرب في ركبته، حضر صلاح الدّين عند أخيه يعوده وقال له: هذه حلب قد أخذناها وهي لک، فقال: ذلک لو كان وأنا حيّ، وو الله لقد أخذتها غالية حيث
1) . الأعراف: 175 ـ 176.
تفقد مثلي، فعمل صلاح الدين دعوة احتفل فيها، فبيناهم في سرور إذ جاء من أسرّ إليه بموت أخيه(1).
وكان المعتمد بن عباد صاحب اشبيليّة نكب وسجن باغمات فجاءه ببناته في عيد فقال :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا***فجاءک العيد بالاغمات مأسورا
ترى بناتک في الأنظار جائعة***يغزلن للنّاس ما يملكن قطميرا
يطأن في الطّين والأقدام حافية***كأنّها لم تطأ مسكا وكافورا
قد كان دهرک إن تأمره ممتثلا***فردّک الدّهر منهيّا ومأمورا
من بات بعدک في ملک يسرّ به***فانّما بات في الأحلام مغرورا(2)
وقال الشعبي دعاني عبد الملک في علّته التي مات فيها فغصّ بلقمته وأنا بين يديه، فتساند طويلا ثم قال أصبحت كما قال الشاعر:
كأنّي وقد جاوزت سبعين حجّة***خلعت بها عن منكبيّ ردائيا
فقلت: الشعر للبيد وقد عاش إلى أن بلغ مائة وعشر فقال:
أ ليس في مائة قد عاشها رجل***و في تكامل عشر بعدها عمر
فعاش إلى أن بلغ مائة وعشرين فقال:
ولقد سأمت من الحياة وطولها***و سوال هذا النّاس كيف لبيد
غلب الرّجال ـ وكان غير مغلّب ـ***دهر جديد دائم ممدود
يوم أرى يأتي عليه وليلة***و كلاهما بعد المضاء يعود
ففرح عبد الملک وقال: ما أرى بأسا، وقد وجدت خفّة فأمر لي بأربعة آلاف درهم فقبضتها وخرجت فما بلغت الباب، حتّى سمعت النّاعية عليه(1).
قسم مخفّف (أيمن) من اليمين ويجوز في همزتها الفتح والكسر.
أى: طريّ نعمة ونضرتها.
قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ...)(2).
وقال تعالى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ * ذلِکَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَکُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(3).
وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاَْرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُون)(4).
والأصل فيه قوله تعالى ذلِکَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ(5).
فعلم من ذلک أنّ سبب زوال النعمة وحصول النقمة ليس إلّا الذّنوب المكتسبة هذا.
ولا يخفى عليک أنّ هذا الكلام منه علیه السلام محمول على الغالب وإن كان ظاهره العموم، وذلک لأنّ كثيرا من العباد يبدّل الله نعمتهم بالنقمة ورخائهم بالشدّة ومنحتهم بالمحنة من باب الابتلاء والامتحان إعلاء للدّرجات وإحباطا للسّيئات و إضعافا للحسنات كما قال عزّ من قائل: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الاَْمْوالِ وَالاَْنْفُسِ وَالثَّمَراتِ)(1) الاية.
روى إنّه إذا تريد أن تعرف قصر البلاء من طوله، فاعرفه في إلهام الدعاء وعدمه(2).
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ علیه السلام قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ علیه السلام يَقُولُ: الدُّعَاءُ يَدْفَعُ الْبَلاءَ النَّازِلَ وَمَا لَمْ يَنْزِلْ(3).
أى باخلاصها وإخلائها من شوب العجب والرّيا.
أى بتحيّر منها في محبّته سبحانه ولذّة مناجاته وتفريغ ساحتها عن كلّ ما سواه تعالى.
يقال شرد البعير إذا نفر.
قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِکَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَولا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)(1).
وقال تعالى: (فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ)(2).
قد كان بين عيسى علیه السلام ونبيّنا صلی الله علیه واله زمان الفترة. قال تعالى: (يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ)(3).
وقد كان بعد نبيّنا صلی الله علیه واله فترتان: إحداهما ما بين مضي النبيّ صلی الله علیه واله وقيامه علیه السلام في أيّام الثلاثة ـ وهي الّتي ذكرها علیه السلام ، والثانية بعد مضيّه علیه السلام إلى قيام قائم أهل بيته علیه السلام . فقد قال الصادق علیه السلام : لم ير الناس بعد أميرالمومنين علیه السلام عدلا، ولا يرونه حتى يقوم قائمنا(4).
ويمكن أن يقال: إنّ بعد النبيّ صلی الله علیه واله فترة واحدة إلى قيام القائم علیه السلام حيث إنّه علیه السلام لم يتمكّن من تغيير بدع من تقدّم، ولا إظهار الحقّ بكون الثلاثة غير حقّ، وكلامه علیه السلام غير آب عن ذلک حيث لم يقل علیه السلام : «كنتم في فترة» بل «ان تكونوا في فترة».
في تقديمهم الثلاثة عليه.
وعن ابن عباس في قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)(1) أنّه لمّا نزلت هذه الآية. قال النبيّ صلی الله علیه واله : من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي، ونبوّة الأنبياء قبلي(2).
وروى أبو عبدالله السراج منهم في كتابه عن ابن مسعود أنّ النبيّ صلی الله علیه واله قال له: قد أنزلت هذه الآية: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)(3) وأنا
مستودعكها ومسمّ لک خاصّة الظلمة فكن لما أقول لک واعيا، وعنّي له مودّيا. من ظلم عليا مجلسي هذا كمن جحد نبّوتي، ونبوّة من كان قبلي(4).
وقال ابن أبي الحديد(5): مراده علیه السلام تقديم عثمان عليه، ويبعد أن يريد خلافة
الشيخين أيضا لأنّ المدّة قد طالت، ولم يبق من يعاتبه، ولسنا نمنع من أن يكون في كلامه علیه السلام الكثير من التوجّد والتألّم بصرف الخلافة بعد وفاة النبيّ صلی الله علیه واله عنه،
وانّما كلامنا الآن في ألفاظ هذه الخطبة على أنّ قوله علیه السلام فيها «سبق الرجلان» ـ أي في زيادات لم ينقلها الرضى ـ كاف في انحرافه عنهما.
أما قوله: «انّ المدّة قد طالت، ولم يبق من يعاتبه»، ففيه: أولا: إنّ كثيرا من المهاجرين والأنصار الذين شهدوا السقيفة كانوا موجودين وقت قيامه علیه السلام . فلم يمض إلّا ستّ وعشرون سنة.
وثانيا: إنّ جري الباقين على ذلک يكفي في عتابهم. فعاتب الله تعالى بني اسرائيل الذين كانوا في عصر النبيّ صلی الله علیه واله بما فعل آباوهم في عصر موسى علیه السلام لرضاهم بما فعلوا في آيات كثيرة، ومنها: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها)(1).
وثالثا: إنّ تقديم عثمان الّذي سلّمه كان من فعل عمر وتدبيره.
بأن يتولّوه علیه السلام ، لجعل الله تعالى له علیه السلام وليّهم في قوله عزّ وجلّ: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُوْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)(2).
فنزلت الآية لما اعطى علیه السلام خاتمه في الركوع للسائل(3).
وعلى لسان رسوله صلی الله علیه واله بعد تقريره للناس بأنّه أولى بهم من أنفسهم: «من كنت مولاه وأولى به من نفسه فهذا على مولاه وأولى به من نفسه».
في الآخرة برفضهم الباطل، واعتقادهم بالحق من اصول الاسلام.
قال أبو سليمان الضبىّ: أرسل عليّ علیه السلام إلى لبيد العطاردي بعض شرطه فمرّوا به على مسجد سماک. فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فحال بينهم وبينه فأرسل علیه السلام إلى نعيم فجيء به، ورفع شيئا ليضربه. فقال نعيم :
«والله إنّ صحبتک لذلّ، وإنّ خلافک لكفر». فقال علیه السلام : وتعلم ذلک قال: نعم. قال علیه السلام : خلّوه(1).
والسعي بإتمام الحجّة عليكم لئلّا يكون على الله حجّه بعد الرسل وأوصيائهم.
في ميل من مال عنه أيّام الثلاثة ورجع إليه علیه السلام في أيّامه أو في البين، وهم جمع،ذكرهم الكشي في عنوان: «السابقون الّذين رجعوا إلى أميرالمومنين علیه السلام »(2)
و ذكرهم الرضا علیه السلام للمأمون في خبر.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
هل رأيت ربک يا أميرالمومنين؟ فقال علیه السلام : أ فأعبد ما لا أرى فقال: وكيف تراه فقال: لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ وَلَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاِْيمَانِ قَرِيبٌ مِنَ الاَْشْيَاءِ غَيْرَ مُلامِسٍ بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ مُتَكَلِّمٌ لا بِرَوِيَّةٍ مُرِيدٌ لا بِهِمَّةٍ صَانِعٌ لا بِجَارِحَةٍ لَطِيفٌ لا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ كَبِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ رَحِيمٌ لا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ وَتَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِه.
عن الأصبغ، قال: لمّا بايع النّاس عليّا علیه السلام خرج إلى الناس متعمّما بعمامة النبي صلی الله علیه واله لابسا بردته صلی الله علیه واله متنعّلا نعله صلی الله علیه واله تقلّدا سيفه صلی الله علیه واله ، فصعد المنبر فجلس متمكّنا، ثمّ شبّک أصابعه فوضعها أسفل بطنه، ثم قال: يا معاشر الناس سلوني قبل أن تفقدوني هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول الله صلی الله علیه واله ، هذا ما زقّني النبيّ صلی الله علیه واله زقّا زقّا، سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخرين، أما والله لو ثنيت لي الوسادة
فجلست عليها، لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم حتّى تنطق التوراة فتقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، وأفتيت أهل الإنجيل بإنجيلهم، حتّى ينطق الإنجيل فيقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، وأفتيت أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، وأنتم تتلون القرآن ليلا ونهارا، فهل فيكم أحد يعلم ما نزل فيه ولو لا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وما يكون إلى يوم القيامة، والآية: (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(1)،(2).
ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل أنزلت أو في نهار أنزلت، مكيّها ومدنيّها، سفريها وحضريّها، ناسخها ومنسوخها، محكمها ومتشابهها، تأويلها وتنزيلها، لأخبرتكم. فقام اليه رجل يقال له ذعلب، وكان ذرب اللسان(3) بليغا في الخطب شجاع القلب، فقال :
لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة لأخجلنّه اليوم لكم في مسألتي إيّاه. فقال له : هل رأيت ربّک قال: ويلک يا ذعلب لم أكن بالّذي أعبد ربّا لم أره.
فقال: فكيف رأيته صفه لنا قال: ويلک لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، ويلک يا ذعلب إنّ ربّي لا يوصف بالبعد، ولا بالحركة ولا بالسكون، ولا بالقيام قيام انتصاب، ولا بمجيء ولا بذهاب، لطيف
اللطافة لا يوصف باللطيف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبر لا يوصف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رووف الرحمة لا يوصف بالرقّة، مومن لا بعبادة، مدرک لا بمجسّة(1)، قائل لا باللفظ. هو في الأشياء على غير ممازجة،
خارج منها على غير مباينة، فوق كلّ شيء فلا يقال شيء فوقه، وأمام كلّ شيء ولا يقال له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارج منها لا كشيء من شيء خارج.
قال: فخّر ذعلب مغشيا عليه، ثم قال: تالله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عدت إلى مثلها(2).
وقد سأله ذعلب اليماني فقال هل رأيت ربک يا أميرالمومنين
كان هذا السوال منه من باب التعنّت والتقرير بقصد التعجيز عن الجواب لا الاستفهام الحقيقي كما يدلّ عليه أوّل كلامه الّذى حكيناه. وانّ خارجيّا سأل الباقر علیه السلام عن مثله(3).
إنكار لعبادة ما لا يدرک، لأنّ العبادة متضمّنة للسوال والمخاطبة والمكالمة وطلب الرحمة والمغفرة وغير ذلک من الخضوع والخشوع والتضرّع والتملّق والاستكانة وهذه كلّها تستدعى حضور المعبود وإدراكه ورويته.
وأنّ رجلا من اليهود أتاه علیه السلام فقال: يا علي هل رأيت ربّک فقال علیه السلام ما كنت
بالّذي أعبد إلها لم أره. ثم قال: لم تره العيون في مشاهدة الأبصار غير أنّ الإيمان بالغيب بين عقد القلوب(1).
وفي رواية الكليني والصدوق: «لم تره العيون بمشاهدة الأبصار»(2).
يعنى أنّ رويته ليست بالعين وبمشاهدة القوّة البصرية الجسمانية، فانّ هذه غير جايزة.
وإدراک القلوب فوق إدراک العيون، لعدم وقوع لبس في إدراكها، بخلاف إدراک العيون فيقع اللبس فيها كثيرا، ولبعضهم:
لئن لم ترک العين***فقد أبصرک القلب(3)
عن أبي عبدالله علیه السلام أنه سأله علیه السلام زنديق كيف يعبد الله الخلق ولم يروه؟ قال علیه السلام : رأته القلوب بنور الايمان وأثبتته العقول بيقظها إثبات العيان، وأبصرته الأبصار بما رأت من حسن التركيب واحكام التأليف، ثمّ الرّسل وآياتها والكتب ومحكماتها واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رويته قال: أليس هو قادر أن يظهر لهم حتّى يروه فيعرفوه فيعبد على يقين؟ قال علیه السلام : ليس للمحال جواب(4).
وقال الصدوق: والأخبار التي ذكرها أحمد بن محمّد بن عيسى في (نوادره) ومحمّد بن أحمد بن يحيى في (جامعه) في معنى الروية صحيحة لا يردّها إلّا مكذّب بالحق أو جاهل به، وألفاظه ألفاظ القرآن، ولكلّ خبر معنى ينفي التشبيه والتعطيل ويثبت التوحيد، وقد أمرنا الأئمة : أن لا نكلّم الناس إلّا على قدر عقولهم، ومعنى الرّوية الواردة في الأخبار: العلم، وذلک أنّ الدّنيا دار شكوک وارتياب وخطرات، فإذا كان يوم القيامة كشف للعباد من آيات الله وأموره في ثوابه وعقابه ما يزول به الشكوک، ويعلم حقيقة قدرة الله تعالى، وتصديق ذلک في كتاب الله تعالى: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْکَ غِطاءَکَ فَبَصَرُکَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)(1)، فمعنى ما روي في الحديث أنّه تعالى يرى، أى: يعلم علما يقينا، كقوله تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّکَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ...)(2) وقوله تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ...)(3) وقوله تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ...)(4) وقوله تعالى: (أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّکَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ)(5) وأشباه ذلک من روية القلب، وليست من روية العين، وأمّا قوله تعالى :
(... فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ...)(6)، فمعناه لمّا ظهر عزّ وجلّ للجبل بآية من آيات الآخرة التي يكون بها الجبال سرابا والتي ينسف بها الجبال نسفا، تدكدک الجبل فصار ترابا لأنّه لم يطق حمل تلک الآية، وقد قيل: إنّه بدا له من نور العرش(7).
وأمّا قول موسى علیه السلام : (... رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْکَ...)(1) فليس دالّا على تجويز موسى علیه السلام رويته تعالى، فإنّه علیه السلام قال ذلک لما سأله قومه رويته تعالى جهرة، فقال ذلک ليفهمهم امتناعها بجوابه تعالى (... لَنْ تَرانِي...)(2)، كما يشهد له قوله تعالى في موضع آخر: (يَسْئَلُکَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِکَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ...)(3)، فإنّ القصة في الآيتين واحدة، وقد صرّح في الثانية بأنّ السوال له تعالى كان منهم، فكان موسى علیه السلام حاكيا عنهم.
هذا، والإمامية والمعتزلة على امتناع رويته تعالى في الدّنيا والآخرة لقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الاَْبْصارُ وَهُوَ يُدْرِکُ الاَْبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(4) ولقوله تعالى: لموسى علیه السلام : (... لَنْ تَرانِي...)(5).
وذهبت الأشاعرة إلى جواز رويته في الدّنيا منزّها عن الجهة والمكان والمقابلة.
وقالت المشبّهة والكراميّة برويته في الجهة والمكان لكونه عندهم جسما(6)،
ونسبوا إلى ابن عباس أنّه قال: إنّ الله اختصّ محمدا بالرّوية، كما اختص موسى بالكلام(7).
وقال أحمد بن خابط والفضل الحدثي وهما من أصحاب النظّام بحمل كلّ ما
ورد في الخبر من روية الباري تعالى ـ مثل قوله صلی الله علیه واله : «إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر ولا تضامّون في رويته»(1) ـ على روية العقل الأوّل الّذي هو أوّل مبدع، وهو العقل الفعّال الذي منه تفيض الصّور على الموجودات، وإيّاه عنى النبيّ صلی الله علیه واله بقوله: «أوّل ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل. ثم قال له: أدبر فأدبر. فقال: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن منک، وبک أعزّ وبک أذلّ وبک أعطي وبک أمنع».0 فهو الذي يظهر يوم القيامة، وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه، فيرونه كمثل القمر ليلة البدر، فأمّا واهب العقل فلا يرى البتة ولا يشبه إلّا مبدع بمبدع إلى غير ذلک من مذاهبهم البدعيّة(2).
والرّجلان وإن نفيا عنه روية البصر وهو حقّ إلّا أنّهما جعلا له شريكا، وتعالى الله عمّا يشركون.
يعنى أنّ قربه منها بالاحاطة والقيوميّة لا بالالتصاق والملامسة الّتى هى من عوارض الجسميّة.
قال تعالى في وصف قربه: (... وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(3).
وقال عزّ وجلّ: (وَإِذا سَأَلَکَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ...)(4).
فالبعد بالبينونة صفة الأجسام.
يعنى أنّ تكلّمه تعالى ليس بالفكر والتروّى كساير آحاد الناس فانّ كلامهم تابع للتروّى والافكار يتفكّرون أوّلا في نظم الألفاظ وترتيبها ودلالتها على المعاني المقصودة ثمّ يتكلّمون والله سبحانه منزّه عن ذلک.
أى ليست إرادته كإرادتنا مسبوقة بالعزم والهمّة.
أى ليست صنعته بالاعضاء والجوارح الّتى هى من لواحق الجسميّة كالإنسان يصنع شيئا بيده وانماه أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
كأرواح ذوي الأرواح. قال الشارح البحرانىّ اللطيف يطلق ويراد به رقيق القوام ويراد به صغير الحجم المستلزمين للخفاء وعديم اللّون من الأجسام والمحكم من الصنعة، وهو تعالى منزّه عن اطلاقه بأحد هذه المعاني لاستلزام الجسميّة والامكان فيبقى إطلاقها عليه باعتبارين :
أحدهما تصرّفه في الذّوات والصفات تصرّفا خفيّا يفعل الأسباب المعدّة لها لافاضة كمالاتها.
الثاني جلالة ذاته وتنزيهها عن قبول الادراک البصرى(1)، يعنى لاستحالة
رويته شابه الأجسام اللطيفة فاطلق عليه لفظ اللّطيف بهذا الاعتبار.
قال الخوئي(2): وهنا اعتبار ثالث ذكره الشارح المعتزلي وغيره، وهو أنه لطيف بعباده كما في الكتاب العزيز أى يفعل الألطاف المقربة لهم من الطاعة المبعدة لهم عن المعصية، أو لطيف بهم بمعنى أنه يرحمهم ويرفق بهم(3).
واعتبار رابع وهو علمه بالأشياء اللطيف عن أبى جعفر الثاني علیه السلام قال: وكذلک سمّيناه لطيفا لعلمه بالشىء اللّطيف مثل البعوضة وأخفى من ذلک وموضع النشوء منها والعقل والشهوة للسفاد والحدب على نسلها واقام بعضها على بعض ونقلها الطعام والشراب إلى أولادها في الجبال والمفاوز والأودية والقفار فعلمنا أنّ خالقها لطيف بلا كيف، وإنما الكيفيّة للمخلوق المكيّف(4).
ومع اعتبار خامس عن الفتح بن يزيد الجرجانى عن أبى الحسن علیه السلام في حديث طويل سأل فيه عنه علیه السلام عن تفسير معنى الواحد ووحدانيّته تعالى إلى أن قال قلت: جعلت فداک فرّجت عنى فرّج الله عنک فقولک اللّطيف الخبير فسّره لى كما فسّرت الواحد فانّى أعلم أنّ لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل(5) غير أنّى احبّ أن تشرح لي ذلک فقال علیه السلام : يا فتح إنما قلنا اللّطيف للخلق اللّطيف لعلمه بالشىء اللّطيف أو لا ترى وفّقک الله وثبّتک إلى أثر صنعه في النّبات اللّطيف وغير
اللّطيف ومن الخلق اللّطيف ومن الحيوان الصّغار ومن البعوض والجرجس(1) وما
هو أصغر منها ما لا يكاد تستبينه العيون بل لا يكاد يستبان لصغره الذكر من الانثى و الحدث المولود من القديم، فلمّا رأينا صغر ذلک في لطفه واهتدائه للسّفاد والهرب من الموت والجمع لما يصلحه وما في لجج البحار(2) وما في لحاء
الأشجار والمفاوز والقفار وافهام بعضها عن بعض منطقها وما يفهم به أولادها عنها و نقلها للغذاء إليها ثمّ تأليف ألوانها حمرة مع صفرة وبياض مع حمرة وأنه ما لا تكاد عيوننا تستبينه لدمامة خلقها(3) لا تراه عيوننا ولا تلمسه أيدينا علمنا أنّ
خالق هذا الخلق لطيف بخلق ما سمّيناه بلا علاج ولا أداة ولا آلة، وأنّ كلّ صانع شيء فمن شيء صنع والله خالق اللّطيف الجليل خلق وصنع لا من شيء(4) فقد
قرّر علیه السلام أنّ اطلاق اسم اللّطيف عليه سبحانه بوجهين: أحدهما: للخلق اللّطيف يعنى لخلقه الأشياء اللّطيفة والاعتبار الأوّل الّذى حكيناه عن البحرانى يعود إلى ذلک أو قريب منه. وثانيهما: لعلمه بالأشياء اللّطيفة.
يعنى أنّه موصوف بالكبرياء والعظمة لجلالة شأنه وعظمة سلطانه، ومنزّه عمّا عليه ساير الكبراء والأعاظم من المخلوقين كالملوک والسلاطين من الفظاظة
1) . الجرجس بكسر المعجمتين البعوض الصغار فهو من قبيل عطف الخاص على العام.
2) . لجة البحر: معظمه. واللحاء بالكسر والمد: قشر الشجر. وافهام اما بالكسر أو بالفتح. (آت)
3) . الدميم بفتح الدال: الحقير يقال رجل دميم وبه دمامة إذا كان قصير الجثة حقير الجثمان.(آت)
4) . الكافي: 1/119/ح 1؛ بحار الأنوار: 4/173/ح 2.
وغلظ الطبيعة والجفاء لمن تحت ولايتهم من الرّعية.
أى الباصرة.
للقلب لانّ الرحمة في الخلق عبارة عن رقّة القلب والانفعال النفساني وهما من أوصاف الممكن فحيثما يطلق عليه لفظ الرحيم يراد به ما هو لازم الرحمة من الانعام والافضال، وكذلک ساير الأوصاف الّتي لا يصحّ اتّصافه تعالى بها باعتبار مباديها يوصف بها باعتبار غاياتها كالغضب في قوله: (غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ)(1)،
فيراد به الانتقام والعقوبة لاستلزامه له، والمكر في قوله: (وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ)(2) فيراد به جزائه سبحانه لمكرهم بالجزاء السوء.
أى تخضع وتذّل لأنه الإله المطلق لكلّ موجود وممكن والعظيم الذي كلّ مقهور تحت مشيّته وإرادته وداخر تحت جلاله وجبروته وعظمته.
قال تعالى: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً)(3).
أى: تضطرب من هيبته عند ملاحظتها لعظمة سلطانه وعلوّ شأنه.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُوْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ)(1).
وقال تعالى: (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْکَ رَحْمَةً إِنَّکَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)(2).
تكملة
مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِاللهِ رَفَعَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُالْمُوْمِنِينَ علیه السلام يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ ـ ذِعْلِبٌ ذُو لِسَانٍ بَلِيغٍ فِي الْخُطَبِ شُجَاعُ الْقَلْبِ فَقَالَ يَا أَمِيرَالْمُوْمِنِينَ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّکَ قَالَ وَيْلَکَ يَا ذِعْلِبُ مَا كُنْتُ أَعْبُدُ رَبّاً لَمْ أَرَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَالْمُوْمِنِينَ كَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ وَيْلَکَ يَا ذِعْلِبُ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الاَْبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاِْيمَانِ وَيْلَکَ يَا ذِعْلِبُ إِنَّ رَبِّي لَطِيفُ اللَّطَافَةِ(3) لا يُوصَفُ بِاللُّطْفِ، عَظِيمُ الْعَظَمَةِ لا يُوصَفُ بِالْعِظَمِ، كَبِيرُ الْكِبْرِيَاءِ لا
يُوصَفُ بِالْكِبَرِ، جَلِيلُ الْجَلالَةِ لا يُوصَفُ بِالغِلَظِ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ لا يُقَالُ شَيْءٌ قَبْلَهُ،
1) . المومنون : 60.
2) . آل عمران: 8.
3) . اللطيف النافذ في الأشياء الممتنع من أن يدرک وأيضا العالم بدقائق المصالح وغوامضهاالسالک في إيصالها الى المستصلح سبيل الرفق دون العنف واضافته الى اللطافة مبالغة فياللطف «لا يوصف باللطف» أي اللطف الذي من صفات الاجسام وهو الصغر والدقة والقلةوالنحافة ورقة القوام ونحوها وكذلک العظم المنفى ونظائره (فى)
وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ لا يُقَالُ لَهُ بَعْدٌ، شَاءَ الاَْشْيَاءَ لا بِهِمَّةٍ، دَرَّاکٌ لا بِخَدِيعَةٍ(1) فِي الاَْشْيَاءِ كُلِّهَا، غَيْرُ مُتَمَازِجٍ بِهَا وَلا بَائِنٌ مِنْهَا، ظَاهِرٌ لا بِتَأْوِيلِ الْمُبَاشَرَةِ، مُتَجَلٍّ لا بِاسْتِهْلالِ رُوْيَةٍ، نَاءٍ لا بِمَسَافَةٍ، قَرِيبٌ لا بِمُدَانَاةٍ، لَطِيفٌ لا بِتَجَسُّمٍ، مَوْجُودٌ لا بَعْدَ عَدَمٍ، فَاعِلٌ لا بِاضْطِرَارٍ، مُقَدِّرٌ لا بِحَرَكَةٍ، مُرِيدٌ لا بِهَمَامَةٍ، سَمِيعٌ لا بِآلَةٍ، بَصِيرٌ لا بِأَدَاةٍ، لا تَحْوِيهِ الاَْمَاكِنُ وَلا تَضْمَنُهُ الاَْوْقَاتُ وَلا تَحُدُّهُ الصِّفَاتُ وَلا تَأْخُذُهُ السِّنَاتُ، سَبَقَ الاَْوْقَاتَ كَوْنُهُ وَالْعَدَمَ وُجُودُهُ وَالابْتِدَاءَ أَزَلُهُ، بِتَشْعِيرِهِ الْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لا مَشْعَرَ لَهُ(2) وَبِتَجْهِيرِهِ الْجَوَاهِرَ عُرِفَ أَنْ لا جَوْهَرَ لَهُ، وَبِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الاَْشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا ضِدَّ لَهُ، وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الاَْشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لا قَرِينَ لَهُ، ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ، وَالْيُبْسَ بِالْبَلَلِ، وَالْخَشِنَ بِاللَّيِّنِ، وَالصَّرْدَ بِالْحَرُورِ(3)، مُوَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا، وَمُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا، دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا، وَبِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُوَلِّفِهَا، وَذَلِکَ قَوْلُهُ تَعَالَى : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(4) فَفَرَّقَ بَيْنَ قَبْلٍ وَبَعْدٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لا قَبْلَ لَهُ وَلا بَعْدَ لَهُ، شَاهِدَةً بِغَرَائِزِهَا(5)أَنْ لا غَرِيزَةَ لِمُغْرِزِهَا، مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لا وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا، حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لا حِجَابَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، كَانَ رَبّاً
1) . كأنّه أراد به انه سبحانه عالم بما في الضمائر والمكامن من غير مكر وحيلة يتوسل بهما إلىالوصول الى ذلک كما قد يفعله بعض الناس. (الوافي: 1/435).
2) . أي بايجادها وافاضة وجوداتها وكونها ممكنة بوجوده، بالايجاد عرف انها مخلوقة ولايستكمل بها ولا يكون مناط علمه الذاتي فلا يكون مشاعر له، وبتجهيره الجواهر ايبتحقيق حقائقها عرف انها ممكنة وكل ممكن محتاج الى مبدإ فمبدأ المبادى لا يكون حقيقةمن هذه الحقائق. (رف)
3) . الصرد البرد فارسى معرب «سرد».
4) . الذاريات: 49.
5) . الغرائز: الطبائع.
إِذْ لا مَرْبُوبَ، وَإِلَهاً إِذْ لا مَأْلُوهَ، وَعَالِماً إِذْ لا مَعْلُومَ، وَسَمِيعاً إِذْ لا مَسْمُوعَ(1).
وَرَوَى أَهْلُ السِّيرَةِ وَعُلَمَاءُ النَّقَلَةِ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى أَمِيرِالْمُوْمِنِينَ علیه السلام فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَالْمُوْمِنِينَ خَبِّرْنِي عَنِ اللهِ تَعَالَى أَ رَأَيْتَهُ حِينَ عَبَدْتَهُ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُالْمُوْمِنِينَ علیه السلام لَمْ أَکُ بِالَّذِي أَعْبُدُ مَنْ لَمْ أَرَهُ فَقَالَ لَهُ كَيْفَ رَأَيْتَهُ فَقَالَ لَهُ يَا وَيْحَکَ لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الاَْبْصَارِ وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاِْيمَانِ مَعْرُوفٌ بِالدَّلالاتِ مَنْعُوتٌ بِالْعَلامَاتِ لا يُقَاسُ بِالنَّاسِ وَلا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ(2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَحْمَدُ اللهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَ قَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ وَعَلَى ابْتِلائِي بِكُمْ أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ وَإِنْ أُجِئْتُمْ إِلَى مُشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ لا أَبَا لِغَيْرِكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَالْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ فَوَاللهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي وَلَيَأْتِيَنِّي لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنِكُمْ وَأَنَا لَكُمْ قَالٍ وَ بِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ للهِِ أَنْتُمْ أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَلا حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ أَ وَلَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَلا عَطَاءٍ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ وَأَنْتُمْ تَرِيكَةُ الاِْسْلامِ وَبَقِيَّةُ النَّاسِ إِلَى الْمَعُونَةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ إِنَّهُ لا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضًا فَتَرْضَوْنَهُ وَلا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ وَإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ وَفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ وَعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ وَسَوَّغْتُكُمْ مَا مَجَجْتُمْ لَوْ كَانَ الاَْعْمَى يَلْحَظُ أَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ وَأَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةُ وَمُوَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَة.
عن المدائني عن الحرث بن كعب عن جندب بن عبدالله قال: والله إنّي لعند عليّ علیه السلام ـ إلى أن قال ـ قال علیه السلام على المنبر: فهذا صريخ محمد بن أبي بكر وإخوانكم من أهل مصر قد سار إليهم ابن النابغة ـ إلى أن قال ـ فقال علیه السلام :
«الْحَمْدُ للهِِ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَقَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ وَابْتَلانِي بِكُمْ أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي لا تُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ وَلا تُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ لا أَبَا لِغَيْرِكُمْ مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ رَبَّكُمْ وَالْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ الْمَوْتَ أَوْ الذُّلَّ لَكُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فِي غَيْرِ الْحَقِّ وَاللهِ لَئِنْ جَاءَنِي الْمَوْتُ وَلَيَأْتِيَنِّي فَلَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَإِنِّي لِصُحْبَتِكُمْ لَقَالٍ أَ لا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ أَ لا حَمِيَّةٌ تُغْضِبُكُمْ إِذْ أَنْتُمْ سَمِعْتُمْ بِعَدُوِّكُمْ يَنْتَقِصُ بِلادَكُمْ وَيَشُنُّ الْغَارَةَ عَلَيْكُمْ أَ وَلَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الظَّلَمَةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ عَطَاءٍ وَ لا مَعُونَةٍ فَيُجِيبُونَهُ فِي السَّنَةِ الْمَرَّةَ وَالْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلاثَ إِلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ ثُمَّ إِنِّي أَدْعُوكُمْ وَأَنْتُمْ أُولُو النُّهَى وَبَقِيَّةُ النَّاسِ فَتَخْتَلِفُونَ وَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَتَعْصُونَنِي وَتُخَالِفُونَ عَلَيَّ؟» الخ(1).
لأنّه يجب حمده في الضرّاء كما في السرّاء، والمراد على ما قضى وقدر من فتح العدو لمصر وقتل عامله وشيعته.
«أمرت» بلفظة المتكلّم المعلوم.
1) . الغارات: 1/190 ـ 192؛ بحار الأنوار: 33/563 ـ 564.
عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لِعَلِيٍّ علیه السلام صَدِيقٌ يُكَنَّى بِأَبِي مَرْيَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَلَمَّا سَمِعَ بِتَشَتُّتِ النَّاسِ عَلَيْهِ أَتَاهُ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: «أَبُو مَرْيَمَ؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ : «مَا جَاءَ بِکَ؟» قَالَ: إِنِّي لَمْ آتِکَ لِحَاجَةٍ وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرَاکَ لَوْ وَلَّوْکَ أَمْرَ هَذِهِ الاُْمَّةِ أَجْزَأْتَهُ قَالَ: «يَا أَبَا مَرْيَمَ إِنِّي صَاحِبُکَ الَّذِي عَهِدْتَ وَلَكِنِّي مُنِيتُ بِأَخْبَثِ قَوْمٍ عَلَى وَجْهِ الاَْرْضِ أَدْعُوهُمْ فَلا يَتَّبِعُونِّي فَإِذَا تَابَعْتُهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُونَ تَفَرَّقُوا عَنِّى»(1).
الأصل في الخوض: الدخول في الماء، ويأتي للدخول في حديث الناس وفي لهو الحديث وفى الضلالة والأهواء الباطلة.
من: خار يخور، أى: ضعفتم وجبنتم وانكسرتم.
أراد به نفسه.
طَعَنْتُمْ (ظعنتم خ ل)
على المجتمعين.
1) . الغارات 1/44؛ بحار الأنوار: 34/163.
أى: جيء بكم.
أى: مغالظة العدو ومقاطعته ومصارمته.
أى: رجعتم على أعقابكم.
أى: الرداءة لغيركم. دعاء بالذّل وفيه نوع تلطّف لهم حيث قال لغيركم ولم يقل لكم.
لأنّهم كانوا هم المسلمين دون معاوية وأصحابه، فبلاد الإسلام كان واجبا أن تكون تحت أيديهم، يعني مع إمارته علیه السلام .
قال ابن أبي الحديد: دعاء عليهم بأن يصيبهم أحد الأمرين كأنّه شرع داعيا عليهم بالفناء الكلّى وهو الموت ثمّ استدرک فقال أو الذّل، لأنّه نظير الموت في المعنى لكنه في الصّورة دونه، ولقد اجيب دعائه علیه السلام بالدعوة الثانية فانّ شيعته ذلّوا
بعده في الأيام الأمويّة(1).
جاء علیه السلام ب (إن) الموضوعة للشک لكون جوابه «ليفرّقن...» غير متحقق الوقوع دون شرطه، ولذا جاء بالاستدراک وقال:
«و ليأتينّى» بالتشديد.
الواو للحالية.
لَكُمْ (لصحبتكم خ ل) قَالٍ
«قال» من القلى، أى: مبغض. يعني إذا جاء مماتى يكون فارقا بيننا والحال أنى مبغض لكم مستنكف عن مصاحبتكم.
أى غير كثير بسببكم قوّة وعدة لأنّ نسبتكم إلىّ كالحجر في جنب الانسان لا أعوان صدق عند مبارزة الشجعان، ولا إخوان ثقة يوم الكريهة ومناضلة الأقران.
قال الكراجكي: روى أنّ هذه الأبيات له علیه السلام :
أخذتكم درعا حصينا لتدفعوا***سهام العدى عنّي فكنتم نصالها
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 10/69.
فإن أنتم لم تحفظوا لمودّتي***ذماما فكونوا لا عليها ولا لها
قفوا موقف المعذور عنّي بجانب***و خلّوا نبالى للعدى ونبالها(1)
من: شحذت السكين، إذا حددته، ومرّ في سابقه بلفظ «تحمشكم».
جمع الجافي، أى: الغلاظ.
قال ابن أبي الحديد: المعونة للجند: شيء يسير برسم ترميم أسلحتهم وإصلاح دوابّهم، ويكون ذلک خارجا عن العطاء المفروض شهرا فشهرا(3).
ولكن العطاء أيضا أعمّ من فرض الشهر، إنّما فرض الشهر يقال له: الرزق، ولازم ما قال من كون العطاء الشيء المفروض أن يكون جند معاوية بدون أرزاق، وهو غير ممكن، وإنّما لم يكن يعطيهم عطايا زائدة ومعونات زائدة.
التريكة بمعنى البقيّة، ففي النهاية: في حديث الحسن «(إنّ لله ترائک في خلقه) أراد امورا أبقاها الله في العباد...»(1) فيكون المعنى: أنتم الذين ترككم الإسلام من أفراده وملّته.
أى أدعوكم مع كونكم خلف الاسلام وبقيّة السلّف وأولى النّاس بالقيام على مراسمه وبسلوک نهج الاسلاف.
قال ابن أبي الحديد: هذا الكلام في غاية اللطف، ومعناه: أنّ باقي الناس غير اتباعه لا يقال لهم: الناس، لعدم وجود الإنسانية فيهم، فكأنّ الناس انقرضوا إلّا أتباعه علیه السلام فهم بقيّتهم التي بقوا منهم(2).
روى الثقفي خطبته علیه السلام في غارة بسر ـ إلى أن قال ـ إنّ من ذلّ المسلمين وهلاک الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأرذال والأشرار فيجاب، وأدعوكم ـ وأنتم الأفضلون الأخيار ـ فتراوغون وتدافعون، ما هذا بفعل المتّقين(3).
قال ابن أبي الحديد: كان معاوية يعطي الروساء ولا يعطي الأتباع، وأمّا هو علیه السلام فكان يقسم بين الروساء والأتباع، ولا يرى لشريف على مشروف فضلا(4).
وروى الثقفى: أنّ أشراف الكوفة كانوا غاشّين له علیه السلام وكان هواهم مع معاوية لأنّه علیه السلام كان لا يعطي أحدا من الفيء أكثر من حقّه، وكان معاوية جعل الشرف في العطاء ألفي درهم(1).
ثمّ كان عجبا كما قال علیه السلام وفوق العجب أنّ معاوية ـ وكان معدن كلّ فجور وكفر، و منكرا للكتاب والسنّة ـ لمّا أراد بالصورة والخدعة أن يبايعه الناس على الكتاب و السنة يقول له مالک بن هبيرة الكندى ـ من رجال الشام ـ: جعلت للسفهاء مقالا، ابسط يدک ابايعک على ما أحببنا وكرهنا:
ألا كلّ ملک ضمّه الشرط هالک(2)
وينكر جمع منهم بيعة عدّة له علیه السلام على أنّهم أولياء من وإلى وأعداء من عادى، مع أنّه علیه السلام كان مظهر الكتاب والسنّة قولا وعملا.
وعمدة أسباب التفرّق والتقاعد هو ما أشرنا إليه هنا إجمالا وقدّمناه في شرح الخطبة الرابعة والثلاثين(3) تفصيلا من تسويته علیه السلام في العطاء بين الشريف والوضيع والرّئيس والمرءوس والموالي والعبيد، فكان الروساء من ذلک واجدين في أنفسهم فيخذلونه باطنا وينصرونه ظاهرا، وإذا أحسّ الاتباع بتخاذل الرّوساء تخاذلوا أيضا فلم يكن يجد علیه السلام لما أعطى الاتباع من الرّزق ثمرة، لأنّ قتال الأتباع لا يتصوّر وقوعه مع تخاذل الرّوساء فكان يذهب ما يعطيهم ضياعا، هذا.
وقد تحصّل من قوله علیه السلام أو ليس عجبا، إلى قوله: تختلفون على أنّ منشأ
تعجّبه علیه السلام أمور :
أوّلها أنّ داعيهم معاوية إمام القاسطين وداعي هولاء أميرالمومنين إمام المتّقين والأوّل يدعوهم إلى درک الجحيم والثّاني يدعوهم إلى نضرة النعيم.
وثانيها أنّ المدعوّ هناک الأوغاد الطغام مع خلوّهم غالبا عن الغيرة والحميّة وههنا تريكة الاسلام وبقيّة أهل التقوى والمروّة.
وثالثها متابعة الأوّلين على إمامهم من غير معونة ولا عطاء ومخالفة الاخرين لامامهم مع المعونة والعطاء.
يعني علیه السلام أنّه كلّ ما خرج إليكم من أمري شيء فيه رضاي وكان الواجب عليكم الرضا به لا ترضونه، وكلّ ما خرج إليكم من أمري شيء فيه سخطي وكان الواجب عليكم أن تسخطوا منه جميعا لا تجتمعون على السخط منه.
وروى الثقفي في غارة الغامدى: أنّه علیه السلام قال في خطبته: قد عاتبتكم في رشدكم حتى سئمت، وراجعتموني بالهزء من قولكم حتى برمت، هزء من القول لا يعاد به(1)، وخطل لا يعزّ أهله، ولو وجدت بدّا من خطابكم والعتاب إليكم ما فعلت، فردوا خيرا وافعلوه، وما أظن أن تفعلوا(2).
هكذا في النسخ، وكأنّه محرف: (و إنّ أحب ما أنا لاقيه الموت).
قال الشاعر :
كفى بک داء أن ترى الموت شافيا***و حسب المنايا أن تكن أمانيا
تمنيتها لما تمنيت أن ترى***صديقا فأعيا أو عدوا مداجيا(1)
قالت الحكماء: أشدّ من الموت ما إذا نزل بک أحببت له الموت، وأطيب من العيش ما إذا فارقته أبغضت له العيش(2).
الظاهر أنّ المراد: علّمتكم درس القرآن وتفسيره، فإنّ الأصل في تفسيره هو علیه السلام .
أى: فتحت لكم أبواب المحاجّة في الدين، وهو علیه السلام أوّل من علّم الناس الاحتجاج في دين الله.
ممّا لبسه المتقدّمون عليه، على الناس وعرفتكم ما كانت منكرة مجهولة عندكم من طريق الصّلاح والسّداد وما فيه انتظام أمركم في المعاش والمعاد.
الأصل فيه: ساغ الشراب: سهل مدخله في الحلق.
والأصل في المج: مج الشراب من فيه، إذا رمى به، والمراد: ردّهم إلى السنن من بدع المتقدّمين عليه.
أى: يبصر.
أى: يسمع ويفهم، أى: كما أنّ لحظ الأعمى وتيقّظ النائم محال، كذلک محال أن تفهموا ـ بعد أن دارستكم الكتاب، وفاتحتكم الحجاج وعرّفتكم ما أنكرتم وسوّغتكم ما مججتم ـ مقامي وأنّي من جعله الله إماما للناس، وأنّ المتقدّمين عليه كانوا ضالّين (... أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(1).
وقال ابن أبي الحديد: أيضا: معنى الكلام قد فعلت معكم ما يقتضي حصول الاعتقادات الحقيقية في أذهانكم، لو أزلتم عن قلوبكم ما يمنع من حصولها، من الهوى والعصبية والإصرار على اللجاج، ومحبّة نصرة عقيدة قد سبقت إلى القلب، و زرعها فيه التعصّب ومشقّة مفارقة الاسلاف الذين قد انغرس في النفس تعظيمهم، ومالت القلوب إلى تقليدهم لحسن الظن بهم(2).
أى: عمرو بن العاص الغادر الفاجر اللّعين وطوى عن ذكر اسمه تحقيرا وتعريضا على خسّته ودنائته، وقدحا في نسبه، وعن زيد بن وهب: مرّ عليّ علیه السلام في صفّين على جماعة من أهل الشام ـ فيهم الوليد بن عقبة ـ وهم يشتمونه، فخبر بذلک فوقف في من يليهم من أصحابه فقال: انهدوا إليهم وعليكم السكينة ووقار الإسلام وسيماء الصالحين، فو الله لأقرب قوم من الجهل قوم قائدهم ومودبهم معاوية وابن النابغة وأبو أعور السلمي، وابن أبي معط شارب الخمر المجلود حدّا في الإسلام، وهم أوّل من يقومون فينقصونني(1).
وفي (طرائف ابن طاوس) عن بعضهم في معاوية وعمرو في تغييرهما السنّة في التختم من اليمين إلى الشمال:
سنّ التختّم في اليمين محمّد***للقائلين بدعوة الإخلاص
فسعى ابن هند في إزالة رسمه***و أعانه في ذلک ابن العاص(2)
هذا، ولابن أبي نعيم في يحيى بن أكثم القاضي والخليفة العباسي وامرائهم:
أميرنا يرتشي وحاكمنا***يلوط والراس شرّ ما راس
قاض يرى الحدّ في الزنا ولا***يرى على من يلوط من باس
ما أحسب الجور ينقضي وعلى***الامّة وال من بني العبّاس(3)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَقَدْ أَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالِ قَوْمٍ مِنْ جُنْدِ الْكُوفَةِ قَدْ هَمُّوا بِاللِّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ وَكَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ علیه السلام فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ أَ أَمِنُوا فَقَطَنُوا أَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ ظَعَنُوا يَا أَمِيرالْمُوْمِنِينَ فَقَالَ علیه السلام : بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الاَْسِنَّةُ إِلَيْهِمْ وَصُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَمُتَخَلٍّ عَنْهُمْ فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى وَارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلالِ وَالْعَمَى وَصَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَجِمَاحِهِمْ فِي التِّيهِ.
وَمِنْ كَلامٍ لَهُ عليه السلام: وَقَدْ أَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ الرجل هو فقيم بن عبدالله الأزدي.
الصواب: (يعلم له علم قوم).
هم ثلاثمأة رجل من بني ناجية، ورأسهم الخرّيت بن راشد، وأصلهم من البصرة.
قَدْ هَمُّوا بِاللِّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ وَكَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ علیه السلام فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ أَ أَمِنُوا فَقَطَنُوا
أى: أقاموا.
أى: ارتحلوا.
فَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ ظَعَنُوا يَا أَمِيرَالْمُوْمِنِينَ فَقَالَ علیه السلام : بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ
قال تعالى: (أَلا بُعْداً لِثَمُودَ)(1).
وقال تعالى: (أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ)(2).
اشارة اجمالية الى قصة قوم ثمود.
قال تعالى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَ لا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ... وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الاَْرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ما أَنْتَ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ... فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِکَ
لآَيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُوْمِنِينَ)(1).
عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر محمد بن علي علیه السلام قال إن رسول الله صلی الله علیه واله سئل جبرئيل: كيف كان مهلک قوم صالح فقال: يا محمد إن صالحا بعث إلى قومه وهو ابن ست عشرة سنة ـ فلبث فيهم حتى بلغ عشرين ومائة سنة ـ لا يجيبوه إلى خير، قال: وكان لهم سبعون صنما ـ يعبدونها من دون الله، فلما رأى ذلک منهم قال : يا قوم إني قد بعثت إليكم ـ وأنا ابن ست عشرة سنة، وقد بلغت عشرين ومائة سنة، و أنا أعرض عليكم أمرين إن شئتم ـ فسلوني حتى أسأل إلهي فيجيبكم فيما تسألوني، وإن شئت (شئتم خ ل) سألت آلهتكم ـ فأجابتني بالذي أسألها ـ خرجت عنكم فقد شنئتكم وشنئتموني (سئمتكم وسئمتموني خ ل) فقالوا: قد أنصفت يا صالح فاتعدوا ليوم يخرجون فيه، قال: فخرجوا بأصنامهم إلى ظهرهم، ثم قربوا طعامهم وشرابهم فأكلوا وشربوا، فلما أن فرغوا دعوه فقالوا: يا صالح سل فدعا صالح كبير أصنامهم ـ فقال: ما اسم هذا فأخبروه باسمه، فناداه باسمه فلم يجب فقال صالح. ما له لا يجيب فقالوا: له ادع غيره فدعاها كلها بأسمائها فلم يجبه واحد منهم فقال: يا قوم قد ترون قد دعوت أصنامكم ـ فلم يجبني واحد منهم فسلوني حتى أدعو إلهي فيجيبكم الساعة، فأقبلوا على أصنامهم فقالوا لها: ما بالكم لا تجبن صالحا فلم تجب، فقالوا: يا صالح تنح عنا ودعنا وأصنامنا قليلا، قال: فرموا بتلک البسط التي بسطوها ـ وبتلک الآنية وتمرغوا في التراب(2) وقالوا لها: لئن لم تجبن صالحا اليوم لنفضحن ـ قال ثم دعوه فقالوا: يا صالح تعال فسلها ـ فعاد فسألها فلم تجبه، فقال (فقالوا خ ل): إنما أراد صالح أن تجيبه وتكلمه
بالجواب، قال: فقال لهم: يا قوم هو ذا ـ ترون قد ذهب [صدر] النهار ولا أرى آلهتكم تجيبنى ـ فسلوني حتى أدعو إلهي فيجيبكم الساعة، قال: فانتدب له منهم سبعون رجلا ـ من كبرائهم وعظمائهم والمنظور إليهم منهم ـ فقالوا: يا صالح نحن نسألک، قال: فكل هولاء يرضون بكم قالوا: نعم فإن أجابوک هولاء أجبناک، قالوا : يا صالح نحن نسألک فإن أجابک ربك ـ تبعناک وأجبناک وتابعک جميع أهل قريتنا ـ فقال لهم صالح: سلوني ما شئتم، فقالوا: انطلق بنا إلى هذا الجبل ـ وكان الجبل جبل قريب منه ـ حتى نسألک عنده ـ قال: فانطلق ]معهم الصالح [فانطلقوا معه، فلما انتهوا إلى الجبل قالوا: يا صالح سل ربک أن يخرج لنا الساعة من هذا الجبل ـ ناقة حمراء شقراء وبراء عشراء(1).
وفي رواية محمد بن نصير حمراء شعراء بين جنبيها ميل، قال: قد سألتموني شيئا يعظم علي ويهون على ربي، فسأل الله ذلک فانصدع الجبل صدعا ـ كادت تطير منه العقول لما سمعوا صوته، قال: فاضطرب الجبل كما تضطرب المرأة عند المخاض، ثم لم يعجلهم إلا ورأسها قد طلع عليهم ـ من ذلک الصدع، فاستقيمت رقبتها حتى أخرجت ثم خرج سائر جسدها ثم استوت على الأرض قائمة، فلما رأوا ذلک قالوا: يا صالح ما أسرع ما أجابک ربک، فسله أن يخرج لنا فصيلها(2)
قال: فسأل الله ذلک فرمت به فدب حولها(3) فقال لهم: يا قوم أ بقي شيء قالوا: لا انطلق بنا إلى قومنا ـ نخبرهم ما رأينا ويومنوا بک، قال: فرجعوا فلم يبلغ السبعون
الرجل إليهم ـ حتى ارتد منهم أربعة وستون رجلا ـ وقالوا سحر وبقيت ]ثبتت[ الستة ـ وقالوا: الحق ما رأينا، قال: فكثر كلام القوم ورجعوا مكذبين إلا الستة، ثم ارتاب من الستة واحد، فكان فيمن عقرها(1).
هذه قصٌة صالح وقومه مجملاً وغرضنا من ذكرها ان نعلم وجه الشّبه بين قوم صالح واصحاب اميرالمومنين علیه السلام انّ قصّة اميرالمومنين علیه السلام القوم قصّة صالح مع قومه وذلک لأنّ اصحاب على علیه السلام بعد ما رأوا من المعجزات وخوارق العادات منه علیه السلام كثر من أن تحصى، مع ذلک لم يومنوا بامامته وانكروه ثمّ قتلوه فحقّت عليهم كلمة العذاب فى الدّارين.
«اشرعت الرمح قبله أى: سددته، قال:
وليست بتاركة محرما***و لو حف بالاسل الشرع(2)
كناية عن تواترها، والأصل فيه قوله تعالى: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّکَ سَوْطَ عَذابٍ)(3).
جمع الهامة بتخفيف الميم أى: الرأس.
من فراقه، والخروج عليه.
قال الجوهرى: فللت الجيش هزمته، والفلّ بالكسر الأرض الّتي لم تمطر، يقال أفللنا أى: صرنا في فلّ من الأرض...(1) ولا مناسبة لواحد منهما وإن اختار ابن أبي الحديد الثاني(2) وابن ميثم الأوّل(3).
ويحتمل أن يكون مصحّف استفالهم. يقال رجل فال أى: ضعيف الرأي مخطئ الفراسة، وبدّلته رواية الطبري بقوله: «قد استهواهم وأضلّهم»(4) وقال ابن أبي الحديد ويروي «من استفزّهم» أى: استخفّهم(5).
قال تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلاِْنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْکَ)(6).
وقال تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ)(7).
وَمُتَخَلٍّ (مخلّ خ ل) عَنْهُمْ
قال عبدالله بن فقيم: كان الخرّيت بن راشد مع ثلاثمئة رجل من بني ناجية مقيمين مع عليّ علیه السلام بالكوفة قدموا معه من البصرة ـ وكانوا قد خرجوا إليه يوم الجمل، وشهدوا معه صفّين والنهروان ـ فجاء في ثلاثين راكبا من أصحابه يسير بينهم إلى عليّ علیه السلام حتّى قام بين يديه فقال له: والله لا اطيع أمرک ولا اصلّي خلفک، و إنّي غدا لمفارقك ـ وذلک بعد تحكيم الحكمين ـ فقال له عليّ علیه السلام ثكلتک امّک إذن تعصي ربّک، وتنكث عهدک، ولا تضرّ إلّا نفسک. خبّرني لم تفعل ذلک قال : لأنک حكّمت في الكتاب، وضعفت عن الحق إذ جدّ الجدّ، وركنت إلى القوم الّذين ظلموا أنفسهم فأنا عليک زار وعليهم ناقم، ولكم جميعا مباين. فقال له عليّ علیه السلام «هلم ادارسک الكتاب واناظرک في السنن، وافاتحک امورا من الحق أنا أعلم بها منک. فعلّک تعرف ما أنت له منكر الآن، وتستبصر ما أنت عنه الآن جاهل» قال : فإنّي عائد إليک قال «لا يستهوينک الشيطان، ولا يستخفّنک الجهل، والله لئن استرشدتني واستنصحتني وقبلت منّي لأهدينّک سبيل الرشاد» فخرج من عنده ـ إلى أن قال ـ قال علیه السلام لى: «دعه فإن عرف الحقّ وأقبل إليه عرفنا ذلک، وقبلنا منه، وان أبي طلبناه». فقلت ولم لا تأخذه الآن وتستوثق منه وتحبسه.
فقال: إنّا لو فعلنا ذلک بكلّ من نتّهمه من الناس ملأنا سجننا منهم، ولا أرى الحبس والعقوبة حتّى يظهروا لنا الخلاف ـ إلى أن قال ـ مسرّا اذهب الى منزل الرجل. فأعلمني ما فعل فانّه كلّ يوم لم يكن يأتيني فيه إلّا قبل هذه الساعة.
فأتيت إلى منزله فإذا ليس منهم ديّار، فدعوت على أبواب دور اخرى كان فيها طائفة من أصحابه فإذا ليس فيها داع، ولا مجيب. فرجعت. فقال لي حين رآنى :
«وطنوا فأمنوا أم جبنوا فظعنوا» فقلت: بل ظعنوا واعلنوا. فقال: «قد فعلوها بعدا لهم كما بعدت ثمود. أما لو قد اشرعت لهم الأسنة، وصبّت على هامهم السيوف لقد ندموا. إنّ الشيطان اليوم قد استهواهم وأضلّهم، وهو غدا متبرّئ منهم، ومخلّ عنهم» فقام إليه زياد بن خصفة. فقال: إنّه لو لم يكن من مضرّة هولاء إلّا فراقهم إيّانا لم يعظم فقدهم. فنأسى، فإنّهم قلّما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا، وقلّما ينقصون من عددنا بخروجهم عنّا، ولكنّا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممّن يقدمون عليه من أهل طاعتک، فاذن في اتّباعهم حتّى أردّهم إليك ـ إلى أن قال ـ قال علیه السلام : وسأكتب إلى عمّالي فيهم. فكتب نسخة واحدة. فأخرجها إلى العمّال: «أمّا بعد، فإنّ رجالا خرجوا هرّابا ونظنّهم وجّهوا نحو بلاد البصرة فسل عنهم أهل بلادک واجعل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرضک واكتب إليّ بما ينتهي إليک عنهم».
وعن عبدالله بن وال التيمي قال: والله إنّي لعند أميرالمومنين علیه السلام إذ جاءه فيج بيده كتاب من قبل قرظة بن كعب الأنصاري أنّ خيلا مرّت بنا من قبل الكوفة متوجّهة نحو نفر، وأنّ رجلا من دهاقين أسفل الفرات يقال له زاذان فروخ أقبل من قبل أخواله. فعرضوا له فقالوا: أ مسلم أنت أم كافر فقال: بل مسلم. قالوا: فما قولک في عليّ قال: أميرالمومنين، وسيّد البشر. فقالوا له: كفرت. ثمّ حملت عليه عصابة منهم فقطّعوه، ووجدوا معه رجلا من أهل الذمّة. فقالوا: ما أنت قال: من أهل الذمّة.
قالوا: أمّا هذا فلا سبيل عليه. فكتب علیه السلام إليه «أمّا بعد. فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة الّتي مرّت بک فقتلت البرّ المسلم، وأمن عندهم المخالف الكافر. إنّ أولئک قوم استهواهم الشيطان. فضلّوا وكانوا كالّذين حسبوا أن لا تكون فتنة فعموا
و صمّوا فأسمع وأبصر يوم يختبر أعمالهم»(1).
قال الجوهرى: «و الله أركسهم بما كسبوا أى: ردّهم إلى كفرهم. وارتكس فلان في أمر أى: قد نجا منه»(2).
أى: إسراعهم من قوله تعالى: (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ)(3).
قال الجوهرى: تاه في الأرض أى: ذهب متحيّرا، والتيه المفازة يتاه فيها(4).
عن أبي سعيد العقيلي قال: كتب عليّ علیه السلام إلى زياد بن خصفة: أمّا بعد فقد بلغني كتابک، وفهمت ما ذكرت من الناجي وإخوانه الّذين طبع الله على قلوبهم، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فهم يعمهون ويحسبون أنّهم يحسنون صنعا، ووصفت ما بلغ بک وبهم الأمر. فأمّا أنت وأصحابک فللّه، سعيكم، وعلى الله تعالى جزاوكم. فأبشر بثواب من الله خير من الدنيا الّتي يقتل الجّهال أنفسهم عليها. فإنّ ما عندكم ينفد، وما عند الله باق ولَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، وأمّا عدوّكم الّذين لقيتموهم فحسبهم بخروجهم من الهدى إلى الضلال وارتكاسهم فيه، و ردّهم الحقّ، ولجاجهم في الفتنة، فذرهم وما يفترون، ودعهم في طغيانهم
يعمهون. فتسمع وتبصر كأنّک بهم عن قليل بين أسير وقتيل(1).
ولمّا بلغ عليّا علیه السلام مصاب بني ناجية، وقتل صاحبهم قال: «هوت أمّه ما كان أنقص عقله، وأجرأه على ربّه فإنّه جاءني مرّة. فقال لى: في أصحابک رجال قد حسبت أن يفارقوک فما ترى فيهم فقلت له: إنّي لا آخذ على التهمة، ولا اعاقب على الظنّ، ولا اقاتل إلّا من قاتلني وناصبني وأظهر لي العداوة، ولست مقاتله حتّى أدعوه واعذر إليه. فإن تاب ورجع إلينا قبلنا منه وهو أخونا، وإن أبي إلّا الاعتزام على حربنا، استعنّا عليه الله وناجزناه. فكفّ عنّي ما شاء الله ثمّ جاءني مرّة اخرى. فقال لى: قد حسبت أن يفسد عليک عبدالله بن وهب الراسبي، وزيد ابن حصين. إنّي سمعتهما يذكرانک بأشياء لو سمعتها لم تفارقهما حتّى تقتلهما أو توثقهما. فلا يفارقاک من حبک أبدا، فقلت: إني مستشيرک فيهما فما ذا تأمرني. قال: آمرک أن تدعو بهما فتضرب رقابهما. فعلمت أنه لا ورع ولا عاقل(2).
وكتب علي علیه السلام إلى معقل بن قيس ـ بعد ذكر قتله سبعين من ناجية، وثلاثمائة من العلوج من أصحاب الخرّيت في جبال رامهرمز، وفرار الخرّيت إلى أسياف البحر: أمّا بعد فالحمد لله على تأييد أوليائه، وخذلان أعدائه جزاک الله والمسلمين خيرا. فقد أحسنتم البلاء، وقضيتم ما عليكم، وسل عن أخي بني ناجية. فإن بلغک أنّه قد استقرّ ببلد من البلدان فسر إليه حتّى تقتله أو تنفيه، فإنّه لن يزال للمسلمين عدوّا وللقاسطين وليّا ما بقي(3).
وقرأ معقل كتابا من علي علیه السلام عليهم «من عبدالله عليّ أميرالمومنين إلى من يقرأ
عليه كتابي هذا من المومنين، والمسلمين، والنصارى والمرتدين. سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وكتابه والبعث بعد الموت، وأوفى بعهد الله، ولم يكن من الخائنين.
أمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه، والعمل بالحق، وبما أمر الله في الكتاب. فمن رجع إلى أهله منكم، وكفّ يده واعتزل هذا الهالک المحارب الّذي جاء يحارب الله ورسوله والمسلمين، وسعى في الأرض فسادا، فله الأمان على ماله ودمه، ومن تابعه على حربنا، والخروج من طاعتنا استعنّا بالله عليه، وجعلنا الله بيننا وبينه، وكفى بالله نصيرا».
قال الطبري: وأخرج معقل راية أمان فنصبها وقال: من أتاها من الناس فهو آمن إلّا الخرّيت وأصحابه الّذين حاربونا وبدءونا أوّل مرّة. فتفرّق عن الخرّيت جلّ من كان معه من غير قومه، وعبّى معقل أصحابه فجعل على ميمنته يزيد بن المغفل الأزدي، وعلى ميسرته المنجاب بن راشد الضبي. ثمّ زحف بهم نحو الخرّيت وحضر معه قومه، مسلموهم ونصاراهم، ومانع الصدقة منهم، وبعث معقل إلى الميمنة والميسرة: إذا حملت فاحملوا بأجمعكم. فحرکّ رايته وهزّها، ثمّ حمل أصحابه، وبصر النعمان بن صهبان الراسبي بالخرّيت.
فحمل عليه فطعنه فصرعه عن دابته. ثمّ نزل وقد جرحه فأثخنه فاختلفا ضربتين فقتله النعمان، وقتل معه في المعركة سبعون، وما بقي ذهبوا يمينا وشمالا، و بعث معقل، الخيل إلى رجالهم، فسبى من أدرک منهم. فسبى رجالا كثيرا ونساء و صبيانا. فمن كان منهم مسلما خلّاه وأخذ بيعته وترک له عياله، ومن ارتدّ عرض
عليه الاسلام فرجع، خلّى سبيله وسبيل عياله(1).
قوله علیه السلام في كتابه إلى زياد بن خصفة بعد ما مرّ من المصنّف: «كأنّک بهم عن قليل بين أسير وقتيل» قد عرفت أنه من إخباره عن المستقبل الّذي لا يعلم بالحدس والتخمين، بل من تعليم ربّ العالمين. هذا.
وقصّة هولاء القوم الّذين همّوا باللّحاق بالخوارج فقد مضى طرف منها في شرح الكلام الرابع والأربعين(2) لارتباطه به، وأورد هنا باقتضاء المقام ما لم يتقدّم ذكره فأقول :
وعن الحارث بن كعب الأزدى عن عمّه عبدالله بن قعين قال: كان الخريت بن راشد أحد بنى ناجية قد شهد مع عليّ علیه السلام صفين، فجاء اليه بعد انقضاء صفين وبعد تحكيم الحكمين في ثلاثين من أصحابه يمشي بينهم حتّى قام بين يديه فقال: لا والله لا اطيع أمرک ولا اصلّي خلفک وإنّي غدا لمفارق لک.
فقال علیه السلام : ثكلتک امّک إذا تنقض عهدک وتعصي ربّک ولا تضرّ إلّا نفسک أخبرني لم تفعل ذلک؟
قال: لأنّک حكمت في الكتاب وضعفت عن الحقّ اذ جدّ الجدّور كنت إلى القوم الذين ظلموا أنفسهم فأنا عليک رادّ وعليهم ناقم ولكم جميعا مباين(3).
فقال له عليّ علیه السلام : ويحک هلمّ إلىّ ادارسک(4) وأناظرک في السّنن وافاتحک
أمورا من الحقّ أنا أعلم بها منک فلعلّک تعرف ما أنت الان له منكر، وتبصر ما أنت الان عنه غافل، وبه جاهل.
فقال الخريت: فانا غاد عليک غدا. فقال عليّ علیه السلام اغد ولا يستهوينّک الشيطان(1) ولا يقتحمنّ بک رأى السّوء ولا يستخقنّک الجهلاء الذين لا يعلمون، فو الله إن استرشدتنى واستنصحتنى وقبلت منّي لأهدينک سبيل الرّشاد.
فخرج الخريت من عنده منصرفا إلى أهله.
قال عبدالله بن قعين فعجلت في أثره مسرعا وكان لي من بني عمّه صديق فأردت أن القي ابن عمّه في ذلک فاعلمه بما كان في قوله لأميرالمومنين علیه السلام وآمر ابن عمّه أن يشتدّ بلسانه عليه وأن يأمره بطاعة أميرالمومنين علیه السلام ومناصحته ويخبره أنّ ذلک خير له في عاجل الدّنيا وآجل الاخرة.
قال: فخرجت حتّى أتيت إلى منزله وقد سبقنى فقمت عند باب داره فيها رجال من أصحابه لم يكونوا شهدوا معه دخوله على أميرالمومنين فو الله ما رجع ولا ندم على ما قال لأميرالمومنين علیه السلام ولا ردّ عليه ولكنه قال لهم: يا هولاء إنّي قد رأيت إن أنا أفارق هذا الرّجل وقد فارقته على أن أرجع إليه من غد ولا أرى إلّا المفارقة فقال له أكثر أصحابه: لا تفعل حتّى تأتيه فان أتاک بأمر تعرفه قبلت منه وإن كانت الأخرى فما أقدرک على فراقه قال لهم نعم ما رأيتم.
قال فاستاذنت عليهم فأذنوا إلىّ فأقبلت على ابن عمّه وهو مدرک بن الريان الناجى وكان من كبراء العرب فقال له: إنّ لک علىّ حقا لإحسانک وودّک وحقّ المسلم على المسلم انّ ابن عمک كان منه ما قد ذكرک فاخل به فاردد عليه رأيه
1) . استهواه الشيطان: ذهب بهواه وعقله وحيّره.
وعظم عليه ما أتى، واعلم أنّي خائف إن فارق أميرالمومنين علیه السلام أن يقتلک ونفسه وعشيرته، فقال: جزاک الله خيرا من أخ إن أراد فراق أميرالمومنين علیه السلام ففي ذلک هلاكه وإن اختار مناصحته والاقامة معه ففي ذلک حظّه ورشده.
قال: فأردت الرجوع إلى عليّ علیه السلام لاعلمه الّذى كان ثمّ اطمأننت إلى قول صاحبي فرجعت إلى منزلى، فبتّ ثمّ أصبحت فلما ارتفع النهار أتيت أميرالمومنين علیه السلام فجلست عنده ساعة وأنا اريد أن أحدّثه بالّذى كان على خلوة، فأطلت الجلوس ولا يزداد الناس إلا كثرة، فدنوت منه فجلست ورائه فأصغي الىّ برأسه فأخبرته بما سمعته من الخريت وما قلت لابن عمّه وما ردّ علىّ فقال علیه السلام دعه فان قبل الحق و رجع عرفنا له ذلک وقبلناه منه فقلت: يا أميرالمومنين علیه السلام لم لا تأخذه الان وتستوثق منه؟
فقال علیه السلام : إنا لو فعلنا هذا بكلّ من يتّهم من الناس ملأنا السجون منهم ولا أراني يسعني الوثوب بالناس والحبس لهم وعقوبتهم حتّى يظهروا لى الخلاف.
قال: فسكّت عنه وتنحّيت وجلست مع أصحابي هنيئة فقال علیه السلام لى: ادن منّي، فدنوت فقال لى: سر إلى منزل الرّجل فاعلم ما فعل فانّه قل يوم لم يكن يأتيني فيه قبل هذه الساعة، فأتيت إلى منزله فاذا ليس في منزله منهم ديّار(1) فدرت على أبواب دور أخرى كان فيها طائفة من أصحابه فاذا ليس فيها داع ولا مجيب فأقبلت إلى أميرالمومنين علیه السلام .
فقال لي حين رءانى: أقطنوا(2) فأقاموا أم جبنوا فظعنوا؟ قلت: لا بل ظعنوا
فقال أبعدهم الله كما بعدت ثمود أما والله لو اشرعت لهم الأسنّة وصبّت على هاماتهم السيوف لقد ندموا إنّ الشيطان قد استهواهم وأضلّهم وهو متبرّىء منهم ومخل عنهم فقام إليه زياد بن حفصة فقال يا أميرالمومنين إنه لو لم يكن من مضرّة هولاء إلّا فراقهم إيّانا لم يعظم فقدهم علينا فانّهم قلّ ما يزيدون في عددنا لو أقاموا معنا وقلّما ينقصون من عددنا بخروجهم منّا، ولكنا نخاف أن يفسدوا علينا جماعة كثيرة ممّن يقدمون عليهم من أهل طاعتک، فائذن لي في اتّباعهم حتّى أردّهم عليک انشاء الله فقال علیه السلام له: فاخرج في آثارهم راشدا فلمّا ذهب ليخرج قال علیه السلام له: وهل تدرى أين توجّه القوم؟ قال: لا والله ولكنّى أخرج فأسأل واتبع الأثر، فقال اخرج رحمک الله حتّى تنزل دير أبي موسى ثمّ لا تبرحه حتّى يأتيک أمرى فانهم ان خرجوا ظاهرين بارزين للناس في جماعة فانّ عمّالي ستكتب إلىّ بذلک، وإن كانوا متفرّقين مستخفين فذلک أخفى لهم وسأكتب إلى من حولى من عمّالى فيهم.
فكتب نسخة واحدة وأخرجها إلى العمّال من عبدالله علىّ أميرالمومنين إلى من قرء عليه كتابى هذا من العمّال أمّا بعد فانّ رجالا لنا عندهم تبعة خرجوا هرابا نظنّهم خرجوا نحو بلاد البصرة فاسأل عنهم أهل بلادک واجعل عليهم العيون في كلّ ناحية من أرضک ثمّ اكتب إلىّ بما ينتهى إليک عنهم.
فخرج زياد بن حفصة حتّى أتى داره وجمع أصحابه وأخذ معه منهم مأئة وثلاثين رجلا وخرج حتّى أتى دير أبى موسى(1)،(2).
وعن عبدالله بن وال التيمي(1) قال إنّي لعند أميرالمومنين إذا فيج(2) قد جاءه يسعى بكتاب من قرظة(3) كعب الأنصارى وكان أحد عمّاله، فيه :
أما بعد فانّي اخبر أميرالمومنين أن خيلا مرّت من قبل الكوفة متوّجهة نحو نفّر(4) وإن رجلا من دهاقين(5) أسفل الفرات قد أسلم وصلّي يقال له زاذان فروخ(6) أقبل من عند اخوال له فلقوه فقالوا أ مسلم أنت أم كافر قال بل مسلم
1) . عبدالله بن وال كوفي من بني تيم وقيل: من آل بكر بن وائل من وجوه الشيعة بالكوفة ومنخيار أصحاب عليّ علیه السلام هو أحد الذين أرسلهم أهل الكوفة إلى الحسين علیه السلام عد وفاة معاويةلما اجتمعوا في دار سليمان بن صرد بالكوفة واستشهد فيمن استشهد مع سليمان بن صردالخزاعيّ من التوابين (انظر تاريخ الطبريّ 5/352 حوادث سنة 60 و5/602 حوادث سنة64).
2) . فيج وهو رسول السلطان يحمل إليه اخبار البلاد وهي كلمة فارسية (انظر تاج العروسونهاية ابن الأثير في (فيج).
3) . قرظة بن كعب الأنصاري الخزرجي صحابي يكنى ابا عمرو شهد أحدا فما بعدها منالمشاهد ثمّ فتح الله على يديه الرّي سنة 23، وهو أحد العشرة الذي وجههم عمر من الأنصارإلى الكوفة وابتنى بها دارا، وولاه عليّ علیه السلام لكوفة ثمّ ولاه فارس وشهد حروبه الثلاثة، وكانتمعه راية الأنصار يوم صفّين، وابنه عمرو بن قرظه ممن استشهد مع الحسين علیه السلام في كربلاء،توفي قرظة في أيّام أميرالمومنين علیه السلام صلّى عليه وهو أوّل من نيح عليه بالكوفة. (انظرالاستيعاب 3/266 في باب الافراد في القاف والإصابة حرف القاف ق 1 وأسد الغابة4/202 وتاريخ الطبريّ 5/434 حوادث سنة 61).
4) . نفّر ـ بكسر أوّله وتشديد ثانيه وفتحة ـ بلدة أو قرية على نهر البرس من بلاد الفرس (انظرمعجم البلدان).
5) . دهاقين ـ جمع دهقان بضم الدال وكسرها ـ رئيس الإقليم فارسيّة.
6) . قال في سفينة البحار في «زذن» زاذان كان من أصحاب أميرالمومنين علیه السلام قتل تحت رايتهثمّ انتقل أولاده الى قزوين، وفي قزوين قبيلة تعرف بالزاذانية فيهم أئمة كبار من المتقدّمينوالمتأخرين.
قالوا فما تقول في علىّ علیه السلام قال: أقول فيه خيرا أقول إنّه أميرالمومنين وسيّد البشر(1) ووصيّ رسول الله صلی الله علیه واله فقالوا: كفرت يا عدوّ الله ثمّ حملت عليه عصابة منهم فقطّعوه بأسيافهم وأخذوا معه رجلا من أهل الذمّة يهوديّا، فقالوا له: ما دينک؟ قال يهوديّ، فقالوا: خلّوا سبيل هذا لا سبيل لكم عليه، فأقبل إلينا ذلک الذّمي فأخبرنا الخبر وقد سألت عنهم فلم يخبرني أحد عنهم بشيء فليكتب إلىّ أميرالمومنين علیه السلام فيهم برأيه أنته إليه إنشاء الله.
فكتب إليه أميرالمومنين علیه السلام أمّا بعد فقد فهمت ما ذكرت من أمر العصابة الّتي مرت بعلمک فقتلت البرّ المسلم وامن عندهم المخالف المشرک، وان أولئک قوم استهواهم الشيطان فضلّوا كالذين حسبوا ألّا يكون فتنة فعموا وصمّوا فاسمع بهم وابصر يوم يحشر أعمالهم فالزم عملک واقبل على خراجک، فانک كما ذكرت في طاعتک ونصيحتک، والسّلام.
قال: فكتب علیه السلام إلى زياد بن حفصة مع عبدالله بن وال التيمي كتابا نسخته.
أما بعد فقد كنت أمرتک أن تنزل دير أبي موسى حتّى يأتيک أمرى دونک إني لم أكن علمت أين توجّه القوم وقد بلغنى أنهم أخذوا نحو قرية من قرى السواد(2)
1) . يشير الى قول رسول الله صلی الله علیه و اله: (عليّ خير البشر فمن امترى فقد كفر) وامترى: شکّ أخرجهالخطيب في تاريخ بغداد 7/421 وفي رواية: (علي خير البشر من شکّ فيه كفر) رواهالمناوي في كنور الحقائق ص 92 وقال: أخرجه أبو يعلى.
2) . سواد الكوفة: نخيلها و أشجارها سمي بذلک لخضرة أشجاره حيث ترى من بعيد كأنهاسوداء.
فاتّبع آثارهم وسل عنهم فانهم قد قتلوا رجلا من أهل السواد مسلما مصلّيا فاذا أنت لحقت بهم فارددهم إلىّ فان أبوا فناجزناهم واستعن بالله عليهم فانهم قد فارقوا الحقّ وسفكوا الدّم الحرام وأخافوا السّبيل، والسّلام.
قال عبدالله بن وال فأخذت الكتاب منه علیه السلام وأنا يومئذ شاب حدث فمضيت غير بعيد ثمّ رجعت إليه فقلت يا أميرالمومنين ألا أمضى مع زياد بن حفصة إلى عدوّک إذا دفعت عليه كتابک؟ فأذن ودعا لى ثمّ مضيت إلى زياد بالكتاب، فقال لى زياد: يا ابن أخى والله مالي عنک من غنى وإنى احبّ أن تكون معى في وجهى هذا، فقلت: إنّي قد استأذنت أميرالمومنين علیه السلام في ذلک فأذن لي فسرّ بذلک.
ثمّ خرجنا حتّى أتينا الموضع الذي كانوا فيه فلحقناهم وهم نزول بالمداين(1)
و قد أقاموا بها يوما وليلة وقد استراحوا وعلفوا دوابهم وخيولهم وأتيناهم وقد تقطعنا وتعبنا ونصبنا(2)، فلما رأونا وثبوا على خيولهم فاستووا عليها فجئنا حتّى انتهينا إليهم.
فنادى الخرّيت بن راشد أخبرونا ما تريدون؟
1) . المدائن ـ جمع مدينة ـ سميت بذلک لأنّها كانت مدنا كلّ واحدة منها الى جنب الأخرى،قال ابن عبد الحقّ في المراصد: «و المدائن في وقتنا هذا ـ يعني في القرن الثامن الهجرى :بليدة صغيرة في الجانب الغربي من دجلة و قد خربت الآن و أهلها كلهم روافض، و فيالجانب الشرقي الايوان و قبر سلمان الفارسيّ و حذيفة بن اليمان يقصدهما الناس في كلّسنة للزيارة في شعبان» انتهى كلامه و قوله كلّهم روافض يعني شيعة، و اليوم على العكسكلّهم من أهل السنة إلّا ما ندر. هذا و في تاريخ الطبريّ 5/ 118 في حوادث سنة 18«المذار» بدل المدائن في الموضعين، و المذار كما في المراصد بالفتح و آخره راء بلدة فيميسان بين واسط والبصرة.
2) . اللغب: التعب والإعياء وكذلک النصب وباب الأول دخل والثاني طرب.
فقال له زياد وكان مجربا رفيقا، قد ترى ما بنا من النصب واللّغوب والّذي جئنا له لا يصلح فيه الكلام علانية ولكن تنزلون وننزل ثمّ نخلو جميعا فنذاكر أمرنا وننظر فيه فان رأيت ما جئنا له حظا لنفسک قبلته وإن رأيت فيما اسمع منک أمرا أرجو فيه العافية لنا ولک لم ارد عليک.
فقال الخرّيت انزل، فنزلنا ونزل وتفرّقنا وتحلقنا(1) عشرة وتسعة وثمانية وسبعة تضع كلّ حلقة طعامها بين أيديها فتأكل ثمّ تقوم إلى الماء فتشرب، وقال لنا زياد علفوا خيولكم فعلقنا عليها مخاليها(2) ووقف زياد في خمسة فوارس أحدهم عبدالله بن وال بيننا وبين القوم وانطلق القوم فتنحّوا فنزلوا وأقبل إلينا زياد.
فلما رأى تفرّقنا قال سبحان الله أنتم أصحاب حرب والله لو أنّ هولاء جاوكم على هذه الحالة ما أرادوا من عزتكم(3) أفضل من حالكم الّتي أنتم عليها فعجّلوا قوموا إلى خيولكم.
فأسرعنا فمنّا من يتوضّأ ومنّا من يشرب ومنّا من يسقى فرسه حتّى إذا فرغنا من ذلک أتينا زيادا فقال زياد: ليأخذ كلّ رجل منكم بعنان فرسه فاذا دنوت منهم وكلمت صاحبهم فان تابعنى على ما اريد وإلّا فاذا دعوتكم فاستووا على متون خيولكم ثمّ اقبلوا معا غير متفرّقين.
ثمّ استقدم أمامنا وأنا معه ودعى صاحبهم الخرّيت فقال له: اعتزل ننظر في أمرنا فأقبل إليه في خمسة نفر فقلت لزياد: أدعو لک ثلاثة نفر من أصحابک حتى
تلقاهم في عددهم فقال: ادع من أحببت، فدعوت له ثلاثة فكنّا خمسة.
فقال له زياد: ما الّذي نقمت على أميرالمومنين علیه السلام وعلينا حتّى فارقتنا؟.
فقال: لم أرض صاحبكم إماما ولم أرض بسيرتكم سيرة فرأيت أن أعتزل وأكون مع من يدعو إلى الشورى بين النّاس، فاذا اجتمع الناس على رجل هو لجميع الأمّة رضى كنت مع النّاس.
فقال زياد: ويحكم وهل يجتمع الناس على رجل يدانى عليا عالما بالله وبكتاب الله وسنّة رسوله مع قرابته وسابقته في الاسلام؟.
فقال الخرّيت هو ما أقول لک.
قال: ففيم قتلتم الرّجل المسلم؟
فقال الخرّيت ما أنا قتلته قتلته طائفة من أصحابي، قال: فادفعهم إلينا قال: ما إلى ذلک من سبيل، قال: أو هكذا أنت فاعل؟ قال: هو ما تسمع.
قال: فدعونا أصحابنا ودعى الخرّيت أصحابه ثمّ اقتتلنا فو الله ما رأيت قتالا مثله منذ خلقنى الله لقد تطاعنّا بالرّماح حتّى لم يبق في أيدينا رمح، ثمّ اضطربنا بالسيوف حتّى اثخنت وعقرت(1) عامة خيلنا وخيلهم وكثرت الجراح فيما بيننا
وبينهم وقتل منّا رجلان مولى لزياد كانت معه رايته يدعى سويدا، ورجل آخر يدعى واقد ابن بكر، وصرع منهم خمسة نفر وحال اللّيل بيننا وبينهم وقد والله كرهونا وكرهناهم وهزمونا وهزمناهم وقد جرح زياد وجرحت.
ثمّ إنا بتنا في جانب وتنحّوا فمكثوا ساعة من اللّيل ثمّ مضوا فذهبوا، وأصبحنا فوجدناهم قد ذهبوا فو الله ما كرهنا ذلک فمضينا حتّى أتينا البصرة وبلغنا أنهم أتوا
1) . عقرت: جرحت، أو قطعت قوائمها.
الأهواز فنزلوا في جانب منها وتلاحق بهم ناس من أصحابهم نحو مأتين كانوا معهم بالكوفة لم يكن لهم من القوّة ما ينهضون معهم حين نهضوا، فاتبعوهم من بعد لحوقهم بالأهواز فأقاموا معهم.
وكتب زياد إلى عليّ علیه السلام أما بعد فانّا لقينا عدوّ الله الناجي وأصحابه بالمداين فدعوناهم إلى الهدى والحقّ والكلمة السّواء فتولّوا عن الحقّ وأخذتهم العزّة بالاثم وزيّن لهم الشيطان أعمالهم فصدّهم عن السّبيل فقصدونا، وصمدنا صمدهم(1) فاقتتلنا قتالا شديدا ما بين قائم الظهر(2) إلى أن دلكت الشمس(3)، واستشهد منّا رجلان صالحان واصيب منهم خمسة نفر وخلوا لنا المعركة وقد فشت فينا وفيهم الجراح، ثمّ إنّ القوم لما ادركوا اللّيل خرجوا من تحته متنكّرين إلى أرض الأهواز وقد بلغني أنهم نزلوا من الأهواز جانبا ونحن بالبصرة نداوى جراحنا وننتظر أمرک رحمک الله والسّلام.
فلما أتاه الكتاب قرأه على النّاس، فقام إليه معقل بن قيس الرّياحي(4)،(5) إلى
1) . صمد له: أي قصده وثبت له.
2) . قائم الظهر» والظّهيرة: والمعنى على الوجهين زوال الشمس.
3) . دلكت الشمس: اصفرت وغربت.
4) . معقل بن قيس التميمي الرياحي عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب أميرالمومنين 7 قالابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة م 3/:414 «كان معقل بن قيس من رجال الكوفةوابطالها وله رئاسة وقدم، أوفده عمّار بن ياسر الى عمر بن الخطّاب مع الهرمزان بفتح تستر،و كان من شيعة عليّ 7 وجهه إلى بني ناجية فقتل منهم وسبى، وحارب المستورد بن علفةالخارجي من تيم الرباب فقتل كلّ منهما صاحبه بدجلة» وفي الاشتقاق لابن دريد ص 186أنّ المستورد هذا أخو قطام التي أغرت ابن ملجم بقتل أميرالمومنين 7.
5) . الغارات: 1/226 ـ 234؛ بحار الأنوار: 33/408 ـ 410.
آخر ما قدّمنا ذكره في شرح المختار الرابع والأربعين(1) فليراجع هناک.
ومن أحسن ما انشئ في قتل العدو وأسره، قول إبراهيم بن العبّاس: وقسم الله عدوّه أقساما ثلاثة، روحا معجّلة إلى عذاب الله، ورأسا منقولة إلى دار خلافة الله، استنزلوه من معقل إلى عقال، وبدّلوه آجالا، وقديما غذت العصبيته أبناءها فحلبت عليهم درّها مرضعة، وركبت بهم مخاطرها موضعة، حتّى إذا وثقوا فأمنوا، وركبوا فاطمأنّوا، وأمتدّ رضاع، وآن فطام.
فجرت مكان لبنها دما، واعقبتهم من حلو غذائها مرا، ونقلتهم من عزّ إلى ذلّ، ومن فرحة إلى ترحة، ومن مسرّة إلى حسرة، قتلا وأسرا، وغلبة وقسرا، وقلّ من أوضع في الفتنة مرهجا، واقتحم لهبها موجّجا. إلّا استلحمته آخذة بمخنقه، وموهنة بالحق كيده، حتّى جعلته لعاجله جزرا، ولآجله حطبا، وللحق موعظة، وعن الباطل مزجرة، أولئک لهم خزي في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشدّ وما الله بظلّام للعبيد(2).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
روي عن نوف البكاليّ، قال: خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أميرالمومنين علیه السلام وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ وَحَمَائِلُ سَيْفِهِ لِيفٌ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ لِيفٍ وَ كَأَنَّ جَبِينَهُ ثَفِنَةُ بَعِير، فقال علیه السلام : الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ وَعَوَاقِبُ الاَْمْرِ نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ وَنَيِّرِ بُرْهَانِهِ وَنَوَامِي فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَلِشُكْرِهِ أَدَاءً وَإِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً وَلِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً وَنَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُوَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ مُعْتَرِفٍ لَهُ بِالطَّوْلِ مُذْعِنٍ لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ وَنُوْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً وَأَنَابَ إِلَيْهِ مُوْمِناً وَخَنَعَ لَهُ مُذْعِناً وَأَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً وَعَظَّمَهُ مُمَجِّداً وَلاذَ بِهِ رَاغِباً مُجْتَهِداً لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً وَ لَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرِثاً هَالِكاً وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَلا زَمَانٌ وَلَمْ يَتَعَاوَرْهُ زِيَادَةٌ وَلا نُقْصَانٌ بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ وَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ مُوَطَّدَاتٍ بِلا عَمَدٍ قَائِمَاتٍ بِلا سَنَدٍ دَعَاهُنَّ فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ مُذْعِنَاتٍ غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ وَلا مُبْطِئَاتٍ وَلَوْ لا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ
بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِذْعَانُهُنَّ لَهُ بِالطَّوَاعِيَةِ لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ وَلا مَسْكَناً لِمَلائِكَتِهِ وَلا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ الاَْقْطَارِ لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ نُورِهَا ادْلِهْمَامُ سُجُفِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَلا اسْتَطَاعَتْ جَلابِيبُ سَوَادِ الْحَنَادِسِ أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلأْلُوِ نُورِ الْقَمَرِ فَسُبْحَانَ مَنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ دَاجٍ وَلا لَيْلٍ سَاجٍ فِي بِقَاعِ الاَْرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ وَلا فِي يَفَاعِ السُّفْعِ الْمُتَجَاوِرَاتِ وَمَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ وَمَا تَلاشَتْ عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا عَوَاصِفُ الاَْنْوَاءِ وَانْهِطَالُ السَّمَاءِ وَيَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ وَمَقَرَّهَا وَمَسْحَبَ الذَّرَّةِ وَمَجَرَّهَا وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ مِنْ قُوتِهَا وَمَا تَحْمِلُ الاُْنْثَى فِي بَطْنِهَا الْحَمْدُ للهِِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ أَوْ عَرْشٌ أَوْ سَمَاءٌ أَوْ أَرْضٌ أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ لا يُدْرَکُ بِوَهْمٍ وَلا يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ وَلا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ وَلا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ وَلا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ وَلا يُحَدُّ بِأَيْنٍ وَلا يُوصَفُ بِالاَْزْوَاجِ وَلا يَخْلُقُ بِعِلاجٍ وَلا يُدْرَکُ بِالْحَوَاسِّ وَلا يُقَاسُ بِالنَّاسِ الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً بِلا جَوَارِحَ وَلا أَدَوَاتٍ وَلا نُطْقٍ وَلا لَهَوَاتٍ بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّکَ فَصِفْ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَجُنُودَ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ فَإِنَّمَا يُدْرَکُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَالاَْدَوَاتِ وَمَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ فَلا إِلَهَ إِلّا هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلامٍ وَأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُور.
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللَّهِ ـ الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ ـ فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ سُلَّماً أَوْ إِلَى دَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً لَكَانَ ذَلِکَ
سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ علیه السلام الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْکُ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ ـ مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ ـ فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ ـ رَمَتْهَا قِسِيُّ الْفَنَاءِ بِنِبَالِ الْمَوْتِ ـ وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً ـ وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ.
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً ـ أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ ـ أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ ـ أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ ـ وَأَطْفَئُوا سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ ـ وَأَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَهَزَمُوا الاُْلُوفَ وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ وَمَدَّنُوا الْمَدَائِن منها: قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ الاِْقْبَالِ عَلَيْهَا وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ التَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الاِْسْلامُ وَضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَأَلْصَقَ الاَْرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَجِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلائِفِ أَنْبِيَائِه.
بعد الإشارة إلى المهدي علیه السلام ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ ـ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الاَْنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ ـ وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الاَْوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ ـ وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا ـ وَحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا ـ للهِِ أَنْتُمْ ـ أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ ـ وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ أَلا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلاً ـ وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً ـ وَأَزْمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الاَْخْيَارُ ـ وَبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا لا يَبْقَى ـ بِكَثِيرٍ مِنَ الآْخِرَةِ لا يَفْنَى ـ مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاوُهُمْ وَهُمْ بِصِفِّينَ ـ أَلّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ الْغُصَصَ ـ وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ قَدْ وَاللهِ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ ـ وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الاَْمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ ـ أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ ـ وَمَضَوْا
عَلَى الْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ ـ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ ـ وَأَيْنَ نُظَرَاوُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ ـ وَأُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ ـ قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ ـ فَأَطَالَ الْبُكَاءَ ثُمَّ قَالَ علیه السلام ـ أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ ـ وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ ـ أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ ـ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوه.
ثم نادى بأعلى صوته: الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللَّهِ ـ أَلا وَإِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا ـ فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى اللهِ فَلْيَخْرُجْ «قال نوف: وعقد للحسين علیه السلام في عشرة آلاف، و لقيس بن سعد رحمه الله في عشرة آلاف، ولأبي أيّوب الأنصاريّ في عشرة آلاف، ولغيرهم على أعداد اخر، وهو يريد الرّجعة إلى صفّين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله، فتراجعت العساكر، فكنّا كأغنام فقدت راعيها، تختطفها الذئاب من كلّ مكان».
قول المصنّف: «روي عن نوف البكالىّ» قال ابن أبي الحديد: قال صاحب (الصحاح)(1): نوف البكاليّ كان حاجب عليّ علیه السلام (2)
الظاهر أنّ هذه الخطبة كانت آخر خطباته علیه السلام ، فقال نوف في آخرها: فما دارت الجمعة حتّى ضربه الملعون.
وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي
وهو ابن أخته علیه السلام أمّ هاني بنت أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم وأبوه كما قاله السيّد ره: هبيرة وهو ابن أبي وهب بن عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم، وكان فارسا شجاعا فقيها والى خراسان من جانب أميرالمومنين علیه السلام ، ومن شعره الّذى يباهى فيه بنسبه قوله :
أبى من بنى مخزوم إن كنت سائلا***و من هاشم أمّى لخير قبيل
فمن ذا الّذى باهي علىّ بخاله***كخالى علىّ ذى الندى وعقيل(1)
وروى الكشي عن الصادق علیه السلام : «كان مع أميرالمومنين علیه السلام من قريش خمسة نفر، وكانت ثلاث عشرة قبيلة مع معاوية، فامّا الخمسة محمد بن أبي بكر أتته النجابة من قبل أمّه اسماء بنت عميس، وكان معه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال، وكان معه جعدة بن هبيرة المخزومي، وكان أميرالمومنين علیه السلام خاله، وهو الّذي قال له عتبة بن أبي سفيان: إنّما لک هذه الشّدّة في الحرب من قبل خالک. فقال له جعدة: لو كان لک خال مثل خالي لنسيت أباک(2).
وروى نصر بن مزاحم: أنّه علیه السلام لما ورد الكوفة من البصرة نزل على جعدة(3).
وروى الطبري أنّه علیه السلام لمّا ضرب تقدّم جعدة فصلّى بالناس الغداة(4).
أى جبّة تدرّع بها.
النخل.
ايضاً وكفى بذلک زهداً.
من طول السجود.
وكفى به عناء وعبادة وقد ورثه منه علیه السلام ابن ابنه علىّ بن الحسين زين العابدين و سيّد الساجدين صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه أجمعين حتّى اشتهر ولقّب بالسجّاد ذى الثفنات قال دعبل الخزاعى في قصيدته المعروفة :
ديار علىّ والحسين وجعفر***و حمزة والسجّاد ذى الثفنات(1)
فقال عليه السلام: الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ
قال تعالى: (... وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)(2).
قال تعالى: (... أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الاُْمُورُ)(3).
وقال تعالى: (... وَللهِِ عاقِبَةُ الاُْمُورِ)(1).
وقال تعالى: (فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(2).
وقال تعالى: (لَهُ مُلْکُ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الاُْمُورُ)(3).
وقال تعالى: (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُم)(4).
قال عزّ وجلّ: (خَلَقَ الاِْنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ)(5).
وقال تعالى: (خَلَقَ الاِْنْسانَ مِنْ عَلَقٍ... عَلَّمَ الاِْنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ)(6).
وقال تعالى: (أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ)(7).
قال تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ)(8).
وقال تعالى: (أَ فِي اللهِ شَکٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ...)(9).
وقال تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِکَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الاَْرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِکَ لآَياتٍ لِلْعالِمِينَ * وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاوُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِکَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ
يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الاَْرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِکَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالاَْرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الاَْرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ)(1).
على كلّ شخص وكلّ نوع، قال تعالى: (أَ لَمْ نَجْعَلِ الاَْرْضَ مِهاداً * وَالْجِبالَ أَوْتاداً * وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً * وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً * وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً * وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً * وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً)(2).
أى: بالإجمال كقولنا: الحمد لله كما هو أهله(3)، وكما ينبغي لكرم وجهه وعزّ
جلاله. وكقولنا: لا أحصي ثناء عليک، أنت كما أثنيت على نفسک(4). وأمّا حمده
التفصيلي فخارج عن طوق البشر لعدم إحصاء نعمه ومننه.
قال تعالى: (... كَذلِکَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ)(5).
وقال تعالى: (... وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الآْخِرَةِ نُوْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)(6).
لأنه أخبر عن ايجاب الشكر لزيادة النعمة ووعد به.
قال تعالى: (... لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ)(1).
بفتح الطاء، أى: المنّ، يقال: «تطوّل عليه» أى: منّ.
أى: مقرّ.
جعل علیه السلام في قوله «و نستعين به...» استعانته به تعالى استعانة متّصف بالصّفات الخمس، ليعلم أنّه لا ينبغي الاستعانة إلّا به تعالى، كما قال عزّ وجلّ مودّبا لهم : (وَإِيَّاکَ نَسْتَعِينُ)(2).
بأنّه هو محلّ الرجاء لا غيره.
أى: أقبل وتاب.
تعالى.
أى: معتقدا بأنّه تعالى أهل ذلک.
أى خضع.
أى مقرّاً بأنّ نفسه ذليل أسير في ربق الافتقار والامكان وأنّ ربّه جليل متّصف بالعزّة والعظمة والسلطان.
قال تعالى: (... وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)(1).
قال تعالى: (... وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)(2).
وقال تعالى: (... وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ...)(3).
أى لجأ إليه.
أى: ساعيا، جعل علیه السلام ايمانه في قوله «و نومن به...» إيمان متّصف بالصّفات الستّ، ليفهم أنّه الإيمان المطلوب، قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ...)(1).
لأن والد العزيز عزيز ولو بسببه، قال الشاعر:
كما علا برسول الله عدنان(2)
فليس الموروث إلّا هالكا. وليس له ولد حتّى يهلک ويرثه ولده كما هو الغالب عادة من موت الوالد قبل الولد ووارثة الولد عنه ويدلّ على تنزّهه سبحانه عن ذلک مطلقا ما عن وهب بن وهب القرشي قال: حدّثنى الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه الباقر عن أبيه : أنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علىّ علیه السلام يسألونه عن الصّمد، فكتب إليهم: بسم الله الرّحمن الرّحيم أمّا بعد فلا تخوضوا فى القرآن ولا تجادلوا فيه ولا تتكلّموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدّى رسول الله صلی الله علیه واله : من قال في القرآن بغير علم فليتبوء مقعده في النار، وأنه سبحانه قد فسّر الصمد فقال: (اللهُ
أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ ثمّ فسّره فقال لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)، لم يلد لم يخرج منه شيء كثيف كالولد وساير الأشياء الكثيفة الّتى تخرج من المخلوقين ولا شيء لطيف كالنفس ولا ينشعب منه البدوات كالسنّة والنوم والخطرة والهمّ والحزن والبهجة والضحک والبكاء والخوف والرجاء والرغبة والسّامة والجوع والشبع تعالى أن يخرج منه شيء وأن يتولّد منه شيء كثيف، أو لطيف، ولم يولد لم يتولّد من شيء ولم يخرج من شيء كما يخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها كالشيء من الشيء والدابّة من الدابّة، والنبات من الأرض، والماء من الينابيع، والثمار من الأشجار، ولا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها كالبصر من العين، والسّمع من الاذن، والشمّ من الانف، والذوق من الفم، والكلام من اللسان، والمعرفة والتميز من القلب، وكالنار من الحجر، لا بل هو الله الصّمد الّذى لا من شيء ولا في شيء ولا على شيء، مبدع الأشياء وخالقها ومنشيء الأشياء بقدرته يتلاشى ما خلق للفناء بمشيّته ويبقي ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم الله الصمد الّذى لم يلد ولم يولد عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، ولم يكن له كفوا أحد(1)
وأما القرآن فان سبب نزول سورة الاخلاص هو أن اليهود الذين يقولون ان عزيرا ابن الله سألوا النبي صلی الله علیه واله عن نسب الرب، فرد الله تعالى عليهم أولا بقوله لم يلد عزيرا كما يقوله اليهود ولا المسيح كما تقوله انصاري ولا الملائكة بنات الله كما تقوله الصابئون(2).
وسئل اميرالمومنين علیه السلام عن تفسير سورة الاخلاص فقال: هُوَ اللهُ أَحَدٌ بلا
تأويل عدد، الصَّمَدُ بلا تبعيض، لَمْ يَلِدْ فيكون موروثا هالكا، وَلَمْ يُولَدْ من خلقه كُفُواً أَحَدٌ، أي عديلا ونظيرا يماثله(1).
الظاهر كون الوقت خاصّا والزّمان عامّا، فإنّ الوقت يأتي للزّمان المعيّن كثيرا، قال تعالى: (... إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُوْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً)(2) ولا يصحّ كتابا
مزمنا.
أى: لم يعترضه.
فإنّهما من عوارض الجسمانيّات..
قال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَْرْضَ مَهْداً وَسَلَکَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِکَ لآَياتٍ لاُِولِي النُّهى)(3).
وقال تعالى: (أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الاَْرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِکَ
لَذِكْرى لاُِولِي الاَْلْبابِ)(1).
ويزاد ايضاحا وتاكيدا ما قاله الصادق علیه السلام للمفضل بن عمر في حديثه المعروف: يا مفضّل أوّل العبر والأدلّة على البارى جلّ قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هى عليه، فانّک إذا تأمّلت العالم بفكرک وميّزته بعقلک وجدته كالبيت المبنىّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسّماء مرفوعة كالسّقف والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ، والانسان كالمملک ذلک البيت والمخوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيّأة لماربه، وصنوف الحيوان مصروفة فى مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملايمة وأنّ الخالق له واحد، وهو الّذى ألفه ونظمه بعضا إلى بعض جلّ قدسه وتعالى جدّه وكرم وجهه ولا إله غيره، تعالى عمّا يقول الجاحدون وجلّ وعظم عما ينتحله الملحدون(2).
أى: من شواهد ظهوره لعقول خلقه.
وتخصيصها من بين ساير الشواهد بالبيان لكونها من أعظم شواهد القدرة، وأظهر دلايل الرّبوبيّة، وأوضح علائم التدبير حيث خلقت.
أى محكمات الخلقة مثبتات في محالها على وفق النظام والحكمة.
قال تعالى: (اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها...)(1).
فى الجو.
يكون عليه استنادها وبه اعتمادها.
سبحانه (فَقالَ لَها وَلِلاَْرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْها)(2).
كما قال حكاية عنها وعن الأرض: قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ(3).
أى: معترفات.
أى: معتلات.
أى: ولا غير مسرعات، قال تعالى: (... فَقالَ لَها وَلِلاَْرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ)(1)، والمراد من إجابتها: إجابتها بلسان الحال لا المقال. ونظيره
في كلام العرب كثير، قال الشّماخ :
كأني كسوتُ الرَّحلَ أحْقَبَ(2) سَهْوَقا(3)***أطاع لهُ مِنْ رامَتَينِ حَديق(4)، (5)
فجعل الحديق مطيعا لهذا العير لما تمكن من رعيه
أى: الطاعة.
ولا ينافي ذلک قوله تعالى: (... وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ...)(6)، فقبله (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالاَْرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ...)(7)، فالمراد: أنّ العرش كان على
الماء قبل خلق السماوات، ويأتي تصريح الخبر بذلک(1).
روي عن الرضا علیه السلام : أنّ الله تعالى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض، وكانت الملائكة تستدلّ بأنفسها وبالعرش والماء على الله تعالى، ثمّ جعل عرشه على الماء ليظهر بذلک قدرته للملائكة، فيعلم أنّه على كلّ شيء قدير، ثمّ رفع العرش بقدرته، ونقله فجعله فوق السماوات السبع(2).
وقال شيخنا المفيد: فأمّا العرش الّذي تحمله الملائكة فهو بعض الملک، وهو عرش خلقه الله تعالى في السماء السابعة، وتعبّد الملائكة بحمله وتعظيمه، كما خلق سبحانه بيتا في الأرض، وأمر البشر بقصده وزيارته، والحجّ إليه وتعظيمه، وقد جاء الحديث: أنّ الله تعالى خلق بيتا تحت العرش سمّاه البيت المعمور تحجّه الملائكة في كلّ عام، وخلق في السماء الرابعة بيتا سمّاه الضّراح، وتعبّد الملائكة بحجّه والتعظيم له والطواف حوله، وخلق البيت الحرام في الأرض فجعله تحت الضّراح(3).
وروي عن الصادق علیه السلام أنّه قال: لو ألقي حجر من العرش لوقع على ظهر البيت المعمور، ولو ألقي حجر من البيت المعمور لسقط على ظهر البيت الحرام ولم يخلق الله عرشا لنفسه ليستوطنه ـ تعالى الله عن ذلك ـ لكنّه خلق عرشا أضافه إلى نفسه
تكرمة له وإعظاما، وتعبّد الملائكة بحمله كما خلق بيتا في الأرض، ولم يخلقه لنفسه ولا ليسكنه(1).
والأصل في كلامه علیه السلام قوله تعالى: (... إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ...)(2) والصعود والرّفع إلى السماوات: صعود ورفع إلى الله تعالى فلا
تنافي.
أى جعلها علامات يهتدى بها المتحيّرون كما قال عزّ من قائل: (وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)(3).
بالضمّ، قال الفيروز آبادى: هو الطريق الواسع بين الجبلين(4).
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ...)(5).
وقال الصادق علیه السلام : فكّر في هذه النجوم التي تظهر في بعض السّنة وتحتجب في بعضها، كمثل الثريّا(1) والجوزاء(2) والشعريين(3) وسهيل(4)، فإنّها لو كانت بأسرها تظهر في وقت واحد لم يكن لواحد فيها على حياله دلالات يعرفها الناس، ويهتدون بها لبعض أمورهم كمعرفتهم الآن بما يكون من طلوع الثريّا والجوزاء إذا طلعت، واحتجابها إذا احتجبت، فصار ظهور كلّ واحد واحتجابه في وقت غير وقت الآخر، لينتفع الناس بما يدلّ كلّ منها عليه على حدته، وما جعلت الثريّا وأشباهها تظهر حينا وتحتجب حينا إلّا لضرب من المصلحة، وكذلک جعلت بنات النّعش(5) ظاهرة لا تغيب لضرب آخر من المصلحة، فإنّها بمنزلة الأعلام التي يهتدي بها الناس في البرّ والبحر للطّريق المجهولة، وكذلک إنّها لا تغيب ولا تتوارى فهم ينظرون إليها متى أرادوا أن يهتدوا بها إلى حيث شاءوا، وصار الأمر أنّ جميعا على اختلافهما موجّهين نحو الإرب والمصلحة، وفيهما مآرب أخرى علامات ودلالات على أوقات كثيرة من الأعمال، كالزراعة والغراس والسّفر في البرّ والبحر، وأشياء ممّا يحدث في الأزمنة من الأمطار والرياح، والحرّ والبرد،
1) . الثريا: مجموع كواكب في عنق الثور.
2) . الجوزاء: برج في السماء، سميت بذلک لاعتراضها في جوز السماء أي وسطه.
3) . الشعريان: تثنية الشعرى ـ بالكسر ـ وهو الكوكب الذي يطلع في الجوزاء وطلوعه في شدةالحر.
4) . سهيل ـ بالتصغير ـ نجم بهي طلوعه على بلاد العرب في أواخر القيظ.
5) . بنات نعش الكبرى: سبعة كواكب تشاهدها جهة القطب الشمالي، وبقربها سبعة اخرىتسمى بنات نعش الصغرى، والنجمة التي رسمت كبيرة هي النجمة القطبية التي يستدل بهاعلى نقطة القطب الشمالي.
وبها يهتدي السائرون في ظلمة الليل لقطع القفار الموحشة واللّجج(1) الهائلة، مع
ما في تردّدها في كبد السماء(2).
مفعول مقدّم.
أى: نور النّجوم.
أى: ظلمة.
أى: ستور.
قال الصادق علیه السلام في إدامة قوله: وجعل فيها (أي في النجوم) جزءا يسيرا من الضوء ليسدّ مسدّ الأضواء إذا لم يكن قمر، ويمكن فيه الحركة إذا حدثت ضرورة، كما قد يحدث الحادث على المرء، فيحتاج إلى التجافي(3) في جوف الليل، فإن
لم يكن شيء من الضوء يهتدي به لم يستطع أن يبرح مكانه، فتأمّل اللّطف والحكمة في هذا التقدير حين جعل للظلمة دولة ومدّة لحاجة إليها، وجعل خلالها شيء من الضوء للمآرب التي وصفنا(1).
أى: ملاحف، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا:
تمشي النسور إليه وهي لاهية*** مشي العذارى عليهنّ الجلابيب(2)
أى: الظلم الشديدة.
فيوجد مع الظلام نور، قال الصادق علیه السلام للمفضّل: فكّر في إنارة القمر في ظلمة الليل والإرب في ذلک، فإنّه مع الحاجة إلى الظلمة لهدوء الحيوان، وبرد الهواء على النبات لم يكن صلاح في أن يكون الليل ظلمة داجية لا ضياء فيها، فلا يمكن فيه شيء من العمل لأنّه ربّما احتاج الناس إلى العمل بالليل لضيق الوقت عليهم في بعض الأعمال في النهار، ولشدّة الحرّ وإفراطه، فيعمل في ضوء القمر أعمالا شتّى، كحرث الأرض وضرب اللبن وقطع الخشب وما أشبه ذلک، فجعل ضوء القمر معونة للنّاس على معائشهم إذا احتاجوا إلى ذلک، وأنسا للسائرين، وجعل طلوعه
في بعض الليل دون بعض، ونقص مع ذلک عن نور الشمس وضيائها، لكيلا ينبسط الناس في العمل انبساطهم بالنّهار، ويمتنعوا من الهدوء والقرار فيهلكهم ذلک، وفي تصرّف القمر خاصّة في مهله(1) ومحاقه(2)، وزيادته ونقصانه، وكسوفه من التّنبيه
على قدرة الله تعالى خالقه، المصرّف له هذا التصريف لصلاح العالم ما يعتبر به المعتبرون(3).
الغسق أوّل ظلمة اللّيل، والغاسق الليل إذا غاب الشفق، وقوله تعالى: (وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ)(4) قال الحسن: الليل اذا دخل، ويقال: إنّه القمر(5).
قال الأصمعى: دجا الليل إنّما هو ألبس كلّ شيء، وليس هو من الظلمة، ومنه قولهم: دجى الاسلام، أى: قوي(6).
ويمكن أن يكون منه قولهم: وإنّه لفي عيش داج. قالوا: أي عيش خفض(7).
أى: سكن ودام من قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذا سَجى)(1) ومنه البحر الساجي.
قال الأعشى :
فما ذنبنا أن جاش بحر ابن عمكم***وبحرک ساج لا يواري الدعامصا(2)
أى: المنهبطات.
أى: ارتفاع، من أيفع الغلام فهو يافع، على خلاف الأصل.
بالضمّ سواد شرب حمرة، ومنه قيل للأثافي السفع.
والمراد بالسّفع المتجاورات هنا الجبال أو الأكم والأطلال.
قال الجوهرى: الجلجلة: صوت الرّعد أيضا، والمجلجل السحاب الذي فيه صوت الرّعد(3).
قيده بالأفق غالبي.
لا يعزب عنه.
واضمحلّت عنه.
أى: السحاب. يعني أنّه سبحانه عالم بالأقطار التي يضمحلّ عنها البرق بعد ما كانت مضيئة به، وتخصيص ما تلاشت عنه بالذكر مع اشتراک غير المتلاشية عنه معه في إحاطة علمه سبحانه به كالأوّل لأنّ علمه بما ليس بمضيّ بالبرق أعجب وأغرب، وأمّا ما هو مضىّ به ولم يضمحل عنه فيمكن إدراک غيره سبحانه له من أولى الأبصار الصحيحة.
عطف على سواد. مثل (و ما يتجلجل) و(و ما تلاشت) أى: لا يخفى عليه ما تسقط.
قال تعالى: (... وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الاَْرْضِ وَلا
رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ)(1).
أى: مكان سقوطها.
صفة لرياح مقدرة، أى: شدائد، والإضافة فيه بمعنى اللام.
جمع النّوء بالفتح، وقال الجوهرى:النوء، سقوط نجم من المنازل في المغرب مع الفجر، وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كلّ ساعته إلى ثلاثة عشر يوما، وهكذا كلّ نجم منها إلى انقضاء السّنة ما خلا الجبهة فإنّ لها أربعة عشر يوما. قال أبو عبيد: ولم نسمع في النّوء أنّه السقوط إلّا في هذا الموضع، وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحرّ والبرد إلى الساقط منها. وقال الأصمعى: إلى الطالع منها في سلطانه فتقول مطر بالنّوء كذا(2).
أى: تتابع المطر.
أى: قطرة المطر.
في سيلانها.
أى: دبيبها، والذرّة أصغر النّمل.
أى: مكان تجرّ قوتها إليه.
أى: البق. قال الدّميرى: البعوضة واحدة البعوض والبعوض على خلقة الفيل إلّا أنّه أكثر أعضاء من الفيل، فانّ للفيل أربع أرجل وخرطوما وذنبا، وله مع هذه الأعضاء رجلان زايدتان وأربعة أجنحة، وخرطوم الفيل مصمت وخرطومه مجوّف نافذ للجوف فإذا طعن به جسد الانسان استقى الدّم وقذف به جوفه فهو له كالبلعوم والحلقوم ولذلک اشتدّ عضّها وقويت على خرق الجلود الغلاظ، ومما ألهمه الله أنّه اذا جلس على عضو من أعضاء الانسان لا يزال يتوخّى بخرطومه المسام الّتى يخرج منها العرق لأنّها أرقّ بشرة من جلد الانسان فاذا وجدها وضع خرطومه فيها، وفيه من الشره أن يمصّ الدّم إلى أن ينشقّ ويموت أو إلى أن يعجز عن الطيران وذلک سبب هلاكه(1).
قال: والبعوضة على صغر جرمها قد أودع الله في مقدم دماغها قوّة الحفظ وفي
1) . حياة الحيوان: 1/184. بحار: 61/320.
وسطه قوّة الفكر، وفي موخّره قوّة الذكر، وخلق لها حاسّة البصر، وحاسّة اللّمس، وحاسّة الشم، وخلق لها منفذا للغذاء، ومخرجا للفضلة، وخلق لها جوفا وأمعاء وعظاما، فسبحان من قدّر فهدى، ولم يخلق شيئا من المخلوقات سدى(1).
قال تعالى: (وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الاَْرْضِ إِلّا عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ)(2).
قال تعالى: (... وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِکَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)(3).
وقال تعالى: (وَيَعْلَمُ ما فِي الاَْرْحامِ...)(4)
وقال تعالى: (اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الاَْرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ)(5).
الّذي قال فيه: (... وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالاَْرْضَ...)(6).
الّذي قال فيه: (... وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)(1).
قال الصدوق: اعتقادنا في الكرسي أنّه وعاء جميع الخلق والعرش والسماوات والأرض، وكلّ شيء خلق الله في الكرسي وفي وجه آخر هو العلم(2).
وقد سئل الصادق علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالاَْرْضَ قال: هو علمه(3).
وقال الصدوق ره: اعتقادنا في العرش أنّه جملة جميع الخلق، والعرش في وجه آخر هو العلم(4).
وسئل الصادق علیه السلام عن قول الله عزّ وجلّ: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى)(5)
فقال: استوى من كلّ شيء، فليس شيء أقرب إليه من شيء.
فأمّا العرش الّذي هو حمل جميع الخلق فحملته ثمانية من الملائكة، لكلّ واحد منهم ثماني أعين، كلّ عين طباق الدّنيا، واحد منهم على صورة بني آدم فهو يسترزق الله لولد آدم، وواحد منهم على صورة الثّور يسترزق الله تعالى للبهائم كلّها، وواحد منهم على صورة الأسد يسترزق الله تعالى للسّباع، وواحد منهم على صورة الدّيک يسترزق الله للطيور، فهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة صاروا ثمانية.
وأمّا العرش الّذي هو العلم فحملته أربعة من الأوّلين وأربعة من الآخرين، فأمّا الأربعة من الأوّلين، فنوح وابراهيم وموسى وعيسى :، وأما الأربعة من الآخرين فمحمّد وعليّ والحسن والحسين صلوات الله عليهم.
قال الصدوق: هكذا روي بالأسانيد الصحيحة عن الأئمة في العرش وحملته(1).
قال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ للهِِ)(2).
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الاَْرْضِ إِلهٌ...)(3).
قال تعالى: (خَلَقَ الاِْنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ)(4) ومعلوم تقدّم الخالق على المخلوق، والرّبّ على المربوب، والمالک على المملوک.
لعجز الوهم عن إدراكه. كما نقل عن الباقر علیه السلام من قوله: كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم(1).
أى لا يحدّ بفهم العقول، والمراد به وبسابقه تنزيهه سبحانه عن إدراک العقول والأوهام لذاته وقصورها عن الوصول إلى حقيقته لأجلّيته تعالى عن ذلک. (سُبْحانَ رَبِّکَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)(2).
عن سائل آخر كما يشغل السائل من المخلوق عن توجّهه إلى سائل آخر، وذلک لقصور ذواتنا وقدرتنا وعلمنا، وأمّا الله الحيّ القيّوم فلكمال ذاته وعموم قدرته وإحاطته فلا يمنعه سوال عن سوال ولا يشغله شأن عن شأن.
وعطاء كملوک الدّنيا إذ مقدوراته تعالى غير متناهية فكرمه لا يضيق عن سوال أحد، ويده بالعطاء أعلى من كلّ يد، وهو نظير قوله علیه السلام لا يفره المنع والجمود ولا يكديه الإعطاء والجود(3)، وفي الحديث القدسى وهو قوله سبحانه: يا عبادى لو أنّ أوّلكم وآخركم وانسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألونى فأعطيت كلّ
إنسان مسألته ما نقص ذلک مما عندى شيئا إلّا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر(1) أى لا تنقصه شيئا فانّ المخيط وإن كان يرجع بشىء محسوس قليل، لكنّه لقلّته لا يعدّ شيئا فكأنّه لم ينقص منه شيء(2)
كذوي الأرواح وليس إدراكه بحاسّة البصر وإن كان بصيرا لتنزّهه عن المشاعر و الحواسّ.
كالجسمانيّات، فلا تطلق لفظة (أين) عليه تعالى لأنّ الأين عبارة عن نسبة الجسم إلى المكان وهو سبحانه منزّه عن ذلک لبرائته عن التحيّز.
عن أبي عبدالله علیه السلام قال: أتى رسول الله صلی الله علیه واله يهودى يقال له شجت فقال: يا محمّد جئت أسألک عن ربّک فان أجبتنى عما أسألک عنه وإلّا رجعت، فقال له: سل عما شئت، فقال: أين ربّک؟ فقال: هو في كلّ مكان وليس هو في شيء من المكان بمحدود، قال: فكيف هو؟ فقال: وكيف أصف ربّى بالكيف والكيف مخلوق والله لا يوصف بخلقه(3).
وعن أبي عبدالله علیه السلام أيضا من زعم أنّ الله من شيء فقد جعله محدثا، ومن زعم أنّه في شيء فقد جعله محصورا، ومن زعم أنه على شيء فقد جعله محمولا(4).
قوله علیه السلام : محصورا أى عاجزا ممنوعا عن الخروج عن المكان، أو محصورا بذلک الشيء ومحوّيا به فيكون له انقطاع وانتهاء فيكون ذا حدود وأجزاء وقوله : محمولا أى محتاجا إلى ما يحمله.
قال الصدوق ره: الدليل على أنّ الله عزّ وجلّ لا في مكان إنّ الأماكن كلّها حادثة وقد قام الدّليل على أنّ الله عزّ وجلّ قديم سابق للأماكن، وليس يجوز أن يحتاج الغنى القديم إلى ما كان غنيّا عنه، ولا أن يتغيّر عما لم يزل موجودا عليه فصحّ اليوم أنه لا في مكان كما أنّه لم يزل كذلک(1). وتصديق ذلک ما حدّثنا به
القطان عن ابن زكريا القطان عن ابن حبيب عن ابن بهلول عن أبيه عن سليمان المروزى عن سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر ابن محمّد علیه السلام : هل يجوز أن نقول إنّ الله عزّ وجلّ في مكان؟ فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلک إنه لو كان في مكان لكان محدثا، لأنّ الكائن في مكان محتاج إلى المكان والاحتياج من صفات المحدث لا الصفات القديم(2).
وهي نفى الكميّة المنفصلة عنه أى ليس فيه اثنينية وتعدّد.
وقال العلّامة المجلسى ره: أى لا يوصف بالأمثال أو الأضداد أو بصفات الأزواج أو ليس فيه تركب وازدواج أمرين أو بأنّ له صاحبة(3).
قال الله: (... لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)(4).
كالبشر ولا يحتاج في خلقه للمخلوقات إلى مزاولة ومعالجة وآلة وحيلة كساير أرباب الصنائع قال تعالى: (إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)(1).
لاختصاص إدراكها بالأجسام والجسمانيّات والله سبحانه منزّه عن الجسميّة ولواحقها.
قال تعالى: (قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْکَ قالَ لَنْ تَرانِي...)(2).
وعن أبي عبدالله علیه السلام : كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي لا يُحَسُّ وَلا يُجَسُّ وَلا يُمَسُّ لا يُدْرَکُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَلا يَقَعُ عَلَيْهِ الْوَهْمُ وَلا تَصِفُهُ الاَْلْسُنُ فَكُلُّ شَيْءٍ حَسَّتْهُ الْحَوَاسُّ أَوْ جَسَّتْهُ الْجَوَاسُّ أَوْ لَمَسَتْهُ الاَْيْدِي فَهُوَ مَخْلُوق(3)
أى لا يشبه شيئا من خلقه في جهة من الجهات كما يزعمه المشبّهة والمجسّمة.
قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(4).
وعَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام قَالَ: مَنْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ فَهُوَ مُشْرِکٌ إِنَّ اللهَ تَبَارَکَ وَتَعَالَى لا يُشْبِهُ شَيْئاً وَلا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَكُلُّ مَا وَقَعَ فِي الْوَهْمِ فَهُوَ بِخِلافِهِ(5).
وقال الصدوق رحمه الله: الدليل على أن الله سبحانه لا يشبه شيئا من خلقه من جهة من الجهات أنه لا جهة لشيء من أفعاله إلا محدثة ولا جهة محدثة إلا وهي تدل على حدوث من هي له فلو كان الله جل ثناوه يشبه شيئا منها لدلت على حدوثه من حيث دلت على حدوث من هي له(1) إذ المتماثلان في العقول
يقتضيان حكما واحدا من حيث تماثلا منها «1» وقد قام الدليل على أن الله عز وجل قديم ومحال أن يكون قديما من جهة وحادثا من أخرى ومن الدليل على أن الله تبارک وتعالى قديم أنه لو كان حادثا لوجب أن يكون له محدث لأن الفعل لا يكون إلا بفاعل ولكان القول في محدثه كالقول فيه وفي هذا وجود حادث قبل حادث لا إلى أول وهذا محال فصح أنه لا بد من صانع قديم وإذا كان ذلک كذلک فالذي يوجب قدم ذلک الصانع ويدل عليه يوجب قدم صانعنا ويدل عليه(2)،(3)
قال تعالى: (وَهَلْ أَتاکَ حَدِيثُ مُوسى * إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لاَِهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً * فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى * إِنِّي أَنَا رَبُّکَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْکَ إِنَّکَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اخْتَرْتُکَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى... وَما تِلْکَ بِيَمِينِکَ يا مُوسى * قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّوُا عَلَيْها
وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى * قالَ أَلْقِها يا مُوسى * فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى * قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الاُْولى * وَاضْمُمْ يَدَکَ إِلى جَناحِکَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى * لِنُرِيَکَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى)(1).
يحتمل أن يراد بها الايات التسع المشار إليها في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ)(2)، قال الصادق علیه السلام : هى الجراد والقمّل والضفادع
والدّم والطوفان والبحر والحجر والعصا ويده(3).
وعن الكاظم علیه السلام وقد سأله نفر من اليهود عنها فقال: العصا وإخراجه يده من جيبه بيضاء والجراد والقمّل والضفادع والدّم ورفع الطور والمنّ والسلوى آية واحدة وفلق البحر قالوا: صدقت(4).
وأن يراد بها الايات الّتي ظهرت عند التكليم من سماع الصوت من الجهات السّت ومن رويته نارا بيضاء تتقد من شجرة خضراء لا خضروية الشجر تطفى النار ولا النار توقد الشجرة.
قال الباقر علیه السلام : فأقبل نحو النّار يقتبس فاذا شجرة ونار تلتهب عليها فلما ذهب نحو النّار يقتبس منها أهوت إليه ففزع وعدا ورجعت النار إلى الشجرة فالتفت إليها وقد رجعت إلى الشجرة، فرجع الثانية ليقتبس فأهوت إليه فعدا وتركها ثمّ التفت وقد رجعت إلى الشجرة، فرجع إليها الثالثة فأهوت إليه فعدا ولم يعقّب أى لم
يرجع فناداه الله عزّ وجلّ: (أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ)(1) قال موسى :
فما الدّليل على ذلک؟ قال عزّ وجلّ: (وَما تِلْکَ بِيَمِينِکَ يا مُوسى * قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّوُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى * قالَ أَلْقِها يا مُوسى * فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى)(2)، ففزع منها وعدا فناداه الله عزّ وجلّ خذها ولا
أى: بلا أعضاء يفعل شيئا بها.
أى: أسباب وآلات، فإنّ النّاس قد يفعلون أفعالا بأيديهم وجوارحهم بلا توسّط أسباب وآلات، وقد يفعلون بتوسّطها، وهو تعالى منزّه عن جميع ذلک.
لهوات جمع لهاة: الهنة المطبقة في أقصى سقف الفم، وقوله علیه السلام : «بلا جوارح ولا أدوات» متعلّق بقوله: «و أراه من آياته عظيما»، وقوله: «و لا نطق ولا لهوات» متعلّق بقوله: «الذي كلّم موسى تكليما» على خلاف اللف، وكان تكليمه تعالى مع موسى بلا نطق ولا لهوات، وإنّما أوجد الصوت في الجهات الست، فكان يسمعه من كلّ جهة.
يشرح ماهيتهم وتركيبهم وقواهم، فإذا لم يستطع وصف خلقه فعدم إمكان وصفه تعالى أولى.
وفي خبر قدوم الجاثليق مع مائة من النّصارى بعد وفاة النبي صلّى صلی الله علیه واله وإرشاده إلى أميرالمومنين علیه السلام قال الجاثليق له علیه السلام : أخبرني عن وجه الرّبّ تعالى فدعا عليّ علیه السلام بنار وحطب فأضرمه، فلمّا اشتعلت، قال علي علیه السلام : أين وجه هذه النار قال النصرانى: هي وجه من جميع حدودها. قال علي علیه السلام : هذه النّار مدبرة مصنوعة لا يعرف وجهها، وخالقها لا يشبهها (وَللهِِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ...)(1)،(2).
كمقشعرّين، أى: خاضعين تحت سلطانه وعظمته، وفي المثل: «إذا ارجحنّ شاصيا فارفع يدا»(3)، يعنى: إذا خضع لک فاكفف عنه.
أى: متحيّرة.
لعدم إمكان ذلک لهم.
وهو تعالى منزّه عن أن يكون له هيئة أو أداة.
بمعنى: الّذي، عطف على (ذوو).
أى: غاية أجله.
متعلّق بقوله: «ينقضى»، وهو تعالى باق أبد الآباد، فكيف يمكن إدراكه بالصفات «فلا إله إلّا هو» بلا شريک.
أى: بنهاره.
من البرّ والبحر والمنكشف والمسقف، والأرض والسماء.
أى: بليله.
من كوكب وقمر وسراج ونار لعدم إغنائها إغناء كاملا، قال تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى)(1) أي يغشى اللّيل كلّ شيء، ويتجلّى بالنّهار كلّ
شيء، ولا يقدر أحد أن يظلم نوره أو يضيء ظلامه. وفسّر الشرّاح قوله علیه السلام : «بنوره» و«بظلمته» بمعان مختلفة، والأظهر ما عرفت.
الّتي هي الزاد وبها المعاد زاد مبلّغ ومعاد منجح وهى أن لا يراک حيث نهاک ولا يفقدک حيث أمرک.
أى: ثياب التجمل، قال تعالى: (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِکَ خَيْرٌ ذلِکَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(2).
أى: أكمل.
قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الاَْرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ)(1).
وقال تعالى: (وَالاَْرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ)(2).
في الدنيا.
كناية عن الوسيلة.
حتّى ينجو منه، عن الصادق علیه السلام : أنّ الله تعالى غضب على ملک من الملائكة، فقطع جناحه وألقاه في جزيرة من جزائر البحر، فبقي ما شاء الله في ذلک البحر، فلمّا بعث الله إدريس علیه السلام جاز ذلک الملک إليه، فقال: يا نبيّ الله ادع الله تعالى أن يرضى عنّي، ويردّ عليّ جناحي. قال: نعم. فدعا إدريس، فردّ الله عليه جناحه، ورضي عنه. قال الملک لإدريس: ألک إليّ حاجّة قال: نعم، أحبّ أن ترفعني إلى السّماء حتّى أنظر إلى ملک الموت، فإنّه لا عيش لي مع ذكره، فأخذه الملک على جناحه حتّى انتهى به إلى السماء الرابعة، فإذا ملک الموت يحرّک رأسه تعجّبا،
فسلّم إدريس على ملک الموت، وقال له: ما لک تحرّک رأسک قال: إنّ ربّ العزّة أمرني أن أقبض روحک بين السماء الرابعة والخامسة... ثمّ قبض روحه بين السماء الرابعة والخامسة، وهو قوله تعالى: (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا)(1)،(2).
قال شاعر:
يا هاربا من جنود الموت منهزما***عنها توقّف أين المفرّ لكا
هب عشت أكثر من نوح فحين نجا***بقدرة الله من طوفانه هلكا(3)
وقال آخر:
لو أنّ حيّا مدرک الفلاح***أدركه ملاعب الرماح(4)
قال تعالى: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الاَْرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ * وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِکَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ)(5).
وقال تعالى: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ
السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)(1).
وقال تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَکَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِکَ فِي عِبادِکَ الصَّالِحِينَ)(2).
وقال تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ * قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لاَِحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّکَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الاَْصْفادِ * هذا عَطاوُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِکْ بِغَيْرِ حِسابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ)(3)
ص: 34 ـ 40.
.وقال القمي في قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً)(4) :
أنّ سليمان لمّا تزوّج باليمانية ولد منها ابن وكان يحبّه، فنزل ملک الموت على سليمان، وكان كثيرا ما ينزل عليه، فنظر إلى ابنه نظرا حديدا، ففزع سليمان من ذلک، فقال لأمّه: إنّ ملک الموت نظر إلى ابني نظرة أظنّه قد أمر بقبض روحه. فقال للجنّ والشياطين: هل لكم حيلة في أن تفرّوه من الموت. فقال واحد منهم: أنا أضعه تحت عين الشّمس في المشرق. فقال سليمان: إنّ ملک الموت يخرج ما بين
المشرق والمغرب. فقال واحد منهم: أنا أضعه في السحاب والهواء فرفعه ووضعه في السحاب، فجاء ملک الموت فقبض روحه في السحاب، فوقع جسده ميّتا على كرسيّ سليمان، فعلم أنّه قد أخطأ(1).
وروي عن الصادق علیه السلام أنّه قال: ملک الأرض كلّها مومنان: سليمان وذو القرنين، وكافران: نمرود وبخت النصر(2)، ولو أنّ أحدا كان ناجيا من الموت لكان
أبوه داود علیه السلام الّذي قال تعالى فيه: (وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الاَْيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالاِْشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ)(3)
ص: 17 ـ 20.
.وعن النبيّ صلی الله علیه واله قال: مات داود النبيّ علیه السلام يوم السبت مفجوءا، فأظلّته الطير بأجنحتها(4).
وكذا لو كان نجا أحد لكان موسى كليم الله وفي الخبر: ومات موسى كليم الله علیه السلام في التّيه، فصاح صائح من السماء: مات موسى، وأيّ نفس لا تموت(5).
أى: التقرّب إليه تعالى، قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)(6).
وقال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ * لاَُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لاََذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُکَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلّا يَسْجُدُوا للهِِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالاَْرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ * اللهُ لا إِلهَ إِلّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ * قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * أَلّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالاَْمْرُ إِلَيْکِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ * قالَتْ إِنَّ الْمُلُوکَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِکَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ * ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ * قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَوُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيکَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِکَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيکَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْکَ طَرْفُکَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ
تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُکِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ للهِِ رَبِّ الْعالَمِينَ)(1).
فما دام لم يأكل الإنسان اللقمة الأخيرة، ولم يشرب الجرعة الأخيرة من رزقه من الدّنيا لا يموت.
وأجله المسمّى عند ربّه، روى أنّه عاش (712) سنة(2).
وروي عن الصادق علیه السلام أنّ ملک الموت قال للنبيّ صلی الله علیه واله : إنّي أقبض روح ابن آدم فيجزع أهله. فأقوم في ناحية من دارهم، فأقول: ما هذا الجزع فو الله ما تعجّلناه قبل أجله، وما كان لنا في قبضه من ذنب، فإن تحتسبوا وتصبروا توجروا، وإن تجزعوا تأثموا وتوزروا، واعلموا أنّ لنا فيكم عودة ثمّ عودة، فالحذر الحذر إنّه ليس في شرقها ولا في غربها أهل بيت مدر ولا وبر إلّا وأنا اتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات، ولأنا أعلم بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، ولو أردت قبض روح
بعوضة ما قدرت عليها حتّى يأمرني ربّي(1).
قال الجوهرى: قسيّ وأقواس: جمع القوس يذكّر ويونّث، وأصل قسيّ قووس لأنّه فعول، إلّا أنّهم قدّموا اللام، وصيّروه (قسوّ) على (فللوع) ثمّ قلبوا الواو ياء وكسروا القاف، كما كسروا عين (عصىّ) فصارت (قسىّ) على (فليع)(2).
والارتحال من الدّنيا.
قال الجوهرى: النبل: السهام العربية، وهي مونّثة لا واحد لها من لفظها، وقد جمعوها على نبال، وأنبال(3).
قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلّا دَابَّةُ الاَْرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ)(4).
وأخذ معنى كلامه علیه السلام : «رمته قسيّ الفناء بنبال الموت» في سليمان علیه السلام ضيائي
الدزفولي في الناس عموما، فقال بالفارسية، مزيدا حال كونهم في القبور:
چه شد كز يک كماندار فنا اين لشكر بىحد***بسر دارند از لوح مزار خود سپرها را
شأن باقي الناس من الملوک إلى السوقة، عن الصادق أنّ الله تعالى أوحى إلى سليمان بن داود علیه السلام : إنّ آية موتک أنّ شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها : الخرنوبة. قال: فنظر سليمان يوما فإذا الشجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس، فقال لها: ما اسمک قالت: الخرنوبة. قال: فولّى سليمان مدبرا إلى محرابه. فقام فيه متّكئا على عصاه، فقبض روحه من ساعته. قال: فجعلت الجنّ والإنس يخدمونه، ويسعون في أمره كما كانوا، وهم يظنّون أنّه حيّ لم يمت، يغدون ويروحون وهو قائم ثابت حتّى دبّت الأرضة من عصاه، فأكلت منسأته فانكسرت، وخرّ سليمان إلى الأرض...(1)
وعن الرضا علیه السلام : أنّ سليمان علیه السلام قال ذات يوم لأصحابه: إنّ الله تعالى قد وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدى: سخّر لي الرّيح والإنس والجنّ والطير والوحوش، وعلّمني منطق الطير، وآتاني من كلّ شيء، ومع جميع ما أوتيت من الملک ما تمّ لي سرور يوم إلى الليل، وقد أحببت أن أدخل إلى قصري في غد فأصعد أعلاه، وأنظر إلى ممالكي، فلا تأذنوا لأحد عليّ بالدخول، لئلّا أجد عليّ ما ينغص عليّ يومي. فقالوا: نعم. فلمّا كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى
1) . الكافي: 8/144/ح 114؛ بحار الأنوار: 60/70/ح 12.
موضع من قصره ووقف متّكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه سرورا بما أوتي فرحا بما أعطي، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره، فلمّا أبصر به سليمان قال له: من أدخلک إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم، فبإذن من دخلت فقال الشاب: أدخلني هذا القصر ربّه، وبإذنه دخلت. فقال: ربّه أحقّ به منّي، فمن أنت قال: أنا ملک الموت. قال :
فيم جئت قال: لأقبض روحک. فقال: امض بما أمرت به فيّ، هذا يوم سروري وأبى الله أن يكون لي سرور دون لقائه فقبض ملک الموت روحه وهو متكئ على عصاه.
فبقى سليمان متكئا على عصاه وهو ميّت ما شاء الله والنّاس ينظرون إليه وهم يقدّرون أنّه حىّ، فافتتنوا فيه واختلفوا فمنهم من قال: إنّ سليمان قد بقى متكئا على عصاه هذه الأيام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم ياكل ولم يشرب إنّه لربّنا الذي يجب علينا أن نعبده، وقال قوم: إنّ سليمان ساحر إنّه يرينا أنه واقف ومتكئ على عصاه يسحر أعيننا وليس كذلک، فقال المومنون: إنّ سليمان هو عبدالله ونبيّه يدبّر الله بما شاء.
فلما اختلفوا بعث الله عزّ وجلّ الارضة فدبت في عصاه، فلما أكلت جوفها انكسرت العصا وخرّ سليمان من قصره على وجهه فشكر الجنّ للارضة صنيعها فلأجل ذلک لا توجد الارضة في مكان إلّا وعندها ماء وطين، وذلک قول الله عزّ وجلّ: (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلّا دَابَّةُ الاَْرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ(1)، يعني عصاه، فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ
1) . سبأ: 14.
ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ)(1)،(2).
وقال القمي: لمّا أوحى الله إلى سليمان أنّک ميّت أمر الشياطين أن يتّخذوا له بيتا من قوارير، ووضعوه في لجّة البحر، ودخله سليمان علیه السلام فأتّكأ على عصاه وكان يقرأ الزبور، والشياطين حوله ينظرون إليه لا يجسرون أن يبرحوا، فبينا هو كذلک إذ حان منه التفاتة، فإذا هو برجل معه في القبّة ففزع منه.
فقال له: من أنّت فقال له: أنا الّذي لا أقبل الرشي، ولا أهاب الملوک.
فقبضه وهو متّكىء على عصاه سنة، والجنّ يعملون له ولا يعلمون بموته، حتّى بعث الله الأرضة، فأكلت منسأته (فَلَمَّا خَرَّ (على وجهه) تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ)(3) فكذا نزلت هذه الآية، وذلک لأنّ الإنس كانوا يقولون: إنّ الجن يعلمون الغيب.
فلمّا سقط سليمان على وجهه، علم الإنس أن لو علم الجنّ الغيب لم يعملوا سنة لسليمان وهو ميّت ويتوهمونه حيّا.
قال: فالجنّ تشكر الأرضة بما عملت بعصا سليمان.
قال: فلمّا هلک سليمان وضع إبليس السّحر، وكتبه في كتاب ثمّ طواه، وكتب على ظهره: «هذا ما وضعه آصف بن برخيا للملک سليمان بن داود من ذخائر كنوز الملک والعلم، من أراد كذا وكذا فليفعل كذا وكذا» ثمّ دفنه تحت السرير ثمّ استثاره لهم، فقال الكافرون: ما كان يغلبنا سليمان إلّا بهذا.
وقال المومنون: ما هو إلّا عبدالله ونبيّه. فقال جلّ ذكره: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْکِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ...)(1)،(2).
هذا، وقال البحتري في سليمان بن وهب:
هذا سليمان بن وهب بعد ما***طالت مساعيه النجوم سموكا(3)
وتنصّف الدّنيا يدبّر أهلها***سبعين حولا قد تممن دكيكا
أغرت به الأقدار بغت ملمّة***ما كان رسم حديثها مأفوكا
فكأنّما خضد الحمام بيومه***غصنا بمنخرق الرياح نهيكا(4)
قال تعالى في فرعون: (فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الآْخِرَةِ وَالاُْولى * إِنَّ فِي ذلِکَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى)(5).
عن الصادق علیه السلام قال: إنّ داود علیه السلام خرج ذات يوم يقرأ الزبور، وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر ولا سبع إلّا جاوبه، فما زال يمرّ حتّى انتهى إلى جبل، فإذا على ذلک الجبل نبيّ عابد يقال له حزقيل، فلمّا سمع دويّ الجبال وأصوات السباع والطير علم أنّه داود علیه السلام فقال داود: يا حزقيل أ تأذن لي فأصعد
إليک قال: لا. فبكى داود علیه السلام . فأوحى الله إليه: يا حزقيل لا تعيّر داود، وسلني العافية. فقام حزقيل فأخذ بيد داود علیه السلام فرفعه إليه، فقال داود: يا حزقيل هل هممت بخطيئة قط قال: لا.
فقال: فهل دخلت العجب ممّا أنت فيه من عبادة الله تعالى قال: لا. قال: فهل ركنت إلى الدّنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها ولذّتها قال: بلى، ربّما عرض بقلبي. قال: فما ذا تصنع إذا كان ذلک قال: أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه.
قال: فدخل داود النبيّ علیه السلام الشعب، فإذا سرير من حديد عليه جمجمة بالية وعظام فانية، وإذا لوح من حديد فيه كتابة، فقرأها داود علیه السلام فإذا هى: أنا أروى بن أسلم ملكت ألف سنة، وبنيت ألف مدينة، وافتضضت ألف بكر، فإذا كان آخر عمري أن صار التراب فراشي، والحجارة وسادتي، والديدان والحيّات جيراني، فمن رآني فلا يغترّ بالدّنيا(1).
قال الجوهرى: العمالقة قوم من ولد عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح علیه السلام ، و هم أمم تفرّقوا في البلاد(2).
وقال ابو الفرج الاصفهانى: إنّ عمليقا ملک طسم وجديس ابني لاوذبن إرم بن سام بن نوح، وكان في أوّل ملكه قد تمادى في الظلم والغشم، وأنّ امرأة من جديس طلّقها زوجها، وأراد أخذ ولدها منها، فخاصمته إلى عمليق... فأمر عمليق
بأن تباع هي وزوجها، وأمر بالغلام بأن ينزع منهما، ويجعل في غلمانه، فقالت:
أتينا أخا طسم ليحكم بيننا***فأنفذ حكما في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكّمت لا متورّعا***و لا كنت في ما يبرم الحكم عالما
فلمّا سمع عمليق قولها، أمر أن لا تزوّج بكر من جديس وتهدى إلى زوجها، حتّى يفترعها هو قبل زوجها، فلقوا من ذلک بلاء وجهدا وذلّا، فلم يزل يفعل ذلک حتّى زوّجت الشموس ـ وهي عفيرة أخت الأسود الّذي وقع إلى جبل طيّ، فقتله طيّ وسكنوا الجبل من بعده ـ فانطلقوا بها إليه فافترعها، فخرجت إلى قومها في دمائها شاقّة درعها من قبل ومن دبر والدم يسيل، وهي في أقبح منظر وهي تقول :
لا أحد أذلّ من جديس***أ هكذا يفعل بالعروس
وقالت تحرّض قومها:
أ يجمل ما يوتى إلى فتياتكم***و أنتم رجال فيكم عدد النمل
ولو أنّنا كنّا رجالا وكنتم***نساء لكنّا لا نقرّ بذا الفعل
وإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه***فكونوا نساء لا تعاب من الكحل
ودونكم طيب العروس فإنّما***خلقتم لأثواب العروس وللغسل (للنسل خ ل)
فلمّا سمع أخوها ذلک، وكان سيّدا مطاعا ـ قال لقومه: يا معشر جديس إنّ هولاء ليسوا بأعزّ منكم في داركم إلّا بما كان من ملک صاحبهم علينا، ولو لا
ادهاننا ما كان له فضل علينا. قالوا: نطيعک، ولكنّ القوم أكثر. قال: فإنّي أصنع للملک طعاما ثمّ أدعوهم جميعا، فإذا جاءوا يرفلون في الحلل ثرنا إلى سيوفهم، وهم غارّون(1) فأهمدناهم بها. قالوا: نفعل. ففعل ذلک فلما مدّوا أيديهم إلى الطعام
أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم، فشدّ الأسود على عمليق فقتله، وشدّ كلّ رجل منهم على جليسه فما توهم، فلمّا فرغوا من الأشراف شدّوا على السّفلة، فلم يدعوا أحدا منهم. ثمّ إنّ بقيّة طسم لجووا إلى حسّان بن تبّع، فغزا جديسا فقتلها وأخرب بلادها، فهرب الأسود قاتل عمليق، فأقام بجبل طيّ قبل نزول طيّ إياه(2).
قال الجوهرى: فرعون لقب الوليد بن مصعب ملک مصر، وكلّ عات متمرّد فرعون، والعتادة الفراعنة(3).
وقال عدي بن زيد العبادى:
أين كسرى خير الملوک أنوشروان ***أم أين قبله سابور
لم يهبه ريب المنون فولّى*** الملک عنه فبابه مهجور
حين ولّوا كأنّهم ورق جفّ***تذري به الصبا والدبور(4)
وبنو الأصفر الكرام ملوک***الرّوم لم يبق منهم مذكور(5)
وقال المسعودى ـ بعد ذكر ملوک مصر الأوّلين ـ: وكثر ولد بيصر بن حام
بأرض مصر، فتشعّبوا وملّكوا النساء، فطمعت فيهم ملوک الأرض، فسار إليهم من الشام ملک من ملوک العماليق يقال له: الوليد بن دومع، فكانت له حروب بها وغلب على الملک، فانقادوا إليه واستقام له الأمر إلى أن هلک، ثمّ ملک بعده الرّيان بن الوليد العملاقي، وهو فرعون يوسف، وقد ذكر الله تعالى خبره مع يوسف وما كان من أمرهما في كتابه العزيز، ثمّ قال: ثمّ ملک بعده دارم بن الريان العملاقي، ثمّ ملک بعده كامس بن معدان العملاقي، ثمّ ملک بعده الوليد بن مصعب، وهو فرعون موسى علیه السلام وقد تنوزع فيه: فمن الناس من رأى أنّه من العماليق، ومنهم من رأى أنّه من لخم من بلاد الشام، ومنهم من رأى أنّه من الأقباط من ولد مصر بن بيصر... ولمّا غرق فرعون ومن كان معه من الجنود، وخشي من بقي بأرض مصر من الذراري والنساء والعبيد أن يغزوهم ملوک الشام والمغرب، فملّكوا عليهم امرأة ذات رأي وحزم يقال لها: دلوكة(1).
والّذي اتفقت عليه التواريخ ـ مع تباين ما فيها ـ أنّ عدّة ملوک مصر من الفراعنة وغيرها اثنان وثلاثون فرعونا، ومن ملوک بابل ممّن تملک على مصر خمسة، ومن ملوک بابل وهم العماليق الّذين طرووا اليها من بلاد الشام أربعة، ومن الروم سبعة، ومن اليونانيين عشرة، وذلک قبل ظهور السّيّد المسيح علیه السلام ، وملكها أناس من الفرس من قبل الأكاسرة، وكان مدّة من ملک مصر من الفراعنة والفرس و الروم والعماليق واليونانيين ألف سنة وثلاثمائة سنة(2).
قال تعالى: وَفِرْعَوْنَ ذِي الاَْوْتادِ. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّکَ سَوْطَ عَذابٍ. إِنَّ رَبَّکَ لَبِالْمِرْصادِ(1)، وقال تعالى لبني إسرائيل :
(وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)(2).
أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ.
الرسّ: اسم بئر كانت لبقيّة من ثمود(3). قال تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ الاَْيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ)(4).
وقال تعالى: (وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِکَ كَثِيراً وَكُلّاً ضَرَبْنا لَهُ الاَْمْثالَ وَكُلّاً تَبَّرْنا تَتْبِيراً)(5).
وروى الصدوق: عن الهمداني عن عليّ عن أبيه عن الهروي عن الرضا علیه السلام عن آبائه عن الحسين بن عليّ : قال: أتى عليّ بن أبي طالب علیه السلام قبل مقتله بثلاثة أيام رجل من أشراف تميم يقال له عمرو فقال: يا أميرالمومنين أخبرني عن أصحاب الرّس في أىّ عصر كانوا وأين كانت منازلهم ومن كان ملكهم؟ وهل بعث الله عزّ وجلّ إليهم رسولا أم لا؟ وبما ذا اهلكوا؟ فانّى أجد في كتاب الله تعالى ذكرهم ولا أجد خبرهم.
فقال له عليّ علیه السلام لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد قبلک ولا يحدثک به أحد بعدي إلّا عنّي، وما في كتاب الله عزّ وجلّ آية إلّا وأنا أعرف تفسيرها وفي
أىّ مكان نزلت من سهل أو جبل وفي أىّ وقت من ليل أو نهار وإنّ ههنا لعلما جمّا ـ وأشار إلى صدره ـ ولكن طلّابه يسير وعن قليل يندمون لو فقدوني.
وكان من قصّتهم يا أخا تميم أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال لها (شاه درخت) كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها (روشاب) كانت استنبطت لنوح بعد الطوفان ـ وإنّما سمّوا أصحاب الرسّ لأنّهم رسّوا نبيّهم في الأرض ـ وذلک بعد سليمان، وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطىء نهر يقال له (الرسّ) من بلاد المشرق، وبهم سمّي ذلک النهر، ولم يكن يومئذ في الأرض نهر أغزر منه ولا أعذب منه، ولا قرى أكثر ولا أعمر منها، تسمّى إحداهنّ (أبان) والثانية (آذر) والثالثة (دى) والرابعة (بهمن) والخامسة (اسفندار) والسادسة (فروردين) والسابعة (ارديبهشت) والثامنة (خرداد) والتاسعة (مرداد) والعاشرة (تير) والحادية عشرة (مهر) والثانية عشرة (شهريور)، وكانت أعظم مدنهم (اسفندار)، وهي التي كان ينزلها ملكهم، وكان يسمّى تركوذ بن عابور بن يارش بن ساذن بن نمرود بن كنعان ـ ونمرود فرعون إبراهيم ـ وبها العين والصنوبرة، وقد غرسوا في كلّ قرية منها حبّة من طلع تلک الصنوبرة، وأجروا إليها نهرا من العين التي عنده الصنوبرة، فنبتت الحبّة وصارت شجرة عظيمة، وحرّموا ماء العين و الأنهار، فلا يشربون منها ولا أنعامهم، ومن فعل ذلک قتلوه، ويقولون: هو حياة آلهتنا، فلا ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها. ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرّس الّذي عليه قراهم.
وقد جعلوا في كلّ شهر من السنة في كلّ قرية عيدا يجتمع إليه أهلها، فيضربون
على الشجرة التي بها كلّة(1) من حرير فيها من أنواع الصور، ثمّ يأتون بشاء(2)
وبقر، فيذبحونها قربانا للشجرة، ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلک الذبائح وقتارها(3) في الهواء، وحال بينهم وبين النظر إلى السماء خرّوا للشجرة سجّدا يبكون ويتضرّعون إليها أن ترضى عنهم، فكان الشيطان يجيء فيحرّک أغصانها، ويصيح من ساقها صياح الصبى: أن قد رضيت عنكم عبادي، فطيبوا نفسا، وقرّوا عينا. فيرفعون عند ذلک رووسهم ويشربون الخمر، ويضربون بالمعازف(4)، ويأخذون الدستنبد، فيكونون على ذلک يومهم وليلتهم ثمّ ينصرفون.
وإنّما سمّت العجم شهورهم (آبانماه) و(آذر ماه) وغيرهما اشتقاقا من أسماء تلک القرى، لقول بعضهم لبعض: هذا عيد شهر كذا، وعيد شهر كذا.
حتّى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليها صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا من ديباج عليه من أنواع الصور، وجعلوا له إثنتي عشرة بابا كلّ باب لأهل قرية منهم، ويسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق، ويقرّبون لها الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة التي في قراهم، فيجيء إبليس عند ذلک، فيحرّک الصنوبرة تحريكا شديدا، ويتكلّم من جوفها كلاما جهوريا، ويعدهم ويمنّيهم بأكثر ممّا وعدتهم ومنّتهم الشياطين كلّها، فيرفعون رووسهم من السجود،
و بهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلّمون من الشرب والعزف، فيكونون على ذلک اثني عشر يوما ولياليهم بعدد أعيادهم سائر السنة، ثمّ ينصرفون.
فلمّا طال كفرهم بالله تعالى وعبادتهم غيره بعث الله تعالى إليهم نبيّا من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب، فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة الله تعالى فلا يتّبعونه، فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغيّ والضلال، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد، وحضر عيد قريتهم العظمى، قال: يا ربّ إنّ عبادک أبوا إلّا تكذيبي والكفر بک، وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضرّ، فأيبس شجرهم أجمع، و أرهم قدرتک وسلطانک. فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كلها، فهالهم ذلک وصاروا فرقتين: فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الّذي زعم أنّه رسول ربّ السماء والأرض إليكم، ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه.
وفرقة قالت: بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها، ويدعوكم إلى عبادة غيرها، فحجبت حسنها وبهاءها لكي تغضبوا لها فتنتصروا منه.
فأجمع رأيهم على قتله، فاتّخذوا أنابيب(1) طوالا من رصاص واسعة الأفواه، ثمّ أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الأخرى مثل البرانج، ونزحوا ما فيها من الماء، ثمّ حفروا في قرارها بئرا ضيّقة المدخل عميقة، وأرسلوا فيها نبيّهم، وألقموا فاهها صخرة عظيمة، ثمّ أخرجوا الأنابيب من الماء، وقالوا : الآن نرجو أن ترضى عنّا آلهتنا إذا رأت أنّا قتلنا من كان يقع فيها ويصدّ عن عبادتها، ودفنّاه تحت كبيرها يتشفى منه، فيعود لنا نورها ونضرتها كما كان. فبقوا
1) . انابيب جمع الانبوب: ما بين العقدتين من القصب أو الرمح. ويستعار لكل اجوف مستديركالقصب ومنه انبوب الماء لقناته. والقناة: ما يحفر في الأرض ليجرى فيه الماء.
عامة يومهم يسمعون أنين نبيّهم وهو يقول: يا سيّدي قد ترى ضيق مكاني، وشدّة كربي، فارحم ضعف ركني، وقلّة حيلتي، وعجّل قبض روحي، ولا توخّر إجابة دعوتي. حتّى مات.
فقال جلّ جلاله لجبريل: أيظنّ عبادي هولاء الّذين غرّهم حلمي، وآمنوا مكري وعبدوا غيري، وقتلوا رسولي أن يقوموا لغضبي أو يخرجوا من سلطاني كيف وأنا المنتقم ممّن عصاني ولم يخش عقابي، وإنّي حلفت بعزّتي وجلالي لأجعلنّهم عبرة للعالمين.
فلم يرعهم وهم في عيدهم ذلک إلّا بريح عاصف شديدة الحمرة، فتحيّروا وذعروا منها وتصامّ بعضهم إلى بعض، ثمّ صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقّد، وأظلّتهم سحابة سوداء، فألقت عليهم كالقبة جمرا يلتهب، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار(1).
وقال الصدوق: معنى أصحاب الرسّ أنّهم نسبوا إلى نهر يقال له لرّس من بلاد المشرق، وقد قيل: إنّ الرّس هو البئر، وأنّ أصحابه رسّوا نبيّهم بعد سليمان بن داود علیه السلام وكانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت، كان غرسها يافث بن نوح فأنبتت لنوح بعد الطوفان، وكان نساوهم يشتغلن بالنساء عن الرجال، فعذّبهم الله عزّ وجلّ بريح عاصف شديدة الحمرة، وجعل الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقّد، وأظلّتهم سحابة سوداء مظلمة، فانكفّت عليهم كالقبة جمرة تلتهب، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار(2).
وعن الصادق علیه السلام : سألته امرأة عن السحق، فقال: حدّها حدّ الزاني. فقيل: ما ذكر الله عزّ وجلّ ذلک في القرآن. قال: بلى. قالت: وأين هو قال: هو أصحاب الرسّ(1).
وعن (تفسير الثعلبي): اختلف في أصحاب الرّس، فقال سعيد بن جبير والكلبي و الخليل بن أحمد: دخل كلام بعضهم في بعض، وكلّ أخبر بطائفة من حديث أصحاب الرّسّ أنّ أصحاب الرّس بقيّة ثمود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكرها الله تعالى في كتابه في قوله تعالى: (... وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ)(2)،
وكانوا بفلج اليمامة نزولا على تلک البئر، وكلّ ركيّة لم تطو بالحجارة والآجرّ فهي رسّ، وكان لهم نبيّ يقال له: حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له: فتج مصعدا في السماء ميلا، وكانت العنقاء تبيت به، وهي كأعظم ما يكون من الطير وفيها من كلّ لون، وسمّوها العنقاء لطول عنقها، وكانت في ذلک الجبل تنقضّ على الطير فتأكلها، فجاعت ذات يوم وأعوزها الطير فانقضّت على صبيّ فذهبت به، فسمّيت عنقاء مغرب لأنّها تغرب بما تأخذه، ثمّ انقضّت على جارية حين ترعرعت، فأخذتها فضمّتها إلى جناحين صغيرين لها سوى الجناحين الكبيرين، فشكوا ذلک إلى نبيّهم... فأهلكهم الله تعالى(3).
وقال بعض العلماء: بلغني أنّه كان رسّان، أمّا أحدهما فكان أهله أهل بدو وعمود وأصحاب غنم ومواش، فبعث الله تعالى إليهم نبيّا فقتلوه، ثمّ بعث إليهم
رسول آخر، وعضده بوليّ فقتلوا الرسول، وجاهدهم الوليّ حتّى أفحمهم، وكانوا يقولون: إلهنا في البحر. وكانوا على شفيره، وكان يخرج إليهم من البحر شيطان في كلّ شهر خرجة، فيذبحون عنده ويتّخذونه عيدا، فقال لهم الولىّ: أرأيتم إن خرج إلهكم الّذي تدعونه وتعبدونه إليّ وأطاعني أ تجيبونني إلى ما دعوتكم إليه قالوا : بلى. فأعطوه على ذلک العهود والمواثيق، فانتظر حتّى خرج ذلک الشيطان على صورة حوت راكبا أربعة أحوات، وله عنق مستعلية على رأسه مثل التاج، فلمّا نظروا إليه خرّوا له سجّدا، فخرج الوليّ إليه وقال له: ائتني طوعا أو كرها باسم الله الكريم. فنزل عند ذلک من على إخوته. فقال له الولى: ائتني راكبا عليهنّ لئلّا يكون القوم من أمرهم على شکّ. فأتى الحوت وأتت به الحيتان حتى أفضوا به إلى البريّة يجرونه ويجرهن. فلمّا رأوا ذلک سخروا به وكذّبوه ونقضوا العهود، فبعث الله إليهم ريحا فألقتهم في البحر ومواشيهم جميعا، وما كانوا يملكون من ذهب وفضّة وآنية. فأتى الوليّ الصالح إلى البحر وأخذ الذّهب والفضّة والأواني، فقسّمها على أصحابه بالسوية الصغير والكبير، وانقطع ذلک النسل.
وأمّا الآخر فإنّهم قوم كان لهم نهر يدعى الرسّ ينسبون إليه، وكان فيهم أنبياء كثيرة لا يقوم فيهم نبي إلّا قتلوه، وذلک النهر بمنقطع آذربيجان، فإذا قطعته مدبرا دخلت في حدّ أرمينية، وإذا قطعته مقبلا دخلت في حدّ آذربيجان، وكان من حولهم من أهل أرمينية يعبدون الأوثان، ومن قدّامهم من آذربيجان يعبدون النيران، وهم كانوا يعبدون الجواري العذارى، فإذا تمّت لإحداهنّ ثلاثون سنة قتلوها واستبدلوا غيرها، وكان عرض نهرهم ثلاثة فراسخ، وكان يرتفع في كلّ يوم وليلة حتّى يبلغ أنصاف الجبال التي حوله، وكان لا ينصبّ في بحر ولا برّ، فإذا
خرج من حدّهم يقف ويدور ثمّ يرجع إليهم، فبعث الله تعالى إليهم ثلاثين نبيّا في شهر واحد فقتلوهم جميعا فبعث الله تعالى إليهم نبيّا وأيّده بنصره، وبعث معه وليّا فجاهدهم...(1).
قال تعالى حكاية عن اليهود: (... قالُوا نُوْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُوْمِنِينَ)(2).
وقال تعالى: (... أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)(3).
وقال عليّ بن طاوس: أنّه لمّا أراد الحسين علیه السلام الشخوص من مكّة إلى العراق جاء ابن عمر، فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذّره من القتل والقتال، فقال علیه السلام : يا أبا عبد الرحمن أما علمت أنّ من هو ان الدّنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغيّ من بغيا بني إسرائيل أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّا، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا، فلم يعجّل الله عليهم، بل امهلهم وأخذهم بعد ذلک أخذ عزيز ذي انتقام، اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي(4).
من قولهم: اطفئ المصباح.
التي كانت في إراءة الناس لسبل الله كالسراج.
الّذين لا يراعون شريعة، ويأتون بكلّ فجيعة.
هذا، وقال المسعودى: أنّه كان المعتضد إذا غضب على القائد النبيل والّذي يختصّه من غلمانه، أمر أن تحفر له حفيرة بحضرته، ثمّ يدلى رأسه فيها ويطرح التراب عليه، ونصفه الأسفل ظاهر على التراب، ويداس التراب فلا يزال كذلک حتى تخرج روحه من دبره. وذكر من عذابه أنّه كان يأخذ الرجل فيكتّف ويقيّد، فيوخذ القطن فيحشى في أذنه وخيشومه وفمه، وتوضع المنافخ في دبره حتّى ينتفخ ويعظم جسمه، ثمّ يسدّ الدبر بشيء من القطن، ثمّ يفصد ـ وقد صار كالجمل العظيم ـ من العرقين اللّذين فوق الحاجبين، فتخرج النفس من ذلک الموضع. وربّما كان يقام الرجل في أعلى القصر مجردا موثقا، ويرمى بالنشاب حتّى يموت. واتخذ المطامير وجعل فيها صنوف العذاب، وجعل عليها نجاح الحرمي المتولّي لعذاب الناس(1).
1) . مروج الذهب: 4/144.
من الملوک والأمراء، قال الجزري: توفّي السلطان محمّد بن محمود بن محمّد بن ملكشاه السلجوقي في سنة (554) وهو الذي حاصر بغداد طالبا السلطنة، وعاد عنها فأصابه سلّ وطال به، فمات بباب همذان، وكان مولده في ربيع الآخر سنة (522) فلما حضره الموت أمر العساكر، فركبت وأحضر أمواله وجواهره وحظاياه ومماليكه، فنظر إلى الجميع من طيّارة تشرف على ما تحتها، فلمّا رآه بكى وقال: هذه العساكر والأموال والمماليک والسراري ما أرى يدفعون عنّي مقدار ذرّة، ولا يزيدون في أجلي لحظة. وأمر بالجميع، فرفع بعد أن فرّق منه شيئا كثيرا(1).
وقال المسعودى: كانت سياسة يعقوب بن الليث لمن معه من الجيوش سياسة لم يسمع بمثلها في من سلف من الملوک في الأمم، ومن ذلک أنّه كان بأرض فارس و قد أباح الناس أن يرتعوا ثمّ حدث أمر أراد النقطة، فنادى مناديه بقطع الدواب عن الرتع، فرئي رجل من أصحابه أخرج الحشيش من فم دابته مخافة أن تلوكه بعد سماع النداء، وأقبل على الدابة مخاطبا: «دواب را از تر بريدند» يعنى: أقطعوا الدواب عن الرطبة، ورئي رجل من قوّاده ذو مرتبة، والدرع الحديد على بدنه لا ثوب بينه وبين بشرته، فقيل له في ذلک، فقال: نادى منادي الأمير: البسوا السلاح. و كنت أغتسل من جنابة، فلم يسعني التشاغل بلبس الثياب عن السلاح توفّي بجند يسابور وخلّف في بيت ماله خمسين ألف ألف درهم وثمانمائة ألف دينار(2).
وقال المسعودى: سعي بأبي الحسن علي بن محمد الهادي علیه السلام إلى المتوكّل، وقيل له: إنّ في منزله سلاحها وكتبا وغيرها من شيعته. فوجّه إليه ليلا من الأتراک و غيرهم من هجم عليه في منزله غفلة ممّن في داره، فوجده في بيت وحده مغلق عليه، وعليه مدرعة من شعر، ولا بساط في البيت إلّا الرمل والحصى، وعلى رأسه ملحفة من الصوف متوجّها إلى ربّه يترنم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد، فأخذ على ما وجد عليه، وحمل إلى المتوكّل في جوف الليل، فمثل بين يديه والمتوكل يشرب وفي يده كأس، فلمّا رآه أعظمه وأجلسه إلى جنبه، ولم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه، ولا حالة يتعلل عليه بها، فناوله المتوكل الكأس الّذي في يده، فقال علیه السلام : يا أميرالمومنين ما خامر لحمي ودمي قطّ، فاعفني منه. فأعفاه وقال : أنشدني شعرا استحسنه. فقال: إنّي لقليل الرواية للأشعار. قال: لا بدّ أن تنشدني. فأنشده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم***غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم***فأودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا***أين الأسرّة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعّمة***من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم***تلک الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا وما شربوا***فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
وطالما عمّروا دورا لتحصنهم***ففارقوا الدور والأهلين وانتقلوا
وطالما كنزوا الأموال وادّخروا***فخلّفوها على الأعداء وارتحلوا
أضحت منازلهم قفرا معطّلة***وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
قال: فأشفق كلّ من حضر على عليّ علیه السلام ، وظنّ أنّ بادرة تبدر منه إليه.
قال: والله لقد بكى المتوكل بكاء طويلا حتّى بلّت دموعه لحيته، وبكى من حضره. ثمّ أمر برفع الشراب... وردّه إلى منزله من ساعته مكرّما(1).
ومنها المدائن التي مدّنها كسرى.
هذا، وقال الفيروز آبادى: المنصورة بلد بالسند إسلامية، وبلد بنواحي واسط، واسم خوارزم القديمة التي كانت شرقي جيجون، وبلد قرب القيروان ويقال لها : المنصورية أيضا، وبلد ببلاد الديلم، وبلد بين القاهرة ودمياط.
ومن العجب أنّ كلّا منها بناها ملک عظيم في جلال سلطانه وعلوّ شأنه، وسمّاها المنصورة تفاولا بالنصر، ولا دوام، فخربت جميعها واندرست وتعفّت رسومها واندحضت(2).
وقال الحموى: قال علقمة بن مرثد في قصر شرحبيل ملک اليمن العجيب في جميع أموره المسمّى بالقشيب:
أقفر من أهله القشيب***وبان عن أهله الحبيب(3)
وقال شاعر في قصر أبي الخصيب ـ مولى المنصور ـ أحد المنتزهات المشرف على النجف، ذي خمسين درجة، عجيب الصفة:
يا دار غيّر رسمها***مرّ الشمال مع الجنوب
بين الخورنق والسّدير***فبطن قصر أبي الخصيب
فالدير فالنجف الأشمّ***جبال أرباب الصليب(1)
وقال الحموى: ومن القصور قصر بهر المجور قرب همدان كلّه حجر واحد، منقورة بيوته وخزائنه ومجالسه وغرفه وشرفه وسائر حيطانه، فإن كان مبنيا بحجارة مهندمة قد لوحک بينها حتّى صارت كأنّها حجر واحد لا يبين منها مجمع حجرين، فإنّه لعجب، وإن كان حجرا واحدا فكيف نقرت بيوته، وخزائنه وحجراته ودهاليزه وشرفاته فهذا أعجب، لأنّه عظيم جدّا كثير المجالس والخزائن والغرف، وفي مواضع منه كتابه بالفارسية تتضمّن شيئا من أخبار ملوكهم، وفي كلّ ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة(2).
وقال الحموى: ومنها قصر شيرين، قصر كسرى أبرويز الّذي قالوا: كان له أشياء لم تكن لملک قبله ولا بعده، فرسه شبديز، ومغنيه وعوّاده وجاريته شيرين، وقصر شيرين الّذي أحد عجائب الدّنيا، وكان سبب بنائه أنّه أمر أن يبنى له (باغ) يكون فرسخين في فرسخين، وأن يحصل فيه من كلّ صيد حتّى يتناسل جميعه، ووكلّ بذلک ألف رجل، فأقاموا في عمله وتحصيل صيوده سبع سنين حتّى فرغوا، فلمّا تمّ صاروا إلى البلهبد المغنّي، وسألوه أن يخبر الملک بذلک، فعمل صوتا وغنّاه به وسمّاه «باغ نخجيران» أى: بستان الصيد.
فطرب الملک عليه وأمر للصنّاع بمال، فلمّا سكر قال لشيرين: سليني حاجة.
فقالت: صيّر هذا البستان نهرين من حجارة تجري فيهما الخمور، وتبني لي
بينهما قصرا لم يبن في مملكتک مثله. فأجابها إلى ذلک(1).
وقال المسعودى: كتب ملک الصين إلى أنو شيروان: من فغفور ملک الصين صاحب قصر الدّر والجوهر الّذي يجري في قصره نهران يسقيان العود، والكافور الّذي توجد رائحته على فرسخين، والّذي تخدمه بنات ألف ملک، والّذي في مربطه ألف فيل أبيض، إلى أخيه كسرى أنو شيروان، وأهدى إليه فرسا من درّ منضّدا، عينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر، وقائم سيفه من زمرّد منضد بالجوهر، وثوب حرير صيني عسجدي فيه صورة الملک جالسا في أيوانه، وعليه حليته وتاجه، وعلى رأسه الخدم وبأبديهم المذابّ، والصورة منسوجة بالذهب، وأرض الثوب لا زورد في سفط من ذهب، تحمله جارية تغيب في شعرها، تتلألأ جمالا(2).
وقال المسعودى: وكتب إليه ملک الهند: من ملک الهند وعظيم أراكنة المشرق وصاحب قصر الذهب وأبواب الياقوت والدر، إلى أخيه ملک فارس صاحب التاج و الراية كسرى أنو شروان. وأهدى إليه ألف منّ من عود هندي يذوب في النار كالشمع، ويختم عليه كما على الشمع فتبين فيه الكتابة، وجاما من الياقوت الأحمر فتحته شبر مملوءأ درّا، وعشرة أمنان كافور كالفستق وأكبر من ذلک، وجارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها خدّها، وكأنّ بين أجفانها لمعان البرق من بياض مقلتيها مع صفاء لونها، ودقّة تخطيطها وإتقان تشكيلها، مقرونة الحاجبين، لها ضفائر تجرّها، وفرش من جلود الحيّات ألين من الحرير وأحسن من الوشي، وكان كتابه في لحاء الشجر المعروف بالكاذي مكتوب بالذهب الأحمر(3).
وكان لأنو شروان مائدة من الذهب عظيمة عليها أنواع من الجواهر(1).
وعن عليّ بن يقطين: كنّا مع المهدي بما سبذان فقال لي يوما: أصبحت جائعا فأتني بأرغفة ولحم بارد. ففعلت، فأكل ثمّ دخل البهو ونام، وكنّا نحن في الرواق فانتبهنا لبكائه، فبادرنا إليه مسرعين فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ قلنا: ما رأينا شيئا. قال: وقف عليّ رجل، لو كان في ألف رجل ما خفي عليّ صوته ولا صورته فقال:
كأنّي بهذا القصر قد باد أهله***و أوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة***و ملک إلى قبر عليه جنادله
فلم يبق إلّا ذكره وحديثه***تنادي عليه معولات حلائله
قال على: فما أتت على المهدي بعد روياه إلّا عشرة أيّام حتّى توفّي(2).
قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُوْمِنِينَ * وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)(3).
وقال تعالى: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ
راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)(1).
قوله سبحانه: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ) قال الصّادق علیه السلام : إنّ داود علیه السلام أراد أن يستخلف سليمان لأنّ الله عزّ وجلّ أوحى إليه يأمره بذلک فلما أخبر بني إسرائيل ضجّوا من ذلک وقالوا: يستخلف علينا حدثا وفينا من هو أكبر منه، فدعى أسباط بني إسرائيل فقال لهم: قد بلغنى مقالتكم فأرونى عصيّكم فأىّ عصا أثمرت فصاحبها وليّ الأمر بعدي، فقالوا: رضينا، وقال: ليكتب كلّ واحد منكم اسمه على عصاه، فكتبوا ثمّ جاء سليمان بعصاه فكتب عليها اسمه ثمّ ادخلت بيتا واغلق الباب وحرسه رءوس أسباط بني إسرائيل: فلما أصبح صلّى بهم الغداة ثمّ أقبل ففتح لهم الباب فأخرج عصيّهم وقد ورقت عصا سليمان وقد أثمرت، فسلّموا ذلک لداود علیه السلام (2).
وعن أبي الحسن موسى بن جعفر علیه السلام قال: استخلف داود سليمان وهو ابن ثلاثة عشر سنة، ومكث في ملكه أربعين سنة(3).
وقوله: (عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) قيل: إنّ النّطق عبارة عن الكلام وهو مختصّ بالانسان إلّا أنّ سليمان لما فهم معنى صوت الطير سمّاه منطقا مجازا، وقال عليّ بن عيسى إن الطّير كانت تكلّم سليمان علیه السلام معجزة له كما أخبر عن الهدهد، ومنطق الطير صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة بخلاف منطق الناس الّذي يتفاهمون به المعاني على صيغ مختلفة، ولذلک لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها ولم
تفهم هي عنا، لأنّ أفهامها مقصورة على تلک الامور المخصوصة، ولمّا جعل سليمان يفهم عنها كان قد علم منطقها.
قوله: (وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) أى من كلّ شيء يوتى الأنبياء والملوک، وقيل : من كلّ شيء يطلبه طالب لحاجته اليه وانتفاعه به(1).
وقوله: (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ)(2) قال الطبرسي أى
وسخّرنا لسليمان الريح مسير غدوّ تلک الريح المسخّرة مسير شهر ومسير رواحها مسير شهر، والمعنى أنها كانت تسير في اليوم مسيرة شهرين للرّاكب قال قتادة :
كانت تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار ويروح مسيرة شهر إلى آخر النهار، وقال الحسن: كانت تغدو من دمشق فيقبل باصطخر من أرض اصفهان وبينهما مسيرة شهر للمسرع، وتروح من اصطخر فتبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر تحمله الرّيح مع جنوده أعطاه الله الرّيح بدلا من الصافنات الجياد.
(وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ)(3) أى أذبنا له عين النحاس وأظهرناها له.
(وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ)(4) المعنى وسخّرنا له من الجنّ من
بحضرته وامام عينه ما يأمرهم به من الأعمال كما يعمل الادمى بين يدي الادمى بأمر ربّه تعالى، وكان يكلّفهم الأعمال الشاقّة، وفيه دلالة على أنّه قد كان من الجنّ من هو غير مسخّر له.
(وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ)(5) أى من يعدل من هولاء
الجنّ الّذين سخّرناهم لسليمان عما أمرناهم به من طاعة سليمان نذقه من عذاب النار في الاخرة عن أكثر المفسرين، وقيل: نذقه العذاب في الدّنيا وأنّ الله سبحانه وكّل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ منهم من طاعة سليمان ضربه ضربة أحرقته.
(يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ)(1) وهى البيوت الشريفة الشريعة قيل :
وهى القصور والمساجد يتعبّد فيها عن قتادة والجبائي، قال: وكان مما عملوا بيت المقدّس وقد كان الله عزّ وجلّ سلّط على بني اسرائيل الطاعون فهلک خلق كثير في يوم واحد فأمرهم داود أن يغتسلوا ويبرزوا الى الصّعيد بالذّرارى والأهلين ويتضرّعوا إلى الله تعالى لعلّه يرحمهم، وذلک صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد، وارتفع داود علیه السلام فوق الصّخرة فخرّ ساجدا يبتهل إلى الله سبحانه وسجدوا معه، فلم يرفعوا رووسهم حتى كشف الله عنهم الطاعون.
فلما أن شفع الله داود في بني اسرائيل جمعهم داود بعد ثلاث وقال لهم: إنّ الله تعالى قد منّ عليكم ورحمكم فجدّدوا شكرا بأن تتّخذوا من هذا الصعيد الذي رحمكم فيه مسجدا ففعلوا، وأخذوا في بناء بيت المقدس فكان داود علیه السلام ينقل الحجارة لهم على عاتقة، وكذلک خيار بني اسرائيل حتّى رفعوه قامة ولداود علیه السلام يومئذ سبع وعشرون ومأئة سنة، فأوحى الله تعالى إلى داود علیه السلام أنّ تمام بنائه يكون على يد ابنه سليمان.
فلما صار داود ابن أربعين ومأئة سنة توفّاه الله تعالى(2) واستخلف سليمان
فأحبّ إتمام بيت المقدس فجمع الجنّ والشياطين فقسم عليهم الأعمال يخصّ كلّ طائفة منهم بعمل، فأرسل الجنّ والشياطين في تحصيل الرخام والمها(1) الأبيض
الصافي من معادنه وأمر ببناء المدينة من الرخام والصفاح وجعلها اثنا عشر ربضا و أنزل كلّ ربض منها سبطا من الأسباط. فلما فرغ من بناء المدينة ابتدء في بناء المسجد فوجّه الشياطين فرقا فرقة يستخرجون الذهب واليواقيت من معادنها، وفرقة يقلعون الجواهر والأحجار من أماكنها، وفرقة يأتونه بالمسک والعنبر وساير الطيب، وفرقة يأتونه بالدرّ من البحار فاوتى من ذلک بشيء لا يحصيه إلّا الله تعالى ثمّ احضر الصناع وأمرهم بنحت تلک الأحجار حتّى يصيروها ألواحا ومعالجة تلک الجواهر واللالي.
وبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين المها الصافي وسقفه بألواح الجواهر وفضض سقوفه وحيطانه باللالي واليواقيت والجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض بيت أبهى منه ولا أنور من ذلک المسجد كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر.
فلما فرغ منه جمع إليه خيار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه الله تعالى واتّخذ ذلک اليوم الذي فرغ منه عيدا.
فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان حتّى غزا بخت نصر بني اسرائيل فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد وأخذ ما في سقوفه وحيطانه من الذّهب والدّر واليواقيت والجواهر، فحملها إلى دار مملكته من أرض العراق.
1) . المها جمع المهاة بالفتح وهي البلورة والربض بالتحريک: سور المدينة. ومأوى الغنموالناحية. وكل ما يووى إليه ويستراح لديه من مال وبيت ونحوه.
قال سعيد بن المسيّب لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلقت أبوابه فعالجها سليمان فلم تنفتح حتّى قال في دعائه بصلوات أبي داود علیه السلام إلّا فتحت الأبواب ففتحت ففرغ له عشرة آلاف من قراء بني اسرائيل خمسة آلاف بالليل وخمسة آلاف بالنهار ولا يأتي ساعة من ليل ونهار إلّا ويعبد الله فيها.
(وَتَماثِيلَ)(1) يعني صورا من نحاس وشبه(2) وزجاج كانت الجنّ تعملها، ثمّ
اختلفوا فقال بعضهم كانت صورا للحيوانات، وقال آخرون كانوا يعملون صور السّباع والبهايم على كرسيّه ليكون أهيب له.
فذكروا أنّهم صوّروا أسدين أسفل كرسيّه ونسرين فوق عمودى كرسيّه فكان إذا أراد أن يصعد الكرسي بسط الأسدان ذراعيهما، وإذا علا على الكرسي نشر النسران أجنحتهما فظلّلاه من الشّمس، ويقال: إنّ ذلک كان مما لا يعرفه أحد من النّاس.
فلما حاول بخت نصر صعود الكرسي بعد سليمان حين غلب على بني إسرائيل لم يعرف كيف كان يصعد سليمان، فرفع الأسد ذراعيه فضرب ساقه فقدّها فوقع مغشيّا عليه فما جسر أحد بعده أن يصعد ذلک الكرسي.
قال الحسن ولم يكن يومئذ التصاوير محرمة وهى محظورة في شريعة نبيّنا صلی الله علیه واله ، فانه قال: لعن الله المصوّرين، ويجوز أن يكره ذلک في زمن دون زمن، وقد بيّن الله سبحانه أنّ المسيح علیه السلام كان يصوّر بأمر الله من الطين كهيئة الطّير وقال ابن عبّاس كانوا يعملون صور الأنبياء والعبّاد في المساجد ليقتدى بهم.
وروى عن الصّادق علیه السلام انه قال: والله ما هى تماثيل النساء والرجال ولكنها الشجر وما أشبهه.
(وَجِفانٍ كَالْجَوابِ)(1) أى صحاف كالحياض الّتي يجبى فيها الماء أى يجمع وكان سليمان علیه السلام يصلح طعام جيشه في مثل هذه الجفان، فانه لم يمكنه أن يطعمهم في مثل قصاع الناس لكثرتهم، وقيل: انه كان يجمع على كلّ جفنة ألف رجل يأكلون من بين يديه.
(وَقُدُورٍ راسِياتٍ)(2) أى ثابتات لا يزلن عن أمكنتهنّ لعظمهنّ، عن قتادة وكانت باليمن وقيل كانت عظيمة كالجبال يحملونها مع أنفسهم وكان سليمان علیه السلام يطعم جنده(3).
وعن ابن الاثير قال: لما توفّى داود ملک بعده ابنه سليمان علیه السلام على بني إسرائيل وكان عمره ثلاث عشر سنة، وأتاه مع الملک النبوّة وسخّر له الجنّ والانس والشياطين والطير والريح، فكان إذا خرج من بيته إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام الانس والجنّ حتى يجلس فيه، قيل: أنه سخر له الريح والجنّ والشياطين والطير وغير ذلک بعد أن زال ملكه وأعاده الله إليه وكان أبيض جسيما كثير الشعر يلبس البياض، وكان يأكل من كسب يده، وكان كثير الغزو، وكان إذا أراد الغزو أمر فعمل بساط من خشب يسع عسكره فيركبون عليه هم ودوابهم وما يحتاجون إليه، ثمّ أمر الريح فسار في غدوته مسيرة شهر وفي روحته كذلک، وكان له ثلاثمأة زوجة وسبعمائة سرية وأعطاه الله أنه لا يتكلّم أحد بشيء إلّا حملته الريح فيعلم ما يقول(4).
وعن أبي حمزة عن الأصبغ بن نباته قال: خرج سليمان بن داود من بيت المقدّس مع ثلاثمائة ألف كرسى عن يمينه عليها الانس وثلاثمأة ألف كرسى عن يساره عليها الجنّ، وأمر الطير فأظلّتهم وأمّا الريح فحملتهم حتّى وردت بهم المداين، ثمّ رجع وبات في اصطخر، ثمّ غدا فانتهى إلى جزيرة بركاوان(1)، ثمّ أمر الريح فخفضتهم حتّى كادت أقدامهم يصيبها الماء، فقال بعضهم لبعض: هل رأيتم ملكا أعظم من هذا؟ فنادى ملک (من السماء): لثواب تسبيحة واحدة أعظم مما رأيتم(2).
وعن الثمالي عن أبي جعفر علیه السلام قال: كان ملک سليمان ما بين الشامات إلى بلاد اصطخر(3).
وفيه عن الطبرسي قال: قال محمّد بن كعب بلغنا أنّ سليمان بن داود علیه السلام كان عسكره مأئة فرسخ خمسة وعشرون للانس وخمسة وعشرون للجنّ وخمسة وعشرون للوحش وخمسة وعشرون للطير وكان له ألف بيت من القوارير على الخشب فيها ثلاثمأة مهيرة وسبعمائة سرية فيأمر الريح العاصف فترفعه ويأمر الرّخاء فتسير به، فأوحى الله إليه وهو يسير بين السماء والأرض أنى قد زدت في ملكک انّه لا يتكلّم أحد من الخلايق بشيء إلّا جائت الريح فأخبرتک.
وقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان بساطا فرسخ في فرسخ ذهبا في ابريسم وكان يوضع فيه منبر من ذهب في وسط البساط فيقعد عليه وحوله ثلاثة
آلاف كرسي من ذهب وفضة، فيقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسيّ الفضّة وحولهم الناس وحول الناس الجنّ والشياطين وتظلّها الطّير بأجنحتها حتّى لا تقع عليهم الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، ومن الرواح إلى الصباح(1).
وروى أنّ سليمان علیه السلام لما ملک بعد أبيه أمر باتخاذ كرسىّ ليجلس عليه للقضاء وأمر بأن يعمل بديعا مهولا بحيث أن لو رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيب.
قال: فعمل له كرسي من أنياب الفيلة وفصّصوه بالياقوت واللّولو والزّبرجد وأنواع الجواهر وحفظوه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الأحمر والزّمرّد الأخضر على رأس نخلتين منها طاوسان من ذهب وعلى رأس الاخرين نسران من ذهب بعضها مقابلا لبعض، وجعلوا من جنبي الكرسي أسدين من الذهب على رأس كلّ واحد منهما عمود من الزّمرّد الأخضر وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر واتّخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر بحيث يظلّ عريش الكروم النخل والكرسي.
قال: وكان سليمان علیه السلام إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسي كلّه بما فيه دوران الرحى المسرعة وتنشر تلک النسور والطواويس أجنحتهما وتبسط الأسدان أيديهما فتضربان الأرض بأذنابهما، فكذلک كلّ درجة يصعدها سليمان علیه السلام .
فاذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللّذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان ثمّ يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاوسان
1) . مجمع البيان: 7/335؛ بحار الأنوار: 14/80.
والأسدان مائلات برءوسها إلى سليمان ينضحن(1) عليه من أجوافها المسک والعنبر.
ثمّ تناولت حمامة من ذهب قائمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسي التوراة فيفتحها سليمان ويقرئها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء، ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسيّ من الذهب المفصّصة بالجوهر وهي ألف كرسيّ عن يمينه، وتجيء عظماء وتجلس على كراسيّ الفضّة على يساره وهي ألف كرسىّ حافّين جميعا به ثمّ يحفّ بهم الطير فتظلّهم وتتقدّم إليه الناس للقضاء.
فاذا دعى البيّنات والشهود لإقامة الشهادات درا الكرسيّ بما فيه مع جميع ما حوله دوران الرحا المسرعة ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما و ينشر النسران والطاوسان أجنحتهما فيفزع منه الشهود ويدخلهم من ذلک رعب و لا يشهدون إلّا بالحقّ(2).
وروى أنّ سليمان بن داود علیه السلام مرّ في موكبه والطير تظلّه والجنّ والانس عن يمينه وعن شماله بعابد من عبّاد بني إسرائيل فقال: والله يا ابن داود لقد أتاک الله ملكا عظيما، فسمعه سليمان فقال: للتسبيحة في صحيفة مومن خير مما اعطى ابن داود وإنّ ما أعطى ابن داود تذهب وأنّ التسبيحة تبقى(3).
وكان سليمان إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتّى يجيء إلى
المساكين ويقعد معهم ويقول مسكين مع المساكين(1).
وكان سليمان مع ما هو فيه من الملک يلبس الشعر واذا جنّه اللّيل شدّ يديه إلى عنقه فلا يزال قائما حتّى يصبح باكيا وكان قوته من سفايف الخوص يعملها بيده وإنما سأل الملک ليقهر ملوک الكفر(2).
قال ابن أبي الحديد: هذا الكلام فسّره كلّ طائفة على حسب اعتقادها، فالإماميّة تزعم أنّ المراد به المهدي المنتظر عندهم، والصوفية يزعمون أنّه يعني به ولي الله في الأرض، وعندهم أنّ الدّنيا لا تخلو عن الأبدال وهم أربعون، وعن الأوتاد وهم سبعة، وعن القطب وهو واحد، فإذا مات القطب صار أحد السبعة قطبا عوضه، وصار أحد الأربعين وتدا عوض ذاک الوتد، وصار بعض الأولياء الّذين يصطفيهم الله تعالى بدلا بدل ذلک البدل.
وأصحابنا يزعمون أنّ الله تعالى لا يخلي الامّة من جماعة المومنين العلماء بالعدل والتوحيد، وأنّ الإجماع إنّما يكون حجّة باعتبار أقوال أولئک العلماء، لكن لمّا تعذّرت معرفتهم بأعيانهم اعتبر إجماع سائر العلماء، وإنّما الأصل قول أولئک، قالوا: وكلام أميرالمومنين علیه السلام ليس يشير فيه إلى جماعة أولئک العلماء من حيث هم جماعة، ولكنّه يصف حال كلّ واحد منهم، فيقول: من صفته كذا ومن صفته كذا، و الفلاسفة يزعمون أنّ مراده علیه السلام بهذا الكلام العارف، ولهم في العرفان وفي صفات
أربابه كلام يعرفه من له انس بأقوالهم، وليس يبعد عندي أن يريد علیه السلام به القائم من آل محمّد صلی الله علیه واله في آخر الوقت إذا خلقه الله تعالى، وإن لم يكن الآن موجودا فليس في الكلام ما يدلّ على وجوده الآن، وقد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أنّ الدّنيا والتكليف لا ينقضي إلّا عليه(1).
ولكن يقال: إنّ كلّ طائفة وإن فسّرت كلامه علیه السلام على حسب اعتقادها إلّا أنّ المتّبع ما شفّع بالبرهان، وهو قول الامامية: أمّا أصله فقد أقرّ باتّفاق فرق المسلمين عليه، وأمّا فرعه وهو كونه موجودا الآن فيدلّ عليه كلامه علیه السلام المتواتر عنه لكميل المذكور في النّهج: «اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا، لئلّا تبطل حجج الله وبيّناته»(2) كما اعترف به ثمّة(3)،
وأمّا قول الصوفية والمعتزلة والفلاسفة فسبحانه، ولهم ما يشتهون.
الجنّة بالضّم: ما استترت به من سلاح(4)، ويكفي في شرافة الحكمة قوله تعالى :
(... يُوْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُوْتَ الْحِكْمَةَ فقد أوتى خيراً كثيراً)(5).
قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام : الْحِكْمَةُ ضِيَاءُ الْمَعْرِفَةِ وَمِيرَاثُ التَّقْوَى وَثَمَرَةُ الصِّدْقِ وَمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ أَعْظَمَ وَأَنْعَمَ وَأَجْزَلَ وَأَرْفَعَ وَأَبْهَى مِنَ الْحِكْمَةِ لِلْقَلْبِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: (يُوْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُوْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ
إِلّا أُولُوا الاَْلْبابِ) أَيْ لا يَعْلَمُ مَا أَوْدَعْتُ وَهَيَّأْتُ فِي الْحِكْمَةِ إِلّا مَنِ اسْتَخْلَصْتُهُ لِنَفْسِي وَخَصَصْتُهُ بِهَا وَالْحِكْمَةُ هِيَ النَّجَاةُ وَصِفَةُ الْحَكِيمِ الثَّبَاتُ عِنْدَ أَوَائِلِ الاُْمُورِ وَالْوُقُوفُ عِنْدَ عَوَاقِبِهَا وَهُوَ هَادِي خَلْقِ اللهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى(1)
وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله ذَاتَ يَوْمٍ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ إِذْ لَقِيَهُ رَكْبٌ فَقَالُوا السَّلامُ عَلَيْکَ يَا رَسُولَ اللهِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَا أَنْتُمْ فَقَالُوا مُوْمِنُونَ فَقَالَ مَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكُمْ قَالُوا الرِّضَا بِقَضَاءِ اللهِ وَالتَّسْلِيمُ لاَِمْرِ اللهِ وَالتَّفْوِيضُ إِلَى اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلی الله علیه واله عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ كَادُوا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْحِكْمَةِ أَنْبِيَاءَ فَإِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَلا تَبْنُوا مَا لا تَسْكُنُونَ وَلا تَجْمَعُوا مَا لا تَأْكُلُونَ وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(2).
أى: شرائطها وآدابها.
عن الشواغل.
لأهميتها، وروي القمي في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِِ...(3) عن أبي عبدالله علیه السلام ، قال: أما والله ما أوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال
ولا أهل ولا بسط في جسم ولا جمال، ولكنّه كان رجلا قويّا في أمر الله، متورّعا في الله ساكتا سكّيتا عميق النظر، طويل الفكر، حديد النّظر، مستعبرا بالعبر، لم ينم نهارا قط، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط، ولا اغتسال لشدّة تستّره وتحفّظه في أمره، ولم يضحک من شيء قط مخافة الإثم، ولم يغضب قط، ولم يمازح إنسانا قط، ولم يفرح بشيء من أمر الدّنيا أتاه، ولا حزن منها على شيء قط، وقد نكح من النّساء، وولد له من الأولاد الكثير، وقدّم أكثرهم افراطا، فما بكى على أحد منهم، ولم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان إلّا أصلح بينهما، ولم يمض عنهما حتّى يتحاجزا، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلّا سأل عن تفسيره، وعمّن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء، وكان يغشى القضاة والملوک والسلاطين.
فيرثى للقضاة بما ابتلوا به، ويرحم الملوک والسلاطين لغرّتهم بالله، واطمينانهم في ذلک، ويعتبر ما يغلب به نفسه، ويجاهد به هواه، ويحترز به من الشيطان.
فكان يداوي قلبه بالفكر، ويداوي نفسه بالعبر، وكان لا يظعن إلّا في ما يعنيه فبذلک أوتي الحكمة، ومنح العصمة. فإنّ الله تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النّهار، وهدأت العيون بالقابلة أن ينادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم: هل لک أن يجعلک الله خليفة في الأرض تحكم بين النّاس فقال: إن أمرني الله بذلک فالسّمع والطاعة، ألا وإن فعل بي ذلک أعانني عليه، وعلّمني وعصمني، وإن هو خيّرني قبلت العافية. فقالت الملائكة: لم قال: لأنّ الحكم بين النّاس بأشدّ المنازل من الدين، وأكثر فتنا وبلاء، يخذل صاحبه، ولا يعذر، ويغشاه الظلمة من كلّ مكان، وصاحبه فيه بين أمرين: إن أصاب فيه الحقّ فبالحري أن يسلم، وإن أخطأ
أخطأ طريق الجنّة ـ إلى أن قال ـ فلمّا أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة، فغشّاه بها من قرنه إلى قدمه وهو نائم فاستيقظ وهو أحكم النّاس في زمانه، فخرج على النّاس ينطق بالحكمة ويبثّها فيهم ـ إلى أن قال ـ وكان داود علیه السلام يقول له: طوبى لک يا لقمان أوتيت الحكمة، وصرف عنک البلية. قال: واعطي داود الخلافة وابتلي بالحكم والفتنة(1).
أى: الحكمة.
كما قالوا: الحكمة ضالّة المومن(2).
ويكفي في فضلها أنّ الله تعالى نقل حكم لقمان للناس في كتابه(3).
لعلّ وجه ربطه بسابقه ـ إن لم يكن في الكلام سقط ـ أنّ مقتضى لبسه للحكمة جنّتها التي تحفظها من سلاح العدو، وأخذها بآدابها أن (يغترب)، ويعتزل حيث اغترب الاسلام، واعتزله الناس، لكن روى النّعماني عن أبي بصير قال: قلت لأبي
عبدالله علیه السلام : أخبرني عن قول أميرالمومنين علیه السلام : إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء فقال: يا أبا محمّد إذا قام القائم علیه السلام استأنف دعاء جديدا كما دعا رسول الله صلی الله علیه واله (1).
قال الجوهرى: عسيب الذنب: منبته من الجلد والعظم(2). ولكن في (النهاية)
في حديث عليّ علیه السلام : ذكر فتنة فقال: «إذا كان ذلک ضرب يعسوب الدين بذنبه». واليعسوب السيّد والرّئيس والمقدم، وأصله فحل النّحل. أى: فارق أهل الفتنة، وضرب في الأرض ذاهبا في أهل دينه وأتباعه الّذين يتبعونه على رأيه وهم الأذناب. وقال الزمخشرى: الضّرب بالذنب هاهنا مثل للإقامة والثبات، يعنى: أنّه يثبت هو ومن تبعه على الدّين(3).
ولكن الظاهر أنّه اشار إلى كلامه في (فائقه)(4). وقال في (أساسه) أيضا: وقال
عليّ علیه السلام في فساد الزّمان: «فاذا كان كذلک ضرب يعسوب الدين بذنبه» وهو مستعار من يعسوب النّحل وهو فحلها(5).
و(تفسير الزمخشرى) يويّده الجملة الآتية بعده على ما ترى.
جران البعير: مقدّم عنقه من مذبحه إلى منحره، والجمع جرن، وكذلک من الفرس(1). وضرب الأرض بالجران كناية عن التمكين. ـ وكان سئل علیه السلام عن قول النّبيّ صلی الله علیه واله : «غيّروا الشّيب» ـ: إنّما قال صلی الله علیه واله ذلک والدّين قل، فأمّا الآن وقد اتسع نطاقه، وضرب بجرانه فامرو وما اختار(2). وقال علیه السلام : اللّهمّ وقد استحصد زرع الباطل، وبلغ نهيته، واستحكم عموده، وخذرف وليده، و وسق طريده، وضرب بجرانه(3).
وكيف كان، فيمكن أن يكون الكلام إشارة إلى غيبة المهدي. روى الصدوق عن عبدالله بن الفضل الهاشمي عن الصادق علیه السلام قال: إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل. فقلت: ولم جعلت فداک قال: لأمر لم يوذن لنا في كشفه لكم. قلت: فما وجه الحكمة في غيبته قال: وجه الحكمة في غيبته: وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلک لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر علیه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى علیه السلام إلى وقت افتراقهما(4).
روى ابن بابويه عن الورّاق عن سعد بن عبدالله، عن أحمد بن إسحاق
الأشعري، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ علیه السلام وأنا اريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي مبتدئا: يا أحمد بن إسحاق إنّ الله تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، ولا يخلّيها إلى أن تقوم السّاعة من حجّة الله على خلقه، به يدفع الله البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه تخرج بركات الأرض. فقلت له: يابن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدک فنهض مسرعا فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر من أبناء ثلاث سنين. فقال: يا أحمد لو لا كرامتک على الله عزّ وجلّ وعلى حججه ما عرضت عليک ابني هذا، إنّه سميّ رسول الله صلی الله علیه واله ، وكنيّه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يا أحمد مثله في هذه الامة مثل الخضر، ومثل ذي القرنين، والله ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلّا من ثبّته الله عزّ وجلّ على القول بإمامته، ووفّقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه. قال أحمد: فقلت: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي فنطق الغلام بلسان فصيح فقال: أنا بقية الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، ولا تطلب يا أحمد أثرا بعد عين. فخرجت فرحا، فلمّا كان من الغد عدت إليه، فقلت: يابن رسول الله لقد عظم سروري بما مننت به عليّ، فما السّنّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين قال : طول الغيبة.
قلت: وإنّ غيبته لتطول قال: إي وربي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به...(1) هذا.
وقوله علیه السلام : «بقية» وقوله: «خليفة» بدون تعريف نكتة أنّ القائم علیه السلام كان أمره
1) . كمال الدين: 2/384/ح 1؛ بحار الأنوار: 52/23/ح 16.
مستورا حتّى ادّعت العامة ـ كما رأيت من (ابن أبي الحديد) ـ عدم وجوده بعد(1)،
روى محمّد بن بابويه عن ابن الوليد عن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن أيوب بن نوح ـ وكلّهم أجلّة ثقات ـ قال: قلت للرّضا علیه السلام : إنّا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يردّه الله إليک من غير سيف، فقد بويع لک، وضربت الدراهم باسمک. فقال: ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع، وحملت إليه الأموال إلّا اغتيل أو مات على فراشه، حتّى يبعث الله عزّ وجلّ لهذا الأمر رجلا خفي المولد والمنشأ غير خفيّ في نسبه(2).
قال المجلسى؛: أشير إليه بالأصابع كناية عن الشهرة والاغتيال الأخذ بغتة و القتل خديعة والمراد هنا القتل بالآلة وبالموت القتل بالسم(3).
وروى مسندا عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني قال: قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى علیه السلام : إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد صلی الله علیه واله ، الّذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فقال علیه السلام : يا أبا القاسم ما منّا إلّا وهو قائم بأمر الله عزّ وجلّ وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الّذي يطهّر الله عزّ وجلّ به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملوها عدلا وقسطا هو الّذي تخفى على النّاس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميّ رسول الله صلی الله علیه واله وكنيّه، وهو الّذي تطوى له الأرض، ويذلّ له كلّ صعب، ويجتمع إليه أصحابه عدّة أهل بدر: ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض، وذلک قول
الله عزّ وجلّ: (... أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(1)، فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل
له العقد ـ وهو عشرة آلاف ـ رجل خرج بإذن الله عزّ وجلّ، فلا يزال يقتل أعداء الله حتّى يرضى الله عزّ وجلّ. قال عبد العظيم: فقلت له: يا سيّدي و كيف يعلم أنّ الله تعالى قد رضي قال: يلقي في قلبه الرّحمة فإذا دخل المدينة اخرج اللات والعزّى فأحرقهما(2).
هذا، وعن الصادق علیه السلام في من أوصى بجارية هديا للبيت: أنّ الكعبة لا تأكل ولا تشرب ما أهدى لها فهو لزوّارها بع الجارية، وقم على الحجر، وناد هل منقطع به، وهل من محتاج من زوّارها فإذا أتوک فسل عنهم واعطهم وأقسم فيهم عنها قال : فقلت له: إنّ بعض من سألته أمرني بدفعها إلى بني شيبة. فقال: أمّا إنّ قائمنا علیه السلام لو قد قام أخذهم قطع أيديهم، وطاف بهم، وقال: هولاء سرّاق الله(3).
وعن أبي بصير عن أبي عبدالله علیه السلام : أنّ القائم إذا قام ردّ البيت الحرام إلى أساسه، ومسجد الرسول إلى أساسه، ومسجد الكوفة إلى أساسه(4).
وقال الصادق علیه السلام : إنّ الله عزّ وجلّ آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأجساد بألفي عام، فإذا قام قائمنا ـ قائم أهل البيت ـ ورّث الأخ الذي اخي بينهما في الأظلة، ولم يورّث الأخ من الولادة(5).
وقال الصادق علیه السلام : أوّل ما يظهر القائم علیه السلام من العدل أن ينادي مناديه أن يسلّم أصحاب النافلة لأصحاب الفريضة الحجر الأسود، والطواف بالبيت(1).
وعَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِاللهِ علیه السلام دَمَانِ فِي الاِْسْلامِ حَلالٌ مِنَ اللهِ لا يَقْضِي فِيهِمَا أَحَدٌ حَتَّى يَبْعَثَ اللهُ قَائِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِذَا بَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَائِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ حَكَمَ فِيهِمَا بِحُكْمِ اللهِ لا يُرِيدُ عَلَيْهِمَا بَيِّنَةً الزَّانِي الْمُحْصَنُ يَرْجُمُهُ وَمَانِعُ الزَّكَاةِ يَضْرِبُ عُنُقَهُ(2)،(3).
وقال أبو جعفر علیه السلام : أوّل ما يبدأ قائمنا علیه السلام سقوف المساجد، فيكسرها، ويأمر بها فتجعل عريشا كعريش موسى علیه السلام (4).
بعد الإشارة إلى المهدي علیه السلام ثم قال: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ بِهَا الاَْنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ
وممّن كان من الأنبياء أو مثل الأنبياء لقمان الحكيم الّذي ينقل الله تعالى مواعظه في القرآن في قوله جلّ وعلا: (وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِکْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْکَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الاِْنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى
1) . من لا يحضره الفقيه: 2/525/ح 3132؛ بحار الأنوار: 52/374/ح 169.
2) . قال في المدارک: قال العلامة في التذكرة: وأجمع المسلمون كافة على وجوبها في جميعالاعصار وهي أحد الاركان الخمسة إذا عرفت هذا فمن أنكر وجوبها ممن ولد على الفطرةونشأ بين المسلمين فهو مرتد يقتل من غير أنّ يستتاب وان لم يكن عن فطرة بل أسلم عقيبكفر استتيب مع علمه بوجوبها ثلاثا فان تاب والا فهو مرتد وجب قتله وإن كان ممن يخفىوجوبها عليه لانه نشأ بالبادية أو كان قريب العهد بالإسلام عرف وجوبها ولم يحكم بكفره.هذا كلامه؛ وهو جيد وعلى ما ذكره من التفصيل تحمل رواية أبان بن تغلب. (آت)
3) . الكافي: 3/503/ح 5؛ بحار الأنوار: 52/371/ح 162.
4) . من لا يحضره الفقيه: 1/236/ح 706؛ وسائل الشيعة: 5/207/ح 6342 ـ 4.
وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْکَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جاهَداکَ عَلى أَنْ تُشْرِکَ بِي ما لَيْسَ لَکَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَکُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الاَْرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ... يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَکَ إِنَّ ذلِکَ مِنْ عَزْمِ الاُْمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّکَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الاَْرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كلّ مُختالٍ فَخُور)(1).
وممّن كان في درجة الأنبياء مومن آل فرعون وقد نقل الله مواعظه في قوله جلّ ثناوه: (وَقالَ رَجُلٌ مُوْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَکُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَکُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْکُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الاَْرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلّا سَبِيلَ الرَّشادِ * وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الاَْحْزابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ * وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ * وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَکٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَکَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِکَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ * الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِکَ
1) . لقمان: 13 ـ 19.
يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ـ إلى أن قال ـ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ * يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُوْمِنٌ فَأُولئِکَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ * وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لاَِكْفُرَ بِاللهِ وَ أُشْرِکَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الآْخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ * فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ)(1).
قال الرضا علیه السلام : قال النبيّ صلی الله علیه واله : خلق الله عزّ وجلّ مئة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي أنا أكرمهم على الله ولا فخر، وخلق الله عزّ وجلّ مئة ألف وصي، وأربعة وعشرين ألف وصي فعليّ أكرمهم على الله وأفضلهم(2).
وروى ابن المغازلي عن ابن بريدة قال: قال النبيّ صلی الله علیه واله : لكلّ نبي وصي ووارث وإنّ وصيي ووارثي عليّ بن أبي طالب(3).
ولكونه علیه السلام فعل فعل جميع الأنبياء والأوصياء في وعظ الناس ودعوتهم إلى الله تعالى، وترغيبهم في دارهم الآخرة، قال النبيّ صلی الله علیه واله كما روى أحمد ابن حنبل
«من أراد أن ينظر إلى آدم في حلمه، وإلى إبراهيم في خلّته، و إلى يحيى في زهده، وإلى موسى في بطشه ـ وفي خبر في مناجاته ـ وإلى إدريس في تمامه وكماله وجماله. فلينظر إلى هذا الرجل المقبل» فتطاول الناس. فإذا هم بعليّ علیه السلام كأنّما ينقلب في صبب(1)، وينحطّ من جبل(2).
قال ابن أبي الحديد: الأوصياء الذين يأتمنهم الأنبياء على الأسرار الإلهية وقد يمكن أن لا يكونوا خلفاء بمعنى الإمرة والولاية. فإنّ مرتبتهم أعلى من مراتب الخلفاء(3).
قال التسترى: يمكن أن لا يكون للأنبياء أنفسهم إمرة وولاية. فنوح وابراهيم وموسى وعيسى، وهم من أولي العزم من الرسل لم يكن لهم إمرة وولاية، والإمرة وإن كانت حقّهم إلّا أنّ جبابرة عصرهم لم يدعوها، ونبيّنا صلی الله علیه واله وهو سيّد الرسل لم تكن له قبل هجرته إمرة، والملک أمر وراء النبوّة ووراء وصاية النبوّة، يوتيه الله من يشاء وينزعه ممّن يشاء، وأمّا النبوّة والوصاية، فأمران من الله لا يجعلهما إلّا في نفس كاملة ملكوتية، ولا يمكن انتزاعهما منهما، والمتقدّمون على أميرالمومنين علیه السلام إنّما أخذوا منه سلطان النبيّ صلی الله علیه واله وحكومته دون وصايته وخلافته. فتعبير ابن أبي الحديد من مراتب الخلفاء غلط(4).
من (حدوت الابل) إذا سقتها.
من استوسقت الإبل إذا اجتمعت.
روى الكلينى عن الاصبغ خطبة له علیه السلام لما طلب منه علیه السلام ولد أبي بكر وابن عمر، و سعد بن أبي وقاص تفضيلهم في العطاء على غيرهم وفي الخطبة: «و قد عاتبتكم بدرّتي الّتي أعاتب بها أهلي. فلم تبالوا، وضربتكم بسوطي الّذي اقيم به حدود ربّي، فلم ترعووا(1)، وتريدون أن أضربكم بسيفي أما انّي اعلم الّذي تريدون، ويقيم أودكم(2)، ولكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي(3) بل يسلّط الله عليكم قوما، فينتقم لي منكم. فلا دنيا استمتعتم بها، ولا آخرة صرتم إليها، فبعدا وسحقا لأصحاب السعير(4).
والشيء بالشيء يذكر، وقد رأيت أن أنقل بمناسبة كلامه علیه السلام هذا قصّة المغيرة بن شعبة مع حجر بن عدي. فإنّها شبيهة بالصورة مع كلامه علیه السلام ، هذا وإن كانت في المعنى بالعكس. قال الطبري: أنّ معاوية لمّا ولّى المغيرة الكوفة في سنة (41) قال له: قد أردت إيصاءک بأشياء كثيرة. فأنّا تاركها اعتمادا على بصرک بما يرضيني،
ويسعد سلطاني، ولست تاركا إيصاءک بخصلة وهي أن لا تتحمّ عن شتم علي وذمّه، والترحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليّ والإقصاء لهم، وترک الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان، والإدناء لهم والاستماع منهم. فقال له المغيرة: قد جرّبت وجرّبت، وعملت قبلک لغيرک. فلم يذمم بي دفع، ولا رفع ولا وضع فستبلو. فأقام عاملا سبع سنين وأشهرا، وهو من أحسن شيء سيرة، غير أنّه لا يدع ذم عليّ علیه السلام والوقوع فيه والعيب لقتلة عثمان، واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة والاستغفار له، والتزكية لأصحابه. فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلک يقول: «بل إيّاكم ذمم الله ولعن» ثم يقول فيقول: «إنّ الله عزّ وجلّ يقول : (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ)» وأنا أشهد أنّ من تذمّون لأحقّ بالفضل، وأنّ من تزكّون لأولى بالذمّ» فيقول له المغيرة: «لقد رمي بسهمک يا حجر إذ كنت أنا الوالي عليكم اتّق يا حجر ويحک غضب السلطان. فإنّ غضبه أحيانا ممّا يهلک أمثالک» ثم يكفّ عنه. فلم يزل كذلک حتّى كان في آخر امارته قام المغيرة فقال في عليّ وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: «اللهم ارحم عثمان، واجزه بأحسن عمله. فإنّه عمل بكتابک، وسنّة نبيّک، وقتل مظلوما، وارحم أنصاره والطالبين بدمه» ـ ويدعو على قتلته، فقام حجر فنعر بالمغيرة نعرة سمعها من كان خارجا من المسجد. وقال: «انّک لا تدري بمن تولع من هرمک. أصبحت مولعا بذمّ أميرالمومنين، وتقريظ المجرمين» فنزل المغيرة فقالوا له: «علام تترک هذا الرجل يقول هذه المقالة، وأنّ ذلک إن بلغ معاوية كان أسخط» فقال لهم المغيرة: «إنّي قد قتلته. إنّه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي. فيأخذه عند أوّل وهلة فيقتله شرّ قتلة انّه قد اقترب أجلي، ولا أحبّ أنّ ابتدئ أهل
هذا المصر بقتل خيارهم فيسعدوا بذلک وأشقى، ويعزّ في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة» ثم ذكر الطبري موت المغيرة سنة (51) وولاية زياد وعمله مع حجر بما هو مذكور في التاريخ(1).
أى تعجباً منكم.
وقد قال النبيّ صلی الله علیه واله فيه: «الحقّ يدور مع على حيثما دار»(2).
وروى البغدادي ـ في وفود ام الخير البارقية على معاوية ـ فقال معاوية لأصحابه: أيّكم يحفظ كلامها في صفين فقال أحدهم: أنا أحفظه مثل سورة الحمد. كأنّي بها وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول: «أيّها الناس إنّ الله قد أوضح الحق، ونوّر السبيل. فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمة. إلى أين تريدون. أفرارا عن أميرالمومنين أم رغبة عن الاسلام أم ارتدادا عن الحقّ. هلمّوا إلى الإمام العادل. والوصيّ الوفيّ، والصدّيق الأكبر، فإلى أين تريدون عن ابن عم رسول الله، وزوج ابنته، وأبي إبنيه. الّذي خلق من طينته، وتفرّع من نبعته. الّذي خصّه بسرّه، وجعله باب مدينته، وأبان ببغضه المنافقين، صلّى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون. حتّى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرّق جمع هوازن. فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا ورّدة وشقاقا(3).
بغلبة أهل الجور.
قال ابن أبي الحديد(1): هذه الخطبة آخر خطبة خطب علیه السلام بها قائما.
ولكن إن وجد في ذلک خبرا، وإلّا فالمحقق كونه قرب شهادته علیه السلام باسبوع. ففي ذيلها «قال نوف: وعقد للحسين علیه السلام في عشرة آلاف ـ إلى أن قال ـ وهو يريد الرجعة إلى صفّين، فما دارت الجمعة حتى ضربه الملعون»، وأمّا كونها أخيرها فغير معلوم.
بكون الأمر في يدي أهل الحق، زمن النبي صلی الله علیه واله أو في أيّام خلافته علیه السلام فيكون إشارة إلى قرب ارتحاله من دار الفناء.
بتصدي أهل الباطل للأمر بعد النبي صلی الله علیه واله لا سيما في زمن عثمان، لخلوص الأمر لبني اميّة، كما صرّح به أبو سفيان واستيلاء معاوية على البلاد.
أى: عزم.
أى: الارتحال.
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 10/112.
فكل شريف أو وضيع لا يمتّع من الدنيا إلّا قليلا.
فمن كان أدنى أهل الآخرة ثوابا، كان له من النعمة سبعين ضعفا من نعيم الدنيا، من أوّلها إلى آخرها.
أخذ كلامه علیه السلام من أوّله إلى هنا سليمان بن صرد الخزاعي، لما أراد الطلب بدم الحسين علیه السلام ، فكتب إلى سعد بن حذيفة اليماني بالمدائن: إنّ الدنيا دار قد أدبر منها ما كان معروفا، وأقبل منها ما كان منكرا، وأصبحت قد تشنّأت إلى ذوي الألباب، و أزمع الترحال منها عباد الله الأخيار وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بجزيل مثوبة عند الله لا يفنى(1).
ونظير كلامه علیه السلام كلام ابنه الحسين علیه السلام في خطبته أصحابه بذي حسم، حين وصل الحر مع ألف فارس من قبل ابن زياد إليه، قال الطبري: قام علیه السلام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال لأصحابه: إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وانّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها واستمرّت حذاء فلم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحق لا يعمل به، وأنّ الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المومن في لقاء الله محقّا، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا بر ما. فقام زهير بن القين البجلي فقال لأصحابه: تكلمون أم
1) . تاريخ الطبري: 4/429 سنة 65.
أتكلّم قالوا: بل تتكلم. فقال له: قد سمعنا يابن رسول الله مقالتک، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلدين إلا أنّ فراقها في نصرک ومواساتک، لآثرنا الخروج معک على الإقامة فيها.
فدعا له الحسين علیه السلام ، وأقبل الحر يسايره وهو يقول له: يا حسين إنّي اذكّرک الله في نفسک، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلن. فقال علیه السلام له: أ فبالموت تخوّفني وهل يعدو بكم الخطب إلّا أن تقتلوني أقول لک ما قال أخو الأوس لابن عمه ـ لما لقيه وهو يريد نصرة النبي صلی الله علیه واله ، وقال له أين تذهب فإنّک مقتول ـ:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى***إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه***و فارق مثبورا يغش ويرغما(1)
اصيب بصفّين من أهل الشام خمسة وأربعون ألفا، ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفا(2).
وقال المسعودي: كانت عدة الوقائع بين أهل العراق والشام سبعين وقعة، وقد تنوزع في مقدار من قتل بها من الفريقين، فعن يحيى بن معين: قتل منهما مائة ألف و عشرة آلاف، في مائة يوم وعشرة أيام، تسعون ألفا من أهل الشام، وعشرون ألفا من أهل العراق. وأما الهيثم بن عدي الطائي والشرقي بن القطامي وأبو مخنف لوط بن يحيى فذكروا: أنّ جملة من قتل منهما سبعون ألفا خمسة وأربعون من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق، فيهم خمسة وعشرون بدريا. والعدّ
كان يقع بالقضيب، والإحصاء للقتلى في كلّ وقعة. وتحصيل هذا يتفاوت، لأنّ فيهم من لا يعرف، ومن غرق، ومن قتل فأكله السباع(1).
من: ساغ الشراب، أى: سهل مدخله في الحلق. قال الجوهري(2): يتعدى ولا
يتعدى، والأجود في المتعدي أساغ، قال تعالى: يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ(3).
الْغُصَصَ
بالفتح، مصدر غصّ بالطعام، أو ـ بالضم ـ جمع الغصة.
أى: المكدر، قال ابن الرومي.
قد قلت اذ مدحوا الحياة فأكثروا***للموت ألف فضيلة لا تعرف
فيها أمان لقائه بلقائه***و فراق كلّ معاشر لا ينصف(4)
قال عتبة بن جويرية يوم صفين: ألا إنّ مرعى الدنيا قد أصبح شجرها هشيما، وأصبح زرعها حصيدا، وجديدها سملا، وحلوها مرّا. ألا وإنّي انبّئكم نبأ امرىء صادق: إنّي سئمت الدنيا، وعزفت نفسي عنها، وقد كنت أتمنى الشهادة وأتعرّض لها في كلّ حين، فأبى الله إلّا أن يبلغني هذا اليوم، ألا وإنّي متعرّض ساعتي هذه
لها، و قد طمعت ألّا احرمها. فما تنظرون عباد الله جهاد الله، أ تستبدلون الدنيا بالنظر إلى وجه الله عز وجل، ومرافقة النبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين في دار القرار ما هذا بالرأي السديد. ثم قال لإخوته: إنّي قد بعت هذه الدار بالتي أمامها، وهذا وجهي إليها.
فتبعه أخواه عبيد الله وعوف ابنا مالک، وقالا: لا نطلب رزق الدنيا بعدک، قبّح الله العيش بعدک، اللّهم إنّا نحتسب أنفسنا عندک. ثم استقدموا فقاتلوا، حتى قتلوا(1).
وقال أبو عرفاء جبلة بن عطية الذهلي في صفين للحضين بن المنذر: هل لک أن تعطيني رايتک أحملها، فيكون لک ذكرها ويكون لي أجرها، أعيرها عنک ساعة فما أسرع ما ترجع إليک فعلم أنّه يريد أن يستقتل، فقال: فما شئت. فاخذ أبو عرفاء الراية، فقال: يا أهل هذه الراية، إنّ عمل الجنة كره كلّه، وإنّ عمل النار خف كلّه، وإنّ الجنّة لا يدخلها إلّا الصابرون الذين صبروا أنفسهم على فرائض الله وأمره، وليس شيء مما افترض الله على العباد أشدّ من الجهاد، وهو أفضل الأعمال ثوابا، فاذا رأيتموني قد شددت فشدوا، ويحكم أما تشتاقون إلى الجنّة أما تحبون أن يغفر الله لكم فشدّ وشدوا معه، حتى قتل(2).
وقال الطبري: قاتلت النخع في صفين قتالا شديدا فأصيب منهم يومئذ بكر بن هوذة، وحيان بن هوذة، وشعيب بن نعيم من بني بكر النخع، وربيعة بن مالک، وأبي بن قيس أخو علقمة الفقيه، وقطعت رجل علقمة يومئذ، فكان يقول: ما أحب أن
رجلي أصح ما كانت، وأنّها لممّا أرجو به حسن الثواب من ربّي عز وجل، ولقد كنت احبّ أن أرى في نومي أخي أو بعض إخواني، فرأيت أخي فقلت: ما ذا قدمتم عليه فقال: التقينا نحن والقوم فاحتججنا عند الله عز وجل، فحججناهم. فما سررت منذ عقلت مثل سروري بتلک الرويا(1).
هذا، وأخذ كلامه علیه السلام من قوله: «ما ضر اخواننا الذين سفكت دماوهم بصفين» إلى هنا سليمان بن صرد الخزاعي أيضا، فكتب إلى سعد بن حذيفة أيضا: ما ضر أهل عذراء ـ يعني حجرا وأصحابه ـ الذين قتلوا ألّا يكونوا اليوم أحياء، وهم عند ربّهم يرزقون، شهداء قد لقوا الله صابرين محتسبين، فأثابهم ثواب الصابرين وما ضرّ إخوانكم المقتلين صبرا، المصلبين ظلما، والممثول بهم، المعتدى عليهم ألا يكونوا أحياء مبتلين بخطاياكم، قد خيّر لهم فلقوا ربهم ووفاهم أجرهم(2).
أى: طريق الله عز وجل.
كما أمرهم سبحانه: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...)(3).
قال الطبري: قال أبو عبد الرحمن السلمى: رأيت عمّارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلّا تبعه من كان هناک من أصحاب محمّد صلی الله علیه واله ، ورأيته جاء إلى هاشم
بن عتبة المرقال صاحب راية علي علیه السلام ، فقال: يا هاشم أعورا وجبنا لا خير في أعور لا يغشى البأس، اركب يا هاشم. فركب هاشم ومضى وهو يقول:
أعور يبغي أهله محلا***قد عالج الحياة حتى ملا
لا بدّ أن يفلّ أو يفلا(1)
وقال عبد الرحمن بن ابزى: شهدنا مع علي علیه السلام صفين ممن بايع بيعة الرضوان، فقتل منّا ثلاثة وستون، منهم عمّار(2).
قال الطبري: عمّار بن ياسر بن عامر بن مالک بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام ابن عنس. قدم أبوه من اليمن إلى مكة في طلب أخ له، فأقام وحالف أبا حذيفة بن المغيرة المخزومي، فزوّجه أبو حذيفة أمة له يقال لها: سمية بنت خباط، فولدت له عمّارا، فأعتقه أبو حذيفة ولم يزل هو وأبوه مع أبي حذيفة إلى أن جاء الله بالاسلام، فأسلم هو وأبوه و امّه(3).
هذا، وقال ابن قتيبة: خلف على ام عمّار بعد ياسر، الأزرق وكان غلاما روميا للحارث بن كلدة، فولدت له سلمة بن الأزرق، فهو أخو عمّار لامّه. وهذا غلط فاحش من ابن قتيبة، وإنّما خلف الأزرق على سميّة امّ زياد، زوّجه مولاه الحارث بن كلدة منها، لأنّه كان مولى لهما، فسلمة الأزرق أخو زياد لامّه لا أخو
عمّار، وليس بين سميّة ام عمّار وسميّة ام زياد نسب ولا سبب(1).
ولكن يقال لم يتفرّد بما قال من تزوّج الأزرق بسميّة امّ عمّار، وكون سلمة بن الأزرق أخا عمّار لامّه ابن قتيبة فقط، بل قال به قبله البلادري(2)، وبعده
الطبري(3). والتحقيق: أنّ الأزرق تزوّج بامّ عمّار قبل ياسر أبيه، كما صرّح به البلاذري(4)، وتوهّم ابن قتيبة والطبري في العكس، فامّ عمّار لم تفارق أباه حتى قتلت معه، قال البلاذري: «كان عمّار وأبوه وامه وأخوه عبدالله يعذبون في الله، فمرّ بهم النبي صلی الله علیه واله فقال: صبرا آل ياسر فإنّ موعدكم الجنّة. فمات ياسر في العذاب، وأغلظت سميّة لأبي جهل، فطعنها في قلبها فماتت...»(5) كتوهّم صاحب (الاستيعاب) في كون سلمة بن الأزرق أخا زياد لامّه(6)، فلم يقل ذلک أحد، وإنّما كان لزياد أخوان من امّه: نافع وأبو بكرة(7).
وهاجر ـ في قول جميع أهل السير ـ إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، وقالوا جميعا: شهد بدرا واحدا والخندق والمشاهد، وآخى النبي صلی الله علیه واله بينه و بين حذيفة(8).
ولقي علي علیه السلام رجلين خرجا من الحمام متدهنين، فقال: من أنتما قالا: من المهاجرين. قال: كذبتما، إنّما المهاجر عمّار(9).
وعن ابن عباس قال عثمان لعمّار: أما والله إنّک ما علمت من أعوان الشر الحاضّين عليه، الخذلة عند الخير والمثبّطين. فقال عمّار: مهلا يا عثمان فقد سمعت النبي صلی الله علیه واله يصفني بغير ذلک. قال عثمان: ومتى قال: يوم دخلت عليه منصرفه من الجمعة وليس عنده غيرک، وقد ألقى ثيابه وقعد في فضله، فقبّلت صدره ونحره وجبهته، فقال: يا عمّار إنّک لتحبنا وإنّا لنحبک، وإنّک من الأعوان على الخير المثبّطين عن الشر.
فقال عثمان: أجل، ولكنّک غيّرت وبدّلت. فرفع عمّار يده يدعو، وقال: أمّن يابن عباس. فقال: اللّهم من غيّر فغيّر به. قاله ثلاث مرات(1).
وقال ابن أبي الحديد: وللحلف والولاء الذي بين مخزوم وبين عمّار وأبيه كان اجتماع مخزوم إلى عثمان، حين نال غلمان عثمان من عمّار ما نالوا من الضر، حتى انفتق له فتق في بطنه، وزعموا أنّهم كسروا ضلعا من أضلاعه، فقالوا: والله لئن مات عمّار، لا قتلنا به أحدا غير عثمان(2).
وعن ابن عباس: نزل قوله تعالى: (أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها...)(3) في عمّار وأبي
جهل. وأجمع أهل التفسير أنّه نزل في عمّار قوله تعالى (... مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلّا...)(4) لما عذب في الله فأعطاهم ما أرادوا بلسانه، وهاجر إلى الحبشة
وصلّى القبلتين(5).
واعلم، ربط جعل أبي جهل في قباله، لكون أبي جهل، من مخزوم وعمّار كان حليف مخزوم.
وقال الجزرى: قال عمّار لعايشة بعد الجمل: ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليک. فقالت عايشة: والله إنّک ما علمت لقوّال بالحق. قال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانک(1).
وفي (الاستيعاب): في اسنادين عن عايشة: ما من أحد من أصحاب النبي صلی الله علیه واله ان أشأ أن أقول فيه قلت إلّا عمّارا، فإنّي سمعت النبي صلی الله علیه واله يقول: عمّار حشي ما بين أخمص قدميه إلى شحمة اذنيه إيمانا(2).
ومن حديث خالد بن الوليد: قال النبي صلی الله علیه واله : من أبغض عمّارا أبغضه الله. قال خالد: فما زلت احبه من يومئذ. وعن أنس قال النبي صلی الله علیه واله : اشتاقت الجنّة إلى عليّ وعمّار وسلمان وبلال(3).
ومن حديث علي علیه السلام : جاء عمّار يستأذن على النبي صلی الله علیه واله فعرف صوته، فقال : مرحبا بالطيّب المطيّب ايذنوا له(4). ورواه نصر: (مرحبا بالطيّب ابن الطيّب)(5).
وكان يوم صفين، أصحاب محمّد صلی الله علیه واله يتبعونه كأنّه علم لهم، ويقول:
نحن ضربناكم على تنزيله***فاليوم نضربكم على تأويله
ضربا يزيل الهام عن مقيله***ويذهل الخليل عن خليله(6)
وقيل: إنّ أبا الغادية عاش إلى زمن الحجاج، فدخل عليه فأكرمه وقال له: أنت
قتلت ابن سميّة قال: نعم. قال: من سرّه أن ينظر إلى عظيم الباع يوم القيامة فلينظر إلى هذا الذي قتل ابن سميّة. ثم سأله حاجته، فلم يجبه إليها، فقال: نوطّىء لهم الدنيا، ولا يعطوننا منها، ويزعم أنّي عظيم الباع يوم القيامة. فقال الحجاج: أجلّ والله، من كان ضرسه مثل احد، وفخذه مثل جبل ورقان، ومجلسه مثل المدينة والربذة، إنّه لعظيم الباع يوم القيامة، والله لو أنّ عمّارا قتله أهل الأرض لدخلوا كلّهم النار(1).
وكان أبو الغادية إذا استأذن على معاوية وغيره، قال: قاتل عمّار بالباب. وكان يصف قتله اذا سئل عنه لا يباليه، وفي قصّته عجب عند أهل العلم: روى عن النبي صلی الله علیه واله قوله في عمّار، ثم قتله(2).
وعن الزيادي عن عبد الوارث عن زمعة بن كلثوم عن ابيه عن أبي الغادية قال سمعت النبي صلی الله علیه واله يقول: ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإن الحق يومئذ لمع عمّار. قال أبو الغادية: وسمعت عمّارا يذكر عثمان في المسجد، قال يدعى فينا جبانا، ويقول: إنّ نعثلا هذا يفعل ويفعل. يعيبه فلو وجدت يومئذ ثلاثة أعوان، لوطئته حتى أقتله، فبينما أنا بصفين إذا أنا به في أوّل الكتيبة، فطعنه رجل في كتفه، فانكشف المغفر عن رأسه، فضربت رأسه، فإذا رأس عمّار قد ندر. قال زمعة: قال أبى: فما رأيت شيخا أضلّ منه، يروي أنّه سمع النبي صلی الله علیه واله يقول ما قال، ثم ضرب عنق عمّار(3).
بل العجب من جميع إخواننا، كيف يقولون بإمامة عثمان مع أنّ عمّارا كان
يكفره ويجعله مباح الدم فلما قال له عمرو بن العاص: أعليّ قتل عثمان قال: بل الله ربّ علي قتله. قال: أ كنت ممّن قتله قال: كنت معهم، وأنا اليوم اقاتل معهم. قال: لم قتلتموه قال: أراد أن يغيّر ديننا فقتلناه.
وقال الطبري: قال عمّار يوم صفّين: اقصدوا بنا نحو هولاء الذين يبغون دم ابن عفان، ويزعمون أنّه قتل مظلوما...(1)
وقال حبة العرنى: انطلقت أنا وأبو مسعود إلى حذيفة بالمدائن، وقلنا: حدّثنا فإنّا نخاف الفتن. فقال: عليكما بالفئة التي فيها ابن سميّة، إنّي سمعت النبي صلی الله علیه واله يقول: تقتله الفئة الباغية الناكبة عن الطريق، وإنّ آخر رزقه ضياح من لبن. قال حبة: فشهدته يوم صفين وهو يقول: إيتوني بآخر رزق من الدنيا. فاتي بضياح من لبن في قدح أروح، له حلقة حمراء، فما أخطأ حذيفة مقياس شعرة. فقال عمّار:
اليوم ألقى الأحبه***محمدا وحزبه
والله لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، لعلمنا أنّا على الحق وأنّهم على الباطل. وجعل يقول: الموت تحت الأسل، والجنة تحت البارقة(2).
وروى الواقدي عن لولوة مولاة امّ الحكم بنت عمّار، قالت: لما كان اليوم الذي قتل فيه عمّار، والراية يحملها هاشم بن عتبة، وقد قتل أصحاب عليّ علیه السلام ذلک اليوم حتى كانت العصر، ثم تقرّب عمّار من وراء هاشم يقدمه، وقد جنحت الشمس للغروب، ومع عمّار ضياح من لبن ينتظر وجوب الشمس أن يفطر، فقال حين وجبت الشمس وشرب الضيح: سمعت النبي صلی الله علیه واله يقول: «آخر زادک من الدنيا ضيح
من لبن» ثم اقترب فقاتل حتى قتل، وهو ابن أربع وتسعين سنة(1).
وعن عمّارة بن خزيمة بن ثابت قال: طعن أبو غادية المزني عمّارا برمح فسقط، فلما وقع أكبّ عليه رجل آخر فاحتز رأسه، فأقبلا يختصمان فيه، كلاهما يقول: أنا قتلته. فقال عمرو بن العاص: والله، إن يختصمان إلّا في النار. فسمعها منه معاوية، فلما انصرف الرجلان قال معاوية لعمرو: ما رأيت مثل ما صنعت، قوم بذلوا أنفسهم دوننا، تقول لهما: إنّكما تختصمان في النار فقال عمرو: هو والله ذاک، و الله إنّک لتعلمه، ولوددت أنّي متّ قبل هذا بعشرين سنة(2).
وعن ابي مخنف قال: إنّ عمّارا لم يزل بهاشم بن عتبة ـ ومعه اللواء ـ حتى حمل، فنهض عمّار في كتيبة، ونهض إليه ذو الكلاع في كتيبة، فاقتتلوا فقتلا جميعا، و استوصلت الكتيبتان، وحمل على عمّار حوي السكسكي وأبو غادية المزني فقتلاه، فقيل لأبي الغادية: كيف قتلته قال: لما دلف إلينا في كتيبة، ودلفنا إليه نادى : هل من مبارز فبرز إليه رجل من السكاسک، فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار السكسكي، ثم نادى: هل من مبارز فبرز إليه رجل من حمير، فاضطربا بسيفيهما فقتل عمّار الحميري، وأثخنه الحميري ونادى: من يبارز فبرزت فاختلفنا ضربتين ـ وكانت يده ضعفت ـ فانتجيت عليه بضربة اخرى، فسقط فضربته بسيفي حتى برد، ونادى الناس: قتلت أبا اليقظان قتلک الله. فقلت: اذهب إليک، فو الله ما ابالي من كنت. وما أعرفه يومئذ، فقال له محمّد بن المنتشر: يا أبا الغادية خصمک يوم القيمة مازندر ـ يعنى: ضخم ـ فضحک(3).
وقال أبو عبد الرحمن السلمى: لمّا قتل عمّار وكان الليل قلت: لأدخلن إليهم حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمّار ما بلغ منّا وكنّا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا و تحدّثنا إليهم، فركبت فرسي وقد هدأ الليل، ثم دخلت فاذا أنا بأربعة يتسايرون : معاوية وأبو الأعور وعمرو بن العاص وابنه عبدالله، فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول أحد الشقين، فقال عبدالله لأبيه: يا أبة قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا، وقد قال فيه النبي صلی الله علیه واله ما قال. قال: وما قال؟ قال: ألم تكن معنا ونحن نبني المسجد، والناس ينقلون حجرا حجرا، ولبنة لبنة، وعمّار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين، فغشي عليه فأتاه النبي صلی الله علیه واله ، فجعل يمسح التراب عن وجهه، ويقول: «ويحک يا بن سمية الناس ينقلون لبنة لبنة و أنت تنقل لبنتين لبنتين رغبة منک في الأجر، وأنت ويحک مع ذلک تقتلک الفئة الباغية» فدفع عمرو صدر فرسه، ثم جذب معاوية إليه، فقال: يا معاوية ألم تسمع ما يقول عبدالله قال: وما يقول فأخبره، فقال معاوية: إنّک شيخ أخرق، ولا تزال تحدّث بالحديث وأنت تدحض في بولک، أو نحن قتلنا عمّارا انما قتل عمّارا من جاء به. فخرج الناس من فساطيطهم وأخبيتهم يقولون: إنّما قتل عمّارا من جاء به. فلا أدري من كان أعجب، هو أو هم(1).
وقال نصر: كان ذو الكلاع سمع عمرو بن العاص يقول: قال النبي صلی الله علیه واله لعمّار : تقتلک الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها ضياح من لبن. فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ما هذا ويحک فيقول عمرو: إنّه سيرجع إلينا. فقتل ذو الكلاع قبل عمّار، فقال عمرو بعد قتل عمّار لمعاوية: ما أدري بقتل أيّهما أشدّ فرحا بقتل عمّار، أو
1) . تاريخ الطبري: 4/28 ـ 29.
بقتل ذي الكلاع، والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمّار، لمال بعامة أهل الشام إلى عليّ(1).
وعن السدي عن يعقوب بن الأوسط قال: احتج رجلان بصفّين في سلب عمّار و في قتله، فأتيا عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال لهما: ويحكما اخرجا عني، فإنّ النبي صلی الله علیه واله قال: «ولعت قريش بعمّار، مالهم ولعمّار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قاتله وسالبه في النار» قال السدى: فبلغني أنّ معاوية قال: إنّما قتله من أخرجه. يخدع بذلک طغام أهل الشام(2).
وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ
هو مالک بن التيهان بن مالک(3).
روى (الاستيعاب) عن صالح بن الوجيه، وعن أبي نعيم قتله بصفين، ويشهد له كلامه علیه السلام ، فالأقوال الاخر في موته في زمان النبي صلی الله علیه واله ، وفي سنة (20) وفي سنة (21) لا عبرة بها(4).
وقال: شهد ابن التيهان العقبة وبدرا وكان نقيبا. والتيهان فيعلان من تاه يتيه(5).
ويقال لأبي الهيثم الأنصارى: ذو السيفين، لأنّه كان يتقلّد سيفين في الحرب(6).
وروى ابن بابويه: أنّ في جملة ما كتب الرضا علیه السلام للمأمون من شرايع الاسلام :
الولاية لأميرالمومنين علیه السلام والذين مضوا على منهاج نبيّهم، ولم يغيّروا ولم يبدّلوا، مثل سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، والمقداد، وعمّار، وحذيفة، وأبي الهيثم بن التيهان(1).
ومما يحقق قتله في صفين ما رواه نصر بن مزاحم: أنّ أمينة الأنصارية رثته وقالت:
منع اليوم ان أذوق رقادا***مالک إذ مضى وكان عمادا
يا أبا الهيثم بن تيهان إني***صرت للهمّ معدنا ووسادا
إذ غدا الفاسق الكفور عليهم***إنّه كان مثلها معتادا
أصبحوا مثل من ثوى يوم احد***يرحم الله تلكم الأجسادا(2)
واسمه خزيمة بن ثابت. وسمّي ذو الشهادتين لما رواه البلاذري عن الواقدي قال: قال محمّد بن يحيى بن سهل: ابتاع النبي صلی الله علیه واله فرسه المرتجز من أعرابي من بني مرة، فرأى الأعرابي فيه رغبة، فجحد أن يكون باعه إياه، فشهد له على ابتياعه هذا الفرس خزيمة بن ثابت الأنصارى ـ ولم يكن شاهدا شراءه ـ فقال له النبي صلی الله علیه واله : كيف شهدت ولم تحضر قال: بتصديقي إيّاک، وإنّ قولک كالمعاينة. قال : أنت ذو الشهادتين. فسمّي ذا الشهادتين(3). ووقع في خبر (عيون) المتقدم كابن
التيهان(4).
وروى هذه القصّة الكلينى عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن معاوية بن وهب قال: كان البلاط حيث يصلّى على الجنائز سوقا على عهد رسول الله صلی الله علیه واله يسمّى البطحاء يباع فيها الحليب والسّمن والأقط وأنّ أعرابيا أتى بفرس له فأوثقه فاشتراه منه رسول الله صلی الله علیه واله ، ثمّ دخل ليأتيه بالثمن فقام ناس من المنافقين فقالوا : بكم بعت فرسک؟ قال: بكذا وكذا، قالوا: بئس ما بعت، فرسک خير من ذلک وأنّ رسول الله صلی الله علیه واله خرج إليه بالثمن وافيا طيّبا، فقال الأعرابي: ما بعتک والله، فقال رسول الله صلی الله علیه واله : سبحان الله بلى والله لقد بعتني، وارتفعت الأصوات فقال الناس : رسول الله صلی الله علیه واله يقاول الأعرابي، فاجتمع ناس كثير فقال أبو عبدالله «1» ومع النبيّ صلی الله علیه واله إذ أقبل خزيمة بن ثابت الأنصاري ففرج الناس بيده حتّى انتهى إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله فقال: اشهد يا رسول الله لقد اشتريته منه، فقال الأعرابى : أتشهد ولم تحضرنا، وقال له النبىّ صلی الله علیه واله : أشهدتنا؟ فقال له: لا يا رسول الله ولكنّى علمت أنّک قد اشتريت أ فاصدّقک بما جئت به من عند الله ولا اصدّقک على هذا الأعرابي الخبيث؟! قال: فعجب له رسول الله صلی الله علیه واله فقال له: يا خزيمة شهادتک شهادة رجلين(1).
شهد خزيمة بدرا وقاتل مع علي في صفين حتى قتل وهو القائل:
إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا***أبو حسن مما نخاف من الفتن
1) . الكافي: 7/400/ح 1.
وفيه الذي فيهم من الخير كله***وما فيهم بعض الذي فيه من الحسن(1)
قال ابن أبي الحديد: روي حديث مقتله بصفين من وجوه كثيرة عن ولد ولده محمّد بن عمّارة بن خزيمة، ومن غريب ما وقفت عليه من العصبية القبيحة أنّ أبا حيان التوحيدي قال في (بصائره): إنّ خزيمة بن ثابت المقتول بصفين ليس ذا الشهادتين، بل آخر صحابي من الأنصار، فإنّ كتب الحديث والنسب تنطق أنّه: لم يكن في الصحابة خزيمة بن ثابت غيره، وإنّما الهواء لا دواء له. على أن الطبري(2)
سبق أبا حيان، ومن كتابه نقل أبو حيان، ثم أي حاجة لناصري أمير المومنين علیه السلام أن يتكثروا بخزيمة، وابن الهيثم، وغيرهم لو أنصفوه....(3)
والطبري قال ذلک في (الجمل) في رواياته عن سيف التي كلّها مفتعلة، إلّا أنّه في (ذيله) قال بعد رفع نسبه إلى أوس: وهو ذو الشهادتين يكنّى أبا عمارة، شهد صفين وقتل يومئذ سنة (37)(4).
أى تعاهدوا.
أى: الموت. منهم هاشم المرقال، وأصحابه. وقال نصر: لمّا قتل هاشم جزع الناس عليه جزعا شديدا، واصيب معه عصابة من القرّاء من أسلم، فمرّ عليهم عليّ علیه السلام وهم قتلى حوله، فقال:
جزى الله خيرا عصبة أسلمية***صباح الوجوه صرعوا حول هاشم
يزيد وعبدالله بشر ومعبد***و سفيان وابنا هاشم ذي المكارم
وعروة لا يبعد ثناه وذكره***إذا اخترطت يوما خفاف الصوارم(1)،(2)
وعن عبد خير الهمداني قال: قال هاشم: أيّها النّاس إنّي رجل ضخم فلا يهولنكم مسقطي إن أنا سقطت، فإنّه لا يفرغ مني أقل من نحر جزور. ثم حمل فصرع، فمر عليه زجل وهو صريع بين القتلى، فقال له: أقرىء أميرالمومنين السلام ورحمة الله، وقل له: انشدک بالله ألا اصبحت وقد ربطت مقاود خيلک بأرجل القتلى، فإنّ الدبرة تصبح عندک لمن غلب على القتلى فأخبر الرجل عليّا علیه السلام بذلک، فسار عليّ علیه السلام في بعض الليل، حتى جعل القتلى خلف ظهره، وكانت الدبرة له عليهم(3).
وعن أبي سلمة: أن هاشم بن عتبة دعا الناس، فقال: ألا من كان يريد الله والدار الآخرة فليقبل. فأقبل إليه ناس، فشدّ في عصابة من أصحابه على أهل الشام مرارا، فليس يحمل من وجه عليهم إلّا صبروا له، وقوتل فيه قتالا شديدا، فقال لأصحابه: لا يهولنّكم ما ترون، فو الله ما ترون إلّا حمية العرب وصبرها تحت راياتها وعند مراكزها، وإنّهم لعلى الضلال وإنّكم لعلى الحق، يا قوم اصبروا وصابروا، واجتمعوا وامشوا بنا على تودة رويدا، ثم تآسوا وتصابروا، واذكروا الله، ولا يسلم رجل أخاه، ولا تكثروا الالتفات، وجالدوهم محتسبين حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ(1) إذ خرج عليهم فتى شاب ـ إلى أن قال ـ فقال له هاشم: وما أنت وابن عفان إنّما قتله أصحاب محمّد صلی الله علیه واله وقرّاء الناس، حين أحدث أحداثا وخالف حكم الكتاب، وأصحاب محمّد هم أصحاب الدين وأولى بالنظر في امور المسلمين ـ إلى أن قال ـ وقاتل هاشم وأصحابه قتالا شديدا حتى أتت كتيبة لتنوخ، فشدوا فقاتلهم حتى قتل تسعة أو عشرة، وحمل عليه الحرث بن المنذر التنوخي فطعنه فسقط، وبعث إليه علي علیه السلام أن قدّم لواءک. فقال للرسول : انظر إلى بطني. فاذا هو قد انشق،(2) وأخذ اللواء بعد قتله ابنه عبدالله وقال :
أ هاشم بن عتبة بن مالک***أعزز بشيخ من قريش هالک
تخبطه الخيول بالسنابک***في أسود من نقعهن حالک
أبشر بحور العين في الأرائک***و الروح والريحان عند ذلک(3)
وقال المسعودى: حمل هاشم ومعه جماعة من أسلم قد آلوا ألّا يرجعوا، أو يفتحوا، أو يقتلوا(1).
وشرطة الخميس الذين بايعوه على الموت كانوا خمسين. ومنهم أبو عمرة عمرو بن محصن النجاري(2) قال نصر: كان من أعلام أصحاب عليّ علیه السلام ، فلما قتل جزع عليّ علیه السلام لقتله، وقال النجاشي يرثيه:
لنعم فتى الحيين عمرو بن محصن***إذا صائح الحيّ المصبح ثوّبا
لقد فجّع الأنصار طرا بسيد***أخي ثقة في الصالحات مجربا
فان تقتلوا الحر الكريم ابن محصن***فنحن قتلنا ذا الكلاع وحوشبا(3)
وقالت شامية:
ولا تعدموا قوما أذاقوا ابن ياسر***شعوبا ولم يعطوكم بالخزائم
فنحن قتلنا اليثربي ابن محصن***خطيبكم وابني بديل وهاشم(4)
ومنهم عبدالله بن بديل الخزاعي، وقال نصر: كان عليه يومئذ سيفان ودرعان، فجعل يضرب الناس بسيفه قدما، وهو يقول:
لم يبق إلّا الصبر والتوكل***واخذک الترس وسيفا مصقل
ثم التمشّي في الرعيل الأول***مشي الجمال في الحياض المنهل
فلم يزل يضرب بسيفه حتى انتهى إلى معاوية، فأزاله عن موقفه، فأقبل أصحاب معاوية يرضخونه بالصخر، حتى أثخنوه وقتل. فقال معاوية: هذا كبش القوم وربّ الكعبة(5).
قال ابن أبي الحديد(1) أى: حملت رووسهم مع البريد إلى الفجرة أى: امراء
عسكر الشام.
ولكن لم ينقل في السير قطع الرءوس في صفين بعد القتل وإرسالها إلى الامراء، ثم امراء الشام كانوا شاهدين صفين، فلم تحمل الرءوس إليهم مع البريد ثم لم يكن أحد يرسل إليه رأس غير أمير الفجرة معاوية. ويمكن أن يكون المراد بقوله علیه السلام : «و أين نظراوهم إلى وابرد برءوسهم إلى الفجرة» في غير صفين، وإنّه علیه السلام أشار إلى حمل رأس محمّد بن أبي بكر، فالخطبة ـ كما عرفت ـ كانت بعد قتل محمّد قرب قتله علیه السلام ، وفي (العقد): ضرب معاوية بن حديج عنق محمّد، وبعث برأسه إلى معاوية، فكان أوّل رأس طيف به في الاسلام(2).
وكلامه علیه السلام بلفظ الماضي، وإلّا فحمل رأس عمرو بن الحمق الذي كان أحد أجلّاء شيعته ـ كحجر بن عدى ـ إلى معاوية بعشر سنين بعده علیه السلام ، هرب زمان إمارة زياد على الكوفة إلى الموصل، ودخل غارا فنهشته حيّة فقتلته، فبعث عامل الموصل من أخذ رأسه وبعثه إلى زياد، فبعثه زياد إلى معاوية وقالوا: إنّ رأسه أوّل رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد(3).
واللعين أوّل من أسّس هذه الشناعة في الإسلام، وتبعه من بعده من الجبابرة،
وورد في سنة (304) الكتاب من خراسان: أنّه وجد بالقندهار في أبراج سورها برج متصل بها، فيه خمسة آلاف رأس في سلال من حشيش، ومن هذه الرءوس : تسعة وعشرون رأسا، في اذن كلّ رأس منها رقعة مشدودة بخيط إبريسم، باسم كلّ رجل منهم، والأسماء: شريح بن حيان، خباب بن الزبير، الخليل بن موسى التميمي، الحارث بن عبدالله، طلق بن معاذ السلمي، حاتم بن حسنة، هاني بن عرة، عمر بن علان، جرير بن عباد المدني، جابر بن خبيب بن الزبير، فرقد بن الزبير السعدي، عبدالله بن سليمان بن عمّارة، سليمان بن عمّارة، مالک بن طرخان صاحب لواء عقيل بن سهيل بن عمرو، عمرو بن حيان، سعيد بن عتاب الكندي، حبيب بن أنس، هارون بن عروة، غيلان بن العلا، جبرئيل بن عبادة، عبدالله البجلي، مطرف بن صبح ختن عثمان بن عفان، وجدوا على حالهم، إلّا أنّه قد جفّت جلودهم والشعر عليها بحالته. وفي الرقاع من سنة (70) من الهجرة(1).
هذا، وفي الخبر: أن الحسين علیه السلام كان في شخوصه من مكة إلى العراق لا ينزل منزلا ولا يرحل، إلّا كان يذكر أمر رأسه علیه السلام ، وبعثه إلى عبيد الله ويزيد، وكان علیه السلام يقول: من هوان الدنيا أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى ملک بغى(2).
قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ فَأَطَالَ الْبُكَاءَ
من تقلّب الزمان وفقد الاخوان وتراكم الهموم والأحزان.
توجّعاً وتحسّراً.
«أوّه» ـ بسكون الواو ـ قال الجوهرى: توجع، قال الشاعر:
فأوّه لذكراها إذا ما ذكرتها و من بعد أرض بيننا وسماء(1)
أى أحسنوا تلاوته ومبانيه وفهموا مقاصده ومعانيه وعملوا بمقتضاه ومودّاه.
قال نصر: قتل عبدالله بن كعب يوم صفين، فمر عليه الأسود بن قيس وهو بآخر رمق، فقال له الأسود: عز عليّ والله مصرعک، أما والله لو شهدتک، لآسيتک ولدافعت عنک، ولو أعرف الذي أشعرک لأحببت ألا يزايلني حتى يلحقني بک. ثم نزل إليه، وقال له: والله إن كان جارک ليأمن بوائقک، وإن كنت من الذاكرين الله كثيرا، أوصني رحمک الله. قال: أوصيک بتقوى الله، وان تناصح أمير المومنين، وأن تقاتل معه المحلين حتى يظهر الحق، أو تلحق بالله، وأبلغه عني السلام، وقل له : قاتل على المعركة حتى تجعلها خلف ظهرک، فمن أصبح والمعركة خلف ظهره كان الغالب. ثم لم يلبث أن مات، فأقبل الأسود إلى علي علیه السلام فأخبره، فقال رحمه الله جاهد معنا عدوّنا في الحياة، ونصح لنا في الوفاة(2).
ونهضوا اليه.
أى اطمأنوا واتكلوا.
يعني علیه السلام نفسه الشريف لكونه قائدا لهم إلى سبيل الحق.
قال نصر: لما خرج علي علیه السلام إلى صفين قال له عمرو بن الحمق: إني والله ما بايعتک على قرابة بيني وبينک، ولا إرادة مال توتينيه، ولا التماس سلطان ترفع ذكري، ولكن أجبتک لخصال خمس: أنّک ابن عمّ النبي صلی الله علیه واله ، وأول من آمن به، وزوج سيّدة نساء الامة، وأبو الذريّة التي بقيت فينا من النبي صلی الله علیه واله ، وأعظم رجل من المهاجرين في الجهاد. فلو أنّي كلّفت نقل الجبال الرواسي، ونزح البحور الطوامي، حتى يأتي عليّ يومي في أمر أقوّي به وليّک وأوهن به عدوّک، ما رأيت أنّي قد أدّيت فيه كلّ الذي يحقّ عليّ من حقک. فقال علیه السلام : اللهمّ نوّر قلبه بالتقى، واهده إلى صراط مستقيم، ليت في جندي مائة مثلک. ثم قام حجر بن عدي، فقال له علیه السلام : نحن بنو الحرب وأهلها، نلهبها وننتجها، قد ضارستنا وضارسناها، ولنا أعوان ذوو صلاح وعشيرة ذات عدد، ورأي مجرّب وبأس محمود، وأزمّتنا منقادة لک بالسمع
والطاعة، فإن شرّقت شرّقنا، وإن غرّبت غرّبنا، وما أمرتنا به من أمر فعلناه(1).
وقال أبو الجارود: قلت للأصبغ: ما كان منزلة هذا الرجل فيكم قال: ما أدري ما تقول، إلّا أنّ سيوفنا كانت على عواتقنا، فمن أومى إليه ضربناه بها، وكان يقول لنا : تشرطوا، فو الله ما اشتراطكم لذهب ولا فضة، وما اشتراطكم إلّا للموت، إنّ قوما قبلكم من بني اسرائيل تشرطوا بينهم، فما مات أحد منهم حتى كان نبي قومه، أو نبي قريته، أو نبي نفسه، وإنّكم بمنزلتهم غير أنّكم لستم بأنبياء(2).
وقال المسعودى: كان حذيفة اليماني في سنة (36) عليلا بالكوفة، فبلغه قتل عثمان وبيعة الناس لعلي علیه السلام ، فقال: أخرجوني وادعوا: الصلاة جامعة.
فوضع على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبي وآله، ثم قال: أيّها الناس، إنّ الناس قد بايعوا عليّا علیه السلام ، فعليكم بتقوى الله، وانصروا عليّا، ووازروه، فو الله إنّه لعلى الحق آخرا وأولا، وإنّه لخير من مضى بعد نبيكم، ومن بقي إلى يوم القيامة. ثم أطبق يمينه على يساره، ثم قال: اللّهم اشهد أنّي قد بايعت عليّا. وقال : الحمد لله الذي أبقاني إلى هذا اليوم. وقال لابنيه صفوان وسعيد: احملاني وكونا معه، فسيكون له حروب كثيرة، فيهلک فيها خلق من الناس، فاجتهدا أن تستشهدا معه، فإنّه والله على الحق، ومن خالفه على الباطل. ومات حذيفة بعد ذلک بسبعة أيام، واستشهد ابناه في صفين، واستشهد عبدالله بن الحرث النخعي أخو الأشتر(3).
عن الصادق علیه السلام سئل: هل الجهاد سنّة أو فريضة فقال علیه السلام الجهاد على أربعة أوجه: فجهادان فرض، وجهاد سنّة لا يقام إلّا مع الفرض، وجهاد سنّة، فأمّا أحد الفرضين فمجاهدة الرجل نفسه عن المعاصي وهو من أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار، وأمّا الجهاد الذي هو سنّة لا يقام إلّا مع فرض فإنّ مجاهدة العدوّ فرض على جميع الامّة، ولو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب وهذا هو من عذاب الامّة، وهو سنّة على الإمام وحده أن يأتي العدو مع الامّة فيجاهدهم، وجهاد السنة: كلّ سنة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها...(1).
بكسر الكاف، أى جامع للعساكر في المعسكر.
أى: الذهاب.
بالجهاد في سبيله.
إلى المعسكر.
1) . الكافي : 5/9/ح 1؛ بحار الأنوار: 97/23/ح 15.
هو راوي الخطبة الذي قال في أوّلها: خطبنا عليّ علیه السلام هذه الخطبة وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي، وعليه مدرعة من صوف، وحمائل سيفه ليف، وفي رجليه نعلان من ليف، وكأنّ جبينه ثفنة بعير.
قال مصعب الزبيري: ولد الحسين لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع، وقتل يوم عاشوراء سنة (61) قتله سنان بن أنس النخعي، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير وحزّ رأسه وأتى به عبيدالله ـ سأل عراقي ابن عمر عن دم البعوض، فقال: انظروا هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول الله صلی الله علیه واله وقد سمعته صلی الله علیه واله يقول: الحسن والحسين هما ريحانتي من الدنيا ـ وحجّ الحسين علیه السلام خمساً وعشرين حجّة ماشيا(1).
قال ابن أبي الحديدذ: سعد هو الّذي حاول إقامته في الخلافة بعد رسول الله صلی الله علیه واله ولم يبايع أبا بكر حين بويع وخرج إلى حوران فمات بها، قيل قتلته الجنّ لأنه بال قائما في الصحراء ليلا ورووا بيتي شعر قيل إنهما سمعا ليلة قتله ولم ير قائلهما :
نحن قتلنا سيّد الخزرج سعد بن عبادة***ورميناه بسهمين فلم يخط فواده
ويقول قوم: إنّ أمير الشام يومئذ كمن له من رماه ليلا وهو خارج إلى الصحراء بسهمين فقتله لخروجه عن طاعته، وقد قال بعض المتأخّرين :
1) . نسب قريش: 24 ـ 25.
يقولون سعد شكّت الجنّ قلبه***ألا ربّما صحّحت ذنبک بالعذر
وما ذنب سعد أنّه بال قائما***ولكنّ سعدا لم يبايع أبا بكر
وقد صبرت من لذّة العيش أنفس***وما صبرت عن لذّة النّهى والأمر(1)
وقال المسعودى: كان قيس من الزهد والديانة والميل إلى عليّ علیه السلام الموضع العظيم، وبلغ من خوفه لله وطاعته أنّه كان يصلّي فلمّا أهوى للسجود إذا في موضع سجوده ثعبان عظيم مطوّق، فمال عن الثعبان برأسه وسجد إلى جانبه، فتطوق الثعبان برقبته، فلم يقصر من صلاته ولا نقّص منها شيئا حتى فرغ فرمى به(2).
وقال الطبري: لمّا عزله عليّ علیه السلام عن مصر جاءه حسّان ـ وكان عثمانيا ـ شامتا به فقال له: نزعک عليّ وقد قتلت عثمان، فبقي عليک الإثم ولم يحسن لک الشكر. فقال له قيس: يا أعمى القلب والبصر لو لا أن القي بين رهطي ورهطک حربا لضربت عنقک(3).
وكان له ديون كثيرة على الناس فمرض واستبطأ عوّاده، فقيل له: إنّهم يستحيون من أجل دينک. فأقام مناديا ينادى: من كان لقيس عليه دين فهو له. فأتاه النّاس حتى هدموا درجة كانوا يصعدون عليها إليه(4).
ولمّا بويع ابو بكر خرج أبوه إلى الشام ولم يبايع، وقسّم ماله بين أولاده ثم توفي عن حمل لم يعلم به، فكلّم ابو بكر وعمر قيسا حتى ينقض قسمة أبيه، فقال : نصيبي للمولود ولا اغيّر قسمة أبي(5).
وقال ابوالفرج: لمّا تمّ الصلح بين الحسن علیه السلام ومعاوية أرسل إلى قيس يدعوه إلى البيعة، فاتي به ـ وكان رجلا طويلا يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان في الأرض، وما في وجهه طاقة شعر، وكان يسمّى خصي الأنصار ـ فلمّا أرادوا أن يدخلوه إليه قال: إنّي قد حلفت ألّا ألقاه إلّا بيني وبينه الرمح أو السيف. فأمر معاوية برمح أو سيف فوضع بينه وبينه ليبر يمينه وفي خبر: أنّ معاوية أكبّ على قيس حتى مسح يده على يد قيس، وما رفع قيس يده إليه(1).
وكان أحد دهاة العرب وأهل الرأي والمكيدة في الحروب، مع النجدة والبسالة و الشجاعة والكرم، وكان شريف قوم غير مدافع ـ هو وأبوه وجدّه ـ ولم يفارق عليّا علیه السلام تى قتل(2).
واسمه خالد بن زيد، قال الطبري: قال ربيعة بن عثمان: جاء سعد القرظ الموذن إلى عليّ علیه السلام أول يوم حصر فيه عثمان، فقال: من يصلّي بالناس فقال: ناد خالد بن زيد. فنادى فصلّى بالناس، فإنّه أول يوم عرف أنّ أبا أيوب خالد بن زيد، فكان يصلّي بهم أياما ثم صلّى عليّ علیه السلام بعد ذلک(3).
وعن أبي صادق قال: قدم علينا أبو أيوب فنزل ضيعتنا يعلف خيلا له، فقلنا: يا أبا أيوب قاتلت المشركين مع سيفک هذا مع النبيّ صلی الله علیه واله ثم جئت تقاتل المسلمين فقال: إنّ النبيّ صلی الله علیه واله أمرني بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين، فقد قاتلت الناكثين
والقاسطين، وأنا مقاتل إن شاء الله بالسعفات بالطرقات بالنهروانات، وما أدري أين هي(1).
وعليه نزل النبيّ صلی الله علیه واله حين قدم المدينة حتى بنى مسجده وبنى مساكنه. آخى صلی الله علیه واله بينه وبين مصعب بن عمير. قال: نزل النبيّ صلی الله علیه واله في بيتنا الأسفل، وكنت في الغرفة فاهريق ماء في الغرفة، فقمت أنا وام أيوب بقطيفة نتبع الماء شفقة أن يخلص إلى النبيّ صلی الله علیه واله منه شيء، و نزلت إليه صلی الله علیه واله وأنا مشفق وقلت: ليس ينبغي أن نكون فوقک، انتقل إلى الغرفة. مات بالقسطنطينية زمن معاوية سنة (50) أو (51) أو (52) وهو الأكثر(2).
لقتال معاوية.
بعد خطبته تلک وجعله معسكرا.
قالوا: كان في الإسلام ضربتان لم تكن ضربة أيمن من أولاهما، وهي ضربته علیه السلام عمرا يوم الخندق ـ التي قال فيها النبيّ صلی الله علیه واله : أفضل من عبادة الثقلين ـ وأشأم من اخراهما وهي ضربة ابن ملجم له علیه السلام . فما رأى النّاس من بعده علیه السلام عدلا
ولا يرونه حتى يظهر القائم علیه السلام .
وقال اليعقوبي: قدم ابن ملجم الكوفة لعشر بقين من شعبان سنة أربعين، فلمّا بلغ عليّا علیه السلام قدومه قال: «أوقد وافي أما إنّه ما بقي عليّ غيره، هذا أوانه» فنزل على الأشعث فأقام عنده شهرا يستحد سيفه(1).
وقال ابن عباس: كان ابن ملجم من ولد قيدار ـ عاقر ناقة صالح ـ وقصّتهما واحدة، لأنّ قيدار عشق امرأة يقال لها: رباب، كما عشق ابن ملجم لقطام، وسمع منه يقول لآخر: لأضربنّ عليّا بسيفي هذا. فذهب به إليه علیه السلام فقال له: ما اسمک قال : عبد الرحمن بن ملجم. قال: نشدتک بالله عن شيء تخبرني قال: نعم. قال: هل مرّ عليک شيخ يتوكأ على عصاه وأنت في الباب، فمشقک(2) بعصاه ثم قال: بوسا لک أشقى من عاقر ناقة ثمود قال: نعم.
قال: هل كان الصبيان يسمّونک ابن راعية الكلاب وأنت تلعب معهم؟ قال: نعم.
قال: هل أخبرتک امّک أنّها حملت بک وهي طامث؟ قال: نعم. قال: فبايع. فبايع، ثم قال: خلوه(3).
وروى أبو زيد الأحول عن الأجلح قال: سمعت أشياخ كندة أكثر من عشرين مرّة يقولون: سمعنا عليّا علیه السلام على المنبر يقول: ما يمنع أشقاها أن يخضبها بدم ويضع يده على لحيته(4).
وذكر عبدالله بن محمّد الأزدي قال: إنّي لاصلّي تلک الليلة في المسجد الأعظم
مع رجال من أهل المصر، كانوا يصلّون في ذلک الشهر من أوّله إلى آخره، إذ نظرت إلى رجال قريبا من السدة، وخرج علیه السلام صلاة الفجر فأخذ ينادي الصلاة الصلاة: فما أدري أنادى، أم رأيت بريق السيوف وسمعته علیه السلام قول: لا يفوتنكم الرجل. فاذا هو مضروب(1).
ورواه أبو الفرج، وفي خبره: أم رأيت بريق سيف ثم رأيت بريق سيف آخر(2).
وكان علیه السلام خرج يوقظ النّاس لصلاة الصبح ليلة تسع عشرة، وقد كان قصده ابن ملجم في أوّل الليل، فلمّا مرّ به وهو متماكر بإظهار النوم في جملة النيام ثار إليه فضربه على امّ رأسه بالسيف، فمكث علیه السلام إلى نحو الثلث الأوّل ليلة إحدى وعشرين، وقد كان علیه السلام يعلم ذلک قبل أوانه ويخبر به النّاس قبل زمانه، وتولّى غسله وتكفينه ودفنه الحسنان علیهم السلام بأمره، وحملاه إلى الغري من نجف الكوفة وعفيا موضع قبره بوصيته، لمّا كان علیه السلام علمه من دولة بني امية بعده، ثم دلّ عليه الصادق علیه السلام في الدولة العباسية، وزاره عند وروده إلى أبي جعفر وهو بالحيرة، فعرفته الشيعة واستأنفوا إذ ذاک زيارته، وكان سنّه علیه السلام لاثا وستين سنة(3).
وروى عباد بن يعقوب الرواجنيّ عن حيان الغزيّ عن مولى لعليّ علیه السلام قال: لمّا حضرته الوفاة قال للحسنين: إذا أنا متّ فاحملاني على سريري ثم أخرجاني، واحملا موخّر السرير فإنكما تكفيان مقدمه، ثم ائتيابي الغريين(4) فانّكما ستريان
صخرة بيضاء تلمع نورا، فاحتفرا فيها فإنّكما تجدان فيها ساجة فادفناني فيها ـ إلى أن قال ـ فاحتفرنا فإذا ساجة مكتوب عليها هذا ممّا ادّخرها نوح لعليّ بن أبي طالب علیه السلام (1).
وروى محمّد بن زكريا عن عبدالله بن محمّد عن أبي عايشة عن عبدالله بن حازم، قال: خرجنا يوما مع الرشيد من الكوفة نتصيّد، فصرنا إلى ناحية الغريين والثوية(2)، فرأينا ظباء فأرسلنا عليها الصقور والكلاب، فجاولتها ساعة ثم لجأت
الظباء إلى أكمة فوقف عليها فسقطت الصقور ناحية ورجعت الكلاب، فعجب الرشيد من ذلک، ثم إنّ الظباء هبطت من الأكمة فهبطت الصقور والكلاب عليها، فرجعت الظباء إلى الأكمة فتراجعت عنها الصقور والكلاب ـ فعلت ذلک ثلاثا ـ فقال الرشيد: اركضوا فمن لقيتموه فأتوني به. فأتيناه بشيخ من بني أسد، فقال له : أخبرني ما هذه الأكمة قال: إن جعلت لي الأمان.
قال: لک عهد الله وميثاقه. قال: حدّثني أبي عن آبائه أنّهم كانوا يقولون: إنّ في هذه الأكمة قبر عليّ علیه السلام جعله الله حرما، لا يأوي إليه شيء إلّا أمن(3).
والمراد من اختطاف الذئاب إمّا النهب والقتل والاذلال أو الاغواء والاضلال.
قال ابوالفرج: كتب معاوية بعد مقتله علیه السلام إلى عمّاله نسخة واحدة: إنّ الله بلطفه وحسن صنيعه أتاح لعليّ رجلا فاغتاله، فترک أصحابه متفرّقين مختلفين، وقد
جاءنا كتب أشرافهم وقادتهم، يلتمسون الأمان لأنفسهم وعشائرهم(1).
وقال أبو الأسود الدوليّ في رثائه علیه السلام
ألا أبلغ معاوية بن حرب***فلا قرّت عيون الشامتينا
أ في شهر الصيّام فجعتمونا***بخير النّاس طرّا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا***و رحلّها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها***و من قرأ المثاني والمئينا
إذا استقبلت وجه أبي حسين***رأيت البدر راع الناظرينا
لقد علمت قريش حيث كانت***بأنّک خيرها حسبا ودينا(2)
وقالت امّ الهيثم النخعية في رثائه علیه السلام
ألا يا عين ويحک فاسعدينا***ألا تبكي أميرالمومنينا
وكنّا قبل مقتله بخير***نرى مولى رسول الله فينا
يقيم الدين لا يرتاب فيه***و يقضي بالفرائض مستبينا
ويدعو للجماعة من عصاه***و ينهک قطع أيدي السارقينا
وليس بكاتم علما لديه***و لم يخلق من المتجبرينا
لعمر أبي لقد أصحاب مصر***على طول الصحابة أوجعونا
وغرّونا بأنّهم عكوف***و ليس كذاک فعل العاكفينا
كأن النّاس إذ فقدوا عليّا***نعام جال في بلد سنينا
ولو أنّا سئلنا المال فيه***بذلنا المال فيه والبنينا
أشاب ذوابتي وأطال حزني***امامة حين فارقت القرينا(1)
هذا ولابن بقيلة:
فصرنا بعد هلاک أبي قبيس***كجرب المعز في اليوم المطير(2)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للهِِ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُوْيَةٍ ـ الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ خَلَقَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ ـ وَاسْتَعْبَدَ الاَْرْبَابَ بِعِزَّتِهِ وَسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ ـ وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ ـ وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالاِْنْسِ رُسُلَهُ ـ لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا ـ وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا ـ وَلِيُبَصِّرُوهُمْ عُيُوبَهَا وَحَلالِهَا وَحَرَامِهَا ـ وَمَا أَعَدَّ اللهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ ـ مِنْ جَنَّةٍ وَنَارٍ وَكَرَامَةٍ وَهَوَانٍ ـ أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ ـ وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ـ وَلِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابا
منها في ذكر القرآن: فَالْقُرْآنُ آمِرٌ زَاجِرٌ وَصَامِتٌ نَاطِقٌ ـ حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُ ـ وَارْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ أَتَمَّ نُورَهُ ـ وَأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ وَقَبَضَ نَبِيَّهُ صلی الله علیه واله ـ وَ قَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِه، فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ ـ فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ ـ وَلَمْ يَتْرُکْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلّا وَجَعَلَ لَهُ عَلَماً بَادِياً ـ وَآيَةً مُحْكَمَةً تَزْجُرُ عَنْهُ أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ ـ فَرِضَاهُ
فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ ـ وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ ـ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ـ وَلَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ـ وَإِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ ـ وَتَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ ـ قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ وَحَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ ـ وَافْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى ـ وَجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ ـ فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ وَنَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ ـ وَتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ ـ إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ ـ قَدْ وَكَّلَ بِذَلِکَ حَفَظَةً كِرَاماً لا يُسْقِطُونَ حَقّاً وَلا يُثْبِتُونَ بَاطِلا.
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ ـ وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ وَيُخَلِّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ ـ وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَةَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ ـ ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ ـ وَزُوَّارُهَا مَلائِكَتُهُ وَرُفَقَاوُهَا رُسُلُه فَبَادِرُوا الْمَعَادَ وَسَابِقُوا الآْجَالَ ـ فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِکُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الاَْمَلُ وَيَرْهَقَهُمُ الاَْجَلُ ـ وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ ـ فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ـ وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ ـ وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالارْتِحَالِ وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّاد.
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ ـ فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ ـ فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا ـ فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ ـ وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ ـ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ ـ ضَجِيعَ حَجَرٍ وَقَرِينَ شَيْطَانٍ ـ أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ ـ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ ـ وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ ـ أَيُّهَا
الْيَفَنُ الْكَبِيرُ الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ ـ كَيْفَ أَنْتَ إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الاَْعْنَاقِ ـ وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ ـ فَاللهَ اللهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ ـ وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ ـ وَفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ ـ فَاسْعَوْا فِي فَكَاکِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا ـ أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ وَأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ ـ وَاسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ ـ وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ـ وَلا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ ـ إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ـ وَقَالَ تَعَالَى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ـ فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ـ فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ ـ وَلَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ ـ اسْتَنْصَرَكُمْ وَلَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ـ وَاسْتَقْرَضَكُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ ـ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ـ أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ـ فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللهِ فِي دَارِهِ ـ رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ وَأَزَارَهُمْ مَلائِكَتَهُ ـ وَأَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً ـ وَصَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَنَصَباً ـ ذلِکَ فَضْلُ اللهِ يُوْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ـ أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ ـ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيل.
ومن خطبة له عليه السلام: الْحَمْدُ للهِِ
أى الثناء والذكر الجميل حقّ له سبحانه ومختصّ به لاختصاص أوصاف الجمال ونعوت الكمال بذاته.
أى معروف بالايات، موصوف بالعلامات، مشهود بما أبدعه من عجايب القدرة وشواهد العظمة في الأرضين والسّماوات، وليست معروفيّته كمعروفيّة الأجسام والجسمانيّات، وذوى الكيفيّات والهيات بأن يعرف بروية العيون بمشاهدة العيان لكونه تعالى شأنه منزّها عن المقابلة والجهة والمكان، وغيرها من لواحق الامكان، وانما تعرفه القلوب بحقايق الايمان.
قال تعالى: (قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى. قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى)(1).
أى: مشقّة وتعب، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالاَْرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ)(2).
هذا، وفي الخطبة (89): «الحمد لله المعروف من غير روية، والخالق من غير رويّة»(3)، وكلّ منهما صحيح، فيخلق عزّ وجلّ بدون تفكّر، كما يخلق بدون تعب، بخلاف البشر: فلا يعمل شيئا إلّا بتفكّر ورويّة، ويحصل له التّعب والمنصبة.
الباهرة ومشيّته القاهرة المضمرة بين الكاف والنون، فأمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.
قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)(1).
أى طلب العبوديّة من السادات والملوک بقهره وغلبته.
قال تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالاَْرْضِ إِلّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً)(2).
قال تعالى: (... وَيُوْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ...)(3).
بعد هبوط آدم من الجنّة، قال تعالى: (... وَلَكُمْ فِي الاَْرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ)(4).
قال تعالى: (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا...)(5).
أى: حجابها.
كما حكى عزّ وجلّ عن نوح علیه السلام في قوله لقومه: (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الاَْرْضِ نَباتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً)(1)، وعن صالح علیه السلام في قوله لقومه: (أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ)(2).
لما كان عمدة الغرض من بعث الرّسل والأنبياء هو جذب الناس إلى طرف الحقّ، وكان حصول ذلک الغرض موقوفا على التنفير عن الدّنيا والترغيب إلى الأخرى لا جرم أكثروا لها من الأمثال المنفرة، فشبّهوها في وقاحتها وقباحتها بالعجوز الهتماء(3) الشمطاء(4)، وفي سرعة الفناء والانقضاء بالظلّ الزائل والضوء
الافل، وفي حسن صورتها وقبيح باطنها بالحيّة اللّين مسّها والقاتل سمّها إلى غير هذه من الأمثال المضروبة لها في الكتاب العزيز والأخبار وكلمات الأنبياء والأولياء الأخيار.
كقوله تعالى على لسان نبيّنا صلی الله علیه واله : (... فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الاَْرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ
نَباتُ الاَْرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالاَْنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الاَْرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً)(1).
وكقوله تعالى: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاَْرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ...)(2).
وكقوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)(3).
وكقوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ * يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(4).
وكقوله تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَکَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)(5).
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللهِ علیه السلام قَال: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ مَثَلَ الدُّنْيَا مَثَلُ الْحَيَّةِ مَسُّهَا لَيِّنٌ وَفِي جَوْفِهَا السَّمُّ الْقَاتِلُ يَحْذَرُهَا الرَّجُلُ الْعَاقِلُ وَيَهْوَى إِلَيْهَا الصِّبْيَانُ بِأَيْدِيهِمْ(1).
المراد أنّ أسباب العبر، وإن كانت في الدّنيا كثيرة، إلّا أنّ أهل الدّنيا لحرصهم عليها، وحبّهم لها غافلون عنها، كما قال علیه السلام في موضع آخر: «ما أكثر العبر وأقلّ الاعتبار»(2)، فبعث الله رسله ليبصّروهم عيوب الدّنيا، وينبّوهم على كثرة العبر في
وقائعها حتّى كأنّ العبر هاجمة عليهم.
منهم.
للمطيعين.
للعاصين.
للأوّلين.
للاخرين، قال تعالى: (... وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً)(1)،
وقال تعالى: (... وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)(2). هذا، وقال
المحقق الطوسي؛ في فوائد بعثة الأنبياء: كمعاضدة العقل في ما يدلّ عليه، واستفادة الحكم في ما لا يدلّ، وإزالة الخوف، واستفادة الحسن والقبح، والمنافع والمضارّ، وحفظ النوع الانساني، وتكميل أشخاصه بحسب استعداداتهم المختلفة، و تعليمهم الصنائع الخفية، والأخلاق والسياسات، والأخبار بالعقاب والثواب(3).
رجع علیه السلام إلى أوّل كلامه في حمده تعالى، وإنّما ذكر علیه السلام فوائد بعثة الرّسل لأنّها أيضا من موجبات حمده.
أى: مقدارا معيّنا، قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)(4).
وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الاَْرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ)(5).
وقال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الاَْرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ)(1).
وقال تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)(2).
وقال تعالى: (اللهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الاَْرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ)(3).
قال تعالى: (... ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ...)(4).
قال تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً)(5).
وقال تعالى: (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلّا بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُوَجَّلاً...)(6).
منها في ذكر القرآن: فَالْقُرْآنُ آمِرٌ
بالمعروف.
عن المنكر.
قال تعالى: (كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً...)(1).
وقال تعالى: الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُوْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً...)(2).
قال تعالى: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)(3).
قال تعالى: (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَکٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ...)(4).
قال تعالى: (... فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الاَْدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَ لَمْ يُوْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ
الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ...)(1).
وقال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ)(2).
حيث ألزمهم العمل به. ولما كان ذمم المكلّفين مشغولة بما تضمّنه القرآن من التكاليف والأحكام وكان اللّازم عليهم الخروج عن عهدة التكليف وتحصيل براءة الذّمة شبّههم بالعين المرهونة لدين المرتهن، فانّ فکّ رهانتها موقوف على أداء حقّ صاحب الدّين فكذا فکّ رهانة هولاء موقوف على عملهم بالتكاليف الشرعيّة والأوامر المطلوبة.
وهو نظير قول النبيّ صلی الله علیه واله في الخطبة الّتي خطب بها في فضيلة شهر رمضان أيّها الناس إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكّوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من ذنوبكم فخففوا عنها بطول سجودكم.
«أتمّ نوره» هكذا في النسخ، وعليه فالمعنى (أتمّ الله نور القرآن) ولكن الظاهر ان الأصل (أتمّ به نوره) أي أتمّ الله به نور نفسه بقرينة ما بعده ـ قال تعالى : (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِوُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)(3).
قال تعالى: (... قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِکَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ)(1).
أى: جعل الهدى محكماً بالقرآن.
والمراد أنّ النّبيّ صلی الله علیه واله لم يمض من الدّنيا إلّا بعد هداية الناس بالقرآن إلى معالم الاسلام.
عن عبد العزيز بن مسلم عن الرّضا علیه السلام أنّه قال: إنّ الله لم يقبض نبيّه صلی الله علیه واله حتّى أكمل له الدّين وأنزل عليه القرآن فيه تبيان كلّ شيء بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه الناس كملا فقال عزّ وجلّ: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) وأنزل في حجّة الوداع وهى آخر عمره صلی الله علیه واله : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلامَ دِيناً) وأمر الامامة من تمام الدّين ولم يمض حتّى بيّن لأمّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحقّ وأقام لهم عليّا علیه السلام علما وإماما وما ترک شيئا يحتاج إليه الأمة إلّا بيّنه، فمن زعم أنّ الله لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله، ومن ردّ كتاب الله فهو كافر(2).
روى ابن سعد عن عايشة قالت: كنت جالسة عند النبي صلی الله علیه واله فجاءت فاطمة
تمشي كأن مشيتها مشية النبي صلی الله علیه واله فقال مرحبا بابنتي فأجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسرّ إليها شيئا فبكت، ثم أسرّ إليها فضحكت، قالت قلت ما رأيت ضحكا أقرب من بكاء استخصک النبي بحديثه ثم تبكين، قلت: أي شيء أسر إليک فقالت ما كنت لأفشي سرّه فلمّا قبض صلی الله علیه واله سألتها، فقالت قال: ان جبرئيل كان يأتيني كلّ عام فيعارضني بالقرآن مرّة وانّه أتاني اليوم فعارضني مرتين، ولا أظنّ إلّا أجلي قد حضر ونعم السلف أنا لک(1).
قال ابن أبي الحديد(2) ذكر علیه السلام إنّ الله قبض رسوله وقد فرغ إلى الخلق بالقرآن
من الاكمال والاتمام لقوله تعالى: (... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...)(3) قلت انما
يتمّ هذا الكلام على مذهب الامامية القائلين بكون الامام قيم القرآن، وإلّا فكيف فرغ بالقرآن مع الاكمال مع هذه الاختلافات وتفسير كلّ فرقة للقرآن على مشربها.
أى عظّموه عزّ وجلّ مثل تعظيمه لنفسه.
قال تعالى: (قُلِ اللَّهُمَّ مالِکَ الْمُلْکِ تُوْتِي الْمُلْکَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْکَ مِمَّنْ تَشاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِکَ الْخَيْرُ إِنَّکَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ)(4).
وقال تعالى: (وَللهِِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ...)(1).
وقال تعالى: (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الاَْرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الاَْمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)(2).
وقال تعالى: (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(3).
وقال تعالى: (وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالاَْرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ...)(4).
وقال تعالى: (... إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَما ذلِکَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ)(5).
من أخفى.
فقد قال تعالى في كتابه: (... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلامَ دِيناً...)(6)، والمراد الإكمال بالكتاب والعترة معا، فقد قال النبيّ صلی الله علیه واله في المتواتر عنه: إنّي تارک فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي، وانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض(7).
أى: لما رضيه أو كرهه.
أى: علامة.
أى: ظاهرا، أي من سنّته.
بمعنى أو آية.
غير متشابهة من كتابه.
أى: عن ذلک الشّيء الّذي كرهه.
أى: إلى ذاک الشيء الّذي رضيه، وقد قال النبي صلی الله علیه واله في حجّة وداعه: «يا أيّها الناس والله ما من شيء يقرّبكم من الجنّة ويباعدكم من النار إلّا وقد أمرتكم به،
وما من شيء يقرّبكم من النّار ويباعدكم من الجنّة إلّا وقد نهيتكم عنه»(1).
من الزّمان أو من النّاس.
فالنّاس عنده سواء.
لكون حلاله وحرامه على حالهما إلى الأبد.
عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللهِ علیه السلام ـ عَنِ الْحَلالِ وَالْحَرَامِ فَقَالَ علیه السلام : حَلالُ مُحَمَّدٍ حَلالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة(2)
من الأمم الماضية أو ممّن كان في عصر الرّسول صلی الله علیه واله .
أى: لن يغضب.
لكون حكم الجميع واحدا. وما كان محرّما على السالفين الحاضرين في زمان
رسول الله صلی الله علیه واله فهو محرّم على الغابرين العامين «الغائبين»، وما كان واجبا على الأوّلين فواجب على الاخرين، لأنّ شرع محمّد صلی الله علیه واله مستمرّ إلى يوم القيامة وحكمه على الواحد حكم على الجماعة، فلا يجوز تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب.
من الدّين قال تعالى: (... قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...)(1).
يعني اذا كان تكليفكم متّحدا مع السابقين فلا بدّ لكم أن تسلكوا منهجهم وتحذوا حذوهم وتسيروا في آثارهم البيّنة الرّشد وتعملوا بما علموه من الأحكام الواضحة من الكتاب والسنّة.
المستفاد من مورد آية (... وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُوْمِنِينَ * قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ...)(2) كون رجع القول تكرارا لمجاوبة بين فريقين، و لعلّ الرجع هنا بمعنى النّفع، كما قيل في قوله تعالى: (وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ)(3)، وأن تتكلّموا بقول نافع قد قالوه قبلكم وتنطقوا بكلام يعود منفعته
وفايدته إليكم وإلى غيركم. وهو كلّ كلام يفضى إلى الحقّ ويهدى إلى الصراط المستقيم والنهج القويم.
قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الاَْرْضِ جَمِيعاً)(1).
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الاَْرْضِ جَمِيعا)(2).
وقال تعالى: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ * فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالاَْرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(3).
قال الامام سيّد العابدين وزين الساجدين علیه السلام : واجعل ما صرحت به من عدتک في وحيک واتبعته من قسمک في كتابک قاطعا لاهتمامنا بالرزق الذي تكفّلت به، وحسما للاشتغال بما ضمنت الكفاية له، فقلت وقولک الحقّ الأصدق وأقسمت وقسمک الأبرّ الأوفي (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ)(4) ثمّ قلت :
(فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالاَْرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(5)،(6).
قوله: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ) أى أسباب رزقكم بأن يرسل سبحانه الرّياح فتثير السحاب فيبسطه في السّماء فينزل الغيث والمطر فيخرج به من الأرض أنواع الأقوات والملابس والمعايش.
وقيل: وفي السّماء تقدير رزقكم أى ما قسمه لكم مكتوب في أمّ الكتاب الّذي هو في السّماء.
وفي حديث أهل البيت :: أرزاق الخلايق في السّماء الرّابعة تنزل بقدر وتبسط بقدر.
وقال الصّادق علیه السلام الرّزق المطر ينزل من السّماء فيخرج به أقوات العالم(1)
وقوله: (وَما تُوعَدُونَ) قال الصّادق علیه السلام هو أخبار القيامة والرّجعة والأخبار الّتي في السّماء، وقيل: هو الجنّة فوق السّماء السابعة وتحت العرش ثمّ أقسم سبحانه بأنّ ما ذكره من أمر الرزق الموعود لحقّ مثل ما أنكم تنطقون(2)، قال الزمخشري :
وهذا كقول النّاس إنّ هذا لحقّ كما أنک ترى وتسمع ومثل ما أنک ههنا(3)، قيل إنّه
لمّا نزلت هذه الاية قالت الملائكة هلک بنو آدم اغضبوا الرّب حتّى أقسم لهم على أرزاقهم(4) ونقل الزمخشرى عن الاصمعي قال: أقبلت من جامع البصرة وطلع أعرابيّ على قعود فقال: من الرّجل؟ قلت: من بني اصمع، قال: من أين اقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرّحمان، قال: اتل علىّ، فتلوت: والذاريات، فلمّا بلغت قوله وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ قال: حسبک، فقام إلى ناقته فنحرها و وضعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولّي.
فلمّا حججت مع الرّشيد طفقت أطوف فاذا أنا بمن يهتف بي بصوت دقيق، فاذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفرّ فسلّم علىّ واستقرء السّورة فلمّا بلغت الاية صاح وقال: (قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا)، ثمّ قال: وهل غير ذلک؟ فقرأت (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الاَْرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا
الّذي أغضب الجليل حتّى حلف لم يصدّقوه بقوله حتّى ألجئوه إلى اليمين، قالها ثلاثا وخرجت معها نفسه(1).
قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ للهِِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)(2).
وقال تعالى: (... لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ)(3).
قال تعالى: (... وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(4).
وقال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّکَ فِي نَفْسِکَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَ الآْصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ)(5).
قال تعالى: (... وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ...)(6).
من عباده، فانّها لما كانت موصلة إلى الله سبحانه مودّية إلى رضوانه موجبة
لمحبّته ورضاه صحّ بهذا الاعتبار جعلها منتهى رضاه من خلقه كما قال عزّ وجلّ : (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)(1) وقال تعالى: (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الاَْنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ)(2).
وقال تعالى: (... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ...)(3).
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)(4).
وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(5).
قال تعالى: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(6).
وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(7).
وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ
لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى...)(1).
قَالَ لِلْجَوَادِ علیه السلام رَجُلٌ: أَوْصِنِي، قَالَ: وَتَقْبَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تَوَسَّدِ الصَّبْرَ وَاعْتَنِقِ الْفَقْرَ وَارْفَضِ الشَّهَوَاتِ وَخَالِفِ الْهَوَى وَاعْلَمْ أَنَّکَ لَنْ تَخْلُوَ مِنْ عَيْنِ اللهِ فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ(2).
يعني أنه قاهر لكم قادر عليكم متمكّن من التصرّف فيكم كيف شاء وأىّ نحو أراد لا رادّ لحكمه ولا دافع لسخطه ونواصيكم بيد قدرته، لا يفوته من طلب ولا ينجو منه من هرب.
قال تعالى: (... ما مِنْ دَابَّةٍ إِلّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ)(3).
أى تصرّفكم في حركاتكم وسكناتكم تحت ملكه وقدرته واختياره.
قال تعالى: (... وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ)(4).
وقال تعالى: (... فَلا يَغْرُرْکَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ)(5).
يعني أنّه عالم بالسرائر خبير بالضمائر سواء عليه ما ظهر منكم وما بطن لا يحجب عنه شيء ممّا يسرّ وما يعلن كما قال عزّ من قائل: (سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهار)(1).
قال تعالى: (... يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالاَْرْضِ...)(2).
وقال تعالى: (... تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ...)(3).
وقال تعالى: (... يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالاَْرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ)(4).
يدلّ قوله: إن أعلنتم كتبه بمفهومه على أنّه لا يكتب ما لا يعلن وإن كان يعلمه، فيفيد عدم المواخذة على نيّة المعصية بمجرّدها.
قال تعالى: (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ)(5).
وقال تعالى: (... وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ)(6).
وقال تعالى: (ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)(7).
من باب الاحتراس فانه لما كان بظاهره متوهّما لكونه تعالى شأنه بنفسه كاتبا أتى بهذه الجملة دفعا لذلک التوهّم، وتنبيها على أنّ الموكّل بذلک الملائكة الحافظون لأعمال العباد.
قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ)(1) وهم طائفتان ملائكة
اليمين للحسنات وملائكة الشمال للسيئات قال عزّ وجلّ: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)(2) هذا.
وفي وصف الحفظة بالكرام وتعظيمهم بالثناء تفخيم لما وكّلوا به وأنه عند الله تعالى من جلائل الامور حيث يستعمل فيه هولاء الكرام، وفيه من التهويل من المعاصي ما لا يخفى.
وفى دعاء كميل: وَكُلَّ سَيِّئَةٍ أَمَرْتَ بِإِثْبَاتِهَا الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ وَكَّلْتَهُمْ بِحِفْظِ مَا يَكُونُ مِنِّي وَجَعَلْتَهُمْ شُهُوداً عَلَيَّ مَعَ جَوَارِحِي وَكُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيَّ مِنْ وَرَائِهِمْ وَالشَّاهِدَ لِمَا خَفِيَ عَنْهُمْ وَبِرَحْمَتِکَ أَخْفَيْتَهُ وَبِفَضْلِکَ سَتَرْتَه...(3)
لا ككتّاب الأمراء والملوک يثبتون الباطل على النّاس ويسقطون الحقّ لهم.
قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ)(4).
وقال تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ)(5).
وقال تعالى: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(1).
وقال تعالى: (وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّکَ أَحَداً)(2).
أى لا يسقط من قلمهم ما هو ثابت له أو عليه، ولا يكتبون ما لا أصل له، ومن المعلوم أنّ المكلّف إذا التفت إلى ذلک وتنبّه على شدّة محافظة الحفظة عليه وعلى أنّهم لا يتركون شيئا مما هو له أو عليه كان ذلک أقوى داعيا له على الازعاج عن المعاصي والاقلاع عن السيئات.
قال الصّادق علیه السلام : استعبدهم الله أى الكرام الكاتبين بذلک، وجعلهم شهودا على خلقه ليكون العباد لملازمتهم إيّاهم أشدّ على طاعة الله مواظبة وعن معصيته أشدّ انقباضا، وكم من عبد همّ بمعصيته فذكر مكانهم فارعوى وكفّ فيقول ربّي يراني وحفظتي علىّ بذلک تشهد(3).
قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ...)(4).
وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)(5).
وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً)(6).
وقال تعالى: (قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)(1).
عن أبي ذرّ الغفاريّ، عن النّبىّ صلی الله علیه واله قال: إنّي لأعلم آية لو أخذ بها النّاس لكفتهم (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً) فما زال يقولها ويعيدها(2).
قال تعالى: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ...)(3).
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ كانَ بِالْمُوْمِنِينَ رَحِيماً)(4).
قال تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا * لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا)(5).
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِکَ عَنْها مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَْكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(6).
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا
تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياوُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الآْخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)(1).
وقال تعالى: (الاَْخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلّا الْمُتَّقِينَ * يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الاَْنْفُسُ وَتَلَذُّ الاَْعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ * وَتِلْکَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ)(2).
وقال تعالى: (عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ * وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثالِ اللُّوْلُوِ الْمَكْنُونِ * جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً)(3).
وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ... وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ)(4).
قال تعالى: (نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)(1).
وقال تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً)(2).
قال تعالى: (تِلْکَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الاَْرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(3).
وقال تعالى: (تِلْکَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا)(4).
قالوا كلامه علیه السلام هذا يدلّ على انّ الجنّة فوق السماوات السّبع وتحت العرش.
قال تعالى: (اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ...)(5).
قال تعالى: (... أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْکَ مِنْ رَبِّکَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الاَْلْبابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ * وَالَّذِينَ
صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَوُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِکَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُم)(1).
قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِکَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِکَ رَفِيقاً)(2).
عن الصادق علیه السلام : المومن مومنان: مومن وفى لله بشروطه الّتي اشترطها عليه فذلک مع النّبيين والصدّيقين والشهداء والصّالحين وحسن أولئک رفيقا، وذلک ممّن يشفع ولا يشفع له، وذلک ممّن لا يصيبه أهوال الدّنيا ولا أهوال الاخرة، ومومن زلّت به قدم فذلک كخامة الزرع كيفما كفته الريح انكفى، وذلک ممّن يصيبه أهوال الدّنيا وأهوال الاخرة ويشفع له وهو على خير(3).
وعن الصّادق علیه السلام لقد ذكركم الله في كتابه فقال: فَأُولئِکَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ الاية، فرسول الله صلی الله علیه واله في الاية النبيّون ونحن في هذا الموضع الصدّيقون والشهداء وأنتم الصّالحون فتسمّوا بالصّلاح كما سمّاكم الله(4).
قال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(1).
وقال تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)(2).
قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُوَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(3).
«يوشک» يقرب، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ...(4).
أى: يغشاهم، قال تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)(5).
وقال تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ
الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)(1).
قال تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الآْنَ...)(2).
ومن كان هذا شأنه فلا بدّ أن يتّقى ربّه وينصح نفسه ويقدّم توبته ويغلب شهوته و يستغفر من خطيئته ويستقيل من معصيته، فانّ أجله مستور عنه وأمله خادع له، و الشيطان موكّل به يزيّن له المعصية ليركبها ويمّنيه التوبة ليسوّفها حتّى يهجم منيته عليه أغفل ما يكون عليها.
قال تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُوُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ)(3).
وقال تعالى: (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(4).
وانتم أصبحتم في حال الحياة والصحّة وسلامة المشاعر والقوى والبنية وساير الأسباب الّتي يتمنّى من كان قبلكم الرجعة إليها لتدارک ما فات واصلاح الزلّات والهفوات، وقال: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ)(5)، ولكنّهم قد
حيل بينهم وبين ما يشتهون وقيل: (كَلّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(1).
فالان والخناق مهمل، والروح مرسل، في راحة الأجساد، وباحة الاحتشاد وانتظار التوبة، وانفساح الحوبة، لا بدّ من اغتنام الفرصة والانابة من الخطيئة قبل الضنک والضيق، والرّوع والزهوق، وقبل أن يروع من الرّجعة ويعظم الحسرة ويتفاقم المحنة.
أى: مسافرون إلى الآخرة.
قال تعالى: (إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ)(2).
وقال تعالى: (وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآْخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)(3).
الإيذان: الإعلام، والأصل فيه إيصال الخبر إلى الأذن ويترجم بالفارسية بقولهم: (گوشزد).
قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(1).
وقال تعالى: (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى)(2).
الّتي قعرها بعيد، وحرّها شديد، وشرابها صديد، وعذابها جديد، ومقامعها حديد، لا يفتر عذابها، ولا يموت ساكنها، كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إنّ الله كان عزيزا حكيما.
في دعاء كميل مشيرا إلى عذابه تعالى: وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض، فكيف بي وأنا عبدک الضعيف الذّليل الحقير المسكين المستكين(3).
وقال تعالى: (فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)(4).
قال تعالى: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ...)(5).
في دعاء كميل: «و أنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدُّنيا وعقوباتها وما يجري فيها من المكاره على أهلها»(6).
شوک الشّجر معروف، الواحدة شوكة(1).
الرّمض: شدّة وقع الشمس على الرّمل وغيره، والأرض رمضاء...(4).
قال الطبري في خلع المعتزّ: فجرّوا برجله فأقاموه في الشمس في الدّار في وقت شديد الحرّ فجعل يرفع قدمه ساعة بعد ساعة من حرارة الموضع الّذي قد أقيم فيه وبعضهم يلطمه وهو يتّقي بيده وجعلوا يقولون اخلعها(5).
قال ابن أبي الحديد: الطّابق ـ بالفتح ـ الآجرة الكبيرة وهو فارسي معرّب(6).
وهو أخذ ما قاله عن (الصحاح)(7)، وقال الفيروز آبادى: الطابق كهاجر، وصاحب الآجر الكبير كالطّاباق والعضو أو نصف الشّاة وظرف يطبخ فيه معرَّب (تابه) جمعه طوابق وطوابيق(8).
وفي حديث عمران بن حصين: إنّ غلاما أبق له فقال: لأقطعنّ منه طابقا إن قدرت عليه، أى: عضوا. قال ثعلب: الطّابق والطابق: العضو من أعضاء الإنسان كاليد ونحوها، ومنه حديث عليّ علیه السلام : انّما أمر في السّارق بقطع طابقه (أى: يده) وحديثه الآخر: فخبزت خبزا وشويت طابقا من شاة...(1).
وقال ابن دريد: وكلّ شيء طوبق بعضه على بعض فالأعلى طبق الأسفل والسماوات الطّباق بعضهنّ فوق بعض...(2).
ومن كلام الأخير يعلم أنّ المراد بين طبقتين من نار ولا معنى لما قاله ابن أبي الحديد بين آجرتين من نار كما عرفت من ثعلب أنّه يجوز فيه الكسر أيضا(3)،
فكلامه علیه السلام مساوق لقوله تعالى: (يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ...)(4).
وقال القمّي في قوله تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُوُسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ)(5)، قال: تشويه النّار فتسترخي شفته السّفلى حتّى تبلغ سرّته وتتقلّص شفته العليا حتّى تبلغ وسط رأسه(6).
وروي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبدالله علیه السلام : خوّفني فانّ قلبي قد قسا فقال :
انّ جبرئيل جاء إلى النّبي صلی الله علیه واله وهو قاطب وقد كان يجيء قبل هو متبسّم فقال له النبيّ صلی الله علیه واله : جئتني اليوم قاطبا. قال: قد وضعت منافخ النّار فقال: وما منافخ النّار قال: انّ الله تعالى أمر بالنّار فنفخ عليها ألف عام حتّى أبيضّت ونفخ عليها ألف عام حتّى احمرّت ثمّ عليها ألف عام حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة ولو انّ قطرة من الضّريع قطرت في شراب أهل الدّنيا لمات أهلها من نتنها ولو انّ حلقة واحدة من السلسلة التي طولها سبعون ذراعا وضعت على الدّنيا لذابت من حرّها ولو انّ سربالا من سرابيل أهل النّار علّق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من ريحه ـ إلى أن قال ـ: انّ جهنّم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما ـ إلى أن قال ـ: فاذا بلغوا أعلاها قمعوا بمقامع الحديد واعيدوا في دركها هذه حالهم وهو قوله تعالى: (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ)(1) ثمّ تبدّل جلودهم غير الجلود التي كانت عليهم...(2).
وفى كتاب اميرالمومنين علیه السلام إلى اهل مصر فى وصف النار: قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَحَرُّهَا شَدِيدٌ وَشَرَابُهَا صَدِيدٌ وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ وَمَقَامِعُهَا حَدِيدٌ لا يَفْتُرُ عَذَابُهَا وَلا يَمُوتُ سُكَّانُهَا دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ وَلا يُسْمَعُ لاَِهْلِهَا دَعْوَة...(3)
هو كما قالوا: اشارة إلى قوله تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ...(1) قالوا المراد
بالحجارة حجارة الكبريت(2).
قالوا: اشارة إلى قوله تعالى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ)(3).
وقال تعالى: (قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)(4).
وفي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام في قوله تعالى: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ)(5)، أما أهل الجنّة فزوّجوا الخيرات الحسان، وامّا أهل النّار فمع كلّ
انسان منهم شيطان يعني قرنت نفوس الكافرين والمنافقين بالشّياطين فهم قرناءهم(6).
وهو اسم مقدّم خزنة النار والملائكة الموكّلين لأمرها قال تعالى: (عَلَيْها
مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ)(1) روى عن رسول الله صلی الله علیه واله أنه قال: والّذي نفسى بيده لقد خلقت ملائكة جهنم قبل أن تخلق جهنّم بألف عام فهم كلّ يوم يزدادون قوّة إلى قوّتهم(2).
وعن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن الصّادق علیه السلام في خبر المعراج قال : قال النبيّ صلی الله علیه واله : فصعد جبرئيل وصعدت حتّى دخلت سماء الدّنيا فما لقيني ملک إلّا وهو ضاحک مستبشر حتّى لقيني ملک من الملائكة لم أر أعظم خلقا منه كريه المنظر ظاهر الغضب فقال لي مثل ما قالوا من الدّعا إلّا أنّه لم يضحک و لم أر فيه الاستبشار ما رأيت ممّن ضحک من الملائكة فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ فانّى قد فزعت منه، فقال: يجوز أن تفزع منه فكلّنا نفزع منه إنّ هذا مالک خازن النار لم يضحک قط ولم يزل منذ ولاه الله جهنّم يزداد كلّ يوم غضبا وغيظا على أعداء الله وأهل معصيته فينتقم الله به منهم ولو ضحک إلى أحد كان قبلک أو كان ضاحكا إلى أحد بعدک لضحک إليک، ولكنّه لا يضحک فسلّمت عليه فردّ السلام علىّ وبشّرني بالجنّة.
فقلت لجبرئيل وجبرئيل بالمكان الّذي وصفه الله (مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ)(3): ألا تأمره أن يريني النار؟ فقال له جبرئيل: يا مالک أر محمّدا صلی الله علیه واله النار، فكشف منها غطائها وفتح بابا منها فخرج منها لهب ساطع في السّماء وفارت وارتفعت حتّى ظننت ليتناولنى مما رأيت، فقلت: يا جبرئيل قل له: فليرد عليها غطائها، فأمرها
فقال لها: ارجعى فرجعت إلى مكانها الّذي خرجت منه، الحديث(1)، فقد علم به
زيادة قوّته وشدّة غيظه وغضبه.
قال الجوهرى: حطمته حطما أى: كسرته والحطمة اسم من أسماء جهنّم وهي النّار لأنّها تحطّم ما يلقى فيها...(2).
قال تعالى: (وَنادَوْا يا مالِکُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّکَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ)(3).
وقال تعالى: (كَلّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَما أَدْراکَ مَا الْحُطَمَةُ * نارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الاَْفْئِدَةِ * إِنَّها عَلَيْهِمْ مُوْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ)(4).
وقال القمّي: إذا مدّت العمد عليهم أكلت والله الجلود(5).
وقال الصدوق: كان زكريا إذا أراد أن يعظ بني اسرائيل التفت يمينا وشمالا فاذا رأى يحيى لم يذكر جنّة ولا نارا فجلس يوما يعظ بني اسرائيل وأقبل يحيى قد لفّ رأسه بعباءة وجلس في غمار القوم(6) فالتفت زكريا يمينا وشمالا فلم ير يحيى فأنشأ يقول حدّثني حبيبي جبرئيل عن الله عزّ وجلّ: إنّ في جهنّم جبل يقال له السّكران وفي أصل ذاک الجبل واد يقال له الغضبان خلق لغضب الرّحمن وفي ذلک الوادي جبّ قامته مائة عام فيه توابيت من نار وفيها صناديق من نار وثياب من نار وأغلال من نار فرفع يحيى رأسه وقال واغفلتاه عن السّكران وعن غضب
قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً * إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً * وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِکَ ثُبُوراً * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَ...)(3).
وقال تعالى: (إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ...)(4).
وعن الباقر علیه السلام قال: لمّا نزل وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الاِْنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى(5) ـ سئل عنه النبيّ صلی الله علیه واله فقال: أخبرني الرّوح الأمين انّ الله تعالى إذا جمع الأوّلين والآخرين أتى بجهنّم تقاد بألف زمام لكلّ زمام الف ملک من الغلاظ الشّداد لها هدّة وغضب وزفير وشهيق وانّها لتزفر الزّفرة فلولا انّ الله أخّرهم للحساب لأهلكت الجميع ثمّ يخرج منها عنق فيحيط بالخلايق(6).
وفى دعاء كميل: يَا رَبِّ وَأَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفِي عَنْ قَلِيلٍ مِنْ بَلاءِ الدُّنْيَا وَعُقُوبَاتِهَا وَمَا يَجْرِي فِيهَا مِنَ الْمَكَارِهِ عَلَى أَهْلِهَا عَلَى أَنَّ ذَلِکَ بَلاءٌ وَمَكْرُوهٌ قَلِيلٌ مَكْثُهُ يَسِيرٌ بَقَاوُهُ قَصِيرٌ مُدَّتُهُ فَكَيْفَ احْتِمَالِي لِبَلاءِ الآْخِرَةِ وَجَلِيلِ وُقُوعِ الْمَكَارِهِ فِيهَا وَهُوَ بَلاءٌ
تَطُولُ مُدَّتُهُ وَيَدُومُ مَقَامُهُ وَلا يُخَفَّفُ عَنْ أَهْلِه...(1)
اليفن: الشيخ الكبير، قال الأعشى:
وما أن أرى الدّهر في ما مضى***يغادر من شارف أو يفن(2)
لهزه القتير أى: خالطه الشّيب، وتخصيصه بالخطاب من بين ساير المخاطبين لكونه أولى بالحذر والاقلاع عن المعصية والخطاء لاشراف عمره على الزوال والانقضاء وقرب تورّطه في ورطات الاخرى.
واللّهز: الضّرب بجميع اليد في الصّدر مثل اللّكز عن أبي عبيدة...(3).
وممّا قيل في الشّيب وكونه بريد الموت قول بعضهم (الموت ساحل والشّيب سفينة تقرب من السّاحل)(4) وقول الشاعر:
سألت من الأطبّة ذات يوم***طبيبا عن مشيبي قال بلغم
فقلت له على غير احتشام***لقد أخطأت في ما قلت بل غم(5)
وقال محمود الورّاق (الشيّب غمام قطره الغمّ)(6) وقال عبيد الله بن عبدالله بن طاهر:
هذا غمام للرّدى***و دمع عيني مطرة(1)
وقال ابن دريد:
من لاح في عارضيه القتير***فقد أتاه بالبلى النذير
ثم إلى ذي العزّة المصير(2)
وقال النّظامي بالفارسية:
ز پنبه شد بناگوشت كفن پوش***هنوز اين پنبه بيرون نارى از گوش
وقال البهائي أيضا :
در سياهيّت سفيدى شد پديد***يعنى از ره قاصد مرگت رسيد(3)
وقال البحترى:
يرفضّ عن ساطع المشيب كما***أرفضّ دخان الضّرام عن لهبه(4)
أيضا:
نظرت اليّ الأربعون فأصرخت***مشيبي وهزّت للحنوّ قناتي
وقال الرّاجز:
الآن إذ لاح بک القتير***و الأمس قد صار له شكير(5)
والشّكير شعر ضعيف ينبت خلال الشيب، وعنه علیه السلام :
بلال الشّيب في فوديک نادى***بأعلى الصّوت حيّ على الرّواح (الذهاب)(6)
وللبحترى:
ومن يطلع شرف الاربعين***يحيى من الشّيب زورا غريبا(1)
خصّه بالخطاب لأنّ اليفن أقرب إلى المآب وأشدّ في الحساب، فعن الصادق علیه السلام انّ العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة، فاذا بلغ أربعين أوحى عزّ وجلّ إلى ملكيه انّي قد عمّرت عبدي عمرا فغلّظا عليه وشدّدا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره(2).
أى: جعلت النّار لكونها طوقا على عظام الأعناق كاللّحم لها، وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الاَْذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ(3).
نشب الشيء في الشيء (بالكسر) نشوبا أى: علق فيه(4) والجامعة الغلّ لأنّها
تجمع اليدين إلى العنق(5)
اختلف أهل اللّغة في معنى السّاعد، ففي (الجمهرة)(1) و(الصحاح)(2): ساعدا
الإنسان: عضداه، وفي (القاموس) ساعداک: ذراعاک(3)، وفي (المغرب): السّواعد
جمع ساعد وهو من اليد ما بين المرفق والكتف ثمّ سمّي بها ما يلبس عليها من حديد أو صفر أو ذهب(4)، وقال الفيومى السّاعد من الإنسان ما بين المرفق
والكتف وهو مذكّر سمّي ساعدا لأنّه يساعد الكفّ في بطشها وعملها والسّاعد هو العضد والجمع السّواعد...(5).
قال القمّي في قوله تعالى: (لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ)(6)،
بلغني و الله ما أعلم انّ الله تعالى جعل جهنّم سبع درجات أعلاها الجحيم يقوم أهلها على الصّفا منها تغلي أدمغتهم فيها كغلي القدر بما فيها، والثانية: لظى نزّاعة للشّوى تدعو من أدبر وتولّى وجمع فأوعى(7)، والثّالثة: سقر لا تبقي ولا تذر لوّاحة للبشر عليها تسعة عشر(8) والرّابعة: الحطمة ومنها يثور شرر كالقصر كأنّه
جمالة صفر تدّق من صار إليها مثل الكحل فلا تموت الرّوح كلّما صاروا مثل الكحل عادوا، والخامسة: الهاوية فيها يدعون يا مالک أغثنا فإذا أغاثهم جعل لهم آنية من صفر من نار فيها صديد يسيل من جلودهم كأنّه مهل فاذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم فيها من شدّة حرّها وهو قوله تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ
رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُوْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً)(1)، ومن هوى فيها هوى سبعين عاما وكلّما احترق جلده بدل جلدا غيره، والسّادسة: هي السّعير فيها ثلاثمائة سرادق من نار في كلّ سرادق ثلاثمائة قصر من نار في كلّ قصر ثلاثمائة بيت من نار وفي كلّ بيت ثلاثمائة لون من عذاب النّار فيها حيّات من نار و عقارب من نار وجوامع من نار وسلاسل من نار وأغلال من نار وهو الّذي يقول تعالى فيه: (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً)(2)، والسابعة: جهنّم وفيها الفلق وهو جبّ في جهنّم إذا فتح سعر النّار سعراً وهو أشدّ النّار عذاباً وامّا سعود فجبل من صفر من نار وسط جهنّم، وامّا اثام فهو واد من صفر مذاب يجري حول الجبل وهو أشدّ النّار عذابا(3).
في الخبر: اغتنموا خمسا قبل خمس صحّتک قبل سقمک وشبابک قبل هرمک وغناک قبل فقرک وفراغک قبل شغلک وحياتک قبل موتک(4).
الفسحة السّعة(5).
من النار بالتوبة والتقوى.
في الخبر: بينما النبيّ صلی الله علیه واله مستظلّ بظلّ شجرة في يوم شديد الحرّ إذ جاء رجل فنزع ثيابه ثم جعل يتمرّغ في الرّمضاء يكوي ظهره مرّة وجبهته مرّة ويقول يا نفس ذوقي فما عند الله أعظم ممّا صنعت بک والنبيّ صلی الله علیه واله ينظر إلى ما يصنع ثمّ انّ الرّجل لبس ثيابه ثمّ أقبل فأومى إليه النبيّ صلی الله علیه واله بيده ودعاه فقال له: يا عبدالله لقد صنعت شيئا ما رأيت أحدا من النّاس صنعه، فما حملک على ذلک؟ قال: حملني عليه مخافة الله تعالى فقال لقد خفت الله حقّ مخافته...(1).
غلق الرّهن غلقا أى: استحقّه المرتهن وذلک إذا لم يفتکّ في الوقت المشروط وفي الحديث لا يغلق الرّهن، قال زهير:
وفارقتک برهن لا فكاک له***يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا(2)
قال تعالى: (وكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)(3).
هذا، ورهن عروة بن الورد امرأته الغفاريّة على الشراب قال انّما جاء بها إلى بني النّضير وكان صعلوكا يغير فسقوه الخمر فلّما انتشى منعوه ولا شيء معه إلّا امرأته فرهنها ولم يزل يشرب حتى غلقت فلمّا قال لها انطلقي قالت لا سبيل إلى ذلک قد أغلقتني فبهذا صارت عند بني النّضير ولمّا أجلى النبيّ صلی الله علیه واله بني النّضير عن
المدينة كانت فيهم سلمى(1).
السّهر: عدم النّوم في الليل...(2)، أى بالتهجّد وصلاة اللّيل وساير النوافل.
قال تعالى: (كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ. وَبِالاَْسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(3).
وقال تعالى: (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ)(4).
عن عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله علیه السلام قال: شرف المومن صلاة اللّيل وعزّ المومن كفّه عن النّاس(5).
وعن معاوية بن عمار عن بعض أصحابه عن أبي عبدالله علیه السلام قال: عليكم بصلاة اللّيل فانها سنّة نبيّكم ودأب الصالحين قبلكم ومطردة الداء عن أجسادكم(6).
وقال أبو عبدالله علیه السلام صلاة اللّيل تبيض الوجه وصلاة اللّيل تطيب الرّيح، وصلاة اللّيل تجلب الرّزق(7).
وعن أبي بصير عن أبي عبدالله علیه السلام قال: حدّثني أبي عن جدّي عن آبائه عن عليّ : قال: قيام اللّيل مصحّة للبدن، ورضاء الرّبّ، وتمسّک بأخلاق النبيّين،
وتعرّض لرحمة الله تعالى(1).
وعن إبراهيم بن عمرو رفعه إلى أبي عبدالله في قول الله عزّ وجلّ: (إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ)(2) قال: صلاة المومن باللّيل تذهب بما عمل من ذنب
بالنهار(3).
وعن سعد بن عبدالله عن سلمة بن الخطاب عن محمّد بن الليث عن جعفر بن إسماعيل عن جعفر بن محمّد عن أبيه علیهم السلام أنّ رجلا سأل أميرالمومنين علیه السلام عن قيام اللّيل بالقرآن، فقال له علیه السلام ابشر :
من صلّى من اللّيل عشر ليله لله مخلصا ابتغاء ثواب الله قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَل لملائكته اكتبوا لعبدي هذا من الحسنات عدد ما انبت من النباتات في النيل «اللّيل خ» من حبّة وورقة وشجرة وعدد كلّ قصبة وخوطة(4) ومرعى.
ومن صلّى تسع ليله أعطاه الله عشر دعوات مستجابات وأعطاه كتابه بيمينه يوم القيامة.
ومن صلّى ثمن ليله أعطاه الله عزّ وجلّ أجر شهيد صابر صادق النيّة وشفع في أهل بيته.
ومن صلّى سبع ليله خرج من قبره يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر حتّى يمرّ على الصراط مع الامنين.
ومن صلّى سدس ليله كتب مع الأوّابين وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
ومن صلّى خمس ليله زاحم إبراهيم خليل الله في قبّته.
ومن صلّى ربع ليله كان أوّل الفايزين حتّى يمرّ على الصّراط كالرّيح العاصف ويدخل الجنّة بغير حساب.
ومن صلّى ثلث ليله لم يلق ملكا «لم يبق ملک خ» إلّا غبطه بمنزلته من الله عزّ وجلّ وقيل له ادخل من أىّ أبواب الجنّة الثّمانية شئت.
ومن صلّى نصف ليله فلو اعطى ملاء الأرض ذهبا سبعين ألف مرّة لم يعدل أجره جزاء، وكان له بذلک أفضل من سبعين رقبة يعتقها من ولد إسماعيل.
ومن صلّى ثلثى ليله كان له من الحسنات قدر رمل عالج أدناها حسنة أثقل من جبل أحد عشر مرّات.
ومن صلّى ليلة تامّة تاليا لكتاب الله عزّ وجلّ ذكره راكعا وساجدا وذاكرا اعطى من الثواب أدناها أن يخرج من الذّنوب كما ولدته أمّه ويكتب له عدد ما خلق الله من الحسنات ومثلها درجات، ويبثّ النور في قبره وينزع الاثم والحسد من قلبه، ويجار من عذاب القبر ويعطى براءة من النار ويبعث من الامنين ويقول الرّب تبارک وتعالى لملائكته: ملائكتي انظروا إلى عبدي أحيى ليله ابتغاء مرضاتي أسكنوه الفردوس وله فيها مأئة ألف مدينة في كلّ مدينة جميع ما يشتهى الأنفس وتلذّ الأعين وما لا يخطر على بال سوى ما أعددت له من الكرامة والمزيد والقربة(1).
1) . ثواب الأعمال: 43؛ بحار الأنوار: 84/171/ح 4.
الضمر والضُمر مثل العسر والعسر الهزال وخفّة اللّحم...(1).
قال النبيّ صلی الله علیه واله : ألا أخبركم بشيء ان فعلتموه تباعد الشيطان عنكم كما تباعد المشرق من المغرب قالوا بلى قال الصّوم يسودّ وجهه والصّدقة تكسر ظهره والحبّ في الله تعالى والموازرة على العمل الصّالح يقطع دابره والاستغفار يقطع وتينه(2) ولكلّ شيء زكاة وزكاة الأبدان الصّيام(3)
وقال تعالى: الصّوم لي وأنا أجزي به وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربّه والّذي نفس محمّد بيده لخلوق فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسک(4).
أى في القيام إلى الصلوات أو مطلق القربات كاستعمالها في تشييع الجنائز والسّعى إلى المساجد والمشى إلى المشاهد المشرّفة ونحوها.
عن اميرالمومنين علیه السلام قال: إنّ الله تعالى ليهمّ ان يعذّب أهل الأرض جميعا حتّى لا يتحاشى منهم أحدا إذا عملوا بالمعاصي واجترحوا السيئات فاذا نظر إلى الشّيب ناقلي أقدامهم إلى الصلاة والولدان يتعلّمون القرآن رحمهم فأخّر ذلک عنهم(5).
1) . الصحاح: 2/722 مادة (ضمر).
2) . الموازرة: المعاونة، وقطع الدابر كناية عن الاستيصال، والوتين: عرق في القلب اذا انقطعمات صاحبه. (الوافى).
3) . من لا يحضره الفقيه: 2/75/ح 1774؛ بحار الأنوار: 66/380/ح 39.
4) . من لايحضره الفقيه : 2/75/ح 1773؛ بحار الأنوار: 93/258.
5) . ثواب الأعمال: 28؛ بحار الأنوار: 81/14/ح 93.
قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُوَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ)(1).
وهو كناية عن إتعاب الأبدان وإذابتها بالعبادات والرّياضات وسلوک مسالک الخيرات، ومعلوم أنّ الأخذ من الأجساد بهذه القربات جود بها على النفوس ولذلک قال: جودوا بها عليها.
قال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ...)(2).
قال تعالى: (ها أَنْتُمْ هوُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله)(3).
في الآية السابعة من سورة محمّد صلی الله علیه واله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) وقال تعالى: في (11) سورة الحديد: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) وفي (245) سورة البقرة :
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ
وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
قال الطبرسى: أى إن تنصروا دين الله ونبيّ الله بالقتال والجهاد ينصركم على عدوّكم ويثبّت أقدامكم إى يشجعكم ويقوى قلوبكم لتثبتوا، وقيل: ينصركم في الاخرة ويثبّت أقدامكم عند الحساب وعلى الصراط، وقيل: ينصركم في الدّنيا والاخرة ويثّبت أقدامكم في الدّارين وهو الوجه.
قال قتاده: حقّ على الله أن ينصر من نصره لقوله: (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ) وأن يزيد من شكره لقوله: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ)(1)، وأن يذكر من ذكره لقوله :
(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)(2)،(3).
(و قال) في سورة الحديد: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)(4) ونحوه في سورة البقرة إلّا أنّ فيها بدل قوله: (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) :
(أَضْعافاً كَثِيرَةً)(5).
قال الطبرسى: ثمّ حث الله سبحانه على الانفاق فقال مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ أى ينفق في سبيل الله وطاعته، والمراد به الأمر قَرْضاً حَسَناً والقرض الحسن أن ينفق من حلال ولا يفسده بمنّ ولا أذى، وقيل: هو أن يكون محتسبا طيّبا به نفسه، وقيل: هو أن يكون حسن الموقع عند الانفاق فلا يكون خسيسا، والأولى أن يكون جامعا لهذه الأمور كلّها فلا تنافي بينها(6) فَيُضاعِفَهُ لَهُ أى يضاعف له الجزاء من بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ أى جزاء خالص لا يشوبه صفة
نقص، فالكريم الّذي من شأنه أن يعطى الخير الكثير فلما كان ذلک الأجر يعطى النفع العظيم وصف بالكريم والأجر الكريم هو الجنّة(1).
ولما كان ظاهر النصرة موهما لكونها من الذلّة، وظاهر القرض موهما لكونه من القلّة أردف ذلک من باب الاحتراس بقوله
كما هو شأن المستنصرين من المخلوقين.
القلّ والقلّة، مثل الذّل والذّلّة، يقال: الحمد لله على القلّ والكثر وماله قلّ ولا كثر، وفي الحديث: الرّبا وان كثر فهو إلى قلّ، وأنشد الأصمعى:
وقد يقصر القلّ الفتى دون همّه***وقد كان لولا القلّ طلّاع أنجد
ويقال: هو قلّ بن قلّ إذا كان لا يعرف هو ولا أبواه(2).
والمراد ليس استنصاره واستقراضه من أجل الذلّة والقلّة حسبما زعمته اليهود وقالوا: إنما يستقرض منّا ربّنا عن عوز فانما هو فقير ونحن أغنياء(3) فأنزل الله
سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ)(4) بل سمّى نصرة دينه ونبيّه نصرة له والانفاق في سبيله قرضا تلطّفا للدّعاء إلى فعلهما وتأكيدا للجزاء عليهما، فانّ النّصر يوجب المكافاة والقرض يوجب العوض.
الأصل فيه قوله تعالى: (وَللهِِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً)(1) وقوله تعالى: (وَللهِِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً
حَكِيماً)(2).
يعني أنّه عزيز في سلطانه أي قادر قاهر لا يتمكّن أحد أن يمنعه من عذاب من يريد عذابه، ذو قدرة على الانتقام من أعدائه، وانّه حكيم في أفعاله واضع كلّا منها في مقام صالح له ولايق به.
الأصل فيه قوله تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَللهِِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالاَْرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ)(3).
يعني غنيّ بنفسه عن غيره غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته ومحمود في أفعاله وصنايعه وأحكامه وأوامره.
(و انّما خ ل) أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً
قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ)(4).
وقال تعالى: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الاَْرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(5).
وقال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً...)(1).
وقال تعالى: (وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ...)(2).
وقال تعالى: (وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ...)(3).
وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْکَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً... وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُم)(4).
وقال تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ)(5).
وقال تعالى: وحكى تعالى عن سليمان مشيرا إلى عرش ملكة سبأ قالَ: (الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيکَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْکَ طَرْفُکَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ...)(6).
قال تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْکَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ... فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)(7).
قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِکَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ
النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِکَ رَفِيقاً)(1).
قال تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)(2).
الحسّ والحسيس الصّوت الخفيّ قال تعالى: لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها(3).
ويشهد للفقرتين قوله تعالى مشيرا إلى جهنّم: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِکَ عَنْها مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الاَْكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)(4).
قال الطبرسيّ: أى يكونون بحيث لا يسمعون صوتها الّذي يحسّ(5).
روى الصدوق عن النّبيّ صلی الله علیه واله إنّه قال لعليّ علیه السلام يا عليّ أنت وشيعتک على الحوض تسقون من أحببتم وتمنعون من كرهتم وأنتم الامنون يوم الفزع الاكبر في ظلّ العرش يوم يفزع الناس ولا تفزعون، ويحزن النّاس ولا تحزنون، وفيكم نزلت هذه الاية: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الاية، وفيكم نزلت لا يَحْزُنُهُمُ
الْفَزَعُ الاَْكْبَرُ) الاية(1).
وعن الصّادق علیه السلام قال: إنّ الله يبعث شيعتنا يوم القيامة على ما فيهم من الذّنوب أو غيره مبيضّة وجوههم مستورة عوراتهم آمنة روعتهم قد سهلت لهم الموارد وذهبت عنهم الشدائد، يركبون نوقا من ياقوت فلا يزالون يدورون خلال الجنّة عليهم شرک من نور يتلألأ توضع لهم الموائد فلا يزالون يطعمون والناس في الحساب، وهو قول الله تبارک وتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ) الاية(2).
اللّغوب التّعب والاعياء تقول منه: لغب يلغب بالضّمّ لغوبا ولغب بالكسر يلغب لغوبا، لغة ضعيفة(3) ونصب الرّجل بالكسر نصبا تعب. وانصبه غيره. وهمّ ناصب أى: ذو نصب مثل رجل تأمر ولابن ويقال هو فاعل بمعنى مفعول فيه لأنّه ينصب فيه ويتعب كقولهم ليل نائم أى: ينام فيه ويوم عاصف أى: يعصف فيه الريح...(4).
كلامه علیه السلام إشارة إلى قوله تعالى في فاطر حكاية عن أهل الجنّة: (وَقالُوا الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ)(5) وفي فاطر: (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُوْلُواً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ)(6).
قال الطبرسى: أى أنزلنا دار الخلود يقيمون فيها أبدا لا يموتون ولا يتحوّلون
عنها مِنْ فَضْلِهِ أى ذلک بتفضّله وكرمه لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ لا يصيبنا في الجنّة عناء ومشقّة وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ أى ولا يصيبنا فيها إعياء ومتعبة في طلب المعاش وغيره(1).
وعن القمّي قال: النّصب العناء واللّغوب الكسل والضجر ودار المقامة دار البقاء(2).
وقال صاحب الصافى: النّصب التّعب واللّغوب الكلال إذ لا تكليف فيها ولا كدّ اتبع نفى النصب بنفى ما يتبعه مبالغة(3).
المذكور من النعم العظيمة.
أى تفضّل منه سبحانه.
من عباده.
يتفضّل بما لا يقدر عليه غيره ويعطى الكثير بالقليل.
قال تعالى: (وَفِي ذلِکَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ)(1).
قال تعالى: (إِيَّاکَ نَعْبُدُ وَإِيَّاکَ نَسْتَعِينُ)(2).
وقال تعالى: (وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ)(3).
قال تعالى: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)(4).
إلى هنا إنتهى الجزء الثامن عشر
وأسأل الله أن يوفّقنى بمنّه لإتمام هذا الشّرح
انّه سميع الدّعاء قريب مجيب
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ
وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ
وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ
1 ـ الاحتجاج على اهل اللجاج: ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب طبرسى،2 مجلد، مترجم: بهراد جعفرى، دار الكتب الاسلامية، طهران 1387 ش.
2 ـ الاختصاص: محمد بن محمد المفيد، (المتوفى 413ق)، مصحح: على اكبر غفارى ومحمود حرمى زرندى، المؤتمر العالمى للالفية الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
3 ـ اختيار معرفة الرجال (رجال الكشى): الشيخ الطوسي، (المتوفّى 460ق)، تصحيح ميرداماد الاسترآبادي، 2 مجلد، مؤسّسة آل البيت : لاحياء التراث، بعثت، قم، 1404ق.
4 ـ ارشاد القلوب الى الصواب للديلمى: حسن بن محمد ديلمى، (المتوفى 841ق)، 2 مجلد، الشريف الرضى، قم، الأولى 1412ق.
5 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.
6 ـ اسباب نزول الآيات: الواحدي النيسابوري، (المتوفّى 468ق)، مؤسّسة الحلبي للنشر والتوزيع، القاهرة، 1388ق 1968م.
7 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.
8 ـ اسد الغابة: ابن الأثير، (المتوفّى 630ق)، دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، توضيحات: نشر إسماعيليان، طهران.
9 ـ الاشتقاق: ابن دريد (المتوفى 321 ق)، 1 مجلد، دارالجيل بيروت، لبنان، الاولى 1411ق ـ 1991م.
10 ـ اعتقادات الامامية (للصدوق) محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الثانية 1414ق.
11 ـ الأغاني: ابن الفرج الاصفهاني، (المتوفّى 356)، 25 جلد، دار إحياء التراث العربي.
12 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.
13 ـ الأمالي (للطوسي) : محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.
14 ـ الأمالي (للمرتضى): على بن حسين، علم الهدى، (المتوفى 436ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، دار الفكر العربى، قاهره، الأولى 1988م.
15 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح : حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
16 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.
17 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق : سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى.
18 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.
19 ـ البرهان فى تفسير القرآن: سيد هاشم بن سليمان بحراني، (المتوفى 1107ق)، 5 مجلد، مصحح: قسم الدراسات الاسلامية لمؤسسة البعثة، مؤسسة البعثة، قم، الأولى 1374 ش.
20 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد :: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچهباغي، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.
21 ـ بلاغات النساء: ابن طيفور، (المتوفى 380ق)، مكتبة بصيرتي، قمّ المقدّسة.
22 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى 1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.
23 ـ تاج العروس من جواهر القاموس: محمّد مرتضى حسينى زبيدى، (المتوى 1205ق)، تحقيق: على هلالى وسيرى على، 20 مجلد، دار الفكر، بيروت، الأولى 1414ق.
24 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.
25 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
26 ـ تاريخ الطبرى: ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، تحقيق: محمّد ابوالفضل إبراهيم، 11 مجلد، بيروت، دار التراث، الثانية 1387ق 1967م.
27 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بىتا.
28 ـ تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة الدينورى، (المتوفى 276ق)، دار الكتاب العلميّة، بيروت.
29 ـ تحف العقول: حسن بن علي، ابن شعبة الحرّاني، (المتوفى قرن 4)، 1 مجلد، مصحح : علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثانية 1404ق ـ 1363ش.
30 ـ تجريد الاعتقاد : نصير الدين طوسى، محمد بن محمد، (المتوفى 672ق)، مكتب الاعلام الاسلامى، الأولى 1407ق.
31 ـ تصحيح اعتقادات الامامية : مفيد، محمد بن محمد (المتوفى 413ق)، قم، الثانية 1414ق.
32 ـ تفسير الثعلبى (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي، (المتوفى 427ق)، تحقيق: أبى محمد بن عاشور، 5 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الأولى 1422ق 2002م.
33 ـ تفسير الصافي : محمّد بن شاه مرتضى فيض كاشاني، (المتوفى 1091ق)، مكتبة الصدر، طهران، الثانية 1415ق.
34 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح : السيّد هاشم رسولى المحلّاتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.
35 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.
36 ـ تفسير الكشاف: زمخشرى، محمود بن عمر، (المتوفى 538ق)، 4 مجلد، دار الكتاب العربي، لبنان، بيروت، الثالثة 1407.
37 ـ التفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكري علیه السلام : الشهادة 260 ق)، 1 مجلد، مصحح: مدرسة الإمام المهدي علیه السلام ، قم، الأولى 1409ق.
38 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، 2 مجلد، مكتبة الفقيه، قم، الأولى 1410ق.
39 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.
40 ـ التوحيد المفضل: مفضل بن عمر، (المتوفى 148ق)، 1 مجلد، داورى، ايران، قم، بىتا.
41 ـ تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن، طوسى، (المتوفى 460ق)، 10 مجلد، مصحح : حسن الموسوى خرسان، دار الكتب الاسلامية، تهران، الرابعة 1407ق.
42 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: محمد بن علي الصدوق، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، دار الشريف الرضي للنشر، قم، الثانية 1406ق.
43 ـ جمهرة اللغة: أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي، (المتوفى 321ق)، 3 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الأولى 1987م.
44 ـ الحدائق الناظرة : المحقّق البحراني، (المتوفي 1186)، 25 مجلد، موسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
45 ـ حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبدالله الاصبهاني، (المتوفى 430ق)، 10 مجلد، السعادة، بجوار محافظة مصر، 1394ق 1974م.
46 ـ حياة الحيوان الكبرى: كمال الدين دميرى، (المتوفى 808ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.
47 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.
48 ـ الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: السيد على خان المدنى الشيرازي، (المتوفى 1120ق)، منشورات مكتبة بصيرتى، قم، 1397ق.
49 ـ تفسير الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، 6 مجلد، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان.
50 ـ ديوان البحتري: وليد بن عبيد، (206 ـ 284ق)، بيروت، دار صادر، 1381.
51 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين علیه السلام : حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى 911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.
52 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: الزمخشرى، (المتوفى 538ق)، تحقيق: عبدالأمير مهنا، 5 مجلد، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، الأولى 1412ق 1992م.
53 ـ رجال الكشي ـ اختيار معرفة الرجال: محمّد بن عمر الكشي، (المتوفى النصف الأوّل من القرن 4ق)، 1 مجلد، مصحح: محمّد حسن الطوسي، حسن المصطفوي،
مؤسسه النشر لجامعة مشهد، الأولى 1409ق.
54 ـ روضة الواعظين وبصيرة المتعظين: محمّد بن أحمد، فتال النيشابوري، (المتوفى 508ق)، 2 مجلد، النشر الرضي، قم، الأولى 1375ش.
55 ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين علیه السلام : سيد عليخان بن احمد، الكبير المدني، (المتوفى 1120ق)، 7 مجلد، مصحح: محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1409ق.
56 ـ الزهد: حسين بن سعيد، كوفى اهوازى، (المتوفى القرن الثالث)، مصحّح: غلامرضا عرفانيان يزدى، 1 مجلد، المطبعة العلميّة، قم، الثانية 1402ق.
57 ـ زهر الآداب وثمر الألباب : إبراهيم بن عليّ، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1417ق.
58 ـ زهر الآداب وثمر الألباب : ابراهيم بن على الحصرى القيروانى، (المتوفى 453)، 4 مجلد، دار الجيل، بيروت، لبنان، الرابعة 1972 م.
59 ـ سفينة البحار: القمي، عبّاس، (المتوفى 1359ق)، 8 مجلد، اسوة، قم، الأوّل 1414ق.
60 ـ سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، (المتوفى 275ق)، 2 مجلد، تحقيق: سعيد محمد اللحام، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الأولى 1410ق ـ 1990م.
61 ـ شرح أصول الكافي (صدرا): محمّد بن ابراهيم، صدرالدين الشيرازي، 4 مجلد (المتوفى 1050ق)، مصحح: محمد الخواجوي، مؤسسة مطالعات وتحقيقات
فرهنگى طهران، الأولى 1383ش.
62 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.
63 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة الله، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.
64 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: عبيدالله بن عبدالله الحسكاني، (المتوفى 490 ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد باقر المحمودي، التابعة لوزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، مجمع احياء الثقافة الاسلامية، طهران، الأولى 1411ق.
65 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.
66 ـ صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، (المتوفى 261ق)، 1 مجلد، دار الفكر، بيروت.
67 ـ الصحيفة السجادية: امام علي بن الحسين علیه السلام ، (الشهادة 94 يا 95ق)، مكتبة نشر الهادي، قم، الأولى 1376ق.
68 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقى التقديم: على بن محمّد عاملى نباطى، (المتوفى 877ق)، 3 مجلد، المكتبة الحيدريّة، الأولى 1384ق.
69 ـ صلة تاريخ الطبري: عريب بن سعد القرطبي، (المتوفى 369ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
70 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230ق)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.
71 ـ الطرائف في معرفة مذهب الطوائف: علي بن موسى، ابن طاووس، 2 مجلد،
(المتوفى 664ق)، مصحح: على عاشور، خيام، قم، الأولى 1400ق.
72 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى 328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.
73 ـ علل الشرايع: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، 2 مجلّد مكتبة الداوري، قم الأولى 1385ش.
74 ـ عوالى اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية: محمد بن زين الدين، ابن ابي جمهور، (المتوفى: زنده در سال 901ق)، 4 مجلد، مصحح: مجتبى العراقي، دار سيد الشهداء للنشر، قم، الأولى 1405ق.
75 ـ عيون أخبار الرضا علیه السلام : محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.
76 ـ الغارات (ط ـ القديمة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، 2 مجلد، دار الكتاب الاسلامي، قم، الأوّل 1410ق.
77 ـ الغارات (ط ـ الحديثة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، تحقيق: جلال الدين حسينى ارموى، طهران، انجمن آثار ملى، 1353ش.
78 ـ الغيبة (للنعماني): ابن ابي زينب، محمد بن ابراهيم، (المتوفى 360ق)، مصحح : على اكبر الغفاري، نشر صدوق، طهران، الأولى 1397ق.
79 ـ الفائق فى غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشرى (المتوفى: 538 ق)، 4 مجلد، دارالمعرفة، لبنان، الثانية.
80 ـ الفصول المختارة: محمّد بن محمّد، المفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح : علي الميرشريفي، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
81 ـ الفصول المهمّة في أصول الأئمّة (تكملة الوسائل): شيخ حرّ العاملي، محمّد بن حسن، (المتوفى 1104ق)، 3 مجلد، مؤسّسة معارف اسلامي امام رضا علیه السلام ، قم، الأولى 1418ق / 1376ش.
82 ـ الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة: ابن صباغ المالكي، (المتوفى 855ق)، 2 مجلد، دار الحديث للطباعة والنشر، قم، شارع معلم، الأولى 1422ق.
83 ـ فضائل أميرالمؤمنين علیه السلام : احمد بن محمّد، ابن عقدة الكوفي، (المتوفى 332ق)، 1 مجلد، دليلنا، ايران، قم، الأولى 1424ق.
84 ـ فضائل الشيعة: ابن بابويه، محمد بن علي، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، اعلمي، تهران، الأولى بىتا.
85 ـ فقه اللغة وسر العربية : عبدالملک الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، دار الكتاب العربي، بيروت، ل بنان، الثانية 1416ق / 1996م.
86 ـ القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (المتوفى 817ق)، 4مجلد.
87 ـ قرب الاسناد (طبعة الحديثة): عبدالله بن جعفر الحميري، نيمه دوم قرن 3ق)، المصحح والناشر: مؤسسه آل البيت :، قم، الأولى 1413ق.
88 ـ قصص الأنبياء (للراوندي): سعيد بن هبة الله، قطب الدين الراوندي، (المتوفى 573ق)، مصحح: غلامرضا العرفانيان اليزدي، مركز پژوهشهاى اسلامى، مشهد، الأولى 1409.
89 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران،
الرابعة 1407ق.
90 ـ الكامل فى التاريخ: إبن الأثير (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر، بيروت، 1386 ـ 1966م.
91 ـ الكامل فى اللغة والأدب: محمد بن يزيد المبرد، (المتوفى 285ق)، محقق: محمد ابوالفضل ابراهيم، 4 مجلد، دار الفكر العربى، قاهرة، الثالثة 1417ق.
92 ـ كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس الهلالى، (المتوفى 76ق)، مصحح: انصارى زنجانى، محمد خوئينى، 2 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1405ق.
93 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.
94 ـ الكشكول للبهائي: محمّد بن حسين العاملي، (المتوفى 1031ش)، المترجم، كريم فيضي، نشر العلم، 1387ش.
95 ـ كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح : علي اكبر الغفاري، 2 مجلد، الإسلامية، طهران، الثانية 1395ق.
96 ـ كنز الفوائد: محمد بن علي الكراجكى، (المتوفى 449ق)، 2 مجلد، مصحح: عبدالله نعمه، دار الذخائر، قم، الأولى 1410ق.
97 ـ الكنى والألقاب: الشيخ عبّاس القمّى، (المتوفى 1359ق) 3 مجلد، مكتبة الصدر، طهران.
98 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح : جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة
1414ق.
99 ـ اللطائف والظرائف: الثعالي، أبو منصور، 1 مجلد.
100 ـ اللهوف على قتلى الطفوف: ابن طاووس، علي بن موسى، (المتوفى 664ق)، (ترجمه فهرى) 1 مجلد، نشر جهان، طهران.
101 ـ المجازات النبويّة : محمد بن حسين شريف الرضي، (المتوفى 406ق)، 1 مجلد، دار الحديث، قم، الأولى 1422ق ـ 1380ش.
102 ـ مجمع البحرين: فخرالدين بن محمد، الطريحي، (المتوفى 1085ق)، 6 مجلد، مصحح: احمد الحسيني الاشكوري، المرتضوي، طهران، الثالثة 1375ش.
103 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.
104 ـ مجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، بنياد پژوهشهاى اسلامى آستان قدس رضوى، مشهد، 1369ش.
105 ـ المحاسن: احمد بن محمد بن خالد البرقي، (المتوفى 274ق يا 280ق)، 2 مجلد، مصحح: جلال الدين، المحدث، دار الكتب الاسلامية، قم، الثانية 1371ق.
106 ـ المحيط فى اللغة: صاحب بن عباد، اسماعيل بن عباد، (المتوفى 385ق)، مصحح : محمد حسن آل ياسين، 11 مجلد، عالم الكتاب، بيروت، الاولى 1414ق.
107 ـ مرآة الجنان وعبرة اليقظان : عبدالله بن اسعد اليافعي اليمني المكي، (المتوفى 768)، 4 مجلد، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الأولى 1417/1997 م.
108 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار
الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.
109 ـ مسند أحمد: أحمد بن حنبل، (المتوفى 241ق)، 6 مجلد، دار صادر، بيروت.
110 ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار : على بن حسن طبرسى، (المتوفى 600ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الثانية 1385ق ـ 1344ش.
111 ـ مصباح السعادة في شرح نهج البلاغة: السيّد محمّد كاظم آل طيّب، (معاصر).
112 ـ مفتاح السعادة في شرح نهج البلاغة: السيّد محمّد تقي قايني خراساني، معاصر، تهران، مكتبة المصطفوي.
113 ـ مصباح الشريعة: منسوب به امام صادق علیه السلام د (م 148ق)، الأعلمى، بيروت، الأولى 1400ق.
114 ـ مصباح المتهجّد: محمّد بن الحسن الطوسي، (المتوفى 460ق)، 2 مجلد، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الأولى 1411ق.
115 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، قم، الثانية 1414ق.
116 ـ المعارف: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشه، دار المعارف بمصر، مطابع دار المعارف بمصر، الثانية 1969م.
117 ـ معاني الأخبار: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، الأولى، قم 1403ق.
118 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموى، (المتوفى 626ق)، 20 مجلد، دار الغرب الاسلامى، بيروت، الأولى 1414 ق 1993م.
119 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي،
بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.
120 ـ معجم مقاييس اللغة: ابن فارس، احمد بن فارس (المتوفى 395ق) 6 مجلد، مكتب الاعلام الاسلامى، قم، الاول 1404ق.
121 ـ المغرب في ترتيب المعرب : ماصر بن عبد السيد، أبو الفتح الخوارزمي المطرزى، (المتوفى 610 ق)، دار الكتاب العربى.
122 ـ مفردات الفاظ القران: حسين بن محمد، الراغب الاصفهاني، (المتوفى 401ق)، 1 مجلد، دار القلم، الدار الشامية، بيروت، الأولى 1412ق.
123 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بىتا.
124 ـ المقنعة: المفيد، محمّد بن محمّد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، قم، الأوّل 1413ق.
125 ـ مكارم الأخلاق: حسن بن فضل، الطبرسي، (المتوفى قرن 6)، الشريف الرضي، قم، الرابعة 1412ق ـ 1370ش.
126 ـ الملل والنحل: الشهرستانى، (المتوفى 548)، تحقيق: محمد سيد كيلانى، 2 مجلد، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
127 ـ مناقب آل أبي طالب :: محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلّامة، قم، الأولى 1379ش.
128 ـ مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام : ابن المغازلي، (المتوفى 483ق)، النشر سبط النبى صلی الله علیه واله ، مطبعة سبحان، الأولى 1426ق ـ 1384 ش.
129 ـ مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام : ابن المغازلي، (المتوفى 483ق)، 1 مجلد، دار الآثار، صنعا، الطبعة الأولى 1424ق / 2003م.
130 ـ المنتخب من ذيل المذيل: محمّد بن جرير الطبري، (المتوفى 310ق)، مؤسسة
الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
131 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.
132 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب الله الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)، 22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.
133 ـ نسب قريش: مصعب الزبيري، (المتوفى 236ق)، 1 مجلد، دار المعارف، القاهرة، الثالثة.
134 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارک بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5 مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367 ش.
135 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام) : حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.
136 ـ الوافي: محمد محسن بن شاه مرتضى، الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 26 مجلد، مكتبة الإمام اميرالمؤمنين علیه السلام ، اصفهان، الأولى 1406ق.
137 ـ الوزراء والكتاب : الجهشيارى، محمد بن عبدوس، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1408ق / 1988م.
138 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح : مؤسسه آل البيت :، 30 مجلد، الأولى 1409ق.
139 ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري، (المتوفى 212ق)، 1 مجلد: مصحح :
عبدالسلام محمد، هارون، مكتبة آية الله المرعشى النجفى، الأولى 1404ق.
140 ـ الهداية: الشيخ الصدوق، (المتوفى 381ق)، مؤسسة الامام الهادي علیه السلام ، الأولى 1418 ق.
141 ـ يتيمة الدهر: عبدالملک الثعالبي النيسابوري، (المتوفى 429ق)، 5 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1403ق ـ 1983م.
الخطبة (175): ومن خطبة له علیه السلام
(5 ـ 84)
ومن خطبة له علیه السلام : انْتَفِعُوا بِبَيَانِ اللهِ 8
وَاتَّعِظُوا بِمَوَاعِظِ اللهِ، وَاقْبَلُوا نصيحة (بنَصِيحَةِ خ ل) اللهِ 9
فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْكُمْ بِالْجَلِيَّةِ، وَأَخَذَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ 10
وَبَيَّنَ مَحَابَّهُ مِنَ الاَْعْمَالِ وَمَكَارِهَهُ مِنْهَا 10
لِتَتَّبِعُوا هَذِهِ، وَتَجْتَنِبُوا هَذِهِ 14
فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه واله كَانَ يَقُولُ إِنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ 14
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلّا يَأْتِي فِي كُرْهٍ 17
وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيْءٌ إِلّا يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ 17
فَرَحِمَ اللهُ رَجُلاً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ، وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ 17
فَإِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً 17
وَإِنَّهَا لا تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوًى 18
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُوْمِنَ لا يُمْسِي وَلا يُصْبِحُ إِلّا وَنَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ 18
فَلا يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا، وَمُسْتَزِيداً لَهَا 18
فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ 19
قَوَّضُوا مِنَ الدُّنْيَا تَقْوِيضَ الرَّاحِلِ، وَطَوَوْهَا طَيَّ الْمَنَازِل 19
وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النَّاصِحُ الَّذِي لا يَغُشُّ 20
وَالْهَادِي الَّذِي لا يُضِلُّ 21
وَالْمُحَدِّثُ الَّذِي لا يَكْذِبُ، وَمَا جَالَسَ هَذَا الْقُرْآنَ أَحَدٌ 22
إِلّا قَامَ عَنْهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ زِيَادَةٍ فِي هُدًى أَوْ نُقْصَانٍ مِنْ عَمًى
23
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ الْقُرْآنِ مِنْ فَاقَةٍ 24
وَلا لاَِحَدٍ قَبْلَ الْقُرْآنِ مِنْ غِنًى، فَاسْتَشْفُوهُ مِنْ أَدْوَائِكُمْ 24
وَاسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى لاَْوَائِكُمْ 25
فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءً مِنْ أَكْبَرِ الدَّاءِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ وَالْغَيُّ وَالضَّلالُ 26
فَاسْأَلُوا اللهَ بِهِ وَتَوَجَّهُوا إِلَيْهِ بِحُبِّهِ، وَلا تَسْأَلُوا بِهِ خَلْقَهُ 27
إِنَّهُ مَا تَوَجَّهَ الْعِبَادُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِمِثْلِهِ 28
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ وَقَائِلٌ مُصَدَّق وَأَنَّهُ مَنْ شَفَعَ لَهُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِّعَ فِيهِ 28
وَمَنْ مَحَلَ بِهِ الْقُرْآنُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُدِّقَ عَلَيْهِ 34
فَإِنَّهُ يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ كُلَّ حَارِثٍ مُبْتَلًى فِي حَرْثِهِ وَعَاقِبَةِ عَمَلِهِ
غَيْرَ حَرَثَةِ الْقُرْآنِ فَكُونُوا مِنْ حَرَثَتِهِ وَأَتْبَاعِهِ 34
وَاسْتَدِلُّوهُ عَلَى رَبِّكُمْ 35
وَاسْتَنْصِحُوهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَاتَّهِمُوا عَلَيْهِ آرَاءَكُمْ، وَاسْتَغِشُّوا فِيهِ أَهْوَاءَكُمْ 36
الْعَمَلَ الْعَمَلَ، ثُمَّ النِّهَايَةَ النِّهَايَةَ، وَالاِسْتِقَامَةَ الاِسْتِقَامَةَ 37
ثُمَّ الصَّبْرَ الصَّبْرَ، وَالْوَرَعَ الْوَرَعَ، إِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ 38
وَإِنَّ لَكُمْ عَلَماً، فَاهْتَدُوا بِعَلَمِكُمْ 39
وَإِنَّ لِلاِْسْلامِ غَايَةً، فَانْتَهُوا إِلَى غَايَتِهِ 39
وَاخْرُجُوا إِلَى اللهِ بِمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ 40
وَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ وَظَائِفِهِ، أَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ وَحَجِيجٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ 40
أَلا وَإِنَّ الْقَدَرَ السَّابِقَ قَدْ وَقَعَ وَالْقَضَاءَ الْمَاضِيَ قَدْ تَوَرَّدَ 41
وَإِنِّي مُتَكَلِّمٌ بِعِدَةِ اللهِ، وَحُجَّتِهِ 42
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلّا
تَخافُوا وَلا تَحْزَنُو وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) 42
وَقُلْتُمْ رَبُّنَا اللهُ فَاسْتَقِيمُوا عَلَى كِتَابِهِ، وَعَلَى مِنْهَاجِ أَمْرِهِ 44
وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الصَّالِحَةِ مِنْ عِبَادَتِهِ، ثُمَّ لا تَمْرُقُوا 44
مِنْهَا، وَلا تَبْتَدِعُوا فِيهَا، وَلا تُخَالِفُوا عَنْهَا 45
فَإِنَّ أَهْلَ الْمُرُوقِ مُنْقَطَعٌ بِهِمْ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ 45
ثُمَّ إِيَّاكُمْ وَتَهْزِيعَ، الاَْخْلاقِ وَتَصْرِيفَهَا 46
وَاجْعَلُوا اللِّسَانَ وَاحِداً، وَلْيَخْزُنِ (ليختزن خ ل) الرَّجُلُ لِسَانَهُ 47
فَإِنَّ هَذَا اللِّسَانَ جَمُوحٌ بِصَاحِبِهِ 48
وَاللهِ مَا أَرَى عَبْداً يَتَّقِي تَقْوَى تَنْفَعُهُ حَتَّى يَخْزُنَ (يختزن خ ل) لِسَانَهُ 48
وَإِنَّ لِسَانَ الْمُوْمِنِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ 49
لاَِنَّ الْمُوْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَيْراً، أَبْدَاهُ 50
وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ 50
وَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ لا يَدْرِي مَا ذَا لَهُ وَمَا ذَا عَلَيْهِ 50
وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ 51
فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَلْقَى اللهَ تَعَالَى وَهُوَ نَقِيُّ الرَّاحَةِ 51
مِنْ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ سَلِيمُ اللِّسَانِ مِنْ أَعْرَاضِهِمْ فَلْيَفْعَلْ 51
وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الْمُوْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ وَيُحَرِّمُ الْعَامَ
مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ 52
وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ 53
لا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَلَكِنَّ الْحَلالَ مَا أَحَلَّ اللهُ وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللهُ 54
فَقَدْ جَرَّبْتُمُ الاُْمُورَ وَضَرَّسْتُمُوهَا 56
وَوُعِظْتُمْ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَضُرِبَتِ لَكُمْ الاَْمْثَالُ 56
وَدُعِيتُمْ إِلَى الاَْمْرِ الْوَاضِحِ 57
فَلا يَصَمُّ عَنْ ذَلِکَ إِلّا أَصَمُّ وَلا يَعْمَى عَنْ ذَلِکَ إِلّا أَعْمَى 57
وَمَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ بِالْبَلاءِ وَالتَّجَارِبِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعِظَةِ 58
وَأَتَاهُ التَّقْصِيرُ مِنْ أَمَامِهِ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا أَنْكَرَ، وَيُنْكِرَ مَا عَرَفَ 58
فَإِنَّ النَّاسَ رَجُلانِ مُتَّبِعٌ شِرْعَةً، وَمُبْتَدِعٌ بِدْعَةً 59
لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ وَلا ضِيَاءُ حُجَّة 59
وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَعِظْ أَحَداً بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ 61
فَإِنَّهُ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَسَبَبُهُ الاَْمِينُ 61
وَفِيهِ رَبِيعُ الْقَلْبِ، وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ 62
وَمَا لِلْقَلْبِ جِلاءٌ غَيْرُهُ 62
مَعَ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ الْمُتَذَكِّرُونَ، وَبَقِيَ النَّاسُونَ أَوِ الْمُتَنَاسُون 65
فَإِذَا رَأَيْتُمْ خَيْراً فَأَعِينُوا عَلَيْهِ وَإِذَا رَأَيْتُمْ شَرّاً فَاذْهَبُوا عَنْهُ
65
فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلی الله علیه واله كَانَ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ اعْمَلِ الْخَيْرَ وَدَعِ الشَّرَّ فَإِذَا أَنْتَ جَوَادٌ قَاصِدٌ 65
أَلا وَإِنَّ الظُّلْمَ ثَلاثَةٌ فَظُلْمٌ لا يُغْفَرُ وَظُلْمٌ لا يُتْرَکُ وَظُلْمٌ مَغْفُورٌ لا يُطْلَبُ 67
فَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُغْفَرُ فَالشِّرْکُ بِاللهِ، قَالَ اللهُ إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَکَ بِهِ 67
وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي يُغْفَرُ فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ عِنْدَ بَعْضِ الْهَنَاتِ 68
وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يُتْرَکُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً 69
الْقِصَاصُ هُنَاکَ شَدِيدٌ، لَيْسَ هُوَ جَرْحاً بِاْلمُدَى 70
وَلا ضَرْباً بِالسِّيَاطِ، وَلَكِنَّهُ مَا يُسْتَصْغَرُ ذَلِکَ مَعَهُ 71
فَإِيَّاكُمْ وَالتَّلَوُّنَ فِي دِينِ اللهِ 77
فَإِنَّ جَمَاعَةً فِيمَا تَكْرَهُونَ مِنَ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ فُرْقَةٍ فِيمَا تُحِبُّونَ مِنَ الْبَاطِلِ 79
وَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُعْطِ أَحَداً بِفُرْقَةٍ خَيْراً مِمَّنْ مَضَى وَلا مِمَّنْ بَقِيَ
80
يَا أَيُّهَا النَّاسُ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ 80
وَطُوبَى لِمَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ وَأَكَلَ قُوتَهُ 81
وَاشْتَغَلَ بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ 82
فَكَانَ مِنْ نَفْسِهِ فِي شُغُلٍ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة 83
الخطبة (176): ومن خطبة له علیه السلام في معنى الحكمين
(85 ـ 101)
ومن كلام له علیه السلام في معنى الحكمين، اشارة الى قصّة الحكمين 85
فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ 89
فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا، أَنْ يُجَعْجِعَا 90
عِنْدَ الْقُرْآنِ وَلا يُجَاوِزَاهُ وَتَكُونُ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَقُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ 90
فَتَاهَا عَنْهُ، وَتَرَكَا الْحَقَّ وَهُمَا يُبْصِرَانِهِ وَكَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا 94
وَالإعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا 96
وَقَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاوُنَا (استيثاقنا خ ل) عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَالْعَمَلِ بِالْحَقِّ
سُوءَ رَأْيِهِمَا وَجَوْرَ حُكْمِهِمَا 96
وَالثِّقَةُ فِي أَيْدِينَا لاَِنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ وَأَتَيَا بِمَا لا يُعْرَفُ مِنْ،
مَعْكُوسِ الْحُكْم 97
الخطبة (177): ومن خطبة له علیه السلام
(102 ـ 124)
ومن خطبة له علیه السلام : لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَلا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَلا يَحْوِيهِ 103
مَكَانٌ، وَلا يَصِفُهُ لِسَانٌ 104
وَلا يَعْزُبُ 105
عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ، الْمَاءِ، وَلا نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلا سَوَافِي، الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ 106
وَلا دَبِيبُ، النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا، وَلا مَقِيلُ، الذَّرِّ، فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ 107
يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ 107
وَخَفِيَّ، طَرْفِ، الاَْحْدَاق 108
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلّا اللهُ، غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ 108
وَلا مَشْكُوکٍ فِيهِ، وَلا مَكْفُورٍ دِينُهُ، وَلا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ 109
شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَصَفَتْ دِخْلَتُهُ 109
وَخَلَصَ يَقِينُهُ، وَثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ 110
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ 110
الَمْجُتْبَىَ، مِنْ خَلائِقِهِ 110
وَالْمُعْتَامُ، لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ 111
وَالْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ، كَرَامَاتِهِ 114
وَالْمُصْطَفَى، لِكَرَائِمِ رِسَالاتِه 115
وَالْمُوَضَّحَةُ بِهِ، أَشْرَاطُ، الْهُدَى، وَالْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ، الْعَمَى 116
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُوَمِّلَ لَهَا، وَالْمُخْلِدَ إِلَيْهَا 117
وَلا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا، وَتَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا 117
وَايْمُ اللهِ، مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ 119
فَزَالَ عَنْهُمْ إِلّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا، لاَِنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ 119
وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَتَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ 120
بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَوَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ 120
لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وَأَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِد 121
وَإِنِّي لاََخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ 121
وَقَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ 122
وَلَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ، إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ 123
وَمَا عَلَيَّ إِلّا الْجُهْدُ، وَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَف 124
الخطبة (178): ومن خطبة له علیه السلام وقد سأله ذعلب اليماني فقال
(125 ـ 138)
ومن كلام له علیه السلام 125
فقال علیه السلام : أ فأعبد ما لا أرى؟ 127
فقال وكيف تراه فقال: لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ 128
وَلَكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاِْيمَانِ 128
قَرِيبٌ مِنَ الاَْشْيَاءِ غَيْرَ مُلامِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرَ مُبَايِنٍ، مُتَكَلِّمٌ لا بِرَوِيَّةٍ 132
مُرِيدٌ لا بِهِمَّةٍ، صَانِعٌ لا بِجَارِحَةٍ، لَطِيفٌ لا يُوصَفُ بِالْخَفَاءِ 132
كَبِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ 134
بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْحَاسَّةِ، رَحِيمٌ لا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ 135
تَعْنُو، الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ 135
وَتَجِبُ الْقُلُوبُ، مِنْ مَخَافَتِه، تكملة 136
الخطبة (179): ومن خطبة له علیه السلام في ذم أصحابه
(139 ـ 150)
ومن خطبة له علیه السلام في ذم أصحابه 140
أَحْمَدُ اللهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ وَقَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ 140
وَعَلَى ابْتِلائِي بِكُمْ أَيَّتُهَا الْفِرْقَةُ الَّتِي إِذَا أَمَرْتُ لَمْ تُطِعْ 140
وَإِذَا دَعَوْتُ لَمْ تُجِبْ، إِنْ أُمْهِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خُرْتُمْ 141
وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ، طَعَنْتُمْ (ظعنتم خ ل) 141
وَإِنْ أُجِئْتُمْ، إِلَى مُشَاقَّةٍ، نَكَصْتُمْ 142
لا أَبَا لِغَيْرِكُمْ، مَا تَنْتَظِرُونَ بِنَصْرِكُمْ وَالْجِهَادِ عَلَى حَقِّكُمْ، الْمَوْتَ أَوِ الذُّلَّ لَكُمْ 142
فَوَاللهِ لَئِنْ جَاءَ يَومِي، وَلَيَأْتِيَنِّي، لَيُفَرِّقَنَّ بَيْنِي وَبَيْنِكُم وَأَنَا 143
لَكُمْ (لصحبتكم خ ل) قَالٍ، وَبِكُمْ غَيْرُ كَثِيرٍ 143
للهِِ أَنْتُمْ أَ مَا دِينٌ يَجْمَعُكُمْ وَلا حَمِيَّةٌ تَشْحَذُكُمْ 144
أَ وَلَيْسَ عَجَباً أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ، الطَّغَامَ، فَيَتَّبِعُونَهُ عَلَى غَيْرِ مَعُونَةٍ وَلا عَطَاءٍ 144
وَأَنَا أَدْعُوكُمْ وَأَنْتُمْ تَرِيكَةُ الاِْسْلامِ، وَبَقِيَّةُ النَّاسِ 145
إِلَى الْمَعُونَةِ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْعَطَاءِ فَتَتَفَرَّقُونَ عَنِّي وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ 145
إِنَّهُ لا يَخْرُجُ إِلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِي رِضًا فَتَرْضَوْنَهُ وَلا سُخْطٌ فَتَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ 147
وَإِنَّ أَحَبَّ مَا أَنَا لاقٍ إِلَيَّ الْمَوْتُ 147
قَدْ دَارَسْتُكُمُ الْكِتَابَ، وَفَاتَحْتُكُمُ الْحِجَاجَ، وَعَرَّفْتُكُمْ مَا أَنْكَرْتُمْ، وَسَوَّغْتُكُمْ 148
مَا مَجَجْتُمْ، لَوْ كَانَ الاَْعْمَى يَلْحَظُ، أَوِ النَّائِمُ يَسْتَيْقِظُ 149
وَأَقْرِبْ بِقَوْمٍ مِنَ الْجَهْلِ بِاللهِ قَائِدُهُمْ مُعَاوِيَةُ وَمُوَدِّبُهُمُ ابْنُ النَّابِغَة 150
الخطبة (180): ومن كلام له علیه السلام :
(151 ـ 172)
وَمِنْ كَلامٍ لَهُ علیه السلام : وَقَدْ أَرْسَلَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِهِ، يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ أَحْوَالِ قَوْمٍ 151
مِنْ جُنْدِ الْكُوفَةِ 152
قَدْ هَمُّوا بِاللِّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ وَكَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ علیه السلام فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ
قَالَ لَهُ أَ أَمِنُوا فَقَطَنُوا، أَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا 152
فَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ ظَعَنُوا يَا أَمِيرَالْمُوْمِنِينَ فَقَالَ:7 بُعْداً لَهُمْ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ 152
أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الاَْسِنَّةُ إِلَيْهِمْ، وَصُبَّتِ السُّيُوفُ، عَلَى هَامَاتِهِمْ 155
لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ، وَهُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ 156
وَمُتَخَلٍّ (مخلّ خ ل) عَنْهُمْ 157
فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى وَارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلالِ وَالْعَمَى 159
وَصَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَجِمَاحِهِمْ، فِي التِّيهِ 159
الخطبة (181): ومن خطبة له علیه السلام
(173 ـ 303)
ومن خطبة له علیه السلام : روي عن نوف البكاليّ قول المصنّف: «روي عن نوف البكالىّ»
قال ابن أبي الحديد: قال صاحب (الصحاح): نوف البكاليّ كان حاجب عليّ علیه السلام 176
قال: خطبنا هذه الخطبة بالكوفة أميرالمومنين عيه السلام 176
وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ 177
مِنْ صُوفٍ وَحَمَائِلُ سَيْفِهِ لِيفٌ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلانِ مِنْ لِيفٍ، وَكَأَنَّ جَبِينَهُ 178
ثَفِنَةُ بَعِير، فقال علیه السلام : الْحَمْدُ للهِِ الَّذِي إِلَيْهِ مَصَائِرُ الْخَلْقِ، وَعَوَاقِبُ الاَْمْرِ 178
نَحْمَدُهُ عَلَى عَظِيمِ إِحْسَانِهِ، وَنَيِّرِ بُرْهَانِهِ 179
وَنَوَامِي فَضْلِهِ وَامْتِنَانِهِ، حَمْداً يَكُونُ لِحَقِّهِ قَضَاءً وَلِشُكْرِهِ أَدَاءً 180
وَإِلَى ثَوَابِهِ مُقَرِّباً 180
وَلِحُسْنِ مَزِيدِهِ مُوجِباً 181
وَنَسْتَعِينُ بِهِ اسْتِعَانَةَ رَاجٍ لِفَضْلِهِ مُوَمِّلٍ لِنَفْعِهِ وَاثِقٍ بِدَفْعِهِ مُعْتَرِفٍ لَهُ 181
بِالطَّوْلِ، مُذْعِنٍ، لَهُ بِالْعَمَلِ وَالْقَوْلِ، وَنُوْمِنُ بِهِ إِيمَانَ مَنْ رَجَاهُ مُوقِناً، وَأَنَابَ 181
إِلَيْهِ، مُوْمِناً، وَخَنَعَ، لَهُ مُذْعِناً، وَأَخْلَصَ لَهُ مُوَحِّداً، وَعَظَّمَهُ مُمَجِّداً 182
وَلاذَ بِهِ، رَاغِباً مُجْتَهِداً 183
لَمْ يُولَدْ سُبْحَانَهُ فَيَكُونَ فِي الْعِزِّ مُشَارَكاً، وَلَمْ يَلِدْ فَيَكُونَ مَوْرِثاً هَالِكا 183
وَلَمْ يَتَقَدَّمْهُ وَقْتٌ وَلا زَمَانٌ، وَلَمْ يَتَعَاوَرْهُ، زِيَادَةٌ وَلا نُقْصَانٌ 185
بَلْ ظَهَرَ لِلْعُقُولِ بِمَا أَرَانَا مِنْ عَلامَاتِ التَّدْبِيرِ الْمُتْقَنِ وَالْقَضَاءِ الْمُبْرَمِ 185
وَمِنْ شَوَاهِدِ خَلْقِهِ، خَلْقُ السَّمَاوَاتِ 186
مُوَطَّدَاتٍ، بِلا عَمَدٍ، قَائِمَاتٍ، بِلا سَنَدٍ، دَعَاهُنَّ، فَأَجَبْنَ طَائِعَاتٍ، مُذْعِنَاتٍ 187
غَيْرَ مُتَلَكِّئَاتٍ، وَلا مُبْطِئَاتٍ 188
وَلَوْ لا إِقْرَارُهُنَّ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَإِذْعَانُهُنَّ لَهُ بِالطَّوَاعِيَةِ 188
لَمَا جَعَلَهُنَّ مَوْضِعاً لِعَرْشِهِ 188
وَلا مَسْكَناً لِمَلائِكَتِهِ 189
وَلا مَصْعَداً لِلْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مِنْ خَلْقِهِ 190
جَعَلَ نُجُومَهَا أَعْلاماً يَسْتَدِلُّ بِهَا الْحَيْرَانُ 190
فِي مُخْتَلِفِ فِجَاجِ، الاَْقْطَارِ 190
لَمْ يَمْنَعْ ضَوْءَ، نُورِهَا، ادْلِهْمَامُ، سُجُفِ، اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ 192
وَلا اسْتَطَاعَتْ جَلابِيبُ، سَوَادِ الْحَنَادِسِ 193
أَنْ تَرُدَّ مَا شَاعَ فِي السَّمَاوَاتِ مِنْ تَلأْلُوِ نُورِ الْقَمَرِ 193
فَسُبْحَانَ مَنْ لا يَخْفَى عَلَيْهِ سَوَادُ غَسَقٍ، دَاجٍ 194
وَلا لَيْلٍ سَاجٍ، فِي بِقَاعِ الاَْرَضِينَ الْمُتَطَأْطِئَاتِ 195
وَلا فِي يَفَاعِ، السُّفْعِ، الْمُتَجَاوِرَاتِ، وَمَا يَتَجَلْجَلُ بِهِ 195
الرَّعْدُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَ، مَا تَلاشَت، عَنْهُ بُرُوقُ الْغَمَامِ، وَمَا تَسْقُطُ، مِنْ وَرَقَةٍ 196
تُزِيلُهَا عَنْ مَسْقَطِهَا، عَوَاصِفُ، الاَْنْوَاءِ، وَانْهِطَالُ السَّمَاءِ، وَيَعْلَمُ مَسْقَطَ الْقَطْرَةِ 197
وَمَقَرَّهَا، وَمَسْحَبَ الذَّرَّةِ، وَمَجَرَّهَا، وَمَا يَكْفِي الْبَعُوضَةَ 198
مِنْ قُوتِهَا، وَمَا تَحْمِلُ الاُْنْثَى فِي بَطْنِهَا 199
الْحَمْدُ للهِِ الْكَائِنِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كُرْسِيٌّ 199
أَوْ عَرْشٌ 200
أَوْ سَمَاءٌ، أَوْ أَرْضٌ، أَوْ جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ 201
لا يُدْرَکُ بِوَهْمٍ، وَلا يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ، وَلا يَشْغَلُهُ سَائِلٌ، وَلا يَنْقُصُهُ نَائِلٌ 202
وَلا يَنْظُرُ بِعَيْنٍ، وَلا يُحَدُّ بِأَيْنٍ 203
وَلا يُوصَفُ بِالاَْزْوَاجِ 204
وَلا يَخْلُقُ بِعِلاجٍ، وَلا يُدْرَکُ بِالْحَوَاسِّ، وَلا يُقَاسُ بِالنَّاسِ 205
الَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً 206
وَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً 207
بِلا جَوَارِحَ، وَلا أَدَوَاتٍ، وَلا نُطْقٍ وَلا لَهَوَاتٍ 208
بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا الْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّکَ فَصِفْ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ 209
وَجُنُودَ الْمَلائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُرَاتِ الْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ، مُتَوَلِّهَةً 209
عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ 210
فَإِنَّمَا يُدْرَکُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو الْهَيْئَاتِ وَالاَْدَوَاتِ 210
وَمَنْ، يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ، بِالْفَنَاءِ، فَلا إِلَهَ إِلّا هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ، كُلَّ ظَلامٍ 210
وَأَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ، كُلَّ نُور، أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ 211
الَّذِي أَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ، وَأَسْبَغَ 211
عَلَيْكُمُ الْمَعَاشَ، فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى الْبَقَاءِ، سُلَّماً، أَوْ إِلَى دَفْعِ الْمَوْتِ سَبِيلاً 212
لَكَانَ ذَلِکَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ علیه السلام ، الَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْکُ الْجِنِّ وَالاِْنْسِ 213
مَعَ النُّبُوَّةِ وَعَظِيمِ الزُّلْفَةِ 215
فَلَمَّا اسْتَوْفَى طُعْمَتَهُ، وَاسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ 217
رَمَتْهَا قِسِيُّ، الْفَنَاءِ، بِنِبَالِ، الْمَوْتِ 218
وَأَصْبَحَتِ الدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً وَالْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً وَوَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ 219
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْقُرُونِ السَّالِفَةِ لَعِبْرَةً 222
أَيْنَ الْعَمَالِقَةُ وَأَبْنَاءُ الْعَمَالِقَةِ 223
أَيْنَ الْفَرَاعِنَةُ وَأَبْنَاءُ الْفَرَاعِنَةِ 225
أَيْنَ أَصْحَابُ مَدَائِنِ الرَّسِّ. 227
الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيِّينَ 234
وَأَطْفَئُوا، سُنَنَ الْمُرْسَلِينَ، وَأَحْيَوْا سُنَنَ الْجَبَّارِينَ 235
وَأَيْنَ الَّذِينَ سَارُوا بِالْجُيُوشِ وَهَزَمُوا الاُْلُوفَ وَعَسْكَرُوا الْعَسَاكِرَ 236
وَمَدَّنُوا الْمَدَائِن 238
تذييل، فى نوادر أخبار ملک سليمان بن داود علیهم السلام 241
منها 251
قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا 252
وَأَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا 253
مِنَ الاِْقْبَالِ عَلَيْهَا وَالْمَعْرِفَةِ بِهَا وَالتَّفَرُّغِ، لَهَا 253
فَهِيَ، عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ الَّتِي يَطْلُبُهَا 255
وَحَاجَتُهُ الَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا، فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اغْتَرَبَ الاِْسْلامُ 255
وَضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ 256
وَأَلْصَقَ الاَْرْضَ بِجِرَانِهِ 257
بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَجِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلائِفِ أَنْبِيَائِه 257
وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الاَْوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ 263
وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا وَحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ 265
فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا 265
للهِِ أَنْتُمْ 267
أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ الطَّرِيقَ وَيُرْشِدُكُمُ السَّبِيلَ 267
أَلا إِنَّهُ قَدْ أَدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا، مَا كَانَ مُقْبِلاً 268
وَأَقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً، وَأَزْمَعَ، التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الاَْخْيَار 268
وَبَاعُوا قَلِيلاً مِنَ الدُّنْيَا، لا يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ الآْخِرَةِ، لا يَفْنَى 269
مَا ضَرَّ إِخْوَانَنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاوُهُمْ وَهُمْ بِصِفِّينَ 270
أَلّا يَكُونُوا الْيَوْمَ أَحْيَاءً يُسِيغُونَ، وَيَشْرَبُونَ الرَّنْقَ 271
قَدْ وَاللهِ لَقُوا اللهَ فَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ وَأَحَلَّهُمْ دَارَ الاَْمْنِ بَعْدَ خَوْفِهِمْ 271
أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ 273
أَيْنَ عَمَّارٌ 274
وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ 283
وَأَيْنَ نُظَرَاوُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا 285
عَلَى الْمَنِيَّةِ 286
وَأُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ 289
قَالَ: ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ فَأَطَالَ الْبُكَاءَ 290
ثُمَّ قَالَ علیه السلام :، أَوِّهِ 291
عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ 291
وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ 291
دعوا للجهاد فأجابوا، ووثقوا، بالقائد، فَاتَّبَعُوه 292
ثم نادى بأعلى صوته: الْجِهَادَ الْجِهَادَ عِبَادَ اللهِ 294
أَلا وَإِنِّي مُعَسْكِرٌ فِي يَومِي هَذَا، فَمَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ، إِلَى اللهِ، فَلْيَخْرُجْ 294
قال نوف، وعقد للحسين علیه السلام في عشرة آلاف 295
ولقيس بن سعد رحمه الله في عشرة آلاف 295
ولأبي أيّوب الأنصاريّ في عشرة آلاف 297
ولغيرهم على أعداد اخر، وهو يريد الرّجعة إلى صفّين 298
فما دارت الجمعة، حتى ضربه الملعون ابن ملجم لعنه الله 298
فتراجعت العساكر، فكنّا كأغنام فقدت راعيها، تختطفها الذئاب من كلّ مكان 301
الخطبة (182): ومن خطبة له علیه السلام
(304 ـ 378)
ومن خطبة له علیه السلام : الْحَمْدُ للهِِ 306
الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ رُوْيَةٍ، الْخَالِقِ مِنْ غَيْرِ مَنْصَبَةٍ، خَلَقَ الْخَلائِقَ بِقُدْرَتِهِ 307
وَاسْتَعْبَدَ الاَْرْبَابَ بِعِزَّتِهِ، وَسَادَ الْعُظَمَاءَ بِجُودِهِ 308
وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَ الدُّنْيَا خَلْقَهُ، وَبَعَثَ إِلَى الْجِنِّ وَالاِْنْسِ رُسُلَهُ 308
لِيَكْشِفُوا لَهُمْ عَنْ غِطَائِهَا 308
وَلِيُحَذِّرُوهُمْ مِنْ ضَرَّائِهَا، وَلِيَضْرِبُوا لَهُمْ أَمْثَالَهَا 309
وَلِيَهْجُمُوا عَلَيْهِمْ بِمُعْتَبَرٍ مِنْ تَصَرُّفِ مَصَاحِّهَا وَأَسْقَامِهَا وَلِيُبَصِّرُوهُمْ 311
عُيُوبَهَا وَحَلالِهَا وَحَرَامِهَا 311
وَمَا أَعَدَّ اللهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ وَالْعُصَاةِ 311
مِنْ جَنَّةٍ، وَنَارٍ 311
وَكَرَامَةٍ، وَهَوَانٍ 312
أَحْمَدُهُ إِلَى نَفْسِهِ كَمَا اسْتَحْمَدَ إِلَى خَلْقِهِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً 312
وَلِكُلِّ قَدْرٍ أَجَلاً، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابا، منها في ذكر القرآن: فَالْقُرْآنُ آمِرٌ، زَاجِرٌ 313
وَصَامِتٌ نَاطِقٌ، حُجَّةُ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ، أَخَذَ عَلَيْهِ مِيثَاقَهُ 314
وَارْتَهَنَ عَلَيْهِمْ أَنْفُسَهُمْ، أَتَمَّ نُورَهُ 315
وَأَكْمَلَ بِهِ دِينَهُ 316
وَقَبَضَ نَبِيَّهُ صلّى الله عليه وآله وَقَدْ فَرَغَ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ أَحْكَامِ الْهُدَى بِه 316
فَعَظِّمُوا مِنْهُ سُبْحَانَهُ مَا عَظَّمَ مِنْ نَفْسِهِ 317
فَإِنَّهُ لَمْ يُخْفِ، عَنْكُمْ شَيْئاً مِنْ دِينِهِ 318
وَلَمْ يَتْرُکْ شَيْئاً رَضِيَهُ أَوْ كَرِهَهُ إِلّا وَجَعَلَ لَهُ 319
عَلَماً، بَادِياً، وَآيَةً، مُحْكَمَةً، تَزْجُرُ عَنْهُ، أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ 319
فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ، وَاحِدٌ، وَسَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ 320
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ 320
وَلَنْ يَسْخَطَ، عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ 320
وَإِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ 321
وَتَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ قَدْ قَالَهُ الرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ 321
قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ 322
وَحَثَّكُمْ عَلَى الشُّكْرِ، وَافْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ الذِّكْرَ 324
وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى، وَجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ 324
وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ، فَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ 325
وَنَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ، وَتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ 326
إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ، وَإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ 327
قَدْ وَكَّلَ بِذَلِکَ حَفَظَةً كِرَاماً، لا يُسْقِطُونَ حَقّاً وَلا يُثْبِتُونَ بَاطِلا 328
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ 329
وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ، وَيُخَلِّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ 330
وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَةَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ 332
ظِلُّهَا عَرْشُهُ، وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ، وَزُوَّارُهَا مَلائِكَتُهُ 332
وَرُفَقَاوُهَا رُسُلُه 333
فَبَادِرُوا الْمَعَادَ، وَسَابِقُوا الآْجَالَ 334
فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِکُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الاَْمَلُ، وَيَرْهَقَهُمُ الاَْجَلُ 334
وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ 335
فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ 335
وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ، عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ 336
وَقَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالارْتِحَالِ 336
وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّاد 337
وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ 337
فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا 337
فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ 338
وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ 338
ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ، أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً 341
إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ 343
وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ 344
أَيُّهَا الْيَفَنُ الْكَبِيرُ، الَّذِي قَدْ لَهَزَهُ الْقَتِيرُ 345
كَيْفَ أَنْتَ، إِذَا الْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ النَّارِ بِعِظَامِ الاَْعْنَاقِ، وَنَشِبَتِ الْجَوَامِعُ 347
حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ السَّوَاعِدِ 348
فَاللهَ اللهَ مَعْشَرَ الْعِبَادِ وَأَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي الصِّحَّةِ قَبْلَ السُّقْمِ 349
وَفِي الْفُسْحَةِ قَبْلَ الضِّيقِ 349
فَاسْعَوْا فِي فَكَاکِ رِقَابِكُمْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا 350
أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ 351
وَأَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ، وَاسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ 354
وَأَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، وَخُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ 355
وَلا تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا، فَقَدْ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ 355
فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ، وَلَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ 357
اسْتَنْصَرَكُمْ وَلَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 358
وَاسْتَقْرَضَكُمْ وَلَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ 358
(و انّما خ ل) أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً 358
فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ، تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللهِ فِي دَارِهِ رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَهُ 359
وَأَزَارَهُمْ مَلائِكَتَهُ، وَأَكْرَمَ أَسْمَاعَهُمْ أَنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍ أَبَداً 360
وَصَانَ أَجْسَادَهُمْ أَنْ تَلْقَى لُغُوباً وَنَصَباً 361
ذلِکَ، فَضْلُ اللهِ، يُوْتِيهِ مَنْ يَشاءُ، وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ 362
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى نَفْسِي وَأَنْفُسِكُمْ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيل 363
المصادر 364
المحتويات 379