ghaemiyeh.com
بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-
عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف
Nhjol-Balaghah. Commantries
عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 17 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.
تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.
مواصفات المظهر:8ج
ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :
حالة القائمة: الفيفا
ملاحظة: عربي.
ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations
عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق
عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation
المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف
المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah
ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397
تصنيف ديوي: 297/9515
رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095
معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
شناسنامه
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمدللّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين سيما بقية اللّه فى الارضين واللعنة الدائمة على اعدائهم اجمعين الى قيام يوم الدين
الْحَمْدُ للّهِِ خَالِقِ الْعِبَادِ وَسَاطِحِ الْمِهَادِ وَمُسِيلِ الْوِهَادِ وَمُخْصِبِ النِّجَادِ لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَلا لِأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ وَالْبَاقِي بِلا أَجَلٍ خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ وَوَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا إِبَانَةً لَهُ مِنْ شَبَهِهَا لا تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ بِالْحُدُودِ وَالْحَرَكَاتِ وَلا بِالْجَوَارِحِ وَالْأَدَوَاتِ لا يُقَالُ لَهُ مَتَى وَلا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ بِحَتَّى الظَّاهِرُ لا يُقَالُ مِمَّا وَالْبَاطِنُ لا يُقَالُ فِيمَا لا شَبَحٌ فَيُتَقَضَّى وَلا مَحْجُوبٌ فَيُحْوَى لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ وَلا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ لَحْظَةٍ وَلا كُرُورُ لَفْظَةٍ وَلا ازْدِلافُ رَبْوَةٍ وَلا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ فِي لَيْلٍ دَاجٍ وَلا غَسَقٍ سَاجٍ يَتَفَيَّأُ عَلَيْهِ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الْأُفُولِ وَالْكُرُورِ وَتَقَلُّبِ الْأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ وَإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةِ وَكُلِّ إِحْصَاءٍ وَعِدَّةٍ تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ الْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ وَنِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ وَتَأَثُّلِ الْمَسَاكِنِ وَتَمَكُّنِ الْأَمَاكِنِ فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ
مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ وَلا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ وَلا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعٌ عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ وَعِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى.
أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ السَّوِيُّ وَالْمُنْشَأُ الْمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ وَمُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ بُدِئْتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ وَوُضِعْتَ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَقْسُومٍ تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لا تُحِيرُ دُعَاءً وَلا تَسْمَعُ نِدَاءً ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا فَمَنْ هَدَاكَ لاِجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلِبَتِكَ وَإِرَادَتِكَ هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَالْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَد.
لا يبعد أن يكون الأصل في الخطبة ما رواه الصدوق مسندا عن أبي المعتمر مسلم بن أوس، قال: حضرت مجلس عليّ عليهالسلام في جامع الكوفة فقام إليه رجل مصفر اللّون كأنّه من متهوّدة اليمن.
فقال: يا أمير المؤنين صف لنا خالقك وانعته لنا كأنّا نراه وننظر إليه. فسبّح عليّ عليهالسلام ربّه وعظّمه، وقال: الحمد للّه الّذي هو أوّل بلا بدء ممّا، ولا باطن فيما، ولا يزال مهما، ولا ممازج مع ما، ولا خيال وهما(1). ليس بشبح فيرى، ولا بجسم
1) . الخيال بفتح الأوّل ما يتمثّل في النوم واليقظة من صورة الشيء، أي ولا هو كالخيال يتصوّر ويتمثّل في قوّة الوهم.
فيتجزّى، ولا بذي غاية فيتاهى، ولا بمحدث فيبصر، ولا بمستتر فيكشف، و لا بذي حجب فيحوى(1). كان ولا أماكن تحمله أكنافها، ولا حملة ترفعه بقوّتها، ولا كان بعد أن لم يكن، بل حارت الأوهام أن تكيّف المكيّف للأشياء، ومن لم يزل بلا مكان، ولا يزول باختلاف الأزمان، ولا ينقلب شأنا بعد شأن(2)، البعيد من حدس القلوب، المتعالي عن الأشياء والضروب، الوتر علاّم الغيوب. فمعاني الخلق عنه منفيّة وسرائرهم عليه غير خفيّة. المعرّف بغير كيفيّة، لا يدرك بالحواسّ، ولا يقاس بالنّاس، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفكار، ولا تقدّره العقول، ولا تقع عليه الأوهام. فكلّ ما قدّره عقل أو عرف له مثل فهو محدود، وكيف يوصف بالأشباح وينعت بالألسن الفصاح من لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن، ولم ينأ عنها فيقال: هو عنها بائن، ولم يخل منها فيقال: أين، ولم يقرب منها بالالتزاق، ولم يبعد عنها بالافتراق، بل هو في الأشياء بلا كيفية، وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، وأبعد من الشبه من كلّ بعيد. لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة، ولا من أوائل كانت قبله بدية(3)، بل خلق ما خلق وأتقن خلقه، وصوّر ما صوّر فأحسن صورته. فسبحان من توحّد في علوّه، فليس لشيء منه امتناع، ولا له بطاعة أحد من خلقه انتفاع. إجابته للدّاعين سريعة، والملائكة له في السماوات والأرض مطيعة. كلّم موسى
1) . أي لا يستره حجب فيكون محويا في مكان وراء الحجب.
2) . لا ينافى هذا ما في الآية الشريفة من أنّه كلّ يوم هو في شأن لأن هنا بمعنى الحال في نفسه وهناك بمعنى الأمر في خلقه، كما قال عليهالسلام: «انه كل يوم في شأن من احداث بديع لم يكن».
3) . بدية أي مبتدئة، والمعنى لم يخلق الأشياء على مثال أشياء مبتدئة قبل خلق هذه الأشياء، بل فعله إبداع واختراع.
تكليما بلا جوارح وأدوات ولا شفة ولا لهوات(1). سبحانه وتعالى عن الصفات، فمن زعم أنّ إله الخلق محدود، فقد جهل الخالق المعبود...(2).
فإنّهما مشتركتان في كثير من الفقرات، واختلافهما في بعضها لا يبعد أن يكون من اختلاف الروايات، كما أنّ نقصهما وزيادتهما لا يبعد أن يكونا من حيث إنّ الرضيّ ـ رضوان اللّه عليه ـ ينتخب من الخطب، وقد قال في هذه الخطبة: «و منها أيّها المخلوق السّوي...».
و صرّح الصدوق أيضا بأنّ الخطبة طويلة أخذ منها موضع الحاجة(3).
قال ابن أبي الحديد: اعلم أنّ هذا الفنّ هو الّذي بان به أمير المؤنين عليهالسلام عن العرب في زمانه قاطبة، واستحقّ به الفضل والتقدّم عليهم أجمعين، وذلك لأنّ الخاصّة التي يتميّز بها الانسان عن البهايم هي العقل والعلم، ألا ترى أنّه يشاركه غيره من الحيوانات في اللّحميّة والدّمويّة والقوّة والقدرة والحركة الكاينة على سبيل الارادة والاختيار، فليس الامتياز إلاّ بالقوّة الناطقة أى العاقلة العالمة، فكلّما كان الانسان أكثر حظّا منها كانت انسانيّته أتمّ.
ومعلوم أنّ هذا الرّجل انفرد بهذا الفنّ وهو أشرف العلوم، لأنّ معلومه أشرف المعلومات، ولم ينقل عن أحد من العرب غيره في هذا الفنّ حرف واحد ولا كانت أذهانهم يصل إلى هذا ولا يفهمونه، فهو بهذا الفنّ منفرد وبغيره من الفنون وهي
العلوم الشرعية مشارك لهم وأرجح عليهم، فكان أكمل منهم، لأنا قد بيّنا أنّ الأعلم أدخل في صورة الانسانية، وهذا هو معنى الأفضليّة انتهى(1).
ولكن قد مرّ غير مرّة أنه بعد الاعتراف والاذعان بكونه عليهالسلام أفضل وأكمل من غيره كيف يجوّز تقديم غيره عليه؟ وبعد الاقرار باختصاص العلم الالهي به عليهالسلام وباشتراكه مع غيره ورجحانه عليهم في ساير العلوم كيف يسوّغ القول بحقية امامة غيره؟ والحال أنّ ترجيح المرجوح على الرّاجح قبيح عقلا على اصول العدليّة فضلا عن النقل قال تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»(2).وقال أيضا: «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(3).
فيا عجبا عجبا يقوم بالخلافة من لا يعرف معنى عنبا وأبّا، ويعتزل في جنح بيته من عنده علم الكتاب وله الفضل على غيره من كلّ باب وإلى اللّه الشكوى من دهر يربي الجهل والضلال، ويمحق الفضل والكمال فلنرجع إلى شرح كلامه فأقول: إنّه حمد اللّه سبحانه وأثنى عليه بأوصاف كمالية فقال:
قال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها
زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً...(4).
يمكن أن يراد بقوله عليهالسلام: «العباد» البشر فقط، ويمكن أن يراد به الجنّ والإنس
معا لقوله تعالى: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاْءِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ»(1).فالكلّ عباده، بل مع الملائكة لقوله تعالى: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً»(2).
أي: الأرض التي جعلها للنّاس كالمهد للطفل، قال تعالى: «أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً»(3)، أو الأرض التي جعلناها ممهّدة ومهيّأة لانتفاع النّاس بها، أي نوع أرادوا منها، قال تعالى: «وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً»(4)، وقال عزّ وجلّ: «وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ»(5)، وقال عزّ اسمه: «وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ»(6).
هذا، وقالوا: إنّ قوله عليهالسلام: «ساطح المهاد» كالآية الأخيرة لا ينافي كروية الأرض.
أي: الأمكنة المنخفضة، حمد اللّه تعالى على إيجاده الأراضي المنخفضة التي تجري فيها سيول المطر، لأنّه لولا ذلك لما حدثت هذه الأنهار، ولا حصلت منها البساتين والأشجار، والرياحين والأزهار.
النّجاد: جمع النّجد الموضع المرتفع، عكس الوهد، والخصب ضدّ الجدب. حمد تعالى على إخصابه النّجاد بإنزال الأمطار عليها في ما لم تجر الأنهار إليها، ولولا ذلك لبقيت الأراضي المرتفعة ورءوس الجبال والآكام معطّلة مجدبة.
قال تعالى: «هُوَ الْأَوَّلُ وَالآْخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ...»(1).وسئل الصادق عليهالسلام عن الأوّل، والآخر في وصفه تعالى، فقال: الأوّل لا عن أوّل قبله ولا عن بدء سبقه، والآخر لا عن نهاية كما يعقل من صفة المخلوقين، ولكن قديم أوّل آخر لم يزل ولا يزول بلا بدء ولا نهاية(2).
هما كالشرح لسابقيهما.
الجباه جمع الجبهة، يمكن أن يراد بالجباه الجباه الظاهرة، فيكون المراد جباه بني آدم، ويمكن أن يراد بها جباه الذلّة والمسكنة من جميع الخليقة استعارة، وهو الأظهر، قال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً للّهِِ وَهُمْ داخِرُونَ»(3).
وقال تعالى: «وَللّهِِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآْصالِ»(1).
الشّفاه جمع الشّفة، والكلام فيه كسابقه، فيمكن أن يكون الكلام على الحقيقة، ويمكن أن يكون استعارة، فيراد بالشفاه شفاه الاعتراف بلسان الحال من كلّ الخليقة بربوبيته قال تعالى: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ...»(2).
أي: جعلها محدودة، فلنشو الحيوان والنبات حدّ.
أي: فصلا.
تعالى.
فلا يمكن أن يكون محدودا، وفي خطبة أخرى له عليهالسلام «إبانة لها من شبهه وإبانة له من شبهها»(3).
أي: لا تقدر الأفكار أن تعيّن له مقدارا.
كما تكون للكواكب.
كما تكون للإنسان والحيوانات.
عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام: كل ما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم(1).
لأنّها موضوعة للسؤل عن الزّمان، قال امرؤالقيس:
متى عهدنا بطعان الكماة *** والمجد والحمد والسؤد(2)
وقال جرير:
متى كان حكم اللّه في كرب النّخل(3)وهو تعالى منزّه عن المكان.
أي: مدّة.
لأنّها موضوعة للانتهاء، ولا انتهاء له تعالى.
كما تقول: ظهرت الشمس من السحاب.
كما تقول: بطن القمر في السحاب، و(ما) في (من ما) و(في ما) كناية عن الشيء غير المعيّن.
يأتي الشّبح بمعنى الجسد، كقولهم: أشباح بلا أرواح، وبمعنى الهباء، كقولهم: أدقّ من شبح باطل. والظاهر أنّ المراد هنا: الثاني لقوله عليهالسلام: «فَيُتَقَضَّى» أي: فينقضي.
كملوك الدّنيا.
بالأستار.
كقرب جسم من جسم.
كبعد شخص عن شخص.
من شخص بصره إذا فتحه، وجعل لا يطرف.
أي: النّظر بمؤّر العين، واللحاظ بالفتح مؤّر العين، واللحاظ بالكسر مصدر لاحظ، قال تعالى: «يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ»(1).
مصدر كرّ.
والأصل في اللفظ الحذف، يقال: لفظ اللقمة من فيه، سمّي اللفظ لفظا لأنّه يحذف من الفم، قال تعالى: «ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ»(2).
وقال عزّ وجلّ: «... ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ...»(3).
أي: التقدّم والتقرّب، قال الشاعر:
وكلّ يوم مضى أو ليلة سلفت *** فيها النّفوس إلى الآجال تزدلف(1)
بالضّمّ والفتح والكسر: الموضع المرتفع.
بالفتح: المشي قدما واحدة، وأمّا بالضّمّ فما بين قدمين مرّة أو أكثر.
أي: مظلم، وعن الأصمعي معنى ليل داج: ألبس كلّ شيء لقولهم: دجى الإسلام... وقال الشاعر:
والليل داج كنفا جلبابه(2)
عطف على شخوص، قال الجوهري: الغاسق الليل إذا غاب الشّفق(3).
أي: دام وسكن، قال تعالى: «وَاللَّيْلِ إِذا سَجى»(1)، وكيف يخفى عليه شيء وقد قال عزّ وجلّ: «وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(2).وقال تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِين»(3).وقال تعالى: «سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ»(4).
أي: يرجع.
أي: على الليل الداجي أو الغسق السّاجي.
قال تعالى: «أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً للّهِِ وَهُمْ داخِرُونَ»(5).
أي: الغروب.
أي: الرجوع والطلوع، قال تعالى: «وَالشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها * وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها * وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها»(1).
وقال عزّ وجلّ: «وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى»(2).
قال تعالى: «كَلاّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ»(3).
ولعلّ وجه تخصيصه عليهالسلام الإقبال بالليل والإدبار بالنّهار، مع أنّ لكلّ منهما إقبالا وإدبارا: كون الأمور في الدّنيا على خلاف المراد في الأغلب.
فلا يمكن أن تكونا مضافتين إليه تعالى.
فلا يمكن أن يكونا منسوبين إليه جلّ وعلا.
أي: ارتفع.
بالفتح أي: يدّعيه.
له تعالى.
أي: الأشياء التي لها مقدار.
من الطول والعرض والعمق.
أي: اتخاذ.
أي: جعلها مكانا له.
وهو تعالى أجلّ من أن يحدّ.
فمن نسبه إليه فقد أخطأ.
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهالسلام: يَا أَبَا حَمْزَةَ إِنَّ اللّهَ لا يُوصَفُ بِمَحْدُودِيَّةٍ عَظُمَ رَبُّنَا عَنِ الصِّفَةِ فَكَيْفَ يُوصَفُ بِمَحْدُودِيَّةٍ مَنْ لا يُحَد(1).وعَنْ بِشْرِ بْنِ بَشَّارٍ النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى الرَّجُلِ عليهالسلام أَنَّ مَنْ قِبَلَنَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي التَّوْحِيدِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ جِسْمٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ صُورَةٌ فَكَتَبَ إِلَيَّ: سُبْحَانَ مَنْ لا يُحَدُّ وَلا يُوصَفُ وَلا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ(2).
وعن الرضا عليهالسلام: هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ أَوْ يُحِيطَ بِهِ وَهْمٌ أَوْ يَضْبِطَهُ عَقْلٌ قَالَ فَحُدَّهُ لِي قَالَ إِنَّهُ لا يُحَدُّ قَالَ لِمَ قَالَ لِأَنَّهُ كُلُّ مَحْدُودٍ مُتَنَاهٍ إِلَى حَدٍّ فَإِذَا احْتَمَلَ التَّحْدِيدُ احْتَمَلَ الزِّيَادَةُ وَإِذَا احْتَمَلَ الزِّيَادَةُ احْتَمَلَ النُّقْصَانُ فَهُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ وَلا مُتَزَايِدٍ وَلا مُتَجَزِّئٍ وَلا مُتَوَهَّمٍ(3).
لَمْ يَخْلُقِ الْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ وَلا مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ
هو مثل قوله عليهالسلام في خطبة له أخرى: «لا من شيء خلق ما كان»(4).
وقال الكليني بعد نقل ذاك القول: دفع عليهالسلام بقوله جميع حجج الثّنويّة وشبههم، لأنّ أكثر ما يعتمد الثّنوية في عدم حدوث العالم أن يقولوا: لا يخلو من أن يكون الخالق خلق الأشياء من شيء أو من لا شيء. فقولهم من شيء خطأ، وقولهم من لا شيء مناقضة وإحالة، لأنّ من توجب شيئا ولا شيء تنفيه، فأخرج أمير
المؤنين عليهالسلام هذه اللفظة على أبلغ الألفاظ وأصحّها، فقال: لا من شيء خلق ما كان. فنفى من إذ كانت توجب شيئا، ونفي الشيء إذ كان كلّ شيء مخلوقا محدثا لا من أصل أحدثه الخالق كما قالت الثنوية: إنّه خلق من أصل قديم فلا يكون تدبير إلاّ باحتذاء مثال(1).
الّذي خلق كلّ شيء ثمّ هدى(2).
قال تعالى: «... وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ»(3).
وقال تعالى: «الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الاْءِنْسانِ مِنْ طِينٍ»(4).
قال تعالى: «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَما ذلِكَ عَلَى اللّهِ بِعَزِيزٍ»(5).
قال تعالى: «وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ»(6).
قال تعالى: «وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِين»(1).
وقال تعالى: «وَما كانَ اللّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيرا»(2).
وقال تعالى: «وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ»(3).
قال تعالى: «وَللّهِِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ...»(4).وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ دَاوُدَ لَمَّا وَقَفَ الْمَوْقِفَ بِعَرَفَةَ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَكَثْرَتِهِمْ فَصَعِدَ الْجَبَلَ فَأَقْبَلَ يَدْعُو فَلَمَّا قَضَى نُسُكَهُ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عليهالسلام فَقَالَ لَهُ يَا دَاوُدُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ لِمَ صَعِدْتَ الْجَبَلَ ظَنَنْتَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ صَوْتُ مَنْ صَوَّتَ ثُمَّ مَضَى بِهِ إِلَى الْبَحْرِ إِلَى جُدَّةَ فَرَسَبَ بِهِ فِي الْمَاءِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فِي الْبَرِّ فَإِذَا صَخْرَةٌ فَفَلَقَهَا فَإِذَا فِيهَا دُودَةٌ فَقَالَ لَهُ يَا دَاوُدُ يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ أَنَا أَسْمَعُ صَوْتَ هَذِهِ فِي بَطْنِ هَذِهِ الصَّخْرَةِ فِي قَعْرِ هَذَا الْبَحْرِ فَظَنَنْتَ أَنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ صَوْتُ مَنْ صَوَّتَ(5).
والمراد نوع الإنسان.
أي: المستقيم من بين ذوي الأرواح، قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: انظر إلى ما خصّ به الإنسان في خلقه تشريفا وتفضيلا على البهائم، فإنّه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه، ويمكنه العلاج والعمل بهما، فلو كان مكبوبا على وجهه كذوات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الأعمال(1).
قال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ...»(2).
وقال تعالى: «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها...»(3).
من قبل ربّه في نشوئه.
قال تعالى:... «يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ...»(4).
ستر البطن، وستر الرّحم، وستر المشيمة، قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: تصور الجنين في الرّحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، تدبّره حتّى يخرج سويّا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح، والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشّحم والمخّ والعصب والعروق والغضاريف، فإذا أخرج إلى العالم تراه كيف ينمو بجميع أعضائه، وهو ثابت على شكل وهيئة لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشدّه، إن مدّ في عمره، أو يستوفى مدّته قبل ذلك، هل هذا إلاّ من لطيف التّدبير والحكمة(1).
الأصل فيه قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاْءِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ»(2).
وسلالة من قولهم سللت الشّيء من الشيء إذا استخرجته منه، و هو خلاصته، ومِنْ طِينٍ متعلّق بقوله سُلالَةٍ.
من ستّة أشهر إلى تسعة أشهر، أيّام الحمل ومدّة تحوّلات النطفة إلى نفخ الروح فيه، كما قال عزّ وجلّ: «ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»(3).
وقال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون»(1).
وقال تعالى: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً»(2).
قال تعالى: «... وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ...»(4).
أي: لا تجيب، ومنه المحاورة.
إذا دعاك أحد.
إذا نوديت، قال الصادق عليهالسلام في ذكر خلق الإنسان: فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين
في الرحم، وهو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، و ظلمة المشيمة(1)، حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء، ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرّة، فإنّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه الماء والنّبات، فلا يزال ذلك غذاءه حتّى إذا كمل خلقه، واستحكم بدنه، وقوي أديمه(2)على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقاة الضياء، هاج الطلق(3)بأمّه فأزعجه أشدّ إزعاج، وأعنفه حتّى يولد، فإذا ولد صرّف ذلك الدم الّذي كان يغذوه من دم أمّه إلى ثديها، وانقلب الطّعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشدّ موافقة للمولود من الدّم فيوافيه في وقت حاجته إليه، فحين يولد قد تلمّظ(4)وحرّك شفتيه طلبا للرضاع، فهو يجد ثدي أمّه كالإداوتين(5)المعلّقتين لحاجته، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن، رقيق الأمعاء، ليّن الأعضاء حتّى إذا تحرّك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتدّ ويقوى بدنه، طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس(6)ليمضغ(7)بها الطعام فيلين عليه، ويسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتّى يدرك فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذّكر، وعزّ الرجل الذي يخرج به من حدّ الصبا وشبه النساء، وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيّا من الشعر لتبقى لها البهجة
1) . المشيمة: غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة، جمعه مشيم ومشايم.
2) . الأديم: الجلد المدبوغ.
3) . الطلق «بسكون الثاني» وجع الولادة.
4) . تلمظ: إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه.
5) . الإداوة: ـ بكسر ففتح ـ إناء صغير من جلد يتخذ للماء، جمعه أداوى.
6) . الطواحن: هي الأضراس، وتطلق الأضراس غالبا على المآخير والأسنان على المقاديم، كما هو الظاهر هنا، وإن لم يفرق اللغويون بينهما.
7) . مضغ الطعام: لاكه بلسانه.
والنضارة التي تحرّك الرجال لما فيه دوام النّسل وبقاؤ.
اعتبر يا مفضّل في ما يدبّر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى مثله يمكن أن يكون بالإهمال أ فرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدّم وهو في الرّحم، ألم يكن سيذوي ويجفّ كما يجفّ النّبات إذا فقد الماء، ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه، ألم يكن سيبقى في الرّحم كالموءودة(1).في الأرض، ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته، ألم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه، ولو لم تطلع له الأسنان في وقتها، أ لم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته أو يقيمه على الرّضاع، فلا يشتدّ بدنه ولا يصلح لعمل، ثمّ كان يشغل أمّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد، ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته، أ لم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء، فلا ترى له جلالة ولا وقارا(2).
من الرّحم.
وهي هذا العالم.
قال تعالى: «وَاللّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً...»(3).
قال الصادق عليهالسلام: ولو كان المولود يولد فهما(1)عاقلا لأنكر العالم عند ولادته، ولبقي حيرانا تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف، وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير، إلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم.
واعتبر ذلك بأنّ من سبي من بلد إلى بلد، وهو عاقل يكون كالواله الحيران، فلا يسرع في تعلّم الكلام، وقبول الأدب كما يسرع الّذي يسبى صغيرا غير عاقل. ثمّ لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة(2)إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصّبا بالخرق مسجّى(3)في المهد، لأنّه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه، ورطوبته حين يولد. ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل، فصار يخرج إلى الدنيا غبيّا(4).غافلا عمّا فيه أهله، فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة، ثمّ لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا قليلا وشيئا بعد شيء وحالا بعد حال، حتّى يألف الأشياء ويتمرّن ويستمرّ عليها، فيخرج من حدّ التأمّل لها والحيرة فيها إلى التصرّف والاضطراب، إلى المعاش بعقله وحيلته، وإلى الاعتبار والطاعة والسّهو والغفلة والمعصية(5).
ولولا هدايته تعالى وعرفانه لو كان عقلاء العالم مجمعين على أن يهدوه لعجزوا.
هذا، وقال الجاحظ: أنّ طاعونا جارفا جاء في البصرة على أهل دار فلم يشكّ أهل تلك المحلّة أنّه لم يبق فيها صغير ولا كبير، وقد كان فيها صبي يرتضع ويحبو، و لا يقوم على رجليه، فعمد من بقي من المطعونين من أهل تلك المحلّة إلى باب تلك الدّار، فسدّوه فلمّا كان بعد ذلك بأشهر تحوّل فيها بعض ورثة القوم، ففتح الباب فلمّا أفضى إلى عرصة الدّار إذا هو بصبيّ يلعب مع جراء كلبة قد كانت لأهل الدّار فراعه ذلك، فلم يلبث أن أقبلت كلبة فلمّا رآها الصبي حبا إليها، فأمكنته من أطبائها، فمصّها فظنّوا أنّ الصّبي لما بقي في الدار وصار منسيّا واشتدّ جوعه ورأى جراء الكلبة تستقي من أطبائها، حبا إليها، فعطفت عليه، فلما سقته مرّة أدامت ذلك له، وأدام هو الطلب، والّذي ألهم هذا المولود مصّ إبهامه ساعة يولد، ولم يعرف كيف الارتضاع، هو الّذي هداه إلى الارتضاع من أطباء الكلبة(1).
غرضه عليهالسلام ان المخلوق الذى يعجز عن معرفة نفسه ومعرفة أبناء زمانه مع كونهم جميعاَ من ذوى الهيئة والأدوات الموجبة لمحدودية المخلوق وبعبارة اخرى
1) .الحيوان الجاحظ: 2/334.
تناهيه فكيف يقدر على الإحاطة بغيره من المخلوقين الذين بمعزل عن الهيئة والأدوات كالعقول والنّفوس والملائكة وغيرها من المجردات عن المادّة فضلاَ عن خالقها وبارئها اذ معرفة الخالق ذاتاَ وصفة لا يمكن الاّ بعد معرفة مخلوقه كذلك فمن عجز عنها فهو عنها اعجز واضعف.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ وَوَ اللّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ وَلا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ لا تَعْرِفُهُ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ وَلا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كَمَا صَحِبْنَا وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَلا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله وَشِيجَةَ رَحِمٍ مِنْهُمَا وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالا فَاللّهَ اللّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّكَ وَاللّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًى وَلا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ وَإِنَّ الطُّرُقَ لَوَاضِحَةٌ وَإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللّهِ عِنْدَ اللّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ لَهَا أَعْلامٌ وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ لَهَا أَعْلامٌ وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ ـ فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ يُؤتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ
بِالاْءِمَامِ الْجَائِر وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلا عَاذِرٌ يُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللّهَ أَلاّ تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ فَإِنَّهُ كَانَ يُقَالُ يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَيُثَبِّثُ الْفِتَنَ فِيهَا فَلا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً وَيَمْرُجُونَ فِيهَا مَرْجاً فَلا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ بَعْدَ جَلالِ السِّنِّ وَتَقَضِّي الْعُمُرِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤجِّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ فَقَالَ عليهالسلام: مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلا أَجَلَ فِيهِ وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ أَمْرِكَ إِلَيْه.
ومن كلام له عليهالسلام:
لمّا تكاثرت أحداثه وتكاثر طمع الناس فيه كتب جمع من أهل المدينة من الصحابة وغيرهم إلى من بالافاق إنكم كنتم تريدون الجهاد فهلمّوا إلينا فانّ دين محمّد قد أفسده خليفتكم فاخلعوه، فاختلف إليه القلوب وجاء المصريّون وغيرهم إلى المدينة فاجتمعوا إلى أمير المؤنين عليهالسلام وكلّموه وسألوه أن يكلّم عثمان.
رواه المدائني عن علي بن صالح قال: ذكر ابن دأب أنّه لمّا عاب الناس على عثمان ما عابوا، كلّموا عليّا عليهالسلام فيه فدخل عليه...(1).
ورواه ابن عبد ربه مختصرا عن ابن دأب أيضا(2).
ورواه الطبري في ثلاث روايات: روى في إحداها صدره إلى قوله عليهالسلام: «فلا تكوننّ لمروان سيّقة» وفي اخرى قوله عليهالسلام: «فلا تكوننّ»... وفي ثالثة قوله عليهالسلام: «ما
كان بالمدينة»... ففيه: زعم الواقديّ أنّ عبداللّه بن محمد حدّثه عن أبيه، قال: لمّا كانت سنة (34) كتب أصحاب النّبيّ صلىاللهعليهوآله بعضهم إلى بعض: أن أقدموا، فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد. وكثّر الناس على عثمان، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، وأصحاب النّبيّ صلىاللهعليهوآله يرون ويسمعون، ليس فيهم أحد ينهى ولا يذبّ ـ أي عن عثمان ـ إلاّ نفير، زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعديّ، وكعب بن مالك وحسّان. فاجتمع الناس، وكلّموا عليّا عليهالسلام. فدخل على عثمان فقال: «الناس ورائي، وقد كلّموني فيك، واللّه ما أدري ما أقول لك إلى «و يمرجون مرجا» مثله مع اختلاف يسير. ثمّ بعده: فقال له عثمان: قد واللّه علمت، ليقولنّ الذي قلت، أما واللّه لو كنت مكاني ما عنّفتك، ولا أسلمتك، ولا عبت عليك، ولا جئت منكرا أن وصلت رحما، وسددت خلّة، وآويت ضائعا، وولّيت شبيها بمن كان عمر يولّي. أنشدك اللّه يا علي، هل تعلم أنّ المغيرة بن شعبة ليس هناك قال: نعم. قال: فتعلم أنّ عمر ولاّه قال: نعم. قال: فلم تلومني أن ولّيت ابن عامر في رحمه وقرابته قال عليّ عليهالسلام سأخبرك، إنّ عمر كان كلّ من ولّى فإنّما يطأ على صماخه، وإن بلغه عنه حرف جلبه، ثمّ بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل، ضعفت ورققت (رفقت) على أقربائك.
قال عثمان: هم أقرباؤ أيضا. فقال عليّ عليهالسلام: لعمري إنّ رحمهم منّي لقريبة، ولكنّ الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أنّ عمر ولّى معاوية خلافته كلّها فقد ولّيته. فقال عليّ عليهالسلام: أنشدك اللّه هل تعلم أنّ معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه قال: نعم. قال عليّ عليهالسلام: فإنّ معاوية يقتطع الامور دونك وأنت لا تعلمها (تعلمها) فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك ولا تغيّر على معاوية.
ثمّ خرج عليّ عليهالسلام من عنده، وخرج عثمان على أثره، فجلس على المنبر وقال:
إنّ لكلّ شيء آفة، ولكلّ أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الامّة، وعاهة هذه النعمة، عيّابون طعّانون، يرونكم ما تحبّون، ويسرّون ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون، أمثال النعام يتبعون أوّل ناعق، أحبّ مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلاّ نغصا ولا يردون
إلاّ عكرا، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتهم الامور، وتعذّرت عليهم المكاسب. أما (ألا فقد) واللّه عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنّه وطأكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه(1)، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم، وأوطأت لكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ. أما واللّه أنا لأعزّ (لأنا أعزّ) نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثر عددا، وأقمن إن قلت هلمّ (أتى) إليّ، ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي، وأخرجتم منّي خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به، فكفّوا عليكم ألسنتكم، وطعنكم وعيبكم على ولاتكم، فإنّي قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلّمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا. ألا فما تفقدون من حقّكم واللّه ما قصّرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه و أفضل (فضل فضل من مال)، فمالي لا أصنع في الفضل ما اريد فلم كنت إماما فقام مروان فقال: إن شئتم حكّمنا واللّه بيننا وبينكم السيف، نحن واللّه وأنتم كما قال الشاعر:
فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم *** معارسكم تبنون في دمن الثّرى(2)
أى طلب رجوعه عن اعماله الشنيعة.
أى اتخذونى سفيراً، أى رسولا ً.
لانّ التنبيه على قبح الظلم والجور تنبيه على البديهيات.
مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ وَلا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ لا تَعْرِفُهُ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ وَلا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كَمَا صَحِبْنَا
قال ابن أبي الحديد: أقسم عليهالسلام في قوله: «و اللّه...» على أنّه لا يعرف أمرا يجهله عثمان، أي: من هذه الأحداث خاصّة. وهذا حقّ، لأنّ عليّا عليهالسلاملم يكن يعلم منها ما يجهله عثمان، بل كان أحداث الصبيان فضلا عن العقلاء والمميّزين، يعلمون وجهي الصواب والخطأ فيها(1).
الأمر كما ذكر من أنّ المراد أنّ عثمان كان يعلم كما يعلم أمير المؤنين عليهالسلام
وباقي الناس: أنّ أعماله من بذل بيت مال المسلمين، وبذل الأخماس حقوق أهل
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/262 ـ 263.
بيت النّبيّ صلىاللهعليهوآله لأقاربه من بني اميّة أعداء النّبي وأعداء الدين(1)، وردّه عمّه الحكم بن أبي العاص طريد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله(2)وتولية أخيه لامّه الوليد بن عقبة الفاسق بنصّ القرآن بإجماع الامّة، والذي كان يشرب الخمر ويصلّي الصبح في حال السكر بالناس أربعا، ويغنّي في الصلاة، ويتكلّم فيها، ويقول للناس: إن تحبّوا الزيادة على أربع ركعات أزيدكم(3)، وتوليته ابن أبي سرح الذي كان النّبيّ صلىاللهعليهوآله أباح دمه، وأمر بقتله ولو رأوه متعلّقا بأستار الكعبة(4)امور منكرة يعلمها جميع الناس حتّى النساء والصبيان إلاّ أنّه كان يغالط فأجاب أمير المؤنين عليهالسلام بأنّه لو كان مكانه وفعل ما أنكر عليه، ما عابه. فمع كونه من المحالات فإنّه عليهالسلام هو الذي عامل مع أخيه لمّا طلب زيادة صاع برّ على حقّه ما عامل(5)، وعلى فرضه فهو أيضا من عدم مبالاته بالدين وإلاّ فإنكار المنكر واجب، وسمّى إركابه أعداء الدين على رقاب الناس صلة رحم ومجرّد مودّة أرحام مثلهم منكر.
أ لم يقل جلّ وعلا: «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ...»(6)وسمّى تمكينهم من «خضم مال اللّه خضم الإبل(7)نبتة
1) . تاريخ اليعقوبى: 2/173؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/16 ـ 17.
2) . تاريخ اليعقوبى: 2/174؛ الطبقات لابن سعد: 5/447؛ الاستيعاب: 1/359، ش529؛ الشافى فى الإمامة: 4/228.
3) . تاريخ اليعقوبى: 2/165؛ مروج الذهب: 2/335.
4) . تاريخ الطبري: 2/335، سنة 8.
5) . نهج البلاغة فيض الإسلام: 713، خ 215؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 11/245.
6) . المجادلة: 22.
7) . الخضم: الأكل بأقصى الاضراس.
الربيع»(1)سدّ خلّة الأرحام(2)، وسمّى ردّ من أمر اللّه رسوله بتبعيده إيواء ضائعهم(3).وتولية من كان مثل المغيرة من ولاة عمر(4).
وما أبلهه حيث أراد مغالطة مثل أمير المؤنين عليهالسلام، المتنمّر في ذات اللّه بتلك المغالطات.
وتولية عمر المغيرة أيضا كان أمرا منكرا، فكان نفاقه وخبثه أمرا بيّنا.
ولذا قال عثمان له عليهالسلام: «هل تعلم أن المغيرة ليس هناك»(5)إلاّ أنّه عليهالسلام لعدم تمكّنه من تخطئة عمر ماشاه بأن قال له: «إنّ عمر إن كان بلغه عمّن ولاّه حرف جلبه ثمّ بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل»(6)إلاّ أنّ عمر كان يجلب من بلغه عنه حرف سياسة لا ديانة، فإن لم يكن له داع فيه عزله وصادره وعاقبه، وإلاّ فيعمل معه عملا يموّه به على الناس، فجلب المغيرة من البصرة لمّا شهدوا عليه بالزنا، إلاّ أنّه لاحتياجه إلى دهائه منع الشاهد الرابع ـ وهو زياد ـ عن أداء شهادته عليه بالزنا كاملة، وضرب باقي الشهود. ثمّ ولاّه الكوفة، فصار غضب عمر على المغيرة بعزله عن البصرة وتوليته الكوفة مثلا بين الناس(7).
وكذلك الكلام في تولية عمر لمعاوية، فإنّه وإن كان أمير المؤنين عليهالسلام ماشى
1) . نهج البلاغة فيض الاسلام: 51، خ3.
2) . الشافى فى الإمامة: 4/275؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3/36.
3) . تاريخ الطبري: 3/376، سنة 34؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/264.
4) . تاريخ الطبري: 3/376 ـ 377، سنة 34؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/264.
5) . تاريخ الطبري: 3/377، سنة 34؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/264.
6) . تاريخ الطبري: 3/377، سنة 34؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/264.
7) .تاريخ الطبري: 3/168، سنة 17؛ الأغاني: 331: 16 ـ 334.
عثمان في جوابه «بأن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه، إلاّ أنّ معاوية يقتطع الامور دونك»(1)وإلاّ فخوف معاوية من عمر إنّما كان لخوف عمر من معاوية، فكان معاوية لا يحسب عمر شيئا لكونه فوقه في الحسب لكونه من بني عبد مناف، وعمر من عديّ ولا دهاء فوق دهائه.
فكان عمر يقول: تصفون دهاء كسرى وقيصر وعندكم فتى قريش معاوية(2)فكان عمر يداقّه كاملا لئلاّ يزلزل أمره، وإلاّ فما فعل معاوية مع كونه من الشجرة الملعونة من قيامه في قبال أمير المؤنين عليهالسلام كان بواسطة تولية عمر له، فكان يحتجّ به حتّى حمل بذلك أهل الشام على قتال أمير المؤنين عليهالسلام(3)الذي كان بمنزلة نفس النّبيّ صلىاللهعليهوآله بنصّ القرآن(4).
ولكون توليته أمرا منكرا أنكر عليهالسلام على المغيرة لمّا أشار عليه بعد بيعة الناس له بأن يبقي معاوية على إمارته على الشام لئلاّ يزلزل أمره، ثمّ يعزله، بأن قال عليهالسلامله: «... ما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً)(5)،(6).ثمّ إنّ عثمان اقتصر في الدفاع عن نفسه بأنّه إن ولّى ابن عامر المنافق فقد ولّى عمر المغيرة المنافق، وإن ولّى معاوية عدوّ الإسلام فقد ولاّه عمر طول خلافته(7).
1) . تاريخ الطبري: 3/377، سنة 34؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/265.
2) . الاستيعاب : 3/1418؛ إحقاق الحق الاصل للتستري: 263.
3) . وقعة صفّين: 32؛ بحار الأنوار: 32/369.
4) .إشارة إلى آية المباهلة 61 من سورة آل عمران.
5) . الكهف: 51.
6) . وقعة صفّين: 52؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 3/84؛ بحار الأنوار: 32/378.
7) . تاريخ الطبري: 3/377، سنة 34؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/264.
ولم يمكنه أن يقول له عليهالسلام: إنّ عمر دبّر خلافتي في الشورى بحكميّة ابن عوف مع علمه بأنّي أفعل ما أفعل، لعرفانه أخلاقي وتهالكي لبني أبي، بل قال ذلك لي صريحا.
وكان عليّ عليهالسلام كلّما اشتكى الناس أمر عثمان، أرسل ابنه الحسن إليه، فلمّا أكثر عليه قال له: إنّ أباك يرى أنّ أحدا لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل، فكفّ عنّا
فلم يبعث عليّ عليهالسلام ابنه في شيء بعد ذلك(1).
قوله عليهالسلام: «إنّك لتعلم ما نعلم» إشارة إلى كلام عثمان، فتسلّم عليهالسلامقول عثمان «إنّه يعلم ما يعلم هو» لكنّه غير مراده، وهذا في غاية اللطافة في جواب الخصم.
ذكروا أنّ ابن عبّاس قال: خرجت إلى المسجد فإنّي لجالس فيه مع عليّ عليهالسلام حين صلّيت العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو عليّا عليهالسلام فقال: انطلق معي. فأقبلت معه فإذا طلحة والزبير وسعد واناس من المهاجرين، فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان، فسكت القوم، ونظر بعضهم إلى بعض، فقال عثمان: إنّ ابن عمّي معاوية قد كان غائبا عنكم وعمّا نلتم منّي، وما عاتبتموني، وقد سألني أن يكلّمكم ـ إلى أن قال ـ: وخرج القوم وأمسك عثمان ابن عبّاس، وقال له: يا ابن عمّي وابن خالتي، لم يبلغني عنك شيء احبّه ولا شيء أكرهه، أنت لا عليّ ولا لي، وقد علمت أنّك رأيت بعض ما رأى الناس، فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، وقد أحببت أن تعلمني رأيك في ما بيني وبينك فأعتذر. فقال له ابن عبّاس: واللّه
1) .العقد الفريد: 5/58 ـ 59.
لوددت أنّك لم تفعل ما فعلت ممّا ترك الخليفتان قبلك، فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنّه ليس لهما علمت أنّه ليس لك كما لم يكن لهما، وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ينال منهما مثل الذي نيل منك، تركته لما تركاه له، ولمن يكونا أحقّ بإكرام أنفسهما منك بإكرام نفسك، قال: فما منعك أن تشير عليّ بهذا قبل أن أفعل ما فعلت قال: وما علمي أنّك تفعل ذلك قبل أن تفعل قال: فهب لي صمتا حتّى ترى رأيي(1).وروى الطبري: أنّ محمّد بن أبي بكر لمّا قعد على صدر عثمان لقتله، وأخذ لحيته، قال له عثمان: ما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه. فقال له محمّد بن أبي بكر: لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك(2).
وروى الزبير بن بكّار أنّ عمر لمّا أتى بجوهر كسرى، وضع في المسجد، فطلعت عليه الشمس فصار كالجمر، فقال لخازن بيت المال: ويلك (ويحك) أرحني من هذا، واقسمه بين المسلمين، فإنّ نفسي تحدّثني أنّه سيكون في هذا بلاء و فتنة بين الناس. فقال: إن أقسمته (قسمته) بين المسلمين لم يسعهم، وليس أحد يشتريه، لأنّ ثمنه عظيم، ولكن تدعه إلى قابل، فعسى اللّه أن يفتح على المسلمين بمال فيشتريه منهم من يشتريه. قال: ارفعه وأدخله بيت المال. وقتل عمر وهو بحاله، فأخذه عثمان لمّا ولّي الخلافة فحلّى به بناته(3).
واذا كان كذلك فما معنى قوله عليهالسلامفى الخطبة الشقشقية وغيرها من كونهما غاصبين للخلافة ولا شكّ انّ الغاصب كل ما يفعل فى المغصوب فهو باطل إذ
الغصب عبارة عن التّصرف فى مال الغير أو حقّه عدواناً وظلماً من غير اجازةٍ لصاحب المال والحقّ وإذا فرضنا ان الخلافة بعد الرّسول صلىاللهعليهوآله كانت مختصة
بعلىّ عليهالسلام فمن تصدّى لها فهو غاصب ظالم فكيف يمكن له العمل بالحقّ والفروض انّ الاصل من التّصرف الممنوع المحرّم.
ويمكن الجواب عنه بان قوله عليهالسلام لا يدل على انهما كانا عاملين بالحق عند اللّه تبارك وتعالى بل المقصود انهما كانا كذلك فى نظر العرف من العوام فانهم يرون الظاهر من الامر ويحكمون به، ألا ترى ان السّارق مثلا اذا اعطى شيئا للمسكين يحكم الناظر الجاهل بحسنه وانّه عمل بالحقّ ولا يعلم انه عمل بالباطل مرّة اخرى، ومن هذا القبيل كثير من احكام العوام وآرائهم وهو ظاهر والمقام من هذا القبيل فان الناس فى عهد أبي بكر وعمر كانوا يزعمون انهما على الحق وأعمالهم على الحق وبذلك كانوا يذمّون وينتقدون من عثمان وعمله، فقوله عليهالسلام إشارة إلى هذا الاصل فتقدير الكلام هو هكذا: إن كان اعمال أبي بكر وعمر كذلك بزعم الناس ولذلك لم ينتقدوا عليهما فانت اقرب إلى العمل بهذا الحق ايضاً منهما فانك نلت من صهره ما لم ينالا.
وفى المقام إحتمال آخر فى الجواب عن الاشكال وهو انّ الامور نسبية ولا يبعد أن يكون اعمال أبى بكر وعمر أحق وأحسن ممّا فعله عثمان بل كان كذلك واقعاً فانّ عثمان فعل ما لم يفعلا من الفظائع والفجائع ولا سيّما تسليطه بني اميّة على رقاب النّاس ولهذا قتلوه دونهما.
أى اشتباك.
كان عثمان يجتمع مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله في جدّه الرابع عبد مناف، وأبو بكر يجتمع معه صلىاللهعليهوآله في جدّه السابع مرّة بن كعب، وعمر في جدّه الثامن كعب بن لؤ، وكانت امّ عثمان أروى بنت كريز، وامّها البيضاء بنت عبد المطلّب، فأمّه كانت من عبد شمس ابن عبد مناف، وامّ امّه من هاشم، وأمّ أبي بكر كانت سلمى من تيم مثله، وامّ عمر كانت حنتمة من مخزوم، فهو كان أقرب في النسب أمّا وأبا(1).
فتزوّج عثمان برقيّة، ثمّ بعد موتها بامّ كلثوم بنتي النّبيّ صلىاللهعليهوآله، وكانتا قبله عند عتبة بن أبي لهب، وعتيبة بن أبي لهب.
ولذلك لقّب عثمان عند العامة بذى النورين، وأمّا عند أصحابنا فظلمه في حقهما مشهور والأخبار بذلك عن طريق أهل البيت مأثور.
قال المحدّث الجزائري: إنّ طوايف العامّة والخاصّة رووا أنّ عثمان قد ضرب رقية زوجته ضربا مبرحا أي مؤما حتى أثرت السياط في بدنها على غير جناية تستحقّها ولما أتت النبيّ صلىاللهعليهوآله شاكية تكلّم عليها، وقال صلىاللهعليهوآله: لا يليق بالمرأة أن تشكو من زوجها وأمرها بالرّجوع إلى منزله، ثمّ كرّر عليه الضرب فأتت النبيّ صلىاللهعليهوآله ثمّ ردّها، ثمّ ضربها الضرب الذي كان السبب في موتها فأمر النبيّ صلىاللهعليهوآله عليّا أن يخرجها من منزل عثمان فأتى بها إلى بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله وماتت فيه(2).
وأبو بكر وعمر لم ينالا صهريّة منه صلىاللهعليهوآله لكن تزوّج صلىاللهعليهوآله بابنتيهما ولم ينل ذلك عثمان.
هذا، وقال ابن أبي الحديد: قوله عليهالسلام: «و أنت أقرب ـ إلى ـ ما لم ينالا» كلام موضع المثل: «يسر حسوا في ارتغاء»، ومراده تفضيل نفسه عليهما، لأنّ العلّة التي باعتبارها فضّل عثمان عليهما محقّقة فيه وزيادة، لأنّ له مع المنافيّة الهاشمية(1).
بل كلام ابن أبي الحديد موضع التهوّع، أين أمير المؤنين الذي هو كنفس النّبيّ صلىاللهعليهوآله وأين ابن أبي قحافة وابن الخطّاب وابن عفّان الذين لم يكن فيهم شيء سوى أن نالوا ملكا معجلا غصبا فتنة للناس «... هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ...»(2)«... أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ...»(3).«... فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(4).
أى راياته.
يبصرها كل أحد. قال الطبري: لمّا انصرف المصريون بواسطة عليّ عليهالسلام طلب من عثمان أن يتكلّم بكلام يشهدون عليه بنزوعه وإنابته لئلاّ يقدم ركب آخر
لتمخّض البلاد عليه، فخرج فخطب فقال: أيّها الناس، واللّه ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله، وما جئت شيئا إلاّ وأنا أعرفه، ولكنّي منّتني نفسي وكذّبتني، وضلّ عنّي رشدي، ولقد سمعت النّبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: «من زلّ فليتب، ومن أخطأ فليتب، ولا يتمادى في الهلكة، إنّ من تمادى في الجور كان أبعد من الطريق»، فأنا أوّل من اتّعظ(1).
قال تعالى: «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ»(2).
وقال تعالى: «وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ»(3)قال أبو عبداللّه عليهالسلامفي رواية عبداللّه بن سنان: هم الأئمة صلوات اللّه عليهم(4).
كالنجوم، ويقال للشمس والقمر: النّيران.
أي: علائم فلا يمكن لأحد أن يدخل فيها البدع.
كالنار على المنار.
فلا يمكن لأحد أن يجعلها من السنن.
فبيت المال، السنّة فيه كانت معلومة من وجوب صرفه في مصالح الإسلام والمسلمين، وبذل عثمان له لبني اميّة أعداء الإسلام بدعة واضحة، وتسمية عثمان فعله صلة الرحم مخزاة له، فإنّ مورد صلة الرحم بذل الإنسان مال شخصه لرحمه الذي كان رضى اللّه في صلته، وأمّا من كان من أعداء اللّه فلا يجوز إعطاؤ من ماله فضلا عن مال غيره.
قال تعالى: «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ»(1).
وقال تعالى: «وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ»(2)قال الصادق عليهالسلام في رواية معلّى بن خنيس: هو من يتّخذ دينه برأيه بغير هدى إمام من أئمة الهدى(3).
وتقسيم الامام على القسمين أعني الامام العادل والامام الجائر قد ورد في
الكتاب العزيز وغير واحد من الأخبار.
مثل ما رواه عليّ بن إبراهيم باسناده عن جعفر بن محمّد عن أبيه عليهما السّلام قال: الأئمة في كتاب اللّه إمامان: إمام عدل وإمام جور، قال اللّه: «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا»(1)، لا بأمر الناس يقدّمون أمر اللّه قبل أمرهم وحكم اللّه قبل حكمهم، وقال: «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ»(2).يقدّمون أمرهم قبل أمر اللّه وحكمهم قبل حكم اللّه ويأخذون بأهوائهم خلافا لما في كتاب اللّه(3).
وعن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: لا يصلح الناس إلاّ إمام عادل وإمام فاجر إنّ اللّه عزّ وجلّ قال: «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا»(4)، وقال: «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ»(5)،(6).مِنْ مَجْمُوعِ السَّيِّدِ نَاصِحِ الدِّينِ أَبِي الْبَرَكَاتِ عَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ: إِيَّاكُمْ وَالظُّلْمَ فَإِنَّهُ يُخَرِّبُ قُلُوبَكُمْ(7).
وقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله عَدْلُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَبْعِينَ سَنَةً قِيَامٍ لَيْلُهَا وَصِيَامٍ نَهَارُهَا وَجَوْرُ سَاعَةٍ فِي حُكْمٍ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللّهِ مِنْ مَعَاصِي سِتِّينَ سَنَةً(8).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ مَنْ وَلِيَ عَشَرَةً فَلَمْ يَعْدِلْ
فِيهِمْ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَدَاهُ وَرِجْلاهُ وَرَأْسُهُ فِي ثَقْبِ فَأْسٍ(1).وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ قَالَ: مَنْ وَلِيَ شَيْئاً مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَضَيَّعَهُمْ ضَيَّعَهُ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ(2).
وقَالَ النَّبِيُّ صلىاللهعليهوآله: مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُعِينَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الاْءِسْلامِ(3).
وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله يَقُولُ يُؤتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالاْءِمَامِ الْجَائِرِ وَلَيْسَ مَعَهُ نَصِيرٌ وَلا عَاذِرٌ فيُلْقَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا تَدُورُ الرَّحَى ثُمَّ يَرْتَبِطُ فِي قَعْرِهَا
عن ابن عبّاس قال: استأذن أبو ذرّ على عثمان فأبى أن يأذن له، فقال لي: استأذن لي عليه، فرجعت فاستأذنت له عليه، قال: إنّه يؤيني. فقلت: عسى أن لا يفعل. فآذن له من أجلي، فلمّا دخل عليه قال: اتّق اللّه يا عثمان، فجعل يقول لعثمان: اتّق اللّه وعثمان يتوعّده، فقال أبو ذرّ: حدّثني النّبيّ صلىاللهعليهوآله أنّه يجاء بك وبأصحابك يوم القيامة فتبطحون على وجوهكم، فتمرّ عليكم البهائم فتطأكم، كلّما مرّت اخراها ردّت اولاها حتّى يفصل بين الناس.
قال يحيى بن سلمة: فحدّثني العرزميّ أنّ في هذا الحديث: «ترفعون حتّى إذا كنتم مع الثريا ضرب بكم على وجوهكم فتطأكم البهائم»(4).
ثمّ إنّ كلام أمير المؤنين عليهالسلام واضح الدلالة على أنّ عثمان إمام جائر، قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيه ما قال، كما أنّ حديث أبي ذرّ صريح الدلالة فيه.
أي: على الامّة.
عن ثوبان مولى النّبيّ عنه صلىاللهعليهوآله قال: إنّي سألت ربّي لامّتي أن لا يهلكها بسنة بعامّة، ولا يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ـ إلى أن قال ـ: وإنّما أخاف على امّتي الأئمّة المضلّين، وإذا وضع السيف في امّتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة(1).وقال الطبري: قال أبو معشر: بويع لعثمان سنة أربع وعشرين عام الرعاف، وإنّما قيل لهذه السنة عام الرعاف لأنّه كثر الرعاف فيها في الناس(2).
قلت: بيعته عام الرعاف كانت دليلا على كثرة قتل الناس بسببه بغير حقّ، مثل سنة بيعة ابن عمّه يزيد بن معاوية(3).
قال ابن قتيبة: قدم عمرو بن سعيد الأشدق من قبل يزيد أميرا على المدينة وعلى الموسم، فلمّا استوى على المنبر رعف، فقال اعرابيّ مستقبله: «مه جاءنا و اللّه بالدم»، فتلقّاه بعمامته، فقال: «مه عمّ واللّه الناس»، ثمّ قام يخطب، فناوله عصا له شعبتان، فقال: «مه شعب واللّه النّاس»(4).
وفي (صفّين نصر): قال رجل لعديّ بن حاتم يوم صفّين: أ لم أسمعك تقول يوم الدار: «و اللّه لا يخنق (تحبق) فيها ـ أي في قضيّة قتل عثمان ـ عناق حوليّة»(1)
الحبق: ضراط المعز. وفي الأصل: «لا تخنق». والعناق، بالفتح: الأنثى من ولد المعز. والحولية: التي أتى عليها حول. ويروى أيضا: «لا تحبق في هذا الأمر عناق حولية» قال الميداني: «يضرب المثل في أمر لا يعبأ به ولا غير له، أى لا يدرك فيه ثأر». وأول من قال هذا المثل عدى حين قتل عثمان. فيها: أى في هذه الحادثة.
، وقد رأيت ما كان فيها (فيهما)(2)ـ وقد كانت فقئت عين عديّ وقتل بنوه(3).ـ قال: بلى واللّه لقد خنقت (حبقت) فيه العناق والتّيس الأعظم(4).وقال ابن قتيبة ـ بعد ذكر مكالمة معاوية لأمير المؤنين عليهالسلاموالصحابة في أمر عثمان ثم انصرافهم ـ: فقال عثمان لمعاوية: ما ترى؟ قال له معاوية: أرى أن تأذن لي بضرب أعناق هؤاء القوم ـ إلى أن قال ـ: فقال معاوية: فثالثة. قال: وما هي؟ قال: اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت. قال عثمان: نعم هذه لك إن قتلت فلا يطلّ دمي(5).
وحينئذ فأوزار كلّ قتل وقتال، منها قتل سيّد شباب أهل الجنّة وأسر بنات
1) .
2) . أي من وقعتى الجمل وصفّين، إذ طولب فيهما بدم عثمان.
3) . عند الميداني: «فلمّا كان يوم الجمل فقئت عين عدي وقتل ابنه بصفّين». قالوا: ولمّا كان بعد ذلك دخل عدي على معاوية وعنده عبداللّه بن الزبير، فقال ابن الزبير: يا أمير المومنين هجه فانّ عنده جواباً. فقال معاوية: أمّا أنا فلا. ولكن دونك إن شئت، فقال له ابن الزبير: أيّ يوم فقئت عينك يا عدى؟ قال: فى اليوم الذى قتل فيه ابوك مدبراً وضربت على قفاك موليا، فافحمه.
4) . وقعة صفّين: 359 ـ 369؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 8/39.
5) .الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 1/34.
النّبيّ صلىاللهعليهوآله، ومنها قتل كلّ مؤن كعمّار وغيره ممّن قتل في الجمل و صفّين، وكلّ قتل وقتال يقعان إلى يوم القيامة على عثمان.
وبذلك صرّح أمير المؤنين عليهالسلام في شخوصه إلى صفّين، مضافا إلى فحوى كلامه في ما مرّ من مكالمته مع عثمان، فروى الأعمش ـ وقد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر ـ عن الحكم بن عتيبة، عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت عليّا على منبر الكوفة وهو يقول: «يا أبناء المهاجرين، انفروا إلى أئمّة الكفر، وبقيّة الأحزاب، وأولياء الشيطان. انفروا إلى من يقاتل على دم حمّال الخطايا، فو اللّه الذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إنّه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا»(1).
وقيس الراوي هذا ليس بشيعيّ بل ناصبيّ، روى هذا عنه عليهالسلام ذمّا له، فقال بعد نقل كلامه عليهالسلام: ولمّا سمعته قال: «انفروا إلى بقيّة الأحزاب» دخل بغضه في قلبي(2).
وحينئذ فجميع من قتل بنو اميّة من معاوية إلى آخرهم وبنو العبّاس جميعهم من المؤنين ومن أئمّة الدين أوزارهم على عثمان.
وأنّ رجلا جاء إلى عليّ عليهالسلام يستشفع به إلى عثمان فقال: «حمّال الخطايا، لا واللّه لا أعود إليه أبدا»(3).
كما أنّ أوزار عثمان على من أسّس له الأوّل والثاني، وبه صرّح معاوية في جوابه لكتاب محمّد بن أبي بكر(1)، لا سيّما الأخير في تدبيره له مع عرفانه له.
وروى الكشي عن الورد بن زيد: أنّ الكميت سأل أبا جعفر عن الرجلين (الشيخين) فقال (عليه السّلام): ما اهريق دم ولا حكم بحكم (يحكم) غير موافق لحكم اللّه وحكم رسوله إلاّ وهو في أعناقهما(2).
وعن خيثمة عن ابن مسعود قال: بينا نحن في بيت ونحن اثنا عشر رجلا نتذاكر أمر الدجّال وفتنته، إذ دخل النّبيّ صلىاللهعليهوآله فقال: «ما تتذاكرون من أمر الدجّال، والذي نفسي بيده إنّ في البيت لمن هو أشدّ على أمّتي من الدجّال». قال ابن مسعود: وقد مضى من كان في البيت غيري وغير عثمان(3).
والمراد: عامّة الامّة، وأمّا خواصّهم كطلحة والزبير وعائشة وعمرو بن العاص فكانوا عارفين باستحقاقه القتل، وكان الأوّلان من قاتليه، والأخيران من المحرّضين على قتله، ولبس الأوّلون بقيامهم للطلب بدمه كالأخير مع معاوية المحبّ لقتله ليكون وسيلة لنيله الخلافة.
ففتنة الجمل وصفّين كانت باسم طلب ثأره، وفتنة النهروان كان أمر عثمان سببها.
أي: يختلطون ويضطربون.
ولا سيّما أنّ معاوية وضع لهم أنّ من اطلق عليه اسم الخلافة بأيّ نحو كان، يكون حجّة اللّه وفي درجة رسول اللّه، فكان مسلم بن عقبة(1)
مسلم بن عقبة بن رباح المرّيّ أبو عقبة، الأمير من قبل يزيد بن معاوية على الجيش الذين غزوا المدينة يوم الحرّة... وقد أفحش مسلم القول والفعل بأهل المدينة وأسرف في قتل الكبير والصغير حتى سمّوه مسرفا وأباح المدينة ثلاثة أيّام لذلك والعسكر ينهبون ويقتلون ويفجرون ثمّ رفع القتل وبايع من بقي على أنهم عبيد ليزيد بن معاوية وتوجه بالعسكر إلى مكّة ليحارب ابن الزبير لتخلفه عن بيعة ليزيد فعوجل بالموت فمات بالطريق وذاك سنة ثلاث وستين الإصابة لابن حجر: 6/232، الرقم 8434. وقال ابن قتيبة فى واقعة الحرّة ما لفظه: فبلغ عدّة قتلى الحرّة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس، ألفاً وسبع مئة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف، سوى النساء والصبيان (الإمامة والسياسة: 1/184).
مستبيح المدينة يقول في احتضاره: اللّهم إنّي لم انكر خليفة من خلفائك(2).وقد وقع مصداق هذا الخبر الذي رواه أمير المؤنين عن النبيّ صلىاللهعليهوآله على طبق ما رواه، فانّ عثمان لما ولّي وأوطأ رقاب الناس بني أبي معيط وبني امية وولاّهم على البلاد انتشر الهرج والمرج والفساد، وتظاهر الفتن، وانجذم حبل الدّين، وتزعزع سوارى اليقين، وخمل الهدى، وشمل العمى، وضاق المصدر وعمي
المخرج، حتّى اشتدّ الظلم والمحن والبلوى، وبلغ الغاية القصوى كما قال عزّ من قائل: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ»(1)،(2)إلى أن انتكث على عثمان فتله، واجهز عليه عمله، وكبت به بطنته، وقتل شرّ قتلة، فكان قتله عنوانا للناكثين والقاسطين والمارقين، وانفتح على الأمة باب القتل والقتال والتخاصم والجدال إلى أن قام ابن أبي سفيان وآل حرب حزب الشيطان بالخلافة، واستقلّ بالإمارة، فمنحه الدّنيا درّها، وأوردته صفوها، فتمادى في الظلم والطغيان، ولم يدع للّه محرّما إلاّ استحله، ولا عقدا إلا حلّه، حتّى لم يبق بيت مدر ولا وبر إلاّ دخله ظلمه، ونبا به سوء رعيه، فقتل من المهاجر والأنصار وساير المسلمين مأئة ألف أو يزيدون، وحذا حذوه ابنه اللعين، فقتل بالطفّ سبط سيد المرسلين وأنصاره المظلومين، وتبعهم ساير بني امية وبني مروان «الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ(3)،(4)ثمّ إنه لما محض النصح لعثمان وأراه وجه الصواب والسداد ودلّه على نهج الحقّ والرّشاد وحذّره من القتل، وكان مروان بن الحكم اللّعين طريد رسول ربّ العالمين أقوى الأسباب الباعثة لنكبه عن طريق الحقّ إلى الباطل والضلال، ولايقاعه في المعاطب والمهالك. لا جرم نهاه عن اتّباعه والرّجوع إليه و الأخذ برأيه وقال:
1) . محمد: 22.
2) . قَالَ الثَّعْلَبِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) نَزَلَتْ فِي بَنِي أُمَيَّة (الكشف والبيان (تفسير الثعلبي): 9/35).
3) . ابراهيم: 28 ـ 29.
4) . تفسير العياشي: 2/230، ح28؛ بحار الأنوار: 31/524، ح25.
كما يسوق ناهب الدوابّ لها حيث يشاء.
أي: كبره.
أي: انقضائه، فكان يومئذ ـ كما قال الواقديّ ـ ابن (82) سنة(1).
روى الطبري عن الواقديّ بإسناده عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قال: خرج عثمان إلى الناس فأعطاهم الرضا، وبكى على المنبر وبكى الناس حتّى نظرت إلى لحية عثمان مخضلّة من الدموع، وهو يقول: «اللهمّ إنّي أتوب إليك، واللّه لئن ردّني الحقّ لأن أكون عبدا قنّا لأرضينّ به، فإذا دخلت منزلي فادخلوا عليّ، فو اللّه لا أحتجب منكم، ولأعطينّكم الرضا، ولأزيدنّكم على الرضا، ولأنحينّ مروان وذويه» فلمّا دخل عثمان أمر بالباب ففتح، ودخل عليه مروان، فلم يزل يفتله في الذروة والغارب حتّى فتله عن رأيه، وأزاله عمّا كان يريد، فلقد مكث عثمان ثلاثة أيّام ما خرج، استحياء من الناس، وخرج مروان إلى الناس فقال: «شاهت الوجوه، ارجعوا إلى منازلكم، فإن يكن للخليفة حاجة بأحد منكم يرسل إليه، وإلاّ قرّ في بيته».
قال عبد الرحمن بن الأسود: فجئت إلى عليّ عليهالسلام فأجده بين القبر والمنبر، وأجد عنده عمّار ومحمّد بن أبي بكر وهما يقولان: «صنع مروان بالناس و صنع». قال:
1) .تاريخ الطبري: 3/443، سنة 35.
فأقبل عليّ عليهالسلام عليّ وقال: أحضرت خطبة عثمان قلت: نعم. قال: أ فحضرت مقالة
مروان للناس قلت: نعم. قال: «يا للمسلمين إنّي إن قعدت في بيتي قال لي ـ أي عثمان ـ: تركتني وقرابتي وحقّي، وإنّي إن تكلّمت فجاء ما يريد يلعب به مروان، فصار سيّقة له يسوقه حيث شاء بعد كبر السنّ»(1).
وروى الطبري عن الواقدي أيضا بإسناده أنّ عليا عليهالسلام جاء إلى عثمان بعد انصراف المصريّين، فقال له: تكلّم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليه، وتشهد (يشهد) اللّه على ما في قلبك من النزوع والإنابة، فلا آمن ركبا آخر يقدمون من الكوفة، فتقول: اركب إليهم، ولا أقدر أن أركب إليهم، ولا أسمع عذرا. و يقدم ركب آخر من البصرة فتقول: اركب إليهم، فإن لم أفعل رأيتني قد قطعت رحمك، واستخففت بحقّك.
فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، وأعطى (الناس) من نفسه التوبة، فلمّا نزل وجد في منزله مروان وسعيدا ونفرا من بني اميّة، ولم يكونوا شهدوا الخطبة، فلمّا جلس قال مروان: أ تكلّم أم أصمت فقالت نائلة امرأة عثمان الكلبيّة: لا بل اصمت، فإنّهم واللّه قاتلوه ومؤّموه، إنّه قد قال مقالة لا ينبغي له أن ينزع عنها. فأقبل عليها مروان، فقال: ما أنت وذاك فو اللّه لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضّأ. فقالت له: مهلا يا مروان عن ذكر الآباء، تخبر عن أبي وهو غائب، تكذب عليه وإنّ أباك لا تستطيع أن تدفع عنه، أما واللّه لولا أنّه عمّه، وأنّه يناله غمّه، أخبرتك عنه بما لم (لن) أكذب عليه.
فأعرض عنها مروان، ثمّ قال: أ تكلّم أم أصمت قال: بل تكلّم. فقال مروان:
1) .تاريخ الطبري: 3/397 ـ 398، سنة 35.
بأبي أنت وأمّي واللّه لوددت أنّ مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع، فكنت أوّل من رضي بها، وأعان عليها، ولكنّك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطّبيين، وخلف السيل الزّبى، وحين أعطى الخطّة الذليلة الذليل، واللّه لإقامة على خطيئة تستغفر اللّه منها أجمل من توبة تخوّف عليها، وإنّك إن شئت تقرّبت بالتوبة ولم تقرّب (تقرر) بالخطيئة، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس.
فقال عثمان: فاخرج إلى الناس فكلّمهم، فإنّي أستحيي أن أكلّمهم. فخرج مروان إلى الباب فقال: أما واللّه لئن رمتمونا ليمرّن عليكم منّا أمر لا يسرّكم، ولا تحمدوا غبّ رأيكم. ارجعوا إلى منازلكم، فإنّا واللّه لسنا بمغلوبين على ما في أيدينا.
فرجع الناس وخرج بعضهم حتّى أتى عليّا عليهالسلام فأخبره الخبر، فجاء مغضبا حتّى دخل على عثمان، فقال: أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك، مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به، واللّه ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه، وايم اللّه إنّي لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت شرفك، وغلبت على أمرك(1).
ولكن مع كون حال عثمان على ذلك المنوال، إخواننا لا يجعلون أمثال ذلك مبطلا لإمامته، فكانت إمامته كوضوء مرأة معروفة كان يطأها الرجال واحد بعد واحد، وكلّما قام عنها رجل تشتغل بالصلاة حتّى يجيء آخر بوضوئها الأوّل.
فعمل السوء والباطل والجور والفساد، أيّ شيء لم يأت به عثمان لكنّ إخواننا أرادوا أن يرضوا معاوية بن أبي سفيان لعين النّبيّ صلىاللهعليهوآله في موطن بعد موطن.
1) .تاريخ الطبري: 3/395 ـ 397، سنة 35.
ثمّ لعمر اللّه هل يصل صلابة وجه البشر إلى هذا الحدّ الذي بلغها وجه عثمان في مواعيده التي كانت كمواعيد عرقوب(1).
قول المصنف: فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤجِّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ مِنْ مَظَالِمِهِمْ فَقَالَ عليهالسلام: مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلا أَجَلَ فِيهِ وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ
أَمْرِكَ إِلَيْه
روى الطبري مسندا عن الزبير ـ بعد ذكر كتاب المصرييّن إلى عثمان ـ: إنّا واللّه للّه نغضب، وفي اللّه نرضى، وإنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة
مصرّحة، أو ضلالة مجلّحة.
قال: وكتب أهل المدينة إلى عثمان يدعونه إلى التوبة، ويقسمون له باللّه لا يمسكون عنه أبدا حتّى يقتلوه، أو يعطيهم ما يلزمه من حقّ اللّه. قال: فلمّا خاف القتل شاور نصحاءه وأهل بيته، فقال لهم: قد صنع القوم ما قد رأيتم، فما المخرج فأشاروا عليه أن يرسل إلى عليّ بن أبي طالب فيطلب إليه أن يردّهم عنه، ويعطيهم ما يرضيهم ليطاولهم حتّى يأتيه امداد، فقال لهم عثمان: إنّ القوم لن يقبلوا التعليل، و قد كان منّي في قدمتهم الاولى ما كان، فمتى أعطهم ذلك يسألوني الوفاء به.
فقال مروان: مقاربتهم حتّى تقوى أمثل من مكاثرتهم على القرب، فأعطهم ما سألوك، وطاولهم ما طاولوك، فإنّما هم بغوا عليك، فلا عهد لهم. فأرسل إلى عليّ عليهالسلام فلمّا جاءه قال: يا أبا الحسن، إنّه قد كان من الناس ما قد رأيت، وكان منّي
1) .عرقوب: اسم رجل من العمالقة ضربت به العرب المثل في الخلف فقالوا: «مواعيد عرقوب» الصحاح: 1/180 مادة عرقب.
ما قد علمت، ولست آمنهم على قتلي، فأرددهم عنّي، فإنّ لهم عهد اللّه عزّ وجلّ أن أعتبهم من كلّ ما يكرهون، وأن أعطيهم الحقّ من نفسي ومن غيري، وإن كان في ذلك سفك دمي. فقال له عليّ عليهالسلام: الناس إلى عدلك أحوج منهم إلى قتلك، وإنّي لأرى قوما لا يرضون إلاّ بالرضا، وقد كنت أعطيتهم في قدمتهم الاولى عهدا من اللّه: لترجعنّ عن جميع ما نقموا، فرددتهم عنك، ثمّ لم تف لهم بشيء من ذلك، فلا تغرّني هذه المرّة من شيء فإنّي معطيهم عليك الحقّ. قال: نعم، فأعطهم، فو اللّه لأفينّ لهم.
فخرج عليّ عليهالسلام إلى الناس، فقال: أيّها الناس، إنّكم إنّما طلبتم الحقّ فقد أعطيتموه، وإنّ عثمان قد زعم أنّه منصفكم من نفسه ومن غيره، وراجع عن جميع ما تكرهون، فاقبلوا منه ووكّدوا عليه.
قال الناس: (قد) قبلنا فاستوثق لنا منه، فإنّا واللّه لا نرضى بقول دون فعل. فقال لهم: ذلك لكم. ثمّ دخل عليه فأخبره الخبر، فقال له عثمان: اضرب بيني وبينهم أجلا يكون لي فيه مهلة، فإنّي لا أقدر على ردّ ما كرهوا في يوم واحد. فقال له علي عليهالسلام: ما حضر بالمدينة فلا أجل فيه، وما غاب فأجله وصول أمرك إليه. قال: نعم، ولكن أجّلني في ما بالمدينة ثلاثة أيّام. قال عليّ عليهالسلام: نعم، فخرج إلى الناس فأخبرهم بذلك، وكتب بينهم وبين عثمان كتابا أجّله فيه ثلاثا، على أن يردّ كلّ مظلمة، ويعزل كلّ عامل كرهوه، ثمّ أخذ عليه في الكتاب أعظم ما أخذ اللّه على أحد من خلقه من عهد وميثاق، وأشهد عليه ناسا من وجوه المهاجرين والأنصار، فكفّ المسلمون عنه ورجعوا إلى أن يفي لهم بما أعطاهم من نفسه، فجعل يتأهّب للقتال، ويستعدّ بالسلاح ـ وقد اتخذ جندا عظيما من رقيق الخمس ـ فلمّا مضت
الأيّام الثلاثة ـ وهو على حاله لم يغيّر شيئا ممّا كرهوه، ولم يعزل عاملا ـ ثار به الناس. وخرج عمرو بن حزم الأنصاري حتّى أتى المصرييّن وهم بذي خشب، فأخبرهم الخبر، وسار معهم حتّى قدموا المدينة، فأرسلوا إلى عثمان: ألم نفارقك على أنّك زعمت أنّك تائب من إحداثك، وراجع عمّا كرهنا منك، وأعطيتنا على ذلك عهد اللّه وميثاقه قال: بلى، أنا على ذلك، قالوا: فما هذا الكتاب الذي وجدنا مع رسولك، وكتبت به إلى عاملك ـ إلى أن قال ـ: فحصروه أربعين ليلة، وطلحة يصلّي بالناس(1).
هذا، وقال الطبري: قال الوليد بن يزيد يوم قتل وهو يقاتلهم: من جاء برأس فله خمسمائة. فجاء قوم بأرؤ، فقال الوليد: اكتبوا أسماءهم. فقال أحد من جاء برأس: ليس هذا بيوم يعمل فيه بنسيئة(2).
وعن إسحاق الموصليّ قال: عمل محمّد المخلوع(3)سفينة فأعجب بها، وركب فيها يريد الأنبار، وأنا مقبل على قبض (بعض) أبواب السفينة فصاحوا: إسحاق إسحاق. فوثبت فدنوت منه، فقال لي: كيف ترى سفينتي فقلت: حسنة عمّرها اللّه ببقائك. قال: قل فيها أبياتا. فقلت، فقال لي: أحسنت يا إسحاق، وحياتك لأهبنّ لك عشرة آلاف دينار. قلت: متى؟ إذا وسّع اللّه عليك فضحك و دعا بها على المكان(4).نقلت هذا بمناسبة قوله عليهالسلام: «ما كان بالمدينة فلا أجل فيه»(5).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ابْتَدَعَهُمْ خَلْقاً عَجِيباً مِنْ حَيَوَانٍ وَمَوَاتٍ وَسَاكِنٍ وَذِي حَرَكَاتٍ فَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ مَا انْقَادَتْ لَهُ الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ وَمَسَلِّمَةً لَهُ وَنَعَقَتْ فِي أَسْمَاعِنَا دَلائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَمَا ذَرَأَ مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ وَخُرُوقَ فِجَاجِهَا وَرَوَاسِيَ أَعْلامِهَا مِنْ ذَاتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ وَمُرَفْرِفَةٍ بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ الْجَوِّ الْمُنْفَسِحِ وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ كَوَّنَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ فِي الْسَّمَاءِ خُفُوفاً وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً وَنَسَقَهَا عَلَى اخْتِلافِهَا فِي الْأَصَابِيغِ بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلافِ مَا صُبِغَ بِهِ وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ وَنَضَّدَ أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ قَصَبَهُ وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ إِذَا دَرَجَ إِلَى الْأُنْثَى
نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ وَسَمَا بِهِ مُظِلاًّ عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ دَارِيٍّ عَنَجَهُ نُوتِيُّهُ يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ وَيَمِيسُ بِزَيَفَانِهِ ـ يُفْضِي كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ وَيَؤرُّ بِمَلاقِحِهِ أَرَّ الْفُحُولِ
الْمُغْتَلِمَةِ فِي الضِّرَابِ أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ لا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ وَلَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا مَدَامِعُهُ فَتَقِفُ فِي ضَفَّتَيْ جُفُونِهِ وَأَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ ثُمَّ تَبِيضُ لا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ تَخَالُ قَصَبَهُ مَدَارِيَ مِنْ فِضَّةٍ وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهِ مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ وَشُمُوسِهِ خَالِصَ الْعِقْيَانِ وَفِلَذَ الزَّبَرْجَدِ فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ قُلْتَ جَنِيٌّ جُنِيَ مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلابِسِ فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ أَوْ مُونِقِ عَصْبِ الْيَمَنِ وَإِنْ شَاكَلْتَهُ بِالْحُلِيِّ فَهُوَ كَفُصُوصٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ قَدْ نُطِّقَتْ بِاللُّجَيْنِ الْمُكَلَّلِ يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ الْمُخْتَالِ وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَهُ فَيُقَهْقِهُ ضَاحِكاً لِجَمَالِ سِرْبَالِهِ وَأَصَابِيغِ وِشَاحِهِ فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا مُعْوِلاً بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ وَيَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلاسِيَّةِ وَقَدْ نَجَمَتْ مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ صِيصِيَةٌ خَفِيَّةٌ وَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ قُنْزُعَةٌ خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ وَمَخْرَجُ عَنُقِهِ كَالاْءِبْرِيقِ وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ وَكَأَنَّهُ مُلَفِّعٌ بِمِعْجَرٍ أَسْحَمَ إِلاّ أَنَّهُ يُخَيَّلُ لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ وَمَعَ فَتْقِ سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ فِي لَوْنِ الْأُقْحُوَانِ أَبْيَضُ يَقَقٌ فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ وَقَلَّ صِبْغٌ إِلاّ وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ وَعَلاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَبَرِيقِهِ وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ الْمَبْثُوثَةِ لَمْ تُرَبِّهَا أَمْطَارُ رَبِيعٍ وَلا شُمُوسُ قَيْظٍ
وَقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ وَيَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ فَيَسْقُطُ تَتْرَى وَيَنْبُتُ تِبَاعاً فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ ثُمَّ يَتَلاحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ لا يُخَالِفُ سَالِفَ أَلْوَانِهِ وَلا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ حُمْرَةً وَرْدِيَّةً وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا عَمَائِقُ الْفِطَنِ أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ وَأَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ وَالْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ فَسُبْحَانَ الَّذِي بَهَرَ الْعُقُولَ عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ جَلاّهُ لِلْعُيُونِ فَأَدْرَكَتْهُ مَحْدُوداً مُكَوَّناً وَمُؤلَّفاً مُلَوَّناً وَأَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ وَقَعَدَ بِهَا عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ وَسُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ قَوَائِمَ الذَّرَّةِ وَالْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ وَالْفِيَلَةِ وَوَأَى عَلَى نَفْسِهِ أَلاّ يَضْطَرِبَ شَبَحٌ مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ إِلاّ وَجَعَلَ الْحِمَامَ مَوْعِدَهُ وَالْفَنَاءَ غَايَتَهُ.
منها في صفة الجنّة
فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤلُؤ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا وَطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ بهم تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْمُقَامَةِ وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا جَعَلَنَا اللّهُ وَإِيَّاكُمْ
مِمَّنْ سَعَى إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِه... إلى أن قال المصنّف في (تفسير غريبه) وقوله7: «كبائس اللّؤؤالرّطب» الكباسة: العذق، والعساليج: الغصون واحدها عسلوج».
أي: اخترعهم.
قال تعالى: «بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ»(1).
بالتحريك
والمراد بحيوان ما فيه الروح وبموات ما لا روح فيه، وقد يجيئان بالعكس كقولهم «اشتر الحيوان ولا تشتر الموتان» أي: اشتر الأرضين والدور ولا تشتر الرقيق والدواب، إلاّ انّه بالتأويل يرجع إلى المعنى الأصلي.
حتى في النجوم جعل ثوابت وسيارات.
قال الصادق عليهالسلام: فكّر يا مفضل في النجوم واختلاف مسيرها، فبعض لا يفارق مراكزها من الفلك ولا تسير إلاّ مجتمعة، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج، ويفترق
1) .البقرة: 117.
في مسيرها، فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين، أحدهما عامّ مع الفلك نحو المغرب والآخر خاصّ لنفسه نحو المشرق كالنملة التي تدور على الرحى، فالرحى تدور ذات اليمين والنّملة تدور ذات الشمال، والنملة في ذلك تتحرك حركتين مختلفين احداهما بنفسه فتتوجّه أمامها والاخرى مستكرهة مع الرحى تجذبها إلى خلفها، فاسأل الزاعمين أنّ النجوم صارت على ما هي عليه بالإهمال من غير عمد، ولا صانع لها ما منعها أن تكون كلّها راتبة أو تكون كلّها منتقلة فان الإهمال معنى واحد(1)
يحتمل أن يكون المراد ان الطبيعة او الدهر ـ الذين يجعلونهما أصحاب الإهمال مؤرين ـ كلّ منهما أمر واحد غير ذي شعور وإرادة، ولا يمكن صدور الأمرين المختلفين عن مثل ذلك.. أو المراد ان العقل يحكم بان مثل هذين الامرين المتسقين الجاريين علي قانون الحكمة لا يكون إلاّ من حكيم راعى فيهما دقائق الحكم.. او المراد ان الاهمال أي عدم الحاجة الى العلة، وترجح الأمر الممكن من غير مرجح كما تزعمون أمر واحد حاصل فيهما، فلم صارت إحداهما راتبة والأخرى منتقلة؟ ولم لم يعكس الامر.. ولعلّ المعنى الأوّل الذي ذكرناه أفضل وأقرب بحار الأنوار: 55/101.
، فكيف صار يأتي بحركتين مختلفتين على وزن وتقدير، ففي هذا بيان أن مسير الفريقين على ما يسيران عليه بعمد وتدبير وحكمة وتقدير، وليس بإهمال كما يزعم المعطّلة.فان قال قائل: ولم صار بعض النجوم راتبا وبعضها منتقلا قلنا: إنّها لو كانت كلّها راتبة لبطلت الدلالات التي يستدلّ بها من تنقل المنتقلة ومسيرها في كلّ برج من البروج، كما يستدلّ بها على أشياء مما يحدث في العالم بتنقل الشمس والنجوم في منازلها، ولو كانت كلّها منتقلة لم يكن لمسيرها منازل تعرف ولا رسم يوقف عليه، لأنّه إنّما يوقف عليه بمسير المنتقلة منها بتنقلها في البروج الراتبة، كما يستدلّ على
1) .
سير السائر على الأرض بالمنازل التي يجتاز عليها.
ولو كان تنقلها بحال واحدة لاختلط نظامها وبطلت المآرب فيها، ولساغ لقائل أن يقول: إنّ كينونتها على حال واحدة توجب عليها الإهمال من الجهة التي وصفنا، ففي اختلاف سيرها وتصرّفها وما في ذلك من المآرب، والمصالح أبين دليل على العمد والتدبير فيها(1).
قال الصادق عليهالسلام للمفضل: أول العبر والدلالة على الباري جلّ قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فانّك إذا تأمّلت العالم بفكرك وخبّرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم مضيئة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكلّ شيء فيها لشأنه معدّ، والإنسان كالمملّك ذلك البيت، والمخوّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيّأة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه، ففي هذا دلالة واضحة على ان العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة، وان الخلق له إله واحد، وهو الذي ألّفه ونظّمه بعضا إلى بعض، جلّ قدسه وتعالى جدّه وكرم وجهه ولا إله غيره، تعالى عمّا يقول الجاحدون، وجلّ عمّا ينتحله الملحدون(2).
أى صاحت من «نعق الراعى بغنمه».
وفي كلّ شيء له آية *** تدلّ على أنّه واحد
قال هشام بن الحكم: كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبداللّه عليهالسلام، فخرج إلى المدينة ليناظره ـ إلى أن قال ـ فقال عليهالسلام: أتعلم أنّ للأرض تحتا؟ قال: نعم. قال: فدخلت تحتها قال: لا، قال: فتدري بما تحتها قال: لا أدري إلاّ إنّي أظنّ ان ليس تحتها شيء. قال: فالظنّ عجز ما لم تستيقن، أ فصعدت السماء قال: لا، قال أ فتدري ما فيها؟ قال: لا. قال: فأتيت المشرق والمغرب فنظرت ما خلفهما؟ قال: لا، قال: فعجبا لك لم تبلغ المشرق ولم تبلغ المغرب ولم تنزل تحت الأرض ولم تصعد السماء ولم تخبر هنالك فتعرف ما خلفهن وأنت جاحد ما فيهن و هل يجحد العاقل ما لا يعرف قال: ولعل ذاك، فقال عليهالسلام: أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم، فلا حجّة للجاهل على العالم. يا أخا أهل مصر تفهّم عني، لا تشك في اللّه أبدا، أما ترى الشمس(1)والقمر والليل والنّهار يلجئان ليس لهما مكان إلاّ مكانهما، فان كانا يقدران على أن يذهبا فلا يرجعان فلم يرجعان وان لم يكونا مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا والنهار ليلا اضطرا واللّه يا أخا أهل مصر، الى
1) . استدل عليهالسلام على اثبات الصانع المجرّد المنزّه عن مشابهة المصنوعات بوجوه ثلاثة هذا أوّلها وهو لبيان إبطال ما زعموه من استناد الحوادث السفليّة الى الدورات الفلكيّة وعدم احتياجها إلى علة اخرى سوى ذواتها. آت
دوامهما، والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر. يا أخا أهل مصر(1)انّ الذي تذهبون إليه وتظنّونه بالوهم، فإن كان الدهر يذهب بهم لم لا يردّهم وإن كان يردّهم لم لا يذهب بهم القوم مضطرون يا أخا أهل مصر، السماء مرفوعة(2)
هذا هو الوجه الثالث وهو مبني على الاستدلال بأحوال جميع اجزاء العالم من العلويات والسفليات وارتباط بعضها ببعض وتلازمها وكون جميعها على غاية الاحكام والاتقان. آت
، والأرض موضوعة، لم لا تسقط السماء على الأرض ولم لا تنحدر الأرض فوق طاقتها (فوق طباقها)، فلا يتماسكان(3)ولا يتماسك من عليهما فقال الزنديق: أمسكهما واللّه ربّهما ـ وآمن على يديه.وقال له عليهالسلام: اجعلني من تلامذتك، فقال عليهالسلام لهشام بن الحكم: خذه إليك فعلّمه، فكان معلم(4).أهل مصر وأهل الشام(5).
أي: خلق متفرقا.
1) . هذا هو الوجه الثاني وهو مشتمل على ابطال مذهب الخصم القائل بمبدئية الدهر للكائنات الفاسدات كقولهم: «وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ». آت
2) .
3) . أي: فى صورتى السقوط والانحدار والمراد انه ظهر انه لا يمكنهما التماسك بل لابدّ من ماسك يمسكهما والمراد بالانحدار الحركة المستديرة. آت
4) . الظاهر رجوع الضمير إلى هشام ويحتمل إرجاعه إلى المؤن أي صار كاملاً بحيث صار بعد ذلك معلم أهل الشام وأهل مصر. آت
5) . الكافي: 1/72، ح1؛ بحار الأنوار: 3/51، ح25.
زعم بعض من يصيد الطير أنّه يحدث في كلّ سنة من الطير ما لم يكونوا يعرفونه قبل ذلك(1).
أي: شقوقها المستطيلة.
أي: شقوق عريضة.
الطرق الواسعة بين الجبال، قالوا: القبج وشبهه يسكن الفجاج.
أي: ثوابت، قال تعالى: «وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ»(2).
أي: جبالها قال جرير: «إذا قطعن علما بدا علم»(3).
قالوا: والطير الذي أسكنها الجبال العقبان(4).
قال الصادق عليهالسلام للمفضل: هل رأيت هذا الطائر الطويل الساقين وعرفت ما له من المنفعة في طول ساقيه، فإنّه أكثر ذلك في ضحضاح من الماء، فتراه بساقين طويلين كأنّه ربيئة فوق مرقبه، وهو يتأمّل ما يدب في الماء، فإذا رأى شيئا ممّا يتقوّت به خطا خطوات رقيقة حتى يتناوله، ولو كان قصير الساقين و كان يخطو نحو الصيد ليأخذه يصيب بطنه الماء فيثور ويذعر منه فيتفرّق عنه، فخلق له ذالك العمودان ليدرك بهما حاجته ولا يفسد عليه، تأمل ضروب التدبير في خلق الطائر فإنّك تجد كلّ طائر طويل الساقين طويل العنق، وذلك ليتمكن من تناول طعمه من الأرض، ولو كان طويل الساقين قصير العنق لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض، وربما أعين مع طول العنق بطول المناقير ليزداد الأمر عليه سهولة وإمكانا، أفلا ترى أنّك لا تفتّش شيئا من الخلقة إلاّ وجدته على غاية الصواب: والحكمة(1).
كما قال عزّ من قائل: «أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاّ اللّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ»(2).
قال الرّازي: هذا دليل على كمال قدرة اللّه وحكمته: فانّه لولا أنّه تعالى خلق الطّير خلقة معها يمكنه الطّيران فيها لما أمكن ذلك، فانّه أعطى الطّير جناحا يبسطه
مرّة ويكسره اخرى، مثل ما يعمل السّابح في الماء، وخلق الهواء خلقة لطيفة رقيقة يسهل خرقه والنّفاذ فيه ولو لا ذلك لما كان الطّيران ممكنا، وجسد الطّير جسم ثقيل والجسم الثّقيل يمتنع بقاؤ في الجوّ معلّقا من غير دعامة ولا علاقة فوقه، فوجب أن يكون الممسك له في ذلك الجوّ هو اللّه سبحانه(1).
قال الصادق عليهالسلام: يا مفضل، هذا الطائر السائح في هذا الجو يقعد على بيضه فيحضنه بعضها أسبوعا وبعضها أسبوعين وبعضها ثلاثة أسابيع حتى يخرج الفرخ من البيضة، ثم يقبل عليه فيزقّه الريح لتتسع حوصلته للغذاء، ثُمَّ يُرَبِّيهِ وَيُغَذِّيهِ بِمَا يَعِيشُ بِه فمن كلّفه أن يلقط الطعم والحبّ يستخرجه بعد أن يستقر في حوصلته ويغذو به فراخه ولأي معنى يحتمل هذه المشقة وليس بذي رويّة ولا تفكر ولا يأمل في فراخه ما يأمل الانسان في ولده من العزّ والرفد وبقاء الذّكر، فهذا من فعله يشهد أنّه معطوف على فراخه لعلّة لا يعرفها ولا يفكّر فيها وهي دوام النّسل وبقاؤ لطفا منه تعالى.
وفيه: انظر الى الدّجاجة كيف تهيج لحضن البيض والتفريخ، وليس لها بيض مجتمع ولا وكر موطّى، بل تنبعث وتنتفخ وتمتنع من الطعم حتى يجتمع لها البيض فتحضنه وتفرخ، فما كان ذلك منها إلاّ لإقامة النّسل، ومن أخذها بإقامة النّسل ولا رويّة لها ولا تفكير لو لا أنّها مجبولة على ذلك.
واعْتَبِرْ بِخَلْقِ الْبَيْضَةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْمُحِّ(2)الْأَصْفَرِ الْخَاثِرِ(3)وَالْمَاءِ الْأَبْيَضِ
الرَّقِيقِ فَبَعْضُهُ لِيَنْتَشِرَ مِنْهُ الْفَرْخُ وَبَعْضُهُ لِيُغَذَّى بِهِ «4» إِلَى أَنْ تَنْقَابَ عَنْهُ الْبَيْضَةُ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ نُشُوءُ الْفَرْخِ فِي تِلْكَ الْقِشْرَةِ الْمُسْتَحْصَنَةِ الَّتِي لا مَسَاغَ لِشَيْءٍ إِلَيْهَا لَجُعِلَ مَعَهُ فِي جَوْفِهَا مِنَ الْغِذَاءِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهَا كَمَنْ يُحْبَسُ فِي حَبْسٍ حَصِينٍ لا يُوصَلُ إِلَى مَنْ فِيهِ فَيُجْعَلُ مَعَهُ مِنَ الْقُوتِ مَا يَكْتَفِي بِهِ إِلَى وَقْتِ خُرُوجِهِ مِنْهُ فَكِّرْ فِي حَوْصَلَةِ الطَّائِرِ وَمَا قُدِّرَ لَهُ فَإِنَّ مَسْلَكَ الطُّعْمِ إِلَى الْقَانِصَةِ(1)ضَيِّقٌ لا يَنْفُذُ فِيهِ الطَّعَامُ إِلاّ قَلِيلاً قَلِيلاً فَلَوْ كَانَ الطَّائِرُ لا يَلْقُطُ حَبَّةً ثَانِيَةً حَتَّى تَصِلَ الْأُولَى إِلَى الْقَانِصَةِ لَطَالَ عَلَيْهِ وَمَتَى كَانَ يَسْتَوْفِي طُعْمَهُ فَإِنَّمَا يَخْتَلِسُهُ اخْتِلاساً لِشِدَّةِ الْحَذَرِ فَجُعِلَتِ الْحَوْصَلَةُ كَالْمِخْلاةِ(2).الْمُعَلَّقَةِ أَمَامَهُ لِيُوعِيَ فِيهَا مَا أَدْرَكَ مِنَ الطُّعْمِ بِسُرْعَةٍ ثُمَّ تُنْفِذُهُ إِلَى الْقَانِصَةِ عَلَى مَهْلٍ وَفِي الْحَوْصَلَةِ أَيْضاً خَلَّةٌ أُخْرَى فَإِنَّ مِنَ الطَّائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَزُقَّ فِرَاخَهُ فَيَكُونُ رَدُّهُ لِلطُّعْمِ مِنْ قُرْبٍ أَسْهَلَ عَلَيْهِ(3).
وقال الصادق عليهالسلام: فكّر يا مفضل، في خلقة عجيبة جعلت في البهائم، فإنّهم يوارون أنفسهم إذا ماتوا كما يواري الناس موتاهم، وإلاّ فأين جيف هذه الوحوش و السباع وغيرها، لا يرى منها شيء، وليست قليلة فتخفى لقلّتها، بل لو قال قائل إنّها أكثر من الإنس لصدق، فاعتبر في ذلك بما تراه في الصحاري والجبال من أسراب(4)الظباء(5)والمهاء(6)، والحمير الوحش،
1) . القانصة للطير: كالمعدة للإنسان.
2) . المخلاة: ما يجعل فيه العلف و يعلق في عنق الدابّة و الجمع مخال.
3) . توحيد المفضل: 114 ـ 116؛ بحار الأنوار: 3/104.
4) . السرب بالكسر والسربة القطيع من الظباء والقطا والخيل ونحوها والجمع أسراب.
5) . الظباء جمع ظبية وهي انثى الغزال.
6) . المها: جمع مهاة وهي البقرة الوحشية.
والوعول(1)، والايايل(2)، وغير ذلك من الوحوش، وأصناف السباع من الأسد والضباع والذئاب والنمور وغيرها، وضروب الهوام ودوابّ الأرض، وكذلك أسراب الطير من الغربان والقطا والاوّز(3)والكراكي(4).وحمام الطير وسباع الطير جميعا، وكلّها لا يرى منها إذا ماتت إلاّ الواحد بعد الواحد يصيده قانص أو يفترسه سبع، فإذا أحسّوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها ولولا ذلك لا متلأت الصحاري منها حتى تفسد رائحة الهواء وتحدث الأمراض والوباء. فانظر إلى هذا الذي يخلص إليه الناس وعملوه بالتمثيل الأول الذي مثّل لهم(5).
وهذا إشارة إلى قوله تعالى في تحيّر قابيل في جسد هابيل وبعثه تعالى غرابا بالبريّة كيف يواري سوأة أخيه(6).
كيف جعل طبعا وادكارا في البهائم وغيرها ليسلم النّاس من معرّة(7)ما يحدث عليهم من الأمراض والفساد(8).
1) . الوعول جمع وعل وهو تيس الجبل له قرنان قويان منحنيان كسيفين أحدبين.
2) . الايائل جمع أيل ـ بفتح فتشديد ـ حيوان من ذوات الظلف للذكور منه قرون منشعبة لا تجويف فيها، أما الاناث فلا قرون لها. ويقال هو الذي يسمى بالفارسية گوزن والجمع أياييل.
3) . جمع الاوزّة: طائر مائىّ يقال له: الوزّة أيضا.
4) . الكراكى جمع كركى ـ بضم فسكون فكسر ـ طائر كبير أغبر اللون طويل العنق والرجلين أبتر الذنب قليل اللحم.
5) . توحيد المفضل: 107؛ بحار الأنوار: 3/99.
6) .المائدة: 31.
7) . المعرة: الأمر القبيح والمساءة والاثم والأذى.
8) .توحيد المفضل: 108؛ بحار الأنوار: 3/100.
رفرف إذا بسط جناحيه، ورفرفة الطائر أن يرفرف بجناحيه ولا يبرح كأنّه يحوم على الشيء(1).
أي: ممارّ
هو ما بين السماء والأرض.
أي: المتسع
أى باسطة جناحيها في أمكنتها الّتي تخرق الهواء الواسع فتدخلها قال تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ»(2).
قيل في تفسيره: أى باسطات أجنحتهنّ في الجوّ عند طيرانها، فانّهنّ إذا بسطنها صففن قوادمها ـ ويقبضن ـ أى ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتا بعد وقت للاستظهار به على التّحرّك، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتّفرقة بين الأصيل في الطيران والطّارى عليه ـ ما يمسكهنّ ـ في الجوّ على خلاف طبعهنّ ـ إلاّ الرّحمن ـ
الشّامل رحمته كلّشيء بأن خلقهنّ على اشكال وخصايص هيئاتهنّ للحركة فى الهواء ـ إنّه بكلّ شيء بصير ـ يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبّر العجائب(1).
وصف للمضاف.
قال الصادق عليهالسلام: يا مفضل، تأمّل جسم الطائر وخلقته، فانّه حين قدر أن يكون طائرا في الجو خفّف جسمه وأدمج(2)خلقه، واقتصر به من القوائم الأربع على اثنتين، ومن الأصابع على أربع، ومن منفذين للزبل والبول على واحد يجمعهما، ثم خلق ذا جؤؤ(3)محدّد ليسهل عليه أن يخرق الهواء كيف ما أخذ فيه كما جعلت السفينة بهذه الهيئة لتشقّ الماء وتنفذ فيه، وجعل في جناحيه وذنبه ريشات طوال متان لينهض بها للطيران وكسى كلّه الريش ليتداخله الهواء فيقلّه(4)ولما قدّر أن يكون طعمه الحبّ واللحم يبلعه بلعا بلا مضغ، خلق له منقار صلب حاس يتناول به طعمه، فلا ينسحج(5)من لقط الحب، ولا يتقصف(6)من نهش اللحم، ولما عدم الأسنان وصار يزدرد الحب صحيحا، واللحم غريضا(7)أعين بفضل حرارة في الجوف تطحن له الطعم طحنا يستغني به عن المضغ واعتبر ذلك بأنّ عجم العنب(8)وغيره يخرج من أجواف الإنس صحيحا ويطحن في أجواف الطير
لا يرى له أثر. ثم جعل مما يبيض بيضا ولا يلد ولادة لئلا يثقل عن الطيران، فإنّه لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتّى تستحكم لأثقلته وعاقته عن النهوض والطيران، فجعل كلّ شيء من خلقه مشاكلا للأمر الذي قدّر أن يكون عليه(1).
جمع الحق بضم الحاء، والحق رأس العضد الذي فيه الوابلة، والحق أصل الورك الذي فيه عظم رأس الفخذ(2).
لئلا تصيبها آفة.
أي: تاميّة، يقال امرأة عبلة أي: تامّة الخلق.
أي: يعلو.
أي: سرعة. وفي حديث خطبة مرض النبيّ صلىاللهعليهوآله: قد دنا منّي خفوف من بين أظهركم(3)أي: سرعة ارتحال.
أي: يحرّك جناحيه في الطيران في قبال ما يصفّ صفّا ولا يحرّك، وما دفّ يحل لحمه وما صف يحرم.
أي: نظّمها من نسقت الدّرّ، أي: نظمته.
أي: الألوان.
قال الديصاني لهشام بن الحكم: ألك ربّ قال: بلى، قال: أ قادر قال: بلى، قال: أ يقدر أن يدخل الدنيا كلّها في البيضة لا يكبّر البيضة ولا يصغّر الدنيا فجاء هشام إلى الصادق عليهالسلام وقال له: قال لي الديصاني كذا وكذا.
فقال عليهالسلام له: كم حواسك قال: خمس. قال: أيّها أصغر قال: الناظر. قال: كم قدر الناظر قال: مثل العدسة أو أقل، قال: فانظر أمامك وفوقك واخبرني بما ترى. فقال: أرى سماء وأرضا ودورا وقصورا وجبالا وأنهارا. فقال عليهالسلام: إنّ الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدس أو أقلّ منها قادر على أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا يصغّر الدنيا ولا يكبّر البيضة(1).
1) .الكافي: 1/79، ح4؛ بحار الأنوار: 4/140، ح7.
من غمسه في الماء.
ككثير من الطيور التي على لون واحد.
وَمِنْهَا مَغْمُوسٌ فِي لَوْنِ صِبْغٍ قَدْ طُوِّقَ بِخِلافِ مَا صُبِغَ بِهِ قال ابن أبي الحديد: وروى «طورق»(1)قالوا كالقبج(2)والفاختة والبلبل ونحوها.
هذا، وقال الحموى ـ في قابس ـ: أخبر أبو الفضل الكلبي كاتب مونس حاجب إفريقية أنّهم كانوا في ضيافة ابن وانمو الصنهاجي فأتاه جماعة من أهل البادية بطائر على قدر الحمامة غريب اللون والصورة ذكروا أنّهم لم يروه قبل ذلك اليوم في أرضهم كان فيه من كلّ لون أجمله وهو أحمر المنقار طويله، فسأل ابن وانمو العرب الذين أحضروه هل يعرفونه ورأوه، فلم يعرفه أحد ولا سمّاه، فأمر ابن وانمو بقصّ جناحيه وإرساله في القصر، فلما جنّ الليل أشعل في القصر مشعل من نار، فما هو إلاّ أن رآه ذلك الطائر فقصده وأراد الصعود إليه فدفعه الخدّام، فجعل يلحّ في التقدّم إلى المشعل، فأعلم ابن وانمو بذلك، فقام وقام من حضر عنده فأمر بترك الطائر، فطار حتى صار في أعلى المشعل وهو يتأجج نارا و استوى في وسطه وجعل يتفلّى كما يتفلّى الطائر في الشمس، فأمر ابن وانمو بزيادة الوقود في
المشعل من حرق القطران وغيره، فزاد تأجّج النار والطائر فيه على حاله لا يكترث، ثم وثب من المشعل بعد حين فلم ير به ريب(1).
انّ أبا شاكر الديصاني(2)دخل على أبي عبداللّه عليهالسلام فقال له: إنّك أحد النجوم الزواهر وكان آباؤ بدورا بواهر وأمّهاتك عقيلات عباهر وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء فبك تثنى الخناصر(3)
أي أنت تعد أولا ومقدما عليهم ثمّ يعد سائر العلماء في المرتبة المتأخرة عنك.
، فخبّرني أيها البحر الخضم الزاخر ما الدليل على حدوث العالم؟(4)فقال عليهالسلام: نستدل عليه بأقرب الأشياء فدعا ببيضة فوضعها على راحته فقال: هذا حصن ملموم داخله غرقىء رقيق لطيف(5)فيه فضة سائلة وذهبة مائعة، ثم تنفلق عن مثل الطاوس أدخلها شيء(6)فقال: لا، قال: فهذا الدليل على حدوث العالم، قال: أخبرت فأوجزت وقلت فأحسنت، وقد علمت أنّا لا نقبل إلاّ ما أدركناه بأبصارنا أو سمعناه بآذاننا أو شممناه بمناخرنا أو
1) .معجم البلدان: 4/290.
2) . منسوب الى رجل مسمّى بديصان، ويقال له ابن ديصان أيضا، اختلق مذهبا ودعا الناس إليه، ذكر صفته وتفصيل مذهبه في الفهرست لابن النديم والملل والنحل والبحار في باب التوحيد ونفي الشريك، قال ابن النديم في الفهرست: الديصانية إنّما سمّي صاحبهم بديصان باسم نهر ولد عليه، وهو قبل ماني، والمذهبان قريبان بعضهما من بعض... إلخ.
3) .
4) . أي كونه مصنوعاً للصانع.
5) . الغرقىء كالزبرج وهمزته للالحاق هو القشر اللطيف في البيض تحت القشر الظاهر.
6) . أي لا شبهة أن صيرورتها طاوسا أو غيره إنّما هي بصنعة صانع، ولم يدخل فيها شيء ممّا ندركه ويصلح للصانعية لها، فالصانع لها طاوساً موجود متعال عن ادراكنا.
ذقناه بأفواهنا أو لمسناه بأكفّنا أو تصوّر في القلوب بيانا أو استنبطه الروايات إيقانا، فقال عليهالسلام: ذكرت الحواس الخمس وهي لا تنفع شيئا بغير دليل كما لا يقطع الظلمة بغير مصباح(1).(2).
وفي خبر آخر: دخل الديصاني على الصادق عليهالسلام وقال له: دلّني على معبودي فقال عليهالسلام له: اجلس، وإذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال عليهالسلامللغلام:
ناولني البيضة، فناوله إيّاها فقال: يا ديصاني، هذا حصن مكنون له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضّة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة فهي على حالها لم يخرج منها مصلح فيخبر عن صلاحها ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدرى للذّكر خلقت أم للانثى تنفلق(3)عن مثل ألوان الطواويس، أ ترى لها مدبرا(4)
استفهام تقرير أو إنكار، أي لا ترى لها مدبراً من أمثالنا فلابدّ لها من مدبر غير مرئى ولا جسم ولا جسماني لا يحتاج علمه بالاشياء إلى الدخول فيها والدنو منها مطلقا. آت
فأطرق مليّا(5)ثم قال: أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وان محمّدا عبده ورسوله، وانّك إمام وحجّة من اللّه على خلقه(6).1) . أي لا تفيد الحواس يقينا وتصديقا بشيء من دون دلالة العقل وحكمه لان شأنها إيجاب التصور للجزئيات كما أن الطريق المظلم لا يقطع بدون المصباح، فإذا كان الامر كذلك فالمتبع حكم العقل سواء كان هناك احساس أم لا.
2) . التوحيد للصدوق: 292، ح1؛ بحار الأنوار: 3/39، ح13.
3) . أي تنشق. والطواويس جمع طاوس.
4) .
5) . أي: سكت ناظرا إلى الأرض زمانا طويلا. آت
6) .الكافي: 1/80، ح4؛ بحار الأنوار: 4/141، ح7.
من نضدت المتاع ونضدّته: ضم بعضه إلى بعض متسقا أو مركوما(1).
قال المفضّل للصادق عليهالسلام: إن قوما من المعطّلة يزعمون أن اختلاف الألوان
والأشكال في الطير إنّما يكون من قبل امتزاج الأخلاط، واختلاف مقاديرها بالمزج(2)والإهمال، فقال عليهالسلام: هذا الوشي(3)الذي تراه في الطواويس والدراج والتدارج(4)
قال الدميري: التدرج كحبرج: طائر كالدرّاج يغرد في البساتين بأصوات طيبة، يسمن عند صفاء الهواء وهبوب الشمال، ويهزل عند كدورته وهبوب الجنوب، يتخذ داره في التراب اللين، ويضع البيض فيها لئلاّ يتعرض لآلفات. وقال ابن زهر: هو طائر مليح يكون بأرض خراسان وغيرها من بلاد فارس.
على استواء ومقابلة كنحو ما يخطّ بالأقلام كيف يأتي به الامتزاج المهمل على شكل واحد لا يختلف ولو كان بالإهمال لعدم الاستواء لكان مختلفا تأمّل يا مفضل، ريش الطير كيف هو، فانّك تراه منسوجا كنسج الثوب من سلوك(5)دقاق قد ألف بعضه إلى بعض كتأليف الخيط الى الخيط و الشعرة الى الشعرة، ثم ترى ذلك النسج إذا مددته ينفتح قليلا ولا ينشق لتداخله الريح فيقلّ الطائر إذا طار، وترى في وسط الريشة عمودا غليظا متينا، قد نسج عليه الذي هو مثل الشعر ليمسكه بصلابته وهو القصبة التي في وسط الريشة وهو مع ذلك أجوف،ليخفّ على الطائر ولا يعوقه عن الطيران(1).
قال الشّاعر:
سبحان من من خلقه الطاوس *** طير على أشكاله رئيس
كأنّه في نقشه عروس *** في الرّيش منه ركّبت فلوس
تشرق في داراته شموس *** في الرّأس منه شجر مغروس
كأنّه بنفسج يميس *** أو هو رهو (زهر) حرم يبيس(2)
الأصل في القصب كلّ نبات ذي أنابيب(5).
من سحب ذيله إذا جرّه.
أي: مشى.
وقبله ذنبه مطوي.
أي: علا به.
بالكسر: الشّراع(2).هذا، وسأل ابن مقلة الوزير جحظة البرمكي عن لقبه «جحظة» قال: لقيني ابن المعتز يوما فقال: ما حيوان إن تنكسه أتانا آلة للمراكب البحرية فقلت «علق» إذا نكس صار «قلع». قال: أحسنت يا جحظة، أي ناتئ العين(3).
وكان هكذا كالجاحظ.
«دارين» موضع بالبحر يؤى منه بالطيب، ومنه كلام علي عليهالسلام«كأنّه قلع دارى» أي: شراع منسوب إلى هذا الموضع البحري(4). وقال البحرانى: والقلع الداريّ:
الشراع المنسوب إلى دارين، وهي جزيرة من سواحل القطيف من بلاد البحرين يقال: إنّ الطيب كان يجلب إليها من الهند، وهي الآن خراب لا عمارة بها ولا سكنى، وفيها آثار قديمة(1).
أي: عطفه.
أي: ملاحة. قال الدميري: وفي طبعه الإعجاب بريشه وعقده لذنبه كالطاق، لا سيّما إذا كانت الانثى ناظرة إليه(2).
أي: يتكبّر.
أي: يتبختر.
زافت الحمامة تزوف زوفا: إذا نشرت جناحيها وذنبها وسحبته على الأرض، و كذلك زوف الإنسان إذا مشى مسترخي الأعضاء، زاف يزوف زوفا وزاف يزيف زيفا وزيفانا(3).
من أفضى الرجل الى امرأته: أي: باشرها.
إلى دجاجها.
بالضم من أرّ المرأة أي: نكحها.
يقال ألقح الفحل الناقة إذا أحبلها.
من اغتلم البعير إذا هاجت شهوته.
قال ابن أبي الحديد: عاين عليهالسلام ذلك لمّا كان بالكوفة(1).
ففي كثير منها الوهم.
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/270.
أي: يحبل.
أي: تصبّها.
أي: أطراف عينه التي يخرج منها الدمع.
تلك الدمعة.
أي: جانبي.
أي: أغطية العين من أعلاها وأسفلها.
من انبجس الماء انفتح.
قال ابن أبي الحديد: زعم قوم أنّ الذكر يدمع عينه فتقف الدمعة بين أجفانه،
فتأتي الانثى فتطعمها فتلقح من تلك الدمعة، وهو عليهالسلام لم يحل ذلك، ولكنه قال ليس بأعجب من مطاعمة الغراب. والعرب تزعم أنّ الغراب لا يسفد، ومن أمثالهم «أخفى من سفاد الغراب» فيزعمون أنّ اللقاح من مطاعمة الذكر والانثى وانتقال جزء من الماء الذي في قانصته اليها من منقاره. وأما الحكماء فقلّ ان يصدقوا بذلك، على أنّهم قد قالوا في كتبهم ما يقرب من هذا. قال ابن سينا: والقبجة تحبلها ريح تهب من ناحية الحجل الذكر ومن سماع صوته، والنوع المسمّى (مالاقيا) يتلاصق بأفواهها ثم يتشابك فذاك سفادها.
وسمعت أنا أنّ الغراب يسفد وأنّه قد شوهد سفاده(1).
قال التسترى: قوله «إنّه عليهالسلام لم يحلّ ذلك» إن أراد أنّه عليهالسلاماحتمل وقوع اللقاح في الطاوس بالدّمعة كما يشهد له قوله «قلّ أن يصدق الحكماء بذلك» فغلط، كيف وقد قال عليهالسلام أولا «يفضي كافضاء الديكة ويؤّ بملاقحه أرّ الفحول المغتلمة في الضّراب، أحيلك من ذلك على معاينة» وان أراد أنّه عليهالسلامجوّز مجرّد الإمكان العقلي فالحكماء أيضا لم ينكروا الإمكان(2).
وقال الدميري: في الغراب كلّه الاستتار عند السفاد، وهو يسفد مواجهة ولا يعود الى الانثى بعد ذلك لقلّة وفائه، والانثى تبيض أربع بيضات وخمسا، وإذا خرجت الفراخ من البيض طردتها لأنها تخرج قبيحة المنظر جدّا، إذ تكون صغار الأجرام كبيرة الرءوس والمناقير جرداء اللون متفاوتة الأعضاء، فالأبوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه، فيجعل اللّه قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشّه إلى
أن يقوى وينبت ريشه، فيعود إليه أبواه وعلى الانثى أن تحضن، وعلى الذكر أن يأتيها المطعم(1).
أي: تظنّ.
أي: قصب الطاوس والمراد به عمود ريشه.
شمع المدرى: القرن، قال النابغة يصف الثور والكلاب:
شكّ الفريصة بالمدرى فأنفذها *** شك المبيطر أخذ يشفى من العضد(2)
جمع دارة، وهي التي حول القمر، أي: الهالة(3).
والمراد إشراقات ريشاته حتى كأنّ كلّ لون منها شمس.
أي: الذهب الذي ينبت ولا يستذاب من الحجارة، قال الشاعر:
كلّ قوم صيغة من آنك *** وبنو العباس عقيان الذهب(1)
كتاب العين: 1/178 مادة عقى؛ أساس البلاغة: 431 مادة (عقى).
.جمع الفلذة، أي: القطعة.
من الزهر والأنوار.
على فعيل
بلفظ المجهول من جنيت الثمرة.
أي: نور.
أي: شاكلته وشبهته.
من وشيت الثوب: رقمته ونقشته.
1) .
أي: معجب.
العصب برد من برود اليمن معروفة كانت الملوك تلبسها.
قال الشاعر:
أ تجعل أجلافا عليها عباؤا*** ككندة تردى في المطارف والعصب(1)
وقال السهيلي: العصب صبغ لا ينبت إلاّ باليمن(2).
أي: ماثلته.
أي: حليّ النساء.
فصّ الخاتم ما يركّب فيه من غيره(3).
العقيق والفيروزج والياقوت والزبرجد وغيرها.
أي: جعلت لتلك الفصوص منطقة.
أي: الفضة.
أي: جعل له إكليلا، أي تاجا مرصّعا بالجواهر.
وقد أخذ كلامه عليهالسلام في تشبيهاته للطاوس يحيى بن المنجمّ النديم، فقال ـ كما في (المعجم):
سبحان من من خلقه الطاوس *** طير على أشكاله رئيس
كأنّه في نفسه عروس *** إذ انّه يحلو به التعريس
ديباجة تنشر او سدوس *** في ريشه قد ركّبت قلوس
تشرف من دارته شموس *** في الرأس منه شجر مغروس
كأنّه بنفسج يميس *** أو زهر في روضه ينوس(1)
ونظير كلامه عليهالسلام في أنواع التشبيهات قول محمد بن القاسم الشاعر المعروف بمان الموسوس:
1) . معجم الأدباء: 20/28.
وكيف صبر النفس عن غادة *** تظلمها إن قلت طاوسة
وجرت إن شبّهتها بأنّه *** في جنّة الفردوس مغروسة
وغير عدل إن عدلنا بها *** لؤؤة في البحر منفوسة(1)
جلّت عن الوصف فما فكرةتلحقها بالنّعت محسوسة(2)
ولابن السّماك تشبيهات في الحمام، فدخل على الرشيد وبين يديه حمامة تلتقط حبّا، فقال له صفها وأوجز فقال:
كأنّما تنظر من ياقوتتين *** وتلتقط بدرّتين
وتطأ على عقيقتين
والآخر أيضا كما فيه:
هتفت هاتفة اذنها ألف بين *** ذات طوق مثل عطف النون أقنى الطرفين
وتراها ناظرة نحوك من ياقوتتين *** ترجع الأنفاس من ثقبين كاللؤؤين
وترى مثل البساتين لها قادمتين *** ولها لحيان كالصدغين من عرعرتين
ولها ساقان حمراوان مثل الوردتين *** نسجت فوق جناحيها لها برنوستين
وهي طاوسية اللون بنان المنكبين *** تحت ظل من ظلال الأيك صافي الكتفين
فقدت الفا فناحت من تباريح وبين *** فهي تبكيه بلا دمع جمود المقلتين(1).
الكثير النشاط. قَالَ تَعَالَى: «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا»(2).
المتكبّر. قَالَ تَعَالَى: «إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُور»(3).
الأصل في تصفح الشيء النظر في صفحاته(4).
من القهقهة.
أي: حسن.
السربال: قميص أو درع(5).
أي: ألوان.
الوشاح ينسج من أديم عريضا ويرصع بالجواهر وتشدّه المرأة بين عاتقيها(1).
أي: صاح وقولهم «هو أثقل من الزواقى» هي الديوك، لأنّهم كانوا يسمرون فاذا صاحت الدّيكة تفرّقوا(2).
كمن رفع صوته بالبكاء.
أي: يوضّح.
أي: تشكيه.
أى دقيقة.
المتولدة بين دجاجتين هندية وفارسية.
هذا، وكان المتوكّل أصغر الساقين، قال ابو حشيشة: رأيته إذا جلس على السرير يكشف عن ساقيه كأنّما صبغا بزعفران(1).وكان معاوية ذا عجيزة، وكان خريم الناعم ذا ساقين حسنين، فدخل خريم على معاوية فنظر إلى ساقيه، فقال: أي ساقين لو أنهما على جارية. فقال له خريم: في مثل عجيزتك. قال معاوية: واحدة باخرى والبادئ أظلم(2).
وقالوا: لما عرضت الخيزران على المهدي قال: واللّه يا جارية، إنّك لعلى غاية المنى غير أنّك حمشة الساقين. فقالت: إنك أحوج ما تكون إليهما، لا تراهما. فقال: اشتروها فحظيت عنده، فأولدها الهادي والرشيد(3).
أي: ظهرت.
أي: عظمها من قدام.
الأصل فيها شوكة الحائك التي يستوي بها السداة، ومنه صيصية الديك ونحوه(4).
ولكون صيصيته خفية لم يحلّ لحمه، وإلاّ فعنهم عليهم السّلام: كلّ طير له حوصلة أو قانصة أو صيصية حلال(1).
أي: شعر الرقبة.
الأصل فيها بعض الشعر يترك غير محلوق، قال زهير:
وأشعث قد طالت قنازع رأسه *** دعوت على طول الكرى ودعاني(2)
وعنه صلىاللهعليهوآله لأُمّ أيمن «غطّي عنّا قنازعك»(3).
في (المصباح): وشيت الثوب فهو موشى، والأصل على مفعول(4).
أي: طرفها الذي يلي الرأس.
فارسي معرّب.
بتقديم المهملة، أي: طرف العنق الذي يلي الجسد.
في شدّة السواد.
في البريق.
أي: متغطّ.
ما تشدّ المرأة على رأسها.
أي: أسود.
أي: يقع في الخيال.
قال الجوهري: النضرة الحسن، وقولهم «أخضر ناضر» إنما هو كقولهم «أصفر فاقع» و«أبيض ناصع»(1).
أي: شق.
أي: خط القلم الدقيق.
أي: البابونج، وهو نبت طيب الريح حواليه ورق أبيض ووسطه أصفر(2).
أي: شديد البياض.
أي: يلمع.
أي: نصيب.
أي: لمعان.
أي: الأنوار.
أي: المنتشرة
بفتح التاء وضمها من ربّ ولده أو ربّاه. ثم كأن في الكلام سقطا، والأصل «إلاّ أنّها لم تربها»
كالأزاهير النباتية.
أي: أضواء شمس.
شدة الحر في الصيف.
أي: يسقط.
أي: يصير عريانا.
أي: واحدا بعد واحد.
أي: ريشه.
أي: متواليا.
أي يتناثر أولا.
عن الأشجار. قدر اللّه تعالى ذلك في الطاوس لكون ريشه زينة وحلية ينتفع ويتمتّع به الناس.
لئلا يبقى ذاشين.
ويقال في جناح الطائر ستّ عشرة ريشة: أربعة قوادم، وأربع خواف، وأربع مناكب، وأربع أباهر(1).
لونه الأنف.
لا يقع مثلا الأخضر في مكان الأحمر والأسود في مكان الأصفر.
من الإراءة والكاف المفعول الأول.
وهي أحسن ألوان الحمرة، قال الجوهري: الورد الذي يشمّ، وبلونه قيل للأسد ورد، وللفرس ورد، وهو ما بين الكميت والأشقر(2).
وهي أحسن ألوان الخضرة. وقال الفيروز آبادي: لقب قيس بن حسّان بالزبرجد لجماله(3).
وقال الفيروز آبادى: العسجد الذهب والجوهر كلّه كالدّرّ والياقوت(1).
أي: الطاوس ذو الخلق العجيب
أي: الفطن العميقة. والفطانه: الحذاقة.
جمع القريحة، والأصل فيها أول ماء يستنبط من البئر(2).
أي: تجعل وصفه في نظام، والنظام الخيط الذي ينظم به اللؤؤ(3).
يعني إذا عجزت الأوهام عن الدرك والألسنة عن الوصف، لأقل أجزائه وهو شعرة من شعرات قصبه، بإراءتك لها تارة حمرة وردية واخرى خضرة زبرجدية وثالثة صفرة عسجدية، كيف تصل قرائح العقول إلى وصف كلّه ودرك تمام أجزائه.
قال الجوهري: معنى «سبحان اللّه»: التنزيه له، ونصبه على المصدر، كأنّه قال «ابرئ اللّه من السوء براءة»(1).
أي: غلب.
أي: مخلوق، والمراد به هنا الطاوس.
أي: كشفه.
أي: أدركت العقول ذاك الخلق.
طولا وعرضا.
بعد أن لم يكن.
1) .الصحاح: 1/372 مادة سبح.
بألوان.
أى شرح.
أى بالألسن.
أى وصفه.
أى لفّف.
فى جسدها، والذّر: أصغر النمل.
قَالَ الصادق عليهالسلام: يَا مُفَضَّل تأمّل وجه الذّرّة الحقيرة الصغيرة، هل تجد فيها
نقصا عمّا فيه صلاحها، فمن أين هذا التقدير والصواب: في خلق الذرة إلاّ من التدبير القائم في صغير الخلق وكبيره(1).
1) .توحيد المفضل: 111؛ بحار الأنوار: 3/101.
أي: ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينها(1).
أي: الذّرّة والهمجة.
يعرف بتنيس من السمك (79) صنفا البوري، البلمو، الرو، البب، البلس، السكس، الاران، الشموس، النسا، الطوبان، البقسمار، الاحناس، الانكليس، المعينة، البني، الابليل، الفري، الدونيس، المرتنوس، الاسملوس، النفط، الخبار، البلطي، الحجف، القلارية،الرخف، العير، التون، اللت، القجاج، القروص، الكليس، الاكلس، الفراخ، القرقاج، الزلنج، اللاج، الاكلت، الماضي،الجلاء، السلاء، البرقش، البلك، المسط، القفا، السور، حوت الحجر، البشين، الشربوت، البساس، الرعاد، المخيرة، اللبس، السطور، الراي، الليف، اللبيس، إلاّ برميس، الاتونس، اللباء، العميان، المناقير، القلميدس، الحلبوة، الرقاص،القريدس، الجبر هو كباره ة الصيح ، المجزع، الدلينس، الاشبال، المساك الأبيض، الزقزوق، ام عبيد، اللسلور، ام الاسنان، الابسارية، اللجاه(2).
ومنه الجري والمار ماهي وهما محرّمان.
قال الصادق عليهالسلام: يا مفضل تأمّل خلق الحوت ومشاكلته للأمر الذي قدّر أن يكون عليه، فانّه خلق غير ذي قوائم، لأنّه لا يحتاج إلى المشي إذا كان مسكنه
الماء، وخلق غير ذي ريّة لا يستطيع أن يتنفس وهو منغمس في اللجة، وجعلت له مكان القوائم أجنحة شداد يضرب بها في جانبيه كما يضرب الملاح بالمجاديف من جانبي السفينة كسي جسمه قشورا متانا متداخلة كتداخل الدروع والجواشن(1)لتقيه من الآفات، وأعين بفضل حسّ في الشم لأن بصره ضعيف والماء يحجبه فصار يشم الطعم من البعد البعيد فينتجعه(2)فيتّبعه، وإلاّ فكيف يعلم به وبموضعه واعلم أنّ من فيه إلى صماخيه(3)منافذ، فهو يعب الماء بفيه ويرسله من صماخيه فيتروح إلى ذلك كما يتروح غيره من الحيوان إلى تنسم هذا النسيم.
فكّر الآن في كثرة نسله وما خصّ به من ذلك، فانّك ترى في جوف السمكة الواحدة من البيض ما لا يحصى كثرة، والعلّة في ذلك أن يتسع لما يغتذي به من أصناف الحيوان، فإن أكثرها يأكل السمك، حتى انّ السباع في حافات الآجام(4)عاكفة على الماء أيضا كي ترصد السمك، فإذا مرّ بها خطفته، فلما كانت السباع تأكل السمك، والطير تأكل السمك، والناس يأكلون السمك، والسمك تأكل السمك، كان من التدبير فيه أن يكون على ما هو عليه من الكثرة، فإذا أردت أن تعرف سعة حكمة الخالق وقصر علم المخلوقين فانظر إلى ما في البحار من ضروب السمك ودواب الماء والأصداف والأصناف التي لا تحصى ولا يعرف منافعها إلاّ الشيء بعد الشيء يدركه الناس بأسباب تحدث، مثل القرمز(5)فإنّه عرف الناس صبغه،
بأن كلبة تجول على شاطئ البحر فوجدت شيئا من الصنف الذي يسمى الحلزون(1)فأكلته فاختضب خطمها(2)بدمه، فنظر الناس إلى حسنه فاتخذوه، وأشباه هذا مما يقف الناس عليه حالا بعد حال وزمانا بعد زمان(3).
من غرابة الخلقة.
قال الصادق عليهالسلام: يا مفضل تأمل مشفر(4)الفيل وما فيه من لطيف التدبير، فانه يقوم مقام اليد في تناول العلف والماء وازدرادهما إلى جوفه، ولو لا ذلك لما استطاع أن يتناول شيئا من الأرض لأنّه ليست له رقبة يمدها كسائر الأنعام، فلما عدم العنق أعين مكان ذلك بالخرطوم الطويل ليسد له فيتناول به حاجته، فمن ذا الذي عوّضه مكان العضو الذي عدم، ما يقوم مقامه إلاّ الرءوف بخلقه، وكيف يكون هذا بالإهمال كما قالت المعطّلة.
فإن قال قائل: فما باله لم يخلق ذا عنق كسائر الأنعام قيل له: إنّ رأس الفيل واذنيه أمر عظيم وثقل ثقيل، فلو كان ذلك على عنق عظيم لهدّها وأوهنها، فجعل رأسه ملصقا بجسمه لكيلا يناله ما وصفناه، وخلق له مكان العنق هذا المشفر ليتناول به غذاءه، فصار مع عدم العنق مستوفيا ما فيه بلوغ حاجته.
1) . الحلزون: دويبة تكون في صدف وهي المعروفة بالبزاق.
2) . الخطم مقدم أنف الدابّة وفمها.
3) .توحيد المفضل: 123 ـ 125؛ بحار الأنوار: 3 / 109.
4) . المشفر ـ بكسر فسكون ففتح ـ الشفة وتستعمل للبعير إلاّ ان الإمام الصّادق عدل المعنى الى خرطوم الفيل إذ هو بمثابة الشفاه، بل هو شفاهه الحقيقية التي بها يتناول العلف والماء.
انظر الآن كيف جعل حياء الانثى من الفيلة على خلاف ما عليه في غيرها من الأنعام في أسفل بطنها، فإذا هاجت للضّراب ارتفع وبرز حتى يتمكن الفحل من ضرابه، فاعتبر كيف جعلت فيه هذه الخلة ليتهيأ للأمر الذي فيه قوام النسل ودوامه(1).
أى وعد.
أى يتحرك.
أى شخص.
أى ادخل.
بالكسر أى الموت.
1) .توحيد المفضل: 103؛ بحار الأنوار: 3 / 96.
أي: عاقبة أمره.
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عليهمالسلام أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ فِي خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآله: من مشى على وجه الأرض فانّه يصير إلى بطنها، والليل والنهار مسرعان في هدم الأعمار، ولكلّ ذي رمق قوت، ولكلّ حبّة آكل، وأنت قوت الموت، وان من عرف الأيام لن يغفل عن الاستعداد، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لإقلاله(1)،(2).
هذا. قال الدّميري: الطاوس طاير معروف وتصغيره طويس بعد حذف الزّوايد، وكنيته أبو الحسن وأبو الوشى، وهو في الطير كالفرس في الدّواب عزّا وحسنا وفي طبعه العفّة وحبّ الزّهو بنفسه والخيلاء والاعجاب بريشه، وعقده لذنبه كالطّاق لا سيّما إذا كانت الأنثى ناظرة إليه، والأنثى تبيض بعد أن يمضي لها من العمر ثلاث سنين، وفي ذلك الأوان يكمل ريش الذّكر ويتمّ لونه، وتبيض الانثى مرّة واحدة في السنة اثنتى عشرة بيضة وأقلّ وأكثر، لا تبيض متتابعا، ويسفد في أيّام الرّبيع، ويلقى ريشه في الخريف كما يلقى الشّجر ورقه، فاذا بدأ طلوع الأوراق في الشّجر طلع ريشه، وهو كثير العبث بالأنثى إذا حضنت، وربّما كسر البيض ولهذه العلّة يحضن بيضه تحت الدّجاج ولا تقوى الدّجاجة على حضن أكثر من بيضتين منه، وينبغي أن تتعاهد الدّجاجة بجميع ما تحتاج إليه من الأكل والشّرب مخافة أن تقوم عنه فيفسده الهواء، والفرخ الذي يخرج من حضن الدّجاجة يكون قليل
الحسن وناقص الجثّة، ومدّة حضنه ثلاثون يوما، وفرخه يخرج من البيضة كالفروخ كاسيا كاسيا، وأعجب الأمور أنّه مع حسنه يتشأمّ به، وكان هذا واللّه أعلم إنّه لما كان سببا لدخول إبليس الجنّة وخروج آدم عليهالسلام منها وسببا لخلوّ تلك الدّار من آدم مدّة دوام الدّنيا كرهت إقامته في الدّور لذلك(1).
وعن الرضا عليهالسلام: الطاوس مسخ، كان رجلا جميلا فكابر امرأة رجل مؤن تحبّه فوقع بها ثم راسلته بعد، فمسخهما اللّه تعالى طاوسين أنثى وذكرا، ولا يؤل لحمه ولا بيضه(2).وعن محمّد بن إبراهيم الحرث التّميمي، عن الحسين عليهالسلام أنّه قال: إذا صاح الطاوس يقول: مولاى ظلمت نفسى واغتررت بزينتي فاغفر لي(3).
وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليهالسلام: انّ الفيل كان ملكا زنّاء فمسخ(4).
وعن الكاظم عليهالسلام: لا يحلّ الفيل وقد حرّم اللّه الأمساخ ولحم ما مثّل به في صورها(5).وروى عن يعقوب الجعفري ذكر عند أبي الحسن عليهالسلام حسن الطاوس فقال: لا يزيدك على حسن الدّيك الأبيض شيء، والدّيك أحسن صوتا من الطاوس وهو أعظم بركة، ينبّهك في مواقيت الصلاة وإنّما يدعو الطاوس بالويل لخطيئته التي ابتلي بها(6).
ودخل طاوس اليماني على جعفر بن محمد عليهالسلام فقال له: أنت طاوس قال: نعم، قال: طاوس طير مشؤم ما نزل بساحة قوم إلاّ آذنهم بالرحيل(1).
هذا، وقال الفيروز آبادى: طويس مخنّث كان يسمّى طاوسا فلما تخنث تسمى بطويس، وهو أول من غنّى في الإسلام، وفي المثل «أشأم من طويس»، وكان يقول إنّ امي تمشي بالنمائم بين نساء الأنصار ثم ولدتني في الليلة التي مات فيها النبيّ صلىاللهعليهوآله ـ إلى أن قال ـ وولد لي في يوم قتل عليّ(2). وزاد الميدانى، انّ طويسا كان يقول:
أنا أبو عبد النعيم *** أنا طاوس الجحيم
وأنا أشأم من دبب *** على ظهر الحطيم
أنا حاء ثم لام *** ثم قاف حشوميم(3)
عنى بقوله حشو ميم الياء، لأنك إذا قلت: ميم وقعت بين الميمين ياء، يريد أنه حلقي. وأراد بالحطيم الأرض، فكأنه قال: أنا أشأم الناس(4).
وكان يقال لعلي بن طاوس، آل طاوس لمقاماته الجليلة ومكارمه النبيلة.
وقال الطبري ـ في فتوح قتيبة في سنة (91) ـ ثم مضى إلى بخارى فنزل قرية فيها بيت نار وبيت آلهة، وكان فيها طواويس فسمّوه منزل الطواويس(5).
ولأبي إسحاق الصابي فيما كتب إلى أبي الفرج عبد الواحد بن نصر الملقّب ببغاء في صفة الببغاء أبيات حسنة:
أنعتها صبيحة مليحة *** ناطقة باللغة الفصيحة
غدت من الأطيار باللسان *** يوهمني بأنّها إنسان
تنهي إلى صاحبها الأخبارا *** وتكشف الأسرار والأستارا
سكاء إلاّ أنّها سميعة *** تعيد ما تسمعه طبيعة
وربّما لقّبت العضيهة *** فتغتدي بذيئة سفيهة
زارتك من بلادها البعيدة *** واستوطنت عندك كالقعيدة
ضيف قراه الجوز والارز *** والضيف في أبياتنا يعزّ
تراه في منقارها الخلوقي *** كلؤؤيلقط بالعقيق
تنظر من عينين كالفصين *** في النور والظلمة بصاصين
تميس في حلّتها الخضراء *** مثل الفتاة الغادة العذراء
خريدة خدورها الأقفاص *** ليس لها من حبسها خلاص
تحبسها ومالها من ذنب *** وإنّما تحبسها للحبّ
تلك التي قلبي بها مشغوف *** كنيت عنها واسمها معروف
نشرك فيها شاعر الزمان *** والكاتب المعروف بالبيان
وذاك عبد الواحد بن نصر *** تقيه نفسي عاديات الدهر(1).
قال الخوئي ـ الباء زائدة ـ(2)ولكن إنّ (رمى) وان كان متعدّيا بنفسه فتقول (رميت الصّيد) إلاّ أنّه بالنسبة إلى الأوّل، وأمّا الثاني فلا، تقول (رميت الصّيد
بالسّهم) والبصر هنا المفعول الثّاني، والأوّل (نحو ما يوصف).
وقال الفيومى: رميته بالقول: قذفته(1).
النَّحو كالنّاحية، بمعنى الجانب.
عرفت نفسي عن الشيء تعزف وتعزف عزوفا أي: زهدت فيه وانصرفت عنه(2).
استسقى أمير المؤنين عليهالسلام يوم الجمل فأتي بعسل وماء فحسا منه حسوة وقال: هذا الطائفي وهو غريب البلد، فقال له عبداللّه بن جعفر: ما شغلك ما نحن فيه عن علم هذا، قال: إنّه واللّه يا بُنيَّ، ما حلا بصدر عمّك شيء قط من أمر الدنيا(3).
الزّخرف: الذّهب، ثمّ يشبه به كلّ مموّه ومزوّر(4).
بسكون التاء عطفا على «لعزفت» أي: لذهلت نفسك، وقال الفيومى: ذهلت عن
الشيء أذهل بفتحتين ذهولا: غفلت(1).
نقله ابن أبي الحديد في (اصطفاف أشجار) ـ بالفاء ـ وقال: ويروي (في اصطفاق أغصان...)(2).
وصففت القوم فاصطفّوا إذا أقمتهم في الحرب صفّا(3).قال: والرّيح تصفق الأشجار فتصطفق، أي: تضطرب(4).
العروق: عروق الشّجر، الواحد عرق، وفي الحديث: من أحيا أرضا ميتة فهي له و ليس لعرق ظالم حقّ(5).
انكثب الرّمل أي: اجتمع، وكلّ ما انصب في شيء فقد انكثب فيه، ومنه سمّي الكثيب من الرّمل لأنّه انصب في مكان فاجتمع فيه، والجمع الكثبان وهي تلال الرّمل(6).
قال: والمسك من الطيّب، فارسيّ معرّب، وكانت العرب تسمّيه المشموم وقول الشّاعر:
ومن أردانها المسك تنفح
فإنّما أنّثه لأنّه ذهب به إلى ريح المسك(1).
السحّيل: الرّخو، وساحل البحر مقلوب في اللّفظ، لأنّ الماء سحله فهو مسحول، وقالوا ساحل. كما قالوا: عيشة راضية في معنى مرضيّة(2).
الكباسة: عنقود النخل، والجمع الكبائس(3).
انّ المصنّف فسّرها بالغصون.
قال تعالى: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً...»(5).
يجوز أن يراد باختلاف الثمار اختلافها باعتبار اختلاف الأشجار بأن يحمل كلّ نوع من الشّجر نوعا من الثمر كما في أشجار الدّنيا فيكون ذكر الاختلاف اشارة إلى عدم انحصار ثمر الجنّة بنوع أو نوعين، وأن يراد به اختلافها مع وحدة الشّجرة، فذكر الاختلاف للدّلالة على عظيم قدرة المبدأ سبحانه.
ويدلّ على الاحتمال الأوّل تفسير الامام عليهالسلام في قوله تعالى: «وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ» قال عليهالسلام: هي شجرة تميّزت بين ساير أشجار الجنّة إنّ ساير أشجار الجنّة كان كلّ نوع منها يحمل نوعا من الثمار والمأكول وكانت هذه الشّجرة وجنسها تحمل البرّ والعنب والتين والعنّاب وساير أنواع الفواكه والثمار والأطعمة، فلذلك اختلف الحاكون بذكر الشجرة فقال بعضهم: هي برّة وقال آخرون: هي عنبة، وقال آخرون: هي عنّابة(1).
وعلى الثاني ما عن عبد السّلام بن صالح الهروي قال: قلت للرّضا عليهالسلام يا ابن رسول اللّه أخبرني عن الشّجرة الّتى نهي منها آدم وحوّاء ما كانت؟ فقد اختلف النّاس فيها، فمنهم من يروي أنّها الحنطة، ومنهم من يروى أنّها العنب، ومنهم من يروى أنّها شجرة الحسد، فقال عليهالسلام: كلّ ذلك حقّ، قلت: فما معنى هذه الوجوه على اختلافها؟ فقال عليهالسلام: يا أبا الصلت إنّ شجرة الجنّة تحمل أنواعا، وكانت شجرة الحنطة، وفيها عنب ليست كشجرة الدّنيا(2).
غلاف السّكّين ونحوه، جمعه غلف مثل كتاب وكتب(1).
والكمّ (بالكسر) والكمامة: وعاء الطّلع، وغطاء النّور والجمع كمام وأكمّة و أكمام وأكاميم(2).
جنيت الثَّمرة اجنيها جنيّا وجنى واجتنيتها بمعنى...(3).
قال تعالى: «وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ»(4).ـ إلى أن قال ـ : «وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ»(5).
قال الطبرسى: الجنى الثمر المجتنى أي تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي اللّه إن شاء قائما وإن شاء قاعدا عن ابن عباس وقيل ثمار الجنتين دانية إلى أفواه أربابها فيتناولونها متكئين فإذا اضطجعوا نزلت بإزاء أفواههم فيتناولونها مضطجعين لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك عن مجاهد(6).
تمنّيت كذا، قيل: إنّه مأخوذ من المنا وهو القدر لأنّ صاحبه يقدّر حصوله، والاسم المنية والامنيّة، وجمع الأولى منى مثل غرفة وغرف، وجمع الثاني الأماني...(7).
قال تعالى: «وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ»(1).
وقال تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(2).
وحسبما تشتهيه نفسه لا يترك له منية أصلا كما قال سبحانه: «وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً»(3).قال عليّ بن إبراهيم القمّي: قال: دليت عليهم ثمارها ينالها القائم والقاعد(4).
وعن النبيّ وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً من قربها منهم يتناول المؤن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه وهو متّكىء(5).
الفناء مثل الكتاب: الوصيد، وهو سعة أمام البيت، وما امتدّ من جوانبه والجمع أفنية(6).
قال تعالى: «وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً»(7).
وقال تعالى: «يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ * لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ»(1)، أى يطوف عليهم ولدان مخلّدون بكأس من خمر معين ظاهر للعيون جارية في أنهار ظاهرة، وقيل شديدة الجرى، ووصفها بكونها بيضاء لأنها في نهاية الرقّة والصفاء واللّطافة النورية الّتي بها لذيذة للشاربين ليس فيها ما يعترى خمر الدّنيا من المرارة والكراهة، لا فيها غول أى لا يغتال عقولهم فيذهب بها، ولا يصيبهم منها وجع في البطن ولا في الرّأس ويقال للوجع غول لأنّه يؤّى إلى الهلاك، ولا هم عنها ينزفون من نزف الرّجل فهو منزوف ونزيف إذا ذهب عقله بالسكر.
نائب الفاعل لقوله «يطاف على نزّالها» كما انّ قوله تعالى: «بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ» في الآية نايب الفاعل لقوله تعالى: «يُطافُ عَلَيْهِمْ».
وتصفيق الشّراب: أن تحوّله من اناء إلى اناء...(2).قال تعالى: «وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى...»(3).
راق الشّراب يروق روقاً أى صفا. وروّقته أنا ترويقا...(4).
قال تعالى: «وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً»(5).
وقال تعالى: «وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ...»(1).
وقال تعالى: «لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُون»(2).
أي: نزّالها قوم لم تزل كرامة اللّه عزّ وجلّ بهم قال تعالى: «إِلاّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ * أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ»(3).
وقال تعالى: «إِلاّ عِبادَ اللّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ»(4).
تمادى فلان في غيّه إذا لجّ ودام على فعله(5).
قال تعالى: «وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ
عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤلُؤً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ * وَقالُوا الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ»(1).
وقال تعالى: «وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الآْياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ»(2).
وعن الباقر عليهالسلام في قوله تعالى: «وَاللّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ»(3).السّلام هو اللّه عزّ وجلّ وداره التي خلقها لأوليائه الجنّة(4).
وعن ابن عبّاس، دار السّلام: الجنّة، وأهلها لهم السّلامة من جميع الآفات والعاهات والأمراض والأسقام ولهم السّلامة من الهرم والموت وتغيّر الأحوال عليهم فهم المكرمون الّذين لا يهانون أبدا، وهم الأعزّاء الذين لا يذلّون أبدا وهم الأغنياء الذين لا يفتقرون أبدا وهم السعداء الّذين لا يشقون أبدا وهم الفرحون المسرورون الّذين لا يغتمّون ولا يهتمّون أبدا وهم الأحياء الّذين لا يموتون أبدا فهم في قصور الدّرّ والمرجان أبوابها مشرّفة إلى عرش الرّحمن «وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ»(5).(6).
آنقني الشيء: أعجبني(1).
(زهقت نفسه تزهق زهوقا) أي: خرجت، وحكى بعضهم زهقت نفسه بالكسر(2).
عن بلال قال: قال النبيّ صلىاللهعليهوآله: إنّ سور الجنّة لبنة من ذهب، ولبنة من فضّة، ولبنة من ياقوت، وملاطها المسك الأذفر وشرفها الياقوت الأحمر، والأخضر، والأصفر، قال: قيل له: إذا دخلوا الجنّة ما يصنعون قال: يسيرون على نهرين في مصاف في سفن الياقوت مجاذيفها اللّؤؤفيها ملائكة من نور عليهم ثياب خضر شديدة خضرتها، قال: فأمّا جنّة عدنٍ فسورها ياقوت أحمر، وحصباؤا الّلؤؤ
قال: ثمّ بكى بلال وشهق ثلاث شهقات، فظننّا أنّه قد مات(3).
تحمّلوا واحتملوا بمعنى، أي: ارتحلوا(4).
في خبر وفاة موسى عليهالسلام بعد ذكر كراهة موسى عليهالسلام لقبض روحه: وغاب موسى عليهالسلام عن قومه فمرَّ في غيبته برجل وهو يحفر قبراً فقال له موسى عليهالسلامألا
أعينك قال الرّجل: بلى، فأعانه حتّى حفر القبر وسوّى اللّحد ثمّ اضطجع موسى عليهالسلام فيه لينظر كيف هو، فكشف له الغطاء فرأى مكانه من الجنّة، فقال: يا ربّ اقبضني إليك فقبض ملك الموت روحه مكانه، ودفنه في القبر وسوّى عليه التُّراب، وكان الّذي يحفر القبر ملكا في صورة آدميّ، وكان ذلك في التّيه...(1).
وورد أيضا أنّ المؤن يكره على قبض روحه ولكن يكشف له عن درجته فيختار الموت(2).
قال تعالى: «وَما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ»(3).
ومحصّل المراد أنك لو تفكّرت في درجات الجنان وما أعدّ اللّه سبحانه فيها لأوليائه المقرّبين، وعباده الصالحين من جميع ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين لمتّ من فرط الشوق والشعف ولازعجت بكلّيتك عن الدّنيا، وساكنت المقابر وجاورت أهل القبور انتظارا للموت الممدّ اليها.
امّا السّعي فقد قال تعالى: «وَمَنْ أَرادَ الآْخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً»(4).
وأمّا منازل الأبرار فقد قال تعالى: «كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ * كِتابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ * وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ»(1).
وقال تعالى: «إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً * وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقاهُمُ اللّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً * وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤلُؤً مَنْثُوراً * وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً * إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً»(2).
روى أبو سعيد الخدري عن النبىّ صلىاللهعليهوآله: أن اللّه سبحانه لما حوط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة وغرس غرسها قال لها تكلمي فقالت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمِنُونَ
فقال طوبى لك منزل الملوك(1).
وروى جابر بن عبداللّه عنه صلىاللهعليهوآله إذا دخل أهل الجنة الجنة قال لهم ربهم تعالى أ تحبون أن أزيدكم فيقولون وهل خير مما أعطيتنا فيقول نعم رضواني أكبر(2).
وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللّهِ شَوِّقْنِي فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ مِنْ أَدْنَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ يُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ مِنْ مَسَافَةِ الدُّنْيَا ـ وَإِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلاً ـ لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الثَّقَلَيْنِ الْجِنُّ وَالاْءِنْسُ ـ لَوَسِعَهُمْ طَعَاماً وَشَرَاباً ـ وَلا يَنْقُصُ مِمَّا عِنْدَهُ شَيْءٌ ـ وَإِنَّ أَيْسَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَيُرْفَعُ لَهُ ثَلاثُ حَدَائِقَ ـ فَإِذَا دَخَلَ أَدْنَاهُنَّ رَأَى فِيهَا مِنَ الْأَزْوَاجِ ـ وَالْخَدَمِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَثْمَارِ مَا شَاءَ اللّهُ ـ مِمَّا يَمْلَأُ عَيْنَهُ قُرَّةً وَقَلْبَهُ مَسَرَّةً ـ فَإِذَا شَكَرَ اللّهَ وَحَمِدَهُ قِيلَ لَهُ ـ ارْفَعْ رَأْسَكَ إِلَى الْحَدِيقَةِ الثَّانِيَةِ ـ فَفِيهَا مَا لَيْسَ فِي الْأُخْرَى ـ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَعْطِنِي هَذِهِ فَيَقُولُ اللّهُ تَعَالَى إِنْ أَعْطَيْتُكَ إِيَّاهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا ـ فَيَقُولُ رَبِّ هَذِهِ هَذِهِ فَإِذَا هُوَ دَخَلَهَا شَكَرَ اللّهَ وَحَمِدَهُ ـ قَالَ فَيُقَالُ افْتَحُوا لَهُ بَابَ الْجَنَّةِ وَيُقَالُ لَهُ ارْفَعْ رَأْسَكَ ـ فَإِذَا قَدْ فُتِحَ لَهُ بَابٌ مِنَ الْخُلْدِ ـ وَيَرَى أَضْعَافَ مَا كَانَ فِيمَا قَبْلُ ـ فَيَقُولُ عِنْدَ تَضَاعُفِ مَسَرَّاتِهِ رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي لا يُحْصَى إِذْ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِالْجِنَانِ وَنَجَّيْتَنِي مِنَ النِّيرَانِ قَالَ أَبُو بَصِيرٍ فَبَكَيْتُ ـ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ زِدْنِي ـ قَالَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّ فِي الْجَنَّةِ نَهَراً ـ فِي حَافَتِهِ جَوَارٍ نَابِتَاتٌ ـ إِذَا مَرَّ الْمُؤمِنُ بِجَارِيَةٍ أَعْجَبَتْهُ قَلَعَهَا ـ وَأَنْبَتَ اللّهُ مَكَانَهَا أُخْرَى ـ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ زِدْنِي ـ قَالَ الْمُؤمِنُ يُزَوَّجُ ثَمَانَمِائَةِ عَذْرَاءَ ـ وَأَرْبَعَةَ آلافِ ثَيِّبٍ وَزَوْجَتَيْنِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ـ قُلْتُ
جُعِلْتُ فِدَاكَ ثَمَانُمِائَةِ عَذْرَاءَ قَالَ: نَعَمْ ـ مَا يَفْرِشُ [يَفْتَرِشُ يَفْتَرِسُ] فِيهِنَّ شَيْئاً ـ إِلاّ وَجَدَهَا كَذَلِكَ ـ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خُلِقْنَ الْحُورُ الْعِينُ قَالَ: مِنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ النُّورَانِيَّةِ ـ وَيُرَى مُخُّ سَاقَيْهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً ـ كَبِدُهَا مِرْآتُهُ وَكَبِدُهُ مِرْآتُهَا، قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ لَهُنَّ كَلامٌ يُكَلِّمْنَ بِهِ أَهْلَ الْجَنَّةِ قَالَ نَعَمْ كَلامٌ يَتَكَلَّمْنَ بِهِ لَمْ يَسْمَعِ الْخَلائِقُ بِمِثْلِهِ، قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ يَقُلْنَ نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلا نَمُوتُ ـ وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلا نَبْأَسُ ـ وَنَحْنُ الْمُقِيمَاتُ فَلا نَظْعَنُ ـ وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلا نَسْخَطُ طُوبَى لِمَنْ خُلِقَ لَنَا ـ وَطُوبَى لِمَنْ خُلِقْنَا لَهُ ـ نَحْنُ اللَّوَاتِي لَوْ أَنَ قَرْنَ إِحْدَانَا عُلِّقَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ ـ لَأَغْشَى نُورُهُ الْأَبْصَار(1).
وعن أبي جعفر عليهالسلام: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله سئل عن قوله عزّ وجلّ: «يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً»(2)، فقال: إنّ الوفد لا يكونون إلاّ ركبانا أولئك رجال اتّقوا اللّه فأحبّهم اللّه واختصَّهم ورضى أعمالهم، والّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة انّهم ليخرجون من قبورهم وإنّ الملائكة لتستقبلهم بنوق من نوق العزّ، عليها رحائل الذّهب، مكلّلة بالدّرّ والياقوت(3)
مكللة» أي محفوفة، مزينة. وقوله: «جلائلها» كذا في جميع النسخ التي بأيدينا وفي تفسير على بن إبراهيم «جلالها» وهو ـ بالكسر ـ : جمع جل ـ بالضم ـ وهو للدابّة كالثوب للإنسان تصان به جمعه جلال وأجلال.
وجلائلها الإستبرق والسّندس وخطمها جدل الارجوان تطير بهم إلى الحشر(4)مع كلّ رجل منهم ألف ملك من قدّامه وعنيمينه وعن شماله يزفّونهم زفّا حتّى(1)ينتهوا بهم إلى باب الجنّة الأعظم وعلى باب الجنّة شجرة انّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من النّاس وعن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكيّة قال: فيسقون منها شربة فيطهّر اللّه بها قلوبهم من الحسد ويسقط عن أبشارهم(2)الشّعر وذلك قوله تعالى «... وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً»(3)من تلك العين المطهّرة ثمّ يصرفون إلى عين اخرى عن يسار الشّجرة فيغتسلون فيها وهي عين الحياة فلا يموتون أبدا ثمّ يوقف بهم قدّام العرش(4)وقد سلموا من الآفات والعاهات والحرّ والبرد فيقول الجبّار جلّ ذكره للملائكة الّذين معهم: احشروا أوليائي إلى الجنّة فإذا انتهوا إلى باب الجنّة الأعظم ضرب الملائكة الحلقة ضربة تصرّ صريرا(5)فبلغ صوت صريرها كلّ حوراء أعدّها اللّه تعالى لأوليائه في الجنان فيتباشرون بهم فيقول بعضهن لبعض: قد جاءنا أولياء اللّه فيفتح لهم الباب فيدخلون الجنّة ويشرف عليهم أزواجهم من الحور العين والآدميّين فيقلن مرحبا بكم فما كان أشدّ شوقنا إليكم ويقول لهنّ أولياء اللّه مثل ذلك، فقيل أخبرنا يا رسول اللّه عن قوله تعالى: «غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ...»(6)بماذا بنيت؟ فقال: تلك غرف بنى اللّه تعالى لأوليائه بالدّر والياقوت والزّبرجد سقوفها الذّهب محبوكة بالفضّة(7)لكلّ غرفة منها ألف باب من ذهب على كلّ باب منها ملك موكّل
1) . أي يذهبون بهم على غاية الكرامة كما يزف العروس زوجها، أو يسرعون بهم. آت
2) . جمع بشرة.
3) . الدهر: 21.
4) . ظاهره أنهم يردون اولا باب الجنة ثمّ إلى الموقف ثمّ يرجعون إلى الجنة. آت
5) . صر يصرّ صرّا وصريرا: صوت وصاح شديدا.
6) . الزمر: 20.
7) . الحبك: الشد والاحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب. والتحبيك: التوثيق والتخطيط.
به فيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير والدّيباج بألوان مختلفة وحشوها المسك والعنبر والكافور وذلك قوله تعالى: «وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ»(1)، إذا دخل المؤن إلى منازله في الجنّة ووضع على رأسه تاج الملك والكرامة ألبس حلل الذّهب والفضّة والياقوت والدّر منظومة في الإكليل(2)تحت التّاج وألبس سبعين حلّة حرير بألوان مختلفة وضروب مختلطة منسوجة بالذّهب والفضّة واللّؤؤوالياقوت الأحمر فذلك قوله تعالى: «يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤلُؤً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ»(3)، فاذا جلس المؤن على سريره اهتزّ سريره فرحاً فاذا استقرّ وليّ اللّه في الجنان استأذن عليه الملك الموكّل بجنانه ليهنّيه بكرامة اللّه عزّ وجلّ إيّاه فيقول له خدّام المؤن من الوصفاء و الوصائف(4)مكانك فانّ وليّ اللّه قد اتّكأ على اريكته(5)وزوجته الحوراء تهيّأ له فاصبر لوليّ اللّه، قال فيخرج عليه زوجته الحوراء من خمية له تمشي مقبلة و حولها وصائفها وعليها سبعون حلّة منسوجة بالياقوت واللّؤؤوالزّبرجد من مسك وعنبر وعلى رأسها تاج الكرامة وعليها نعلان من ذهب مكلّلتان بالياقوت و اللؤؤشراكهما ياقوت أحمر فاذا دنت من وليّ اللّه فهمّ أن يقوم إليها شوقا فتقول له يا وليّ اللّه ليس هذا يوم تعب ولا نصب فلا تقم أنا لك وأنت لي قال فيعتنقان مقدار خمسمائة عام من أعوام الدّنيا لا يملُّها ولا تملُّه قال: فاذ أفتر بعض الفتور من غير ملالة نظر إلى عنقها فاذا
عليها قلائد من قصب من ياقوت أحمر وسطها لوح صفحة درّة مكتوب فيها أنت يا وليّ اللّه حبيبي، وأنا الحوراء حبيبك، إليك تناهت نفسي وإليّ تناهت نفسك، ثمّ يبعث اللّه تعالى اليه ألف ملك يهنّئونه بالجنّة و يزوّجونه بالحوراء فينتهون إلى أوّل
باب من جنانه فيقولون للملك الموكّل بأبواب جنانه استأذن لنا على ولّي اللّه فانّ اللّه بعثنا إليه نهنّيه فيقول لهم الملك حتّى أقول للحاجب فيعلمه بمكانكم فيدخل الملك إلى الحاجب وبينه وبين الحاجب ثلاث جنان حتّى ينتهي إلى أوّل باب فيقول للحاجب انّ على باب العرصة(1)ألف ملك أرسلهم ربّ العالمين ليهنّئوا وليّ اللّه وقد سألوني ان اذن لهم عليه فيقول الحاجب انّه ليعظم عليّ أن استأذن لأحد على وليّ اللّه وهو مع زوجته الحوراء قال وبين الحاجب وبين وليّ اللّه جنّتان فيدخل الحاجب إلى القيّم فيقول له انّ على باب العرصة ألف ملك أرسلهم ربّ العزّة فاعلموه بمكانهم فيعلمونه فيؤن للملائكة فيدخلون على وليّ اللّه وهو في الغرفة ولها ألف باب وعلى كلّ باب من أبوابها ملك موكّل به فاذا اذن فتح كلّ ملك بابه الموكّل به فيدخل القيّم كلّ ملك من باب من أبواب الغرفة فيبلغون رسالة الجبّار عزّ وجلّ وذلك قوله تعالى: «وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ باب»(2)من أبواب الغرفة «سلامُ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ»(3)وذلك قوله تعالى:
«وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً»(4)يعني بذلك وليّ اللّه وما هو فيه من الكرامة والنّعيم والملك العظيم الكبير، انّ الملائكة من رسله تعالى يستأذنون عليه
فلا يدخلون عليه إلاّ باذنه، قال والأنهار تجري من تحت مساكنهم وذلك قوله تعالى: «تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ...»(1)والثّمار دانية منهم وهو قوله تعالى: «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً»(2)من قربها منهم يتناول المؤن من النّوع الّذي تشتهيه من الثمار بفيه وهو متّكىء وانّ الأنواع من الفاكهة ليقلن لوليّ اللّه يا وليّ اللّه كلني قبل أن تأكل هذا قبلي، قال وليس من مؤن في الجنّة إلاّ وله جنان كثيرة معروشات وانهار من خمر وأنهار من ماء وأنهار من لبن وأنهار من عسل فاذا دعا وليّ اللّه بغداءه أتى بما تشتهي نفسه عند طلبه من غير أن يسمّى شهوته قال ثمّ يتخلّى مع اخوانه ويزور بعضهم بعضاً ويتنّعمون في جنّاتهم في ظلّ ممدود في مثل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس وأطيب من ذلك لكلّ مؤن سبعون زوجة حوراء و أربع نسوة من الآدميّين والمؤن ساعة مع الحوراء وساعة مع الآدميّة وساعة يخلو بنفسه على الارائك متّكئا ينظر بعض المؤنين إلى بعض، وإنّ المؤن يغشاه شعاع نور وهو على اريكته ويقول لخدّامه ما هذا الشّعاع اللاّمع لعلّ الجبّار لحظني(3)فتقول له خدّامه قدّوس قدّوس بل هذه حوراء من نساءك ممّن لم تدخل بها بعد قد أشرفت عليك من خيمتها شوقاً إليك وقد تعرّضت لك وأحبّت لقاءك فلما ان رآك متّكئاً على سريرك تبسّمت نحوك شوقاً فالشّعاع الذي رأيت والنّور الذي غشيك هو من بياض ثغرها(4)وصفاءه ونقاءه فيقول وليّ اللّه:
ايذنوا لها، فتنزل إليه فيبتدر إليه ألف وصيف وألف وصيفة يبشّرونها بذلك فتنزّل إليه من خيمتها وعليها سبعون حلّة منسوجة بالذّهب والفضّة مكلّلة بالدّرّ والياقوت والزّبرجد صبغهن بالمسك والعنبر بألوان مختلفة يرى مخّ ساقها من وراء سبعين حلّة طولها سبعين ذراعاً وعرض ما بين منكبيها عشرة أذرع فإذا دنت من ولي اللّه أقبل الخدّام بصحائف الذهب والفضة فيها الدرّ والياقوت والزبرجد فينثرونها عليها ثمّ يعانقها وتعانقه فلا يملّ ولا تملّ، ثمّ قال عليهالسلام: أمّا الجنان المذكورة في الكتاب فانّهنَّ جنّة عدن، وجنّة الفردوس، وجنّة المأوى، قال: وإنّ للّه عزّ وجلّ جنانا محفوفة بهذه الجنان وإنّ المؤن ليكون له من الجنان ما أحبّ واشتهى يتنعّم فيهنّ كيف يشاء وإذا أراد المؤن شيئا إنّما دعواه إذا أراد أن يقول سبحانك اللّهم فاذا قالها تبادرت إليه الخدم بما اشتهى من غير أن يكون طلب منهم أو أمر به وذلك قوله عزّ وجلّ: «دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ...»(1)(يعني الخدّام) قَالَ: «وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للّهِِ رَبِّ الْعالَمِين»(2)يعني بذلك عند ما يقضون من لذّاتهم من الجماع والطّعام والشراب يحمدون اللّه عزّ وجلّ عند فراغهم وامّا قوله: «أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ»(3)يعلمه الخدّام فيأتون به أولياء اللّه قبل ان يسألوهم إيّاه وامّا قوله عزّ وجلّ: «فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ»(4)فانّهم لا يشتهون شيئا في الجنّة إلاّ اكرموا به(5).
ولنورد بعض الأخبار المتضمّنة لوصف الجنة والتشويق إليها والمشتملة على
مناقب أمير المؤنين عليهالسلام وبعض فضايل شيعته لعدم خلوّه عن مناسبة المقام:
قال ابن أبي الحديد: روى الزمخشري ومذهبه في الاعتزال ونصرة أصحابنا معلوم وكذلك في انحرافه عن الشيعة وتسخيفه لمقالاتهم إنّ رسول اللّه قال: لما اسري بي أخذني جبرئيل فأقعدني على درنوك من درانيك الجنة ثمّ ناولني سفرجلة فبينما أنا أقلبها انقلقت فخرجت منها جارية لم أر أحسن منها فسلّمت فقلت من أنت؟ قال أنا الرّاضية المرضيّة خلقني الجبّار من ثلاثة أصناف أعلاي من عنبر وأوسطي من كافور وأسفلي من مسك ثمّ عجنني بماء الحيوان وقال لي كوني فكنت خلقنى لأخيك وابن عمّك عليّ بن أبي طالب(1).
وعن موفّق بن أحمد الخوارزمي بسنده عن بكر بن أحمد عن محمّد بن عليّ عن فاطمة بنت الحسين عليهالسلام عن أبيها وعمّها الحسن بن عليّ عليهما السّلام قالا أخبرنا أمير المؤنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام قال قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لما أدخلت الجنّة رأيت فيها شجرة تحمل الحليّ والحلل أسفلها خيل بلق، وأوسطها حور العين، وفي أعلاها الرّضوان قلت يا جبرئيل لمن هذه الشجرة قال هذه لابن عمّك أمير المؤنين عليّ بن أبي طالب إذا أمر اللّه الخليقة بالدّخول إلى الجنة يؤى بشيعة عليّ عليهالسلام حتّى ينتهى بهم إلى هذه الشجرة، فيلبسون الحليّ والحلل، ويركبون الخيل البلق وينادى مناد: هؤاء شيعة عليّ صبروا في الدّنيا على الأذى فحبوا هذا اليوم(2).
وعن الحسين بن سعيد معنعنا عن ابن عبّاس قال قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ في
الجنّة لشجرة يقال لها طوبى ما في الجنّة دار إلاّ فيها غصن من أغصانها أحلى من الشّهد وألين من الزّبد أصلها في داري وفرعها في دار عليّ بن أبي طالب(1).
وعن إسماعيل بن إسحاق بن إبراهيم الفارسي معنعنا عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عن آبائه عليهمالسلام قال قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لما اسرى بي إلى السّماء فصرت في
سماء الدّنيا حتّى صرت في السماء السّادسة فاذا أنا بشجرة لم أر شجرة أحسن منها فقلت لجبرئيل يا حبيبي ما هذه الشجرة؟ قال هذه طوبى يا حبيبي، قال: قلت: ما هذا الصوت العالى الجهوري؟ قال: هذا صوت طوبى قلت: أىّ شيء يقول؟ قال: يقول وا شوقاه إليك يا عليّ بن أبي طالب(2).
وعن الحسين بن القاسم والحسين بن محمّد بن مصعب وعليّ بن حمدون وزاد بعضهم الحرف والحرفين ونقص بعضهم الحرف والحرفين والمعنى واحد إنشاء اللّه قالوا حدّثنا عيسى بن مهران معنعنا عن أمير المؤنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام قال لمّا نزلت على رسول اللّه صلىاللهعليهوآله طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ قام مقداد بن الأسود الكندي إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله فقال يا رسول اللّه وما طوبى؟ قال يا مقداد شجرة في الجنّة لو يسير الرّاكب الجواد لسار في ظلّها مأئة عام قبل أن يقطعها، ورقها وقشورها برد خضر وزهرها رياش صفر، وأفنانها سندس واستبرق وثمرها حلل خضر، وطعمها زنجبيل وعسل وبطحائها ياقوت أحمر وزمرّد أخضر وترابها مسك وعنبر وحشيشها منيع والنجوج(3)يتأجّج من غير وقود، ويتفجّر من أصلها السلسبيل
والرّحيق والمعين و ظلّها مجلس من مجالس شيعة أمير المؤنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام يألفونه ويتحدّثون بجمعهم وبيناهم في ظلّها يتحدّثون إذ جائتهم الملائكة يقودون نجباء جبلت من الياقوت ثمّ نفخ الروح فيها مزمومة بسلاسل من ذهب كأنّ وجوهها المصابيح نضارة وحسنا وبزّها حزّ أحمر ومزعزى(1)أبيض مختلطتان لم ينظر الناظرون إلى مثله حسنا وبهاء وذلّل من غير مهلة نجباء من غير رياضة عليها رحال ألواحها من الدّر والياقوت المفضّضة باللّؤؤوالمرجان صفايحها من الذهب الأحمر ملبّسة بالعبقريّ والارجوان فأناخوا تلك النجائب إليهم.
ثمّ قالوا لهم: ربّكم يقرئكم السلام ويريكم وينظر إليكم ويحبّكم وتحبّونه ويزيدكم من فضله ورحمته فانّه ذو رحمة واسعة وفضل عظيم فيتحوّل كلّ رجل منهم على راحلته فينطلقون صفا واحدا معتدلا ولا يمرّون بشجرة من أشجار الجنّة إلاّ أتحفتهم بثمارها ورحلت لهم عن طريقهم كراهية أن يثلم بطريقتهم وأن يفرّق بين الرّجل ورفيقه.
فلما دفعوا (رفعوا) إلى الجبّار جلّ جلاله قالوا ربّنا أنت السلام ولك يحقّ الجلال والاكرام فيقول اللّه تعالى مرحبا بعبادى الّذين حفظوا وصيّتي في أهل بيت نبيّي ورعوا حقّي وخافوني بالغيب وكانوا منّي على كلّ حال مشفقين قالوا وعزّتك وجلالك ما قدرناك حق قدرك، وما أدّينا لك كلّ حقك فأذن لنا بالسجود قال لهم ربهم إنى وضعت عنكم مؤة العبادة وأرحت عليكم أبدانكم وطال ما
1) . المزعزعى ويمدّ اذا خفف وقد تفتح الميم فى الكلّ الزغب الذى تحت شعر العنز بحار الأنوار: 8/154.
نصبتم لي الأبدان، وعنتّم الوجوه فالان أفضيتم إلى روحي ورحمتي فاسئلوني ما شئتم، وتمنّوا عليّ اعطكم أمانيكم فاني لن اجزيكم اليوم بأعمالكم ولكن برحمتي وكرامتي وطولي وارتفاع مكاني وعظيم شأني ولحبكم بأهل بيت نبيّي.
فلا يزال يرفع أقدار محبّي عليّ بن أبي طالب في العطايا والمواهب حتى انّ المقصر من شيعته ليتمنّى في امنيته مثل جميع الدّنيا منذ خلقها اللّه إلى يوم فنائها
فيقول لهم ربّهم لقد قصرتم في أمانيكم ورضيتم بدون ما يحقّ لكم فانظروا إلى مواهب ربّكم.
فاذا بقباب وقصور في أعلا علّيّين من الياقوت الأحمر والأخضر والأصفر والأبيض يزهو نورها فلولا أنها مسخّرة إذا للمعت(1)الأبصار منها فما من تلك القصور من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر وما كان منها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر وما كان منها من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض وما كان فيها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالرياش الأصفر(2)مبثوثة مطرّزة بالزمرّد الأخضر، والفضّة البيضاء والذّهب الأحمر، قواعدها وأركانها من الجوهر يثور من أبوابها وأعراصها نور، شعاع الشمس عندها مثل الكوكب الدّري في النهار المضيء.
وإذا على باب كل قصر من تلك القصور جنّتان مُدْهامَّتانِ، فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ، وفِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ.
فلمّا أرادوا أن ينصرفوا إلى منازلهم ركبوا على برازين من نور بأيدي ولدان
مخلّدين، بيد كلّ واحد منهم حكمة(1)برزون من تلك البرازين، لجمها وأعنّتها من الفضّة البيضاء، وأثفارها من الجوهر.
فلمّا دخلوا منازلهم وجدوا الملائكة يهنّؤهم بكرامة ربّهم، حتّى إذا استقرّوا قرارهم، قيل لهم هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّا قالوا نعم ربّنا رضينا فارض عنّا قال برضاى عنكم وبحبّكم أهل بيت نبيّي أحللتم داري، وصافحتم الملائكة فهنيئا هنيئا غير محذور وليس فيه تنغيص فعندها قالوا الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور.
قال أبو موسى فحدّثت به أصحاب الحديث عن هؤاء الثمانية فقلت لهم أنا أبرأ اليكم من عهدة هذا الحديث لأنّ فيه قوما مجهولين ولعلّهم لم يكونوا صادقين فرأيت ليلتي أو بعده كأنّه أتاني آت ومعه كتاب فيه من مخول بن إبراهيم والحسن بن الحسين، ويحيى بن الحسن بن فرات وعليّ بن القاسم الكندي، ولم ألق عليّ بن القاسم، وعدّة بعد لم أحفظ أساميهم كتبنا إليك من تحت شجرة طوبى وقد انجز لنا ربّنا ما وعدنا فاستمسك بما عند الكتب، فانك لن تقرء منها كتابا إلاّ أشرقت له الجنّة(2).
قول المصنّف: الكباسة: العذق، الكباسة بكسر الكاف، والعذق الّذي بمعنى الكباسة الّذي من التّمر كالعنقود من العنب ايضا بالكسر(3).وامّا العذق (بالفتح) فالنّخلة بحملها(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ ـ وَلْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ ـ وَلا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ ـ لا فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ وَلا عَنِ اللّهِ يَعْقِلُونَ ـ كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ ـ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً وَيُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّا.
ومِنْهَا
افْتَرَقُوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ ـ فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ ـ عَلَى أَنَّ اللّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ ـ كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ ـ يُؤلِّفُ اللّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ـ ثُمَّ يَفْتَحُ اللّهُ لَهُمْ أَبْوَاباً ـ يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ ـ حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ ـ وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ ـ وَلَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ وَلا حِدَابُ أَرْضٍ ـ يُذَعْذِعُهُمُ اللّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ ـ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ـ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ ـ وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ ـ وَايْمُ اللّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَالتَّمْكِينِ ـ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّار.
أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ ـ وَلَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ ـ لَم يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ ـ وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ـ وَلَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ
لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً ـ بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ـ وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنَى وَوَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ ـ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ ـ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ وَكُفِيتُمْ مَئُونَةَ الاِعْتِسَافِ ـ وَنَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاق.
عن النبي صلىاللهعليهوآله: من عرف فضل شيخ كبير فوقّره لسنّه آمنه اللّه من فزع يوم القيامة، ومن تعظيم اللّه عز وجل إجلال ذي الشيبة المؤن(1).
وقال الكيدري: أي ليتأسّ من صغر منزلته في العلم والعمل بمن له متانة فيهما(2).
جاء (رأف) بالضم والفتح والكسر قال الجوهري «قال أبو زيد» «رؤت بالرجل ورأفت به أراف ورئفت به كلّ ذلك من كلام العرب»(3)وفي أدب الشرع معاملة الكبير مع الصغير معاملته مع ولده كما ان الصغير عليه أن يعامل الكبير معاملة والده وان من كان في سنّه يجعله كأخيه.
وقال الكيدرى: وليرحم كلّ من له جاه ومنزلة في الدنيا بالمال والقوّة كلّ من دونه(4).
قال ابو الفرج: قتلت بنو سهم ـ وهم بطن من هذيل ـ عمرو بن عاصية السلمي فاستسقاهم ماء فمنعوه ثم قتلوه فقالت اخته
هلا سقيتم بني سهم أسيركم *** نفسي فدائك من ذي غلة صادي
فغزا أخوه هذيلا يطلبهم بدم أخيه فقتل منهم نفرا وسبى امرأة فجرّدها ثم ساقها معه عارية إلى بلاد بني سليم فقالت اخته:
الامت(1)
والإسار: مصدر أسره يأسره أسرا وإسارا. وأصل الإسار: القيد، ويكون حبل الكتاف؛ ومنه سمي الأسير إذ كانوا يشدونه بالقد، فسمي كل أخيذ أسيرا وإن لم يشد به.
سليم في السياق وأفحشت *** وتفرط في سوق العنيف اسارهالعلّ فتاة منهم ان يسوقها***فوارس منّا وهي باد شوارها(2)،(3)
وقد صاروا أجفى منهم فقتلوا أهل بيت نبيّهم في الشهر الحرام مع تحريم أهل الجاهلية القتال فيه
قال تعالى: «فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»(4).
أشار عليهالسلامإلى وجه الشّبه الجامع بين الفرقتين وهو جهلهم بمعالم الدّين، وغفلتهم
عن أحكام ربّ العالمين قال تعالى: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون»(1).
قال تعالى: «وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ»(2).وقال تعالى: «وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ»(3).وقال تعالى: «أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ»(4).
وقال تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللّهُ قُلِ الْحَمْدُ للّهِِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ»(5)و(يتفقهون) و(يعقلون) ان كانا بالخطاب كما في (ابن أبي الحديد) فالمراد المخاطبون المشبهون بجفاة الجاهلية وان كانا بالغيبة فالمراد بهما المشبه بهم.
قال ابن الأثير: «في حديث علي عليهالسلام«لا تكونوا كقيض بيض في أداح يكون كسرها وزرا ويخرج حضانها شرّا» القيض قشر البيض، ومنه حديث ابن عباس «إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم فاذا كان ذلك قيضت هذه السماء
الدنيا عن أهلها»: أي شقت من (قاض الفرخ البيضة فانقاضت) ـ إلخ ـ(1).
قال الشارح البحراني: نهاهم عليهالسلام أن يشبهوا جفاة الجاهليّة في عدم تفقّههم في الدين، فيشبهون إذا بيض الأفاعى في أعشاشها ووجه الشّبه أنه إن كسر كاسر أثم لتأذّى الحيوان به فكذلك هؤاء إذا شبّهوا جفاة الجاهليّة لا يحلّ أذيهم لحرمة ظاهر الاسلام، وإن اهملوا وتركوا على الجهل خرجوا شياطين(2).
وببيان أوضح إنّ بيض الأفاعى كما أنّ في كسرها سلامة من شرّ ما يخرج منها لو أبقيت على حالها إلاّ أنّ فيه وزرا على كاسرها وفي عدم كسرها لا يكون على أحد وزر إلاّ أنّ ما يخرج منها تكون منشأ الشّرور والأذى فكذلك هؤاء إن اقيمت فيهم مراسم السّياسة المدنيّة بالتّأديب والتعزير والتّعذيب لاستقامت الامور وانتظمت وظايف الخلافة لكن في اقامتها وزرا على المقيم لأنّ فيه مخالفة لأمر اللّه سبحانه أو نهيه كما قال عليهالسلام: وانّي لعالم بما يصلحكم ويقيم أودكم و لكنّي لا أرى إصلاحكم بافساد نفسي(3)، وإن تركوا على حالهم كانوا منشأ الشرور والمفاسد فيضلّون كثيرا ويضلّوا عن سواء السّبيل.
مِنْهَا افْتَرَقُوا...
رواه الكليني، والمفيد جزء خطبة «إنّ اللّه تعالى لم يقصم جبّاري دهر».
قال الكلينى: «و وا أسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذلّ بعدي بعضها بعضا، وكيف يقتل بعضها بعضا، المتشتتة غدا عن الأصل، النازلة بالفرع، المؤّلة الفتح من غير جهته. كلّ حزب منهم آخذ بغصن أينما مال
الغصن مال معه، مع أنّ اللّه ـ وله الحمد ـ سيجمع هؤاء لشرّ يوم لبني اميّة كما يجمع قزع الخريف(1)يؤف اللّه بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب(2)ثمّ يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم(3)كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فارة فلم يثبت عليه أكمة، ولم يردّ سننه رضّ طود، يذعذعهم اللّه في بطون أودية، ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض، يأخذ بهم من قوم حقوق قوم، ويمكّن بهم قوما في ديار قوم، تشريدا لبني اميّة(4)، ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا. يضعضع اللّه بهم ركنا،
1) . القزع ـ بالقاف والزاى ثمّ العين المهملة ـ : قطع السحاب المتفرقة وإنّما خصّ الخريف لأنّه أوّل الشتاء والسحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم ولا مطبق ثمّ يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك كذا في النهاية.
2) . الركام: المتراكب بعضه فوق بعض ونسبة هذا التأليف إليه تعالى مع أنّه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيها لعدم منعهم عن ذلك وتمكينهم من أسبابه وتركهم واختيارهم بتأليفهم وحثهم عليه ومثل هذا كثير في الآيات والأخبار. آت
3) . أي محل انبعاثهم وتهييجهم وكانه أشار عليهالسلام بذلك إلى فتن أبى مسلم المروزى واستئصالهم لبني أميّة وإنّما شبههم بسيل العرم لتخريبهم البلاد وأهلها الذين كانوا في خفض و دعة وأريد بالجنتين جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدتهم وجماعة عن شمالها، روى أنّها كانت أخصب البلاد وأطيبها، لم تكن فيها عاهة ولا هامة. وفسر العرم تارة بالصعب و أُخرى بالمطر الشديد وأُخرى بالجرذ واخرى بالوادى وأُخرى بالأحباس التي تبنى في الأودية. ومنه قيل: إنّه اصطرخ أهل سبأ، قيل: إنّما اضيف السيل إلى الجرذ لأنّه نقب عليهم سدا ضربته لهم بلقيس فحقنت به الماء وتركت فيه ثقبا على مقدار ما يحتاجون إليه أو المسناة التي عقدت سدا على أنّه جمع عرمة وهي الحجارة لمركومة وكان ذلك بين عيسى ومحمّد صلىاللهعليهوآله. فى
4) . الأكمة: التل. والرض: الدق الجريش. والطود: الجبل. وفي بعض النسخ [رص طود ]بالصاد المهملة فيكون بمعنى الالزاق والضم والشد ولعله الصواب والمجرور في «سننه» يرجع إلى السيل أو إلى اللّه تعالى. والذعذعة ـ بالذالين المعجمتين والعينين المهملتين ـ : التفريق. والتشريد: التنفير. فى وفي بعض النسخ [يدغدغهم].
وينقض بهم طيّ الجنادل من إرم، ويملأ منهم بطنان الزيتون(1)فو الّذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليكوننّ ذلك، وكأنّي أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم(2)، وأيم اللّه ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو والتمكين في البلاد، كما تذوب الألية على النار. من مات منهم مات ضالاّ، وإلى اللّه عزّ وجلّ يقضي منهم من درج، ويتوب اللّه عزّ وجلّ على من تاب، ولعلّ اللّه يجمع شيعتي بعد التشتت لشرّ يوم لهؤاء، وليس لأحد على اللّه عزّ وجلّ الخيرة، بل للّه الخيرة والأمر جميعا»(3).
وقال المفيد: «و يا أسفا أسفا(4)يكلم القلب، ويدمن الكرب من فعلات شيعتنا بعد مهلكي، على قرب مودّتها وتأشب الفتها كيف يقتل بعضها بعضا، وتحور الفتها بغضا. فللّه الاسرة المتزحزحة غدا عن الأصل، المخيّمة بالفرع، المؤّلة الفتح من غير جهته، المتوكّفة الروح من غير مطلعه، كلّ حزب منهم معتصم بغصن، آخذ به،
1) . التضعضع: الهدم. والجنادل جمع جندل وهو الصخر العظيم أي ينقض اللّه ويكسر بهم البنيان التي طويت وبنيت بالجنادل والاحجار من بلاد إرم وهي دمشق والشام إذ كان مستقر ملكهم في أكثر الأزمان تلك البلاد لا سيّما زمانه صلىاللهعليهوآله قاله المجلسىّ رحمهالله والمراد بالزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام أو بلد بالصين كما في القاموس.
2) . الصهيل ـ كامير ـ : صوت الفرس. والطمطمة في الكلام أن يكون فيه عجمة. فى
3) .الكافي: 8/64، ح22؛ بحار الأنوار: 31/555، ح52.
4) . يا أسفا ولعلّه بملاحظة ان الالف هنا منقلبة عن ياء المتكلم وهي إحدى اللغات في نداء المضاف إلى ياء المتكلم.
أينما مال الغصن مال معه، مع أنّ اللّه ـ وله الحمد ـ سيجمعهم كقزع(1)الخريف، ويؤّف بينهم، ويجعلهم ركاما كركام السحاب، يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم إليها كسيل العرم، حيث لم تسلم عليه قارة(2)، ولم تمنع منه أكمة، ولم يردّ ركن طود سننه(3)، يغرسهم اللّه في بطون أودية، ويسلكهم ينابيع في الأرض، ينفى بهم عن حرمات قوم، ويمكّن لهم في ديار قوم، لكي يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع اللّه بهم ركنا، وينقض بهم طي الجندل من إرم، ويملأ منهم بطنان الزيتون، والّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ليذوبنّ ما في أيديهم من بعد التمكّن في البلاد، والعلوّ على العباد، كما يذوب القار والآنك في النار، ولعلّ اللّه يجمع شيعتي بعد الشتيت، لشرّ يوم لهؤاء، وليس لأحد على اللّه الخيرة، بل للّه الخيرة والأمر جميعا»(4).
قد ظهر ممّا نقلنا من (الكافى والإرشاد): أنّ مراده عليهالسلامافتراق شيعته بعده، وأنّ الثابتين منهم على الحق من التمسك بعترته المعصومين الّذين هم بمنزلته في الاتّصال بالمبدأ، وكونه حبل اللّه بينه وبين الخلق، قليلون. فمنهم فرقة صارت غلاة، وفرقة صارت كيسانية، وفرقة صارت زيدية، وفرقة ناووسية، وفرقة فطحية، وفرقة واقفية، ومن الكيسانية العباسية الراوندية.
قال المسعودى: «الّذي ذهب إليه من تأخّر من الراوندية عن جملة الكيسانية القائلة بإمامة محمّد بن الحنفية ـ وهم الحريانية أصحاب أبي مسلم صاحب الدولة العباسية، وكان يلقّب بحريان ـ أنّ ابن الحنفية هو الإمام بعد علي عليهالسلام وأنّ ابن الحنفية أوصى إلى ابنه أبي هاشم، وأبو هاشم أوصى إلى عليّ بن عبداللّه بن العباس. فأوصى عليّ بن عبداللّه إلى ابنه محمّد بن علي، وأوصى ابنه محمّد إلى ابنه إبراهيم المقتول بحرّان، وأوصى إبراهيم إلى أخيه السفاح(1).
وقالت الراوندية: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قبض وأحق الناس بالإمامة بعده العباس لأنّه عمّه، وأنّ الناس اغتصبوه إلى أنّ ردّه اللّه إليهم وتبرءوا من أبي بكر وعمر، وأجازوا بيعة عليّ عليهالسلامبإجازة العباس لها لقوله له: «هلم يا ابن أخي إلى أن ابايعك فلا يختلف عليك اثنان»(2).
قال ابن أبي الحديد: أي: يكون منهم من يتمسّك بمن أخلفه بعدي من ذريّة الرسول صلىاللهعليهوآله أينما سلكوا سلكوا معهم(3).
ولكن قد عرفت من رواية (الكافى والإرشاد) أنّ المراد به فرق الشيعة غير المحقّة من الكيسانية والزيدية، وغيرهما، لقوله عليهالسلامقبل الكلام: «المتشتتة غدا عن الأصل، النازلة بالفرع، المؤلة الفتح من غير جهته» ثمّ قال: «كلّ حزب منهم آخذ بغصن، أينما مال الغصن مال معه».
أي: أنّ شيعتي، وإن يصيروا فرقا متشتتة، ويحصل بينهم البغضاء، والعداوة بحيث يقتل بعضهم بعضا إلاّ أنّ اللّه تعالى يجعلهم امّة واحدة فيجمعهم على إزالة الملك عن بني اميّة، وإن كانوا أخطئوا في عدم التمسك بإمام الحق.
وقال المسعودى: لمّا قتل إبراهيم الإمام خاف أبو سلمة الوزير انتقاض الأمر، و فساده عليه ـ أي في الدعوة العباسية ـ فبعث بمحمّد بن عبد الرحمن بن أسلم وكتب معه كتابين على نسخة واحدة إلى أبي عبداللّه جعفر بن محمّد صلىاللهعليهوآله وإلى عبداللّه بن الحسن المثنى، يدعو كل واحد منهما إلى الشخوص إليه ليصرف الدعوة إليه. ويجتهد في بيعة أهل خراسان له، وقال للرسول: العجل العجل، فلا تكونن كوافد عاد. فقدم المدينة على أبي عبداللّه عليهالسلام: فلقيه ليلا، وأعلمه أنّه رسول أبي سلمة، ودفع إليه كتابه. فقال له أبو عبداللّه عليهالسلام: وما أنا وأبو سلمة، وأبو سلمة شيعة لغيري قال له: إنّي رسول تقرأ كتابه، وتجيبه بما رأيت. فدعا أبو عبداللّه عليهالسلامبسراج ثمّ أخذ كتاب أبي سلمة: فوضعه على السراج حتّى احترق، وقال للرسول: عرّف صاحبك بما رأيت ثمّ أنشأ يقول متمثلا بقول الكميت:
أيا موقدا نارا لغيرك ضوؤا*** ويا حاطبا في غير حبلك تحطب
فخرج الرسول من عنده، وأتى عبداللّه بن الحسن. فدفع إليه الكتاب فقبّله، وقرأه وابتهج. فلمّا كان غد ذلك اليوم الّذي وصل إليه الكتاب، ركب حمارا حتّى أتى منزل أبي عبداللّه عليهالسلام فقال عليهالسلام أمر ما أتى بك قال: نعم هو أجلّ من أن يوصف. هذا كتاب أبي سلمة يدعوني، وقد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان. فقال عليهالسلامله: ومتى كان أهل خراسان شيعة لك أ أنت بعثت أبا مسلم إلى أهل
خراسان وأنت أمرته بلبس السواد وهؤاء الّذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجّهت فيهم وهل تعرف منهم أحدا فنازعه عبداللّه بن الحسن الكلام، وقال: إنّما يريد القوم ابني محمّدا لأنه مهديّ هذه الامّة. فقال أبو عبداللّه عليهالسلام: واللّه ما هذا إلاّ نصح منّي لك، ولقد كتب إليّ أبو سلمة بمثل ما كتب به إليك. فلم يجد رسوله عندي ما وجد عندك، ولقد أحرقت كتابه من قبل أن أقرأه. فانصرف عبداللّه من عنده عليهالسلام مغضبا، ولم ينصرف رسول أبي سلمة إليه إلى أن بويع السفاح...(1).
وكان محمّد بن عليّ بن عبداللّه بن العباس عيّن من شيعتهم اثني عشر نقيبا للدعوة إليهم(2).
هذا، وفي (العقد): كان أبو مسلم يقول لقوّاده إذا أخرجهم: «لا تكلّموا الناس إلاّ رمزا، ولا تلحظوهم إلاّ شزرا(3)لتمتلئ صدورهم من هيبتكم(4).
قال الدّميرى: لما قتل إبراهيم بن الوليد بويع لمروان بن محمّد المنبوز بالحمار بالخلافة وفي أيّامه ظهر أبو مسلم الخراساني، وظهر السفّاح بالكوفة، وبويع له بالخلافة وجهّز عمّه عبداللّه بن عليّ بن عبداللّه بن عباس لقتال مروان بن محمّد، فالتقى الجمعان بالزاب زاب الموصل، واقتتلوا قتالا شديدا فانهزم مروان وقتل من عسكره وغرق ما لا يحصى وتبعه عبداللّه إلى أن وصل إلى نهر الأرون فلقي جماعة من بني امية وكانوا نيّفا وثمانين رجلا فقتلهم عن آخرهم.
ثمّ جهّز السفاح عمّه صالح بن عليّ على طريق السماوة فلحق بأخيه عبداللّه وقد نازل دمشق ففتحها عنوة وأباحها ثلاثة أيّام ونقض عبداللّه سورها حجرا حجرا وهرب مروان إلى مصر فتبعه صالح حتى وصل الى أبي صير وهي قرية عند الفيوم، قال ما اسم هذه القرية قالوا أبو صير قال فالى اللّه المصير(1).
ثمّ دخل الكنيسة الّتي بها فبلغه أنّ خادما نمّ عليه فأمر به فقطع رأسه وسلّ لسانه والقى على الأرض فجاءت هرّة فأكلته ثمّ بعد أيام هجم على الكنيسة التي كان نازلا بها عامر بن إسماعيل فخرج مروان من باب الكنيسة وفي يده سيف وقد أحاطت به الجنود وخفقت حوله الطبول فتمثّل ببيت الحجّاج بن حكيم السلمي وهو:
متقلّدين صفايحا هندية *** يتركن من ضربوا كأن لم يولد
ثمّ قاتل حتى قتل فأمر عامر برأسه فقطع في ذلك المكان وسلّ لسانه والقى على الأرض فجاءت تلك الهرّة بعينها فخطفته فأكلته فقال عامر لو لم يكن في الدّنيا عجب إلاّ هذا لكان كافيا لسان مروان في فم هرّة؟ وقال في ذلك شاعرهم:
قد يسّر اللّه مصرا عنوة لكم *** وأهلك الكافر الجبار إذ ظلما
فلاك مقوله هرّ يجرجره *** وكان ربّك من ذى الظلم منتقما
قال الدّميري وكان قتل مروان في سنة ثلاث وثلاثين ومأئة وهو آخر خلفاء بني امية(2)وأوّلهم معاوية بن أبي سفيان وكانت مدّة خلافتهم نيّفا وثمانين سنة وهي ألف شهر وبقتل مروان انقرضت دولة بني أمية لعنهم اللّه قاطبة.
أي: كما تجتمع قطع السحاب المتفرّق في الخريف ولمّا كان الخريف أوّل الشتاء يكون السحاب فيه متفرّقا غير متراكم ولا مطبق، ثمّ يجتمع بعد بعضه إلى بعض.
السحاب المتراكم سحاب بعضه فوق بعض.
إلى نيل مقصدهم.
استعارة من سيل الماء.
أي: موضع ثورانهم وهو خراسان فإنّ مبدأ دعوة دعاة العباسية كان بها.
إشارة إلى قوله تعالى: «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ
قَلِيلٍ»(1).
أي: على ذاك السيل.
بالتخفيف. الأكمة الصلبة ذات حجارة وجمعها قارات والقور(2). قال:
هل تعرف الدار بأعلى ذي القور *** قد درست غير رماد مكفور(3)
أي: تلّ. وقالوا: لا تبل على أكمة، ولا تفش سرّك إلى أمة(4).
بالفتح، أي: وجهه، وطريقته.
أي: تلاصق.
أي: جبل عظيم.
أي: مرتفعاتها. قال تعالى: «وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ»(1).
أي: يفرّقهم اللّه.
جمع الوادي.
الأصل فيه قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ»(2)إلاّ أنّ ينابيع في كلامه عليهالسلام استعارة.
قال التسترى: ثمّ كلامه عليهالسلام من قوله «على أنّ اللّه تعالى سيجمعهم لشرّ يوم لبني اميّة» إلى قوله هنا «ثمّ يسلكهم ينابيع في الأرض» من غريب التعبير عن بدء دعوة العباسية بعد سنة المئة إلى تشكيل سلطنتهم في سنة (132) ولا يكاد تعجّبي ينقضي منه من حسن تعبيره، وكمال انطباق إخباره عليهالسلام على ما وقع(3).
ففي (كامل الجزرى): وجّه محمّد بن علي بن عبداللّه بن العباس في سنه المئة الدعاة في الآفاق، وسببه أنّه كان ينزل الحميمة ـ أرض الشراة ـ من أعمال بلقاء الشام. فسار أبو هاشم بن محمّد بن الحنفية إلى سليمان بن عبد الملك. فرأى من
علمه وفصاحته ما حسده، وخافه. فوضع عليه في طريقه من سمّه في لبن. فلمّا أحسّ بالشرّ قصد الحميمة، ونزل على محمّد وأعلمه أنّ الأمر صائر إلى ولده، وعرّفه ما يعمل به، وكان أمر شيعته بقصده بعده. فلمّا مات قصدوه وبايعوه، ودعوا الناس إليه فوجّه ميسرة إلى العراق، ومحمّد بن خنيس، وأبا عكرمة السراج ـ وهو أبو محمّد الصادق ـ وحيان العطار ـ خال إبراهيم بن سلمة ـ إلى خراسان فانصرفوا بكتب من استجاب لهم، واختار أبو محمّد الصادق لمحمّد بن علي اثنى عشر نقيبا: سليمان بن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي وقحطبة بن شبيب الطائي، وموسى بن كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود من شيبان بن ذهل، و القاسم بن مجاشع التميمي، وعمران بن إسماعيل أبو النجم مولى آل أبي معيط، ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي وعمرو بن أعين أبو حمزة مولى خزاعة، وشبل بن طهمان أبو علي الهروي مولى بني حنيفة وعيسى بن أعين مولى خزاعة. واختار سبعين رجلا وكتب لهم محمّد بن علي كتابا يكون لهم مثالا و سيرة يسيرون بها(1).
وفي سنة (102) وجّه ميسرة رسله من العراق إلى خراسان فظهر أمر الدعاة بها. فقيل لسعيد خديّة: إنّ هاهنا قوما ظهر منهم كلام قبيح، فبعث فاتي بهم. فقالوا:
نحن تجّار. قال: فما هذا الّذي يحكى عنكم قالوا: لا ندري. إنّ لنا في تجارتنا شغلا عن هذا. فقال: من يعرف هؤاء فجاء ناس أكثرهم من ربيعة واليمن. فقالوا: نحن نعرفهم. فخلّى سبيلهم(2).
وفي سنة (105) قيل: قدم بكير بن ماهان الكوفة من السند، ومعه أربع لبنات
من فضة، ولبنة من ذهب. فلقي أبا عكرمة، وجمعا آخر من الدعاة. فذكروا له أمر الدعوة. فقبلها وأنفق ما معه عليهم، ومات ميسرة. فأقامه محمّد بن عليّ مقامه(1).وفي سنة (107) قيل: وجّه بكير بن ماهان أبا عكرمة، وعدّة من شيعتهم دعاة إلى خراسان. فوشي بهم إلى أسد بن عبداللّه. فاتي بأبي عكرمة ومحمّد بن خنيس، وعامة أصحابه. فقطع أيدي من ظفر به منهم وصلبهم، ونجا عمّار العبادي. فأقبل إلى بكير. فأخبره فكتب بكير إلى محمّد بن علي، فأجابه: «الحمد للّه الّذي صدّق دعوتكم، وبقيت منكم قتلى ستقتل»(2).
وفي سنة (118) وجّه بكير بن ماهان عمّار بن يزيد إلى خراسان واليا على شيعة بني العباس. فنزل مرو، وغيّر اسمه وتسمّى بخداش(3).
وفي سنة (126) وجّه إبراهيم بن محمّد الإمام أبا هاشم بكير بن ماهان إلى خراسان، وبعث معه بالسيرة، والوصية. فقدم مرو، وجمع النقباء والدعاة فنعي إليهم محمّد بن علي، ودعاهم إلى ابنه إبراهيم، ودفع إليه كتابه فقبلوه، ودفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، فقدم بها بكير على إبراهيم الإمام(4).
وفي سنة (127) توجّه سليمان بن كثير، ولاهز بن قرمط، وقحطبة إلى مكّة، فلقوا إبراهيم الإمام، وأوصلوا إلى مولى له عشرين الف دينار، ومئتي ألف درهم، ومسكا، ومتاعا كثيرا، وكان معهم أبو مسلم، وقال سليمان لابراهيم: هذا مولاك.
وكتب بكير بن ماهان إلى إبراهيم الإمام أنّه في الموت، وأنّه استخلف أبا سلمة حفص بن سليمان. فكتب إبراهيم إلى أبي سلمة يأمره بالقيام، وكتب إلى أهل
خراسان أنّه قد أسند أمرهم إليه، ومضى أبو سلمة إلى خراسان. فدفعوا إليه ما اجتمع عندهم من نفقات الشيعة، وخمس أموالهم(1).
وفي سنة (128) وجّه إبراهيم الإمام أبا مسلم ـ وعمره تسع عشرة سنة ـ إلى خراسان وكتب إليهم: «إنّي قد أمّرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك» وقال لأبي مسلم، وإنّك رجل منّا أهل البيت احفظ وصيتي. انظر هذا الحيّ من يمن. فالزمهم، واسكن بين أظهرهم. فإنّ اللّه لا يتمّ هذا الأمر إلاّ بهم، واتّهم ربيعة في
أمرهم، وأما مضر فإنّهم العدو القريب الدار، واقتل من شككت فيه، و ان استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيّما غلام بلغ خمسة اشبار تتهمه فاقتله، ولا تخالف هذا الشيخ ـ يعني سليمان بن كثير ـ وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به منّي(2).
وفيه: كان أبو مسلم يختلف إلى إبراهيم الإمام، وكتب في سنة (129) إلى أبي مسلم يستدعيه ليسأله عن أخبار الناس. فسار مع سبعين من النقباء.
فلمّا صاروا بالدانقان من خراسان عرض له كامل. فسأله عن مقصده. فقال: الحجّ ثمّ خلا به أبو مسلم. فدعاه فأجابه ثمّ سار إلى نسا فدخل قرية منها فقيل له إنّه سعي هنا إلى العامل برجلين. قيل: إنّهما داعيان، فأخذا وأخذ الأحجم وغيلان، و غالب، ومهاجر. فتنكب الطريق، وأتاه أسيد الخزاعي. فسأله عن الأخبار. فقال: قدم الأزهر، وعبد الملك بن سعد بكتب الإمام إليك فخلّفا الكتب عندي، واخذا. فأتاه بالكتب ثمّ سار حتّى أتى قومس، وعليها بيهس العجلي فقال لهم: أين
تريدون. قالوا: الحج وأتاه ثمة كتاب إبراهيم إليه، وإلى سليمان بن كثير يقول لأبي مسلم فيه: إنّي قد بعثت إليك براية النصر. فارجع من حيث لقيك كتابي، ووجّه قحطبة بما معه من الأموال والعروض. فلمّا كانوا بنيسابور عرض لهم صاحب المسلحة. فسألهم عن حالهم. فقالوا: أردنا الحج. فبلغنا عن الطريق شيء خفناه، فأمر المفضل السلمي بإزعاجهم.
فخلابه أبو مسلم، وعرض عليه أمرهم فأجابه، وأقام عندهم حتّى ارتحلوا على مهل. فقدم أبو مسلم مرو. فدفع كتاب إبراهيم إلى سليمان بن كثير يأمره فيه باظهار الدعوة. فنصبوا أبا مسلم، وقالوا رجل من أهل البيت، ودعوا إلى طاعة بني العباس، وأرسلوا إلى من قرب منهم ومن بعد. ممّن أجابهم. فأمروه بإظهار أمرهم. فنزل أبو مسلم قرية من قرى مرو، يقال لها «فنين» على أبي الحكم النقيب، ووجّه منها أبا داود النقيب وعمرو بن أعين إلى طخارستان فما دون بلخ. فأمرهما باظهار الدعوة في شهر رمضان ووجّه نصر بن صبيح التميمي، وشريك بن غضبي التميمي إلى مرو الروذ باظهار الدعوة في شهر رمضان، ووجّه أبا عاصم بن سليم إلى الطالقان، ووجّه الجهم بن عطية إلى العلاء بن حريث بخوارزم بإظهار الدعوة في رمضان لخمس بقين منه فان أعجلهم عدوهم دون الوقت بالأذى. فقد حلّ لهم أن يدفعوا عن أنفسهم، ومن شغله منهم عدوّهم. فلا حرج عليهم أن يظهروا بعد الوقت ثمّ تحوّل أبو مسلم من عند أبي الحكم. فنزل قرية سفيدنج. فنزل على سليمان بن كثير الخزاعي لليلتين خلتا من رمضان، والكرماني، وشيبان يقاتلان نصر بن سيار، فبثّ أبو مسلم دعاته في الناس وأظهر أمره. فأتاه في ليلة واحدة أهل ستّين قرية، فلمّا كان خمس بقين من رمضان عقد اللواء الّذي بعث به إبراهيم الإمام،
الّذي يدعى الظل، على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وعقد الراية الّتي بعث بها إليه، الّتي تدعى السحاب، على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا وهو يتلو: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ»(1).
ولبس السواد هو وسليمان بن كثير، وإخوة سليمان، ومواليه، ومن كان أجاب الدعوة من أهل سفيدنج، وأوقدوا النيران لليلتهم لشيعتهم من سكان ربع خرقان، وكانت علامتهم فتجمعوا إليه حين أصبحوا معدّين، وتأوّل الظل والسحاب أنّ السحاب يطبق الأرض، وأنّ الأرض كما لا تخلو من ظل كذلك من خليفة عباسي إلى آخر الدهر، وقدم على أبي مسلم الدعاة بمن أجاب الدعوة فكان أوّل من قدم عليه أهل التقادم مع أبي الوضّاح في تسعمائة راجل وأربعة فرسان، ومن أهل هرمزفرة جماعة، وقدم أهل التقادم مع محرز الجوباني في ألف وثلاثمئة راجل، وستّة عشر فارسا فيهم من الدعاة أبو العباس المروزي. فجعل أهل التقادم يكبّرون من ناحيتهم ويجيبهم أهل التقادم بالتكبير. فدخلوا عسكر أبي مسلم بسفيدنج بعد يومين، وحصّن أبو مسلم حصن سفيدنج، ورمّه، وسدّ دروبها.
فلمّا حضر عيد الفطر أمر أبو مسلم سليمان بن كثير أن يصلّي به وبالشيعة، ونصب له منبرا بالعسكر، وأمره أن يبدأ بالصلاة ويصلّون بالأذان والإقامة وأمر أيضا أبو مسلم سليمان بن كثير بستّ تكبيرات تباعا ثم يقرأ، ويركع بالسابعة، ويكبّر في الركعة الثانية خمس تكبيرات تباعا. ثمّ يقرأ ويركع بالسادسة، ويفتح الخطبة بالتكبير، ويختمها بالقرآن ـ وكان بنو اميّة يكبّرون في الاولى أربع تكبيرات، وفي الثانية ثلاث تكبيرات.
1) .الحج: 39.
فلمّا قضى سليمان الصلاة انصرف أبو مسلم والشيعة إلى الطعام قد أعدّه لهم. فأكلوا مستبشرين، وكان أبو مسلم، وهو في الخندق، إذا كتب إلى نصر بن سيّار يكتب: «للأمير نصر».
فلمّا قوي بدأ بنفسه، وكتب «أمّا بعد فإنّ اللّه تعالى عيّر أقواما في القرآن فقال: «وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا
جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ * وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً»(1)فتعاظم نصر الكتاب وكسر له إحدى عينيه، وقال: هذا كتاب ماله جواب(2).
وقال ابن الأثير: وجّه نصر بعد ثمانية عشر شهرا من ظهور أبي مسلم ـ وهو بسفيدنج ـ مولى له يقال له يزيد لمحاربته. فوجّه أبو مسلم إليه مالك بن الهيثم الخزاعي. فالتقوا بقرية الين. فدعاهم مالك إلى الرضا من آل الرسول.
فاستكبروا عن ذلك فقاتلهم مالك، وهو في نحو مئتين من أوّل النهار إلى العصر، وقدم على أبي مسلم صالح الضبي، وإبراهيم بن زيد، وزياد بن عيسى. فسيّرهم إلى مالك. فقوي بهم، وكان قدومهم مع العصر. فقال مولى نصر: إن تركنا هؤاء الليلة أتتهم إمدادهم. فاحملوا على القوم. فحملوا. فحمل عبداللّه الطائي على مولى نصر. فأسره، وانهزم أصحابه. فأرسل به إلى أبي مسلم، ومعه رءوس القتلى فنصب الرءوس، وأحسن إلى مولى نصر، وعالجه حتّى اندمل جراحه، وقال له: إن شئت أن تقيم معنا فقد أرشدك اللّه، تحاربنا وإن كرهت فارجع إلى
مولاك سالما، وأعطنا عهد اللّه أنك لا وأن لا تكذب علينا، وأن تقول فينا ما رأيت فرجع إلى مولاه. فقال أبو مسلم لأصحابه: إنّ هذا سيردّ عنكم أهل الورع والصلاح. فما نحن عندهم على الإسلام ـ وكذلك كان عندهم يرجفون عليهم بعبادة الأوثان واستحلال الأموال والدماء والفروج.
فلمّا قدم مولى نصر على نصر قال له نصر: لا مرحبا بك فو اللّه ما استبقاك القوم إلاّ ليتخذوك حجّة علينا. فقال له مولاه: هو واللّه ما ظننت، وقد استحلفوني أن لا اكذب عليهم، وأنا أقول: إنّهم يصلّون الصلوات لمواقيتها بأذان وإقامة، ويتلون القرآن، ويذكرون اللّه كثيرا، ويدعون إلى ولاية رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، وما أحسب أمرهم إلاّ سيعلو، ولو لا أنك مولاي لما رجعت إليك، ولأقمت معهم، فهذا أوّل قتال كان بينهم(1).
وقال ابن الأثير ـ بعد ذكر قتال نصر بن سيار عامل مروان على خراسان والكرماني ـ: ولمّا استيقن أبو مسلم أنّ كلا الفريقين قد أثخن صاحبه، وأنه لا مدد لهم. جعل يكتب إلى شيبان ويقول للرسول: اجعل طريقك على مضر.
فإنّهم سيأخذون كتبك. فكانوا يأخذونها فيقرءون ما فيها: «إنّي رأيت اليمن لا وفاء لهم، ولا خير فيهم فلا تثقن بهم ولا تظهر إليهم. فإنّي أرجو أن يريك اللّه في
اليمانية ما تحبّ، ولئن بقيت لا ادع لهم شعرا ولا ظفرا» ويرسل رسولا آخر بكتاب آخر فيه ذكر مضر بمثل ذلك، ويأمر الرسول أن يجعل طريقه على اليمانية حتّى صار هوى الفريقين معه.
ثمّ جعل يكتب إلى نصر، وإلى الكرماني «إنّ الإمام أوصاني بكم، ولست أعدو
1) .الكامل لابن الأثير: 5/360.
رأيه فيكم» وكتب إلى الكور باظهار الأمر. فكان أوّل من سوّد أسد الخزاعي بنسا، ومقاتل وابن غزوان، وسوّد أهل ابيورد، وأهل مرو الروذ، وقرى مرو، وأقبل أبو مسلم حتّى نزل بين خندق الكرماني، وخندق نصر، وهابه الفريقان، وبعث إلى الكرماني أنّي معك. فقبل فانضمّ إليه. فاشتدّ ذلك على نصر، فأرسل إلى الكرماني: ويحك لا تغترّ، فو اللّه إنّي لخائف منه عليك، وعلى أصحابك. فادخل مرو. نكتب بيننا كتابا بالصلح ـ وهو يريد أن يفرّق بينه وبين أبي مسلم ـ فدخل الكرماني منزله، وأقام أبو مسلم في العسكر، وخرج الكرماني حتّى وقف في الرحبة في مئة فارس، وأرسل إلى نصر: اخرج لنكتب الصلح، فرأى نصر من الكرماني غرّة. فوجّه إليه ابن الحرث في نحو من ثلاثمائة فطعن الكرماني في خاصرته فخرّ عن دابته، فقتله نصر وصلبه، وصلب معه سمكه. وأقبل ابنه علي، وقد جمع جمعا كثيرا، فصار إلى أبي مسلم فقاتلوا نصرا حتّى أخرجوه من دار الإمارة. فمال إلى بعض دور مرو.
وأقبل أبو مسلم حتّى دخل مرو، وسلّم عليه ابن الكرماني بالإمرة وقال: مرني بأمرك. فقال: أقم حتّى آمرك، ولمّا كان أبو مسلم نزل بين الخندقين كتب نصر إلى مروان يعلمه حال أبي مسلم وكتب:
أرى بين الرماد وميض نار *** وأخشى أن يكون له ضرام
فإنّ النار بالعودين تذكى *** وأنّ الحرب مبدؤا كلام
فقلت من التعجّب ليت شعري *** أ أيقاظ اميّة أم نيام
فكتب إليه مروان «إنّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فاحسم الثلول قبلك»
فقال نصر: أمّا صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده(1).
وفي سنة (130) انتقض صلح عرب خراسان على حرب أبي مسلم بمكائد أبي مسلم. فبعث نصر إليه يلتمس منه أن يدخل مع مضر، وبعث أصحاب ابن الكرماني ـ وهم ربيعة واليمن ـ إلى أبي مسلم بمثل ذلك.
فراسلوه بذلك أيّاما فامرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد الفريقين حتّى يختار أحدهما. ففعلوا وأمر أبو مسلم الشيعة أن تختار ربيعة واليمن. فإنّ الشيطان في مضر وهم أصحاب مروان وعمّاله، وقتلة يحيى. فقدم الوفدان فجلس أبو مسلم وأجلسهم وجمع عنده من الشيعة سبعين رجلا. فقال لهم: لتختاروا أحد الفريقين. فقام سليمان بن كثير فتكلم ـ وكان خطيبا مفوّها ـ فاختار ابن الكرماني وأصحابه. ثمّ قام أبو منصور النقيب فاختارهم. ثمّ قام مرثد السلمي فقال: «إنّ مضر قتلة آل النبيّ صلىاللهعليهوآله وأعوان بني اميّة وشيعة مروان الجعدي، ودماؤا في أعناقهم وأموالنا في أيديهم، ونصر عامل مروان يدعو له على منبره، ويسمّيه أمير المؤنين، ونحن نبرأ إلى اللّه من أن يكون نصر على هدى، وقد اخترنا ابن الكرمانى» فقال: السبعون: القول ما قال مرثد، فنهض وفد نصر عليهم الكآبة، ورجع وفد ابن الكرماني منصورين، ورجع أبو مسلم من ألين إلى الماخوان، وأمر الشيعة أن يبنوا المساكن.
ثمّ أرسل ابن الكرماني إليه ليدخل مدينة مرو من ناحيته، وليدخل هو وعشيرته من الناحية الاخرى. فبعث إليه أبو مسلم: إنّي لست آمن أن تجتمع يدك و يد نصر على محاربتي، ولكن ادخل أنت فأنشب الحرب مع أصحاب نصر. ففعل
و بعث أبو مسلم شبل النقيب في خيل. فدخلوها ونزلوا بقصر بخارا خداه، وبعث
1) .الكامل لابن الأثير: 5/364.
إلى أبي مسلم ليدخل إليهم. فسار من الماخوان، وعلى مقدّمته أسيد الخزاعي، وعلى ميمنته مالك الخزاعي، وعلى ميسرته القاسم التميمي فدخل والفريقان يقتتلان. فأمرهما بالكفّ وهو يتلو: «وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ»(1)ومضى، إلى قصر الأمارة، وأرسل إلى الفريقين أن كفّوا. ففعلوا، وصفت له مرو. فأمر بأخذ البيعة من الجند ـ وكانت البيعة: ابايعكم على كتاب اللّه وسنّة نبيّه والطاعة للرضا من أهل بيته، وعليكم بذلك عهد اللّه، وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت اللّه، وعلى ألاّ تسالوا رزقا ولا طعما حتّى يبتدئكم به ولاتكم».
ثمّ أرسل أبو مسلم إلى نصر لاهزا في جماعة يدعوه إلى البيعة. فقرأ لاهز «وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ»(2)ـ الآية ـ فخرج نصر من خلف حجرته مع ابنه تميم وامرأته هرابا. فسار أبو مسلم إلى معسكره وأخذ ثقات أصحابه، وصناديدهم فكتّفهم، وكان فيهم سالم بن أحور صاحب شرطته، والبختري كاتبه، وابنان له، ويونس بن عبدويه، ومحمّد بن قطن، ومجاهد بن يحيى.
فاستوثق منهم بالحديد، وسار أبو مسلم وابن الكرماني في طلب نصر ليلتهما. فادركا امرأته قد خلّفها وسار. فرجع أبو مسلم، وسأل: ما الّذي ارتاب به نصر حتّى هرب قالوا: لا ندري. قال: فهل تكلم أحد قالوا: تلا لاهز: إِنَّ الْمَلَأَ فقال له أبو مسلم: تدغل في الدين فقتله، واستشار أبا طلحة في أصحاب نصر. فقال: اجعل سوطك السيف، وسجنك القبر فقتلهم، وكانوا أربعة وعشرين(3).
وبعد ذكر فتح أبي مسلم لأبيورد، وبلخ، وقتله شيبان الخارجي مع عدّة من بكر بن وائل الّذين كانوا يقاتلونه، وعلى الكرماني الّذي كان أيضا يقاتله ـ وقد كان أمره أن يسمّي خواصّه ليولّيهم. فسمّاهم فقتلهم جميعا، وبعد ذلك بعث العمال على البلاد. فاستعمل سباع الأزدي على سمرقند، وأبا داود على طخارستان، ومحمّد بن الأشعث على الطبسين، وجعل مالك بن الهيثم على شرطته، ووجّه قحطبة مع عدّة من القواد إلى طوس. فهزمهم، وكان من مات في الزحام أكثر ممّن قتل. فبلغ عدّة القتلى بضعة عشر ألفا، ووجّه علي بن معقل في عشرة آلاف مع قحطبة ليسير إلى تميم بن نصر.
فسار قحطبة إلى السودقان، وهو معسكر تميم. فقتل تميم، واستبيح عسكره، وكان عدّة من معه ثلاثين ألفا(1).
وبعث ابن هبيرة عامل مروان على العراق نباتة بن حنظلة إلى نصر لنصره فسار نصر ـ وكان هرب إلى قومس ـ معه إلى جرجان، وخندقوا عليهم. فأقبل قحطبة إليهم، وقال لجنده أهل خراسان: أ تدرون إلى من تسيرون، ومن تقاتلون إنّما تقاتلون بقية قوم أحرقوا بيت اللّه. فنزل قحطبة بأزاء نباتة في أهل الشام في عدّة لم ير الناس مثلها. فلمّا رأوهم أهل خراسان هابوهم حتّى تكلّموا بذلك. فقام فيهم قحطبة، وقال: هذه البلاد كانت لآبائكم، وكانوا ينصرون على عدوّهم لعدلهم حتّى بدّلوا. فسلّط اللّه عليهم أذل امّة كانت في الأرض عندهم. فغلبوهم على بلادهم، وكانوا بذلك يحكمون بالعدل.
ثمّ بدّلوا وأخافوا عترة النبيّ صلىاللهعليهوآله: فسلّطكم عليهم وقد عهد إليّ الإمام أنكم
1) .الكامل لابن الأثير: 5/385 ـ 386.
تلقونهم في مثل هذه العدّة فينصركم اللّه عليهم، وأخبرنا انكم تنصرون هذا اليوم من هذا الشهر. فاقتتلوا فقتل نباتة، وقتل من أهل الشام عشرة آلاف، وبعث برأس نباتة إلى أبي مسلم(1).وبلغ قحطبة بعد قتل نباتة أنّ أهل جرجان يريدون الخروج عليه، فقتل منهم ما يزيد على ثلاثين ألفا(2).
ولمّا بلغ حبيب النهشلي ومن معه بالري من أهل الشام، توجّه قحطبة إليه فهرب اكثر اهل الرى فدخلها، وكتب إلى أبي مسلم بذلك. فأمره بأخذ أملاكهم(3).
وكتب أبو مسلم إلى اصبهبد طبرستان يدعوه إلى الطاعة وأداء الخراج فأجابه، و كتب إلى المصمغان صاحب دنباوند كذلك. فأجابه إنّما أنت خارجي أمرك سينقضي، ثمّ بعث قحطبة بعد تمكنه ابنه الحسن من الرى إلى همدان فهرب منها مالك بن أدهم، ومن بها من أهل الشام، وخراسان إلى نهاوند، ولمّا بلغ ابن هبيرة مقتل نباتة بجرجان بعث ابنه داود، وعامر بن ضبارة ـ وكان يقال لعسكره عسكر العساكر ـ فالتقوا هم وقحطبة بنواحي اصبهان ـ وكان عسكر قحطبة عشرين ألفا، و عسكر ابن ضبارة مئة ألف، وقيل: خمسين ومئة ألف. فقتل داود، وانهزم ابن ضبارة، وأصابوا عسكره، وأخذوا منه مالا يعلم قدره من السلاح والمتاع والرقيق و الخيل، وما رؤ عسكر قط كان فيه من أصناف الأشياء ما في هذا العسكر كأنّه مدينة ـ وكان فيه من البرابط، والطنابير، والمزامير، والخمر ما لا يحصى ـ ثمّ توجّه قحطبة إلى نهاوند ـ وقد كان قد بعث ابنه قبل إليها فحاصرها، ودعا من بنهاوند من
أهل خراسان إلى الأمان فأبوا وأهل الشام فأجابوا. ففتحوا الباب. فسألوهم أهل خراسان. فقالوا: أخذنا الأمان لنا ولكم، فخرج رؤاء أهل خراسان فأمر قحطبة بضرب أعناقهم، وخلّى سبيل أهل الشام، وبعث قحطبة إلى حلوان.
فهرب عامله، ووجّه أربعة آلاف مع قائدين إلى شهرزور وبها عثمان بن سفيان. فقتل أو هرب وغنم عسكره(1).
ولمّا سمع ابن هبيرة بهزيمة ابنه في حلوان من قحطبة خرج من الكوفة في عدد لا يحصى يريده. فأقبل قحطبة نحو الكوفة ليأخذها. فرجع ابن هبيرة لئلاّ يسبقه قحطبة إلى الكوفة، والفريقان يسيران على جانبي الفرات، ونزل قحطبة الجبارية، و قاتل عسكر ابن هبيرة. فانهزموا، وفقد قحطبة وبحثوا عنه. فقيل: إنه لمّا كان عبر الفرات ضربه معن بن زائدة على حبل عاتقه. فسقط في الماء فأخرجوه فقال: إذا أنا متّ فشدّوا يدي، وألقوني في الماء لئلاّ يعلم الناس بقتلي. وقال: إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمّد أبو سلمة.
فسلّموا إليه الأمر. فلحق ابن هبيرة بواسط، وترك عسكره وما فيه من الأموال و السلاح، وقام مقام قحطبة ابنه الحسن، وخرج إلى الكوفة، وقد كان محمّد بن خالد القسري خرج قبل على عامل ابن هبيرة مسوّدا. فدخلها الحسن بن قحطبة. فاستخرجوا أبا سلمة الوزير. فبعث أبو سلمة الحسن إلى واسط لقتال ابن هبيرة، واستعمل القسري على الكوفة، ووجّه حميد بن قحطبة إلى المدائن، وبعث المسيّب بن زهير، وخالد بن برمك إلى دير قنّى، وبعث المهلّبي، وشراحيل إلى عين التمر، وبسّاما إلى الأهواز ـ وعليها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة ـ فقاتله
1) .الكامل لابن الأثير: 5/397 ـ 401، سنة 131.
وهزمه بسام فخرج عبد الواحد، وبعث إلى البصرة سفيان المهلّبي ـ وكان عليها سلم بن قتيبة ـ ولحق به عبد الواحد. فانهزم سفيان، ولم يزل سلم بالبصرة حتّى قتل ابن هبيرة(1).
ولمّا أخذ رسول مروان إبراهيم الإمام من الحميمة نعى نفسه إلى أهل بيته، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة مع أخيه أبي العباس عبداللّه بن محمّد السفاح وبالطاعة له، وأوصى إليه، وجعله الخليفة بعده. فسار السفاح وأهل بيته منهم المنصور، وابنا إبراهيم أخيه عبد الوهاب ومحمّد، وأعمامه داود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبداللّه، وعبد الصمد بنو علي بن عبداللّه بن العباس وابن عمّه داود، وابن أخي عيسى بن موسى، ويحيى بن جعفر بن تمام بن عباس حتّى قدموا الكوفة، وشيعتهم من أهل خراسان بظاهر الكوفة بحمام أعين فأنزلهم أبو سلمة دار الوليد بن سعد، وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من جميع القواد والشيعة و أراد أن يحوّل الأمر إلى آل أبي طالب ـ لمّا بلغه موت إبراهيم ـ وكان إذا سئل عن الإمام يقول: لا تعجلوا حتّى دخل أبو حميد الحميري من حمام أعين يريد الكناسة، فلقي خادما لإبراهيم. فقال له: ما فعل إبراهيم قال: قتله مروان وأوصى إلى أخيه أبي العباس، وقدم الكوفة مع عامة أهل بيته. فانطلق به إليهم فقال: من الخليفة فقال: داود بن علي هذا ـ وأشار إلى أبي العباس ـ فسلّم عليه بالخلافة ثمّ رجع فاتفق رأي جماعة من القوّاد على أن يلقوه. فمضى موسى بن كعب وأبو الجهم، وعبد الحميد بن ربعي، وسلمة بن محمّد، وإبراهيم بن سلمة، وعبداللّه الطائي، وإسحق بن إبراهيم، وشراحيل، وعبداللّه بن بسام، وأبو حميد، وسليمان
1) .الكامل لابن الأثير: 5/403 ـ 407، سنة 132.
بن الأسود، ومحمّد بن الحصين إليه، وسلّموا عليه بالخلافة.
فركب أبو سلمة إليه فسلّم بالخلافة. فقال له أبو حميد: على رغم أنفك يا ماص بظر امّه. فقال له السفاح: مه، وأمر أبا سلمة بالعود إلى معسكره، وأصبح الناس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل من سنة (132) فلبسوا السلاح، واصطفّوا لخروج السفّاح. فركب مع أهل بيته إلى دار الإمارة ثمّ خرج إلى المسجد. فخطب وصلّى الجمعة ثمّ صعد المنبر حين بويع له بالخلافة. فقام في أعلاه، وصعد عمّه داود. فقام دونه. فخطبهم السفاح ـ إلى أن قال ـ: وخصّنا برحم النبيّ صلىاللهعليهوآله وقرابته(1)ـ إلى أن قال ـ وقال تعالى: «إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(2)وقال تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى»(3)وقال: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(4)، وقال: «ما أَفاءَ اللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى»(5)وقال: «وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للّهِِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى»(6)فأعلمهم اللّه تعالى فضلنا وأوجب عليهم حقّنا ومودّتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا ـ إلى أن قال ـ: ثمّ وثب بنو حرب وبنو مروان فأنبذوها، وتداولوها. فجاروا فيها واستأثروا بها، وظلموا أهلها بما أملى اللّه لهم حينا. فلمّا آسفوه انتقم منهم بأيدينا، وردّ علينا حقّنا وتدارك بنا امّتنا ـ إلى أن قال ـ وختم بنا كما افتتح بنا
ـ إلى أن قال ـ فاستعدوا فأنا السفّاح المبيح والثائر المنيح ـ وكان موعوكا ـ فجلس على المنبر، وقام عمّه داود على مراقي المنبر. فقال: الحمد للّه الّذي أهلك عدوّنا، وأصار إلينا ميراثنا من نبيّنا. الآن اقشعت حنادس الدنيا، وانكشف عطاؤا وأشرقت أرضها وسماؤا، وطلعت الشمس من مطلعها، وبزغ القمر من مبزغه، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى منزعه، ورجع الحق إلى نصابه إلى أهل بيت نبيّكم. إنّا واللّه ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثر لجينا ولا عقيانا، ولا نحفر نهرا،ولا نبني قصرا، وإنما أخرجتنا الأنفة من ابتزازهم حقّنا، والغضب لبني عمّنا، وما كرهنا من اموركم ترمضنا ونحن على فرشنا، ويشتدّ علينا سوء سيرة بني اميّة فيكم واستنزالهم لكم، واستئثارهم بفيئكم و صدقاتكم. مغانمكم عليكم، لكم ذمة اللّه، وذمة نبيّه، وذمة العباس أن نحكم فيكم بما أنزل اللّه، ونعمل فيكم بكتاب اللّه، ونسير في العامة والخاصة بسيرة النبيّ صلىاللهعليهوآله تبّا تبّا لبني حرب وبني مروان، آثروا في مدّتهم العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية. فركبوا الآثام وظلموا الأنام، و انتهكوا المحارم، وغشّوا بالجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنّتهم في البلاد، وخوجوا في أعنّة المعاصي، وركضوا في ميدان الغي، جهلا لاستدراج اللّه، و أمنا لمكره، فأتاهم بأس اللّه بياتا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث ومزّقوا كلّ ممزّق فبعدا للقوم الظالمين، وأزالنا اللّه من مروان، وقد غرّه باللّه الغرور، أرسل لعدوّ اللّه في عنانه حتّى عثر. ظن عدوّ اللّه أن لن نقدر عليه، فنادى حزبه، وجمع مكائده، ورمى بكتائبه فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وعن شماله من مكر اللّه وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحاضلاله ـ إلى أن قال ـ إنّ الخليفة إنّما عاد إلى المنبر بعد الصلاة لأنّه كاره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنّما
قطعه عن استتمام الكلام شدة الوعك ـ إلى أن قال ـ ألا وإنّه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد النبيّ صلىاللهعليهوآلهإلاّ أمير المؤنين عليّ بن أبي طالب، وعبداللّه بن محمّد ـ وأشار بيده إلى السفاح ـ(1).
قال ابن دأب: دعاني الهادي العباسي في وقت من اللّيل لم تجر العادة أنه يدعوني في مثله. فدخلت إليه فإذا هو جالس في بيت صغير شتوي، وقدّامه جزء صغير(2)ينظر فيه. فقال: يا عيسى إنّي ارقت في هذه اللّيلة، وتداعت إليّ الخواطر، واشتملت عليّ الهموم، وهاج لي ما جرت إليه بنو اميّة من بني حرب، وبني مروان في سفك دمائنا.
فقلت: هذا عبداللّه بن عليّ قد قتل منهم على نهر أبي فطرس فلانا وفلانا، حتّى أتيت على تسمية من قتل منهم، وهذا عبد الصمد بن عليّ قد قتل منهم بالحجاز في وقت واحد نحو ما قتل عبداللّه بن عليّ، وهو القائل لسفك دمائهم:
ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها *** أخذي بثاري من بني مروان
من آل حرب ليت شيخي شاهد *** سفكي دماء بني أبي سفيان
فسرّ واللّه الهادي وظهرت، منه اريحيّة(3).
ولمّا افتتح عبداللّه بن علي الشام، وقتل مروان بن محمّد قال لأبي عون، ومن معه من أهل خراسان: إنّ لي في بقية آل مروان تدبيرا. فتأهبّوا يوم كذا وكذا في
أكمل عدّه. ثمّ بعث إلى آل مروان في ذلك اليوم فجمعوا، وأعلمهم أنه يفرض لهم في العطاء. فحضر منهم ثمانون رجلا.
فصاروا إلى بابه، ومعهم رجل من كلب قد ولدهم. ثمّ أذن لهم فدخلوا. فقال الآذن للكلبي: ممّن أنت. قال: من كلب، وقد ولدتهم(1). قال له: انصرف ودع القوم. فأبى أن يفعل وقال: إنّي خالهم ومنهم. فلمّا استقر بهم المجلس خرج رسول، و قال بأعلى صوته: أين حمزة بن عبد المطلب؟ ليدخل. فأيقن القوم بالهلكة. ثمّ خرج الثانية. فقال: أين الحسين بن علي؟ ليدخل. ثمّ خرج الثالثة. فقال. أين زيد بن علي؟ ثمّ خرج الرابعة. فقال: أين يحيى بن زيد (بن على بن الحسين)؟ ثمّ قال: ايذنوا لهم. فدخلوا وفيهم الغمر بن يزيد ـ وكان له صديقا ـ فأومأ إليه أن ارتفع فأجلسه معه على طنفسته(2)وقال للباقين: اجلسوا، وأهل خراسان قيام بأيديهم العمد ـ إلى أن قال ـ ثمّ قال لأهل خراسان: «دهيد»(3)فشدخوهم بالعمد حتّى سألت أدمغتهم وقام الكلبي. فقال: أيّها الناس أنا رجل من كلب لست منهم. فقال:
ويدخل رأسه لم يدنه أحد *** بين القرينين حتّى لزّه القرن(4)
القرن: الحبل يقرن به البعيران. وهذا البيت هو لعبداللّه بن علي.
ثمّ قال: «دهيد» فشدخ الكلبي معهم. ثمّ التفت إلى الغمر. فقال له: لا خير لك في الحياة بعدهم. قال: أجل. فقتل. ثمّ دعا ببراذع(5)فالقاها عليهم وبسط عليها
الانطاع(1)، ودعا بغدائه. فأكل فوقهم وإنّ أنين بعضهم لم يهدأ حتّى فرغ ثمّ قال: ما تهنأت بطعام منذ عقلت مقتل الحسين عليهالسلامإلاّ يومي هذا، وقام فأمر بهم فجرّوا بأرجلهم، وأغنم أهل خراسان أموالهم. ثمّ صلبوا في بستانه، وكان يأكل يوما فأمر بفتح باب من الرواق إلى البستان. فإذا رائحة الجيف تملأ الأنوف. فقيل له: لو أمرت بردّ هذا الباب. فقال: واللّه لرائحتها أحبّ إليّ، وأطيب من رائحة المسك. ثمّ
قال:
حسبت اميّة أن سترضى هاشم *** عنها ويذهب زيدها وحسينها
كلاّ ورب محمّد وإلهه *** حتّى تباح سهولها وحزونها
وتذلّ ذلّ حليلة لحليلها *** بالمشرفي وتسترد ديونها(2)
وجلس المنصور للمدنيّين ببغداد مجلسا عاما ـ وكان وفد إليه منهم جماعة ـ فقال: لينتسب كلّ من دخل. فدخل عليه شاب من ولد عمرو بن حزم. فانتسب ثمّ قال: قال الأحوص فينا شعرا منعنا أموالنا من أجله منذ ستّين سنة. قال له المنصور: انشدنيه فأنشده:
لا تأوين لحزمي رأيت به *** فقرا وإن القي الحزمى في النار
الناخسين بمروان بذي خشب *** والداخلين على عثمان في الدار
وقال له: مدح بقصيدته الّتي فيها الشعر الوليد بن عبد الملك. فلمّا أنشده وبلغ البيت قال له الوليد: أذكرتني ذنب آل حزم. فأمر باستصفاء أموالهم، فقال له المنصور: لا جرم تحتظي بهذا الشعر كما حرمت به. ثمّ قال لأبي أيوب: هات عشرة آلاف درهم فادفعها إليه لعنائه إلينا. ثمّ أمر أن يكتب إلى عمّاله أن يردّ
ضياع آل حزم عليهم، ويعطوا غلاّتها في كلّ سنة من ضياع بني اميّة، وتقسم أموالهم بينهم على كتاب اللّه على التناسخ، ومن مات منهم، وفّر على ورثته، فانصرف بما لم ينصرف به أحد(1).
قال ابن عياش للسفّاح: الحمد للّه الّذي أبدلنا بحمار الجزيرة، وابن أمة النخع ابن عم النبيّ صلىاللهعليهوآله وابن عبد المطلب. قال ذلك لأنّ امّ مروان بن محمّد كانت أمة كردية لإبراهيم بن الأشتر أخذها محمّد بن مروان يوم قتل إبراهيم بن الأشتر. فولدت مروان ـ وكان مروان أيضا يلقّب بالجعدي لأنّه تعلّم مذهبه في القول بخلق القرآن والقدر من الجعد بن درهم، وقيل: إنّ الجعد كان زنديقا قال لميمون بن مهران لشاة قباد أحبّ إليّ ممّا تدين به ـ فكانوا يذمّون مروان بنسبته إليه(2).
ودخل المهدي مسجد النبيّ صلىاللهعليهوآله فرفع رأسه، فنظر في الكتاب الّذي في المسجد بالفسافسا. فاذا فيه «ممّا أمر به الوليد بن عبد الملك» فقال: وإنّي لأرى اسم الوليد
في مسجد النبيّ صلىاللهعليهوآله إلى اليوم.
فدعا بكرسي فالقي له في صحن المسجد، وقال: ما أنا ببارح حتّى يمحى اسم الوليد ويكتب اسمي مكانه، وأمر أن يحضر العمّال والسلاليم، وما يحتاج إليه فلم يبرح حتّى غيّر وكتب اسمه(3).
بفتح الهمزة والياء، والمراد ألية الشاة.
اجتمع عند المنصور عيسى بن علي، وعيسى بن موسى ومحمّد بن عليّ، وصالح بن علي، وقثم بن العبّاس، ومحمّد بن جعفر، ومحمّد بن إبراهيم. فذكروا خلفاء بني اميّة والسبب الّذي به سلبوا عزّهم. فقال له صالح بن علي: إنّ عبداللّه بن
مروان لمّا دخل أرض النوبة هاربا في من اتّبعه سأله ملك النوبة عن السبب الّذي به زالت نعمتهم ـ وكان في حبس المنصور. فان رأيت أن تدعو به من الحبس وتسأله. فاحضره. فقال له: قصّ عليّ قصّتك مع ملك النوبة ـ إلى أن قال ـ فقال لي ملك النوبة لم تشربون الخمر وهي محرّمة عليكم في كتابكم فقلت: اجترأ على ذلك عبيدنا وأتباعنا. قال: فلم تطئون الزرع بدوابكم، والفساد محرّم عليكم في كتابكم فقلت: فعل ذلك عبيدنا وأتباعنا. قال: فلم تلبسون الديباج والحرير والذهب، وهو محرّم عليكم في دينكم فقلت: ذهب منّا الملك فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا. فلبسوا ذلك على الكره منّا، فأطرق إلى الأرض يقلّب يده مرّة، وينكث في الأرض اخرى، ويقول «عبيدنا وأتباعنا وأعاجم دخلوا في ديننا» ثمّ رفع رأسه وقال: ليس كما ذكرت، بل أنتم قوم استحللتم ما حرّم اللّه، وركبتم ما عنه نهيتم، وظلمتم في ما ملكتم. فسلبكم اللّه العزّ، وألبسكم الذلّ بذنوبكم، وللّه فيكم نقمة لم تبلغ غايتها فيكم، وأنا خائف أن يحلّ بكم العذاب وأنتم ببلدي فينالني معكم. فتزوّد وارحل عن أرضي، ففعلت. فتعجب المنصور، ورقّ له وهمّ
بإطلاقه. فأعلمه عيسى بن علي أنّ في عنقه بيعة له فأعاده إلى الحبس(1).
رواه الكليني وزاد قبله: «أيّها النّاس إنّ المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير»(2).
تخاذل النّاس بعد نبيّهم صلىاللهعليهوآله عن نصر الحقّ، نصر أهل بيته، فاستشفع نساء أمير المؤنين عليهالسلام إليهم بسيّدة نساء العالمين، التي قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيها بإقرار الأوّل والثاني كما نقله ابن قتيبة: «رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطنى»(3)فلم ينجع.
قال ابن قتيبة: وخرج عليّ كرّم اللّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله على دابة ليلا في مجالس الأنصار، تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرّجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به. فيقول عليّ كرّم اللّه وجهه: أ فكنت أدع رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهفي بيته لم أدفنه، وأخرج انازع النّاس بسلطانه فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما اللّه حسيبهم وطالبهم(4).
أي: تضعفوا.
أي: تضعيف.
خرجت عايشة عليه عليهالسلام ـ وقد قال تعالى لها: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى...(1)وقال تعالى فيها وفي صاحبتها حفصة:... وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ(2). وضرب عزّ وجلّ لهما، رامزا بكفرهما باطنا، مثلا باعتراف عمر كما في (الكشّاف)(3)في قوله جلّ وعلا: ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ(4)ـ فتبادر إلى نصرها آلاف وكانوا يقولون:
يا أيّها الناس عليكم امّكم *** فإنّها صلاتكم وصومكم(5)
وكانوا يشمّون بعر جملها ويقولون: ريح بعره أطيب من المسك(6).
وكذلك طلحة والزّبير حاصرا عثمان حتّى قتل، وكان عليهالسلام عن ذلك بمعزل،
فخرجا عليه عليهالسلام بطلب ثاره، فقتلا آلافا من عباد اللّه الصالحين، وكان بطلان دعواهما ودعوى عايشة من الوضوح بمثابة أنكرها مثل المغيرة بن شعبة، الذي كان منافقا، وكان أوّل من أمر بسبّه عليهالسلام مقيما خطباء في ذلك ليسرّ معاوية، قال ابن قتيبة: لمّا نزل طلحة والزّبير وعايشة بأوطاس، قال المغيرة: أيّها النّاس إن كنتم إنّما خرجتم مع امّكم فارجعوا بها خيرا لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان فرؤاؤم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على عليّ شيئا فبيّنوا ما نقمتم عليه(1).
من بني اميّة أيّام عثمان، فإنّ استيلاء الأراذل على النّاس أثر قهري لرذيلة خذلان الحقّ ونصر الباطل، قالوا: كان ابن عمر يبغض سلمان رحمه اللّه لمّا رآه يوم السقيفة يقول: «كرديد ونكرديد». فلمّا رأى مروان ـ عدوّ الإسلام ـ على منبر النّبيّ صلىاللهعليهوآله، قال: رحم اللّه سلمان قال ما قال بعلم(2).
ولو كانوا لم يتخاذلوا عن منع الأوّل والثاني لم يطمع فيه الثّالث، ولو لم يكن الثالث لم يطمع فيه معاوية، اللعين بن اللعين على لسان النّبيّ صلىاللهعليهوآله والمحارب له إلى أن أسلم كرها، فاستسلم ولم يسلم، ولو لم يكن معاوية لم يطمع فيه السكّير القمّير القردي يزيد، ولو لم يكن هو لم يطمع فيه بنو مروان طريد النّبيّ صلىاللهعليهوآله والشجرة الملعونة في القرآن. ولذا قال النظام في جواب كلام عبد الملك، الّذي قرأه في السير في وصف نفسه: «إنّه ليس الخليفة الضعيف ـ يعني عثمان ـ ولا المداهن ـ
يعني معاوية ـ ولا المافون(1)ـ يعني يزيد»(2).ـ: أيّها الرجل لو لم يكن اولئك كنت أبعد من الخلافة من الثّرى إلى الثريا(3).
أي: تحيّرتم.
قال ابن أبي الحديد: جاء في المسانيد الصحيحة أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النّعل بالنّعل، والقذة بالقذة حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه. فقيل: يا رسول اللّه اليهود والنصارى قال: فمن إذن.
قال: ومن الأخبار الصحيحة أيضا أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى(4)،(5)وفي (صحيح البخاري ومسلم): أنّه سيجاء يوم القيامة باناس من امتي فيؤذ بهم ذات الشمال، فإذا رأيتهم اختلجوا دوني قلت: أي ربّ أصحابي.
فيقال لي: إنّك لا تدري ما عملوا بعدك. فأقول ما قال العبد الصالح:... «وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ
قال: وفي (الصحيحين) أيضا: عن زينب بنت جحش قالت: استيقظ النّبيّ صلىاللهعليهوآله يوما من نومه محمرّا وجهه وهو يقول: لا إله إلاّ اللّه، ويل للعرب من شرّ قد اقترب
فقلت: يا رسول اللّه أ نهلك وفينا الصّالحون فقال: نعم إذا كثر الخبيث(3).
قال: وفي (الصحيحين) أيضا: يهلك امّتي هذا الحي من قريش. قالوا: يا رسول اللّه فما تأمرنا قال: لو أنّ النّاس اعتزلوهم(4)،(5).
ولكن لم يذكر المراد من هذه الأخبار، والخبر الأخير يوضّح أنّه صلىاللهعليهوآله أشار إلى يوم السقيفة، فإنّه مشتمل على أنّ قريشا تهلك امّته، وكان الثاني استند في تقديم الأوّل إلى أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله قال: الأئمّة من قريش(6).
فإن قيل: فلعلّه صلىاللهعليهوآله أشار إلى بني امية، فإنّهم أيضا كانوا من قريش.
قلت: نعم. لكن إنّما يعبّر باسمهم الخاص كبني هاشم، وإنّما يعبّر عن الأوّلين بقريش لعدم شهرة تيم وعدي.
و لقد أفصح أمير المؤنين عليهالسلام عن أنّ مراد النّبيّ صلىاللهعليهوآله يوم السقيفة في جعلهم في تقديم الأوّل كمتبعي العجل، ففي (خلفاء ابن قتيبة): ولمّا أحضروا عليّا للبيعة لحق بقبر النّبيّ صلىاللهعليهوآله ويصيح وينادي «... وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً... ابْنَ
أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي»(1).(2).
وأوضح من ذلك كلمات سيّدة النّساء صلوات اللّه عليها وخطبها في ذلك.
قال (ابن أبي الحديد): يعني بالأدنى نفسه، ووصلكم الأبعد يعني معاوية(3).ولكن كما معاوية أبعد منه عليهالسلام عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله كذلك صدّيقهم وفاروقهم، فلم حمل اللفظ العام جزافا واتّباعا للهوى على معنى خاص، مع أنّ معاوية كان أقرب إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله من الأوّل والثاني، فإنّه والنّبيّ صلىاللهعليهوآله من بني عبد مناف، وأين من ذلك تيم وعدي ولمّا أراد عمر نفسه يوم الشورى إشراك عثمان مع أمير المؤنين عليهالسلام ـ مع كونهما من حيث العمل كالنّور والظلمة، والحي والميّت ـ قال مغالطة: إنّهما من بني عبد مناف. ليقرّب جعله رديفا له عليهالسلام. وما يفعل ابن أبي الحديد بقوله عليهالسلام ـ لما سمع احتجاج الرّجلين في قبال الأنصار بأنّهما من قومه قريش ـ: «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة»(4).
ولعمر اللّه، لقد صدق ـ صلوات اللّه عليه ـ في تضعيف التّيه لهم أضعافا على بني إسرائيل، لتركهم مثل أمير المؤنين عليهالسلام وأهل بيته المعصومين، واتّباعهم لمثل الرّجلين، مع منعهما النّبيّ صلىاللهعليهوآله عن الوصيّة، وتخلّفهما عن الشّخوص في جيش
اسامة مع تأكيده ساعة بعد ساعة في تجهيزه حتّى لعن المتخلّف(1)وتركهما لجنازة نبيّهم صلىاللهعليهوآله، وإرادتهما إحراق أهل بيته(2)، وتوطئتهما مع باقي قريش في جعل الأمر بينهم، بإقرارهم بذلك في قصّة عمر مع ابن عبّاس(3)، وفي نهرهم لمقداد وعمّار يوم الشّورى(4). فاحتاجوا لذلك إلى إنكار الضروريات والتشكيك في المتواترات وجحد البديهيات، وإلاّ فكونه عليهالسلام أدنى إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآلهمن الأوّل والثاني أمر بديهي. فلم يقول هذا الرّجل: المراد به الاموي وقد قال عليهالسلاميوم السقيفة ـ كما اعترف به ابن قتيبة ـ: اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس وحقّه، فو اللّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ النّاس به، لأنّا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه صلىاللهعليهوآله المضطلع بأمر الرّعية، المدافع عنهم الامور السيّئة، القاسم بينهم بالسّوية، واللّه إنّه لفينا، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا(5).
وصاروا بذلك مستحقّين لمثل وقعة الحرّة التي أباح صاحبها نساء المدينة لجيشه، وأخذ منهم البيعة على أنّهم عبد قن ليزيد، وصاروا بذلك شركاء أربابهم في كلّ ظلم ورد على أهل بيت نبيّهم من ذاك اليوم إلى الأبد، حتّى في قتل أمير
المؤنين عليهالسلام والحسين عليهالسلام وباقي أهل البيت، حتّى في ما لم يتصدّوا، وحتّى من كان منهم اليوم مثل بني إسرائيل في زمان النّبيّ صلىاللهعليهوآله وأسلافهم، ومثل قوم صالح في شركتهم مع عاقر الناقة في الوزر مع عدم التصدي.
يعني به نفسه عليهالسلام.
وقد اعترف به فاروقهم فقال له عليهالسلام يوم الشورى ـ كما قال ابن قتيبة و غيره ـ: إنّك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين والصراط المستقيم(1)، وإن كان لمّا سمع ابنه عبداللّه ذلك منه، قال له: فلم لا تستخلفه قال: أكره أن أتحملها حيّا وميّتا(2)لكن ما أصلب وجهه، كما أنّه ما أقلّ شعورا اتباعه فكيف دبّر الأمر لعثمان.
قال الجوهري: العسف: الأخذ على غير الطريق، وكذلك التعسف والاعتساف(3).
والمراد: خبط أئمّتهم في أحكام الشرع.
أي: طرحتم الحمل الثقيل الذي لا تطيقونه.
وروي: أنّه عليهالسلام قال في بعض خطبه: «أيّتها الامّة المتحيّرة بعد نبيّها، أما إنّكم لو قدّمتم من قدّم اللّه وأخّرتم من أخّر اللّه، وجعلتم الولاية والوراثة حيث جعلها اللّه، ما عال ولي اللّه، ولا طاش سهم من فرائض اللّه، ولا اختلف اثنان في حكم اللّه، ولا تنازعت الامّة في شيء من أمر اللّه، إلاّ علم ذلك عندنا من كتاب اللّه فذوقوا وبال ما قدّمت أيديكم وما اللّه بظلاّم للعبيد «... وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»(1)،(2).
وإن شئت الاطّلاع على اختلافهم في الاصول والفروع، وتناقضاتهم وخبطاتهم، وأقوالهم على خلاف مقتضى العقول، فارجع إلى (ملل الشهرستانى). ولو كانوا عليهم السّلام متصدّين للأمر لم يستطع أحد يقول برأيه في قبالهم، كما لم يستطع أحد أن يقول شيئا في مقابل الرّسول صلىاللهعليهوآله، و اختلاف الشيعة في مسائل فقههم أيضا نتيجة تقدّم اولئك، فكانوا كثيرا ما يفتون بالتّقية، وإلاّ فكلام آخرهم كلام أوّلهم، وكلام أوّلهم كلام النّبيّ صلىاللهعليهوآله، و كلام النّبيّ صلىاللهعليهوآله كلام اللّه تعالى.
قال تعالى: «لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ * بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاّ الْكَفُورَ»(1).
قال عليّ بن إبراهيم القميّ قال إنّ بحرا كان في اليمن وكان سليمان عليهالسلامأمر جنوده أن يجروا لهم خليجا من البحر العذب إلى بلاد الهند، ففعلوا ذلك و عقدوا له عقدة عظيمة من الصخر والكلس حتّى تفيض على بلادهم، وكانوا إذا أرادوا أن يرسلوا منه الماء أرسلوه بقدر ما يحتاجون إليه وكانت لهم جنّتان عن يمين وشمال عن مسيرة عشرة أيّام فيها يمرّ المارّ لا تقع عليه الشمس من التفافهما.
فلمّا عملوا بالمعاصي وعتوا عن أمر ربّهم ونهاهم الصالحون فلم ينتهوا، بعث اللّه على ذلك السدّ الجرذ وهي الفارة الكبيرة فكانت تقلع الصّخرة التي لا يستقلّها الرّجل وترمى به فلمّا رأى ذلك قوم منهم هربوا وتركوا البلاد فما زال الجرذ تقلع الحجر حتّى خربوا ذلك السدّ فلم يشعروا حتّى غشيهم السّيل وخرب بلادهم وقلع أشجارهم(2).
وقال الطبرسي في تفسير الاية ثمّ أخبر سبحانه عن قصّة سبأ بما دلّ على حسن عاقبة الشّكور وسوء عاقبة الكفور فقال ـ لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ ـ المراد بسبا هنا القبيلة الّذين هم أولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ـ في مسكنهم ـ أى في بلدهم ـ آية ـ أى حجّة على وحدانيّة اللّه عزّ وجلّ وكمال قدرته وعلامة على
سبوغ نعمته ثمّ فسّر سبحانه الاية فقال: ـ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ ـ أى بستانان عن يمين من أتاهما وشماله وقيل عن يمين البلد وشماله.
وقيل انّه لم يرد جنّتين اثنتين والمراد إنه كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم وشمالهم متّصلة بعضها ببعض وكانت من كثرة النّعم أنّ المرأة تمشى والمكتل(1)على رأسها فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمسّ بيدها شيئا.
وقيل الاية المذكورة هي أنّه لم يكن في قريتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث و لا عقرب ولا حيّة، وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمّل ودوابّ ماتت عن ابن زيد.
وقيل انّ المراد بالاية خروج الأزهار والثّمار من الأشجار على اختلاف ألوانها وطعومها.
وقيل: انها كانت ثلاث عشرة قرية في كلّ قرية نبيّ يدعوهم إلى اللّه سبحانه يقولون لهم: «كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ»(2)أى كلوا ممّا رزقكم اللّه في هذه الجنان واشكروا له يزدكم من نعمه واستغفروه يغفر لكم بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ أى هذه بلدة مخصّبة نزهة أرضها عذبة تخرج النّبات وليست بسبخة وليس فيها شيء من الهوامّ الموذية.
وقيل أراد به صحّة هواها وعذوبة مائها وسلامة تربتها وأنّه ليس فيها حرّ يؤى في القيظ، ولا برد يؤى في الشتاء ـ وربّ غفور ـ أي كثير المغفرة للذّنوب ـ فأعرضوا ـ عن الحقّ ولم يشكروا اللّه سبحانه ولم يقبلوا ممّن دعاهم إلى اللّه من أنبيائه ـ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ـ وذلك أنّ الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية
اليمن، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما فسدّوا ما بين الجبلين فاذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السدّ بقدر الحاجة فكانوا يسقون زروعهم وبساتينهم فلمّا كذّبوا رسلهم وتركوا أمر اللّه بعث اللّه جرذا نقب ذلك الرّدم(1)وفاض الماء عليهم فأغرقهم عن وهب(2).
وقال البيضاوي سيل العرم أى سيل الأمر العرم أى الصّعب من عرم الرجل فهو عارم وعرم إذا شرس خلقه وصعب أو المطر الشديد أو الجرذ أضاف إليه لأنّه نقب عليهم سكرا ضربت لهم بلقيس، فحقنت به ماء الشجر وتركت فيه نقبا على مقدار ما يحتاجون إليه أو المسناة التي عقدت سكرا على أنّه جمع عرمة وهي الحجارة المركومة.
وقيل اسم واد جاء السيل من قبله وكان ذلك بين عيسى ومحمّد ـ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ ـ اللّتين فيهما أنواع الفواكه والخيرات ـ جَنَّتَيْنِ ـ أخراوين ـ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ـ مرّ بشع فانّ الخمط كلّ نبت أخذ طعما من مرارة.
وقيل الاراك أو كلّ شجر لا شوك له ـ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ـ والأثل الطرفا، لا ثمر له، ووصف السدر بالقلّة فان جناه وهو النبق ممّا يطيب أكله ولذلك يغرس في البساطين ـ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا ـ بكفرانهم النّعمة أو بكفرهم بالرّسل ـ وَهَلْ نُجازِي إِلاّ الْكَفُورَ ـ أى البليغ في الكفران أو الكفر(3).
قال تعالى حكاية عن موسى: «إذ قال لقومه يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ * قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ * قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ * وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ * قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ * قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ * قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ»(1).
عن الباقر عليهالسلام قال قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، والقذّة بالقذّة(2)حتّى لا تخطاؤ طريقهم، ولا تخطأكم سنّة بني إسرائيل.
ثمّ قال أبو جعفر عليهالسلام قال موسى لقومه يا قوم ادخلوا الأرض المقدّسة الّتي كتب اللّه لكم فردّوا عليه وكانوا ستّمأة ألف فقالوا يا موسى إنّ فيها قوما جبّارين الايات قال فعصى أربعون ألفا وسلم هارون(3)وابناه ويوشع بن نون وكالب بن يوحنّا فسمّاهم اللّه فاسقين فقال لا تأس على القوم الفاسقين فتاهوا أربعين(4)سنة لأنّهم
عصوا فكانوا حذو النعل بالنعل أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لما قبض لم يكن على أمر اللّه إلاّ عليّ والحسن والحسين وسلمان والمقداد وأبو ذر فمكثوا أربعين حتّى قام عليّ(1)
قال المجلسي رحمهالله: ولعلّه عليهالسلام حسب الأربعين من زمان إظهار النبي صلىاللهعليهوآله خلافة أمير المؤنين عليهالسلام وإنكار المنافقين ذلك بقلوبهم حتى أظهروه بعد وفاته صلىاللهعليهوآله بحار الأنوار: 13/180.
فقاتل من خالفه(2).وقال الطبرسي وغيره في تفسير الاية ما ملخّصه: قوله حكاية عن خطاب موسى لقومه ـ «يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ» ـ هي بيت المقدس(3)والعياشي
عن الباقر عليهالسلام يعني الشام ـ «الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ» ـ أن تكون مسكنا ـ «وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ» ـ أى لا ترجعوا عن الأرض التي امرتم بدخولها ـ مدبرين «فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ» ـ عن ثواب الدارين ـ «قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ» ـ شديدى البطش والبأس لا يتأتّى لنا مقاومتهم.
قال ابن عباس بلغ من جبريّة هؤاء القوم أنّه لمّا بعث موسى من قومه اثنى عشر نقيبا ليخبروه خبرهم أهمّ رجل من الجبارين يقال له عوج فأخذهم في كمّه مع فاكهة كلّها كان يحملها من بستانه وأتى بهم الملك فنثرهم بين يديه وقال للملك تعجّبا منهم هؤاء يريدون قتالنا؟ فقال الملك ارجعوا إلى صاحبكم فأخبروه خبرنا.
قال وكان فاكهتهم لا يقدر على حمل عنقود منها خمسة رجال بالخشب، ويدخل في قشر نصف رمانة خمسة رجال ـ «وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها
فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ» ـ هما يوشع بن نون وكالب بن يوحنا ابن عمّه كذا عن الباقر عليهالسلام ـ «مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ اللّه» ويتّقونه ـ «أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا» ـ بالايمان والتثبت ـ «ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ» ـ باب قريتهم ـ «فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ» ـ لتعسر الكم عليهم في المضايق من عظم أجسامهم ولأنهم أجسام لا قلوب فيها ـ «وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا» ـ في نصرته على الجبارين ـ «إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنِينَ» ـ به ومصدّقين لوعده ـ «قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ»(1).ـ قالوها استهانة باللّه ورسوله وعدم مبالاة بهما ـ «قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي» ـ لأنه يجيبني إذا دعوته ـ «فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ» ـ لا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم ـ «أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ» ـ يسيرون فيها متحيّرين ـ «فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» ـ لأنّهم أحقّاء بذلك لفسقهم(2).
قال الطبرسيّ: قال المفسرون لما عبر موسى عليهالسلام وبنو إسرائيل البحر وهلك فرعون أمرهم اللّه سبحانه بدخول الأرض المقدّسة فلما نزلوا على نهر الاردن خافوا عن الدخول فبعث من كلّ سبط رجلا وهم الذين ذكرهم اللّه تعالى في قوله وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً فعاينوا من عظم شأنهم وقوّتهم شيئا عجيبا فرجعوا إلى بني إسرائيل فأخبروا موسى بذلك فأمرهم أن يكتموا فوفى اثنان منهم يوشع بن نون من سبط ابن يامين وقيل انه كان من سبط يوسف عليهالسلام وكالب بن يوحنا من سبط يهودا وعصى العشرة واخبروا بذلك.
وقيل كتم الخمسة منهم وأظهر الباقون وفشا الخبر في الناس فقالوا إن دخلنا عليهم تكون نسائنا وأهالينا اغنمة لهم، وهموا بالانصراف إلى مصر وهموا بيوشع و كالب وأرادوا أن يرجموهما بالحجارة فاغتاظ لذلك موسى وقال رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فأوحى اللّه إليه إنهم يتيهون في الأرض أربعين سنة وإنما يخرج منهم من لم يعص اللّه في ذلك فبقوا في التيه أربعين سنة في ستة عشر فرسخا وقيل تسع فراسخ وهم ستمائة ألف مقاتل لا تتخرّق ثيابهم وتثبت معهم وينزل عليهم المنّ والسلوى(1).
وقال الطبرسي في تفسير قوله: «وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى»(2): وكان السبب في إنزال المنّ والسلوى عليهم أنه لما ابتلاهم اللّه بالتيه إذ قالوا لموسى «فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ»(3).حين أمرهم بالمسير إلى بيت المقدس وحرب العمالقة فوقعوا في التيه صاروا كلّما ساروا تاهوا في قدر خمسة فراسخ أو ستّة فكلّما أصبحوا صاروا عادين فأمسوا فاذاهم في مكانهم الذي ارتحلوا منه كذلك حتّى تمّت المدّة وبقوا في التيه أربعين سنة(4).
وعن الصادق عليهالسلام قال فحرّم اللّه عليهم ـ أى دخول الأرض المقدّسة ـ أربعين سنة وتيههم فكان إذا كان العشاء وأخذوا في الرّحيل نادوا الرّحيل الرّحيل الوحا الوحا، فلم يزالوا كذلك حتّى تغيب الشمس حتّى إذا ارتحلوا واستوت بهم الأرض قال اللّه تعالى للأرض ديرى بهم، فلم يزالوا كذلك حتّى إذا سحروا،
وقارب الصبح قالوا إنّ هذا الماء قد أتيتموه فانزلوا فاذ اتيههم (ابنيتهم) ومنازلهم الّتي كانوا فيها بالأمس، فيقول بعضهم لبعض يا قوم لقد ضللتم وأخطأتم الطريق فلم يزالوا كذلك حتى أذن لهم فدخلوها(1).
وعن النبيّ صلىاللهعليهوآله إنّ موسى كليم اللّه مات في التيه فصاح صائح في السماء مات موسى وأىّ نفس لا تموت؟(2).قال الطبرسي: فلمّا حصلوا في التّيه ندموا على ما فعلوا فألطف اللّه لهم بالغمام لمّا شكوا حرّ الشمس وأنزل عليهم المنّ والسلوى فكان يسقط عليهم المنّ من وقت طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس فكانوا يأخذون منها ما يكفيه ليومهم وكان اللّه تعالى يبعث لهم السّحاب بالنّهار فيدفع عنهم حرّ الشمس وكان ينزل عليهم باللّيل من السّماء عمودا من نور يضيء لهم مكان السّراج وإذا ولد فيهم مولود كان عليه ثوب بطوله كالجلد(3).
وماتت النقباء غير يوشع بن نون وكالب ومات أكثرهم ونشأ ذراريهم وخرجوا إلى حرب أريحا وفتحوها(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً ـ بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ ـ فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا ـ وَاصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا ـ الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللّهِ تُؤدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ ـ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ ـ وَأَحَلَّ حَلالاً غَيْرَ مَدْخُولٍ ـ وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرَمِ كُلِّهَا ـ وَشَدَّ بِالاْءِخْلاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا ـ فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إِلاّ بِالْحَقِّ ـ وَلا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلاّ بِمَا يَجِبُ ـ بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَهُوَ الْمَوْتُ ـ فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ ـ تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ ـ اتَّقُوا اللّهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ ـ فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ ـ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَلا تَعْصُوهُ ـ وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ ـ وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْه (فاصدفوا عنه خ ل)
قال الطبري: كتب إليّ السّدّي عن شعيب عن سيف عن سليمان بن أبي المغيرة
عن عليّ بن الحسين عليهالسلام قال: أوّل خطبة خطب عليّ عليهالسلام قال حمد اللّه وأثنى عليه، فقال: انّ اللّه عزّ وجلّ... وزاد في آخره وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ...(1).(2).
قال تعالى: «هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ»(3).
وقال تعالى: «وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء»(4).
وقال تعالى: «كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ»(5).
وقال تعالى: «الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً * ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً * وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً»(6).
قال تعالى: «اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ»(7).
صدف عنّي أي أعرض(1)والسّمت: الطّريق(2)والقصد العدل، قال:
على حكم المأتيّ يوما اذا قضى *** قضيّته ألاّ يجور ويقصد
قال الفّراء رفعه للمخالفة لأنّ معناه مخالف لما قبله فخولف بينهما في الإعراب(3).
قال النبى صلىاللهعليهوآله: أعبد النّاس من أقام الفرائض(4).
قال تعالى: «وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ»(5).
وقال تعالى: «لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤمِنُونَ»(6).
وانّما وصف عليهالسلام الحرام بكونه غير مجهول لأنّ كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه(7)وذلك فيما لم يكن علم إجمالي، ووصف الحلال بكونه غير مدخول لأنّه انّما أحلّ حلالا لم يدخل فيه الحرام فيحرم الحلال أيضا معه كما لو علم الحرام تفصيلا معيّنا وقال ابن أبي الحديد ذكر عليهالسلام انّ الحرام غير مجهول
للمكلّف بل معلوم والحلال غير مدخول أي لا عيب ولا نقص فيه... وتبعه باقي الشّراح(1). وهو كما ترى.
قال ابن أبي الحديد لفظ الخبر النبويّ حرمة المسلم فوق كلّ حرمة دمه وعرضه وماله(2).وروى ابن سعد عن نبيط بن شريح الأشجعي قال انّي لرديف أبي في حجّة الوداع إذ تكلّم النبيّ صلىاللهعليهوآله فقمت على عجز الرّاحلة ووضعت رجلي على عاتقي أبي فسمعته يقول أيّ يوم أحرم قالوا هذا اليوم قال فأيّ شهر أحرم قالوا هذا الشهر قال فأيّ بلد أحرم قالوا هذا البلد قال فانّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا هل بلّغت قالوا اللّهمّ نعم قال اللّهمّ اشهد اللّهمّ اشهد اللّهمّ اشهد(3).
وروى خبر آخر بمضمونه وفي أوّله وقف يوم النحر بين الجمرات، وفي آخره ثمّ ودّع النّاس، فقالوا هذه حجّة الوداع(4).وخبر آخر وزاد في ذيله ألا لا ترجعنّ بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض(5).
شدّه أي: أوثقه يشُدّه يشده أيضا وهو من النّوادر، قال الفرّاء ما كان على فعلت من ذوات التضعيف غير واقع فانّ يفعل منه مكسور العين مثل عففت أعفّ وما كان واقعا مثل رددت ومددت فانّ يفعل منه مضموم إلاّ ثلاثة أحرف جاءت نادرة وهي شدّه يشُدّه يشده وعلّه يعلّه ويعلّه من العلل وهو الشّرب الثاني ونمّ الحديث و ينُمّه وينِّمه(1)وقال عقدت البيع والحبل والعهد، والمعاقد مواضع العقد...(2)
والظّاهر انّ المراد بالإخلاص والتوحيد كلمة الاسلام الموجب لحقن المال والدّم قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا...»(3)
قال القمّي لمّا رجع النبيّ صلىاللهعليهوآله من غزاة خيبر بعث اسامة بن زيد في خيل الى بعض قرى اليهود في ناحية فدك ليدعوهم الى الاسلام وكان رجل منهم يقال له مرداس بن نهيك الفدكي في بعض القرى فلّما أحسّ بخيل النبيّ صلىاللهعليهوآله جمع أهله وماله في ناحية الجبل فأقبل يقول اشهد ان لا إله إلاّ اللّه وانّ محمّدا رسول اللّه فمرّ به اسامة بن زيد فطعنه فقتله فلما رجع الى النبيّ صلىاللهعليهوآله قال له قتلت رجلا شهد ألاّ إله إلاّ اللّه وانّي رسوله فقال انما قالها تعوّذا من القتل فقال صلىاللهعليهوآله أفلا كشفت الغطاء عن قلبه لا ما قاله بلسانه قبلت ولا ما كان في نفسه علمت فحلف بعد ذلك اسامة الاّ يقتل أحدا شهد ألاّ إله إلاّ اللّه وانّ محمّدا رسوله فتخلّف عن أمير المؤنين عليهالسلام في حروبه لذلك، فأنزل تعالى في ذلك: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّهِ
مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ»(1).(2).
قال الصادق عليهالسلام: الاسلام يحقن به الدّم وتؤّى به الأمانة وتستحلّ به الفروج(3).وفي رواية اخرى عن سماعة عن الصادق عليهالسلام قال: الاسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه والتصديق برسول اللّه صلىاللهعليهوآله به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث(4).
قالوا وهو نظير قوله تعالى وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ(5).
قال تعالى: «وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها...»(6).
وقال تعالى: «وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين»(7).
وقد تلخص مما ذكره عليهالسلام وجوب مراعات حرمة المسلم والمحافظة على حقوقه وقد اشير إليها في أخبار أهل البيت عليهمالسلام:
عن أبي المعزا عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله
ولا يخونه، ويحقّ على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم اللّه عزّ وجلّ رحماء بينكم متراحمين مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله(1).
وعن معلّى بن خنيس عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: قلت له: ما حقّ المسلم على المسلم؟ قال: له سبع حقوق واجبات ما منهنّ حقّ إلاّ وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية اللّه وطاعته، ولم يكن للّه فيه من نصيب قلت له:
جعلت فداك وما هي؟ قال يا معلّى إنّي عليك شفيق أخاف أن تضيّع ولا تحفظ أو تعلم ولا تعمل قلت: لا قوّة إلاّ باللّه.
قال: أيسر حقّ منها أن تحبّ له ما تحبّ لنفسك، وتكره له ما تكره لنفسك والحقّ الثاني أن تجتنب سخطه وتتّبع مرضاته وتطيع أمره.
والحقّ الثالث أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك.
والحقّ الرّابع أن تكون عينه ودليله ومرآته.
والحقّ الخامس أن لا تشبع ويجوع، ولا تروى ويظمأ، ولا تلبس ويعرى.
والحقّ السّادس أن يكون لك خادم وليس لأخيك خادم فوجب أن تبعث خادمك فيغسّل ثيابه، ويصنع طعامه، ويمهّد فراشه.
والحقّ السابع أن تبرّ قسمه، وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته وإذا علمت أنّ له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه إلى أن يسألكها ولكن تبادره
1) .الكافي: 2/174، ح15؛ بحار الأنوار: 71/256، ح53.
مبادرة فاذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك(1).
و عن الحسين بن محمّد ابن عليّ الصّيرفي عن محمّد بن عليّ الجعابي عن القاسم بن محمّد بن جعفر العلوي عن أبيه عن آبائه ع السّلام قال: قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله للمسلم على أخيه ثلاثون حقّا لا براءة له منها إلاّ بالأداء أو العفو:
يغفر زلّته، ويرحم عبرته، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويردّ غيبته، ويديم نصيحته، ويحفظ خلّته، ويرعى ذمّته، ويعود مرضته، ويشهد ميتته، ويجيب دعوته، ويقبل هديته، ويكافي صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته ويحفظ حليلته، ويقضى حاجته، ويشفع مسئلته، ويسمّت عطسته، ويرشد ضالته ويردّ سلامه، ويطيب كلامه، ويبرّ إنعامه، ويصدّق أقسامه، ويوالي وليّه، ويعادى عدوّه وينصره ظالما ومظلوما فأمّا نصرته ظالما فيردّه عن ظلمه، وأمّا نصرته مظلوما فيعينه على أخذ حقّه، ولا يسلمه ولا يخذله ويحبّ له من الخير ما يحبّ لنفسه، ويكره له من الشرّ ما يكره لنفسه.
ثمّ قال عليهالسلام سمعت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يقول: إنّ أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالب به يوم القيامة فيقضى له وعليه(2).وعَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّهِ عليهالسلام يَقُولُ قَالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِيَأْذَنْ بِحَرْبٍ مِنِّي مَنْ آذَى عَبْدِيَ الْمُؤمِن(3).
وعَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ
الصُّدُودُ لِأَوْلِيَائِي(1)فَيَقُومُ قَوْمٌ لَيْسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ لَحْمٌ فَيُقَالُ هَؤلاءِ الَّذِينَ آذَوُا الْمُؤمِنِينَ وَنَصَبُوا لَهُمْ وَعَانَدُوهُمْ وَعَنَّفُوهُمْ فِي دِينِهِمْ ثُمَّ يُؤمَرُ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ(2).
قال ابن أبي الحديد أمر بمبادرة الموت وسمّاه الواقعة العامّة لأنّه يعمّ الحيوان كلّه ثمّ سمّاه خاصّة أحدكم لأنّه وان كان عامّاً إلاّ انّ له مع كلّ انسان خصوصيّة
زائدة على ذلك العموم...(3)ولكن تفسيره في غاية البعد بل الظاهر من قوله عليهالسلام «بادروا أمر العامّة» المبادرة في أمر عامّة المسلمين بإصلاح شئونهم و قضاء حوائجهم.
وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: مَنْ لَمْ يَهْتَمَّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ(4).
1) . صد عنه يصد صدودا أي أعرض وصده عن الامر صدا: منعه وصرفه عنه. أى أين المعرضون عن الأولياء المعادون لهم أو أين المانعون لهم عن حقوقهم أو أين المستهزءون بهم. والصد جاء لهذه المعاني كما يظهر من مصباح اللغة ولعلّ المراد بخلو وجوههم عن اللحم لاجل أنّه ذاب من الغم وخوف العقوبة أو من خدشه بايديهم تحسدا أو تأسفا ويؤده ما رواه العامّة عن النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: مررت ليلة أسرى بقوم لهم المنقار من نحاس يخدشون وجوههم وصدورهم: فقلت، من هؤاء يا جبرئيل؟ قال: هم الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.
2) .الكافي: 2/351، ح2؛ بحار الأنوار: 7/201، ح83.
3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/289.
4) .الكافي: 2/164، ح4؛ بحار الأنوار: 71/338، ح119.
ونقل الشريف الرضى: «فخلفكم السّاعة تحدوكم»(1).
وقال ابن أبي الحديد في قوله هنا: «فانّ النّاس أمامكم» وروى: «فانّ البأس أمامكم»(2)يعني الفتنة.
لكن لو صحّ البأس بالباء من أين انّ المراد به الفتنة ولعلّ المراد به العذاب.
أى يسوقكم من خلفكم.
وقع حريق في المدائن فأخذ سلمان سيفه ومصحفه وخرج من الدّار، وقال هكذا ينجو المخفّون(3).ودخل قوم على سلمان وهو أمير المدائن وهو يعمل الخوص فقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير يجري عليك رزق فقال: انّي أحبّ أن آكل من عمل يدي(4).
وعن الحسن قال: كان عطاء سلمان خمسة آلاف وكان على ثلاثين ألفا من النّاس يخطب في عباية يفترش ويلبس فضلها وكان اذا خرج عطاه أمضاه وأكل من سفيف يده(5).
وعن ابن أبي يعفور قال قال أبو عبداللّه عليهالسلام انّ فقراء المؤنين يتقلّبون في
رياض الجنّة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا(1)ثمّ قال سأضرب لك مثلا انّما مثل ذلك مثل سفينتين مرّ بهما على عاشر(2)فنظر في إحداهما فلم ير فيها شيئا فقال اسربوها(3)ونظر في الاخرى فاذا هي موقورة(4).فقال احبسوها(5).
وعن سعدان عن الصادق عليهالسلام: أنّ اللّه تعالى يلتفت يوم القيامة الى فقراء المؤنين شبيها بالمعتذر اليهم فيقول وعزّتي ما افقرتكم في الدّنيا من هوان بكم عليّ ولترون ما أصنع بكم اليوم فمن زوّدكم في دار الدّنيا معروفا فخذوا بيده و ادخلوه الجنّة فيقول رجل منهم يا ربّ انّ أهل الدّنيا تنافسوا في دنياهم فنكحوا النساء ولبسوا الثياب اللّيّنة وأكلوا الطعام وسكنوا الدّور وركبوا المشهور من الدوّاب(6)فاعطني مثل ما أعطيتهم فيقول تعالى ولكلّ عبد منكم مثل ما أعطيت أهل الدّنيا منذ كانت الدّنيا الى ان انقضت الدّنيا سبعون ضعفا(7).
وعن هشام عن أبي عبداللّه عليهالسلام: اذا كان يوم القيامة قام عنق من النّاس حتّى
1) . الخريف: الزمان المعروف من السنة ما بين الصيف والشتاء ويريد به أربعين سنة لأنّ الخريف لا يكون في السنة إلاّ مرة واحدة فإذا انقضى أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة كذا في النهاية وفي معاني الأخبار بإسناده عن أبي جعفر عليهالسلام قال: ان عبدا مكث في النار سبعين خريفا والخريف سبعون سنة إلى آخر الخبر وفسره صاحب المعالم بأكثر من ذلك. وفي مصباح المنير الخريف: الفصل الذي تخترف فيه الثمار. أي تقطع فيها الثمار.
2) . العاشر: من يأخذ العشر.
3) . أسربوها» يعنى خلوها تذهب، بمعنى التوجه للامر والذهاب إليه.
4) . أي مملوة وفي بعض النسخ [موقرة] فهى بمعناها والتشبيه في غاية الحسن.
5) . الكافي: 2/260، ح1؛ بحار الأنوار: 69/6، ح4.
6) . أي التي اشتهرت بالنفاسة. والمشهور: المعروف المكان والنبيه.
7) .الكافي: 2/261، ح9؛ بحار الأنوار: 69/11، ح11.
يأتوا باب الجنّة فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن الفقراء فيقال لهم اقبل الحساب فيقولون: ما أعطيتمونا شيئا تحاسبونا عليه فيقول تعالى صدقوا، ادخلوا الجنّة(1).
ليس تفريعا على خصوص (تخفّفوا تلحقوا) بل على (و انّ وراءكم السّاعة تحدوكم) (و ان السّاعة تحدوكم من خلفكم) خصوصا أو مع (تخفّفوا تلحقو)، وعن الصادق عليهالسلام عجبا لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم(2)
أي يمنعون من ذهب منهم أي الأموات أن يرجعوا إلى آخرهم أي الاحياء الذين لم يلحقوا بعدهم فيخبروهم بما جرى عليهم أو يئسوا من عودهم إلى الدنيا ثمّ نودى في الاحياء بالرحيل إلى الأموات وهم لاعبون غافلون عمّا ينفعهم في تلك النشأة فلا شيء أعجب من تلك الحال. ويحتمل أن تكون كلمة «عن» للتعليل اي حبس أوّلهم ومن مضى منهم في القبور ليلحق بهم آخرهم فيحشرون معا إلى القيامة مرآة العقول: 14/258.
.ثمّ نودي فيهم بالرّحيل وهم يلعبون(3).وعن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: أرواح المؤنين في حجرات في الجنّة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها ويقولون ربّنا أقم لنا السّاعة وانجز لنا ما وعدتنا والحق آخرنا بأوّلنا(4).وقال عليهالسلام: وأرواح المشركين في النّار يعذّبون يقولون ربّنا لا تقم لنا السّاعة ولا تنجز لنا ما وعدتنا ولا تلحق آخرنا بأوّلنا(5).
قال تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(1).وقال تعالى: «وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ»(2).
انّ أبا الحسن عليهالسلام اشترى دارا وأمر مولى له أن يتحوّل إليها وقال انّ منزلك ضيّق فقال قد أحدث هذه الدّار أبي فقال عليهالسلام ان كان أبوك أحمق ينبغي أن تكون مثله(3).وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: مَنْ بَاتَ عَلَى سَطْحٍ غَيْرِ مُحَجَّرٍ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلا يَلُومَنَّ إِلاّ نَفْسَهُ(4).
وعن أبي جعفر عليهالسلام وجدنا في كتاب عليّ عليهالسلام «إِنَّ الْأَرْضَ للّهِِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(5)ـ الى أن قال ـ فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها وليؤّ خراجها الى الامام من أهل بيتي وله ما أكل منها فان تركها أو أخربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمّرها وأحياها فهو أحقّ بها من
الّذي تركها...(1).
عن الصادق عليهالسلام قال: للدّابّة على صاحبها ستّة حقوق، لا يحمّلها فوق طاقتها ولا يتّخذ ظهرها مجلسا يتحدّث عليه ويبدأ بعلفها اذا نزل ولا يمسّها(2).ولا يضربها في وجهها فانّها تسبّح ويعرض عليها الماء اذا مرّ به(3).
وعن النبيّ صلىاللهعليهوآله: اضربوها على النّفار ولا تضربوها على العثار(4).وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: لا تَتَوَرَّكُوا عَلَى الدَّوَابِّ وَلا تَتَّخِذُوا ظُهُورَهَا مَجَالِسَ(5).
وعَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام عَنْ آبَائِهِ عليهمالسلام أَنَّ النَّبِيَّ صلىاللهعليهوآله أَبْصَرَ نَاقَةً مَعْقُولَةً وَعَلَيْهَا جَهَازُهَا فَقَالَ أَيْنَ صَاحِبُهَا مُرُوهُ فَلْيَسْتَعِدَّ غَداً لِلْخُصُومَةِ(6).وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً عُذِّبَتْ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ عَطَشاً(7).
وجاء في الخبر الصحيح إن اللّه تعالى عذب إنسانا بهر حبسه في بيت وأجاعه حتى هلك(8).
وعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليهالسلام
1) .الكافي: 1/407، ح1؛ بحار الأنوار: 97/58، ح2.
2) . الوسم: العلامة وأثر الكي، أي لا يحرق جلدها بحديدة ونحوها.
3) . الكافي: 6/537، ح1؛ بحار الأنوار: 61/205.
4) .الكافي: 6/538، ح7؛ بحار الأنوار: 61/205.
5) . الكافي: 6/539، ح8؛ بحار الأنوار: 61/214، ح23.
6) .المحاسن: 2/361، ح90؛ بحار الأنوار: 61/203، ح5.
7) . ثواب الاعمال وعقاب الاعمال:278؛ بحار الأنوار: 61/267، ح25.
8) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/290.
فَالْتَاثَتْ(1).عَلَيْهِ النَّاقَةُ فِي سَيْرِهَا فَأَشَارَ إِلَيْهَا بِالْقَضِيبِ ثُمَّ قَالَ آهِ لَوْ لا الْقِصَاصُ وَرَدَّ يَدَهُ عَنْهَا(2).
قال تعالى: «وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً * ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفى بِاللّهِ عَلِيماً»(3).
وقال تعالى: «وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ»(4).
قال تعالى: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ... فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون»(5).
وقال تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»(6).
(وأقول) كما في ابن أبي الحديد وابن ميثم.
«انّ هذا الكلام لو وزن بعد كلام اللّه سبحانه وبعد كلام رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بكلّ كلام لمال به راجحا» يعني لو وضع كلامه صلىاللهعليهوآله في كفّة ميزان وكلام كلّ أحد غير اللّه ورسوله في كفّة اخرى لمال هذا الكلام به راجحا أي أشالت كفّة كلامه عليهالسلام لكفّة كلام غيره ورفعتها، شبّه كلامه عليهالسلاموكلام غيره بمتاعين وضعا في كفّتين.
«وبرّز عليه سابقا» برّز بالتشديد قال الجوهرى: برّز الرّجل فاق على أصحابه وكذلك الفرس إذا سبق...(1).
شبّه كلامه عليهالسلام وكلام غيره بفرسين تسابقا وانّ كلامه عليهالسلام السّابق في المضمار.
«فما سمع كلام أقلّ منه مسموعا ولا أكثر محصولا» أي: أقلّ لفظا وأكثر معنى نظير قول النبيّ صلىاللهعليهوآله خير الأمور أوسطها(2).
«وما أبعد غورها من كلمة» أي: يبعد الوصول الى قعرها، شبّه كلامه عليهالسلامببحر بعيد القعر لا يوصل اليه، وقال الجوهرى: غور كلّ شيء قعره(3).
«وانقع نطفتها من حكمة» قال الجوهرى: نقع الماء العطش نقعا ونقوعا أي: سكّنه(4)ويقال شرب حتّى نقع أي: شفى غليله(5).والنّطفة: الماء الصّافي قلّ أو كثر(6). «و قد نبّهنا في كتاب الخصائص على عظم قدرها وشرف جوهرها»، قال: وما أقلّ هذه الكلمة وأكثر نفعها وأعظم قدرها وأبعد غورها وأسطع نورها(7).
روى ابن الأثير هذه الخطبة باختلاف يسير قال: قال: وبويع عليهالسلاميوم الجمعة لخمس بقين من ذى الحجّة من سنة خمس وثلاثين من الهجرة وأوّل خطبة خطبها عليهالسلام حين استخلف حمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال عليهالسلام.
إنّ اللّه أنزل كتابا هاديا بيّن فيه الخير والشرّ فخذوا الخير، ودعوا الشرّ الفرائض أدّوها إلى اللّه تؤّكم إلى الجنّة إنّ اللّه حرّم حرمات غير مجهولة، وفضّل حرمة المسلم على الحرم كلّها، وشدّ بالاخلاص والتوحيد حقوق المسلمين فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلاّ بالحقّ ولا يحلّ دم امرء مسلم إلاّ بما يجب.
بادروا أمر العامّة وخاصّة أحدكم الموت، فانّ النّاس أمامكم وإنّما خلفكم السّاعة تحدوكم، تخفّفوا تلحقوا فانما ينتظر الناس باخركم.
اتّقوا اللّه عباد اللّه في عباده وبلاده، إنّكم مسؤون حتّى عن البقاع والبهائم وأطيعوا اللّه ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوه وإذا رأيتم الشرّ فدعوه(1).
1) .الكامل لابن الأثير: 3/194.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ وَلَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ وَالْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ يَمْلِكُونَنَا وَلا نَمْلِكُهُمْ وَهَا هُمْ هَؤلاءِ قَدْ ثَارَتْ مَعَهُمْ عِبْدَانَكُمْ ـ وَالْتَفَّتْ إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ وَهُمْ خِلالَكُمْ يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا وَهَلْ تَرَوْنَ مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَه وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ وَإِنَّ لِهَؤلاءِ الْقَوْمِ مَادَّةً إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِذَا حُرِّكَ عَلَى أُمُور فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ وَفِرْقَةٌ تَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَفِرْقَةٌ لا تَرَى هَذَا وَلا ذَاكَ فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا وَتُؤخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً فَاهْدَءُوا عَنِّي وَانْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي وَلا تَفْعَلُوا فَعْلَةً تُضَعْضِعُ قُوَّةً وَتُسْقِطُ مُنَّةً وَتُورِثُ وَهْناً وَذِلَّةً وَسَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَي.
قال ابن أبي الحديد: أنّ هذا الكلام قاله عليهالسلام أوّل مسير طلحة والزبير إلى البصرة(1).
بعد ما بويع له بالخلافة، وقد قال له قوم من الصحابة: لو عاقبت قوما ممن أجلب على قتل عثمان لكان حسنا لما فيه من قطع عذر الناكثين اذ عمدة متمسّكهم في النكث كان المطالبة بدم عثمان.
معتذرا عمّا اشير عليه
إنّي على غزارة علمى
بل أعلم ما كان وما هو كائن وما يكون
على القصاص والانتقام
المجتمعون المتألّبون
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/294.
أى على غاية شوكتهم أو مع كونهم مجدّين في الشوكة مبالغين في شدّة البأس
أى هم مسلّطون علينا ولسنا مسلّطين عليهم وصدقه عليهالسلام في هذا الجواب ظاهر
لأنّ أكثر أهل المدينة كانوا من المجلبين عليه، وكان من أهل مصر ومن الكوفة وغيرهم خلق عظيم، حضروا من بلادهم وقطعوا المسافة البعيدة لذلك، وانضمّ إليه أعراب البادية وعبيد المدينة، وثاروا ثورة واحدة فكانوا على غاية الشوكة ولذلك اعتذر عليهالسلام بعدم التمكّن والقوّة.
وقد روى أنّه عليهالسلام جمع النّاس ووعظهم ثمّ قال لتقم قتلة عثمان فقام النّاس بأسرهم إلاّ القليل وكان ذلك الفعل استشهادا منه على صدق قوله(1)، ونبّه أيضا على صدقه عليهالسلام باحالة المشيرين عليه إحالة معاينة وباشارة حضوريّة إلى كثرة المجلبين وشدّتهم فقال عليهالسلام:
وهاجت.
وانضمّت.
1) . بحار الأنوار: 31/503.
أى بينكم غير متباعدين عنكم
كيف شاءوا ليس لهم رادع ولا دافع
والحال هذه
ثمّ قال:
أى أمر المجلبين
لأنّ قتلهم لعثمان كان عن عصبيّة وحميّة لا لطاعة أمر اللّه وإن كان في الواقع مطابقا له.
ويمكن أن يكون المراد به أنّ ما تريدون من معاقبة القوم أمر جاهليّة نشأ عن تعصّبكم وحميّتكم وأغراضكم الباطلة وفيه إثارة للفتنة، وتهييج للشرّ، لكنّ الأوّل أنسب بسياق الكلام إذ غرضه من إيراد تلك الوجوه إسكات الخصم.
أى مددا ومعينين
عن موضعه واريد معاقبة المجلبين
ثلاثة أشار إليها بقوله:
ويحكمون بحسن العقاب
وتزعم أنّ في العقاب عدولا عن الصّواب
ثالثة
ولا يحكمون فيه بصواب ولا خطاء.
ولما بيّن اختلاف الاراء وتشتّت الأهواء في التخطئة والتصويب وكان الاقتصاص والانتقام مع وجود هذا الاختلاف مظنّة فتنة اخرى كالاولى بل وأعظم منها وكان الأصوب في التدبير والّذي يوجبه العقل والشرع الصبر وإمساك
النكير إلى حين سكون الفتنة، وتفرّق تلك الشعوب من المدينة، لا جرم أمرهم بالصّبر فقال:
ويسكنوا.
وتؤب إلى الناس أحلامهم.
منقادة بسهولة.
متفرقين.
ولا تستعجلوه ولا تسرعوا
أى نوع فعل
وتهدم.
فانّ الامور مرهونة بأوقاتها ومجتنى الثمرة لغير وقت إيناعها لا تذوق إلاّ مرارة منها.
قال ابن أبي الحديد: وكان عليهالسلام يؤّل أن يطيعه معاوية وغيره وأن يحضر بنو عثمان عنده يطالبون بدم أبيهم ويعيّنون قوما بأعيانهم بعضهم للقتل وبعضهم للتسوّر كما جرت عادة المتظلّمين إلى الامام والقاضي فحينئذ يتمكّن من العمل بحكم اللّه فلم يقع الأمر بموجب ذلك وعصى معاوية وأهل الشّام والتجأ ورثة عثمان إليه وفارقوا حوزة أمير المؤنين عليهالسلام ولم يطالبوا القصاص طلبا شرعيّا وإنّما طلبوه مغالبة وجعلها معاوية عصبيّة الجاهلية ولم يأت أحد منهم الأمر من بابه.
وقبل ذلك ما كان من أمر طلحة والزّبير ونقضهما البيعة ونهبهما أموال المسلمين بالبصرة وقتلهما الصّالحين من أهلها وجرت امور كلّها يمنع الامام عن التصدّي للقصاص واعتماد ما يجب اعتماده لو كان الأمر وقع على القاعدة الصحيحة من المتطالبة بذلك على وجه السكوت والحكومة.
وقد قال هو عليهالسلام لمعاوية وأما طلبك قتلة عثمان فادخل في الطاعة وحاكم القوم إلىّ أحملك وإيّاهم على كتاب اللّه وسنّة رسوله صلىاللهعليهوآله(1)هذا. وامّا قوله عليهالسلام:
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/293.
هكذا في نسخة الشارحين البحراني(1)وابن أبي الحديد(2)، قال ثانيهما: وهو مثل مشهور ويقال آخر الطبّ ويغلط فيه العامّة فيقول: آخر الدّاء، والكيّ ليس من الدّاء ليكون آخره(3).وفي نسخة البحار: آخر الدّاء قال العلاّمة المجلسيّ (ره) هكذا في أكثر النسخ المصحّحة ولعلّ المعنى بعد الدّاء الكيّ إذا اشتدّ الداء ولم يزل بأنواع المعالجات فيزول بالكيّ وينتهى أمره إليه(4).
ثمّ قال ابن أبي الحديد: وليس معناه وسأصبر عن معاقبة هؤاء ما أمكن الصبر فاذا لم أجد بدّا عاقبتهم ولكنّه كلام قاله أوّل مسير طلحة والزّبير إلى البصرة فانّه حينئذ أشار عليه قوم بمعاقبة المجلبين فاعتذر بما قد ذكر.
ثمّ قال: وسأمسك الأمر ما استمسك أى أمسك نفسي عن محاربة هؤاء النّاكثين للبيعة ما أمكن وأدفع الأيّام بمراسلتهم وتخويفهم وإنذارهم وأجتهد في ردّهم الى الطاعة بالترغيب والترهيب، فاذا لم أجد بدّا من الحرب فاخر الدواء الكيّ أي الحرب لأنّها الغاية التي ينتهى أمر العصاة إليها(5).
قال العلاّمة المجلسيّ «ره»: ويحتمل أن يكون ذلك تورية منه عليهالسلام ليفهم بعض المخاطبين المعنى الأوّل ومراده المعنى الثاني(6).
أقول: قد تقدّم في شرح الكلام الثّلاثين تفصيلا أنّه عليهالسلام كان بنائه على إبهام المرام، واستعمال التورية في الكلام، في أمر عثمان لمصالح قاضية بذلك مانعة عن الابانة والتصريح فليراجع ثمّة(1).
قال التسترى: كما نسبوا الخطبة (31) من الكتاب وهي: «أيّها الناس قد أصبحنا في دهر عنود وزمن كنود...»(2)إلى معاوية وهي من كلامه عليهالسلامقطعا ـ فقال المصنّف ثمّة: إنّ الجاحظ قال في (بيانه): هي بكلام علي عليهالسلامأشبه، وبمذهبه في تصنيف الناس وبالإخبار عمّا هم عليه من القهر والإذلال، ومن التقيّة والخوف أليق، ومتى وجدنا معاوية في حال من الأحوال يسلك في كلامه مسلك الزّهاد(3)ـ كذلك هذا الكلام نسبوه إلى أمير المؤنين عليهالسلام، وهو بكلام معاوية أشبه وبمذهبه في انتهازه الفرصة من قتلة عثمان، و لو كان مثل عمّار وعمرو بن الحمق أليق، ومتى وجدنا أمير المؤنين عليهالسلام في حال من الأحوال يذمّ قتلة عثمان اللهمّ إلاّ قتلة قتلوه وطلبوا دمه كطلحة والزبير وعايشة.
وممّا يوضّح كونه كلام معاوية ما قاله ابن عبد ربّه: إنّ معاوية قدم المدينة بعد عام المجاعة فدخل دار عثمان، فصاحت عايشة ابنة عثمان وبكت ونادت أباها، فقال معاوية: يا ابنة أخي إنّ الناس أعطونا طاعة وأعطيناهم أمانا، وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا ذلاّ تحته حقد، ومع كلّ إنسان سيفه ويرى موضوع أصحابه، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا، ولا ندري أ علينا تكون أم لنا، وإن تكوني ابنة عمّ
الخليفة، خير من أن تكوني امرأة من عرض الناس(1).وقد رواه الجاحظ عن عيسى بن يزيد عن أشياخه(2).
وكيف يمكن أن يكون هذا كلامه عليهالسلام والدراية بخلافة فقد عرفت كلامه عليهالسلام في مواضع اخر من النهج، وفي غير النهج، وكلام شيعته عليهالسلام في قتله وقتلته، وكلّها بالضد لما هنا.
وكيف يمكن أن يكون هذا كلامه عليهالسلام، وقد ثبت بالتواتر أنّه عليهالسلامآوى قتلته، وكان يدافع عنهم لمّا كان معاوية يطلبهم، ثم من كان الطالب ذلك منه عليهالسلامأولياؤ، فكلّهم كانوا من قاتلي عثمان وخاذليه، أم أعداؤ فلم يبايعوه، بل هربوا منه، فإن كان طلب منه ذلك أحد فليكن طلحة الذي كان على باب عثمان لحصره حتى قتل، ومنع من إدخال الماء عليه، ومن دخول أحد عليه ومنع الناس من دفنه، وأعدّ رجالا يرمون جنازته.
وكيف يمكن أن يكون هذا كلامه ومن قتلته كان عمّار ومحمّد بن أبي بكر ومالك الأشتر وقال ابن قتيبة في عنوان قدوم أبي هريرة وأبي الدرداء على معاوية، ذكروا أنّ أبا هريرة وأبا الدرداء قدما على معاوية من حمص وهو بصفين، فوعظاه وقالا له: علام تقاتل عليّا وهو أولى بهذا الأمر منك في الفضل والسابقة، لأنّه رجل من المهاجرين الأوّلين السابقين، وأنت طليق وأبوك من الأحزاب فقال: لست أزعم أنّي أولى بهذا الأمر من عليّ، ولكنّي اقاتله حتى يدفع إليّ قتلة عثمان. فقالا: إذا دفعهم إليك ما ذا يكون قال: أكون رجلا من المسلمين ـ إلى أن قال ـ: فأتيا عليّا عليهالسلام فقالا له: إنّ لك فضلا لا يدفع، وقد سرت مسير فتى إلى سفيه
من السفهاء، ومعاوية يسألك أن تدفع إلينا قتلة عثمان، فإن فعلت ثم قاتلك كنّا معك. فقال لهما علي عليهالسلام: أ تعرفانهم قالا: نعم. قال: فخذاهم. فأتيا محمّد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر والأشتر، فقالا: أنتم من قتلة عثمان وقد امرنا بأخذكم. فخرج إليهما أكثر من عشرة آلاف رجل، فقالوا: نحن قتلنا عثمان. فقالا: نرى أمرا شديدا، البس علينا أمر الرجل.
فانصرفا إلى منزلهما بحمص، فلمّا قدما حمص لقيهما عبد الرحمن بن عثمان فسألهما عن مسيرهما، فقصّا عليه القصّة، فقال: العجب منكما أنّكما من صحابة النبي صلىاللهعليهوآله، أما واللّه لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما، أ تأتيان عليّا وتطلبان إليه قتلة عثمان وقد علمتما أنّ المهاجرين والأنصار لو حرموا دم عثمان نصروه وبايعوا عليّا على قتلته فهل فعلوا ـ إلى أن قال ـ: ففشى قوله وقولهما، فهمّ معاوية بقتله، ثم راقب عشيرته(1).
ثم من يطلب منه عليهالسلام عقوبة المجلبين على عثمان، ولم يكن في أصحابه عليهالسلام من كان له هوى في عثمان، ولم يكن يطلب يومئذ دم عثمان إلاّ من كان عدوّا له عليهالسلام، وهم بنو اميّة واتباعهم، وقد طلب ذلك منه مروان و الوليد بن عقبة وسعيد بن العاص فنهرهم قال اليعقوبي: وبايع الناس عليّا عليهالسلام إلاّ ثلاثة نفر من قريش: مروان بن الحكم وسعيد بن العاص والوليد بن عقبة ـ وكان لسان القوم ـ فقال: يا هذا إنّك قد وترتنا جميعا ـ إلى أن قال ـ: فبايعنا على أن تضع عنّا ما اصبنا، وتعفي لنا عمّا في أيدينا، وتقتل قتلة صاحبنا. فغضب عليّ عليهالسلام وقال: أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم، فالحقّ وتركم ـ إلى أن قال ـ: وأمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني اليوم قتلهم،
1) .الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 1/96.
لزمني قتالهم، ولكن لكم أن أحملكم على كتاب اللّه وسنّة نبيّه، فمن ضاق عليه الحق، فالباطل عليه أضيق، و إن شئتم فالحقوا بملاحقكم(1).
ولم يرو ما نقل إلاّ سيف الذي يقول الطبري: «كتب إلى السّريّ عن شعيب عن سيف»(2)ورواياته كلّها كذب وخلاف أهل السير. ومن أكاذيبه أنّه قال: إنّ أبا ذر خرج بنفسه إلى الربذة(3)، وإنّ عثمان نهاه عن ذلك، وقال له: إنّ خروجك إلى الربذة تعرّب بعد الهجرة. وروى أنّ سعد بن عبادة بايع أبا بكر(4)، مع تواتر الأخبار بعدم بيعته.
ومن خبثه أنّه يقلب الأشياء، مثلا بدل كون (بيعة أبي بكر فلتة)، بأنّ عمل سعد كان فلتة قام دونها أبو بكر(5).
وبدّل قصّة (نبح كلاب حوأب عايشة) بنبح كلاب حوأب أمّ زمل التي كانت عند عائشة(6).
ومن أكاذيبه: أنّ عثمان لمّا بايع أهل الشورى خرج وهو أشدّهم كآبة، فأتى منبر النبي فخطب الناس وقال: إنّكم في دار قلعة، وفي بقيّة اعمار...(7)فإنّ السير
رووا: أنّ عثمان لمّا بويع خرج إلى داره في غاية السرور، وبنو اميّة حوله، وقال أبو سفيان: لازلت أرجو لكم الخلافة يا بني امية، اجعلوها كرة بينكم، فإنّما هي الملك، فلا جنّة ولا نار(8). ولمّا أراد خطبته الاولى حصر وقال: إنّ أبا بكر وعمر
كانا يعدان للمنبر وأنا ما أعددت(1).
وروى أنّ ابن الهرمزان قال: «إنّ عثمان لمّا ولّي دعاني فأمكنني من عبيد اللّه بن عمر قاتل أبي فعفوت عنه»(2).مع أنّ أوّل طعن طعنوا به حتى أدّى إلى قتله تركه عبيد اللّه بلا قصاص(3).
وروى أنّ الوليد بن عقبة ما شرب الخمر، وإنّما اتّهموه بذلك، وأنّ زهير بن جندب ومورع بن أبي مورع وشبيل بن أبي زينب نقبوا على رجل فقتلوه فقتلهم الوليد، فكان آباؤم حاقدين على الوليد منذ قتل أبنائهم، وأشاعوا ذلك، ولم يكن على بيت الوليد باب فاقتحموا عليه من المسجد، فدخلوا عليه وكان بين يدي الوليد تفاريق عنب، فاستحيى أن يروه فأدخله تحت السرير(4).
وأنّ عثمان أحدث القسامة ليصدّ الناس عن القتل، وأنّ الوليد أتى بساحر فأرسل إلى ابن مسعود يسأله عن حدّه، فما أمهله جندب، وجاء فقتله، فاجتمع ابن مسعود والوليد على حبسه، وكتب الوليد فيه إلى عثمان، فتقدم عثمان إلى الناس ألاّ يعملوا بالظنون، ولا يقيموا الحدود دون السلطان، وأن يستحلفوا جندبا أنّه صادق في ما ظنّ من تعطيل الحدود، ويقرره ويطلقه، فغضب لجندب أصحابه، فخرجوا إلى المدينة فاستعفوه من الوليد، فقال لهم عثمان: تعملون بالظنون وتخطئون في الإسلام، ارجعوا. فرجعوا فعملوا في عزل الوليد، فدخل أبو زينب وأبو مورد الأسدي عليه وهو نائم، فأخرجا خاتمه وذهبا به إلى عثمان، فقالا:
دخلنا عليه وهو يقيء الخمر. فطلبه عثمان فحلف الوليد أنّ الأمر ما كان كذا، فقال
عثمان: نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار(1).
فتراه وضع في مقابل كلّ شيء شيئا، لكنّه لم يدر كيف يصنع بصلاته الصبح وبقوله في الصلاة ازيدكم، فسكت.
وقد قال ابن عبد البر مع نصبه: كان الأصمعي وأبو عبيدة بن الكلبي وغيرهم يقولون: كان الوليد فاسقا شرّيب خمر، وأخباره في شرب الخمر ومنادمته أبا زيد الطائي مشهورة كثيرة يسمج بنا ذكرها، وخبر صلاته بهم وهو سكران وقوله: أ أزيدكم بعد أن صلّى الصبح أربعا مشهور من رواية الثقات، من نقل أهل الحديث وأهل الأخبار(2).
ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن، أنّ قوله تعالى:... «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ...»(3)نزل في الوليد(4).ورواية الطبري: ـ وأشار إلى روايته عن سيف المتقدّمة ـ أنّه تعصّبت عليه قوم من أهل الكوفة لا تصح عند أهل الحديث، ولا لها عند أهل العلم أصل...(5).
والأصل في قصّة الساحر ما عرفته من المسعودي(6).قوله عليهالسلام: «و إنّ منهم الّذي شرب فيكم الحرام وجلد حدّا في الإسلام»(7).
وقد وضع في مقابل خبر الإمامية: (أنّ الناس ارتدوا بعد النبي صلىاللهعليهوآله إلاّ ثلاثة()
والمراد بالثلاثة سلمان وأبو ذرّ والمقداد كما روى الكشّيّ: 8 بإسناده عن أبي جعفر الباقر عليهالسلام انه قال: ارتد الناس الا ثلاثة نفر: سلمان وأبو ذرّ والمقداد، قال الراوي فقلت: عمار؟ قال: كان جاض جيضة ثمّ رجع، ثمّ قال: ان أردت الذي لم يشك ولم يدخله شيء فالمقداد فأمّا سلمان فإنّه عرض في قلبه أن عند أمير المؤنين عليهالسلام اسم اللّه الأعظم لو تكلّم به لأخذتهم الأرض هو هكذا وأمّا أبو ذرّ فأمره أمير المؤنين7بالسكوت ولم يأخذه في اللّه لومة لائم فابى إلاّ أن يتكلم انتهى. والمراد بالناس غير أهل البيت، وبالارتداد الارتداد عن الايمان لا عن الإسلام كما يفهم من الاخبار. وفيه بإسناده، عنه عن أبيه عن جده عن عليّ عليهالسلام قال: ضاقت الأرض بسبعة بهم ترزقون وبهم تنصرون وبهم تمطرون منهم سلمان الفارسيّ والمقداد وأبو ذر وعمّار وحذيفة قدسسرهم وكان عليّ عليهالسلام يقول: وأنا إمامهم وهم الذين صلّوا على فاطمة عليهاالسلام. وفيه: فى حديث آخر عن أبي جعفر عليهالسلام قال: ارتد الناس إلاّ ثلاثة نفر: سلمان وأبو ذرّ والمقداد وأناب الناس بعد، كان أوّل من أناب أبو ساسان [حصين بن منذر الوقاشي صاحب راية عليّ عليهالسلام ]وعمّار وأبو عروة وشتيرة فكانوا سبعة فلم يعرف حقّ أمير المؤنين عليهالسلام إلاّ هؤاء السبعة.
أو أربعة)(1)، ويصدقه قوله تعالى: «... أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ...»(2)أنّه ما تخلّف عن بيعة أبي بكر إلاّ مرتد(3). وقد وضع في مقابل ما رووه أنفسهم: أنّ عمر لمّا وقف على باب بيت فاطمة عليهاالسلاموقال: «لتخرجن أو لاحرقنّها على من فيها»«»، فخرجوا و بايعوا إلاّ عليّا عليهالسلام فإنّه قال: حلفت ألاّ أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، وأنّه لمّا أحضروه للبيعة قهرا، لحق بقبر النبي صلىاللهعليهوآله وصاح: «يا ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي»(4)،(5)ـ أنّ عليّا لمّا سمع بجلوس أبي بكر للبيعة، خرج عجلا
بلا إزار ورداء كراهة أن يؤّر عنها(1).
ووضع في مقابل قوله عليهالسلام في ابن عمر لمّا تخلّف عن بيعته عليهالسلام«إنّه ضعيف»(2)، أنّه قال: إنّه ثقة(3).
ووضع في مقابل ركوب عايشة البغل لمنع دفن الحسن عليهالسلام(4)، ركوب امّ كلثوم البغل لمنع أبيها عليّ عن تعاقب ابن عمر(5).
وروى في تسيير عثمان أهل الكوفة وأهل البصرة إلى الشام أيضا غير ما ذكره باقي أهل السير، دفعا للطعن عن عثمان(6).
وروى في مسير أهل البصرة إلى ذي خشب أشياء مضحكة، وأنّ ابن سبأ قدم مصر ووضع لهم رجعة النبيّ، وأنّ عليّا وصيّه، وبثّ دعاته يكتبون إلى الأمصار بكتب في عيوب ولاتهم، فأرسل عثمان محمّد بن مسلمة إلى الكوفة واسامة إلى البصرة، وابن عمر إلى الشام، وعمّارا إلى مصر، فرجع الجميع وقالوا: أمراؤم يقسطون بينهم إلاّ عمّار، فكتب ابن أبي سرح: إنّه استماله قوم بمصر، منهم ابن سبأ (7)، وأنّ السبائية توافوا بالمدينة فقالوا لرجلين: نريد أن نذكر لعثمان أشياء زرعناها في قلوب الناس، ونرجع إليهم ونقول: إنّا قررناه بها، فلم يخرج منها، ولم يتب. فنخرج فنخلعه أو نقتله. فخطب عثمان الناس وأخبرهم خبر القوم فقالوا جميعا: اقتلهم فإنّ النبيّ قال: من دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام، فعليه
لعنة اللّه فاقتلوه. وقال عمر: لا أحل لكم إلاّ ما قبلتموه وأنا شريككم(1)ـ إلى أن قال ـ: وفي سنة (35) خرج أهل مصر على أربعة امراء، وكانوا يشتهون عليّا، وخرج أهل الكوفة في أربعة رفاق وعليهم زيد بن صوحان والأشتر، وكانوا يشتهون الزبير، وخرج أهل البصرة في أربع رفاق وعليهم حكيم بن جبلة العبدي و كانوا يشتهون طلحة، فنزل أهل البصرة ذا خشب، وأهل الكوفة الأعوص، وأهل مصر بذي المروة، فجاء جمع من المصريين عليّا وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان، وجاء البصريون طلحة وقد أرسل ابنيه إلى عثمان، وقد جاء الكوفيون إلى الزبير وقد أرسل ابنه إلى عثمان، فصاحوا بهم وأطردوهم وقالوا: لقد علم المؤنون أنّ جيش ذي مروة وذي خشب والأعوص ملعونون على لسان محمّد، فخرجوا وأروا الناس أنّهم يرجعون فكرّوا مع عساكرهم، فقال لهم علي: ما ردّكم بعد ذهابكم قالوا: أخذنا مع بريد كتابا بقتلنا.
فقال لهم: كيف علمتم يا أهل الكوفة وأهل البصرة بما لقي أهل مصر وخطب عثمان فقال: ادخلت في الشورى عن غير علم ولا مسألة، ثم أجمع أهل الشورى عن ملأ منهم، ومن الناس على غير طلب منّي ولا محبّة، فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، تابعا غير مستتبع، متبعا غير مبتدع، مقتديا غير متكلّف، فلمّا انتهت الامور وانتكث الشّرّ بأهله، بدت ضغائن وأهواء على غير اجرام ولا ترة في ما مضى، إلاّ امضاء الكتاب، فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجّة ولا عذر، فعابوا عليّ أشياء ممّا كانوا يرضون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها، فصبرت لهم نفسي وكففتها عنهم منذ سنين وأنا أرى وأسمع، فازدادوا على اللّه جرأة، حتى
1) . تاريخ الطبري: 3/383، سنة 35.
أغاروا علينا في جوار الرسول وحرمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب، فهم كالأحزاب أيّام الأحزاب أو من غزانا باحد(1).
فإنّه من ابن سبأ بمصر وما فعل، وحيث إنّ بني اميّة كانوا يعبّرون عن الشيعة ـ تهجينا لهم ـ بالسباية أي: أتباع ابن سبأ القائل: بالهية أمير المؤنين عليهالسلام، صنع هذا الواضع هذا الخبر هكذا، ولم يكن لابن سبأ اسم في أيّام عثمان في كلام غيره.
ثم كيف كان هوى الكوفيين في الزبير ورئيسهم الأشتر وحاله معلوم وزيد ابن صوحان الذي قيل فيه: دينه دين عليّ وكيف كان هوى أهل البصرة في طلحة ورئيسهم حكيم بن جبلة الذي حارب طلحة قبل قدوم أمير المؤنين عليهالسلامالبصرة، حتى استشهد وجمع كانوا معه حالهم حاله والأصل في وضعه: أنّ الزبير بايع أمير المؤنين عليهالسلام طمعا في الكوفة، وبايعه طلحة طمعا في البصرة. وحديثه في الأحوص وذي خشب وذي المروة من الكذب الركيك يكاد يحصل الغثيان منه.
وقد وضعه في مقابل ما روي بطرق عن أمير المؤنين عليهالسلام في أهل الجمل: واللّه لقد علمت صاحبة الهودج أنّ أهل الجمل ملعونون على لسان النبي الامّي، «وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى»(2).(3).
كما أنّ قوله: إنّهم أرسلوا أبناءهم لمعاونة عثمان(4)، كذب محض، أمّا أمير المؤنين عليهالسلام فكان يمنع الحسنين عليهالسلام عن الحرب في الجمل وصفّين، لئلاّ ينقطع
بهما نسل النبي صلىاللهعليهوآله. وكيف لم ينقل أحد أنّه عليهالسلامأجاب معاوية عن نسبة قتل عثمان إليه، بأنّه أرسل ابنيه لمدده. وكيف يقول عمرو بن العاص للحسن عليهالسلام ـ وقد رآه يطوف بالبيت ـ: أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحن، وعليك ثياب كغرقى البيض و أنت قاتل عثمان(1).وأمّا طلحة فكان محرّضا على عثمان إلى ساعة قتله، ومنع من دفنه، فكيف يرسل ابنه ولم يكن ابنه مخالفا له، حتى يروح بنفسه فمع كونه من العبّاد حضر لمحاربة أمير المؤنين عليهالسلام برا له بأبيه، حتى قال عليهالسلام: قتله برّه بأبيه(2).
نعم، ابن الزبير ذهب من قبل نفسه لمساعدته طمعا أن يحصل له سبب لادعاء الخلافة، وقد كان ادّعى أنّ عثمان أوصى إليه عند قتله، وبغضا لأن يصل الأمر لأمير المؤنين عليهالسلام، إن قتل عثمان كما قال له ذلك معاوية. وأمّا إرسال أبيه له فلا، وكيف وهو قال: إنّه يود أن يقتل عثمان، ولو قتل ابنه قبله، ولم يكن تابع أبيه حتى يمنعه، بل كان أبوه تابعا له، فالزبير قبل نشوئه كان صالحا ومعدودا في عداد أهل البيت والهاشميين(3)وما وضع له في خطبته من إجماع أهل الشورى على بيعته أيضا خلاف المقطوع، فطلحة لم يكن وقت بيعته حاضرا، والزبير كان هواه في أمير المؤنين عليهالسلام، ومحاجّته عليهالسلام ذاك اليوم كيوم السقيفة ممّا ملأ الخافقين، حتى اكرهوه على البيعة، وقد كان عمر أعدّ الأمر لعثمان ووكّل أبا طلحة مع خمسين
لقتله عليهالسلام لو خالف(1).
ومن العجب عدم حيائه في قوله له: «إنّهم أجمعوا عليه كالأحزاب ويوم احد»(2). فمؤس الأحزاب كان حزبه بنو اميّة، ويوم احد يوم فرار عثمان.
وروى سيف أيضا: أنّ سعدا ممّن استقتل لعثمان(3)، مع أنّه كان باتفاق السير ممّن يطعن في عثمان إلى أن قتل.
ووضع لمغيرة بن الأخنس المنافق الذي مرّ كلام أمير المؤنين عليهالسلام فيه: رؤا في كون قاتله من أهل النار(4).
ووضع للزبير: أنّه لمّا سمع بقتل عثمان قال في قتلته: «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ...»(5)،(6). مع أنّ الزبير قال ذلك في عثمان لمّا منع الماء، ولا مناسبة لأن يقوله في قتلته حين قتله لأنّهم كانوا غالبين.
ووضع لطلحة: أنّه لمّا سمع بقتل عثمان قال في قتلته: تبّا لهم «فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ»(7)،(8)مع أنّه أعدّ رجالا يرمون جنازته ويقولون:
نعثل نعثل(9)، ولا يخلونه يدفنونه في مقابر المسلمين، مع أنّه لا مناسبة لمّا قال أيضا.
وروى: أنّ عايشة خرجت ممتلئة غيظا على أهل مصر لمّا جاءوا إلى
1) .المسترشد: 415؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/187؛ بحار الأنوار: 31/398.
2) . تاريخ الطبري: 3/388، سنة 35.
3) . تاريخ الطبري: 3/389، سنة 35.
4) .تاريخ الطبري: 3/420، سنة 35.
5) . سبأ: 54.
6) . تاريخ الطبري: 3/422، سنة 35.
7) . يس: 50.
8) . تاريخ الطبري: 3/422، سنة 35.
9) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 10/7.
عثمان(1)، مع أنّها في طريق الحجّ لمّا رأت ابن عبّاس صار أميرا على الموسم، قالت له: اعطيت لسانا وإيّاك أن تدفع عنه(2).
وروى: أنّ مروان طلب من عايشة الدفاع عن عثمان فقالت: أخاف أن يفعل بي كما فعل بام حبيبة لمّا أرادت الدفاع عنه(3)، مع أنّ عايشة قالت لمروان: وددت أنّ صاحبك في غرائري فألقيه في البحر(4).
وروى: أنّه جعل الزبير وصيّه، وإنّما كان ابنه يدعيها(5)، مع أنّ عثمان لمّا اشتد به الحصار نادى اسقونا الماء وأطعمونا ممّا رزقكم اللّه. فناداه الزبير: يا نعثل، واللّه لا تذوقه(6).
وروى ـ وهو من المضحك الركيك ـ : أنّ الناس لمّا قتلوا عثمان جاء المصريون إلى عليّ، والكوفيون إلى الزبير، والبصريون إلى طلحة، لبيعتهم وهم يأبون وينشدون أرجازا(7)، مع أنّ طلحة والزبير حرّضا على قتل عثمان لينالا الخلافة، وهو عليهالسلام يكرّر الشكاية من غصبهم حقّه.
وروى: أنّ طلحة والزبير بايعاه مكرهين(8)، مع أنّهما كانا مقرّين بأنّهما بايعاه طوعا، وإنّما كانا مدعيين أنّهما خافا على أنفسهما لو لم يبايعاه، فقال عليهالسلام: «أقرّا بالبيعة وادّعيا الوليجة»(9). وإنّما وضع ذلك ليصحّح بيعة أبي بكر.
وروى: أنّ طلحة والزبير اصطلحا مع عثمان بن حنيف على أن يرسلوا كعب بن
1) . تاريخ الطبري: 3/317، سنة 35.
2) .تاريخ الطبري: 3/434 ـ 435، سنة 35.
3) . تاريخ الطبري: 3/417 ـ 418، سنة 35.
4) .شواهد التنزيل: 2/271.
5) . تاريخ الطبري: 3/419 ـ 420، سنة 35.
6) .الجمل للمفيد: 146.
7) . تاريخ الطبري: 3/386، سنة 35.
8) . تاريخ الطبري: 3/451، سنة 35.
9) . نهج البلاغة فيض الاسلام: 60/خ 8.
سور إلى المدينة، هل بايعا طوعا أو مكرها فلم يجبه أحد خوفا من سهل بن حنيف عامل عليّ عليهالسلام سوى اسامة، فقال: بايعاه كارهين. فضربوه حتى أطلقه جمع(1)
تاريخ الطبري: 3/484، سنة 36.
.وضع ذلك في مقابل أنّ طلحة والزبير ضربا عثمان بن حنيف، ونتفا لحيته وأرادا قتله، ولم يقتلوه خوفا على مخلفيهما من أخيه سهل بن حنيف(2).وروى: أنّ طلحة والزبير ما غدرا بعثمان بن حنيف، بل هو غدر بهما(3)، على خلاف جميع السير، إلى غير ذلك من أكاذيبه.
ومن أكاذيبه العجيبة ما قاله: انّ عليّا لمّا أراد الجمل خطب، فقال: لا يرتحلنّ أحد أعان على عثمان بشيء في شيء من امور الناس. فاجتمع علباء، وعدي بن حاتم وسالم بن ثعلبة، وشريح بن أوفى، والأشتر ـ ممّن سار إلى عثمان ـ فقال الأشتر: إن يصطلح طلحة والزبير وعلي نغل دمائنا، فهلمّوا فلنتوائب على علي عليهالسلام فنلحقه بعثمان ـ وتكلّم كلّ منهم بشيء من قبيل الأشتر ـ وتكلّم ابن السوداء فقال: إنّ عزّكم في خلطة الناس فصانعوهم، وإذا التقى الناس غدا فانشبوا القتال، ولا تفرغوهم للنظر ويشغل اللّه عليّا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عمّا تكرهون(4).
وإنّ طلحة والزبير وعليّا لم يريدوا القتال، وإنّما هؤاء انشبوا القتال، فقال طلحة والزبير لمّا رأيا ذلك: علمنا أنّ عليّا غير منته حتّى نسفك الدماء. وقال عليّ لمّا رأى ذلك: علمت أنّ طلحة والزبير غير منتهيين حتّى يسفكا الدماء وإن رأى كلّ منهم ألاّ يبدأ بالقتال. وإنّهم قالوا لعايشة: أدركي الناس، فأبوا إلاّ القتال. فبرزت
من البيوت فسمعت ضجّة فقالت: «المهزوم من كانت منه الضجّة» فما مجيئها إلاّ الهزيمة فمضى الزبير في وجهه وجاء طلحة سهم غرب(1).وروى: أنّ عليّا سئل عن حالهم إن ابتلوا بالقتل قال: أرجو أن لا يقتل أحد منّا و منهم نقى قلبه للّه إلاّ أدخله اللّه الجنّة(2).
وروى: أنّ عليّا وعايشة قال كلّ منهما: وددت أنّي متّ قبل الجمل بعشرين عاما(3).وروى: أنّ عليّا أمر لرجل قال لعايشة: «توبي فقد خطيت» بضرب مائة مجرّدا(4).
وكذا أمر بضرب آخر قال لها: «جزيت الأم عقوقا» أيضا بالضرب مائة مجردا(5).
وروى: أنّ النبي صلىاللهعليهوآله سيّر الحكم بن أبي العاص من مكّة إلى الطائف، وهو أيضا ردّه(6)وما استحيى أن يقول خلاف المتواتر، ولم يكفه جعل امامه، فإنّه لمّا اعترضوا عليه في ردّه، قال: إنّ النبيّ أجازني في ردّه(7).
ولقد أغرب في وضع خبر في مقابل قصّة عمرو بن العاص في قتل عثمان، فروى الواقدي: أنّ عمرا لمّا عزله عثمان عن مصر واستعمل ابن أبي سرح، يأتي عليّا عليهالسلام مرّة فيؤّبه على عثمان، ويأتي الزبير مرّة فيؤّبه على عثمان، ويأتي طلحة
مرّة فيؤّبه على عثمان، ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمّا كان حصر عثمان الحصر الأوّل خرج من المدينة حتّى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال له السبع، فنزل في قصر له يقال له العجلان وهو يقول: العجب ما يأتينا عن ابن عفّان خبر. فبينا هو جالس في قصره ذلك ومعه ابناه محمّد وعبداللّه وسلامة بن روح الجذامي إذ مرّ بهم راكب فناداه عمرو: من أين قدم الرجل فقال: من المدينة. فقال: ما فعل الرجل ـ يعني عثمان ـ قال: تركته محصورا شديد الحصار. قال عمرو: أنا أبو عبداللّه قد يضرط العير والمكواة في النار. فلم يبرح مجلسه ذلك حتّى مرّ به راكب آخر، فناداه عمرو: ما فعل الرجل قال: قتل. قال: أنا أبو عبداللّه إذا حككت قرحة نكأتها. إن كنت احرّض عليه حتّى إنّي لاحرّض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل. فقال له سلامة بن روح: يا معشر قريش كان بينكم وبين العرب باب فكسرتموه، فما حملكم على ذلك فقال: أردنا أن نخرج الحقّ من خاصرة الباطل، وأن يكون النّاس في الحقّ شرعا سواء(1).
فقال سيف: قالوا: لمّا احيط بعثمان، خرج عمرو بن العاص من المدينة نحو الشام، وقال: واللّه يا أهل المدينة ما يقيم بها أحد فيدركه قتل هذا الرجل إلاّ ضربه اللّه بذل، ومن لم يستطع نصره فليهرب. فسار مع ابنيه وخرج بعده حسّان، فبينا عمرو جالس بعجلان ومعه ابناه إذ مرّ بهم راكب، قال له: من أين قدمت قال: من المدينة. قال: ما اسمك قال حصيرة. قال عمرو: حصر الرجل فما الخبر قال: تركته محصورا. ثم مكثوا أيّاما فمرّ بهم راكب، فقال: ما اسمك قال: حرب. قال عمرو: يكون حرب، فما الخبر قال: قتل عثمان وبويع لعليّ. قال عمرو: أنا أبو عبداللّه
1) .تاريخ الطبري: 3/392، سنة 35.
يكون حرب من حك فيها قرحة نكأها...(1)وضع في مقابل ذاك هذا.
ثم إنّه بدل على وضع خبر العنوان خصوصا، سوى ما قلنا من وضع أخباره عموما صدره وذيله، ففي صدر الخبر: اجتمع إلى عليّ ـ بعد ما دخل ـ طلحة والزبير في عدّة من الصحابة فقالوا: يا عليّ إنّا قد اشترطنا إقامة الحدود، وإنّ هؤاء القوم قد اشتركوا في دم الرجل، وأحلّوا بأنفسهم(2).
وفي ذيله: واشتد عليّ على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حالها، وإنّما هيّجه على ذلك هرب بني اميّة، وتفرّق القوم وبعضهم يقول: واللّه لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤاء الأشرار لترك هذا إلى ما قال علي أمثل وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤّره، واللّه إنّ عليّا لمستغن برأيه وأمره عنّا، ولا نراه إلاّ سيكون على قريش أشدّ من غيره. فذكر ذلك لعليّ، فقام وذكر فضلهم وحاجته إليهم، ونظره لهم وقيامه دونهم، وأنّه ليس لعليّ، فقام وذكر فضلهم و حاجته إليهم، ونظره لهم وقيامه دونهم، وأنّه ليس له من سلطانهم إلاّ ذلك والأجر من اللّه، ونادى: برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه، فتذامرت السبائية والأعراب، وقالوا: لنا غدا مثلها(3).
فكل منهما واضح الجعل، أمّا صدره فبيعته عليهالسلام إنّما كانت بتداك الناس عليه حتى كاد يقتل بعضهم بعضا، وطلحة والزبير قال، أوّلا: إنّهما بايعا إكراها، فمن يبايع مكرها كيف يشترط شيئا وهما كانا مدعيين أنّهما بايعا خوفا، والمبايع خوفا أيضا لا يمكنه، ثم دخالتهما في دمه كانت أمرا معلوما، وكيف لا، وقتل مروان
لطلحة إنّما كان بثأر عثمان، فكيف يعقل اشتراطهما ثم أمير المؤنين عليهالسلامكان قبل خلافته يجري الحدّ الذي يجب إجراؤ، كما حدّ الوليد أخا عثمان لشربه، و أراد قود عبيد اللّه بن عمر بهرمزان لمّا امتنع عثمان من إجراء الحدّ عليه والقصاص منه، حتّى فرّ منه وخرج من المدينة إلى كوفان، فلم يكن محتاجا إلى اشتراط. فيدل تركه عليهالسلام القصاص من قتلة عثمان كونه مباح الدم عنده، وإنّما قال الوليد بن عقبة من قبله وقبل مروان وسعيد له بعد: نبايعك على أن تقتل قتلة عثمان. فانتهره وقال له: لزمني ذلك لفعلته أوّلا. وأمّا ذيله فمن قريش التي يقول عليهالسلام: ليس له من سلطانهم إلاّ ذلك. وإنّما كان عليهالسلام يقول: أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب النبيّ صلىاللهعليهوآله. والخبيث سمع من بني اميّة سبائية فإنّهم كانوا يعبّرون عن شيعته عليهالسلام بالسبائية تهجينا لهم، بأنّهم مثل ابن سبأ في الغلو فيه والقول بالإلهية له، لا ان فرقة سبائية كانت موجودة.
وبالجملة، هذا الخبر كباقي أخبار سيف، التي ينقلها الطبري عن السدي عن شعيب عنه، كذب وافتعال، إلاّ أنّ المصنف عفا اللّه عنه، كان مغرما على جمع كلام فصيح منسوب إليه عليهالسلام، مع أنّه ليس بتلك الفصاحة مع أنّ خطبة نسبها إلى عثمان التي نقلناها عنه أفصح، فالرجل كان أديبا تاريخيا شاعرا وكان خبيثا داهيا، فكان يقلب كلّ شيء ويموهه بكلمات أدبيّة، ويضع له أراجيز حتّى يلبس الحقّ بالباطل، لكنّ الباطل زهوق، فكل أهل السير من الواقدي والمدائني وصاحب (المغازى) وغيرهم ـ وكلهم من رجالهم ـ أظهروا كذبه، واللّه يفضح الكاذب فقال: «إنّ طلحة كان من المدافعين عن عثمان»(1)، وقال: «لمّا أصاب طلحة سهم قال: اللهمّ خذ
1) . تاريخ الطبري: 4/451 و462، سنة 36؛ بهج الصباغة: 9/465.
منّي لعثمان حتّى ترضى»(1)إلى غير ذلك من تناقضاته.
وكيف غرّ المصنف به(2)وقد نقل في باب كتبه في التاسع كتابه عليهالسلامإلى معاوية: وأمّا ما سألت من دفع قتلة عثمان إليك، فإنّي نظرت في هذا الأمر وضربت أنفه وعينه، فلم أر دفعه إليه، ولا إلى غيرك، ولعمري لئن لم تنزع عن غيّك وشقاقك لتعرفنّهم عن قليل يطلبونك...(3).
وقال التسترى: وحيث إنّ العنوان مفتعل وليس من كلامه عليهالسلامقطعا، لم نتعرّض لشرح فقراته(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِنَّ اللّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً بِكِتَابٍ نَاطِقٍ وَأَمْرٍ قَائِمٍ ـ لا يَهْلِكُ عَنْهُ إِلاّ هَالِكٌ ـ وَإِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ مِنَ الْمُهْلِكَاتُ ـ إِلاّ مَا حَفِظَ اللّهُ مِنْهَا ـ وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللّهِ عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ ـ فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ وَلا مُسْتَكْرَهَةٍ بِهَا ـ وَاللّهِ لَتَفْعَلُنَّ أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الاْءِسْلامِ ـ ثُمَّ لا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً ـ حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِكُمْ إِنَّ هَؤلاءِ قَدْ تَمَالَئُوا عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي ـ وَسَأَصْبِرُ مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى جَمَاعَتِكُمْ ـ فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا عَلَى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ ـ انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِين.
وَإِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اللّهُ عَلَيْهِ ـ فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا ـ وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللّهِ تَعَالَى ـ وَسِيرَةِ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ـ وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ وَالنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ.
قال التسترى: العنوان كلّه مأخوذ من (الطبري)(1)في رواية سيفه، التي إمّا مصنوعة كلا وإمّا مدخولة منه، كما أخذ منه عنوان قبله «قيل له عليهالسلام: لو عاقبت قوما ممّن اجلب على عثمان» كما مر شرح مقدار من افتعالاته وتصرفاته.
وروايته هنا هكذا: «استأذن طلحة والزبير عليّا في العمرة فأذن لهما، فلحقا بمكّة، وأحبّ أهل المدينة أن يعلموا ما رأي عليّ في معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيه في قتال أهل القبلة، أ يجسر عليه أو ينكل عنه وقد بلغهم أنّ الحسن دخل عليه ودعاه إلى القعود وترك النّاس ـ إلى أن قال ـ ودعا عليّ ابن الحنفية فدفع إليه اللواء، وولّى ابن عبّاس ميمنته وعمر بن أبي سلمة أو عمرو بن سفيان ميسرته، وأبا ليلى ابن أخي ابن عبيدة مقدمته، واستخلف على المدينة قثم بن عبّاس، ولم يولّ ممّن خرج على عثمان أحدا، وكتب إلى قيس بن سعد وإلى عثمان بن حنيف وإلى أبي موسى أن يندبوا النّاس إلى الشام، ودعا أهل المدينة إلى قتال أهل الفرقة، وقال: «إنّ اللّه بعث رسولا هاديا مهديا، بكتاب ناطق، وأمر قائم واضح، لا يهلك عنه إلاّ هالك. وإنّ المبتدعات والشبهات هنّ المهلكات إلاّ من حفظ اللّه، وإنّ في سلطان اللّه عصمة أمركم، فأعطوه طاعتكم غير ملوية ولا مستكره بها، واللّه لتفعلن أو لينقلن اللّه عنكم سلطان الإسلام، ثم لا ينقله إليكم أبدا حتّى يأرز الأمر إليها. انهضوا إلى هؤاء القوم الذين يفرّقون جماعتكم، لعل اللّه يصلح بكم ما أفسد أهل الافاق، وتقضون الذي عليكم».
فبيناهم كذلك إذ جاء الخبر عن أهل مكّة بنحو آخر وتمام على خلاف، فقام
1) . تاريخ الطبري: 3/465، سنة 36.
فيهم بذلك، فقال: «إنّ اللّه جعل لظالم هذه الأمّة العفو والمغفرة، وجعل لمن لزم الأمر واستقام الفوز والنجاة، فمن لم يسعه الحقّ أخذ بالباطل. ألا وإنّ طلحة والزبير وامّ المؤنين قد تمالئوا على سخط إمارتي، ودعوا النّاس إلى الاصلاح، وسأصبر ما لم أخف على جماعتكم. وأكفّ إن كفّوا وأقتصر على ما بلغني منهم».
ثمّ أتاه أنّهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس والإصلاح، فتعبّى للخروج إليهم وقال: إن فعلوا هذا فقد انقطع نظام المسلمين، وما كان عليهم في المقام فينا مؤة ولا إكراه. فاشتدّ على أهل المدينة الأمر فتثاقلوا، فبعثت إلى عبداللّه بن عمر كميلا النخعي فجاء به ـ إلى أن قال ـ: فرجع ابن عمر إلى المدينة وهم يقولون: لا واللّه ما ندري كيف نصنع، فإنّ هذا الأمر مشتبه علينا، ونحن مقيمون حتّى يضيء لنا ويسفر. فخرج تحت ليلته وأخبر ام كلثوم بنت علي بالذي سمع من أهل المدينة، وإنّه يخرج معتمرا مقيما على طاعة عليّ ما خلا النهوض، وكان صدوقا، فاستقرّ عندها، وأصبح عليّ فقيل له: حدث البارحة حدث هو أشدّ عليك من طلحة والزبير وام المؤنين ومعاوية. قال: وما ذلك قال: خرج ابن عمر إلى الشام، فأتى على السوق ودعا بالظهر، فحمل الرجال وأعد لكل طريق طلابا وماج أهل المدينة، وسمعت ام كلثوم بالذي هو فيه فدعت ببغلتها فركبتها في رحل ثم أتت عليّا وهو واقف في السوق يفرّق الرجال في طلبه، فقالت: مالك لا تزند من هذا الرجل إنّ الأمر على خلاف ما بلغته وحدثته، أنا ضامنة له. فطابت نفسه وقال: انصرفوا، لا واللّه ما كذبت ولا كذب، وإنّه عندي ثقة(1).
فمن أكاذيبه: أنّه عليهالسلام لم يولّ أحدا ممّن خرج على عثمان، ألم يولّ محمّد بن أبي
1) .تاريخ الطبري: 3/465 ـ 466، سنة 36.
بكر والأشتر وهما ممّن خرج عليه قطعا.
ومنها قوله: إنّ الحسن دخل عليه ودعاه إلى القعود، فقد عرفت كون ما نسب إليه عليهالسلام خلاف العقل.
ومنها قوله: كتب إلى قيس وعثمان بن حنيف وأبي موسى أن يندبوا النّاس إلى الشام، وإنّ ابن حنيف كان مبتلى بطلحة والزبير، وأبو موسى إنّما كتب إليه بندب أهل الكوفة إلى البصرة، وكان عليهالسلام يومئذ مشغولا بالبصرة فما يكتب إلى قيس.
ومنها: ما نسبه إليه عليهالسلام «ان اللّه جعل لظالم هذه الامّة العفو والمغفرة»، هل اللّه ابن عمّ ظلمة هذه الامّة حتى يجعل لهم العفو والمغفرة وسيجزي اللّه المفترين. إلاّ
أن أئمته وأشياعهم لمّا كانوا ظلمة، لا بد أن يقول ذلك حتّى يصحّ ايتمامه بهم.
ومنها: قوله ـ وهو مضحك ـ انّه عليهالسلام قال: إنّ طلحة والزبير وامهم دعوا النّاس إلى الإصلاح. فيقال له: الإصلاح بين من ومن؟ وإذا كانوا أرادوا الاصلاح فلا بد أنّه عليهالسلام أراد الإفساد قبّح اللّه هذا الرجل ما يدري ما يقول ـ وكذلك قوله: «ثمّ أتاه أنّهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس والإصلاح». فهل كان أهل المدينة نسناسا فأرادوا أن يخرجوا إلى البصرة حتّى يروا النّاس ومنها قوله: «إنّ أهل المدينة قالوا إنّ الأمر مشتبه علينا ونحن مقيمون حتى يضيء لنا». فإنّه إنّما تخلّف عنه ـ باتفاق السير ـ سعد وابن عمر و محمّد بن مسلمة والمغيرة معتذرين أنّ الأمر مشتبه علينا، وأمّا باقي النّاس فبايعوه شوقا وعاونوه طوعا.
ومنها: قوله «قيل له عليهالسلام حدث حادث أشدّ عليك من طلحة والزبير و عايشة ومعاوية» فأي سفيه كان يتوهم ذلك؟ فإنّ الرجل لم يكن له قابلية أصلا، ولذا زجر عمر من قال له: لم لا تجعله ولي عهدك وإنّما قال عليهالسلام لعمّار، لمّا دعاه واعتذر:
«دعه فإنّه ضعيف(1)».
وأين هو من طلحة والزبير وكانا يعدّان أنفسهما فوق عمر وأين وجاهته عند النّاس من عايشة وأين هو من معاوية الذي كان في الدهاء آية وكان ذا سلطان، كان بيده الشام وكانوا يعبدونه ومن المضحك أنه بدل قوله عليهالسلام في ابن عمر بكونه ضعيفا بقوله ثقة.
ومنها: قوله إنّ امّ كلثوم دعت ببغلتها، فوضع هذا في مقابل ركوب عايشة بغلتها لمنع دفن الحسن عليهالسلام عند جدّه. وحينئذ فأي عبرة تبقى بما فيه والكذّاب لا يصدق، إلاّ إذا كان شاهد على صدقه، والدخيل لا يروج إلاّ أن يستخرج غشّه. والرضي رضى اللّه عنه فعل ذلك هنا فأسقط قوله: «إنّ اللّه جعل لظالم هذه الامّة العفو والمغفرة». وأسقط قوله: «و دعوا النّاس إلى الإصلاح».
اعلم أنّ هذه الخطبة حسبما ذكره الرضيّ خطبها عند مسير أصحاب الجمل إلى البصرة والغرض منها التنبيه على ضلال الناكثين والكشف عن فساد نيّتهم وسوء عقيدتهم وأنّ مقصودهم في الخروج والبغي عليه عليهالسلام هو الدّنيا لا الدّين وصدّرها بامور نفعها عامّ تذكيرا للمخاطبين وانقاذا لهم من الضّلالة وايقاظا من رقدة الجهالة.
فقال عليهالسلام:
1) . الإمامة والسياسة ت الزيني: 1/53.
إلى شرايع الدّين ومعالم الشرع المبين
مستقيم ليس بذي عوج أو باق حكمه بين الأمّة مستمرّا إلى يوم القيامة.
أى معرضا وعادلا عنه.
أى من بلغ الغاية في الهلاك فالتنكير لقصد النوع كما في قوله تعالى: «إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا»(2).
أى البدعات المحدثات في الاسلام بعد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله المشبّهات بالسّنن وليس منها والملبّسات الأمر على الناس أو الملتبسات عليهم على اختلاف روايات المتن.
في الاخرة لخروجها عن الكتاب والسنّة ولان الانسان يغتر بها.
استثناء من بعض متعلّقات المهلكات أى إنّها مهلكة في جميع الأحوال إلاّ حال حفظ اللّه منها بالعصمة عن ارتكابها أو انّ «ما» بمعنى «من» أى مهلكة لكلّ أحد إلاّ
من حفظه اللّه سبحانه.
أى سلطان دين اللّه وهو سلطان الاسلام أو أراد به السلطنة الالهيّة الّتي قوامها به لكونه خليفة اللّه في عباده وبلاده ووليّ أمره في أرضه فالاضافة من باب التشريف والاعتزاز.
وحفظا له عن التزلزل والاختلال.
أى: صاحبها.
أي أطيعوه طوعا وبالاخلاص عن صميم القلب لا كرها وجبرا ينسب صاحبها الى الرّياء والنفاق فيستحقّ اللؤ والملام.
ولتطيعنّ.
أى الخلافة.
أي: يجتمع وينضمّ، يقال: «أرزت الحيّة إلى حجرها»(1).
وقال الشاعر:
وقد أرزت من بردهنّ الأنامل(2)
قال ابن أبي الحديد: فإن قيل: كيف لم يعد إليهم وقد عاد بالخلافة العباسية قلت: لأن الشرط ـ وهو عدم الطاعة ـ لم يقع. وقال قوم: خاطب الشيعة الطالبيّة فقال: إن لم تعطوني الطاعة المحضة نقل الخلافة عن هذا البيت حتّى ينضمّ إلى بيت آخر البيت العباسي(3).
قال التسترى(4): عنده عليهالسلام العبّاسية مع الاموية سواء كالتيميّة والعدوية، والظاهر من السياق نقل سلطان الإسلام إلى غير المسلمين لقوله: «أو لينقلنّ سلطان الإسلام عنكم ثم لا ينقله إليكم أبدا».
فالظاهر كونه إشارة إلى الدولة الهلاكوية استأصلت الخلافة العباسية، وختم اسم الخلافة من العامّة، فإنّهم قبلها يدّعون كون سلطنتهم الخلافة الإسلاميّة.
كما أنّ الظاهر أنّ المراد من قوله عليهالسلام: «حتّى يأرز الأمر إلى غيركم» قيام المهديّ عليهالسلام ودولة أهل بيته، فإنّ أهل بيته عليهم السّلام كانوا من غير المخاطبين لاختلاف عقيدتهم معهم بأنّهم لمّا كانوا أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآلهيجب أن يكونوا خلفاءه، كما هو مقتضى العقل وجرت عليه الشرائع «ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ...»(1).
هذا ومن روايات سيف المجعولة: أنّ عليّا خرج من المدينة في تعبيته التي تعبّا بها إلى الشام، لمّا بلغه إرادة طلحة والزبير الخروج إلى البصرة، يرجو أن يدركهم فيحول بينهم وبين الخروج، فلقيه عبداللّه بن سلام فأخذ بعنانه وقال: لا تخرج منها فو اللّه لئن خرجت منها لا ترجع إليها ولا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا. فسبّوه،
فقال: دعوا الرجل، فنعم الرجل من أصحاب محمّد(2).
أى تعاونوا وتساعدوا واجتمعوا.
وكراهيّتها سخيمة ومقتا.
على بغيهم وخروجهم.
حوزة
وعلى انفصام حبل الاسلام.
ما أرادوه وبلّغوه أجله مستقرّين
يعني أنهم إن أتمّوا ما تصدّوه في مسيرهم ومخالفتهم وبقوا على هذا الرّأى الضعيف
وانفصم حبل الدّين، وتضعضع سوارى المتقين.
أى: اصحاب الجمل.
لحسدهم.
قال تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ»(1).وقال الصادق عليهالسلامفى تفسير الآية الشريفة: نَحْنُ الْمَحْسُودُونَ(2).
أى: أرجعها. أى الخلافة.
بعد الثلاثة كما جعلها له النّبيّ صلىاللهعليهوآله من اللّه تعالى.
وغصبها أخيرا أيضا كالابتداء، وقال ابن أبي الحديد: هذا الكلام لا يشعر بأنّه عليهالسلام كان يعتقد أنّ الأمر له، وأنّه غلب عليه ثمّ رجع إليه، ولكنّه محمول على أنّه من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله بمنزلة الجزء من الكلّ، وأنّهما من جوهر واحد، فلمّا كان الوالي قديما هو رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، ثمّ تخلّل بين ولايته، وولاية أمير المؤنين عليهالسلام ولايات غريبة سمّى ولايته فيئا ورجوعا، لأنّها رجعت إلى الدوحة الهاشمية، وبهذا يجب أن يتأوّل قوله عليهالسلام: «فأرادوا ردّ الامور على أدبارها» أي: أرادوا انتزاع الخلافة من بني هاشم كما انتزعت أوّلا، وإقرارها في بيوت بعيدة عن هذا البيت، اسوة بما وقع
من قبل(1).
ولكن لازم كونه عليهالسلام مع النّبيّ صلىاللهعليهوآله من جوهر واحد، وكونه بمنزلة الجزء منه، هو اعتقاده كون الأمر له أوّلا، وأنّه غلب عليه بل وفوق ذلك، وأنّ المنازع له والمنتزع
منه سلطانه كالمنازع للنّبيّ صلىاللهعليهوآله وكالمنتزع من النّبيّ صلىاللهعليهوآلهسلطانه. ولعمر اللّه لو فرض نشر النّبيّ صلىاللهعليهوآله ورجوعه إلى الدّنيا لدفعوه عن مقامه كما دفعوا أمير المؤنين عليهالسلام. ولقد أفصح عن ذلك من خلفائهم ـ من كان أعرف وأعلم من الثلاثة بمراتب، وأقرب منهم إلى النّبيّ صلىاللهعليهوآله بدرجات لكونه من هاشم ـ المنصور العبّاسي. فلمّا خرج عليه محمّد الحسني بالمدينة قال: لو خرج عليّ صاحب قبرها كنت مضطرا إلى قتاله وقتله، فالملك عقيم(2).
ثمّ ما يفعل بكلماته الصريحة، والمحفوفة بالشواهد، والقرائن في باقي المواطن فمن كلامه عليهالسلام يوم السقيفة: اللّه اللّه يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس وحقّه، فو اللّه ـ يا معشر المهاجرين ـ لنحن أحقّ الناس به صلىاللهعليهوآله لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب اللّه، الفقيه في دين اللّه، العالم بسنن رسول اللّه، المضطلع بأمر الرّعيّة، المدافع عنهم الامور السيئة، القاسم بينهم بالسويّة، واللّه إنّه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا(3).
ولكون كلامه عليهالسلام بهذه المثابة من الصراحة قال له ـ عليهالسلام ـ بشير بن سعد أبو نعمان
بن بشير الأنصاري ـ مع كونه أوّل من بايع أبا بكر حتّى قبل عمر، حسدا له لابن عمّه سعد بن عبادة أن ينال الأمر ـ: ولو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك(1).
ومن كلامه عليهالسلام بعد بيعة النّاس له ما رواه المدائني عن عبداللّه بن جنادة، قال: قدمت من الحجاز اريد العراق في أوّل إمارة عليّ عليهالسلام فمررت بمكّة، فاعتمرت ثم قدمت المدينة، فدخلت مسجد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله إذ نودي للصلاة جامعة، فاجتمع النّاس، وخرج عليّ متقلّدا سيفه، فشخصت الأبصار نحوه فحمد اللّه، وصلّى على رسوله ثم قال: أمّا بعد، فإنّه لمّا قبض اللّه نبيّه صلىاللهعليهوآله قلنا: نحن أهله وورثته وعترته وأولياؤ دون النّاس، لا ينازعنا سلطانه أحد ولا يطمع في حقّنا طامع، إذ انبرى(2)لنا قومنا، فغصبونا سلطان نبيّنا، فصارت الإمرة لغيرنا، وصرنا سوقة(3).يطمع فينا الضعيف، و يتعزّز علينا الذّليل، فبكت الأعين منّا لذلك، وخشنت الصدور، وجزعت النّفوس، وايم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين، وأن يعود الكفر، ويبور الدين لكنّا غير ما كنّا لهم(4).
فهل ترى كلاما أصرح منه في مغلوبيّته ومظلوميّته، وغاصبيّة المتقدّمين عليه؟
وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ
أى بحق الرّسول صلىاللهعليهوآله الواجب علينا القيام به.
أى الرفع لشريعته والاعلاء لكلمته صلوات اللّه وسلامه عليه وآله.
كلامه عليهالسلام هذا دالّ على أنّ المناط في استحقاق الخلافة والإمامة: الخروج عن عهدة العمل بكتاب اللّه تعالى وسنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله كما ينبغي، كما هو مذهب الإمامية، دون بيعة الامة كما هو مسلك العامّة.
ومثل كلامه عليهالسلام في ذلك كلام ابنيه الحسن والحسين صلوات اللّه عليهما، روى أبو الفرج مسندا: أنّ معاوية أمر الحسن عليهالسلام أن يخطب لمّا سلّم الأمر إليه، وظنّ أنّه سيحصر، فقال في خطبته: إنّما الخليفة من سار بكتاب اللّه و سنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله، وليس الخليفة من سار بالجور، ذلك ملك ملّك ملكا يمتّع به قليلا ثمّ تنقطع لذّته، وتبقى تبعته «وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ»(1)،(2).وعن الكلبي والمدائني: أنّ الحسين عليهالسلام لمّا بعث ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة كتب إليهم معه كتابا وفي جملته: فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدّائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذات اللّه(3).
وكلامهم حجّة، حيث إنّهم أهل العصمة، وشهد الكتاب بطهارتهم في قوله عزّ
وجلّ: «... إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(1)، وشهد النّبيّ صلىاللهعليهوآله ـ في المتواتر عنه صلىاللهعليهوآله ـ بكونهم مثل الكتاب في الحجّية في قوله صلىاللهعليهوآله: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض(2).وكذلك كلامه عليهالسلام هذا دالّ على بطلان خلافة الأوّلين، حيث إنّه كان لهما سنّة في مقابل سنّة النّبيّ صلىاللهعليهوآله، كما أنّه عليهالسلام ترك حقّه يوم الشورى، لمّا شرط عليه عليهالسلام عبد الرحمن بن عوف العمل بسنّتهما، ليعلم النّاس بطلان أمرهما(3).
وكذلك نبّه على ذلك بعد خروج الخوارج من أصحابه عليهالسلام، وبيعة غيرهم له عليهالسلام بيعة ثانية غير بيعة أوّل خلافته، وقال ابن قتيبة: فبايعوه على التسليم والرّضا، وشرط عليهم كتاب اللّه وسنّة رسوله صلىاللهعليهوآله، فجاء رجل من خثعم، فقال له عليّ عليهالسلام:
بايع على كتاب اللّه وسنّة نبيّه. قال: لا، ولكن ابايعك على كتاب اللّه وسنّة نبيّه وسنّة أبي بكر وعمر فقال عليّ عليهالسلام: ـ وما يدخل سنّة أبي بكر وعمر مع كتاب اللّه وسنّة نبيّه، إنّما كانا عاملين بالحقّ حيث عملا فأبى الخثعمي إلاّ سنّة أبي بكر وعمر، وأبى عليّ عليهالسلام أن يبايعه إلاّ على كتاب اللّه وسنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله، فقال له حيث ألحّ عليه: تبايع قال: لا، إلاّ على ما ذكرت. فقال له عليّ عليهالسلام: أما واللّه لكأنّي بك قد نفرت في هذه الفتنة، وكأنّي بحوافر خيلي قد شدخت وجهك. فلحق بالخوارج فقتل يوم النّهروان.
قال قبيصة: فرأيته يوم النّهروان قتيلا قد وطئت الخيل وجهه، وشدخت رأسه ومثّلت به، فذكرت قول عليّ وقلت: للّه درّ أبي الحسن ما حرّك شفتيه قطّ بشيء إلاّ كان كذلك(1).
فلو كان مذهب السنّة القائلين بسنّة أبي بكر وعمر حقّا، لكان أمير المؤنين عليهالسلام مجانبا للحقّ بعيدا عنه بمراحل، لا دائرا مدار الحقّ كما تواتر عن النّبيّ صلىاللهعليهوآله فيه عليهالسلام(2)، وشهد به الدّراية الضرورية وكان معاوية يكتب إلى عمّاله أن يقتلوا من كان على دين عليّ. فكتب الحسين عليهالسلام إليه: دين عليّ دين النّبيّ «... قاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤفَكُونَ»(3).(4).
1) .الإمامة والسياسة ت الزيني: 1/125.
2) . الأمالي للصدوق: 89/ م 20، ح1؛ بحار الأنوار: 28/368؛ راجع البحار: 38/27 ـ 40 والحديث أخرجه الحفاظ الاثبات راجع تاريخ بغداد 14/ 321 مجمع الزوائد 7/ 233 و234 و9 ر 134، سنن الترمذي 5 ر 297 بالرقم 3798، مستدرك الصحيحين 3 ر 124 مناقب الخوارزمي 62، جامع الأصول 9 ر 420 منتخب كنز العمّال 5 ر 62 و34 شرح النهج الحميدى 2 ر 572 ولفظه فان قلت: فما هذا الامر الذي لم ينس ولم يخلق ان لم يكن هناك نص (يعنى قوله عليهالسلام هذا ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر) قلت: قوله صلىاللهعليهوآله: «انى مخلف فيكم الثقلين وقوله صلىاللهعليهوآله: اللّهمّ أدر الحق معه حيث دار وامثال ذلك من النصوص الدالة على تعظيمه وتبجيله ومنزلته في الإسلام..... (بحار الأنوار: 28/368).
3) . التوبة: 30.
4) . رجال الكشى ـ اختيار معرفة الرجال ـ: 50 والاحتجاج: 2/297؛ بحار الأنوار: 44/213.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كلّم به بعض العرب، وقد أرسله قوم من أهل البصرة، لما قرب عليه السلام منها، ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم، فبيّن له عليه السلام من أمره معهم ما علم به أنّه على الحقّ، ثمّ قال له: بايع، فقال:
إنّي رسول قوم، ولا احدث حدثا حتى أرجع إليهم. فقال عليهالسلام: أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ بَعَثُوكَ رَائِداً ـ تَبْتَغِي لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ ـ فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلاَءِ وَالْمَاءِ ـ فَخَالَفُوا إِلَى الْمَعَاطِشِ وَالْمَجَادِبِ مَا كُنْتَ صَانِعاً ـ قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلاَءِ وَالْمَاءِ ـ فَقَالَ عليهالسلام: فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ ـ فَقَالَ الرَّجُلُ ـ فَوَاللّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ ـ فَبَايَعْتُهُ عليهالسلام وَالرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ الْجَرْمِي
الأصل فيه رواية الطبريّ ورواية الواقدي ـ ففي الأوّل: أخرج زياد بن أيّوب إليّ كتابا فيه أحاديث عن شيوخ ـ منها: حدّثنا مصعب بن سلام التميميّ، عن
محمّد بن سوقة، عن عاصم بن كليب الجرمي عن أبيه ـ قال: رأيت فيما يرى النّائم أنّ رجلا يلي امور النّاس مريضا على فراشه وعند رأسه امرأة، والنّاس يريدونه ويبهشون إليه، فلو نهتهم المرأة لانتهوا، ولكنّها لم تفعل فأخذوه فقتلوه، فكنت أقص رؤاي على النّاس في السفر والحضر فيعجبون ولا يدرون ما تأويلها، فلمّا قتل عثمان وأتانا الخبر ونحن راجعون من غزاتنا، فقال أصحابنا: رؤاك يا كليب. فانتهينا إلى البصرة فلم نلبث إلاّ قليلا حتّى قيل هذا طلحة والزبير معهما امّ المؤنين فراع النّاس وتعجبوا، فإذا هم يزعمون للناس أنّهم خرجوا غضبا لعثمان و توبة مما صنعوا من خذلانه.
وإنّ امّ المؤنين تقول: غضبنا لكم على عثمان في ثلاث: امارة الفتى وموقع الغمامة وضربة السوط والعصا، فما أنصفنا إن لم نغضب له عليكم في ثلاث جررتموها إليه حرمة الشهر والبلد والدم.
فقال النّاس: أفلم تبايعوا عليّا وتدخلوا في أمره فقالوا: دخلنا واللج على أعناقنا ـ إذ قيل هذا عليّ عليهالسلام قد أظلّكم ـ فقال قومنا لي ولرجلين معي: انطلقوا حتّى تأتوا عليّا عليهالسلام وأصحابه فسلوهم عن هذا الأمر الذي قد اختلط علينا. فخرجنا حتّى إذا دنونا من العسكر طلع علينا رجل جميل على بغلة، فقلت لصاحبيّ: أرأيتم المرأة التي كنت احدثكم عنها إنّها كانت عند رأس الوالي، فإنّها أشبه النّاس بهذا. ففطن أنّا نخوض فيه، فلمّا انتهى قال: قفوا ما الذي قلتم حين رأيتموني فأبينا عليه، وقال: واللّه لا تبرحون حتّى تخبروني.
فدخلتنا منه هيبة، فأخبرناه فجاوزنا وهو يقول: واللّه رأيت عجبا. فقلنا لأدنى أهل العسكر إلينا: من هذا فقال: محمّد بن أبي بكر. فعرفنا أنّ تلك المرأة عايشة،
فازددنا لأمرها كراهية وانتهينا إلى عليّ عليهالسلام فسلّمنا عليه ثم سألناه عن هذا الأمر، فقال: عدا النّاس على هذا الرجل وأنا معتزل فقتلوه، ثم ولّوني وأنا كاره، ولو لا خشية على الدين لم أجبهم، ثمّ طفق هذان في النكث فأخذت عليهما وأخذت عهودهما عند ذلك وأذنت لهما في العمرة، فقدما على امّهما فرضيا لهما ما رغبا لنسائهما عنه، وعرضاها لما لا يحل ولا يصلح، فاتبعتهما لكيلا يفتقوا في الإسلام فتقا ولا يفرّقوا جماعة. فصاح بنا أصحاب عليّ عليهالسلام: «بايعوا بايعوا» فبايع صاحباي، وأمّا أنا فأمسكت وقلت: بعثني قومي لأمر ولا احدث شيئا حتّى أرجع إليهم. فقال عليّ عليهالسلام: فإن لم يفعلوا؟ فقلت: لم أفعل، فقال: أرأيت لو أنّهم بعثوك رائدا فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلأ والماء فمالوا إلى المعاطش والجدوبة ما كنت صانعا قلت: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلأ والماء ـ قال: «فمدّ يدك»، فو اللّه ما استطعت أن امتنع فبسطت يدي فبايعت. وكان يقول: عليّ عليهالسلام من أدهى العرب(1).
وفي الثاني: عن شيبان بن عبد الرحمن عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: لمّا قتل عثمان ما لبثنا إلاّ قليلا، حتّى قدم طلحة والزبير البصرة، ثم ما لبثنا إلاّ يسيرا حتّى أقبل عليّ عليهالسلام بذي قار، فقال شيخان من الحي: اذهب بنا إلى هذا الرجل ننظر ما يدعو إليه، فلمّا أتينا بذي قار قدمنا إلى أذكى العرب ـ فو اللّه لدخل علي نسب قومي فجعلت أقول: هو أعلم به منّي وأطوع فيهم، إلى أن قال: فقال: أفلا تبايعوني فبايعه الشيخان اللذان كانا معي وتوقفت عن بيعته، فجعل رجال عنده قد أكل السجود وجوههم يقولون: بايع بايع.
1) .تاريخ الطبري: 3/504 ـ 505، سنة 36.
فقال عليهالسلام: دعوا الرجل. فقلت: إنّما بعثني قومي رائدا وسأنهي إليهم ما رأيت، فإن بايعوا بايعت. فقال: أرأيت لو أنّ قومك بعثوك رائدا(1)فرأيت روضة و غديرا(2)فقلت يا قومي النجعة النجعة(3)فأبوا ما كنت بمستنجع بنفسك، فأخذت بإصبع من أصابعه، فقلت: ابايع على أن اطيعك ما أطعت اللّه، فإذا عصيته فلا طاعة لك عليّ، فقال: نعم. وطوّل صوته...(4).
هو كليب بن شهاب الجرمى.
قد عرفت من رواية الطبري أنّ أولئك القوم قومه (جرم).
قد عرفت من رواية الواقدي أنّه عليهالسلام كان نزل ذاقار.
لأنّهم كانوا قالوا لهم: خرجنا غضبا لعثمان وكانت بيعتنا لعليّ مكرها.
أى نفوس اهل البصرة.
هكذا في شرح ابن أبي الحديد(1)، وهو وإن كان صحيحا، إلاّ أنّ الأوضح أن يقال: «فبيّن عليهالسلام له» كما لا يخفى.
أى فبيّن عليهالسلام للرجل المرسل.
أى مع اهل الجمل.
أى برهاناً وافياً ودليلاً شافياً.
أى علم الرجل بذلك البيان والبرهان.
وهو أنّه عليهالسلام كان معتزلا عن أمر عثمان، ولم يجبر أحدا على البيعة، وإنّما أكرهه النّاس على قبوله البيعة. وانّ اصحاب الجمل على الباطل.
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/299.
قد عرفت من رواية الطبري أنّ أصحابه عليهالسلام بعد مشاهدة إتمام الحجّة عليه قالوا
له ولصاحبيه: بايعوا.
قد عرفت من رواية الطبري: أنّه عليهالسلام قال له: فإن لم يفعلوا؟ فأجاب: إنّي أيضا لا أفعل.
فلما سمع عذره أراد دفعه بحجّة لا محيص عنها وضرب مثلا هو ألطف المثال وأوضحها وأحسنها في مقام الاحتجاج
هو تأكيد وإلاّ فهو زائد بعد قوله: (و من كلام له عليهالسلام).
قد يحذف همز رأيت قال الشاعر:
صاح هل ريت أو سمعت براع *** ردّ في الضرع ما فرى في الحلاب(1)
وهم قومه جرم.
1) . الصحاح: 6/2348 مادة رأى.
الرائد الذي يرسل في طلب الكلاء (راد الكلاء يروده رودا وريادا وارتاده ارتيادا) بمعنى، أي: طلبه(1).
أي: تطلب.
مواضع نزول المطر فاخضرت وحصل كلاء.
أي: العشب.
من الكلاء والماء.
مواضع العطش التي لا ماء فيها.
أي: محال المحل والقحط.
1) .الصحاح: 2/478 مادة رود.
توافقهم أو تخالفهم؟.
فان كل عاقل يفعل ذلك.
يعني كما يحكم العقل ثمة بوجوب مخالفتهم كذلك هنا بل هنا أولى، لأن ثمة يحصل إلاّ من الهلكة موقتا وهنا أبدا. ولأنّك إذا كنت تارك أصحابك ومفارقهم عند وجدان الكلاء والماء اللّذين بهما غذاء الأبدان ومادّة حياة الأجسام فتركك إيّاهم ومفارقتك منهم عند وجدان نور العلم والمعرفة والهداية الذي هو مادّة حياة الأرواح والنفوس أحرى وأولى.
من البيعة.
ونظير بعث جرم رجلا منهم إليه عليهالسلام فرآه على الحق فأقرّ به عليهالسلام، بعث طلحة والزبير وبعث عايشة رجلا فاهتدى به.
روى الكلينى: أنّ طلحة والزبير بعثا رجلا من عبد القيس يقال له (خداش) إلى أمير المؤنين عليهالسلام، وقالا له: إنّا نبعثك إلى رجل طال ما نعرفه وأهل بيته بالسحر والكهانة، وأنت أوثق من بحضرتنا من أنفسنا أن تحاجّه لنا، واعلم أنّه أعظم النّاس
دعوى فلا يكسرنك ذلك عنه ومن الأبواب التي يخدع بها النّاس الطعام والشراب والعسل والدهن، فلا تأكل له طعاما ولا تشرب له شرابا، ولا تمس له عسلا ولا دهنا ولا تخل معه. واحذر هذا كلّه منه فإذا رأيته فاقرأ آية السخرة(1)
وهى: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»الأعراف: 54 ـ 56.
، وتعوّذ باللّه من كيده وكيد الشيطان، فإذا جلست إليه فلا تمكّنه من بصرك كلّه ولا تستأنس به. ثم قل له: إنّ أخويك في الدين وابني عمّك في القرابة يناشدانك القطيعة، ويقولان لك: أما تعلم انّا تركنا النّاس لك وخالفنا عشائرنا فيك منذ قبض اللّه محمّدا صلىاللهعليهوآله، فلمّا نلت أدنى مناك، ضيّعت حرمتنا وقطعت رجاءنا، ثم قد رأيت أفعالنا فيك وقدرتنا على النّاس، وإنّ من كان يصرفك عنّا وعن صلتنا كان أقل نفعا لك وأضعف دفعا منا، وقد وضح الصبح لذي عينين وقد بلغنا انتهاك منك لنا ودعاء علينا، فما الذي يحملك على ذلك فقد كنّا نرى أنّك أشجع فرسان العرب، أ تتخذ اللعن دينا وترى أنّ ذلك يكسرنا عنك. فلما أتى خداش إليه عليهالسلامصنع ما أمراه به، فلمّا نظر عليهالسلام إليه و هو يناجي نفسه ضحك، وأشار له إلى مجلس قريب منه: ادن هاهنا.فقال: ما أوسع المكان، اريد أن اؤي إليك رسالة. فقال عليهالسلام له: بل تطعم وتشرب وتحل ثيابك وتدهن ثم تؤي رسالتك. قم يا قنبر فأنزله. قال: مالي إلى شيء ممّا ذكرت حاجة. قال: فأخلو بك. قال: كل سر لي علانية.
1) .
فقال عليهالسلام له: هل علماك كلاما تقوله إذا أتيتني قال: اللهمّ نعم. قال عليهالسلامآية السخرة قال: نعم. قال: فاقرأها. وجعل عليهالسلام يكرّرها ويردّدها و يصحّح عليه إذا أخطأ، حتّى قرأها سبعين مرّة. فقال الرجل: ما يرى أمير المؤنين يرددها سبعين مرّة. قال: أتجد قلبك اطمأن قال: أي والذي نفسي بيده. قال: فما قالا لك فأخبره وقال: قل لهما كفى بنطقكما حجّة عليكما، ولكن اللّه لا يهدي القوم الظالمين، زعمتم أنّكم أخواي في الدين وأبناء عمّي في النسب، أمّا النسب فلا انكره وإن كان النسب مقطوعا، إلاّ ما وصله اللّه، وأمّا قولكما إنّكما أخواي في الدين، فإن كنتما صادقين فقد فارقتما كتاب اللّه وعصيتما أمره، بأفعالكما في أخيكما في الدين، وإلاّ فقد كذبتما وافتريتما بادعائكما أنّكما أخواي في الدين. وأما مفارقتكما النّاس منذ قبض اللّه محمّدا صلىاللهعليهوآله، فإن كنتما فارقتما النّاس بحق فقد نقضتما ذلك الحق بفراقكما إيّاي أخيرا، وإن فارقتماهم بباطل فقد وقع إثم ذلك الباطل عليكما مع الحدث الذي أحدثتما، مع أنّ صفقتكما بمفارقتكما النّاس لم يكن إلاّ لطمع الدّنيا، زعمتما وذلك قولكما فقطعت رجاءنا وأنتما لا تعيبان بحمد اللّه من ديني شيئا، وأمّا الذي صرفني عن صلتكما فالذي صرفكما عن الحق وحملكما على خلعه من رقابكما، كخلع الحرون لجامه هو اللّه ربي لا اشرك به شيئا فلا تقولا أقل نفعا وأضعف دفعا، فتستحقا اسم الشرك مع النفاق.
وأما قولكما إنّي اشجّع فرسان العرب وهربكما من لعني ودعائي، فإن لكل موقف عملا، فاذا اختلفت الأسنة وماجت لبود الخيل وملأ سحراكما أجوافكما فثم يكفيني اللّه بكمال القلب.
وأما إذ أبيتما بأنّي أدعو اللّه فلا تجزعا من أن يدعو عليكما رجل ساحر من
قوم سحرة زعمتما، اللهم اقعص الزبير بشرّ قتلة واسفك دمه على ضلاله، وعرف طلحة المذلّة، وادخر لهما في الآخرة شرّا من ذلك إن كانا ظلماني وافتريا عليّ وكتما شهادتهما وعصياك وعصيا رسولك فيّ ـ قل آمين ـ قال خداش: آمين.
ثم قال خداش لنفسه: واللّه ما رأيت لحية قط أبين خطأ منك، حامل حجّة ينقض بعضها بعضا لم يجعل اللّه لهما مساكا، أنا بريء إلى اللّه منهما ـ وقال له عليهالسلام: إرجع إليهما وأعلمهما ما قلت. قال: لا واللّه حتّى تسأل اللّه أن يردّني إليك عاجلا،
وأن يوفقني لرضاه فيك. ففعل فلم يلبث أن انصرف وقتل معه عليهالسلاميوم الجمل(1).
وروى الصفار: أنّ عايشة قالت: التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل، حتّى أبعثه إليه. فأتيت به، فمثل بين يديها، فرفعت إليه رأسها فقالت له: ما بلغت من عداوتك لهذا الرجل فقال: كثيرا ما أتمنى على ربّي أنّه وأصحابه في وسطي فضربته ضربة بالسيف يسبق السيف الدم. قالت: فأنت له اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه، ظاعنا رأيته أو مقيما، أما إنّك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا على بغلة النّبيّ صلىاللهعليهوآلهمتنكبا قوسه، معلقا كنانته على قربوس سرجه وأصحابه خلفه كأنّهم طير صواف فتعطيه كتابي هذا، وإن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تناولن منه شيئا فإن فيه السحر.
قال: فاستقبلت عليّا عليهالسلام فناولته الكتاب، ففضّ خاتمه ثم قرأه فقال: تبلغ إلى منازلنا فتصيب من طعامنا وشرابنا، فنكتب جواب كتابك. فقال: هذا ما لا يكون. فسار خلفه وأحدق به أصحابه.
ثم قال له: أسألك؟ قال: نعم. قال: وتجيبني؟ قال: نعم. قال: نشدتك اللّه هل قالت عايشة: التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل فاتي بك؟، فقالت لك: ما
1) .الكافي: 1/343، ح1؛ بحار الأنوار: 32/128، ح105. مخ
بلغ من عداوتك لهذا الرجل؟ فقلت: كثيرا ما أتمنى على ربّي أنّه وأصحابه في وسطي، وأنا ضربته ضربة سبق السيف الدم قال: اللهمّ نعم.
قال: فنشدتك اللّه أقالت لك: اذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما أما إنّك إن رأيته على بغلة النّبيّ صلىاللهعليهوآله، متنكبا قوسه، معلقا كنانته بقربوس سرجه وأصحابه خلفه كأنّهم طير صواف فَتُعْطِيهِ كِتَابِي هَذَا قال: اللهم نعم.
قال عليهالسلام: فنشدتك اللّه هل قالت لك: إن عرض عليك طعامه وشرابه فلا تناولن منه شيئا فإنّ فيه السحر؟ قال: اللهمّ نعم. قال: فتبلغ أنت عني فقال: اللهمّ نعم، فاني
قد أتيتك وما في الأرض خلق أبغض إليّ منك، وأنا الساعة ما في الأرض خلق أحبّ إليّ منك، فمرني بما شئت.
قال عليهالسلام: ارجع إليها بكتابي هذا، وقل لها: ما أطعت اللّه حيث أمرك بلزوم بيتك فخرجت ترددين في العسكر.
وقل لهما: ما أنصفتما اللّه ورسوله حيث خلفتم حلائلكم في بيوتكم وأخرجتم حليلة النّبيّ صلىاللهعليهوآله ـ فجاء بكتابه فطرحه إليها وأبلغها مقالته، ثم رجع إليه فاصيب بصفّين، فقالت: ما نبعث إليه بأحد إلاّ أفسده علينا(1).
روى أنّ كليب الجرمى قال: خرجت مع أبي إلى جنازة شهدها النّبيّ صلىاللهعليهوآله وأنا غلام أفهم وأعقل، فقال صلىاللهعليهوآله: إنّ اللّه تعالى يحب من العاقل إذا عمل عملا أن يحسنه(2).
ولكن الأصل في خبره: أنّ النّبيّ صلىاللهعليهوآله رأى في قبر عثمان بن مظعون خللا فقال ذلك(1).
والرجل وإن كان قال أنا في حال كوني غلاما أفهم وأعقل، إلاّ أنّه بعد صيرورته شيخا ما كان يعقل، فتوهم أنّه يجوز له تقليده قومه في أمر الدين كأمر الدّنيا، حتّى ضرب عليهالسلام له المثل مع أن مثله فطري ولذا بايع صاحباه.
ثم إنّه بعد ما رأى منه عليهالسلام الآيات لم يعرف أنّه لا محل للشرط معه عليهالسلام، كما عرفته من خبر الواقدي.
هذا و(جرم) بالفتح والسكون ينصرف إلى جرم قضاعة، وإن قالوا: إنّ في بجيلة وعامله وطي أيضا جرم.
1) .الكافي: 3/262، ح45؛ بحار الأنوار: 22/157، ح16.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْجَوِّ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَجْرًى لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ وَجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً مِنْ مَلائِكَتِكَ لا يَسْأَمُونَ مِنْ عِبَادَتِكَ وَرَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ وَمَدْرَجاً لِلْهَوَامِّ وَالْأَنْعَامِ وَمَا لا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَمِمَّا لا يُرَى وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً وَلِلْخَلْقِ اعْتِمَاداً إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ وَجَنِّبْنَا الْفِتْنَةَ أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ وَالْغَائِرُ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ الْعَارُ وَرَاءَكُمْ وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُم.
ومن خطبة له عليهالسلام لما عزم على لقاء القوم بصفين:
رواه ابن طاوس عن يعقوب بن شعيب عن الصادق عليهالسلام قال: كان من دعاء أمير المؤنين يوم صفّين: «اللّهم ربّ هذا السّقف المرفوع... فجنّبنا الكبر وسدّدنا
للرّشد... واعصم بقيّة أصحابي من الفتنة»(1).
ورواه الطبري عن زيد بن وهب، وزاد بعد قوله عليهالسلام: «و ممّا لا يرى» قوله: «من خلقك العظيم وربّ الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وربّ السحاب المسخّر بين السماء والأرض، وربّ البحر المسجور المحيط بالعالم»(2).
ورواه نصر بن مزاحم قال نصر: حدّثنا عمر بن سعد عن عبد الرّحمان بن جندب عن أبيه قال: لما كان غداة الخميس لسبع خلون من صفر سنة سبع وثلاثين و صلّى علىّ عليهالسلام الغداة فغلّس ما رأيت عليّا عليهالسلام غلّس بالغداة أشدّ من تغليسه يومئذ وخرج بالناس إلى أهل الشّام فزحف نحوهم وكان هو يبدئهم ويسير إليهم فاذا رأوه قد زحف استقبلوه بزحوفهم.
وعن عمر بن سعد عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب قال لمّا خرج عليّ عليهالسلام إليهم غداة ذلك اليوم فاستقبلوه رفع يديه إلى السماء فقال:
اللّهمّ ربّ هذا السقف المحفوظ المكفوف، الذي جعلته مغيضا للّيل والنّهار وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر، ومنازل الكواكب والنجوم، وجعلت سكّانه من الملائكة لا يسأمون العبادة.
وربّ هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوامّ والأنعام، وما لا يحصى ممّا يرى وممّا لا يرى من خلقك العظيم.
وربّ الفلك الّتي تجرى في البحر بما ينفع النّاس، وربّ السّحاب المسخّر بين السّماء والأرض وربّ البحر المسجور المحيط بالعالمين وربّ الجبال الرّواسى
الّتي جعلها للأرض أوتادا وللخلق متاعا إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغي وسدّدنا للحقّ وإن أظهرتهم علينا فارزقنا الشّهادة واعصم بقيّة أصحابي من الفتنة.
قال: فلمّا رأوه قد أقبل تقدّموا إليه بزحوفهم وكان على ميمنته يومئذ عبداللّه بن بديل والنّاس على راياتهم ومراكزهم وعليّ عليهالسلام في القلب في أهل المدينة جمهورهم الأنصار ومعه من خزاعة وكنانة عدد حسن.
قال نصر: ورفع معاوية قبّة عظيمة وألقى عليه الكرابيس وجلس تحتها وكان لهم قبل هذا اليوم ثلاثة أيّام وهو اليوم الرّابع من صفر، فخرج في هذا اليوم محمّد ابن الحنفيّة في جمع من أهل العراق فأخرج إليه معاوية عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب في جمع من أهل الشام فاقتتلوا فطلب عبيد اللّه محمّدا إلى المبارزة فلمّا خرج إليه دعاه عليّ عليهالسلام وخرج بنفسه راجلا بيده سيفه وقال أنا أبارزك فهلمّ فقال عبيد اللّه لا حاجة بي إلى مبارزتك فرجع عليهالسلام إلى صفّه هذا.
وقد تقدّم جمل وقايع صفّين في شرح الكلام الخامس والستّين وغيره(1)ممّا نبّهناك عليه هناك(2).
واعلم أنّ اللاّزم على العبد أن يكون توجّهه في جميع حالاته من الشدّة والرّخاء، والسرّاء، والضرّاء، والضيق والسعة، إلى معبوده لا سيّما حالة البؤ والشدّة لأنّ دفع الضّرر الموجود والمتوقّع واجب عقلا ونقلا مع القدرة، والدّعاء محصّل لذلك وهو مقدور فيجب المصير إليه.
أمّا مقدوريّته فلا غبار عليه، وأمّا أنه محصّل لذلك فلما دلّت عليه الأدلّة النقليّة
من الكتاب والسنّة من أنّه يدفع به البلاء الحاصل، ويكشف به السوء النازل.
قال سبحانه: «وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً»(1)وقال: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ»(2).وقال الكاظم عليهالسلام عليكم بالدّعاء فانّ الدعاء والطّلب إلى اللّه يردّ البلاء وقد قدّر وقضى فلم يبق إلاّ إمضاؤ فاذا دعى اللّه وسئل صرفه صرفه(3).
وروى زرارة عن أبي جعفر عليهالسلام قال: ألا أدلّكم على شيء لم يستثن فيه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله قلت: بلى، قال: الدّعاء يردّ القضاء وقد ابرم إبراما وضمّ أصابعه(4).و عن سيّد العابدين عليهالسلام إنّ الدّعاء والبلاء ليتواقفان إلى يوم القيامة إنّ الدّعاء ليردّ البلاء وقد ابرم إبراما(5).
وعن السجاد عليهالسلام الدّعاء يدفع البلاء النازل، وما لم ينزل(6).وقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: ألا أدلّكم على سلاح ينجيكم من أعدائكم ويدرّ أرزاقكم؟ قالوا بلى يا رسول اللّه، قال: تدعون ربّكم باللّيل والنهار و قال: سلاح المؤن الدّعاء(7).
وقال أمير المؤنين عليهالسلام الدّعاء ترس المؤن، ومتى تكثر قرع الباب يفتح لك(8).
1) . الاعراف: 56.
2) .النمل: 62.
3) . الكافي: 2/470، ح8؛ بحار الأنوار: 90/295.
4) .الكافي: 2/470، ح6؛ عدة الداعي: 17.
5) . الكافي: 2/469، ح4؛ وعدة الداعي: 17.
6) .الكافي: 2/469، ح5؛ رياض السالكين: 3/446.
7) . الكافي: 2/468، ح3؛ بحار الأنوار: 90/294.
8) .الكافي: 2/468، ح4؛ وسائل الشيعة: 7/26، ح8610 ـ 4.
وقال الصّادق عليهالسلام الدّعاء أنفذ من السنان الحديد(1).
عن علىّ بن ابراهيم عن أبيه عن النوفلى عن السكونى عن أبي عبداللّه (ع) قال قال أمير المؤنين (ع) اغتنموا الدعاء عند أربع: عند قراءة القرآن، وعند الاذان، وعند نزول الغيث، وعند التقاء الصفّين للشهادة(2).هذا كلّه مضافا إلى ما تقدّمت في شرح الكلام السّادس والأربعين من الأدلّة الواردة في الحثّ والترغيب عليه(3).
إذا عرفت ذلك فاعلم: لما كان مقام الحرب والجدال، ولقاء الشجعان والأبطال أحقّ المواقع الّتي يتوسل فيها إلى اللّه بالتخلّص إليه، والتوجّه له، وكان الدّعاء إليه بمقتضى الأدلّة السّابقة أفضل ما يتوقّى به من الدّواهي والمكاره، وترس من الأعداء وجنّة لا شيء أوقى منه، وأنفذ عليهم من السّنان الحديد، وأشدّ تأثيرا من الضرب بالمشرفيّ والمهنّد والطعن بالخطى والقنى المسدّد لا جرم توجّه أمير المؤنين عليهالسلام إليه سبحانه بالدّعاء لما عزم لقاء القوم بصفّين فقال:
هو لفظ القرآن في التعبير عن السماء، قال تعالى: «وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ»(4).
المراد بالجوّ المكفوف السماء كالسّقف المرفوع، ومرّ قوله عليهالسلام: «جعل سفلاهنّ موجا مكفوفا»(1).
وقال نصر: «اللهمّ ربّ هذا السّقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته...»(2).قال الشهرستاني: يعني عليهالسلام بالجوّ المكفوف الممنوع من الهطلان مع سيلان مادّته الأثيرية(3).
قال ابن أبي الحديد: وجه المشاركة أنّ المغيض أو الغيضة يتولّد منهما الشجر، وكذلك اللّيل والنّهار يتولّدان من جريان الفلك، كنبت الشجر من المغيضة والأجمة(4).
قال التسترى: المغيض يستعمل في الخفاء لا الظهور، قال تعالى: «... وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ...»(5).ويقال: غاض الكرام وفاض اللئام، وابن أبي الحديد عكس(6).
وقال الشهرستاني: المغيض: موضع يمصّ الماء ويبلعه. فكأنّه عليهالسلاماستعار لفظ اللّيل والنّهار لمعنى النور والظلام، وشبّه انعدام ضوء النهار لمعنى النور و الظلام، وشبّه انعدام ضوء النهار في الجوّ ليلا، وكذا انمحاء ظلام الليل فيه نهارا بمصّ الجوّ
وابتلاعه للظلام والضياء، ويظهر من هذا التعبير ما استكشفه المتأخرون بآلة (سبكتر سكوب) وغيرها أنّ الجوّ أو الهواء يشرب ويمصّ من النّور ما يقتضيه طبعه، ويمجّ الباقي إلينا، وقد فتح عليهم هذا الباب ألف باب من العلم، لكن باب مدينة العلم ـ أعني عليّا عليهالسلام ـ قد علّمه النبيّ صلىاللهعليهوآله حسب الآثار الصحيحة ألف باب، يفتح له من كلّ باب ألف باب، وربّما كان هذا وأشباهه من فروع هذه الأبواب التي يستكشف الحكيم منها ألف باب. وأيم اللّه سبحانه إنّ المتأمّل في كلمات عليّ عليهالسلام بعد اطّلاعه على فنون الفلسفة تنفجر عليه ينابيع الحكمة، ويصدق عندئذ من قال: «إنّ كلام عليّ عليهالسلام دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين»(1).
قال تعالى: «وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ»(2).
في طلوعها وغروبها، قال الصادق عليهالسلام للمفضّل: فكّر يا مفضّل في النجوم
واختلاف مسيرها، فبعضها لا تفارق مراكزها من الفلك، ولا تسير إلاّ مجتمعة، وبعضها مطلقة تنتقل في البروج، وتفترق في مسيرها، فكلّ واحد منها يسير سيرين مختلفين: أحدهما عام مع الفلك نحو المغرب، والآخر خاص لنفسه نحو المشرق، كالنّملة التي تدور على الرّحى(3).
هذا، وفي (أصل زيد النّرسى) ـ وزيد مختلف فيه ـ عن الصادق عليهالسلام في خبر: وربّ هود بن أسية عافني من كلّ عقرب وحيّة. قلت: وما هود بن أسية قال: كوكبة في السماء خفية تحت الوسطى من الثلاث، الكواكب التي في بنات النّعش المتفرّقات، ذلك أمان ممّا قلت(1).
أي: طائفة.
كما أن الأرض مسكن بني آدم.
أي: لا يملّون.
وإن أداموا، لا مثل البشر.
قال تعالى: «فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُون»(2).
قال تعالى: «وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ»(1).
وقال تعالى: «أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً»(2).
وقال تعالى: «اللّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً...»(3).
أي: مسلكا.
أي: الحشرات، يقال خلّ درج الضبّ، أي: طريقه لئلاّ يسلك بين قدميك، فتنتفخ(4). وفسّرت السامّة ـ في حديث الاستعاذة «من كلّ سامّة وهامّة» ـ بحشرة ذات سمّ لا تقتل كالعقرب(5)، في قبال الهامّة حشرة ذات سمّ تقتل(6). و المراد هنا المطلق، لجعلها في مقابل الأنعام.
أي: مطلق الحيوان، لا خصوص المال الرّاعية، حيث جعل مقابلا للهوامّ.
من خلقك.
وما لا يرى قسمان، قسم منها لغيبوبته عنّا مثل ما في العلويّات، وقسم منها لصغر جسمها حتّى لا ترى بالعين، وفي القسم الثاني اخترعت أدوات ترى بها.
لئلاّ تضطرب.
الإنسان وأقسام الحيوان.
حتى يمكنهم السّكنى فيها.
1) .المرسلات: 27.
فبيده مفتاح الظفر والهزيمة.
كما هو شأن أكثر الفاتحين.
أي: وفّقنا.
وترك الباطل.
قال تعالى: «تُؤتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ...»(1).
في الحرب دون الأسر بيد العدوّ.
أي: الامتحان الذي يوجب الضلال.
1) .آل عمران: 26.
أي: ما يلزمك حفظه ممّا وراءك ويتعلّق بك.
أي: الغيور.
أي: نزول أمور يحقّ على الرجل أن يحميها، ويدفع عنها كعرضه وحرمه، قالوا: كان ربيعة بن مكدم ـ من بني فراس بن غنم ـ حامي الظّعن بعد موته، وذلك أنّه عرض له فارسان من بني سليم ومعه ظعائن من أهله يحميهنّ وحده، فطاعنهما فرماه أحدهما بسهم أصاب قلبه، فنصب رمحه في الأرض واعتمد عليه، وهو ثابت في سرجه لم يزل، فسارت الظّعائن حتّى بلغن بيوت الحيّ، وبنو سليم قائمون بإزائه لا يقدمون عليه، ويظنّونه حيّا، حتّى قال قائل منهم: إنّي لا أراه إلاّ
ميّتا، ولو كان حيّا لتحرّك، فرموا فرسه بسهم، فوثب من تحته، فوقع وهو ميّت، وفاتتهم الظعائن(1).
بالكسر، أي: الّذين يحافظون على ما يجب عليهم رعايته.
إن أجحمتم عن عدوّكم بالفرار، بعث عبيد اللّه بن زياد إلى أبي بلال الخارجي،
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/342.
و قد كان خرج إلى آسك موضع بين أرّجان ورامهرمز، وهو في أربعين ومعبد بن أسلم الكلابي في ألفين، فانهزم وما ردّه شيء حتّى ورد البصرة، فكان الناس يصيحون به: يا معبدا وراك أبو بلال حتّى شكاهم إلى ابن زياد(1).
ولمّا انهزم خالد بن الوليد بالناس يوم مؤة بعد قتل جعفر وصاحبيه زيد بن حارثة وعبداللّه بن رواحة، ودنا من دخول المدينة جعل الناس يحثون على الجيش التراب، ويقولون: يا فرّار، وكان فيهم سلمة بن هشام بن المغيرة، فكان لا يحضر الصلاة مع النبي صلىاللهعليهوآله، فقالت أمّ سلمة لا مرأته: لم لا يحضر قالت: ما يستطيع، كلّما خرج صاح النّاس أ فررتم في سبيل اللّه فقعد في البيت وما يخرج(2)ومن المضحك أنّ إخواننا سمّوا خالدا سيف اللّه بتلك الهزيمة(3).
إن أقدمتم عليه حتّى ترزقوا الشهادة، عَنْ أَبِي عَبْدِاللّهِ عليهالسلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلىاللهعليهوآله: لِلْجَنَّةِ بَابٌ يُقَالُ لَهُ بَابُ الْمُجَاهِدِينَ يَمْضُونَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ وَهُمْ مُتَقَلِّدُونَ بِسُيُوفِهِمْ وَالْجَمْعُ فِي الْمَوْقِفِ وَالْمَلائِكَةُ تُرَحِّبُ بِهِم(4).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للّهِِ الَّذِي لا تُوَارِي عَنْهُ سَمَاءٌ سَمَاءً وَلا أَرْضٌ أَرْضاً.
منها:
وَقَدْ قَالَ لِى قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِيطَالِبٍ لَحَرِيصٌ فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ وَاللّهِ لَأَحْرَصُ وَأَبْعَدُ وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ وَإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَأَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ فَلَمَّا قَرَعْتُهُ بِالْحُجَّةِ فِي الْمَلإِ الْحَاضِرِينَ بُهِتَ لا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي وَصَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي ثُمَّ قَالُوا أَلا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ تَأْخُذَهُ وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ
منها في ذكر أصحاب الجمل:
فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَحَبَسَا نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاّ وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ وَسَمَحَ لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ
مِنْ أَهْلِهَا فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً وَطَائِفَةً غَدْراً فَوَاللّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاّ رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ بِلا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَلا يَدٍ دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ
الأصل هو كتاب كتبه عليهالسلامللناس ليخطب به عبيد اللّه بن أبي رافع لمّا سأله الناس عن قوله في أبي بكر وعمر وعثمان بعد فتح معاوية لمصر، وقتله محمّد بن أبي بكر.
شرح عليهالسلامفي كتابه ذاك الأمر من بعثة النبي صلىاللهعليهوآله إلى وفاته، وأيام أبي بكر وعمر وعثمان. ثم بيعة الناس له. ثم قيام الناكثة والقاسطة و المارقة عليه. ثم غارات معاوية، وخذلان الناس له.
والعنوان كلامه عليهالسلام من ذاك الكتاب في بيان حال قريش يوم الشورى، واتّفاقهم على صرف الأمر عنه عليهالسلامإلى عثمان. ذكر ذاك الكتاب الثقفي(1)، والقتيبي(2)، والكليني(3)وابن رستم الطبري(4).
قال الثقفي والقتيبي ـ في جملة نقلهما الكتاب ـ «فجعلني الثاني سادس ستّة. فما كانوا لولاية أحد أشد كراهية منهم لولايتي عليهم فكانوا يسمعوني عند وفاة الرسول صلىاللهعليهوآله احاجّ أبا بكر وأقول: يا معشر قريش إنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر
منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن ويعرف السنّة، ويدين دين الحق. فخشي القوم إن أنا ولّيت عليهم ألاّ يكون لهم في الأمر نصيب ما بقوا.
فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية عنّي الى عثمان، وأخرجوني منها رجاء أن ينالوها ويتداولوها، إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي. ثم قالوا: هلمّ فبايع وإلاّ جاهدناك. فبايعت مستكرها، وصبرت محتسبا. فقال قائلهم: يا ابن أبي طالب إنّك على هذا الأمر لحريص. فقلت: أنتم أحرص منّي وأبعد. أ أنا أحرص اذا طلبت تراثي، وحقّي الّذي جعلني اللّه ورسوله أولى به، أم أنتم تضربون وجهي دونه، وتحولون بيني وبينه. فبهتوا، واللّه لا يهدي القوم الظالمين. اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش. فإنّهم قطعوا رحمي وأصغوا إنائي، وصغّروا عظيم منزلتي، و أجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به منهم فسلبونيه. ثم قالوا: ألاّ إنّ في الحق أن تأخذه (نأخذه) وفي الحق أن تمنعه. فاصبر كمدا متوخما. أو مت متأسفا حنقا. فنظرت فإذا ليس معي رافد ولا ذابّ ولا مساعد إلاّ أهل بيتي. فضننت بهم عن الهلاك. فأغضيت على القذى، وتجرّعت ريقي على الشجا، وصبرت من كظم الغيظ على امرّ من العلقم ـ وفي الأوّل ـ آلم للقلب من حزّ الشفار ـ وفي الثاني ـ و آلم للقلب من حزّ الحديد(1).
وقال محمّد بن يعقوب «و لم يكونوا لولاية أحد منهم أكره منهم لولايتي. كانوا يسمعون وأنا احاجّ أبا بكر وأقول: يا معشر قريش أنا أحقّ بهذا الأمر منكم. ما كان منّا من يقرأ القرآن ويعرف السنّة، ويدين دين اللّه الحق، وإنّما حجّتي أنّي وليّ هذا الأمر من دون قريش، أنّ نبيّ اللّه قال «الولاء لمن أعتق» فجاء الرسول صلىاللهعليهوآله بعتق
1) .الغارات: 1/203؛ الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 1/134.
الرقاب من النار، وأعتقها من الرقّ. فكان للنبيّ صلىاللهعليهوآله ولاء هذه الامّة، وكان لي بعده ما كان له. فما جاز لقريش من فضلها عليها بالنبيّ صلىاللهعليهوآله جاز لبني هاشم على قريش، وجاز لي على بني هاشم بقول النبي صلىاللهعليهوآله يوم غدير خم «من كنت مولاه فهذا علي مولاه» إلاّ أن تدّعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلىاللهعليهوآله فإن شاءوا فليقولوا ذلك فخشى القوم إن أنا ولّيت عليهم أن آخذ بأنفاسهم، واعترض في حلوقهم، ولا يكون لهم في الأمر نصيب. فأجمعوا علي إجماع رجل واحد منهم حتّى صرفوا الولاية عنّي إلى عثمان رجاء أن ينالوها ويتداولوها فيما بينهم.
فبيناهم كذلك إذ نادى مناد لا يدرى من هو، وأظنّه جنيّا فأسمع أهل المدينة ليلة بايعوا عثمان. فقال:
يا ناعي الاسلام قم فانعه *** قد مات عرف وبدا منكر
ما لقريش لا علا كعبها *** من قدّموا اليوم ومن أخّروا
إنّ عليّا هو أولى به *** منه فولّوه ولا تنكروا
فكان لهم في ذلك عبرة، ولو لا أنّ العامّة قد علمت بذلك لم أذكره فدعوني إلى بيعة عثمان، فبايعت مستكرها، وصبرت محتسباً، وعلّمت أهل القنوت أن يقولوا: «اللّهمّ لك أخلصت القلوب، وإليك شخصت الأبصار وأنت دعيت بالألسن، وإليك تحوكم في الأعمال. فافتح بيننا وبين قومنا بالحق.
اللهم إنّا نشكوا اليك غيبة نبيّنا، وكثرة عدوّنا، وقلّة عددنا، وهواننا على الناس، و شدّة الزمان، ووقوع الفتن بنا. اللّهمّ ففرّج ذلك بعدل تظهره، وسلطان حق تعرفه».
فقال عبد الرحمن بن عوف: يا ابن أبي طالب إنّك على هذا الأمر لحريص.
فقلت: لست عليه حريصا. إنّما أطلب ميراث رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وحقّه، وأنّ ولاء أمّته لي من بعده، وأنتم أحرص عليه منّي إذ تحولون بيني وبينه، وتصرفون وجهي دونه بالسيف. اللّهمّ إنّي أستعديك على قريش. فإنّهم قطعوا رحمي، وأضاعوا أيّامي، ودفعوا حقّي، وصغّروا قدري، وعظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به منهم فاستلبونيه ثم قالوا: اصبر مغموما أو مت متأسّفا. و ايم اللّه لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي كما قطعوا سببي فعلوا، ولكنّهم لا يجدون إلى ذلك سبيلا ـ إلى أن قال ـ: فقال (لي النبي صلىاللهعليهوآله): يا ابن أبي طالب لك ولاء امّتي. فإن ولّوك في عافية وأجمعوا عليك بالرضا فقم بأمرهم. وإن اختلفوا عليك فدعهم وما هم فيه. فإنّ اللّه سيجعل لك مخرجا. فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا معي مساعد، إلاّ أهل بيتي، فضننت بهم عن الهلاك، و لو كان لي بعد الرسول صلىاللهعليهوآلهعمّي حمزة، واخي جعفر، لم ابايع كرها، ولكنّني بليت برجلين حديثي عهد بالاسلام العباس وعقيل. فأغضيت عيني على القذى، وتجرّعت ريقي على الشجا، وصبرت على أمرّ من العلقم وآلم للقلب من حزّ الشفار(1)
والإغضاء: غمض جفني العين وتطبيقهما حتّى لا يرى شيئا. والقذى: ما يقع في العين من تبن ونحوه.
والشّجى: ما اعترض في الحلق من عظم ونحوه. والعلقم: شجر مرّ بالغ المرارة. ويطلقه العرب على كلّ مرّ.
والحزّ: الوجع والألم. والشّفار: جمع الشّفرة كضربة: السّكاكين العظيمة العريضة. قال محمّد عبده: «و كلّ هذا تمثيل للصّبر، والاختناق على المضض الّذي آلم به من حرمانه حقّه وتألّب القوم عليه».
،(2). ومثله قال ابنرستم الطبري(1)مع اختلاف يسير.
افتتح كلامه بحمد اللّه سبحانه باعتبار احاطة علمه بالسّماوات والأرضين فقال: الحمد للّه
أى لا تحجب ولا تستر عنه
لكونه منزّها عن وصف المخلوقين الذين في إدراكهم لبعض الأجرام السماويّة و الأرضية محجوبون عمّا ورائها وذلك لقصور ذاتهم وقصور قوّتهم المدركة وأمّا الربّ تعالى فلكمال ذاته فله العلم بكلّ ما سواء.
عن ابن اذينة عن أبي عبداللّه عليهالسلام «ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ»(2).فقال عليهالسلام: هُوَ وَاحِدٌ وَاحِدِيُّ الذَّاتِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَبِذَاكَ وَصَفَ نَفْسَهُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ بِالاْءِشْرَافِ وَالاْءِحَاطَةِ وَالْقُدْرَةِ ـ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ بِالاْءِحَاطَةِ وَالْعِلْمِ لا بِالذَّاتِ لِأَنَّ الْأَمَاكِنَ مَحْدُودَةٌ تَحْوِيهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ فَإِذَا كَانَ بِالذَّاتِ لَزِمَهَا الْحَوَايَةُ(3).
يعني أنّه سبحانه لوحدانيّة ذاته ومباينته من خلقه كما وصف به نفسه في كتابه العزيز حيث قال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»(1)فهو بكلّ شيء محيط(2)لأنّ غيره من المخلوقات لكونه مكانيا يلزمه أنّ حصوله في مكان وحضوره عند جماعة يستلزم خلوّ ساير الأمكنة عنه وغيبته عن جماعة اخرى كما هو شأن المكانيّات و هو ليس كذلك بل حصوله هاهنا وحضوره لهؤاء النفس حصوله هناك وحضوره لاولئك.
وقوله لا بالذّات يعني أنّه ليست بالذّات لانّ الأماكن محدودة بحدود أربعة وهي: القدّام، والخلف، واليمين، والشّمال، لعدم تحيّزها إلاّ بالاعتبار عدّ الجميع حدّين والفوق والتّحت حدّين فصارت أربعة فلو كانت إحاطته بالذّات بأن كانت بالدّخول في الأمكنة لزم كونه محاطا بالمكان كالمتمكّن وإن كانت بالانطباق لزم كونه محيطا بالتمكن كالمكان وكلاهما باطل هذا.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ على بن الحسين عليهالسلامسَبَّحَ فِي سُجُودِه:... سبحانك تسمع وترى ما تحت الثرى، سبحانك أنت شاهد كلّ نجوى، سبحانك موضع كلّ شكوى، سبحانك حاضر كلّ ملا، سبحانك عظيم الرّجاء، سبحانك ترى ما في قعر الماء، سبحانك تسمع أنفاس الحيتان في قعور البحار. سبحانك تعلم وزن السماوات. سبحانك تعلم وزن الأرضين، سبحانك تعلم وزن الشمس و القمر، سبحانك تعلم وزن الظلمة والنور، سبحانك تعلم وزن الفيء والهواء، سبحانك تعلم وزن الريح كم هي من مثقال ذرّة، سبحانك قدّوس قدّوس قدّوس(3). وقال تعالى:
«يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها...»(1).وقال تعالى: «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»(2).وقال تعالى: «وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ»(3).
وَقَدْ قَالَ لِى قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِيطَالِبٍ لَحَرِيصٌ
قال ابن أبي الحديد: قال عليهالسلام هذا الكلام يوم الشورى، والقائل الّذي قال له «إنّك على هذا الأمر لحريص» سعد بن أبي وقاص مع روايته فيه «أنت بمنزلة هارون من موسى» وهذا عجب، وقالت الامامية: قال يوم السقيفة والقائل أبو عبيدة بن الجراح(4).
ولكن: كيف نسب ما قاله إلى الامامية، وقد روى محمّد بن يعقوب الكليني ومحمّد بن جرير بن رستم الطبري وهما من قدماء الامامية: إنّه عليهالسلامقاله يوم الشورى، وقد عرفت من خبرهما أنّ القائل كان عبد الرحمن بن عوف لا أبو عبيدة الّذي قال.
ثم أيّ شيء يغني عنه في كون كلامه عليهالسلاميوم الشورى في صحة أمر يوم السقيفة، وقد تضمّن قوله عليهالسلاميوم الشورى بطلان أمر السقيفة، وأنّه الأساس فمرّ في
رواياتهم عن الثقفي، وابن قتيبة قوله عليهالسلاميوم الشورى «فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي، لأنّهم كانوا يسمعونني وأنا أحاجّ أبا بكر فأقول: يا معشر قريش، إنّا أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم ـ إلى آخر ما مرّ ـ.
ثم لم ادر إلى أي شيء استند في قوله: إن القائل كان سعدا، وخبر الثقفي الوارد من طريقهم وقد نقله نفسه في شرح قوله عليهالسلام«و من كلام له عليهالسلاملمّا قلّد محمّد بن أبي بكر مصر» خال من اسم القائل(1)كخبر ابن قتيبة، والمجمل يحمل على المفصل خبر الكليني(2)والطبري المصرّح بعبد الرحمن(3).
وأيضا الجريء منهم على أن يقول له هذا الكلام ويخاطبه بذاك الخطاب إنّما كان عبد الرحمن لكونه حكم عمر في اختيار من شاء منهم.
إنّما قال عليهالسلام «بل أنتم» مع أنّ القائل له «انّك لحريص» إنما كان واحدا لقوله عليهالسلام قبل «و قال لي قائل» لكون باقيهم على رأيه. فيصحّ النسبة إلى جميعهم كما في قوله تعالى: «فَعَقَرُوها»(4)مع أنّ العاقر كان واحدا.
ثم الأصل في قول عبد الرحمن له عليهالسلام «انّك على هذا الأمر لحريص» قول فاروقهم فقال له عليهالسلام في ما قال للستّة كما قال ابن قتيبة «و ما يمنعني منك يا علي إلاّ حرصك عليها»(5).
ورماه بالرياء أيضا كما عابه بصغر السنّ. فرووا عن ابن عباس أنّه قال: دخلت
على عمر يوما. فقال: يا ابن عباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في العبادة حتّى نحلته رياء. قلت: من هو قال: ابن عمّك. قلت: وما يقصد بالرياء قال: يرشّح نفسه للخلافة. قلت: وما يصنع بالترشيح قد رشّحه لها النبي صلىاللهعليهوآله فصرفت عنه. قال: كان شابّا حدثا فاستصغرت العرب سنّه، وقد كمل الآن. ألم تعلم انّ اللّه لم يبعث نبيّا إلاّ بعد أربعين. قلت: أمّا أهل الحجى والنهى ما زالوا يعدّونه كاملا منذ رفع اللّه منار الاسلام، ولكنّهم يعدّونه محروما مجدودا. فقال: أمّا إنّه سيليها بعد هياط(1).ثم تزلّ قدمه، ولا يقضي منها اربه، ولتكونن شاهدا ذلك. ثم يتبين الصبح لذي عينين، وتعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأوّلين الّذين صرفوها عنه بادئ بدء فليتني أراكم بعدي يا عبداللّه إنّ الحرص محرمة وإنّ دنياك كظلّك(2).
وأما قوله «يجتهد رياء للخلافة» فابن عباس أجابه باستخلاف النبي صلىاللهعليهوآله له وإنّما أخّره هو وصاحبه، وقد اعترف بذلك معاوية في كتابه إلى محمّد بن أبي بكر.
وأما قوله «بصغر سنّه» فأجابه أيضا بانّه عند أهل المعرفة كان من أوّل الاسلام الّذي كان يومئذ ابن عشر كاملا. فلا يضرّه طعن الأجلاف، واولي الغلّ والحقد مثله، ومن كان على رأيه.
وأجابه في موضع آخر بأنّ اللّه تعالى ورسوله ما استصغراه حيث أمراه بأخذ سورة البراءة من صاحبه.
وأما قوله بعدم استقرار الأمر له «فتعلم العرب صحّة رأي المهاجرين الأوّلين
الّذين صرفوها عنه» فيقال له: أنت وصاحبك زلزلت أمره بمساعدة المنافقين و الطلقاء، وقد ولّيت الأمر عثمان وبني اميّة أعداء النبي حتّى لا تثبت له قدم إن ولي
يوما، وتبيّن الصبح لذي عينين بعملك، ولا غرو ان لم يبصر الأعمى.
وكل أقواله صار منشأ لجرأة جمع وشبهة فريق حتّى سمّى كثير منهم خلافته فتنة كخلافة ابن الزبير، ونحن لا نسوء من ذلك فيكفيهم ثلاثتهم، ويكفينا هو وأحد عشر من عترته الّذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.
ومن المضحك حديثه «ما بعث اللّه نبيّا إلاّ بعد أربعين» أو لم يسمع قوله تعالى في يحيى «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»(1)وحكايته عن عيسى عليهالسلام في مهده «إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا»(2).
كما أنّ من المضحك وعظه لأمير المؤنين برسالة ابن عباس «إنّ الحرص محرمة» أو لم يقل ذلك لنفسه حيث أراد إحراق أهل بيت نبيّه، وقتل من كان بمنزلة نفس النبي صلىاللهعليهوآله حرصا على نيل الامارة، ولعمر اللّه وإن قال لصاحبه مغالطة «قدّمك النبي صلىاللهعليهوآله لديننا في أمرك بالصلاة لنا أفلا نرضاك لدنيانا للخلافة»(3)إلاّ أنّه ما أراد بذلك أن يصلّوا ويصوموا بل ليتأمّر عليهم مثل معاوية إلاّ أنّ معاوية أظهر، وهو أسرّ، ولكنّه إن لم يصرّح أفصح بما جرى على لسانه «أ فلا نرضاك لدنيانا».
أي: أنتم معشر قريش مع رأسكم فاروقكم الّذين نسبتموني إلى الحرص على
هذا الأمر لم تفهموا معنى الحرص ومورد استعماله. فالحرص يقال لمن طلب شيئا لم يكن له، وأما من طالب بحقّه الثابت الواضح عند الكلّ إذا طلبه من المتغلبين عليه لا يقال له إنّه حريص عليه ولو كان جادّا.
مع أنّه عليهالسلام إنّما طلب وقتا أمكنه الطلب، وهو يوم السقيفة ويوم الشورى دون قيام عمر بنصب أبي بكر له بقدر إتمام الحجّة ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة.
وكيف نسبوا إليه عليهالسلام الحرص مع أنّه رضي بترك حقّه الثابت لما عرض عليه عبد الرحمن بن عوف بيعته له بشرط عمله بسنّة الشيخين.
فأنكر عليهالسلام عليه ذلك وطوى عنه كشحا مع زعمهم حرصه عليهالسلام عليه دلالة على بطلان سنّتهما.
هذا، وقال ابن حاطب: ابن الزبير طالما حرص على الامارة قيل له: كيف قال: أمر أبو بكر أغيلمة من أبناء المهاجرين أنا فيهم بقتل لصّ. فقال ابن الزبير: أمّروني عليكم فأمّرناه ثم انطلقنا به فقتلناه(1).
وكان من حرص ابن الزبير على الامارة أنّه صار في من نصر عثمان مع كون أبيه في من قتل عثمان، ومع كونه مثل أبيه في بغض عثمان إلاّ أنّه علم أنّ عثمان يقتل وعلم أنّ الأمر يصير إلى أمير المؤنين عليهالسلام. فأراد أن يكون له مستمسك لادعاء الخلافة إن اتّفق يوم يمكنه القيام بأنّه لمّا نصر عثمان جعله وصيّه. فهكذا ادّعى يوم قيامه بعد يزيد ومنّ يوما على معاوية بأنّه نصر عثمان. فقال له معاوية ـ وكان يعرف الناس حق المعرفة ـ فو اللّه لولا شدّة بغضك لابن أبي طالب لجررت
1) .اسد الغابة: 1/322.
برجل عثمان مع الضبع(1).
أى صدمته.
القرع بالحجّة استعارة. فالأصل في القرع ضرب الرأس بالعصا(2).
الملأ: الجماعة في محلّ قيل لهم الملأ لا متلاء المحلّ بهم.
«هبّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به» هكذا في ابن أبي الحديد(3)ومعنى هبّ انتبه واستيقظ عن غفلته.
ووجه بهته وعدم درايته لجواب، أنّ كلّهم كانوا مشاهدين لاستخلاف النبي صلىاللهعليهوآله له، وعارفين بسوابقه ومقاماته، وأحقيّته بأقربيّته إلى النبي صلىاللهعليهوآله من كلّ أحد. فإذا ذكّرهم ذلك لا بدّ أن يبهتوا لعدم جواب لهم.
كما أنّ إبراهيم عليهالسلام لما قال للملك الّذي يدّعي الربوبية: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ»(4)بهت ولم يدر ما يجيبه.
هذا، وممّا ذكروا من الجواب المسكت للخصم أنّ ثابت بن عبداللّه بن الزبير نظر إلى أهل الشام. فقال: إنّي لأبغض هذه الوجوه. فقال له سعيد بن عمرو بن عثمان: تبغضهم لأنّهم قتلوا أباك. قال: صدقت ولكنّ أباك قتله المهاجرون والأنصار(1).
وأنّ معاوية قال يوما: أيّها الناس إنّ اللّه فضّل قريشا بثلاث. فقال: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ»(2)فنحن عشيرته، وقال: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ»(3)ونحن قومه وقال: «لاِءِيلافِ قُرَيْشٍ» إلى آخر السورة(4)، ونحن قريش. فأجابه رجل من الأنصار فقال: على رسلك يا معاوية فإنّ اللّه يقول: «وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ»(5)وأنتم قومه، وقال: «وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ»(6)وأنتم قومه، وقال: «وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً»(7)وأنتم قومه ثلاثة بثلاثة، ولو زدتنا لزدناك، فأفحمه.
واعلم افترى معاوية في كونه عشيرته، وإنّما عشيرته بنو هاشم، ولذا جمعهم حسب بعد نزول الآية، وأنذرهم، والأخيران لا مدح فيهما مع أنّ معاوية كان مصداق قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤمِنُوا»(8)فأيّ أثر لإنذاره، وأيّ وقت كان القرآن ذكرا له.
وقالوا: كان عدي بن حاتم فقئت عينه يوم الجمل. فقال له ابن الزبير يوما: متى
فقئت عينك قال: يوم قتل أبوك، وهربت عن خالتك، وأنا للحقّ ناصر وأنت له خاذل(1).
أى أستغيثك وأستنصر منك عليهم وعلى من أعانهم من غيرهم.
والمراد أنّ قريشا قالوا مكابرة في قبال حجّته عليهالسلامأخذنا حقّ، وتركك ومنعك حق، ويشهد لما قلنا رواية الثقفي، ورواية ابن قتيبة للكلام المتقدّمتان(2).
روى العبّاس بن عبداللّه العبدي، عن عمرو بن شمر عن رجاله قالوا: سمعنا عليّا عليهالسلام يقول: ما رأيت منذ بعث اللّه محمّدا صلىاللهعليهوآله رخاء والحمد للّه. واللّه لقد خفت صغيرا، وجاهدت كبيرا اقاتل المشركين، واعادي المنافقين حتّى قبض اللّه نبيّه صلىاللهعليهوآله فكانت الطامّة الكبرى(3).
حيث جعلوني قرينا للادغال والطغام والسفلة الأرذال.
قال نصر والمسعودي وغيرهما: كتب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر في جواب كتابه ـ وكان في كتاب محمد بن أبي بكر إليه «فكيف ـ يا لك الويل ـ تعدل نفسك بعلي، وهو وارث رسوله، ووصيه، وأبو ولده، أوّل الناس له اتّباعا، وأقربهم به
عهدا. يخبره بسرّه، ويطلعه على أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه» ـ إلى أن قال «ذكرت في كتابك فضل ابن أبي طالب، وقديم سوابقه، وقرابته إلى الرسول، و مواساته إيّاه في كلّ هول وخوف. فكان احتجاجك علي وعيبك لي ـ إلى أن قال ـ فقد كنّا ـ وأبوك فينا ـ نعرف فضل ابن أبي طالب، وحقّه لازما لنا مبرورا علينا. فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده، وأتمّ له ما وعده وأظهر دعوته وابلج حجته قبضه اللّه إليه فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه، وخالفه على أمره. على ذلك اتّفقا واتّسقا، ثم إنّهما دعواه إلى بيعتهما فابطأ عنهما، وتلكّأ عليهما فهمّا به الهموم، وأرادا به العظيم. ثم إنّه بايع لهما وسلّم لهما، وأقاما لا يشركانه في أمرهما، و لا يطلعانه على سرّهما حتّى قبضهما اللّه ـ إلى أن قال ـ: ـ مشيرا إلى نفسه وقيامه في قباله عليهالسلام ـ مهّد أبوك مهاده وبنى له ملكه وشاده. فإن يك ما نحن فيه صوابا. فأبوك أوّله، وإن يكن جورا، فأبوك أسّسه، ونحن شركاؤ، وبهديه أخذنا، وبفعله اقتدينا، ولو لا ما سبقنا إليه أبوك ما خالفنا ابن أبي طالب وسلّمنا له، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك.
فاحتذينا بمثاله، واقتدينا بفعاله. فعب أباك أو دع»(1).
روى أبو هلال: انّ أبا الهيثم بن التيّهان ـ وهو اوّل من ضرب على يد النبي صلىاللهعليهوآله للبيعة في أوّل نبوّته ـ قام خطيبا بين يدي علي عليهالسلام. فقال: إنّ حسد قريش إيّاك على وجهين: أمّا خيارهم فتمنّوا أن يكونوا مثلك منافسة في الملأ وارتفاع
1) .وقعة صفّين: 119؛ مروج الذهب: 3/12؛ أنساب الأشراف: 2/395.
الدرجة، وأمّا أشرارهم فحسدوا حسدا أثقل القلوب، وأحبط الأعمال، وذلك أنّهم رأوا عليك نعمة قدّمك اليها الحظّ، وأخّرهم عنها الحرمان.
فلم يرضوا أن يلحقوك حتّى طلبوا أن يسبقوك، فبعدت عليهم واللّه الغاية، وأسقط المضمار. فلمّا تقدّمتهم بالسبق، وعجزوا عن اللحاق. بلغوا منك ما رأيت، و كنت واللّه أحقّ قريش بشكر قريش. نصرت نبيّهم حيّا، وقضيت عنه الحقوق ميّتا، واللّه ما بغيهم إلاّ على أنفسهم، ولا نكثوا إلاّ بيعة اللّه. يد اللّه فوق أيديهم فها نحن معاشر الأنصار، أيدينا وألسنتنا لك، فأيدينا على من شهد، وألسنتنا على من غاب(1).
إنّهم لم يقتصروا على أخذ حقّي ساكتين عن الدّعوى بل...
أي ادّعوا أنّ الحق لهم وأنّ الواجب علىّ أن أترك المنازعة فيه معهم فليتهم أخذوه مذعنين بأنه حقّي فكانت المصيبة أهون والتحمّل بها أسهل.
قال الشارح البحراني: وروى نأخذه ونتركه بالنون في الكلمتين، وعليه نسخة الرّضي والمراد أنا نتصرّف فيه كما نشاء بالأخذ والترك دونك(2).
روى الزبير بن بكار انّ ابن عباس حضر مجلس معاوية فأقبل عليه معاوية. فقال له: إنّكم تريدون أن تحرزوا الإمامة كما اختصصتم بالنبوّة واللّه لا يجتمعان أبدا. إنّ حجّتكم في الخلافة مشتبهة على الناس. إنّكم تقولون: نحن أهل بيت النبوّة
فما بال خلافة النبي في غيرنا وهذه شبهة لانّها تشبه الحق وبها مسحة من العدل وليس الأمر كما تظنون. إنّ الخلافة تتقلب في أحياء قريش برضى العامّة وشورى الخاصة ولسنا نجد الناس يقولون ليت بني هاشم ولونا ولو ولونا كان خيرا لنا في دنيانا وآخرتنا، ولو كنتم زهدتم فيها أمس كما تقولون ما قاتلتم عليها اليوم، وو اللّه لو وليتموها يا بني هاشم لما كانت ريح عاد وصاعقة ثمود باهلك للناس منكم.
فقال له ابن عباس: امّا قولك: إنّا نحتجّ بالنبوّة في استحقاق الخلافة فهو واللّه كذلك، وإن لم تستحقّ الخلافة بالنبوّة فبم تستحق.
وامّا قولك: انّ النبوة والخلافة لا تجتمعان لأحد، فأين قوله عزّ وجلّ: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً»(1)فالكتاب هو النبوّة والحكمة هي السنّة والملك هو الخلافة، فنحن آل ابراهيم والحكمة جارية فينا إلى يوم القيامة.
وامّا دعواك على حجّتنا أنّها مشتبهة فليس كذلك، فإنّ حجّتنا أضوأ من الشمس، وأنور من القمر، كتاب اللّه معنا، وسنّة نبيّه فينا، وانّك لتعلم ذلك ولكن شيء عطفك وصعّرك(2)، قتلنا أخاك وجدك وخالك وعمّك. فلا تبك على أعظم حائلة وأرواح في النار هالكة، ولا تغضبوا لدماء أراقها الشرك، وأحلّها الكفر، ووضعها الدين.
وامّا ترك تقديم الناس لنا في ما خلا وعدولهم عن الاجماع علينا فما حرموا منّا أعظم ممّا حرمنا منهم، وكل أمر إذا حصل ثبت حقّه وزال باطله.
وأمّا قولك: إنّا لو ملكنا كان ملكنا أهلك للناس من ريح عاد وصاعقة ثمود فقوله تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ»(1)يكذّبك، فنحن أهل بيته الأدنون، ورحمة اللّه بنا خلقه، كرحمة اللّه بنبيّه خلقه(2).
اعلم: صدق معاوية، لو وليها بنو هاشم، أي أمير المؤنين عليهالسلامكانوا أهلك من ريح عاد وصاعقة ثمود، لكن لمعاوية وأضرابه أحزاب الشيطان، وأمّا للمؤنين فكانوا رحمة اللّه الواسعة، ونعمته السابغة. قال تعالى: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ»(3).
وقالت سيّدة نساء العالمين لمّا غصبوا الخلافة من أمير المؤنين عليهالسلامفي خطبتها في فدك: «و ما نقموا من أبي الحسن عليهالسلامإلاّ تنمّره وشدّة وطأته في ذات اللّه»(4).وفي زيارته عليهالسلام «كنت على الكافرين عذابا صبّا ونهبا، وللمؤنين عمدا وخصبا»(5).
قال ابن أبي الحديد: واعلم أنّه قد تواترت الأخبار عنه عليهالسلام بنحو من هذا القول
نحو قوله عليهالسلام ما زلت مظلوما منذ قبض اللّه رسوله صلىاللهعليهوآله حتّى يوم الناس هذا وقوله عليهالسلام أللّهمّ اجز قريشا فانّها منعتني حقّي وغصبتني أمري.
وقوله عليهالسلام فجزت قريشا عنّي الجوازي فانّهم ظلموني حقّي واغتصبوني سلطان ابن امّي.
وقوله عليهالسلام وقد سمع صارخا ينادي أنا مظلوم فقال عليهالسلام هلّم فلنصرخ معا فانّي ما زلت مظلوما.
وقوله عليهالسلام وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرّحى وقوله عليهالسلام أرى تراثي نهبا وقوله: اصفيا بانائنا وحملا الناس على رقابنا.
وقوله عليهالسلام: إنّ لنا حقّا إن نعطه نأخذه وان نمنعه نركب أعجاز الابل وإن طال السرى.
و قوله عليهالسلام: ما زلت مستأثرا عليّ مدفوعا عمّا أستحقّه وأستوجبه.
وأصحابنا يحملون ذلك كلّه على ادّعائه الأمر بالأفضليّة والأحقيّة وهو الحقّ و الصّواب فانّ حمله على الاستحقاق تكفير وتفسيق لوجوه المهاجرين والأنصار لكنّ الاماميّة والزيديّة حملوا هذه الأقوال على ظواهرها وارتكبوا بها مركبا صعبا و لعمري إنّ هذه الألفاظ موهمة مغلبة على الظنّ ما يقوله القوم لكن تصفّح الأقوال يبطل ذلك الظنّ ويدرء ذلك الوهم فوجب أن يجرى مجرى الايات المتشابهات الموهمة ما لا يجوز على الباري فانّه لا نعمل بها ولا نعوّل على ظواهرها لأنّا لما تصفّحنا أدلّة العقول اقتضت العدول عن ظاهر اللّفظ وأن نحمل على التأويلات المذكورة في الكتب.
قال: وحدّثني يحيى بن سعيد بن عليّ الحنبلي المعروف بابن عالية ساكن
قطفتا(1)بالجانب الغربي من بغداد واحد الشهود المعدلين بها قال كنت حاضرا عند الفخر إسماعيل بن عليّ الحنبلي الفقيه المعروف بغلام ابن المنى وكان الفخر إسماعيل هذا مقدّم الحنابلة ببغداد في الفقه والخلاف ويشتغل بشيء في علم المنطق وقد كان حلو العبارة وقد رأيته أنا وحضرت عنده وسمعت كلامه وتوفّى سنة عشرة وستّمأة.
قال ابن عالية ونحن عنده نتحدّث إذ دخل شخص من الحنابلة قد كان له دين على بعض أهل الكوفة فانحدر إليه يطالبه به واتّفق أن حضره زيارة يوم الغدير والحنبليّ المذكور بالكوفة وهذه الزيارة هي اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة و يجتمع بمشهد أمير المؤنين عليهالسلام من الخلايق جموع عظيمة يتجاوز حدّ الاحصاء.
قال ابن عالية: فجعل الشيخ الفخر يسائل ذلك الشّخص ما فعلت؟ ما رأيت؟
هل وصل مالك إليك؟ هل بقى منه بقيّة عند غريمك؟ وذلك الشخص يجاوبه حتّى قال له يا سيّدي لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير وما يجرى عند قبر عليّ بن أبي طالب عليهالسلام من الفضايح والأقوال الشّنيعة وسبّ الصحابة جهارا بأصوات مرتفعة من غير مراقبة ولا خيفة.
فقال إسماعيل أيّ ذنب لهم واللّه ما جراهم على ذلك ولا فتح لهم هذا الباب إلاّ صاحب ذلك القبر، فقال ذلك الشخص: ومن صاحب القبر قال: عليّ بن أبي طالب عليهالسلام
قال: يا سيّدي هو الّذي سنّ لهم ذلك وعلّمهم إيّاه وطرقهم إليه؟ قال نعم واللّه.
1) . قطفتا، بالفتح ثمّ الضم والفاء ساكنة وتاء مثناة والقصر: محلة بالجانب الغربى من بغداد، بينها و بين دجلة أقل من ميل مراصد الاطلاع.
قال: يا سيّدي فان كان محقّا فما لنا نتولّى فلانا وفلانا وإن كان مبطلا فما لنا نتولاّه ينبغي أن نبرء إمّا منه أو منهما، قال ابن عالية فقام اسماعيل مسرعا فلبس نعله وقال: لعن اللّه اسماعيل الفاعل ابن الفاعل إن كان يعرف جواب هذه المسألة و دخل دار حرمه وقمنا نحن فانصرفنا انتهى كلام الشارح(1).
والعجب من ابن أبي الحديد أنّه بعد اعترافه بتواتر الأخبار الظاهرة في اغتصاب الخلافة والتظلّم والشكوى من أئمة الجور كيف يصرفها عن ظواهرها من غير دليل وأيّ داع له الى الانحراف عن قصد السّبيل ولو كان هناك أقلّ دليل لتمسّك به مقدّم الحنابلة اسماعيل، ولم يعي عن الجواب، ولم يقم من مجلسه مسرعا إلى الذهاب، فحيث عجز عن جواب القائل ضاق به الخناق إلاّ لعن نفسه بالفاعل ابن الفاعل.
ثمّ العجب من الشّارح أنه يعلّل ذلك تارة بأنّ حملها على ظواهرها يوجب تكفير وجوه الصّحابة وتفسيقها وهو كما ترى مصادرة على المدّعى، واخرى بأنّ تصفّح الأقوال يبطل الظنّ الحاصل منها وليت شعرى أىّ قول أوجب الخروج عن تلك الظواهر.
فان أراد قول أهل السنّة فليس له اعتبار ولا وقع له عند اولي الأبصار وإن أراد قول من يعوّل على قوله من النبيّ المختار وآله الأطهار فعليه البيان وعلينا التسليم و الاذعان، مع أنّا قد تصفّحنا كتب التواريخ والسّير والأخبار والأثر فما ظفرنا بعد إلى الان على خبر واحد معتبر ولا حديث صحيح يؤر بل الأحاديث الصحيحة النبويّة وغير النبويّة العاميّة والخاصيّة على بطلان دعويهم متظافرة وإبطال خلافة
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/306 ـ 308.
الخلفاء متواترة متظاهرة.
وقياس ظواهر تلك الرّوايات على الايات المتشابهات قياس مع الفارق لا يقيسها إلاّ كلّ بائد ناهق، لقيام الأدلّة القاطعة من العقل والنقل على وجوب تأويل هذه الايات وقيامها على لزوم تعويل ظواهر تلك الروايات.
وكفى بذلك شهيدا فضلا عن غيره ممّا تقدّم ويأتي وحديث الثقلين وخبر الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ المعروف بين الفريقين ورواية ورود الامّة على النبيّ صلىاللهعليهوآله على خمس رايات وافتراق الامّة على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار غير واحدة.
ونعم ما قيل:
إذا افترقت في الدّين سبعين فرقة *** ونيفا كما قد جاء في واضح النقل
ولم يك منهم ناجيا غير واحد *** فبيّن لنا يا ذا النباهة والفضل
أ في الفرقة الهلاّك آل محمّد *** أم الفرقة الناجون أيّهما قل لي
فان قلت هلاّكا كفرت وإن نجوا *** فلماذا قدّم الغير بالفضل(1)
قال ابن أبي الحديد: قال أبو مخنف: حدّثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: أن الزبير وطلحة أغذّا(2)السير بعايشة حتّى انتهوا إلى حفر أبي موسى ـ قريب البصرة ـ فكتبا إلى عثمان بن حنيف عامل عليّ عليهالسلام أن أخل لنا دار الامارة.
فلمّا وصل كتابهما إليه، بعث إلى الأحنف فقال له: إنّ هؤاء القوم قدموا علينا ومعهم زوجة النّبيّ صلىاللهعليهوآله والنّاس إليها سراع.
فقال الأحنف انّهم جاءوك بها للطلب بدم عثمان، وهم الذين ألّبوا على عثمان النّاس وسفكوا دمه، وأراهم واللّه لا يزالونا حتّى يلقوا العداوة بيننا ويسفكوا دماءنا. وأظنهم واللّه سيركبون منك خاصة ما لا قبل لك به إن لم تتأهب لهم بالنهوض إليهم فيمن معك من أهل البصرة، فإنّك اليوم الوالي عليها وأنت فيهم مطاع، فسر إليهم بالناس وبادرهم قبل أن يكونوا معك في دار واحدة، فيكون النّاس لهم أطوع منك لك. فقال عثمان بن حنيف: الرأي ما رأيت لكني أكره أن أبدأهم وأرجو العافية والسلامة، إلى أن يأتيني كتاب أمير المؤنين عليهالسلام ورأيه فأعمل به.
ثم أتاه بعد الأحنف حكيم بن جبلة من بني عمرو بن وديعة فأقرأه كتاب طلحة و الزبير، فقال له حكيم مثل قول الأحنف وأجابه بمثل جوابه للأحنف، فقال له حكيم: فائذن لي حتّى أسير إليهم بالناس، فإن دخلوا في طاعة أمير المؤنين عليهالسلام وإلاّ فأنابذهم على سواء. فقال له: لو كان ذلك رأيي لسرت إليهم بنفسي.
قال حكيم: أما واللّه إن دخلوا عليك هذا المصر لتنقلن قلوب كثير من النّاس إليهم، وليزيلنك عن مجلسك هذا وأنت أعلم. فأبى عليه عثمان، وكتب عليّ عليهالسلام إلى عثمان لمّا بلغه مشارفة القوم البصرة: «إنّ البغاة عاهدوا اللّه ثم نكثوا و توجهوا إلى مصرك وساقهم الشيطان لطلب ما لا يرضى اللّه به، واللّه أشد بأسا وأشد تنكيلا، فان أقدموا عليك فادعهم إلى الطاعة والرجوع إلى الوفاء بالعهد والميثاق الذي فارقونا عليه، فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا عندك، وإن أبوا إلاّ التمسك
بحبل النكث والخلاف فناجزهم حتّى يحكم اللّه بينك وبينهم وهو خير الحاكمين. وكتبت إليك كتابي هذا من الربذة وأنا معجل المسير إليك إن شاء اللّه(1).
فلمّا وصل الكتاب إلى عثمان أرسل إلى أبي الأسود وعمران بن حصين الخزاعي فأمرهما أن يسيرا حتّى يأتياه بعلم القوم، فانطلقا حتّى إذا أتيا حفر أبي موسى وبه معسكر القوم، فدخلا على عايشة فسألاها ووعظاها، فقالت لهما: القيا طلحة والزبير. فقاما من عندها ولقيا الزبير فكلّماه، فقال لهما: إنّا جئنا للطلب بدم عثمان، وندعو النّاس إلى أن يردوا أمر الخلافة شورى ليختار النّاس لأنفسهم. فقالا له: إنّ عثمان لم يقتل بالبصرة ليطلب دمه فيها، وأنت تعلم قتلة عثمان من هم و أين هم وإنّك وصاحبك وعايشة كنتم أشد النّاس عليه وأعظمهم إغراء بدمه، فأقيدوا من أنفسكم.
وأمّا إعادة أمر الخلافة شورى، فكيف وقد بايعتم عليّا عليهالسلام طائعين غير مكرهين، وأنت لم تبعد العهد بقيامك دون هذا الرجل يوم مات النّبيّ صلىاللهعليهوآله، وأنت آخذ قائم سيفك تقول: ما أحد أحقّ بالخلافة منه ولا أولى بها منه، امتنعت من بيعة أبي بكر، فأين ذلك الفعل من هذا القول فقال لهما: اذهبا فالقيا طلحة، فقاما إلى طلحة فوجداه خشن اللمس شديد العريكة، قوي العزم في إثارة الفتنة واضرام نار الحرب. فانصرفا إلى عثمان بن حنيف فأخبراه.
وقال له أبو الأسود:
يابن حنيف قد أتيت فانفر *** وطاعن القوم واجلد واصبر
وابرز لهم مستلئما وشمّر
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/311.
فقال ابن حنيف: أي والحرمين لأفعلنّ. وأمر مناديه فنادى في النّاس: السلاح السلاح. فاجتمعوا إليه.
وقال أبو الأسود:
أتينا الزبير فدانى الكلا *** م وطلحة كالنجم أو أبعد
وأحسن قوليهما فادح *** يضيق به الخطب مستنكد
وقد أوعدونا بجهد الوعي *** د فأهون علينا بما أوعدوا
فقلنا ركضتم ولن ترملوا *** وأصدرتم قبل أن توردوا
وإن تلقحوا الحرب بين الرجا *** ل فملقحها حدّه الأنكد
و إنّ عليّا لكم مصحر *** ألاّ إنّه الأسد الأسود
أما إنّه ثالث العابديـ *** ـن بمكّة واللّه لا يعبد
فرخّوا الخناق ولا تعجلوا *** فإنّ غدا لكم موعد
وأقبل القوم، فلمّا انتهوا إلى المربد، قام رجل من بني جشم فقال: أيّها النّاس إن كان هؤاء أتوكم خائفين لقد أتوكم من المكان الذي يأمن فيه الطير والوحش والسباع، وإن كانوا أتوكم بطلب دم عثمان فغير وليّ قتله فأطيعوني.
أيّها النّاس ردّوهم من حيث أقبلوا، فإنّكم إن لم تفعلوا لم تسلموا من الحرب الضروس والفتنة الصماء التي لا تبقي ولا تذر. فحصبه ناس من أهل البصرة فأمسك(1)
شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/313.
، واجتمع أهل البصرة بالمربد حتّى ملئوه مشاة وركبانا، فقام طلحة فأشار إلى النّاس بالسكوت ليخطب فسكتوا بعد جهد، فقال: أما بعد، فإن عثمان كان من أهل السابقة والفضيلة، ومن المهاجرين الأوّلين الذين رضي اللّه عنهم1) .
ورضوا عنه، ونزل القرآن ناطقا بفضلهم، وأحد أئمّة المسلمين الوالين عليكم بعد أبي بكر وعمر صاحبي النّبيّ، وقد كان أحدث أحداثا نقمناها عليه، فأتيناه فاستعتبناه فأعتبنا، فعدا عليه امرؤابتز هذه الامّة أمرها غصبا بغير رضى منها ولا مشورة، فقتله وساعده على ذلك قوم غير أتقياء ولا أبرار، فقتل محرما بريئا تائبا. و قد جئناكم أيّها النّاس نطلب بدم عثمان، وندعوكم إلى الطلب بدمه، فإن نحن أمكننا اللّه من قتلته قتلناهم به وجعلنا هذا الأمر شورى بين المسلمين، وكانت خلافة رحمة للامّة جميعا، فإن كلّ من أخذ الأمر من غير رضى من العامة ولا مشورة منها ابتزازا كان ملكه ملكا عضوضا وحدثا كبيرا.
ثمّ قام الزبير فتكلّم بمثل كلام طلحة، فقام إليهما ناس من أهل البصرة، فقالوا لهما: ألم تبايعا عليّا فيمن بايعه، ففيم بايعتما ثم نكثتما فقالا: ما بايعناه ولا لأحد في أعناقنا بيعة، وإنّما استكرهنا على بيعته. فقال ناس: قد صدقا وأحسنا القول وقطعا بالصواب.
وقال ناس: ما صدقا ولا أصابا. حتّى ارتفعت الأصوات، ثم أقبلت عايشة على جملها فنادت بصوت مرتفع: أيّها النّاس أقلّوا الكلام واسكتوا.
فأسكت النّاس لها، فقالت: إن أمير المؤنين عثمان غيّر وبدّل، ثم لم يزل يغسل ذلك بالتوبة حتى قتل مظلوما تائبا، وإنّما نقموا عليه ضربه بالسوط وتأميره الشبّان وحمايته موضع الغمامة فقتلوه محرما، في حرمة الشهر وحرمة البلد ذبحا كما يذبح الجمل. ألا وإن قريشا رمت غرضها بنبالها وأدمت أفواهها بأيديهما، وما نالت بقتلها إيّاه شيئا، ولا سلك به سبيلا قاصدا.
أما واللّه ليرونها بلايا عقيمة تنبه النائم وتقيم الجالس، وليسلّطنّ عليهم قوم لا
يرحمونهم يسومونهم سوء العذاب.
أيّها النّاس ما بلغ من ذنب عثمان ما يستحلّ به دمه مصصتموه كما يماص الثوب الرخيص، ثم عدوتم عليه قتلتموه بعد توبة وخروجه من ذنبه، وبايعتم ابن أبي طالب بغير مشورة من الجماعة، ابتزازا وغصبا، أ تراني أغضب لكم من سوط عثمان ولسانه ولا أغضب لعثمان من سيوفكم، ألا إنّ عثمان قتل مظلوما فاطلبوا قتلته، فإذا ظفرتم بهم فاقتلوهم، ثم اجعلوا الأمر شورى بين الرهط الذين اختارهم أمير المؤنين عمر، ولا يدخل فيهم من شرك في دم عثمان.
فماج النّاس واختلطوا، فمن قائل يقول: القول ما قالت. ومن قائل يقول: وما هي وهذا الأمر إنّما هي امرأة مأمورة بلزوم بيتها. وارتفعت الأصوات وكثر اللغط حتّى تضاربوا بالنعال وتراموا بالحصباء.
ثمّ إن النّاس تمايزوا فصاروا فريقين، فريق مع عثمان بن حنيف، وفريق مع عايشة وأصحابها(1).
فلمّا أقبل طلحة والزبير من المربد يريدان ابن حنيف وجداه وأصحابه قد أخذوا بأفواه السكك، فمضوا حتّى انتهوا إلى موضع الدبّاغين، فاستقبلهم أصحاب ابن حنيف، فشجرهم(2)طلحة والزبير وأصحابهما بالرماح، فحمل عليهم حكيم بن جبلة فلم يزل وأصحابه يقاتلونهم حتّى أخرجوهم من جميع السكك، ورماهم النساء من فوق البيوت بالحجارة، فأخذوا إلى مقبرة بني مازن فوقفوا بها مليّا حتّى ثابت إليهم خيلهم، ثم أخذوا على مسناة البصرة حتّى انتهوا إلى الرابوقة، ثم
أتو سبخة دار الرزق فنزلوها، وأتاهما عبداللّه بن حكيم التهمي لمّا نزلا السبخة بكتب كانا كتباها إليه، فقال لطلحة: أما هذه كتبك إلينا قال بلى. قال: فكتبت أمس تدعونا إلى خلع عثمان وقتله، حتّى إذا قتلته أتيتنا ثائرا بدمه، فلعمري ما هذا رأيك، لا تريد إلاّ هذه الدّنيا، مهلا إذا كان هذا رأيك فلم قبلت من عليّ عليهالسلامما عرض عليك من البيعة فبايعته طائعا راضيا ثم نكثت بيعته، ثم جئت لتدخلنا في فتنتك فقال: إن عليّا دعاني إلى بيعته بعد ما بايعه النّاس، فعلمت أنّي لو لم أقبل ما عرضه عليّ لم يتم لي، ثم يغرى بي من معه.
ثم أصبحا من غد فصفّا للحرب، وخرج ابن حنيف إليهما فناشدهما اللّه والإسلام وأذكرهما بيعتهما عليّا عليهالسلام، فقالا: نحن نطلب بدم عثمان. فقال لهما: وما أنتما وذاك، أين بنو عمّه الذين هم أحقّ به منكم كلا واللّه ولكنّكما حسدتماه حيث اجتمع النّاس عليه، وكنتما ترجوان هذا الأمر وتعملان له، وهل كان أحد أشد على عثمان قولا منكما فشتماه شتما قبيحا وذكرا امّه.
فقال للزبير: أما واللّه لو لا صفية ومكانها من النّبيّ صلىاللهعليهوآله فانّها أدنتك إلى الظل، وإن الأمر بيني وبينك يا بن صعبة ـ يعني طلحة ـ أعظم من القول، لأعلمنكما من أمركما ما يسوؤما، اللهمّ إني قد أعذرت إلى هذين الرجلين. ثم حمل عليهم واقتتل النّاس قتالا شديدا، ثم تحاجزوا واصطلحوا على أن يكتب بينهم كتاب صلح فكتب: هذا ما اصطلح عليه ابن حنيف ومن معه من شيعة أمير المؤنين عليّ عليهالسلام وطلحة والزبير ومن معهما من المسلمين من شيعتهما، إن لابن حنيف دار الامارة والرحبة والمسجد وبيت المال والمنبر، وإن لطلحة والزبير ومن معهما أن ينزلوا حيث شاءوا من البصرة، لا يضار بعضهم بعضا في طريق ولا فرضة ولا
سوق ولا شريعة ولا مرفق حتّى يقدم أمير المؤنين عليّ عليهالسلام، فإن أحبوا دخلوا فيما دخلت فيه الامّة، وإن أحبوا لحق كل قوم بهواهم من قتال وسلم وخروج وإقامة. وعلى الفريقين بما كتبوا عهد اللّه وميثاقه و أشد ما أخذ اللّه على نبي من أنبيائه من عهد وذمة.
وختم الكتاب، ورجع ابن حنيف حتّى دخل دار الامارة وقال لأصحابه: الحقوا رحمكم اللّه بأهلكم وضعوا سلاحكم وداووا جرحاكم. فمكثوا كذلك أيّاما(1).
ثم انّ طلحة والزبير قالا: إن قدم عليّ ونحن على هذه الحال من القلّة والضعف ليأخذن بأعناقنا. فأجمعا على مراسلة القبائل واستمالة العرب، فأرسلا إلى وجوه النّاس وأهل الرياسة والشرف يدعونهم إلى الطلب بدم عثمان وخلع عليّ عليهالسلام وإخراج ابن حنيف من البصرة، فبايعهم على ذلك الأزد وضبة وقيس عيلان كلّها، إلاّ الرجل والرجلين في القبيلة كرهوا أمرهم فتواروا عنهم.
وأرسلوا إلى هلال بن وكيع التميمي فلم يأتهم، فجاءه طلحة والزبير إلى داره فتوارى عنهما، فقالت له امّه: ما رأيت مثلك، أتاك شيخا قريش فتواريت عنهما فلم تزل به حتّى ظهر لهما وبايعهما، ومعه بنو عمرو بن تميم كلّهم وبنو حنظلة، إلاّ بني يربوع فإنّ عامّتهم كانوا شيعة لعليّ عليهالسلام، وبايعهم بنو دارم كلّهم إلاّ نفرا من بني مجاشع ذوي دين وفضل. فلمّا استوسق لطلحة والزبير أمرهما، خرجا في ليلة مظلمة ذات ريح ومطر ومعهما أصحابهما قد ألبسوهم الدروع وظاهروا فوقها بالثياب، فانتهوا إلى المسجد وقت صلاة الفجر وقد سبقهم ابن حنيف واقيمت
1) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 9/318.
الصلاة، فتقدّم ابن حنيف ليصلّي بهم فأخّره أصحاب طلحة والزبير وقدموا الزبير، فجاءت السبابجة، وهم الشرط حرس بين المال فأخّروا الزبير وقدموا ابن حنيف، فغلبهم أصحاب الزبير فقدّموه.
ـ إلى أن قال ـ: فلمّا انصرف الزبير من صلاته صاح بأصحابه المستسلحين أن خذوا ابن حنيف. فأخذوه بعد أن تضارب هو ومروان بسيفيهما، فلمّا اسر ضرب ضرب الموت، ونتف حاجباه وأشفار عينيه وكل شعره في رأسه ووجهه وأخذوا السبابجة ـ وهم سبعون رجلا ـ فانطلقوا بهم وبابن حنيف إلى عايشة، فقالت لأبان بن عثمان: اخرج إليه فاضرب عنقه، فإن الأنصار قتلت أباك وأعانت على قتله. فنادى عثمان: يا عايشة ويا طلحة ويا زبير إنّ أخي سهل بن حنيف خليفة عليّ بن أبي طالب على المدينة، وأقسم باللّه إن قتلتموني ليضعن السيف في بني أبيكم وأهليكم ورهطكم فلا يبقي منكم أحدا. فكفّوا عنه وخافوا أن يوقع سهل بعيالاتهم وأهاليهم بالمدينة، فتركوه. وأرسلت عايشة إلى الزبير أن اقتل السبابجة، فإنّه قد بلغني الذي صنعوا بك، فذبحهم الزبير ـ واللّه ـ كما يذبح الغنم، ولي ذلك ابنه عبداللّه ـ وهم سبعون رجلا ـ وبقيت منهم طائفة مستمسكين ببيت المال، وقالوا: لا ندفعه إليكم حتّى يقدم أمير المؤنين عليهالسلام، فسار إليهم الزبير في جيش ليلا فأوقع بهم، وأخذ منهم خمسين أسيرا فقتلهم صبرا.
وحدّثنا الصقعب قال: كانت السبابجة القتلى يومئذ أربعمائة رجل، فكان غدر طلحة والزبير بابن حنيف أوّل غدر كان في الإسلام. وكان السبابجة أوّل قوم ضربت أعناقهم من المسلمين صبرا، وخيّروا ابن حنيف بين أن يقيم أو يلحق بعليّ، فاختار الرحيل، فخلوا سبيله فلحق بعلي عليهالسلام، فلمّا رآه بكى وقال له: فارقتك شيخا
وجئتك أمرد. فقال عليّ عليهالسلام: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ـ ثلاثا ـ(1).
فلمّا بلغ حكيم بن جبلة ما صنع القوم بعثمان بن حنيف، خرج في ثلاثمائة من عبد القيس مخالفا لهم ومنابذا، فخرجوا إليه وحملوا عايشة على جمل، فسمّي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر، ويوم عليّ عليهالسلام يوم الجمل الأكبر، وتجالد الفريقان بالسيوف، فشدّ رجل من الأزد من عسكر عايشة على حكيم بن جبلة فضرب رجله فقطعها، ووقع الأزدي عن فرسه فجثا حكيم فأخذ رجله فرمى بها الأزدي فصرعه، ثم دب إليه فقتله متكئا عليه حتّى زهقت نفسه، فمر رجل بحكيم و هو يجود بنفسه فقال: من فعل بك كذا، قال: وسادي، فنظر فإذا الأزدي تحته.
وكان حكيم شجاعا مذكورا، وقتل مع حكيم إخوة له ثلاثة، وقتل أصحابه كلّهم وهم ثلاثمائة من عبد القيس والقليل منهم من بكر بن وائل، فلمّا صفت البصرة لطلحة والزبير بعد قتل حكيم وأصحابه وطرد ابن حنيف، اختلفا في الصلاة و أراد كلّ واحد منهما أن يؤ بالناس، وخاف أن تكون صلاته خلف صاحبه تسليما أو رضى بتقدمه، فأصلحت بينهما عايشة بأن جعلت عبداللّه بن الزبير ومحمّد بن طلحة يصلّيان بالنّاس هذا يوما وهذا يوما.
ثم دخلا بيت مال البصرة، فلمّا رأوا ما فيه من الأموال قال الزبير: «وَعَدَكُمُ اللّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ...»(2)، فنحن أحقّ بها من أهل البصرة.
فأخذوا ذلك المال، فلمّا غلب عليّ عليهالسلام رد تلك الأموال إلى بيت المال وقسّمها
في المسلمين(1).وروى المفيد قريبا منه مع زيادة ونقصان عن أبي مخنف وابن دأب والواقدي و المدائني(2).
وقال ابن أبي الحديد أيضا: كان القسم بن محمّد بن يحيى بن طلحة الملقّب أبا بعرة ولى شرطة الكوفة لعيسى بن موسى العبّاسي، وكان كلّم إسماعيل بن جعفر الصادق بكلام خرجا فيه إلى المنافرة(3)، فقال القسم: لم يزل فضلنا وإحساننا سابغا عليكم يا بني هاشم خاصّة وعلى بني عبد مناف كافّة.
فقال إسماعيل: أي فضل وإحسان أسديتموه إلى بني عبد مناف أغضب أبوك جدّي بقوله: «ليموتن محمّد ولنجولن بين خلاخيل نسائه كما جال بين خلاخيل نسائنا» فأنزل اللّه تعالى مراغمة لأبيك: «وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤذُوا رَسُولَ اللّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً»(4).ومنع ابن عمّك امّي حقّها من فدك وغيرها من ميراث أبيها، وأجلب أبوك على عثمان وحصره حتّى قتل، ونكث بيعة عليّ عليهالسلام وشام السيف في وجهه، وأفسد قلوب المسلمين عليه، فإن كان لبني عبد مناف قوم غير هؤاء أسديتم إليهم إحسانا فعرّفني من هم جعلت فداك(5).
وقال الخطيب: دخل أبو بكر بن عيّاش على موسى بن عيسى وهو على الكوفة وعنده عبداللّه بن مصعب الزبيري، فأدناه ودعا له بتكاء فاتكأ وبسط رجله، فقال
عبداللّه بن مصعب لموسى: من هذا الذي دخل ولم نستأذن له ثم اتكأته وبسطته قال: هذا فقيه الفقهاء، والرأس عند أهل البصرة، أبو بكر بن عيّاش. فقال: فلا كثير ولا طيب ولا مستحق لكل ما فعلته به.
فقال ابن عيّاش: أيّها الأمير من هذا الذي سأل عنّي بجهل ثم تتابع في جهله بسوء قول وفعل فنسبه له، فقال له ابن عيّاش: اسكت مسكتا، فبأبيك غدر ببيعتنا، و بقول الزور خرجت امّنا، وبابنه هدّمت كعبتنا، وبك أخرى ان يخرج الدجال فينا.
فضحك موسى حتّى فحص برجله، وقال للزبيري: أنا واللّه أعلم أنّه يحوط أهلك وأباك ويتولاّه ولكنّك مشؤم على آبائك(1).
أى حرمه وهو في الأصل ما لا يحلّ انتهاكه، وكنّى به هنا عن زوجته عايشة.
أى بيعها ووجه الشبه أنّ بايع الأمة يجرّها من بلد إلى بلد ويديرها في الأسواق ويعرضها على المشترين، فكذلك هؤاء أخرجوها وأداروها في البلدان وشهّروها في الأصقاع لينالوا بذلك إلى ما راموه.
أى طلحة والزبير.
1) .تاريخ بغداد: 14/378.
نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا
وهو أيضا كناية عنها وفي ذلك أيضا من الدّلالة على فرط ضلالهما وخطائهما ما لا يخفى لأنّ الرّسول صلىاللهعليهوآله أمرها بالاحتباس في بيتها بمقتضى قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى فهؤاء مضافا إلى عدم رعايتهم لحرمة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وحمايتهم عن عرضه ومخالفتهم لأمره خالفوا أمر اللّه سبحانه ونبذوا كتابه وراء ظهورهم حيث أبرزاها لهما ولغيرهما من الناس.
أقبل جارية بن قدامة السعدي إلى عايشة يوم الجمل فقال لها: لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح، إنّه قد كان لك من اللّه ستر وحرمة فهتكت سترك وأبحت حرمتك، إنّه من رأى قتالك يرى قتلك، إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتينا مستكرهة فاستعيني بالناس(1).
وخرج غلام شاب من بني سعد إلى طلحة والزبير وقال: أمّا أنت يا زبير فحواري النّبيّ صلىاللهعليهوآله، وأما أنت يا طلحة فوقيت النّبيّ بيدك، وأرى امّكما معكما فهل جئتما بنسائكما قالا: لا، قال: فما أنا منكما في شيء، واعتزل وقال:
صنتم حلائلكم وقد تم امّكم *** هذا لعمرك قلّة الإنصاف
أمرت بجز ذيولها في بيتها *** فهوت تشق البيد بالايجاف
غرضا يقاتل دونها أبناؤا*** بالنبل والخطّيّ والأسياف
هتكت بطلحة والزبير ستورها *** هذا المخبر عنهم والكافي(2).
هذا، وفي (الأغانى): كانت بالمدينة قينة لآل نفيس يقال لها بصيص، وكان
مولاها صاحب قصر نفيس الذي يقول فيه الشاعر:
شاقني الزائرات قصر نفيس *** مثقلات الأعجاز قبّ البطون(1)
وكان تأتيها فتيان من قريش فيستمعون منها، ويأتيها عبداللّه بن مصعب بن ثابت بن عبداللّه بن الزبير، وحجّ المنصور ومر بالمدينة في منصرفه، فقال عبداللّه
بن مصعب:
أ راحل أنت أبا جعفر *** من قبل أن تسمع من بصبصا
هيهات أن تسمع منها إذا *** جاوزت العيس بك الأعوصا(2)
فخذ عليها مجلسي لذّة***ومجلسا من قبل أن تشخصا(3)
أحلف باللّه يمينا ومن***يحلف باللّه فقد أخلصا
لو أنّها تدعو إلى بيعة***بايعتها ثمّ شققت العصا(4)
فبلغ ذلك المنصور فغضب، ودعا به وقال له: أمّا إنّكم يا آل الزبير قديما قادتكم النساء وشققتم معهنّ العصا حتّى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنّيات، فدونكم آل الزبير وهذا المرتع الوخيم(5)،(6).
أي: جاد.
حتّى مروان بن الحكم، وجيشهما وإن كان مقدار منهم من مكّة ومقدار منهم من البصرة، وهم لم يحضروا بيعته عليهالسلام، إلاّ أنّ عمّاله عليهالسلام كانوا أخذوا منهم البيعة.
وهو عثمان بن حنيف الانصاري كان عامله يومئذ بالبصرة.
قال البلاذري: كانت جماعة من السبابجة موكلين بيت مال البصرة، يقال إنّهم أربعون، ويقال أربعمائة، فلمّا قدم طلحة والزبير البصرة وعليها من قبل عليّ عليهالسلام عثمان بن حنيف، فأبوا أن يسلموا بيت المال إلى قدوم عليّ عليهالسلام، فأتوهم في السحر فقتلوهم، وكان عبداللّه بن الزبير المتولّي لأمرهم في جماعة تسرعوا إليهم معه، وكان على السبابجة يومئذ أبو سالمة الزطي وكان رجلا صالحا(1).
وقد عرفت من رواية أبي مخنف أنّ قتل ابن الزبير كان بطلب امّ مؤنيهم ذلك(2).
هذا، وقال الجوهرى: السبابجة قوم من السند كانوا بالبصرة جلاوزة وحرّاس السجن(3). وهو كما ترى فإنهم كانوا خزّان بيت المال لا حرّاس السجن.
قال في الجواهر بعد قول المحقّق ويكره قتله أى الكافر صبرا لا أجد فيه خلافا لما في صحيح الحلبي عن الصّادق عليهالسلام لم يقتل رسول اللّه صلىاللهعليهوآله رجلا صبرا غير عقبة بن ابي معيط وطعن ابن ابي خلف فمات بعد ذلك ضرورة إشعاره بمرجوحيّته الّتي لا ينافيها وقوعه من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله المحتمل رجحانه لمقارنة أمر آخر على أنّ الحكم ممّا يتسامح في مثله. قال: والمراد بالقتل صبرا أن يقيّد يداه ورجلاه مثلا حال قتله وحينئذ فاذا اريد عدم الكراهة أطلقه وقتله ولعلّ هذا هو المراد ممّا فسّره به غير واحد بل نسبه بعض إلى المشهور من أنه الحبس للقتل.
وفي القاموس: وصبر الانسان وغيره على القتل أن يحبس ويرمى حتّى يموت.
وأمّا ما قيل من أنّه التعذيب حتّى يموت أو القتل جهرا بين الناس أو التهديد بالقتل ثمّ القتل أو القتل وينظر إليه آخر أو لا يطعم ولا يسقى حتّى يموت بالعطش و الجوع فلم أجد ما يشهد لها بل الأخير منها مناف لما سمعته من وجوب الاطعام و السقى(1).
وكيف كان فقد ظهر بذلك أنّ في قوله عليهالسلام فقتلوا طائفة صبرا من الدّلالة على عظم خطيئتهم ما لا يخفى لأنه إذا كان قتل الكفّار المحاربين بهذه الكيفية المخصوصة مكروها أو حراما على اختلاف تفسير الصّبر «1» فكيف بالمؤنين مضافا إلى أنّهم لم يقنعوا بذلك بل:
1) .جواهر الكلام: 21/131.
أمّا الذين قتلوا غدرا فهم على رواية أبي مخنف المتقدّمة السبعون من السبابجة، كانوا نصروا ابن حنيف فغدروا بهم في غدرهم بابن حنيف، فذبحهم ابن الزبير من قبل أبيه بطلب امّهم كما يذبح الغنم، وأمّا الذين قتلوهم صبرا فهم الذين أبوا تسليم بيت المال وهم خمسون في قول وأربعمائة في آخر.
ومرّ خبر أبي مخنف في أن غدر طلحة والزبير كان أوّل غدر في الإسلام، وقتل أولئك صبرا أول قتل في الإسلام صبرا.
واعلم ان غدرهم كان مترتبا على أوّل غدر في الإسلام، وهو غدرهم بصاحب الغدير، وقد أخبره النّبيّ صلىاللهعليهوآله بذلك في قوله: إنّ الامّة ستغدر بك بعدي(1).
قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يجيء كلّ غادر بامام يوم القيامة مائلا شدقه حتّى يدخل النّار(2).
وقال أمير المؤنين عليهالسلام في حديث اصبغ بن نباته وهو يخطب على منبر الكوفة أيّها النّاس لولا كراهة الغدر لكنت من أدهى الناس إلاّ إنّ لكلّ غدرة فجرة، ولكلّ فجرة كفرة إلاّ وإنّ الغدر والفجور والخيانة في النّار هذا.
ثمّ إنّه عليهالسلام لما أبدى العذر في قتالهم ووجوب قتلهم بثلاث كباير موبقة إحداها إخراجهم لحبيس رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وهتكهم لناموسه، وثانيتها نكثهم البيعة بعد سماحهم للطاعة، وثالثها قتلهم للمسلمين صبرا وغدرا أقسم بالقسم البارّ بحلّيّة قتلهم ازاحة للشبهة عمّن كان في قلبه مرض فقال:
أى قاصدين لقتله.
فإنّ جميع النّاس لو اشتركوا في قتل واحد بدون استحقاقه للقتل جاز قتل الجميع، والجيش وإن لم يشترك جميعهم في قتل من قتل، بل ابن الزبير وعدّة أو هو وحده، إلاّ انّه لمّا كان ذلك بقوّة باقي الجيش مع عدم إنكارهم ودفاعهم كما قال عليهالسلام:
كان كاشتراكهم.
يعني إذا كان قتل جميع الجيش حلالا لقتل واحد عمدا، كيف لا يحل قتلهم لمثل تلك العدّة التي قتلوها، خزّان بيت المال كانوا أربعمائة على رواية أبي مخنف عن الصقعب، وأصحاب حكيم بن جبلة كانوا ثلاثمائة.
وفي رواية الكليني: فدعوا النّاس إلى معصيتي ونقض بيعتي، فمن أطاعهم أكفروه ومن عصاهم قتلوه، فناجزهم حكيم بن جبلة فقتلوه في سبعين رجلا من عبّاد أهل البصرة ومخبتيهم يسمّون المثفنين، كأنّ راح أكفّهم ثفنات الإبل. وأبى أن يبايعهم يزيد بن حارث اليشكري فقال: اتقيا اللّه، إن أوّلكم قادنا إلى الجنّة، فلا يقودنا آخركم إلى النار، فلا تكلفونا أن نصدق المدعي ونقضي على الغائب. أما يميني فشغلها عليّ بن أبي طالب عليهالسلام،
وهذه شمالي فارغة فخذاها إن شئتما. فخنق حتّى مات.
وقام عبداللّه بن حكيم التميمي فقال: يا طلحة هل تعرف هذا الكتاب، ألك قال: نعم ـ فإذا فيه عيب عثمان والدعاء إلى قتله ـ فسيّره من البصرة، وأخذوا عاملي عثمان بن حنيف الأنصاري غدرا فمثلوا به كل مثلة ونتفوا كلّ شعرة في رأسه ووجه...(1).وأمّا عدّة طلحة والزبير وعايشة التي دخلوا بها البصرة، ففي (الطبري): في اسناد عن الزهري أنّهم خرجوا من مكّة في سبعمائة رجل من أهل المدينة ومكة، ثمّ لحقهم النّاس حتّى كانوا ثلاثة آلاف(2).
هذا وقال نصر: أنّه عليهالسلام لمّا ورد الكوفة بعد فتح البصرة قام إليه أبو بردة بن عوف الأزدي ـ وكان ممّن تخلّف عنه عليهالسلام ـ فقال: أرأيت القتلى حول عايشة وطلحة والزبير بم قتلوا فقال عليهالسلام: قتلوا شيعتي وعمّالي، وقتلوا أخا ربيعة العبدي رحمة اللّه عليه في عصابة من المسلمين، قالوا لهم لا ننكث كما نكثتم ولا نغدر كما غدرتم، فوثبوا عليهم فقتلوهم، فسألتهم أن يدفعوا إليّ قتلة إخواني أقتلهم بهم، ثم كتاب اللّه حكم بيني وبينهم، فأبوا عليّ فقاتلوني وفي أعناقهم بيعتي، ودماء قريب من ألف رجل من شيعتي فقتلتهم بهم. أفي شكّ أنت من ذلك فقال: قد كنت في شك، فأمّا الآن فقد استبان لي خطؤم، وإنّك أنت المهدي المصيب(3).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَمِينُ وَحْيِهِ وَخَاتَمُ رُسُلِهِ ـ وَبَشِيرُ رَحْمَتِهِ وَنَذِيرُ نِقْمَتِه أَيُّهَا النَّاسُ ـ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ ـ وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللّهِ فِيهِ ـ فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ ـ وَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ الاْءِمَامَةُ لا تَنْعَقِدُ ـ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ ـ وَلَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ـ ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ وَلا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ ـ أَلا وَإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ ـ رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّهِ بِتَقْوَى اللّهِ ـ فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ ـ وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللّهِ ـ وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ـ وَلا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلاّ أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ ـ وَالْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ الْحَقِّ ـ فَامْضُوا لِمَا تُؤمَرُونَ بِهِ وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ـ وَلا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا ـ فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَرا.
أَلا وَإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا ـ وَتَرْغَبُونَ فِيهَا وَأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَتُرْضِيكُمْ ـ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَلا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ ـ وَلا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ ـ أَلا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَلا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا ـ وَهِيَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ
حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا ـ فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا ـ وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا ـ وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا ـ وَلا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا ـ وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللّهِ ـ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ ـ أَلا وَإِنَّهُ لا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ ـ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ ـ أَلا وَإِنَّهُ لا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْءٌ ـ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ ـ أَخَذَ اللّهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُم إِلَى الْحَقِّ ـ وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْر.
أى مأمون على ما اوحى إليه من الكتاب الكريم وشرايع الدّين القويم من التحريف والتبديل فيما امر بتبليغه لمكان العصمة الموجودة فيه صلوات اللّه وسلامه عليه وآله.
قال حسّان فيه صلىاللهعليهوآله:
أمين اللّه شيمته الوفاء(1)
وقال عمّه أبو طالب فيه:
أنت الأمين أمين اللّه لا كذب *** والصّادق القول لا لهو ولا لعب
أنت الرّسول رسول اللّه نعلمه *** عليك ينزل من ذي العزّة الكتب(2)
قال تعالى: «... وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ...»(1).
وقال صلىاللهعليهوآله لأمير المؤنين عليهالسلام: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي(2)وهو من الأخبار المتواترة.
وحلاله حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فمن ادّعى بعده نبوّة، أو أتى بعد كتابه بكتاب، أو جاء بعد سنّته بسنّة، فكافر ودمه مباح، ومع ذلك فقد قال فاروقهم: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وأنا أحرّمهما وأعاقب عليهما(3). وزاد هو وصدّيقهم على سنّة خاتم الرسل سننا أثبتها التاريخ، ولما قال أمينهم ابن عوف لأمير المؤنين عليهالسلام يوم الدار: أبايعك على سنّة أبي بكر وعمر أنكر عليهالسلام ذلك(4)ورضي بغصب حقّه الّذي كان يشكو دائما منه دلالة على بطلان سنّتهما، وقبله ذو نوريهم، وزاد في إيقاد نيرانهما بما أدّى إلى إحراقه، وكذلك أنكر عليهالسلام سنّتهما لمّا عرض الخثعمي عند قيام الخوارج عليه ذلك في بيعة الناس الثانية إتماما للحجّة(5).
1) .الاحزاب: 40.
2) . سنن ابن ماجة: 1/45، ح121 وسنن الترمذى: 5/304، ح3814 والخصال: 1/311، ح87.
3) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/182 وكنز العمال: 16/521، ح45722؛ بحار الأنوار: 30 / 630 و30 / 637.
4) . الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 1/230 وتاريخ اليعقوبى: 2/162 وتاريخ الطبري: 3/301، سنة 13.
5) .الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 1/125 ـ 126.
أى مبشّر برحمته الواسعة، والثواب الجزيل.
قال تعالى: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ...»(1).وقال تعالى: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّات»(2).وقال تعالى: «وَبَشِّرِ الْمُؤمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّهِ فَضْلاً كَبِيرا»(3).
أى مخوّف من عقوبته الدّائمة والعذاب الوبيل.
قال تعالى: «وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآْزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ»(4).
وقال تعالى: «وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَ وَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ»(5).
وقال تعالى: «فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ»(6).
وقال تعالى: «فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى»(7).
وقال تعالى: «إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ»(8).
وقال تعالى: «إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً»(1).
ويدلّ على ذلك أعني كون الأقوى والأعلم أحقّ بالرياسة من غيره صريحا قوله سبحانه: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ»(2)فقد ردّ استبعادهم لتملّكه بفقره بأنّ العمدة في ذلك اصطفاء اللّه و قد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح وبأنّ الشرط فيه وفور العلم ليتمكّن به من معرفة الامور السياسية، وجسامة البدن، ليكون أعظم وقعا في القلوب وأقوى على مقاومة العدوّ ومكايدة الحروب، لا ما ذكرتم.
أمّا قوله عليهالسلام: «أيّها النّاس إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر اللّه فيه» فيشهد له قوله تعالى: «قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى»(3).
وهو دليل على عدم لياقة غيره وغير أهل بيته، ففي خطبته الّتي خطب بها بعد قتل محمّد ابن أبي بكر، وفتح معاوية لمصر في حكايته عليهالسلام يوم الشورى، و قد
رواها ابن قتيبة وغيره «فما كانوا لولاية أحد منهم أشدّ كراهية لولايتي عليهم. كانوا يستمعونني عند وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله أحاجّ أبا بكر، وأقول: يا معشر قريش إنّا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا من يقرأ القرآن ويعرف السنّة، ويدين بدين الحقّ، فخشي القوم إن أنا ولّيت عليهم أن لا يكون لهم من الأمر نصيب ما بقوا فأجمعوا إجماعا واحدا فصرفوا الولاية إلى عثمان، وأخرجوني منها رجاء أن ينالوها، ويتداولوها إذ يئسوا أن ينالوها من قبلى»(1).
وإخواننا أخذوا دينهم عن معاوية. فجعلوا المناط في الخلافة الغدر والمكر، والسياسة الدنيوية دون رعاية الشريعة. فجعلوا أبا بكر أحقّ، فكتب معاوية إلى الحسن عليهالسلام كما روى ابو الفرج وغيره: «و لو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه (أي أبي بكر) أو يقوم مقامه أو يذبّ عن حريم المسلمين ذبّه، ما عدلوا بذلك الأمر إلى غيره ـ إلى أن قال ـ والحال في ما بيني وبينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله، ولو علمت أنّك أضبط منّي للرعيّة، وأحوط على هذه الامّة، وأحسن سياسة، وأقوى على جمع الأموال، وأكيد للعدو، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، ورأيتك لذلك أهلا، ولكنّي قد علمت أنّي اطول منك ولاية...»(2).
ولو كان استدلال معاوية صحيحا كان أبوه أبو سفيان أولى من النبيّ صلىاللهعليهوآله بالنبوّة. فالنبوة والإمامة خلافة اللّه.
قال الجوهري: الشغب تهييج الشرّ وهو شغب الجند(1).
وقال أيضا: «استعتب واعتب» بمعنى واحد أي: عاد إلى المسرّة راجعا عن الاساءة(2).
كما أمر اللّه تعالى في قوله: «فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ»(3).
ولقد استعتب عليهالسلام أهل الجمل وصفّين والنهروان. فأبوا، فقاتلهم على حسب أمر اللّه تعالى وأمر رسوله صلىاللهعليهوآله عموما وخصوصا.
لأنّه من المحالات العاديّة.
للبيعة.
عن بيعته وينكثها كأهل الجمل طلحة والزبير.
عن البيعة
كمعاوية وأهل الشام.
قال عليهالسلام: هذا الكلام جدلا ردّا على معاوية فكان معاوية كتب إليه عليهالسلام كما روى ابن قتيبة: «و لعمري ما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة، ولا حجّتك عليّ كحجّتك على طلحة والزبير. لأنّ أهل البصرة بايعوك، ولم يبايعك أحد من أهل الشام، وأنّ طلحة والزبير بايعاك ولم ابايعك»(1).
فقول ابن أبي الحديد: «هذا الكلام تصريح بصحّة مذهبنا في أنّ الاختيار طريق إلى الإمامة، ومبطل لما تقوله الامامية من دعوى النصّ عليه»(2)غلط و شطط.
فالواجب أن يدحض الانسان حجّة الخصم بما يقرّ به الخصم لا بما ينكره، ومعاوية كان ينكر النص ولا ينكر البيعة.
قال ابن أبي الحديد: «إنّ الأوّل الّذي ادّعى الخلافة، والثاني الّذي لا يدّعيها و
لكنّه يمتنع من الطاعة»(1).
ولكن: إنّ سعدا وابن عمر، ومحمّد بن مسلمة والمغيرة، وجمعا آخر لم يدّعوا الخلافة، وامتنعوا من طاعته عليهالسلام، ومع ذلك خلاّهم ولم يقاتلهم. فلا بدّ أنّه عليهالسلامأراد بالأوّل معاوية، وبالثاني طلحة والزبير حيث نكثا وقاما في وجهه.
الّتي هي الزاد وبها المعاد
قال تعالى: «وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى»(2).
وقال تعالى: «إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ»(3).
قال تعالى: «وَالْعَصْرِ * إِنَّ الاْءِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ»(4).
قال جلّ وعلا: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى»(5).
وقال تعالى: «إِنَّ الْأَرْضَ للّهِِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(1).
وقال تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(2).وقال تعالى: «إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً * حَدائِقَ وَأَعْناباً»(3).
وقال تعالى: «وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا»(4).
أى الاخذين بظاهر الاسلام.
قال ابن أبي الحديد: «لم يكن المسلمون قبل حرب الجمل يعرفون كيفية قتال أهل القبلة، وإنّما تعلّموا فقه ذلك من أمير المؤنين عليهالسلام وقال الشافعي: «لو لا عليّ عليهالسلام لما عرف شيء من أحكام أهل البغى»(5).
بفتحتين أي: الراية.
قال أبو عبدالرحمن السلمي: رأيت عمّارا لا يأخذ واديا من أودية صفّين إلاّ
تبعه من كان هناك من أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآله، ورأيته جاء إلى هاشم بن عتبة المر
قال، وهو صاحب راية عليّ عليهالسلام. فقال: يا هاشم أعورا و جبنا لا خير في أعور لا يغشى البأس ـ إلى أن قال ـ تقدّم يا هاشم، الجنّة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسل، وقد فتحت أبواب السماء، وتزيّنت الحور العين. اليوم ألقى الأحبّة محمّدا وحزبه. فلم يرجعا، وقتلا.
وقال السلمي أيضا: سمعت عمارا بصفين وهو يقول لعمرو بن العاص لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع النبيّ صلىاللهعليهوآله وهذه الرابعة ما هي بأبّر ولا أتقى(1).
وعن أسماء بن حكيم الفزاري قال كنا بصفين مع علي تحت راية عمار بن ياسر ارتفاع الضحى وقد استظللنا برداء أحمر إذ أقبل رجل يستقري الصف حتى انتهى إلينا فقال أيكم عمار بن ياسر فقال عمار أنا عمار قال أبو اليقظان قال نعم قال إن لي إليك حاجة أ فأنطق بها سرا أو علانية قال اختر لنفسك أيهما شئت قال لا بل علانية قال فانطق قال إني خرجت من أهلي مستبصرا في الحق الذي نحن عليه لا أشك في ضلالة هؤاء القوم وأنهم على الباطل فلم أزل على ذلك مستبصرا حتى ليلتي هذه فإني رأيت في منامي مناديا تقدم فأذن وشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأن محمدا رسول اللّه: ونادى بالصلاة ونادى مناديهم مثل ذلك ثم أقيمت الصلاة فصلينا صلاة واحدة وتلونا كتابا واحدا ودعونا دعوة واحدة فأدركني الشك في ليلتي هذه فبت بليلة لا يعلمها إلاّ اللّه تعالى حتى أصبحت فأتيت أمير المؤنين فذكرت ذلك له فقال هل لقيت عمار بن ياسر قلت لا قال فالقه فانظر ما ذا يقول لك عمار فاتبعه فجئتك لذلك فقال عمار تعرف صاحب الراية السوداء المقابلة لي فإنها راية عمرو بن العاص قاتلتها مع رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ثلاث مرات وهذه الرابعة فما
1) .تاريخ الطبري: 4/28، سنة 37.
هي بخيرهن ولا أبرهن بل هي شرهن وأفجرهن أ شهدت بدرا وأحدا ويوم حنين أو شهدها أب لك فيخبرك عنها قال لا قال فإن مراكزنا اليوم على مراكز رايات رسول اللّه صلىاللهعليهوآله يوم بدر ويوم أحد ويوم حنين وإن مراكز رايات هؤاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب فهل ترى هذا العسكر ومن فيه واللّه لوددت أن جميع من فيه ممن أقبل مع معاوية يريد قتالنا مفارقا للذي نحن عليه كانوا خلقا واحدا فقطعته وذبحته ج الى ان قال ـ أ تراني بينت لك؟ قال قد بينت لي قال فاختر أي ذلك أحببت(1).
أى اذا كان كذلك فكونوا مطيعين منقادين فى جميع الامور ولا سيّما موارد الابهام والإشتباه التى لا سبيل لكم فى الوصول اليها فامضوا أى فافعلوا ما تؤرون به وقفوا عتد النواهي كما قال تعالى: «ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا»(2).
وجهه وحكمته.
أي: منافع ومصالح للمسلمين أنتم لا تعلمونها. «غيرا» من غار يغير ويغور
بمعنى نفع وأصلح. قال الهذلي: «ما ذا يغير ابنتي ربع عويلهما»(1).
قال الجوهري: غاره يغيره ويغوره أي: نفعه وغار أهله يغيرهم غيارا أي يميرهم وينفعهم، وأغارهم اللّه بمطر يغيرهم ويغورهم أي: سقاهم. يقال: نزل القوم يغيرون أي: يصلحون الرجال «و غارنا اللّه بخير» كقولك: أعطانا خيرا(2).
وممّا أنكروا عليه عليهالسلام قتاله أهل القبلة قال ابن قتيبة ـ بعد ذكر اعتزال ابن عمر وسعد، ومحمّد بن مسلمة عن مشاهده وحروبه ـ قال عمار، لعليّ عليهالسلام: ايذن لي آت ابن عمر فاكلّمه. فقال: نعم. فأتاه فقال له: «قد بايع عليا المهاجرون، والأنصار، ومن إن فضّلناه عليك لم يسخطك، وإن فضّلناك عليه لم يرضك، وقد أنكرت السيف في أهل الصلاة، وقد علمت أنّ على القاتل القتل، وعلى المحصن الرجم، وهذا يقتل بالسيف، وهذا يقتل بالرجم» فقال ابن عمر «إنّ أبي جمع أهل الشورى فكان أحقّهم بها عليّ، غير أنّه جاء أمر فيه السيف ولا أعرفه، ولكن واللّه ما أحبّ أنّ لي الدنيا وما فيها، وأنّي أضمرت عداوة علىّ»، فانصرف عمار فأخبر عليا عليهالسلام بقوله. فقال له: لو أتيت محمّد بن مسلمة الأنصاري. فأتاه فقال له ابن مسلمة: لو لا ما في يدي من النبيّ لبايعته، ولو أنّ الناس كلّهم كانوا عليه لكنت معه، ولكنّه كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي. فقال له عمار: أ فتريد من النبيّ صلىاللهعليهوآلهقولا بعد قوله يوم حجّة الوداع «دماؤم وأموالكم عليكم حرام إلاّ بحدث» أ فتقول: لا نقاتل المحدثين قال: حسبك. ثم أتى عمار سعدا فكلّمه فأظهر الكلام القبيح، فانصرف عمار إلى عليّ عليهالسلام فقال عليهالسلامله: دع هؤاء الرهط أمّا ابن عمر فضعيف، وأما سعد
فحسود، وذنبي إلى محمّد بن مسلمة أنّي قتلت أخاه يوم مرحب(1).وأخطأ ابن أبي الحديد فتوهم أنّ غيرا من غيّر، كما أخطأ في بيان المراد من الفقرة فقال: «معناها أنّ عندنا تغييرا لكلّ ما تنكرونه من الامور الّتي يثبت أنّه يجب إنكارها وتغييرها أي لست كعثمان أصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه بل أغيّر كل ما ينكره المسلمون، ويقتضي الحال والشرع تغييره»(2).
قال التسترى: إنّ ما قاله ممّا يضحك الثكلى، فلم يستطع أحد من أعدائه حتّى مثل معاوية أن يدّعي عليه أمرا منكرا في الشرع حتّى يقول ابن أبي الحديد إنّه عليهالسلام قال «لست كعثمان أصرّ على ارتكاب ما أنهى عنه، بل أغيّر كل ما ينكره المسلمون»(3)وإنّما أنكر المغرضون عليه امورا معروفة. فأنكر معاوية عليه ايواءه قتلة عثمان كعمار، ومحمّد بن أبي بكر، وعمرو بن الحمق ونظرائهم، وأنكر ابن عمر وسعد ومحمّد بن مسلمة عليه قتاله مع أهل الجمل وصفّين بشبهة لفّقوها، وأنكر الخوارج عليه عليهالسلام تحكيم القرآن. و لو كان عليهالسلام أراد المعنى الّذي ذكر، لقال: «فعليّ في كلّ أمر منكر تغييره» لا «أنّ لنا مع كل أمر تنكرونه غيرا» وبالجملة ما قاله في غاية السقوط(4).
قلبا وروحا، «قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»(1).
وليست هي متمنّية لكم ولا راغبة فيكم، بل تكون كمرأة فارك، تغضب زوجها ثمّ ترضيه من غضبه بشيء تخدعه.
طمعت إقامة في دار ظعن *** فلا تطمع فرجلك في الرّكاب(2)
قال تعالى: «إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الآْخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ»(3).
قال تعالى بعد ذكر عاد وثمود: «فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ»(4).
وقال تعالى: «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً»(5).
وقال تعالى: «ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللّهِ باقٍ...»(6).
وإلى هذا ينظر قوله عليهالسلام:
أرى الدّنيا ستؤن بانطلاق *** مشمّرة على قدم وساق
فلا الدّنيا بباقية لحيّ *** ولا حىّ على الدّنيا بباق(1)
يعني أنّها دار فناء لا تدوم لأحد ولا يدوم أحد فيها.
قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ»(2).
وقال تعالى: «... وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللّهِ الْغَرُورُ»(3).
وقال تعالى: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ»(4).
لمّا أخذ ابن الزبير بالبيعة ليزيد في المدينة من قبل الوليد خرج تحت اللّيل هو و اخوه جعفر ليس معهما ثالث، فأخذ طريق الفرع، وتجنب الطريق الأعظم، مخافة الطّلب فبينا يسايران تمثّل جعفر بقول صبرة الحنظلي:
وكلّ بني امّ سيمسون ليلة *** ولم يبق من أعقابهم غير واحد
فقال ابن الزّبير: سبحان اللّه ما أردت يا أخي قال: واللّه ما أردت يا أخي به شيئا ممّا تكره، فقال: فذاك واللّه أكره إليّ أن يكون جاء على لسانك من غير تعمّد، وكأنّه قد تطيّر منه(5).
لقد خاب من غرّته دنيا دنيّة *** وما هي إن غرّت قرونا بطائل(1)
1 ـ تحرّز من الدّنيا فإنّ فناءها***محلّ فناء لا محلّ بقاء
فصفوتها ممزوجة بكدورة***وراحتها مقرونة بعناء(2)
2 ـ إنّما الدّنيا فناء ليس للدّنيا ثبوت***إنّما الدّنيا كبيت نسجته العنكبوت(3)
3 ـ قد رأيت القرون كيف تفانت***درست ثمّ قيل كان وكانت
هي دنيا كحيّة تنفث السّمّ***وان كانت المجسّة لانت(4)
4 ـ فلم أر كالدّنيا بها اغترّ أهلها***ولا كاليقين استوحش الدّهر صاحبه
أمرّ على رسم القريب كانّما***أمرّ على رسم امرىء لا أناسبه(5)
اليقين: الموت.
قال تعالى: «سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ...»(6).
إنّما الدّنيا كظلّ زائل *** أو كضيف بات ليلا فارتحل
أو كنوم قد يراه نائم *** أو كبرق لاح في أفق الأمل(1)
الخنين كالبكاء في الأنف والضحك في الأنف(2). والمراد هنا الأوّل.
هب الدّنيا تساق إليك عفوا *** أليس مصير ذاك إلى الزّوال
وما ترجو لشيء ليس يبقى *** وشيكا قد يغيّره الليالي(3)
فمن لم يصبر على طاعته وعن معصيته يبدّل نعمته بالنقّمة:
باللّه ربّك كم بيت مررت به *** قد كان يعمر باللّذات والطّرب
طارت عقاب المنايا في جوانبه *** فصار من بعدها للويل والخرب(4)
كان رجل من أصحاب الصادق عليهالسلام يدخل عليه في حجّه فغبر زمانا لا يحجّ فدخل بعض معارفه عليه عليهالسلام فقال عليهالسلام له ما فعل فلان فجعل يضجع الكلام ـ يظنّ انّه عليهالسلام يعني الميسرة والدّنيا ـ فقال عليهالسلام كيف دينه فقال هو واللّه كما تحبّ فقال عليهالسلام
هو واللّه الغنى(1).
وقال عليهالسلام في قوله تعالى في مؤن آل فرعون: «فَوَقاهُ اللّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا...»(2).
أما واللّه لقد قسطوا عليه وقتلوه ولكن وقاه ان يفتنوه في دينه(3).
وفي (الطبري): بعد ذكر قبول الحرّ ان يأخذ الحسين عليهالسلام طريقا لا يدخله الكوفة ولا يردّه إلى المدينة نصفا ـ: وأقبل الحرّ يسايره وهو يقول له إنّي اذكّرك اللّه في نفسك فانّي اشهد لئن قاتلت لتقتلنّ فقال عليهالسلام أ فبالموت تخوّفني أقول لك ما قال أخو الأوس لابن عمّه لمّا لقيه وهو يريد نصرة النبيّ صلىاللهعليهوآلهفقال له فأين تذهب فانّك مقتول:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقّا وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه *** وفارق مثبورا يغشّ ويرغما
فلمّا سمع الحرّ ذلك منه تنحّى عنه، وكان يسير بأصحابه في ناحية والحسين عليهالسلام في ناحية حتى انتهوا إلى عذيب الهجانات، وكان هجائن النّعمان ترعى هنالك، فإذا هم بأربعة نفر قد اقبلوا من الكوفة على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل، ومعهم دليلهم الطّرماح بن عديّ على فرسه وهو يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري *** وشمّري قبل طلوع الفجر
بخير ركبان وخير سفر *** حتّى تحلّي بكريم النحر
الماجد الحرّ رحيب الصّدر*** أتى به اللّه لخير أمر
ثمّة أبقاه بقاء الدّهر
فقال عليهالسلام أما واللّه انّي لأرجو أن يكون خيرا ما أراد اللّه بنا. قتلنا أم ظفرنا(1).
قَالَ أَبُو عَبْدِاللّهِ عليهالسلام كَانَ فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام أَصْحَابَه: إذا حضرت بليّة فاجعلوا أموالكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة اجعلوا أنفسكم دون دينكم، واعلموا انّ الهالك من هلك دينه، والحريب من حرب دينه(2).
وهدانا إلى سلوك سبيله.
قال الباقر عليهالسلام: إنّ هذا الدّنيا يعطيها اللّه البرّ والفاجر، ولا يعطي الإيمان إلاّ صفوته من خلقه(3).
وقال الصادق عليهالسلام من كان همّه همّا واحدا ـ يعني لدينه ـ كفاه اللّه همّه، ومن كان همّه في كلّ واد لم يبال اللّه بأيّ واد هلك(4).
على مصيبته وطاعته ومعصيته لأنّ من صبر عند المصيبة حتى يردّها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمأة درجة ما بين الدّرجة الى الدّرجة كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتب اللّه له ستمائة درجة ما بين الدّرجة الى
الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر عن المعصية كتب اللّه له تسعمائة درجة ما بين الدّرجة إلى الدّرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش(1).
رواه الكلينى عن أمير المؤنين عليهالسلام عن النبيّ صلىاللهعليهوآله وقد تقدّم روايته مع أخبار اخر في فضل الصبر في شرح الخطبة الخامسة والسّبعين(2)والان نقول بتوفيق من اللّه سبحانه ومن منّه: إنّ الصبر عبارة عن ملكة راسخة في النفس يقتدر معها على تحمّل المكاره وقد أكثر اللّه سبحانه من مدحه في كتابه العزيز، وبشّر الصّابرين وذكّرهم في آيات تنيف على سبعين قال سبحانه: «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ»(3)وقال: «وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا للّهِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»(4)، وقال: «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا»(5)وقال: «وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً»(6)، إلى غير هذه مما لا نطيل بذكرها.
وأما الأخبار في فضله وفضل الصّابرين فهى فوق حدّ الاحصاء منها ما عن العلاء بن الفضيل عن أبي عبداللّه عليهالسلام قال: الصّبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد كذلك إذا ذهب الصّبر ذهب الايمان(7).
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبداللّه عليهالسلام يقول إنّ الحرّ حرّ على جميع أحواله إن نابته نائبة صبر لها وإن تداكّت عليه المصائب لم يكسره وإن اسر و قهر
واستبدل باليسر عسرا كما كان يوسف الصديق الأمين عليهالسلام لم يضرره حريّته أن استعبد وقهر واسر ولم يضرره ظلمة الجبّ ووحشته وما ناله أن منّ اللّه عليه فجعل الجبّار العاتي له عبدا بعد إذ كان مالكا فأرسله ورحم اللّه به أمّة وكذلك الصّبر يعقّب خيرا فاصبروا ووطّنوا أنفسكم على الصّبر توجروا(1).وعن حمزة بن حمران عن أبي جعفر عليهالسلام قال: الجنّة محفوفة بالمكاره و الصّبر، فمن صبر على المكاره في الدّنيا دخل الجنّة، وجهنّم محفوفة باللّذات والشهوات فمن أعطى نفسه لذّتها وشهوتها دخل النّار(2).
وعن سماعة بن مهران عن أبي الحسن عليهالسلام قال: قال لي: ما حبسك عن الحجّ؟
قال: قلت: جعلت فداك وقع علىّ دين كثير وذهب مالي، وديني الّذى قد لزمني هو أعظم من ذهاب مالى فلولا أنّ رجلا من أصحابنا أخرجني ما قدرت أن أخرج، فقال عليهالسلام: إن تصبر تغتبط وإلاّ تصبر ينفذ اللّه مقاديره راضيا كنت أم كارها(3).
وعن أبي حمزة الثمالي قال: قال لي أبو عبداللّه عليهالسلام من ابتلى من المؤنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد(4).
وعن محمّد بن عجلان قال: كنت عند أبي عبداللّه عليهالسلام فشكى إليه رجل الحاجة فقال: اصبر فانّ اللّه سيجعل لك فرجا قال: ثمّ سكت ساعة ثمّ أقبل على الرجل
فقال: أخبرني عن سجن الكوفة كيف هو؟ فقال: أصلحك اللّه ضيّق منتن وأهله بأسوء حال، قال عليهالسلام: فانّما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة أما علمت أنّ الدّنيا سجن المؤن(1)، إلى غير هذه ممّا لا نطيل بذكرها.
ثم ان الصبر تختلف أساميه باختلاف موارده وبالاضافة إلى ما يصبر عنه من مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى، وما يصبر عليه مما ينفرّ عنه الطبع من المكاره و الاذي.
فان كان صبرا عن شهوة الفرج والبطن، سمّي عفة، وإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصّبر وتضادّه حالة تسمى الجزع، وإن كان في احتمال الغنى سمّى ضبط النفس ويضادّه البطر، وإن كان في حرب ومقاتلة سمّى شجاعة ويضادّه الجبن وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمّى حلما ويضادّه التذمّر والسفه وإن كان في نائبة من نوائب الزّمان سمّى سعة الصّدر ويضادّه الضجر وضيق الصّدر، وإن كان في إخفاء كلام سمّى كتمان السرّ وإن كان عن فضول العيش سمّى زهدا، ويضادّه الحرص وإن كان على قدر يسير من الحظوظ سمّى قناعة ويضادّه الشّره.
وبالجملة فأكثر مكارم الايمان داخل في الصّبر ولأجل ذلك لمّا سئل النبيّ صلىاللهعليهوآله مرّة عن الايمان فقال: هو الصّبر لأنه اكثر أعماله وأعزّها(2)هذا.
وأما أقسامه فقد فصّلها أبو حامد الغزالي وملخّصها أنّ جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين أحدهما هو الّذي يوافق هواه والاخر هو الّذي يخالفه، وهو محتاج إلى الصبر في كلّ منهما فهو إذا لا يستغنى قطّ عن الصّبر.
النوع الاول ما يوافق الهوى وهو الصّحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الاسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذّ الدّنيا وما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الامور فانه إن لم يضبط نفسه عن الرّكون إليها والانهماك في ملاذّها المباحة أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان، فانّ الانسان ليطغى أن رآه استغنى(1).
النوع الثاني ما لا يوافق الهوى وهو على ثلاثة أقسام لأنه إمّا أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي، وإمّا أن لا يرتبط باختياره كالالام والمصائب وإمّا أن لا يرتبط باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفّى من المؤي بالانتقام منه.
أما القسم الاول وهو ما يرتبط باختيار العبد فعلى ضربين.
الضرب الأول الطاعات والعبد يحتاج إلى الصبر عليها، والتحمّل عن مشاقّها لأنّ النفس بالطبع تنفرّ عن العبوديّة وتشتهى الرّبوبيّة، ولذلك قال بعض العارفين ما
من نفس إلاّ وهي مضمرة ما أظهره فرعون من قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى ولكن فرعون وجد له مجالا وقبولا من قومه، فأظهره وأطاعوه وما من أحد إلاّ ويدعى ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكلّ من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ممتنعا من إظهاره.
ثمّ نفرة النّفس عن العبادة إمّا بسبب الكسل كالصّلاة وإمّا بسبب البخل كالزكاة أو بسببهما كالحجّ والجهاد والعبد محتاج إلى الصّبر في جميعها.
الضرب الثاني المعاصي وتركها والكفّ عنها أصعب عن النفس لرغبتها بالطبع إليها فيحتاج إلى الصبر عنها وأشدّ أنواع الصبر عن المعاصي الصبر على المعاصي المألوفة المعتادة كحصائد الألسنة من الكذب والغيبة والبهتان ونحوها فمن لم
1) .إحياء العلوم: 12/47.
يتمكن من الصّبر عنها فيجب عليه العزلة والانفراد لأنّ الصّبر على الانفراد أهون من الصّبر على السكوت مع المخالطة، وتختلف شدّة الصّبر في آحاد المعاصي باختلاف دواعي المعصية قوّة وضعفا.
وأما القسم الثاني وهو ما لا يرتبط باختيار العبد أصلا فكالمصائب والبلايا والالام والأسقام من فقد الأحبّة وموت الأعزّة وذهاب المال وتبدّل الصحّة بالمرض والغنى بالفقر، والبصر بالعمى، وغيرها والصّبر على هذه هو الذي بشّر الموصوفون به في الاية الكريمة بقوله سبحانه: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ * وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا للّهِِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ»(1)وأوحى سبحانه إلى داود عليهالسلام يا داود: تريد واريد وإنّما يكون ما اريد فان سلّمت لما اريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لما اريد أتعبتك فيما تريد ثمّ لا يكون إلاّ ما اريد(2).
و أما القسم الثالث وهو ما لا يرتبط هجومه باختياره وله اختيار في دفعه كما لو اوذى بفعل أو قول وجنى عليه في نفسه أو ماله أو نحو ذلك فالصّبر على ذلك بترك المكافاة، والانتقام تارة يكون واجبا وتارة يكون مندوبا قال تعالى: «وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ»(3).
وعن الانجيل قال عيسى بن مريم عليهالسلام: لقد قيل لكم من قبل إنّ السنّ بالسنّ والأنف بالأنف وأنا أقول لكم لا تقاوموا الشرّ بالشرّ بل من ضرب خدّك الأيمن فحوّل إليه الخدّ الأيسر ومن أخذ رداءك فأعطه إزارك ومن سخّرك لتسير معه ميلا
فسر معه ميلين، وكلّ ذلك أمر بالصّبر على الأذى(1).
وعن حفص بن غياث قال: قال أبو عبداللّه عليهالسلام يا حفص: إنّ من صبر صبر قليلا وإنّ من جزع جزع قليلا. ثمّ قال: عليك بالصّبر في جميع امورك فانّ اللّه عزّ وجلّ بعث محمّدا صلىاللهعليهوآله فأمره بالصبر والرفق فقال: «وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ»(2)وقال تبارك وتعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَما يُلَقَّاها إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ»(3).
فصبر رسول اللّه صلىاللهعليهوآله حتّى نالوه بالعظائم ورموه بها فضاق صدره فأنزل اللّه جلّ وعزّ: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ»(4).
ثمّ كذّبوه ورموه فحزن لذلك صلىاللهعليهوآله فأنزل اللّه عزّ وجلّ: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا»(5)فألزم النبيّ صلىاللهعليهوآلهنفسه الصّبر فتعدّوا، فذكروا اللّه عزّ و جلّ وكذبوه فقال: قد صبرت في نفسي وأهلي وعرضي ولا صبر لي على ذكر إلهي فأنزل اللّه عزّ وجلّ: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ(6)فَاصْبِرْ عَلى ما
يَقُولُونَ»(1)فصبر صلىاللهعليهوآله في جميع أحواله.
ثمّ بشّر في عترته بالأئمة ووصفوا بالصّبر فقال جلّ ثناؤ: «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ»(2)فعند ذلك قال النّبيّ صلىاللهعليهوآله الصبر من الايمان كالرأس من الجسد، فشكر اللّه عزّ وجلّ له فأنزل اللّه: «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ»(3)فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله إنّه بشرى وانتقام.
فأباح اللّه عزّ وجلّ قتال المشركين فأنزل: «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ»(4)«واقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ»(5).فقتلهم اللّه على يدي رسوله صلىاللهعليهوآله وأحبائه وجعل له ثواب صبره «و عجّل اللّه الثواب خ» مع ما ادّخر له في الاخرة فمن صبر واحتسب لم يخرج من الدّنيا حتّى يقرّ اللّه جلّ وعزّ عينه في أعدائه مع ما يدّخر له في الاخرة(6).
اللّهمّ اجعلنا صابرين على بلائك، راضين بقضائك، شاكرين على نعمائك، متمسّكين بالعروة الوثقى والحبل المتين من ولاية أوليائك محمّد وعترته الطّاهرين صلواتك عليهم أجمعين.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَلا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ وَأَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ وَاللّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ إِلاّ خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ لِأَنَّهُ مَظِنَّتُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَأَرَادَ أَنْ يُغَالِطَ بِمَا أَجْلَبَ فِيهِ ـ لِيُلْبِسَ الْأَمْرُ وَيَقَعَ الشَّكُّ وَوَ اللّهِ مَا صَنَعَ فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً مِنْ ثَلاثٍ لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤازِرَ قَاتِلِيهِ أَوْ أَنْ يُنَابِذَ نَاصِرِيهِ وَلَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ عَنْهُ وَالْمُعَذِّرِينَ فِيهِ وَلَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَيَرْكُدَ جَانِباً وَيَدَعَ النَّاسَ مَعَهُ فَمَا فَعَلَ وَاحِدَةً مِنَ الثَّلاثِ وَجَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ وَلَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ.
ومن كلام له عليهالسلام في طلحة بن عبيداللّه
والصواب: «في معنى طلحة» لا «في طلحة» كما في ابن أبي الحديد(1)وابن ميثم(2).
ثم عند إخواننا كونه أحد العشرة المبشّرة مسلّم(1)، ولو صحّ ما قالوا لكان دين الإسلام دينا متناقضا، حيث إنّ هذا المبشّر قتل واحدا من العشرة، وقاتل آخر منهم وهما عندهما إمامان، ولعمري إنّه من طائفة بشّرهم اللّه بعذاب أليم على أعمالهم في كتاب «لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ...»(2)وصرّح الذي شهد له من لا ينطق بالهوى بكونه مع الحقّ عملا وقولا، بكونه من أهل النار.
مرّ عليّ عليهالسلام بطلحة قتيلا، فقال: أجلسوه فأجلس، فقال: ويل امّك طلحة لقد كان لك قدم لو نفعك ولكنّ الشيطان أظلّك فأزلّك فعجّلك إلى النار(3).
ومرّ عليّ عليهالسلام بطلحة، فقال: هذا الناكث بيعتي، والمنشىء الفتنة في الامّة، والمجلب عليّ، والداعي إلى قتلي وقتل عترتي، أجلسوه. فاجلس، فقال عليهالسلام له: يا طلحة، قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا ـ إلى أن قال ـ : فقال له بعض من كان معه: أ تكلّم كعبا وطلحة بعد قتلهما فقال: أم واللّه، لقد سمعا كلامي كما سمعوا كلام النّبيّ صلىاللهعليهوآله يوم بدر(4).
وكيف كان مبشّرا بما قالوا ولمّا أصاب السهم خنصره في أحد قال: (حسّ) فقال النّبي صلىاللهعليهوآله: لو قال «بسم اللّه» ولم يقل «حسّ» لدخل الجنّة(5).وفاروقهم، وإن قال أوّلا: إنّ طلحة من ستّة توفّي النّبيّ صلىاللهعليهوآله وهو عنهم راض(6)إلاّ أنّه قال له ثانيا: أمّا إنّي أعرفك منذ أصيبت إصبعك يوم احد بالبأو(7)الذي
1) . الطبقات الكبرى: 3/383؛ الجرح والتعديل: 4/ 471، ش2072؛ أسد الغابة: 3/59.
2) . فصلت: 42.
3) .شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1/248.
4) .الارشاد: 1/256؛ بحار الأنوار: 32/200، ح151.
5) .انساب الاشراف: 1/318.
6) . صحيح البخارى: 2/107 و4/206.
7) . البأو: الكبر والفخر. ونقل صاحب اللسان عن الفقهاء: «في طلحة بأواء».
حدث لك، ولقد مات النّبي صلىاللهعليهوآله ساخطأ عليك للكلمة التي قلتها يوم انزلت (آية) الحجاب ـ وأشار إلى قول طلحة: «ما الذي يغني محمّدا (يعنيه) حجاب نسائه اليوم، وسيموت غدا فننكحهنّ».
قال الجاحظ: من كان يجسر أن يقول لعمر: ناقضت(1).
هذا جواب عن تهديدهم له وترهيبهم إيّاه، فقد بعثوا إليه عليهالسلام أن أبرز للطعان واصبر للجلاد فأجاب عليهالسلام بأنّ التهديد والترهيب إنّما هو في حقّ الجبان الضعيف الجاش لا في حقّ الشجعان ذوى النّجدة والمراس وحاله عليهالسلام في الشجاعة كان أمرا قد اشتهر، وبان وظهر، وتضمّنته الأخبار والسّير فاستوى في العلم به البعيد والقريب، واتّفق على الاقرار به البغيض والحبيب. ومن كان هذا شأنه فلا يليق له التخويف والترغيب.
لمّا أرسل عليهالسلام ابن عبّاس مع مصحف إلى طلحة والزبير وعائشة يدعوهم إلى ما فيه، نادى طلحة: ناجزوا القوم، فإنّكم لا تقومون لحجّاج ابن أبي طالب.
قال ابن عبّاس: فقلت: يا أبا محمّد، أ بالسيف تخوّف ابن أبي طالب أما واللّه ليعاجلنّك السيف (للسيف)(2).
وتهديد طلحة له عليهالسلام بالحرب والضرب مضحك.
وقال الزبير بن الحريث (الخرّيث): قلت لأبي لبيد: لم تسبّ عليّا قال: ألا أسبّ
رجلا قتل منّا في الجمل ألفين وخمسمائة، والشمس هاهنا وقال ابن أبي يعقوب: قتل عليّ عليهالسلام يوم الجمل ألفين وخمسمائة رجل، ألف وثلثمائة وخمسون من الأزد، وثمانمائة من بني ضبّة، وثلاثمائة وخمسون من سائر الناس(1).
وشقّ عليّ عليهالسلام يوم الجمل في عسكر القوم يطعن ويقتل بعد أخذه الراية من ابنه محمّد، ثمّ خرج وهو يقول: الماء الماء. فأتاه رجل بإداوة فيها عسل، وقال له: لا يصلح لك الماء في هذا المقام ولكن اذوقك هذا العسل. فقال عليهالسلام له: هات، فحسا منه حسوة، ثمّ قال له: إنّ عسلك لطائفي(2). فقال له الرجل: عجبا منك واللّه لمعرفتك الطائفي من غيره في هذا اليوم، وقد بلغت القلوب الحناجر فقال عليهالسلام له: يا بن أخي، ما ملأ صدر عمّك شيء ولا أهابه شيء، ثمّ أعطى الراية لابنه، وقال له: هكذا فاصنع(3).
ولمّا أخذ عليّ عليهالسلام في الجمل الراية من ابنه محمّد، حمل وحمل معه الناس، فما كان القوم إلاّ «... كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ...»(4)،(5).وفيه: نادى عليّ عليهالسلام يا زبير، اخرج إليّ. فخرج شاكّا في سلاحه، فقيل لعائشة، فقالت: واحرباه لأسماء فقيل لها: إنّ عليّا حاسر. فاطمأنت(6).
وذكروا أنّ عبداللّه بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية، وقال له: إنّي أتيتك من عند العيي (الغبىّ) البخيل الجبان ابن أبي طالب. فقال له معاوية: للّه أنت تدري
ما قلت أمّا قولك: العيي (الغبىّ)، فو اللّه لو أنّ ألسن الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان عليّ، وأمّا قولك: إنّه بخيل، فو اللّه لو كان له بيتان أحدهما من
تبر والآخر من تبن، لأنفد تبره قبل تبنه، وأمّا قولك: إنّه جبان، فثكلتك امّك هل رأيت أحدا بارزه إلاّ قتله فقال الثقفي: فعلام تقاتله إذن قال: على دم عثمان، وعلى هذا الخاتم الذي جعله في يده جازت طينته، وأطعم عياله، و ادّخر لأهله. فضحك الثقفي ثمّ لحق بعليّ عليهالسلام، وقال له: لا دنيا أصبت، ولا آخرة غنمت. فضحك عليّ عليهالسلام ثمّ قال له: أنت على رأس أمرك...(1).
و في (صفّين نصر): ذكروا أنّ عتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة، ومروان بن الحكم، وعبداللّه بن عامر، وابن طلحة الطلحات اجتمعوا عند معاوية، فقال عتبة: إنّ أمرنا وأمر عليّ لعجيب، ليس منّا إلاّ موتور، أمّا أنا فقتل جدّي، وأشرك في دم عمومتي يوم بدر، وأمّا أنت يا وليد فقتل أباك، وأيتم إخوتك، وأمّا أنت يا مروان فكما قال الأوّل(2).
وأفلتهنّ علباء جريضا *** ولو أدركنه صفر الوطاب(3)
فقال لهم معاوية: فهذا الإقرار، وأين الغير(4)؟ قال مروان: أيّ غير تريد؟ قال:
أريد أن يشجر بالرماح. فقال له: واللّه إنّك لهازل، أو لقد ثقلنا عليك.
وقال الوليد:
يقول لنا معاوية بن حرب *** أما فيكم لواتركم طلوب
يشدّ على أبي حسن عليّ *** بأسمر لا تهجّنه الكعوب
فيهتك مجمع اللبّات منه *** ونقع القوم مطّرد يثوب
فقلت له أ تلعب يا بن هند *** كأنّك وسطنا رجل غريب
أ تأمرنا بحيّة بطن واد *** إذا نهشت فليس لها طبيب
وما ضبع يدبّ ببطن واد *** أتيح له به أسد مهيب
بأضعف حيلة منّا إذا ما *** لقيناه وذا منّا عجيب
وما لاقاه في الهيجاء لاق *** فأخطأ نفسه الأجل القريب
سوى عمرو وقته خصيتاه *** نجا ولقلبه منها وجيب
كأنّ القوم لمّا عاينوه *** خلال النقع ليس لهم قلوب(1)
وقال جابر بن نمير (عمير) الأنصاري قال: لا واللّه الذي بعث محمّدا صلىاللهعليهوآلهبالحقّ نبيّا، ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق اللّه السماوات والأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب عليّ عليهالسلام، إنّه قتل فيما ذكر العادّون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب، يخرج بسيفه منحنيا، فيقول: معذرة إلى اللّه عزّ وجلّ وإليكم من هذا، لقد هممت أن أفلقه (أصقله) و لكن حجزني عنه أنّي سمعت الرسول صلىاللهعليهوآله يقول كثيرا:
«لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ علىّ». وأنا اقاتل به دونه، فكنّا نأخذه فنقوّمه ثمّ يتناوله من أيدينا فيتقحّم به في عرض الصفّ، ولا واللّه ما ليث بأشدّ نكاية في عدوّه منه عليهالسلام(2).
هذا يدلّ على أنّه عليهالسلام كان موعودا من اللّه تعالى بالظفر على أهل الجمل. ومرّ أنّه عليهالسلام لمّا مرّ على طلحة قتيلا قال: أجلسوه. فاجلس. فقال عليهالسلامله: يا طلحة، قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا(1).
قال تعالى: «وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤمِنِينَ»(2).وروى النعماني عن الصادق عليهالسلام قال: لمّا التقى أمير المؤنين عليهالسلاموأهل البصرة نشر راية النّبيّ صلىاللهعليهوآله فتزلزلت أقدامهم فما اصفرت الشمس حتّى قالوا: آمنّا يا بن أبي طالب فعند ذلك قال: لا تقتلوا الاسراء، ولا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مولّيا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ولمّا كان يوم صفّين سألوه نشر الراية فأبى عليهم فتحمّلوا عليه بالحسنين عليهما السّلام، وعمّار، فقال عليهالسلام: إنّ للقوم مدّة يبلغونها، وإنّ هذه راية لا ينشرها بعدي إلاّ القائم(3).
يعني أنّ علّة خروجه واستعجاله في طلب الدّم وتجرّده له ليست ما شهره بين الناس من أنّ عثمان قتل مظلوما ويجب الانتصار للمظلوم من الظالم حسبة، وإنّما علّته هو الخوف على نفسه من أن يطالب من دمه.
ولمّا رأى مروان يوم الجمل طلحة، قال: لا أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان،
فانتزعه بسهم فقتله(1).
وكان مروان مع طلحة يوم الجمل، فلمّا اشتبكت الحرب قال مروان: لا أطلب بثأري بعد اليوم، ثمّ رماه بسهم فأصاب ركبته فما رقأ الدم حتّى مات، فالتفت مروان إلى أبان بن عثمان، فقال: قد كفيناك بعض قتلة أبيك(2).
أي: على قتل عثمان.
قال ابن أبي الحديد: وقد كان طلحة أجهد نفسه في أمر عثمان والاجلاب(3)عليه والحصر له والاغراء به، ومنّته نفسه الخلافة، بل تلبّس بها وتسلّم بيوت الأموال وأخذ مفاتيحها وقابل الناس وأحدقوا به ولم يبق إلاّ أن يصفق(4).بالخلافة على يده(5).
أي: من طلحة، قال ابن أبي الحديد: روى الطبري عن ابن عبّاس، قال: لمّا حججت بالناس نيابة عن عثمان وهو محصور، مررت بعائشة بالصّلصل(6).
فقالت: يا ابن عباس، انشدك اللّه، فإنّك قد اعطيت لسانا وعقلا، أن تخذّل الناس
1) .العقد الفريد: 5/70.
2) .الاستيعاب: 2/768.
3) . أجلب عليه، أي حاول أن يجمع الناس له من كل مكان.
4) . صفق على يديه بالبيعة صفقا وصفقة، أي ضرب يده على يده.
5) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 10/4.
6) .صلصل: موضع بنواحي المدينة القديمة على سبعة أميال منها، نزل صلىاللهعليهوآله يوم خرج من المدينة إلى مكّة عام الفتح.
عن طلحة، فقد بانت لهم بصائرهم في عثمان، ورفعت لهم المنار، وتحلّبوا من البلدان لأمر قد حمّ، وإنّ طلحة ـ فيما بلغني ـ قد اتّخذ رجالا على بيوت الأموال و الخزائن، وأظنّه يسير بسيرة ابن عمّه أبي بكر. فقلت: يا أمّه، لو حدث بالرجل حدث ما فزع الناس إلاّ إلى صاحبنا. فقالت: إيها عنك يا بن عبّاس إنّي لست اريد مكابرتك ولا مجادلتك(1).
وروى المدائني في كتاب (مقتل عثمان): أنّ طلحة منع من دفنه ثلاثة أيّام، وأنّ عليّا عليهالسلام لم يبايعه (لم يبايع) الناس إلاّ بعد قتل عثمان بخمسة أيّام، وأنّا حكيم بن حزام، وجبير بن مطعم استنجدا بعليّ عليهالسلام على دفنه، فأقعد لهم طلحة في الطريق ناسا بالحجارة، فخرج به نفر يسير من أهله وهم يريدون به حائطا بالمدينة يعرف بحشّ كوكب(2)
حش كوكب: موضع عند بقيع الغرقد، ذكره ياقوت، وقال: اشتراه عثمان بن عفان، وزاده في البقيع، ولما قتل ألقى فيه، ثمّ دفن في جنبه.
.كانت اليهود تدفن موتاهم فيه، فلمّا صار هناك رجم سريره، وهمّوا بطرحه، فأرسل عليّ عليهالسلام إلى الناس يعزم عليهم ليكفّوا عنه فكفّوا، فانطلقوا به حتّى دفنوه في حشّ كوكب. قال: وروى الطبري نحو ذلك إلاّ أنّه لم يذكر طلحة بعينه(3).وروى الواقديّ أنّ عثمان لمّا قتل، تكلّموا في دفنه، فقال طلحة: يدفن بدير سلع ـ يعني مقابر اليهود ـ. قال: وذكر الطبري في (تاريخه) مثل هذا، إلاّ أنّه ورّى عن طلحة، فقال: قال رجل: يدفن بدير سلع...(4).
أى طلحة.
أى يوقع الناس فى الغلط.
وجمع من الجند.
متعلق بقوله (يغالط) أى فى كونه قاتل عثمان.
أى يشتبه.
فى كونه قاتلاً بأن يقول الناس لو كان قاتلاً لما طلب بدمه.
أى طلحة.
أى خصلة واحدة.
خصال كانت واجبة عليه عقلا.
قبل قتله.
أى يعين.
الصواب (وان) لان الواجب الامران معا.
أى يكاشف بالحرب والعداوة.
بعد قتله.
أى الكافين والزاجرين.
أى عن قتله.
أى يعملون عملا يصيرون به معذورين.
أى فى الدفاع عنه.
كونه ظالماً وكونه مظلوماً.
أى يسكن ويهدء.
أى فى جانب.
محاربيه.
وقال الزبير لعبداللّه بن عامر: من رجال البصرة؟ قال: ثلاثة، كلّهم سيّد مطاع: كعب بن سور في اليمن، والمنذر في ربيعة، والأحنف في مضر. فكتب هو وطلحة إلى كعب: أمّا بعد، فإنّك قاضي عمر، وشيخ أهل البصرة، وسيّد أهل اليمن، وقد كنت غضبت لعثمان من الأذى، فاغضب له من القتل.
وكتبا إلى الأحنف: أمّا بعد، فإنّك وافد عمر، وسيّد مضر، وحليم أهل العراق، وقد بلغك مصاب عثمان، فنحن قادمون عليك، والعيان أشفى لك من الخبر.
وكتبا إلى المنذر: أمّا بعد، فإنّ أباك كان رئيسا في الجاهلية، وسيّدا في الإسلام، وإنّك من أبيك بمنزلة المصلّى«» من السابق، يقال: كاد أو لحق، وقد قتل عثمان من أنت خير منه، وغضب له من هو خير منك.
فلمّا وصلت كتبهما إليهم، قام زياد بن مضر، والنعمان، وغزوان، فقالوا: ما لنا ولهذا الحيّ من قريش يريدون أن يخرجونا من الإسلام بعد أن دخلنا فيه ويدخلونا في الشرك بعد أن خرجنا منه قتلوا عثمان، وبايعوا عليّا، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم. وكتب كعب إليهما: فإن يك عثمان قتل ظالما، فما لكما وله وإن كان قتل مظلوما فغيركما أولى به، وإن كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل. وكتب المنذر: إنّما أوجب حقّ عثمان اليوم حقّه أمس، وقد كان بين أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم، وبدا لكم هذا الرأي؟(1).
اى طلحة.
المتقدمة.
1) .الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 1/58.
أى أتى بأمر لم يعرف وجهه واعتذر في نكثه وخروجه بمعاذير لم تكن سالمة.
قيل:
قد عذرتك غير معتذر *** إنّ المعاذير يشوبها الكذب(1)
ولمّا نزل طلحة والزبير البصرة، بعث عثمان بن حنيف إليهما عمران بن الحصين، وأبا الأسود، فقال عمران: يا طلحة، إنّكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم تغضبوا، ثمّ بايعتم عليّا فبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لما ذا وإن كان خطأ فحظّكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأوفى. فقال طلحة: يا هذا، إنّ صاحبك (يا هذان، إنّ صاحبكما) لا يرى أنّ معه في هذا الأمر غيره، وليس على هذا بايعناه. فقال أبو الأسود لعمران: أمّا هذا، فقد صرّح أنّه إنّما غضب للملك. ثمّ أتيا الزبير، فقال لهما: إنّ طلحة وإيّاي كروح في جسدين، وإنّه واللّه يا هذان، قد كان منّا في عثمان فلتات، احتجنا إلى المعاذير(2).ولمّا قال مروان ـ وكان مع طلحة والزبير في مسيرهما إلى البصرة ـ لسعيد بن العاص: اريد البصرة، أطلب قتلة عثمان. قال له سعيد: هؤاء قتلة عثمان معك. إنّ هذين الرجلين قتلا عثمان، وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلمّا غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم، والحوبة بالتوبة(3).
وفيه ـ بعد ذكر خطبة عائشة واختلاف الناس ـ فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان، فقال له:
هل تعرف هذا الكتاب قال: نعم. قال: فما ردّك عمّا كنت عليه وكنت أمس تكتب إلينا تؤّبنا على قتل عثمان، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه وقد زعمتما أن عليا دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله، إذ كنتما أسن منه، فأبيتما إلاّ أن تقدماه لقرابته وسابقته، فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما؟ قال طلحة: دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا أنه غير فاعل، ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والأنصار، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل، فبايعناه كارهين. قال فما بدا لكما في عثمان؟ قالا: ذكرنا ما كان من طعننا عليه، وخذلاننا إيّاه، فلم نجد مخرجا إلاّ الطلب بدمه. قال: ما تأمراني به قالا: بايعنا على قتال عليّ، ونقض بيعته. قال: أ رأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعون إليه، ما نصنع قالا: لاتبايعه.
قال: ما أنصفتما، أ تأمراني أن اقاتل عليّا عليهالسلام وأنقض بيعته وهي في أعناقكما، وتنهياني عن بيعة من لا بيعة عليه لكما (له عليكما)...(1).
ولو أراد التوبة ـ كما زعما أخيرا ـ من حوبة قتل عثمان كان عليهما أن يسلّما أنفسهما إلى أولياء عثمان ليقتلوهما ـ كما صرّح بذلك الأشتر ـ لا أن يقتلا الناس، و
يقاتلا أمير المؤنين عليهالسلام مع اعتزاله.
1) .الإمامة والسياسة تحقيق الزيني: 1/64 ـ 65.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَيُّهَا الْغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ ـ وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ ـ مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللّهِ ذَاهِبِينَ وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ ـ كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيٍّ وَمَشْرَبٍ دَوِيٍّ ـ إِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى لا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا ـ إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وَشِبَعَهَا أَمْرَهَا.
وَاللّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ ـ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ ـ وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله ـ أَلا وَإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ ـ وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَاصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ ـ مَا أَنْطِقُ إِلاّ صَادِقاً ـ وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَبِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ ـ وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو وَمَآلِ هَذَا الْأَمْرِ ـ وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلاّ أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وَأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلاّ وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا وَلا أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلاّ وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا.
الظاهر أنّ الخطاب لكلّ من اتّصف بالغفلة من المكلّفين أى الّذين غفلوا عمّا اريد منهم من المعارف الحقّة والتكاليف الشرعية ولم يغفل عنهم وعمّا فعلوا، لكون أعمالهم مكتوبة محفوظة في اللّوح المحفوظ وصحائف الأعمال وكلّ ما فعلوه في الزبر وكلّ صغير وكبير مستطر.
عن الصادق عليهالسلام ما من أهل بيت شعر ولا وبر إلاّ وملك الموت يتصفّحهم في كلّ يوم خمس مرّات(1).
و عن الباقر عليهالسلام سئل عن لحظة ملك الموت فقال: أما رأيت الناس يكونون جلوسا فتعتريهم السّكتة فما يتكلّم أحد منهم فتلك لحظة ملك الموت حيث يلحظهم(2).
وقال البحتري:
غفلنا عن الأيّام أطول غفلة *** وما خوفها المخشيّ عنّا بغافل(3)
يعني: من يتركون اللّه تعالى، ولكنّه تعالى لا يتركهم ويأخذهم ويؤخذهم، قال تعالى أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ(4).
وقال تعالى: «أَ يَحْسَبُ الاْءِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍ يُمْنى ثُمَّ
كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى»(1).
وقال تعالى: «أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ»(2).
وعن الصادق عليهالسلام الأرض بين يدي ملك الموت كالقصعة يمدّ يده إليها حيث يشاء(3).
كناية عن اعراضهم عن اللّه سبحانه والتفاتهم إلى غيره تعالى وإشارة إلى رغبتهم في زهرة الحياة الدّنيا وإعجابهم بها.
قال تعالى: «وَإِذا ذُكِرَ اللّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بِالآْخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ»(4).
النّعم: واحد الأنعام، وهي المال الرّاعية وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل، قال الفرّاء هو للمذكّر لا يؤّث يقولون (هذا نعم وارد) ويجمع على نعمان مثل جمل وجملان، والأنعام تذكّر وتؤّث، قال تعالى في موضع «مِمَّا فِي بُطُونِهِ»(5)وفي موضع آخر «مِمَّا فِي بُطُونِها...»(6)،(7).
قال التسترى(8): أمّا ما قاله نفسه من كونه واحد الأنعام فيأباه قول البريق الهذلي:
قد أشهد الحيّ جميعا بها *** لهم نعام وعليهم نعم(1)
فإنّ مفاده في البيت مفاد الأنعام، وأمّا ما نقله عن الفرّاء فيردّه قوله عليهالسلام(أراح بها) وقول ابن دريد: والنّعم اسم يلزم الإبل خاصّة يذكّر ويؤث فيقال (هذه النّعم وهذا النّعم...)(2).
أراح إبله: ردّها إلى المراح، ولا يكون إلاّ بعد الزوال(3).
الظاهر أنّ المراد بالسّائم: الرّاعي، لكن قال ابن دريد: (سام الرّجل ماشيته يسومها سوما، إذا رعاها، فالماشية سائمة، والرّجل مسيم، ولم يقولوا سائم خرج هذا من القياس)(4).
بالضم، جمع المدية: السّكين.
شبّه عليهالسلام الغافلين أوّلا بإبل وصفها، وثانيا بغنم نعتها، قال تعالى: «فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ»(1).
قال تعالى: «وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ»(2).
أى تزعم وتظنّ أنّ العلف إحسان إليها على الحقيقة ولا تعرف أنّ الغرض من ذلك هو الذبح والهلاك.
والمراد أنّها تحسب أنّ في جميع دهرها مثل يومها وانّ شبعها هو أمرها، ولا تعرف أنّ لها يوما تجعل المدية على حلقها وتشبع لأكل لحمها، قال تعالى: «أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ * ثُمَ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ * ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ»(3).
وقال تعالى: «... قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ»(4).
وقال تعالى: «ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ»(5).
وقال تعالى: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ»(1).
رواه منذر مع زيادات ـ وقد نقله ابن ميثم عند قوله عليهالسلام: «فتن كقطع اللّيل» ـ ففيه «و الّذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لو أشاء لأخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة ومتى تخرب، ومتى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة، وإنّ عندي من ذلك علما جمّا، وان تسألوني تجدوني به عالما لا أخطئ منه علما ولا وافيا. ولقد استودعت علم القرون الاولى وما هو كائن إلى يوم القيامة(2).
قال ابن أبي الحديد: أقسم أنه لو شاء أن يخبر كل واحد منهم من أين خرج وكيفية خروجه من منزله وأين يلج وكيفية ولوجه وجميع شأنه من مطعمه ومشربه و ما عزم عليه من أفعاله وما أكله وما ادخره في بيته وغير ذلك من شئونه وأحواله لفعل. وهذا كقول المسيح عليهالسلام «وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ»(3).(4).
روي أنّ جاثليقا جاء في نفر من النصارى إلى أبي بكر، وسأله مسائل عجز عنها أبو بكر. فقال له عمر: كفّ أيّها النصراني، وإلاّ أبحنا دمك. فقال الجاثليق: أ هذا عدل على من جاء مسترشدا طالبا دلوني على من أسأله عمّا أحتاج إليه. فجاء عليّ عليهالسلام ـ إلى أن قال ـ فقال له الجاثليق: بم بنت أيّها العالم عن الرعية الناقصة
قال عليهالسلام: بما اخبرتك به عن علمي بما كان وما يكون. قال: فهلمّ شيئا من ذلك أتحقّق به دعواك. فقال عليهالسلام: خرجت أيّها النصراني من مستقرّك مستنكرا لمن قصدت بسؤلك له مضمرا خلاف ما أظهرت من الطلب والاسترشاد. فأريت في منامك مقامي، وامرت فيه باتّباعي. قال: صدقت واللّه، و أنا أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّدا رسوله، وأنّك وصيّه، وأحق الناس بمقامه. وأسلم الّذين معه أيضا، فقال عمر له: الحمد للّه الّذي هداك غير أنّه يجب أن تعلم أنّ علم النبوّة في أهل بيت صاحبها، والأمر بعده لمن رضي به العامة...(1).
وعن الأصبغ قال: أمرنا عليّ عليهالسلام بالمسير من الكوفة إلى المدائن. فسرنا يوم الأحد، وتخلّف عنّا عمرو بن حريث، والأشعث، وجرير البجلي مع خمسة نفر. فخرجوا إلى مكان بالحيرة يقال له الخورنق، والسدير، وقالوا: إذا كان يوم الجمعة لحقنا عليّا قبل أن يجمع الناس. فصلّينا معه. فبيناهم جلوس، وهم يتغدّون إذ خرج عليهم ضبّ فاصطادوه فأخذه عمرو ابن حريث فبسط كفّه. فقال: بايعوا. هذا أمير المؤنين. فبايعه الثمانية ثمّ أفلتوه، وارتحلوا وقالوا: إنّ عليّا يزعم أنه يعلم الغيب فقد خلعناه، وبايعنا مكانه ضبا ـ إلى أن قال بعد ذكر لحوقهم به عليهالسلاموهو على المنبر ـ فقال: «إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ»(2)وأنا اقسم باللّه ليبعثنّ يوم القيامة ثمانية نفر من هذه الامّة إمامهم ضبّ، ولو شئت أن اسمّيهم لفعلت» فتغيّرت ألوانهم...(3).
قال ابن أبي الحديد: أقسم عليهالسلام أنّه لو شاء أن يخبر كلّ واحد منهم أين خرج، وكيفية خروجه من منزله وأين يلج، وكيفية ولوجه، وجميع شأنه من مطعمه، ومشربه، وما عزم عليه من أفعاله، وما أكله، وما ادّخره في بيته، وغير ذلك من شئونه وأحواله لفعل، وهذا كقول المسيح عليهالسلام وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ(1).(2).
ولمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليّا عليهالسلام أصحابه وشيعته. فبايعوه وقالوا:
نحن أولياء من واليت، وأعداء من عاديت. فشرط لهم فيه سنة النبيّ صلىاللهعليهوآله فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي ـ وكان شهد معه الجمل وصفّين ومعه راية خثعم ـ فقال له (عليّ عليه السّلام): بايع على كتاب اللّه وسنّة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله. فقال ربيعة: على سنّة أبي بكر وعمر. قال له عليّ عليهالسلام: ويلك لو أنّ ابا بكر وعمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لم يكونا على شيء من الحقّ فبايعه. فنظر إليه عليّ عليهالسلام وقال: «أما واللّه لكأنّي بك، وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت، وكأنّي بك وطئتك الخيل بحوافرها». فقتل يوم النهر مع خوارج البصرة(3).
ورواه ابن قتيبة وزاد: قال قبيصة فرأيته يوم النهروان قتيلا قد وطأت الخيل وجهه وشدخت رأسه، ومثّلت به. فذكرت قول عليّ عليهالسلام، وقلت: للّه درّ أبي الحسن ما حرّك شفتيه قط بشيء إلاّ كان كذلك(4).
وعن أبي الجهم العدوي ـ وكان معاديا لعليّ عليهالسلام ـ قال: خرجت بكتاب عثمان،
والمصريون قد نزلوا بذي خشب إلى معاوية، وقد طويته طيّا لطيفا، و جعلته في قراب سيفي، وقد تنكّبت عن الطريق وتوخّيت سواد الليل حتّى كنت بجانب الجرف إذا رجل على حمار مستقبلي، ومعه رجلان يمشيان أمامه فإذا هو عليّ بن أبي طالب قد أتى من ناحيه البدو، فأثبتني ولم اثبته حتّى سمعت كلامه. فقال: أين تريد يا صخر قلت: البدو فادع الصحابة. قال: فما هذا الّذي في قراب سيفك قلت: لا تدع مزاحك أبدا ثمّ جزته(1).
و رووا أنّه ذكر لاسقف بدير الديلم من أرض فارس ـ وقد أتت عليه عشرون و مئة سنة ـ أنّ رجلا ـ يعنونه عليهالسلام ـ قد فسرّ الناقوس. فقال: سيروا بي إليه. فإنّي أجده أنزع بطينا. فلمّا وافاه عليهالسلام قال: قد عرفت صفته في الإنجيل وأنا أشهد أنّه وصيّ ابن عمّه. فقال عليهالسلام له: جئت لتؤن، أ أزيدك رغبة في إيمانك؟ قال: نعم. قال عليهالسلام: انزع مدرعتك. فأر أصحابك الشامة الّتي بين كتفيك. فقال: أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وشهق شهقة. فمات. فقال عليهالسلام: «عاش في الإسلام قليلا، وينعم في جوار اللّه كثيرا»(2).
وروى أبو مخنف أنّ عمرو بن اليثربي الّذي قتل يوم الجمل في أصحاب عائشة زيد بن صوحان، وعلباء، وهند الجملي من أصحابه عليهالسلام: أسره عمّار بن ياسر، وجاء به إليه قال له عليهالسلام: أدنني منك اسارّك. فقال عليهالسلام له: أنت متمرّد، وقد أخبرني النبيّ صلىاللهعليهوآله بالمتمرّدين، وذكرك فيهم. فقال له أما واللّه لو وصلت إليك لعضضت أنفك
منك. فأمر به عليّ عليهالسلام فضربت عنقه(1).ومثله وقع لابنه الحسن عليهالسلام مع ابن ملجم(2).
وروى أنّ عائشة أنفذت رجلا شديد العداوة له بكتاب لها إليه. فمضى فاستقبله راكبا فناوله الكتاب. ففضّ خاتمه ثمّ قرأه ثمّ قال له: تبلغ إلى منزلنا فتصيب من طعامنا وشرابنا، ونكتب جواب كتابك. قال: هذا واللّه لا يكون. فثنى عليهالسلامرجله فنزل وأحدق به ثمّ قال للرجل: أسألك؟ قال: نعم.
قال: وتجيبني؟ قال: نعم.
قال: ناشدتك اللّه أقالت عائشة: التمسوا لي رجلا شديد العداوة لهذا الرجل فاتي بك؟ فقالت: ما بلغ من عداوتك لهذا الرجل؟ فقلت كثيرا ما أتمنّى على ربّي أنّه وأصحابه في وسطى، وأنّي ضربته ضربة بالسيف يسبق السيف الدم فقال: اللّهمّ نعم.
قال: فانشدك اللّه أقالت: فاذهب بكتابي هذا فادفعه إليه ظاعنا كان أو مقيما أما إنّك إن رأيته ظاعنا رأيته راكبا بغلة النبيّ متنكّبا قوسا، معلّقا كنانته بقربوس سرجه، أصحابه خلفه كأنّهم طير صوافّ؟ قال: اللّهمّ نعم.
قال: فانشدك اللّه هل قالت لك: ان عرض عليك طعامه أو شرابه فلا تناولنّ منه شيئا فإنّ فيه السحر؟ قال: اللّهمّ نعم.
قال فمبلغّ عنيّ؟ قال: اللّهمّ نعم. فإنّي أتيتك وما في الأرض خلق أبغض إليّ
منك، وأنا الساعة ما في الأرض خلق أحبّ إليّ منك. فمر بي بما شئت.
فقال: ادفع كتابي هذا إليها، وقل لها: ما أطعت اللّه ورسوله حيث أمرك اللّه بلزوم بيتك...(1).
وروى محمّد بن جبلة الخيّاط عن عكرمة عن زيد الأحمسي أنّ عليّا عليهالسلام كان جالسا في مسجد الكوفة، وبين يديه قوم منهم عمرو بن حريث إذ أقبلت امرأة مختمرة لا تعرف. فوقفت فقالت لعليّ عليهالسلام: يا من قتل الرجال و سفك الدماء، وأيتم الصبيان، وأرمل النساء فقال عليّ عليهالسلام: «و إنّها لهي السلقلقة الجعلة المجعة، وإنّها لهي. هذه شبيهة الرجال والنساء الّتي ما رأت دما قط». فولّت هاربة منكسة رأسها. فتبعها عمرو بن حريث. فلمّا صارت بالرحبة قال لها: واللّه لقد سررت بما كان منك اليوم إلى هذا الرجل. فادخلي منزلي حتّى أهب لك وأكسوك. فلمّا دخلت منزله أمر جواريه بتفتيشها، وكشفها، ونزع ثيابها لينظر صدقه فيما قاله عنها. فبكت وسألته أن لا يكشفها، وقالت: أنا واللّه كما قال، لي ركب النساء وانثيان كانثيي الرجال، وما رأيت دما قط. فتركها وأخرجها ثمّ جاء إلى عليّ عليهالسلام فأخبره.
فقال: إنّ خليلي رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أخبرني بالمتمرّدين عليّ من الرجال والمتمرّدات من النساء إلى أن تقوم الساعة.
قال ابن أبي الحديد: السلقلقة السليطة وأصله من السلق وهو الذئب والسلقة الذئبة والجلعة المجعة البذيئة اللسان والركب منبت العانة(2).
وعن الحرث الأعور قال: كنت ذات يوم مع أمير المؤنين عليهالسلام في مجلس
القضاء إذ أقبلت امرأة مستعدية على زوجها.
فتكلّمت بحجّتها وتكلم الزوج بحجّته. فوجب القضاء عليها. فغضبت غضبا شديدا ثم قالت: واللّه يا أمير المؤنين لقد حكمت عليّ بالجور وما بهذا أمرك اللّه تعالى. فقال لها: يا سلفع، يا مهيع، يا قردع، بل حكمت عليك بالحقّ الّذي علمته. فلمّا سمعت منه هذا الكلام ولّت هاربة ـ إلى أن قال ـ قالت: أمّا قوله لى: يا سلفع فو اللّه ما كذب على أنّي لا أحيض من حيث تحيض النساء(1).
وقال ابن أبي الحديد: ومن عجيب ما وقفت عليه من إخباره عليهالسلام عن الغيوب قوله في الخطبة الّتي يذكر فيها الملاحم ـ وهو يشير إلى القرامطة(2)ينتحلون لنا الحبّ والهوى ويضمرون لنا البغض والقلى(3)، وآية ذلك قتلهم ورّاثنا. وهجرهم أحداثنا.
وصحّ ما أخبر به لأنّ القرامطة قتلت من آل أبي طالب عليهالسلام خلقا كثيرا وأسماؤم مذكورة في كتاب مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الاصبهاني.
ومرّ أبو طاهر سليمان بن الحسن الجنابيّ في جيشه بالغري(4).
1) .بصائر الدرجات: 359، ح18؛ بحار الأنوار: 41/291، ح15.
2) . يرجع مذهب القرامطة إلى كبيرهم الحسن بن بهرام الجنابى أبو سعيد؛ كان دقاقا من أهل جنابة بفارس، و نفى فيها، فأقام في البحرين تاجرا، وجعل يدعو العرب إلى نحلته، فعظم أمره؛ فحاربه الخليفة مظفر الحسن وصافاه المقتدر العباسيّ؛ وكان أصحابه يسمونه السيّد. استولى على هجر والأحساء والقطيف وسائر بلاد البحرين؛ وكان شجاعا، داهية، قتله خادم له صقلبى في الحمام بهجر، مات سنة 301؛ وانظر تاريخ ابن الأثير.
3) . القلى: البغض.
4) .الغريّ، واحد الغريين؛ وهما بناءان كالصومعتين؛ كانا بظهر الكوفة؛ قرب قبر عليّ عليهالسلام مراصد الاطلاع.
وبالحائر(1).فلم يعرجّ على واحد منهما ولا دخل ولا وقف(2).
وعن أبي صادق أنّه عليهالسلام قال: ملك بني العباس عسر لا يسر فيه، دولتهم لو اجتمع عليهم الترك والديلم والسند والهند والبربر والطيلسان(3)لم يزيلوه، ولا يزالون يتمرغون ويتنعمون في غضارة من ملكهم حتّى يشذّ عنهم مواليهم وأصحاب ألويتهم، ويسلّط اللّه عليهم علجا يخرج من حيث بدئ ملكهم لا يمرّ بمدينة إلاّ فتحها ولا ترفع له راية إلاّ هدّها، ولا نعمة إلاّ أزالها. الويل لمن ناواه. فلا يزال كذلك حتّى يظفر ويدفع بظفره إلى رجل من عترتي يقول بالحقّ ويعمل به(4). قال أبو علي(5)يقول أهل اللغة العلج الكافر والعلج الجافي في الخلقة والعلج اللئيم والعلج الجلد الشديد في أمره(6).
فقوله عليهالسلام «حتّى يشذّ عنهم مواليهم وأصحاب ألويتهم» إشارة إلى خروج الأتراك الّذين كانوا امراء جيوش العباسيّين من زمان المعتصم عليهم و عزلهم خليفة، ونصبهم آخر، وسملهم لهم.
وقوله عليهالسلام «و يسلّط اللّه عليهم علجا يخرج من حيث بدئ ملكهم لا يمرّ بمدينة إلاّ فتحها، ولا ترفع له راية إلاّ هدّها، ولا نعمة إلاّ أزالها الويل لمن ناواه» إشارة
1) . الحائر، بعد الألف ياء مكسورة: موضع قبر الحسين عليهالسلام. ذكره ياقوت.
2) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 10/13؛ بحار الأنوار: 40/191.
3) . الطيلسان ـ بفتح أوله وسكون ثانيه ولام مفتوحة وسين مهملة وآخره نون ـ : اقليم واسع كثير البلدان والسكان من نواحي الديلم والخزر بلاد الترك خلف باب الأبواب وهم صنف من الترك.
4) . الغيبة للنعمانى: 249، ح4؛ بحار الأنوار: 31/531، ح36.
5) . يعني محمّد بن همام بن سهيل.
6) .الغيبة للنعمانى: 250.
إلى هولاكوخان، وفتحه لبلاد الإسلام إلى بغداد، واستيصاله دولة العباسيّين، وقتله للمستعصم آخرهم.
وقوله: «و يدفع بظفره إلى رجل من عترتي يقول بالحقّ ويعمل به» اشارة إلى تفويضه الأمر إلى عليّ بن طاوس الّذي كان تالى العصمة صاحب كرامات فإنّه كان وجيها في دولة المغول، ومقرّبا عند هولاكو.
و نظيره روي عن الصادق عليهالسلام وقد وقف ابن طاوس على ذاك، وأعتقد أنّه المراد ولكن لم يتفطّن لهذا. فقال في إقباله: عزم على الافطار في (13) ربيع الأوّل من سنة (662) فصامه لوجدانه حديثا في ملاحم البطائني عن أبي بصير أنّ الصادق عليهالسلام قال له: «إنّ اللّه أجلّ من أن يترك الأرض بلا إمام عادل، وليس ترى امّة محمّد صلىاللهعليهوآله فرجا أبدا ما دام لولد بني فلان ملك حتّى ينقرض ملكهم. فإذا انقرض ملكهم أتاح اللّه لامّة محمّد برجل منّا أهل البيت يشير بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا، وإنّي لأعرفه باسمه واسم أبيه».
قال ابن طاوس: ومن حيث انقرض ملك بني العبّاس لم أجد ولم أسمع برجل من أهل البيت يشير بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا كما قد تفضّل اللّه علينا ظاهرا وباطنا، وغلب على ظنّي أنّ ذلك اشارة إلينا، وإنعام علينا.
فقلت: اللّهمّ إن كنت أنا الرجل المشار إليه فلا تمنعني عن صومه على عادتك عندي. فوجدت إذنا، وأمرا بصومه فصمته وقد تضاحى نهاره، وقلت: إن كنت أنا المشار إليه. فلا تمنعني من صلاة الشكر وأدعيتها. فقمت ولم أمنع بل وجدتني مأمورا. فصلّيتها، ودعوت بأدعيتها، وقد رجوت أن يكون تعالى شرّفني بذكرى في الكتب السالفة على لسان الصادق عليهالسلام فإنّنا قبل الولاية على
العلويين كنّا في تلك الصفات مجتهدين، وبعد الولاية على العلويين زدنا في الاجتهاد في هذه الصفات والسيرة فيهم بالتقوى، والعمل معهم بالهدى، وترك الرشا قديما وحديثا، ولا يخفى ذلك على من عرفنا، ولم يتمكّن أحد في هذه الدولة القاهرة من العترة كما تمكّنا نحن من صدقاتها المتواترة، واستجلاب الفرامين المتضمنة لعدلها ورحمتها المتظاهرة...(1).
والنعماني ألّف كتابه في سنه (340) فقال فيه مشيرا إلى القائم عليهالسلام«و له الآن نيّف وثمانون سنة»(2)وهولاكو كان بعد (660) هذا. واختلف تعبيره مع تعبير الصادق عليهالسلام عن ابن طاوس فقال عليهالسلام «من عترتى» وقال: الصادق عليهالسلام«منّا أهل البيت» لأنّ ابن طاوس كان حسنيا.
وقال ابن أبي الحديد: وقال عليهالسلام في هذه الخطبة ـ وهو يشير إلى السارية(3)الّتي كان يستند إليها في مسجد الكوفة ـ: «كأنّي بالحجر الأسود منصوبا هاهنا برهة، ويحهم إنّ فضيلته ليست في نفسه، بل في موضعه وأسه، يمكث هاهنا برهة ثم هاهنا، وأشار إلى البحرين ثمّ يعود إلى مأواه وأمّ مثواه» ـ ووقع الأمر في الحجر الأسود بموجب ما أخبر به عليه السّلام«».
وقال ابن أبي الحديد أيضا: وقد وقفت له على خطب مختلفة فيها ذكر الملاحم، فوجدت في كثير منها اختلالا ظاهرا، هذه المواضع الّتي أنقلها ليست من تلك الخطب المضطربة بل من كلام له عليهالسلام وجدته متفرّقا في كتب مختلفة.
ومن ذلك أنّ تميم بن اسامة بن زهير بن دريد التميمي اعترضه وهو يخطب
على المنبر ويقول: «سلوني قبل أن تفقدوني. فو اللّه لا تسألوني عن فئة تضلّ مئة، وتهدي مئة إلاّ نبّأتكم بناعقها وسائقها، ولو شئت لأخبرت كلّ واحد منكم بمخرجه، ومدخله وجميع شأنه».
فقال له فكم في رأسي طاقة شعر. فقال له: «أما واللّه إنّي لأعلم ذلك ولكن أين برهانه لو أخبرتك به، ولقد اخبرت بقيامك، ومقالك، وقيل لي: إنّ على كلّ شعرة [في] رأسك ملكا يلعنك، وشيطانا يستفزّك، وآية ذلك أنّ في بيتك سخلا(1)يقتل ابن رسول اللّه، ويحضّ على قتله».
فكان الأمر بموجب ما أخبر به عليهالسلام كان ابنه حصين بالصاد المهملة يومئذ طفلا رضيعا. ثمّ عاش إلى أن صار على شرطة عبيد اللّه بن زياد فأخرجه إلى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين عليهالسلام ويتوعّده إن أرجأ ذلك فقتل عليهالسلامصبيحة اليوم الّذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته(2).
وقال ابن أبي الحديد أيضا: ومن ذلك قوله عليهالسلام للبراء بن عازب يوما: «يا براء أ يقتل الحسين عليهالسلام وأنت حيّ فلا تنصره» فقال: لا كان ذلك. يا أمير المؤنين فلمّا قتل الحسين عليهالسلام كان البراء يذكر ذلك ويقول: أعظم بها حسرة إذ لم أشهده واقتل دونه(3).
وروى نصر مسندا عن هرثمة بن سليم قال: غزونا مع عليّ عليهالسلامغزوة صفّين.
فلمّا نزلنا بكربلا صلّى بنا صلاة. فلمّا سلّم رفع إليه من تربتها فشمّها ثمّ قال «واها لك أيّها التربة ليحشرون منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب».
فلمّا رجع إلى امرأته وهي جرداء بنت سمير ـ وكانت شيعة لعليّ عليهالسلامفقال لها زوجها هرثمة، ألاّ اعجبك من صديقك أبي الحسن لمّا نزلنا كربلا رفع إليه من تربتها فشمّها وقال «واها لك يا تربة ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب. وما علمه بالغيب» فقالت: دعنا منك أيّها الرجل. فإنّ أمير المؤنين عليهالسلاملم
يقل إلاّ حقا.
فلمّا بعث عبيد اللّه البعث الّذي بعثه إلى الحسين عليهالسلام وأصحابه قال كنت فيهم في الخيل الّتي بعث إليهم فلمّا انتهيت إلى القوم وحسين وأصحابه عرفت المنزل الّذي نزل بنا علي عليهالسلام فيه، والبقعة الّتي رفع إليه من ترابها، والقول الّذي قاله. فكرهت مسيرى. فأقبلت على فرسي حتّى وقفت على الحسين عليهالسلام فسلّمت عليه وحدّثته بالّذي سمعت من أبيه في هذا المنزل.
فقال: معنا أنت أو علينا فقلت: يا ابن رسول اللّه لا معك، ولا عليك، تركت أهلي وولدي أخاف عليهم من ابن زياد. فقال الحسين عليهالسلام فولّ هربا حتّى لا ترى لنا مقتلا، فو الّذي نفس محمّد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا إلاّ أدخله اللّه النار. فأقبلت في الأرض هاربا حتّى خفي عليّ مقتله(1).
وروى عن ابن جحيفة قال: جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب فسأله وأنا أسمع. فقال: حديث حدثتنيه عن عليّ عليهالسلام قال: نعم. بعثني مخنف بن سليم إلى عليّ عليهالسلام فأتيته بكربلا. فوجدته يشير بيده ويقول: هاهنا، هاهنا.
فقال له رجل: وما ذاك يا أمير المؤنين قال عليهالسلام: ثقلّ لآل محمّد عليهالسلامينزل هاهنا، فويل لهم منكم، وويل لكم منهم.
1) .وقعة صفّين: 140؛ بحار الأنوار: 41/337، ح58.
فقال له الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤنين قال: «ويل لهم منكم تقتلونهم، وويل لكم منهم يدخلكم اللّه بقتلهم إلى النار»(1).
وإخباره عليهالسلام بكون خالد بن عرفطة صاحب جيش ضلالة، وصاحب لوائه حبيب بن جمّاز يدخل بها من باب الفيل. فكان خالد على مقدّمة عمر بن سعد، وصاحب رايته حبيب أدخلها المسجد من باب الفيل(2).وروى ابن بابويه مسندا عن عبداللّه بن أحمد بن عامر الطائي عن أبيه عن الرضا عن آبائه عليهالسلام عن عليّ عليهالسلام قال: كأنّي بالقصور قد شيّدت، حول قبر الحسين، وكأنّي بالمحامل تخرج من الكوفة إلى قبر الحسين ولا تذهب الليالي والأيام حتّى يسار إليه من الآفاق، وذلك عند انقطاع ملك بني مروان(3).
وعن النعمان بن سعد قال: قال أمير المؤنين عليهالسلام: سيقتل رجل من ولدي بأرض خراسان بالسمّ ظلما اسمه اسمي، واسم أبيه اسم ابن عمران، موسى ألا فمن زاره في غربته غفر اللّه تعالى ذنوبه...(4).
وروى المسعودي: أنّه لمّا بلغه عليهالسلام تثبيط أبي موسى الأشعري، أهل الكوفة عن اللحوق به، ويقول لهم: إنّما هي فتنة، كتب عليهالسلام إليه: «اعتزل عملنا يا ابن الحائك مذموما مدحورا. فما هذا أوّل يومنا منك، وإنّ لك فيها لهنات وهنيّات(5)ـ وقوله «و إنّ لك» إشارة إلى صيرورته حكما وحكمه عليه عليهالسلام.
قال ابن أبي الحديد: أي أخاف عليكم الغلوّ في أمري، وأن تفضّلوني على النبيّ صلىاللهعليهوآله بل أخاف عليكم أن تدّعوا فيّ الإلهية كما ادّعت النصارى ذلك في المسيح عليهالسلام لمّا أخبرهم بالامور الغائبة(1).
ومع أنّه عليهالسلام قد كتم ما علمه حذرا من أن يكفروا فيه بالنبيّ صلىاللهعليهوآله فقد كفر كثير منهم، وادّعوا فيه النبوّة وادّعوا فيه أنّه شريك الرسول في الرسالة، وادّعوا فيه أنّه
هو كان الرسول، ولكن الملك غلط فيه، وادّعوا أنّه الّذي بعث محمّدا إلى الناس، وادّعوا فيه الاتّحاد، ولم يتركوا نوعا من أنواع الضلالة فيه إلاّ قالوه، واعتقدوه،
وقال شاعرهم فيه:
ومن أهلك عادا وثمودا بدواهيه *** ومن كلّم موسى فوق طور إذ يناديه
ومن قال على المنبر يوما وهو راقيه *** سلوني أيّها الناس فحاروا في معانيه
وأيضا:
إنّما خالق الخلائق من زعزع *** أركان حصن خيبر جذبا
قد رضينا به إماما ومولى *** وسجدنا له إلها وربّا(2)
وقال الشهرستاني: السبائية أصحاب عبداللّه بن سبا الّذي قال لعليّ عليهالسلام«أنت أنت» يعني أنت الإله فنفاه إلى المدائن وزعموا أنّه كان يهوديّا فأسلم. وكان في اليهوديّة يقول في يوشع وصيّ موسى مثل ما قال في عليّ عليهالسلام، وهو أوّل من أظهر القول بالفرض بإمامة عليّ عليهالسلام ومنه انشعبت أصناف الغلاة، وزعموا أنّ عليّا حيّ لم
يقتل، وفيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولي عليه، وهو الّذي يجيء في السحاب والرعد صوته، والبرق سوطه، وأنّه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا.
وإنّما أظهر ابن سبا هذه المقالة بعد انتقال عليّ عليهالسلام واجتمعت عليه جماعة وهم أوّل فرقة قالت بالتوقف والغيبة والرجعة، وقالت بتناسخ الجزء الإلهي في الأئمّة بعد عليّ، وهذا المعنى ممّا كان يعرفه الصحابة وإن كانوا على خلاف مراده. هذا عمر كان يقول فيه حين فقأ عين واحد في الحرم، ورفعت القصة إليه «ما ذا أقول في يد اللّه فقأت عينا في حرم اللّه» فاطلق عمر اسم الإلهة عليه لمّا عرف منه ذلك(1).
ويحتمل أن يكون مراده عليهالسلام بكفرهم فيه كفرهم باسناد التقصير إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله في إظهار جلالته عليهالسلام وعلوّ شأنه وسموّ مقامه، ومن ذلك أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لما أفصح عن بعض فضايله عليهالسلام نسبه المنافقون إلى الضلال وإلى أنّه ينطق عن الهوى حتّى كذّبهم اللّه تعالى فقال: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى»(2).
ومن هذا الباب أيضا ما عن أبي بصير قال: بينا رسول اللّه صلىاللهعليهوآله جالس إذ أقبل أمير المؤنين عليهالسلام فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله: إنّ فيك شبها من عيسى بن مريم عليهالسلام ولولا أن يقول فيك طوايف من امّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم عليهالسلام لقلت فيك قولا لا تمرّ بملاء من النّاس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدمك يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ الْبَرَكَة، قال: فغضب الاعرابيّان والمغيرة بن شعبة وعدّة من قريش معهم فقالوا: ما رضى أن يضرب لابن عمّه مثلا إلاّ عيسى بن مريم، فأنزل اللّه على نبيّه: «وَلَمَّا
ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَ آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ»(1)يعني من بني هاشم «مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ»(2)قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهرى فقال: «اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ»(3)إنّ بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل(4)«فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ»(5)فأنزل اللّه عليه مقالة الحارث ونزلت هذه الاية: «وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ»(6)ثمّ قال عليهالسلام له يا بن عمرو إمّا تبت وإمّا رحلت، فدعى براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضّت هامته فقال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد أتانا ما استفتح به، قال اللّه عزّ وجل: «وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ»(7)،(8).
ولما ذكر أنّ إخباره ببعض المغيبات مؤّ إلى الكفر والضلال لقصور الاستعداد و القابليّة لاكثر النفوس البشريّة عن تحمّل الأسرار الغيبيّة استدرك ذلك بقوله «إلاّ
وانّي مفضيه» أى مفض به وموصل له ومؤّ إياه «إلى الخاصّة» أى إلى خواصّ
أصحابي «ممّن يؤن ذلك» أى الغلوّ والكفر«منه» بما له من الاستعداد.
وممّن أفضى عليهالسلام إليه وأظهر له مآل أمره من خواص شيعته، ميثم التمار، وكميل بن زياد، وقنبر ورشيد الهجري، ومزرع بن عبيد اللّه، وجويرية بن مسهر، وحجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، وجمع آخر.
فروى محمّد بن محمّد بن النعمان أنّ ميثما كان عبدا لامرأة من بني أسد فاشتراه عليهالسلام منها فأعتقه. فقال له: ما اسمك قال: سالم. قال عليهالسلام: أخبرني النبيّ صلىاللهعليهوآلهأنّ اسمك الّذي سمّاك به أبواك في العجم ميثم. قال: صدق اللّه ورسوله، وصدقت يا أمير المؤنين، واللّه إنّه لا سمي. قال: فارجع إلى اسمك الّذي سمّاك به النبيّ صلىاللهعليهوآله ودع سالما. فرجع إلى ميثم، واكتنى بأبي سالم، وقال عليهالسلامله ذات يوم: «إنّك تؤذ بعدي فتصلب وتطعن بحربه فإذا كان يوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دما يخضب لحيتك، فانتظر ذلك الخضاب فتصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهرة، وامض حتّى أريك النخلة التي تصلب على جذعها» فأراه إيّاها.
وكان ميثم يأتيها فيصلّي عندها ويقول: «بوركت من نخلة لك خلقت ولي غذيت، ولم يزل يتعاهدها حتّى قطعت، وكان يلقى عمرو بن حريث.
فيقول له: إنّي مجاورك. فأحسن جواري. فيقول له عمرو: أ تريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم ـ وهو لا يعلم ما يريد.
وحجّ في السنة الّتي قتل فيها. فدخل على امّ سلمة. فقالت: من أنت قال: أنا ميثم. قالت: واللّه لربما سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يذكرك، ويوصي بك عليّا عليهالسلام في جوف
الليل. فسألها عن الحسين عليهالسلام فقالت: هو في حائط له. قال: أخبريه أنّني قد أحببت السلام عليه، ونحن ملتقون عند ربّ العالمين، فدعت امّ سلمة بطيب، وطيّبت لحيته، وقالت له: أمّا انّها ستخضب بدم.
فقدم الكوفة فأخذه عبيد اللّه بن زياد فادخل عليه. فقيل له: هذا كان من آثر الناس عند عليّ. قال: ويحكم هذا الأعجمي قيل له: نعم. قال له عبيد اللّه: أين ربّك قال: بالمرصاد لكلّ ظالم وأنت أحد الظلمة، قال إنّك على عجمتك لتبلغ الّذي تريد، ما أخبرك صاحبك أنّي فاعل بك قال: أخبرني أنّك تصلبني عاشر عشرة أنا أقصرهم خشبة، وأقربهم إلى المطهرة. قال: لنخالفنّه قال: كيف تخالفه فو اللّه ما أخبرني إلاّ عن النبيّ صلىاللهعليهوآله عن جبرئيل عن اللّه تعالى فكيف تخالف هؤاء، ولقد عرفت الموضع الّذي اصلب عليه اين هو من الكوفة، وأنا أوّل خلق اللّه الجم في الإسلام».
فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيد. فقال له ميثم: إنّك تفلت وتخرج ثائرا بدم الحسين عليهالسلام. فتقتل هذا الّذي يقتلنا. فلمّا دعا عبيد اللّه بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد اللّه يأمره بتخلية سبيله فخلاّه.
وأمر بميثم أن يصلب. فاخرج فقال له رجل لقيه: ما أغناك عن هذا يا ميثم فتبسّم وقال ـ وهو يومئ إلى النخله ـ «لها خلقت ولي غذيت» فلمّا رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث وقال عمرو: قد كان واللّه يقول «إنّي مجاورك» فأمر جاريته بكنس تحت خشبته ورشّه وتجميره.
فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم. فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد.
فقال: ألجموه وكان أوّل خلق اللّه الجم في الإسلام وكان قتله قبل قدوم الحسين عليهالسلام إلى العراق بعشرة أيّام.
فلمّا كان اليوم الثالث من صلبه طعن ميثم بالحربة. فكبّر ثمّ انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دما ـ وهذا من جملة الأخبار عن الغيوب المحفوظة عن أمير المؤنين عليهالسلام وذكره شائع والرواية به بين العلماء مستفيضة(1).
وعن فضيل بن الزبير قال: مرّ ميثم التمار على فرس له فاستقبل حبيب بن مظاهر عند مجلس بني أسد فتحدّثا حتّى التقت أعناق فرسيهما، ثمّ قال حبيب: لكأنّى برجل أصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرّزق وقد صلب في حبّ أهل بيت رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ويبقر بطنه على الخشبة، فقال ميثم: وإنّى لأعرف رجلا أحمر له ضفيرتان يخرج لنصرة ابن بنت نبيّه فيقتل ويجال برأسه بالكوفة واجيز الّذي جاء به ثمّ افترقا، فقال أهل المجلس: ما رأينا أعجب من أصحاب أبي تراب يقولون إنّ عليا عليهالسلام أعلمهم بالغيب، فلم يفترق أهل المجلس حتّى أقبل رشيد الهجري ليطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما فقالوا قد افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا، قال رشيد لهم: رحم اللّه ميثما وحبيبا قد نسى أنّه يزاد في عطاء الّذي يجيء برأسه مأئة درهم، ثمّ ولّى، فقال أهل المجلس: هذا و اللّه أكذبهم، فما مرّت الأيّام حتّى رأى أصحاب المجلس ميثما مصلوبا على باب عمرو بن حريث، وجيء برأس حبيب بن مظاهر من كربلا وقد قتل مع الحسين بن عليّ عليهما السّلام إلى عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه، وزيد في عطاء الذي حمل رأس حبيب مأئة درهم كما ذكر ورؤ كلّما قاله أصحاب أمير المؤنين عليهالسلامأخبرهم به أمير المؤنين عليهالسلام(2).
وروى جرير عن المغيرة قال: لمّا ولي الحجّاج طلب كميل بن زياد. فهرب منهم فحرم قومه عطاءهم. فلمّا رأى كميل ذلك قال: أنا شيخ كبير وقد نفد عمري، و لا ينبغي أن أحرم قومي عطاءهم. فخرج فدفع بيده إلى الحجّاج. فلمّا رآه قال له: لقد كنت احبّ أن أجد عليك سبيلا. فقال له كميل: لا تصرف(1)عليّ أنيابك، ولا تهدّم عليّ(2)فو اللّه ما بقي من عمري إلاّ مثل كواسل(3)الغبار. فاقض ما أنت قاض. فإنّ الموعد اللّه وبعد القتل الحساب، ولقد خبّرني أمير المؤنين عليهالسلام أنّك قاتلي.
فقال له الحجّاج: الحجّة عليك إذن. فقال له كميل: ذاك إذا كان القضاء إليك قال: بلى قد كنت في من قتل عثمان. اضربوا عنقه. فضربت عنقه(4).
وروى أصحاب السيرة من طرق مختلفة أنّ الحجّاج قال ذات يوم: احبّ أن اصيب رجلا من أصحاب أبي تراب. فأتقرّب إلى اللّه بدمه. فقيل له: ما نعلم أحدا كان له أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه. فبعث في طلبه.
فاتى به. فقال له: أنت قنبر؟ قال: نعم قال: أبو همدان؟ قال نعم. قال: مولى عليّ بن أبي طالب؟ قال: اللّه مولاي وأمير المؤنين وليّ نعمتي. قال: إبرأ من دينه.
قال فإذا برئت من دينه تدلّني على دين غيره أفضل منه قال: إنّي قاتلك فاختر أيّ قتلة أحبّ إليك قال: قد صيّرت ذلك إليك قال: ولم؟ قال: لأنّك لا تقتلني قتلة
إلاّ قتلتك مثلها، ولقد أخبرني أمير المؤنين عليهالسلام أنّ منيّتي تكون ذبحا ظلما بغير حق قال فأمر به فذبح(1).
وروى ابن عباس عن مجالد عن الشعبي عن زياد بن النضر الحارثي قال: كنت عند زياد إذ اتي برشيد الهجري. فقال له زياد: ما قال لك صاحبك ـ يعني عليّا عليهالسلام ـ إنّا فاعلون بك قال: تقطّعون يدي ورجلي، وتصلبونني.
فقال زياد: أم واللّه لا كذّبنّ حديثه. خلّوا سبيله. فلمّا أراد أن يخرج قال زياد: و اللّه ما نجد له شيئا شرّا ممّا قال له صاحبه، اقطعوا يديه ورجليه واصلبوه. فقال رشيد: هيهات قد بقي لي عندكم شيء أخبرني به أمير المؤنين عليهالسلام. فقال زياد:
اقطعوا لسانه. فقال رشيد: الآن واللّه جاء تصديق خبر أمير المؤنين عليهالسلام. وهذا الخبر قد نقله المؤلف والمخالف عمّن ثقاتهم عمّن سميناه واشتهر أمره عند علماء الجميع(2).
وفيه روى عبد العزيز بن صهيب عن أبي العالية قال: حدّثني مزرع بن عبداللّه قال: سمعت عليّا عليهالسلام يقول: أم واللّه ليقبلنّ جيش حتّى إذا كان بالبيداء(3)خسف بهم فقلت له إنّك لتحدّثني بالغيب قال: احفظ ما أقول لك، واللّه ليكوننّ ما أخبرني به عليهالسلام وليؤذنّ رجل فليقتلنّ وليصلبنّ بين شرفتين من شرف هذا المسجد. قلت: إنّك لتحدّثني بالغيب قال: حدّثني الثقة المأمون عليّ بن أبي طالب عليهالسلام قال أبو
العالية: فما أتت علينا جمعة حتّى اخذ مزرع فقتل وصلب بين الشرفتين، وقال: قد كان حدّثني بثالثة. فنسيتها(1).
وروى العلماء أنّ جويرية بن مسهّر وقف على باب القصر. فقال: أين أمير المؤنين عليهالسلام فقيل له: نائم. فنادى: أيّها النائم استيقط فو الّذي نفسي بيده لتضربنّ ضربة على رأسك تخضب منها لحيتك كما أخبرتنا بذلك من قبل فسمعه عليهالسلامفنادى أقبل يا جويرية حتّى احدّثك بحديثك. فأقبل فقال: وأنت ـ والّذي نفسي بيده ـ لتعتلنّ إلى العتلّ الزنيم(2)، وليقطعنّ يدك ورجلك ثمّ لتصلبنّ تحت جذع كافر(3). فمضى على ذلك الدهر حتّى ولي زياد في أيّام معاوية فقطع يده ورجله ثمّ صلبه إلى جذع ابن مكعبر ـ وكان جذعا طويلا ـ فكان تحته(4).وروى النسوي أنّ عليّا عليهالسلام قال: «يا أهل العراق سيقتل منكم سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الاخدود» ـ فقتل حجر وأصحابه (بمرج عذراء)(5).
وعن أبي حمزة الثّمالي عن جابر بن عبداللّه الأنصاري قال: أرسل رسول اللّه صلىاللهعليهوآله سرية فقال: تصلون ساعة كذا وكذا من اللّيل أرضا لا تهتدون فيها سيرا فاذا وصلتم إليها فخذوا ذات الشمال فانكم تمرّون برجل فاضل خيّر فتسترشدونه فيأبي أن يرشدكم حتّى تأكلوا من طعامه ويذبح لكم كبشا فيطعمكم ثمّ يقوم معكم
1) .الارشاد: 1/326؛ بحار الأنوار: 41/285، ح5.
2) . العتلّ: الجافي الغليظ. وقال: الزنيم: المستلحق في قوم ليس منهم، الزنيم: الدعي.
3) . قال [الفيروزآبادي] في القاموس: الكافر من الأرض: ما بعد عن الناس. والكفر: الخشبة الغليظة القصيرة.
4) .الارشاد: 1/322؛ بحار الأنوار: 42/148، ح11.
5) . مناقب آل أبي طالب عليهمالسلام: 2/272؛ بحار الأنوار: 41/316.
فيرشدكم على الطريق فاقرءوه منّي السّلام وأعلموه أنّي قد ظهرت في المدينة.
فمضوا فلمّا وصلوا إلى الموضع في الوقت ضلّوا، فقال قائل منهم: ألم يقل لكم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله خذوا ذات الشمال، ففعلوا فمرّوا بالرجل الّذي وصفه رسول اللّه صلىاللهعليهوآله فاسترشدوه الطريق فقال: إنّي لا ارشدكم حتّى تأكلوا من طعامي فذبح لهم كبشا فأكلوا من طعامه وقام معهم فأرشدهم الطريق فقال: أظهر النبيّ صلوات اللّه عليه وآله بالمدينة؟ فقالوا: نعم، فأبلغوه سلامه فخلّف في شأنه من خلّف ومضى إلى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله، وهو عمرو بن الحمق الخزاعى ابن الكاهن بن حبيب بن عمرو بن القين بن درّاج بن عمرو بن سعد بن كعب، فلبث معه عليهالسلام ما شاء اللّه.
ثمّ قال له رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ارجع إلى الموضع الذي هاجرت إلىّ منه فاذا نزل أخى أمير المؤنين عليهالسلام الكوفة وجعلها دار هجرته فاته.
فانصرف عمرو بن الحمق إلى شأنه حتّى إذا نزل أمير المؤنين عليهالسلام أتاه فأقام معه في الكوفة.
فبينا أمير المؤنين عليهالسلام جالس وعمرو بين يديه فقال له يا عمرو ألك دار؟
قال: نعم، قال: بعها واجعلها في الأزد فاني غدا لو قد غبت عنكم لطلبت فتتبعك الأزد حتّى تخرج من الكوفة متوجّها نحو الموصل.
فتمرّ برجل نصرانيّ فتقعد عنده فتستسقيه الماء فيسقيكه ويسألك عن شأنك فتخبره وستصادفه مقعدا فادعه إلى الاسلام فانّه يسلم فاذا أسلم فامرر بيدك على ركبتيه فانّه ينهض صحيحا سليما، ويتبعك.
وتمرّ برجل محجوب جالس على الجادّة فتستسقيه الماء فيسقيك ويسألك عن قصّتك وما الّذي أخافك وممّن تتوقع فحدّثه بأنّ معاوية طلبك ليقتلك
ويمثل بك لايمانك باللّه ورسوله صلىاللهعليهوآله وطاعتك لي وإخلاصك في ولايتي ونصحك للّه تعالى في دينك فادعه إلى الاسلام فانّه يسلم، فامرر يدك على عينيه فانه يرجع بصيرا باذن اللّه فيتّبعانك ويكونان معك و هما اللّذان يواريان جثّتك في الأرض.
ثمّ تصير إلى الدّير على نهر يدعى بالدّجلة فانّ فيه صديقا عنده من علم المسيح عليهالسلام ما تجده لك أعون الأعوان على سرّك وما ذاك إلاّ ليهديه اللّه لك فاذا أحسّت بك شرطة ابن امّ الحكم وهو خليفة معاوية بالجزيرة ويكون مسكنه بالموصل فاقصد إلى الصّديق الذي في الدّير في أعلى الموصل فناده فانه يمتنع عليك فاذكر اسم اللّه الذى علّمتك إيّاه فانّ الدّير يتواضع لك حتّى تصير في ذروته فاذا رآك ذلك الراهب الصديق قال لتلميذ معه ليس هذا أوان المسيح هذا شخص كريم ومحمّد قد توفاه اللّه ووصيّه قد استشهد بالكوفة وهذا من حواريه ثمّ يأتيك ذليلا خاشعا فيقول لك أيّها الشخص العظيم قد أهلتني لما لم استحقّه فبم تأمرني؟ فتقول استر تلميذي هذين عندك وتشرف على ديرك هذا فانظر ما ذا ترى، فاذا قال لك إنّى أرى خيلا غامرة نحونا.
فخلّف تلميذيك عنده وانزل واركب فرسك واقصد نحو غار على شاطىء الدّجلة تستتر فيه فانّه لا بدّ من أن يسترك وفيه فسقة من الجنّ والانس، فاذا استترت فيه عرفك فاسق من مردة الجنّ يظهر لك بصورة تنّين فينهشك نهشا يبالغ في اضعافك فينفر فرسك فتبدر بك الخيل فيقولون هذا فرس عمرو ويقفون اثره.
فاذا أحسست بهم دون الغار فابرز إليهم بين دجلة والجادّة فقف لهم في تلك
البقعة فانّ اللّه جعلها حفرتك وحرمك فالقهم بسيفك فاقتل منهم ما استطعت حتّى يأتيك أمر اللّه فاذا غلبوك حزّوا رأسك وشهروه على قناة إلى معاوية ورأسك أوّل رأس يشهر في الاسلام من بلد إلى بلد.
ثمّ بكى أمير المؤنين عليهالسلام وقال: بنفسى ريحانة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله وثمرة فؤده وقرّة عينه ابني الحسين فانّى رأيته يسير وذراريه بعدك يا عمرو من كربلا بغربى الفرات إلى يزيد بن معاوية عليهما لعنة اللّه.
ثمّ ينزل صاحبك المحجوب والمقعد فيواريان جسدك في موضع مصرعك وهو من الدير والموصل على مأئة وخمسين خطوة من الدّير(1).
وروى الكشّي في خبر أنّ عليّا عليهالسلام لمّا نزل الكوفة أتاه عمرو بن الحمق فأقام معه ثمّ قال عليهالسلام له يوما: ألك دار؟ قال: نعم قال: بعها واجعلها في الأزد.
فإنّي غدا لو غبت لطلبت. فمنعك الأزد حتّى تخرج من الكوفة متوجّها إلى حصن الموصل ـ إلى أن قال: «فإذا صرت قريبا من الحصن في موضع كذا وكذا رهقتك(2)الخيل. فانزل عن فرسك ومرّ إلى الغار فإنّه يشترك في دمك فسقة من الجنّ والإنس» ـ إلى أن قال ـ : فنزل عن فرسه ودخل الغار وعار فرسه(3). فلمّا دخل الغار ضربه أسود(4)سالخ فيه، وجاءت الخيل. فلمّا رأوا فرسه عائرا. قالوا: هذا فرسه وهو قريب.
فطلبوه فأصابوه في الغار فكلّما ضربوا أيديهم إلى شيء من جسمه تبعهم
اللّحم. فأخذوا رأسه. فأتوا به معاوية فنصبه على رمح، وهو أوّل رأس نصب في الإسلام(1)
الغابة: 4/100: كان ممن سار الى عثمان بن عفان وهو أحد الأربعة الذين دخلوا عليه الدار فيما ذكروا وصار بعد ذلك من شيعة على وشهد معه مشاهده كلها وأعان حجر بن عدى وكان من أصحابه.
فخاف زياداً فهرب من العراق إلى الموصل، واختفى في غار بالقرب منها، فأرسل معاوية إلى العامل بالموصل ليحمل عمراً إليه، فأرسل العامل ليأخذه من الغار الذي كان فيه فوجده ميّتاً كان قد نهشته حية فمات، وكان العامل عبدالرحمن بن الحكم وهو ابن اخت معاوية.
ثمّ روى عن عمّار الدهنى أنّه قال: أوّل رأس حمل في الإسلام رأس عمرو بن الحمق إلى معاوية قال سفيان: أرسل معاوية ليؤى به فلدغ وكأنهم خافوا أن يتهمهم فاتوا برأسه.
،(2).وعن إسماعيل بن أبي زياد قال: إنّ عليّا عليهالسلام قال للبراء بن عازب: يا براء يقتل ابني الحسين عليهالسلام وأنت حيّ لا تنصره، فلما قتل الحسين عليهالسلام كان البراء يقول: صدق واللّه أمير المؤنين عليهالسلام وجعل يتلهّف(3).
وعن سفيان بن عيينة عن طاوس اليماني أنّه قال عليّ عليهالسلام لحجر البدري: يا حجر إذا وقعت على منبر صنعاء وامرت بسبّي والبراءة منّي قال: فقلت: أعوذ باللّه من ذلك، قال عليهالسلام واللّه إنّه لكائن، فاذا كان كذلك فسبّني ولا تتبرّء منّي فانه من تبرّء منّي في الدّنيا تبرّأت منه في الاخرة.
قال طاوس فأخذه الحجّاج على أن يسبّ عليّا عليهالسلام فصعد المنبر وقال: أيّها
النّاس إنّ أميركم هذا أمرني أن ألعن عليّا فالعنوه لعنه اللّه(1).
وعن عبداللّه بن أبي رافع قال: حضرت أمير المؤنين عليهالسلام وقد وجّه أبا موسى الأشعري فقال له احكم بكتاب اللّه ولا تجاوزه، فلما أدبر قال عليهالسلاموكأنّي به وقد خدع، قلت: يا أمير المؤنين فلم توجهه وأنت تعلم أنّه مخدوع؟ فقال عليهالسلام: يا بنيّ لو عمل اللّه في خلقه بعلمه ما احتجّ عليهم بالرّسل(2).
وعن البرسي عن محمّد بن سنان وساق الحديث قال: سمعت أمير المؤنين عليهالسلام يقول لعمر(3): يا عمر يا مغرور إني أراك في الدّنيا قتيلا بجراحة من عبد امّ معمر تحكم عليه جورا فيقتلك توقيعا يدخل بذلك الجنّة على رغم منك(4).
وعَنْ إِبْرَاهِيمَ رَفَعَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عليهالسلام قَالَ: لَوْ وَجَدْتُ رَجُلاً ثِقَةً لَبَعَثْتُ مَعَهُ هَذَا الْمَالَ إِلَى الْمَدَائِنِ إِلَى شِيعَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي نَفْسِهِ لآَتِيَنَّ أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ وَلَأَقُولَنَّ لَهُ أَنَا أَذْهَبُ بِهِ فَهُوَ يَثِقُ بِي فَإِذَا أَنَا أَخَذْتُهُ أَخَذْتُ طَرِيقَ الْكَرْخَةِ (المكرجة خ ل) فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ: أَنَا أَذْهَبُ بِهَذَا الْمَالِ إِلَى الْمَدَائِنِ قَالَ فَرَفَعَ إِلَيَّ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ إِلَيْكَ عَنِّي خُذْ طَرِيقَ الْكَرْخَةِ(5).
عن الأعمش عن رجاله قال: خطب عليّ عليهالسلام فقال: واللّه لو أمرتكم فجمعتم من
خياركم مئة ثمّ لو شئت لحدّثتكم من غدوة إلى أن تغيب الشمس لا أخبرتكم إلاّ حقّا ثمّ لتخرجنّ فلتزعمنّ أنّي أكذب الناس، وأفجرهم(1).
ومن كلامه عليهالسلام المتواتر أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قال لي: «إنّ الامّة ستغدر بك بعدى»(2).
أى بهلاك الهالكين ونجاة النّاجين أو بمكان هلاكهم ومكان نجاتهم أو زمانهما.
والمراد بالهلاك إمّا الهلاك الدّنيوى أى الموت أو القتل أو الهلاك الاخروى أعنى الضلال والشقاء وكذلك النجاة.
قال ابن أبي الحديد: أي من الصحابة وغيرهم(3).
قال ابن أبي الحديد: أي أمر الإسلام، وأمر الخلافة والدولة(4).
قال ابن أبي الحديد: اعلم أنّه غير مستحيل أن يكون بعض الأنفس مختصّة بخاصية تدرك بها المغيبات، وقد تقدّم من الكلام في ذلك ما فيه الكفاية، ولكن لا
يمكن أن تكون نفس تدرك كلّ المغيبات، لأنّ القوّة المتناهية لا تحيط بامور غير متناهية، وكلّ قوّة في نفس حادثة، فهي متناهية. فوجب أن يحمل كلامه عليهالسلام لا على أن يريد به عموم العالمية بل يعلم امورا محدودة من المغيبات ممّا اقتضت حكمة الباري سبحانه أن يؤّله لعلمه، وكذلك القول في النبيّ صلىاللهعليهوآله إنّه إنّما كان يعلم
امورا معدودة لا امورا غير متناهية(1).
لكن العلم الفعلي كما ذكر لا يمكن حصوله عموما لبشر من نبيّ أو وصيّ وإنّما هو مختصّ باللّه تعالى الّذي علمه ذاتي ولدنيّ، وأما العلم القويّ فلا مانع من حصول ملكة عمومه على قدر الطاقة البشرية.
وعن ابن عباس قال: قال النبيّ صلىاللهعليهوآله: «ما علّمني (ربّى) شيئا إلاّ علمه عليّ فهو باب مدينة علمى» ـ ثمّ دعاه النبيّ صلىاللهعليهوآله إليه فقال له: «يا عليّ سلمك سلمي، وحربك حربي وأنت العلم في ما بيني وبين امّتي من بعدى»(2).
وعن ابن مسعود قال: قال النبيّ صلىاللهعليهوآله في دعوة إبراهيم «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ»(3)لمّا قال تعالى له: «لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»(4).«فانتهت الدعوة إليّ وإلى علي، لم يسجد أحد منّا لصنم قط. فاتّخذني اللّه نبيّا واتّخذ عليّا وصيّا»(5).
جمعه عليهالسلام بين المرّ على الرأس، والإفراغ في الاذن في غاية الفصاحة، كما أنّ كلاّ من المرّ على الرأس والإفراغ في الاذن كناية حسنة في نفسها كقوله عليهالسلام.
أي: أصحره لي، أي: في أيّام الثلاثة وغدرهم به وعدم رعايتهم لقول النبيّ صلىاللهعليهوآله فيه يوم الغدير، وفي أيّام قيامه، ونكث الناكثين، وقسط القاسطين، ومروق المارقين، وتخاذل الناس عنه إلى شهادته، ومثله أهل بيته المعصومون كانوا يعلمون ما يجري عليهم من أعدائهم أيّام حياتهم، ولذا كانوا يقولون: شيعتنا أصبر منّا، لأنّا نصبر على ما نعلم، وهم يصبرون على ما لا يعلمون.
كونه عليهالسلام كما قال أمر واضح يصدّقه كلّ مؤلف ومخالف، ولا ينكره إلاّ مكابر، وأما قول عروة بن الزبير ـ وكان من بغضه له عليهالسلام أنّه كان يأخذه الرمع عند ذكره عليهالسلام فيسبّه ويضرب بيده على الاخرى ـ «ما يغني أنّه لم يخالف إلى ما نهى عنه، وقد أراق من دماء المسلمين ما أراق»(1)فيقال له: إنّما أراق عليهالسلام دماء المنافقين بشهادة قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ»(2)فجاهد
النبيّ صلىاللهعليهوآله الكفّار بشخصه وجاهد المنافقين بنفسه أي: بأمير المؤنين عليهالسلام لقوله تعالى: «وَأَنْفُسَنا»(1)ولولاه يلزم أن يكون النبيّ صلىاللهعليهوآله ما امتثل أمره تعالى.
إلى هنا إنتهى الجزء السابع عشر
وأسأل اللّه أن يوفّقنى بمنّه لإتمام هذا الشّرح
انّه سميع الدّعاء قريب مجيب
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ
وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ
وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ
1) . آل عمران: 61.
1 ـ اثبات الوصية: المسعودى، (المتوفى 344ق).
2 ـ الاحتجاج على اهل اللجاج: ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب طبرسى، 2 مجلد، مترجم: بهراد جعفرى، دار الكتب الاسلامية، طهران 1387 ش.
3 ـ احقاق الحق: الشهيد نور اللّه التستري، (المتوفى 1019ق).
4 ـ احياء العلوم: أبو حامد محمّد الغزالي، (المتوفى 505ق)، دار المعرفة، بيروت، 4 مجلد.
5 ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه على العباد: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفّى 413ق)، المصحّح: مؤسّسة آل البيت:، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
6 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.
7 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.
8 ـ اسد الغابة: ابن الأثير، (المتوفّى 630ق)، دار الكتاب العربي بيروت، لبنان، توضيحات: نشر إسماعيليان، طهران.
9 ـ الأصول الستة عشر: مصحح: ضياءالدين محمودى ونعمت اللّه جليلى ومهدى غلامعلى، مؤسسة دار الحديث الثقافية، قم، الأولى 1423ق.
10 ـ الأغاني: ابن الفرج الاصفهاني، (المتوفّى 356)، 25 جلد، دار إحياء التراث العربي.
11 ـ اقبال الأعمال (ط ـ القديمة): علي بن موسى ابن طاووس، (المتوفى 664ق)، 2 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الثانية 1409ق.
12 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.
13 ـ الأمالي (للطوسي): محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.
14 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
15 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.
16 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق: سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى.
17 ـ الأنوار النعمانيّة: السيّد نعمة اللّه بن عبداللّه الجزائرى، (المتوفى 1112ق)، 4 مجلد، دار القارى، بيروت، الأولى 1429ق.
18 ـ الأوائل: أبو هلال العسكري.
19 ـ الايضاح: الفضل بن شاذان الأزدى، (المتوفى 260ق)، تحقيق: السيد جلالالدين الحسينى الارموى المحدث، مؤسسة النشر والطبع جامعة طهران، 1363ش.
20 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.
21 ـ البداية والنهاية: ابن كثير، (المتوفى 774م)، بيروت، دار الفكر، 1407 ق 1986م.
22 ـ البرهان فى تفسير القرآن: سيد هاشم بن سليمان بحراني، (المتوفى 1107ق)، 5 مجلد، مصحح: قسم الدراسات الاسلامية لمؤسسة البعثة، مؤسسة البعثة، قم، الأولى 1374 ش.
23 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد عليهمالسلام: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچهباغي، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.
24 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى 1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.
25 ـ البيان والتبيين: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، المكتبة التجاريّة الكبرى لصاحبها مصطفى محمّد، مصر، الأولى 1345ق 1926م.
26 ـ تاج العروس من جواهر القاموس: محمّد مرتضى حسينى زبيدى، (المتوى 1205ق)، تحقيق: على هلالى وسيرى على، 20 مجلد، دار الفكر، بيروت، الأولى 1414ق.
27 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.
28 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
29 ـ تاريخ الطبرى: ابو جعفر محمد بن جرير الطبرى، (المتوفى 310ق)، تحقيق: محمّد ابوالفضل إبراهيم، 11 مجلد، بيروت، دار التراث، الثانية 1387ق 1967م.
30 ـ تاريخ الكبير: البخارى (المتوفى 256ق).
31 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بىتا.
32 ـ تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل): البيضاوي، (المتوفي 682ق)، 5 مجلد، دار الفكر، بيروت.
33 ـ تفسير الصافي: محمّد بن شاه مرتضى فيض كاشاني، (المتوفى 1091ق)، مكتبة الصدر، طهران، الثانية 1415ق.
34 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح: السيّد هاشم رسولى المحلاّتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.
35 ـ تفسير فرات الكوفي: فرات بن ابراهيم كوفي، (المتوفى 307ق)، 1 مجلد، مصحح: محمد كاظم، مؤسسة الطبع والنشر في وزارة الارشاد الاسلامي، طهران، الأولى 1410ق.
36 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.
37 ـ التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): فخر الدين الرازى، (المتوفى 606 ق)، 32 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الثالثة 1420 ق.
38 ـ تفسير الكشاف: زمخشرى، محمود بن عمر، (المتوفى 538ق)، 4 مجلد، دار الكتاب العربي، لبنان، بيروت، الثالثة 1407.
39 ـ تفسير مقتنيات الدرر: ميرسيّد علي الحائري الطهراني (المفسر) (المتوفى 1353ق)، 14 مجلد، ط ـ 1337 ش.
40 ـ التفسير المنسوب الى الامام الحسن العسكري عليهالسلام: الشهادة 260 ق)، 1 مجلد، مصحح: مدرسة الإمام المهدي عليهالسلام، قم، الأولى 1409ق.
41 ـ تقريب المعارف: تقى بن نجم، ابو الصلاح الحلبى، (المتوفى 447ق)، مصحح: تبريزيان (الحسون)، 1 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1404ق.
42 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، 2 مجلد، مكتبة الفقيه، قم، الأولى 1410ق.
43 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.
44 ـ التوحيد المفضل: مفضل بن عمر، (المتوفى 148ق)، 1 مجلد، داورى، ايران، قم، بىتا.
45 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: محمد بن علي الصدوق، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، دار الشريف الرضي للنشر، قم، الثانية 1406ق.
46 ـ جامع الأخبار (للشعيرى): محمد بن محمد شعيرى، (المتوفى القرن 6)، مطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الأولى.
47 ـ الجرح والتعديل: ابن أبي حاتم الرازي، (المتوفى 327ق)، 9 مجلد، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الأولى 1371ق / 1952م.
48 ـ الجمل والنصرة لسيّد العترة في حرب البصرة: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفى 413ق)، تحقيق: على مير شريفى، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.
49 ـ جمهرة انساب العرب: ابن حزم، (المتوفى 456ق)، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1303ق / 1983م.
50 ـ جمهرة اللغة: أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي، (المتوفى 321ق)، 3 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الأولى 1987م.
51 ـ جواهر الكلام: محمد حسن بن باقر النجفي، 43 مجلد، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
52 ـ حدائق الحقائق في شرح نهج البلاغة: قطب الدين محمد بن حسين بيهقي كيذري (قرن 6)، قم، الأولى 1375ش.
53 ـ حياة الحيوان الكبرى: كمال الدين دميرى، (المتوفى 808ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.
54 ـ الحيوان: عمرو بن بحر الشهير بالجاحظ، (المتوفى 255ق)، 7 مجلّد، دار الكتب العلميّة، بيروت، الثانية 1424ق.
55 ـ الخرائج والجرائح: سعيد بن هبة اللّه، قطب الدين الراوندي، (المتوفى 573ق)، المصحح والناشر: مؤسسة الامام المهدي عليهالسلام، 3 مجلد، قم، الأولى 1409ق.
56 ـ خصائص الأئمّة عليهمالسلام (خصائص أميرالمؤمنين عليهالسلام): محمد بن حسين، الشريف الرضي، (المتوفى 406ق)، 1 مجلد، مصحح: محمد هادي الأميني، منشورات العتبة الرضويّة، مشهد، الأولى 1406ق.
57 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.
58 ـ ديوان البحتري: وليد بن عبيد، (206 ـ 284ق)، بيروت، دار صادر، 1381.
59 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليهالسلام: حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى
911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.
60 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: الزمخشرى، (المتوفى 538ق)، تحقيق: عبدالأمير مهنا، 5 مجلد، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، الأولى 1412ق 1992م.
61 ـ رجال الكشي ـ اختيار معرفة الرجال: محمّد بن عمر الكشي، (المتوفى النصف الأوّل من القرن 4ق)، 1 مجلد، مصحح: محمّد حسن الطوسي، حسن المصطفوي، مؤسسه النشر لجامعة مشهد، الأولى 1409ق.
62 ـ رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين عليهالسلام: سيد عليخان بن احمد، الكبير المدني، (المتوفى 1120ق)، 7 مجلد، مصحح: محسن الحسيني الأميني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1409ق.
63 ـ الزهد: حسين بن سعيد، كوفى اهوازى، (المتوفى القرن الثالث)، مصحّح: غلامرضا عرفانيان يزدى، 1 مجلد، المطبعة العلميّة، قم، الثانية 1402ق.
64 ـ زهر الآداب وثمر الألباب: إبراهيم بن عليّ، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1417ق.
65 ـ السقيفة وفدك: الجوهرى، (المتوفى 323ق)، شركة الكتبى للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الثانية 1413ق 1993م.
66 ـ سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزوينى، (المتوفى 273)، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقى، 2 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
67 ـ سنن الترمذى: الترمذي، (المتوفى 279)، تحقيق: عبدالرحمان محمد، 5 مجلد، دار الفكر للطباعة والتوزيع، بيروت، الثانية 1403ق 1983م.
68 ـ الشافي في الامامة: الشريف المرتضى، (المتوفى 436ق)، 4 مجلد، مؤسسة إسماعيليان، قم، الثانتية 1410ق.
69 ـ شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار عليهمالسلام: ابن حيون، نعمان بن محمّد مغربي، (الترمذي، 363ق)، 3 مجلد، جامعة المدرّسين، قم، 1409ق.
70 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.
71 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة اللّه، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية اللّه المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.
72 ـ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل: عبيداللّه بن عبداللّه الحسكاني، (المتوفى 490 ق)، 2 مجلد، مصحح: محمد باقر المحمودي، التابعة لوزارة الثقافة والارشاد الاسلامي، مجمع احياء الثقافة الاسلامية، طهران، الأولى 1411ق.
73 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.
74 ـ صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري، (المتوفى 256ق)، 8 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ق ـ 1981م.
75 ـ صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، (المتوفى 261ق)، 1 مجلد، دار الفكر، بيروت.
76 ـ الصراط المستقيم إلى مستحقى التقديم: على بن محمّد عاملى نباطى، (المتوفى 877ق)، 3 مجلد، المكتبة الحيدريّة، الأولى 1384ق.
77 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230ق)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.
78 ـ عدّة الداعي ونجاح الساعي: احمد بن محمد، ابن فهد حلي، (المتوفى 841ق)، مصحّح: احمد الموحدي القمي، 1 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، الأولى 1407ق.
79 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى 328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.
80 ـ علل الشرايع: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، 2 مجلّد مكتبة الداوري، قم الأولى 1385ش.
81 ـ عمدة عيون صحاح الأخبار فى مناقب امام الأبرار: ابن البطريق، (المتوفى 600ق)، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرفة، جمادي الأولى 1407ق.
82 ـ العين: الخليل الفراهيدي، (المتوفى 175ق)، 8 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، الثانية 1410ق.
83 ـ عيون الأخبار: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، 3 مجلد، منشورات محمد علي بيضون دار الكتب العلمية، بيروت، الثالثة 1414ق ـ 2003م.
84 ـ عيون أخبار الرضا عليهالسلام: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.
85 ـ الغارات (ط ـ القديمة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، 2 مجلد، دار الكتاب الاسلامي، قم، الأوّل 1410ق.
86 ـ الغارات (ط ـ الحديثة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، تحقيق: جلال الدين حسينى ارموى، طهران، انجمن آثار ملى، 1353ش.
87 ـ الغيبة (للنعماني): ابن ابي زينب، محمد بن ابراهيم، (المتوفى 360ق)، مصحح: على اكبر الغفاري، نشر صدوق، طهران، الأولى 1397ق.
88 ـ الفائق فى غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشرى (المتوفى: 538 ق)، 4 مجلد، دارالمعرفة، لبنان، الثانية.
89 ـ فتوح البلدان: احمد بن يحيى بن جابر (البلاذرى)، (المتوفى 279)، تحقيق: صلاح الدين المنجد، مكتبة النهضة المصريّة، القاهرة، 1956م.
90 ـ القاموس المحيط: الفيروزآبادي، (المتوفى 817ق)، 4مجلد.
91 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الرابعة 1407ق.
92 ـ الكامل فى التاريخ: إبن الأثير (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر، بيروت، 1386 ـ 1966م.
93 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.
94 ـ كشف المحجة لثمرة المهجة: السيد بن طاووس، (المتوفى 664ق)، المطبعة الحيدريّة، النجف الأشرف، 1370ق 1950م.
95 ـ كنز العمال: المتقى الهندى، (المتوفى 975ق) 16 مجلد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409ق 1989م.
96 ـ كنز الفوائد: محمد بن علي الكراجكى، (المتوفى 449ق)، 2 مجلد، مصحح: عبداللّه نعمه، دار الذخائر، قم، الأولى 1410ق.
97 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح: جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة 1414ق.
98 ـ مجالس ثعلب: احمد بن يحيى المعروف بـ: ثعلبب، (المتوفى 291ق).
99 ـ مجمع الأمثال: الميدانى، (المتوفى 518ق)، 2 مجلد، المعاونية الثقافية للآستانة الرضوية المقدسة، آذر 1366ش.
100 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.
101 ـ مجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، بنياد پژوهشهاى اسلامى آستان قدس رضوى، مشهد، 1369ش.
102 ـ المحاسن: احمد بن محمد بن خالد البرقي، (المتوفى 274ق يا 280ق)، 2 مجلد، مصحح: جلال الدين، المحدث، دار الكتب الاسلامية، قم، الثانية 1371ق.
103 ـ مدينة معاجز الأئمّة الاثنى عشر: البحرانى، سيد هاشم بن سليمان، (المتوفى 1107ق)، 8 مجلد، الأولى 1413 ق.
104 ـ مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول: محمّد باقر بن محمد تقى المجلسي، (المتوفى 1110ق)، 26 مجلد، مصحح: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، دار الكتب الاسلامية، طهران، الثانية 1404ق.
105 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.
106 ـ المستدرك: الحاكم النيسابوري، (المتوفى 405ق)، 4 مجلد.
107 ـ المسترشد في إمامة علي بن أبى طالب عليهالسلام: محمد بن جرير بن رستم الطبري الآملي الكبير، (المتوفى 326ق)، 1 مجلد، مصحح: احمد المحمودي، كوشانپور، قم، الأولى 1415ق.
108 ـ مسند أحمد: أحمد بن حنبل، (المتوفى 241ق)، 6 مجلد، دار صادر، بيروت.
109 ـ مشارق أنوار اليقين في أسرار أميرالمؤمنين عليهالسلام: رجب بن محمّد، حافط البرسي، (المتوفى 813 ق)، تحقيق: على عاشور، 1 مجلد، أعلمى، بيروت، الأولى 1422ق.
110 ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار: على بن حسن طبرسى، (المتوفى 600ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الثانية 1385ق ـ 1344ش.
111 ـ مصباح السعادة في شرح نهج البلاغة: السيّد محمّد كاظم آل طيّب، (معاصر).
112 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، قم، الثانية 1414ق.
113 ـ معاني الأخبار: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، الأولى، قم 1403ق.
114 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموى، (المتوفى 626ق)، 20 مجلد، دار الغرب الاسلامى، بيروت، الأولى 1414 ق 1993م.
115 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.
116 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بىتا.
117 ـ الملل والنحل: الشهرستانى، (المتوفى 548)، تحقيق: محمد سيد كيلانى، 2 مجلد، دار المعرفة، بيروت، لبنان.
118 ـ المناقب: الموفق الخوارزمى، (المتوفى 568ق)، تحقيق: الشيخ مالك محمودى، مؤسسة سيّد الشهداء عليهالسلام، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرّفة، ربيع الثانى 1414ق.
119 ـ مناقب آل أبي طالب عليهمالسلام: محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلاّمة، قم، الأولى 1379ش.
120 ـ مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام: ابن المغازلي، (المتوفى 483ق)، النشر سبط النبى صلىاللهعليهوآله، مطبعة سبحان، الأولى 1426ق ـ 1384 ش.
121 ـ مناقب علي بن أبي طالب عليهالسلام: ابن المغازلي، (المتوفى 483ق)، 1 مجلد، دار الآثار، صنعا، الطبعة الأولى 1424ق / 2003م.
122 ـ المنتخب من ذيل المذيل: محمّد بن جرير الطبري، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.
123 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.
124 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب اللّه الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)، 22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.
125 ـ مهج الدعوات ومنهج العبادات: ابن طاووس، عليّ بن موسى، (المتوفى 664ق)، 1 مجلد، دار الذخائر، قم، الأولى 1411 ق.
126 ـ نهاية الأرب في فنون الأدب: النويري، (المتوفى 733)، 33 مجلد، وزارة الثقافة والارشاد القومي، القاهرة.
127 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5 مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367 ش.
128 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام): حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.
129 ـ نهج الفصاحة: كلمات القصار للنبى الأكرم صلىاللهعليهوآله، دنياى دانش، طهران، الرابعة 1382ش.
130 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح: مؤسسه آل البيت عليهمالسلام، 30 مجلد، الأولى 1409ق.
131 ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري، (المتوفى 212ق)، 1 مجلد: مصحح: عبدالسلام محمد، هارون، مكتبة آية اللّه المرعشى النجفى، الأولى 1404ق.
132 ـ الهداية الكبرى: حسين بن حمدان الخصيبي، (المتوفى 334ق)، 1 مجلد، البلاغ، بيروت، 1419ق.
133 ـ الهيئة والاسلام: سيد هبة الدين شهرستانى (المتوفى 386ق) مطبعة الآداب، الاول 1328ق.
الخطبة (162) ومن خطبة له عليهالسلام
(5 ـ 30)
ومن خطبة له عليهالسلام··· 6
الْحَمْدُ للّهِِ خَالِقِ الْعِبَادِ··· 9
وَسَاطِحِ الْمِهَادِ، وَمُسِيلِ الْوِهَادِ··· 10
وَمُخْصِبِ النِّجَادِ، لَيْسَ لِأَوَّلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ وَلا لِأَزَلِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ··· 11
هُوَ الْأَوَّلُ لَمْ يَزَلْ وَالْبَاقِي بِلا أَجَلٍ، خَرَّتْ لَهُ الْجِبَاهُ··· 11
وَوَحَّدَتْهُ الشِّفَاهُ، حَدَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ خَلْقِهِ لَهَا··· 12
إِبَانَةً، لَهُ، مِنْ شَبَهِهَا··· 12
لا تُقَدِّرُهُ الْأَوْهَامُ، بِالْحُدُودِ وَالْحَرَكَاتِ، وَلا بِالْجَوَارِحِ وَالْأَدَوَاتِ··· 13
لا يُقَالُ لَهُ مَتَى، وَلا يُضْرَبُ لَهُ أَمَدٌ··· 13
بِحَتَّى، الظَّاهِرُ لا يُقَالُ مِمَّا، وَالْبَاطِنُ لا يُقَالُ فِيمَا، لا شَبَحٌ، وَلا مَحْجُوبٌ··· 14
فَيُحْوَى، لَمْ يَقْرُبْ مِنَ الْأَشْيَاءِ بِالْتِصَاقٍ··· 14
وَلَمْ يَبْعُدْ عَنْهَا بِافْتِرَاقٍ، وَلا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ شُخُوصُ··· 15
لَحْظَةٍ، وَلا كُرُورُ، لَفْظَةٍ··· 15
وَلا ازْدِلافُ، رَبْوَةٍ، وَلا انْبِسَاطُ خُطْوَةٍ، فِي لَيْلٍ دَاجٍ، وَلا غَسَقٍ، سَاجٍ··· 16
يَتَفَيَّأُ، عَلَيْهِ، الْقَمَرُ الْمُنِيرُ··· 17
وَتَعْقُبُهُ الشَّمْسُ ذَاتُ النُّورِ فِي الْأُفُولِ، وَالْكُرُورِ··· 18
وَتقليب (تَقَلُّبِ) الْأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ وَإِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِرٍ··· 18
قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَمُدَّةِ، وَكُلِّ إِحْصَاءٍ وَعِدَّةٍ··· 18
تَعَالَى، عَمَّا يَنْحَلُهُ، الْمُحَدِّدُونَ، مِنْ صِفَاتِ الْأَقْدَارِ··· 19
وَنِهَايَاتِ الْأَقْطَارِ، وَتَأَثُّلِ، الْمَسَاكِنِ وَتَمَكُّنِ الْأَمَاكِنِ، فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ··· 19
وَإِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ··· 20
بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ، وَصَوَّرَ مَا صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ··· 21
لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ امْتِنَاعٌ، وَلا لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ انْتِفَاعٌ··· 21
عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ الْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ الْبَاقِينَ··· 22
وَعِلْمُهُ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى، أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ··· 22
السَّوِيُّ، وَالْمُنْشَأُ، الْمَرْعِيُّ، فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْحَامِ··· 23
وَمُضَاعَفَاتِ الْأَسْتَارِ، بُدِئْتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ وَوُضِعْتَ فِي قَرارٍ مَكِينٍ··· 24
إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وَأَجَلٍ مَقْسُومٍ··· 24
تَمُورُ، فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً، لا تُحِيرُ، دُعَاءً، وَلا تَسْمَعُ نِدَاءً··· 25
ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ، إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا، وَلَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا··· 27
فَمَنْ هَدَاكَ لاِجْتِرَارِ الْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ وَعَرَّفَكَ عِنْدَ الْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلِبَتِكَ··· 29
وَإِرَادَتِكَ··· 29
هَيْهَاتَ إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي الْهَيْئَةِ وَالْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ··· 29
أَعْجَزُ وَمِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ الْمَخْلُوقِينَ أَبْعَد··· 29
الخطبة (163): ومن كلام له عليهالسلام: قالوا: لما اجتمع الناس
(··· 31 ـ 59)
عليه، وشكوا ما نقموه على عثمان، وسالوه مخاطبته عنهم··· 31
واستعتابه لهم، فدخل عليه فقال:··· 31
قالوا: لما اجتمع الناس عليه، وشكوا ما نقموه على عثمان، وسالوه··· 35
مخاطبته عنهم واستعتابه لهم··· 35
فدخل عليه، فقال: إِنَّ النَّاسَ وَرَائِي وَقَدِ اسْتَسْفَرُونِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ··· 35
وَوَاللّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ··· 35
مَا أَعْرِفُ شَيْئاً تَجْهَلُهُ وَلا أَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ لا تَعْرِفُهُ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نَعْلَمُ مَا··· 35
سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ وَلا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ وَقَدْ رَأَيْتَ كَمَا··· 35
رَأَيْنَا وَسَمِعْتَ كَمَا سَمِعْنَا وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللّهِ صلىاللهعليهوآله كَمَا صَحِبْنَا··· 35
وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ وَلا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ··· 39
وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ صلّى اللّه عليه وآله وَشِيجَةَ··· 41
رَحِمٍ مِنْهُمَا، وَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِهِ مَا لَمْ يَنَالا··· 42
فَاللّهَ اللّهَ فِي نَفْسِكَ فَإِنَّكَ وَاللّهِ مَا تُبَصَّرُ مِنْ عَمًى وَلا تُعَلَّمُ مِنْ جَهْلٍ وَإِنَّ الطُّرُقَ··· 43
لَوَاضِحَةٌ وَإِنَّ أَعْلامَ الدِّينِ، لَقَائِمَةٌ··· 43
فَاعْلَمْ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللّهِ عِنْدَ اللّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً··· 44
وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَجْهُولَةً، وَإِنَّ السُّنَنَ لَنَيِّرَةٌ، لَهَا أَعْلامٌ··· 44
وَإِنَّ الْبِدَعَ لَظَاهِرَةٌ، لَهَا أَعْلامٌ··· 45
وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَضُلَّ بِهِ فَأَمَاتَ سُنَّةً مَأْخُوذَةً وَأَحْيَا··· 45
بِدْعَةً مَتْرُوكَةً··· 45
وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللّهَ أَلاّ تَكُونَ (أن تكون خ ل) إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَقْتُولَ فَإِنَّهُ كَانَ··· 48
يُقَالُ يُقْتَلُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِمَامٌ يَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ··· 48
وَيَلْبِسُ (يلتبس) أُمُورَهَا عَلَيْهَا، وَيُثَبِّثُ (يبثّ) الْفِتَنَ فِيهَا··· 51
فَلا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجاً وَيَمْرُجُونَ، فِيهَا مَرْجاً··· 52
فَلا تَكُونَنَّ لِمَرْوَانَ سَيِّقَةً يَسُوقُكَ حَيْثُ شَاءَ، بَعْدَ جَلالِ السِّنِّ، وَتَقَضِّي الْعُمُرِ··· 54
قول المصنف: فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ كَلِّمِ النَّاسَ فِي أَنْ يُؤجِّلُونِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْهِمْ··· 57
مِنْ مَظَالِمِهِمْ فَقَالَ7: مَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَلا أَجَلَ فِيهِ وَمَا غَابَ فَأَجَلُهُ وُصُولُ··· 57
أَمْرِكَ إِلَيْه··· 57
الخطبة (164): ومن خطبة له عليهالسلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس
(60 ـ 135)
ومن خطبة له عليهالسلام يذكر فيها عجيب خلقة الطاوس: ابْتَدَعَهُمْ··· 63
خَلْقاً عَجِيباً، مِنْ حَيَوَانٍ، وَمَوَاتٍ، وَسَاكِنٍ وَذِي حَرَكَاتٍ··· 63
فَأَقَامَ مِنْ شَوَاهِدِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى لَطِيفِ صَنْعَتِهِ وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ مَا انْقَادَتْ لَهُ··· 65
الْعُقُولُ مُعْتَرِفَةً بِهِ وَمَسَلِّمَةً لَهُ··· 65
وَنَعَقَتْ، فِي أَسْمَاعِنَا دَلائِلُهُ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ··· 66
وَمَا ذَرَأَ··· 67
مِنْ مُخْتَلِفِ صُوَرِ الْأَطْيَارِ، الَّتِي أَسْكَنَهَا أَخَادِيدَ الْأَرْضِ··· 68
وَخُرُوقَ، فِجَاجِهَا، وَرَوَاسِيَ، أَعْلامِهَا··· 68
مِنْ ذَواتِ أَجْنِحَةٍ مُخْتَلِفَةٍ وَهَيْئَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ، مُصَرَّفَةٍ فِي زِمَامِ التَّسْخِيرِ··· 69
وَمُرَفْرِفَةٍ، بِأَجْنِحَتِهَا فِي مَخَارِقِ··· 73
الْجَوِّ، الْمُنْفَسِحِ، وَالْفَضَاءِ الْمُنْفَرِجِ··· 73
كَوَّنَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ فِي عَجَائِبِ صُوَرٍ ظَاهِرَةٍ··· 74
وَرَكَّبَهَا فِي حِقَاقِ، مَفَاصِلَ مُحْتَجِبَةٍ··· 75
وَمَنَعَ بَعْضَهَا بِعَبَالَةِ، خَلْقِهِ أَنْ يَسْمُوَ، فِي الْسَّمَاءِ خُفُوفاً··· 75
وَجَعَلَهُ يَدِفُّ دَفِيفاً، وَنَسَقَهَا··· 76
عَلَى اخْتِلافِهَا فِي الْأَصَابِيغِ، بِلَطِيفِ قُدْرَتِهِ وَدَقِيقِ صَنْعَتِهِ··· 76
فَمِنْهَا مَغْمُوسٌ، فِي قَالَبِ لَوْنٍ لا يَشُوبُهُ غَيْرُ لَوْنِ مَا غُمِسَ فِيهِ··· 77
وَمِنْ أَعْجَبِهَا خَلْقاً الطَّاوُسُ الَّذِي أَقَامَهُ فِي أَحْكَمِ تَعْدِيلٍ··· 78
وَنَضَّدَ، أَلْوَانَهُ فِي أَحْسَنِ تَنْضِيدٍ··· 80
بِجَنَاحٍ أَشْرَجَ، قَصَبَهُ، وَذَنَبٍ أَطَالَ مَسْحَبَهُ، إِذَا دَرَجَ··· 81
إِلَى الْأُنْثَى نَشَرَهُ مِنْ طَيِّهِ، وَسَمَا بِهِ··· 82
مُظِلاًّ (مطلاّ)، عَلَى رَأْسِهِ كَأَنَّهُ قِلْعُ، دَارِيٍّ··· 82
عَنَجَهُ، نُوتِيُّهُ، يَخْتَالُ بِأَلْوَانِهِ، وَيَمِيسُ، بِزَيَفَانِهِ··· 83
يُفْضِي، كَإِفْضَاءِ الدِّيَكَةِ، وَيَؤرُّ، بِمَلاقِحِهِ··· 84
أَرَّ الْفُحُولِ الْمُغْتَلِمَةِ فِي الضِّرَابِ، أُحِيلُكَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى مُعَايَنَةٍ··· 84
لا كَمَنْ يُحِيلُ عَلَى ضَعِيفٍ إِسْنَادُهُ··· 84
وَلَوْ كَانَ كَزَعْمِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُلْقِحُ، بِدَمْعَةٍ تَسْفَحُهَا، مَدَامِعُهُ، فَتَقِفُ··· 85
فِي ضَفَّتَيْ، جُفُونِهِ··· 85
وَأَنَّ أُنْثَاهُ تَطْعَمُ ذَلِكَ ثُمَّ تَبِيضُ لا مِنْ لِقَاحِ فَحْلٍ سِوَى الدَّمْعِ الْمُنْبَجِسِ··· 85
لَمَا كَانَ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ مُطَاعَمَةِ الْغُرَابِ··· 85
تَخَالُ، قَصَبَهُ، مَدَارِيَ··· 87
مِنْ فِضَّةٍ وَمَا أُنْبِتَ عَلَيْهِ مِنْ عَجِيبِ دَارَاتِهِ، وَشُمُوسِهِ، خَالِصَ الْعِقْيَانِ··· 87
وَفِلَذَ، الزَّبَرْجَدِ فَإِنْ شَبَّهْتَهُ بِمَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ، قُلْتَ جَنِيٌّ··· 88
جُنِيَ، مِنْ زَهْرَةِ كُلِّ رَبِيعٍ، وَإِنْ ضَاهَيْتَهُ بِالْمَلابِسِ، فَهُوَ كَمَوْشِيِّ الْحُلَلِ··· 88
أَوْ مُونِقِ، عَصْبِ الْيَمَنِ، وَإِنْ شَاكَلْتَهُ، بِالْحُلِيِّ، فَهُوَ كَفُصُوصٍ··· 89
ذَاتِ أَلْوَانٍ، قَدْ نُطِّقَتْ، بِاللُّجَيْنِ، الْمُكَلَّلِ··· 90
يَمْشِي مَشْيَ الْمَرِحِ، الْمُخْتَالِ، وَيَتَصَفَّحُ ذَنَبَهُ وَجَنَاحَهُ··· 92
فيقهقه، ضَاحِكاً لِجَمَالِ، سِرْبَالِهِ··· 92
وَأَصَابِيغِ، وِشَاحِهِ، فَإِذَا رَمَى بِبَصَرِهِ إِلَى قَوَائِمِهِ زَقَا، مُعْوِلاً··· 93
بِصَوْتٍ يَكَادُ يُبِينُ عَنِ اسْتِغَاثَتِهِ، وَيَشْهَدُ بِصَادِقِ تَوَجُّعِهِ، لِأَنَّ قَوَائِمَهُ حُمْشٌ··· 93
كَقَوَائِمِ الدِّيَكَةِ الْخِلاسِيَّةِ، وَقَدْ نَجَمَتْ، مِنْ ظُنْبُوبِ سَاقِهِ، صِيصِيَةٌ··· 94
خَفِيَّةٌ، وَلَهُ فِي مَوْضِعِ الْعُرْفِ، قُنْزُعَةٌ، خَضْرَاءُ مُوَشَّاةٌ، وَمَخْرَجُ عَنُقِهِ··· 95
كَالاْءِبْرِيقِ، وَمَغْرِزُهَا إِلَى حَيْثُ بَطْنُهُ··· 96
كَصِبْغِ الْوَسِمَةِ الْيَمَانِيَّةِ، أَوْ كَحَرِيرَةٍ مُلْبَسَةٍ مِرْآةً ذَاتَ صِقَالٍ··· 96
وَكَأَنَّهُ مُلَفِّعٌ، بِمِعْجَرٍ، أَسْحَمَ، إِلاّ أَنَّهُ يُخَيَّلُ··· 96
لِكَثْرَةِ مَائِهِ وَشِدَّةِ بَرِيقِهِ أَنَّ الْخُضْرَةَ النَّاضِرَةَ مُمْتَزِجَةٌ بِهِ··· 97
وَمَعَ فَتْقِ، سَمْعِهِ خَطٌّ كَمُسْتَدَقِّ الْقَلَمِ، فِي لَوْنِ الْأُقْحُوَانِ، أَبْيَضُ يَقَقٌ··· 97
فَهُوَ بِبَيَاضِهِ فِي سَوَادِ مَا هُنَالِكَ يَأْتَلِقُ، وَقَلَّ صِبْغٌ إِلاّ وَقَدْ أَخَذَ مِنْهُ بِقِسْطٍ··· 97
وَعَلاهُ بِكَثْرَةِ صِقَالِهِ وَبَرِيقِهِ وَبَصِيصِ دِيبَاجِهِ وَرَوْنَقِهِ··· 98
فَهُوَ كَالْأَزَاهِيرِ، الْمَبْثُوثَةِ، لَمْ تُرَبِّهَا، أَمْطَارُ رَبِيعٍ، وَلا شُمُوسُ، قَيْظٍ··· 98
وَقَدْ يَنْحَسِرُ مِنْ رِيشِهِ، وَيَعْرَى مِنْ لِبَاسِهِ، فَيَسْقُطُ تَتْرَى··· 99
وَيَنْبُتُ، تِبَاعاً، فَيَنْحَتُّ مِنْ قَصَبِهِ، انْحِتَاتَ أَوْرَاقِ الْأَغْصَانِ··· 99
ثُمَّ يَتَلاحَقُ نَامِياً حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ قَبْلَ سُقُوطِهِ، لا يُخَالِفُ··· 100
سَالِفَ أَلْوَانِهِ وَلا يَقَعُ لَوْنٌ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ··· 100
وَإِذَا تَصَفَّحْتَ شَعْرَةً مِنْ شَعَرَاتِ قَصَبِهِ أَرَتْكَ··· 100
حُمْرَةً وَرْدِيَّةً، وَتَارَةً خُضْرَةً زَبَرْجَدِيَّةً··· 100
وَأَحْيَاناً صُفْرَةً عَسْجَدِيَّةً، فَكَيْفَ تَصِلُ إِلَى صِفَةِ هَذَا، عَمَائِقُ الْفِطَنِ··· 101
أَوْ تَبْلُغُهُ قَرَائِحُ الْعُقُولِ، أَوْ تَسْتَنْظِمُ وَصْفَهُ أَقْوَالُ الْوَاصِفِينَ··· 101
وَأَقَلُّ أَجْزَائِهِ قَدْ أَعْجَزَ الْأَوْهَامَ أَنْ تُدْرِكَهُ وَالْأَلْسِنَةَ أَنْ تَصِفَهُ··· 101
فَسُبْحَانَ الَّذِي، بَهَرَ الْعُقُولَ، عَنْ وَصْفِ خَلْقٍ··· 102
جَلاّهُ لِلْعُيُونِ، فَأَدْرَكَتْهُ، مَحْدُوداً، مُكَوَّناً··· 102
وَمُؤلَّفاً مُلَوَّناً، وَأَعْجَزَ الْأَلْسُنَ عَنْ تَلْخِيصِ صِفَتِهِ، وَقَعَدَ بِهَا··· 103
عَنْ تَأْدِيَةِ نَعْتِهِ، وَسُبْحَانَ مَنْ أَدْمَجَ، قَوَائِمَ الذَّرَّةِ··· 103
وَالْهَمَجَةِ إِلَى مَا فَوْقَهُمَا، إلى ما فوقهما، مِنْ خَلْقِ الْحِيتَانِ··· 104
وَالْفِيَلَةِ··· 106
وَوَأَى عَلَى نَفْسِهِ، أَلاّ يَضْطَرِبَ، شَبَحٌ، مِمَّا أَوْلَجَ فِيهِ الرُّوحَ، إِلاّ وَجَعَلَ الْحِمَامَ··· 107
مَوْعِدَهُ وَالْفَنَاءَ غَايَتَهُ··· 108
منها في صفة الجنّة: فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ··· 111
نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا، لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ··· 112
عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا··· 112
وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ··· 112
فِي اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ، غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا، فِي كُثْبَانِ الْمِسْكِ··· 113
عَلَى سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا، وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤلُؤ الرَّطْبِ··· 114
فِي عَسَالِيجِهَا، وَأَفْنَانِهَا، وَطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً··· 114
فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ، فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا··· 116
وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا··· 117
بِالْأَعْسَالِ الْمُصَفَّقَةِ، وَالْخُمُورِ الْمُرَوَّقَةِ··· 118
قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ بهم، تَتَمَادَى بِهِمْ··· 119
حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْمُقَامَةِ وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ··· 119
فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ··· 121
الْمَنَاظِرِ الْمُونِقَةِ، لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ، شَوْقاً إِلَيْهَا، وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا··· 121
إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالاً بِهَا··· 122
جَعَلَنَا اللّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ سَعَى إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِه··· 122
الخطبة (165): ومن خطبة له عليهالسلام
(··· 136 ـ 188)
ومن خطبة له عليهالسلام لِيَتَأَسَّ صَغِيرُكُمْ بِكَبِيرِكُمْ، وَلْيَرْأَفْ كَبِيرُكُمْ بِصَغِيرِكُمْ··· 137
وَلا تَكُونُوا كَجُفَاةِ الْجَاهِلِيَّةِ، لا فِي الدِّينِ يَتَفَقَّهُونَ··· 138
وَلا عَنِ اللّهِ يَعْقِلُونَ··· 139
كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ يَكُونُ كَسْرُهَا وِزْراً وَيُخْرِجُ حِضَانُهَا شَرّا··· 139
افترقوا بَعْدَ أُلْفَتِهِمْ وَتَشَتَّتُوا عَنْ أَصْلِهِمْ··· 143
فَمِنْهُمْ آخِذٌ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ مَالَ مَعَهُ··· 144
عَلَى أَنَّ اللّهَ تَعَالَى سَيَجْمَعُهُمْ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ··· 145
نادرة··· 146
كَمَا تَجْتَمِعُ قَزَعُ الْخَرِيفِ··· 148
يُؤلِّفُ اللّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَاب··· 148
ثُمَّ يَفْتَحُ اللّهُ لَهُمْ أَبْوَابا، يَسِيلُونَ، مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ، كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ··· 148
حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ، قَارَةٌ، وَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ، وَلَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ، رَصُّ، طَوْدٍ··· 149
وَلا حِدَابُ أَرْضٍ، يُذَعْذِعُهُمُ اللّهُ··· 150
فِي بُطُونِ أَوْدِيَتِهِ، ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ··· 150
يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ··· 167
وَيُمَكِّنُ لِقَوْمٍ فِي دِيَارِ قَوْمٍ··· 170
وَايْمُ اللّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَالتَّمْكِينِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ، عَلَى النَّار··· 171
أَيُّهَا النَّاسُ...، ايّها النّاس لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ··· 172
وَلَمْ تَهِنُوا، عَنْ تَوْهِينِ، الْبَاطِلِ··· 173
لَم يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَلَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ··· 174
لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ، مَتَاهَ بَنِي إِسْرَائِيلَ··· 175
وَلَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافا بِمَا خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ··· 177
ظُهُورِكُم وَقَطَعْتُمُ الْأَدْنَى وَوَصَلْتُمُ الْأَبْعَد··· 177
وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمُ الدَّاعِيَ لَكُمْ··· 179
سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ، وَكُفِيتُمْ مَئُونَةَ الاِعْتِسَافِ··· 179
وَنَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ، عَنِ الْأَعْنَاق··· 180
تنبيهان: الأوّل: في قصة قوم سبأ وسيل الجنتين··· 184
الثاني: في قصة تيه بني اسرائيل··· 184
الخطبة (166): ومن خطبة له عليهالسلام في أوّل خلافته
(189 ـ 166)
ومن خطبة له عليهالسلام في أوّل خلافته··· 189
إِنَّ اللّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كِتَاباً هَادِياً بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَخُذُوا نَهْجَ الْخَيْرِ تَهْتَدُوا··· 190
وَاصْدِفُوا عَنْ سَمْتِ الشَّرِّ تَقْصِدُوا··· 191
الْفَرَائِضَ الْفَرَائِضَ أَدُّوهَا إِلَى اللّهِ تُؤدِّكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ··· 191
إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ حَرَاماً غَيْرَ مَجْهُولٍ وَأَحَلَّ حَلالاً غَيْرَ مَدْخُولٍ··· 191
وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرمِ كُلِّهَا··· 192
وَشَدَّ بِالاْءِخْلاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَعَاقِدِهَا··· 193
فَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إِلاّ بِالْحَقِّ··· 194
وَلا يَحِلُّ أَذَى الْمُسْلِمِ إِلاّ بِمَا يَجِبُ··· 194
بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ وَخَاصَّةَ أَحَدِكُمْ وَهُوَ الْمَوْتُ··· 197
فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ، وَإِنَّ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ مِنْ خَلْفِكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا··· 198
فَإِنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأَوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ··· 200
اتَّقُوا اللّهَ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ، فَإِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ··· 201
وَالْبَهَائِمِ··· 202
وَأَطِيعُوا اللّهَ وَلا تَعْصُوهُ··· 203
وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَأَعْرِضُوا عَنْه (فاصدفوا عنه خ ل)··· 203
تكملة··· 205
الخطبة (167): ومن كلام له عليهالسلام بعد ما بويع له بالخلافة، وقد قال له قوم من الصحابة: لو عاقبت قوما ممن أجلب على عثمان فقال عليهالسلام
(206 ـ 232)
ومن كلام له عليهالسلام، فقال عليهالسلام:، يَا إِخْوَتَاهْ إِنِّي··· 207
لَسْتُ أَجْهَلُ مَا تَعْلَمُونَ، وَلَكِنْ كَيْفَ لِي بِقُوَّةٍ، وَالْقَوْمُ الْمُجْلِبُونَ··· 207
عَلَى حَدِّ شَوْكَتِهِمْ، يَمْلِكُونَنَا وَلا نَمْلِكُهُمْ··· 208
وَهَا هُمْ هَؤلاءِ قَدْ ثَارَتْ، مَعَهُمْ عِبْدَانَكُمْ وَالْتَفَّتْ··· 208
إِلَيْهِمْ أَعْرَابُكُمْ وَهُمْ خِلالَكُمْ، يَسُومُونَكُمْ مَا شَاءُوا، وَهَلْ تَرَوْنَ··· 209
مَوْضِعاً لِقُدْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ تُرِيدُونَهُ، وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ، أَمْرُ جَاهِلِيَّةٍ··· 209
وَإِنَّ لِهَؤلاءِ الْقَوْمِ مَادَّةً، إِنَّ النَّاسَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِذَا حُرِّكَ، عَلَى أُمُورٍ··· 210
فِرْقَةٌ تَرَى مَا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ تَرَى مَا لا تَرَوْنَ، وَفِرْقَةٌ، لا تَرَى هَذَا وَلا ذَاكَ··· 210
فَاصْبِرُوا حَتَّى يَهْدَأَ النَّاسُ، وَتَقَعَ الْقُلُوبُ مَوَاقِعَهَا، وَتُؤخَذَ الْحُقُوقُ مُسْمَحَةً··· 211
فَاهْدَءُوا عَنِّي، وَانْظُرُوا مَا ذَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَمْرِي، وَلا تَفْعَلُوا فَعْلَةً، تُضَعْضِعُ قُوَّةً··· 211
وَتُسْقِطُ مُنَّةً وَتُورِثُ وَهْناً وَذِلَّةً··· 212
وَسَأُمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدّاً فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَي··· 213
الخطبة (168): ومن خطبة له عليهالسلام عند مسير أهل الجمل إلى البصرة
(233 ـ 248)
ومن خطبة له عليهالسلام··· 234
عند مسير أهل الجمل إلى البصرة··· 237
إِنَّ اللّهَ بَعَثَ رَسُولاً هَادِياً، بِكِتَابٍ نَاطِقٍ، وَأَمْرٍ قَائِمٍ··· 238
لا يَهْلِكُ عَنْهُ، إِلاّ هَالِكٌ، وَإِنَّ الْمُبْتَدَعَاتِ الْمُشَبَّهَاتِ··· 238
مِنَ الْمُهْلِكَاتُ، إِلاّ مَا حَفِظَ اللّهُ مِنْهَا، وَإِنَّ فِي سُلْطَانِ اللّهِ··· 239
عِصْمَةً لِأَمْرِكُمْ، فَأَعْطُوهُ طَاعَتَكُمْ غَيْرَ مُلَوَّمَةٍ، وَلا مُسْتَكْرَهَةٍ بِهَا··· 239
وَاللّهِ لَتَفْعَلُنَّ، أَوْ لَيَنْقُلَنَّ اللّهُ عَنْكُمْ سُلْطَانَ الاْءِسْلامِ··· 240
ثُمَّ لا يَنْقُلُهُ إِلَيْكُمْ أَبَداً حَتَّى يَأْرِزَ الْأَمْرُ، إِلَى غَيْرِكُمْ··· 240
إِنَّ هَؤلاءِ قَدْ تَمَالَئُوا، عَلَى سَخْطَةِ إِمَارَتِي··· 241
وَسَأَصْبِرُ، مَا لَمْ أَخَفْ عَلَى، جَمَاعَتِكُمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ تَمَّمُوا··· 242
عَلَى فَيَالَةِ هَذَا الرَّأْيِ، انْقَطَعَ نِظَامُ الْمُسْلِمِين، وَإِنَّمَا طَلَبُوا··· 242
هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَداً، لِمَنْ أَفَاءَهَا اللّهُ، عَلَيْهِ··· 243
فَأَرَادُوا رَدَّ الْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا··· 243
وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلُ بِكِتَابِ اللّهِ تَعَالَى وَسِيرَةِ رَسُولِ اللّهِ صلّى اللّه عليه وآله··· 246
وَالْقِيَامُ بِحَقِّهِ، وَالنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ.··· 246
الخطبة (169): ومن كلام له عليهالسلام كلّم به بعض العرب، وقد أرسله قوم من أهل البصرة، لما قرب عليهالسلام منها ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل لتزول الشبهة من نفوسهم، فبيّن له عليهالسلام من أمره معهم ما علم به أنّه على الحقّ، ثمّ قال له: بايع، فقال:
(249 ـ 261)
ومن كلام له عليهالسلام كلّم··· 249
به بعض العرب، وقد أرسله قوم من أهل البصرة··· 252
لما قرب عليهالسلام منها، ليعلم لهم منه حقيقة حاله مع أصحاب الجمل··· 252
لتزول الشبهة من نفوسهم، فبيّن له عليهالسلام، من أمره معهم··· 253
ما، علم به، أنّه على الحقّ··· 253
ثمّ قال له: بايع، فقال: إنّي رسول قوم، ولا احدث حدثا حتى أرجع إليهم··· 254
فقال عليهالسلام:، أَ رَأَيْتَ، لَوْ أَنَّ الَّذِينَ وَرَاءَكَ··· 254
بَعَثُوكَ رَائِداً، تَبْتَغِي، لَهُمْ مَسَاقِطَ الْغَيْثِ··· 255
فَرَجَعْتَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرْتَهُمْ عَنِ الْكَلاَءِ وَالْمَاءِ··· 255
فَخَالَفُوا، إِلَى الْمَعَاطِشِ، وَالْمَجَادِبِ··· 255
مَا كُنْتَ صَانِعاً؟، قَالَ كُنْتُ تَارِكَهُمْ وَمُخَالِفَهُمْ إِلَى الْكَلاَءِ وَالْمَاءِ··· 256
فَقَالَ عليهالسلام: فَامْدُدْ إِذاً يَدَكَ··· 256
فَقَالَ الرَّجُلُ: فَوَاللّهِ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَمْتَنِعَ··· 256
عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيَّ فَبَايَعْتُهُ عليهالسلام··· 256
وَالرَّجُلُ يُعْرَفُ بِكُلَيْبٍ الْجَرْمِي··· 260
الخطبة (170): ومن خطبة له عليهالسلام لما عزم على لقاء القوم بصفين
(262 ـ 274)
ومن خطبة له عليهالسلام لما عزم على لقاء القوم بصفين: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ··· 266
وَالْجَوِّ الْمَكْفُوفِ، الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضاً لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ··· 267
وَمَجْرًى لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَمُخْتَلَفاً لِلنُّجُومِ السَّيَّارَةِ··· 268
وَجَعَلْتَ سُكَّانَهُ سِبْطاً، مِنْ مَلائِكَتِكَ، لا يَسْأَمُونَ، مِنْ عِبَادَتِكَ··· 269
وَرَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَاراً لِلْأَنَامِ··· 270
وَمَدْرَجاً، لِلْهَوَامِّ، وَالْأَنْعَامِ··· 270
وَمَا لا يُحْصَى، مِمَّا يُرَى وَمِمَّا لا يُرَى، وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي··· 271
الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَاداً، وَلِلْخَلْقِ، اعْتِمَاداً··· 271
إِنْ أَظْهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا، فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ، وَسَدِّدْنَا··· 272
لِلْحَقِّ، وَإِنْ أَظْهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا، فَارْزُقْنَا الشَّهَادَةَ، وَجَنِّبْنَا الْفِتْنَةَ··· 272
أَيْنَ الْمَانِعُ لِلذِّمَارِ، وَالْغَائِرُ··· 273
عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ، مِنْ أَهْلِ الْحِفَاظِ، الْعَارُ وَرَاءَكُمْ··· 273
وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُم··· 274
الخطبة (171): ومن خطبة له عليهالسلام
(275 ـ 315)
ومن خطبة له عليهالسلام··· 276
الْحَمْدُ للّهِِ، الَّذِي لا تُوَارِي عَنْهُ، سَمَاءٌ سَمَاءً وَلا أَرْضٌ أَرْضاً··· 280
منها··· 282
وَقَدْ قَالَ لِى قَائِلٌ إِنَّكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ يَا ابْنَ أَبِيطَالِبٍ لَحَرِيصٌ··· 282
فَقُلْتُ بَلْ أَنْتُمْ وَاللّهِ لَأَحْرَصُ وَأَبْعَدُ وَأَنَا أَخَصُّ وَأَقْرَبُ··· 283
وَإِنَّمَا طَلَبْتُ حَقّاً لِي وَأَنْتُمْ تَحُولُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَتَضْرِبُونَ وَجْهِي دُونَهُ··· 285
فَلَمَّا قَرَعْتُهُ، بِالْحُجَّةِ··· 287
فِي الْمَلإِ الْحَاضِرِينَ، بُهِتَ لا يَدْرِي مَا يُجِيبُنِي بِهِ··· 287
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَعْدِيكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَمَنْ أَعَانَهُمْ...، فَإِنَّهُمْ قَطَعُوا رَحِمِي··· 289
وَصَغَّرُوا عَظِيمَ مَنْزِلَتِيَ··· 289
وَأَجْمَعُوا عَلَى مُنَازَعَتِي أَمْراً هُوَ لِي··· 290
ثُمَّ، قَالُوا أَلا إِنَّ فِي الْحَقِّ أَنْ نأْخُذَهُ وَفِي الْحَقِّ أَنْ تَتْرُكَهُ··· 291
تنبيه··· 293
منها في ذكر أصحاب الجمل··· 297
فَخَرَجُوا يَجُرُّونَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله، كَمَا تُجَرُّ الْأَمَةُ عِنْدَ شِرَائِهَا··· 308
مُتَوَجِّهِينَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ فَحَبَسَا··· 308
نِسَاءَهُمَا فِي بُيُوتِهِمَا وَأَبْرَزَا حَبِيسَ رَسُولِ اللّهِ صلىاللهعليهوآله لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا··· 309
فِي جَيْشٍ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلاّ وَقَدْ أَعْطَانِي الطَّاعَةَ وَسَمَحَ··· 310
لِي بِالْبَيْعَةِ طَائِعاً غَيْرَ مُكْرَهٍ، فَقَدِمُوا عَلَى عَامِلِي بِهَا··· 311
وَخُزَّانِ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِهَا··· 311
فَقَتَلُوا طَائِفَةً صَبْراً··· 312
وَقتلوا طَائِفَةً أُخرى غَدْراً··· 313
فَوَاللّهِ لَوْ لَمْ يُصِيبُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلاّ رَجُلاً وَاحِداً مُعْتَمِدِينَ لِقَتْلِهِ··· 314
بِلا جُرْمٍ جَرَّهُ لَحَلَّ لِي قَتْلُ ذَلِكَ الْجَيْشِ كُلِّهِ··· 314
إِذْ حَضَرُوهُ فَلَمْ يُنْكِرُوا وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ بِلِسَانٍ وَلا يَدٍ··· 314
دَعْ مَا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ الْعِدَّةِ الَّتِي دَخَلُوا بِهَا عَلَيْهِمْ··· 314
الخطبة (172): ومن خطبة له عليهالسلام
(316 ـ 342)
ومن خطبة له عليهالسلام: أَمِينُ وَحْيِهِ··· 317
وَخَاتَمُ رُسُلِهِ··· 318
وَبَشِيرُ رَحْمَتِهِ، وَنَذِيرُ نِقْمَتِه··· 319
أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ وَأَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللّهِ فِيهِ··· 320
فَإِنْ شَغَبَ شَاغِب، اسْتُعْتِبَ، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ··· 322
وَلَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ الاْءِمَامَةُ لا تَنْعَقِدُ حَتَّى يَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ فَمَا إِلَى ذَلِكَ··· 322
سَبِيلٌ، وَلَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ··· 322
أَنْ يَرْجِعَ، وَلا لِلْغَائِبِ، أَنْ يَخْتَارَ··· 323
أَلا وَإِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ··· 323
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللّهِ بِتَقْوَى اللّه، فَإِنَّهَا خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ··· 324
وَخَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللّهِ··· 324
وَقَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ··· 325
وَلا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ، إِلاّ أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ وَالْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ الْحَقِّ··· 325
فَامْضُوا لِمَا تُؤمَرُونَ بِهِ وَقِفُوا عِنْدَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ··· 327
وَلا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَتَبَيَّنُوا، فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَرا··· 327
أَلا وَإِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَتَرْغَبُونَ فِيهَا··· 329
وَأَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَتُرْضِيكُمْ، لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَلا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ··· 330
وَلا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ، أَلا وَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَلا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا··· 330
وَهِيَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا، فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا··· 331
فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا وَأَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا··· 332
وَسَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا··· 332
وَانْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا··· 332
وَلا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ، عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا··· 333
وَاسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللّهِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا··· 333
اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ··· 333
أَلا وَإِنَّهُ لا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ··· 333
أَلا وَإِنَّهُ لا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ··· 335
أَخَذَ اللّهُ بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُم إِلَى الْحَقِّ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصّبر··· 335
الخطبة (173): ومن كلام له عليهالسلام في طلحة بن عبيداللّه
(343 ـ 357)
ومن كلام له عليهالسلام في طلحة بن عبيداللّه··· 343
قَدْ كُنْتُ وَمَا أُهَدَّدُ بِالْحَرْبِ وَلا أُرَهَّبُ بِالضَّرْبِ··· 345
وَأَنَا عَلَى مَا قَدْ وَعَدَنِي رَبِّي مِنَ النَّصْرِ··· 349
وَاللّهِ مَا اسْتَعْجَلَ مُتَجَرِّداً لِلطَّلَبِ بِدَمِ عُثْمَانَ إِلاّ خَوْفاً مِنْ أَنْ يُطَالَبَ بِدَمِهِ لِأَنَّهُ··· 349
مَظِنَّتُهُ··· 349
وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ أَحْرَصُ عَلَيْهِ، مِنْهُ··· 350
فَأَرَادَ، أَنْ يُغَالِطَ، بِمَا أَجْلَبَ، فِيهِ··· 352
لِيُلْبِسَ الْأَمْرُ، وَيَقَعَ الشَّكُّ، وَوَ اللّهِ مَا صَنَعَ، فِي أَمْرِ عُثْمَانَ وَاحِدَةً··· 352
مِنْ ثَلاثٍ، لَئِنْ كَانَ ابْنُ عَفَّانَ ظَالِماً كَمَا كَانَ يَزْعُمُ··· 353
لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُؤازِرَ، قَاتِلِيهِ أَوْ أَنْ، يُنَابِذَ، نَاصِرِيهِ··· 353
وَلَئِنْ كَانَ مَظْلُوماً لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُنَهْنِهِينَ، عَنْهُ··· 353
وَالْمُعَذِّرِينَ، فِيهِ، وَلَئِنْ كَانَ فِي شَكٍّ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ··· 354
لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَزِلَهُ وَيَرْكُدَ، جَانِباً، وَيَدَعَ النَّاسَ، مَعَهُ··· 354
فَمَا فَعَلَ، وَاحِدَةً مِنَ الثَّلاثِ··· 355
وَجَاءَ بِأَمْرٍ لَمْ يُعْرَفْ بَابُهُ وَلَمْ تَسْلَمْ مَعَاذِيرُهُ··· 356
الخطبة (174): ومن خطبة له عليهالسلام
(358 ـ 392)
ومن خطبة له عليهالسلام أَيُّهَا الْغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَالتَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ··· 359
مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللّهِ ذَاهِبِينَ وَإِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ، كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ··· 360
أَرَاحَ بِهَا، سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيٍّ، وَمَشْرَبٍ دَوِيٍّ، إِنَّمَا هِيَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى··· 361
لا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا، إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا··· 362
تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وَشِبَعَهَا أَمْرَهَا··· 362
وَاللّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَمَوْلِجِهِ··· 363
وَجَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ··· 365
وَلَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللّهِ صلّى اللّه عليه وآله··· 376
أَلا وَإِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ··· 378
وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَاصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ مَا أَنْطِقُ إِلاّ صَادِقاً··· 389
وَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ··· 390
وَبِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ وَمَنْجَى مَنْ يَنْجُو، وَمَآلِ هَذَا الْأَمْرِ··· 390
وَمَا أَبْقَى شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلاّ أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ··· 392
وَأَفْضَى بِهِ إِلَيَّ··· 392
أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللّهِ مَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلاّ وَأَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا وَلا أَنْهَاكُمْ عَنْ··· 392
مَعْصِيَةٍ إِلاّ وَأَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا··· 392
المصادر··· 394
المحتويات··· 409