مصباح السعادة فی شرح النهج البلاغة جلد 11

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

بطاقة تعريف:الموسوي آل طيب، السيد محمدكاظم، 1331-

عنوان العقد:نهج البلاغة. وصف

Nhjol-Balaghah. Commantries

عنوان واسم المؤلف: مصباح السعادة في شرح النهج البلاغة المجلد 11 [علي بن أبي طالب (علیه السلام)]/ مولف السيد محمدكاظم الموسوي آل طيب.

تفاصيل المنشور: قم: دارالتفسیر، 1440ق.= 1397.

مواصفات المظهر:8ج

ISBN:ج.6 978-964-535-716-8 :

حالة القائمة: الفيفا

ملاحظة: عربي.

ملاحظة:ج.6 (چاپ اول: 1442 ق = 1399) (فیپا).

عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق -- خطب

عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- *Public speaking

عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق. -- کلمات قصار

عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I, 600-661 -- Quotations

عنوان:علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل از هجرت - 40ق . نهج البلاغة -- النقد والتعليق

عنوان:Ali ibn Abi-talib, Imam I. Nahjol - Balaghah -- Criticism and interpretation

المعرف المضاف: علي بن أبي طالب (علیه السلام)، أول إمام، 23 قبل الهجرة - 40ق . نهج البلاغة. وصف

المعرف المضاف:Ali ibn Abi-talib, Imam I Commantries.. Nahjol - Balaghah

ترتيب الكونجرس: BP38/02/م83 1397

تصنيف ديوي: 297/9515

رقم الببليوغرافيا الوطنية:5402095

معلومات التسجيلة الببليوغرافية: FIPA

اشارة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

شناسنامه

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (97): ومن كلام له عليه‌السلام :

اشارة

وَاللّه‌ِ لا يَزَالُونَ، حَتَّى لا يَدَعُوا للّه‌ِِ مُحَرَّماً إِلاّ اسْتَحَلُّوهُ، وَلا عَقْداً إِلاّ حَلُّوهُ، وَحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ وَلا وَبَرٍ، إِلاّ دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ، وَنَبَا بِهِ سُوءُ رَعْيِهِمْ وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ، بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ، وَبَاكٍ يَبْكِي لِدُنْيَاهُ، وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ، كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ، إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ، وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ، وَحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً أَحْسَنُكُمْ بِاللّه‌ِ ظَنّاً، فَإِنْ أَتَاكُمُ اللّه‌ُ بِعَافِيَةٍ فَاقْبَلُوا، وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا، فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين.

اعلم أنّ هذا الكلام قاله أمير الموءمنين عليه‌السلام بعد واقعة النّهروان بعد ما رجع إلى الكوفة وأغار سفيان بن عوف العامرى بأمر معاوية على الانبار على ما تقدّم تفصيله في شرح الخطبة السّابعة والعشرين.

قال صاحب الغارات بعد ما أورد شطرا من الآثار في غارة سفيان: وعن ثعلبة بن يزيد الحماني أنّه قال: بينما أنا في السّوق إذ سمعت مناديا ينادى الصّلاة جامعة، فجئت اهرول والناس يهرعون فدخلت الرّحبة فاذا علىّ عليه‌السلام على منبر من طين مجصّص وهو غضبان قد بلغه أنّ اناسا قد أغاروا بالسّواد، فسمعته يقول: أما وربّ السّماء والأرض ثمّ ربّ السّماء والأرض إنّه لعهد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إنّ الامّة ستغدر بى.

وعن المسيب بن نجبة الفزاري أنّه قال: سمعت عليّا عليه‌السلام يقول: إنّي قد خشيت أن يدال هوءلاء القوم عليكم، بطاعتهم إمامهم ومعصيتكم إمامكم، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم، وبصلاحهم في أرضهم وفسادكم في أرضكم، وباجتماعهم على باطلهم وتفرقكم عن حقّكم حتّى تطول دولتهم وحتى لا يدعو اللّه محرما الاّ استحلّوه حتى لا يبقى بيت وبر ولا بيت مدر إلاّ دخله جورهم وظلمهم حتى يقوم الباكيان باك يبكى لدينه وباك يبكى لدنياه، وحتّى لا يكون منكم إلاّ نافعا لهم أو غير ضارّ بهم، وحتى يكون نصرة أحدكم منهم كنصرة العبد من سيّده إذا شهده أطاعه وإذا غاب عنه سبّه، فان أتاكم اللّه بالعافية فاقبلوا وإن ابتلاكم فاصبروا، فانّ العاقبة للمتقين(1)، هذا.

و لا يخفى على الناقد الخبير بالأخبار والمطلع على الآثار أنّ ما أخبر به أمير الموءمنين عليه‌السلام وأشار إليه في هذا الكلام من عموم جور بنى اميّة، وانتهاكهم المحارم، واستحلالهم الدّماء واضرارهم بالمسلمين، وسعيهم في اطفاء نور ربّ العالمين، فقد وقع كلّه مطابقا لما اخبر به.

عَنْ أَبَانٍ عَنْ سُلَيْمٍ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ حَاجّاً فِي خِلافَتِهِ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَا قُتِلَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّه‌ِ عَلَيْهِ وَصَالَحَ الْحَسَنُ عليه‌السلام وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بَعْدَ مَا مَاتَ الْحَسَنُ عليه‌السلام وَاسْتَقْبَلَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَنَظَرَ فَإِذَا الَّذِي اسْتَقْبَلَهُ مِنْ قُرَيْشٍ أَكْثَرُ مِنَ الاْءَنْصَارِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ إِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ لَيْسَتْ لَهُمْ دَوَابُّ فَالْتَفَتَ مُعَاوِيَةُ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الاْءَنْصَارِ مَا لَكُمْ لا تَسْتَقْبِلُونِّي مَعَ إِخْوَانِكُمْ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ قَيْسٌ وَكَانَ سَيِّدَ الاْءَنْصَارِ وَابْنَ سَيِّدِهِمْ.


1) الغارات (ط - القديمة): 235/2؛ بحار الأنوار: 57/35.

أَقْعَدَنَا أَنْ لَمْ يَكُنْ لَنَا دَوَابُّ قَالَ مُعَاوِيَةُ فَأَيْنَ النَّوَاضِحُ فَقَالَ قَيْسٌ أَفْنَيْنَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ وَمَا بَعْدَهُمَا فِي مَشَاهِدِ رَسُولِ اللّه‌ِ حِينَ ضَرَبْنَاكَ وَأَبَاكَ عَلَى الاْءِسْلامِ حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُ اللّه‌ِ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ قَالَ مُعَاوِيَةُ اللَّهُمَّ غَفْراً قَالَ قَيْسٌ أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قَالَ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ثُمَّ قَالَ يَا مُعَاوِيَةُ تُعَيِّرُنَا بِنَوَاضِحِنَا وَاللّه‌ِ لَقَدْ لَقِينَاكُمْ عَلَيْهَا يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنْتُمْ جَاهِدُونَ عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ اللّه‌ِ وَأَنْ يَكُونَ كَلِمَةُ الشَّيْطَانِ هِيَ الْعُلْيَا ثُمَّ دَخَلْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ كَرْهاً فِي الاْءِسْلامِ الَّذِي ضَرَبْنَاكُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَأَنَّكَ تَمُنُّ عَلَيْنَا بِنُصْرَتِكُمْ إِيَّانَا فَلِلَّهِ وَلِقُرَيْشٍ بِذَلِكَ الْمَنُّ وَالطَّوْلُ أَ لَسْتُمْ تَمُنُّونَ عَلَيْنَا يَا مَعْشَرَ الاْءَنْصَارِ بِنُصْرَتِكُمْ رَسُولَ اللّه‌ِ وَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّنَا وَمِنَّا؟ فَلَنَا الْمَنُّ وَالطَّوْلُ أَنْ جَعَلَكُمُ اللّه‌ُ أَنْصَارَنَا وَأَتْبَاعَنَا فَهَدَاكُمْ بِنَا فَقَالَ قَيْسٌ إِنَّ اللّه‌َ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى‌الله‌عليه‌و‌آله رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ فَبَعَثَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَإِلَى الْجِنِّ وَالاْءِنْسِ وَالاْءَحْمَرِ وَالاْءَسْوَدِ وَالاْءَبْيَضِ اخْتَارَهُ لِنُبُوَّتِهِ وَاخْتَصَّهُ بِرِسَالَتِهِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ وَآمَنَ بِهِ ابْنَ عَمِّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو طَالِبٍ يَذُبُّ عَنْهُ وَيَمْنَعُهُ وَيَحُولُ بَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ أَنْ يَرْدَعُوهُ وَيُوءْذُوهُ وَأَمَرَ أَنْ يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ فَلَمْ يَزَلْ مَمْنُوعاً مِنَ الضَّيْمِ وَالاْءَذَى حَتَّى مَاتَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ وَأَمَرَ ابْنَهُ بِمُوَازَرَتِهِ فَوَازَرَهُ وَنَصَرَهُ وَجَعَلَ نَفْسَهُ دُونَهُ فِي كُلِّ شَدِيدَةٍ وَكُلِّ ضِيقٍ وَكُلِّ خَوْفٍ وَاخْتَصَّ اللّه‌ُ بِذَلِكَ عَلِيّاً عليه‌السلام مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ وَأَكْرَمَهُ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فَجَمَعَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله جَمِيعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِيهِمْ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو لَهَبٍ وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلاً فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وَخَادِمُهُ عَلِيٌّ عليه‌السلام وَرَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فِي حَجْرِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَنْتَدِبُ أَنْ يَكُونَ أَخِي وَوَزِيرِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي وَوَلِيَّ كُلِّ مُوءْمِنٍ مِنْ بَعْدِي فَأَمْسَكَ الْقَوْمُ حَتَّى أَعَادَهَا ثَلاثاً فَقَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام : أَنَا يَا رَسُولَ اللّه‌ِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي

حَجْرِهِ وَتَفَلَ فِي فِيهِ وَقَالَ اللَّهُمَّ امْلاَءْ جَوْفَهُ عِلْماً وَفَهْماً وَحُكْماً ثُمَّ قَالَ لأَبِي طَالِبٍ يَا أَبَا طَالِبٍ اسْمَعِ الآْنَ لابْنِكَ وَأَطِعْ فَقَدْ جَعَلَهُ اللّه‌ُ مِنْ نَبِيِّهِ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَآخَى صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بَيْنَ عَلِيٍّ وَبَيْنَ نَفْسِهِ فَلَمْ يَدَعْ قَيْسٌ شَيْئاً مِنْ مَنَاقِبِهِ إِلاّ ذَكَرَهَا وَاحْتَجَّ بِهَا وَقَالَ مِنْهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ اخْتَصَّهُ اللّه‌ُ بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ وَمِنْهُمْ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ وَمِنْهُمْ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِذَا وَضَعْتَ مِنْ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَعِتْرَتَهُ الطَّيِّبِينَ فَنَحْنُ وَاللّه‌ِ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَأَحَبُّ إِلَى اللّه‌ِ وَرَسُولِهِ وَإِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْكُمْ لَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فَاجْتَمَعَتِ الاْءَنْصَارُ إِلَى أَبِي ثُمَّ قَالُوا نُبَايِعُ سَعْداً فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ فَخَاصَمُونَا بِحَقِّهِ وَقَرَابَتِهِ فَمَا يَعْدُو قُرَيْشٌ أَنْ يَكُونُوا ظَلَمُوا الاْءَنْصَارَ و(أَوْ) ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ وَلَعَمْرِي مَا لأَحَدٍ مِنَ الاْءَنْصَارِ وَلا لِقُرَيْشٍ وَلا لأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ فِي الْخِلافَةِ حَقٌّ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام وَوُلْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ يَا ابْنَ سَعْدٍ عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ وَعَمَّنْ رَوَيْتَهُ؟ وَعَمَّنْ سَمِعْتَهُ؟ أَبُوكَ أَخْبَرَكَ بِذَلِكَ وَعَنْهُ أَخَذْتَهُ؟ فَقَالَ قَيْسٌ سَمِعْتُهُ وَأَخَذْتُهُ مِمَّنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي وَأَعْظَمُ عَلَيَّ حَقّاً مِنْ أَبِي، قَالَ مَنْ؟ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام عَالِمُ هَذِهِ الاْءُمَّةِ وَصِدِّيقُهَا الَّذِي أَنْزَلَ اللّه‌ُ فِيهِ: «قُلْ كَفى بِاللّه‌ِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ»(1)فَلَمْ يَدَعْ قَيْسٌ آيَةً نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ عليه‌السلام إِلاّ ذَكَرَهَا قَالَ مُعَاوِيَةُ فَإِنَّ صِدِّيقَهَا أَبُو بَكْرٍ وَفَارُوقَهَا عُمَرُ وَالَّذِي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ عَبْدُ اللّه‌ِ بْنُ سَلامٍ قَالَ قَيْسٌ أَحَقُّ بِهَذِهِ الاْءَسْمَاءِ وَأَوْلَى بِهَا الَّذِي أَنْزَلَ اللّه‌ُ فِيهِ: «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ»(2)وَالَّذِي نَصَبَهُ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بِغَدِيرِ خُمٍّ فَقَالَ «مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيٌّ أَوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ» وَقَالَ فِي غَزْوَةِ.


1) الرعد: 43

2) هود: 17.

تَبُوكَ «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلاّ أَنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي» وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَادَى مُنَادِيَهُ وَكَتَبَ بِذَلِكَ نُسْخَةً إِلَى عُمَّالِهِ أَلا بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِمَّنْ رَوَى حَدِيثاً فِي مَنَاقِبِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَقَامَتِ الْخُطْبَةُ فِي كُلِّ مَكَانٍ عَلَى الْمَنَابِرِ بِلَعْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام وَالْبَرَاءَةِ مِنْهُ(1)

(203/ أو 210) من نهج البلاغة من شرحه: - 3 ص595 ط الحديث ببيروت.

وبعض شواهدها مذكورة في الحديث: (32) من باب مناقب عليّ عليه‌السلام من صحيح مسلم: - 7 ص119، وفي ط: - 4 ص187.

ورواه أيضا الترمذي في الحديث: (14) من باب مناقب عليّ عليه‌السلام من كتاب المناقب من سننه: - 5 ص638.

وأيضا يجد الباحث شواهد أخر في الحديث: (271) وتواليه وتعليقاتها من ترجمة أمير الموءمنين عليه‌السلام من تاريخ دمشق: - 1، ص234 - 226، ط 2.

وأيضا للموضوع شواهد أخر في الحديث: (92 -91) من كتاب خصائص أمير الموءمنين عليه‌السلام لنسائى ص169.

وأيضا للقصة شواهد في الحديث: (667) وما بعده وتعليقاتها من ترجمة أمير الموءمنين من تاريخ دمشق: - 2 ص182، ط 2.

وأيضا ذكر ابن أبي الحديد شواهد كثيرة في شرح المختار: (56) من نهج البلاغة: - 1، ص356، وفي ط الحديث ببيروت - 1، ص778.

وروى الياقوت الحموى في عنوان: »سجستان«من كتاب معجم البلدان: - 5 ص38 قال:

لعن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبر سجستان إلاّ مرة، وامتنعوا على بنى أميّة حتّى زادوا في عهدهم: وأن لا يلعن على منبرهم أحد.

ثمّ قال الياقوت: وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخى رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين مكّة والمدينة.

أقول: وقريبا منه جدا ذكره صاحب تاريخ روضة الصفا عن أهل الجبل وذكر أبياتا في مدحهم.

وأيضا روى السيّد مرتضى الداعي الحسيني أن أهل شيراز امتنعوا عن اللعن أربعين شهرا ودفعوا في ذلك إلى عمال بنى أميّة جعلا بخلاف جهال ونواصب اصبهان فانهم دفعوا الجعل كى يلعنوه!! هكذا ذكره في كتاب تبصرة العوام.

وروى ابن عبدربّه في عنوان: (أخبار معاوية) من كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد، - 2، ص30 وفي ط 2 - 3، ص127، قال:

لما مات الحسن بن عليّ عليهماالسلام حج معاوية فدخل المدينة وأراد. أن يلعن عليا على منبر رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقيل له: إن هاهنا سعد بن أبي وقاص ولا نراه يرضى بهذا فابعث إليه وخذ رأيه.

فأرسل إليه [معاوية] وذكر له ذلك؟! فقال: إن فعلت لاخرجن من المسجد ثمّ لا أعود إليه، فأمسك معاوية عن لعنه حتّى مات سعد، فلما مات لعنه على المنبر وكتب إلى عماله: أن يلعنوه على المنابر. ففعلوا.

فكتبت أم سلمة زوج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى معاوية: إنكم تلعنون اللّه ورسوله على منابركم!! وذلك إنكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبه وأنا أشهد أن اللّه أحبه ورسوله. فلم يلتفت [معاوية ]إلى كلامها.

وقال الجاحظ: إن معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة: اللّهمّ إن أبا تراب ألحد في دينك وصد عن سبيلك فالعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا أليما.

وكتب بذلك إلى الآفاق فكانت هذه الكلمات يشاد بها على المنابر إلى أيّام عمر بن عبدالعزيز.

وإن قوما من بنى أميّة قالوا لمعاوية: يا أمير الموءمنين إنك قد بلغت ما أملت فلو كففت عن هذا الرجل. فقال: لا واللّه حتّى يربو عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلا.

رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه على المختار: (56) من نهج البلاغة: ج1، ص356، وفي ط الحديث ببيروت: - 1، ص778.

ورواه مع ما تقدم العلامة الامينى في ترجمة قيس بن سعد من كتاب الغدير: - 2 ص102، ط بيروت ثمّ قال:

قال الزمخشريّ في ربيع الابرار- على ما يعلق بالخاطر- والحافظ السيوطي: إنّه كان في أيّام بنى أميّة أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها عليّ بن أبي طالب بما سنه لهم معاوية من ذلك. وفي ذلك يقول الشيخ أحمد الحفظى الشافعى في أرجوزته:

وقد حكى الشيخ السيوطي إنّه***قد كان فيما جعلوه سنة

سبعون ألف منبر وعشرة***من فوقهن يلعنون حيدرة

وهذه في جنبها العظائم***تصغر بل توجه اللوائم

فهل ترى من سنها يعادى؟***أم لا وهل يستر أو يهادى

أو عالم يقول: عنه نسكت***أجب فإنى للجواب منصف

أليس ذا يوءذيه أم لا فاسمعن***إن الذي يوءذيه من ومن ومن

عاون أخا العرفان بالجواب***وعاد من عادى أبا تراب

وليت شعرى هل يقال: اجتهدا***كقولهم في بغيه أم ألحد!

بل جاء في حديث أم سلمة***هل فيكم اللّه يسب مه لمه؟

وأيضا روى ابن أبي الحديد في شرح المختار: (56) من نهج البلاغة: - 1 ص782 ط الحديث ببيروت قال:

وذكر شيخنا أبو جعفر الاسكافي أن معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّ عليه‌السلام تقتضى الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير.

أقول: ثم ذكر نموذجا من تلك الأحاديث المختلقة فراجعه البتة فإنّه يوضح لك وزن روايات أهل السنة.

وليلاحظ البتة ما أورده العلامة الامينى عن مصادر كثيرة في الغدير: - 10، ص266 - 260. (بحار الأنوار: 176/33 - 177).

وَالْوَقِيعَةِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَاللَّعْنَةِ لَهُمْ بِمَا ).

1) والقصة متواترة ولها شواهد كثيرة جدا يمكن أن يفرد لها تأليف مستقل ضخم، ثمّ إن كثيرا من محتويات هذه الرواية رواه حرفيا أبو الحسن المدائني في كتاب الاحداث، وابن عرفة المعروف بنفطويه في تاريخه كما رواه عنهما ابن أبي الحديد في شرح المختار:

لَيْسَ فِيهِمْ عليهم‌السلام ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ مَرَّ بِحَلْقَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامُوا إِلَيْهِ غَيْرَ عَبْدِ اللّه‌ِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ مَا مَنَعَكَ مِنَ الْقِيَامِ كَمَا قَامَ أَصْحَابُكَ إِلاّ لِمَوْجِدَةٍ عَلَيَّ بِقِتَالِي إِيَّاكُمْ يَوْمَ صِفِّينَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِنَّ ابْنَ عَمِّي عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُوماً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدْ قُتِلَ أَيْضاً مَظْلُوماً قَالَ فَتُسَلِّمُ الاْءَمْرَ إِلَى وُلْدِهِ وَهَذَا ابْنُهُ قَالَ إِنَّ عُمَرَ قَتَلَهُ مُشْرِكٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَمَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ قَالَ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ قَالَ فَذَلِكَ أَدْحَضُ لِحُجَّتِكَ وَأَحَلُّ لِدَمِهِ إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ قَتَلُوهُ وَخَذَلُوهُ فَلَيْسَ إِلاّ بِحَقٍّ قَالَ فَإِنَّا قَدْ كَتَبْنَا فِي الآْفَاقِ نَنْهَى عَنْ ذِكْرِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَكُفَّ لِسَانَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ وَارْبَعْ عَلَى نَفْسِكَ قَالَ فَتَنْهَانَا عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ؟ قَالَ لا قَالَ فَتَنْهَانَا عَنْ تَأْوِيلِهِ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَنَقْرَوءُهُ وَلا نَسْأَلُ عَنْ مَا عَنَى اللّه‌ُ بِهِ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَأَيُّمَا أَوْجَبُ عَلَيْنَا قِرَاءَتُهُ أَوِ الْعَمَلُ بِهِ؟ قَالَ الْعَمَلُ بِهِ قَالَ فَكَيْفَ نَعْمَلُ بِهِ حَتَّى نَعْلَمَ مَا عَنَى اللّه‌ُ بِمَا أَنْزَلَ عَلَيْنَا؟ قَالَ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ مَنْ يَتَأَوَّلُهُ عَلَى غَيْرِ مَا تَتَأَوَّلُهُ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ قَالَ إِنَّمَا أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِي فَأَسْأَلُ عَنْهُ آلَ أَبِي سُفْيَانَ وَآلَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ؟ قَالَ فَقَدْ عَدَلْتَنِي بِهَوءُلاءِ؟ قَالَ لَعَمْرِي مَا أَعْدِلُكَ بِهِمْ إِلاّ إِذَا نَهَيْتَ الاْءُمَّةَ أَنْ يَعْبُدُوا اللّه‌َ بِالْقُرْآنِ وَبِمَا فِيهِ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ حَلالٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ نَاسِخٍ أَوْ مَنْسُوخٍ أَوْ عَامٍّ أَوْ خَاصٍّ أَوْ مُحْكَمٍ أَوْ مُتَشَابِهٍ وَإِنْ لَمْ تَسْأَلِ الاْءُمَّةُ عَنْ ذَلِكَ هَلَكُوا وَاخْتَلَفُوا وَتَاهُوا قَالَ مُعَاوِيَةُ فَاقْرَؤوا الْقُرْآنَ وَلا تَرْوُوا شَيْئاً مِمَّا أَنْزَلَ اللّه‌ُ فِيكُمْ

وَمِمَّا قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ وَارْوُوا مَا سِوَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ اللّه‌ُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ: «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِوءُا نُورَ اللّه‌ِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللّه‌ُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ»(1)قَالَ مُعَاوِيَةُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ اكْفِنِي نَفْسَكَ وَكُفَّ عَنِّي لِسَانَكَ وَإِنْ كُنْتَ لابُدَّ فَاعِلاً فَلْيَكُنْ سِرّاً فَلا تُسْمِعْهُ أَحَداً عَلانِيَةً ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اشْتَدَّ الْبَلاءُ بِالاْءَمْصَارِ كُلِّهَا عَلَى شِيعَةِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ بَلِيَّةً أَهْلُ الْكُوفَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ بِهَا مِنَ الشِّيعَةِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا زِيَاداً ضَمَّهَا إِلَيْهِ مَعَ الْبَصْرَةِ وَجَمَعَ لَهُ الْعِرَاقَيْنِ وَكَانَ يُتْبِعُ الشِّيعَةَ وَهُوَ بِهِمْ عَالِمٌ لأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ عَرَفَهُمْ وَسَمِعَ كَلامَهُمْ أَوَّلَ شَيْءٍ فَقَتَلَهُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ وَتَحْتَ كُلِّ حَجَرٍ وَمَدَرٍ وَأَخَافَهُمْ وَقَطَعَ الاْءَيْدِيَ وَالاْءَرْجُلَ مِنْهُمْ وَصَلَبَهُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَطَرَدَهُمْ وَشَرَّدَهُمْ حَتَّى انْتَزَحُوا عَنِ الْعِرَاقِ فَلَمْ يَبْقَ بِهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلاّ مَقْتُولٌ أَوْ مَصْلُوبٌ أَوْ طَرِيدٌ أَوْ هَارِبٌ وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُمَّالِهِ وَوُلاتِهِ فِي جَمِيعِ الاْءَرَضِينَ وَالاْءَمْصَارِ أَنْ لا يُجِيزُوا لأَحَدٍ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَلا مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلا مِنْ أَهْلِ وَلايَتِهِ الَّذِينَ يَرْوُونَ فَضْلَهُ وَيَتَحَدَّثُونَ بِمَنَاقِبِهِ شَهَادَةً وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ انْظُرُوا مَنْ قِبَلَكُمْ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ وَمُحِبِّيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَهْلِ وَلايَتِهِ الَّذِينَ يَرْوُونَ فَضْلَهُ وَيَتَحَدَّثُونَ بِمَنَاقِبِهِ فَادْنُوا مَجَالِسَهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ وَقَرِّبُوهُمْ وَشَرِّفُوهُمْ وَاكْتُبُوا إِلَيَّ بِمَا يَرْوِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيهِ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى أَكْثَرُوا فِي عُثْمَانَ الْحَدِيثَ وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِالصِّلاتِ وَالْكِسَى وَأَكْثَرَ لَهُمُ الْقَطَائِعَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْمَوَالِي فَكَثُرُوا فِي كُلِّ مِصْرٍ وَتَنَافَسُوا فِي الْمَنَازِلِ وَالضِّيَاعِ وَاتَّسَعَتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَأْتِي عَامِلَ مِصْرٍ مِنَ الاْءَمْصَارِ وَلا قَرْيَةٍ فَيَرْوِي فِي.


1) التوبة: 32.

عُثْمَانَ مَنْقَبَةً أَوْ يَذْكُرُ لَهُ فَضِيلَةً إِلاّ كُتِبَ اسْمُهُ وَقُرِّبَ وَشُفِّعَ فَمَكَثُوا بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللّه‌ُ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ قَدْ كَثُرَ فِي عُثْمَانَ وَفَشَا فِي كُلِّ مِصْرٍ وَمِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَادْعُوهُمْ إِلَى الرِّوَايَةِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَإِنَّ فَضْلَهُمَا وَسَوَابِقَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ وَأَقَرُّ لِعَيْنِي وَأَدْحَضُ لِحُجَّةِ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَأَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنَاقِبِ عُثْمَانَ وَفَضْلِهِ فَقَرَأَ كُلُّ قَاضٍ وَأَمِيرٍ مِنْ وُلاتِهِ كِتَابَهُ عَلَى النَّاسِ وَأَخَذَ النَّاسُ فِي الرِّوَايَاتِ فِيهِمْ وَفِي مَنَاقِبِهِمْ ثُمَّ كَتَبَ نُسْخَةً جَمَعَ فِيهَا جَمِيعَ مَا رُوِيَ فِيهِمْ مِنَ الْمَنَاقِبِ وَالْفَضَائِلِ وَأَنْفَذَهُمَا إِلَى عُمَّالِهِ وَأَمَرَهُمْ بِقِرَاءَتِهَا عَلَى الْمَنَابِرِ فِي كُلِّ كُورَةٍ وَفِي كُلِّ مَسْجِدٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُنْفِذُوا إِلَى مُعَلِّمِي الْكَتَاتِيبِ أَنْ يُعَلِّمُوهَا صِبْيَانَهُمْ حَتَّى يَرْوُوهَا وَيَتَعَلَّمُوهَا كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ حَتَّى عَلَّمُوهَا بَنَاتِهِمْ وَنِسَاءَهُمْ وَخَدَمَهُمْ وَحَشَمَهُمْ فَلَبِثُوا بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللّه‌ُ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عمال [عُمَّالِهِ] نُسْخَةً وَاحِدَةً إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ انْظُرُوا مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ يُحِبُّ عَلِيّاً وَأَهْلَ بَيْتِهِ فَامْحُوهُ مِنَ الدِّيوَانِ وَلا تُجِيزُوا لَهُ شَهَادَةً ثُمَّ كَتَبَ كِتَاباً آخَرَ مَنِ اتَّهَمْتُمُوهُ وَلَمْ تُقَمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَاقْتُلُوهُ فَقَتَلُوهُمْ عَلَى التُّهَمِ وَالظَّنِّ وَالشُّبَهِ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ حَتَّى لَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَسْقُطُ بِالْكَلِمَةِ فَيُضْرَبُ عُنُقُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْبَلاءُ فِي بَلَدٍ أَكْبَرَ وَلا أَشَدَّ مِنْهُ بِالْعِرَاقِ وَلا سِيَّمَا بِالْكُوفَةِ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَمِمَّنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا لَيَأْتِيهِ مَنْ يَثِقُ بِهِ فَيَدْخُلُ بَيْتَهُ ثُمَّ يُلْقَى عَلَيْهِ سِتْرٌ فَيَخَافُ مِنْ خَادِمِهِ وَمَمْلُوكِهِ فَلا يُحَدِّثُهُ حَتَّى يَأْخُذَ عَلَيْهِ الاْءَيْمَانَ الْمُغَلَّظَةَ لَيَكْتُمَنَّ عَلَيْهِ وَجُعِلَ الاْءَمْرُ لا يَزْدَادُ إِلاّ شِدَّةً وَكَثُرَ عِنْدَهُمْ عَدُوُّهُمْ وَأَظْهَرُوا أَحَادِيثَهُمُ الْكَاذِبَةَ فِي أَصْحَابِهِمْ مِنَ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ فَيَنْشَأُ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ وَلا يَتَعَلَّمُونَ إِلاّ مِنْهُمْ وَمَضَى عَلَى ذَلِكَ قُضَاتُهُمْ وَوُلاتُهُمْ وَفُقَهَاوءُهُمْ وَكَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ بَلاءً وَفِتْنَةً الْقُرَّاءُ الْمُرَاؤونَ

الْمُتَصَنِّعُونَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ لَهُمُ الْحُزْنَ وَالْخُشُوعَ وَالنُّسُكَ وَيَكْذِبُونَ وَيُعَلِّمُونَ الاْءَحَادِيثَ لِيَحْظَوْا بِذَلِكَ عِنْدَ وُلاتِهِمْ وَيَدْنُوْا لِذَلِكَ مَجَالِسَهُمْ وَيُصِيبُوا بِذَلِكَ الاْءَمْوَالَ وَالْقَطَائِعَ وَالْمَنَازِلَ حَتَّى صَارَتْ أَحَادِيثُهُمْ تِلْكَ وَرِوَايَاتُهُمْ فِي أَيْدِي مَنْ يَحْسَبُ أَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّهَا صِدْقٌ فَرَوَوْهَا وَقَبِلُوهَا وَتَعَلَّمُوهَا وَعَلَّمُوهَا وَأَحَبُّوا عَلَيْهَا وَأَبْغَضُوا وَصَارَتْ بِأَيْدِي النَّاسِ الْمُتَدَيِّنِينَ الَّذِينَ لا يَسْتَحِلُّونَ الْكَذِبَ وَيُبْغِضُونَ عَلَيْهِ أَهْلَهُ فَقَبِلُوهَا وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا حَقٌّ وَلَوْ عَلِمُوا أَنَّهَا بَاطِلٌ لَمْ يَرْوُوهَا وَلَمْ يَتَدَيَّنُوا بِهَا فَصَارَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بَاطِلاً وَالْبَاطِلُ حَقّاً وَالصِّدْقُ كَذِباً وَالْكَذِبُ صِدْقاً وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لَتَشْمَلَنَّكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُوا فِيهَا الْوَلِيدُ وَيَنْشَأُ فِيهَا الْكَبِيرُ تَجْرِي النَّاسُ عَلَيْهَا وَيَتَّخِذُونَهَا سُنَّةً فَإِذَا غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قَالُوا أَتَى النَّاسُ مُنْكَراً غُيِّرَتِ السُّنَّةُ فَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه‌السلام لَمْ يَزَلِ الْفِتْنَةُ وَالْبَلاءُ يَعْظُمَانِ وَيَشْتَدَّانِ فَلَمْ يَبْقَ وَلِيٌّ للّه‌ِِ إِلاّ خَائِفاً عَلَى دَمِهِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إِلاّ خَائِفاً عَلَى دَمِهِ أَنَّهُ مَقْتُولٌ وَإِلاّ طَرِيداً وَلَمْ يَبْقَ عَدُوٌّ للّه‌ِِ إِلاّ مُظْهِراً الْحُجَّةَ غَيْرَ مُسْتَتِرٍ بِبِدْعَتِهِ وَضَلالَتِه، الحديث(1).

أليس معاوية هو صاحب تلكم الموبقات والجرءة على اللّه وعلى الاسلام ونبيه وكتابه وسنته. سنة اللّه التي لا تبديل لها؟ !

أليس هو الهاتك حرمات اللّه والمصغر قدر أوليائه، والمريق دمائهم الزكية، والدوءوب على الظلم والجور بإزهاق النفوس البريئة من غير جرم؟ «وَمَنْ يَقْتُلْ مُوءْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاوءُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّه‌ُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً»(2)..


1) كتاب سليم بن قيس: 777/2، ح26 والاحتجاج: 293/2؛ بحار الأنوار: 173/33، ح456

2) النساء: 93.

أليس هو من آذى اللّه ورسوله في الصالحين من رجالات الأمة وعدول الصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان، المحرمة دماوءهم وأقدارهم وحرماتهم بزجهم إلى أعماق السجون، وإبعادهم عن عقر دورهم وإخافتهم؟ «إِنَّ الَّذِينَ يُوءْذُونَ اللّه‌َ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّه‌ُ فِي الدُّنْيَا وَالاْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً * وَالَّذِينَ يُوءْذُونَ الْمُوءْمِنِينَ وَالْمُوءْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً»(1).

أليس هو من آذى رسول اللّه في أهل بيته بإثارة الحرب على صنوه ونفسه وخليفته حقا؟ وكان من واجبه أن يخضع له ويتحرى مرضاته، «وَالَّذِينَ يُوءْذُونَ رَسُولَ اللّه‌ِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»(2).

أليس هو الذي لم يراقب حرمة الرسول الأعظم في ذوي قرباه وصغرها بسب أبي ولده، وأمر الملأ الديني بتلك الجريمة الموبقة، واتخذها سنة متبعة، وقذف من طهره الجليل بالأفائك والمفتريات؟

أليس هو السباق الأول في المآثم الجمة المخزية؟ أول من باع الخمر وشربها من الخلفاء؟ والخمر وشاربها وبايعها ومشتريها ملعون ملعون.

أول من أشاع الفاحشة في الملأ الاسلامي؟ «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْآخِرَةِ وَاللّه‌ُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ»(3).

أول من أحل الربا وأكله؟ «الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّه‌ُ الْبَيْعَ.


1) الاحزاب: 58 - 57

2) التوبة: 61

3) النور: 20.

وَحَرَّمَ الرِّبَا»(1)، وآكل الربا وموكله ملعون بلسان النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أول من أتم الصلاة في السفر تقديسا لأحدوثة ابن عمه؟ !.

أول من أحدث الأذان في صلاة العيدين؟ !.

أول من رأى الجمع بين الأختين إحياء لما ذهب إليه عثمان؟ !

أول من غير السنة في الديات وأدخل فيها ما ليس منها؟ !.

أول من ترك التكبير في الصلوات عند كل هوي وانتصاب وهي سنة ثابتة؟ !

أول من ترك التلبية وأمر به خلافا لعلي أمير الموءمنين عليه‌السلام العامل بسنة اللّه ورسوله؟ !

أول من قدم الخطبة على الصلاة في العيد لإسماع الناس سب علي عليه‌السلام ؟ وقد صح عن نبي الاسلام: من سب عليا فقد سبه، ومن سبه فقد سب اللّه.

أول من عصى ربه بترك حدوده وإقامة سنته؟ «وَمَنْ يَعْصِ اللّه‌َ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ»(2).

أول من نقض حكم العاهر، وأحيى طقوس الجاهلية، وخالف دين محمد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله والولد للفراش وللعاهر الحجر؟!

أول من تختم باليسار؟ فأخذ المراونة بذلك إلى أن نقله السفاح إلى اليمين فبقي إلى أيام الرشيد فنقله إلى اليسار(3).

أول من سن سب علي عليه‌السلام وقنت به وجعله سنة جارية في خلفه الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، وشوه خطب المنابر بذلك الحادث المخزي؟ !..


1) البقرة: 275

2) النساء: 19

3) ربيع الابرار: 439/4.

أول من بغى على إمام وقته وحاربه وقاتله وقتل أمة كبيرة من صلحاء الصحابة البدريين وأهل بيعة الشجرة الذين رضي اللّه عنهم ورضوا عنه؟ !.

أول من أعطى المال لوضع الحديث وتحريف كتاب اللّه وكلمته الطيبة عن مواضعها؟ !

أول من اشترط البراءة عن علي عليه‌السلام على من بايعه في خلافته الغاشمة أو في ملكه العضوض؟ !

أول من حمل إليه رأس الصحابي العادل عمرو بن الحمق وأدير به في البلاد؟ !

أول من قتل عدول الصحابة الأولين والتابعين لهم بإحسان من عيون الأمة وعبادها ونساكها لمحض ولائهم سيد العترة، وقد جعله اللّه أجر رسالة نبيه الخاتم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ؟ !

أول من قتل نساء كل من والى أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وذبح صبيانهم، ونهب أموالهم، ومثل قتلاهم وشتت شملهم، وفرق جمعهم، واستأصل شأفتهم، ونفاهم عن عقر دورهم، وأبادهم تحت كل حجر ومدر؟ !

أول من عبثت به رعيته، وسن العمل بالشهادات المزورة، وسلط رجال الشر والغي والجور على صلحاء أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ؟ !

أول من هم بنقل منبر رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عن المدينة المشرفة إلى الشام؟ ! ولما حرك المنبر خسفت الشمس فترك(1).

أول من بدل الخلافة الإسلامية إلى شر ملك وسلطة سوء؟ !

أول من ملك وتجبر في الاسلام بلبس الحرير والديباج، وشرب في آنية.


1) البداية والنهاية لابن كثير: 49/8.

الذهب والفضة، وركب السروج المحلاة بهما؟ !

أول من سمع الغناء وطرب عليه وأعطى ووصل إليه وهو يرى نفسه أمير الموءمنين؟ !

أول من هتك دين اللّه باستخلاف جروه الفاجر المستهتر التارك للصلاة؟ !

أول من أشن الغارة على مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حرم أمن اللّه، وأخاف أهليها، وما رعى حرمة ذلك الجوار المقدس؟!

إلى جرائم وبوائق تجد الرجل فيها هو السابق الأول إليها؟ !(1)

وَاللّه‌ِ لا يَزَالُونَ، حَتَّى لا يَدَعُوا للّه‌ِِ مُحَرَّماً إِلاّ اسْتَحَلُّوهُ

قتل خداش الكندي - وكان عاملا لخالد القسري - غلاما فطولب خالد بالقود منه.

فقال: لئن أقدت من عاملي لأقيدنّ من نفسي، ولئن أقدت من نفسي ليقيدنّ الخليفة من نفسه، ولئن أقاد الخليفة من نفسه ليقيدنّ النبيّ من نفسه، ولئن قاد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من نفسه هاه هاه(2)يعرّض باللّه تعالى(3).

و كان خالد القسري يقول: لو أمرني الخليفة لنقضت الكعبة حجرا حجرا ونقلتها إلى الشام(4)وكانت أمّه نصرانية - فبنى لها كنيسة في ظهر قبلة الجامع بالكوفة فكان إذا أراد الموءذّن أن يوءذّن ضرب لها بالناقوس، وإذا قام الخطيب على المنبر.


1) الغدير (الشيخ الأمينى): 71/11

2) هاه هاه: حكاية لضحك الضاحك

3) الأغاني: 280/22

4) الأغاني: 282/22.

رفع النصارى أصواتهم بقراءتهم(1)، وكان يولّي النصارى، والمجوس على المسلمين، ويأمرهم بامتهانهم وضربهم، وكان أهل الذمة يشترون الجواري المسلمات ويطئوهن، فيطلق لهم ذلك، ولا يغيّر عليهم وصعد المنبر فقال: إلى كم يغلب باطلنا حقكم أما آن لربّكم أن يغضب لكم؟(2)وكان يسمّي زمزم: أم الجعلان(3).(4)

وخطب خالد القسرى بمكة وقد أخذ بعض التابعين، فحبسه في دور آل الحضرمي، فأعظم الناس ذلك وأنكروه، فقال: قد بلغني ما أنكرتم من أخذي عدوّ الخليفة ومن حاربه، واللّه لو أمرني أن أنقض هذه الكعبة حجرا حجرا لنقضتها، واللّه لأمير الموءمنين هشام أكرم على اللّه من أنبيائه عليهم‌السلام ، ولعن اللّه تعالى خالدا وأخزاه.

قال خالد بن عبداللّه، وذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أيّما أكرم عندكم على الرجل: رسوله في حاجته أو خليفته في أهله؟ يعرّض بأنّ هشاما خير من النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله (5).

و في كتاب (عبّاسية الجاحظ): «تفخر هاشم عليهم (أى على بني امية) بأنّهم لم يهدموا الكعبة فلم يحوّلوا القبلة ولم يجعلوا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله دون الخليفة، ولم يختموا في أعناق الصحابة، ولم يغيّروا أوقات الصلاة ولم ينقشوا أكفّ المسلمين، ولم يأكلوا الطعام، ولم يشربوا على منبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، ولم ينهبوا الحرم، ولم يطئوا المسلمات في دار الاسلام بالسباء»(6). .


1) الأغاني: 280/22

2) الأغاني: 281/22

3) الجعلان: جمع جعل‌- كزفر- وهو حيوان كالخنفساء يكثر في الأماكن الندية

4) الأغاني: 282/22

5) الأغاني: 282/22

6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 240/15.

و في كتاب (افتراق هاشم، وعبدشمس) للجاحظ: «قال ابن أبي روءبة الدباس: كان بنو اميّة في ملكهم يوءذّنون، ويقيمون في العيد، ويخطبون قبل الصلاة، وكانوا في ساير صلواتهم لا يجهرون بالتكبير في الركوع والسجود، وكان لهشام خصيّ إذا سجد، وهو يصلّي في المقصورة، قال: لا إله إلاّ اللّه ليسمع الناس فيسجدون، وكانوا يقعدون في إحدى خطبتي العيد، والجمعة، ورأى كعب مروان يخطب وهو قاعد. فقال: انظروا إلى هذا واللّه يقول: «وَتَرَكُوكَ قائِماً»(1)وأوّل من قعد في الخطب معاوية، وأوّل من أذّن وأقام في العيد بشر بن مروان، وكان عمّال بني اميّة يأخذون الصدقة من الخيل، وربما دخلوا دارا الرجل قد نفق فرسه أو باعه فإذا أبصروا الأخبية قالوا: قد كان هاهنا فرس فهات صدقتها، وكانوا يوءخّرون صلاة الجمعة تشاغلا عنا بالخطبة، ويطيلون فيها إلى أن يتجاوز وقت العصر، وتكاد الشمس تصفرّ. فعل ذلك الوليد بن عبدالملك، ويزيد بن عبدالملك والحجّاج، ووكّل بهم الحجّاج والسيوف على روءوسهم فلا يستطيعون، أن يصلّوا.

و فيه: خطب الحجّاج فذكر الّذين يزورون قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: تبّا لهم إنّما يطوفون بأعواد ورمّة بالية هلاّ طافوا بقصر الخليفة عبدالملك ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله وكان الوليد بن يزيد يصلّى إذا صلّى أوقات إفاقته إلى غير القبلة فقيل له فقرأ: «فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه‌ِ»(2).

وفيه: وكانت بنو اميّة تبيع الرجل في الدين يلزمه، وترى أنّه بذلك يصير رقيقا. كان معن - أبو عمير بن معن الكاتب - حرّا مولى لبني العنبر فبيع في دين عليه فاشتراه أبو سعيد بن زياد بن عمرو العتكي. وباع الحجّاج عليّ بن بشير بن.


1) الجمعة: 11

2) البقرة: 115.

الماخور - لكونه قتل رسول المهلب - على رجل من الأزد، وكانوا يسبّون ذراري الخوارج من العرب وغيرهم. فلمّا قتل قريب وزحاف الخارجيان سبى زياد ذراريهما. فأعطى شقيق بن ثور السدوسي إحدى بناتهما وأعطى عباد ابن حصين الاخرى، وسبيت بنت لعبيدة بن هلال اليشكري، وبنت لقطري بن الفجاءة المازني. فصارت إلى العبّاس بن الوليد فوطأها بملك اليمين. فولدت له الموءمل، ومحمّدا وإبراهيم وأحمد وحصينا.

و أيضا سبي واصل بن عمرو القنا واسترقّ، وكذلك سبي سعيد الصغير الحروري واسترقّ، وكانت امّ يزيد بن عمر بن هبيرة من سبي عمّان الّذين سباهم مجاعة. وبايع مسلم بن عقبة أهل المدينة كافة، وفيها بقايا الصحابة وصلحاء التابعين على أنّ كلاّ منهم عبدقنّ ليزيد إلاّ عليّ بن الحسين عليه‌السلام فإنّه بايعه على أنّه أخوه وابن عمّه(1).

وكان ليزيد قرد يكنى بأبي قيس يحضره مجلس المنادمة، ويطرح له متكأ وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت، وذلّلت لذلك بسرج ولجام، ويسابق بها الخيل يوم الحلبة. فجاء في بعض الأيام سابقا فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل، وعليه قباء من الحرير الأحمر، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمّع(2).

وقرأ الوليد بن يزيد ذات يوم: «وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ»(3)فدعا بالمصحف فنصبه غرضا للنشاب، وأقبل 6.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 240/15 - 242

2) مروج الذهب: 67/3

3) ابراهيم: 15 - 16.

يرميه وهو يقول:

أتوعد كلّ جبّار عنيد***فها أنا ذاك جبّار عنيد

إذا ما جئت ربّك يوم حشر***فقل يا ربّ خرّقني الوليد

وذكر المبرّد أنّ الوليد ألحد في شعر له:

تلعّب بالخلافة هاشمي***بلا وحي أتاه ولا كتاب

فقل للّه يمنعني طعامي***وقل للّه يمنعني شرابي

فلم يمهل بعد قوله إلاّ أيّاما حتّى قتل(1).

فيه: وغنّاه ابن عائشة بقول الشاعر:

إنّي رأيت صبيحة النحر***حورا نفين عزيمة الصبر

و طلب منه اعادته بحقّ آبائه من عبدشمس إليه. فأعاد في كلّ، فقام إليه وأكبّ عليه، ولم يبق عضوا من أعضائه إلاّ قبّله وأهوى إلى أيره فجعل ابن عايشة يضمّ نفسه. فقال الوليد: لا زلت فقبّل رأسه، وقال: واطرباه ونزع ثيابه فألقاها على ابن عايشة، وبقي مجرّدا إلى أن أتوه بثياب، وحمله على بغلة، وقال: اركبها على بساطي. فقد تركتني على أحرّ من جمر الغضى.

قال: وقد كان ابن عائشة غنّى بهذا الشعر أباه يزيد بن عبدالملك، فأطربه وقيل: إنه ألحد، وكان في ما قال لساقيه: اسقنا بالسماء الرابعة(2).

وعن (تاريخ الخميس)، وفي (الأغانى): وجد الوليد بن يزيد ابنته خالية فبرك عليها وأزال بكارتها. فقيل له: هذا دين المجوس. فأنشد:

من راقب الناس مات غما وفاز باللّذة الجسور3.


1) مروج الذهب: 216/3

2) مروج الذهب: 215/3.

ونكح امّهات أولاد أبيه(1).

وفي (رسالة ابن القارح): أنفذ الوليد إلى مكّة بنّاء مجوسيّا ليبني له على الكعبة مشربة. فمات قبل تمام ذلك فكان الحجاج يقولون: لبّيك اللّهمّ لبّيك لبّيك يا قاتل الوليد بن يزيد لبّيك، وكان يشرب على سطح وبين يديه باطية كبيرة بلور فيها أقداح، فقال لندمائه: أين القمر الليلة فقال بعضهم في الباطية: فقال: صدقت أتيت على ما في نفسي، واللّه لأشربن الهفتجة - يعني شرب سبعة أسابيع متتابعة - . فقتل بها قال: ورأيت رأسه في الباطية الّتي أراد أن يهفتج بها(2).

وأذّن للصبح، وكان الوليد يشرب مع جارية له، فوطأها ثمّ ألبسها لباسه، فأخرجها سكرانة جنبة، فصلّت بالناس(3).

وأراد هشام قطع ندماء الوليد عنه فولاّه الحج سنة (119). فحمل معه كلابا في صناديق فسقط منه صندوق عن البعير، وفيه كلب‌فأجالوا على الكريّ السياط. فأوجعوه ضربا، وحمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه خمرا، وأراد أن ينصب القبة على الكعبة، ويجلس فيها فخوّفه أصحابه، وقالوا: لا نأمن الناس عليك وعلينا، وتمادى في الشراب، وطلب اللذّات فأفرط. فقال له هشام: فو اللّه ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا. ما تدع شيئا من المنكر إلاّ أتيته.


1) الأغاني: 45/7؛ تاريخ الخميس في احوال انفس النفيس: 320/2. (تاريخ الخميس في احوال انفس النفيس: حسين محمد الديار بكرى (المتوفى 966 ق)، 2 مجلد، دار صادر، بيروت)

2) رسالة ابن القارح: 198 - 199 ومجلة المقتبس: 6/56

3) حياة الحيوان للدميرى: 108/1 والأغاني: 36/7.

غير متحاش ولا مستتر به - وكان مسلمة بن هشام يكنّى أبا شاكر، وكان يشرب - فكتب إليه الوليد:

يا أيّها السائل عن ديننا***نحن على دين أبي شاكر

نشربها صرفا وممزوجة***بالسخن أحيانا وبالفاتر(1)

وفي (الأغانى): في خروج يزيد على الوليد وإحاطة جنده بقصره قال لهم الوليد من وراء الباب: أما فيكم رجل شريف اكلّمه. فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي: كلّمني. فقال له الوليد: ما تنقمون منّي ألم أزد في أعطياتكم وأعطية فقرائكم، واخدمت زمناكم، ودفعت عنكم الموءن فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا شيئا، ولكن ننقم عليك انتهاك ما حرّم اللّه، وشرب الخمور، واستخفافك بأمر اللّه - إلى أن قال: - قال عمر الوادي: كنت اغنّي الوليد:

كذبتك نفسك أم رأيت بواسط***غلس الظلام من الرباب خيالا

فما أتممت الصوت حتّى رأيت رأسه فارق بدنه، ويتشحط في دمه(2).

وقال ابن حنظلة غسيل الملائكه: واللّه ما خرجنا على يزيد بن معاوية حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء أنّ رجلا ينكح الامّهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة، واللّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت اللّه فيه بلاء حسنا(3)وقذفه الكعبة بالمجانيق في محاصرة ابن الزبير، واحراقه البيت واحراق قرني الكبش الّذي فدى اللّه به إسماعيل وكانا في السقف(4). .


1) تاريخ الطبري: 520/5، سنة 125

2) الأغاني: 7/ 58 - 59

3) الزام الناصب: 232/1

4) مروج الذهب: 71/3 وصحيح مسلم: 98/4 والبداية والنهاية: 158/1.

وعن المدائني قال هشام بن حسان: ولدت ألف امرأة بعد الحرّة من غير زوج(1). قال: ورأيت في تاريخ عبدالملك العصامي أنّ رجلا من أهل الشام وقع على امرأة في المسجد النبوي ولم يجد خرقة ينظف بها، ووجد ورقة من القرآن فنظّف نفسه بها(2).

ولمّا قال المسوّر بن مخرمة: إنّ يزيد يشرب الخمر، وبلغه ذلك كتب إلى أمير المدينة أن يجلده الحدّ. فجلده. فقال المسور:

أ يشربها صرفا يفكّ ختامها***أبو خالد أو يجلد الحدّ مسور(3)

وقال ابن عرادة في يزيد وقت موته:

طرقت منيته وعند وساده***كوب وزقّ راعف مرثوم

ومرّتة تبكي على نشوانة***بالصنج تقعد تارة وتقوم(4)

وقال من كان مع قحطبة: ما رأيت عسكرا قط جمع ما جمع أهل الشام باصبهان من الخيل والسلاح والرقيق. كنّا افتتحنا مدينة وأصبنا معهم ما لا يحصي من البرابط والطنابير والمزامير، ولقلّ بيت أو خباء ندخله إلاّ أصبنا فيه زكرة أو زقا من الخمر. فقال بعض الشعراء:

قرضبهم قحطبة القرضب***يدعون مروان كدعوى الرب(5)

وجاء رجل إلى سمرة - وكان على البصرة من قبل معاوية - فأدّى زكاة ماله ثمّ دخل فجعل يصلّي في المسجد. فجاء رجل فضرب عنقه فإذا رأسه في المسجد.


1) البداية والنهاية: 221/8

2) الزام الناصب: 233/1

3) المعارف لابن قتيبة: 429

4) تاريخ الطبري: 421/4، سنة 65

5) تاريخ الطبري: 66/6/ سنه 131.

وبدنه ناحية. فمرّ أبو بكرة فقال: يقول اللّه سبحانه: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى»(1)فما مات سمرة حتّى أخذه زمهريرة فمات شرّ ميتة. وأتي (سمرة) بناس كثير واناس بين يديه. فيقول للرجل ما دينك فيقول «أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله وأني بريء من الحرورية» فيقدّم فيضرب عنقه حتّى مرّ بضعة وعشرون(2).

و استخلف زياد سمرة على البصرة، وأتى الكوفة فجاء زياد وقد قتل ثمانية آلاف من الناس. فقال له: هل تخاف أن تكون قتلت بريئا قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت، وقال أبو سوار العدوي: قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن(3).

ولمّا ولي الوليد بن يزيد لهج بالغناء والشراب، وحمل المغنّين اليه(4)وارسل إلى اشعب فجاءوا به فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب فلما رآه الوليد كشف عن أيره، وكان كأنّه مزمار مدهون. فقال: أرأيت مثله قال: لا قال: فاسجد له. فسجد ثلاثا. فقال: ما هذا فقال واحدة له وثنتين لخصييك، فضحك وأمر له بجائزة(5)، ولمّا ولي بعث إلى جماعة من أهله. فقال: أ تدرون لم دعوتكم قالوا: لا قال:

أشهد اللّه والملائكة الأبرار***والعابدين الصلاح

أنّني اشتهي السماع وشرب الكأس***والعض للخدود الملاح .


1) الأعلى: 14 - 15

2) تاريخ الطبري: 217/4، سنة 53

3) تاريخ الطبري: 176/4، سنة 50

4) الأغاني: 35/7

5) الأغاني: 116/19.

والنديم الكريم والخادم الفاره***يسعى عليّ بالاقداح

قوموا إذا شئتم(1).

ولمّا أقبل الوليد على القصف والعسف مع المغنّين مثل مالك ومعبد وابن عائشة كان نديمه القاسم بن الطويل العبادي وكان أديبا شاعرا. فكان لا يصبر عنه‌- فغنّاه معبد ذات يوم شعر عدي فطرب، وجعل يشرب إلى أن غلب عليه السكر. فنام في موضعه فانصرف ابن الطويل. فلمّا أفاق الوليد سأل عنه. فلمّا عرف انصرافه غضب وقال - وهو سكران - لغلام كان واقفا على رأسه: إيتني برأسه. فمضى، وأتاه به فجعله في طست بين يديه. فلمّا رآه، أنكره، وسأل عن الخبر. فعرّف، فندم على ما فرط منه، ولم يعش بعده إلاّ مديدة حتّى قتل(2).

وفي (تاريخ الطبري) - في خروج بهلول الملقب كثارة في زمن هشام - خرج، بهلول يريد الحج. فأمر غلامه أن يبتاع له خلا بدرهم فجاءه بخمر فأمر الغلام بردها، وأخذ الدرهم فلم يجب. فجاء إلى عامل القرية فقال له العامل «الخمر خير منك ومن قومك» فعزم على الخروج. فلقي بمكّة من كان على مثل رأيه فاجتمعوا في قرية من الموصل، وهم أربعون وأمّروه فانتهوا إلى القرية الّتي ابتاع غلامه الخل فأعطوه الخمر. فقال: نبدأ بهذا العامل الّذي قال ما قال.

فقالوا: ننشدك اللّه أن لا تقتل هذا فيفلت منا خالد القسري الّذي يهدم المساجد، ويبنى البيع والكنائس، ويولّي المجوس على المسلمين، وينكح أهل الذمة المسلمات لعلنا نقتله فيريح اللّه منه(3). .


1) الأغاني: 18/7

2) الأغاني: 49/7 - 50

3) تاريخ الطبري: 457/5، سنة 119.

وفيه: ذكر الوليد عند المنصور فقال له، ابو بكر الهذلي عن ابن عم الفرزدق عنه قال: حضرت الوليد وعنده ندماوءه، وقد اصطبح، فقال لابن عائشة: تغنّ بشعر ابن الزبعرى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل

وقتلنا الضعف من ساداتهم***وعدلنا ميل بدر فاعتدل

فقال ابن عائشة: لا اغنّي هذا. فقال: غنّه وإلاّ جدعت لهواتك. فغنّاه. فقال: «أحسنت واللّه إنّي لعلى دين ابن الزبعري يوم قال هذا الشعر» فلعنه المنصور وجلساوءه(1).

وفي (رسالة ابن القارح): الوليد هو القائل:

إذا مت يا امّ الحنيكل فانكحى***ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا

فإنّ الّذي حدثته من لقائنا***أحاديث طسم تترك العقل واهيا(2)

وغنّى أبو كامل الوليد بن يزيد له:

أدر الكأس يمينا لا تدرها ليسار***فلقد أيقنت أنّي غير مبعوث لنار

سأروض الناس حتّى يركبوا أير الحمار***وذروا من يطلب الجنة يسعى لتبار(3)

وتكلّم بعض جلساء الوليد والمغنيّة تغنّيه. فكره ذلك، وأضجره فقال لبعض.


1) تاريخ الطبري: 337/6، سنة 158

2) رسالة ابن القارح: 198

3) الأغاني: 35/7.

جلسائه: قم فنكه. فقام فناكه والناس حضور وهو يضحك(1).

وعن الوليد البندار قال: حججت مع الوليد بن يزيد. فلمّا أراد أن يخطب الناس قلت: إنّ اليوم يوم يشهده الناس من جميع الآفاق، واريد أن تشرفني بشيء. قال: وما هو؟ قلت: إذا علوت المنبر دعوت بي فيتحدث الناس بذلك وبأنّك أسررت إليّ شيئا. فقال: أفعل. فلمّا جلس على المنبر قال: يا بندار. فقمت إليه فأخذ باذني ثمّ قال: البندار ولد زنا، والوليد ولد زنا، وكلّ من ترى حولنا ولد زنا أفهمت؟ انزل الآن(2).

عن امير الموءمنين عليه‌السلام قال: لكل أمة آفة وآفة هذه الأمة بنوأمية(3).

وَلا عَقْداً إِلاّ حَلُّوهُ

بعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن الزبير. فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكّة، وهم كارهون للخروج. فقال لهم: إما أن تأتوا ببدل، وإما أن تخرجوا. فجاءه رجل ببدل، وقال لبدله: هل لك أن أزيدك خمسمائة اخرى، وتنكح امّك فقال له: أما تستحي. فقال: إنّما حرّمت عليك امك في مكان واحد من القرآن، وحرّمت عليك الكعبة في كذا وكذا مكان من القرآن، وقال لعمرو: قد جئتك برجل لو أمرته أن ينكح امّه لنكحها(4)

وَحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ

أي بلد. .


1) نثر الدر في المحاضرات: 46/3. (نثر الدر في المحاضرات: ابو سعد الآبى، 7 مجلد)

2) الأغاني: 44/7

3) كنز العمال: 364/11، ح31755

4) الامامة والسياسة (تحقيق الزينى): 3/2.

وَلا وَبَرٍ

أي أهل الخيام.

إِلاّ دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَنَبَا بِهِ

في (الصحاح): «نبا بفلان منزله: إذا لم يوافقه»(1).

سُوءُ رَعْيِهِمْ

كان يقال: لاياد «الطبق» لإطباقهم بالشر والعرام على الناس...(2).

قال الفرزدق مخاطبا للوليد بن عبدالملك كما في ديوانه:

فكيف بعامل يسعى علينا***يكلّفنا الدراهم في البدور

وأنّي بالدراهم وهي منّا***كرافع راحتيه إلى العبور

إذا سقنا الفرائض لم يردها***وصدّ عن الشويهة والبعير(3)

وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ

انّ النّاس باجمعهم يبكون سواء كانوا من اهل الدّنيا أم من أهل الآخرة وذلك لانّ حكومتهم توجب فساد الدّين والدّنيا.

بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ

ذكر ضمرة بن ربيعة عن أبي شوذب أنّ عمّال الحجّاج كتبوا إليه أنّ الخراج قد.


1) الصحاح: 2500/6 مادة (نبأ)

2) انساب الاشراف (البلاذرى): 28/1، ش 54

3) ديوان الفرزدق: 285/1.

انكسر، وأنّ أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار. فكتب إلى البصرة وغيرها، أنّ من كان له أصل في قرية فليخرج إليها فخرج الناس فعسكروا. فجعلوا يبكون وينادون يا محمّداه يا محمّداه، وجعلوا لا يدرون أين يذهبون. فجعل قرّاء أهل البصرة يخرجون إليهم متقنّعين فيبكون لما يسمعون منهم ويرون(1).

وَبَاك يَبْكِي لِدُنْيَاهُ

في (تاريخ الطبري) - في هزيمة ابن الأشعث بمسكن - وجعل الحجّاج يقتل من وجد منهم حتّى قتل أربعة آلاف، فيقال: إنّ في من قتل، عبداللّه بن شداد بن الهاد، وبسطام بن مصقلة بن هبيرة، وعمرو بن ضبيعة الرقاشي، وبشر بن المنذر بن الجارود العبدي، والحكم بن مخرمة العبدي وبكير بن ربيعة الضبي. فاتي الحجّاج برءوسهم على ترس - إلى أن قال: - قال الحجّاج: يا غلام ضع هذا الترس بين يدي مسمع بن مالك. فوضع بين يديه. فبكى. فقال له الحجّاج: ما أبكاك أحزنا عليهم قال: بل جزعا عليهم من النار(2).

ومكث النوح على أهل الحرّة سنة لا يهدءون وأمسكوا عن لبس المصبوغ(3).

وفي ديوان الفرزدق مخاطبا للوليد:

فلو سمع الخليفة صوت داع*** ينادي اللّه هل لي من مجير

وأصوات النساء مقرنات***وصبيان لهن على الحجور(4).


1) تاريخ الطبري: 182/5، سنة 83

2) تاريخ الطبري: 184/5، سنة 83

3) الامامة والسياسة (تحقيق الزينى): 188/1

4) ديوان الفرزدق: 285/1.

وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ أَطَاعَهُ وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ

أراد الحجّاج الحجّ. فقال: يا أهل العراق استعملت عليكم ابني، وقد أوصيته خلاف وصية النبيّ بالأنصار ألاّ يقبل من محسنكم، ولا يتجاوز عن مسيئكم، وقد علمت أنّي إذا ولّيت عنكم تقولون: لا أحسن اللّه له الصحابة، وأنا أعجّل لكم الجواب لا أحسن اللّه عليكم الخلافة(1).

واتي مسلم بن عقبة بيزيد بن وهب بن زمعة. فقال: بايع قال: على سنّة عمر. قال: اقتلوه. قال: أنا ابايع. قال: لا واللّه لا اقيلك عثرتك: فكلّمه مروان لصهر كان بينهما. فأمر بمروان فوجئت عنقه ثمّ قال: بايعوا على أنّكم خول ليزيد ثم أمر به فقتل (2).

وَحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً

أي تعباً.

أَحْسَنُكُمْ بِاللّه‌ِ ظَنّاً

الظاهر أنّ المراد بهم شيعته عليه‌السلام وروى المدائني: أنّ معاوية كتب نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممّن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته(3). .


1) العقد الفريد: 207/4

2) تاريخ الطبري: 378/4 - 379، سنة 63

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 44/11.

فَإن أَتاكُمُ اللّه بِعافِيَةٍ فاقبلوه

أنّ أهل العراق لمّا بايعوا ابن الأشعث، وخلعوا عبدالملك لاستعمال الحجّاج عليهم بعث إليهم عبدالملك أن ينزع عليهم الحجّاج، وأن يجري عليهم اعطياتهم كأهل الشام، فاجتمع الروءساء عند ابن الأشعث فقال لهم: اعطيتم اليوم أمرا انتهازكم له فرصة، ولا آمن أن يكون غدا عليكم حسرة، إنّكم اليوم على النصف. فإن كانوا اعتدّوا بيوم الزاوية فأنتم تعتدّون عليهم بيوم تستر، فاقبلوا ما عرضوا عليكم وأنتم أعزّاء أقوياء، والقوم لكم هائبون وأنتم لهم منتقصون. فلا واللّه لا زلتم عليهم جرّاء، ولا زلتم عندهم أعزاء ما بقيتم إن كنتم قبلتم ما عرضوا عليكم. فوثبوا من كلّ جانب، وقالوا: لا واللّه لا نقبل، وأعادوا خلعه ثانية(1).

وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين

قال تعالى: «قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّه‌ِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الاْءَرْضَ للّه‌ِِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(2).

وقال تعالى: «فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ»(3).

وقال تعالى: «تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الاْءَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين»(4)..


1) تاريخ الطبري: 157/5، سنة 82

2) الأعراف: 128

3) هود: 49

4) القصص: 83.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (98): ومن خطبة له عليه‌السلام :

اشارة

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ، وَنَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ، وَنَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الاْءَدْيَانِ، كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الاْءَبْدَانِ، عِبَادَ اللّه‌ِ أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ، لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا، وَالْمُبْلِيَةِ لأَجْسَادِكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا، فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ، سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ، وَأَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ، وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ‌- أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لا يَعْدُوهُ، وَطَالِبٌ حَثِيثٌ يَحْدُوهُ، فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا فَلا تَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا، وَلا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَلا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَبُوءْسِهَا، فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ، وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ‌- وَضَرَّاءَهَا وَبُوءْسَهَا إِلَى نَفَادٍ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ، وَكُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ، أَ وَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الاْءَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَفِي آبَائِكُمُ الاْءَوَّلِينَ تَبْصِرَةٌ وَمُعْتَبَرٌ- إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ، أَ وَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لا يَبْقَوْنَ‌- أَ وَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا- يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى، فَمَيْتٌ يُبْكَى وَآخَرُ يُعَزَّى‌- وَصَرِيعٌ

مُبْتَلًى وَعَائِدٌ يَعُودُ، وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ- وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ‌- وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ‌- وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي- أَلا فَاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ‌- وَمُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ، وَقَاطِعَ الاْءُمْنِيَاتِ‌- عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ لِلاْءَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ‌- وَاسْتَعِينُوا اللّه‌َ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ، وَمَا لا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَإِحْسَانِه.

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام بهذه الخطبة فِي الْجُمُعَةِ فَقَالَ: الْحَمْدُ للّه‌ِِ الْوَلِيِّ الْحَمِيدِ الْحَكِيمِ الْمَجِيدِ الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ عَلاّمِ الْغُيُوبِ وَخَالِقِ الْخَلْقِ وَمُنْزِلِ الْقَطْرِ وَمُدَبِّرِ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ وَوَارِثِ السَّمَاوَاتِ وَالاْءَرْضِ الَّذِي عَظُمَ شَأْنُهُ فَلا شَيْءَ مِثْلُهُ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ وَاسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِهِ وَقَرَّ كُلُّ شَيْءٍ قَرَارَهُ لِهَيْبَتِهِ(1)وَخَضَعَ كُلُ شَيْءٍ لِمَلَكَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ(2)الَّذِي يُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الاْءَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ وَأَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلاّ بِأَمْرِهِ وَأَنْ يَحْدُثَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالاْءَرْضِ شَيْءٌ إِلاّ بِعِلْمِهِ نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ وَنَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ وَنَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ اللّه‌ُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ مَلِكُ الْمُلُوكِ وَسَيِّدُ السَّادَاتِ وَجَبَّارُ الاْءَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ الْقَهَّارُ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ‌- ذُو الْجَلالِ وَالاْءِكْرامِ دَيَّانُ يَوْمِ الدِّينِ رَبُّ آبَائِنَا الاْءَوَّلِينَ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ دَاعِياً إِلَى الْحَقِّ وَشَاهِداً عَلَى الْخَلْقِ فَبَلَّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ كَمَا أَمَرَهُ لا مُتَعَدِّياً وَلا.


1) أي ثبت على حالة ينبغي كونه عليها، فضمير «قراره» لذلك الشيء وهو منصوب على الظرفية، وفي الصحاح القرار: المستقر من الأرض (مراد) ويمكن ارجاع الضمير الى اللّه تعالى. والهيبة: المهابة

2) أي لسلطانه ومالكيته.

مُقَصِّراً وَجَاهَدَ فِي اللّه‌ِ أَعْدَاءَهُ لا وَانِياً وَلا نَاكِلاً(1)وَنَصَحَ لَهُ فِي عِبَادِهِ صَابِراً مُحْتَسِباً- فَقَبَضَهُ اللّه‌ُ إِلَيْهِ وَقَدْ رَضِيَ عَمَلَهُ وَتَقَبَّلَ سَعْيَهُ وَغَفَرَ ذَنْبَهُ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله (2)أُوصِيكُمْ م.


1) الوناء: الفتور والضعف والكلال والاعياء، والناكل: الضعيف، ونكل عن العدو أى جبن وضعف

2) أي أظهر سبحانه للناس أن ليس له ذنب في دعوته الى التوحيد ورفض الطواغيت حيث زعموا أنّه مخطئ في هذه الدعوة كما قيل في قوله تعالى: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه‌ُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» والا فلا ربط بين فتحه تعالى له مكّة وبين غفران ذنبه الا أن نقول: المراد بالذنب ما زعمه المشركون من جعل الالهة الها واحدا أو أنه يريد الرئاسة والسلطنة عليهم أو ما ربما يزعمه طائفة من الذين هاجروا معه بعد ما أصابهم والظاهر كما يفهم من الفقرات الماضية أن قوله عليه‌السلام »و غفر ذنبه«اشارة الى قوله تعالى»لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه‌ُ ما تَقَدَّمَ، الخ «وبعد ما ثبت في أصول المذهب عصمته صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حتى من السهو والنسيان فلابدّ من التوجيه، فقيل المراد ذنب امته لانهم منسوبون إليه. ولما لم يكن ربط بين فتحه تعالى عليه مكّة وبين غفران ذنبه تعين أن المراد بالذنب ما زعمه الأمة فبعد ما فتح اللّه سبحانه عليه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مكّة ودخله من غير دم يهريقه ولا استيصال من أهله ولا أخذهم بما قدموا من العداوة له والبغضاء وقوله «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّه‌ُ لَكُمْ» تبين للمشركين أنّه صادق في ادعائه ولا يريد الرئاسة عليهم، ولعلّ المراد بما تقدم ما كان قبل الهجرة. وأمّا ما تأخر فذلك أن طائفة من الذين هاجروا معه بل أكثرهم لما أصابتهم من جراء هذه الدعوة الشدائد والمحن والفاقة‌- والفقر والبأساء والضراء والمرض والبعد عن الوطن المألوف وفراق الاهل والاولاد وغيرها ضاق بهم ذرعا ولم يكن لهم صبر على ما أصابهم فربما ظنوا في أنفسهم ظنونا وقالوا متى نصر اللّه وجماعة منهم ظنوا أنهم قد كذبوا فبعد أن جاء النصر من عند اللّه وفتح اللّه سبحانه عليهم مكّة وخضع لهم كل شريف، وذل لهم كل متكبر وانقضت أيّام البلاء وطلع بياض المجد والرخاء وخرجوا من ضيق الدنيا الى سعتها ومن جور الزمان الى عدل الإسلام ودخل الناس في الدين أفواجا تبين لهم أنهم خاطئون في فكرتهم وهو المصيب في دعوته وسيرته والصادق في وعده ووعيده فصار ذنبه مغفورا عندهم. وقد روى الموءلّف في العيون عن الرضا عليه‌السلام «أنه سئل عن هذه الآية فقال: » لم يكن أحد عند مشركى أهل مكّة أعظم ذنبا من رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لانهم كانوا يعبدون ثلاثمائة وستين صنما فلما جاءهم بالدعوة الى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا «أَ جَعَلَ الآْلِهَةَ إِلهاً واحِداً - الى قوله - إِلاّ اخْتِلاقٌ» فلما فتح اللّه على نبيه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مكّة قال تعالى: «إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللّه‌ُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» عند مشركى مكّة بدعائك الى توحيد اللّه فيما تقدم وما تأخر لان مشركى مكّة أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكّة ومن بقى منهم لم يقدر على انكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه فصار ذنبه مغفورا عندهم بظهوره عليهم.

عِبَادَ اللّه‌ِ بِتَقْوَى اللّه‌ِوَاغْتِنَامِ مَا اسْتَطَعْتُمْ عَمَلاً بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ فِي هَذِهِ الاْءَيَّامِ الْخَالِيَةِ(1)

ينبغي للعاقل أن يتفكر في عاقبة أمره ويتزود للمنزل. (مراد)

وَبِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا تُحِبُّونَ تَرْكَهَا وَالْمُبْلِيَةِ لَكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا(2)فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَرَكْبٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنْ قَدْ قَطَعُوهُ وَأَفْضَوْا إِلَى عَلَمٍ فَكَأَنْ قَدْ بَلَغُوهُ(3)وَكَمْ عَسَى الْمُجْرَى إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يُجْرَى إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا(4)وَكَمْ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لا .

1) أي الماضية، جعل عليه‌السلام تلك الأيّام ماضية لسرعة مضيها فكانها ماضية. والرفض الترك. (المراد).

2) البلى: الخلق، وهذا كناية عن انقضاء الشباب كل يوم وحصول الضعف بالشيب في كل ساعة. (م ت)

3) قوله: «فكان قد قطعوه» «كأن» بسكون النون مخفف «كأنّ» من حروف المشبهة بالفعل، ولو كان «كان» من الافعال الناقصة لقيل: «كانوا» بالجمع ومثله «فكان قد بلغوه» والمراد بسلكوا وأفضوا أي أرادوا سلوك سبيل والافضاء والوصول الى علم ويمكن أن يراد بالعلم الجبل ويراد به العلامة، وحاصل تينك الفقرتين والفقرات الآتية أنّه لابدّ من انقضاء العمر والوصول الى ما ليس وراءه منزل، فينبغي للعاقل أن يتفكّر في عاقبة أمره ويتزوّد للمنزل. (مراد)

4) قوله: «وكم عسى المجرى الى الغاية» على صيغة اسم المفعول من أجريت الماء وغيره، وكذا «أن يجرى» على صيغة المفعول، ويحتمل أن يكون «المجرى» مصدرا وفي الصحاح قوله تعالى: «بِسْمِ اللّه‌ِ مَجْراها وَمُرْساها» هما مصدران من أجريت السفينة وأرسيت. وحاصله كثيرا ما يجرى الشيء الى غاية فيجرى حتّى يصل ذلك الشيء المجرى الى تلك الغاية فهو اما واصل وهو غافل عن الوصول أو أنّه يصل عن قريب، وادخال لفظ «عسى» للاشعار بأن أمر الدنيا من هذا القبيل لا من النادر الذي قد لا يصل الى الغاية. (مراد).

يَعْدُوهُ(1)وَطَالِبٍ حَثِيثٍ فِي الدُّنْيَا يَحْدُوهُ حَتَّى يُفَارِقَهَا(2)فَلا تَتَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا(3)وَلا تُعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا وَلا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَبُوءْسِهَا فَإِنَّ عِزَّ الدُّنْيَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ وَإِنَّ ضَرَّاءَهَا وَبُوءْسَهَا إِلَى نَفَادٍ وَكُلُّ مُدَّةٍ مِنْهَا إِلَى مُنْتَهًى وَكُلُّ حَيٍّ مِنْهَا إِلَى فَنَاءٍ وَبَلاءٍ أَ وَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الاْءَوَّلِينَ وَفِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ مُعْتَبَرٌ وَتَبْصِرَةٌ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ.


1) أي أن يكون البقاء بقاء من له يوم لا يعدوه أي لا يعدو ذلك اليوم بل ينتهى عند تمام اليوم و«كم» في الموضعين يحتمل كونها خبرية واستفهامية ومميزها محذوف، وهو مرة (مراد). وقيل: شبه عليه‌السلام أهل الدنيا بركب سلكوا طريقا ووصلوا الى غاية في المسافة قد بقى منها شيء كثير. وهذا بالحقيقة تشبيه الامتداد الزمانى بالامتداد المسافتى. وقوله عليه‌السلام «وأفضوا الى علم» أي ساروا نحو عقبة وبلغوها ولم يعلموا بلوغهم اياها، وقوله: «كم عسى المجرى الى الغاية، الخ» مميز «كم» الخبرية التي لانشاء التكثير محذوف أي المجرى الى الغاية بقرينة اسم عسى المذكور وهو قوله: «المجرى» وهو مخفف اسم مفعول من جرى أي الواصل الى غاية المسافة وخبرها «أن يجرى إليها» أى توجه الى غاية المسافة حتّى يبلغها يعنى وصل إليها وليس له شعور بوصوله اياها

2) قوله: «طالب حثيث» أي كم مرة طالب للدنيا حريص عليها يحدوه أي يسوقه حريصا حتّى يفارقها، وفي بعض النسخ «حبيب» بالباءين الموحدتين بدل «حثيث» بالمثلثتين (مراد)

3) التنافس في الشيء الرغبة فيه، وفي الصحاح البأساء والضراء: الشدة وهما اسمان موءنثان من غير تذكير. (مراد).

مِنْكُمْ لا يَرْجِعُونَ وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ مِنْكُمْ لا يَقِفُونَ قَالَ اللّه‌ُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى «وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ»(1)وَقَالَ: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ(2)وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ»(3)أَوَلَسْتُمْ تَرَوْنَ إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا وَهُمْ يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى فَمَيِّتٌ يُبْكَى وَآخَرُ يُعَزَّى وَصَرِيعٌ يَتَلَوَّى وَعَائِدٌ وَمَعُودٌ وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ وَطَالِبُ الدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِينَ يَمْضِي الْبَاقُون، الخبر(4).

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَسُرُّهُ قَالَ الْحَمْدُ للّه‌ِِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ وَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يَغْتَمُّ بِهِ قَالَ، الْحَمْدُ للّه‌ِِ عَلَى كُلِّ حَالٍ(5).

وَنَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ

لأنّه لا حول ولا قوّة إلاّ به ولا يكون منّا شيء إلاّ بمعونة، فكما لا يجوز العبادة إلاّ له، لا تجوز الاستعانة إلاّ به «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»(6).5.


1) الأنبياء: 95

2) أي باعد منها

3) آل عمران: 185

4) من لا يحضره الفقيه: 427/1، ح1263؛ بحار الأنوار: 236/86، ح68

5) الكافي: 97/2، ح19؛ بحار الأنوار: 33/68، ح14

6) فاتحة الكتاب: 5.

وَنَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الاْءَدْيَانِ، كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الاْءَبْدَانِ

فعافية الأبدان راحة الأرواح في الدّنيا، وعافية الأديان لراحتها في الآخرة، وإذ كانت الدّنيا موقّتة والآخرة دائمة فاذا وقع تعارض بينهما فليرجّح عافية الأديان، ففي الدّعاء: «اللّهمّ لا تجعل مصيبتنا في ديننا»(1)، وفي (ذيل الطبري): لمّا هاجر الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي انقطعت إصبعه فقال مخاطبا لها:

هل أنت إلاّ إصبع دميت***وفي سبيل اللّه ما لقيت(2)

قيل لأعرابيّ: ما تشتكى قال: ذنوبى. فقيل: ما تشتهى قال: الجنّة. فقيل: أ فلا ندعو لك طبيبا فقال: الطبيب أمرضني، وسمعت عصرة (عنترة خ) العابدة البصريّة رجلاً يقول: ما أشدّ العمى على من كان بصيرا فقالت: يا عبداللّه غفلت عن مرض الذنوب واهتممت بمرض الأجساد، وعمى القلب عن اللّه أشدّ. والمعافاة فيها بامداد العناية الإلهيّة ببقائها سليمة وبتداركها للمذنبين بجذبهم إلى التوبة(3).

قال الشاعر:

واذا مرضت من الذّنوب فداوها***بالذّكر انّ الذّكر خير دواء

والسّقم في الأبدان ليس بضائر***والسّقم في الأديان شرّ بلاء(4)

قيل لحسان بن أبي سنان في مرضه ما مرضك قال مرض لا يفهمه الأطباء قيل و ما هو قال مرض الذنوب فقيل كيف تجدك الآن قال بخير إن نجوت من النار قيل.


1) تهذيب الاحكام: 92/3؛ بحار الأنوار: 134/95

2) المنتخب من ذيل المذيل: 34/1

3) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 3/3

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 81/7.

فما تشتهي قال ليلة طويلة بعيدة ما بين الطرفين أحييها بذكر اللّه(1).

عِبَادَ اللّه‌ِ أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ

أي الترك.

لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا

قال تعالى: «قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(2).

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّه‌ِ الصَّادِقِ عليه‌السلام قَالَ: كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَقُولُ لأَصْحَابِهِ يَا بَنِي آدَمَ اهْرَبُوا مِنَ الدُّنْيَا إِلَى اللّه‌ِ وَأَخْرِجُوا قُلُوبَكُمْ عَنْهَا فَإِنَّكُمْ لا تَصْلُحُونَ لَهَا وَلا تَصْلُحُ لَكُمْ وَلا تَبْقَوْنَ فِيهَا وَلا تَبْقَى لَكُمْ هِيَ الْخَدَّاعَةُ الْفَجَّاعَةُ الْمَغْرُورُ مَنِ اغْتَرَّ بِهَا الْمَغْبُونُ مَنِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا الْهَالِكُ مَنْ أَحَبَّهَا وَأَرَادَهَا(3).

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عليه‌السلام كُوشِفَ بِالدُّنْيَا فَرَآهَا فِي صُورَةِ عَجُوزٍ هَتْمَاءَ(4)عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ فَقَالَ لَهَا كَمْ تَزَوَّجْتِ قَالَتْ لا أُحْصِيهِمْ قَالَ وَكُلُّهُمْ مَاتُوا أَوْ كُلُّهُمْ طَلَّقُوكَ قَالَتْ بَلْ كُلَّهُمْ قَتَلْتُ فَقَالَ عِيسَى عليه‌السلام بُوءْساً لأَزْوَاجِكَ الْبَاقِينَ كَيْفَ لا يَعْتَبِرُونَ بِأَزْوَاجِكَ الْمَاضِينَ كَيْفَ تُهْلِكِينَهُمْ وَاحِداً وَاحِداً وَلا يَكُونُونَ مِنْكَ عَلَى حَذَر(5)..


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 81/7

2) الجمعة: 8

3) الأمالي للصدوق: 555، م82، ح12؛ بحار الأنوار: 288/14، ح12

4) أى الساقطة أسنانها او المنكسرة ثناياها من أصولها

5) مجموعة ورام: 146/1؛ بحار الأنوار: 328/14، ح55.

وَالْمُبْلِيَةِ لأَجْسَادِكُمْ

من بلى الثوب، «قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الاْءَيَّامُ سِهَامٌ وَالنَّاسُ أَغْرَاضٌ وَالدَّهْرُ يَرْمِيكَ كُلَّ يَوْمٍ بِسِهَامِهِ وَيَخْتَرِمُكَ بِلَيَالِيهِ وَأَيَّامِهِ حَتَّى يَسْتَفْرِقَ جَمِيعُ أَجْزَائِكَ فَكَمْ بَقَاءُ سَلامَتِكَ مَعَ وُقُوعِ الاْءَيَّامِ بِكَ وَسُرْعَةِ اللَّيَالِي فِي بَدَنِكَ لَوْ كُشِفَ لَكَ عَمَّا أَحْدَثَتْ لَكَ الاْءَيَّامُ مِنَ النَّقْصِ فِيكَ لاسْتَوْحَشْتَ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَأْتِي عَلَيْكَ وَاسْتَثْقَلْتَ مَمَرَّ السَّاعَاتِ بِكَ وَلَكِنَّ تَدْبِيرَ اللّه‌ِ فَوْقَ الاعْتِبَار »(1).

قال العجاج:

والمرء يبليه بلاء السّربال***كرّ الليالي واختلاف الأحوال(2)

وفي ديوان الأعشى:

بينما المرء كالرديني ذي***الجبّة سوّاه مصلح التثقيف

أو إناء النضّار لاحمه***القين وداري صدوعه بالكتيف

ردّه دهره المضلّل حتّى***عاد من بعد مشيه للدليف(3)

وَإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا

دعا مالك بن أسل بن خارجة جارية له لتخضبه فقالت: كم أرقّع خلقك فقال:

عيّرتني خلقا أبليت جدّته***وهل رأيت جديدا لم يعد خلقا(4)

ولمّا ثقل معاوية وحدّث الناس أنّه الموت قال لأهله: (احشوا عيني أثمدا وأوسعوا رأسي دهنا) ففعلوا وبرّقوا وجهه بالدّهن، ثمّ مهّد له فجلس وقال:.


1) مجموعة ورام: 144/1

2) تاج العروس: 215/19

3) ديوان الاعشى: 111 في مدح بنى المنذر

4) ذيل الأمالي للبكري: 111 دار الآفاق الجديد - لبنان.

اسندوني، ثم قال: (ايذنوا للنّاس، فليسلّموا قياما ولا يجلس أحدا) فجعل الرّجل يدخل فيسلّم قائما فيراه مكتحلا مدّهنا فيقول: «يقول النّاس هو لما به، وهو أصحّ النّاس» فلمّا خرجوا من عنده قال:

وتجلّدي للشّامتين أريهم***اني لريب الدّهر لا أتضعضع

وإذا المنيّة أنشبت أظفارها***ألفيت كلّ تميمة لا تنفع

وكان به النّفاثات، فمات من يومه ذلك(1).

فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ‌-

(سفر) جمع سافر: الخارج الى السّفركصاحب وصحب.

وَأَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ

قال ابن أبي الحديد: العلم الجبل أو المنار في الطريق يهتدى به(2)ولكن يتعين هنا الثانى لعدم مناسبة للاول.

ولنعم ما قيل:

يا راقد اللّيل مسرورا بأوّله***إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا

أفنى القرون التي كانت منعمّة***كرّ الجديدين إقبالا وإدبارا

كم قد أبادت صروف الدهر من ملك***قد كان في الدّهر نفّاعا وضرّارا

يا من يعانق دنيا لا بقاء لها***يمسى ويصبح في دنياه سفارا

هلاّ تركت من الدّنيا معانقة***حتّى تعانق في الفردوس أبكارا .


1) تاريخ الطبري: 240/4 - 241، سنة 60

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 82/7.

إن كنت تبغى جنان الخلد تسكنها***فينبغي لك أن لا تأمن النّارا(1)

وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا

المجري ويجري من (أجريت الفرس).

وفي هذا المعنى قال عليه‌السلام في الدّيوان:

ألا إنّما الدّنيا كمنزل راكب***أناخ عشيّا وهو في الصّبح راحل(2)

وكان عامل معاوية إذا أراد أن يبرد بريدا إلى معاوية نادى من له حاجة يكتب إليه فكتب زربن حبيش - أو أيمن بن خريم - كتابا لطيفا ورمى به في الكتب:

إذا الرّجال ولّدت أولادها***واضطربت من كبر أعضادها

وجعلت أسقامها تعتادها***فهي زروع قد دنت حصادها

فلمّا قرأ معاوية هذا الكتاب في الكتب قال: نعى إلى نفسي(3).

وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لا يَعْدُوهُ

أي: يجاوزه و(ما عسى) هنا و(كم عسى) قبل، مثل (عسيتم) في قوله تعالى: «فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الاْءَرْضِ...»(4).

وَطَالِبٌ حَثِيثٌ يَحْدُوهُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا

الحدو: سوق الإبل والغناء لها، هذا، وفي (ابن أبي الحديد): وطالب حثيث من الموت يحدوه، ومزعج في الدّنيا عن الدّنيا حتى يفارقها رغما(5). .


1) احياء العلوم: 166/9

2) ديوان أمير المومنين عليه‌السلام : 315

3) تاريخ الطبري: 248/4، سنة 60

4) محمّد: 22

5) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 80/7.

فَلا تَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا

التنافس: الرغبة.

وَلا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا

أيلايكن منكم عجب بهما من (أعجب فلان برأيه).

وَلا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَبُوءْسِهَا

يقال (يوم بوءس) في قبال (يوم نعم).

فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ

علّة لقوله: «فلا تنافسوا في عزّ الدّنيا وفخرها»، لمّا كان المأمون بدمشق، ركب يريد جبل الثّلج فمرّ ببركة عظيمة من برك بني اميّة وعلى جوانبها أربع سروات، وكان الماء يدخلها سيحا ويخرج منها، فاستحسن المأمون الموضع فدعا ببزم آورد ورطل وذكر بني اميّة وتنقّصهم فأقبل العلويّة على العود واندفع يغنّي:

أولئك قومي بعد عزّ وثروة***تفانوا فان لا أذرف العين أكمدا

فقال له المأمون: يا ابن الفاعلة لم يكن لك وقت تذكر فيه مواليك إلاّ في هذا الوقت فقال: مولاكم زرياب عند موإلى كان يركب في مائة غلام، وأنا عندكم أموت من الجوع(1).

وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ

علّة لقوله «و لا تعجبوا بزينتها ونعيمها»، .


1) تاريخ الطبري: 216/7، سنة 218.

لمّا غضب الرشيد على البرامكة أصيب في خزانة جعفر بن يحيى في جرّة ألف دينار، في كلّ دينار مائة دينار، على أحد جانبي كلّ دينار:

واصفر من ضرب دار الملوك***يلوح على وجهه جعفر

يزيد على مائة واحدا***متى تعطه معسرا يوسر(1)

وَضَرَّاءَهَا وَبُوءْسَهَا إِلَى نَفَادٍ

أي: فناء وآخر، علّة لقوله: «و لا تجزعوا من ضرّائها وبوءسها».

وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ وَكُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ

قال تعالى: «كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالاْءِكْرام»(2).

قال لبيد:

ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل***وكلّ نعيم لا محالة زائل

وكلُّ أُنَاسٍ سوْفَ تَدخُلُ بَينَهُمْ***أ دُوَيْهية تَصفَرُّ مِنها الأنَامِلُ

وكلُّ امرى‌ء يَوْماً سَيَعْلَمُ سَعْيَهُ***أ إذا كُشِّفَتْ عندَ الإلَهِ المَحاصِلُ(3)

وفي حديث الباقر عليه‌السلام مع جابر: «فانزل الدّنيا كمنزل نزلت فيه، ثمّ ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء وانّها عند أهل اللبّ كفيء الظّلال»(4).7.


1) تاريخ بغداد: 30/8

2) الرحمن: 26 - 27

3) ديوان لبيد بن ربيعة: 85؛ عقد الفريد: 122/6 (أصدق بيت قالته العرب). (ديوان لبيد بن ربيعة العامرى، (المتوفى: 41 ق)، 1 مجلد، دار المعرفة، الاولى 1425 ق / 2004 م)

4) الكافي: 133/2، ح16؛ بحار الأنوار: 36/70، ح17.

وقال عليه‌السلام في الديوان:

أَلا إِنَّمَا الدُّنْيَا كَمَنْزِلِ رَاكِبٍ***أَنَاخَ عَشِيّاً وَهُوَ فِي الصُّبْحِ رَاحِل(1)

وكلّ شباب او جديد الى البلى***وكلّ امرء يوماً الى اللّه صائر(2)

وقال عليه‌السلام :

رَأَيْتُ الدَّهْرَ مُخْتَلِفاً يَدُورُ***فَلا حُزْنٌ يَدُومُ وَلا سُرُورٌ

وَقَدْ بَنَتِ الْمُلُوكُ بِهِ قُصُوراً***فَمَا بَقِيَ الْمُلُوكُ وَلا الْقُصُور(3)

ومن كلام أبي ذر: (يا مبتغي العلم لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك فأنت يوم تفارقهم كضيف بتّ فيهم ثمّ غدوت عنهم إلى غيرهم، والدّنيا والآخرة كمنزل تحوّلت عنه إلى غيره وما بين الموت والبعث إلاّ كنومة نمتها ثمّ استيقظت عنها(4).

أَ وَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الاْءَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَفِي آبَائِكُمُ الاْءَوَّلِينَ تَبْصِرَةٌ وَمُعْتَبَرٌ- إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَ وَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِينَ لا يَبْقَوْنَ

«إن كنتم تعقلون» قال تعالى: «وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الاْءَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ»(5).

وقال تعالى: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ * فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالاْءَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِين»(6)..


1) ديوان امير المومنين عليه‌السلام : 315

2) الشعر والشعراء (ابن قتيبة): 441/1

3) ديوان امير المومنين ع: 196

4) الكافي: 134/2، ح18؛ بحار الأنوار: 65/70، ح34

5) القمر: 4

6) الدخان: 25 - 29.

قال قسّ ابن ساعدة الأيادى:

في الأولين الذاهبين من القرون لنا بصائر***ورأيت قومي نحوها يمضي الأكابر والأصاغر

لا يرجع الماضى إلىّ ولا من الباقين غابر***أيقنت أنى لا محالة حيث صار القوم صائر(1)

وقال زهير بن أبي سلمى:

ألا ليت شعرى هل يرى الناس ما أرى***من الأمر أو يبدو لهم ما بداليا

بدى لى أنّ النّاس تفنى نفوسهم***وأموالهم ولا أرى الدّهر فانيا

وإني متى أهبط من الأرض تلعة(2)***أجد أثرا قبلى جديدا وعافيا

أراني إذا أصبحت أصبحت ذا هوى***فثمّ إذا أمسيت أمسيت عاديا

إلى حفرة(3)أهوى اليها مضمّة*** يحثّ إليها سايق من ورائيا.


1) كمال الدين وتمام النعمة: 167/1؛ بحار الأنوار: 184/15

2) التلعة اسم ما على من مسيل الوادى وما سفل

3) الحفرة: القبر.

كأنّي وقد خلّفت تسعين حجّة(1)***خلعت بها عن منكبى ردائيا

بدالى انّي لست مدرك ما مضى***ولا سابق شيئا إذا كان جائيا

وما ان أرى نفسي تقيها(2)عزيمتي***وما ان تقى نفسى كرائم ماليا

ألا لا أرى على الحوادث باقيا***ولا خالدا إلاّ الجبال الرّواسيا

وإلاّ السّماء والبلاد وربّنا***وأيّامنا معدودة واللّياليا

أراني إذا ما شئت لا قيت آية***تذكّرني بعض الذى كنت ناسيا

ألم تر أنّ اللّه أهلك تبعا***وأهلك لقمان بن عاد وعاديا(3)

وأهلك ذا القرنين من قبل ما يرى***وفرعون جبّار معا والنّجاشيا

ألا لا أرى ذا امّة أصبحت به***فتتركه الأيام وهي كما هيا.


1) الحجة: السنة

2) تقيها: تصونها

3) عادياَ: هو أبو السمول كان له حصين يقال له الأبلق.

ألم تر للنعمان كان بنجوة(1)***من الشّر لو أنّ أمرء كان ناجيا

فغيّر عنه رشد عشرين حجّة***من الدّهر يوم واحد كان غاديا

فلم أر مسلوبا له مثل ملكه***أقلّ صديقا صافيا ومواليا

فأين الذي قد كان يعطى جياده***بأرسانهنّ والحسان الغواليا

وأين الذين قد كان يعطيهم القرى***بغلاّتهنّ والمئين الغواديا

وأين الذين يحضرون جفانه***إذا قدّمت ألقوا عليها المراسيا(2)

رأيتهم لم يشركوا(3)بنفوسهم***منيّته لمّا رأوا انها هيا(4)

أَ وَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا، يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى

و حالات مختلفة..


1) النجوة بالجيم الارتفاع لغةً

2) قدر راسية لا تبرح مكانها لعظمها

3) لم يشركوا أى لم يواسوه بنفوسهم

4) أشعار الشعراء الستة الجاهلين: 55.

فَمَيْتٌ يُبْكَى وَآخَرُ يُعَزَّى

أي يسلّى.

وَصَرِيعٌ مُبْتَلًى

الصريع: يقال للقتيل، والمريض الشديد، والمراد هنا الثاني، والأصل فيه غصن تهدّل وسقط إلى الأرض.

وَعَائِدٌ يَعُودُ وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ

عن يحيى بن محمّد بن جعفر قال مرض أبي مرضا شديدا فاتاه الرضا عليه‌السلام يعوده، وعمّي إسحاق جالس يبكي قد جزع عليه جزعا شديدا، فالتفت الرضا عليه‌السلام إليّ وقال: ممّا يبكي عمّك قلت: يخاف عليه ما ترى، فقال: لا تغتمّنّ فإنّ إسحاق سيموت قبله، فبرى‌ء أبي محمّد، ومات عمّي إسحاق(1).

وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ

عن جابر: سألت الباقر عليه‌السلام عن لحظة ملك الموت فقال: أما رأيت الناس يكونون جلوسا فتعتريهم السكتة لا يتكلّم أحد منهم، تلك لحظة يلحظهم ملك الموت(2).

أَلا فَاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ وَمُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ

أي: مكدّرها، قال الشاعر: 1.


1) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : 206/2، ح7؛ بحار الأنوار: 32/49، ح7

2) الكافي: 259/3، ح31؛ بحار الأنوار: 143/6، ح11.

لا طيب للعيش ما دامت منغّصة***لذاته بادّكار الموت والهرم(1)

وقال الشاعر:

لا أرى الموت يشبه الموت شيء***نغّص الموت ذا الغنى والفقيرا(2)

وَقَاطِعَ الاْءُمْنِيَاتِ

كلّها اوصاف الموت فهو هادم ومنغّص وقاطع.

عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ

أي مواثبة النّفس.

لِلاْءَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ

لكون ذكره مانعا عن المساورة.

وَعَنْ النبى صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أَنَّهُ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادمِ اللَّذَّاتِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللّه‌ِ وَمَا هَاذِمُ اللَّذَّاتِ قَالَ الْمَوْتُ فَإِنَّ أَكْيَسَ الْمُوءْمِنِينَ أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْراً وَأَشَدُّهُمْ لَهُ اسْتِعْدَاداً(3).

وسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ الاْءَنْصَارِ رَسُولَ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فَقَالَ مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ وَأَكْرَمُ النَّاسِ فَقَالَ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : أَكْثَرُهُمْ ذِكْراً لِلْمَوْتِ وَأَشَدُّهُمُ اسْتِعْدَاداً لَهُ أُولَئِكَ هُمُ الاْءَكْيَاسُ ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآْخِرَة(4)..


1) شرح آقا جمال خوانسارى بر غرر الحكم: 270/2/ تعليقة 1

2) شرح الرضي على الكافية: 241/1، ش 60 لعدي بن زيد

3) دعائم الاسلام: 221/1؛ بحار الأنوار: 167/79

4) مجموعة ورّام: 269/1.

وَاسْتَعِينُوا اللّه‌َ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ

عَنْ ثَابِتِ بْنِ دِينَارٍ الثُّمَالِيِّ عَنْ سَيِّدِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‌السلام قَال: حَقُّ اللّه‌ِ الاْءَكْبَرُ عَلَيْكَ أَنْ تَعْبُدَهُ وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِإِخْلاصٍ جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكْفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآْخِرَة(1).

وَمَا لا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَإِحْسَانِه

قرأ أبيّ عند النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قوله تعالى: «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً...»(2)فقال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لقوم عنده وفيهم ابو بكر وعمر وعثمان وأبو عبيدة وعبدالرحمن: قولوا الآن: ما أوّل نعمة خصّكم اللّه بها وأبلاكم بها، فخاضوا في المعاش، والرّياش، والذريّة، والأزواج، فلمّا أمسكوا، قال لأمير الموءمنين عليه‌السلام قل يا أبا الحسن: فقال: إنّ اللّه خلقني ولم أك شيئا مذكورا، وأن أحسن بي فجعلني حيّا لا مواتا، وأن أنشأني في أحسن صورة وأعدل تركيب، وأن جعلني متفكّرا واعيا لا أبله ساهيا، وأن جعل لي شواعر أدرك بها ما ابتغيت وجعل فيّ سراجا منيرا، وأن هداني لدينه ولم يضلّني عن سبيله، وأن جعل لي مردّا في حياة لا انقطاع لها، وأن جعلني مالكا لا مملوكا، وأن سخّر لي سماءه وأرضه وما فيهما وما بينهما من خلقه، وأن جعلنا ذكرانا قوّاما على حلائلنا لا إناثا، ويقول النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في كلّ كلمة: (صدقت) ثم قال له: فما بعد هذا فقال علي عليه‌السلام : «وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللّه‌ِ لا تُحْصُوها...»(3)فتبسّم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقال: (ليهنك الحكمة، ليهنك العلم، يا أبا الحسن أنت وارث علمي والمبيّن لامّتي.


1) مكارم الاخلاق: 419؛ بحار الأنوار: 3/71، ح1

2) لقمان: 20

3) إبراهيم: 34.

ما اختلفت فيه من بعدى)(1).

وَقَالَ عليه‌السلام في بعض كلماته: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ للّه‌ِِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ حَقّاً فَمَنْ أَدَّاهُ زَادَهُ وَمَنْ قَصَّرَ عَنْهُ خَاطَرَ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ وَتَعَجُّلِ الْعُقُوبَةِ فَلْيَرَاكُمُ اللّه‌ُ مِنَ النِّعْمَةِ وَجِلِينَ كَمَا يَرَاكُمْ مِنَ الذُّنُوبِ فَرِقِينَ(2).(3)

وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي

قال ابن أبي الحديد: ما زائدة أو مصدرية وقد أخذ هذا اللفظ الوليد بن يزيد حين مات عمّه مسلمة، واجتمع بنو اميّة في جنازته فوقف على هشام، وقال: انّ عقبي من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصّيد لمن رمى، واختلّ الثغر فوهى، وارتجّ الطود فهوى، وعلى أثر من سلف ما يمضي من خلف(4).

بل (ما) مصدريّة معيّنا أي: على أثر الماضي الباقي ومثله كلام الوليد.

قال سيّد العابدين عليه‌السلام في هذه المعنى:

إذا كان هذا نهج من كان قبلنا***فانّا على آثارهم نتلاحق

فكن عالما أن سوف تدرك من مضى***ولو عصمتك الرّاسيات الشّواهق(5).


1) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 355/2؛ بحار الأنوار: 175/40، ح56

2) »وجلين«أي خائفين.»فرفين«أي فزعين

3) بحار الأنوار: 43/75، ح36

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 83/7

5) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 152/4؛ بحار الأنوار: 87/46.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (99): ومن خطبة له عليه‌السلام :

اشارة

الْحَمْدُ للّه‌ِِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَبِذِكْرِهِ نَاطِقاً فَأَدَّى أَمِيناً وَمَضَى رَشِيداً وَخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ وَمَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلامِ بَطِيءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللّه‌ُ حَتَّى يُطْلِعَ اللّه‌ُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَيَضُمُّ نَشْرَكُمْ فَلا تَطْمعوا فِي غير مُقْبِلٍ وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ به إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَتَثْبُتَ الاْءُخْرَى وَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً أَلاَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللّه‌ِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ وَأَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ.

الْحَمْدُ للّه‌ِِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ

قال تعالى: «... وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّه‌ِ يُوءْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللّه‌ُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»(1).

وقال تعالى: «قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّه‌ِ يُوءْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللّه‌ُ واسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللّه‌ُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ»(2).

وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ

قال تعالى: «قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّه‌ِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ...»(3).

نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ

لكن كلّها على وفق الحكمة ونهاية المصلحة.

وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ

فلا حول ولا قوّة إلاّ باللّه.

«إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ»(4).

وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ

عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : من أن «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء»(5).1.


1) الحديد: 29

2) آل عمران: 73 - 74

3) المائدة: 64

4) الفاتحة: 5

5) الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة: 231/1.

قال تعالى: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّه‌ُ لَفَسَدَتا...»(1).

عَنِ الرِّضَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عليهم‌السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : الاْءِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَاباً أَكْبَرُهَا شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه الحديث(2).

وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

إلى خلقه كافّة.

أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً

أي: مجاهرا، كما أمره عزّ وجلّ في قوله: «فَاصْدَعْ بِما تُوءْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ»(3).

وَبِذِكْرِهِ نَاطِقاً

قال تعالى: «فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ»(4).

ولمّا رأت قريش ذلك منه قالوا له مرّتين: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. فأجابهم بما أمره تعالى به بمثل قولهم في قوله: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ * لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ * وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ»(5)،(6). .


1) الأنبياء: 22

2) مشكاة الأنوار: 40

3) الحجر: 94

4) ق: 45

5) الكافرون: 1 - 6

6) التبيان في تفسير القرآن: 420/10.

فَأَدَّى أَمِيناً

قال تعالى: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى»(1).

وَمَضَى رَشِيداً

حيث أدّى ما كان عليه من قبل اللّه تعالى، ونزل عليه أخيرا: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللّه‌ِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّه‌ِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً»(2).

وَخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ

قال ابن أبي الحديد: إنّ المراد براية الحقّ الثّقلان المخلّفان: الكتاب والعترة(3).

وقال ابن ميثم: المراد بها الكتاب والسنّة(4).

وقال الخوئي: المراد بها إما الثقلان المخلّفان أعنى كتاب اللّه والعترة، أو الثقل الأكبر فقط، والاستعارة عنهما بالراية باعتبار أنهما يهتدى بهما السّالكون في سبيل اللّه(5)

قال التستري: (6)كلّ منهما وإن كان معنى صحيحا إلاّ أنّ الظاهر أنّ المراد براية الحقّ هنا: الكتاب بالخصوص، لقوله عليه‌السلام بعد: «دليلها مكيث الكلام...» جاعلا للعترة دليل الكتاب، وحينئذ فقوله عليه‌السلام هنا نظير قوله عليه‌السلام في الخطبة الاولى: «و.


1) النجم: 3 - 4

2) النصر: 1 - 4

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 85/7

4) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 7/3

5) منهاج البراعة للخوئي: 158/7

6) بهج الصباغة: 446/3.

خلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في اممها - إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح، ولا علم قائم - : كتاب ربّكم فيكم»(1).

و أمّا الراية في كلامه عليه‌السلام في خبر عبيد بن كرب عنه عليه‌السلام : «أنّ لنا أهل البيت راية من تقدّمها مرق، ومن تأخر عنها محق، ومن تبعها لحق»(2)القائم عليه‌السلام بالخصوص، ورووا الخبر في علاماته عليه‌السلام .

مَنْ تَقَدَّمَهَا

بالحكم في قبالها كمن أمر بغسل الرجلين في قبال حكمها بمسحهما.

مَرَقَ

أي خرج من الدين.

وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا

بعدم العمل بأحكامها.

زَهَقَ

أي هلك.

وَمَنْ لَزِمَهَا

بالالتزام بما فيها..


1) نهج البلاغة (فيض الإسلام): 35/خ 1

2) .كمال الدين: 654/2، ح23.

لَحِقَ

بها ويصل إلي المقصد.

قال الشّارح البحراني: أشار براية الحقّ إلى كتاب اللّه وسنّته وأشار بتقدّمها والتّخلف عنها إلى طرفي الافراط والتفريط من فضيلة الاستقامة عليها أى أنّ من كان تحتها لاحقا بها فهو على حاقّ الوسط من الفضايل، ومن تقدّمها كان على طرف الافراط وقد تعدّى في طلب الدّين وأغلى فيه على جهل منه كما فعلت الخوارج ومن تخلّف عنها كان على طرف التفريط والتقصير فهلك في طرق الضّلال والحيرة(1).

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَمَعَهُ النَّاسُ وَفِيهِمُ الْمُشَاةُ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ(2)دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فِيمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَشَرِبَ وَأَفْطَرَ ثُمَّ أَفْطَرَ النَّاسُ مَعَهُ وَثَمَّ أُنَاسٌ عَلَى صَوْمِهِمْ فَسَمَّاهُمُ الْعُصَاةَ وَإِنَّمَا يُوءْخَذُ بِآخِرِ أَمْرِ(3)رَسُولِ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله (4).

دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلامِ

قد عرفت أنّ المراد من دليل راية الحق - وهي الكتاب -: العترة عليهم‌السلام ، لكونهم.


1) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 7/3

2) هو اسم موضع بين مكة والمدينة. والكُراع: جانب مستطيل من الحرّة تشبيها بالكُراع، وهو ما دون الرّكبة من الساق. والغميم بالفتح: واد بالحجاز (النهاية: 165/4)

3) قوله عليه‌السلام : «و إنما يوءخذ» لعله لرفع توهم عدم كونهم عصاة لأنّهم إنما صاموا بما أمر به رسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله سابقاً (مرآة العقول: 328/16)

4) الكافي: 127/4، ح5.

كتاب اللّه الناطق الدّال على حكم كتابه الصّامت.

وقال ابن أبي الحديد في شرح الجملة: وقلّة الكلام من صفات المدح، وكثرته من صفات الذمّ. قالت جارية ابن السّماك: ما أحسن كلامك لو لا أنّك تكثر ترداده...(1)

قال التستري: مكيث الكلام غير قليل الكلام، إنّما هو من يتكلّم عن رويّة وتدبّر ولو كثر كلامه، وفي قباله سريع الكلام: من يتكلّم عن غير تدبّر ولو قلّ كلامه.

فالحكايات التي نقلها هنا، والأخبار التي ذكرها هنا بلا ربط، وتطويل بلا طائل(2).

بَطِيءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ

المراد أنّه لا يفعل شيئا حتّى يوجد المقتضي له ويصير ذا حكمة، فما لا يكون كذلك لا يقرب منه، فدعا أبو سفيان والعبّاس أمير الموءمنين عليه‌السلام بعد وفاة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى أن يبايعاه، فما توجّه إليهما(3)، لأنّ قيامه عليه‌السلام في ذاك الوقت لتصدّي الإمرة لم يكن صلاحا، لأنّه بعد تعاقد قريش على عدم تخلية الأمر له، ولو كان قام لانجر إلى اضمحلال أصل الاسلام، كما أنّه إذا وجد المقتضى لا يدع الفرصة، فاشير عليه عليه‌السلام بأن لا يتبع طلحة والزبير، ويدع معاوية والشام، فخالف من أشار عليه، وجدّ في الطّلب وأوجد الجمل وصفين. .


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 87/7

2) بهج الصباغة: 447/3

3) السقيفة وفدك: 42.

ونقل ابن أبي الحديد في شرح هاتين الفقرتين قول المتنبي:

وما قلت للبدر أنت اللجين***و لا قلت للشّمس أنت الذّهب

فيقلق منه البعيد الأناة***ويغضب منه البطيء الغضب

ونقل المثل: يريك الهوينى والامور تطير وقال: يضرب لمن ظاهره الأناة وباطنه الإبرام(1).

عن أمير الموءمنين عليه‌السلام في وصيّته لمحمّد بن الحنفية قال عليه‌السلام : من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطاء، ومن تورّط في الأمور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفظعات النّوائب، والتدبير قبل العمل يوءمنك من الندم، والعاقل وعظه التجارب، وفي التجارب علم مستأنف، وفي تقلّب الأحوال علم جواهر الرّجال(2).

وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْقُمِّيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام : لَيْسَ لِحَاقِنٍ(3)رَأْيٌ وَلاَ لِمَلُولٍ صَدِيقٌ وَلاَ لِحَسُودٍ غِنًى وَلَيْسَ بِحَازِمٍ مَنْ لاَ يَنْظُرُ فِي الْعَوَاقِبِ وَالنَّظَرُ فِي الْعَوَاقِبِ تَلْقِيحٌ لِلْقُلُوبِ(4).

وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فَقَالَ: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللّه‌ِ، قَالَ: عَلَيْكَ بِالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَإِنَّهُ الْغِنَى الْحَاضِرُ قَالَ: زِدْنِي يَا رَسُولَ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، قَالَ: إِيَّاكَ وَالطَّمَعَ فَإِنَّهُ الْفَقْرُ الْحَاضِرُ قَالَ: زِدْنِي يَا9.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 85/7

2) من لا يحضره الفقيه: 388/4، ح5834 ووسائل الشيعة: 281/15، ح20517 - 2

3) الحاقن: الذي احتبس بوله فتجمّع

4) الأمالي للطوسي: 301، م11، ح595 - 42؛ وسائل الشيعة: 282/15، ح20521 - 6؛ بحار الأنوار: 197/75، ح19.

رَسُولَ اللّه‌ِ، قَالَ إِذَا هَمَمْتَ بِأَمْرٍ فَتَدَبَّرْ عَاقِبَتَهُ فَإِنْ يَكُ خَيْراً وَرُشْداً فَاتَّبِعْهُ وَإِنْ يَكُ غَيّاً فَاجْتَنِبْهُ(1).

و فيه قال الشاعر:

وكلّ أناة في المواطن سودد***ولا كأناة من قدير محكم

وما الرّاى الاّ بعد طول تثبّت***ولا الحزم إلاّ بعد طول تلوّم(2)

فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ

قال ابن أبي الحديد: خطب بها أمير الموءمنين عليه‌السلام في الجمعة الثالثة من خلافته، وكنّى فيها عن حال نفسه، وأعلمهم فيها أنّهم سيفا رقونه، ويفقدونه بعد اجتماعهم عليه وطاعتهم، وهكذا وقع الأمر، فإنّه نقل أنّ أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من الشّهر الّذي قتل عليه‌السلام فيه(3).

قال التستري: فيه أوّلا: من أين أنّ مراده عليه‌السلام بقوله: «فإذا أنتم ألنتم له رقابكم وأشرتم إليه» شهر قتله كما قال بل الظّاهر أنّ مراده عليه‌السلام : انتقال أصل الخلافة الظاهرية إليه، لأنّه عليه‌السلام في أيّام الثلاثة لم يكن عندهم إلاّ كأحد الصحابة في عدم بسط يد له، بل كان تحت الشّدّة، فإنّ حال من يراقبه الملوك ويعدّونه رقيبا لهم معلوم، وفي كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر مشيرا إلى أبي بكر وعمر وإليه عليه‌السلام : «و لقد همّا به الهموم، وأرادا به العظيم» وإنّما في أيّام خلافته ليّن له الرّقاب، واشير إليه بالأصابع. .


1) المحاسن: 16/1، ح46؛ وسائل الشيعة: 282/15، ح20522 - 7؛ بحار الأنوار: 129/74، ح36

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 86/7

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 93/7.

وثانيا: من قال: إنّ أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من شهر قتل فيه كيف، وبعد التّحكيم صار أمره عليه‌السلام مضطربا غاية الاضطراب، حتّى بعد رجوعه عن حرب الخوارج نهى النّاس عن دخول البلد، ليشخصوا إلى معاوية، فلم يعتنوا به، وكان معاوية يغير كلّ يوم على بلاده عليه‌السلام غير الكوفة، ويصيح عليه‌السلام بهم في الدفاع، ولم يصغوا إليه عليه‌السلام حتّى قتل - صلوات اللّه عليه - أسفا، وحينئذ فلا بد أنّ مراده عليه‌السلام : أن لبثه فيهم أيّام خلافته قليل، فلم تكمل السّنة الخامسة من قيامه عليه‌السلام (1).

وجاء في الأخبار أنه عقد للحسن ابنه عليه‌السلام على عشرة آلاف ولأبي أيوب الأنصاري على عشرة آلاف ولفلان وفلان حتى اجتمع له مائة ألف سيف وأخرج مقدمته أمامه يريد الشام فضربه اللعين ابن ملجم وكان من أمره ما كان وانفضت تلك الجموع وكانت كالغنم فقدت راعيها...(2)ثم أخبر أنه بعد موته سيتشتتون ويتوزعون ويبقون هكذا ما شاء اللّه حتى يخرج إليهم القائد العظيم الذي يجمع شملهم ويضم متفرقهم ويوحد كلمتهم وحمل على أنه الإمام المهدي أرواحنا له الفداء وهذا القدر المتيقن وعليه ينطبق الأمر بكماله وتمامه وهو المعدّ لذلك(3).

فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللّه‌ُ

ولا يعلم مدّة لبثهم غير اللّه.

حَتَّى يُطْلِعَ اللّه‌ُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَيَضُمُّ نَشْرَكُمْ

بظهور قائم آل محمّد عليهم‌السلام ، وقال ابن ميثم: قيل هو الإمام المنتظر، وقيل: هو.


1) بهج الصباغة: 448/3

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 93/7

3) شرح نهج البلاغة (السيّد عبّاس الموسوي): 164/2.

قائم بني العبّاس بعد انقضاء دولة بني امّية(1).

ولكن كيف يحتمل إرادته عليه‌السلام قائم بني العبّاس، وكلامه عليه‌السلام في دليل راية الحقّ بعده عليه‌السلام فمن يجمع النّاس، ويضمّ نشرهم على راية الحقّ غير قائم أهل البيت عليهم‌السلام وإذا لم يكن المراد دليل راية الحقّ، فأيّ فرق بين قائم العباسية وقائم الاموية، في جمع أمر النّاس على السلطنة الدنيوية وقال ابن أبي الحديد: كلامه عليه‌السلام إشارة إلى المهدي الّذي يظهر في آخر الوقت، إلاّ أنّه عند أصحابنا غير موجود الآن وسيوجد وعند الإمامية أنّه موجود(2).

ولكن ما يفعل بقوله عليه‌السلام هنا: «مثل آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم»(3)، وبقوله عليه‌السلام : «لا تخلو الأرض من قائم للّه حجّة إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا»(4).

فَلا تَطْمعوا فِي غير مُقْبِلٍ

عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ قَالَ: قُلْتُ لاِءَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه‌السلام : إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ صَاحِبَ هَذَا الاْءَمْرِ وَأَنْ يَسُوقَهُ اللّه‌ُ إِلَيْكَ بِغَيْرِ سَيْفٍ فَقَدْ بُويِعَ لَكَ وَضُرِبَتِ الدَّرَاهِمُ بِاسْمِكَ فَقَالَ مَا مِنَّا أَحَدٌ اخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ الْكُتُبُ وَأُشِيرَ إِلَيْهِ بِالاْءَصَابِعِ وَسُئِلَ عَنِ الْمَسَائِلِ وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ الاْءَمْوَالُ إِلاّ اغْتِيلَ(5)أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى يَبْعَثَ اللّه‌ُ لِهَذَا الاْءَمْرِ غُلاماً مِنَّا خَفِيَّ الْوِلاَدَةِ وَالْمَنْشَإِ غَيْرَ خَفِيٍّ فِي نَسَبِهِ(6).9.


1) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 8/3

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 94/7

3) نهج البلاغة (فيض الإسلام): 295/ خ 99

4) نهج البلاغة (فيض الإسلام): 1158، الحكمة 139

5) غاله أي أدركه، اغتاله: أى أخذه من حيث لم يدر

6) الكافي: 341/1، ح25؛ الغيبة للنعماني: 168، ح9؛ بحار الأنوار: 37/51، ح9.

وقال عبداللّه بن عطا للباقر عليه‌السلام : إنّ شيعتك بالعراق كثيرون، فو اللّه ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج فقال: يا عبداللّه بن عطا قد أمكنت الحشو من أذنيك واللّه ما أنا بصاحبكم(1).

وقال المجلسيّ رحمه‌الله : أى من لم يقبل على طلب هذا الأمر ممّن هو أهله فلا تطمعوا فيه، فانّ ذلك لاختلال بعض شرايط الطلب كما كان شأن أكثر أئمتنا عليهم‌السلام ، وقيل: أراد بغير المقبل من انحرف عن الدّين بارتكاب منكر، فانه لا يجوز الطمع في أن يكون أميرا لكم، وفي بعض النسخ «فلا تطعنوا في عين مقبل» أى من أقبل على هذا الأمر من أهل البيت فلا تدفعوه عما يريد(2).

وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ

عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ عليه‌السلام قَالَ: إِذَا رُفِعَ عَلَمُكُمْ(3)مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ فَتَوَقَّعُوا الْفَرَجَ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِكُمْ(4)،(5). .


1) كمال الدين: 325/1، ح2

2) بحار الأنوار: 216/34

3) «علمكم» أمّا بالتحريك أي من يعلم به سبيل الحق، أو بالكسر يعنى صاحب علمكم

4) قال العلاّمة المجلسيّ رحمه‌الله : «توقع الفرج من تحت الاقدام كناية عن قربه وتيسر حصوله، فان من كانت قدماه على شيء فهو أقرب الأشياء به ويأخذه إذا رفعهما، فعلى الأوّلين المعنى أنّه لابدّ أن تكونوا في تلك الازمان متوقعين للفرج كذلك غير آيسين منه. ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ظهور الإمام أي يحصل لكم فرج اما بالموت والوصول الى رحمة اللّه أو ظهور الإمام، أو رفع شر الاعادى بفضل اللّه. وعلى الوجه الثالث الكلام محمول على ظاهره فإنّه إذا تمت جهالة الخلق وضلالتهم لابدّ من ظهور الإمام عليه‌السلام كما دلت الأخبار وعادة اللّه في الأمم الماضية عليه» (بحار الأنوار: 51/ 159)

5) الكافي: 341/1، ح24؛ بحار الأنوار 155/51، ح8.

وقال الباقر عليه‌السلام : إذا دار الفلك وقال النّاس: مات القائم أو هلك، بأيّ واد سلك، وقال الطالب أنى يكون ذلك، وقد بليت عظامه فعند ذلك فارجوه، فإذا سمعتم به فأتوه، ولو حبوا على الثّلج(1).

وعن الأصبغ: ذكر عند أمير الموءمنين عليه‌السلام القائم عليه‌السلام فقال: أما ليغيبنّ حتّى يقول الجاهل: ما للّه في آل محمّد حاجة(2).

وقال المجلسىّ رحمه‌الله : أى من أدبر عن طلب الخلافة ممّن هو أهل لها فلا تيأسوا من عوده واقباله على الطّلب، فانّ ادباره يكون لفقد بعض الشّروط كقلّة الناصر(3).

فَإِنَّ الْمُدْبِرَ

والمراد به القائم الّذي نهي عن اليأس عنه.

عَسَى أَنْ تَزِلَّ به إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَتَثْبُتَ الاْءُخْرَى

فلا يسقط.

فتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً

عن الصادق عليه‌السلام قال: المنتظر الثاني عشر هو المفرّج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد، وبلاء طويل، وجزع وخوف، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان(4)..


1) كمال الدين: 326/1، ح5؛ بحار الأنوار: 136/51، ح1

2) كمال الدين: 303/1، ح15؛ بحار الأنوار: 119/51، ح19

3) بحار الأنوار: 216/34

4) كمال الدين: 335/2، ح5؛ بحار الأنوار 144/51، ح8.

أَلاَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ

خوت النجوم: اذا سقطت ولم تمطر في نوئها(1).

أراد به الأئمة الاثنى عشر سلام اللّه عليهم أجمعين، وتشبيههم بالنجوم إمّا من حيث أنهم يهتدى بهم في سبيل اللّه كما يهتدى بالنّجم في ظلمات البرّ والبحر قال سبحانه: «وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ»(2)، ويدلّ عليه ما في تفسير عليّ بن إبراهيم في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْر»(3)قال: النّجوم آل محمّد(4).

وإمّا من حيث أنّهم كلّما مضى منهم امام قام مقامه آخر.

عَنِ الرِّضَا عليه‌السلام قَالَ النَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لِعَلِيٍّ عليه‌السلام : أَنْتَ نَجْمُ بَنِي هَاشِمٍ.

وَعَنْهُ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قَالَ: أَنْتَ أَحَدُ الْعَلامَاتِ.

عَبَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ عليه‌السلام : مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي مَثَلُ النُّجُومِ كُلَّمَا أَفَلَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْم(5).

طَلَعَ نَجْمٌ

مكانه قال لقيط بن زرارة:

وإنّي من القوم الّذين عرفتهم***إذا مات منهم سيّد قام صاحبه

نجوم سماء كلّما غاب كوكب بدا***كوكب تأوي إليه كواكبه(6).


1) الصحاح: 2332/6 مادة (خوي)

2) النحل: 16

3) الأنعام: 97

4) تفسير القمي: 211/1؛ بحار الأنوار 76/24، ح15

5) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 178/4؛ بحار الأنوار 82/24، ح30 و31 و32

6) الزهرة: (ابن داود الظاهري): 190، المتوفي 297 ق، 1 مجلد.

لمّا مات السّجاد عليه‌السلام قال محمّد بن المنكدر: ما كنت أظنّ أنّه يدع ولدا أفضل منه، حتّى رأيت ابنه محمّد بن عليّ، أردت أن أعظه فوعظني(1).

ولمّا مات الباقر عليه‌السلام دخل سالم بن أبي حفصة على الصادق عليه‌السلام معزّيا له، فقال له: ذهب واللّه من كان يقول: قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله . فلا يسأل عمّن بينه وبين رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، واللّه لا يرى مثله أبدا. فقال له الصادق عليه‌السلام : قال اللّه تبارك وتعالى: إنّ من عبادي من يتصدّق بشق تمرة، فاربيها كما يربي أحدكم فلوه، حتى يجعلها مثل جبل احد. فخرج سالم إلى أصحابه، فقال: ما رأيت أعجب من هذا كنّا نستعظم قول الباقر عليه‌السلام : «قال رسول اللّه» بلا واسطة. فقال ابنه «قال اللّه» بلا واسطة(2).

وعَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ(3)قَالَ: قَالَ لِي هَارُونُ بْنُ سَعْدٍ الْعِجْلِيُّ(4): قَدْ مَاتَ إِسْمَاعِيلُ الَّذِي كُنْتُمْ تَمُدُّونَ أَعْنَاقَكُمْ إِلَيْهِ وَجَعْفَرٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ يَمُوتُ غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَتَبْقَوْنَ بِلا إِمَامٍ فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ لَهُ فَأَخْبَرْتُ أَبَا عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام بِمَقَالَتِهِ فَقَالَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَبَى اللّه‌ُ وَاللّه‌ِ أَنْ يَنْقَطِعَ هَذَا الاْءَمْرُ حَتَّى يَنْقَطِعَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَإِذَا رَأَيْتَهُ فَقُلْ لَهُ هَذَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ يَكْبَرُ وَيُزَوِّجُهُ فَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ فَيَكُونُ خَلَفاً إِنْ شَاءَ اللّه‌ُ(5).

وكتب ابن قياما الواقفي إلى الرضا عليه‌السلام : كيف تكون إماما وليس لك ولد؟ فأجابه عليه‌السلام : وما علمك أنّه لا يكون لي ولد واللّه لا تمضي الأيّام والليالي حتّى يرزقني اللّه ولدا ذكرا، يفرّق به بين الحقّ والباطل(6). .


1) الكافي: 73/5، ح1؛ بحار الأنوار 350/46، ح3

2) الأمالي للمفيد: 354، م42، ح7؛ بحار الأنوار 27/47، ح27

3) من أصحاب الصادق عليه‌السلام

4) زيدى. (رجال ابن داود)

5) كمال الدين: 657/2، ح2؛ بحار الأنوار 26/49، ح43

6) الكافي: 320/1، ح4؛ بحار الأنوار 22/50، ح10.

وقال أحمد بن محمّد: خرج عن أبي محمّد العسكري عليه‌السلام حين قتل الزّبيري: هذا جزاء من اجترأ على اللّه وأوليائه، يزعم أنّه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة اللّه فيه قال: وولد له ولد سمّاه «م ح م د» في سنة ستّ وخمسين و مائتين(1).

وروى الشيخ - توقيعا عن الحجّة عليه‌السلام إلى جماعة قالوا: إنّ أبا محمّد عليه‌السلام مضى ولا خلف له - : أو ما رأيتم كيف جعل اللّه لكم معاقل تأوون إليها، و أعلاما تهتدون بها من لدن آدم عليه‌السلام إلى أن ظهر الماضي عليه‌السلام ، كلّما غاب علم بدا علم، وإذا أفل نجم طلع نجم فلمّا قبضه اللّه إليه ظننتم أنّ اللّه تعالى أبطل دينه، وقطع السّبب بينه وبين خلقه ؟ كلاّ، ما كان ذلك ولا يكون حتّى تقوم السّاعة(2).

قال رسول اللّه: «النّجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتى أمان لأمّتى من الإختلاف(3)

فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللّه‌ِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ

أي نعمه الخاصة.

وَأَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ

من ظهور القائم عليه‌السلام ، في خبر جابر الجعفي، عن الباقر عليه‌السلام : كأنّي بأصحاب القائم عليه‌السلام وقد أحاطوا بما بين الخافقين، فليس من شيء إلاّ وهو مطيع لهم، حتّى سباع الأرض وسباع الطير(4). .


1) الكافي: 514/1، ح1؛ الغيبة للطوسي: 231؛ بحار الأنوار 4/51، ح4

2) الغيبة للطوسي: 286؛ بحار الأنوار 179/53، ح9

3) الطرائف (ترجمه داود الهامي): 294

4) كمال الدين: 673/2، ح26؛ بحار الأنوار 327/52، ح43.

وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ عليه‌السلام قَالَ: إِذَا قَامَ قَائِمُنَا عليه‌السلام وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُءُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ وَكَمَلَتْ بِهَا أَحْلامُهُمْ(1).

وعن الصّادق عليه‌السلام : وإنّ الرّجل منهم ليعطى قوّة أربعين رجلا، وإنّ قلبه لأشدّ من زبر الحديد، ولو مرّوا بجبال الحديد لقلعوها...(2).

وقال ابن ميثم: وجدت له عليه‌السلام - في أثناء بعض خطبه في اقتصاص ما يكون بعده - فصلا يجري مجرى الشّرح لهذا الوعد، وهو أن قال: «يا قوم اعلموا علما يقينا إنّ الّذي يستقبل قائمنا من أمر جاهليتكم ليس بدون ما استقبل الرّسول من أمر جاهليتكم - وذلك أنّ الامّة كلّها يومئذ جاهلية - إلاّ من رحم اللّه. فلا تعجلوا فيعجل الخرق بكم، واعلموا أنّ الرفق يمن، وفي الأناة بقاء وراحة، والإمام أعلم بما ينكر، ولعمري لينزعنّ عنكم قضاء السوء، وليقبضنّ عنكم المرائين، وليعزلنّ عنكم امراء الجور، وليطهّرنّ الأرض من كلّ غاش، وليعملنّ فيكم بالعدل، وليقومنّ فيكم بالقسطاس المستقيم، ليتمنين أحياوءكم لأمواتكم رجعة الكرّة عمّا قليل فيعيشوا إذن، فإنّ ذلك كائن للّه، أنتم بأحلامكم كفّوا ألسنتكم، وكونوا من وراء معايشكم، فإنّ الحرمان سيصل إليكم، وإن صبرتم واحتسبتم وائتلفتم، إنّه طالب وتركم، ومدرك لثأركم، وآخذ بحقّكم، واقسم باللّه قسما حقّا: «إِنَّ اللّه‌َ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ»(3)،(4).

وروى في إسلام عدي بن حاتم: أنّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال له: يا عدي بن حاتم إنّما.


1) كمال الدين: 675/2، ح31؛ بحار الأنوار 328/52، ح47

2) كمال الدين: 673/2، ح27؛ بحار الأنوار 327/52، ح44

3) النمل: 128

4) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 9/3.

يمنعك من الدخول في هذا الدين لما ترى من حاجتهم، فو اللّه ليوشكنّ المال يفيض فيهم حتّى لا يوجد من يأخذه - إلى أن قال - قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسيّة على بعيرها لا تخاف شيئا حتّى تحجّ هذا البيت، وايم اللّه لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه(1).

ولابدّ أنّ فيضان المال حتّى لا يوجد من يأخذه إنّما في عصر ظهوره عليه‌السلام ، فروي: «أنّ أصحاب الزكاة يجيئون بزكاتهم إلى المحاويج من شيعته، فلا يقبلونها فيصّرونها ويدورون في دورهم، فيخرجون إليهم فيقولون: لا حاجة لنا إلى دراهمكم - إلى أن قال - ويجتمع إليه أموال أهل الدّنيا كلّها من بطن الأرض وظهرها، فيقول النّاس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدّم الحرام، وركبتم فيه المحارم، فيعطي عطاء لم يعط أحد قبله»(2).


1) تاريخ الطبري: 377/2 سنة 9

2) بحار الأنوار: 390/52، ح212.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (100): ومن خطبة له عليه‌السلام تستمل على ذكر الملاحم

اشارة

الاْءَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ وَالآَْخِرُ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ وَبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ آخِرَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‌ُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الاْءِعْلانَ وَالْقَلْبُ اللِّسَانَ أَيُّهَا النَّاسُ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي وَلاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي وَلاَ تَتَرَامَوْا بِالاْءَبْصَارِ عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الاْءُمِّيِّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ وَلاَ جَهِلَ السَّامِعُ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ قَدْ نَعَقَ بِالشَّامِ وَفَحَصَ بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي كُوفَانَ فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ وَاشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ وَثَقُلَتْ فِي الاْءَرْضِ وَطْأَتُهُ عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وَبَدَا مِنَ الاْءَيَّامِ كُلُوحُهَا وَمِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا فَإِذَا أَيْنَعَ زَرْعُهُ وَقَامَ عَلَى يَنْعِهِ وَهَدَرَتْ شَقَاشِقُهُ وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ وَأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ هَذَا وَكَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ وَيَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ وَعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ وَيُحْصَدُ الْقَائِمُ وَيُحْطَمُ الْمَحْصُودُ

الاْءَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ وَالآَخِرُ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ

عَنْ مَيْمُونٍ الْبَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الاْءَوَّلِ وَالآْخِرِ فَقَالَ: الاْءَوَّلُ لاَ عَنْ أَوَّلٍ قَبْلَهُ وَلاَ عَنْ بَدْءٍ سَبَقَهُ وَالآْخِرُ لاَ عَنْ نِهَايَةٍ كَمَا يُعْقَلُ مِنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَكِنْ قَدِيمٌ أَوَّلٌ آخِرٌ لَمْ يَزَلْ وَلاَ يَزُولُ بِلا بَدْءٍ وَلاَ نِهَايَةٍ لاَ يَقَعُ عَلَيْهِ الْحُدُوثُ وَلاَ يَحُولُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ(1).

بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ

أي بأوليّته قبل جميع الاشياء وجب أن لا يكون له اوّل، فيكون شيء قبله.

وَبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ آخِرَ لَهُ

عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام عَنْ قَوْلِ اللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ: «هُوَ الاْءَوَّلُ وَالآْخِرُ» وَقُلْتُ: أَمَّا الاْءَوَّلُ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ وَأَمَّا الآْخِرُ فَبَيِّنْ لَنَا تَفْسِيرَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلاّ يَبِيدُ أَوْ يَتَغَيَّرُ أَوْ يَدْخُلُهُ الْغِيَرُ وَالزَّوَالُ أَوْ يَنْتَقِلُ مِنْ لَوْنٍ إِلَى لَوْنٍ وَمِنْ هَيْئَةٍ إِلَى هَيْئَةٍ وَمِنْ صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ وَمِنْ زِيَادَةٍ إِلَى نُقْصَانٍ وَمِنْ نُقْصَانٍ إِلَى زِيَادَةٍ إِلاّ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ وَلاَ يَزَالُ وَاحِداً هُوَ الاْءَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الآْخِرُ عَلَى مَا لَمْ يَزَلْ لاَ تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الصِّفَاتُ وَالاْءَسْمَاءُ مَا يَخْتَلِفُ عَلَى غَيْرِهِ مِثْلُ الاْءِنْسَانِ الَّذِي يَكُونُ تُرَاباً مَرَّةً وَمَرَّةً لَحْماً وَمَرَّةً دَماً وَمَرَّةً رُفَاتاً وَرَمِيماً وَكَالتَّمْرِ الَّذِي يَكُونُ مَرَّةً بَلَحاً وَمَرَّةً بُسْراً وَمَرَّةً رُطَباً وَمَرَّةً تَمْراً فَيَتَبَدَّلُ عَلَيْهِ الاْءَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ وَاللّه‌ُ عَزَّ وَجَلَّ بِخِلافِ ذَلِك(2).9.


1) الكافي: 166/1، ح6؛ بحار الأنوار 182/4، ح8

2) التوحيد للصدوق: 314، ح2؛ بحار الأنوار 182/4، ح9.

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‌ُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الاْءِعْلانَ

لا كشهادة اليهود قال تعالى: «وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِوءُنَ»(1).

وَالْقَلْبُ اللِّسَانَ

لا كشهادة المنافقين قال تعالى: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّه‌ِ وَاللّه‌ُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللّه‌ُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ(2).

وقال تعالى: «يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ...»(3).

أَيُّهَا النَّاسُ لا يَجْرِمَنَّكُمْ

أي لا يوقعكم في الجرم.

شِقاقِي

أي: خلافي وعداوتي، والأصل في قوله عليه‌السلام «لا يجرمنّكم شقاقى» قول شعيب عليه‌السلام : «وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ»(4)الآية.

وَلاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي

استهواه الشيطان، أي: استهامه(5)..


1) البقرة: 14

2) المنافقون: 1

3) الفتح: 11

4) هود: 89

5) صحاح اللغة: 2538/6، مادة (هوي).

وَلاَ تَتَرَامَوْا بِالاْءَبْصَارِ

أي: لا يرمي هذا بصره إلى ذاك، وذاك إلى هذا.

عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي

بأن تقولوا هو كذب. روى المدائني: أنّ عليّا عليه‌السلام خطب بعد النهروان. فذكر طرفا من الملاحم - إلى أن قال - قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه: أشهد أنّه كاذب على اللّه ورسوله. قال الكوفي: وما يدريك قال: فو اللّه ما نزل (عليّ عليه‌السلام ) عن المنبر حتّى فلج الرجل فحمل إلى منزله في شق محمل. فمات من ليلته(1).

كان في صحابة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله جماعة مردوا على النفاق، وكان على رأسهم عبداللّه بن أبي، وأيضا كان في أصحاب الإمام عليه‌السلام منافقون، ورأسهم الأشعث بن قيس، يثير الفتنة كلما سنحت الفرصة، وقال أرباب السير والتاريخ: كان الأشعث لعليّ كما كان ابن أبيّ للنبي، وكان الإمام إذا أخبر بشيء من المغيبات تغامز المنافقون، وتبادلوا الهمسات والهمهمات فصرخ الإمام فيهم يوبخهم ويقول: لا تحملنكم عداوتي على التكذيب فيما أخبر(2).

فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ

أي خلق. .


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 136/6

2) في ظلال نهج البلاغة: 94/2.

النَّسَمَةَ

أي الإنسان.

إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الاْءُمِّيِّ صلّى اللّه عليه وآله

والنبيّ يقول عن اللّه تعالى فلا يمكن وقوع الخلاف واقع منه.

مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ

أي: النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّك(1)

وَلاَ جَهِلَ السَّامِعُ

أراد عليه‌السلام بالسامع نفسه الشريف.

عن الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ يَرْفَعُهُ بِسَنَدِهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ «وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ» قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لِعَلِيٍّ عليه‌السلام : سَأَلْتُ اللّه‌َ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِيُّ قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا نَسِيتُ شَيْئاً بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ لِي أَنْ أَنْسَى(2).

لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ

مبالغة في الضالّ قال ابن أبي الحديد مراده عليه‌السلام بالضلّيل عبدالملك لأنّ هذه الصفات، والأمارات فيه أتمّ منها في غيره لأنّه قام بالشام حين دعا إلى نفسه وهو معنى نعيقه - إلى أن قال - وهو زمان اشتداد شكيمة عبدالملك وثقل وطأته،5.


1) المائدة: 67

2) تفسير الثعلبي: 28/10 وكشف الغمة (ط - القديمة): 120/1؛ بحار الأنوار 328/35، ح5.

وحينئذ صعب الأمر جدا، وتفاقمت الفتن مع الخوارج وعبدالرحمن بن محمّد بن الأشعث.

فلمّا كمل أمر عبدالملك، وهو معنى «أينع زرعه» هلك وعقدت رايات الفتن المعضلة من بعده كحروب أولاده مع بني المهلّب، وكحروبهم مع زيد بن عليّ عليه‌السلام ، وكالفتن الكائنة بالكوفة أيّام يوسف بن عمر، وخالد القسري، وعمر بن هبيرة، وغيرهم، وما جرى فيها من الظلم، واستيصال الأموال، و ذهاب النفوس، وقيل: كنّى عليه‌السلام عن معاوية، وما حدث في أيّامه من الفتن وما حدث بعده من فتنة يزيد(1).

قال التستري: الأصحّ وإن كان ما قال من إرادة عبدالملك لانطباق الفقرات عليه إلاّ أنّه ليس المراد بقوله عليه‌السلام «أينع زرعه» انقضاء أمر عبدالملك، ولا المراد بقوله عليه‌السلام «عقدت رايات الفتن المعضلة» حروب أولاده مع من قال، بل المراد بالأوّل انقضاء أمر بيته من زمن هشام ابنه الرابع إلى مروان بن محمّد ابن أخيه آخر الامويّة، والمراد بالثاني الرايات العباسية المقبلة من خراسان(2).

و روى أنّ عبدالملك كان له صديق - وكان من أهل الكتاب يقال له: يوسف - فأسلم فقال له عبدالملك يوما، وهو في عنفوان نسكه وقد مضت جيوش يزيد مع مسلم بن عقبة المرّي - من مرّة غطفان - يريد المدينة: أ لا ترى خيل عدوّ اللّه قاصدة لحرم رسوله.

فقال له يوسف: جيشك واللّه إلى حرم اللّه أعظم من جيشه..


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 99/7

2) بهج الصباغة: 613/5.

فنفض عبدالملك ثوبه ثم قال: معاذ اللّه.

فقال له يوسف: ما قلت شاكّا، ولا مرتابا وإنّي لأجدك بجميع أوصافك.

قال له عبدالملك: ثمّ ما ذا قال: ثمّ يتداولها رهطك.

قال: إلى متى قال: إلى أن تخرج الرايات السود من خراسان(1).

و فيه أيضا: وتزعم الرواة أنّ رجلا من أهل الكتاب - وكان موصوفا بقراءة الكتب - وفد على معاوية فقال له معاوية: أتجد نعتي قال: نعم - إلى أن قال - فقال الرجل لمعاوية: حتّى يفضي الأمر إلى رجل أعرف نعته يبيع الآخرة الدائمة بحظّ من الدنيا مخوس. فيجتمع عليه، وهو من آلك وليس منك، لا يزال لعدوّه قاهرا، وعلى من ناواه ظاهرا، ويكون له قرين لعين. قال: أ فتعرفه إن رأيته قال: لشدّ ما أعرفه. فأراه معاوية من بالشام من بني أميّة. فقال، ما أراه هاهنا. فوجّه به إلى المدينة مع ثقات من رسله فإذا عبدالملك يسعى موءتزرا في يده طائر. فقال للرسل: ها هو ذا...(2).

و هو أوّل من توعد أن يقال له اتّق اللّه. حجّ في سنة (75) فدخل المدينة فقال «و إنّي لا أداوي هذه الامّة إلاّ بالسيف حتّى تستقيم لي قناتكم، وإنّكم تأمروننا بتقوى اللّه، وتنسون ذلك من أنفسكم، واللّه لا يأمرني بتقوى اللّه بعد مقامي هذا أحد إلاّ ضربت عنقه»(3).

وقال الجاحظ كان عبدالملك أوّل خليفة من بني امية منع الناس من الكلام عند الخلفاء وتقدّم فيه، وتوعّد عليه، وقال إنّ جامعة عمرو بن سعيد عندي، وإني و اللّه.


1) الكامل للمبرد: 172/3

2) الكامل للمبرد: 171/3

3) الكامل لابن الأثير: 391/4، سنة 75.

لا يقول أحد هكذا إلاّ فعلت به هكذا. وقال: إنّه خطب: فقال: وإني واللّه ما أنا بالخليفة المستضعف - يعني عثمان - ولا أنا بالخليفة المداهن - يعني معاوية - ولا بالخليفة المأفون - يعني يزيد(1).

وكان عبدالملك من أكثر الناس علما، وأبرعهم أدبا، وأحسنهم في شبيبته ديانة. فقتل عمرو بن سعيد، وتسمى بالخلافة، فسلّم عليه بها أوّل تسليمة، والمصحف في حجره. فأطبقه، وقال: هذا فراق بيني وبينك(2).

وعن ابن عباس لمّا بلغه قتل عبدالملك عمرا الأشدق قال: أيّها الناس إنّ عبدالملك قتل ابن عمّه، وابن عمته بعد أن آمنه، فلا تأمنوه، ولا تصدّقوه.

وقالوا: كان ابن الحنفية قد شخص يريد عبدالملك، فلمّا بلغه قتله عمرا بعد الّذي أعطاه من المواثيق، استوحش فانصرف إلى الحجاز(3).

و كان بخيلا، فكان يقال له رشح الحجارة لذلك. وكان أبخر فكان يقال له أبو ذبّان لذلك(4).

قال تيجان التيمي من جيش ابن الأشعث: «خلعت أبا ذبّان كخلعي قميصى»(5).

قَدْ نَعَقَ

الأصل في النعق صوت الراعي. .


1) البيان والتبيين: 334

2) الكامل للمبرد: 172/3

3) أنساب الأشراف: 449/5، ش 1143

4) تاريخ الخلفاء (السيوطي): 238

5) تاريخ الطبري: 148/5، سنة 81.

بِالشَّامِ

كان عبدالملك سار من دمشق إلى زفر بن الحرث الكلابي بقرقيسا، وخلّف عمرو بن سعيد. فبلغه أنّ عمرا دعا إلى بيعته بدمشق، فكرّ راجعا إليها، وقال له ارجع إلى بيعتك، فإنّي سأجعل لك العهد فرضى، ودخل عبدالملك وعمرو متحيّز منه في نحو خمسمائة يزولون حيث زال فقتله عبدالملك، واختلفوا في كيفية قتله.

فقيل: إنّ عبدالملك قال لحاجبه: ويحك أتستطيع إذا دخل عمرو أن تغلق الباب قال: نعم، قال: فافعل وكان عمرو رجلا عظيم الكبر لا يلتفت وراءه إذا مشى إلى أحد.

فلمّا فتح الحاجب الباب دخل عمرو، فأغلق الحاجب الباب دون أصحابه، ومضى عمرو، ولا يلتفت، وهو يظنّ أنّ أصحابه قد دخلوا معه، فعاتبه عبدالملك طويلا، وقد كان وصّى صاحب حرسه أبا الزعيزعة أن يضرب عنقه، فضربه فقتله، وقال له عبدالملك: إرم برأسه إلى أصحابه، فلمّا رأوا رأسه تفرّقوا ثمّ خرج عبدالملك فصعد المنبر، وذكر عمرا. فوقع فيه، وذكر خلافه وشقاقه. ونزل وهو يقول:

أدنيته منّي لتسكن نفره***فأصول صولة حازم متمكن

غضبا ومحماة لديني إنّه***ليس المسيء سبيله كالمحسن

وقيل: إنّ عمرا خرج من منزله يريد عبدالملك. فعثر بالبساط. فقالت له امرأته: انشدك اللّه ألاّ تأتيه. فقال لها: دعيني عنك لو كنت نائما ما أيقظني...(1)

وفي (تاريخ الطبرى): دخل عمرو على عبدالملك. فأمر بالأبواب فغّلقت.


1) مروج الذهب: 102/3 - 103.

فرحّب به وأجلسه معه على السرير، وجعل يحدّثه طويلا ثمّ قال: يا غلام خذ السيف منه فقال عمرو: إنّا للّه. فقال له عبدالملك: أو تطمع أن تجلس معي متقلّدا سيفك. فأخذ عنه، ثمّ تحدّثا ما شاء اللّه. ثمّ قال له عبدالملك: إنّك حيث خلعتني آليت بيمين إن أنا ملأت عيني منك أن أجمعك في جامعة. فأخرج من تحت فراشه جامعة. ثم قال يا غلام قم فاجمعه فيها. فقام فجمعه فيها. فقال عمرو: اذكّرك اللّه أن تخرجني فيها على رءوس الناس. فقال عبدالملك: أ مكرا عند الموت ما كنّا لنخرجك في جامعة على رءوس الناس. ثمّ اجتبذه اجتباذه أصاب فمه السرير. فكسر ثنيته فقال عمرو: أغدرا يا ابن الزرقاء - إلى أن قال -: وأذّن الموءذن العصر. فخرج عبدالملك. فصلىّ بالناس، وأمر أخاه عبدالعزيز أن يقتله، وصلىّ صلاة خفيفة، ورجع. فوجد عمرا حيّا. فقال لعبد العزيز: ما منعك أن تقتله قال: ناشدني اللّه والرحم فرققت له. فقال له عبدالملك: اخزى اللّه امّك البوّالة على عقبيها. فإنّك لم تشبه غيرها، وقال: يا غلام إيتني بحربة. فأتاه بها. فهزّها ثمّ طعنه بها. فلم تجز. ثمّ ثنّى فلم تجز. فضرب بيده إلى عضد عمرو فوجد مسّ الدرع. فضحك، وقال: ودارع أيضا إن كنت لمعدّا. يا غلام إيتني بالصمصامة فأتاه بسيفه. ثمّ أمر بعمرو فصرع وجلس على صدره فذبحه وهو يقول: يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني(1).

وكان عبدالملك سار في جيوش أهل الشام. فنزل بطنان ينتظر ما يكون من ابن زياد - وكان ذهب إلى حرب إبراهيم بن الأشتر - فأتاه خبر مقتله ومقتل من كان معه، وهزيمة الجيش، وأتاه في تلك الليلة مقتل حبيش بن دلجة - وكان على.


1) تاريخ الطبري: 4 /599 - 600.

جيش أرسله إلى المدينة لحرب ابن الزبير - ثمّ جاءه خبر دخول بابل بن قيس فلسطين من قبل ابن الزبير، ومسير مصعب من المدينة إلى فلسطين ثمّ جاء مسير ملك الروم - لاوي بن فلقط - ونزوله المصيصة يريد الشام. ثمّ جاءه خبر دمشق، وأنّ عبيدها، وأوباشها، ودعّارها قد خرجوا على أهلها، ونزلوا الجبل. ثمّ أتاه أنّ من في السجن بدمشق فتحوا السجن، وخرجوا منه مكابرة، وانّ خيل الأعراب أغارت على حمص وبعلبك، وغير ذلك ممّا نمى إليه من المفظعات في تلك الليلة. فلم ير عبدالملك في ليلة قبلها أشدّ ضحكا، فترك اظهار الفشل، وبعث بأموال وهدايا إلى ملك الروم، فشغله وهادنه، وسار إلى فلسطين وبها بابل بن قيس على جيش ابن الزبير. فالتقوا بأجنادين. فقتل بابل وعامة أصحابه وانهزم الباقون، ونمى خبر جيشه إلى مصعب، وهو في الطريق. فولىّ راجعا، ورجع عبدالملك إلى دمشق فنزلها(1).

وَفَحَصَ

الأصل في الفحص بحث القطا في الأرض بما يستقر فيه.

بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي

جمع الضاحية: الناحية البارزة.

كُوفَانَ

لمّا قتل عبدالملك عمرو بن سعيد وضع السيف فقتل من خالفه. فصفا له الشام..


1) مروج الذهب: 97/3 - 98.

فلمّا لم يبق له مخالف فيه أجمع المسير إلى مصعب ابن الزبير بالعراق. فاستشار اصحابه. فأشار عمّه يحيى بن الحكم أن يقنع بالشام - إلى أن قال -: فلمّا عزم على المسير ودّع زوجته عاتكة بنت يزيد. فبكت وبكى جواريها لبكائها. فقال: قاتل اللّه كثير عزّه لكأنّه يشاهدنا حيث يقول:

إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه***حصان عليها عقد درّ يزينها

نهته فلمّا لم تر النهي عاقه***بكت وبكى ممّا عناها قطينها

ولمّا بلغ مصعبا - وكان بالبصرة - مسير عبدالملك سار إلى الكوفة، ومعه الأحنف بن قيس. فتوفّي بها، وسار عبدالملك. فنزل بمسكن قريبا من عسكر مصعب، وبين العسكرين ثلاثة فراسخ أو فرسخان، وكتب عبدالملك إلى أهل العراق من كاتبه ومن لم يكاتبه، وبذل لجميعهم اصبهان طعمة، وقيل: انّ كلّ من كاتبه طلب إمرة اصبهان. فقال: أيّ شيء اصبهان هذه حتّى كلّهم يطلبها - إلى أن قال -: فلمّا رأى عبدالملك رأس مصعب سجد فأمر بدفن مصعب، وابنه عيسى، وقال: كانت الحرمة بيينا قديمة، ولكن الملك عقيم، وكانا يتحدّثان إلى حبّي وهما بالمدينة. فقيل لها: قتل مصعب. فقالت: تعس قاتله. فقيل: قتله عبدالملك. قالت: وا بأبي القاتل والمقتول. ثمّ دعا عبدالملك جند العراق إلى بيعته. فبايعوه، وسار حتّى دخل الكوفة. فأقام بالنخيلة أربعين يوما وخطب الناس بالكوفة. فوعد المحسن وتوعّد المسيء - إلى أن قال -: ثمّ ولّى قطن بن عبداللّه الحارثي الكوفة ثمّ عزله فاستعمل أخاه بشرا ثمّ استعمل محمّد بن عمير على همدان، ويزيد بن رويم على الري، ولم يف لأحد شرط له اصبهان، وصنع عمرو بن حريث له طعاما كثيرا، وأمر به إلى الخورنق، وأذن إذنا عاما. فدخل الناس وأخذوا مجالسهم. فدخل عمرو بن

حريث. فأجلسه معه على سريره. ثمّ جاءت الموائد فأكلوا. فقال عبدالملك: ما ألذ عيشنا لو دام ملكنا كما قال الأوّل:

وكلّ جديد يا اميم إلى بلى***و كلّ امرئ يوما يصير إلى كان(1)

فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ

أي: فتح فاه. قال:

فغرت لدى النعمان لمّا لقيته***كما فغرت للحيض شمطاء عارك(2)

وَاشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ

الحديدة المعترضة في فم الفرس الّتي فيها الفاس.

وَثَقُلَتْ فِي الاْءَرْضِ وَطْأَتُهُ

وضع القدم ضغطة.

عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا

جمع الناب، الأسنان المحدّدة.

وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وَبَدَا مِنَ الاْءَيَّامِ كُلُوحُهَا

تكشّر في عبوس. .


1) الكامل لابن الأثير: 323/4 - 332

2) لسان العرب: 60/5، مادة (فغر).

وَمِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا

أي: خدوشها وقيل: الكدح اكثر من الخدش.

لمّا قتل عبدالملك مصعبا خطب الناس بالنخيلة. فقال: أيّها الناس دعوا الأهواء المضلّة، والآراء المتشتّتة، ولا تكلّفونا أعمال المهاجرين، وأنتم لا تعلمون بها. فقد جاريتمونا إلى السيف. فرأيتم كيف صنع اللّه بكم، ولا أعرفنّكم بعد الموعظة تزدادون جرأة. فإني لا أزداد بعدها إلاّ عقوبة، وما مثلي ومثلكم إلاّ كما قال أبو قيس بن الأسلت:

من يصل ناري بلا ذنب ولا ترة***يصلى بنار كريم غير غدّار

أنا النذير لكم منّي مجاهرة***كيلا ألام على نهي وأعذار

فإن عصيتم مقالي اليوم فاعترفوا***أن سوف تلقون خزيا ظاهر العار

لتتركنّ أحاديثا وملعبة***عند المقيم وعند المدلج الساري

وصاحب الوتر ليس الدهر مدركه***عندي وإنيّ لطلاّب لأوتار

أقيم عوجته إن كان ذا عوج***كما يقوّم قدح النبعة الباري(1)

ولمّا قتل عبدالملك مصعبا، وأتى الكوفة وجّه منها الحجّاج في ألفين من أهل الشام لقتال عبداللّه بن الزبير - وكان الحجّاج قال لعبد الملك: قد رأيت في المنام أنّي أخذت ابن الزبير وسلخته. فولّني قتاله - فسار في جمادى الاولى سنة (72) ونزل الطائف، وكان يبعث الخيل إلى عرفة، ويبعث ابن الزبير. فينهزم خيل ابن الزبير، ويعود خيل الحجّاج بالظفر فكتب إلى عبدالملك يستأذنه في دخول الحرم، وحصر ابن الزبير. فكتب عبدالملك إلى طارق بن عمرو الّذي كان بعثه إلى وادي.


1) الأغاني: 89/17.

القرى ليمنع عمال ابن الزبير من الانتشار، ويأمره باللحاق بالحجاج فقدم المدينة، وأخرج عامل ابن الزبير عنها، وجعل عليها رجلا من أهل الشام. فكان ذاك الرجل يخرج المخّ وهو على منبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يأكله، ويأكل عليه التمر ليغيظ أهل المدينة، وقدم طارق بمكّة على الحجّاج في ذي الحجّة في خمسة آلاف. فحصر الحجّاج ابن الزبير ونصب المنجنيق على أبي قبيس، ورمى به الكعبة - وكان عبدالملك ينكر ذلك أيام يزيد - وقال ابن عمر للحجاج: امنع من الرمى حتّى يقضي الناس ما يجب عليهم بمكّة.

فلمّا فرغ الناس من طواف الزيارة نادى منادي الحجّاج: انصرفوا إلى بلادكم فانا نعود بالحجارة على ابن الزبير الملحد، وأوّل ما رمي بالمنجنيق إلى الكعبة أرعدت المساء وأبرقت، وعلا صوت الرعد على الحجارة. فأعظم ذلك أهل الشام و امسكوا، فأخذ الحجّاج بيده حجارة المنجنيق. فوضعها فيه، ورمى بها معهم. فلمّا أصبحوا جاءت الصواعق. فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا.

فقال الحجّاج: يا أهل الشام لا تنكروا هذا فإنّي ابن تهامة، وهذه صواعقها، وهذا الفتح قد حضر. فلمّا كان الغد جاءت الصاعقة. فأصابت من أصحاب ابن الزبير عدّة.

فقال الحجّاج لأهل الشام: أ لا ترون أنّهم يصابون وأنتم على الطاعة وهم على خلافها، ولم يزل القتال بينهم فغلت الأسعار عند ابن الزبير، وأصاب الناس مجاعة شديدة حتّى ذبح فرسه وقسّم لحمها في أصحابه، وبيعت الدجاجة بعشرة دراهم، و المدّ من الذرة بعشرين درهما، وإنّ بيوت ابن الزبير لمملوّة قمّحا وشعيرا وذرّة وتمرا، ولا ينفق منه إلاّ ما يمسك الرمق، ويقول: أنفس أصحابي قوية ما لم تفن -

إلى أن قال -: فقتلوه في جمادى الثانية، وحمل رأسه إلى الحجّاج فسجد، وكان قبل قتله يستعمل الصبر والمسك لئلاينتن. فلمّا صلب ظهرت منه رائحة المسك.

فقيل إنّ الحجّاج صلب معه كلبا ميتا فغلب على ريح المسك، وقيل بل صلب معه سنورا. فلمّا فرغ الحجّاج من أمره دخل مكّة فبايعه أهلها لعبد الملك، وأمر بكنس المسجد من الحجارة والدم وسار إلى المدينة، وكان عبدالملك قد استعمله على مكّة والمدينة. فلمّا قدم المدينة أقام بها شهرا أو شهرين. فأساء إلى أهلها واستخفّ بهم وقال: أنتم قتلة عثمان، وضمّ أيدي جماعة من الصحابة بالرصاص استخفافا بهم كما يفعل بأهل الذمّة، منهم جابر بن عبداللّه، وأنس بن مالك، وسعد بن سعد، ثمّ عاد إلى مكّة فقال حين خرج: الحمد للّه الّذي أخرجني من امّ نتن أخبث بلد، واغشّه للخليفة، واللّه لو لا ما كانت تأتيني كتبه فيهم لجعلتها مثل جوف الحمار أعوادا يعوذون بها، ورمّة قد بليت يقولون منبر الرسول وقبر الرسول(1).

و فيه: ولّى عبدالملك في سنة (75) الحجّاج على العراق. فسار في اثني عشر راكبا على النجائب من المدينة حتّى دخل الكوفة فجأة. فبدأ بالمسجد فصعد المنبر وهو متلثم بعمامة خز حمراء، وكان محمّد بن عمير تناول حصباء ليحصبه بها. فلمّا تكلّم جعلت الحصباء تنتثر من يده، وهو لا يعقل ثمّ كشف الحجّاج عن وجهه، وقال:

أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا***متى أضع العمامة تعرفوني

وقال: وإنّي لأرى رءوسا قد أينعت، وقد حان قطافها. إنّي لأنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى. إنّ الخليفة عبدالملك نثر كنانته فعجم عيدانها. .


1) الكامل لابن الأثير: 349/4 - 359.

فوجدني أمرّها عودا، وأصلبها مكسرا. فوجّهني إليكم، ورمى بي في نحوركم، فو اللّه لاذيقنّكم الهوان، واللّه لتستقيمنّ أو لأضربنّكم بالسيف ضربا يدع النساء أيامى والولدان يتامى، وقد بلغني رفضكم المهلّب، وإنّي اقسم باللّه لا أجد أحدا من عسكره بعد ثلاثة إلاّ ضربت عنقه، ونهبت داره. ثمّ أمر بكتاب عبدالملك فقرئ. فلمّا قال القارئ «أما بعد سلام عليكم» قال: يا عبيد العصا يسلّم عليكم الخليفة. فلا يردّ منكم رادّ، ثمّ قال: اقرأ فلمّا قرأ «سلام عليكم» قالوا بأجمعهم «سلام على الخليفة ورحمة اللّه وبركاته»(1).

و فيه: قال الشعبي: كان الرجل إذا أخلّ بوجهه الّذي يكتب إليه زمن عمر وعثمان وعليّ عليه‌السلام نزعت عمامته، ويقام للناس، ويشهر أمره. فلمّا ولي مصعب قال: ما هذا بشيء، وأضاف إليه حلق الرءوس واللحى. فلمّا ولي بشر بن مروان صار يرفع الرجل عن الأرض ويسمر في يده مسمارا في حائط.

فربما مات وربما خرق المسمار كفه فسلم. فقال شاعر:

لو لا مخافة بشر أو عقوبته***و إن ينوّط في كفيّ مسمار

إذن لعطّلت ثغري ثمّ زرتكم***إنّ المحب لمن يهواه زوّار

فلمّا كان الحجّاج قال: هذا لعب، اضرب عنق من تخلى مكانه من الثغر(2)، وأتاه عمير بن ضابي. فقال: أنا شيخ كبير عليل، وهذا ابني بدلي. فقتله وأمر أن ينادى أنّ عميرا أتى بعد ثلاثة. فأمرنا بقتله فازد حموا على الجسر للخروج إلى المهلب(3)..


1) الكامل لابن الأثير: 374/4 - 377

2) الكامل لابن الأثير: 379/4 - 380

3) الكامل لابن الأثير: 378/4 - 379.

فقال المهلب: قدم اليوم العراق ذكر. وخرج في تلك السنة من الكوفة إلى البصرة. فخطبهم وتوعّد من رآه بعد ثلاثة، ولم يلحق بالمهلّب فأتاه شريك اليشكري الأعور الّذي يضع على عينه كرسفة. فقال: إنّ بي فتقا، وقد عذرني بشر، و هذا عطائي مردود. فأمر به فضربت عنقه فلم يبق أحد إلاّ لحق بالمهلب(1).

وفيه: كتب الحجّاج في سنة (81) الى عبدالرحمن بن محمّد بن الأشعث يلحّ عليه بالتوغّل في بلاد رتبيل. فقام عبدالرحمن، وقال: أتاني كتاب الحجّاج يأمرني بتعجيل الولوغ بكم في أرض العدوّ، وهي البلاد الّتي هلك فيها إخوانكم بالأمس، وإنّما أنا رجل منكم أمضي إن مضيتم، وآبى إن أبيتم. فقالوا: بل نأبى على عدوّ اللّه - وكان أوّل من تكلّم أبو الطفيل - فقال: إنّ الحجّاج يرى بكم ما رأى القائل الأوّل «احمل عبدك على الفرس فإن هلك فلك وإن نجا فلك. إنّ الحجّاج ما يبالي أن يخاطر بكم. فيقحمكم بلايا كثيرة فإن ظفرتم أكل البلاد، وحاز المال، و كان ذلك زيادة في سلطانه، وإن ظفر عدوّكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء الّذين لا يبالي عنتهم، ولا يبقي عليهم». فخلعوه(2).

وأقبل عبدالرحمن حتى دخل البصرة. فبايعه جميع أهلها قرّاوءها، وكهولها، وكان السبب في سرعة اجابتهم أنّ عمّال الحجّاج كتبوا إليه أنّ الخراج قد انكسر، و أنّ أهل الذمة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار. فكتب إلى البصرة وغيرها «إنّ من كان له أصل من قرية فليخرج إليها» فأخرج الناس لتوءخذ منهم الجزية. فجعلوا يبكون، وينادون «يا محمّداه يا محمّداه» ولا يدرون أين يذهبون، وجعل قرّاء.


1) الكامل لابن الأثير: 380/4 - 381

2) الكامل لابن الأثير: 462/4.

البصرة يبكون لما يرون(1)- إلى أن قال - بعد ذكر هزيمتهم بدير الجماجم، وكانت مدّة حربهم مئة يوم وثلاثة أيّام - فإن قالوا: كفرنا بايعهم، وإلاّ قتلهم. فأتاه رجل من خثعم كان معتزلا للناس جميعا فسأله عن حاله فأخبره باعتزاله، ولم يشهد بالكفر. فقتله فلم يبق أحد من أهل العراق والشام إلاّ رحمه(2).

و فيه: انّه ذكر عند عمر بن عبدالعزيز ظلم الحجّاج وغيره من الولاة أيام الوليد فقال عمر: الحجّاج بالعراق، والوليد بالشام، وقرّة بمصر، وعثمان بالمدينة، وخالد بمكّة: اللّهمّ قد امتلأت الدنيا ظلما وجورا(3).

وفيه ولّى خالد القسري مكّة سنة (89) فخطب وقال: واللّه لم تعلموا فضل الخليفة - يعني الوليد وكان حفر بئرا بثنيه طوى فكانت عذبا - إلاّ أنّ ابراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحا اجاجا - يعني زمزم - واستسقى الخليفة فسقاه عذبا فراتا - يعني تلك البئر - وكان ينقل ماءها ويضعه في حوض إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم. فغارت فلا يدري أين هو اليوم(4).

فَإِذَا أَيْنَعَ

أي نضج.

زَرْعُهُ وَقَامَ عَلَى يَنْعِهِ وَهَدَرَتْ

من هدر البعير ردّد صوته في حنجرته. .


1) الكامل لابن الأثير: 465/4

2) الكامل لابن الأثير: 480/4 - 481

3) الكامل لابن الأثير: 583/4 - 584

4) الكامل لابن الأثير: 536/4.

شَقَاشِقُهُ

جمع الشقشقة شيء كالرئة يخرجه الفحل العربي عند الهياج.

وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ

أي الشديدة.

وَأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ

إشارة إلى أنّه لمّا قدّر من اللّه انقضاء أمرهم، وصاروا كزرع آن حصاده عقدت رايات معضلة لهلاكهم من خراسان من دعاة العباسيّين.

وقال ابن بنت ذي الكلاع، وكان موءانسا لسليمان بن هشام بن عبدالملك، وكان أمر المسودة بخراسان والمشرق قد بان، ونطق العدوّ بما احب في بني اميّة قال كنت مع سليمان، وكان يشرب حذاء رصافة أبيه في آخر أيّام يزيد الناقص، وعنده حكم الوادي يغّنيه بشعر العرجي:

إنّ الحبيب تروّحت إحماله***أصلا فدمعك دائم إسباله

اقن الحياة فقد بكيت بعولة***لو كان ينفع باكيا أعواله

فشرب وشربنا حتّى توسّدنا أيدينا فلم انتبه إلاّ بتحريك سليمان إيّاي.

فقمت إليه مسرعا، فقلت: ما شأن الأمير فقال: على رسلك رأيت كأنّي في مسجد دمشق، وكأنّ رجلا في يده خنجر، وعليه تاج أرى بصيص ما فيه، من جوهر وهو رافع صوته بهذه الأبيات:

أبني اميّة قد دنا تشتيتكم***و ذهاب ملككم وأن لا يرجع

و ينال صفوته عدوّ ظالم***للمحسنين إليه ثمة يفجع

بعد الممات بكلّ ذكر صالح***يا ويله من قبح ما قد يصنع

فقلت: بل لا يكون ذلك فوجم ساعة ثمّ قال: بعيد ما يأتي به الزمان قريب فما اجتمعنا بعد ذلك على شراب(1).

و فيه - في عنوان السبب في العصبية بين النزارية واليمانية - قال عبداللّه بن معاوية بن عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب للكميت: إنّي رأيت أن تقول شيئا تغضب به بين الناس لعل فتنة تحدث فيخرج من بين أصابعها بعض ما نحب.

فقال الكميت قصيدته الّتي يذكر فيها مناقب مضر، وربيعة، واياد، وأنمار بني نزار، وأنّهم أفضل من قحطان ونمي قوله وافتخرت نزار على اليمن وافتخرت اليمن على نزار، وأدلى كلّ فريق بما له من المناقب، وتحزّبت الناس، وثارت العصبية في البدو والحضر. فنتج بذلك أمر مروان بن محمّد، وتعصبّه لقوله من نزار على اليمن، وانحرف اليمن عنه إلى الدعوة العبّاسية، وتغلغل الأمر إلى انتقال الدولة عن بني اميّة إلى بني هاشم. ثمّ ماتلا ذلك من قصّة معن بن زائدة باليمن، وقتله أهلها تعصبّا لقومه من ربيعة، وغيرها من نزار، وقطعه الحلف الّذي كان بين اليمن وربيعة في القدم، وفعل عقبة بن سالم بعمان والبحرين وقتله عبدالقيس وغيرهم من ربيعة(2)- إلى أن قال - إنّ نصر بن سيّار ضعف أمره بخراسان فخرج فمات بساوة كمدا، ولما كان بين الري وخراسان كتب إلى مروان بن محمّد:

انّا وما نكتم من أمرنا***كالثور إذ قرّب للناخع

أو كالّتي يحسبها أهلها***عذراء بكرا وهي في التاسع

كنّا نرفيها فقد مزّقت***و اتّسع الخرق على الراقع .


1) مروج الذهب: 227/3

2) مروج الذهب: 3/ 230 - 232.

كالثوب إذ أنهج فيه البلى***أعيا على ذي الحيلة الصانع(1)

و كان كتب أيضا قبل ذلك إليه:

أرى بين الرماد وميض جمر***و يوشك أن يكون له ضرام

فإنّ النار بالعودين تذكى***و إنّ الحرب أوّله الكلام

أقول من التعجّب ليت شعري***أ أيقاظ اميّة أم نيام

فأجابه: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» فقال نصر لأصحابه: أعلمكم صاحبكم ألاّ نصر عنده(2)- إلى أن قال -.

و سار مروان حتّى نزل على الزاب الصغير وعقد عليه الجسر، وأتاه عبداللّه بن عليّ في عساكر أهل خراسان. فالتقيا فانهزم مروان، وقتل وغرق من أصحابه خلق عظيم، وغرق ثلاثمائة من بني اميّة ذاك اليوم غير باقي الناس، ونزل عبداللّه على باب حرّان. فهدم قصر مروان واحتوى على خزائن أمواله، ونزل عبداللّه على نهر أبي فطرس. فقتل من بني اميّة هناك بضعا وثمانين رجلا ورحل صالح بن عليّ في طلب مروان فلحقه بمصر فقتله(3).

وذكر المدائني أنّ مروان حين نزل على الزاب، جرّد من رجاله من اختاره من سائر جيشه من أهل الشام والجزيرة وغيرهم مئة ألف فارس. فلمّا أشرف عبداللّه بن عليّ في المسودة وفي أوائلهم البنود السود يحملها الرحال على الجمال البخت، وقد جعلت أقتابها من خشب الصفصاف والغرب قال مروان لمن قرب منه: أما ترون رماحهم كأنّها النخل غلظا أما ترون إلى أعلامهم فوق هذه الإبل.


1) مروج الذهب: 243/3

2) مروج الذهب: 240/3

3) مروج الذهب: 245/3 - 246.

كأنّها قطع من الغمام سود فبينا هو كذلك إذ طار من اترجة هنالك قطعة من الغرابيب السود. فاجتمعت على أوّل رايات عبداللّه بن عليّ واتّصل سوادها بسواد تلك الرايات والبنود، ومروان ينظر. فتطيّر من ذلك.

فقال: أما ترون السواد قد اتّصل بالسواد وكان الغرابيب كالسحب سودا ثمّ نظر إلى أصحابه المحاربين وقد استشعروا الجزع والفشل. فقال: إنّها لعدّة وما تنفع العدّة إذا انقضت المدّة(1).

و في (العقد): لما سمّ أبو هاشم بن محمّد بن الحنفية. نزل بمحمّد بن عليّ بن عبداللّه بن العباس، وقال: يا ابن عم إنّي ميّت وقد صرت إليك وأنت صاحب هذا الأمر وولدك القائم ثمّ أخوه بعده، واللّه ليتمنّ اللّه هذا الأمر حتّى تخرج الرايات السود من قعر خراسان ثمّ ليغلبنّ ما بين حضرموت، وأقصى إفريقية، وما بين غابة، وأقصى فرغانة. فعليك بهوءلاء الشيعة...(2)

وعن بكير مولى مسلم قال: لم نزل نسمع بخروج الرايات السود من خراسان، و زوال ملك بني اميّة حتّى صار ذلك(3).

هَذَا وَكَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ

يقال: ريح قاصف ورعد قاصف: أي شديد.

وَيَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ

يقال: ريح عاصف أي: شديدة. ومن ذلك ولاية زياد عليها الّذي قتل الشيعة.


1) مروج الذهب: 250/3

2) العقد الفريد: 219/5

3) العقد الفريد: 218/5.

وكان يعرفهم تحت كلّ حجر ومدر، ويقطع أيديهم وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل(1)خمس سنين.

وولاية الحجّاج عليها عشرين سنة(2)وقد أكل خضرتهم، وأذاب شحمتهم.

ومن ذلك حالهم في أيّام خلافة المنصور فكان إذا اتّهم أحدا من أهل الكوفة بالميل إلى إبراهيم بن عبداللّه بن الحسن المثنى أمر سلما مولى قحطبة بطلبه. فكان يمهله حتّى إذا غسق الليل وهدأ الناس نصب سلّما على منزل الرجل فطرقه في بيته حتّى يخرجه فيقتله، ويأخذ خاتمه. فقيل لابنه لو لم يورثك أبوك إلاّ خواتيم من قتل من أهل الكوفة كنت أيسر الأبناء(3).

وكان المنصور يشير إلى الكوفة ويقول: هذه المدرة السوء ما هي بحرب فاحاربها ولا هي بسلم فاسالمها(4).

ولمّا انهزم جند الخليفة من أبي طاهر القرمطي في سنة (312) دخل الكوفة وأقام ستة أيّام بظاهرها يدخل البلد نهارا، ويخرج يبيت في عسكره، وحمل منه ما قدر من الأموال والثياب وغير ذلك(5)واستولى عليها أيضا سنة (315)(6).

وَعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ

قال تعالى: «وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً»(7). .


1) الفتوح: 316/4؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 44/11

2) تاريخ اليعقوبي: 290/2

3) مقاتل الطالبيين: 213

4) مروج الذهب: 300/3

5) الكامل لابن الاثير: 156/8

6) الكامل لابن الأثير: 170/8

7) مريم: 98.

وَيُحْصَدُ الْقَائِمُ وَيُحْطَمُ الْمَحْصُودُ

قال تعالى: «مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاْءَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ»(1).

هذا وقال ابن أبي الحديد: «إنّ قوله عليه‌السلام «وعن قليل...» كناية عن الدولة العباسية الّتي ظهرت على الدولة الاموية(2)وهو كما ترى. فإنّ الظاهر أنّ مراده عليه‌السلام جميع دول الدنيا الاموية والعباسية ومن بعدهم إلى القيامة..


1) الكهف: 45

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 101/7.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (101): ومن خطبة له عليه‌السلام : تجري هذا المجرى:

اشارة

وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللّه‌ُ فِيهِ الاْءَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ لِنِقَاشِ الْحِسَابِ وَجَزَاءِ الاْءَعْمَالِ خُضُوعاً قِيَاماً قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ وَرَجَفَتْ بِهِمُ الاْءَرْضُ فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَلِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً.

ومنها : فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ لاَ تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ وَلاَ تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ تَأْتِيكُمْ مَزْمُومَةً مَرْحُولَةً يَحْفِزُهَا قَائِدُهَا وَيَجْهَدُهَا رَاكِبُهَا أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ يُجَاهِدُهُمْ فِي اللّه‌ِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الاْءَرْضِ مَجْهُولُونَ وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اللّه‌ِ لاَ رَهَجَ لَهُ وَلاَ حَسَّ وَسَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الاْءَحْمَرِ وَالْجُوعِ الاْءَغْبَر

تجري هذا المجرى

اشارة إلى اشتمالها على ذكر الملاحم كسابقتها.

وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللّه‌ُ فِيهِ الاْءَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ

الأصل في كلامه عليه‌السلام قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الاْءَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلى

مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ»(1).

قال تعالى: «يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُم»(2).

وقوله تعالى: «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُود»(3).

وقوله تعالى: «إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ»(4).

وقوله تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ...»(5).

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام فِي قَوْلِ اللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ - ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ قَالَ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْمَجْمُوعُ لَهُ النَّاسُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ(6).

وعَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَحَدِهِمَا عليهماالسلام فِي قَوْلِ اللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ: «وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ»(7)قَالَ: الشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ(8).

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا عليه‌السلام قَالَ فِي قَوْلِ اللّه‌ِ: «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ»(9)فَذَكَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ(10).

وعن علي بن الحسين عليه‌السلام : اعْلَمْ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذَا أَعْظَمَ وَأَفْظَعَ وَأَوْجَعَ9.


1) الواقعة: 49 - 50

2) الزلزلة: 6

3) هود: 103

4) يس: 53

5) التغابن: 9

6) معاني الأخبار: 298، ح1؛ بحار الأنوار 60/7، ح6

7) البروج: 3

8) معاني الاخبار: 299، ح6؛ بحار الأنوار 60/7، ح8

9) هود: 103

10) تفسير العياشي: 159/2، ح65؛ بحار الأنوار 60/7، ح9.

لِلْقُلُوبِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ - ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَجْمَعُ اللّه‌ُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ الاْءَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ ذَلِكَ يَوْمٌ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، وَتُبَعْثَرُ فِيهِ الْقُبُورُ(1)وَذَلِكَ يَوْمُ الآْزِفَةِ - إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ وَذَلِكَ يَوْمٌ لاَ تُقَالُ فِيهِ عَثْرَةٌ(2)وَلاَ يُوءْخَذُ مِنْ أَحَدٍ فِدْيَةٌ وَلاَ تُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ مَعْذِرَةٌ وَلاَ لاِءَحَدٍ فِيهِ مُسْتَقْبَلُ تَوْبَةٍ لَيْسَ إِلاّ الْجَزَاءَ بِالْحَسَنَاتِ وَالْجَزَاءَ بِالسَّيِّئَات الحديث(3).

ورُوِيَ أَنَّ قِيَامَ الْقَائِمِ عليه‌السلام يَكُونُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَتَقُومُ الْقِيَامَةُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ يَجْمَعُ اللّه‌ُ فِيهِ الاْءَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ قَالَ اللّه‌ُ عَزَّ وَجَلَّ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ(4)،(5).

وعَنْ مُثَنًّى الْحَنَّاطِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه‌السلام يَقُولُ: أَيَّامُ اللّه‌ِ ثَلاثَةٌ يَوْمُ يَقُومُ الْقَائِمُ وَيَوْمُ الْكَرَّةِ وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ(6).

لِنِقَاشِ الْحِسَابِ

النّقاش والمناقشة الاستقصاء في الحساب قال تعالى: «وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي


1) بعثرت الشيء إذا استخرجته وكشفته وبعثرت حوضى أي هدمته وجعلت أسفله أعلاه وسميت القيامة بالآزفة لأزوفتها أي لقربها إذا القلوب لدى الحناجر فإنّها ترتفع عن أماكنها فتلتصق بحلوقهم فلا تعود، فيتروحوا فلا تخرج فيستريحوا. (آت)

2) من الإقالة وهي نقض البيع. والعثرة: الزلة

3) الكافي: 73/8، ح29؛ بحار الأنوار 61/7، ح10

4) هود: 103

5) من لا يحضره الفقيه: 422/1، ح1241؛ بحار الأنوار 61/7، ح12

6) الخصال: 108/1، ح75؛ بحار الأنوار 61/7، ح13.

أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللّه‌ُ...»(1).

وقال تعالى: «وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ»(2).

وقال تعالى: «وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً...»(3).

وقال تعالى: «لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللّه‌َ سَرِيعُ الْحِساب»(4).

عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عليهم‌السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : إِنَّ اللّه‌َ عَزَّ وَجَلَّ يُحَاسِبُ كُلَّ خَلْقٍ إِلاّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ لاَ يُحَاسَبُ وَيُوءْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ(5).

وعَنْ موسي بن جعفر عَنْ آبَائِهِ عليهم‌السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَشَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاه وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ كَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ(6).

وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ في قوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكُ(7)المناقشة الاستقصاء في الحساب حتى لا يترك منه شيء يقال انتقشت منه حقي أجمع ومنه نقش الشوك من الرجل وهو استخراجه منها(8).

وعَنِ النَّبِيِّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أَنَّهُ قَالَ: مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ(9)..


1) البقرة: 284

2) القمر: 53

3) الكهف: 49

4) غافر: 17

5) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : 34/2، ح66؛ بحار الأنوار 260/7، ح7

6) الأمالي للصدوق: 39، م10، ح9؛ بحار الأنوار 258/7، ح1

7) صحيح البخاري: 34/1 وبحار: 263/7

8) بحار الأنوار: 263/7

9) صحيح مسلم: 164/8؛ بحار الأنوار 263/7.

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ يَا فُلانُ مَا لَكَ وَلاِءَخِيكَ قَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَانَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ فَاسْتَقْصَيْتُ مِنْهُ حَقِّي قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّه‌ِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللّه‌ِ: «وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ»(1)أَ تَرَاهُمْ خَافُوا أَنْ يَجُورَ عَلَيْهِمْ أَوْ يَظْلِمَهُمْ لاَ وَاللّه‌ِ خَافُوا الاسْتِقْصَاءَ وَالْمُدَاقَّةَ(2).

وَجَزَاءِ الاْءَعْمَالِ

قال تعالى: «الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ»(3).

وقال تعالى: «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ»(4).

وقال تعالى: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساوءُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى»(5).

وقال تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالاْءَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالاْءَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ»(6). .


1) الرعد: 21

2) معاني الأخبار: 246، ح1؛ بحار الأنوار 272/72، ح1

3) غافر: 17

4) الزلزال: 8 - 9

5) النجم: 31

6) هود: 106 - 108.

خُضُوعاً

هنا هو جمع خاضع قال تعالى: «وَخَشَعَتِ الاْءَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاّ هَمْساً»(1).

وقال تعالى: «خُشّعاً أبصارُهُم»(2).

قِيَاماً

«قياما» (قيام) يكون مصدر (قام) ويكون جمع قائم وهو المراد هنا.

قال تعالى: «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِين»(3).

قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ

قال الطبرسى فى تفسير قوله تعالى: «يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ»(4)المعنى يوم يقوم النّاس من قبورهم لأمر ربّ العالمين ولجزائه أو حسابه، وجاء في الحديث انّهم يقومون في رشحهم إلى انصاف آذانهم، وفي حديث آخر يقومون حتّى يبلغ الرشح إلى أطراف آذانهم.

وفي الحديث عن سليم بن عامر عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقول: إذا كان يوم القيامة ادنيت الشمس من العباد حتى تكون الشّمس بقدر ميل أو ميلين، قال سليم فلا أدرى أ مسافة الأرض أو الميل الذي تكحل به العين ثمّ قال صهرتهم الشّمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى عقبه، ومنهم من يلجمه إلجاما، قال: فرأيت رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يشير بيده إلى فيه.


1) طه: 108

2) القمر: 7

3) المطففين: 6

4) المطففين: 6.

قال يلجمه إلجاما(1).

وعَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ عليه‌السلام يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام يُحَدِّثُ النَّاسَ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ اللّه‌ُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ مِنْ حُفَرِهِمْ عُزْلاً بُهْماً جُرْداً مُرْداً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ(2)يَسُوقُهُمُ النُّورُ وَتَجْمَعُهُمُ الظُّلْمَةُ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى عَقَبَةِ الْمَحْشَرِ فَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَزْدَحِمُونَ دُونَهَا فَيُمْنَعُونَ مِنَ الْمُضِيِّ فَتَشْتَدُّ أَنْفَاسُهُمْ وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ وَتَضِيقُ بِهِمْ أُمُورُهُمْ وَيَشْتَدُّ ضَجِيجُهُمْ(3)وَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ قَالَ وَهُوَ أَوَّلُ هَوْلٍ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ‌فَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فِي ظِلالٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ(4)فَيَأْمُرُ مَلَكاً مِنَ الْمَلائِكَةِ فَيُنَادِي فِيهِمْ يَا .


1) سنن الترمذي: 37/4، ح2536؛ تفسير مجمع البيان: 687/10؛ تفسير نور الثقلين: 528/5، ح7 و8

2) عزلا: لا سلاح لهم - بضم العين وسكون الزاى - جمع أعزل وكذلك أخواته، «بهما» أي ليس معهم شيء وقيل: يعنى أصحاء لا آفة بهم ولا عاهة وليس بشيء، «جردا» لا ثياب لهم، «مردا» ليس لهم لحية وهذه كلّها كناية عن تجردهم عما يباينهم ويغطيهم ويخفى حقائقهم ممّا كان معهم في الدنيا، «يسوقهم النور» أي نور الايمان والشرع فانه سبب ترقيهم طورا بعد طور وفي بعض النسخ [بالنار] أى نار التكاليف فان التكليف بالنسبة إلى بعض المكلفين نار وبالإضافة إلى آخرين نور «يجمعهم الظلمة» أي ما يمنعهم من تمام النور والايقان فانّه سبب تباينهم الموجب لكثرتهم التي يتفرع عليها الجمعية ويحتمل أن يكون المراد كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا والمعنيان متقاربان. (الوافي: 652/25) واللّه العالم بحقائق الأمور

3) أي صياحهم واصواتهم

4) يمكن أن يكون إشراف اللّه تعالى كناية عن توجهه إلى محاسبتهم فالاشراف في حقه مجاز وفي الملائكة حقيقة (مرآة العقول: 254/25).

مَعْشَرَ الْخَلائِقِ أَنْصِتُوا وَاسْتَمِعُوا مُنَادِيَ الْجَبَّارِ قَالَ فَيَسْمَعُ آخِرُهُمْ كَمَا يَسْمَعُ أَوَّلُهُمْ قَالَ فَتَنْكَسِرُ أَصْوَاتُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَتَخْشَعُ أَبْصَارُهُمْ وَتَضْطَرِبُ فَرَائِصُهُمْ(1)وَتَفْزَعُ قُلُوبُهُمْ وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ إِلَى نَاحِيَةِ الصَّوْتِ «مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ»(2)قَالَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: «هذا يَوْمٌ عَسِرٌ»(3)قَالَ: فَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ عَزَّ وَجَلَّ الْحَكَمُ الْعَدْلُ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُ: أَنَا اللّه‌ُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لاَ يَجُورُ الْيَوْمَ أَحْكُمُ بَيْنَكُمْ بِعَدْلِي وَقِسْطِي لاَ يُظْلَمُ الْيَوْمَ عِنْدِي أَحَدٌ الْيَوْمَ آخُذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ بِحَقِّهِ وَلِصَاحِبِ الْمَظْلِمَةِ بِالْمَظْلِمَةِ بِالْقِصَاصِ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَأُثِيبُ عَلَى الْهِبَاتِ(4)وَلاَ يَجُوزُ هَذِهِ الْعَقَبَةَ الْيَوْمَ عِنْدِي ظَالِمٌ وَلاِءَحَدٍ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ إِلاّ مَظْلِمَةً يَهَبُهَا صَاحِبُهَا وَأُثِيبُهُ عَلَيْهَا وَآخُذُ لَهُ بِهَا عِنْدَ الْحِسَابِ فَتَلازَمُوا أَيُّهَا الْخَلائِقُ وَاطْلُبُوا مَظَالِمَكُمْ عِنْدَ مَنْ ظَلَمَكُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَأَنَا شَاهِدٌ لَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِي شَهِيداً قَالَ فَيَتَعَارَفُونَ وَيَتَلازَمُونَ فَلا يَبْقَى أَحَدٌ لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مَظْلِمَةٌ أَوْ حَقٌّ إِلاّ لَزِمَهُ بِهَا قَالَ فَيَمْكُثُونَ مَا شَاءَ اللّه‌ُ فَيَشْتَدُّ حَالُهُمْ وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ(5)وَيَشْتَدُّ غَمُّهُمْ وَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ بِضَجِيجٍ شَدِيدٍ فَيَتَمَنَّوْنَ الْمَخْلَصَ مِنْهُ بِتَرْكِ مَظَالِمِهِمْ لاِءَهْلِهَا الحديث بطوله(6)..


1) أي أوداج أعناقهم، قال الفيروزآبادي: الفريص: أوداج العنق والفريصة واحدته واللحمة بين الجنب والكتف التي لا تزال ترعد

2) أي يمدون أعناقهم لسماع صوته. مهطعين أي مسرعين. واهطع: إذا مدّ عنقه

3) القمر: 8

4) أي هبات المظالم وإبراء الذمم. (فى)

5) لما رأوا من شغل ذممهم بالمظالم وترددهم في إبراء خصمائهم من مظالمهم أو أخذهم بها لجهلهم. (فى)

6) الكافي: 104/8، ح79؛ بحار الأنوار 268/7، ح35.

وَرَجَفَتْ بِهِمُ الاْءَرْضُ

قال تعالى: «يَوْمَ تَرْجُفُ الاْءَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً»(1).

وقال تعالى: «إِذا رُجَّتِ الاْءَرْضُ رَجًّا وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا»(2).

فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَلِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً

قال تعالى: «يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً»(3).

وقال تعالى: «يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ * أَبْصارُها خاشِعَة»(4).

منها:

قال ابن ميثم: نبّه عليه‌السلام في هذا الفصل على ما سيقع بعده من الفتن، ويختص منها فتنة صاحب الزنج بالبصرة - إلى أن قال - وقال عليه‌السلام - بعد فصل في غرق البصرة وقيام الأحنف إليه عليه‌السلام وقوله له متى يكون ذلك - «يا أبا بحر إنّك لن تدرك ذلك الزمان، وإنّ بينك وبينه لقرونا، ولكن ليبلّغ الشاهد منكم الغائب عنكم لكي يبلّغوه إخوانهم، إذا هم رأوا البصرة قد تحولّت أخصاصها دورا، وآجامها قصورا فالهرب الهرب. فإنّه لا بصرة لكم يومئذ - ثم التفت عن يمينه فقال - كم بينكم وبين الابلّة - فقال له المنذر بن الجارود: أربعة فراسخ.

فقال عليه‌السلام له - صدقت فو الّذي بعث محمّدا وأكرمه بالنبوّة، وخصّه بالرسالة، وعجّل بروحه إلى الجنّة، لقد سمعت منه كما تسمعون منّي إن قال: يا عليّ هل.


1) المزمل: 14

2) الواقعة: 4 - 5

3) المزمل: 17

4) النازعات: 6 - 9.

علمت أنّ بين الّتي تسمّى البصرة، والّتي تسمّى الابلّة أربعة فراسخ، وسيكون في الّتي تسمّى الابلّة موضع أصحاب العشور يقتل في ذلك الموضع من امّتي سبعون ألف شهيد هم يومئذ بمنزلة شهداء بدر فقال له عليه‌السلام المنذر: ومن يقتلهم قال عليه‌السلام : يقتلهم إخوان الجن، وهم جيل كأنّهم الشياطين، سود ألوانهم، منتنة أرواحهم، شديد كلبهم، قليل سلبهم. طوبى لمن قتلهم، وطوبى لمن قتلوه. ينفر لجهادهم في ذلك الزمان قوم أذلّة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان. مجهولون في الأرض معروفون في السماء، يبكي السماء عليهم وسكّانها، و الأرض وسكّانها. ثمّ هملت عيناه بالبكاء ثم قال: ويحك يا بصرة ويلك يا بصرة من جيش لا رهج له ولا حسّ.

فقال له المنذر: وما الّذي يصيبهم من قبل الغرق في ما ذكرت وما الويح، وما الويل قال عليه‌السلام : هما بابان. فالويح باب الرحمة، والويل باب العذاب. يا ابن الجارود نعم. تارات عظيمة منها عصبة يقتل بعضها بعضا، ومنها فتنة تكون منها إخراب منازل، وخراب ديار، وانتهاك أموال، وقتل رجال، وسبي نساء يذبحن ذبحا، يا ويل أمرهن به حديث عجيب، ومنها أن يستحلّ بها الدجّال الأكبر الأعور الممسوح العين اليمنى، والاخرى كأنّها ممزوجة بالدم لكأنّها في الحمرة علقة تأتي الحدقة كهيئة حبّة العنب الطافية على الماء. فيتبعه من أهلها عدّة من قتل بالابلّة من الشهداء، أنا جيلهم في صدورهم، يقتل من يقتل، ويهرب من يهرب. ثمّ رجف ثمّ قذف ثمّ خسف ثمّ مسح، ثمّ الجوع الأغبر، ثمّ الموت الأحمر، وهو الغرق يا منذر إنّ للبصرة ثلاثة أسماء سوى البصرة في الزبر الأوّل لا يعلمها إلاّ العلماء منها الخريبة، ومنها تدمر، ومنها الموءتفكة يا منذر والّذي فلق الحبّة وبرى‌ء

النسمة لو أشاء لأخبرتكم بخراب العرصات عرصة عرصة ومتى تخرب ومتى تعمر بعد خرابها إلى يوم القيامة، وإنّ عندى من ذلك علما جمّا وإن تسألونى تجدونى به عالما لا أخطى‌ء منه علما ولا وافيا، ولقد استودعت علم القرون الأولى وما كائن إلى يوم القيامة. قال: فقام إليه رجل فقال يا أمير الموءمنين: أخبرنى من أهل الجماعة ومن أهل الفرقة ومن أهل السنّة ومن أهل البدعة فقال: ويحك إذا سألتنى فافهم عنّى ولا عليك أن لا تسأل أحدا بعدى: أمّا أهل الجماعة فأنا ومن اتّبعنى وإن قلّوا وذلك الحقّ عن أمر اللّه وأمر رسوله، وأمّا أهل الفرقة فالمخالفون لى ولمن اتّبعنى وإن كثروا، وأمّا أهل السنّة فالمتمسّكون بما سنّه اللّه ورسوله لا العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا، وقد مضى الفوج الأوّل وبقيت أفواج وعلى اللّه قصمها واستيصالها عن جديد الأرض. وباللّه التوفيق(1).

قال التستري: إنّه وإن كان قوله في روايته «يقتلهم إخوان الجن، وهم جيل كأنّهم الشياطين، سود ألوانهم، منتنة أرواحهم، شديد كلبهم، قليل سلبهم» ينطبق على أصحاب صاحب الزنج لأنّهم كانوا زنوجا، وكذلك قوله: «ويلك يا بصرة من جيش لا رهج له ولا حسّ» إلاّ أنّه لا يوافقه قوله «يقتل في ذلك الموضع (أي الابلّة) من امتّي سبعون ألف شهيد، هم يومئذ بمنزلة شهداء بدر» فإنّه وإن ذكر التاريخ «أنّ في رجب سنة (256) دخل الزنج الابلّة وقتلوا فيها خلقا كثيرا وأحرقوها وكانت مبنية بالساج فأسرعت النار فيها، وحووا الأموال العظيمة، وكان ما أحرقت النار أكثر من الّذي نهب(2)إلاّ أنّ المقتولين كانوا عامة عمياء، و .


1) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 14 - 17

2) الكامل لابن الاثير: 236/7 - 237 / سنة 256.

كذلك لا يوافقه قوله في رواية المصنف: «يجاهدهم في سبيل اللّه قوم أذلّة عند المتكبرين في الأرض مجهولون وفي السماء معروفون» وزيادته في رواية ابن ميثم «يبكي السماء عليهم...» فإنّ المحاربين مع أصحاب الزنج كانوا ناصبة سفيانية من جنس من قال الآبي(1)في كتابه (نثر الدرر): أنّه لمّا ادخل المعتضد رأس صاحب الزنج إلى بغداد دخل في جيش لم ير مثله. قال العلاء بن صاعد فلمّا صرنا بباب الطاق صاح قوم من درب من دروب الأسواق رحم اللّه معاوية وزاد حتّى علّت أصوات العامة بذلك. فتغيّر وجه المعتضد، وقال لي: ألا تسمع؟ ما أعجب هذا وما الّذي اقتضى ذكر معاوية في هذا الوقت، واللّه لقد بلغ أبي إلى الموت، وما نجوت إلاّ بعد مشارفته، ولقينا كلّ جهد وبلاء حتّى أنجينا هوءلاء الكلاب من عدوّهم، وحصّنّا حرمهم وأولادهم، فتركوا أن يترحموا على العباس، وابن عباس، ومن ولد من الخلفاء، وتركوا الترحم على علي عليه‌السلام وحمزة، وجعفر، والحسن والحسين عليه‌السلام . واللّه لا برحت أو أوءدب هوءلاء...(2).

والظاهر أنّه وقع في الرواية خلط من الرواة أو النساخ، وأنّه عليه‌السلام ذكر فتن البصرة ومحنها بعد عصره عليه‌السلام إلى الأبد مرّة بعد مرّة كما يشهد له قوله عليه‌السلام : «يا ابن الجارود نعم تارات عظيمة، منها كذا ومنها كذا» وأنّ قوله عليه‌السلام «يقتل...» وقوله عليه‌السلام «يجاهدهم...» كانا مذكورين في غير فتنة الزنج، وخلطا بقوله عليه‌السلام «إخوان.


1) هو الوزير زين الكفاة أبو سعد منصور بن الحسين الآبى، وزير مجد الدولة رستم بن فخر الدولة ابن بويه. وكتابه نثر الدرر في المحاضرات؛ منه نسخ خطية؛ وأجزاء متفرقة في دار الكتب المصرية

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 212/8 - 213.

الجن...» وقوله عليه‌السلام «و من جيش...». وممّا يدلّ على أنّهما روايتان، أنّ الحموي روى أنّه عليه‌السلام قال بالبصرة في خطبة له: يستشهد عند مسجد جامعها، وموضع عشورها ثمانون ألف شهيد - إلى أن قال - وفي رواية اخرى أنّه قال: ليأتين عليها يوم لا يرى منها إلاّ شرفات جامعها كجوءجوء السفينة في لجة البحر، ثم قال: ويحك يا بصرة، ويلك من جيش لا غبار له...(1)فترى أنّه جعل رواية شهداء الابلّة غير رواية صاحب الزنج.

و بعد ما استظهرنا من الخلط، لا يبعد أن يكون قوله عليه‌السلام «فتن - إلى قوله - قليل سلبهم» وصف التتار لا أصحاب الزنج. فإن وصف الأتراك بكونهم شديدا كلبهم قليلا سلبهم معروف، ذكره الجاحظ في رسالته في (مناقب الأتراك)(2)، وفي (الكامل): «سمعت عن بعض أكابر الكرج قال: من حدّثكم أن التتر انهزموا واسروا فلا تصدّقوه، وإذا حدّثتم أنّهم قتلوا فصدّقوا. فإنّ القوم لا يفرّون أبدا، ولقد أخذنا أسيرا منهم. فألقى نفسه من الدابة، وضرب رأسه بالحجر إلى أن مات»(3)وكذلك كلّ فقرة منه من قوله «لا تقوم...» وقوله «لا ترد...» وقوله «يحفزها» انطباقها على التتار واضح دون الزنج. نعم قوله عليه‌السلام «فويل لك يا بصرة...» وصف الزنج. كما أنّ قوله «ثمّ الموت الأحمر وهو الغرق» في رواية أبن ميثم محرف «ثمّ الموت الأحمر ثمّ الغرق» فإنّ الموت الأحمر إنّما هو القتل بالسيف وتصحيح ابن ميثم له خطأ.

ويشهد لما قاله عليه‌السلام من الغرق في تارات البصرة ما في (تاريخ الطبرى) أنّ في.


1) معجم البلدان: 436/1

2) مناقب الاتراك: 26

3) الكامل لابن الأثير: 384/12، سنة 617.

ذي القعدة من سنة (255) جمع أهل البصرة لصاحب الزنج، وحشدوا له وانتدب لذلك رجل من أهل البصرة يعرف بحماد الساجي - وكان من غزاة البحر في الشذا وله علم بركوبها والحرب فيها - فجمع المطّوّعة، ورماة الأهداف وأهل المسجد الجامع، ومن خفّ معه من حزبي البلاليّة والسعديّة.

ومن أحبّ النظر من غير هذه الأصناف من الهاشميّين، والقرشيّين، وسائر أصناف الناس فشحن ثلاثة مراكب من الشذا من الرماة، وجعلوا يزدحمون في الشذا حرصا على حضور ذلك المشهد، ومضى جمهور الناس رجّالة، منهم من معه السلاح، ومنهم نظّارة لا سلاح معهم. فدخلت الشذا والسفن النهر المعروف بامّ حبيب بعد زوال الشمس، ومرّت الرجّالة والنظّارة على شاطئ النهر قد سدّوا ما ينفذ فيه البصر تكاثفا وكثرة، وكان صاحب الزنج مقيما بموضعه من النهر المعروف بشيطان، ولمّا أتته طلائعه بذلك وجّه زريقا وأبا الليث الأصبهاني في جمع في الجانب الشرقي كمينا، والحسين الحمّامي في جمع في الجانب الغربي كذلك، وأمر عليّ بن أبان ومن بقي معه بتلقّى القوم، وأمر نساء الزنج بجمع الآجر وامداد الرجال به - إلى أن قال -: وخرج الكمينان عن جنبتي النهر من وراء السفن والرجّالة، وخبطوا من ولّى من الرجالة والنظّارة الّذين كانوا على شاطئ النهر. فغرقت طائفة، وقتلت طائفة. وهربت طائفة نحو الشط طمعا في النجاة. فأدركها السيف فمن ثبت قتل، ومن رجع إلى الماء غرق، ولجأ من كان على شاطى‌ء النهر من الرّجالة الى النهر فغرقوا، وقتلوا حتّى ابير أكثر ذلك الجمع، ولم ينج منهم إلاّ الشريد وكثر المفقودون بالبصرة، وعلا العويل من نسائهم.

و هذا يوم الشذا الّذي ذكره الناس وأعظموا ما كان فيه من القتل، وقتل من بني

هاشم جمع من ولد جعفر بن سليمان، وأربعون من الرماة المشهورين، وجمعت له الرءوس فذهب إليه جماعة من أوليائهم، فأخذوا ما عرفوا منها(1).

كما يشهد لقوله عليه‌السلام في رواية ابن ميثم «ثمّ خسف» في تارات البصرة و هو في غير مورد صاحب الزنج ما في (الكامل) أنّ في سنة (289) هبت ريح عاصف بالبصرة. فقلعت كثيرا من نخلها، وخسف بموضع منها هلك فيه ستة آلاف نفس(2).

كما يشهد لقوله عليه‌السلام في روايته أيضا «يذبحن ذبحا» ما ذكر انّ امرأة من الزنج قد احتضرت، وعند اختها وقد احتوشوها ينظرون أن تموت. فيأكلوا لحمها. فما ماتت حتّى ابتدروها فقطعوها، وأكلوها، وقد جاءت اختها ومعها رأسها وهي تبكي. فقيل لها: ويحك مالك تبكين قالت: اجتمعوا على اختي فما تركوها حتّى تموت موتا حسنا حتّى قطعوها. فظلموني فلم يعطوني من لحمها شيئا إلاّ رأسها هذا(3).

كما يشهد لقوله عليه‌السلام في روايته أيضا «يا ويل أمرهنّ به حديث عجيب» أنّه بلغ من أمر عسكر صاحب الزنج أنّه كان ينادي فيه على المرأة من ولد الحسن و الحسين والعباس وغيرهم من ولد هاشم وقريش، وغيرهم من ساير العرب تباع الجارية منهم بالدرهمين والثلاثة، وينادى عليها بنسبها: هذه ابنة فلان الفلاني لكلّ زنجي منهم العشرة والعشرون والثلاثون يطوءهنّ الزنج، ويخدمن النساء الزنجيات.


1) تاريخ الطبري: 564/7 - 566، سنه 255

2) الكامل لابن الأثير: 522/7، سنة 289

3) مروج الذهب: 120/4.

كما تخدم الوصائف(1).

فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ

في الشدّة وعدم الاهتداء فيها إلي حيلة.

لاَ تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ

أي لا تقدر قائمة على القيام في قبالها.

وَلاَ تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ

لعدم وجود مقاوم لها.

تَأْتِيكُمْ

تلك الفتن.

مَزْمُومَةً

كدابّة جعلت لها زمام.

مَرْحُولَةً

كناقة انتخبت راحله.

يَحْفِزُهَا

أي يدفعها شديداً. .


1) مروج الذهب: 120/4.

قَائِدُهَا

القيّم بأمرها.

وَيَجْهَدُهَا

أي يحملها على الجهد والمشقة.

رَاكِبُهَا

حتّي يبلغ قريبا مقصده.

أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ

أى شديد شرّهم وأذاهم وقليل ما سلبوه من الخصم إذ همّتهم القتل لا السّلب كما قال الشاعر:

هم الأسود أسود الغاب همّتها***يوم الكريهة في المسلوب لا السّلب(1)

يُجَاهِدُهُمْ فِي اللّه‌ِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الاْءَرْضِ مَجْهُولُونَ وَفِي السَّمَاءِ مَعْرُوفُونَ

فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اللّه‌ِ

جيش من نقمه تعالى يمكن أن يكونوا على الحقّ فيكون الكلام إشارة إلى.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 104/7.

جيش الغضب أصحاب القائم عليه‌السلام ، ويوءيّده سابقه، ويمكن أن يكونوا على الباطل فقد قال تعالى «وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ»(1)فيحتمل إرادة صاحب الزنج به ويوءيّده ما بعده.

لاَ رَهَجَ لَهُ

أي لا غبار له.

وَلاَ حَسَّ

أي ولا صوت.

وَسَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الاْءَحْمَرِ

أي: القتل. قال المسعودي: قد كان أتى صاحب الزنج بالبصرة في وقعة واحدة على قتل ثلاثمئة ألف(2).

وفي رسالة ابن القارح: قتل علوي البصرة في موضع بها يقال له العقيق أربعة وعشرين ألفا عدّوهم بالقصب وحرّق جامعها(3).

وقال الجزري: نادى أصحاب صاحب الزنج في البصرة: من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم بن يحيى المهلّبي. فحضروا حتّى ملأوا الرحائب، فلمّا رأى اجتماعهم انتهز الفرصة فأمر بقتلهم. فكان السيف يعمل فيهم، وأصواتهم مرتفعة بالشهادة(4). .


1) الأنعام: 129

2) مروج الذهب: 119/4

3) رسالة ابن القارح، ضمن رسائل البلغاء: 199

4) الكامل لابن الأثير: 245/7، سنة 257.

وَالْجُوعِ الاْءَغْبَر

أي: القحط، وصف عليه‌السلام الجوع بالأغبر لأنّ الجائع لا يقدر على النهوض، فيسقط على التراب فيكون مغبرا، كما وصف عليه‌السلام الموت بالأحمر لأنّ من يقتل بالسيف يصير محمرا من الدم.

كان المهلّبي - من عليّة أصحاب الزنج - بعد تلك الوقعة بالبصرة ينصب منبرا بالموضع المعروف بمقبرة بني يشكر، ويصلّي يوم الجمعة بالناس، ويخطب لصاحبه، ويترحّم بعد ذلك على أبي بكر وعمر، ولا يذكر عثمان ولا عليّا عليه‌السلام في خطبته، ويلعن جبابرة بني العباس، وأبا موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، ومعاوية. فركن من بقي بالبصرة من الناس إلى هذا الفعل منه. فاجتمعوا في بعض الجمع. فوضع فيهم السيف. فمن ناج سالم، ومن مقتول ومن غريق، واختفى كثير من الناس في الدور والآبار، فكانوا يظهرون باللّيل فيأخذون الكلاب. فيذبحونها ويأكلونها، والفيران والسنانير فأفنوها حتّى لم يقدروا منها على شيء. فكانوا إذا مات منهم الواحد أكلوه وعدموا مع ذلك الماء العذب(1). .


1) مروج الذهب: 119/4.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (102): ومن خطبة له عليه‌السلام :

اشارة

انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا الصَّادِفِينَ عَنْهَا فَإِنَّهَا وَاللّه‌ِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ وَلاَ يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرُ سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا رَحِمَ اللّه‌ُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآْخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ [وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ]

منها:

الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللّه‌ِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللّه‌ُ إِلَى نَفْسِهِ جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ إِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ وَإِنْ دُعِىَ«» إِلَى حَرْثِ الآْخِرَةِ كَسِلَ كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَكَأَنَّ مَا وَنَى فِيهِ سَاقِطٌ عَنْهُ.

ومنها:

وَذَلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاّ كُلُّ مُوءْمِنٍ نُوَمَةٍ إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى وَأَعْلامُ السُّرَى لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ وَلاَ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللّه‌ُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ أَيُّهَا النَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الاْءِسْلامُ كَمَا يُكْفَأُ الاْءِنَاءُ بِمَا فِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللّه‌َ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ.

أما قوله عليه‌السلام كل موءمن نومة فإنما أراد به الحامل الذكر القليل الشر والمساييح جمع مسياح وهو الذي يسيح بين الناس بالفساد والنمائم و المذاييع جمع مذياع وهو الذي إذا سمع لغيره بفاحشة أذاعها ونوه بها والبذر جمع بذور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه

انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا

قال تعالى: «لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُم»(1).

عن عليّ بن إبراهيم عن عليّ بن محمّد القاساني عمّن ذكره عن عبداللّه بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال إذا أراد اللّه بعبد خيرا زهّده في الدّنيا وفقّهه في الدّين وبصّر عيوبها(2)ومن اوتيهنّ فقد أوتى خير الدّنيا والآخرة وقال عليه‌السلام : لم يطلب أحد الحقّ بباب أفضل من الزّهد في الدنيا، وهو ضدّ لما طلب أعداء الحقّ.


1) الحديد: 23

2) أي عيوب الدنيا. «و من اوتيهن» أي تلك الخصال الثلاث. وفيه اشعار بأنّها لا تتيسر إلاّ بتوفيق اللّه تعالى (مرآة العقول: 275/8).

قلت: جعلت فداك ممّاذا؟(1)قال: من الرغبة فيها.

وقال عليه‌السلام ألا من صبّار كريم فانّما هي أيّام قلائل الا أنّه حرام عليكم أن تجدوا طعم الايمان حتّى تزهدوا في الدّنيا.

قال: وسمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: إذا تخلّى الموءمن من الدّنيا سما(2)ووجد حلاوة حبّ اللّه وكان عند أهل الدّنيا كأنّه قد خولط(3)وانّما خالط القوم حلاوة حبّ اللّه فلم يشتغلوا بغيره.

قال: وسمعته يقول إنّ الموءمن إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو(4).

وعن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال: قال أمير الموءمنين عليه‌السلام إنّ من أعون الأخلاق على الدّين الزّهد في الدّنيا(5)

و َعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام يَقُولُ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قَصْرُ الاْءَمَلِ وَشُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ وَالْوَرَعُ عَنْ كُلِّ مَا حَرَّمَ اللّه‌ُ عَزَّ وَجَلَّ(6).

ومِنْ كِتَابِ الزُّهْدِ لِلنَّبِيِّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قَالَ: لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا لُبْسَ الْخَشِنِ وَأَكْلَ.


1) أي مما ذا طلب أعداء الحق مطلوبهم. وقوله: «الا من صبار كريم» استثناء من الرغبة يعنى إلاّ أن يكون الرغبة فيها من صبار كريم فانها لا تضره لانه يزوى نفسه عنها ويزويها عن نفسه ويحتمل أن يكون الهمزة استفهامية ولا نافية ومن مزيدة والمعنى ألا يوجد صبار كريم النفس يصبر عن الدنيا ويزهد فيها. «وانما هي أيّام قلائل» هو ترغيب في الزهد وتسهيل لتحصيله. الوافى: 392/4

2) من السمو: العلو والارتفاع

3) خولط أي أفسد عقله بما خالطه من المفسدة (الوافي: 392/4)

4) الكافي: 2 /130، ح10؛ بحار الأنوار 55/70، ح28

5) الكافي: 128/2، ح3؛ بحار الأنوار 50/70، ح21

6) الكافي: 71/5، ح3؛ بحار الأنوار 310/67، ح3.

الْجَشِبِ وَلَكِنَّ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا قَصْرُ الاْءَمَلِ(1).

وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِإِضَاعَةِ الْمَالِ وَلاَ بِتَحْرِيمِ الْحَلالِ بَلِ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لاَ تَكُونَ بِمَا فِي يَدِكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ(2).

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ الرِّضَا عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: سُئِلَ الصَّادِقُ عليه‌السلام عَنِ الزَّاهِدِ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: الَّذِي يَتْرُكُ حَلالَهَا مَخَافَةَ حِسَابِهِ وَيَتْرُكُ حَرَامَهَا مَخَافَةَ عَذَابِهِ(3).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام إِنَّ عَلامَةَ الرَّاغِبِ فِي ثَوَابِ الآْخِرَةِ زُهْدُهُ فِي عَاجِلِ زَهْرَةِ الدُّنْيَا أَمَا إِنَّ زُهْدَ الزَّاهِدِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لاَ يَنْقُصُهُ مِمَّا قَسَمَ اللّه‌ُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فِيهَا وَإِنْ زَهِدَ - وَإِنَّ حِرْصَ الْحَرِيصِ عَلَى عَاجِلِ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لاَ يَزِيدُهُ فِيهَا وَإِنْ حَرَصَ فَالْمَغْبُونُ مَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الآْخِرَةِ(4).

وعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‌السلام أَنَّهُ جَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ مَا الزُّهْدُ فَقَالَ الزُّهْدُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ فَأَعْلَى دَرَجَاتِ الزُّهْدِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْوَرَعِ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْوَرَعِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْيَقِينِ وَأَعْلَى دَرَجَاتِ الْيَقِينِ أَدْنَى دَرَجَاتِ الرِّضَا وَإِنَّ الزُّهْدَ فِي آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ(5)..


1) مشكاة الانوار: 114

2) معاني الاخبار: 251، ح3؛ بحار الأنوار 310/67، ح4

3) الأمالي للصدوق: 358، م57، ح4؛ بحار الأنوار 311/67، ح6

4) الكافي: 129/2، ح6؛ بحار الأنوار 52/70، ح24

5) الخصال: 437/2، ح26؛ بحار الأنوار 310/67، ح5.

وأَنْشَأَ عليه‌السلام :

لَقَدْ خَابَ مَنْ غَرَّتْهُ دُنْيَا دَنِيَّةٌ***وَمَا هِيَ إِنْ غَرَّتْ قُرُوناً بِبَاطِلٍ

أَتَتْنَا عَلَى زِيِّ الْعَرُوسِ بُثَيْنَةُ(1)***وَزِينَتُهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الشَّمَائِلِ

فَقُلْتُ لَهَا غُرِّي سِوَايَ فَإِنَّنِي***عَزُوفٌ(2)عَنِ الدُّنْيَا وَلَسْتُ بِجَاهِلٍ

وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا وَإِنَّ مُحَمَّداً***رَهِينٌ بِقَفْرٍ بَيْنَ تِلْكَ الْجَنَادِلِ

وَهَبْهَا أَتَتْنِي بِالْكُنُوزِ وَدُرِّهَا***وَأَمْوَالِ قَارُونَ وَمُلْكِ القَبَائِلِ

أَ لَيْسَ جَمِيعاً لِلْفَنَاءِ مَصِيرُنَا***وَيُطْلَبُ مِنْ خُزَّانِهَا بِالطَّوَائِلِ

فَغُرِّي سِوَايَ إِنَّنِي غَيْرُ رَاغِبٍ***لِمَا فِيكِ مِنْ عِزٍّ وَمُلْكٍ وَنَائِلٍ

وَقَدْ قَنِعَتْ نَفْسِي بِمَا قَدْ رُزِقْتُهُ***فَشَأْنَكِ يَا دُنْيَا وَأَهْلَ الْغَوَائِلِ

فَإِنِّي أَخَافُ اللّه‌َ يَوْمَ لِقَائِهِ***وَأَخْشَى عَذَاباً دَائِماً غَيْرَ زَائِل(3)

الصَّادِفِينَ عَنْهَا

أي المعرضين عنها، نُقِلَ عَنْ امير الموءمنين عليه‌السلام أَنَّهُ رَأَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّه‌ِ رَضِيَ اللّه‌ُ عَنْهُ وَقَدْ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ(4)فَقَالَ عليه‌السلام يَا جَابِرُ عَلامَ تَنَفُّسُكَ أَ عَلَى الدُّنْيَا فَقَالَ جَابِرٌ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ يَا جَابِرُ مَلاذُّ الدُّنْيَا سَبْعَةٌ الْمَأْكُولُ وَالْمَشْرُوبُ وَالْمَلْبُوسُ وَالْمَنْكُوحُ وَالْمَرْكُوبُ وَالْمَشْمُومُ وَالْمَسْمُوعُ فَأَلَذُّ الْمَأْكُولاَتِ الْعَسَلُ وَهُوَ بَصْقٌ مِنْ ذُبَابَةٍ وَأَحْلَى الْمَشْرُوبَاتِ الْمَاءُ وَكَفَى بِإِبَاحَتِهِ وَسِبَاحَتِهِ (سياحته) عَلَى وَجْهِ.


1) البثينة بتقديم الموحدة كجهينة: صاحبة جمال بها يضرب المثل

2) العزوف من عزفت نفسه عنه: اي زهدت فيه

3) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 102/2؛ ديوان أمير الموءمنين عليه‌السلام : 308؛ بحار الأنوار 329/40

4) الصعداء - بضم الصاد وفتح العين المهملتين - التنفس الطويل من هم أو تعب.

الاْءَرْضِ وَأَعْلَى الْمَلْبُوسَاتِ الدِّيبَاجُ وَهُوَ مِنْ لُعَابِ دُودَةٍ وَأَعْلَى الْمَنْكُوحَاتِ النِّسَاءُ وَهُوَ مَبَالٌ فِي مَبَالٍ وَمِثَالٌ لِمِثَالٍ وَإِنَّمَا يُرَادُ أَحْسَنُ مَا فِي الْمَرْأَةِ لاِءَقْبَحِ مَا فِيهَا وَأَعْلَى الْمَرْكُوبَاتِ الْخَيْلُ وَهُوَ قَوَاتِلُ وَأَجَلُّ الْمَشْمُومَاتِ الْمِسْكُ وَهُوَ دَمٌ مِنْ سُرَّةِ دَابَّةٍ وَأَجَلُّ الْمَسْمُوعَاتِ الْغِنَاءُ وَالتَّرَنُّمُ وَهُوَ إِثْمٌ فَمَا هَذِهِ صِفَتُهُ لَمْ يَتَنَفَّسْ عَلَيْهِ عَاقِلٌ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّه‌ِ فَوَ اللّه‌ِ مَا خَطَرَتِ الدُّنْيَا بَعْدَهَا عَلَى قَلْبِي(1).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بِجَدْيٍ أَسَكَّ - أي مقطوع الاذنين - مُلْقًى عَلَى مَزْبَلَةٍ مَيْتاً فَقَالَ لاِءَصْحَابِهِ كَمْ يُسَاوِي هَذَا فَقَالُوا لَعَلَّهُ لَوْ كَانَ حَيّاً لَمْ يُسَاوِ دِرْهَماً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللّه‌ِ مِنْ هَذَا الْجَدْيِ عَلَى أَهْلِه(2).

فَإِنَّهَا وَاللّه‌ِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ

أي المقيم المطمئنّ، قال الشاعر:

هب الدّنيا إليك تساق عفوا***أليس مصير ذاك إلى انتقال

و ما دنياك إلاّ مثل فيء***أظلّك ثمّ آذن بالزّوال(3)

وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ

أي: توجّع المتعوّد باللذائذ والمشتهيات. وعن مسرور خادم الرّشيد دخلت على جعفر البرمكيّ في الليلة التي قتله فيها، وبين يديه أبو زكار الأعمى المغنّي.


1) غرر الحكم: 713، ح165؛ بحار الأنوار 11/75، ح69

2) الكافي: 129/2، ح9؛ بحار الأنوار 55/70، ح27

3) المحجة البيضاء: 369/5.

وهو يغنّي:

عداني أن أزورك غير بغض***مقامك بين مصفحة شداد

فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي***عليه الموت يطرق أو يغادي

فقلت له: الّذي جئت له واللّه من ذاك، قد واللّه طرقك، فأجب الخليفة قال: فدعني حتّى أوصي، فتركته حتّى أوصى بما أراد وأتتني رسل الرشيد تستحثّني لحمله، إلى أن قال: فأخذ رأسه في بريكة قبائه وألقاه بين يدي الرشيد وحملت جثّته والقيد في رجليه. قال سلام الأبرش: فدخلت على أبيه في ذاك الوقت، وقد هتكت السّتور، وجمعت المتاع فقال لي: هكذا تقوم الساعة وحبس الفضل ومحمّد و موسى بنو يحيى، ووكّل سلام الأبرش بباب يحيى، وقطّعت جثّة جعفر بنصفين، صلبا على الجسرين، ونصب رأسه(1).

لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ

كما لا يرجع امس.

وَلاَ يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرُ

فلعلّ الاجل لم يمهله ولعلّ الفرصة لم تساعده، قال الشّاعر:

واضيعة العمر لا الماضي انتفعت به***و لا حصلت على علم من الباقي(2).


1) تاريخ الطبري: 494/6، سنة 187؛ الكامل لابن الأثير 177/6، سنة 187؛ البداية والنهاية (ابن كثير): 205/10؛ معجم البلدان: 429/5

2) معجم الأدباء: 8/14.

سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ

فلم ير فيها سرور لم يحصل فيه اسباب حزن.

وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ

الجلد اظهار الصّلابة والقوّة.

قال تعالى: «ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشيبَة»(1).

فَلا تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا

فمن البستها الكفن ومن املاكها اللحد.

قال الشاعر:

فما تزود مما كان يجمعه***إلا حنوطا غداة البين في خرق

و غير نفحة أعواد شببن له***و قل ذلك من زاد لمنطلق(2)

قال تعالى: «وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُور»(3).

وقال تعالى: «فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللّه‌ِ الْغَرُور»(4).

رَحِمَ اللّه‌ُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ

قال امير الموءمنين عليه‌السلام لاَ عِلْمَ كَالتَّفَكُّر(5).

وقال امير الموءمنين عليه‌السلام الْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَة(6)..


1) الروم: 54

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 106/7

3) آل عمران: 185

4) لقمان: 33

5) نهج البلاغة (فيض الإسلام): الحكمة 109

6) نهج البلاغة (فيض الإسلام): الحكمة 4.

وقال أمير الموءمنين عليه‌السلام تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة(1).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام يَقُولُ: نَبِّهْ بِالتَّفَكُّرِ قَلْبَكَ وَجَافِ عَنِ اللَّيْلِ جَنْبَكَ وَاتَّقِ اللّه‌َ رَبَّكَ(2).

وقَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إِنَّ التَّفَكُّرَ يَدْعُو إِلَى الْبِرِّ وَالْعَمَلِ بِهِ(3).

وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ

قال تعالى: «كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ *وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ *كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ *فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالاْءَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِين»(4).

عَنِ الْحَسَنِ الصَّيْقَلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام عَمَّا يَرْوِي النَّاسُ أَنَّ تَفَكُّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ قُلْتُ كَيْفَ يَتَفَكَّرُ قَالَ يَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ أَوْ بِالدَّارِ فَيَقُولُ أَيْنَ سَاكِنُوكِ أَيْنَ بَانُوكِ مَا بَالُكِ لاَ تَتَكَلَّمِينَ(5).

عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بِشْرِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: كَتَبَ هَارُونُ الرَّشِيدُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عِظْنِي وَأَوْجِزْ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَا مِنْ شَيْءٍ تَرَاهُ عَيْنُكَ إِلاّ وَفِيهِ مَوْعِظَةٌ(6). .


1) نور البراهين: 331/2

2) الكافي: 54/2، ح1؛ بحار الأنوار 318/68، ح1

3) الكافي: 55/2، ح5؛ بحار الأنوار 322/68، ح5

4) الدخان: 25 - 29

5) الكافي 55/2، ح2؛ بحار الأنوار 320/68، ح2

6) الأمالي للصدوق: 509، م76، ح8؛ بحار الأنوار 319/75، ح2.

قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليه‌السلام لهشام بن الحكم: يَا هِشَامُ مَنْ سَلَّطَ ثَلاثاً عَلَى ثَلاثٍ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ مَنْ أَظْلَمَ نُورَ تَفَكُّرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ وَمَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلامِهِ(1)وَأَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ وَمَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَدُنْيَاه(2).

فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ

هو نظير قوله الآخر: «و كأنّ الدّنيا لم تكن لهم دارا وكأنّ الآخرة لم تزل لهم قرارا»(3).

وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآْخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ

قال تعالى: «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيبا»(4).

وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ

بالكسر من الانقضاء، أراد أنّ أيّام العمر ولياليه وساعاته وأنفاس الحياة معدودة محصاة، وكلّ ما هى معدودة فهى منقضة منصرمة ومنقضية منتهية..


1) والسبب في ذلك أن بطول الامل يقبل إلى الدنيا ولذاتها فيشغل عن التفكر، أو يجعل مقتضى طول الامل ماحيا لمقتضى فكره الصائب. والطريف: الامر الجديد المستغرب الذي فيه نفاسة، ومحو الطرائف بالفضول اما لانه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول، او لانه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبئوا بحكمته أو لانه إذا اشتغل به محى اللّه الحكمة (مرآة العقول: 57/1)

2) الكافي: 17/1؛ بحار الأنوار 300/75

3) نهج البلاغة (فيض الإسلام): 758/ خ 230 والصبحي صالح: 278، خ188

4) المعارج: 6 - 7.

وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ

من الدّنوّ قال ابن أبي الحديد: هذا مثل قول قسّ بن ساعدة: «مالي أرى النّاس يذهبون ثمّ لا يرجعون أرضوا فأقاموا أم تركوا فناموا أقسم قسّ قسما أنّ في السماء لخبرا، وأنّ في الأرض لعبرا، سقف مرفوع، ومهاد موضوع، ونجوم تمور، وبحار لا تغور، اسمعوا أيّها النّاس وعوا: من عاش مات ومن مات فات وكلّ ما هو آت آت»(1).

منها: الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ

عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مَا هَلَكَ امْرُوءٌ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّه‌ِ وَمَا إِخَالُ رَجُلاً يَرْفَعُ نَفْسَهُ فَوْقَ قَدْرِهَا إِلاّ مِنْ خَلَلٍ فِي عَقْلِه(2).

وعن عدّة مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلاً قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام دِعَامَةُ الاْءِنْسَانِ الْعَقْلُ وَالْعَقْلُ مِنْهُ الْفِطْنَةُ وَالْفَهْمُ وَالْحِفْظُ وَالْعِلْمُ وَبِالْعَقْلِ يَكْمُلُ وَهُوَ دَلِيلُهُ وَمُبْصِرُهُ وَمِفْتَاحُ أَمْرِهِ فَإِذَا كَانَ تَأْيِيدُ عَقْلِهِ مِنَ النُّورِ كَانَ عَالِماً حَافِظاً ذَاكِراً فَطِناً فَهِماً فَعَلِمَ بِذَلِكَ كَيْفَ وَلِمَ وَحَيْثُ وَعَرَفَ مَنْ نَصَحَهُ وَمَنْ غَشَّهُ فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ عَرَفَ مَجْرَاهُ وَمَوْصُولَهُ وَمَفْصُولَهُ وَأَخْلَصَ الْوَحْدَانِيَّةَ للّه‌ِِ وَالاْءِقْرَارَ بِالطَّاعَةِ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُسْتَدْرِكاً لِمَا فَاتَ وَوَارِداً عَلَى مَا هُوَ آتٍ يَعْرِفُ مَا هُوَ فِيهِ وَلاِءَيِّ شَيْءٍ هُوَ هَاهُنَا وَمِنْ أَيْنَ يَأْتِيهِ وَإِلَى مَا هُوَ صَائِرٌ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ تَأْيِيدِ الْعَقْلِ(3)..


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 107/7

2) مشكاة الانوار: 245 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7/ 108

3) الكافي: 25/1/23؛ بحار الأنوار 90/1، ح17.

قَالَ امير الموءمنين ع: أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِعَاقِلٍ مَنِ انْزَعَجَ(1)مِنْ قَوْلِ الزُّورِ فِيهِ وَلاَ بِحَكِيمٍ مَنْ رَضِيَ بِثَنَاءِ الْجَاهِلِ عَلَيْه(2).

وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللّه‌ِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللّه‌ُ إِلَى نَفْسِهِ جَائِراً عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ

أي مائلا عن عدل الطريق.

سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ

ولابدّ في مثله ان يضل ولا يصل إلى مقصد. عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام وَعَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ رَفَعَهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ لَرَجُلَيْنِ رَجُلٌ وَكَلَهُ اللّه‌ُ إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مَشْعُوفٌ(3)بِكَلامِ بِدْعَةٍ قَدْ لَهِجَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلاةِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ «2» مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ رَهْنٌ بِخَطِيئَتِه(4)..


1) «الانزعاج»: الانقلاع من المكان وعدم الاستقرار فيه. والمعنى أنّ العاقل لايضطرب من قول الزور والكذب فيه، ولا يجزع من الافتراء عليه. انظر: الصحاح، - 1، ص319 (زعج)

2) الكافي (ط - الحديثة) : 125/1، ح14/141؛ بحار الأنوار: 46/75، ح58

3) في بعض النسخ بالغين المعجمة وفي بعضها بالمهملة وبهما قرأ قوله تعالى: «قَدْ شَغَفَها حُبًّا» وعلى الأول معناه: دخل حبّ كلام البدعة شغاف قلبه أي حجابه وقيل سويداءه وعلى الثاني غلبه حبه وأحرقه فان الشعف بالمهملة شدة الحب واستمالة القلب. (مرآة العقول: 187/1)

4) الكافي: 55/1، ح6 ووسائل الشيعة: 39/27، ح33155 - 5.

إِنْ دُعِيَ

هذا الرجل المبغوض.

إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ

واشتغل به واستغرق اوقاته فيه.

اقتباس من قوله تعالى: «مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآْخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُوءْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الآْخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ»(1).

وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآْخِرَةِ كَسِلَ

وتواني وأعرض ونأي بجانبه.

كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ

أي لنفسه من أشغال الدنيا.

وَكَأَنَّ مَا وَنَى

أي ضعف وفتر.

فِيهِ

من أعمال الآخرة. .


1) الشوري: 20.

سَاقِطٌ عَنْهُ

عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُوءْمِنِينَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنَّ كَمَالَ الدِّينِ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلُ بِهِ أَلاَ وَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ أَوْجَبُ عَلَيْكُمْ مِنْ طَلَبِ الْمَالِ إِنَّ الْمَالَ مَقْسُومٌ مَضْمُونٌ لَكُمْ قَدْ قَسَمَهُ عَادِلٌ بَيْنَكُمْ وَضَمِنَهُ وَسَيَفِي لَكُمْ وَالْعِلْمُ مَخْزُونٌ عِنْدَ أَهْلِهِ وَقَدْ أُمِرْتُمْ بِطَلَبِهِ مِنْ أَهْلِهِ فَاطْلُبُوهُ(1).

وقد نظم البهائي رحمه‌الله مضمون قوله عليه‌السلام (ان دعي إلى حرث الدّنيا عمل وان دعي إلى حرث الآخرة كسل) بالفارسية، فقال مشيرا إلى الحرثين:

در ره آن تيز هوش وزيركى***در ره اين كند فهم واحمقى

در ره آن مى‌دوى از جان ودل***در ره اين مى‌روى چون خر به گل(2)

ومنها: وَذَلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاّ كُلُّ مُوءْمِنٍ نُوَمَةٍ

في حديث عليّ عليه‌السلام «انه ذكر آخر الزمان والفتن ثم قال: خير أهل ذلك الزمان كل موءمن نومة» النومة بوزن الهمزة، الخامل الذي لا يوءبه له، وقيل الغامض في الناس الذي لا يعرف الشر وأهله، وقيل النومة بالتحريك الكثير النوم، و أما الخامل الذي لا يوءبه به، فهو بالتسكين، فمن الاول حديث ابن عباس قال لعليّ عليه‌السلام : ما النومة قال: الذي يسكت في الفتنة فلا يبدو منه شيء(3)..


1) الكافي: 30/1، ح4؛ بحار الأنوار 175/1، ح41

2) كليات الشيخ البهائي: 17

3) النهاية: 131/5 (نوم).

إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ

هو تفسير للمراد من «النومة».

وعن الصادق عليه‌السلام : طوبى لعبد نومة، عرف الناس فصاحبهم ببدنه ولم يصاحبهم في أعمالهم بقلبه، فعرفهم في الظاهر ولم يعرفوه في الباطن(1).

وسنشير إلي فوائد العزلة وثمراتها.

أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى

المصباح: السراج.

وَأَعْلامُ السُّرَى

في حديث جابر قال له: ما السّرى يا جابر أي: ما أوجب مجيئك في هذا الوقت «السرى»: السير بالليل(2).

لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ

في الخبر «لا سياحة في الاسلام» ساح في الأرض يسيح سياحة: إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط على الأرض، أراد مفارقة الأمصار، وقيل أراد الذين يسيحون في الأرض بالشرّ والنميمة والإفساد بين الناس، ومنه حديث عليّ عليه‌السلام «ليسوا بالمساييح البذر» أي: الذين يسعون بالشرّ والنميمة، وقيل: هو من التسييح في الثوب، وهو أن يكون فيه خطوط مختلفة(3). .


1) الخصال: 27/1، ح98؛ بحار الأنوار 69/72، ح5

2) النهاية: 364/2/ (سري)

3) النهاية: 432/2/ (سيح).

وَلاَ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ

في حديث عليّ عليه‌السلام في وصف الأولياء «ليسوا بالمذاييع البذر» المذاييع جمع مذياع من أذاع الشيء إذا أفشاه، وقيل أراد الذين يشيعون الفواحش، وهو بناء مبالغة(1). وفي «بذر» في حديث فاطمة عليها السّلام عند وفاة النبيّ قالت لعائشة: «إني إذن لبذرة» البذر الذي يفشي السرّ ويظهر ما يسمعه، و منه حديث عليّ عليه‌السلام : «ليسوا بالمذاييع البذر» جمع بذور، ويقال: بذرت الكلام بين الناس‌كما تبذر الحبوب» أي: أفشيته وفرّقته(2).

وعن الباقر عليه‌السلام قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : يا معشر من أسلم بلسانه ولم يسلم بقلبه لا تتّبعوا عثرات الموءمنين، فإنه من تتبّع عثرات المسلمين تتبّع اللّه عثراته، ومن تتبّع اللّه عثراته يفضحه(3).

أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللّه‌ُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ

عن الباقر عليه‌السلام : إن اللّه ليدفع بالموءمن الواحد عن القرية الفناء(4).

وعن الصادق عليه‌السلام : قيل له إذا نزل العذاب بقوم يصيب الموءمنين قال: نعم ولكن يخلصون بعده(5)..


1) النهاية: 174/2/ (ذاع)

2) النهاية: 110/1

3) الكافي: 355/2، ح4

4) الكافي: 247/2، ح1؛ بحار الأنوار 143/64، ح1

5) الكافي: 247/2، ح2؛ بحار الأنوار 144/64، ح3.

أَيُّهَا النَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الاْءِسْلامُ كَمَا يُكْفَأُ الاْءِنَاءُ بِمَا فِيهِ

قال الشّارح البحراني: شبّه عليه‌السلام قلبهم للزمان بقلب الاناء بما فيه، ووجه الشبه خروج الاسلام عن كونه منتفعا به بعد تركهم للعمل به كما يخرج ما في الاناء الذى كبّ عن الانتفاع (يعنى أنه يأتي زمان ينقلب فيه الامور الدّينيّة إلى أضدادها ولا يبقى من الاسلام إلاّ اسمه ولا من الكتاب إلاّ درسه) وأحسن بهذا التشبيه. فإنّ الزمان للإسلام كإناء للماء(1).

في الحديث «لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفي ما في إنائها» هو تفتعل من «كفأت القدر» إذا كببتها لتفرغ ما فيها، يقال «كفأت الإناء وأكفأته» إذا كببته وإذا أملته. وهذا تمثيل لإمالة الضرّة حقّ صاحبتها من زوجها إلى نفسها إذا سألت طلاقها(2).

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللّه‌َ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ

قال تعالى: «وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ»(3).

وقال تعالى: «إِنَّ اللّه‌َ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»(4).

وقال تعالى: «وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ»(5)..


1) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 21/3

2) النهاية: 182/4

3) فصلت: 46

4) يونس: 44

5) الشوري: 30.

وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ

قال تعالى: «أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّه‌ُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ»(1).

وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: «إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ»

«و قد قال جل من قائل: «إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ»(2)والآية التي ذكرها عليه‌السلام في سورة الموءمنون والآية بعد ذكر قصة نوح. فقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِك» إشارة إلى ما ذكر في قصة نوح، قال تعالى: «خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»(3)وقال تعالى: «وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»(4).

وينبغي التنبيه على أمور:

الأوّل: في فوائد العزلة وخمول الذكر

وهى على ما ذكره أبو حامد الغزالى: تنقسم إلى فوايد دينيّة ودنيويّة، والدّينية تنقسم إلى ما يمكن من تحصيل الطاعات في الخلوة والمواظبة على العبادة والفكر وتربية العلم، وإلى تخلص من ارتكاب المناهى يتعرّض لها الانسان بالمخالطة كالرياء والغيبة والسّكوت عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومسارقة الطبع من الاخلاق الرديّة والأعمال الخبيثة من جلساء السّوء.

و أمّا الدّنيوية فتنقسم إلى ما يمكن من التحصيل بالخلوة كتمكن المحترف في.


1) العنكبوت: 2 - 3

2) الموءمنون: 30

3) الملك: 2

4) الاعراف: 168.

خلوته إلى ما يخلص من محذورات يتعرّض لها بالمخالطة كالنّظر إلى زهرة الدنيا و إقبال الخلق عليها وطمعه في النّاس وطمع النّاس فيه وانكشاف ستر مروته بالمخالطة والتأذّي بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنه أو نميمته أو محاسدته أو التأذّى بثقله وتشويه خلقته، وإلى هذا ترجع مجامع فوائد العزلة، فلنحصر ستّ فوائد:

الفائدة الاولى

التفرّغ للعبادة والفكر والاستيناس بمناجاة اللّه عن مناجاة الخلق والاشتغال باستكشاف أسرار اللّه في أمر الدنيا والآخرة وملكوت السّماوات والأرض، فانّ ذلك يستدعى فراغا ولا فراغ مع المخالطة، فالعزلة وسيلة إليه، ولذلك كان رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في بدو أمره يتبتّل في جبل حرّا ويختار العزلة لنفسه حتى بعث وامر بالتبليغ، فخالط النّاس وكان ببدنه معهم وبقلبه مقبلا على اللّه، ولا يحجب مخالطتهم عن توجّهه بالباطن، ولن يسع الجمع بين المخالطة ظاهرا والاقبال باطنا إلاّ قوّة النبوّة والولاية، فلا ينبغي أن يغترّ كلّ ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك، فانّ المخالطة مانعة لهم عن الفكر والذكر، والعزلة أولى بهم.

و لذلك قيل لبعض الحكماء: ما الذى أرادوا بالخلوة واختيار العزلة؟ فقال:

يستدعون بذلك دوام الفكرة وتثبّت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيّبة ويذوقوا حلاوة المعرفة.

و قيل لبعض الرّهبان: ما أصبرك على الوحدة؟ فقال: ما أنا وحدى أنا جليس اللّه تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه، وإذا شئت أن اناجيه صلّيت.

و قيل: بينما اويس القرني جالس إذا أتاه رجل فقال له اويس: ما جاء بك؟

قال: جئت لآنس بك، فقال اويس: ما كنت أرى أنّ أحدا يعرف ربّه فيأنس بغيره وقال الفضيل إذا رأيت اللّيل مقبلا فرحت به وقلت أخلو بربّي، وإذا رأيت الصّبح أدركنى استرجعت كراهة لقاء الناس وأن يجيئني من يشغلني عن ربّي.

وقال بعض الصّالحين: بينما أنا أسير في بعض بلاد الشّام إذ أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال، فلمّا نظر إلىّ تنحى إلى أصل شجرة وتستّر بها، فقلت: سبحان اللّه تبخل علىّ بالنّظر إليك؟ فقال: يا هذا إنّي أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا اعالج قلبي في الصّبر عن الدّنيا وأهلها فطال في ذلك تعبى وفنى فيه عمرى، فسألت اللّه تعالى أن لا يجعل حظّى من أيّامي في مجاهدة قلبى، فسكنه اللّه تعالى عن الاضطراب وألفه الوحدة والانفراد، أنا نظرت إليك فخفت أن أقع في الأمر الأوّل، فاليك عنّى فانّي أعوذ من شرّك بربّ العارفين وحبيب القانتين، ثمّ صاح واغمّاه من طول المكث في الدّنيا، ثمّ حوّل وجهه عنّى، ثمّ نفض يديه وقال: إليك عنّى يا دنيا لغيرى فتزيّنى وأهلك فغرّى، ثمّ قال سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذّة الخدمة وحلاوة الانقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور الحسان، وجمع همّتهم في ذكره فلا شيء ألذّ عندهم من مناجاته، ثمّ مضى وهو يقول: قدّوس قدّوس.

فاذا في الخلوة انس بذكر اللّه واستكثار من معرفة اللّه، وفي مثل ذلك قيل:

و إنّي لأستغشى وما بي غشوة***لعلّ خيالا منك يلقى خياليا

و أخرج من بين الجلوس لعلّني***أحدّث عنك النفس بالسّر خاليا

قال بعض الحكما: إنّما يستوحش الانسان من نفسه لخلوّ ذاته عن الفضيلة فيكثر حينئذ ملاقاة النّاس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم، فاذا كانت ذاته

فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويستخرج العلم والحكمة، وقد قيل: الاستيناس بالنّاس من علامات الافلاس.

فقد وضح بذلك كلّه أنّ التجرّد والعزلة في حقّ الخواصّ أفضل من المخالطة بالناس، لأنّ غاية العبادات وثمرة المعاملات أن يموت الانسان عارفا باللّه محبا له ولا محبّة إلاّ بالانس الحاصل بدوام الذكر، ولا معرفة إلاّ بدوام الفكر وفراغ القلب شرط في كلّ واحد منهما، ولا فراغ مع المخالطة(1).

الفائدة الثانية

التخلّص بالعزلة عن المعاصى التي يتعرّض الانسان غالبا لها بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة، وهى أربعة: الغيبة، والرّياء، والسّكوت عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومسارقة الطبع من الأخلاق الرّديئة والأعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدّنيا.

أما الغيبة فانّ التحرّز منها مع المخالطة عظيم لا ينجو منها إلاّ الصدّيقون لأنّ عادة الناس كافة التمضمض بأعراض النّاس والتّفكه والتنقّل بحلاوتها، وهى طعمتهم ولذّتهم، وإليها يستروحون من وحشتهم في الخلوة، فان خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرّضت لسخط اللّه، وإن سكتّ كنت شريكا، والمستمع أحد المغتابين، وإن أنكرت أبغضوك وتركوا ذلك المغتاب واغتابوك، فازدادوا غيبة إلى غيبة، وربّما تعدّوا عن الغيبة إلى الاستخفاف والاستهزاء والشتم.

و أما الامر بالمعروف والنهى عن المنكر فمن خالط النّاس فلا بدّ له من.


1) احياء العلوم: 6/ 62 - 65.

مشاهدة المنكرات، فان سكت عصى اللّه به، وإن أنكر تعرّض لأنواع من الضرر والأذى، وفي العزلة خلاص من ذلك، فانّ الأمر في اهماله شديد، والقيام به شاق، فانّه كجدار مائل يريد الانسان أن يقيمه فيوشك أن يسقط عليه، فاذا سقط عليه يقول: يا ليتنى تركته مائلا، نعم لو وجد أعوانا أمسكوا الحائط حتّى يحكمه بدعامة لاستقام، وأنت اليوم لا تجد الأعوان فدعهم وانج بنفسك(1)قال الشّاعر:

وكم سقت في آثاركم من نصيحة***و قد يستفيد الظنة المتنصّح(2)

و أما الرياء فهو الداء العضال الذى يعسر الاحتراز منه على الأوتاد والأبدال وهو إمّا في العبادات أو فى العادات - وقد مرّ تحقيق الكلام في الأوّل في شرح الخطبة الثّالثة والعشرين وعرف هنالك أنّ الاعتزال من النّاس علاجه ودوائه النّافع له - .

وأمّا الثاني أعني الرّياء في العادات فكلّ من خالط النّاس داراهم ومن داراهم رءاهم ومن رءاهم وقع فيما وقعوا فيه وهلك، وأقل ما يلزم فيه النّفاق فانك إن ترى متعاديين ولم تلق كلّ واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضا إليهما جميعا، وإن جاملتهما كنت عن شرار النّاس(3).

قال عليه‌السلام انّ من شرار النّاس ذا الوجهين يأتي هوءلاء بوجه وهوءلاء بوجه(4)

وعن ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه‌السلام من لقى المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة وله لسان من نار(5)..


1) احياء العلوم: 66/6 - 67

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 45/10

3) إحياء العلوم: 6/ 67

4) إحياء العلوم: 67/6

5) الكافي: 343/2، ح1؛ بحار الأنوار 204/72، ح12.

وعن عبدالرّحمن بن حماد رفعه قال: قال اللّه تبارك وتعالى لعيسى عليه‌السلام يا عيسى ليكن لسانك في السّر والعلانية لسانا واحدا وكذلك قلبك، إنّي احذّرك نفسك وكفى بى خبير الا يصلح لسانان في فم واحد ولا سيفان في غمد واحد ولا قلبان في صدر واحد وكذلك الأذهان(1).

و أقلّ ما يجب في مخالطة الناس اظهار الشوق والمبالغة فيه ولا يخلو ذلك عن كذب إمّا في الأصل وإمّا في الزيادة واظهار الشفقة بالسوءال عن الأحوال بقولك كيف أنت وكيف أهلك وأنت في الباطن فارغ عن همومه وهو نفاق محض(2)وآية ذلك أنّك تقول كيف أنت ويقول الآخر كيف أنت، فالسّائل لا ينتظر بالجواب والمسئول يشتغل بالسوءال ولا يجيب، وذلك لمعرفتهم بأنّ ذلك عن رياء وتكلّف، ولعلّ القلوب لا تخلو من ضغائن وأحقاد والألسن تنطق بالسوءال.

قال بعضهم: انّى لأعرف أقواما كانوا لا يتلاقون ولو حكم أحدهم على صاحبه بجميع ماله لبذله، وأرى الآن أقواما يتلاقون ويتساءلون حتّى عن الدّجاجة في البيت، ولو انبسط أحدهم لحبّة من مال صاحبه لمنعه، هل هذا إلاّ مجرّد الرّياء والنّفاق، وكلّ ذلك مذموم بعضه محرّم وبعضه مكروه، وفي العزلة خلاص منه، فانّ من لقي الخلق ولم يتخلّق بأخلاقهم مقتوه واستثقلوه واغتابوه وتشمّروا لإيذائه فيذهب دينهم فيه ويذهب دينه ودنياه في الانتقام منهم(3).

وأما مسارقة الطبع مما يشاهده من اخلاق النّاس وأعمالهم فهو داء دفين قلّما يتنبّه له العقلا فضلا عن الغافلين، فلا يجالس الانسان فاسقا مدّة مع كونه منكرا.


1) الكافي: 343/2، ح3؛ بحار الأنوار 206/72، ح14

2) احياء العلوم: 67/6

3) إحياء العلوم: 69/6.

عليه في باطنه إلاّ ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما تفرقة في النفرة عن الفساد، فاستثقاله اذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هينا على الطبع فيسقط وقعه واستعظامه له، وإنّما الوازع عنه شدّة وقعه في القلب، فاذا صار مستصغرا بطول المشاهدة أو شك أن تنحلّ القوّة الوازعة ويذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه ومهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استصغر الصّغاير واستحقرها من نفسه.

ولذلك يزدرى إلى الأغنياء نعمة اللّه عليه، فتوءثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده وتوءثر مجالسة الفقراء في استعظام ما ابيح له من النعم وكذلك النظر إلى المطيعين والعاصين وهذا تأثيره في الطبع.

فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال أولياء الدّين والسّلف الصّالحين في العبادة والمجاهدة والزّهد عن الدّنيا لا يزال ينظر إلى نفسه بعين الاستصغار، وإلى عبادته بعين الاستحقار فيجتهد في العبادة ويرغب في الطاعة ويزهد في الدّنيا استكمالا واستتماما للاقتداء بهم والحذو بمثلهم ومن نظر إلى غالب أهل الزمان ورأى اعراضهم عن اللّه وإقبالهم على الدّنيا واعتيادهم المعاصى استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه، وذلك هو الهلاك ويكفى في تغيير الطبع مجرّد سماع الخير والشّر فضلا عن مشاهدته.

فبهذه النكتة يعرف سرّ قوله: عند ذكر الصّالحين ينزل الرّحمة، وإنّما الرّحمة دخول الجنة ولقاء الحقّ، ولا ينزل عند الذكر عين ذلك ولكن سببه الذي هو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الاقتداء بهم والاستنكاف عمّا هو ملابس له من القصور والتقصير، ومبدء الرحمة فعل الخير ومبدء فعل الخير الرغبة ومبدء الرغبة ذكر أحوال الصّالحين فهذا معنى نزول الرحمة.

ويفهم من فحوى ذلك أنّ عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة، لأنّ كثرة ذكرهم تهوّن على الطبع أمر المعاصي واللعنة هى البعد من الحقّ ومبدء البعد هو المعاصي والاعراض عن اللّه بالاقبال على الحظوظ العاجلة والشّهوات الحاضرة المخطورة، ومبدء المعاصي سقوط ثقلها وتفاحشها عن القلب، ومبدء سقوط الثقل وقوع الانس بها بكثرة السّماع، وإذا كان هذا حال ذكر الصّالحين والفاسقين. فما ظنّك بمشاهدتهم ومخالطتهم(1).

«وقد مرّ في شرح الخطبة الخامسة والثّمانين وشرح الكلام الثالث عشر أخبار كثيرة في النهى عن مجالسة أهل المعاصي والبدع ومخالطتهم، وظهر هناك أنّ مجالستهم منساة للايمان محضرة للشّيطان، فعليك بمراجعة المقامين»

وبالجملة فقد ظهر ممّا ذكرنا أنّ الطبيعة سراقة تستفيد الخير والشّر من مشاهدة الغير، فعليك بالفرار من الناس، إذ لا ترى منهم إلاّ ما يوجب زيادة حرصك على الدّنيا وغفلتك عن الآخرة، ويهوّن عليك المعصية ويسقط وقعها عن قلبك.

و ممّا يوضح سقوط وقع المعاصى من القلوب بكثرة المشاهدة أنّ أكثر الناس إذا رأوا مسلما أفطر في شهر رمضان من غير عذر استبعدوا ذلك استبعادا يكاد يفضى إلى اعتقادهم كفره، وربّما يشاهدون من يخرج الصّلاة عن أوقاتها ويترك بعضها احيانا ولا تنفر عنه طباعهم كما تنفرون عن المفطر في شهر رمضان، مع أنّ الصّلاة أفضل من الصيام قطعا ولا سبب لذلك إلاّ أنّ الصّلاة تتكرّروا لتساهل فيها يكثر فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب. بخلاف الصّوم.

فعليك بالعزلة والوحدة إلاّ من الجليس الصّالح الذى يوجب مجالسته الرغبة.


1) إحياء العلوم: 69/6 - 70.

في الطاعات والميل إلى العبادات، وينفّرك مصاحبته عن الدنيا وزخارفها وشهواتها ويشوّقك مخالطته إلى الرّغبة في الآخرة ونعيمها ودرجاتها(1).

الفائدة الثالثة

الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدّين والنفس عن الخوض فيها والتّعرّض لأخطارها وقلّما تخلو البلاد عن تعصّبات وخصومات فالمعتزل في سلامة منها.

روى أبو سعيد الخدرى أنّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن من شاهق إلى شاهق.

وفي رواية أخرى عنه عليه‌السلام خير النّاس رجل ممسك بعنان فرسه كلّما سمع هيعة(2)طار إليها أو رجل في شعفة في غنيمة ويعبد اللّه حتى يأتيه الموت(3).

و روى عبداللّه بن مسعود أنّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: سيأتي على النّاس زمان لا يسلم لذي دين دينه الاّ من فرّ بدينه من قرية إلى قرية ومن شاهق إلى شاهق ومن جحر إلى جحر كالثعلب الذى يروغ، قيل له: ومتى ذلك يا رسول اللّه؟ قال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : إذا لم تنل المعيشة إلاّ بمعاصى اللّه، فاذا كان ذلك الزّمان حلّت العزوبة قالوا: وكيف يا رسول اللّه وقد أمرتنا بالتزويج؟ قال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : إذا كان ذلك الزّمان كان هلاك الرّجل على يد.


1) إحياء العلوم: 71/6 - 72

2) قال جار اللّه: «الهيعة الصيحة التي يفزع منها أصلها من هاع يهيع اذا جبن والشعفة رأس الجبل» والمعنى خير الناس رجل أخذ بعنان فرسه واستعد الجهاد فى سبيل اللّه ورجل اعتزل الناس وسكن فى بعض رؤوس الجبال فى غنم له قليل يرعاها ويكتفى بها فى أمر معاشه ويعبد اللّه حتى يأتيه الموت

3) الفائق في غريب الحديث: 415/3.

أبويه، فان لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده، فان لم يكن فعلى يدي قرابته، قالوا وكيف ذلك يا رسول اللّه؟ قال: يعيّرونه بضيق اليد فيتكلّف ما لا يطيق حتى يورده ذلك موارد الهلكة.

و هذا الحديث وإن كان في العزوبة إلاّ أنّه يدلّ على حسن العزلة إذ لا يستغنى المتأهّل عن المعيشة والمخالطة، ثمّ لا ينال المعيشة إلاّ بمعصية اللّه حسبما استفيد من الرّواية.

قيل: لما بنى عروة قصره بالعقيق ولزمه قيل له: لزمت القصر وتركت مسجد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ؟ فقال: رأيت مساجدكم لاهية، وأسواقكم لاغية، والفاحشة في فجاجكم عالية، وفيما هناك عمّا أنتم فيه عافية، فاذا الحذر من الخصومات ومثارات الفتن احدى فوايد العزلة.(1)

الفائدة الرابعة

الخلاص من شر الناس فانّهم يوءذونك مرّة بالغيبة، ومرّة بسوء الظن والتّهمة، ومرّة بالاقتراحات والاطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها، وتارة بالنميمة والكذب، فربما يرون منك من الأعمال أو الأقوال مالا تبلغ عقولهم كنهه فيتخذون ذلك ذخيرة يدّخرونها لوقت تظهر فيه فرصة للشر، فاذا اعتزلتهم استغنيت من التّحفظ عن جميع ذلك.

و لذلك قال بعض الحكماء لغيره: اعلّمك بيتين خير من عشرة آلاف دراهم، قال: ما هما؟ قال: .


1) احياء العلوم: 6/ 72 - 74.

اخفض الصّوت إن نطقت بليل***و التفت بالنّهار قبل المقال

ليس للقول رجعة حين يبدو***بقبيح يكون أو بجمال

ولا شكّ أنّ من اختلط بالنّاس وشاركهم في الأعمال لا ينفكّ من حاسد وعدوّ يسى‌ء الظّن به ويتوهّم انه يستعدّ لمعاداته ونصب المكيدة عليه وتدسيس غائلة ورائه، والنّاس مهما اشتدّ حرصهم على أمر يحسبون كلّ صيحة عليهم هم العدوّ وقد اشتدّ حرصهم على الدّنيا فلا يظنّون بغيرهم إلاّ الحرص عليها قال المتنبى:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه***و صدّق ما يعتاده من توهّم

و عادى محبّيه بقول عدائه***فأصبح في ليل من الشّك مظلم

وقد قيل: معاشرة الأشرار تورث سوء الظّن بالابرار، وأنواع الشر الّذى يلقاه الانسان من معارفه وممّن يختلط به كثيرة، ولا حاجة إلى تفصيلها وفي العزلة خلاص من جميعها.

وعن الحسن عليه‌السلام أنه أراد الحجّ فسمع بذلك ثابت البناني فقال له: بلغني أنك تريد الحجّ فأحببت أن أصحبك، فقال له الحسن عليه‌السلام : ويحك دعنا نتعاشر بستر اللّه علينا إنّي أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه.

وهذه إشارة إلى فايدة اخرى في العزلة، وهو بقاء الستر على الدّين والمروّة والأخلاق والفقر وسائر العورات، وقد مدح اللّه سبحانه المتستّرين فقال: «يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ»(1)قال الشاعر:

و لا عار أن زالت عن الحرّ نعمة***و لكنّ عارا أن يزول التّجمّل

و لا يخلو الانسان في دينه ودنياه وأخلاقه وأفعاله عن عورات الأولى في.


1) البقرة: 273.

الدّين والدّنيا سترها ولا تبقى السّلامة مع انكشافها.

قال أبو الدّرداء: كان النّاس ورقا لا شوك فيه فالنّاس اليوم شوك لا ورق فيه فاذا كان هذا حكم زمانه وهو في أواخر القرن الأوّل فما حال أمثال زماننا.

وقال أبو الدّرداء أيضا: اتّقوا اللّه واحذروا النّاس فانهم ما ركبوا ظهر بعير إلاّ أدبروه ولا ظهر جواد إلاّ عقروه ولا قلب موءمن إلاّ خربوه.

وقال بعضهم: أقلّ المعارف فانه أسلم لدينك وقلبك وأخفّ لسقوط الحقوق عنك، لأنه كلّما كثرت المعارف كثرت الحقوق وعسر القيام بالجميع.

وقال آخر: أنكر من تعرف، ولا تتعرّف إلى من لا تعرف.(1)

الفائدة الخامسة

أن ينقطع طمع النّاس عنك وطمعك عن النّاس، فأما انقطاع طمع الناس عنك ففيه منافع كثيرة فانّ رضاء النّاس لا تضبط وأغراضهم لا تدرك والاشتغال باصلاح النفس أولى من الاشتغال باتيان مقصود الغير وتحصيل رضائه...

و أما انقطاع طمعك عنهم فهو أيضا فائدة اخرى جزيلة، فانّ من نظر إلى زهرة الدّنيا وزينتها تحرّك وانبعث بقوّة الحرص وطمعه، ولا يرى إلاّ الخيبة في أكثر الأحوال فيتأذىّ بذلك، ومهما اعتزل لم يشاهد، ومتى لم يشاهد لم يشته ولم يطمع، ولذلك قال اللّه سبحانه: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا»(2).

وقال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فانه أجدر أن.


1) إحياء العلوم: 75/6 - 76

2) طه: 131.

لا تزدروا نعمة اللّه عليكم.

وقال بعضهم: كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموما كنت ارى ثوبا أحسن من ثوبى وفرسا أفره من دابتي، فجالست الفقراء فاسترحت.

و بالجملة فمن شاهد زينة الدّنيا فإمّا أن يقوى دينه ويقينه فيصبر فيكون محتاجا إلى أن يتجرع مرارة الصّبر، وهو أمرّ من الصّبر أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدّنيا فيهلك هلاكا موءبّدا، أمّا في الدّنيا فبالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات فليس كلّ من يطلب الدّنيا يتيسّر له.

ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه***تجرى الرّياح بما لا تشتهى السفن

و امّا في الآخرة فبايثاره زينة الحياة الدّنيا على متاع الآخرة، ولذلك قال ابن الاعرابى:

إذا كان باب الذّلّ من جانب الغنى***سموت إلى العليا من جانب الفقر(1)

الفائدة السادسة

الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقي ومقاساة حمقهم وأخلاقهم، فانّ روءية الثقيل هى العمى الأصغر.

قال جالينوس: لكلّ شيء حمّى وحمّى الرّوح النظر إلى الثقلاء، وقال الشّافعى: ما جالست ثقيلا إلاّ وجدت الجانب الذى يليه من بدني أثقل علىّ من الجانب الآخر.

و يحكى انّه دخل أبو حنيفة على الأعمش فقال له: إنّ من سلب اللّه كريمتيه.


1) إحياء العلوم: 77/6 - 78.

عوّضه اللّه عنهما ما هو خير منهما فما الذى عوّضك؟ فقال له في معرض المطايبة عوّضنى عنهما أنّه كفاني روءية الثقلاء وأنت منهم.

و هذه فوائد العزلة وثمراتها بعضها متعلّق بالدّنيا وبعضها متعلّق بالآخرة(1)واللّه سبحانه ولىّ التوفيق وإليه مصير العاقبة.

الثاني: في النّميمة

و هو اسم من نمّ الحديث ينمّه من بابي ضرب وقتل سعى به ليوقع فتنة أو وحشة فهو نمّ ونمّام قال تعالى:

«وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ»(2)قال في التّفسير: أى لا تطع كثير الحلف بالباطل لقلّة مبالاته بالكذب، و صاحب المهانة أى قلّة الرّاى والتّميز أو صاحب الذّلة والحقارة عند اللّه سبحانه، و القارع في النّاس المغتاب، والقتّاة السّاعي بين الناس بالنميمة طلبا للفساد وضرب بعضهم ببعض، والبخيل بالمال كثير المنع منه والمتجاوز عن الحقّ الغشوم الظّلوم والاثيم الفاجر، وقيل معتد في ظلم غيره أثيم في ظلم نفسه، عتلّ بعد ذلك زنيم أى هو مع كونه منّاعا للخير معتديا أثيما فاحش سىّ‌ء الخلق، وزنيم اى دعىّ ملصق إلى قوم ليس منهم(3).

وقال سبحانه: «وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ»(4)قيل: إنّها كانت تنمّ على رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله (5)..


1) إحياء العلوم: 78/6 - 79

2) القلم: 10 - 13

3) مجمع البيان: 501/10 - 502

4) المسد: 4

5) تفسير القمي: 448/2.

قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : قَالَ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أَحَبُّكُمْ إِلَى اللّه‌ِ تَعَالَى أَحْسَنُكُمْ أَخْلاقاً الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافاً الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُوءْلَفُونَ وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَى اللّه‌ِ تَعَالَى الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الاْءِخْوَانِ الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبِرَاءِ الْعَثَرَاتِ(1).

وقال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : ألا انبئكم بشراركم؟ قالوا بلى يا رسول اللّه، قال: المشّاوءون بالنّميمة المفرّقون بين الأحبّة الباغون للبراء المعائب(2).

وَعَنْهُ: أَنَّ اللّه‌َ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْجَنَّةَ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي قَالَتْ سَعِدَ مَنْ دَخَلَنِي قَالَ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلالُهُ وَعِزَّتِي وَجَلالِي لاَ يَسْكُنُ فِيكَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ النَّاسِ لاَ يَسْكُنُ فِيكَ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلاَ مُصِرٌّ عَلَى الزِّنَاءِ وَلاَ قَتَّاتٌ وَهُوَ النَّمَّامُ وَلاَ دَيُّوثٌ وَلاَ الشُّرْطِيُّ وَلاَ الْمُخَنَّثُ وَلاَ قَاطِعُ رَحِمٍ وَلاَ الَّذِي يَقُولُ عَلَيَّ عَهْدُ اللّه‌ِ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ لَمْ يَفِ بِهِ(3).

وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ عليه‌السلام أَنَّهُ قَالَ: الْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْقَتَّاتِينَ الْمَشَّاءِينَ بِالنَّمِيمَةِ(4).

وعن أبي ذرّ عنه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: مَنْ أَشَارَ عَلَى مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ لِيَشِينَهُ بِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ شَانَهُ اللّه‌ُ تَعَالَى فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ(5).

وعن أبي الدّرداء عنه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: أيّما رجل أشاع على رجل كلمة وهو منها برى‌ء ليشينه بها في الدّنيا كان حقّا على اللّه أن يذيبه بها يوم القيامة في النار(6)..


1) كشف الريبة: 41

2) الكافي: 369/2، ح1؛ بحار الأنوار 266/72، ح17

3) كشف الريبة: 42

4) كشف الريبة: 42

5) كشف الريبة: 42

6) كشف الريبة: 42.

ويقال اتّبع رجل حكيما سبع مأئة فرسخ في سبع كلمات، فلما قدّم عليه قال: إنّى جئتك للّذي أتاك اللّه من العلم أخبرني عن السّماء وما أثقل منها، وعن الأرض وما أوسع منها، وعن الصّخر وما أقسى منه، وعن النّار وما أحرّ منها، وعن الزمهرير وما أبرد منه، وعن البحر وما أغنى منه وعن اليتيم وما أذلّ منه؟

فقال له الحكيم: البهتان على البرى‌ء أثقل من السّماوات، والحقّ أوسع من الأرض، والقلب القانع أغنى من البحر، والحرص والحسد أحرّ من النّار، والحاجة إلى القريب إذا لم ينجح(1)أبرد من الزمهرير، وقلب الكافر أقسى من الحجر، والنّمام إذا بان أمره أذلّ من اليتيم(2)هذا.

و ينبغي أن يعلم أنّ مراد النّمام بنميمته إمّا إرادة السّوء للمحكىّ عنه، أو إظهار الحب للمحكىّ له أو التفرّج بالحديث والخوض في الفضول والباطل، وعلى كلّ تقدير فاللاّزم للمحكىّ له عند ما سمع النّميمة امور ستّة:

الأوّل: أن لا يصدّقه لأنّ النّمام فاسق وهو مردود الرّواية قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ»(3)،(4)

وقد روى إنّ عمر بن عبدالعزيز دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئا فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك فان كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ»(5)، وإن كنت صادقا فأنت من أهل هذه الآية: «هَمَّازٍ مَشَّاءٍ .


1) انجح حاجته قضاها منه

2) احياء العلوم: 72/9

3) الحجرات: 6

4) إحياء العلوم: 73/9

5) الحجرات: 6.

بِنَمِيمٍ»(1)، وإن شئت عفونا عنك، قال: العفو لا أعود إليه أبدا(2).

الثّاني: أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله قال اللّه تعالى: «وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ»(3).

روى أنّ رجلا دخل على عليّ بن الحسين عليهماالسلام وقال له: إنّ فلانا لايزال يذكرك في قصصه بشرّ، فقال عليه‌السلام له:

يا هذا واللّه ما راعيت حقّ مجالسة الرّجل حيث نقلت الينا حديثه وخنته فيما ائتمنك به. ولا أدّيت حقّى أيضا حين أعلمتنى ما أكره، أما علمت أنّ النّمام من سكان النّار؟ ولكن قل له: إن الموت يعمّنا، والقبر يضمّنا، والقيامة تجمعنا، واللّه يحكم بيننا وهو خير الحاكمين(4)، نقلناه بالمعنى.

الثّالث: أن يبغضه في اللّه فانّه بغيض عند اللّه، ويجب بغض من يبغضه اللّه تعالى(5)وأيضا فانّه قد واجهك بما لم يواجهك به من حكى عنه، حيث استحياك وذكرك بسوء في غيبتك والنمام ذكرك بسوء في مواجهتك ولم يستح منك، وقد قيل: سبّك من بلّغك، روى إنّ أمير الموءمنين عليه‌السلام سعى إليه برجل، فقال: يا هذا نحن نسأل عمّا قلت فان كنت صادقا مقتناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك، فقال: أقلنى يا أمير الموءمنين(6).

الرّابع: ألاّ تظن بأخيك الغائب السوء لقوله تعالى: «اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ.


1) القلم: 11

2) احياء العلوم: 73/9

3) لقمان: 17

4) الإحتجاج: 315/2؛ بحار الأنوار 246/72، ح8

5) إحياء العلوم: 73/9

6) كشف الريبة: 45؛ بحار الأنوار 270/72.

بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»(1).

قال رجل لعبد اللّه بن عامر وكان أميرا: بلغني أنّ فلانا أعلم الأمير أنى ذكرته بسوء قال: قد كان ذلك، قال: فأخبرني بما قال حتى أظهر كذبه عندك، قال: ما احبّ أن أشتم نفسى بلساني، وحسبي أنّى لم أصدّقه فيما قال، ولا أقطع عنك الوصال.

الخامس: أن لا يحملك ما حكى لك على التجسّس والبحث عن حقيقة ما قاله لقوله تعالى: «وَلاَ تَجَسَّسُوا»(2).

السّادس: أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النّمام عنه ولا تحكى نميمته فتكون نمّاما ومغتابا وتكون قد أتيت ما نهيت عنه(3).

روى كعب الأخبار أنّ بنى اسرائيل أصابهم قحط فاستسقى موسى عليه‌السلام مرّات فماسقوا، فأوحى اللّه تعالى إليه أنى لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمّام قد أصرّ على النّميمة، فقال موسى عليه‌السلام : يا ربّ من هو دلّنى عليه حتى اخرجه من بيننا قال: يا موسى أنهيكم عن النميمة وأكون نمّاما، فتابوا جميعا فسقوا(4).

بقى الكلام فى السعاية

و هى النميمة إلاّ أنها إذا كانت إلى من يخاف من جانبه كالسلطان والأمير ونحوهما تسمّى سعاية وهى أقبح من النميمة وأفحش منها لما يترتّب عليها من المضارّ..


1) الحجرات: 12

2) الحجرات: 12

3) إحياء العلوم: 73/9 - 74

4) كشف الريبة: 42؛ بحار الأنوار 268/72.

قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : السّاعى بالناس إلى النّاس لغير رشدة، قيل: يعني ليس بولد حلال، وذكرت السعاية عند بعض الصّالحين فقال: ما ظنّكم بقوم يحمد الصّدق من كلّ طائفة من النّاس إلاّ منهم.

و رفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبّه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته فوقّع على ظهرها: السّعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فان كنت أجريتها مجرى النّصح فخسرانك فيها أفضل من الرّبح، ومعاذ اللّه أن نقبل مهتوكا في مستور، ولو لا أنّك في خفارة شيبتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك، فتوقّ يا ملعون العيب، فانّ اللّه أعلم بالغيب الميّت رحمه اللّه، واليتيم جبره اللّه، والمال ثمره اللّه، والساعي لعنه اللّه.

و بالجملة فشرّ النمام عظيم وخطره جسيم ينبغي التوقّى منه والحذر من نميمته كيلا تقع فى طول حسرة وندامة.

فقد روى حمّاد بن سلمة أنّه باع رجل عبدا وقال للمشترى ما فيه عيب إلاّ النميمة قال: قد رضيت، فاشتراه فمكث الغلام أيّاما ثمّ قال لزوجة مولاه: إنّ سيّدى لا يحبّك وهو يريد أن يتسرّى عليك فخذى الموسى واحلقى من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى اسحره عليها فيحبّك، ثمّ قال للزّوج: إنّ امرأتك اتخذت خليلا وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى فظنّ أنّها تريد قتله فقام إليها فقتلها، فجاء أهل المرأة وقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين واشتدّ الفساد في البين(1)..


1) إحياء العلوم: 75/9 - 76.

الثالث: في اذاعة الاسرار وإفشاء الفواحش

و قد نهى عنهما فى الشرع الأنور لما فيهما من الأذى والتهاون بحقّ الاخوان والاصدقاء، وحذر عن الثاني في الكتاب الكريم قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالآْخِرَةِ وَاللّه‌ُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»(1)ولا يخفى دلالته على المقصود، فانّ افشاء الفاحشة لا يكون إلاّ عن محبّة اشاعتها وإن كان حبّ الاشاعة أعمّ، إذ يصدق على حبّ شيوعها بين الموءمنين وإن لم يكن الاشاعة من المحبّ نفسه.

و حذّر عن الأوّل في غير واحد من الأخبار، مثل ما روى عن عبداللّه بن سنان قال: قلت له: عورة الموءمن على الموءمن حرام؟ قال: نعم: قلت: تعنى سفلويه؟ قال: ليس حيث تذهب إنما هو إذاعة سرّه(2).

وعن زيد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال: فيما جاء في الحديث عورة الموءمن على الموءمن حرام قال عليه‌السلام : ما هو أن ينكشف فترى منه شيئا إنّما هو تروى عليه أو تعيبه(3).

وعن محمّد بن عجلان قال: سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: إنّ اللّه عزّ وجلّ عيّر أقواما بالاذاعة في قوله: «وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الاْءَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ»(4)، فايّاكم والاذاعة(5)..


1) النور: 19

2) الكافي: 385/2، ح2؛ بحار الأنوار 169/72، ح41

3) الكافي: 359/2، ح3؛ بحار الأنوار 170/72، ح42

4) النساء: 83

5) الكافي: 369/2، ح1؛ بحار الأنوار 84/72، ح34.

وَعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : مَنْ أَذَاعَ فَاحِشَةً كَانَ كَمُبْتَدِئِهَا وَمَنْ عَيَّرَ مُوءْمِناً بِشَيْءٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرْكَبَهُ(1).

وعَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُسْلِمْ بِقَلْبِهِ لاَ تَتَبَّعُوا عَثَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَثَرَاتِ الْمُسْلِمِينَ تَتَبَّعَ اللّه‌ُ عَثْرَتَه(2).

وعَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى الْكُفْرِ أَنْ يُوَاخِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ عَلَى الدِّينِ فَيُحْصِيَ عَلَيْهِ زَلاّتِهِ لِيُعَيِّرَهُ بِهَا يَوْماً مَا(3).

وعن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه‌السلام قال: يحشر العبد يوم القيامة وما ندى(4)دما فيدفع إليه شبه المحجمة(5)أو فوق ذلك فيقال: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا ربّ إنّك لتعلم أنّك قبضتنى وما سفكت دما، فيقول: بلى سمعت من فلان رواية كذا وكذا فرويتها عليه فنقلت حتّى صارت إلى فلان الجبار فقتله عليها فهذا سهمك من دمه(6)، هذا.

ويتأكّد الحرمة في إذاعة أسرار الأنبياء والأئمة عليهم‌السلام ويدلّ عليه ما في الكافي باسناده عن أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في قوله اللّه عزّ وجلّ: «وَيَقْتُلُونَ الاْءَنْبِياءَ.


1) الموءمن: 66، ح173؛ بحار الأنوار 384/70، ح2

2) الكافي: 355/2، ح4 والبرهان في تفسير القران: 111/5، ح9974

3) الكافي: 355/2، ح6 ومنية المريد: 331

4) ما ندى أى ما اراق دما

5) المحجمة ما يحجم به الحجام وحرفت الحجامة ككتابة لغة

6) الكافي: 370/2، ح5؛ بحار الأنوار 85/72، ح38.

بِغَيْرِ حَقٍّ»(1)، فقال: أما واللّه ما قتلوهم بأسيافهم ولكن أذاعوا سرّهم وأفشوا عليهم فقتلوا(2).

وعن يونس بن يعقوب عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال: ما قتلنا من أذاع حديثنا قتل خطاء ولكن قتلنا قتل عمد(3).

وعن محمّد الخزاز عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال: من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقّنا(4).

وعن نصر بن صاعد مولى أبي عبداللّه عليه‌السلام عن أبيه: قال سمعت أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: مذيع السّر شاك، وقائله عند غير أهله كافر. ومن تمسّك بالعروة الوثقى فهو ناج، قلت: ما هو؟ قال التّسليم(5).

وعن أبي خالد الكابلي عن أبي عبداللّه عليه‌السلام أنّه قال: إنّ اللّه جعل الدّين دولتين: دولة آدم وهى دولة اللّه، ودولة إبليس، فاذا أراد اللّه أن يعبد علانية كانت دولة آدم، وإذا أراد اللّه أن يعبد في السرّ كانت دولة إبليس، والمذيع لما أراد اللّه ستره مارق من الدّين(6).

وعن عبدالرّحمن بن الحجاج عن أبي عبداللّه عليه‌السلام قال: من استفتح نهاره باذاعة.


1) آل عمران: 112

2) الكافي: 371/2، ح7؛ بحار الأنوار 87/72، ح40

3) الكافي: 370/2، ح 4؛ بحار الأنوار 85/72، ح37

4) الكافي: 370/2، ح2؛ بحار الأنوار 85/72، ح35

5) الكافي: 371/2، ح10؛ بحار الأنوار 88/72، ح42

6) الكافي: 372/2، ح11؛ بحار الأنوار 88/72، ح43.

سرّنا سلّط اللّه عليه حزّ الحديد وضيق المحابس(1)، هذا.

و الأخبار في هذا المعنى كثيرة، وفيما رويناه كفاية لمن له دراية، واللّه الهادي.

أما قوله عليه‌السلام : «كل موءمن نومة» فإنما أراد به الخامل الذكر القليل الشر لو قيل «الذي لا يعرف الشر» كان أحسن.

والمساييح جمع مسياح وهو الذي يسيح بين الناس بالفساد والنمائم.

قد عرفت أن الأصل فيه سيح الماء أو تسييح الثوب.

والبذر جمع بذور وهو الذي يكثر سفهه ويلغو منطقه.

قال ابن أبي الحديد: بذور كصبور الّذي يذيع الأسرار، وليس كما قال الرضي(2).

قد عرفت أنه من «بذرت الكلام كما تبذر الحبوب»، وحينئذ فما قاله المصنف ليس بذلك البعد. هذا ولو كان المصنف نقل هذا في فصل غريبه كان أنسب. .


1) الكافي: 372/2، ح12؛ بحار الأنوار 89/72، ح44

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 110/7.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (103): ومن خطبة له عليه‌السلام :

اشارة

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللّه‌َ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى اللّه عليه واله وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلاَ وَحْياً فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ يَحْسِرُ الْحَسِيرُ وَيَقِفُ الْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ إِلاّ هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ وَايْمُ اللّه‌ِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا وَاسْتَوْسَقَتْ فِي قِيَادِهَا مَا ضَعُفْتُ وَلاَ جَبُنْتُ وَلاَ خُنْتُ وَلاَ وَهَنْتُ وَايْمُ اللّه‌ِ لاَءَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ.

وقد تقدم مختار هذه الخطبة إلا أنني وجدتها في هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة ونقصان فأوجبت الحال إثباتها ثانية.

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللّه‌َ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى اللّه عليه واله وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً

قال تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الاْءُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ»(1).

وقال تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللّه‌ُ عَلَى الْمُوءْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِم...»(2).

واقتباس من قوله تعالى: «لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباوءُهُم»(3).

قال الأصمعي: ذكروا أنّ قريشا سئلوا من أين لكم الكتاب قالوا: من أهل الحيرة. وقيل لأهل الحيرة: من أين لكم الكتاب قالوا: من الأنبار.

وروي: أنّ بشر بن عبداللّه العبادي علّم أبا سفيان بن أمية، وأبا قيس بن عبدمناف بن زهرة الكتاب، فعلّما أهل مكّة.

وروى عن سهل: أنّ أوّل من كتب بالعربيّة مرامر بن مرة من أهل الأنبار، ومن الأنبار انتشرت في الناس.

وقال وهب: أوّل من خطّ بالقلم إدريس عليه‌السلام (4).

وَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلاَ وَحْياً

إنّما كان أمية بن أبي الصلت لرغبته عن عبادة الأوثان وقراءته كتب السلف، يخبر أنّ نبيّا يبعث قد أظلّ زمانه، فلمّا سمع بخروج النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كفر حسدا له، وكان يطمع أن يكونه(5).

ولشياع خبر بعثته وقرب ظهوره، سمّى قوم أبناءهم محمّدا رجاء أن يكونوه لما سمعوا أنّ اسم النبيّ الاتي محمّد، والمسمّون هم: محمّد بن مسلمة، ومحمّد بن1.


1) الجمعة: 2

2) آل عمران: 164

3) يس: 6

4) المعارف لابن قتيبة: 552 - 553

5) تفسير السمرقندي المسمي بحر العلوم: 567/1.

احيحة، ومحمّد بن برء البكري، ومحمّد بن سفيان بن مجاشع، ومحمّد بن حمران الجعفي، ومحمّد بن خزاعة السلمي(1). وقد وقع نظير ذلك قبله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لموسى عليه‌السلام وبعده صلى‌الله‌عليه‌و‌آله للمهدي عليه‌السلام .

وعن الزهري: أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لمّا كان يعرض نفسه على القبائل في المواسم، عرض نفسه على بني عامر، فاشترطوا أن يكون الأمر لهم بعده، فقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : الأمر إلى اللّه. فأعرضوا عنه، ورجعوا إلى شيخ كبير لهم، فأخبروه خبره ونسبه، فوضع يده على رأسه، ثمّ قال: يا بني عامر هل من تلاف: والّذي نفسي بيده، وما تقوّلها إسماعيليّ قطّ، وإنّها لحقّ، وأين كان رأيكم عنه(2).

وادّعي النبوّة كذبا بعد بعثته صلى‌الله‌عليه‌و‌آله جمع: مسيلمة من حنيفة، و سجاح الّتي تزوّجها مسيلمة من بني يربوع، وأسود بن كعب من عنس، وطلحة بن خويلد من أسد بن خزيمة لكنّه رجع إلى الاسلام بعد(3)، وأمّا خالد بن سنان العبسي الّذي قالوا: أتت ابنته إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فسمعته يقرأ «قُلْ هُوَ اللّه‌ُ أَحَدٌ»(4)فقالت: كان أبي يقول هذا. فغير محقّق، وإنْ قالوا: إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: «ذلك نبيّ أضاعه قومه»(5).

هذا، وفي الخبر: أنّ خمسة من الأنبياء كانوا سريانيين وهم: آدم وشيث وإدريس ونوح وإبراهيم، وخمسة منهم عبرانيين: إسحاق ويعقوب وموسى وداود وعيسى، وخمسة منهم من العرب: هود وصالح وإسماعيل وشعيب ومحمّد عليه وعلى آله وعليهم السلام(6)..


1) الطبقات الكبري: 1/ 169

2) تاريخ الطبري: 84/2

3) التفسير الكبير (الرازي): 377/12

4) الاخلاص: 1

5) مروج الذهب: 81/1 - 82؛ كمال الدين: 659/2

6) الاختصاص للمفيد: 264.

فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ

و هم اهل المدينة.

مَنْ عَصَاهُ

و هم أهل مكّة واليهود وغيرهم، وفي (المناقب): لما كان بعد سبعة أشهر من الهجرة نزل جبرئيل عليه‌السلام بقوله: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ...»(1)، وقلّد في عنقه سيفا، وفي رواية: لم يكن له غمد، فقال له: حارب بهذا قومك حتّى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه.

وعن أهل السير: أنّ جميع ما غزا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بنفسه ستّ وعشرون غزوة على هذا النسق: البواط، العشيرة، بدر الأولى، بدر الكبرى، السويق، ذو امرة، أحد، نجران، بنو سليم، الأسد، بنو النضير، ذات الرقاع، بدر الآخرة، دومة الجندل، الخندق، بنو قريظة، بنو لحيان، ذو قرد، بنو المصطلق، الحديبية، خيبر، الفتح، حنين، الطائف، تبوك، ويلحق بها بنو قينقاع. قاتل في تسع و هي: بدر الكبرى وأحد والخندق وبني قريظة وبني المصطلق وبني لحيان وخيبر و الفتح وحنين والطائف.

وأمّا سراياه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فستّ وثلاثون: أوّلها سريّة حمزة لقي أبا جهل بسيف البحر في ثلاثين من المهاجرين، وفي ذي القعدة بعث سعد بن أبي وقّاص في طلب عير، ثمّ عبيدة بن الحارث بعد سبعة أشهر في ستين من المهاجرين نحو الجحفة إلى أبي سفيان...(2)..


1) الحج: 39

2) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 186/1؛ بحار الأنوار 172/19، ح18.

يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ

أي محل نجاتهم قال تعالى: «عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُوءْمِنِينَ رَوءُفٌ رَحِيم»(1).

وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ

أي القيامة.

أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ

ولم يستعدّوا لها، ولمّا عاد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من تبوك إلى المدينة قدم إليه عمرو بن معديكرب، فقال له النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : أسلم يا عمرو يوءمنك اللّه من الفزع الأكبر. قال: يا محمّد وما الفزع الأكبر فإنّي لا أفزع فقال: يا عمرو إنّه ليس كما تظنّ وتحسب، إنّ الناس يصاح بهم صيحة واحدة، فلا يبقى ميّت إلاّ نشر، ولا حيّ إلاّ ما شاء اللّه، ثمّ يصاح بهم صيحة أخرى، فينشر من مات، ويصفّون جميعا، وينشقّ السماء، وتهدّ الأرض، وتخرّ الجبال هدّا، وترمي النار بمثل الجبال شررا، فلا يبقى ذو روح إلاّ انخلع قلبه وذكر ذنبه وشغل بنفسه، إلاّ ما شاء اللّه. فأين أنت يا عمرو من هذا قال: إلا إنّي أسمع أمرا عظيما. فآمن باللّه ورسوله، ومن آمن معه من قومه ناس ورجعوا إلى قومهم(2). .


1) التوبة: 128

2) الإرشاد: 185/1؛ بحار الأنوار 110/7، ح38.

يَحْسِرُ الْحَسِيرُ

أي: يعجز العاجز، قال الجوهري: حسر البعير: أعيا، فهو حسير(1).

وَيَقِفُ الْكَسِيرُ

أي: من كسر رجله.

فَيُقِيمُ عَلَيْهِ

أي: على كلّ من الحسير والكسير، ويحسن في مثله توحيد الضمير لرجوع الحسير والكسير إلى معنى واحد، وهو من لم يقدر على السير المتعارف.

حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ

ومقصده، والضميران أيضا كالضمير في (عليه)، والمراد أنّه لمّا لم يكن كلّ الناس صاحب معرفة قويّة يسلم حين يدعوه، بل كثير منهم كانوا آبين أوّلا، يداريهم ويدعوهم مرّة بعد مرّة، حتّى يعرفوا الحقّ بالتأمّل ويهتدوا.

إِلاّ هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ

ولا تفيده الدّعوة، كالّذين قال تعالى فيهم: «وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُوءْمِنُوا...»(2).

ومنهم المستهزءون به صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الّذين قال تعالى فيهم: «إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ»(3)وهم الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبديغوث، وأبو زمعة، والعاص بن وائل،.


1) الصحاح: 629/2 مادة (حسر)

2) الانعام: 111

3) الحجر: 95.

والحرث بن قيس، وعقبة بن أبي معيط، والأسود بن الحرث، وأبو أحيحة، والنضر بن الحرث، والحكم بن العاص، وعتبة، وشيبة، وطعيمة بن عدي، والحرث بن عامر، وأبو البحتري، وأبو جهل، وأبو لهب، ونظراوءهم، فدلّهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على سبيل نجاتهم، فأبوا إلاّ سلوك طريق الهلكة، وكانوا قد هدّدوه بالقتل، فأهلكهم اللّه، بعضهم بالقتل في غزوة بدر، وبعضهم بأسقام وأوجاع.

قالوا: مرّ الأسود بن عبديغوث على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فأومأ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى بطنه، فاستسقى ومات حبنا.

ومرّ عليه أبو زمعة، فأشار صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى عينه، فعمي، وكان يضرب رأسه على الجدار حتّى هلك.

ومرّ عليه الوليد بن المغيرة، فأومأ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى جرح اندمل في بطن رجله من نبل، فتعلّقت به شوكة فنن فخدشت ساقه، ولم يزل مريضا حتّى مات.

وخرج العاص بن وائل من بيته، فلحقته السموم، فلما انصرف إلى داره لم يعرفوه، فباعدوه فمات غمّا، وفي خبر فقتلوه، وفي آخر وطأ على شبرقة فدخلت في أخمص رجله، فقال: لدغت، فلم يزل يحكّها حتّى مات.

ومرّ عليه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الحرث فأومأ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى رأسه فتقيّأ قيحا، وفي خبر لدغته حيّة، وفي آخر تدهده عليه حجر من جبل فتقطّع.

وأكل الأسود بن الحارث حوتا فأصابه عطش، فلم يزل يشرب الماء حتّي إنشقّ بطنه.

ورمى اللّه أبا لهب بالعدسة، فتركه ابناه ثلاثا لا يدفنانه، وكانوا يتّقون العدسة،

فقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه(1).

وعن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقيّة فثبت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وكان منها قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلا(2).

ونظر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى زهير بن أبي سلمى، وله مائة سنة، فقال: اللّهم أعذني من شيطانه. فما لاك بيتا حتّى مات(3)

حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ

فانّه كناية عن نفوذ أمرهم.

وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ

أي رمحهم، واستقامة القناة كناية عن تمكّنهم.

وَايْمُ اللّه‌ِ

قال الجوهري: أيمن اللّه اسم وضع للقسم قال: وربما حذفوا منه النون فقالوا: أيم اللّه وأيم اللّه أيضا بكسر الهمزة(4). .


1) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 73/1 - 75؛ بحار الأنوار 282/17

2) صحيح البخاري: 28/1 واحياء العلوم: 19/1

3) الاغاني: 445/10

4) الصحاح: 221/6 مادة (يمن).

لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا

ساقة جمع سائق كقادة في قائد من ساقة الجيش، رأيته يكرّ في سوق الحرب: أي في حومة القتال ووسطه(1).

حَتَّى تَوَلَّتْ

أي انقضت.

بِحَذَافِيرِهَا

أي بأسرها وتمامها وجميع نواحيها.

وَاسْتَوْسَقَتْ

أي اجتمعت وانتظمت.

فِي قِيَادِهَا

قال الخليل: القود أن يكون الرجل أمام الدابة آخذا بقيادها - إلى أن قال - والمقود بكسر الميم: الحبل يقاد به والجمع مقاود، والقياد مثل المقود - إلخ(2).

مَا ضَعُفْتُ

انّ مراده عليه‌السلام أنه لم يعجز ولم يضعف في سياقة غزوات الإسلام وسلطته كما عجز وضعف باقيهم.

وروى أصحاب الآثار عن الحسن بن صالح عن الأعمش عن أبي اسحاق عن.


1) أساس البلاغة: 468 - 469

2) مصباح المنير: 518/2.

ابن أبي عبداللّه الجدلي قال: سمعت أمير الموءمنين عليه‌السلام يقول: لمّا عالجت باب خيبر جعلته مجنّا لي. فقاتلتهم به. فلمّا أخزاهم اللّه وضعت الباب على حصنهم طريقا، ثم رميت به في خندقهم. فقال له رجل: لقد حملت منه ثقلا. فقال: ما كان إلاّ مثل جنّتى الّتي في يدي في غير ذلك المقام، وفيه يقول الشاعر:

إنّ امرأ حمل الرتاج(1)بخيبر***يوم اليهود بقدرة لموءيّد

حمل الرتاج رتاج باب قموصها(2)***و المسلمون وأهل خيبر حشّد

فرمى به ولقد تكلف ردّه***سبعون كلهم له يتشدّد

ردّوه بعد تكلّف ومشقّة***و مقال بعضهم لبعض ارددوا(3)

وَلاَ جَبُنْتُ

أي: كما جبنوا، ففي خيبر أخذ الراية أوّلا، الأوّل ثمّ الثاني ورجعا منهزمين يجبّنان أصحابهما ويجبّنهما أصحابهما.

و روى أبو محمّد الحسن بن جمهور قال: قرأت على أبي عثمان المازني الشاعر:

بعث النبي براية منصورة***عمر بن حنتمة الدلام الأدلما(4)

فمضى بها حتى إذا برزوا له***دون القماص ثنى وهاب وأحجما.


1) الرتاج: الباب العظيم. «الصحاح - رتّج - 1: 317»

2) القموص: جبل بخيبر عليه حصن أبي الحقيق اليهودي. «معجم البلدان 398 : 4»

3) الإرشاد: 129/1؛ بحار الأنوار 17/21

4) الأدلم: الأسود الطويل: قال الجزريّ: ومنه الحديث: فجاء رجل أدلم فاستأذن على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، قيل: هو عمر بن الخطّاب.

فأتى النبي براية مردودة***الا تخوف عارها فتذمما

فبكى النبي له وانّبه بها***و دعا امرأ حسن البصيرة مقدما

فغدا بها في فيلق ودعا له***ألاّ يصد بها وألاّ يهزما

فزوى اليهود الى القموص وقد كسا***كبش الكتبية ذا غرار مخذما

وثنى بناس بعدهم فقراهم***طلس الذئاب وكل نسر قشعما(1)

وَلاَ خُنْتُ وَلاَ وَهَنْتُ

كما خان ووهن غيري، و لما انصرف النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من احد إلى المدينة استقبلته فاطمة عليها السلام ومعها إناء فيه ماء فغسل به وجهه ولحقه علي عليه‌السلام - وقد خضب الدم يده إلى كتفه ومعه ذو الفقار، فناوله فاطمة عليها السلام وقال لها: خذي هذا السيف. فقد صدقني اليوم وأنشأ يقول:

أفاطم هاك السيف غير ذميم***فلست برعديد ولا بمليم

لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد***و طاعة رب بالعباد عليم

اميطي دماء القوم عنه فإنّه***سقى آل عبدالدار كأس حميم

وقال لها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : «خذيه يا فاطمة فقد أدّى بعلك ما عليه، وقد قتل اللّه بسيفه صناديد قريش»(2)، فإذا كان النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لمّا بعث اللّه تعالى - كما قال قبل هذا الكلام - ساق الناس حتّى بوّأهم محلّتهم، وبلّغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم، وكان أمير الموءمنين عليه‌السلام - كما قال هنا - معينا له من أوّله إلى.


1) الإرشاد: 130/1؛ بحار الأنوار 17/21

2) الإرشاد: 89/1؛ بحار الأنوار 88/20.

آخره، والمتصدّي لغزواته عليه‌السلام بلا ضعف ولا جبن ولا خيانة ولا وهن، كغيره ممّن ادّعى الأمر في قباله كما ستعرف، فلا بدّ بحكم العقل أن يكون هو خليفته وقائما مقامه، ومن أنكر فقد كابر البداهة، ومن خالف فقد خالف مقتضى العقول.

و قد صرّحت بذلك سيّدة النساء - صلوات اللّه عليها وعلى أبيها - فقالت في خطبتها يوم أبي بكر: «فأنقذكم اللّه برسوله بعد اللتيا والّتي، وبعد ما مني بهم الرجال(1)، وذوءبان العرب ومردة أهل الكتاب كلّما حشوا نارا للحرب أطفأها، و نجم(2)قرن للضلال، وفغرت(3)فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد(4)لهبها بحده، مكدودا(5)في ذات اللّه، قريبا من رسول اللّه، سيّدا في أولياء اللّه، وأنتم في بلهنية(6)و ادعون آمنون حتّى إذا اختار اللّه لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله دار أنبيائه، ظهرت خلة النفاق، وسمل(7)جلباب الدّين، ونطق كاظم الغاوين» - إلى آخرها(8).

وَبِإِسْنَادٍ مَرْفُوعٍ إِلَى الاْءَعْمَشِ عَنْ عَطِيَّةَ قَالَ لَمَّا خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَهُ يُسَايِرُهُ فَكَانَ مَنْ يَسْتَقْبِلُهُ يَنْزِلُ فَيَبْدَأُ بِالْعَبَّاسِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ يُقَدِّرُ النَّاسُ أَنَّهُ هُوَ الْخَلِيفَةُ لِجَمَالِهِ وَبَهَائِهِ وَهَيْبَتِهِ فَقَالَ عُمَرُ لَعَلَّكَ تُقَدِّرُ أَنَّكَ أَحَقُّ بِهَذَا الاْءَمْرِ مِنِّي فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَحَقُّ بِهِ مِنِّي.


1) ويروى وبعد ان مني منهم الرجال إلخ. وبهم الرجال شجعانهم جمع بهمة وذوءبان العرب لصوصهم ومردتهم

2) نجم أي ظهر

3) فغر فاه فتحه وأوسعه واللهوات جمع اللها وهي أقصى الحلق وينكفي يرجع

4) ويروى يطفئ عادية لهبها بسيفه والصماخ داخل الأذان والأخمص اصبع القدم

5) مكدودا من كد جد وتعب

6) كرفهنية وهي غضاضة العيشة ونعيمها

7) أي خلق ورث

8) بلاغات النساء: 24؛ بحار الأنوار 237/29.

وَمِنْكَ مَنْ خَلَّفْنَاهُ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ عُمَرُ وَمَنْ ذَاكَ قَالَ مَنْ ضَرَبَنَا بِسَيْفِهِ حَتَّى قَادَنَا إِلَى الاْءِسْلامِ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُوءْمِنِينَ عَلِيّاً عليه‌السلام (1).

وروى أبو بكر بن الأنباري في (أماليه): أنّ عليا عليه‌السلام جلس إلى عمر في المسجد، وعنده ناس. فلمّا قام عرّض واحد بذكره، ونسبه إلى التيه والعجب. فقال عمر: حق لمثله أن يتيه، واللّه لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام، وهو بعد أقضى الامّة، وذو سابقتها وذو شرفها. فقال له ذلك القائل: فما منعكم عنه. قال: كرهناه على حداثة السن وحبّه بني عبدالمطلب(2).

قال التستري: لقد أجابه ابن عباس عن حداثة سنّه بأنّ اللّه تعالى ما استحدث سنّه حيث انزل جبرئيل ليأخذ سورة براءة من صاحبه أبي بكر، وأمّا حبّه بني عبدالمطلب، فهل كان الاّ حبّ أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ومن قال تعالى فيهم: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى»(3)كره الرجل منه عليه‌السلام حبّه لبني عبدالمطلب أقارب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وأحبّائه. فلم يدع الأمر يصل إليه، ولم يكره من عثمان تهالكه وتفدية نفسه لبني امية أعداء النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وأعداء الإسلام فدبّر الأمر له، والحَكَم اللّه تعالى(4).

وروى محمّد بن بابويه عن محمّد بن الحنفية، أنّ رأس اليهود أتى إلى أمير الموءمنين عليه‌السلام عند منصرفه من وقعة النهروان، وهو جالس في مسجد الكوفة فقال له: إنّي اريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصي نبيّ. قال: سل عمّا بدا.


1) خصائص الائمّة (خصائص امير الموءمنين عليه‌السلام ): 76

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 82/12؛ بحار الأنوار 76/31

3) الشوري: 23

4) بهج الصباغة: 16/4.

لك يا أخا اليهود. قال: إنّا نجد في الكتب أنّ اللّه - عزّ وجلّ - إذا بعث نبيّا أوحى إليه أن يتّخذ من أهل بيته من يقوم بأمر امّته من بعده، وأن يعهد إليهم فيه عهدا يحتذى به ويعمل به في امته من بعده، وأنّ اللّه - عزّ وجلّ - يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء، ويمتحنهم بعد وفاتهم - إلى أن قال - فقال له علي عليه‌السلام إنّ اللّه تعالى يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم. فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم أمر الأنبياء أن يتّخذوهم أولياء في حياتهم، وأوصياء بعد وفاتهم - إلى أن قال - قال الرجل: صدقت. فأخبرني كم امتحنك اللّه في حياة محمّد، وكم امتحنك بعد وفاته، وإلى ما يصير آخر أمرك فأخذ علي عليه‌السلام بيده وقال: انهض انبّئك. فقام إليه جماعة من أصحابه. فقالوا: أنبئنا بذلك معه. فقال: انّي أخاف ألاّ تحتمله قلوبكم. قالوا: ولم؟ قال: لأمور بدت من كثير منكم. فقام إليه الأشتر(1)فقال له: أنبئنا بذلك فو اللّه إنّا لنعلم أنّه ما على ظهر الأرض وصي نبي سواك، وإنّا لنعلم أنّ اللّه تعالى لا يبعث بعد نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌و‌آله نبيّا، وأنّ طاعتك موصولة بطاعة نبيّنا. قال: فجلس علي عليه‌السلام وأقبل على اليهودي وقال له: إنّ اللّه - عزّ وجلّ - امتحنني في حياة نبيّنا محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في سبعة مواطن فوجدني فيهن - من غير تزكية لنفسي، بنعمة اللّه - مطيعا.

قال: فيم وفيم(2).

قال: أما أوّلهن: فانّ اللّه - عزّ وجلّ - أوحى إلى نبيّنا وأنا أحدث أهل بيته سنّا أخدمه في بيته، وأسعى في قضاء حوائجه بين يديه في أمره، فدعا صغير بني1


1) في تاريخ شهادته خلاف

2) الخصال: 365/2 - 366، ح58؛ بحار الأنوار 167/38 - 168، ح1

عبدالمطّلب وكبيرهم إلى شهادة ألا إله إلاّ اللّه، وأنّه رسوله فامتنعوا من ذلك، وأنكروا عليه وهجروه، ونابذوه(1)، واعتزلوه، واجتنبوه، وسائر الناس مقصين له، ومخالفين عليه، قد استعظموا ما أورده عليهم ممّا لم تحتمله قلوبهم، وتدركه عقولهم. فأجبته وحدي مسرعا إلى ما دعا إليه مطيعا موقنا لم يخالجني شك في ذلك، فمكثنا بذلك ثلاث حجج، وما على وجه الأرض خلق يصلي أو يشهد له بما أتاه غيري وغير ابنة خويلد - رحمها اللّه -(2)وقد فعل.

ثم أقبل على أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى يا أمير الموءمنين.

فقال: وأمّا الثانية: فإنّ قريشا لم تزل تجيل الآراء، وتعمل الحيل في قتل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حتّى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار، (دار الندوة) وابليس اللعين حاضر في صورة أعور ثقيف(3)، فلم تزل تضرب أمرها ظهرا لبطن حتّى اجتمعت آراوءها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجل ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه ثمّ يأتي النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وهو نائم على فراشه. فيضربونه بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه، واذا قتلوه منعت قريش رجالها، ولم تسلمها فيمضى دمه هدرا. فهبط جبرئيل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فأنبأه بذلك، وأخبره بالليلة الّتي يجتمعون فيها والساعة الّتي يأتون فراشه، وأمره بالخروج في الوقت الّذي خرج فيه إلى الغار. فاخبرني النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بالخبر وأمرني أن اضطجع في مضجعه وأقيه بنفسي. فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا بأن أقتل دونه، فمضى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لوجهه واضطجعت في مضجعه، وأقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، فلما استوى.


1) نابذه: خالفه وفارقه عن عداوة

2) يعني به خديجة سلام اللّه عليها

3) يعني مغيرة بن شعبة الثقفى.

بي وبهم البيت الّذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي، فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه اللّه.

ثم أقبل عليه‌السلام على أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.

فقال عليه‌السلام وأمّا الثالثة يا أخا اليهود، فإنّ ابني ربيعة(1)والوليد بن عتبة، وكانوا فرسان قريش دعوا إلى البراز يوم بدر فلم يبرز لهم خلق من قريش.

فأنهضني مع صاحبيّ - رضي اللّه عنهما - وقد فعل، وأنا أحدث أصحابي سنّا وأقلهم للحرب تجربة فقتل اللّه - عزّ وجلّ - بيدي وليدا وشيبة سوى من قتلت من جحاجحة قريش(2)في ذلك اليوم، وسوى من أسرت، وكان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي، واستشهد ابن عمي في ذلك - رحمة اللّه عليه -.

ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.

فقال: وأمّا الرابعة، فإنّ أهل مكة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم(3)قد استجابوا من يليهم من قبائل العرب طالبين بثار مشركي قريش في يوم بدر.

فهبط جبرئيل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فأنبأه بذلك. فذهب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وعسكر بأصحابه في سدّ احد، وأقبل المشركون إلينا فحملوا علينا حملة رجل واحد، واستشهد من المسلمين من استشهد، وكان من بقي، من المنهزمة، وبقيت مع.


1) المراد شيبة وعتبة إبنا ربيعة

2) الجحاجحة جمع جحجاح: السيّد الكريم، والهاء فيه لتأكيد الجمع. (النهاية)

3) قال الجزريّ في الحديث «جاءت هوازن على بكرة أبيها» هذه الكلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وانهم جاءوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة حقيقة وهي التي يستقى عليها الماء فاستعيرت في هذا الموضع. وفي القاموس: حاش الصيد: جاءه من حواليه ليصرفه إلى الحبالة كأحاشه وأحوشه، والإبل: جمعها وساقها، والتحويش التجميع، وحاوشته عليه: حرضته.

النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، ومضى المهاجرون والأنصار إلى المدينة كلّ يقول: قتل النّبيّ وقتل أصحابه. ثم ضرب اللّه - عزّ وجلّ - وجوه المشركين، وقد جرحت بين يدي النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله نيّفا وسبعين جرحة، منها هذه وهذه، ثم ألقى عليه‌السلام رداءه وأمرّ يده على جراحاته، وكان منّي في ذلك ما على اللّه - عزّ وجلّ - ثوابه، ثم التفت الى أصحابه، فقال: أ ليس كذلك قالوا: بلى.

فقال: واما الخامسة يا أخا اليهود، فان قريشا والعرب تجمعت وعقدت عقدا وميثاقا لا ترجع من وجهها حتّى تقتل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وتقتلنا معاشر بني عبدالمطلب معه، ثم أقبلت بحدّها وحديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة واثقة بأنفسها في ما توجّهت له، فهبط جبرئيل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فأنبأه بذلك فخندق على نفسه ومن معه من المهاجرين والأنصار، فقدمت قريش فأقامت على الخندق، محاصرة لنا، ترى في أنفسها القوّة وفينا الضعف ترعد وتبرق(1)، والنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يدعوها إلى اللّه تعالى ويناشدها بالقرابة والرحم فتأبى، ولا يزيدها ذلك إلاّ عتوّا، وفارسها و فارس العرب يومئذ عمرو بن عبدود يهدر كالبعير المغتلم(2)، يدعو إلى البراز، ويرتجز، ويخطر برمحه مرة، وبسيفه مرة(3)، لا يقدم عليه مقدم ولا يطمع فيه طامع، ولا حميّة تهيجه، ولا بصيرة تشجّعه، فأنهضني إليه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وعمّمني بيده وأعطاني سيفه هذا - وضرب بيده إلى ذي الفقار وعمّمني - فخرجت إليه، ونساء أهل المدينة توالي إشفاقا على من ابن عبدود فقتله اللّه - عزّ وجلّ - بيدي، والعرب.


1) في النهاية: يقال: رعد وبرق وأرعد وأبرق: إذا توعد وتهدد

2) الهدير: ترديد صوت البعير في حنجرته. واغتلم البعير: هاج من شهوة الضراب

3) خطر الرجل بسيفه ورمحه يخطر - بالكسر -: رفعه مرّة ووضعه أخرى.

لا تعدّ لها فارسا غيره، وضربني هذه الضربة - و أومأ بيده إلى هامته - فهزم اللّه قريشا والعرب بذلك وبما كان مني فيهم من النكاية. ثم التفت عليه‌السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.

فقال: وأمّا السادسة يا أخا اليهود، فإنّا وردنا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مدينة أصحابك خيبر على رجال من اليهود وفرسانها من قريش وغيرها. فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل والرجال والسلاح، وهم في أمنع واد وأكثر عدد، كلّ ينادى ويدعو، ويبادر الى القتال. فلم يبرز اليهم أحد من أصحابه إلاّ قتلوه حتى إذا احمرّت الحدق ودعيت إلى النزال، وأهمّت كل امرئ نفسه، والتفت بعض أصحابه إلى بعض، وكلّ يقول: يا أبا الحسن انهض، أنهضني النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى دارهم. فلم يبرز إليّ أحد منهم إلاّ قتلته، ولا يثبت لي فارس إلاّ طحنته، ثم شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم جوف مدينتهم مشددا عليهم، فاقتلعت باب حصنهم بيدي، حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي، أقتل من يظهر فيها من رجالها، وأسبي من أجد من نسائها، حتى أفتتحتها وحدي، و لم يكن لي فيها معاون الاّ اللّه وحده.

ثم التفت عليه‌السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى.

قال: وأما السابعة، فإن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لمّا توجّه لفتح مكّة أحب أن يعذر اليهم ويدعوهم الى اللّه - عزّ وجلّ - آخرا كما دعاهم أوّلا، فكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه، وينذرهم عذاب اللّه، ويعدهم الصفح، ويمنّيهم مغفرة ربهم.

و نسخ لهم في آخره سورة براءة ليقروءوها عليهم ثمّ عرض على جميع أصحابه المضى به فكلهم يرى التثاقل فيهم، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا.

فوجّهه به فأتاه جبرئيل فقال: يا محمّد لا يوءدّي عنك الاّ أنت أو رجل منك.

فأنبأني النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بذلك، ووجّهني بكتابه ورسالته إلى أهل مكّة، وأهلها من قد عرفتم وليس أحد منهم الاّ ولو قدر أن يضع كل جبل مني اربا لفعل، ولو أن يبذل في ذلك نفسه وأهله وولده وماله، فبلّغتهم رسالة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقرأت عليهم كتابه، فكلهم يلقاني بالتهديد والوعيد، ويبدي لي البغضاء، ويظهر الشحناء، من رجالهم ونسائهم، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم.

ثم التفت عليه‌السلام إلى أصحابه فقال: أليس كذلك قالوا: بلى...(1).

وعن الشعبي في وفود ام الخير بنت حريش على معاوية وسوءال معاوية أصحابه عن كلامها في صفين فذكر له بعضهم كلامها، ومن جملته «فإلى أين تريدون رحمكم اللّه عن ابن عم رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وصهره، وأبي سبطيه، خلق من طينته، وتفرّع من نبعته، وخصّه بسّره، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين، وها هو ذا مفلّق الهام، ومكسّر الأصنام، صلّى، والناس مشركون، وأطاع، والناس كارهون. فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وهزم الأحزاب، وقتل اللّه به أهل خيبر، وفرّق به جمع هوازن، فيا لها من وقائع زرعت في قلوب نفاقا وردّة وشقاقا، وزادت الموءمنين ايمانا»...(2).

وفي قصة منع أبي بكر فدك من فاطمة عليها السلام «لاثت خمارها(3)على رأسها، وأقبلت في لمة من حفدتها(4)تطأ ذيولها، ما تخرم من مشية رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله .


1) الخصال: 366/2 - 370، ح58؛ بحار الأنوار 38/ 168 - 172، ح1

2) العقد الفريد: 355/1

3) اللوث عصب العمامة والخمار ما يستر به الإنسان وفي نسخة واشتملت بجلبابها

4) اللمة الصاحب أو الأصحاب في السفر والموءنس للواحد والجمع والحفدة أبناء الابن.

شيئا حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد(1)من المهاجرين والأنصار، فنيطت(2)دونها ملاءة. ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء، وارتجّ المجلس. فأمهلت حتى سكن نشيج(3)القوم، وهدأت فورتهم. فافتتحت الكلام بحمد اللّه والثناء عليه والصلاة على رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فعاد القوم في بكائهم. فلما أمسكوا عادت في كلامها. فقالت: «لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُوءْمِنِينَ رَوءُفٌ رَحِيمٌ»(4). فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم وأخا ابن عمّي دون رجالكم فبلّغ النذارة(5)صادعا بالرسالة، مائلا على مدرجة(6)المشركين ضاربا لثجهم، آخذا بكظمهم. يهشم الأصنام، وينكت الهام(7)حتّى هزم الجمع وولّوا الدبر، وتغرى الليل عن صبحه(8)، واسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، و خرست شقاشق(9)الشياطين وكنتم على شفا حفرة .


1) جماعة

2) علقت

3) من نشج الباكي غص بالبكاء في حلقه ويروى فأمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم إلخ

4) التوبة: 128

5) الانذار من أنذره حذره وخوفه في إبلاغه وصادعا أي مجاهرا

6) المدرج المسلك

7) الثبج وسط الشيء ومعظمه وما بين الكاهل إلى الظهر والكظم مخرج النفس أو الفم وينكث يروى في نسخة ويجذ والجذ القطع المستأصل وتروى هذه الجملة في نسخة هكذا «ضاربا لثبجهم يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة آخذا بأكظام المشركين يهشم الأصنام ويفلق الهام» وقولها على الرواية الأولى ينكث الهام لعله ينكس الهام من نكسه قلبه على رأسه

8) أي أسفر

9) الشقاشق: شقشقة، شيء كالرئة يخرجه البعير من فمه إذا هاج ويروى وتمت كلمة الإخلاص.

من النار، مذقة الشارب ونهزة الطامع وقبسة العجلان(1)وموطئ الأقدام، تشربون(2)الطرق وتقتاتون الورق أذلة خاشعين(3)تخافون ان يتخطّفكم الناس من حولكم. فأنقذكم اللّه برسوله صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بعد اللتيا والتي، وبعد ما مني بهم الرجال وذوءبان العرب ومردة أهل الكتاب، كلما حشوا نارا للحرب اطفأها، ونجم قرن للضلال، وفغرت فاغرة من المشركين، قذف بأخيه في لهواتها، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بحدّه، مكدودا في ذات اللّه قريبا من رسول اللّه سيّدا في أولياء اللّه، وأنتم في بلهنية وادعون آمنون...(4).

وقال محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد في ذكر غزوات النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : وأنّ الفتح فيها كان على يد أمير الموءمنين عليه‌السلام - غزاة بدر أول حرب كان به الامتحان، وملأت رهبة صدور المعدودين من المسلمين في الشجعان، وراموا التأخر عنها لخوفهم منها، وكراهتهم لها على ما جاء به محكم الذكر في التبيان حيث يقول جل اسمه: «كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُوءْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ»(5)، (6)- إلى أن قال: ولم يزل أمير الموءمنين عليه‌السلام يقتل واحدا بعد واحد حتّى أتى على شطر المقتولين، وكانوا سبعين رجلا، تولّى كافة من حضر بدرا من المسلمين مع ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشطر منهم، وتولّى أمير الموءمنين عليه‌السلام قتل.


1) المذقة الجرعة والنهزة الفرصة والقبسة ما تقبضه بيدك، تريد أنّهم كانوا ضعافا مهانين يتخطفهم الناس

2) الطرق الماء الذي خاضته الإبل وبالت فيه ويروى تقتاتون القد

3) خاسئين

4) بلاغات النساء: 23

5) الأنفال: 5 - 6

6) الإرشاد: 67/1 وبحار: 274/19، ح15.

الشطر الآخر وحده بمعونة اللّه تعالى له وتأييده وتوفيقه ونصره، وكان الفتح له بذلك على يديه، وقد أثبتت رواة العامة والخاصة أسماء الّذين تولّى عليه‌السلام قتلهم على اتفاق في ما نقلوه فكان ممّن سمّوه:

1 - الوليد بن عتبة، وكان شجاعا جريئا وقاحا فاتكا تهابه الرجال.

2 - العاص بن سعيد وكان هولا عظيما تهابه الأبطال، وهو الّذي حاد عنه عمر.

3 - طعيمة بن عدي بن نوفل، وكان من رءوس أهل الضلال.

4 - نوفل بن خويلد، وكان من أشد المشركين عداوة للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، وكانت قريش تقدّمه وتعظّمه وتطيعه، وهو الّذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بمكة وأوثقهما بحبل وعذّبهما يوما إلى اللّيل حتى سئل في أمرهما، ولمّا عرف النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حضوره بدرا سأل اللّه تعالى أن يكفيه أمره فقال: اللّهمّ اكفني نوفل بن خويلد. فقتله أمير الموءمنين.

5 - زمعة بن الأسود.

6 - عقيل بن الأسود.

7 - الحارث بن زمعة.

8 - النضر بن الحارث بن عبدالدار.

9 - عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة.

10 و11 - عثمان ومالك ابنا عبيد اللّه، أخوا طلحة.

12 - مسعود بن أبي اميّة بن المغيرة.

13 - حنظلة بن أبي سفيان.

14 - عمرو بن مخزوم.

15 - أبو المنذر بن أبي رفاعة.

16 - منبه بن الحجاج السهمي.

17 - العاص بن المنبه.

18 - علقمة بن كلدة.

19 - أبو العاص بن قيس بن عدي.

20 - معاوية بن المغيرة بن أبي العاص.

21 - لوذان بن ربيعة.

22 - عبداللّه بن المنذر بن أبي رفاعة.

23 - مسعود بن اميّة بن المغيرة.

24 - حاجب بن السائب بن عويمر.

25 - أوس بن المغيرة ابن لوذان.

26 - زيد بن مليص.

27 - عاصم بن أبي عوف.

28 - سعيد ابن وهب حليف بني عامر.

29 - معاوية بن عبدالقيس.

30 - عبداللّه ابن جميل بن زهير بن الحارث بن اسد.

31 - السائب بن مالك.

32 - أبو الحكم بن الاخنس.

33 - هشام بن أبي أميّة بن المغيرة، فذلك ثلاثة وثلاثون رجلا. سوى من

اختلف فيه أو شرك عليه‌السلام فيه غيره، وهم أكثر من شطر المقتولين ببدر(1).

وفي ما صنعه عليه‌السلام ببدر قال اسيد بن أبي إياس يحرّض مشركي قريش عليه:

في كلّ مجمع غاية اخزاكمجذع ابرّ على المذاكى القرّح(2)

للّه درّكم ألمّا تنكروا***قد ينكر الحر الكريم ويستحي

هذا ابن فاطمة الّذي أفناكم***ذبحا وقتلا قعصة(3)لم يذبح(4)

أعطوه خرجا واتّقوا تضريبه***فعل الذليل وبيعة لم تربح

اين الكهول وأين كل دعامة***في المعضلات وأين زين الابطح

افناهم قعصا وضربا يفتري(5)***بالسيف يعمل حدّه لم يصفح(6)،(7)

قال المفيد: ثم تلت بدرا غزاة احد، وكان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر سواء، واختص بحسن البلاء فيها والصبر وثبوت القدم عند ما زلّت من غيره الاقدام، وكان له من العناء بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ما لم يكن لسواه من اهل الإسلام، وقتل اللّه بسيفه رءوس أهل الشرك والضلال، وفرّج اللّه به الكرب عن نبيّه، وخطب.


1) الإرشاد: 69/1؛ بحار الأنوار 276/19

2) الجذع: يقال لولد الحافر في السنة الثالثة. «الصحاح - جذع - 3: 1194». وأبرّ: غلب» القاموس - برر - 1: 384).*** والمذاكي: واحدها مذكّ، وهو من الخيل ابن ست سنين أو سبع» الصحاح - ذكى - 6: 2346).*** والقرّح: واحدها قارح، وهو من الخيل ابن خمس سنين» الصحاح - قرح - 1: 395)

3) القعص: الموت السريع. «الصحاح - قعص - 1053: 3»

4) ذبحا ويمشي سالما لم يذبح (خ ل)

5) يفتري: يقطع. «الصحاح - فرا - 6: 2454»

6) الصفح: الضرب بعرض السيف لا بحده. «انظر الصحاح - صفح - 1: 383»

7) الإرشاد: 72/1؛ بحار الأنوار 282/19، ش 19.

بفضله عليه‌السلام في ذلك المقام جبرئيل عليه‌السلام في ملائكة الأرض والسماء، وأبان نبي الهدى عليه‌السلام من اختصاصه عليه‌السلام به ما كان مستورا عن عامة الناس(1)- إلى أن قال -: قال الراوي للحديث وهو زيد بن وهب: قلت لابن مسعود: انهزم الناس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حتى لم يبق معه إلاّ علي بن أبي طالب، وأبو دجانة وسهل بن حنيف فقال: انهزم الناس إلاّ علي بن أبي طالب وحده، وثاب إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله نفر، و كان أولهم عاصم بن ثابت، وأبو دجانة، وسهل بن حنيف، ولحقهم طلحة ابن عبيد اللّه فقلت له: واين كان أبو بكر وعمر قال: كانا ممّن تنّحى. قلت: وأين كان عثمان قال جاء بعد ثلاثة من الوقعة. فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لقد ذهبت فيها عريضة. فقلت له: واين كنت قال: كنت ممّن تنحّى قلت: إن ثبوت علي عليه‌السلام في ذلك المقام لعجب فقال: إن تعجبت من ذلك فقد تعجّبت منه الملائكة، أما علمت أنّ جبرئيل قال في ذلك اليوم وهو يعرج إلى السماء: لا سيف إلاّ ذو الفقار، ولا فتى إلاّ علي قلت: فمن أين علم ذلك من جبرئيل. فقال: سمع الناس صائحا يصيح في السماء بذلك. فسألوا النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عنه. فقال: ذاك جبرئيل(2).

قال: وروى سلام بن مسكين عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: لو رأيت مقام علي عليه‌السلام يوم أحد لوجدته قائما على ميمنة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يذبّ عنه بالسيف، وقد ولّى غيره الأدبار(3).

قال: وروى محمّد بن مروان عن عمارة عن عكرمة قال: سمعت عليا عليه‌السلام يقول: لمّا انهزم الناس يوم احد عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله - إلى أن قال - فنظر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الى كتيبة قد.


1) الإرشاد: 78/1؛ بحار الأنوار 79/20

2) الإرشاد: 83/1؛ بحار الأنوار 84/20

3) الإرشاد: 88/1؛ بحار الأنوار 87/20.

اقبلت إليه. فقال لي: ردّ عنّي يا علي هذه الكتيبة. فحملت عليها بسيفي اضربها يمينا وشمالا حتّى ولّوا الأدبار. فقال لي النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : اما تسمع مديحك في السماء ان ملكا يقال له رضوان ينادي: «لا سيف إلاّ ذو الفقار ولا فتى إلاّ على» فبكيت سرورا، وحمدت اللّه تعالى على نعمته(1).

قال: وفي حديث عمران بن حصين: لمّا تفرّق الناس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يوم احد جاء علي عليه‌السلام متقلّدا سيفه حتّى قام بين يديه فرفع النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله رأسه اليه فقال له: ما بالك لم تفرّ مع الناس فقال: أرجع كافرا بعد اسلامي فأشار النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله له إلى قوم انحدروا من الجبل. فحمل عليهم فهزمهم. ثم أشار إلى قوم آخرين فحمل عليهم فهزمهم. فجاء جبرئيل عليه‌السلام فقال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لقد عجبت الملائكة وعجبنا معها من حسن مواساة علي عليه‌السلام لك بنفسه. فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : وما يمنعه من هذا وهو منّي وأنا منه. فقال جبرئيل له: وأنا منكما(2).

قال: وقد ذكر أهل السير قتلى احد من المشركين وكان جمهورهم قتلى أمير الموءمنين عليه‌السلام فروى عبدالملك بن هشام عن زياد بن عبداللّه عن محمّد بن إسحاق قال: كان صاحب لواء قريش يوم أحد طلحة بن أبي طلحة من عبدالدار، قتله علي بن أبي طالب، وقتل ابنه أبا سعيد بن طلحة، وقتل أخاه كلدة بن أبي طلحة وقتل عبداللّه بن حميد بن أسد بن عبدالعزى، وقتل ابا الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي، وقتل الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة، وقتل أخاه اميّة بن أبي حذيفة، وقتل أرطاة بن شرحبيل، وقتل هشام بن اميّة، وعمرو بن عبداللّه الجمحي و بشر بن مالك، وقتل ثوابا مولى بني عبدالدار، وكان الفتح له أولا، ورجوع الناس من.


1) الإرشاد: 86/1؛ بحار الأنوار 86/20

2) الإرشاد: 85/1؛ بحار الأنوار 85/20.

هزيمتهم الى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في الآخر بمقامه يذبّ عنه دونهم، وتوجّه العتاب من اللّه تعالى الى كافّتهم بهزيمتهم يومئذ، سواه، ومن ثبت معه من رجال الأنصار، وكانوا ثلاثة، وقيل: أربعة أو خمسة قال: وفي قتله عليه‌السلام من قتل يوم أحد، وعنائه في الحرب، وحسن بلائه، يقول الحجاج بن علاط السلمي:

للّه أيّ مذبّب عن حزبه***أعني ابن فاطم المعمّ المخولا(1)

جادت يداك له بعاجل طعنة***تركت طليحة للجبين مجدلا

وشددت شدة باسل فكشفتهم***بالسفح إذ يهوون أسفل أسفلا

وعللت سيفك بالدماء ولم تكن***لتردّه حرّان حتى ينهلا(2)

قال: ولمّا توجّه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى بني النضير، عمد إلى حصارهم فضرب قبّته في أقصى بني حطمة من البطحاء. فلما جنّ الليل رمى رجل منهم اليهم بسهم فأصاب القبّة، فأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أن يحوّل قبّته الى السفح، وأحاط به المهاجرون والأنصار، فلمّا فقد الظلام فقدوا أمير الموءمنين عليه‌السلام فقالوا للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لا نرى عليا. فقال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : أراه في بعض ما يصلح شأنكم، فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الّذي رمى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله - وكان يقال له عزور - فطرحه بين يدي النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال له: كيف صنعت يا أبا الحسن فقال عليه‌السلام إني رأيت هذا الخبيث جريئا شجاعا فكمنت له وقلت: ما أجرأه ان يخرج إذا اختلط اللّيل يطلب منّا غرّة. فاقبل مصلتا بسيفه في تسعة نفر من اليهود. فشددت عليه، وقتلته. فأفلت أصحابه، ولم يبرحوا قريبا، فابعث معي نفرا فإنّي أرجو أن أظفر بهم، فبعث معه عشرة فيهم أبو دجانة وسهل بن حنيف..


1) المعم المخول: الكثير الأعمام والاخوال والكريمهم. «الصحاح - خول - 5: 1992»

2) الإرشاد: 90/1؛ بحار الأنوار 88/20.

فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن. فقتلوهم وجاءوا برءوسهم إليه. فأمر أن تطرح في بعض آبار بني حطمة، وكان ذلك سبب فتح حصون بني النضير وفي تلك اللّيلة قتل كعب بن أشرف، واصطفى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أموال بني النضير، وكانت أول صافية قسّمها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بين المهاجرين الاوّلين، وأمر عليا عليه‌السلام فحاز ماله منها فجعله صدقة، وكان في يده مدّة حياته عليه‌السلام ثم في يد أمير الموءمنين عليه‌السلام بعده، وهو في يد ولد فاطمة عليهاالسلام حتّى اليوم.

وفي ما كان من أمير الموءمنين عليه‌السلام في هذه الغزاة وقتله اليهودي ومجيئه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله برءوس النفر التسعة، يقول حسان بن ثابت:

للّه أيّ كريهة أبليتها***ببني قريظة والنفوس تطلّع

أودى رئيسهم وآب بتسعة***طورا يشلّهم(1)وطورا يدفع(2)

قال: وكانت غزوة الأحزاب بعد بني النضير، وذلك أنّ جماعة من اليهود، منهم سلام بن أبي الحقيق النضيري، وحيّ بن أخطب، وكنانة بن الربيع، وهوذة بن قيس الوالبي، وأبو عمارة الوالبي في نفر من بني والبة، خرجوا حتّى قدموا مكّة. فصاروا إلى أبي سفيان لعلمهم بعداوته للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وتسرّعه إلى قتاله فذكروا له ما نالهم منه وسألوه المعونة لهم على قتاله.

فقال لهم: أنا لكم حيث تحبّون. فاخرجوا إلى قريش فادعوهم إلى حربه، واضمنوا النصرة لهم والثبوت معهم حتى تستأصلوه، فطافوا على وجوه قريش، ودعوهم الى حرب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقالوا لهم: أيدينا مع أيديكم، و نحن معكم حتى.


1) يشلهم: يطردهم. «الصحاح - شلل - 5: 1737»

2) الإرشاد: 92/1؛ بحار الأنوار 172/20، ح6.

نستأصله ثم خرجوا حتى جاءوا غطفان، وقيس عيلان، فدعوهم الى حربه، وضمنوا لهم النصرة والمعونة، وأخبروهم باتّباع قريش لهم على ذلك، واجتمعوا معهم وخرجت قريش، وقائدها اذ ذاك أبو سفيان، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحرث بن عوف في بني مرّة، ووبرة بن طريف في قومه من أشجع. فلما سمع النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله باجتماع الأحزاب عليه، وقوة عزيمتهم في حربه، استشار أصحابه، فاجتمع رأيهم على المقام بالمدينة، وحرب القوم ان جاءوا إليهم على أنقابها(1)، فأشار سلمان رحمه اللّه على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بالخندق(2)- إلى أن قال - : روى الواقدي عن عبداللّه بن جعفر بن أبي عون عن الزهري قال: جاء عمرو ابن عبدود، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبداللّه بن المغيرة، وضرار بن الخطاب في يوم الخندق فجعلوا يطوفون به يطلبون مضيقا منه فيعبرون، حتى انتهوا الى مكان أكرهوا خيولهم فيه فعبرت، وجعلوا يجيلون خيولهم في ما بين الخندق وسلع، والمسلمون وقوف لا يقدم منهم أحد عليهم. وجعل عمرو بن عبدود يدعو الى البراز ويعرّض بالمسلمين ويقول:

ولقد بححت من النداء***بجمعهم هل من مبارز

و في كل ذلك يقوم علي بن أبي طالب عليه‌السلام ليبارزه فيأمره بالجلوس انتظارا منه ليتحرك غيره، والمسلمون كأنّ على روءوسهم الطير لمكان عمرو بن عبدود، والخوف منه، وممّن معه، ومن وراءه، فلمّا طال نداء عمرو بالبراز، وتتابع قيام علي عليه‌السلام قال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : ادن منّي يا علي. فدنا منه. فنزع عمامته من رأسه،.


1) الأنقاب: جمع نقب، وهو الطريق في الجبل. «الصحاح - نقب - 1: 227»

2) الإرشاد: 94/1؛ بحار الأنوار 250/20، ح19.

وعمّمه بها، وأعطاه سيفه، وقال له: امض لشأنك، ثم قال: اللهم أعنه. فسعى نحو عمرو ومعه جابر الأنصاري لينظر ما يكون منه، ومن عمرو. فلما انتهى عليه‌السلام إليه قال له: يا عمرو انّك كنت في الجاهلية تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث - واللات والعزى - الاّ قبلتها أو واحدة منها قال: أجل، قال: فإني أدعوك إلى شهادة ألاّ اله إلاّ اللّه، وأنّ محمّدا رسوله، وأن تسلم لربّ العالمين. قال: يا ابن أخي أخّر هذه عنّي. فقال عليه‌السلام أما إنّها خير لك لو أخذتها، ثم قال: فهاهنا اخرى. قال: وما هي قال: ترجع من حيث جئت. قال: لا تحدّث نساء قريش بهذا أبدا - قال: - فها هنا اخرى. قال: وما هي قال: فتنزل وتقاتلني.

فضحك عمرو وقال: إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أنّ أحدا من العرب يرومني عليها، إنّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك، وقد كان أبوك لي نديما.

قال عليه‌السلام لكنّي احبّ أن أقتلك، فانزل إن شئت. فاسف(1)عمرو ونزل وضرب وجه فرسه حتى رجع. قال جابر: فثارت بينهما قترة فما رأيتهما فسمعت التكبير تحتها. فعلمت أنّ عليا عليه‌السلام قد قتله. فانكشف أصحابه حتّى طفرت خيولهم الخندق، وتبادر أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم. فوجدوا نوفل بن عبداللّه في جوف الخندق لم ينهض به فرسه.

فجعلوا يرمونه بالحجارة. فقال لهم: قتلة أجمل من هذه، ينزل إليّ بعضكم اقاتله. فنزل إليه أمير الموءمنين عليه‌السلام فضربه حتى قتله، ولحق هبيرة فأعجزه، وسقطت درع كانت له، وفرّ عكرمة، وهرب ضرار بن الخطاب فقال جابر. فما شبّهت قتل علي عليه‌السلام عمرا إلاّ بما قصّ اللّه تعالى من قصّه داود وجالوت حيث يقول.


1) أسف: غضب. «الصحاح - أسف - 4: 1331».

• جلّ شأنه -: «فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللّه‌ِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ»(1).(2)

قال: وقد روى قيس بن الربيع قال: حدّثنا أبو هارون العبدي عن ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له: يا عبداللّه إنّا لنتحدّث عن علي ومناقبه فيقول لنا اهل البصرة: إنّكم لتفرطون في علي، فهل أنت محدّثى بحديث فيه، فقال حذيفة: يا ربيعة وما تسألني عن علي فو الّذي نفسي بيده، لو وضع جميع أعمال أصحاب محمّد في كفّة من الميزان منذ بعث اللّه محمّدا إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل علي عليه‌السلام في الكفة الاخرى لرجح عمل علي عليه‌السلام على جميع أعمالهم. فقال ربيعة: هذا الّذي لا يقام له، ولا يقعد، فقال حذيفة: يا لكع كيف لا تحمل واين كان أبو بكر وعمر وحذيفة، وجميع أصحاب محمّد يوم عمرو بن عبدود، وقد دعا إلى المبارزة. فاحجم الناس كلهم ما خلا عليّا عليه‌السلام فإنّه برز إليه وقتله اللّه على يده، والّذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد إلى يوم القيامة(3).

قال: وروى عمر بن أبي الأزهر عن عمرو بن عبيد عن الحسن، أنّ عليّا عليه‌السلام لمّا قتل عمرو بن عبدود، إحتزّ رأسه وحمله فألقاه بين يدي النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقام أبو بكر وعمر فقبّلا رأس علي عليه‌السلام (4).

وروى علي بن الحكم الأودي قال: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: لقد ضرب علي عليه‌السلام ضربة ما كان في الإسلام أعزّ منها يَعْنِي ضَرْبَةَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُد ، و لقد.


1) البقرة: 251

2) الإرشاد: 100/1؛ بحار الأنوار 254/20

3) الإرشاد: 103/1؛ بحار الأنوار 256/20

4) الإرشاد: 104/1؛ بحار الأنوار 258/20.

ضرب عليه‌السلام ضربة ما ضرب في الإسلام أشأم منها، يعني ضربة ابن ملجم - لعنه اللّه - له.

قال: وفي الأحزاب أنزل تعالى: «إِذْ جاوءُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الاْءَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللّه‌ِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُوءْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللّه‌ُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً»(1)- إلى - «وَكَفَى اللّه‌ُ الْمُوءْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللّه‌ُ قَوِيًّا عَزِيزاً»(2)فتوجّه العتب إليهم، والتوبيخ والتقريع، ولم ينج من ذلك أحد بالاتّفاق إلاّ أمير الموءمنين عليه‌السلام اذ كان الفتح له وعلى يديه، وكان قتله عليه‌السلام عمرا، ونوفل بن عبداللّه سبب هزيمة المشركين. وقال النبي صلّى اللّه عليه و آله وسلم بعد قتله عليه‌السلام هوءلاء: الآن نغزوهم ولا يغزونا(3).

قال: وقد روى يوسف بن كليب، عن سفيان بن زيد، عن قرة وغيره، عن عبداللّه بن مسعود انه كان يقرأ وَكَفَى اللّه‌ُ الْمُوءْمِنِينَ الْقِتالَ بعلى وَكانَ اللّه‌ُ قَوِيًّا عَزِيزاً وفي قتل عمرو بن عبدود يقول حسّان بن ثابت:

امسى الفتى عمرو بن عبديبتغي***بجنوب يثرب غارة لم تنظر

ولقد وجدت سيوفنا مشهورة***و لقد وجدت جيادنا لم تقصر

ويقال: انه لمّا بلغ شعر حسّان، بني عامر أجابه فتى منهم. فقال: يردّ عليه في افتخاره بالأنصار:

كذبتم وبيت اللّه لا تقتلوننا***و لكن بسيف الهاشميين فافخروا .


1) الاحزاب: 10 - 12

2) الأحزاب: 25

3) الإرشاد: 105/1؛ بحار الأنوار: 258/20.

بسيف ابن عبداللّه أحمد في الوغى***بكفّ علي نلتم ذاك فاقصروا

ولم تقتلوا عمرو بن عبدببأسكم***و لكنه الكفو الهزبر الغضنفر

علي الّذي في الفخر طال بناوءه***و لا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا

ببدر خرجتم للبراز فردّكم***شيوخ قريش جهرة وتأخّروا

إلى أن قال:

فجال علي جولة هاشمية***فدمّرهم لمّا عتوا وتكبّروا

فليس لكم فخر علينا بغيرنا***و ليس لكم فخر يعدّ ويذكر

وقالت اخته:

فاذهب علي فما ظفرت بمثله***قول سديد ليس فيه تحامل

والثأر عندي يا علي فليتني***أدركته والعقل منّي كامل

ذلّت قريش بعد مقتل فارس***فالذّلّ مهلكها وخزي شامل

ثم قالت: واللّه لا ثارت قريش بأخي ما حنّت النيب(1)،(2).

قال: ولما انهزم الأحزاب، وولّوا عن المسلمين الدبر، عمد النبي صلّى اللّه عليه و آله وسلم على قصد بني قريظة، وأنفذ إليهم أمير الموءمنين عليه‌السلام في ثلاثين من الخزرج - إلى أن قال - قال عليه‌السلام وسرت حتى دنوت من سورهم. فاشرفوا علي. فلمّا رأوني صاح صائح منهم قد جاءكم قاتل عمرو، وقال آخر: قد أقبل إليكم قاتل عمرو، وجعل بعضهم يصيح ببعض ويقولون ذلك، وألقى اللّه في قلوبهم الرعب، وسمعت راجزا يرتجز: .


1) جمع ناب وهو الإبل المسنّة

2) الإرشاد: 106/1 - 109؛ بحار الأنوار 258/20 - 261.

قتل علي عمرا***صاد علي صقرا

قصم علي ظهرا***أبرم علي أمرا

هتك علي سرّا

فقلت: الحمد للّه الّذي أظهر الإسلام، وقمع الشرك - إلى أن قال - فأقام النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله اصرا لهم خمسا وعشرين حتّى سألوه النزول على حكم سعد ابن معاذ، فحكم بقتل الرجال، وسبي الذراري والنساء، وقسمة الاموال. فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله «لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة» و أمر بإنزال الرجال منهم، وكانوا تسعمائة، فجيء بهم الى المدينة، وقسّم الاموال، و استرق الذراري والنسوان، ولما جيء بالاسارى إلى المدينة حبسوا في دار من دور بني النجار، وخرج النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى موضع سوق اليوم فخندق فيه خنادق، وحضر أمير الموءمنين عليه‌السلام ، وأمر بهم أن يخرجوا، وتقدم إلى أمير الموءمنين عليه‌السلام أن يضرب أعناقهم في الخندق، فاخرجوا أرسالا، وفيهم حيّ بن أخطب، وكعب بن أسد، وهما اذ ذاك رئيسا القوم - إلى أن قال -: ثم اقيم حيّ بن أخطب بين يدي أمير الموءمنين عليه‌السلام وهو يقول: قتلة شريفة بيد شريف فقال عليه‌السلام إنّ خيار الناس يقتلون شرارهم، وشرارهم يقتلون خيارهم، فالويل لمن قتله الأشراف الأخيار، والسعادة لمن قتله الارذال الكفار. فقال: صدقت، لا تسلبني حلّتي. فقال عليه‌السلام هي أهون علي من ذاك. فقال: سترتني سترك اللّه، ومدّ عنقه فضربها علي عليه‌السلام ولم يسلبه من بينهم قال: وكان الظفر ببني قريظة، وفتح اللّه على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بأمير الموءمنين عليه‌السلام ما كان من قتله من قتل منهم وما ألقاه اللّه - عزّ وجلّ - في قلوبهم من الرعب، وماثلت هذه الفضيلة ما تقدمها من فضائله عليه‌السلام (1). .


1) الإرشاد: 109/1 - 113؛ بحار الأنوار 261/20 - 264.

قال: وقد كان منه عليه‌السلام في غزوة وادي الرمل، ويقال: ذات السلسلة، ما حفظه العلماء، ودوّنه الفقهاء، ونقله أصحاب الآثار، ورواه نقلة الأخبار، ممّا ينضاف إلى مناقبه عليه‌السلام في الغزوات، ويماثل فضائله في الجهاد، أنّ أصحاب السير ذكروا أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كان ذات يوم جالسا إذ جاء أعرأبي فجثا بين يديه، ثم قال: إنّي جئت لأنصحك. قوم من العرب قد عمدوا على أن يبيّتوك بالمدينة. ووصفهم له، فأمر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بالصلاة جامعة. فاجتمعوا فصعد المنبر وأثنى عليه ثم قال: «أيّها الناس ان هذا عدوّ اللّه وعدوّكم قد أقبل إليكم يزعم أنّه يبيّتكم بالمدينة فمن للوادى» فقام رجل من المهاجرين، فقال: أنا.

فناوله اللواء، وضمّ إليه سبعمائة رجل، وقال له: امض. فمضى فوافى القوم ضحوة. فقالوا: من الرجل قال: رسول للرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إمّا أن تقولوا: لا إله الاّ اللّه، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، أو لأضربنّكم بالسيف. قالوا له: إرجع إلى صاحبك فإنّا في جمع لا تقوم له. فرجع فأخبر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بذلك، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : «من للوادى» فقام رجل آخر من المهاجرين فقال: أنا. فدفع إليه الراية ومضى وعاد لمثل ما عاد صاحبه الأوّل فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله «أين علي بن أبي طالب» فقام عليه‌السلام فقال: أنا ذا قال: «امض الى الوادى» قال: نعم، وكانت له عصابة لا يعتصب بها حتى يبعثه في وجه شديد. فمضى الى منزل فاطمة عليها السلام فالتمس العصابة منها، فقالت: أين تريد وأين بعثك أبي قال: إلى وادي الرمل. فبكت إشفاقا عليه. فدخل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وهي على تلك الحال. فقال لها: «تبكين أ تخافين أن يقتل بعلك كلاّ - إن شاء اللّه تعالى -».

فقال علي عليه‌السلام للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لا تنفس(1)على بالجنّة، ثم خرج ومعه لواء النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فمضى حتّى وافى القوم بسحر. فأقام حتّى أصبح ثمّ صلّى بأصحابه الغداة وصفّهم صفوفا، واتّكأ على سيفه مقبلا على العدو. فقال: يا هوءلاء أنا رسول رسول اللّه إليكم أن تقولوا لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا عبده ورسوله أو لأضربنّكم بالسيف. قالوا له: إرجع كما رجع صاحباك. قال: أنا لا أرجع. لا واللّه حتّى تسلموا أو أضربكم بسيفي هذا، أنا علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب. فاضطرب القوم لمّا عرفوه ثم اجترءوا على مواقعته. فواقعهم فقتل منهم ستّة أو سبعة، وانهزم المشركون وظفر المسلمون وحازوا الغنائم، وتوجّه عليه‌السلام إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله

فروي عن ام سلمة قالت: كان النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قائلا(2)في بيتي إذ انتبه فزعا من منامه فقلت له: اللّه جارك قال: صدقت، اللّه جاري، لكن هذا جبرئيل يخبرني انّ عليا قادم. ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليا عليه‌السلام فقام المسلمون له صفّين مع النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فلما بصر عليه‌السلام بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ترجل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبّلهما فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله اركب فإن اللّه تعالى ورسوله عنك راضيان، فبكى عليه‌السلام وتسلّم المسلمون الغنائم. فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لبعض من كان معه في الجيش: كيف رأيتم أميركم قالوا: لم ننكر منه شيئا إلاّ أنّه لم يوءمّ بنا في صلاة إلاّ قرأ بنا فيها ب قُلْ هُوَ اللّه‌ُ أَحَدٌ فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله سأسأله عن ذلك. فلمّا جاءه قال له: لم لم تقرأ بهم في فرائضك إلاّ بسورة الإخلاص فقال عليه‌السلام أحببتها. قال النبي صلّى اللّه عليه و آله وسلم: فإنّ اللّه قد أحبّك كما أحببتها. ثم قال له: يا علي لو لا اشفق ان تقول فيك.


1) لا تنفس: لا تبخل: «النهاية 5: 97»

2) قائلا: من القيلولة، وهي نومة نصف النهار. «مجمع البحرين - قيل - 459 : 5».

طوائف من امّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمرّ بملأ منهم الاّ اخذوا التراب من تحت قدميك.

قال: فكان الفتح في هذه الغزاة لأمير الموءمنين عليه‌السلام خاصّة بعد ان كان من غيره فيها من الافساد ما كان، واختصّ عليه‌السلام من مديح النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بها بفضائل لم يحصل منها شيء لغيره.

قال: وقد ذكر كثير من أصحاب السير أنّ في هذه الغزاة نزل على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله «وَالْعادِياتِ ضَبْحاً»(1)إلى آخر السورة فتضمنت ذكر الحال في ما فعله أمير الموءمنين عليه‌السلام فيها(2).

قال: ثم كان من بلائه عليه‌السلام ببني المصطلق ما اشتهر عند العلماء، وكان الفتح له في هذه الغزاة بعد أن اصيب يومئذ ناس من بني عبدالمطلب، وقتل عليه‌السلام رجلين من القوم وهما مالك وابنه، وأصاب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله منهم سبيا كثيرا وقسّمه في المسلمين، وكان ممّن اصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت حارث، فأعتقها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وجعلها في جملة أزواجه(3).

قال: ثم تلا ببني المصطلق الحديبيّة، وكان اللواء يومئذ إلى أمير الموءمنين عليه‌السلام كما كان إليه في المشاهد قبلها، وكان من بلائه في ذلك اليوم عند صفّ القوم في الحرب والقتال ما ظهر خبره، واستفاض ذكره، وذلك بعد البيعة التي أخذها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على أصحابه والعهود اليهم في الصبر، وكان أمير الموءمنين عليه‌السلام المبايع.


1) العاديات: 1

2) الإرشاد: 114/1 - 117؛ بحار الأنوار 80/21 - 82

3) الإرشاد: 118/1؛ بحار الأنوار 289/20، ش 2.

للنساء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وكانت بيعته لهن يومئذ أن طرح ثوبا بينهن وبينه ثم مسحه بيده فكانت مبايعتهن للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بمسح الثوب، والنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يمسح ثوب علي عليه‌السلام مما يليه، ولما رأى سهيل بن عمرو توجه الأمر عليهم، ضرع إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في الصلح، ونزل عليه الوحي بالاجابة إلى ذلك، وأن يجعل أمير الموءمنين عليه‌السلام كاتبه يومئذ والمتولي لعقد الصلح بخطه. فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله له عليه‌السلام اكتب «بسم اللّه الرحمن الرحيم» فقال سهيل: وهذا الكتاب بيننا وبينك يا محمّد. فافتتحه بما نعرفه، واكتب «باسمك اللهم» فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله له: امح ما كتبت و اكتب «باسمك اللهم» فقال عليه‌السلام لو لا طاعتك ما محوت «بسم اللّه الرحمن الرحيم» ثم محاها وكتب باسمك اللهم.

فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : اكتب «هذا ما قاضى عليه محمّد رسول اللّه سهيل بن عمرو» فقال سهيل: لو أجبتك في الكتاب الّذي بيننا إلى هذا لأقررت لك بالنبوّة فسواء شهدت على نفسي بالرضا بذلك أو أطلقته من لساني، امح هذا الاسم واكتب: «هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبداللّه» فقال له علي عليه‌السلام إنّه واللّه رسول اللّه حقّا على رغم أنفك. فقال سهيل: اكتب اسمه يمضى الشرط فقال عليه‌السلام ويلك يا سهيل كفّ عن عنادك.

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لعلي عليه‌السلام أمحها. فقال: إنّ يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوّة. قال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : فضع يدي عليها. فمحاها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بيده وقال لعلي عليه‌السلام «ستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض» ثمّ تمّم الكتاب. ولمّا تمّ الصلح نحر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله هديه في مكانه فكان نظام تدبير هذه الغزاة متعلقا بأمير الموءمنين عليه‌السلام وكان ما جرى فيها من البيعة، وصفّ الناس للحرب ثم الهدنة والكتاب كلّه لأمير الموءمنين عليه‌السلام وكان في ما هيّأه اللّه له من ذلك حقن الدماء، وصلاح أمر الإسلام.

قال: وقد روى الناس له عليه‌السلام في هذه الغزاة - بعد الّذي ذكرناه - فضيلتين اختص بهما وانضافتا إلى فضائله العظام، ومناقبه الجسام(1).

فروى إبراهيم بن عمر، عن رجاله، عن فائد مولى عبداللّه بن سالم قال: لمّا خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في غزوة الحديبية نزل الجحفة، فلم يجد فيها ماء، فبعث سعد بن مالك بالروايا حتى اذا كان غير بعيد رجع وقال: ما أستطيع أن أمضي لقد وقفت قدماي رعبا من القوم. فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : اجلس، ثم بعث آخر.

فخرج بها حتى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الاوّل رجع، فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لم رجعت؟ قال: والّذي بعثك بالحق نبيّا ما استطعت أن أمضى رعبا، فدعا النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أمير الموءمنين عليه‌السلام فارسله بها، وخرج السقاة، وهم لا يشكّون في رجوعه لما رأوا من جزع من تقدمه. فخرج عليه‌السلام بالرّوايا حتى ورد الحرار واستقى. ثم أقبل بها إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ولها زجل، فلما دخل كبّر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ودعا له بخير.

قال: وفي هذه الغزاة أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: يا محمّد إنّ أرقّائنا لحقوا بك فارددهم علينا، فغضب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حتّى تبين الغضب في وجهه ثم قال: لتنتهينّ يا معشر قريش أو ليبعثنّ اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالايمان يضرب رقابكم على الدين.

فقال بعض من حضر: أبو بكر ذلك الرجل قال: لا، قال: فعمر قال: لا.

و لكنّه خاصف النعل في الحجرة، فتبادر الناس الى الحجرة ينظرون من الرجل. فإذا هو علي بن أبي طالب عليه‌السلام

قال: وقد روى هذا الحديث جماعة عن أمير الموءمنين عليه‌السلام وقالوا فيه: إنّ


1) الإرشاد: 119/1 - 121؛ بحار الأنوار 20/ 358 - 359.

عليا عليه‌السلام قصّ هذه القصة ثم قال: سمعت النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقول «من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار» وكان الّذي أصلحه عليه‌السلام من نعل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله شسعها(1)فإنّه كان انقطع فخصف موضعه وأصلحه(2).

قال: ثم تلت الحديبية خيبر وكان الفتح فيها لأمير الموءمنين عليه‌السلام بلا ارتياب، وظهر من فضله في هذه الغزاة ما أجمع على نقله الرواة، وتفرد عليه‌السلام فيها من المناقب بما لم يشركه فيها أحد من الناس. فروى محمّد بن يحيى الأزدي عن مسعدة بن اليسع، وعبداللّه بن عبدالرحيم عن عبدالملك بن هشام ومحمّد بن إسحاق، وغيرهما من أصحاب الآثار، قالوا: حاصر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله خيبر بضعا وعشرين ليلة، وكانت الراية يومئذ لأمير الموءمنين عليه‌السلام فلحقه رمد فمنعه من الحرب وكان المسلمون يناوشون اليهود من بين أيدي حصونهم، وجنباتها، فلما كان ذات يوم فتحوا الباب وكانوا خندقوا على أنفسهم خندقا، وخرج مرحب برجله يتعرض للحرب. فدعا النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أبا بكر.

فقال له: خذ الراية. فأخذها في جمع من المهاجرين فلم يغن شيئا، فعاد يوءنّب القوم الّذين اتبعوه ويوءنّبونه، فلما كان من الغد تعرّض لها عمر فسار بها غير بعيد ثم رجع يجبّن أصحابه ويجبّنونه فقال: ليست هذه الراية لمن حملها جيئوني بعلي بن أبي طالب. فقيل له: انه ارمد قال: ارونيه تروني رجلا يحبّ اللّه ورسوله ويحبّه اللّه ورسوله يأخذها بحقّها ليس بفرّار فجاءوا بعليّ عليه‌السلام يقودونه إليه فقال له: ما تشتكي قال: رمد ما ابصر معه، وصداع برأسي. .


1) شسع النعل: ما يدخل بين الاصبعين في النعل العربي ممتدّا على ظهر القدم

2) الإرشاد: 121/1 - 123؛ بحار الأنوار 359/20 - 361.

فقال له عليه‌السلام اجلس وضع رأسك على فخذي ففعل عليه‌السلام ذلك. فدعا النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فتفل في يده فمسح بها على عينه ورأسه. فانفتحت عيناه، وسكن ما يجده من الصداع وقال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في دعائه له: اللهمّ قه الحر والبرد، وأعطاه الراية وكانت راية بيضاء وقال: خذها وامض بها فجبرئيل معك، والنصر أمامك، والرعب مبثوث في صدور القوم، واعلم انهم يجدون في كتابهم أنّ الّذي يدمّر عليهم، اسمه إيليا فإذا لقيتهم فقل: أنا علي فإنّهم يخذلون إن شاء اللّه تعالى قال عليه‌السلام فمضيت بها حتّى أتيت الحصن فخرج مرحب، وعليه مغفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:

قد علمت خيبر أني مرحب***شاكي السلاح بطل مجرب

فقلت:

أنا الذي سمتني امّي حيدرة***كليث غابات شديد قسورة

اكيلكم بالسيف كيل السندرة

و اختلفنا ضربتين فبدرته وضربته. فقددت الحجر والمغفر ورأسه حتّى وقع السيف في أضراسه فخرّ صريعا.

قال: وجاء في الحديث انّه عليه‌السلام لما قال: أنا علي بن أبي طالب قال حبر من أحبارهم: غلبتم وما انزل على موسى. فدخل على قلوبهم من الرعب ما لم يمكنهم معه الاستيطان به، ولما قتل عليه‌السلام مرحبا رجع من كان معه وأغلقوا باب الحصن عليهم دونه عليه‌السلام فصار إليه، فعالجه حتّى فتحه وأكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه، فأخذ عليه‌السلام باب الحصن، فجعله على الخندق جسرا لهم حتّى عبروا، فظفروا بالحصن ونالوا الغنائم، فلمّا انصرفوا من الحصن أخذ الباب بيمناه. فدحا

به اذرعا من الأرض وكان الباب يغلقه عشرون رجلا، ولما فتح عليه‌السلام الحصن، وقتل مرحبا، وأغنم اللّه المسلمين أموالهم استأذن حسّان النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أن يقول فيه عليه‌السلام شعرا فقال له: قل، فانشأ يقول:

و كان علي أرمد العين يبتغي***دواء فلما لم يحسّ مداويا

شفاه رسول اللّه منه بتفلة***فبورك مرقيا وبورك راقيا

وقال ساعطي الراية اليوم صارما***كميّا محبّا للرسول مواليا

يحبّ إلهي والإله يحبّه***به يفتح اللّه الحصون الأوابيا

فأصفى بها دون البرية كلها***عليّا وسمّاه الوزير الموءاخيا(1)

و لبروز تلك القوة الإلهية منه عليه‌السلام في خيبر ضلّ فيه جمع. فزعموا إلهيته. قال شاعرهم:

إنّما خالق الخلائق من زع***زع أركان خيبر جذبا

قد رضينا به إلها وسجد***نا له مولى وربّا(2)

قال: ثم تلا غزاة خيبر مواقف لم تجر مجرى ما تقدمها فنعمد لذكرها وأكثرها كان بعوثا لم يشهدها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، ولا كان الاهتمام بها كالاهتمام بما سلف لضعف العدو، وغناء بعض المسلمين عن غيرهم فيها فأضربنا عن تعدادها وان كان لأمير الموءمنين عليه‌السلام في جميعها حظ وافر من قول او عمل.

قال: ثم كانت غزوة الفتح، وهي التي وطّدت (توطّأ خ ل) أمر الإسلام، ومهّدت الدين بما منّ اللّه سبحانه على نبيّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فيها، وكان الوعد بها تقدم في قوله تعالى:


1) الإرشاد: 124/1 - 128؛ بحار الأنوار 14/21 - 14، ش 11

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 13/10.

«إِذا جاءَ نَصْرُ اللّه‌ِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللّه‌ِ أَفْواجاً» وقوله - عزّ وجلّ - قبلها بمدة طويلة «لَقَدْ صَدَقَ اللّه‌ُ رَسُولَهُ الرُّوءْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّه‌ُ آمِنِينَ» وكانت الاعين اليها ممتدة، والرقاب إليها متطاولة، ودبّر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الأمر فيها بكتمان مسيره إلى مكّة، وسرّ عزيمته عن مراده بأهلها، وسأل اللّه تعالى أن يطوي خبره عن أهلها حتى يبغتهم بدخولها، وكان الموءتمن على هذا السرّ من بين الجماعة أمير الموءمنين عليه‌السلام وكان الشريك للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في الرأي ثم أنماه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى جماعة بعد، واستتبّ الأمر فيه على أحوال كان أمير الموءمنين عليه‌السلام في جميعها متفرّدا من الفضل بما لم يشركه فيه غيره من الناس.

قال: فمن ذلك أنه لمّا كتب حاطب بن أبي بلتعة وكان من أهل مكّة، وقد شهد بدرا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كتابا إلى أهل مكّة يطلعهم على سرّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في المسير إليهم. فجاء الوحي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بما صنع، وبنفوذ كتاب حاطب إلى القوم، تلافى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ذلك بأمير الموءمنين عليه‌السلام ولو لم يتلافه به لفسد التدبير الّذي بتمامه كان نصر المسلمين(1).

قال: ولما دخل أبو سفيان المدينة لتجديد العهد بينه وبين قريش عند ما كان من بني بكر في خزاعة، وقتلهم من قتلوا منها فقصد أبو سفيان ليتلافى الفارط من القوم، وقد خاف من نصرة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لهم، وأشفق مما حلّ بهم يوم الفتح فأتى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، وكلّمه في ذلك. فلم يردّ عليه جوابا. فقام من عنده فلقيه أبو بكر فتشبث به، فظن انه يوصله إلى بغيته من النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله .

فقال: ما أنا بفاعل ذلك لعلمه بأنّ سوءاله في ذلك لا يغني شيئا. فظنّ أبو سفيان


1) الإرشاد: 129/1 - 131.

بعمر ما ظنه بأبي بكر فكلّمه في ذلك. فدفعه بغلظة وفظاظة كاد أن يفسد الرأي على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله . فعدل إلى بيت أمير الموءمنين عليه‌السلام فاستأذن عليه فأذن له وعنده فاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام . فقال له: إنّك امسّ القوم بي رحما، وأقربهم منّي قرابة. فلا ارجعن كما جئت خائبا اشفع لى في ما قصدته. فقال له عليه‌السلام ويحك يا أبا سفيان لقد عزم النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على أمر لا نستطيع أن نكلّمه فيه.

فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة عليها السلام فقال: يا بنت محمد هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيرا بين الناس. فيكونا سيدي العرب إلى آخر الدهر. فقالت: ما بلغ بنيّاي أن يجيرا بين الناس، وما يجير أحد على رسول اللّه، فتحيّر أبو سفيان وسقط في يديه.

ثم أقبل على أمير الموءمنين فقال له: أرى الامور التبست علي فانصح لي فقال عليه‌السلام له: ما أرى شيئا يغني عنك ولكنّك سيّد بني كنانة، قم واجر بين الناس ثم الحق بارضك. قال: فترى ذلك مغنيا عنّي شيئا قال: لا واللّه، ما أظن ولكن ما أجد غير ذلك.

فقام أبو سفيان في المسجد. فقال: أيّها الناس إنّي قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره وانطلق فلمّا قدم على قريش قالوا: ما وراءك قال: جئت محمّدا فكلّمته فو اللّه ما ردّ علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة، فلم أجد فيه خيرا، ثم لقيت ابن الخطاب فوجدته فظّا غليظا لا خير فيه، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم لي، وأشار علي بشيء فصنعته. فو اللّه ما أدرى يغني عنّي شيئا أم لا.

قالوا: بما أمرك قال: أمرني أن اجير بين الناس ففعلت. فقالوا: هل أجاز ذلك محمّد قال: لا. قالوا: ويلك فو اللّه ما زاد الرجل على أن لعب بك، فما يغني عنك.

فقال أبو سفيان: لا. واللّه ما وجدت غير ذلك، وكان الّذي فعله أمير الموءمنين عليه‌السلام من أصوب رأى لتمام أمر المسلمين، وأصحّ تدبير، وتمّ به للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في القوم ما تم، ألا ترى أنه عليه‌السلام صدق أبا سفيان عن الحال ثم لان له بعض اللين حتّى خرج عن المدينة، وهو يظنّ أنّه على شيء فانقطع بخروجه على تلك الحال موادّ كيده الّتي كان يتشعث بها الأمر على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، وذلك انّه لو خرج آيسا حسب ما آيسه الرجلان لتجدد للقوم من الرأي في حربه عليه‌السلام والتحرز منه ما لم يخطر لهم ببال مع مجيء أبي سفيان إليهم بما جاء اذ كان يقيم بالمدينة على التمحّل لتمام مراده بالاستشفاع إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فيتجدّد بذلك أمر يصدّه عن قصد قريش أو يثبّطه عنهم تثبيطا يفوته معه المراد، وكان التوفيق من اللّه تعالى لرأي أمير الموءمنين عليه‌السلام في ما رآه من تدبير الأمر مع أبي سفيان حتّى انتظم بذلك للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من فتح مكّة ما أراد(1).

قال: ولمّا أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله سعد بن عبادة بدخول مكّة بالراية غلظ على القوم وأظهر ما في نفسه من الحنق عليهم، فدخل وهو يقول «اليوم يوم الملحمة. اليوم تسبى الحرمة» فسمعها العباس. فقال للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : أما تسمع ما يقول سعد بن عبادة، وإنّي لا آمن أن يكون له في قريش صولة.

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لأمير الموءمنين عليه‌السلام أدرك سعدا فخذ الراية منه، وكن أنت الّذي تدخل بها مكّة. فأدركه عليه‌السلام فأخذها منه ولم يمتنع عليه سعد من دفعها إليه، وكان تلافي الفارط من سعد في هذا الأمر بأمير الموءمنين عليه‌السلام ولم ير النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أحدا من المهاجرين و الأنصار يصلح لأخذ الراية من سيد الأنصار سواه عليه‌السلام وعلم أنّه لو رام.


1) الإرشاد: 132/1 - 134؛ بحار الأنوار 76/22 - 78، ش 29.

ذلك غيره لامتنع سعد عليه، وكان في امتناعه فساد التدبير واختلاف الكلمة بين الأنصار والمهاجرين، ولمّا لم يكن سعد يخفض جناحه لأحد من المسلمين وكافة الناس سوى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، ولم يكن وجه الرأي توليه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أخذ الراية منه بنفسه، ولّى ذلك من يقوم مقامه ولا يتميز عنه، ولا يعظم أحد من المقرين بالملة عن الطاعة له، ولا يراه دونه في الرتبة، وفي هذا من الفضل الّذي يخصّصه بالنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ما لم يشركه فيه أحد، ولا ساواه في نظير له مساو، وكان علم اللّه تعالى ورسوله في تمام المصلحة بإنفاذ أمير الموءمنين عليه‌السلام دون غيره ما كشف به عن اصطفائه لجسيم الامور، كما كان علم اللّه تعالى في من اختاره للنبوّة، وكمال المصلحة ببعثه، كاشفا عن كونه أفضل الخلق أجمعين(1).

ثم ذكر فتح مكّة وما وقع وقال: وفي ما ذكرنا من أعمال أمير الموءمنين عليه‌السلام في قتل من قتل من أعداء اللّه بمكّة، وإخافة من أخاف، ومعونته النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على تطهير المسجد من الأصنام، وشدّة بأسه في اللّه، وقطعه الأرحام في اللّه - عزّ وجلّ - أدلّ دليل على تخصيصه من الفضل بما لم يكن لأحد منهم سهم فيه حسبما قدّمناه.

قال: ثم اتّصل بفتح مكّة إنفاذ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ابن عامر - وكانوا بالغميصاء - يدعوهم إلى اللّه، وإنّما أنفذه للترة التي كانت بينه وبينهم، وذلك أنّهم كانوا أصابوا في الجاهلية نسوة من بني المغيرة، و قتلوا الفاكه بن المغيرة عم خالد بن الوليد، وقتلوا عوفا أبا عبدالرحمن بن عوف. فأنفذه لذلك، وأنفذ معه عبدالرحمن بن عوف للترة الّتي كانت بينه وبينهم، ولو لا ذلك لما رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله خالدا أهلا للامارة على المسلمين، وكان من أمره ما قدّم ذكره، فخالف.


1) الإرشاد: 134/1.

عهد اللّه، وعهد رسوله، وعمل فيه على سنّة الجاهلية، واطّرح حكم الإسلام وراء ظهره فبرأ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من صنيعه، وتلافى فارطه بأمير الموءمنين عليه‌السلام (1).

ولمّا أصلح علي عليه‌السلام ما أفسده خالد قال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لما فعلت أحبّ إليّ من حمر النعم، ويومئذ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لعلي عليه‌السلام فداك أبواى(2).

وبعثه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله داعيا ولم يبعثه مقاتلا، فلمّا رأوا خالدا أخذوا السلاح فقال لهم: ضعوا السلاح فإنّ الناس قد أسلموا. فلمّا وضعوه أمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف(3).

ثم ذكر المفيد بعد ما مر، غزوة حنين وقال: خرج النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في عشرة آلاف، وأعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال: «لن نغلب اليوم من قلة» وكان الأمر في ذلك بخلاف ما ظن، وفي ذلك أنزل تعالى: «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الاْءَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللّه‌ُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُوءْمِنِينَ»(4)يعني أمير الموءمنين عليه‌السلام ومن ثبت معه من بني هاشم وهم يومئذ ثمانية(5).

قال: فانظر الى مناقب أمير الموءمنين عليه‌السلام في هذه الغزاة، وتأملها، وفكّر في معانيها تجده عليه‌السلام قد تولّى كل فضل كان فيها، واختصّ من ذلك بما لم يشركه فيه أحد من الامة، وذلك أنّ أمير الموءمنين عليه‌السلام ثبت مع النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عند انهزام الناس كافة الاّ النفر الّذين كان ثبوتهم بثبوته عليه‌السلام وذلك أنّا قد احطنا علما بتقدمه في الشجاعة.


1) الإرشاد: 138/1

2) تاريخ اليعقوبي: 61/2

3) تاريخ الطبري: 341/2، سنة 8

4) التوبة: 25 - 26

5) الإرشاد: 140/1؛ بحار الأنوار 155/21/ش 6.

والبأس، والصبر والنجدة، على العباس وابنه الفضل، وأبي سفيان بن الحرث، والنفر الباقين لظهور أمره في المقامات الّتي لم يحضرها أحد منهم، واشتهار خبره في منازلة الأقران، وقتل الأبطال، ولم يعرف لأحد من هوءلاء مقام من مقاماته، ولا قتيل عزي إليهم بالذكر، فعلم بذلك أنّ ثبوتهم كان به عليه‌السلام ولولاه كانت الجناية على الدين لا تتلافى، وأنّ بمقامه ذلك المقام، وصبره مع النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كان رجوع المسلمين إلى الحرب، وتشجعهم في لقاء العدو.

ثم ما كان من قتله عليه‌السلام أبا جرول متقدم المشركين ما كان هو السبب في هزيمة القوم وظفر المسلمين بهم.

و كان من بلية المتقدم عليه في مقام الخلافة بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ان عان المسلمين باعجابه بالكثرة، وكانت هزيمتهم بسبب ذلك أو كان أحد اسبابها.

ثم ما كان من صاحبه - أي عمر - من قتل الاسرى من القوم، وقد نهى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عن قتلهم، ما ارتكب به عظيم الخلاف للّه تعالى ولرسوله حتى أغضبه ذلك، وآسفه فأنكره وأكبره، وكان من صلاح أمر الأنصار بمعونة أمير الموءمنين عليه‌السلام للنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في جمعهم وخطابهم ما قوي به الدين، وزال به الخوف من الفتنة التي أظلّت القوم بسبب القسمة. فساهم أمير الموءمنين عليه‌السلام النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في فضل ذلك، وشركه فيه دون من سواه، وتولّى من أمر العباس ابن مرداس ما كان سبب استقرار الإيمان في قلبه وزوال الريب في الدين من نفسه، والانقياد إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في الطاعة لأمره، والرضا بحكمه.

ثم جعل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الحكم على المعترض في قضائه علما على حق أمير الموءمنين عليه‌السلام في فعاله، وصوابه في حروبه، ونبّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على وجوب طاعته صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ،

وحظر معصيته، وأنّ الحق في حيّزه وجنبه، وشهد له بأنّه خير الخليقة، وهذا يباين ما كان من خصومة الغاصبين لمقامه من الفعال، ويضادّ ما كانوا عليه من الأعمال، ويخرجهم من الفضل الى النقص الذي يوبق صاحبه أو يكاد، فضلا عن سموّه على أعمال المخلصين في تلك الغزاة، وقربهم بالجهاد الذي تولّوه، فبانوا به ممّن ذكرناه بالتقصير الّذي وصفناه(1).

قال: ولما فضّ اللّه جمع المشركين بحنين تفرقوا فرقتين. فأخذت الأعراب ومن تبعهم إلى أوطاس(2)، وأخذت ثقيف ومن تبعها إلى الطائف - إلى أن قال -: ثم سار النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بنفسه الى الطائف فحاصرهم أيّاما، ثم أنفذ أمير الموءمنين عليه‌السلام في خيل وأمره ان يطأ ما وجد، ويكسر كلّ صنم وجده، فخرج حتّى لقيته خيل خثعم في جمع كثير. فبرز له (لهم) رجل من القوم يقال له شهاب في غبش الصبح فقال له: هل من مبارز فقال عليه‌السلام من له فلم يقم اليه أحد فبرز عليه‌السلام إليه وهو يقول:

ان على كلّ رئيس حقا***أن يروى الصعدة(3)او تدقّا

ثم ضربه فقتله، ومضى في تلك الخيل حتى كسر الأصنام، وعاد إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وهو محاصر أهل الطائف. فلمّا رآه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كبّر للفتح، وأخذ بيده فخلابه، وناجاه طويلا.

فروى عبدالرحمن بن سيابة، والأجلح جميعا عن أبي الزبير عن جابر الأنصاري أن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لمّا خلا بعلي عليه‌السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب. فقال: أ.


1) الإرشاد: 149/1 - 151

2) أوطاس: واد في ديار هوازن كانت فيه وقعة حنين. «معجم البلدان 1: 281»

3) الصعدة: القناة المستوية من منبتها لا تحتاج إلى تعديل. انظر «الصحاح - صعد - 2: 498».

تناجيه دوننا وتخلو به فقال: يا عمر ما أنا انتجيته، بل اللّه انتجاه، فأعرض عمر وهو يقول: هذا كما قلت لنا قبل الحديبية: «لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللّه‌ُ آمِنِينَ»(1)فلم ندخله وصدّونا. فناداه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لم أقل لكم إنّكم تدخلونه في ذلك العام، ثم خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان في خيل من ثقيف فلقيه أمير الموءمنين ببطن وجّ(2)فقتله، وانهزم المشركون، ولحق القوم الرعب. فنزل جماعة منهم الى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فأسلموا. وكان حصار النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الطائف بضعة عشر يوما، وهذه الغزاة أيضا ممّا خصّ اللّه سبحانه فيها أمير الموءمنين عليه‌السلام بما انفرد به من كافة الناس، وكان الفتح فيها على يده وقتل من قتل من خثعم، به دون من سواه، وحصل له من المناجاة الّتي أضافها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى اللّه - عزّ اسمه - ما ظهر به من فضله، وخصوصيته من اللّه تعالى بما بان به من كافة الخلق، وكان من عدوّه فيها ما دلّ على باطنه، وكشف اللّه عن حقيقة سرّه وضميره، وفي ذلك عبرة لاولي الألباب(3).

قال: ثم كانت غزوة تبوك فأوحى اللّه - عزّ اسمه - إلى نبيّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ان يسير إليها بنفسه، ويستنفر الناس للخروج، وأعلمه أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب، ولا يمنى بقتال عدوّ، وأنّ الامور تنقاد له بغير سيف، وتعبّده بامتحان أصحابه بالخروج معه واختبارهم ليتميزوا بذلك، وتظهر به سرائرهم، فاستنفرهم الى بلاد الروم، وقد أينعت ثمارهم، واشتد القيظ عليهم. فأبطأ أكثرهم عن طاعته رغبة في العاجل، وحرصا على المعيشة وإصلاحها، وخوفا من شدة القيظ وبعد المسافة، ولقاء.


1) الفتح: 27

2) وجّ: الطائف. «معجم البلدان 5: 361»

3) الإرشاد: 151/1 - 154؛ بحار الأنوار 162/21 - 164، ش7.

العدو. ثم نهض بعضهم على استثقال وتخلّف آخرون، ولمّا أراد الخروج استخلف أمير الموءمنين عليه‌السلام في أهله وولده وأزواجه ومهاجره وقال له: إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك.

و ذلك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله علم من خبث نيات الأعراب، وكثير من أهل مكّة، ومن حولها ممّن غزاهم، وسفك دماءهم. فأشفق أن يطلبوا المدينة عند نأيه عنها، وحصوله ببلاد الروم أو نحوها، فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه لم يوءمن معرّتهم(1)، وايقاع الفساد في دار هجرته، والتخطّي إلى ما يشين أهله ومخلّفيه، وعلم أنّه لا يقوم مقامه في ارهاب العدو وحراسة دار الهجرة، وحياطة من فيها إلاّ أمير الموءمنين عليه‌السلام فاستخلفه استخلافا ظاهرا، ونصّ عليه بالإمامة نصّا جليا.

و ذلك في ما تظاهرت به الرواية أنّ أهل النفاق لمّا علموا باستخلاف النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله له عليه‌السلام على المدينة حسدوه لذلك، وعظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه، وعلموا أنّها تتحرّس به، ولا يكون فيها للعدوّ مطمع. فساءهم ذلك وكانوا يوءثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الإفساد، والاختلاط عند نأي النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، وخلّوها من مرهوب مخوف يحرسها، وغبطوه على الرفاهية والدعة بمقامه في أهله، وتكلّف من خرج منهم المشاق بالسفر والخطر، فأرجفوا بأمير الموءمنين عليه‌السلام وقالوا: لم يستخلفه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إكراما له وإجلالا ومودّة، وانّما خلّفه استثقالا له. فبهتوه بهذا الإرجاف كبهت قريش للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بالجنّة تارة، وبالشعر اخرى، وبالسحر مرة، وبالكهانة اخرى، وهم يعلمون ضدّ ذلك ونقيضه كما علم المنافقون ضدّ ما.


1) المعرة: المساءة والاذى.

أرجفوا(1)به على أمير الموءمنين وخلافه، وأنّه كان أخصّ الناس به، وأحبّ الناس إليه، وأسعدهم عنده، وأحظاهم وأقضاهم لديه، فلمّا بلغه عليه‌السلام إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم، واظهار فضيحتهم، فلحق بالنبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: إنّ المنافقين يزعمون انّك إنّما خلّفتني استثقالا لي ومقتا. فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : «إرجع يا أخي إلى مكانك، فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك، فأنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي، أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدى».

فتضمن هذا القول من النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله نصه على أمير الموءمنين بالإمامة، وإبانته من الكافة بالخلافة، ودلّ به على فضل لم يشركه فيه أحد سواه، وأوجب له به جميع منازل هارون من موسى إلاّ المستثنى منها لفظا وعقلا.

و قد علم كل من تأمل معانى القرآن، وتصفّح الروايات والأخبار أنّ هارون كان أخا موسى عليه‌السلام لأبيه وامّه وشريكه، ووزيره على نبوّته، وتبليغ رسالات ربّه، وأنّ اللّه سبحانه شدّ به أزره، وأنّه كان خليفته على قومه، وكان له من الإمامة عليهم وفرض الطاعة، كامامته وفرض طاعته، وأنّه كان أحبّ قومه إليه، وأفضلهم لديه قال عزّ وجلّ حاكيا عن موسى: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً»(2). فأجاب اللّه مسألته وأعطاه سوءله في ذلك وامنيته حيث يقول عزّ وجلّ: «قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُوءْلَكَ يا مُوسي»(3)وقال تعالى حاكيا عن موسى عليه‌السلام : «وَقالَ مُوسى لاِءَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي .


1) ارجف: خاض في الأخبار السيئة قصدان يهيج الناس

2) طه: 25 - 34

3) طه: 36.

فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ»(1).

فلمّا جعل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عليا عليه‌السلام منه بمنزلة هارون من موسى أوجب له بذلك جميع ما عددناه إلاّ ما خصّه العرف من الاخوة(2)، و استثناه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فظا من النبوّة، وهذه فضيلة لم يشرك فيها أحد من الخلق أمير الموءمنين عليه‌السلام ولا ساواه في معناه ولا قاربه فيها على حال، ولو علم اللّه تعالى أنّ لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في هذه الغزاة حاجة إلى الحرب لما أذن له في تخليفه عنه بالمدينة حسب ما قدّمناه، بل علم أنّ المصلحة في استخلافه، وأنّ إقامته في دار هجرته مقامه أفضل الأعمال فدبّر اللّه تعالى الخلق والدين بما قضاه في ذلك، وامضاه على ما بيّناه وشرحناه(3).

قال: ولما انصرف النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من تبوك قدم عليه عمرو بن معديكرب.

فآمن به وآمن معه من قومه ناس، ورجعوا إلى قومهم ثم انّ عمرا نظر إلى ابيّ ابن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته ثم جاء به إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: أعدني(4)على هذا الفاجر الذي قتل أبي.

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : «أهدر(5)الإسلام ما كان في الجاهلية» فانصرف عمرو مرتدّا فأغار على قوم من بني الحرث بن كعب، ومضى إلى قومه، فاستدعى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أمير الموءمنين عليه‌السلام وأمّره على المهاجرين، وأنفذه إلى بني زبيد، وأرسل خالد بن.


1) الأعراف: 142

2) وأمّا الأخوة فقد جعل صلى‌الله‌عليه‌و‌آله له مرتين، ونصّ عليه كراراً، فهو أخوه شرعاً وإن لم يكن أباً وأُمّاً

3) الإرشاد: 154/1 - 158؛ بحار الأنوار 207/21 - 210

4) أعدى فلانا على فلان: نصره وأعانه وقواه

5) أبطله وأباحه.

الوليد في طائفة من الأعراب، وأمره أن يعمد لجعفي(1)، وإذا التقيا فأمير الناس علي عليه‌السلام فسار أمير الموءمنين عليه‌السلام واستعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص، و استعمل خالد على مقدمته أبا موسى الأشعري.

فأمّا جعفى فإنّها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين، فذهبت فرقة الى اليمن، وانضمّت الفرقة الاخرى إلى بني زبيد. فبلغ ذلك أمير الموءمنين عليه‌السلام فكتب إلى خالد بن الوليد أن قف حيث أدركك رسولي. فلم يقف. فكتب إلى خالد بن سعيد تعرّض له حتّى تحبسه، فاعترض له حتّى حبسه، وأدركه أمير الموءمنين عليه‌السلام

فعنّفه على خلافه. ثمّ سار حتّى لقي بني زبيد بواد يقال له كسر(2).

فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الأتاوة(3)قال: سيعلم إن لقيني، وخرج عمرو فقال: من يبارز فنهض أمير الموءمنين عليه‌السلام إليه. فصاح به صيحة، فانهزم عمرو وقتل اخوه، وابن أخيه، و اخذت امرأته ركانة بنت سلامة، وسبي منهم نسوان، وانصرف أمير الموءمنين عليه‌السلام وخلّف عليهم خالد بن سعيد ليقبض صدقاتهم، ويوءمّن من عاد إليه من هرّابهم مسلما.

فرجع عمرو واستأذن على خالد، فأذن له. فعاد إلى الإسلام، فكلّمه في امرأته و ولده. فوهبهم له، وقد كان عمرو لمّا وقف بباب خالد، وجد جزورا قد نحرت فجمع قوائمها فضربها بسيفه فقطعها جميعا وكان يسمّى سيفه الصمصامة فوهبه لخالد. .


1) جعفي أبو قبيلة، والقبيلة يقال لها: جعفي، ومن الناس من يظن أنه جعف وهو خطأ. جعفى بن سعد العشيرة: بطن من سعد العشيرة من مذحج من القحطانيّة

2) كشر: بوزن زفر: من نواحي صنعاء اليمن. «معجم البلدان 4: 462». وفي القاموس: كسر بالكسر: قرى كثيرة باليمن

3) الإتاوة: الخراج. «لسان العرب - اتى - 14: 17».

قال: وكان أمير الموءمنين عليه‌السلام قد اصطفى من السبي جارية فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقال له: تقدم الجيش إليه. فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقع فيه، فسار بريدة حتى انتهى إلى باب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله . فلقيه عمر. فسأله عن حال غزوتهم، وعن الّذي أقدمه. فأخبره أنّه إنّما جاء ليقع في علي وذكر له اصطفاء الجارية من الخمس لنفسه. فقال له عمر: امض لما جئت له فإنه سيغضب لابنته ممّا صنع علي. فدخل بريدة على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ومعه كتاب من خالد بن الوليد بما ارسل به بريدة. فجعل النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقرأه ووجهه يتغيّر. فقال له بريدة: انّك إن رخّصت للناس في مثل هذا اذهب فيئهم.

فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : ويحك يا بريدة احدثت نفاقا. إنّ عليّا يحلّ له من الفيء ما يحلّ لي، انّ عليّا خير الناس لك ولقومك، وخير من أخلّف من بعدي لكافة امّتي، يا بريدة احذر أن تبغض عليّا فيبغضك اللّه. قال بريدة: فتمنيت أنّ الأرض انشقت لي فسخت فيها، وقلت: أعوذ باللّه من سخط اللّه، وسخط رسوله، يا رسول اللّه استغفر لي، فلن ابغض عليا أبدا، ولا أقول فيه إلاّ خيرا، فاستغفر له.

قال: وفي هذه الغزاة من المنقبة له عليه‌السلام ما لا يماثلها منقبة لأحد سواه والفتح فيها كان على يديه عليه‌السلام خاصّة، وظهر من فضل أمير الموءمنين عليه‌السلام ومشاركته للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في ما احلّ اللّه له من الفيء واختصاصه من ذلك بما لم يكن لغيره من الناس، وبان من مودّة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله له وتفضيله إيّاه ما كان خفيا على من لا علم له بذلك، وكان من تحذير النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بريدة وغيره من بغضه وعداوته وحثّه له على مودّته وولايته وردّ كيد أعدائه في نحورهم ما دلّ على أنّه افضل البريّة عند اللّه تعالى وعند النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله .

وأحقهم بمقامه بعده وأخصّهم به في نفسه وآثرهم عنده(1).

قال: فمن ذلك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله جمع خاصّة أهله وعشيرته في ابتداء الدعوة إلى الإسلام فعرض عليهم الإيمان، واستنصرهم على أهل الكفر و العدوان، وضمن لهم على ذلك الحظوة في الدنيا والشرف وثواب الجنان، فلم يجبه أحد منهم إلاّ أمير الموءمنين. فنحله بذلك تحقيق الاخوة والوزارة والوراثة والخلافة، وأوجب له به الجنة، وذلك في حديث الدار الّذي أجمع على صحّته نقّاد الآثار حين جمع النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بني عبدالمطّلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا - في ما ذكره الرواة - وأمر أن يصنع لهم طعام، فخذ شاة مع مدّ من برّ، وان يعدّ لهم صاع من اللبن، وقد كان الرجل منهم معروفا بأكل الجذعة في مقام واحد، وبشرب الفرق(2)من الشراب في ذلك المقعد، فأراد النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بإعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم إظهار الآية في شبعهم وريّهم ممّا كان لا يشبع واحدا منهم ولا يرويه، ثمّ أمر النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بتقديمه لهم. فأكلت الجماعة كلها من ذلك اليسير حتى تملّوا منه، ولم يبن ما أكلوه منه وشربوا، فبهرهم بذلك، وبيّن لهم آية نبوّته، وعلامة صدقه ببرهان اللّه تعالى.

ثم قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام ورووا من الشراب: يا بني عبدالمطّلب إنّ اللّه بعثني إلى الخلق كافّة، وبعثني اليكم خاصّة. فقال: «وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الاْءَقْرَبِينَ»(3)وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم، وتدخلون بهما الجنّة، وتنجون بهما من النار «شهادة.


1) الإرشاد: 158 - 162؛ بحار الأنوار 356/21 - 358، ش1

2) الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلا

3) الشعراء: 214.

أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه». فمن يجيبني إلى هذا الأمر، ويوازرني عليه، وعلى القيام به يكن أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي. فلم يجبه أحد منهم.

قال أمير الموءمنين عليه‌السلام فقمت بين يديه من بينهم، وأنا أصغرهم سنّا، واحمشهم(1)ساقا، وأرمصهم(2)عينا. فقلت: أنا يا رسول اللّه اوازرك على هذا الأمر. فقال: اجلس.

ثم أعاد على القوم القول ثانية، فاصمتوا. فقمت أنا وقلت مثل مقالتي الاولى فقال: اجلس. ثم أعاد على القوم ثالثة. فلم ينطق أحد منهم بحرف. فقمت وقلت: انا اوازرك يا رسول اللّه على هذا الأمر فقال: اجلس. فأنت أخي، ووصيي، ووزيري ووارثي، وخليفتي من بعدي.

فنهض القوم، وهم يقولون لأبي طالب: «ليهنأك(3)اليوم ان دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا عليك».

وهذه منقبة جليلة اختصّ بها أمير الموءمنين عليه‌السلام ولم يشركه فيها أحد من المهاجرين الأولين ولا الأنصار، ولا أحد من أهل الإسلام، وليس لغيره عدل لها من الفضل ولا مقارب على حال، وفي الخبر بها ما يفيد أنّ بأمير الموءمنين عليه‌السلام تمكّن النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من تبليغ الرسالة واظهار الدعوة والصدع بالإسلام ولولاه لم تثبت الملّة، ولا استقرّت الشريعة ولا ظهرت الدعوة فهو ناصر الإسلام، ووزير الداعي.


1) رجل أحمش الساقين: دقيقهما «الصحاح - حمش - 3: 1002»

2) الرمص: وسخ يجتمع في مجرى الدمع. «انظر: الصحاح - رمص - 1042 : 3»

3) في هامش «ش» و«م»: ليهنئك، وكلاهما بمعنى ليسرّك.

إلى الإسلام من قبل اللّه - عزّ وجلّ - وبضمانه له النصرة تمّ له في النبوّة ما أراد، وفي ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلا، ولا تعادله الفضائل كلها محلا وقدرا(1).

قال: ومن ذلك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لمّا أمره بالهجرة عند اجتماع الملأ من قريش على قتله، فلم يتمكن من مظاهرتهم بالخروج عن مكّة، وأراد الاستسرار بذلك، وتعمية خبره عنهم ليتم له الخروج على السلامة منهم، ألقى خبره إلى أمير الموءمنين عليه‌السلام واستكتمه إيّاه، وكلّفه الدفاع عنه بالمبيت على فراشه من حيث لا يعلمون انّه هو البائت على الفراش، ويظنّون أنّه النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بائتا على حاله الّتي كان يكون عليها في ما سلف من اللّيالي.

فوهب عليه‌السلام نفسه للّه تعالى، وشراها من اللّه تعالى في طاعته، وبذلها دون نبيّه عليه‌السلام لينجو به من كيد الأعداء، ويتمّ له بذلك السلامة والبقاء، وينتظم له به الغرض في الدعاء إلى الملة، وإقامة الدين، وإظهار الشريعة.

فبات على فراشه متسترا بإزاره، وجاءه القوم الذين تمالئوا(2)على قتله فأحدقوا به وعليهم السلاح يرصدونه طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا، فيذهب دمه فرغا(3)بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل، ولا يتمّ لهم الأخذ بثأره منهم لاشتراك الجماعة في دمه، وقعود كل قبيلة عن قتال رهطه، ومباينة أهله، فكان ذلك سبب نجاة النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وحفظ دمه، وبقائه حتى صدع بأمر ربه.

و لو لا أمير الموءمنين عليه‌السلام وما فعله من ذلك، لما تمّ له التبليغ والأداء، ولا استدام.


1) الإرشاد: 48/1 - 51

2) تمالئوا: اجتمعوا. «الصحاح - ملأ - 1: 73»

3) ذهب دمه فرغا أي هدرا «الصحاح - فرغ - 4: 1324». وفي «ح»: هدرا.

له العمر والبقاء، ولظفر به الحسدة والأعداء. فلمّا أصبح القوم وأرادوا الفتك به، ثار أمير الموءمنين عليه‌السلام إليهم فتفرّقوا عنه حين عرفوه، وكان بذلك انتظام الايمان وإرغام الشيطان، وخذلان أهل الكفر والعدوان، ولم يشاركه في هذه المنقبة أحد من أهل الإسلام، ولا احيط بنظير لها على حال، ولا مقارب لها في الفضل بصحيح الاعتبار.

وفي أمير الموءمنين عليه‌السلام ومبيته على الفراش أنزل سبحانه «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه‌ِ وَاللّه‌ُ رَوءُفٌ بِالْعِبادِ»(1)،(2).

قال: ومن ذلك أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله كان أمين قريش على ودائعهم، فلمّا فجأه من الكفار ما أحوجه إلى الهرب من مكّة، لم يجد في قومه وأهله من يأتمنه على ما كان موءتمنا عليه سوى أمير الموءمنين عليه‌السلام فاستخلفه في ردّ الودائع إلى أربابها، وقضاء ما كان عليه دين لمستحقيه، وجمع بناته ونساء أهله، وأزواجه والهجرة بهم اليه، ولم ير أنّ أحدا يقوم مقامه في ذلك من كافة الناس، فوثق بأمانته، وعوّل على نجدته وشجاعته، واعتمد في الدفاع عن أهله وحامّته على بأسه وقدرته، واطمأنّ إلى ثقته على أهله وحرمه، وعرف من ورعه وعصمته ما تسكن معه النفس إلى أمانته على ذلك، فقام عليه‌السلام به أحسن القيام، وردّ كلّ وديعة إلى أهلها، وأعطى كلّ ذي حقّ حقّه، وحفظ بنات النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وحرمه، وهاجر بهم ماشيا على قدميه يحوطهم من الأعداء، ويكلأهم من الخصماء، ويرفق بهم في المسير حتّى أوردهم عليه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله المدينة على أتمّ صيانة وحراسة، ورفق ورأفة، وحسن تدبير، فأنزله النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عند وروده المدينة داره وأحلّه قراره، وخلطه بحرمه وأولاده، ولم يميّزه.


1) البقرة: 207

2) الإرشاد: 51/1 - 53.

من خاصة نفسه، ولا احتشمه في باطن أمره وسرّه.

و هذه منقبة توحّد أمير الموءمنين عليه‌السلام بها من كافة أهل بيته وأصحابه، ولم يشركه فيها أحد من أشياعه وأتباعه، ولم يحصل لغيره من الخلق فضل سواها يعادلها عن السبر، ولا يقاربها على الامتحان، وهي مضافة الى ما قدّمناه من مناقبه الباهر فضلها، القاهر بشرفها قلوب العقلاء(1).

قال: ومن ذلك ما أجمعت عليه السير أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم الى الإسلام وأنفذ معه جماعة من المسلمين فيهم البراء بن عازب، وأقام خالد على القوم ستّة أشهر يدعوهم فلم يجبه أحد منهم، فساء ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فدعا أمير الموءمنين عليه‌السلام وأمره أن يقفل(2)خالدا ومن معه، وقال له: إن أراد ممّن مع خالد أن يعقب معك فاتركه. قال البراء: فكنت في من عقب معه، فلمّا انتهينا إلى أوائل أهل اليمن، وبلغ القوم الخبر تجمّعوا له. فصلّى بنا الفجر ثم تقدم بين أيدينا، فحمد اللّه تعالى وأثنى عليه، ثم قرأ على القوم كتاب النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، وكتب عليه‌السلام بذلك إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فاستبشر، وابتهج، وخرّ ساجدا شكرا للّه تعالى، ثم رفع رأسه وجلس وقال «السلام على همدان» - ثم تتابع بعد اسلام همدان - أهل اليمن على الإسلام.

وهذه أيضا منقبة له عليه‌السلام ليس لأحد من الصحابة مثلها ولا مقاربها، وذلك أنّه لما وقف الأمر في ما بعث له خالد وخيف الفساد لم يوجد من يتلافى ذلك سواه، فندب عليه‌السلام له فقام به أحسن قيام، وجرى على عادة اللّه تعالى عنده في التوفيق لما.


1) الإرشاد: 53/1 - 54

2) القفول: الرجوع من السفر. «الصحاح - قفل - 5: 1803».

يلائم إيثار النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، وكان بيمنه ورفقه وحسن تدبيره، وخلوص نيّته في طاعة اللّه - عزّ وجلّ - هداية من اهتدى بهديه من الناس، واجابة من أجاب إلى الإسلام وعمارة الدين، وقوة الإيمان وبلوغ النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ما آثره من المراد وانتظام الأمر على ما قرّت به عينه، وظهر استبشاره به وسروره بتمامه لكافّة أهل الإسلام، وقد ثبت أنّ الطاعة تعظم بتعاظم النفع فيها كما تعظم المعصية بتعاظم الضرر بها، ولذلك صار الأنبياء عليهم‌السلام أعظم الخلق ثوابا لتعاظم النفع بدعوتهم على سائر المنافع بأعمال من سواهم من الناس(1).

قال: ومثل ذلك أيضا ما جاء في قصّة «براءة» وقد دفعها النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى أبي بكر لينبذ بها عهد المشركين. فلمّا سار غير بعيد نزل جبرئيل عليه‌السلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فقال: إنّ اللّه يقروءك السلام ويقول: «لا يوءدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك» فاستدعى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عليا عليه‌السلام وقال له: اركب ناقتي العضباء وألحق أبا بكر فخذ «براءة» من يده وامض بها إلى مكّة، وانبذ بها عهد المشركين إليهم وخيّر أبا بكر بين أن يسير مع ركابك أو يرجع إليّ، فركب عليه‌السلام ناقته العضباء، وسار حتّى لحق أبا بكر. فلمّا رآه فزع من لحوقه به واستقبله وقال: فيم جئت يا أبا الحسن أسائر أنت معي أم لغير ذلك فقال عليه‌السلام له: أمرني النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أن ألحقك، فأقبض منك الآيات من «براءة» وأنبذ بها عهد المشركين إليهم، وأمرني أن اخيّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه. فقال: بل أرجع إليه، وعاد إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقال له: إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق إليّ فيه. فلمّا توجّهت له رددتني عنه، مالي أنزل فيّ قرآن فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لا.

ولكنّ الأمين جبرئيل عليه‌السلام هبط إليّ عن اللّه - عزّ وجلّ - بأنّه لا يوءدّي عنك إلاّ.


1) الإرشاد: 61/1 - 63؛ بحار الأنوار 363/21، ش7.

أنت أو رجل منك، وعلي منّي ولا يوءدّي عنّي إلاّ علي - في حديث مشهور -.

وكان نبذ العهد مختصا بمن عقده او بمن يقوم مقامه في فرض الطاعة وجلالة القدر، وعلو الرتبة، وشرف المقام، ومن لا يرتاب بفعاله، ولا يعترض عليه في مقاله، ومن هو كنفس العاقد وأمره أمره. فإذا حكم بحكم مضى واستقر، وامن الاعتراض فيه، وكان بنبذ العهد قوة الإسلام، وكمال الدين، وصلاح أمر المسلمين، وفتح مكّة، فأحبّ اللّه تعالى أن يجعل ذلك في يد من ينوّه باسمه، ويعلي ذكره، وينبّه على فضله، ويدلّ على علو قدره، ويبيّنه به عمّن سواه.

قال: وأمثال ما عدّدناه كثير ان عمدنا إلى ايراده طال الكتاب، وفي ما أثبتناه كفاية لذوي الألباب(1).

ولمّا قال عمر لابن عباس: إنّ قريشا قدّموا ابا بكر وأخّروا صاحبك لأنّهم استصغروه، قال له ابن عباس: لكن اللّه لم يستصغره حيث أمره أن يأخذ براءة من صاحبك(2).

وقال هشام بن الحكم العجب من إخواننا نصبوا من عزله اللّه تعالى من السماء، وعزلوا من نصبه من السماء(3).

وَايْمُ اللّه‌ِ لاَءَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ

دالّ على أنّ المتقدّمين عليه لبسوا الحقّ بالباطل على حدّ بلّعوا الباطل الحق حتّى صار الحقّ في جوف الباطل، وأنّه عليه‌السلام يجدّ ويسعى في أن ينقب الباطل ويبقر.


1) الإرشاد: 65/1 - 66. بحار الأنوار: 275/21، ش10

2) السقيفة وفدك: 70 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 46/12؛ بحار الأنوار 125/40/ ذ ح 14

3) بهج الصباغة: 59/4.

بطنه حتى يخرج الحق من جنبه وخاصرته.

وكان بلغ من لبسهم على الناس بتبليغاتهم الباطلة أنّ مسلم بن عقبة لمّا حضره الموت قال: اللهمّ إنّك تعلم أنّي لم أغشّ خليفة قطّ في سرّ وعلانية، وان أزكى عمل عملته بعد شهادة ألاّ اله إلاّ اللّه قتلي أهل الحرّة، ولئن دخلت النار بعد قتلهم إنّي لشقي، وقال لطبيبه الّذي بعثه يزيد معه لمرضه: اليك عنّي إنّما كنت احبّ أن أبقى حتّى أشتفي من قتلة عثمان، وقد أدركت ما أردت فما شيء أحبّ إليّ من أن أموت على طهارتي قبل أن أحدث حدثا، فإنّ اللّه قد طهّرني بقتل هوءلاء الأرجاس(1).

تكملة

هذه الخطبة رويها الشيخ رحمه‌الله بنحو آخر أوجبت الحال ايرادها قال:

لَمَّا تَوَجَّهَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام إِلَى الْبَصْرَةِ نَزَلَ الرَّبَذَةَ(2)فَلَقِيَهُ بِهَا آخِرُ الْحَاجِّ فَاجْتَمَعُوا لِيَسْمَعُوا مِنْ كَلامِهِ وَهُوَ فِي خِبَائِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَحْمَةُ اللّه‌ِ عَلَيْهِ فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يَخْصِفُ نَعْلاً فَقُلْتُ لَهُ نَحْنُ إِلَى أَنْ تُصْلِحَ أَمْرَنَا أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى مَا تَصْنَعُ فَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى فَرَغَ مِنْ نَعْلِهِ ثُمَّ ضَمَّهَا إِلَى صَاحِبَتِهَا ثُمَّ قَالَ لِي قَوِّمْهَا فَقُلْتُ لَيْسَ لَهَا قِيمَةٌ قَالَ عَلَى ذَاكَ(3)قُلْتُ كَسْرُ دِرْهَمٍ قَالَ وَاللّه‌ِ لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكُمْ هَذَا إِلاّ أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً قُلْتُ إِنَّ الْحَاجَّ قَدِ اجْتَمَعُوا لِيَسْمَعُوا مِنْ كَلامِكَ فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ فَإِنْ كَانَ حَسَناً كَانَ مِنْكَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ كَانَ مِنِّي قَالَ لاَ أَنَا أَتَكَلَّمُ ثُمَ وَضَعَ.


1) أنساب الأشراف: 331/5، ش 851 و853

2) الربذة: من قرى المدينة المنورة، بينهما ثلاثة أيام، وهي من منازل حاجّ العراق، وفيها قبر أبي ذرّ الغفاري رضي اللّه عنه. انظر: «معجم البلدان 3: 24»

3) أى على ذلك التحقير الذى تظهره، بحار الأنوار.

يَدَهُ فِي صَدْرِي وَكَانَ شَثْنَ(1)الْكَفِّ فَآلَمَنِي ثُمَّ قَامَ فَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ نَشَدْتُكَ(2)اللّه‌َ وَالرَّحِمَ قَالَ لاَ تَنْشُدْنِي ثُمَّ خَرَجَ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللّه‌َ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللّه‌َ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ يَقْرَأُ كِتَاباً وَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً فَسَاقَ النَّاسَ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ أَمَ وَاللّه‌ِ مَا زِلْتُ فِي سَاقَتِهَا مَا غَيَّرْتُ وَلاَ خُنْتُ حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا مَا لِي وَلِقُرَيْشٍ أَمَ وَاللّه‌ِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ وَلاَءُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ وَإِنَّ مَسِيرِي هَذَا عَنْ عَهْدٍ إِلَيَّ فِيهِ أَمَ وَاللّه‌ِ لاَءَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ الْحَقُّ مِنْ خَاصِرَتِهِ مَا تَنْقِمُ مِنَّا قُرَيْشٌ إِلاّ أَنَّ اللّه‌َ اخْتَارَنَا عَلَيْهِمْ فَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي حَيِّزِنَا وَأَنْشَدَ:

ذَنْبٌ لَعَمْرِي شُرْبُكَ الْمَحْضَ خَالِصاً***وَأَكْلُكَ بِالزُّبْدِ الْمُقَشَّرَةَ(3)الْبُجْرَا(4)

وَنَحْنُ وَهَبْنَاكَ الْعَلاءَ وَلَمْ تَكُنْ***عَلِيّاً وَحُطْنَا حَوْلَكَ الْجُرْدَ وَالسُّمْرَا(5)

وَلَمَّا نَزَلَ بِذِي قَارٍ أَخَذَ الْبَيْعَةَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ ثُمَّ تَكَلَّمَ فَأَكْثَرَ مِنَ الْحَمْدِ للّه‌ِِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلاةِ عَلَى رَسُولِ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ثُمَّ قَالَ قَدْ جَرَتْ أُمُورٌ صَبَرْنَا فِيهَا وَفِي أَعْيُنِنَا الْقَذَى تَسْلِيماً لاِءَمْرِ اللّه‌ِ تَعَالَى فِيمَا امْتَحَنَنَا بِهِ رَجَاءَ الثَّوَابِ عَلَى ذَلِكَ وَكَانَ الصَّبْرُ عَلَيْهَا أَمْثَلَ مِنْ أَنْ يَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ وَتُسْفَكَ دِمَاوءُهُمْ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَأَحَقُّ الْخَلْقِ بِسُلْطَانِ الرِّسَالَةِ وَمَعْدِنُ الْكَرَامَةِ الَّتِي ابْتَدَأَ اللّه‌ُ بِهَا هَذِهِ الاْءُمَّةَ وَهَذَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ لَيْسَا مِنْ أَهْلِ النُّبُوَّةِ وَلاَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الرَّسُولِ حِينَ رَأَيَا أَنَّ اللّه‌َ قَدْ رَدَّ عَلَيْنَا حَقَّنَا بَعْدَ أَعْصُرٍ فَلَمْ يَصْبِرَا حَوْلاً وَاحِداً وَلاَ شَهْراً كَامِلاً حَتَّى وَثَبَا عَلَى دَأْبِ.


1) شثن كفه: أي خشنت وغلظت. «الصحاح - شثن - 5: 2142»

2) لعلّه نشده على أن يدع الكلام إليه ظنا منه أن المصلحة فى ذلك

3) المقشرة: الرطب المقشر

4) البجر: جمع بجراء، وهي المنتفخة البطن، يعني التمر الجيد الكبار. انظر «لسان العرب - بجر - 4: 40»

5) الجرد والسمر: يعني الخيل.

الْمَاضِينَ قَبْلَهُمَا لِيَذْهَبَا بِحَقِّي وَيُفَرِّقَا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ عَنِّي ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمَا(1).

وقد تقدم مختار هذه الخطبة إلا أنني وجدتها في هذه الرواية على خلاف ما سبق من زيادة ونقصان فأوجبت الحال إثباتها ثانية .


1) الإرشاد: 247/1؛ بحار الأنوار 114/32 - 113، ح90 و91.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (104): ومن خطبة له عليه‌السلام :

اشارة

حَتَّى بَعَثَ اللّه‌ُ مُحَمَّداً صلى اللّه عليه واله شَهِيداً وَبَشِيراً وَنَذِيراً خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا وَلاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلافِهَا إِلاّ مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا قَلِقاً وَضِينُهَا قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ وَحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وَصَادَفْتُمُوهَا وَاللّه‌ِ ظِلاً مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ فَالاْءَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ وَسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ أَلاَ وَانَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً وَلِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَأَنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ اللّه‌ُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَلاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ فَأُقْسِمُ بِاللّه‌ِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ أَلاَ إِنَّ أَبْصَرَ الاْءَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ الاْءَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَقَبِلَهُ أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحِ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ وَامْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ

مِنَ الْكَدَرِ عِبَادَ اللّه‌ِ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ وَلاَ تَنْقَادُوا لاِءَهْوَائِكُمْ فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ وَيُقَرِّبُ مَا لاَ يَتَقَارَبُ فَاللّه‌َ اللّه‌َ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لاَ يُشْكِي شَجْوَكُمْ وَلاَ يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أُبْرِمَ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الاْءِمَامِ إِلاّ مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ الاْءِبْلاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ وَالاْءِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ وَانْهَوْا غَيْرَكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي.

حَتَّى بَعَثَ اللّه‌ُ مُحَمَّداً صلى اللّه عليه واله شَهِيداً

سأل رجل الحسن بن علي عليه‌السلام عن «وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ»(1)قال: الشاهد: محمد، ثم قرأ: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هوءُلاءِ شَهِيداً»(2)والمشهود: يوم القيامة، ثم قرأ: «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُود»(3)،(4).

وعن الحسين بن علي عليهما السلام فيقوله تعالى: «وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ»(5).


1) البروج: 3

2) النساء: 41

3) هود: 103

4) جامع البيان في تفسير القران (تفسير الطبري): 83/30

5) البروج: 3.

قال: الشاهد جدي رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله المشهود يوم القيامة، ثم تلا هذه الآية: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً»(1)وتلا: «ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ»(2)،(3).

وقال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هوءُلاء»(4).

وَبَشِيراً وَنَذِيراً

قال تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ»(5)

قال الطبرسيّ أرسلناك يا محمد بالحقّ قيل: بالقرآن، وقيل: بالاسلام، وقيل على الحقّ بشيرا من اتّبعك بالثواب، ونذيرا من خالفك بالعقاب ولا تسأل عن أصحاب الجحيم أى لا تسأل عن أحوالهم، وفيه تسلية للنّبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إذ قيل له: إنّما أنت بشير ونذير ولست تسأل عن أصحاب الجحيم وليس عليك اجبارهم على القبول منك(6).

وقال تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللّه‌ِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيرا»(7)..


1) الاحزاب: 45

2) هود: 103

3) تفسير الإمام الحسين عليه‌السلام ، التفسير الأثري التطبيقي : 296

4) النحل: 89

5) البقرة: 119

6) مجمع البيان: 372/1

7) الأحزاب: 45 - 46.

خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً

عن ابن عبّاس: أنّه كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقرب إلى الصبيان يصبحهم، فيختلسون ويكفّ، ويصبح الصبيان غمصا ورمصا، ويصبح صقيلا دهنيا(1).

وعن عكرمة: كان يوضع فراش لعبد المطّلب في ظلّ الكعبة، ولا يجلس عليه أحد إلاّ هو إجلالا له، وكان بنوه يجلسون حوله حتّى يخرج، فكان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليوءخّروه، فقال لهم عبدالمطلب: دعوا ابني، فو اللّه إنّ له لشأنا عظيما(2).

وفيه: قال أبو طالب لأخيه: يا عبّاس أخبرك عن محمّد، إنّي ضممته فلم أفارقه ساعة من ليل أو نهار، فلم أئتمن أحدا حتّى نوءمته في فراشي، فأمرته أن يخلع ثيابه وينام معي، فرأيت في وجهه الكراهية، فقال: يا عمّاه اصرف بوجهك عنّي حتّى أخلع ثيابي، وأدخل فراشي. فقلت له: ولم ذاك فقال: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى جسدي. فتعجبت من قوله وصرفت بصري عنه حتّى دخل فراشه، فإذا دخلت أنا الفراش إذا بينه وبيني ثوب، واللّه ما أدخلته في فراشي فأمسه فاذا هو ألين ثوب، ثمّ شممته كأنّه غمس في مسك(3).

وفيه أيضا عن أبي طالب: لم أر منه كذبة قط، ولا جاهلية قطّ، ولا رأيته يضحك في غير موضع الضحك، ولا يدخل مع الصبيان في لعب، ولا التفت إليهم، وكان الوحدة أحبّ إليه والتواضع(4).

وقال المسعودي: قال عبداللّه أبوه فيه: .


1) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 34/1

2) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 35/1

3) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 36/1

4) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 37/1.

الحمد للّه الّذي أعطاني***هذا الغلام الطيّب الأردان

قد ساد في المهد على الغلمان***أعيذه بالبيت ذي الأركان(1)

وقال أبو طالب عمّه فيه:

ولقد عهدتك صادقا في القول لا تتزيّد***ما زلت تنطق بالصواب وأنت طفل أمرد(2)

ذَكَرَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُوءَيْبٍ... شَرِبَ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مِنْ ثَدْيِيَ الاْءَيْمَنِ سَاعَةً وَلَمْ يَرْغَبْ فِي الاْءَيْسَرِ أَصْلاً وَاسْتَعْمَلَ فِي رَضَاعِهِ عَدْلاً فَنَاصَفَ فِيهِ شَرِيكَه(3).

وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً

قال الجوهري: الكهل من الرجال الذي جاوز الثلاثين(4)، ولمّا بنت قريش الكعبة، وتنازعوا في رفع الحجر ووضعه في محلّه، وحكّموا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فحكم بينهم بما ارتضوه، قال قائل متعجّبا من انقياد شيوخ قريش لشابّ - وكان يومئذ ابن خمس وثلاثين -: أما واللات والعزّى ليفوقنّهم سبقا، وليقسمنّ بينهم حظوظا وجدودا، وليكوننّ له بعد هذا اليوم شأن ونبأ عظيم(5).

وقال بعضهم: ولو لا خاصّيّة النبوّة وسرّها لما كان مثل أبي طالب - وهو شيخ قريش وذو سنّها وذو شرفها - يمدحه وهو شابّ قد ربّي في حجره، وهو يتيمه ومكفوله وجار مجرى أولاده بمثل قوله: وتلقوا ربيع الأبطحين محمّدا، ومثل.


1) مروج الذهب: 274/2. لكن نسب البيتين إلي أبي عبداللّه

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 77/14؛ بحار الأنوار 164/35

3) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 33/1؛ بحار الأنوار 332/15، ح2

4) الصحاح: 1813/5 مادة (كهل)

5) مروج الذهب: 273/2.

قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه. فإنّ مثل هذا الأسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابي من الناس، وإنّما هو من مديح الملوك والعظماء(1).

أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً

أي: خلقا وطبيعة، قالوا: كان صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، و يتألّف أهل الشرف بالبرّ لهم، يصل ذوي رحمه من غير أن يوءثرهم على غيرهم إلاّ بما أمر اللّه، ولا يجفو على أحد. يقبل معذرة المعتذر إليه، وكان أكثر الناس تبسّما ما لم ينزّل عليه قرآن، ولا يرتفع على عبيده وإمائه في مأكل ولا في ملبس، و ما شتم أحدا بشتمه، ولا لعن امرأة ولا خادما بلعنة، ولا يأتيه حرّ ولا عبدأو أمة إلاّ قام معه في حاجته(2).

وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً

«المستمطرين» بلفظ اسم المفعول.

الديمة: المطهر الّذي ليس فيه رعد ولا برق، وأقلّه ثلث النهار أو ثلث الليل، وأكثر ما بلغ من العدة. والجمع: ديم. قال لبيد:

باتت وأسبل واكف من ديمة***يروي الخمائل دائما تساجمها

ثمّ يشبّه به غيره. وفي الحديث: «كان عمله ديمة(3)»(4).

قالوا: كان صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أسخى الناس لا يثبت عنده دينار ولا درهم، فإن فضل ولم يجد.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 63/14

2) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 146/1

3) الصحاح: 1924/5 مادة (ديم)

4) صحيح مسلم: 189/2.

من يعطيه ويجنّه الليل لم يأو إلى منزله حتّى يتبرّأ منه إلى من يحتاج إليه، ولا يسئل شيئا إلاّ أعطاه، ثمّ يعود إلى قوت عامه فيوءثر منه حتّى ربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء(1)، وكان لا يجلس إليه أحد وهو يصلّي إلاّ خفّف صلاته، وأقبل عليه، وقال: ألك حاجة وكان يكرم من يدخل عليه حتّى ربما بسط ثوبه، ويوءثر الداخل بالوسادة الّتي تحته(2).

وقال أبو طالب فيه:

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه***ثمال اليتامي عصمة للأرامل

يطيف به الهلاّك من آل هاشم***فهم عنده في نعمة وفواضل(3)

فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا وَلاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلافِهَا إِلاّ مِنْ بَعْدِ مَا صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا قَلِقاً وَضِينُهَا قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ وَحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وَصَادَفْتُمُوهَا وَاللّه‌ِ ظِلاً مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ فَالاْءَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ وَأَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ وَسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ أَلاَ إِنَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً وَلِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَإِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ اللّه‌ُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَلاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَب

ورواه المفيد رحمه‌الله هكذا: «الحمد للّه، والسّلام على رسول اللّه. أمّا بعد، فإنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله رضيني لنفسه أخا، واختصّني له وزيرا. أيّها النّاس أنا أنف الهدى وعيناه،.


1) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 145/1

2) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 147/1

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 63/14.

فلا تستوحشوا من طريق الهدى لقلّة من يغشاه، من زعم أنّ قاتلي موءمن فقد قتلني. ألا وإنّ لكل دم ثائرا يوما ما، وإنّ الثائر في دمائنا، والحاكم في حقّ نفسه، وحقّ ذوي القربى واليتامى والمساكين، وابن السّبيل الّذي لا يعجزه ما طلب لا يفوته من هرب، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»(1)واقسم باللّه الّذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لتنتحرنّ عليها يا بني امية ولتعرفنّها في أيدي غيركم، ودار عدوكم عمّا قليل وستعلمنّ نبأه بعد حين(2).

و رواه القمي مسندا عن الصّادق عليه‌السلام هكذا: «قال: خطب أمير الموءمنين عليه‌السلام بعد ما بويع بخمسة أيّام، فقال فيها: واعلموا أنّ لكلّ حقّ طالبا، ولكلّ دم ثائرا، والطالب بحقّنا كقيام الثائر بدمائنا، والحاكم في حقّ نفسه هو العادل الّذي لا يحيف، والحاكم الذي لا يجور، وهو اللّه الواحد القهّار.

و اعلموا أنّ على كلّ شارع بدعة وزره ووزر كلّ مقتد به من بعده، من غير أن ينتقص من أوزار العاملين شيء...»(3).

فَمَا احْلَوْلَتْ

أي ما صار حلوا.

لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا

ومذاقها..


1) الشعراء: 227

2) الإرشاد: 276/1

3) تفسير القمي: 384/1.

وَلاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلافِهَا

الأخلاف: جمع الخلف بالكسر، وفي (الصحاح): الخلف: حلمة ضرع النّاقة، القادمان والآخران(1).

قال ابن أبي الحديد: الخطاب لمن في عصره من الصحابة والتابعين(2).

وقال ابن ميثم: لبني امية ونحوهم(3).

والأوّل أصح لأنّ صيرورة الدّنيا حلوا لهم، وتمكنهم من رضاع ثديها إنّما كان من زمن الأوّلين، وإنّما نال بنو اميّة ما نالوا بواسطتهم.

إِلاّ مِنْ بَعْدِ مَا

قال ابن أبي الحديد: فصانه اللّه تعالى في أيّام حياته عن أن يفتح عليه الدّنيا، وأكرمه عن ذلك، فلم يفتح عليكم البلاد، ولا درّت عليكم الأموال، ولا أقبلت الدّنيا نحوكم، وما دالت الدولة لكم، إلاّ من بعده(4).

خطب عتبة بن غزوان في إمارته البصرة من قبل عمر - وهو الّذي اختطّ البصرة - فقال: ولقد رأيتني سابع سبعة من رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقد تسلقت أفواههم من أكل الشجر، ولقد رأيتنا أنا وسعد استبقنا بردة فاشتققناها، فأخذت أنا نصفها وسعد نصفها، واليوم ما منّا رجل إلاّ وقد أصبح أميرا على مصر(5)، ولقد بلغني أنّه لم تكن نبوّة إلاّ وسننسخ ملكا.

و لمّا هزم خالد بن الوليد عجم البسط، وكانوا بسطوا البسط، وصفّوا الأطعمة.


1) الصحاح: 1353/4 مادة (خلف)

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 119/7

3) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 25/3

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 119/7

5) تاريخ الطبري: 91/3 سنة 14 وبهج الصباغة: 457/3.

فلم يمهلهم، ووقف على طعامهم فقعدوا عليه، وجعل من لم ير الأرياف، ولا يعرف الرّقاق يقول: ما هذه الرّقاق البيض وجعل من قد عرفها يجيبهم، ويقول لهم مازحا: هل سمعتم برقيق العيش فيقولون: نعم. فيقول: هو هذا. فسمّي الرّقاق، قال الطبري: وكانت العرب تسمّيه القرى(1).

صَادَفْتُمُوهَا

أي وجدتموها.

جَائِلاً

من الجولان.

خِطَامُهَا

أي زمامها.

قَلِقاً

أي مضطربا.

وَضِينُهَا

قال الجوهري: الوضين للهودج بمنزلة البطان للقتب، والتصدير للرحل، والحزام للسّرج(2).

قال المحدّث المجلسيّ رحمه‌الله : والغرض عدم تمكّنهم من الانتفاع بالدّنيا وصعوبتها).


1) تاريخ الطبري: 562/2، سنة 12

2) الصحاح: 2214/6 مادة (وضن).

عليهم وعدم انقياد هالهم كما يستصعب النّاقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام قلقة الوضين لا يثبت رحلها تحت راكبها(1).

وقال الخوئي رحمه‌الله : والأظهر عندى أنّ الغرض بذلك الاشارة إلى أنهم لم يتمكّنوا من الانتفاع بالدّنيا ومن رضاع أخلافها وتولية أمرها إلاّ من بعد ما أصابوها وليس لها صاحب ولا فيها أمر وسلطان حقّ يمنعهم من تولى أمرها والتّصرف فيها بمنزلة ناقة ليس لها صاحب ولا لها راكب فانّ الناقة إذا كان لها راكب يركبها يمسك خطامها ويشدّ وضينها ويملك أمرها ويمنع من تسلّط الغير عليها، فجولان الخطام واضطراب الوضين إنّما يكونان مع عدم من يملك أمرها وبتلك الحال يتمكّن منها من يصادفها(2).

قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ

من: خضدت الشجر: قطعت شوكه، فهو خضيد ومخضود. فيسهل عليه تناول ثمره.

وَحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ

قال ابن أبي الحديد وفي شرح قوله عليه‌السلام : «صادفتموها» إلى هنا: ذكر عليه‌السلام أنّهم صادفوها - يعني الدّنيا - وقد صعبت على من يليها ولاية حقّ، كما تستصعب النّاقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام، ليس زمامها يمكّن راكبها من نفسه، قلقة الوضين لا يثبت هودجها تحت الراكب. حرامها سهل التناول على من يريده كالسدر الذي خضد عنه شوكه فصار ناعما أملس، وحلالها غير موجود لغلبة.


1) بحار الأنوار: 238/34

2) منهاج البراعة للخوئي: 219/7.

الحرام عليه، وكونه صار مغمورا مستهلكا بالنسبة، وهذا إشارة إلى ما كان يقوله دائما من استبداد الخلفاء قبله دونه بالأمر، وأنّه كان الأولى والأحقّ(1).

ما قال الشارح المعتزلي من أنّه عليه‌السلام كان دائما يقول باستبدادهم حقّ، وتأويل أصحابه له باطل، لكن الظاهر أنّ كلامه عليه‌السلام ليس في هذا المقام، بل في مقام أنّ الدّنيا إنّما فتحت على المتقدّمين عليه بفتح فارس والرّوم، حيث إنّ الدّنيا صارت متزلزلة بأولئك وزال اقتدارهم، وكانوا مشغولين بالنهب والسلب، ولم يتمكّن أمراوءهم من ردعهم، وإنّما كان من دولتهم مجرّد اسم ومحض صورة، كما لا يخفى على من راجع السير.

وَصَادَفْتُمُوهَا وَاللّه‌ِ ظِلاًّ مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ

قال ابن أبي الحديد: ذكر عليه‌السلام أنّ الدّنيا فانية، وأنّها ظل ممدود إلى أجل معدود(2).

وقال ابن ميثم: كنّى بذلك عن زوالها بعد حين تهديدا لهم به(3).

و في ما قالاه: أوّلا: إنّه لو كان المعنى ما ذكراه، لم يكن الكلام محتاجا إلى قوله: «و صادفتموها»، وكان يقول: وإنّها واللّه ظل ممدود إلى أجل معدود.

و ثانيا: إنّه لا يناسب الظّل الممدود الفناء والزّوال، بل الظلّ الزّائل كما قالوا:

إنّما الدّنيا كظلّ زائل(4).


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 119/7

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 120/7

3) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 26/3

4) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : 177/2.

كيف والظّل الممدود ورد في وصف نعيم الجنّة قال تعالى: «وَظِلٍّ مَمْدُودٍ»(1).

وثالثا: إنّه لا يناسب سياق الكلام سابقه ولاحقه، والظاهر بشهادة السّوق أنّ المراد: أنّهم صادفوا الدّنيا بعد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مصفّى العيش مدّة مديدة.

فَالاْءَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ

يقال: شغر الرّجل المرأة. أي: رفع رجلها للنكاح، والظّاهر أنّ المراد أنّ الأرض كانت لكم شاغرة كشغر رجل المرأة للرجل.

قالوا: لمّا فتح موسى بن نصير الأندلس غنموا من الذهب والفضة حتى نعلوا دوابهم بمسامير الذهب والفضة. ولما ضربوا الأوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنايسها لم تلج، فنظروا فإذا بصفايح الذهب والفضّة خلف بلاط الرّخام. ولمّا فتح طليطلة، وجد فيها بيتا كان فيه أربعة وعشرون تاجا من ملوك الأندلس، كلّما هلك ملك جعل تاجه في ذلك البيت، وكتب على التّاج اسم صاحبه وابن كم هو، ويوم ولي ويوم مات. ووجدوا أيضا مائدة عليها اسم سليمان بن داود، وليس لها أرجل قاعدتها منها، وكانت من ذهب وفضّة خليطين، فهي تتلوّن صفرة وبياضا، مطوّقة بثلاثة أطواق: طوق لوءلوء، وطوق ياقوت، وطوق زمرد. ودلّهم رجل على كنز فنزلوا فيه، فسال عليهم من الزّبرجد والياقوت ما لم يروا مثله قط، وأمّا الذّهب والفضّة والمتاع فلم يكن يحصيه أحد(2)..


1) الواقعة: 30

2) الكامل لابن الأثير: 564/4 - 566 سنة 92 وبهج الصباغة: 459/3.

وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ

تفعلون ما تشاوءون.

وَأَيْدِي الْقَادَةِ

من اللّه.

عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ

أي مشدودة.

وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ

فتقتلونهم.

وَسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ

فلايستطيعون القصاص منكم، عن الصادق عليه‌السلام قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ أعفى نبيّكم أن يلقى من امته ما لقيت الأنبياء من اممها، وجعل ذلك علينا(1).

ولما قتل يوسف بن عمر، زيد بن عليّ بن الحسين أحرق جسده، وذرى نصفه في الفرات، ونصفه في الزّرع، وقال: واللّه يا أهل الكوفة لأدعنّكم تأكلونه في طعامكم، وتشربونه في مائكم(2).

ودخل دعبل الخزاعي على الرّضا عليه‌السلام بمرو، فقال له: يابن رسول اللّه إنّي قد قلت فيك قصيدة، وآليت على نفسي ألاّ انشدها أحدا قبلك. فقال: هاتها. فأنشده: .


1) الكافي: 252/8، ح352؛ بحار الأنوار 205/27، ح8

2) تاريخ اليعقوبي: 326/2.

مدارس آيات خلت من تلاوة***و منزل وحي مقفر العرصات

إلى أن قال:

إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم***أكفّا عن الأوتار منقبضات

جعل ابو الحسن عليه‌السلام يقلّب كفّيه ويقول: أجل واللّه منقبضات(1).

وقال ابن أبي الحديد: أعاد الشكوى والتألّم فقال: «وأيديكم في الدّنيا مبسوطة - إلى - وسيوفهم مقبوضة»، وكأنّه كان يرمز إلى ما سيقع من قتل الحسين عليه‌السلام وأهله، كأنّه يشاهد ذلك عيانا(2).

بل أشار عليه‌السلام إلى إرادة قتلهم له يوم السّقيفة، ويوم الشّورى لو لم يبايع، قال ابن قتيبة في قصّة السقيفة: وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا عليّا فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع. فقال: إن أنا لم أفعل فمه قالوا: إذن واللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك. قال: إذن تقتلون عبداللّه، وأخا رسوله. قال عمر: أمّا عبداللّه فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا(3).

وقال في يوم الشورى: خرج عبدالرّحمن (ابن عوف) إلى المسجد، فجمع النّاس، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: إنّي نظرت في أمر النّاس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا عليّ سبيلا إلى نفسك فإنّه السّيف لا غير. ثمّ أخذ بيد عثمان فبايعه(4). .


1) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام : 263/2، ح34؛ بحار الأنوار 239/49، ح9

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 120/7

3) الامامة والسياسة (تحقيق الزيني): 20/1

4) الامامة والسياسة: 31/1.

وكان حقّ الكلام أن يقول الشارح المعتزلي: أشار عليه‌السلام إلى إرادة قتل الأوّلين له لو لم يبايعهم، وإرادة قتل طلحة والزّبير وعايشة له عليه‌السلام ولابنيه الحسن والحسين عليهما السّلام لو ظفروا بذلك يوم الجمل، وإلى قتل معاوية للحسن عليه‌السلام ، وابنه للحسين عليه‌السلام ، وقتل باقي بني امية والعبّاسية لباقي أهل بيته وشيعتهم.

قال الباقر عليه‌السلام لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيّانا، وتظاهرهم علينا، وما لقي شيعتنا ومحبّونا من الناس إنّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قبض، وقد أخبر أنّا أولى النّاس بالنّاس، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا - إلى أن قال - ثمّ لم نزل أهل البيت نستذل، ونستضام، ونقصى، ونمتهن، ونحرم، ونقتل، ونخاف، ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقرّبون به إلى أوليائهم، وقضاة السوء وعمّال السوء في كلّ بلدة، فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة، ورووا عنّا ما لم نقله، وما لم نفعله ليبغّضونا إلى الناس، وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه‌السلام ، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة، وقطعت الأيدي والأرجل على الظّنة، وكان من يذكر بحبّنا والانقطاع إلينا سجن، أو نهب ماله، أو هدمت داره...(1).

و في زيارة لهم عليهم‌السلام : يا مواليّ فلو عاينكم المصطفى، وسهام الامّة مغرقة في أكبادكم، ورماحهم مشرعة في نحوركم، وسيوفها مولغة في دمائكم، يشفي أبناء العواهر غليل الفسق من ورعكم، وغيظ الكفر من إيمانكم، وأنتم بين صريع في المحراب قد فلق السّيف هامته، وشهيد فوق الجنازة قد شكّت أكفانه بالسّهام،.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 43/11؛ بحار الأنوار 68/44.

وقتيل بالعراء قد رفع فوق القناة رأسه، ومكبّل في السجن قد رضّت بالحديد أعضاوءه، ومسموم قد قطعت بجرع السّم أمعاوءه، وشملكم عباديد تفنيهم العبيد، وأبناء العبيد(1).

ثمّ أيّ شيء يفيده تخصيصه كلامه عليه‌السلام بقتل الحسين عليه‌السلام ، مع أنّ الموءسّس ليزيد لم يكن إلاّ صدّيقهم وفاروقهم، كما كان لأبيه.

فروى المسعودي وغيره: أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية: كيف تقاتل عليّا عليه‌السلام وهو وليّ النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وأنت عدوّه فأجابه بأنّه اقتدى في ذلك بأبيه الصدّيق وصديقه الفاروق(2).

وأنّ ابن عمر كتب إلى يزيد يطعن فيه لما قتل الحسين عليه‌السلام فأجابه بأنّه أسس له ذلك أبوه الفاروق(3).

و قالت زينب: وسيعلم من بوّأك ومكّنك من رقاب الموءمنين(4).

نعم قتل الحسين عليه‌السلام كان أظهر مصاديق كلامه، وأشهر شنائع قريش أعداء أهل البيت. وقال دعبل فيه عليه‌السلام :

رأس ابن بنت محمّد ووصيّه***يا للرّجال على قناة ترفع

والمسلمون بمنظر وبمسمع***لا جازع من ذا ولا متخشّع(5)

وقال دعبل: .


1) المزار الكبير: 298؛ بحار الأنوار 166/99

2) مروج الذهب: 12/3 ووقعة صفين: 119 وانساب الاشراف: 396/2

3) الطرائف: 247/1، ح348

4) بلاغات النساء: 36

5) معجم الأدباء: 110/11.

وليس حيّ من الأحياء نعلمه***من ذي يمان ومن بكر ومن مضر

إلاّ وهم شركاء في دمائهم***كما تشارك ايسار(1)على جزر(2)

قتل وأسر وتحريق ومنهبة***فعل الغزاة بأرض الرّوم والخزر(3)،(4)

وفي (معجم الحموى): قال نصر اللّه بن مجلى: رأيت في المنام عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام فقلت له: يا أمير الموءمنين تفتحون مكّة فتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. ثمّ يتمّ على ولدك الحسين يوم الطّف ما تم فقال: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا فقلت: لا. فقال: اسمعها منه. فلمّا استيقظت، بادرت إلى دار الحيص بيص، فخرج إليّ، فذكرت له الروءيا فأجهش بالبكاء، وحلف باللّه أنّه ما سمعها منه أحد، وأنّه نظمها في ليلته هذه، ثمّ أنشدني:

ملكنا فكان العفو منّا سجية***فلمّا ملكتم سال بالدّم أبطح

وحلّلتم قتل الاسارى وطالما***غدونا عن الأسرى نعف ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا***و كلّ إناء بالّذي فيه ينضح(5).


1) أيسار: جمع يسر، بالتحريك، وهم المجتمعون على الميسر

2) جزر: جمع جزور: وهو ما يذبح من الغنم أو النوق

3) الخزر: اسم إقليم من قصبة تسمى إتل: وإتل اسم لنهر يجري إلى الخزر من الروس وبلغار مجمع البلدان: 367/2

4) ديوان دعبل الخزاعي: 105 والاغاني: 334/20

5) معجم الأدباء: 206/11.

وقال ابن وصيف الناشي:

بني أحمد قلبي لكم يتقطّع***بمثل مصابي فيكم ليس يسمع

إلى أن قال:

عجبت لكم تفنون قتلا بسيفكم***و يسطو عليكم من لكم كان يخضع

كأنّ رسول اللّه أوصى بقتلكم***و أجسامكم في كلّ أرض توزّع(1)

وفي (معجم الحموى) أيضا: كان الخالع في المسجد الذي بين الوراقين والصّاغة في بغداد، والمسجد غاصّ بالنّاس، وإذا رجل قد وافى وعليه مرقعة، وفي يده سطيحة وركوة، ومعه عكاز، وهو شعث، فسلّم على الجماعة بصوت يرفعه، ثمّ قال: أنا رسول فاطمة الزّهراء عليها السّلام. فقالوا: مرحبا بك وأهلا، ورفعوه. فقال: أتعرّفون لي أحمد المزّوق النّائح فقالوا: ها هو جالس. فقال: رأيت مولاتنا في النوم. فقالت لي: امض إلى بغداد واطلبه، وقل له: نح على ابني بشعر النّاشي الّذي يقول فيه:

بني أحمد قلبي لكم يتقطّع***بمثل مصابي فيكم ليس يسمع

وكان النّاشي حاضرا فلطم لطما عظيما على وجهه، وتبعه أحمد المزّوق، والنّاس كلّهم، وكان أشد النّاس في ذلك النّاشي المزوق، ثمّ ناحوا بتلك القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى النّاس الظهر وتقوّض المجلس، وجهدوا بالرّجل أن يقبل شيئا منهم، فقال: واللّه لو اعطيت الدّنيا ما أخذتها، أكون رسول مولاتي ثمّ آخذ عوضا(2).

ولمّا أتي المختار بعبد اللّه بن أسيد الجهني، ومالك بن النّسير البديّ، وحمل بن.


1) معجم الأدباء: 292/13

2) معجم الأدباء: 292/13.

مالك المحاربي، قال لهم: يا أعداء اللّه قتلتم من أمرتم بالصلاة عليه في الصلاة فأمر بقطع يدي البديّ ورجليه، وترك في نزف دمه حتّى يموت، لكونه صاحب برنس الحسين عليه‌السلام ، وقتل الآخرين بالسيف(1).

و ينسب إلى أبي حنيفة هذه الأبيات:

حبّ اليهود لآل موسى ظاهر***و ولاوءهم لبني أخيه باد

وإمامهم من نسل هارون الأولى***بهم اقتدوا ولكلّ قوم هاد

وكذا النّصارى يكرمون محبة***لمسيحهم نجرا من الأعواد

و متى توالى آل أحمد مسلم***قتلوه أو سمّوه بالإلحاد

هذا هو الدّاء العياء لمثله***ضلّت حلوم حواضر وبواد

لم يحفظوا حقّ النّبيّ محمّد***في آله واللّه بالمرصاد(2)

يقال لقائل الأبيات: هذا الداء العياء من أئمتكم، أليس فاروقكم دبّر الأمر لعثمان رئيس بني امية أعداء النّبيّ، وأعداء أهل بيته، وأعداء دينه حتّى يفعلوا ما فعلوا وضلال حلوم حاضريهم وباديهم في محلّه، لأنّ دينهم دين متناقض ومتضاد، ومثله محال في العقول.

أَلاَ وَانَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً وَلِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَأَنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا

الثائر: الّذي لا يبقي على شيء حتّى يدرك ثاره، ويقال أيضا: هو ثاره: أي قاتل حميمه، قال جرير:

قتلوا أباك وثاره لم يقتل .


1) تاريخ الطبري: 529/4، سنة 66

2) روضات الجنات: 169/8.

وقولهم: يا ثارات فلان. أي: يا قتلة فلان(1).

وثأرت حميمي وبحميمي، إذا قتلت قاتله، فعدوّك مثوءور، وحميمك مثئور به، قال قيس بن الخطيم:

وثارت عديّا والخطيم فلم أضع***وصية أشياخ جعلت إزاءها

وثاري عند فلان: أي: ذحلي. وجمع الثار الّذي هو معنى فقيل: «يا لثارات الحسين» اريد: تعالين يا ثاراته، أي: يا ذحوله، فهو أوان طلبكن(2)

كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ اللّه‌ُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ

كائنا من كان.

وَلاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ

في أيّ مكان كان.

وفي رواية الحسين بن ثوير: عن الصادق عليه‌السلام في زيارة الحسين عليه‌السلام : السّلام عليك يا قتيل اللّه وابن قتيله، السّلام عليك يا ثار اللّه وابن ثاره(3).

وروى مسندا عن الزّهري قال: خرجت مع قتيبة اريد المصيصة، فقدمنا على عبدالملك، فإذا هو قاعد في إيوان له وإذا سماطان من الناس على باب الإيوان، فإذا أراد حاجة قالها للّذي يليه حتّى تبلغ المسألة باب الايوان، ولا يمشي أحد بين السّماطين. قال الزهري فجئنا فقمنا على باب الايوان، فقال عبدالملك للّذي عن يمينه: هل بلغكم أيّ شيء أصبح في بيت المقدس ليلة قتل الحسين بن عليّ عليه‌السلام .


1) الصحاح: 603/2 مادة (ثأر)

2) أساس البلاغة: 68 مادة (ثأر)

3) الكافي: 576/4، ح2 وكامل الزيارات: 199؛ بحار الأنوار 152/98، ح3.

• إلى أن قال - قال الزهري: فدعيت فمشيت بين السّماطين وانتسبت له، وقلت: حدّثني فلان: أنّه لم يرفع تلك الليلة - التي صبيحتها قتل الحسين بن علي بن أبي طالب - حجر في بيت المقدس إلاّ وجد تحته دم عبيط. قال عبدالملك: صدقت حدّثني الّذي حدّثك، وإنّي وإيّاك في هذا الحديث لغريبان(1).

وعَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه‌السلام قَالَ: كَانَ عَلَى خَاتَمِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه‌السلام - خَزِيَ وَشَقِيَ قَاتِلُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه‌السلام (2).

وعن السّدي قال: أتيت كربلا أبيع البز بها، فعمل لنا شيخ من طيّ طعاما فتعشينا عنده، فذكرنا قتل الحسين عليه‌السلام ، فقلت: ما شرك في قتله أحد إلاّ مات بأسوء ميتة. فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق فأنا في من شرك في ذلك. فلم نبرح حتّى دنا من المصباح وهو يتّقد بنفط، فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه، فأخذت النّار فيها، فأخذ يطفئها بريقه، فأخذت النّار في لحيته، فعدا فألقى نفسه في الماء فرأيته كأنّه حممة(3).

وروى الطبري عن شيخ من النّخع قال: قال الحجاج: من كان له بلاء فليقم. فقام قوم، فذكروا، وقام سنان بن أنس، فقال: أنا قاتل الحسين. فقال: بلاء حسن، ورجع إلى منزله. فاعتقل لسانه، وذهب عقله. فكان يأكل ويحدث مكانه(4).

ومن العجب أنّهم وثّقوا عمر بن سعد قاتل سيّد شباب أهل الجنّة، ومن شهد اللّه بطهارته، وبكونه ابن الرّسول، ومن باهل به النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله (5). .


1) العقد الفريد: 134/5

2) الكافي: 473/6، ح6

3) مجالس ثعلب: ا /68

4) المنتخب من ذيل المذيل: 25

5) تهذيب التهذيب لابن حجر: 450/7.

وأغرب أنّهم جعلوا قتله حقّا قال ابن المالكي: ما قتل الحسين إلاّ بسيف جدّه(1).

ومن العجب أنّهم يرون شيعتهم شرّا من الكفّار ففي (الطبرى): أنّ معاوية بن قرة المزني قاضي البصرة أدخل سنان رمحه في عين رجل من عسكر المختار بعد هزيمتهم، وأخذ يخضخض عينه بسنان رمحه، ويقول: هم أحل دما من الترك والديلم(2).

ولا غرو في ذلك بعد معاملتهم مع حجج اللّه ما عاملوا.

وروى أبو الفرج: أنّ عيسى بن موسى ولي عهد المنصور الّذي قتل محمّدا وإبراهيم لمّا قدم، قال جعفر بن محمّد عليه‌السلام : أهو هو قيل: من تعني يا أبا عبداللّه قال: المتلعب بدمائنا واللّه لا يحلأ منها بشيء(3).

أشار عليه‌السلام إلى خلعه.

وروي المسعودي في يحيى بن عمر الطالبي الّذي قتل في سنة (250) أيّام المستعين، وحمل رأسه إلى بغداد، ودخل النّاس إلى ابن طاهر يهنّئونه بالفتح، قال أبو هاشم الجعفري:

يا بني طاهر كلوه وبيا***إنّ لحم النّبيّ غير مري

إنّ وترا يكون طالبه اللّه***لوتر بالفوت غير حري(4)

وأيضا في يحيى ذاك: قال أبو هاشم الجعفري لمحمّد بن عبداللّه طاهر: قد جئتك مهنّئا بما لو كان رسول اللّه حيّا لعزّي به. .


1) خلاصة عبقات الانوار: 237/4

2) تاريخ الطبري: 561/4 سنه 67

3) مقاتل الطالبيين: 184

4) مروج الذهب: 64/4.

قال: وأمر محمّد بن عبداللّه حينئذ اخته ونسوة من حرمه بالشّخوص إلى خراسان، وقال: إنّ هذه الرءوس من قتلى أهل هذا البيت، لم تدخل بيت قوم قطّ إلاّ خرجت منه النّعمة، وأزالت عنه الدّولة(1).

وكتب عبدالملك إلى الحجّاج: أمّا بعد، فجنّبني دماء بني عبدالمطلب، فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا ولعوا فيها لم يلبثوا بعدها إلاّ قليلا(2).

وروى المسعودي عن ابن الغنوي عن ابن أبي عباد الجليس قال: رأى المعتضد باللّه - وهو في سجن أبيه - كأنّ شيخا جالسا على دجلة، يمدّ يده إلى ماء دجلة فيصير في يده وتجفّ دجلة، ثمّ يردّه من يده، فتعود دجلة كما كانت، فسأل عنه. فقيل له: هذا عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام . فقام إليه وسلّم عليه. فقال: يا أحمد إنّ هذا الأمر صائر إليك فلا تتعرّض لولدي ولا توءذهم. فقال: السّمع والطاعة يا أمير الموءمنين(3).

فَأُقْسِمُ بِاللّه‌ِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ

بانقضاء ثمانين سنة مدّة ملكهم.

لَتَعْرِفُنَّهَا

أي الخلافة والسلطنة الّتي تقتلون الناس عليها. .


1) مقاتل الطالبيين: 423

2) بصائر الدرجات: 397؛ بحار الأنوار 44/46، ش 44

3) مروج الذهب: 181/4.

فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ

بني العباس.

قال ابن أبي الحديد: سار عبداللّه(1)بن عليّ بن عبداللّه بن العباس في جمع عظيم للقاء مروان بن محمّد بن مروان، وهو آخر خلفاء الاموييّن، فالتقيا بالزّاب(2)من أرض الموصل ومروان في جموع عظيمة واعداد كثيرة، فهزم مروان، واستولى عبداللّه بن عليّ على عسكره، وقتل من أصحابه قتلا عظيما، وفرّ مروان هاربا حتى أتى الشام وعبداللّه يتبعه فسار إلى مصر فاتّبعه عبداللّه بجنوده، فقتله بنوصبر الاشمونين من صعيد مصر، وقتل خواصه وبطانته كلّها.

وقد كان عبداللّه قتل من بني اميّة على نهر ابى فطرس(3)من بلاد فلسطين قريبا من ثمانين رجلا قتلهم مثلة، واحتذى أخوه داود بن عليّ بالحجاز فعله، قتل منهم قريبا من هذه العدّة بأنواع المثل.

وكان مع مروان حين قتل أبناء عبداللّه وعبيد اللّه، وكانا وليّى عهده، فهربا في خواصهما إلى اسوان من صعيد مصر، ثمّ صارا إلى بلاد النّوبة ونالهم جهد شديد وضرّ عظيم.

فهلك عبداللّه بن مروان في جماعة ممّن كان معه قتلا وعطشا وضرّا، وشاهد من بقى منهم أنواع الشدائد وضروب المكاره..


1) وهو عمّ السفاح جهزّه السفاح لقتال مروان بن محمد المشهور بالحمار، منه

2) هو الزاب الأعلى، بين الموصل وإربل

3) فطرس، ضبطه صاحب مراصد الإطّلاع بضم الفاء وسكون الطاء وضم الراء وسين مهملة؛ وقال: موضع قرب الرملة من أرض فلسطين.

ووقع عبيد اللّه في عدّة ممن يجامعه من أهله ومواليه في البلاد مستترين راضين أن يعيشوا سوقة بعد أن كانوا ملوكا، فظفر بعبيد اللّه أيّام السّفاح فحبس فلم يزل في السّجن بقيّة أيّام السّفاح، وأيّام المنصور، وأيّام المهدى، وأيّام الهادى، وبعض أيام الرّشيد وأخرجه الرشيد وهو شيخ ضرير، فسأله عن خبره فقال حبست غلاما بصيرا واخرجت شيخا ضريرا(1).

وقتل عبداللّه بن عليّ بدمشق خلقا كثيرا من أصحاب مروان وموالى بني امية وأتباعهم، ونزل عبداللّه على نهر أبي فطرس فقتل من بني امية هناك بضعا وثمانين رجلا وذلك في ذى القعدة من سنة اثنتين وثلاثين ومأئة(2).

قال المسعودي: ومضى مروان في هزيمته حتى أتى الموصل فمنعه أهلها من الدخول إليها، وأتى حران - وكانت داره، وكان مقامه بها وقد كان أهل حران قاتلهم اللّه تعالى حين أزيل لعن أبي تراب - يعني علي بن أبي طالب عليه‌السلام - عن المنابر يوم الجمعة امتنعوا عن إزالته، وقالوا: لا صلاة الا بلعن أبي تراب، وخرج مروان في أهله وسائر بني أمية عن حران، ونزل عبداللّه بن علي على باب حران، فهدم قصر مروان، وقد كان أنفق عليه عشرة آلاف ألف درهم، واحتوى على خزائن مروان وأمواله، وسار عبداللّه بن علي حتى نزل دمشق فحاصرها وفيها يومئذ الوليدُ بن معاوية ابن عبدالملك في خمسين ألف مقاتل، فوقعت بينهم العصبية في فضل اليمن على نزار ونزار على اليمن فقتل الوليد بن معاوية، وقد قيل: إن أصحاب عبداللّه بن علي قتلوه، ورحل صالح بن علي في طلب مروان.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 121/7 - 122

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 122/7 - 123.

ومعه أبو عون عبدالملك بن يزيد، وعامر بن إسماعيل المَذِحجي، فلحقوه بمصر وقد نزل بوصير، فبايتوه، وهجموا على عسكره فقتل مروان، ولما قتل عامرُ بن اسماعيل مروان وأراد الكنيسة التي فيها بنات مروان ونساوءه إذا بخادم لمروان شاهر السيف يحاول الدخول عليهن، فأخذوا الخادم فسئل عن أمره، فقال: أمرني مروان إذا هو قتل أن أضرب رقاب بناته ونسائه، ثم وجه عامر بنات مروان وجواريه والأسارى الى صالح بن علي، فلما دخلن عليه تكلمت ابنة مروان الكبرى، فقالت: يا عمَّ أمير الموءمنين، حفظ اللّه لك، نحن بناتك و بنات أخيك وابن عمك، فليسعنا من عفوكم ما وسعكم من جورنا، قال: اذن لا نستبقي منكم أحداً رجلا ولا امرأة، ألم يقتل ابوك بالأمس ابن أخي إبراهيم بن محمد بن علي بن عبداللّه بن العباس الإمام في محبسه بحران؟ ألم يقتل هشام بن عبدالملك زيد بن علي بن الحسين ابن علي وصلبه في كنَاسة الكوفة، وقتل امرأة زيد بالحيرة على يدي يوسف ابن عمر الثقفي؟ ألم يقتل الوليد بن يزيد يحيى بن زيد وصلبه بخراسان؟ ألم يقتل عبيد اللّه بن زياد الدعِيُّ مسلم بن عقيل بن أبي طالب بالكوفة؟ ألم يقتل يزيد بن معاوية الحسين بن عليّ عليهما السلام على يدي عمر بن سعد مع من قتل بين يديه من أهل بيته؟ ألم يخرج بحرم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سبايا حتى ورد بهنَّ على يزيد بن معاوية قالت: يا عمَّ أمير الموءمنين ليسعنا عفوكم اذاً، قال: أما العفو فنعم قد وسعكم، فإن أحببت زوجتك من الفضل بن صالح بن علي، وزوجت أختك من أخيه عبداللّه بن صالح، فقالت: يا عم أمير الموءمنين، وأي أوان عرس هذا؟ بل تلحقنا بحران، قال: فإذاً أفعل ذلك بكنّ(1)..


1) مروج الذهب: 245/3 - 248.

وروى أبو الفرج الاصفهاني: نظر عبداللّه بن عليّ في الحرب إلى فتى عليه ابهة الشرف وهو يحارب مستقبلا فناداه يافتى لك الأمان ولو كنت مروان بن محمّد قال: إن لا أكنه فلست بدونه، فقال: لك الأمان ولو كنت من كنت فأطرق ثمّ أنشد:

أذلّ الحياة ذكرة الممات***فكلاّ أراه طعاما وبيلا

و إن لم يكن غير احداهما***فسيرا إلى الموت سيرا جميلا

ثمّ قاتل حتّى قتل فاذا هو ابن مسلمة بن عبدالملك بن مروان(1).

انقراض الدّولة الأمويّة واستيصالهم وقتل نفوسهم كان بيد عبداللّه بن محمّد المكنّى بأبي العباس الملقب، بالسّفاح، وهو أوّل خلفاء العبّاسية كما صرّح به وباسمه ولقبه في الصحاح(2)، والمعروف أنّ اسمه أحمد، وقد بويع له بالخلافة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليله خلت من شهر الرّبيع الأوّل سنة اثنتين وثلاثين ومأئة(3)صعد المنبر يوم بويع وخطب النّاس، فقام إليه السيد الحميرى فأنشده:

ردتكموها يا بني هاشم***فجدّدوا من آيها الطامسا

ردتكموها لا على كعب من***أمسى عليكم ملكها نافسا

ردتكموها فالبسوا تاجها***لا تعدموا منكم له لابسا

خلافة اللّه وسلطانه***و عنصر كان لكم دارسا

قد ساسها قبلكم ساسة***لم يتركوا رطبا ولا يابسا

لو خيّر المنبر فرسانه***ما اختار إلاّ منكم فارسا

والملك لو شودر في سائس***لما ارتضى غيركم سايسا .


1) الاغاني: 490/4

2) الصحاح: 375/1 مادة (سفح)

3) نهاية الارب في فنون الادب: 37/22.

لم يبق عبداللّه بالشام من***آل أبي العاص امرأ عاطسا

فلست من أن تملكوها إلى***هبوط عيسى منكم آيسا(1)

وقد روى حديثه مع بنى امية ابو مخنف لوط بن يحيى بطرز غريب ونهج عجيب، بعبارات فصيحة، وألفاظ بليغة أحببت ايرادها بعينها.

قال: حديث السّفاح لمّا جلس على كرسيّ الامارة للخلافة وسبب قتل بني اميّة على يده تحريص العبد سديف مولا بني هاشم رضى اللّه عنه.

قال: حدّثنا محمّد بن قتادة عن زيد بن عليّ أنه كان في مجلس رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقد سمع أنّ ملك بني امية إذا ماد وانقضى رجعت الخلافة إلى بني العبّاس، وأول من وليّها السّفاح، وقد تسامعت به ملوك الأرض وأذعنوا له بالطّاعة وخطبوا له في مشارق الأرض ومغاربها، وقد نقش اسمه على الدّراهم، وخافت الملوك والتجأت إليه الامم وهربت من سطوته شياطين العرب والعجم، وتطايرت بنو اميّة شرقا وغربا وسهلا وجبلا مخافة من سلطانه وشدّة بأسه وسيفه وقهره، ولما كان بينهم من الضغائن والحقود القديمة والامور السالفة.

ثمّ إنهم كتبوا إليه يطلبون منه الامان، ويسألونه التعطف والاحسان، وأن لا يوءاخذهم بما كان من المداخلة، وأن يجعلهم أهل بطانته وظهارته وأهل مملكته فكتب لهم كتابا وذكر لهم أنه غير غنيّ عنهم وأنه يحتاج إلى خدمتهم، وضمن لهم الأموال والعطايا والاقطاع.

واجتمع إليه منهم الكبير والصّغير، والرّوءسا وآل زياد وآل مروان وآل يزيد بن معاوية فلمّا اجتمعوا كلّهم إليه وكان عدّتهم سبعين فارس ويقدمهم يزيد بن.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 158/7.

عبدالملك بن مروان ساروا في رتبتهم وعددهم حتى قدموا الأنبار ودخلوا إلى أبى العباس أحمد السّفاح على مراتبهم، وأعدّ لهم كراسي من الذهب والفضة ليجلسوا عليها يسلّمون عن يمينه وشماله.

ثمّ إنّه جعل منهم أمراء وحجابا وندما ووكلاء وكانوا يجلسون من حوله وأقرب النّاس إليه وأعزّهم عليه وكان الخاص والعام يتعجبون منه ومن فعله بهم ويقولون ما رأينا رجلا أعجب من هذا الرّجل قطّ، يقرّب أعدائه ويقفى أشغالهم ويعطيهم أمواله وضياعه، وكان العاقل يقول إنما يفعل بهم ذلك ليبيدهم وينعم عليهم حتى يجتمعوا ويتكاملوا ثمّ يأخذهم أخذة شديدة فينذرهم.

قال أبو الحسن: فبينما ذات يوم جالس على مرتبته وبنو اميّة من حوله وعليهم الدّروع المطرزة بطراز الذهب والعمايم الملوّنة متقلدين بالسيوف المحلاّة بالذهب والفضة، وفى أوساطهم المناطق المحلاّة بالجوهر إذ دخل بعض حجابه وهو مذعور، فقال له: يا أمير الموءمنين العجب كلّ العجب، فقال له: وما ذلك العجب؟ قال: يا أمير الموءمنين إنّ على الباب رجلا ذميم المنظر عظيم المخبر شخب اللّون رثّ الأطمار وعلاه الغبار ممّا حلّ به من الأسفار ومن تحته مطية بالية قد قطع بها غياهب الدّجى ومهامه(1)الثرى فلو أنّ لها لسانا لنطقت به ممّا لحقها من التعب والنصب، والرّجل فوقها جالس كالنسر البالى والشيخ الفانى، فاني أتعجّب منه ومن مطيته وقد أناخها ببابك وعقلها بفاضل زمامها ثمّ قال لها بشرى يا ناقتي بالكرامة الكبرى والمسرّة العظمى، وقد بلغت ما هو لك في سروره


1) المهامه جمع مهمهة وهى المفازة البعيدة والبلد القفر، منه

وحبور(1)وحللت بمن هو أهل للمحل السعد وقد نال أعلى المراتب فالحمد للّه فما عليك بعد اليوم سفر ولا تعب ولا جهد، فقلت له: إنّك لعديم العقل تخاطب ناقة عجماء فقال: نعم اخاطبها وابشّرها ثمّ أنشا يقول:

أقول لها يا ناق سيري وابشرى***بجود كريم الوالدين هجان

فتى أبتغى منه الكرامة والعطاء***و من سفرى تعفى وطول هواني

ألا أيّها السّفاح والسّيد الذي***له همم تسطو بكلّ مكان

أتت ناقتي تشكو إليك تأسّفا***فصنها من الأسفار والسّيران

ثمّ إنّه أقبل يريد الدّخول عليك عاجلا والورود إليك راجلا فمنعته من ذلك وقلت له: ما الذى تريد منه؟ فقال: استأذن بالدخول على أمير الموءمنين فانّي قد أتيت إليه من بلد بعيد وسفر صعب شاق شديد، كنت أخوض سواد اللّيل وحنادس الظلام وأقطع المهامه والآكام(2)شوقا إلى طلعته ومحبته في بهجته، واريد التطلع إلى روءيته والأمور كامنة فى الجوارح، والنّيران مضرمة في الجوانح، اريد بروءيته اخمادها واطفاء شهوقها من كلامه وفتح منظره ومرآه فقلت له: امض وتطيّب وغيّر أثوابك ليطرد منك وعث السفر ثمّ أقبلك حتى اوصلك إلى أمير الموءمنين.

فنظر إلىّ بعين الغضب وهو مزور(3)وقال: إنّى آليت على نفسى أن لا أنزع ثوبا ولا أستعمل طيبا ولا ألذّ بعيش حتى أصل إلى أمير الموءمنين وها هو على الباب منتظر ردّ الجواب عن أمير الموءمنين.

قال: فلمّا سمع السّفاح بنعته وصفته قال صاحبنا وعبدنا سديف وربّ الكعبة ثمّه.


1) الحبور السرور، منه

2) جمع الاكمة وهو التل الصغير

3) أى ناظر بموءخر عينيه.

إنّه أذن له بالدخول عليه وقال: إنّه عزيز علينا قريب إلى قلوبنا.

قال: فلما سمع بنو امية بذكر سديف تغيّر لونهم واقشعرّت منهم الأبدان ونظر بعضهم إلى بعض وارتعدت منهم الفرائص وأخذهم الجزع والهلع(1)قبل دخول سديف عليهم.

قال أبو الحسن: وكان من خبر سديف معهم أنّه كان عبدا لبني هاشم وكان فصيح اللّسان قويّ الجنان شاعرا ماهرا يصول بلسانه مقتدرا بكلامه، وكان كلّ موسم من مواسم الحج يخرج فيعلو قبّة زمزم ثمّ يصيح بالناس فيجتمعوا إليه ويعتمدوا بين يديه، فاذا تكاملوا عنده يبسط لسانه بمدح مواليه من بني هاشم ويهجو بنى اميّة ويصغر ملكهم ويحرّض النّاس عليهم ليخلعوا الخلافة منهم ويجعلوها في بنى هاشم الذين جعلها اللّه فيهم وهم أهل بيت محمّد المصطفى صلى‌الله‌عليه‌و‌آله .

فلمّا كان في بعض الأعوام وقد حضر النّاس الموسم أكمل ما يكون من المواسم أقبل سديف فصعد زمزم ثمّ صاح برفيع صوته: يا أهل الأرض ويا أهل الأبطح والصّفا وباب مكّة والكعبة العليا ومن ساير الأقطار شرقا وغربا، فدونكم فاسمعوا ما أقول واللّه على ما أقول وكيل.

ثمّ تكلّم في بني اميّة بكلّ شوءم فأخذه بنو اميّة فضربوه حتّى ظنّوا أنّهم قد قتلوه وألقوه على مزبلة فأقبلت إليه امرئة فسقته شرابا ولجأ إلى رءوس الجبال قال فلمّا سمع بنو اميّة الذين هم عند السّفاح بذكر سديف قال بعضهم لبعض: أليس قد قتل اللّه سديفا فأراحنا منه وإنّا لنراه قد عاش بعد موته لينال مناه منّا.

ثمّ انه دخل على السّفاح ونظر إلى بني اميّة وما هم عليه وانشأ يقول:ن.


1) وهو الرعدة تعرض الانسان.

أصبح الملك ثابت الأساس***بالبهاليل(1)من بني العباس

طلبوا ثار هاشم فسقوها***بعد ميل من الزمان وياس

لا تقيلن عبدشمس عثارا***و اقطعوا كلّ وصلة وغراس(2)

ذلها أظهر التودّد منها***و بها منكم كجز «كحدخ» المواسي

فلقد غاظني وغاظ سواى***قربها من نمارق وكراسى

أنزلوها بحيث أنزلها اللّه***بدار الهوان والاتعاس

واذا كروا مصرع الحسين وزيد***و قتيلا بجانب المهراس(3)

والقتيل الذي بحرّان أضحى(4)***ثاويا بين غربة وتناسي

وقيل: انّ سديف دخل على السّفاح ويده على يد سليمان بن عبداللّه ثمّ انشأ يقول:

لا يغرّنك ما ترى من رجال***إنّ بين الضّلوع داء دويا

فضع السّيف وارفع الصوت حتى***لا ترى فوق ظهرها امويا

طيّب نفسك وقرّ عينك هنيّة***إنّ صبرك هو الجميل اديّا

قال: فقال له السّفاح: أهلا بطلعتك ومرحبا بروءيتك، قدمت خير مقدم، وغنمت خير مغنم، فلك الاكرام والانعام، وأما ما أنت له من الأعداء فالصّفح أجمل، فانّ أكرم النّاس من عفا إذا قدر، وصفح إذا ظفر.

ثمّ إن السّفاح نادى يا غلام عليّ بتخت من الثياب وكيس من الورق، فأتاهد


1) البهلول وزان عصفور السيد الجامع لكلّ خير منه

2) الغراس بالكسر ما يغرس من الشجر منه

3) اراد به حمزة والمهراس ماء بأحد

4) وقتيل حران هو ابراهيم بن محمد

بذلك، فقال السّفاح: خذه وغيّر ثيابك وأصلح حالك وعد إلينا في غداة غد إنشاء اللّه فلك عندنا ما تحبّ وترضى، وستبلغ الرّضا وفوق الرّضا.

قال: فخرج سديف من عند السّفاح وهو فرحان شديد الفرح.

قال: وإنّ بني اميّة بقوا في دهشة وبهتة وحيرة ينظر بعضهم إلى بعض، فعلم السّفاح ما عندهم وما خامرهم فاراد أن يطمئنّهم حتّى يطمئنّوا إليه ويقبلوا بأجمعهم إليه.

فقال لهم: يا بني اميّة لا يكبرنّ عليكم ما سمعتم من هذا العبد، فانه ما تكلّم إلاّ بقلّة عقله وكثرة جهله، وليس له رأى سديد ولا ينبغي أن يلتفت إلى قوله ولا إلى رأى العبيد، ولعمرى إنّه ما كان الواجب أن يذكر مواليه وأن يفعل ذلك الفعال التي لا يفعلها إلاّ الجهال، فترك ما في قلوبهم وما خامرهم، فقال: إنّ لكم علىّ أفضل الهبات وفوق ما تأملون من الكرامات، فانّ هذا زمان وذاك زمان ونحن جرثومة العفو ودعامته فابشروا وطيبوا قلوبكم، فانّي اقدّم لكم العطايا، وأحسن لكم الجزاء وابلغكم الأمل والمنى.

فخرجوا من عنده وقد كشف السّفاح بعض ما كانوا يحذرون من الهمّ والغمّ ثمّ اجتمعوا في مسائهم بالمشورة.

فقال قائلهم: الهرب الهرب ما دام العبد سديف لكم في الطلب، واللّه لا قرّ لكم قرار، ولا كان لكم منجأ ولا من طلبه وثاره ملجأ، وقد كان يعاديكم وهو وحيد فريد لا معين له ولا نصير ولا مجير، فكيف وقد أتت أيّامه وارتفعت أعلامه وظهرت عداوته، فخذوا لأنفسكم وانظروا امائكم من قبل أن يغشيكم من هذا الرّجل أمر شنيع.

فقالوا: يا ويلك إنّ أمير الموءمنين قد أحسن إلينا في الخطاب، ووعدنا بجايزة وسديف أقلّ عنده من ذلك وتفرّقوا إلى منازلهم.

فلمّا كان من الغد بكر القوم إلى السّفاح فدخلوا إليه، وسلّموا إليه، فردّ عليهم بأحسن ردّ، وقرّب مراتبهم، وأعلى منازلهم، ورفع مجالسم، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، ثمّ أقبل إليهم وسألهم من حالهم ومجيئهم إليه وقضى لهم الحوائج.

فبينما هم فى أسر ما كانوا فيه إذ دخل عليهم سديف وقد غيّر أثوابه، فسلّم على السّفاح وأشار إليه بيده، وقال: نعم صباحك، وبان فلاحك، وظهر نجاحك كشف اللّه بك رواكد الهموم، وفداك أبي لانّك آخذ بالثّار، وكاشف عن قومك وضيمة(1)العار، والضارب بالسّيف الثار، وقاتل الاشرار، فحاشاك يا بن الرّوءساء من بني العبّاس، والسّادة من بني هاشم، والسّراة من بنى عبدمناف ثمّ أنشأ يقول:

أصبح الملك عالي الدّرجات***بكرام وسادة وحمات

يا سليل المطهّرين من الرجس***و يا رأس منبر الحاجات

لك أعنى خليفة اللّه في الأرض***ذا المجد وأهل الحياة والممات

غدرونا بنو اميّة حتى***صار جسمي سقيما بالمصيبات

واستباحوا حريمنا وسبونا***و رمونا بالذّل والنّكبات

أين زيد واين عون ومن***حلّ ثاويا بالفرات

والامام الذى بحران أضحى***هو امام الهدى ورأس الثقات

كيف أسلو ممن قتلوه جهرا***و هتكوا بعد ذلك الحرمات

قال: فلما سمع السّفاح كلام سديف أطرق إلى الأرض زمانا حتى سكن ما لحقهم


1) الوضيمة الظلم

ثمّ إنّه رفع رأسه وقال له: قل كلامك وتذكر ما فات، وخذ ما هو آت، فانّ أحلم الناس من صفح عمن ثلمه، وصان عرضه عمن ظلمه، فلك عندنا أفضل الكرامة والجزاء، وحسن المنظر وبلوغ المنى، فانصرف يا سديف ولا تعد إلى مثلها أبدا.

فخرج سديف من عند السّفاح يفور غضبا ويذمّ صحبته. فلمّا خرج من عندهم أقبل السّفاح على بني اميّة وهم مطرقون وجلون، فقال لهم: إنّي أعلم أنّ كلام هذا الشّيخ العبد قد أرجفكم وقد أثّر في قلوبكم، فلا تعبأوا بكلامه، فانّي لكم كما تحبّون وفوق ما تأملون، وسأزيد لكم العطاء، وأقرب لكم الجزاء وأقدّمكم على غيركم.

فخرجوا من عنده وقد سكن مابهم، واجتمعوا للمشورة فيما بينهم.

فقال قائل منهم: هلمّوا بنا حتّى ندخل بكليتنا السّفاح ونسأله أن يسلّم الينا العبد فنقتله أو نستعبده، فجدّوا يا قوم في طلبه فانّ السّفاح لا يمنعنا من ذلك ولا يعصينا ونحن سبعون ألف سيّد لأجل عبدذميم، وإنّكم إن فاتكم أو توانيتم لم يزل العبد معه حتّى يهلككم ويدمّركم، وأنه لا شك قد نصب لكم أشراكا فلا يفلت منكم أحد فاحذروا ثم احذروا.

وقال قائل منهم: إنّ السّفاح إنّما يظهر لكم ما يظهر لتطمئنّوا إليه ثمّ لتوءخذوا على ما كان منكم، فلا تعبأوا بكلام السّفاح.

فقال بعضهم فما كان يمنعه منّا وهو مالك رقابنا وما نراه إلاّ محسنا إلينا ووطأ مجالسنا ورفع مواضعنا ووعدنا بالخير والعطاء الجزيل.

قال يا قوم قد أضعتم قولي وعصيتم أمري وخالفتموني فاذا دخلتم عليه فليدخل بعضكم ويبقى بعضكم على الباب حتّى ننظر ما يكون، فاذا أكرم قوما

بالجزاء والعطاء دخل الباقون ويفعلون مثل ما فعلوا أوّل مرّة، وتقدّموا عليه وأنتم آمنون على هذا الترتيب.

قال فلمّا انسدل الظلام وهجع النّوام بعث السّفاح إلى سديف فأحضره عنده فلّما دخل عليه سديف قال له: يا ويلك يا سديف إنّك لعجول في أمرك، مفش لسرّك، لا تستعمل الكتمان.

فقال سديف: الكتمان قد قتلنى، والتحمّل أمرضنى، والنّظر إلى هوءلاء الظالمين قد أسقمني، ولن يخفى عليك شيء من أمري وما حلّ بى وبأهلك وعشيرتك ومواليك وأقاربك: من قتل الرّجال، وذبح الأطفال، وهتك النسوان، وحمل حريم رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على الأقتاب بغير غطاء ولا وطاء، يطاف بهم البلدان، فأيّ عين لا ترقا مدامعها، وأىّ قلب لا يتفجع عليهم، فاستوف لهم الدّماء، و اضرب بحسامك العدى، وخذ بالثّار من الظلمة لأئمة الهدى ومصابيح الدّجى، وسادة الآخرة والاولى.

ثمّ إنّ سديفا بكى وأنشأ يقول:

يحقّ لي أن ادم ما عشت في حزن***أجرى الدّموع على الخدّين والذّقن

يا آل أحمد ما قد كان حزبكم***كأنّ حزبكم في النّاس لم يكن

رجالكم قتلوا من غير ذى سبب***و أهلكم هتكوا جهرا على البدن

سكينة لست انسيها وقد خرجت***في هيئة فجعة من شدّة الحزن

أبكي الحسين أم أبكي نسوة هتكت***أم ابكي فاطمة أم ابكي الحسن

أم ابكى ليث الوغا في الروع حيدرة***أم ابكى ابن رسول اللّه ذى المنن

اشكو إلى اللّه ما ألقاه من امم***ما أرتضى منهم بالفعل والسّنن

قال فعند ذلك بكى السّفاح بكاء شديدا وزاد عليه الأمر حتى اصفرّ لونه ونادى بأعلى صوته: وا محمّداه وا عليّاه وا سيّداه وا قوماه وا أهلاه واعشيرتاه وبكى سديف حتّى اغمى عليه.

فلمّا أفاق قال له السّفاح: يا سديف قد بلغ الكتاب أجله، وقد حان وقرب ما توءمله فكان بي وقد اطلقت لك السّبيل تضرب بسيفك في أعراضهم كيف شئت.

قال سديف: أما واللّه لان أطلقت لي السّبيل لأرضينّ الجليل، وآخذ منهم ثار الرّسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وارضينّك يا مولاى.

قال له السّفاح: نم ليلتك قرير العين وأتنى في غداة غد اعطيك أملك، وابلغك رجاك.

قال: فبات سديف في تلك أرقا قلقا يدعو ربّه ويسأله تمام ما وعده السّفاح.

ثمّ إنّ السّفاح لمّا أصبح ذلك اليوم سّماه يوم النيروز وهو الذى سمّاه بنو العبّاس نوروز القتل لأنه اليوم الذى قتل السفاح فيه بنى امية وسنّ تلك بني العباس، فأمر السّفاح مناديا ينادي، إنّ أمير الموءمنين أبا العبّاس السّفاح قد بسط الأنطاع، وصبّ عليها خزائنه وقال: اليوم يوم عطاء وجوائز، وضربت البوقات والطّبول، ونشرت الرايّات وخفقت الأعلام.

ثمّ انّ السّفاح نصب سرير ملكه وزيّن قصره وبسط الأنطاع بين يديه، وأفرغ الدّنانير والدّراهم والأسورة ومناطق المراكب الثقال من الذهب والفضّة.

قال: فلما فرغ من ذلك، ورتب الزينة والعدّة عمد إلى أربع مأئة من غلمانه أشدّهم وأشجعهم، فدفع إليهم الأعمدة والسّيوف، وقال لهم: كونوا في الخبرة وأسبلوا عليكم السّتور، فاذا رأيتموني قد جلدت بقلنسوتي الأرض اخرجوا

وضعوا السّيوف في رقاب كلّ من ترونه ولو كانوا من بني عمّي.

قالوا: سمعا وطاعة، وقرّر معهم الوصيّة، فلما تعالى النّهار أقبل إليه النّاس في الزّينة والبهجة الحسنة للسلام والعطاء.

قال: وأقبل بنو اميّة حتّى تكاملوا السّبعين ألف من آل يزيد وآل مروان فلمّا بلغوا القصر نزلوا عن خيولهم ودفعوا عدادهم وسيوفهم إلى عبيدهم ودخلوا على جارى عادتهم وهم يرفلون في حللهم وأثوابهم ولم يعلموا ما يراد بهم، ويزعمون أنّهم مسرورون.

قال: وكان فيهم رجل من جلساء السّفاح وكان شاعرا وقد مدح السّفاح بقصيدة حسنة، وقد أجازه السّفاح عليها فقال له الحجاب الذين عرفوه: ارجع فما هو يوم عطاء وإنّما هو يوم مكر وخداع، فلا تورد نفسك مورد الهلاك والموت، فقد رأينا أمير الموءمنين قد أعطاك وأرضاك، فما نحبّ أن تقع في الهلاك، قال: رضيت أن أرد مورد قومى، وأصدر مصدرهم، فقالوا له: ادخل إلى اللعنة والخزى، فدخل مع القوم على مراتبهم.

وصعد السّفاح إلى أعلى البيت وهو متقلّد بسيفه، ثمّ التفت إلى بني اميّة فقال: هذا اليوم الذى كنت أعدكم فيه الجزاء والعطاء فمن تحبّون أن أبدأ بالعطاء؟

فقالوا ليقربوا إليه ويدخلوا في قلبه: يا أمير الموءمنين ابدء ببني هاشم واحدا بعد واحد، فانهم خير العالم وأرباب المراسم، فصاح السّفاح بعبد كان عن يمينه وقد أعلمه بما يريد وكان فصيح اللّسان فرفعه حتى صار دونه.

ثمّ قال له: ناد يا غلام بني هاشم واحدا بعد واحد حتى نجزل لهم العطاء ونحسن لهم الجوائز عن رضى بلا غضب.

فنادى الغلام برفيع صوته وقال:

أين أبو عبيدة بن الحارث بن هاشم هلمّ إلينا فاقبض عطاك، فقال سديف:

يا شيخ وأين أبو عبيدة بن الحارث، قال: وما فعل اللّه به قال: قتله شيخ من هوءلاء القوم يقال له: شيبة بن ربيعة بن عبدالشّمس، فقال: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وادع لنا غيره.

فنادى الغلام أين أسد اللّه وأسد رسوله حمزة بن عبدالمطلب بن هاشم هلمّ إلينا واقبض عطاك، فقال سديف: واين حمزة؟ فقال السّفاح: ما فعل اللّه به؟

قال: قتله امرأة من هوءلاء القوم يقال لها هند بنت عتبة بن ربيعة في أحد، وذلك لأنها أعطت الوحشى مولا حيدر بن طاهر عدة حتّى قتله، وأقبلت فشقت جوفه وأخذت كبدته لتأكلها فحوّلها اللّه تعالى في فيها حجرا فسمّيت آكلة الأكباد، فلمّا لم تقدر أن تأكلها قطعت أصابعه وجعلها قلاّدة في عنقها، فقال السّفاح: ما علمت بذلك يا غلام اضرب باسمه إذا غاب وادع لنا غيره.

قال فنادى الغلام أين عقيل بن عبدالمطلب بن هاشم هلمّ إلينا وخذ عطاك، قال سديف: يا أمير الموءمنين وأين عقيل؟ قال: وما فعل اللّه به؟ قال: قتله هوءلاء القوم وهو خارج من الشام يريد مدينة الرّسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، قال السّفاح: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وهات غيره.

فنادى الغلام أين مسلم بن عقيل هلمّ إلينا واقبض عطائك، قال سديف: يا مولاى وأين مسلم بن عقيل؟ قال: وما فعل اللّه به؟ قال: قتله هوءلاء القوم فأخذه عبيد اللّه بن زياد فرمى به عن قصر الامارة وربطوا برجليه حبلا وجرّوه في أسواق الكوفة ونادوا هذا جزاء من خرج على خلافة بني امية وسبّوا آبائه وجدّه،

قال: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وهات غيره.

فنادى الغلام أين أول الناس اسلاما وأفضل الوصيين ويعسوب الدين والامام البطين على بن أبي طالب هلمّ إلينا وخذ عطائك، فقال سديف: يا مولاى وأين عليّ بن أبي طالب؟ قال: وما فعل اللّه به؟ قال: قتله المرادي عبدالرّحمن بن ملجم وزيّن معاوية الشّام بقتله أيّاما وفرح فرحا شديدا فقال سفّاح: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه اذا غاب وهات غيره.

فنادى الغلام أين ابن بنت رسول اللّه الحسن بن على بن أبي طالب عليهم‌السلام سيّد شباب أهل الجنة هلمّ إلينا فاقبض عطائك، فبكى سديف وقال: يا مولاى واين الحسن بن عليّ بن أبي طالب؟ قال السفاح: وما فعل بولد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ؟ قال: قتلته جعدة امرأته بسمّ دسّه إليها معاوية من الشّام، فقال: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وهات غيره.

فنادى الغلام اين ابن بنت رسول اللّه وسيد شباب أهل الجنة الحسين ابن على بن أبى طالب عليهم‌السلام هلمّ إلينا فاقبض عطائك، فبكى سديف وقال: يا مولاى وأين الحسين بن عليّ بن أبي طالب؟ قال السفّاح: وما فعل لولد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : قال: قتله أمير هوءلاء الذين هم مقرّبون وهم على كراسيّ الذّهب والفضة بحضرتك قاعدون، قتلوه بأرض كربلا عطشانا والفرات ملآن، وأخذوا رأسه وجعلوه على رمح طويل وحملوه من الكوفة إلى أن أدخلوه دمشق إلى يزيد بن معاوية حتّى ندبته الجنّ، ثمّ رثاه رجل من بعض النّاس يقول:

هلال بدا وهلال أفل***كذلك يجرى صروف الدّول

فقال: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا كان غائبا وهات غيره.

ونادى الغلام واين العباس بن على بن أبى طالب أخو الحسين عليهم‌السلام هلمّ إلينا فاقبض عطائك، فقطع سديف عليه الكلام، ثمّ قال: كأنّك يا أمير الموءمنين تريد توءاخذ هوءلاء القوم بما فعلوا أو تجازيهم بما صنعوا هوءلاء الذين ذكرتهم بكأس المنية قتلهم هوءلاء بأرض كربلا جياعا عطاشا عرايا، قال السّفاح: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه إذا غاب وهات غيره.

فقال الغلام وأين زيد بن على بن الحسين هلمّ إلينا فاقبض عطائك، قال سديف: يا مولاى وأين زيد؟ قال السّفاح: وما فعل اللّه به؟ قال: قتله واحد من هوءلاء القوم يقال له هشام بن عبدالملك بن مروان، وصلبه منكوسا وعششت الفاختة جوفه، ثمّ إنهم بعد ذلك أحرقوه بالنار وسحقوا عظامه في الهاون وذروه في الهوى فاجتمع على وجه الماء ثمّ غاص وخرج خلقا سويّا وهو ينادى برفيع صوته «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»(1)وقتلوا ولده من بعده وقبره هنالك، فقال السّفاح: ما علمت بذلك يا غلام اضرب على اسمه وهات غيره.

ثمّ قال: إنّ هوءلاء ساداتنا عاشوا سعداء وماتوا شهداء بأسياف العدى.

ثم نادى الغلام: اين الامام ابراهيم بن محمد بن عبداللّه بن العباس هلمّ إلينا واقبض عطائك، فسكت سديف ولم يعد قولا ولا ردّ جوابا، وأيقن بنو اميّة بالهلاك، لأنّهم هم الذين قتلوه، فقال السّفاح: ويلك يا سديف كنت إذا ذكر لك رجل من بني هاشم تسرع في الجواب فما لك قد عجزت عن الخطاب عند ذكر أخى قال: لأنّى أستحيى أن اقابلك فأواجهك بما قد فعل بأخيك، فقال السفّاح: سألتك باللّه إلاّ ما تخبرني ما فعل بأخي، قال: قبضه رجل من هوءلاء القوم يقال له.


1) الشعراء: 227.

مروان وأدخل رأسه في جراب بقر وركب في أسفله كور الحدّادين وأمر النافخ أن ينفخ والجلاّد يجلد حتّى ضربه عشرة آلاف سوط في ثلاثة أيّام فقام من أوسط القوم رجل يقال له: يزيد بن عبدالملك وقال: يا ويلك يا عبدالسّوء لقد عظم تعريضك على بني اميّة لقد أشرف أمير الموءمنين على هلاكنا أجمع فقال: إنّ مقصودى ذلك، فرهق السّفاح لسديف بموءخّر عينيه وقد امتلاء حنقا وغيظا ثمّ أنشأ يقول:

حسبت اميّة أن سترضى هاشم***عنها ويذهب زيدها وحسينها

كذبت وحقّ محمّد ووصيّه***حقا ستبصر ما يسى‌ء ظنونها

قال: ثمّ إنّ السّفاح بكى وعلا صياحه، ثمّ خلع قلنسوته عن رأسه وجلد بها سرير ملكه، ونادى: يا لثارات الحسين، يا لثارات بني هاشم، يا لثارات بني عبدالمطلب قال: فلمّا نظر الغلمان إلى السّفاح وفعاله فتحوا أبواب الخزاين وخرجوا وفي أيديهم السيوف والأعمدة فوضعوها في رقاب بني امية فعاد الشاعر يدور بينهم يمينا وشمالا وهو يقول: أنا الذي مدحت السّفاح فقال السّفاح لو لم تكن منهم لما دخلت معهم، فقتله السّفاح بيده، وجرّد سيفه وعاد يضرب يمينا وشمالا فلم تكن إلاّ ساعة أو كحلب ناقة حتى قتلوا عن آخرهم.

فبينما العبيد والخدم والغلمان حول القصر إذ خرج إليهم الدّم من الأفنية وامتلاء البواليع من دماء القتلى كأنّه السّيل أو كأفواه القرب، فعظموا ذلك وأنكروه.

فلمّا فرغ السّفاح من القوم أمرهم أن يجمعوا القتلى ويجعلوهم مثل المصطبة ويفرشوا فوقهم الأنطاع، ففعلوا ذلك وجلس عليها السّفاح وسديف وجماعة من بني هاشم وحشمه.

ثمّ أمر بالموائد فنصبت، ونقلوا إليها الطعام فأكل السفاح وأهله وقومه وجعل القتلى يضطربون من تحتهم.

ثمّ أقبل السّفاح على سديف وقال له: برّد ما بقلبك من الغليل؟ فقال: واللّه يا سيدى ما أكلت أطيب من أكلتى هذه أبدا.

ثمّ انّ سديف قال: واللّه لقتل هوءلاء القوم وكبرائهم وأشرافهم في منازلهم قد تفرقوا في أقطاعهم وأعمالهم، قال: يا سديف ليت شعرى ما أخرج هوءلاء القوم خفت أن يعلموا ما حلّ بقومهم فينهزموا شرقا وغربا وسهلا وجبلا، ولكن يا سديف الذي عمل هذه الحيلة قادر أن يعملها على الباقين حتى لا يبقى منهم صغير ولا كبير على وجه الأرض فقال سديف: فيها يكون زوال القرحة.

فقال السّفاح: يا سديف سترى منّي حيلة ما سبقني إليها أحد وتبلغ ما تحبّه، فأحضر الصّناع فقال لهم: امكّنكم من الأموال ومن كلّ ما تريدون ثمّ رسم لهم الأساس فحفروه وكانوا ألف وخمس مأئة صانع، فلمّا فرغوا من حفر الأساس نقل على الحمير والبغال الملح وسدّ به الأساس ولم يزالوا كذلك حتّى اكتفا الاساس من الملح.

ثمّ أمرهم أن يجعلوا اللّبن فوق الملح ففعلوا ذلك واستحلف الصناع بالايمان المغلّظة أنّهم لا يفشون ذلك إلى أحد وأنهم متى فعلوا ذلك حلّ دمائهم وأموالهم فكتموه ولم يظهروه ووعدهم أن يجزل لهم العطا وأمرهم أن يكونوا في جوانب القصر وأن يخرقوا مجارى القصر للماء إلى الأساس ويصبروا عليه إلى وقت الحاجة ففعلوا ذلك وأحكموه.

ثمّ انّهم أخذوا في البناء والعمل ورتّب قوما في البناء وقوما في عمل المقاصير

وقوما في السّقوف وقوما في التجصيص وقوما يزوّقون الأبواب بالذّهب والفضّة وقوما في تحت العاج والآبنوس، فما مضت عليهم إلاّ أيّام قلائل حتّى فرغوا من القصر وسقوفه وجميع آلاته، ورفعوا مجالسه وركبوا أبوابه وأضاءوا مقاصيره، فلما فرغوا من جميع ذلك علّقوا السّتور الملوّنة.

ثمّ إنهم فرشوه وزيّنوه وحملوا إليه جميع الآلات الحسنة الرّفيعة الغالية من أفخر ما يكون، ثم أذّن للناس بالدّخول والتّفرّج والتّنزّه فيه، فدخل الخاص والعام وجنح إليه الناس من جميع الأقطار يتعجّبون من حسنه وكماله.

ودخل بنو اميّة أوّلهم وآخرهم صغيرهم وكبيرهم، فلما نظروه وعاينوه حاروا ودهشوا وتخالفوا أنه أشبه بارم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد.

وجعلوا يقولون لمن عمل هذا القصر واعدّت هذه الآلات المفتخرة والزينة، فقال قوم: لا شك إنه يكون هذا القصر لأخيه أبي جعفر المنصور، وقال آخرون: ما هو إلاّ لعمّه صالح، واختلف أقاويلهم فيه.

وبلغ ذلك أبا العباس السّفاح فركب إليهم وقال: يا بني اميّة سيروا إلىّ حتى أجزل لكم العطاء، وافضّلكم على العرب والسّادات من ذوى الرتب، فنفروا منه نفورا عظيما، فبعث إليهم يقول: يا بني اميّة ما عملت هذا القصر إلاّ لكم فاطمئنّوا بكلامي وثقوا بما أقول، فانّ قومكم أخبروني بما دخل قلوبكم من الاضطراب وأنّكم تتخلّفون فزعا منى ومن سطوتى وبأسى، ومن يمنعني منكم إذا أردت بكم بأسا، فادخلوا القصر ولا تدخلونه إلاّ وهو لكم وأنا أحلف لكم باللّه ورسوله إنّه لكم.

قال: فلمّا جائتهم البشارة اطمأنّوا بها وقال بعضهم: يا ويلكم اسعوا إلى

مقاصيركم ومنازلكم لكن ألبسوا سلاحكم وشدّوا عدّتكم، فان ثار عليكم أحد من النّاس القوه، ثمّ إنّكم إن تحصّنوا في هذا القصر لا يقدر عليكم أحد، فقالوا هذا هو الرّأى والصواب الذى ليس فيه ارتياب، وقال بعضهم: إنا نخشى أنا إذا حصلنا توثق علينا أبوابه وتركب علينا العساكر فنحاصر في القصر فتصير المقاصير والأحجار قبورنا، فقال أحدهم: هيهات هيهات ما يكون ذلك أبدا، لأنّه رجل وله اتصال برسول اللّه وهو زعيم القوم وخليفة اللّه على خلقه.

ثمّ اجتمع رأيهم على الانتقال إلى القصر وشاع في النّاس أنّه لم ير قطّ أحلم من السّفاح، لأنه عمد إلى قوم قتلوا أسلافه وعشيرته فأقطعهم القطايع وبنى لهم الجنان ورفع لهم المراتب.

قال: فأقبلت إليه السّادات ينقلون إلى القصر واحدا بعد واحد يتسابقون إليه وكلّ واحد يطلب له موضعا، فاذا استوى الرّجل في مقامه لم يغالبه فيه أحد ثمّ إنّهم لم يطمئنوا حتى أو قفوا نفراَ مع عبيدهم على الباب بالسّلاح مخافة الكبسة.

فلمّا تكاملوا أمر السّفاح أن يبسط لهم البسط وعمل سماطا(1)حسنا، وأكثر من الذبائح والحلاوات ثمّ إنه أجلس القوم على الموائد وجاء إليه الناصح من خلف ظهره وأعلمه بأنّهم كلّهم قد حصلوا في القصر إن أردت أن تقتلهم فافعل فما بقى من أعداء اللّه ورسوله إلاّ وقد حضر في القصر.

فلم يكن إلاّ ساعة حتّى إذا دار الماء بجوانب القصر وذاب الملح والقوم في القصر على الموائد ما يدرون ما حلّ بهم فارتجّ القصر وانصدع فهمّوا بالهزيمة فتصايحت حيطانه وانهدمت أركانه واهتزّت العمد ففزع القوم من ذلك ودهشواس.


1) السماط من الطعام ما يمدّ عليه، قاموس.

ووضعوا روءوسهم على ركبهم وظنّوا أنّ الأمر من السّماء قد نزل بهم، فقال قائلهم: قد اخذنا بما كان منا، فهم فى الكلام إذ سقطت الجدران وانهدمت الأركان ووقع القصر عليهم بأجمعهم فعجّل اللّه بأرواحهم إلى النّار وبئس القرار، فهلكوهم وعبيدهم وامائهم ونسلهم وذراريهم فكأنما الأرض قد ابتلعتهم.

و بلغ ذلك السّفاح، فركب وركب سديف معه وساروا إلى القصر فوجدوهم قد هلكوا، فسجدوا للّه شكرا.

فقال السّفاح لسديف: هل أخذت بثارك وثار مواليك؟ فقال سديف: واللّه لو قتل مثل هوءلاء ألف ضعف ما وفى ولا عدل شسع نعل الحسين عليه‌السلام ولا لأحد من مواليه عليه‌السلام ، وقد بلغنى أنّ بالشام خلقا كثيرا من الامويين وأنّ دمشق مملوّة منهم ومن أكابرهم فأنا أرجو من اللّه أن لا يفوتني منهم أحد.

فقال السّفاح: قلت في هذا المعنى شيئا يا سديف؟ قال، نعم يا مولاى واسمع ما أقول:

ألا أبلغن سادات هاشم معشرى***و جمع قريش والقبايل من فهر

تميما ومخزونا وأبناء غالب***و سكّان بيت اللّه والركن والحجر

ومن كان منهم بالمدينة ثاويا***قريبا من النور المغيب في القبر

ومن بالقرى افدى ومن سكن الغرى***وصيّ نبي صاحب النهى والأمر

ومن سكن الطفّ المعظّم قدره***حسين الرضا المدفون فى البلد القفر

ومن حوله من أهله ومواليه***و اخوته من خير نسل ومن طهر

بأنّ سديفا قد شفى اللّه قلبه***بزرق طوال ثمّ مرهفة تبر

فعلت أبا العبّاس فعل أهالك***فأوفيت ما أنذرت في سالف الدهر

من أخذ لثارات الحسين بن حيدر***و فاطمة والسّبط الحسن البرّ

ومن حلّ بالنهرين في أرض كربلا***و من حوله صرعى من الأنجم الزهر

سلام ورضوان على سادة الورى***خيار بني حوّا وآدم ذو الطهر

صلاة من الرحمن تغشى أئمة***هداة اصيبوا بالخديعة والمكر

فاحمد أبا العبّاس يا خير ناصر***سديف يرجى منك أن تجلى الفقر

وتجلى كما أجليت منهم قلوبنا***فقد أيّدك ربّ البرية بالنّصر

على الارض منهم لا تخلّى واحدا***و اشف نفوسا صادعات من الضرّ

فانّك منصور ونور مشرق***و حسبك إنّ الحقّ أيّدك بالنصر

وكم كربة أجليتها من قلوبنا***بعزم وتأييد تساوى البحر

فيا ساير الأذقان خرّوا وسجّدوا***لهيبة أبي العباس في الليل والفجر

ولا تقنطوا من فضل من بان فضله***فمنه إليكم يعقب النهى والأمر

على ظالميهم لعنة اللّه ما دجى***سحير وما أضواه ليل من الهجر

قال أبو مخنف: ثمّ إنّ السفاح رجع إلى قصره وبات تلك اللّيلة فرحانا مسرورا بما أناله اللّه من العزّ والهيبة.

فلمّا أصبح دعا بعمّه صالح بن عبداللّه بن العبّاس، وعقد له لواء على عسكر واختار من خيار فرسانه وأمره بالمسير إلى الشّام وقال له: وكلتك دمشق وأعمالها فسر إليها وجاز المحسن على إحسانه والمسيء على قدر اسائته، وانظر إلى من بيننا وبينه معاداة فلا تقصر في إهلاكه ودماره، وهذا سديف عندنا فخذه في صحبتك فقد علمت نصحه ومروته فلا تمنعه أمرا يريده وامنه على صحبتك وعشيرتك.

فقال صالح: حبّا وكرامة ولو لم توص به لكان حقا علىّ أن لا أفعل شيئا حتّى اوقعه عليه واشاوره فيه.

فلمّا سمع السّفاح كلام عمّه شكره وجزاه خيرا وجرّد الجيش معه وضمّ إليه سديفا وساروا جميعا يجدّون في سيرهم حتّى دخلوا دمشق فلمّا دخلوها وجلسوا دار الامارة جعل يرتّب الأعمال في المواضع من أعمالها.

فلما استقرّ أمره جعل يسأل عن أولاد يزيد وآل مروان بن الحكم فيحضرون بين يديه، وكان يقطعهم القطايع الجيّدة ويعطى لكلّ منهم ما يطلبه، وسديف يستأذن فيهم ويحمل عليهم فيبيدهم ضربا وطعنا حتى قتل منهم بدمشق ثلاثين ألفا وهو يقول: واللّه لو قتلت أضعافا مضاعفا من بني اميّة بل كلّ من طلعت عليه الشمس منهم لما وافى شسع نعل مولى الحسين عليه‌السلام .

وبلغ السّفاح ما فعل سديف فسرّه ذلك، فكتب إلى سديف كتابا وأعاد فيه الشعر الذي قاله فيه قبل سيره مع صالح، فلما فعل صالح ما فعل وقتل من بقى من بني اميّة انهزم قوم منهم إلى الساحل وركبوا البحر طالبين إلى بلاد العرب، فجعل يتابعهم ويأخذ خبرهم فاخبر أنهم ركبوا البحر، فبعث خلفهم سريّة وقتل كلّ من انهزم ولم يسلم منهم أحد إلاّ قوم ترسموا بزينة النّسوان وهم الملثّمة إلى يومنا هذا.

فلمّا عاد صالح إلى دمشق وفى بنذر السّفاح وكان قد نذر أنّه متى أفنى بني اميّة أن يخرب ديارهم، فأخربها جميعا ولم يبق لهم غير الجامع نعمان ودام ملك بني العباس إلى أن ملك منهم أربعون حتّى تمّ قول رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لعمّه العبّاس لما قال له: يابن أخى رأيت كان قد ظهر من دبرى أربعون زنبورا، فقال له رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ،

يا عمّ سيظهر لك من مليك اربعون رجلا ويأخذون الخلافة، فحزن العباس وهجم نفسه، فقال صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لا يا عمّ فقد قضى الأمر وحقّ بالقول وكان ذلك في الكتاب مسطورا(1).

قال الخوئي: هذا ما انتهى إلينا من خبر السّفاح وسديف وانقراض الدولة الأموية ورويته كما وجدته ولم يكن النسخة التي نقلنا منها خالية من السّقم والاختلال فأصلحت ما أمكن بحسب ما أدّى إليه النّظر، وأستعيذ باللّه من هفوات اللّسان وزلاّت البيان(2).

قال ابن أبي الحديد: سئل بعض شيوخ بني اميّة عقيب زوال الملك عنهم ما كان سبب زوال ملكهم؟ فقال: جار عمّالنا على رعيتنا فتمنّوا الراحة منّا، وتحومل على أهل خراجنا فجلوا عنّا، وخربت ضياعنا فخلت بيوت أموالنا، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا، وامضوا امورا دوننا أخفوا علمها عنّا، وتأخّر عطاء جندنا فزالت طاعتهم لنا، واستدعاهم عدوّنا فظافروه على حربنا، وطلبنا أعدائنا فعجزنا منهم لقلّة أنصارنا، وكان استتار الأخبار عنا من أوكد أسباب زوال ملكنا(3)

وقال ابن أبي الحديد: لما أتى أبو العباس برأس مروان سجد فأطال، ثمّ رفع رأسه وقال: الحمد للّه الذي لم يبق ثارنا قبلك وقبل رهطك، الحمد للّه الذي أظفرنا بك وأظهرنا عليك، ما ابالى متى طرقنى الموت، وقد قتلت بالحسين عليه‌السلام ألفا من بني اميّة واحرقت شلو هشام بابن عمّي زيد بن عليّ كما أحرقوا شلوه وتمثّل:7


1) منهاج البراعة: 223/7 - 241

2) منهاج البراعة: 241/7.

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 136/7

لو يشربون دمى لم يروشا ربهم***و لا دمائهم جمعا تروّيني

ثمّ حوّل وجهه إلى القبلة فسجد ثانية ثمّ جلس فتمثّل:

أيا قومنا ان تنصفونا فأنصفت***قواطع في أيماننا تقطر الدّما

إذا خالطت هام الرجال تركتها***كبيض نعام في الثرى قد تحطما

ثمّ قال: فأمّا مروان فقتلناه بأخى إبراهيم، وقتلنا ساير بني اميّة بحسين عليه‌السلام ومن قتل معه وبعده من بني عمّنا أبي طالب(1).

وعن أبي الفرج الاصفهاني قال حدّث الزبير بن بكار عن عمه أنّ السّفاح «سديفا ظ» أنشد يوما قصيدة مدح بها أبا العباس وعنده قوم من بني امية كان آمنهم على أنفسهم فأقبل على بعضهم فقال: أين هذا مما مدحتم؟ فقال: هيهات واللّه لا يقول أحد فيكم مثل قول ابن قيس الرقيات فينا:

ما نقموا من بني اميّة إلاّ***أنهم يحلمون إن غضبوا

وأنهم معدن الملوك فما***تصلح إلاّ عليهم العرب

فقال له يا ماص كذا من امّه وانّ الخلافة لفى نفسك بعد خذوهم فاخذوا فقتلوا(2).

وروى أبو الفرج أيضا أنّ أبا العباس دعا بالغداء حين قتلوا وأمر ببساط فبسط عليهم فجلس فوقه يأكل وهم يضطربون تحته، فلما فرغ قال ما أعلم أنى أكلت أكلة قط كانت أطيب ولا أهنأ في نفسي من هذه، فلما فرغ من الأكل قال: جرّوا بأرجلهم وألقوهم في الطّريق ليلعنهم الناس أمواتا كما لعنوهم أحياء، قال: فلقد.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 130/7 - 131

2) الاغاني: 492/4 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 139/7.

رأينا الكلاب يجرّ بأرجلهم وعليهم سراويلات الوشى حتّى انتنوا، ثمّ حفروا لهم بئرا فالقوا فيها(1).

وعن أبي الفرج أيضا إنّ سديفا أنشد أبا العباس وعنده رجال بني اميّة فقال:

يابن عمّ النّبيّ أنت ضياء***استنبابك اليقين الجليّا

جرّد السيف وارفع العفو حتى***لا ترى فوق ظهرها امويّا

قطن البغض في القديم وأضحى***ثابتا في قلوبهم مطويّا

وهى طويلة فقال أبو العبّاس: يا سديف خلق الانسان من عجل، ثمّ انشد أبو العبّاس متمثّلا:

احيى الضّغاين آباء لنا سلفوا***فلن تبيد ولآلباء أبناء

ثمّ امر بمن عنده فقتلوا(2).

قال أبو الفرج: وأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: أنشدني محمّد بن يزيد المبرّد لرجل من شيعة بني العباس يحضّهم على بني امية:

ايّاكم أن تلينوا لاعتذارهم***فليس ذلك إلاّ الخوف والطّمع

لو انهم أمنوا أبدوا عداوتهم***لكنهم قمعوا(3)بالذّلّ فانقمعوا

أليس في ألف شهر قد مضت لهم***سقيتم جرعا من بعدها جرع

حتّى إذا ما انقضت أيّام مدّتهم***متوا اليكم بالأرحام التي قطعوا

هيهات لا بدّ أن يسقوا بكأسهم***ريّا وأن يحصدوا الزرع الذى زرعوا.


1) الاغاني: 211/2 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 139/7

2) الاغاني: 494/4 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 141/7

3) قمعه كمنعه قهره وذللّه.

إنا واخواننا الأنصار شيعتكم***إذا تفرّقت الأهواء والشيع(1)

وقال ابن أبي الحديد: دخلت احدى نساء بني امية على سليمان بن عليّ وهو يقتل بني امية بالبصرة فقالت: أيها الأمير إنّ العدل ليملّ من الاكثار منه والاسراف فيه، فكيف لا تملّ من الجور وقطيعة الرحم؟ فأطرق، ثمّ قال لها:

سننتم علينا القتل لا تنكرونه***فذوقوا كما ذقنا على سالف الدّهر

ثمّ قال: يا أمة اللّه أوّل راض سنة من يسيرها ألم تحاربوا عليّا وتدفعوا حقّه؟

ألم تسمّوا حسنا عليه‌السلام وتنقضوا شرطه؟ ألم تقتلوا حسينا وتسيروا رأسه؟ ألم تقتلوا زيدا وتصلبوا جسده؟ ألم تقتلوا يحيى وتمثلوا به؟ ألم تلعنوا عليّا عليه‌السلام على منابركم؟ ألم تضربوا أبانا عليّ بن عبداللّه بسياطكم؟ ألم تخنقوا الامام بجراب النورة في حبسكم؟ ثمّ قال: ألك حاجة؟ قالت: قبض عمّالك أموالي، فأمر بردّ أموالها عليها(2).

وقال ابن أبي الحديد: لما استوثق الأمر لأبي العباس السّفاح وفد اليه عشرة من امراء الشام فحلفوا له باللّه وبطلاق نسائهم وبايمان البيعة أنّهم لا يعلمون إلى أن قتل مروان أنّ لرسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أهلا ولا قرابة إلاّ بني اميّة(3).

وذلك لأنهم أرادوا أن يطفئوا نور اللّه بأفواههم فأبى اللّه إلاّ أن يتمّ نوره ولو كره الكافرون، «وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ»(4)..


1) الاغاني: 495/4 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 143/7

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 150/7

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 159/7

4) الشعراء: 227.

أَلاَ إِنَّ أَبْصَرَ الاْءَبْصَارِ مَا نَفَذَ

أي دخل.

فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ

أي: عينه، قال تعالى: «لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ...»(1).

أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ الاْءَسْمَاعِ مَا وَعَى

بفتح العين: أي حفظ.

التَّذْكِيرَ

الّذي سمعه من المذكّر.

وَقَبِلَهُ

وبصر وسمع ليسا كذلك ليسا بسمع وبصر بل عين واذن بلا ثمر، قال تعالى:... «وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها...»(2)ولذا وصفهم تعالى بالصّم والعمى.

أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحِ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ

يعني عليه‌السلام نفسه، كان يعظ النّاس بما يعمل به، لا ككثير وعظهم مجرد قول، وروي عن السّجاد عليه‌السلام قال: مثلنا في كتاب اللّه كمثل مشكاة، فنحن المشكاة والمشكاة الكوة فيها مصباح(3). .


1) ابراهيم: 43

2) الاعراف: 179

3) تاويل الآيات: 357؛ بحار الأنوار 311/23، ح16.

وروي مثله عن الرّضا عليه‌السلام في ما كتب إلى عبداللّه بن جندب وزاد: فالنّور عليّ عليه‌السلام يهدي اللّه لولايتنا من أحبّ، وحقّ على اللّه أن يبعث وليّنا مشرقا وجهه(1).

وروي: الموعظة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان(2).

وَامْتَاحُوا

الماتح: المستقي وكذلك المتوح تقول: متح الماء يمتحه متحا إذا نزحه، والماتح الّذي ينزل البئر فيملأ الدّلو(3).

وفي (الأساس): ماح الماء يميحه وامتاحه(4).

روي أنّه سئل الرضا عليه‌السلام عن قوله عزّ وجلّ: «قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماوءُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ»(5)، فقال: ماوءكم أبوابكم، أي: الأئمة عليهم‌السلام . والأئمّة أبواب اللّه بينه وبين خلقه... يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ(6)يعني بعلم الامام(7).

وعن الصادق عليه‌السلام في قوله عزّ وجلّ: «وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لاَءَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً»(8): لأفدناهم علما كثيرا يتعلّمونه من الأئمّة(9)..


1) بحار الأنوار: 307/23، ح4

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 287/20، ش 279

3) الصحاح: 403/1 مادة (متح) و408/1 مادة (ميح)

4) أساس البلاغة: 609

5) الملك: 30

6) الملك: 30

7) تفسير القمي: 379/2؛ بحار الأنوار 100/24، ح1

8) الجن: 16

9) مجمع البيان: 560/10؛ بحار الأنوار 151/2، ح32 و33.

وقال الصدوق: قال محمّد بن الحسن بن أبي خالد الأشعري الملقّب بشنبولة:

بئر معطّلة وقصر مشرف***مثل لآل محمّد مستطرف

فالنّاطق القصر المشيّد منهم***و الصامت البئر التي لا تنزف(1)

مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ

أي عين صافية.

قَدْ رُوِّقَتْ

أي صفّيت.

مِنَ الْكَدَرِ

قال الشاعر: لو كنت ماء كنت غير كدر(2).

عِبَادَ اللّه‌ِ لاَ تَرْكَنُوا

أي لا تعتمدوا ولا تسكنوا.

إِلَى جَهَالَتِكُمْ

قال الباقر عليه‌السلام لأبي حمزة الثمالي: يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلا، وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلا(3). .


1) معاني الاخبار: 112؛ بحار الأنوار 102/24/ ذ ح 9

2) لسان العرب: 134/5

3) الكافي: 184/1، ح10.

وَلاَ تَنْقَادُوا

أي لا تكونوا متّبعين.

لاِءَهْوَائِكُمْ

قال الباقر عليه‌السلام في قوله تعالى:... «أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ»(1): جاءكم محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بما لا تهوى أنفسكم بموالاة عليّ عليه‌السلام فاستكبرتم، ففريقا من آل محمّد كذّبتم وفريقا تقتلون(2).

فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ

أي الركون إلي جهالته والمنقاد لهواه.

نَازِلٌ بِشَفَا

بفتح الشين، قال تعالى:... «وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ...»(3)أي: طرفها وحرفها.

واقتباس من قوله سبحانه:

«أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللّه‌ِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّم»(4)..


1) البقرة: 87

2) الكافي: 418/1، ح31؛ بحار الأنوار 307/24، ح7

3) آل عمران: 103

4) التوبة: 109.

جُرُفٍ

في (الصحاح): الجرف والجرف، مثل عسر وعسر: ما تجرفته السّيول، وأكلته من الأرض. ومنه قوله تعالى:... «عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ...»(1).

هَارٍ

هار الجرف يهور هورا وهوورا فهو هائر، ويقال أيضا: جرف هار. خفضوه في موضع الرّفع، وأرادوا هائرا وهو مقلوب من الثّلاثي إلى الرّباعي، كما قلبوا شائك السّلاح إلى شاكي السّلاح(2).

قال الباقر عليه‌السلام في قوله تعالى: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّه‌ُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ»(3): كرهوا ما أنزل اللّه تعالى في عليّ عليه‌السلام فأحبط أعمالهم(4).

ولمّا قال عمر لابن عباس: إنّ قريشا كرهت أن يجمعوا لكم النّبوّة والخلافة، قال ابن عبّاس له: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللّه‌ُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ»(5)،(6)

يَنْقُلُ الرَّدَى

أي: أسباب هلكته من (ردى) بالكسر، أي: هلك. .


1) التوبة: 109

2) الصحاح: 856/2 مادة (هور)

3) محمد: 9

4) تاويل الآيات: 568؛ بحار الأنوار: 385/22، ح87

5) محمد: 9

6) تاريخ الطبري: 289/3، سنة 23.

عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ

فيكون قتل نفسه بيده، و: كالباحث عن حتفه بظلفه(1)، وكالباحث عن الشّفرة(2).

لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ وَيُقَرِّبُ مَا لاَ يَتَقَارَبُ

كآراء عمر في ميراث الجدّ، فنقلوا عنه مائة رأي فيه، وك‌آراء أبي حنيفة، فيفتي اليوم بامور عظام، كقتل من فعل كذا، وحلّية فرج امرأة كانت كذا، ويفتي غدا بخلافها مع أنّ دين اللّه تعالى لا يصاب بالعقول، ومن قاس كان أبعد عن دينه من الأرض إلى السماء، فالقتل مع كونه أشدّ من الزّنا يثبت بشاهدين، والزّنا لا يثبت إلاّ بأربعة، والحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة مع كون الصلاة أعظم وجوبا من الصوم، وأوّل من قاس إبليس قال تعالى له:... «ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ...»(3)قال: «أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ»(4).

وغرضه عليه‌السلام وجوب الرجوع بعد النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى أهل بيته الّذين يقولون ما يقولون عنه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لا عن رأي.

فَاللّه‌َ اللّه‌َ أَنْ تَشْكُوا

من شكي يشكو. .


1) لسان العرب: 114/2 مادة (بحث)

2) مجمع الامثال (الميداني): 103/2

3) ص: 75

4) ص: 76.

إِلَى مَنْ لاَ يُشْكِي

من أشكي يشكي: أي لا يزيل.

شَجْوَكُمْ

أي همّكم وحزنكم.

وَلاَ يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أُبْرِمَ

أي أحكم.

لَكُمْ

قال ابن أبي الحديد: ويروى بدل «و لا ينقض...»: «و من ينقض برأيه ما قد أبرم لكم»(1).

قلت: لم ينقل ابن ميثم(2)غيره، ونسخته بخطّ المصنّف فهو المتعيّن، مع أنّه لا معنى للأوّل إلاّ بتكلّف، وأمّا الثاني فلا غبار عليه.

وقد نقض فاروقهم ما أبرمه اللّه تعالى لعباده برأيه من متعة الحجّ، ومتعة النساء، فقال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه أنهي عنهما، وأعاقب عليهما(3).

و قد نقض برأيه ما أبرمه اللّه تعالى بقوله: «...وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ...)(4)من تقديم بعض الطبقات على بعض، كالوالدين والأولاد على الجدّين والإخوة.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 169/7

2) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 24/3

3) كنز العمال: 521/16، ح45722

4) الانفال: 75.

والأخوات، وهم على الأعمام والأخوال، فرأى لهم التّعصيب(1).

و قد نقض برأيه ما أبرمه اللّه تعالى لعباده من تقديم ذي الفرضين، كالزّوجين والوالدين على ذي فرض واحد، كالبنات والأخوات بورود النّقص على الأخير، فرأى لهم العول بجعل النّقص على الفريقين(2)، إلى غير ذلك ممّا فصّل في محلّه.

إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الاْءِمَامِ إِلاّ مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ

قال تعالى: «وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ»(3).

الاْءِبْلاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ

كان عليه‌السلام يعظ النّاس عموما وخصوصا، ليلا ونهارا، كتبا وشفاها، قريبه وبعيده، وليّه وعدوّه، كما كانت الأنبياء عليهم‌السلام كذلك، قال تعالى حكاية عن نوح: «قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً»(4).

وقد كان عليه‌السلام كلّ ليلة بعد صلاة العشاء يقبل بوجهه على النّاس ويقول لهم: تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرّحيل، وإنّ أمامكم عقبة كوءودا، ومنازل مخوفة مهولة لا بدّ من الورود عليها، والوقوف عندها، واعلموا أنّ ملاحظ المنية نحوكم دانية، وكأنّكم بمخالبها، وقد نشبت فيكم، وقد دهمتكم منها مظلعات الامور، ومفظعات المحذور، فقطّعوا علائق الدّنيا، واستظهروا بزاد التّقوى(5). .


1) روي بعض اقضية عمر في الفرائض بالتعصيب والعول المتقي في منتخب كنز العمال 205/4 الفصل الاول

2) نفس المصدر

3) العنكبوت: 18

4) نوح: 5

5) الأمالي للصدوق: 498، م75، ح7؛ بحار الأنوار 143/70، ذ ح 139.

وكان عليه‌السلام كلّ نهار يضع الدّرة على منكبه، ويمشي إلى السوق، ويقف على أهله صنفا صنفا، وينادي: معاشر النّاس قدّموا الاستخارة، وتبرّكوا بالسّهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزيّنوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظّلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الرّبا، «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الاْءَرْضِ مُفْسِدِينَ»(1). ثمّ ينشدهم:

تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها***من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء في مغبتها***لا خير في لذّة من بعدها النّار(2)

ويقرأ لاولي الرياسة: «تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الاْءَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(3)،(4)ويكفيك هذا الكتاب في إبلاغه عليه‌السلام في الموعظة.

وَالاجْتِهَادُ

أي: السعي.

فِي النَّصِيحَةِ

لأنّ الامام كالنّبيّ وجوده لطف من اللّه على عباده، فالواجب عليه السّعي والاجتهاد في نجاة العباد من النّار، وفي تخفيف عذابهم، ولذا لمّا سمع الحسين عليه‌السلام في قصر بني مقاتل بكون عبيد اللّه بن الحرّ الجعفي هناك بعث إليه يدعوه فأبى أن.


1) هود: 85

2) الأمالي للصدوق: 497، م75، ح6؛ بحار الأنوار 94/100، ح10

3) القصص: 83

4) مجمع البيان: 420/7.

يأتيه، فذهب بنفسه إليه وحثّه على نصرته، فأبى، فقال له: فإن لا تنصرنا فاتّق اللّه أن تكون ممّن يقاتلنا، فو اللّه لا يسمع واعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك(1).

وَالاْءِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ

أي: سنّة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لا غيره، فلمّا شرط عبدالرحمن بن عوف عليه عليه‌السلام يوم الشورى سنّة الشيخين إن أراد أن يبايعه قال عليه‌السلام : لا سنّة إلاّ سنّة النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله . فنزل عليه‌السلام عن حقّه(2)ليفهم النّاس بطلان مسلكهم، وكونهم مبتدعين على خلاف كتاب اللّه وسنّة رسوله.

ولمّا جعل المأمون عليّ بن موسى الرّضا عليه‌السلام وليّ عهده، وحضر العيد سأله أن يركب ويحضر ويخطب، لتطمئنّ قلوب النّاس، ويعرفوا فضله، فقال له: قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول هذا الأمر، فإن أعفيتني فهو أحبّ إليّ، وإلاّ خرجت كما كان النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وأمير الموءمنين عليه‌السلام يخرج. فقال: اخرج كما تحبّ. وأمر المأمون القوّاد والنّاس أن يبكّروا إلى بابه، فقعد النّاس له في الطرقات والسطوح، من الرجال والنساء والصبيان، واجتمع القوّاد على بابه، فلمّا طلعت الشّمس قام فاغتسل وتعمّم بعمامة بيضاء من قطن، وألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه، وتشمّر ثمّ قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت. فأخذ بيده عكازة وهم بين يديه، وهو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف السّاق، وعليه ثياب مشمّرة، فلمّا قام ومشينا بين يديه، رفع رأسه إلى السّماء وكبّر أربع تكبيرات، فخيّل إليهم أنّ الهواء والحيطان تجاوبه، والقوّاد والنّاس على الباب وقد تزيّنوا.


1) تاريخ الطبري: 307/4سنة 61

2) السقيفة وفدك: 85.

ولبسوا السّلاح، فلمّا طلعوا عليهم، وطلع عليه‌السلام وقف على الباب، وقال: اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، والحمد للّه على ما أبلانا. ورفع بذلك صوته، ورفعوا أصواتهم، فتزعزعت مرو من البكاء والصّياح، فقالها ثلاث مرّات، فسقط القوّاد عن الدّواب ورموا بخفافهم لمّا نظروا إليه، ولم يتمالك النّاس من البكاء والصيحة، وكان عليه‌السلام يمشي ويقف في كلّ عشر خطوات، فكبّر اللّه أربع مرّات يتخيّل إليهم أنّ السماء والأرض والحيطان تجاوبه، فبلغ المأمون ذلك، فقال له الفضل بن سهل: إن بلغ الرضا المصلّى على هذا افتتن به النّاس، فالرأي أن تسأله أن يرجع.

فبعث إليه بالرّجوع، فدعا بخفه، فلبسه ورجع(1).

وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا

قال النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : ساعة من إمام عدل أفضل من عبادة سبعين سنة، و حدّ يقام للّه في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحا(2).

وروي عن الصادق عليه‌السلام : كان عليّ عليه‌السلام إذا اتي بغلام وجارية لم يدركا لا يبطل حدّا من حدود اللّه، كان يأخذ السّوط بيده ومن وسطه أو من ثلثه، ثمّ يضرب به على قدر أسنانهم(3).

وفي (مروج المسعودى): لمّا شاع بالكوفة أمر الوليد بن عقبة في شربه هجم عليه جماعة، منهم أبو زينب بن عوف الأزدي، وجندب بن زهير الأزدي،.


1) الكافي: 489/1، ح7؛ بحار الأنوار 360/87، ح12

2) الكافي: 175/7، ح8

3) الكافي: 176/7، ح13.

وغيرهما فوجدوه سكران مضطجعا على سريره لا يعقل، فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ، ثمّ تقايأ عليهم ما شرب من الخمر، فانتزعوا خاتمه من يده، وخرجوا من فورهم إلى المدينة، فأتوا عثمان فشهدوا عنده: أنّه شرب الخمر.

فقال: وما يدريكما أنّه شرب خمر قالا: هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهلية. وأخرجا خاتمه فدفعاه إليه، فدفع في نحورهما وقال: تنحّيا عنّي.

فخرجا وأتيا عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام وأخبراه بالقصّة، فأتى عثمان وهو يقول: دفعت الشّهود، وأبطلت الحدود. فقال له عثمان: فما ترى قال: أرى أن تبعث إلى صاحبك، فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه، ولم يدل بحجّة أقمت عليه الحدّ. فلمّا حضر الوليد دعاهما عثمان، فأقاما الشهادة عليه ولم يدل بحجّة، فألقى عثمان السوط إلى عليّ عليه‌السلام ، فقال عليّ عليه‌السلام لابنه الحسن عليه‌السلام : قم يا بني فأقم عليه ما أوجب اللّه عليه. فقال: يكفيه بعض من ترى. فلمّا نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحدّ عليه توقّيا لغضب عثمان لقرابته منه، أخذ عليّ عليه‌السلام السوط ودنا منه، فلمّا أقبل نحوه سبّه الوليد، وقال: يا صاحب مكس. فقال عقيل بن أبي طالب - وكان ممّن حضر -: إنّك لتتكلّم يابن أبي معيط كأنّك لا تدري من أنت إنّما أنت علج من أهل صفورية(1)- كان ذكر أنّ أباه كان يهوديا منها - فأقبل الوليد يروغ من عليّ عليه‌السلام فاجتذبه فضرب به الأرض، و علاه بالسّوط. فقال عثمان: ليس لك أن تفعل به هذا. قال: بلى وشرّا من هذا، إذا فسق ومنع من حقّ اللّه تعالى أن يوءخذ منه(2).

وفاروقهم عطّل الحدّ على المغيرة، فمنع زيادا عن إقامة الحدّ عليه، لاحتياجه.


1) هي قرية بين عكاء واللجون، من اعمال الأردن، من بلاد طبرية

2) مروج الذهب: 335/2.

إليه في دهائه، وكان مقرّا بذلك، فكان إذا رأى المغيرة قال: واللّه ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلاّ خفت أن ارمى بالحجارة من السماء(1)، وكان أمير الموءمنين عليه‌السلام يقول: لئن ظفرت بالمغيرة لا تبعته حجارة(2).

وقال الحسن عليه‌السلام لمعاوية: واللّه سائل عمر عن تعطيله الحدّ على المغيرة(3).

وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ

السّهم: النّصيب، والجمع السّهمان(4).

عَلَى أَهْلِهَا

ولمّا قيل له عليه‌السلام : لو فضّلت الأشراف كان أجدر أن يناصحوك، غضب وقال: أتأمروني أن أطلب النّصر بالجور في من ولّيت عليه(5).

وروى المدائني: أنّ ابن عبّاس كتب إلى الحسن عليه‌السلام بعد أبيه: واعلم أنّ عليّا أباك إنّما رغب النّاس عنه إلى معاوية أنّه آسى بينهم في الفيء، وسوّى بينهم في العطاء فثقل عليهم(6).

ولمّا سأله عقيل أخوه صاعا زائدا على سهمه من بيت المال، أحمى له حديدة وأدناها منه، فضجّ فقال عليه‌السلام له: ثكلتك الثواكل أتئنّ من أذى ولا أئن من لظى(7).


1) الاغاني: 333/16

2) الاغاني: 333/16 والكافي: 182/7، ح8

3) بهج الصباغة: 488/3

4) الصحاح: 1956/5 مادة (سهم)

5) نهج البلاغة (فيض الإسلام): 389، خ 126؛ السرائر: 564/3؛ بحار الأنوار 110/41، ح20

6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 23/16

7) نهج البلاغة (فيض الإسلام): 713/ خ 215؛ مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 109/2.

فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ

أي: يبس.

نَبْتِهِ

صوّحت الرّيح والحرّ البقل: يبسته حتى تشقّق، وصوّح بنفسه وتصوّح(1).

وكلامه عليه‌السلام هذا في معنى قوله عليه‌السلام : سلوني قبل أن تفقدوني(2).

رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلاَ فَتَعَرَّضُوا لَهَا(3).

وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ

ثوّر البرك واستثارها، أي: أزعجها، وأنهضها(4).

واستثرته: هيّجته، قال:

أثار اللّيث في عرّيس غيل***له الويلات ممّا يستثير(5)

مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ

قالت الشّراح: أي: من قبل أن تشغلوا بالفتن عنه من عندهم(6).

ويمكن أن يراد به الشغل بحضور الموت عنه كذلك، نظير قوله تعالى: «وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ.


1) أساس البلاغة: 364

2) نهج البلاغة (فيض الإسلام): 761/ خ 231

3) بحار الأنوار: 221/68

4) الصحاح: 606/2 مادة (ثور)

5) أساس البلاغة: 79

6) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 169/7 وشرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 29/3.

قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ»(1)، وقوله تعالى: «أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّه‌ِ...»(2).

وَانْهَوْا غَيْرَكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ

قال تعالى: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر»(3).

عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام : أَمَرَنَا رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أَنْ نَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّة(4)،(5).

وَقَالَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ ع: أَدْنَى الاْءِنْكَارِ أَنْ تَلْقَى أَهْلَ الْمَعَاصِي بِوُجُوهٍ مُكْفَهِرَّةٍ(6).

وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: أَوْحَى اللّه‌ُ تَعَالَى إِلَى شُعَيْبٍ النَّبِيِّ أَنِّي مُعَذِّبٌ مِنْ قَوْمِكَ مِائَةَ أَلْفٍ أَرْبَعِينَ أَلْفاً مِنْ شِرَارِهِمْ وَسِتِّينَ أَلْفاً مِنْ خِيَارِهِمْ فَقَالَ يَا رَبِّ هَوءُلاَءِ الاْءَشْرَارُ فَمَا بَالُ الاْءَخْيَارِ - فَأَوْحَى اللّه‌ُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ دَاهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي(7)فَلَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي(8).

وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالا: وَيْلٌ لِقَوْمٍ لاَ يَدِينُونَ اللّه‌َ بِالاْءَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ(9)..


1) المنافقون: 10

2) الزمر: 56

3) آل عمران: 104

4) المكفهر: العبوس، قال الجوهريّ: اكفهر الرجل إذا عبس

5) الكافي: 59/5، ح10

6) عوالي اللئالي: 190/3، ح29

7) أي تركوا نصيحتهم ولم يتعرضوا لهم ولم يمنعوهم من قبائحهم

8) الكافي: 56/5، ح1

9) تهذيب الاحكام: 176/6، ح2؛ بحار الأنوار 91/97، ح81.

وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه‌السلام : بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ يَعِيبُونَ الاْءَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ(1).

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليه‌السلام يَقُولُ: لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُسْتَعْمَلَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارُكُمْ فَيَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ(2).

وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا عليه‌السلام يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يَقُولُ إِذَا أُمَّتِي تَوَاكَلَتِ الاْءَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَلْيَأْذَنُوا بِوِقَاعٍ مِنَ اللّه‌ِ تَعَالَى(3).

وَتَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي

قال تعالى: «كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ»(4).

وقال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّه‌ِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُون»(5).

وقال تعالى: «قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي - وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً - وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْه»(6).

عن طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه‌السلام في قوله تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ.


1) الكافي: 57/5، ح5

2) الكافي: 56/5، ح3؛ بحار الأنوار 93/97، ح90

3) الكافي: 59/5، ح13؛ بحار الأنوار 92/97، ح84

4) المائدة: 79

5) الصف: 2

6) هود: 88. .

أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ»(1)قال عليه‌السلام كانوا ثلاثة أصناف: صنف ائتمروا وأمروا فنجوا، وصنف ائتمروا ولم يأمروا فمسخوا، وصنف لم يأتمروا ولم يأمروا فهلكوا(2).

وعن عن أمير الموءمنين عليه‌السلام قال في وصيّته لولده محمّد بن الحنفية: يا بني اقبل من الحكماء مواعظهم وتدبّر أحكامهم، وكن آخذ النّاس بما تأمر به، وأكفّ الناس عما تنهى عنه وأمر بالمعروف تكن من أهله، فانّ استتمام الامور عند اللّه تبارك وتعالى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر(3).

وعن محمّد بن أبي عمير رفعه إلى أبي عبداللّه عليه‌السلام قال: إنما يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من كانت فيه ثلاث خصال: عامل بما يأمر به تارك لما ينهى عنه، عادل فيما يأمر عادل فيما ينهى، رفيق فيما يأمر رفيق فيما ينهى(4).

وعن المفضل بن عمر قال قلت لأبي عبداللّه الصّادق عليه‌السلام بم يعرف الناجي؟ فقال: من كان فعله لقوله موافقا فهو ناج، ومن لم يكن فعله لقوله موافقا فانما ذلك مستودع(5).

وعن أبي حمزة عن عليّ بن الحسين عليهما السّلام في حديث وصف الموءمن والمنافق قال عليه‌السلام : والمنافق ينهى ولا ينتهى ويأمر بما لا يأتي(6)..


1) الأعراف: 165

2) الكافي: 158/8، ح151؛ بحار الأنوار 54/14، ح6

3) من لا يحضره الفقيه: 387/4 ووسائل الشيعة: 140/16، ح21209 - 2

4) الخصال: 109/1، ح79؛ بحار الأنوار 91/97، ح79

5) الأمالي للصدوق: 358، م57، ح7؛ بحار الأنوار 26/2، ح1

6) الكافي: 396/2، ح3؛ بحار الأنوار 205/69، ح5.

وقال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : رأيت ليلة أسرى بي إلى السماء قوما تقرض شفاههم بمقاريض من نار ثمّ يرمى بها، فقلت يا جبرئيل من هوءلاء؟ فقال: خطباء امّتك يأمرون النّاس بالبرّ وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون(1).

والرّوايات في هذا المعنى كثيرة وفيما رويناه كفاية لمن له دراية، وفي هذا المعنى قال أبو الأسود الدّئلي:

وإذا جريت مع السّفيه كما جرى***فكلا كما في جريه مذموم

وإذا عتبت على السّفيه ولمته***في مثل ما تأتى فأنت ظلوم

لا تنه عن خلق وتأتى مثله***عار عليك إذا فعلت عظيم

وابدء بنفسك فانهها عن عيبها***فاذا انتهيت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل ما وعظت ويقتدى***بالعلم منك وينفع التعليم(2)

واللّه الهادي وهو الموفق. .


1) ارشاد القلوب للديلمي: 16/1

2) تاويل الآيات: 124 ومنهاج البراعة للخوئي: 252/7.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (105): ومن خطبة له عليه‌السلام :

اشارة

الْحَمْدُ للّه‌ِِ الَّذِي شَرَعَ الاْءِسْلامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَرَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ فَهُوَ أَبْلَجُ الْمَنَاهِجِ وَأَوْضَحُ الْوَلاَئِجِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُشْرِقُ الْجَوَادِّ مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ كَرِيمُ الْمِضْمَارِ رَفِيعُ الْغَايَةِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ مُتَنَافَسُ السُّبْقَةِ شَرِيفُ الْفُرْسَانِ التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ

منها في ذكر النبي صلى اللّه عليه واله

حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لِقَابِسٍ وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ وَاكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَتَهُ وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ غَيْرَ

خَزَايَا وَلاَ نَادِمِينَ وَلاَ نَاكِبِينَ وَلاَ نَاكِثِينَ وَلاَ ضَالِّينَ وَلاَ مُضِلِّينَ وَلاَ مَفْتُونِينَ وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلاّ أنّنا كرّرناه ههنا لما في الروايتين من الاختلاف.

ومنها في خطاب أصحابه

وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللّه‌ِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاوءُكُمْ وَتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ وَيُعَظِّمُكُمْ مَنْ لاَ فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلاَ يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ وَيَهَابُكُمْ مَنْ لاَ يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً وَلاَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللّه‌ِ مَنْقُوضَةً فَلا تَغْضَبُونَ وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ وَكَانَتْ أُمُورُ اللّه‌ِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللّه‌ِ فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ وَأَيْمُ اللّه‌ِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ لَجَمَعَكُمُ اللّه‌ُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ

عن القمي عن أبيه والعطار عن الأشعري عن البرقي جميعا عن ابن محبوب عن يعقوب السراج، عن أبي جعفر عليه‌السلام وبأسانيد عَنِ الاْءَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: خَطَبَنَا أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام فِي دَارِهِ أَوْ قَالَ فِي الْقَصْرِ وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ ثُمَّ أَمَرَ صَلَوَاتُ اللّه‌ِ عَلَيْهِ فَكُتِبَ فِي كِتَابٍ وَقُرِئَ عَلَى النَّاسِ وَرَوَى غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ(1)سَأَلَ أَمِيرَ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام عَنْ صِفَةِ الاْءِسْلامِ وَالاْءِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللّه‌َ تَبَارَكَ وَتَعَالَى - شَرَعَ الاْءِسْلامَ وَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ لِمَنْ حَارَبَهُ(2)وَجَعَلَهُ .


1) عبداللّه بن الكواء كان من الخوارج (آت)

2) أي لمن أراد محاربته أي هدمه وتضييعه. وقيل محاربته كناية عن محاربة أهله. وفي بعض النسخ [جأر به] كسأل بالجيم والهمزة أي استغاث به ولجأ إليه وفي النهج «على من غالبه» أي حاول أن يغلبه ولعله أظهر وفي تحف العقول «على من جانبه».

عِزّاً لِمَنْ تَوَلاّهُ وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَهُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَزِينَةً لِمَنْ تَجَلَّلَهُ وَعُذْراً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَعُرْوَةً لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ وَحَبْلاً لِمَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَعَوْناً لِمَنِ اسْتَغَاثَ بِهِ وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَفَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ وَعِلْماً لِمَنْ وَعَاهُ وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى وَحِلْماً لِمَنْ جَرَّبَ وَلِبَاساً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَفَهْماً لِمَنْ تَفَطَّنَ وَيَقِيناً لِمَنْ عَقَلَ وَبَصِيرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ وَتُوءَدَةً(1)لِمَنْ أَصْلَحَ وَزُلْفَى لِمَنِ اقْتَرَبَ وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَرَخَاءً لِمَنْ فَوَّضَ وَسُبْقَةً لِمَنْ أَحْسَنَ - وَخَيْراً لِمَنْ سَارَعَ وَجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ وَلِبَاساً لِمَنِ اتَّقَى وَظَهِيراً لِمَنْ رَشَدَ وَكَهْفاً لِمَنْ آمَنَ وَأَمَنَةً لِمَنْ أَسْلَمَ وَرَجَاءً لِمَنْ صَدَقَ وَغِنًى لِمَنْ قَنِعَ فَذَلِكَ الْحَقُّ سَبِيلُهُ الْهُدَى وَمَأْثُرَتُهُ الْمَجْدُ(2)وَصِفَتُهُ الْحُسْنَى فَهُوَ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ(3)مُشْرِقُ الْمَنَارِ ذَاكِي الْمِصْبَاحِ رَفِيعُ الْغَايَةِ يَسِيرُ الْمِضْمَارِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ(4)سَرِيعُ السَّبْقَةِ أَلِيمُ النَّقِمَةِ كَامِلُ الْعُدَّةِ كَرِيمُ الْفُرْسَانِ فَالاْءِيمَانُ مِنْهَاجُهُ وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَالْفِقْهُ مَصَابِيحُهُ وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ وَالنَّارُ نَقِمَتُهُ وَالتَّقْوَى عُدَّتُهُ وَالْمُحْسِنُونَ فُرْسَانُهُ فَبِالاْءِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وَبِالصَّالِحَاتِ يُعْمَرُ الْفِقْهُ وَبِالْفِقْهِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وَبِالدُّنْيَا تَجُوزُ الْقِيَامَةَ وَبِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ وَالْجَنَّةُ حَسْرَةُ.


1) التوءدة: بفتح الهمزة وسكونها: الرزانة والتأنى

2) المأثرة بفتح الميم وسكون الهمزة وضم الثاء وفتحها وفتح الراء واحدة الآمثر وهى المكارم من الاثر وهو النقل والرواية لأنّها توءثر وتروى والمجد نيل الكرم والشرف ورجل ماجد أى كريم شريف (آت)

3) أي أوضح الطريق. وقوله: «ذاكى المصباح» من الذكاء بمعنى التوقد واشتداد اللهب

4) المضمار: الموضع الذي يضمر فيه الخيل. والحلبة بالفتح: خيل تجمع للسباق.

أَهْلِ النَّارِ وَالنَّارُ مَوْعِظَةُ الْمُتَّقِينَ وَالتَّقْوَى سِنْخُ الاْءِيمَانِ(1).

وَعن المرزباني، عن أحمد بن سليمان الطوسي عن الزبير ابن بكّار، عن السدي، عن عبدخير، عن قبيصة، عن جابر الأسدي قال:

قَامَ رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُوءْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام فَسَأَلَهُ عَنِ الاْءِيمَانِ فَقَامَ عليه‌السلام خَطِيباً فَقَالَ - الْحَمْدُ للّه‌ِِ الَّذِي شَرَعَ الاْءِسْلامَ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ جَازَ بِهِ(2)وَجَعَلَهُ عِزّاً لِمَنْ وَالاهُ وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ وَهُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَزِينَةً لِمَنْ تَحَلَّى بِهِ وَعِصْمَةً لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ وَحَبْلاً لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَفُلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ(3)وَعِلْماً لِمَنْ وَعَاهُ وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوَاهُ وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى بِهِ وَحِلْماً لِمَنْ جَرَّبَ(4)وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَفَهْماً لِمَنْ فَطَنَ وَيَقِيناً لِمَنْ عَقَلَ وَبَصِيرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ(5)وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَقَ وَمَوَدَّةً مِنَ اللّه‌ِ لِمَنْ أَصْلَحَ وَزُلْفَى لِمَنِ ارْتَقَبَ وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَرَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ - الْحَقُّ سَبِيلُهُ وَالْهُدَى صِفَتُهُ وَالْحُسْنَى مَأْثُرَتُهُ فَهُوَ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ مُشْرِفُ الْمَنَارِ مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ رَفِيعُ الْغَايَةِ يَسِيرُ الْمِضْمَارِ جَامِعُ الْحَلْبَةِ(6)مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ كَرِيمُ الْفُرْسَانِ التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ .


1) الكافي: 49/2، ح1؛ بحار الأنوار 349/65، ح18. أي أصله وأساسه

2) اعزاز أركانه حمايتها ورفعها على من قصد هدمه وتضييعه واطفاء نوره

3) قوله: «فلجا لمن حاج به» أي ظفرا وغلبة لمن احتج به

4) المراد بالحلم هنا العقل، قال اللّه عزّ وجلّ «أم تأمرهم أحلامهم بهذا» قالوا: أى عقولهم

5) المتوسم: المتفرس والذي يرتاد الحق

6) قال ابن أبي الحديد: «الحلبة: الخيل المجموعة للمسابقة، والمضمار: موضع تضمير الخيل أو زمان تضميرها، والغاية: الراية المنصوبة وهو هاهنا خرقة تجعل على قصبة وتنصب في آخر المدى الذي تنتهى إليه المسابقة».

وَالْفِقْهُ مَصَابِيحُهُ وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ وَالنَّارُ نَقِمَتُهُ وَالتَّقْوَى عُدَّتُهُ وَالْمُحْسِنُونَ فُرْسَانُهُ - فَبِالاْءِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وَبِالصَّالِحَاتِ يُعْمَرُ الْفِقْهُ وَبِالْفِقْهِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وَبِالدُّنْيَا تَجُوزُ الْقِيَامَةَ وَبِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَتُبَرَّزُ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ(1)

و رواه إبن أبي شعبة الحلبي فقال: قال عليه‌السلام إِنَّ اللّه‌َ ابْتَدَأَ الاْءُمُورَ فَاصْطَفَى لِنَفْسِهِ مِنْهَا مَا شَاءَ وَاسْتَخْلَصَ مِنْهَا مَا أَحَبَّ فَكَانَ مِمَّا أَحَبَّ أَنَّهُ ارْتَضَى الاْءِيمَانَ فَاشْتَقَّهُ مِنِ اسْمِهِ(2)

***وأمّا الايمان فرابطة باطنيّة بين اللّه وعبده، به يعبد اللّه وبه يتقرب إليه وبه ينجو من الهلكة ويهدى من الضلالة ويخرج من الظلمة وله آثار في الخارج تظهر من أعضاء الموءمن وجوارحه من الصالحات والاعمال الحسنة فالايمان بمنزلة شجرة منبتها في القلب واغصانها تظهر من الأعضاء والجوارح وثمارها الأخلاق الحسنة والملكات الفاضلة والاعمال الصالحة وكل صفة من الأوصاف الحسنة كالسخاوة والشجاعة. والعدل ثمرة من ثمراتها كما أنّ البخل والجبن والظلم من ثمرات الكفر.

فَنَحَلَهُ مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ ثُمَّ بَيَّنَهُ فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ .

1) الأمالي للمفيد: 275، م33، ح3؛ الأمالي للطوسي: 37، م2، ح40 - 9

2) قال اللّه تبارك وتعالى في سورة الحشر آية 23: «هُوَ اللّه‌ُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوءْمِنُ الْمُهَيْمِنُ» الآية. وليس المراد من اشتقاقه اشتقاق اللفظ من اللفظ فقط بل اشتقاق الحقيقة والمعنى من اسمه تعالى كما جاء في حديث المعراج إن اللّه تعالى قال لي: يا محمّد اشتققت لك اسما من أسمائى فأنا المحمود وأنت محمّد واشتققت لعليّ إسماً من أسمائى فأنا الأعلى وهو على وهكذا فاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام فكلهم أشباح نور من نوره تعالى جل اسمه.

عَلَى مَنْ جَانَبَهُ(1)وَجَعَلَهُ عِزّاً لِمَنْ وَالاهُ وَأَمْناً لِمَنْ دَخَلَهُ وَهُدًى لِمَنِ ائْتَمَّ بِهِ وَزِينَةً لِمَنْ تَحَلَّى بِهِ وَدِيناً لِمَنِ انْتَحَلَهُ وَعِصْمَةً لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ وَحَبْلاً لِمَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَشَرَفاً لِمَنْ عَرَفَهُ وَحِكْمَةً لِمَنْ نَطَقَ بِهِ وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ وَحُجَّةً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَفَلْجاً لِمَنْ حَاجَّ بِهِ(2)وَعِلْماً لِمَنْ وَعَى وَحَدِيثاً لِمَنْ رَوَى وَحُكْماً لِمَنْ قَضَى وَحِلْماً لِمَنْ حَدَّثَ وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ وَفَهْماً لِمَنْ تَفَكَّرَ وَيَقِيناً لِمَنْ عَقَلَ وَبَصِيرَةً لِمَنْ عَزَمَ وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ وَنَجَاةً لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَمَوَدَّةً مِنَ اللّه‌ِ لِمَنْ صَلَحَ وَزُلْفَى لِمَنِ ارْتَقَبَ وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ وَرَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ وَصِبْغَةً لِمَنْ أَحْسَنَ وَخَيْراً لِمَنْ سَارَعَ وَجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ وَلِبَاساً لِمَنِ اتَّقَى وَتَطْهِيراً لِمَنْ رَشَدَ وَأَمَنَةً لِمَنْ أَسْلَمَ(3)وَرُوحاً لِلصَّادِقِينَ فَالاْءِيمَانُ أَصْلُ الْحَقِ وَأَصْلُ الْحَقِّ سَبِيلُهُ الْهُدَى وَصِفَتُهُ الْحُسْنَى وَمَأْثُرَتُهُ الْمَجْدُ(4)فَهُوَ أَبْلَجُ الْمِنْهَاجِ مُشْرِقُ الْمَنَارِ مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ رَفِيعُ الْغَايَةِ يَسِيرُ الْمِضْمَارِ(5)جَامِعُ الْحَلْبَةِ مُتَنَافِسُ السُّبْقَةِ قَدِيمُ الْعِدَّةِ كَرِيمُ الْفُرْسَانِ الصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ وَالْعِفَّةُ مَصَابِيحُهُ وَالْمَوْتُة.


1) يقال: جانبه أي سار إلى جنبه. وفي الكافي [لمن حاربه] وفي النهج [على من غالبه] أي حاول أن يغلبه ولعله أظهر

2) الفلج الظفر والفوز

3) الامنة - بفتح الثلاثة -: الأمن والسلم

4) المأثرة - بضم الثاء وفتحها: المكرمة والفعل الحميد وأبلج أي أوضح والمنهاج: الطريق الواضح. وقيل: أبلج المنهاج أي واضح الطريق وفي الكافي والنهج [أبلج المناهج] بصيغة الجمع أي أشدّ الطرق وضوحا وأنورها. والمنار: علم الطريق ومنار الايمان هي دلائله الواضحة من الاعمال الصالحة والأخلاق الحسنة

5) أي إذا سوبق سبق. وفي النهج [كريم المضمار]. وإذا كان المضمار موضع الذي تضمر فيه الخيل فالمراد به الدنيا لأنّها يسيرة والحلبة - بسكون اللام -: خيل تجمع للسباق والنصرة.

غَايَتُهُ(1)وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ وَالنَّارُ نَقِمَتُهُ وَالتَّقْوَى عُدَّتُهُ وَالْمُحْسِنُونَ فُرْسَانُهُ فَبِالاْءِيمَانِ يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحَاتِ وَبِالصَّالِحَاتِ يُعْمَرُ الْفِقْهُ وَبِالْفِقْهِ يُرْهَبُ الْمَوْتُ وَبِالْمَوْتِ تُخْتَمُ الدُّنْيَا وَبِالدُّنْيَا تَحْذُو الآْخِرَةُ(2)وَبِالْقِيَامَةِ تُزْلَفُ الْجَنَّةُ وَالْجَنَّةُ حَسْرَةُ أَهْلِ النَّارِ وَالنَّارُ مَوْعِظَةُ التَّقْوَى وَالتَّقْوَى سِنْخُ الاْءِحْسَانِ وَالتَّقْوَى غَايَةٌ لاَ يَهْلِكُ مَنْ تَبِعَهَا وَلاَ يَنْدَمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهَا لاِءَنَّ بِالتَّقْوَى فَازَ الْفَائِزُونَ وَبِالْمَعْصِيَةِ خَسِرَ الْخَاسِرُونَ فَلْيَزْدَجِرْ أُولُو النُّهَى وَلْيَتَذَكَّرْ أَهْلُ التَّقْوَى(3).

الْحَمْدُ للّه‌ِِ الَّذِي شَرَعَ الاْءِسْلامَ

قال تعالى: «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه»(4).

وقال تعالى: «ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الاْءَمْرِ فَاتَّبِعْها»(5).

فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ

جمع الشريعة مشرعة الماء وهي مورد الشاربة، قال تعالى: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ...»(6)..


1) أي غايته في حفظه فالموءمن كان في مدة حياته في الدنيا في التعب والمشقة. وقيل يريد الموت عن الشهوات البهيميّة والحياة بالسعادة الابديّة والدنيا مضماره أي موضع الذي يضمر فيه لانها مزرعة الآخرة

2) أي تقابل الآخرة من حذاه أي كان بازائه وحذائه. وفي النهج وبعض نسخ الكافي [تحوز الآخرة] أى تحفظ السعادة بسبب الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة

3) تحف العقول: 162

4) الشوري: 13

5) الجاثية: 18

6) الحج: 78.

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بعثت على الشريعة السمحة السهلة(1).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: إِنَّ اللّه‌َ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْطَى مُحَمَّداً شَرَائِعَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى عليه‌السلام التَّوْحِيدَ وَالاْءِخْلاصَ وَخَلْعَ الاْءَنْدَادِ وَالْفِطْرَةَ الْحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ(2)لاَ رَهْبَانِيَّةَ وَلاَ سِيَاحَةَ(3)أَحَلَّ فِيهَا الطَّيِّبَاتِ وَحَرَّمَ فِيهَا الْخَبِيثَاتِ وَوَضَعَ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاْءَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَعَرَّفَ فَضْلَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ افْتَرَضَ عَلَيْهِ فِيهَا الصَّلاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْحَجَّ وَالاْءَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَلالَ وَالْحَرَامَ وَالْمَوَارِيثَ وَالْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّه‌ِ وَزَادَهُ


1) بحار الأنوار: 548/30

2) السمحة: السهلة

3) قد كانت الرهبانية وهي الاعتزال عن الناس إلى دير أو كهف أو مغارة للتعبد والسياحة في الامصار وهي التعطل عن المشاغل وعدم الدخول فيما يهم المجتمع من الصناعات والتجارات مما شاعت في النصارى، وكانت بدعة ابتدعوها في دين المسيح7 ولم تكن في دينه، ثم انتشرت منهم في البلاد والمذاهب حتّى جاء الإسلام، فرأى أنّها جريمة تضر بالمجتمع، وتهدم أساس الحضارة، وتبطل حقوق الانسانية، ونواميس البشرية مع أن اللّه تعالى وضع الأديان حفظا لنواميس الاجتماع، وابقاء للنوع الانسانى، فهدم9 أساس الرهبنة، وانقض أركانه فقال:»لا رهبانية ولا سياحة«ووضع أساس الدين على ما يصلح به الدنيا والآخرة، وشرع قوانين يفوز عامله في الدارين جميعا، فلم يكن حثه على الصلاة مثلا بأكثر من حثه على التجارة والزراعة والنكاح، ولم يكن نظره إلى ما يصلح به الدنيا أقصر من نظره إلى ما يصلح الآخرة به، وكان يصف نفسه بذى العينين إيعازا إلى ذلك، هذا ما جاء به نبى الإسلام نبى الرحمة والحكمة، وأمّا المسلمون فلم نعلم كيفما غفلوا عن هذه النواميس الإسلامية وقوانينها وتعليم نبيهم فكيف أثر فيهم ما كان نبيهم يحذرهم عنه؟ كيف أثر فيهم تعاليم الرهبنة؟ ومن أين اعدوا من هذا الداء المزمن والسم الناقع؟ فأصبحوا مستضعفين في الأرض، مقهورين في أيدي من كانوا يسودون عليهم في الامس، سبحانك اللّهمّ ما جزيتنا إلاّ بسوء أعمالنا وبرفضنا تعاليم نبيك، نسيناك فأنسيتنا أنفسنا، وما تجازى إلاّ الكفور.

الْوُضُوءَ وَفَضَّلَهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَبِخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَالْمُفَصَّلِ(1)وَأَحَلَّ لَهُ الْمَغْنَمَ وَالْفَيْءَ وَنَصَرَهُ بِالرُّعْبِ وَجَعَلَ لَهُ الاْءَرْضَ مَسْجِداً وَطَهُوراً وَأَرْسَلَهُ كَافَّةً إِلَى الاْءَبْيَضِ وَالاْءَسْوَدِ وَالْجِنِّ وَالاْءِنْسِ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ وَأَسْرَ الْمُشْرِكِينَ وَفِدَاهُمْ ثُمَّ كُلِّفَ مَا لَمْ يُكَلَّفْ أَحَدٌ مِنَ الاْءَنْبِيَاءِ أَنْزَلَ عَلَيْهِ سَيْفاً مِنَ السَّمَاءِ فِي غَيْرِ غِمْدٍ وَقِيلَ لَهُ فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّه‌ِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ(2).

وعن عمّار بن الأحوص قلت لأبي عبداللّه عليه‌السلام ان عندنا أقواما يقولون بأمير الموءمنين عليه‌السلام ، ويفضّلونه على الناس كلّهم وليس يصفون ما نصف من فضلكم انتولاّهم فقال لي نعم في الجملة أليس عند اللّه ما لم يكن عند رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ولرسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عند اللّه ما ليس لنا وعندنا ما ليس عندكم وعندكم ما ليس عند غيركم ان اللّه تعالى وضع الاسلام على سبعة أسهم على الصبر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم ثم قسّم ذلك بين الناس فمن جعل فيه هذه الأسهم فهو كامل الايمان محتمل ولبعض الناس السهم ولبعض السهمان ولبعض الثلاثة ولبعض الأربعة ولبعض الخمسة ولبعض الستة ولبعض السبعة فلا تحملوا على صاحب السهم سهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة أسهم، ولا على صاحب الثلاثة أربعة أسهم، ولا على صاحب الأربعة خمسة أسهم، ولا على الخمسة ستة.


1) قال الطريحى: فِي الْحَدِيثِ" فُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ" قيل سمي به لكثرة ما يقع فيه من فصول التسمية بين السور. وقيل لقصر سورة. واختلف في أوله فقيل من سورة محمد ص. وقيل من سورة ق. وقيل من سورة الفتح. وعن النووي مُفَصَّلُ القرآن من محمد ص، وقصاره من الضحى إلى آخره، ومطولاته إلى عم، ومتوسطاته إلى الضحى. وَفِي الْخَبَرِ الْمُفَصَّلُ ثَمَانٌ وَسِتُّونَ سُورَةً (مجمع البحرين: 441/5)

2) الكافي: 17/2، ح1؛ بحار الأنوار 330/16، ح26.

أسهم، ولا على صاحب الستة سبعة أسهم، فتثقلوهم وتنفروهم ولكن ترفقوا بهم وسهّلوا لهم المدخل.

وسأضرب لك مثلا تعتبر به انّه كان رجل مسلما، وكان له جار كافر وكان الكافر يرفق بالموءمن فحبّب الموءمن للكافر الإسلام فلم يزل يزيّن له الاسلام حتى أسلم فغدا عليه الموءمن فاستخرجه من منزله، فذهب به إلى المسجد ليصلّي معه الفجر في جماعة فلمّا صلّى قال له: لو قعدنا نذكر اللّه تعالى حتى تطلع الشمس فقعد معه فقال: لو تعلّمت القرآن إلى أن تزول الشمس وصمت اليوم كان أفضل فقعد معه وصام حتى صلّى الظهر والعصر، فقال: لو صبرت حتى تصلّي المغرب والعشاء كان أفضل فقعد معه حتى صلّى المغرب والعشاء ثم نهضا وقد بلغ مجهوده و حمل عليه ما لم يطق فلمّا كان من الغد غدا عليه وهو يريد به مثل ما صنع بالأمس فدق عليه بابه، ثم قال له: أخرج حتى نذهب الى المسجد، فأجاب: (اعزب عني فان هذا دين شديد لا أطيقه) فلا تخرقوا بهم اما علمت أن امارة بني أمية كانت بالسيف والعسف، وأمارتنا بالرفق والتآلف وحسن الخلطة والورع والاجتهاد فرغّبوا الناس في دينكم وفي ما أنتم فيه(1).

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ وَلاَ تُكَرِّهُوا عِبَادَةَ اللّه‌ِ إِلَى عِبَادِ اللّه‌ِ فَتَكُونُوا كَالرَّاكِبِ الْمُنْبَتِّ الَّذِي لاَ سَفَراً قَطَعَ وَلاَ ظَهْراً أَبْقَى(2)..


1) الخصال: 354/2، ح35؛ بحار الأنوار 169/66، ح11

2) الكافي: 86/2، ح1؛ بحار الأنوار 211/68، ح3.

قال تعالى: «لا يُكَلِّفُ اللّه‌ُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها»(1).

وقال تعالى: «لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها»(2).

وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ

أي: جعلها شديدة على من أراد الغلبة عليها فلا يقدر عليها.

وفي المثل «إذا عز أخوك فهن» أي: إذا اشتد هو فكن أنت هينا.

والمراد بالأركان مطلق الأحكام والذّي يظهر من الروايات هو ان الأركان في الإسلام عبارة عن خمسة، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: بُنِيَ الاْءِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ عَلَى الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْوَلاَيَةِ وَلَمْ يُنَادَ بِشَيْءٍ كَمَا نُودِيَ بِالْوَلاَيَةِ(3)، ويظهر من بعض آخر انّها ثلاثة، عَنِ الصَّادِقِ عليه‌السلام قَالَ قَالَ: أَثَافِيُّ الاْءِسْلامِ ثَلاثَةٌ الصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ وَالْوَلاَيَةُ لاَ تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ إِلاّ بِصَاحِبَتَيْهَا(4).

فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ

قال يصف أسدا:

إذا علقت قرنا خطاطيف كفّه***رأى الموت في عينيه أسود أحمرا(5)

وفي المثل (علقت معالقها وصر الجندب)، الضمير للدلو(6).

قال النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : أيّها الناس ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربّكم.


1) البقرة: 286

2) الأعراف: 42 و..

3) الكافي: 18/2، ح1؛ بحار الأنوار 329/65، ح1

4) الكافي: 18/2، ح4؛ بحار الأنوار 330/65، ح5

5) أساس البلاغة: 433

6) أساس البلاغة: 433.

كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا الا لا ترجعن بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض(1).

وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّه‌ِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُوءْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللّه‌ِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللّه‌ُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللّه‌َ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرا»(2).

وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ

قال تعالى: «قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاّ اللّه‌َ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّه‌ِ...»(3).

وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ

قال تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّه‌ِ الاْءِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللّه‌ِ فَإِنَّ اللّه‌َ سَرِيعُ الْحِسابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للّه‌ِِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالاْءُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللّه‌ُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ)(4).

وقال تعالى: «وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّه‌ِِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ.


1) الطبقات الكبري: 184/2

2) النساء: 94

3) آل عمران: 64

4) آل عمران: 19 - 20.

عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ»(1).

وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ

قال تعالى: «قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللّه‌ِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّه‌ُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيم»(2).

وقال تعالى: «أَفَمَنْ شَرَحَ اللّه‌ُ صَدْرَهُ لِلاْءِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّه‌ِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ»(3).

ولكونه نورا لمن استضاء به، كان المنافقون في إظهارهم الإسلام وعدم التزامهم بمقتضاه كمن له نور ذهب به، قال تعالى فيهم: «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّه‌ُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ»(4).

وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ

قال تعالى: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّه‌ِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّه‌ِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ»(5).

«لمن تدبر» فيه.

وَلُبّاً

وهو ما في القشر. .


1) البقرة: 111 - 112

2) المائدة: 15 - 16

3) الزمر: 22

4) البقرة: 17

5) الروم: 30.

لِمَنْ تَدَبَّرَ فيه

قال تعالى: «وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّه‌ِِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً...»(1).

وَآيَةً

أي علامة للّه.

لِمَنْ تَوَسَّمَ

أي: تفرّس، قال تعالى: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُوءْمِنْ بِاللّه‌ِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَها وَاللّه‌ُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(2).

وقال تعالى: «قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّه‌ِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّه‌ُ يُوءَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ...»(3).

وَتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ

قد عرفت ان (الكافى) رواه (و بصيرة لمن عزم) وهو أصحّ فمن عزم على أمر لابد أن يكون على بصيرة منه، ولا يلزم إذا كان هو على بصيرة تبصرة غير له.

وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ

قال تعالى: «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ.


1) النساء: 125

2) البقرة: 256

3) آل عمران: 13.

لِما فِي الصُّدُور...»(1).

وقال تعالى: «وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الاْءَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(2).

وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ

قال تعالى: «وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّه‌ُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ»(3).

وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ

قال تعالى: «وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّه‌ِ فَهُوَ حَسْبُه»(4).

قال الحسن عليه‌السلام لعبد اللّه بن جعفر كيف يكون الموءمن موءمنا وهو يسخط قسمته، ويحقر منزلته، والحاكم عليه اللّه، وأنا الضامن لمن لا يهجس في قلبه إلاّ الرضا ان يدعو اللّه فيستجاب له(5).

وَرَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ

عن أبي جعفر عليه‌السلام ما يضر رجلا إذا كان على ذي الرأي ما قال الناس له ولو قالوا مجنون وما يضرّه ولو كان على رأس جبل يعبد اللّه حتى يجيئه الموت(6). .


1) يونس: 57

2) . الانفال: 26

3) آل عمران: 103

4) الطلاق: 3

5) الكافي: 62/2، ح11؛ بحار الأنوار 335/69، ح23

6) الكافي: 245/2، ح1؛ بحار الأنوار 153/64، ح12.

وعَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : قَالَ اللّه‌ُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الاْءَرْضِ إِلاّ مُوءْمِنٌ وَاحِدٌ لاَسْتَغْنَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَلَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ إِيمَانِهِ أُنْساً لاَ يَحْتَاجُ إِلَى أَحَدٍ(1).

وَجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ

شكا رجل إلى أبي عبداللّه عليه‌السلام الحاجة فقال: اصبر فان اللّه سيجعل لك فرجا، ثم مكث ساعة، فأقبل على الرجل، وقال: اخبرني عن سجن الكوفة كيف هو فقال: ضيّق منتن وأهله بأشدّ حال قال فانما أنت في السجن فتريد أن تكون فيه في سعة اما علمت ان الدنيا سجن الموءمن(2).

فَهُوَ أَبْلَجُ

أي: مشرق مضيء قال: العجاج، «حتى بدت أعناق صبح ابلجا»(3).

الْمَنَاهِجِ

جمع المنهج، أو المنهاج، الطريق الواضح، قال تعالى: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...»(4).

وَأَوْضَحُ الْوَلاَئِجِ

الولائج جمع الوليجة البطانة. .


1) الكافي: 245/2، ح2؛ بحار الأنوار 154/64، ح13

2) الكافي: 250/2، ح6؛ بحار الأنوار 219/65، ح9

3) أساس البلاغة: 48

4) الانعام: 153.

ولائجه مثل محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وعلي عليه‌السلام الرجل الأول والثاني في العالم وفيهما قال تعالى: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ...»(1)فقال عليه‌السلام - في المستفيض عنه - النبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على بيّنة وأنا شاهد منه(2).

مُشْرِفُ الْمَنَارِ

والمنارة ما يوضع فوقها السراج.

مُشْرِقُ الْجَوَادِّ

جمع الجادّة.

مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ

جمع المصباح السراج.

كَرِيمُ الْمِضْمَارِ

قال الجوهري تضمير الفرس أن يعلفه حتى يسمن ثم يردّه إلى القوت، وذلك في أربعين يوما وهذه المدّة تسمّى المضمار والموضع الذي تضمر فيه الخيل أيضا مضماره(3). .


1) هود: 17

2) كشف الغمّة (ط - القديمة): 315/1؛ بحار الأنوار: 392/35/ح15

3) الصحاح: 722/2.

رَفِيعُ الْغَايَةِ

المراد الغاية في المسابقة بقرينة قبله وبعده.

جَامِعُ الْحَلْبَةِ

بسكون اللام، الحلبة مجال الخيل للسباق والخيل التي تأتي من كل أوب(1).

مُتَنَافَسُ

أي متراغب.

السُّبْقَةِ

بالتحريك الخطر الذي يوضع بين أهل السباق.

قال تعالى: «إِنَّ اللّه‌َ اشْتَرى مِنَ الْمُوءْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّه‌ِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالاْءِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّه‌ِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ»(2).

شَرِيفُ الْفُرْسَانِ

قال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزاوءُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاْءَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللّه‌ُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ»(3). .


1) أساس البلاغة: 137

2) التوبة: 111

3) البينة: 7 - 8.

وقال تعالى: «فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ»(1).

التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ

قال تعالى: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُوءْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»(2).

وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ

قال تعالى: «فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً»(3).

وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ

عن امير الموءمنين عليه‌السلام ع: إن لم تعلم من أين جئت لم تعلم إلى أين تذهب(4).

قال تعالى: «وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ»(5).

وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ

قال تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّه‌َ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ...»(6)..


1) البلد: 11 - 18

2) النساء: 65

3) الكهف: 110

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 292/20، ش 343

5) الحجر: 99

6) الحشر: 18.

وقال تعالى: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا...»(1).

وقال تعالى: «وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُوءَخِّرَ اللّه‌ُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللّه‌ُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ»(2).

وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ

قال تعالى: «يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ...»(3)

وقال تعالى: «وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ»(4).

وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ

قال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى»(5).

وقال تعالى: «... إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً. جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا. لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا * تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا»(6).

وقال تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُوءْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ * وَالَّذِينَ.


1) البقرة: 197

2) المنافقون: 10 - 11

3) التغابن: 9

4) يس: 32

5) النازعات: 40 - 41

6) مريم: 60 - 63.

هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لاِءَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ * أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ»(1).

وقال تعالى:... «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ»(2).

وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللّه‌ُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ»(3).

هذا وزاد في الكتب الأربعة بعد ما مرّ «و النار نقمته» وفقرات أخرى كما مرّ وكان على المصنف نقلها لكمال مناسبتها.

قال ابن أبي الحديد: هذا باب من الخطابة شريف وذلك لأنه ناط بكل واحدة من اللفظات لفظة تناسبها وتلائمها لو نيطت بغيرها لما انطبقت عليها ولا استقرت في قرارها أ لا تراه قال أمنا لمن علقه فالأمن مرتب على الاعتلاق وكذلك في سائر الفقر كالسلم المرتب على الدخول والبرهان المرتب على الكلام والشاهد المرتب على الخصام والنور المرتب على الاستضاءة إلى آخرها ألا ترى أنه لو قال وبرهانا لمن دخله ونورا لمن خاصم عنه وشاهدا لمن استضاء به لكان قد قرن باللفظة ما لا يناسبها فكان قد خرج عن قانون الخطابة ودخل في عيب ظاهر(4)

منها في ذكر النبي صلى اللّه عليه واله .


1) الموءمنون: 11 -1

2) النحل: 32

3) فصلت: 30

4) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 170/7.

حَتَّى أَوْرَى

من (أوريت الزند ): أخرجت ناره.

قَبَساً لِقَابِسٍ

القبس: الشعلة من النار، والقابس: طالب النار، ومنه حديث عليّ عليه‌السلام حتّى أورى قبسا لقابس. أي: أظهر نورا من الحقّ لطالبه(1).

وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ

قال ابن أبي الحديد: يعني نصب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لمن قد حبس ناقته ضلالا، فهو يخبط لا يدري كيف يهتدي المنهج علما يهتدي به(2).

لم يقل أحد: إنّ معنى الحابس ما قال، والصواب: أنّ الحابس بمعنى الراجل الّذي تخلّف عن الركب فتحيّر، ففي (النهاية) في حديث الفتح: أنّه بعث أبا عبيدة على الحبس: هم الرجّالة، سمّوا بذلك لتحبّسهم عن الركبان، وتأخّرهم، واحدهم حبيس، فعيل، بمعنى مفعول، أو بمعنى فاعل، كأنّه يروى: الحبّس، بتشديد الباء وفتحها، فان صحّت الرواية، فلا يكون واحدها إلاّ حابسا كشاهد وشهّد(3).

وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو نَهَتْهُ قُرَيْشٌ عَنْ قُرْبِ النَّبِيِّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ مَحْشُوّاً أُذُنَيْهِ بِكُرْسُفٍ لِكَيْلا يَسْمَعَ صَوْتَهُ فَكَانَ يَسْمَعُ فَأَسْلَمَ وَقَالَ:

يُحَذِّرِنُيِ مُحَمَّدَهَا قُرَيْشٌ***وَمَا أَنَا بِالْهَيُوبِ(4)لَدَى الْخِصَامِ

فَقَامَ إِلَى الْمَقَامِ وَقُمْتُ مِنْهُ***بَعِيداً حَيْثُ أَنْجُو مِنْ مَلامٍ.


1) النهاية لابن الأثير: 4/4 مادة (قبس)

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 173/7

3) النهاية: 329/1

4) الهيوب: الخائف.

وَأُسْمِعْتُ الْهُدَى وَسَمِعْتُ قَوْلاً***كَرِيماً لَيْسَ مِنْ سَجْعِ الاْءَنَامِ

وَصَدَّقْتُ الرَّسُولَ وَهَانَ قَوْمٌ***عَلَيَّ رَمَوْهُ بِالْبُهْتِ الْعِظَامِ

ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ اللّه‌ِ إِنِّي امْرُوءٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي فَادْعُ اللّه‌َ أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْناً عَلَى مَا أَدْعُوهُمْ إِلَى الاْءِسْلامِ فَقَالَ عليه‌السلام : اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً فَانْصَرَفَ إِلَى قَوْمِهِ إِذْ رَأَى نُوراً فِي طَرَفِ سَوْطِهِ كَالْقِنْدِيلِ فَأَنْشَأَ قَصِيدَةً مِنْهَا

أَلاَ أَبْلِغْ لَدَيْكَ بَنِي لُوَيٍّ***عَلَى الشَّنَئَانِ وَالْغَضَبِ الْمَرَدِّ

بِأَنَّ اللّه‌َ رَبُّ النَّاسِ فَرْداً***تَعَالَى جَدُّهُ(1)عَنْ كُلِّ جَدٍّ

وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدٌ رَسُولٌ***دَلِيلُ هُدًى وَمُوضِحُ كُلِّ رُشْدٍ

رَأَيْتُ لَهُ دَلاَئِلَ أَنْبَأَتْنِي***بِأَنَّ سَبِيلَهُ لِلْفَضْلِ يَهْدِي(2)

وقال أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام :

إِنَّ الَّذِي قَدِ اصْطَفَى مُحَمَّداً***وَأَظْهَرَ الاْءَمْرَ بِهِ وَأَيَّدَا

وَسرَّ مَنْ وَالَى وَأَكْبَى الْحُسَّدا***وَأَحْسَنَ الذُّخْرَ لَهُ وَمَهَّدَا

وَجَاءَ بِالنُّورِ الْمُضِيءِ احمدَا***وَنَاصَحَ اللّه‌َ وَخَافَ الْمَوْعِدَا(3).

فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ

قال تعالى فيه: «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى»(4)، كان صلى‌الله‌عليه‌و‌آله مشتهرا بمحمّد الأمين، ولمّا تشاحّت قريش في وضع الحجر عند بنائهم البيت، وكان عبدالدار، وعدي من قريش ملئوا جفنة دما وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم.


1) أي جلاله وعظمته

2) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 118/1؛ بحار الأنوار 381/17

3) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 133/1

4) النجم: 3.

وتعاقدوا على الموت فسمّوا: لعقة الدم، ومكثورا أربع ليال على ذلك في التصدّي لوضع الحجر، فأصلح بينهم أبو أمية بن المغيرة بحكميّة أوّل داخل، فكان النبيّ أول داخل، فلمّا رأوه قالوا: قد رضينا بك يا محمّد الأمين. فأمر بثوب فبسط، ووضع الحجر، ثمّ أمر كلّ فخذ أن يأخذ جانبا، فرفعوه، وأخذه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ووضعه(1).

وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ

أي: يوم القيامة، قال تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً»(2).

وقال تعالى: «وَجِئْنا بِكَ عَلى هوءُلاءِ شَهِيدا»(3).

وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً

قال تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللّه‌ُ عَلَى الْمُوءْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِم...»(4).

قال الصادق عليه‌السلام في قوله تعالى: «وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها»(5)برسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أنقذوا(6).

وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً

قال تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً»(7). .


1) السييرة النبوية لابن هشام: 127/1؛ تاريخ الطبري: 41/2

2) النحل: 84

3) النساء: 41

4) آل عمران: 164

5) آل عمران: 103

6) الكافي: 183/8، ح208 وتفسير العياشي: 194/1، ح124 و126؛ بحار الأنوار 54/22، ح11

7) سبأ: 28.

وقال تعالى: «وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ»(1).

اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ

الّذي لا تضيع أجر عامل لك قال تعالى: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى وَلَلآْخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الاْءُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى»(2).

وَاجْزِهِ مُضَاعَفاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ

قال تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الاْءَبْتَرُ»(3).

اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ

قال تعالى: «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ»(4).

وروى عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : إنّما مثلي ومثل الأنبياء قبلي كرجل بني دارا فأكملها وأحسنها إلاّ موضع لبنة، فجعل الناس يدخلون ويعجبون بها، ويقولون: هلاّ وضعت هذه اللبنة. فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبييّن(5).

وَاكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ

قال الجوهري: النزل: ما يهيّأ للنزيل(6). ).


1) الانبياء: 107

2) الضحي: 1 - 5

3) الكوثر: 1 - 3

4) الصف: 9

5) صحيح مسلم: 64/7 ومناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 198/1

6) الصحاح: 1828/5 مادة (نزل).

وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَتَهُ (منزله)

وفي الدعاء: «و ابعثه المقام المحمود»(1)، وعنه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : لواء الحمد بيدي(2)يعني: في القيامة.

وَآتِهِ

أي اعطه.

الْوَسِيلَةَ

وفي خبر: الوسيلة: درجته صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في الجنّة، وهي ألف مرقاة(3). ويأتي آخر.

وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ

أي الضياء.

وَالْفَضِيلَةَ

وفي خطبة الوسيلة من خطبه عليه‌السلام في غير النهج: أيّها الناس إنّ اللّه جلّ وعزّ وعد نبيّه محمّدا صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الوسيلة، ووعده الحقّ ولن يخلف اللّه وعده ألا وإنّ الوسيلة على درج الجنّة، وذروة ذوائب الزلفة، ونهاية غاية الأمنيّة، لها ألف مرقاة، ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام، وهو ما بين مرقاة درّة إلى مرقاة جوهرة إلى مرقاة زبرجدة إلى مرقاة لوءلوءة إلى مرقاة ياقوتة إلى مرقاة زمرّدة إلى.


1) تهذيب الاحكام: 122/3؛ بحار الأنوار 372/94

2) بشارة المصطفي: 116

3) تفسير القمي: 324/2؛ بحار الأنوار 326/7، ح2.

مرقاة مرجانة إلى مرقاة كافور إلى مرقاة عنبر إلى مرقاة يلنجوج(1)إلى مرقاة ذهب إلى مرقاة غمام إلى مرقاة هواء إلى مرقاة نور(2)، قد أنافت على كلّ الجنان...(3).

وكَانَ النَّبِيُّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يَقُولُ إِذَا سَأَلْتُمُ اللّه‌َ فَسَلُوهُ الْوَسِيلَةَ لِي قَالَ فَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عَنِ الْوَسِيلَةِ قَالَ هُوَ دَرَجَتِي فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ أَلْفُ مِرْقَاةٍ مَا بَيْنَ مِرْقَاةٍ إِلَى مِرْقَاةٍ جَوْهَرَةٌ إِلَى مِرْقَاةِ زَبَرْجَدَةٍ إِلَى مِرْقَاةِ يَاقُوتَةٍ إِلَى مِرْقَاةِ اللُّوءْلُوءَةِ إِلَى مِرْقَاةِ ذَهَبَةٍ إِلَى مِرْقَاةِ فِضَّةٍ فَتُوءْتَى بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تُنْصَبَ مَعَ دَرَجَةِ النَّبِيِّينَ فَهِيَ فِي دَرَجَةِ النَّبِيِّينَ كَالْقَمَرِ بَيْنَ الْكَوَاكِبِ فَلا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ نَبِيٌّ وَلاَ صِدِّيقٌ وَلاَ شَهِيدٌ إِلاّ قَالُوا طُوبَى لِمَنْ هَذِهِ الدَّرَجَةُ دَرَجَتُه(4).

وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ

وفي خطبة الوسيلة - بعد ما مرّ - ورسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يومئذ قاعد عليها مرتد بريطتين(5): ريطة من رحمة اللّه، وريطة من نور اللّه، عليه تاج النبوّة، وإكليل الرسالة(6)، قد أشرق بنوره الموقف، وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة، وهي دون درجته، وعليّ ريطتان: ريطة من أرجوان النور(7)، وريطة من كافور، والرسل د.


1) (1) يلنجوج: عود البخور

2) تشبيه المراقى بالجواهر إشارة إلى اختلاف الدرجات في الشرف والفضل. )فى(. وقوله: «قد أنافت» أي ارتفعت واشرفت

3) الكافي: 24/8

4) بصائر الدرجات: 416، ح11

5) الريطة: كل ثوب رقيق لين

6) الاكليل: التاج

7) أي ثياب حمر وشجر له ورد.

والأنبياء قد وقفوا على المراقي، وأعلام الأزمنة، وحجج الدهور(1)عن أيماننا، وقد تجلّلهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ بهت بأنوارنا، وعجب من ضيائنا وجلالتنا(2).

غَيْرَ خَزَايَا

أي غير ذليلين موهونين.

وَلاَ نَادِمِينَ

لوقوع تفريط منّا في الدنيا.

وَلاَ نَاكِبِينَ

أي ولا عادلين عن الطريق.

وَلاَ نَاكِثِينَ

أي ولا ناقضين لعهده. قال تعالى: «أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُون»(3).

وَلاَ ضَالِّينَ

عن سبيله..


1) أي الأوصياء وسائر الائمّة عليهم‌السلام

2) الكافي: 25/8

3) يس: 60 - 62.

وَلاَ مُضِلِّينَ

قيل: الكلمة زائدة لخلو شرح ابن ميثم وابن أبي الحديد والخطية عنها.

وَلاَ مَفْتُونِينَ

في الدين.

وقد مضى هذا الكلام فيما تقدم إلا أننا كررناه ههنا لما في الروايتين من الاختلاف.

وله عليه‌السلام دعاء آخر في الصلاة عليه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وهو: الحمد للّه ربّ العالمين، وصلّى اللّه على طيّب المرسلين محمّد بن عبداللّه بن عبدالمطلب، المنتجب الفاتق الراتق.

اللّهم فخصّ محمّدا صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بالذكر المحمود، والمنهل المشهود، والحوض المورود.

اللّهم فآت محمّدا صلى‌الله‌عليه‌و‌آله الوسيلة والرفعة والفضيلة، وفي المصطفين محبّته، وفي العليين درجته، وفي المقرّبين كرامته.

اللّهم أعط محمّدا صلواتك عليه وآله من كلّ كرامة أفضل تلك الكرامة، ومن كلّ نعيم أوسع ذلك النعيم، ومن كلّ عطاء أجزل ذلك العطاء، ومن كلّ يسر أنصر ذلك اليسر، ومن كلّ قسم أو فر ذلك القسم، حتّى لا يكون أحد من خلقك أقرب منه مجلسا، ولا أرفع منه عندك ذكرا ومنزلة، ولا أعظم عليك حقّا، ولا أقرب وسيلة من محمّد صلواتك عليه وآله، إمام الخير وقائده والداعي إليه، والبركة على جميع العباد والبلاد، ورحمة للعالمين.

اللّهم اجمع بيننا وبين محمّد وآل محمّد صلواتك عليه وآله في برد العيش، وبرد الروح، وقرار النعمة، وشهوة الأنفس، ومنى الشهوات، ونعم اللّذات، ورخاء الفضيلة، وشهود الطمأنينة، وسوءدد الكرامة، وقوّة العين، ونضرة النعيم، وتمام

النعمة، وبهجة لا تشبه بهجات الدّنيا، نشهد أنّه قد بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة والنصيحة، واجتهد للأمّة وأوذي في جنبك، واجتهد وجاهد في سبيلك، وعبدك حتّى أتاه اليقين، فصلّى اللّه عليه وآله الطيّبين.

اللّهم ربّ البلد الحرام، وربّ الركن والمقام، وربّ المشعر الحرام، وربّ الحلّ والحرام بلّغ روح محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عنّا السّلام.

الّلهم صلّ على ملائكتك المقرّبين، وعلى أنبيائك ورسلك أجمعين، وصلّ على الحفظة الكرام الكاتبين، وعلى أهل طاعتك من أهل السماوات السبع، وأهل الأرضين السبع من الموءمنين أجمعين(1).

هذا، وعن كتاب (سحر البلاغة) في الصلاة عليه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : صلّى اللّه على خير مبعوث، وأفضل وارث وموروث، وخير مولود دعا إلى خير معبود، بشير الرحمة والثواب، ومدبّر السطوة والعقاب، ناسخ كلّ ملّة مشروعة، وفاسخ كلّ نحلة متبوعة، حاد بأمّته عن الظلمات إلى النور، وأو في بهم إلى الظلّ بعد الحرور، قد أفرد بالزعامة وحده، وختم بأن لا نبيّ بعده أرسله اللّه قمرا منيرا، وقدرا مبيرا(2).

وهنا لطيفة يعجبني ايرادها في المقام

وهي أنّ ابن أبي الحديد قال بعد الفراغ من شرح هذا الفصل من كلام أمير الموءمنين عليه‌السلام :

قلت: سألت النقيب أبا جعفر وكان منصفا بعيدا عن الهوى والعصبيّة عن هذا الموضع فقلت له: وقد وقفت على كلام الصحابة وخطبهم فلم أر فيهم من يعظّم.


1) تهذيب الأحكام: 83/3، ح239 - 11 وبحار 127/95؛ الصحيفة العلويّة: 95

2) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 158/1.

رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله تعظيم هذا الرّجل ولا يدعو كدعائه، فإنا قد وقفنا من نهج البلاغة ومن غيره على فصول كثيرة مناسبة لهذا الفصل تدلّ على إجلال عظيم وتبجيل شديد منه لرسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله .

فقال: ومن أين لغيره من الصحابة كلام مدوّن لتعلم منه كيفيّة ذكرهم للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، وهل وجد لهم إلاّ كلمات متبدّدة لا طائل تحتها.

ثمّ قال: إنّ عليّا عليه‌السلام كان قوىّ الايمان برسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله والتّصديق له، ثابت اليقين قاطعا بالأمر متحققا له، وكان مع ذلك يحبّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لنسبته منه وتربيته له واختصاصه به من دون الصّحابة وبعد فشرفه له لأنّهما نفس واحدة في جسمين الأب واحد، والدّار واحدة، والأخلاق مناسبة، فاذا عظّمه فقد عظّم نفسه، وإذا دعا إليه فقد دعا إلى نفسه، ولقد كان يودّ أن تطبق دعوة الاسلام مشارق الأرض ومغاربها، لأنّ جمال ذلك لا حق به وعائد إليه، فكيف لا يعظّمه ويبجّله ويجتهد في أعلاء كلمته؟! قال الشّارح فقلت له: قد كنت اليوم أنا وجعفر بن مكى الشاعر نتجاري هذا الحديث.

فقال جعفر: لم ينصر رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أحد نصرة أبي طالب و بنيه له أمّا أبو طالب عليه‌السلام فكفّله وربّاه ثمّ حماه من قريش عند إظهار الدّعوة بعد إصفاقهم وإطباقهم على قتله، وأمّا ابنه جعفر فهاجر بجماعة من المسلمين إلى حبشة فنشر دعوته بها، وأمّا عليّ عليه‌السلام فانّه أقام عماد الملّة بالمدينة.

ثمّ لم يمن أحد من القتل والهواء والتشريد بما منى به بنو أبي طالب أمّا جعفر فقتل يوم بموتة، وأما عليّ عليه‌السلام فقتل بالكوفة بعد أن شرب نقيع الحنظل وتمنّى الموت، ولو تأخّر قتل ابن ملجم له لمات أسفا وكمدا، ثمّ قتل ابناه بالسمّ والسّيف

وقتل بنوه الباقون مع أخيهم بالطّف وحملت نسائهم على الأقطاب سبايا إلى الشام ولقيت ذرّيتهم وأخلافهم بعد ذلك من القتل والهوان والصلب والتشريد في البلاد والحبس والضرب ما لا يحيط الوصف بكنهه، فأىّ خير أصاب هذا البيت من نصرته ومحبّته وتعظيمه بالقول والفعل؟ فقال وأصاب فيما قال: فهلاّ قلت: «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللّه‌ُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلاْءِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ»(1).

ثمّ قال إنّ اللّه زوى الدّنيا عن صالحي عباده وأهل الاخلاص له لأنّه لم يرها ثمنا لعبادتهم ولا كفوا لاخلاصهم وأرجا جزائهم إلى دار أخرى غير هذه الدّار في مثلها فليتنافس المتنافسون(2)

***والمتنافس: الراغب على وجه المباراة. والمفاخرة والسبقة - بفتحتين -: الغاية المحبوبة التي يحب السابق أن يصل إليها. - وبضم فسكون -: ما يتراهن عند السباق أي جزاء السابقين والعدة - بالضم -: ما اعددته لحوادث الدهر وبمعنى الاستعداد - وبالفتح - الجماعة.

.

أقول: للّه درّ النّقيب فلقد أبدع في الكلام وأصاب في الجواب وراعى الانصاف وجانب الاعتساف وأفصح عن الحقّ وأبان الصّدق إلاّ أنّه لا يكاد ينقضي عجبى منه ومن مثله انه مع هذا الفضل والذّكاء كيف تشبّث بأذيال المتخلّفين ولم يتمسّك بالعروة الوثقى والحبل المتين، فانّ محصّل ما ذكره يرجع إلى وجوه:

الأوّل: أنّ غيره عليه‌السلام من الصّحابة لم يوجد لهم كلام منظم ولا بيان منتظم حتّى يعرف منه كيفيّة تعظيمهم للنّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وتبجليهم له ولا بدّ أن يكون سرّ ذلك إمّا قلّة معرفتهم بأساس البلاغة أو وهن اعتقادهم في أمر الرّسالة وزعمهم أنّ الرّسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ة.


1) الحجرات: 17

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 174/7.

بشر مثلهم يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، ومثل ذلك لا يستحقّ بهذا التبجيل والاكرام والتوقير والاعظام.

الثاني: أنّ صدور أمثال هذا الكلام من أمير الموءمنين عليه‌السلام كان من قوّة الايمان والايقان وشدّة التحقيق والتصديق والقطع واليقين الذى كان له عليه‌السلام في أمر الرسالة وهو بظاهره يفيد أنّ غيره عليه‌السلام لم يكن لهم هذا القطع و اليقين ولا لهم معرفة تلك المعرفة وكانوا يظنّونه ظنّا وما هم بمعتقدين، ومع ذلك كيف يجوز ترجيحهم عليه وتقديمهم وتأخيره وتعظيمهم وتحقيره، ومن المعلوم أنّ الخلافة هو النيابة والنائب كلّما كان أشدّ معرفة بمراتب المنوب عنه وآكد يقينا بشئوناته كان قيامه بوظايف النيابة وإتيانه بمطلوب المنوب عنه ومقاصده أكمل وأتمّ، ولو لم يكن له معرفة بها فكيف يقوم بالأمر ويتصرّف فيه.

الثّالث: أنّه كان يحبّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وكان له نسبة مخصوصة إليه واختصاص خاصّ به صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ولم يكن لساير الصحابة ذلك الاختصاص والنسبة والمحبّة أقول: وبعد الاعتراف بذلك كيف يجوز القول بخلافة غيره؟ فانّ التجربة والوجدان شاهدان على أنّ المراد إذا نزلت به داهية أو وقع في بلية أو دنا أجله يفوّض أمره إلى خاصّته وبطانته ويوصي إليه وصيّته ولا يقدّم الأجانب على الأقارب والأباعد على الخواصّ.

الرّابع أنّ أمير الموءمنين عليه‌السلام كان مع النّبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بمنزلة نفس واحدة، وهو كذلك فقد شهدت به آية المباهلة، وهى تدلّ على منتهى كماله عليه‌السلام وفضله وشرفه وبلوغه في ذلك الغاية وتقدّمه فيه على الكلّ حيث جعله سبحانه بمنزلة نفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ومع ذلك كلّه كيف جاز ترجيح غيره عليه.

«أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ»(1).

وقوله ولقد كان عليه‌السلام يودّ أن يطبق دعوة الاسلام مشارق الأرض ومغاربها.

أقول: فلقد كان كذلك وأما غيره فلقد كانوا «يُرِيدُونَ لِيُطْفِوءُا نُورَ اللّه‌ِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللّه‌ُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ»(2). هذا وأمّا ما رواه من جعفر بن مكى في المذاكرة التي كانت بينه وبينه من أنه لم ينصر أحد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله نصرة أبي طالب عليه‌السلام وبنيه وأنّه ما ابتلى أحد فيه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بمثل ما ابتلى فيه هوءلاء فهو كما قال إلاّ أنه غلط في قوله وأىّ خير أصاب هذا البيت من نصرته ومحبّته وتعظيمه بالقول والفعل.

أما أوّلا فلأنه ليس لأمثال هوءلاء الجهال أن يتفوّهوا بمثل هذا الكلام الدال على ابداء المغايره بين البيتين والمجانبة بين الجسمين الذين هما بمنزلة نفس واحدة حسبما قدّمناه.

وأما ثانيا فلأنه كما قال النّقيب ليس لآل أبي طالب عليه‌السلام منّة في ذلك على النّبي صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، بل المنّة للّه ولرسوله على جميع الخلايق.

وأما ثالثا فلأنه لم يكن غرض آل أبي طالب فيما فعلوا من الموازرة والنصرة والحماية للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله والجهاد بين يديه به صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وبعده جلب المنفعة وطلب الخير وإنما كان قصدهم إحياء السنّة وإعلاء لواء الشريعة وإقامة اعماد الاسلام والملة، طلبا لرضوان الحقّ، وحبا له ووفاء بعهده، كما يفصح عن ذلك قوله سبحانه:.


1) يونس: 35

2) الصف: 8.

«وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّه‌ِ»(1)وقوله: «مِنَ الْمُوءْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّه‌َ عَلَيْهِ» الآية(2)وقوله: صلى‌الله‌عليه‌و‌آله «لاعطين الراية غدا رجلا يحبّ اللّه، الحديث»(3).

وأمّا رابعا فلأنّ قوله وأىّ خير أصاب آه.

إن أراد به خير الدنيا ففيه أنّ القنيات الدّنيوية وزخارفها وزبرجها إنّما لها وقع في نظر أهلها لا في نظرهم وإنّما هى عندهم بجميع ما فيها أهون وأزهد من عراق(4)خنزير في يد مجذوم.

وإن أراد خير الآخرة فأقول: وأىّ خير أعظم من أنّ هذا البيت كان تالى بيت الرسالة، فقد جعل اللّه الرسالة في بيت عبداللّه والخلافة في بيت أبي طالب وأتى رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله جوامع الكلم، وعليّا عليه‌السلام جوامع الكلام، وجعله مدينة العلم والحكمة، وجعل عليّا عليه‌السلام بابها وجعله منه بمنزلة هارون من موسى عليه‌السلام ، وجعله وأولاده شهداء دار الفناء وشفعاء دار البقاء وصار نعمة اللّه على الأبرار ونقمته على الفجار، وفوّض إليه سقاية الكوثر وقسمة الجنّة والنّار وجعله حامل لواء الحمد وأمين مفاتيح الجنّة(5).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّه‌ِ (صَلَّى اللّه‌ُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَقُولُ: أَعْطَانِي اللّه‌ُ خَمْساً، وَأَعْطَى عَلِيّاً خَمْساً: أَعْطَانِي جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأَعْطَى عَلِيّاً جَوَامِعَ الْعِلْمِ، وَجَعَلَنِي نَبِيّاً، وَجَعَلَ عَلِيّاً وَصِيّاً، أَعْطَانِي الْكَوْثَرَ، وَأَعْطَى عَلِيّاً السَّلْسَبِيلَ، وَأَعْطَانِي.


1) البقرة: 207

2) الاحزاب: 23

3) الأمالي للصدوق: 513، م77، ح10؛ بحار الأنوار 26/21، ح24

4) وهو العظم الذى نحت عنه اللّحم

5) منهاج البراعة: 264/7 - 266.

الْوَحْيَ، وَأَعْطَى عَلِيّاً الاْءِلْهَامَ، وَأَسْرَى بِي إِلَيْهِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى رَأَى مَا رَأَيْتُ وَنَظَرَ إِلَى مَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ(1). إلى غير هذه مما روته الخاصة والعامّة واللّه وليّ التوفيق.

منها في خطاب أصحابه:

وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللّه‌ِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاوءُكُمْ وَتُوصَلُ بِهَا جِيرَانُكُمْ وَيُعَظِّمُكُمْ مَنْ لاَ فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلاَ يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ وَيَهَابُكُمْ مَنْ لاَ يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً وَلاَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللّه‌ِ مَنْقُوضَةً فَلا تَغْضَبُونَ وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ

أي: تستنكفون. قال ابن أبي الحديد: الكلام خطاب لأصحابه الّذين أسلموا نواحيهم إلى جيوش معاوية يقول عليه‌السلام لهم: إنّ اللّه أكرمكم بالإسلام، وبلغتم بذلك منزلة أكرم بها اماءكم ومن كان مظنّة المهانة، ووصل بها جيرانكم أي: من التجأ إليكم من معاهد وذمّي حتّى عصم دماءهم وأموالهم، ويعظّمكم من لا فضل لكم عليه كالروم والحبشة، ويهابكم من لا يخاف لكم سطوة كالملوك الّذين في أقاصي البلاد كالهند والصين بأنّكم تقهرون الامم بالنصر السماوي.

قيل: إنّ العرب لمّا عبرت دجلة إلى القصر الأبيض بالمدائن عبرتها في أيّام مدّها - وهي كالبحر الزاخر - على خيولها، وبأيديها رماحها. فهربت الفرس بعد رمي شديد منهم للعرب، والعرب يقدمون. فقال فلاّح نبطي بيده مسحاته يفتح الماء إلى زرعه لأسوار معروف بالبأس: أمثلكم في سلاحكم يهرب من هوءلاء.


1) الأمالي للطوسي: 188، م7، ح317 - 19؛ بحار الأنوار 322/16، ح12.

الخاسرين فقال له: أقم مسحاتك فأقامها فرماها فخرق الحديد ثمّ قال: انظر الآن.

ثمّ رمى بعض العرب المارّين عليه عشرين سهما لم يصبه بسهم. فقال له: أعلمت أنّ القوم مصنوع لهم. ثم قال عليه‌السلام مالكم لا تغضبون وأنتم ترون عهود اللّه منقوضة -...(1).

قال التستري: على ما ذكره يكون الكلام منقطعا غير مجتمع، والصواب أن يقال: إنّه عليه‌السلام قال لهم إذ بلغتم من كرامة اللّه تعالى لكم بدين الاسلام تلك المنزلة الّتي وصفها عليه‌السلام بتلك الأوصاف الأربعة فلم ترون عهود اللّه منقوضة ولا تغضبون مع أنّكم عن نقض ذمم آبائكم تأنفون هل يكون اللّه تعالى عندكم أقلّ من آبائكم وهل آباوءكم في أنفسكم أجلّ من اللّه عزّ وجلّ وهو الّذي منّ عليكم بما منّ.

وصدق - صلوات اللّه عليه - يقتل الحسين ابن بنت الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ومن أنزل تعالى فيه: «إِنَّما يُرِيدُ اللّه‌ُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(2)وأنزل فيه: «أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ»(3)ويقول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله فيه «إنّه سيّد شباب أهل الجنّة وريحانتي من الدنيا»(4)وتسبى أخواته وبناته بمرأى منهم ومسمع. فيصمتون كأن لم يقع شيء، ويستجير عبيد اللّه ذاك الرجس النجس الخبيث المخبث بعد قتل يزيد بهم فيمنعون منه لئلاّ تخفر ذمّتهم(5)، هذا.

وممّن أنف من نقض عهد أبيه - وإن كان ذا حميّة في الدين أيضا في حياته عليه‌السلام .


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 176/7

2) الاحزاب: 33

3) آل عمران: 61

4) مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام : 394/3 و76/4

5) بهج الصباغة: 125/6.

وبعده كأبيه - قيس بن سعد بن عبادة. فكان أبوه قسّم أمواله بين ولده قبل خروجه إلى الشام. ثمّ ولد بعده له ولد. فأراد أبو بكر وعمر أن ينقضا ما فعله سعد لأنّه لم يبايعهما، وإلاّ فلم يكن للولد سهم بعد التقسيم. فخلّى قيس نصيبه لذاك الولد لئلاّ ينقض عمل أبيه(1).

وكان الفرزدق يجير من استجار بقبر أبيه - وكان أبوه جوادا شريفا - فاستجارت امرأة من بني جعفر بن كلاب بقبره لئلاّ يسمّيها الفرزدق ويسبّها لمّا هجا بني جعفر بن كلاب فلم يذكر لها اسما ولا نسبا، وقال:

عجوز تصلّي الخمس عاذت بغالب***فلا والّذي عاذت به لا أضيرها

ولمّا ولّى الحجّاج تميم بن زيد القيني السند دخل البصرة. فجعل يخرج من أهلها من شاء، جاءت عجوز الى الفرزدق، فقالت: إنّي استجرت بقبر أبيك وأتت منه بحصيات. فقال لها: وما شأنك فقالت: إنّ تميم بن زيد خرج بابن لي معه ولا قرّة لعيني، ولا كاسب لي غيره. فقال لها: وما اسم ابنك. فقالت: خنيس. فكتب إلى تميم بن زيد مع بعض من شخص:

تميم بن زيد لا تكونن حاجتي***بظهر فلا يخفى عليّ جوابها

وهب لي خنيسا واحتسب فيه منّة***لعبرة امّ ما يسوغ شرابها

أتتني فعاذت يا تميم بغالب***و بالحفرة السافي عليها ترابها

و قد علم الأقوام أنك ماجد***و ليث إذا ما الحرب شبّ شبابها

فلمّا ورد الكتاب على تميم تشكك في الاسم. فقال: أحبيش أم خنيس ثمّ قال: انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا. فاصيب ستّة ما بين حبيش وخنيس.


1) بهج الصباغة: 126/6.

فوجّه بهم إليه.

وظلع مكاتب لبني منقر بمكاتبته. فأتى قبر غالب أيضا فاستجار به وأخذ منه حصيات. فشدّهن في عمامته. ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره وقال: إنّي قد قلت شعرا. فقال: هاته. فقال:

بقبر ابن ليلى غالب عذت بعد ما***خشيت الردى أو أن أردّ على قسر

بقبر امرئ تقرى المئين عظامه***و لم يك إلاّ غالبا ميّت يقري

فقال لي استقدم امامك إنّما***فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر

فقال له الفرزدق: ما اسمك قال: لهذم. فقال: يا لهذم حكمك مسمّطا.

قال: ناقة كوماء سوداء الحدقة. قال: يا جارية اطرحي إلينا حبلا. ثمّ قال: يا لهذم اخرج بنا إلى المربد. فألقه في عنق ما شئت. فتخيّر العبد على عينه. ثمّ رمى بالحبل في عنق ناقة، وجاء صاحبها. فقال له الفرزدق: اغد عليّ في ثمنها.

فجعل لهذم يقودها والفرزدق يسوقها حتّى إذا نفذ بها من البيوت إلى الصحراء صاح به الفرزدق: يا لهذم قبّح اللّه أخسرنا صفقة(1).

و روى أنّ رجلا من السواقط - من بني أبي بكر بن كلاب - قدم اليمامة، ومعه أخ له. فكتب له عمير بن سلمى أنّه له جار - وكان أخو هذا الكلابي جميلا - فقال له قرين أخو عمير: لا تردّنّ أبياتنا بأخيك هذا. فرآه بعد بين أبياتهم فقتله - وكان عمير غائبا - فأتى الكلابي قبر سلمى أبي عمير وقرين، فاستجار به، وقال أبياتا. فلجأ قرين إلى قتادة بن مسلم - من بني حنيفة - فحمل قتادة إلى الكلابي ديات متضاعفة، وفعلت وجوه بني حنيفة مثل ذلك. فأبى الكلابي أن يقبل. فلجأ قرين.


1) الكامل للمبرد: 66/2 - 68.

إلى خاله السمين بن عبداللّه. فلم يمنع منه عميرا. فأخذه عمير فمضى به حتّى قطع الوادي. فربطه إلى نخلة، وقال للكلابي: أمّا إذ أبيت إلاّ قتله، فأمهل حتّى أقطع الوادي، وارتحل عن جواري. فلا خير لك فيه فقتله الكلابي. ففي ذلك يقول عمير:

قتلنا أخانا للوفاء بجارنا***و كان أبونا قد تجير مقابره(1)

وَكَانَتْ أُمُورُ اللّه‌ِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللّه‌ِ فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ بِالشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ

قال المجلسي رحمه‌الله : أي وأنتم المخاطبون بالأوامر والنواهي، أو كنتم قبل ذلك في أيّام الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، موارد أمور اللّه ومصادرها، مطيعين له منكرين للمنكرات. وكأنّ المراد بالورود، السوءال. وبالصدور، الجواب، وبالرجوع، التحاكم.

و يمكن تعميم الورود والصدور، فالمراد بالرجوع. رجوع النفع والضرّ في الدارين(2).

وقال ابن أبي الحديد: معنى كلامه عليه‌السلام أنّ الأحكام الشرعية كانت إليكم ترد منّي، ومن تعليمي إيّاكم، ومن تثقيفي لكم، ثمّ تصدر عنكم إلى من تعلّمونه إيّاها من أتباعكم وتلامذتكم ثمّ يرجع إليكم بأن يتعلّمها بنوكم وإخوتكم من هوءلاء الاتباع...(3).

قال التستري: هو أيضا بلا ربط، وإنّما المراد إنّكم كنتم موارد امور اللّه، ومصادرها، ومراجعها، حيث إنّكم أنتم المعتقدون بالإسلام. فمكّنتم الظلمة -.


1) الكامل للمبرد: 281/1

2) بحار الأنوار: 108/34

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 178/7.

أعداء الإسلام ومن دخل في الإسلام كرها - فصاروا بذلكم مراجع ومصادر. والعجب من الناس رأوا أيّام عثمان بني اميّة يصلّون بالناس سكارى ويتّخذون عباد اللّه خولا، ودين اللّه دغلا ودخلا لم يساعدوا أمير الموءمنين عليه‌السلام في أيّامه مع كونه عليه‌السلام يحملهم على المحجّة البيضاء، والصراط المستقيم، والدين القيّم - وكان فاروقهم بذلك عارفا ومعترفا - بل خذلوه عليه‌السلام وعملوا أعمالا صارت سببا لتقوية معاوية عدوّ الدين ولعين النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله .

وأغرب من هذا أنّهم رأوا معاوية ويزيد، وما عليه بنو اميّة من الكفر والعتوّ، ومع ذلك ألقوا امورهم إلى عبدالملك.

وأعجب من ذلك أنّهم غدروا بمصعب في حياته - وإن لم يكن هو خيرا من عبدالملك حتّى أنّه قتل آلافا من الناس صبرا لم يكن جرمهم إلاّ انّهم انتصروا لابن بنت نبيّهم صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقتلوا قاتليه حتّى قال له ابن عمر: لو كانوا من أغنام أبيك ما حلّ لك قتلهم - وعيّنوا بعده يوما لإقامة مراسم العزاء له، وسنّوا زيارة قبره. فعلوا ذلك لمّا أمر معزّ الدولة الديلمي في بغداد بإقامة مراسم العزاء للحسين عليه‌السلام في يوم قتله عاشوراء، أداء لبعض حقّه، حيث إنّه أحيى الإسلام بجهاده، وإنّما اختاروه عنادا مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حيث إنّه هو الّذي قتل أنصار أهل بيته. افّ لهم. فكلّهم قتلة آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لكن لا غرو فلازم صحّة خلافة صدّيقهم ذلك(1).

وَأَيْمُ اللّه‌ِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ

نظر الحجّاج. فإذا جلّ من خرج عليه مع ابن الأشعث من الفقهاء وغيرهم من.


1) بهج الصباغة: 129/6.

الموالي. فأحبّ أن يزيلهم عن موضع الفصاحة والآداب، ويخلّطهم بأهل القرى والأنباط. فقال: إنّما الموالي علوج، وإنّما أتى بهم من القرى. فقراهم أولى بهم. فأمر بتسييرهم من الأمصار، وإقرار العرب بها، وأمر بأن ينقش على يد كلّ إنسان منهم اسم قريته، وطالت ولايته. فتوالد القوم هناك فخبثت لغات أولادهم، وفسدت طبائعهم - إلى أن قال -: وردّ (سليمان بن عبدالملك بعد الحجّاج) المنقوشين. فرجعوا في صورة الأنباط. ففي ذلك يقول الراجز:

جارية لم تدر ما سوق الإبل***أخرجها الحجّاج من كنّ وظل

لو كان بدر حاضرا وابن حمل***ما نقشت كفاك في جلد جلل(1)

لَجَمَعَكُمُ اللّه‌ُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ

بقيام دعاة بني العباس من سنة المئة عليهم، ولمّا قاتل عبداللّه بن علي، مروان بن محمّد بالزاب، نادى عبداللّه: يا أهل خراسان يا لثارات إبراهيم وأمر الناس بالنزول. فنزلوا، وأشرعوا الرماح. فجعل أهل الشام يتأخّرون كأنّهم يدفعون، وقال مروان لقضاعة: انزلوا. فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا. فأرسل إلى السكاسك أن احملوا. فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا. فأرسل إلى السكون أن احملوا. فقالوا: قل لغطفان فليحملوا. فقال لصاحب شرطته: انزل. قال: لا واللّه ما كنت لأجعل نفسي غرضا. قال: أما واللّه لأسوءنّك. قال: وددت واللّه أنك قدرت على ذلك، ثمّ انهزم أهل الشام وانهزم مروان، وقطع الجسر. فكان من غرق يومئذ أكثر ممّن قتل. فكان في من غرق يومئذ إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك، وأمر عبداللّه بن علي، فعقد.


1) الكامل للمبرد: 73/2 - 74.

الجسر على الزاب واستخرجوا الغرقى. فكان في من أخرجوا إبراهيم بن الوليد بن عبدالملك. فقال عبداللّه بن علي «وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ»(1)وحوى عبداللّه عسكر مروان بما فيه فوجد فيه سلاحا كثيرا وأموالا، ولمّا بلغ السفّاح أمر عبداللّه ومروان قال: «فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللّه‌َ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ...»(2)،(3).

وكان مروان لمّا لقيه أهل خراسان لا يدبّر شيئا إلاّ كان فيه الخلل والفساد. فأمر بأموال فاخرجت. فقال للناس: اصبروا وقاتلوا فهذه الأموال لكم. فجعل ناس منهم يصيبون من ذلك المال. فأرسلوا إليه أنّ الناس قد مالوا على هذا المال، و لا نأمنهم أن يذهبوا به. فأرسل إلى ابنه عبداللّه: سر في أصحابك إلى موءخّر عسكرك. فاقتل من أخذ من ذلك المال وامنعهم. فمال عبداللّه برايته وأصحابه. فقال الناس: الهزيمة، فانهزموا(4)، ومضى مروان منهزما من بلد إلى بلد حتّى انتهى إلى بوصير فبيّته عامر بن إسماعيل وشعبة، ومعهما خيل الموصل. فقتلوه بها، و هرب ابناه عبداللّه ليلة بيّت إلى أرض الحبشة فلقوا من الحبشة بلاء، قاتلتهم الحبشة فقتلوا عبداللّه، وأفلت عبيد اللّه في عدّة، وقتل عبداللّه بن علي بنهر أبي فطرس اثنين وسبعين رجلا من بني اميّة في سنة (132) وقتل داود بن علي من كان اخذ من بني اميّة بمكّة والمدينة في سنة (133). .


1) البقرة: 50

2) البقرة: 249

3) تاريخ الطبري: 89/6 سنة 132

4) تاريخ الطبري: 90/6 سنة 132.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (106): ومن كلام له عليه‌السلام في بعض أيام صفين

اشارة

وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ الطَّغَامُ وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ وَيَآفِيخُ الشَّرَفِ وَالاْءَنْفُ الْمُقَدَّمُ وَالسَّنَامُ الاْءَعْظَمُ وَلَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً بِالنِّصَالِ وَشَجْراً بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلاَهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالاْءِبِلِ الْهِيمِ الْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَتُذَادُ عَنْ مَوَارِدِهَا.

ومن كلام له عليه‌السلام في بعض أيام صفين

وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ

جمع الجافي.

الطَّغَامُ

أي الارذال والاوغاد.

وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ

قال عليه‌السلام ذلك لأصحابه لمّا هزمهم في الميمنة أصحاب معاوية، أقبل الذين تبايعوا من أهل الشام على الموت إلى معاوية، فأمرهم أن يصمدوا لابن بديل في الميمنة وبعث إلى حبيب بن مسلمة في الميسرة: يحمل بمن كان معه على الميمنة، فانكشف أهل العراق من قبل الميمنة، حتى لم يبق منهم إلاّ ابن بديل في مائتين أو ثلاثمائة من القرّاء، قد أسند بعضهم ظهره إلى بعض، فأمر علي عليه‌السلام سهل بن حنيف، فاستقدم في من كان معه من أهل المدينة، فاستقبلتهم جموع لأهل الشام عظيمة، فاحتملتهم حتى ألحقتهم بالميمنة - إلى أن قال - لما انهزمت ميمنة العراق وأقبل علي عليه‌السلام نحو الميسرة، مرّ به الأشتر وهو يركض نحو الفزع قبل الميمنة، فقال عليه‌السلام له: إيت هوءلاء القوم فقل لهم: أين فراركم من الموت الذي لن تعجزوه إلى الحياة التي لن تبقى لكم فمضى الأشتر، واستقبل الناس منهزمين، فقال لهم هذه الكلمات التي قالها له علي عليه‌السلام ، وقال: إليّ أيها الناس أنا مالك بن الحرث. ثم ظنّ انّه بالأشتر أعرف في الناس، فقال: أنا الأشتر إليّ أيّها الناس(1).

وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ

الكلام استعارة من قولهم: فرس لهيم. اذا كان جوادا غزير الجري صرّح بالمعنى ابن دريد(2).

وَيَآفِيخُ الشَّرَفِ وَالاْءَنْفُ الْمُقَدَّمُ

جمع اليافوخ الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل.

قال الشاعر:.


1) تاريخ الطبري: 13/4 سنة 37

2) جمهرة اللغة: 987/2.

قوم هم الأنف والأذناب غيرهم***و من يساوى بانف النّاقة الذّنبا(1)

وَالسَّنَامُ الاْءَعْظَمُ

واحد اسنمة البعير(2)، والكل استعارات، كلهاميم العرب، وفي (الطبرى) - بعد ما مرّ من قول الأشتر للمنهزمين: أنا الأشتر، إليّ أيّها الناس -: فأقبلت إليه طائفة وذهبت عنه طائفة، فنادى: أيّها الناس عضضتم بهن آبائكم، ما أقبح ما قاتلتم منذ اليوم أيّها الناس اخلصوا لي مذحجا. فأقبلت إليه مذحج، فقال لهم: عضضتم بصم الجندل، ما أرضيتم ربّكم ولا نصحتم له في عدوّكم، وكيف بذلك، وأنتم أبناء الحروب، وأصحاب الغارات، وفتيان الصباح، وفرسان الطراد، وحتوف الأقران، ومذحج الطعان، الذين لم يكونوا يسبقون بثأرهم، ولا تطل دماوءهم، ولا يعرفون بخسف في موطن، وأنتم أحدّ أهل مصركم، وأعد حيّ في قومكم وما تفعلوا في هذا اليوم، فإنّه مأثور بعد اليوم فاتقوا مأثور الأحاديث في غد، وأصدقوا عدوّكم اللقاء، فإنّ اللّه مع الصابرين. والذي نفس مالك بيده، ما من هوءلاء - وأشار بيده إلى الشام - رجل على مثل جناح بعوضة من محمّد صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ، وإنّما أنتم ما أحسنتم القراع، اجلوا سواد وجهي يرجع في وجهي دمي عليكم بهذا السواد الأعظم فإن اللّه لو قد فضه تبعه من بجانبيه، كما يتبع موءخر السيل مقدمه. قالوا خذ بنا حيث أحببت....(3)وفيه: انّ الأشتر كان يومئذ يقاتل على فرس له، وفي يده صحيفة يمانية إذا طأطأها خلت فيها ماء منصبّا، واذا رفعها كاد يغشي البصر شعاعها،.


1) تاج العروس: 367/2

2) الصحاح: 1954/5

3) تاريخ الطبري: 13/4 - 14 سنه 37.

وجعل يضرب بسيفه ويقول: الغمرات ثم تنجلينا، و رآه منقذ وحمير ابنا قيس الناعطيان، فقال منقذ لحمير: ما في العرب مثل هذا، إن كان ما أراه من قتاله من النيّة. فقال له حمير: وهل النيّة إلاّ ما تراه يصنع قال: إنّي أخاف أن يكون حاول ملكا...(1)

وَلَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي

وفي (الطبرى): «أحاح»(2).

في (الجمهرة): يقال للمرأة اذا طلقت: تركتها توحوح بين القوابل(3).

وسمعت بفلان أحة وأحاحا وأحيحا: اذا رأيته يتوجع من غيظ، أو حزن. وفي قلبه أحاح وأحيح، قال الراجز:

يطوى الخيازيم على أحاح(4)

أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ

أي: اخيرا.

تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً

أي: استيصالا بالقتل، قال تعالى... إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ...(5)..


1) تاريخ الطبري: 15/4 سنة 37

2) تاريخ الطبري: 17/4 سنة 37

3) جمهرة اللغة: 188/1

4) جمهرة اللغة: 54/1

5) آل عمران: 152.

بِالنِّصَالِ

ونسب النضال بالضاد المعجمة - وهي المراماة - (ابن أبي الحديد) إلى رواية(1)

2. شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 37/3. ولكن في (ابن ميثم)(2): «بالنصال» بالمهملة. وفي (الصحاح): النصل: نصل السهم والسيف والسكين والرمح والجمع: نصول ونصال(2).

وَشَجْراً

أي: طعنا.

بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلاَهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالاْءِبِلِ الْهِيمِ

أي العطاش.

الْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَتُذَادُ

أي تدفع وتطرد.

عَنْ مَوَارِدِهَا

أي: المحال التي تردها لشرب الماء، ولما اجتمع إلى الأشتر عظم من كان انهزم عن الميمنة حرّضهم - إلى أن قال - ثم حمل على الخصم حتى كشفهم، فألحقهم بصفوف معاوية بين صلاة العصر والمغرب، وانتهى إلى عبداللّه بن بديل، وهو في عصبة من القراء بين المائتين والثلاثمائة، ولقد لصقوا بالأرض كأنّهم جثى، فكشف عنهم أهل الشام، فأبصروا اخوانهم قد دنوا منهم، فقالوا: ما فعل أمير الموءمنين عليه‌السلام .


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 180/7

2) الصحاح: 1830/5 مادة (نصل).

قالوا: حي صالح في الميسرة يقاتل الناس أمامه. فقالوا: الحمد للّه، قد كنّا ظننا ان قد هلك هو وهلكتم. وقال عبداللّه بن بديل لأصحابه: استقدموا بنا. فأرسل الأشتر إليه: لا تفعل، اثبت مع الناس فقاتل، فإنّه خير لهم وأبقى لك ولأصحابك. فأبى، فمضى كما هو نحو معاوية، وحوله كأمثال الجبال، وفي يده سيفان وقد جرح فهو أمام أصحابه، فأخذ كلّما دنا منه رجل ضربه فقتله، حتى قتل سبعة، ودنا من معاوية فنهض إليه الناس من كلّ جانب، واحيط به وبطائفة من أصحابه، فقاتل حتى قتل، وقتل ناس من أصحابه، ورجعت طائفة قد جرحوا منهزمين.

فبعث الأشتر بن جمهان الجعفي، فحمل على أهل الشام الذين يتبعون من نجا من أصحاب ابن بديل، حتى نفسوا عنهم وانتهوا إلى الأشتر، فقال لهم: ألم يكن رأيي لكم خير لكم من رأيكم لأنفسكم ألم آمركم أن تثبتوا مع الناس وكان معاوية قال في ابن بديل - وهو يضرب قدما -: أ ترونه كبش القوم فلما قتل أرسل إليه: من هو فقال ناس من أهل الشام: لا نعرفه. فأقبل هو حتى وقف عليه، فقال: بلى، هذا عبداللّه بن بديل، واللّه لو استطاعت نساء خزاعة أن يقاتلنا فضلا عن رجالها لفعلت، مدوه. فمدوه، فقال: هذا واللّه كما قال الشاعر:

أخو الحرب إن عضّت به الحرب عضّها***و إن شمّرت يوما به الحرب شمرا

• والبيت لحاتم - وزحف الأشتر اليهم، فاستقبله معاوية بعك والاشعريين، فقال الأشتر لمذحج: اكفونا عكا. ووقف في همدان، وقال لكندة: اكفونا الأشعريين. فاقتتلوا قتالا شديدا، وأخذ الأشتر يخرج إلى قومه، فيقول: إنّما هم عك فاحملوا عليهم. فيجثون على الركب ويرتجزون:

يا ويل امّ مذحج من عك***هاتيك امّ مذحج تبكي

فقاتلوهم حتى المساء. ثم انّه قاتلهم في همدان وناس من طوائف الناس، فحمل عليهم فأزالهم عن مواقفهم حتى ألحقهم بالصفوف الخمسة المعقلة بالعمائم حول معاوية، ثم شدّ عليهم شدّة اخرى، فصرع الصفوف الأربعة، وكانوا معقلين بالعمائم حتى انتهوا إلى الخامس الذي حول معاوية، ودعا معاوية بفرس فركب، وكان يقول: أردت أن أنهزم فذكرت قول ابن أطنابة - كان ابن أطنابة جاهليا، وأطنابة امه امرأة من بلقين -

أبت لي عفتي وحياء نفسي***و إقدامي على البطل المشيح

وإعطائي على المكروه مالي***و أخذي الحمد بالثمن الربيح

وقولي كلّما جشأت وجاشت***مكانك تحمدي أو تستريحي

فمنعني هذا القول من الفرار(1).

هذا، والأصل في العنوان ما رواه الطبري وغيره، عن زيد بن وهب: أن عليّا عليه‌السلام لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقفها ومصافها، وكشفت من بإزائها من عدوّها، حتى حاربوهم في مواقفهم ومراكزهم، أقبل حتى انتهى إليهم، فقال: إنّي رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم، يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشام، وأنتم لهاميم العرب، والسنام الأعظم، وعمّار الليل بتلاوة القرآن، وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون، فلو لا إقبالكم بعد إدباركم، وكرّكم بعد انحيازكم، وجب عليكم ما وجب على المولّي يوم الزحف دبره، وكنتم من الهالكين، ولكن هوّن وجدي وشفى بعض أحاح نفسي أنّي رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم، و.


1) تاريخ الطبري: 15/4 - 17 سنة 37.

أزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم، تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة، فالآن فاصبروا، نزلت عليكم السكينة وثبّتكم اللّه تعالى باليقين، ليعلم المنهزم أنّه مسخط ربه وموبق نفسه، إنّ في الفرار موجدة اللّه عز وجل عليه، و الذلّ اللازم، والعار الباقي، واعتصار الفيء من يده، وفساد العيش عليه، وإنّ الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضي ربه، فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من التلبس بها والاقرار عليها»(1). .


1) تاريخ الطبري: 17/4 سنه 37 ووقعة صفين: 256.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخطبة (107): ومن خطبة له عليه‌السلام وهي من خطب الملاحم

اشارة

الْحَمْدُ للّه‌ِِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلاّ بِذَوِي الضَّمَائِرِ وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ وَأَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ

مِنْهَا: فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صلى اللّه عليه واله:

اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الاْءَنْبِيَاءِ وَمِشْكَاةِ الضِّيَاءِ وَذُوءَابَةِ الْعَلْيَاءِ وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ وَمَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ

ومنها:

طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ وَلَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالاْءَنْعَامِ السَّائِمَةِ وَالصُّخُورِ الْقَاسِيَةِ قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لاِءَهْلِ الْبَصَائِرِ وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا وَأَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا وَظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَرْوَاح وَأَرْوَاحاً بِلا أَشْبَاح

وَنُسَّاكاً بِلا صَلاح وَتُجَّاراً بِلا أَرْبَاحٍ وَأَيْقَاظاً نُوَّماً وَشُهُوداً غُيَّباً وَنَاظِرَةً عَمْيَاءَ وَسَامِعَةً صَمَّاءَ وَنَاطِقَةً بَكْمَاءَ رَايَةُ ضَلالَةٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا وَتَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ قَائِمٌ عَلَى أَلضَّلَّةِ فَلا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلاّ ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الاْءَدِيمِ وَتَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ وَتَسْتَخْلِصُ الْمُوءْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ وَتَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَادِبُ وَمِنْ أَيْنَ تُوءْتَوْنَ وَأَنَّى تُوءْفَكُونَ فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيكُمْ وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ وَاسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ وَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ وَلْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الاْءَمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ وَقَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ وَرَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ وَعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ وَقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ وَصَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُع الْعَقُورِ وَهَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ وَتَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ وَتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ وَتَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ وَتَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً وَالْمَطَرُ قَيْظاً وَتَفِيضُ اللِّئَامُ فَيْضاً وَتَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً وَسَلاطِينُهُ سِبَاعاً وَأَوْسَاطُهُ أُكَّالاً وَفُقَرَاوءُهُ أَمْوَاتاً وَغَارَ الصِّدْقُ وَفَاضَ الْكَذِبُ وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وَتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً وَالْعَفَافُ عَجَباً وَلُبِسَ الاْءِسْلامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً

ومن خطبة له عليه‌السلام وهي من خطب الملاحم

الملاحم: الوقائع العظيمة في الفتن لانّ فيها راية ضلالة قامت علي قطبها - الخ - .

الْحَمْدُ للّه‌ِِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ

تجلّيا أجلى من الشمس فقد يشكّ في طلوع الشمس وغروبها وزوالها ومحلّها من السماء إذا كانت تحت السحاب، وليس يشكّ في وجود الصانع غير مكابر في وقت... «أَ فِي اللّه‌ِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالاْءَرْضِ...»(1).

بِخَلْقِهِ

أي تجلّيه بسبب مشاهدة مخلوقاته، ولو لم يكن في خلقه إلاّ الشمس لكفاه في تجلّيه لخلقه، كيف وخلقه لا يحصى.

قال سبحانه: كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف(2).

وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ

وإن لم يظهر لأعينهم بمشاهدته، كلّم الصادق عليه‌السلام ابن أبي العوجاء يوما فعاد اليه غدا. فقال: كأنّك جئت تعيد بعض ما كنّا فيه. فقال: أردت ذلك يابن رسول اللّه. فقال له أبو عبداللّه عليه‌السلام : ما أعجب هذا، تنكر اللّه وتشهد أنّي ابن رسول اللّه فقال: العادة تحملني على ذلك.

فقال عليه‌السلام : فما يمنعك من الكلام قال: اجلالا لك ومهابة ما ينطلق لساني بين يديك، فإنّي شاهدت العلماء وناظرت المتكلّمين فما تداخلني هيبة قطّ مثل ما تداخلني من هيبتك.

قال: يكون ذلك ولكن أفتح عليك بسوءال وأقبل عليه، فقال له: أ مصنوع أنت أم غير مصنوع فقال عبدالكريم بن أبي العوجاء: بل أنا غير مصنوع. .


1) ابراهيم: 10

2) بحار الأنوار: 199/84.

فقال عليه‌السلام : فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون ؟ فبقي عبدالكريم مليّا لا يحير جوابا، وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول: طويل عريض عميق قصير متحرّك ساكن كلّ ذلك صفة خلقه.

فقال عليه‌السلام : فإن كنت لم تعلم صفة الصّنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك ممّا يحدث من هذه الأمور. فقال له عبدالكريم: سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها. فقال أبو عبداللّه عليه‌السلام : هبك علمت أنّك لم تسأل في ما مضى، فما علمك أنّك لا تسأل في ما بعد على أنّك - يا عبدالكريم - نقضت قولك، لأنّك تزعم أنّ الأشياء من الأوّل سواء، فكيف قدّمت وأخّرت ثم قال: يا عبدالكريم أزيدك وضوحا: أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر، فقال لك قائل: هل في الكيس دينار فنفيت كون الدينار في الكيس، فقال لك: صف لي الدّينار، وكنت غير عالم بصفته، هل كان لك أن تنفي كون الدّينار عن الكيس وأنت لا تعلم قال: لا. فقال أبو عبداللّه عليه‌السلام : فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس، فلعلّ في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة. (أي: فكيف تنفي الصنعة). فانقطع عبدالكريم، وأجاب إلى الإسلام بعض أصحابه وبقي معه بعض. فعاد في اليوم الثالث، فقال: أقلّب السوءال. فقال له أبو عبداللّه عليه‌السلام : سل عمّا شئت. فقال: ما الدّليل على حدث الأجسام فقال عليه‌السلام : إنّي ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلاّ وإذا ضمّ إليه مثله صار أكبر، وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الأولى، ولو كان قديما ما زال ولا حال، لأنّ الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل، فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث، وفي كونه في الأزل دخوله في العدم، ولن تجتمع صفة الأزل والعدم والحدوث والقدم في شيء واحد.

فقال عبدالكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت بذلك على حدوثها، فلو بقيت الأشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدلّ على حدوثهنّ فقال عليه‌السلام : إنّما نتكلّم على هذا العالم الموضوع، فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شيء أدلّ على الحدث من رفعنا إيّاه، ووضعنا غيره، ولكن أجيبك من حيث قدّرت أن تلزمنا، فنقول: إنّ الأشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنّه متى ضمّ شيء إلى مثله كان أكبر، وفي جواز التّغيير عليه خروجه من القدم، كما أنّ في تغييره دخوله في الحدث ليس لك وراءه شيء يا عبدالكريم. فانقطع وخزي. فلمّا كان من العالم القابل التقى معه في الحرم، فقال له بعض شيعته: إنّ ابن أبي العوجاء قد أسلم. فقال عليه‌السلام : هو أعمى من ذلك، لا يسلم. فلمّا بصر به عليه‌السلام قال: يا سيّدي ومولاي. فقال عليه‌السلام : ما جاء بك الى هذا الموضع فقال: عادة الجسد وسنّة البلد، ولننظر ما النّاس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة. فقال له عليه‌السلام : أنت بعد على عتوّك وضلالك يا عبدالكريم، فذهب يتكلّم.

فقال عليه‌السلام له: لا جدال في الحجّ، ونفض رداءه من يده، وقال: إن يكن الأمر كما تقول - وليس كما تقول - نجونا ونجوت، وإن يكن الأمر كما نقول - وهو كما نقول - نجونا وهلكت.

فأقبل عبدالكريم على من معه، فقال: وجدت في قلبي حزازة فردّوني، فردّوه فمات(1).

وورد في الدعاء: يَا مَنْ لاَ يَبْعُدُ عَنْ قُلُوبِ الْعَارِفِين(2)وفي بعض الفقرات من .


1) التوحيد للصدوق: 296، ح6 والكافي: 76/1، ح2

2) المصباح للكفعمي: 255؛ بحار الأنوار 392/91.

الادعية: يَا مَنْ لاَ يَحْجُبُهُ شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ - إلى ان قال - يَا مَنْ هُوَ غَايَةُ مُرَادِ الْمُرِيدِينَ يَا مَنْ هُوَ مُنْتَهَى هِمَمِ الْعَارِفِين(1)وقال امير الموءمنين عليه‌السلام يَا غَايَةَ آمَالِ الْعَارِفِين(2)وقال عليه‌السلام ايضا: إِلَهِي وَسَيِّدِي وَمَوْلاَيَ وَرَبِّي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِك(3).

وقال الحسين بن علي عليهما السلام: عَمِيَتْ عَيْنٌ لاَ تَرَاك(4).

خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ

أي تفكر.

إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلاّ بِذَوِي الضَّمَائِرِ

الّذين لهم قلوب في الصدور.

وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ

وهو نظير قوله عليه‌السلام في الخطبة الأولى: «بلا رويّة أجالها ولا تجربة استفادها ولا حركة أحدثها ولا همامة نفس اضطرب فيها»(5). .


1) المصباح للكفعمي: 260 وبحار: 397/91

2) اقبال الاعمال (ط - القديمة): 708/2

3) مصباح المتهجد: 847/2 وجمال الاسبوع بكمال العمل المشروع: 547

4) اقبال الاعمال (ط القديمة): 349/1؛ بحار الأنوار 226/95

5) نهج البلاغة (فيض الإسلام): 25.

خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ

فجعلها منكشفة، قال تعالى: «يَعْلَمُ خائِنَةَ الاْءَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ»(1).

وقال تعالى: «فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى»(2).

قالوا: أخفى من السرّ ما خطر بالقلب ولم يحصل في الخارج(3).

وقال تعالى: «انَّ اللّه‌َ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْما»(4).

وَأَحَاطَ بِغُمُوضِ

أي خفي.

عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ

قال تعالى: «قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللّه‌ُ، وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الاْءَرْضِ...»(5).

وقال تعالى: «يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّه‌ِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللّه‌ُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً»(6).

وقال تعالى: «وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الاْءَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ. وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ...»(7)..


1) غافر: 19

2) طه: 7

3) تفسير القمي: 59/2

4) الطلاق: 12

5) آل عمران: 29

6) النساء: 108

7) الانعام: 59 - 60.

وقال تعالى: «وَلَوْ أَنَّ ما فِي الاْءَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللّه‌ِ إِنَّ اللّه‌َ عَزِيزٌ حَكِيم»(1).

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صلى اللّه عليه واله

اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الاْءَنْبِيَاءِ

عن ابن عباس في قوله تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(2)قال: من نبيّ إلى نبيّ ومن نبيّ إلى نبيّ حتّى أخرجك نبيّا(3).

وَمِشْكَاةِ الضِّيَاءِ

عن الفرّاء المشكاة: الكوّة التي ليست بنافذة(4).

وَذُوءَابَةِ الْعَلْيَاءِ

تستعار الذوءابة كالمشكاة للنقاوة، قال حسّان في بئر معونة:

بني أمّ البنين ألم يرعكم***و أنتم من ذوائب أهل نجد(5)

قال الشاعر في كونه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله من شجرة الأنبياء، ومشكاة الضياء:

ورث الشرف جامعا عن جامع***و شهد له نداء نداء الصوامع

هو من مضر في سويداء قلبها***و من هاشم في سواد طرفها(6).


1) لقمان: 27

2) الشعراء: 219

3) الطبقات الكبري لابن سعد: 25/1

4) شرح الكافي (للمولى صالح المازندراني) : 213/5، ح5

5) السيرة النبوية لابن هشام: 680/3

6) زهر الآداب وثمر الألباب: 136/1.

وعن ابن عبّاس عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : أنّ اللّه تعالى قسّم الخلق قسمين، فجعلني في خيرهما قسما، فذلك قوله وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب اليمين، ثمّ جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، فذلك قوله: «فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ»(1)، فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثمّ جعل الأثلاث قبائل، فجعلني في خيرها قبيلة، وذلك قوله: «وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّه‌ِ أَتْقاكُمْ»(2)، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على اللّه تعالى ولا فخر، ثمّ جعل القبائل بيوتا، فجعلني في خيرها بيتا، فذلك قوله: «إِنَّما يُرِيدُ اللّه‌ُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(3)، فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب(4).

وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ

قال المسعودي: إنّ قريشاً: قريش الظواهر، وقريش الأباطح، والظواهر: بنو محارب، والحارث بن فهر، وبنو الادرم بن غالب بن فهر، وبنو هصيص بن عامر بن لوءي. والبطائح: بنو عبدمناف، وبنو عبدالدار، وبنو عبدالعزّى، وزهرة، ومخزوم، وتيم، وجمح، وسهم، وعدي، وقصي، والفخر للبطاح.

قال ذكوان مولى عبدالدار للضحاك الفهري:

تطاولت للضحاك حتّى رددته***إلى نسب في قومه متقاصر .


1) الواقعة: 8 - 10

2) الحجرات: 13

3) الاحزاب: 33

4) إعلام الوري (ط - القديمة): 8؛ بحار الأنوار: 315/16، ح4.

فلو شاهدتني من قريش عصابة***قريش البطاح لا قريش الظواهر(1)

وقال أبو طالب في النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله :

من القوم مفضال أبيّ على العدى***تمكّن في الفرعين من آل هاشم(2)

وكان قصيّ أبو عبدمناف هو الأصل في قريش البطاح، وسمّي مجمّعا، لأنّه جمع قومه من الشعاب والأودية والجبال إلى مكّة، فلمّا تركهم بمكّة ملّكوه عليهم، فكان أوّل ولد كعب بن لوءيّ أصاب ملكا أطاعه به قومه، وكان إليه الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء، فحاز شرف قريش كلّه، وقسّم مكّة أرباعا بين قومه فبنوا المساكن، وتيمّنت قريش بأمره، فما ينكح رجل ولا امرأة إلاّ في داره، و كان أمره في قومه كالدين المتّبع في حياته وبعد موته(3).

وأمّا قول قريش للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : ابن أبي كبشة، إنّ قريشا كانت تنسب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله إلى أبي كبشة، وحر بن غالب الخزاعي جدّ وهب أبي آمنة أمّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله لأمّه ولم يعيّروا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله في نسبته إليه من تقصير كان فيه، فكان سيّد قومه، و إنّما كان أبو كبشة أوّل من عبدالشعرى لأنّها تقطع السماء عرضا بخلاف الشمس و القمر وباقي الكواكب، والعرب تظنّ أنّ أحدا لا يعمل شيئا إلاّ بعرق ينزعه، فلمّا خالف النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله دين قريش قالت قريش: نزعه أبو كبشة(4).

هذا، وقالوا: يكون موضعا آخران مسمّيان بالبطحاء غير بطحاء مكّة: أحدهما: بطحاء الجزيرة، وثانيهما: بطحاء ذي قار. .


1) مروج الذهب: 32/2

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 73/14

3) الكامل لابن الأثير: 20/2؛ والانوار البهية (الشيخ عباس القمي): 28

4) نسب قريش: 261 - 262.

وقالوا: رأى قرشي رجلا له هيئة رثّة فسأل عنه، فقالوا: من تغلب. فوقف عليه وهو يطوف بالبيت، فقال له: أرى رجلين قلّما وطئتا البطحاء. فقال الرجل: البطحاوات ثلاث: بطحاء الجزيرة وهي لي دونك، وبطحاء ذي قار، وأنا أحقّ بها منك، وهذه البطحاء، «وسَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ»(1)،(2).

هذا، وعن الزهري: لمّا وفد الأشعث بن قيس على النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال: يا رسول اللّه نحن بنو آكل المرار - كان من ولده من قبل النساء - وأنت ابن آكل المرار. قال: فتبسّم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وقال: ناسبوا بهذا النسب العبّاس بن عبدالمطلب وربيعة بن الحارث - وكان العبّاس وربيعة رجلين تاجرين، وكانا إذا شاعا في بعض العرب فسئلا ممّن هما قالا: نحن بنو آكل المرار يتعزّزان بذلك، و ذلك أنّ كندة كانوا ملوكا - ثمّ قال لهم: لا، بل نحن النضر بن كنانة، لا نقفو أمّنا، ولا ننتفي من أبينا(3).

وَمَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ

أي اختاره منها.

وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ

أي الأنبياء والحكماء الّذين كانوا آبائه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله . .


1) الحج: 25

2) عيون الاخبار لابن قتيبة: 322/1

3) السيرة النبوية (ابن هشام): 1006/4.

ومنها: طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ

رجل طبّ بالشيء حذق به، ومنه اشتقاق الطبيب، ومن أمثالهم «من حبّ طبّ» أي: تأتى لاموره، وتلطّف لها(1).

وكان عليه‌السلام كطبيب دوّار لعلاج أمراض الأرواح. فكان يعظ من شهده شفاها، ومن غاب عنه كتابا، وكان عليه‌السلام يعظ الناس عموما وخصوصا ليلا ونهارا.

ومن مواعظه العامة نهارا أنّه عليه‌السلام كان كلّ بكرة يطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا، ومعه الدرّة على عاتقه - وكان لها طرفان، وكان تسمّى السبية - فيقف على سوق فينادي: يا معشر التّجار قدّموا الإستخارة، وتبرّكوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزيّنوا بالحلم، وتناهوا عن اليمين، وجانبوا الكذب، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا «فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ، وَلا تَعْثَوْا فِي الاْءَرْضِ مُفْسِدِينَ»(2)ثمّ يقول:

تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها***من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء في مغبّتها***لا خير في لذّة من بعدها النار(3)

ومن مواعظه الليلية عموما أنّه عليه‌السلام كان بعد العشاء لمّا كان بالكوفة يقبل بوجهه على الناس في المسجد، ويذكّرهم بهذه الكلمات ثلاث مرّات: تجهّزوا رحمكم اللّه فقد نودي فيكم بالرحيل. فما التعرّج(4)على الدنيا بعد نداء فيها بالرحيل. .


1) جمهرة اللغة: 73/1

2) هود: 85

3) الأمالي للصدوق: 497، م75، ح6؛ بحار الأنوار 104/41، ح5

4) التعرج هو حبس المطية على المنزل والإقامة الطويلة فيه والغفلة عن السير والسفر، والتعرج على الدنيا هو الركون عليها والاشتغال بها بحيث ينسى الهدف من المسير وهو النعم الاخروية.

تجهّزوا رحمكم اللّه، وانتقلوا بأفضل ما بحضرتكم من الزاد وهو التقوى، واعلموا أنّ طريقكم إلى المعاد، وممرّكم على الصراط، والهول الأعظم أمامكم، في طريقكم عقبة كوءودة، ومنازل مخوفة مهولة لا بدّ لكم من الممرّ عليها والوقوف بها. فإمّا برحمة من اللّه ونجاة من هولها، وعظم خطرها، وفظاعة منظرها، وشدّة مختبرها، وإمّا بهلكة ليس بعدها انجبار(1).

وفي الخبر: كان عليه‌السلام يمشي في الأسواق وحده وهو دالّ يرشد الضال، و يعين الضعيف (و يمسك الشسوع بيده. فيناول الرجل الشسع) ويمرّ بالبيّاع والبقّال. فيفتح عليه القرآن، ويقرأ: «تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الاْءَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»(2)،(3).

قَدْ أَحْكَمَ

والأصل فيه حكمة اللجام الّتي تحيط بالحنك تقول منه «حكمت الدابة وأحكمتها»(4).

مَرَاهِمَهُ

جمع المرهم، ما يوضع على الجراحة. قال في (الصحاح): المرهم معرّب(5)، ولكن في (الجمهرة) الرهمة، والجمع رهام: الدفعة اللينة من المطر، ومنه اشتقاق المرهم للينه(6)..


1) الأمالي للصدوق: 498، م75، ح7؛ بحار الأنوار 172/68، ح4

2) القصص: 83

3) مجمع البيان: 420/7

4) الصحاح: 1902/5

5) الصحاح: 1939/5

6) جمهرة اللغة: 804/2.

وَأَحْمَى

من قولهم أحميت الحديد في النار.

مَوَاسِمَهُ

جمع الميسم ما يحمى به، وفي (الصحاح): أصل الياء واو.

فإن شئت قلت في جمعه مياسم على اللفظ، وإن شئت قلت مواسم على الأصل(1).

روي أنّ حبابة الوالبية قالت: رأيت أمير الموءمنين عليه‌السلام في شرطة الخميس(2)ومعه درّة لها سبابتان يضرب بها بيّاع الجرّي والمار ماهي، والزّمار، ويقول لهم: يا بيّاع مسوخ بني اسرائيل، وجند بني مروان، فقام إليه فرات بن أحنف. فقال: يام.


1) الصحاح: 2051/5 مادة (وسم)

2) الشرطة بالضم: ما اشترطته. اول كتيبة تحضر الحرب. وطائفة من خيار اعوان الولاة. والخميس: الجيش سمى به لانه مقسوم بخمسة اقسام: المقدّمة والساقة والميمنة والميسرة والقلب. وقيل: لانه تخمس فيه الغنائم. وسمى أمير الموءمنين عليه‌السلام بذلك رجالا كانت عدّتهم خمسة آلاف رجل أو ستة آلاف قيل: سموا بذلك لانهم اشترطوا على الامام. ذكرهم البرقي في أصحاب أمير الموءمنين عليه‌السلام قال: وأصحاب أمير الموءمنين الذين كانوا شرطة الخميس كانوا ستة آلاف رجل. وقال عليّ بن الحكم: اصحاب أمير الموءمنين الذين قال لهم: تشرطوا انما اشارطكم على الجنة ولست اشارطكم على ذهب ولا فضة، ان نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌و‌آله قال لاصحابه فيما مضى: تشرطوا فانى لست اشارطكم الا على الجنة. وقال أمير الموءمنين عليه‌السلام لعبد اللّه بن يحيى الحضرمى يوم الجمل: ابشر يا بن يحيى فانّك واباك من شرطة الخميس حقا لقد اخبرنى رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله باسمك واسم ابيك في شرطة الخميس واللّه لقد سماكم في السماء شرطة الخميس على لسان نبيه. ثم ذكر البرقي بعضهم باسمائهم كسلمان والمقداد وأبو ذر وعمّار وغيرهم.

أمير الموءمنين وما جند بني مروان فقال له أقوام حلقوا اللّحى، و فتلوا الشوارب(1).

يَضَعُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ

قال ابن أبي الحديد: يقال: روءي المسيح خارجا من بيت مومسة. فقيل له: يا سيدنا أمثلك يكون ها هنا فقال: إنّما يأتي الطبيب المرضى(2).

هذا، ورأى دريد بن الصّمّة الخنساء تهنأ الابل(3).

فقال فيها أبياتا منها:

ما إن رأيت ولا سمعت به***كاليوم هاني أنيق جرب

متبذلا تبدو محاسنه***يضع الهناء مواضع النقب(4)

مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ

حيث إنّه عليه‌السلام الهادي، وعن ابن عباس لمّا نزل: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ»(5)وضع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يده على صدره، وقال: «أنا المنذر - وأومأ بيده إلى منكب عليّ عليه‌السلام - وقال: وأنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون بعدى»(6).

وفيها اشارة إلى قوله تعالى: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون»(7)وقوله تعالى: .


1) الكافي: 346/1، ح3؛ بحار الأنوار 175/25، ح1

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 183/7

3) تهنأ إبلا: تطيلها بالهناء، بكسر الهاء، وهو ضرب من القطران

4) الشعر والشعراء 331/1، ش591

5) الرعد: 7

6) الكشف والبيان (تفسير الثعلبي): 272/5

7) البقرة: 171.

«لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها»(1).

مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ

قد استفيد من كلامه عليه‌السلام أنّ القلوب والآذان والألسنة الموصوفة بالأوصاف المذكورة كلّها مريضة محتاجة إلى الطبيب.

وهو كذلك، فانّ كلّ عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاصّ به ومرضه أن يتعذّر عليه فعله الذي خلق لأجله حتّى لا يصدر منه أصلا أو يصدر منه بنوع من الاضطرار.

فمرض اليد أن يتعذّر عليها البطش، ومرض الاذن أن يتعذّر عليها السّماع ومرض العين أن يتعذّر عليها الابصار، ومرض اللسان أن يتعذّر عليه التكلّم، ومرض القلب أن يتعذّر عليه فعله الخاص الذي خلق لأجله وهو العلم والحكمة والمعرفة وحبّ اللّه وعبادته والتلذّذ بذكره وإيثاره ذلك على غيره والاستعانة بجميع الأعضاء عليه كما قال: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاْءِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ»(2)يتميّز عنها بالقوّة على الأكل والوقاع والابصار ونحوها، بل بمعرفة الأشياء على ما هى عليه وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو اللّه سبحانه، فلو عرف كلّ شيء ولم يعرف اللّه تعالى فكأنه لم يعرف شيئا، وهو علامة لمرض قلبه كما أنّه لو لم يوءثر المواعظ والنصايح فى اذنه، والعبر والآيات في نظره ولم يجرى الحقّ على لسانه عرف بذلك أنّ هذه الجوارح منه مريضة، لكونها علامات لمرضها يستدلّ بها عليها.


1) الاعراف: 179

2) الذاريات: 56.

فلا بدّ له من معالجتها والخلاص من ألمها.

وربّما يحصل له الغفلة عن مرضه فلا يمكن له العلاج بنفسه، فيلزم حينئذ وجود طبيب حاذق دوّار بطبّه لينبّهه على مرضه ويداوى له، وليس ذلك إلاّ أمير الموءمنين عليه‌السلام والطيّبون من أولاده، فانّ غيرهم من الأطبّاء أعنى ساير العلما قد استولى عليهم المرض، والطبيب إذا كان بنفسه مريضا كيف يعالج غيره، فهو طبيب الهى متتبّع بدوائه مواضع الغفلة ومواطن الحيرة معالج لأمراض القلوب و أسقام الأرواح والنفوس وآفات الأعضاء والمشاعر.

روى بعض القدماء في أصل له عن عمّار قال: بينا أنا أمشي بأرض الكوفة إذ رأيت أمير الموءمنين عليه‌السلام جالسا، وعنده جماعة من الناس، وهو يصف لكلّ إنسان ما يصلح له. فقلت له: يا أمير الموءمنين أ يوجد عندك دواء الذنوب. فقال: نعم اجلس فجثوت على ركبتيّ حتّى تفرّق عنه الناس. ثمّ أقبل عليّ وقال: خذ دواء أقول لك. قلت: قل يا أمير الموءمنين قال: عليك بورق الفقر، وعروق الصبر، وهليلج الكتمان، وبليلج الرضا، وغاريقون الفكر، وسقمونيا الأحزان، وأشربه بماء الأجفان، واغله في طنجير القلق، وضعه تحت ميزاب الفرق، وصفّه بمنخل الأرق، واشربه على الحرق. فذاك دواوءك، وشفاوءك يا عليل(1).

وعَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ عليهماالسلام أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام قَاعِداً ذَاتَ يَوْمٍ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ الْمُدَّعِينَ لِلْفَلْسَفَةِ وَالطِّبِّ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحَسَنِ بَلَغَنِي خَبَرُ صَاحِبِكَ وَأَنَّ بِهِ جُنُوناً وَجِئْتُ لاِءُعَالِجَهُ فَلَحِقْتُهُ قَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ وَفَاتَنِي مَا أَرَدْتُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ قِيلَ لِي إِنَّكَ ابْنُ عَمِّهِ وَصِهْرُهُ.


1) . مستدرك الوسائل: 171/12، ح13803.

وَأَرَى بِكَ صُفَاراً قَدْ عَلاكَ وَسَاقَيْنِ دَقِيقَيْنِ وَلَمَا أَرَاهُمَا تَقِلاّنِكَ فَأَمَّا الصُّفَارُ فَعِنْدِي دَوَاوءُهُ وَأَمَّا السَّاقَانِ الدَّقِيقَانِ فَلا حِيلَةَ لِي لِتَغْلِيظِهِمَا وَالْوَجْهُ أَنْ تَرْفُقَ بِنَفْسِكَ فِي الْمَشْيِ تُقَلِّلُهُ وَلاَ تُكَثِّرُهُ - وَفِيمَا تَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِكَ وَتَحْتَضِنُهُ بِصَدْرِكَ أَنْ تُقَلِّلَهُمَا وَلاَ تُكَثِّرَهُمَا فَإِنَّ سَاقَيْكَ دَقِيقَانِ لاَ يُوءْمَنُ عِنْدَ حَمْلِ ثَقِيلٍ انْقِصَافُهُمَا وَأَمَّا الصُّفَارُ فَدَوَاوءُهُ عِنْدِي وَهُوَ هَذَا وَأَخْرَجَ دَوَاءَهُ وَقَالَ - هَذَا لاَ يُوءْذِيكَ وَلاَ يَخِيسُكَ(1)وَلَكِنَّهُ تَلْزَمُكَ حِمْيَةٌ مِنَ اللَّحْمِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ثُمَّ يُزِيلُ صُفَارَكَ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام قَدْ ذَكَرْتَ نَفْعَ هَذَا الدَّوَاءِ لِصُفَارِي فَهَلْ تَعْرِفُ شَيْئاً يَزِيدُ فِيهِ وَيَضُرُّهُ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ بَلَى حَبَّةٌ مِنْ هَذَا وَأَشَارَ إِلَى دَوَاءٍ مَعَهُ وَقَالَ إِنْ تَنَاوَلَهُ إِنْسَانٌ وَبِهِ صُفَارٌ أَمَاتَهُ مِنْ سَاعَتِهِ وَإِنْ كَانَ لاَ صُفَارَ بِهِ صَارَ بِهِ صُفَارٌ حَتَّى يَمُوتَ فِي يَوْمِهِ فَقَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام : فَأَرِنِي هَذَا الضَّارَّ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ فَقَالَ لَهُ كَمْ قَدْرُ هَذَا قَالَ قَدْرُهُ مِثْقَالَيْنِ سَمٌّ نَاقِعٌ قَدْرُ كُلِّ حَبَّةٍ مِنْهُ يَقْتُلُ رَجُلاً فَتَنَاوَلَهُ عَلِيٌّ عليه‌السلام فَقَمَحَهُ(2)وَعَرِقَ عَرَقاً خَفِيفاً وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَرْتَعِدُ وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ الآْنَ أُوخَذُ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ وَيُقَالُ قَتَلْتَهُ وَلاَ يُقْبَلُ مِنِّي قَوْلِي إِنَّهُ هُوَ الْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ فَتَبَسَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام وَقَالَ يَا عَبْدَ اللّه‌ِ أَصَحُّ مَا كُنْتُ بَدَناً الآْنَ لَمْ يَضُرَّنِي مَا زَعَمْتَ أَنَّهُ سَمٌّ ثُمَّ قَالَ فَغَمِّضْ عَيْنَيْكَ فَغَمَّضَ ثُمَّ قَالَ افْتَحْ عَيْنَيْكَ فَفَتَحَ وَنَظَرَ إِلَى وَجْهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام فَإِذَا هُوَ أَبْيَضُ أَحْمَرُ مُشْرَبٌ حُمْرَةً فَارْتَعَدَ الرَّجُلُ لِمَا رَآهُ وَتَبَسَّمَ عَلِيٌّ عليه‌السلام وَقَالَ أَيْنَ الصُّفَارُ الَّذِي زَعَمْتَ أَنَّهُ بِي؟

فَقَالَ وَاللّه‌ِ لَكَأَنَّكَ لَسْتَ مَنْ رَأَيْتُ قَبْلُ كُنْتَ مضارا [مُصْفَارّاً] فَإِنَّكَ الآْنَ مُوَرَّدٌ فَقَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام فَزَالَ عَنِّي الصُّفَارُ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّهُ قَاتِلِي وَأَمَّا سَاقَايَ هَاتَانِ وَمَدَّ.


1) أي لا ينقصك كناية عن عدم النفع

2) قمحت السويق - بالكسر إذا سففته.

رِجْلَيْهِ وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيْهِ فَإِنَّكَ زَعَمْتَ أَنِّي أَحْتَاجُ إِلَى أَنْ أَرْفُقَ بِبَدَنِي فِي حَمْلِ مَا أَحْمِلُ عَلَيْهِ لِئَلاّ يَنْقَصِفَ السَّاقَانِ(1)وَأَنَا أُرِيكَ أَنَّ طِبَّ اللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى خِلافِ طِبِّكَ وَضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى أُسْطُوَانَةِ خَشَبٍ عَظِيمَةٍ عَلَى رَأْسِهَا سَطْحُ مَجْلِسِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَفَوْقَهُ حُجْرَتَانِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الاْءُخْرَى وَحَرَّكَهَا فَاحْتَمَلَهَا فَارْتَفَعَ السَّطْحُ وَالْحِيطَانُ وَفَوْقَهُمَا الْغُرْفَتَانِ فَغُشِيَ عَلَى الْيُونَانِيِّ فَقَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام صُبُّوا عَلَيْهِ مَاءً فَصَبُّوا عَلَيْهِ مَاءً فَأَفَاقَ وَهُوَ يَقُولُ وَاللّه‌ِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ عَجَباً فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ عليه‌السلام هَذِهِ قُوَّةُ السَّاقَيْنِ الدَّقِيقَيْنِ وَاحْتِمَالُهُمَا أَ فِي طِبِّكَ هَذَا يَا يُونَانِيُّ فَقَالَ الْيُونَانِيُّ أَ مِثْلَكَ كَانَ مُحَمَّدٌ؟

فَقَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام وَهَلْ عِلْمِي إِلاّ مِنْ عِلْمِهِ وَعَقْلِي إِلاّ مِنْ عَقْلِهِ وَقُوَّتِي إِلاّ مِنْ قُوَّتِهِ وَلَقَدْ أَتَاهُ ثَقَفِيٌّ وَكَانَ أَطَبَّ الْعَرَبِ فَقَالَ لَهُ إِنْ كَانَ بِكَ جُنُونٌ دَاوَيْتُكَ - فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أَ تُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً تَعْلَمُ بِهَا غِنَايَ مِنْ طِبِّكَ وَحَاجَتَكَ إِلَى طِبِّي؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَيَّ آيَةٍ تُرِيدُ؟

قَالَ تَدْعُو ذَلِكَ الْعَذْقَ وَأَشَارَ إِلَى نَخْلَةٍ سَحُوقٍ فَدَعَاهُ فَانْقَلَعَ أَصْلُهَا مِنَ الاْءَرْضِ وَهِيَ تَخُدُّ الاْءَرْضَ خَدّاً حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَ كَفَاكَ؟ قَالَ لاَ قَالَ فَتُرِيدُ مَا ذَا قَالَ تَأْمُرُهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى حَيْثُ جَاءَتْ مِنْهُ وَتَسْتَقِرَّ فِي مَقَرِّهَا الَّذِي انْقَلَعَتْ مِنْهُ فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ وَاسْتَقَرَّتْ فِي مَقَرِّهَا - فَقَالَ الْيُونَانِيُّ لاِءَمِيرِ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام هَذَا الَّذِي تَذْكُرُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله غَائِبٍ عَنِّي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَقْتَصِرَ مِنْكَ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَبَاعَدُ عَنْكَ فَادْعُنِي وَأَنَا لاَ أَخْتَارُ الاْءِجَابَةَ فَإِنْ جِئْتَ بِي إِلَيْكَ فَهِيَ آيَةٌ قَالَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام إِنَّمَا يَكُونُ آيَةً لَكَ وَحْدَكَ لاِءَنَّكَ تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ لَمْ تُرِدْهُ وَأَنِّير.


1) أي: تنكسر.

أَزَلْتُ اخْتِيَارَكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ بَاشَرْتَ مِنِّي شَيْئاً أَوْ مِمَّنْ أَمَرْتُهُ بِأَنْ يُبَاشِرَكَ أَوْ مِمَّنْ قَصَدَ إِلَى اخْتِيَارِكَ وَإِنْ لَمْ آمُرْهُ إِلاّ مَا يَكُونُ مِنْ قُدْرَةِ اللّه‌ِ الْقَاهِرَةِ وَأَنْتَ يَا يُونَانِيُّ يُمْكِنُكَ أَنْ تَدَّعِيَ وَيُمْكِنُ غَيْرَكَ أَنْ يَقُولَ إِنِّي وَاطَأْتُكَ عَلَى ذَلِكَ فَاقْتَرِحْ إِنْ كُنْتَ مُقْتَرِحاً مَا هُوَ آيَةٌ لِجَمِيعِ الْعَالَمِينَ قَالَ لَهُ الْيُونَانِيُّ إِنْ جَعَلْتَ الاقْتِرَاحَ إِلَيَّ فَأَنَا أَقْتَرِحُ أَنْ تُفَصِّلَ أَجْزَاءَ تِلْكَ النَّخْلَةِ وَتُفَرِّقَهَا وَتُبَاعِدَ مَا بَيْنَهَا ثُمَّ تَجْمَعَهَا وَتُعِيدَهَا كَمَا كَانَتْ فَقَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام هَذِهِ آيَةٌ وَأَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهَا يَعْنِي إِلَى النَّخْلَةِ فَقُلْ لَهَا إِنَّ وَصِيَّ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللّه‌ِ يَأْمُرُ أَجْزَاءَكِ أَنْ تَتَفَرَّقَ وَتَتَبَاعَدَ فَذَهَبَ فَقَالَ لَهَا ذَلِكَ فَتَفَاصَلَتْ وَتَهَافَتَتْ وَتَنَثَّرَتْ وَتَصَاغَرَتْ أَجْزَاوءُهَا حَتَّى لَمْ يُرَ لَهَا عَيْنٌ وَلاَ أَثَرٌ حَتَّى كَأَنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ نَخْلَةٌ قَطُّ فَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُ الْيُونَانِيِّ وَقَالَ يَا وَصِيَّ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللّه‌ِ قَدْ أَعْطَيْتَنِي اقْتِرَاحِيَ الاْءَوَّلَ فَأَعْطِنِي الآْخَرَ فَأْمُرْهَا أَنْ تَجْتَمِعَ وَتَعُودَ كَمَا كَانَتْ فَقَالَ أَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهَا فَعُدْ فَقُلْ لَهَا يَا أَجْزَاءَ النَّخْلَةِ إِنَّ وَصِيَّ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللّه‌ِ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي كَمَا كُنْتِ وَأَنْ تَعُودِي فَنَادَى الْيُونَانِيُّ فَقَالَ ذَلِكَ فَارْتَفَعَتْ فِي الْهَوَاءِ كَهَيْئَةِ الْهَبَاءِ الْمَنْثُورِ ثُمَّ جَعَلَتْ تَجْتَمِعُ جُزْءٌ جُزْءٌ مِنْهَا حَتَّى تَصَوَّرَ لَهَا الْقُضْبَانُ وَالاْءَوْرَاقُ وَأُصُولُ السَّعَفِ وَشَمَارِيخُ الاْءَعْذَاقِ ثُمَّ تَأَلَّفَتْ وَتَجَمَّعَتْ وَتَرَكَّبَتْ وَاسْتَطَالَتْ وَعَرَضَتْ وَاسْتَقَرَّ أَصْلُهَا فِي مَقَرِّهَا وَتَمَكَّنَ عَلَيْهَا سَاقُهَا وَتَرَكَّبَ عَلَى السَّاقِ قُضْبَانُهَا وَعَلَى الْقُضْبَانِ أَوْرَاقُهَا وَفِي أَمْكِنَتِهَا أَعْذَاقُهَا وَكَانَتْ فِي الابْتِدَاءِ شَمَارِيخُهَا مُتَجَرِّدَةً لِبُعْدِهَا مِنْ أَوَانِ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ وَالْخِلالِ - فَقَالَ الْيُونَانِيُّ وَأُخْرَى أُحِبُّ أَنْ تُخْرِجَ شَمَارِيخُهَا أَخْلالَهَا وَتَقْلِبَهَا مِنْ خُضْرَةٍ إِلَى صُفْرَةٍ وَحُمْرَةٍ وَتَرْطِيبٍ وَبُلُوغٍ لِتَأْكُلَ وَتُطْعِمَنِي وَمَنْ حَضَرَكَ مِنْهَا فَقَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام أَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهَا بِذَلِكَ فَمُرْهَا بِهِ فَقَالَ لَهَا الْيُونَانِيُّ مَا أَمَرَهُ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام فَأَخَلَّتْ وَأَبْسَرَتْ

وَاصْفَرَّتْ وَاحْمَرَّتْ وَتَرَطَّبَتْ وَثَقُلَتْ أَعْذَاقُهَا بِرُطَبِهَا - فَقَالَ الْيُونَانِيُّ وَأُخْرَى أُحِبُّهَا أَنْ تُقَرِّبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ أَعْذَاقَهَا أَوْ تُطَوِّلَ يَدِي لِتَنَالَهَا وَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيَّ أَنْ تَنْزِلَ إِلَيَّ إِحْدَاهُمَا وَتَطُولَ يَدِي إِلَى الاْءُخْرَى الَّتِي هِيَ أُخْتُهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام مُدَّ الْيَدَ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَنَالَهَا وَقُلْ يَا مُقَرِّبَ الْبَعِيدِ قَرِّبْ يَدِي مِنْهَا وَاقْبِضِ الاْءُخْرَى الَّتِي تُرِيدُ أَنْ يَنْزِلَ الْعِذْقُ إِلَيْهَا وَقُلْ يَا مُسَهِّلَ الْعَسِيرِ سَهِّلْ لِي تَنَاوُلَ مَا يَبْعُدُ عَنِّي مِنْهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ فَقَالَهُ فَطَالَتْ يُمْنَاهُ فَوَصَلَتْ إِلَى الْعِذْقِ وَانْحَطَّتِ الاْءَعْذَاقُ الاْءُخَرُ فَسَقَطَتْ عَلَى الاْءَرْضِ وَقَدْ طَالَتْ عَرَاجِينُهَا ثُمَّ قَالَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام إِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَ مِنْهَا وَلَمْ تُوءْمِنْ بِمَنْ أَظْهَرَ لَكَ مِنْ عَجَائِبِهَا عَجَّلَ اللّه‌ُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْكَ مِنَ الْعُقُوبَةِ الَّتِي يَبْتَلِيكَ بِهَا مَا يَعْتَبِرُ بِهِ عُقَلاءُ خَلْقِهِ وَجُهَّالُهُ فَقَالَ الْيُونَانِيُّ إِنِّي إِنْ كَفَرْتُ بَعْدَ مَا رَأَيْتُ فَقَدْ بَالَغْتُ فِي الْعِنَادِ وَتَنَاهَيْتُ فِي التَّعَرُّضِ لِلْهَلاكِ - أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ خَاصَّةِ اللّه‌ِ صَادِقٌ فِي جَمِيعِ أَقَاوِيلِكَ عَنِ اللّه‌ِ فَأْمُرْنِي بِمَا تَشَاءُ أُطِعْكَ قَالَ عَلِيٌّ عليه‌السلام آمُرُكَ أَنْ تُقِرَّ للّه‌ِِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَتَشْهَدَ لَهُ بِالْجُودِ وَالْحِكْمَةِ وَتُنَزِّهَه عَنِ الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ وَعَنْ ظُلْمِ الاْءِمَاءِ وَالْعِبَادِ وَتَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّداً الَّذِي أَنَا وَصِيُّهُ سَيِّدُ الاْءَنَامِ وَأَفْضَلُ رُتْبَةً فِي دَارِ السَّلامِ وَتَشْهَدَ أَنَّ عَلِيّاً الَّذِي أَرَاكَ مَا أَرَاكَ وَأَوْلاَكَ مِنَ النِّعَمِ مَا أَوْلاَكَ خَيْرُ خَلْقِ اللّه‌ِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللّه‌ِ وَأَحَقُّ خَلْقِ اللّه‌ِ بِمَقَامِ مُحَمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بَعْدَهُ وَبِالْقِيَامِ بِشَرَائِعِهِ وَأَحْكَامِهِ وَتَشْهَدَ أَنَّ أَوْلِيَاءَهُ أَوْلِيَاءُ اللّه‌ِ وَأَعْدَاءَهُ أَعْدَاءُ اللّه‌ِ وَأَنَّ الْمُوءْمِنِينَ الْمُشَارِكِينَ لَكَ فِيمَا كَلَّفْتُكَ الْمُسَاعِدِينَ لَكَ عَلَى مَا أَمَرْتُكَ بِهِ خَيْرُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وَصَفْوَةُ شِيعَةِ عَلِيٍّ وَآمُرُكَ أَنْ تُوَاسِيَ إِخْوَانَكَ الْمُطَابِقِينَ لَكَ عَلَى تَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وَتَصْدِيقِي وَالانْقِيَادِ لَهُ وَلِي مِمَّا رَزَقَكَ اللّه‌ُ وَفَضَّلَكَ عَلَى مَنْ فَضَّلَكَ بِهِ مِنْهُمْ تَسُدَّ فَاقَتَهُمْ وَتَجْبُرَ كَسْرَهُمْ وَخَلَّتَهُمْ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي دَرَجَتِكَ فِي الاْءِيمَانِ سَاوَيْتَهُ مِنْ مَالِكَ بِنَفْسِكَ

وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَاضِلاً عَلَيْكَ فِي دِينِكَ آثَرْتَهُ بِمَالِكَ عَلَى نَفْسِكَ حَتَّى يَعْلَمَ اللّه‌ُ مِنْكَ أَنَّ دِينَهُ آثَرُ عِنْدَكَ مِنْ مَالِكَ وَأَنَّ أَوْلِيَاءَهُ أَكْرَمُ عَلَيْكَ مِنْ أَهْلِكَ وَعِيَالِكَ وَآمُرُكَ أَنْ تَصُونَ دِينَكَ وَعِلْمَنَا الَّذِي أَوْدَعْنَاكَ وَأَسْرَارَنَا الَّتِي حَمَّلْنَاكَ وَلاَ تُبْدِ عُلُومَنَا لِمَنْ يُقَابِلُهَا بِالْعِنَادِ وَيُقَابِلُكَ مِنْ أَهْلِهَا بِالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ وَالتَّنَاوُلِ مِنَ الْعِرْضِ وَالْبَدَنِ وَلاَ تُفْشِ سِرَّنَا إِلَى مَنْ يُشَنِّعُ عَلَيْنَا عِنْدَ الْجَاهِلِينَ بِأَحْوَالِنَا وَلاَ تَعْرِضْ أَوْلِيَاءَنَا لِبَوَادِرِ الْجُهَّالِ - وَآمُرُكَ أَنْ تَسْتَعْمِلَ التَّقِيَّةَ فِي دِينِكَ فَإِنَّ اللّه‌َ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ - لا يَتَّخِذِ الْمُوءْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُوءْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّه‌ِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً (1)وَقَدْ أَذِنْتُ لَكَ فِي تَفْضِيلِ أَعْدَائِنَا إِنْ لَجَّأَكَ الْخَوْفُ إِلَيْهِ وَفِي إِظْهَارِ الْبَرَاءَةِ مِنَّا إِنْ حَمَّلَكَ الْوَجَلُ عَلَيْهِ وَفِي تَرْكِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ إِنْ خَشِيتَ عَلَى حُشَاشَتِكَ(2)الآْفَاتِ وَالْعَاهَاتِ فَإِنَّ تَفْضِيلَكَ أَعْدَاءَنَا عَلَيْنَا عِنْدَ خَوْفِكَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّنَا وَإِنَّ إِظْهَارَكَ بَرَاءَتَكَ مِنَّا عِنْدَ تَقِيَّتِكَ لاَ يَقْدَحُ فِينَا وَلاَ يَنْقُصُنَا وَلَئِنْ تَبَرَّأْتَ مِنَّا سَاعَةً بِلِسَانِكَ وَأَنْتَ مُوَالٍ لَنَا بِجَنَانِكَ لِتُبْقِيَ عَلَى نَفْسِكَ رُوحَهَا الَّتِي بِهَا قِوَامُهَا وَمَالَهَا الَّذِي بِهِ قِيَامُهَا وَجَاهَهَا الَّذِي بِهِ تَمَاسُكُهَا وَتَصُونَ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ وَعَرَفْتَ بِهِ مِنْ أَوْلِيَائِنَا وَإِخْوَانِنَا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ بِشُهُورٍ وَسِنِينَ - إِلَى أَنْ يُفَرِّجَ اللّه‌ُ تِلْكَ الْكُرْبَةَ وَتَزُولَ بِهِ تِلْكَ الْغُمَّةُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَتَعَرَّضَ لِلْهَلاكِ وَتَنْقَطِعَ بِهِ عَنْ عَمَلِ الدِّينِ وَصَلاحِ إِخْوَانِكَ الْمُوءْمِنِينَ وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تَتْرُكَ التَّقِيَّةَ الَّتِي أَمَرْتُكَ بِهَا فَإِنَّكَ شَائِطٌ بِدَمِكَ وَدَمِ إِخْوَانِكَ مُعَرِّضٌ لِنِعْمَتِكَ وَنِعَمِهِمْ عَلَى الزَّوَالِ مُذِلٌّ لَكَ وَلَهُمْ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ دِينِ اللّه‌ِ وَقَدْ أَمَرَكَ اللّه‌ُ بِإِعْزَازِهِمْ فَإِنَّكَ إِنْ خَالَفْتَ.


1) آل عمران: 28

2) الحشاشة: بقية الروح في المريض.

وَصِيَّتِي كَانَ ضَرَرُكَ عَلَى نَفْسِكَ وَإِخْوَانِكَ أَشَدَّ مِنْ ضَرَرِ الْمُنَاصِبِ لَنَا الْكَافِرِ بِنَا(1).

لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ

كانّ في هذا الكلام إلي قوله «والصخور القاسية»سقطاً حيث إنّ سياقه مخالف لسابقه.

وَلَمْ يَقْدَحُوا

من (قدحت النار ).

بِزِنَادِ

بالكسر جمع الزند العود الّذي تقدح به النار.

الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ

أي المضيئة.

فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالاْءَنْعَامِ السَّائِمَةِ

أي المرسلة والراعية.

وَالصُّخُورِ

أي الحجارة العظام. .


1) الاحتجاج: 235/1؛ بحار الأنوار 70/10، ح1.

الْقَاسِيَةِ

أي الصلبة. قال تعالى: «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَة»(1).

قَدِ انْجَابَتِ

أي انكشفت.

السَّرَائِرُ لاِءَهْلِ الْبَصَائِرِ

الظاهر أنّ المراد بقوله عليه‌السلام قد انجابت السرائر لأهل البصائر، انكشاف سرائر المتقدّمين عليه لأهل المعرفة، ومن كان ذا بصيرة.

روى الثقفي عن المسعودي، عن محمّد بن كثير، عن يحيى بن حمّاد القطّان عن أبي محمّد الحضرمي، عن أبي علي الهمداني، أنّ عبدالرحمن بن أبي ليلى قام إلى عليّ عليه‌السلام فقال: يا أمير الموءمنين إنّي سائلك لآخذ عنك، وقد انتظرنا أن تقول من أمرك شيئا فلم تقله، ألا تحدّثنا عن أمرك هذا أ كان بعهد رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله أو شيء رأيته فإنّا قد أكثرنا فيك الأقاويل، وأوثقه عندنا ما قبلناه عنك وسمعناه من فيك. إنّا كنّا نقول: لو رجعت إليكم بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وسلّم لم ينازعكم فيها أحد، واللّه ما أدري إذا سئلت ما أقول. أزعم أنّ القوم كانوا أولى بما كانوا فيه منك فإن قلت ذلك فعلام نصبك النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله بعد حجّة الوداع فقال: «أيّها الناس من كنت مولاه فعليّ مولاه» وإن تك أولى منهم بما كانوا فيه فعلام نتولاّهم فقال أمير الموءمنين عليه‌السلام يا عبدالرحمن إنّ اللّه تعالى قبض نبيّه صلى‌الله‌عليه‌و‌آله وأنا يوم قبضه أولى بالناس.


1) البقرة: 74.

منّي بقميصي هذا، وقد كان من نبيّ اللّه إليّ عهد لو خزمتموني بأنفي لأقررت - إلى أن قال -: فقال عبدالرحمن: يا أمير الموءمنين فأنت لعمرك كما قال الأوّل:

لعمري لقد أيقظت من كان نائما***و أسمعت من كانت له اذنان(1)

وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ

المحجّة جادّة الطريق.

لِخَابِطِهَا

أي: خابط المحجّة من قولهم خبط عشواء أي: ناقة في بصرها ضعف تضرب بيدها الأرض لا تتوقى شيئا. ومن قولهم «ما أدري أيّ خابط ليل هو» يعني: أيّ الناس هو(2).

وَأَسْفَرَتِ

أي كشفت.

السَّاعَةُ

أي القيامة.

عَنْ وَجْهِهَا وَظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا

أي متفرّسها يقال: توسمت فيه الخير: أي تفرّسته. ).


1) الأمالي للمفيد: 223، م26، ح2؛ بحار الأنوار 430/29، ح16

2) الصحاح: 1121/3 - 1122 مادة (خبط).

مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَرْوَاح

أي أجساداً. قال تعالى: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَة(1)

وَأَرْوَاحاً بِلا أَشْبَاح

أي اشخاص وأجسام.

وَنُسَّاكاً

أي عبّاداً.

بِلا صَلاح وَتُجَّاراً بِلا أَرْبَاحٍ

حيث يحبطون عباداتهم.

عن حذيفة: لا يزال «لا إله إلا اللّه» تردّ غضب الربّ تعالى عن العباد ما كانوا لا يبالون ما انتقص من دنياهم إذا سلم دينهم، فإذا كانوا لا يبالون ما انتقص من دينهم إذا سلمت دنياهم ثمّ قالوها ردّت عليهم، وقيل: كذبتم ولستم بها صادقين(2).

وعن زيد بن أرقم قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : من قال لا إله إلاّ اللّه مخلصا دخل الجنّة وإخلاصه بها أن تحجزه لا إله إلاّ اللّه عمّا حرّم اللّه(3).

وعن اسحق بن راهويه قال: لمّا وافى أبو الحسن الرضا عليه‌السلام نيسابور وأراد أن يرحل منها إلى المأمون، اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا له: يا ابن رسول اللّه.


1) المنافقون: 4

2) ثواب الاعمال: 5؛ بحار الأنوار 197/90، ح23

3) التوحيد للصدوق: 28، ح27؛ بحار الأنوار 197/90، ح22.

ترحل عنا، ولا تحدّثنا بحديث نستفيده منك - وقد كان قعد في العمارية - فأطلع رأسه، وقال: سمعت أبي عن آبائه عليهم‌السلام - واحدا بعد واحد - عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله عن جبرئيل عليه‌السلام عن اللّه تعالى «لا إله إلاّ اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابى»، فلمّا مرّت الراحلة نادى: بشروطها، وأنا من شروطها(1).

وعن أبي الجارود عن الصادق عليه‌السلام قال: قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : من قال سبحان اللّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة، ومن قال الحمد للّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة، ومن قال لا إله إلاّ اللّه غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة ومن قال اللّه أكبر غرس اللّه له بها شجرة في الجنّة. فقال رجل من قريش: يا رسول اللّه إن شجرنا في الجنّة لكثير. قال: نعم، ولكن إيّاكم أن ترسلوا عليها نيرانا فتحرقوها، وذلك أنّ اللّه - عزّ وجلّ - يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّه‌َ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ(2)،(3).

وَأَيْقَاظاً نُوَّماً

قال الفرزدق:

يستيقظون إلى نهاق حميرهم***و تنام أعينهم عن الأوتار(4).


1) معاني الاخبار: 371، ح1؛ بحار الأنوار 7/3، ح16

2) محمد: 33

3) الأمالي للصدوق: 607، م88، ح16؛ بحار الأنوار 187/8، ح154

4) أساس البلاغة: 714.

وَشُهُوداً غُيَّباً

يقال لصلاة المغرب صلاة الشاهد لأنّها يصلّيها الغائب كما يصليها الشاهد.

وَنَاظِرَةً عَمْيَاءَ

غيّر عليه‌السلام خطابه من الجمع في قوله «أشباحا» إلى قوله «و شهودا» إلى صيغة المفرد الموءنث بإرادة الطائفة تفنّنا.

قال تعالى: «أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الاْءَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الاْءَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور»(1).

وَسَامِعَةً صَمَّاءَ

فمن سمع ولم يجب يكن كالأصم.

وَنَاطِقَةً بَكْمَاءَ

أي: خرساء، والأصل في قوله عليه‌السلام «و ناظرة عمياء وسامعة صمّاء وناطقة بكماء» قوله تعالى: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ(2)وقوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ»(3).

رَايَةُ ضَلالَةٍ

قال ابن أبي الحديد: قوله عليه‌السلام «راية ضلالة» - إلخ - كلام منقطع عمّا قبله، لأنّ الرضي رضى اللّه عنه كان يلتقط الفصول الّتي في الطبقة العلياء في الفصاحة من.


1) الحج: 46

2) البقرة: 18

3) البقرة: 171.

كلامه عليه‌السلام فيذكرها، ويتخطّى ما قبلها، وما بعدها، وهو عليه‌السلام يذكر هاهنا ما يحدث في آخر الزمان من الفتن كظهور السفياني وغيره(1).

قال التستري: الرضي رضى عنه اللّه وان كان ينتخب من كلامه عليه‌السلام إلاّ أنّ الانتخاب بدون التنبيه خارج عن القاعدة، وكيف وقد نبّه في هذه الخطبة مرّتين على الالتقاط.

فقال أوّلا بعد ذكر كلامه عليه‌السلام في التوحيد «منها في ذكر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ...، وثانيا «منها، طبيب دوّار بطبه»...، والصواب أن يقال: إنّ الخطبة لمّا كانت في الملاحم كما صرّح به في أوّل كلامه، وكتب الملاحم لا تخلو من التصحيف غالبا، نقل ما وجد فيها، وإلاّ فالقطع ليس مختصا به ظاهرا. فقد عرفت استظهار قطع قوله «لم يستضيئوا» إلى قوله «القاسية» وكذلك قوله «قد انجابت» إلى قوله «لمتوسمها» وكذلك قوله «ما لى» إلى قوله «بكماء»(2).

وكيف كان فما ذكره من كلامه عليه‌السلام إشارة إلى فتن آخر الزمان من السفياني وغيره غير بعيد. فروى عن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لأبي جعفر عليه‌السلام خروج السفياني من المحتوم قال: نعم، والنداء من المحتوم وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم(3).

وعن الصادق عليه‌السلام قال: خروج السفياني واليماني، والخراساني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، وليس في الرايات راية أهدى من اليماني لأنّه يدعو.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 188/7

2) بهج الصباغة: 162/6

3) الإرشاد: 371/2 والغيبة للطوسي: 435؛ بحار الأنوار 289/52، ح27.

إلى صاحبكم(1).

وعن الصادق عليه‌السلام للقائم عليه‌السلام خمس علامات: السفياني، واليماني، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء(2).

قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا

عن أمير الموءمنين عليه‌السلام قال: لا بدّ من رحى تطحن. فإذا قامت على قطبها، وثبتت على ساقها بعث اللّه عليها عبدا عسفا(3)، خاملا أصله، يكون النصر معه، أصحابه الطويلة شعورهم أصحاب السبال سود ثيابهم أصحاب رايات سود. ويل لمن ناوأهم يقتلونهم هرجا. واللّه لكأنّي أنظر إليهم، وإلى أفعالهم، وما يلقى الفجّار منهم، والأعراب الجفاة يسلّطهم اللّه عليهم بلا رحمة. فيقتلونهم هرجا على مدينتهم بشاطئ الفرات البرية والبحرية جزاء بما عملوا «وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ»(4)،(5).

وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا

الشعب: ما تشعب من قبائل العرب، والعجم(6). .


1) الغيبة للنعماني: 256؛ بحار الأنوار 232/52

2) الغيبة للنعماني: 252، ح9؛ بحار الأنوار 204/52، ح34

3) عنيفا خ ل. ويحتمل أن يقرأ «عسقا» بالقاف والمراد به عسر الخلق وضيقه

4) فصلت: 46

5) الغيبة للنعماني: 256، ح13؛ بحار الأنوار 232/52

6) الصحاح: 155/1 مادة (شعب).

تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا

أي: تعمل معكم كيف شاءت، وأما قولهم «كايلناهم صاعا بصاع» فمعناه كافأناهم(1).

وَتَخْبِطُكُمْ

خبط البعير الأرض بيده خبطا ضربها، وخبطت الشجرة خبطا إذا ضربتها بالعصا ليسقط ورقها(2).

بِبَاعِهَا

الباع قدر مدّ اليدين...(3)، ويقال: «ما بيعت هذه الثياب حتّى بيعت» الأوّل من البيع، والثاني من البوع أصل الباع أي: حتّى قدّرت بالباع.

قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ قَائِمٌ عَلَى أَلضَّلَّةِ

عن الباقر عليه‌السلام انّه قال: إنّ السفياني لم يعبد اللّه قط، ولم ير مكة ولا المدينة قط، يقول: يا رب ثاري والنار(4)،(5).

وروى ابن بابويه عن الصادق عليه‌السلام قال: إنّك لو رأيت السفياني لرأيت أخبث الناس - إلى أن قال -: وقد بلغ من خبثه أنّه يدفن امّ ولد له وهي حيّة مخافة أن تدلّ عليه(6). .


1) أساس البلاغة: 839 مادة (كيل)

2) الصحاح: 1121/3 مادة (خبط)

3) الصحاح: 1188/3 مادة (بوع)

4) لعلّ المعنى يا ربّ انى اطلب ثارى ولو بدخول النار

5) الغيبة للنعماني: 306، ح18؛ بحار الأنوار 254/52، ح146

6) كمال الدين: 651/2، ح10؛ بحار الأنوار 206/52، ح37.

فَلا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلاّ ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ

وهي ما استقر تحته. يقال في الماء والدواء والمرق «علا صفوه ورسب ثفله»(1).

أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ

العكم بالكسر العدل، وهما عكمان والعكم أيضا نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها، والنفاضة ما سقط عن النفض يقال: نفضت الثوب والشجر إذا حرّكته لينتفض(2).

عن الأصبغ عنه عليه‌السلام قال: والّذي نفسي بيده ما ترون ما تحبّون حتّى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتّى يسمّى بعضكم بعضا كذا بين، وحتّى لا يبقى منكم (على هذا الأمر) كالكحل في العين، والملح في الطعام (و هو أقلّ الزاد)(3)وسأضرب لكم مثلا وهو مثل رجل كان له طعام فنقّاه وطيّبه ثمّ أدخله بيتا وتركه فيه ما شاء اللّه. ثمّ عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس(4)فأخرجه، ونقّاه، وطيّبه ثم أعاده الى البيت فتركه ما شاء اللّه ثم عاد اليه فإذا هو قد اصابته طائفة من السوس، فأخرجه ونقاه وطيبه وأعاده، ولم يزل كذلك حتّى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضرّه السوس شيئا، وكذلك أنتم تميّزون حتّى لا يبقى منكم إلاّ عصابة لا يضرّها.


1) أساس البلاغة: 94 مادة (ثفل)

2) الصحاح: 1989/5 و 1109/3 مادة (عكم و نفض)

3) التشبيه من حيث القلة، فكما أن الملح في الطعام بالنسبة الى موادّه الآخر أقل كذلك أنتم بالنسبة الى باقى الناس

4) السوس: العثّ وهو دود يقع في الصوف والخشب والثياب والبر ونحوها فيفسدها.

الفتنة(1)شيئا(2).

وعن الحارث الأعور عن امير الموءمنين عليه‌السلام يملك السفياني قدر حمل امرأة تسعة أشهر يخرج بالشام فينقاد له أهل الشام إلاّ طوائف من المقيمين على الحقّ يعصمهم اللّه من الخروج معه، ويأتي المدينة بجيش جرار حتّى إذا انتهى إلى بيداء المدينة خسف اللّه به، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: «وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ»(3)،(4).

تَعْرُكُكُمْ

أي تدلككم.

عَرْكَ الاْءَدِيمِ

أي: الجلد. قال زهير: «فتعرككم عرك الرحى بثفالها»(5).

وَتَدُوسُكُمْ

أي تضغطكم بأقدامها.

دَوْسَ الْحَصِيدِ

يقال: حصدت الزرع فهو محصود وحصيد(6). .


1) الظاهر أن المراد بالفتنة الغيبة وطول مدتها مع تظاهر الزمان على معتقديها

2) الغيبة للنعماني: 210، ح17؛ بحار الأنوار 116/52، ح37

3) سبأ: 51

4) الغيبة للنعماني: 304، ح14؛ بحار الأنوار 252/52، ح142

5) أساس البلاغة: 545

6) مجمع البحرين: 38/3 مادة (حصد).

وَتَسْتَخْلِصُ الْمُوءْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ

عن محمّد بن مسلم، وأبي بصير قالا: سمعنا أبا عبداللّه عليه‌السلام يقول: لا يكون هذا الأمر حتّى يذهب ثلثا الناس. فقيل له: إذا ذهب ثلثا الناس فما يبقى. فقال عليه‌السلام أما ترضون أن تكونوا الثلث الباقي(1).

أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ

جمع المذهب: أي السيورالمموّهة بالذهب.

وَتَتِيهُ بِكُمُ

أي توقعكم في التيه والحيرة.

الْغَيَاهِبُ

جمع الغيهب: أي الظلمة.

وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَادِبُ

جمع الكاذبة وفي الامثال «كذب العير وإن كان برح(2)» «كذبتك الظهائر(3)».

وَمِنْ أَيْنَ تُوءْتَوْنَ وَأَنَّى

أي كيف. .


1) الغيبة للطوسي: 339؛ بحار الأنوار 113/52، ح27

2) مجمع الامثال للميداني: 109/2

3) الفائق في غريب الحديث: 145/3.

تُوءْفَكُونَ

قال أبو زيد: المأفوك المأفون، وهو الضعيف العقل والرأي وقوله تعالى: «يُوءْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ»(1)قال مجاهد: يوءفن عنه من افن...(2).

والمراد من قوله عليه‌السلام «أين تذهب بكم المذاهب...» أنّ أهل بيت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله والمعصومين من العترة معلومون. فكيف يوقعكم بنو العباس في الالتباس، أو أنّ مهدي أهل البيت أمره أبين من الشمس ينادى باسمه من السماء فكيف تنخدعون برجال يدّعون مقامه أو أنّ ظهور المهدي حتم فكيف تيأسون منه ويمكن إرادة الجميع.

فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ

قال ابن أبي الحديد: أظنّه منقطعا عمّا قبله مثل قوله «راية ضلالة»(3).

بل اتّصاله معلوم. فإنّه عليه‌السلام لمّا قال قبل: أين تذهب بكم المذاهب في اليأس من أهل البيت عليهم‌السلام وقيام قائمهم عليه‌السلام أردفه بهذا الكلام بأنّ لكلّ أجل كتاب لا بد من الانتهاء إليه.

وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ

قال ابن أبي الحديد: استثنى عبيد بن الأبرص من العموم الموت فقال:

وكلّ ذي غيبة يئوب***و غائب الموت لا يئوب

وهو رأي زنادقة العرب. فأمّا أمير الموءمنين عليه‌السلام - وهو ثاني صاحب الشريعة.


1) الذاريات: 9

2) الصحاح: 1573/4 مادة (افك)

3) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 190/7.

الّتي جاءت بعود الموتى - فإنّه لا يستثنى، ويحمّق عبيدا في استثنائه(1).

كلام ابن أبي الحديد، كلام مختل منحلّ، فإنّ عبيدا وإن كان جاهليا ليس في مقام إنكار البعث، بل مراده أنّ الغائبين بالسفر يرجعون في الدنيا إلى أوطانهم وأهاليهم، وأما الغائب بالموت فلا يرجع إلى أهله أبدا، وهو كلام يقوله الملحد والموحّد، وكيف وبيته من قصيدة من أحد المعلّقات السبع، وكلّها حكم فقبله:

وكلّ ذي نعمة مخلوسها***و كلّ ذي أمل مكذوب

وكلّ ذي ابل موروثها***و كلّ ذي سلب مسلوب

وبعده:

أفلح بما شئت فقد يد***رك بالضعف وقد يخضع الأريب

بل الظاهر من أبياته أنّه وإن كان جاهليا إلاّ أنّه كان موحدا. ففي القصيدة كما في شعراء ابن قتيبة:

من يسأل الناس يحرموه***وسائل اللّه لا يخيب

واللّه ليس له شريك***علاّم ما أخفت القلوب(2)

وعود الموتى في القيامة لم يقل به الإسلام قط بل جميع الشرائع من آدم إلى الخاتم.

كما أنّ مراده عليه‌السلام من قوله «و لكلّ غيبة إياب» ليس البعث بل ظهور المهدي عليه‌السلام بعد غيبته. ففسر قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاْءَرْضَ يَرِثُها.


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 190/7

2) الشعر والشعراء لابن قتيبة: 261/1، ش 457.

عِبادِيَ الصَّالِحُونَ»(1)بظهوره عليه‌السلام بعد غيبته، وقال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلا من ولدي يواطئ اسمه اسمي يملأها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا»(2).

وإنّ أمير الموءمنين عليه‌السلام قال يوما لحذيفة، والّذي نفس عليّ بيده لا تزال هذه الامّة بعد قتل الحسين ابني في ضلال وظلمة، وعسفة، وجور، واختلاف في الدين، وتبديل لما أنزل تعالى في كتابه، وإظهار البدع، وابطال السنن، واختلال وقياس مشتبهات، وترك محكمات حتّى تنسلخ من الإسلام، وتدخل في العمى والتلدد والتكسع(3)، مالك يا بني اميّة لا هديت يا بني اميّة، ومالك يا بني فلان لك الاتعاس. فما في بني فلان إلاّ ظالم معتد متمرّد على اللّه بالمعاصي، قتّال لولدي، هتّاك لستر حرمتي.

فلا تزال هذه الامّة جبارين يتكالبون على حرام الدنيا، منغمس في بحار الهلكات، وفي أودية الدماء حتّى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس وماج الناس بفقده أو بقتله أو بموته، اطلعت الفتنة، ونزلت البلية، والتحمت العصبية(4)، وغلا الناس في دينهم، وأجمعوا على أنّ الحجّة ذاهبة، والإمامة باطلة، وتحجّ حجيج الناس في تلك السنة من شيعة علي، وتواصيهم التمكن والتجسس عن خلق الخلف. فلا يرى له أثر، ولا يعرف له خلف. فعند ذلك سبّت شيعة علي..


1) الانبياء: 105

2) الإرشاد: 340/2؛ بحار الأنوار 86/51

3) التلدد: التحير. والتكسع: الضلالة، وفي نسخة «التسكع» بمعنى عدم الاهتداء وهو أنسب

4) قوله: «ماج الناس» أي اختلفوا فبعض يقول: فقد، وبعض يقول: قتل، وبعض يقول: مات. وقوله: «التحمت» أي تلاءمت بعد كونها متفرّقة، والتحمت الحرب: اشتبكت والثاني أنسب.

سبّتها أعداوءها، وغلبت عليها الأشرار والفسّاق باحتجاجها حتّى إذا بقيت الامّة، وتدلّهت وأكثرت في قولها أنّ الحجة هالكة، والإمامة باطلة.

فوربّ عليّ أنّ حجّتها عليها قائمة، ماشية في طرقاتها. داخلة في دورها وقصورها، جوّالة في شرق هذه الأرض وغربها، تسمع الكلام، وتسلّم على الجماعة ترى، ولا ترى إلى وقت الوعد، ونادى المنادي من السماء ذلك يوم سرور ولد عليّ وشيعة عليّ(1).

وفي هذا الحديث عجائب وشواهد على حقية ما تعتقده الإمامية وتدين به والحمد للّه فمن ذلك قول أمير الموءمنين عليه‌السلام حتى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس أ ليس هذا موجبا لهذه الغيبة (موميا إلى هذه الغيبة) وشاهدا على صحة قول من يعترف بهذا ويدين بإمامة صاحبها ثم قوله عليه‌السلام وماج الناس بفقده أو بقتله أو بموته وأجمعوا على أن الحجة ذاهبة والإمامة باطلة أ ليس هذا موافقا لما عليه كافة الناس الآن من تكذيب قول الإمامية في وجود صاحب الغيبة وهي محققة في وجوده وإن لم تره وقوله عليه‌السلام ويحج حجيج الناس في تلك السنة للتجسس وقد فعلوا ذلك ولم يروا له أثرا وقوله فعند ذلك سبت شيعة علي سبها أعداوءها وظهرت عليها الأشرار والفساق باحتجاجها يعني باحتجاجها عليها في الظاهر وقولها فأين إمامكم دلونا عليه وسبهم لهم ونسبتهم إياهم إلى النقص والعجز والجهل لقولهم بالمفقود العين وإحالتهم على الغائب الشخص وهو السب فهم في الظاهر عند أهل الغفلة والعمى محجوجون(2)وهذا القول من أمير .


1) الغيبة للنعماني: 143، ح3؛ بحار الأنوار 71/28، ح3

2) المحجوج هو المغلوب في الاحتجاج.

الموءمنين عليه‌السلام في هذا الموضع شاهد لهم بالصدق وعلى مخالفيهم بالجهل والعناد للحق ثم حلفه عليه‌السلام مع ذلك بربه عز وجل بقوله فو رب علي إن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقها داخلة في دورها وقصورها جوالة في شرق هذه الأرض وغربها تسمع الكلام وتسلم على الجماعة وترى ولا ترى أ ليس ذلك مزيلا للشك في أمره عليه‌السلام وموجبا لوجوده ولصحة ما ثبت في الحديث الذي هو قبل هذا الحديث من قوله إن الأرض لا تخلو من حجة للّه ولكن اللّه سيعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم و إسرافهم على أنفسهم ثم ضرب لهم المثل في يوسف عليه‌السلام أن الإمام عليه‌السلام موجود العين و الشخص إلا أنه في وقته هذا يرى ولا يرى كما قال أمير الموءمنين عليه‌السلام إلى يوم الوقت والوعد ونداء المنادي من السماء.

اللهم لك الحمد والشكر على نعمك التي لا تحصى وعلى أياديك التي لا تجازى ونسألك الثبات على ما منحتنا من الهدى برحمتك.

قال المجلسي رحمه‌الله : قال الجوهري فلان يتلدد أي يلتفت يمينا وشمالا ورجل ألد بين اللدد وهو الشديد الخصومة وقال التسكع التمادي في الباطل وقال التعس الهلاك انتهى والمراد ببني فلان بنو العباس ويقال يتكالبون على كذا أي يتواثبون عليه.

قوله عليه‌السلام ويحج حجيج الناس أي تذهب الشيعة والنواصب في تلك السنة إلى الحج لتفحص الحجة والتمكن منه فالتمكن والتجسس نشر على خلاف اللف وقوله سبها أعداوءها إما مصدر أي يسب المخالفون الشيعة كما كانت الشيعة يسبونهم أو فعل وأعداوءها مرفوع وغلبة الأشرار عليهم بالاحتجاج أريد بها الغلبة عند العوام لأنهم يحتجون عليهم بأنكم تدّعون عدم خلو الزمان من الحجة وفي

هذا الزمان لا تعرفون حجتكم ولذا ينسبونهم بالبطلان والكذب والافتراء والتدله ذهاب العقل من الهوى يقال دلهه الحب أي حيره وأدهشه فتدله(1).

فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيكُمْ

قال ابن أبي الحديد في وصف الحسن البصري لأمير الموءمنين عليه‌السلام «كان واللّه ربّاني هذه الامّة وذا فضلها، وذا قرابتها، وذا سابقتها»(2).

و في وصفه له عليه‌السلام أيضا: «كان عليّ واللّه سهما صائبا من مرامي اللّه على عدوّه، كانت له السابقة، والفضل والعلم والحكمة، والفقه والرأي والصحبة، والنجدة، والبلاء، والزهد، والقضاء، والقرابة، إنّ عليّا عليه‌السلام كان في أمره عليّا»(3).

وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ وَاسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ

أي صاح.

بِكُمْ

عن عمران بن حصين قال: بعث النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله جيشا، واستعمل عليهم عليّا عليه‌السلام فمضى في السرية. فأصاب جارية فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله على أن يخبروا النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله . فلمّا قدموا قام أحد الأربعة، وقال: ألم تر عليّا صنع كذا وكذا. فأعرض عنه النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله ثمّ قام الثاني فقال: فأعرض عنه. ثمّ الثالث فأعرض عنه. ثمّ قام الرابع فأقبل عليهم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله - والغضب يعرف في وجهه - ثمّ.


1) بحار الأنوار: 73/28

2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 191/7

3) الاستيعاب: 1110/3 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 96/4.

قال: ما تريدون من عليّ ما تريدون من عليّ إنّ عليّا منّي، وأنا من عليّ، وهو وليّ كلّ موءمن بعدي فلا تخالفوه في حكمه(1).

وَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ

هو كالمثل. ففي (الصحاح): الرائد الّذي يرسل في طلب الكلاء يقال لا يكذب الرائد أهله»(2).

وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ

الشمل يجيء لاجتماع الأمر وتفرقه. يقال فرّق اللّه شمله وجمع اللّه شمله والمراد هنا الثاني.

وَلْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ

لأهمّية الأمر فمع الغفلة تحصل الهلكة.

فَلَقَدْ فَلَقَ

أي شقّ.

لَكُمُ الاْءَمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ

بالراء ثمّ الزاي الدرّة، وخرزات الملك جواهر تاجه، ويقال: كان الملك إذا ملك عاما زيدت في تاجه خرزة ليعلم عدد سنيّ ملكه قال لبيد: يذكر الحارث بن.


1) كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليه‌السلام : 113 - 114

2) الصحاح: 475/1مادة (رود).

أبي شمر الغسّاني:

رعى خرزات الملك عشرين حجّة***وعشرين حتى فاد والشيب شامل(1)

و نقله (الأساس): «ستين حجّة»(2).

وَقَرَفَهُ

أي قشره.

قَرْفَ الصَّمْغَةِ

قال الجوهري في المثل: «تركته على مثل مقرف الصمغة» وذلك إذا لم تترك له شيئا لأنّها تقتلع من شجرتها حتّى لا تبقى عليها علقة(3).

والفاعل في قوله عليه‌السلام «فلق» و«و قرفه» ضمير ربّانيكم، والمراد نفسه عليه‌السلام روى الكنجي الشافعي عن حذيفة قال: قالوا: يا رسول اللّه ألا تستخلف عليّا قال: إن تولوا عليّا تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق المستقيم(4).

فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ

جمع المأخذ أي: جميع ما يلزمه، ويمكنه أخذه. ثمّ الظاهر أنّه وقع قبله سقط كما عرفته في قوله: «راية ضلالة» كما لا يخفى.

وَرَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ

كناية عن جمع أسباب الجهل. .


1) الصحاح: 876/3 - 877 مادة (خرز)

2) أساس البلاغة: 158 مادة (خرز)

3) الصحاح: 1323/4 مادة (صمغ)

4) كفاية الطالب: 163.

وَعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ

أي: طغيان الباغين، وفي الأساس «هو طاغية جبّار عنيد»(1).

وَقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ

أي: من يدعو إلى الحقّ، و«دع داعي اللبن وداعية اللبن ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده، والداعية تدعو المادة»(2).

وصَالَ الدَّهْرُ

أي حمل في الحرب.

صِيَالَ السَّبُع الْعَقُورِ

من عقره: أي جرحه، قيل: يقال للخمر: العقار بالضم لانّها تعقر العقل: أي تجرحه.

وَهَدَرَ

من (هدر البعير) أي ردّد صوته في حنجرته.

فَنِيقُ الْبَاطِلِ

أي: فحله. قال ابن دريد: «الفنيق الفحل من الإبل» قال الشاعر الأعشى: «بزيافة كالفنيق القطم...»(3).


1) أساس البلاغة: 391 مادة (طغي)

2) أساس البلاغة: 189 مادة (دعو)

3) جمهرة اللغة: 967/2.

بَعْدَ كُظُومٍ

من كظم البعير كظوما إذا أمسكه عن الجرّة.

وَتَوَاخَى النَّاسُ

أي صاروا إخواناَ.

عَلَى الْفُجُورِ

و الفسوق.

وَتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ

أي تقاطعوا عليه، وقد أمروا فيهما بالعكس.

وَتَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ

أي أحبّ كلّ واحد منهم صاحبه.

وَتَبَاغَضُوا

أي أبغض كلّ منهم صاحبه.

عَلَى الصِّدْقِ

وقد أمروا بالضدّ فيهما.

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً

لأبويه، وكان الحق أن يكون قرّة عين لهما.

وَالْمَطَرُ قَيْظاً

أي في عين الصيف وشدّة حرارته. فلا يكون مثمراَ بل مضرّاَ.

وانّ القيظ هو صميم الصيّف قال في البحار: فيحتمل أن يكون المراد تبدّل المطر بشدّة الحرّ أو قلّة المطر أو كثرته في الصّيف دون الرّبيع والشتاء، أو المراد أنه يصير سببا لاشتداد الحرّ لكثرته في الصّيف إذ يثور به الأبخرة ويفسد الهواء أو يصير على خلاف العادة سببا لشدّة الحرّ، وعن النهاية بعد تفسيره القيظ بما ذكرناه قال: ومنه حديث أشراط السّاعة أن يكون الولد غيظا والمطر قيظا، لأنّ المطر إنما يراد للنبات وبرد الهواء والقيظ ضدّ ذلك(1).

وَتَفِيضُ اللِّئَامُ فَيْضاً

أي كثروا بلا حصر من (فاض الماء فيضاَ) أي كثر حتّي سال علي ضفة الوادي .

وَتَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً

أي: قلّوا حتّى لا يوجدوا، من غاض الماء غيضا: قلّ ونضب.

وقال محمّد بن منتشر الهمداني، دفع إليّ الحجّاج رجلا ذمّيّا وأمرني بالتشديد عليه، والاستخراج منه. فلمّا انطلقت به قال: إنّ لك لشرفا ودينا، وإنّي لا اعطي على القسر شيئا فارفق بي. ففعلت فأدّى إليّ في اسبوع خمسمائة ألف. فبلغ ذلك الحجّاج. فأغضبه فانتزعه من يدي، ودفعه إلى الّذي كان يتولّى لهم العذاب. فدقّ يديه ورجليه، ولم يعطه شيئا، وإنّي لسائر يوما في السوق إذ صاح بي يا محمّد. فالتفتّ فإذا أنا به معترضا على حمار مدقوق اليدين، والرجلين. فخفت الحجّاج.


1) بحار الأنوار: 247/34.

أن آتيه فملت إليه. فقال: إنّك وليت منّي ما ولي هوءلاء. فرفقت بي، وأحسنت إليّ، وإنّهم صنعوا بي ما ترى ولي خمسمائة ألف عند فلان فخذها مكافأة لما أحسنت إليّ فقلت: ما كنت لآخذ على معروفي أجرا، ولا لارزئك على هذه الحالة شيئا. قال: فأمّا إذ أبيت فاسمع منّي حديثا حدّثني به بعض أهل دينك عن نبيّكم أنّه قال: «إذا رضي اللّه عن قوم أنزل عليهم المطر في وقته، وجعل المال في سمحائهم، واستعمل عليهم خيارهم، وإذا سخط على قوم أنزل عليهم المطر في غير وقته، وجعل المال في بخلائهم واستعمل عليهم أشرارهم. فصرت إلى الحجّاج فألفيته جالسا على فراشه، والسيف مصلت بيده. فقال: ادن فدنوت شيئا. ثمّ قال: ادن فدنوت شيئا، ثمّ قال في الثالثة: ادن لا أبا لك. فقلت: ما لي إلى الدنو من حاجة، وفي يدي الأمير ما أرى، فضحك وأغمد سيفه، وقال: اجلس. ما كان من حديث الخبيث فقلت: واللّه ما غششتك مذ استنصحتني، ولا كذبتك مذ استخبرتني، ولا خنتك مذ ائتمنتني، ثمّ حدّثته. فلمّا صرت إلى ذكر الرجل الّذي كان المال عنده أعرض عنّي بوجهه، وأومأ إليّ بأن لا تسمّه. ثمّ قال: إنّ للخبيث نفسا، وقد سمع الأحاديث(1).

هذا، واستقبل أبو هفّان المهزمي الشاعر - وكان على حمار مكار - ابن ثوابة. فقال له ابن ثوابة: تركب حمير الكراء. فأجابه من ساعته:

ركبت حمير الكراء***لقلّة من يعترى

لأنّ ذوي المكرما***ت قد غيّبوا في الثرى

فقال له ابن ثوابة: قلت هذا البيت في وقتك هذا. قال: لا قلته غدا(2). .


1) الكامل للمبرد: 241/1

2) تاريخ بغداد (الخطيب البغدادي) : 378/9، ش 4945.

وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً

في (حياة الحيوان للدميرى) قال الشاعر:

ليت شعري كيف الخلاص من الناس***و قد أصبحوا ذئاب اعتداء

قلت: لمّا بلاهم صدق خبري***رضي اللّه عن أبي الدرداء

أشار إلى قول أبي الدرداء. إيّاكم ومعاشرة الناس، فإنّهم ما ركبوا قلب امرئ إلاّ غيّروه، ولا جوادا إلاّ عقروه، ولا بعيرا إلاّ أدبروه(1)، والذئب إذا كدّه الجوع عوى. فتجتمع له الذئاب، ويقف بعضها إلى بعض. فمن ولّى منها وثب إليه الباقون و أكلوه، وإذا عرض للإنسان وخاف العجز عنه، عوى عواء استغاثة. فتسمعه الذئاب. فتقبل على الإنسان إقبالا واحدا، وهم سواء في الحرص على أكله. فإن أدمى الإنسان واحدا منها وثب الباقون على المدمى فمزّقوه، وتركوا الإنسان. وعاتب بعضهم صديقه - وكان أعان عليه - فقال:

و كنت كذئب السوء لمّا رأى دما***بصاحبه يوما أحال على الدم(2)

وقال عبيد بن الأبرص للمنذر بن ماء السماء ملك الحيرة لمّا أراد قتله:

و قالوا هي الخمر تكنّى الطلا***كما الذئب يكنى أبا جعدة

أي: تظهر لي الإكرام، وأنت تريد قتلي كما أنّ الخمرة وإن سمّيت طلاء ففعلها قبيح، وإنّ الذئب وإن كنّى أبا جعدة - أي: أبا الشاة - ففعله قبيح(3).

وَسَلاطِينُهُ سِبَاعاً وَأَوْسَاطُهُ أُكَّالاً وَفُقَرَاوءُهُ أَمْوَاتاً

قال البحراني رحمه‌الله : أهل كلّ زمان ينقسمون إلى ملوك وأكابر وأوساط وأداني،.


1) حياة الحيوان: 501/1

2) حياة الحيوان: 500/1

3) حياة الحيوان: 498/1.

فاذا كان زمان العدل كان أهله في نظام سلكه فيفيض عدل الملوك على من يليهم، ثمّ بواسطتهم على من يليهم حتّى ينتهى إلى أدانى النّاس، وإذا كان زمان الجور فاض الجور كذلك فكانت السّلاطين سباعا ضارية مفترسة لكلّ ذى سمن وكان أهل ذلك الزمان وأكابره ذئابا ضارية على أوساط الناس، وكانت الأوساط اكّالا لهم، وكانت الفقراء أمواتا لانقطاع مادّة حياتهم ممّن هو أعلى منهم رتبة، وتجوّز بلفظ الأموات عن غاية الشدّة والبلاء لكون الموت غاية ذلك إطلاقا لاسم السّبب الغائي على مسبّبه(1).

روى (الروضة): أنّ حمران بن أعين قال للباقر عليه‌السلام لو حدّثتنا متى يكون هذا الأمر فسررنا به.

فقال عليه‌السلام : يَا حُمْرَانُ إِنَّ لَكَ أَصْدِقَاءَ وَإِخْوَاناً وَمَعَارِف إنّ رجلا كان في ما مضى من العلماء، وكان له ابن لم يكن يرغب في علم أبيه، ولا يسأله عن شيء، وكان له جار يأتيه، ويسأله، ويأخذ عنه. فحضر الرجل الموت فدعا ابنه. فقال: يا بنيّ إنّك كنت تزهد في ما عندي، وتقلّ رغبتك فيه، ولم تكن تسألني عن شيء، ولي جار قد كان يأتيني ويسألني، ويأخذ منّي، ويحفظ عنّي، فإن احتجت إلى شيء فأته - وعرّفه جاره - فهلك الرجل، وبقي ابنه، فرأى ملك ذلك الزمان روءيا. فسأل عن الرجل. فقيل له: قد هلك. فقال الملك: هل ترك ولدا فقيل له: نعم ترك ابنا. فقال: إيتوني به. فبعث إليه. فقال الغلام: واللّه ما أدري لما يدعوني الملك، وما عندي علم، ولئن سألني عن شيء لأفتضحن، فذكر ما كان أوصاه أبوه. فأتى ذاك الرجل، وقال له: إنّ الملك قد بعث إليّ يسألني، ولست أدري فيم بعث به إليّ، وقد كان أبي.


1) شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): 48/3.

أمرني أن آتيك إن احتجت إلى شيء.

فقال الرجل: ولكنّي أدري في ما بعث به اليك. فإن أخبرتك فما أخرج اللّه لك من شيء فهو بيني وبينك. فقال: نعم. فاستحلفه واستوثق منه أن يفي له.

فقال له: إنّ الملك يريد أن يسألك عن روءيا رآها أيّ زمان هذا. فقل له: إنّ هذا زمان الذئب. فأتى الغلام الملك. فقال له الملك: لم أرسلت إليك قال: تريد أن تسألني عن روءيا رأيتها أيّ زمان هذا قال له: صدقت. فقل أيّ زمان هذا قال: زمان الذئب. فأمر الملك بجائزة. فقبضها الغلام وانصرف، وأبى أن يفي لصاحبه، وقال لعليّ لا أنفد هذا المال حتّى أهلك، ولعلّي لا اسأل عن مثل هذا الّذي سئلت عنه.

فمكث برهة ثمّ إنّ الملك رأى روءيا. فبعث إليه يدعوه. فندم على ما صنع وقال: واللّه ما عندي علم آتيه به، وما أدري كيف أصنع بصاحبي، وقد غدرت به ثمّ قال: لآتينّه، ولأعتذرنّ إليه، ولأحلفنّ له فلعلّه يخبرني. فأتاه فقال: إنّي صنعت الّذي صنعت، ولم أف لك، وتفرّق ما كان في يدي وأنا أوثق لك ألاّ يخرج لي شيء إلاّ كان بيني وبينك، وقد بعث إليّ الملك، ولست أدري عمّ يسألني. فقال، إنّه يريد أن يسألك عن روءيا رآها أي زمان هذا. فقل له: إنّ هذا زمان الكبش. فأتى الملك. فقال له: لم بعثت اليك فقال: إنّك رأيت روءيا، وإنّك تريد أن تسألني أيّ زمان هذا فقال له: صدقت فأخبرني أيّ زمان هذا فقال، زمان الكبش. فأمر له بصلة. فقبضها، وانصرف، وتدبر في أن يفي أم لا. فهمّ مرّة أن يفعل ومرّة أن لا يفعل ثمّ قال: لعلّي لا احتاج إليه بعد هذه المرّة أبدا. فأجمع على الغدر. فمكث برهة ثمّ إنّ الملك رأى روءيا. فبعث إليه. فندم، وقال بعد غدر مرّتين: كيف أصنع ثمّ أجمع رأيه على إتيانه.

فأتاه وناشده اللّه تعالى وأخبره انّ هذه المرّة يفي له، ولا يغدر. فقال: يريد أن يسألك عن روءيا رآها أيّ زمان هذا. فإذا سألك فأخبره أنّه زمان الميزان. فأتى الملك، فقال له: لم بعثت إليك قال: رأيت روءيا تريد أن تسألني أيّ زمان هذا فقال: صدقت. فأخبرني أيّ زمان هذا فقال: زمان الميزان، فأمر له بصلة فانطلق بها إلى الرجل فوضعها بين يديه، وقال: جئتك بما خرج لي فقاسمنيه. فقال له العالم: إنّ الزمان الأوّل كان زمان الذئب، وانّك كنت من الذئاب، وإنّ الزمان الثاني كان زمان الكبش يهمّ ولا يفعل، وكذلك أنت تهمّ ولا تفي، وهذا زمان الميزان، وكنت فيه على الوفاء. فاقبض مالك لا حاجة لي فيه - الخبر -(1)

قال المجلسي رحمه‌الله : قوله عليه‌السلام إن لك أصدقاء وإخوانا لعل المقصود من إيراد الحكاية بيان أن هذا الزمان ليس زمان الوفاء بالعهود فإن عرفتك زمان ظهور الأمر فلك أصدقاء ومعارف فتحدثهم به فيشيع الخبر بين الناس وينتهي إلى الفساد و العهد بالكتمان لا ينفع لأنك لا تفي به إذ لم يأت بعد زمان الميزان.

أو المعنى أن لك معارف فانظر إليهم هل يوافقونك في أمر أو يفون بعهدك في شيء فكيف يظهر الإمام عليه‌السلام في مثل هذا الزمان.

أو المراد أنه يمكنك استعلام ذلك فانظر في حال معارفك وإخوانك فمهما رأيت منهم العزم على الانقياد والطاعة والتسليم التام لإمامهم فاعلم أنه زمان ظهور القائم عجل اللّه تعالى فرجه فإن قيامه مشروط بذلك وأهل كل زمان يكون عامتهم على حالة واحدة كما يظهر من القصة.

قوله ولكني أدري لعل علمه كان بإخبار ذلك العالم وكان العالم أخذه من.


1) الكافي: 362/8، ح552؛ بحار الأنوار 498/14، ح22.

الأنبياء حيث أخبروا بوحي السماء أن الملك سيرى تلك الأحلام وهذه تعبيرها أو بأن أخذ من العالم نوعا من العلم يمكنه استنباط أمثال تلك الأمور به على أنه يحتمل أن يكون نبيا علم ذلك بالوحي(1).

وَغَارَ الصِّدْقُ

من (غار الماء) اذا نضب وذهب في الارض.

وَفَاضَ الْكَذِبُ

عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : ما يزال العبد يصدق حتّى يكتبه اللّه صدّيقا، وما يزال العبد يكذب حتّى يكتبه اللّه كذّابا(2).

وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وَتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ

عن الصادق عليه‌السلام من لقي المسلمين بوجهين ولسانين جاء يوم القيامة، و له لسانان من نار(3)

وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً

قال تعالى «وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّه‌َ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالاْءِثْمِ»(4).

وفي أبي الغادية الجهني قاتل عمّار - كان أبو الغادية إذا استأذن على معاوية.


1) بحار الأنوار: 500/14

2) الكافي: 338/2، ح2؛ بحار الأنوار 235/69، ح2

3) الكافي: 343/2، ح1؛ بحار الأنوار 204/72، ح12

4) البقرة: 206.

وغيره يقول: «قاتل عمّار بالباب»، وكان يصف قتله إذا سئل عنه لا يباليه، وفي قصته عجب عند أهل العلم قال: سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقول: «لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ثمّ قتل عمّارا(1). وزاد ابن قتيبة: قال ربيعة بن كلثوم: قال أبي: حدّثني أبو الغادية قال: سمعت النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقول: «ألا لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض فإنّ الحق يومئذ لمع عمّار» - قال أبي: فما رأيت شيخا أضلّ منه يروي أنّه سمع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله يقول ما قال ثمّ ضرب عنق عمّار(2).

وَالْعَفَافُ عَجَباً

لندرة المتعفّفين فإذا رأوا عفيفا تعجّبوا منه، وينطبق جميع ما قاله عليه‌السلام على عصرنا في الغاية لا سيما الفقرة الأخيرة. فإنّه لكثرة النساء المتكشفات، وكثر نظر الرجال إليهنّ إذا رأوا امرأة عفيفة تتستر أو رجلا عفيفا لا ينظر استغربوه.

وَلُبِسَ الاْءِسْلامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً

فيعكسون ويبدّلون أحكامه، يحلّلون حرامه، ويحرّمون حلاله، وينكرون معروفه، ويعرفون منكره، ويعطّلون حدوده، ويتعدّون حدوده بحيث لو كان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله حيّا لبدأ بقتالهم قبل قتال الكفار. فثقيف قالوا: تجارتنا من الربا، ولم نقدر على تركه فنزل «فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّه‌ِ وَرَسُولِهِ»(3).

هذا، وعن بعض كتب المناقب القديمة: جاء جابر الأنصاري إلى أمير.


1) الاستيعاب: 1725/4، ش 3113

2) المعارف لابن قتيبة: 257

3) البقرة: 279.

الموءمنين عليه‌السلام فقال له: بأبي أنت وامّي رأيت روءيا هالتني. فقال عليه‌السلام ما الّذي رأيت فقال: رأيت كان ثيرانا سمانا تشرب من لبن عجاجيل هزال، ورأيت دوابّا سمانا لكلّ دابّة رأسان تأكل بالرأسين، ولا تروث، ورأيت أحواضا يابسة قد نبتت فيها أخشبة خضر، ورأيت المرضى يعودون الأصحاء، ورأيت ثوبا أبيض معلقا من السماء الى الأرض، والناس يقطّعون منه قطعة قطعة، ورأيت طائرين في بيت مظلم يتكلّمان بكلام فصيح، ورأيت طاستين إحداهما ذهب، والاخرى رصاص، ورجل واقف بينهما يغرف من الرصاص، يفرغ في الذهب، فلا الرصاص ينقص منه، ولا الذهب يمتلي.

فقال عليه‌السلام روءياك هذه تدلّ على آخر الزمان أما الثيران السمان الّتي تشرب ألبان العجاجيل الهزال. فإنّها سلاطينهم يأخذون أموال الفقراء والمساكين ليستغنوا. فلا يستغنون أبدا، وأما الدوابّ الّتي لكلّ واحدة رأسان تأكل بهما ولا تروث فإنّها أغنياء آخر الزمان يجمعون المال من حلال وحرام، ولا يخرجون الزكاة، وأما الأحواض اليابسة فهم العلماء، وأمّا الأخشبة الخضر فهي علومهم الّتي لا يعملون بها، وأما المرضى الّذين يعودون الأصحّاء، فإنّهم فقراء آخر الزمان يذهبون إلى الأغنياء يسألونهم، فلا يعطونهم شيئا، وذلك أكبر المرض، وأما الثوب المعلق من السماء إلى الأرض، فهو دين الإسلام طاهر مطهر بيّن، فإذا كان آخر الزمان وقعت الأهواء والبدع بين الناس فترى مع كلّ واحد منهم شيئا من الإسلام يستتر به، وأما الطائران اللّذان رأيتهما في بيت مظلم يتكلّمان بكلام فصيح أحدهما الوفاء، والآخر الأمانة. فإذا كان آخر الزمان قلّ الوفاء، وقلّت الأمانة حتّى لا تبين، ويكون مثل بيت مظلم فلا وفاء حينئذ ولا أمانة، وأمّا

الطاستان. فالرصاص الدنيا، والذهب الآخرة، والرجل الواقف بينهما ملك الموت يحمل من الدنيا إلى الآخرة يقبض الأرواح. فلا الدنيا تفنى، ولا الآخرة تمتلي إلى الوقت المعلوم، وهو القيامة.

يا جابر، قال النبيّ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : ليأتينّ على الناس زمان تقصر فيه المروة، وتدقّ فيه الأخلاق، وتستغني الرجال بالرجال، والنساء بالنساء. فإذا كان كذلك فانتظروا العذاب(1).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَخْبُثُ فِيهِ سَرَائِرُهُمْ وَتَحْسُنُ فِيهِ عَلانِيَتُهُمْ طَمَعاً فِي الدُّنْيَا لاَ يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ رَبِّهِمْ يَكُونُ دِينُهُمْ رِيَاءً لاَ يُخَالِطُهُمْ خَوْفٌ يَعُمُّهُمُ اللّه‌ُ بِعِقَابٍ فَيَدْعُونَهُ دُعَاءَ الْغَرِيقِ فَلا يَسْتَجِيبُ لَهُمْ(2).

وعَنْ أَبِي عَبْدِاللّه‌ِ عليه‌السلام قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُوءْمِنِينَ عليه‌السلام : قَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلاّ رَسْمُهُ وَمِنَ الاْءِسْلامِ إِلاّ اسْمُهُ يُسَمَّوْنَ بِهِ وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْهُ مَسَاجِدُهُمْ عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى فُقَهَاءُ ذَلِكَ الزَّمَانِ شَرُّ فُقَهَاءَ تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ مِنْهُمْ خَرَجَتِ الْفِتْنَةُ وَإِلَيْهِمْ تَعُودُ(3).

و في موعظة رسول اللّه لابن مسعود: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ سَيَأْتِي مِنْ بَعْدِي أَقْوَامٌ يَأْكُلُونَ طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَأَلْوَانَهَا وَيَرْكَبُونَ الدَّوَابَّ وَيَتَزَيَّنُونَ بِزِينَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَيَتَبَرَّجُونَ تَبَرُّجَ النِّسَاءِ وَزِيُّهُمْ مِثْلُ زِيِّ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرَةِ هُمْ مُنَافِقُو هَذِهِ الاْءُمَّةِ فِي.


1) دار السلام في ما يتعلق بالروءيا والمنام: 377/2

2) الكافي: 296/2، ح14؛ بحار الأنوار 290/69، ح14

3) الكافي: 307/8 - 308، ح479؛ بحار الأنوار 109/2/ - 14.

آخِرِ الزَّمَانِ شَارِبُوا الْقَهَوَاتِ لاَعِبُونَ بِالْكِعَابِ(1)رَاكِبُونَ الشَّهَوَاتِ تَارِكُونَ الْجَمَاعَاتِ رَاقِدُونَ عَنِ الْعَتَمَاتِ(2)مُفَرِّطُونَ فِي الْغَدَوَاتِ يَقُولُ اللّه‌ُ تَعَالَى فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا(3)يَا ابْنَ مَسْعُودٍ مَثَلُهُمْ مَثَلُ الدِّفْلَى(4)زَهْرَتُهَا حَسَنَةٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ كَلامُهُمُ الْحِكْمَةُ وَأَعْمَالُهُمْ دَاءٌ لاَ تَقْبَلُ الدَّوَاء - الحديث - (5).

وقَالَ رَسُولُ اللّه‌ِ صلى‌الله‌عليه‌و‌آله : يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ وُجُوهُهُمْ وُجُوهُ الآْدَمِيِّينَ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ كَأَمْثَالِ الذُّبَابِ الضِّرَارِ سَفَّاكُونَ لِلدِّمَاءِ لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ إِنْ تَابَعْتَهُمُ ارْتَابُوكَ وَإِنْ حَدَّثْتَهُمْ كَذَّبُوكَ وَإِنْ تَوَارَيْتَ عَنْهُمُ اغْتَابُوكَ السُّنَّةُ فِيهِمْ بِدْعَةٌ وَالْبِدْعَةُ فِيهِمْ سُنَّةٌ وَالْحَلِيمُ بَيْنَهُمْ غَادِرٌ وَالْغَادِرُ بَيْنَهُمْ حَلِيمٌ وَالْمُوءْمِنُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُسْتَضْعَفٌ وَالْفَاسِقُ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُشَرَّفٌ... فَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْرِمُهُمُ اللّه‌ُ قَطْرَ السَّمَاءِ فِي أَوَانِهِ وَيُنْزِلُهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُم(6)

وعَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ(7)قَالَ خَطَبَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه‌السلام فَقَالَ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي ثَلاثاً فَقَامَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُوءْمِنِينَ مَتَى يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَقَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ وَلَكِنْ لِذَلِكَ عَلامَاتٌ وَهَيْئَاتٌ(8)يَتْبَعُ .


1) القهوات جمع قهوة والمراد بها هنا الخمر ظاهرا والكعاب بالكسر خصوص النرد، وفي بعض النسخ «شاربوا القهوات»

2) يعني لم يصلوا العتمة وينامون عنها

3) مريم: 59

4) بالفارسية خرزهرة

5) مكارم الاخلاق: 449؛ بحار الأنوار 96/74

6) جامع الاخبار للشعيري: 129؛ بحار الأنوار 453/22، ح11

7) قال عنه العسقلانى في تقريب التهذيب: 2/ 298 رقم 51: كوفيّ ثقة

8) الهيئة: حال الشيء وكيفيته وشكله وصورته.

بَعْضُهَا بَعْضاً وَإِنَّ عَلامَاتِ ذَلِكَ إِذَا أَمَاتَ النَّاسُ الصَّلاةَ وَأَضَاعُوا الاْءَمَانَةَ وَاسْتَحَلُّوا الْكَذِبَ وَأَكَلُوا الرِّبَا وَشَيَّدُوا الْبُنْيَانَ وَبَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيَا وَاسْتَعْمَلُوا السُّفَهَاءَ وَشَاوَرُوا النِّسَاءَ وَقَطَعُوا الاْءَرْحَامَ وَاتَّبَعُوا الاْءَهْوَاءَ وَاسْتَخَفُّوا بِالدِّمَاءِ وَكَانَ الْحِلْمُ ضَعْفاً وَالظُّلْمُ فَخْراً وَكَانَتِ الاْءُمَرَاءُ فَجَرَةً وَالْوُزَرَاءُ ظَلَمَةً وَالْعُرَفَاءُ (العلماء )(1)خَوَنَةً وَالْقُرَّاءُ فَسَقَةً وَظَهَرَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ وَاسْتَعْلَنَ الْفُجُورُ وَقَوْلُ(2)الْبُهْتَانِ وَالاْءِثْمُ وَالطُّغْيَانُ وَحُلِّيَتِ الْمَصَاحِفُ وَزُخْرِفَتِ الْمَسَاجِدُ وَطُوِّلَتِ الْمَنَارَةُ وَأُكْرِمَ الاْءَشْرَارُ وَازْدَحَمَتِ الصُّفُوفُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَنُقِضَتِ الْعُهُودُ وَاقْتَرَبَ الْمَوْعُودُ وَشَارَكَ النِّسَاءُ أَزْوَاجَهُنَّ فِي التِّجَارَةِ حِرْصاً عَلَى الدُّنْيَا وَعَلَتْ أَصْوَاتُ الْفُسَّاقِ وَاسْتُمِعَ مِنْهُمْ وَكَانَ رَئِيسُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ وَاتُّقِيَ الْفَاجِرُ مَخَافَةَ شَرِّهِ وَصُدِّقَ الْكَاذِبُ وَاوءْتُمِنَ الْخَائِنُ وَاتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ [وَالْمَعَازِفُ وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الاْءُمَّةِ أَوَّلَهَا وَرَكِبَ ذَوَاتُ الْفُرُوجِ السُّرُوجَ] وَتَشَبَّهَ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِالرِّجَالِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَشْهَدَ وَشَهِدَ الآْخَرُ قَضَاءً لِذِمَامٍ مِنْ غَيْرِ حَقٍّ عَرَفَهُ وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ الدِّينِ وَآثَرُوا عَمَلَ الدُّنْيَا عَلَى عَمَلِ الآْخِرَةِ وَلَبِسُوا جُلُودَ الضَّأْنِ عَلَى قُلُوبِ الذِّئَابِ وَقُلُوبُهُمْ أَنْتَنُ مِنَ الْجِيَف - الحديث -(3)

وعن أبي عبداللّه عليه‌السلام في حديث طويل ذكر فيه بعض ما يظهر في النّاس من المعاصي والبدع والفتن قال عليه‌السلام فَإِذَا رَأَيْتَ الْحَقَّ قَدْ مَاتَ وَذَهَبَ أَهْلُهُ وَرَأَيْتَ.


1) العرفاء: جمع عريف، وهو العالم بالشيء، أو القيم بأمر القوم وسيدهم

2) البهتان: الكذب والافتراء

3) كمال الدين وتمام النعمة: 525/2، ح1 والخرائج والجرائح: 1133/3، ح 53؛ بحار الأنوار: 192/52، ح26.

الْجَوْرَ قَدْ شَمِلَ الْبِلادَ وَرَأَيْتَ الْقُرْآنَ قَدْ خَلُقَ وَأُحْدِثَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ وَوُجِّهَ عَلَى الاْءَهْوَاءِ وَرَأَيْتَ الدِّينَ قَدِ انْكَفَأَ كَمَا يَنْكَفِئُ الْمَاءُ(1)وَرَأَيْتَ أَهْلَ الْبَاطِلِ قَدِ اسْتَعْلَوْا عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ وَرَأَيْتَ الشَّرَّ ظَاهِراً لاَ يُنْهَى عَنْهُ وَيُعْذَرُ أَصْحَابُهُ وَرَأَيْتَ الْفِسْقَ قَدْ ظَهَرَ وَاكْتَفَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ وَرَأَيْتَ الْمُوءْمِنَ صَامِتاً لاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَرَأَيْتَ الْفَاسِقَ يَكْذِبُ وَلاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ كَذِبُهُ وَفِرْيَتُهُ(2)وَرَأَيْتَ الصَّغِيرَ يَسْتَحْقِرُ بِالْكَبِيرِ وَرَأَيْتَ الاْءَرْحَامَ قَدْ تَقَطَّعَتْ وَرَأَيْتَ مَنْ يَمْتَدِحُ بِالْفِسْقِ يَضْحَكُ مِنْهُ وَلاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَرَأَيْتَ الْغُلامَ يُعْطِي مَا تُعْطِي الْمَرْأَةُ وَرَأَيْتَ النِّسَاءَ يَتَزَوَّجْنَ النِّسَاءَ وَرَأَيْتَ الثَّنَاءَ (البناء خ ل) قَدْ كَثُرَ وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُنْفِقُ الْمَالَ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللّه‌ِ فَلا يُنْهَى وَلاَ يُوءْخَذُ عَلَى يَدَيْهِ وَرَأَيْتَ النَّاظِرَ يَتَعَوَّذُ بِاللّه‌ِ مِمَّا يَرَى الْمُوءْمِنَ فِيهِ مِنَ الاجْتِهَادِ وَرَأَيْتَ الْجَارَ يُوءْذِي جَارَهُ وَلَيْسَ لَهُ مَانِعٌ وَرَأَيْتَ الْكَافِرَ فَرِحاً لِمَا يَرَى فِي الْمُوءْمِنِ مَرِحاً لِمَا يَرَى فِي الاْءَرْضِ مِنَ الْفَسَادِ(3)وَرَأَيْتَ الْخُمُورَ تُشْرَبُ عَلانِيَةً وَيَجْتَمِعُ عَلَيْهَا مَنْ لاَ يَخَافُ اللّه‌َ عَزَّ وَجَلَّ وَرَأَيْتَ الآْمِرَ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِيلاً وَرَأَيْتَ الْفَاسِقَ فِيمَا لاَ يُحِبُّ اللّه‌ُ قَوِيّاً مَحْمُوداً وَرَأَيْتَ أَصْحَابَ الآْيَاتِ يُحْتَقَرُونَ وَيُحْتَقَرُ مَنْ يُحِبُّهُمْ(4)وَرَأَيْتَ سَبِيلَ الْخَيْرِ مُنْقَطِعاً وَسَبِيلَ الشَّرِّ مَسْلُوكاً وَرَأَيْتَ بَيْتَ اللّه‌ِ قَدْ عُطِّلَ وَيُوءْمَرُ بِتَرْكِهِ وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ مَا لاَ يَفْعَلُهُ وَرَأَيْتَ الرِّجَالَ يَتَسَمَّنُونَ(5)


1) أي انقلب، كفأت الاناء أي قلبته

2) الفرية: الكذب والبهتان

3) المرح - بالتحريك -: شدة الفرح والنشاط

4) اصحاب الآيات أي أصحاب العلامات والمعجزات أو الذين نزلت فيهم الآيات وهم الأئمّة أو المفسرون. وفي بعض النسخ [أصحاب الآثار] و هم المحدّثون. (مرآة العقول: 85/25)

5) أي يستعملون الأغذية والأدوية للسمن ليعمل معهم القبيح، قال في النهاية: فيه: »يكون في آخر الزمان قوم يتسمّنون« أي يتكثرون بما ليس فيهم ويدّعون ما ليس لهم من الشرف، وقيل: أراد جمعهم الأموال، وقيل: يحبون التوسع في الآمكل والمشارب وهي أسباب السمن، ومنه الحديث الآخر »و يظهر فيهم السمن« وفيه: «ويل للمسمّنات يوم القيامة من فترة في العظام» أي اللاتى يستعملن السمنة وهو دواء يتسمّن به النساء انتهى. )مرآة العقول: 85/25 ).

لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءَ لِلنِّسَاءِ... وَرَأَيْتَ النِّسَاءَ يَتَّخِذْنَ الْمَجَالِسَ كَمَا يَتَّخِذُهَا الرِّجَالُ وَرَأَيْتَ التَّأْنِيثَ فِي وُلْدِ الْعَبَّاسِ قَدْ ظَهَرَ وَأَظْهَرُوا الْخِضَابَ وَامْتَشَطُوا كَمَا تَمْتَشِطُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا وَأَعْطَوُا الرِّجَالَ الاْءَمْوَالَ عَلَى فُرُوجِهِمْ وَتُنُوفِسَ فِي الرَّجُلِ(1)وَتَغَايَرَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَكَانَ صَاحِبُ الْمَالِ أَعَزَّ مِنَ الْمُوءْمِنِ وَكَانَ الرِّبَا ظَاهِراً لاَ يُعَيَّرُ وَكَانَ الزِّنَا تُمْتَدَحُ بِهِ النِّسَاءُ وَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تُصَانِعُ زَوْجَهَا(2)عَلَى نِكَاحِ الرِّجَالِ وَرَأَيْتَ أَكْثَرَ النَّاسِ وَخَيْرَ بَيْتٍ مَنْ يُسَاعِدُ النِّسَاءَ عَلَى فِسْقِهِنَّ وَرَأَيْتَ الْمُوءْمِنَ مَحْزُوناً مُحْتَقَراً ذَلِيلاً وَرَأَيْتَ الْبِدَعَ وَالزِّنَا قَدْ ظَهَرَ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَعْتَدُّونَ بِشَاهِدِ الزُّورِ وَرَأَيْتَ الْحَرَامَ يُحَلَّلُ وَرَأَيْتَ الْحَلالَ يُحَرَّمُ وَرَأَيْتَ الدِّينِ بِالرَّأْيِ وَعُطِّلَ الْكِتَابُ وَأَحْكَامُهُ وَرَأَيْتَ اللَّيْلَ لاَ يُسْتَخْفَى بِهِ مِنَ الْجُرْأَةِ عَلَى اللّه‌ِ(3)وَرَأَيْتَ الْمُوءْمِنَ لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ إِلاّ بِقَلْبِهِ وَرَأَيْتَ الْعَظِيمَ مِنَ الْمَالِ يُنْفَقُ فِي سَخَطِ اللّه‌ِ عَزَّ وَجَلَّ وَرَأَيْتَ الْوُلاَةَ يُقَرِّبُونَ أَهْلَ الْكُفْرِ وَيُبَاعِدُونَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَرَأَيْتَ الْوُلاَةَ)


1) أي فروج نسائهم للدياثة ويمكن أن يقرأ الرجال بالرفع واعطوا على المعلوم أو المجهول من باب أكلوني البراغيث والأول أظهر. والتنافس: الرغبة في الشيء والافراد به والمنافسة: المغالبة على الشيء وهي المراد هاهنا. )مرآة العقول: 86/25) وفي بعض النسخ [و تغار عليه الرجال ]

2) المصانعة: الرشوة والمداهنة

3) أي لا ينتظرون دخول الليل ليستتروا به المعاصى بل يعملونها في النهار علانية. )مرآة العقول: 86/25)

يَرْتَشُونَ فِي الْحُكْمِ وَرَأَيْتَ الْوِلاَيَةَ قَبَالَةً لِمَنْ زَادَ وَرَأَيْتَ ذَوَاتِ الاْءَرْحَامِ يُنْكَحْنَ وَيُكْتَفَى بِهِنَّ وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُقْتَلُ عَلَى التُّهَمَةِ وَعَلَى الظِّنَّةِ وَيَتَغَايَرُ عَلَى الرَّجُلِ الذَّكَرِ فَيَبْذُلُ لَهُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعَيَّرُ عَلَى إِتْيَانِ النِّسَاءِ وَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ امْرَأَتِهِ مِنَ الْفُجُورِ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَيُقِيمُ عَلَيْهِ وَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ تَقْهَرُ زَوْجَهَا وَتَعْمَلُ مَا لاَ يَشْتَهِي وَتُنْفِقُ عَلَى زَوْجِهَا - الحديث -(1)

إلي هنا انتهي الجزء الحادي عشر وأسأل اللّه أن يوفقني بمنّه لاتمام هذا الشرح انّه سميع الدّعاء قريب مجيب.

اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِینَ

وَ صَلَّی اللَّهُ عَلَی سَیدنا وَ أَهْلِ بَیْتِهِ الطَّیِّبِینَ الطَّاهِرِینَ

وَاللَّعْنُ الدَّائِمُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ إلى يَوْمِ الدِّينِ.


1) الكافي: 37/8، ح7؛ بحار الأنوار 256/52، ح147.

المصادر

1 ـ الإحتجاج على اهل اللجاج: ابو منصور احمد بن على بن ابى طالب طبرسى، 2 مجلد، مترجم: بهراد جعفرى، دار الكتب الاسلامية، طهران 1387 ش.

2 ـ إحياء العلوم: أبو حامد محمّد الغزالي، (المتوفى 505ق)، دار المعرفة، بيروت، 4 مجلد.

3 ـ الاختصاص: محمد بن محمد المفيد، (المتوفى 413ق)، مصحح: على اكبر غفارى ومحمود حرمى زرندى، المؤتمر العالمى للالفية الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.

4 ـ الارشاد في معرفة حجج اللّه‏ على العباد: محمّد بن محمّد المفيد، (المتوفّى 413ق)، المصحّح: مؤسّسة آل البيت:، المؤتمر للشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.

5 ـ ارشاد القلوب الى الصواب للديلمى: حسن بن محمد ديلمى، (المتوفى 841ق)، 2 مجلد، الشريف الرضى، قم، الأولى 1412ق.

6 ـ اساس البلاغة: محمود بن عمر زمخشرى، (المتوفى 583ق)، 1 مجلد، دار صادر، بيروت، الأولى 1979م.

7 ـ الاستيعاب: ابن عبدالبر، القرن الخامس، تحقيق: علي محمّد البجاوى، بيروت، دار الجيل، الأولى 1412ق، 1992م.

8 ـ اشعار الشعراء الستة الجاهلين: ابو الحجاج، يوسف بن سليمان المعروف بالآعلم (المتوفى: 476 ق).

9 ـ اعلام الورى باعلام الهدى (ط القديمة): فضل بن حسن طبرسى، (المتوفى 548ق)، 1 مجلد، اسلامية، تهران، الثالثة 1390ق.

10 ـ الأغاني: ابن الفرج الاصفهاني، (المتوفّى 356)، 25 جلد، دار إحياء التراث العربي.

11 ـ اقبال الأعمال (ط ـ القديمة): علي بن موسى ابن طاووس، (المتوفى 664ق)، 2 مجلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الثانية 1409ق.

12 ـ الأمالي (للصدوق): محمد بن على بن بابويه، (المتوفى 381ق)، الأعلمى بيروت، الخامسة 1400ق ـ 1362ش.

13 ـ الأمالي (للطوسي): محمد بن الحسن طوسى، (المتوفى 460ق)، 1 مجلد، دار الثقافه، قم، الأولى 1414ق.

14 ـ الأمالي (للمفيد): محمد بن محمد، مفيد، (المتوفى 413ق)، 1 مجلد، مصحح: حسين استاد ولى وعلى اكبر غفارى، مؤتمر الشيخ المفيد، قم، الأولى 1413ق.

15 ـ الامامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفّى 276ق)، تحقيق: الزيني، مؤسّسة الحلبى وشركاه للنشر والتوزيع.

16 ـ أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذرى، (المتوفى 279ق)، تحقيق: سهيل زكار، رياض، زركلى، 13 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى.

17 ـ الأنوار البهية: عباس القمي (المتوفي 1359 ق)، موءسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، الاولي 1417 ق.

18 ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى مجلسى، (المتوفى 1110ق)، 111 مجلد، دار احياء التراث العربي، الثانية 1403ق.

19 ـ البداية والنهاية: ابن كثير، (المتوفى 774م)، بيروت، دار الفكر، 1407 ق 1986م.

20 ـ البرهان فى تفسير القرآن: سيد هاشم بن سليمان بحراني، (المتوفى 1107ق)، 5 مجلد، مصحح: قسم الدراسات الاسلامية لمؤسسة البعثة، مؤسسة البعثة، قم، الأولى 1374 ش.

21 ـ بشارة المصطفى لشيعة المرتضى: عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم الطبرى الآملي، (المتوفى 553ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدرية، نجف الأشرف، الثانية 1383ق.

22 ـ بصائر الدرجات في فضائل آل محمد:: محمد بن حسن صفار، (المتوفى 290ق)، مصحح: محسن بن عباسعلي كوچه‏باغي، مكتبة آية اللّه‏ المرعشي النجفي، قم، الثانية 1404ق.

23 ـ بلاغات النساء: ابن طيفور، (المتوفى 380ق)، مكتبة بصيرتي، قمّ المقدّسة.

24 ـ بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة: محمّد تقي الشيخ الشوشتري، (المتوفى 1415ق ـ 1374ش)، مؤسّسة نشر أمير كبير، الأولى 1376 شمسى.

25 ـ البيان والتبيين: الجاحظ، (المتوفى 255ق)، المكتبة التجاريّة الكبرى لصاحبها مصطفى محمّد، مصر، الأولى 1345ق 1926م.

26 ـ تاج العروس من جواهر القاموس: محمّد مرتضى حسينى زبيدى، (المتوى 1205ق)، تحقيق: على هلالى وسيرى على، 20 مجلد، دار الفكر، بيروت، الأولى 1414ق.

27 ـ تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي، (المتوفى 463ق)، تحقيق: مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1417ق ـ 1997 م.

28 ـ تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي، (المتوفى 911ق)، مطابع معتوق اخوان، بيروت.

29 ـ تاريخ الطبرى: محمد بن جرير الطبري، 6 مجلد، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

30 ـ تاريخ اليعقوبى: أحمد بن أبى يعقوب المعروف باليعقوبى، (المتوفى بعد 292)، بيروت، دار صادر، بى‏تا.

31 ـ تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: علي الاسترآبادي، (المتوفى 940ق)، مصحح: حسين استاد ولي، مؤسسة النشر الاسلامى، قم، الأولى 1409ق.

32 ـ التبيان في تفسير القرآن: طوسي، محمّد بن الحسن، (المتوفى 460ق)، 10 مجلد، دار إحياء التراث العربي، لبنان، بيروت، الأوّل.

33 ـ تحف العقول: حسن بن علي، ابن شعبة الحرّاني، (المتوفى قرن 4)، 1 مجلد، مصحح: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثانية 1404ق ـ 1363ش.

34 ـ تفسير الامام الحسين عليه‏السلام ، التفسير الاثري التطبيقي: حسين بن علي عليهماالسلام ، الإمام الثالث، (الشهادة 61 ق)، 1 مجلد، العتبة الحسينية المقدسة، عراق، كربلاي معلي، الأولى 1430 ق.

35 ـ تفسير الثعلبى (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): الثعلبي، (المتوفى 427ق)، تحقيق: أبى محمد بن عاشور، 5 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الأولى 1422ق 2002م.

36 ـ تفسير السمرقندي المسمي بحر العلوم: سمرقندي، نصر بن محمد، (المتوفي 395ق)، 3 مجلد، دار الفكر، لبنان، بيروت، الأولى 1416 ق.

37 ـ تفسير العياشي: محمّد بن مسعود العياشي، (المتوفى 320ق)، 2 مجلد، مصحح: السيّد هاشم رسولى المحلاّتى، المطبعة العلمية، طهران، الأولى 1380 ق.

38 ـ تفسير القمي: علي بن ابراهيم القمي، (المتوفى القرن 3 الهجري)، مصحح: السيّد طيّب موسوى الجزائري، 2 مجلد، دار الكتاب، قم، الثالثة 1404ق.

39 ـ التفسير الكبير (مفاتيح الغيب): فخر الدين الرازى، (المتوفى 606 ق)، 32 مجلد، دار احياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الثالثة 1420 ق.

40 ـ تفسير نور الثقلين عبد علي بن جمعة الحويزي، (المتوفى 1112ق)، 5 مجلدات، اسماعيليان، قم، الرابعة 1415ق.

41 ـ تهذيب التهذيب: ابن حجر، (المتوفى 852ق)، 12 مجلد، دار الفكر، لبنان، بيروت، الأولى 1404ق / 1984م.

42 ـ تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام: ورام بن أبي فراس، مسعود بن عيسى، (المتوفى 605ق)، 2 مجلد، مكتبة الفقيه، قم، الأولى 1410ق.

43 ـ التوحيد (للصدوق): محمّد بن علي، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، 1 مجلد، مصحح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1398ق.

44 ـ تهذيب الأحكام: محمد بن الحسن، طوسى، (المتوفى 460ق)، 10 مجلد، مصحح: حسن الموسوى خرسان، دار الكتب الاسلامية، تهران، الرابعة 1407ق.

45 ـ ثواب الأعمال وعقاب الأعمال: محمد بن علي الصدوق، ابن بابويه، (المتوفى 381ق)، دار الشريف الرضي للنشر، قم، الثانية 1406ق.

46 ـ جامع الأخبار (للشعيرى): محمد بن محمد شعيرى، (المتوفى القرن 6)، مطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، الأولى.

47 ـ جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع: ابن طاووس، علي بن موسى (المتوفى 664ق)، 1 مجلد، دار الرضي، قم، الأولى 1430ق.

48 ـ جمهرة اللغة: أبوبكر محمّد بن الحسن بن دريد الأزدي، (المتوفى 321ق)، 3 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الأولى 1987م.

49 ـ حياة الحيوان الكبرى: كمال الدين دميرى، (المتوفى 808ق)، 2 مجلد، دار ومكتبة الهلال، بيروت.

50 ـ الخرائج والجرائح: سعيد بن هبة اللّه‏، قطب الدين الراوندي، (المتوفى 573ق)، المصحح والناشر: مؤسسة الامام المهدي عليه‏السلام ، 3 مجلد، قم، الأولى 1409ق.

51 ـ خصائص أميرالمؤمنين عليه‏السلام : النسائى (المتوفى 303ق)، تحقيق: محمد هادى الأمينى، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.

52 ـ الخصال: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1362ش.

53 ـ خلاصة عبقات الأنوار: النقوي، السيّد حامد حسين الكهنوي (1246 ـ 1306).

54 ـ دار السلام في ما يتعلق بالروءيا والمنام: نوري، حسين بن محمد تقي، (المتوفي 1320ق)، 4 مجلد، دار البلاغة، بيروت، لبنان.

55 ـ دعائم الاسلام وذكر الحلال والحرام: نعمان بن محمد مغربى، ابن حيون، (المتوفى 363ق)، 2 مجلد، مصحح: الفيضي، آصف، مؤسسة آل البيت:، قم، الثانية 1385ق.

56 ـ ديوان الأعشى: ميمون بن قيس، الأعشى (ق 7)، دار الكتب العربي، بيروت، 1414ق.

57 ـ ديوان دعبل الخزاعي: دعبل بن عليّ بن الخزاعي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1414ق.

58 ـ ديوان الفرزدق: همام بن غالب، دار الكتاب العربي، 2 مجلد، بيروت، 1414ق.

59 ـ ديوان لبيد بن ربيعة العامري: (المتوفى 41ق)، دار المعرفة، الأولى 1425ق ـ 2004م.

60 ـ ديوان المنسوب إلى أميرالمؤمنين عليه‏السلام : حسين بن معين الدين ميبدى، (المتوفى 911ق)، 1 مجلد، دار نداء الاسلام للنشر، قم، الأولى 1411ق.

61 ـ ذيل الأمالي للكبرى: دار الآفاق الجديد، لبنان.

62 ـ ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: الزمخشرى، (المتوفى 538ق)، تحقيق: عبدالأمير مهنا، 5 مجلد، مؤسسة الأعلمى للمطبوعات، بيروت، الأولى 1412ق 1992م.

63 ـ رسالة ابن القارح إلى أبي العلاء المعري: مؤسّسة هنداوي.

64 ـ روضات الجنّات: الموسوي الخوانساري، محمّد باقر، إسماعيليان، قم، الأولى 1390ش.

65 ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: (ط. الحديثة)، زين الدين بن علي العاملي الشهيد الثاني، (المتوفى 966ق)، 10 مجلد، مصحّح: سيّد محمّد الكلانتر، مكتبة الداوري، قم، الأولى 1410ق.

66 ـ الزام الناصب فى اثبات الحجة الغائب عليه‏السلام : على بن زين العابدين، يزدى حائرى، (المتوفى 1323ق)، محقق: عاشور، على، مؤسسة الأعلمى، بيروت، الأولى 1422ق.

67 ـ زهر الآداب وثمر الألباب: الحصرى، إبراهيم بن عليّ، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1417ق.

68 ـ الزهرة: ابن داود الظاهري، (المتوفى 297ق)، 1 مجلد.

69 ـ السقيفة وفدك: الجوهرى، (المتوفى 323ق)، شركة الكتبى للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الثانية 1413ق 1993م.

70 ـ سنن الترمذى: الترمذي، (المتوفى 279)، تحقيق: عبدالرحمان محمد، 5 مجلد، دار الفكر للطباعة والتوزيع، بيروت، الثانية 1403ق 1983م.

71 ـ السيرة النبوية: ابن هشام الحميري، (المتوفى 218ق)، 1 مجلد، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، مكتبة محمّد علي صبيح وأولاده، القاهرة، 1383ق ـ 1963م.

72 ـ شرح آقا جمال خوانسارى بر غرر الحكم ودرر الكلم: آقا جمال خوانسارى، محمّد بن حسين، (المتوفى 1125ق)، 7 مجلد، دانشگاه طهران، الرابعة 1366ش.

73 ـ شرح الرضي على الكافية: الرضي الاسترآبادي، محمّد بن الحسن، ذوي القربى، 1436ق.

74 ـ شرح الكافي ـ الأصول والروضة: المولى صالح المازندراني، (المتوفى 1081ق)، 12 مجلد، المكتبة الاسلاميّة، طهران، الأولى، 1382ق.

75 ـ شرح نهج البلاغة (ابن ميثم): ميثم بن علي بن ميثم البحراني، (قرن 7)، 5 مجلد، مكتبة نشر الكتاب، الثانية 1362 ش.

76 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: عبدالحميد بن هبة اللّه‏، ابن أبي الحديد، (المتوفى 656ق)، مصحح: محمد ابوالفضل، ابراهيم، مكتبة آية اللّه‏ المرعشي النجفي، قم، الأولى 1404ق.

77 ـ شرح نهج البلاغة: السيّد عبّاس الموسوي، 5 مجلد، دار الرسول الأكرم، دار المحجّة البيضاء.

78 ـ الشعر والشعراء: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، دار الحديث، القاهرة، 2 مجلد، 1427ق ـ 2006م.

79 ـ الصحاح: الجوهري، (المتوفى 393ق)، 6 مجلد، تحقيق: احمد عبدالغفور العطار، دار العلم للملايين، بيروت، الرابعة 1407ق ـ 1987م.

80 ـ صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري، (المتوفى 256ق)، 8 مجلد، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401ق ـ 1981م.

81 ـ صحيح مسلم: مسلم النيسابوري، (المتوفى 261ق)، 1 مجلد، دار الفكر، بيروت.

82 ـ الصحيفة العلويّة: الموحد الأبطحي الاصفهاني، محمّد باقر، مؤسّسة الإمام المهدي عليه‏السلام ، قم 1418قـ 1377ش.

83 ـ الطبقات الكبرى: ابن سعد، (المتوفى 230)، 8 مجلد، دار صادر، بيروت.

84 ـ الطرائف في معرفة مذهب الطوائف: علي بن موسى، ابن طاووس، 2 مجلد، (المتوفى 664ق)، مصحح: على عاشور، خيام، قم، الأولى 1400ق.

85 ـ العقد الفريد: شهاب الدين احمد المعروف بابن عبد ربه الأندلسى، (المتوفى 328ق)، 8 مجلد، دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى 1404ق.

86 ـ عوالى اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية: محمد بن زين الدين، ابن ابي جمهور، (المتوفى: زنده در سال 901ق)، 4 مجلد، مصحح: مجتبى العراقي، دار سيد الشهداء للنشر، قم، الأولى 1405ق.

87 ـ عيون أخبار الرضا عليه‏السلام : محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: مهدي اللاجوردي، 2 مجلّد، جهان، طهران، الأولى 1378ق.

88 ـ الغارات (ط ـ القديمة): ابراهيم ثقفى، (المتوفى 283ق)، 2 مجلد، دار الكتاب الاسلامي، قم، الأوّل 1410ق.

89 ـ الغدير: الشيخ الأمينى، (المتوفى 1392ق)، 11 مجلد، دار الكتاب العربى، بيروت، الثالثة 1387ق 1967م.

90 ـ غرر الحكم: آقاى جمال خوانسارى، محمد بن حسين (المتوفى 1122ق)، 7 مجلد، دانشگاه تهران، تهران، چهارم 1366ش.

91 ـ غرر الحكم ودرر الكلم: عبدالواحد بن محمد تميمي آمدي، (المتوفى 550ق)، 1 مجلد، دار الكتاب الاسلامي، قم، الثانية 1410ق.

92 ـ الغيبة (للطوسي): الطوسي، محمّد بن الحسن (المتوفى 460ق)، دار المعارف الإسلاميّة، إيران، قم، 1411ق.

93 ـ الغيبة (للنعماني): ابن ابي زينب، محمد بن ابراهيم، (المتوفى 360ق)، مصحح: على اكبر الغفاري، نشر صدوق، طهران، الأولى 1397ق.

94 ـ الفائق فى غريب الحديث: محمود بن عمر الزمخشرى (المتوفى: 538 ق)، 4 مجلد، دارالمعرفة، لبنان، الثانية.

95 ـ الفتوح: ابو محمد احمد بن الأعثم الكوفي، (المتوفى 1314، تحقيق: على الشيري، چاپ بيروت، دار الأضواء، الأولى 1411ق ـ 1991م.

96 ـ في ظلال نهج البلاغة: محمّد جواد مغنية، (المتوفى 1400ق)، 4 مجلد، دار العلم للملايين، بيروت، الثالثة 1358.

97 ـ الكافى: (ط. اسلاميّة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، مصحح: على اكبر الغفاري ومحمد الآخوندي، 8 جلد، دار الكتب الاسلاميّة، طهران، الرابعة 1407ق.

98 ـ الكافى: (ط. الحديثة) محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني، (المتوفى 329ق)، 15 مجلد، دار الحديث، قم، الأولى 1429ق.

99 ـ الكامل فى التاريخ: إبن الأثير (المتوفى 630ق)، 12 مجلد، دار صادر، بيروت، 1386 ـ 1966م.

100 ـ الكامل فى اللغة والأدب: محمد بن يزيد المبرد، (المتوفى 285ق)، محقق: محمد ابوالفضل ابراهيم، 4 مجلد، دار الفكر العربى، قاهرة، الثالثة 1417ق.

101 ـ كتاب سليم بن قيس: سليم بن قيس الهلالى، (المتوفى 76ق)، مصحح: انصارى زنجانى، محمد خوئينى، 2 مجلد، الهادى، قم، الاولى 1405ق.

102 ـ كشف الريبة: زين الدين بن على، الشهيد الثانى، (المتوفى 966ق)، 1 مجلد، دار المرتضوى للنشر، بى‏جا، الثالثة 1390ق.

103 ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمّة (ط. القديمة)، يوسف: على بن عيسى الاربلي، (المتوفى: 692ق)، مصحّح: سيّد هاشم الرسولي المحلاتي، بني هاشمي، 2 مجلد، تبريز، الأولى 1381ق.

104 ـ كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليه‏السلام : الگنجي الشافعي، محمد بن يوسف، 1 مجلد، دار احياء تراث اهل البيت عليهم‏السلام .

105 ـ كليات الشيخ البهائي: الشيخ البهائي، محمّد بن الحسن (المتوفى 953ق)، علم، 1384.

106 ـ كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفاري، 2 مجلد، الإسلامية، طهران، الثانية 1395ق.

107 ـ كنز العمال: المتقى الهندى، (المتوفى 975ق) 16 مجلد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1409ق 1989م.

108 ـ لسان العرب: محمّد بن المكرّم، ابن منظور، (المتوفى 711ق)، 15 مجلد، مصحح: جمال الدين، الميردامادي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الثالثة 1414ق.

109 ـ مجالس ثعلب: احمد بن يحيى المعروف بـ: ثعلبب، (المتوفى 291ق).

110 ـ مجلة المقتبس: محمّد بن عبدالرزاق محمّد (المتوفى 1372ق).

111 ـ مجمع الأمثال: الميدانى، (المتوفى 518ق)، 2 مجلد، المعاونية الثقافية للآستانة الرضوية المقدسة، آذر 1366ش.

112 ـ مجمع البحرين: فخرالدين بن محمد، الطريحي، (المتوفى 1085ق)، 6 مجلد، مصحح: احمد الحسيني الاشكوري، المرتضوي، طهران، الثالثة 1375ش.

113 ـ مجمع البيان فى تفسير القرآن: فضل بن حسن الطبرسى، (المتوفى 548ق)، 10 مجلد، ناصر خسرو، طهران، الثالثة 1372.

114 ـ المحاسن: احمد بن محمد بن خالد البرقي، (المتوفى 274ق يا 280ق)، 2 مجلد، مصحح: جلال الدين، المحدث، دار الكتب الاسلامية، قم، الثانية 1371ق.

115 ـ المحجة البيضاء في تهذيب الاحياء: الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 8 مجلد، تحقيق: علي اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الثالثة.

116 ـ مرآة العقول في شرح اخبار آل الرسول: محمّد باقر بن محمد تقى المجلسي، (المتوفى 1110ق)، 26 مجلد، مصحح: السيّد هاشم الرسولي المحلاتي، دار الكتب الاسلامية، طهران، الثانية 1404ق.

117 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر: المسعودي، (المتوفى 346ق)، منشورات دار الهجره، قم 1404ق ـ 1363ش ـ 1984م.

118 ـ المزار الكبير (لابن المشهدي): ابن المشهدي، محمّد بن جعفر، (المتوفى 610ق)، 1 مجلد، مؤسسة النشر الاسلامى التابعة لجماعة المدرّسين بقمّ المشرفة، قم 1419ق.

119 ـ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: حسين بن محمد تقي، النوري، (المتوفى 1320ق)، 28 مجلد، مصحح و مؤسسة آل البيت عليهم‏السلام ، قم، الأولى 1408ق.

120 ـ مشكاة الأنوار في غرر الأخبار: على بن حسن طبرسى، (المتوفى 600ق)، 1 مجلد، المكتبة الحيدريّة، النجف الأشرف، الثانية 1385ق ـ 1344ش.

121 ـ مصباح الكفعمي (جنة الأمان الواقية): الكفعمي، ابراهيم بن علي العاملي، (المتوفى 905ق)، 1 مجلد، دار الرضي (زاهدي)، قم 1405ق.

122 ـ مصباح المتهجّد: محمّد بن الحسن الطوسي، (المتوفى 460ق)، 2 مجلد، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الأولى 1411ق.

123 ـ المصباح المنير: أحمد بن محمّد الفيومي، (المتوفى 770ق)، 2 مجلد، مؤسسة دار الهجرة، قم، الثانية 1414ق.

124 ـ المعارف: ابن قتيبة الدينوري، (المتوفى 276ق)، تحقيق: دكتور ثروت عكاشه، دار المعارف بمصر، مطابع دار المعارف بمصر، الثانية 1969م.

125 ـ معانى الأخبار: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: على اكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، الأولى، قم 1403ق.

126 ـ معجم الأدباء: ياقوت الحموى، (المتوفى 626ق)، 20 مجلد، دار الغرب الاسلامى، بيروت، الأولى 1414 ق 1993م.

127 ـ معجم البلدان: الحموي، (المتوفى 626ق)، 1 مجلد، دار احياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، 1399ق ـ 1979م.

128 ـ مقاتل الطالبيين: ابو الفرج الاصفهانى، (المتوفى 356ق)، تحقيق: سيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة، بى‏تا.

129 ـ مكارم الأخلاق: حسن بن فضل، الطبرسي، (المتوفى قرن 6)، الشريف الرضي، قم، الرابعة 1412ق ـ 1370ش.

130 ـ مناقب آل أبي طالب عليهم‏السلام : محمّد بن على بن شهر آشوب المازندراني، (المتوفى 588ق)، 4 مجلد، العلاّمة، قم، الأولى 1379ش.

131 ـ مناقب الاتراك (الرسائل السياسية): الجاحظ.

132 ـ المنتخب من ذيل المذيل: محمّد بن جرير الطبري، (المتوفى 310ق)، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، لبنان.

133 ـ من لا يحضره الفقيه: محمّد بن علي بن بابويه، (المتوفى 381ق)، مصحّح: علي اكبر الغفارى، 4 مجلد، مؤسسة النشر الإسلامي، الثانية، قم 1413ق.

134 ـ منهاج البراعة: الميرزا حبيب اللّه‏ الهاشمي الخوئي، (المتوفى 1324ق)، 22 مجلد، مصحح: علي العاشور، دار احياء التراث العربى للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الأولى 1429ق ـ 2008 م.

135 ـ منية المريد: الشهيد الثانى، (ش 965ق)، تحقيق: رضا المختارى، مكتب الأعلام الاسلامى، الأولى 1409ق 1368ش.

136 ـ المؤمن: حسين بن سعيد الكوفي الأهوازي، (المتوفى قرن سوم، 1 مجلد، مؤسسة الامام المهدي عليه‏السلام ، قم، 1404ق.

137 ـ نثر الدر في المحاضرات: أبو سعد الآبي، منصور بن حسين، 7 مجلد، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، الأولى 1424ق.

138 ـ نسب قريش: مصعب الزبيري، (المتوفى 236ق)، 1 مجلد، دار المعارف، القاهرة، الثالثة.

139 ـ نور البراهين: السيد نعمة اللّه‏ الجزائري، (المتوفى 1112ق)، 2 مجلد، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، الأولى 1417ق.

140 ـ نهاية الأرب في فنون الأدب: النويري، (المتوفى 733)، 33 مجلد، وزارة الثقافة والارشاد القومي، القاهرة.

141 ـ النهاية في غريب الحديث والأثر: مبارك بن محمد، ابن الأثير الجزري، (المتوفى 606ق)، 5 مجلد، مصحح: محمود محمد الطناحي، اسماعيليان، قم، الرابعة 1367 ش.

142 ـ نهج البلاغة (فيض الإسلام): حاج سيد علينقى فيض الاسلام، انتشارات فيض الاسلام، چاپ مكرر، چاپخانه احمدى.

143 ـ الوافي: محمد محسن بن شاه مرتضى، الفيض الكاشاني، (المتوفى 1091ق)، 26 مجلد، مكتبة الإمام اميرالمؤمنين عليه‏السلام ، اصفهان، الأولى 1406ق.

144 ـ وسائل الشيعة: محمد بن حسن، شيخ حر العاملي، (المتوفى 1104ق)، مصحح: مؤسسه آل البيت:، 30 مجلد، الأولى 1409ق.

145 ـ وقعة صفين: نصر بن مزاحم المنقري، (المتوفى 212ق)، 1 مجلد: مصحح: عبدالسلام محمد، هارون، مكتبة آية اللّه‏ المرعشى النجفى، الأولى 1404ق.

المحتويات

الخطبة (97): ومن كلام له عليه‏السلام

(5 ـ 34)

وَاللّه‏ِ لا يَزَالُونَ، حَتَّى لا يَدَعُوا للّه‏ِِ مُحَرَّماً إِلاّ اسْتَحَلُّوهُ··· 19

وَلا عَقْداً إِلاّ حَلُّوهُ، وَحَتَّى لا يَبْقَى بَيْتُ مَدَرٍ··· 30

وَلا وَبَرٍ، إِلاّ دَخَلَهُ ظُلْمُهُمْ وَنَبَا بِهِ، سُوءُ رَعْيِهِمْ وَحَتَّى يَقُومَ الْبَاكِيَانِ يَبْكِيَانِ··· 31

بَاكٍ يَبْكِي لِدِينِهِ··· 31

وَبَاك يَبْكِي لِدُنْيَاهُ··· 32

وَحَتَّى تَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ مِنْ أَحَدِهِمْ كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِ إِذَا شَهِدَ··· 33

أَطَاعَهُ وَإِذَا غَابَ اغْتَابَهُ، وَحَتَّى يَكُونَ أَعْظَمَكُمْ فِيهَا عَنَاءً، أَحْسَنُكُمْ بِاللّه‏ِ ظَنّاً··· 33

فَإن أَتاكُمُ اللّه‏ بِعافِيَةٍ فاقبلوه، وَإِنِ ابْتُلِيتُمْ فَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين··· 34

الخطبة (98): ومن خطبة له عليه‏السلام

(35 ـ 55)

نَحْمَدُهُ عَلَى مَا كَانَ، وَنَسْتَعِينُهُ مِنْ أَمْرِنَا عَلَى مَا يَكُونُ··· 40

وَنَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الاْءَدْيَانِ، كَمَا نَسْأَلُهُ الْمُعَافَاةَ فِي الاْءَبْدَانِ··· 41

عِبَادَ اللّه‏ِ أُوصِيكُمْ بِالرَّفْضِ، لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تُحِبُّوا تَرْكَهَا··· 42

وَالْمُبْلِيَةِ لأَجْسَادِكُمْ··· 43

وَإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا··· 43

فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ، وَأَمُّوا عَلَماً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ بَلَغُوهُ··· 44

وَكَمْ عَسَى الْمُجْرِي إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ إِلَيْهَا حَتَّى يَبْلُغَهَا··· 45

وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءُ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لا يَعْدُوهُ··· 45

وَطَالِبٌ حَثِيثٌ يَحْدُوهُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا··· 45

فَلا تَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَفَخْرِهَا، وَلا تَعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَنَعِيمِهَا··· 46

وَلا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَبُوءْسِهَا، فَإِنَّ عِزَّهَا وَفَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ··· 46

وَإِنَّ زِينَتَهَا وَنَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ··· 46

وَضَرَّاءَهَا وَبُوءْسَهَا إِلَى نَفَادٍ، وَكُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى انْتِهَاءٍ وَكُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ··· 47

أَ وَلَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الاْءَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَفِي آبَائِكُمُ الاْءَوَّلِينَ تَبْصِرَةٌ وَمُعْتَبَرٌـ··· 48

إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَ وَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لا يَرْجِعُونَ، وَإِلَى الْخَلَفِ··· 48

الْبَاقِينَ لا يَبْقَوْنَ··· 48

أَ وَلَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا، يُصْبِحُونَ وَيُمْسُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى··· 51

فَمَيْتٌ يُبْكَى وَآخَرُ يُعَزَّى، وَصَرِيعٌ مُبْتَلًى، وَعَائِدٌ يَعُودُ وَآخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ··· 52

وَطَالِبٌ لِلدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وَغَافِلٌ وَلَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ··· 52

أَلا فَاذْكُرُوا هَادِمَ اللَّذَّاتِ وَمُنَغِّصَ الشَّهَوَاتِ··· 52

وَقَاطِعَ الاْءُمْنِيَاتِ، عِنْدَ الْمُسَاوَرَةِ، لِلاْءَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ··· 53

وَاسْتَعِينُوا اللّه‏َ عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِ حَقِّهِ، وَمَا لا يُحْصَى مِنْ أَعْدَادِ نِعَمِهِ وَإِحْسَانِه··· 54

وَعَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مَا يَمْضِي الْبَاقِي··· 55

الخطبة (99): ومن خطبة له عليه‏السلام

(56 ـ 73)

الْحَمْدُ للّه‏ِِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ فَضْلَهُ، وَالْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ، نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ··· 57

وَنَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ··· 57

وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً، وَبِذِكْرِهِ نَاطِقاً··· 58

فَأَدَّى أَمِيناً، وَمَضَى رَشِيداً، وَخَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ··· 59

مَنْ تَقَدَّمَهَا، مَرَقَ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا، زَهَقَ، وَمَنْ لَزِمَهَا··· 60

لَحِقَ، دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلامِ··· 61

بَطِيءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ··· 62

فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَأَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ··· 64

فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللّه‏ُ، حَتَّى يُطْلِعَ اللّه‏ُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَيَضُمُّ نَشْرَكُمْ··· 65

فَلا تَطْمعوا فِي غير مُقْبِلٍ··· 66

وَلاَ تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ··· 67

فَإِنَّ الْمُدْبِرَ، عَسَى أَنْ تَزِلَّ به إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَتَثْبُتَ الاْءُخْرَى··· 68

فتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً··· 68

أَلاَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ، طَلَعَ نَجْمٌ··· 69

فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللّه‏ِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ، وَأَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ··· 71

الخطبة (100): ومن خطبة له عليه‏السلام تستمل على ذكر الملاحم

(74 ـ 98)

الاْءَوَّلُ قَبْلَ كُلِّ أَوَّلٍ وَالآَْخِرُ بَعْدَ كُلِّ آخِرٍ، بِأَوَّلِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ أَوَّلَ لَهُ··· 75

وَبِآخِرِيَّتِهِ وَجَبَ أَنْ لاَ آخِرَ لَهُ··· 75

وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاّ اللّه‏ُ شَهَادَةً يُوَافِقُ فِيهَا السِّرُّ الاْءِعْلانَ، وَالْقَلْبُ اللِّسَانَ··· 76

أَيُّهَا النَّاسُ لا يَجْرِمَنَّكُمْ، شِقاقِي، وَلاَ يَسْتَهْوِيَنَّكُمْ عِصْيَانِي··· 76

وَلاَ تَتَرَامَوْا بِالاْءَبْصَارِ، عِنْدَ مَا تَسْمَعُونَهُ مِنِّي، فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَّةَ وَبَرَأَ··· 77

النَّسَمَةَ، إِنَّ الَّذِي أُنَبِّئُكُمْ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ الاْءُمِّيِّ صلّى اللّه‏ عليه وآله، مَا كَذَبَ الْمُبَلِّغُ··· 78

وَلاَ جَهِلَ السَّامِعُ، لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ضِلِّيلٍ··· 78

قَدْ نَعَقَ··· 81

بِالشَّامِ··· 82

وَفَحَصَ، بِرَايَاتِهِ فِي ضَوَاحِي، كُوفَانَ··· 84

فَإِذَا فَغَرَتْ فَاغِرَتُهُ، وَاشْتَدَّتْ شَكِيمَتُهُ، وَثَقُلَتْ فِي الاْءَرْضِ وَطْأَتُهُ··· 86

عَضَّتِ الْفِتْنَةُ أَبْنَاءَهَا بِأَنْيَابِهَا، وَمَاجَتِ الْحَرْبُ بِأَمْوَاجِهَا وَبَدَا مِنَ الاْءَيَّامِ كُلُوحُهَا··· 86

وَمِنَ اللَّيَالِي كُدُوحُهَا··· 87

فَإِذَا أَيْنَعَ، زَرْعُهُ وَقَامَ عَلَى يَنْعِهِ وَهَدَرَتْ··· 92

شَقَاشِقُهُ، وَبَرَقَتْ بَوَارِقُهُ عُقِدَتْ رَايَاتُ الْفِتَنِ الْمُعْضِلَةِ··· 93

وَأَقْبَلْنَ كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ وَالْبَحْرِ الْمُلْتَطِمِ··· 93

هَذَا وَكَمْ يَخْرِقُ الْكُوفَةَ مِنْ قَاصِفٍ، وَيَمُرُّ عَلَيْهَا مِنْ عَاصِفٍ··· 96

وَعَنْ قَلِيلٍ تَلْتَفُّ الْقُرُونُ بِالْقُرُونِ··· 97

وَيُحْصَدُ الْقَائِمُ وَيُحْطَمُ الْمَحْصُودُ··· 98

الخطبة (101): ومن خطبة له عليه‏السلام : تجري هذا المجرى:

(99 ـ 117)

تجري هذا المجرى··· 99

وَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْمَعُ اللّه‏ُ فِيهِ الاْءَوَّلِينَ وَالآْخِرِينَ··· 99

لِنِقَاشِ الْحِسَابِ··· 101

وَجَزَاءِ الاْءَعْمَالِ··· 103

خُضُوعاً، قِيَاماً، قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ··· 104

وَرَجَفَتْ بِهِمُ الاْءَرْضُ··· 107

فَأَحْسَنُهُمْ حَالاً مَنْ وَجَدَ لِقَدَمَيْهِ مَوْضِعاً وَلِنَفْسِهِ مُتَّسَعاً··· 107

فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لاَ تَقُومُ لَهَا قَائِمَةٌ، وَلاَ تُرَدُّ لَهَا رَايَةٌ··· 114

تَأْتِيكُمْ، مَزْمُومَةً، مَرْحُولَةً، يَحْفِزُهَا··· 114

قَائِدُهَا، وَيَجْهَدُهَا، رَاكِبُهَا، أَهْلُهَا قَوْمٌ شَدِيدٌ كَلَبُهُمْ قَلِيلٌ سَلَبُهُمْ··· 115

يُجَاهِدُهُمْ فِي اللّه‏ِ قَوْمٌ أَذِلَّةٌ عِنْدَ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الاْءَرْضِ مَجْهُولُونَ وَفِي السَّمَاءِ··· 115

مَعْرُوفُونَ، فَوَيْلٌ لَكِ يَا بَصْرَةُ عِنْدَ ذَلِكِ مِنْ جَيْشٍ مِنْ نِقَمِ اللّه‏ِ··· 115

لاَ رَهَجَ لَهُ، وَلاَ حَسَّ، وَسَيُبْتَلَى أَهْلُكِ بِالْمَوْتِ الاْءَحْمَرِ··· 116

وَالْجُوعِ الاْءَغْبَر··· 117

الخطبة (102): ومن خطبة له عليه‏السلام

(118 ـ 157)

انْظُرُوا إِلَى الدُّنْيَا نَظَرَ الزَّاهِدِينَ فِيهَا··· 119

وأَنْشَأَ عليه‏السلام ، الصَّادِفِينَ عَنْهَا··· 122

فَإِنَّهَا وَاللّه‏ِ عَمَّا قَلِيلٍ تُزِيلُ الثَّاوِيَ السَّاكِنَ، وَتَفْجَعُ الْمُتْرَفَ الآْمِنَ··· 123

لاَ يَرْجِعُ مَا تَوَلَّى مِنْهَا فَأَدْبَرَ، وَلاَ يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ مِنْهَا فَيُنْتَظَرُ··· 124

سُرُورُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ، وَجَلَدُ الرِّجَالِ فِيهَا إِلَى الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ··· 125

فَلا تَغُرَّنَّكُمْ كَثْرَةُ مَا يُعْجِبُكُمْ فِيهَا لِقِلَّةِ مَا يَصْحَبُكُمْ مِنْهَا··· 125

رَحِمَ اللّه‏ُ امْرَأً تَفَكَّرَ فَاعْتَبَرَ··· 125

وَاعْتَبَرَ فَأَبْصَرَ··· 126

فَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الدُّنْيَا عَنْ قَلِيلٍ لَمْ يَكُنْ··· 127

وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الآْخِرَةِ عَمَّا قَلِيلٍ لَمْ يَزَلْ، وَكُلُّ مَعْدُودٍ مُنْقَضٍ··· 127

وَكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ··· 128

منها: الْعَالِمُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَهُ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ··· 128

وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الرِّجَالِ إِلَى اللّه‏ِ تَعَالَى لَعَبْداً وَكَلَهُ اللّه‏ُ إِلَى نَفْسِهِ جَائِراً عَنْ··· 129

قَصْدِ السَّبِيلِ، سَائِراً بِغَيْرِ دَلِيلٍ··· 129

إِنْ دُعِيَ، إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا عَمِلَ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى حَرْثِ الآْخِرَةِ كَسِلَ··· 130

كَأَنَّ مَا عَمِلَ لَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ مَا وَنَى، فِيهِ··· 130

سَاقِطٌ عَنْهُ، ومنها: وَذَلِكَ زَمَانٌ لاَ يَنْجُو فِيهِ إِلاّ كُلُّ مُوءْمِنٍ نُوَمَةٍ··· 131

إِنْ شَهِدَ لَمْ يُعْرَفْ وَإِنْ غَابَ لَمْ يُفْتَقَدْ، أُولَئِكَ مَصَابِيحُ الْهُدَى··· 132

وَأَعْلامُ السُّرَى، لَيْسُوا بِالْمَسَايِيحِ··· 132

وَلاَ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ··· 133

أُولَئِكَ يَفْتَحُ اللّه‏ُ لَهُمْ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ وَيَكْشِفُ عَنْهُمْ ضَرَّاءَ نِقْمَتِهِ··· 133

أَيُّهَا النَّاسُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُكْفَأُ فِيهِ الاْءِسْلامُ كَمَا يُكْفَأُ الاْءِنَاءُ بِمَا فِيهِ··· 134

أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللّه‏َ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ··· 134

وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ··· 135

وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: (إِنَّ فِي ذلِكَ لآَياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ)··· 135

الأوّل: في فوائد العزلة وخمول الذكر··· 135

الفائدة الاولى··· 136

الفائدة الثانية··· 138

الفائدة الثالثة··· 143

الفائدة الرابعة··· 144

الفائدة الخامسة··· 146

الفائدة السادسة··· 147

الثاني: في النّميمة··· 148

بقى الكلام فى السعاية··· 152

الثالث: في اذاعة الاسرار وإفشاء الفواحش··· 154

الخطبة (103): ومن خطبة له عليه‏السلام

(158 ـ 222)

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللّه‏َ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً صلى اللّه‏ عليه واله وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ··· 158

الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً··· 158

وَلاَ يَدَّعِي نُبُوَّةً وَلاَ وَحْياً··· 159

فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ، مَنْ عَصَاهُ··· 161

يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ، وَيُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ، أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ··· 162

يَحْسِرُ الْحَسِيرُ، وَيَقِفُ الْكَسِيرُ، فَيُقِيمُ عَلَيْهِ، حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ··· 163

إِلاّ هَالِكاً لاَ خَيْرَ فِيهِ··· 163

حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ وَبَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ··· 165

وَاسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ، وَايْمُ اللّه‏ِ··· 165

لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا، حَتَّى تَوَلَّتْ، بِحَذَافِيرِهَا، وَاسْتَوْسَقَتْ··· 166

فِي قِيَادِهَا، مَا ضَعُفْتُ··· 166

وَلاَ جَبُنْتُ··· 167

وَلاَ خُنْتُ وَلاَ وَهَنْتُ··· 168

وَايْمُ اللّه‏ِ لاَءَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ··· 219

***تكملة··· 220

الخطبة (104): ومن خطبة له عليه‏السلام

(223 ـ 293)

حَتَّى بَعَثَ اللّه‏ُ مُحَمَّداً صلى اللّه‏ عليه واله شَهِيداً··· 224

وَبَشِيراً وَنَذِيراً··· 225

خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلاً··· 226

وَأَنْجَبَهَا كَهْلاً··· 227

أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً، وَأَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً··· 228

فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا وَلاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلافِهَا إِلاّ مِنْ بَعْدِ مَا··· 229

صَادَفْتُمُوهَا جَائِلاً خِطَامُهَا قَلِقاً وَضِينُهَا قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ··· 229

السِّدْرِ الْمَخْضُودِ وَحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ وَصَادَفْتُمُوهَا وَاللّه‏ِ ظِلاً مَمْدُوداً··· 229

إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ فَالاْءَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ وَأَيْدِي الْقَادَةِ··· 229

عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ وَسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ أَلاَ إِنَّ لِكُلِّ··· 229

دَمٍ ثَائِراً وَلِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَإِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ··· 229

اللّه‏ُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَلاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَب··· 229

فَمَا احْلَوْلَتْ، لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا··· 230

وَلاَ تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلافِهَا، إِلاّ مِنْ بَعْدِ مَا··· 231

صَادَفْتُمُوهَا، جَائِلاً، خِطَامُهَا، قَلِقاً، وَضِينُهَا··· 232

قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ··· 233

وَحَلالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ··· 233

وَصَادَفْتُمُوهَا وَاللّه‏ِ ظِلاًّ مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ··· 234

فَالاْءَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ··· 235

وَأَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَأَيْدِي الْقَادَةِ، عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ··· 236

وَسُيُوفُكُمْ عَلَيْهِمْ مُسَلَّطَةٌ، وَسُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ··· 236

أَلاَ وَانَّ لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً وَلِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً وَأَنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا··· 242

كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَهُوَ اللّه‏ُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ··· 243

وَلاَ يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ··· 243

فَأُقْسِمُ بِاللّه‏ِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ عَمَّا قَلِيلٍ، لَتَعْرِفُنَّهَا··· 246

فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَفِي دَارِ عَدُوِّكُمْ··· 247

أَلاَ إِنَّ أَبْصَرَ الاْءَبْصَارِ مَا نَفَذَ، فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ··· 276

أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ الاْءَسْمَاعِ مَا وَعَى، التَّذْكِيرَ، وَقَبِلَهُ··· 276

أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحِ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ··· 276

وَامْتَاحُوا··· 277

مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ، قَدْ رُوِّقَتْ، مِنَ الْكَدَرِ، عِبَادَ اللّه‏ِ لاَ تَرْكَنُوا، إِلَى جَهَالَتِكُمْ··· 278

وَلاَ تَنْقَادُوا، لاِءَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ، نَازِلٌ بِشَفَا··· 279

جُرُفٍ، هَارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَى··· 280

عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ··· 281

لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ وَيُقَرِّبُ مَا لاَ يَتَقَارَبُ··· 281

فَاللّه‏َ اللّه‏َ أَنْ تَشْكُوا··· 281

إِلَى مَنْ لاَ يُشْكِي، شَجْوَكُمْ، وَلاَ يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أُبْرِمَ، لَكُمْ··· 282

إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الاْءِمَامِ إِلاّ مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ، الاْءِبْلاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ··· 283

وَالاجْتِهَادُ، فِي النَّصِيحَةِ··· 284

وَالاْءِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ··· 285

وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا··· 286

وَإِصْدَارُ السُّهْمَانِ، عَلَى أَهْلِهَا··· 288

فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ، نَبْتِهِ··· 289

وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ، مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ··· 289

وَانْهَوْا غَيْرَكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ··· 290

وَتَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِي··· 291

الخطبة (105): ومن خطبة له عليه‏السلام

(294 ـ 336)

***منها في ذكر النبي صلى اللّه‏ عليه واله··· 294

***ومنها في خطاب أصحابه··· 295

الْحَمْدُ للّه‏ِِ الَّذِي شَرَعَ الاْءِسْلامَ، فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ··· 300

وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ، فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ··· 304

وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ، وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ··· 305

وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ، وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ، وَلُبّاً··· 306

لِمَنْ تَدَبَّرَ فيه، وَآيَةً، لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ، وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ··· 307

وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ، وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ، وَرَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ··· 308

وَجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ، فَهُوَ أَبْلَجُ، الْمَنَاهِجِ، وَأَوْضَحُ الْوَلاَئِجِ··· 309

مُشْرِفُ الْمَنَارِ، مُشْرِقُ الْجَوَادِّ، مُضِيءُ الْمَصَابِيحِ، كَرِيمُ الْمِضْمَارِ··· 310

رَفِيعُ الْغَايَةِ، جَامِعُ الْحَلْبَةِ، مُتَنَافَسُ، السُّبْقَةِ، شَرِيفُ الْفُرْسَانِ··· 311

التَّصْدِيقُ مِنْهَاجُهُ، وَالصَّالِحَاتُ مَنَارُهُ، وَالْمَوْتُ غَايَتُهُ، وَالدُّنْيَا مِضْمَارُهُ··· 312

وَالْقِيَامَةُ حَلْبَتُهُ، وَالْجَنَّةُ سُبْقَتُهُ··· 313

حَتَّى أَوْرَى، قَبَساً لِقَابِسٍ، وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ··· 315

فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ··· 316

وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً··· 317

اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ، وَاجْزِهِ مُضَاعَفاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ··· 318

اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَاكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ··· 318

وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَتَهُ (منزله)، وَآتِهِ، الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ، وَالْفَضِيلَةَ··· 319

وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ··· 320

غَيْرَ خَزَايَا، وَلاَ نَادِمِينَ، وَلاَ نَاكِبِينَ، وَلاَ نَاكِثِينَ، وَلاَ ضَالِّينَ··· 321

وَلاَ مُضِلِّينَ، وَلاَ مَفْتُونِينَ··· 322

منها في خطاب أصحابه:··· 329

وَقَدْ بَلَغْتُمْ مِنْ كَرَامَةِ اللّه‏ِ تَعَالَى لَكُمْ مَنْزِلَةً تُكْرَمُ بِهَا إِمَاوءُكُمْ وَتُوصَلُ بِهَا··· 329

جِيرَانُكُمْ وَيُعَظِّمُكُمْ مَنْ لاَ فَضْلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلاَ يَدَ لَكُمْ عِنْدَهُ وَيَهَابُكُمْ مَنْ لاَ··· 329

يَخَافُ لَكُمْ سَطْوَةً وَلاَ لَكُمْ عَلَيْهِ إِمْرَةٌ وَقَدْ تَرَوْنَ عُهُودَ اللّه‏ِ مَنْقُوضَةً فَلا··· 329

تَغْضَبُونَ وَأَنْتُمْ لِنَقْضِ ذِمَمِ آبَائِكُمْ تَأْنَفُونَ··· 329

وَكَانَتْ أُمُورُ اللّه‏ِ عَلَيْكُمْ تَرِدُ وَعَنْكُمْ تَصْدُرُ وَإِلَيْكُمْ تَرْجِعُ فَمَكَّنْتُمُ الظَّلَمَةَ··· 333

مِنْ مَنْزِلَتِكُمْ وَأَلْقَيْتُمْ إِلَيْهِمْ أَزِمَّتَكُمْ وَأَسْلَمْتُمْ أُمُورَ اللّه‏ِ فِي أَيْدِيهِمْ يَعْمَلُونَ··· 333

بِالشُّبُهَاتِ وَيَسِيرُونَ فِي الشَّهَوَاتِ··· 333

وَأَيْمُ اللّه‏ِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ··· 334

لَجَمَعَكُمُ اللّه‏ُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ··· 335

الخطبة (106): ومن كلام له عليه‏السلام في بعض أيام صفين

(··· 337 ـ 344)

ومن كلام له عليه‏السلام في بعض أيام صفين··· 337

وَقَدْ رَأَيْتُ جَوْلَتَكُمْ وَانْحِيَازَكُمْ عَنْ صُفُوفِكُمْ تَحُوزُكُمُ الْجُفَاةُ، الطَّغَامُ··· 337

وَأَعْرَابُ أَهْلِ الشَّامِ··· 337

وَأَنْتُمْ لَهَامِيمُ الْعَرَبِ، وَيَآفِيخُ الشَّرَفِ وَالاْءَنْفُ الْمُقَدَّمُ··· 338

وَالسَّنَامُ الاْءَعْظَمُ··· 339

وَلَقَدْ شَفَى وَحَاوِحَ صَدْرِي، أَنْ رَأَيْتُكُمْ بِأَخَرَةٍ··· 340

تَحُوزُونَهُمْ كَمَا حَازُوكُمْ وَتُزِيلُونَهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ كَمَا أَزَالُوكُمْ حَسّاً··· 340

بِالنِّصَالِ، وَشَجْراً··· 341

بِالرِّمَاحِ تَرْكَبُ أُوْلاَهُمْ أُخْرَاهُمْ كَالاْءِبِلِ الْهِيمِ، الْمَطْرُودَةِ تُرْمَى عَنْ حِيَاضِهَا وَتُذَادُ··· 341

عَنْ مَوَارِدِهَا··· 341

الخطبة (107): ومن خطبة له عليه‏السلام وهي من خطب الملاحم

(345 ـ 403)

ومن خطبة له عليه‏السلام وهي من خطب الملاحم··· 346

الْحَمْدُ للّه‏ِِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ، بِخَلْقِهِ، وَالظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ··· 347

خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لاَ تَلِيقُ إِلاّ بِذَوِي الضَّمَائِرِ··· 350

وَلَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ··· 350

خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ، وَأَحَاطَ بِغُمُوضِ، عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ··· 351

مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ صلى اللّه‏ عليه واله، اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الاْءَنْبِيَاءِ··· 352

وَمِشْكَاةِ الضِّيَاءِ، وَذُوءَابَةِ الْعَلْيَاءِ··· 352

وَسُرَّةِ الْبَطْحَاءِ··· 353

وَمَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ، وَيَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ··· 355

ومنها: طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ··· 356

قَدْ أَحْكَمَ، مَرَاهِمَهُ··· 357

وَأَحْمَى، مَوَاسِمَهُ··· 358

يَضَعُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ وَآذَانٍ صُمٍّ وَأَلْسِنَةٍ بُكْمٍ··· 359

مُتَتَبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَمَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ··· 360

لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ، وَلَمْ يَقْدَحُوا، بِزِنَادِ··· 367

الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالاْءَنْعَامِ السَّائِمَةِ، وَالصُّخُورِ··· 367

الْقَاسِيَةِ، قَدِ انْجَابَتِ، السَّرَائِرُ لاِءَهْلِ الْبَصَائِرِ··· 368

وَوَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ، لِخَابِطِهَا، وَأَسْفَرَتِ، السَّاعَةُ··· 369

عَنْ وَجْهِهَا وَظَهَرَتِ الْعَلامَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا··· 369

مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلا أَرْوَاح، وَأَرْوَاحاً بِلا أَشْبَاح، وَنُسَّاكاً··· 370

بِلا صَلاح وَتُجَّاراً بِلا أَرْبَاحٍ··· 370

وَأَيْقَاظاً نُوَّماً··· 371

وَشُهُوداً غُيَّباً، وَنَاظِرَةً عَمْيَاءَ، وَسَامِعَةً صَمَّاءَ، وَنَاطِقَةً بَكْمَاءَ، رَايَةُ ضَلالَةٍ··· 372

قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا، وَتَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا··· 374

تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا، وَتَخْبِطُكُمْ، بِبَاعِهَا··· 375

قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ قَائِمٌ عَلَى أَلضَّلَّةِ··· 375

فَلا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ مِنْكُمْ إِلاّ ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ··· 376

تَعْرُكُكُمْ، عَرْكَ الاْءَدِيمِ، وَتَدُوسُكُمْ، دَوْسَ الْحَصِيدِ··· 377

وَتَسْتَخْلِصُ الْمُوءْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ··· 378

هَزِيلِ الْحَبِّ، أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ، وَتَتِيهُ بِكُمُ··· 378

الْغَيَاهِبُ، وَتَخْدَعُكُمُ الْكَوَادِبُ، وَمِنْ أَيْنَ تُوءْتَوْنَ وَأَنَّى··· 378

تُوءْفَكُونَ، فَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ، وَلِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ··· 379

فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيكُمْ، وَأَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ وَاسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ، بِكُمْ··· 384

وَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَلْيَجْمَعْ شَمْلَهُ، وَلْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ··· 385

فَلَقَدْ فَلَقَ، لَكُمُ الاْءَمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ··· 385

وَقَرَفَهُ، قَرْفَ الصَّمْغَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ، وَرَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ··· 386

وَعَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ، وَقَلَّتِ الدَّاعِيَةُ، وصَالَ الدَّهْرُ، صِيَالَ السَّبُع الْعَقُورِ··· 387

وَهَدَرَ، فَنِيقُ الْبَاطِلِ··· 387

بَعْدَ كُظُومٍ، وَتَوَاخَى النَّاسُ، عَلَى الْفُجُورِ، وَتَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ··· 388

وَتَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ، وَتَبَاغَضُوا، عَلَى الصِّدْقِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً··· 388

وَالْمَطَرُ قَيْظاً، وَتَفِيضُ اللِّئَامُ فَيْضاً، وَتَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً··· 389

وَكَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً··· 391

وَسَلاطِينُهُ سِبَاعاً وَأَوْسَاطُهُ أُكَّالاً وَفُقَرَاوءُهُ أَمْوَاتاً··· 391

وَغَارَ الصِّدْقُ، وَفَاضَ الْكَذِبُ··· 395

وَاسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ وَتَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ··· 395

وَصَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً··· 395

وَالْعَفَافُ عَجَباً، وَلُبِسَ الاْءِسْلامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً··· 396

المصادر··· 404

المحتويات··· 419