حیاة الامام موسی بن جعفر علیهما السلام دراسة و تحلیل جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

حیاة الإمام موسی بن جعفر علیهما السلام ، دراسة و تحلیل

باقر شریف قرشی

دارالبلاغة - بیروت - لبنان

مشخصات: 2ج

اشارة

الجزء الثانى

مقدمة الطبعة الثانية

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إن الكاتب مهما أوتي من لباقة و براعة،و اطلاع وافر في علم النفس و الاجتماع و غيرهما مما يستطيع به تحليل الواقع النفسي،و الكشف عن ابعاد الشخصية،و اعطاء صورة حية عن عناصر تربيتها و سلوكها...فانه مهما بلغ من التفوق في هذا المجال فلا يستطيع بصورة جازمة أن يلم بواقع أئمة أهل البيت(ع)و يكشف عن ابعاد حياتهم،أو يحلل نزعاتهم،و يحيط بما لهم من ظواهر ذاتية.

لا نقول:ذلك مدفوعين بدافع الغلو أو الافراط في الحب،و انما الواقع يمليه علينا،و يقرنا عليه ما أثر عنهم من النزعات الفذة المتميزة في سلوكهم الشخصي و الاجتماعي،و الذي بلغوا به أعلى مستويات الانسانية...

فهذه ظاهرة من نزعات الامام موسى عليه السلام و هي الصبر على المحن و الخطوب فقد بلغ بها مبلغا يستحيل على الكاتب ان يكشف واقعها أو يلم بحقيقتها...فقد اعتقل هذا الامام العظيم في ظلمات السجون حفنة من السنين،و قد حجبته السلطة عن جميع الناس و لم تسمح لاحد بمقابلته، فلم يؤثر عنه انه ضجر أو سأم أو حن الى الأهل و الوطن،و انما اتخذ ذلك من ضروب النعم الكبرى التي تستحق الشكر لأنه كان في سبيل الدفاع عن الدين،و حماية مبادئه،فعكف و هو في السجن على عبادة اللّه صائما نهاره قائما ليله،و هو جذلان مسرور بهذه المناجاة،و بهذا الاتصال الروحي باللّه تعالى.

بأي تعليل وثيق يعلل به هذا الصبر؟ إنه لم يكن هناك تعليل منطقي له سوى الايمان العميق باللّه الذي بلغ به الامام أسمى مراتبه.

و ظاهرة أخرى من نزعاته الكريمة و هي الصمود في وجه الظلم و الطغيان و انطلاقه في ميادين الجهاد المقدس،و هو يحمل لواء المعارضة على حكام عصره الذين استباحوا جميع ما حرم اللّه،و استبدوا بأرزاق الأمة و حقوقها و استهانوا بكرامة الاسلام..فلم يؤثر عن الكثيرين منهم انهم قاموا بعمل ايجابي في صالح المجتمع الاسلامي أو ساهموا في بناء الحركة الفكرية و الاجتماعية أو ساروا في سياستهم على ضوء ما يهدف إليه الاسلام في بعث التطور الاقتصادي و الثقافي و الاداري لجميع شعوب الأرض.

إن فلسفة الحكم عند اولئك الحكام كانت تهدف الى الاثرة و الاستغلال و اشباع الرغبات اما مصلحة الأمة و رفع مستواها الفكري و الاجتماعي فلم يكن يعنون به بقليل و لا بكثير،قد بنوا حكمهم على الظلم و الجور و الاستبداد،و ارغام الناس على ما يكرهون..و من ثمّ كانت محنة أهل البيت(ع)محنة شاقة و عسيرة فانهم بحكم دورهم القيادي للامة مسئولين عن رعايتها و صيانتها و انقاذها مما ألم بها من المحن و الخطوب،فأعلنوا معارضتهم الايجابية تارة و السلبية أخرى لسياسة ملوك عصرهم،و استهدفوا بذلك جميع الوان الظلم و الاضطهاد و القهر حتى انتهت حياتهم الكريمة و هم ما بين مقتول و مسموم،كل ذلك من أجل مصلحة المسلمين،و الانطلاق بهم الى سياسة العدل الخالص و الحق المحق المحض،و تطبيق احكام القرآن على واقع الحياة.

اما مظاهر ذلك الصمود الفذ عند الامام موسى(ع)فقد تمثل باصراره البالغ على شجبه لسياسة هارون،و عدم الاعتراف بشرعية خلافته،و قد أصر على هذا الموقف المشرف حتى لفظ انفاسه الأخيرة في السجن،و قد

حاول يحيى البرمكي رئيس حكومة هارون أن يتوسط في أمر الامام،و يخرجه من السجن،فعرض على الامام أن يعتذر لهارون و يطلب منه العفو حتى يخلي عن سبيله،و ينعم عليه،فأصر(ع)على الامتناع و عدم الاستجابة له لقد تميز موقف الامام موسى(ع)بالشدة و الصرامة مع هارون و غيره من ملوك عصره فلم يصانع أي أحد منهم،و لو سائرهم لأغدقوا عليه بالأموال و الثراء العريض،و ما عانى تلك الأهوال الشديدة،و المحن الشاقة و لكنه(ع)آثر رضا اللّه و طاعته على كل شيء،و أبى إلا أن يساير موكب الحق،و لا يشذ عما جاء به الاسلام من مقارعة الظلم و مناهضة أئمة الجور و الطغيان.

و على أي حال فقد عرض هذا الكتاب بصورة موضوعية و شاملة لدراسة نزعات الامام و سائر احواله التي امتدت على هامة التأريخ الاسلامي بالاشراق و الوعي و البطولات..راجيا أن اكون قد ساهمت بهذا الكتاب في خدمة هذه الأمة،و خدمة علم من أعلامها النابهين انه تعالى ولي القصد و التوفيق.

النجف الأشرف باقر شريف القرشي /29ربيع1390/2/ ه‍

مقدمة الطبعة الاولى

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أطل الإسلام على عالم يرزح بالفتن و الأضاليل فغير مجرى تأريخ الحياة،و طور مفاهيمها،و خلق وعيا أصيلا في ربوع العالم انطلقت بسببه الانسانية من عقال الجهل الى ميادين الحضارة و الرقي و الابداع و بناء كيانها الاجتماعي.

لقد انطلق الاسلام كالمارد الجبار فبنى في ربوع ذلك المجتمع المنهار صروحا للفضيلة و أسسا للحياة الحرة الكريمة يسود فيها الوعي الأصيل و المنطق السليم،و في نفس الوقت حطم صروح الظالمين و المستبدين و قبر الأفكار السحيقة،و هدم معالم الجاهلية الرعناء و ألغى امتيازاتها و إلى ذلك البناء و الهدم يشير الحديث الشريف.

«إن اللّه بنى في الإسلام بيوتا كانت خربة في الجاهلية،و هدم بيوتا كانت عامرة في الجاهلية».

إن البيوت التي أقامها الاسلام و أنشأ كيانها بعد ما كانت خربة في الجاهلية هي اعلان الحقوق الطبيعية للإنسان،و تنوير العقول و الأفكار، و ايجاد التعاون و التضامن بين أفراد ذلك المجتمع المتفكك و رفع مستوى الحياة من الناحية الاقتصادية و السياسية،و تحقيق العدالة الاجتماعية في الأرض.

و اما البيوت التي حطم كيانها الاسلام فهي بيوت الظلم و الاستغلال و الاستبداد،كما هدم الاسلام جميع خرافات الجاهلية و أوهامها كعبادة الاصنام و وأد البنات،و غير ذلك من العادات الاجتماعية التي كانت مصدر شقائهم و تأخرهم.

لقد كانت الاغلبية الساحقة من العرب تأكل القد و تشرب الرنق قال اللّه تعالى:« وَ كُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ »قال قتادة في تفسير هذه الآية:

«كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا،و أشقاه عيشا،و أبينه ضلالة،و أعراه جلودا،و أجوعه بطونا،معكومين على رأس حجر بين الأسدين فارس و الروم،الى أن قال:حتى جاء اللّه بالاسلام فورثكم به الكتاب،و أحلكم به دار الجهاد،و وسع لكم به من الرزق» (1).

إن الحياة العامة في الجزيرة قبل فجر الدعوة الاسلامية كان يسودها الفقر و الجهل و القلق و الاضطراب حتى انطلقت حضارة الاسلام تشق طريقها في أجواء التأريخ و تصنع للانسانية جمعاء ما لم تصنعه أي حضارة أخرى في العالم، فكانت تبني اسسا للحياة الكريمة قائمة على صرح شامخ من الحق و العدل.

إن الطاقات الندية الضخمة التي فجرها الرسول العظيم صلّى اللّه عليه و آله كانت تلتقي مع الفطرة الاصيلة للانسان و تواكب وعيه المتحرر و اتجاهه السليم،و كانت تحمل طابع التوازن بكل ما لهذا اللفظ من معنى،التوازن في قيادة الفرد لنفسه و التوازن بين افراد جميع المجتمع ما بين جار و قريب و ما بين حاكم و محكوم،و لم يكن المد الاسلامي مجرد دعوة تستهدف ايمانا دينيا و قيما خلقية فقد كانت دعوته الخالدة تحمل في اعماقها و جوهرها نظاما ثابتا لاقرار الحق و تحطيم المنكر و الاعتراف بالحريات و ترتيب التعامل بين).


1) تفسير الطبري(ج 4 ص 23).

الافراد و الجماعات في ظل نظام مستقر تؤمن به الجماهير و تلتف حوله و تحميه لانه يصون مصالحها و يحفظ مكاسبها بعد ما كانت تئن من استغلال الطغاة لها فجاء الاسلام ليقيم فيها حكما عادلا و يعطيها حقوقها المصناعة و يوفر لها الحياة الحرة الكريمة التي يسود فيها الخير و الرفاهية.

و سارت الدعوة الاسلامية بسرعة الضوء نحو شعوب العالم و هي تنير لها معالم الحياة و تقودها نحو شاطئ الامن و السلام و التحرر،و بادرت تلك الشعوب المغلوبة الى اعتناق هذه الدعوة الاصيلة التي تحقق أملها المنشود من التحرر و الراحة و الحماية من الاستغلال و الاستبداد و تمسكت بالاسلام و انطبعت مبادئه في نفوسها و اندفع المسلمون الى نشر رسالة الاسلام و التبشير بأهدافه فكانوا كما قال اللّه تعالى في حقهم:« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ » (1)و ذلك لتمسكهم الوثيق بأهداف الاسلام و إصرارهم على تبليغ رسالته حتى قام الاسلام بجهودهم و هو عبل الذراع شامخ الكيان يحفه النصر و الظفر.

2 و لاقى الاسلام المزيد من الأهوال و المصاعب فقد نفر في وجهه منذ فجر تأريخه الطغاة المتجبرون و النفعيون الذين تحطم كيانهم و ضاعت مصالحهم فقاموا بعدوانهم المسلح تحف بهم قوى الشرك و الالحاد لمحاربة الاسلام و زعزعة كيانه ورد الدعوة الأصيلة لمصدرها،و لكن لم تلبث أن تحطمت تلك القوى الغادرة،و فشلت جميع الاعتداءات و المؤامرات التي حيكت ضده و خرج الاسلام و هو ظافر منتصر قد باء أعداؤه و خصومه بالفشل و الخسران.

و سرت موجة الفتح الاسلامي إلى أغلب أنحاء المعمورة و انحسرت روح الشرك و طويت معالم الجاهلية و قبرت أفكارها،و دخلت قهرا0.


1) سورة آل عمران:آية 110.

العناصر المعادية للاسلام في حظيرته و لكنها أخذت تعمل جاهدة بكل قواها للاستيلاء على زمام الحكم فلما ظفرت به تنكرت أشد التنكر لهذا الدين فغيرت أحكام اللّه و بدلت سنة نبيه(ص)و نهبت أموال المسلمين،و سحقت جميع المثل العليا التي جاء بها الاسلام و إليها يشير الحديث الشريف الوارد عن النبي(ص)«إن هلاك أمتي على يد اغيلمة من قريش».

لقد ذبلت نضارة الاسلام،و تغيرت مفاهيمه حينما استولى هؤلاء الأدعياء من الامويين على دست الحكم،وخيم على المسلمين ظلام دامس لا بصيص فيه من النور،قد سرت المطامع،و الاهواء الخاصة في نفوس الكثيرين منهم،و استولى عليهم الخمول و الخنوع،و صدوا عن ذكر اللّه و انحرفوا عن الطريق القويم،فلم يناهضوا منكرا و لم يأمروا بمعروف.

و ثقل على أئمة أهل البيت(ع)و من شايعهم من المؤمنين و رجال الفكر ما مني به العالم الاسلامي من الذل و العبودية فانبروا إلى ميادين الجهاد المقدس لانقاذ الامة من واقعها المرير،و قد قابلتهم الحكومات الاموية بما تملك من وسائل التنكيل و الارهاب فاراقت دماءهم،و طاردتهم،و اشاعت الفزع و الخوف فيهم.

و لم تخمد نار الثورة،و انما بقيت ملتهبة حتى اطاحت بالحكم الاموي و أزالت وجوده البغيض،و لكن من المؤسف حقا ان زعماء الثورة لم يقرروا مصير الامة،و لم يحققوا لها أهدافها،فقد حملوا الدعوة الى بني العباس ظانين أنهم سيحققون للعالم الاسلامي ما يصبوا إليه من نشر العدل و الرفاهية و الامن و الاستقرار.

و حينما صفا الملك لبني العباس ساسوا المسلمين بسياسة نكراء لا ظل فيها للعدل و الحق،فقد مثلت سياستهم بجميع مخططاتها السياسة الاموية الحاملة لشارات الفقر و الجهل و الظلم.

و انطلق العلويون مع شيعتهم يعملون جاهدين لمناجزة الحكم العباسي، و هم يدعون الى تأسيس دولة اسلامية تسود فيها أحكام القرآن،و عدالة الاسلام،و اندفع العباسيون الى مقابلتهم بكل قسوة و ضراوة،فنكلت بهم افظع التنكيل و أمره.

و كان الامام موسى(ع)في طليعة من ناهض حكومة هارون، و حرم التعاون معها في جميع المجالات حتى في الامور المباحة،و قد صب عليه الرشيد جام غضبه فأودعه في ظلمات السجون،و منع شيعته من الاتصال به،و قد ضيق عليه غاية التضييق،فقاسى(ع)جميع انواع الخطوب و الكوارث،و قد اعطى(ع)بصبره و موقفه المشرف درسا رائعا عن صمود العقيدة الاسلامية و صلابتها و عدم خضوعها بأي حال من الاحوال لمنطق القوة و السلطان.

3 و مرت على المسلمين فترات مظلمة و أدوار قاسية الصقت بتأريخهم الناصع ألوانا دخيلة بعيدة كل البعد عن مفاهيم الإسلام و اتجاهاته،و كان ذلك ناشئا من دون شك من أولئك الأقزام الذين استولوا على زمام الحكم ففرضوا سلطانهم على المسلمين فرضا و قام نفوذهم على السلاح و شراء الضمائر فهم كما قال الغزالي:«و أفضت الخلافة إلى قوم تولوها بغير استحقاق» (1).

و كان الأولى بالمسلمين أو بمؤرخيهم أن يجردوا هؤلاء الأدعياء من لقب(الخلافة)و لو فعلوا ذلك لصانوا الإسلام و حافظوا على مثاليته من».


1) دائرة المعارف لفريد و جدي«ج 3 ص 231».

هؤلاء الذين لا يمتون لهديه بصلة و لا يلتقون مع نواميسه بطريق،و من المؤسف أن تحسب هذه الجماعات على رصيد الإسلام فيحاسب من أجلهم و تكال له الطعون و التهم من جراء موبقاتهم مع العلم ان جرائمهم و آثامهم قد دلت على انطباع الكفر و الفسوق في مشاعرهم و نفوسهم فكيف يصح أن يضمهم أطار الإسلام؟أو ينقد بأعمالهم؟.

إن المقياس و الميزان هي المبادئ الإسلامية فما كان من أعمال المسئولين و الحكام مرتبطا بها فهم محسوبون على الإسلام و هو مسئول عنهم،و أما التصرفات النابية التي لا علاقة لها بالإسلام و لا تمثل هديه و واقعه فانه غير مؤاخذ بها و لا هو مسئول عنها و لا هي تمثل وجهة نظره،و كثيرون من أعداء الإسلام قد آخذوه بأعمال بعض الحكام كالوليد و المنصور و المتوكل و نظرائهم من الذين أثبتوا في اعمالهم الإدارية و السياسية أنهم اعداء الاسلام و خصومه فكيف يحاسب الاسلام أو يؤاخذ على ما اقترفوه من عظيم الذنب و الاثم.

إن على الباحثين في شئون الشخصيات الإسلامية أن ينظروا إلى التأريخ الإسلامي بامعان و تدبر فلا يضيفون إلى مراكزه العليا إلا الأكفاء المتوفرين بتربيتهم على مثاليته و هديه،و اما الأدعياء الذين حملوا معول الهدم على كيانه و حاولوا لف لوائه فيجب تجريدهم من اطار الشخصية الإسلامية و ابعادهم عن تأريخه الناصع.

ان على كل باحث منصف أن ينظر إلى التأريخ الإسلامي نظرة عميقة فيعريه من ألوان الدعاية و الخيال ليكون فهمه له على أساس واقعي رصين فقد ابتلى المسلمون بكثير من المؤرخين و الرواة الذين كانوا يعيشون على موائد الملوك فافتعلوا لهم المآثر و الفضائل و أضافوا إليهم أهم النعوت و الأوصاف الأمر الذي أدى الى تشويه الواقع و ايقاع التناقض الفاحش في بحوث التأريخ

4 يمر العالم الإسلامي في هذا العصر بمرحلة دقيقة حاسمة من تأريخه فقد تظافرت قوى الاستعمار العالمي للاجهاز عليه و سلبه طاقاته و إمكانياته و تجريده من شخصيته و تراثه و استعباده استعبادا شاملا يسلبه حرياته و يفقده أمانيه، و المسلمون غافلون عما أحدق بهم من البلاء و الخطوب قد أخلدوا لمصالحهم الخاصة الضيقة،و انشغل الناهبون منهم بالاتجاهات الحزبية التي لا تخدم بلادهم،و انما تخدم الاستعمار و تحقق أطماعه و ألاعيبه.

لقد خرب الاستعمار جميع ما أودعه الاسلام في قلوب المسلمين من المثل العليا و المبادئ الأصيلة و الوعي السليم،و شعب أوطانهم و فرق كلمتهم حتى استحالت عقولهم الى هياكل ميتة،فقد عمل جميع الوسائل لافسادهم و النكاية بهم فدمر أرضهم بالمغريات و ملأها بالفساد و الدعارة و المجون، و حرم على ابنائهم دراسة الاسلام على حقيقته و واقعه،و الاطلاع على التضحيات الضخمة التي قام بها المصلحون في العصور الأولى من نشر الثقافة و تنوير الأفكار و العمل من أجل الصالح العام،و قد جهلت جميع ذلك الناشئة الاسلامية الحديثة فقد غذاها الاستعمار بأن الدين يخالف منطق العقل و أن أحكامه تجافي الطبيعة فكانت قلوبهم موغرة على الاسلام نافرة من أهله و دعاته، فكانوا عونا للمستعمر على محاربة الكيان الاسلامي و الهجوم على نظامه و عقيدته،و الأنكى من ذلك اندفاعهم الهائل مع دعاة الكفر و الالحاد و تأييدهم لتلك الافكار الرجعية المنهارة التي تتنافى مع الفطرة الانسانية و تدمر جميع المثل الرفيعة.

فعلى رجال الفكر و الغيارى و المصلحين أن يقدموا للمسلمين الطاقات

التي فجرها النبي العظيم(ص)و أمدها بالبقاء و الحياة،و يعرفوا الجماهير بالتراث الاسلامي الذي يفي بحاجاتهم،و يضمن لهم حرياتهم و حقوقهم و يوفر لهم الراحة و الاستقرار،على دعاة الاسلام أن يفهموا المسلمين ان الاسلام ليس ذلك الذي تلوكه الألسن من غير وعي و تفهم لمبادئه و روحه بل هو الثورة الصاخبة على الظالمين و المستبدين و أعداء الشعوب.

انه العدالة الكبرى التي تبني مجتمعا رفيعا لا تضاع فيه حقوق أفراده، و لا تهدر فيه كرامتهم.

انه النظام الوحيد الذي يحطم الاستغلال و الاحتكار و ينعم في ظلاله المحرومون و البائسون..على دعاة الاصلاح أن يؤدوا رسالة الاسلام على حقيقتها النازلة من رب العالمين،و يعرفوا الجماهير برجال الاسلام المخلصين الذين خدموا العالم الاسلامي و قاموا بأهم التضحيات في سبيل نشر العدالة و بسط القيم الانسانية و رفع مستوى الحياة فانه من الضرورة الملحة إفهام المسلمين بذلك و تغذية ناشئتهم بالآداب الاسلامية ليتربى بذلك جيل واع سباق لفعل الخيرات و الانطلاق في خدمة بلاده و مجتمعه.

و مما لا شبهة فيه باجماع المسلمين ان اخصب رجال الاسلام علما و أكثرهم تضحية و جهادا في سبيل اللّه هم أئمة أهل البيت عليهم السلام فهم قدوة هذه الأمة و أدلتها على فعل الخير و قد ضمن النبي العظيم(ص)لأمته أن لا تزيغ عن طريق الحق و الصواب لو تمسكت بهم و أخذت بتعاليمهم قال(ص):

«خلفت فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا».

و قد دلت مآثرهم و مناقبهم و سيرتهم على تجردهم من مآثم هذه الحياة و إعراضهم عن زهوها و أباطيلها،فكان لهم اتجاه واحد هو خدمة الاسلام

و العمل في سبيل الصالح العام،و مما لا ريب فيه أن نهضة هذه الأمة و بلوغها الى ذروة الزحف المقدس يتوقف على اقتدائها بسيرة أهل البيت(ع)و الأخذ بتعاليمهم و اتجاهاتهم.

و الامام موسى بن جعفر(ع)أحد شموع العترة الطاهرة،و من ركائز الاسلام العليا قد أدى رسالة ربه بأمانة و إخلاص و بالغ في إرشاد أمة جده(ص)و تحمل في سبيل ذلك أقسى ألوان المحن و الخطوب فأودعه الرشيد في ظلمات سجونه لأنه لم يجاره أو يصانعه بل قاومه و ازدرى بسلطانه و صارحه بجوره و اختلاسه لمركز الخلافة الاسلامية-كما سنبين ذلك في بعض فصول هذا الكتاب-و بذلك كان(ع)من عمالقة المجاهدين في سبيل اللّه الناصحين لعباده.

لقد تشرفت بالبحث عن سيرة هذا الامام العظيم فذكرت في الحلقة الاولى من هذا الكتاب الادوار التي اجتازت عليه و بعض تراثه الرائع و نصائحه العليا و إرشاداته القيمة،و يتضمن البحث في الحلقة الثانية ما حدث بينه و بين هارون كما احتوى على دراسة وافية عن سياسة هارون الرشيد،و ما أثر عنه من الاعمال المجافية لروح العدالة الاسلامية و المنافية للقيم الانسانية.

و ذكرت عصر الامام و ما حدث فيه من المشاكل و ظهور الفرق و الحركات الالحادية التي كان الغرض منها إفساد عقائد المسلمين و لف لواء الاسلام الامر الذي أوجب أن يتصدى الامام(ع)و كبار تلاميذه الى نقدها بالادلة العلمية الرصينة و انقاذ المسلمين منها.

و ذكرنا عرضا موجزا لمبدإ التشيع و ما ينشده من المثل العليا،و ما قوبل به من الاضطهاد من قبل السلطة و ما عاناه رجاله من التنكيل و الارهاق لانهم كانوا يعارضون الحكم القائم المبني على الاستبداد السياسي،و نهب أموال الناس و التحكم في أمورهم على غير وجه مشروع.

انه لم تقم ثورة اصلاحية في تلك العصور إلا رفعت الشيعة علمها،أو ساهمت بمدها بما تملك من وسائل القوة...فهم قادة الشعوب الاسلامية و روادها في طريق الكفاح و النضال من أجل التحرر من حكم العبودية و الذل و من اجل اعادة الحياة الكريمة التي ينشدها الاسلام في ظلال حكمه.

لقد قدمت الشيعة المزيد من التضحيات أيام الحكم الأموي و العباسي فصمدت في وجه الاعاصير،و عارضت بشدة و عنف سياسة أولئك الحاكمين الذين بنوا حكمهم على الظلم و الجور،و على سلب مقدرات الأمة و انفاقها على شهواتهم و ملذاتهم و فجورهم،فنشروا التحلل و الميوعة و التسيب في ربوع العالم العربي و الاسلامي.

و قد عرض الكتاب بصورة موضوعية بعيدة عن التحيز الى بسط الكلام في ذلك كله،غرضنا أن نصوغ بعض فصول التأريخ الاسلامي على الواقع المشرق الذي ينشده الاسلام،و ان نبرز واقع اولئك الملوك فانه ليس من المنطق في شيء ان تحمل سياستهم على الصحة،و نقول انهم قد خدموا القضية الاسلامية،و ساروا بين المسلمين بسياسة نيرة قوامها العدل الخالص و الحق المحض،و هم فيما اثبت التأريخ من بوادر كثيرة أثرت عنهم سواء في ميادين سياستهم أو سلوكهم تثبت بوضوح انه لا واقع لتلك الأقاويل و ذلك الادعاء.

و عرض هذا الكتاب الى ترجمة كوكبة كبيرة من اصحاب الامام و رواة حديثه الذين حملوا مشعل النهضة العلمية و الفكرية في ذلك العصر و ألفوا في مختلف العلوم و الفنون خصوصا فيما يتعلق بالفقه الاسلامي،فقد دونوا جميع أبوابه من العبادات و المعاملات،و لهم يرجع الفضل في حفظ التراث الفقهي المأثور عن أئمة اهل البيت(ع).

و بسطنا الكلام في هذا الجزء في تراجم ابناء الامام(ع)و ما أثر من سيرتهم و سلوكهم و هديهم،و ما قام به بعضهم من الثورات المتسمة بالشدة

و العنف أيام حكم بني العباس.

و انهيت المطاف بأخبار الامام(ع)و ما جرى عليه من الارهاق و الاضطهاد في سجن هارون مع بيان اسباب سجنه،و تفصيل حال وفاته و التحقيق في أمر ذلك الحادث العظيم.

هذا بعض ما في هذا الكتاب من بحوث،ما اردت بها إلا خدمة علم من اعلام العقيدة الاسلامية،و الكشف عن بعض ابعاد حياته و سلوكه راجيا من اللّه تعالى أن اكون قد وفقت لذلك.

و قبل انهاء هذا التقديم أرى من الحق علي أن ارفع آيات الشكر الى حضرة المحسن الكبير الحاج محمد رشاد عجينة لانفاقه على طبع هذا المجهود و غيره مما ألفته في أئمة أهل البيت عليهم السلام،سائلا من اللّه تعالى ان يوفقه لاحياء مآثرهم،و ان يتولى جزاءه عن ذلك،كما ان من الحق ان ارفع جزيل الشكر و التقدير الى سماحة العلامة الجليل أخي الشيخ هادي القرشي فاني في ظل مودته،و في ذرى عطفه كتبت هذه البحوث آملا من اللّه ان يجزيه عني خير الجزاء انه تعالى ولى ذلك و القادر عليه.

المؤلف

عهد الرّشيد

اشارة

و أفضت الخلافة الى هارون،و زهرت له الدنيا،و استوسقت له الأمور،و نال من دنياه كل ما اشتهى و أراد،قد عم نفوذه على أغلب انحاء هذه المعمورة حتى أثر عنه خطابه للسحاب«اذهبي الى حيث شئت يأتيني خراجك» (1).

و جبي له الخراج من جميع الاقاليم الاسلامية،و صارت عاصمته بغداد عروس الدنيا،و مستودع أضخم بيت للمال في العالم،و قصدها النوابغ و العباقرة و الفنانون من سائر الشعوب،و انتشر فيها الثراء الفاحش و التضخم النقدي عند التجار و الموظفين و الندماء و المطربين و المجان،و تناثرت فيها القصور الرائعة التي شيدت على طراز هندسي جميل مزيج من الذوقين العربي و الفارسي،و صارت بغداد بما فيها من الحدائق الغناء زينة الشرق،و أعظم عاصمة لأهم امبراطورية شاهدها التأريخ،ففيها قصر الخلد الذي شبه بجنة الخلد التي وعد بها المتقون،و فيها قصر السلام الذي شبه بقوله تعالى:

« لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ »و في هذه القصور تجري من تحتها الانهار، و تموج بالحور العين كأمثال اللؤلؤ المكنون،و قد وصلت بغداد الى منتهى المجد و الفخار.

و جلس هارون على اريكة الخلافة الاسلامية العظمى و هو السيد المطلق و الحاكم الروحي المطاع قد استولى على جميع امكانيات الدولة و مقدرات المجتمع يهب لمن يشاء و يمنع عمن يشاء لا يسأل عما يفعل و لا يحاسب عما يبذر فهو ظل اللّه في أرضه و خليفته على عباده-كما يقولون-.

تقمص الخلافة و هو في شرخ الشباب و عنفوانه لم يذق من عنت الأيام و محنها و لم تصقله التجارب،قد جاء إليه الملك عفوا بعد مؤامرة خطيرة اشتركت في تدبيرها أمه الخيزران و رئيس وزرائه يحيى البرمكي فدبرا/3


1) صبح الأعشى 270/3

اغتيال الهادي،و قد نجحا في وضع ذلك المخطط و القضاء عليه بسرعة هائلة لم يطلع عليها أي أحد من أعضاء البلاط حتى هارون لم يعلم بذلك فقد كان معتقلا قد خفيت عليه جميع الامور و بعد تنفيذ المؤامرة و القضاء على الهادي و تركه جثة هامدة في قصره أسرع يحيى الى السجن فأقبل نحو الرشيد و كان نائما فأيقظه فاستفاق مرعوبا فقال له يحيى:«قم يا أمير المؤمنين».

فنهره الرشيد و عليه آثار الغضب قائلا له:

«كم تروعني اعجابا منك بخلافتي و أنت تعلم حالي عند هذا الرجل فان بلغه هذا فما يكون أمري عنده»؟.

فابتسم له يحيي و قال له:

«لقد مات الهادي و هذا خاتمه،و بالباب وزيره الحراني».

فنهض الرشيد و قد استولى عليه السرور فاتجه من فوره الى القصر الذي سجيت فيه جثة أخيه،فاطلع على الأمر و أقام ليلته هناك و كانت ليلة تأريخية حفلت بأحداث خطيرة فقد خرج الرشيد فيها من سجنه و بويع له بالخلافة و بشر بغلام من جاريته الفارسية-مراجل-فسماه عبد اللّه و هو الذي عرف بالمأمون،و قالوا في تلك الليلة:«إنها ليلة الخلفاء»مات فيها خليفة و بويع خليفة،و ولد خليفة.

و عند انبلاج الصبح قام الرشيد فصلى على جثمان أخيه و دفنه في بستان قصره (1)و توافدت وجوه بغداد و شخصياتها الى المحل المقيم فيه هارون ليبايعوه،و بعد أن غص القصر الأبيض بجماهير الناس على اختلاف طبقاتهم انبرى الى منصة الخطابة يوسف بن القاسم بن صبيح الكاتب فألقى خطابا جاء فيه:

«إن اللّه عز و جل،استأثر بخليفته موسى الهادي،و ولى بعده).


1) الطبري:(ج 3 ص 568).

رشيدا مرضيا أمير المؤمنين..و هو يعدكم من نفسه الرأفة بالناس و العدل و احقاق الحق بينهم،و يذود عن ارواحهم و أعراضهم من العصاة المارقين».

ثم التفت الى الجماهير فطلب منهم المبادرة الى البيعة قائلا:«قوموا الى بيعتكم،و اعطوا صفقة ايمانكم»فبادر الناس الى مبايعته و اعلان الرضا به و تم كل شيء في القصر الأبيض و عزم هارون على مغادرة«عياباذ» و النزوح الى بغداد فأشار عليه يحيى بالتأخير حتى يهيأ لاستقباله المهرجانات الشعبية،فلم يذعن لذلك و توجه فورا الى عاصمته و أقبل بموكبه فلما قرب من بغداد استقبلته الجماهير بالهتافات و علت زغاريد النساء من شرفات القصور فكان احتفالا شعبيا رائعا،و حان موعد الصلاة فخرج الى الجامع في موكب رهيب فصلى بالناس و بايعه من لم يكن حاضرا في القصر الأبيض و لما انتهى من الصلاة و مراسيم البيعة توجه لبلاطه و في الغد عقد اجتماعا حضرته الساسة و كبار الشخصيات فاستدعى يحيى البرمكي فلما مثل أمامه قلده منصب رئاسة الوزراء و أعطاه الخاتم و قال له:

«يا أبتي،أنت أجلستني هذا المجلس ببركة رأيك و حسن تدبيرك، و قد قلدتك أمر الرعية،و أخرجته من عنقي إليك فاحكم بما ترى،و استعمل من شئت،و اعزل من رأيت،فاني غير ناظر معك في شيء» (1).

و انبرى بعض الشعراء فأنشد بين يديه قصيدة قال فيها:

أ لم تر أن الشمس كانت مريضة فلما ولى هارون أشرق نورها

و ألبست الدنيا جمالا بوجهه فهارون و إليها و يحيى وزيرها (2)

و تناول يحيى خاتم الوزارة و اسندت إليه جميع السلطات التنفيذية).


1) الطبري:(ج 3 ص 903).

2) الأغاني:(ج 5 ص 240).

و الادارية،و فوضت إليه مقدرات الدولة من دون أن يستشير أو يراجع أحدا فيما يعمله،و اعتمد عليه الرشيد و هو في مقتبل عمره فكان سندا له يغنيه عن السهر و المتاعب الفكرية و انصرف الرشيد الى التلذذ بجميع متع الحياة من العزف و الغناء و التنذر بمجالسة الظرفاء.

و أقبل يحيى على تطهير جهاز الدولة من العناصر المعادية له أو الموالية للعهد المباد،كما توجه الى تطوير البلاد و عمرانها فصرف بعض ميزانية الدولة في اصلاح الزراعة و توسيع نطاقها و بناء الجسور و القناطر و تشجيع الصناعات،و غيرها من الأعمال العمرانية التي أوجبت اتساع الحضارة و المدنية في بغداد حتى زهت الدنيا،و افتتن الناس بها،فقد تناثرت بها الحدائق الممتعة و الازهار المونقة من ورد و بهار،و ياسمين و جلنار،و غيرها كما تناثرت بها قصور العباسيين و البرامكة التي تسيطر عليها روح الترف، و يطل عليها قصر الخلد و غيره من قصور هارون،و قد وصف أحدها على ابن الجهم بقصيدة رائعة جاء فيها:

و قبة ملك كأن النجو م توحي إليها بأسرارها

تخر الوفود لها سجدا اذا ما تجلت لأبصارها

و فوارة ثأرها في السماء فليست تقصر عن ثأرها

ترد على المزن ما أنزلت الى الارض من صوب مدرارها

اذا أوقدت نارها بالعراق اضاء الحجاز سنا نورها

لها شرفات كأن الربيع كساها الرياض بأنوارها (1)

لقد كان ذلك التقدم الحضاري يستند الى البرامكة فهم الذين وضعوا حياة الترف و البذخ في بغداد،و طوروا الحياة الفكرية و العمرانية فيها.

و المهم الذي يعنينا البحث عنه هو أن كثيرا من المؤرخين قد أفاضوا9.


1) الأغاني 114/9.

على هارون لقب خليفة المسلمين،و أمير المؤمنين،و وصفوه بأنه من اكثر الخلفاء عناية بالشؤون الاسلامية فقالوا:انه طبق احكام القرآن و دستوره على واقع الحياة العامة،كما نعتوه بالزهد و الاعراض عن المحرمات،قال ابن خلدون:

«إنه-يعني هارون-كان يجتنب،و يبتعد عن الحرام و يتمتع بما أحل له».

و قال ابن خلكان:

«انه كان يصلي في اليوم مائة ركعة».

و بالغ بعض المؤرخين فألحقه في مصاف الاخيار و المتحرجين في دينهم من الخلفاء الراشدين إلا ان البوادر التي أثرت عنه في سياسته المالية و غيرها من شئون سياسته العامة تثبت بوضوح عكس ما ذكره الموالون له من اتصافه بالتقوى و التحرج في الدين،فقد كان طابع سياسته المالية الاستغلال و النهب لثروات المسلمين،و انفاق القسم الكثير من الخزينة العامة على العابثين و الماجنين،و كانت لياليه حافلة بجميع الوان الطرب و اللهو،و هو ينفق أضخم الأموال على الجواري و المطربين في حين ان الامة لم تنعم بتلك الواردات الضخمة التي كانت ترد الى بيت المال كأنها السيل،فلم تخصص الحكومة من ميزانية الدولة مقدارا يعنى به على اشاعة المعارف و العلوم، و اقصاء الجهل عن الشعوب الاسلامية،كما لم تنفق شيئا يذكر على التطور الاقتصادي و الصناعي في البلاد.

و اذا أمعنا النظر في سياسته الاخرى فنجد انه قابل العلويين و شيعتهم بكل قسوة و صرامة فقد ساسهم كما ساسهم جده المنصور بسياسة العنف و الجور و الاضطهاد،و يضاف الى ذلك عدم تورعه عما حرمه اللّه فقد أسرف في الاثم و الموبقات كما سنتحدث عنه.

و على أي حال فما نسب إليه من التقوى و الصلاح لا يلتقي بصلة مع

واقع سيرته و سياسته.نعم لا شك في انه ألمع شخصية سياسية عرفها التأريخ في العالم الاسلامي و غيره،فقد استطاع بمهارته و مقدرته أن يسيطر على أغلب بقاع العالم حتى لمع اسمه في الشرق و الغرب،و حظى بصيت عريض قل ان سجله التأريخ لغيره من الملوك و السلاطين،و لكن هذا لا يعنينا أمره،و انما يعنينا بعد سياسته بجميع مخططاتها عن المبادئ الاسلامية التي هي المعيار في الحقيقة للحكم الاسلامي،فمن طبقها من الحكام على واقع سياسته فهو من الخلفاء الراشدين الذي يجب أن نكنّ له في أعماق نفوسنا أعظم الولاء و التقدير،و من شذ عنها فانه ليس محسوبا على رصيد الخلافة الاسلامية،و لا يصح أن يكون ممثلا لهذا المركز الاسلامي العظيم.

و نعرض فيما يلي لدراسة موجزة لما أثر عن هارون سواء في ميادين السياسة أم في عالم السلوك و الاخلاق،و هي جميعا تتنافى مع المبادئ الاسلامية و لا تلتقي بأي منهج وثيق منها.

سياسته المالية

:

و قبل الحديث عن السياسة المالية التي انتهجها هارون نعرض الى السياسة المالية في الاسلام،لقد احتاط فيها الاسلام أشد الاحتياط فحرم على الدولة أن تنفق أي شيء منها في غير صالح المسلمين،و تطويرهم الاقتصادي،و لم يجز بأي حال لرئيس الدولة أن يصطفي لنفسه و ذويه أي شيء منها،و قد دلتنا على ذلك سيرة رسول اللّه(ص)فقد جاءت إليه حبيبته و وحيدته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع)تبغي منه أن يمنحها وصيفا يخدمها،و يعينها على شئون بيتها فان يديها قد مجلتا من الرحى فردها(ص)ردا حفيا،و عهد إليها بتسبيح اللّه و حمده و تكبيره،

و قد أعطى(ص)بذلك درسا لمن يتولى شئون المسلمين أن يحتاط في أموالهم و لا ينفق أي شيء منها في غير صالحهم.

و سار على وفق هذه السياسة النيرة الامام أمير المؤمنين وصي رسول اللّه(ص)و باب مدينة علمه،فقد قصده أخوه عقيل و قد المت به الحاجة و الفقر و هو يحمل معه صبيته و هم شعث الشعور غبر الألوان من البؤس كأنّما سودت وجوههم بالعظلم-على حد تعبير الامام(ع)-فرده الامام و عذله فلم ينفع معه و ألح عليه بالسؤال فكان منطق العدالة الاسلامية أنه أحمى له حديدة و أدناها من جسمه فضج من ألمها ضجيج ذي دنف، و كاد أن يحترق من ميسمها،و انصرف عنه عقيل و هو مروع حزين...كل ذلك ليري للعالم أن أموال الخزينة العامة ملك للمسلمين و ليس لزعيم الدولة أن يتصرف فيها حسب رغباته و أهوائه.

و لما وجد اصحاب الامام أثر المال في استمالة قسم كبير من الناس طلبوا منه أن يغير سياسته في توزيع المال،و أن يخص الاشراف و الوجوه بقسم منها قائلين:

«يا أمير المؤمنين اعط هذه الأموال،و فضل هؤلاء الاشراف من العرب و قريش على الموالي،و اشتمل من تخاف خلافه من الناس».

فأجابهم الامام(ع)بمنطق العدل و الحق:

«أ تأمرونني أن أطلب النصر بالجور،لو كان المال لي لسويت بينهم في العطاء،فكيف و المال مال اللّه؟».

هذا هو حكم الاسلام في أموال المسلمين فهي لمجموعهم،و لا يجوز لرئيس الدولة ان يبذخ بها أو ينفقها على رغباته و أهوائه،و تدعيم سلطانه و قد خص الاسلام صرفها بما يلي:

1-الانفاق على المحرومين و الايتام و الأرامل و العجزة،فيجب على

الدولة أن تخصص لهم من الميزانية العامة ما يوفر لهم العيش الرغيد،و تغنيهم عما في أيدي الناس.

2-القيام بتسديد النفقة على من يقصر عمله عن اعاشته و اعاشة من يعول به فهي مسئولة بتسديد أعوازهم من بيت المال.

3-تسديد ديون المغرمين الذين لا يجدون مجالا لوفاء ديونهم شريطة أن لا يكون قد انفقوها بغير وجه مشروع.

4-الانفاق على من لا يتمكن من الزواج لقلة ما في يده.

5-القيام بالمشاريع العامة التي توجب التطور الاقتصادي و الصناعي في البلاد،و زيادة الدخل الفردي.

6-القضاء على البطالة،و توفير العمل للمواطنين،و تحسين أحوال معيشتهم فقد اعتبر الاسلام الفقر كارثة اجتماعية يجب القضاء عليه و ازالة شبحه.

7-الانفاق على التعليم،و محو الامية و اشاعة العلم و المعرفة بين الناس فانه لا يمكن تطور الامة و بلوغها الى اهدافها إلا اذا ساد العلم و انتشرت المعارف في جميع أوساطها.

هذه بعض الامور التي تعني بها السياسة المالية في الاسلام،و لكن هارون و غيره من ملوك الامويين و العباسيين لم يحققوا أي شيء من ذلك على مسرح الحياة،و انما قاموا يخضمون مال اللّه خضم الابل نبتة الربيع فصرفوا أموال المسلمين بسخاء على المجون و الدعارة،و على محاربة أهل البيت دعاة الحق و العدل في الاسلام.

و على أي حال فان هارون في سياسته المالية قد شذ عما أثر عن الاسلام في ذلك فقد أمعن في السرف و التبذير هو و أهل بيته و وزرائه و حاشيته بينما تعيش الامة في جهد و عناء و ضيق.

ميزانيته العامة

:

و أضخم ميزانية للدولة الاسلامية كانت في عهد هارون فقد توفر له من المال ما لم يتوفر لاحد من ملوك المسلمين فقد روى ابن خلدون ان المحمول الى بيت المال في ايام الرشيد بلغ 7500 قنطارا في كل سنة (1)و قدر الجهشياري مجموع الواردات بما يقرب من خمسمائة مليون درهم و مائتين و أربعين الف درهم (2)هذا مع العلم ان الدينار في ذلك الوقت كانت له أهميته بالغة لا تقاس بما نحن عليه اليوم،فقد كان الكبش يباع بدرهم، و الجمل بأربعة دنانير،و التمر ستون رطلا بدرهم،و الزيت ستة عشر رطلا بدرهم،و السمن ثمانية أرطال بدرهم،و اجرة البناء الاستاذ بخمس حبات و من المعلوم في أيامهم ان الحبة كانت ثلث الدرهم،و الدانق سدس الدرهم (3)و على هذا فميزانية دولة هارون السنوية كانت بحسب سعر الدينار العراقي الحالي «مليارين و مائتين و عشرين مليون دينارا و تسعمائة و ستين الف دينار» (4)و هي ميزانية ضخمة لم تستورد مثلها أي حكومة في العالم قبل حكومة الرشيد و كانت هذه الواردات الهائلة تجبى مما يلي:

أولا-انها تجبى من الخراج و هو مقدار من المال أو الحاصلات قد فرضت على الاراضي التي كان يملكها المشركون قبل الفتح


1) المقدمة(ص 117-118).

2) الوزراء و الكتاب(ص 288).

3) هارون الرشيد لاحمد أمين(ص 88).

4) هارون الرشيد للجومرد 362/2.

ثانيا-انها تجبى من الجزية و هي ما يدفعه الذميون الى الدولة الاسلامية لقيامها بحمايتهم،كما انها في نفس الوقت تكون بدلا من الضرائب التي تؤخذ من المسلمين،و لم يكن في اخذها اي ضرر على الذمي-كما يقول بذلك اعداء الاسلام-فانها عوض لما تقوم به الدولة من الخدمات و المصالح الاجتماعية لهم و لغيرهم.

و كان ما يدفعه الذمي من الجزية في عهد الرشيد يختلف بحسب ثرائه و يتراوح ما يؤخذ منه ما بين أربعة عشر درهم الى ثمانية دراهم،و لا يؤخذ شيء من المرأة و المعدم و الطفل (1).

ثالثا-انها تجبى من الزكاة،و هي ذات وارد خطير،و هي تجب فيما يلي:

1-تجب في النقدين الذهب و الفضة،فنصاب الذهب عشرون دينارا (2)فمن ملكها وجب عليه دفع نصف دينار،و ما زاد عليها يؤخذ من كل أربعة قيراطان و نصاب الفضة مائتا درهم،و زكاتها خمسة دراهم،و كل ما زاد اذا بلغ الاربعين كان فيه درهم بالغا ما بلغ،و ذكر فقهاء الاسلام شروطا في زكاة النقدين لا تجب الزكاة إلا مع توفرها.

2-تجبى من الانعام الثلاثة الابل و البقر و الغنم بأنواعها من عراب (3)و بخاتي (4)و بقر و جاموس و معز و ضأن،و يجب أن تتوفر فيها الشروط من بلوغ النصاب و السوم و غيرهما حسب ما ذكره الفقهاء.

3-تجبى من الغلات الاربع و هي الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب،ة.


1) الأحكام السلطانية(ص 175).

2) الدينار:يساوي مثقالا،و هو يساوي عشرين قيراطا.

3) العراب:النوع الاصيل من الابل.

4) البخاتي:الابل الخراسانية.

و يشترط فيها بلوغ النصاب و غيره من الشروط التي ذكرها الفقهاء.

و الزكاة فريضة اسلامية تقاتل عليها الدولة،و تحكم بردة من لم يدفعها و هي ذات وارد ضخم تفي بكثير من شئون الدولة،و حاجات الفقراء، و كان لها ديوان خاص في بغداد،و له فروع في انحاء البلاد.

هذه بعض واردات الدولة التي اسسها الاسلام لسد شئونها الاقتصادية و هي واردات ضخمة لو طبقتها الدولة الاسلامية لما اصابها أي عجز مالي و ما احتاجت الى القرض من الدول الاجنبية التي جعلتها تحت مناطق نفوذها كما ان الدول الاسلامية لو انفقت خزينتها على مصالح المسلمين،و سارت في سياستها المالية على وفق ما أثر عن الاسلام في ذلك لما انتشر الفقر و الحرمان في ربوع المجتمع،و ما غزتهم الافكار الالحادية و المبادئ الهزيلة التي تهدد كيانهم و تنذرهم بالويل و الدمار.

على من ينفق بيت المال؟ إن الاموال التي جبيت لخزينة هارون قد ضربت الرقم القياسي في ضخامتها-كما ذكرنا-و من المؤسف انه لم يصرف الكثير منها على صالح المسلمين،و انما انفقت على التفنن في الملذات و الشهوات و تشييد القصور التي كانت تعج بالمغنيات و الماجنين كما بذلت للشعراء الذين أوقفوا نشاطهم الفكري على المدح و الثناء،و اضافة النعوت الكريمة الهارون،و الحاقه بمصاف الخلفاء الذين احتاطوا في أمور المسلمين.

و على أي حال فان هارون قد انفق الكثير من خزينة بيت المال على ما يلي من شهواته:

الهبات للمغنين:

و أسرف هارون أي اسراف في هباته للمغنين،فمنحهم الثراء العريض و أغدق عليهم الأموال الطائلة التي كان الواجب أن تصرف على صالح

المسلمين لا على ما يفسد الاخلاق،و يثير الشهوات،و قد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من هباته لهم ما لو جمعت لكانت كتابا ضخما،و نذكر بعضها للتدليل على تبديده لثروات الامة و هي:

1-أنشده أبو العتاهية هذه الأبيات:

بأبي من كان في قلبي له مرة حب قليل فسرق

يا بني العباس فيكم ملك شعب الاحسان منه تفترق

انما هارون خير كله مات كل الشر مذ يوم خلق

و غناه ابراهيم الموصلي بها فأعطى كل واحد منهما مائة الف درهم و مائة ثوب (1).

2-و حدث مغنيه اسحاق الموصلي قال:خرجت مع الرشيد الى الحيرة فساعة نزل بها دعا بالغداء فتغدى ثم نام فاغتنمت قائلته،فذهبت فركبت أدور في ظهر الحيرة فنظرت الى بستان فقصدته فاذا على بابه شاب حسن الوجه فاستأذنته في الدخول فأذن لي فدخلت فاذا جنة من الجنان في أحسن تربة،و أغزرها ماء فخرجت فقلت له:لمن هذا البستان؟فقال لبعض الاشاعثة،فقلت أ يباع؟فقال.نعم و هو على سوم،فقلت:كم بلغ؟ فقال اربعة عشر الف دينار،قلت:و ما يسمى هذا الموضع؟قال:

شمارى،فقلت:

جنان شمارى ليس مثلك منظر لدى رمد أعيا عليه طبيب

ترابك كافور و نورك زهرة لها ارج بعد الهد و يطيب

و لما جلس الرشيد،و أمر بالغناء غنيته إياه،فقال:ويلك!و اين شمارى؟فأخبرته القصة،فأمر لي بأربعة عشر الف دينار فاشتريتها (2).5.


1) الاغاني 74/4 ط دار الكتب المصرية.

2) الاغاني 174/5-175.

3-غناه يحيى المكي فأطربه فقال هارون:قم يا يحيى فخذ ما في ذلك البيت،فظن يحيى أن فيه فرشا و ثيابا،فاذا فيه أكياس فيها عين و ورق،فحملت بين يديه فكانت خمسين الف درهم مع قيمة العين (1).

4-غناه يحيى بهذا البيت:

متى تلتقي الألاف و العيس كلها تصعدن من واد هبطن الى واد

و أخذ هارون يتناول اقداح المسكر الى ان أمسى،و أمر له بعشرة آلاف درهم (2).

5-غضب الرشيد على ابراهيم الموصلي فحبسه،و جلس يوما فتذكر حسن غنائه فقال:لو كان الموصلي حاضرا لتم أمرنا و سرورنا،فقال له بعض جلسائه:يا أمير المؤمنين نجيء به فما له كبير ذنب فبعث خلفه، و لما مثل بين يديه أمره بالغناء فغناه بهذا البيت:

تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت به زينب في نسوة خفرات

فاهتز الرشيد و أمر بأن تحل عنه القيود،و يغطى بالخلع،و أمر له بثلاثين الف درهم (3).

6-غناه ابراهيم الموصلي صوتا من مختارات صوته فطرب طربا ما عليه من مزيد،و استعاده عامة ليلته،و قال:

-ما رأيت صوتا يجمع السخاء و الطرب و جودة الصنعة مثل هذا الصوت؟ فقال له ابراهيم:لو وهب لك انسان مائتي الف درهم أ كنت أسر بها أو بهذا الصوت؟ قال الرشيد:و اللّه لأنا أسر بهذا الصوت مني بألفي الف./6


1) الاغانى 187/6.

2) الاغاني 185/6

3) الاغاني 205/6

قال ابراهيم:لم لا تهب لي مائتي الف؟ فأمر له الرشيد بالوقت بمائتي الف درهم (1).

7-غناه دحمان الاشقر بهذه الابيات:

إذا نحن أولجنا و أنت أمامنا كفى لمطايانا برؤياك هاديا

ذكرتك بالدير يوما فأشرقت بنات الهوى حتى بلغن التراقيا

إذا ما طواك الدهر يا أم مالك فشأن المنايا القاضيات و شأنيا

فطرب و استعاد الصوت منه مرات،ثم قال له:

«تمن علي» قال دحمان:أتمنى أن تهبني«الهنيء و المريء»و هما قريتان غلتهما أربعون الف دينار،فأعطاه اياهما،فقيل له:يا أمير المؤمنين ان هاتين الضيعتين من جلالتهما يجب أن لا يسمح بمثلهما،قال:لا سبيل لاسترداد ما أعطيت،و لكن احتالوا في شرائهما منه فاشتروهما بثمن كثير (2).

8-و جلس ليلة يتسامر مع ندمائه فغناه أحدهم بقول جرير:

إن الذين غدوا بلبك غادروا وشلا بعينك لا يزال معينا

فطرب و أعجب بالابيات،و قال لجلسائه:من أجاز منكم هذه الابيات بمثلها فله عندي هذه البدرة،فحاولوا ذلك فلم يصنعوا شيئا، فقال له خادم على رأسه:أنا بها لك يا أمير المؤمنين،قال له:شأنك فذهب الى(الناطفي)و أخبره بالقصة فدخل على(عنان)فأجازته هيجت بالقول الذي قد قلته داءا بقلبي ما يزال كمينا

قد أينعت ثمراته في طيها و سقين من ماء الهوى فروينا

كذب الذين تقوّلوا يا سيدي إن القلوب إذا هوين هوينا16


1) التاج:ص 41

2) تأريخ الخلفاء:116

و جاء بها الى الرشيد،فسأله عمن قالها فأخبره بالأمر فاشترى الجارية بثلاثين الف درهم و لم يبقها عنده سوى بضعة أيام ثم وهبها لأحد خاصته (1).

هذه بعض البوادر التي ذكرها المؤرخون عن صلات هارون و منحه للمغنين الذين كانوا يمثلون العبث و المجون في عصرهم،و هي تخالف ما أثر عن الاسلام من حرمة الانفاق على جميع الوسائل التي حرمها اللّه،كما انها تجافي الاقتصاد الاسلامي الذي الزم ولاة المسلمين و حكامهم بانفاق بيت المال على صالح المسلمين،و تطورهم الاقتصادي،و العلمي،و تأسيس المشاريع الحيوية التي توجب ازدهار البلاد.

ان هذا الاسراف الفاحش كان تبديدا لثروات الأمة،وشلا لحركتها الاقتصادية،و هو مما حرمه الاسلام.

و من بذخه و اسرافه بأموال المسلمين ما رواه ابو الفرج قال:اهديت الى الرشيد جارية في غاية الجمال و الكمال،فخلا معها يوما و أخرج كل قينة في داره،و اصطبح فكان جميع من حضره من جواريه المغنيات و الخدمة في الشراب زهاء الفي جارية في أحسن زي من كل نوع من أنواع الثياب و الجوهر،و اتصل الخبر بام جعفر فغلظ عليها ذلك.

فأرسلت الى علية تشكو إليها،فأرسلت إليها علية لا يهولنك هذا فو اللّه لأردنه إليك،قد عزمت أن أصنع شعرا،و أصوغ فيه لحنا، و أطرحه على جواري،فلا تبق عندك جارية إلا بعثت بها إلي،و ألبسيهن ألوان الثياب ليأخذن الصوت مع جواري،ففعلت أم جعفر ما أمرتها به علية،فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا و علية قد خرجت من حجرتها،و أم جعفر من حجرتها معها زهاء الفي جارية من جواريها).


1) العقد الفريد:(ج 3 ص 258).

و سائر جواري القصر،عليهن غرائب اللباس،و كلهن في لحن واحد هزج صنعته علية و هو:

منفصل عني و ما قلبي عنه منفصل

يا قاطعي اليوم لمن نويت بعدي ان تصل

فطرب الرشيد و قام على رجليه حتى استقبل أم جعفر و علية و هو على غاية السرور و قال:لم ار كاليوم قط.يا مسرور لا تبقين في بيت المال درهما إلا نثرته فكان مبلغ ما نثره يومئذ ستة آلاف الف درهم،و ما سمع بمثل ذلك اليوم قط (1).

ان هذا هو الاستهتار الفاحش بأموال المسلمين،و الخروج على ارادة الاسلام و أحكامه التي حرمت ذلك.

هباته للشعراء

:

و أسرف هارون في الانفاق على الشعراء فبذل لهم بسخاء الأموال الوفيرة،و منحهم الثراء العريض لأنهم قد بالغوا في الثناء عليه فأفاضوا عليه صفات المتقين و حماية الدين و الحفاظ عليه،و انه ظل اللّه في أرضه لا تقبل الأعمال عند اللّه إلا برضاه و طاعته فاذا سخط هارون على أحد فلا تنفعه صلاته و عبادته،و جاء هذا المعنى صريحا فيما نظمه منصور النمري بقوله:

أي امرئ بات من هارون في سخط فليس بالصلوات الخمس ينتفع

إن المكارم و المعروف أودية أحلك اللّه منها حيث تتسع

إذا رفعت امرأ فاللّه يرفعه و من وضعت من الأقوام متضع


1) الاغاني 172/10-173

و قد اتخذ هارون هؤلاء الشعراء بوقا للدعاية و التهريج فأشاعوا بين الناس فيما نظموه ان هارون حامي الاسلام،و ممثل العدالة الاسلامية في الارض و انه قد بسط الحق في جميع انحاء البلاد،و من هؤلاء الذين نعتوه بالعدالة و حماية الدين داود بن رزين بقوله:

بهارون لاح النور في كل بلدة و قام بها في عدل سيرته النهج

إمام بذات اللّه أصبح شغله و اكثر ما يعني به الغزو و الحج

تضيق عيون الناس عن نور وجهه إذا ما بدا للناس منظره البلج (1)

و مدحه بعض الأمويين بقصيدة جاء فيها:

يا أمين اللّه اني قائل قول ذي لب و صدق و حسب

لكم الفضل علينا و لنا بكم الفضل على كل العرب

عبد شمس كان يتلو هاشما و هما بعد لأم و لأب

فصل الارحام منا إنما عبد شمس عم عبد المطلب

فأمر له بكل بيت الف دينار و قال:لو زدتنا لزدناك (2)و قد غالى الشعراء في مدحه و أطنبوا في الثناء عليه،و بالغ هو في اكرامهم و الانعام عليهم حتى أغناهم،و من جملة صلاته لهم ما رواه الطبري قال:«دخل سعيد بن سلم بن قتيبة الباهلي على الرشيد في مجلس شعره،و الشعراء يلقون أمامه قصائدهم،فقال:يا أمير المؤمنين،بالباب اعرابي من باهلة ما رأيت قط أشعر منه فاذن للاعرابي فدخل و عليه جبة خز و رداء يماني،و قد شد وسطه ثم ثناه على عاتقه،و عمامة قد عصبها على خديه،و أرخى لها عذبة و أنشده من غرر الشعر الجيد في مدحه و كان في مجلسه الكسائي و ابن سلم و الفضل بن الربيع،فلما انتهى قال الرشيد:اسمعك مستحسنا و أنكرك متهما عليك فان كان هذا الشعر أنت قلته من نفسك فقل لنا بيتين في هذين82


1) العقد الفريد:(ج 3 ص 258).

2) مروج الذهب 3:382

و أشار الى الامين و المأمون و كانا حاضرين،فقال:

هما طنباها بارك اللّه فيهما و أنت أمير المؤمنين عمودها

بنيت بعبد اللّه بعد محمد ذرى قبة الاسلام فاهتز عودها

فأعطاه الرشيد مائة الف درهم (1)و دخل عليه أشجع السلمي و كان ثقيلا عليه فقال له:

«يا أمير المؤمنين،إن رأيت أن تأذن لي في إنشادك،فاني إن لم أظفر منك ببغيتي في هذا اليوم فلن أظفر بها».

قال له الرشيد:و كيف ذاك؟ قال أشجع:لاني مدحتك بشعر لا أطمع من نفسي و لا من غيري في أجود منه،فان أنا لم اهزك في هذا اليوم فقد حرمت منك ذلك الى آخر الدهر.

فقال الرشيد:هات إذن نسمع،فأنشده قصيدته الى أن بلغ الى قوله:

و على عدوك يا ابن عم محمد رصدان ضوء الصبح و الاظلام

فاذا تنبه رعته و اذا هذى سلت عليه سيوفك الاحلام

فقال الرشيد:هذا و اللّه المدح الجيد و المعنى الصحيح لا ما عللت به مسامعي هذا اليوم-و كان قد أنشده في ذلك اليوم جماعة من الشعراء-ثم أنشده قصيدته التي يقول فيها:

ملك أبوه و أمه من نبعة منها سراج الأمة الوهاج

شربا بمكة في ذرا بطحائها ماء النبوّة ليس فيه مزاج

فلما سمع هذين البيتين كاد يطير فرحا،ثم قال له:يا أشجع لقد دخلت إلي و أنت أثقل الناس على قلبي،و انك لتخرج من عندي و أنت).


1) الطبري:(ج 3 ص 261).

أحب الناس إلي،فقال أشجع:

ما الذي أكسبتني هذه المنزلة؟ قال الرشيد:الغنى فاسأل ما بدا لك.قال:الف الف درهم، قال:ادفعوا إليه (1).

و يقول الاصفهاني إن مجموع ما أخذ ابراهيم الموصلي من الرشيد كان أكثر من مائتى الف دينار (2).و قد حفلت كتب التأريخ بعطائه الوفير للشعراء و نوادر قصصهم معه،و نحن لا نشك في ان السخاء من أطيب الصفات و أرفعها و لكن اذا كانت الاموال التي ينفقها الشخص من أمواله الخاصة،و أما بذل أموال المسلمين و الاسراف في عطائها فان ذلك خيانة للّه و للمسلمين.

الاسراف في الموائد

:

و أسرف هارون إسرافا كثيرا على موائد الطعام فكان ينفق في كل يوم عشرة آلاف درهم،و ربما اتخذ له الطباخون ثلاثين لونا من الطعام (3)و حدث الاصمعي قال:دخلت على الرشيد يوما و هو يأكل(الفالوذج) فقال ايه يا أصمعي،ما ذا قال العرب في هذا؟؟ قلت:يا أمير المؤمنين،و أين للعرب فالوذج؟؟و لكن شيئا يشبه هذا قال فيه الشماخ بن مزرد:

و لما مضت أمي تزور عيالها هجمت على العكم الذي كان تمنع

خلطت بصاعى حنطة صاع عجوة الى صاع سمن فوقها يتربع


1) طبقات الشعراء:ص 252

2) الأغاني:(ج 5 ص 20)

3) المستطرف ص 341

و ذيلت أمثال الأثافي كأنها رءوس رجال قطعت لا تجمع

فان كنت مصفورا فهذا دواؤه و إن كنت غرثانا فذا يوم تشبع

فضحك هارون و دفع إليه الصحن الذي كان بين يديه (1).

و دعا يوما بطباخه فلما مثل بين يديه قال له:

أ عندك من الطعام لحم جزور؟.

قال:نعم،ألوان منه قال الرشيد:احضره مع الطعام فأحضرت المائدة فأخذ الرشيد شيئا من لحم الجزور فضحك جعفر البرمكي فقال له هارون:مم تضحك؟.

قال جعفر:لا شيء يا أمير المؤمنين تذكرت كلاما بيني و بين جاريتي البارحة فقال له الرشيد:بحقي عليك لما أخبرتني به،قال جعفر:حتى تأكل هذه اللقمة،فألقاها الرشيد من فيه،فقال له جعفر:

بكم يتقوم عليك هذا الطعام من لحم الجزور؟.

قال الرشيد:بثلاثة دراهم قال جعفر:لا و اللّه،يا أمير المؤمنين بل بأربعمائة الف درهم.

قال الرشيد:و كيف ذلك يا جعفر؟؟.

قال جعفر:انك طلبت من طباخك لحم جزور قبل اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده،فقلت له:لا يخلون المطبخ من لحم الجزور، فصرنا ننحر كل يوم جزورا لأجل مطبخك لأنا لا نشتري من السوق لحم جزور،فصرف من لحم الجور من ذلك اليوم الى هذا اليوم أربعمائة الف درهم،و لم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلا هذا اليوم،فضحكت لان أمير المؤمنين لم ينله من كل ذلك غير هذه اللقمة فحسب.فهى على).


1) العقد الفريد:(ج 3 ص 385).

أمير المؤمنين بأربعمائة الف درهم (1).

و قدمت له مائدة كانت فيها قطع صغيرة من السمك وضعت في أوان من الذهب فاستدعى رئيس الطباخين فلما مثل بين يديه،قال له:أ لم أعهد إليك أن لا تكون قطع السمك صغيرة،فقال له:يا أمير المؤمنين هذه السنة السمك وضعتها لتكون زينة للمائدة فسأله عن ثمنها فقال:انها كلفت أربعة آلاف درهم،و كانت أطيب الفواكه تحمل إليه من الاقاليم الاسلامية،و قد أسرف العباسيون من بعده في الطعام حتى كانوا يطلبون ألوان اللحوم و الطيور من الاماكن النائية و ينفقون على جلبها الاموال الطائلة (2)ان كل ذلك يعتبر خروجا على نظام الاسلام و قواعده التي ألزمت رئيس الدولة بالاقتصاد و عدم الاسراف في أموال المسلمين.

الاسراف في الجواري

:

كان هارون مولعا بالجواري حريصا كل الحرص على الاستمتاع و التلذذ بهن حتى أفرط في ذلك و خرج عن جادة العدل و الشرع،و قد روى المؤرخون كثيرا من نهمه في ذلك فقد رووا قصته مع(غادر)جارية أخيه الهادي و قد حدث بها جعفر بن قدامة (3)قال:كانت غادر من أحسن الناس


1) البداية و النهاية:(ج 10 ص 26).

2) ثمار القلوب:ص 428

3) جعفر بن قدامة:قال فيه الخطيب البغدادي:أحد مشايخ الكتاب و علمائهم،وافر الأدب،حسن المعرفة،و له مصنفات في صنعة الكتابة و غيرها،تأريخ بغداد(ج 7 ص 207)توفي سنة 319 كما في معجم الادباء.

وجها و غناء و كان الهادي يحبها حبا شديدا،فبينما هي تغنيه يوما إذ عرضت له فكرة فسأله من حضر من خواصه عن ذلك فقال:قد وقع في فكري اني أموت و أن أخي هارون يتزوج جاريتي بعد ان يلي الخلافة.فقيل له:

نعيذك باللّه،و يقدم الكل قبلك.فأمر باحضار هارون و عرفه ما خطر له فأجابه بما يجب من ذلك.فقال:لا أرضى حتى تحلف اني متى مت لا تتزوجها،فحلف و استوفى عليه الأيمان من الحج راجلا،و طلاق الزوجات و عتق المماليك،و تسبيل ما يملكه،ثم أحلفها بمثل ذلك فحلفت فلم يمض على ذلك إلا شهر فمات الهادي و بويع الرشيد،فبعث الى غادر و خطبها، فقالت كيف نصنع بالايمان؟فقال:أكفر عن الكل و أحج راجلا، فأجابت و تزوجها و زاد شغفه بها حتى انه صار يضع رأسها في حجره، فتنام فلا يتحرك حتى تنتبه فبينما هي نائمة ذات يوم إذ انتبهت فزعة تبكي فسألها عن حالها،فقالت:رأيت أخاك الساعة في النوم و هو يقول لي:

أخلفت وعدي بعد ما جاورت سكان المقابر

و حلفت لي (1)... أيمانك الكذب الفواجر

و نكحت غادرة أخي صدق الذي سماك غادر

أمسيت في أهل البلا و غدوت في الحور العوائر (2)

لا يهنك الإلف الجديد و لا تدر عنك الدوائر

و لحقت بي قبل الصبا ح و صرت حيث غدوت صائر

و اللّه يا أمير المؤمنين،و كأني أسمعها و كأنما كتبتها في قلبى فما نسيت منها كلمة،فقال لها الرشيد:أضغاث أحلام،فقالت:كلا،ثم لا تزالت.


1) نقصان في نسخة الأصل.

2) العوائر:جمع عائرة من عارت و تعير أي ذهبت و جاءت.

تضطرب،و ترتعد حتى ماتت بين يديه (1).و دلت هذه البادرة على مدى شرهه و مخالفته للشرع الاسلامي بحنثه الأيمان التي أعطاها لأخيه على عدم زواجه بها كما خالف الشرع بزواجه بها و هي في عدتها،و قد حرم الاسلام ذلك و حكم بحرمة المرأة مؤبدا على الزوج.

و بلغ من ولعه بالجواري أنه هجر جاريته(ماردة)و ندم على ذلك حتى كاد أن يموت من شغفه بها فتكبر أن يبدأها بالصلح و تكبرت هي أيضا فصبرا على مضض و كاد ان يتلف،ففهم ذلك وزيره الفضل بن الربيع فدعا بالعباس بن الأحنف و عرفه الامر،و قال:قل في ذلك شيئا فقال:

العاشقان كلاهما متجنب و كلاهما متعتب متغضب

صدت مهاجرة و صدّ مهاجرا و كلاهما مما يعالج متعب

إن التجارب إن تطاول منهما دبّ السلو له فعز المطلب

فبعث إليه الفضل بالأبيات فسر بها سرورا بالغا،و لم يتم الرشيد قراءتها حتى قال العباس أيضا بيتين في ذلك و هما:

لا بد للعاشق من وقفة تكون بين الوصل و الصرم

حتى إذا الهجر تمادى به راجع من يهوى على الرغم

فاستحسن الرشيد ذلك،و قال:لأصالحنها ثم انطلق إليها فصالحها و عرفت ماردة السبب من الشعر و لم تدر من قاله:فأرسلت الى الفضل تسأله عنه فأعلمها فأمرت له بألف دينار،و أمر له الرشيد بألفي دينار (2)و تعلق هواه بجارية فأمر وزيره يحيى أن يدفع ثمنها و كان مائة الف دينار فاستكثر يحيى المال،و اعتذر عن دفعه فغضب الرشيد،فأراد يحيى ان يبين له مقدار ما يتحمله بيت المال من هذا الاسراف الذي لا مصلحة فيه و لا منفعة).


1) نساء الخلفاء:ص 46

2) طبقات الشعراء لابن المعتز:(ص 356-357).

للدولة،فجعل ذلك المال دراهم فبلغت نحو مليون و نصف مليون درهم فوضعها في الرواق الذي يمر به الرشيد إذا أراد الوضوء،فلما رأى ذلك الرشيد استكثره و أدرك إسرافه.و لكنه في نفس الوقت شعر بالجرأة عليه (1).

و كان يهب الأموال الجزيلة لجواريه،و يجزل لهن في العطاء،فقد روى المؤرخون أنه أوفد الحرشي الى ناحية الموصل فجبى له منها مالا عظيما من بقايا الخراج،فوافاه به،فأمر بصرفه أجمع الى بعض جواريه، فاستعظم الناس ذلك،و تحدثوا به،و اصاب ابو العتاهية من ذلك شبه الجنون فقال له خالد بن ابي الأزهر:

-ما لك يا أبا العتاهية؟ -سبحان اللّه أ يدفع هذا المال الجليل الى امرأة!! (2)ان هذه الهبات الضخمة الى جواريه قد أثارت عليه سخط الاخيار و نقمة المتحرجين في دينهم،فقد خالف بها عما الزم به الاسلام من الاحتياط الشديد في اموال المسلمين،و حرمة صرفها في غير صالحهم.

و على أي حال فقد كان شغوفا بالجواري،و هام بهن،و كان لا يتحرج في سبيل شهواته الجنسية من الاقدام على ما حرمه اللّه،فقد شغف بجارية لأبيه المهدي كان قد دخل بها فامتنعت عليه و قالت له:«لا أصلح لك إن أباك قد طاف بي».

و زاد غرامه بها فأرسل خلف الفقيه أبي يوسف فقال له:

إن أباك قد طاف بي».

و زاد غرامه بها فأرسل خلف الفقيه أبي يوسف فقال له:

«أ عندك شيء في هذا؟» فأفتى أبو يوسف بما خالف كتاب اللّه و سنة نبيه قائلا:/4


1) تأريخ الطبري:(ج 3 ص 332).

2) الاغاني 67/4

«يا أمير المؤمنين أو كلما ادعت أمة شيئا ينبغي أن تصدق،لا تصدقها فانها ليست بمأمونة».

و قد أفتى ابو يوسف بما يوافق هوى هارون،و اعرض عما حكم به الاسلام من تصديق النساء على فروجهن،و قد علق ابن المبارك على هذه البادرة بقوله:

«لم أدر ممن أعجب:من هذا الذي قد وضع يده في دماء المسلمين و اموالهم يتحرج عن حرمة أبيه،أو من هذه الأمة التي رغبت بنفسها عن أمير المؤمنين،او من هذا فقيه الأرض و قاضيها!!قال اهتك حرمة أبيك، و اقض شهوتك،و صيره في رقبتي..» (1)و هناك فتاوى كثيرة افتى بها أبو يوسف على وفق رغبات هارون، و هي تخالف ما أثر عن الاسلام،و كان الرشيد يجزل له العطاء على ذلك فقد افتاه بما يتفق مع ميوله فأمر له بمائة الف درهم (2).

و على اي حال فان الرشيد قد اسرف في الجواري و كانت له جارية تدعى هيلانة،أقامت معه ثلاث سنين ثم ماتت فوجد عليها وجدا شديدا ثم قال يرثيها:

قد قلت لما ضمنوك الثرى و جالت الحسرة في صدرى

«اذهب فلا و اللّه ما سرني بعدك شيء آخر الدهر»

و رثاها العباس بن الأحنف بأربعين بيتا فأمر له الرشيد بأربعين الف درهم (3)و نظرا لولعه الشديد بالجواري فقد بالغ في اقتنائهن حتى بلغ عددهن الفي جارية5)


1) تأريخ الخلفاء:ص 291

2) تأريخ الخلفاء:ص 291

3) نساء الخلفاء:(ص 54-55)

على اختلاف اجناسهن منهن الروميات و السنديات و الفارسيات (1)و قد اشترى جارية من الموصلي بستة و ثلاثين الف دينار (2)و تحدث أهل بغداد عن جارية تسمى(خنث)و تلقب بذات الخال افتتن بها الشعراء و المغنون فاشتراها بسبعين الف دينار،و ادخلها في قصره (3)و كان لا يترك جارية حسناء تعرض للبيع إلا اشتراها،و لم يحتو قصره على جارية قيمتها أقل من عشرات الآلاف من الدراهم أو الدنانير (4)و هذه الجواري تحتاج الى النفقات الكثيرة من الحلى و الالبسة و الزينة،و من المعلوم أن تلك النفقات الضخمة لم تكن من أمواله الخاصة فقد كانت من بيت مال المسلمين الذي حرم الاسلام انفاق اي شيء منه على مثل هذه الامور.

ولعه بالجواهر

:

و شغف هارون بالجواهر و الاحجار الثمينة شغفا كبيرا فبذل الاموال الطائلة لشرائها فاشترى خاتما بمائة الف دينار (5)و كان عنده قضيب زمرد أطول من ذراع،و على رأسه تمثال طائر من ياقوت أحمر لا تقدير لثمنه نظرا لنفاسته،و قد قوم الطائر وحده بمائة الف دينار (6)و من ولعه بها أنه بعث الجوهري،جد الكندي الى صاحب سرنديب لابتياع جواهر


1) هارون الرشيد:ص 85

2) الاغاني:(ج 5 ص 7)

3) الاغاني:(ج 15 ص 85)

4) هارون الرشيد:(ج 1 ص 264)

5) ابن الاثير:(ج 6 ص 44)

6) مطالع البدور:(ج 2 ص 138)

من ناحيته (1).

و كان ينثر الجواهر على جواريه بغير حساب،و كانت من جملة حظاياه جارية لم ترزق امرأة من الجمال مثل ما رزقته.و كان اذا اتحفهن بشيء ردت حصتها،فكان يغتاظ من ذلك،فاتفق يوما أنه نثر عليهن جواهر لها قيم عظام فالتقطنها،و لم تمد تلك الجارية إليها يدا،ثم احضر جواهر غيرها و خيرهن،فاخترن،و قال لتلك لم لا تختارين اسوة بصويحباتك؟قالت:

ان كان لي ما اختاره فسأفعل،و أخذت بيده،و قالت له:هذا اختياري من جميع جواهر العالم،فأعجب بها و سماها خالصة (2).

و ذكر البيهقي انه اشترى للرشيد جواهر بمائتي الف دينار فوهبه لدنانير البرمكية (3)و اقتدى به ابناؤه في اقتناء الجواهر وهبتها لمن يخلصون له، فالمأمون أعطى زوجه(بوران)ليلة زفافها الف حصاة من الياقوت و بسط لها فراشا كان الحصير منه منسوجا بالذهب مكللا بالدر و الياقوت،فكان بياض الدر يشرق على صفرة الذهب (4)و كان الامين يشرب بأقداح من بلور كللت جوانبها بالجوهر الثمين (5)و قوم الجوهر الذي سلم من النهب عند ما قتل المأمون أخاه الامين،بألف الف و مائة الف و ستة عشر الف درهم (6)هذا بالاضافة الى ما يوجد عند الحاشية و الجواري من تلك الاحجار الثمينة و قد اشتريت بالاموال الطائلة التي نهبت من بيت المال اذ لا سائل و لا محاسب8)


1) بين الخلفاء و الخلعاء ص 54

2) نفس المصدر

3) المحاسن و المساوئ:ص 544

4) بين الخلفاء و الخلعاء ص 57 نقلا عن عيون التواريخ.

5) المحاسن و المساوئ:ص 362

6) مطالع البدور:(ج 2 ص 138)

لهم عن تبذيرها و صرفها في غير وجهها المشروع.

إسراف زبيدة

:

و حشدت الاميرة زبيدة الاموال الطائلة لنفسها،و أطلقت العنان لملاذها في صرف أموال المسلمين و البذخ بها،فقد اشترت غلاما لعبد اللّه ابن موسى الهادي ضرابا على العود مجيدا بثلاثمائة الف درهم (1)و أمرت ان يتخذ لوصائفها من الدر المثقوب بالتصليب،ثم ازداد شغفها بالدر حتى انها اتخذت الخفاف المرصعة بالجوهر تلبسها في قصرها (2)و اتخذت سبحة من يواقيت رمانية كالبنادق اشترتها بخمسين الف دينار (3)و ارسلت يوما خلف زوجها الرشيد تريد ان تراه فلما جاء إليها غنى لهما ابن جامع المغني من وراء ستار فقال:

ما رعدت رعدت و لا برقت لكنها أنشأت لنا حلقه

الماء يجري على نظام له لو يجد الماء مخرقا خرقه

بتنا و باتت على نمارقها حتى بدا الصبح عينه أرقه

فأمرت زبيدة خادمها أن يدفع لابن جامع،عن كل بيت مائة الف درهم،فقال الرشيد:غلبتنا بنت أبي الفضل،و سبقتنا الى كرم ضيفنا و جليسنا ثم بعث لها مقابل ما أعطت بعدد دراهمها دنانير (4).

و دخل اشجع بن عمرو السلمي على محمد الامين،و قد أجلس للتعليم،


1) سيدات البلاط العباسي:ص 48

2) بين الخلفاء و الخلعاء ص 55

3) نفس المصدر ص 54

4) الاغاني:(ج 6 ص 77)

و كان عمره اربع سنين فقال فيه اشجع:

ملك أبوه و أمه من نبعة منها سراج الامة الوهاج

شربت بمكة في ربى بطحائها ماء النبوة ليس فيه مزاج

فأمرت له زبيدة بمائة الف درهم...ان هذه الاموال التي وهبت لهذا الشاعر و غيره تمثل جانبا من الاسراف و البذخ بأموال المسلمين.

هذا،و كان البؤس آخذا بخناق المواطنين و هي و زوجها يبذلان الاموال الجزيلة على مثل هذه الامور المحرمة في الشريعة الاسلامية.

و من إسرافها أن الرشيد كان يستطيب المكث في الرقة فقالت زبيدة للشعراء:من وصف مدينة السلام بأبيات يشوق إليها أمير المؤمنين أغنيته، فقال في ذلك جماعة منهم النمري قال:

ما ذا ببغداد من طيب أفانين و من عجائب للدنيا و للدين

إذا الصبا نفحت و الليل معتكر فحرشت بين أغصان الرياحين

فاستحسنها الرشيد و قفل راجعا الى بغداد،فوهبت زبيدة للنمري جوهرة ثم دست إليه من اشتراها منه بثلاثمائة الف درهم (1)و صنعت لها بساطا من الديباج جمع صورة كل حيوان من جميع الاجناس،و صورة كل طائر من الذهب و أعينها من يواقيت و جواهر يقال انها انفقت عليها نحوا من الف الف دينار (2)و اتخذت آلة من الذهب المرصع بالجوهر،و الثوب من الوشي الرفيع يزيد ثمنه على خمسين الف دينار (3)و قد مرضت ثلاث مرات فعالجها الطبيب بختيشوع فأعطته في كل مرة مائة الف دينار (4)و قد8)


1) طبقات الشعراء:ص 246

2) المستطرف:(ج 1 ص 98)

3) الاغاني:(ج 6 ص 78)

4) مطالع البدور:(ج 2 ص 138)

ذكر المؤرخون الوانا كثيرة من سرفها و بذخها في أموال المسلمين و قد جعلها الاسلام لتصرف على الفقير و المحروم.

بذخ البرامكة

:

و أبهرت البرامكة الناس ببذخها و صلاتها الضخمة للشعراء و الادباء فكانوا لا يعرفون للمال قيمة و أهمية،فبيوت الاموال بأيديهم و امكانيات الدولة تحت تصرفهم لا رقيب عليهم و لا حسيب،فأسرفوا في الملذات و الشهوات فكانت مجالس الطرب في قصورهم اكثر منها في قصور الرشيد و أجمع لمعدات اللهو،فعندهم المغنيات اللاتي ليس مثلهن في البلاد،لا سيما (فوز و فريدة)و كان الرشيد نفسه إذا حضر مجالس البرامكة و قد زينت بالآنية المرصعة،و الخزائن المجزعة و المطارح من الوشي و الديباج،و الجواري يرفلن بالحرير و الجوهر،و يستقبلنه بالروائح التي لا يدرى ما هي لطيبها خيل إليه أنه في الجنة (1).

و كانت لأم جعفر مائة وصيفة لباس كل واحدة و حليها خلاف لباس الاخرى و حليها (2)و بنى جعفر قصرا غرم عليه عشرين مليون درهم (3)و ذكر الدميري:أن جعفر حاز ضياع الدنيا لنفسه فكان الرشيد لا يمر بضيعة و لا بستان إلا قيل له هذا لجعفر (4).

و أنفق البرامكة الكثير من الاموال على اصطناع المكارم و جلب


1) حضارة الاسلام في دار السلام ص 112

2) الجهشياري:ص 18

3) الطبري:(ج 10 ص 82)

4) حياة الحيوان:(ج 2 ص 172-173)

القلوب لهم فكانوا يهبون الاموال بغير حساب فقد طلب شخص من الفضل ابن يحيى أربعة آلاف درهم فوهبه ستة عشر الف درهم (1)و وهب لصاحب شرطته أربعة ملايين درهم (2)و قد بالغوا في العطاء فقد ذكر الخطيب البغدادي ان صلات يحيى لمن تعرض له في الطريق اذا ركب مائتا درهم فعرض له شاعر فأنشد أمامه:

يا سمى الحصور أتيحت لك من فضل ربنا جنتان

كل من مر في الطريق عليكم فله من نوالكم مائتان

مائتا درهم لمثلي قليل هي منكم للقابس العجلان

فاستحسن يحيى شعره و أمر له بعشرين الف درهم (3)و مدح أبو ثمامة الخطيب الفضل بن يحيى بقوله:

للفضل يوم الطالقان و قبله يوم أناخ به على خاقان

ما مثل يوميه اللذين تواليا في غزوتين توالتا يومان

سد الثغور ورد ألفة هاشم بعد الشتات فشعبها متدان

عصمت حكومته جماعة هاشم من أن يجرد بينها سيفان (4)

تلك الحكومة لا التي عن لبسها عظم النبا و تفرق الحكمانب.


1) الجهشياري

2) الجهشياري

3) تأريخ بغداد:(ج 14 ص 129)وفيات الأعيان:(ج 2 ص 44).

4) يشير بذلك الى قصة العلوي يحيى بن عبد اللّه حينما خرج على حكومة هارون في الديلم فندب لحربه الفضل بن يحيى فأعطاه الصلح و لم تقع الحرب بينهما و سنبين فصول القصة في غضون هذا الكتاب.

فأعطاه الفضل مائة الف درهم و خلع عليه (1)و طلب رجاء بن عبد العزيز إعانة مالية من يحيى فأعطاه سبعمائة الف درهم (2)و ذكر القالي ان احد الشعراء دخل على الفضل بن يحيى فخرج أحد الخدم فأخبر الفضل بمولود جديد له فقال الشاعر:

و يفرح بالمولو من آل برمك بغاة الندى و الرمح و السيف و النصل

و تنبسط الآمال فيه لفضله و لا سيما ان كان من ولد الفضل

فأمر له بمائة الف درهم ثم صنع له لحنا فأمر له بمائة الف درهم اخرى (3)،و غصب بعض امراء بني العباس قرية تدعى(الرغاب) فتحاكم أصحابها معه،فحكم للامير العباسي،و مضى الامير يهددهم و ينذرهم بتخليتها فاستغاثوا بجعفر فأغاثهم فاشترى القرية بعشرين الف الف درهم و أهداها لاصحابها فانبرى بعض الشعراء مادحا له على هذا الصنيع قائلا:

رد(الرغاب)ندى يديه و أهلها منها بمنزلة السماك الأعزل

قد أيقنوا بذهابها و هلاكهم و الدهر يوعدهم بيوم أعضل

فافتكها لهم و هم من دهرهم بين الجران و بين حد الكلكل

ما كان يرجى غيره لفكاكها يرجى الكريم لكل أمر معضل

و تحدث القاصي و الداني بتلك المكرمة البرمكية (4)و ضرب جعفر لنفسه دنانير ذهبية كبيرة ليهبها للناس،و قد كتب على وجهها هذين البيتين:

و اصفر من ضرب دار الملوك يلوح على وجهه جعفر3)


1) عصر المأمون:(ج 1 ص 141)

2) المستطرف:(ج 1 ص 228)

3) القالي-ذيل الأمالي:ص 99

4) الاغاني:(ج 17 ص 33)

يزيد على مائة واحدا إذا ناله معسر ييسر (1)

و أغدقوا الأموال و وهبوها بلا حساب للشعراء و الادباء،و قد مدحهم الشعراء بأفضل النعوت و كالوا لهم المديح و الثناء،فقد مدح اشجع السلمي جعفرا بقوله:

ذهبت مكارم جعفر و فعاله في الناس مثل مذاهب الشمس

ملك تسوس له المعالي نفسه و العقل خير سياسة النفس

و اذا تراءته الملوك تراجعوا جهر الكلام بمنطق همس (2)

و قال يزيد بن خالد المعروف بابن حسيات بمدح الفضل بن يحيى:

أ لم تر أن الجود من صلب آدم تحدر حتى صار في راحة الفضل

إذا ما أبو العباس جادت سماؤه فيا لك من طل و يا لك من وبل

و قال مسلم بن الوليد في مدح جعفر:

تداعت خطوب الدهر عن جار جعفر و أمسك أنفاس الرغائب سائله

هو البحر يغشى سرة الارض سيبه و تدرك أطراف البلاد سواحله

و لو لم يكن في كفه غير روحه لجاد بها فليتق اللّه سائله

و للّه سيف ما على الأرض مثله مضاربه يحيى و أنت مقاتله

و بالغ الشعراء في مدحهم و تعظيمهم،و ذلك لما استفادوه منهم من الاموال الجزيلة و الهبات الوفيرة حتى راج سوق الشعر و الادب في ذلك العصر و إلى ذلك يشير بعض الشعراء بقوله:

ما لقينا من جود فضل بن يحيى ترك الناس كلهم شعراء

و على اي حال،فان تلك الاموال الضخمة التي وهبتها البرامكة للشعراء و غيرهم لم تكن إلا من بيت مال المسلمين،فانهم قبل2)


1) الجهشياري:ص 241

2) هارون الرشيد:(ج 2 ص 242)

أن تسند إليهم الوزارة لم تكن لهم أي ثروة أو مال،فقد روى المؤرخون ان خالد بن برمك كان واليا على طبرستان و الري و دنباوند فحاسبه المنصور و أدانه بثلاثة آلاف الف درهم،و هدده بالقتل فلم يستطع خالد أن يدفعها من ماله الخاص فاستعان بأصحابه فأمدوه ببعضها و أمدته الخيزران بقسم كبير منها ثم توسط له المهدي عند أبيه فعفاه عن الباقي (1)و لكن لما اسندت له و لأبنائه السلطة صارت ثروة الدولة العباسية بأيديهم فملكوا من القرى و البساتين و المستغلات ما لا يحصى له عد،و لا يعرف له ثمن،و أصبح لهم في كل زاوية قرية عامرة،و على كل جدول بستان مثمر،و في كل مدينة أو قصبة ملك ثمين...و بلغ ريعهم السنوي الملايين من الدنانير (2)و من الطبيعي ان هذا الثراء الفاحش الذي تولد عندهم في هذه الفترة القصيرة كان ناشئا من دون شك من استئثارهم بأموال المسلمين و نهبهم لامكانيات الدولة مستغلين نفوذهم السياسي في التلاعب ببيوت الاموال التي نجبى إليها من جميع الاقاليم الاسلامية.

و هذه البوادر التي سقناها على سرف هارون و تبذير أسرته و وزرائه قد دلت على خيانته العظمى للمسلمين،و استبداده في ثرواتهم،و انتهاكه لحرمة الاسلام.

رسالته لسفيان

.

و نظرا لخروج هارون عن جادة العدل،و اسرافه في أموال المسلمين فقد نقم عليه رجال الاصلاح و ابتعدوا عنه،و قد حاول أن يجتمع بسفيان


1) تاريخ ابن الاثير:8/6

2) الامامة و السياسة:321/2

الثوري فكتب إليه رسالة ملأها بالتملق و التودد إليه لعله يجيبه الى مقصوده فيتخذ من ذلك وسيلة لاغراء العامة،و قد جاء فيها:

«من عبد اللّه هارون أمير المؤمنين الى أخيه في اللّه سفيان بن سعيد الثوري:أما بعد،يا أخي فقد علمت أن اللّه قد آخى بين المؤمنين و قد آخيتك في اللّه مؤاخاة لم أصرم فيها حبلك،و لم أقطع منها ودك،و اني منطو لك على أفضل المحبة،و أتم الارادة،و لو لا هذه القلادة التي قلدنيها اللّه تعالى لأتيتك،-و لو حبوا-لما أجد لك في قلبي من المحبة،و انه لم يبق أحد من اخواني و اخوانك إلا زارني،و هنأني بما صرت إليه،و قد فتحت بيوت الاموال،و أعطيتهم من المواهب السنية ما فرحت به نفسي و قرت به عيني،و قد استبطأتك،و قد كتبت كتابا مني إليك اعلمك بالشوق الشديد إليك،و قد علمت يا أبا عبد اللّه،ما جاء في فضل زيارة المؤمن و مواصلته،فاذا ورد عليك كتابي هذا فالعجل العجل».

جواب سفيان

:

و لما وصلت رسالته الى سفيان رمى الكتاب،و قال لاخوانه الصالحين ليقرؤه بعضكم فاني استغفر اللّه أن أمس شيئا مسه ظالم،فلما قرءوه أمرهم بأن يكتبوا له الجواب و هذا نصه:

«من العبد الميت سفيان،الى العبد المغرور بالآمال هارون،الذي سلب حلاوة الايمان،و لذة قراءة القرآن،أما بعد:فاني كتبت إليك أعلمك أني قد صرمت حبلك،و قطعت ودك،و انك جعلتني شاهدا عليك باقرارك على نفسك في كتابك بما هجمت على بيت مال المسلمين،فأنفقته في غير حقه،و أنفذته بغير حكمه،و لم ترض بما فعلته،و أنت ناء عني

حين كتبت إلي تشهدني على نفسك،فأما أنا،فاني قد شهدت عليك أنا و اخواني الذين حضروا قراءة كتابك،و سنؤدي الشهادة غدا بين يدي اللّه الحكم العدل،يا هارون،هجمت على بيت مال المسلمين بغير رضاهم، هل رضى بفعلك المؤلفة قلوبهم؟،و العاملون عليها في أرض اللّه،و المجاهدون في سبيل اللّه،و ابن السبيل؟أم رضي بذلك حملة القرآن؟و أهل العلم -يعني العاملين-؟أم رضى بفعلك الأيتام و الارامل؟أم رضي بذلك خلق من رعيتك،فشد يا هارون مئزرك و أعد للمسألة جوابا،و للبلاء جلبابا، و اعلم أنك ستقف بين يدي اللّه الحكم العدل،فاتق اللّه في نفسك اذا سلبت حلاوة العلم و الزهد و لذة قراءة القرآن،و مجالسة الاخيار،و رضيت لنفسك أن تكون ظالما،و للظالمين إماما،يا هارون قعدت على السرير و لبست الحرير،و أسبلت ستورا دون بابك،و تشبهت بالحجة برب العالمين،ثم أقعدت أجنادك الظلمة دون بابك و سترك،يظلمون الناس و لا ينصفون، و يشربون الخمر و يحدون الشارب،و يزنون و يحدون الزاني،و يسرقون و يقطعون السارق،و يقتلون و يقتلون القاتل،أ فلا كانت هذه الاحكام عليك و عليهم قبل أن يحكموا بها على الناس،فكيف بك يا هارون غدا اذا نادى المنادي من قبل اللّه احشروا الظلمة و أعوانهم فتقدمت بين يدي اللّه و يداك مغلولتان الى عنقك،لا يفكهما إلا عدلك و إنصافك و الظالمون حولك، و أنت لهم إمام أو سائق الى النار،و كأني بك يا هارون و قد أخذت بضيق الخناق،و وردت المساق،و أنت ترى حسناتك في ميزان غيرك،و سيئات غيرك في ميزانك على سيئاتك،بلاء على بلاء،و ظلمة فوق ظلمة،فاتق اللّه يا هارون في رعيتك،و احفظ محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أمته،و اعلم أن هذا الامر لم يصر إليك إلا و هو صائر الى غيرك و كذلك الدنيا تفعل بأهلها واحدا بعد واحد،فمنهم من تزود زادا نفعه،و منهم من خسر دنياه

و آخرته،و اياك ثم اياك أن تكتب إلي بعد هذا فاني لا أجيبك و السلام» ثم بعث بالكتاب منشورا من غير طي و لا ختم (1)و قد دلت هذه الرسالة الخالدة على مدى ايمان سفيان و جرأته و اقدامه،و انه يحمل رصيدا من الايمان و العقيدة و نكران الذات،فقد عرض على هارون تصرفاته الكيفية في اموال المسلمين،و استبداده بثرواتهم،و انه مسئول عن تصرفاته و محاسب عليها بين يدي اللّه تعالى،كما ذكر له فساد الجهاز الرسمي لحكومته،و انه مجموعة من الخونة و المختلسين لاموال الشعب،و ان الحدود التي يقيمونها على السارقين و المجرمين أولى أن تقام عليه و على اعضاء حكومته فانهم منبع الفساد و مصدر الجريمة في البلاد.

إن هارون لا يصح بأي حال أن يعد من خلفاء المسلمين المحافظين على كيان الاسلام و تعاليمه نظرا لأعماله المجافية لروح الاسلام.

كلمة ابن خلدون

:

و أفرط ابن خلدون في تقديسه لهارون،فنحى عنه الاسراف و الخيانة قال ما نصه:

«لم يكن الرجل بحيث يوقع محرما من أكبر الكبائر عند اهل الملة، و لقد كان أولئك القوم كلهم بمنجاة من ارتكاب السرف و الترف في ملابسهم و زينتهم،و سائر متناولاتهم لما كانوا عليه من خشونة البداوة،و سذاجة الدين التي لم يفارقوها» (2).

و ابن خلدون من أولئك المؤرخين الذين لم يكتبوا للتأريخ و خدمة


1) حياة الحيوان للدميري:188/2-189

2) تأريخ ابن خلدون:14/1

الأمة،و انما كتبوا لجهة خاصة بعيدة كل البعد عن روح الواقع،و قد القى الستار في كثير من بحوثه على الحقيقة،و راح يخدم الدولة أو المحيط و جنى بذلك على التأريخ الاسلامي جناية لا تعدلها جناية،ان الحكم ببراءة هارون من السرف و التبذير لا يتفق بأي حال مع الحوادث التي أجمع عليها المؤرخون الدالة على تبذيره بأموال المسلمين و نهبه لثرواتهم،و لم يوافقه على هذا القول أحد من الكتاب حتى أحمد أمين الذي عرف بالانحراف و التحيز في كثير من بحوثه قال:

«فلسنا نتفق معه على ما يستخلص من قوله انه كان بمنحاة من السرف و الترف،و انه كان يعيش عيشة ساذجة،و انه لم يوقع محرما،فهذا أيضا إفراط في التقديس،لا تدل عليه سيرة الرشيد،خصوصا و ان أدلته خطابية فقرب عهده من المنصور لا يستوجب ان يعيش عيشته،و قد صرح هو مرارا بأن الترف و النعيم في عصر الرشيد كان اكثر منه في عصر المنصور، و لو كان قرب العهد يكفي في الاستدلال لما رأينا الأمين-و هو قريب عهد من الرشيد يسير سيرته.

و العجب انه عقد فصولا طويلة يتعرض فيها لوصف الحضارة و النعيم و الترف في ايام الرشيد و الامين و المأمون و تفننهم في المطعم و المشرب،و هو هو الذي وافق(المسعودي)و(الطبري)على ما حكياه في أعراس المأمون ببوران بنت الحسن،و ان المأمون أعطاها في مهرها ليلة زفافها الف حصاة من الياقوت،و أوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من،و بسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب مكللا بالدر و الياقوت الخ (1).

هل هذا ليس سرفا في الترف؟و هل قرب عهد المأمون من الرشيد كقرب عهد الرشيد من المنصور جعلت الناس يعيشون عيشة السذاجة/1


1) تأريخ ابن خلدون:145/1

كما يقول؟.

الحق ان ابن خلدون مخطئ في وصفه عصر الرشيد بالسذاجة،و انه و قومه كانوا بمنحاة من السرف و الترف» (1).

دفاع الجومرد

:

و لم ينفرد ابن خلدون بهذا المنطق الهزيل في دفاعه عن هارون فقد شاركه في ذلك الدكتور عبد الجبار الجومرد فانه لما لم يجد مجالا للطعن في تلك الروايات التي دلت على المزيد من إسراف هارون،اخذ يلتمس له المعاذير و المبررات قال ما نصه:«غير اننا لو درسنا الوضع الاجتماعي السائد يومئذ،و تذكرنا-ما قلناه سابقا-عن مقدار ما كانت تدر ضرائب الدولة على الخزينة العامة من الاموال-و هي تعادل اليوم ميزانيات اكثر من عشرة دول-و ما بلغه الترف و البذخ عند الطبقات الخاصة،و ما وصل إليه ذلك التسابق في اكتساب الحمد و استمالة الرأي العام عن طريق الشعراء و الادباء و الرواة و كل ذي لسان و رأي،و هم أشبه بالصحف السيارة في هذا العهد...لو علمنا كل ذلك و أدركنا حقائقه،اذا لأعطينا هذا السخي الجواد بعض الحق إن لم يكن كله (2)و قال أيضا:«إن الرشيد أحق من غيره بالعطاء و أحوج الى المديح و الذكر الحسن من هؤلاء-أى البرامكة-جميعا،بحكم كونه خليفة،فوق سائر الناس،و هو مع ذلك سخي اليد بالفطرة،وجد المحيط الذي حوله في سورة من جنون البذخ و الانفاق،فجاراه ليحفظ توازن سمعته و لم يجد في ذلك تصنعا أو كلفة،


1) ضحى الاسلام:118/2-119

2) هارون الرشيد:(ج 1 ص 272).

ما دام خراج الدولة في تضخم عظيم (1)و الاستاذ الجومرد مدفوع بعاطفة جياشة تجاه هارون فقد أبي أن يدينه بانحرافه عن الطريق أو يسجل عليه أي مأخذ مما أجمع عليه المؤرخون،و أخذ يتطلب الوجوه البعيدة لتصحيح أخطائه و توجيهها بوجوه عليلة بعيدة عن واقع المنطق،اما قوله:إن ميزانية الدولة قد بلغت القمة من التضخم،و ان الاسراف عند الطبقات الخاصة قد بلغ الذروة،و انها قد اخذت في اكتساب الحمد و الثناء عن طريق الشعراء و الادباء فان هذا ليس مبررا له في صرف أموال المسلمين على ملاذه و اغراضه التي لم يقرها الاسلام فقد ألزم بانفاق أموال الدولة على تطوير الحالة الاقتصادية و توفير الحياة الحرة الكريمة للمواطنين.

ان تبذير الاموال الراجعة لنفس الانسان محرم في الشريعة الاسلامية فضلا عن أموال الناس فانه ضامن لها و مسئول عن صرفها في غير الوجه المشروع،و أما حاجته الى المدح و الذكر الحسن فلا يقره الشرع الاسلامى الذي أمر بالاحتياط في أموال المسلمين،و حرمة صرفها على أي لون من الوان الدعاية الشخصية التي لا تعود على المجتمع الاسلامي بأية ثمرة او فائدة.

و اما كون المحيط الذي كان حول هارون في سورة من جنون البذخ و الانفاق فاضطر لمجاراته ليحفظ توازن سمعته،فان ذلك غير مبرر له، و لا ينفي عنه المسئولية أمام اللّه..انه بحكم الشرع مسئول عن استبداده بأموال المسلمين،و مسئول عن تصرفات شعبه باعتباره خليفة المسلمين، و ولي أمرهم،فكان الواجب عليه أن يثيبهم الى الرشاد،و يهديهم الى سواء السبيل.

ان هذه التعليلات التي ذكرت لتصحيح اخطاء هارون في سياسته).


1) هارون الرشيد:(ج 1 ص 274).

المالية انما هي لون من الوان الطائفية التي هي مصيبة العالم الاسلامي في ماضيه و حاضره فقد اوجبت خفاء الحق،و تضليل الرأي العام في كثير من جوانب حياته العقائدية،و جعلت المسلمين في ذيل القافلة.

يجب على كل من يبحث عن التأريخ الاسلامي،و يعالج قضاياه على ضوء ما أثر عن الاسلام ان يتجرد من نزعاته التقليدية،و ان يخلص للحق ليخدم بذلك امته و مجتمعه.

ان الواجب يحتم علينا ان نبرز للمجتمع الذوات المثالية الفذة من رجال الاسلام الذين نفروا من الجور و الظلم،و رفعوا شعار العدالة،و نادوا بتطبيق المبادئ العليا التي جاء بها الاسلام،فلاقوا في سبيل ذلك اعنف المشاكل و أشدها عناء و محنة..هؤلاء الذين يجب أن يعتز بهم،و يشاد بذكرهم و تغذى الناشئة بمآثرهم..و أما الذين نهبوا و فسقوا،و استباحوا كل حرام من عرض و دم،و مال،و أشاعوا المنكر و التحلل بين المسلمين، فانه يجب ابعادهم عن المراكز العليا في الاسلام،و التدليل على ما اقترفوه من عظيم الاثم في حق امتهم و بلادهم..و لنعد بعد هذا العرض الموجز للسياسة المالية التي سار عليها هارون الى عرض بعض اعماله الاخرى التي دلت على عدم تحرجه في الدين و انطلاقه في ميدان الشهوات التي حرمها اللّه.

ولعه بالغناء

:

و كان هارون مولعا بالغناء منذ حداثة سنه،فقد نشأ بين أحضان المغنيات و المطربات،و لشدة رغبته في ذلك فقد اجتمع في قصره عدد كبير

من المغنيات و العازفات،و اشتمل قصره على مختلف الآلات الموسيقية (1)و هو الذي جعل المغنين طبقات و مراتب،فكان ابراهيم الموصلي و ابن جامع و زلزل الضارب في الطبقة الاولى،و كان زلزل يضرب و يغني الموصلي و ابن جامع،و الطبقة الثانية:اسحاق و سليم بن سلام،و عمرو الغزال، و الطبقة الثالثة:اصحاب المعازف و الطنابر،و كان يطرب للغناء (2).

و قد أمر المغنين أن يختاروا له مائة صوت فاختاروها،ثم أمرهم باختيار عشرة منها فاختاروها..ثم أمرهم باختيار ثلاثة منها ففعلوا (3).

و عاهد ابراهيم الموصلي الهادي بأن لا يغني لاحد من بعده فلما توفي انقطع ابراهيم عن الغناء وفاء بالوعد،و لكن الرشيد أمره بأن يغني له فامتنع فرماه بالسجن و لم يطلق سراحه حتى غنى في مجلسه (4).

و من ولعه بالغناء انه هام بحب ثلاث مغنيات من جواريه هن سحر و ضياء و خنث و قال فيهن الشعر،فمما قاله فيهن:

ملك الثلاث الآنسات عناني و حللن من قلبي بكل مكان

مالي تطاوعني البرية كلها و أطيعهن و هن في عصيان

ما ذاك إلا أن سلطان الهوى و به قوين أعز من سلطان (5)

و قدم الى بغداد ابراهيم بن سعد الزهري،و هو من وعاظ السلاطين و علمائهم،فأكرمه الرشيد و سأله عن الغناء فأفتى على وفق البلاط و رغبته بحليته/2


1) التمدن الاسلامي:118/5 و جاء فيه انه قيل ان في قصره ثلاثمائة جارية من الحسان يغنين و يعزفن.

2) التاج:ص 40-42

3) الاغاني:7/1

4) الاغاني:162/5

5) تزيين الاسواق،فوت الوفيات:391/2

و قصد ابراهيم بعض اصحاب الحديث ليسمع منه أحاديث الزهري فسمعه يغني فقال له:لقد كنت حريصا على أن أسمع منك،أما الآن فلا سمعت منك حديثا واحدا،فقال له الزهري:إذا لا أفقد شخصك،و علىّ إن حدثت حديثا في بغداد لأغني قبله،و شاعت القصة في بغداد فسمع بها الرشيد فدعا به فسأله عن حديث المخزومية التي قطعها النبي(ص)في سرقة الحلي فدعا ابراهيم بعود،فقال الرشيد:أعود المجمر؟قال:لا،و لكن عود الطرب،فتبسم الرشيد،ففهم ابراهيم بن سعيد سر تبسمه،فقال له:

يا أمير المؤمنين،لعله بلغك حديث السفيه الذي آذاني بالامس و ألجأني الى أن أحلف.

قال الرشيد:نعم،و دعا له بعود فغناه ابراهيم:

يا أم طلحة إن البين قد أفدا قل الثواء لئن كان الرحيل غدا

فقال له الرشيد من كان من فقهائكم يكره السماع؟.

قال ابراهيم من ربطه اللّه.

قال الرشيد:هل بلغك عن مالك بن أنس في هذا شيء؟.

قال ابراهيم:لا و اللّه،إلا أن أبي أخبرني انهم اجتمعوا في مدعاة كانت في بني يربوع،و هم يومئذ جلة و مالك يومئذ أقلهم في فقهه و قدره و معهم دفوف و معازف و عيدان يغنون و يلعبون و مع مالك دف مربع و هو يغنيهم.

سليما أجمعت بينا فأين لقاؤها أينا

و قد قالت لأتراب لها زهر تلاقينا

تعالينا فقد طاب ل‍ نا العيش تعالينا (1)

و هذه البادرة تكشف لنا مدى الاستهتار بأحكام الاسلام،حتى من/6


1) تأريخ بغداد:84/6

حملة الحديث،فقد عمد هذا الفقيه الى الفتيا بما خالف الشرع ليتوصل الى هارون و ينال من دنياه.

و بلغ من ولع هارون و شغفه بالغناء انه طلب من شقيقته علية أن تغنيه،فقالت له:و حياتك لأعملن فيك شعرا و لأصنعن فيك لحنا،و قالت من وقتها:

تفديك أختك قد حبوت بنعمة لسنا نعد لها الزمان عديلا

إلا الخلود و ذاك قربك سيدي لا زال قربك و البقاء طويلا

و حمدت ربي في اجابة دعوتي فرأيت حمدي عند ذاك قليلا

و صنعت فيه لحنا من وقتها في مقام خفيف الرمل،فطرب الرشيد عليه (1)و كانت علية في طليعة المغنيات في ذلك العصر،و قد شجعها على ذلك إقبال أسرتها على الملاهي و المجون و الدعارة فانجرفت معهم و هي تسحب ذيول الخيانة و الخزي،و قد عير بها الاسرة العباسية أبو فراس الحمداني بقوله:

منكم علية أم منهم و كان لكم شيخ المغنين ابراهيم أم لهم

و على اي حال فقد انتشر الغناء في عصر هارون انتشارا هائلا حتى عد حاجة من حاجات الانسان الضرورية،فكان المغنون و المغنيات في الاماكن العامة و في الشوارع و في بيوت الأغنياء و الفقراء،و شغف الناس به حتى بلغ من رواجه و إقبال الناس عليه انه إذا غنى مغن على الجسر اجتمع عليه جمهور حاشد من الناس حتى يخاف من سقوط الجسر بهم (2)و حتى كان بعضهم ينطح العمود برأسه من حسن الغناء (3)و ارتفعت أسعار/1


1) سيدات البلاط العباسي:ص 28

2) الأغاني:127/18

3) ضحى الاسلام 91/1

الجواري التي تجيد الغناء فكلما كانت الجارية تحسن هذه الصناعة ازداد سومها و كان ابراهيم الموصلي هو الذي يتولى تعليمهن فاذا أتقنت واحدة منهن الغناء ارتفع ثمنها و في ذلك يقول أبو عيينة المهلبي في جارية يقال لها(أمان)و كان يهواها فأغلى مولاها السوم فقال:

قلت لما رأيت مولى أمان قد طغى سومه بها طغيانا

لا جزى اللّه الموصلي أبا إس‍ حاق عنا خيرا و لا إحسانا

جاءنا مرسلا بوحي من الشي‍ طان أغلى به علينا القيانا

من غناء كأنه سكرات ال‍ حب يصبي القلوب و الآذانا (1)

و سادت الميوعة في ذلك العصر،و أسرف الناس في الخلاعة و المجون و قد شجعهم على ذلك مليكهم هارون فقد رأوه انه لم يفارق الملذات و الغناء حتى بلغ به الحال أنه كان يستدعي أخاه ابراهيم بن المهدي فيغني له (2)و نظرا لاقباله على الغناء فقد كانت له الدراية التامة بجميع فنونه فقد قال ابراهيم الموصلي لابن جامع المغني:«و اللّه لا أعلم أن أحدا بقى في الارض يعرف هذا الغناء معرفة أمير المؤمنين هارون الرشيد،فقال له ابن جامع:«حق و اللّه،انسان يسمع الغناء منذ عشرين سنة مع هذا الذكاء الذي فيه» (3)و قد انطبعت هذه الروح في نفس ولده الأمين فكان مغرما بالغناء حتى في أعسر ساعاته عند ما أحيط به فقد كان يستمع الى الغناء،فحينما كانت حجارة المنجنيق تصل بساطه كانت احدى الجواري تغنيه (4).53


1) الاغاني:8/5-9

2) التاج:ص 37

3) الاغاني:174/6

4) التاج:ص 153

و قد ألحق انتشار الغناء اضرارا جسيمة بالمجتمع الاسلامي،فقد أدى الى فساد الاخلاق،و ميوعة المجتمع و ابتعاده عن تعاليم الاسلام التي تنشد الجد و تنهى عن العبث و المجون،و قد بلغ من تسيب الأخلاق في ذلك العصر انه لما توفي المطرب ابراهيم الموصلي أحدث حزنا عميقا و أسى مريرا في جميع الاوساط البغدادية و رثاه بعض الشعراء و بكاه أمر البكاء لفقدانه الطرب و اللهو فقال:

أصبح اللهو تحت عفر التراب ثاويا في محلة الاحباب

إذ ثوى الموصلي فانقرض الله‍ و بخير الاخوان و الأصحاب

بكت المسمعات حزنا عليه و بكاه الهوى و صفو الشراب

و بكت آلة المجالس حتى رحم العود ضربة المضراب (1)

و رثاه شاعر آخر فقال:

تولى الموصلي فقد تولت بشاشات المزاهر و القيان

و أي بشاشة بقيت فتبقى حياة الموصلي على الزمان

ستبكيه المزاهر و الملاهي و تسعدهن عاتقة الدنان

و كان الميت قبل هذا العصر يرثى ببكاء الخيل و السيوف و فقدان الجفان و الاضياف،أما في عصر هارون فقد أصبح يبكيه الهوى و الشراب و العود و كان ذلك ناشئا من دون شك من اضطراب الدين و فساد العقيدة في نفوس الناس حتى نشأ فيهم هذا التسيب الفظيع./5


1) الاغاني:47/5

شربه للخمر

:

و اندفع هارون الى شرب الخمر و الادمان عليها،و كان يدعو خواص جواريه إذا أراد الشراب (1)و ربما كان يتولى سقاية الشراب بنفسه لندمائه فقد حدث حماد بن إسحاق عن أبيه قال:أرسل الي الرشيد ذات ليلة،فدخلت عليه فاذا هو جالس و بين يديه جارية عليها قميص مورد و سراويل موردة و قناع مورد كأنها ياقوتة،فلما رآني قال لي:اجلس، فجلست ثم قال لي:غن فغنيت:

تشكى الكميت الجرى لما جهدته و بين لو يسطيع أن يتكلما

فقال:لمن هذا اللحن؟فقلت:لي يا أمير المؤمنين،فقال:هات لحن ابن سريج،فغنيته اياه فطرب و شرب رطلا و سقى الجارية رطلا، و سقاني رطلا،ثم قال:غن،فغنيته:

هاج شوقي بعد ما شيب أصداغي بروق

موهنا و البرق من ما ذا الهوى قدما يشوق

فقال:لمن هذا الصوت؟فقلت:لي فقال:قد كنت سمعت فيه لحنا آخر،فقلت:نعم،لحن ابن محرز،فقال:هاته فغنيته فطرب، و شرب رطلا،ثم سقى الجارية رطلا،و سقاني رطلا ثم قال:غن فغنيته:

أ فاطم مهلا بعض هذا التدلل و ان كنت قد أزمعت صرمي فأجملي فقال لي:ليس هذا اللحن أريد،غن رمل ابن سريج فغنيته،و شرب رطلا و سقى الجارية رطلا،ثم طلب من إسحاق أن يحدثه فحدثه عن أيام


1) التاج:ص 37

العرب و أخبارها (1)و كان يهدي لبعض أصحابه كئوس الخمر مملوءة (2)و يهدى إليه كذلك فقد روى ريق قال:كنت بين يدي الرشيد و عنده اخوه منصور و هما يشربان،فدخلت عليه(خلوب)جارية علية و معها كأسان مملوءتان و تحيتان و معها غلام يحمل عودا فغنتهما الجارية و الكأسان في أيديهما و كان غناؤها:

حيا كما اللّه خليليا إن ميتا كنت و ان حيا

إن قلت خيرا فخير لكم أو قلت غيا فغيا

فشربا الخمرة و فضا الرقعة فاذا فيها:«صنعت يا سيدي أختكما هذا اللحن اليوم،و ألقته على الجواري،و اصطبحت فبعثت لكما به،و بعثت من شرابي إليكما و من تحياتي و أحذق جواري لتغنيكما» (3)،و سار أولاده على ذلك فكان الأمين لا ينقطع عن الشراب،و قد وصفه وزيره الفضل ابن الربيع فقال:قد ألهاه كأسه و شغله قدحه فهو يجري في لهوه و الأيام تسرع في هلاكه،و كان يشرب بأقداح من بلور مرصعة بالجوهر (4)و كان المأمون يشرب في أول أيامه الثلاثاء و الجمعة،ثم انه أدمن على الشراب عند خروجه الى الشام الى ان توفي (5).

و لما رأى الناس مليكهم هارون مدمنا على شرب الخمر أدمنوا كذلك و انتشرت الخمرة عند أغلب الاوساط حتى في بيوت الفقراء فكانت لا تخلو منها،و تناولها الشعراء بالوصف الرائع بما لم توصف به من قبل حتى قدسها53


1) الاغاني:126/5-127

2) الأغاني

3) الاغاني:170/9-171

4) الطبري:215/10

5) التاج:ص 153

أبو نؤاس بشعره فقال:

اثن على الخمر بآلائها و سمها أحسن أسمائها

و علق على هذا البيت الدكتور طه حسين بقوله:«أ ليس الشطر الأول منه تسبيحا للخمر!؟،أ ليس الشطر الثاني منه تقديسا للخمر؟أ ليس في هذا البيت على سهولته و براءته من ألفاظ المجون أشد الوان المجون؟أ ليس فيه الاستهزاء بالدين و السخرية منه،أ ليس يذكرك القرآن،أ ليس يذكرك قول اللّه تعالى:« وَ لِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها » (1)و قد جاهر ابو نؤاس بشربها مع اقراره بحرمتها فقال:

فان قالوا حرام قل حرام و لكن اللذاذة في الحرام

و قال:

ألا فاسقني خمرا و قل لي هي الخمر و لا تسقني سرا اذ أمكن الجهر

و لم يندفع أبو نؤاس الى الجهر بشربها و اعلان وصفها إلا لأنه رأى السلطة الحاكمة قد تهتكت،و تخلت عن المبادئ الاسلامية التي حرمتها، فقد جاء تحريمها صريحا في القرآن الكريم قال تعالى:« إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ وَ يَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ »،و لكن هارون و غيره من ملوك العباسيين لم يعنون بتحريم الاسلام له،فعمدوا الى شربها في وضح النهار و في غلس الليل،و من المؤسف أن يعد هؤلاء الخلعاء الماجنون من أئمة المسلمين و من كبار قادتهم ثم يلتمس المعاذير لما اقترفوه من عظيم الاثم و المنكر،و قد بالغ الجو مرد في دفاعه عن هارون فنفى عنه شرب الخمر و قال انه ما شرب إلا النبيذ و ليس ذلك محرما في الاسلام (2)إن هذه التعاليل/1


1) حديث الاربعاء:109/2

2) هارون الرشيد:267/1

لا تدل إلا على روح العصبية التي لا تمثل اي واقع علمي،فقد أجمع المؤرخون على شربه للخمر و ادمانه عليها.

لعبه بالنرد

:

و لم يترك هارون اي لون من المحرمات في الاسلام إلا ارتكبه،فمن ذلك لعبه بالنرد (1)و هو من أنواع القمار الذي حرمه الاسلام،فقد حدث إسحاق الموصلي عن أبيه أنه لعب يوما مع الرشيد بالنرد في الخلعة التي كانت مع الرشيد،و الخلعة التي كانت عليه فتقامر الرشيد فلما قمره قام ابراهيم فنزع ثيابه ثم قال للرشيد:حكم النرد الوفاء به،و قد قمرت و وفيت لك، فالبس ما كان علي،فقال له الرشيد:ويلك!أنا ألبس ثيابك،فقال:

اي و اللّه اذا انصفت،و اذا لم تنصف قدرت و أمكنك،قال:ويلك! أو افتدى منك؟قال:نعم،و قال:و ما الفداء؟قال:قل أنت يا أمير المؤمنين.فانك أولى بالقول،فقال:أعطيك كل ما علي،قال:

فمر به يا أمير المؤمنين،فدعا بغير ما عليه فلبسه و نزع ما كان عليه فدفعه الى ابراهيم (2)و كان يلعب بالشطرنج اذا سافر في دجلة (3)و قد سار على ذلك أولاده فكان ابنه الامين يلعب بالنرد مع وزيره الفضل بن الربيع (4).


1) النرد:لعبة وضعها احد ملوك الفرس و تعرف عند العامة بلعب الطاولة.

2) الاغاني:69/5-70

3) الاغاني:64/9

4) الفخري:ص 55

و روى المؤرخون انه كان يلعب بالصولجان (1)في الميدان،و يلعب بالنشاب في البرجاس،و يلعب بالاكرة و الطبطاب (2)و أخذ عنه ذلك ولداه فكان المأمون ينزل الى حلبة اللعب في كل يوم (3)و أمر الأمين بعد بيعته بيوم ببناء ميدان حول قصر لابي جعفر للصوالجة و اللعب (4).

لقد ساد اللهو،و عمت الدعارة،و انتشر المجون،و تدهورت الأخلاق و اقبرت الفضائل،في عهد،هارون و لو قدر أن يبقى على اريكة الخلافة اكثر مما بقى لانحطت الدولة الاسلامية الى مستوى سحيق أقبح الانحطاط -كما قال الدكتور مصطفى جواد- (5).

إن الاعمال التي أثرت عن هارون قد دلت على تحلله،و عدم تمسكه بأي رابطة دينية،فقد أسرف في الشهوات حتى صار بلاطه ملهى يضم جميع الوان الدعارة و المجون،فلا يكاد يخلو من حفلات الرقص و الغناء، و شرب الخمور،كما كان مسرحا للظلم و الجور و الاستبداد،و لم يعد حكم هارون يمثل أي جانب من جوانب الحكم الاسلامي،و قد أدرك الرشيد هذه الظاهرة فراح يتظاهر ببعض المظاهر الاسلامية فكان يحضر بعض الوعاظ فيلقون عليه المواعظ فيظهر البكاء من خشية اللّه كما كان يحج بيت اللّه الحرام و الغرض من ذلك التمويه على البسطاء و السذج،و اغرائهم بأنه متحرج في دينه،و مهتم بشئون الاسلام،و انه على عكس بني أمية الذين أهملوا48


1) الصولجان:كلمة فارسية معربة،قال في التهذيب:الصولجان عصا يعطف طرفها يضرب بها الكرة جاء ذلك في تاج العروس:66/2

2) بين الخلفاء و الخلعاء:ص 101

3) تأريخ بغداد لطيفور:ص 107

4) الطبري،ذكره في حوادث سنة 193

5) سيدات البلاط العباسي:ص 48

شئون الدين في حكمهم،و قد ألمع الى ذلك الاستاذ عمرو ابو النصر بقوله:

«ان العباسيين كانوا يتهمون الخلفاء الامويين بضعف الدين فكان من الحق و الحالة هذه أن يظهروا للناس بمظهر جديد فيه احترام للدين و تعزيز للعقائد الاسلامية» (1).

إن بعض الطقوس الدينية التي أعلنها هارون و غيره من ملوك العباسيين لم يكن الغرض منها إلا تضليل الرأي العام و خدعته بأن حكمهم يقوم بحماية الاسلام،و الذب عن مبادئه و أهدافه.

نعم ان قيامهم بالفتوحات العظيمة يدل بحسب ظاهره على اهتمامهم بشئون الاسلام،و لكن التأمل يقضي بأن قيامهم بذلك ما كان الغرض منه إلا اتساع رقعة ملكهم،و بسط سلطانهم،و استبعاد الشعوب،و الاستيلاء على مقدراتها الاقتصادية،و لو كانوا حريصين على مصلحة الاسلام-كما يقال-لساروا بين المسلمين بسياسة الحق و العدل،و طبقوا أحكام القرآن على واقع الحياة،و لكن لم نر شيئا من ذلك فقد حفلت كتب التأريخ بصور مخزية من لهوهم و مجونهم،و ازدرائهم بالقيم الانسانية،و استبدادهم بشئون المسلمين و ارغامهم على الذل و العبودية،و لم يكن هناك أي ظل للحكم الاسلامي الهادف الى تطور الحياة و رفع مستوى الفكر.

موقف الامام

:

و تميز موقف الامام موسى(ع)مع حكومة هارون بالشدة و الصرامة فقد حرم التعاون معها في جميع المجالات،و قد ظهر هذا الموقف جليا في حديثه مع صفوان فقد قال له الامام:


1) هارون الرشيد:ص 75

«يا صفوان،كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا» فالتاع صفوان و ذابت نفسه لعلمه بأنه لم يخلد الى أي معصية فانبرى للامام قائلا:

جعلت فداك أي شيء؟!! -كراؤك جمالك من هذا الطاغية-يعني هارون- -و اللّه ما أكريته أشرا،و لا بطرا،و لا للصيد و لا للهو و لكن أكريته لهذا الطريق-يعني طريق مكة-و لا أتولاه بنفسي،و لكن أبعث معه غلماني.

فقال له الامام:يا صفوان،أيقع كراك عليهم؟.

-نعم جعلت فداك.

-أ تحب بقاءهم حتى يخرج كراك؟.

-نعم فقال(ع):من أحب بقاءهم فهو منهم،و من كان منهم كان واردا للنار.

و أعرب عليه السلام في حديثه عن نقمته البالغة،و سخطه الشديد على حكومة هارون،و هو موقف صارم منبعث من صميم العقيدة الاسلاميه التي أعلنت الحرب بغير هوادة على الظالمين و المستبدين،و حرمت التعاون معهم بأي لون كان،و منعت من الركون إليهم بأي وجه من الوجوه،قال اللّه تعالى:« وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ »كما كشف عليه السلام بحكمه هذا عن مدى مقاومة الاسلام للظالمين،فقد حرم على المسلمين الميل إليهم و الرغبة في بقائهم حتى لو كان ذلك مستندا الى بعض المصالح الشخصية التي ترتبط بظلمهم و جورهم فان من أحب بقاء الظالمين كان معهم و حشر في زمرتهم في نار جهنم.

و حذر عليه السلام في بعض أحاديثه شيعته من الدخول في سلك حكومة هارون و التلبس بأي وظيفة من وظائف دولته،فقال(ع)لزياد ابن أبي سلمة:

«يا زياد،لأن أسقط من شاهق فأتقطع قطعة قطعة أحب إلي من أن أتولى لهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم» (1).

و إنما قاوم عليه السلام حكومة هارون بهذه المقاومة الشديدة لأن في ولايته درسا للعدل و تبديلا لسنة اللّه و محوا للحق و إحياء للباطل و قتلا للاسلام فلذا حرم على شيعته التعاون معه و استثنى(ع)من ذلك ما اذا كانت الوظيفة لانقاذ المسلمين من الظلم و الجور،و قضاء حوائج المؤمنين فقد أباحها(ع) كما في حديثه مع علي بن يقطين،و هو مستثنى من ولاية الجائر كما سنبينه في بعض فصول هذا الكتاب.

إن موقف الإمام من حكومة هارون موقف صريح واضح يقضي بوجوب تحطيم حكمه و إزالة ملكه،اما الوسائل المحققة لذلك فسنبين أنه كان يرى ضرورة المقاومة السلبية فقط،و أما غيرها فليست من رأيه لعلمه بفشلها و عدم نجاحها و سنذكر ذلك عند التعرض لمحنة العلويين في دوره.

التنكيل بالعلويين

اشارة

:

و ورث هارون من جده المنصور البغض العارم و العداء الشديد للعلويين فقابلهم منذ بداية حكمه بكل قسوة و جفاء،و صب عليهم جام غضبه، و قد أقسم على استئصالهم و قتلهم فقال:«و اللّه لأقتلنهم-اي العلويين-


1) المكاسب للشيخ الانصاري:باب الولاية من قبل الجائر.

و لاقتلن شيعتهم» (1).

و أرسل طائفة كبيرة منهم الى ساحات الاعدام،و دفن قسما منهم و هم أحياء،و أودع الكثيرين منهم في ظلمات السجون الى غير ذلك من المآسي الموجعة التي صبها عليهم،و فيما يلي عرض لبعضها:

نفيهم من بغداد:

و حينما استولى الرشيد على دست الحكم اصدر مرسوما مليكا يقضي باخراج العلويين فورا من بغداد الى يثرب فقامت السلطة بنفيهم عنها (2)لقد كان الرشيد شديد الوطأة على عترة النبي(ص)،و كانوا على علم بمقته و بغضه لهم فحينما علموا بخلافته هاموا على وجوههم في القرى و الارياف متنكرين لئلا يعرفهم أحد،قد احاط بهم الرعب و الفزع، و استولى عليهم الخوف و الارهاب،و قد امعنت الشرطة في متابعتهم، و مطاردتهم،و انتشرت الاستخبارات و الأمن للتفتيش عنهم،فمن القوا القبض عليه ارسل الى القبور أو السجون أو الى بعض وزراء هارون ليرسل رأسه هدية إليه في أيام أعياده.

ففي ذمة اللّه ما عانته ذرية النبي(ص)من الارهاق و التنكيل في عهد هذا الطاغية الجبار الذي لم يرع فيهم حرمة جدهم الرسول(ص).

انتقاصهم:

و بذل هارون جميع جهوده و امكانياته لتحطيم العلويين و تشويه سمعتهم و أعطى المزيد من الاموال للشعراء الذين يهجونهم،و كان مفتاح الوصول إليه


1) الاغاني:225/5

2) التمدن الاسلامي:47/4

و الاتصال به و النيل من دنياه منحصرا في هذا الطريق فقد عاتب أبان بن عبد الحميد البرامكة على تركهم ايصاله للرشيد فقالوا له:

«و ما تريد من ذلك؟».

فقال أبان:أريد أن أحظى منه بمثل ما يحظى به مروان بن أبي حفصة».

قال له الفضل:إن لذلك مذهبا و هو هجاء آل أبي طالب و ذمهم به يحظى و عليه يعطى فاسلكه حتى نفعل».

فتوقف أبان و قال:لا استحل ذلك،فقالوا له:

«فما تصنع؟لا يجيء طلب الدنيا إلا بما لا يحل».

و أخيرا باع دينه و تخلى عن عقيدته،و نظم قصيدة ذمهم فيها و قد جاء فيها:

نشدت بحق اللّه من كان مسلما أعم بما قد قلته العجم و العرب

أعم رسول اللّه أقرب زلفة لديه أم ابن العم في رتبة النسب

و أيهما أولى به و بعهده و من ذا له حق التراث بما وجب

فان كان عباس أحق بنسلكم و كان علي بعد ذاك على سبب

فأبناء عباس هم يرثونه كما العم لابن العم في الارث قد حجب

و عرض قصيدته على الفضل فقال له:«ما يرد على أمير المؤمنين أعجب من أبياتك»ثم مضى الى الرشيد فتلاها عليه فاعطاه و قربه إليه (1)لقد منح هارون الثراء العريض و وهب الاموال الطائلة لكل من انتقص العلويين من الشعراء،فقد انشده مروان بن أبي حفصة قصيدته التي جاء فيها:

أو ابناء عباس نجوم مضيئة إذا غاب نجم لاح آخر زاهر76


1) الاغاني:75/20-76

حصون بني العباس في كل مأزق صدور العوالى و السيوف البواتر

ليهنكم الملك الذي اصبحت بكم أسرته مختالة و المنابر

أبوك ولى المصطفى دون هاشم و إن رغمت من حاسديك المناخر

فأعطاه خمسة آلاف دينار و كساه خلعة و أمر له بعشرة من رقيق الروم الذين أسرهم،و أركبه على برذون من خاص مراكبه (1).

لقد منحه هذه الاموال الضخمة لهجائه آل البيت عليهم السلام و مدحه للعباسيين و انهم أولى بالنبى من العلويين،و دخل عليه منصور النمري فأنشده قصيدته التي هجا فيها آل علي و هي:

بنى حسن و قل لبني حسين عليكم بالسداد من الأمور

أميطوا عنكم كذب الأماني و أحلاما يعدن عدات زور

مننت على ابن عبد اللّه يحيى و كان من الحتوف على شفير

و لو جازيت ما اقترفت يداه دلفت له بقاصمة الظهور

يد لك في رقاب بني علي و من ليس بالمن الصغير

و إنك حين تبلغهم أذاة -و ان ظلموا-لمحترق الضمير

ألا للّه در بني علي و زور من مقالتهم كبير

يسمون النبي أبا و يأبى من الأحزاب سطر من سطور (2)

و لما فرغ من إنشاده قال له:ويحك ما هذا؟!!شيء كان في نفسي منذ عشرين سنة لم أقدر على إظهاره فأظهرته بهذا البيت-و إنك حين تبلغهم أذاة-ثم قال للفضل بن الربيع:خذ بيد النميري فأدخله بيت المال ودعه يأخذ ما شاء،فأدخله الربيع بيت المال و لم يكن فيه سوى عشرين».


1) الطبري:473/3

2) أشار بذلك الى الآية الكريمة في سورة الاحزاب«ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول اللّه».

بدرة فاحتملها (1).

و كان منصور النمري يتظاهر بالميل لهارون و العداء للعلويين و لكنه كان يبطن الولاء لهم:فوشى به بعض خصومه الى الرشيد و أخبره بأنه يبطن التشيع و أنشده قصيدته التي يتفجع فيها لمقتل سيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام،و هي:

شاء من الناس راتع هامل يعللون الناس بالباطل

تقتل ذرية النبي و ير جون جنان الخلود للقاتل

ويلك يا قاتل الحسين لقد نؤت بحمل بنوء بالحامل

أي حباء حبوت أحمد في حفرته من حرارة الثاكل

بأي وجه تلقى النبي و قد دخلت في قتله مع الداخل

هلم فاطلب غدا شفاعته أو لا فرد حوضه مع الناهل

ما الشك عندي في حال قاتله و انما الشك في الخاذل (2)

و عاذ لي أنّي أحب بني أحمد فالترب في فم العاذل

قد دنت ما دينكم عليه فما وصلت من دينكم الى طائل

دينكم جفوة النبي و ما ال‍ جافي لآل النبي كالواصل

و عرض في قصيدته لظلامة سيدة النساء فاطمة(ع)،و طالب يمن يثأر لظلامتها يقول:

مظلومة و النبي والدها تدير أرجاء مقلة حافلذل


1) طبقات الشعراء:ص 246

2) هكذا ذكره ابن قتيبة في كتابه(الشعر و الشعراء)ص 285 و رواه الشريف المرتضى في أماليه هكذا: ما الشك عندي في كفر قاتله لكني قد أشك في الخاذل

أ لا مساعير يغضبون لها بسلة البيض و القنا الذابل (1)

و تلا على هارون قوله:

آل الرسول و من يحبهم يتطامنون مخافة القتل

أمين النصارى و اليهود و هم من أمة التوحيد في أزل (2)

فتحرق الرشيد غيظا و غضبا و أمر باحضاره فورا،فتوجه الجند إليه و لكنهم وصلوه ليلة مات و دفن (3)و قال الرشيد:لقد هممت أن أنبشه ثم احرقه (4).

و خاف المسلمون في ذلك الدور المظلم من ذكر مناقب أهل البيت(ع) فلم يجرأ أحد من الشعراء على مدحهم و رثائهم فان فاه بذلك تعرض للنقمة و العذاب فهذا ابن هرمة (5)لما مدحهم بقوله:

و مهما ألام على حبهم فاني أحب بني فاطمة).


1) المساعير:جمع مسعار،و هو موقد الحرب،البيض:السيوف الذابل:الرقيق الحاد.

2) أزل:الضيق و الشدة

3) الاغاني:20/12

4) الشعر و الشعراء:ص 258

5) ابن هرمة:هو أبو اسحاق ابراهيم بن علي القرشي الفهري المدني،شاعر مفلق من الشعراء المخضرمين،قال الاصمعي ختم الشعر بابراهيم بن هرمة و هو آخر الحجج،و كان ممن اشتهر بالانقطاع للطالبيين و قد اكثر من مدائحهم و رثائهم،كان جوادا كريما و هو القائل: و يدل ضيفي في الظلام على اشراق ناري أو نبيح كلابي جاء ذلك في الكنى و الالقاب:(ج 1 ص 435-436).

بني بنت من جاء بالمحكما ت و الدين و السنة القائمة

فسئل عن قائلها فأنكر أنه قالها،و شتم قائلها و قد أنكر عليه ابنه لأنه سب نفسه و كان يعلم انه نظم البيتين فقال له:يا بني،ان ذلك خير للمرء من أن يأخذه ابن قحطبة (1)و أعرض الناس عن ذكر أهل البيت(ع) خوفا من نقمة هارون كما اندفع بعض المارقين عن الاسلام و المنحرفين عنه الى اعلان سبهم و طعنهم تقربا للرشيد فهذا مروان بن أبي حفصة تعرض لكرامة سيدة النساء فاطمة عليها السلام فوصفها بأنها كانت تطحن بالرحى و ان رسول اللّه(ص)زوجها من أمير المؤمنين(ع)و هو بائس فقير و قد رده ابن الحجاج (2)بقوله:

أ كان قولك في الزهراء فاطمة قول امرئ لهج بالنصب مفتونخف


1) الاغاني:109/4-110

2) ابن الحجاج:هو ابو عبد اللّه الحسين بن احمد بن الحجاج النيلي البغدادي الكاتب الموهوب في طليعة شعراء الشيعة،يقال انه في درجة امرئ القيس في شعره،كان معاصرا للسيدين الرضى و المرتضى له ديوان شعر كبير يقع في عدة مجلدات،جمع الشريف الرضي المختار من شعره و سماه «الحسن من شعر الحسين»و من شعره القصيدة الفائية المعروفة في مدح مولانا أمير المؤمنين عليه السلام: يا صاحب القبة البيضاء على النجف من زار قبرك و استشفى لديك شفي زوروا أبا الحسن الهادي فانكم تحظون بالاجر و الاقبال و الزلف زوروا لمن يسمع النجوى لديه فمن يزره بالقبر ملهوفا لديه كفي و قل سلام من اللّه السلام على أهل السلام و أهل العلم و الشرف اني أتيتك يا مولاي تشفع لي و تسقني من رحيق شافي اللهف لأنك العروة الوثقى فمن علقت بها يداه فلن يشقى و لم يخف و القصيدة طويلة ذكر فيها سيلا من الأدلة على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام و ختمها بقوله: بحب حيدرة الكرار مفتخري به شرفت و هذا منتهى شرفي توفي سنة 391 هجرية في شهر جمادى الثانية في اليوم السابع و العشرين و دفن بجوار مولانا الامام موسى بن جعفر عليه السلام و أوصى أن يكتب على لوح قبره:(و كلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)و رثاه السيد الرضي بقوله: نعوه على حسن ظني به فلله ما ذا نعى الناعيان رضيع ولاء له شعبة من القلب مثل رضيع اللبان و ما كنت أحسب أن الزمان يفل بضارب ذاك اللسان جاء ذلك في الكنى و الالقاب:(ج 1 ص 245-247)،يوجد ديوان شعره بمكتبة الامام كاشف الغطاء العامة و قد أخذ بالصورة الفوتوغرافية على النسخة الأصلية القديمة.

عيرتها بالرحى و الحب تطحنه لا زال زادك حبا غير مطحون

و قلت ان رسول اللّه زوجها مسكينة بنت مسكين لمسكين (1)

لقد سحق مروان بن أبي حفصة جميع المقدسات و القيم الاسلامية للتوصل الى هارون،فهاجم أعز الناس عند النبي(ص)و أحبهم إليه و هي بضعته الطاهرة سيدة النساء(ع)لينال بذلك من نعيم هارون و دنياه،اما الصفات التي حاول بها الطعن على سيدة النساء فانها كانت من أميز صفاتها اذ ليس عليها نقص أو حزازة في طحنها الطعام لأطفالها و زوجها من دون أن تستعين بأحد فان أباها الرسول(ص)لم يشتر لها خادما يعينها على شئونها البيتية و هي أعز ابنائه و بناته عنده،و قد أعطى(ص)بذلك درسا/2


1) المناقب 97/2

خلاقا لحكام المسلمين و ولاتهم في لزوم الاحتياط بأموال المسلمين و حرمة اصطفاء أي شيء منها.

و اما زواجها من الامام أمير المؤمنين(ع)و هو بائس فقير فلأنه لم يكن لها كفء سواه،و ليس الاسلام ينظر في موضوع الزواج الى المادة و الثراء و انما ينظر الى العفة و الفضيلة،و ليست متع الحياة عنده ملحوظة مطلقا في هذا الموضوع ما دام الانسان على سلامة من دينه،و لم يكن في العالم الاسلامي منذ فجر تاريخه من يملك رصيدا من المواهب و الكمالات و العبقريات و صلابة العقيدة و قوة الايمان كما ملكه الامام أمير المؤمنين عليه السلام،فهل هناك احد ضمته سماء الأمة الاسلامية أسمى منه و أرفع حتى يزوجه النبي من بضعته العزيزة عليه،و لكن النفوس التي لم تع هدي الاسلام و تعاليمه،أخذت تنظر الى سمو الشخص من زاوية واحدة و هي الثراء و المال فراحت تحاول الطعن و الانتقاص من سيدة النساء عديلة مريم بنت عمران في قداستها و عفافها لانها تزوجت من الامام أمير المؤمنين و هو فقير لا مال عنده.

مجزرة رهيبة:

و سلبت الرحمة و انعدمت الرأفة من نفس الطاغية هارون تجاه العلويين فقد ارتكب أبشع جريمة سجلها التأريخ تجاههم و هي إعدامه لجماعة منهم في ليلة واحدة بصورة محزنة تذهب النفس لهولها أسى و حسرات،و قد حدث بفصول تلك المأساة الرهيبة الجلاد حميد بن قحطبة،فقد روى عبيد اللّه النيسابوري قال:دخلت على حميد بن قحطبة في شهر رمضان وقت الزوال فأحضرت المائدة فدعاني حميد الى تناول الطعام فقلت له:أيها الأمير، هذا شهر رمضان،و لست بمريض،و لا بي علة توجب الافطار،و لعل

الأمير له عذر في ذلك فقال لي ما بي علة توجب الافطار ثم دمعت عينه و بكى،و بعد فراغه من الطعام التفت إليه عبيد اللّه مستفهما عن سر بكائه فأجابه:

أنفذ إلي هارون حينما كنت بطوس في غلس الليل فلما مثلت عنده قال لي:

كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ -أفديه بالنفس و المال فأطرق هارون برأسه ثم أذن لي بالانصراف،و بعد فترة قصيرة بعث خلفي فلما حضرت عنده قال لي:

-كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ -أفديه بالنفس و الأهل و المال فتبسم هارون ثم أذن لي بالانصراف،فلما دخلت منزلي عاودني الرسول مرة ثالثة قائلا أجب أمير المؤمنين فلما حضرت عنده قال لي:

-كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ -أفديه بالنفس و الأهل و المال و الدين فتبسم،و قال:خذ هذا السيف،و امتثل ما يأمرك به الخادم، فأخذت السيف،و قدم الخادم أمامي حتى جاء بي الى بيت مغلق فاذا فيه بئر في وسطه،و ثلاثة بيوت مغلقة،ففتح بيتا منها فاذا فيه عشرون شخصا بين شيخ و كهل و شاب،فقال لي:

«إن أمير المؤمنين،يأمرك بقتل هؤلاء،و كلهم من ولد علي و فاطمة».

فجعل يخرج لي واحدا بعد واحد و أنا أضرب عنقه حتى أتيت على آخرهم فرمى بأجسادهم و رءوسهم في تلك البئر،ثم فتح البيت الثاني و إذا

فيه عشرون شخصا فقال لي:

«إن أمير المؤمنين،يأمرك بقتل هؤلاء جميعا،و كلهم من ولد علي و فاطمة».

و أخذ يخرج لي واحدا بعد واحد حتى أتيت على آخرهم قتلا فرمى بأجسادهم و رءوسهم في تلك البئر،ثم فتح الباب الثالث و إذا فيه عشرون علويا و أمرني بقتلهم فجعل يخرج إلي واحدا بعد واحد حتى أعدمت منهم تسعة عشر شخصا و بقي شيخ كبير فقال لي:

«تبا لك،أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت على جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد قتلت من أولاده ستين شخصا،فارتعدت فرائصي و أصابتني هزة عنيفة فنظر إلي الخادم شزرا و نهرني،فأتيت على ذلك الشيخ فقتلته و رميت به في ذلك البئر».

و التفت الى عبيد اللّه فقال له:

«اذا كان فعلي هذا،و قد قتلت ستين شخصا من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فما ينفعني صومي و صلاتي؟و أنا لا أشك اني مخلد في النار» (1).

و هذه المجزرة ان صحت نسبتها إليه (2)فانها تدل على انه لا عهد له باللّه و لا باليوم الآخر فقد أقدم على هتك حرمات اللّه،و أراق دماء آل النبي(ص)بغير حق.ر.


1) البحار:285/11-286:عيون اخبار الرضا.

2) جاء في كل من تأريخ الطبري و النجوم الزاهرة أن حميد بن قحطبة توفي سنة(158)و ولاية الرشيد كانت سنة(170)و هو مناف لوقوع هذه الحادثة في أيام الرشيد و الاقرب ان هذه المجزرة وقعت أيام المنصور.

هدم مرقد الحسين:

و ضاق الرشيد ذرعا،و استشاط غضبا و غيظا حينما رأى جماهير المسلمين تتهافت على زيارة مرقد ريحانة النبي(ص)و سيد شباب أهل الجنة الامام الحسين(ع)فأمر باحضار سادن المرقد المطهر ابن ابي داود ليصب عليه جام عقابه و عذابه،و لما مثل عنده قال له بنبرات تقطر غضبا:

«ما الذي صيرك في الحير» (1)فقال له ابن ابي داود:إن الحسن بن راشد (2)هو الذي وضعني في ذلك الموضع،فهز الرشيد رأسه،و أمر باحضاره بالفور و هو يقول:

«ما أخلق ان يكون هذا من تخليط الحسن»و لما حضر عنده قال له:

«ما حملك على أن صيرت هذا الرجل في الحير؟» فقال له الحسن مستعطفا:

«رحم اللّه من صيره في الحير أمرتني أمّ موسى (3)أن اصيره و ان اجري عليه في كل شهر ثلاثين درهما.

فهدأ روع الرشيد،و قال:«ردوه الى الحير،و اجروا عليه ما أجرته أم موسى» (4).

و ما لبث الرشيد أن عاد الى غيه و طغيانه فأمر بهدم المرقد العظيم و هدم الدور المجاورة له،و اقتلاع السدرة التي كانت الى جانب القبر


1) الحير:اسم لمدينة كربلاء المقدسة كما في معجم البلدان و الصحاح

2) الحسن بن راشد من رواة الامام الصادق(ع)و من أعلام الشيعة

3) أمّ موسى:هي أم المهدي،و هي ابنة يزيد بن منصور الحميري من ملوك اليمن.

4) الطبري:118/10

الشريف (1)كما أمر بحرث ارض كربلا ليمحو بذلك كل أثر للقبر المطهر و قد انتقم اللّه منه فانه لم يدر عليه الحول حتى هلك في خراسان (2)لقد خاب سعي الرشيد،و ظل كيده فانه و سائر ملوك الأمويين و العباسيين و غيرهم ممن نصبوا العداوة و البغضاء لسيد الشهداء(ع)قد خبا ذكرهم،و أفل مجدهم،و بقي الامام الحسين رمزا للخلود قد استوعب ذكره جميع لغات الأرض،تتهافت الملايين من المسلمين على زيارة مرقده و اقامة عزائه.

و ستبقى تلك المراقد الزكية في كربلاء رمزا خالدا للانسانية تزداد شأنا و عظمة على جميع مراحل التأريخ.

و سيبقى الحسين وحده على هامة الشرف و المجد حتى يرث اللّه الأرض و من عليها

اعدام العلويين و اغتيالهم

اشارة

:

و أعدم الطاغية هارون و اغتال طائفة كبيرة من أعلام العلويين هم من خيرة المسلمين علما و ورعا و تحرجا في الدين،و نعرض فيما يلى لبعضهم


1) المناقب:19/2،الامالي:(ص 206)و جاء فيهما ان يحيى ابن المغيرة الرازي قال:«كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق،فسأله جرير عن خبر الناس.فقال:تركت الرشيد، و قد كرب قبر الحسين عليه السلام و أمر أن تقطع السدرة فقطعت.فرفع جرير يديه و قال اللّه اكبر جاءنا فيه حديث عن رسول اللّه(ص)أنه قال: لعن اللّه قاطع السدرة ثلاثا.فلم نقف على معناه حتى الآن،لأن القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين حتى لا يقف الناس على قبره».

2) تأريخ كربلاء:(ص 198)

مع بيان ما جرى عليهم من القتل و التنكيل.

1-عبد اللّه بن الحسن:

ابن علي بن الامام زين العابدين(ع)يكنى أبا محمد،أمه بنت سعيد ابن محمد بن جبير،عهد إليه بالأمر من بعده الشهيد الحسن بن علي قتيل فخ.

قال الرشيد للفضل بن يحيى:هل سمعت بخراسان ذكرا لاحد منهم -أي من العلويين-؟ قال الفضل:لا و اللّه لقد جهدت فما ذكر أحد لي منهم إلا اني سمعت رجلا ذكر موضعا ينزل فيه عبد اللّه بن الحسن،فلما سمع الرشيد بذلك بعث خلفه فجيء به إليه فلما حضر عنده قال له:بلغني أنك تجمع الزيدية،و تدعوهم الى الخروج معك،فتوسل إليه عبد اللّه و أنكر ذلك قائلا:

«يا أمير المؤمنين،ناشدتك اللّه في دمي،فو اللّه ما أنا من هذه الطبقة،و لا لي فيهم ذكر،و ان أصحاب هذا الشأن بخلافي،انا غلام نشأت بالمدينة،و في صحاريها أسعى على قدمي،و أتصيد بالبواشيق ما هممت بغير ذلك».

فلم يلن قلب الرشيد لاستعطافه،و أمر باعتقاله في بعض سجونه، و لم يزل العلوي محبوسا حتى ضاق صدره فبعث برسالة الى هارون ملأها بالشتم و السباب،فلما قرأها هارون تحرق من الغيظ و نقله من الحبس و دعا جعفر بن يحيى فأمره بأن يجعله عنده،و في اليوم الثاني و قد صادف عيد النيروز قدمه جعفر فضرب عنقه و غسل رأسه و جعله في منديل و أهداه الى

الرشيد مع جملة من الهدايا (1)و إنما قدم جعفر على ارتكاب هذه الجريمة لعلمه أن أثمن هدية تقدم للرشيد قتل ذرية رسول اللّه(ص)فانها توجب سروره و المزيد من الثقة به.

2-العباس بن محمد:

ابن عبد اللّه بن الامام زين العابدين عليه السلام،يكنى أبا الفضل، و أمه أم سلمة بنت محمد بن علي بن الحسين،دخل على هارون فكلمه كلاما طويلا فقال هارون له:يا بن الفاعلة،فثار العباس ورد عليه بأغلظ القول و أقساه قائلا له:

«تلك أمك التي تواردها النخاسون».

و كان هذا هو منطق الأحرار الذين لا يخضعون لمنطق القوة و السلطان و لما سمع الرشيد ذلك ثار من الغضب،و أمر أن يدنى منه و قام فضربه بالجرز (2)حتى قتله (3).

3-إدريس بن عبد اللّه:

ابن الحسن بن الحسن بن الامام أمير المؤمنين(ع)أمه عاتكة بنت عبد الملك بن الحرث الشاعر المعروف،حضر إدريس واقعة فخ و أفلت منها مع مولى له يقال له:راشد،فخرج حتى وصل إلى مصر فنزلها ليلا و جلس على باب رجل من موالي بني العباس،فسمع كلامه فخرج فعرفه بنفسه بعد أن أخذ منه العهود و المواثيق أن لا يعرف شخصيته لأحد و لا يخبر السلطة المحلية به فاستجاب لقوله:و آواه تلك الليلة و قام في تكريمه


1) مقاتل الطالبيين:(ص 493-494)

2) الجرز:عمود من حديد

3) مقاتل الطالبيين:ص 498

على أحسن ما يرام،و تهيأت قافلة الى افريقية فبعث معها راشدا و تخلف الرجل مع إدريس فسلك به طريقا آخر خوفا عليه من أن يؤخذ،و مضيا يجدان في الطريق حتى انتهيا الى طنجة و فاس،و أخذ إدريس يبث دعوته و ينشر أهدافه حتى استجابت له البربر،و بايعته فبلغ الرشيد ذلك فاهتم لأمره،و شكا أمره الى رئيس وزرائه يحيى البرمكي فقال له:أنا أكفيك أمره،و دعا سليمان بن جرير الجزري،و كان من متكلمي الزيدية فأوعده بالأموال الطائلة و أرشاه إذا اغتال إدريس و دفع إليه سما فاتكا فاستجابت نفسه الخبيثة الى الشر،و مضى يقطع البلاد حتى انتهى الى ادريس فأسر إليه بمذهبه و أخبره انه انهزم من السلطة نظرا لأنه من متكلمي الزيدية، فأنس به إدريس و قربه إليه،و كانت الزيدية تجتمع به فيلقي عليها المحاضرات و الدروس من مذهبهم،و لما تيقن إدريس باخلاصه أخرج إليه سليمان قارورة طيب و قال له:انه لا يوجد في هذا البلد مثلها فأخذها إدريس و شمها فتسمم بها و أقام نهارا و قد أثر فيه السم حتى لحق بالرفيق الأعلى.و قيل انه أهدى إليه سمكة مشوية مسمومة فلما تناولها توفي على الأثر،و قال بعض شيعة بني العباس يفخر في قتله:

أ تظن يا إدريس انك مفلت كيد الخليفة أو يقيك فرار (1)

فليدركنك أو تحل ببلدة لا يهتدي فيها إليك نهار

إن السيوف إذا انتضاها سخطه طالت و تقصر دونها الأعمار (2)

ملك كأن الموت يتبع أمره حتى يقال تطيعه الأقدار

و دفن هناك و كانت له امرأة حامل فولدت له ولدا سمي بادريس فانتظروه الى ان كبر فبايعوه و بذلك تشكلت دولة لبني الحسن في المغربا»


1) في رواية الطبري:«أو يفيد فرار»

2) في رواية الطبري:«قصر دونها»

و عرفت دولتهم بدولة الأدارسة (1).

4-يحيى بن عبد اللّه:

اشارة

ابن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام،يكنى أبا الحسن كان جليل القدر رفيع الشأن له منزلة مرموقة عند المسلمين،و نعرض فيما يلي الى بعض شئونه و أحواله:

1-صفته:

كان قصيرا حسن الوجه و الجسم،تعرف سلالة الأنبياء في وجهه و وصفه بعض عيون هارون له فقال:إنه مربوع،أسمر،حلو السمرة حسن العينين عظيم البطن.

2-منزلته العلمية:

كان من عيون أهل العلم و الفضل،روى الحديث و اكثر الرواية عن الامام جعفر الصادق(ع)و روى عن أبيه و عن أخيه محمد و عن أبان بن تغلب،روى عنه مخول بن ابراهيم،و بكار بن زياد،و يحيى بن مساور، و عمرو بن حماد،و كان مالك بن أنس إذا رآه قام عن مجلسه و أجلسه إلى جنبه.


1) تراجع سيرة إدريس و أخباره في تأريخ الطبري:14/9 -31 و مقاتل الطالبيين ص 487-491 طبع مصر،و نفح الطيب للمقري: 224/1-227 و الاستقصاء لدول المغرب الأقصى للسلاوي طبع مصر: 67/1.

3-نشأته:

نشأ في بيت الامام الصادق(ع)و أفاض الامام عليه الكثير من علومه و جعله أحد أوصيائه،و كان إذا حدث عن الامام الصادق يقول حدثني حبيبي جعفر بن محمد(ع)و قد شاهد النكبات القاسية و الخطوب السود التي مرت على أسرته و أهل بيته من الظالمين و حكام الجور.

4-اشتراكه في ثورة الحسين:

كان يحيى من أبطال ثورة الشهيد صاحب واقعة فخ فقد ساهم فيها مساهمة فعالة،و ناضل مع بقية اخوانه نضالا كثيرا و جاهد جهادا طويلا في سبيل تحقيق العدل و المساواة في ربوع المجتمع الاسلامي،و إزالة حكم الظالمين من بني العباس،و لما استولت جيوش العباسيين على الحسين و قتلوه بتلك القتلة المروعة الموجعة،اختفى يحيى و هرب مع زمرة من اخوانه الأباة يجول في البلدان و يطلب موضعا يلجأ إليه.

5-هربه الى الديلم:

و خاف يحيى على نفسه و على أصحابه من هارون فمضى متخفيا و متنكرا مع سبعين رجلا من أصحابه الى الديلم فلما وصل إليها استقبل باستقبال حاشد و ظهر أمره و دعا الناس الى نفسه فاستجابوا له،و نزع إليه الناس من سائر الأمصار و الأقطار،ففزع الرشيد من ذلك فزعا شديدا فترك شرب الخمر و اشتغل بالتفكير في أمره،و بينما هو مشغول في أمره إذ دخل عليه رجل فقال له:يا أمير المؤمنين نصيحة.فقال الرشيد:لهرثمة اسمع ما يقول، فأبى الرجل أن يخبر بأي شيء و قال:إنها من أسرار الخلافة فأمره أن لا يبرح من مكانه حتى يفرغ من بعض شئونه فلما فرغ استدعى به فطلب منه

إخلاء المجلس من كل إنسان فأمر الرشيد بانصراف من كان معه و قال له:

-هات ما عندك -على أن تؤمنني من الأسود و الأحمر؟ -نعم و أحسن إليك -كنت في خان من خانات حلوان فاذا انا بيحيى بن عبد اللّه في دراعة صوف غليظة،و كساء صوف أحمر غليظ و معه جماعة ينزلون اذا نزل،و يرتحلون اذا رحل،و يكونون معه ناحية فيوهمون من رآهم أنهم لا يعرفونه و هم أعوانه.

قال الرشيد:أو تعرف يحيى؟ قال قديما و ذاك الذي حقق معرفتي بالأمس له.

قال:صفه لي فوصفه بجميع صفاته قال الرشيد:هو ذاك.فما سمعته يقول؟.

قال:ما سمعته يقول شيئا،غير اني رأيته،و رأيت غلاما له أعرفه لما حضر وقت الصلاة أتاه بثوب غسيل فألقاه في عنقه،و نزع جبة من الصوف ليغسلها،فلما كان بعد الزوال صلى صلاة ظننتها العصر،أطال في الأولتين و حذف الأخيرتين.

قال الرشيد:للّه أبوك!!لجاد ما حفظت تلك صلاة العصر و ذلك وقتها عند القوم،أحسن اللّه جزاءك و شكر سعيك،فما أنت و ما أصلك؟؟.

قال:انا رجل من أبناء هذه الدولة،و أصلي مرو،و منزلي بمدينة السلام.

و اغتم الرشيد،و طافت به أفكار مبرحة و هواجس مريرة و أخذ يطيل التفكير في ذلك فرأى أن لا وسيلة له إلا الحرب.

6-خروج الفضل لحربه:

و ندب هارون لحرب يحيى الفضل بن يحيى و زوده بجيش بلغ خمسين الف رجل و معهم كبار القواد و صناديد الجيش،و ولاه كور الجبال و الري و جرجان و طبرستان و قومس و دنباوند و الرويان،و أخذ معه أموالا طائلة فرقها على زعماء الجيش و على الشعراء،و تحرك الفضل تحف به جيوشه و معه الأموال يشتري بها الضمائر و انتهى في مسيره الى طالقان فأقام فيها، و أخذ يراسل صاحب الديلم و جعل له الف الف درهم على أن يسهل له خروج يحيى.

7-تفرق أصحاب يحيى:

و لما سمع أصحاب يحيى بقدوم الفضل لحربه تفرقوا عنه و خذلوه»و كثر خلافهم،و انشقاقهم عليه فجعل يحيى يناجي ربه و يدعوه قائلا:

«اللهم اشكر لي إخافتي قلوب الظالمين،اللهم إن تقض لنا النصر عليهم فانما نريد إعزاز دينك،و ان تقض لهم النصر فيما تختار لأوليائك و أبناء أوليائك من كريم المآب و حسن الثواب».

و دعاه الفضل الى الصلح و عدم إراقة الدماء فلم يجد يحيى بدا من اجابته إذ لم تكن له فئة ينصرونه و لم يكن يأوى الى ركن شديد.

8-عقد الصلح:

و وقع الصلح بين يحيى و الفضل على شروط شرطها الفضل،فكتبت الشروط و بعثت الى هارون فوقع عليها و أشهد الجماعة التي طلب يحيى شهادتهم،و جاء إليه عبد اللّه بن الامام موسى(ع)بعد ابرام الصلح فقال له:يا عم اخبرني بما لقيت؟فقال:ما كنت إلا كما قال حي

ابن أخطب:

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه و لكنه من يخذل اللّه يخذل

فجاهد حتى أبلغ النفس عذرها و قلقل يبغي العز كل مقلقل

لقد اضطر يحيى الى الصلح و إلى الاتفاق مع خصمه لأن جيشه قد تفرق عنه و خذله الناس و لم يبق معه إلا قلة خيرة من أصحابه لا تتمكن على حمايته و الدفاع عنه حتى اضطر الى المسالمة على ما فيها من قذى في العين و شجى في الحلق.

9-قدومه لبغداد:

قدم يحيى الى بغداد و نفسه مترعة بالألم و الحزن لعلمه ان هارون لا يفي بعهده و وعده،و جاء الى الرشيد تحف به زمرة من أصحابه فقام إليه و عانقه و أظهر له الود الكاذب،و أمر له بالوقت بمائتي الف دينار فأخذها و أوفى بها دينا كان للحسين صاحب واقعة فخ و لم يتصرف بها و مكث في بغداد،و قد وضع عليه الرشيد العيون و الجواسيس يراقبونه و يتعرفون على من يفد إليه من أصحابه و شيعته،و في نفس الوقت كان يدبر الحيلة في اغتياله و قتله فشعر بذلك يحيى فطلب من الفضل أن يسمح له بالوفادة لبيت اللّه الحرام فامتنع من إجابته-أولا-و لكنه توسل إليه و التمس منه ذلك فأذن له، و علم الرشيد بذلك فدعا بالفضل فلما مثل عنده قال له:

-ما خبر يحيى بن عبد اللّه؟.

-في موضعه عندي مقيم -و حياتي فأحس الفضل بذلك فقال له:و حياتك إني أطلقته سألنى برحمة من رسول اللّه فرققت له.

قال الرشيد:أحسنت قد كان عزمي أن أخلي سبيله.

و خرج الفضل و هارون يتميز من الغضب و الغيظ و ألحقه بنظرة مريبة قائلا:«قتلني اللّه إن لم أقتلك»و لما انتهى يحيى من حجه قدم قافلا الى بغداد،و الرشيد مهتم في أمره يتحين الفرص لنقض عهده و قتله،فبعث خلفه فلما حضر عنده قال له:

يا يحيى،أينا أحسن وجها أنا أو أنت؟.

-بل أنت يا أمير المؤمنين،إنك لأنصع لونا و أحسن وجها.

-فأينا أكرم و أسخى أنا أو أنت؟.

و لم تكن هذه الأسئلة إلا دليلا على غروره و قلة حيائه و صفاقة وجهه و تماديه في الاثم و الطيش و انبرى يحيى الى جوابه قائلا له:

-و ما هذا يا أمير المؤمنين؟!!و ما تسألني عنه،أنت تجبى إليك خزائن الأرض و كنوزها،و أنا اتمحل من سنة الى سنة.

فخجل هارون من سؤاله و قال له:أينا أقرب الى رسول اللّه(ص) أنا أو أنت؟.

قال يحيى:قد أجبتك عن خطتين فاعفني عن هذه.

و إنما تنصل من الجواب لعلمه بأنه يسبب له مشكلة لا يتمكن من الخلاص منها فأصر هارون على أن يجيبه و لم يجد يحيى بدا من ذلك فقال له:

يا أمير المؤمنين،لو عاش رسول اللّه(ص)و خطب إليك ابنتك أ كنت تزوجه؟! قال هارون:إي و اللّه.

قال يحيى:فلو عاش فخطب مني ابنتي أ كان يحل لي أن أزوجه؟.

قال الرشيد:لا.

قال يحيى:هذا جواب ما سألت.

فغضب الرشيد،و لم يملك جوابا لرده،و أمر باعادته الى السجن، و أخذ يطيل التفكير في أمره فعنّ له أن يجمع بينه و بين عبد اللّه بن مصعب ابن الزبير-و كان من أعدى الناس للعلويين-لعله يجد في ذلك مجالا لرميه بالخروج من الطاعة ليتخذ من ذلك مبررا في نقض عهده و قتله فجمع بينهما فانبرى عبد اللّه قائلا:

«يا أمير المؤمنين،هذا دعاني الى بيعته».

قال يحيى:أتصدق هذا و تستنصحه؟و هو ابن عبد اللّه بن الزبير الذي أدخل أباك و ولده الشعب و أضرم عليهم النار حتى خلصهم أبو عبد اللّه الجدلي صاحب علي بن أبي طالب(ع)عنوة،و هو الذي بقى أربعين جمعة لا يصلي على النبي(ص)في خطبته حتى التاث عليه الناس،فقال:ان له أهل بيت سوء اذا صليت عليه أو ذكرته أتلعوا أعناقهم و اشرأبوا لذكره و فرحوا بذلك،فلا أحب أن أقر أعينهم بذكره،و هو الذي فعل بعبد اللّه ابن العباس ما لا خفاء به عليك،حتى ذبحت يوما عنده بقرة فوجدت كبدها قد نقبت فقال له ابنه:يا أبة أ ما ترى كبد هذه البقرة؟فقال:

يا بني هكذا ترك ابن الزبير كبد أبيك،ثم نفاه الى الطائف فلما حضرته الوفاة قال لعلي ابنه:يا بني،الحق بقومك من بني عبد مناف بالشام، و لا تقم في بلدة لابن الزبير فيه إمرة،فاختار له صحبة يزيد بن معاوية على صحبة عبد اللّه بن الزبير و و اللّه ان عداوة هذا لنا جميعا بمنزلة سواء، و لكنه قوى عليّ بك و ضعفت عنك فتقرب بي إليك ليظفر منك بما يريد اذ لم يقدر على مثله منك،و ما ينبغي لك أن تسوغه ذلك فيّ.

و أخذ يحيى يلي بمنطقه الفياض على بغض آل الزبير لبني العباس فقال عبد اللّه:ما تدعون بغيكم علينا و توثبكم في سلطاننا،فأعرض يحيى عن جوابه و قال يخاطب هارون:

«أ توثبنا في سلطانكم؟و من أنتم-أصلحك اللّه-عرفني فلست أعرفكم».

فرفع الرشيد رأسه الى السقف لئلا يبدو عليه الضحك و خجل ابن الزبير و لم يطق جوابا و التفت يحيى الى الرشيد قائلا:فهو الخارج مع أخي على أبيك و القائل له:

إن الحمامة يوم الشعب من دثن (1)هاجت فؤاد محب دائم الحزن

إنا لنأمل أن ترتد ألفتنا بعد التدابر و البغضاء و الإحن

حتى يثاب على الاحسان محسننا و يأمن الخائف المأخوذ بالدمن

و تنقضي دولة أحكام قادتها فينا كأحكام قوم عابدي وثن

فطالما قد بروا بالجور أعظمنا بري الصناع قداح النبع بالسفن

قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتنا ان الخلافة فيكم يا بني الحسن

و أخذ يحيى يتلو بقية ما قاله عبد اللّه فتغير وجه الرشيد،و أخذ عبد اللّه يحلف له بالأيمان المغلظة انها ليست له فطلب منه يحيى أن يقسم بيمين خاص و هو-يمين البراءة من حول اللّه و قوته-فامتنع عبد اللّه من ذلك فغضب الرشيد منه و رفسه الفضل بن يحيى برجله و صاح به احلف فحلف باليمين المذكور،فما برح من موضعه حتى أصابه الجذام فتقطع و مات في اليوم الثالث.

و دلت هذه القصة على مدى انتقام الرشيد من العلويين و محاولته بكل صورة الفتك بهم غير معتن بقرابتهم من رسول اللّه(ص)و ما لهم من الكرامة و الفضل عند اللّه.ا.


1) دثن الطائر تدثينا:طار و أسرع في السقوط في مواضع متقاربة و في الشجرة اتخذ فيها عشا.

10-مع الامام موسى(ع):

ذكر الشيخ الكليني رحمه اللّه أن يحيى رفع الى الامام موسى(ع) رسالة شجب فيها موقف الامام السلبي تجاهه كما ندد فيها بالامام و بأبيه الامام الصادق عليه السلام و هذا نصها:

«اما بعد:فاني أوصي نفسي بتقوى اللّه،و بها أوصيك فانها وصية اللّه في الأولين و وصيته في الآخرين،خبرني من ورد عليّ من أعوان اللّه على دينه و نشر طاعته بما كان من تحننك مع خذلانك،و قد شاورت في الدعوة للرضا من آل محمد(ص)و قد احتجبتها و احتجبها أبوك من قبلك و قديما ادعيتم ما ليس لكم،و بسطتم آمالكم الى ما لم يعطكم اللّه،فاستهويتم و أظللتم،و أنا محذرك ما حذرك اللّه من نفسه».

فكتب إليه الامام جوابا جاء فيه:

«من موسى عبد اللّه بن جعفر بن علي مشتركين في التذلل للّه و طاعته الى يحيى بن عبد اللّه بن الحسن،أما بعد:فاني أحذرك اللّه و نفسي، و أعلمك أليم عذابه،و شديد عقابه،و تكامل نقماته،و أوصيك و نفسى بتقوى اللّه فانها زين الكلام و تثبيت النعم.

أتاني كتابك،تذكر فيه اني مدع،و أبي من قبل،و ما سمعت ذلك مني،و ستكتب شهاداتهم،و يسألون،و لم يدع حرص الدنيا و مطاليبها لأهلها مطلبا لآخرتهم،حتى يفسد عليهم مطلب آخرتهم في دنياهم، و ذكرت اني ثبطت الناس عنك لرغبتي فيما في يديك،و ما منعني من مدخلك الذي أنت فيه لو كنت راغبا ضعف عن سنة و لا قلة بصيرة بحجة و لكن اللّه تبارك و تعالى خلق الناس أمشاجا،و غرائب و غرائز فاخبرني عن حرفين

أسألك عنهما ما العترف في بدنك؟و ما الصهلج في الانسان (1)؟ثم اكتب إلي بخبر ذلك و انا متقدم إليك أحذرك معصية الخليفة-يعني هارون- و أحثك على بره و طاعته،و ان تطلب لنفسك أمانا قبل أن تأخذك الأظفار و يلزمك الخناق من كل مكان،فتروح الى النفس من كل مكان و لا تجده حتى يمن اللّه عليك بمنه و فضله،ورقة الخليفة أبقاه اللّه،فيؤمنك و يرحمك و يحفظ فيك أرحام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و السلام على من اتبع الهدى،إنا قد أوحى إلينا ان العذاب على من كذب و تولى» (2).

و الرواية لا يمكن الاعتماد عليها لأنها مرسلة-أولا-فقد جاء في سندها روى بعض أصحابنا،بالاضافة الى أن الكثيرين من رجال السند مجهولون فان منهم محمد بن رنجويه،و عبد اللّه بن الحكم الأرمني،و لم نعثر لهما على ذكر في كتب الرجال التي بأيدينا،و بعد هذا فلا مجال للاعتماد على الرواية و التشكيك في حال يحيى.

و مهما يكن من أمر فان من المتيقن ان الامام موسى عليه السلام كان يرى ضرورة المقاومة السلبية لهارون و لم ير بأي حال المقاومة الايجابية لعلمه بعدم نجاحها،فانه كان يرى الافضل لأبناء عمومته الثائرين عدم فتح باب الحرب مع هذا الطاغية و مع أسلافه البغاة،و ان الأنسب كان هو التبشير بمبدإ أهل البيت(ع)و ذكر مثالب الظالمين من اعدائهم فان ذلك انجح في القضاء على خصومهم و أعدائهم.7.


1) العترف،و الصهلج عضوان،و هما غير معروفين عند الأطباء و لعل السؤال عنهما من باب التعجيز.

2) أصول الكافي:366/1-377.

11-نقض الأمان:

و ثقل يحيى على هارون،فاستدعى فقهاء العصر و عرض عليهم الأمان الذي أعطاه له فأجمعوا أن لا طريق لنقضه سوى أبي البختري (1)الذي باع دينه على هارون و باء بالخزي و الخسران فانه نظر الى الأمان و قال:هذا باطل منتقض قد شق يحيى عصا الطاعة و سفك الدماء فاقتله و دمه في عنقي فقال له:خرقه إن كان باطلا بيدك فأخذه الأثيم و بصق فيه و مزقه قطعة قطعة فوهب له الرشيد عوض فعله الف الف و ستمائة الف،و ولاه القضاء و أجمع أمره على إعدام يحيى.

12-شهادته:

و اختلف المؤرخون في كيفية شهادته فقيل:إنه أمر باخراجه من المطبق في غلس الليل البهيم فلما مثل عنده قال لجلاوزته:خذوه و اضربوه مائة عصا.فضربوه و قد اشتد به الألم و الوجع فأخذ يتوسل لهارون و يناشده


1) وهب بن وهب بن كثير بن الأسود القاضي،أبو البختري القرشي المدني سكن بغداد،و ولى قضاء عسكر المهدي ثم قضاء المدينة،ثم ولى حريمها و صلاتها كان متهما في الحديث،قال يحيى بن معين:كان يكذب عدو اللّه،و قال عثمان بن أبي شيبة أرى أنه يبعث يوم القيامة دجالا،و قال أحمد:كان يضع الحديث وضعا،و أمر البخاري بالسكوت عنه،هلك سنة مائتين من الهجرة جاء ذلك في ميزان الاعتدال:(ج 3 ص 278) و ذكر الكشي ان أبا محمد الفضل بن شاذان قال:كان ابو البختري من أكذب البرية،و لم نعلم لما ذا أمر البخاري بالسكوت عن هذا الكذاب و عدم الخوض في حديثه مع أن الواجب تنزيه الرواة عن مثل هؤلاء المنحرفين عن الاسلام الذين فرقوا كلمة المسلمين و مزقوا شملهم.

اللّه و الرحم الماسة من رسول اللّه(ص)و قرابته منه أن يعفو عنه،و هارون يقول له بعنف:ما بيني و بينك قرابة،ثم أمر برده إلى المطبق و قال لشرطته:

كم أجريتم عليه-أي من الرزق-؟.

قالوا:أربعة أرغفة و ثمانية أرطال من الماء.

قال اجعلوه على النصف.

ثم أخرجه في الليلة الثانية،و أمر بجلده مائة عصا فجلد،ثم قال لجلاوزته:

كم أجريتم عليه؟.

قالوا:رغيفين و أربعة أرطال من الماء.

قال:اجعلوه على النصف.

و أخرجوه في الليلة الثالثة و قد ثقل حاله و ألم به المرض فقالوا له:

هو عليل مدنف فلم يكتف بذلك و انطلق يقول لهم:

كم أجريتم عليه؟.

قالوا:رغيفين و رطلين من الماء.

قال:فاجعلوه على النصف.

ثم أمر باخراجه فلم يبق إلا قليلا حتى انتقل الى جوار ربه،و قيل إنه بنى عليه اسطوانة و هو حي،و قيل:إنه سقاه السم و أمر باخراجه الى بلاطه فجعل يكلمه و هو لا يجيبه،فقال الرشيد لجلسائه:أ لا ترون أنه لا يجيبني؟فأخرج إليهم يحيى لسانه و قد صار أسودا مثل الفحمة نظرا لتأثير السم فيه فتغير الرشيد و قال:إنه يريكم اني قد سقيته السم ثم أمر باخراجه فأخرج من عنده فما وصل الى وسط الدار حتى توفي.

و في رواية أنه لما تردت حالته أمر هارون بأن تبنى عليه اسطوانة

(بالرافقة)و كانت وفاته سنة(177).

لقد لاقى ربه شهيدا سعيدا قد فاز برضا اللّه و باء خصمه بغضب اللّه و سخطه،و قد أحدث قتله ضجة أسى في الأوساط الاسلامية ورثته الشعراء و قد رثاه علي بن ابراهيم العلوي بقوله:

يا بقعة مات بها سيد ما مثله في الأرض من سيد

مات الهدى من بعده و الندى و سمى الموت به معتدي

فكم حيا حزت من وجهه و كم ندى يحيى به المجتدي

لا زلت غيث اللّه يا قبره عليك منه رائح مغتدي

كان لنا غيثا به نرتوي و كان كالنجم به نهتدي

فان رمانا الدهر عن قوسه و خاننا في منتهى السؤدد

فعن قريب نبتغي ثاره بالحسني الثائر المهتدي

إن ابن عبد اللّه يحيى ثوى و المجد و السؤدد في ملحد

إن هارون لم يراقب اللّه تعالى في إراقته لدماء ذرية رسول اللّه(ص) و التنكيل بهم و قد دل ذلك على هتكه لحرمات اللّه و انحرافه عن الطريق القويم (1).

5-محمد بن يحيى:

ابن عبد اللّه بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين عليه السلام،أمه خديجة بنت ابراهيم التميمي،سجنه بكار بن عبد اللّه الزبيري والي يثرب من


1) تجد أخبار يحيى في الكامل لابن الأثير:5/6 وفيات الأعيان 158/1 طبع باريس،الجهشياري:189،تأريخ الطبري:84/10 -89،مقاتل الطالبيين طبع مصر:463-486،و قد اقتبسنا أكثرية هذه البحوث منه.

قبل هارون و ضيق عليه و أثقله بالحديد فقال محمد:

إني من القوم الذين تزيدهم قسوا و صبرا شدة الحدثان

و لم يزل محبوسا مضيقا عليه حتى أمر باخراجه من السجن فلما حضر عنده طلب منه أن يكفله أحد فلم يحصل له ذلك فوثب و أنشأ يقول:

و ما العود إلا نابت في أرومة أبى صالح العيدان أن يتفطرا (1)

بنو الصالحين الصالحون و من يكن لآباء صدق تلقهم حيث سترا (2)

فرده الى السجن فلم يزل فيه حتى انتقل الى جوار ربه (3).

6-الحسين بن عبد اللّه:

ابن اسماعيل بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب(ع)أمه حمادة بنت معاوية بن عبد اللّه بن جعفر قبض عليه بكار الزبيري والي هارون على المدينة فضربه بالسوط ضربا مبرحا فتوفي من اثر ذلك الضرب (4).

7-اسحاق بن الحسن:

ابن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب(ع)أمه أم ولد حبسه هارون فمات في سجنه (5).

و نظرا لما لاقاه العلويون من الجور و الاضطهاد فقد هرب الكثيرون منهم،فمن جملة الهاربين أحمد بن عيسى بن زيد بن الامام زين العابدين عليه السلام هرب إلى البصرة و كان يدعو الناس لنفسه سرا فاغتم هارون من أمره و جعل لمن جاء به أموالا طائلة فطلبته العيون و الجواسيس فلم تعثر


1) في رواية«تتفطرا».

2) روي«لآباء سوء تلقهم حيث سيرا».

3) مقاتل الطالبيين:(ص 495-496).

4) نفس المصدر:ص 497.

5) شرح شافية أبي فراس.

عليه،فعثروا على صاحبه(حاضر)فحملوه الى الرشيد فلما صار بباب الكرخ رفع صوته قائلا:«أيها الناس أنا حاضر صاحب أحمد بن عيسى ابن زيد العلوي و قد أخذني السلطان»،فمنعته الشرطة من الكلام،و جيء به مخفورا إلى الرشيد،فلما وقع نظره عليه سأله عن المكان الذي يقيم فيه احمد و عن أعوانه و أنصاره فأبى أن يخبر بأي شيء فتهدده الرشيد و توعده بالعذاب الأليم فانبرى إليه و هو غير مكترث بتهديده و لا معتن بسلطانه قائلا له:

«و اللّه،لو كان تحت قدمي هذه ما رفعتها عنه،و أنا شيخ قد جاوزت التسعين،أ فأختم عملي بأن أدل على ابن رسول اللّه حتى يقتل؟.

و ثار الرشيد و فقد صوابه و اختياره فأمر بضربه فضرب ضربا مؤلما فمات تحت السياط،و أمر بصلبه فصلب في بغداد،و خفى أمر أحمد و لم يعلم له خبر بعد ذلك (1).

هذا بعض ما صبه هارون على العلويين من المآسي و الكوارث،فلا يكاد يجف دم علوي منهم حتى يسفك دم علوي آخر.

و الخلاصة إنه أشاع فيهم القتل و التنكيل و نشر الحزن و الحداد في بيوتهمه.


1) اليعقوبي:154/3،و في عمدة الطالب:(ص 259)ان احمد كان عالما فقيها كبيرا زاهدا،أمه عاتكة بنت الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن الحارث الهاشمية مولده سنة(158)و وفاته سنة(240)و عمي في آخر عمره،و روى ابو الفرج في الأغاني ان اسحاق بن ابراهيم الموصلي لما نعي الى المتوكل اغتم و حزن عليه و قال:ذهب صدر عظيم من جمال الملك و بهائه و زينته،و نعي إليه بعد ذلك احمد بن عيسى فقال:تكافأت الحالتان،و بهذا نقف على مدى تسيب الاخلاق في تلك الأدوار المظلمة التي كان يعد فيها الماجنون من جمال الملك و بهائه و زينته.

حتى هرب الكثيرون منهم فزعين تطاردهم الشرطة و العيون قد شاهدوا من الارهاب و الأذى ما لا نظير له في فظاعته و مرارته،و أما ما لاقاه الامام موسى(ع)من هذا الطاغية فقد عقدنا له فصلا خاصا تحدثنا فيه عما جرى عليه من التعذيب و الارهاق.

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن دور هارون و قد وقفنا بما ذكرناه على جانب كبير من خلاعته و مجونه،و استهتاره بالقيم الاسلامية،فقد كان لا يبارح العود و الشراب و منادمة المغنين،و قد عاش عيشة طرب و لهو غارقا في اللذة و العبث و المجون.

و قد أجمع فقهاء المسلمين على أن من يتولى منصب الخلافة الاسلامية لا بد أن تتوفر فيه جميع النزعات الخيرة من العلم و التقوى و الحريجة في الدين و الاحتياط الشديد بأموال المسلمين،و ان يكون بلاطه قاعدة اسلامية، و مركزا للحق و العدل،و مصدرا للامر بالمعروف و النهي عن المنكر في جميع انحاء البلاد،و ان تعمل الهيئة الحاكمة بجد و نشاط على صالح المجتمع،و تطوير البلاد في مجالاتها الثقافية،و الاقتصادية فتزيل جميع عوامل التأخر و الانحطاط و تنشر الأمن و الدعة و الاستقرار،و تراقب الحياة الاقتصادية فلا تدع ظلا للبؤس و الحرمان...هذا واجب السلطة التي تضفي على نفسها النيابة عن النبي(ص)و تدعي انها تمثل الواقع الاسلامي،و الديني،و لكنا مع الأسف الشديد لم نر في ظل اكثر الحكومات الأموية و العباسية أي جانب من الحكم الاسلامي المشرق،و لم تطبق على واقع الحياة الاهداف العريضة التي ينشدها الاسلام...فلم نر إلا الظلم الفاحش،و الاستهانة البالغة بحق الأمة، و الاستبداد بثرواتها،و بذلها بسخاء على ما حرم اللّه،و مطاردة القوى الواعية التي تأمر بالعدل الاجتماعي و العدل السياسي،فقد لاقت تلك القوى الخيرة التي يمثلها العلويون جميع صنوف الارهاب و التنكيل و الآلام...

و بعد هذا هل يصح أن يقال:ان ملوك بني أمية و بني العباس حماة الاسلام و خلفاء النبي(ص)على أمته؟؟ و على أي حال فان الأعمال التي أثرت عن هارون قد جافى بها الحق و العدل و كان من الضروري-فيما نحسب-الوقوف على ذلك فانه من الأسباب التمهيدية لمعرفة محنة الامام و بلائه في ذلك الدور الرهيب الذي انعدمت فيه جميع الحريات،و قد عانى الامام و غيره من قادة الفكر أقسى الوان المحن و الخطوب.

عصر الإمام

اشارة

و اتسم عصر الامام(ع)بموجات رهيبة من النزعات الشعوبية و العنصرية و النحل الدينية،و الاتجاهات العقائدية التي لا تمت الى الاسلام بصلة،و لا تلتقي معه بطريق،و قد تصارعت تلك الحركات الفكرية تصارعا لا هدوء فيه و لا استقرار،حتى امتد ذلك الصراع الى اكثر العصور،و يعود السبب في ذلك الى أن الفتح الاسلامي قد نقل ثقافات الأمم و سائر علومهم الى العالم العربي و الاسلامي،بالاضافة الى أن الاسلام قد جاء بموجة عارمة من العلوم و الافكار،و دعا المسلمين في نفس الوقت الى الانطلاق و التخصص في جميع الوان المعارف،و قد أحدث ذلك انقلابا فكريا في المجتمع الاسلامي و تبلورت الأفكار بألوان من الثقافة لم يعهد لها المجتمع نظيرا في العصور السالفة،و قد اتجهت تلك الطاقات العلمية التي تفجرت في ذلك العصر الى الجانب العقائدي من واقع الحياة فحدثت المذاهب الاسلامية و الفرق الدينية و تشعبت الامة الى طوائف وقع فيما بينها من النزاع و المخاصمات و الجدال الشيء الكثير،فكانت النوادي تعج بالمعارك الدامية و الصراع العنيف خصوصا فيما يتعلق باثبات الخالق و صفاته الإيجابية و السلبية و القضاء و القدر و مسألة خلق القرآن،و كان من أبرز المتصارعين في هذه الساحة هم علماء الكلام و المتكلمون.

و قد الفت كثير من الكتب في هذا الموضوع و هي حافلة بصور كثيرة من تلك المشاجرات و الخصومات.

و كانت من أخطر الدعوات المحمومة التي اندلعت في ذلك العصر هي الدعوة الالحادية.فقد بشر بها الدخلاء الذين يحملون في قرارة نفوسهم الحقد على الاسلام و المسلمين،و قد ثقل عليهم امتداد حكم الاسلام و انتشار سلطانه في الارض،فرأوا أن لا طول لهم الى مقابلته من طريق الحرب و القوة فأخذوا يبثون سمومهم في نفوس الناشئة الاسلامية و يلقون الشبه و الاوهام

في نفوس المسلمين حتى استجاب لهم جمع من المخدوعين و المغرورين،و كان موقف الامام موسى(ع)و كبار القادة و رجال الفكر من أصحابه هو التصدي لنقد تلك الافكار الوافدة بالأدلة العلمية الرصينة و بيان فسادها و بعدها عن منطق الواقع،و كانت تحمل احتجاجاتهم طابع الاخلاص للحق و الحرص على صالح المسلمين،و قد اعترف قسم كبير من حملة تلك المبادئ بخطئهم و فساد اتجاههم،فرجعوا الى حظيرة الحق و الصواب،و قد لمعت بسبب ذلك حركة التشيع و ذاعت المقدرة العلمية لقادتها حتى دان بها قسم كبير من المسلمين،و قد ثقل ذلك الامر على المسئولين فتصدوا لهم بالاضطهاد و التنكيل و منعوهم من الكلام في مجالات العقيدة حتى اضطر الامام موسى(ع)في أيام المهدي أن بعث الى هشام أن يكف عن الكلام نظرا لخطورة الموقف فكف هشام عن ذلك حتى مات المهدي (1).

و لا بد لنا من التحدث-و لو اجمالا-عن هذه الجهات،كما أن من الضرورة عرض بعض الأحداث الجسام التي وقعت في ذلك العصر،و معرفة سياسة الحكم القائم آنذاك،فان الاحاطة بهذه الامور مما تتوقف عليه دراسة حياة الامام(ع)كما انها تكشف لنا جانبا كبيرا عن المشاكل السياسية و الاجتماعية السائدة في ذلك العصر،و فيما نحسب أنه لا غنى للباحث من الاحاطة بذلك.

الشعوبية

اشارة

:

و ذهب المستشرق«روايت م رونلدس»الى أن أهم الأحداث التي جرت في عصر الامام موسى(ع)انبثاق الحركة«الشعوبية»و اشتداد


1) رجال الكشي:172

التنافر بين العرب و بقية القوميات الأخرى (1).

و هذا الرأي سطحي للغاية قد دل على عدم عمق صاحبه في التأريخ الاسلامي،و عدم وقوفه على نشأة الاحداث و تطورها في التأريخ،فان الشعوبية لم تكن وليدة ذلك العصر و انما نشأت قبله بكثير من الوقت كما سندلل عليه.

و لا بد لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا الحادث الخطير الذي هو من أعظم ما مني به العالم الاسلامي من الرزايا و الخطوب،و فيما يلي ذلك:

أ-تعريف الشعوبية:

و اختلف اللغويون في تحديدهم لهذه الكلمة ففي«اللسان»«الشعوبي الذي يصغر شأن العرب،و لا يرى لهم فضلا على غيرهم»و في«الصحاح» «الشعوبية فرقة لا تفضل العرب على العجم»ففي التحديد«الأول»:

ان الشعوبي هو الذي يحط من قيمة العرب و كرامتهم،و لا يرى لهم فضلا على غيرهم،اما التحديد«الثاني»:فيرى أن الشعوبي من يساوي بين العرب و غيرهم،و قد ذهب الى هذا ابن عبد ربه في«العقد الفريد»فقال:

«ان الشعوبية هم أهل التسوية».

و اختلف الكتاب المحدثون في تحديدها فذهب العدوي الى أن الشعوبية مأخوذة من الشعوب،و هو العودة الى ماضي الشعوب،و التفاخر فيما بينها بالعصبيات الجغرافية و التأريخية،و نبذ رسالة العرب الهادفة الى خلق مجتمع جديد قوامه تقدير قيمة الشخص بعمله و خدماته (2).

و ذهب الدوري الى أن مفهوم الشعوبية معقد،و ان الحركات السرية


1) عقيدة الشيعة:163

2) المجتمع العربي و مناهضة الشعوبية:12

التي تتظاهر بالاسلام،و تعمل على هدم السلطان العربي الاسلامي أو على هدم الاسلام أو الاتجاهات التي تحاول نسف الاسلام و العرب من الداخل هي التي يمكن أن يطلق عليها اسم الشعوبية (1).

و يرى كرد علي ان الشعوبية:قوم متعصبون على العرب يفضلون عليهم العجم (2).

هذا هو مفهوم الشعوبية في اللغة،و عند المحدثين من الكتاب،و هم جميعا لم يتفقوا على مفهوم معين لهذا اللفظ.

ب-نشأتها:

و نشأت هذه الحركة الهدامة حسب التحقيق التأريخي في عهد الخليفة الثاني حتى ذهب ضحيتها فقد اغتاله ابو لؤلؤة نتيجة للتآمر بين تلك القوى الحاقدة عليه.

أما عوامل نشأتها فترجع الى عدم قيام السلطة بمساواة الموالي مع بقية المسلمين في الحقوق و الواجبات،فقد عمد الخليفة الثاني الى الفتوى بعدم ارث أحد من الاعاجم إلا من ولد في بلاد العرب (3)و كذلك شدد عليهم في وضع الضرائب،كما عمد في سياسته المالية الى خلق الطبقية (4)في الاسلام ففضل البدريين في العطاء على غيرهم،و المهاجرين على الانصار، و قد استدعى ذلك الى تصنيف الناس بحسب قبائلهم و أصولهم فنشط النسابون لتدوين الانساب،و تصنيف القبائل بحسب أصولها،و قد أدى ذلك بطبيعة


1) الجذور التأريخية للشعوبية:ص 11

2) الاسلام و الحضارة العربية

3) الموطأ:12/2

4) العصبية القبلية:190

الحال الى حنق الموالي،و كراهيتهم للعرب و الامعان في التفتيش عن مثالبهم.

و انتهج عثمان هذه السياسة فكتب الى ولاته بالعراق أن يفضلوا العرب على الموالي (1)و قد أدت هذه السياسة التي لا تحمل أي طابع من التوازن الى خلق كثير من المصاعب و الفتن بين المسلمين،فقد فرقت بين صفوفهم، و أدت الى شيوع البغضاء و الكراهية بين كثير منهم.

ج-تطورها:

و تطورت الحركة الشعوبية تطورا هائلا أيام الحكم الأموي و العباسي فقد حدثت النعرات البغيضة بين المسلمين،و أخذ العرب يفخرون على بقية القوميات الأخرى،و يشيدون بذكر مآثرهم،فكانوا يقولون:ان لهم صفات خلقية امتازوا بها.فهم أكرم الناس للضيف و أنجدهم للملهوف،و أكثرهم عونا للمستغيث،يعقر أحدهم ناقته التي لا يملك سواها للطارق الذي ينزل بساحته،و لهم في نفس الوقت حسن البديهة و قول الأمثال السائرة و الابداع في الكلام،و هم أحفظ الناس لأنسابهم فليس أحد منهم إلا يعرف نسبه و يسمي آباءه،مضافا الى ذلك نشأة الاسلام فيهم و انتشاره على أيديهم فهم الناشرون له و الحاملون لدعوته،و هذه أهم الأدلة التي اعتمد عليها العرب في امتيازهم و تقدمهم على غيرهم.

و ثقلت هذه العصبية المتطرفة من قبل العرب على بقية شعوب الامبراطورية الاسلامية فغالوا مثل مغالات العرب و راحوا يحطون من شأنهم و يذكرون مساوئهم و يعدون مثالبهم من و أدهم الولد خشية املاق،و اعتماد حالتهم الاقتصادية على الغزو و السلب،و يزرون عليهم جدب الأرض و بساطة العيش كما راحوا في الوقت نفسه يذكرون عظمة السلطان عند الرومان،


1) الطبري 63/5.

و حكمة الهند،و منطق اليونان و فلسفتهم،و صناعة الصين و فنونها،و ترف فارس و حضارتها،و العرب أقل الأمم شأنا في ذلك فليس لهم فخر يذكر و لا مجد يباهى به،و أما تمشدقهم و فخرهم بالاسلام فليس هو دين العرب وحدهم بل هو دين الناس جميعا و الاسلام نفسه قد حارب النزعات الجاهلية و قبر افكارها و حطم امتيازاتها و اعتبر المسلمين جميعا صفا واحدا لا امتياز لأحد منهم على أحد،و جعل المقياس في التفوق و الفضل التقوى و العمل الصالح،قال تعالى:« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ ».

و قد ألفت كتب كثيرة في ذكر مثالبهم و الازدراء بهم فقد كتب في ذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى عدة كتب منها:«لصوص العرب» و«ادعياء العرب»و«فضائل الفرس»،و كتب الهيثم بن عدي جملة كتب في هذا الموضوع منها كتاب:«المثالب الكبير»و كتاب«مثالب ربيعة»و اسماء بغايا قريش في الجاهلية و اسماء من ولدن،و ألف سعيد بن حميد البختكان كتاب«انتصاف العجم من العرب»و كتاب«فضل العجم على العرب و افتخارها» (1).

لقد شاعت الحزازات و انتشر التنافر بين المسلمين في ذلك العصر فكان شعراء الموالي الذين أصلهم من فارس يعتزون بقوميتهم و يبالغون في الحط من كرامة العرب فهذا أبو نواس الذي كان فارسيا من ناحية أمه راح يهجو العرب و يقول فيهم:

عاج الشقي على رسم يسائله و عجت أسأل عن خمارة البلد

يبكي على طلل الماضنين من أسد لا در درك!!قل من بنو أسد؟

و من تميم؟و من قيس و لفهما؟ ليس الأعاريب عند اللّه من أحد

و تحدث مرة أخرى في شعره عن ظاهرة من ظواهر العرب و هي3.


1) فهرست ابن النديم:ص 123.

شيوع التفاخر و التنافر بين أفراد قبائلهم فلا يكاد يجتمع عربيان من قبيلتين إلا حدث بينهما التشاجر و التفاخر فكل واحد منهما يعتز بقبيلته و أسرته،و لا يوجد ذلك مطلقا عند أبناء فارس،يقول ابو نواس:

نادمتهم أرتاض في آدابهم فالفرس عادى سكرهم محسوم

متوقرين كلامهم ما بينهم و مزمرين خفاؤهم سفهوم

و لفارس الأحرار أنفس انفس و فخارهم في عشرة معدوم

و اذا أنادم عصبة عربية بدرت الى ذكر الفخار تميم

وعدت الى قيس و عدت قوسها سبيت تميم و جمعهم مهزوم

و بنو الأعاجم لا أحاذر منهم شرا فمنطق شربهم مزموم

لا يبذخون على النديم اذا انتشوا و لهم اذا العرب اعتدت تسليم

و جميعهم لي-حين أقعد بينهم- بتذلل و تهيب موسوم

لقد أوجب ذلك شيوع التنافر بين العرب و بقية القوميات الأخرى و تعصب كل فريق لقوميته،و كان في طليعة الشعوبيين الذين يواصلون هجاء العرب بشار بن برد،فقد كان لا يفتأ عن ذكر انتقاصهم و الحط من كرامتهم فقد دخل أعرابي على مجزأة بن ثور السدوسي-بالبصرة-و بشار كان حاضرا في مجلسه و عليه بزة الشعراء فقال الأعرابي يسأل عن بشار:

-من الرجل؟.

-شاعر.

-أ مولى هو أم أعرابي؟.

-بل مولى.

-ما للموالي و الشعر!!.

فغضب بشار و سكت برهة و التفت إلى مجزأة قائلا له:

-أ تأذن لي يا أبا ثور أن أقول؟.

-قل ما شئت يا أبا معاذ.

فاندفع بشار قائلا:

خليلي لا أنام على اقتسار و لا آبي على مول و جار

سأخبر فاخر الأعراب عني و عنه حين تأذن بالفخار

أ حين كسيت بعد العري خزا و ناديت الكرام على العقار

تقاخر يا ابن راعية و راع بني الأحرار حسبك من خسار

و كنت اذا ظمئت الى قراح شركت الكلب في ولغ الأطار

تريد بخطبة كسر الموالي و ينسيك المكارم صيد فار

و تغدو للقنافذ تدريها و لم تعقل بدراج الديار

و تتشح الشمال للابسيها و ترعى الظأن بالبلد القفار (1)

و بلغت الحركة الشعوبية أوجها في أيام المهدي و بلغت الذروة في عهد هارون،و ذلك لنفوذ البرامكة و قبضهم على أزمة الدولة.

و مهما يكن من أمر فان هذه النزعة قد أولدت العداء بين المسلمين و فرقت صفوفهم و انطلق شعراء ذلك العصر و الأدباء من العرب أو من الموالي يهجو بعضهم بعضا و يسب كل فريق منهم الفريق الآخر،فهذا الخزيمي كان يقول:

أبا الصغد بأس إذ تعيرني جمل (2)سناها و من أخلاق جارتي الجهل

فان تفخري يا جمل،أو تتجملي فلا فخر إلا فوقه الدين و العقل

أرى الناس شرعا في الحياة و لا أرى لقبر على قبر علاء و لا فضل

و ما ضرني إن لم تلدني يحابر و لم تشتمل جرم علي و لا عكل (3)ية


1) بشار بن برد شعره و أخباره لأحمد حسنين القرني:ص 56

2) يكنى بجمل عن العرب

3) يحابر،و جرم،و عكل:أسماء قبائل عربية

اذا أنت لم تحم القديم بحادث من المجد لم ينفعك ما كان من قبل (1)

و الحديث عن الشعوبية حديث مؤلم،فان هذه النزعة و غيرها من النزعات الفاسدة تدعو الى تفريق الصفوف و تصديع الشمل،و اشاعة العداء و البغضاء بين المسلمين.

د-موقف الاسلام منها:

و تميز موقف الاسلام بالشدة و الصرامة لكل نزعة فاسدة توجب تصديع شمل المسلمين و اشاعة التنافر فيما بينهم،فقد أعلن الاسلام منذ بزوغ نوره أن المسلمين يد واحدة،و ان رابطة الدين أقوى من رابطة النسب،و قد شجب النبي(ص)جميع النعرات الشعوبية و القومية،فقد هزأ بعض المنافقين من أذان بلال الحبشي لأنه لم يكن يستطيع النطق بالشين،فكان يبدلها سينا،و كان يقول اشهد أن لا إله إلا اللّه،فانطلق بلال الى رسول اللّه(ص) فأخبره بسخرية القوم و استهزائهم به،فساء ذلك رسول اللّه(ص)و انبرى يقول:

«إن سين بلال شين عند اللّه» و قال(ص):منددا بهؤلاء المنافقين:

«ان سين بلال خير من شينكم» و كان النبي(ص)جالسا مع سلمان الفارسي،و بلال الحبشي و صهيب الرومي،و عمار،و خباب،و غيرهم من ضعفاء المؤمنين فأقبل عليه الأقرع ابن حابس التميمي،و عيينة بن حصين الفزاري و غيرهم من مشايخ العرب فالتفتوا الى رسول اللّه(ص)فقالوا له:

«يا رسول اللّه لو نحيت هؤلاء عنك حتى نخلوا بك فان وفود العرب


1) ضحى الاسلام:66/1.

تأتيك فنستحي أن يرونا مع هؤلاء أ لا عبد،فاذا انصرفنا فعد الى مجالستهم..».

فأنزل اللّه تعالى على نبيه هذه الآية الكريمة وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَ ما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ» (1).

فدنا رسول اللّه(ص)منهم،و أقبل عليهم يحادثهم،و لم يعن بأولئك المنافقين (2).

و أخذ بعض المؤلفة قلوبهم يفخرون بأنسابهم،و يذكرون أيام آبائهم في الجاهلية أمام سلمان الفارسي،و قد تكرر ذلك منهم في غير مجلس، فقام سلمان،و اخبر النبي(ص)بذلك،فانبرى(ص)الى مسجده و هو فزع قد علاه الأسى و الذهول فأعلن أمام الناس قوله الشهير:

«سلمان منا أهل البيت» و قال(ص)«الصدقة حرام على سلمان» و قد شجب(ص)جميع الوان التفرقة بين المسلمين،فقال(ص):

«لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى»و قال اللّه تعالى في كتابه الكريم:

يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ .

و طبق هذه السياسة النيرة وصي النبي(ص)و باب مدينة علمه الامام أمير المؤمنين(ع)فانه حينما تسلم زمام السلطة ساوى بين جميع المسلمين في العطاء و غيره،فعاملهم معاملة واحدة،من دون تمييز فيما بينهم،فهم جميعا عنده بمنزلة سواء،و قد أدلى(ع)بهذه المساواة في دستوره الدولي/7


1) سورة الأنعام:آية 52

2) مجمع البيان:305/7

الذي أعلن فيه حقوق الانسان،قال(ع)لمالك:«الناس صنفان:اما أخ لك في الدين أو شبيه لك في الخلق»و وفدت عليه سيدة قرشية تطلب منه زيادة مرتبها،فرأت على باب الجامع امرأة عجوز فسألتها عن معاشها فأجابتها بأنها تتقاضى من بيت المال،و كان ما تنقاضاه بقدر ما تأخذه تلك السيدة فساءها ذلك،و تمسكت بالعجوز.و جعلت تصيح:هل من العدل و الانصاف أن يساوي علي بيني و بين هذه الفارسية؟و دخلت الجامع و هي ترفع عقيرتها بذلك،فلما انتهت الى أمير المؤمنين قالت له بعنف:

كيف تساوي بيني و بين هذه الأمة؟ فرمقها الامام(ع)بطرفه،و أخذ قبضة من التراب،و جعل يقلبها بيده،و هو يقول:

«لم يكن بعض هذا التراب أفضل من بعض» و تلا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ .

و قد أثارت عليه هذه السياسة أحقاد العرب و اضغان قريش،فانبرى إليه بعض أصحابه،فطلبوا منه ان يغير سياسته قائلين:«يا أمير المؤمنين:

اعط هذه الاموال،و فضل هؤلاء الأشراف من العرب و قريش على الموالي و العجم».

فلذعه هذا المنطق الرخيص،و قال لهم:

«أ تأمرونني أن أطلب النصر بالجور؟!!» إن تفضيل العرب على العجم جور و اعتداء على حقوق المسلمين في نظر ابن أبي طالب رائد المساواة و العدالة في الأرض.

و قد ادت هذه السياسة العادلة الى تكتل القوى الباغية و تضافرها على مناجزته،و قد نص على ذلك المدائني بقوله:«إن من أهم الاسباب في

تخاذل العرب عن علي بن أبي طالب كان اتباعه لمبدإ المساواة بين الناس حيث كان لا يفضل شريفا على مشروف،و لا عربيا على عجمي و لا يصانع الرؤساء و القبائل» (1).

و كانت هذه السياسة النيرة امتدادا لرسالة النبي(ص)و اتباعا لمنهجه ....و قد رأى العجم و الموالي هذا العدل المشرق الذي سار عليه أمير المؤمنين(ع)فتمسكوا به،و اتخذوه قدوة فذة،و طالبوا حكام المسلمين بالاقتداء به،و تطبيق منهجه،و قد لاقوا صنوف الارهاق و التنكيل من أولئك الحكام الطغاة الذين ساسوا الامة بسياسة نكراء لا ظل فيها للعدل و الحق.

مخاريق احمد امين:

و احمد امين من اولئك الحاقدين على الشيعة،فقد قال:ان التشيع كان مأوى للشعوبية و ستارا لهم (2).

حفنة من التراب على أحمد أمين و غيره من الذين لا يكتبون للحق، و لا للتأريخ،و لا لصالح الأمة،و انما يكتبون وفق أهداف معينة يمليها عليهم الاستعمار ليفرق بذلك صفوف المسلمين و يستبد بثرواتهم،و يجعلهم تحت مناطق نفوذه.

إن الشيعة تستمد تعاليمها من أئمة أهل البيت(ع)الذين ناهضوا جميع الحركات الهدامة،و وقفوا من الشعوبية و غيرها موقفا حاسما يتسم بالشدة و الصلابة،فقد دعا الامام أمير المؤمنين(ع)ان يعلى بالسيوف وجه كل من يدعو الى عنصرية تشتت جمع المسلمين.

هل يستطيع أحمد أمين و غيره من الذين يقولون بمقالته أن يدللوا على


1) شرح ابن أبي الحديد:180/1

2) ضحى الاسلام:63/1

أن الشيعة كانت مأوى للشعوبية و غيرها من النزعات الهدامة؟ إن الشيعة بكل اعتزاز و فخر قد رفعت منار العدالة الاسلامية،و أنارت التأريخ الاسلامي بكفاحها المشرق البطولي،و لو لا تضحياتها الجبارة و مواقفها الكريمة امام الطغاة و الظالمين لما بقي للاسلام اسم و لا رسم...فهي مأوى للاسلام و الحق و العدل،و مأوى لكل حركة اجتماعية تهدف الى بسط العدل و القضاء على الظلم.

و على أي حال فان الشعوبية،و سائر الشعارات الاخرى لا تتفق مع الواقع الشيعي المستمد من صميم الاسلام و جوهره...ان هذه الاتهامات التي الصقت بالشيعة لم يكن القصد منها إلا خلق ثغرة بين صفوف المسلمين تستهدف اذلالهم و اضعافهم و ابعادهم عن واقع دينهم الذي ينشد لهم العزة و الكرامة و الاستقلال.

ان المسلمين في أمس الحاجة في هذا العصر الى جمع الكلمة،و توحيد الصفوف،و نبذ الخلافات و النعرات فأمامهم الاستعمار الامريكي،و حليفته اسرائيل التي تكيد للعرب و المسلمين في وضح النهار و غلس الليل،و تعمل جاهدة على محاربة الاسلام،و الاستيلاء على الوطن العربي و اجلاء أهله عنه،و اقامة وطن اسرائيلي مكانه..و من المؤسف غفلة المسلمين عن الخطر العظيم و البلاء المحدق بهم.

إن اسرائيل تمدها امريكا و سائر دول الغرب بجميع الاسلحة الفتاكة و تزودها بجميع المعونات الاقتصادية و العسكرية لابادة العرب و استئصال شأفتهم حتى تستولي على البترول العربي و سائر المعادن الاخرى....

فيجب على كل كاتب ان يوجه جهده الفكري الى ايقاظ المسلمين و تحذيرهم من هذا البلاء العظيم.

و علي أي حال فقد خرجنا عن قصد الجادة،و لكن الظروف المؤلمة

و ما تعانيه هذه الامة من الويلات و النكبات،قد دفعتنا الى الخروج عن هذا الموضوع،و لنعد بعد هذا الى عرض بعض مشاكل عصر الامام عليه السلام،و هي:

الالحاد و الزندقة

اشارة

:

و ظهرت الحركة الالحادية في العصر العباسي الأول،و انتشرت فيه المبادئ الشاذة الداعية الى الفوضى و التفسخ،و قد اعتنقها جمع من البسطاء الذين تلونهم الدعاية كيفما شاءت،فانطلقوا بغير وعي و لا هدى معهم، و لكن أئمة اهل البيت(ع)مع اعلام تلاميذهم من قادة الفكر الاسلامي قد تصدوا الى مناهضة ذلك الغزو العقائدي،و تزييف الافكار الوافدة، ورد شبهات الملحدين،و انقاذ المسلمين منها.

لقد بذل الامام الصادق(ع)جميع جهوده في انقاذ الوطن الاسلامي من الملحدين و المضللين،و عمل معه في ميدان هذا الجهاد المقدس ولده الامام موسى(ع)،كما قام معهما جماعة من تلامذتهما ممن تسلحوا بالمناهج العقلية،و عرفوا بقوة البيان،و حسن الرأي،و نفاذ البصيرة،و قوة الحجة فعقدوا المجالس و المناظرات في الاماكن العامة،و في بيوت الوزراء و الملوك و خاضوا مع الملحدين في المباحث الكلامية،و قد اثبتوا بقوة البرهان و الدليل زيف تلك العقائد حتى ان جماعة من اعلام الدهريين قد رجعوا عن افكارهم و ثابوا الى طريق الحق و الصواب...كما ان الحكومات المحلية قد قامت بدورها باضطهاد الملحدين و تنكيلهم،و لكن بمزيد الأسف كانت الحملة على الابرياء اكثر منها على الزنادقة،و قد اتخذت تهمة الالحاد وسيلة الى زج الابرياء في السجون،و لا بد لنا من الحديث-و لو اجمالا-عن هذا

الموضوع الخطير الذي هو من أهم الاحداث التي جرت في العصر العباسى.

أ-منشأ الالحاد:

الالحاد ظاهرة نفسية من أخطر الأمراض الاجتماعية،و أشدها فتكا بحضارة الانسان و تقدمه،و هو يدعو الى انكار الخالق العظيم،و جحود البعث،و تكذيب الرسل..و الاعتقاد بأن الانسان لا يخضع لقوة اخرى و ان حياته و جميع شئونه انما هي من تدبيره و صنعه.

و ينشأ هذا الداء من ثورة عنيفة في النفس تفصل يقظة الاحساس عن العقيدة و الايمان باللّه،و هي اما ان تكون منبعثة من شهوات النفس أو من مرض الحرمان العالق بها (1).

إن الانسان اذا اصيب بهذا الداء الخطير فان الحواجز النفسية التي تصده عن ارتكاب الاثم و المنكر تنهار انهيارا كليا،و تنمحي عن النفس جميع النزعات الخيرة،و يسدر الانسان في تيارات قاتمة من الظلمة و التمرد و الى ذلك يشير الذكر الحكيم بقوله:« وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ ».

إن النفس اذا تمادت في الأثم فانها تنطلق بغير هوادة في ميادين سحيقة من الرذائل،لا يعوقها عنها أي قانون في العالم،و من ثمّ كانت التربية الدينية ضرورة اجتماعية لأنها تعني بتهذيب الضمير و توجيه الانسان الوجهة الصالحة،و تغرس في اعماق النفس جميع النزعات الفذة التي تبعثه على الايمان باللّه و اليوم الآخر،و تصده عن ارتكاب الجرائم و الموبقات...

و لما انعدمت هذه التربية واجهت الانسانية سيلا من المشاكل في ميادين


1) حقيقة النفس و امراضها.

السلوك و الاخلاق،و انعدام الروابط الاجتماعية و غيرها من القيم الانسانية.

و على أي حال فان الالحاد و سائر النزعات الشريرة تشكل خطرا هائلا على المجتمع الانساني،و تنذر بالدمار الشامل لجميع مقومات الحياة.

ب-أنواع الالحاد:

للالحاد ضروب متنوعة كإنكار الخالق تعالى،و جحود احدى صفاته الثبوتية أو السلبية،و عدم الايمان بالانبياء و الرسل،و انكار البعث و النشور و العنوان الجامع لها هو انكار احدى ضروريات الدين.

و اخطر انواع الالحاد جحود اللّه تعالى و هذا هو الالحاد الغربي الذي عبر عنه«نيتشه»بقوله:«لقد مات اللّه» (1)و عليه ترتكز الفكرة الماركسية كما اوضحناه في بعض مؤلفاتنا (2)اما الالحاد في العصور الاسلامية الأولى فانه كان متجها الى التشكيك في احدى صفات اللّه و جحود الاسلام كما سنبينه.

ج-في العصر الأموي:

و ظهرت بوادر الزندقة في العصر الأموي،فقد أعلن بعض ملوك الامويين كلمة الكفر،و المروق من الدين فهذا يزيد بن معاوية حينما قتل سبط الرسول(ص)و ريحانته سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين(ع) جعل يتمثل بقول ابن الزبعرى:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل


1) من تأريخ الالحاد في الاسلام

2) عرضنا ذلك بصورة موضوعية في كتابنا«العمل و حقوق العامل في الاسلام»،و في«نظام الحكم و الادارة في الاسلام».

و قد ورث هذه النزعة الالحادية من آبائه نجده أبو سفيان قال أمام عثمان بن عفان مخاطبا لفتيان بني أمية:«تلاقفوها يا بني أمية تلاقف الكرة بأيدي الصبيان فوالذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة و لا نار»و لم يوجه له عثمان عتابا،و لم ينزل به عقابا.

و كانت هذه الظاهرة ماثلة عند اغلب ملوكهم فهذا الوليد حينما استفتح بكتاب اللّه العزيز،و خرجت الآية«و خاب كل جبار عنيد»غضب و عمد الى جعل الكتاب العظيم غرضا لسهامه حتى مزقه،و هو يقول:

تهددني بجبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد

اذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقني الوليد

و هذا يدل بوضوح على كفره و ارتداده عن الدين،و قد تغذى اكثرهم بهذه النزعة الالحادية،فقد عمدوا الى جعل المربين لابنائهم من الزنادقة فكان عبد الصمد بن عبد الأعلى مربي الوليد و مؤدبه زنديقا (1)،و كان الجعد بن درهم (2)زنديقا،و هو مربي آخر ملوك الامويين،مروان بن محمد (3)و يرى ابن النديم:ان الجعد قد أدخل مروان و ولده في الزندقة (4)و نص الدوري أن الجعد كان في طليعة من بشر في المانوية في عصره (5).

و من أبرز الزنادقة في العصر الأموي يونس بن أبي فروة،و عمارة بن حمزة،و المطيع بن إياس،و مخضرمو الدولتين الأموية و العباسية،و هم26


1) الاغاني

2) نسب مروان الى مربيه فقيل له:«مروان الجعدي»

3) الاغاني

4) الفهرست:ص 472

5) الجذور التأريخية للشعوبية:ص 26

الحمادون الثلاث حماد عجرد،و حماد الزبرقان،و حماد الراوية (1).

لقد تكونت جذور الفكرة الالحادية أيام الحكم الاموي الذي كان مصدرا لجميع الحركات الهدامة في الاسلام.

د-في العصر العباسي:

و ظهرت الدعوة الالحادية سافرة في العصر العباسي الأول،و نشطت جميع المبادئ الهدامة،و يرى«فلهوزن»ان هناك صلة وثيقة بين الدعوة العباسية و الزنادقة،و يقول:إن العباسيين في ذلك الوقت جمعوا الزنادقة حولهم،و لم ينبذوهم إلا فيما بعد (2)و قد انطلقت الدعوة الى المانوية، و المزدكية،و الخرمية و الزرادشتية،و قد حملت الخرمية راية الثورة المسلحة و انتشرت دعوتها في فارس،و كانت تدعو الى شيوعية مزدك (3)و نعرض فيما يلي الى بعض تلك المبادئ الوافدة:

المانوية

:

و أكثر المبادئ الالحادية انتشارا في ذلك العصر:الفكرة«المانوية» و هي فكرة قديمة أسسها ماني بن فاتك الفارسي الحكيم،و قد ولد سنة«215 أو 216 م»و قد ظهر في زمن شابور،و قتله بهرام،و كان يقول:بنبوة المسيح،و ينكر نبوة موسى،و زعم أن العالم مصنوع مركب من اصلين قديمين:النور و الظلمة،و انهما أزليان،و أنكر وجود شيء إلا من أصل


1) الامالي:134/1

2) الدولة العربية:ص 489

3) الجذور التأريخية للشعوبية:ص 41

قديم (1).

و قد ذهبت المانوية الى التناسخ استنادا الى ما ذكره ماني في بعض كتبه حيث قال:(إن الأرواح التي تفارق الاجسام نوعان:أرواح الصديقين و أهل الضلالة،اما أرواح الصديقين اذا فارقت الاجساد أسرت في عمود الصبح الى النور الذي فوق الفلك فبقيت في ذلك العالم على السرور الدائم و أما أرواح أهل الظلال إذا فارقت الأجساد،و أرادت اللحوق بالنور الأعلى ردت منعكسة الى السفل فتتناسخ في أجسام الحيوانات الى أن تصفوا من شوائب الظلمة ثم تلتحق بالنور العالي (2).

و قد فرض ماني على أصحابه العشر في الأموال كلها،و الصلوات الأربع في اليوم و الليلة و الدعاء الى الحق،و ترك الكذب و القتل و السرقة و الزنا و السحر و عبادة الأوثان،و ان يأتي على ذي روح،كما انه عد وجود الانسان جناية جناها أهله و يجب انقراضه (3)كما انه يرى ان ما يصدر عن الانسان من خير فمصدره إله الخير،و ما يصدر منه من شر فمصدره إلى الشر،و قد صور بعض أفكاره أبو نؤاس في هجائه لأبان،أحد أقطاب هذه الفكرة بقوله:

جالست يوما(أبانا) لا در در(أبان)

و نحن حضر رواق الأ مير بالنهروان

حتى إذا ما صلاة (4)الأ ولى دنيت لأذان

فقام ثم به ذو فصاحة و بيانبح


1) الملل و النحل:224/1

2) الفرق بين الفرق:ص 271

3) الملل و النحل:228/1

4) أراد بالصلاة الأولى صلاة الصبح

و كلما قال قلنا (1)الى انقضاء الأذان

فقال (2):كيف شهدتم بذا بغير عيان؟

لا أشهد-الدهر-حتى تعاين العينان

فقلت:(سبحان ربي!!) فقال:(سبحان ماني)

فقلت:(عيسى رسول اللّه) فقال:من شيطان

فقلت:موسى نجى ال‍ مهيمن المنان

فقال:ربك ذو مق لة إذا و لسان؟

أنفسه خلقته أم من؟فقمت مكاني

عن كافر يتمرى (3)بالكفر بالرحمن (4)

و قامت المانوية ببث الحركات الالحادية في العصر العباسي،و كان من أعلامها ابن المقفع،فقد قام بترجمة كتب ماني،و ابن ديصان،و مرقيون من الفارسية الى العربية (5)كما وضع كتابا ببشر بالمانوية،و يحمل فيه على المبادئ الاسلامية،و قد افتتحه باسم النور الرحمن الرحيم،و قال المهدي:

ما وجدت كتاب زندقة قط إلا و أصله ابن المقفع (6)و اجتاز على بيت نار للمجوس فتمثل:

يا بيت عاتكة الذي أتغزل حذر العدى و بك الفؤاد موكل94


1) المراد أنه كلما قال المؤذن:قولا رددناه بعده.

2) أي قال أبان:كيف شهدتم بقول المؤذن أشهد أن لا إله إلا اللّه و ان محمدا رسول اللّه و لستم شهود عيان.

3) يتمرى بالكفر:أي يتزين به.

4) أبو نواس قصة حياته لعبد الرحمن صدقي:ص 63.

5) الاغاني:87/12

6) معجم الادباء15/،الامالي 93/1-94

إني لأمنحك الصدود و انني قسما إليك مع الصدود لأميل (1)

و نسب إليه قلة الاحترام للقرآن و محاولته لمعارضته (2)و شكك «فرنشيكو جبرييلي»في نسبة ذلك إليه (3)،و ان قتله لم يكن سببه الاتهام بالزندقة،و انما كان من اجل كتابته للأمان لعبد اللّه بن علي على المنصور،و الذي لم يجد فيه المنصور ثغرة ينفذ منها لنقض ذلك العهد مما أثار غضب المنصور فأمر بقتله (4).

و على أي حال فان المانوية كانت من اكثر المبادئ التي دهمت المسلمين في ذلك العصر.

المزدكية

:

من المبادئ التي انتشرت في العصر العباسي الأول«المزدكية»و هي نوع من انواع الشيوعية تدعو الى التحلل من جميع القيم الاجتماعية،و قد نص الشهرستاني على بعض مبادئها فقال:«إن مزدك أحل النساء،و أباح الأموال،و جعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء و النار و الكلاء» (5)و قال الطبري:«قال مزدك و أصحابه إن اللّه جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد بينهم بالتآسي،و لكن الناس تظالموا فيها و زعموا أنهم


1) الامالي 94/1

2) من تأريخ الالحاد في الاسلام:ص 43

3) مجلة الدراسات الشرقية 1932/13،و ترجمه الدكتور عبد الرحمن بدوي،و نشره في كتابه الالحاد في الاسلام ص 40-64

4) الجهشياري:ص 110

5) الملل و النحل 229/1

يأخذون للفقراء من الأغنياء،و يردون من المكثرين على المقلين،و ان من كان عنده فضل من الأموال و النساء و الأمتعة فليس هو بأولى من غيره، فافترس السفلة ذلك و اغتنموه (1).

و اعتنق هذه المبادئ الحاقدون على القيم الاسلامية،فراحوا ينشرونها بين المسلمين،و اعتنقها خلق من الناس إرضاء لشهواتهم،و فجورهم فكانت نتيجة ذلك ان شاع الفسق و المنكر بين اوساط الناس،كما سنذكره.

الزرادشتية

:

من المبادئ الالحادية التي ظهرت في العصر العباسي«الزرادشتية» و هي تقول بوجود إلهين،إله للخير،و إله للشر،و قد تحدث عن بعض مبادئهم الخربوطلي يقول:و جوهر مبادئ زرادشت ان في العالم حوادث كثيرة متنوعة فمنها الخير،و منها الشر،و هذه الحوادث لا توجد نفسها بل لا بد لها من أصل تستند عليه.و يرى زرادشت استحالة نسبة الخير و الشر إلى أصل واحد.و لهذا كان من الضروري عنده لتفسير ما يجري في العالم الايمان بوجود قوتين متضادتين مختلفتين،فواحدة طاهرة و مقدسة، تفيض عنها الحياة و العناصر الطيبة،و الاخرى خبيثة دنسة،تصدر عنها الآفات و الهلاك و التدمير،و كل ما ينزل بالانسان من شر و بلاء.فالأولى تسمى«اهريمان»و معناه إله الشر أو الشيطان،الثانية«مزاد»و معناه إله الخير و النور (2).

و يرى زرادشت ان الروح لا تفنى،و انها تنعم أو تشقى بلذائذ الحياة


1) تأريخ الطبري 88/2

2) المجوس و المجوسية:ص 149

و ان محنتها ثلاثة أيام بعد الموت،و بعد ذلك تحملها الرياح حتى تصل الى الصراط و تحاكم هناك ثلاثة أيام و الارواح الخيرة تمضي الى الجنة و الأرواح الشريرة تساق الى النار.

و قد راجت الزرادشتية في العصر العباسي الأول،و اعتنقها خلق من البسطاء المغرر بهم،و قد عملت على محاربة القيم الاسلامية،و تفكيك الروابط الاجتماعية،و تحلل المسلمين من الخلق و الآداب الاسلامية.

و على أي حال فان هذه المبادئ التي انتشرت في العصر العباسي تكشف لنا بوضوح عن الفراغ العقائدي،و ضحالة التفكير،و سيادة الجهل، و عدم احاطة المسلمين بواقع دينهم الذي يدعو الى اليقظة الفكرية،و التحرر من جميع رواسب الجهل و الجمود.

و قد ظهرت البدع و الاضاليل في ذلك العصر بصورة تدعو الى الدهشة و الاستغراب فقد حدثت الراوندية التي زعمت ان المنصور الدوانيقي ربهم الذي يطعمهم و يسقيهم (1)كما ظهرت بدعة المقنع الخراساني الذي نادى بتناسخ الأرواح و ادعى الألوهية،فزعم أن اللّه خلق آدم فتحول في صورته،و من بعده الى صورة نوح ثم الى ابراهيم،و منه الى صورة الأنبياء ثم في صورة النبي محمد(ص)ثم تحول الى صورة الامام علي بن أبي طالب(ع)و من بعده الى أولاده ثم الى صورة أبي مسلم الخراساني،و انتقل من بعده إليه، و طلب من أنصاره أن يعبدوه و يسجدوا له (2)و قد اسقط عن أتباعه الصلاة و الصوم و الزكاة،و أباح لهم النساء (3).

و كان المقنع ماهرا في الهندسة،فقد اظهر للناس قمرا يطلع و يراه/1


1) الطبري 147/6

2) الطبري 367/6

3) وفيات الأعيان 453/1

الناس على مسيرة شهر ثم يأفل،و قد أغرى الناس بذلك،و يقول ابو العلاء المعري عن زيف ذلك القمر:

افق انما البدر المقنع رأسه ضلال و غي مثل بدر المقنع

و على أي حال فان هذه الحركات الهدامة قد أدت الى تفكك المجتمع الاسلامي و اضطراب الحركة الفكرية فيه.

دعاة الالحاد

:

و استندت الدعوة الى الالحاد،و سائر المبادئ الهدامة-في ذلك العصر- الى جماعة كانوا مغمورين في انسابهم،و مصابين بعاهات نفسية،و كان من أشهرهم يزدان بن باذان الذي عرف بالكفر و الزندقة،سافر الى بيت اللّه الحرام أيام موسم الحج فنظر الى الناس يهرولون في الطواف،فقال:«ما أشبههم ببقر تدوس في البيدر»و أثار ذلك موجات من الغضب و الاستياء في نفوس الاخيار و المتحرجين في دينهم،فقد اندفع العلاء بن الحداد يخاطب الخليفة موسى الهادي،و يحفزه على قتله،يقول له:

أيا أمين اللّه في خلقه و وارث الكعبة و المنبر

ما ذا ترى في رجل كافر يشبه الكعبة بالبيدر

و يجعل الناس إذا ما سعوا حمرا تدوس البر و الدوسر

فأمر موسى الهادي بقتله و صلبه (1).

و منهم بشار بن برد فقد تمادى في الدعوة الى الكفر،و كان يدعو الى عبادة النار و قد أعلن ذلك بقوله:

إبليس أفضل من أبيكم آدم فتبينوا يا معشر الأشرار


1) الطبري 15/10

النار عنصره و آدم طينة و الطين لا يسمو سمو النار

و الأرض مظلمة و النار مشرقة و النار معبودة مذ كانت النار (1)

و بقي مصرا على عقيدته،و قتل من أجلها (2).

و منهم صالح بن عبد القدوس،و كان من كبار الزنادقة،و حكم عليه المهدي بالاعدام،فأعلن توبته،و كاد المهدي ان يطلق سراحه إلا انه سمعه ينشد:

ما يبلغ الاعداء من جاهل يا مبلغ الجاهل من نفسه

و الشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه

فلما سمع المهدي البيت الأخير أمر بقتله،و قال له:أنت لا تدع أخلاقك حتى تموت (3).

و من اعلامهم الحمادون الثلاثة:حماد عجرد،و حماد الراوية،و حماد الزبارقان،و منهم ابن المقفع،و يونس بن أبي فروة،و مطيع بن إياس، و عبد الكريم بن أبي العوجاء،و علي بن الخليل،و يحيى بن زياد الحارثي، و قد أثبت المترجمون لهم بوادر كثيرة من بدعهم و أضاليلهم دلت على كفرهم و مروقهم من الدين (4).

و على أي حال فقد عمد هؤلاء الملحدون الى افساد المجتمع الاسلامي و اشاعة الفوضى و التحلل بين المسلمين،كما عمدوا الى تشويه الاسلام،و ذلك بافتعال الاخبار الكاذبة التي تحط من كرامة الاسلام،و قد اعترف عبد الكريم ابن أبي العوجاء بذلك فقد صرح قبل أن ينفذ فيه حكم الاعدام فقال:ني


1) الاغاني 24/3

2) أبو الفداء ذكره في حوادث سنة(166 ه‍)

3) تأريخ الخلفاء:ص 275

4) أمالي المرتضى،الأغاني

«لئن قتلتموني فلقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوب» و عملوا على افساد الأدب العربي و تشويهه،و قد قام بذلك خلف الأحمر،و حماد الراوية،و يقول عنه السيد المرتضى:«إن حماد مشهور بالكذب في الرواية،و عمل الشعر و اضافته إلى الشعراء المتقدمين و دسه في أشعارهم حتى أن كثيرا من الرواة قالوا:قد أفسد حماد الشعر لأنه كان رجلا يقدر على صنعته،فيدس في شعر كل رجل منهم ما يشاكل طريقته فاختلط لذلك الصحيح بالسقيم..» (1).

و هكذا استهدفوا افساد الدين و اللغة و سائر مقومات الأمة العربية و الاسلامية،و وقف المد الاسلامي من الانتشار في ربوع العالم.

اضطهاد الملحدين

:

و قامت السلطات الحاكمة في العصر العباسي باضطهاد الزنادقة اضطهادا رسميا في السنوات الاخيرة من خلافة المهدي،و إبان خلافة الهادي القصيرة الأجل ففي سنة(163 ه‍)بدأت حملة المهدي على الزنادقة بأن أمر عبد الجبار المحتسب الذي لقبه صاحب(الأغاني)بلقب(صاحب الزنادقة)بالقبض على كل الزنادقة الموجودين داخل البلاد،فقبض على من استطاع القبض عليه،و جيء بهم مخفورين الى الخليفة الذي كان مقيما آنذاك في(دابق) فأمر بقتل بعضهم و التنكيل بالبعض الآخر حتى بلغ الاضطهاد غايته ما بين سنة 166 ه‍ إلى سنة 170 ه‍ و كان يقوم بتعذيبهم قضاة مخصوصون أشهرهم عبد الجبار الذي ذكرناه آنفا،و عمر الكلوزي الذي عين في هذه الوظيفة سنة 167 ه‍ ثم محمد بن عيسى الذي خلف عمر.


1) الامالي 132/1

لقد قام المهدي بحملة واسعة النطاق ضد الزنادقة،فأنشأ ديوانا خاصا بهم،و قد اجتهدت سلطات الأمن و المباحث في التفتيش عنهم فمن ظفروا به نفذوا فيه حكم الاعدام إلا أن يعلن التوبة و يثوب الى الرشاد،و لم يكتف المهدي بذلك،و انما قام بنفسه يجوب في الأقطار للتفتيش عنهم،فرحل الى بلاد الشام،و أقام بها يبحث عنهم،فعلم أن جماعة منهم قد هربوا من العراق الى حلب فأمر بالقاء القبض عليهم،و سوقهم الى المحاكم،و بعد القاء القبض عليهم ثبت اتهامهم بالزندقة فأمر باعدامهم جميعا (1).

لقد امعن المهدي في تتبع الزنادقة،و قتلهم يقول السيوطي:«وجد المهدي في تتبع الزنادقة و إبادتهم،و البحث عنهم في الآفاق،و القتل على التهمة» (2)و لما حضرته الوفاة عهد الى ولده الهادي في قتلهم،و قد أوصاه بهذه الوصية:

«يا بني،إن صار لك هذا الأمر فتجرد لهذه العصابة-اي الزنادقة- فانها فرقة تدعوا الناس الى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش،و الزهد في الدنيا،و العمل للآخرة،ثم تخرجها الى تحريم اللحم،و مس الماء الطهور و ترك قتل الهوام تحرجا و تحوبا،ثم تخرجها من هذا الى عبادة اثنين:

أحدهما النور،و الآخر الظلمة،ثم تبيح بعد هذا نكاح الأخوات و البنات و الاغتسال بالبول،و سرقة الاطفال من الطريق،لتنقذهم من ضلال الظلمة الى هداية النور فارفع فيها الخشب،و جرد فيها السيف،و تقرب بأمرها الى اللّه الذي لا شريك له.فاني رأيت جدك العباس في المنام قلدني سيفين، و أمرني بقتل اصحاب الاثنين..» (3)/6


1) الاغاني 67/6

2) تأريخ الخلفاء:ص 273

3) الطبري 388/6

و قد نفذ الهادي وصية أبيه فأشاع القتل و الاعدام في الزنادقة،و سار من بعده الرشيد و سائر ملوك بني العباس فلم يتركوا مجالا للأوكار التخريبية أن تعمل في افساد المسلمين و قضوا على جميع دعاة الالحاد و الزندقة.

لقد كان الخلفاء يستخدمون جميع الوسائل لمحاربة الزندقة و القضاء على هذه الروح الخبيثة،فاذا قبضوا على الزنديق طلبوا منه أن يبصق على صورة ماني أو يذبح طائرا اسمه(التذرج)،اما البصق على صورة ماني فالمقصود منه تحقير مبتدع الفكرة المانوية و هو دليل في نفس الوقت على رجوع الزنديق عن فكرته،و المقصود من ذبح الطائر أن ذبح الحيوان الحي كان محرما عند المانوية أما الحكمة في ذبح الطائر(تذرج)فلا تكشف عنها المصادر التي بأيدينا كما يقول الاستاذ جورج فيدا (1).

و مهما يكن من أمر فان الحملة التي شنها الخلفاء على الزنادقة كانت شديدة للغاية،و لكن بمزيد الأسف ان العقاب الصارم كان على الأبرياء اكثر منه على الزنادقة الحقيقيين كما سنبينه.

الاسراف في الاتهام

:

و لم يكن كل هؤلاء الذين اتهموا بالالحاد و المروق عن الدين زنادقة حقيقين بل كان بعضهم يتهم بالزندقة لأسباب سياسية،فقد اتخذ الخلفاء من هذا الاتهام وسيلة للقضاء على خصومهم من الهاشميين،و على هذا النحو أتهم أحد أبناء داود بن على،و يعقوب بن الفضل،و أتى بهما الى المهدي و لما كان الخليفة المهدي قد ارتبط من قبل بعهد ألا يقتلهما فلم يستطع ذلك


1) الالحاد في الاسلام:ص 28-29 نقلا عن مجلة الدراسات الشرقية 173/14-229

و انما حبسهما و أشار الى ابنه الهادي أن يقتلهما حينما يتولى الخلافة.

و تعدى الاتهام بالزندقة الى جميع من لا يرضى بحكم الخلفاء او لا يرى جواز الصلاة خلفهم فهذا شريك بن عبد اللّه القاضي،كان لا يرى الصلاة خلف المهدي فأمر به فأحضر عنده فقال له:-في جملة كلامه-يا بن الزانية،فقال شريك:مه يا أمير المؤمنين فلقد كانت صوامة قوامة.

فقال له المهدي:يا زنديق،لأقتلنك،فضحك شريك،و قال:

يا أمير المؤمنين،إن للزنادقة علامات يعرفون بها:شربهم القهوات،و اتخاذهم القينات،فأطرق المهدي و لم يطق جوابا (1).

و دلت هذه البادرة على مدى اسرافهم باطلاق الزندقة على كل من يكرهونه و لا يرضون عنه كما دل جواب شريك على أن المدار في الزندقة هو شرب الخمر و اتخاذ القينات.فعلى هذا يطلق الزنديق على كل ماجن خليع،و بهذا الاعتبار ألقى القبض على آدم حفيد عمر بن عبد العزيز،فقد أتهم بالزندقة لأنه كان خليعا ماجنا مسرفا في الشراب و جرت على لسانه أبيات-و هو سكران-فيها مساس للدين قال فيها:

اسقني واسق خليلي في مدى الليل الطويل

لونها أصفر صاف و هي كالمسك الفتيل

في لسان المرء منها مثل طعم الزنجبيل

ريحها ينفح منها ساطعا من رأس ميل

من ينل منها ثلاثا ينس منهاج السبيل

فمتى ما نال خمسا تركته كالقتيل

ليس يدري حين ذاكم ما دبير من قبيل

إن سمعي عن كلام اللائمي فيها ثقيل10


1) ابن كثير:53/10

لشديد الوقر إني غير مطواع ذليل

قل لمن يلحاك فيها من فقيه أو نبيل

أنت دعها و ارج أخرى من رحيق السلسبيل

تعطش اليوم و تسقى في غد نعت الطلول

من أجل ذلك أخذه المهدي و رماه بالزندقة،و ضربه ثلاثمائة سوطا على أن يقر بذلك،و هو ينفي عنه التهمة و يقول:و اللّه،ما أشركت باللّه طرفة عين،و متى رأيت قرشيا تزندق؟و لكنه طرب غلبني و شعر طفح على قلبي،و أنا فتى من فتيان قريش أشرب النبيذ،و أقول ما قلت على سبيل المجون،ثم هجر الشراب بعد ذلك و كره أن يرى الخمر و يقول:

شربت فلما قيل ليس بنازع نزعت و ثوبي من أذى اللؤم طاهر (1)

لقد اتهم آدم بالزندقة و هو لم يكن زنديقا،و انما غلبه الشعر بقول فيه هجر،و لم يقتصر الخلفاء على ذلك فقد أطلقوا لفظ الزنديق على كل من يناقش أحاديث الصحابة أو يردها (2)و الغرض من ذلك الحكم على الشيعة بالمروق عن الاسلام ليستحلوا بذلك إراقة دمائهم،يقول عبد الرحمن بدوي:ان الاتهام بالزندقة في ذلك العصر كان يسير جنبا الى جنب مع الانتساب الى مذهب الرافضة كما لاحظ ذلك الاستاذ(فيدا) (3).

لقد كان الانتساب لمذهب التشيع في تلك الفترات المظلمة من أهم الجرائم،فان هذه التهمة في نظر المسئولين فوق جريمة الالحاد،فان المتهم بالكفر و الالحاد تقبل توبته و يعفى عنه،اما المتهم بالولاء لأهل البيت(ع) فانه يحكم عليه بالكفر و المروق عن الدين مع ايمانه باللّه و رسوله و إقامتهام


1) الأغاني:60/1-61

2) تأريخ بغداد:7/14

3) من تأريخ الالحاد في الاسلام

لفرائض الاسلام.

و مهما يكن من أمر فقد اتخذ خلفاء بني العباس الاتهام بالزندقة في كثير من الاحيان وسيلة للحكم بالاعدام على الشيعة و زجهم في غياهب السجون و انما تعسفوا في ذلك لأن الشيعة قد أعلنت الحرب بغير هوادة على كل ظالم جائر،و قدمت المزيد من التضحيات للقضاء على الظالمين،و اعتبرت اولئك الحاكمين من أئمة الظلم و الضلال فانبرت الى مناجزتهم و بذلت جميع القوى لتحطيم عروشهم،و سنذكر ذلك مشفوعا بالتفصيل عما قريب.

احتجاجات الأئمة معهم

:

و تميز رد أئمة اهل البيت(ع)على الملحدين بالمنطق العلمي و الأدلة الحاسمة التي تثبت اصالة العقيدة الاسلامية بجميع مناحي تشريعاتها،و زيف اضاليل الملحدين،و بطلان معتقداتهم،و كان تأثير تلك الاحتجاجات في نفوسهم أقوى من جميع الوسائل التي استخدمتها الحكومات المحلية لقمعهم، فقد التجأت بعد أن أعوزها المنطق الى قوة الحديد و النار و الزج في السجون الى قهرهم و ابادتهم،و لكن هذا سلاح العاجزين فان المبادئ لا يمكن أن ترد أو تقهر إلا بالوسائل العلمية و يستحيل أن تغلب بغير ذلك.

و قد اعتمد أئمة أهل البيت(ع)في احتجاجاتهم على الوسائل العلمية الحافلة بجميع أساليب الاقناع،و التي لم تدع مجالا للشك أو الريبة في بطلان معتقدات خصومهم،و قد اعترف كثيرون منهم بضلال ما هم فيه،و ثابوا الى طريق الحق و الصواب كما ادلى بعضهم بان الأئمة سادة البشر،و ان الانسانية الكاملة لا يصح اطلاقها إلا عليهم،و قد اعترف بذلك ابن المقفع و عبد الكريم بن أبي العوجاء حينما كانا يلاحظان طواف المسلمين حول الكعبة

فقال ابن المقفع لاصحابه:«ليس واحد من هؤلاء-و اشار الى من في البيت الحرام-يستحق اسم الانسانية إلا هذا-و اشار الى الامام جعفر بن محمد(ع)-اما الباقي فرعاع و بهائم».

و بادر ابن أبي العوجاء الى الامام الصادق(ع)فقال له:

«رحمك اللّه أيها الشيخ،أي شيء نقوله نحن:؟و أي شيء يقولونه هم؟ما نؤمن به،و ما به يؤمنون واحد».

فاجابه الامام(ع):

«اني لما تقول:ان يكون كما يقولون:هم يقولون بالمعاد و الوعيد،و ان للسماء إلها و بها عمرانا،بينما تزعمون أن السماء خراب،و ليس بها أحد».

قال عبد الكريم:

«لو كان الأمر كما تقول:فما منع اللّه من الظهور لجميع خلقه، و دعاهم الى عبادته حتى لا يصبح اثنان منهم على خلاف؟لما ذا اختفى عنهم و مع ذلك أرسل إليهم رسلا؟لو كان قد ظهر بذاته لكان ذلك أسهل الى الاعتقاد به».

فأجابه الامام:

«كيف اختفى من أظهر قدرته في نفسك أنت و في نمائك؟»، و أخذ الامام(ع)يدلي عليه بالحجج و البراهين على وجود اللّه،و انهزم ابن أبي العوجاء مهرولا الى اصحابه،و هو يقول لهم:«ما هذا ببشر!!و ان كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهرا و يتروح اذا شاء باطنا فهو هذا -و اشار الى الامام(ع) (1).

و لا بد لنا من وقفة قصيرة الى ذكر بعض الاحتجاجات التي أثرت عنهم،و فيما يلي ذلك:69


1) من تأريخ الالحاد في الاسلام:ص 68-69

احتجاجات الامام الصادق

:

و حفلت كتب الكلام و الحديث بالشيء الكثير مما أثر عن الامام الصادق في هذا المجال،و هو مدعم بأوثق الأدلة على صحة العقيدة الاسلامية،و زيف معتقدات خصومها،و نشير فيما يلي بعضها:

1-دخل ابن ابي العوجاء على الامام الصادق(ع)فقال له الامام:

-يا بن أبي العوجاء أنت مصنوع أم غير مصنوع؟ -لست بمصنوع.

-لو كنت مصنوعا كيف كنت؟ فتحير ابن ابي العوجاء،و لم يطق جوابا،و خرج منهزما يتعثر في خطاه (1).

2-دخل ابو شاكر الديصاني،و كان زنديقا على الامام الصادق(ع) فقال له:

-يا جعفر بن محمد دلني على معبودي؟ فقال ابو عبد اللّه:اجلس،و اقبل غلام في كفه بيضة،فأمر(ع) الغلام أن يناوله البيضة،فناولها اياه،فقال(ع):

«يا ديصاني،هذا حصن مكنون له جلد غليظ،و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق،و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة،و فضة ذائبة،فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة،و لا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة،فهي على حالها لا يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن اصلاحها،و لا يدخل إليها داخل مفسد فيخبر عن افسادها،لا يدري للذكر خلقت أم للانثى،


1) احتجاج الطبرسي،بحار الانوار.

تنفلق عن مثل الوان الطواويس،أ ترى له مدبرا...»و اطرق الديصاني برأسه للارض يفكر في قول الامام،و لم يلبث أن رفع رأسه و هو يقول:

«اشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له،و أشهد أن محمدا عبده و رسوله،و انك امام،و حجة اللّه على خلقه،و أنا تائب مما كنت فيه (1).

3-و حدث هشام بن الحكم قال:كان زنديق بمصر يبلغه عن أبي عبد اللّه(ع)علم،فخرج الى المدينة ليناظره،فلم يصادفه بها،و قيل هو بمكة فخرج الى مكة،و نحن مع أبي عبد اللّه(ع)فانتهى إليه-و هو في الطواف-فدنا و سلم،فقال له ابو عبد اللّه:

-ما اسمك؟ -عبد الملك.

-ما كنيتك؟ -أبو عبد اللّه.

-من ذا الملك الذي أنت عبده،امن ملوك الأرض،أم من ملوك السماء؟و اخبرني عن ابنك اعبد آله السماء.أمّ عبد آله الأرض؟ فسكت الزنديق(و لم يطق جوابا،فقال له أبو عبد اللّه:قل:

فتحير الزنديق،و لم يدر ما يقول:فرمقه الامام(ع)بطرفه،و قال له:

اذا فرغت من الطواف فائتنا،و لما فرغ(ع)من الطواف أقبل الزنديق فقال(ع)له:

-أتعلم ان للأرض تحتا و فوقا؟ -نعم.

-دخلت تحتها.

-لا.ج.


1) الاحتجاج.

-هل تدري ما تحتها؟ -لا ادري إلا اني أظن أن ليس تحتها شيء.

-الظن عجز ما لم تستيقن،ثم قال(ع)له:

-صعدت الى السماء؟ -لا.

-أ فتدري ما فيها؟ -لا.

-اتيت المشرق و المغرب،فنظرت ما خلفهما؟ -لا.

-العجب لك!لم تبلغ المشرق و المغرب،و لم تنزل تحت الأرض، و لم تصعد الى السماء،و لم تخبر ما هناك،فتعرف ما خلفهن،و أنت جاحد مما فيهن،و هل يجحد العاقل ما لا يعرف؟ ما كلمني بهذا غيرك.

-فانت من ذلك في شك،فلعل هو،و لعل ليس هو.

-لعل ذلك.

-أيها الرجل ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم،و لا حجة للجاهل على العالم،يا اخا أهل مصر،تفهم عني،أ ما ترى الشمس و القمر، و الليل و النهار يلجان،و لا يستبقان،يذهبان و يرجعان قد اضطرا،ليس لهما مكان الا مكانهما،فان كانا يقدران على أن يذهبا فلم يرجعا؟و إن كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا،و النهار ليلا؟اضطرا و اللّه يا أخا أهل مصر،إن الذي تذهبون إليه و تظنون من الدهر،فان كان هو يذهبهم فلم يردهم؟و ان كان يردهم فلم يذهب بهم؟أ ما ترى السماء مرفوعة،و الأرض مرفوعة،لا تسقط السماء على الأرض،و لا تنحدر

الارض فوق ما تحتها،أمسكها و اللّه خالقها و مدبرها..» و وجم المصري،و لم يطق جوابا،و فكر في ابعاد كلام الامام فرأى فيه الهداية و الحق فثاب الى الرشاد و اعلن اسلامه و ايمانه (1).

4-و قصد احد الزنادقة الامام(ع)فقال له:

-أ رأيت اللّه حين عبدته؟ -ما كنت أعبد شيئا لم أره -كيف رأيته؟ -لم تره الابصار بمشاهدة العيان،و لكن رأته القلوب بحقائق الايمان لا يدرك بالحواس،و لا يقاس بالناس،معروف بغير تشبيه(2).

5-وفد بعض الزنادقة على الامام(ع)فسأله عن مسائل كثيرة، و مما سأله قال:

-كيف يعبد اللّه الخلق،و لم يروه -رأته القلوب بنور الايمان،و أثبتته العقول بيقظتها اثبات العيان و أبصرته الابصار بما رأته من حسن التركيب،و أحكام التأليف،ثم الرسل و آياتها و الكتب و محكماتها،و اقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته(3).

و قد أقام(ع)في هذه المناظرة سيلا من الأدلة على وجود اللّه و وحدانيته،و قد أثر عنه في هذا المجال الشيء الكثير،و ذكره يستدعي الاطالة و الخروج عن الموضوع فنكتفي بهذا النزر اليسير منه


1) احتجاج الطبري

2) احتجاج الطبري

3) احتجاج الطبري

الامام موسى

اشارة

:

و قام الامام موسى(ع)بدوره في الدفاع عن العقيدة الاسلامية، و ابطال شبه الملحدين و زيف أفكارهم،و نعرض فيما يلي الى بعض المسائل الكلامية التي سئل عنها.

1-ابطاله لحركة اللّه:

جاء في بعض الروايات من طرق العامة أن اللّه سبحانه ينزل في الثلث الأخير من الليل فينادي في السماء:

«هل من داع؟هل من مستغفر».

و المجسمون يحملون هذه الاخبار على ظواهرها من دون تأويل أو نظر في سندها،و اثبتوا ان اللّه تعالى له جسم،و قد عرض ذلك على الامام(ع) فبين فساد ذلك،قال(ع):

«إن اللّه لا ينزل،و لا يحتاج الى أن ينزل،انما منظره في القرب و البعد سواء (1)لم يبعد منه قريب و لم يقرب منه بعيد،و لم يحتج الى


1) المراد:انه تعالى منزه عن الحركة و الانتقال لأن الذي يتصف بالحركة هو الممكن فان نسبته الى الامكنة ليست نسبة واحدة،فاذا حضر في مكان غاب عنه الآخر،و اذا قرب من شيء بعد عن الشيء الآخر،و اذا تعلق له غرض بمكان لا بد له من الحركة و الانتقال إليه لايجاد غرضه،و جميع ذلك بالنسبة إليه تعالى محال،فان نسبته الى جميع الامكنة و الامكانيات نسبة واحدة،و ليس شيء منها أقرب إليه من شيء آخر فلذا لم يحتج الى الحركة،فان منظره في القرب و البعد سواء.

شيء بل يحتاج إليه و هو ذو الطول (1)لا إله إلا هو العزيز الحكيم.

أما قول الواصفين:إنه ينزل تبارك و تعالى فانما يقول بذلك من ينسبه الى نقص أو زيادة (2)و كل متحرك يحتاج إلى من يحركه أو يتحرك به (3)ه.


1) ان كل شيء محتاج الى اللّه تعالى فهو الذي يفيض عليه الوجود و لو احتاج تعالى الى شيء لزم افتقار الشيء الى ما يفتقر إليه من حيثية واحدة و ذلك محال لاستلزامه الدور المجمع على بطلانه.

2) أشار عليه السلام الى المفاسد التي تترتب على القول بنزوله تعالى من السماء فان ذلك يستلزم الحركة،و كل من يتحرك سواء أ كانت الحركة في الأين أم في غيره فانها توجب الخروج من النقص الى الكمال أو الى الزيادة و هي الخروج من القوة الى الفعل،و كل ما يوصف بنقص أو زيادة ففي ذاته امكان للانفعال من غيره،و لازمه تركب الذات من القوة و الفعل -حسب ما نص عليه الفلاسفة-و كل مركب فهو ممكن الوجود محتاج الى غيره»و لازمه أن يكون تعالى ممكن الوجود،و هو محال حسب ما دلل عليه في البحوث الفلسفية.

3) اشار عليه السلام الى حجة اخرى على بطلان من زعم بنزوله تعالى من السماء فان ذلك يلزم منه الحركة،و كل متحرك لا بد له من محرك سواء أ كان مباينا له كالحركات النفسية و هي المعبر عنها بقوله:«من يحركه» أم مقارنا له كالحركات الطبيعية،و قد عبر عنها(ع)بقوله«او يتحرك به» و الحركة صفة حادثة،و هي باعتبارها وصفا تحتاج الى قابل،و باعتبار حدوثها تحتاج الى فاعل،و لا بد أن يكون فاعلها غير القابل اذ لا يعقل ان يكون ذلك،فكل متحرك يحتاج الى محرك يغايره و المغاير أيضا يحتاج الى محرك و هكذا فيلزم منه التسلسل المجمع على بطلانه.

فمن ظن باللّه الظنون فقد هلك (1)فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدونه بنقص او زيادة أو تحريك أو تحرك أو زوال أو استنزال أو نهوض أو قعود،فان اللّه جل و عز عن صفة الواصفين و نعت الناعتين، و توهم المتوهمين،و توكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم،و تقلبك في الساجدين...» (2).

و تحدث عليه السلام مع أصحابه عن نفي الحركة عن اللّه تعالى فقال:

«لا اقول:إنه قائم فأزيله عن مكانه،و لا أحدّه بمكان يكون فيه و لا احده أن يتحرك في شيء من الاركان و الجوارح،و لا أحده بلفظ شق فم،و لكن كما قال اللّه تبارك و تعالى:« كُنْ فَيَكُونُ »بمشيئته من غير تردد في نفس،صمدا فردا،لم يحتج إلى شريك يذكر له ملكه،و لا يفتح له أبواب علمه» (3).

اراد(ع)انه لا يصف اللّه تعالى بالقيام بالمعنى الذي يقول به اللغويون كي يلزم زواله عن المكان الذي كان به قبل قيامه،و أيضا لا يصفه بالكون في مكان ليلزم منه كونه جسما محدودا،و لا يصفه أيضا بالحركة بكله او بالحركة التي تكون للجوارح فان ذلك يلزم منه التغيير و الحاجة الى الغير تعالى اللّه عن جميع ذلك،و بين(ع)كيفية صنعه للاشياء بأن ذلك ليس بلفظ شق فم اللافظ عند تكلمه بل انما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له:

كن فيكون،و هو تعالى يفعل ما يريد بنفس مشيئته من غير استعمال آلة/1


1) حذر عليه السلام من الظنون الفاسدة فانها توجب الهلكة و المروق من الدين فانه تعالى منزه عن تلك الآراء الفاسدة التي يعرف زيغها من كان له ادنى المام من العلم و المعرفة.

2) اصول الكافي 125/1

3) أصول الكافي:125/1

أو جارحة،و من غير تردد و تفكر،لا يفتقر في ايجاده للاشياء الى شريك يعينه و لا وزير يدبر له أمره،و يستعين به أو يذكر له ملكه و سلطانه.

2-نفي الجسم عن اللّه:

و مما قال به الملحدون في ذلك العصر:إن اللّه تعالى له جسم كبقية الموجودات،و قد قال بذلك هشام بن الحكم:قبل هدايته و رجوعه الى طريق الحق،و قد عرض قوله على الامام موسى(ع)فقال في الرد عليه:

«اي فحش أو خنا أعظم من قول من يصف خالق الاشياء بجسم أو صورة،أو بخلقة (1)أو بتحديد،أو أعضاء،تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا» (2).

و ذكر الشهرستاني ان هشام بن الحكم له مقالات في التشبيه،و وافقه على ذلك هشام بن سالم الجواليقي،و مما قالوه:ان اللّه تعالى طوله سبعة أشبار بشبر نفسه،و انه في مكان مخصوص،وجهة مخصوصة،و انه تعالى على صورة انسان أعلاه مجوف،و أسفله مصمت،و هو ساطع يتلألأ،له حواس خمس،و رجل و أنف و أذن و عين،و له وفرة سوداء لكنه ليس بلحم و لا دم (3)و طعن جملة من المحققين في نسبة ذلك إلى هشام نظرا لوثاقته و علمه و انه في طليعة رجال الاسلام فكيف تصح نسبة ذلك إليه إلا أنه لا مانع من ذلك فانه كان في بداية امره قبل ان يتعرف بالامام قد جرفته الافكار الالحادية.و بعد اتصاله بالامام(ع)ثاب الى طريق الحق


1) في بعض النسخ بخلقه

2) أصول الكافي:105/1

3) الملل و النحل

و الصواب و صار من اعلام الفكر الاسلامي،و سنوضح ذلك عند التحدث عن ترجمته.

و عرض عبد الرحمن على الامام(ع)قولا لهشام في التجسيم،و هو (ان اللّه جسم ليس كمثله شيء،عالم سميع،بصير قادر متكلم،ناطق، و الكلام و القدرة و العلم تجري مجرى واحد ليس شيء منها مخلوقا)فرد الامام عليه ذلك بقوله:

«قاتله اللّه،أ ما علم ان الجسم محدود،و الكلام غير المتكلم،معاذ اللّه!!و أبرأ الى اللّه من هذا القول،لا جسم،و لا صورة،و لا تحديد و كل شيء سواه مخلوق،انما تكون الاشياء بارادته و مشيئته من غير كلام و لا تردد في نفس،و لا نطق بلسان» (1).

و من جملة الأمور التي سئل عنها(ع)فيما يتعلق بصفات اللّه انه سئل عن جسم اللّه و صورته فأجاب(ع)«سبحان من ليس كمثله شيء لا جسم و لا صورة» (2).

3-معنى اللّه:

و انتشرت الاضاليل في ذلك العصر و سادت البدع،و قد وجهت الاسئلة الكثيرة الى الامام(ع)فيما يتعلق بذات اللّه و صفاته،و من الاسئلة التي وجهت إليه هو ما«معنى اللّه؟»فأجاب(ع):«استولى على ما دقّ و جل» (3).

و هذا التفسير الذي أدلى به الامام تفسير للشيء بما يلازمه فان معنى


1) أصول الكافي:106/1

2) نفس المصدر:ص 104

3) نفس المصدر:ص 115

الإلهية يلزمه الاستيلاء على جميع الاشياء جليلها و دقيقها،و حاضرها و غائبها و كل شيء فيها،و روي في المحاسن أنه سئل عن معنى قول اللّه:

«الرحمن على العرش استوى»فقال(ع)استولى على ما دق و جل (1).

4-علمه تعالى:

و رفع الى الامام سؤال عن علم اللّه تعالى جاء فيه(هل ان اللّه كان يعلم الاشياء،قبل أن خلق الاشياء و كونها،لو انه لم يعلم ذلك حتى خلقها و أراد خلقها و تكوينها،فعلم ما خلق عند ما خلق و ما كون عند ما كون).

فأجاب(ع):

«لم يزل اللّه عالما بالاشياء قبل أن يخلق الاشياء كعلمه بالاشياء بعد ما علم خلق الاشياء» (2).

و كتب إليه محمد بن حمزة رسالة يسأله فيها عن علم اللّه و هذا نصها:

«إن مواليك اختلفوا في العلم،فقال بعضهم:لم يزل اللّه عالما قبل فعل الاشياء،و قال بعضهم:لا نقول:لم يزل اللّه عالما لأن معنى يعلم يفعل فان أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الازل معه شيئا،فان رأيت جعلني اللّه فداك أن تعلمني من ذلك ما أقف عليه و لا أجوزه»فكتب(ع)إليه:

«لم يزل اللّه عالما تبارك و تعالى ذكره» (3)و كان جوابه(ع)عن هذه المسألة مجملا نظرا لقصر فهم السائل عن ادراك الجواب فان هذه المسألة من أشكل المسائل الفلسفية و قد وقع الاختلاف


1) الاحتجاج للطبرسي

2) أصول الكافي:107/1

3) أصول الكافي:107/1

فيها بين أعاظم الفلاسفة القدامى فالمشائيون تبعا لمعلمهم ارسطاطاليس ذهبوا إلى أن علمه تعانى بالاشياء متقدم عليها،و الاشراقيون تبعا لمعلمهم افلاطون ذهبوا إلى أن علم اللّه عز اسمه بالاشياء مقارن لايجاد الشيء و قد استدل الفريقان بأدلة كثيرة فيها لون من الغموض و الابهام و حيث ان السائل لم يفقه امثال هذه البحوث فلذا اجمل(ع)في جوابه.

5-إرادة اللّه:

و سأل صفوان بن يحيى الامام عن الارادة هل هي من اللّه أو من الخلق؟فأجابه عليه السلام:

«الارادة من الخلق الضمير،و ما يبدوا لهم بعد ذلك من الفعل، و أما من اللّه تعالى فاراداته احداثه لا غير لانه لا يروي،و لا يهم و لا يفكر و هذه الصفات منفية عنه،و هي صفات الخلق،فارادة اللّه الفعل لا غير ذلك،يقول له:كن فيكون بلا لفظ و لا نطق و لا لسان و لا همة و لا تفكر،و لا كيف لذلك كما انه لا كيف له» (1).

و إيضاح كلامه(ع)ان ارادة الانسان عبارة عن كيفية نفسانية تحدث عقيب تصوره للشيء الملائم له،و التصديق بثبوته و نفعه تصديقا علميا او ظنيا،فاذا بلغ الشيء في قرارة النفس حد الرجحان حصل العزم لايجاده و اما ارادة اللّه تعالى فليست صفة حادثة على ذاته الكريمة لاستحالة حدوث صفة او كيفية في ذاته و ليست الارادة بالنسبة له إلا احداثه الشيء لا غير لتعاليه سبحانه عن الروية و الفكر.

6-مشيئة اللّه:

قال علي بن ابراهيم:سمعت أبا الحسن موسى(ع)يقول:لا يكون


1) أصول الكافي:127/1

شيء إلا ما شاء اللّه و أراد،و قدر،و قضى،فقلت له:ما معنى شاء؟ قال(ع):ابتداء الفعل.

قلت:ما معنى قدر؟.

قال(ع):تقدير الشيء من طوله و عرضه.

قلت:ما معنى قضى؟ قال(ع)اذا قضى أمضاه،فذلك الذي لا مرد له (1).

و إيضاح كلامه(ع)-على وجه الاجمال أن للانسان أفعالا اختيارية منها مشيئته و إرادته و تقديره و إمضائه و حيث أنه تعالى عد الموجودات الخارجية من افعال نفسه و صادرة عن علمه و قدرته فلا بد أن تكون مسبوقة بالمشيئة و الارادة و التقدير و القضاء،و المشيئة و الارادة لا بد من تحققهما في ايجاد الفعل الاختياري،فالمعنى القائم في النفس من حيث ارتباطه بالفاعل يسمى مشيئة،و من حيث ارتباطه بالفعل يسمى ارادة،و التقدير تعيين مقدار الفعل،و القضاء هو الحكم الاخير الذي لا واسطة بينه و بين الفعل و اذا تعلق قضاؤه تعالى بشيء أمضاه و هو الذي لا مرد له.

7-الارادة التكوينية و التشريعية

:

قال(ع):ان للّه إرادتين و مشيئتين:ارادة حتم و ارادة عزم، ينهى و هو يشاء،و يأمر و هو لا يشاء،أو رأيت أنه نهى آدم و زوجته أن يأكلا من الشجرة،و شاء ذلك،و لو لم يشأ أن يأكلا لما غلبت مشيئتهما مشيئة اللّه تعالى،و أمر ابراهيم أن يذبح اسحاق و لم يشأ أن يذبحه و لو شاء لما غلبت مشيئة ابراهيم مشيئة اللّه تعالى (2).


1) أصول الكافي:150/1

2) نفس المصدر ص 151

و بيان مراده(ع)ان الارادة تنقسم الى الارادة التكوينية الحقيقية و الى الارادة التشريعية الاعتبارية،فارادة الانسان التي تتعلق بفعل نفسه ارادة تكوينية تؤثر في اعضائه الى ايجاد الفعل و يستحيل معها تخلف الأعضاء عن المطاوعة الا لمانع،و اما الارادة التي تتعلق بفعل الغير كما اذ امر بشيء أو نهى عنه فان هذه الارادة ليست تكوينية بل هي تشريعية لأنها لا تؤثر ايجاد الفعل او تركه من الغير بل تتوقف على الارادة التكوينية له.

و اما ارادة اللّه تعالى التكوينية فهي التي تتعلق بالشيء،و لا بد من ايجاده و يستحيل فيها التخلف،و اما ارادته التشريعية فهي التي تتعلق بالفعل من حيث انه حسن و صالح،و اما نهى اللّه لآدم عن الأكل و قد شاء ذلك و أمره تعالى لإبراهيم بالذبح لإسحاق و قد شاء ذلك فان النهي و الامر فيهما تشريعيان،كما ان المراد بالمشيئة هي المشيئة التكوينية،و قد صرحت الرواية بأن ابراهيم قد امر بذبح ولده اسحاق دون اسماعيل،و هو مخالف لما تضافرت به الاخبار الواردة عن ائمة الهدى(ع)بأن الذي جعل قربانا للبيت الحرام هو اسماعيل دون اسحاق.

و نكتفي بهذا المقدار من رده على الملحدين و تفنيده لشبههم،و له تراث آخر يتعلق في النبوة و الامامة ذكره المجلسي في بحاره،كما دونه الكلينى في أصول الكافي،و التعرض له يستدعي مجلدا ضخما،لذا نكتفي بما ذكرناه للاستدل ال على سهره(ع)على رد الشبه و تفنيد الاضاليل التي دهمت المسلمين.

و على اي حال فان عصر الامام قد غزته موجة من الالحاد فجرها المعادون للاسلام و الحاقدون على انتصاراته،فرأوا أن لا وسيلة لهم لمقاومته إلا باشاعة المبادئ الهدامة بين المسلمين ليضعف بذلك الجانب العقائدي، و لكن لم تلبث أن تلاشت تلك الافكار،و قبرت تلك الأضاليل و البدع

بواسطة المساعي الحميدة التي بذلها أئمة اهل البيت(ع)و قادة الفكر من تلامذتهم،فقد انطلقوا بحماس بالغ يعملون لصيانة الاسلام و حمايته من شبه الملحدين و المضللين.

إن تلك الموجات الالحادية التي انتشرت في ذلك العصر تدل على أن المجتمع كان يعيش عيشة متحللة يسودها الخلاف المذهبي،و الشك في العقيدة الاسلامية،و مما لا شك فيه ان لاحتجاجات الأئمة(ع)الأثر الفعال في ارجاع المسلمين الى طريق الحق و الصواب،الى هنا ينتهي بنا الحديث عن الغزو العقائدي الذي مني به المسلمون،و لعله من أهم أحداث ذلك العصر.

تسيب الاخلاق

:

كان العصر العباسي في أغلب ادواره عصر لهو و مجون قد أقبل الناس فيه على الطرب و الغناء،و اندفعوا الى الاستمتاع بجميع انواع المحرمات من الادمان على شرب الخمر،و استعمال الميسر،و منادمة الجواري،و الغلمان و غيرها مما حرمه اللّه،و قد شجعهم على ذلك الجهاز الحاكم فانه قد غرق في المنكر و الاثم،و دفع الناس الى ذلك اللهو و انا لنتخذ المقياس في فساد الاخلاق من شعراء ذلك العصر،فانهم يمثلون المجتمع في جميع اتجاهاته و ميوله تمثيلا صحيحا،فقد كان شعرهم لا يصور جدا و لا نشاطا في الحياة العامة،و لا يصور أي واقع للحياة الفكرية،و انما كان شعرهم في وصف العقار و القيان،و البعث الى اللذة و الشهوات،و كان ما أثر عنهم في هذا المجال وصمة في تراث الادب العربي،و فيما يلي هذه البادرة التي تدل على ذلك:

اجتمع شعراء البلاط العباسي،فقالوا:ابن نقضي هذه الليلة سهرتنا

فأخذ كل واحد يدعوهم الى بيته،فاقترح ابو نواس ان تكون هذه الدعوة شعرا لا نثرا و ان تذهب الجماعة الى احسنهم نظما في ذلك،فقال داود بن رزين الواسطي:

قوموا لمنزل لهو و ظل بيت كنين

فيه من الورد و النر جس و الياسمين

و ريح مسك ذكي و فائح المرزجون (1)

و قنية ذات غنج و ذات عقل رصين

تشدوا بكل طريف من محكم(ابن رزين)

و قال أبو نواس:

لا بل الي ثقاتي قوموا بنا لحياتي

قوموا نلذ جميعا بقول هاك و هاتي

...و ذكر لونا من الخلاعة ننزه الكتاب عن ذكره.

و قال الخليع:

الى(الخليع)فقوموا الى شراب الخليع

الى شراب لذيذ و أكل جدي رضيع

و نيل أحوى رخيم بالخندريس صريع (2)

في روضة جادها صو ب غاديات الربيع

قوموا تنالوا وشيكا منال كل رفيعة.


1) المرزجون:نبت طيب الرائحة.و الكلمة فارسية.

2) الخندريس:الخمرة القديمة.

و قال الرقاشي:

للّه در عقار حلت ببيت(الرقاشي)

عذراء ذات احمرار إني بها لا أحاشي

و قال عمرو الوارق:

عوجوا الى بيت(عمرو) الى سماع و خمر

و ناشجات علينا تطاع في كل أمر

هناك أحلى و أشهى من صيد باز و صقر

هذا و ليس عليكم أولى و لا وقت عصر

و قال الحسين الخياط:

قضت عنان علينا بأن نزور(حسينا)

و أن نقر لديه باللهو و القصف عينا

فما رأينا كظرف(الح‍ سين)فيما رأينا

و قالت عنان:

مهلا أفديك مهلا (عنان)أحرى و أولى

بأن تنال لديها أشهى النعيم و أحلى

لا تطمعوا في سواي من البرية كلا

يا إخوتي خبروني أجاز حكمي أم لا؟!

و مضى كل واحد ينظم أبياتا فيها ترغيب على اللذة و حث على اللهو و المجون.فاقترح ابو نواس الذهاب الى حانة خمار،فقال:

ألا قوموا الى الكرخ إلى منزل خمار

الى صهباء كالمسك الى جونة عطار

و بستان به نخل له زهر باشجار

فان احببتم لهوا أتيناكم بمزمار (1)

إن هذا اللون من الأدب المكشوف قد دل على انتشار الميوعة و فساد الاخلاق و التحلل من الرواسب الدينية التي تحرم ذلك.

إن سمة الحياة في ذلك العصر يمثلها الشعراء،فقد استأثرت عواطفهم و أحاسيسهم باللهو و المجون،و تعلقت قلوبهم بالخمر فعكفوا على وصفها و الثناء عليها،و قد كرس ابو نواس مجهوده الفكري على«وصف الأكواب و الكؤوس و الدنان و السقاة و الخمارين و الندمان و الكروم،و لم يفته أن يذكر اصناف الخمور،و طريقة صنعها،و لم ينس أن يفرق بين هذه و تلك في الطعم و اللون و الرائحة،و لم يقصر في بيان النشوة،و دبيبها في الاعضاء و سورتها في الرءوس،و لم يكن بيانه بيان الذي يتعمد ذلك لغرض فني فحسب بل كان بيان الذي تمكن من نفسه الحب،فجعله يلتفت الى كل ما يتصل بها و ينظر الى ما لا يراه سواه،و يحس فيها بما لم يحس به احد.

و قد وصل حبه الى الخمر الى حد العبادة و التقديس،و قد شاعت خمرياته،و افتتن الناس بها،و كان الجاحظ معجبا اعجابا شديدا بهذه الابيات:

و دار ندامى عطلوها و أدلجوا بها اثر منهم جديد و دارس

مساحب من جر الزقاق على الثرى و اضغاث ريحان جنى و يابس

حبست بها صحبي فجددت عهدهم و اني على أمثال تلك لحابس48


1) حديث الأربعاء:46/2-48

أقمنا بها يوما و يوما و ثالثا و يوما له يوم الترحل خامس

تدار علينا الراح في عسجدية حبتها بألوان التصاوير فارس

قرارتها كسرى و في جنباتها فهي تدريها بالقسي الفوارس

فللخمر ما زرت عليه جيوبها و للماء ما دارت عليه القلانس (1)

و قد ذكر في مطلعها حنينه و حبه للخمر،و قد اقترن شرب الخمر مع الغناء و الرقص في ذلك العصر و كانت الأميرات و سيدات الطبقة الراقية في بغداد يشتركن في حفلات موسيقية خاصة (2)،كما انتشرت الدور الخاصة التي أعدت للخمر و الغناء و ضرب الدفوف و الطبول،كما كانت البساتين في ضواحي بغداد تعج بحانات الخمر التي يختلف إليها الشعراء و الشباب و الفتيات و قد وصف مطيع بن إياس في بعض شعره حانة بستان صباح (3)التي كان يتعاطى فيها الخمر،كما استحالت الأديرة إلى حانات شرب،و ميادين الى الغزل و المجون،و قد وصف ابو نواس راهباتها و خمرها بقوله:

يا دير حنة من ذات الاكيراح من يصح عنك فاني لست بالصاحي

رأيت فيك ظباء لا قرون لها يلعبن منا بألباب و أرواح (4)

و قد تحولت بغداد بل جميع انحاء العراق الى دور للهو و العبث و المجون و انساب الناس وراء الشهوات،و نبذوا القيم الاسلامية التي تحرم ذلك، و أدى ذلك الى انحطاط الاخلاق،و انغماس الناس في الاثم و المنكر، و الفساد،و امتد الفجور الى الغزل بالغلمان،و قد افرط ابو نواس و امثاله22


1) ابن المعتز ص 206

2) مختصر تاريخ العرب:ص 391-392

3) الاغاني 321/13

4) الديارات النصرانية في الاسلام لحبيب زيات ص 22

من الشعراء في ذلك،الامر الذي ادى الى انحلال الاخلاق و شيوع الخلاعة و الابتذال.

و مما لا شبهة فيه ان سياسة الحكم العباسي الاول هي المسئولة عن هذه الموجة من التحلل و الفجور،فان اولئك الملوك قد أسهموا في ايجاد هذا العبث و اللهو،و اشاعة المنكر و الفساد فلم تكن هناك سوءة إلا و تضاف إليهم،و لا استهانة بالعرف الاجتماعي او القيم الاسلامية الا و هم سببها و اصلها.

بؤس و شقاء

:

كانت الاكثرية الساحقة في البلاد الاسلامية تعاني الفقر و الحرمان، و ترزح تحت كابوس ثقيل من الظلم و البؤس،فالاموال قد تكدست عند طبقة خاصة من المغنين و الماجنين،و قد تفننوا في جميع انواع الملذات،كما اسرفوا في الشهوات،اما عامة الناس فقد استولى عليها الجوع و الفقر بسبب ظلم الولاة و جورهم في اخذ الخراج،و قد صور اضطهاد المجتمع و سوء الحياة الاقتصادية الشاعر الاجتماعي الكبير ابو العتاهية،بقصيدته التي وجهها الى عاهل بغداد،و قد جاء فيها:

من مبلغ عني الامام نصائحا متواليه

إني أرى الأسعار أسعار الرعية غاليه

و أرى المكاسب نزرة و ارى الضرورة فاشيه

و ارى غموم الدهر رائحة تمر و غاديه

و ارى اليتامى في البيوت الخاليه

من بين راج لم يزل يسمو إليك و راجيه

يشكون مجهدة بأصوات ضعاف عاليه

يرجون رفدك كي يروا مما لقوه العافية

من مصيبات جوّع تمسي و تصبح طاويه

من للبطون الجائعات و للجسوم العارية

ألقيت أخبارا إليك من الرعية شافيه

هذه هي الحالة الاجتماعية السائدة في عصر هارون،الملايين من الشعب تعرى و تجوع،بينما قد زخرت خزائن بغداد بأموال المواطنين،غير انها لم تكن إلا للخلفاء و أبنائهم و وزرائهم و المقربين عندهم من الظلمة و الماجنين و المخنثين،و اما الذين لا يمرغون جباههم على أعتاب الولاة فهم في فقر و بؤس،و لندع الحديث الى ابي العتاهية يصور لنا بوضوح ما يتمناه في ذلك العصر الذهبي الذي اصطلح المؤرخون على تسميته بذلك،فيقول:

رغيف خبز يابس تأكله في زاويه

و غرفة ضيقة نفسك فيها خاليه

أو مسجد بمعزل عن الورى في ناحيه

خير من الساعات في فيء القصور العالية

فهذه وصية مخبرة بحاليه

طوبى لمن يسمعها تلك لعمري كافيه

فاسمع لنصح مشفق يدعى ابا العتاهية

إن هذا اليأس و التشاؤم،و هذه الآلام التي رددها شاعر المجتمع العباسي كانت من نتائج فساد الحكم القائم و من مساوئ سلطانهم،فقد قضت سياستهم الملتوية باشاعة الحرمان و الفقر بين الناس،و نشر الثروة عند طبقة خاصة أسرفت في التفنن في أنواع الملذات،فكانوا يزينون مجالسهم

بالفرش الفاخر و المتاع الثمين،و يلبسون الحيطان بالوشي و الديباج،و يغرسون الزهور في جنانهم حتى كانوا يجلبون لها الرياحين من بلاد الهند،و اخذوا يمعنون في ابتكار أساليب المتع،حتى إذا ما ملّوا من واحدة منها مالوا الى أخرى و حتى(كان بعضهم يكاد ينطح العمود برأسه من حسن الغناء)كما يقول الاصفهاني.و كانت نتيجة ذلك انتشار الاعواز و الفقر عند طبقات الشعب.

و مهما يكن من أمر،فان الحكومات العباسية في العصر الاول قد نهبت أموال الشعوب الاسلامية و أشاعت الحاجة في البلاد و صرفت الخزينة المركزية على الدعارة و اللهو و فساد الاخلاق،و قد ايقنت الجماهير بفساد تلك السلطات و عدم شرعية حكمها،كما آمنت بالعلويين و اعتقدت بأنهم دعاة العدل الاجتماعي و مأوى المظلومين و المضطهدين.

سياسة الحكم العباسي

:

كان الحكم العباسي في اكثر أدواره قائما على الظلم و الجور فلا ظل فيه للعدل السياسي و العدل الاجتماعي،فقد نهج العباسيون في حكمهم منهجا فرديا خالصا،قد تسلموا جميع السلطات الادارية و القضائية،و لم يكن ثمة مجلس اداري أو استشاري تعالج فيه شئون الرعية،و سائر مصالحها،و وسائل تطورها و تقدمها،فقد كان طابع الحكم استبداديا،يحكم الخليفة بحسب رأيه و هواه فهو ظل اللّه في الأرض-كما يقولون-و اذا بهذا الظل يمعن في الاستبداد و نهب الاموال،و مصادرة الحريات،و ارغام الناس على ما يكرهون.

لقد كان الحكم العباسي في اكثر فترات تأريخه يضارع الحكم الأموي في مادته و صورته،يقول«ليثفي ديللا فيدا»:إن النظام الاداري الذي

جرى عليه العباسيون هو في جوهره نظام الامويين (1).

و قد أجحفت الدوائر الرسمية في حقوق العامة في حين كانت؟؟ الوجوه و الرؤساء و ذوي النفوذ،يقول أمين الريحاني:«و كانت الدوائر تدور كلها لا على الباغين-الظالمين و السفاحين-بل على الاهالي المساكين،على اولئك الذين يدفعون الضرائب و يلبون الدعوة للجهاد (2)على هؤلاء كان الظلم و الجور فقد هان أمرهم عند اولئك الحكام الذين استأثروا في توزيع الخير و الشر على من يحبون و يكرهون،فأنفقوا أموال الشعوب الاسلامية البائسة على شهواتهم و على من يسير في ركابهم فقد يعجب احدهم ببيت من الغناء فيهب الثراء العريض،و قد يكره،كلمة من مصلح فيهدر الدم و يصادر الأموال،فقد كان المعتضد العباسي إذا غضب على قائد امر بالقائه في حفرة و ردم عليه (3)،و عرف الكثيرون منهم بالبطش و البغي و سفك الدماء.

و وصف العتابي حالة الحكم القائم عند ما سئل:لم لا تتقرب بأدبك الى السلطان؟فقال:«إني رأيته يعطي عشرة آلاف في غير شيء و يرمي من السور في غير شيء،و لا أدري أي الرجلين أكون!!» (4).

و دعي محمد بن الحارث الى الواثق في يوم لم يكن يدعى فيه فقال:

«داخلني فزع شديد،و خفت أن يكون ساع قد سعى بي،أو بلية قد حدثت في رأي الخليفة علي فتقدمت بما أراد» (5)./3


1) العصر العباسي الأول ص 45.

2) النكبات

3) تأريخ الاسلام 18/3

4) المستطرف:112/1

5) الاغاني:215/3

و لما قتل المأمون وزيره الفضل بن سهل،عرض الوزارة على أحمد ابن أبي خالد فأبى أن يقبلها و قال:«لم أر أحدا تعرض للوزارة و سلمت حاله» (1).و السبب في ذلك أن الحكم لم يكن جاريا على قانون أو دستور معين،بل كان كيفيا حسب ما يتفق مع ميول الخليفة،فهو يوزع الموت و الحياة على من كره و أحب.

و كانت الأحكام بالاعدام تصدر من البلاط بالجملة بمجرد الوشاية، من غير أن يطمئن أو يوثق بقول المخبر بذلك.فقد وشي برجل يقال له (الفضيل بن عمران)الى ابي جعفر المنصور،و كان كاتبا لابنه جعفر و وليا لأمره،فقد وشى به أنه يعبث بجعفر،فبعث المنصور برجلين، و أمرهما بقتل الفضيل حيث وجداه،و كتب الى جعفر يعلمه ما أمرهما به و قال للرجلين:لا تدفعا الكتاب الى جعفر حتى تفرغا من قتله.فلما انتهيا إليه ضربا عنقه،و كان الفضيل عفيفا صالحا،فقيل للمنصور إنه أبرأ الناس مما رمي به،و قد عجلت عليه،فندم على ذلك،و وجه رسولا،و جعل له عشرة آلاف درهم إن ادركه قبل أن يقتل،فقدم الرسول فوجده جثة هامدة،فاستنكر جعفر ذلك،و قال لمولاه:

«ما يقول أمير المؤمنين في قتل رجل،عفيف،دين،مسلم بلا جرم و لا جناية؟!!» فأجابه سويد:

«هو أمير المؤمنين يفعل ما يشاء،و هو أعلم بما يصنع».

و هكذا كانت ارواح الناس و دماؤهم يتصرفون فيها حسب ما شاءوا، فالملك يفعل ما يصنع فهو ظل اللّه في الارض لا يسأل عن ذنب و لا جرم.

لقد كانت البلاد الاسلامية أيام الحكم العباسي ترزح تحت كابوس5.


1) طيفور:ص 215.

ثقيل من الظلم و الجور،فقد عمد العباسيون الى استعمال العنف في تنفيذ خططهم،و لأول مرة في تأريخ الاسلام صار النطع الى جانب كرسي الخلافة،و اتخذ منه و من الجلاد اداة لتوطيد الوصول الى العرش،كما يقول فيلب حتى.

على هذا الاساس كان الحكم العباسي في اكثر ادواره و عهوده،فلم يخضع لمنطق الحق و العدل،و انما كان خاضعا للاهواء و العواطف،فالغلمان و النساء و العابثون من الندماء كان لهم الضلع الكبير في ادارة شئون الحكم و توزيع الهبات و الارزاق،أو الحرمان،و لم يكن ذلك كله مستندا الى شريعة اللّه،و انما كان مبعثه الرغبات الشخصية التي هي أبعد ما تكون عن منطق العدل.

الفرق الاسلامية

:

و لعل من أهم ما حفل به العصر العباسي الاول من الأحداث، حدوث المذاهب الاسلامية،و تشعب المسلمين الى عدة طوائف،و فرق، قد اختلفت فيما بينها في أصول الدين و فروعه،و في كل شيء.

و الشيء المحقق ان السلطات العباسية في عصورها الاولى هي التي أحدثت المذاهب الاسلامية،و غذتها و نمتها،و حملت الناس بالقهر و القوة على اعتناقها،و فيما نحسب ان السبب في ذلك ابعاد المسلمين عن أئمة اهل البيت الذين يمثلون واقع الاسلام و اتجاهاته الثورية في القضاء على الظلم الاجتماعي،و الغبن الاجتماعي،و انقاذ الناس من الجور السياسي،و الاستبداد السياسي.

لقد اندفع العلويون في العصر الاموي الى ساحات الجهاد المقدس

لصيانة المجتمع من عنف الامويين و بطشهم،و اعادة المبادئ الكريمة التي ينشدها الاسلام و يؤمن بضرورة توفيرها على جميع المواطنين،و هي تتركز على بسط العدالة و الحرية و المساواة،و نشر الدعة و الاستقرار،و الايمان الكامل بحق الفرد،و توفير اسباب معيشته و رزقه و أمنه،و اعتبر ذلك قاعدة اساسية لتطور المجتمع،و انطلاقه في آفاق من الحياة الحرة الكريمة.

من أجا هذه المبادئ العليا هب العلويون الى ميادين الكفاح و النضال فلاقوا أعنف المشاكل و اكثرها صعوبة و تعقيدا،فتقطعت أوصالهم و اريقت دماؤهم،و ارتفعت اجسامهم على اعواد المشانق،و قد آمنت الجماهير بأن العلويين حماة هذه الامة و قادتها و ولاة أمرها،و انه لا يمكن بأي حال ان تتوفر للمجتمع اسباب معيشته و رخائه الا في ظل حكمهم،و قد التفوا حولهم،فكانت هتافات الثوار و المتظاهرين الدعوة الى«الرضا من آل محمد» و قد قضت الثورة العارمة التي اندلعت في جميع انحاء البلاد على الحكم الاموي حتى اطاحت به،و ازالت جميع آثاره،و لكن العباسيين قد اختلسوا الحكم من أهله،و حينما استتب لهم الامر عملوا جاهدين على ابادة العلويين و شيعتهم الذين هم مصدر القوى الواعية في الاسلام.

و كان المخطط الرهيب الذي اتخذته الحكومة العباسية لتصفية الشيعة و سائر القوى المعارضة لهم يحتوي على ما يلي:

أولا-احداث المذاهب الاسلامية،و فصم عرى الوحدة بين المسلمين و اشغالهم بالناحية العقائدية من حياتهم عن النظر في أي شأن من الشؤون السياسية،و قد عجت النوادي في بغداد و الكوفة و البصرة و يثرب و سائر انحاء العالم الاسلامي بالمناظرات الكلامية،و الاحتجاجات الفلسفية،و كلها تحوم حول الاطار العقائدي في الاسلام و قد وجهت الحياة العلمية في تلك العصور الى هذه الناحية الخاصة،و لم تتجه الى اي جانب من جوانب

الحياة السياسية التي يعيشها المسلمون.

ثانيا-عزل أئمة اهل البيت(ع)عن القافلة الاسلامية،و فرض الرقابة عليهم،و منع الاتصال بهم،و عدم أخذ معالم الدين منهم.

و قد شعر العباسيون بحاجة الناس الى التفقه في شئون دينهم فعهد المنصور الدوانيقي الى الامام مالك-احد رؤساء المذاهب الأربعة-بأن يضع كتابا في الفقه يحمل الناس على العمل به قهرا فامتنع مالك من ذلك أولا،ثم اجابه أخيرا بعد الضغط فوضع الموطأ (1).

و قد ساندت الحكومات العباسية بقية أئمة المذاهب و نشرت فقههم، و حملت الناس على العمل به كما أغدقت عليهم الأموال الطائلة،و كرمتهم تكريما هائلا،فكان الرشيد يأمر عامله على المدينة بأن لا يقطع أمرا دون أن يأخذ رأي مالك،كما كان يجلس على الأرض لاستماع حديثه (2)، و أمر بأن يهتف في ايام الحج أن لا يفتي إلا مالك،و قد ازدحم الناس عليه و كثرت عليه الوفود من سائر الأقاليم الاسلامية،لاستماع حديثه و اخذ الاحكام الشرعية منه و كان لا يدنو إليه أحد لما احيط به من التقدير الرسمي، فقد احتف به غلمان من السود غلاظ شداد يأتمرون بأمره و ينكلون بمن شاء أن ينكل به،و قد حدث اسماعيل الفزاري قال:«دخلت على مالك و سألته أن يحدثني فحدثني اثنى عشر حديثا ثم أمسك،فقلت له:زدني أكرمك اللّه،و كان له سودان قيام على رأسه،فأشار إليهم فأخرجوني من داره» (3).

ان العناية البالغة التي أولتها الحكومة العباسية لمالك و غيره من أئمة/2


1) شرح الموطأ للزرقاني 8/1

2) مناقب مالك للزاوي.

3) شرح الانتقاء:42/2

المذاهب تدل بوضوح على أن الغرض من ذلك هو إضعاف كيان أئمة اهل البيت(ع)و القضاء على الشيعة الذين هم من أقوى الجبهات المعادية للحكم العباسي،و لا بد لنا من وقفة قصيرة للحديث عن الطائفة الشيعية التي حملت لواء الاصلاح و ثارت في وجه الطغاة و المستبدين،و حفل تاريخها بالمآثر و المفاخر،و خدمة المسلمين و فيما يلي ذلك.

معنى الشيعة

:

الشيعة في اللغة:الاتباع و الانصار،و غلب على كل من يتولى الامام أمير المؤمنين(ع)و أهل بيته.قال الفيروزآبادي:شيعة الرجل-بالكسر- أتباعه و أنصاره.و قد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا و أهل بيته(ع) حتى صار اسما خاصا لهم» (1).

و قال ابن منظور الافريقي:«أصل الشيعة الفرقة من الناس،و يقع على الواحد و الاثنين و الجمع و المذكر و المؤنث بلفظ واحد و معنى واحد، و قد غلب هذا الاسم على من يتولى عليا و أهل بيته(رضوان اللّه عليهم أجمعين)حتى صار اسما خاصا لهم،فاذا قيل:فلان من الشيعة عرف انه منهم» (2).و قد أجمع اللغويون على تفسير الشيعة بما ذكرناه.


1) القاموس:47/3

2) لسان العرب:55/10

نشأتها

:

و الشيء المحقق ان الشيعة قد تكونت في عهد الرسول الأعظم(ص) فهو أول من وضع هذه البذرة الطيبة و نماها و تعاهدها بالسقي و العناية- قال الامام كاشف الغطاء(قدس اللّه مثواه):إن أول من وضع بذرة التشيع في حقل الاسلام-هو نفس صاحب الشريعة الاسلامية-يعني ان بذرة التشيع وضعت مع بذرة الاسلام جنبا الى جنب و سواء بسواء،و لم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي و العناية،حتى نمت و أزهرت في حياته،ثم أثمرت بعد وفاته،و شاهدي على ذلك نفس أحاديثه الشريفة.لا من طرق الشيعة و رواة الامامية حتى يقال:انهم ساقطون لأنهم يقولون بالرجعة، او ان راويهم(يجر النار الى قرصه)بل من نفس احاديث علماء السنة و أعلامهم،و من طرقهم الوثيقة...ثم ذكر(رحمه اللّه)ما رواه السيوطي في كتاب(الدر المنثور)في تفسير قوله تعالى:« أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ »قال:أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد اللّه،قال:كنا عند النبي(ص)فأقبل على(ع)فقال النبي(ص):«و الذي نفسي بيده إن هذا و شيعته هم الفائزون يوم القيامة»...و ذكر(رحمه اللّه)جملة من الاخبار المعتمد عليها المؤيدة لما ذكره» (1).و قال ابو حاتم الرازي:

ان اول اسم ظهر في الاسلام هو الشيعة،و كان هذا لقب أربعة من الصحابة هم:أبو ذر،و سلمان،و عمار،و المقداد،حتى آن أوان صفين،فاشتهر بين موالي علي(رضي اللّه عنه)» (2).


1) أصل الشيعة و أصولها-طبع بيروت-ص 87-88.

2) روضات الجنات ص 88،نقلا عن كتاب الزينة.

هذه الفكرة قد نشأت منذ فجر التأريخ،أنشأها النبي(ص)و اعتنقها كبار الصحابة الذين آمنوا بالاسلام،و أبلوا في سبيله بلاء حسنا،و هم:

كأبي ذر و سلمان و عمار و المقداد..و اشباههم من أعلام الاسلام.

و أكد أصالة هذا الرأي جميع البحاث من مؤلفي الشيعة،يقول المرحوم الشيخ المظفري:

«إن الدعوة الى التشيع ابتدأت من اليوم الذي هتف فيه المنقذ الاعظم محمد(ص)صارخا بكلمة لا إله إلا اللّه.فانه لما نزل عليه قوله تعالى:

« وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ »جمع بني هاشم و أنذرهم قائلا:«أيكم يؤازرني ليكون أخي و وارثي و وصي و خليفتي فيكم من بعدي؟»فلم يجبه أحد الى ما أراد غير المرتضى،فقال لهم الرسول:هذا أخي و وارثي و وزيري و وصي و خليفتي فيكم بعدي فاسمعوا له و أطيعوا».

و اضاف المظفري بعد ذلك يقول:

«فكانت الدعوة الى التشيع لأبي الحسن من صاحب الرسالة تمشي معه جنبا لجنب مع الدعوة للشهادتين،و من ثم كان أبو ذر الغفاري من شيعة علي» (1).

إنا اذا نظرنا الى الواقع نظرة مجردة من جميع الميول و العواطف، و متسمة بالتحقيق العلمي نجد واقعية هذا القول و اصالته و عمقه،و يدعم ذلك ما يلي:

1-ان الرسول الاعظم(ص)ترك لامته من بعده المبادئ العظيمة التي تتطور بها حياتهم الفردية و الاجتماعية،و خلف لها أعظم تراث لم تجد له الانسانية مثيلا في جميع فترات تأريخها..فقد اعلن حقوق الانسان، و جاء بالاهداف العريضة التي تحقق أمن الانسان و رخائه و سعادته. 9


1) تاريخ الشيعة:ص 9

و النبي(ص)الحريص على اداء رسالته،و بقائها و استمرارها كان لا بد له ان يقيم من بعده من يحمي مبادئه،و يصون رسالته،و يعمل على نشرها بين جميع شعوب الارض،و من الطبيعي ان ذلك ضرورة حتمية لكل صاحب دعوة و رسالة.

2-و هناك ضرورة تلزم النبي(ص)بأن يعهد بالأمر من بعده، و هي ان هناك قوى حاقدة على الاسلام تكيد له في وضح النهار و في غلس الليل،و تسعى جاهدة لاطفاء نوره و اخماد ضوئه،و هي فئات المنافقين الذين ذمهم القرآن الكريم و حذر منهم الرسول العظيم(ص)،و يمثل هذه القوى الغادرة أبو سفيان،و أكثر بني أمية،فكيف يترك النبي(ص) أمر الخلافة من بعده و يجعل الأمر فوضى،فان معنى ذلك أن يمكن قوى البغي و الشر أن تنقض على اهدافه و تطوي مبادئه و رسالته،و من المستحيل أن يصدر من النبي(ص)ذلك.

و مضافا لذلك فان الجزيرة العربية لم تألف الدعوة الى النظام و الاستقرار التي عنت بهما رسالة الاسلام ففيها التطور الهائل في عالم الاقتصاد و السياسة و الادارة،و سائر التنظيمات الاخرى،التي تعني بالأمن العام،و الحفاظ على الاستقرار السياسي،و التوازن العام في حياة الجماعة و الفرد،و لم تع الجزيرة بصورة جازمة هذا التطور الهائل،و لا الابعاد الحقيقية لرسالة الاسلام، و نهضته الجبارة،فكان من المحتم أن ينصب الرسول(ص)قائما من بعده لتستمر رسالته في فعالياتها و معطياتها.

و شيء آخر بالغ الخطورة يلزم الرسول الاعظم(ص)بنصب خليفة من بعده و هو الوضع الخارجي فالروم و الفرس،و غيرهما من دول العالم كانت تشعر بخوف بالغ من تقدم الاسلام و انتشاره،و تعطش شعوبها الى اعتناقه لينقذها من الجور و الظلم و يحميها من الاستبداد و الاستغلال...

و كانت تلك الدول تتربص بالاسلام الدوائر،و تستعد بزج جميع قواها العسكرية للقضاء عليه،و من الطبيعي أن جميع ذلك يعلمه النبي(ص)و لم يغب عنه،فكيف يهمل أمر الخلافة من بعده،و هي بمنزلة العمود الفقري لأمته.

إن الفوضى الداخلية،و الخطر الخارجي يحتمان على النبي(ص)أن يعني أشد العناية بأمر الخلافة،و ان يوليها المزيد من اهتمامه،و القول بانه(ص)قد أهمل ذلك لا يحمل أي طابع من التحقيق العلمى،كما انه بعيد كل البعد عن منطق القيادة الواعية الحكيمة الماثلة في شخصية الرسول(ص) التي لم تجد لها الانسانية مثيلا في وعيها و ادراكها لحقائق الامور.

و لا أحسب أن هناك شخصا يتجرد من رواسب العصبية و التقليد و ينظر الى الواقع بدقة و عمق يشك في أن النبي(ص)قد أهمل امر الخلافة،و انه لم يجعلها من جوهر الامور التي عنى بها أشد العناية و الاهتمام.

3-و اذا لاحظنا سير الاحداث التي أثرت عن النبي(ص)نجد أنه قد عين الرائد،و دلل على القائد الذي يتحمل مسئولية القيادة الفكرية و السياسية من بعده،و انه-بصورة جازمة-قد تبنى هذه الجهة بشكل ايجابي،و فرغ من اعدادها،و ذلك للحفاظ على مستقبل دعوته،و حماية مكاسبها الاجتماعية من الانهيار و الاضمحلال.

لقد اختار الرسول الاعظم(ص)للمرجعية العامة و القيادة الزمنية الامام أمير المؤمنين عليه السلام-كما سندلل عليه-و لم يكن هذا الاختيار بدوافع الاثرة،و حب القرابة،فان ذلك بعيد اشد البعد عن منطق النبوة التي لا تخضع لغير الحق و العدل و صالح الامة...و إنما رشح الرسول(ص) الامام(ع)لهذا المنصب الخطير لما تتوفر فيه من القابليات الفذة و النزعات الكريمة،و القدرة الفائقة على تحمل المسئوليات الضخمة،فقد كان الامام ألصق

الناس برسول اللّه،و أكثرهم ادراكا و وعيا لاهدافه و مبادئه،و اشبههم به في التزامه بحرفية الاسلام،و قد صحب النبي(ص)منذ طفولته اليافعة، و غذاه(ص)بعلومه و نمى ملكاته.و قد اعرب(ع)عن ذلك بقوله:

«و قد علمتم موضعي من رسول اللّه(ص)بالقرابة القريبة.و المنزلة الحضيضة.وضعني في حجره.و أنا ولد يضمني الى صدره.و يكنفني في فراشه،و يمسني جسده.و يشمني عرفه.و كان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه.

و ما وجد لي كذبة في قول.و لا خطلة في فعل...و قد كنت أتبعه اتباع الفصيل اثر أمه.يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما.و يأمرني بالاقتداء به.و لقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه و لا يراه غيري.

و لم يجمع يومئذ بيت واحد في الاسلام غير رسول اللّه و خديجة.و أنا ثالثهما أرى نور الوحي و الرسالة و أشم ريح النبوة..» ان هذه المسيرة الكبرى التي قطعها الامام مع النبي.و تعاهده(ص) له بالرعاية و العطف.و خوض الامام معه في ميادين الكفاح.و ميادين التجربة العلمية لنجاح الدعوة الاسلامية.و معرفته بأساليبها و فلسفتها.و ما يتمتع به من المواهب و العبقريات كل ذلك يوجب ترشيحه لمنصب الخلافة تقديما للافضل على غيره و ضمانا لصالح الامة.

4-أما الاحداث التي أثرت عن النبي(ص)في ترشيحه و تعيينه للامام خليفة من بعده فقد بلغت من الكثرة ما وضعت لها كتب خاصة كا(لوصية)للمسعودي و(الالفين)للعلامة و(تلخيص الشافي) للشيخ الطوسي و غيرها و قد دون العلامة الحلي في كتابه ما يربو على ثلاثين كتاب ألفت في وصية النبي(ص)للامام (1)و قد تمسك المتكلمون من الشيعة علي ذلك بسيل من الأدلة و نشير الى بعضها:-4


1) اثبات الوصية:ص 3-4

أولا-استدلت الشيعة على ما ذهبت إليه بحديث المنزلة فقد قال(ص) لعلي:«أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي) (1).

و يرى الشيخ المفيد أن هذا الحديث نص على امامة الامام«لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حكم له بالفضل على الجماعة و النصرة و الوزارة و الخلافة في حياته و بعد وفاته و الامامة له بدلالة أن هذه المنازل كلها كانت لهارون من موسى في حياته.و إيجاب جميعها لامير المؤمنين إلا ما أخرجه الاستثناء منها ظاهرا و أوجبه بلفظة بعد له من بعد وفاته بتقدير ما كان يجب لهارون من موسى لو بقي بعد أخيه فلم يستثنه النبي(ص)فبقي لامير المؤمنين بعموم ما حكم له من المنازل..» (2).

ثانيا-ان من أوثق الأدلة و أكثرها وضوحا،و استيعابا للموقف الذي تذهب إليه الشيعة حديث غدير خم،فقد نصب النبي(ص)في ذلك اليوم الخالد الامام أمير المؤمنين(ع)علما من بعده و طلب من المسلمين ان يبايعوه بالامرة،و قد أخذ(ص)بيده عليا و هو يخاطب الناس قائلا:«هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له و أطيعوا» (3).

و حديث الغدير من الأدلة الحاسمة التي لا تقبل الجدل و النقاش،و هو جزء من رسالة الاسلام-فمن انكره فقد انكر الاسلام-كما يقول العلائلي-.

ثالثا-ان هناك كوكبة من الاخبار تدل على ما تذهب إليه الشيعة70


1) مسند الامام احمد بن حنبل 179/1،حلية الاولياء 195/7، تأريخ بغداد 324/1،خصائص النسائي ص 14،أسد الغابة 46/4، صحيح الترمذي 301/2،تأريخ الطبري 368/2،كنز العمال 154/3،مجمع الزوائد 109/9.

2) النكت الاعتقادية:ص 51

3) تلخيص الشافي 56/2-70

كقوله(ص):أمام المسلمين،و قد أخذ بيد علي(ع)«ان هذا أخي و وصي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و اطيعوا» (1)و هناك العشرات من امثال هذا الحديث،و هي تدل بوضوح على أنه(ص)قد فرغ من تعيين الامام(ع) و جعله خليفة على المسلمين من بعده.

رابعا-إن الاحداث الخطيرة التي رافقت وفاة الرسول الاعظم(ص) تدل على انه كان يسعى في آخر لحظة من حياته لتعزيز خلافة الامام و دعمها بجميع الوسائل،و يتضح ذلك مما يلي:

1-تجهيزه(ص)لجيش أسامة-و هو في الساعة الأخيرة من حياته- و الزامه للمسلمين و فيهم كبار الصحابة بالالتحاق الفوري و السريع بالجيش، و أمره(ص)بمغادرتهم يثرب بأسرع وقت،و من الظاهر ان غرضه من ذلك اخلاء عاصمته من الحزب الطامع بالخلافة،و لكن القوم تثاقلوا،و لم يخضعوا للأوامر المشددة،و راحوا يلتمسون لهم المعاذير.

2-استدعاء النبي(ص)بالدواة و الكتف ليكتب للامة كتابا لن تضل من بعده في جميع مراحل اجيالها الصاعدة،و علم الطامعون بالحكم قصده من تعزيزه لخلافة الامام،فأثاروا نزاعا حادا،و اتهموا النبي(ص)بالهجر فأفسدوا عليه الامر،و حالوا بينه و بين قصده،فزجرهم(ص)و أمرهم بمغادرة بيته،و التفت الى الحاضرين،فأوصاهم بأهل بيته خيرا،و من البديهي انه(ص)أراد بهذه العملية تدعيم بيعة الغدير،و توثيقها،و لكن القوم قد حجبوه عن ذلك.

خامسا-احتجاج العترة الطاهرة على ابي بكر،و امتناعها عن بيعته و خصوصا الموقف الايجابي الذي وقفته سيدة النساء فاطمة(ع)من ابي بكر و احتجاجها الرائع عليه،و وصيتها بأن يدفنها الامام في غلس الليل البهيم/2


1) تأريخ الطبري 63/2،الكامل 22/2

و لا يعلم أي أحد من أعضاء حكومة أبي بكر،كل ذلك يدل بوضوح لا خفاء فيه على قيام النبي(ص)بنصب الامام خليفة من بعده.

إن الاحتجاجات الصارخة التي صدرت من سيدة النساء(ع)و العترة الطاهرة و من اعلام الاسلام و قادة نضاله كعمار بن ياسر و ابي ذر و سلمان الفارسي و المقداد من أوثق الأدلة على ما ذكرناه..و فيما أحسب ان خصوص احتجاج بضعة النبي(ص)و ريحانته،و موقفها المتسم بالشدة و العنف مع أبي بكر قد ركز الفكرة الشيعية،و أمدها بالاصالة و البقاء،فقد اتخذت الشيعة من ذلك أدلة وثيقة على ما يذهبون إليه من أحقية أهل البيت(ع) بالخلافة.

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن تأسيس الشيعة،و انها حسب هذا العرض الموجز من الأدلة قد نشأت في عهد صاحب الرسالة(ص)فهو اول من غرس بذرتها،و نمى أصولها.

اطارها العقائدي

:

و تدين الشيعة بجميع ما أثر عن الاسلام في الاصول العقائدية سواء فيما يتعلق بصفات اللّه الايجابية و السلبية أو فيما يتعلق بالقضاء و القدر،و غير ذلك مما عرضته كتبهم الكلامية،كما انها تلتزم بالامامة.و هي عندهم من أصول الدين التي يجب الاعتقاد بها،و اشترطوا في الامام أن يكون معصوما و أن يكون أعلم أهل زمانه،و قد حققنا ذلك بصورة موضوعية في الجزء الاول من هذا الكتاب.

اما الناحية التشريعية فانها تأخذ فروع الدين و مسأله عن أئمة اهل البيت(ع)فجميع ما أثر عنهم بعد القطع أو الظن بصدوره من

السنة التي يجب التعبد بها،و هي احدى الادلة الاربعة التي يرجع إليها الفقيه الشيعي في استنباط الحكم الشرعي.

إن الاطار العقائدي في اصول الدين و فروعه عند الشيعة مقتبس من واقع الاسلام و مما أثر عن أئمة اهل البيت الذين فرض اللّه مودتهم،و جعلهم الرسول(ص)عدلاء للذكر الحكيم.

الولاء لأهل البيت

:

ان من أوليات مبادئ الشيعة الحب العميق لاهل البيت(ع)فهم يكنون لهم خالص الحب و الولاء امتثالا لامر اللّه،قال تعالى:« قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى » (1)فقد حصر تعالى أجر رسالة نبيه العظيم في مودة قرباه،و قد تواتر عن النبي(ص)ان حبهم علامة الايمان،و ان بغضهم علامة النفاق،و ان من احبهم فقد احب اللّه و رسوله و من أبغضهم فقد ابغض اللّه و رسوله،و قد ضمن(ص)لمن تمسك بهم أن لا يزيغ عن طريق الحق و الصواب كما في حديث الثقلين،و قد شبههم صلى اللّه عليه و آله بسفينة نوح فقال(ص):«مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق و هوى»من اجل ذلك كان الولاء لأئمة اهل البيت(ع)و القول بامامتهم أمر جوهري عند الشيعة و من صميم عقيدتهم،و جعلوا الحاقد عليهم و المنكر لفضائلهم كالمنكر لاحدى ضروريات الاسلام الثابتة«بل هو على التحقيق منكر للرسالة و إن أقر في ظاهر الحال بالشهادتين».

اما مظاهر ذلك الحب عند الشيعة فلا غلو فيه،و انما تقتصر على وجوب


1) سورة الشورى:آية 23.

الاخذ بما أثر عنهم من الاحكام الشرعية و الآداب الاجتماعية،و قد اوضحنا ذلك بالتفصيل في مقدمتنا للجزء الاول من هذا الكتاب.

الثورة على الظلم

:

و حفل تأريخ الشيعة بالنضال المرير،و الثورات الصاخبة على حكام الظلم و الجور فقد انطلقوا الى ساحات الجهاد المشرق منذ فجر تأريخهم، و رفعوا شعار العدالة الاسلامية،و طالبوا الحكام بتحقيقها على مسرح الحياة كما ناهضوا الظلم الاجتماعي بجميع أشكاله و ألوانه،فكانت-بحق-الينبوع الفياض الذي جرت منه الثورة ضد الطغاة و المستبدين.

لقد انطلقت الدعوة الاولى الى الاصلاح الشامل من رجال الشيعة في تلك الفترات العصيبة التي ساد فيها الارهاب رعم فيها الجور،فمن تكلم بالاصلاح او دعا إليه،سيق الى السجون،و لكن أئمة الشيعة و اعلامهم اندفعوا الى ميدان الشرف و التضحية،فنددوا بأعمال الظالمين و شجبوا تصرفاتهم و قاموا بثورات صاخبة سجلها لهم التاريخ بمداد من الشرف و النور،و قد غذاهم بروح الثورة و التضحية في سبيل اللّه الامام أمير المؤمنين(ع)زعيم العدالة الانسانية في الأرض،فهو أول زعيم مسلم ثار في وجه الطغاة و هتف بالعدالة و المساواة،و قد خلق في الفترة القصيرة-التي حكم فيها-وعيا أصيلا و ثورة في نفوس شيعته على كل ظالم مستبد.فقد ثار حجر بن عدي و زمرته الصالحة في وجه معاوية،و ثار غيرهم من صلحاء هذه الطائفة مطالبين بالعدل الاسلامي و تطبيق أحكام القرآن،و كان أول شهيد من أئمتهم سيد الشهداء الامام الحسين(ع)،فقد نقم على الظلم السائد في عصره و ثار في وجه الطاغية المستبد يزيد بن معاوية،و قد غير(ع)بثورته مجرى

التأريخ و لقن الظالمين درسا رائعا خلاقا لا ينسى الى يوم الدين،و قام من بعده أحفاده و أحفاد أخيه الحسن(ع)بثورات متصلة أذهلت الظالمين و شتت شمل المستبدين و نورت الرأي العام و غذته بروح الثورة على كل جائر مستبد.

إن الشيعة ترى أن الحكم إذا لم يكن بيد أئمة أهل البيت(ع)فان الأمة تعاني الظلم و الطغيان،و لا يمكن بأي حال أن تسود فيها العدالة و المساواة إلا في ظل حكمهم يقول الوردي:

«الشيعة أول من حمل الثورة الفكرية في الاسلام ضد الطغيان و في نظرياتها تكمن روح الثورة،و إن عقيدة الامامة التي آمن بها الشيعة حملتهم على انتقاد الطبقة الحاكمة و معارضتها في جميع مراحل تاريخهم و جعلتهم يرون كل حكومة غاصبة ظالمة مهما كان نوعها إلا إذا تولى أمرها امام معصوم،لذلك كانوا في ثورة مستمرة لا يهدءون و لا يفترون» (1).

لقد أراد رجال الشيعة بثوراتهم المتصلة تطبيق العدالة الاجتماعية و القضاء على جميع أفانين الظلم و ألوان الفساد،فلذا قدموا المزيد من التضحيات في سبيل تحقيق هذه الغاية النبيلة التي تهدف الى إزالة الحكم الفاسد من البلاد.

و انطلاقا مع هذا المبدأ الثوري،فقد حرم أئمة الشيعة التعاون مع حكام الجور و الدخول في وظائف الدولة،فقد قال الامام الصادق(ع) لأصحابه:

«ما أحب أن أعقد لهم-أي للظلمة-عقدة أو وكيت لهم وكاءا و لا مدة بقلم.إن الظلمة و أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد».3.


1) وعاظ السلاطين:ص 293.

و قال الامام موسى(ع)لزياد بن أبي سلمة:

«يا زياد لإن أسقط من شاهق فاتقطع قطعة قطعة،أحب إلي من أن أتولى لهم عملا أو أطأ بساط رجل منهم».

و قد حرم الأئمة(ع)المرافعة الى حكام الدول الجائرة و أفتوا ان ما يقضي به القضاة من أحكام فهي غير نافذة.و كما حذر الامام الصادق(ع) الفقهاء من الاتصال بأولئك الظالمين،فقد قال(ع):

«الفقهاء امناء الرسل،فاذا رأيتم الفقهاء قد ركنوا الى السلاطين فاتهموهم» (1).

و قد استجابت الطبقة الخيرة في الاسلام الى نداء اهل البيت(ع) فامتنعوا من الاتصال بالحكام،و قابلوا كل من يتوظف بالاستهانة و التحقير فهذا اسماعيل بن ابراهيم القرشي لما ولي القضاء كتب إليه ابن المبارك هذه الابيات و هو يشجب فيها قبوله للقضاء:

يا جاعل العلم له بازيا يصطاد أموال المساكين

تحتال للدنيا و لذاتها بحيلة تذهب بالدين

فصرت مجنونا بها بعد ما كنت دواء للمجانين

أين رواياتك فيما مضى عن ابن عون و ابن سيرين

أين رواياتك في سردها في ترك أبواب السلاطين

إن قلت اكرهت فذا باطل زل حمار العلم في الطين (2)

لقد قدمت الشيعة جميع الخدمات القيمة للاسلام و المسلمين،و رفعت منار العدالة في الارض،و انها اكثر الفرق الاسلامية انطلاقا في ميادين الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الحق و العدل./1


1) حلية الأولياء:194/3

2) تهذيب التهذيب:278/1

جرأة و اقدام

:

و ملكت قادة الشيعة و اعلامها رصيدا قويا من الجرأة و الاقدام،فلم يتهيبوا من السلطة و لم يخضعوا لجور الحكم و قسوته فقد اندفعوا بكل بسالة و شجاعة الى اعلان كلمة اللّه،و شجب المنكر.

فهذا عبد اللّه بن عفيف الأزدي الأعمى الذي ذهب بصره و نور اللّه قلبه بالايمان،قد ثار في وجه الطاغية عبيد اللّه بن زياد حينما خطب بعد مقتل سيد الشهداء فاظهر السب و الشتم للامام الحسين(ع)،فرد عليه عبد اللّه بمقالته الخالدة التي ستدور مع الفلك،ثم ترسم فيه قائلا له امام الجماهير الحاشدة في جامع الكوفة:

«انما الكذاب أنت و ابوك و من استعملك و ابوه يا عبد بني علاج، أ تقتلون ابناء النبيين و تصعدون على منابر المسلمين،اين ابناء المهاجرين و الأنصار لينتقموا منك و من طاغيتك اللعين ابن اللعين-مشيرا الى يزيد و أبيه معاوية-على لسان النبي الأمين».

و بهذا المنطق العظيم يقضى على الظلم و يزال كابوس الشقاء و الجور من المجتمع،و تتحقق الاهداف العريضة للأمة و قد ظل زعماء الشيعة يشجبون جميع أعمال الولاة و الملوك في كثير من مراحل التأريخ،فهذا الكميت بن زيد الأسدي قابل بالهجاء المقذع ساسية الأمويين،و قارن بينهم و بين العلويين فقال:

ساسة،لا كمن يرى رعية الناس سواء و رعية الأغنام

لا كعبد المليك،أو كوليد أو سليمان بعد أو كهشام

و هجا مرة أخرى هشاما و بني مروان،فقال:

مصيب على الأعداء يوم ركوبها بما قال فيها مخطئ حين ينزل

كلام النبيين الهداة كلامنا و أفعال أهل الجاهلية نفعل

و خاطب الأمويين بهذا القول الجريء:

فقل لبني أمية حيث كانوا و ان خفت المهند و القطيعا

أجاع اللّه من أشبعتموه و أشبع من بجوركم أجيعا

و اضطهده الأمويون،فسجنوه و عذبوه و نكلوا به،و لكنه ازداد تصلبا لعقيدته و ايمانا بمبدئه.

و ظهر شاعر آخر في ذلك العصر هو الفرزدق،فانتقد الامويين و جاهر في ذمهم،و دافع عن عقيدته بكل جرأة و اقدام،و من أهم مواقفه المشرفة التي لا يزال ذكرها نديا عاطرا على ممر العصور و الأجيال مدحه للامام زين العابدين عليه السلام،و انتقاصه لهشام بن عبد الملك الذي تجاهل عن معرفة الامام،فقال له أمام الجمع الحاشد:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته و البيت يعرفه و الحل و الحرم

هذا ابن خير عباد اللّه كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم

و ليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من انكرت و العجم

و تعرض على هذه الجرأة لسخط الأمويين و نقمتهم،و لكنه لم يعتن بذلك،فانطلق يذكر معايبهم،فقال في هجاء هشام بن عبد الملك عند ما سجنه.

يقلب رأسا لم يكن رأس سيد و عين له حولاء باد عيوبها

و تسلط أدباء الشيعة و شعراؤهم على انتقاص الظالمين و هجائهم،فهذا دعبل الخزاعي قد شهر ببنى العباس و فضح أعمالهم،و هجاهم بعدد من قصائده التي زعزع بها كيانهم،و سبب سخط الجماهير عليهم.فقد هجا

الرشيد،و الأمين،و المأمون،و المعتصم،و ابراهيم بن المهدي و قد هجا المعتصم بهذا القول الموجع.

و قام إمام لم يكن ذا هداية فليس له عقل،و ليس له لب

ملوك بني العباس في الكتب سبعة و لم يأتنا عن ثامن لهم كتب

كذلك اهل الكهف في الكهف سبعة خيار إذا عدوا و ثامنهم كلب و اني لأعلي كلبهم عنك رفعة لأنك ذو ذنب و ليس له ذنب

و هكذا اندفع دعبل بوحي من عقيدته الى مخاصمة الظالمين و النقمة عليهم،فقد هجا بني العباس و ندد بهم،حتى ظل مشردا عن وطنه يطارده الرعب و الخوف،و قد قال كلمته الشهيرة:«إني أحمل خشبتي على كتفي منذ أربعين سنة،و لست اجد احدا يصلبني عليها».

إن تاريخ الشيعة حافل بالبطولات و التمرد على الظلم،و النقمة على الغبن الاجتماعي،و المطالبة بحقوق الجماهير،و الدفاع عن مصالح البؤساء و الضعفاء الذين سلبتهم تلك الدول الجائرة حقوقهم.

التنكيل بالشيعة

:

و لما كانت الشيعة أقوى المنظمات التي تطالب المسئولين بالعدالة الاجتماعية و القيم الانسانية،تعرضت للنقمة البالغة من قبل الولاة و الملوك،فاستعملوا معهم جميع أساليب القهر و البطش،و حرموهم من الحياة و الحرية،فأودعوهم في غياهب السجون و الطوامير،و طاردوهم و نكلوا بهم أمر التنكيل و أفضعه فقطعوا ايديهم و ارجلهم،و سملوا أعينهم،و صلبوهم على جذوع النخل (1)


1) شرح ابن أبي الحديد:15/3

و قد انفتح عليهم باب الظلم و الجور من أيام معاوية،فقد رفع مذكرة الى جميع عماله و ولاته جاء فيها:

«انظروا الى من قامت عليه البينة انه يحب عليا و أهل بيته فامحوه من الديوان،و أسقطوا عنه عطاءه و رزقه»ثم شفع ذلك بنسخة أخرى جاء فيها:«و من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم-يعني العلويين-فنكلوا به و اهدموا داره» (1).

و تحدث الامام الباقر(ع)عن المحن و الخطوب التي صبها الظالمون على شيعتهم،فقال:«و قتلت شيعتنا بكل بلدة.و قطعت الأيدي و الأرجل على الظنة،و كان من يذكر بحبنا و الانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله او هدمت داره» (2).

لقد لاقت الشيعة في تلك الادوار المظلمة من المشكلات السياسية و المعضلات الاجتماعية الشيء الكثير،الذي لا سبيل الى تصويره في فضاعته و مرارته.و قد نسب الى بعض أئمة الشيعة شعر ذكر فيه الكوارث التي حلت بهم،فقال:

نحن بنو المصطفى ذو و محن يجرعها في الأنام كاظمنا

عظيمة في الأنام محنتنا أولنا مبتلى و آخرنا

يفرح هذا الورى بعيدهم و نحن أعيادنا مآتمنا

إن الأعياد الاسلامية التي يفرح بها جميع المسلمين،قد جعلوها مآتما لهم نظرا لما لحقهم من الهوان،فان التهمة بالتشيع في ذلك العصر كانت من أهم الجرائم التي تستوجب الارهاق و التنكيل،بل كان مجرد الاتصال بالشيعة او السلام عليهم موجبا للقتل و التنكيل.فهذا ابراهيم بن هرثمة لما/3


1) حياة الحسن بن علي:306/2-307

2) شرح ابن ابي الحديد:15/3

دخل المدينة أتاه رجل من العلويين فسلم عليه،فقال له ابراهيم:«تنح عنى لا تشط بدمي» (1).و قد أشار منصور النمري في بعض قصائده الى الأذى و الجور الذي لحق الشيعة بقوله:

آل النبي،و من يحبهم يتطامنون مخافة القتل

أمن النصارى و اليهود و هم عن أمة التوحيد في عزل

و كان الفضل بن دكين يتشيع،فجاء إليه ولده و هو يبكي،فقال له:مالك؟فقال:يا أبتي!إن الناس يقولون إنك تتشيع،فأنشأ يقول:

و ما زال كتمانيك حتى كأنني يرجع جواب السائلين لأعجم

لأسلم من قول الوشاة و تسلمي سلمت و هل حي على الناس يسلم (2)

إن بكاء ولده انما كان من الخوف الذي داخله من هذه التهمة التي تستوجب البطش و النقمة من المسئولين،فقد كان كل من يتهم بالولاء لأهل البيت(ع)معرضا للمحنة و البلاء.فهذا عبد اللّه بن عامر الشاعر الشهير المعروف ب‍(العبلي)يشير في بعض قصائده الى ما لاقاه من الارهاق في سبيل محبته للامام على و أبنائه(ع)بقوله:

شردوا بي عند امتداحي عليا و رأوا ذاك فيّ داءا دويا

فو ربي ما أبرح الدهر حتى تختلي مهجتي بحبي عليا

و بنيه لحب احمد اني كنت أحببتهم بحبي النبيا

حب دين لا حب دنيا و شر الحب حب يكون دنيويا12


1) تاريخ بغداد:127/6

2) تاريخ بغداد:351/12

صاغني اللّه في الذوابة منهم لا ذميما و لا سنيدا دعيا

و قال الطغرائي:

حب اليهود لآل موسى ظاهر و ولاؤهم لبني أخيه بادي

و إمامهم من نسل هارون الأولى بهم اهتدوا و لكل قوم هاد

و كذا النصارى يكرمون محبة لنبيهم نجرا من الاعواد

و متى تولى آل احمد مسلم قتلوه أو وصموه بالالحاد

هذا هو الداء العضال لمثله ضلت عقول حواضر و بواد

لم يحفظوا حق النبي محمد في آله و اللّه بالمرصاد

و قال شاعر آخر:

إن اليهود بحبها لنبيها أمنت معرة دهرها الخوان

و ذو و الصليب بحب عيسى اصبحوا يمشون زهوا في قرى نجران

و المؤمنون بحب آل محمد يرمون في الآفاق بالنيران

و اتخذت السلطات جميع التدابير ضد من يمدح العلويين أو يذكرهم بخير كما عمدت الى ارهاق العلويين.فقد صدر مرسوم ملكي من بغداد الى مصر جاء فيه:أن لا يقبل علوي ضيعة،و لا يركب فرسا،و لا يسافر من الفسطاط الى طرف من أطرافها،و ان يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد،و إن كان بين علوي و بين أحد من سائر الناس خصومة فلا يقبل قول العلوي و يقبل قول خصمه دون بينة (1).و كانوا يسفرون بين آونة و أخرى من أطراف البلاد الى العاصمة ليكونوا تحت الرقابة،و قد أمر الرشيد عامله على المدينة أن يضمن العلويون بعضهم بعضا،و يعرضوا في98


1) الولاة و القضاة للكندى:198

كل يوم على السلطة المحلية،فمن غاب عوقب (1).

و هكذا اتخذ الجائرون جميع الوسائل للتنكيل بالعلويين و شيعتهم حتى بلغ بهم الحقد أن من يذكر أئمة أهل البيت(ع)نال العقوبة و البطش.

فقد ذكر المقريزي:أن يزيد بن عبد اللّه أمير مصر،أمر بضرب جندي تأديبا لشيء صدر منه،و كان عقابه بسيطا،فلما أحس الجندي بألم السوط أقسم على الأمير بحق الحسن و الحسين(ع)أن يعفو عنه،فأمر الأمير بضربه ثلاثين سوطا جزاء لهذا القسم.و كتب الى المتوكل في بغداد يخبره بأمر الجندي،فأمره المتوكل أن يضربه مائة سوط و أن يحمله الى بغداد (2)و ألقى بعض الشعراء عند المتوكل قصيدة نال فيها من العلويين و شيعتهم فأمر ان ينثر على رأسه ثلاثة آلاف دينار،و ان تلتقط له،و عقد له على امارة البحرين و اليمامة،و خلع عليه اربع خلع (3).

لقد كانت محنة الشيعة في تلك العهود شاقة و عسيرة فقد لاقت اعنف المشاكل السياسة و الاجتماعية،و منيت بالحرمان من جميع الحقوق الطبيعية، و لا نحسب أن هناك طائفة واجهت من الاضطهاد و الجور كما واجهته الشيعة،فقد امعن حكام الامويين و العباسيين في اذلالهم،و ارغامهم على ما يكرهون./7


1) الامام الصادق و المذاهب الأربعة:117/1

2) تاريخ بغداد:153/4

3) ابن الأثير 38/7

الصمود الرائع

اشارة

:

و صمدت الشيعة في وجه الاعاصير،و وقفت تجاهد عن مبادئها، و تنافح عن رسالتها غير معتنية بجور الحكام و ارهابهم،و قامت بما يلي من الاعمال الرائعة:

أ-الدعاية السرية:

و عملت الشيعة تحت الخفاء باستمرار لمكافحة جور العباسيين و ظلمهم فقد قامت بدعاية واسعة النطاق ضد خصومهم.و كانت تعرض الى ظلمهم و طغيانهم و احتقارهم للرعية،و استبدادهم بشئونها،و غير ذلك مما يوغر الصدور و يشيع الكراهية و البغضاء للحكم القائم آنذاك،و قد استطاعت الدعاية الشيعية في العصر الأموي ان تخلق شعورا جماعيا ضد ذلك الحكم حتى اطاحت به،و في العصر العباسي عملت على تجريد حكم العباسيين من المشروعية، و ان جميع من ينضم إليه او يتعاون معه فهو آثم و غير متحرج في دينه، و قد ايقظت تلك الحملات الرأي العام،و فتحت باب الثورات المتصلة ضد اولئك الحكام الطغاة،و جردتهم من ثقة الجماهير بهم.

ب-تشكيل الخلايا:

و انشأت الشيعة في عصورها الأولى احزابا سرية،و قد استطاعت تلك الاحزاب ان تشكل الخلايا و المنظمات،و كان على رأس كل منظمة و خلية رئيس يشرف عليها يسمى«الداعي» (1)و قد كان لها دور خطير


1) العقيدة و الشريعة في الاسلام:ص 177

في المجتمع الدولي آنذاك،فقد استطاعت أن تقيم حكما يحمل طابع التشيع في بعض الاقاليم الاسلامية،فقد تأسست لهم دولة في المغرب اقامها عبيد اللّه المهدي سنة(296 ه‍)و امتدت رقعتها الى صقلية و جنوب ايطاليا كما اقاموا دولة في مصر على يد القائد العظيم جوهر الصقلي سنة(358 ه‍) كما اسسوا دولة(الموت النزارية في فارس)سنة(483 ه‍)على يد الحسن ابن الصباح،و أسسوا لهم دولة في البحرين على يد الحسن الاهوازي، و حمدان بن الاشعث،و ابي سعيد الجنابي بن مهرويه سنة(270 ه‍).

و قد أقامت الدولة الفاطمية في مصر جامع الأزهر،و هو أول مؤسسة شيعية علمية في ذلك العصر،كما اقامت القلاع و الحصون المنيعة في ديار الشام.

و مرد ذلك النجاح السياسي الخطير يرجع الى المنظمات السرية التي أنشئوها في عصورهم الأولى،كما كانت لهم سجلات تحتوي على اسماء الدعاة للشيعة،و قد عمد محمد بن عبد اللّه الى احراقه بالنار حينما احس بالخذلان و عدم النصر (1)و كذلك كانت هناك سجلات خاصة سرية باسماء الشيعة عند بعض اصحاب الأئمة (2)و قد جهدت السلطات الحاكمة آنذاك على العثور عليها فلم تتمكن.

و على أي حال فان تلك الخلايا قد قامت بدور مهم ضد الحكم القائم، و بلورة العقلية الاجتماعية،و فتحت الطريق امام الثوار،و المناضلين لتحرير بلادهم من الذل و الجور،كما عملت على نشر التشيع في جميع الاقاليم الاسلامية حتى أصبح قوة كبيرة،و صار من العسير ارغام معتنقيه و اخضاعهم الى رغبات السلطة،الأمر الذي ألجأ المأمون الى أن يعقد ولايةشي


1) عمدة الطالب:ص 82

2) رجال النجاشي

العهد للامام الرضا عليه السلام.

ج-المناظرات

و بالرغم من كثرة الرقابة،و الضغط الهائل على الشيعة فقد انطلق اعلامها الى عقد المناظرات و الاحتجاجات مع أئمة المذاهب الاسلامية و قادتها للتدليل على ما تذهب إليه الشيعة في المسائل الكلامية.و من أهمها الامامة بجميع خطوطها،و كانت تلك المناظرات تعقد في الاماكن العامة،و عند يحيى البرمكي،و ربما عقدت في بلاط هارون،و كان يستمع لها و يبدي اعجابه بها،و كان يقوم بتلك المناظرات كل من هشام بن الحكم،و هشام ابن سالم،و مؤمن الطاق،و قد انتشر مبدأ أهل البيت(ع)ببركة الحجج القوية و البراهين الحاسمة التي أقامها هؤلاء الاعلام على صحة عقيدتهم.

إن الشيعة من اكثر الفرق الاسلامية انطلاقا في ميادين البحوث الكلامية فقد تركزت اصول عقائدهم على المنطق و البحث الموضوعي المجرد،و قد نعتهم(كرادفوا)بأنهم أصحاب الفكر الحر (1).

و على أي حال فقد اقام اعلام الشيعة سيلا من الاحتجاجات الرائعة على صحة ما يذهبون إليه في مجالاتهم العقائدية،و قد ادت الى انتشار التشيع و ذيوع افكاره بين المسلمين.

د-الكتابة على الجدران:

و نظرا للمحن الشاقة و الخطوب العسيرة التي واجهتها الشيعة في تلك الظروف السود،فقد كانوا لا يجدون سبيلا لبث آلامهم و أحزانهم،فان المراقبة الشديدة و التتبع البالغ لهم قد منعهم من عرض خطوبهم،فالتجأ بعضهم


1) الحضارة الاسلامية 127/1

الى أن يكتب على الجدران ما نابه من الخوف و الارهاق،ليطلع على ذلك الجمهور من الناس.فقد كتب بعض العلويين على جدار يجتاز عليه المهدي العباسي هذه الأبيات:

و اللّه ما أطعم طعم الرقاد خوفا إذا نامت عيون العباد

شردني أهل اعتداء و ما أذنبت ذنبا غير ذكر المعاد

آمنت باللّه و لم يؤمنوا فكان زادي عندهم شر زاد

أقول قولا قاله خائف مطرّد قلبي كثير السهاد

منخرق الخفين تشكو الجوى تنكبه أطراف مرو حداد

شرده الخوف فأزرى به كذاك من يكره حر الجلاد

قد كان في الموت له راحة و الموت حتم في رقاب العباد

فلما رأى المهدي ذلك رق له،و كتب تحت كل بيت:«لك الأمان من اللّه و مني،فاظهر متى شئت».فسأله بعضهم عن قائلها،فقال:

إنه عيسى بن زيد (1)و ذكر ذو النون المصري:إنه اجتاز على قرية، فرأى بعض جدرانها و قد كتبت عليه هذه الابيات:

أنا ابن منى و المشعرين و زمزم و مكة و البيت العتيق المعظم

و جدي النبي المصطفى و أبي الذي ولايته فرض على كل مسلم

و أمي البتول المستضاء بنورها إذا ما عددناها عديلة مريم

و سبطا رسول اللّه عمي و والدي و أولاده الأطهار تسعة أنجم

متى تعتلق منهم بحبل ولاية تفز يوم يجزى الفائزون و تنعم

أئمة هذا الخلق بعد نبيهم فان كنت لم تعلم بذلك فاعلم

أنا العلوي الفاطمي الذي ارتمى به الخوف و الأيام بالمرء ترتمي

فضاقت بي الارض الفضاء برحبها و لم أستطع نيل السماء بسلم2)


1) مقاتل الطالبيين:(ص 411،412)

فألممت بالدار التي أنا كاتب عليها بشري فاقرأ إن شئت و المم

و سلم لأمر اللّه في كل حالة فليس أخو الاسلام من لم يسلم

قال ذو النون:فعلمت أنه علوي قد هرب من السلطة،و ذلك في خلافة هارون.و احتمل المجلسي أن تكون هذه الابيات للامام الكاظم عليه السلام.و قد ذكرنا في الحلقة الاولى من هذا الكتاب مناقشتنا لذلك.

و مهما يكن من أمر،فان العلويين و شيعتهم قد قاسوا أمر المحن و الخطوب في تلك الفترات المظلمة،حتى التجئوا الى رسم آلامهم على الجدران لتطلع الجماهير على مدى ما لحقهم من الضيم و الاضطهاد.

و صورت الابيات الاخيرة جانبا من احتجاج العلويين على أحقيتهم بالخلافة و الرعاية لشؤون المسلمين،فهم أولى الناس بالنبي العظيم(ص) و انهم خلفاؤه على أمته،و أن من تمسك بهم فاز في يوم حشره و نشره-كما أعلن ذلك جدهم(ص)-و مع هذا النسب الوضاح الذي لهم بالاضافة الى ما يتمتعون به من الفضائل و المآثر،فهم خائفون وجلون مشردون، يطاردهم الرعب و الفزع خوفا من الظالمين و الغاصبين لحقوقهم و تراثهم.و قد جلبت لهم هذه الجهات التي أعلنوها العطف و الرقة و الحنان في نفوس المسلمين و التذمر و الاستياء من أعدائهم.

ه‍-الالتجاء الى التقية:

و عمد العباسيون الى اضطهاد الشيعة رسميا في جميع المجالات،فطاردتهم و نكلت بهم حتى حفت بهم الاخطار الهائلة التي تنذرهم بالفناء و الدمار،فاضطر أئمة الشيعة.آنذاك-الى الامر بالتقية،حفظا على أرواح البقية الباقية من شيعتهم و صيانة لدمائهم و أموالهم.

و التقية عبارة عن الحيطة و الحذر و كتمان العقيدة و خفائها،و قد نص

القرآن الكريم على جوازها،قال اللّه تعالى: «لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ،وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ،إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً،وَ يُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَ إِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ» (1).

و قد شدد أئمة اهل البيت(ع)على شيعتهم بكتمان عقيدتهم و عدم إظهارها،و إخفاء الولاء لهم.فقد روى معمر بن خلاد قال:سألت أبا الحسن موسى(ع)عن القيام للولاة،فقال(ع):قال ابو جعفر(ع):

التقية ديني و دين آبائي،و لا إيمان لمن لا تقيه له» (2).

و حدث درست بن ابي منصور،قال:«كنت عبد ابي الحسن موسى و عنده الكميت بن زيد،فقال له الامام:أنت الذي تقول:

فالآن صرت الى أمية و الامور الى مصائر (3)

فقال الكميت:قد قلت ذلك،و اللّه ما رجعت عن ايماني،و اني لكم لموال و لعدوكم لقال،و لكن قد قلته على التقية.فقال(ع):إن التقية لتجوز على شرب الخمر» (4).

و قد اولدت التقية السخط البالغ من الشيعة على خصومهم،كما اوجبت تعصبهم لعقيدتهم و مبدئهم.يقول الاستاذ(اجناس جولد تسهير):

إن عجز الشيعي عن المجاهرة بعقيدته الحقيقية التي يؤمن بها هو في نفس الوقت مدرسة للسخط الكامن الذي يكنه الشيعة لخصومهم الاقوياء،و هو سخط مبعثه عاطفة من الحقد الجامح و التعصب الثائر» (5)و قد عاب على81


1) سورة آل عمران،آية:28

2) الوسائل-كتاب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر.

3) و في نسخة:و الامور لها مصائر.

4) الوسائل:باب الامر بالمعروف.

5) العقيدة و الشريعة في الاسلام:ص 181

الشيعة بعض خصومهم الاغبياء امر التقية،فراحوا يكيلون لهم الطعون عليها،مع انه لو لا هذه الخطة الحكيمة لما بقي مذهب التشيع على وجه الارض،و ذهب ذكر اهل البيت(ع)ادراج الرياح،نظرا للمحن الشاقة التي احاطت بهم،و النكبات السود التي واجهوها منذ فجر تاريخهم، و استمرت معهم متوالية الى مئات من السنين.

يقول الشيخ الطوسي:«لم تلق فرقة،و لا بلي أهل مذهب بما بليت به الشيعة،من التتبع و القصد،و ظهور كلمة اهل الخلاف حتى انا لا نكاد نعرف زمانا-تقدم-سلمت فيه الشيعة من الخوف و لزوم التقية و لا حالا عريت فيه من قصد السلطان و عصبته و ميله و انحرافه» (1).

إن تشريع التقية لم يكن المقصود منه إلا الحفظ على دماء الشيعة، و صيانة أموالهم و أعراضهم من اولئك الحكام الجائرين الذين بذلوا المزيد من الجهود لتصفيتهم و القضاء عليهم،و انما تشرع التقية فيما اذا لم تكن لرواج الباطل و احياء الظلم،و ضياع الحق حسب ما نص عليه الفقهاء.

فرق الشيعة:

اشارة

و انقسمت الشيعة الى طوائف و فرق كثيرة،و قد حدثت تلك الفرق بسبب الضغط الذي حل بهم،و عدم إمكان التقائهم بأئمة أهل البيت(ع) و قد اتخذ بعض المنافقين ذلك وسيلة الى تفريق صفوفهم.و قد تحدث عن اسباب انقسامهم الدكتور عبد الرزاق محي الدين:

«...و كانت الفكرة-أي فكرة التشيع-معرضة دائما الى التهديد من جانب الخلفاء،مما حمل أصحابها الى التنادي بها في خفاء و ستر،و الى العمل بها بعيدة عن الآفاق الضاحية المتحررة.و رأي يعمل به في السر


1) تلخيص الشافي 59/1

لا بد أن يتعرض في نفسه الى كثير من البلبلة،و الى غير قليل من الانقسام في أعيان الأئمة و في عددهم،و لهذا كثرت الفرق الشيعية و اختلفت فيما بينها و زاد الطين بلة:أن خصومهم من الأمويين و العباسيين يملكون من وسائل القوة و الدعاوة ما لا قبل لهؤلاء به،فأكثروا من القول في مذاهبهم،و نسبوا إليهم ما قد يكونوا براء منه،و ما لو مكنوا من الإفصاح عنه لبرءوا،و لنفوه عن مقالتهم.

فاذا أضفنا الى ذلك خوف أئمة الإمامية أحيانا من الجهر بمقالتهم و انزوائهم بحكم الحجر عليهم عن أتباعهم،و العمل بالتقية التي قد تقضي على الامام أن يجاري أهل السنة في فقههم أو في أصول عقائدهم،ثم جهل عدد كبير من الشيعة بأصول المذهب الإمامي» (1).

إن هذه العوامل التي ذكرها الاستاذ(محي الدين)هي التي أوجبت انقسام الشيعة الى فرق و طوائف،و اختلافهم في أعيان الأئمة وعدهم و فيما يلي عرض موجز لبعض فرقهم:

1-الكيسانية:

هم اصحاب المختار بن عبيد الثقفي،و انما سميت بذلك نسبة الى كيسان قيل انه اسم المختار،سماه بذلك محمد بن الامام أمير المؤمنين،حينما عهد إليه بالطلب بثأر سيد الشهداء(ع) (2)و قيل غير ذلك..و تذهب هذه الفرقة الى أن الامام بعد الحسين(ع)هو محمد،و انه هو المهدي-الذي بشر به الرسول الاعظم(ص)-الذي يملأ الدنيا قسطا و عدلا،و انه حي لا يموت،و قد غاب في جبل رضوى و معه عسل و ماء،و في ذلك يقول


1) أدب المرتضى:ص 56

2) الفصول المختارة للسيد المرتضى

السيد الحميري:

ألا ان الأئمة من قريش ولاة الحق اربعة سواء

«علي»و الثلاثة من بنيه هم الاسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط ايمان وبر و سبط غيبته كربلاء

و سبط لا يذوق الموت حتى يقود الخيل يتبعه اللواء

تغيب لا يرى عنهم زمانا برضوى عنده عسل و ماء

و غالى بعضهم فقال:إن ابن الحنفية هو الامام بعد أمير المؤمنين(ع) دون الحسنين(ع)و ان الحسن انما دعا في الباطن إليه بأمره،و الحسين انما ظهر بالسيف باذنه،و انهما كانا داعيين إليه،و أميرين من قبله (1).

و تعتقد الكيسانية بتناسخ الأرواح من جسد و حلولها في جسد آخر، و هذا الرأي مأخوذ من الفلسفة الهندية التي ذهبت الى ذلك،و لم يقولوا بالتناسخ على الاطلاق،و إنما خصوه بالأئمة فقط (2)و قد انعدمت هذه الطائفة،و لم يكن لها اتباع في جميع الاقاليم الاسلامية.

2-الزيدية:

و بنت الزيدية اطارها العقائدي على الثورة لازالة حكم البغي،و اقامة حكم العدل و قد ذهبت الى أن كل من يخرج بالسيف من العلويين فهو امام مفترض الطاعة،و ان كل من ادعى الامامة،و هو مقيم في بيته مرخى عليه ستره فلا يجوز اتباعه،و لا يجوز القول بامامته (3).

و اكبر الظن انهم انما ذهبوا الى ذلك نظرا لما لاقته الشيعة في تلك


1) رجال الخاقاني:ص 129

2) المذاهب الاسلامية:ص 70

3) فرق الشيعة:(ص 74-75)

الأدوار الرهيبة من الجور و الاضطهاد.فقد حكمت السلطة الأموية على أن حب أهل البيت عليهم السلام كفر و مروق من الدين و الى ذلك يشير شاعر الاسلام الكميت بقوله:

يشيرون بالأيدي إلي و قولهم ألا خاب هذا و المشيرون أخيب

فطائفة قد كفرتني بحبكم و طائفة قالوا مسيء و مذنب

يعيبونني من خبهم و ضلالهم على حبكم بل يسخرون و اعجب

و قالوا ترابي هواه و رأيه بذلك ادعى فيهم و القب (1)

و يرد عبد اللّه بن كثير السهمي على من عابه على مولاته لآل الرسول صلى اللّه عليه و آله بقوله:

ان امرأ أمست معايبه حب النبي لغير ذي ذنب

و بني أبي حسن و والدهم من طاب في الارحام و الصلب

أ يعد ذنبا أن احبهم!! بل حبهم كفارة الذنب (2)

و يرد السيد الحميري على من قال له:يا رافضي في محاولة للحط من شأنه،بقوله:

و نحن على رغمك الرافضو ن لأهل الضلالة و المنكر (3)

و قد خلقت هذه الاجراءات الظالمة في نفوس الشيعة اعظم الأثر، فدفعتهم إلى الايمان بالثورة كقاعدة اساسية لبناء كيانهم العقائدي،و قد ذهبت الزيدية إلى ذلك فآمنت بأن الثائر العظيم زيد بن علي هو الامام، و من بعده ولده يحيى الذي اقتدى بأبيه في رفع علم الثورة على الحكم الأموي/1


1) الهاشميات

2) البيان و التبيان 360/3

3) الفصول للمرتضى 61/1

و لم يتعبدوا بالنص الذي هو قاعدة اساسية للامامة عند الشيعة،و رفضوا القول بامامة أئمة الهدى عليهم السلام المنصوص عليهم لأنهم لم يتجاوبوا معهم في اعلان الثورة على الحكم الأموي،و كان عذرهم في ذلك ان المقاومة الايجابية لا تجدي،و انها فاشلة،و تجر الى المسلمين اعظم المصاعب و الخطوب و قد أقروا المقاومة السلبية للسلطة،و حرموا التعاون معها.

و قد اعتقدت الزيدية بامامة زيد لأنه قد ناهض الأمويين،و قد انطلق الى ساحات الجهاد و هو يقول:«ما كره قوم حر السيوف إلا ذلوا» و كان هذا شعار الزيديين،و قال يحيى بن زيد يناجي نفسه و يردد شعار أبيه:

يا ابن زيد أ ليس قد قال زيد من أحب الحياة عاش ذليلا

كن كزيد فأنت مهجة زيد و اتخذ في الجنان ظل ظليلا (1)

و قد بحثنا بالتفصيل عن الزيدية في كتابنا(عقائد الزيدية)و قد نشر بعضه (2).

3-الامامية:

تمسكت هذه الطائفة بجوهر الاسلام و واقعه،و سايرت موكب العترة الطاهرة-التي أذهب اللّه عنها الرجس-و دانت بجميع ما أثر عنها في أصول الاسلام و فروعه،حتى عرف مذهبها بمذهب أهل البيت عليهم السلام،و هي تمتاز عن بقية المذاهب الاسلامية بما يلي:

1-انها فتحت آفاق العقل،و لم تجعله بمعزل عن واقع الحياة،


1) عقائد الزيدية

2) نشر في اجوبة المسائل الدينية:الجزء 3 و 4 المجلد الثالث عشر

و جعلت مدركاته احدى الأدلة الاربعة التي يستنبط منها الفقيه الحكم الشرعي كما جعلته حاكما في الاخبار المتعارضة فما اتفق منها مع حكمه كان حجة و ما شذ عنه فهو زخرف،و بذلك كانت من أشد الطوائف الاسلامية و غيرها عناية بحكم العقل و تحرره،و تحكيمه في جميع الأحداث.

2-انها فتحت باب الاجتهاد،و لم تغلقه،و بذلك فقد ساير فقهها تطور الزمن،و عالج جميع الاحداث المستجدة التي لم يرد فيها نص،و قد أوجب ذلك تطورا هائلا في الفقه الشيعي،و احتل الصدارة في الفقه الاسلامي من حيث جدته و عمقه و تطوره...و قد نالوا بذلك اعجاب رجال الفقه و القانون في العالم،يقول الاستاذ محمد ابو زهرة:«و انهم-اي الشيعة- لم يخضعوا لنظام السلطة في غلق باب الاجتهاد،و لم يكن تعليمهم يدخل تحت نظام الدولة،و لم تخضع مدارسهم لذلك المنهج الذي سارت عليه اكثر المدارس الاسلامية.بل ساروا على منهج اهل البيت في عدم مؤازرة الدولة،و باب الاجتهاد عندهم لم يغلق،و لا زال مفتوحا،و هذا مما يفاخر به الشيعة سائر جماعات المسلمين اليوم...» (1).

3-انها تملك تراثا نديا ضخما مما أثر عن أئمتهم عليهم السلام،و هو حافل بجميع مقومات النهوض و الارتقاء،ففيه عرض رائع لقواعد الآداب،و السلوك و الاجتماع،و الحكم و الاخلاق كما عرض الى الاسس الخلاقة للتطور الاقتصادي و الاجتماعي للأمة،و عنى بالشؤون الادارية و السياسية،و غيرها من المقومات الفكرية و الاجتماعية لحياة الانسان و حضارته،و قد عرض الى ذلك كله نهج البلاغة للامام امير المؤمنين عليه السلام،و هو أجل كتاب بعد القرآن الكريم و هو يشتمل على رصيد هائل من العلوم،و بصورة جازمة انه لم تكتشف بعض اسرار فصوله خصوصا فيما يتعلق بخلق السماوات و غيرها،فانها34


1) الشافعي:ص 234

لا تزال غامضة عند الكثيرين من شراح كلامه(ع)،و عند الشيعة الصحيفة السجادية التي هي انجيل آل محمد(ص)و هي حافلة بأروع تراث فكرى لم تجد له الانسانية مثيلا،و هذا الكتاب العظيم من ادعية الامام زين العابدين عليه السلام،و له(رسالة الحقوق)و قد عنت بذكر حقوق الأمة على الدولة و بحقوق الدولة على الامة،و حقوق افراد المجتمع فيما بينهم،و هو على ايجازه من أجل ما الف في الاسلام.

و اذا استعرضنا مما أثر عن الامام الصادق(ع)و بقية أئمة اهل البيت عليهم السلام فانا نجد سيلا من العلوم و الفنون قد فتقوا أبوابها،و وضعوا أسسها،كعلم النبات و الكيمياء و الطب،و غيرها من العلوم التي ساهمت في تطور الحياة العلمية و الفكرية في تلك العصور،و امتدت موجاتها الى بقية العصور.

ان الطائفة الامامية بكل اعتزاز و فخر تملك اضخم تراث علمي لا تملكه أي طائفة اخرى سواء أ كانت دينية أم من ذوي المذاهب الاجتماعية 4-إنها عنت بفلسفة الحكم بصورة موضوعية.و عميقة فقد التزمت بالامامة،و هى-حسب ما حدد لها المتكلمون من قيم و مفاهيم-انما تهدف الى الحكم الصالح الذي جاء به الاسلام،و هو بجميع خطوطه العريضة مبني على العدل الخالص،و الحق المحض الذي تتطور به الأمة في مجالاتها الاقتصادية و الاجتماعية،و تصان في ظلاله جميع حقوقها و مصالحها.

إن فلسفة الامامة التي تذهب إليها الشيعة الامامية انما تعني بشكل ايجابي و بناء سياسة الحكم في البلاد فهي تقوم عندهم على أساس وثيق من العدل لا يمكن بأي حال أن ينفذ خطوطه و اهدافه الا الامام المعصوم الذي لا يخضع لمنطق العاطفة،و الميول،و انما يسير على وفق منطق الصالح العام،و قد رأينا ذلك في حكومة الامام علي عليه السلام،فقد سار بين المسلمين بسياسة

لم يشاهد المسلمون و غيرهم نظيرا لها في جميع مراحل التأريخ،عدلا في الرعية،و مساواة بين الناس،و تنكرا للمصالح الفردية الخاصة،و غير ذلك مما لم يؤثر بعضه عن اي حاكم في الاسلام.

و على اي حال فالامامة بشكلها الموضوعي عند الامامية تقوم على اساس عميق من الوعي و الادراك،و هي مدعمة بأروع الادلة و أوثقها من الكتاب و السنة و حكم العقل حسب ما دلل عليه متكلموهم،و لا مجال فيه للحكم عليهم بالانزلاق في تيارات الميول و العواطف كما يقول بذلك بعض خصومهم.

5-انها تبرأ من الغلو في الأئمة عليهم السلام،و تحكم بأنه مروق من الدين-كما سنذكره-.

هذه بعض الامور الجوهرية التي تمتاز بها الامامية على بقية طوائف الشيعة.

4-الفطحية:

و ذهبت هذه الفرقة الى القول بانتقال الامامة من الامام الصادق(ع) الى ولده عبد اللّه الأفطح،و هو أخو اسماعيل لأمه و أبيه،و كان أسن أولاد الامام.و قد استدلوا على دعواهم بحديث أخذوا أوله و تركوا آخره و هو قول الامام الصادق(ع):«إن الامامة لا تكون إلا في الولد الأكبر،إلا أن تكون به عاهة»:و عبد اللّه كان من ذوي العاهات،فقد كان أفطح الرأس-أي عريضه-و قيل كان أفطح الرجلين.و قد أضاف إليه أتباعه بعض المناقب و المآثر.و لم يعش عبد اللّه بعد وفاة أبيه إلا سبعين يوما، و لم يعقب ولدا ذكرا (1).و تسمى هذه الفرقة ب‍«العمارية» (2)نسبة الى


1) الملل و النحل:274/1

2) التبصير في الدين:23

أحد زعمائها و هو«عمار» (1)،و لعله عمار بن موسى الساباطي الذي اختلف في قبول رواياته.

5-السمطية:

و زعموا بأن الامام بعد جعفر بن محمد ولده محمد،ثم هي في ولده من بعده،و قد نسبوا الى أحد رؤسائهم و هو«يحيى بن أبي سميط» (2)، و قيل انه««يحيى بن شميط»،و كان من قادة جيش المختار الثقفي (3)و قد زعم هؤلاء:ان الامام المنتظر في أولاد محمد بن جعفر (4).

6-الخطابية:

و هم أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع،و قد خرجوا في حياة الامام الصادق عليه السلام،فحاربوا عيسى بن موسى و كان عاملا على الكوفة،و كانوا سبعين رجلا،فقتلهم جميعا،و لم يفلت منهم إلا رجل واحد،أصابته جراحات كثيرة فعد في القتلى،فتخلص و برأ من جرحه.و هو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقب ب‍(أبي خديجة)، و أسر ابو الخطاب زعيم هذه الطائفة.فجيء به الى عيسى بن موسى فأمر بقتله،فقتل في دار(الرزق)على شاطئ الفرات و صلبه مع جماعة من اصحابه ثم أمر باحراقهم فأحرقوا،و بعث برءوسهم الى المنصور فصلبها


1) مقالات الاسلاميين،و اختلاف المصليين،لأبي الحسن الأشعري ص 99.

2) نفس المصدر.

3) فرق الشيعة:ص 77.

4) التبصير في الدين:ص 23.

على باب مدينة بغداد ثلاثة ايام ثم أحرقها،و قال بعض أتباع أبي الخطاب أنه لم يقتل لا هو و لا اصحابه،و انما شبه عليهم،كما زعموا أنهم إنما حاربوا بأمر من الامام الصادق عليه السلام،و ان الامام(ع)أرسل أبا الخطاب نبيا الى الناس (1).

7-الناووسية:

و هؤلاء ذهبوا الى ان الامام جعفر بن محمد(ع)حي لم يمت و لا يموت و هو القائم المهدي،و لقبت هذه الفرقة ب‍(الناووسية)لأن رئيسها يقال له«عجلان بن ناووس»من اهل البصرة (2).

8-الاسماعيلية:

و ذهب هؤلاء الى ان الامام بعد الصادق(ع)هو ولده اسماعيل و انكروا موت اسماعيل في حياة أبيه،و قالوا:لا يموت حتى يملك (3)و قد حارب الامام الصادق(ع)هذه الفكرة في حياته،و لما توفي ولده اسماعيل احضر جماعة من اصحابه و أشهدهم على موته،و قد ذكرنا حديث ذلك بالتفصيل في الجزء الاول من هذا الكتاب.

و اصرت الاسماعيلية على جحود موت اسماعيل و ان الامام الصادق(ع) انما كتب محضرا بوفاة ولده اسماعيل،و طلب الاشهاد عليه من قبل الشيعة لأنه شعر بالاخطار التي تهدد حياة ولده الذي نص عليه بالامامة-حسب ما يقولون-و اصبح وليا لعهده،و او عز إليه بالاستتار،وفور قيام الامام


1) فرق الشيعة:ص 71

2) الفرق بين الفرق،اعتقاد فرق المسلمين للرازي.

3) مقالات الاسلاميين و اختلاف المصلين:ص 98.

الصادق بذلك خرج اسماعيل متخفيا من يثرب،و اتجه الى دمشق،و قد علم المنصور بذلك فكتب الى عامله ان يلقي القبض عليه،و لكن عامله كان اعتنق المذهب الإسماعيلي،فعرض الكتاب على اسماعيل،فخرج من دمشق و اتجه نحو العراق،و يدعون أنه شوهد بالبصرة عام(151 ه‍)و انه مر على مقعد و كان مريضا فشفاه اللّه باذنه،و قد لبث اسماعيل ينتقل سرا بين اتباعه حتى توفي بالبصرة عام(158 ه‍)و قد رزق من الاولاد محمد و علي و فاطمة،و قد نص على امامة ولده الاكبر محمد بحضور نخبة من الدعاة المخلصين (1).

و لم تؤيد المصادر التأريخية الموثوق بها هذه المزاعم،فقد أجمعت على وفاته في حياة ابيه حسب ما نقلناه في الجزء الاول من هذا الكتاب.

و قد اعطت الاسماعيلية الامامة مركزا ساميا و مقدسا و غالت في ذلك، يقول ابن هانئ في مدحه للامام المعز احد أئمة الاسماعيلية:

ما شئت لا ما شاءت الاقدار فاحكم فأنت الواحد القهار

و كأنما أنت النبي محمد و كأنما انصارك الانصار

أنت الذي كانت تبشرنا به في كتبها الاحبار و الاخبار

هذا امام المتقين و من به قد دوخ الطغيان و الكفار

هذا الذي ترجى النجاة بحبه و به يحط الاصر و الأوزار

هذا الذي تجدي شفاعته غدا حقا و تخمد أن تراه النار

و يستمر ابن هانئ في قصيدته،و هو يضفي بها اسمى النعوت و الالقاب على المعز لدين اللّه،و هو يعبر بذلك عن عقيدة الاسماعيلية التي غالت في أئمتهم فأضافت إليهم كثيرا من صفات اللّه تعالى،و غالى شاعر آخر من شعرائهم في وصف أئمتهم فيقول:3)


1) تأريخ الدعوة الاسماعيلية:(ص 142-143)

محبتهم فرض على الناس واجب و عصيانهم كفر الى النار موبق

هم العروة الوثقى هم منهج الهدى هم الغاية القصوى التي ليس تلحق

و لولاهم لم يخلق اللّه خلقه و لم يكن في الدنيا ضياء و رونق

هم دوحة الدين التي تثمر الهدى و باليمن و التقوى تظل و تسبق

تجير من الايام من يستظلها و تحمي من الموت الجهول و تطلق

و الذي يلاحظ العقيدة الاسماعيلية يراها طافحة بالغلو و الافراط في الحب لأئمتهم،و قد اعتبروا امامهم الحاضر الشاب كريم شاه الحسيني النبراس الكوني الموجود في كل الوجود،و منجي النفوس من الشقاء الأبدي و قائد العالم الى الحقيقة المثلى،

9-الواقفية:

اشارة

و هي الطائفة الضالة المارقة من الدين،التي خانت اللّه و رسوله و نهبت أموال المسلمين،و قد ادعت أن الامام موسى(ع)حي لم يمت و لا يموت و انه رفع الى السماء كما رفع المسيح عيسى بن مريم(ع)و انه هو القائم المنتظر الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا بعد ما ملئت ظلما و جورا،و زعموا أن الذي في سجن السندي بن شاهك ليس هو الامام موسى(ع)بل انه شبه و خيل إليهم أنه هو.و لا بد لنا من التعرض-و لو إجمالا-لبعض شئون هذه الطائفة،و فيما يلي ذلك:

أ-سبب الوقف:

و يعود السبب في وقف هؤلاء على الامام موسى(ع)و إنكارهم لموته:

ان الامام(ع)لما كان في ظلمات السجون و نصب وكلاء له على قبض الحقوق الشرعية التي ترد إليه من بعض المؤمنين،و قد اجتمعت أموال

ضخمة عند بعضهم،فكان عند زياد بن مروان القندي سبعون الف دينار و عند علي بن أبي حمزة ثلاثون الف دينار...و هكذا عند غيرهم،فلما توفي الامام(ع)جحد هؤلاء القوم موته،و اشتروا بالأموال المودعة عندهم الضياع و الدور و أثروا بها،و قد طلبها منهم الامام الرضا(ع)فأبوا أن يدفعوها له،و أنكروا موت ابيه (1).و ذكر الحسين بن محمد:انه اجتمع ثلاثون الف دينار عند الأشاعثة من زكاة اموالهم و بقية الحقوق الاخرى فحملوا تلك الأموال الى وكيلين للامام موسى(ع)بالكوفة احدهما حيان السراج،و كان الامام(ع)آنذاك في السجن،فلما قبضا الأموال اشتريا بها الدور و الغلات،و لما قبض الامام أنكرا موته و أذاعا انه لا يموت، و انه هو القائم المنتظر (2)لكن بعضهم رجع الى طريق الحق و الصواب فدفع الأموال التي اختلسها الى الامام الرضا(ع)و أقر بامامته.

ب-انتشاره:

و انتشر مبدأ الوقف و اعتنقه خلق كثير من الناس،و كان منهم عدد كبير من اصحاب الامام(ع)و رواة حديثه،و سنذكرهم بالتفصيل في «كوكبة الرواة و الاصحاب»و السبب في انتشار هذه الفكرة:ان الذين كانوا يبشرون بها قد عرفوا من قبل بحسن السيرة و الحريجة في الدين فأغروا بسطاء الشيعة بذلك و أضلوهم الى حد بعيد،كما بذلوا الاموال الطائلة بسخاء في شراء الضمائر.فقد حدث يونس بن عبد الرحمن قال:«مات أبو ابراهيم موسى(ع)و ليس من قومه احد إلا و عنده المال الكثير،و كان ذلك سبب وقفهم و جحدهم موته طمعا في الاموال،فكان عند زياد بن


1) البحار:308/12

2) نفس المصدر

مروان القندي سبعون الف دينار و عند علي أبي حمزة ثلاثون الف دينار، فلما رأيت ذلك و تبينت الحق و عرفت من امر ابي الحسن الرضا(ع)ما عرفت تكلمت و دعوت الناس إليه،فبعثا-اي زياد و علي-إلي و قالا ما يدعوك الى هذا؟ إن كنت تريد المال فنحن نغنيك،و ضمنا لي عشرة آلاف دينار و قالا لي:كف فأبيت و قلت لهما:إنا روينا عن الصادقين عليهم السلام أنهم قالوا إذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه،فان لم يفعل سلب نور الايمان،و ما كنت لأدع الجهاد في امر اللّه على كل حال،فناصباني و اضمرا لي العداوة» (1).

بمثل هذه الاساليب و المغريات انتشر مبدأ الوقف،و لكن ما لبث ان تحطم و انكشف زيفه للمؤمنين،و ظهر دجل دعاته.

ج-شجب الأئمة لهم:

وردت اخبار كثيرة من أئمة اهل البيت(ع)في شجب فكرة الوقف و الطعن بقادته ورد احاديثهم،و تحذير الناس من اضاليلهم.فقد ذكر الحكم ابن العيص قال:دخلت مع خالي سليمان بن خالد علي ابي عبد اللّه(ع) فقال الامام:

-من هذا الغلام؟-و أشار لي- -ابن أختي -هل يعرف هذا الأمر؟-يعني الامامة- -نعم! -الحمد للّه الذي لم يخلقه شيطانا،أعوّذ ولدك باللّه من فتنة شيعتنا -و ما تلك الفتنة؟


1) البحار:308/11

-انكارهم الأئمة و وقوفهم على ابني موسى،ينكرون موته و يزعمون انه لا إمام بعده،اولئك شر الخلق (1).

و قال الامام موسى(ع)لعلي بن ابي حمزة البطائني احد اعلام الواقفية «يا علي!إنما أنت و اصحابك اشباه الحمير» (2).و دخل محمد بن الفضيل على الامام ابي الحسن الرضا(ع).فالتفت له محمد قائلا:

«جعلت فداك،اني خلفت ابن أبي حمزة و ابن مهران و ابن أبي سعيد -و هم زعماء الواقفية-اشد اهل الدنيا عداوة للّه تعالى»فقال له الامام:

«ما ضرك من ضل إذا اهتديت،انهم كذبوا رسول اللّه(ص)و كذبوا فلانا و فلانا،و كذبوا جعفر و موسى(ع)ولي بآبائي أسوة.

-جعلت فداك،إنك قلت لابن مهران:أذهب اللّه نور قلبك و أدخل الفقر بيتك.

-كيف حاله و حال اخوانه؟ -يا سيدي!هم بأشد حال مكروبون ببغداد،لم يقدر الحسين أن يخرج الى العمرة» (3).

و كتب بعض الشيعة الى الامام الرضا(ع)يسأله عن الواقفة،فأجابه(ع) «الواقف حائد عن الحق و مقيم على سيئة،إن مات بها كانت جهنم مأواه و بئس المصير» (4).و سأله بعضهم عن جواز إعطاء الزكاة لهم.فنهاه عن ذلك و قال:«إنهم كفار مشركون زنادقة» (5).و وردت اخبار كثيرةر.


1) تنقيح المقال:359/1-360

2) البحار:309/12

3) الكشي

4) البحار:309/12

5) نفس المصدر.

من أهل البيت عليهم السلام في ذمهم و القدح في رواياتهم و لزوم الابتعاد عنهم،و انهم مشركون لا صلة لهم بالاسلام و لا علاقة لهم بأهل البيت، و على هذا فلا ينبغي عد هذه الطائفة و لا بعض الطوائف المتقدمة من الشيعة فان بعضها قد أنكر بعض أصول الدين،كالخطابية الذين زعموا بأن الامام الصادق(ع)أرسل أبا الخطاب نبيا الى الناس،و مع هذا كيف يصح عد هذه الفرقة و أمثالها من الشيعة التي تعبد اللّه وحده لا شريك له،و تعتقد بأن النبي محمد(ص)هو خاتم النبيين و سيد المرسلين،إن عد بعض هذه الطوائف التي لا تقول بالتوحيد من فرق الشيعة إنما هو ظلم صارخ لهذه الطائفة التي اعتنقت الاسلام و آمنت بجميع ما انزل اللّه،و بذلت المزيد من الجهود في سبيل إعلاء كلمة التوحيد.

و على اي حال،فان الواقفية لسوء حالهم و ازدراء أهل البيت بهم لقبوا بالممطورة تشبيها لهم بالكلاب،و انهم انما ابتدعوا فكرة الوقف طمعا بالأموال التي اختلسوها من الشيعة،و قد بادت هذه الطائفة و اندرست معالمها و آثارها.

هذه بعض الفرق التي حسبت على الشيعة و عدت منها،و هناك بعض الفرق الأخرى نشأت و نمت في ذلك العصر و ما بعده،و ان اكثرها لا يلتقي مع مبدأ التشيع الذي بني على التوحيد و الايمان بجميع ما جاء به الاسلام

10-القرامطة

:

و الحقت هذه الفرقة بالشيعة و هي لم تكن منها بل و لا تحمل طابع الاسلام،و قد سميت بهذا الاسم لأن رئيسهم كان يلقب«قرموطويه» فسميت به،و قد زعموا أن الامام بعد جعفر الصادق هو حفيده محمد بن

اسماعيل،و انه حي لم يمت،و لا يموت حتى يملك الارض و ينشر العدل و الخير في ربوع العالم،و انه هو المهدي الذي بشر به النبي(ص) (1)و قد ظهرت شوكتهم في خلافة المعتضد باللّه العباسي،فثاروا على الحكومة القائمة و استولوا على كثير من المناطق الاسلامية،و لهم معتقدات خاصة لا تتفق مع المبادئ الاسلامية،و قد ذكرت أخبارهم و أيامهم في كثير من المصادر التاريخية (2).

مشكلة الغلاة

:

و من أهم المشاكل التي واجهتها الشيعة هي حركة الغلاة الالحادية فقد الصقت بهم هذه التهمة لتشويه حقيقة التشيع.

و اكبر الظن ان للسلطة دخلا كبيرا في ذلك،فقد شجعوها و بالغوا في تأييدها ليستحلوا بذلك دماء الشيعة،و يثبتوا عليهم مادة المروق عن الاسلام.

و من الجدير أن نشير الى بعض معتقداتهم الفاسدة،فقد زعموا أن الأئمة آلهة،و زعم بعضهم أنهم أنبياء،و قال بعضهم بالتناسخ و التعديل ...الى غير ذلك من المعتقدات المنكرة التي تتنافى مع الاسلام و قد ثقل على أئمة اهل البيت(ع)هذا الكفر و الالحاد،فاندفعوا الى انكاره و تحذير المسلمين من دعاته،فقد أثر عن الامام امير المؤمنين(ع)انه قال:


1) فرق الشيعة للنوبختي.

2) ذكرت أخبارهم في التنبيه لأبي الحسين الملطي،و الكامل لابن الأثير،و الفرق بين الفرق.

«بني الكفر على اربع دعائم:الفسق و الغلو و الشك و الشبهة» (1).

و أعلن الامام الصادق(ع)لعن محمد بن مقلاص الكوفي أحد زعماء الغلاة،و كتب(ع)الى جميع البلدان بلعنه و البراءة منه (2)،و ألزم(ع) أصحابه بلزوم مقاطعتهم،فكان يقول لهم:«لا تقاعدوهم و لا تواكلوهم و لا تشاربوهم و لا تصافحوهم و لا توارثوهم» (3)و قال(ع):«أدنى ما يخرج به الرجل من الايمان أن يجلس الى غال فيستمع الى حديثه،و يصدقه على قوله.ان أبي حدثني عن جده ان رسول اللّه(ص)قال:صنفان من أمتي لا نصيب لهما في الاسلام الغلاة و القدرية» (4).

و لما قتل ابو الخطاب بالكوفة قال(ع):«لعن اللّه ابا الخطاب و لعن اللّه من قتل معه،و لعن اللّه من دخل في قلبه الرحمة لهم».

و دخل بشار الشعيري-و كان من دعاة الغلاة-على الامام الصادق(ع) فقال(ع)له:«اخرج عني لعنك اللّه،لا و اللّه لا يظلني و اياك سقف أبدا».

فخرج بشار يسحق بأذياله من الخجل،فقال الامام لأصحابه:

«ويله!أ لا قال بما قالت اليهود؟!!أ لا قال بما قالت المجوس؟!! أو بما قالت الصابئة؟!!و اللّه ما صغر اللّه تصغير هذا الفاجر أحد،إنه شيطان ابن شيطان،خرج من البحر ليغوي أصحابي فاحذروه،و ليبلغ الشاهد الغائب:إني عبد اللّه و ابن عبد اللّه،ضمتني الأصلاب و الأرحام، و إني لميت و مبعوث،ثم مسئول،و اللّه لأسألن عما قال فيّ هذا الكذاب37


1) الكافي:ص 369

2) دعائم الاسلام:ص 62-63

3) الامام الصادق و المذاهب الاربعة:151/4

4) الخصال:ص 37

و ادعاه،ما له غمه اللّه!فلقد أمن على فراشه و أفزعني و أقلقني عن رقادي» (1).

و قال عليه السلام في المغيرة بن سعيد:«لعن اللّه المغيرة بن سعيد و لعن اللّه يهودية كان يختلف إليها،يتعلم منها السحر و الشعوذة و المخاريق إن المغيرة كذب على أبي فسلبه اللّه الايمان،و ان قوما كذبوا علي ما لهم!! أذاقهم اللّه حر الحديد،فو اللّه ما نحن إلا عبيد خلقنا اللّه و اصطفانا،ما نقدر على ضر و لا نفع،إن رحمنا فبرحمته و ان عذبنا فبذنوبنا،و اللّه ما بنا على اللّه من حجة،و لا معنا من اللّه براءة،و إنا لميتون و مقبورون و منشورون و مبعوثون و موقوفون و مسئولون،مالهم لعنهم اللّه،فقد آذوا اللّه و آذوا رسول اللّه في قبره،و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين(ع) و ها أنا ذا بين أظهركم أبيت على فراشي خائفا وجلا،يأمنون و أفزع،و ينامون على فراشهم و أنا خائف ساهر وجل،أبرأ الى اللّه مما قال فيّ الأجدع و عبد بني أسد أبو الخطاب لعنه اللّه...الى أن قال:أبرأ الى اللّه منهم إني امرؤ و لدني رسول اللّه و ما معي براءة من اللّه،و إن أطعته رحمني، و إن عصيته عذبني عذابا شديدا».

و تواترت الاخبار من أئمة أهل البيت(ع)و هي تدل على كفر الغلاة و إلحادهم،و لزوم مكافحتهم و عدم الاختلاط بهم،و وجوب عزلهم عن الجماهير الاسلامية.و الغريب من بعض المؤلفين انهم آخذوا الشيعة بهذه الطائفة الملحدة و حسبوها عليهم،مع العلم انها لا تمت الى الشيعة بصلة و لا تلتقي معها بطريق.

إن مبدأ التشيع قد بني على توحيد اللّه و تنزيهه عن الشريك و المثيل و ان الغلو و غيره من الافكار الالحادية لا تلتزم بها هذه الطائفة المحقة التي/4


1) الامام الصادق و المذاهب الأربعة:155/4

عملت على صيانة الاسلام و الذب عنه منذ فجر تاريخها.

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن محنة الاسلام في ذلك العصر من انشقاق أبنائه الى فرق و طوائف عملت على ايجادها السلطة لاخماد حركة الشيعة-اولا- و إشغال المسلمين-ثانيا-بالناحية العقائدية من حياتهم حتى لا تحاسب السلطة على تصرفاتها الكيفية و استبدادها الغادر بأمور المسلمين و أموالهم.

مشكلة خلق القرآن

:

و حدثت في عصر الامام(ع)مشكلة خطيرة هي«مسألة خلق القرآن»فقد اختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا،و عانى جماعة منهم سخط الدولة و نقمتها و غضب الجمهور.و قد حدثت هذه الفكرة في أواخر الدولة الأموية،و قد ابتدعها الجعد بن درهم معلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية،فهو أول من تكلم بخلق القرآن،و قد حرر المسألة و أذاعها في دمشق،ثم طلبته السلطة فهرب منها و نزل الكوفة،فتعلم منه الجهم بن صفوان الذي تنسب إليه الطائفة(الجهمية)و قيل أن الجعد أخذ ذلك من أبان بن سمعان و أبان أخذه من طالوت بن أعصم اليهودي (1).و قتل الجعد على يد خالد بن عبد اللّه القسري والي الكوفة،قتله في يوم عيد الأضحى،و قال إنه يقول:«ما كلم اللّه موسى تكليما،و لا اتخذ اللّه ابراهيم خليلا» (2).

و ظلت هذه الفكرة بعد مقتل الجعد تحت الخفاء و في طي الكتمان الى دور هارون عند ما ظهر أمر المعتزلة و انتشرت أفكارها،فأعلنوا القول


1) سرح العيون:ص 159

2) ضحى الاسلام:161/3-162

بخلق القرآن،و كان أهم دعاتها هو بشر المريسي،فقد ظل يدعو لذلك و ألف في المسألة كتبا،فبلغ الرشيد خبره فقال:«بلغني أن بشر المريسي يقول:القرآن مخلوق.و اللّه لان أظفرني اللّه به لأقتلنه قتلة ما قتلتها أحدا» و لما علم بشر بذلك ظل متواريا طوال ايام الرشيد (1).

و قال بعضهم:«دخلت على الرشيد و بين يديه رجل مضروب العنق و السياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول،فقال الرشيد:قتلته لأنه قال:

القرآن مخلوق» (2).و اخذت الفكرة بالنمو و الاتساع حتى جاء دور المأمون،و كان يرى ذلك،فنشطت الحركة و اصبحت حديث المجتمع، و قد ساندت السلطة المعتزلة و الشيعة على ذلك و أعلن المأمون رأيه في خلق القرآن،و حمل الناس على ذلك بالقوة و القهر.

و مهما يكن من أمر،فان القائلين بهذه الفكرة قد قاموا بثورة ضد الجمود الفكري و أعطوا للعقل الحرية و الانطلاق،و قد تعرضوا للمحنة و العذاب و التنكيل،و تعتبر هذه المسألة من أهم الأحداث الخطيرة التي حدثت في ذلك العصر،و قد تعرض لبسطها و ايضاحها الفلاسفة من المعتزلة و غيرهم و هي ترتبط ارتباطا وثيقا بالكلام النفسي فهي من مسائله و فروعه و لو لا خوف الاطالة و الخروج عن الموضوع لتحدثنا عنها بالتفصيل.

نكبة البرامكة

اشارة

:

و استشف الامام موسى(ع)من وراء الغيب بما يجري على البرامكة من الخطوب و النكبات و زوال النعمة و فجاءة النقمة،فأخبر(ع)بذلك


1) النجوم الزاهرة:647/1

2) تاريخ ابن كثير:215/10

و قال:«مساكين آل برمك!لا يعلمون ما يجري عليهم»فكان كما أخبر(ع)،فقد جرت عليهم أعظم نكبة جرت في التأريخ،فبعد ما كانت الدنيا بأيديهم قد زهرت لهم و تمتعوا بلذائذها و ظفروا بنعيمها،فغزاهم الدهر بنكباته فصاروا من الذل و الهوان بأقصى مكان،فصودرت أموالهم و قتل جعفر و قذف أبوه يحيى و باقي أسرته في ظلمات السجون،حتى بلغ سوء حالهم أن من يذكر أيامهم و معروفهم و مكارمهم نال العقوبة و العذاب و نعرض بايجاز الى بعض أسباب نكبتهم،فقد اختلف المؤرخون فيها اختلافا كثيرا،و هي كما يلي:

1-خيانة جعفر للعباسة:

و يرى بعض المؤرخين أن السبب في نكبة البرامكة هي قصة (العباسة بنت المهدي)و موجزها:ان الرشيد كان لا يصبر عن جعفر ابن يحيى و أخته العباسة اذا أراد الشراب،فزوجها من جعفر و شرط عليه عدم الاتصال بها،و لكنه لم يف بعهده و شرطه،فاتصل بها فحملت منه، و بعد وضعها خافت على طفلها من هارون،فأبعدته الى مكة،فلما علم الرشيد بذلك قتل الطفل و نكل بالبرامكة (1).

و هذه الرواية لا يمكن المساعدة عليها بوجه-أولا-إن الرشيد لا يعني بذلك،فقد كان خليعا منسابا وراء الشهوات-كما ذكرنا ذلك بالتفصيل- و لو كان عنده هذا الشعور الديني او الاجتماعي لما سمح لأخته علية أن تغنيه و تهدي له الخمر،حتى انتشر تهتكها و خيانتها عند جميع الاوساط -ثانيا-ان جعفر قد استولى على الرشيد و ملك قلبه و مشاعره،حتى كان


1) الطبري:547/3

يجلس معه في حلة واحدة قد اتخذ لها جيبين (1).و بلغ من نفوذ جعفر أن زوج العالية من ابراهيم بن عبد الملك بن صالح العباسي و لا يعلم هارون بذلك،فلما أخبره أجاز تصرفه...الى غير ذلك من استبداده بشئون الرشيد،و هي تدل على مدى نفوذه عنده.فكيف يضن عليه و هو أعز الناس و آثرهم لديه باتصاله بأخته العباسة-ثالثا-إن كثيرا من المصادر التأريخية الموثوق بها قد فندت هذه القصة،فقد فندها الجهشياري مستدلا بقول مسرور خادم الرشيد،حيث سئل عن السبب في ايقاع الرشيد بالبرامكة فقال:«كأنك تريد ما تقوله العامة فيما ادعوه من أمر المرأة،لا و اللّه ما لشيء لهذا من أصل» (2).أما ابن خلدون فينفي ذلك نفيا باتا و يرى أنه من الأساطير،فيقول:«إن مركز العباسة الديني و الاجتماعي لا يسمح لها بارتكاب جريمة كهذه،لا سيما مع مولى من مواليها (3).

و مهما يكن من أمر،فان هذه القصة الى الخيال أقرب منها الى المنطق لكن قسما من المؤرخين قد اهتموا بها،و تناولتها الأقلام الحديثة فأخرجنها بأسلوب خيالي لا نصيب له من الصحة.

2-الاتهام بالتشيع:

و ذهب فريق من المؤرخين الى أن العامل الوحيد في نكبة البرامكة هو ميلهم الى العلويين،فقد ذكر الطبري عن أبي محمد اليزيدي الذي كان من أعلم الناس بالبرامكة انه قال:«من قال ان الرشيد قتل جعفر بغير


1) شرح قصيدة ابن عبدون لابن بدرون:(ص 222-223)

2) الجهشياري:ص 254

3) المقدمة:12

سبب يحيى بن عبد اللّه فلا تصدقه».و ذكر الجهشياري:«أن الرشيد اتهم يحيى بميله الى يحيى العلوي،و انه أمده بمائتي ألف دينار إبان ثورته» (1).و ذكر صاحب الأغاني:«ان البرامكة يكرهون تعصب الرشيد على العلويين،و يعدون عمله حراما» (2).

و هذا القول كالأول في ضعفه،فان البرامكة كانوا يتقربون الى الرشيد يا لسعي على العلويين،و كانوا من المسببين لسجن الامام(ع)و قتله.و قد روى الصدوق عن صفوان بن معن:أن يحيى البرمكي لم يكتف باغرائه للرشيد في قتل الامام الكاظم(ع)،فأغراه بقتل الامام الرضا(ع) فقال له هارون:أ ما يغنينا ما صنعنا بأبيه؟أ تريد أن نقتلهم جميعا؟! (3)و قال السيد نعمة اللّه الجزائري:«إن السبب الحقيقي في هلاك البرامكة هو دعاء أبي الحسن الرضا(ع)عليهم في موقف عرفة،لأنهم سعوا بأبيه الكاظم(ع)» (4).

إن البرامكة من دون شك لا يحملون أي طابع من الود للعلويين، و قد أسرفوا في التنكيل بهم باستثناء الفضل بن يحيى،فانه كان يميل الى الامام الكاظم(ع)،و قد رفه عليه حينما كان بالبصرة في سجنه،و هو الذي سمح ليحيى العلوى بالوفادة الى بيت اللّه الحرام،و لعل القول بميلهم الى التشيع جاء بسببه.05


1) الجهشياري:ص 243

2) التمدن الاسلامي:146/4

3) عيون أخبار الرضا،صحيفة الابرار:396/2

4) زهر الربيع:ص 205

3-سعة نفوذهم:

لعل من أهم الاسباب الرئيسية التي دعت الرشيد للتنكيل بالبرامكة هي سعة نفوذهم و استيلائهم على جميع مقدرات الدولة،حتى خاف الرشيد من زوال ملكه،و قد مال الى ذلك الاستاذ محمد كرد علي فقال:

«و لما رأى-الرشيد-أن ملكه في خطر محقق من نفوذ آل برمك لانصراف الوجوه إليهم لكثرة ما أحسنوا الى الناس،حتى ساووا الخليفة و أربوا عليه في المكانة،أمر بالقبض عليهم و مصادرة أموالهم و قتلهم...و ذلك لأن خافهم على ملكه» (1).

و قد ظهرت منهم بوادر تدل على عزمهم بقيام انقلاب عسكري يقضون فيه على حكمه و ينقلون الخلافة من العباسيين الى غيرهم،فقد تحدث جعفر عن أبي مسلم و أهميته في نقل الخلافة من الأمويين الى العباسيين فقال:«إن أبا مسلم نقل الدولة من قوم الى قوم بالقتل و اراقة الدم، و انما الرجل من ينقلها من غير سفك دم»و قد نقل حديثه الى الرشيد فخاف و بادر الى نكبة البرامكة (2).

و مهما يكن من أمر،فان العامل الوحيد الذي حفز هارون-فيما نحسب-الى التنكيل بجعفر و باقي أسرته هو سعة نفوذهم،و قبضهم على زمام الحكم بيد من حديد،فقد كان بداره من الموظفين من أبناء يحيى ابن خالد خمسة و عشرون ما بين صاحب سيف و قلم (3).


1) الاسلام و الحضارة العربية:213/2

2) براءة العباسة:ص 53

3) مقدمة ابن خلدون:ص 13.

و كان من الصعب القضاء عليهم لو لا استعمال المباغتة و المفاجأة في البطش بهم،فانهم لو علموا بذلك لما تمكن على القيام بأي حركة انقلابية و لقضي عليه نظرا لاتصالهم الوثيق بزعماء الجيش و قادته و نعمهم الوفيرة على الكثيرين من الناس،فلو قاموا بانقلاب عسكري لوجدوا تأييدا شاملا من الجماهير الاسلامية الكارهة لحكم العباسيين،بالاضافة الى أن لهم الصلات التامة بالفرس الذين هم أهم ركيزة في الدولة الاسلامية.

و هناك عوامل اخرى ذكرها المؤرخون احصاها بعضهم الى اربعين عاملا،و مال الى كل واحد منها فريق من المؤرخين و الكتاب،أدت الى نكبة البرامكة،كالوشاية بهم من حاسديهم...و غيرها،و نكتفي بهذا العرض الموجز من اسباب البطش بهم.

اعدام جعفر

:

كان جعفر في قصره يلهو و يلعب و لا يعلم ما دبر له،و كان ابو زكار الأعمى يغنيه بهذا البيت:

فلا تبعد فكل فتى سيأتي عليه الموت يطرق أو يغادي

و كان فيه تنبؤ عن وقوع الحادث الخطير،فبينما كان المغنون يعزفون له بهذا البيت،إذ دخل عليه مسرور الخادم بغير إذنه و هو مسلح،فلما رآه جعفر جفل منه،و أخذته رعدة الذعر و الخوف و أخبره مسرور بما أمر به فجعل جعفر يتضرع إليه و يذكره بأياديه و نعمه عليه،و طلب منه أن يمهله الى الصبح لعل هارون يرجع الى صوابه و رشده فيعفو عنه،فامتنع من اجابته،و أخيرا طلب منه أن يأتي به الى مضرب الخليفة ليسمع مقالته و حكمه فيه،فأجابه الى ذلك و نهضا معا،و دخل مسرور على هارون،

فقام إليه و هو ثائر لم يملك أعصابه قد تغيرت أحواله،فبادره مسرور قائلا له:

«يا أمير المؤمنين!قد انتهى كل شيء،و رأس جعفر قريب منك» ففهم هارون الأمر،فوعده بالقتل على تأخيره لحكم الاعدام قائلا له:

«نفيت من المهدي،إن أنت جئتنى و لم تأتني برأسه لأرسلن إليك من يأتيني برأسك-أولا-ثم برأسه آخرا».

فخرج و نفذ بالفور ما امر به و حمل رأس جعفر إليه.

و بقى الرشيد ليلته لم يذق طعم الرقاد ينتظر بفارغ الصبر ضوء الصباح و قبل أن يندلع نور الفجر أمر هرثمة بن أعين بحمل جثة جعفر و إعطائها الى مدير الشرطة العام:السندي بن شاهك،ليعلق رأسه في الساحة الوسطى من مدينة المنصور،و يقسم جثته الى نصفين فيصلب كل نصف منها على رأس جسر في بغداد،كما أمره باعلان حالة الطوارئ و أن يكون الجيش على أهبة الاستعداد خوفا من الانتفاضات الشعبية،كما فرض المراقبة الشديدة على الجيش خوفا من تمرده و عصيانه،و أمر بالوقت بتطريق دور البرامكة و مصادرة أموالهم المنقولة و غير المنقولة،و اعتقالهم و زجهم في ظلمات السجون.

و انتشر حديث البرامكة في شرق البلاد و غربها،و صار أحدوثة المجالس،بل حديث الاجيال و الاحقاب،فذابت قلوب أنصارهم و اخوانهم و شمت بهم خصومهم و حسادهم،فقد اندك ذلك الحصن المنيع الشامخ، و ذهبت صولة البرامكة أدراج الرياح.

إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن نكبة البرامكة،و قد دلت على بطش هارون و فتكه و كيده،فقد أنزل العقاب الصارم بأحب الناس إليه،و بذلك يعلم مدى القسوة البالغة التي عامل بها العلويين و شيعتهم،فقد استعمل جميع إمكانياته في إرهاقهم و ذعرهم و البطش بهم،و كانت محنة الامام

موسى(ع)من أقسى ألوان المحن و أفجعها،فقد انعدمت الرأفة و الرحمة من نفسه،فصب عليه وابلا من العقاب.

و بهذا ينتهي بنا المطاف عن عصر الامام(ع)،و قد ذكرنا بعض الاحداث الجسام في ذلك العصر،أما الاحاطة بجميع شئونه فانها تستدعي الاطالة و الخروج عن الموضوع.

كوكبة الرّواة و الأصحاب

اشارة

و عملت مدرسة الامام الصادق(ع)عملا متواصلا،و بذلت مجهودا غير قليل لتثقيف العقل الانساني،و تطوير النهضة الفكرية و تقديم المسلمين في ميادين الحضارة و العلم.و قد ربت جيلا صالحا سباقا الى فعل الخير و المساعي الجليلة قد أدى رسالته الاصلاحية الشاملة الى الاجيال الصاعدة،فببركتها نضجت العقلية الاسلامية،و برزت معارف الاسلام و تعاليمه و آدابه الى الوجود العملي في مشارق الدنيا و مغاربها.

و لما فجع العالم الاسلامي بوفاة الامام الصادق(ع)،و قام الامام موسى(ع)بعد أبيه بادارة شئون تلك المدرسة الكبرى التي أعزت العلم و رفعت مناره،فقد أصبح منذ اليوم الأول بعد وفاة أبيه عميدا و زعيما للهيئة العلمية و النهضة الفكرية في عصره،و قد أقبل عليه العلماء و احتف به رجال الفكر،لا يفارقونه و لا يفترقون عنه،حتى بلغ من احتفائهم به و اقبالهم عليه انه اذا نطق بكلمة أو أفتى فتوى بنازلة بادروا الى تسجيل ذلك (1)،و قد روى عنه هؤلاء العلماء جميع أنواع العلوم على اختلافها و تباعد أطرافها من الحكمة،و تفسير الذكر الحكيم،و الفقه الاسلامي بجميع أبوابه...كما رووا عنه الآداب الاجتماعية و النصائح الرفيعة و الحث على التضلع في العلم على اختلاف أنواعه.

و لم تكن تلك الكوكبة من العلماء و الرواة التي كان يربو عددها على اربعة آلاف شخص على مستوى واحد من حيث الثقة و العدالة،فقد كان فيهم عدد غير قليل من المنافقين و الكذابين الذين لم يتحرجوا من الكذب و الوضع فقد كانوا يضعون الحديث و الأخبار على لسان النبي الامين(ص) و عترته الميامين ليأخذوا عوض ذلك الثمن من السلطة الحاكمة التي حاربت الاسلام و افسدت عقائد المسلمين،و مزقتهم شيعا و أحزابا«كل91


1) الأنوار البهية:ص 91

حزب بما لديهم فرحون»،و هناك جمهرة أخرى من المجهولين الذين لم يوثقوا و لم يجرحوا،و طائفة أخرى من الضعفاء،كما ان فيهم عددا ضخما من الثقات و العدول الذين تحرجوا من الوضع و عرفوا بالصدق و الامانة و إليهم يستند الفضل في ضبط الأحكام الاسلامية و نشر فقه آل البيت(ع)و نظرا لوجود هذه الطوائف في رواة الأثر فقد انقسم الخبر بلحاظهم الى صحيح و حسن و ضعيف و موثق.

و على أي حال فان الكثيرين من اصحاب الامام قد قاموا بدور مهم في التأليف و التصنيف و نشر الحضارة الاسلامية حتى ملأوا المكتبة العربية و الاسلامية في عصرهم بنتاجهم القيم الأمر الذي دل بحق على أن لهم اليد الطولى في رفع منار العلم و تقويم الأخلاق و تهذيب الأفكار.

أما عدد أصحابه فقد ذكر أحمد بن خالد البرقي أنهم كانوا مائة و ستين شخصا (1)و هو اشتباه ظاهر إن كان مراده الحصر فان الظاهر من التحقيق ان اغلب المنتمين لمدرسة الامام الصادق(ع)قد بقوا بعد وفاة الامام ينتهلون من نمير علم الامام الكاظم و يتلقون العلوم و الفقه منه،و لعل البرقي أراد بهذا العدد الاعلام و النابهين منهم دون من يليهم في مراتب الفقه و الحديث و العلم و ها نحن نعرض ترجمة طائفة من أصحابه و رواة حديثه قد رتبناها على حروف الهجاء.و هي كما يلي:ه.


1) رجال البرقي:بخط الاستاذ الشيخ على الخاقاني في مكتبته.

(أ):-

1-أبان بن عثمان.

أبان بن عثمان اللؤلؤي يعرف بالأحمر البجلي (1)كان يسكن الكوفة و البصرة،و قد روى عن أبي عبد اللّه الصادق و ولده الكاظم و ذكر أبو عمرو الكشي أن العصابة أجمعت على تصحيح ما يصح عنه و الاقرار له بالفقه (2)و قد أخذ عنه من أهل البصرة أبو عبيدة بن معمر بن المثنى،و أبو عبد اللّه بن المثنى و ابو عبد اللّه محمد بن سلام الجحمي،الف كتابا جمع فيه المبدأ،و المعاد،و المبعث، و المغازي و الوفاة و السقيفة،و الردة (3).و ذكره ابن حيان في الثقات و قال:

يخطئ و يهم،و كان يكنى أبا عبد اللّه سكن البصرة و الكوفة،و كان أديبا عالما بالانساب،أخذ عنه ابو عبيدة و محمد بن سلام الجحمي،و ذكره الطوسي في رجال الشيعة،و قال حمل عن جعفر بن محمد و موسى بن جعفر،و قال محمد بن ابي عمر كان أبان من احفظ الناس (4).

2-ابراهيم بن أبي البلاد.

أبو البلاد اسمه يحيى بن سليم و كني بأبي البلاد،كان إبراهيم ثقة جليلا رفيع المنزلة عظيم الشأن،روى عن أبي عبد اللّه و الكاظم و الرضا،و أرسل


1) الأحمر:صفة في الرجل الذي فيه الحمرة،البجلي:نسبة الى بجلة أبو حي من بني سليم.

2) جامع الرواة 12/1 الخلاصة.

3) معجم الادباء.

4) لسان الميزان 24/1

له الامام الرضا(ع)رسالة أعرب فيها عن ثنائه و اكباره له (1).

3-ابراهيم بن أبي بكر.

قيل انه ابن أبي سمال،وثقه جماعة من الاعلام،و رمي بالوقف،و عرف بالصدق و التحرز عن الكذب،له كتاب النوادر (2).

4-ابراهيم بن شعيب.

العقرقوفي (3)كان من الواقفية،روى عنه ابن وهب،و الواقدي وعده ابن حيان من الثقات (4).

5-ابراهيم بن عبد الحميد.

الصنعاني (5)روى عن الامام الصادق.و أبي الحسن،و ولده الرضا و كان يجلس في مسجد الكوفة و يحدث الناس و يقول:أخبرني أبو اسحاق -يعني الامام الصادق-رمي بالوقف،و وثقه ابن شهر اشوب (6)و قال الفضل بن شاذان:انه صالح (7).7.


1) جامع الرواة 16/1،لسان الميزان 41/1

2) الوجيزة،البلغة،الخلاصة،النجاشي.

3) العقرقوفي:نسبة الى عقرقوف،ناحية من نواحي الدجيل،و قيل انها من نواحي نهر عيسى و بينها و بين بغداد اربع فراسخ.

4) التنقيح.

5) الصنعاني:نسبة الى صنعاء،بلدة باليمن كثيرة الأشجار و المياه

6) تنقيح المقال.

7) الخلاصة القسم الثاني:197.

6-ابراهيم بن محمد.

الجعدي (1)عده الشيخ من أصحاب الامام موسى(ع)و ظاهره أنه امامي مجهول الحال (2).

7-إبراهيم بن محمد الأشعري.

القمي،روى عن الامام موسى،و أبي الحسن الرضا،وثقه جماعة من الأعلام (3).

8-إبراهيم بن نصر.

ابن القعقاع الجعفي،روى عن أبي عبد اللّه،و أبي الحسن،و ثقة النجاشي و قال:إنه ثقة صحيح الحديث،و ذكر الطوسي أن له كتابا (4).

9-ابراهيم بن نعيم.

العبدي الكناني،ثقة جليل من عيون هذه الطائفة،و من الاعلام الذين اخذت منهم الأحكام و الفتيا،روى عن أبي عبد اللّه الصادق و ولده موسى،توفي سنة 170 ه‍ (5).

10-ابراهيم بن يوسف.

الكندي الطحان،ثقة صحيح الحديث رفيع الشأن،من المؤلفين،ي.


1) الجعدي:بضم الجيم،نسبة الى جعدة أبي حي من قيس و هو جعدة بن كعب،و منهم النابغة الجعدي.

2) التنقيح:31/1.

3) كشف المحجة،الوجيزة،الحاوي.

4) تنقيح المقال.

5) النجاشي.

و له كتاب«النوادر» (1).

11-أحمد بن أبي بشر.

يعرف بالسراج كوفي ثقة مقبول الحديث رمي بالوقف،روى عن أبي عبد اللّه،و أبي الحسن،و له«كتاب» (2).

12-أحمد بن الحارث.

يعرف بالانماطي،كان واقفيا،روى عن أبي عبد اللّه،و كان من أصحاب أبي الحسن و له«كتاب» (3).

13-أحمد بن الحسن.

ابن اسماعيل التمار،مولى بني اسد،رمي بالوقف،و كان من أصحاب الامام الكاظم (4)و روى عن الامام الرضا(ع)و قال النجاشي:

هو على كل حال ثقة صحيح الحديث معتمد عليه له كتاب نوادر (5).

14-أحمد بن زياد.

يعرف بالخزاز من أصحاب الامام،و قد رمي بالوقف (6).

15-أحمد بن عمرو.

ابن أبي شعبة الحلبي روى عن الامام الكاظم و الرضا و روى أبوه عن/1


1) الخلاصة،النجاشي.

2) النجاشي.

3) جامع الرواة:44/1،الكشي:ص 291.

4) جامع الرواة:44/1.

5) النجاشي:ص 55.

6) التنقيح:62/1،جامع الرواة 50/1

أبي عبد اللّه و هو من بيت عرف بالتقوى و الصدق و الولاء لأهل البيت (1)16-أحمد بن الفضل.

الخزاعي من أصحاب الامام الكاظم،رمي بالوقف و له كتاب (2)و روى الكشي أنه من أصحاب موسى و علي بن موسى.

17-أحمد بن محمد.

كوفي،و هو أخو كامل بن محمد بن أصحاب الامام،و له رواية في فضل زيارة الحسين ذكرها في التهذيب (3).

18-أحمد بن محمد.

النجاشي من أصحابه(ع) (4).

19-أحمد بن مخلد النخاس.

امامي مجهول الحال،عده الشيخ من اصحاب الامام موسى (5).

20-احمد بن يزيد.

روى عن ابي الحسن(ع)و ذكر روايته صاحب الوافي (6).1.


1) التنقيح،جامع الرواة.

2) جامع الرواة.

3) جامع الرواة:70/1

4) التعليقات:ص 47.

5) التنقيح:96/1.

6) جامع الرواة 75/1.

21-أسامة بن حفص.

كان ثقة عدلا،و كان قيما للامام(ع) (1).

22-اسباط بن سالم.

مولى لبني عدي من كندة روى عن ابي عبد اللّه و ابي الحسن،و له كتاب (2).

23-اسحاق بن جرير.

ثقة من أهل العلم روى عن الامام أبي عبد اللّه(ع)و له كتاب، وعده الشيخ من أصحاب أبي الحسن موسى و انه من الواقفية (3).

24-اسحاق بن عبد اللّه.

ابن مالك الأشعري القمي ثقة عدل روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (4).

25-اسحاق بن عمار.

الكوفي الصيرفي مولى لبني تغلب من شيوخ الشيعة و ثقاتها روى عن الصادق و الكاظم،و هو غير اسحاق بن عمار الساباطي الذي كان فطحيا، و قد نشأ الخلط و الاشتباه عند البعض حيث توهموا بأنهما واحد كما أفاد ذلك المحقق شيخنا المامقاني (5)و جاء في بعض الروايات ما ينافي وثاقته و عدالته/1


1) جامع الرواة:75/1

2) التعليقات:ص 51

3) تنقيح المقال:112/1

4) النجاشي:ص 56

5) تنقيح المقال 115/1

فقد روى أنه كان عند الامام موسى(ع)جالسا إذ دخل عليه بعض شيعته فالتفت له الامام قائلا:

«يا فلان،جدد توبتك،و أحدث عبادة،فانه لم يبق من عمرك إلا شهر.،» يقول اسحاق:فقلت في نفسي،وا عجباه كأنه يخبرنا بآجال شيعته!! فالتفت إليه الامام و هو مغضب فقال له:

«و ما تنكر من ذلك؟؟و كان الهجري مستضعفا (1)و كان عنده علم المنايا،و الامام أولى بذلك من رشيد الهجري،يا اسحاق،إنه قد بقي من عمرك سنتان،أما انه سيتشتت أهلك،و يفلس عيالك افلاسا شديدا» و ما لبث اسحاق حتى توفي في الوقت الذي عينه الامام و حل الفقر و البؤس بأهله و عياله (2).

26-إسحاق بن عمار.

الساباطي (3)كان يسكن بغداد،و قد روى عن أبي عبد اللّه، و أبي الحسن و كان فطحيا (4).).


1) الاستضعاف:هو العجز عن التحمل لأعباء الامامة و ليس المراد به الاستضعاف من ناحية الدين و إلا لنافاه قوله:و كان يعلم علم المنايا و البلايا فان ذلك يتوقف على نور القلب بالايمان و المعرفة و قوة العقيدة.

2) منهج المقال،و تنقيح المقال.

3) الساباطي:نسبة الى ساباط قرية قريبة من المدائن.

4) تنقيح المقال و قد أطال الشيخ المامقاني(في البحث عن تحقيق حال الساباطي).

27-إسحاق بن محمد.

من أصحاب الامام وثقه جماعة من الأعلام (1).

28-اسماعيل بن أبي سمال،و قيل ابن ابي سماك و قال النجاشي:

إنه ثقة واقفي فلا أعتمد على روايته (2).

29-اسماعيل بن الحسن.

عده الشيخ من أصحاب الامام من غير توصيف،و ظاهره انه امامي مجهول الحال (3).

30-إسماعيل بن عبد الخالق.

مولى لبني أسد وجه من وجوه الشيعة،و فقيه من فقهائها،و قد عرف أهله بالعدالة و الولاء لأهل البيت(ع)روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و له كتاب (4).

31-اسماعيل بن محمد المنقري (5).

عده الشيخ من أصحاب الامام و ظاهره أنه امامي مجهول الحال (6).

32-أمية بن عمرو.1.


1) الخلاصة،رجال ابن أبي داود.

2) جامع الرواة:92/1.

3) تنقيح المقال:133/1.

4) منهج المقال:ص 57.

5) المنقري،نسبة الى منقر بطن من بني سعد.

6) تنقيح المقال:144/1.

عده الشيخ من أصحاب الامام و قال إنه واقفي (1)و ضعفه جماعة (2).

33-أيمن بن محرز.

عده الشيخ من اصحاب الامام و ظاهره أنه امامي مجهول الحال، و في«جامع الرواة»أنه روى عن أبي عبد اللّه،و روى عنه اسماعيل بن مهران (3).

34-أيوب بن أعين.

الكوفي مولى بني طريف عده الشيخ من أصحاب الامام موسى(ع) و ظاهره أنه إمامي مجهول الحال (4).

35-أيوب بن الحر.

الجعفي ثقة جليل روى عن أبي عبد اللّه،و أبي الحسن (5)روى عنه يحيى بن عمران الحلبي و أبو عبد اللّه البرقي (6).

و قال الشيخ إنه ثقة و له كتاب (7).ت.


1) الفهرست.

2) الوجيزة و الحاوي.

3) تنقيح المقال:158/1.

4) نفس المصدر.و لسان الميزان:477/1.

5) لسان الميزان:478/1.

6) رجال ابن داود.

7) الفهرست.

(ب)-:

36-بشير الدهان.

عده الشيخ من أصحاب الامام،و أضاف الى ذلك أنه روى عن أبي عبد اللّه (1).

37-بكر بن الأشعث.

أبو إسماعيل الكوفي،روى عن الامام،و وثقه جماعة من الأعلام (2).

38-بكر بن صالح.

الرازي مولى بني ضبة،روى عن الامام موسى،قال ابن الغضائري إنه ضعيف جدا كثير التفرد بالغرائب و ضعفه جماعة من الاعلام (3).

39-بكر بن محمد.

ابن جناح من أصحاب الامام و قد رمي بالوقف (4).

40-بكر بن محمد.

ابن نعيم الأزدي الغامدي (5)ثقة جليل من بيت رفيع بالكوفة عده


1) التنقيح:174/1.

2) الوجيزة،البلغة.

3) النجاشي،الوجيزة.

4) جامع الرواة 128/1.

5) الغامدي:نسبة الى غامدة،علم في الأصل الى أبي قبيلة من جهينة و قيل من اليمن ينسب إليها الغامديون من المحدثين و غيرهم،و الغامدي هذا بقرينة كونه ازديا منسوب الى بني غامد بطن من الأزد و هم بنو غامد و اسم غامد عمر بن عبد اللّه و قيل كعب بن عبد اللّه،قيل إنما لقب بذلك لأنه اصلح امرا كان بينه و بين قومه فسماه أحد الملوك بغامد.

الشيخ من أصحاب الامام الكاظم،عمر عمرا طويلا،و له كتاب،و روى عنه عبد اللّه بن مسكان و أحمد (1).

(ت)-:

(ث)-:

41-ثعلبة بن ميمون.

الأسدي الكوفي،قال النجاشي:كان وجها من أصحابنا قارئا فقيها نحويا لغويا راوية،و كان حسن العمل كثير العبادة و الزهد روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن له كتاب تختلف الرواية عنه،قد رواه جماعة من الناس (2)و حكي أنه لما حج هارون مر بالكوفة فلما صار إلى الموضع الذي يعرف بمسجد(سماك)كان ثعلبة ينزل في غرفة على الطريق فسمعه هارون يدعو بلسان فصيح فوقف يسمع دعاءه و أقبل على الفضل ابن الربيع فقال له:تسمع ما أسمع؟فقال له:نعم،فقال هارون:

إن أخيارنا بالكوفة (3)و كان يلقب بأبي إسحاق الفقيه و يعد في الطليعة


1) التنقيح:179/1،لسان الميزان 84/2.

2) النجاشي.

3) التعليقات:ص 76

من علماء هذه الطائفة بالاضافة إلى ورعه و تقواه (1)و قد روى عنه محمد ابن عبد اللّه المزخرف و علي بن اسباط و الحسن بن علي الخزاز و طريف ابن ناصح (2).

(ج):-

42-جعفر بن خلف.

الكوفي عده الشيخ من اصحاب ابي الحسن موسى،و قال إنه سمع الامام يقول:سعد امرؤ لم يمت حتى يرى منه خلفا،و قد اراني اللّه ابني هذا خلفا-و اشار لولده الرضا (3).

43-جعفر بن سليمان.

عده الشيخ من اصحاب الامام من غير توصيف لكنية او لقب، وعده الأردبيلي من جملة الرواة عن الامام (4).

44-جعفر بن سماعة.

عده الشيخ تارة من اصحاب الصادق و اخرى من اصحاب الكاظم و اضاف الى ذلك انه واقفي (5).


1) الكشي،الوجيزة،البلغة.

2) لسان الميزان:83/2.

3) التنقيح:215/1.الكشي.

4) جامع الرواة:152/1.

5) التنقيح:216/1.

45-جعفر بن محمد.

ابن حكيم الخثعمى عده الشيخ من اصحاب الامام الكاظم (1).

46-جميل بن دراج.

ابن عبد اللّه النخعي الكوفي من اصحاب الامام الصادق(ع)و ولده ابي الحسن موسى و كان ثقة جليلا من كبار العلماء و هو احد الستة الذين اجمعوا على تصحيح ما يصح عنهم،و كان كثير الحديث روى عنه خلق كثير كالحسن بن محبوب و صالح بن عقبة و ابو مالك الحضرمي و غيرهم، له مؤلفات منها كتاب اشترك في تأليفه هو و مرزام بن حكيم،و له اصل انفرد بتأليفه،توفي في ايام الرضا(ع) (2).

47-جميل بن صالح.

الأسدي الكوفي ثقة جليل من اصحاب الامام الصادق،و ولده ابي الحسن،له اصل،روى عنه جماعة منهم عمار بن موسى الساباطي و غيره (3).

49-جندب بن ايوب.

عده الشيخ في رجاله من اصحاب الامام الكاظم(ع)و قال إنه واقفى و كذلك قال العلامة (4).

50-جهم بن ابي جهيم.

ثقة جليل الشأن رفيع المنزلة روى عن الامام موسى عليه السلام1.


1) التنقيح:216/1.

2) الفهرست،جامع الرواة،منهج المقال.

3) منهج المقال.

4) التنقيح:234/1.

له اصل (1).

51-جهيم بن جعفر.

ابن جيان عده الشيخ في رجاله من اصحاب الامام،و قال إنه واقفي (2).

(ح)-:

52-حبيب بن المعلل.

الخثعمي المدائني،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن قال النجاشي:

ثقة صحيح الحديث،و قال الكشي مثل ذلك و أضاف أن له كتابا (3)53-حديد بن حكيم.

أبو علي الأزدي المدائني قال النجاشي إنه ثقة،وجه،متكلم،روى، عن أبي عبد اللّه(ع)و أبي الحسن(ع)له كتاب (4)و وثقه جماعة من الأعلام (5).

54-حذيفة بن منصور.

الخزاعي بياع السابري،قال النجاشي:إنه ثقة روى عن ابي جعفر و ابي عبد اللّه و ابي الحسن،له كتاب يرويه عدة من اصحابنا،وثقه


1) النجاشي،الكشي.

2) التنقيح.

3) منهج المقال 92.

4) النجاشي.

5) الوجيزة،الخلاصة،البلغة.

الشيخ المفيد،و لكن ابن الغضائري غمز فيه و قال إن حديثه غير نقي يروي الصحيح و السقيم،و أمره ملتبس،و نقل عنه انه كان واليا عند بني أميّة (1)55-حسان بن مهران.

الجمال مولى بني كاهل من بني اسد روى عن ابي عبد اللّه و ابي الحسن ثقة،حديثه اصح من حديث صفوان،و له كتاب (2).

56-الحسن بن ابى العرندس.

الكوفي من كندة،عده الشيخ من اصحاب الصادق(ع)و اخرى من اصحاب الكاظم و ظاهره انه إمامي مجهول الحال (3).

57-الحسن بن بشير.

عده الشيخ من اصحاب الامام موسى(ع)و اضاف انه مجهول (4)58-الحسن بن أيوب.

عده الشيخ من أصحاب الامام،الكاظم(ع)و ان له كتابا (5)و الظاهر أنه إمامي لم يوقف له على مدح (6).

59-الحسن بن الجهم.

ابن بكير بن أعين أبو محمد الشيباني عده الشيخ من أصحاب الامام1.


1) التنقيح:258/1.

2) الخلاصة.

3) التنقيح:267/1.

4) الخلاصة.

5) الفهرست.

6) التنقيح:269/1.

موسى(ع)و وثقه،و قال النجاشي إنه ثقة روى عن أبي الحسن موسى و ولده الرضا،و له كتاب (1).

60-الحسن بن راشد.

مولى بني العباس روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن ضعيف في روايته و عن البرقي إنه كان وزيرا للمهدي و موسى الهادي و هارون (2).

61-الحسن بن صدقة.

المدائني،قال ابن عقدة:روى هو و أخوه مصدق عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،و كانا من الثقات (3).

62-الحسن بن عبد اللّه.

كان من أعبد أهل زمانه،و كان يتقيه السلطان لجرأته و تقواه،و كانت هدايته على يد الامام و قد ذكرنا ذلك في الحلقة الأولى من هذا الكتاب.

63-للحسن بن علي.

ابن يقطين بن موسى مولى بني هاشم،و قيل مولى بني اسد ثقة فقيه متكلم روى عن الامام موسى(ع)و ولده الرضا و له كتاب أسماه«مسائل أبي الحسن موسى» (4).

64-الحسن بن علي.

ابن فضال بن عمرو بن انيس التيمي مولاهم الكوفي،روى عنت.


1) التنقيح:269/1.

2) التنقيح:منهج المقال:ص 98.

3) منهج المقال:ص 100.

4) النجاشي،الخلاصة،الفهرست.

الامام موسى(ع)و الامام علي بن موسى(ع)و إبراهيم بن محمد الاشعري، و محمد بن عبد اللّه بن زرارة و علي بن عقبة و غيرهم،روى عنه الفضل بن شاذان،و بالغ في الثناء عليه بالزهد و العبادة،و كان من المؤلفين له كتاب «الزيارات»و كتاب«البشارات»و كتاب«النوادر»و كتاب«الرد على الغالية»و كتاب«الناسخ و المنسوخ»و كتاب«التفسير»و كتاب «الابتداء و المبتدأ»توفي سنة 224 ه‍ (1).

65-الحسن بن عمر.

ابن سليمان قال ابن داود إنه من أصحاب الصادق و الكاظم(ع) (2)66-الحسن بن محبوب.

السراد (3)مولى لبجيلة كوفي ثقة عده الشيخ من أصحاب الامام موسى روى عن الامام الرضا(ع)و روى عن ستين رجلا من أصحاب ابي عبد اللّه،و كان جليل القدر يعد من أعلام عصره،الف كتبا كثيرة منها كتاب«الحدود» و كتاب«الديات»،و كتاب«الفرائض»و كتاب«النوادر»يقع في الف ورقة،و كتاب«التفسير» (4).

67-الحسن بن محمد.

ابن سماعة الكندي الصيرفي عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم1.


1) لسان الميزان:225/2.

2) تنقيح المقال:301/1.

3) السراد:الدرع.

4) الفهرست للشيخ الطوسي،الفهرست لابن النديم و تنقيح المقال 304/1.

و قال:إنه واقفي المذهب إلا أنه جيد التصانيف نقي الفقه حسن الانتقاد ألف ثلاثين كتابا منها كتاب«الصلاة»،و كتاب«الصيام»،و منها كتاب«وفاة أبي عبد اللّه الصادق(ع)»و كتاب«الزهد»و كتاب «البشارات»و غيرها،توفي في جمادى الأولى سنة 263 ه‍ و صلى عليه ابراهيم بن محمد العلوي (1).

68-الحسين بن ابراهيم.

ابن موسى عده الشيخ من أصحاب الامام(ع)و ظاهره كونه إماميا مجهول الحال (2).

69-الحسين بن راشد.

مولى لبني العباس بغدادي عده الشيخ من أصحاب الامام و ظاهره كونه إماميا (3).

70-الحسين بن بشار.

المدائني مولى زياد ثقة صحيح الحديث،روى عن الامام الكاظم(ع) و قد رمي بالوقف،و قال الكشي:إنه رجع عن ذلك،و قال بالحق و أنا أعتمد على ما يرويه بشهادة الشيخين له» (4)،و وثقه الشيخ الطوسي و العلامة (5).ة.


1) الفهرست،التنقيح:307/1.

2) التنقيح:316/1،لسان الميزان 272/2.

3) تنقيح المقال:227/1.

4) جامع الرواة:234/1.

5) الفهرست،و الخلاصة.

71-الحسين بن الجهم.

ابن بكير بن أعين ذكره العلامة في القسم الأول من«الخلاصة» و قال إنه من أصحاب الكاظم و انه ثقة (1).

72-الحسين بن خالد.

الصيرفي من أصحاب الامام الكاظم و الرضا و روى عنهما (2).

73-الحسين بن زيد.

ابن علي بن الحسين،يلقب بذي«الدمعة»كان الامام الصادق(ع) قد تبناه و رباه و زوجه بنت الأرقط،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (3)و قال رواة الأثر إنه نشأ في حجر الامام الصادق منذ قتل أبوه،و أخذ منه علما كثيرا،و كان لا يجالس أحدا و لا يدخل إليه إلا من يثق به،و انما لقب بذي الدمعة لكثرة بكائه،و قد قالت له زوجته:ما أكثر بكاؤك؟! فقال لها:و هل ترك لي السهمان و النار سرورا يمنعني من البكاء،أراد بالسهمين الذين قتل بهما أبوه زيد و أخوه يحيى،و بالنار التي أحرق فيها أبوه زيد.توفي سنة«140 ه‍»و قيل«135 ه‍»و عمره ست و سبعون سنة (4).

74-الحسين بن صدقة.

من أصحاب الامام(ع)وثقه جماعة من الأعلام (5).ة.


1) الخلاصة،رجال ابن داود.

2) جامع الرواة،تنقيح المقال.

3) النجاشي ص 41.

4) تنقيح المقال:328/1.

5) الوجيزة،البلغة،الخلاصة.

75-الحسين بن عثمان.

ابن شريك بن عدي العامري الوحيدي الكوفي قال النجاشي:إنه ثقة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و له كتاب (1).

76-الحسين بن القاسم.

العباسي عده الشيخ من أصحاب الامام،و الظاهر انه إمامي مجهول الحال (2).

77-الحسين بن قياما.

عده الشيخ من أصحاب الامام،و قال إنه واقفي،و كذا قال العلامة و ابن داود،و ذكر الكليني له حديثا مع الامام الرضا(ع)دل على ذمه و سوء سريرته (3).

78-الحسين بن كيسان.

عده الشيخ من أصحاب الامام و قال إنه واقفي و كذا ذكر العلامة و ابن داود (4).

79-الحسين بن محمد.

ابن الفضل الهاشمي ثقة جليل من شيوخ بني هاشم،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و ألف كتابا أسماه«مجالس الرضا مع أهل1.


1) تنقيح المقال:335/1،الوجيزة و البلغة و الخلاصة.

2) تنقيح المقال:341/1.

3) تنقيح المقال:341/1.

4) تنقيح المقال:341/1.

الأديان» (1)و قال الشيخ المفيد:كان الحسين بن محمد من خاصة الكاظم و ثقاته و من أهل الورع و العلم و الفضل من شيعته (2).

80-الحسين بن المختار.

القلانسى الكوفي واقفي عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم و قال:

له كتاب،و قال ابن عقدة إنه ثقة،و أطرى عليه الشيخ المفيد و جعله في طليعة أصحاب الامام الرضا(ع) (3).

81-الحسين بن موسى.

من أصحاب الامام و كان واقفيا (4).

82-الحسين بن مهران.

السكوني روى عن الامام موسى و عن الامام الرضا،و كان من الواقفية و له«مسائل» (5)و قال العلامة:إنه كان ضعيف اليقين له كتاب عن أبي الحسن موسى(ع)لا أعتمد على روايته (6).

83-الحصين بن مخارق عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)و رماه بالوقف،و قالة.


1) تنقيح المقال،نقلا عن النجاشى و قد راجعناه فلم يرد فيه ذلك سوى أنه ألف كتابا كبيرا.

2) الارشاد.

3) تنقيح المقال،النجاشي.

4) الخلاصة،رجال ابن أبي داود.

5) النجاشي.

6) الخلاصة.

ابن الغضائري:إنه ضعيف،و نقل عن ابن عقدة إنه كان يضع الحديث و انه من الزيدية (1).

84-حفص بن البختري.

البغدادي ثقة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع) (2).

85-حفص بن سليمان.

عده الشيخ من غير لقب و لا كنية من أصحاب الامام(ع)و ظاهره كونه اماميا مجهول الحال (3).

86-حفص بن سوقة.

العمري مولى عمرو بن حريث المخزومي،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)ثقة و له أصل (4).

87-حفص بن غياث.

النخعي الكوفي ولي القضاء ببغداد الشرقية من قبل هارون،ثم تولى قضاء الكوفة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و له كتاب،توفي بالكوفة سنة 194 ه‍ (5)و قد اختلف في توثيقه و جرحه (6).

88-الحكم بن أعين.1.


1) تنقيح المقال:350/1،

2) النجاشي:ص 103.

3) تنقيح المقام:353/1.

4) جامع الرواة:262/1،الفهرست.

5) النجاشي:ص 103.

6) تنقيح المقال:355/1.

الحناط مولى لقريش روى عن أبى عبد اللّه و أبى الحسن و له كتاب (1)89-حماد بن عثمان.

ابن عمرو بن خالد الفزاري الكوفي كان يسكن«عرزم»فنسب إليها ثقة روى عن أبى عبد اللّه و الكاظم و الرضا توفي بالكوفة سنة 190 ه‍ (2)90-حماد بن عثمان.

ابن زياد الرواسي الملقب بالناب ثقة جليل القدر و هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و الاقرار له بالفقه و له كتاب،روى عن الامام موسى و ولده الرضا توفي سنه 190 ه‍ (3).

91-حماد بن عيسى.

الجهني البصري،قال الكشي:هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه و الاقرار له بالفقه،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و الرضا و كان متحرزا في الحديث و من المؤلفين،له كتاب«النوادر»و كتاب «الصلاة»و كتاب«الزكاة»و قد دخل على الامام الكاظم(ع)فقال له:

جعلت فداك ادع اللّه لي أن يرزقني دارا و زوجة و خادما،و الحج فدعا الامام له بذلك و اضاف إلى دعائه ان يرزقه خمسين حجة،فرزقه اللّه جميع ذلك و حج خمسين عاما فلما انتهت الخمسون جاء إلى واد ليغتسل منه فجاءها.


1) النجاشي:ص 106.

2) نفس المصدر ص 110.

3) تنقيح المقال:356/1 نقلا عن الفهرست و الخلاصة و التحرير و غيرها.

سيل عارم فغرق فيه و ذلك في سنة 209 ه‍ (1).

92-حمدان بن المعافا.

الصبيحي روى عن الامام موسى و ولده الرضا،روى عنه مسعدة بن صدقة له كتاب«شرائع الايمان»و كتاب«الإهليلجة»توفي سنة 255 ه‍ و قد صادفت وفاته حين دخول اصحاب العلوي قسين فاتحين لها (2).

93-حمزة بن اليسع.

الأشعرى القمي،عده الشيخ من اصحاب الامام أبي الحسن موسى (3)94-حميد بن المثنى.

العجلي أبو المعز الكوفي،ثقة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و له كتاب (4).

95-حنان بن سدير.

الصيرفي الكوفي،روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن،له كتاب في صفة الجنة و النار (5).2.


1) تنقيح المقال:365/1،وردت ترجمته في خلاصة تهذيب الكمال ص 78،و جامع الرواة:273/1.

2) النجاشي:ص 106،جامع الرواة 278/1.

3) التنقيح:377/1.

4) النجاشي:ص 102.

5) نفس المصدر:ص 112.

(خ)-:

96-خالد بن نجيح.

الجوان مولى كوفي،يكنى أبا عبد اللّه،روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن (1)قال الكشي:كان خالد خادما عند أبي الحسن موسى و هو الذي روى عنه في شأن ولده الرضا(ع)انه قال فيه:«عهدي الى ابني علي اكبر ولدي و خيرهم و أفضلهم» (2).

97-خالد بن زياد.

القلانسي ثقة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (3).

98-خالد بن سعيد.

القماط عده الشيخ في رجاله في باب الكنى من أصحاب الامام الكاظم و وثقه النجاشي و قال:إنه روى عن أبى عبد اللّه الصادق(ع)و له كتاب (4).

99-خالد بن رماد.

القلانسي الكوفي،روى عن ابى عبد اللّه و ابي الحسن(ع)مولى ثقة له كتاب (5).


1) النجاشي:ص 115.

2) التنقيح:388/1.

3) جامع الرواة:291/1،ذكره ابن داود في القسم الاول من رجاله.

4) تنقيح المقال:391/1.

5) النجاشي:ص 115.

100-خالد بن يزيد.

ابن جبل كوفي ثقة،روى عن ابى الحسن موسى(ع)و له كتاب رواه يحيى بن زكريا اللؤلؤي (1).

101-خزيمة بن يقطين.

و هو أخو علي بن يقطين،عده الشيخ في رجاله من اصحاب الامام موسى(ع)و ظاهره انه إمامي (2).

102-خلف بن حماد.

ابن ياسر بن المسيب،كوفي ثقة،سمع من الامام موسى(ع)له كتاب يرويه جماعة منهم محمد بن الحسين بن ابى الخطاب (3)و قال ابن الغضائري:إن امره مختلط يعرف حديثه تارة و ينكر اخرى و يجوز ان يخرج شاهدا (4).

103-خلف بن حماد:

الكوفي إمامي حسن الحال من أصحاب الامام الكاظم و روى عنه (5)104-خلف بن خلف.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام(ع)و قال إنه مجهول و كذا قال العلامة:في«الخلاصة» (6).ر.


1) النجاشي:ص 116.

2) تنقيح المقال:398/1.

3) النجاشي:ص 117،

4) تنقيح المقال:401/1.

5) نفس المصدر.

6) نفس المصدر.

105-خلف بن سلمة.

البصري عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم و الرضا(ع)و ظاهره كونه إماميا،و لم يوقف له على مدح (1).

(د)-:

106-داود بن أبي يزيد.

الكوفي العطار مولى ثقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،له كتاب (2).

107-داود بن أبي الحصين.

الأسدي الكوفي،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،قال الشيخ:

إنه واقفي،و كذا قال ابن عقدة:و وثقه النجاشي،و له كتاب (3).

108-داود بن زربي.

الخندقي البندار،وثقه النجاشي،و قال الشيخ المفيد في إرشاده إنه مق خاصة ابى الحسن و ثقاته،و من اهل الورع و العلم و الفقه،و ممن روى النص على إمامة أبى الحسن الرضا(ع)فقد حمل إلى الامام موسى(ع)مالا فأخذ منه و ترك الباقي فقال له داود:لم لا تأخذ الباقي؟قال(ع)له:

إن صاحب الأمر بعدي يطلبه منك،و لما توفي الامام موسى(ع)طلب الامام الرضا من داود ما تبقى من الأموال،و كانت له خاصية بالرشيد،


1) تنقيح المقال.

2) النجاشى:ص 121.

3) جامع الرواة:302/1.

و له كتاب (1).

109-داود بن سرحان.

العطار الكوفي ثقة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و له كتاب (2)110-داود بن سليمان.

عده الشيخ المفيد من خاصة أبي الحسن موسى(ع)و ثقاته و من اهل الورع و العلم و الفقه و ممن روى النص عن الامام موسى على إمامة ولده الرضا فقد قال له:إني سألت أباك-يعني الامام الصادق(ع)-من الذي يكون بعده؟فأخبرني انك أنت،فلما توفي ابو عبد اللّه ذهب الناس يمينا و شمالا و قلت بك انا و اصحابي،فاخبرني من الذي يكون بعدك؟فقال(ع) له:ابني فلان-يعني الرضا-و ترجمه الشيخ في الفهرست و قال إن له أصلا (3).

111-داود بن علي.

اليعقوبي الهاشمي ثقة،روى عن أبي الحسن موسى و قيل روى عن الرضا(ع)و له كتاب (4).

112-داود بن فرقد.

مولى بني السمال الاسدي كوفي ثقة روى عن أبى عبد اللّه و أبى الحسن موسى و له كتاب (5).5.


1) تنقيح المقال:408/1،جامع الرواة،الفهرست.

2) تنقيح المقال،الخلاصة.

3) تنقيح المقال:410/1 منهج المقال:ص 135 جامع الرواة

4) جامع الرواة:305/1 و ذكره العلامة في القسم الاول من الخلاصة

5) منهج المقال:ص 135.

113-داود بن كثير.

مولى بني اسد روى عن أبى عبد اللّه و أبى الحسن موسى و الرضا و له كتاب«الاهليلجة»و قد اختلف في توثيقه فجزم ابن الغضائري في تضعيفه فقال:إنه كان فاسد المذهب ضعيف الرواية لا يلتفت إليه،و وافقه النجاشي على ذلك و زاد عليه أن الغلاة تروي عنه،و وثقه الشيخان و ابن فضال و الصدوق و ابن طاوس و غيرهم،توفي بعد وفاة الامام الرضا(ع) بقليل (1).

114-داود بن النعمان.

مولى بني هاشم و هو أخو علي بن النعمان روى عن الامام أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب (2).

115-درست بن أبى منصور.

الواسطي روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)له كتاب يرويه جماعة منهم سعد بن محمد الطاطري (3)و كان من الواقفية (4).

(ذ)-:

116-ذريح بن محمد.

ابن يزيد أبو الوليد المحاربي عربي من بني محارب من بني خصفة


1) تنقيح المقال:414/1.

2) النجاشي:ص 121.

3) نفس المصدر:ص 124.

4) جامع الرواة:310/1.

روى عن ابي عبد اللّه و ابي الحسن،ذكره ابن عقدة و ابن نوح و له كتاب (1)و وثقه الشيخ (2)و العلامة (3)و غيرهما.

(ر):-

117-ربعى بن عبد اللّه.

ابن الجارود بن ابى سبرة الهذلي،أبو نعيم،بصري،ثقة،روى عن ابي عبد اللّه و ابي الحسن(ع)و صحب الفضيل بن يسار و اكثر الاخذ عنه و كان خصيصا به (4)و قال الشيخ:له«اصل» (5).

118-رفاعة بن موسى.

الأسدي النحاس روى عن ابي عبد اللّه و ابي الحسن(ع)كان ثقة في حديثه،مسكونا إلى روايته لم يتعرض له بشيء من الغمز،حسن الطريقة له كتاب مبوب في«الفرائض» (6)،ذكره العلامة في القسم الأول من«الخلاصة»و ورد توثيقه في الوجيزة،و مشتركات الكاظمي،و الحاوي و غيرها (7).


1) النجاشي:124.

2) الفهرست.

3) الخلاصة.

4) النجاشي:ص 126.

5) الفهرست،قال النجاشي له كتاب.

6) النجاشي:ص 126.

7) تنقيح المقال:433/1.

119-رومي بن زرارة.

ابن أعين الشيباني مولاهم كوفي،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن ثقة قليل الحديث (1)و له كتاب رواه ابن عياش و ورد توثيقه في الوجيزة و البلغة و الحاوي (2).

120-رهم الأنصاري.

من أصحاب الامام(ع)كما ذكره الشيخ عناية اللّه (3)وعده في الحاوي من قسم الضعفاء.

(ز):-

121-زرعة بن محمد.

الحضرمي،ثقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و كان قد صحب سماعة و اكثر عنه له كتاب يرويه جماعة (4)و قال الشيخ:إنه واقفي المذهب (5).

122-زكريا بن إدريس.

القمي،روى عن ابي عبد اللّه،و أبي الحسن،و الرضا عليهم السلام


1) جامع الرواة:322/1.

2) تنقيح المقال:435/1.

3) ترتيب الاختيار.

4) النجاشي:ص 133.

5) الفهرست.

و كان وجيها عند الامام الرضا و له كتاب (1).

123-زكريا بن عبد الصمد.

القمي يكنى ابا جرير،ثقة من اصحاب الامام الكاظم و الرضا (2)124-زكريا بن عبد اللّه.

الفياض ابو يحيى،روى عن ابي عبد اللّه،و ابي الحسن،و قال ابن نوح:روى عن ابي جعفر،و له كتاب يرويه جماعة عنه (3).

125-زكريا بن عمران.

روى عن ابي الحسن موسى(ع)في باب«الوقت»و ذكرت روايته في الاستبصار (4).

126-زكريا بن محمد.

أبو عبد اللّه المؤمن روى عن ابي عبد اللّه و ابي الحسن موسى(ع) و لقى الرضا في المسجد الحرام،و حكى عنه ما يدل على انه من الواقفة و كان مختلطا في حديثه،له كتاب«منتحل الحديث» (5)و ورد ضعفه في الوجيزة و«الحاوي»و ذكره ابن النديم في(الفهرست)من فقهاء الشيعة.

127-زياد بن ابي سلمة.0.


1) جامع الرواة:332/1.

2) نفس المصدر و ورد توثيقه في الوجيزة،و البلغة.

3) تنقيح المقال:450/1.

4) جامع الرواة:333/1.

5) النجاشي:ص 130.

كان واليا عند الحكومة العباسية فدخل على الامام موسى(ع)فالتفت إليه الامام قائلا:

-إنك لتعمل عمل السلطان.

-أجل،أنا رجل ذو مروة،و علي عيال و ليس وراء ظهري شيء.

-يا زياد،لئن أسقط من حالق فأتقطع قطعة قطعة أحب إلي من أن أتولى لأحد منهم عملا أو أطأ بساط أحدهم،إلا لتفريج كربة مؤمن أو فك أسره أو قضاء دينه،يا زياد،إن أهون ما يصنع بهم اللّه جل و عز أن يضرب عليهم سرادقا من النار إلى أن يفرغ اللّه من حساب الخلق، يا زياد،فان وليت شيئا من أعمالهم فاحسن الى إخوانك فواحدة بواحدة و اللّه من وراء ذلك،يا زياد،أيما رجل تولى لأحد منهم عملا ثم ساوى بينكم و بينهم فقولوا له:أنت منتحل كذاب،يا زياد،إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة اللّه جل و عز عليك غدا،و نفاذ ما أتيت به إليهم عنهم و بقاء ما أتيت إليهم عليك»قالوا:يستفاد من هذا الخبر كونه مؤمنا ممدوحا (1).

128-زياد بن الحسن.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى و ظاهره كونه إماميا (2)129-زياد بن سليمان.

البلخي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى و ظاهره كونه إماميا مجهول الحال (3).ة.


1) تنقيح المقال:453/1 نقلا عن أصول الكافي.

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر و جامع الرواة.

130-زياد بن مروان.

القندي الأنباري،أبو الفضل،مولى لبني هاشم روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)و وقف على الرضا،و له كتاب،وعده الشيخ المفيد في «ارشاده»من أهل الورع و العلم و الفقه و أحد رواة النص على إمامة علي ابن موسى الرضا(ع)،و قيل إن السبب في رمايته بالوقف إنه كانت عنده سبعون ألف دينار مودعة للامام موسى(ع)فلما توفي الامام جحدها و قال بالوقف (1).

131-زياد بن الهيثم.

الوشاء،عده الشيخ من رجال الامام الكاظم و ظاهره كونه إماميا (2)132-زيد بن موسى.

الجعفي الكوفي من رجال الامام الكاظم(ع)و هو واقفي (3).

133-زيد النرسي.

روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن عليه السلام،له كتاب يرويه جماعة (4).

134-زيد بن يونس.

و قيل ابن موسى،أبو اسامة الشحام،مولى شديد بن عبد الرحمن ابن نعيم الأزدي الغامدي،كوفي روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)2.


1) جامع الرواة،تنقيح المقال،منهج المقال.

2) تنقيح المقال:460/1.

3) الخلاصة.

4) النجاشي:ص 132.

له كتاب يرويه عنه جماعة (1).

(س)-:

135-سالم بن مكرم.

ابن عبد اللّه،أبو خديجة،و يقال أبو سلمة الكناسي مولى بني أسد يقال أن الامام الصادق(ع)كناه بأبي سلمة و إنه ثقة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،له كتاب رواه جماعة،قال الشيخ الطوسي:انه ضعيف جدا و قيل انه كان من أصحاب أبي الخطاب و تاب بعد ذلك (2).

136-سعد بن أبي خلف.

يعرف بالزام مولى بني زهرة بن كلاب كوفي ثقة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،له كتاب يرويه جماعة منهم ابن أبي عمير (3)عده ابن داود في القسم الأول من رجاله و ورد توثيقه في«الوجيزة»و«البلغة» و«الحاوي».

137-سعد بن أبي عمران.

الأنصاري واقفي من أصحاب الامام موسى عليه السلام (4)،و هو ضعيف (5).


1) النجاشي،جامع الرواة.

2) جامع الرواة 349/1،الفهرست،الخلاصة.

3) النجاشي:ص 135.

4) الخلاصة.

5) الوجيزة،و الحاوي.

138-سعد بن خلف.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام(ع)و قال:إنه واقفي، و ذكره العلامة في القسم الثاني من«الخلاصة» (1).

139-سعد بن سعيد.

البلخي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام،و ظاهره أنه إمامي (2).

140-سعد بن عمران.

القمي عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام و ظاهره أنه إمامي (3)141-سعدان بن مسلم.

قيل ان اسمه عبد الرحمن بن مسلم،أبو الحسن العامري مولى أبي العلا،روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن،و عمر عمرا طويلا،و له كتاب (4).

142-سعيد بن أبي الجهم.

القابوسي اللخمي (5)الكوفي ثقة في حديثه وجها بالكوفة،و آل أبي الجهم بيت كبير بالكوفة،روى عن أبان بن تغلب فأكثر عنه،و روى عنث.


1) تنقيح المقال 14/2.

2) نفس المصدر 14/2.

3) نفس المصدر.

4) النجاشي:ص 146.

5) القابوسي:نسبة الى قابوس بن النعمان بن المنذر ملك العرب، اللخمي:نسبة الى أبى حي باليمن اسمه لخم بن عدي بن الحرث.

أبي عبد اللّه و أبي الحسن،له كتاب في أنواع من الفقه و القضايا و السنن (1)143-سعيد بن جناح.

كوفي الأصل نشأ في بغداد و مات بها،مولى للأزد،و يقال مولى جهينة،و أخوه أبو عامر،روى عن أبي الحسن و الرضا (2)له كتاب «في صفة الجنة و النار»و كتاب«قبض روح المؤمن و الكافر»عده ابن داود في القسم الأول،و وثقه في الوجيزة و البلغة (3).

144-سعيد بن يسار.

الضبعي مولى بني ضبعة بن عجل،كوفي روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن ثقة له كتاب يرويه عدة من أصحابنا منهم محمد بن أبي حمرة (4)145-سلمة بن حنان.

و قيل ابن حيان كما عن الشهيد الثاني كان من الواقفية،ذكره العلامة في القسم الثاني من«الخلاصة»و قال:هو غير موثوق برواياته و لا يعتمد عليها (5).

146-سلمة بن محمد.

كوفي روى عن أبي الحسن له كتاب (6)ذكره الفاضل المجلسي في الوجيزة و البحراني في البلغة.2.


1) النجاشي:ص 136،الخلاصة.

2) جامع الرواة:359/1.

3) تنقيح المقال:26/2.

4) النجاشي:ص 137.

5) التنقيح:49/2.

6) النجاشي:ص 142.

147-سليم الفراء.

كوفي روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)ثقة له كتاب يرويه جماعة منهم محمد بن أبي عمير (1).

148-سليم مولى على بن يقطين.

روى عن الامام موسى،و روى عنه ابن عمير (2).

149-سليمان بن أبي زيد.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و ظاهره أنه إمامي مجهول الحال (3).

150-سليمان بن أبي زينة.

روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام،و روى عنه صفوان بن يحيى (4).

151-سليمان بن خالد.

الخطاب عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام(ع)،و ظاهره إنه إمامي مجهول الحال (5).

152-سليمان بن ربعي.2.


1) النجاشي:ص 146

2) جامع الرواة:375/1

3) تنقيح المقال:55/2

4) جامع الرواة:375/1

5) تنقيح المقال:55/2.

ابن عبد اللّه الهمداني عده الشيخ من أصحاب الامام(ع) (1).

153-سليمان المؤمن.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام(ع)و لم يتعرض له بمدح أو قدح (2).

154-سماعة بن مهران.

ابن عبد الرحمن الحضرمي مولى عبد بن وايل بن حجر الحضرمى يكنى أبا ناشرة و قيل أبا محمد،كان يتجر في القز و يخرج به إلى حران،نزل في الكوفة في محلة كندة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)و له بالكوفة مسجد،و له كتاب يرويه عنه جماعة،توفي بالمدينة (3).

155-سنان بن طريف.

الثوري،عده الشيخ من أصحاب الامام(ع)و روى عنه أبو حنيفة سائق الحجاج (4).

156-سندي بن الربيع.

البغدادي،روى عن أبي الحسن موسى(ع)له كتاب يرويه صفوان ابن يحيى و غيره (5).

157-سهل بن اليسع.1.


1) التنقيح:55/2.

2) نفس المصدر.

3) النجاشي:ص 146.

4) التنقيح:70/2.

5) النجاشي:ص 141.

ابن عبد اللّه بن سعد الأشعري قمي ثقة،روى عن الامام موسى و الرضا(ع)و له كتاب (1).

158-سيابة بن ناجية.

المدني،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام(ع)و قال:له كتاب و الظاهر كونه إماميا مجهول الحال (2).

159-سيف بن عميرة.

النخعي عربي كوفي ثقة،روى عن أبي عبد اللّه(ع)و أبي الحسن(ع) له كتاب ترويه جماعات من أصحابنا (3)و قال الشهيد:و ربما ضعف سيف و الصحيح أنه ثقة (4)وعده ابن النديم من فقهاء الشيعة (5).

(ش)-:

160-شعيب بن يعقوب.

العقرقوفي ابن أخت أبي بصير يحيى بن القاسم،روى عن أبي عبد اللّه


1) النجاشي:ص 141،ذكره العلامة في القسم الأول من الخلاصة و ورد توثيقه في الوجيزة و الحاوي و البلغة.

2) التنقيح:78/2.

3) النجاشي:ص 143.

4) شرح الارشاد.

5) الفهرست.

و أبي الحسن ثقة له كتاب يرويه حماد بن عيسى و غيره (1)و دخل يعقوب على الامام موسى(ع)فلما تشرف بالمثول بين يديه قال له:«يا يعقوب قدمت أمس و وقع بينك و بين أخيك شر،في موضع كذا و كذا حتى شتم بعضكم بعضا.و ليس هذا دينى و لا دين آبائي،و لا نأمر بهذا أحدا من الناس،فاتق اللّه وحده لا شريك له فانكما ستفترقان بموت أما ان أخاك سيموت في سفره قبل أن يصل إلى اهله و ستندم أنت على ما كان منك، و ذلك انكما تقاطعتما فبتر اللّه اعماركما، (2)و ورد توثيقه في الوجيزة و البلغة و الحاوي.

(ص)-:

161-صالح بن خالد.

المحاملي،أبو شعيب الكناسي،مولى علي بن الحكم بن الزبير،روى عن الامام الكاظم(ع)له كتاب يرويه جماعة منهم عباس بن معروف (3)وثقه الشيخ في رجاله في باب الكنى كما ورد توثيقه في الوجيزة و البلغة.

162-صالح بن سعيد.

الأحول،عده الشيخ من أصحاب الامام موسى،و أضاف أنه مجهول الحال (4).


1) النجاشي:ص 147.

2) الكشي:ص 277.

3) النجاشي:ص 151.

4) تنقيح المقال:92/2

163-صباح بن موسى.

الساباطي ثقة روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع) (1).

164-صفوان بن مهران.

ابن المغيرة الأسدي الكوفي ثقة،له كتاب،روى عن أبي عبد اللّه(ع) (2)دخل على الامام موسى(ع)فقال له:يا صفوان،كل شيء منك حسن جميل ما خلا شيئا واحدا.

-جعلت فداك،أي شيء هو؟ -اكراؤك جمالك من هذا الرجل-يعني هارون الرشيد- -و اللّه ما أكريته أشرا،و لا بطرا،و لا للصيد،و لا للهو،و لكن أكريته لهذا الطريق-يعني طريق مكة-و لا أتولاه بنفسي و لكن أبعث معه غلماني.

-يا صفوان أيقع كراك عليهم؟ -نعم جعلت فداك.

-أ تحبّ بقاءهم حتى يخرج كراك؟ -نعم.

-فمن أحب بقاءهم فهو منهم،و من كان منهم كان واردا للنار و قام صفوان بالوقت فباع جماله و أعرض عن مهنته فبلغ ذلك هارون فأرسل خلفه،فلما مثل عنده قال له و هو يتميز من الغيظ:

-يا صفوان،بلغني أنك بعت جمالك.6.


1) تنقيح المقال 92/2.

2) النجاشي:ص 146.

-نعم.

-و لم؟ -أنا شيخ كبير،و إن الغلمان لا يفون بالأعمال.

-هيهات هيهات!!إني لأعلم من أشار عليك بهذا،أشار عليك موسى بن جعفر.

-مالي و لموسى بن جعفر -دع عنك هذا،فو اللّه لو لا حسن صحبتك لقتلتك (1)و دل هذا الحديث على حسن ايمانه و عقيدته،و قد ورد توثيقه في«الوجيزة» و«البلغة».

165-صفوان بن يحيى.

أبو محمد البجلي بياع السابري،كوفي ثقة،قال الشيخ الطوسي:إنه اوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث و غيرهم،و كان يصلي في كل يوم مائة و خمسين ركعة،و يصوم في السنة ثلاثة أشهر،و يخرج زكاة ماله في كل سنة ثلاث مرات،و السبب في ذلك أنه تعاقد هو و عبد اللّه بن جندب و علي بن النعمان في بيت اللّه الحرام انه إن مات واحد منهم أن يقوم من بقى منهم بالصلاة و الزكاة و الحج عنهم فمات صاحباه و بقى صفوان فوفى لهما بذلك،فكان جميع ما يفعله من البر و الخير يجعله ثلاثة أقسام قسم له و قسمان لصاحبيه،و كان من الزهاد المتعبدين المحتاطين،فقد كلفه شخص و هو مسافر أن يحمل معه دينارين إلى أهله في الكوفة،فقال له:إن جمالي مكرية فلا بد أن أستأذن الأجراء.

و يكفي للتدليل على وثاقته أنه كانت له منزلة عند الامام الرضا(ع)6.


1) الكشي:276.

و كان وكيلا له.

ألف ثلاثين كتابا منها كتاب«الصلاة»كتاب«الصوم»كتاب «الحج»كتاب«الزكاة»كتاب«الطلاق»كتاب«الفرائض»كتاب «الشراء و البيع»كتاب«العتق و التدبير»كتاب«البشارات»«مسائل عن أبى الحسن موسى»و غير ذلك،توفي سنة 210 ه‍ بالمدينة،و بعث إليه أبو جعفر بحنوطه و كفنه،و أمر إسماعيل بن موسى بالصلاة عليه (1).

166-صندل بن محمد.

ابن الحسن الأنباري الخياط عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى(ع) (2).

(ض)-:

167-الضحاك الحضرمي.

أبو مالك،كوفي عربي،أدرك أبا عبد اللّه(ع)و قال قوم:إنه روى عنه و قال آخرون:إنه روى عنه و عن أبي الحسن موسى(ع)و كان متكلما ثقة في الحديث،له كتاب في الحديث،رواه علي بن الحسن الطاطري (3).


1) النجاشي،الكشي،منهج المقال،الفهرست.

2) تنقيح المقال:102/2.

3) النجاشي:ص 45،الخلاصة.

(ط)-:

(ظ)-:

(ع)-:

168-عاصم بن الحسن.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و قال:إنه مجهول (1).

169-عباس بن عامر.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام(ع)،و الظاهر كونه إماميا مجهول الحال (2).

170-عبد الحميد بن سالم.

العطار الكوفي ثقة،روى عن الامام موسى(ع) (3).

171-عبد الحميد بن سعيد.

عده الشيخ من أصحاب الامام موسى(ع)و روى عنه صفوان ابن يحيى (4).


1) تنقيح المقال:112/2.

2) نفس المصدر:126/2.

3) الخلاصة القسم الأول.

4) تنقيح المقال:136/2.

172-عبد الحميد بن عواص.

الطائي الكسائي،عده الشيخ من أصحاب الامام موسى،و قال:إنه ثقة (1).

173-عبد الرحمن بن الحجاج.

البجلي،مولاهم كوفي بياع السابري،سكن بغداد،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،اعتنق مذهب الكيسانية،و رجع بعد ذلك إلى الحق،و أقر بالأئمة(ع)له كتب يرويها عنه جماعات من أصحابنا (2).

و كان أبو عبد اللّه(ع)يقول له:يا عبد الرحمن كلم أهل المدينة فاني أحب أن يرى في رجال الشيعة مثلك،توفي في حياة الامام الرضا(ع) (3).

174-عبد الرحمن بن يحيى.

العقيلي،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)،و الظاهر أنه إمامي مجهول الحال (4).

175-عبد الكريم بن عتبة.

القرشي،الهاشمي،اللهبي،من أصحاب الامام الكاظم،روى عن أبي عبد اللّه(ع)و هو ثقة (5).

176-عبد الكريم بن عمرو.ة.


1) التنقيح.و ذكره العلامة في الخلاصة في القسم الأول.

2) النجاشي:ص 178.

3) جامع الرواة 447/1.

4) التنقيح:138/2،.

5) جامع الرواة:463/2،ورد توثيقه في الوجيزة و البلغة.

ابن صالح الخثعمي،مولاهم،كوفي،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)و كان واقفيا،و هو ثقة عين،يلقب(كرام)له كتاب يرويه عده من أصحابنا (1)و لكن الشيخ قال:إنه واقفي خبيث،و قال ابن الغضائري:إن الواقفة تدعيه و الغلاة تروي عنه كثيرا،و الذي أراه التوقف فيما يرويه (2).

177-عبد اللّه بن جبلة.

ابن حنان بن الحر الكناني عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم (3)قال النجاشي:كان واقفا و كان فقيها ثقة مشهورا،له كتب منها كتاب(الرجال)و كتاب(الصفة في الغيبة على مذهب الواقفة) كتاب(الصلاة)كتاب(الزكاة)كتاب«الفطرة»كتاب«الطلاق»كتاب (النوادر)اخبر بجميعها الحسين بن عبد اللّه،توفي سنة 209 ه‍ (4).

178-عبد اللّه بن الحارث.

المخزومي،أمه من ولد جعفر بن أبي طالب،و قد وثقه الشيخ المفيد في«الارشاد»وعده من خاصة الامام الكاظم(ع)و ثقاته و من أهل الورع و العلم و الفقه (5).

179-عبد اللّه بن حماد.2.


1) النجاشي:ص 185

2) تنقيح المقال.

3) نفس المصدر.

4) النجاشي:ص 160.

5) تنقيح المقال:176/2.

الأنصاري،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)و قال:

له كتاب (1).

180-عبد اللّه بن جندب.

البجلي،عربي كوفي من أصحاب الامام الكاظم و الرضا(ع)قال الشيخ الطوسي:كان وكيلا للامام موسى و ولده الرضا و كان عابدا رفيع المنزلة (2)و روى الكشي في حقه أنه قال للامام أبي الحسن أ لست عني راضيا؟قال:اي و اللّه،و رسول اللّه و اللّه عنك راض،و عن الحسن ابن علي بن يقطين،قال:قيل لأبي الحسن إن يونس مولى آل يقطين يزعم أن مولاكم و المتمسك بطاعتكم عبد اللّه بن جندب يعبد اللّه على سبعين حرفا،و يقول:إنه شاك،فقال:(ع):هو و اللّه أولى بأن يعبد اللّه على حرف،ماله و لعبد اللّه بن جندب،إن عبد اللّه لمن المخبتين (3)و عن علي بن ابراهيم عن أبيه،قال:رأيت عبد اللّه بن جندب بالموقف- أي موقف عرفة-فلم أر موقفا كان أحسن من موقفه،ما زال مادا يده الى السماء،و دموعه تسيل على خديه حتى تبلغ الأرض فلما انصرف الناس، قلت له:يا أبا محمد ما رأيت موقفا قط أحسن من موقفك!!قال لي:

و اللّه ما دعوت فيه إلا لاخواني،و ذلك لأن أبا الحسن موسى(ع)أخبرني أنه من دعا لأخيه المؤمن بظهر الغيب نودي من العرش و لك بكل واحدة مائة ألف و كرهت أن أدع مائة الف لواحدة لا أدري تستجاب أم لا؟ (4)1.


1) التنقيح.

2) جامع الرواة 479/1.

3) الكشي:361-362.

4) الروضة:162/1.

و قد وثق الرجل في الوجيزة و الحاوي و مشتركات الطريحي و قد أجمع المترجمون له أنه لم يغمز بوجه و انه ثقة بلا خلاف (1).

181-عبد اللّه بن خداش.

المهري (2)قال النجاشي:إنه ضعيف جدا و في مذهبه ارتفاع،له كتاب أخبرنا به ابن شاذان (3)و قال الكشي:قال محمد بن مسعود:

حدثني يوسف بن السخت قال:سمعت أبا خداش يقول:ما صافحت ذميا قط،و لا دخلت بيت ذمي،و لا شربت دواء قط،و لا افتصدت و لا تركت غسل الجمعة قط،و لا دخلت على وال قط،و لا دخل عليّ قاض قط (4).

182-عبد اللّه بن سنان.

ابن طريف مولى بني هاشم،قيل مولى لبني أبي طالب.و قيل مولى لبني العباس كان خازنا للمنصور و المهدي و الهادي و الرشيد،كوفي،ثقة من أصحابنا جليل لا يطعن عليه في شيء،روى عن الامام الصادق(ع) (5)وعده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)و قال:له كتاب«يوم و ليلة» (6).ت.


1) تنقيح المقال:175/2.

2) المهري:نسبة الى مهر و هي محلة بالبصرة.

3) النجاشي:ص 169.

4) الكشي:ص 280.

5) جامع الرواة:487/1.

6) الفهرست.

183-عبد اللّه بن صالح.

الخثعمي،روى عن الامام الصادق و ولده موسى(ع)و عن علي بن حمزة قال:أرسلني أبو الحسن موسى إلى عبد اللّه بن صالح و أعطاني ثمانية عشر درهما و قال قل له:يقول لك أبو الحسن:انتفع بهذه الدراهم فانها تكفيك حتى تموت،و ساق حديثا طويلا،إلى أن قال فلما توفي عبد اللّه بعت داره و حملت الثمن إلى أبي الحسن و أخبرته بما أوصاني به فقال(ع):

«رحمه اللّه قد كان من شيعتنا»و ترحم الامام يدل على توثيقه (1).

184-عبد اللّه بن عثمان.

الخياط،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)و قال:إنه واقفي،و كذا ذكره العلامة في الخلاصة» (2).

185-عبد اللّه بن غالب.

الاسدي،الشاعر،الفقيه،روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)ثقه له كتاب (3).

186-عبد اللّه بن القاسم.

الحضرمي المعروف بالبطل،كذاب غال،يروي عن الغلاة،لا خير فيه و لا يعتمد على روايته،له كتاب يرويه عنه جماعة (4).7.


1) تنقيح المقال 188/2،جامع الرواة:492/1.

2) تنقيح المقال:197/2.

3) النجاشي:ص 165،الخلاصة القسم الأول.

4) النجاشي:ص 167.

187-عبد اللّه القصير.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و قال:إنه واقفي (1).

188-عبد اللّه بن محمد.

الأهوازي،ذكر بعضهم أنه رأى له مسائل عن الامام موسى عليه السلام (2).

189-عبد اللّه بن محمد.

الشعيري اليماني،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم و ظاهره كونه إماميا مجهول الحال (3).

190-عبد اللّه بن مرحوم.

الأزدي،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع) و ذكر الصدوق في«العيون»عن عبد اللّه بن مرحوم،قال:خرجت من البصرة أريد المدينة،فلما صرت في بعض الطريق لقيت أبا إبراهيم(ع) و كان في طريقه الى الاعتقال في البصرة،فأرسل(ع)نحوى فلما مثلت عنده،دفع إلي كتبا و أمرني أن أوصلها الى المدينة فقلت له:إلى من أدفعها جعلت فداك فقال الى ابني علي فانه وصي و القائم بأمري (4).

191-عبد اللّه بن مسكان.ر.


1) تنقيح المقال:23/2.

2) النجاشي:ص:168.

3) تنقيح المقال:213/2.

4) نفس المصدر.

أبو محمد،مولى عنزة،ثقة،عين،روى عن أبي الحسن(ع) و قيل إنه روى عن أبي عبد اللّه،له كتب،منها كتاب في«الامامة» و كتاب في«الحلال و الحرام» (1)و قال الكشي:هو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم و تصديقهم لما يقولون:و أقروا لهم بالفقه، توفي في أيام أبي الحسن موسى(ع) (2).

192-عبد اللّه بن المغيرة.

قال النجاشي:هو أبو محمد البجلي مولى جندب بن عبد اللّه بن سفين العلقي كوفي ثقة لا يعدل به احد لجلالته و دينه و ورعه،روى عن أبي الحسن موسى،قيل إنه صنف ثلاثين كتابا،و الذي رأيت أصحابنا يعرفون منها كتاب«الوضوء»و كتاب«الصلاة»،و قد روى هذه الكتب كثير من أصحابنا (3)و قال الكشي:قال عبد اللّه بن المغيرة:كنت واقفا فحججت على تلك الحالة فلما صرت بمكة خلج في صدري شيء فتعلقت بالملتزم،فقلت:اللهم قد علمت طلبتي و ارادتي فارشدني الى خير الأديان فوقع في نفسي أن آتي الرضا(ع)فأتيت المدينة و وقفت على باب الرضا، و قلت للغلام،قل لمولاك رجل من أهل العراق بالباب فسمعت نداء الامام الرضا و هو يقول:ادخل يا عبد اللّه بن المغيرة،فدخلت فلما نظر إلي قال:قد أجاب اللّه دعوتك و هداك لدينه،فقلت:اشهد انك حجة اللّه و أمينه على خلقه (4).2.


1) النجاشي:ص 158.

2) جامع الرواة:507/1.

3) النجاشي:ص 159.

4) تنقيح المقال 218/2.

193-عبد اللّه النجاشي.

من اصحاب الامام موسى(ع)واقفي (1).

194-عبد اللّه بن يحيى.

قال النجاشي:هو أبو محمد الكاهلي،عربي،أخو إسحاق،رويا عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)و كان عبد اللّه وجها عند ابي الحسن و وصى به علي بن يقطين فقال له:اضمن لي الكاهلي و عياله أضمن لك الجنة،و قال محمد بن عقدة:الناسب عبد اللّه بن يحيى الذي يقال له الكاهلي:هو تميمي النسب،و له كتاب يرويه جماعة منهم أحمد بن محمد بن نصر (2)و قال الكشي:دخل عبد اللّه الكاهلي على أبي الحسن موسى(ع)فقال له الامام اعمل خيرا في سنتك هذه فان أجلك قد دنا،فأخذ عبد اللّه يبكي فقال له الامام:

-ما يبكيك؟ -جعلت فداك،نعيت الي نفسي!! -أبشر فانك من شيعتنا.

و توفي عبد اللّه بعد ذلك بيسير (3).

195-عبد الملك بن حكيم.

الخثعمي،كوفي،ثقة،عين،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)0.


1) جامع الرواة:514/1،و ذكر أنه وجد في رجال الشيخ ان اسم أبيه النخاس.

2) النجاشي:ص 164.

3) الكشي:280.

له كتاب يرويه جماعة (1).

196-عبد الملك بن عتبة.

الصيرفي،كوفي،ثقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)له الكتاب المنسوب الى عبد الملك بن عتبة الهاشمي اللهبي (2).

197-عبيد بن يقطين.

من أصحاب الامام موسى(ع) (3).

198-عثمان بن عيسى.

أبو عمرو العامري الكلابي من ولد عبيد بن رواس،كان شيخ الواقفة و وجهها و أحد الوكلاء المستبدين بمال الامام موسى بن جعفر(ع) روى عن أبي الحسن موسى(ع) (4)و ذكر نصر بن الصباح ان عثمان بن عيسى كان واقفا و كان وكيلا لأبي الحسن موسى،و كان في يده مال للامام الرضا(ع)فأنكره فسخط عليه الامام ثم تاب و بعث بالمال إليه (5)صنف كتبا منها كتاب«المياه»و كتاب«القضايا و الأحكام»و كتاب«الوصايا» و كتاب«الصلاة» (6).1.


1) النجاشي:ص:179.

2) جامع الرواة:520/1.

3) نفس المصدر.

4) النجاشي:ص 230.

5) الكشي:ص:368.

6) النجاشي:ص 231.

199-علي بن أبي حمزة (1).

مولى للانصار كوفي كان قائدا لأبي بصير يحيى بن القاسم،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)كان من عيون الواقفية و من دعائمها قال فيه ابن الغضائري:إنه أصل الوقف و أشد الخلق عداوة للمولى-يعني الامام الرضا(ع)-و قال علي بن الحسن بن فضال:«علي بن أبي حمزة كذاب متهم ملعون»و قد وردت أخبار كثيرة في ذمه،روى محمد بن أبيض قال:وقف أبو الحسن الرضا(ع)في بني زريق (2)فقال لي:

-يا أحمد.

-لبيك.

-إنه لما قبض رسول اللّه(ص)جهد الناس في إطفاء نور اللّه فأبى اللّه إلا أن يتم نوره بأمير المؤمنين(ع)و لما توفي أبو الحسن موسى(ع) جهد علي بن أبي حمزة في إطفاء نور اللّه،فأبى اللّه إلا أن يتم نوره،و ان أهل الحق إذا دخل فيهم داخل سروا به،و إذا خرج منهم خارج لم يجزعوا عليه و ذلك لأنهم على يقين من أمرهم،و ان أهل الباطل إذا دخل فيهم داخل سروا به،و إذا خرج منهم خارج جزعوا عليه و ذلك لأنهم على شك من أمرهم،إن اللّه جل جلاله يقول:«فمستقر و مستودع» ثم قال:قال أبو عبد اللّه:المستقر الثابت،و المستودع المعار»و تواترت الاخبار في ذمه و قدحه،و كان السبب في وقفه انه كانت بيده ثلاثون الف دينار للامام موسى(ع)فلما توفي الامام أخذها و لم يدفعها الى ولي عهده،صنف كتبا منها كتاب«الصلاة»و كتاب«الزكاة»و كتاب «التفسير»و غيرها،توفي في حياة الامام الرضا(ع)و لما أخبر الامامة.


1) أبو حمزة اسمه سالم البطائني.

2) بنو زريق:طائفة من الأنصار تقطن بالمدينة.

بهلاكه قال:«قد دخل النار» (1).

200-علي بن جعفر.

أخو الامام موسى(ع)ثقة جليل من عيون الهاشميين و من خيارهم، و في طليعة الرواة الثقات،روى عن أبيه و بعد وفاته اختص بأخيه موسى،و روى عنه الشيء الكثير،و قد أفرد المجلسي في بحاره فصلا لرواياته عنه،و قد الف رسالة في الأحاديث التي رواها عن أخيه موسى،و كان قوي الايمان صلب العقيدة،دخل عليه بعض الواقفية فقال له:ما فعل أخوك أبو الحسن؟ -قد مات.

-و ما يدريك بذلك؟ -قسمت أمواله،و نطق الناطق من بعده.

-و من الناطق؟ -ابنه علي.

فالتفت إليه الواقفي و هو يحاول العبث به و الاغراء قائلا له:

-أنت في سنك،و قدرك،و أبوك جعفر بن محمد تقول هذا القول في هذا الغلام!! و لم يخف عليه هذا الخداع فرمقه بطرفه و قال له:

-ما أراك إلا شيطانا،ثم أخذ بلحيته فرفعها إلى السماء و قال:

-ما حيلتي ان كان اللّه رآه أهلا لهذا،و لم ير هذه الشيبة أهلا» (2)9.


1) تجد ترجمته في النجاشي،و الكشي.و منهج المقال،و جامع الرواة و غيرها.

2) الكشي:ص 269.

و دلت هذه البادرة على مدى إيمانه و عقيدته،الف كتابا في الحلال و الحرام (1)،روى عنه جماعة منهم ابنه احمد و محمد و حفيده عبد اللّه بن الحسن،توفي سنة 210 ه‍ (2).

201-علي بن الحسن.

الطاطري (3)يكنى أبا الحسن و كان فقيها ثقة في حديثه،و من وجوه الواقفة و شيوخهم له كتب منها«التوحيد»،«الامامة»،«الوفاة» «الصلاة»،«المتعة»،«الفرائض»،«الغيبة»،«المعرفة» «النكاح»،«الطلاق»،«الحج»،«الولاية»،«الحيض»،«النفاس» (4)قال الشيخ في ترجمته:كان شديد العناد في مذهبه،صعب العصبية على من خالفه من الامامية،و له كتب كثيرة في نصرة مذهبه (5).

202-علي بن حديد.

ابن حكيم المدائني الأزدي الساباطي،روى عن الامام أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب (6).0.


1) النجاشي:ص 190.

2) تهذيب التهذيب:(ج 7 ص 293).

3) الطاطري:نسبة إلى بيع الثياب الطاطرية المنسوبة إلى طاطري، قال الحموي في معجم البلدان:إن كل من يبيع الكرابيس و الثياب البيض يسمى بمصر و دمشق طاطريا.

4) النجاشي:ص 193.

5) الفهرست.

6) النجاشي:210.

203-علي بن حمزة.

ابن الحسن بن عبيد اللّه بن العباس بن أمير المؤمنين(ع)و هو والد سيدنا حمزة المدفون بقرب الحلة الذي يزار و يتبرك بقبره،و هو ثقة روى و اكثر الرواية،له نسخة يرويها عن الامام موسى(ع) (1).

204-علي بن الخطاب.

الحلال،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى(ع)و أضاف أنه واقفي (2).

205-علي بن رباب.

مولى جرم بطن من قضاعة،و قيل مولى بني سعد بن بكر،الطحان كوفي،روى عن أبي عبد اللّه ذكره أبو العباس و غيره،و روى عن أبي الحسن(ع)له كتب منها كتاب«الوصية و الامامة»و كتاب«الديات» (3)قال الشيخ:إنه ثقة جليل القدر له اصل كبير (4).

206-علي بن سعيد.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و قال:إله واقفي (5).

207-علي بن سويد.2.


1) التنقيح.

2) نفس المصدر:288/2.

3) النجاشي:ص 189.

4) الفهرست.

5) تنقيح المقال:291/2.

التمار عده الشيخ في رجاله من اصحاب الامام موسى،و الظاهر انه إمامي (1).

208-علي بن سويد.

السائي (2)روى عن أبي الحسن موسى(ع)و قيل انه روى عن أبي عبد اللّه،و روى رسالة لأبي الحسن موسى(ع) (3)و سنذكر نصها عند التحدث عن أحوال الامام في سجنه و ورد توثيقه في الوجيزة و الحاوي و البلغة.

209-علي بن عبد الحميد.

الظبي عده الشيخ في رجاله من اصحاب الامام الكاظم(ع)و الظاهر انه إمامي مجهول الحال (4).

210-علي بن عبيد اللّه.

ابن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)قال فيه النجاشي إنه أزهد آل أبي طالب و أعيدهم في زمانه اختص بالامام موسى(ع) و الامام الرضا(ع)،و قال:إن له كتابا في الحج يرويه كله عن الامام موسى(ع) (5).4.


1) تنقيح المقال:291/2.

2) السائي:نسبة إلى ساية من قرى المدينة المنورة،و قيل انها قرية بمكة و قيل داد بين الحرمين.

3) النجاشي ص 211.

4) تنقيح المقال:294/2.

5) النجاشي:ص 194.

211-علي بن عطية.

عده الشيخ في رجاله من غير توصيف من اصحاب الامام الكاظم(ع) و قال في«الفهرست»:إن له كتابا (1).

212-علي بن عيسى.

ابن رزين عده الشيخ في رجاله من اصحاب الامام موسى و الظاهر كونه إماميا مجهول الحال (2).

213-علي بن ميمون.

الصائغ،لقبه أبو الأكراد،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،له كتاب يرويه عنه جماعة (3).

214-علي بن يقطين.

ابن موسى البغدادي،مولى لبني أسد،من وجوه هذه الطائفة و من اعيانها،له المنزلة المرموقة و المكانة العليا عند الامام أبي الحسن موسى عليه السلام،و نقدم عرضا موجزا لبعض شئونه و أحواله.

1-ولادته.

ولد بالكوفة سنة 124 ه‍ (4)و ذلك في اواخر دولة الأمويين.ي.


1) تنقيح المقال:299/2.

2) نفس المصدر.

3) النجاشي:ص 208.

4) الفهرست لابن النديم:ص 328،النجاشي.

2-نشأته:

نشأ بالكوفة و بها ترعرع،و كان بها يبيع الابزار (1)و كان ابوه يقطين ممن يقول بالامامة،و كان يحمل الأموال و الالطاف الى الامام الصادق(ع) (2)،و كان من دعاة الدولة العباسية فطلبه مروان الحمار فهرب منه،و هربت زوجته بولديها علي و عبيد اللّه إلى المدينة و لما انقرضت الدولة الأموية و تشكلت الحكومة العباسية عادت بولديها إلى وطنها،و في ذلك الوقت ظهر امر يقطين و انتشر صيته،فقد اتصل بابي العباس السفاح و بالمنصور و المهدي،و قد وشي عليه بأنه يذهب الى(الامامة)و لكن اللّه تعالى صرف عنه كيد الغادرين به،و لما انتقل يقطين الى دار الحق قام ولده علي مقامه فاتصل اتصالا وثيقا بالعباسيين و تولى بعض المناصب المهمة في الدولة،و كان في نفس الوقت غوثا و عونا للشيعة يدفع عنهم الخطوب و الكوارث،و كان من عيون المؤمنين و الصالحين فكان يستنيب جماعة في كل سنة ليحجوا عنه،فقد حدث سليمان بن الحسين كاتبه فقال:أحصيت لعلي بن يقطين من يحج عنه،في عام واحد مائة و خمسين رجلا أقل من أعطاه منهم سبعمائة درهم،و اكثر من اعطاه عشرة آلاف درهم و حدث العبيدي عن يونس أنه أحصى لعلي بن يقطين في«الموقف»مائة و خمسين ملبيا (3)و قد انفق أموالا ضخمة في وجوه البر و الاحسان،فقد اوصل الامام بصلات كبيرة تتراوح ما بين المائة الف درهم إلى ثلاث مائة الف درهم،و قد زوج ثلاثة او اربعة من أولاد الامام منهم أبو الحسن الرضا2.


1) الكشي:ص 270.

2) الفهرست:ص 328.

3) الكشي:ص 272.

عليه السلام،و كان المهر الذي دفعه لهم عشرة آلاف دينار،كما دفع ثلاثة آلاف دينار للوليمة،و كان يعول ببعض عوائل الشيعة،فقد قام بنفقة الكاهلي و عياله حتى توفي،الى غير ذلك من وجوه البر و الخير الذي قام به الأمر الذي دل على ايمانه و حسن عقيدته.

3-منصبه تقلد علي منصب ازمة الازمة في ايام المهدي (1)و من بعده عينه هارون وزيرا له،و قد تقدم الى الامام موسى(ع)يطلب منه الاذن في ترك منصبه و الاستقالة منه فنهاه(ع)عن ذلك و قال له:

«لا تفعل فان لنا بك أنسا،و لاخوانك بك عزا،و عسى اللّه ان يجبر بك كسيرا أو يكسر بك نائرة المخالفين عن اوليائه،يا علي،كفارة اعمالكم الاحسان الى اخوانكم،اضمن لي واحدة اضمن لك ثلاثا،اضمن لي ان لا تلقى أحدا من اوليائنا إلا قضيت حاجته و اكرمته و اضمن لك ان لا يظلك سقف سجن ابدا،و لا ينالك حد السيف ابدا و لا يدخل الفقر بيتك ابدا،يا علي،من سر مؤمنا فباللّه بدأ،و بالنبي ثنى و بنا ثلث (2)و دل هذا الحديث الشريف-على جواز الولاية من قبل الجائر ان اسدى الموظف معروفا او دفع غائلة عن المؤمنين فانه يباح له ذلك،و قد تمسك الفقهاء بهذا الحديث لجواز الولاية من قبل الجائر.

و لما قدم الامام(ع)إلى العراق زرارة علي فشكا إليه حاله و طلب منه الإذن في التخلي عن منصبه فنهاه(ع)عن ذلك و قال له:ي.


1) الجهشياري.

2) المكاسب للشيخ الأنصاري.

«يا علي ان للّه تعالى أولياء مع اولياء الظلمة ليدفع بهم عن اوليائه و أنت منهم يا علي».

و قد اعرب الامام في حديثه عن رغبته في بقائه في وظيفته ليقوم بالافراج عن الشيعة الذين اضطهدتهم السلطات العباسية حتى حرمتهم من جميع الحقوق المشروعة.

4-حب الامام له.

كان الامام(ع)يكن لعلي أخلص الود و الولاء،فقد زرارة يوما فقال(ع)لاصحابه:

-من سره ان يرى رجلا من اصحاب رسول اللّه(ص)فلينظر إلى هذا المقبل-و اشار الى علي-.

فانبرى إليه بعض الحاضرين قائلا:

-أ هو من أهل الجنة.

-اما انا فأشهد انه من اهل الجنة.

و ارسل علي إلى الامام شخصا يطلب منه الدعاء له فلما مثل الرسول بين يدي الامام(ع)قال له:

-يا بن رسول اللّه،ارسلني ابن يقطين لتدعو اللّه له.

-للآخرة؟ -نعم.

-ضمنت لعلي بن يقطين ان لا تمسه النار ابدا.

و حدث داود الرقي قال:دخلت على ابي الحسن(يوم النحر) فقال لي مبتدئا:

«ما عرض في قلبي أحد و أنا على الموقف إلا علي بن يقطين فانه ما زال معي،و ما فارقني حتى أفضت».

و قال اسماعيل بن موسى:رأيت العبد الصالح على الصفا يقول:

«إلهي،في أعلى عليين اغفر لعلي بن يقطين»و قال(ع):«من سعادة علي بن يقطين اني ذكرته في الموقف»و دلت هذه البوادر على مدى ما يحمله الامام(ع)من الحب و الاخلاص له،و مما لا ريب فيه أن اخلاص الامام له ينم عن أن الرجل كان مثالا رائعا للتقوى و الصلاح و عنوانا رفيعا للمثل العليا.

5-تسديد الامام له.

كان الامام(ع)حريصا على ابن يقطين،و كان يخاف عليه من سطوة هارون و بطشه،فان أمر تشيعه لم يكن خافيا على الأذناب و العملاء الذين يتقربون الى السلطة بكل وسيلة مهما بلغت من الفضاعة،و قد علم(ع) أنهم لا يتركونه حتى يقضون عليه فتصدى(ع)إلى تسديده و رفع الخطر عنه و قد كان ذلك في موضعين:

1-الدراعة.

و أهدى الرشيد الى ابن يقطين ثيابا فاخرة،كانت فيها دراعة فاخرة سوداء منسوجة بالذهب يلبسها الخلفاء فلما وصلت إليه قام من فوره فأهداها الى الامام(ع)فردها الامام و كتب إليه«احتفظ بها،و لا تخرجها عنك فسيكون لك بها شأن تحتاج معه إليها»فلما ردت إليه و اطلع على رسالة الامام احتفظ بها،و جعلها في سفط،و ختم عليها،و مضت فترة من

الزمن تغير ابن يقطين على بعض غلمانه ممن كان مطلعا على شئونه و أحواله فسعى من فوره إلى هارون و قال له:

«إن علي بن يقطين يقول بامامة موسى الكاظم،و انه يحمل إليه في كل سنة زكاة أمواله،و الهدايا و التحف،و قد حمل إليه في هذه السنة ذلك مع الدراعة السوداء التي أكرمته بها في وقت كذا».

و تغير حال الرشيد حينما سمع بذلك فكأن حساما قد أصاب وجهه و قال و الغضب قد استولى عليه:

«لأكشفن عن ذلك فان كان الأمر على ما ذكرت أزهقت روحه و ذلك من بعض جزائه».

ثم أنفذ رسولا خلف ابن يقطين فلما مثل عنده التفت إليه قائلا:

«ما فعلت بالدراعة السوداء التي كسوتك بها و خصصتك بها من بين سائر خواصي؟.

فالتفت إليه ابن يقطين و هو مثلوج القلب قد أحرز الانتصار قائلا:

-هي عندي يا أمير المؤمنين،في سفط فيه طيب،مختوم عليها -أحضرها الساعة.

-نعم،على السمع و الطاعة.

و استدعى بعض خدمه فعين له المكان الذي وضعت فيه الدراعة و ناوله المفاتيح،فمضى الخادم مسرعا فلم يلبث قليلا حتى جاء بها فوضعها بين يدي الرشيد فأمر بفك الختم و فتح السفط،و إذا بالدراعة مطوية على حالها لم تتغير و لم يصبها شيء فسكن غضب الرشيد و هدأت ثورته و قال له:

«ردها الى مكانها،و خذها و انصرف راشدا فلن نصدق بعدها عليك ساعيا».

ثم أمر له بجائزة،و أمر بالساعي اللئيم أن يضرب الف سوط فضرب

خمسمائة سوط و هلك (1)،و خرج ابن يقطين و هو ناعم البال مسرور القلب قد انقذه اللّه من بطش هارون و طغيانه،و قد نظم بعض الشعراء هذه الكرامة بقوله:

و ابن يقطين حين رد عليه الطهر أثوابه و قال و حذر

قال خذها فسوف تسأل عنها و معاديك في لا شك يخسر (2)

2-الوضوء:

كان علي بن يقطين يتوضأ وضوء أبناء السنة و الجماعة،و قد طلب من الامام أن يرشده الى الوضوء الذي يتوضأ به فأمره(ع)بالبقاء على حاله الى أجل فيرشده الى ذلك،و سعى الاذناب بعلي الى الرشيد و اكثروا القول بأنه من الشيعة،فأراد هارون أن يختبره ليقف على حقيقة حاله فرأى أحسن طريق الى ذلك أن يختبره في وضوئه،فأطل من بعض شرفات قصره من حيث يخفى في وقت الصلاة فشرع ابن يقطين في وضوئه فتوضأ وضوء السنة فعندها لم يطق الرشيد صبرا و طفق يقول:

«لا صدقت عليك واشيا أبدا».

و كتب له الامام بعد ذلك بكيفية الوضوء الذي يراه،و ذكر له قد زال عنك ما كنا نخافه عليك،و نظم بعض الشعراء هذه الكرامة بقوله:

ثم حال الوضوء حال عجيب كيف أنباه بالضمير و خبر

هو عين الحياة و هو نجاة و رشاد لمن قرأ و يتدبر (3)ب.


1) نور الأبصار:ص 136 المناقب:(ج 2 ص 356)البحار

2) المناقب:(ج 2 ص 356).

3) المناقب.

و نظم بعضهم ذلك بقوله:

فلولاه ما كان ابن يقطين تاركا طريقته الأولى التي ليس تجهل

على حين قد كان الرشيد بمرصد يراقبه في أمره كيف يفعل

فعاين منه غير ما كان سامعا و كذب ما عنه الوشاة تقول

6-مؤلفاته:

كان ابن يقطين من عيون أهل العلم و من فضلاء عصره هذه بعض مؤلفاته:

1-«الملاحم»أخذها من الامام الصادق (1).

2-«مناظرة الشاك» (2).

3-«المسائل»أخذها من الامام موسى(ع).

و قد أخبر بهذه الكتب محمد بن محمد بن النعمان،و الحسين بن عبيد اللّه و محمد بن الحسن،و جماعة (3).

7-وفاته:

انتقل الى دار الحق بمدينة السلام سنة 182 ه‍ و له من العمر سبع و خمسون سنة و صلى عليه ولي عهد الرشيد محمد،و كان الامام موسى آنذاك في ظلمات السجون (4).0.


1) الفهرست لابن النديم:ص 328.

2) نفس المصدر.

3) الفهرست للشيخ الطوسي.

4) الكشي:ص 270.

215-عمار بن موسى.

الساباطي أبو اليقظان،كوفي سكن المدائن،روى عن أبي عبد اللّه و عن أبي الحسن موسى(ع)أنه قال:استوهبت عمار الساباطي من ربي فوهبه لي (1)و ذكر المترجمون له أنه كان فطحيا،قال الشيخ:قد ضعف عمار الساباطي جماعة من أهل النقل و ذكروا أنه من أهل النقل كما ذكروا أن ما ينفرد بنقله لا يعمل به لأنه كان فطحيا غير أنا لا نطعن عليه بهذه الطريقة لأنه و إن كان كذلك فهو ثقة في النقل لا يطعن عليه فيه (2)و قال الشيخ البهائي:إنه ثقة جليل من أصحاب الصادق و الكاظم و حديثه يجري مجرى الصحاح (3)،وعده الشيخ المفيد من الأعلام المأخوذ منهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأحكام الذين لا يطعن عليهم،له كتاب يرويه جماعة (4).

216-عمرو بن المنهال.

ابن مقلاص القيسي،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن له ولدان أحمد و الحسن من أهل الحديث،له كتاب (5)ورد توثيقه في الوجيزة و البلغة.

217-عمر بن رياح.

روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،و كان واقفا و كذا كان أولاده2.


1) الكشي:ص 256.

2) التهذيب باب البيع.

3) شرح الفقيه.

4) النجاشي ص 223.

5) النجاشي:ص 222.

من الواقفية،و قال العلامة و السيد ابن طاوس إنه كان تبريا و هم فرقة من الزيدية (1).

218-عمر بن محمد.

ابن يزيد أبو الأسود بياع السابري مولى لثقيف،كوفي،ثقة جليل الشأن،روى عن أبى عبد اللّه و أبي الحسن،و أثنى عليه الامام أبو عبد اللّه عليه السلام،فقال له:

-أنت و اللّه منا أهل البيت.

-جعلت فداك،من آل محمد؟!! -اي و اللّه من أنفسهم.

-من أنفسهم!! -اي و اللّه من أنفسهم،يا عمر،أ ما تقرأ كتاب اللّه عز و جل«إن أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه و هذا النبيّ و الذين آمنوا معه و اللّه ولي المؤمنين» (2).

له من المؤلفات كتاب«مناسك الحج و فرائضه» (3).

219-عيسى بن داود.

النجار،كوفي من أصحابنا،قليل الرواية،روى عن أبي الحسن موسى(ع)له كتاب«التفسير» (4).6.


1) تنقيح المقال:243/2.

2) الكشي ص 212.

3) النجاشي:ص 217.

4) النجاشي:ص 226.

220-عيسى بن عبد اللّه.

ابن سعد بن مالك الأشعري،روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن، و له مسائل للرضا(ع) (1)،و روى في حقه يونس بن يعقوب قال:كنت بالمدينة،فاستقبلني جعفر بن محمد في بعض أزقتها،فقال اذهب يا يونس فان في الباب رجلا منا اهل البيت،قال فجئت الى الباب فاذا عيسى بن عبد اللّه القمي جالس،قال:فقلت له:

-من أنت؟ -رجل من اهل قم.

-و في الوقت جاء الامام(ع)فأمرهما بالدخول الى الدار فلما استقر بهما المجلس التفت(ع)الى يونس قائلا:

يا يونس،أحسبك انكرت قولي لك إن عيسى بن عبد اللّه منا أهل البيت.

-اي و اللّه إنه رجل من اهل قم!! -يا يونس،إن عيسى بن عبد اللّه هو منا حيا و هو منا ميتا (2)و في هذا الخبر دلالة على عدالته و وثاقته و مزيد اتصاله بأهل البيت(ع) 221-العيص بن القاسم.

ابن ثابت بن عبيد بن مهران،البجلي،كوفي عربي،يكنى أبا القاسم ثقة عين،روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن موسى(ع)و له كتاب (3).2.


1) النجاشي:ص 228.

2) الكشي:ص 213.

3) النجاشي:ص 232.

(غ)-:

222-غالب بن عثمان.

عده الشيخ من اصحاب الامام الكاظم(ع)و قال:إنه واقفي (1)223-غياث بن ابراهيم.

التيمي الأسيدي (2)بصري سكن الكوفة،ثقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبى الحسن،له كتاب مبوب في الحلال و الحرام يرويه جماعة (3).

(ف)-:

224-فائد الحناط.

كوفي،روى عن أبى عبد اللّه،و أبي الحسن،له كتاب يرويه عثمان ابن عيسى (4).

225-فضالة بن أيوب.

الأزدي عربى سكن الأهواز،ثقة في حديثه،روى عن الامام


1) تنقيح المقال:365/2.

2) الاسيدي:بضم الهمزة و فتح السين المهملة و تشديد الياء،نسبة الى اسيد بن عمرو بن تميم،جاء ذلك في سبائك الذهب.

3) النجاشي:ص 234.

4) النجاشي:ص 240.

موسى(ع)،وعده الكشي ممن اجمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم من اصحاب أبى عبد اللّه(ع)و تصديقهم و الاقرار لهم بالفقه و العلم،و له كتاب«الصلاة» (1).

226-الفضل بن سليمان.

الكاتب البغدادي،كان يكتب للمنصور و المهدي على الخراج،روى عن أبي عبد اللّه،و أبى الحسن،ألف كتاب«يوم و ليلة» (2).

227-الفضل بن يونس.

الكاتب البغدادي روى عن أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب (3)و قال الشيخ:إنه واقفي (4)روى علي بن ابراهيم بن هاشم عن محمد بن سالم قال لما حمل سيدي موسى بن جعفر الى هارون جاء إليه هشام بن ابراهيم فقال له:يا سيدي قد كتب لي صك الى الفضل بن يونس فسأله أن يقضي حاجتي فمشى إليه الامام فلما انتهى إليه دخل عليه الحاجب فعرفه بتشريف الامام،فقال له و السرور باد عليه،إن كنت صادقا فأنت حر و أوعده بأموال يعطيها له إن تبين صدقه ثم خرج حافيا،فلما رأى الامام وقع على قدميه يقبلهما ثم التمس منه ان يشرف ثويه فأجابه الامام الى ذلك و بعد ما استقر به المجلس سأله ان يقضي حاجة هشام فقضاها له (5)و في هذا الخبر دلالة على اخلاصه و ولائه للامام(ع).ي.


1) تنقيح المقال:6/2.

2) النجاشي:ص 235.

3) نفس المصدر:ص 237.

4) الفهرست.

5) الكشي.

228-الفيض بن المختار.

الجعفي،كوفي،روى عن أبي جعفر،و أبي عبد اللّه،و أبي الحسن عليهم السلام،ثقة عين،له كتاب يرويه ابنه جعفر (1)و هو أول شخص سمع النص من أبي عبد اللّه على إمامة ولده موسى(ع)و قد تقدم حديثه في الجزء الأول من هذا الكتاب.

(ق)-:

229-القاسم بن محمد.

الجوهري،كوفي سكن بغداد،روى عن الامام موسى(ع)له كتاب (2)و قد رمى بالوقف (3).

230-قيس بن موسى.

الساباطي،أخو عمار الساباطي،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و هو ثقة مقبول الحديث (4).


1) النجاشي:ص 239.

2) النجاشي:ص 242،

3) الكشي.

4) رجال ابن داود.

(ك)-:

231-كردويه الهمداني.

من رواة حديث الامام(ع)و قد ذكرت رواياته في«التهذيب» في باب تطهير المياه،و في«الاستبصار»في باب كيفية قضاء النوافل، و قد رمى بالجهالة كما في«المسالك»و الذخيرة (1).

(ل)-:

232-ليث بن البختري.

المرادي يكنى أبا بصير،ثقة في حديثه،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،و في صحيح جميل بن دراج،ان اوتاد الأرض اربعة،و أعلام الدين اربعة،محمد بن مسلم،و بريد بن معاوية،و ليث بن البختري المرادي،و قيل فيه غير ذلك،قال ابن الغضائري:كان أبو عبد اللّه(ع) يتضجر،و يتبرم منه،و أصحابه مختلفون في شأنه و عندي أن الطعن انما وقع في دينه،لا في حديثه و قد وثقه جماعة من الاعلام المحققين و اعتبروا الاخبار الواردة في ذمه مطعون فيها،و انه من الطائفة العليا في الاسلام (2).


1) تنقيح المقال:38/2.

2) تنقيح المقال:44/2-46.

(م)-:

233-محمد بن ابراهيم.

الموصلي،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم مرتين، و ظاهره كونه إماميا مجهول الحال (1).

234-محمد بن أبي عمير.

الأزدي،بغدادي الأصل و المقام من أشهر علماء هذه الطائفة و من عيون رواتها،و قد أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصح عنه،و على عد مراسيله مسانيد،عاصر الامام الكاظم،و الرضا،و الجواد(ع)و الى القراء بعض شئونه و أحواله.

1-علمه.

كان من عيون العلماء،و من كبار الفقهاء،و قد أجمعت العصابة على الاقرار له بالفقه و العلم (2)و قد لازم ثلاثة من أئمة اهل البيت(ع)و انتهل من نمير علومهم،و قد زود الفقه الاسلامي بالشيء الكثير من أحاديثه التي سمعها من الأئمة الميامين،و ان مراسيله بمنزلة الصحاح عند الفقهاء،و في هذا دلالة على سمو منزلته العلمية و عدالته.

2-مؤلفاته.

الف من الكتب اربعا و تسعين كتابا منها كتاب«المغازي»و منها كتاب«الكفر و الايمان»و منها كتاب«البداء»و منها كتاب«الاحتجاج


1) تنقيح المقال:56/2.

2) الكشي.

في«الامامة»و منها كتاب«الحج»و منها كتاب«فضائل الحج»و منها كتاب«المتعة»و منها كتاب«الاستطاعة»و منها كتاب«الملاحم» و منها كتاب«يوم و ليلة»و منها كتاب«مناسك الحج»و منها كتاب «الصيام»و منها كتاب«اختلاف الحديث»و منها كتاب«المعارف» و منها كتاب«الطلاق»و منها كتاب«الرضاع» (1)و لكن من المؤسف أن هذه المؤلفات قد تلفت و يعزى السبب في ذلك الى انه تركها في غرفة فسال عليها المطر فأتلفها،و قيل ان اخته دفنت كتبه في حال حبسه فضاعت و على كل فان العلم قد خسر مؤلفات هذا العالم الكبير.

3-عبادته.

كان محمد من عيون المتقين و الصالحين فقد تربى في بيت الامامة و سار على خطة آل البيت من رفض الدنيا و عدم الاعتناء بملاذها و شهواتها، و يكفي للتدليل على مدى عبادته ما رواه الفضل بن شاذان قال:دخلت العراق فرأيت شخصا يعاتب صاحبه و يقول له:أنت رجل ذو عيال، و تحتاج ان تكسب لهم،و ما آمن عليك أن تذهب عيناك لطول سجودك، و اكثر عليه التوبيخ و التقريع،فالتفت إليه و قال له:

«لو ذهبت عين احد من السجود،لذهبت عين ابن أبي عمير، ما ظنك برجل سجد سجدة الشكر بعد صلاة الفجر فما رفع رأسه إلا عند زوال الشمس».

و أخذ يحدثه عن عبادة ابن أبي عمير فقال له:أخذ شيخي يوما بيدي و ذهب بي الى ابن أبي عمير،فصعدنا إليه في غرفة و كان في مجلسه جمع من المشايخ و هم يعظمونه و يبجلونه،فقلت له:1.


1) النجاشي:ص 250-251.

-من هذا؟ -هذا ابن أبي عمير.

-الرجل الصالح العابد؟ (1).

و هكذا كان محمد في تقواه و ورعه،و ان تعظيم اولئك الأتقياء الصالحين له و اكبارهم لمنزلته مما يدل على سمو مكانته و شأنه.

4-في السجون.

و كان محمد بن أبي عمير من الشخصيات البارزة في العالم الشيعي نظرا لاتصاله الوثيق بأئمة اهل البيت(ع)،و في نفس الوقت كان عنده السجل العام الذي فيه اسماء الشيعة،و لقد ضاق على هارون ذلك فأمر أن يلقى في ظلمات السجون فبقي فيها سبعة عشر عاما (2)و جيء به و هو مكبل بالقيود فأمره هارون ان يعرفه بأسماء الشيعة فامتنع من ذلك اشد الامتناع فأمر ان يضرب مائة سوط فضرب و بلغ منه الألم القاسي مبلغا عظيما يقول فكدت ان اسمى إلا اني سمعت نداء يونس بن عبد الرحمن يقول لي:يا محمد ابن أبي عمير،اذكر موقفك بين يدي اللّه،فتقويت بقوله،و صبرت و لم اخبر،و الحمد للّه (3)و بهذا نقف على مدى الضغط الهائل الذي واجهته الشيعة في تلك الأدوار المظلمة،و قد عرضنا بعض ذلك عند التحدث عن عصر الامام(ع).

5-وفاته.

انتقل محمد الى دار الخلود في سنة 217 ه‍ (4).1.


1) الكشي ص:364.

2) الاختصاص.

3) الكشي ص:264.

4) النجاشي:251.

235-محمد بن إسحاق.

ابن عمار بن حيان التغلبي الصيرفي،ثقة عين،روى عن أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب (1)قال الشيخ المفيد:إنه من ثقات الامام و خاصته و من اهل الورع و العلم (2)و قال أبو جعفر بن بابويه انه من الواقفية،و يفند ذلك،انه سأل الامام موسى(ع)فقال له:

-أ لا تدلني،على من أخذ عنه ديني؟ -هذا علي ابني،إن أبى أخذ بيدي فأدخلني إلى قبر رسول اللّه(ص) فقال:يا بني،إن اللّه عز و جل قال«إني جاعل في الأرض خليفة»و ان اللّه عز و جل إذا قال قولا:وفى به».

و تدل هذه الرواية على عدم كونه واقفيا (3).

236-محمد بن إسماعيل.

ابن بزيع،من صلحاء هذه الطائفة و من عيونها،واحد رواة حديث الامام موسى(ع)،كان مولى للمنصور واحد وزراء الدولة العباسية،قال له الامام الرضا(ع):إن للّه تعالى بأبواب الظالمين من نور اللّه له البرهان و مكن له في البلاد ليدفع بهم عن أوليائه،و يصلح اللّه بهم امور المسلمين إليهم يلجأ المؤمن من الضر،و إليهم يفزع ذو الحاجة من شيعتنا،و بهم يؤمن اللّه روعة المؤمن في دار الظلمة،اولئك المؤمنون حقا،اولئك أمناء اللّه في ارضه،اولئك نور اللّه في رعيته يوم القيامة،و يزهر نورهم لاهل السماوات كما تزهر الكواكب الدرية لأهل الارض،اولئك من نورهم/2


1) النجاشي:ص 279

2) الارشاد.

3) تنقيح المقال:79/2

يوم القيامة تضيء القيامة،خلقوا و اللّه للجنة،و خلفت الجنة لهم،فهنيئا لهم ما على أحدكم أن لو شاء لنال هذا كله».

فقال له محمد:بما ذا؟جعلني اللّه فداك.

قال(ع):يكون معهم فيسرنا بادخال السرور على المؤمنين من شيعتنا فكن منهم يا محمد.

ألف كتبا منها كتاب«الحج»و كتاب«ثواب الحج» (1).

237-محمد بن بشير.

من غلات الواقفية،و ممن باع دينه و آخرته بدنياه،و كان صاحب شعوذة و أباطيل و مخاريق و بدع و قد حاول بكل جهوده افساد المسلمين و تمزيق شملهم و فيما يلي عرض موجز لبعض شئونه.

1-بدعه.

كان هذا الرجل من المخربين و المفسدين،و قد خرج عن ربقة الاسلام بما أوجده من البدع و الاضاليل،و من بدعه قوله:«ان كل من ادعى الامامة من ولد الامام موسى(ع)فهو كاذب غير طيب الولادة»و كفر جميع من قال بامامتهم و استحل دماءهم،و ابتدع هو و جماعته أمورا منكرة فقالوا:إن الفرض عليهم من اللّه تعالى اقامة الصلوات الخمس،و صوم شهر رمضان لا غير فأنكروا الزكاة و الحج و سائر الفرائض الاسلامية،و قالوا باباحة المحارم و الفروج و الغلمان،و بالتناسخ،و ادعوا غير ذلك من الأباطيل التي تدل على كفرهم و جحودهم للّه تعالى.

2-شعوذته.

و كان ابن بشير عالما بجميع أنواع الشعوذة و كان وحيد عصره في ذلك5.


1) النجاشي:ص 255.

و قد اتخذ من شعوذته وسيلة إلى إغراء السذج و البسطاء،و من عجائب شعوذته أنه اتخذ صورة قد عملها بنفسه و أقامها شخصا تحكي صورة الامام موسى(ع)قد وضع عليها ثيابا من حرير و كان يطويها فاذا أراد إغراء أصحابه قال لهم:إن أبا الحسن موسى(ع)عندي فان أحببتم أن تروه فهلموا معي لأعرضه عليكم فيقوموا معه فيدخلهم الى البيت و الصورة مطوية عنده فيقول لهم هل ترون أحدا مقيما في البيت فيجيبونه بالنفي فيأمرهم بالخروج فاذا نزحوا عه عمد الى تلك الصورة فأخرجها،ثم يرفع الستر بينه و بينهم فينظرون الى صورة قائمة تحكي صورة الامام موسى(ع)و يقف هو بالقرب من تلك الصورة فيناجيها و يكلمها ثم يدنو منها كأنه يريد أن يسر إليها بشيء ثم يغمز إليهم بالخروج فيلقي عليها الستار و يطويها،و كانت هذه خالته مدة من الزمن في الاغراء و التضليل و الخداع و الفتن بين الناس.

و من شعوذته أن هارون الرشيد لما قبض عليه و أراد قتله قال له:

يا أمير استبقني فاني اتخذ لك أشياء يرغب الملوك فيها فأطلق سراحه فاتخذ له الدوالي بصورة عجيبة فقد صنع ألواحا و جعل الزيبق في تلك الألواح فكانت الدوالي تمتلئ بالماء و تصب في تلك الألواح فينقلب الزيبق منها فتتسع الدوالي،و كانت تعمل بهذه الصورة من غير آلة أو محرك لها فاعجب هارون بذلك،و عمل له أعمالا أخرى دلت على مهارته.

3-انكاره للامام.

و انكر ابن بشير الامام موسى(ع)و ادعى أنه رفع الى السماء و ان الذي هو في السجن غير الامام موسى محاولا بذلك افساد عقيدة الشيعة و الاستيلاء على حقوقهم الشرعية لأنه ادعى الوكالة عن الامام.

4-دعاء الامام عليه.

و لما شاعت بدع هذا الملحد و تضاليله بين الناس و افساده للناشئة الاسلامية جعل الامام موسى يدعو عليه و يحذر الناس منه فقد حدث ابن أبي حمزة البطائني قال:سمعت الامام موسى(ع)يقول:

«لعن اللّه محمد بن بشير،و أذاقه اللّه حر الحديد،إنه يكذب علي، برء اللّه منه،و برئت إلى اللّه منه،اللهم إني أبرأ إليك مما يدعي في ابن بشير،اللهم أرحني منه،و التفت(ع)إلى ابن أبي حمزة فقال:يا علي، ما أحد اجترأ أن يتعمد علينا الكذب إلا أذاقه اللّه حر الحديد،و إن بنانا كذب على علي بن الحسين(ع)فأذاقه اللّه حر الحديد،و إن المغيرة بن سعيد كذب على أبي جعفر(ع)فأذاقه اللّه حر الحديد،و إن أبا الخطاب كذب على أبي فأذاقه اللّه حر الحديد،و إن محمد بن بشير لعنه اللّه يكذب علي،برئت الى اللّه منه،اللهم اني أبرأ إليك مما يدعيه فيّ محمد بن بشير اللهم،أرحني منه،اللهم إني أسألك أن تخلصني من هذا الرجس النجس.

و يلمس من دعاء الامام مدى تأثره و انزعاجه من هذا الوغد الذي بلي به الامام كما ابتلى آباؤه الطيبون بامثال هذا الرجس الخبيث.

5-قتله.

و لما ظهرت بدع هذا الرجس و انتشرت أباطيله قبضت عليه السلطة المحلية فعذبته بأنواع العذاب و قتلته أسوأ قتلة (1)و قد لاقى جزاءه العادل في الدنيا قبل الآخرة.

238-محمد بن بكر.).


1) ذكر جميع ذلك الكشي:(ص 297-299).

ابن جناح،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)و قد رمي بالوقف (1).

239-محمد بن ثابت.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام مرتين،و أضاف في المرة الثانية أنه مجهول (2).

240-محمد بن جعفر.

ابن سعد الأسلمي،و هو الذي كتب وصية الامام موسى(ع)الأولى و شهد في وصيته الثانية (3)،و سنذكر نص الوصيتين في بعض فصول هذا الكتاب.

241-محمد بن الحارث.

الأنصاري،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع) و ظاهره أنه إمامي مجهول الحال (4)كما أنه أحد الشهود في وصية الامام الثانية على رواية الكليني.

242-محمد بن حكيم.

الخثعمي،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،يكنى أبا جعفر،له كتاب يرويه جعفر بن محمد بن حكيم (5)و أثنى عليه في«الوجيزة».6.


1) تنقيح المقال:89/2.

2) نفس المصدر.

3) الكافي.

4) تنقيح المقال:98/3.

5) النجاشي:ص 276.

243-محمد بن خالد.

أبو عبد اللّه البرقي (1)،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و كان أديبا حسن المعرفة بالأخبار و علوم العرب،له كتب منها كتاب«التنزيل و التعبير»و كتاب«يوم و ليلة»و كتاب«التفسير»و كتاب «مكة و المدينة»و كتاب«حرب الأوس و الخزرج»و كتاب«العلل» و كتاب«علم الباري»و كتاب«الخطب» (2)و قال فيه ابن الغضائري إن حديثه يعرف و ينكر و يروي عن الضعفاء كثيرا و يعتمد المراسيل،و قال النجاشي:إنه ضعيف في حديثه،و وثقه جماعة آخرون (3).

244-محمد بن زرقان.

ابن الحباب صاحب الامام موسى و له نسخة يرويها عنه (4)و مصاحبته للامام(ع)تدل على وثاقته و نباهة شأنه.

245-محمد بن سليمان.

البصري الديلمي من أصحاب الامام(ع)و قد رمي بالغلو،و لا يعتمد على حديثه و روايته نظرا لسوء عقيدته (5).

246-محمد بن سنان.3.


1) البرقي:نسبة الى برق واد في قرية من سواد قم ذكر ذلك النجاشي:ص 257.

2) النجاشي:

3) تنقيح المقال:113/3.

4) النجاشي:ص 286.

5) تنقيح المقال 122/3.

أبو جعفر الزاهدي الخزاعي،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى(ع)و قد اختلف المترجمون له فبين قادح له و موثق قال فيه ابن الغضائري:إنه ضعيف غال يضع الحديث لا يلتفت إليه،و ضعفه المحقق في«المعتبر»و العلامة في«المختلف»و الشهيد الثاني في«المسالك»و الشيخ في«الاستبصار»و قدح فيه غير هؤلاء من الأعلام،و وثقه الشيخ المفيد فقال:إنه من أهل الورع و العلم و الفقه و الدين،و وثقه الشيخ المجلسي، و الشيخ الحر العاملي،و الحسن بن أبي شعبة في«تحف العقول»و روى الكشي في حقه أنه دخل على أبي الحسن موسى(ع)قبل أن يحمل الى العراق بسنة و كان عند الامام ولده الرضا(ع)فالتفت(ع)إليه قائلا:

-يا محمد.

-لبيك.

-ستكون في هذه السنة حركة،و لا تحرج منها.

و أطرق الامام برأسه الى الارض،ثم رفع رأسه و التفت إلى محمد قائلا له:

-و يضل اللّه الظالمين،و يفعل اللّه ما يشاء.

-و ما ذاك؟جعلت فداك.

-من ظلم ابني هذا-و أشار لولده الرضا(ع)-حقه و جحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب(ع)و جحد إمامته من بعد محمد(ص).

و أدرك محمد أن الامام قد نعى إليه نفسه و ان لقاءه بربه لقريب فأراد الوقوف على بعض الخفايا التي لا يعلمها إلا الامام فقال له:

-و اللّه لئن مد اللّه في عمري لأسلمن إليه حقه،و لأقرن له بالامامة أشهد أنه من بعدك حجة اللّه على خلقه الداعي الى دينه.

-يا محمد،يمد اللّه في عمرك و تدعو الى إمامته و إمامة من يقوم مقامه من بعده.

-و من ذاك؟ -محمد ابنه.

-الرضا،و التسليم.

-كذلك،و قد وجدتك في صحيفة أمير المؤمنين(ع)أما انك في شيعتنا أبين من البرق في الليلة الظلماء.

و هذا الخبر دل على أنه من عيون المؤمنين و الصالحين و وردت أخبار أخرى أشادت بفضله و وثاقته و قرب منزلته من أهل البيت(عليهم السلام) ذكر هذه الأقوال المحقق المامقاني(قده)و قال:«إن الأقوى كون الرجل ثقة صحيح الاعتقاد،مقبول الرواية،و إن رمي من رماه بالغلو إما لاشتباهه من ميله أولا الى الغلو و ثباته بمكالمة صفوان معه،أو لما سمعته آنفا من بعض الأتقياء من أنه كان من أصحاب أسرار الأئمة و روى من أسرارهم ما تمسك به الغلاة فجرحه الأصحاب دفعا للأفسد،و هو تقوي الغلات بالفاسد و لو كان ضعيفا واقعا لما روى عنه جم غفير من أجلاء أصحابنا» (1).

و ألف محمد من الكتب كتاب«الطرائف»و كتاب«الأظلة»و كتاب «المكاسب»و كتاب«الحج»و كتاب«الصيد و الذبائح»و كتاب«الشراء و البيع»و كتاب الوصية»و كتاب«النوادر»،توفي سنة 220 ه‍ (2).

247-محمد بن الصباح.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)،و قال فيه النجاشي:إنه كوفي ثقة،له كتاب أخبرنا عنه أحمد بن عبد الواحد،و ذكره2.


1) تنقيح المقال:126/3-128

2) النجاشي:ص 252.

ابن داود في القسم الأول من رجاله (1).

248-محمد بن صدقة.

العنبري البصري،أبو جعفر،روى عن أبي الحسن موسى.و عن الرضا(ع)له كتاب عن موسى بن جعفر(ع) (2).

249-محمد بن عبد اللّه.

الجلاب البصري،من أصحاب الامام الكاظم(ع)و هو واقفي (3).

250-محمد بن عذافر.

ابن عيسى الصيرفي المدائني،ثقة روى عن أبي عبد اللّه و ابي الحسن و عمّر إلى أيام الرضا(ع)و له كتاب تختلف الرواة فيه توفي و له من العمر ثلاث و تسعون سنة (4).

251-محمد بن علي.

ابن النعمان،أبو جعفر المعروف بمؤمن الطاق من عمالقة الفكر الاسلامي و من عظماء الزمن الذين فتحوا باب التأريخ على مصراعيه و دخلوا فيه أحرارا فسجلوا لامتهم و لعصرهم العز و الافتخار،كان مؤمن الطاق في طليعة علماء الاسلام في فقهه و علمه،و دفاعه عن حوزة الدين،و لكن بعض المؤرخين القدامى لم يجودوا إلا بنتف يسيرة من آرائه و تراثه،و طعن الحاقدون عليه فألصقوا به شتى التهم و الظنون،و حملوه أوزارا كثيرة،و سبب ذلك-فيما8.


1) تنقيح المقال:132/3.

2) النجاشي:ص 282.

3) الخلاصة.

4) النجاشي:ص 278.

نحسب-مواقفه الشهيرة التي حاجج بها أئمة المذاهب الاسلامية،و سائر علماء عصره فأثبت بوضوح فكرة الامامة و التقائها بواقع الاسلام و هديه، مما أدى الى اثارة الاحقاد عليه.

و على أي حال فقد لقبت الشيعة هذا العملاق العظيم«بمؤمن الطاق» و لقبه خصومه و أعداؤه«بشيطان الطاق»و سبب ذلك-فيما قالوا-انه كان يجلس للصرف في سوق يقع بطاق المحامل بالكوفة فاختصم مع شخص في درهم مزيف فغلب على خصمه فلقب بذلك (1)و لا يحمل هذا التعليل أي طابع علمي فان هذه البادرة لا تستدعي لقبه بذلك و شيوعه بين الناس و الصحيح أن أول من لقبه بذلك أبو حنيفة عقب مناظرة جرت بحضرته بينه و بين بعض الحرورية (2)و لقبته الشيعة بمؤمن الطاق ردا على أبي حنيفة و حمل بعض المؤلفين عليه فقال:«إنه الأحول الخبيث شيطان الطاق» (3)و هذا السباب الهزيل ينم عن حقد بالغ على هذا المجاهد العظيم الذي نافح عن أهل البيت عليهم السلام،و انتصر لقضاياهم،و لا بد لنا من وقفة قصيرة للحديث عنه.

1-تخرجه.

انتمى مؤمن الطاق الى مدرسة الامام الصادق عليه السلام،و انتهل من نمير علومها،و تخصص في الفلسفة الاسلامية،و في مباحث علم الكلام و كان من جهابذة هذا الفن،لا يجاريه فيه أحد،و قد انتدبه الامام الصادق2.


1) لسان الميزان 300/5.

2) الاعلام 154/6.

3) مختصر التحفة الاثنى عشرية:ص 2.

للقيام بالمناظرات العلمية مع بقية المذاهب الاسلامية،و ظل ملازما للامام يتغذى من علومه،و بعد انتقال الامام الصادق الى دار الخلود اختص بالامام موسى،و أخذ عنه الكثير من العلوم و المعارف،فكان من أبرز علماء الاسلام في عصره.

2-سمو مكانته:

كان مؤمن الطاق من قادة الفكر الاسلامي،و قد أجمع علماء عصره على الاعتراف بمنزلته العلمية،و أشاد الامام الصادق عليه السلام بفضله و قربه منه (1)،فقرنه بعظماء العلماء من أصحابه فقال(ع):

«أحب الناس إلي أحياء و أمواتا بريد بن معاوية العجلي،و زرارة ابن أعين،و محمد بن مسلم،و أبو جعفر الأحول» (2).

و يدل هذا الحديث على مدى أهميته و مكانته عند الامام(ع)،فقد قرنه بالأفذاذ من عيون اصحابه.

3-اختصاصه:

و اختص مؤمن الطاق-كما ذكرنا-في المباحث الكلامية،فقد كان من الماهرين بهذا الفن،و قد عهد إليه الامام الصادق(ع)بالخوض في هذه البحوث مع علماء عصره كما نهى بعض اصحابه عن القيام بذلك نظرا لقلة بضاعتهم في هذا العلم،يقول أبو خالد الكاملي قال:«رأيت2.


1) لسان الميزان:301/5.

2) الكشي:432.

أبا جعفر صاحب الطاق و هو جالس في«الروضة»قد قطع أهل المدينة أزاره،و هو دائب يجيبهم و يسألونه فدنوت منه فقلت له:إن أبا عبد اللّه نهانا عن الكلام،فقال لي أمرك أن تقول لي:فقلت لا و اللّه،و لكن أمرني أن لا أكلم أحدا،قال فاذهب و أطعه فيما أمرك،فدخلت على أبي عبد اللّه(ع)فاخبرته بقصة صاحب الطاق و قوله لي اذهب فيما أمرك فتبسم(ع)و قال:يا خالد إن صاحب الطاق يكلم الناس فيطير و ينقص، و أنت إن قصوك لن تطير (1)و دلت هذه البادرة على مدى ما يتمتع به من الفضل و العلم وسعة الاطلاع،و مضافا الى اختصاصه بهذا الفن فانه كان من الشعراء الموهوبين،و لكنه أعرض و اشتغل بعلم الكلام (2).

4-مناظراته.

و دلت مناظراته الفائقة مع خصومه على مهارته و تفوقه عليهم،و قد عرف بمتانة الجدل و قوة الاستدلال و الاستنباط،و فيما يلي بعض مناظراته:

1-مع الضحاك.

و ثار الخوارج في الكوفة فاستولوا عليها،و تزعم حركتهم الضحاك و لقب نفسه بأمير المؤمنين،فأتاه مؤمن الطاق،فلما رآه أصحابه وثبوا إليه و أحاطوا به،فنهاهم الضحاك من التعرض له،و التفت إليه مؤمن الطاق قائلا له:

«أنا رجل على بصيرة من ديني،و سمعتك تصف العدل فأحببت/5


1) الكشي:122.

2) لسان الميزان 301/5

الدخول معك».

فاستبشر الضحاك و اعتبر ذلك نصرا له فقال لاصحابه:إن دخل هذا معكم نفعكم.

و أقبل مؤمن الطاق على الضحاك فوجه إليه السؤال الآتي قائلا له:

لم تبرأتم من علي بن أبي طالب،و استحللتم قتله،و قتاله؟ -لأنه حبّكم في دين اللّه.

-و كل من حكم في دين اللّه استحللتم قتاله و قتله؟ -نعم.

-أخبرني عن الدين الذي جئت أناظرك عليه لأدخل معك فيه،إن غلبت حجتي حجتك،أو حجتك حجتي من يوقظ المخطئ على خطأه؟ و يحكم للمصيب بصوابه؟فلا بد لنا من انسان يحكم بيننا.

و لم يجد الضحاك بدا من الاجابة،فقال له:

هذا-و أشار إلى بعض أصحابه-الحكم بيننا فهو عالم بالدين،و هنا وجد مؤمن الطاق السبيل الى مؤاخذته و بطلان اعتقاده فقال له:

-و قد حكمت هذا في الدين الذي جئت أناظرك فيه؟ -نعم.

و أقبل مؤمن الطاق على الخوارج فأوقفهم على خطأ صاحبهم قائلا:

ان هذا صاحبكم قد حكم في دين اللّه،فشأنكم به.

فأقبلوا عليه الخوارج فقطعوه بسيوفهم (1)و خرج مؤمن الطاق و ترك الخزي و العار يحزان في نفوسهم.4.


1) الكشي:ص 124.

2-مع أبي حنيفة.

و له مع أبي حنيفة مناظرات رائعة بديعة دلت على انتصاره و تفوقه عليه،فقد اجتمع به فقال له أبو حنيفة مستهزئا به:

-بلغني عنكم معشر الشيعة شيء.

-ما هو؟ إن الميت منكم إذا مات كسرتم يده اليسرى لكي يعطي كتابه بيمينه.

و بالوقت سدد مؤمن الطاق له سهما من منطقه الفياض فقال له:

-يا نعمان،مكذوب علينا ذلك،و لكن بلغني عنكم معشر المرجئة إن الميت منكم إذا مات قمعتم في دبره قمعا (1)فصببتم فيه جرة من ماء لكي لا يعطش يوم القيامة.

فلم يطق أبو حنيفة جوابا فقال له برنة المخذول.

«مكذوب علينا و عليكم» (2).

و اجتمع به مرة فقال له أبو حنيفة:

-يا أبا جعفر،تقول:بالرجعة؟ -نعم.

فقال أبو حنيفة مستهزئا و ساخرا:

أقرضني من كيسك خمس مائة دينار،فاذا عدت أنا و أنت رددتها إليك.

فقال مؤمن الطاق:أريد ضمينا يضمن لك أنك لا تعود قردا لأتمكن6.


1) قمعتم:أي ضربتم.

2) الكشي:ص 125-126.

من استرجاع ما أخذت مني (1)و لم يتمكن أبو حنيفة من الرد عليه و انصرف و هو مخذول.

و اجتمع به مرة أخرى فقال له:

-يا أبا جعفر،ما تقول في المتعة؟أ تزعم أنها حلال؟ -نعم.

-فما يمنعك أن تأمر نساءك أن يستمتعن،و يكتسبن لك؟ -ليس كل الصناعات يرغب فيها،و إن كانت حلالا،و للناس مراتب ترتفع بها أقدارهم،و لكن ما تقول:يا أبا حنيفة في النبيذ؟أ تزعم أنه حلال؟ -نعم.

-فما يمنعك أن تقعد نساءك في الحوانيت نباذات يكتسبن لك.

-واحدة بواحدة،و سهمك أنفذ (2).

و لما توفي الامام أبو عبد اللّه(ع)،قال له أبو حنيفة:متشمتا بوفاة الامام.

-يا أبا جعفر،إن امامك قد مات.

-لكن امامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم،أراد بذلك الشيطان (3).

-و له مناظرات أخرى مع أبي حنيفة،دلت على تفوقه عليه و استحضاره للجواب.3.


1) تنقيح المقال.161/3.

2) الكليني:باب المتعة و ذكره الخطيب البغدادي مع تغيير يسير تاريخ بغداد:13:410.

3) الكشي:ص 123.

3-مع ابن أبي العوجاء.

و اجتمع مؤمن الطاق بابن أبي العوجاء رأس الالحاد في العالم العربي، فوجه إليه ابن أبي العوجاء السؤال الآتي:

-أ ليس من صنع شيئا واحدا او أحدثه حتى يعلم أنه من صنعه فهو خالقه؟ -بلى.

أجلني شهرا أو شهرين ثم تعال إلي حتى أريك.

قال مؤمن الطاق:فسافرت إلى بيت اللّه الحرام،فدخلت على أبي عبد اللّه(ع)فعرضت عليه الأمر فقال(ع):إنه قد هيأ لك شاتين، و معه جمع من أصحابه ثم يخرج الشاتين و قد امتلأتا دودا فيقول لك:

-هده الدود قد حدثت من فعلي.

-قل له:إن كان من صنعك فميز ذكورها من إناثها.

و يقول لك:ليست هذه من أبزارك انما حملتها من الحجاز،ثم يقول لك:

-أ ليس تزعم أنه غني؟ -قل له:بلى.

-و يقول لك:أ يكون الغني عندك معقولا في وقت من الأوقات ليس عنده ذهب و لا فضة.

-قل له:نعم.

-يقول لك:كيف يكون هذا غنيا؟ -قل له:إن كان الغنى بيننا من قبل الذهب أو الفضة أو التجارة فهذا كله مما يتعامل به الناس،فأي شيء في القياس أكبر و أولى بأن يقال:

غني على من أحدث الغنى فأغنى به الناس قبل أن يكون شيء و هو وحده

أو من أفاد مالا من هبة و صدقة و تجارة.

و عاد مؤمن الطاق الى بلاده فاجتمع بابن أبي العوجاء فجرى الحديث السالف بينه و بينه فقال متبهرا:هذه و اللّه ليست من أبزارك،هذه و اللّه مما تحملها الابل (1).

و له مناظرات أخرى دلت على سعة معارفه و علومه.

6-مؤلفاته.

ألف مؤمن الطاق جملة من الكتب في مختلف العلوم و هذا بعضها:

(1)«افعل و لا تفعل»و هو كتاب كبير حسن رآه النجاشي عند أحمد بن الحسين،و قال فيه إن بعض المتأخرين أدخل فيه أحاديثا تدل فيه على الفساد.

(2)«كلامه مع الخوارج»و يتضمن مناظراته معهم و فساد عقيدتهم (3)«مجالسه مع أبي حنيفة و المرجئة». (4)«الاحتجاج في إمامة أمير المؤمنين» (2).

(5)«المعرفة».

(6)«الرد على المعتزلة في إمامة المفضول».

(7)«الجمل»يشرح فيه قصة طلحة و الزبير و عائشة.

(8)«اثبات الوصية» (3).

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن هذا الفذ العظيم الذي جاهد طويلا و ناضل كثيرا في سبيل اللّه و الذب عن كيان الاسلام في وقت كانت السلطةت.


1) تنقيح المقال:162/3.

2) النجاشي:ص 209.

3) الفهرست.

الحاكمة تطارد المصلحين و تنكل برجال العلم و العقيدة الذين كانوا ينشرون فضائل أهل البيت(ع).

252-محمد بن علي.

النيسابوري من ثقات الشيعة و هو الذي أوفده أهالي نيسابور ممثلا عنهم بعد وفاة الامام الصادق(ع)لمعرفة الحجة و الامام بعد أبي عبد اللّه و قد ذكرنا حديثه في«الجزء الأول»من هذا الكتاب.

253-محمد بن عمرو.

من أصحاب الامام(ع)و هو واقفي (1).

254-محمد بن عمر.

ابن يزيد السابري،روى عن أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب (2).

525-محمد بن الفرج.

الرخجي (3)روى عن أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب (4).

256-محمد بن الفضيل.

ابن كثير الأزدي الصيرفي الكوفي،روى عن أبي الحسن موسى و ولده7.


1) الخلاصة،رجال ابن داود.

2) النجاشي:ص 281.

3) الرخجي:نسبة اما الى رخج كورة او مدينة من نواحي كابل او الى الرخجة قرية تبعد عن بغداد بفرسخ.

4) النجاشي:ص 2/7.

الرضا(ع)و له كتاب و مسائل (1).

257-محمد بن مسعود.

الطائي،كوفي،عربي،ثقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (2)258-محمد بن يزيد.

النهرواني،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و هو مجهول الحال (3).

259-محمد بن يونس.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى،و قال إنه ثقة، و كذا ذكره العلامة في«الخلاصة»،و ورد توثيقه في كل من«الوجيزة» و البلغة» (4).

260-مرزام بن حكيم.

الأزدي المدائني،مولى ثقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع) أحضره الرشيد و معه أخواه محمد و حديد،و عبد الحميد بن غواص فأمر الرشيد بقتل عبد الحميد و نجا مرزام و أخواه،من شره،توفي في أيام الامام الرضا(ع)،و له كتاب يرويه جماعة (5).2.


1) النجاشي:ص:287.

2) الخلاصة،البلغة.

3) تنقيح المقال:201/3.

4) تنقيح المقال:203/3.

5) النجاشي:ص 232.

261-مسعدة بن صدقة.

العبدي يكنى أبا محمد،و قيل أبو بشر،روى عن أبي عبد اللّه،و أبى الحسن موسى(ع)و له كتب،منها كتاب«خطب أمير المؤمنين» (1)262-مسمع بن عبد الملك.

ابن مسمع،أبو سيار الملقب بكردين شيخ بكر بن وائل بالبصرة، و وجه وسيد المسامعة،روى عن أبي جعفر(ع)روايات يسيرة،و روى عن أبي عبد اللّه،و اختص به و أكثر من الرواية عنه،قال له أبو عبد اللّه «اني لأعدك لأمر عظيم يا أبا اليسار»روى عن أبي الحسن موسى،و له نوادر كثيرة،و هو الذي روى أيام البسوس (2).

263-مصادف.

مولى أبي عبد اللّه الصادق(ع)عده الكشي من أصحاب الامام الكاظم(ع) و قد اشترى الامام الكاظم(ع)ضيعة و وهبها لولد مصادف،و ضعفه ابن الغضائري (3).

264-معاوية بن عمار.

ابن أبي معاوية البجلي الدهني،كوفي،كان وجها من أصحابنا و مقدما كبير الشأن عظيم المنزلة ثقة،و كان أبوه عمار ثقة عند العامة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،له كتب منها كتاب«الحج»و كتاب3.


1) النجاشي:ص 325.

2) النجاشي:329.

3) تنقيح المقال:217/3.

«الصلاة»و كتاب«يوم و ليلة»و كتاب«الدعاء»و كتاب«الطلاق» و كتاب«مزار أمير المؤمنين»توفي سنة 175 ه‍ (1).

265-معاوية بن وهب.

البجلي،أبو الحسن،عربي صميم،ثقة حسن الطريقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع)له كتب منها كتاب«فضائل الحج» (2)وثقه جماعة من الأعلام (3).

266-معتب.

مولى أبي عبد اللّه،عده الشيخ من أصحاب أبي الحسن موسى(ع) و أضاف الى ذلك أنه ثقة،و قال في حقه الامام أبو عبد اللّه(ع):موالي عشرة خيرهم و أفضلهم معتب (4).

267-المغيرة بن توبة.

المخزومي الكوفي،عده الشيخ المفيد في إرشاده من خاصة الامام الكاظم(ع)و ثقاته و من أهل الورع و العلم و الفقه،و أحد رواة النص على إمامة الرضا(ع) (5).

268-المفضل بن صالح.د.


1) النجاشي:.

2) النجاشي:ص 223.

3) الوجيزة،البلغة،رجال ابن داود.

4) التنقيح:227/3.

5) الارشاد.

أبو جميلة النخاس،قال فيه ابن الغضائري:إنه كذاب،كان يضع الحديث،و قد روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن(ع) (1).

269-المفضل بن عمر.

الجعفي الكوفي،من كبار العلماء،و من عيون المتقين و الصالحين، و من أفذاذ عصره،له المنزلة المرموقة و المكانة العليا عند أهل البيت(ع) و فيما يلي عرض لبعض شئونه.

1-ولادته.

ولد بالكوفة في نهاية القرن الأول،في أيام الامام الباقر(ع).

2-نشأته.

نشأ بالكوفة في وقت كان الجو السياسي مضطربا،و كانت الأحزاب السياسية و الجمعيات الدينية منتشرة في جميع أنحاء العالم العربي و الاسلامي خصوصا في الكوفة،فقد كانت مصدر الانطلاق لجميع الأحزاب،و نشأ المفضل في وسط ذلك المعترك الهائل،و قد تغذى بحب اهل البيت(ع)لأن مجتمعه كانت الصبغة السائدة فيه هو الولاء للأئمة الكرام(ع)و اتصل بهم اتصالا وثيقا كما سنبينه.3.


1) التنقيح:237/3.

3-علمه.

كان من كبار العلماء و من قادة الفكر في الاسلام،اقتبس العلوم من الامام الصادق(ع)فقد اختص به حفنة من السنين،و كان من عيون أصحابه الذين أخذوا العلم عنه و يكفي للتدليل على غزارة علمه كتابه القيم المسمى«توحيد المفضل»الذي املاه عليه الامام الصادق(ع)فان الكتاب من مفاخر التراث الاسلامي الذي يعتز به،و قد قرض المحقق صدر الدين العاملي الكتاب و أثنى على المفضل بقوله:«و من نظر في حديث المفضل المشهور عن الصادق(ع)علم أن ذلك الخطاب البليغ»و المعاني العجيبة، و الألفاظ الغريبة،لا يخاطب الامام بها إلا رجلا عظيما كثير العلم،ذكي الحس أهلا لتحمل الأسرار الرفيعة،و الدقائق البديعة» (1).

و أقر الامام الصادق(ع)بمواهبه العلمية،فقد حدث الفيض بن المختار قال:قلت للامام الصادق إني لأجلس في حلقات أصحابنا بالكوفة،فما أكاد اشك لاختلافهم في حديثهم حتى أرجع الى المفضل فيقضي من ذلك على ما تستريح إليه نفسي و يطمئن إليه قلبي،فقال له الامام(ع)أجل هو كذلك (2)وعده الشيخ المفيد من ثقات الفقهاء الصالحين (3).

4-وثاقته.

كان المفضل من عيون الثقات الصالحين،و من ذوي البصيرة في دينهمد.


1) شرح توحيد المفضل:ص 17.

2) تنقيح المقال.

3) الارشاد.

و يكفي للتدليل على ورعه وكالته عن الامامين الصادق و الكاظم(ع)في قبض أموالهما،و قبض الحقوق الشرعية الراجعة لهما و صرفها بحسب نظره من إصلاح ذات البين و إعطائها للفقراء و البائسين،و من الطبيعي أن هذا التفويض ينم عن سمو منزلته و نباهة شأنه،و قال في حقه الامام الصادق «نعم العبد و اللّه الذي لا إله إلا هو المفضل بن عمر الجعفي»و قال الامام الرضا في تأيينه:«إن المفضل كان أنسي و مستراحي»،و وردت أخبار كثيرة في الثناء عليه و هي تدل على إيمانه الصادق و ورعه و اجتهاده في طاعة اللّه تعالى و عزوفه عن الدنيا.

5-جرحه.

اتهمه جماعة بالغلو و بالخطابية و بغير ذلك من المذاهب الفاسدة متمسكين بأخبار ضعيفة لا يمكن التمسك بها في جرح هذا العملاق العظيم الذي هو من دعائم الاسلام فان أغلب ثقات الاسلام من رجال الشيعة كهشام بن الحكم و غيره قد اتهموا بما هم بريئون عنه.

6-مؤلفاته.

و ألف المفضل عدة من الكتب دلت على مقدرته العلمية و هذه بعضها:

(1)كتاب«يوم و ليلة». (2)كتاب«فكر».

(3)كتاب«بدء الخلق و الحث على الاعتبار».

(4)كتاب«علل الشرائع».

(5)كتاب«وصية المفضل» (1).6.


1) النجاشي:ص 226.

و من أجل الكتب التي ألفها هو«التوحيد»و الذي يسميه النجاشي بكتاب «فكر»و قد شكك الاستاذ البحاثة السيد مصطفى جواد في نسبته إلى المفضل في مقال نشره في مجلة«الوحدة الاسلامية»تحت عنوان«أ توحيد المفضل أم توحيد الجاحظ؟»و قد تمسك فيما ذهب إليه بأدلة واهية و تعرض لابطالها جماعة من الكتاب و المحققين،في طليعتهم المغفور له صديقنا الاستاذ الشيخ محمد الخليلي في مقدمته للكتاب المذكور،و قد شرحه شرحا مستفيضا و قيما على ضوء العلم الحديث،و اعتمد على ما أفاده في نسبة الكتاب الى المفضل بأدلة وافرة و حجج قاطعة.

7-وصيته للشيعة:

و أوصى المفضل جماعة من اخوانه الشيعة بهذه الوصية القيمة الحافلة بأخلاق أهل البيت(ع)و آدابهم و سيرتهم...و ينبغي أن تكون درسا و منهاجا لكل مسلم،و ذلك لما فيها من النصائح الرفيعة،و المثل الفذة، و هذا نصها:

«أوصيكم بتقوى اللّه وحده لا شريك له،و شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا عبده و رسوله،اتقوا اللّه و قولوا قولا معروفا.و ابتغوا رضوان اللّه،و اخشوا سخطه.و حافظوا على سنة اللّه،و لا تتعدوا حدود اللّه و راقبوا اللّه في جميع أموركم.و ارضوا بقضائه فيما لكم و عليكم.

ألا و عليكم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

ألا و من احسن إليكم فزيدوه احسانا،و اعفوا عمن أساء إليكم.

و افعلوا بالناس ما تحبون أن يفعلوه بكم.

ألا و خالطوهم بأحسن ما تقدرون عليه،و انكم أحرى أن لا تجعلوا

عليكم سبيلا.عليكم بالفقه في دين اللّه و الورع عن محارمه و حسن الصحبة لمن صحبكم برا كان أو فاجرا.

ألا و عليكم بالورع الشديد فان ملاك الدين الورع صلوا الصلوات لمواقيتها و أدوا الفرائض على حدودها.

ألا و لا تقصروا فيما فرض اللّه عليكم،و بما يرضى عنكم،فاني سمعت أبا عبد اللّه(ع)يقول:تفقهوا في دين اللّه و لا تكونوا أعرابا،فانه من لم يتفقه في دين اللّه لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة،و عليكم بالقصد في الغنى و الفقر،و استعينوا ببعض الدنيا على الآخرة،فاني سمعت أبا عبد اللّه يقول:

«استعينوا ببعض هذه على هذه،و لا تكونوا كلا على الناس»عليكم بالبر بجميع من خالطتموه و حسن الصنيع إليه.

ألا و إياكم و البغي فان أبا عبد اللّه كان يقول:«ان أسرع الشر عقوبة البغي» أدوا ما افترض اللّه عليكم من الصلاة و الصوم و ساير فرائض اللّه،و أدوا الزكاة المفروضة الى اهلها فان أبا عبد اللّه قال:«يا مفضل قل لأصحابك:

يضعون الزكاة في أهلها و اني ضامن لما ذهب لهم»عليكم بولاية آل محمد(ص) اصلحوا ذات بينكم،و لا يغتب بعضكم بعضا.تزاوروا و تحابوا و ليحسن بعضكم الى بعض.و تلاقوا و تحدثوا و لا يبطنن بعضكم عن بعض (1)و إياكم و التصارم،و اياكم و الهجران فاني سمعت أبا عبد اللّه يقول:«و اللّه لا يفترق رجلان من شيعتنا على الهجران إلا برئت من أحدهما و لعنته و أكثر ما أفعل ذلك بكليهما،فقال له معتب (2)جعلت فداك هذا الظالم ما بال المظلوم؟ قال:لأنه لا يدعو اخاه الى صلته،سمعت أبي يقول:«اذا تنازع اثنان من شيعتنا ففارق أحدهما الآخر فليرجع المظلوم الى صاحبه حتى يقول له:ه.


1) في بعض النسخ«لا يبطئن».

2) معتب:مولى أبي عبد اللّه(ع)و من خواص أصحابه.

يا أخي أنا الظالم حتى ينقطع الهجران فيما بينهما،إن اللّه تبارك و تعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم»لا تحقروا و لا تجفوا فقراء شيعة آل محمد(ص) و الطفوهم و اعطوهم من الحق الذي جعله اللّه لهم في أموالكم و احسنوا إليهم.

لا تأكلوا أموال الناس.

لا تأكلوا الناس بآل محمد(ص)فاني سمعت أبا عبد اللّه يقول:

«افترق الناس فينا علي ثلاث فرق:فرقة أحبونا انتظار قائمنا ليصيبوا من دنيانا،فقالوا:و حفظوا كلامنا و قصروا عن فعلنا،فيحشرهم اللّه الى النار،و فرقة أحبونا و سمعوا كلامنا و لم يقصروا عن فعلنا ليستأكلوا الناس بنا فيملأ اللّه بطونهم نارا يسلط عليهم الجوع و العطش،و فرقة أحبونا و حفظوا قولنا و أطاعوا أمرنا و لم يخالفوا فعلنا فأولئك منا و نحن منهم» و لا تدعوا صلة آل محمد(ص)من أموالكم من كان غنيا فبقدر غناه،و من كان فقيرا فبقدر فقره،فمن أراد أن يقضي اللّه له أهم الحوائج فليصل آل محمد و شيعتهم بأحوج ما يكون إليه من ماله لا تغضبوا من الحق إذا قيل لكم،و لا تبغضوا أهل الحق اذا صدعوكم به،فان المؤمن لا يغضب من الحق اذا صدع به.

و قال أبو عبد اللّه مرة و أنا معه:يا مفضل كم أصحابك؟فقلت:

قليل،فلما انصرفت الى الكوفة أقبلت علي الشيعة فمزقوني كل ممزق،يأكلون لحمي و يشتمون عرضي حتى أن بعضهم استقبلني فوثب في وجهي،و بعضهم قعد لي في سكك الكوفة يريد ضربي،و رموني بكل بهتان حتى بلغ ذلك أبا عبد اللّه(ع)فلما رجعت إليه في السنة الثانية كان أول ما استقبلني به بعد تسليمه علي أن قال:يا مفضل ما هذا الذي بلغني أن هؤلاء يقولون لك و فيك؟قلت:و ما علي من قولهم،قال:«أجل بل ذلك عليهم، أ يغضبون بؤس لهم،إنك قلت إن أصحابك قليل،لا و اللّه ما هم لنا شيعة

و لو كانوا لنا شيعة ما غضبوا من قولك،و ما اشمأزوا منه،لقد وصف اللّه شيعتنا بغير ما هم عليه،و ما شيعة جعفر إلا من كف لسانه،و عمل لخالقه و رجا سيده،و خاف اللّه حق خيفته،ويحهم أ فيهم من قد صار كالحنايا من كثرة الصلاة او قد صار كالتائه من شدة الخوف أو كالضرير من الخشوع أو كالضنى من الصيام أو كالأخرس من طول الصمت و السكوت أو هل فيهم من قد أدأب ليله من طول القيام و أدأب نهاره من الصيام، أو منع نفسه لذات الدنيا و نعيمها خوفا من اللّه و شوقا إلينا أهل البيت، الى آخر وصيته،و قد حفلت بالحث على تقوى اللّه و طاعته و فعل الخير (1)270-المنخل بن جميل.

الأسدي الكوفي،قال فيه ابن الغضائري:إنه روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن،و هو كوفي ضعيف في مذهبه غلو،و قد اتفق جميع المترجمين له على رميه بالغلو و الضعف و له كتاب في«التفسير» (2).

271-منصور بن أبي بصير.

مولى أبي الحسن،عده الشيخ في رجاله بهذا العنوان من أصحاب الامام الكاظم،و ظاهره أنه إمامي مجهول الحال (3).

272-منصور بن حازم.

أبو أيوب البجلي الكوفي ثقة عين صدوق من أجلاء الشيعة،و من عيون الفقهاء،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن موسى(ع)ألف جملة/3


1) تحف العقول:ص 513-515.

2) الفهرست،النجاشي،الحاوي،إيضاح الاشتباه.

3) تنقيح المقال:249/3

من الكتب منها:كتاب«اصول الشرائع»و منها كتاب«الحج» (1)و أجمع المترجمون له على توثيقه وسعة علمه و فقاهته (2).

273-منصور بن يونس.

قال فيه النجاشي:إنه أبو يحيى،و قيل أبو سعيد كوفي ثقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب (3)و رماه الشيخ بالوقف،و روى الكشي أنه دخل على أبي الحسن موسى(ع)،فقال له الامام:

أ ما علمت ما أحدثت في يومي هذا؟ فقال له:لا فقال(ع):قد صيرت عليا ابني وصي و الخلف من بعدي فادخل عليه فهنئه بذلك و أعلمه أني أمرتك بهذا،فدخل على الامام الرضا(ع) فهنأه بذلك و أعلمه بمقالة أبيه،و لما توفي(ع)جحد موته،و السبب في ذلك أنه كانت بيده أموال للامام موسى فطمع بها فأنكرها و أنكر إمامة الامام الرضا،و قد أسقط بعضهم ذلك عن الاعتبار و بنى على عدالة الرجل و وثاقته (4).

274-موسى بن ابراهيم.

المروزي،اختص بالامام موسى(ع)لما كان في سجن الطاغية السندي3.


1) النجاشي:ص 323.

2) البلغة،الخلاصة،رجال ابن داود.

3) النجاشي:ص 250

4) تنقيح المقال:250/3.

ابن شاهك لأنه كان معلما لولده،و قد فسح له المجال للاتصال بالامام و قد ألف كتابا مما سمعه من الامام (1)،و قد اسماه«مسند الامام موسى بن جعفر».

توجد نسخة منه في المكتبة الظاهرية بدمشق ضمن المجموع رقم «34-70»و قد استنسخها،و صور بعض فصولها العلامة الجليل السيد محمد الحسين الحسيني الجلالي،و هي حسب تحقيقه يرجع عهدها الى القرن السادس للهجرة،و عليها عدة تواريخ أقدمها سنة«531 ه‍»و هي من موقوفات الحافظ المحدث ضياء الدين ابي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الواحد السعدي المقدسي الصالحي الحنبلي.

و قد عنى العلامة الجلالي عناية بالغة بتحقيق المسند فترجم لمؤلفه ترجمة وافية فذكر شيوخه و من روى عنه،كما ذكر سند الكتاب حسب ما نص عليه الشيخ الطوسي و النجاشي،و أبو المكارم البادرائي الذي هو سند النسخة و عليها عدة سماعات قديمة التأريخ،و يحتوي على«59 حديثا»،و فيما يلي بعضها:

1-حدثنا محمد بن محمد خلف،حدثنا موسى بن ابراهيم،حدثنا موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده،قال قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم:«من أصبح من أمتي و همته غير اللّه فليس من اللّه».

2-و بنفس هذا الاسناد،قال(ع)قال رسول اللّه(ص):«من حدث عني و هو يعلم أنه كذب،فهو أحد الكاذبين».

3-قال(ع):كان النبي(ص)يعجبه أن يكون الرجل خفيف الصوت،و يكره أن يكون الرجل جهير الصوت».9.


1) النجاشي:ص 319.

4-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«إن العجب يفسد عمل سبعين سنة».

5-قال(ع):قال رسول(ص):«اذا أردتم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم».

6-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».

7-قال(ع):قال علي(ع):قال رسول اللّه(ص):من ادعى الى غير أبيه حشره اللّه مع المشركين» 8-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«من آذى المسلمين في طرقهم،وجبت عليه لعنتهم».

9-قال(ع):قال(ص):«من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة لم يكتب من الغافلين».

10-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«ما ازداد عبد من الشيطان دخولا إلا ازداد من اللّه بعدا».

11-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«اصنع المعروف الى من هو أهله،و الى من ليس هو أهله،فان لم يكن من أهله تكن من أهله».

12-و بنفس هذا الاسناد قال(ع):قال علي(ع)«المصافحة أثبت للمودة».

13-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل..» 14-قال(ع):«ان الحسن و الحسين(ع)كانا لا يقبلان جوائز معاوية بن أبي سفيان».

15-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«من أذن له بالدعاء فتحت له أبواب الرحمة.

16-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«ظلم الأجير أجره من الكبائر».

17-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«اذا أراد اللّه بعبد خيرا فقهه في الدين،و بصره بعيوب خلقه،و زهده في الدنيا».

18-قال(ع)قال رسول اللّه(ص):«ما علم علما والد ولده أفضل من أدب حسن».

19-قال(ع)قال رسول اللّه(ص):«يود قوم يوم القيامة أنهم سقطوا من الثريا،و لم يؤمروا على شيء».

20-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«ثلاث لا ترد دعوتهم الامام العادل،و الصائم حتى يفطر،و دعوة المظلوم».

21-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«من قال:إني عالم فهو جاهل».

22-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«أفضل أخلاق المؤمنين العفو».

23-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«من عفا عن أخيه المسلم عفا اللّه عنه».

24-قال(ع):قال رسول اللّه(ص):«الايمان معرفة بالقلب و أقرار باللسان،و عمل بالاركان».

هذه بعض أحاديث المسند،و قد سمعها موسى بن ابراهيم من الامام عليه السلام حينما كان في سجن السندي بن شاهك.

275-موسى بن بكر.

الواسطي،كوفي الأصل،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن موسى

و هو من جملة رواة النص من الامام موسى على إمامة ولده الرضا،و لكنه بعد وفاة الامام موسى وقف و لم يقر بامامة الرضا(ع)و له كتاب (1)276-موسى بن الحسن.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى،و ظاهره أنه إمامي مجهول الحال (2).

277-موسى بن سعدان.

الحناط الكوفي،روى عن أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب،قال ابن الغضائري:إنه ضعيف في مذهبه غلو،و كذا ذكر العلامة في «الخلاصة» (3).

278-مهران بن أبي بصير.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام(ع)و الظاهر أنه إمامي مجهول الحال (4).

(ن)-:

279-نجية بن الحارث.

القواس العطار،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)و روى


1) الفهرست،الخلاصة،النجاشي.

2) تنقيح المقال:255/3.

3) تنقيح المقال:256/3.

4) نفس المصدر.

الكشي عن محمد بن عيسى أن نجية كان شيخا صادقا صديقا لعلي بن يقطين (1).

280-نشيط بن صالح.

ابن لفافة،مولى بني عجل،ثقة،روى عن أبي الحسن موسى(ع) و له كتاب (2)و روى العلامة أنه كان خادما عند الامام موسى (3)و هو أحد رواة النص على إمامة الرضا (4).

281-نصر بن قابوس.

اللخمي،القابوسي،روى عن أبي عبد اللّه،و أبي الحسن موسى و الامام الرضا،و كانت له منزلة عندهم،له كتاب (5)،وعده الشيخ المفيد من خاصة الامام الكاظم و من ثقاته و من أهل الورع و العلم من شيعته (6)و قال الشيخ الطوسي:إنه كان وكيلا عند الامام الصادق(ع) عشرين سنة (7)و هو أحد رواة النص على إمامة الامام الرضا(ع) (8)و ذلك يكشف عن وثاقته و عدالته.ي.


1) تنقيح المقال:267/3.

2) النجاشي:335.

3) الخلاصة.

4) الكشي.

5) النجاشي:ص 333.

6) الارشاد.

7) الغيبة.

8) الكشي.

282-النضر بن سويد.

الصيرفي،كوفي،ثقة،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع) و له كتاب (1).

283-نعيم القابو.

عده الشيخ المفيد من خاصة الامام الكاظم و من ثقاته و من أهل الورع و العلم و الفقه من شيعته (2)و روى الكليني أنه أحد الذين رووا النص على إمامة الرضا (3).

(و)-:

284-الوليد بن سعيد.

مولى أبي الحسن،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم،و ظاهره أنه إمامي مجهول الحال (4).

285-الوليد بن هشام.

المرادي،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى(ع)، و نقل عنه في«التهذيب»رواية عن الامام(ع) (5).

286-وهيب بن حفص.


1) تنقيح المقال.

2) الارشاد.

3) الكافي.

4) تنقيح المقال:280/3.

5) نفس المصدر.

الجريري،مولى بني أسد،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن و كان من الواقفية،و هو ثقة صنف عدة من الكتب منها كتاب«التفسير» و كتاب«الشرائع» (1).

(ه‍)-:

287-هشام بن إبراهيم.

البغدادي المشرفي،قال فيه الكشي:إنه ثقة روى الحديث الذي ذكرناه في ترجمة الفضل بن يونس:

288-هشام بن أحمر.

الكوفي،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)و ظاهره كونه إماميا مجهول الحال (2).

289-هشام بن الحكم.

من أفذاذ الأمة الاسلامية و من كبار علمائها و في طليعة المنافحين عن مبدأ أهل البيت(ع)ناضل كثيرا و جاهد طويلا في نصرة الحق و الذب عن كيان الاسلام خصوصا في ذلك العصر الذي انعدمت فيه الحريات العامة و كان الذاكر لفضائل أهل البيت عرضة للانتقام و التنكيل من قبل السلطة الحاكمة التي بذلت جميع إمكانياتها في إضعاف كيان آل الرسول(ع)و لكن هشاما لم يعن بذلك،فقد ناظر خصومه،وفاق عليهم،و تحدثت الأندية العلمية عن قوة استدلاله و روعة برهانه الأمر الذي ينم عن مدى


1) النجاشي:ص 337،جامع الرواة.

2) تنقيح المقال:294/3.

تعلقه و حبه لأهل البيت(ع)و نعرض فيما يلي-بايجاز-لبعض شئونه و أحواله.

1-ولادته:

ولد بالكوفة،و قيل بواسط (1)و ليس عندنا نص يعين لنا السنة التي ولد فيها.

2-نشأته:

و اختلف المترجمون له في نشأته فقيل إنه نشأ بالكوفة (2)و المعروف أنه نشأ في مدينة واسط (3)و كان يتعاطى التجارة،و انتقل أخيرا الى بغداد فنزل في جانب الكرخ في قصر وضاح (4)،و في فترة شبابه اعتنق فكرة الجهمية و هي فكرة تدعو الى الجبر و ان الانسان مسلوب القدرة و الاستطاعة و أخيرا رفض ذلك و تبرأ منه و السبب في ذلك ما حدث به عمر بن يزيد عم هشام قال:إنه أقبل الى يثرب ليناظر أبا عبد اللّه الصادق(ع)فطلب مني أن أدخله عليه،فاعلمته اني لا أفعل ما لم استأذنه،فدخلت على أبي عبد اللّه فاستأذنته في إدخال هشام عليه،فأذن لي،فقمت من عنده و خطوت خطوات فذكرت رداءته و خبثه،فقال لي أبو عبد اللّه:أ تتخوف علي؟فخجلت من قولي و علمت اني قد عثرت،فخرجت خجلا،و اعلمت هشاما بالاذن،فدخل و دخلت معه،فلما استقر بنا المجلس سألنا أبو عبد اللّه0.


1) تأسيس الشيعة ص:360.

2) ضحى الاسلام:368/3

3) تنقيح المقال،و غيره.

4) تأسيس الشيعة:ص 360.

عن مسألة فحار فيها هشام و بقي ساكتا،فسأله هشام،أن يؤجله فأجله، أبو عبد اللّه،فذهب هشام فاضطرب في طلب الجواب أياما فلم يقف عليه فرجع الى أبي عبد اللّه فأخبره أبو عبد اللّه بها،و سأله الامام عن مسائل أخرى بيّن فيها فساد مذهبه و بطلان عقيدته فلم يطق الجواب و لم يتمكن على حل ما أورده الامام عليه فخرج من عنده و قلبه مترع بالألم و الحزن و الحيرة،و بقي أياما و الهموم قد طافت به.

قال عمر بن يزيد:فسألني أن أستأذن على أبي عبد اللّه،فاستأذنت له،فقال أبو عبد اللّه(ع):لينتظرني في موضع بالحيرة لا لتقي معه فيه غدا إن شاء اللّه إذا راح النهار،قال عمر فخرجت الى هشام،فأخبرته بمقالته و أمره،فسر بذلك و استبشر،و سبقه الى الموضع الذي سماه و اجتمع بالامام ثم رأيت هشاما بعد ذلك فسألته عما كان بينهما فأخبرني أنه سبق أبا عبد اللّه الى الموضع الذي كان سماه،فبينما هو بالانتظار و إذا بأبي عبد اللّه قد أقبل على بغلة فلما بصرت به و قرب مني هالني منظره،و أرعبني حتى بقيت لا أجد شيئا أتفوه به،و لا انطلق لساني لما أردت من مناطقته،و وقف عليّ أبو عبد اللّه مليا ينظر ما أكلمه،و كان وقوفه علي لا يزيدني إلا تهيبا و تحيرا،فلما رأى ذلك مني ضرب بغلته و سار حتى دخل في بعض السكك و تيقنت أن ما أصابني من هيبته لم يكن إلا من قبل اللّه عز و جل،من عظم موقعه و مكانه من الرب الجليل،قال عمر:فانصرف هشام إلى أبي عبد اللّه و ترك مذهبه و دان بدين الحق،وفاق أصحاب أبي عبد اللّه كلهم (1)و دلت هذه القصة-كما يقول الشيخ عبد اللّه نعمة-على قوة العنصر الجدلي في هشام،فالمحدث لهذه القصة يعبر عنه أنه كان خبيثا في الجهمية.ثم هو يتخوف على الامام الصادق أن ينقطع معه،و يبالغ في6.


1) الكشي:ص 166.

رداءته و خبثه،و يقصد بذلك طبعا شدة عارضته و قوة جدله.

و عنصر آخر تجده فيها،هو تعطشه الى المعرفة برغبة شديدة يواصل إليها سيره،و يبذل لها جهده حتى يلتقي معه في صعيد و ما بقاؤه متحيرا أياما لا يفيق من حيرته على حسب تعبير عمر بن يزيد،و معاودته للاتصال بالامام الصادق الذي انتهى به أمره إلى ترك مذهبه و التحاقه به إلا صدى حيا لرغبته الملحة،و حبه للمعرفة،و التماسها أينما كانت (1)و مهما يكن من أمر فانه منذ ذلك الوقت اتصل بالامام الصادق اتصالا وثيقا و أخذ يتلقى العلم و المعارف منه حتى أصبح في طليعة العلماء و من كبارهم بعد ما كان من مشاهير أصحاب الجهم بن صفوان (2).

3-تخرجه:

و انقطع هشام الى الامام الصادق و عكف على الاتصال به حتى أصبح من أبرز رجال مدرسته،و لما انتقل الامام الصادق الى دار الخلود اختص بولده الامام موسى(ع)و أخذ يتلقى منه العلم و الفضل،و بذلك فقد أخذ العلم من منبعه الصحيح و نال شرف التلمذة عند أئمة اهل البيت(ع).

4-من روى عنه.

و روى عنه جماعة من كبار الرواة الأحاديث التي سمعها من أهل البيت عليهم السلام و هم زمرة كبيرة توجد رواياتهم عنه في كتب الفقه و الحديث و الى القراء بعضهم.ر.


1) هشام بن الحكم:ص 55.

2) راجع تأريخ الاسلام للذهبي:(ج 5 ص 56-58)و فرق الشيعة للنوبختي ص 6 و 9 و تاريخ ابن كثير.

(1)محمد بن أبي عمير المتوفى(217 ه‍). (2)صفوان بن يحيى البجلي الكوفي. (3)النضر بن سويد الصيرفي الكوفي. (4)نشيط بن صالح العجلي الكوفي.

(5)يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين.

(6)حماد بن عثمان بن زياد الرواسى الكوفي.

(7)علي بن معبد البغدادي.

(8)يونس بن يعقوب (1).

و روى عنه غير هؤلاء من كبار الرواة ممن اختصوا به و تتلمذوا عنده.

5-اختصاصه.

اختص هشام في علم الكلام فكان من كبار المتكلمين في عصره،فان مناظراته دلت على تفوقه في هذا الفن،قال في ترجمته ابن النديم:كان هشام بن الحكم من متكلمي الشيعة،و ممن فتق الكلام في الامامة،و هذب المذهب و النظر،و كان حاذقا بصناعة الكلام (2)و نظرا لاختصاصه في هذا الفن فقد حلى يحيى بن خالد البرمكي مجلسه به،و جعله قيما بمجالس كلامه (3)و قد ناظر هشام الفلاسفة في مختلف الميادين العلمية حتى تفوق عليهم و كانت نوادي بغداد تعج بمناظراته القيمة التي دلت على مهارته في هذا الفن.ر.


1) تنقيح المقال.

2) الفهرست:ص 263 ط الاستقامة.

3) نفس المصدر.

6-مؤلفاته.

كان هشام خصب الانتاج ألف في مختلف الفنون و العلوم و حلق في في جميعها،و لكن من المؤسف ان أغلب تراثه العلمي لم يعثر عليه سوى اليسير،و الى القراء بعض مؤلفاته:

(1)كتاب«الامامة».

(2)كتاب«الدلالات على حدوث الأشياء».

(3)كتاب«الرد على الزنادقة».

(4)كتاب«على أصحاب الاثنين».

(5)كتاب«التوحيد».

(6)كتاب«الرد على هشام الجواليقي».

(7)كتاب«الرد على أصحاب الطبائع».

(8)كتاب«الشيخ و الغلام».

(9)كتاب«التدبير».

(10)كتاب«الميزان».

(11)كتاب«الميدان».

(12)كتاب«الرد على من قال بامامة المفضول».

(13)كتاب«اختلاف الناس في الامامة».

(14)كتاب«الوصية و الرد على من أنكرها».

(15)كتاب«الجبر و القدر».

(16)كتاب«الحكمين».

(17)كتاب«الرد على المعتزلة في طلحة و الزبير».

(18)كتاب«القدر)

(19)كتاب«الألفاظ».

(20)كتاب«المعرفة».

(21)كتاب«الاستطاعة».

(22)كتاب«الثمانية أبواب».

(23)كتاب«الرد على شيطان الطاق».

(24)كتاب«الأخبار كيف تفتح».

(25)كتاب«الرد على ارسطاليس في التوحيد».

(26)كتاب«الرد على المعتزلة» (1).

(27)كتاب«المجالس في الامامة».

(28)كتاب«علل التحريم».

(29)كتاب«الرد على القدرية».

و قد اطلع عليه الامام موسى عليه السلام،فقرضه قائلا:«ما ترك شيئا».

(30)كتاب«الفرائض» (2).

و هذه المجموعة الضخمة من المؤلفات تدل على ثروته العلمية الضخمة وسعة اطلاعه.

8-مناظراته القيمة:

و خاض هشام مع علماء الأديان و المذاهب في ميدان الاحتجاج مستدلا على صحة مبدأه و بطلان أفكارهم و معتقداتهم،و نظرا لخطورة استدلاله و قوة حججه كان الرشيد يحضر من وراء الستار فيصغي إليها و يعجب بها8.


1) الفهرست:ص 264.

2) النجاشي:ص 338.

و فيما يلي بعضها.

1-مع عمرو بن عبيد.

و طلب الامام الصادق(ع)من هشام أن يقص عليه مناظراته مع عمرو بن عبيد الزعيم الروحي للمعتزلة فقال له هشام:

-إني أجلك،و استحي منك فلا يعمل لساني بين يديك.

-إذا أمرتك بشيء فافعله.

فامتثل هشام أمر الامام و اخذ يحدثه بقصته مع عمرو قائلا له:

بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد و جلوسه في مسجد البصرة،و عظم ذلك علي،لأنه كان ينكر الامامة،و يقول:مات رسول اللّه(ص)بلا وصي،فخرجت إليه و دخلت البصرة فأتيت مسجدها،و إذا أنا بحلقة كبيرة،و إذا أنا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء مؤتزر بها من صوف و شملة مرتد بها و الناس يسألونه فاستفرجت الناس فأفرجوا لي،ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي ثم قلت له:

-أيها العالم أنا رجل غريب،أ تأذن لي أن أسألك عن مسألة؟ -نعم.

-أ لك عين؟ -يا بني،أي شيء هذا من السؤال؟ -هذه مسألتي.

-يا بني،و إن كانت مسألتك حمقى؟ -أجبني فيها.

-سل؟ -أ لك عين؟ -نعم.

-فما ترى بها؟ -أرى بها الألوان و الأشخاص.

أ لك أنف؟ -نعم.

-ما تصنع به؟ -أشم به الرائحة.

-أ لك فم؟ -نعم.

-ما تصنع به؟ -أتكلم به.

-أ لك أذن؟ -نعم.

-ما تصنع بها؟ -أسمع بها الأصوات.

-أ لك يدان؟ -نعم.

-ما تصنع بهما؟ -أبطش بهما و أعرف اللين من الخشن.

-أ لك رجلان؟ -نعم.

-ما تصنع بهما؟ -انتقل بهما من مكان إلى مكان.

-أ لك قلب؟

-نعم.

-ما تصنع به؟ -أميز به كلما ورد على هذه الجوارح.

-أ فليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ -لا.

-و كيف ذلك و هي صحيحة سليمة؟ -يا بني،إن الجوارح إذا شكت في شيء شمته أو ذاقته،فتؤديه الى القلب،فيتيقن اليقين،و يبطل الشك.

-فانما أقام اللّه القلب لشك الجوارح؟ -نعم.

-فلا بد من القلب و إلا لم تستيقن الجوارح؟ -نعم.

و بعد ما أخذ هشام من عمرو هذه المقدمات كر عليه في إبطال ما ذهب إليه من أن رسول اللّه(ص)مات بلا وصي فقال له:«يا أبا مروان إن اللّه لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماما يصحح لها الصحيح و ينفي ما شكت فيه،و يترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم و شكهم و اختلافهم لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم و حيرتهم و يقيم لك إماما لجوارحك ترد إليه حيرتك و شكك!! فسكت عمرو و لم يطق جوابا فقد سد عليه هشام كل نافذة يخرج منها و التفت إليه بعد أن استولى عليه صمت رهيب قائلا له:

-أنت هشام؟ -لا.

-أ جالسته؟

-لا.

-من أين أنت؟ -من أهل الكوفة.

-أنت إذن هو؟ ثم قام إليه فصافحه و أجلسه في مجلسه،و ما نطق بشيء حتى قام، فسر الامام بذلك سرورا بالغا،و اعجبته هذه المناظرة الرائعة أي اعجاب (1).

2-مع يحيى بن خالد البرمكي.

و وجه يحيى بن خالد سؤالا الى هشام بحضرة هارون الرشيد قائلا له:

-يا هشام،اخبرني عن الحق هل يكون في جهتين مختلفتين؟ -لا.

فاخبرني عن نفسين اختصما في حكم الدين،و تنازعا و اختلفا،هل يخلو من أن يكونا محقين أو مبطلين،أو يكون أحدهما مبطلا و الآخر محقا.

-لا يخلوان من ذلك،و ليس يجوز أن يكونا محقين.

-اخبرني عن علي و العباس لما اختصما الى أبي بكر في الميراث أيهما كان المحق من المبطل؟ فاستولت الحيرة على هشام و حدث عما أصابه من الذهول بقوله:

«إن قلت،إن عليا كان مبطلا كفرت و خرجت عن مذهبي،و إن قلت إن العباس كان مبطلا ضرب الرشيد عنقي»حقا انها لمشكلة،و لكنه لم يلبث حتى استرجع إليه صوابه و تذكر قول الصادق(ع)-كما يقول-2.


1) الكشي ص:176-177،الامالي 55/1،مروج الذهب 382/2.

«يا هشام،لا زلت مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك»فعلم عند ذلك أنه لا يخذل و حضر له الجواب،فقال له:

لم يكن من أحدهما خطأ و كانا جميعا محقين،و لهذا نظير قد نطق به القرآن في قصة داود عليه السلام حيث يقول اللّه جل اسمه«و هل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب،الى قوله خصمان بعى بعضنا على بعض» فأي الملكين كان مخطئا؟و أيهما كان مصيبا؟أم تقول»إنهما كانا مخطئين فجوابك في ذلك جوابي بعينه».

فقال يحيى:لست أقول:إن الملكين أخطآ،بل أقول إنهما أصابا و ذلك أنهما لم يختصما في الحقيقة و لا اختلفا في الحكم،و إنما اظهرا ذلك لينبها داود على الخطيئة و يعرفاه الحكم و يوقفاه عليه.

فقال هشام!كذلك علي و العباس لم يختلفا في الحكم و لا اختصما في الحقيقة،و انما أظهرا الاختلاف و الخصومة لينبها أبا بكر على غلطه و يوقفاه على خطيئته،و يدلاه على ظلمه لهما في الميراث،و لم يكونا في ريب من أمرهما،و انما ذلك منهما على ما كان من الملكين..».

فتحير يحيى و لم يطق جوابا،و استحسن الرشيد هذا البيان الرائع الذي تخلص به هشام (1).

3-مع النظام:

و يذهب النظام الى أن أهل الجنة غير مخلدين فيها،و انه لا بد أن يدركهم الموت،و قد التقى بهشام فوجه إليه هذا القول:

«إن أهل الجنة لا يبقون في الجنة بقاء الأبد،فيكون بقاؤهم كبقاء اللّه2.


1) الفصول المختارة 24/1-25 و وردت هذه المناظرة باختصار في عيون الأخبار 15/2.

و محال أن يبقوا كذلك..» فرد عليه هشام بأبلغ الحجة قائلا:

«أهل الجنة يبقون بمبق لهم،و اللّه يبقى بلا مبق..» و أصر النظام على عقيدته قائلا:

«محال أن يبقوا الى الأبد».

هشام:إلى م يصيرون؟ النظام:يدركهم الخمود.

هشام:بلغك أن في الجنة ما تشتهي الأنفس؟ النظام:نعم.

هشام:فاذا اشتهوا و سألوا ربهم بقاء الأبد.

النظام:إن اللّه لا يلهمهم.

هشام:لو ان رجلا من أهل الجنة نظر الى ثمرة على شجرة فمد يده ليأخذها،فتدلت إليه الشجرة و الثمرة ثم حانت منه لفتة فنظر الى ثمرة أخرى منها فمد يده ليأخذها فأدركه الخمود،و يداه معلقتان بشجرتين فارتفعت الاشجار،و بقي هو مصلوبا.أ فبلغك أن في الجنة مصلوبا؟ النظام:هذا محال.

هشام:الذي أتيت به أمحل منه أن يكون قوم خلقوا و أدخلوا الجنة أن يموتوا فيها (1).

و انصرف النظام مخذولا لا يجد برهانا على ما يذهب إليه.

4-مع ضرار الضبي:

و كان ضرار الضبي من الجاحدين للامامة،قد التقى بهشام،فسأله84


1) الكشي ص 165-184

هشام:

-أ تقول إن اللّه عدل لا يجور؟ -نعم.

-لو كلف اللّه المقعد المشي الى المساجد،و الجهاد في سبيل اللّه، و كلف الأعمى قراءة المصاحف و الكتب،أ تراه كان عادلا أم جائرا؟ -ما كان اللّه ليفعل ذلك.

-قد علمنا ما كان يفعل ذلك و لكن على سبيل الجدل و الخصومة ان لو فعل ذلك،أ ليس كان في فعله جائرا؟و كلفه تكليفا لا يكون له السبيل الى اقامته و ادائه.

-لو فعل ذلك لكان جائرا.

-اخبرني عن اللّه عز و جل هل كلف العباد دينا واحدا لا اختلاف فيه لا يقبل منهم إلا أن يأتوا به كما كلفهم؟ -بلى.

-جعل لهم دليلا على وجود ذلك الدين أو كلفهم ما لا دليل على وجوده،فيكون بمنزلة من كلف الاعمى قراءة الكتب،و المقعد المشي الى المساجد و الجهاد.

و وجم ضرار فلم يجد منفذا يسلك فيه،و قد أعياه الأمر،و التفت الى هشام قائلا:

-لا بد من دليل،و ليس بصاحبك-يعني الامام عليا(ع)- فضحك هشام،و قال له:لا خلاف بيني و بينك إلا في التسمية، و طفق ضرار قائلا:

-إني أرجع إليك في هذا القول.

قال هشام:هات.

ضرار:كيف تعقد الامامة؟

هشام:كما عقد اللّه النبوة.

ضرار:فاذن هو نبي:

هشام:-لا-لأن النبوة يعقدها أهل السماء و الامامة يعقدها أهل الأرض،فعقد النبوة بالملائكة،و عقد الامامة بالنبي،و العقدان جميعا باذن اللّه.

ضرار:ما الدليل على ذلك؟ هشام:الاضطرار في هذا.

ضرار:و كيف ذلك؟ هشام:لا يخلو الكلام في هذا من أحد ثلاثة وجوه،أما أن يكون اللّه رفع التكليف عن الخلق بعد الرسول،فلم يكلفهم و لم يأمرهم و لم ينههم و صاروا بمنزلة السباع،و البهائم التي لا تكليف أ فتقول:هذا يا ضرار؟ ضرار:لا أقول هذا.

هشام:الوجه الثاني الذي ينبغي أن يكون الناس المكلفون قد استحالوا بعد الرسول علماء في مثل حد الرسول في العلم حتى لا يحتاج أحد الى أحد فيكونوا كلهم قد استغنوا،و أصابوا الحق الذي لا اختلاف فيه،أ فتقول هذا يا ضرار؟ ضرار:لا أقول:هذا و لكنهم يحتاجون الى غيرهم.

هشام:يبقى الوجه الثالث،لأنه لا بد من علم يقيمه الرسول لهم، لا يسهو،و لا يغلط،و لا يحيف،معصوم من الذنوب مبرأ من الخطايا يحتاج إليه و لا يحتاج الى أحد..» (1).

و سكت ضرار أمام هذا المنطق الفياض المدعم بالدليل العقلي الذي هو بعيد عن عنصر الجدل و النقاش.9.


1) بحار الانوار 291/11-229.

هذه بعض مناظرات هذا العملاق العظيم،و قد فتق بها مباحث الفلسفة الكلامية،و بقيت من بعده غذاء لمن يخوضون هذه البحوث،فقد «بقي جماعة يناظرون على مبادئه حتى في عصور متأخرة مثل أبي عيسى محمد ابن هارون الوراق،و أحمد بن الحسين الراوندي و غيرهما،و قد وضع هذا الأخير كتابه«فضيحة المعتزلة»و هاجم فيه الآراء الاعتزالية و رجالها مهاجمة شديدة،معتمدا في كثير منها على آراء هشام،كما يظهر تأثيره من كتابه الذي وضعه في حدوث العلم،و نجد أثر ذلك في دفاع المعتزلة أنفسهم الذين عنوا بردها و نقضها و منهم بشر بن المعتمر من أفضل علماء المعتزلة-كما يقول الشهرستاني-فقد وضع كتابا في الرد على هشام بن الحكم» (1).

8-الحملات المسعورة.

و انتشر اسم هشام في ربوع العالم الاسلامي،و أخذت نوادي بغداد تعج في ذكر احتجاجاته،و ما مني به خصومه من الاندحار و الخذلان، و كان من الطبيعي أن يولد ذلك حقدا بالغا في نفوسهم عليه فاتهموه بأنواع التهم و شتى الطعون،و فيما يلي بعضهم.

1-القاضي عبد الجبار.

و قد حمل عبد الجبار على كثير من شخصيات الشيعة،و قال في خصوص هشام:«إنه قال في التجسيم،و بحدوث العلم و بجواز البداء الى غير ذلك مما لا يصح معه التوحيد،و قال بالجبر و ما يتصل بالتكليف بما لا يطاق،و لا يصح معه التمسك بالعدل» (2).ي.


1) هشام بن الحكم:ص 221.

2) الشافي:ص 12 نقلا عن المغني للقاضي.

2-محمد بن أحمد.

و تكلم محمد بن أحمد الملطي الشافعي عن الشيعة فنسب لهم الشبه الباطلة و الصق بهم الأكاذيب المزيفة و قال فيهم و في هشام ما نصه:

«الفرقة الثانية عشر من الامامية هم أصحاب هشام بن الحكم يعرفون بالهشامية و هم الرافضة الذين يرفضون الدين بحب علي(ع)فيما يزعمون، و كذب أعداء اللّه و أعداء رسوله و أصحابه،و انما يحب عليا من يحب غيره و هم أيضا ملحدون لأن هشاما كان ملحدا دهريا،ثم غلبه الاسلام فدخل فيه كارها فكان قوله فيه بالتشبيه و الرفض،و أما قوله بالامامة فلم نعلم أن أحدا نسب الى علي عيبا مثل هشام.

و اللّه نحمده قد نزع عن علي و ولده العيوب و الأرجاس،و طهرهم تطهيرا،و ما قصد هشام التشيع و لا محبة أهل البيت و لكن طلب بذلك هدم أركان الاسلام و التوحيد،و النبوة» (1).

و لا واقعية لهذه الطعون،و لا تحمل أي طابع من الصحة،و هي تنم عن حقده،أو عن عدم وقوفه على حقيقة الشيعة و واقعية هشام.

3-عبد القاهر البغدادي.

قال عبد القاهر في بيان مذهب المشبهة ما نصه:و من هذا الصنف هشامية منتسبة الى هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالانسان و زعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه و انه جسم ذو حد و نهاية،و أنه طويل عريض عميق،و ذو لون و طعم و رائحة،و قد روى عنه أن معبوده كسبيكة الفضة المستديرة (2).9.


1) التنبيه.

2) الفرق بين الفرق:ص 139.

4-ابن حجر.

و قال ابن حجر في ترجمة هشام:و كان من كبار الرافضة،و مشاهيرهم و كان مجسما يزعم أن ربه سبعة أشبار بشبر نفسه،و يزعم أن علم اللّه محدث (1).

و هذه الحملات المسعورة التي وجهت ضد هذا الفذ العظيم لم يكن الغرض منها إلا الحط من شأنه،و التوهين به،و بعض هذه الطعون كان لها نصيب من الصحة،و ذلك قبل أن يرجع الى الامام فقد أثر عنه القول بذلك إلا انه ثاب الى الحق-كما ذكرناه-و يتضح ذلك فيما ذكره المدافعون عنه.

9-الدفاع عنه.

و تعرض جمع من أعلام الاسلام الى الدفاع عن هشام ورد هذه الأباطيل و الشبه التي حامت حوله،و فيما يلي بعضهم:

1-السيد المرتضى.

و فند السيد المرتضى جميع المزاعم التي رمي بها هشام،و نحن نسوق كلامه بأسره لما فيه من مزيد الفائدة،قال رحمه اللّه:

«فأما ما رمي به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم فالظاهر من الحكاية عنه القول:«بجسم لا كالأجسام»و لا خلاف في أن هذا القول ليس بتشبيه،و لا ناقض لأصل،و لا معترض على فرع و انه غلط في عبارة يرجع في إثباتها و نفيها إلى اللغة،و أكثر أصحابنا يقولون:إنه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة،فقال لهم:إذا قلتم إن القديم تعالى شيء6.


1) لسان الميزان 194/6.

لا كالأشياء فقولوا:إنه جسم لا كالأجسام،و ليس كل من عارض بشيء و سأل عنه أن يكون معتقدا له و متدينا به،و قد يجوز أن يكون قصد به الى استخراج جوابهم عن هذه المسألة،و معرفة ما عندهم فيها،أو إلى أن يبين قصورهم عن إيراد المرتضى في جوابها الى غير ذلك مما لا يتسع ذكره،فأما الحكاية أنه ذهب في اللّه تعالى أنه جسم له حقيقة الأجسام الحاضرة،و حديث«الأشبار»المدعى عليه فليس نعرفه إلا من حكاية الجاحظ عن النظام،و ما فيها إلا متهم عليه غير موثوق بقوله،و جملة الأمر ان المذاهب يجب أن تؤخذ من أفواه قائليها و أصحابهم المختصين بهم و من هو مأمون في الحكاية عنهم،و لا يرجع الى دعاوى الخصوم فانه إن يرجع الى ذلك اتسع الخرق و جل الخطب،و لم نثق بحكاية في مذهب، و لو كان هشام يذهب الى ما يدعونه من التجسيم لوجب أن نعلم ذلك ليزول اللبس فيه كما يعلم قول الخوارزمي في ذلك،و لا نجد له دافعا.و مما يدل على براءة هشام من هذه التهم ما روي عن الامام الصادق(ع)في قوله:

لا تزال يا هشام مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك»و قوله(ع)حين دخل عليه و عنده مشايخ الشيعة،فرفعه على جماعتهم و أجلسه الى جانبه و هو إذ ذاك حدث السن فقال:«هذا ناصرنا بقلبه و يده و لسانه»و قوله(ع):

«هشام بن الحكم رائد حقنا و سابق قولنا المؤيد لصدقنا و الدافع لباطل أعدائنا من تبعه و تبع أمره تبعنا،و من خالفه و الحد فيه فقد عادانا و الحد فينا»و انه(ع)كان يرشد إليه في باب النظر و الحجاج و يحث الناس على لقائه و مناظرته،فكيف يتوهم عاقل-مع ما ذكرناه في هشام-هذا القول بأن ربه سبعة أشبار بشبره و هل ادعاء ذلك عليه-رضوان اللّه عليه مع اختصاصه المعلوم بالصادق(ع)و قربه منه و أخذه عنه-إلا قدح في أمر الصادق عليه السلام و نسبته الى المشاركة في الاعتقاد،و إلا كيف لم يظهر عنه من

النكير عليه و التبعيد له،ما يستحقه المقدم على هذا الاعتقاد المنكر و المذهب الشنيع،و أما حدوث العلم،فهو أيضا من حكاياتهم المختلقة و ما نعرف للرجل فيه كتابا و لا حكاه عنه ثقة،فأما«الجبر»و تكليفه بما لا يطاق مما لا نعرفه مذهبا له،و لعله لم يتقدم صاحب الكتاب (1)في نسبة ذلك إليه غيره اللهم إلا أن يكون شيخه أبو علي الجبائي فانه يملى ذلك تحامل و عصبية،و قليل هذه الحكايات ككثيرها في أنها إذا لم تنقل من جهة الثقة و كان المرجع فيها الى قول الخصوم المتهمين لم يحفل بها و لم يلتفت إليها، و ما قدمناه من الأخبار المروية عن الصادق(ع)و ما يظهر من اختصاصه به و تقريبه له من بين أصحابه يبطل كل ذلك و يزيف حكاية روايته عنه» (2)و هذا الدفاع الذي أفاده الامام المرتضى لم يبق أي اتهام على هشام فقد دفع جميع الشبه التي طعن بها.

2-المحقق الفيض.

و أفاد المحقق الحجة الشيخ محسن الفيض رحمه اللّه في الدفاع عن هشام قال:

«و كل ما نسب الى الهشامين (3)فظني أنه إنما نشأ من سوء الفهم لكلامهما و إلا فالرجلان أجل قدرا من ذلك،و أما قول الامام له«قاتله اللّه» فانما ذلك لتكلمهما بمثل ذلك عند من لا يفهم،و كان لهما و لأمثالهما من موالي أئمتنا رموز كرموز الحكماء و تجوز كتجوزاتهم لا تصل إليها افهام الجماهير و لهذا نسبوا الى التجسيم و التصوير،و لعل نقلة كلامهما أيضا تصرفوا فيي.


1) هو القاضي عبد الجبار.

2) الشافي:ص 12-13.

3) الهشامان هما هشام بن الحكم،و هشام بن سالم الجواليقي.

الألفاظ و حرفوا الكلم عن مواضعه (1).

و نكتفي بما أفاده السيد المرتضى و الفيض عن بقية ما ذكره بعض الأعلام من الدفاع عنه و تنزيهه عن الشبه التي الصقت به،و الذي نراه -حسب ما ذكرناه-أن المناظرات التي تكلم فيها هشام و اتهم في بعضها بالالحاد و الخروج عن الدين تنحل الى قسمين من الناحية الزمنية:

«الأول»:التي تتعلق بالفترة التي كان يذهب فيها مذهب«الجهمية» «الثاني»:يتعلق بالفترة التي اتصل فيها بالامام الصادق و الامام موسى و قد تبرأ فيها عما ذهب إليه أولا من آراء الجهمية و غيرها من المبادئ التي لا تمت الى الاسلام بصلة،و غني عن البيان أنه توفي على مذهب الامامية صحيح العقيدة طاهر الأفكار و الآراء فلا يؤاخذ بما صدر منه في الفترة الأولى،و لا يعتد بغير آرائه التي صدرت في فترة اتصاله بالامام(ع) و لم يعلم منه أنه قد صدر منه في هذه الفترة ما ينافي عقيدته.

10-وفاته:

و جاهد هشام في سبيل اللّه،و ناضل كثيرا و حاجج خصومه في الذب عن عقيدته و مبدئه الى أن لقى اللّه تعالى و هو مجاهد قد أبلى بلاء حسنا في الدفاع عن الاسلام،أما سبب وفاته فتعزوه بعض المصادر الى يحيى بن خالد البرمكي،فقد وجد عليه لأنه قد مال إليه الرشيد و نال إعجابه و تقديره فأغرى به الرشيد الى أنه يقول بالامامة و جمع له المتكلمين بعد أن اختفى الرشيد من وراء الستر و لا يعلم بذلك هشام فجرت بينه و بين الفلاسفة مجادلة:

حول الامامة و أخيرا بعد حوار طويل بينه و بينهم صرح هشام بأن الامام إذا أمره بحمل السيف أذعن لقوله ولى طلبه،و لما سمع الرشيد بذلك1.


1) الوافي:86/1.

تغيرت حالته و استولى عليه الغضب،فأمر يحيى بالقاء القبض عليه و على أصحابه،و علم بما كمن له من الشر فهام على وجهه فزعا مرعوبا حتى انتهى الى الكوفة و اعتل بها و مات في دار ابن شراف في الكوفة (1)و قيل في كيفية وفاته غير ذلك،أما سنة وفاته فقيل:إنه توفي سنة(179 ه‍)و قيل سنة(199 ه‍)و قيل غير ذلك،و قد بسط البحث في ذلك العلامة الشيخ عبد اللّه نعمة العاملي (2)الى هنا ينتهي بنا الحديث عن هذا العملاق العظيم الذي تربى في مدرسة الامامين الصادق و الكاظم(ع).

290-هشام بن سالم.

الجواليقي الجعفي بشر بن مروان،و هو من عظماء هذه الطائفة و من عيونها،روى عن أبي الحسن،و قد عينه الامام الصادق(ع)للمناظرة في التوحيد مع رجل من أهل الشام (3)و في هذا دلالة على وفور علمه و تقدمه في الفضل،و قد الصقت بالرجل التهم و رمي بالالحاد،و قد رماه بذلك حساده و أعداؤه و الدفاع الذي ذكرناه عن هشام يأتي في رفيقه وسميه،و قد اعترف له بالفضل و الوثاقة كثير من مترجميه (4).

291-هند بن الحجاج.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و ذكر المترجمون له حديثا مع الامام سوف نذكره عند التحدث عن سجن الامام و هو يدلي.


1) تنقيح المقال:295/3-296 و قد ذكرنا ملخص الحادثة.

2) هشام بن الحكم:ص 38-43.

3) الكشي.

4) التحرير،كشف الرموز،الوجيزة،البلغة،النجاشي.

على وثاقة الرجل و مزيد اختصاصه بالامام(ع) (1).

292-الهيثم بن عبد اللّه.

الرماني الكوفي،روى عن الامام موسى،و الرضا عليهما السلام و له كتاب (2).

(ي)-:

293-ياسين الضرير.

الزيات البصري لقى الامام بالبصرة حينما سجن فيها،و اختص به و روى عنه،و صنف كتابا (3).

294-يحيى الأزرق.

عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الامام الكاظم(ع)و ظاهره أنه امامي مجهول الحال (4).

295-يحيى بن الحسين.

ابن زيد بن علي بن الحسين(ع)من أصحاب الامام،و كان يرى مذهب الوقف (5)و هو أحد الشهود في وصية الامام(ع)و قد طلب من


1) تنقيح المقال:304/3.

2) النجاشي:ص 341.

3) النجاشي:ص 352.

4) تنقيح المقال 312/3.

5) الخلاصة.

من أبيه أن يدله على الموضع الذي اختفى فيه عمه عيسى ليمضي إليه و يراه فأبى أبوه أن يخبره بذلك خوفا على عيسى من أن يظهر أمره فتعرفه السلطة و بعد الالحاح عليه قال له:إن هذا أمر يثقل عليه و أخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك اياه فتزعجه،فتلطف يحيى بأبيه مدة من الزمن حتى طابت نفسه فأجابه الى ذلك و جهزه الى الكوفة و قال له:

إذا صرت الى الكوفة فاسأل عن دور«بني حي»فاذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية،و سترى في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا فأعرفه و اجلس بعيدا منها في أول السكة فانه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه (1)قد أثر السجود في جبهته،عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل،و قد انصرف يسوق الجمل،لا يضع قدما،و لا يرفعها إلا ذكر اللّه-عز و جل-و دموعه تنحدر على وجهه،فقم و سلم عليه و عانقه،فانه سيذعر منك كما يذعر الوحش،فعرفه نفسك،و انتسب له فانه يسكن إليك و يحدثك طويلا،و يسألك عنا جميعا و يخبرك بشأنه،و لا يضجر بجلوسك معه،و لا تطل عليه و ودعه،فانه يستعفيك من العودة إليه،فافعل ما يأمرك به من ذلك،فانك إن عدت إليه توارى عنك، و استوحش منك،و انتقل عن موضعه،و عليه في ذلك مشقة.

و خرج يحيى قاصدا الى الكوفة فلما انتهى إليها قصد سكة بني حي بعد العصر فجلس خارجها بعد أن تعرف على البيت فلما غربت الشمس أقبل عيسى على وصف الحسين لا يرفع قدما،و لا يضعها حتى يذكر اللّه تعالى و دموعه تترقرق في عينيه فقام إليه يحيى فعانقه فذعر عيسى منه، فقال له:

يا عم،أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك.ه.


1) و في رواية مستور الوجه.

فلما سمع عيسى ذلك ضمه إليه و بكى حتى كاد أن يتلف.ثم أناخ جمله،و جلس معه فجعل يسأله عن أهله رجلا رجلا و امرأة امرأة و صبيا صبيا و يحيى يشرح أخبارهم و عيسى آخذ بالبكاء،ثم قال له:«يا بني أنا أستقي على هذا الجمل الماء فأصرف ما اكتسب به من أجرة الى صاحبه،و اتقوت بباقيه،و ربما عاقني عائق عن استقاء الماء فأخرج الى البرية-يعني ظهر الكوفة-فألتقط ما يرمي الناس به من البقول فاتقوته.

و قد تزوجت من هذا الرجل ابنته،و هو لا يعلم من أنا الى وقتي هذا،فولدت مني بنتا،فنشأت و بلغت،و هي أيضا لا تعرفني و لا تدري من أنا،فقالت لي أمها:زوج ابنتك من ابن فلان السقاء-رجل من جيراننا يسقي الماء-فانه أيسر منا،و قد خطبها،و ألحت عليّ،فلم أقدر على إخبارها بأن ذلك الشخص غير كفء لها فيشيع خبري،فجعلت تلح فلم أزل أستكفى اللّه أمرها حتى ماتت بعد أيام،فما أجدني آسي على شيء من الدنيا أساي على أنها ماتت و لم تعلم بموضعها من رسول اللّه(ص).

ثم أقسم على ابن أخيه يحيى أن ينصرف و لا يعود إليه،و ودعه (1)و هكذا كان أهل البيت ما بين قتيل و سجين،و مشرد يطاردهم الرعب و الفزع خوفا من نقمة الظالمين،ففي ذمة اللّه ما لا لاقوه من الفجائع و المصائب و الخطوب.

296-يحيى بن عبد الرحمن.

الأزرق،كوفي ثقة،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن له كتاب يرويه عدة من أصحابنا (2)و وثقه جماعة من الأعلام (3).ة.


1) مقاتل الطالبيين:ص 408-410.

2) النجاشي:ص 346.

3) الخلاصة،الحاوي،البلغة.

297-يحيى بن عبد اللّه.

البصري،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و ظاهره أنه إمامي مجهول الحال (1).

298-يحيى بن عمران.

ابن علي بن أبي شعبة الحلبي،روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن ثقة صحيح الحديث له كتاب يرويه جماعة (2)و وثقه اكثر المترجمين له (3).

299-يحيى بن الفضل.

النوفلي،عده الشيخ بهذا العنوان من أصحاب الامام الكاظم(ع) و ظاهره أنه إمامي مجهول الحال (4).

300-يحيى بن القاسم.

الحذاء،يكنى أبا بصير،و قيل أبو محمد بن أصحاب الامام الكاظم عليه السلام،اختلف العلماء فيه،فقال الطوسي:إنه واقفي،و روى الكشي عن محمد بن مسعود قال سألت علي بن الحسن بن فضال عن أبي بصير هل كان متهما بالغلو؟فقال:لا،و لكن كان مختلطا،و قال النجاشي:

يحيى بن القاسم أبو بصير الأسدي،و قيل أبو محمد،ثقة وجيه،روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه(ع)،و قيل يحيى بن أبي القاسم و اسم أبي القاسم إسحاق،روى عن أبي الحسن موسى(ع)له كتاب«يوم و ليلة»توفي3.


1) تنقيح المقال:318/3.

2) النجاشي:ص 346.

3) الحاوي،الفهرست،الوجيزة.

4) تنقيح المقال:323/3.

سنه«150 ه‍»و ذكر الكشي عن أبي عمير عن شعيب العقرقوفي قال:

قلت لأبي عبد اللّه(ع)ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء ممن نسأل؟ فقال(ع):عليك بالأسدي-يعني أبا بصير-و في هذا دلالة على وثاقته و غزارة علمه (1).

301-يزيد بن خليفة.

الحارثي الحلواني من أصحاب الامام(ع)رمي بالوقف،و روى الكشي عن النضر بن سويد قال:دخل رجل على أبي عبد اللّه يقال له يزيد بن خليفة فقال(ع)له:من أنت؟فقال:من الحرث بن كعب فقال أبو عبد اللّه(ع):ليس من بيت إلا و فيهم نجيب أو نجيبان و أنت نجيب بني الحرث بن كعب (2)و في هذا الخبر دليل على وثاقته،و نوقش في هذا الخبر و استدلوا على عدم وثاقته (3).

302-يزيد بن سليط.

الزيدي،عده الشيخ في رجاله و الكشي و غيرهما من أصحاب الامام الكاظم(ع)و ذكر بعضهم أنه من خاصة الامام و من ثقاته،و من أهل الورع و العلم و الفقه و أحد الراوين النص على إمامة الامام الرضا(ع)و له حديث طويل مع الامام(ع) (4).

303-يعقوب بن جعفر.

ابن محمد،عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام موسى(ع)و ظاهرهر.


1) منهج المقال:371،النجاشي 344،الكشي.

2) منهج المقال:374.

3) تنقيح المقال:326/3.

4) نفس المصدر.

كونه إماميا مجهول الحال (1).

304-يعقوب بن الفضل.

ابن يعقوب الهاشمي،روى عن أبى عبد اللّه و أبي الحسن(ع) (2).

305-يوسف بن يعقوب.

من أصحاب الامام موسى(ع)و قد رمي بالوقف (3).

306-يونس بن عبد الرحمن.

مولى علي بن يقطين من أفذاذ الأمة الاسلامية و من كبار علمائها و كان وحيد عصره في تقواه و ورعه،تربى في مدرسة الامام الكاظم،و أخذ منه العلوم و المعارف،و من بعده اختص بولده الامام الرضا(ع)و فيما يلي بعض شئونه و أحواله.

1-ولادته.

كانت ولادته في أيام هشام بن عبد الملك (4).

2-نشأته.

نشأ يونس على التقوى و الصلاح و تغذى من علوم أهل البيت و كان في جميع أدوار حياته مثالا فذا للتكامل الانساني،و قضى حياته في تحصيل العلوم من منبعها و معدنها و هم أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس8.


1) تنقيح المقال:330/3.

2) النجاشي:ص 45،ذكره في ترجمة الحسين بن محمد

3) الخلاصة،القسم الثاني.

4) النجاشي:ص 348.

و طهرهم تطهيرا حتى صار وحيد عصره في تقواه و ورعه و علمه.

3-سمو منزلته.

كان يونس بن عبد الرحمن جليل الشأن عظيم المنزلة،له المكانة العليا عند أهل البيت،و قد وردت في حقه و الثناء عليه أخبار كثيرة من الأئمة عليهم السلام كما أثنى عليه بعض كبار صحابتهم،و فيما يلي ذلك:

1-الامام الرضا.

روى عبد العزيز المهتدي قال:سألت الامام الرضا(ع)فقلت له:إنى لا ألقاك فممن أخذ معالم ديني؟فقال(ع):خذ عن يونس ابن عبد الرحمن (1)و اشارة الامام له في الفتيا و العلم آية على وثاقته و تقدمه في العلم و الفضل،و قال الامام الرضا(ع):في حقه أيضا«أبو حمزة الثمالي في زمانه كسلمان في زمانه و ذلك أنه خدم منا أربعة:علي بن الحسين،و محمد ابن علي،و جعفر بن محمد،و برهة من عصر موسى بن جعفر،و يونس في زمانه كسلمان في زمانه».

2-الامام الجواد.

روى أحمد بن أبي خلف قال:كنت مريضا فدخل عليّ أبو جعفر عليه السلام و كان عند رأسي كتاب«يوم و ليلة»-و هو من مؤلفات يونس-فأخذه الامام و جعل يتصفحه ورقة ورقة حتى أتى على آخره يردد رحم اللّه يونس (2)و قد ضمن(ع)ليونس الجنة.ر.


1) الكشي:ص 301.

2) نفس المصدر.

3-الفضل بن شاذان:

و قال الفضل في حقه:ما نشأ في الاسلام من سائر الناس كان أفقه من سلمان الفارسي،و لا نشأ رجل بعده أفقه من يونس بن عبد الرحمن (1)و هناك طائفة أخرى من الأخبار و كلمات الثناء من الاعلام،و هي تشيد بفضله و سمو مكانته.

4-علمه.

كان علامة زمانه-كما قال ابن النديم- (2)و اعترف جميع المترجمين له بعلمه الغزير وسعة اطلاعه و اشارة الامام له بالفتيا و العلم تدل على غزارة علمه،و يقال إنه انتهى علم الأئمة(ع)الى أربعة نفر و هم:سلمان الفارسي و جابر،و السيد،و يونس بن عبد الرحمن،كما ذكر الكشي».

5-مؤلفاته.

و ألف يونس كتبا كثيرة دلت على تضلعه في كثير من العلوم،فقد روى الفضل بن شاذان،فقال إنه ألف الف جلد ردا على المخالفين (3)و الى القراء بعض تآليفه:

(1)كتاب«يوم و ليلة»و قد قرضه الامام الجواد بما تقدم ذكره و قد عرض الكتاب على أبي محمد العسكري(ع)فقال(ع):اعطاه اللّه بكل حرف نورا يوم القيامة (4).ة.


1) الكشي ص:301.

2) الفهرست:ص 323.

3) الكشي ص:302.

4) الخلاصة.

(2)كتاب«علل الأحاديث».

(3)كتاب«الصلاة».

(4)كتاب«الصيام».

(5)كتاب«الزكاة».

(6)كتاب«الوصايا و الفرائض».

(7)كتاب«جامع الآثار».

(8)كتاب«البداء» (1).

(9)كتاب«السهو».

(10)كتاب«الأدب و الدلالة على الخير».

(11)كتاب«الفرائض».

(12)كتاب«الجامع الكبير في الفقه».

(13)كتاب«التجارات».

(14)كتاب«تفسير القرآن».

(15)كتاب«الحدود».

(16)كتاب«الأدب».

(17)كتاب«المثالب».

(18)كتاب«علل النكاح»و تحليل المتعة».

(19)كتاب«نوادر البيع».

(20)كتاب«الرد على الغلاة».

(21)كتاب«ثواب الحج».

(22)كتاب«النكاح».ي.


1) ذكر هذه الكتب ابن النديم في الفهرست:ص 323،و ذكرها النجاشي.

(23)كتاب«الطلاق».

(24)كتاب«المكاسب».

(25)كتاب«الوضوء».

(26)كتاب«البيوع و المزروعات».

(27)كتاب«اللؤلؤ في الزهد».

(28)كتاب«الامامة».

(29)كتاب«فضل القرآن» (1).

(30)كتاب«اختلاف الحديث».

(31)كتاب«مسائله عن أبي الحسن موسى» (2).

و دلت هذه المؤلفات على احاطته بمختلف العلوم و الفنون.

6-تقواه.

كان يونس على جانب عظيم من التقوى و الصلاح،فمن مظاهر عبادته و تقواه أنه حج إحدى و خمسين حجة و صام عشرين سنة و سأل ربه عشرين سنة (3).

7-مع الواقفية.

كان يونس بن عبد الرحمن صلب العقيدة راسخ الايمان،و قد بذلت الواقفية بعد موت الامام موسى(ع)جميع جهودها على ضمه إليهم فلم يفلحوا،و قد حدث يونس عن أسباب تلك الفتنة التي حلت بأصحاب الامام3.


1) النجاشي:ص 349.

2) الفهرست للشيخ الطوسي.

3) الكشي:ص 303.

و عن اغراء الواقفية له و ذكرنا حديثه في الفصول المتقدمة.

8-؟؟؟.

و كلما ازداد شأن الانسان و علت مكانته الاجتماعية كثير حساده،و ما من عبقري أو عظيم إلا مني بكثرة الحاقدين عليه،و كان يونس بن عبد الرحمن بن اولئك الأفذاذ الموهوبين الذين خصهم اللّه بمزيد العلم و الفضل و كان بطبيعة الحال أن يكثر حساده و أعداؤه،و قد شكا ذلك الى الامام موسى(ع)فقال له:إنهم يقولون لي زنديق،فهدأ(ع)روعه و قال له:

«ما يضرك أن يكون في يدك لؤلؤة،فيقول الناس:هي حصاة، و ما ينفعك أن يكون في يدك حصاة فيقول الناس لؤلؤة» (1).

و شكا مرة الى الامام الرضا(ع)ما يلقاه من أصحابه،فقال(ع)له:

دارهم فان عقولهم لم تبلغ (2)،و قيل ليونس إن كثيرا من هذه العصابة يقعون فيك،و يذكرونك بغير الجميل،فقال:اشهدكم أن كل من له في أمير المؤمنين(ع)نصيب فهو في حل (3)،لقد عفا عن جميع من أساء إليه من أصحابه،و صفح عمن أذنب إليه،و قد اقتبس هذا الخلق الرفيع من أئمة أهل البيت(ع)الذين عناهم اللّه في كتابه الكريم بقوله:«و الكاظمين الغيظ و العافين عن الناس».

9-وفاته.

اختاره اللّه الى لقائه و هو نقي الثوب قد أبلى بلاء حسنا في الدفاعر.


1) الكشي:ص:304.

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر.

عن الاسلام و التبشير بمبدإ أهل البيت(ع)و قد توفي في يثرب سنة«208 ه‍» (1)و لما بلغ موته الامام الرضا(ع)قال:انظروا الى ما ختم اللّه ليونس قبضه بالمدينة مجاورا لرسول اللّه(ص) (2)رحم اللّه يونس و جزاه عن الاسلام خير الجزاء و حشره«مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا».

307-يونس بن يعقوب.

ابن قيس،أبو علي البجلي الدهني الكوفي،اختص بأبي عبد اللّه(ع) و أبي الحسن(ع)و كان يتوكل لأبي الحسن (3)وعده الشيخ المفيد من فقهاء أصحاب الصادقين(ع)و من الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأحكام الذين لا يطعن فيهم و لا طريق الى ذم واحد منهم،و هم أصحاب الأصول المدونة،و المصنفات المشهورة (4)و مما يدل على وثاقته أنه و كله أبو عبد اللّه و أبو الحسن(ع)ليشتري لهما بعض الأشياء فلما اشترى ذلك و أوصله إليهما قال له أحدهما:ما أنت عندنا بمتهم،إنما أنت رجل منا أهل البيت فجعلك اللّه مع رسوله و أهل بيته،و اللّه فاعل ذلك إن شاء اللّه (5).

توفي في يثرب و تولى تجهيزه الامام الرضا(ع)فبعث بحنوطه و كفنه و جميع ما يحتاج إليه،و أمر مواليه و موالي أبيه وجده أن يحضروا جنازته و قال لهم:«هذا مولى لأبي عبد اللّه(ع)و كان يسكن العراق».6.


1) تنقيح المقال:339/3.

2) الكشي ص:302.

3) النجاشي:348.

4) الارشاد.

5) الكشي:ص 246.

و قال لهم احفروا له في البقيع،فان قال لكم أهل المدينة إنه عراقي لا ندفنه في البقيع،فقولوا لهم:هذا مولى لأبي عبد اللّه(ع)و كان يسكن العراق فان منعتمونا أن ندفنه في البقيع منعناكم أن تدفنوا مواليكم في البقيع و أمر(ع)محمد بن الحباب بالصلاة عليه،فصلى عليه و دفن في البقيع (1)و قبل أن نلقي الستار على هذا الفصل نذكر بعض أصحاب الامام الذين عرفوا بكنيتهم و اشتهروا بها و هم:

308-أبو جبل.

من أصحاب الامام(ع)و هو من الواقفية (2)ضعيف الحديث (3)309-أبو جعدة.

عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)و قال إنه واقفي و نص العلامة على ذلك أيضا في الخلاصة» (4).

310-أبو خالد.

الذيال،هكذا عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع)و أضاف أنه مجهول (5).

311-أبو خالد.3.


1) الكشي:ص 246.

2) الخلاصة.

3) الوجيزة،و غيرها.

4) تنقيح المقال:8/3.

5) تنقيح المقال 14/3.

الزبالي من أصحاب الامام(ع) (1)و قد ذكرنا في الجزء الأول من هذا الكتاب مرور الامام(ع)عليه في زبالة لما اعتقله المهدي و ما جرى له من الحديث معه.

312-أبو زكريا.

الأعور عده الشيخ في رجاله من أصحاب الامام الكاظم(ع)مضيفا الى ذلك أنه ثقة،و أنه قد روى عن علي بن رباط (2).

313-أبو سعيد.

القماط،عده الشيخ من أصحاب الامام الكاظم(ع) (3).

314-أبو سلمة.

عده الشيخ في رجاله في باب الكنى من أصحاب الامام الكاظم(ع) و أضاف إلى ذلك قيل ان اسمه خلف بن خلف اللفائفي خادم أبي الحسن،و ظاهره كونه إماميا مجهول الحال (4).

315-أبو شعيب.

المحاملي،مولى علي بن الحكم بن الزبير الأنباري،كوفي،ثقة من رجال أبي الحسن موسى(ع)و له كتاب (5).

316-أبو عامر.54


1) رجال ابن داود.

2) تنقيح المقال:17/3.

3) تنقيح المقال:18/3.

4) تنقيح المقال:17/3.

5) النجاشي:ص 354

ابن جناح،روى عن أبي الحسن و الرضا(ع)و كان ثقة (1).

317-أبو العلا.

الحضرمي،عده الشيخ بهذا العنوان في رجاله في باب الكنى من أصحاب الامام الكاظم(ع)و ظاهره كونه إماميا مجهول الحال (2).

318-أبو المحتمل.

الكوفي،ثقة،روى عن أبي عبد اللّه(ع)و من أصحاب الامام الكاظم(ع) (3).

319-أبو مصعب.

الزيدي،ثقة من أصحاب الامام الكاظم(ع) (4).

320-أبو يحيى.

عده الشيخ في باب«الكنى»من رجاله من أصحاب الامام موسى عليه السلام،و قال في«الفهرست»إن له كتابا،قال الحائري:الظاهر أنه من الامامية (5).

321-أبو يحيى.

المكفوف،عده الشيخ في باب«الكنى»من أصحاب الامام3.


1) النجاشي ذكره في ترجمة أخيه سعيد بن جناح ص 138

2) تنقيح المقال:26/3.

3) نفس المصدر:ص 32،الخلاصة

4) الخلاصة،الحاوي.

5) التنقيح:39/3.

الكاظم(ع)و قال في«الفهرست»له كتاب،و كذا قال النجاشي و استفاد الحائري من مصاحبته للامام أنه محل اعتماد (1).

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن ذكر بعض أصحاب الامام و رواة حديثه و حملة علمه،و كان أكثرهم من عظماء العلماء و كبار المؤلفين الذين زودوا العالم الاسلامي في عصرهم بنتاجهم القيم مما دل على أن النهضة الفكرية كانت تستند الى أئمة أهل البيت(ع)فهم الذين فجروا طاقاتها في دنيا العرب و الاسلام.

إن هذه الكوكبة من الرواة قد كشفت لنا جانبا مهما من حياة الامام(ع) و دللت على أهمية الدور الذي قام به في رفع منار العلم و تشييد صروحه، و نشر الوعي الثقافي في ربوع العالم.

إن مدرسة الامام(ع)قد بلورة الحياة الفكرية في العالم الاسلامي و عملت على تقديم المسلمين في جميع الميادين،و كان الانتماء لها من موجبات الاعتزاز و الفخر فقد عيب على الامام مالك-احد رؤساء المذاهب الأربعة- لتركه أخذ الرواية عن الامام (2)و منه يتضح مدى الأهمية البالغة لمدرسة الامام و للرواية عنه في الأوساط العلمية.2.


1) تنقيح المقال 39/3.

2) لسان الميزان 277/2.

ابناء الإمام

اشارة

و أنجب الامام موسى عليه السلام الذرية الطاهرة و النسل الطيب فكانوا من خيرة ابناء المسلمين-في ذلك العصر-تقوى و صلاحا و هديا و ورعا و ابتعادا عن مآثم الحياة و أباطيلها،و قد نشأ الكثيرون منهم نشأة دينية كاملة لأن الامام(ع)قد وجههم الوجهة الصالحة فسكب في نفوسهم المثل العليا و الايمان باللّه و التفاني في سبيل العقيدة و العمل على خدمة الحق،قال ابن الصباغ في حقهم:«ان لكل واحد من أولاد أبي الحسن موسى(ع)فضلا مشهودا» (1).

و قال الشيخ الطبرسي:«إن لكل واحد من أولاد أبي الحسن موسى(ع) فضلا و منقبة مشهورة» (2).

لقد ورثوا الفضل و الشرف و المجد عن آبائهم فكانوا في سلوكهم و هديهم أمثلة رائعة للفضيلة و الكمال.

و اندفع بعضهم الى اعلان الثورة على حكومة بني العباس لأجل اسعاد المسلمين،و انقاذهم من جور العباسيين و استبدادهم،كما سنذكر ذلك، و قبل عرض تراجمهم نعرض الى أن النسابين،و رواة الأثر قد اختلفوا في عددهم اختلافا كثيرا و فيما يلي ذلك:

«الاول»انهم ثلاثة و ثلاثون الذكور منهم«16»و الاناث«17» (3)«الثاني»سبعة و ثلاثون الذكور«18»و الاناث«19» (4).

«الثالث»ثمانية و ثلاثون الذكور«20»و الاناث«18» (5).4.


1) الفصول المهمة:ص 256.ط.ايران.

2) أعلام الورى.

3) تحفة الأزهار و زلال الأنهار.

4) صحاح الأخبار:ص 46،الفصول المهمة:ص 256،البحار.

5) كشف الغمة:ص 243،تذكرة الخواص:ص 84.

«الرابع»اربعون الذكور منهم«18»و الاناث«22» (1).

«الخامس»ستون الذكور«23»الاناث«37» (2).

و هناك أقوال غير هذه،أما أسماء الذكور و الاناث منهم فكما يلي:

«الذكور»:

الامام الرضا(ع)،اسماعيل،جعفر،هارون،حمزة،محمد،أحمد قاسم،عباس،ابراهيم،حسن،عبد اللّه،زيد،حسين،الفضل،سليمان سالم،سعيد (3)،عقيل،ابراهيم الأكبر و عبد اللّه (4).

«الاناث»:

أمّ عبد اللّه،قسيمة،لبابة،أم جعفر،أمامة،كلثم،بريهة أمّ القاسم،محمودة،امينة الكبرى،علية،زينب،رقية،حسنة،عائشة أمّ سلمة،أسماء،أمّ فروة،آمنة،أم أبيها،حليمة،رملة،ميمونة،امينة الصغرى،اسماء الكبرى،زينب،زينب الكبرى،فاطمة الكبرى،فاطمة أمّ كلثوم الكبرى،أمّ كلثوم الوسطى،أمّ كلثوم الصغرى،و زاد الاشناني عطفة،و عباسة،و خديجة الكبرى،و خديجة (5)و صرحة (6)و على هذا فتكون عدد السيدات من ابنائه سبعا و ثلاثين و نظم الشيخ الافتوني في ارجوزته اسماءهم بقوله:ر.


1) سر السلسلة العلوية.

2) المجدي،عمدة الطالب،مناهل الضرب في أنساب العرب.

3) عمدة الطالب.

4) احسن الكبار.

5) المجدي.

6) تحفة الأزهار.

و ولده علي النبراس يتلوه ابراهيم و العباس

و قاسم و جعفر محمد هارون اسماعيل ثم أحمد

و حمزة اسحاق و عبد اللّه زيد سليمان عبيد اللّه

رقيتان حسن ثم حسن زينب أمّ سلمة فاستبصرن

أم أبيها و بها تم العدد و الكل أولاد سرارى لا قعد (1)

لقد نظم الافتوني في ارجوزته اثنين و عشرين شخصا،و هو ممن يذهب الى أن ذلك هو تمام عددهم،و هو قول ضعيف للغاية فان عددهم يربو على ذلك بكثير.

و نقدم عرضا موجزا لتراجم من عثرنا على ترجمته منهم:

1-الامام الرضا.

اشارة

هو الامام الثامن من أئمة أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا،و قد أحيى اللّه به الاسلام،و أعز به المسلمين،فكان سلام اللّه عليه من المجددين لهذا الدين،و المنافحين عنه،و المجاهدين في سبيله..و نتحدث-بايجاز-عن بعض شئونه و أحواله:

ولادته:

ولد(ع)في يثرب سنة«148 ه‍ ه‍» (2)و قيل سنة«153 ه‍» (3)لاحدى عشر ليلة خلت من ربيع الأول (4)،و حفلت الاسرة النبوية في


1) وجدنا هذه الارجوزة بخط البراقي على هامش النفحة العنبرية

2) اصول الكافي:486/1.

3) وفيات الأعيان:432/2.

4) كشف الغمة:87/3.

ذلك اليوم الزاهر بالأفراح و المسرات فقد أطل عليها خير أهل الأرض بعد آبائه،و قام الامام موسى(ع)فأجرى على وليده المبارك مراسيم الولادة فأذن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى و في اليوم السابع عق عنه بكبش،و حلق رأسه،و تصدق بزنته فضة على المساكين.

نشأته.

نشأ(ع)في حجر الاسلام،و تربى في مدرسة الايمان،و قد تولى تربيته أبوه الامام موسى(ع)فسكب في نفسه مثله العليا،و تعاهده بالرعاية و العطف،و رسم له الطريق في سلوكه،و هديه،و قد ظفر في سنه المبكر بأسمى ألوان التربية الاسلامية التي تعني بغرس روح الفضيلة و الكمال في النفوس.

معالي أخلاقه.

و ضارع الامام الرضا(ع)في أخلاقه أخلاق آبائه من الأئمة الطاهرين التي امتازوا بها على سائر الناس،و قد تحدث ابراهيم بن عباس عن سمو أخلاق الامام(ع)فقال:

«ما رأيت،و لا سمعت بأحد افضل من أبي الحسن الرضا،و شهدت منه ما لم أشاهد من أحد،و ما رأيته جفا أحدا بكلام قط و لا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه،و ما رد أحدا عن حاجة قدر عليها،و لا مد رجليه بين يدي جليس له قط،و لا اتكأ بين يديه جليس له قط،و لا رأيته يشتم أحدا من مواليه و مماليكه،و لا رأيته تفل قط،و لا رأيته يقهقه في ضحكه،بل كان ضحكه التبسم،و كان اذا خلا و نصبت الموائد أجلس على مائدته مماليكه و مواليه حتى البواب،و السائس،و كان قليل النوم بالليل كثير الصوم،و لا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر،و يقول:إن

ذلك يعدل صيام الدهر،و كان كثير المعروف و الصدقة في السر،و اكثر ذلك منه لا يكون إلا في الليالي المظلمة،فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه..» (1).

و هذه الصفات الرفيعة هي السر في اجماع المسلمين على اكباره و تعظيمه و القول بامامته.

علمه.

كان الامام الرضا(ع)على غرار آبائه في عبقرياته،و مواهبه العلمية و قد أجمع الرواة على أنه كان أعلم أهل عصره،و قد افتى الناس بمسجد جده رسول اللّه(ص)و هو ابن نيف و عشرين سنة (2)و قال عبد السلام بن صالح الهروي:«ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا(ع)و لا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي،و لقد جمع المأمون في مجالس له عددا من علماء الأديان،و فقهاء الشريعة،و المتكلمين،فغلبهم عن آخرهم،حتى ما بقي منهم أحد إلا أقر له بالفضل،و أقر على نفسه بالقصور،و لقد سمعته يقول:كنت أجلس في«الروضة»و العلماء بالمدينة متوافرون،فاذا عي الواحد منهم عن مسألة أشاروا لي بأجمعهم،و بعثوا إلي المسائل فأجيب عنها..» (3).


1) كشف الغمة:106/3.

2) تهذيب التهذيب 388/7،تذكرة الخواص:198.

3) كشف الغمة:107/3،و في نور الأبصار«ص 140»قال ابراهيم بن العباس:ما رأيت الرضا سئل عن شيء إلا علمه،و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الى وقت عصره،و كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيبه الجواب الشافي.

و قد عني محمد بن عيسى بتدوين المسائل التي سئل عنها الامام الرضا(ع) فكانت ثمانية عشر الف مسألة (1).

و قد أشاد الامام موسى(ع)بمواهب ولده الرضا و علمه فقال لبنيه:

«هذا أخوكم علي بن موسى عالم آل محمد فاسألوه عن أديانكم،و احفظوا ما يقول لكم:فاني سمعت جعفر بن محمد(ع)يقول لي:«إن عالم آل محمد لفي صلبك،و ليتني أدركته فانه سمى امير المؤمنين-يعني جده الامام علي بن أبي طالب(ع)-» (2).

إن الشيعة منذ فجر تأسيسها حتى يوم الناس هذا تعتقد اعتقادا جازما لا يخامره أدنى شك ان الامام لا بد أن يكون أعلم أهل عصره و لا بد أن يتمتع بطافات ضخمة من العلم بحيث لا يجاريه أحد في فضله و مواهبه...

و كان المأمون و هو أعلم ملوك بني العباس،و أذكاهم لا يؤمن بذلك،و يعتقد بأنه ضرب من الغلو،فرأى ان خير وسيلة الى انقاضه أن يعهد الى كبار العلماء على اختلاف أديانهم و مذاهبهم بسؤال الامام في مختلف العلوم و الفنون التي اختصوا بها لعله أن يعجز عن جوابهم فيتخذ من ذلك وسيلة الى افساد المذهب الشيعي و ابطال فكرة الامامة،و هو منطق وثيق للغاية،فاحضر الجاثليق و رأس الجالوت-و هما من كبار علماء النصارى-و كذلك أحضر علماء الصابئة منهم عمران الصابئي،و الهربذ الأكبر،و احضر اصحاب زرادشت،و فسطامي،و احضر علماء الكلام منهم سليمان المروزي،و أمرهم بأن يسألوا الامام الرضا(ع)فتقدموا إليه،و سألوه عن امهات المسائل الفلسفية و الكلامية و غيرها فأجابهم(ع)عنها بالتفصيل (3)و قد اعترفوا بعجزهم4.


1) مناقب ابن شهر اشوب 351/4.

2) كشف الغمة 107/3.

3) المناقب 351/4.

و قصورهم،و باء المأمون بالخيبة و الخزي فقد اعتقد كثير من اولئك العلماء بفكرة الامامة،و زادت الحادثة ايمان الشيعة و وثوقها بما تذهب إليه.

رواة حديثه.

و روى عنه ابنه محمد الجواد،و أبو عثمان المازني النحوي،و علي بن علي،و أيوب بن منصور النيسابوري،و أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهروي،و المأمون بن الرشيد،و علي بن مهدي بن صدقة،له عنه نسخة و أبو أحمد داود بن سليمان بن يوسف القزويني،له عنه نسخة،و عامر بن سليمان الطائي له عنه نسخة كبيرة،و أبو جعفر محمد بن محمد بن حيان التمار و روى عنه من أئمة الحديث آدم بن أبى اياس،و نصر بن علي الجهغمي و محمد بن رافع القشيري و غيرهم (1).

بعض حكمه و آرائه.

و للامام الرضا(ع)تراث فكري رائع حافل بالمثل الكريمة و القيم العليا،و قد احتوت على آداب السلوك و مناهج التربية،كما ان له بحوثا ممتعة في الفلسفة و علم الكلام،و التفسير،و الطب،و غير ذلك،و نعرض الى بعض حكمه و آرائه:

1-قال(ع):«خمس من لم تكن فيه فلا ترجوه لشيء من الدنيا و الآخرة:من لم تعرف الوثاقة في ارومته (2)و الكرم في طباعه، و الرصانة في خلقه،و النبل في نفسه و المخافة لربه» (3).


1) تهذيب التهذيب 387/7.

2) الأرومة الأصل.

3) تحف العقول ص 446.

2-قال(ع):«لا يستكمل عبد حقيقة الايمان حتى تكون فيه خصال ثلاث التفقه في الدين،و حسن التقدير في المعيشة و الصبر على الرزايا (1)3-قال(ع):«إن الذي يطلب من فضل يكف به عياله أعظم أجرا من المجاهد في سبيل اللّه» (2).

4-قال(ع):«الايمان أربعة:التوكل على اللّه،و الرضا بقضاء اللّه،و التسليم لأمر اللّه،و التفويض الى اللّه،قال العبد الصالح:يعني مؤمن آل فرعون-«و أفوض أمري إلى اللّه،فوقاه اللّه سيئات ما مكروا» (3).

5-قال(ع):«ليس الحمية من الشيء تركه،و لكن الاقلال منه» (1).

6-قال(ع):«أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواضع:

يوم يولد الى الدنيا و يخرج المولود من بطن أمه،فيرى الدنيا،و يوم يموت فيعاين الآخرة و أهلها،و يوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا و قد سلم اللّه تعالى على يحيى في هذه المواطن الثلاثة و آمن روعته،فقال:

«و سلام عليه يوم يولد و يوم يموت و يوم يبعث حيا»و قد سلم عيسى بن مريم على نفسه في هذه المواطن الثلاثة فقال:و السلام علي يوم ولدت و يوم أموت و يوم أبعث حيا» (2).

7-قال(ع):«إن مشي الرجال مع الرجل فتنة للمتبوع،و مذلة0.


1) كشف الغمة 99/3.

2) نور الأبصار:ص 140.

للتابع (1).

8-قال(ع):«استعمال العدل و الاحسان مؤذن بدوام النعم» (2).

9-قال(ع):«لا يجتمع المال إلا بخصال خمس:ببخل شديد،و أمل طويل،و حرص غالب،و قطيعة الرحم،و إيثار الدنيا على الآخرة» (3)10-قال(ع):«عونك للضعيف أفضل من الصدقة» (4).

11-قال(ع):«من أحب عاصيا فهو عاص،و من أحب مطيعا فهو مطيع،و من أعان ظالما فهو ظالم،و من خذل عادلا فهو ظالم،إنه ليس بين اللّه و بين أحد قرابة،و لا ينال أحد ولاية اللّه إلا بالطاعة،و لقد قال رسول اللّه(ص)لبني عبد المطلب:ايتوني بأعمالكم لا بأحسابكم و أنسابكم،قال اللّه تعالى:« فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ، فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ » (5).

12-قال(ع):«ان اللّه يبغض القيل و القال،و اضاعة المال و كثرة السؤال..» (6).

و بهذه الشذرات الموجزة من كلامه ينتهي بنا الحديث على بعض ما أثر عنه من الحكم و الآداب.3.


1) تأريخ اليعقوبي 181/3.

2) عيون أخبار الرضا 24/2.

3) عيون أخبار الرضا 276/1.

4) تحف العقول:ص 446.

5) عيون أخبار الرضا 235/2.

6) تحف العقول:ص 243.

امامته:

و تواترت النصوص من الامام موسى(ع)على امامة ولده الرضا،و قد روى عنه النص كل من داود بن كثير الرقي،و محمد بن اسحاق بن عمار، و علي بن يقطين،و نعيم القابوسي،و الحسين بن المختار،و زياد بن مروان و داود بن سليمان،و نصر بن قابوس،و داود بن رزين،و يزيد بن سليط و محمد بن سنان المخزومي (1).

ولاية العهد:

و الشيء المحقق ان الامام الرضا(ع)قد أكره على قبول ولاية العهد فقد أقسره المأمون على ذلك،و تهدده بالقتل إن لم يستجب له،فاضطر عليه السلام على كره الى اجابته (2)و انما رشحه لولاية العهد لعوامل سياسية خطيرة ألجأته الى الاقدام على ذلك،و لم يكن سببه ميله للعلويين و شدة عطفه و حبه لهم-كما يقول بذلك البعض-فانه لا واقعية له،و الذي يذهب إليه لا ينظر الى الأحداث بدقة و عمق و شمول،فان المأمون لم يقدم على هذا الأمر الخطير إلا بعد أن اضطر إليه..اما العوامل السياسية فأهمها -فيما نحسب-هي ما يلي:

1-إن الدولة العباسية كانت مهددة بالخطر بواسطة الثورات الداخلية التي تزعم قيادتها ابناء الامام موسى(ع)و هم ابراهيم الاكبر،و زيد، و غيرهما،فقد أعلنوا الثورة على الحكم العباسي بسبب ما عانوه من الظلم و الجور و الاضطهاد،و قد تولى قيادة الثورة أبو السرايا،و كان


1) المناقب 367/4،أصول الكافي 311/1-319.

2) عيون أخبار الرضا 140/2-141،كشف الغمة،المناقب

كأبي مسلم الخراساني في عزمه،و يقظته،و شدة بأسه،و استجابت اكثر الشعوب الاسلامية لهذه الثورة،و سقط قسم كبير من الاقاليم الاسلامية كالحجاز و اليمن،و قسم من العراق،و غيرها بأيدي الثوار،و سنبين تفصيل ذلك فيما يأتي من البحوث.

و انفق المأمون لياليه ساهرا،و هو يفتش عن الوسائل التي يتخلص بها من هذا الخطر المحدق به،و بعد تفكير جاد رأى ان خير وسيلة لاطفاء نار الحرب و التخلص من خصومه ان يعهد بالأمر من بعده الى الامام الرضا و يشركه في الخلافة ليكتسب بذلك ميل الثوار،و رجوعهم عن التمرد، و العصيان،كما يكسب بذلك ميل العلويين الذين أجمعوا على تقديم الامام عليهم لعلمه و فضله و زهده...و كانت هذه الخطة السياسية موفقة الى أبعد الحدود،فقد فشلت الثورة،و فللت جميع قواعدها فور اعلان المأمون لذلك،فقد تراجع الثوار عن نيتهم و تصميمهم،و اعلنوا رضاهم و سرورهم بذلك كما اعلنوا تأييدهم للمأمون،و الاذعان لسلطانه و حكمه،و قد استراح المأمون و أمن من اهم الأخطار التي كانت محدقة بدولته.

2-ان القوات المسلحة التي اعتمد عليها المأمون لمحاربة أخيه الأمين كان القسم الكثير من قوادها،و زعماء فرقها ممن يميلون الى العلويين،و قد شرطوا عليه فيما يقول بعض المؤرخين انهم لا يفتحون نار الحرب على الأمين إلا ان يجعل الامام الرضا وليا لعهده فأجابهم الى ذلك،فاذا صح ذلك فهو مضطر الى اجابتهم خوفا من الانتفاضة عليه.

3-ان الأحداث الرهيبة،التي جرت بين الأمين و المأمون، قد أوجبت اجماع الرأي العام على بغض المأمون،و كراهته،فقد عاثت جيوشه فسادا في بغداد فخربت كثيرا من قصورها و مساكنها،و فقدت بهجتها و زينتها و محاسنها،و عملت فيها المراثي،و مما قيل فيها:

بكيت دما على بغداد لما فقدت غضارة العيش الأنيق

أصابتها من الحساد عين فأفنت أهلها بالمنجنيق (1)

و تعرضت البلاد للمجاعة الشاملة،و فقدان الأمن،و فزع البغداديون و داخلهم أعظم الخوف،و أقساه و لم ينسوا محنتهم في تلك الأيام فظلوا يتحدثون عنها بعد عشرات من السنين.

و مما زاد في نقمة العامة على المأمون أن جيوشه لما ظفرت بأخيه الأمين لم ترحمه و لم تعفوا عنه،و انما نكلت به فعمدت الى قتله و قتل مؤيديه، و أبردت برءوسهم الى المأمون،و قد نفرت العامة من قتل الأخ الى أخيه و أجمعت على بشاعة ذلك،و ان صاحب هذا العمل لا يملك ذرة من العاطفة و النبل،و لا يستحق أن يتولى أمر المسلمين،و يكون حاكما عليهم.

و أراد المأمون بعد هذه الأحداث أن يكسب ود الناس،و يبدل نقمتهم بالمحبة و الرضا،فعهد بالأمر من بعده الى سليل النبوة،و عالم آل محمد(ص)الذي أجمع المسلمون على حبه،و تعظيمه و اكباره،و انه أحق بأمر المسلمين من غيره..و قد نال المأمون بذلك و دعامة الناس و تقديرهم و الثناء عليه،و انه قد أوصل ارحاما قد قطعت،و آمن نفوسا قد فزعت و أحيى أسرة النبي(ص)التي أتلفها جور العباسيين و ظلمهم.

هذه بعض العوامل التي حفزت المأمون على تعيينه للامام وليا لعهده و لم يكد يخفى على الامام(ع)ذلك،فقد امتنع أشد الامتناع من قبول الأمر،و لما لم يجد سبيلا الى الرفض شرط عليه شروطا ليظهر للناس كراهته و زهده في الحكم،و هي:

1-لا يأمر،و لا ينهى.

2-لا يفتي،و لا يقضي.9.


1) تأريخ الخلفاء:ص 299.

3-لا يولي أحدا،و لا يعزل أحدا.

4-لا يغير شيئا مما هو قائم (1).

و هذه الشروط دللت على زهده في الحكم فقد جعلته بمعزل عنه كما جعلته منفصلا عن الهيئة السياسية الحاكمة،و لو كان الامام(ع)يعلم بواقعية ذلك و صدق المأمون لما شرط ذلك عليه،و لما ابتعد عن الاشتراك بأي عمل ايجابي ؟؟؟ للدولة.

و على أي حال فان المأمون أظهر سروره البالغ بذلك،و أصدر مرسوما ملكيا باقامة المهرجانات و الزينة في جميع انحاء البلاد،و أمر بازالة السواد من اللباس و الأعلام الذي كان شعارا للعباسيين،و تبديله باللباس الأخضر الذي هو شعار العلويين،و ضرب اسم الامام الرضا(ع)على الدرهم و الدينار،و فرق الجوائز الثمينة،و الهبات الضخمة على الناس، و عهد الى الشعراء ان يمدحوا الامام و يثنوا عليه،و انبرى العباس الخطيب فتكلم،و اثنى على المأمون احسن الثناء،و ختم ذلك بقوله:

لا بد للناس من شمس و من قمر فأنت شمس و هذا ذلك القمر (2)

و تبارى الشعراء في مدح الامام الرضا(ع)و الثناء على المأمون،و لم يشترك في هذه الحلبات شاعر البلاط ابو نواس،فعاتبه المأمون،و قال له:

قد علمت مكان علي بن موسى الرضا،و ما أكرمته به فلما ذا أخرت مدحه و أنت شاعر زمانك،و قريع دهرك،فتأمل ابو نواس،و نظم هذه الأبيات الخالدة التي سارت مع الزمن قائلا:

قيل لي أنت أوحد الناس طرا في فنون من الكلام النبيه

لك من جواهر الكلام بديع يثمر الدر في يدي مجتنيه2.


1) المناقب 363/4.

2) عيون أخبار الرضا 146/2.

فعلام تركت مدح ابن موسى و الخصال التي تجمعن فيه

قلت لا اهتدي لمدح إمام كان جبريل خادما لأبيه

و فازت هذه الأبيات الرائعة على كافة ما ألقاه الشعراء من قصائد المدح و استحسنها المأمون،و اعجب بها-كما اعجب بها غيره-فأوصله من المال بمثل ما أوصل به كافة الشعراء،و فضله عليهم (1).

و نظر ابو نواس الى الامام فرأى أنوار الامامة و التقوى قد علت من الامام فتقدم إليه،و قال له:يا بن رسول اللّه قد قلت فيك أبياتا أحب أن تسمعها مني،فقال(ع)هاتها،فأنشأ يقول:

مطهرون نقيات ثيابهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا

من لم يكن علويا حين تنسبه فماله من قديم الدهر مفتخر

فاللّه لما يرى خلقا فأتقنه صفاكم و اصطفاكم أيها البشر

فانتم الملأ الأعلى،و عندكم علم الكتاب و ما جاءت به السور

فقال له الامام الرضا،قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد و قال لغلامه:

-هل معك من نفقتنا شيء؟ -ثلاث مائة دينار.

-اعطها إياه.

-ثم قال لغلامه:لعله استقلها سق إليه البغلة،فساقها له (2)و أخذت البيعة بولاية العهد للامام(ع)في جميع الأقطار الاسلامية، و قام الخطباء على المنابر يدعون للامام،و يشيدون بفضله و علمه،و رأىن.


1) عيون أخبار الرضا 143/2،وفيات الاعيان 433/2.

2) عيون أخبار الرضا،وفيات الأعيان.

بعض الشيعة الامام و هو لابس الخلع،و الألوية تخفق على رأسه فغمرته موجات من الفرح و السرور،و بان ذلك على سحنات وجهه فأشار إليه الامام بالدنو منه،فأسر إليه قائلا:«لا تشغل قلبك بشيء مما ترى من هذا الأمر،و لا تستبشر به فانه لا يتم» (1)فكان كما أخبر(ع)فلم يمض قليل من الوقت حتى تنكر له المأمون،و أخذ يسعى جاهدا في اغتياله كما سنذكره.

حقد المأمون على الامام:

و حقد المأمون على الامام حقدا كثيرا،و أترعت نفسه بالبغي و الشر عليه،و ذلك لما ظهر من فضل الامام،فقد عجت النوادي بذكر مآثره و مناقبه،و تحدثت الركبان بمواهبه،و عبقرياته،فصار الناس لا يذكرون إلا فضله و فضل آبائه.

و مما زاد في حقد المأمون خروج الامام(ع)الى صلاة العيد حيث طلب منه المأمون أن يؤم الناس فامتنع(ع)من اجابته،و أصر عليه المأمون إصرارا شديدا فاضطر الى اجابته،و لكنه شرط عليه أن يخرج الى الصلاة كما كان يخرج جده رسول اللّه(ص)وجده الامام امير المؤمنين(ع)فقال له المأمون اخرج كيف شئت،و أوعز المأمون الى قادة الجيش و سائر الناس أن يتجهوا الى أبي الحسن،و أقبلت الجماهير تتقدمها قادة الجيش الى باب الامام الرضا(ع)فلما طلعت الشمس قام(ع)فاغتسل و تعمم بعمامة بيضاء و ألقى طرفا منها على صدره،و طرفا بين كتفيه،و قال لمواليه:

افعلوا مثل ما فعلت،و أخذ بيده عكازا و مشى،و أبى أن يركب،و كبر اربع تكبيرات،و قد تهيأ الجيش،و استعد استعدادا رسميا،فلبسوا السلاح و تزينوا بأحسن زينة،و طلع عليهم الامام كأنه البدر،فوقف على الباب فكبر اربعا،و قال اللّه اكبر على ما هدانا،اللّه اكبر على ما رزقنا من1.


1) الفصول المهمة:ص 271.

بهيمة الانعام،الحمد للّه على ما ابلانا،و ضجت الارض بالتكبير و البكاء فقد تذكر الناس في صورة الامام و حالته جده الرسول(ص)الذي جاء لانقاذ العالم،و عرفوا ضلال اولئك الملوك الذين تجبروا و تكبروا.

و كان(ع)في كل عشر خطوات يكبر ثلاثا،و تخيل الناس ان السماء و الأرض تجاوبه،و صارت مرو ضجة واحدة من البكاء،و بلغ المأمون ذلك فارتاع فقال له الفضل بن سهل:يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن الناس به،و الرأي ان يرجع،فرأى المأمون الصواب في رأيه،فبعث للامام يسأله الرجوع،فقفل(ع)راجعا من دون أن يصلي بالناس (1)و قد اظهرت هذه البادرة للناس روحانية آل النبي(ص) و زهدهم في الدنيا و رفضهم لمباهج الملك و السلطان،و قد أكبرها الناس أي اكبار،و فيها يقول البحري:

ذكروا بطلعتك النبي فهللوا لما طلعت من الصفوف و كبروا

حتى انتهيت الى المصلى لابسا نور الهدى يبدو عليك فيظهر

و مشيت مشية خاشع متواضع للّه لا يزهو و لا يتكبر

و لو أن مشتاقا تكلف غير ما في وسعه لمشى إليك المنبر (2)

و يقول الرواة:إن خروج الامام الى الصلاة بهذه الكيفية كانت من أقوى الاسباب التي أدت الى حقده على الامام،و اقدامه على اغتياله

اغتيال الامام:

و انتشرت فضائل الامام الرضا(ع)و سرت بين الناس كالضوء،


1) اصول الكافي:189/1-190،المناقب:371/4-372، كشف الغمة.

2) المناقب 472/4.

و عجت النوادي بذكر مآثره و مناقبه،و ازدحمت العلماء من جميع الأقطار على باب داره تستفتيه و تسأله عن امهات المسائل على اختلاف أنواعها من الفقه و التفسير و علم الكلام و الفلسفة و الطب و غيرها،فكان عليه السلام يجيبهم من فيض علمه الذي ورثه من جده الامام امير المؤمنين الذي هو باب مدينة علم النبي(ص)و كانت العلماء تذيع بين العامة ما تراه من علوم الامام و فضائله،حتى سرى حبه في القلوب،و تعلقت به الناس،و كانت الاستخبارات تنقل الى المأمون ذلك،فكان يتميز من الغيظ و الحقد على الامام،فأوعز الى محمد بن عمرو الطوسي بطرد الناس عنه،و منعهم من الحضور في مجلسه.

و خاف المأمون على ملكه،و خشي على سلطانه،و حذر من انتفاضة الناس عليه،فقدم على أعظم جريمة،و أفحش موبقة في الاسلام،فقام باغتيال الامام فأخذ عنبا فسمه،ثم دعا الامام،و ناوله العنقود،و قال له:

«يا بن رسول اللّه ما رأيت عنبا أحسن من هذا!!».

فرمقه الامام بطرفه،و قال له:«ربما كان عنب أحسن منه في الجنة»و امتنع الامام من اجابته،فأصر عليه المأمون و أجبره على تناول شيء منه،فأخذ منه قليلا ثم رمى به،و قام من مجلسه،فقال له المأمون:

-الى أين؟ فقال له بصوت خافت:الى حيث وجهتني. (1)

و مضى الامام مسرعا الى ثويه،و قد أخذ منه الألم القاسي مأخذا عظيما،فقد تقطعت أمعاؤه من السم،و هو يعاني ألم الغربة،و البعد عن أهله و وطنه،و لم يمض قليل من الوقت حتى وافاه الأجل المحتوم فصعدت تلك الروح العظيمة الى بارئها...تلك الروح التي هي قبس من نور اللّه4.


1) المناقب 374/4.

خلقها ليضيء بها غياهب الظلمات،و يرشد بها الحائر،و يأمن بها المظلوم و يلجأ إليها الخائف و المستجير،و لكن قوى الشر و الطغيان قد أطفأت ذلك الكوكب،و حرمت الانسان من الاستضاءة بنوره.

لقد رزئ العالم الاسلامي بتلك الفاجعة الكبرى،و خسر بموته خيرا كثيرا،لقد انطوى عز المسلمين و مجدهم،و غاب عنهم من كان يحنو عليهم،و يعطف،و من كان يوجههم الى الخير،و يبعدهم عن الآثام و الشرور.

و كان المأمون يترقب وفاة الامام بفارغ الصبر،فلما وافاه النبأ بموته انبرى و هو يظهر الحزن،و يقول أمام الناس لنفي الجريمة عنه:«كنت آمل أن اقدم قبلك،و لكن أبى اللّه إلا ما أراد» (1).

و أخذ المأمون في تجهيز الامام،و تكفينه،و بعد الفراغ منه حمل الى مقره الأخير،و قد جرى له تشييع هائل لم تشهد نظيره خراسان في جميع مراحل تأريخها،و مشى خلف النعش العظيم المأمون و هو حاف حاسر، رافعا عقيرته قائلا:

«لقد ثلم الاسلام بموتك،و غلب القدر تقديري فيك» (2).

و جاء بالجثمان المقدس فشق له لحدا الى جانب قبر الرشيد،فواراه فيه،و قد وارى معه الحلم و العلم و السخاء،فقد أودع في ارض فارس مصباح من أئمة الهدى،و قد تقدست تلك البقعة الطاهرة،و بلغت القمة شرفا و مجدا،فقد أحيطت بهالة من التكريم و التقديس عند جميع المسلمين و سئل المأمون عن السبب في مواراة الامام الى جانب أبيه،فقال:

«ليغفر اللّه لهارون بسبب جواره للرضا»و هو منطق هزيل فان كل انسان2.


1) كشف الغمة 123/3.

2) عيون اخبار الرضا 241/2.

يدفن بعمله،و لا يجديه شرف الجوار،و قد انبرى دعبل الخزاعي الى الرد عليه بقوله:

قبران في طوس خير الناس كلهم و قبر شرهم هذا من العبر

ما ينفع الرجس من قبر الزكي و ما على الزكي بقرب الرجس من ضرر

هيهات كل امرئ رهن بما كسبت له يداه فخذ ما شئت أو فذر

و هذا هو منطق العدل و الحق،فما ذا يجدي هارون قربه من الامام و جواره منه،و قد تلطخت أيديه بدماء ذرية النبي فأشاع فيهم القتل و الاعدام و أسكن بيوتهم الثكل و الحزن و الحداد.

و بهذا العرض الموجز ينتهي بنا المطاف عن حياة هذا الامام العظيم و عسى أن يساعدنا التوفيق فنتشرف بالبحث عن شئونه و أحواله».

2-ابراهيم الأكبر.

اشارة

و الشيء الذي يدعو الى البحث و الاستقصاء هو أن طائفة من المؤرخين ذهبوا الى أن المسمى بابراهيم من أبناء الامام انما هو شخص واحد،و ليس له ابن آخر يسمى بهذا الاسم،و ذهب آخرون الى التعدد،و نصوا على أنهما اثنان يلقب أحدهما بالأكبر،و الآخر بالأصغر،و قد حقق ذلك آية اللّه المرحوم السيد مهدي بحر العلوم في رجاله قال ما نصه:

«ظاهر الأكثر كالمفيد في«الارشاد»و الطبرسي في«الاعلام» و السروي في«المناقب»و الأربلي في«كشف الغمة»ان المسمى بابراهيم من أولاد أبي الحسن موسى عليه السلام رجل واحد فانهم ذكروا عدة أولاد و لم يذكروا غير رجل.

ثم قال:«و الظاهر تعدد ابراهيم،كما نص عليه صاحب«العمدة»

و غيره من علماء الانساب،فانهم أعلم من غيرهم بهذا الشأن،و ليس في كلام غيرهم ما يصرح بالاتحاد فلا يعارض النص على التعدد...» (1)و رأى الحجة السيد بحر العلوم رأي وثيق فان الأعلام الذين ذكروا ابراهيم لم ينصوا على عدم التعدد كما انهم لم يذكروا جميع ابناء الامام و انما ذكروا بعضهم بالاضافة الى ان علماء النسب قد اثبتوا التعدد و هم أدرى و أثبت من غيرهم في هذه الامور،و بعد هذا فلنعد الى البحث عن شئون هذا السيد الزكي ابراهيم.

كان ابراهيم سيدا جليلا عظيم الشأن و من علماء عصره البارزين،و روى الحديث عن آبائه (2)،و نقل ابن شدقم عن جده ان ابراهيم كان عالما فاضلا كاملا من أئمة الزيدية،و كان شيخا كبيرا كريما (3)،و قال الشيخ المفيد:كان ابراهيم شيخا كريما (4).

و مما يدل على نباهة شأنه ان الامام موسى(ع)جعله من جملة أوصيائه في الظاهر لأجل التنويه باسمه و التشريف له و اعلاء مكانته،و نعرض بعض أحواله.

1-مع الواقفية.

و رماه بعض المترجمين له بالوقف مستندا الى رواية بكر بن صالح قال:دخلت عليه بعد وفاة أبيه فقلت له:

-ما قولك في ابيك؟


1) رجال بحر العلوم 424/1-432.

2) غاية الاختصار،لتاج الدين.

3) تحفة الأزهار.

4) الارشاد.

-هو حي.

-ما قولك في أخيك أبي الحسن؟ -ثقة صدوق.

-إنه يقول،ان أباك قد مضى.

-هو اعلم.

و طلب ابراهيم من بكر أن يخبره بقول أخيه الامام الرضا(ع)في ذلك فأجابه أنه يذهب الى وفاته،و بعد ما سمع بذلك قال:إنه اعلم بما يقول،فقال له بكر:

-أ فأوصى أبوك؟ -نعم.

-الى من اوصى؟ -الى خمسة منا،و جعل عليا المقدم علينا (1).

و دل هذا الخبر على ميله الى الواقفية،كما دل على تقديره و اكباره لأخيه الامام الرضا(ع)و استفاد المحقق المامقاني من هذا الخبر توثيقه و حسن نيته فقال:«و بالجملة فمن امعن النظر في هذا الخبر علم أن الرجل في غاية درجة التقوى،حيث أن الشبهة كانت دينية لم توجب رفع اليد عن الحق في توثيق أخيه و تصديقه اياه،و اعترافه بوصية أبيه،و كون الأوصياء مجموعهم،و ان الامام الرضا(ع)مقدم عليهم،بل لو لم يكن في ترجمة الرجل إلا الخبر هذا لكفى الفطن البصير في عدالته و ديانته و كون الوقف لشبهة عرضت عنده و زالت» (2).

و مهما يكن من امر فان الكثير من المحققين قد صرحوا بعدالته و براءته3.


1) اصول الكافي،عيون الأخبار.

2) تنقيح المقال:34/3.

من هذه التهمة.

2-مع الامام الرضا(ع):

و ذكر الكليني أن ابراهيم و أخاه العباس قد خاصما الامام الرضا(ع) كما سنذكر ذلك في ترجمة العباس و من المعلوم أن ذلك مضر بوثاقته و عدالته و لكنه لم ينص على أنه ابراهيم الأكبر او الأصغر،و مع هذا الاهمال فلا دلالة فيه على قدحه بوجه من الوجوه.

3-مع أبي السرايا.

و لا بد لنا من الاحاطة-و لو اجمالا-بحادثة ابي السرايا لأنها تلتقي مع غير واحد من أولاد الامام(ع).

لقد فجر تلك الثورة الخطيرة في بدايتها،و وضع تصميمها و مخططاتها الزعيم العظيم محمد بن ابراهيم المعروف بالطباطبائي (1)فقد رأى ما مني به المسلمون من الظلم الفاحش و ما عاناه العلويون من صنوف التنكيل و الارهاق و انه كان شديد الرقة و العطف على الضعفاء و المحرومين و قد حفزته روحه الطاهرة الى اعلان الثورة،فقد حدث المؤرخون عنه أنه كان في بعض شوارع الكوفة اذ وقع بصره على عجوز تتبع احمال الرطب فتلتقط ما يسقط منها فتجمعه في كساء رث،فسألها عن ذلك،فقالت له:

«اني امرأة لا رجل لي ليقوم بمؤنتي،ولي بنات لا يعدن أنفسهن بشيء،فأنا اتتبع هذا في الطريق و أتقوته أنا و ولدي».

و لما سمع ذلك انفجر باكيا و التفت إليها قائلا:


1) سمي بذلك لأن أباه لقبه بها للكنة في لسانه أيام طفولته ذكر ذلك ابن خلدون في تاريخه(ج 4 ص 8).

«و اللّه أنت و أشباهك تخرجوني غدا حتى يسفك دمي» (1).

و كان من الطبيعي أن يدفعه هذا الاحساس و الحدب على الفقراء الى المطالبة بحقوقهم و اعلان الثورة على الظالمين.

و أخذ يدبر اموره،فاتصل بزعماء العرب،و شخصيات المسلمين طالبا منهم المساعدة و الاشتراك معه في مقاومة الظلم و قلب الحكم القائم آنذاك، و قد التقى بالزعيم العربي نصر بن شيث (2)فاندفع يحرضه على الانتفاضة و ذكر ما جرى على اهله و شيعته من الظلم و الجور قائلا:

«حتى متى توطئون بالخسف و تهتضم شيعتكم،و ينزى على حقكم؟» (3)فألهبت هذه الكلمات قلبه،و دفعته الى الاسراع في ثورته،و من الأسباب المهمة التي حفزته الى المبادرة في نهضته هو اختلاف العباسيين و تفرق كلمتهم بسبب الفتنة التي حدثت بين الأمين و المأمون،فقد اوجبت فقدان الاستقرار و الأمن و شيوع الاضطراب بين الناس و تطلعهم الى من ينقذهم مما هم فيه.

انضمام أبي السرايا الى الثورة:

و مما زاد في احكام الثورة و خطورتها انضمام القائد المحنك أبي السرايا إليها،و كان علوي الرأي،يكن في نفسه للعلويين أعظم الولاء و الحب، و يتحرق على ما أصابهم من العنف و الاضطهاد،و يسعى جاهدا الى قلب الحكم العباسي،و اعادته الى العلويين،و نتحدث بايجاز عن شئون هذا


1) مقاتل الطالبيين:ص 339.

2) نصر بن شيث احد رؤساء القبائل الساكنة في الجزيرة في العراق و كانت له ميول علوية.

3) مقاتل الطالبيين:ص 519.

القائد الملهم العظيم:

إنه السري بن منصور من بني شيبان من ولد هاني بن مسعود،و قيل من بنى تميم القاطنين في الجزيرة،أقام مدة من الزمن في شرقي الفرات..

خاض في كثير من الحروب،و مارس عملياتها،اشترك مع القائد يزيد بن مزيد في«أرمينية»لمقاتلة«الخرمية»و لما توفي يزيد و تولى ابنه قيادة الجيش انضم إليه أبو السرايا،و صار معه الى أن عزل...و التحق بعد ذلك بأحمد بن مزيد،و قد أرسل الأمين أحمد بن مزيد لحرب هرثمة بعد أن أعلن العصيان و التمرد،و قد أوعز إليه أن يجتمع به ليطلع على شئونه...

و التقى به أحمد فشرح له هرثمة أسباب خروجه،و ما تعانيه الأمة من ظلم العباسيين و جورهم فمال إليه أحمد،و لحق بمعسكره،و قصد بني شيبان الى الجزيرة فاستخرج لهم الأرزاق من هرثمة،فانضم إليه ما يزيد على ألفي فارس،و بعد مقتل الامين نقص هرثمة من عطايا الجيش و مرتباتهم،فساء ذلك أبا السرايا و عزم على التخلي عنه،و استأذنه ان يحج فأذن له و أعطاه عشرين ألف درهم فأخذها و فرقها بين أصحابه،و قد استمال بذلك قلوبهم و ملك عواطفهم،و أوصاهم باتباعه الى«عين التمر»فلما انتهوا إليها أخذوا عاملها،و نهبوا امتعته،و لقوا عاملا آخرا لبني العباس فأخذوا أمواله و قسموها بينهم.

و أرسل هرثمة جيشا ليناجز أبا السرايا الحرب،و لما التقى الجيشان انهزم جيش هرثمة،و مني بالخسائر الفادحة،و سار أبو السرايا قاصدا نحو الأنبار،فلما انتهى إليها استولى على الادارة المحلية،و قتل عاملها ابراهيم الشروري،و صادر جميع أمواله،و أخذ يواصل الزحف بجيوشه و يبيد عمال بني العباس و عملائهم حتى انتهى الى الرقة،فالتقى بمحمد بن ابراهيم،و صمما على القضاء على الحكم العباسي،و اعلان البيعة للرضا من

آل محمد (1).

لقد مارس أبو السرايا الحروب و خاض غمارها،و عرف أساليبها، و قد منح قوة الارادة و العزم و التصميم،و قد أسند له محمد بن ابراهيم القيادة العسكرية العامة،و منحه ثقته،و فوض إليه أمور الثورة،و تخطيطها.

اعلان الثورة.

و اتفق محمد،و أبو السرايا على اعلان الثورة،و الاطاحة بالحكم العباسي فزحف أبو السرايا بجيوشه نحو نينوى،و اتجه الى قبر سيد الشهداء(ع) فزار المرقد العظيم،و أطال الزيارة،و جعل يتمثل بأبيات منصور النمري قائلا:

نفسي فداء الحسين يوم غدا الى المنايا عدو لا قافل

ذلك يوم أنحى بشفرته على سنام الاسلام و الكاهل

كأنما أنت تعجبين ألا ينزل بالقوم نقمة العاجل

لا يعجل اللّه إن عجلت و ما ربك عما ترين بالغافل

مظلومة و النبي والدها يدير أرجاء مقلة حافل

أ لا مساعير يغضبون لها بسلة البيض و القنا الذابل

و وثب،فقال:من كان هاهنا من الزيدية فليقم إلي فوثب إليه جماعات من الناس،فدنوا منه،فخطبهم خطبة طويلة ذكر فيها أهل البيت(ع)و فضلهم،و ما خصوا به،و ذكر فعل الأمة بهم،و ظلمها لهم ثم ذكر الامام الحسين(ع)فقال:

«أيها الناس هبكم لم تحضروا الحسين فتنصروه،فما يقعدكم عمن7.


1) تأريخ ابن خلدون 243/7.

أدركتموه و لحقتموه؟و هو غدا خارج طالب بثأره و حقه،و تراث آبائه و إقامة دين اللّه،و ما يمنعكم من نصرته و مؤازرته،إنني خارج من وجهي هذا الى الكوفة للقيام بأمر اللّه و الذب عن دينه،و النصر لأهل بيته،فمن كانت له نية في ذلك فليلحق بي».

و اتجه بجيوشه إلى الكوفة...و أما محمد،فقد أعلن الثورة في اليوم الذي اتفق فيه مع أبي السرايا،و قد بايعه جمهور غفير من الناس،و ظل يترقب بفارغ الصبر قدوم أبي السرايا عليه حتى يئس منه أصحابه،و لاموا محمدا على الاستعانة به،و اغتم محمد لتأخره عنه،و بينما هم في قلق و اضطراب إذ طلعت عليهم جيوش أبي السرايا،ففرح محمد و سر سرورا بالغا،و لما بصر به أبو السرايا ترجل عن فرسه،و أقبل إليه فاعتنقه،و سارا معا الى الكوفة،فلما انتهى إليها ازدحمت الجماهير،و بايعته بالاجماع،و أظهروا فرحتهم الكبرى بذلك،و كانت بيعتهم في موضع بالكوفة يعرف بقصر الضرتين (1).

و لما توفرت الجيوش لمحمد أعلن ثورته و كانت في سنة(199 ه‍)من شهر جمادى الثانية (2)و زحف الثوار الى الكوفة فاحتلوها،و هجموا على و إليها الفضل بن عيسى فنهبوا جميع ما في قصره،و لكن أبا السرايا لم يكن راغبا في ذلك و أصدر الأوامر المشددة بالكف عن السلب و النهب و مراقبة العابثين كما أصدر أوامره بارجاع المنهوبات الى أهلها،و انهزم الفضل بن عيسى فقوى أمر أبي السرايا و أحرز نصرا رائعا،و قد أرسل والي العراق الحسن بن سهل جيشا يربو على ثلاثة آلاف فارس بقيادة زهير بن الحسنى.


1) مقاتل الطالبيين:ص 533.

2) تأريخ ابن خلدون،و في مقاتل الطالبيين:أنه ثار في شهر جمادى الأولى.

لحرب أبي السرايا،فلما انتهى الجيش الى الكوفة قاومه أبو السرايا بقوة و عزم،فهزمه و رده على أعقابه و قد مني بالفشل و الخسران و استولى على جميع امتعته (1)و انتصر أبو السرايا و اندحر عدوه و سرى الرعب و الفزع في نفوس العباسيين،فقد أيقن الكثيرون منهم ان الثورة قد نجحت.

وفاة محمد

:

و من المؤسف الذي يحز في النفس انه في تلك الفترة الحاسمة قد مني الثوار بوفاة الزعيم محمد بن ابراهيم،و نصت اكثر المصادر أنه توفي وفاة طبيعية،و عزت بعض المصادر أن أبا السرايا دس إليه السم فاغتاله ليتخلص منه،و اكبر الظن أنه توفي حتف أنفه لأن الثورة كانت في بداية أمرها، و ليس من الممكن بأي حال من الأحوال أن يقدم أبو السرايا على اغتياله في تلك الفترة الحرجة التي لم يتيقن فيها بنجاح ثورته.

و مهما يكن من أمر فان أبا السرايا قام بتجهيز الجثمان المقدس،و بعد ما غسله و ادرجه في اكفانه خرج في غلس الليل البهيم و معه جماعة من الزيدية فحملوا النعش الطاهر و جاءوا به الى الغري فدفنوه فيه (2)و لما انبلج نور الصبح جمع الناس فنعى إليهم محمدا و عزاهم بوفاته فارتفعت الأصوات من جميع الجهات بالبكاء و العويل،ثم التفت إليهم قائلا:

«و قد اوصى أبو عبد اللّه الى شبيهه،و من اختاره،و هو أبو الحسن علي بن عبيد اللّه،فان رضيتم به فهو الرضا،و إلا فاختاروا لأنفسكم»


1) الخضرمي:ص 239،و جاء في المقاتل ان الجيش كان بقيادة عبدوس بن عبد الصمد.

2) المقاتل:ص 532.

فجعل الناس ينظر بعضهم الى بعض و لم ينطق أحد منهم ببنت شفة و ساد عليهم الوجوم،و انبرى محمد بن محمد بن زيد و هو غلام حدث السن فقال:

«يا آل علي:ان دين اللّه لا ينصر بالفشل،و ليست يد هذا الرجل عندنا بسيئة،و قد شفى الغليل،و أدرك الثأر».

و التفت الى علي بن عبيد اللّه فقال له:ما تقول:يا أبا الحسن؟ فقد وصانا بك،امدد يدك نبايعك ثم قال:

«إن أبا عبيد اللّه رحمه اللّه قد اختار فلم يعد الثقة في نفسه،و لم يألوا جهدا في حق اللّه الذي قلده،و ما أرد وصيته تهاونا بأمره،و لا أدع هذا نكولا عنه،و لكن اتخوف أن اشتغل به عن غيره مما هو أحمد و أفضل عاقبة،فامض رحمك اللّه لأمرك و اجمع شمل بني عمك،فقد قلدناك الرئاسة علينا،و أنت الرضا عندنا الثقة في انفسنا».

ثم قال لأبي السرايا:ما ترى؟أرضيت به؟.

فقال:رضائي من رضاك،و قولي مع قولك،و جذبوا يد محمد بن محمد فبايعوه و في الوقت نضم شئونه و بعث عماله الى الاقطار الاسلامية، فولى اسماعيل بن علي على الكوفة،و روح بن الحجاج على شرطته،و عاصم ابن عامر للقضاء،و جعل أحمد بن السري على شرطته،و ولى نصر بن مزاحم السوق،و عقد لإبراهيم بن موسى على اليمن،و ولى زيد بن موسى على الأهواز،و ولى العباس بن محمد على البصرة و الحسن بن الحسن الأفطس على مكة،و عقد لجعفر بن محمد بن زيد و الحسين بن ابراهيم بن الحسن على واسط (1)و ضربت النقود بالكوفة و كتب عليها الآية الكريمة: إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ .3.


1) المقاتل:ص 532-533.

و استتب الأمر الى أبي السرايا و أخذت الثورة تتسع في مناطق العالم الاسلامي و ادرك العباسيون الخطر الذي يهددهم بزوال حكمهم بين عشية و ضحاها و قد مني والي العراق الحسن بن سهل بالفشل الذريع،فكتب الى طاهر بن الحسين لينفذه الى قتال أبي السرايا،كما كتبت إليه رقعة فيها هذه الأبيات و قد أخفى صاحبها اسمه و هي:

قناع الشك يكشفه اليقين و أفضل كيدك الرأي الرصين

تثبت قبل ينفذ فيك أمر يهيج لشره داء دفين

أ تندب طاهرا لقتال قوم بنصرتهم و طاعتهم يدين

سيطلقها عليك معقلات تصر و دونها حرب زبون

و يبعث كامنا في الصدر منه و لا يخفى اذا ظهر المصون

فشأنك و اليقين فقد أنارت معامله و أظلمت الظنون

و دونك ما تريد بعزم رأي تدبره ودع ما لا يكون

فلما قرأها رجع عن رأيه و كتب الى هرثمة بن أعين يسأله التعجيل و أوفد إليه السندي بن شاهك إلا انه كانت بين الحسن بن سهل و هرثمة شحناء و تنافر،فلما انتهى إليه الكتاب قال:

«نوطئ نحن الخلافة،و نمهد لهم أكنافها،ثم يستبدون بالأمور و يستأثرون بالتدبير علينا،فاذا انفتق عليهم فتق بسوء تدبيرهم و اضاعتهم الامور،أرادوا أن يصلحوه بنا،لا و اللّه و لا كرامة حتى يعرف أمير المؤمنين سوء آثارهم،و قبيح أفعالهم».

و تباعد السندي عنه حين يئس منه و لكن وردته رسالة من المنصور ابن المهدي فقرأها و أجاب بعد ذلك و رجع الى بغداد فلما صار الى النهروان خرج لاستقباله البغداديون و القواد و الوجوه و ترجلوا جميعا حينما رأوه حتى أتى الى منزله،و أمر الحسن بن سهل بدواوين الجيش فنقلت إليه ليختار

من الرجال ما شاء،و أطلق له بيوت الاموال،و أخذ يجمع الجيوش حتى صار عنده ثلاثون الف مقاتل ما بين فارس و راجل،و لما تم له ما أراد من العدد و العدة زحف بجيشه نحو الكوفة فاجتاز على المدائن و كانت خاضعة لحكم أبي السرايا فاستولى عليها و هزم عاملها ثم زحف نحو الكوفة فالتقى العسكران عند قصر ابن هبيرة،فوقع بينهما الحرب،فقتل من أصحاب أبي السرايا خلق كثير و ألح عليه هرثمة بالحرب فأجابه الى ذلك حتى تفتت جميع قواه و لم يعد قادرا على حماية الكوفة التي هي عاصمته و مركز ثورته فاضطر لمغادرتها قاصدا نحو القادسية،و استولى هرثمة على الكوفة،و ترك أبو السرايا القادسية منهزما حتى أتى الى(السوس)فأغلق أهله الأبواب فطلب منهم أن يفتحوها له ففتحوها،و طلب منه عاملها مغادرتها فأبى فوقعت الحرب بينهم،فقتل جماعة من أصحابه،و انهزم أبو السرايا قاصدا الى خراسان فنزل قرية يقال لها(برقانا)فخرج إليهم عاملها فاجتمع بهم و أعطاهم الأمان على أن يرسلهم الى الحسن بن سهل،فأجابوه الى ذلك و بالوقت حملهم إليه،و كان آنذاك مقيما بالمدائن،فلما وصلت إليه الأسرى أمر بقتل أبي السرايا،و بعد قتله أمر بصلب رأسه في الجانب الشرقي من بغداد كما أمر بصلب بدنه في الجانب الغربي منها (1)و كانت المدة بين خروجه و قتله عشرة أشهر (2).

إن حادثة أبي السرايا ترتبط ارتباطا وثيقا بزيد و بابراهيم و بغيرهما من أولاد الامام،فقد اشترك الكثيرون منهم فيها إلا أن زيدا و ابراهيم كانا في الطليعة ممن ساهم فيها،و قد اسندت لهما الولاية على بعض الأقطار الاسلامية.0.


1) المقاتل:ص 549.

2) الطبري:231/10.

أما ما وقع لإبراهيم بعد فشل الحركة و القضاء عليها فقد وردت عدة روايات و هي:

«الاولى»:أنه بعد ما ولاه أبو السرايا على اليمن مضى إليها فأذعن له أهلها بعد اصطدام يسير وقع بينهم و بينه (1).

«الثانية»أنه كان أميرا على مكة المشرفة،فلما بلغه خبر أبي السرايا ظهر بمكة سنة(201 ه‍)و دعا الناس لنفسه فاستجاب له جمهور غفير من الناس،فقام بالأمر و قتل خلفا كثيرا ممن يرى رأي العباسية،و أقام الحج في تلك السنة،و هو أول علوي أقام فيها الحج،فخاف منه المأمون فخادعه باستخلافه على اليمن،فقدم صنعاء،و كان فيها ابن فاهان فخاذله حتى اسره (2).

«الثالثة»أنه كان بمكة حين مقتل أبي السرايا،فلما بلغه ذلك سار الى اليمن و استولى على كثير من مناطقها،و دعا الناس لنفسه (3).

«الرابعة»:انه استولى على اليمن،و امتدت حكومته الى الساحل و الى القرن الشرقي من اليمن و حج بالناس في عهد المأمون،و قد خطب في الناس في الحرم الشريف فدعا للمأمون و لولى عهده الامام الرضا(ع) (4)«الخامسة»:أنه حارب المأمون،و انكسر جيشه ففر هاربا الى مكة،و لما جاء المأمون الى بغداد جاء ابراهيم إليه فآمنه (5).ه.


1) المقاتل:ص 534.

2) تحفة الازهار.

3) تأريخ الدول الاسلامية.

4) مختصر اخبار الخلفاء.

5) اعيان الشيعة:481/5 نقلا عن السيد حسن الصدر في بعض فوائده.

هذه بعض الروايات التي وردت فيه،و أكبر الظن أنه فتح اليمن و استولى عليها،و بعد فشل حركة أبي السرايا انهار عزمه،فطلب الأمن من المأمون فآمنه،و مما يؤيد ذلك ما روي أن الامام الرضا قد تشفع فيه عند المأمون لما كان في خراسان فشفعه فيه و أطلق سراحه (1).

وفاته:

انتقل السيد الزكي ابراهيم الى جوار ربه في بغداد سنة(213 ه‍) (2)و قيل سنة(210)و قد اجمع المترجمون له أنه مات مسموما و ان المأمون هو الذي دس إليه السم،و قد شيع جثمانه المقدس بتشييع حافل،و انزله في ملحودة قبره الفقيه ابن السماك (3)و أنشد حينما ألحده:

مات الامام المرتضى مسموما و طوى الزمان فضائلا و علوما

قد مات في الزوراء مظلوما كما اضحى أبوه بكربلاء مظلوما1.


1) تحفة الأزهار.

2) مختصر اخبار الخلفاء.

3) ابن السماك:هو أبو العباس محمد بن صبيح مولى بني عجل الكوفي الزاهد كان حسن الكلام صاحب مواعظ،لقي جماعة من الصدر الأول فأخذ عنهم الحديث مثل هشام بن عروة،و الأعمش و غيرهما،و روى عنه احمد بن حنبل و غيره،قدم بغداد زمن الرشيد فمكث فيها مدة،دخل على الرشيد فقال له:ناشدتك اللّه لو منعك اللّه من شربة ماء ما كنت فاعلا،قال كنت افتديه بنصف ملكي،قال له ناشدتك اللّه لو منعك اللّه من خروج الماء منك ما كنت فاعلا؟:قال:كنت افتديه بنصف ملكي فقال له:ان ملكا يفتدي به بشربة ماء لخليق أن لا ينافس عليه،توفي بالكوفة جاء ذلك في الكنى و الالقاب 305/1.

فالشمس تندب موته مصفرة و البدر يلطم وجهه مغموما (1)

دفن جثمانه الطاهر بالقرب من قبر أبيه الامام الكاظم(ع)و قال السيد الأعرجي انه دفن في«القطيعة»و عليه مشهد و هو ظاهر يزار و يتبرك به،و العامة تزعم أنه قبر المرتضى علم الهدى و هو وهم،فان المرتضى حمل الى الحائر الشريف و دفن عند أخيه و أبيه باجماع العلماء،و إنما المدفون هناك هو ابراهيم المرتضى بن الكاظم (2).

3-ابراهيم الأصغر.

يلقب بالمرتضى،و هو أصغر ولد أبيه،و أمه نوبية اسمها نجية (3)و ذكر العبيدلي النسابة ان ابراهيم الصغير بن الكاظم كان عالما عابدا،و ليس هو صاحب أبي السرايا و انما ذاك أخوه ابراهيم الأكبر (4)و نصت بعض المصادر أنه ظهر في اليمن أيام أبي السرايا (5)و هو المعقب المكثر جد المرتضى و الرضي،وجد الأشراف الموسوية (6)،هذا جميع ما عثرنا عليه في ترجمته،دفن في كربلاء خلف قبر جده الحسين(ع)بستة أذرع (7)، و قيل توفي في بغداد في الجانب الشرقي و دفن في مقبرة باب(راز) (8).


1) مختصر اخبار الخلفاء.

2) مناهل الضرب في أنساب العرب.

3) تحفة الأزهار،عمدة الطالب:ص 190.

4) اعيان الشيعة:482/5.

5) النفحة العنبرية.

6) اعيان الشيعة.

7) نفس المصدر نقله عن العبيدلي.

8) مناهل الضرب في انساب العرب:ص 397.

4-أحمد.

اشارة

أمه أمّ ولد،و هي أم أخويه محمد و حمزة،و كانت من السيدات المحترمات تدعى أم أحمد،و كان الامام موسى(ع)شديد التلطف بها و لما توجه من المدينة الى بغداد اودع عندها مواريث الامامة و قال لها:كل من جاءك و طلب منك هذه الأمانة في أي وقت من الأوقات فاعلمي بأني قد استشهدت و انه هو الخليفة من بعدي و الامام المفترض الطاعة عليك و على سائر الناس،و أمر ابنه الرضا(ع)بحفظ الدار،و لما سمه الرشيد في بغداد،جاء إليها الامام الرضا(ع)فطالبها بالأمانة،فقالت له أم احمد:لقد استشهد والدك،فقال بلى:و الآن فرغت من دفنه فاعطيني الأمانة التي سلمها إليك أبي حين خروجه الى بغداد و أنا خليفته و الامام بالحق على جميع الأنس و الجن فشقت أم أحمد جيبها وردت عليه الأمانة و بايعته بالامامة (1)و فيما يلي بعض شئونه و أحواله.

1-مكانته عند أبيه:

كان الامام موسى(ع)كثير الاعتناء بولده أحمد،و كانت له المنزلة السامية عنده،فكان يقدمه على بعض أولاده،و وهب له بعض ضياعه (2)و جعله من جملة أوصيائه في الظاهر (3)و حدث اسماعيل بن الامام عن مدى اهتمام أبيه بأخيه أحمد قال:خرج أبي بولده الى بعض أمواله و كان مع أحمد عشرون رجلا من خدم أبي و حشمه إن قام أحمد قاموا معه و ان جلس جلسوا معه و أبي مع ذلك يرعاه ببصره ما يغفل عنه و ما انقلبا حتى انشج


1) تحفة العالم:87/2.

2) الارشاد:ص 77..

3) اعيان الشيعة.

أحمد-أي أصابه التشنج- (1)،إن رعاية الامام له و عدم الغفلة عنه تدل على ما يكنه له من الحب و الاخلاص.

2-تقواه و عبادته:

كان أحمد من عيون المتقين و الصالحين،و قد أعتق الف مملوك (2)متقربا بها الى اللّه تعالى،و قد نظم ذلك بعض الشعراء بقوله:

شاه جراغ (3)أحمد بن كاظم اعتق الفا سيد الأعاظم (4)

و مما يدل على صلاحه و ورعه أنه لما شاع خبر وفاة الامام موسى في المدينة اجتمع أهلها على باب أم أحمد،و خرج الناس و معهم أحمد و قد ظنوا أنه الامام من بعد أبيه و ذلك لما عليه من الجلالة و وفور العبادة و إظهار تعاليم الاسلام فظنوا أنه هو الخليفة و الامام بعد أبيه،فبايعوه بالامامة فأخذ منهم البيعة،و صعد المنبر و خطب الناس خطبة بليغة كانت في منتهى البلاغة و الفصاحة،ثم قال:«أيها الناس،كما أنكم جميعا في بيعتي فاني في بيعة أخي علي بن موسى الرضا،و اعلموا أنه الامام و الخليفة من بعد أبي و هو ولي اللّه،و الفرض علي و عليكم من اللّه و الرسول طاعته بكل ما يأمرنا،فكل من كان حاضرا خضع لكلامه،و خرجوا من المسجد يقدمهم أحمد،و حضروا عند الامام الرضا(ع)فأقروا بامامته (5)و في هذا الخبر دلالة على ايمانه و تقواه،و ذهبت بعض فرق الشيعة المنقرضة الى امامته


1) الارشاد،تحفة الأزهار.

2) الارشاد،تحفة العالم.

3) شاه جراغ:كلمة فارسية معناها ملك الضياء.

4) منظومة نخبة المقال:ص 14.

5) تحفة العالم.

و ادعت أنه الامام بعد أبيه.

3-علمه:

كان من فضلاء عصره،رقد روى عن أبيه و آبائه احاديث كثيرة، و قد كتب المصحف الكريم بيده المباركة (1)و لكنا لم نعثر على تراث له

4-مع أبي السرايا:

و نصت بعض المصادر أن أحمد كان من جملة الخارجين مع أبي السرايا فقد حدث ابراهيم و اسماعيل ابنا أبي سمال قالا:لما كان من امر أبي الحسن ما كان كنا نأتي الى أحمد ابنه زمانا،فلما خرج أبو السرايا خرج أحمد معه،فقصد محمد بن أحمد بن أسيد،ابراهيم و اسماعيل فقال لهما:إن هذا الرجل قد خرج مع أبي السرايا فما تقولان؟فأنكرا ذلك منه و رجعا عنه و قالا:

أبو الحسن حي نثبت على الوقف (2)و ذهب بعضهم أن خروجه مع أبي السرايا قادح في عدالته (3)و لكنا نشجب ذلك نظرا لتوثيق الشيخ المفيد و غيره من العلماء الاعلام له.

5-وفاته:

و المشهور انه توفي وفاة طبيعية،فقد ذكر معين الدين المتوفى حدود (791 ه‍)أن السيد الامير أحمد بن موسى قدم شيراز فتوفي بها في أيام المأمون بعد وفاة أخيه علي الرضا(ع) (4)و ذكرت بعض المصادر أنه قتل


1) لب الانساب.

2) رجال الكشي:ص 294.

3) معرفة اخبار الرجال.

4) الكنى و الألقاب:317/2 نقلا عن كتاب شد الازار في حط الاوزار للسيد المعين.

شهيدا و ذلك حينما بلغه غدر المأمون بأخيه الرضا(ع)و كان آنذاك في بغداد فحزن عليه حزنا شديدا،و خرج من بغداد للطلب بثأره و كان معه ثلاثة آلاف من احفاد الأئمة الطاهرين قاصدين حرب المأمون،و لما وصلوا الى قم حاربهم عاملها،فاستشهد جماعة من أصحابه فرحل الى الري فحاربه عاملها فاستشهد جماعة من أصحابه،ففروا حتى وصلوا الى«اسفراين» احدى نواحي خراسان،فنزلوا في أرض سبخة بين جبلين،فهجم عليهم عسكر المأمون فحاربهم و قتلهم و استشهد أحمد و دفن هناك،و قبره يزار في ذلك الموضع،و علق السيد محسن الأمين رحمه اللّه على ذلك بقوله:

و هذا غريب مخالف للمشهور من أن مشهده بشيراز،و أضاف يقول:

ان هذا الخبر يشبه أن يكون من الاقاصيص و الحكايات الموضوعة (1).

و مهما يكن من أمر فان المعروف انه توفي في شيراز و دفن هناك (2)و يعرف قبره قبل بسيد السادات،و يعرف الآن«بشاه جراغ» (3)و بقي قبره مخفيا،و لكنه ظهر في عهد الامير مقرب الدين مسعود بن بدر، فبنى عليه بناء.و قيل وجد في قبره كما هو صحيحا طريا لم يتغير، و في يده خاتم نقش عليه«العزة للّه،أحمد بن موسى»فعرفوه به،ثم بنى عليه الاتابك أبو بكر بناء أرفع من البناء الاول،و عمرته أخيرا الخاتون تاشي،و كانت امرأة صالحة زاهدة عرفت بالعبادة و النسك،فبنت على المرقد الشريف قبة رفيعة و بنت بجنبها مدرسة عالية و جعلت مرقدها بجواره و ذلك في سنة«750 ه‍» (4)وحدت الرحالة الشهير أبو عبد اللّه الطنجي2.


1) اعيان الشيعة:286/1-287.

2) فلك النجاة:ص 337.

3) جامع الانساب:ص 77،منتهى المقال،الكنى و الألقاب.

4) شد الازار:ص 292.

المعروف بابن بطوطة عن زيارته للمرقد الكريم و عن تكريم الشعب الايراني النبيل لذلك الضريح المقدس قال:تحت عنوان«ذكر المشاهد بشيراز» فمنها مشهد أحمد بن موسى أخي الرضا علي بن موسى بن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم،و هو مشهد معظم عند اهل شيراز،يتبركون به،و يتوسلون الى اللّه بفضله، و بنت عليه طاش خاتون أم السلطان أبي اسحاق مدرسة كبيرة و زاوية فيها الطعام للوارد و الصادر،و القراء يقرءون القرآن على التربة دائما،و من عادت الخاتون،أنها تأتي الى هذا المشهد في كل ليلة اثنين و يجتمع في تلك الليلة القضاة و الفقهاء و الشرفاء،و شيراز من اكثر بلاد اللّه شرفاء سمعت من الثقات ان الذين لهم بها المرتبات من الشرفاء الف و أربعمائة و نيف بين صغير و كبير،و نقيبهم عضد الدين الحسيني فاذا حضر القوم بالمشهد المبارك ختموا القرآن قراءة في المصاحف،و قرأ القراء بالاصوات الحسنة،و أوتي بالطعام و الفواكه و الحلواء،فاذا اكل القوم وعظ الواعظ،و يكون ذلك كله من بعد صلاة الظهر الى العشاء،و الخاتون في غرفة مطلة على المسجد لها شباك ثم تضرب الطبول و الانقار و البوقات على باب التربة كما يفعل ذلك عند ابواب الملوك (1)،الى هنا ينتهي بنا الحديث عن ترجمة هذا السيد الجليل.

5-اسحاق.

يلقب بالأمير (2)و الأمين (3)عده الشيخ في رجاله من أصحاب


1) تحفة النظار في غرائب الامصار و عجائب الاسفار:127/1

2) المجدي،عمدة الطالب.

3) بحر الانساب.

الامام الرضا(ع) (1)و روى له الكليني في«الكافي»حديثا رواه عن عمه و عن جده الامام الصادق(ع).

و له بنات منها السيدة رقية و قد عمرت طويلا و توفيت في بغداد سنة «316 ه‍»و من احفاده الورع أبو طالب المهلوس،و أبو جعفر محمد الصورانى الذي قتل في شيراز (2).

توفي في المدينة المنورة سنة«240 ه‍»و دفن بها،و ذكر حمد اللّه المستوفى أنه توفي في«ساوة»و دفن بها (3).

6-اسماعيل.

من عيون علماء عصره و في طليعة المتقين و الصالحين،كان أميرا على فارس من قبل أبي السرايا (1)و بعد فشل الحركة سكن مصر،و سكنها من بعده أولاده و أحفاده.

و مما يدل على سمو مكانته و تقواه أنه لما توفي صفوان بن يحيى أمره الامام أبو جعفر بالصلاة عليه و النيابة عنه في ذلك (2)ألف عدة من الكتب رواها عن آبائه منها:

(3)كتاب«الطهارة». (4)كتاب«الصلاة». (5)كتاب«الزكاة».


1) نفس المصدر.

2) الكشي.

3) تنقيح المقال:132/1.

4) جامع الأنساب:ص 47.

5) نفس المصدر.

(1)كتاب«الصوم». (2)كتاب«الحج». (3)كتاب«الجنائز». (7)كتاب«الطلاق».

(8)كتاب«النكاح».

(9)كتاب«الحدود».

(10)كتاب«الدعاء».

(11)كتاب«السنن و الآداب».

(12)كتاب الرؤيا (4).

و من أجل كتبه التي يعول عليها«الجعفريات» (5)و ذكر النوري:ان «الجعفريات»من الكتب القديمة المعروفة المعول عليها (6)و قد استدل علماؤنا الأعلام على مدحه و غزارة علمه و فضله بكثرة تآليفه (4)توفي في مصر و دفن بها (5)و لكن حمد اللّه المستوفي ذكر أنه دفن في بعض نواحي شيراز (6).ب.


1) التعليقة،رجال ابن داود.

2) تحفة العالم:34/2.

3) جامع الأنساب.

4) النجاشي:ص 21،الفهرست،المعالم لابن شهر اشوب

5) تسمى بالاشعثيات،و العلويات.

6) مستدركات الوسائل،و كان الفقيد العظيم آية اللّه المرحوم السيد أبو الحسن رحمه اللّه كثير الاعتماد على هذا الكتاب.

7-جعفر.

يكنى أبا الحسن أمه أم ولد (1)و يعرف بالخواري،نسبة الى خوار و هي احدى قرى مكة المعظمة،كان ينزلها في اكثر أوقاته فنسب إليها هو و بنوه،فقيل لهم:«الخواريون»و يقال لهم:«الشجريون»أيضا لأنهم ينزلون في المواضع الكثيرة الشجر (2)،و قد أعقب 14 ولدا الذكور ستة و الاناث ثمان (3).

8-الحسن.

أمه أم ولد،عقبه قليل جدا قال أبو نصر البخاري:و الحسن بن موسى له ولد يسمى جعفرا من أم ولد،يقال إنه أعقب و يقال غير ذلك و قال ابن طباطبا و أبو الحسن العمري:اعقب الحسن بن موسى من جعفر وحده،و أعقب جعفر من ثلاثة محمد،و الحسن،و موسى (4)و لم تعين لنا كتب التأريخ و الأنساب التي بأيدينا الزمان الذي توفي فيه و المحل الذي دفن فيه.

9-الحسين.

يلقب بالسيد علاء الدين (5)و كان سيدا جليل القدر،رفيع الشأن


1) تحفة الأزهار.

2) مناهل الضرب:ص 567.

3) المجدي.

4) عمدة الطالب،بحر الأنساب.

5) تحفة العالم:31/2.

و مما يدل على سمو مكانته رواية البزنطي،فقد جاء فيها أنه سئل الامام الجواد(ع)أي عمومتك أبرّ بك؟فقال:الحسين،قال الامام الرضا(ع)صدق و اللّه،هو و اللّه أبرهم به و أخيرهم (1)و حدث الحسين قال:كنا حول أخي أبي الحسن الرضا(ع)و نحن شبان من بني هاشم إذ مر علينا جعفر بن عمر العلوي،و هو رث الهيئة،فنظر بعضنا الى بعض و ضحكنا من هيئته،فقال لنا الامام الرضا(ع)لترونه عن قريب كثير المال،كثير التبع (2)،قال فما مضى إلا شهر حتى ولي المدينة و حسنت حاله،و كان يمر بنا و معه الحشم (3)قال البراقي:توفي بالكوفة و دفن بالعباسية،و يقع قبره بالقرب من«أم البعرور»و يعرف عند المجاورين له بقبر الحسن (4)و قال المرحوم السيد جعفر آل بحر العلوم:إن قبره بشيراز ذكره شيخ الاسلام شهاب الدين في تاريخه المعروف«بشيرازنامه » و ملخص ما ذكره أن قتلغ كان واليا على شيراز،و كانت له حديقة في مكان حيث هي مرقد السيد المذكور،و كان بواب تلك الحديقة رجلا من أهل الدين و المروءة و كان يرى في ليالي الجمعة نورا يسطع من مرتفع في تلك الحديقة فأبدى حقيقة الحال الى الأمير قتلغ،و بعد مشاهدته لما كان يشاهده البواب و زيادة تجسسه و كشفه عن ذلك المكان ظهر له قبر و فيه جسد عظيم في كمال العظمة و الجلالة و الطراوة و الجمال باحدى يديه مصحف و بالأخرى سيف مصلت،فبالعلامات و القرائن علموا أنه قبر الحسين بن موسى فبنى له قبة و رواقا،و الظاهر أن قتلغ خان هذا غير الذي حارب أخاه السيد أحمد،6.


1) البحار:45/13.

2) التبع:الأتباع.

3) البحار:66/13.

4) تأريخ الكوفة:ص 56.

و يمكن أن تكون الحديقة باسمه و الوالي الذي أمر ببناء مشهده غيره فان «قتلغ»لقب جماعة كأبي بكر بن سعد الزنكي،و قال أيضا:و كتب بعضهم أن السيد علاء الدين حسين كان ذاهبا الى تلك الحديقة فعرفوه أنه من بني هاشم فقتلوه في تلك الحديقة و بعد مضي مدة و زوال آثار الحديقة بحيث لم يبق منها إلا ربوة مرتفعة عرفوا قبره بالعلامات المذكورة،و كان ذلك في دور الدولة الصفوية،و جاء رجل من المدينة يقال له ميرزا علي فسكن شيراز و كان مثريا،فبنى عليه قبة عالية،و أوقف عليه أملاكا و بساتينا و لما توفي دفن بجنب البقعة،و تولية الأوقاف كانت بيد ولده ميرزا نظام الملك أحد وزراء تلك الدولة،و من بعده الى أحفاده،و السلطان خليل حاكم شيراز من قبل الشاه اسماعيل الصفوي رمم البقعة المذكورة و زاد على عمارتها السابقة في سنة«810 ه‍» (1).

10-حمزة.

يكنى أبا القاسم،أمه أمّ ولد،كان عالما فاضلا كاملا مهيبا جليلا رفيع المنزلة،عالي الرتبة،مقدرا عند الخاصة و العامة،سافر مع أخيه الامام علي الرضا(ع)الى خراسان،و كان واقفا في خدمته،ساعيا في مآربه طالبا لرضائه،ممتثلا لأمره فلما وصل الى«سوسعد»احدى قرى «ترتسبر»خرج عليهم قوم من أتباع المأمون فقتلوه،و قبره في«بستان» و قد أعقب ولدين،أحدهما علي،و الآخر القاسم أبا محمد و إليه تنتمي السادة الصفوية (2)و صرحت بعض المصادر أن قبره في الري بالقرب من


1) تحفة العالم:31/2-33.

2) تحفة الأزهار.

قبر السيد الجليل شاه عبد العظيم (1)و قيل انه مدفون في«قم» (2).

11-زيد.

اشارة

أمه أم ولد،و يعرف بزيد النار،و كان زيديا في رأيه أي انه يذهب مذهب الزيدية في الخروج على السلطة لا أنه يعتقد بامامة الخارج كما هو مذهبهم و كان مزاحا (3)و فيما يلي بعض شئونه:

1-مع أبى السرايا.

و أجمع المترجمون لزيد أنه ممن خرج مع أبي السرايا،و انه كان واليا من قبله على البصرة،و لكن الروايات اختلفت في بيان حاله بعد فشل تلك الثورة.و هذه بعضها.

«الأولى»:إنه لما دخل البصرة و غلب عليها أحرق دور بني العباس و أضرم النار في نخيلهم و جميع أسبابهم فقيل له«زيد النار»و حاربه الحسن ابن سهل فظفر به،و أرسله الى المأمون فأدخل عليه بمرو مقيدا فأرسله المأمون الى أخيه الرضا و وهب له جرمه فخلف الامام الرضا أن لا يكلمه أبدا (4).

«الثانية»أنه لما كان من أمر أبي السرايا ما كان،استتر زيد فطلبه الحسن بن سهل فدل عليه فحبسه فلم يزل في الحبس ببغداد حتى ظهر ابراهيم


1) فلك النجاة:ص 337،زندگاني حضرة موسى بن جعفر، فارسي.

2) ناسخ التواريخ،فارسي.

3) العيون.

4) عمدة الطالب،بحر الأنساب.

المهدي المعروف بابن شكلة فاجتمع أهالي بغداد على السجن فأخرجوه منه فمضى الى المدينة فأحرق الدور و قتل جماعة،و دعا لبيعة محمد بن جعفر بن محمد،فبعث إليه المأمون جيشا فأسره و حمله إليه،فقال له:يا زيد خرجت بالبصرة،و تركت أن تبدأ بدور أعدائنا من بني أمية و ثقيف و غني (1)و باهلة و آل زياد،و قصدت دور بني عمك،فقال له:اخطأت يا أمير المؤمنين من كل جهة،و إن عدت للخروج بدأت بأعدائنا،فضحك المأمون و بعثه الى أخيه الرضا(ع)و قال قد وهبت لك جرمه فأحسن أدبه،فلما مثل عند الامام عنفه و خلى سبيله،و حلف أن لا يكلمه أبدا ما عاش (2).

«الثالثة»:إنه لما قتل أبو السرايا تفرق الطالبيون فتوارى بعضهم ببغداد،و بعضهم بالكوفة،و بعضهم بالمدينة،و كان ممن توارى زيد، فطلبه الحسن بن سهل،فدل عليه،فلما جيء به إليه أمر بحبسه ثم أخرجه من السجن و أمر بضرب عنقه فانبرى إليه الحجاج بن خثيمة فقال له:

أيها الأمير،إن رأيت أن لا تعجل و تدعوني البك فان عندي نصيحة، فأجابه الى ذلك،فقال له:

أيها الأمير،أتاك بما تريد أن تفعله أمر من أمير المؤمنين؟ فقال:لا فقال:علام تقتل ابن عم أمير المؤمنين من غير إذنه و أمره و استطلاع رأيه فيه؟ثم حدثه بحديث أبي عبد اللّه بن الأفطس،و ان الرشيد حبسه عند جعفر بن يحيى فأقدم عليه جعفر فقتله من غير إذنه و بعث برأسه إليه في طبق مع هدايا النيروز،و ان الرشيد لما أمر مسرور الكبير بقتل جعفر ابن يحيى قال له:إذا سألك جعفر عن ذنبه الذي تقتله به،فقل له:5.


1) غني:حي من غطفان.

2) جامع الأنساب:ص 65.

إنما أقتلك بابن عمي ابن الافطس الذي قتلته من غير أمري،ثم قال الحجاج للحسن:

أ فتأمن أيها الامير أن تحدث حادثة بينك و بين أمير المؤمنين،و قد قتلت هذا الرجل فيحتج عليك بما احتج به الرشيد على جعفر بن يحيى؟فقال جزاك اللّه خيرا ثم أمر برد زيد الى محبسه فلم يزل محبوسا الى أن ظهر أمر ابراهيم بن المهدي فهجم أهالي بغداد على السجن فأخرجوه منه،و لكن الشرطة قبضت عليه و حمل الى المأمون،فبعث به الى أخيه الرضا فأطلقه (1)«الرابعة»:لما ثار زيد في البصرة أرسل المأمون عليه الحسن بن سهل فظفر به فأرسله الى المأمون مقيدا الى«مرو»ثم أن المأمون قال:

لأخيه الرضا،قد خرج علينا أخوك،و فعل ما فعل،و قد خرج قبله زيد ابن علي بن زين العابدين و الآن قد عفونا عنه اكراما لك،و وهبناه اياك و لو لا عظيم منزلتك لأمرت بصلبه،و ان الذي أتاه ليس بالشيء الحقير فقال له الامام الرضا(ع)«لا تقس زيدا الى زيد بن علي فانه كان من علماء آل محمد،فقد غضب لدين اللّه،و خرج مجاهدا لأعداء اللّه في سبيل اللّه،حتى قتل شهيدا»،ثم أن الامام أمر باطلاق زيد و حلف أن لا يكلمه» (2).

هذه بعض الروايات التي بينت حاله بعد فشل ثورة أبي السرايا و هي مختلفة في بيان حاله،و لكنها متفقة على أن المأمون قد اطلق سراحه و عفا عنه و انه لم ينل عقوبة من السلطان و لم يتعرض لأي مكروه.

2-مع الامام الرضا:

و لم تكن العلاقة بينه،و بين الامام الرضا(ع)على ما يرام فقد ورد


1) البحار:65/3،عيون اخبار الرضا.

2) تحفة الأزهار.

من الامام الرضا(ع)ما يدل على انتقاصه و الحط من شأنه،فقد حدث الحسن بن موسى بن علي الوشاء البغدادي قال:كنت بخراسان عند علي ابن موسى الرضا(ع)،و كان أخوه زيدا في مجلسه و هو يتحدث مع جماعة و يفتخر عليهم و يقول:نحن و نحن و كان أبو الحسن مشغولا مع جماعة يحدثهم،فلما سمع مقالة زيد تأثر و تغير حاله و التفت إليه قائلا:

«يا زيد؟؟أغرك قول ناقلي الكوفة ان فاطمة احصنت فرجها فحرم اللّه ذريتها على النار،فلا و اللّه إلا للحسن و الحسين و ولد بطنها خاصة، أما أن يكون موسى بن جعفر(ع)يطيع اللّه و يصوم نهاره،و يقوم ليله و تعصيه أنت،ثم تجيئان يوم القيامة سواء لأنت أعز على اللّه عز و جل منه؟ إن علي بن الحسين كان يقول:لمحسننا كفلان من الاجر و لمسيئنا ضعفان من العذاب».

ثم التفت(ع)الى الحسن فقال له:كيف تقرءون هذه الآية؟ «قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح».

فقال الحسن:من الناس من يقرأ إنه عمل غير صالح،و منهم من يقرأ انه عمل غير صالح فمن قرأ انه عمل غير صالح فقد نفاه عن أبيه.

فقال(ع)كلا لقد كان ابنه،و لكن لما عصى اللّه عز و جل نفاه عن أبيه،كذا من كان منا و لم يطع اللّه عز و جل فليس منا،و أنت إذا اطعت اللّه عز و جل فأنت منا (1)و حدث الحسن بن جهم قال:كنت عند الرضا(ع)و عنده زيد بن موسى اخوه،و قد أقبل الامام عليه يؤنبه قائلا له:

«يا زيد اتق اللّه فانه بلغنا ما بلغنا بالتقوى،فمن لم يتق اللّه و لم يراقبه،فليس منا و لسنا منه،يا زيد إياك أن تهين من به تصول من شيعتنا6.


1) البحار:65/13،عيون اخبار الرضا:ص 346.

فيذهب نور وجهك،يا زيد،إن شيعتنا إنما أبغضهم الناس و عادوهم و استحلوا دماءهم و أموالهم لمحبتهم لنا،و اعتقادهم لولايتنا،فان أنت أسأت إليهم ظلمت نفسك،و بطلت حقك (1)و قد وردت أخبار اخرى عنه(ع)دلت على تذمره منه و عدم رضائه عنه.

3-وفاته:

و اختلف المترجمون له في زمن وفاته،فقيل إنه توفي في أيام المأمون و أنه هو الذي سقاه السم فمات منه (2)و قيل إنه عاش الى آخر خلافة المتوكل و مات بسر من رأى (3)و قيل انه توفي في ايام المستعين (4)و أما قبره فعند أهل القول الأول يقع في«صلهد»احدى قرى اصفهان و قد بنيت عليه قبة و له مزار (5).

12-العباس

عده الشيخ في رجاله من اصحاب الامام الكاظم(ع)،و قال:إنه ثقة،و شجب بعضهم وثاقته و عدالته نظرا لمخاصمته للامام الرضا(ع) و منازعته له بغير حق،فقد روى الكليني في(أصول الكافي)في باب النص على امامة الامام الرضا(ع)وصية أبيه الامام موسى(ع)له و سنذكر نصها في الفصول الآتية من هذا الكتاب و قد الزم الامام ابناءه فيها بعدم


1) عيون أخبار الرضا:ص 348-349.

2) العمدة.

3) عيون الأخبار ص 347.

4) جمهرة انساب العرب:ص 55.

5) تحفة الأزهار

فضها،و لما توفي(ع)تقدم بعض ابنائه بالشكاية على الامام الرضا عند قاضي المدينة،فأمر بإحضار الامام الرضا(ع)مع اخوانه فلما حضروا انبرى العباس فخاطب القاضي بقوله:

«اصلحك اللّه،و أمتع بك،إن في أسفل هذا الكتاب كنزا و جوهرا يريد ان يحتجبه و يأخذه دوننا و لم يدع أبونا شيئا إلا جعله له،و تركنا عالة،و لو لا انى اكف نفسى لأخبرتك بشيء على رءوس الملأ».

فوثب إليه ابراهيم بن محمد و قد غاظه هذا الكلام القاسي فقال له:

«اذا و اللّه تخبر بما لا نقبله منك،و لا نصدقك عليه،ثم تكون عندنا ملوما مدحورا،نعرفك بالكذب صغيرا و كبيرا،و كان أبوك أعرف بك لو كان فيك خير،و قد كان أبوك عارفا بك في الظاهر و الباطن و ما كان ليأمنك على تمرتين».

و وثب إليه اسحاق بن جعفر عمه فأخذ بتلابيبه و قال له:

«إنك لسفيه ضعيف أحمق هذا مع ما كان منك بالأمس».

و أجمع القوم على لومه و تقريعه،فالتفت القاضي الى الامام الرضا(ع) قائلا له:قم يا أبا الحسن حسبي لا يلعنني أبوك (1)اليوم،لا و اللّه ما أحد أعرف بالولد من والده،و لا و اللّه ما كان ابوك عندنا بمستخف في عقله و لا ضعيف في رأيه،فالتفت إليه العباس قائلا له:

-أصلحك اللّه،فض الخاتم،و اقرأ ما تحته.

-حسبي،لا يلعنني أبوك.

-أنا أفضه.

-ذاك إليك.

فقام العباس بلا حياء،فأخذ الوصية ففتحها فاذا فيها اخراجهم منا.


1) نظرا الى ان وصية الامام،قد جاء فيها اللعن على من فضها.

الوصية و التنصيص على انفراد الامام الرضا(ع)بوصيته فافتضح العباس و اصابه الذل و الهوان فالتفت الامام الرضا(ع)فقال له و لأخوته:

«يا أخي اني أعلم انما حملكم على هذه،الغرائم و الديون التي عليكم و التفت(ع)الى مولاه سعيد فأمره بأن يسدد ديون أخوته و ينفق عليهم، و قال لهم:و اللّه لا أدع مواساتكم و بركم ما مشيت على الارض فقولوا ما شئتم.

فقال له العباس:ما تعطينا إلا من فضول أموالنا،و مالنا عندك اكثر» فانبرى إليه الامام(ع)فأجابه بمنطق الحلم و الرأفة و العفو قائلا له:

قولوا ما شئتم،فالعرض عرضكم فان تحسنوا فذاك لكم عند اللّه،و إن تسيئوا فان اللّه غفور رحيم و اللّه إنكم لتعرفون أنه مالي في يومي هذا ولد و لا وارث غيركم،و لئن حبست شيئا مما تظنون أو ادخرته،فانما هو لكم و مرجعه إليكم،و اللّه ما ملكت منذ مضى أبوكم شيئا إلا و قد سيبته حيث رأيتم».

فوثب إليه العباس قائلا:و اللّه ما هو كذلك،و ما جعل اللّه لك من رأي علينا،و لكن حسدا بينا لنا و تكلم بكلام تمثلت فيه الجفوة،فقال له الامام(ع):

«لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم،أما أنا يا إخوتي فحريص على مسرتكم،اللهم انك تعلم أني محب صلاحهم،بار بهم،و اصل إليهم رفيق عليهم،معني بأمورهم ليلا و نهارا فاجزني به خيرا،و إن كنت على غير ذلك فأنت علام الغيوب فاجزني به ما أنا أهله،ان كان شرا فشرا و ان كان خيرا فخيرا،اللهم اصلحهم،و اصلح لهم و اخسأ عنا و عنهم الشيطان،و اعنهم على طاعتك،و وفقهم لرشدك،أما أنا يا اخوتي، فحريص على مسرتكم،جاهد على صلاحكم،و اللّه على ما نقول وكيل».

فوثب إليه العباس،فرد عليه بصلافة و وقاحة قائلا:

ما اعرفني بلسانك،و ليس لمسحاتك عندي طين» (1).

هكذا ذكر الرواة عنه،و اللّه العالم بحقيقة الحال و أعقب العباس القاسم و أمه أم ولد تدعى ندام،و قد اختفى من السلطة في«سورى»و أخذ يزرع البقل و يتقوت من ثمنه و لم يكن أحد هناك يعرفه،و قد احتف به الناس نظرا لزهده و عبادته و كلما حاولوا أن يخبرهم باسمه و نسبه فيمتنع اشد الامتناع،و قد تزوج بامرأة،فولدت له بنتا و جاء إليه شخص يدعى عيسى و هو يريد الحج فجاء ليودعه،فسأله عن حاجته،فقال له:إن لي إليك حاجة! -و ما هي؟ -تحمل ابنتي هذه الى المدينة،فاذا وصلت إليها فسل عن الطريق الفلاني-و عين له الطريق-فاذا دخلته فاترك هذه الصبية هناك،و اذهب لشأنك.

و سافر عيسى الى الحج فلما انتهى الى يثرب ترك الطفلة في المحل الذي عينه له فجاءت الى دار فطرقت بابها ففتحت لها الباب فدخلت،و بأسرع ما يكون علا الصراخ و العويل من داخل الدار فسأل عيسى عن سبب ذلك فقيل له قد وصل الخبر بوفاة القاسم بن العباس و ان هذه الطفلة ابنته فتعجب عيسى و بعد رجوعه الى بلده اخبره الناس بوفاة القاسم فأعلمهم عيسى بأنه حفيد الامام موسى و حدثهم بشأن طفلته فانبرى طائفة من المؤمنين،فبنوا على جدثه الطاهر قبة و هو يزار حتى الآن (2).ى»


1) تنقيح المقال:130/2.

2) ذكر ذلك البراقي على هامش تحفة الازهار الذي استنسخه بيده، و جاء في سبك الذهب لابن معية ان القاسم بن العباس مدفون«بشوشى»

13-عبد اللّه.

أمه أم ولد و يعرف «بالعوكلاني»و يقال لولده العوكلانية،و حدث عنه علي بن ابراهيم قال:لما توفي الامام الرضا(ع)حججنا فدخلنا على أبي جعفر،و قد حضر خلق من الشيعة من كل بلد لينظروا الى أبي جعفر فدخل عمه عبد اللّه بن موسى و كان شيخا كبيرا نبيلا عليه ثياب خشنة و بين عينيه أثر السجود فجلس و خرج أبو جعفر،و عليه قميص قصب (1)و رداء قصب و في رجليه نعل أبيض،فقام إليه عبد اللّه فاستقبله و قبل ما بين عينيه و قامت إليه الشيعة تكريما و اجلالا له،فجلس أبو جعفر على كرسي و نظر الناس بعضهم الى بعض نظرا لحداثة سن الامام فقد كان عمره آنذاك تسع سنين،و انبرى رجل من القوم فتقدم الى عبد اللّه فقال له:

-ما تقول أصلحك اللّه:في رجل أتى بهيمة؟ فأجابه عبد اللّه تقطع يمينه و يضرب الحد،و لما سمع الامام الجواد بهذه الفتوى التي لا تتفق مع الشريعة الاسلامية غضب و قال له:

«يا عم،اتق اللّه انه لعظيم أن تقف يوم القيامة بين يدي اللّه عز و جل فيقول لك:لم أفتيت الناس بما لا تعلم؟».

فقال له عبد اللّه:أ ليس قال هذا أبوك؟ فقال أبو جعفر انما سئل أبي عن رجل نبش قبر امرأة فنكحها،فقال أبي:تقطع يمينه للنبش،و يضرب حد الزنا فان حرمة الميتة كالحية فقال عبد اللّه:صدقت يا سيدي،استغفر اللّه و تعجب الناس،و أقبلوا على الامام يسألونه و هو يجيبهم (2)و هذه الرواية و ان دلت على تسرع عبد اللّه و خطأه


1) القصب:الثياب الرقيقة الناعمة من الكتان.

2) البحار:129/13.

في المسألة الفقهية و لكن اظهاره الندم و تصاغره أمام الامام يرفع عنه ذلك القدح و يرفعه الى مدارج الأولياء و المتقين،هذا و لم تعين لنا المصادر التي بأيدينا الزمان الذي توفي فيه و المحل الذي دفن فيه.

14-عبيد اللّه.

أمه أم ولد،و قد أعقب ثلاث بنات،و هن اسماء،و زينب،و فاطمة و ثمانية رجال و هم محمد اليمامي،و جعفر،و القاسم،و علي،و موسى،و الحسن و الحسين،و أحمد (1)و إليه تنتمي كثير من البيوتات العلوية الرفيعة الشأن الجليلة القدر،و قد توفي بالكوفة و دفن بها (2).

15-القاسم.

اشارة

فرع زاك من فروع الامامة،و نفحة قدسية من نفحات النبوة...

وحيد عصره في تقواه و صلاحه،و محنته و بلائه،و نعرض فيما يلي الى بعض شئونه.

1-حب الامام له:

كان الامام موسى(ع)يكن في نفسه اعظم الحب و الود لولده القاسم لما يراه منه من الهدي و الصلاح،و ما يتمتع به من الفضل و القابليات الفذة فكان(ع)يثني عليه و يشيد به و يقدمه على سائر أبنائه ما عدا ولده الامام


1) المجدي.

2) تاريخ الكوفة:ص 56.

الرضا(ع)فقد روى يزيد بن سليط قال:طلبت من الامام موسى(ع) أن يعين لي الامام من بعده فقال(ع):

«أخبرك يا أبا عمارة إنى خرجت فأوصيت الى ابني علي،و لو كان الأمر لي لجعلته في القامم ابني لحبي و رأفتي عليه،و لكن ذلك الى اللّه تعالى...»(1).

و لم يمنح الامام موسى عليه السلام هذا الحب للقاسم إلا لأنه رآه من خيرة أبنائه ورعا و تقوى و تحرجا في الدين...و من مظاهر تكريمه له انه كان ينتدبه للقيام ببعض مهامه،فقد روى سليمان الجعفري،قال رأيت أبا الحسن يقول لابنه القاسم:قم يا بني فاقرأ عتد رأس أخيك سورة«الصافات» حتى تتمها،فأخذ القاسم في قراءتها فلما،بلغ قوله تعالى:« أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا »لفظ الفتى نفسه الأخير،و أخذ القوم في تجهيزه،فانبرى يعقوب بن جعفر إلى الامام فقال له:كنا نعهد الشخص إذا نزل به الموت يقرأ عنده سورة«يس»فصرت تأمرنا بقراءة سورة«الصافات»فقال عليه السلام:«لم تقرأ عند مكروب من موت قط إلا عجل اللّه راحته»(2).

و يدلل هذا الحديث على مزيد ثقة الامام(ع)به و تقديمه على غيره، و من الطبيعي ان ذلك ناشئ عن فضائله و مآثره.

2-هربه من السلطة

:

و لما أمعن هارون في تتبع العلويين و قتلهم و ارهاقهم نزح القاسم من يثرب مختفيا كاتما لاسمه حتى لا يعرف،فانتهى الى«سورى»فأقام فيها


1) اصول الكافي.

2) اصول الكافي.

غريبا مشردا عن أهله و وطنه،خائفا على نفسه،و قد كتم أمره لئلا يعرفه أحد،و لم تعطنا المصادر الموثوق بها شيئا عن سيرته،و ما جرى عليه في غربته.

3-وفاته:

و أقام القاسم في«سورى»طيلة حياته القصيرة الأمد،و هو يعاني ألم الغربة و الخوف من السلطة،و قد أحاطت به الهواجس،و راودته الآلام القاسية التي جرت على أهله و اسرته،و كان اعظم ما يحز في نفسه ما حل بأبيه موسى(ع)من الرزء القاصم،و اعتقاله في ظلمات السجون، و تشريد اخوانه،و غير ذلك من النكبات و الأرزاء،و قد نخر الحزن قلبه و أضناه السقام،حتى دنا إليه الموت و هو في فجر الصبا و ريعة العمر...

و لما شعر بدنو الأجل المحتوم و القدوم على اللّه،عرف نفسه،فقد فات ما كان يحذر منه،ثم لفظ انفاسه الأخيرة،فوا لهفتاه على ما عاناه ابناء النبي صلى اللّه عليه و آله من المحن و الخطوب التي لم يعهد لها نظير في فضاعتها و مرارتها.

و قام المسلمون في تلك المنطقة،و هم يذرفون الدموع على تقصيرهم تجاه حفيد نبيهم الذي لم يوفوه حقه لجهلهم به،و واروا جثمانه الطاهر في مقره الأخير،و قد واروا معه العلم و التقوى و الصلاح..أما سنة وفاته فلم نعثر عليها،و المظنون قويا أنه توفي في عهد هارون،و ليس من المقطوع به أنه توفي في عهد المأمون،و ذلك لعدم اختفاء العلويين في عهده.

4-مرقده:

أما مرقده الشريف فيقع في«سورى»و تعرف البقعة الطيبة في هذا الوقت بناحية القاسم،فقد نسبت الى اسمه الشريف و هي احدى نواحي قضاء الهاشمية التابع الى محافظة بابل«الحلة سابقا»،و ذكر الحموي:أن المرقد الشريف يقع في«شوشة»و قال في تعيينها:إنها تقع بأرض بابل أسفل من حلة بني مزيد،و بها يقع قبر القاسم بن موسى بن جعفر،و بالقرب منها قبر ذي الكفل (1)و تبعه على ذلك صفي الدين (2)و الزبيدي (3)و هو اشتباه محض،فان المدفون في هذه البقعة هو القاسم بن العباس بن الامام موسى(ع)كما نص على ذلك جمال الدين أحمد بن عنبة النسابة (4)و الحجة السيد القزويني (5)و مما لا شبهة فيه أن هؤلاء السادة من النسابين اعرف بقبور آبائهم،و ما ذكره المجلسي (6)من ان قبر القاسم«قريب من الغري»،فمراده القرب المجازي لا الحقيقي،كما أفاد ذلك الشيخ المامقاني (7).

و قد جدد القبة الشريفة،و نورها بالمصابيح الكهربائية فقيد العلم


1) معجم البلدان.

2) مراصد الاطلاع.

3) تاج العروس:318/4.

4) عمدة الطالب:ص 219.

5) فلك النجاة:ص 336.

6) بحار الانوار.

7) تنقيح المقال.

و الفضيلة العلامة الكبير المرحوم الشيخ قاسم محي الدين.

و مما تجدر الاشارة إليه أنه لا عقب للقاسم،كما نص على ذلك غير واحد من علماء النسب (1).

5-استحباب زيارته

:

و نص السيد الجليل علي بن طاوس على استحباب زيارة المرقد الطاهر و قرنه بزيارة قبر العباس بن أمير المؤمنين(ع)و بزيارة علي الأكبر نجل الامام الحسين(ع)و ذكر له زيارة خاصة (2).

و نسب الى الامام الرضا(ع)أنه قال:في فضل زيارة القاسم«من لم يقدر على زيارتي فليزر أخي القاسم»و نظم هذا الحديث السيد علي بن يحيى بن حديد الحسيني بقوله:

أيها السيد الذي جاء فيه قول صدق ثقاتنا ترويه

بصحيح الاسناد قد جاء حقا عن أخيه لأمه و أبيه

انني قد ضمنت جنات عدن للذي زارني بلا تمويه

و اذا لم يطق زيارة قبرى حيث لم يستطع وصولا إليه

فليزر إن أطاق قبر أخي القاسم و ليحسن الثناء عليه (3)


1) بحر الأنساب:ص 53،مناهل الضرب و غيرها.

2) مصباح الزائرين،و مفتاح الجنات 151/2 للسيد محسن العاملي

3) مشاهد العترة الطاهرة لصديقنا المغفور له السيد عبد الرزاق كمونة ص 6،نقلا عن اعيان الشيعة 206/42.

و بهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن حياة هذا السيد العظيم فان المصادر التي بأيدينا قد ضنت علينا باعطاء صورة مفصلة عن حياته الكريمة.

16-محمد.

يكنى أبا ابراهيم،كان كريما جليلا،موقرا يعرف بالعابد لكثرة وضوئه و صلاته،فكان في كل ليلة يتوضأ و يصلي،و يرقد قليلا ثم يقوم لعبادة اللّه تعالى حتى ينبلج نور الصبح،قال بعض شيعة أبيه:ما رأيته قط إلا ذكرت قول اللّه تعالى:« كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ » (1)و قال الرواة إنه دخل شيراز و اختفى بها و أخذ يستنسخ القرآن الكريم،و من أجرته اعتق الف مملوك (2).

اعقب سبعة أولاد منهم أربع بنات و هن:السيد حكيمة،و كلثم، و بريهة،و فاطمة،و الرجال:جعفر و محمد و ابراهيم (3)الذي يعرف بالمجاب و سبب تلقيبه بذلك-فيما يقول المؤرخون-انه سلم على قبر جده الامام الحسين(ع)فسمع صوت من القبر الشريف:و عليك السلام يا ولدي (4)و قد ظهر على العباسيين و استولى على الجزيرة،و قد دفن بجوار جده الامام الحسين،و فيه يقول بعض ولده مفتخرا به و بجده الامام موسى(ع):

من اين للناس مثل جدي موسى و ابنه المجاب

اذ خاطب السبط و هو رمس اجابه اكرم الجواب (5)


1) الفصول المهمة:ص 256.

2) تحفة العالم:31/2.

3) تنقيح المقال:192/3.

4) غاية الاختصار،اعيان الشيعة:463/5،تذكرة الانساب.

5) اعيان الشيعة:463/5.

و عقب محمد من ابراهيم (1)توفي السيد الزكي محمد بشيراز،و دفن فيها و كان قبره مخفيا الى زمان بك بن سعد بن زنكي فبنى له قبة في محلة«باغ قتلغ»و قد جدد بناؤه عدة مرات في زمان السلطان نادر خان،و في سنة «1296 ه‍»رممه النواب أويس بن النواب الاعظم الشاه زاده فرهاد القاجاري (2)و في الوقت الحاضر له مزار يتبرك به و تسكنه السادة الأخيار و الصلحاء الأبرار،و تعقد له النذور (3).

17-هارون.

أمه أم ولد اعقب ثمانية لم يعقب أحد منهم غير ولده أحمد (4)و قيل أنه لم يعقب (5)قيل ان الحكومة العباسية ضغطت عليه،و وقعت بينه و بين الشرطة مصادمة ادت الى اصابته ببعض الجراحات،ففر هاربا الى شهرستان،فلجأ الى قرية هناك فيها مزارع،و قد اصابه الضعف فقام صاحب المزرعة بمعالجته حتى بريء،و أقام هناك مدة من الزمن حتى شاع أمره،فبينما هو يتناول الطعام إذ هجمت عليه شرطة المأمون فقتلوه، و دفن هناك (6)و المشهور انه توفي في احدى قرى طالقان و دفن هناك و له مرقد يزار،و قد اسس سنة«853 ه‍»و كتب على ضريحه«هذا قبر امام زاده هارون بن سلطان الاتقياء و امام الاولياء موسى الكاظم (7).


1) تنقيح المقال:192/3.

2) تحفة العالم:31/2.

3) جامع الانساب:ص 108.

4) المجدي.

5) جامع الانساب:ص 55.

6) نفس المصدر.

7) زندگاني حضرة موسى بن جعفر:ص 260.

هذا مجموع ما عثرنا عليه من تراجم بعض أولاد الامام(ع)و لم تذكر الكتب التي بأيدينا تراجم الباقين منهم،و نصت بعض المصادر على ذكر اسماء أخر من أولاد الامام غير الذين ذكرناهم،و قد اهملت اسماءهم و تراجمهم كثير كتب الانساب،و فيما يلي اسماءهم مع عرض موجز لبعض أحوالهم:

18-عون.

ذكره الشبلنجي و قال:إليه يرجع نسب سيدنا و مولانا الشيخ الكبير المقرب جامع الشرفين شرف النسب و شرف المعرفة باللّه،و الادب ذي الكرامات الظاهرة أبي الحسن،و أبي الاشبال علي الاهدل بن عمر،بن محمد ابن سليمان بن عبيد بن عيسى بن علوي بن محمد بن حمحام بن عون بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع)و قد نظم ذلك بعض الفضلاء:

علي بن فاروق أبو محمد ثم سليمان الرضا المسدد

عبيد عيسى علوي محمد حمحام عون كاظم المؤيد

جعفر الصادق قل محمد زين حسين و علي السيد (1)

ص:138 نقلا عن بغية الطالب للسيد محمد بن طاهر اليماني،و جاء ذلك أيضا في إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون 188/1.

19-ادريس.

و إليه ينتمي السيد خواجة معين الدين السنجري (2).


1) نور الابصار

2) كنز الانساب:74.

20-شمس.

ذكره النسابة احمد بن محمد الجيلاني النجفي (1)و ذكر السيد الروضاتي شجرة لعقبه (2).

21-شرف الدين.

و إليه تنتمي السادة الخلخالية،و قد أنبتت شجرة لهم (3).

22-صالح.

أعقب السادة الشهيرين بالشجعان،و لهم شجرة،و قد توفي في تجريش،و قبره مشيد و عليه بناية ضخمة (4).

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن تراجم السادة من أولاد الامام(ع) و بقي علينا أن نشير الى تراجم بعض السيدات من بناته:

بعض السيدات من بناته:

1-آمنة.

توفيت في مصر،و قبرها هناك يزار،و حكى سادن روضتها عن كرامة لها و هي ان شخصا جاء له بمقدار من الزيت و طلب منه أن يوقده للضياء في ليلة واحدة فجعله السادن في القناديل فلم يوقد منه شيء فتعجب


1) سراج الأنساب:ص 44.

2) جامع الانساب:ص 9.

3) نفس المصدر:ص 44.

4) كنز الأنساب.

من ذلك و رأى في منامه السيدة آمنة تقول له:رد عليه زيته و اسأله من أين اكتسبه؟فانا لا نقبل إلا الطيب فلما أصبح الصبح جاء صاحب الزيت فقال له السادن:خذ زيتك.

-لمه؟ -إنه لم يوقد منه شيء،و رأيتها في المنام فقالت لا نقبل إلا الطيب -صدقت السيدة اني رجل مكاس (1).

ثم أخذ الزيت و انصرف (2).

2-حكيمة.

أمرها اخوها الامام الرضا(ع)بأن تحضر عند الخيزران أم الامام الجواد عند ولادتها به،و قد روت كيفية ولادته و ما جرى له من المعجز آنذاك (3).

3-فاطمة.

و هي الشهيرة بالسيدة معصومة،و قد روت هي و اختاها زينب و أمّ كلثوم حديثا في فضل جدهن أمير المؤمنين(ع)و في فضل شيعته (4)و كانت تحب أخاها الرضا حبا شديدا،و لما حمله المأمون الى مرو ليعهد له بولاية


1) المكاس:هو ما يأخذه اعوان الدولة عن أشياء معينة عند بيعها و هي التي تؤخذ بغير وجه مشروع.

2) نور الابصار:ص 180.

3) المعالم لابن شهر اشوب.

4) سفينة البحار:729/1.

العهد خرجت فاطمة في اثره و ذلك في سنة«201 ه‍»فلما وصلت الى «ساوة»مرضت فسألت عن المسافة التي بينها و بين قم فقالوا لها عشر فراسخ فأمرت بحملها الى قم فحملت إليها و نزلت في بيت موسى بن خزرج الاشعري و قيل ان أهالي قم استقبلوها فلما وصلت أخذ موسى بن خزرج بزمام ناقتها و اقدمها الى داره و كانت عنده سبعة عشر يوما ثم توفيت،فأمر بتغسيلها و تكفينها و صلى عليها و دفنها في أرض كانت له،و بنى على مرقدها سقيفة من البوارى الى ان بنت عليها زينب بنت محمد بن علي الجواد عليها قبة (1)و حدث الحسن بن محمد القمى عن فضل زيارتها قال:كنت عند الامام الصادق(ع)فقال:«ان للّه حرما و هو مكة،و لرسوله حرما و هو المدينة و لأمير المؤمنين حرما و هو الكوفة و لنا حرما و هو قم،و ستدفن فيه امرأة من ولدي تسمى فاطمة من زارها وجبت له الجنة،قال(ع)ذلك قبل ولادة الامام موسى (2)و في بعض كتب التاريخ ان القبة التي على ضريحها المقدس قد بنيت سنة«529 ه‍»بأمر المرحومة السيدة شاه بيكم بنت عماد بيك و أما تذهيب القبة مع بعض الجواهر الموضوعة على القبر فهي من آثار السلطان فتح علي شاه القاجاري (3).

4-فاطمة الصغرى.

قبرها في«بادكوبه»يقع في وسط مسجد بناؤه قديم (4).


1) البحار:312/2.

2) تحفة العالم:ص 36،البحار.

3) تحفة العالم:ص 37.

4) نفس المصدر.

هذا مجموع ما عثرنا عليه من تراجم السادة و السيدات من ابنائه.

ان في سيرة أبناء الامام ملتقى أصيل لكل فضيلة و مأثرة،فقد أترعت حياة بعضهم بالثورة و النقمة على الظالمين،فاندفعوا الى ساحات الجهاد و النضال لانقاذ الأمة مما هي فيه من واقع مرير،و من استبداد فظيع بشئونها،و اقتصادها،و لكن لم تحالفهم الضروف فباءت بالفشل إلا أن المأمون لم يتخذ معهم موقفا حاسما،و انما عفا عنهم إرضاء للعامة التي تعطف كثيرا على ذرية نبيها،و تكن لها أعظم الود و الولاء.و بذلك ينتهي بنا المطاف عن هذا الفصل.

اسباب سجنه

اشارة

و لا بد لنا من الحديث عن الاسباب التي دعت الرشيد لسجن الامام موسى عليه السلام،و اعتقاله في غياهب السجون،و ظلمات الطوامير بعيدا عن أهله و وطنه،و محروما من الالتقاء بشيعته،و لعل ذلك-فيما نحسب- من اقسى المحن و الخطوب التي عاناها في حياته.

لقد اطلنا الحديث عن ملوك عصره،و دراسة شئونهم،و ما أثر عنهم في الميادين السياسية و الاجتماعية،و ما قاموا به من الاضطهاد البالغ لعموم المسلمين و للشيعة بصورة خاصة،كما أسهبنا بعض الاسهاب في بيان ما اتسم به عصر الامام من المشاكل الجسام و الأحداث،و عرضنا بصورة مفصلة تراجم اصحابه و رواة حديثه و علومه،فان اطالة البحث في ذلك قد يعد خروجا عن الموضوع،و لكنا لم نر بدا من عرض ذلك فان الاحاطة به أمر لا بد منه لمن يريد دراسة شخصية تعد في القمة من المجتمع الاسلامي،و من الطبيعي ان الوقوف على ذلك يكشف لنا جانبا كبيرا من حياة الامام(ع).

و نعتقد بأن القراء يهمهم الاطلاع-قبل كل شيء-على الأسباب التي سجن من أجلها الامام،و التعرف على دور محنته الكبرى أيام اضطهاده في سجن الطاغية هارون،و سنذكر ذلك كله مشفوعا بالتفصيل،و فيما يلي بعض علل اعتقاله.

1-سمو شخصية الامام

:

الامام موسى(ع)من ألمع الشخصيات الاسلامية في ذلك العصر فهو من أئمة المسلمين،و أحد أوصياء الرسول(ص)على أمته-كما دان بامامته جمهور كبير من المسلمين،و قد أجمع المسلمون على اختلاف مذاهبهم

على اكبار الامام و تقديره،و قد ذكرنا في«الحلقة الاولى»من هذا الكتاب سيلا من أقوال كبار المؤلفين و العلماء على تبجيل الامام،و الثناء عليه و قد تحدث الناس في عصره عن علومه و تقواه و ورعه و مكارمه، و كان هارون نفسه ممن يجله و يعتقد بأن الخلافة الاسلامية هو أولى بها منه كما حدث بذلك المأمون،فقد قال لندمائه:

أ تدرون من علمني التشيع؟؟.

فانبروا جميعا قائلين:-لا و اللّه ما نعلم-.

علمني ذلك الرشيد.

فقالوا كيف ذلك؟و الرشيد كان يقتل أهل هذا البيت!! قال:كان يقتلهم على الملك لأن الملك عقيم،ثم أخذ يحدثهم عن ذلك قائلا:لقد حججت معه سنة فلما انتهى الى المدينة قال:لا يدخل عليّ رجل من أهلها أو من المكيين سواء كانوا من أبناء المهاجرين و الانصار أو من بني هاشم حتى يعرفني بنسبه و أسرته،فأقبلت إليه الوفود تترى و هي تعرّف الحاجب بأنسابها،فيأذن لها،و كان يمنحها العطاء حسب مكانتها و منزلتها،و في ذات يوم اقبل الفضل بن الربيع حاجبه و هو يقول له:

رجل على الباب،زعم أنه موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع).

فلما سمع ذلك هارون أمر جلساءه بالوقار و الهدوء،ثم قال لرئيس تشريفاته:

ائذن له،و لا ينزل إلا على بساطي.

و أقبل الامام(ع)و قد وصفه المأمون فقال:إنه شيخ قد انهكته العبادة كأنه شن بال قد كلم السجود وجهه،فلما رآه هارون قام إليه و أراد الامام أن ينزل عن دابته،فصاح الرشيد لا و اللّه إلا على بساطي فمنعه

الحجاب من الترجل،و نظرنا إليه بالاجلال و الاعظام،و سار راكبا الى البساط،و الحجاب و كبار القوم محدقون به،و استقبله هارون،فقبل وجهه و عينيه،و أخذ بيده حتى صيره في صدر مجلسه و أقبل يسأله عن أحواله و يحدثه،ثم قال له:

يا أبا الحسن،ما عليك من العيال؟ قال الامام:يزيدون على الخمسمائة.

قال هارون:أولاد كلهم؟ قال الامام:لا،اكثرهم موالي و حشمي،فأما الولد فلي نيف و ثلاثون ثم بين له عدد الذكور و الاناث.

فقال هارون:لم لا تزوج النسوة من بني عمومتهن؟ قال الامام:اليد تقصر عن ذلك.

قال هارون:فما حال الضيعة؟ قال الامام:تعطي في وقت و تمنع في آخر.

قال هارون:فهل عليك دين؟ قال الامام:نعم.

قال هارون:-كم-؟ قال الامام نحو من عشرة آلاف دينار.

قال هارون:يا بن العم،أنا أعطيك من المال ما تزوج به أولادك و تعمر به الضياع.

قال الامام:وصلتك رحم يا بن العم،و شكر اللّه لك هذه النية الجميلة،و الرحم ماسة و اشجة،و النسب واحد،و العباس عم النبي(ص) و صنو أبيه،و عم علي بن أبي طالب(ع)و صنو أبيه،و ما أبعدك اللّه من أن تفعل ذلك،و قد بسط يدك،و أكرم عنصرك،و أعلى محتدك.

فقال هارون:أفعل ذلك يا أبا الحسن،و كرامة.

فقال له الامام:إن اللّه عز و جل قد فرض على ولاة العهد أن ينعشوا فقراء الامة،و يقضوا على الغارمين،و يؤدوا عن المثقل و يكسوا العاري، و أنت أولى من يفعل ذلك.

قال هارون:أفعل ذلك يا أبا الحسن.

ثم انصرف الامام(ع)فقام هارون تكريما له فقبل ما بين عينيه و وجهه ثم التفت الى أولاده فقال لهم:قوموا بين يدي عمكم و سيدكم،و خذوا بركابه و سووا عليه ثيابه و شيعوه الى منزله،فانطلقوا مع الامام بخدمته و أسر(ع)الى المأمون فبشره بالخلافة و أوصاه بالاحسان الى ولده،و لما فرغوا من القيام بخدمة الامام و إيصاله الى داره،قال المأمون:كنت أجرأ ولد أبي عليه،فلما خلا المجلس قلت له:

«يا أمير المؤمنين،من هذا الرجل؟الذي عظمته و قمت من مجلسك إليه فاستقبلته و أقعدته في صدر المجلس،و جلست دونه ثم أمرتنا بأخذ الركاب له».

قال هارون:هذا امام الناس و حجة اللّه على خلقه و خليفته على عباده قال المأمون:يا أمير المؤمنين او ليست هذه الصفات كلها لك و فيك؟ قال هارون:أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة و القهر و موسى بن جعفر إمام حق،و اللّه يا بني:إنه لأحق بمقام رسول اللّه(ص)مني و من الخلق جميعا و و اللّه لو نازعتني هذا الأمر لأخذت الذي فيه عينيك فان الملك عقيم.

و بقي هارون في يثرب مدة من الايام،فلما أزمع على الرحيل منها أمر للامام بصلة ضئيلة قدرها مائتا دينار،و أوصى الفضل بن الربيع أن يعتذر له عند الامام،فانبرى إليه المأمون و هو مستغرب من قلة صلته مع

كثرة تعظيمه و تقديره له قائلا:

«يا أمير المؤمنين:تعطي أبناء المهاجرين و الانصار،و سائر قريش و بني هاشم،و من لا يعرف نسبه خمسة آلاف دينار،و تعطي موسى بن جعفر و قد عظمته و أجللته مائتي دينار أخس عطية أعطيتها أحدا من الناس فثار هارون و صاح في وجهه قائلا:

«اسكت،لا أم لك،فاني لو أعطيت هذا ما ضمنته له ما كنت آمنه أن يضرب وجهي بمائة الف سيف من شيعته و مواليه،و فقر هذا و أهل بيته أسلم لي و لكم من بسط أيديهم (1).

و دلت هذه الرواية بوضوح على اعتقاد هارون بامامة الامام موسى(ع) و انه خليفة اللّه في ارضه و حجته على عباده،و ان الخلافة الاسلامية من حقوقه الخاصة،و انه ليس هناك أحد اولى بها منه،و لكن الذي دعاه و دعا غيره الى سلبها منه و من آبائه هو حب الدنيا فالملك عقيم،كما كشف هارون بحديثه عن السبب في حرمانه للامام من عطائه حسب منزلته،و هو خوفه من انتفاضة الامام و خروجه عليه إن تحسنت حالته الاقتصادية،و هذا هو الحرب الاقتصادي الذي تستعمله بعض الدول مع خصومها لأجل انهاكها و اضعافها لقد كان الرشيد يعلم بمكانة الامام،و يعتقد أنه خليفة اللّه على عباده و انه وارث علوم الأنبياء،و كان يسأله عما يجري بعده من الأحداث فكان عليه السلام يخبره بذلك،و قد سأله عن الأمين و المأمون فأخبره بما يقع بينهما فحز ذلك في نفسه،و تألم أشد الألم و أقساه،فقد روى الاصمعي قال:دخلت على الرشيد،و كنت قد غبت عنه بالبصرة حولا فسلمت عليه بالخلافة،فأومأ لي بالجلوس قريبا منه فجلست قريبا،ثم نهضت،فأومأ لي أن أجلس فجلست حتى خف الناس ثم قال لي:72


1) البحار:270/11-272

«يا أصمعي أ لا تحب أن ترى محمدا و عبد اللّه ابني؟».

قلت:بلى يا أمير المؤمنين،إني لأحب ذلك،و ما أردت القصد إلا إليهما لأسلم عليهما...».

و أمر الرشيد باحضارهما،فأقبلا حتى وقفا على ابيهما و سلما عليه بالخلافة،فأومأ لهما بالجلوس،فجلس محمد عن يمينه،و عبد اللّه على يساره ثم أمرني بمطارحتهما الأدب فكنت لا ألقي عليهما شيئا في فنون الأدب إلا أجابا فيه،و أصابا..فقال الرشيد:

-كيف ترى أدبهما؟ -يا أمير المؤمنين ما رأيت مثلهما في ذكائهما،و جودة فهمهما و ذهنهما، أطال اللّه بقاءهما،و رزق اللّه الأمة من رأفتهما و معطفتهما.

فأخذهما الرشيد و ضمهما الى صدره،و سبقته عبرته فبكى حتى انحدرت دموعه على لحيته،ثم اذن لهما في القيام فنهضا،و قال:

«يا أصمعي كيف بهما إذا ظهر تعاديهما،و بدا تباغضهما،و وقع بأسهما بينهما،حتى تسفك الدماء،و يود كثير من الأحياء انهما كانا موتى...».

فبهر الأصمعي من ذلك و قال له:

يا أمير المؤمنين هذا شيء قضى به المنجمون عند مولدهما أو شيء آثرته العلماء في أمرهما!!» فقال الرشيد و هو واثق بما يقول:

«لا بل شيء أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما...» قال المأمون:كان الرشيد قد سمع جميع ما يجري بيننا من موسى ابن جعفر (1).1.


1) حياة الحيوان للدميري:77/1.

إن علم الرشيد بمنزلة الامام،و بما تذهب إليه طائفة من المسلمين من القول بامامته هو الذي أثار احقاده و اضغانه عليه،و دعاه الى زجه في ظلمات سجونه.

2-حقد هارون

:

كان الحقد من مقومات ذات الرشيد،و من أبرز صفاته النفسية، فكان يحمل حقدا لكل شخصية مرموقة لها المكانة العليا في عصره،فلم يرق له بأي حال أن يسمع الناس أو يتحدثوا عن أي شخص بتمتع بمكانة عليا في المجتمع،و السبب في ذلك لئلا يزهد الناس فيه،و قد حاول أن يحتكر الذكر الحسن لنفسه و لذاته.

لقد حسد الرشيد البرامكة لما ذاع اسمهم،و تحدثت الناس عن مكارمهم فقد أخذ الحقد ينخر في قلبه حتى أنزل بهم العقاب الأليم فمحا وجودهم و أزال ظلهم من الأرض،و كان من الطبيعي أن يحقد على الامام موسى(ع) لأنه ألمع شخصية في عصره،فقد تناقل الناس فضائله،و تحدثت جميع الأوساط عن علمه و مواهبه،و ذهب جمهور غفير من المسلمين الى امامته و انه أحق بمنصب الخلافة منه،و كان يذهب الى فكرة الامامة كبار الموظفين في سلك دولته كعلي بن يقطين،و ابن الأشعث و غيرهما،و كان هارون نفسه من الذين يؤمنون بأن الامام هو أولى منه بهذا المنصب الخطير،كما ادلى بذلك لم يرق لهارون أن يرى في المجتمع من هو أفضل منه،و لم يهدأ له فكر أن ينظر الى الجماهير و سائر الأوساط الشعبية و هي تؤمن بأن الامام هو أولى بالأمر من غيره،و انه في القمة العليا علما و فضلا و مأثرا و ان المسلمين قد أجمعوا على تعظيمه و تناقلوا فضائله و علومه،فساءه ذلك،فقدم على

ارتكاب الجريمة فأودع الامام في ظلمات السجون و غيبه عن الناس.

3-حرصه على الملك

:

كان هارون حريصا على ملكه متفانيا في حب سلطانه،فهو يضحي في سبيله جميع المقدسات و القيم،و قد عبر عن مدى حرصه على سلطته بكلمته المعروفة التي تناقلتها الأجيال و الأحقاب و هي:

«لو نازعني رسول اللّه(ص)لأخذت الذي فيه عيناه».

أجل إنه لو نازعه رسول اللّه(ص)في ملكه لأخذ الذي فيه عيناه و مع هذا الحرص الشديد و التهالك على السلطة،كيف يخلي عن سراح الامام و كيف تطيب نفسه و قد رأى الناس قد أجمعوا على حب الامام و تقديره.

لقد كان هارون يقظا،فكان يخرج بغير زيه متنكرا ليسمع أحاديث العامة،و يقف على اتجاهاتهم و رغبتهم،فكان لا يسمع إلا الذكر العاطر للامام و الثناء عليه،وحب الناس له،و رغبتهم في ان يتولى شئونهم فلذلك أقدم على ارتكاب الموبقة،و أنهى به الحرص و الحقد الى قتله له.

4-بغضه للعلويين

:

لقد اترعت نفس هارون ببغض العلويين،فقد ورث عداءهم من آبائه و سلفه الذين نكلوا بالعلويين،و صبوا عليهم وابلا من العذاب الأليم،و ساقوهم الى القبور و السجون،و طاردوهم حتى هربوا هائمين على وجوههم خائفين يلاحقهم الرعب و الفزع.

و زاد هارون على أسلافه في ارهاق العلويين،فدفنهم و هم أحياء و أشاع في بيوتهم الثكل و الحزن و الحداد،و استعمل جميع امكانياته للبطش بهم،ففرض عليهم الاقامة الاجبارية في بغداد،و جعلهم تحت المراقبة، و لم يسمح للاتصال بهم،و حرمهم من جميع حقوقهم الطبيعية.

و كان أبغض شيء عليه أن يرى عميد العلويين و سيدهم الامام موسى عليه السلام في دعة و اطمئنان و أمان،فلم يرق له ذلك دون أن ينكل به فدفعه لؤمه و عداؤه الموروث الى سجنه و حرمان الأمة الاسلامية من الاستفادة بعلومه و نصائحه و توجيهاته.

5-الوشاية به

اشارة

:

و عمد فريق من باعة الضمير و الدين الذين انعدمت من نفوسهم الانسانية الى السعي بالامام(ع)و الوشاية به عند الطاغية هارون ليتزلفوا إليه بذلك،و ينالوا من دنياه،و قد بلي بهم الاسلام و المسلمون و بهؤلاء الأوغاد يستعين الظالمون في جميع مراحل التأريخ على تنفيذ خططهم الرامية الى اشاعة الظلم و الجور و الفساد في الأرض.

و كانت وشاية هؤلاء المجرمين بالامام ذات طوابع متعددة،و هي:

(أ)-جباية الأموال له:

و انطلق بعض الأشرار،فأخبر هارون بأن الامام تجبى له الأموال الطائلة من شتى الأقطار الاسلامية،و انه قد اشترى بها ضيعة تسمى:

«البسرية»اشتراها بثلاثين الف دينار،فأثار ذلك كوامن الغيظ و الحقد في نفس هارون،فان سياسته كانت تجاه العلويين تقضي بفقرهم و وضع

الحصار الاقتصادي عليهم،فان فقرهم أحب إليه من غناهم-كما قال لولده المأمون-و قد ذهب ابن الصباغ الى أن هذه الوشاية من جملة الأسباب التي دعت لسجن الامام (1).

(ب)-طلبه للخلافة.

لقد بلى المجتمع الاسلامي منذ فجر تأريخه بطائفة من باعة الضمير الذين لا يقدسون سوى المادة و ما يحقق رغباتهم الرخيصة،فنكلوا بالمسلمين و أضروهم الى حد بعيد و ذلك بنكايتهم بالمصلحين الذين يطالبون بالصالح العام لأوطانهم و أمتهم.

لقد كان تأريخ الاسلام حافلا بالشيء الكثير من أعمال هؤلاء المخربين الذين هم من أقوى عوامل الشر و الفساد و لولاهم لما تمكنت السلطة على الظلم و الجور،و قد سعى فريق من هؤلاء بالامام موسى(ع)الى هارون فأوغروا صدره عليه و أثاروا كوامن الحقد عليه،فقد قالوا:انه يطالب بالخلافة،و يكتب الى سائر الأقطار و الأمصار الاسلامية يدعوهم الى نفسه و يحفزهم الى الثورة ضد حكومته،و كان في طليعة هؤلاء الوشاة يحيى البرمكي و كان السبب في وشايته-فيما يقول الرواة-هو أن الرشيد قد جعل ولي عهده محمد بن زبيدة عند جعفر بن محمد بن الأشعث،فساء ذلك يحيى و أحاطت به هواجس مريرة،و خاف أن تنقضي دولته و دولة ولده إذا أفضى الأمر الى محمد،و ان زمام الدولة سيكون بيد جعفر،و كان يحيى قد عرف ميوله و اتجاهه نحو العلويين و انه يذهب الى إمامة موسى(ع)،فاختلى به و عرفه بفكرته و ان له ميولا نحو العلويين فسر جعفر بذلك و عرفه بفكرته،و لما علم يحيى ذلك منه سعى به الى الرشيد فتأثر منه،و لكنه لم يوقع به أي


1) الفصول المهمة:ص 252.

مكروه لأنه تذكر أياديه و جميل آبائه على العباسيين.

و دخل جعفر على الرشيد فوسع له في مجلسه،و جرى بينهما حديث استطابه هارون،فأمر له بعشرين الف دينار،فغضب يحيى،فلما كان اليوم الثاني دخل عليه فقال له:

يا أمير المؤمنين،كنت قد أخبرتك عن جعفر و مذهبه،فتكذب ذلك -و هاهنا أمر فيه الفيصل- قال الرشيد:ما هو؟ قال يحيى:إنه لا يصل إليه مال من جهة من الجهات إلا أخرج خمسه فوجه به الى موسى بن جعفر،و لست أشك في العشرين الف دينار انه وجه خمسها إليه.

قال هارون:إن في هذا لفيصلا.

فأرسل في الوقت خلف جعفر،فلما انتهى إليه الرسول عرف سعاية يحيى به فلم يشك في أن هارون انما دعاه في غلس الليل ليقتله،فأفاض عليه الماء و اغتسل غسل الأموات،و أقبل الى الرشيد فلما وقع بصره عليه و شم منه رائحة الكافور قال له:

ما هذا؟ -يا أمير المؤمنين،قد علمت أنه قد سعى بي عندك،فلما جاءني رسولك في هذه الساعة لم آمن من أن يكون قد انقدح في نفسك ما يقال علي،فأرسلت إلي لتقتلني.

قال هارون:-كلا-و لكن قد أخبرت أنك تبعث الى موسى بن جعفر من كل ما يصير إليك بخمسه،و انك قد فعلت ذلك في العشرين الف دينار التي وهبتها لك،فأحببت أن أعلم ذلك؟.

قال جعفر:اللّه اكبر يا أمير المؤمنين،تأمر بعض خدمك ليذهب

فيأتيك بها بخواتيمها.

فأمر الرشيد بعض خدمه فأتاه بها على ما هي عليه لم يؤخذ منها شيء،فبدا السرور على سحنات وجهه و قال له:

هذا أول ما نعرف كذب من سعى بك إلي،صدقت يا جعفر انصرف آمنا،فاني لا أقبل فيك قول أحد.

فخجل يحيى،و باء بالخزي و الخسران،و ازداد غيظه و حنقه و أخذ يعمل جاهدا في اسقاط مكانة جعفر و زوال نعمته،فرأى أن يسعى بالامام موسى(ع)ليتوصل بذلك الى النكاية به،فقال ليحيى ابن أبي مريم:أ لا تدلني على رجل من آل أبي طالب له رغبة في الدنيا فأوسع له منها؟فقال له:نعم،ذاك علي بن اسماعيل بن جعفر،فأرسل خلفه يحيى و كان آنذاك في الحج،فلما اجتمع به قال له يحيى:اخبرني عن عمك موسى،و عن شيعته و عن المال الذي يحمل إليه فقال:عندي الخبر،و حدثه بما يريد، فطلب منه أن يرحل معه الى بغداد ليجمع بينه و بين الرشيد فأجابه الى ذلك فلما سمع الامام موسى(ع)بسفره مع يحيى بعث خلفه فقال له:

بلغني أنك تريد السفر؟ -نعم.

-الى أين؟ -الى بغداد.

-ما تصنع؟ -عليّ دين و أنا مملق.

-أنا أقضي دينك،و أكفيك أمورك.

فلم يلتفت الى الامام و وسوست له نفسه و أجاب داعي الهوى فترك الامام و قام من عنده،فقال(ع)له:لا تؤتم أولادي،ثم أمر(ع)له

بثلاثمائة دينار و أربعة آلاف درهم،و قال(ع):و اللّه ليسعى في دمي و يؤتم أولادي فقال له أصحابه:

«جعلنا اللّه فداك،فأنت تعلم هذا من حاله،و تعطيه؟!!» فقال(ع):نعم حدثني أبي عن آبائه عن رسول اللّه(ص)أنه قال:

إن الرحم اذا قطعت فوصلت قطعها اللّه.

و خرج علي يطوي البيداء حتى انتهى الى بغداد،فدخل على الرشيد فقال له بعد السلام عليه.

ما ظننت أن في الارض خليفتين حتى رأيت عمي موسى بن جعفر يسلم عليه بالخلافة.

و قيل:إنه قال له:إن الأموال تحمل إليه من المشرق و المغرب، و ان له بيوت أموال،و انه اشترى ضيعة بثلاثين الف دينار،و سماها «البسرية».

فلما سمع ذلك الرشيد فقد صوابه و أحرقه الغيظ،و أمر لعلي بمائتي الف درهم على أن يستحصلها من بعض نواحي المشرق فمضت الرسل لجباية المال إليه فدخل بيت الخلاء فزحر فيه و سقطت امعاؤه فأخرج منه و هو يعاني آلام الموت فقيل له:ان الأموال قد وصلتك فقال:ما أصنع بها و قد أتاني الموت و قيل:انه رجع الى داره فهلك فيها في تلك الليلة التي اجتمع بها مع هارون (1)و قد باع آخرته بدنياه و لم ينتفع بها و باء بالخزي و العذاب الأليم و ذكرت بعض المصادر أن من جملة الوشاة بالامام يعقوب بن داود (2)و هذا القول ضعيف للغاية فان يعقوب قد سجنه المهدي في المطبق-لاطلاقها.


1) عيون اخبار الرضا،غيبة الشيخ الطوسي،البحار،المناقب، و قيل إن الساعي به هو محمد بن اسماعيل.

2) عيون أخبار الرضا.

بعض العلويين،و بقي في السجن طيلة خلافة المهدي و الهادي،فلما ولي هارون الخلافة توسط في اطلاق سراحه البرامكة،فأخرج من السجن و قد فقد بصره فخيره الرشيد بين المقام في بغداد أو السكنى في بعض الأقاليم الاسلاميه،فاختار سكنى يثرب،فمكث فيها بعيدا عن السياسة مشغولا بنفسه حتى وافاه الأجل المحتوم،و بعد هذا فكيف يظن بوشايته بالامام؟

6-احتجاج الامام

:

من الأسباب التي حفزت هارون لاعتقال الامام و زجه في غياهب السجون احتجاجه(ع)عليه بأنه أولى بالنبي العظيم(ص)من جميع المسلمين فهو أحد اسباطه و وريثه،و انه أحق بالخلافة من غيره،و قد جرى احتجاجه(ع)معه في مرقد النبي(ص)و ذلك حينما زاره هارون و قد احتف به الوجوه و الأشراف و قادة الجيش و كبار الموظفين في الدولة،فقد أقبل بوجهه على الضريح المقدس و سلم على النبي(ص)قائلا:

«السلام عليك،يا ابن العم» و قد اعتز بذلك على من سواه و افتخر على غيره برحمه الماسة من النبي(ص)و انه انما نال الخلافة لقربه من الرسول(ص)و كان الامام -آنذاك-حاضرا فسلم على النبي(ص)قائلا:«السلام عليك يا أبت» ففقد الرشيد صوابه و استولت عليه موجات من الاستياء حيث قد سبقه الامام الى ذلك المجد و الفخر فاندفع قائلا بنبرات تقطر غضبا:

«لم قلت إنك أقرب الى رسول اللّه(ص)منا؟؟».

فأجابه(ع)بجواب لم يتمكن الرشيد من الرد عليه أو المناقشة فيه قائلا:

«لو بعث رسول اللّه(ص)حيا و خطب منك كريمتك هل كنت تجيبه الى ذلك؟.

فقال هارون:سبحان اللّه!!و كنت أفتخر بذلك على العرب و العجم فانبرى الامام مبينا له الوجه في قربه من النبي(ص)دونه قائلا:

«لكنه لا يخطب مني و لا أزوجه لأنه والدنا لا والدكم فلذلك نحن أقرب إليه منكم»و أراد(ع)أن يدعم قوله ببرهان آخر فقال لهارون:

«هل كان يجوز له أن يدخل على حرمك و هن مكشفات؟؟».

فقال هارون:لا، فقال الامام:لكن له أن يدخل على حرمي و يجوز له ذلك فلذلك نحن أقرب إليه منكم (1)و كان دليل الامام(ع)حجة دامغة أذهل به خصمه و لم يترك له منفذا يسلك فيه للدفاع عنه،فقد ألبسه ثوب الفشل و الخزي و أبان لمن حوله بطلان ما ذهب إليه هارون،فالامام أولى بالنبي منه و احق بالخلافة فهو سبطه و وارثه.

و اندفع هارون بعد ما أعياه الدليل الى منطق العجز،فأمر باعتقال الامام(ع)و زجه في السجن (2).9.


1) اخبار الدول:ص 113،و جاء في وفيات الأعيان:394/1 و في مرآة الحنان:395/1،ان الامام(ع)لما سلم على النبي(ص)بقوله: -يا أبت-تغير وجه هارون و لم يطق جوابا،و قال:«هذا هو الفخر حقا يا أبا الحسن»،و جاء في«الاتحاف بحب الاشراف»ص 55 ان هارون بعد ما سمع كلام الامام و دليله على القرب من النبي(ص)قال له: «للّه درك إن العلم شجرة نبتت في صدوركم فكان لكم ثمرها و لغيركم الأوراق».

2) تذكرة الخواص:359.

7-تعيينه لفدك:

و من الأسباب التي ملأت نفس هارون بالحقد على الامام(ع)ودعته الى اعتقاله و العزم على قتله،تعيينه(ع)لفدك بأنها تشمل اكثر المناطق الاسلامية،و ذلك حينما سأله هارون عنها ليرجعها إليه،فأبى(ع)أن يأخذها إلا بحدودها،فقال الرشيد:

-ما حدودها؟ فقال(ع):إن حددتها لم تردها.

فأصر هارون عليه أن يبينها له قائلا:بحق جدك إلا فعلت.

و لم يجد الامام بدا من اجابته،فقال له:«اما الحد الاول»فعدن فلما سمع الرشيد ذلك تغير وجهه،و استمر الامام عليه السلام في بيانه قائلا:

و«الحد الثاني»سمرقند.فأربد وجه الطاغية،و استولت عليه موجة من الغضب الهائل،و لكن الامام(ع)لم يعتن به فقد اخذ يستمر في بيانه قائلا:

و«الحد الثالث»إفريقيا،فاسود وجه هارون و قال بنبرات تقطر غيظا «هيه»و انطلق الامام يبين الحد الأخير قائلا:و«الحد الرابع»فسيف البحر مما يلي الجزر و أرمينية.

فثار الرشيد و لم يملك اعصابه دون أن قال:

-لم يبق لنا شيء.

-قد علمت أنك لا تردها.

و تركه الامام و الكمد يحز في نفسه،فعزم حينئذ على التنكيل به (1)لقد بين(ع)له ان العالم الاسلامي بجميع أقاليمه من عدن الى سيف البحر


1) المناقب:381/2.

ترجع سلطته له،و ان هارون و من سبقه من الخلفاء قد استأثروا بالأمر و غصبوا الخلافة من أهل البيت(ع).

8-صلابة موقف الامام

:

كان موقف الامام موسى(ع)من الطاغية هارون موقفا سلبيا تمثلت فيه صرامة الحق و صلابة العدل-كما بيناه في بعض فصول هذا الكتاب- فقد حرم على شيعته التعاون مع السلطة الحاكمة بأي وجه من الوجوه، فكره لصاحبه صفوان الجمال أن يكري جماله لهارون مع أنها تكرى لحج بيت اللّه الحرام،فاضطر صفوان لبيع جماله،ففهم هارون،فملئ قلبه بالحقد على صفوان و همّ بقتله،و كذلك منع زياد بن أبي سلمة من وظيفته و قد شاعت في الاوساط الاسلامية فتوى الامام بحرمة الولاية من قبل هارون و أضرابه من الحكام الجائرين،فأوغر ذلك قلب هارون و ساءه الى أبعد الحدود إن الامام(ع)لم يصانع هارون و لم يتسامح معه فكان موقفه معه صريحا واضحا فقد دخل عليه في بعض قصوره المشيدة الجميلة التي لم ير مثلها في بغداد و لا في غيرها،فانبرى إليه هارون و قد اسكرته نشوة الحكم قائلا:

ما هذه الدار؟.

فأجابه الامام غير معتن بسلطانه و جبروته قائلا له:

«هذه دار الفاسقين»قال اللّه تعالى:«سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق،و إن يروا كل آية لا يؤمنون بها،و إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا و ان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا» و مشت الرعدة في جسم هارون،و استولت عليه موجة من الاستياء فقال للامام:-دار من هي؟.

-هي لشيعتنا فترة،و لغيرهم فتنة.

-ما بال صاحب الدار لا يأخذها.

-أخذت منه عامرة و لا يأخذها إلا معمورة.

-اين شيعتك؟.

-فتلا الامام(ع)قوله تعالى:« لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ».

فثار هارون،و قال بصوت يقطر غضبا.

-أ نحن كفار؟.

-لا،و لكن كما قال اللّه تعالى:« اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ ».

فغضب هارون و أغلظ في كلامه على الامام (1)ان موقف الامام(ع) كان مع هارون موقفا لا لين فيه،فانه يراه غاصبا لمنصب الخلافة و مختلسا للسلطة و الحكم.

الى هنا ينتهي بنا الحديث عن بيان بعض الأسباب التي دعت الرشيد الى اعتقال الامام(ع).1.


1) البحار:279/11.

فى ظلمات السّجون

اشارة

لعل من أقسى المحن و أفجعها هي التي ألمت بالامام موسى شبيه عيسى بن مريم في تقواه و ورعه و صلاحه..فقد قضى زهرة حياته في ظلمات السجون محجوبا عن أهله و شيعته،و محروما من نشر علومه..و قد جهد هارون في ظلمه و ارهاقه و أمعن في التنكيل به من علمه ان الامام لم يكن يبغي الحكم و السلطان،و انما كان يبغي نشر العدل و الحق و الدعة بين الناس،و ينعى على اولئك الحكام ظلمهم و جورهم و استبدادهم بامور المسلمين.

لقد حفل تاريخ الانسانية قديما و حديثا بالثورات الصاخبة التي قام بها المصلحون على حكام الظلم و الجور في سبيل اسعاد أوطانهم و ابناء نحلتهم حتى عانوا في سبيل ذلك جميع ضروب الأذى و أنواع الاضطهاد و التنكيل.

و في طليعة المجاهدين و المنافحين عن كرامة المسلمين أئمة أهل البيت عليهم السلام،فقد قدموا اروع التضحيات و خاضوا أقسى الوان النضال في سبيل اللّه و رفع كلمة المسلمين و انقاذهم من الجور السياسي و الاستبداد السياسي الذي تمثل على مسرح سياسة خصومهم من حكام الأمويين و العباسيين تلك السياسة الجائرة التي لم يتحقق فيها ظل للعدل لا قليل و لا كثير و التي قضت على التلاعب في مقدرات المجتمع،و سلب أموال المسلمين،و صرفها بسخاء على المجون و الدعارة و بذلها للعملاء الذين يساندونها و يضيفون إليها العدالة و الحق.

و كان الواجب الديني يحتم على أئمة اهل البيت(ع)باعتبارهم مسئولين عن رعاية الدين و حماية المسلمين أن يناهضوا ذلك الحكم و ينفروا في وجه الظلم،و ينقذوا المجتمع الاسلامي من الاستبداد و الجور اللذين حلا فيه، و فعلا قد قاموا بما يجب عليهم من اداء رسالتهم الانسانية و الذب عن كرامة الاسلام و حماية المسلمين.

و كان الامام موسى(ع)زعيم المعارضين لسياسة هارون،و قد ذكرنا

-غير مرة-موقفه السلبي تجاهه،و عمل هارون ما وسعه في ارهاق الامام و الانتقام منه اعتقله في سجونه و حجبه عن شيعته،و قضى زمنا طويلا في السجون حتى لفظ انفاسه الأخيرة فيها و هو غريب شهيد عانى امر الآلام و ادهى الخطوب،و نقدم عرضا شاملا-حسب تتبعنا لبيان ما جرى عليه في ظلمات السجون».

القاء القبض على الامام

1-القبض عليه

:

و ثقل الامام موسى(ع)على هارون،و ضاق صدره منه،و أزعجه الى أبعد الحدود انتشار اسمه،و ذيوع فضله،و تحدث الناس عن مآثره و علمه،فجاء الطاغية الى قبر النبي(ص)و كان آنذاك في يثرب فسلم على النبي(ص)و خاطبه قائلا:

«بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه،اني اعتذر إليك من أمر عزمت عليه إني اريد ان آخذ موسى بن جعفر(ع)فاحبسه لأني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حربا يسفك فيها دماءهم» (1).

و الغريب ان يعتذر الى النبي(ص)في انتهاك حرمته،و التنكيل بفلذة كبده،و قد حسب ان الاعتذار من ارتكاب الجريمة يجديه عن المسئولية في يوم يخسر فيه المبطلون.

و في اليوم الثاني أصدر أوامره بالقاء القبض على الامام،فألقت الشرطة عليه القبض و هو قائم يصلي لربه عند رأس جده النبي(ص)فقطعوا عليه صلاته و لم يمهلوه من اتمامها فحمل من ذلك المكان الشريف،و قيد و هو يذرف الدموع و يوجه شكواه الى جده الرسول(ص)قائلا:


1) البحار:296/17

«إليك أشكو يا رسول اللّه» (1).

و لم يحترم هارون قداسة القبر الشريف،فهتك حرمته،و حرمة أبنائه التي هي أولى بالرعاية و المودة من كل شيء،كما لم يحترم الصلاة التي هي أقدس عبادة في الاسلام فقطع عليه صلاته و أمر بتقييده،و حمل إليه الامام و هو يرسف في ذل القيود فلما مثل عنده جفاه و أغلظ له في القول،و كان اعتقاله في سنة«179 ه‍»في شهر شوال لعشر بقين منه (2).

2-فزع المسلمين

:

و لما اعتقل الامام(ع)جزع المسلمون و فزعوا،فلم يبق قلب إلا تصدع من الأسى و الحزن،فقد حجب عنهم من كان يحن على فقرائهم و يعول بأيتامهم و أراملهم،و من كان يتعهدهم بالرعاية و العطف و الحنان و من كان مفزعا لهم عند الكوارث و الخطوب،و خاف الرشيد من وقوع الفتنة و حدوث الاضطراب،فأمر بتهيئة قبتين فأوعز بحمل إحداهما الى الكوفة و الاخرى الى البصرة ليوهم على الناس أمر الامام و يخفي عليهم خبر اعتقاله بأي مكان،و أمر بحمل الامام(ع)إلى البصرة في غلس الليل البهيم فحمل إليها و قد خيم على يثرب الحزن و اللوعة و المصاب.

3-اعتقاله في البصرة

اشارة

:

و سير الامام(ع)معتقلا الى البصرة،قد أحاطت به الآلام و الهموم،


1) المناقب:385/2.

2) البحار:296/11.

و وكل حسان السروي بحراسته و المحافظة عليه (1)و قبل أن يصل الى البصرة تشرف بالمثول بين يديه عبد اللّه بن مرحوم الأزدي فدفع له الامام كتبا و أمره بايصالها الى ولي عهده الامام الرضا(ع)و عرفه بأنه الامام من بعده (2).

و سارت القافلة تطوي البيداء حتى انتهت الى البصرة و ذلك قبل التروية بيوم (3)فأخذ حسان الامام و دفعه الى عيسى بن أبي جعفر فحبسه في بيت من بيوت المحبس،و أقفل عليه أبواب السجن،فكان لا يفتحها إلا في حالتين:إحداهما في خروجه الى الطهور،و الأخرى لادخال الطعام له (4)اما شئونه في سجن البصرة فهي:

(أ)تفرغه للعبادة:

و أقبل الامام(ع)على عبادة اللّه فحير الألباب و أبهر العقول بعبادته و انقطاعه الى اللّه فكان يصوم في النهار و يقوم في الليل يقضي أغلب أوقاته في الصلاة و السجود و الدعاء لم يضجر و لم يسأم من السجن،و اعتبر تفرغه للعبادة من أعظم النعم التي منحها اللّه له،فكان يشكر ربه على ذلك، و يدعو بهذا الدعاء.

«اللهم،إنك تعلم اني كنت اسألك أن تفرغني لعبادتك،اللهم و قد فعلت فلك الحمد» (5).


1) البحار:298/11.

2) تنقيح المقال.

3) البحار،منتخب التواريخ:518.

4) البحار.

5) المناقب:379/2.

و كشف لنا هذا الدعاء جانبا كبيرا من صبر الامام(ع)و رضائه بقضاء اللّه كما دل على مدى حبه و شوقه الى العبادة و الطاعة.

(ب)-اتصال العلماء به.

و لما شاع اعتقال الامام(ع)في البصرة أقبل علماؤها و رواة الحديث الى الامام فاتصلوا به من طريق خفي،و قد رووا عنه بعض العلوم و الأحكام فاتصل به ياسين الزياتي،و روى عنه (1)و اتصل به جماعة آخرون من العلماء البارزين فرووا عنه الشيء الكثير مما يتعلق بالتشريع الاسلامي.

(ج)-الايعاز لعيسى باغتياله:

و انتشر خبر سجن الامام(ع)في البصرة،و تناقل الناس حديثه مقرونا بالحسرة و اللوعة فخاف هارون من حدوث الفتن و الاضطرابات فأوعز الى عيسى يطلب منه فورا القيام باغتيال الامام(ع)ليستريح منه و يهدأ باله بذلك.

(د)-استعفاؤه عن ذلك:

و لما وصلت أوامر الرشيد لعيسى باغتيال الامام(ع)ثقل عليه الأمر فجمع خواصه و ثقاته فعرض عليهم الأمر فأشاروا عليه بالتحذير من ارتكاب الجريمة،فاستصوب رأيهم،و كتب الى الرشيد رسالة يطلب فيها اعفاءه عن ذلك،و هذا نصها.

«يا أمير المؤمنين،كتبت إلي في هذا الرجل،و قد اختبرته طول مقامه بمن حبسته معه عينا عليه،لينظروا حيلته،و أمره و طويته ممن له المعرفة و الدراية،و يجري من الانسان مجرى الدم،فلم يكن منه سوء قط،و لم


1) النجاشي:ص 352.

يذكر أمير المؤمنين إلا بخير،و لم يكن عنده تطلع الى ولاية،و لا خروج و لا شيء من أمر الدنيا،و لا دعا قط على أمير المؤمنين،و لا على احد من الناس،و لا يدعو إلا بالمغفرة و الرحمة له و لجميع المسلمين مع ملازمته للصيام و الصلاة و العبادة،فان رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من أمره،أو ينفذ من يتسلمه مني و إلا سرحت سبيله،فاني منه في غاية الحرج» (1).

و دلت هذه الرسالة على اكبار عيسى و تقديره البالغ للامام(ع)، فقد راقبه و وضع العيون عليه فلم يره إلا مشغولا بذكر اللّه و طاعته،و لم يتعرض لذكر أحد بسوء حتى الظالمين له،لذا خاف عيسى،و راقب اللّه من اغتياله،و قد بقي(ع)في سجن عيسى سنة كاملة (2)و قد عانى فيها آلام السجن و مرارة القيود.

4-حمله الى بغداد

اشارة

:

و استجاب الرشيد لطلب عيسى،و خاف منه أن يطلق سراح الامام عليه السلام و يخلي سبيله،فأمره بحمله الى بغداد،و فرح عيسى بذلك لأن اللّه قد أنقذه من ارتكاب الموبقة،و في الوقت أمر عيسى بحمله الى بغداد،فحمل مقيدا تحف به الشرطة و الحراس،و ساروا به مسرعين حتى انتهوا به الى بغداد،فعرفوا الرشيد بذلك،فأمر باعتقاله...أما ما جرى عليه في بغداد فهو كما يلي:

(أ)-اعتقاله عند الفضل:

و لما انتهى الامام(ع)الى بغداد،أمر الرشيد باعتقاله عند الفضل


1) البحار،الفصول المهمة.

2) البحار.

ابن الربيع (1)فأخذه الفضل و حبسه في بيته.

و انما حبسه هارون في بيوت وزرائه،و لم يعتقله في السجون العامة «كالمطبق»و غيره،نظرا لخطورة الامام(ع)و سمو مكانته،و عظم شخصيته فان الشخصيات النابهة كانت لا تعتقل في السجون العامة،فقد سجن عبد الملك ابن صالح لما غضب عليه الرشيد عند الفضل بن الربيع (2)و كذلك سجن ابراهيم بن المهدي عند أحمد بن أبي خالد (3)و لذلك سجن الامام في بيوت الوزراء و كبار رجال الدولة.

(ب)انشغاله في العبادة:

و أقبل الامام(ع)على طاعة ربه فكان يقضي أغلب أوقاته في الصلاة و السجود و الابتهال الى اللّه و التضرع إليه حتى فاق بطاعته جميع الأولياء، و قد بهر الفضل بعبادته فكان يحدث عنها،و نفسه مترعة بالاكبار و التقديس للامام،فقد حدث عبد اللّه القزويني قال:دخلت على الفضل بن الربيع و هو جالس على سطح داره،فقال لي ادن مني،فدنوت منه حتى حاذيته


1) الفضل بن الربيع بن يونس،يكنى أبا العباس،كان حاجبا لهارون الرشيد و محمد الأمين،و كان أبوه حاجب المنصور و المهدي،و لما أفضت الخلافة الى الأمين،قدم عليه الفضل من خراسان-و كان في صحبة الرشيد الى ان توفي بطوس-فأكرمه الأمين،و ألقى أزمة الأمور إليه،و عول عليه في مهماته،و قد روى عن أبيه انه روى عن المنصور عن جده عن ابن عباس ان رسول اللّه(ص)قال:«من كنت مولاه فعلي مولاه»توفي سنة 207 ه‍ و قيل 208 ه‍.جاء ذلك في تأريخ بغداد:343/12-344

2) تأريخ الطبري.

3) تأريخ بغداد لطيفور:ص 185.

فقال لي:

-أشرف على الدار فأشرف عبد اللّه على الدار،فقال له الفضل:

-ما ترى في البيت؟ -أرى ثوبا مطروحا.

-أنظر حسنا.

فتأمل عبد اللّه في نظره،فقال له:

-رجل ساجد.

-هل تعرفه؟ -لا.

-هذا مولاك -من مولاي؟!! -تتجاهل عليّ؟!! -ما اتجاهل،و لكن لا أعرف لي مولى.

-هذا أبو الحسن موسى بن جعفر.

و أخذ الفضل يحدث عبد اللّه عن عبادة الامام و طاعته للّه قائلا:

«إني أتفقده الليل و النهار فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها إنه يصلي الفجر،فيعقب ساعة في دبر صلاته الى أن تطلع الشمس ثم يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتى تزول الشمس،و قد و كل من يترصد له الزوال،فلست أدري متى يقول الغلام قد زالت الشمس؟ إذ يثب فيبتدئ بالصلاة من غير أن يجدد الوضوء،فاعلم انه لم ينم في سجوده و لا أغفى،فلا يزال كذلك الى أن يفرغ من صلاة العصر،فاذا صلى العصر سجد سجدة فلا يزال ساجدا الى أن تغيب الشمس،فاذا غابت وثب من سجدته

فصلى المغرب من غير أن يحدث حدثا،و لا يزال في صلاته و تعقيبه الى أن يصلي العتمة فاذا صلى العتمة أفطر على شوى (1)يؤتى به،ثم يجدد الوضوء،ثم يسجد ثم يرفع رأسه فينام نومة خفيفة،ثم يقوم،فيجدد الوضوء،ثم يقوم،فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر فلست أدري متى يقول الغلام إن الفجر قد طلع؟إذ قد وثب هو لصلاة الفجر فهذا دأبه منذ حول إلي..».

و لما رأى عبد اللّه اكبار الفضل للامام(ع)حذره من أن يستجيب لداعي الهوى فينفذ رغبة الرشيد باغتياله،فقال له.

«اتق اللّه،و لا تحدث في أمره حدثا يكون منه زوال النعمة،فقد تعلم أنه لم يفعل أحد بأحد سوءا إلا كانت نعمته زائلة..».

و كان الفضل مؤمنا بذلك فقال له:

«قد أرسلوا إلي غير مرة يأمرونني بقتله،فلم اجبهم الى ذلك، و أعلمتهم أني لا أفعل ذلك،و لو قتلوني ما أجبتهم الى ما سألوني..» (2)و هكذا كان الامام(ع)من أروع أمثلة التقوى و الايمان باللّه،قد طبع حب اللّه في قلبه و مشاعره،و هامت نفسه بطاعته و عبادته.

(ج)-اشراف هارون عليه.

كان هارون يتوجس في نفسه الخوف من الامام(ع)فلم يثق بالعيون التي وضعها عليه في سجنه،فكان بنفسه يراقبه،و يتطلع على شئونه خوفا من أن يتصل به أحد من الناس،أو يكون الفضل قد رفه عليه،فأطل من أعلى القصر على السجن فرأى ثوبا مطروحا في مكان خاص لم يتغير عن


1) شوى:تصغير شواء أي شواء قليل.

2) عيون الأخبار،البحار.

موضعه فقال للفضل:

-ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟! -يا أمير المؤمنين،ما ذاك بثوب،و انما هو موسى بن جعفر له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس الى وقت الزوال.

فتبهر هارون و قال:

-أما إن هذا من رهبان بني هاشم! و التفت إليه الربيع بعد ما سمع منه اعترافه بزهد الامام قائلا له:

-يا أمير المؤمنين:ما لك قد ضيقت عليه في الحبس؟!! فأجابه هارون بما انطوت عليه نفسه من الشر و فقدان الرأفة قائلا:

«هيهات:لا بد من ذلك» (1).

إن هارون يعلم منزلة الامام و عزوفه عن الدنيا،و اقباله على اللّه و لكن حبه للدنيا و حسده له هو الذي دفعه الى ذلك.

(د)-سأم الامام:

و سئم الامام(ع)من السجن و ضاق صدره من طول المدة،و قد أحاطت به آلام مرهقة،و خطوب مريرة،فقد حجب عن عياله و اطفاله و شيعته،ينقل من حبس الى حبس،تراقبه الشرطة و العيون خوفا من اتصال أحد من شيعته به،و قد لجأ(ع)الى اللّه تعالى في أن يخلصه من هذه المحنة.

(ه‍)دعاؤه:

و لما طالت مدة الحبس على الامام(ع)و هو رهين السجون،قام


1) البحار:298/11.

في غلس الليل البهيم فجدد طهوره و صلى لربه أربع ركعات،و أخذ يناجي اللّه و يدعوه بهذا الدعاء:

«يا سيدي:نجني من حبس هارون»و خلصني من يده،يا مخلص الشجر من بين رمل و طين،و يا مخلص النار من بين الحديد و الحجر،و يا مخلص اللبن من بين فرث و دم،و يا مخلص الولد من بين مشيمة و رحم و يا مخلص الروح من بين الأحشاء و الأمعاء،خلصني من يد هارون» (1)و يلمس من هذا الدعاء مدى ما أحاط بالامام(ع)من أسى مرير و حزن عميق.

(و)اطلاق سراحه:

و استجاب اللّه دعاء العبد الصالح فانقذه من سجن الطاغية هارون و أطلقه في غلس الليل،و ذلك بسبب رؤيا رآها،فحدث عبد اللّه بن مالك الخزاعي،و كان على دار الرشيد و شرطته،قال:أتاني رسول الرشيد في ما جاءني فيه قط،فانتزعني من موضعي،و منعني من تغيير ثيابي،فراعني ذلك،فلما صرت الى الدار سبقني الخادم،فعرف الرشيد خبري،فأذن لي في الدخول،فدخلت،فوجدته جالسا على فراشه،فسلمت،فسكت ساعة،فطار عقلي،و تضاعف جزعي،ثم قال لي:

-يا عبد اللّه،أ تدري لم طلبتك في هذا الوقت؟ -لا و اللّه يا أمير المؤمنين.

-إنى رأيت الساعة في منامي كأن حبشيا قد أتاني،و معه حربة فقال:

إن لم تخل عن موسى بن جعفر الساعة،و إلا نحرتك بهذه الحربة،اذهب فخل عنه.


1) المناقب:370/2،عيون الأخبار.

و لم يطمئن عبد اللّه بأمر الرشيد باطلاق سراح الامام،فقال له أطلق موسى بن جعفر؟قال له ذلك ثلاث مرات،فقال الرشيد:

«نعم،امض الساعة حتى تطلق موسى بن جعفر،و اعطه ثلاثين الف درهم،و قل له إن أحببت المقام قبلنا فلك عندي ما تحب،و إن أحببت المضي الى المدينة فالإذن في ذلك إليك».

و مضى عبد اللّه مسرعا الى السجن يقول:لما دخلت وثب الامام(ع) قائما،و ظن أني قد أمرت فيه بمكروه،فقلت له:

«لا تخف،قد أمرني أمير المؤمنين باطلاقك و أن أدفع إليك ثلاثين الف درهم،و هو يقول لك:إن أحببت المقام قبلنا فلك ما تحب،و إن أحببت الانصراف فالأمر في ذلك مطلق لك،و أعطيته الثلاثين الف درهم (1)و قلت له:لقد رأيت من أمرك عجبا.

و أخذ الامام(ع)يحدثه عن السبب في اطلاق سراحه قائلا:

«بينما أنا نائم إذ أتاني رسول اللّه(ص)فقال لي:يا موسى،حبست مظلوما قل هذه الكلمات فانك لا تبيت هذه الليلة في الحبس،فقلت له:

بأبي أنت و أمي ما أقول فقال:قل:

«يا سامع كل صوت،و يا سابق الفوت،و يا كاسي العظام لحما، و منشرها بعد الموت أسألك بأسمائك الحسنى،و باسمك الأعظم الأكبر المخزون المكنون الذي لم يطلع عليه أحد من المخلوقين،يا حليما ذا أناة لا يقوى على اناته،يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا،و لا يحصى عددا،فرج عني، فكان ما ترى (2)و فرج اللّه عن الامام،فخلى هارون سبيله،و قد مكث في/1


1) مروج الذهب:265/3،و جاء في المناقب:370/2 أن الإمام(ع)رفض الهدايا و الخلع التي قدمت له.

2) وفيات الأعيان:394/4.شذرات الذهب 304/1

سجن الفضل مدة طويلة من الزمن لم يعينها لنا التاريخ.

و بقي الامام بعد اطلاق سراحه في بغداد لم ينزح عنها الى يثرب، و كان يدخل على الرشيد في كل اسبوع مرة في يوم الخميس (1)و كان يحتفي به اذا رآه،و قد دخل عليه يوما،و قد استولى الغضب على هارون من أجل رجل ارتكب جرما فأمر أن يضرب ثلاثة حدود،فنهاه الامام(ع)عن ذلك و قال انما تغضب للّه،فلا تغضب له اكثر مما غضب لنفسه (2)و ربما جرت بينهما بعض المناظرات،فقد دخل عليه في بعض الأيام فانبرى إليه الرشيد قائلا:

أ تقولون ان الخمس لكم؟ -نعم.

-إنه لكثير.

-إن الذي اعطاه لنا علم أنه غير كثير (3).

و طلب منه الرشيد في بعض اجتماعاته به في بغداد أن يكتب له كلاما موجزا يحتوي على أصول الدين و فروعه فأجابه الامام الى ذلك،و كتب بعد البسملة هذه الرسالة:

«أمور الدنيا أمران.أمر لا اختلاف فيه،و هو اجماع الامة على الضرورة التي يضطرون إليها،و الأخبار المجتمع عليها،المعروض عليها شبهة،و المستنبط منها كل حادثة و أمر يحتمل الشك و الانكار،و سبيل ذلك استنصاح أهل الحجة عليه فما ثبت لمنتحليه من كتاب مستجمع على تأويله أو سنة عن النبي(ص)لا اختلاف فيها،أو قياس تعرف العقول عدله1.


1) البحار.

2) الوسائل-باب الامر بالمعروف.

3) البحار:280/11.

ضاق على من استوضح تلك الحجة ردها،و وجب عليه قبولها،و الاقرار و الديانة بها و ما لم يثبت لمنتحليه به حجة من كتاب مستجمع على تأويله أو سنة عن النبي(ص)لا اختلاف فيها أو قياس تعرف العقول عدله وسع خاص الامة و عامها الشك فيه،و الانكار له،كذلك هذان الأمران من أمر التوحيد فما دونه الى أرش الخدش فما دونه فهذا المعروض الذي يعرض عليه أمر الدين فما ثبت لك برهانه اصطفيته،و ما غمض عنك ضوؤه نفيته و لا قوة إلا باللّه،و حسبنا اللّه و نعم الوكيل..» و عرض هذا الكتاب على هارون فقال:هو كلام موجز جامع (1)و جرت مناظرات أخرى بينهما ذكرناها في الحلقة الأولى من هذا الكتاب،و قد طلب الامام من هارون أن يسمح له بالرحيل الى يثرب لرؤية عياله و أطفاله،و ذكر المجلسي في بحاره أنه أذن له بذلك (2)و ذكر مرة اخرى انه قال أنظر في ذلك و لم يجبه الى شيء حتى حبسه عند السندي ابن شاهك (3).

و أكبر الظن ان الرشيد فرض عليه الاقامة الجبرية في بغداد و لم يسمح له بالسفر الى وطنه،فمكث(ع)في بغداد مدة من الزمن لم يتعرض له هارون بسوء،و قد ذهب لذلك السيد مير علي الهندي فقال:«و قد حدث مرتين ان سمح الرشيد لهذا الامام الوديع بالرجوع الى الحجاز و لكن شكوكه كانت في كلتا المرتين تتغلب على طيبة قلبه فيبقيه في الحبس» (4)و مهما يكن من أمر فانه في تلك الفترة قد بذل(ع)جهوده لارشاد الناس9،


1) البحار:270/11.

2) البحار:269/11.

3) نفس المصدر.

4) مختصر تاريخ العرب،ص 209،

و هدايتهم الى طريق الحق،فقد اهتدى بشر الحافي و تاب على يده حتى صار من عيون الصالحين و المتقين،و ذكرنا حديثه مشفوعا بالتفصيل في الحلقة الأولى من هذا الكتاب،كما انه توسط لهارون في بعض القضايا الخاصة التي كلفه بها بعض شيعته فقضاها له.

و على أي حال،فان التأريخ ضن بتعيين المدة التي خلى فيها عن سبيل الامام،و الذي نظن أنها فترة قصيرة،لذا لم يذكرها قسم كبير من المؤرخين،فذكروا أنه انتقل من سجن الفضل بن الربيع الى سجن الفضل ابن يحيى،و أهملوا اطلاق سراحه.

5-عزم هارون على قتله

:

و لما شاع ذكر الامام،و انتشرت فضائله و مآثره في بغداد ضاق الرشيد من ذلك،و خاف منه فعزم على قتله،لو لا أنه رأى برهانا من ربه فعفا عنه،فقد حدث الفضل قال:كنت حاجبا عند الرشيد،فأقبل علي يوما و هو غضبان و بيده سيف يقلبه فقال لي:

بقرابتي من رسول اللّه(ص)لئن لم تأتني بابن عمي،لأخذت الذي فيه عيناك.

فخاف الفضل و مشت الرعدة في أوصاله و قال له:

-بمن اجيئك؟ -بهذا الحجازي.

-و أي الحجازيين؟ -موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فخاف الفضل من اللّه أن يكون الشر على يده،و لكنه فكر في نقمة

هارون،و بطشه به فاستجاب لأمره و طلب منه أن يحضر له سوطين، و هسارين و جلادين،فأحضر ذلك،قال:و مضيت الى منزل أبي ابراهيم فأتيت الى خربة فيها كوخ من جريد النخل،و اذا بغلام أسود،فقلت له:

استأذن لي على مولاك،يرحمك اللّه،فقال لي لج،فليس له حاجب، و لا بواب فولجت إليه فاذا بغلام أسود بيده مقص يأخذ اللحم من جبينه و عرنين أنفه من كثرة سجوده،فسلمت عليه،و قلت:

-أجب الرشيد.

-ما للرشيد،و ما لي أ ما تشغله نعمته عني؟!! و وثب مسرعا،و هو يقول:لو لا أني سمعت في خبر عن جدي رسول اللّه(ص)ان طاعة السلطان للتقية واجبة،ما جئت،و انطلق(ع) مع الفضل فقال له:

-استعد للعقوبه يا أبا ابراهيم.

-أ ليس معي من يملك الدنيا و الآخرة،و لن يقدر اليوم على سوء بي إنشاء اللّه.

قال الفضل:رأيت الامام و قد أدار يده يلوح بها على رأسه الشريف ثلاث مرات،و لما وصل الفضل استقبله الرشيد و هو مذهول قد استولى عليه الخوف و الذعر فقال له يا فضل.

-لبيك -جئتني بابن عمي؟ -نعم.

-لا تكن أزعجته؟ -لا.

-لم تعلمه أني عليه غضبان،فاني قد هيجت على نفسي ما لم أرده

ائذن له بالدخول و دخل الامام(ع)فلما رآه وثب إليه قائما و عانقه،و قال له:

مرحبا بابن عمي و أخي و وارثي ما الذي قطعك عن زيارتنا؟ فأجابه الامام(ع)غير معتن به قائلا:

-سعة ملكك و حبك للدنيا.

و أمر الرشيد أن يأتى بغالية،فأتي بها،فطيب الامام بيده و أمر أن يحمل بين يديه خلع و بدرتان و دنانير،فقال الامام(ع)لو لا اني أرى أن ازوج بها من عزاب بني أبي طالب لئلا ينقطع نسله ما قبلتها أبدا و انصرف عليه السلام و هو يقول:الحمد للّه رب العالمين،و التفت هارون الى الفضل قائلا له:

«يا فضل إنك لما مضيت لتجيئني به رأيت أقواما قد احدقوا بداري بأيديهم حراب قد غرسوها في أصل الدار يقولون إن آذى ابن رسول اللّه خسفنا به و بداره الأرض و ان أحسن إليه انصرفنا عنه و تركناه.

و انطلق الفضل مسرعا نحو الامام قائلا له:

-ما الذي قلت حتى كفيت أمر الرشيد؟ -دعاء جدي علي بن أبي طالب(ع)كان إذا دعا به ما برز الى عسكر إلا هزمه و لا الى فارس إلا قهره،و هو دعاء كفاية البلاء و هو:

«اللهم بك أساور و بك أحاول و بك أجاور و بك أصول و بك أنتصر و بك أموت و بك أحيى أسلمت نفسي إليك و فوضت أمري إليك و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم اللهم انك خلقتني و رزقتني و سترتني عن العباد بلطف ما خولتني اغنيتني،فاذا هويت رددتني،و إذا عثرت قومتني و اذا مرضت شفيتني و اذا دعوت أجبتني يا سيدي:ارض عني فقد ارضيتني» (1)ر.


1) عيون الأخبار،البحار.

و لكن هارون لم يؤمن بما يراه من الآيات و المعجزات التي ظهرت للامام(ع)فقد أعماه حب الملك و السلطان الى الاصرار على الجريمة و التنكيل بالامام(ع).

6-اعتقاله عند الفضل

اشارة

:

و القى هارون القبض على الامام ثانيا فأمر باعتقاله عند الفضل بن يحيى،و نشير الى بعض شئونه عند سجنه في بيت الفضل.

(أ)-الترفيه عليه:

و لما رأى الفضل عبادة الامام(ع)و اقباله على اللّه،و انشغاله بذكره اكبر الامام و رفه عليه،و لم يضيق عليه،و كان في كل يوم يبعث له بمائدة فاخرة من الطعام،و قد رأى(ع)من السعة في سجن الفضل ما لم يرها في بقية السجون.

(ب)-الايعاز باغتياله:

و اوعز الرشيد للفضل باغتيال الامام(ع)فامتنع من ذلك و لم يجبه و خاف من اللّه.

ان الفضل كان ممن يذهب الى الامامة و يدين بها،و هذا هو السبب في اتهام البرامكة بالتشيع،و قد امتنع اشد الامتناع في تنفيذ رغبات الرشيد في قتل الامام.

(ج)-التنكيل بالفضل:

و انطلق بعض الأوغاد الى هارون،فأخبره بترفيه الفضل على الامام(ع)

و لما سمع ذلك الطاغية تحرق من الغيظ و الغضب،و كان آنذاك في الرقة فأنفذ في الوقت مسرور الخادم الى بغداد ليكشف له حقيقة الحال،فان كان الأمر على ما بلغه مضى الى العباس بن محمد و أوصله رسالة يأمره فيها بجلد الفضل،و كذلك أمره بالوصول الى السندي بن شاهك مدير شرطته ليكون منفذا لأوامره.

و قدم مسرور الى بغداد فنزل دار الفضل بن يحيى لا يدري أحد ما يريده،ثم دخل على الامام موسى(ع)فوجده مرفها عليه كما بلغ الرشيد فمضى من فوره الى العباس و أمره بتنفيذ أمر الرشيد،و كذلك سار الى السندي فأمره باطاعة العباس،و أرسل العباس بالفور الشرطة الى الفضل فأخرجوه من داره و هو يهرول و الناس من حوله،فدخل على العباس فأمر بتجريده،ثم ضربه مائة سوط.

و خرج الفضل متغيرا،قد انهارت قواه و أعصابه،فجعل يسلم على الناس يمينا و شمالا و هو لا يشعر بذلك.

و كتب مسرور الى الرشيد بما فعله،فأمره بأخذ الامام(ع)و اعتقاله عند السندي بن شاهك،و جلس الرشيد مجلسا حافلا ضم جمهورا غفيرا من الناس،فرفع صوته قائلا:

أيها الناس،ان الفضل بن يحيى قد عصاني،و خالف طاعتي،و رأيت أن ألعنه فالعنوه».

فارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل باللعن و السباب و الشتم على الفضل حتى اهتزت الأرض من أصوات اللعن.

و بلغ يحيى بن خالد ذلك فأسرع الى الرشيد فدخل عليه من غير الباب الذي يدخل منه الناس،حتى جاءه من خلفه فأسره قائلا:

«يا أمير المؤمنين،إن الفضل حدث،و أنا أكفيك ما تريد» فسر الرشيد بذلك،و ظهر السرور على وجهه،و ذهب عن نفسه

ما يحمله من الحقد على الفضل،فأراد يحيى أن يستعيد كيان ولده و يرد له كرامته،فقال للرشيد:

«يا أمير المؤمنين،قد غضضت من الفضل بلعنك إياه،فشرفه بازالة ذلك».

و أقبل هارون بوجهه على الناس،فرفع عقيرته قائلا:

«إن الفضل قد عصاني في شيء فلعنته،و قد تاب و أناب الى طاعتي فتولوه».

و ارتفعت الأصوات من جميع جنبات الحفل و هي تعلن التأييد الشامل لتلك السياسة المتناقضة و هي ذات لهجة واحدة أعلنها اولئك الناس الذين لا يؤمنون بالقيم و لا بالمثل العليا قائلين:

«يا أمير المؤمنين،نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت،و قد توليناه» (1).

و دلت هذه البادرة على ما منيت به الجماهير الاسلامية في ذلك العصر من فقدان الوعي و الانحراف عن المبادئ الأصيلة،و لو كان عندهم أي شعور ديني لما سجن الامام،و ما نكل به و يعود السبب في ذلك كله الى عبث السياسة الملتوية في الأوسطا الاجتماعية و نشرها الفساد و التسيب في ربوع ذلك المجتمع حتى كان من نتائجه مواقفه المذمومة التي لا يحمد عليها بحال،كما كشفت لنا هذه البادرة مدى الحقد و الكراهية التي يكنها هارون في نفسه للامام(ع)فقد نكل بالفضل و هو أعز الناس عنده و أقربهم إليه و أعلن سبه و شتمه لأنه رفه على الامام و لم يضيق عليه في مأكله و مشربه أما المدة التي قضاها(ع)في سجن الفضل فكانت قصيرة للغاية،و ذكر الرواة أنها كانت أياما.

و قبل أن ننهي المطاف عن هذا الفصل نود التنبيه الى انه قد شاع ان الامام سجن في واسط سنة كاملة،و لكن المصادر التي بأيدينا لم تنص على ذلك،و لعله ذكر و لم نعثر عليه.4.


1) مقاتل الطالبيين:ص 503-504.

نهاية المطاف

اشارة

أي خطب مريع هذا الذي حل بسبط النبي(ص)و وديعته في أمته و شبيه المسيح عيسى بن مريم في تقواه و ورعه،فقد سدت عليه نوافذ الحياة و حفت به جميع الوان المصاعب،و المكاره،وصب عليه الطاغية هارون جام غضبه،فأذاقه جميع صنوف الهوان و التنكيل،فكبله بالقيود،و زجه في السجون،و أرصد عليه العيون خوفا من العطف أو الترفيه عليه،فأخذ ينقله من سجن الى سجن،و نكل بكل من أكرمه و رعى جانبه،فجلد ابن يحيى و أعلن سبه و شهر به لأنه لم يضيق عليه.

لقد أعيا الرشيد أمر الامام(ع)و أقض مضجعه انتشار اسمه و ذيوع فضله و تحدث الناس عن محنته و اضطهاده،فأوعز الى كبار رجال دولته باغتياله فلم يجيبوه لذلك،لما رأوه من كرامات الامام(ع)و انقطاعه الى الى اللّه،و اقباله على العبادة،فخافوا على نعمتهم من الزوال إن تعرضوا له بمكروه،و أخيرا لم يجد شريرا ينفذ رغباته سوى السندي بن شاهك (1)من


1) السندي بن شاهك هو ابو المنصور و مولى المنصور الدوانيقي ولي دمشق من قبل موسى بن عيسى في خلافة الرشيد،ذكر ذلك الصفدي في كتابه«أمراء دمشق ص 39»و نظمه أيضا في ارجوزته التي ذكر فيها امراء دمشق«ص 122»بقوله: و كان قد ولى بها بن شاهك خلافة و لم يكن بمالك و ذكر الجاحظ في«حياة الحيوان:393/5»حديثا عنه حينما ولي الشام يتعلق في تسويته بين القحطانية و العدنانية،و ذكر الجهشياري في: «الوزراء و الكتاب ص 188»أن السندي في أيام الرشيد كان يلي الجسرين في بغداد،و انه وكل بحراسة دور البرامكة لما أراد الرشيد الانتقام منهم، و جاء في«المصايد و المطارد ص 7»كان له ولدان أحدهما الحسين و الآخر ابراهيم،و ان حفيده كشاجم الشاعر المشهور و الكاتب المعروف،انه من ألمع شخصيات عصره في علمه و أدبه،و أفاد المحقق القمي في«الكنى و الألقاب:93/3»ان كشاجم من شعراء أهل البيت(ع)المجاهرين و له قصائد في مدح آل محمد،و ذكر ابن شهر اشوب في«المناقب»ان اللّه انتقم من السندي في اليوم الذي توفي فيه الامام،فقد نفر به فرسه و ألقاه في نهر دجلة فمات فيه،و لكن المسعودي ذكر في«مروج الذهب:322/3» أنه بقي الى أيام المأمون و ذكر له حديثا يتعلق في حصار بغداد.

الوغد الأثيم الذي لا يؤمن بالآخرة و لا يرجو للّه وقارا،فنقله الى سجنه و أمره بالتضييق عليه،فاستجاب الأثيم لذلك،فقابل الامام بكل جفوة و قسوة،و الامام صابر محتسب،قد كظم غيظه،و أوكل أمره الى اللّه.

يا لهول الفادحة الكبرى التي مني بها الامام حينما نقل الى سجن السندي ابن شاهك،فقد جهد في ارهاقه و تنكيله،و بالغ في أذاه،و التضييق عليه في مأكله و مشربه،و تكبيله بالقيود،و ما رآه إلا سبه و شتمه،كل ذلك ليتقرب لهارون و ينال من دنياه.

و نعرض لما جرى عليه في هذا الدور الرهيب الذي هو آخر أدوار حياته و أقساها كما نذكر بعض شئونه الأخرى كوصاياه و أوقافه،و غيرها مما يرتبط بالموضوع:

1-محل سجنه

:

سجن(ع)في المحبس المعروف بدار المسيب الواقع قرب باب الكوفة (1)


1) باب الكوفة:هو أحد الأبواب الأربعة الرئيسية لمدينة بغداد حينما بناها المنصور،و قد بني على كل باب قبة مذهبة،و حولها مجالس و مرتفعات يجلس فيها فيشرف على كل ما يعمل به،و باب الكوفة هو الطريق الذي يسلك فيه الى الحج،و كان بابا عظيما لا يغلقه إلا جماعة من الناس، و لما غرقت بغداد في قيضان 330 ه‍ هدمت طاقات باب الكوفة جاء ذلك في دليل خارطة بغداد،و جاء في خارطة بغداد ان باب الكوفة تقع في قرية الوشاش الحديثة في محلة الكرخ،و سمعت من بعض الأفواه أن المحل الذي سجن فيه الامام معروف عند بعض الأوساط البغدادية،و هو أحد قصور آل الباججي.

و فيه كانت وفاته (1)و قال بعض المؤرخين إنه حبس في بيت السندي و انه كان مع أهله و عياله،و لم نعلم أن دار السندي هل هي دار المسيب أم غيرها؟

2-التضييق عليه

:

و أمر الرشيد جلاده السندي أن يضيق على الامام،و أن يقيده بثلاثين رطلا من الحديد،و يقفل الباب في وجهه،و لا يدعه يخرج إلا للوضوء (2)و امتثل السندي لذلك،فقام بارهاق الامام و بذل جميع جهوده للتضييق عليه و وكل بمحافظته بشارا مولاه،و كان من أشد الناس بغضا لآل أبي طالب و لكنه لم يلبث أن تغير حاله،وثاب الى طريق الحق و ذلك لما رآه من كرامات الامام(ع)و معاجزه،و قام ببعض الخدمات له (3).

إن السندي لم يرع حرمة الامام و تعرض لإساءته،فقد حدث أبو الأزهر


1) البحار:300/11.

2) الهداية للحسين بن حمدان.

3) البحار:305/11.

ابن ناصح البرجحي قال:اجتمعت مع ابن السكيت (1)في مسجد يقع بالقرب من دار السندي،فدارت بيننا مذاكرة في علم العربية،و كان في الجامع رجل لا نعرفه فالتفت إلينا قائلا:

«يا هؤلاء،أنتم الى إقامة دينكم احوج منكم الى إقامة السنتكم».

و أخذ الرجل يدلي علينا بالأدلة الوافرة على ضرورة الامامة،ثم قال:

-ليس بينكم،و بين امام العصر غير هذا الجدار-و أشار الى4.


1) ابن السكيت-بكسر السين و تشديد الكاف-أبو يوسف، يعقوب بن اسحاق الدورقي الأهوازي الامامي،النحوي،اللغوى،كان ثقة جليلا من عظماء الشيعة،و يعد من خواص الاماميين التقيين و كان حامل لواء علم العربية،و الأدب،و الشعر،له تصانيف كثيرة منها:تهذيب الالفاظ،و كتاب اصلاح المنطق،قال ابن خلكان:قال بعض العلماء ما عبر على جسر بغداد كتاب من اللغة مثل(اصلاح المنطق)و لا شك أنه من الكتب النافعة الممتعة الجامعة لكثير من اللغة و لا نعرف في حجمه مثله في بابه،و قد عني به جماعة،و اختصره الوزير المغربي،و هذبه الخطيب التبريزي،و قال ثعلب:أجمع أصحابنا أنه لم يكن يعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت،قتله المتوكل في خامس رجب سنة 244 ه‍ و سبب قتله انه قال له يوما أيهما أحب إليك ابناي هذان،أي المعتز و المؤيد،أم الحسن و الحسين،فقال ابن السكيت:و اللّه ان قنبر خادم علي بن أبي طالب(ع)خير منك و من ابنيك،فقال المتوكل للأتراك:سلوا لسانه من قفاه،ففعلوا ذلك فمات،و من الغريب انه قبل قتله بقليل قال: يصاب الفتى من عثرة بلسانه و ليس يصاب من عثرة الرجل فعثرته في القول تذهب رأسه و عثرته في الرجل تبرأ عن مهل جاء ذلك في الكنى و الألقاب:303/1-304.

جدار السندي.

-لعك تعني هذا المحبوس؟ -نعم.

يقول أبو الأزهر:فعرفنا الرجل من الشيعة،و انه يذهب الى الامامة فقلنا له:قد سترنا عليك،و طلبنا منه أن يذهب عنا لئلا نبتلي بسببه، فانبرى الرجل لنا و قال:

«و اللّه لا يفعلون ذلك أبدا،و اللّه ما قلت لكم إلا بأمره،و انه ليرانا و يسمع كلامنا،و لو شاء أن يكون ثالثنا لكان».

يقول أبو الأزهر:و في اثناء الحديث دخل علينا رجل من باب المسجد تكاد العقول أن تذهب لهيبته و وقاره،فعلمنا أنه الامام موسى بن جعفر(ع) فبادرنا قائلا:أنا ذلك الرجل الذي حدثكم عني صاحبي و في الوقت أقبل السندي و معه جماعة من شرطته فقال للامام بغير حياء و لا خجل:

«يا ويحك،كم تخرج بسحرك و حيلتك من وراء الأبواب و الأغلاق فلو كنت هربت كان أحب الى من وقوفك هاهنا أ تريد يا موسى أن يقتلني الخليفة؟».

فقال له الامام و التأثر باد عليه:

«كيف أهرب،و كرامتي-أي نيلي الشهادة-على أيديكم» ثم أخذ بيد الامام و أودعه في السجن (1)و هكذا كان يستقبل هذا الطاغية الامام(ع)بكل ما يسوؤه و يؤلمه و يزعجه،و الامام(ع)صابر محتسب قد كظم غيظه،و بث همومه و أشجانه الى اللّه.3.


1) البحار:304/11،المناقب:362/2-363.

3-تفرغه للعبادة

:

و أقبل الامام(ع)على عبادة اللّه،فكان يصوم في النهار،و يقوم في الليل،و يقضي أغلب أوقاته بالسجود و العبادة،لا يفتر عن ذكر اللّه، و قد ذكرنا حديث اخت السندي عن عبادته في الجزء الأول من هذا الكتاب و أنها لما رأت اقبال الامام على الطاعة و العبادة أثر ذلك في نفسها،و أصبحت من الصالحات،فكانت تعطف على الامام و تقوم بخدمته،و إذا نظرت إليه أرسلت ما في عينيها من دموع و هي تقول:«خاب قوم تعرضوا لهذا الرجل» (1).

4-اتصال العلماء به

:

و اتصل جماعة من العلماء و الرواة بالامام(ع)من طريق خفي فانتهلوا من نمير علومه فمنهم موسى بن ابراهيم المروزي،و قد سمح له السندي بذلك لأنه كان معلما لولده،و قد الف ابراهيم كتابا مما سمعه من الامام (2)و قد ذكرنا ذلك عند عرض أصحابه و رواة حديثه.

و اتصل به هند بن الحجاج و غيره من قادة الفكر الاسلامي،كما دخل عليه في غلس الليل أبو يوسف و محمد بن الحسن (3)و قد أرادا اختباره في


1) تأريخ بغداد:31/13.

2) النجاشي:ص 319.

3) محمد بن الحسن الشيباني،مولاهم الكوفي الفقيه،ولد بواسط، و نشأ بالكوفة،أخذ الفقه من أبي يوسف ثم من أبي حنيفة،و سمع مالك بن أنس،و أخذ عنه الشافعي و أبو عبيد،و كان فقيها محدثا جاء ذلك في النجوم الزاهرة:130/2،و جاء في انباه الرواة:268/2 أنه توفي سنة 180 ه‍،و قيل سنة 183،توفي هو و الكسائي في يوم واحد،و دفنهما الرشيد،و قال اليوم دفنت الفقه و النحو و رثاهما اليزيدي بقصيدة جاء فيها: تصرمت الدنيا فليس خلود و ما قد ترى من بهجة سيبيد سيفنيك ما افنى القرون التي مضت فكن مستعدا فالفناء عتيد أسيت على قاضي القضاة محمد فأذريت دمعي و الفؤاد عميد و قلت اذا ما الخطب أشكل من لنا بايضاحه يوما و أنت فقيد و أوجعني موت الكسائي بعده و كادت بي الأرض الفضاء تميد

بعض المسائل المهمة ليطلعا على مدى علمه و لما استقر بهما المجلس جاء الى الامام بعض الموظفين في السجن فقال له:إن نوبتي قد فرغت و أريد الانصراف،فان كانت لك حاجة فامرني أن آتيك بها غدا،فقال(ع):

ليس لي حاجة انصرف،فلما انصرف،التفت(ع)الى أبي يوسف و صاحبه فقال لهما:

«إني لأعجب من هذا الرجل يسألني أن أكلفه حاجة يأتيني بها غدا اذا جاء و هو ميت في هذه الليلة»فأمسكا عن سؤاله،و قاما،و قد استولى عليهما الذهول و جعل كل واحد منهما يقول لصاحبه:

أردنا أن نسأله عن الفرض،و السنة،فأخذ يتكلم معنا في علم الغيب!! و اللّه لنرسلن خلف الرجل من يبيت على باب داره لينظر ما ذا يكون من أمره؟و أرسلا في الوقت شخصا فجلس على باب دار الرجل يراقبه فلما استقر في مكانه سمع الصراخ و العويل قد علا من الدار،فسأل عن الحادث فأخبر بأن الرجل قد توفي،فقام مبادرا و أخبرهما بالأمر،فتعجبا من علميد

الامام(ع)و قد روى هذه القصة الكثيرون من رواة الأثر (1)و هي إن دلت على شيء فانما تدل على علم الامام بالمغيبات،و انكشاف الحجاب له و هذا ما تعتقده الشيعة في الامام،و قد أقامت على ذلك الأدلة الوافرة.

إن أئمة أهل البيت(ع)قد أخبروا بالملاحم و الامور الغيبية التي تحققت جميعها،و انهم من دون شك ورثة علم النبي(ص)قد ألهمهم اللّه جميع أنواع العلوم و أطلعهم على خفايا الأمور.

5-ارسال الفتاوى إليه

:

و كانت بعض الأقاليم الاسلامية التي تدين بالامامة ترسل عنها مبعوثا خاصا الى الامام(ع)حينما كان في سجن السندي،فتزوده بالفتاوى و الرسائل فكان(ع)يجيبهم عنها،و ممن جاءه علي بن سويد،فقد اتصل بالامام و سلم إليه الكتب و الفتاوى،فأجابه(ع)عنها،و سوف نذكر حديثه.


1) نور الأبصار:ص 126-127،الاتحاف بحب الأشراف: ص 57-58،البحار:251/11،و جاء فيه زيادة على ذلك انهما رجعا الى الامام فقالا له:قد علمنا انك أدركت العلم في الحلال و الحرام فمن اين ادركت امر هذا الرجل الموكل بك انه يموت في هذه الليلة؟فقال(ع): من الباب الذي علمه رسول اللّه(ص)علي بن أبي طالب،فلما رد عليهما بذلك بقيا حائرين لا يطيقان الجواب،و كذلك ذكره الأربلي في كشف الغمة: ص 253.

6-نصب الوكلاء

:

و اقام الامام(ع)جماعة من تلاميذه و أصحابه،فجعلهم وكلاء له في بعض المناطق الاسلامية،و أرجع إليهم شيعته لأخذ الأحكام الدينية منهم، كما وكلهم في قبض الحقوق الشرعية،لصرفها على الفقراء و البائسين من الشيعة و انفاقها في وجوه البر و الخير،فقد نصب المفضل بن عمر وكيلا له في قبض الحقوق و أذن له في صرفها على مستحقيها،و كذلك أقام له كلا من حيان السراج،و زياد بن مروان القندي و علي بن أبي حمزة و غيرهم، و قد وصلت لهؤلاء أموال ضخمة من الشيعة إلا أنهم خانوا اللّه و رسوله فاشتروا بها الضياع و القصور و ذهبوا الى الوقف،و أنكروا إمامة الرضا(ع)

7-تعيينه لولي عهده

:

و نصب الامام(ع)من بعده ولده الامام الرضا(ع)فجعله علما لشيعته، و مرجعا لأمة جده،فقد حدث الحسين بن المختار قال:لما كان الامام موسى(ع)في السجن خرجت لنا الواح من عنده و قد كتب فيها«عهدي الى اكبر ولدي» (1).

لقد عين ولده الرضا من بعده و ذلك قبل أن يعتقله الطاغية هارون، و قلده منصب الامامة،و دل عليه الخواص من شيعته،فقد روى محمد بن زيد بن علي بن الحسين قال دعانا أبو ابراهيم و نحن سبعة عشر من ولد علي


1) البحار،اصول الكافي،عيون الأخبار.

و فاطمة،فأشهدنا لعلي ابنه بالوصية و الوكالة في حياته و بعد موته (1)لقد بين(ع)لهم الحجة من بعده،و لم يهمل أمر الامامة فهدى شيعته الى طريق الحق و الصواب.

8-وصيته

:

و أوصى الامام(ع)ولده الامام الرضا(ع)و عهد إليه بالأمر من بعده و قد أوصاه بوصيتين،و هما يتضمنان ولايته على صدقاته،و نيابته عنه في شئونه الخاصة و العامة،و قد أشهد عليهما جماعة من المؤمنين،أما الوصية الأولى فلم اعثر عليها،و اما الثانية فقد ذكرها جماعة من الأعلام،و قبل أن يدلي بها و يسجلها أمر باحضار الشهود و هم كل من ابراهيم بن محمد الجعفري و اسحاق بن محمد الجعفري و اسحاق بن جعفر بن محمد،و جعفر بن صالح، و محمد الجعفري،و يحيى بن الحسين بن زيد،و سعد بن عمران الأنصاري، و محمد بن الحارث الأنصاري،و يزيد بن سليط الأنصاري،و محمد بن جعفر ابن سعد الأسلمي-و هو كاتب وصيته الاولى-فلما حضر هؤلاء شرع(ع) بذكر وصيته،و هذا نصها:

«إن موسى يشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له،و أن محمدا عبده و رسوله،و ان الساعة آتية لا ريب فيها،و ان اللّه يبعث من في القبور و أن البعث من بعد الموت حق،و أن الوعد حق،و أن الحساب حق، و القضاء حق،و ان الوقوف بين يدي اللّه حق،و أن ما جاء به محمد(ص) حق،و أن ما أنزل به الروح الامين حق،على ذلك أحيى و عليه أموت، و عليه أبعث إن شاء اللّه،و أشهدهم أن هذه وصيتي بخطي،و قد نسخت


1) زيد الشهيد:199

وصية جدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع)و وصية محمد بن علي قبل ذلك نسختها حرفا بحرف،و وصية جعفر بن محمد،على مثل ذلك،و اني قد أوصيت بها الى علي و بني بعده معه إن شاء و آنس منهم رشدا،و أحب أن يقرهم فذاك له،و لا أمر لهم معه،و أوصيت إليه بصدقاتي و أموالي و موالي و صبياني الذين خلفت و ولدي الى ابراهيم و العباس و قاسم و اسماعيل و أحمد و أم أحمد،و الى علي أمر نسائي دونهم و ثلث صدقة أبي و ثلثي يضعه حيث يرى،و يجعل فيه ما يجعل ذو المال في ماله،فان أحب أن يبيع أو يهب أو ينحل أو يتصدق بها على من سميت له و على غير من سميت فذاك له،و هو أنا في وصيتي في مالي،و في أهلي و ولدي و إن يرى أن يقر إخوته الذين سميتهم في كتابي هذا أقرهم،و إن كره فله أن يخرجهم غير مثرب عليه (1)و لا مردود،فان آنس منهم غير الذي فارقتهم عليه فأحب أن يردهم في ولاية فذاك له،و إن أراد رجل منهم أن يزوج أخته فليس له أن يزوجها إلا باذنه و أمره فانه أعرف بمناكح قومه،و أي سلطان أو أحد من الناس كفه عن شيء أو حال بينه و بين شيء مما ذكرت فهو من اللّه و من رسوله بريء،و اللّه و رسوله منه براء،و عليه لعنة اللّه و غضبه و لعنة اللاعنين و الملائكة المقربين و النبيين و المرسلين و جماعة المؤمنين،و ليس لاحد من السلاطين أن يكفه عن شيء،و ليس لي عنده تبعة،و لا تباعة،و لا لاحد من ولدي و له قبلي مال،فهو مصدق فيما ذكر،فان أقل فهو أعلم و ان أكثر فهو الصادق كذلك،و انما أردت بادخال الذين أدخلتهم معه من ولدي التنويه بأسمائهم،و التشريف لهم،و امهات أولادي من أقامت منهن في منزلها و حجابها فلها ما كان يجري عليها في حياتي،إن رأى ذلكر.


1) مثرب:مأخوذ من التثريب و هو التوبيخ و التعيير.

و من خرجت منهن الى زوج فليس لها أن ترجع الى محواي (1)إلا أن يرى علي غير ذلك،و بناتي بمثل ذلك،و لا يزوج بناتى أحد من إخوتهن من أمهاتهن،و لا سلطان و لا عم إلا برأيه و مشورته،فان فعلوا غير ذلك فقد خالفوا اللّه و رسوله،و جاهدوه في ملكه،و هو أعرف بمناكح قومه، فان أراد أن يزوج زوج و إن أراد أن يترك ترك،و قد أوصيتهن بما ذكرت في كتابي هذا،و جعلت اللّه عز و جل عليهن شهيدا،و هو و أم أحمد شاهدان و ليس لاحد أن يكشف وصيتي،و لا ينشرها،و هو منها على غير ما ذكرت و سميت،فمن أساء فعليه،و من أحسن فلنفسه،و ما ربك بظلام للعبيد، و صلى اللّه على محمد و على آله،و ليس لأحد من سلطان و لا غيره أن يفض كتابي هذا الذي ختمت عليه الأسفل،فمن فعل ذلك فعليه لعنة اللّه و غضبه و لعنة اللاعنين،و الملائكة المقربين،و جماعة المرسلين و المؤمنين،و على من فض كتابي هذا» (2).

و وقع(ع)الوصية و ختمها و كذلك وقع عليها الشهود السالفة أسماؤهم و قد دلت بوضوح على أن وصيه و الحجة من بعده ولده الامام الرضا(ع) فقد فوض إليه جميع شئونه،و الزم أبناءه باتباعه و الانصياع لاوامره كما أمر(ع)أن يكون زواج كريماته بيد الامام الرضا(ع)و تحت مشورته و رأيه فانه أعرف بمناكح قومه من غيره فانهن ودائع رسول اللّه(ص) و كريماته فينبغي أن لا يتزوجن إلا بمؤمن تقي يعرف مكانتهن و يقدر منزلتهن و لا يعرف الكفؤ لهن إلا ولده الرضا.

و أكبر الظن أنه إنما أمر باخفاء وصيته و عدم ذيوعها خوفا على ولده من السلطة العباسية التي لم تأل جهدا في محاربة الأئمة و ارهاقهم فأراد(ع)ار


1) المحوى:اسم المكان الذي يحوي الشيء أي يضمه و يجمعه.

2) اصول الكافي:316/1-317،عيون اخبار الرضا،البحار

اخفاءها خوفا على ولده من نقمتهم و تنكيلهم به.

و ذكر اليعقوبي أن الامام أوصى أن لا تتزوج بناته من بعده فلم تتزوج واحدة منهن إلا أم سلمة فانها تزوج بمصر،تزوجها القاسم بن محمد بن جعفر بن محمد،فجرى في هذا بينه و بين أهله شيء شديد حتى حلف أنه ما كشف لها كنفا،و انه ما أراد إلا أن يحج بها (1)و هذا القول لا يمكن المساعدة عليه بوجه من الوجوه فان وصية الامام(ع)التي ذكرناها لم تنص على منع بناته من الزواج،و انما جعلت امر ذلك بيد الامام الرضا(ع) و هذا القول من الغرابة بمكان،لم يذكره احد سواه و هو من الموضوعات اذ كيف يمنع الامام بناته من الاقتران الذي حث عليه الاسلام و ندب إليه

9-أوقافه و صدقاته

:

و تصدق الامام(ع)ببعض أراضيه على أولاده و سجل ذلك في وثيقة و الزم ابناءه بتنفيذ مضامينها و العمل على وفقها،و هذا نصها،كتب(ع) بعد البسملة:

هذا ما تصدق به موسى بن جعفر تصدق بأرضه مكان كذا و كذا -و قد عين ذلك-كلها نخلها و أرضها و ماءها و أرجاءها و حقوقها و شربها من الماء و كل حق هو لها في مرفع (2)أو مطهر (3)أو عيص (4)أو


1) تأريخ اليعقوبي:146/3.

2) المرفع:المكان المرتفع.

3) المطهر:المصعد.

4) العيص:بالكسر الشجر الكثير.

مرفق أو ساحة أو مسيل أو عامر أو غامر (1)تصدق بجميع حقه من ذلك على ولده من صلبه الرجال و النساء يقسم و إليها ما أخرج اللّه عز و جل من غلتها بعد الذي يكفيها من عمارتها و مرافقها و بعد ثلاثين عذقا يقسم في مساكين اهل القرية،بين ولد موسى بن جعفر للذكر مثل حظ الانثيين فان تزوجت امرأة من ولد موسى بن جعفر فلا حق لها في هذه الصدقة حتى ترجع إليها بغير زوج،فان رجعت كان لها مثل حظ التي لم تتزوج من بنات موسى،و من توفي من ولد موسى و له ولد فولده على سهم أبيهم للذكر مثل حظ الانثيين على مثل ما شرط موسى بين ولده من صلبه و من توفي من ولد موسى و لم يترك ولدا رد حقه على أهل الصدقة و ليس لولد بناتي في صدقتي هذه حق إلا أن يكون آباؤهم من ولدي و ليس لأحد في صدقتي حق مع ولدي و ولد ولدي و أعقابهم ما بقي منهم أحد،فان انقرضوا و لم يبق منهم أحد فصدقتي على ولد أبي من أمي ما بقي منهم أحد،ما شرطت بين ولدي و عقبي،فان انقرض ولد أبي من أمي و أولادهم فصدقتي على ولد أبي و أعقابهم ما بقي منهم أحد فان لم يبق منهم أحد فصدقتي على الأولى فالأولى حتى يرث اللّه الذي يرثها و هو خير الوارثين.

تصدق موسى بن جعفر بصدقته هذه و هو صحيح،صدقة حبيسا بتا بتلا لا مثنوية فيها (2)و لا ردا أبدا ابتغاء وجه اللّه تعالى و الدار الآخرة،و لا يحل لمؤمن يؤمن باللّه و اليوم الآخر أن يبيعها أو يبتاعها أو ينحلها،أو يغير شيئا مما وضعتها عليه حتى يرث اللّه الأرض و من عليها،و جعل صدقته هذه الى علي و إبراهيم فان انقرض أحدهما دخل القسم مع الباقي في مكانه فان انقرض أحدهما دخل اسماعيل مع الباقي منهما،فان انقرض أحدهماء.


1) الغامر:الخراب.

2) لا مثنوية فيها:اي لا استثناء.

دخل العباس مع الباقي منهما،فان انقرض أحدهما فالأكبر من ولدي يقوم مقامه فان لم يبق من ولدي إلا واحد فهو الذي يقوم به..» (1).

ان هذا الوقف الذري هو بعض مبراته و خيراته،و قد خص به أبناءه و ذريته لأجل أن تقوم تلك الغلة بشئونهم و تغنيهم عما في أيدي الناس.

10-ترفعه من المطالبة باطلاقه

:

و بعد ما مكث الامام(ع)زمانا طويلا في سجن هارون تكلم معه جماعة من خواص شيعته فطلبوا منه أن يتكلم مع بعض الشخصيات المقربة عند الرشيد ليتوسط في اطلاق سراحه،فامتنع(ع)و ترفع عن ذلك و قال لهم:

«حدثني أبي عن آبائه أن اللّه عز و جل أوحى الى داود،يا داود إنه ما اعتصم عبد من عبادي بأحد من خلقي دوني،و عرفت ذلك منه إلا قطعت عنه أسباب السماء،و اسخت الأرض من تحته» (2).

و دلت هذه البادرة على مدى ايمانه باللّه و انقطاعه إليه،و رضائه بقضائه و ترفعه من سؤال أي أحد من المخلوقين.

11-كتابه لهارون

:

و أرسل الامام(ع)و هو في السجن رسالة لهارون أعرب فيها عن سخطه البالغ عليه،و هذا نصها:


1) البحار:215/11-216.

2) تأريخ اليعقوبي:125/3.

«إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء حتى ينقضي عنك يوم من الرخاء، حتى نفنى جميعا الى يوم ليس له انقضاء،و هناك يخسر المبطلون» (1)و دلت هذه الرسالة على مدى الآلام المرهقة التي حلت به،و جزعه من السجن،و انه سيحاكم خصمه الطاغي عند اللّه تعالى في يوم يخسر به المبطلون و الظالمون.

12-ارسال جارية له

:

و أنفذ هارون الى الامام(ع)جارية ضاءة بارعة في الجمال و الحسن أرسلها بيد أحد خواصه لتتولى خدمة الامام ظانا أنه سيفتتن بها،فلما وصلت إليه قال(ع)لمبعوث هارون:

«قل لهارون:بل أنتم بهديتكم تفرحون،لا حاجة لي في هذه و لا في أمثالها».

فرجع الرسول و معه الجارية و أبلغ هارون قول الامام فالتاع غضبا و قال له:

«ارجع إليه،و قل له:ليس برضاك حبسناك و لا برضاك أخدمناك و اترك الجارية عنده،و انصرف».

فرجع ذلك الشخص و ترك الجارية عند الامام و أبلغه بمقالته،و أنفذ هارون خادما له الى السجن ليتفحص عن حال الجارية،فلما انتهى إليها رآها ساجدة لربها لا ترفع رأسها و هي تقول في سجودها«قدوس،قدوس» فمضى الخادم مسرعا فأخبره بحالها فقال،هارون:

«سحرها و اللّه موسى بن جعفر علي بها!!»


1) البداية و النهاية:183/10،تأريخ بغداد.

فجيء بها إليه،و هي ترتعد قد شخصت ببصرها نحو السماء و هي تذكر اللّه و تمجده،فقال لها هارون:

-ما شأنك؟ -شأني الشأن البديع،إني كنت عنده واقفة،و هو قائم يصلي ليله و نهاره،فلما انصرف من صلاته قلت له:

هل لك حاجة اعطيكها؟ فقال الامام:و ما حاجتي إليك؟ -قلت:إني أدخلت عليك لحوائجك.

قال الامام:فما بال هؤلاء-و أشار بيده الى جهة-فالتفت،فاذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري،و لا أولها من آخرها،فيها مجالس مفروشة بالوشي و الديباج،و عليها وصائف و وصايف لم أر مثل وجوههم حسنا،و لا مثل لباسهم لباسا،عليهم الحرير الأخضر،و الأكاليل و الدر و الياقوت،و في أيديهم الأباريق و المناديل،و من كل الطعام فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم فرأيت نفسي حيث كنت،فقال لها هارون، و قد اترعت نفسه بالحقد.

-يا خبيثة لعلك سجدت،فنمت فرأيت هذا في منامك.

-لا و اللّه يا سيدي،رأيت هذا قبل سجودي،فسجدت من أجل ذلك.

فالتفت الرشيد الى خادمه،و أمره باعتقال الجارية،و اخفاء الحادث لئلا يسمعه أحد من الناس فأخذها الخادم،و اعتقلها عنده،فأقبلت على العبادة و الصلاة،فاذا سئلت عن ذلك قالت:هكذا رأيت العبد الصالح، و قالت إني لما عاينت من الأمر نادتني الجواري يا فلانة،ابعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه فنحن له دونك،و بقيت عاكفة على العبادة حتى

لحقت بالرفيق الأعلى (1).

لقد كان هارون يشاهد أنواع الكرامات من الامام(ع)و لكنه لم يؤمن بها لأنه قد زاغ قلبه،و استولت على نفسه دكنة قاتمة أنسته ذكر اللّه و أبعدته عن اليوم الآخر.

13-فشل اغتياله

:

و لما انتشرت مناقب الامام(ع)،و فضائله،و تحدث الناس عن علمه و حلمه،و صبره و بلواه،ضاق هارون من ذلك فعزم على قتله فدعا برطب فأكل منه،ثم أخذ إناء فوضع فيه عشرين رطبة،و أخذ سلكا فعركه في في السم،و أدخله في سم الخياط،و أخذ رطبة من ذلك الرطب فوضع فيها ذلك السلك و أخرجه منها حتى تكللت بالسم،و وضعها في ذلك الرطب، و قال لخادمه:احمله الى موسى بن جعفر،و قل له:إن أمير المؤمنين أكل من هذا الرطب،و هو يقسم عليك بحقه لما أكلته عن آخره،فاني اخترتها لك بيدي،و لا تتركه يبقي منه شيئا،و لا يطعم منه أحدا،فحمل الخادم الرطب و جاء به الى الامام،و أبلغه برسالة هارون فأمره(ع):أن يأتيه بخلال،فجاء به إليه،و قام بازائه،فأخذ الامام يأكل من الرطب،و كانت للرشيد كلبة عزيزة عنده،فجذبت نفسها و خرجت تجر بسلاسلها الذهبية حتى حاذت الامام فبادر(ع)بالخلال الى الرطبة المسمومة و رمى بها الى الكلبة فأكلتها فلم تلبث أن ضربت بنفسها الأرض و ماتت،و استوفى الامام باقي الرطب و حمل الغلام الاناء الى الرشيد،فلما رآه بادره قائلا:

-قد أكل الرطب عن آخره؟


1) المناقب:263/2-264.

-نعم يا أمير المؤمنين.

-كيف رأيته؟ -ما أنكرت منه شيئا،ثم قص عليه حديث الكلبة و موتها فاضطرب الرشيد و قام بنفسه فأشرف عليها فرآها و قد تهرتت و تقطعت من السم فوقف مذهولا قد مشت الرعدة بأوصاله و قال:

«ما ربحنا من موسى إلا أن أطعمناه جيد الرطب و ضيعنا سمنا و قتلنا كلبتنا ما في موسى حيلة» (1).

لقد باء بالفشل و الخيبة فلم تنجح محاولته في اغتيال الامام(ع)فأنقذه اللّه منه و صرف عنه السوء.

14-توسط يحيى في إطلاقه

:

و لما انتشرت معاجز الامام و مناقبه تحير هارون من أمره،فكل وسيلة يسلكها للقضاء عليه تبوء بالفشل فاستدعى وزيره يحيى بن خالد فقال له:

«يا أبا علي أ ما ترى ما نحن فيه من هذه العجائب؟أ لا تدبر في أمر هذا الرجل تدبيرا تريحنا من غمه».

فأشار عليه بالصواب و أرشده الى الخير فقال له:

«الذي أراه لك يا أمير المؤمنين أن تمن عليه و تصل رحمه فقد و اللّه أفسد علينا قلوب شيعتنا».

فاستجاب الرشيد لنصحه و قال له:

انطلق إليه و اطلق عنه الحديد و ابلغه عني السلام و قل له:يقول لك


1) البحار:299/11.

ابن عمك:إنه قد سبق مني فيك يمين اني لا أخليك حتى تقر لي بالاساءة و تسألني العفو عما سلف منك و ليس عليك في اقرارك عار و لا في مسألتك إياي منقصة،و هذا يحيى بن خالد ثقتي و وزيري و صاحب أمري فاسأله بقدر ما أخرج من يميني».

و قد أراد هارون بذلك أن يأخذ من الامام اعترافا بالاساءة و الذنب ليصدر مرسوما ملكيا بالعفو عنه،فيتخذ من ذلك وسيلة الى التشهير به كما انه يكون مبررا له في نفس الوقت على سجنه له،و لم يخف على الامام(ع) ذلك فانه لما مثل يحيى عنده و أخبره بمقالة هارون انبرى إليه-أولا-فأخبره بما يجري عليه و على أسرته من زوال النعمة على يد هارون،و حذره من بطشه،ثم رد-ثانيا-على مقالة هارون فقال له:

«يا أبا على،ابلغه عني،يقول لك موسى بن جعفر يأتيك رسولي يوم الجمعة فيخبرك بما ترى-أي بموته-و ستعلم غدا إذا جاثيتك بين يدي اللّه من الظالم و المعتدي على صاحبه؟».

يا لمهزلة الزمن من فقدان المقاييس،و ضياع الحقيقة،أمثل الامام موسى(ع)فريد عصره في تقواه و ورعه يريد أن يلبسه هارون ثوب الاساءة إليه،و يتبرأ من الذنب.

و خرج يحيى و هو لا يبصر طريقه من الألم و الجزع قد احمرت عيناه من البكاء لما رأى الامام(ع)بتلك الحالة،فأخبر هارون بمقالته،فقال مستهزئا و ساخرا:

«إن لم يدع النبوة بعد أيام فما أحسن حالنا؟؟!» و لم تمض الجمعة حتى التحق الامام بالرفيق الأعلى فكان كما أخبر(ع) (1)2.


1) البحار:301/11-302.

15-الامام ينعى نفسه

:

و لما علم الامام موسى(ع)ان لقاءه بربه لقريب نعى نفسه لبعض شيعته،و عزاهم بمصيبته،و أوصاهم بالتمسك بالعروة الوثقى من آل محمد صلى اللّه عليه و آله،و ذلك في جوابه عن المسائل التي بعثها علي بن سويد فقد حدث أنه بعث له حينما كان في السجن ببعض المسائل يسأله عنها، فتأخر الجواب عنه اشهرا،و بعد ذلك أجابه بهذا الجواب،و قد جاء فيه بعد البسملة ما نصه:

«الحمد للّه العلي العظيم الذي بعظمته و نوره أبصر قلوب المؤمنين و بعظمته و نوره عاداه الجاهلون،و بعظمته و نوره ابتغى من في السماوات و الأرض إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة و الأديان المتضادة،فمصيب و مخطئ و ضال و مهتدي،و سميع و أصم،و بصير و أعمى،حيران فالحمد للّه الذي عرف و وصف دينه محمد(ص).

أما بعد:فانك امرؤ أنزلك اللّه من آل محمد بمنزلة خاصة،و حفظ مودة ما استرعاك من دينه،و ما ألهمك من رشدك،و بصرك من أمر دينك بتفضيلك إياهم و بردك الأمور إليهم،كتبت إلي تسألني عن أمور كنت منها في تقية و من كتمانها في سعة فلما انقضى سلطان الجبابرة و جاء سلطان ذي السلطان العظيم بفراق الدنيا المذمومة الى أهلها العتاة على خالقهم رأيت أن أفسر لك ما سألتني عنه مخافة أن تدخل الحيرة على ضعاف شيعتنا من قبل جهالهم، فاتق اللّه عز ذكره،و خص بذلك الأمر أهله و احذر أن تكون سبب بلية على الأوصياء أو حارشا عليهم (1)بافشاء ما استودعتك،و إظهار ما استكتمتك


1) التحريش:هو اغراء بعض القوم ببعض.

و ان تفعل إن شاء اللّه.

إن أول ما أنهى إليك انى أنعى إليك نفسي في ليالي هذه غير جازع و لا نادم و لا شاك فبما هو كائن مما قد قضى اللّه عز و جل و ختم،فاستمسك بعروة الدين،آل محمد و العروة الوثقى الوصي بعد الوصي،و المسالمة لهم و الرضا بما قالوا:و لا تلتمس دين من ليس من شيعتك،و لا تحبن دينهم فانهم الخائنون الذين خانوا اللّه و رسوله و خانوا أمانتهم،أو تدري ما خانوا أمانتهم؟ائتمنوا على كتاب اللّه فحرفوه و بدلوه و دلوا على ولاة الأمر منهم فانصرفوا عنهم فأذاقهم اللّه لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون، و سألت عن رجلين اغتصبا رجلا مالا كان ينفقه على الفقراء و المساكين و أبناء السبيل و في سبيل اللّه فلما اغتصباه ذلك لم يرضيا حيث غصباه حتى حملاه إياه كرها فوق رقبته الى منازلهما فلما أحرزاه توليا انفاقه أ يبلغان بذلك كفرا؟فلعمري لقد نافقا قبل ذلك وردا على اللّه عز و جل كلامه و هزئا برسوله(ص)و هما الكافران عليهما لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين،و اللّه ما دخل قلب أحد منهما شيء من الايمان منذ خروجهما من حالتيهما،و ما زادا إلا شكا،كانا خداعين مرتابين منافقين حتى توفتهما ملائكة العذاب الى محل الخزي في دار المقام.

و سألت عمن حضر ذلك الرجل و هو يغصب ماله و يوضع على رقبته منهم عارف و منكر فاولئك أهل الردة الأولى من هذه الامة فعليهم لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين.

و سألت عن مبلغ علمنا،و هو على ثلاثة وجوه ماض و غابر و حادث فأما الماضي فمفسر و اما الغابر فمزبور (1)و اما الحادث فقذف في القلوب و نقر في الأسماع و هو أفضل علمنا،و لا نبي بعد نبينا محمد(ص)و سألتز.


1) في بعض النسخ:فمرموز.

عن امهات أولادهم و عن نكاحهم و عن طلاقهم،فأما امهات أولادهم فهن عواهر الى يوم القيامة نكاح بغير ولي و طلاق في غير عدة،و أما من دخل في دعوتنا فقد هدم ايمانه ضلاله و يقينه شكه،و سألت عن الزكاة فيهم فما كان من الزكاة فانتم أحق به لأنا قد أحللنا ذلك لكم من كان منكم و أين كان.

و سألت عن الضعفاء فالضعيف من لم يرفع إليه حجة،و لم يعرف الاختلاف،فاذا عرف الاختلاف فليس بضعيف،و سألت عن الشهادة لهم،فاقم الشهادة للّه عز و جل و لو على نفسك و الوالدين و الأقربين فيما بينك و بينهم فان خفت على اخيك ضيما فلا وادع الى شرائط اللّه عز ذكره من رجوت اجابته و لا تحصن بحصن رياء (1).

و وال آل محمد و لا تقل لما بلغك عنا و نسب إلينا هذا باطلا و ان كنت تعرف منا خلافه فانك لا تدري لما قلناه و على أي وجه وضعناه،آمن بما أخبرك،و لا تفش بما استكتمناك من خبرك،إن من واجب حق أخيك أن لا تكتمه شيئا تنفعه به لأمر دنياه و آخرته و لا تحقد عليه و إن أساء و أجب دعوته إذا دعاك و لا تخل بينه و بين عدوه من الناس و ان كان أقرب إليه منك وعده في مرضه،ليس من أخلاق المؤمن الغش و لا الأذى،و لا الخيانة و لا الكبر و لا الخنا و لا الفحش و لا الأمر به،فاذا رأيت المشوه الأعرابي في جحفل جرار فانتظر فرجك و لشيعتك المؤمنين،و اذا انكسفت الشمس فارفع بصرك الى السماء و انظر ما فعل اللّه بالمجرمين،فقد فسرت لك جملا مجملا،و صلى اللّه على محمد و آله الأخيار..» (2).6.


1) في بعض النسخ«و لا تحضر حصن زنا».

2) روضة الكافي:ص 124-126.

و قد احتوت هذه الرسالة على أمور خطيرة،قد ذكرت بالتفصيل في«مرآة العقول».

16-اغتياله

:

لقد عانى الامام أقسى الوان الخطوب و التنكيل،فتكبيل بالقيود، و تضييق شديد،و أذى مرهق،و بعد ما صب عليه الرشيد جميع النكبات الموجعة دس إليه سما فاتكا،فقضى عليه،و مضى لربه شهيدا سعيدا.

17-الأقوال في سمه

اشارة

:

و اتفق اكثر المؤرخين أن الامام لم يمت حتف أنفه،و انما توفي مسموما،و ان الرشيد هو الذي أوعز في سمه و اغتياله،و لكنهم اختلفوا فيمن تولى ذلك،و هذه بعض الأقوال:

(أ)يحيى بن خالد:

و اعتقدت القطعية أن يحيى بن خالد دس الى الامام سما في رطب و عنب فقتله (1)و مما يؤيد ذلك ما رواه عبد اللّه بن طاوس قال:

سألت الامام الرضا(ع)قلت له:

هل أن يحيى بن خالد سم أباك موسى بن جعفر؟ فقال الامام:نعم سمه في ثلاثين رطبة مسمومة (2).


1) فرق الشيعة:ص 89.

2) الكشي:ص 371.

و ذكر أبو الفرج الاصفهاني أن الرشيد لما غضب على الفضل بن يحيى لترفيهه على الامام حينما كان في سجنه،و أمره بجلده خرج يحيى من عند الرشيد و قد ماج الناس و اضطرب أمرهم فجاء الى بغداد و دعا السندي بن شاهك و أمره بقتل الامام،فاستدعى السندي الفراشين و كانوا من النصارى فأمرهم بلف الامام في بساط فلف و هو حي فجلس عليه الفراشون حتى توفي (1).

و ذكر ابن المهنا ان الرشيد لما سافر الى الشام أمر يحيى بن خالد السندي بقتله فقتله (2)و هذه الروايات قد اتفقت على أن يحيى هو الذي أمر بقتل الامام(ع)و لكنها مخالفة لما عليه المشهور في أن الرشيد عهد الى السندي بقتله.

(ب)-الفضل بن يحيى:

و نصت بعض المصادر أن الفضل بن يحيى هو الذي سم الامام و ذلك حينما نقل الى سجنه فكان الفضل بن الربيع يبعث له في كل يوم مائدة من الطعام،و في اليوم الرابع قدم له الفضل بن يحيى مائدة،فرفع الامام(ع) يده الى السماء و قال:يا رب،إنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم كنت قد أعنت على نفسي،ثم أكل الامام من تلك المائدة،فمرض منها،فلما كان اليوم الثاني ألم به المرض،فجيء له بطبيب ليسأله عن علته، فقال له:

«ما حالك؟» فتغافل الامام عن إجابته،فألح عليه الطبيب بالسؤال،فأخرج له


1) مقاتل الطالبيين:504.

2) عمدة الطالب:ص 185.ط.النجف.

الامام راحته ثم قال له:

«هذه علتي» و كانت يده الشريفة قد اخضر وسط راحتها من السم،فلما رآها الطبيب انصرف و قال لهم:

«و اللّه لهو أعلم بما فعلتم به منكم (1).

و هذه الرواية لا يمكن المساعدة عليها،و ذلك لما عرف به الفضل من الميل للعلويين،و انه قد رفه على الامام حينما كان في سجنه،فاستحق بذلك التنكيل و الجلد و التشهير من قبل الرشيد،و مع هذا فكيف يتصور اقدامه على اغتيال الامام و قتله.

(ج)السندي بن شاهك:

و ذهب اكثر المؤرخين و المترجمين للامام الى أن الرشيد أوعز الى السندي ابن شاهك الوغد الأثيم في قتل الامام،فاستجابت نفسه الخبيثة لذلك، و أقدم على تنفيذ أفظع جريمة في الاسلام فاغتال سبط النبي(ص)و أزكى ذات خلقت في دنيا الوجود بعد آبائه الطيبين،فعلى السندي لعنة اللاعنين و له الخزي و العذاب الأليم.

18-كيفية سمه

:

و المشهور أن الرشيد عمد الى رطب فوضع فيه سما فاتكا و أمر السندي أن يقدمه الى الامام و يحتم عليه أن يتناول منه (2).

و قيل إن الرشيد أوعز الى السندي في ذلك،فأخذ رطبا و وضع فيه


1) عيون أخبار الرضا.

2) الدمعة الساكبة نقلا عن عيون الأخبار.

السم و قدمه للامام فأكل منه عشر رطبات،فقال له السندي:

«زد على ذلك».

فرمقه الامام بطرفه و قال له:

«حسبك،قد بلغت ما تحتاج إليه» (1).

و لما تناول الامام(ع)تلك الرطبات المسمومة تسمم بدنه،و أخذ يعاني آلاما مبرحة و أوجاعا قاسية،و أحاط به الأسى و الحزن،قد حفت به الشرطة القساة،و لازمه السندي بن شاهك الوغد الخبيث،فكان يسمعه في كل فترة أخشن الكلام و أغلظه و أقساه،و منع عنه جميع الاسعافات ليعجل له النهاية المحتومة،و عانى الامام العظيم في تلك الفترات الرهيبة ما لم يعانه أي انسان،فآلام السم قد أذابت قلبه و قطعت أوصاله،و احزنه أي حزن انتهاك حرمته،و غربته و عدم مشاهدة اعزائه و أحبائه،و هو قد أشرف على مفارقة الحياة.

19-اضطراب السندي

:

و لما أقدم السندي على ارتكاب الجريمة الخطيرة،اضطرب اضطرابا شديدا،و خاف خوفا بالغا من المسئولية أمام الشيعة و العلويين،فاستدعى الشخصيات و الوجوه الى قاعة السجن،و كانوا ثمانين شخصا-كما حدث بذلك بعض شيوخ العامة-يقول:احضرنا السندي،فلما حضرنا،انبرى إلينا فقال:

«انظروا الى هذا الرجل هل حدث به حدث؟فان الناس يزعمون أنه قد فعل به مكروه،و يكثرون من ذلك،و هذا منزله و فراشه موسع


1) البحار.

عليه غير مضيق،و لم يرد به أمير المؤمنين-يعني هارون-سوءا و انما ينتظره أن يقدم فيناظره،و ها هو ذا موسع عليه في جميع أموره فاسألوه».

يقول ذلك الشيخ:و لم يكن لنا هم سوى مشاهدة الامام و مقابلته فلما دنونا منه لم نر مثله قط في فضله و نسكه فانبرى إلينا و قال لنا:

«أما ما ذكر من التوسعة،و ما أشبه ذلك،فهو على ما ذكر،غير أني أخبركم أيها النفر أني قد سقيت السم في تسع تمرات،و اني أصفر غدا و بعد غد أموت».

و لما سمع السندي ذلك انهارت قواه،و مشت الرعدة بأوصاله و اضطرب مثل السعفة التي تلعب بها الرياح العاصفة (1)فقد أفسد عليه الامام ما رامه من الحصول على البراءة من المسئولية في قتله.

و روى أنه على أثر ذلك أمر بالامام(ع)فلف في بساط و أجلس الفراشين عليه حتى فارق الحياة.

20-مع المسيب بن زهرة

:

كان المسيب بن زهرة موكلا بحراسة الامام(ع)أو انه نقل من حبس السندي الى داره على ما يستفاد من بعض المصادر،و كان الرجل من دعاة


1) روضة الواعظين:ص 185-186،عيون الأخبار،الأمالي، و جاء في البحار ان الامام(ع)التفت الى الشهود،فقال لهم:اشهدوا على أني مقتول بالسم منذ ثلاثة أيام،اشهدوا اني صحيح الظاهر،لكني مسموم و سأحمر في هذا اليوم حمرة شديدة و أبيض بعد غد،و أمضي الى رحمة اللّه و رضوانه،فمضى(ع)كما قال:في آخر اليوم الثالث،و جاء في قرب الاسناد للحميري أنه(ع)قال للشهود:أني سقيت السم في سبع تمرات.

الدولة العباسية،فقد ولي شرطة بغداد أيام المنصور و المهدي و الرشيد،كما ولي خراسان أيام المهدي (1)و كان على جانب من الغلظة و الشدة،فكان أبو جعفر المنصور إذا أراد بأحد خيرا أمر بتسليمه الى الربيع،و إذا أراد برجل شرا أمر بتسليمه الى المسيب (2)و لما حبس الامام عنده أو وكل بحبسه أثر عليه الامام و هيمن على مشاعره،فاهتدى الى طريق الحق و الصواب فكان من خلص الشيعة و من حملة أسرار الأئمة (3)و قد استدعاه الامام قبل وفاته بثلاثة أيام فلما مثل عنده قال له:

-يا مسيب -لبيك يا مولاي -إني ظاعن في هذه الليلة الى المدينة،مدينة جدي رسول اللّه(ص) لأعهد الى علي ابني ما عهده إلي آبائي،و أجعله وصيي و خليفتي،و آمره بأمري.

-يا مولاي،كيف تأمرني أن أفتح لك الأبواب و أقفالها و الحرس معي على الأبواب؟؟!.

-يا مسيب ضعف يقينك في اللّه عز و جل و فينا؟3.


1) تأريخ بغداد:137/13،و جاء فيه أن وفاته كانت سنة 275 ه‍ و قيل سنة 276 ه‍ و هذا لا يتفق مع ما ذكر من أن الامام كان في سجنه أو كان موكلا بحراسته،فان الامام(ع)توفي سنة 183 ه‍ و الصحيح انه توفي سنة 185 ه‍ او 186 ه‍ و يدل على ذلك انه كان واليا على شرطة بغداد أيام الرشيد فلا بد أن تكون وفاته قريبة مما ذكرناه،و لعل ما ذكر كان اشتباها مطبعيا.

2) الجهشياري:ص 97.

3) تنقيح المقال:217/3.

-لا،يا سيدي ادع اللّه أن يثبتني -اللهم،ثبته،ثم قال:ادعو اللّه عز و جل باسمه العظيم الذي دعا به آصف حين جاء بسرير بلقيس فوضعه بين يدي سليمان قبل ارتداد طرفه إليه،حتى يجمع بيني و بين علي ابني بالمدينة.

قال المسيب:فسمعته يدعو،ففقدته عن مصلاه فلم أزل قائما على قدمي حتى رأيته قد عاد الى مكانه و اعاد الحديد الى رجليه،فوقعت على وجهي ساجدا شاكرا للّه على ما أنعم به علي من معرفته،و التفت الامام(ع)له فقال:

«يا مسيب،ارفع رأسك،و اعلم أني راحل الى اللّه عز و جل في ثالث هذا اليوم».

قال المسيب:فبكيت،فلما رآني الامام(ع)و أنا باك حزين قال لي:

«لا تبك يا مسيب فان عليا ابني هو إمامك،و مولاك بعدي فاستمسك بولايته فانك لن تضل ما لزمته»قال المسيب:الحمد للّه على ذلك (1)

21-الى الرفيق الأعلى

:

و سرى السم في جميع اجزاء بدن الامام(ع)فأخذ يعاني أشد الآلام و الأوجاع،و قد علم(ع)أن لقاءه بربه لقريب فاستدعى السندي،فلما مثل عنده أمره أن يحضر مولى له ينزل عند دار العباس بن محمد في مشرعة القصب ليتولى غسله،و سأله السندي أن يأذن له في تكفينه،فأبى(ع)و قال:إنا أهل بيت مهور نسائنا و حج صرورتنا و أكفان موتانا من طاهر أموالنا، و عندي كفني (2)و أحضر له السندي مولاه،و ثقل حال الامام،و أشرف


1) عيون الأخبار،البحار.

2) مقاتل الطالبيين:ص 504،البحار:303/11.

على النهاية المحتومة،فأخذ يعاني آلام الموت،فاستدعى المسيب بن زهرة فقال له:

«إني على ما عرفتك من الرحيل الى اللّه عز و جل فاذا دعوت بشربة من ماء فشربتها و رأيتني قد انتفخت،و اصفر لوني و احمر و اخضر و تلون ألوانا فاخبر الطاغية بوفاتي».

قال المسيب:فلم أزل أراقب وعده حتى دعا(ع)بشربة فشربها، ثم استدعاني،فقال لي:

«يا مسيب،إن هذا الرجس السندي بن شاهك سيزعم أنه يتولى غسلي و دفني،و هيهات هيهات أن يكون ذلك أبدا،فاذا حملت الى المقبرة المعروفة بمقابر قريش فالحدوني بها،و لا ترفعوا قبري فوق أربعة أصابع مفرجات،و لا تأخذوا من تربتي شيئا لتتبركوا به،فان كل تربة لنا محرمة إلا تربة جدي الحسين بن علي(ع)فان اللّه عز و جل جعلها شفاء لشيعتنا و أوليائنا».

قال المسيب:ثم رأيت شخصا أشبه الاشخاص به جالسا الى جانبه، و كان عهدي بسيدي الرضا(ع)و هو غلام،فأردت أن أسأله،فصاح بي سيدي موسى،و قال:أ ليس قد نهيتك،ثم أن ذلك الشخص قد غاب عني،فجئت الى الامام و إذا به جثة هامدة قد فارق الحياة فانهيت الخبر الى الرشيد بوفاته (1).

لقد لحق الامام بالرفيق الأعلى،و فاضت نفسه الزكية الى بارئها فأظلمت الدنيا لفقده و أشرقت الآخرة بقدومه،و قد خسر الاسلام و المسلمون ألمع شخصية كانت تذب عن كيان الاسلام،و تنافح عن كلمة التوحيد، و تطالب بحقوق المسلمين و تشجب كل اعتداء غادر عليهم.ا.


1) عيون اخبار الرضا.

لقد مات أبر الناس بالناس،و أعطفهم على الضعفاء و الفقراء الذي أثلج قلوبهم بصراره و هباته و عطاياه،و كشف عنهم شقاء الحياة و مرارة العيش.

لقد مات أحلم الناس،و أكظمهم للغيظ و المكروه،و قد طويت بموته صفحة من أروع صفحات العقيدة الاسلامية،و لف علم من أعلام الجهاد و الكفاح.

ففي ذمة اللّه أيها الامام العظيم،لقد مضيت الى اللّه شهيدا سعيدا قد تلفعت بثوب الشهادة و الكرامة،و قد لحقت باللّه و أنت مظلوم مقهور،قد صب عليك الطاغية الأثيم جام غضبه و أذاقك جميع ضروب الأذى و أنواع الارهاق لأنك لم تجاره و لم تصانعه بل كنت من أقوى خصومه تنعى عليه ظلمه و تندد باسرافه و تبذيره بأموال المسلمين،و تشجب استبداده و جوره.

لقد مضيت الى اللّه و أنت شهيد سعيد قد فزت برضاء اللّه لأنك لم توارب و لم تخادع بل رفعت راية الحق و هتفت بالعدل و أردت الخير و السعادة لجميع المسلمين،و قد خسر خصمك،و بطل سعيه،و أخمد ذكره،فها هو لا يذكر إلا قرين الخيبة و الخسران.

فسلام عليك يا ابن رسول اللّه،يوم ولدت،و يوم مت،و يوم تبعث حيا.

22-زمن وفاته

:

و المشهور أن وفاة الامام(ع)كانت سنة«173 ه‍»لخمس بقين من شهر رجب (1).


1) ابن خلكان:173/2،تأريخ بغداد:32/13،الطبري:70/10

و قيل سنة«181 ه‍» (1)،و قيل سنة«186 ه‍» (2).

و كانت وفاته في يوم الجمعة و عمره الشريف كان يوم وفاته أربعا و خمسين سنة (3)أو خمسا و خمسين،و كان مقامه منها مع أبيه عشرين سنة و بعد أبيه خمسا و ثلاثين سنة (4).

23-محل وفاته

:

و المشهور أن وفاته كانت في حبس السندي بن شاهك،و قيل انه توفي في دار المسيب بن زهرة بباب الكوفة الذي تقع فيه السدرة (5)و قيل إن وفاته في مسجد هارون،و هو المعروف بمسجد المسيب،و يقع في الجانب الغربى من باب الكوفة لأنه نقل من دار تعرف بدار عمرو (6).

24-تحقيق الشرطة في الحادث

:

و قامت الشرطة بدورها في التحقيق في هذا الحادث الخطير،لتبرأ


1) ابن الأثير:54/6،تأريخ الخميس:371/2،تأريخ أبي الفداء: 17/2،تهذيب التهذيب:340/10،ميزان الاعتدال:209/3،عمدة الطالب:ص 85.

2) مروج الذهب:273/3.

3) المناقب:383/2.

4) الفصول المهمة:ص 255.

5) البحار:300/11.

6) المناقب:384/2.

ساحة هارون من المسئولية،أما التحقيق فقد قام به السندي-أولا- و الرشيد-ثانيا-أما ما قام به السندي فكان في مواضع ثلاثة:

«الاول»:ما حدث به عمرو بن واقد،قال:أرسل إلي السندي ابن شاهك في بعض الليل و أنا ببغداد يستحضرني،فخشيت أن يكون لسوء يريده بي،فأوصيت عيالي بما احتجت إليه،و قلت إنا للّه و انا إليه راجعون ثم ركبت إليه،فلما رآني مقبلا قال لي:

-يا أبا حفص،لعلنا أرعبناك و أزعجناك؟ -نعم.

-ليس هنا إلا الخير.

-فرسول تبعثه الى منزلي ليخبرهم خبري.

-نعم.

و لما هدأ روعه و ذهب عنه الخوف،قال له السندي:

-يا أبا حفص أ تدري لم أرسلت إليك؟ -لا.

-أ تعرف موسى بن جعفر؟ -اي و اللّه إني أعرفه و بيني و بينه صداقة منذ دهر.

-هل ببغداد ممن يقبل قوله تعرفه أنه يعرفه؟ -نعم.

ثم أنه سمى له أشخاصا ممن يعرفون الامام،فبعث خلفهم،فقال لهم:هل تعرفون قوما يعرفون موسى بن جعفر؟فسموا له قوما،فأحضرهم و قد استوعب الليل بفعله حتى انبلج نور الصبح،و لما كمل عنده من الشهود نيف و خمسون رجلا أمر باحضار كاتبه-و يعرف اليوم بكاتب الضبط- فأخذ في تسجيل أسمائهم و منازلهم و أعمالهم،و صفاتهم،و بعد انتهائه من

الضبط دخل على السندي فعرفه بذلك،فخرج من محله،و التفت الى عمرو فقال له:

«قم يا أبا حفص،فاكشف الثوب عن وجه موسى بن جعفر» قال عمرو:فكشفت الثوب عن وجه الامام و إذا به قد مات،و التفت السندي الى الجماعة فقال لهم:انظروا إليه،فدنا واحد بعد واحد فنظروا إليه،ثم قال لم:

«تشهدون كلكم أن هذا موسى بن جعفر؟» -نعم.

ثم أمر غلامه بتجريد الامام من ملابسه،ففعل الغلام ذلك ثم التفت الى القوم فقال لهم:

«أ ترون به أثرا تنكرونه؟».

فقالوا:لا،ثم سجل شهادتهم و انصرفوا (1).

«الموضع الثاني»انه استدعى الفقهاء و وجوه أهل بغداد و فيهم الهيثم بن عدي (2)ة.


1) البحار:300/11.

2) الهيثم بن عدي الطائي أبو عبد الرحمن المينجي،قال البخاري: ليس بثقة كان يكذب،و قال النسائي و غيره:انه متروك الحديث،و حدثت جارية له،فقالت:ان مولاي كان يقوم عامة الليل يصلي فاذا أصبح جلس يكذب،جاء ذلك في ميزان الاعتدال:265/3-266،و قيل انه كان يرى رأي الخوارج و كان له اختصاص بالمنصور و المهدي و الرشيد،دخل عليه أبو نواس فسأله عن مسألة فتقاعس عن جوابه فقال في هجائه: يا هيثم بن عدي لست للعرب و لست من طي إلا على شغب اذا نسبت عديا من بني ثعل فقدم الدال قبل العين في النسب توفي سنة«208 ه‍»جاء ذلك في انباه الرواة.

و غيره فنظروا الى الامام و هو ميت لا أثر به و شهدوا على ذلك (1).

«الثالث»انه لما وضع الجثمان المقدس على حافة القبر جاء رسول من قبل السندي فأمر بكشف وجه الامام للناس ليروه أنه صحيح لم يحدث به حدث (2).

و هذه الاجراءات المهمة التي اتخذها السندي بن شاهك انما جاءت لتبرير ساحة الحكومة من المسئولية،و تنزيهها عن ارتكاب الجريمة،و لكن الامام(ع)قد أفسد عليه صنعه و كشف للناس ان هارون هو الذي اغتاله بالسم كما ذكرناه سابقا.

و أما ما اتخذه هارون من الاجراءات لرفع الشبهة التي حامت حوله فانه جمع شيوخ الطالبيين و العباسيين،و سائر أهل مملكته،و الحكام،فقال لهم:

«هذا موسى بن جعفر قد مات حتف أنفه،و ما كان بيني و بينه ما استغفر اللّه منه-يعني في قتله-فانظروا إليه».

فدخل على الامام سبعون رجلا من شيعته،فنظروا إليه و ليس به أثر جراحة و لا خنق (3).

و لم يجد ذلك هارون فان الحق لا بد أن يظهر،و لا يخفيه الدجل و لا يستره الخداع و التضليل،فقد عرف الخاص و العام انه هو الذي اغتال الامام و هو المسئول عن دمه،و أن جميع ما اتخذه من الاجراءات و التدابير لتبرير ساحته قد باءت بالفشل.1.


1) مقاتل الطالبيين:ص 504.

2) البحار:301/11.

3) البحار:303/11.

25-وضعه على الجسر

:

يا للّه يا للمسلمين،مثل الامام موسى(ع)سبط النبي،و امام المسلمين و سيد المتقين و العابدين،و عملاق الفكر الاسلامي يلقى على جسر الرصافة و هو ميت ينظر إليه القريب و البعيد و تتفرج عليه المارة،قد أحاطت بجثمانه المقدس الشرطة،و كشفت وجهه للناس قاصدين بذلك انتهاك حرمته و الحط من كرامته،و التشهير به،و لم يرع هارون الرحم الماسة التي بينه و بين الامام،و لا حرمته و هو ميت،و قد قيل:

و احترام الاموات حتم و ان كا نوا بعادا فكيف بالقرباء

لقد حاول الرشيد بفعله هذا إذلال الشيعة و اهانتهم،و قد اثر ذلك في نفوسهم أي تأثير،فظلوا يذكرونه في جميع مراحل تأريخهم مقرونا باللوعة و الحزن،و اندفع شعراؤهم الى نظم هذا الحادث المفجع مقرونا بالأسى و الحسرات،يقول المرحوم الشيخ محمد ملة:

من مبلغ الاسلام أن زعيمه قد مات في سجن الرشيد سميما

فالغي بات بموته طرب الحشا و غدا لمأتمه الرشاد مقيما

ملقى على جسر الرصافة نعشه فيه الملائك أحدقوا تعظيما

و قال الخطيب الفذ المرحوم الشيخ محمد علي اليعقوبي:

مثل موسى يرمى على الجسر ميتا لم يشيعه للقبور موحد

حملوه و للحديد برجليه هز يج له الأهاضب تنهد

لقد ملئ الرشيد قلوب الشيعة بالحقد و الحنق،و تركهم يرددون ذلك الاعتداء الصارخ على كرامة إمامهم في جميع مراحل تأريخهم.

26-النداء الفظيع

:

يا لروعة الخطب،يا لهول المصاب،!لقد انتهك السندي حرمة الاسلام و كرامة أهل البيت(ع)فقد أمر جلاوزته أن ينادوا على جثمان الامام بذلك النداء المؤلم الذي تذهب النفوس لهوله أسى و حسرات فبدل أن يأمرهم بالحضور لجنازة الطيب ابن الطيب أمرهم أن ينادوا بعكس ذلك (1)و انطلق اولئك العبيد يجوبون في الشوارع و الطرقات رافعين عقيرتهم بذلك النداء القذر الموحش و أمرهم مرة ثانية أن يهتفوا بنداء آخر و هو:

«هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة انه لا يموت،فانظروا إليه ميتا» (2).

و من الطبيعي أن السندي لم يقدم على ذلك من تلقاء نفسه،و انما أوعزت إليه السلطة العليا للنكاية بالشيعة و اذلالها،و النيل من كرامة أهل البيت(ع)

27-أسبابه

اشارة

:

و علينا أن نذكر بعض العوامل التي دعت السلطة الى القيام بمثل هذه الأعمال المنكرة،و هي:

(أ)معرفة الشيعة:

و أرادت السلطة بوضع جثمان الامام على الجسر،و النداء عليه بذلك


1) اخبار الرضا،البحار.

2) الفصول المهمة:ص 54،و جاء فيه ان يحيى بن خالد هو الذي أمر أن ينادى على جثمان الامام بذلك النداء.

النداء المحقر أن تقف على العناصر الفعالة عند الشيعة،و تعرف مدى نشاطها و حماسها بهذا الاعتداء الصارخ على كرامة امامها لينساقوا الى القبور و السجون و أكبر الظن أن الشيعة قد عرفت هذا القصد،فلذا لم تقم بأي عمل ايجابي ضده.

(ب)-التشهير بهم.

و اتخذت السلطة الحاكمة من اندساس الواقفية في صفوف الشيعة وسيلة للتشهير بهم فقد ذهبت الواقفية الى ان الامام حي لم يمت و انه رفع الى السماء كما رفع المسيح عيسى بن مريم،و قد رأت حكومة هارون أن تنسب هذا الرأي الفاسد لعموم الشيعة لتشوه بذلك حقيقتهم امام الرأي العام.

(ج)-التقرب لهارون:

و انما نفذ السندي بن شاهك ما أمر به،مع علمه بفظاعته و خطورته ليحرز بذلك رضا هارون و طاعته حتى ينال من دنياه،و يتقرب إليه،و لم يحفل السندي بما يلاحقه من العار و الخزي في سبيل ذلك.

28-بقاؤه ثلاثة أيام

:

و بقي الامام ثلاثة أيام لم يوار جثمانه المقدس (1)فتارة موضوع في قاعة السجن،قد أجرت عليه الشرطة التحقيق في حادث وفاته،و أخرى ملقى على جسر الرصافة تتفرج عليه المارة،كل ذلك للاستهانة به،و التوهين بمركزه.


1) عمدة الطالب:ص 185.

29-قيام سليمان بتجهيزه

اشارة

:

و انبرى سليمان بن أبي جعفر المنصور (1)فتولى تجهيز الامام و تشييعه فقد كان قصره مطلا على نهر دجلة،فسمع الصياح و الضوضاء و رأى بغداد قد ماجت و اضطربت فهاله ذلك،فالتفت الى ولده و غلمانه قائلا:

«ما الخبر؟» فقالوا له:هذا السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر، و أخبروه بذلك النداء القاسي الفظيع.

فثارت عواطفه،و تغير حاله،و استولت عليه موجة من الغيظ،


1) سليمان بن أبي جعفر المنصور،أمه فاطمة بنت محمد من ولد طلحة ابن عبد اللّه التيمي كما في تأريخ ابن كثير:28/10 كان أميرا على دمشق من قبل الرشيد،و وليها من قبل الأمين مرتين و ولي امرة البصرة مرتين، و لما ولي أمر دمشق قال لإبراهيم بن المهدي:«خلا لك الجو فبيضي و اصفري» فقال له ابراهيم:لك و اللّه خلا الجو لأنك تقعد في صدر مجلسك و تأكل إذا اشتهيت ليس من هو يأكل على شبع و يلف على جوع و يخدم على كسل جاء ذلك في تأريخ ابن عساكر:279/6،و قد نظم الصفدي في ارجوزته تولية سليمان لامرة دمشق بقوله: ثم سليمان بن عبد اللّه من ذا له في مجده يباهي أخرج منها خائفا ما عقبا فر من السفيان إذ توثبا و قد وليها بعد للامين في مرتين فاستمع تبييني جاءت هذه الأبيات في امراء دمشق:ص 123،و جاء في تأريخ بغداد:24/9 انه توفي سنة«199 ه‍».

فصاح بولده قائلا:

«انزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم،فان مانعوكم فاضربوهم، و خرقوا ما عليهم من سواد-و هو لباس الشرطة و الجيش-.

و انطلق أبناء سليمان و غلمانه مسرعين الى الشرطة فأخذوا جثمان الامام منهم،و لم تبد الشرطة معهم أية معارضة،فسليمان عم الخليفة،و أهم شخصية لامعة في الاسرة العباسية،و أمره مطاع عند الجميع،و حمل الغلمان نعش الامام فجاءوا به الى سليمان،فأمر بالوقت أن ينادى في شوارع بغداد بنداء معاكس لنداء السندي،فانطلق غلمانه رافعين أصواتهم بهذا النداء:

«ألا من أراد أن يحضر جنازة الطيب ابن الطيب موسى بن جعفر فليحضر» (1).

و خرج الناس على اختلاف طبقاتهم لتشييع جثمان إمام المسلمين و سيد المتقين،و خرجت الشيعة و هي تذرف الدموع،و تلطم الصدور قد استولى عليها الأسى و الحزن،ففرج عنها سليمان الكروب،و كشف عنها الآلام اما الاسباب التي حفزت سليمان لقيامه بمواراة الامام و تشييعه بذلك التشييع الحافل الذي لم تشاهد بغداد نظيرا له فهي:

(أ)-محو العار عن أسرته:

كان سليمان قد حنكته التجارب،و قام على تكوينه عقل متزن،فرأى أن الأعمال التي قام بها الرشيد تجاه الامام انما هي لطخة سوداء في جبين


1) البحار،عيون اخبار الرضا،و جاء في مناقب ابن شهر اشوب: 386/2 ان سليمان كان في دهليزه في يوم ممطر إذ مرت به جنازته(ع) فقالوا:سلوا هذه جنازة من؟فقيل هذا موسى بن جعفر مات في الحبس قد امر الرشيد أن يدفن بحاله،فقال سليمان:موسى بن جعفر يدفن هكذا؟ فان في الدنيا من كان يخاف على الملك في الآخرة لا يوفى حقه؟

الاسرة العباسية،فان هارون كان يكفيه اغتيال الامام و دس السم إليه عن القيام بهذه الأعمال البربرية التي إن دلت فانما تدل على نفس لا عهد لها بالشرف و النبل،كما تدل في نفس الوقت على فقدان المعروف و الانسانية عند العباسيين،فقام سليمان بما يفرضه الواجب للحفاظ على سمعته و سمعة أسرته و لمحو العار عنهم.

(ب)-الرحم الماسة:

انها الرحم الماسة التي تربط بينه و بين الامام هي التي هزت مشاعره و أثارت عواطفه،فلم يستطع صبرا أن يسمع اولئك العبيد و هم ينادون بذلك النداء المنكر على جثمان عميد العلويين و زعيم الهاشميين،بالاضافة الى ذلك فانه لم يكن بينه و بين الامام ما يوجب البغضاء و الشحناء،فلذا أثرت فيه أواصر الرحم،و انطلق الى انقاذ جثمان ابن عمه من أيدي الجلاوزة و صنع ما صنع له من الحفاوة و التكريم.

(ج)-الخوف من انتفاضة الشيعة:

و أكبر الظن أن سليمان خاف من انتفاضة الشيعة،و تمرد الجيش و حدوث الاضطرابات و الفتن الداخلية،فان ذلك الاعتداء الصارخ على كرامة الامام(ع)انما هو طعنة نجلاء في صميم العقيدة الشيعية،فكان من الطبيعي أن يثير ذلك عواطفهم و يحفزهم على الثورة،و الانتقام من خصومهم.

و لم تكن الشيعة قلة في ذلك العصر فقد اعتنق عقيدتهم خلق كثير من رجال الدولة،و قادة الجيش،و كبار الموظفين و الكتاب،و لذا تدارك الموقف و قام بالواجب و أنقذ حكومة هارون من الفتن و الاضطراب،كما أسدي في نفس الوقت يدا بيضاء على عموم الشيعة تذكر له بالخير و الثناء.

30-تجهيز الامام

:

و قام سليمان بتجهيز الامام فغسله،و كفنه،و لفه بحبرة قد كتب عليها القرآن الكريم بأسره كلفته ألفين و خمسمائة دينار (1)و حدث المسيب بن زهرة يقول:و اللّه لقد رأيت القوم بعيني و هم يظنون أنهم يغسلونه فلا تصل أيديهم إليه و يظنون أنهم يحنطونه و يكفنونه و أراهم أنهم لا يصنعون شيئا، و رأيت ذلك الشخص الذي حضر وفاته-و هو الامام الرضا-هو الذي يتولى غسله و تحنيطه و تكفينه،و هو يظهر المعاونة لهم،و هم لا يعرفونه فلما فرغ من أمره التفت إلي فقال:

«يا مسيب مهما شككت في شيء فلا تشكن في،فاني إمامك و مولاك و حجة اللّه عليك بعد أبي،يا مسيب مثلي مثل يوسف الصديق و مثلهم مثل اخوته حين دخلوا عليه و هم له منكرون» (2)و بعد انتهاء الغسل حمل الامام الى مرقده الأخير.

31-مواكب التشييع

:

و هرعت بغداد الى تشييع الامام،فكان يوما مشهودا لم تر مثله في أيامها،فقد خرج البر و الفاجر و الصالح و الطالح لتشييع سبط النبي و الفوز بحمل جثمانه،و سارت المواكب و هى تجوب في الشوارع و الطرقات،و تردد أهازيج اللوعة و الحزن و يتقدم جماهير المشيعين الرشيد-فيما يروي بعض المؤرخين-و هو واجم حزين يترحم على الامام و يظهر البراءة من دمه و خلفه البرامكة (3)و كبار


1) المناقب:387/2.

2) عيون اخبار الرضا.

3) حضارة الاسلام في دار السلام:ص 126،و المشهور ان الرشيد لم يحضر جنازة الامام(ع)،و انه كان بالرقة.

الموظفين و المسئولين من رجال الحكم يتقدمهم سليمان و هو حافي القدمين و امام النعش مجامير العطور و حمل الجثمان العظيم على أطراف الأنامل،قد أحاطته الهيبة و الجلال و جيء به فوضع في سوق سمي بعد ذلك بسوق الرياحين، كما بني على الموضع الذي وضع فيه الجثمان المقدس بناء لئلا تطأه الناس بأقدامهم تكريما له (1)و انبرى بعض الشعراء فأنشد هذه الأبيات:

قد قلت للرجل المولى غسله هلا أطعت و كنت من نصائحه

جنبه ماءك ثم غسله بما أذرت عيون المجد عند بكائه

و أزل أفاويه الحنوط و نحها عنه و حنطه بطيب ثنائه

و مر الملائكة الكرام بحمله كرما أ لست تراهم بإزائه

لاتوه أعناق الرجال بحمله يكفي الذي حملوه من نعمائه (2)

و سارت المواكب متجهة الى محلة باب التبن (3)و قد ساد عليها الوجوم و الحزن،و خيم عليها الأسى و المصاب.

32-في مقره الأخير

:

و أحاطت الجماهير بالجثمان المقدس و هي تتسابق الى حمله و التبرك به، فجاءت به الى مقابر قريش،فحفر له قبر هناك و أنزله في مقره الأخير سليمان بن أبي جعفر و هو مذهول اللب خائر القوى،و بعد فراغه من مراسيم


1) الأنوار البهية:ص 99،و جاء فيه انه حكى عن صاحب تاريخ مازندران انه قال في كتابه:انه مر بذلك المكان عدة مرات و قبل الموضع الشريف.

2) الاتحاف بحب الاشراف:ص 57.

3) باب التبن:اسم محلة كبيرة كانت ببغداد تقع بازاء قطيعة أم جعفر،و فيها قبر احمد بن حنبل و هي قريبة من مقابر قريش جاء ذلك في معجم البلدان:14/2 و قد ذكرت شئون هذه البقعة بالتفصيل«في دليل خارطة بغداد ص 102».

الدفن،أقبلت إليه الناس و هي تعزيه و تواسيه بالمصاب الأليم،و هو واقف يشكرهم على ذلك.

و انصرف المشيعون و هم يعددون فضائل الامام و مناقبه،و يذكرون ما عاناه من المحن و الخطوب،و كان فقده من أعظم النكبات التي مني بها العالم الاسلامي في ذلك العصر،فقد فقد المسلمون علما من أعلام العقيدة الاسلامية و غصنا يانعا من دوحة النبوة،و اماما من أئمة المتقين و المنيبين.

لقد عاش الامام(ع)في حياته عيشة المتقين و الصالحين،فآثر طاعة اللّه على كل شيء و عمل جاهدا على رفع كلمة الحق و تحطيم الباطل فلم يجار هارون،و لم يصانعه،بل كان من أقوى الجبهات المعادية له،و قد تحمل في سبيل ذلك جميع ضروب الأذى و الآلام،حتى لفظ أنفاسه الأخيرة و هو في ظلمات السجون،ففاز بالشهادة،و جعل اللّه ذكره خالدا و حياته قدوة،و مرقده ملجأ للمنكوبين و ملاذا للملهوفين كما منّ عليه فجعله من أئمة أهل البيت الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا».

و بعد:فاني قد فرغت من تأليف هذا الكتاب،و أتمت المطبعة صفحاته الأخيرة،و أود أن أسجل شيئا من الخير أن لا يضيع،و هو ان هذا الكتاب ما هو إلا صفحة من تأريخ هذا الامام العظيم،و ترجمة موجزة لحياته،و لا أزعم أني قد ألممت بسيرته،أو ترجمت له ترجمة صورت جميع أبعاد حياته فذاك أمر غير ممكن،فان العشرات من أمثال هذا الكتاب بصورة جازمة لا يمكن أن تحكي واقعه أو تلم بسيرته،و بجميع ما أثر عنه.

لا أقول ذلك لأغض من هذا الجهد الشاق الذي أنفقته،و لا لأصطنع التواضع،و لا أنا مدفوع بدافع الغلو و الافراط في الحب..و انما الواقع يمليه

عليّ،فان ما روي عنه من الأخبار المتعلقة بأحكام الدين و فروعه من العبادات و المعاملات و العقود و الايقاعات تستدعي وضع عدة كتب لها،فموسوعات الحديث و موسوعات الفقه الاستدلالي قد حفلت بالشيء الكثير من رواياته التي هي من مدارك الفتيا في الفقه الشيعي...مضافا الى ما أثر عنه من الحكم و الآداب،و قواعد السلوك و الأخلاق،و آرائه في السياسة و الاقتصاد، و الفلسفة،و علم الكلام،و غيرها مما لم نذكر منه إلا النزر اليسير،فاذن ليس هذا الكتاب كما كنت اعتقد-و استغفر اللّه-انه ملم بحياة الامام،و مستوعب لسيرته و شئونه،و انما يصور لحظة من حياته،و يعطي مثلا موجزا عنها.

لقد أصبحت و أنا مؤمن أشد الايمان ان هذا الامام العظيم كنز من كنوز الاسلام التي لا تنفذ،و انه ملأ فم الدنيا بفضائله،و مناقبه و مآثره،و ان سمو شخصيته العظيمة التي ملكت قلوب المسلمين فآمنوا بامامته،هي التي أثارت عليه احقاد هارون الرشيد و اضغانه،فقدم على ترويعه،و زجه في ظلمات السجون،و قتله مع علمه أنه لم يحرض عليه،و لم يوجب على شيعته الخروج على سلطانه.

و اني أعود الى الاعتذار من سيدي العظيم خوفا من أن أكون قد جافيت الواقع،او ابتعدت عن القصد في بعض ما كتبته عنه راجيا أن يمنحني القبول،و أن يتلطف علي بالرضا،و أن تنالني شفاعته يوم الوفادة على اللّه.