ghaemiyeh.com
موسوعه اهل البیت علیهم السلام
نویسنده: السید علی عاشور
دارالنظیر عبود - بیروت - لبنان
مشخصات ظاهری: 20 ج
1427ه - 2006م
بسم الله الرحمن الرحیم
الجزء الخامس عشر
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
قال ابن خلّكان الشافعي الأشعري في تاريخه:و كان المأمون زوّجه ابنته أم حبيب في سنة اثنتين و مأتين،و جعله ولىّ عهده،و ضرب اسمه على الدينار و الدرهم،و كان السبب في ذلك أنّه استحضر أولاد العبّاس الرجال منهم و النساء،و هو بمدينة مرو،فكان عددهم ثلاثة و ثلاثين ألفا ما بين الكبار و الصغار و استدعى عليّا المذكور،فأنزله أحسن منزلة و جمع له خواصّ الأولياء و أخبرهم أنّه نظر في أولاد العبّاس و أولاد عليّ بن أبي طالب فلم يجد في وقته أحدا أفضل و لا أحق بالأمر من عليّ الرضا،فبايع له بولاية عهده و أمر بإزالة السواد من اللباس و الأعلام و لبس الخضرة-إلى أن قال:و فيه يقول أبو نواس:
قيل لي أنت أحسن النّاس طرّا في فنون من المقال النبيه
لك من جيّد القريض مديح يثمر الدرّ في يدي مجتنيه
فعلى ما تركت مدح ابن موسى و الخصال التي تجمّعن فيه
قلت لا أستطيع مدح إمام كان جبريل خادما لأبيه.
و كان سبب قوله هذه الأبيات أن بعض أصحابه قال له:ما رأيت أوقح منك ما تركت خمرا و لا طردا و لا معنى إلاّ قلت فيه شيئا،و هذا عليّ بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئا، فقال:و الله ما تركت ذلك إلاّ إعظاما له،و ليس قدر مثلي أن يقول في مثله،ثمّ أنشد بعد ساعة هذه الأبيات (1).
ثمّ قال ابن خلّكان:و فيه يقول أبو نواس أيضا و له ذكر في شذوذ العقود في سنة إحدى و مائتين أو سنة اثنتين و مائتين:
مطهّرون نقيات جيوبهم تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علويا حين تنسبه فما له في قديم الدهر مفتخر
اللّه لما برا خلقا فأتقنهم صفاكم و اصطفاكم أيّها البشر
فأنتم الملأ الأعلى و عندكم علم الكتاب و ما جاءت به السور (2)
و قال الفخر الرازي:إن أبا يزيد البسطامي كان يفتخر بأنّه يستقي الماء لدار جعفر بن محمّد الصادق و كان معروف الكرخي أسلم على يد أبي الحسن الرّضا عليّ بن موسى،و كان بوّاب داره إلى أن مات (1).
و روى المفيد في الإرشاد بإسناده إلى معاوية بن حكيم عن نعيم القابوسي عن أبي الحسن موسى قال:إنّ ابني عليّ أكبر ولدي و آثرهم عندي و أحبّهم إلىّ،و هو ينظر معي في الجفر و لم ينظر فيه إلاّ نبىّ أو وصيّ نبيّ (2).
و قال المحقق الشريف في شرح المواقف في مبحث تعلق العلم الواحد بمعلومين:إنّ الجفر و الجامعة كتابان لعليّ كرّم الله وجهه،و قد ذكر فيهما على طريق علم الحروف،الحوادث التي تحدث إلى انقراض العالم،و كان الأئمة المعروفون من أولاده يعرفونهما و يحكمون بهما (3).
و في كتاب قبول العهد الذي كتبه عليّ بن موسى الرّضا إلى المأمون:أنّك قد عرفت من حقوقنا ما لم يعرف آباؤك،فقبلت منك عهدك إلاّ أن الجفر و الجامعة يدلاّن على أنّه لا يتمّ.
و لمشايخ المغاربة نصيب من علم الحروف ينتسبون فيها إلى أهل البيت،و رأيت بالشام نظما أشير إليه بالرموز إلى أحوال ملوك مصر و سمعت أنّه مستخرج من ذينك الكتابين.انتهى (4).
و قال العلامة التفتازاني الشافعي في شرح المقاصد في مبحث الإمامة،بعد ما قال في المحقق العلامة الخواجه نصير الدين الطوسي ما قال،قال:و العظماء من عترة النبيّ و أولاد الوصيّ الموسومون بالدراية المعصومون في الرواية،لم يكن معهم هذه الأحقاد و التعصبّات،و لم يذكروا من الصحابة إلاّ الكمالات،و لم يسلكوا مع رؤساء المذهب من علماء الإسلام إلاّ طريق الإجلال و الإعظام،و ها هو الإمام عليّ بن موسى الرّضا مع جلالة قدره و نباهة ذكره و كمال علمه،و هداه و ورعه و تقواه قد كتب على ظهر كتاب عهد المأمون له ما ينبي عن وفور حمده و قبول عهده و التزام ما شرط عليه و أن كتب في آخره:و الجامعة و الجفر يدّلان على ضدّ ذلك-إلى أن قال:و هذا العهد بخطهما موجود الآن في المشهد الرضوي بخراسان (5).
***9.
ولد أبو الحسن الرّضا عليه السّلام سنة ثمان و أربعين و مائة و قبض عليه السّلام في صفر من سنة ثلاث و مائتين و هو ابن خمس و خمسين سنة و قد اختلف في تاريخه إلاّ إنّ هذا التاريخ هو أقصد إن شاء الله (1).
و قيل ولد في أحد عشرة من ذي الحجة سنة ثلاث و خمسين و مائة (2)و قيل:في أحد عشر من ربيع الآخر من هذه السنة.
و أما عمره:فإنّه مات في سنة مائتين و ثلاث (3).
و قيل:في سنة مائتين و سنتين من الهجرة (4)في خلافة المأمون و كان مولده في سنة ثلاث و خمسين و مائة فيكون عمره تسعا و أربعين سنة (5).
و قال كمال الدّين بن طلحة بن طلحة:عمره تسعا و أربعين سنة و كان مدّة بقائه مع أبيه عليه السّلام أربعا و عشرين سنة و أشهرا و بعده خمسا و عشرين سنة و أمّه سبيكة النوبية (6).
و في أعلام الورى ولد عليه السّلام بالمدينة لإحدى عشر ليلة خلت من ذي القعدة يوم الجمعة سنة ثلاث و خمسين و مائة (7).
و قبره بطوس من خراسان بالمشهد المعروف به عليه السّلام.
و كان مدة بقائه مع أبيه موسى أربعا و عشرين سنة و أشهرا،و بعد أبيه خمسا و عشرين سنة (8).
في الكافي عن الرضا عليه السّلام قال:نقش خاتمي ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله (9).
1) الكافي:486/1 ح 9،و شرح أصول الكافي:273/7.
2) قوله:ثلاث و خمسين و مائة فيكون عمره عليه السّلام خمسين سنة(ش).
3) المنتظم 10:1114/119،و سير اعلام النبلاء 9:393.
4) وفيات الأعيان 3:27.
5) مناقب آل أبي طالب 4:397،تهذيب التهذيب 7:628/339،سير اعلام النبلاء 9:393.
6) البحار:304/49 بتفاوت يسير.
7) إعلام الورى:40،و الكافي:406/1.
8) عيون أخبار الرضا:28/2،و البحار:3/49.
9) الكافي:473/6 ح 5،و البحار:2/49 ح 1.
و كان يقال له:الرضا و الصادق و الصابر و الفاضل و قرّة أعين المؤمنين و غيظ الملحدين و الرضي و الوفي (1).
عيون الأخبار مسندا إلى البزنطي قال:قلت لأبي جعفر محمّد بن علي بن موسى عليه السّلام:إنّ قوما من مخالفيكم يزعمون أنّ أباك عليه السّلام إنّما سمّاه المأمون الرضا لما رضيه لولاية عهده فقال:
كذبوا و الله و فجروا بل الله تبارك و تعالى سمّاه الرضا لأنّه عليه السّلام كان رضا لله عزّ و جلّ في سمائه و أرضه و رضا لرسول الله و الأئمّة من بعده عليهم السّلام في أرضه.
فقلت:ألم يكن كلّ واحد من آبائك الماضين رضا لله عزّ و جلّ و لرسوله و للأئمّة؟
فقال:بلى.
فقلت:لم سمّي أبوك بالرضا من بينهم؟
قال:إنّه رضي به المخالفون من أعدائه كما رضي به الموافقون من أوليائه و لم يكن ذلك لأحد من آبائه عليهم السّلام فلذلك سمّي من بينهم بالرضا (2).
امّ ولد يقال لها:امّ البنين (3).
و قيل:امّه امّ ولد اسمها نجمة و يقال:سكن،و يقال:تكتم. (4).
و قيل:خيزران المريسيه (5).
و قيل:شقراء النوبية و اسمها أروى،و شقراء لقب لها (6).
و عن هشام بن أحمر قال:قال لي أبو الحسن الأوّل:«هل علمت أحدا من أهل المغرب قدم»؟
قلت:لا.
قال:«بلى قد قدم رجل فانطلق بنا».
فركب و ركبت معه حتّى انتهينا إلى الرّجل فإذا رجل من أهل المدينة معه رقيق.
فقلت له:أعرض علينا فعرض علينا سبع جوار،كلّ ذلك يقول أبو الحسن:«لا حاجة إلي فيها»،ثمّ قال:أعرض علينا،فقال:ما عندي إلاّ جارية مريضة،فقال له:«ما عليك أن تعرضها»، فأبى عليه فانصرف،ثمّ أرسلني من الغد،فقال:«قل له:كم كان غايتك فيها فإذا قال كذا و كذا، فقل:قد أخذتها»،فأتيته فقال:ما كنت اريد أن أنقصها من كذا و كذا.
فقلت:قد أخذتها فقال:هي لك و لكن أخبرني من الرّجل الذي كان معك بالأمس؟
فقلت:رجل من بني هاشم.
قال:من أيّ بني هاشم؟
فقلت:ما عندي أكثر من هذا.
فقال:اخبرك عن هذه الوصيفة إنّي اشتريتها من أقصى المغرب فلقيتني امرأة من أهل الكتاب فقالت:ما هذه الوصيفة معك.
قلت:اشتريتها لنفسي.
فقالت:ما يكون ينبغي أن تكون هذه عند مثلك إنّ هذه الجارية ينبغي أن تكون عند خير أهل الأرض،فلا تلبث عنده إلاّ قليلا حتّى تلد منه غلاما ما يولد بشرق الأرض و لا غربها مثله.
قال:فأعطيته بها فلم تلبث عنده إلاّ قليلا حتّى ولدت الرّضا عليه السّلام (1).
و عن علي بن ميثم قال:اشترت حميدة المصفّاة و هي امّ أبي الحسن موسى بن جعفر و كانت من أشراف العجم جارية مولدة و اسمها تكتم و كانت أديبة مع مولاتها فقالت لابنها موسى عليه السّلام:يا بني إنّ تكتم ما رأيت جارية أفضل منها و لست أشكّ أنّ الله تعالى سيظهر نسلها و قد وهبتها لك فاستوص بها خيرا فلمّا ولدت الرضا عليه السّلام سمّاها الطاهرة (2).
***9.
عن عليّ بن ميثم عن أبيه قال:سمعت امّي تقول،سمعت نجمة امّ الرضا عليه السّلام تقول:لمّا حملت بابني عليّ لم أشعر بثقل الحمل و كنت أسمع في منامي تسبيحا و تهليلا و تمجيدا من بطني فيفزعني ذلك فإذا انتبهت لم أسمع شيئا،فلمّا وضعته وقع على الأرض واضعا يده على الأرض رافعا رأسه إلى السماء يحرّك شفتيه كأنّه يتكلّم فدخل إليّ أبوه موسى بن جعفر عليه السّلام فقال:هنيئا لك يا نجمة كرامة ربّك فناولته إيّاه في خرقة بيضاء فأذّن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى و دعا بماء الفرات فحنّكه به ثمّ ردّه إليّ و قال:خذيه فإنّه بقية الله تعالى في أرضه (1).
في كشف الغمّة:له من الولد خمسة رجال و ابنة واحدة هم محمّد الإمام و أبو محمّد الحسن و جعفر و إبراهيم و الحسين و عائشة (2).
و أسماء أولاده:محمد القانع،و الحسن،و جعفر،و إبراهيم،و الحسين،و عائشة (3).
و في كتاب الدّر مضى الرضا عليه السّلام و لم يترك إلاّ أبا جعفر محمّد بن عليّ عليه السّلام و كان سنّه يوم وفاة أبيه سبع سنين و أشهر (4).
الأمالي عن إبراهيم بن العبّاس قال:كان الرضا عليه السّلام يختم القرآن في كلّ ثلاث و يقول:لو أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت و لكنّي ما مررت بآية قطّ إلاّ فكّرت فيها و في أيّ شيء انزلت و في أيّ وقت فلذلك صرت أختم في كلّ ثلاث (5).
عن عليّ بن ميثم عن أبيه قال:سمعت امّي تقول؛سمعت نجمة امّ الرضا عليه السّلام تقول:لمّا حملت بابني عليّ لم أشعر بثقل الحمل و كنت أسمع في منامي تسبيحا و تهليلا و تمجيدا من بطني فيفزعني ذلك فإذا انتبهت لم أسمع شيئا فلمّا وضعته وقع على الأرض واضعا يده على الأرض رافعا رأسه إلى السماء يحرّك شفتيه كأنّه يتكلّم فدخل إليّ أبوه موسى بن جعفر عليه السّلام فقال:هنيئا لك يا نجمة كرامة ربّك فناولته إيّاه في خرقة بيضاء فأذّن في أذنه اليمنى و أقام في اليسرى و دعا بماء الفرات فحنّكه به ثمّ ردّه إليّ و قال:خذيه فإنّه بقية الله تعالى في أرضه (1).
و عن أحمد بن عمر قال:خرجت إلى الرضا عليه السّلام و امرأتي حبلى فقلت له:إنّي قد خلّفت أهلي و هي حامل فادع الله أن يجعله ذكرا فقال لي:و هو ذكر فسمّه عمرا.
فقلت:نويت أن اسمه عليّا و أمرت الأهل به قال عليه السّلام:سمه عمرا فوردت الكوفة و قد ولد لي ابن و سمّي عليّا فسمّيته عمرا فقال لي جيراني:لا نصدّق بعد هذا أحدا عليك بشيء فعلمت أنّه كان أنظر لي من نفسي (2).
و قيل:سمّى الأئمّة عليهم السّلام أولادهم بأسماء لا يحبّونها كعمر و عثمان و نحوهما لفوائد كثيرة منها رعاية التورية و التقية عند الحاجة إليها،و منها ترغيب الشيعة في هذه التسمية إبقاء عليهم و دفعا عنهم و إلاّ فأيّ أحد من الشيعة يقدم على تلك الأسماء الخبيثة و لو قطّع إربا إربا و حكاية أبو بكر سبزوار مشهورة.
عن الحسن بن منصور،عن أخيه قال:دخلت على الرّضا عليه السّلام في بيت داخل في جوف بيت ليلا،فرفع يده،فكانت كأنّ في البيت عشرة مصابيح و استأذن عليه رجل فخلّى يده (3)،ثمّ أذن له (4).
و فيه أيضا عن إبراهيم بن العبّاس قال:سمعت الرضا عليه السّلام يقول:حلفت بالعتق و لا أحلف بالعتق إلاّ أعتقت رقبة و أعتقت بعدها جميع ما أملك إن كنت أرى أنّي خير من هذا،و أومى إلى عبد أسود من غلمانه،بقرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلاّ أن يكون لي عمل صالح فأكون أفضل به منه (1).
و في المناقب أنّ الرضا عليه السّلام دخل الحمّام فقال له بعض الناس:دلّكني فجعل يدلكه فعرفوه فجعل الرجل يستعذر منه و هو يطيّب قلبه و يدلكه (2).
و فيه عن البغدادي عمّن أخبره قال:نزل بالرضا عليه السّلام ضيف و كان يحدّثه في بعض الليل فتغيّر السّراج فمدّ الرجل يده ليصلحه فزبره أبو الحسن عليه السّلام ثمّ بادر بنفسه فأصلحه و قال:إنّا قوم لا نستخدم أضيافنا (3).
و عن ياسر الخادم قال:كان الرضا عليه السّلام إذا خلا جمع حشمه كلّهم عنده الصغير و الكبير فيحدّثهم و يأنس بهم و يؤنسهم و كان عليه السّلام إذا جلس على المائدة لا يدع صغيرا و لا كبيرا إلاّ أقعده معه على مائدته (4).
روي أنه مرّ رجل بأبي الحسن الرضا عليه السّلام فقال له:أعطني على قدر مروّتك قال:لا يسعني ذلك.
فقال:على قدر مروّتي.
فقال عليه السّلام:أمّا ذا فنعم،ثمّ قال:يا غلام أعطه مائتي دينار،و فرّق عليه السّلام بخراسان ماله كلّه يوم عرفة فقال له الفضل بن سهل:إنّ هذا المغرم أي الإسراف.
فقال عليه السّلام:بل هو المغنم لا تعدن مغرما ما ابتغيت به أجرا و كرما (5).
و عنه قال:قال لنا الرضا عليه السّلام:إن قمت على رؤوسكم و أنتم تأكلون فلا تقوموا حتّى تفرغوا (6).
المحاسن،عن أبي خلاّد قال:كان أبو الحسن الرضا عليه السّلام إذا أكل اتي بصحفة فتوضع قرب مائدته فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به فيأخذ من كلّ شيء شيئا فيوضع في تلك الصحفة ثمّ يأمر بها للمساكين ثمّ يتلو هذه الآية: فَلاَ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (1)ثمّ يقول:علم الله عزّ و جلّ أن ليس كلّ إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل لهم السبيل إلى الجنّة (2).
و في الكافي،عن اليسع بن حمزة قال:دخل على الرضا عليه السّلام رجل طوال أدم فقال:أنا من محبّيك مصدري من الحجّ و قد افتقدت نفقتي فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي فإذا بلغت بلدي تصدّقت بالذي تعطيني عنك فلست موضع صدقة.
فقال:إجلس رحمك الله فجلس حتّى تفرّق الناس و بقى سليمان الجعفري و خثيمة و أنا فدخل الحجرة و أخرج يده من أعلى الباب و قال:أين الخراساني فناوله مائتي دينار فقال:اخرجها في نفقتك و لا تصدق بها عنّي و اخرج فلا أراك و لا تراني ثمّ خرج فقال سليمان:لقد أجزلت و رحمت فلماذا سترت وجهك عنه؟
فقال:مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته أما سمعت حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجّة و المذيع بالسيّئة مخذول و المستتر بها مغفور له،أما سمعت قول الأوّل شعر:
متى آته يوما لأطلب حاجة رجعت إلى أهلي و وجهي بمائه
انتهى ملخّصا (3).
عن أحمد بن عبد اللّه عن الغفاري قال:كان لرجل من آل أبي رافع مولى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقال له طيس عليّ حقّ فتقاضاني و ألحّ عليّ و أعانه النّاس فلمّا رأيت ذلك صلّيت الصبح في مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ توجّهت نحو الرّضا عليه السّلام و هو يومئذ بالعريض،فلمّا قربت من بابه إذا هو قد طلع على حمار و عليه قميص و رداء،فلمّا نظرت إليه استحييت منه،فلمّا لحقني وقف و نظر إليّ فسلّمت
عليه-و كان شهر رمضان-فقلت:جعلني الله فداك إنّ لمولاك طيس عليّ حقّا و قد و الله شهرني.
و أنا أظنّ في نفسي أنّه يأمره بالكفّ عنّي،و والله ما قلت له كم له عليّ و لا سمّيت له شيئا،فأمرني بالجلوس إلى رجوعه.
فلم أزل حتّى صلّيت المغرب و أنا صائم،فضاق صدري و أردت أن أنصرف فإذا هو قد طلع عليّ و حوله الناس و قد قعد له السؤّال و هو يتصدّق عليهم،فمضى و دخل بيته،ثمّ خرج و دعاني فقمت إليه و دخلت معه،فجلس و جلست،فجعلت أحدّثه عن ابن المسيّب و كان أمير المدينة و كان كثيرا ما أحدّثه عنه.
فلمّا فرغت قال:«لا أظنّك أفطرت بعد»؟
فقلت:لا،فدعالي بطعام فوضع بين يديّ و أمر الغلام أن يأكل معي فأصبت و الغلام من الطعام،فلمّا فرغنا قال لي:«إرفع الوسادة و خذ ما تحتها».
فرفعتها و إذا دنانير فأخذتها و وضعتها في كمّي و أمر أربعة من عبيده أن يكونوا معي حتّى يبلغوني منزلي.
فقلت:جعلت فداك إنّ طائف ابن المسيّب يدور و أكره أن يلقاني و معي عبيدك.
فقال لي:«أصبت أصاب الله بك الرّشاد».
و أمرهم أن ينصرفوا إذا رددتهم فلمّا قربت من منزلي و آنست رددتهم فصرت إلى منزلي و دعوت بالسراج و نظرت إلى الدّنانير و إذا هي ثمانية و أربعون دينارا و كان حقّ الرّجل عليّ ثمانية و عشرين دينارا و كان فيها دينار يلوح فأعجبني حسنه فأخذته و قرّبته من السراج فإذا عليه نقش واضح:«حقّ الرّجل ثمانية و عشرون دينارا و ما بقي فهو لك»،و لا و الله ما عرفت ما له عليّ و الحمد لله ربّ العالمين الذي أعزّ وليّه (1).
و عن عليّ بن إبراهيم،عن أبيه،عن بعض أصحابه،عن أبي الحسن الرّضا عليه السّلام أنّه خرج من المدينة في السنّة الّتي حجّ فيها هارون يريد الحجّ فانتهى إلى جبل عن يسار الطريق-و أنت ذاهب إلى مكّة-يقال له:قارع،فنظر إليه أبو الحسن عليه السّلام ثمّ قال:«باني قارع و هادمه يقطع إربا إربا».
فلم ندرما معنى ذلك فلمّا ولّى وافى هارون و نزل بذلك الموضع صعد جعفر بن يحيى ذلك الجبل و أمر أن يبنى له ثمّ مجلس فلمّا رجع من مكّة صعد إليه فأمر بهدمه،فلمّا انصرف إلى العراق قطع إربا إربا (2).7.
و روي أنه لما ولى أبو الحسن عليه السّلام و ارتحل من ذلك الموضع أتاه هارون و نزل بذلك الموضع،و صعد جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي ذلك الجبل و أمر أن يبنى عليه مجلس،فلما رجع من مكة صعد إليه فأمر بهدمه فلما انصرف إلى بغداد قطع إربا إربا و كان سبب قتله أن اخت هارون في ذكاء الذهن وجودة الطبع و طلاقة البيان و فصاحة اللسان،كانت في غاية الكمال،و كذلك كان جعفر بن يحيى و كان لهارون شغف و سرور في حضورهما و صحبتهما فأوقع العقد بينهما ليجمعهما في مجلس واحد بشرط أن لا يقاربها جعفر و لا يجالسها في غير مجلسه فراودته حتى جامعها فولدت ذكرا فأرسلته إلى مكة لئلا يعلم به هارون فأخبر به،فنهض إلى مكة و ظهرت له القضية،و لم يظهرها و لم يتغير على جعفر بل كان يحسن إليه زائدا على السابق حتى رجع إلى العراق فقتله و أحرقه (1)و قتل أباه يحيى و أخويه محمدا و موسى و غيرهم ممن انتسب إليهم من البرامكة (2).
و عن مسافر قال:لمّا أراد هارون بن المسيّب أن يواقع محمّد بن جعفر (3)قال لي أبو الحسن الرّضا عليه السّلام:«اذهب إليه و قل له:لا تخرج غدا فإنّك إن خرجت غدا هزمت و قتل أصحابك فإن سألك من أين علمت هذا؟فقل:رأيت في المنام».
قال:فأتيته فقلت له:جعلت فداك لا تخرج غدا فإنّك إن خرجت هزمت و قتل أصحابك فقال لي:من أين علمت هذا؟
فقلت:رأيت في المنام.
فقال:نام العبد و لم يغسل إسته،ثمّ خرج فانهزم و قتل أصحابه (4).
قال:و حدّثني مسافر قال:كنت مع أبي الحسن الرّضا عليه السّلام بمنى فمرّ يحيى بن خالد فغطّى2.
1) قوله فقتله و أحرقه و هكذا كان ملوك بني العباس في صدر دولتهم يقتلون المستولين على الأمور من أمرائهم و وزرائهم لئلا تضعف حكومتهم فقتل أبو العباس السفاح أبا سلمة الخلال المشهور بوزير آل محمد،و الدوانقي أبا مسلم الخراساني مع أن دولة بني العباس قامت بجهده،و قتل هارون البرامكة بعد أن استوثق الأمور برأيهم و قتل المأمون الفضل بن سهل ذا الرياستين و أما بعد ذلك فلم يحتاطوا هذا الاحتياط فاستولت الأمراء على الخلفاء خصوصا الأتراك و ضعفوا جدا و خرجت الحكومة من يدهم و لم يكن للخليفة أمر و لا نهي إلى انقراض دولتهم و كذلك قتل في العصر الأخير الشاه عباس الصفوي مربيه و ممهد الملك له مرشد قليخان إذ رأى استيلاءه على الأمور و أمثال ذلك غير بعيدة من الملوك.(ش)
2) شرح أصول الكافي:277/7 ح 5.
3) و هو محمد بن جعفر الصادق عليه السّلام و قيل كان ملقبا بالديباج و كان شجاعا كريما سخيا.و في بعض كتب السير أنه كان يرى رأي الزيدية في أن الإمام من نسل فاطمة عليها السّلام من يخرج بالسيف فخرج في سنة تسع و تسعين و مائة على المأمون فغلب بعد المحاربة و أخذ و بعث إلى المأمون و هو في خراسان فعززه و أكرمه و مات في جرجان عند توجه المأمون إلى بغداد فدخل المأمون بنفسه في قبره و دفنه.
4) الكافي:491/1 ح 9،و مدينة المعاجز:20/7 ح 12.
رأسه من الغبار فقال:«مساكين لا يدرون ما يحلّ بهم في هذه السنة»،ثمّ قال:«و أعجب من هذا هارون و أنا كهاتين»-و ضمّ إصبيعه-قال مسافر:فو الله ما عرفت معنى حديثه حتّى دفنّاه معه (1).
و عن الهروي قال:سمعت الرضا عليه السّلام يقول:و الله ما منّا إلاّ مقتول شهيد.
فقيل له:فمن يقتلك يابن رسول اللّه؟
قال:شرّ خلق الله في زماني يقتلني بالسمّ ثمّ يدفنني في دار مضيقة و بلاد غربة ألا فمن زارني في غربتي كتب الله له أجر مائة ألف شهيد و مائة ألف صدّيق و مائة ألف حاج و معتمر و مائة ألف مجاهد و حشر في زمرتنا و جعل في الدرجات العلى من الجنّة رفيقنا (2).
و في الخرائج،عن محمّد بن الفضل الهاشمي قال:لمّا توفّي موسى بن جعفر أتيت المدينة فدخلت على الرضا عليه السّلام فسلّمت عليه بالأمر و أوصلت إليه ما كان معي و قلت:إنّي صائر إلى البصرة و عرفت كثرة خلاف الناس و قد نعي إليهم موسى و ما أشكّ أنّهم سيسألوني عن براهين الإمام و لو أريتني شيئا من ذلك.
فقال الرضا عليه السّلام:لم يخف عليّ هذا فابلغ أولياءنا بالبصرة و غيرها إنّي قادم عليهم و لا قوّة إلاّ بالله.
ثمّ أخرج إلي جميع ما كان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند الأئمّة عليهم السّلام من بردته و قضيبه و سلاحه و غير ذلك فقلت:و متى تقدم عليهم؟
قال:بعد ثلاثة أيّام من وصولك و دخولك البصرة،فلمّا قدمتها سألوني عن الحال فقلت لهم:إنّي أتيت موسى بن جعفر قبل وفاته بيوم واحد فقال:إنّي ميّت لا محالة فإذا و اريتني في لحدي فلا تقيمن و توجّه إلى المدينة بودائعي هذه و أوصلها إلى ابني علي بن موسى فهو وصيّي و صاحب الأمر بعدي ففعلت ما أمرني به و هو يوافيكم إلى ثلاثة أيّام من يومي هذا فاسألوه عمّا شئتم.
فابتدر الكلام عمرو بن هذاب من القوم و كان ناصبيّا ينحو نحو التزيد و الاعتزال فقال:يا محمّد إنّ الحسن بن محمّد رجل من أفاضل أهل هذا البيت في ورعه و علمه و سنّه و ليس هو شاب مثل علي بن موسى و لعلّه لو سئل عن شيء من معضلات الأحكام لحار في ذلك.
فقال الحسن بن محمّد و كان حاضرا:لا تقل ذلك فإنّ عليّا على ما وصفه من الفضل يقول إنّه يقدم إلى ثلاثة أيّام و كفاك به دليلا و تفرّقوا.8.
فلمّا كان في اليوم الثالث من دخولي البصرة إذا الرضا عليه السّلام قد وافى فقصد منزل الحسن بن محمد و أخلى له داره و قام بين يديه بأمره و نهيه.
فقال:يا محمّد أحضر جميع القوم الذين حضروا عند محمّد بن الفضل و غيرهم من شيعتنا و احضر جاثليق النصارى و رأس الجالوت و مر القوم يسألوا عمّا بدا لهم فجعمهم كلّهم و الزيدية و المعتزلة و هم لا يعلمون مراد الحسن بن محمّد فلمّا تكاملوا أثنى للرضا عليه السّلام و سادة جلس عليها ثمّ قال:السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته هل تدرون لم بدأتكم بالسلام؟
قالوا:لا.
قال:لتطمئن أنفسكم.
قالوا:من أنت يرحمك الله؟
قال:أنا علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب و ابن رسول الله،صلّيت اليوم الفجر في مسجد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع والي المدينة و أقرأني بعد أن صلّينا كتاب صاحبه إليه و استشارني في كثير من اموره فأشرت عليه بما فيه الحظّ له و وعدته أن يصير إلي بعد العصر من هذا اليوم ليكتب عندي جواب كتاب صاحبه و أنا واف له بما وعدته.
فقالت الجماعة:يابن رسول الله مع هذا الدليل برهانا و أنت عندنا الصادق القول فقاموا لينصرفوا.
فقال:لا تتفرّقوا فإنّي إنّما جمعتكم لتسألوا عمّا شئتم من آثار النبوّة و علامات الإمامة التي لا تجدونها إلاّ عندنا أهل البيت فهلمّوا مسائلكم فابتدأ عمرو بن هذاب فقال:إنّ محمّد بن الفضل الهاشمي ذكر عنك أشياء لا تقبلها القلوب،أخبرنا عنك أنّك تعرف كلّما أنزله الله و أنّك تعرف كلّ لسان و لغة.
فقال عليه السّلام:صدق.
قال:فإنّا نختبرك بالألسن و اللغات و هذا روميّ و هذا هندي و فارسي و تركي فأحضرناهم فقال:فليتكلّموا فتكلّموا فأجابهم بلغاتهم ثمّ نظر إلى ابن هذاب فقال:إن أنا اختبرتك إنّك ستبتلى في هذه الأيّام بدم ذي رحم لك كنت مصدّقا؟
قال:لا،فإنّ الغيب لا يعلمه إلاّ الله.
قال عليه السّلام:أو ليس الله يقول: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ (1)فرسول الله عند الله مرتضى و نحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما يشاء من6.
1) سورة الجن:26.
غيبه فعلّمنا ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة و أنّ الذي أخبرتك يابن هذاب لكائن إلى خمسة أيّام فإن لم يصحّ ما قلت فإنّي كاذب و إن صح فتعلم أنّك الكاذب على الله و رسوله.
و دلالة اخرى أمّا أنّك ستصاب ببصرك و تكون أعمى و هذا كائن بعد أيّام.
و دلالة اخرى أنّك تحلف يمينا كاذبة فتضرب بالبرص.
قال محمّد بن الفضل:تالله لقد نزل ذلك كلّه بابن هذاب،فقيل له صدق الرضا أم كذب؟
قال:و الله لقد علمت في الوقت الذي أخبرني به أنّه كائن و لكنّي كنت أتجلّد (1).
و عن الريان بن الصلت قال:كنت بباب الرضا عليه السّلام بخراسان فقلت لمعمر:إن رأيت أن تسأل سيّدي أن يكسوني ثوبا من ثيابه و يهب لي من الدراهم التي ضربت باسمه فأخبرني معمّر أنّه دخل على أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال:فابتدأني فقال:يا معمر ألا يريد الريان أن نكسوه من ثيابنا أو نهب له من دراهمنا؟
قال:فقلت:سبحان الله هذا كان قوله لي الساعة بالباب.
قال:فضحك،ثمّ قال:المؤمن موفّق قل له فليدخل،فأدخلني عليه فسلّمت عليه و ردّ عليّ السلام و دعا لي بثوبين من ثيابه فدفعهما إليّ فلمّا قمت وضع في يدي ثلاثين درهما (2).
و في عيون الأخبار عن عبد الله الهاشمي قال:دخلت على المأمون يوما فأجلسني و أخرج من كان عنده ثمّ دعا بالطعام فطعمنا ثمّ دعا بستارة فضربت فقال لبعض من كان في الستارة بالله لما رثيت لنا من بطوس فأخذت تقول شعر:
سقيا لطوس من أضحى بها قطنا من عترة المصطفى أبقى لنا حزنا
ثمّ بكى و قال لي:يا عبد الله يلومني أهل بيتي و أهل بيتك أن نصبت أبا الحسن الرضا علما فو الله لأحدّثنك بحديث تعجب منه،جئته يوما.
فقلت:جعلت فداك إنّ أباك موسى و جعفرا و محمّدا و علي بن الحسين كان عندهم علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة و أنت وصيّ القوم و وارثهم و عندك علمهم ولي إليك حاجة قال:هاتها.
فقلت:هذه الزاهرية جاريتي لا أقدّم عليها أحدا من جواري و قد حملت غير مرّة و أسقطت و هي الآن حامل فدلّني على ما تعالج به فتسلم.
فقال:لا تخف من إسقاطها فإنّها تسلم و تلد غلاما أشبه الناس بامّه و يكون له خنصر زائدة في يده اليمنى ليست بالمدّة و في رجله اليسرى خنصر زائدة ليست بالمدلاة.1.
فقلت في نفسي:أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير،فولدت الزاهرية غلاما أشبه الناس بامّه و كان كما وصفه الرضا عليه السّلام فمن يلومني على نصبي إيّاه (1).
و عن أحمد بن عمر قال:خرجت إلى الرضا عليه السّلام و امرأتي حبلى فقلت له:إنّي قد خلّفت أهلي و هي حامل فادع الله أن يجعله ذكرا فقال لي:و هو ذكر فسمّه عمرا.
فقلت:نويت أن اسمه عليّا و أمرت الأهل به قال عليه السّلام:سمه عمرا فوردت الكوفة و قد ولد لي ابن و سمّي عليّا فسمّتيه عمرا فقال لي جيراني:لا نصدّق بعد هذا أحدا عليك بشيء فعلمت أنّه كان أنظر لي من نفسي (2).
و عن الوشاء عن الرضا عليه السّلام قال لي بخراسان:إنّي حيث أرادوا بي الخروج جمعت عيالي فأمرتهم أن يبكوا عليّ حتّى أسمع ثمّ فرّقت فيهم إثني عشر ألف دينار ثمّ قال:أمّا إنّي لا أرجع إلى عيالي أبدا (3).
و عن محمّد الرازي قال:كنت في خدمة الرضا عليه السّلام لمّا جعله المأمون ولي عهده فأتاه رجل من الخوارج في كفّه مدية مسمومة و قد قال لأصحابه:لآتين هذا الذي يزعم أنّه ابن رسول الله و قد دخل لهذه الطاغية فيما دخل فأسأله عن حجّته فإن كان له حجّة و إلاّ أرحت الناس منه،فدخل عليه فقال:أجيبك عن مسألتك بشرط إن أقنعتك أن تكسر الذي في كمّك فتحيّر الخارجي و أخرج المدية و كسرها ثمّ قال:أخبرني عن دخولك لهذه الطاغية فيما دخلت له و هم عندك كفّار و أنت ابن رسول الله ما حملك على هذا؟
فقال عليه السّلام:أرأيتك هؤلاء أكفر أم عزيز مصر و أهل مملكته؟،أليس هؤلاء على حال يزعمون أنّهم موحّدون و أولئك لم يوحّدوا الله و لم يعرفوه و يوسف بن يعقوب نبيّ ابن نبيّ قال لعزيز مصر و هو كافر اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (4)كان يجالس الفراعنة،و أنا رجل من ولد رسول الله أجبرني على هذا الأمر و أكرهني عليه فما الذي أنكرت و نقمت عليّ فقال:لا عتب عليك أنّي أشهد أنك ابن نبيّ الله و أنّك صادق (5).
و روى الكشي بإسناده إلى عبد الله بن طاووس قال:قلت للرضا عليه السّلام:إنّ يحيى بن خالد سمّ أباك موسى بن جعفر صلوات الله عليهما؟
قال:نعم سمّه في ثلاثين رطبة.5.
قلت له:فما كان يعلم أنّها مسمومة.قال:قد غاب عنه المحدّث.
قلت:و من المحدّث؟
قال:ملك أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو مع الأئمّة عليهم السّلام و ليس كلّما طلب وجد.
ثم قال:إنّك ستعمّر،فعاش مائة سنة (1).
و في عيون المعجزات،عن الحسن بن علي الوشاء قال:شخصت إلى خراسان و معي حلل و شيء للتجارة فوردت مدينة مرو ليلا و كنت أقول بالوقف على موسى بن جعفر عليه السّلام فوافق نزولي غلام أسود كأنّه من أهل المدينة فقال لي:يقول لك:سيّدي وجّه إلي الحبرة التي معك لأكفّن بها مولى لنا قد توفّي.
فقلت:و من سيّدك؟
قال:علي بن موسى الرضا.
فقلت:ما معي حبرة و لا حلّة إلاّ و قد بعتها في الطريق،فمضى ثمّ عاد إليّ فقال لي:قد بقيت الحبرة قبلك.
فقلت له:إنّي ما أعلمها معي فمضى و عاد الثالثة فقال لي:هي في عرض السفط الفلاني.
فقلت في نفسي:إن صحّ قوله فهي دلالة و كانت ابنتي قد دفعت إليّ حبرة و قالت لي:ابتع بثمنها شيئا من الفيروزج و الشيح من خراسان و نسيتها فقلت لغلامي:هات هذا السفط الذي ذكره فأخرجه إليّ و فتحه فوجدت الحبرة في عرض ثياب فيه فدفعتها إليه و قلت:لا آخذ لها ثمنا فعاد إليّ و قال:تهدي ما لقيس لك؟دفعتها إليك ابنتك فلانة و سألتك بيعها و أن تبتاع لها بثمنها فيروزجا و شيحا فابتع لها ما سألت.و وجّه مع الغلام الثمن الذي يساوي الحبرة بخراسان فعجبت ممّا ورد عليّ و قلت:و الله لأكتبنّ له مسائل أنا شاكّ فيها و لأمتحنّنه بمسائل سئل أبوه عنها فأثبت تلك المسائل في درج و عدت إلى بابه و المسائل في كمّي،فلمّا وافيت بابه رأيت العرب و القوّاد و الجند يدخلون إليه فجلست ناحية داره و قلت في نفسي:متى أنا أصل إلى هذا؟و طال قعودي فخرج خادم يتصفّح الوجوه و يقول:أين ابن بنت الياس؟
فقلت:ها أنا ذا فأخرج من كمّه درجا و قال:هذا جواب مسائلك و تفسيرها ففتحته و إذا فيه المسائل التي في كمّي و جوابها و تفسيرها.
فقلت:اشهد الله و رسوله على نفسي أنّك حجّة الله و أستغفر الله و أتوب إليه و قمت (2).9.
و عن حمزة الارجاني قال:خرج هارون من المسجد الحرام مرّتين و خرج الرضا عليه السّلام مرّتين فقال عليه السّلام:ما أبعد الدار و أقرب اللقاء يا طوس ستجمعني و إيّاه (1).
الكافي عن محمّد بن سنان قال:قلت لأبي الحسن الرضا في أيّام هارون:إنّك قد شهرت نفسك بهذا الأمر و جلست مجلس أبيك و سيف هارون يقطر الدم قال:جرّأني على هذا ما قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة فاشهدوا أنّي لست بنبيّ و أنا أقول لكم:إن أخذ هارون من رأسي شعرة فاشهدوا أنّي لست بإمام (2).
عيون الأخبار عن أبي الحسن الصائغ عن عمّه قال:خرجت مع الرضا عليه السّلام إلى خراسان أوامره في قتل رجاء بن أبي الضحّاك الذي حمله إلى خراسان فنهاني عن ذلك فقال:تريد أن تقتل نفسا مؤمنة بنفس كافرة فلمّا صار إلى الأهواز مرض و قال لأهل الأهواز:أطلبوا لي قصب سكّر.
فقال بعض أهل الأهواز ممّن لا يعقل:أعرابي لا يعلم أنّ القصب لا يوجد في الصيف.
فقالوا:يا سيّدنا القصب لا يكون في هذا الوقت إنّما يكون في الشتاء.
فقال:بلى أطلبوه فإنّكم ستجدونه.
فقال إسحاق بن محمّد:و الله ما طلب سيّدي إلاّ موجودا فأرسلوا إلى جميع النواحي فجاء أكرة إسحاق فقالوا:عندنا شيء ادّخرناه لبذره نزرعه و كانت هذه إحدى براهينه (3).
عن عليّ بن محمّد القاساني قال:أخبرني بعض أصحابنا أنّه حمل إلى أبي الحسن الرّضا عليه السّلام مالا له خطر،فلم أره سرّ به.قال:فاغتممت لذلك و قلت في نفسي:قد حملت هذا المال و لم يسرّ به،فقال:«يا غلام الطست و الماء».
قال:فقعد على كرسيّ و قال بيده للغلام:«صبّ عليّ الماء».
قال:فجعل يسيل من بين أصابعه في الطست ذهب،ثمّ التفت إليّ فقال لي:«من كان هكذا لا يبالي بالّذي حملته إليه؟» (4).
و في ذلك الكتاب عن البزنطي قال:بعث الرضا عليه السّلام إليّ بحماره فركبته و أتيته و أقمت عنده
بالليل إلى أن مضى منه ما شاء الله فلمّا أراد أن ينهض قال لي:لا أراك تقدر على الرجوع فبت عندنا الليلة.
قلت:أجل جعلت فداك.
فقال:يا جارية افرشي له فراشي و اطرحي عليه ملحفتي التي أنام فيها وضعي تحت رأسه مخدّتي.
فقلت في نفسي:من أصاب مثل ما أصبت في ليلتي هذه لقد جعل لي من المنزلة عنده و أعطاني من الفخر ما لم يعطه أحدا من أصحابنا،بعث لي حماره و فرش لي فراشه.
فقال و هو قاعد معي و أنا احدّث نفسي:يا أحمد إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام أتى زيد بن صوحان في مرضه يعوده فأكرمه و وضع يده على جبهته و جعل يلاطفه.
فلمّا أراد النهوض قال:يا صعصعة لا تفخرن على إخوانك بما فعلت فإنّي إنّما فعلت جميع ذلك لأنّه كان تكليفا لي فلا تذهبن نفسك إلى الفخر و تذلّل لله عزّ و جلّ و اعتمد على يده فقام (1).
و عن إسماعيل بن الحسن قال:كنت مع الرضا عليه السّلام و قد مال بيده إلى الأرض كأنّه يكشف شيئا فظهرت سبائك ذهب ثمّ مسح بيده على الأرض فغابت فقلت في نفسي:لو أعطاني واحدة منها.
قال:لا،إنّ هذا الأمر لم يأت وقته (2).
و روى الكشي بإسناده إلى عبد الله بن طاووس قال:قلت للرضا عليه السّلام:إنّ يحيى بن خالد سمّ أباك موسى بن جعفر صلوات الله عليهما؟
قال:نعم سمّه في ثلاثين رطبة.
قلت له:فما كان يعلم أنّها مسمومة،قال:قد غاب عنه المحدّث.
قلت:و من المحدّث؟
قال:ملك أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو مع الأئمّة عليهم السّلام و ليس كلّما طلب وجد.
ثم قال:إنّك ستعمّر،فعاش مائة سنة (3).
و روى ثقة الإسلام الكليني في الكافي و المفيد في الإرشاد و كثير من أعاظم المحدثين عن الإمام الصادق،أحاديث كثيرة في أن الجفر و الجامعة كانا عنده و أنّهما لا يزالان عند الأئمة يتوارثونهما واحدا بعد واحد (1).
قال ابن خلّكان في تاريخه في ذيل ترجمة عبد المؤمن بن عليّ القيسي:
قال ابن قتيبة:هو جلد جفر ادّعوا أنّه كتب لهم فيه الإمام كلّما يحتاجون إلى علمه،و كل ما يكون إلى يوم القيامة،ثمّ قال ابن خلّكان:قلت و قولهم:الإمام يريدون به جعفر الصادق و إلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعري بقوله:
لقد عجبوا لأهل البيت لمّا أتاهم علمهم في مسك جفر
و مرآة المنجم و هي صغرى أرته كلّ عامرة و قفر.
و قوله في مسك جفر،المسك بفتح الميم و سكون السين المهملة الجلد.و الجفر بفتح الجيم و سكون الفاء و بعدها راء من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر،و جفر جنباه و فصل عن أمه و الأنثى جفرة.
و كانت عادتهم أنّهم في ذلك الزمان يكتبون في الجلود و العظام و الخزف،و ما شاكل ذلك و الله سبحانه و تعالى يعلم.انتهى كلام ابن خلّكان (2).
قيل:المراد من قوله مرآة المنجم هو الإسطرلاب،و هو اسم لآلة مشتملة على حجرة و عضادة و صفحة عنكبوت،و صفائح مرسوم فيها خطوط مستقيمة و مستديرة،تامة و ناقصة متوازية و غير متوازية،يعرف بها كثير من أحوال الفلكيات و الأرضيات و الزمانيات،حتّى أن العلامة الفلكي عبد الرحمن بن عمر الصوفي المتوفي سنة 376 ه صنف كتابا في العمل بالإسطرلاب أنهاه إلى 386 باب كلّ باب في معرفة شيء من الأحوال المذكورة.
و كلمة إسطرلاب على ما ذهب إليه حمزة الأصبهاني(كما نقل العلامة أبو ريحان البيروني في رسالته الموسومة بافراد المقال و كذا في كتابه الموسوم بالتفهيم)معربة إستاره ياب،أي مدرك النجوم.
و قال البيروني:و ممكن أن يكون معربا من اليونانيّة فان اسمه باليونانيّة اسطرلبون و اسطر هو النجم بدليل أن علم الهيئة يسمى عندهم اسطرونوميا(افراد المقال ص 69 طبع حيدر آباد الدكن 1367 ه).
و قال في التفهيم:اسطرلاب چيست؟أين التي است يونانيان را،نامش اسطرلابون أي آيينه نجوم و حمزة اسض اهانى او را ازض ارسى بيرون آورده كه نامش ستاره ياب است.
و الصواب ما ذهب إليه البيروني كما اختاره المعري في البيت حيث قال:مرآة المنجم، و يوافقه ما في اللغة الفرنسية أن كلمة الاسطرلاب باليونانيّة مركبة من ertsA أي الكوكب nienabmaL أي المرآة أو الميزان،و لذا فسره كوشيار بميزان الشمس كما نقل عنه الفاضل البيرجندي في شرحه على رسالة الاسطرلاب للخواجه نصير الدين الطوسي.و كان الصحيح أن يفسره بميزان الكوكب لأن كلمة ertsA لا تفيد معنى الشمس و لم يذكر في المعاجم أن الشمس أحد معانيها.
ثمّ إنّ في أحاديثنا فسر الجفر بأنّه جلد ثور لا أنّه من جلد أولاد المعز كما فسره ابن خلّكان ففي الكافي لثقة الإسلام الكليني(الوافي ص 135 م 2)بإسناده إلى ابن رئاب عن الحذاء قال:سأل أبا عبد الله بعض أصحابنا عن الجفر؟
فقال:هو جلد ثور مملوء علما.الحديث (1).
عن إبراهيم بن موسى قال:ألححت على أبي الحسن الرّضا عليه السّلام في شيء أطلبه منه،فكان يعدني،فخرج ذات يوم ليستقبل والي المدينة و كنت معه فجاء إلى قرب قصر فلان،فنزل تحت شجرات و نزلت معه أنا و ليس معنا ثالث فقلت:جعلت فداك هذا العيد قد أظلّنا و لا و الله ما أملك درهما فما سواه،فحكّ بسوطه الأرض حكّا شديدا،ثمّ ضرب بيده فتناول منه سبيكة ذهب،ثمّ قال:انتفع بها و اكتم ما رأيت (2).
و عن إسماعيل بن الحسن قال:كنت مع الرضا عليه السّلام و قد مال بيده إلى الأرض كأنّه يكشف شيئا فظهرت سبائك ذهب ثمّ مسح بيده على الأرض فغابت فقلت في نفسي:لو أعطاني واحدة منها.
قال:لا،إنّ هذا الأمر لم يأت وقته (1).
و عن عليّ بن محمّد القاساني قال:أخبرني بعض أصحابنا أنّه حمل إلى أبي الحسن الرّضا عليه السّلام مالا له خطر،فلم أره سرّ به قال:فاغتممت لذلك و قلت في نفسي:قد حملت هذا المال و لم يسرّ به،فقال:«يا غلام الطست و الماء».
قال:فقعد على كرسيّ و قال بيده للغلام:«صبّ عليّ الماء».
قال:فجعل يسيل من بين أصابعه في الطست ذهب،ثمّ التفت إليّ فقال لي:«من كان هكذا لا يبالي بالّذي حملته إليه؟» (2).
و عن مفيد بن جنيد الشامي قال:دخلت على الرضا عليه السّلام فقلت له:قد كثر الخوض فيك و في عجائبك فلو شئت أتيت بشيء و حدّثته عنك فقال:و ما تشاء؟
قال:تحيي إليّ أبي و امّي.
فقال:إنصرف إلى منزلك فقد أحييتهما فانصرفت و الله و هما في البيت أحياء فأقاما عندي عشرة أيّام ثمّ قبضهما الله تبارك و تعالى (3).
و عن عبد الله بن سرمة قال:مرّ بنا الرضا عليه السّلام فاختصمنا في إمامته فلمّا خرج خرجت أنا و تميم بن يعقوب و نحن مخالفون له نرى رأي الزيدية فلمّا صرنا بالصحراء و إذا نحن بظباء فأومأ عليه السّلام إلى خشف منها فجاء حتّى وقف بين يديه فأخذ عليه السّلام يمسح رأسه و دفعه إلى غلام فجعل الخشف يضطرب لكي يرجع إلى مرعاه فكلّمه الرضا عليه السّلام بكلام لا نفهمه فسكن،ثمّ قال:يا عبد الله أ و لم تؤمن؟
قلت:بلى يا سيّدي أنت حجّة الله على خلقه و أنا تائب إلى الله.
ثمّ قال للظبي:إذهب فجاء الظبي و عيناه تدمعان فتمسّح بأبي الحسن عليه السّلام و رغى فقال عليه السّلام:
تدري ما يقول؟
قلنا:الله و رسوله و ابن رسوله أعلم.
قال:يقول دعوتني فرجوت أن تأكل من لحمي فأجبتك و أحزنتني حين أمرتني بالذهاب (1).
و عن الهروي قال:كان الرضا عليه السّلام يكلّم الناس بلغاتهم و كان و الله أفصح الناس و أعلمهم بكلّ لسان و لغة.
فقلت له يوما:يابن رسول الله إنّي لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها،فقال:
يا أبا الصلت أنا حجّة الله على خلقه و ما كان الله ليتّخذ حجّة على قوم و هو لا يعرف لغاتهم،أو ما بلغك قول أمير المؤمنين عليه السّلام:اوتينا فصل الخطاب فهل فصل الخطاب إلاّ معرفة اللغات (2).
البصائر،عن الجعفري قال:دخلت على أبي الحسن عليه السّلام فقال:يا أبا هاشم كلّم هذا الخادم بالفارسية فإنّه يزعم أنّه يحسنها.
فقلت للخادم:زانويت چيست؟فلم يجبني.
فقال عليه السّلام:يقول ركبتك.
ثمّ قلت:نافت چيست؟فلم يجبني.
فقال عليه السّلام:يقول سرّتك (3).
و عن سليمان الجعفري قال:كنت مع أبي الحسن الرضا عليه السّلام في حائط له إذ جاءت عصفورة فوقعت بين يديه و أخذت تكثر الصياح فقال:تدري ما تقول؟
فقلت:الله و رسوله و ابن رسوله أعلم.
قال:إنّها تقول أنّ حيّة تريد أكل فراخي في البيت،فقم فخذ تلك العصا و ادخل البيت و اقتل الحيّة،فأخذت العصا و دخلت البيت و إذا حيّة تجول في البيت فقتلتها (4).
و عن أحمد بن عمر الحلال قال:قلت للرضا عليه السّلام:إنّي أخاف عليك من صاحب الرقّة.
قال:ليس عليّ منه بأس إنّ لله بلاد أنبتت الذهب قد حماها بأضعف خلقه بالذر فلو رأتها الفيلة ما وصلت إليها.
قال الوشاء:إنّي سألته عن هذه البلاد و قد سمعت الحديث قبل مسألتي فأخبرت أنّه بين بلخ و التبت و أنّها تنبت الذهب و فيها نمل كبار أشباه الكلاب على خلقها فليس يمرّ بها الطير فضلا عن غيره تكمن بالليل في جحرها و تظهر بالنهار فربّما غزوا الموضع على الدواب التي تقطع ثلاثين فرسخا في ليلة فيوقرون أحمالهم و يخرجون،و إذا النمل خرجت في الطلب فلا يلحق شيئا إلاّ قطعته تشبه بالريح من سرعتها و ربما شغلوهم باللحم يتّخذ لها إذا لحقتهم يطرح لها في الطريق و إن لحقتهم قطعتهم و دوابّهم (1).
و عن الصفواني قال:خرجت قافلة من خراسان إلى كرمان فقطع اللصوص عليهم الطريق فأخذوا منهم رجلا اتّهموه بكثرة المال فبقي في أيديهم مدّة يعذّبونه ليفتدي منهم نفسه و أقاموه في الثلج فشدّوه و ملأوا فاه من ذلك الثلج فرحمته امرأة من نسائهم فأطلقته و هرب،فانفسد فمه و لسانه حتّى لم يقدر على الكلام ثمّ انصرف إلى خراسان و سمع أنّ الرضا عليه السّلام بنيشابور فرأى فيما يرى النائم أنّه شكى إلى الرضا عليه السّلام علّته فقال له:خذ الكمّون و السعتر و الملح و دقّه و خذ منه في فمك مرّتين أو ثلاثا فإنّك تعافى،فانتبه الرجل و لم يعتدّ بما رأى حتّى قصد الرضا عليه السّلام و دخل عليه و حكى له علّته فقال عليه السّلام:إذهب فاستعمل ما وصفته لك في منامك و هو الملح و السعتر و الكمّون فإنّك ستعافى.فاستعمله الرجل مرّتين أو ثلاثا فعوفي (2).
و في المناقب قال:أتى رجل من ولد الأنصار بحقّة فضّة مقفل عليها و قال لم يتحفك أحد بمثلها ففتحها عليه السّلام و أخرج منها سبع شعرات و قال هذا شعر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فميز الرضا عليه السّلام أربع طاقات منها قال هذا شعره فقبل في ظاهره دون باطنه فأخرجه الرضا عليه السّلام من الشبهة بأن وضع الثلاثة على النار فاحترقت ثمّ وضع الأربعة فصارت كالذهب (3).
روي أنه كان بخراسان امرأة تسمّى زينب فادّعت أنّها من سلالة فاطمة عليها السّلام و كانت تصول
على أهل خراسان بنسبها و لم يعرفها الرضا عليه السّلام،فلمّا حضرت ردّ نسبها و قال:هذه كذّابة فقالت:
كما قدحت في نسبي فأنا أقدح في نسبك.
فقال عليه السّلام لوالي خراسان،و كان له موضع فيه سباع مسلسلة للإنتقام من المفسدين هذه المرأة كذّابة و ليست من نسل علي و فاطمة فإنّ من كان حقّا فإنّ لحمه حرام على السباع فالقوها في بركة السباع.
قالت:فانزل أنت إلى السباع فقام عليه السّلام و الناس معه فنزل إلى السباع فأقعت على أذنابها و مسح يده على وجه كلّ واحد و رأسه فطلع و الناس يبصرونه ثمّ قال للسلطان:انزل هذه الكذّابة فامتنعت ثمّ القوها إلى السباع فافترسوها و شاع اسمها بزينب الكذّابة (1).
و في الخرائج قال:إنّ الرضا عليه السّلام لمّا قدم من خراسان توجّهت إليه الشيعة من الأطراف و كان علي بن اسباط قد توجّه إليه بهدايا و تحف فأخذت القافلة و أخذ ماله و هداياه و ضرب على فيه فانتثرت نواجده فرجع إلى قرية هناك و نام فرأى الرضا عليه السّلام في منامه و هو يقول:لا تحزن إنّ هداياك و مالك وصلت إلينا و أمّا فمك بثناياك فخذ من السعد المسحوق واحش به فاك.فانتبه مسرورا و أخذ من السعد وحشى به فاه فردّ الله عليه نواجذه.
فلمّا دخل على الرضا عليه السّلام قال:قد وجدت ما قلناه لك في السعد حقّا فادخل هذه الخزانة فانظر،فدخل فإذا ماله و هداياه كلّها على حدته (2).
و عن عبد الله بن سرمة قال:مرّ بنا الرضا عليه السّلام فاختصمنا في إمامته فلمّا خرج خرجت أنا و تميم بن يعقوب و نحن مخالفون له نرى رأي الزيدية فلمّا صرنا بالصحراء و إذا نحن بظباء فأومأ عليه السّلام إلى خشف منها فجاء حتّى وقف بين يديه فأخذ عليه السّلام يمسح رأسه و دفعه إلى غلام فجعل الخشف يضطرب لكي يرجع إلى مرعاه فكلّمه الرضا عليه السّلام بكلام لا نفهمه فسكن،ثمّ قال:يا عبد الله أ و لم تؤمن؟
قلت:بلى يا سيّدي أنت حجّة الله على خلقه و أنا تائب إلى الله.
ثمّ قال للظبي:إذهب فجاء الظبي و عيناه تدمعان فتمسّح بأبي الحسن عليه السّلام و رعى فقال عليه السّلام:
تدري ما يقول؟
قلنا:الله و رسوله و ابن رسوله أعلم.
قال:يقول دعوتني فرجوت أن تأكل من لحمي فأجبتك و أحزنتني حين أمرتني بالذهاب (3).0.
و روي أنه كان لدعبل جارية يحبّها فرمدت فقال أهل الطبّ أمّا العين اليمنى فقد ذهبت و أمّا اليسرى فنجتهد في معالجتها فاغتمّ لذلك دعبل ثمّ ذكر فضل الجبّة (1)فعصّبها بعصابة منها فأصبحت و عيناها أصحّ ممّا كانتا ببركة الرضا عليه السّلام (2).
روي أن حميد بن مهران قال للمأمون:ولّني يا أمير المؤمنين مجادلة الرضا فإنّي أفحمه و أضع من قدره.
قال المأمون:ما شيء أحبّ إليّ من هذا.
قال:فاجمع وجوه أهل المملكة و القوّاد و القضاة لأبيّن نقصه بحضرتهم،فأمر بإحضارهم و أقعد الرضا عليه السّلام في مرتبته فقال ذلك الحاجب:إنّ الناس قد أسرفوا في وصفك بما أرى أنّك إن وقفت عليه برئت إليهم منه فأوّل ذلك أنّك دعوت الله في المطر المعتاد مجيئه فجاء فجعلوه معجزة لك و أنّه لا نظير لك في الدّنيا و هذا أمير المؤمنين لا يوازن بأحد إلاّ رجح و قد أحلك المحلّ الذي عرفت فليس من حقّه عليك أن تسوغ الكاذبين لك و عليه ما يتكذّبونه.
فقال الرضا عليه السّلام:ما أدفع عباد الله عن التحدّث بنعم الله عليّ و إن كنت لا أبغي أشرا و لا بطرا،و أمّا ذكرك صاحبك الذي أحلّني فما أحلّني إلى المحلّ الذي أحلّه ملك مصر يوسف الصدّيق عليه السّلام و كانت حالهما ما قد علمت.
فغضب الحاجب و قال:يابن موسى لقد عدوت طورك أن بعث الله تعالى بمطر مقدّر وقته و جعلته آية تستطيل بها كأنّك جئت بمثل آية الخليل عليه السّلام في إحياء الطير فإن كنت صادقا فيما توهم فأحيي هذين و سلّطهما عليّ،و أشار إلى أسدين مصوّرين على مسند المأمون و كانا متقابلين على المسند.
فغضب الرضا عليه السّلام و صاح بالصورتين دونكما الفاجر فافترساه و لا تبقيا له عينا و لا أثرا، فوثبت الصورتان و قد عدتا صورتين فتناولا الحاجب و عضاه و رضّاه و أكلاه و لحسا دمه و القوم ينظرون متحيّرين.
فلمّا فرغا منه أقبلا على الرضا عليه السّلام و قالا:يا وليّ الله ماذا تأمرنا نفعل بهذا؟يشيران إلى المأمون،فغشي عليه فقال عليه السّلام:قفا فوقفا.
فقال عليه السّلام:صبّوا عليه ماء ورد و طيّبوه ففعل ذلك به و عاد الأسدان يقولان:أتأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه؟
قال:لا،فإنّ لله عزّ و جلّ فيه تدبيرا هو ممضيه.
فقالا:ماذا تأمرنا؟
قال:عودا إلى مقرّكما،فعادا إلى المسند و صارا صورتين كما كانتا.
فقال المأمون:الحمد لله الذي كفاني شرّ حميد بن مهران يعني الرجل المفترس.
ثمّ قال عليه السّلام للمأمون:لو شئت لما ناظرتك فإنّ الله أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين الا جهّال بني آدم فإنّهم و إن خسروا حظوظهم فلله عزّ و جلّ فيهم تدبير و قد أمرني بترك الإعتراض عليك و إظهار ما أظهرته من العمل من تحت يدك كما أمر يوسف عليه السّلام بالعمل من تحت يد فرعون مصر،فما زال المأمون خائفا إلى أن قضى في أمر الرضا عليه السّلام ما قضى، إنتهى ملخّصا (1).
و فيه أيضا عن هرثمة بن أعين قال:دخلت على سيّدي الرضا عليه السّلام في دار المأمون و كان قد ظهر في دار المأمون أنّ الرضا عليه السّلام قد توفّي و لم يصحّ هذا القول،فدخلت أريد الإذن عليه،و كان في بعض ثقاة خدم المأمون غلام يقال له صبيح الديلمي و كان يتولّى الرضا عليه السّلام فلمّا رآني قال لي:
يا هرثمة ألست تعلم أنّي ثقة المأمون على سرّه و علانيّته؟
قلت:بلى.
قال:إنّ المأمون دعاني و ثلاثين غلاما من ثقاته في الثلث الأوّل من الليل فدخلنا عليه و بين يديه الشموع و سيوف مسلولة مشحوذة مسمومة فدعانا غلاما و أخذ علينا العهد و الميثاق فحلفنا له قال:فليأخذ كلّ واحد منكم سيفا و ادخلوا على الرضا في حجرته فإن وجدتموه قاعدا أو قائما فلا تكلّموه وضعوا أسيافكم عليه إخلطوا لحمه و دمه ثمّ أقلبوا عليه بساطه و امسحوا أسيافكم به و صيّروا إليّ و قد جعلت لكلّ واحد عشر بدر دراهم و عشر ضياع منتخبة.
فأخذنا الأسياف بأيدينا و دخلنا عليه في حجرته فوجدناه مضطجعا يقلّب يديه و يتكلّم بكلام لا نعرفه فبادر الغلمان إليه بالسيوف و وضعت سيفي و أنا قائم أنظر إليه و كأنّه قد علم بمسيرنا إليه فلبس
1) عيون أخبار الرضا:183/1.
على بدنه ما لا يعمل فيه السيوف فطووا عليه بساطه و خرجوا حتّى دخلوا على المأمون و قالوا:فعلنا ما أمرتنا به.
فقال:اكتموا فلمّا طلع الفجر خرج المأمون فجلس في مجلسه مكشوف الرأس محلول الإزار و أظهر وفاته و قعد للتعزية ثمّ قام حافيا فمشى لينظر إليه و أنا بين يديه فلمّا دخل عليه حجرته سمع همهمة فأرعد ثمّ قال من عنده؟
قلت:لا علم لنا.
فقال:اسرعوا و انظروا.
قال صبيح:فأسرعنا إلى البيت فإذا سيّدي جالس في محرابه يصلّي و يسبّح فقلت:يا أمير المؤمنين هو ذا نرى شخصا في محرابه يصلّي و يسبّح فانتفض المأمون و ارتعد ثمّ قال:غررتموني لعنكم الله فالتفت إليّ و قال:يا صبيح أنت تعرفه فانظر إليه فدخلت و رجع المأمون فلمّا صرت عند عتبة الباب قال لي:يا صبيح قلت:لبّيك يا مولاي فقال: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (1)فرجعت إلى المأمون فوجدت وجهه كقطع الليل فقلت له:هذا الرضا جالس في حجرته فشدّ إزاره و أمر بردّ أثوابه و قال:قولوا إنّه غشي عليه و أنّه أفاق.
قال هرثمة:فشكرت الله عزّ و جلّ ثمّ دخلت على سيّدي فقال:يا هرثمة لا تحدّث بما حدّثك به صبيح أحدا إلاّ من امتحن الله قلبه للايمان بمحبّتنا و ولايتنا.
فقلت:نعم يا سيّدي.
ثمّ قال:يا هرثمة لا يضرّنا كيدهم شيئا حتّى يبلغ الكتاب أجله (2).
و عن خديجة بنت حمدان قالت:لمّا دخل الرضا عليه السّلام نيشابور نزل محلّة العزفى ناحية تعرف بلاشاباد في دار جدّي بسنده و إنّما سمّي بسنده لأنّ الرضا عليه السّلام ارتضاه من بين الناس و بسنده هي كلمة فارسية معناها مرضيّ،فلمّا نزل عليه السّلام دارنا زرع لوزة في جانب من جوانب الدار فأثمرت في سنة فعلم الناس بذلك فكانوا يستشفون بلوز تلك الشجرة فمن أصابته علّة تبرّك بالتناول من ذلك
اللوز فعوفي،و من أصابه رمد جعل ذلك اللوز على عينه فعوفي و كانت الحامل إذا عسر عليها ولادتها تناولت من ذلك اللوز فتخفّ عليها الولادة و تضع من ساعتها.
و إذا أخذ دابّة القولنج أخذ من قضبان تلك الشجرة فأمرّ على بطنها فتعافى،فمضت الأيّام على تلك الشجرة و يبست فجاء جدّي حمدان فقطع أغضانها فعمي،و جاء ابن لحمدان و قطع تلك الشجرة من وجه الأرض فذهب ماله كلّه،و كان لولد حمدان ولدان فأرادا عمارة تلك الأرض و قلعا الباقي من أصل الشجرة و هما لا يعلمان ما يتولّد عليهما فماتا جميعا في أقلّ من سنة (1).
و عن الهروي قال:لمّا خرج الرضا عليه السّلام من نيشابور إلى المأمون فبلغ قرب القرية الحمراء قيل له:يابن رسول الله قد زالت الشمس أفلا تصلّي؟
فنزل و قال:ائتنوني بماء،فقيل:ما معنا ماء،فبحث عليه السّلام بيده الأرض فنبع الماء فتوضّأ هو و من معه،و أثره باق إلى اليوم،فلمّا دخل سناباد استند إلى الجبل الذي ينحت منه القدور فقال:
اللّهم انفع به و بارك فيما يجعل فيما ينحت منه ثمّ أمر عليه السّلام فنحت له قدور من الجبل و قال:لا يطبخ من أكله إلاّ فيها و كان عليه السّلام خفيف الأكل قليل الطعام فاهتدى الناس إليه من ذلك اليوم.
و قد ظهرت بركة دعائه فيه،ثمّ دخل دار حميد بن قحطبة الطائي و دخل القبّة التي فيها قبر هارون ثمّ خطّ بيده إلى جانبه.
ثمّ قال:هذه تربتي و فيها أدفن و سيجعل الله هذا المكان مختلف شيعتي و أهل محبّتي و الله ما يزورني منهم زائر و لا يسلّم عليّ منهم مسلّم إلاّ وجب الله له غفران الله و رحمته (2).
و عن محمّد بن الفضيل قال:نزلت ببطن مر فأصابني العرق المدني في جنبي و في رجلي فدخلت على الرضا عليه السّلام بالمدينة فقال:ما لي أراك متوجّعا؟
فحكيت له،فأشار إلى الذي في جنبي و تكلّم بكلام و تفل عليه و قال:ليس عليك بأس من هذا.
و نظر إلى الذي في رجلي فقال:قال أبو جعفر عليه السّلام:من بلي من شيعتنا ببلاء فصبر كتب الله عزّ و جلّ له مثل أجر ألف شهيد.
فقلت في نفسي:لا أبرأ و الله من رجلي أبدا،قال:فما زال يعرج منها حتّى مات (3).
***1.
من ذلك أن رجلا من الواقفة جمع مسائل مشكلة في طومار،و قال في نفسه:إن عرف معناه فهو ولي الأمر،فلما أتى الباب،وقف ليخف الناس من المجلس،فخرج إليه خادم و بيده رقعة فيها جواب مسائله بخط الإمام عليه السّلام فقال له الخادم:أين الطومار؟فأخرجه،فقال له:يقول لك ولي الله هذا جواب ما فيه.فأخذه و مضى (1).
و من ذلك أن الرضا عليه السّلام قال يوما في مجلسه:«لا إله إلاّ الله مات فلان»،ثم صبر هنيهة، و قال:«لا إله إلاّ الله غل و كفر،و حمل إلى حفرته»،ثم صبر هنيهة،و قال:«لا إله إلاّ الله وضع في قبره،و سئل عن ربّه فأجاب،ثم سئل عن نبيه فأقرّ،ثم سئل عن إمامه فأخبر،و عن العترة، فعدّهم،ثم وقف عندي فما باله وقف،و كان الرجل واقفيا» (2).
و من ذلك ما رواه الراوندي في كتابه عن إسماعيل قال:كنت عند الرضا عليه السّلام فمسح يده على الأرض فظهرت سبايك من فضة،ثم مسح يده فغابت.
فقلت:أعطني واحدة منها،فقال:إنّ هذا الأمر ما آن وقته (3).
أقول:الفرق بين الشعبذة و السحر و السيمياء،و الكرامات و المعجزات،الأول منها قلب العين حتى يرى الإنسان شيئا فيتخيّله و لا حقيقة له و لا يبقى،و أما المعجزات و الكرامات فقلب أعيان الأشياء و تحويلها إلى حقيقة أخرى باقية لا تزول إلاّ إذا أراد المظهر لها زوالها.و من كراماته عليه السّلام أنّ أبا نواس مدحه بأبيات فأخرج له رقعة فيها تلك الأبيات فتحير أبو نواس،و قال:و الله يا ولي الله ما قالها أحد غيري،و لا سمعها أحد سواك،فقال:«صدقت،و لكن عندي في الجفر و الجامعة أنك تمدحني بها» (4).
و من ذلك ما رواه أبو الصلت الهروي قال:بينما أنا واقف بين يدي أبي الحسن الرضا عليه السّلام إذ قال لي:«سيحفر لي هاهنا قبر فتظهر صخرة لو اجتمع عليها كل معول بخراسان لم يقدروا على قلعها،فمرهم أن يحفروا لي سبع مراق إلى أسفل،و أن يشق لي ضريح فإنّ الماء سينبع حتى يمتلىء اللحد و ترى فيه حيتانا صغارا،ثم يخرج حوت كبير يلتقط الحيتان الصغار ثم يغيب،فدع يديك على الماء و تكلّم بهذا الكلام فإنّه ينضب لك و لا يبقى منه شيء،و لا تفعل ذلك إلاّ بحضرة المأمون».
ثم قال لي:«يا أبا الصلت غدا أدخل إلى هذا الفاجر،فإن خرجت مكشوف الرأس فتكلّم أكلّمك،و إن خرجت مغطّى الرأس فلا تكلّمني».
قال أبو الصلت:فلما أصبحنا من الغد لبس ثيابه،و جلس في محرابه،فجاء غلام المأمون و قال:أجب أمير المؤمنين،فلبس نعله و رداءه،و قام يمشي و أنا أتبعه،ثم دخل على المأمون و بين يديه أطباق فاكهة،و بيده عنقود من عنب قد أكل بعضه و بقي بعضه،فلما رآه مقبلا و ثب قائما و عانقه و أجلسه،ثم ناوله العنقود،و قال:يا ابن رسول الله هل رأيت أحسن من هذا العنب؟
فقال:«قد يكون في بعض الجنان أحسن منه»،ثم قال له:كل منه،فقال له الرضا عليه السّلام:
أعفني،فقال:لا بد من ذلك،ثم قال:و ما يمنعك أتتهمني؟ثم تناول العنقود منه و أكل منه،و ناوله الرضا عليه السّلام فأكل منه ثلاث حبّات،ثم رمى به،و قال له المأمون:إلى أين؟
فقال له الرضا عليه السّلام:إلى حيث وجّهتني،ثم خرج عليه السّلام مغطّى الرأس حتى دخل الدار ثم أمر أن تغلق الأبواب،ثم نام على فراشه.
قال:فكنت واقفا في صحن الدار باكيا حزينا إذ دخل إليّ شاب حسن الوجه أشبه الناس بالرضا فبادرت إليه و قلت:من أين دخلت و الباب مغلق؟
فقال:الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار و الباب مغلق.
فقلت:من أنت؟
فقال عليه السّلام:«أنا حجّة الله يا أبا الصلت،أنا محمد بن علي»،ثم مضى نحو أبيه الرضا عليه السّلام فدخل،فأمرني بالدخول،فلما نظر إليه الرضا عليه السّلام نهض إليه ليعتنقه،ثم سجه سجى إلى فراشه و أكبّ عليه محمد بن علي عليه السّلام فسرّ إليه سرّا لا أفهمه،و رأيت على شفة الرضا بياضا أشدّ بياضا من الثلج،و رأيت أبا جعفر عليه السّلام يلحسه بلسانه ثم أدخل يده بين صدره و ثوبه فاستخرج منه شيئا شبه العصفور فابتلعه،ثم مضى الرضا عليه السّلام فقال لي:يا أبا الصلت آتني المغسل و الماء من الخزانة.
فقلت:ما في الخزانة مغسل و لا ماء،فقال:ائتمر بما آمرك به.
قال:فدخلت الخزانة و إذا فيها مغسل و ماء فأتيته بها،ثم شمرت ثيابي لأعاونه،فقال:تنح فإنّ لي من يساعدني،ثم قال لي:«أدخل الخزانة و أخرج السفط الذي فيه كفنه و حنوطه»،فدخلت و إذا أنا بسفط لم أره من قبل ذلك فأخرجته إليه و صلّى عليه،ثم قال:ائتني بالتابوت.
فقلت:أأمضي إلى النجار؟
فقال:«إنّ في الخزانة تابوتا»،فدخلت و إذا تابوت لم أر مثله قط،فأخرجته إليه فوضعه فيه بعد أن صلّى عليه،تباعد عنه و صلّى ركعتين،و إذا بالتابوت قد ارتفع فانشق السقف و غاب التابوت.
فقلت:يا ابن رسول الله الساعة يأتي المأمون و يسألنا عن الرضا فماذا نقول؟».
فقال:«أسكت يا أبا الصلت،سيعود،إنه ما من نبي في شرق الأرض يموت و وصيّه في غربها إلاّ جمع الله بين روحيهما».
فما تم الحديث حتى عاد التابوت،فقال:فاستخرج الرضا عليه السّلام من التابوت و وضعه على فراشه كأنه لم يكفن و لم يغسل،ثم قال:«افتح الباب للمأمون»،ففتحت الباب،و إذا أنا بالمأمون و الغلمان على الباب،فدخل باكيا حزينا قد شق جيبه و لطم رأسه،و هو يقول:و اسيداه،ثم جلس عند رأسه،و قال:خذوا في تجهيزه،و أمر بحفر القبر،فظهر جميع ما ذكر الرضا عليه السّلام.
فقلت:أمرني أن أحفر له سبع مرّاق،و أن أشق ضريحه.
قال:فافعل،ثم ظهر الماء و الحيتان،فقال المأمون:لم يزل الرضا عليه السّلام يرينا عجائبه في حياته حتى أرانا بعد وفاته».
فقال له وزيره الذي كان معه:أتدري ما أخبرك به؟.
قال:لا.
قال:أخبرك أن ملككم يا بني العباس مع كثرتكم و طول مدّتكم مثل هذه الحيتان،حتى إذا انقضت دولتكم و ولّت أيامكم سلّط عليكم رجلا فأفناكم عن آخركم.د
فقال له المأمون:صدقت،ثم دفن الرضا عليه السّلام و مضى (1).
روي أنّه لما جعله الخليفة المأمون ولي عهده و أقامه خليفة من بعده،و كان في حاشية المأمون اناس كرهوا ذلك و خافوا خروج الخلافة عن بني العباس وعودها إلى بني فاطمة،فحصل عندهم من الرضا نفور وافر.
و كان عادة الرضا إذا جاء إلى دار الخليفة المأمون ليدخل عليه يبادر من بالدهليز من الحاشية إلى السلام عليه و رفع الستر بين يديه ليدخل.فلما حصلت لهم النفرة عنه تواصوا فيما بينهم و قالوا:
إذا جاء ليدخل على الخليفة أعرضوا عنه و لا ترفعوا الستر له.فاتفقوا على ذلك.
فبينما هو قعود إذ جاء الرضا عليه السّلام على عادته فلم يملكوا أنفسهم أن سلموا عليه و رفعوا الستر على عادتهم،فلمّا دخل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون كونهم ما وقفوا على ما اتفقوا عليه و قالوا:النوبة الآتية إذا جاء لا ترفعوه له.فلمّا كان في ذلك اليوم جاء فقاموا و سلموا عليه و وقفوا و لم يبتدروا إلى رفع الستر،فأرسل الله تعالى ريحا شديدة دخلت في الستر حتى رفعته أكثر ما كانوا يرفعونه،فدخل فسكنت الريح فعاد الستر إلى ما كان،فلمّا خرج عادت الريح حتى دخلت في الستر فرفعته حتى خرج ثم سكنت فعاد الستر.
1) بحار الأنوار:293/49 ح 8.
فلمّا ذهب أقبل بعضهم على بعض قالوا:هل رأيتم؟
قالوا:نعم.
فقال بعضهم لبعض:يا قوم هذا رجل له عند الله منزلة و لله به عناية،ألم تروا أنّكم لما لم ترفعوا له الستر أرسل الله الريح و سخرها له لترفع الستر له،كما سخرها لسليمان فارجعوا إلى خدمته فهو خير لكم.
فعادوا إلى ما كانوا عليه و زادت عقيدتهم فيه (1).
عيون الأخبار مسندا إلى الهروي قال:رفع إلى المأمون أنّ الرضا عليه السّلام يعقد مجالس الكلام و الناس يفتتنون بعلمه فأمر حاجبه فطرد الناس عن مجلسه و أحضره فلمّا نظر إليه زبره و استخف به فخرج عليه السّلام مغضبا و هو يدمدم بشفتيه و يقول:و حقّ المصطفى و المرتضى و سيّدة النساء لأستنزلن من حول الله عزّ و جلّ بدعائي عليه ما يكون سببا لطرد كلاب أهل هذه الكورة إيّاه و استخفافهم به و بخاصّته و عامّته.
ثمّ توضّأ و صلّى ركعتين و دعا في قنوته دعاء طويلا فما استتمه حتّى ارتجّ البلد و ارتفعت الصيحة فقال عليه السّلام:إصعد السطح فإنّك سترى إمرأة بغيّة مهيجة الأشرار يسمّيها أهل هذه الكورة سمانة لتهتكها قد أسندت مكان الرمح إلى نحرها قصبا و هي تقود الجيوش إلى قصر المأمون و منازل قوّاده فصعدت السطح فلم أر إلاّ نفوسا تنزع بالعصيّ و هامات ترضخ بالأحجار و لقد رأيت المأمون متدرّعا قد برز من قصره متوجّها للهرب فما شعرت إلاّ بشاجرد الحجّام قد رمى من بعض أعالي السطوح بلبنة ثقيلة فضرب بها رأس المأمون فأسقطت بيضته بعد أن شقّت جلدة هامته فقال لقاذف اللبنة بعض من عرف المأمون:ويلك أمير المؤمنين فسمعته سمانة.
فقالت:اسكت لا أمّ لك ليس هذا يوم التميّز و المحاباة و لا يوم أنزل الناس على طبقاتهم فلو كان هذا أمير المؤمنين لما سلّط ذكور الفجّار على فروج الأبكار.و طرد المأمون و جنوده أسوأ طرد بعد إذلال و استخفاف شديد.
و في المناقب في آخر الحديث:و نهبوا أمواله فصلب المأمون أربعين غلاما،و علم ذلك من الاستخفاف بالرضا عليه السّلام فانصرف و دخل عليه و حلّفه أن لا يقوم و قبّل رأسه و جلس بين يديه و قال:
لم تطب نفسي بعد مع هؤلاء فما ترى؟
1) جامع كرامات الأولياء 2:257،الاتحاف:156،و الفصول المهمة:245.
فقال عليه السّلام:إتّق الله في امّة محمّد و ما ولاّك من هذا الأمر و خصّك به فإنّك قد ضيّعت أمور المسلمين و فوّضت ذلك إلى غيرك (1).
و في كتاب العيون أيضا عن العسكري عليه السّلام أنّ الرضا عليه السّلام لمّا جعله المأمون وليّ عهده احتبس المطر فقال المعاندون لمّا صار علي بن موسى ولي العهد احتبس عنّا المطر فاشتدّ ذلك على المأمون فقال للرضا عليه السّلام:قد احتبس المطر فلو دعوت الله عزّ و جلّ أن يمطر الناس.
قال الرضا عليه السّلام:نعم،أفعل يوم الإثنين فإنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أتاني البارحة في منامي و معه أمير المؤمنين عليه السّلام و قال:يا بني أبرز إلى الصحراء يوم الاثنين.فلمّا كان يوم الاثنين غدا إلى الصحراء و خرج الخلائق ينظرون فصعد المنبر و دعى الله ثمّ قال:و ليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم و مقامهم،فو الله لقد نسجت الرياح الغيوم و أرعدت و أبرقت و تحرّك الناس يريدون التنحّي عن المطر فقال:قفوا ليس هذا الغيم لكم إنّما هو لأهل بلد كذا فعبرت السحابة ثمّ جاءت سحابة اخرى تشتمل على رعد و برق فتحرّكوا فقال:قفوا إنّما هي لأهل بلد كذا، فما زال حتّى جاء عشر سحابات و عبرت و هو يقول:قفوا ثمّ جاءت سحابة حادية عشر فقال:أيّها الناس هذه بعثها الله لكم فاشكروا الله و قوموا إلى منازلكم فإنّها تمكّنكم أن تدخلوا منازلكم،فلمّا قربوا من منازلهم جاءت بوابل المطر فملأت الأودية و الحياض و الغدران فجعل الناس يقولون هنيئا لولد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كرامات الله عزّ و جلّ.
ثمّ برز إليهم و قال:اتّقوا الله في نعم الله فلا تنفروها عنكم بمعاصيه و عاونوا إخوانكم فإنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قيل له:هلك فلان يعمل من الذنوب كيت و كيت.
فقال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:قد نجا و لا يختم الله عمله إلاّ بالحسنى و سيمحو الله عنه السيّئات و يبدلها له حسنات؛أنّه كان مرّة يمرّ في طريق فعرض له مؤمن قد انكشفت عورته و هو لا يشعر فسترها عليه و لم يخبره بها مخافة أن يخجل ثمّ إنّ ذلك المؤمن عرفه فقال له:أجزل الله لك الثواب و أكرم لك المآب و لا ناقشك الله الحساب فاستجاب الله له فيه فهذا العبد لا يختم له إلاّ بخير بدعاء ذلك المؤمن،فاتّصل قول رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهذا الرجل فتاب و أقبل على طاعة الله فلم يأت عليه سبعة أيّام حتّى أغير على سرح المدينة فوجّهه رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في اثرهم فاستشهد فيهم.
ثمّ إنّه كان للرضا عليه السّلام من يحسده على ولاية العهد فقال بعضهم للمأمون:أعيذك بالله أن
1) مناقب آل أبي طالب:457/3،و البحار:84/49.
يكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف من بيت العبّاس إلى بيت علي و لقد أعنت على نفسك جئت بهذا الساحر ولد السحرة و قد كان خاملا فأظهرته و منسيّا فذكرته قد ملأ الدّنيا مخرفة بهذا المطر الوارد عند دعائه ما أخوفني أن يتوصّل بسحره إلى زوال نعمتك.
فقال المأمون:قد كان هذا الرجل مستترا عنّا يدعو إلى نفسه فأردنا أن نجعله ولي عهدنا ليكون دعاؤه لنا و ليعترف بالملك و الخلافة لنا و ليعتقد فيه المفتونون به أنّه ليس له ممّا ادعى في قليل و لا كثير و أنّ هذا الأمر لنا من دونه و قد خشينا إن تركناه على تلك الحال أن ينفتق علينا منه ما لا نسدّه و الآن فإذ قد فعلنا به ما فعلنا و أخطأنا في أمره بما أخطأنا فليس يجوز التهاون في أمره لكنّنا نحتاج أن نضعه بالتدريج حتّى نصوّره عند الرعية بصورة من لا يستحقّ لهذا الأمر ثمّ ندبّر فيه بما يحسم عنّا مواد بلائه (1).
و عن موسى بن سيّار قال عليه السّلام:أما علمت انّا معاشر الأئمّة تعرض علينا أعمال شيعتنا صباحا و مساء فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصفح لصاحبه و ما كان من العلو سألنا الله الشكر لصاحبه (2).
دعوات الراوندي عن محمّد بن علي عليه السّلام قال:مرض رجل من أصحاب الرضا عليه السّلام فعاده فقال:كيف تجدك؟
قال:لقيت الموت بعدك يعني شدّة المرض.
قال:ما لقيت الموت إنّما لقيت ما يتقدّمه و يعرفك بعض حاله إنّما الناس رجلان مستريح بالموت مستراح به منه فجدّد الإيمان بالله و بالولاية تكن مستريحا ففعل الرجل ذلك.
ثمّ قال:يابن رسول الله هذه ملائكة ربّي بالتحيّات و التحف يسلّمون عليك و هم قيام بين يديك فأذن لهم في الجلوس فقال الرضا عليه السّلام:اجلسوا ملائكة ربّي.
ثمّ قال للمريض:سلهم ثمّ أمروا بالقيام بحضرتي فقال المريض:سألتهم فذكروا أنّه لو
حضرك كلّ من خلقه الله من ملائكته لقاموا لك و لم يجلسوا حتّى تأذن لهم هكذا أمرهم الله عزّ و جلّ ثمّ غمض عينيه و قال:السلام عليك يابن رسول الله هذا شخصك ماثل لي مع أشخاص محمّد و من بعده من الأئمّة عليهم السّلام و قضى الرجل (1).
و الثابت أن كل الأئمة عليهم السّلام يحضرون الناس عند الموت يمكن أن يستدل على ذلك بأمور:
قال الإمام الصادق عليه السّلام:«إذا بلغت نفس أحدكم هذه قيل له:أمّا ما كنت تحزن من هم الدنيا و حزنها فقد أمنت منه و يقال له:أمامك رسول الله و علي و فاطمة عليهم السّلام» (2).
و عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام قال:«قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«و الذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى يأكل من ثمر الجنة أو من شجر الزقوم،و حتى يرى ملك الموت و يراني و يرى عليا و فاطمة و الحسن و الحسين» (3).
و في قصة السيد الحميري و رؤيته لامير المؤمنين عليه السّلام عند موته ما يؤيد ذلك و انشد في ذلك شعرا:
كذب الزاعمون أنّ عليا لن ينجي محبه من هنات
قد و ربي دخلت جنّة عدن و عفا لي الاله عن سيئاتي
فابشروا اليوم أولياء علي و تولوا عليا حتى الممات
ثم من بعده تولّوا بنيه واحدا بعد واحد بالصفات (4)
و قال الإمام الصادق عليه السّلام:«و يمثل له رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ذريتهم عليهم السّلام» (5).
و روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه لا يموت ميت حتى يشاهده عليه السّلام حاضرا عنده و أنشد للحارث الهمداني:
1) البحار:155/6 ح 11،و مسند الإمام الرضا:263/1.
2) بحار الأنوار:184/6 ح 17 باب ما يعاين المؤمن و الكافر عند الموت،و الكافي:134/3 ح 10.
3) أهل البيت لتوفيق أبو علم:68-69 الباب الثاني،و بشارة المصطفى:6 ح 7 مع تفاوت بسيط.
4) كشف الغمة:39/2-40 مناقب أمير المؤمنين 7،و البحار:192/6 ح 42 باب ما يعاني المؤمن و الكافر عند الموت.
5) بحار الأنوار:196/6 ح 49.
يا حار همدان من يمت يرني من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني طرفه و أعرفه بعينه و إسمه و ما فعلا
أقول للنار و هي توقد لل عرض ذريه لا تقربي الرّجلا
ذريه لا تقربيه إنّ له حبلا بحبل الوصي متصلا
و أنت يا حار إن تمت ترني فلا تخف عثرة و لا زللا
أسقيك من بارد على ظمأ تخاله في الحلاوة العسلا (1)
و الروايات في ذلك كثيرة.و هي تثبت حضور أصحاب الكساء عند كل ميت في آن واحد و في أكثر من مكان،و أيضا في إمكان رؤيتهم بروحهم و جسدهم و بمثالهم.
و قد جوّز ابن العربي رؤية النبي محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بجسمه و روحه و بمثاله الآن (2).
و قال تاج الدين السبكي لمن سأله عن رؤية القطب في أكثر من مكان:الرجل الكبير(القطب) يملأ الكون و أنشد بعضهم:
كالشمس في كبد السماء وضؤها يغشى البلاد مشارقا و مغاربا (3)
و صرح السيوطي بإمكان رؤية الأنبياء يقظة (4).
و قال في الذخائر المحمدية:إنّ رؤيا النبي صلّى الله عليه و سلّم ممكن لعامة أهل الأرض في ليلة واحدة (5)
و أجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال له في آن واحد من أقطار متباعدة مع أنّ رؤيته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حق:بأنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سراج و نور الشمس في هذا العالم،مثال نوره في العوالم كلها،و كما أنّ الشمس يراها من في المشرق و المغرب في ساعة واحدة و بصفات مختلفة،فكذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.و لله در القائل:
كالبدر من أي النواحي جئته يهدي إلى عينيك نورا ثاقبا (6)
و استدل عليه الحافظ البرسي في مشارقه ببعض الآيات القرآنية فلتراجع (7)2.
هذا،و تواتر حديث:«من رآني فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثل مكاني-لا يستطيع أن يتمثل بي-لا يتكون في صورتي-لا يتشبه بي» (1).
و قال العلماء في معناه:هو في الدنيا قطعا و لو عند الموت لمن وفق لذلك (2).
و روى الإمام الرضا عليه السّلام عن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«من رآني في منامه فقد رآني فإنّ الشيطان لا يتمثل في صورتي و لا في صورة أحد من أوصيائي» (3).
و قال القاضي أبو بكر بن العربي:رؤيته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة،و رؤيته على غير صفته إدراك للمثال،فإنّ الصواب أنّ الأنبياء لا تغيرهم الأرض،و يكون إدراك الذات الكريمة حقيقة،و إدراك الصفات إدراك المثال (4).
و قال القسطلاني:فإن قلت:كثيرا ما يرى على خلاف صورته المعروفة و يراه شخصان في حالة واحدة في مكانين و الجسم الواحد لا يكون إلاّ في مكان واحد.
أجيب:بأنّه في صفاته لا في ذاته،فتكون ذاته عليه الصلاة و السّلام مرئية،و صفاته متخيلة غير مرئية،فالإدراك لا يشترط فيه تحديق الأبصار و لا قرب المسافة،فلا يكون المرئي مدفونا في الأرض و لا ظاهرا عليها،و إنما يشترط كونه موجودا (5).
و من حال كثير من العلماء و قصصهم يعلم إمكان رؤية النبي و أهل بيته عليهم السّلام،و كما ذكر ذلك في محله (6).
قال الشيخ المرسي:لو حجب عني رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين (7).
و عن سليمان الجعفري قال:دخلت مع الرضا عليه السّلام داره فنظر إلى غلمانه يعملون بالطين المعالف أو غيرها و فيهم أسود ليس منهم فقال:ما هذا الرجل؟
1) المواهب اللدنية:293/2 إلى 301 ذكر خصائصه و ذكر جملة من المصادر،و كشف الغمة:269/2.
2) الذخائر المحمدية:147.
3) كشف الغمة:120/3 فضائل الرضا،و الأنوار النعمانية:54/4.
4) المواهب اللدنية:294/2 خصائص النبي(صلى الله عليه و آله)،و ارشاد الساري:502/14.
5) ارشاد الساري:503/14.
6) راجع المواهب اللدنية:297/2-301،و ينابيع المودة:551/2-554،و كشف الغمة:239/1- 383،و الزام الناصب:340/ إلى 427،و دلائل الإمامة:273 إلى 288 و 294 إلى 320.
7) المواهب اللدنية:300/2 خصائص النبي(صلى الله عليه و آله).
قالوا:يعاوننا و نعطيه شيئا.
قال:قاطعتموه على اجرته؟
قالوا:لا،يرضى منّا بما نعطيه،فأقبل عليهم يضربهم بالسّوط و غضب لذلك غضبا شديدا و قال:إنّي نهيتهم عن هذا غير مرّة أن يعمل معهم أحد حتّى يقاطعوه اجرته و اعلم أنّه ما من أحد يعمل لك شيئا بغير مقاطعة ثمّ زدته ثلاثة أضعاف على اجرته إلاّ ظنّ أنّك نقصته اجرته و إذا قاطعته ثمّ أعطيته اجرته حمدك على الوفاء فإن زدته حبّة عرف ذلك و رأى أنّك قد زدته (1).
عيون الأخبار،عن الرضا عليه السّلام إنّ المأمون قال له:هل رويت من الشعر شيئا؟
فقال:قد رويت منه الكثير،فقال:انشدني أحسن ما رويته في الحلم.
فقال عليه السّلام شعر:
إذا كان دوني من بليت بجهله أبيت لنفسي أن تقابل بالجهل
و إن كان مثلي في محلّي من النهيّ أخذت بحلمي كي أجلّ عن المثل
و إن كنت أدنى منه في الفضل و الحجى عرفت له حقّ التقدّم و الفضل
قال له المأمون:ما أحسن هذا،هذا من قاله؟
قال بعض فتياننا.
قال:فانشدني أحسن ما رويته في السكوت عن الجاهل و ترك عتاب الصديق.
فقال عليه السّلام شعر:
إنّي ليهجرني الصديق بحبّنا فأراه أنّ لهجره أسبابا
و أراه إن عاتبته أغريته و أرى له ترك العتاب عتابا
و إذا بليت بجاهل متحكّم يجد المحال من الامور صوابا
أوليته منّي السكوت و ربّما كان السكوت عن الجواب جوابا
فقال له المأمون:ما أحسن هذا من قاله؟
فقال عليه السّلام:بعض فتياننا.
1) الكافي:289/5 ح 1،و جواهر الكلام:253/27.
قال:انشدني أحسن ما رويته في استجلاب العدوّ حتّى يكون صديقا.
فقال عليه السّلام شعر:
و ذي علّة سالمته فقهرته فأوقرته منّي بعفو التجمّل
و من لا يدافع سيّئات عدوّه بإحسانه لم يأخذ الطول من عليّ
و لم أر في الأشياء أسرع مهلكا لغمر قديم من وداد معجّل
فقال له المأمون:ما أحسن هذا من قاله؟
قال:بعض فتياننا.
قال:فانشدني أحسن ما رويته في كتمان السرّ،فقال عليه السّلام شعر:
و انّي لأنسى السرّ كيلا أذيعه فيا من رأى سرّا يصان بأن ينسا
مخافة أن يجري ببالي ذكره فينبذه قلبي إلى ملتوى الحشا
فيوشك من لم يفش سرّا و جال فيّ خواطره أن لا يطيق له حبسا فأمر له المأمون بثلاثمائة ألف درهم.
قال الصدوق(رحمه الله)بعد إيراد هذا الخبر:كان سبيل ما يقبله الرضا عليه السّلام من المأمون سبيل ما كان يقبله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الملوك و سبيل ما كان يقبله الحسن عليه السّلام من معاوية و سبيل ما كان يقبله الأئمّة من آبائه عليهم السّلام من الخلفاء و ما كانت الدّنيا كلّها له فغلب عليها ثمّ أعطى بعضها فجائز له أن يأخذه (1).
و فيه أيضا عن ابن المغيرة قال:سمعت أبا الحسن الرضا عليه السّلام يقول شعر:
إنّك في دار لها مدّة يقبل فيها عمل العامل
ألا ترى الموت محيطا بها يكذب فيها أمل الآمل
تعجّل الذنب لما تنتهي و تأمل التوبة في قابل
و الموت يأتي أهله بغتة ما ذاك فعل الحازم العاقل
و قال الريّان:أنشدني الرضا عليه السّلام لعبد المطّلب شعر:
يعيب الناس كلّهم زمانا و ما لزماننا عيب سوانا
نعيب زماننا و العيب فينا و لو نطق الزمان بنا هجانا
و أنّ الذئب يترك لحم ذئب و يأكل بعضنا بعضا عيانا2.
1) البحار:109/49 ح 2.
و عن إبراهيم بن العبّاس قال:كان الرضا عليه السّلام ينشد كثيرا شعر:
إذا كنت في خير فلا تغترر به و لكن قل اللّهم سلّم و تمّم (1)
و في عيون الأخبار عن إبراهيم الحسني قال:بعث المأمون إلى الرضا عليه السّلام جارية فلمّا دخلت عليه اشمأزت من الشيب فلمّا رأى كراهتها ردّها إلى المأمون و كتب إليه بهذه الأبيات،شعر:
نعى نفسي إلى نفسي المشيب و عند الشيب يتّعظ اللبيب
فقد ولّى الشباب إلى مداه فلست أرى مواضعه تؤوب
سأبكيه و أندبه طويلا و أدعوه إلي عسى يجيب
و هيهات الذي قد فات منّي تمنيني به النفس الكذوب
و راع الغانيات بياض رأسي و من مدّ البقاء له يشيب
أرى البيض الحسان يحدن عنّي و في هجرانهنّ لنا نصيب
فإن يكن الشباب مضى حبيبا فإنّ الشيب أيضا لي حبيب
سأصحبه بتقوى الله حتّى يفرّق بيننا الأجل القريب (2)
عيون الأخبار عن النوفلي قال:قال إنّ المأمون لمّا جعل الرضا عليه السّلام ولي عهده و أنّ الشعراء قصدوا المأمون و وصلهم بأموال جمّة حين مدحوا الرضا عليه السّلام و صوّبوا رأي المأمون دون أبي نواس فإنّه لم يقصده و لم يمدحه و دخل على المأمون فقال له:يا أبا نواس قد علمت مكان الرضا عنّي و ما أكرمته به فلماذا ادّخرت مدحه و أنت شاعر زمانك و سيّد دهرك؟فأنشأ يقول،شعر:
قيل لي أنت أوحد الناس طرّا في فنون من الكلام النبيه
لك من جوهر الكلام بديع يثمر الدرّ في يدي مجتنيه
فعلى ما تركت مدح ابن موسى و الخصال التي تجمّعن فيه
قلت لا أهتدي لمدح إمام كان جبريل خادما لأبيه
فقال المأمون:أحسنت،و وصله من المال بمثل الذي وصل به كافّة الشعراء و فضّله عليهم (3).
و عن محمّد بن يزيد المبرّد قال:خرج أبو نواس ذات يوم من داره فبصر راكبا و قد حاذاه فسأل عنه و لم ير وجهه فقيل:إنّه عليّ بن موسى الرضا عليه السّلام فأنشأ يقول شعر:
إذا أبصرتك العين من بعد غاية و عارض فيك الشكّ أثبتك القلب
و لو أنّ قوما أمّموك لقادهم نسيمك حتّى يستدلّ بك الركب (1)
و روي أنّه دخل عبد الله بن مطرف على المأمون يوما و عنده الرضا عليه السّلام فقال له المأمون:ما تقول في أهل البيت؟
فقال عبد الله:ما قولي في طينة عجنت بماء الرسالة و غرست بماء الوحي هل ينفح منها إلاّ مسك الهدى و عنبر التّقى.
قال:فدعا المأمون بحقّة فيها لؤلؤ فحشا فاه.
و عن الهروي قال:سمعت دعبل الخزاعي يقول:أنشدت الرضا عليه السّلام قصيدتي التي أوّلها:
مدارس آيات،فلمّا انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله و البركات
يميز فينا كلّ حقّ و باطل و يجزي على النّعماء و النقمات
بكى الرضا عليه السّلام بكاء شديدا ثمّ قال لي:يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين فهل تدري من هذا الإمام و متى يقوم؟
فقلت:لا يا مولاي إلاّ إنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد و يملأها عدلا.
فقال عليه السّلام:يا دعبل الإمام بعدي محمّد إبني و بعد محمّد إبنه علي و بعد علي ابنه الحسن و بعد الحسن ابنه الحجّة المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيملؤها عدلا كما ملئت جورا،و أمّا متى فإخبار عن الوقت.
1) عيون أخبار الرضا:156/1 ح 11،و البحار:107/48 ح 8.
و لقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن عليّ عليه السّلام أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قيل له:يا رسول الله متى يخرج القائم من ذرّيتك؟
فقال:مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها إلاّ هو ثقلت في السماوات و الأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة (1).
و عن أخي دعبل الخزاعي قال:خلع سيّدي الرضا عليه السّلام على أخي دعبل قميص خزّ أخضر و خاتما فضّة و عقيق و دفع إليه دراهم رضوية و قال له:احتفظ بهذا القميص فقد صلّيت فيه ألف ليلة في كلّ ليلة ألف ركعة و ختمت فيه القرآن ألف ختمة (2).
و عن الهروي قال:دخل دعبل بن علي الخزاعي على الرضا عليه السّلام بمرو فقال له:يابن رسول الله إنّي قد قلت فيك قصيدة و آليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك،فقال عليه السّلام:هاتها فأنشده:
مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات
أرى فيأهم في غيرهم متقسّما و أيديهم من فيئهم صفرات
فلمّا بلغ إلى قوله هذا بكى الرضا عليه السّلام و قال له:صدقت يا خزاعي،فلمّا بلغ إلى قوله:
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم أكفا عن الأوتار منقبضات
جعل عليه السّلام يقلّب كفّيه و يقول:أجل و الله منقبضات،فلمّا بلغ إلى قوله:
لقد خفت في الدّنيا و أيّام سغبها و أنّي لأرجو الأمن من بعد وفاتي
قال الرضا عليه السّلام:أفلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟
فقال:بلى يابن رسول الله،فقال عليه السّلام:
و قبر بطوس يالها من مصيبة تتوقّد بالاحشاء في الخرقات
إلى الحشر حتّى يبعث الله قائما يفرّج عنّا الهمّ و الكربات
فقال دعبل:يابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟
فقال الرضا عليه السّلام:قبري و لا تنقضي الأيّام و الليالي حتّى تصير طوس مختلف شيعتي و زوّاري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له ثمّ نهض الرضا عليه السّلام بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة فدخل الدار و خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية فقال له:يقول لك مولاي اجعلها في نفقتك.0.
فقال دعبل:و الله ما لهذا جئت و لا قلت هذه القصيدة طمعا في شيء و ردّ الصرّة و سأل ثوبا من ثياب الرضا عليه السّلام ليتبرّك به و يتشرّف به فأرسل إليه جبّة خزّ مع الصرّة و قال للخادم:قل له خذ هذه الصرّة فإنّك ستحتاج إليها و لا تراجعني فيها.
فأخذ دعبل الصرّة و الجبّة و انصرف و سار من مرو في قافلة فلمّا بلغ ميان قوهان وقع عليهم اللصوص فأخذوا القافلة كلّها و كتّفوا أهلها و كان دعبل فيمن كتّف و ملك اللصوص القافلة و جعلوا يقسّمونها بينهم فقال رجل من القوم متمثّلا بقول دعبل في قصيدته:
أرى فيأهم في غيرهم متقسّما و أيديهم من فيئهم صفرات
فسمعه دعبل فقال لهم:لمن هذا البيت؟
فقال:لرجل من خزاعة يقال له دعبل بن علي.
قال دعبل:فأنا دعبل قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت،فوثب الرجل إلى رئيسهم و كان يصلّي على رأس تل و كان من الشيعة فأخبره فجاء بنفسه حتّى وقف على دعبل فقال:انشدني القصيدة فأنشدها فحلّ كتافه و كتاف أهل القافلة و ردّ عليهم أموالهم لكرامة دعبل،و سار دعبل حتى وصل إلى قم فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة فأمرهم أن يجتمعوا في المسجد الجامع فاجتمعوا فأنشدهم القصيدة فوصله الناس من المال و الخلع بشيء كثير و اتّصل بهم خبر الجبّة فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار فامتنع من ذلك.
فقالوا له:بعنا شيئا منها بألف دينار فأبى عليهم و سار من قم،فلمّا خرج من رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب و أخذوا الجبّة فرجع دعبل إلى قم و سألهم ردّ الجبّة عليه فامتنع الاحداث من ذلك و عصوا المشايخ في أمرها و قالوا له:لا سبيل لك إلى الجبّة فخذ ثمنها ألف دينار فأبى عليهم فلمّا يئس من ردّهم الجبّة عليه سألهم أن يدفعوا إليه شيئا منها فأعطوه بعضها و دفعوا إليه ثمن الباقي ألف دينار.و انصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله فباع المائة دينار من الشيعة كلّ دينار بمائة درهم و ذكر قول الرضا عليه السّلام:إنّك ستحتاج إليها (1).
و جاءت في رواية بلفظ:قال دعبل:فاعطيت به ثمانين دينارا فلم تطب نفسي ببيعه،ثم كررت راجعا إلى العراق فلمّا صرت في بعض الطريق خرج علينا الأكراد فأخذونا،و كان ذلك اليوم يوما مطيرا،فبقيت في قميص خلق و ضرّ شديد و أنا متأسف من جميع ما كان معي على القميص و المنشفة،و مفكر في قول سيدي الرضا،إذ مرّ بي واحد من الأكراد الحرامية تحته الفرس الأصفر
1) كمال الدين و تمام النعمة:376،و إعلام الورى:68/2.
الذي حملني عليه ذو الرياستين و عليه الممطر،و وقف بالقرب مني ليجتمع إليه أصحابه و هو ينشد:
مدارس آيات خلت من تلاوة و يبكي،فلمّا رأيت ذلك عجبت من لص من الأكراد يتشيع،ثم طمعت في القميص و المنشفة فقلت:يا سيدي لمن هذه القصيدة؟
فقال:و ما أنت و ذلك ويلك.
فقلت:لي فيه سبب أخبرك به.
فقال:هي أشهر بصاحبها من أن تجهل.
فقلت:من؟
قال:دعبل بن علي الخزاعي شاعر آل محمد،جزاه الله خيرا.
فقلت له:يا سيدي فأنا و الله دعبل،و هذه قصيدتي.
قال:ويلك ما تقول؟
قلت:الأمر أشهر من ذلك،فاسأل أهل القافلة.
فاستحضر منهم جماعة و سألهم عني.
فقالوا بأسرهم:هذا دعبل بن علي الخزاعي.
فقال:قد أطلقت كلّما أخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لك.ثم نادى في أصحابه:من أخذ شيئا فليرده.
فرجع على الناس جميع ما أخذ منهم،و رجع إليّ جميع ما كان معي،ثم بذرقنا (1)إلى المأمن فحرست أنا و القافلة ببركة ذلك القميص و المنشفة (2).
و روي أنه كانت له جارية يحبّها فرمدت فقال أهل الطبّ أمّا العين اليمنى فقد ذهبت و أمّا اليسرى فنجتهد في معالجتها فاغتمّ لذلك دعبل ثمّ ذكر فضل الجبّة فعصّبها بعصابة منها فأصبحت و عيناها أصحّ ممّا كانتا ببركة الرضا عليه السّلام (3).
و عن داود البكري قال:سمعت علي بن دعبل الخزاعي يقول:لمّا حضر أبي الوفاة تغيّر لونه و انعقد لسانه و اسودّ وجهه فكدت أن أرجع عن مذهبه فرأيته بعد ثلاث فيما يرى النائم و عليه ثياب بيض و قلنسوة بيضاء فقلت له:يا أبه ما فعل الله بك؟
فقال:يا بني إنّ الذي رأيته من اسوداد وجهي و انعقاد لساني كان من شرب الخمر في دار9.
الدّنيا و لم أزل كذلك حتّى لقيت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليه ثياب بيض و قلنسوة بيضاء فقال لي:أنت دعبل؟
قلت:نعم يا رسول الله قال:فانشدني قولك في أولادي،فأنشدته قولي:
لا أضحك الله سنّ الدهر إن ضحكت يوما و آل رسول الله قد قهروا
مشرّدون نفوا عن عقر دارهم كأنّهم قد جنوا ما ليس يغتفر
فقال لي:أحسنت و شفع فيّ و أعطاني ثيابه و ها هي و أشار إلى ثياب بدنه (1).
قال صاحب الأغاني:إنّ دعبل الخزاعي كتب قصيدته هذه على ثوب و أحرم فيه و أمر بأن يكون في كنفه و لم يزل دعبل مرهوب اللّسان و يخاف من هجائه الخلفاء (2).
قال ابن المدبر:لقيت دعبلا فقلت له:أنت أجسر الناس حيث تقول للمأمون شعر:
إنّي من القوم الذين سيوفهم قتلت أخاك و شرّفتك بمقعد
رفعوا محلّك بعد طول خموله و استنقذوك من الحضيض الأوهد
فقال:يا أبا إسحاق إنّي أجد خشبتي منذ أربعين سنة و لا أجد من يصلبني عليها (3).
قال دعبل:لما قلت مدارس آيات قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا و هو بخراسان ولي عهد المأمون في الخلافة فوصلت المدينة و حضرت عنده و أنشدته إياها فاستحسنها و قال لي:
(لا تنشدها أحدا حتى آمرك)و اتصل خبري بالخليفة المأمون فأحضرني و سألني عن خبري ثم قال لي:يا دعبل أنشدني مدارس آيات خلت من تلاوة.
فقلت:ما أعرفها يا أمير المؤمنين.
فقال:يا غلام أحضر أبا الحسن علي بن موسى الرضا.
فلم يكن إلاّ ساعة حتى حضر.
فقال له:يا أبا الحسن سألت دعبلا عن مدارس آيات خلت من تلاوة فذكر أنه لا يعرفها.
فقال أبو الحسن عليه السّلام:يا دعبل أنشد أمير المؤمنين (4).
و في كشف الغمّة،عن أبي الصلت الهروي قال:دخل دعبل بن علي الخزاعي على الرضا عليه السّلام بمرو فقال له:يابن رسول الله إنّي قد قلت فيكم قصيدة و آليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك، فقال الرضا عليه السّلام:هاتها فأنشد قصيدة:
تجاوبن بالأرنان و الزفرات نوائح عجم اللفظ و النطقات (1)
يخبّرن بالأنفاس عن سرّ أنفس اسارى هوى ماض و آخرات (2)
فأسعدن أو أسعفن (3)حتّى تقرّضت صفوف الدّجى بالفجر منهزمات
على العرصات الخاليات من المها (4)سلام شجّ صبّ على العرصات
فعهدي بها خضر المعاهد (5)مألفا من العطرات البيض و الخطرات
ليالي يعدين الوصال (6)على القلى و يعدى تدانينا على الغربات
و إذ هنّ يلحظن العيون سوافرا و يسترن بالأيدي على الوجنات
و إذ كلّ يوم لي بلحظى نشوة يبيت بها قلبي على نشواتي (7)
فكم حسرات هاجها بمحسّر (8)وقوفي يوم الجمع من عرفات
ألم تر للأيّام ما جرّ جورها (9)على الناس من نقص و طول شتات
و من دول المستهزئين و من غدا بهم طالبا للنور في الظلماتض.
1) عجم اللفظ:الأعجم الذي لا يفصح و لا يبيّن كلامه و منه الحيوانات العجم و به سمّي العجم و هم خلاف العرب لأنّهم لا يفهمون اللغة العربية التي هي الأصل في لغات هذا الدّين المحمّدي على مشرّفه و على آله أفضل الصلوات،و المراد هنا الطيور و نغماتها التي تتجاوب بالرنّة و النوح في أطلال ديار الأحبار.
2) اسارى هو اماض الخ يعني أنّ تلك الأنفس أسيرات في عشق الأحباب الماضين و الآتين،و لعلّ المراد من الآتي هذا الدولة المهدوية على القائم بها أفضل الصلوات.
3) و اسعدن أو اسعفن الخ:الإسعاد الإعانة و الإسعاف الإيصال إلى البغية و الضمير يرجع إلى الطيور النايحة و قيل إلى العشّاق و هو بعيد،قيل:و الأصوب فاصعدن و أسففن من اسف الطائر إذا دنى من الأرض في طيرانه يعني يطرن تارة صعودا و اخرى هبوطا و التقوّض التفرّق.
4) المها الخ،المها بقر الوحش و رجل شج أي حزين و الصب العاشق المشتاق.
5) خضر المعاهد الخ:أي كنت أعهد أماكنها خضرة و هي مألف للنساء البيض و الحقر بالتحريك شدّة الحياء؟؟ على التمييز.
6) يعدين الوصال على القلى الخ:من أعداه عليه أي أعانه عليه أي يجعلن الوصل غالبا على الهجر لما يكون فيها من أسباب الوصال.
7) نشوة أي سكرة.
8) بمحسر أراد به وادي المحسر المشهور،
9) قيل:إنّ ما جرّ من الجريرة و هي الجناية العظيمة و الظاهر أنّه فعل ماض من الجرّ و هو السحب في الأرض.
فكيف و من أتى بطالب زلفة إلى الله بعد الصوم و الصلوات
سوى حبّ أبناء النبيّ و رهطه و بغض بني الزرقاء و العبلات (1)
و هند و ما أدّت سميّة و ابنها أولوا الكفر في الإسلام و الفجرات
هم نقضوا عهد الكتاب و فرضه و محكمه بالزور و الشبهات
و لم تك إلاّ محنة قد كشفتهم بدعوى ضلال من هن و هنات
تراث بلا قربى و ملك بلا هدى و حكم بلا شورى بغير هدات
رزايا أرتنا خضرة الافق حمرة وردت أجاجا طعم كلّ فرات
و ما سهلت تلك المذاهب فيهم على الناس إلاّ بيعة الفلتات
و ما قبل أصحاب السقيفة جهرة بدعوى تراث في الضلال ثبات
و لو قلّدوا الموصى إليه امورها لزمّت بمأمون على العثرات
أخي خاتم الرسل المصفّى من القذى و مفترس الأبطال في الغمرات
فإن جحدوا كان الغدير شهيده و بدر و احد شامخ الهضبات
و آي من القرآن تتلى بفضله و إيثاره بالقوت في اللزبات (2)
و غرّ خلال أدركته بسبقها مناقب كانت فيه مؤتنفات (3)
مناقب لم تدرك بخير و لم تنل بشيء سوى حدّ القنا الذربات (4)
نجى لجبريل الأمين و أنتم عكوف على العزى معا و منات
بكيت لرسم الدار من عرفات و أذريت دمع العين بالعبرات
و قلّ عرى صبري و هاجت صبابتي رسوم ديار أقفرت و عرات
مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات
لآل رسول الله بالخيف من منى و بالبيت و التعريف و الجمرات
ديار لعبد الله بالخيف من منى و للسيّد الداعي إلى الصلوات
ديار عليّ و الحسين و جعفر و حمزة و السجّاد ذو الثفناتة.
ديار لعبد الله و الفضل صنوه نجيّ رسول الله في الخلوات
و سبطي رسول الله و ابني وصيّه و وارث علم الله و الحسنات
منازل وحي الله ينزل بيتها على أحمد المذكور في الصلوات
منازل قوم يهتدى بهداهم فيؤمن منهم زلّة العثرات
منازل كانت للصلاة و للتّقى و للصوم و التطهير و الحسنات
منازل لا تيم تحلّ بربعها و لا ابن صهّاك فاتك الحرمات
ديار عفاها جور كلّ منابذ و لم تعف للأيّام و السنوات
قفا نسأل الدار التي خفّ أهلها متى عهدها بالصوم و الصلوات
ذكرت محل الربع من عرفات و أرسلت دمع العين بالعبرات
و فلّ عرى صبري و هاج صبابتي رسوم ديار اقفرت و عرات
و أين الأولى شطّت بهم غربة النوى أفانين في الأقطار مفترقات
هم أهل ميراث النبيّ إذا اعتزوا و هم خير سادات و خير حمات
إذا لم نناج الله في صلواتنا بذكرهم لم يقبل الصلوات
مطاعيم للاعصار في كلّ مشهد لقد شرّفوا بالفضل و البركات
و ما الناس إلاّ غاضب و مكذّب و مضطفن ذو إحنة و ترات (1)
إذا ذكروا قتلى ببدر و خيبر و يوم حنين أسبلوا العبرات
فكيف يحبّون النبيّ و رهطه و هم تركوا أحشاءهم و غرات (2)
لقد لاينوه في المقال و أضمروا قلوبا على الأحقاد منطويات
فإن لم يكن إلاّ بقربى محمّد فهاشم أولى من هن و هنات
سقى الله قبرا بالمدينة غيثه فقد حلّ فيه الأمن و البركات
نبيّ الهدى صلّى عليه مليكه و بلغ عنّا روحه التحفات
و صلّى عليه الله ما درّ شارق و لاحت نجوم الليل مبتدرات
أفاطم لو خلت الحسين مجدّلا و قد مات عطشانا بشطّ فراتر.
إذا للطمت الخدّ فاطم عنده و أجريت دمع العين في الوجنات
أفاطم قومي يا ابنة الخير فاندبي نجوم سماوات بأرض فلات
قبور بكوفان و اخرى بطيبة و اخرى بفخ نالها صلوات (1)
و اخرى بأرض الجوزجان (2)محلّها و قبر بباخمرى (3)لدى الغربات
و قبر ببغداد لنفس زكيّة تضمّنها الرحمن في الغرفات
و قبر بطوس يالها من مصيبة ألحّت على الأحشاء بالزفرات
إلى الحشر حتّى يبعث الله قائما يفرّج عنّا الغمّ و الكربات
علي بن موسى أرشد الله أمره و صلّى عليه أفضل الصلوات
فأمّا الممضات (4)التي لست بالغا مبالغها منّي بكنه صفات
قبور ببطن النهر من جنب كربلا معرّسهم منها بشط فرات
توفّوا عطاشى بالفرات فليتني توفّيت فيهم قبل حين وفات
إلى الله أشكو لوعة عند ذكرهم سقتني بكأس الثكل و القطعات
أخاف بأن إزدارهم (5)فتشوقني مصارعهم بالجزع في النخلات
تغشاهم ريب المنون فما ترى لهم عقرة مغشية الحجرات
خلا أنّ منهم بالمدينة عصبة مدينين انضاء من اللزبات
قليلة زوّار سوى أنّ زوّرا من الضبع و العقبان و الرخمات
لهم كلّ يوم تربة بمضاجع ثوت في نواحي الأرض مفترقات
تنكّب لاواء السنين جوارهم و لا تصطليهم جمرة الجمرات
و قد كان منهم بالحجاز و أرضها مفاوير نحارون في الأزماتل.
1) و اخرى بفخّ إشارة إلى القتل بفخ في زمن الهادي العبّاسي أخي الرشيد فإنّه تولّى الخلافة قبله و قتل في ذلك المكان الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب و سليمان بن عبد الله بن الحسن و أتباعهما لمّا خرجوا في زمنه.
2) بأرض الجوزجان إشارة إلى قتل يحيى بن زيد بن علي بن الحسين عليه السّلام فإنّه قتل بجوزجان و صلب بها في زمن الوليد و كان مصلوبا على ظهر أبو مسلم فأنزل و دفنه.
3) باخمرا:اسم موضع على ستّة عشر فرسخا من الكوفة قتل فيه إبراهيم بن عبد الله بن الحسن.
4) الممضات من قولهم امضه الجرح أي أوجعه يعني لا أبلغ كنه صفاتي أن أصف أنّها بلغت منّي أي مبلغ من الحزن.
5) من الزيارات على وزن:افتعل.
حمى لم تزره المذنبات و أوجه تضيء لدى الأستار و الظلمات
إذا وردوا خيلا بسمر من القنا مساعير (1)حرب أفحموا العمرات
فإن فخروا يوما أتوا بمحمّد و جبريل و الفرقان و السورات
و عدوا عليّا ذا المناقب و العلى و فاطمة الزهراء خير بنات
و حمزة و العبّاس ذا الهدى و التّقى و جعفرها الطيّار في الحجبات
أولئك لا ملقوح هند و خربها سميّة من نوكى (2)و من قذرات
ستسأل تيم عنهم و عديّها و هم تركوا الأبناء رهن شتات
و هم عدلوها عن وصيّ محمّد فبيعتهم جاءت على العذرات
وليّهم صنو النبيّ محمّد أبو الحسن الفرّاج للغمرات
ملامك في آل النبي فإنّهم أحبّاي ما داموا و أهل ثقات
تحيرتهم رشد التقسي أنّهم على كلّ خيبر خيرة الخيرات
نبذت إليهم بالمودّة صادقا و سلمت نفسي طائعا لولاتي
فيارب زدني في هواي بصيرة (3)و زد حبّهم يا ربّ في حسنات
سأبكيهم ما حجّ لله راكب و ما ناح قمري على الشجرات
و أنّي لمولاهم و قال عدوّهم و أنّي لمحزون بطول حيات
بنفسي أنتم من كهول و فتية لفك عناة أو لحمل ديات
و للخيل لما قيد الموت خطوها فأطلقتم منهنّ بالذربات
أحبّ قصي الرحم من أجل حبّكم و أهجر فيكم زوجتي و بنات
و أكتم حبّيكم مخافة كاشح عنيد لأهل الحقّ غير موات
فيا عين بكيّهم وجودي بعبرة فقد آن للتسكاب و الهملات
لقد خفت في الدّنيا و أيّام سغبها و أنّي لأرجو الأمن بعد وفات
ألم تر أني مذ ثلاثين حجّة أروح و أغدو دائم الحسرات
أرى فيأهم في غيرهم متقسّما و أيديهم من فيئهم صفراترة
و كيف أداوي من جوى بي و الجوى (1)أمية أهل الكفر و اللّعنات
و آل زياد في القصور مصونة و آل رسول الله منهتكات
سأبكيكهم ما ذرّ في الأفق شارق و نادى مناد الخير بالصلوات
و ما طلعت شمس و حان غروبها و بالليل أبكيهم و بالغدوات
ديار رسول الله أصبحن بلقعا (2)و آل زياد تسكن الحجرات
و آل رسول الله غلب (3)رقابهم و آل زياد غلظ القصرات
و آل رسول الله تدمى نحورهم و آل زياد ربة الحجلات
و آل رسول الله تسبى حريمهم و آل زياد آمنوا السربات
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم أكفّا عن الأوتار منقبضات
فلو لا الذي أرجوه في اليوم أو غد تقطّع نفسي اثرهم حسرات
خروج إمام لا محالة خارج يقوم على اسم الله و البركات
يميّز فينا كلّ حقّ و باطل و يجزي على النعماء و النقمات
فيا نفس طيبي ثمّ يا نفس أبشري فغير بعيد كلّما هو آت
و لا تجزعي من مدّة الجور أنّني أرى قوتي قد أذنت بثبات
فإن قرب الرحمن من تلك مدّتي و أخّر من عمري و وقت وفات
شفيت و لم أترك لنفسي غصّة و رويت منهم منصل و قنات
فإنّي من الرحمن أرجو بحبّهم حياة لدى الفردوس غير ثبات (4)
عسى الله أن يرتاح (5)للخلق أنّه إلى كلّ قوم دائم اللحظات
فإن قلت عرفا أنكروه بمنكر و عضوا على التحقيق بالشبهات
تقاصر نفسي دائما عن جدالهم كفاني ما ألقى من العبرات
أحاول نقل الصمّ عن مستقرّها و إسماع أحجار من الصلدات
فحسبي منهم أن أبوء بغصّة تردّد في صدري و في لهوات
فمن عارف لم ينتفع و معاند تميل به الأهواء للشهواته.
كأنّك بالأضلاع قد ضاق ذرعها لما حملت من شدّة الزفرات (1)
فيا وارثي علم النبي و آله عليكم سلام دائم النفحات
لقد آمنت نفسي بكم في حياتها و إنّي لأرجو الأمن بعد ممات (2)
عن ياسر الخادم و الريّان بن الصلت جميعا قال:لمّا انقضى أمر المخلوع (3)و استوى الأمر للمأمون كتب إلى الرّضا عليه السّلام يستقدمه إلى خراسان،فاعتلّ عليه أبو الحسن عليه السّلام بعلل،فلم يزل المأمون يكاتبه في ذلك حتّى علم أنّه لا محيص له و أنّه لا يكفّ عنه،فخرج عليه السّلام و لأبي جعفر عليه السّلام سبع سنين،فكتب إليه المأمون:لا تأخذ على طريق الجبل و قم (4)،و خذ على طريق البصرة و الأهواز و فارس،حتّى وافى مرو،فعرض عليه المأمون أن يتقلّد الأمر و الخلافة،فأبى أبو الحسن عليه السّلام.
قال:فولاية العهد؟
فقال:«على شروط أسألكها».
قال المأمون له:سل ما شئت،فكتب الرّضا عليه السّلام:«إنّي داخل في ولاية العهد على أن لا آمر و لا أنهى و لا افتي و لا أقضي و لا اولّي و لا أعزل و لا اغيّر شيئا ممّا هو قائم و تعفيني من ذلك كلّه»، فأجابه المأمون إلى ذلك كلّه.
قال:فحدّثني ياسر قال:فلمّا حضر العيد بعث المأمون إلى الرّضا عليه السّلام يسأله أن يركب و يحضر العيد و يصلّي و يخطب،فبعث إليه الرّضا عليه السّلام:«قد علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخول هذا الأمر»،فبعث إليه المأمون إنّما اريد بذلك أن تطمئنّ قلوب الناس و يعرفوا فضلك، فلم يزل عليه السّلام يرادّه الكلام في ذلك فألحّ عليه.
1) الغدير:358/2 ح 6،و كشف الغمة:58/3.
2) انظر:ديوان دعبل بن علي الخزاعي:41/123،و عيون أخبار الرضا 2:142،263،و تذكرة الخواص:205.
3) هو أخو المأمون محمد أمين بن زبيدة بنت جعفر بن منصور الدوانقي سمي مخلوعا لأنه خلع نفسه عن الخلافة عند إحاطة عساكر المأمون بعد توجه العجز و الانكسار إليه،و طلب الأمان من هرثمة بن أعين و خرج من السور ليلحق به فقتله قبل الوصول إليه الطاهر ذو اليمينين،و هو كان أمير العساكر و بعث برأسه إلى هارون و هو في مرو.
4) المراد بالجبل همدان و نهاوند و طبرستان،و لعل علة النهي هي كثرة شيعته في ذلك الطريق فخاف توازرهم و اجتماعهم عليه.
فقال:«يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحبّ إليّ و إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و أمير المؤمنين»عليه السّلام.
فقال المأمون:اخرج كيف شئت و أمر المأمون القوّاد و النّاس أن يبكّروا إلى باب أبي الحسن قال:فحدّثني ياسر الخادم أنّه قعد النّاس لأبي الحسن عليه السّلام في الطرقات و السطوح،الرّجال و النساء و الصبيان و اجتمع القوّاد و الجند على باب أبي الحسن عليه السّلام فلمّا طلعت الشمس قام عليه السّلام فاغتسل و تعمّم بعمامة بيضاء من قطن.ألقى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه و تشمّر.
ثمّ قال لجميع مواليه:«افعلوا مثل ما فعلت»،ثمّ أخذ بيده عكّازا ثمّ خرج و نحن بين يديه و هو حاف شمّر سراويله إلى نصف الساق و عليه ثياب مشمّرة فلما مشى و مشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء و كبّر أربع تكبيرات،فخيّل إلينا أنّ السماء و الحيطان تجاوبه و القوّاد و الناس على الباب قد تهيّأوا و لبسوا السلاح و تزيّنوا بأحسن الزينة،فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصورة و طلع الرّضا عليه السّلام وقف على الباب وقفة ثمّ قال:«الله أكبر،الله أكبر،الله أكبر على ما هدانا،الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام و الحمد لله على ما أبلانا»،نرفع بها أصواتنا.
قال ياسر:فتزعزعت مرو بالبكاء و الضجيج و الصياح لمّا نظروا إلى أبي الحسن عليه السّلام و سقط القوّاد عن دوابّهم و رموا بخفافهم لمّا رأوا أبا الحسن عليه السّلام حافيا و كان يمشي و يقف في كلّ عشر خطوات و يكبّر ثلاث مرّات.
قال ياسر:فتخيّل إلينا أنّ السماء و الأرض و الجبال تجاوبه و صارت مرو ضجّة واحدة من البكاء و بلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرّياستين (1):يا أمير المؤمنين إن بلغ الرّضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس و الرأي أن تسأله أن يرجع،فبعث إليه المأمون فسأله الرّجوع فدعا أبو الحسن عليه السّلام بخفّه فلبسه و ركب و رجع (2).
عن محمّد الرازي قال:كنت في خدمة الرضا عليه السّلام لمّا جعله المأمون ولي عهده فأتاه رجل من الخوارج في كفّه مدية مسمومة و قد قال لأصحابه:لآتين هذا الذي يزعم أنّه ابن رسول الله و قد دخل لهذه الطاغية فيما دخل فأسأله عن حجّته فإن كان له حجّة و إلاّ أرحت الناس منه،فدخل عليه فقال:أجيبك عن مسألتك بشرط إن أقنعتك أن تكسر الذي في كمّك فتحيّر الخارجي و أخرج المدية
و كسرها ثمّ قال:أخبرني عن دخولك لهذه الطاغية فيما دخلت له و هم عندك كفّار و أنت ابن رسول الله ما حملك على هذا؟
فقال عليه السّلام:أرأيتك هؤلاء أكفر أم عزيز مصر و أهل مملكته،أليس هؤلاء على حال يزعمون أنّهم موحّدون و أولئك لم يوحّدوا الله و لم يعرفوه و يوسف بن يعقوب نبيّ ابن نبيّ قال لعزيز مصر و هو كافر اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (1)كان يجالس الفراعنة و أنا رجل من ولد رسول الله أجبرني على هذا الأمر و أكرهني عليه فما الذي أنكرت و نقمت عليّ فقال:لا عتب عليك أنّي أشهد أنك ابن نبيّ الله و أنّك صادق (2).
و في علل الشرائع عن أبي الصلت الهروي قال:إنّ المأمون قال للرضا عليه السّلام:يابن رسول الله قد عرفت فضلك و علمك و زهدك و عبادتك و أراك أحقّ بالخلافة منّي،إلى أن قال:فإنّي قد رأيت أن أعزل نفسي عن الخلافة و أجعلها لك و ابايعك.
فقال عليه السّلام:إن كانت هذه الخلافة لك و جعلها الله لك فلا يجوز أن تخلع لباسا ألبسك الله و تجعله لغيرك.و إن كانت الخلافة ليست لك فلا يجوز لك أن تجعل لي ما ليس لك.
فقال له المأمون:يابن رسول الله لا بدّ لك من قبول هذا الأمر.
فقال عليه السّلام:لست أفعل ذلك طائعا أبدا.
فما زال يجهد به أيّاما حتّى يئس من قبوله فقال له:فإن لم تقبل الخلافة و لم تحبّ مبايعتي فكن وليّ عهدي لتكون لك الخلافة بعدي.
فقال عليه السّلام:لقد حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السّلام عن رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّي أخرج من الدّنيا قبلك مقتولا بالسمّ مظلوما تبكي عليّ ملائكة السماوات و ملائكة الأرض و ادفن في أرض غربة إلى جنب هارون الرشيد.
فبكى المأمون ثمّ قال له:و من ذا الذي يقدر على قتلك و أنا حيّ.
فقال عليه السّلام:أمّا أنّي لو أشاء أن أقول من ذا الذي يقتلني لقلت.
فقال:يابن رسول الله إنّما تريد بقولك هذا دفع هذا الأمر عنك ليقول الناس إنّك زاهد في الدّنيا؟
فقال الرضا عليه السّلام:و الله ما كذبت منذ خلقني ربّي و ما زهدت في الدنيا للدنيا و أنّي لأعلم ما تريد.2.
فقال المأمون:و ما اريد؟
قال عليه السّلام:الأمان على الصدق؟
قال:لك الأمان.
قال عليه السّلام:تريد بذلك أن يقول الناس إنّ عليّ بن موسى لم يزهد في الدّنيا بل زهدت الدّنيا فيه ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الخلافة.
فغضب المأمون و قال:إنّك تلقاني أبدا بما أكرهه و قد أمنت سطواتي فبالله أقسم لئن قبلت ولاية العهد و إلاّ أجبرتك على ذلك،فإن فعلت و إلاّ ضربت عنقك.
فقال عليه السّلام:قد نهاني الله عزّ و جلّ أن ألقي بيدي إلى التهلكة فإن كان الأمر على هذا فافعل ما بدا لك و أنا أقبل ذلك على أنّي لا أولّي أحدا و لا أعزل أحدا و لا أنقض رسما و لا سنّة و أكون في الأمر من بعيد مشيرا،فرضي منه بذلك و جعله وليّ عهده على كراهة منه عليه السّلام لذلك (1).
الأمالي عن الريان قال:دخلت على الرضا عليه السّلام فقلت:يابن رسول الله إنّ الناس يقولون:
إنّك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدّنيا؟
فقال عليه السّلام:قد علم الله كراهتي لذلك فلمّا خيّرت بين قبول ذلك و بين القتل اخترت القبول على القتل،و يحهم أما علموا أنّ يوسف عليه السّلام كان نبيّا رسولا فلمّا رفعته الضرورة تولّى خزائن العزيز فقال له: اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (2)و دفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه و إجبار بعد الإشراف على الهلاك على أنّي ما دخلت في هذا الأمر إلاّ دخول خارج منه فإلى الله المشتكى و هو المستعان (3).
و فيه عن الحسن بن الجهم عن أبيه قال:صعد المأمون المنبر ليبايع الرضا عليه السّلام فقال:أيّها الناس جاءتكم بيعة عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام و الله لو قرئت هذه الأسماء على الصمّ و البكم لبرئوا بإذن الله عزّ و جلّ (4).
و في عيون الأخبار عن أبي طاهر قال:أشار الفضل بن سهل على المأمون أن يتقرّب إلى الله عزّ و جلّ و إلى رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بصلة رحمه بالبيعة لعليّ بن موسى ليمحو بذلك ما كان من أمر الرشيد فيهم و ما كان يقدر على خلافه في شيء فوجّه من خراسان و أشخص الرضا عليه السّلام إلى مرو و ولاّه العهد من بعده و أمر للجند برزق سنة و كتب إلى الآفاق بذلك و سمّاه الرضا عليه السّلام و ضرب الدراهم باسمه و أمر الناس بلبس الخضرة و ترك السواد و زوّجه ابنته امّ حبيبة و زوّج ابنه محمّد بن عليّ عليه السّلام ابنته امّ6.
الفضل بنت المأمون و تزوّج هو بنوران بنت الحسن بن سهل كلّ هذا في يوم واحد و ما كان يجب أن يتمّ العهد للرضا عليه السّلام بعده (1).
و قيل في وجه ذلك أنّ الفضل النوبختي كان عالما بالنجوم فكتب إلى المأمون سرّا أنّ البيعة و عقدها هذا الوقت لا يتمّ من جهة علم النجوم فكتب المأمون إليّ إيّاك أن تخبر به أحدا و قل للفضل ذي الرياستين أن يعقد البيعة هذا الوقت فعرفت أنّ المأمون لا يريد تمام الأمر في البيعة للرضا عليه السّلام و يدلّ عليه أنّه بعد عقد البيعة للرضا عليه السّلام من الناس حضر العيد فبعث المأمون إلى الرضا عليه السّلام يسأله أن يحضر العيد للصلاة و يخطب لتطمئن قلوب الناس و يعرفوا فضله فبعث إليه الرضا عليه السّلام قد علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخولي في هذا الأمر.
فقال المأمون:إنّما أريد بهذا الأمر أن يرسخ في قلوب العامّة و الجند هذا الأمر فلم يزل يراده الكلام في ذلك فلمّا ألحّ عليه قال:إن أعفيتني فهو أحبّ إليّ و إن لم تعفني خرجت كما كان يخرج رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمير المؤمنين عليه السّلام.
قال المأمون:اخرج كما تحبّ و أمر المأمون القوّاد و الناس أن يبكروا إلى باب الرضا عليه السّلام فقعد الناس في الطرقات و السطوح من الرجال و النساء و الصبيان و اجتمع القوّاد على بابه فلمّا طلعت الشمس اغتسل عليه السّلام و تعمّم بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه و تشمّر و أمر مواليه بمثل فعله و أخذ بيده عكازة و خرج و نحن بين يديه و هو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق و عليه ثياب مشمرة فلمّا قام و مشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء و كبّر أربع تكبيرات فخيّل إلينا أنّ الهواء و الحيطان تجاوبه و القوّاد و الناس على الباب قد تزيّنوا و لبسوا السلاح،فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصورة وقف الرضا عليه السّلام وقفة على الباب و رفع صوته و رفعنا أصواتنا بالتكبير تزعزعت مرو من البكاء و الصياح قالها ثلاث مرّات فسقط القوّاد عن دوابّهم و رموا بخفافهم و صارت مرو ضجّة واحدة و كان عليه السّلام يمشي و يقف في كلّ عشر خطوات وقفة و يكبّر الله أربع مرّات فيتخيّل إلينا أنّ السماء و الأرض و الحيطان تجاوبه و بلغ المأمون ذلك فقال له الفضل:يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا عليه السّلام المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس فالرأي أن تسأله الرجوع،فسأله الرجوع فدعا عليه السّلام بخفّه و لبسه و رجع (2).
و في عيون الأخبار أيضا عن الريّان بن الصلت قال:أكثر الناس في بيعة الرضا عليه السّلام من القوّاد و العامّة و من لا يحبّ ذلك و قالوا:إنّ هذا من تدبير الفضل بن سهل ذي الرياستين سمّي به لأنّه كان وزيرا و تولّى رئاسة الجند فبلغ المأمون ذلك فبعث إليّ فقال يا ريان بلغني أنّ الناس يقولون إنّ بيعة الرضا عليه السّلام من تدبير الفضل.7.
فقلت:نعم،فقال:و يحك أيجسر أحد أن يجيء إلى خليفة استقامت له الامور فيقول له:
ادفع الخلافة إلى غيرك؟
قلت:لا.
قال:سأخبرك بالسبب و ذلك أنّه كتب إلى محمّد أخي بالقدوم عليه فأبيت فعقد لعليّ بن عيسى و أمره أن يقيّدني و يجعل الغلّ في عنقي فورد عليّ الخبر و فسدت عليّ الامور و ما كان لي قوّة على مقاومته فأردت أن ألحق بحاكم كابل ثمّ قلت:رجل كافر إذا بذل له الأموال يدفعني إليه فلم أجد وجها من أن أتوب إلى الله من ذنوبي و أستعين على هذه الامور فصببت الماء على بدني و لبست ثوبين أبيضين و صلّيت أربع ركعات و دعوت الله عزّ و جلّ و عاهدته عهدا وثيقا ان أفضى الله بهذا الأمر إلي أن أضعه في موضعه الذي وضعه الله فيه ثمّ قوي قلبي فأحببت أن أفي الله بما عاهدته عليه و لم أر أحدا أحقّ بهذا الأمر من الرضا عليه السّلام فوضعتها فيه فلم يقبلها إلاّ على ما قد علمت فهذا كان سببها،الحديث (1).
قال السيد الجزائري في رياض الأبرار:ما ذكره من السبب هو أحد الأسباب للمأمون في جعله الرضا عليه السّلام ولي عهده لأنّه أراد أن يفي لله بعهده كيلا يخرج الله سبحانه الأمر منه إلى غيره بهذه الحيلة التي تخيّلها حيلة شرعية و هو أن يجعله وليّ عهده مدّة قليلة و يحتال عليه في القتل مضافا إلى ما سمع من الرضا عليه السّلام أنّه يموت قبله و هو عنده صادق فتكون حيلة على الله سبحانه و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون.
و من الأسباب أنّ العلويّين كانوا يخرجون عليه في ملكه فأراد أن يوهمهم رجوع الخلافة إليهم ليسكنوا عن الخروج عليه و قد اتّفق له ذلك و منها ما صرّح به عليه السّلام له من قصده أن يقول الناس زهدت الدنيا في الرضا عليه السّلام و لم يزهد فيها و لهذا و ثب عليها لمّا تمكّن منها و منها غيظ بني العبّاس فإنّ بعضهم وافق أخاه محمّد الأمين و بعضهم كإبراهيم عمّه خرج إليه فأراد أن يوهمهم بأنّ أفعالهم معه كانت باعثة إلى إخراجه الأمر عنهم إلى غير ذلك من الأغراض الفاسدة.
و عن محمّد بن عرنة قال:قلت للرضا عليه السّلام:ما حملك على الدخول في ولاية العهد؟
فقال:ما حمل جدّي أمير المؤمنين عليه السّلام على الدخول في الشورى (2).
و قد ورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا سئل عن دخوله في الشورى قال:أردت تكذيبهم لأنّهم رووا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال:لا تجتمع النبوّة و الخلافة في بيت واحد (3).9.
و عن معمّر بن خلاّد أنّه قال المأمون للرضا عليه السّلام:انظر بعض من تثق به تولّيه هذه البلدان التي قد فسدت علينا.
قال الرضا عليه السّلام:فقلت له:تفي لي و أفي لك فإنّي إنّما دخلت فيما دخلت على أنّي لا آمر فيه و لا أنهي و لا أعزل و لا أولّي و لا أشير حتّى يقدمني الله قبلك فو الله أنّ الخلافة لشيء ما حدّثت به نفسي و لقد كنت في المدينة أتردّد في طرقها على دابّتي و أنّ أهلها و غيرهم يسألوني الحوائج فأقضيها لهم فيصيرون كالأعمام لي و أنّ كتبي لنافذة في الأمصار و ما زدتني في نعمة هي عليّ من ربّي، فقال:أفي لك (1).
كشف الغمّة عن المولى السعيد عماد الدّين الوزّان أنّ الرضا عليه السّلام لمّا دخل إلى نيشابور كان في مهد على بغلة شهباء عليها مركب من فضّة و ذهب فعرض له في السوق الإمامان الحافظان للأحاديث النبوية أبو زرعة و محمد بن سلم الطوسي رحمهما الله فقالا:أيّها السيّد ابن السادة بحقّ آبائك الأطهرين ألاّ أريتنا وجهك المبارك و رويت لنا حديثا عن آبائك،فرفع المظلّة و الناس على طبقاتهم قيام بين صارخ و باك و ممزّق ثوبه و متمرّغ في التراب و مقيل حزام بغلته إلى أن انتصف النهار و جرت الدموع كالأنهار و سكنت الأصوات و صاحت الأئمّة و القضاة:معاشر الناس اسمعوا وعوا و لا تؤذوا رسول الله في عترته فأملى صلوات الله عليه هذا الحديث و عدّ من المحابر أربع و عشرون ألفا سوى الدّوي و المستملي أبو زرعة الرازي و محمّد بن أسلم الطوسي.
فقال عليه السّلام:حدّثني أبي موسى بن جعفر الكاظم قال:حدّثني أبي محمّد بن علي الباقر قال:
حدّثني أبي عليّ بن الحسين زين العابدين قال:حدّثني أبي الحسين بن علي الشهيد بأرض كربلاء قال:حدّثني أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب شهيد الكوفة قال:حدّثني أخي و ابن عمّي محمّد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:حدّثني جبرئيل عليه السّلام قال:سمعت ربّ العزّة سبحانه و تعالى يقول:كلمة لا إله إلاّ الله حصني فمن قالها دخل حصني و من دخل حصني أمن من عذابي.
قال الاستاد أبو القاسم القشيري:إنّ هذا الحديث بهذا السند (2)بلغ بعض امراء السّامانية
1) شرح أصول الكافي:163/12 ح 134،و البحار:144/49 ح 20.
2) قال محمّد بن عبد الله بن طاهر:كنت واقفا على رأس أبي و عنده أبو الصلت الهروي و إسحاق بن راهويه و أحمد بن محمّد بن حنبل فقال أبي:ليحدّثني كلّ رجل منكم بحديث فقال أبو الصلت:حدّثني علي بن موسى الرضا عليه السّلام و كان و الله رضي كا سمّي عن أبيه موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن علي عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي(عليهم السّلام)قال:قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:الإيمان قول و عمل،فلمّا خرجنا قال أحمد بن محمّد بن حنبل:ما هذا الاسناد؟فقال له أبي: هذا سعوط المجانين إذا سعّط به المجنون أفاق.
فكتبه بالذهب و أوصى أن يدفن معه،فلمّا مات رئي في المنام فقيل:ما فعل الله بك؟
فقال:غفر الله لي بتلفّظي بلا إله إلاّ الله و تصديقي محمّدا رسول الله مخلصا و أنّي كتبت هذا الحديث بالذهب تعظيما و احتراما (1).
روى الحديث في الأمالي بلفظ:من قال:لا إله إلاّ الله مخلصا بها دخل حصني،قالوا:
يابن رسول الله و ما إخلاص الشهادة لله؟
قال:طاعة الله و طاعة رسوله و ولاية أهل بيته عليهم السّلام (2).
و في حديث آخر:فلمّا مرّت الراحلة نادانا:بشروطها و أنا من شروطها.
فدلّ على أنّ كلمة التوحيد لا تكون منجية من النار إلاّ بولاية الأئمّة عليهم السّلام و اعتقاد أنّهم أئمّة تجب إطاعتهم كطاعة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيكون من خالفنا في الاعتقاد غير داخل في التوحيد و إذا لم يدخل في التوحيد يكون داخلا في الشرك و الكفر كما مرّ الكلام عليه (3).
و روى الصدوق أنّ الحديث بهذا السند ما قرئ على مصروع إلاّ برئ و لا على مريض إلاّ عوفي و قد جرّب في المصروع و المريض فإذا كانت هذه الأسماء المباركة تشفي من أسقام الأبدان فيكون شفاؤها من أسقام الذنوب و الأرواح بالطريق الأولى لشدّة المناسبة بينها و بين الأرواح.
و من ثمّ لم يقبل الله سبحانه التوبة من آدم عليه السّلام إلاّ لمّا توسّل إليه بها و هي الكلمات التي تلقّاها من ربّه فتاب عليه (4).
علل الشرائع عن الريّان قال:لمّا أراد المأمون أن يأخذ البيعة لنفسه بإمرة المؤمنين و للرضا عليه السّلام بولاية العهد و للفضل بن سهل بالوزارة أمر بثلاثة كراسي فنصبت لهم و قعدوا عليها، أذن للناس فدخلوا يبايعون فكانوا يصفقون بأيمانهم على أيمان الثلاثة من أعلى الإبهام إلى الخنصر و يخرجون حتّى بايع في آخر الناس فتى من الأنصار فصفق بيمينه من الخنصر إلى الأعلى فتبسّم الرضا عليه السّلام و قال:كلّ من بايعنا بفسخ البيعة غير هذا الفتى فإنّه بايعنا بعقدها.
فقال المأمون:و ما يفسخ البيعة من عقدها؟
قال:عقد البيعة من أعلى الخنصر إلى أعلى الإبهام و فسخها من أعلى الإبهام إلى أعلى الخنصر.
قال:فماج الناس في ذلك و أمر المأمون بإعادة الناس إلى البيعة على ما وصفه الرضا عليه السّلام و قال للناس:كيف يستحقّ الإمامة من لا يعرف عقد البيعة فحمل المأمون ذلك على ما فعله من سمّه (1).
و في بشائر المصطفى أنّ العبّاس بن المأمون أوّل من بايع فرفع الرضا عليه السّلام يده فتلقّى بظهرها وجه نفسه و بطنها وجوههم فقال له المأمون:ابسط يدك للبيعة قال عليه السّلام:إنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هكذا كان يبايع فبايعه الناس و يده فوق أيديهم،و وضعت البدر و قامت الخطباء و الشعراء فجعلوا يذكرون فضل الرضا عليه السّلام و ما كان من المؤمن في أمره و أنشد دعبل قصيدته المشهورة،شعر:
مدارس آيات خلت من تلاوة و منزل وحي مقفر العرصات
و أنشده إبراهيم بن العبّاس شعر:
أزالت عزاء القلب بعد التجلّد مصارع أولاد النبيّ محمّد
و أنشد أبو نواس شعر:
مطهّرات نقيّات ثيابهم تتلى الصلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علويّا حين تنسبه فما له في قديم الدهر مفتخر
الله لمّا برا خلقا فأتقنه صفاكم و اصطفاكم أيّها البشر
فأنتم الملأ الأعلى و عندكم علم الكتاب و ما جاءت به السور
قال الرضا عليه السّلام:قد جئتنا بأبيات ما سبقك أحد إليها،يا غلام هل معك من نفقتنا شيء؟
فقال:ثلاثمائة دينار.
فقال:أعطها إيّاه.
ثمّ قال:يا غلام سق إليه البغلة (2).
***9.
و قال المرتضى رضي اللّه عنه في كتاب تنزيه الأنبياء فإن قيل:كيف تولّى عليه السّلام العهد للمأمون و تلك جهة لا يستحقّ الإمامة منها أ و ليس هذا إيهاما فيما يتعلّق بالدّين؟
قلنا:قد مضى من الكلام في سبب دخول أمير المؤمنين عليه السّلام في الشورى ما هو أصل لهذا الباب و جملته أنّ ذا الحقّ له أن يتوصّل إليه من كلّ جهة و سبب لا سيّما إذا كان يتعلّق بذلك الحقّ تكليف عليه فإنّه يصير واجبا عليه التوصّل و التمحل بالتصرّف و الإمامة يستحقّها الرضا عليه السّلام بالنصّ من آبائه عليهم السّلام فإذا دفع عن ذلك و جعل إليه من وجه آخر وجب عليه أن يجيب إلى ذلك الوجه ليصل منه إلى حقّه و ليس في هذا إيهام،لأنّ الأدلّة الدالّة على استحقاقه عليه السّلام للإمامة بنفسه يمنع من دخول الشبهة بذلك و إن كان فيه بعض الإيهام يحسنه دفع الضرورة إليه كما حملته و أباءه على إظهار مبايعة الظالمين و القول بإمامتهم،و لعلّه عليه السّلام أجاب إلى ولاية العهد للتقيّة و الخوف لأنّه لم يؤثر الإمتناع على من ألزمه ذلك و حمله عليه فيفضي الأمر إلى المجاهرة و المباينة و الحال لا يقتضيهما و هذا بيّن (1).
عيون الأخبار عن هرثمة بن أعين قال:دعاني مولاي الرضا عليه السّلام نصف الليل فدخلت عليه و هو جالس في صحن داره فقال:يا هرثمة اسمع وع هذا أوان رحيلي إلى الله و لحوقي بجدّي و آبائي عليهم السّلام و قد بلغ الكتاب أجله و قد عزم هذا الطاغية على سمّي في عنب و رمّان،فأمّا العنب فإنّه يغمس السلك في السمّ و يجذبه بالخيط في العنب،و أمّا الرمّان فإنّه يطرح السمّ في كفّ بعض غلمانه و يفرك الرمّان بيده ليلطخ به في ذلك السمّ و أنّه سيدعوني في اليوم المقبل و يقرّب إليّ الرمّان و العنب و يسألني أكلهما فآكلهما ثمّ يحضر القضاة فإذا أنا متّ فسيقول:أنا أغسله بيدي فإذا قال ذلك فقل له:إنّه قال لي لا تتعرّض لغسلي و لا تكفيني و لا دفني فإنّك إن فعلت ذلك عاجلك من العذاب ما أخّر عنك فإنّه سينتهي،فإذا خلّى بينك و بين غسلي فيجلس في علوّ من أبنيته مشرفا على موضع غسلي لينظر فلا تعرض يا هرثمة لشيء من غسلي حتّى ترى فسطاطا أبيض قد ضربت في جانب الدار فإذا رأيت ذلك فاحملني في أثوابي التي أنا فيها فضعني من وراء الفسطاط وقف من ورائه و لا تكشف عن الفسطاط حتّى تراني فتهلك فإنّه سيشرف عليك و يقول لك:يا هرثمة أليس زعمتم أنّ الإمام لا يغسله إلاّ إمام مثله فمن يغسل الرضا و ابنه محمّد بالمدينة فقل له:إنّا نقول إنّ الإمام لا
1) البحار:155/49،و عيون أخبار الرضا:145/2.
يجب أن يغسله إلاّ إمام فإن تعدّى متعدّ فغسّل الإمام لا تبطل إمامته لتعدّي غاسله و لا بطلت إمامة الإمام الذي بعده بأن غلب على غسل أبيه و لو ترك الرضا عليه السّلام بالمدينة لغسّله ابنه محمّد ظاهرا مكشوفا و لا يغسله الآن أيضا إلاّ هو من حيث يخفى فإذا ارتفع الفسطاط فسوف تراني مدرجا في أكفاني فضعني على نعش فاحملني فإذا أراد أن يحفر قبري فإنّه سيجعل قبر أبيه هارون قبلة لقبري و لن يكون ذلك أبدا فإذا ضربت المعاول نبت عن الأرض فإذا صعب عليهم فقل له عنّي:إنّي أمرتك أن تضرب معولا واحدا في قبلة هارون فإذا ضربت نفذ في الأرض إلى قبر محفور و ضريح قائم فإذا انفرج ذلك القبر فلا تنزلني إليه حتى يفور من ضريحه الماء الأبيض فيمتلي منه ذلك القبر ثمّ يضطرب فيه حوت بطوله فإذا اضطرب فلا تنزلني إلى القبر إلاّ إذا غاب الحوت و غار الماء فأنزلني في ذلك القبر و ألحدني في ذلك الضريح و لا تتركهم يأتوا التراب يلقونه عليّ فإنّ القبر ينطبق من نفسه و يمتلي.
قلت:نعم يا سيّدي.
قال هرثمة:فخرجت باكيا حزينا فدعاني المأمون فدخلت و قمت إلى ضحى النهار فقال:
إمض إلى أبي الحسن الرضا و قل له يصير إلينا فأتيت إليه و أخبرته فقال؛قدّموا نعلي فقد علمت ما أرسلك به فلمّا دخل المجلس قام إليه المأمون و عانقه و أجلسه على سريره و جعل يحادثه ساعة ثمّ قال لبعض غلمانه يؤتى بعنب و رمّان.
قال هرثمة:فلمّا سمعت ذلك رأيت الرعدة أخذت بدني فخرجت و رميت بنفسي في موضع من الدار،فلمّا زالت الشمس خرج مولاي إلى داره،ثمّ رأيت الأمر قد خرج من عند المأمون بإحضار الأطبّاء،و قالوا:علّة عرضت للرضا عليه السّلام فكان الناس في شكّ و أنا في يقين لما أعرف منه فلمّا كان الثلث الثاني من الليل علا الصياح و سمعت الأصوات من الدار فأسرعت فإذا أنا بالمأمون مكشوف الرأس محلّل الأزرار قائما على قدميه ينتحب و يبكي فوقفت أتنفّس الصعداء ثمّ أصبحنا فجلس المأمون للتعزية ثمّ قام و مشى إلى الموضع الذي فيه الرضا عليه السّلام فقال:اصلحوا لنا موضعا فإنّي اريد أن أغسله فدنوت منه فقلت له ما قاله سيّدي بسبب الغسل و التكفين و الدفن.
فقال:لست أعرض لذلك ثمّ قال:شأنك يا هرثمة.
فلم أزل قائما حتى رأيت الفسطاط قد ضرب فوقفت من ظاهره و كلّ من في الدار دوني و أنا أسمع التكبير و التهليل و التسبيح و تردّد الأواني و صبّ الماء و تضوّع الطّيب الذي لم أشمّ أطيب منه فإذا أنا بالمأمون قد أشرف عليّ من بعض أعالي داره فصاح بي:يا هرثمة أليس زعمتم أنّ الإمام لا يغسله إلاّ مثله فأين محمّد ابنه و هو بالمدينة؟
فأجبته بما قال لي مولاي،فسكت عنّي ثمّ ارتفع الفسطاط فإذا أنا بسيّدي مدرج في أكفانه فوضعته على نعشه ثمّ حملناه فصلّى عليه المأمون و جميع من حضر ثمّ رجعنا إلى موضع القبر
فوجدتهم يضربون بالمعاول دون قبر هارون ليجعلوه قبلة لقبره و المعاول تنبوا عنه.
فقال لي:ويحك يا هرثمة أما ترى الأرض كيف تمتنع من حفر قبر له؟
فقلت له:إنّه أمرني أن أضرب معولا واحدا في قبلة قبر أبيك لا أضرب غيره.
قال:فإذا ضربت يا هرثمة يكون ماذا؟
قلت:إنّه أخبر أنّه لا يجوز أن يكون قبر أبيك قبلة لقبره فإن أنا ضربت هذا المعول الواحد نفذ إلى قبر محفور من غير يد تحفره و بان ضريح في وسطه.
فقال المأمون:لأعجب من أمر أبي الحسن فاضرب يا هرثمة حتى نرى.
فأخذت المعول و ضربت في قبلة قبر هارون فنفذ إلى قبر محفور و لحد ظاهر في وسطه و الناس ينظرون إليه فقال:انزله يا هرثمة.
فقلت:إنّ سيّدي أمرني أن لا أنزل إليه حتّى ينفجر من أرض هذا القبر ماء أبيض فيمتلئ منه القبر حتّى يكون الماء مع وجه الأرض ثمّ يضطرب فيه حوت بطول القبر فإذا غاب الحوت و غار الماء وضعته على جانب قبره و خلّيت بينه و بين لحده.
قال:فافعل يا هرثمة.
فانتظرت ظهور الماء و الحوت فظهر ثمّ غاب و غار الماء و الناس ينظرون إليه ثمّ جعلت النعش إلى جانب قبره فغطّى قبره بثوب أبيض لم أبسطه ثمّ انزل به إلى قبره بغير يدي و لا يد أحد ممّن حضر.
فأشار المأمون إلى الناس أن هاتوا التراب بأيديكم فاطرحوه فيه.
فقلت:لا تفعل أخبرني أنّ القبر يمتلئ من ذات نفسه ثمّ ينطبق و يتربّع على وجه الأرض فكفّ الناس ثمّ امتلأ القبر و انطبق و تربّع على وجه الأرض فانصرف المأمون و انصرفنا.
ثمّ دعاني المأمون و خلا بي ثمّ قال:سألتك بالله يا هرثمة لما صدقتني عن أبي الحسن عليه السّلام بما سمعته.
قلت:قد أخبرتك قال:غير هذا.
فقلت:أي شيء؟
قال:يا هرثمة هل أسرّ إليك غير هذا؟
قلت:نعم خبر العنب و الرّمان.
فصار المأمون يتلوّن ألوانا يصفرّ و يحمرّ و يسودّ ثمّ تمدّد مغشيا عليه فسمعته في غشيته و هو يهجر و يقول:ويل للمأمون من الله،ويل له من رسوله،ويل له من عليّ ويل للمأمون من فاطمة،
ويل له من الحسن و الحسين،ويل للمأمون من عليّ بن الحسين،ويل له من محمّد بن علي،ويل للمأمون من جعفر بن محمّد،ويل له من موسى بن جعفر،ويل له من عليّ بن موسى الرضا،هذا و الله هو الخسران المبين يقول هذا القول و يكرّره فولّيت عنه و جلست في بعض نواحي الدار فدعاني و هو جالس كالسكران فقال:ما أنت أعزّ عليّ منه و الله لئن بلغني أنّك أعدت بعد ما سمعت ليكوننّ هلاكك فيه.
فقلت:لك ذلك.
فأخذ منّي عهدا و أكّده عليّ،فلمّا ولّيت عنه صفق بيديه و قال: يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَ كانَ اللّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (1)، انتهى ملخّصا (2).
و عن أبي الصلت الهروي قال:بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن عليه السّلام إذ قال لي:يا أبا الصلت ادخل هذه القبّة التي فيها قبر هارون و ائتني بتراب من أربعة جوانبها،فأتيت به و هو من عند الباب فأخذه و شمّه ثمّ رمى به و قال:سيحفر لي هاهنا فتظهر صخرة لو جمع عليها كلّ معول بخراسان لم يتهيّأ قلعها و الذي عند الرأس مثل ذلك.
ثمّ قال:ناولني من هذا التراب فهو من تربتي،ثمّ قال:سيحفر لي في هذا الموضع فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل و أن تشقّ لي ضريحا فإن أبوا إلاّ أن يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين و شبرا فإنّ الله تعالى سيوسعه ما يشاء فإذا فعلوا ذلك فإنّك ترى عند رأسي نداوة فتكلّم بالكلام الذي أعلمك فإنّه ينبع الماء حتّى يمتلئ اللحد و ترى فيه حيتانا صغارا ففت لها الخبز الذي أعطيك فإنّها تلتقطه فإذا لم يبق منه شيء خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتّى لا يبقى منها شيء ثمّ تغيب فإذا غابت فضع يدك على الماء فإنّه ينضب و لا تفعل ذلك إلاّ بحضرة المأمون.
ثمّ قال:يا أبا الصلت غدا أدخل على هذا الفاجر فإن أنا خرجت مكشوف الرأس فتكلّم أكلّمك و إن خرجت و أنا مغطّى الرأس فلا تكلّمني،فلمّا أصبحنا من الغد دخل عليه غلام المأمون فقال له:أجب أمير المؤمنين.
فقام و أنا معه حتّى دخل على المأمون و بين يديه طبق عليه عنب و أطباق فاكهة و بيده عنقود عنب قد أكل بعضه و بقي بعضه فقام إلى الرضا عليه السّلام و عانقه و أجلسه معه و ناوله العنقود و قال:ما رأيت عنبا أحسن من هذا فكل منه.
قال عليه السّلام:تعفيني منه.
فقال:لا بدّ من ذلك و ما يمنعك لعلّك تتّهمنا بشيء،فتناول العنقود فأكل منه ثلاث حبّات ثمّ رمى به و قام.
فقال المأمون:إلى أين؟
فقال:إلى حيث وجّهتني و خرج مغطّى الرأس فلم أكلّمه حتّى دخل الدار فأمر أن يغلق الباب ثمّ نام على فراشه و مكثت واقفا في صحن الدار محزونا فبينا أنا كذلك إذ دخل عليّ شاب حسن الوجه أشبه الناس بالرضا عليه السّلام فبادرت إليه و قلت:من أين دخلت الدار و الباب مغلق؟
فقال:الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار و الباب مغلق.
فقلت له:و من أنت؟
قال:أنا حجّة الله عليك يا أبا الصلت أنا محمّد بن علي ثمّ مضى نحو أبيه فدخلت و أمرني بالدخول معه فلمّا نظر إليه الرضا عليه السّلام وثب إليه و عانقه و ضمّه إلى صدره ثمّ سحبه سحبا في فراشه و أكبّ عليه محمّد بن علي يقبّله و يساره بشيء لم أفهمه و رأيت إلى شفتي الرضا عليه السّلام زبدا أشدّ بياضا من الثلج و رأيت أبا جعفر عليه السّلام يلحسه بلسانه ثمّ أدخل يده بين ثوبه و صدره فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر عليه السّلام و مضى الرضا عليه السّلام فقال أبو جعفر:يا أبا الصلت قم ائتني بالمغتسل و الماء من الخزانة.
فقلت:ما في الخزانة مغتسل و لا ماء.
فقال لي:إنته إلى ما آمرك به،فدخلت الخزانة فإذا فيها مغتسل و ماء فأخرجته و شمّرت ثيابي لأغسله معه فقال لي:تنح يا أبا الصلت فإنّ لي من يعينني غيرك فغسّله ثمّ قال لي:أدخل الخزانة فاخرج إلي السفط الذي فيه كفنه و حنوطه فدخلت فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قط فحملته إليه فكفنه و صلّى عليه ثمّ قال:ائتني بالتابوت.
فقلت:أمضي إلى النجّار حتّى يصلح التابوت.
قال عليه السّلام:قم فإنّ في الخزانة تابوتا فدخلت فوجدت تابوتا لم أره قط،فأتيته به،فأخذ الرضا عليه السّلام بعد ما صلّى عليه فوضعه في التابوت و صفّ قدميه و صلّى ركعتين لم يفرغ منهما حتّى علا التابوت فانشقّ السقف فخرج منها التابوت و مضى.
فقلت:يابن رسول الله الساعة يجيئنا المأمون و يطالبنا بالرضا عليه السّلام فما نصنع؟
فقال لي:أسكت فإنّه سيعود يا أبا الصلت ما من نبيّ يموت بالمشرق و يموت وصيّه بالمغرب إلاّ جمع الله تعالى بين أجسادهما و أرواحهما فما أتمّ الحديث حتّى انشق السقف و نزل التابوت فقام عليه السّلام فاستخرج الرضا عليه السّلام من التابوت و وضعه على فراشه كأنّه لم يغسّل و لم يكفّن.
ثمّ قال لي:قم فافتح الباب للمأمون ففتحت الباب فإذا المأمون و الغلمان بالباب فدخل باكيا حزينا قد شقّ جيبه و لطم رأسه و هو يقول:يا سيّداه فجعت بك يا سيّدي ثمّ دخل و جلس عند رأسه و قال:خذوا في تجهيزه فحفروا فلم تعمل المعاول،إلى أن قال:انتهوا إلى قول أبي الصلت فحفروا فلمّا رأوا ما ظهر من النداوة و الحيتان و غير ذلك قال المأمون:لم يزل الرضا عليه السّلام يرينا عجائبه في حياته حتّى أرائناها بعد وفاته أيضا.
فقال له وزير كان معه:أتدري ما أخبرك بهذا الرضا عليه السّلام؟
قال:لا.
قال:إنّه أخبرك أنّ ملككم يا بني العبّاس مع كثرتكم و طول مدّتكم مثل هذه الحيتان حتّى إذا فنيت آجالكم و انقطعت آثاركم و ذهبت دولتكم سلّط الله تعالى عليكم رجلا منّا فأفناكم عن آخركم.
قال له:صدقت ثمّ قال لي:يا أبا الصلت علّمني الكلام التي تكلّمت به.
قلت:و الله لقد نسيت الكلام من ساعتي و قد كنت صدقت فأمر بحبسي و دفن الرضا عليه السّلام فحبست سنة فضاق عليّ الحبس و سهرت الليلة و دعوت الله بدعاء ذكرت فيه محمّدا و آله صلوات الله عليهم و سألت الله تعالى بحقّهم أن يفرّج عنّي فلم أستتمّ الدعاء حتّى دخل عليّ أبو جعفر عليه السّلام فقال:يا أبا الصلت ضاق صدرك؟
قلت:إي و الله.
قال:قم.فاخرجني و ضرب بيده إلى القيود ففكّها و أخذ بيدي و أخرجني من الدار و الحرسة و الغلمة يروني فلم يستطيعوا أن يكلّموني و خرجت من باب الدار،ثمّ قال لي:امض في ودائع الله فإنّك لن تصل إليه و لا يصل إليك أبدا.
قال أبو الصلت:فلم التق مع المأمون إلى هذا الوقت (1).
و عن الحسن بن عبّاد كاتب الرضا عليه السّلام في حديث قال فيه أنّ الرضا عليه السّلام قال:إنّكم ستحفرون قبري و تجدون صورة سمكة من نحاس و عليها كتابة بالعبرانية.
قال:فوجدنا السمكة مكتوبا عليها بالعبرانية:هذه روضة عليّ بن موسى عليه السّلام و تلك حفرة هارون الجبّار فدفناها معه في لحده كما قال (2).8.
عن الهروي قال:سمعت الرضا عليه السّلام يقول:و الله ما منّا إلاّ مقتول شهيد.
فقيل له:فمن يقتلك يابن رسول الله؟
قال:شرّ خلق الله في زماني يقتلني بالسمّ ثمّ يدفنني في دار مضيقة و بلاد غربة ألا فمن زارني في غربتي كتب الله له أجر مائة ألف شهيد و مائة ألف صدّيق و مائة ألف حاج و معتمر و مائة ألف مجاهد و حشر في زمرتنا و جعل في الدرجات العلى من الجنّة رفيقنا (1).
عن النعمان بن سعد قال:قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام سيقتل رجل من ولدي بأرض خراسان بالسمّ ظلما إسمه إسمي و إسم أبيه إسم ابن عمران موسى عليه السّلام ألا فمن زاره في غربته غفر الله له ذنوبه ما تقدّم منها و ما تأخّر و لو كانت مثل عدد النجوم و قطر الأمطار و ورق الأشجار (2).
عليّ بن إبراهيم،عن ياسر قال:لمّا خرج المأمون من خراسان يريد بغداد،و خرج الفضل ذو الرّياستين و خرجنا مع أبي الحسن عليه السّلام و رد على الفضل بن سهل ذي الرّياستين كتاب من أخيه الحسن بن سهل (3)و نحن في بعض المنازل:إنّي نظرت في تحويل السنة في حساب النجوم فوجدت فيه أنّك تذوق في شهر كذا و كذا يوم الأربعاء حرّ الحديد و حرّ النار و أرى أن تدخل أنت و أمير المؤمنين و الرّضا الحمّام في هذا اليوم و تحتجم فيه و تصبّ على يديك الدّم ليزول عنك نحسه،فكتب ذو الرّياستين إلى المأمون بذلك و سأله أن يسأل أبا الحسن ذلك،فكتب المأمون إلى أبي الحسن يسأله ذلك.فكتب إليه أبو الحسن عليه السّلام:«لست بداخل الحمّام غدا و لا أرى لك و لا للفضل أن تدخلا الحمّام غدا».
فأعاد عليه الرّقعة مرّتين،فكتب إليه أبو الحسن:«يا أمير المؤمنين لست بداخل غدا الحمّام
فإنّي رأيت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم»في هذه اللّيلة في النوم فقال لي:«يا عليّ لا تدخل الحمّام غدا و لا أرى لك و لا للفضل أن تدخلا الحمّام غدا».
فكتب إليه المأمون:صدقت يا سيّدي و صدق رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لست بداخل الحمّام غدا و الفضل أعلم.
قال:فقال ياسر:فلمّا أمسينا و غابت الشمس قال لنا الرّضا عليه السّلام:قولوا:«نعوذ بالله من شرّ ما ينزل في هذه اللّيلة»فلم نزل نقول ذلك،فلمّا صلّى الرّضا عليه السّلام الصبح قال لي:«اصعد على السطح فاستمع هل تسمع شيئا»؟!فلمّا صعدت سمعت الضجّة و التحمت و كثرت فإذا نحن بالمأمون قد دخل من الباب الذي كان إلى داره من دار أبي الحسن و هو يقول:يا سيّدي يا أبا الحسن آجرك الله في الفضل فإنّه قد أبى و كان دخل الحمّام فدخل عليه قوم بالسيوف فقتلوه و اخذ ممّن دخل عليه ثلاث نفر كان أحدهم ابن خالة الفضل بن ذي القلمين.قال:فاجتمع الجند و القوّاد و من كان من رجال الفضل على باب المأمون فقالوا:هذا اغتاله و قتله-يعنون المأمون و لنطلبنّ بدمه و جاؤوا بالنيران ليحرقوا الباب،فقال المأمون لأبي الحسن عليه السّلام:يا سيّدي ترى أن تخرج إليهم و تفرّقهم.
قال:فقال ياسر:فركب أبو الحسن و قال لي:«إركب».فركبت فلمّا خرجنا من باب الدّار نظر إلى الناس و قد تزاحموا،فقال لهم بيده تفرّقوا تفرّقوا.
قال ياسر:فأقبل الناس و الله يقع بعضهم على بعض و ما أشار إلى أحد إلاّ ركض و مرّ (1).
عن أحمد الأنصاري قال:سألت أبو الصلت الهروي فقلت:كيف طابت نفس المأمون بقتل الرضا عليه السّلام مع إكرامه و محبّته له و ما جعل له من ولاية العهد بعده؟
فقال:إنّ المأمون إنّما كان يكرمه و يحبّه لمعرفته بفضله و جعل له ولاية العهد من بعده ليري الناس أنّه راغب في الدّنيا فيسقط محلّه من نفوسهم فلمّا لم يظهر منه إلاّ ما ازداد به فضلا عند الناس جلب عليه من المتكلّمين من البلدان طمعا في أن يقطعه واحد منهم فيسقط محلّه عند العلماء و يشتهر نقصه عند العامّة فكان لا يكلّمه أحد إلاّ قطعه عن حجّته و كان الناس يقولون إنّه أولى بالخلافة من المأمون و كانوا يرفعون ذلك إلى المأمون فيغتاظ و يشتدّ حسده و كان الرضا عليه السّلام لا يحابي المأمون من حقّ و كان يجيبه بما يكره في أكثر أحواله فيحقده عليه و لا يظهره فلمّا أعيته الحيلة اغتاله فقتله بالسمّ (2).
و عن القاسم بن إسماعيل قال:سمعت إبراهيم بن العبّاس يقول:لمّا عقد المأمون البيعة للرضا عليه السّلام قال له الرضا:يا أمير المؤمنين إنّ النصح واجب لك و الغشّ لا ينبغي لمؤمن أنّ العامّة تكره ما فعلت بي و الخاصّة تكره ما فعلت بالفضل بن سهل و الرأي لك أن تبعدنا عنك حتّى يصلح لك أمرك.
قال إبراهيم:فكان و الله قوله هذا السبب في الذي آل الأمر إليه (1).
و عن عليّ بن الحسين الكاتب أنّ الرضا عليه السّلام حمّ فعزم على الفصد فركب المأمون و قد كان قال لغلام له:فت هذا بيدك لشيء أخرجه من تربته و هي إناء من خزف ففته في صينية.
ثمّ قال:كن معي و لا تغسل يدك و ركب إلى الرضا عليه السّلام و جلس حتّى فصد بين يديه و قيل بل أخّر فصده و قال المأمون لذلك الغلام:هات من ذلك الرمّان و كان الرمّان في شجرة في دار الرضا عليه السّلام فقطف منه فقال:اجلس ففته ففت منه في جام فأمر بغسله ثمّ قال للرضا عليه السّلام:مصّ منه شيئا فقال حتّى يخرج أمير المؤمنين.
فقال:لا و الله إلاّ بحضرتي و لو لا خوفي أن يرطّب معدتي لمصصته معك فمصّ منه ملاعق و خرج المأمون فما صلّيت العصر حتّى قام الرضا عليه السّلام خمسين مجلسا و زاد الأمر في الليل فأصبح عليه السّلام ميّتا فكان آخر ما تكلّم به قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ (2)و كان أمر الله قدرا مقدورا و بكّر المأمون من الغد فأمر بغسله و تكفينه و مشى خلف جنازته حافيا حاسرا يقول:يا أخي لقد ثلم الإسلام بموتك و غلب القدر تقديري فيك فشقّ لحد الرشيد فدفنه معه و قال:أرجو أن ينفعه الله تبارك و تعالى بقربه (3).
بشائر المصطفى،عن عبد الله بن بشر قال:أمرني المأمون أن أطوّل أظفاري على العادة و لا أظهر ذلك لأحد ففعلت ثمّ استدعاني فأخرج إليّ شيئا يشبه التمر الهندي فقال لي:إعجن هذا بيديك جميعا،ففعلت ثمّ قام و تركني و دخل على الرضا عليه السّلام و قال له:ما خبرك؟لأنّه أكل معه طعاما فاعتلّ الرضا عليه السّلام و تمارض هو فقال عليه السّلام:أرجو أن أكون صالحا قال له:أنا اليوم بحمد الله أيضا صالح فهل جاءك أحد من الأطبّاء في هذا اليوم؟
قال:لا،فغضب المأمون فصاح على غلمانه ثمّ قال فخذ ماء الرمّان الساعة فإنّه ممّا لا يستغنى عنه ثمّ دعاني فقال:ائتني برمّان فأتيته به فقال لي:اعصر بيديك ففعلت و سقاه المأمون الرضا عليه السّلام.و كان ذلك سبب وفاته فلم يلبث إلاّ يومين حتّى مات عليه السّلام (1).
و روي عن محمّد بن الجهم قال:كان الرضا عليه السّلام يعجبه العنب فأخذ له منه شيئا فجعل في موضع أعماقه الإبر أيّاما ثمّ نزع وجيء به إليه فأكل منه و هو في علّته التي ذكرنا فقتله و ذكر أنّ ذلك من لطيف السموم (2).
و في بشائر المصطفى،قبض الرضا عليه السّلام بطوس من أرض خراسان في صفر سنة ثلاث و مائتين و له يومئذ خمس و خمسون سنة و مدّة إمامته بعد أبيه عشرون سنة (3).
و في الكافي توفّي و هو ابن تسع و أربعين سنة.
و قال الشيخ الكفعمي طاب ثراه:توفّي عليه السّلام سابع عشر شهر صفر يوم الثلاثاء سنة ثلاث و مائتين سمّه المأمون في عنب و كان له إحدى و خمسون سنة (4).
و قيل:توفّي عليه السّلام في الثالث و العشرين من ذي القعدة.
و في كتاب المناقب يوم الجمعة لسبع بقين من رمضان و قيل غير ذلك.
و عن ياسر الخادم قال:لمّا كان بيننا و بين طوس سبعة منازل اعتلّ الرضا عليه السّلام فدخلنا و قد اشتدّت به العلّة فبقينا بطوس أيّاما فكان المأمون يأتيه في كلّ يوم مرّتين،فلمّا كان في آخر اليوم الذي قبض فيه كان ضعيفا في ذلك اليوم فقال لي بعد ما صلّى الظهر:يا ياسر أكل الناس شيئا؟
قلت:يا سيّدي من يأكل هاهنا مع ما أنت فيه فانتصب ثمّ قال:هاتوا المائدة و لم يدع من حشمه أحدا إلاّ أقعده معه على المائدة يتفقّدهم واحدا واحدا فلمّا أكلوا قال:إبعثوا إلى النساء بالطعام فحمل الطعام إلى النساء فلمّا فرغوا من الأكل أغمي عليه و ضعف فوقعت الصيحة و جاءت جواري المأمون و نساؤه حافيات حاسرات و وقعت الصيحة بطوس،و جاءت المأمون حافيا حاسرا يضرب على رأسه و يقبض على لحيته و يتأسّف و يبكي فوقف على الرضا عليه السّلام و قد أفاق فقال:يا سيّدي و الله ما أدري أيّ المصيبتين أعظم عليّ فقدي لك و فراقي إيّاك و تهمة الناس لي إنّي اغتلتك و قتلتك فرفع طرفه إليه.
ثمّ قال:أحسن يا أمير المؤمنين معاشرة أبي جعفر فإنّ عمرك و عمره هكذا و جمع بين سبّابتيه1.
فلمّا كان من تلك الليلة قضي عليه بعد ما ذهب من الليل بعضه،فلمّا أصبح اجتمع الخلق و قالوا:
هذا قتله و اغتاله يعني المأمون و قالوا:قتل ابن رسول الله و أكثروا القول.
و كان محمّد بن جعفر عمّ الرضا عليه السّلام مع المأمون فقال له:اخرج إلى الناس و اعلمهم أنّ أبا الحسن لا يخرج اليوم و كره أن يخرجه فتقع الفتنة فخرج محمّد بن جعفر إلى الناس فقال:أيّها الناس تفرّقوا فإنّ أبا الحسن لا يخرج اليوم،فتفرّق الناس و غسّل في الليل و دفن (1).
و عن محمّد بن سنان قال:قبض عليّ بن موسى عليه السّلام و هو ابن تسع و أربعين سنة و أشهر،في عام اثنين و مائتين.
و عاش بعد موسى بن جعفر عشرين سنة إلاّ شهرين أو ثلاثة (2).
و قيل توفي عليه السّلام بطوس في قرية يقال لها:سناباد من نوقان على دعوة.و دفن بها و كان المأمون أشخصه من المدينة إلى مرو على طريق البصرة و فارس.فلمّا خرج المأمون و شخص إلى بغداد أشخصه معه،فتوفّي في هذه القرية (3).
و ذلك لما أخذ هارون البيعة لابنه محمد الأمين،و بعد للمأمون و قسم البلاد بينهما بأن جعل شرقي عقبة حلوان من نهاوند و قم و كاشان و أصفهان و فارس و كرمان إلى حيث يبلغ ملكه من جهة الغرب للمأمون و أمره أن يسكن في مرو و جعل غربيها إلى جهة الشرق لمحمد الأمين و أمره أن يسكن في بغداد فكان المأمون في حياة أبيه في مرو فلما مات أبوه في خراسان وقع النزاع بين المأمون و أخيه فقتل المأمون أخاه و استقل في السلطنة و جرى حكمه في شرق الأرض و غربها فأنهض علي بن موسى الرضا إلى مرو لغرض ما ثم بلغه الإختلاف في عراق العرب فنهض إلى بغداد لتداركه و أنهض معه علي بن موسى عليهما السّلام فتوفي عليه السّلام في سناباد بالسم (4).
و قيل:قبض في شهر رمضان (5)من شهور سنة ثلاث و مائتين و العلم عند الله.
قال الصدوق(رحمه الله):قتله المأمون بالسم.
و هذا الذي ذكره الصدوق هو المشهور بين علماء الإمامية،و قد دلت عليه روايات كثيرة، و قيل:مات عليه السّلام بأجله،و نقل عن صاحب كشف الغمة أنه قال:بلغني ممن أثق به أن السيد رضي).
1) البحار:300/49 ح 9،و مسند الإمام الرضا:131/1.
2) الكافي:492/1،و مسند الإمام الرضا:131/1.
3) الكافي:486/1،و البحار:292/49 ح 2.
4) شرح أصول الكافي:274/7.
5) قوله(و قيل:قبض في شهر رمضان)كان شهر رمضان تلك السنة في صميم الشتاء على ما يستفاد من الزيجات و كان صفر في برج السنبلة و السفر في الشتاء في بلاد خراسان مشقة على الجنود و مواكب السلاطين و لم يكن شهر رمضان فصل العنب فالصحيح أن قتل الإمام عليه السّلام في صفر كما هو معروف.(ش).
الدين علي بن طاووس(رحمه الله)كان لا يوافق على أن المأمون سم علي بن موسى عليهما السّلام و لا يعتقده (1).
الكليني،عن علي بن ابراهيم،عن أبيه،عن علي بن مهزيار قال:قلت لأبي جعفر عليه السّلام جعلت فداك زيارة الرضا عليه السّلام أفضل أم زيارة أبي عبد الله الحسين عليه السّلام فقال:زيارة أبي أفضل و ذلك انّ أبا عبد الله عليه السّلام يزوره كل الناس و أبي لا يزوره إلاّ الخواص من الشيعة (2).
الكليني،عن أبي علي الأشعري،عن الحسن بن علي الكوفي،عن الحسين بن سيف،عن محمّد بن اسلم،عن محمّد بن سليمان قال:سألت أبا جعفر عليه السّلام عن رجل حج حجة الإسلام فدخل متمتعا بالعمرة إلى الحج فأعانه الله على عمرته و حجه ثمّ أتى المدينة فسلم على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ أتاك عارفا بحقك يعلم انّك حجة الله على خلقه و بابه الذي يؤتى منه فسلم عليك ثمّ أتى أبا عبد الله الحسين صلوات الله عليه فسلم عليه ثمّ أتى بغداد و سلم على ابى الحسن موسى عليه السّلام ثمّ انصرف إلى بلاده فلما كان في وقت الحج رزقه الله الحج فأيّهما أفضل هذا الذي قد حج حجة الإسلام يرجع أيضا فيحج أو يخرج إلى خراسان إلى أبيك علي بن موسى عليه السّلام فيسلم عليه؟
قال:لا بل يأتي خراسان فيسلم على أبي الحسن عليه السّلام أفضل و ليكن ذلك في رجب و لا ينبغي أن تفعلوا في هذا اليوم فإنّ علينا و عليكم من السلطان شنعة (3).
الكليني،عن محمّد بن يحيى،عن علي بن ابراهيم الجعفري،عن حمدان بن اسحاق قال:
سمعت أبا جعفر عليه السّلام أو حكى لي عن رجل عن أبي جعفر عليه السّلام-الشك من علي بن ابراهيم-قال قال أبو جعفر عليه السّلام:من زار قبر أبي بطوس غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر.
قال:فحججت بعد الزيارة فلقيت أيّوب بن نوح فقال لي قال أبو جعفر الثاني عليه السّلام:من زار قبر أبي بطوس غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و بنى الله له منبرا في حذاء منبر محمّد و علي عليهما السّلام حتى يفرغ الله من حساب الخلائق،فرأيته و قد زار فقال:جئت أطلب المنبر (4).
الكليني،عن محمّد بن يحيى،عن علي بن الحسين النيسابوري،عن ابراهيم بن أحمد،عن عبد الرحمن بن سعيد المكي،عن يحيى بن سليمان المازني،عن أبي الحسن موسى عليه السّلام قال:من زار قبر ولدي علي كان له عند الله كسبعين حجة مبرورة قال قلت:سبعين حجة؟
قال:نعم و سبعين ألف حجة قال قلت:سبعين ألف حجة؟
قال:ربّ حجة لا تقبل،من زاره و بات عنده ليلة كان كمن زار الله في عرشه.
قال:نعم إذا كان يوم القيامة كان على عرش الرحمن أربعة من الأولين و أربعة من الآخرين فامّا الأربعة الذين هم من الأولين:فنوح و ابراهيم و موسى و عيسى عليهم السّلام و امّا الأربعة من الآخرين:
فمحمد و علي و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم ثمّ يمدّ المضمار فيقعد معنا من زار قبور الأئمة عليهم السّلام إلاّ انّ أعلاهم درجة و أقربهم حبوة زوّار قبر ولدي علي عليه السّلام (1).
الصدوق،عن ماجيلويه،عن علي،عن أبيه،عن عبد الرحمن بن حماد،عن عبد الله بن ابراهيم،عن أبيه،عن حسين بن زيد،عن الصادق عليه السّلام قال:سمعته يقول:يخرج رجل من ولد ابني موسى اسمه اسم أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيدفن في أرض طوس و هي بخراسان يقتل فيها بالسم فيدفن فيها غريبا من زاره عارفا بحقه أعطاه الله عزّ و جلّ أجر من أنفق قبل الفتح و قاتل (2).
الصدوق،عن الهمداني،عن علي بن ابراهيم،عن اليقطيني،عن محمّد بن سليمان البصري، عن أبيه،عن ابراهيم بن أبي حجر،عن قبيصة،عن جابر بن يزيد الجعفي،عن أبي جعفر عليه السّلام عن أبيه،عن جده،عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم قال قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ستدفن بضعة منّي بخراسان ما زارها مكروب إلاّ نفّس الله كربته و لا مذنب إلاّ غفر الله ذنوبه (3).
الصدوق،عن ابن ناتانه،عن علي،عن أبيه،عن ابن أبي عمير،عن حمزة بن حمران قال:
قال أبو عبد الله عليه السّلام:يقتل أحد حفدتي بأرض خراسان في مدينة يقال لها طوس من زاره فيها عارفا بحقه أخذته بيدي يوم القيامة و أدخلته الجنة و إن كان من أهل الكبائر قلت:جعلت فداك و ما عرفان حقه؟
قال:يعلم انّه مفترض الطاعة غريب شهيد من زاره عارفا بحقه أعطاه الله عز و جلّ أجر سبعين شهيدا ممن استشهد بين يدي رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على حقيقة (4).
الصدوق،عن ابن موسى،عن الأسدي،عن أحمد بن محمّد بن صالح،عن حمدان الديواني قال قال الرضا عليه السّلام:من زارني على بعد داري أتيته يوم القيامة في ثلاثة مواطن حتى أخلصه من أهوالها:إذا تطايرت الكتب يمينا و شمالا و عند الصراط و عند الميزان (5).9.
الصدوق،عن الوراق،عن سعد،عن عمران بن موسى،عن الحسن بن علي بن النعمان،عن محمّد بن فضيل،عن غزوان الضبي،عن عبد الرحمن بن اسحاق،عن النعمان بن سعد قال:قال أمير المؤمنين عليه السّلام:سيقتل رجل من ولدي بأرض خراسان بالسم ظلما إسمه إسمي و إسم أبيه اسم ابن عمران موسى عليه السّلام ألا فمن زاره في غربته غفر الله ذنوبه ما تقدم منها و ما تأخر و لو كانت مثل عدد النجوم و قطر الأمطار و ورق الأشجار (1).
-الصدوق،عن الهمداني،عن علي،عن أبيه،عن ياسر الخادم قال قال الرضا عليه السّلام:لا تشد الرحال إلى شيء من القبور إلاّ إلى قبورنا ألا و اني مقتول بالسم ظلما و مدفون في موضع غربة فمن شد رحله إلى زيارتي استجيب دعاؤه و غفر له ذنبه (2).
-الصدوق،عن ماجيلويه،عن علي،عن أبيه،عن الهروي قال:سمعت الرضا عليه السّلام يقول:
اني سأقتل بالسم مسموما و مظلوما و اقبر إلى جانب هارون و يجعل الله عزّ و جلّ تربتي مختلف شيعتي و أهل بيتي فمن زارني في غربتي و جبت له زيارتي يوم القيامة و الذي أكرم محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالنبوة و اصطفاه على جميع الخليقة لا يصلي أحد منكم عند قبري ركعتين إلاّ استحق المغفرة من الله عزّ و جلّ يوم يلقاه و الذي أكرمنا بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالامامة و خصنا بالوصية انّ زوار قبري لأكرم الوفود على الله يوم القيامة و ما من مؤمن يزورني فتصيب وجهه قطرة من السماء إلاّ حرّم الله عزّ و جلّ جسده على النار (3).
-الصدوق،عن الفامي،عن ابن بطة،عن محمّد بن علي بن محبوب،عن ابراهيم بن هاشم، عن سليمان بن حفص قال سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السّلام يقول:انّ ابني عليّا مقتول بالسم ظلما و مدفون إلى جانب هارون بطوس من زاره كمن زار رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (4).
-الصدوق،عن ابن الوليد،عن الصفار،عن ابن عيسى،عن الوشاء قال قال الرضا عليه السّلام:
إنّي ساقتل بالسم مظلوما فمن زارني عارفا بحقي غفر الله ما تقدم من ذنبه و ما تأخر (5).
-الصدوق،عن الطالقاني،عن أحمد الهمداني،عن المنذر بن محمّد،عن جعفر بن سليمان،عن عبد الله بن الفضل قال:كنت عند أبي عبد الله عليه السّلام فدخل عليه رجل من أهل طوس فقال له:يابن رسول الله ما لمن زار قبر أبي عبد الله الحسين بن علي عليه السّلام؟
فقال له:يا طوسي من زار قبر أبي عبد الله الحسين بن علي عليهما السّلام و هو يعلم انّه إمام من الله مفترض الطاعة على العباد غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و قبل شفاعته في سبعين مذنبا و لم يسأل الله جل و عز عند قبره حاجة إلاّ قضاها له.7.
قال فدخل موسى بن جعفر عليه السّلام فأجلسه على فخذه و أقبل يقبل ما بين عينيه ثمّ التفت إليه فقال له:يا طوسي انّه الإمام و الخليفة و الحجة بعدي و انّه سيخرج من صلبه رجل يكون رضا لله عزّ و جلّ في سمائه و لعباده في ارضه يقتل في أرضكم بالسم ظلما و عدوانا و يدفن بها غريبا ألا فمن زاره في غربته و هو يعلم انّه امام بعد أبيه مفترض الطاعة من الله عزّ و جلّ كان كمن زار رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (1).
-الصدوق،عن أبيه،عن سعد بن عبد الله،عن أحمد بن محمّد بن عيسى،و محمّد الحسين بن أبي الخطاب،عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي قال:قرأت كتاب أبي الحسن الرضا عليه السّلام:أبلغ شيعتي أنّ زيارتي تعدل عند الله ألف حجة.
قال:فقلت لأبي جعفر ابنه عليه السّلام:ألف حجة؟
قال:إي و الله و ألف ألف حجة لمن زاره عارفا بحقه (2).
-الصدوق بهذا الاسناد عن البزنطي قال:سمعت الرضا عليه السّلام يقول:ما زارني أحد من أوليائي عارفا بحقي إلاّ شفّعت فيه يوم القيامة (3).
-الصدوق،عن الطالقاني،عن عبد العزيز بن يحيى،عن محمّد بن زكريا،عن ابن عمارة، عن أبيه،عن الصادق جعفر بن محمّد،عن أبيه،عن آبائه،عن أمير المؤمنين عليهم السّلام قال قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:سيدفن بضعة منّي بأرض خراسان لا يزورها مؤمن إلاّ أوجب الله عزّ و جلّ له الجنة و حرم جسده على النار (4).
-الصدوق،عن القطاني و الليثي و الطالقاني و النقاش،عن أحمد بن محمّد بن سعيد الهمداني،عن ابن فضال،عن أبيه،عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السّلام انّه قال:إنّ بخراسان لبقعة يأتي عليها زمان تصير مختلف الملائكة و لا يزال فوج ينزل من السماء و فوج يصعد إلى أن ينفخ في الصور،فقيل له يابن رسول الله و أيّ بقعة هذه؟
قال:هي بأرض طوس و هي و الله روضة من رياض الجنة،من زارني في تلك البقعة كان كمن زار رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كتب الله تعالى له ثواب ألف حجة مبرورة و ألف عمرة مقبولة و كنت أنا و آبائي شفعاؤه يوم القيامة (5).
-الصدوق،عن أبيه،عن سعد بن عبد الله،عن أحمد بن محمّد بن عيسى،عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال:سألت أبا جعفر عليه السّلام:ما تقول لمن زار أباك؟5.
قال:الجنة و الله (1).
-الصدوق،عن ماجيلويه،عن علي بن ابراهيم،عن أبيه،عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني،عن أبي جعفر محمّد بن علي الرضا عليهما السّلام قال:ضمنت لمن زار أبي عليه السّلام بطوس عارفا بحقه الجنّة على الله تعالى (2).
و في الأمالي عن عليّ بن الحسن بن فضّال عن أبيه قال رجل من أهل خراسان للرضا عليه السّلام:
يابن رسول الله رأيت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المنام كأنّه يقول لي:كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بعضي و استحفظتم و ديعتي و غيب في ثراكم نجمي؟
فقال له الرضا عليه السّلام:أنا المدفون في أرضكم و أنا بضعة من نبيّكم و أنا الوديعة و النجم،ألا فمن زارني و هو يعرف ما أوجب الله تبارك و تعالى من حقّي و طاعتي فأنا و آبائي شفعاؤه يوم القيامة و من كنّا شفعاؤه يوم القيامة نجا و لو كان عليه مثل وزر الثقلين الجنّ و الإنس.
و لقد حدّثني أبي عن جدّي عن أبيه عليهم السّلام أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:من رآني في منامه فقد رآني، لأنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي و لا في صورة أحد من أوصيائي و لا في صورة أحد من شيعتهم و أنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزء من النبوّة (3).
و عن عليّ بن الحسن قال:لقيت رجلا من أهل مصر فذكر أنّه خرج زائرا إلى مشهد الرضا عليه السّلام و أنّه لمّا دخل المشهد ليلا و زار و صلّى سأل الخادم أن يغلق عليه الباب و يدعه في المشهد ليصلّي فيه،فغلق عليه الباب و كان يصلّي وحده إلى أن أعيا فجلس و وضع رأسه على ركبتيه ليستريح ساعة، فلمّا رفع رأسه رأى في الجدار مواجهة وجهه رقعة عليها هذان البيتان،شعر:
من سرّه أن يرى قبرا برؤيته يفرّج الله عمّن زاره كربة
فليأت ذا القبر أنّ الله أسكنه سلالة من نبيّ الله منتجبة
قال:فقمت و أخذت في الصلاة إلى وقت السحر ثمّ جلست كجلستي الاولى و وضعت رأسي على ركبتي فلمّا رفعت رأسي لم أر على الجدار شيئا و كان الذي أراه مكتوبا رطبا كأنّه كتب في تلك الساعة فانفجر الصبح و فتح الباب (4).
و في عيون الأخبار عن علي بن أحمد المعدل قال:رأى رجل من الصالحين فيما يرى النائم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال له:يا رسول الله من أزور من أولادك؟
فقال:إنّ من أولادي من أتاني مسموما و إنّ من أولادي من أتاني مقتولا فقلت له:فمن أزور منهم يا رسول الله مع تشتّت أماكنهم؟
قال:من هو أقرب منك بالمجاورة و هو مدفون بأرض الغربة.
فقلت:يا رسول الله يعني الرضا.
فقال:قل صلّى الله عليه و آله قل:صلّى الله عليه و آله قل:صلّى الله عليه و آله (1).
و عن محمّد بن عبد الله الحكمي قال:دخل رجل من أهل الري إلى زيارة قبر الرضا عليه السّلام و قال لخدّام المشهد:اخلوا لي المشهد هذه الليلة و ادفعوا إليّ مفاتحه ففعلوا ذلك.
قال:فصلّيت ما شاء الله و ابتدأت في قراءة القرآن،من أوّله،فكنت أسمع صوتا بالقرآن كما أقرأ،فقطعت صلاتي وزرت المشهد كلّه و طلبت نواحيه فلم أر أحدا فعدت إلى مكاني و أخذت في القرآن من أوّل القرآن فكنت أسمع الصوت كما أقرأ لا ينقطع فسكت هنيهة و أصغيت باذني فإذا الصوت من القبر فكنت أسمع مثل ما أقرأ حتّى بلغت آخر سورة مريم عليها السّلام فقرأت: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً* وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (2).
فقال لي:من أين جئت بهذا؟
فقلت:وقع لي احتياج بمعرفتها في أمر حدث فقال:هذه قراءة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من رواية أهل البيت عليهم السّلام ثمّ استحكاني السبب الذي من أجله سألت عن هذه القراءة فقصصت عليه القصّة و صحّت لي القراءة (3).
و عن محمّد الهروي قال:حضر المشهد رجل من أهل بلخ و معه مملوك له فقام الرجل عند رأس الرضا عليه السّلام يصلّي و قام مملوكه عند رجليه فلمّا فرغا من الصلاة سجدا و أطالا السجود فرفع الرجل رأسه من السجود و دعا بالمملوك فقال:تريد الحرية؟
قال:نعم.
قال:أنت حرّ لوجه الله تعالى و مملوكتي فلانة حرّة لوجه الله تعالى و قد زوّجتها منها بكذا و كذا من الصّداق و ضمنت لها ذلك عنك وضيعتي الفلانية وقف عليكما و على أولادكما و أولاد أولادكما ما تناسلوا بشهادة هذا الإمام عليه السّلام فبكى الغلام و حلف بالله و بالإمام أنّه ما كان يسأل في6.
سجوده إلاّ هذه الحاجة بعينها و قد تعرّفت الإجابة من الله عزّ و جلّ بهذه السرعة (1).
و عن محمّد بن أحمد النيسابوري قال:كنت في خدمة الأمير أبي نصر الصغاني و كان محسنا إليّ و كان أصحابه يحسدونني على ميله إليّ فسلّم إليّ يوما كيسا مختوما فيه ثلاثة آلاف درهم و أمرني أن أسلّمه في خزانته،فخرجت من عنده و جلست في المكان الذي يجلس فيه الحجّاب فسرق الكيس منّي،و كان للأمير غلام يقال له:خطلخ ناش و كان حاضرا و قال الحاضرون:ما نعلم الكيس و لا خبره فكرهت تعريف الأمير ذلك خشية أن يتّهمني،و كان أبي إذا وقع له أمر يحزنه فزع إلى مشهد الرضا عليه السّلام و يفرّج عنه فقلت للأمير:تأذن لي بالخروج إلى طوس،لأنّ غلامي الطوسي هرب منّي و قد فقدت الكيس و أنا أتّهمه به فقال:و من يضمن لي الكيس إن تأخّرت؟
فقلت:إن لم أعد بعد أربعين يوما فمنزلي و ملكي بين يديك فكتب عليّ كتابا و أذن لي فأتيت حتّى وافيت المشهد فدعوت الله عند رأس القبر أن يطلعني على موضع الكيس فذهب بي النوم فرأيت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المنام فقال لي:الكيس سرقه خطلخ ناش و دفنه تحت الكانون في بيته و هو هناك بختم الأمير،فانصرفت إلى الأمير قبل الميعاد بثلاثة أيّام،فلمّا دخلت عليه قلت:قد قضيت حاجتي فقال:الحمد لله.
فقلت الكيس مع خطلخ ناش فقال:من أين علمت؟
قلت:أخبرني رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في منامي عند قبر الرضا عليه السّلام،فاقشعرّ بدنه لذلك و أمر بإحضار خطلخ تاش فقال له:أين الكيس فأنكر و كان من أعزّ غلمانه فأمر أن يهدّد بالضرب فقلت:
أيّها الأمير لا تأمر بضربه فإنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخبرني بموضع الكيس.
قال:و أين هو؟
قلت:في بيته مدفون تحت الكانون،فوجّه إلى منزله و حفروا فوجدوه بختم الأمير فوضع بين يديه فقال:يا أبا نصر لم أكن عرفت فضلك قبل هذا الوقت و سأزيدك في برّك و إكرامك.
ثمّ خفت من الأتراك أن يحقدوا عليّ بما جرى فجلست في الحانوت أبيع التين (2).
و عن محمّد بن أبي الفضل قال:خرج حمويه صاحب جيش خراسان ذات يوم بنيشابور لينظر إلى من كان معه من القوّاد فمرّ به رجل فقال لغلامه:ردّه إلى الدار حتّى أعود فلمّا عاد مع قوّاده و حضر الطعام إستدعى بالرجل فأكل على المائدة فلمّا فرغ قال له:معك حمار؟
قال:لا،فأمر له بحمار ثمّ قال له:معك دراهم النفقة؟
قال:لا،فأمر له بألف درهم و بزوج جواليق خوزبه و بسفرة و آلات ذكرها ثمّ التفت الأمير0.
إلى القوّاد فقال:اعلموا أنّي كنت في شبابي زرت الرضا عليه السّلام و عليّ اطمار رثة و رأيت هذا الرجل هناك و كنت أدعو الله عزّ و جلّ عند القبر أن يرزقني ولاية خراسان و سمعت هذا الرجل يسأل الله عزّ و جلّ ما قد أمرت له به فرأيت حسن إجابة الله سبحانه لي ببركة ذلك المشهد،فأحببت أن أرى حسن إجابة الله تعالى لهذا الرجل على يدي و لكن بيني و بينه قصاص و هو أنّ هذا الرجل لمّا رآني و عليّ تلك الأطمار الرثة و سمع طلبي لشيء عظيم فصغر عنده محلّي في الوقت و ركلني برجله و قال لي:مثلك بهذا الحال يطمع في ولاية خراسان وقود الجيش؟
فقال له القوّاد:أيّها الأمير اعف عنه حتّى تكون قد أكملت الصنيعة إليه فقال:قد فعلت (1).
و عن عامر بن عبد الله و كان من أصحاب الحديث قال:حضرت مشهد الرضا عليه السّلام فرأيت رجلا تركيا قد دخل القبّة و وقف عند الرأس و جعل يبكي و يدعو بالتركية و يقول:يا ربّ إن كان ابني حيّا فاجمع بيني و بينه و إن كان ميّتا فاجعلني من خبره على علم فقلت له بالتركية:أيّها الرجل ما لك؟
قال:كان معي ابني في حرب إسحاقاباد ففقدته و لا أعرف خبره و لم أزل أديم البكاء عليه فأنا أدعو الله تعالى هاهنا لأنّي سمعت أنّ الدّعاء في هذا المشهد الشريف مستجاب،فرحمته و أخذت بيده و أخرجته لأضيّفه ذلك اليوم فلمّا خرجنا من المسجد لقينا رجلا طويلا مخيطا عليه مرقعة فلمّا بصر بذلك التركي وثب إليه و عانقه و بكى و عرف كلّ واحد منهما صاحبه فإذا هو ابنه فسألته كيف وقعت إلى هذا الموضع؟
فقال:قد وقعت إلى طبرستان بعد حرب اسحاقاباد و ربّاني ديلمي هناك و الآن لمّا كبرت خرجت في طلب أبي و امّي.
فقال التركي:قد ظهر لي من أمر هذا المشهد ما صحّ لي به يقيني و قد آليت على نفسي أن لا افارق هذا المشهد ما بقيت (2).
قال السيد نعمت الله الجزائري:كنت قاصدا زيارة المشهد الرضوي على ساكنه من الصلوات أكملها و من التحيّات أسناها و أجزلها و لمّا منّ الله سبحانه بحصول المطلوب رجعت على طريق استراباد فأقمت فيه أيّاما و كان ذلك بعد أن أغار الأتراك على تلك البلاد و نهبوا الأموال و أسروا الأولاد و النساء و كان ذلك في عشر الثمانين بعد الألف أغار عليهم الملعون انوشه حاكم اركبخ
و كان أهل تلك البلاد يمضون إلى بلاد الترك يشترون أولادهم و نساءهم و حدّثني رجل من أفاضل السادة و صلحائها في تلك البلدة أنّ امرأة كانت لها صبيّة أسرت في جملة الاسارى و بقيت تبكي عليها أيّاما و شهورا ثمّ قالت يوما:إنّ الرضا عليه السّلام ضمن الجنّة لمن زاره فأنا أمضي إلى زيارته و أدعو الله تحت قبّته أن يرد عليّ ابنتي.
فقصدت المشهد الشريف و صارت تدعو الله سبحانه،و أمّا ابنتها فإنّها لمّا أسرها الترك اشتراها تاجر من أهل بخارى فوقعت هناك،و كان في بخارى رجل مؤمن من التجّار فرأى ليلة في المنام كأنّه وقع في لجّة بحر محيط و هو يسبح فبعد أن أعيا وقع إلى الجرف و ما استطاع الخروج، فرأى صبيّة واقفة على الجرف فمدّت يدها إليه و أخرجته من البحر فتأمّلها في المنام و عرف صورتها فانتبه مذعورا،فلمّا صار الصباح غدا إلى الخان ليشتري متاعا فقال له رجل تاجر:إنّ عندي جارية أسيرة و اريد بيعها فمضى معه ينظر إليها،فلمّا كشف عن وجهها تحقّق أنّها التي رآها في المنام و قد أخرجته من البحر فاشتراها و أتى بها منزله فرحا مسرورا فقال لها:من أيّ الأسارى أنت؟
قالت:من أسارى استراباد فرقّ لها و بكى و قال لها عندي أولاد فمن أردتيه أزوّجك به و تكونين عندي بمنزلة البنت،قالت:كلّ من يشرط لي أن يحملني إلى زيارة مشهد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام أرضين به،فقبل ذلك الشرط واحد من أولاده و زوّجه بها ثمّ حملها معه إلى المشهد الرضوي فتمرّضت في الطريق و لمّا دخل البلد الشريف استأجر دارا و كان يمرّض الجارية و بقى على ذلك أيّاما حتّى أعياه ذلك الحال فدعى الله تعالى تحت القبّة أن يقع على امرأة تقوم بتمريضها و تحتاج إليه فلمّا خرج من القبّة المباركة رأى عجوزا تمشي في المشهد فأظهر لها الالتماس بأن تأتي معه إلى داره و تقوم على امرأته أيّام مرضها و أن يحسن إليها.
فقالت له:أنا امرأة غريبة و أنت رجل غريب فأقوم بتمريض امرأتك لأجل هذا الإمام المفترض الطاعة،فأخذها معه إلى منزله،فلمّا دخلت العجوز عليها كشفت الثوب عن وجهها فلمّا نظرت إليها غشي عليها،و أمّا الجارية فإنّها لمّا فتحت عينها نظرت إلى العجوز فعرفتها أنّها امّها فتعارفا و تباكيا فتحيّر الرجل،فلمّا أفاقا أطلعها على حالهما ففرح الرجل و سرّ بذلك و بقيت المرأة مع ابنتها و زوجها،و أمّا الملعون انوشا فإنّه لمّا فعل ذلك الفعل الشنيع سلّط الله عليه ولده ففقأ عينيه و أخرجه من الملك و تملّك ثمّ أغار الترك على الولد و قتلوه و ملك بعده ولده الآخر فقتلوه أيضا و انتقل الملك إلى غيرهم و أحوجه الله سبحانه حتّى جاء إلى تبريز و كان بها يتجرّع غصّة الزمان إلى هذا الوقت و هو أوائل عام التاسع بعد المائة و الألف ثمّ مضى إلى جوار الزبانية في أشدّ العذاب و الحمد لله ربّ العالمين (1).ط.
1) رياض الأبرار،مخطوط.
و قال دعبل في مراثيه عليه السّلام مرثية:
ألا يا لعين بالدموع استهلت و لو نقرت ماء الشؤون لقلت
على من بكته الأرض فاسترجعت له رؤوس الجبال الشامخات و ذلّت
و قد اعولت تبكي السماء لفقده و أنجمها ناحت عليه و كلّت
فنحن عليه اليوم أجدر بالبكاء لمرزية عزت علينا و جلّت
رزينا رضيّ الله سبط نبيّنا فأخلفت الدنيا له و تولّت
و ما خير دنيا بعد آل محمّد ألاّ لا تباليها إذا ما اضمحلّت
تجلّت مصيبات الزمان و لا أرى مصيبتنا بالمصطفين تجلّت (1)
و قال أيضا مرثية:
أميّة معذورين إن قتلوا و لا أرى لبني العبّاس من عذر
أولاد حرب و مروان و أسرتهم بنو معيط ولاة الحقد و الوغر
قوم قتلتم على الإسلام أوّلهم حتّى إذا استمسكوا جازوا على الكفر
أربع بطوس على قبر الزكيّ به إن كنت تربع من دين علي وطر
قبران في طوس خير الناس كلّهم و قبر شرّهم هذا من العبر
ما ينفع الرجس من قرب الزكيّ و ما على الزكيّ يقرب النجس من ضرر
هيهات كلّ امرىء رهن بما كسبت له يداه فخذ ما شئت أو قدر (2)
و ذلك من طرق:
*الطريق الأول:أنه صلوات الله عليه كان أفضل خلق الله بعد أبيه و أعلم أهل زمانه و أورعهم و أعبدهم و أزهدهم و أشجعهم (3).
1) مناقب آل أبي طالب:484/3.
2) عيون أخبار الرضا:282/1،و أمالي الصدوق:758.
3) شرح الشمائل المحمدية:156/1 باب ما جاء في تختم الرسول،و دلائل الإمامة:190،و أخبار الدول:113،و نهج الحق:258،و الصواعق المحرقة:204 ط.مصر و ط.بيروت 309 باب 11 مقصده 5 فصل 3،و الكامل في التاريخ:162/4،و الارشاد:254/2،و الخرائج و الجرائح:337/1، و البحار:48/49،و روضة الواعظين:222،و الفصول المهمة:233.
و قد ثبت بدلالة العقول تقديم الافضل على المفضول و العالم على الجاهل.
قال ابراهيم بن العباس:ما رأيت و لا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا عليه السّلام ما جفا و لا اتكى قبله؛و لا شتم مواليه و مماليكه،و لا قهقه في ضحكه،و كان يجلس على مائدة مماليكه و مواليه،قليل النوم بالليل،يحيي اكثر لياليه من أولها إلى آخرها،كثير الصوم،كثير المعروف و الصدقة في السر و اكثر ذلك في الليالي المظلمة فمن زعم انه رأى قبله في فضله فلا تصدقوه (1).
و قال:ما رأيته سئل عن شيء قط إلاّ علمه (2)و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان الى وقته و عصره (3).
و قال المأمون:يا سلمان هذا أعلم هاشمي (4).
و كان يعلم بما في الضمائر (5).
و مناظراته العلمية خير دليل على فضله و علمه و ورعه و زهده (6).
و قال أبو الصلت:ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا عليه السّلام و لا رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي و كان و الله أفصح الناس و اعلمهم (7).
و مدحه ابن عربي بصلواته قائلا:
(صلوات الله...على السر الإلهي،و الرائي للحقائق كما هي،النور اللاهوتي،و الإنسان الجبروتي،و الأصل الملكوتي،و العالم الناسوتي...الحجة القاطعة الربانية محقق الحقائق الامكانية ازل الابديات و أبد الازليات...قران المجملات الأحدية و فرقان المفصّلات الواحديّة امام الورى بدر الدجى ابي محمد علي بن موسى الرضا) (8).6.
1) مناقب آل ابي طالب:360/4،و اعلام الورى مع اختلاف يسير:314،و العيون:183/2 باب 44 ح 7،و كشف الغمة:106/3.
2) مناقب آل ابي طالب:350/4.
3) اعلام الورى:314،و العيون:178/2 باب 44 ح 4،و الفصول المهمة:241 ط.الاضواء و 251 ط. النجف و طهران.
4) عيون أخبار الرضا:152/1 باب 13.
5) جواهر العقدين:447 الباب الخامس عشر.
6) راجع المناقب:351/4-352،و الاحتجاج:396/2،عيون الاخبار:144/1.
7) كشف الغمة:106/3-107-119.
8) وسيلة الخادم و المخدوم:296.
الطريق الثاني:دلالة العقل و النقل على عدم خلو الأرض من الحجة و لقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (1).
و دعوى الإمامة لغيره مقطوعة العدم و له مقطوعة التحقق لعصمته بنص آية التطهير على ما تقدم.
قال داوود الرقي:قلت لإبي ابراهيم عليه السّلام:جعلت فداك إني قد كبرت سني فخذ بيدي و انقذني من النار،من صاحبنا بعدك؟
قال:فأشار الى ابنه أبي الحسن عليه السّلام فقال:«هذا صاحبكم بعدي» (2).
و في رواية اخرى قال عليه السّلام:«ابني علي أكبر ولدي و آثرهم عندي و أحبهم إلي و هو ينظر معي في الجفر و لم ينظر فيه إلاّ نبي أوصي نبي» (3).
و نحو ذلك من النصوص (4).
و في عيون الأخبار عن يزيد بن سليط الزيدي قال:لقيت الكاظم عليه السّلام فقلت:أخبرني عن الإمام بعدك بمثل ما أخبر به أبوك.
فقال عليه السّلام:كان أبي في زمن ليس هذا مثله.
قال يزيد:فقلت:من يرضى منك بهذا فعليه لعنة الله،فضحك.
ثمّ قال عليه السّلام:إنّي خرجت من منزلي فأوصيت في الظاهر إلى بنيّ و أشركتهم مع عليّ ابني و أفردته بوصيّتي في الباطن و لقد رأيت رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المنام و أمير المؤمنين عليه السّلام معه و معه خاتم و سيف و عصا و كتاب و عمامة فقلت له:ما هذا؟
فقال:أمّا العمامة فسلطان الله عزّ و جلّ،و أمّا السيف فعزّة الله عزّ و جلّ،و أمّا الكتاب فنور الله عزّ و جلّ،و أمّا العصا فقوّة الله عزّ و جلّ،و أمّا الخاتم فجامع هذه الامور ثمّ قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:الأمر يخرج إلى عليّ ابنك.
1) سورة الرعد:7.
2) الارشاد:248/2،و كفاية الاثر:268،و رواه في الفصول المهمة:234 ط.الأظواء و 243 ط.النجف و طهران،و اعلام الورى:304.
3) الارشاد:249/2،و عيون اخبار الرضا:31/1،و المناقب:367/4-340،و اعلام الورى:304، و رواه في البحار:24/49.
4) و هناك روايات كثيرة في النص عليه راجع اعلام الورى:303-304-305-308-306-307،و كفاية الاثر:268-269،و اثبات الوصية:164-171-172،و الفصول المهمة:234-243،و روضة الواعظين:222،و الكافي:311/1.
ثمّ قال بعد كلام:يا يزيد إنّي أؤخذ في هذه السنة و عليّ ابني سميّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و سميّ عليّ بن الحسين عليه السّلام أعطى فهم الأوّل و علمه و بصره و رداءه و ليس له أن يتكلّم إلاّ بعد هارون بأربع سنين فإذا مضت أربع سنين فسله عمّا شئت يجبك إن شاء الله تعالى (1).
كان في أيّام إمامة الإمام الرضا علي بن موسى صلوات الله عليه بقيّة ملك الرشيد و ملك محمّد الأمين بعده ثلاث سنين و خمسة و عشرين يوما.
ثمّ خلع الأمين و أجلس عمّه إبراهيم بن المهدي أربعة و عشرين يوما.
ثمّ أخرج محمّد ثانية و بويع له و بقي بعد ذلك سنة و سبعة أشهر و قتله طاهر بن الحسين.
ثمّ ملك المأمون عشرين سنة و استشهد إمامنا صلوات الله عليه في أيّام ملكه (2).
عيون الأخبار عن إسحاق بن حمّاد قال:جمعنا يحيى بن أكثم القاضي قال:أمرني المأمون بإحضار جماعة من أهل الحديث و من أهل الكلام و النظر فجمعت له أربعين رجلا و أدخلتهم عليه فقال:إنّي اريد أن أجعلكم بيني و بين الله تعالى في يومي هذا حجّة فمن كان حاقنا أو له حاجة فليقم إلى حاجته و سلوا اخفافكم وضعوا أرديتكم ففعلوا ما أمروا به فقال لهم:إنّما استحضرتكم لأحتجّ بكم عند الله فاتّقوا الله و لا تمنعكم جلالتي من قول الحقّ و اشفقوا على أنفسكم من النار و ناظروني بجميع عقولكم إنّي رجل أزعم أنّ عليّا خير البشر بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإن كنت مصيبا فصوّبوا قولي و إن كنت مخطئا فردّوا عليّ و هلمّوا فإن شئتم سألتكم و إن شئتم سألتموني.
فقال أهل الحديث:بل نسأل،فقال:هاتوا و قلّدوا رجلا منكم فإذا تكلّم فإن كان عند أحدكم زيادة فليزد و إن أتى بخلل فسدّدوه.
فقال قائل منهم:أمّا نحن فنزعم أنّ خير الناس بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبو بكر من قبل أنّ الرواية المجمع عليها جاءت عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر و عمر و هو لا يأمر إلاّ بالاقتداء بخير الناس.
فقال المأمون:الرواية كثيرة و لا بدّ من أن يكون كلّها باطلا أو كلّها حقّا أو بعضها حقّا و بعضها باطلا فلو كانت كلّها حقّا كانت كلّها باطلا من قبل أن ينقض بعضها بعضا و لو كانت كلّها باطلا كان في بطلانها بطلان الدّين،فلمّا بطل الوجهان ثبت الثالث و إذا كان كذلك فلا بدّ من دليل على ما يحقّ منها فإذا كان دليل الخبر في نفسه حقّا كان أولى ما اعتقد و أخذ به و روايتك هذه من الأخبار التي أدلّتها باطلة في أنفسها،و ذلك أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أولى الخلق بالصدق و أبعد الناس من الأمر بالمحال و حمل الناس على التديّن بالخلاف و ذلك أنّ هذين الرجلين لا يخلو من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة أو مختلفين،فإن كانا متّفقين من كلّ جهة كانا واحدا في العدد و الصورة و الجسم و هذا معدوم في الوجود،و إن كانا مختلفين فكيف يجوز الاقتداء بهما لأنّه تكليف ما لا يطاق لأنّك إذا اقتديت بواحد خالفت الآخر،و الدليل على اختلافهما أنّ أبا بكر سبى أهل الردّة و ردّهم عمر أحرارا و أشار عمر على أبي بكر بعزل خالد و بقتله بمالك بن نويرة فأبى أبو بكر عليه،و حرّم عمر المتعة و لم يفعل ذلك أبو بكر و وضع عمر ديوان العطية و لم يفعله أبو بكر،و استخلف أبو بكر و لم يفعل ذلك عمر و لهذا نظائر كثيرة (1).
فقال آخر من أصحاب الحديث:فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا.
فقال المأمون:هذا مستحيل من قبل أنّ رواياتكم أنّه عليه السّلام آخى بين أصحابه و أخّر عليّا عليه السّلام فقال له في ذلك فقال:ما أخّرتك إلاّ لنفسي،فأيّ الروايتين تثبت بطلت الاخرى.
قال آخر:إنّ عليّا قال على المنبر خير هذه الامّة بعد نبيّها أبو بكر و عمر.
قال المأمون:هذا مستحيل من قبل أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لو علم أنّهما أفضل ما ولّى عليهما مرّة عمرو بن العاص و مرّة اسامة بن زيد،و ممّا يكذب هذه الرواية قول عليّ عليه السّلام:قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنا بمجلسه أولى منّي بقميصي و لكنّي أشفقت أن يرجع الناس كفّارا.و قوله عليه السّلام:أنّى يكونان خير امّتي و قد عبدت الله عزّ و جلّ قبلهما و عبدته بعدهما.
قال آخر:فإنّ أبا بكر أغلق بابه و قال:هل من مستقيل فأقيله؟
فقال عليّ عليه السّلام:قدّمك رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فمن ذا يؤخّرك.
فقال المأمون:هذا باطل من قبل أنّ عليّا عليه السّلام قعد عن بيعة أبي بكر و رويتم أنّه قعد عنها حتّىة.
1) قال الصدوق رضي اللّه عنه:في هذا فضل لم يذكره المأمون لخصمه و هو أنّهم لم يرووا عن النبيّ(صلى الله عليه و آله)أنّه قال:اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر و عمر،و إنّما رووا أبو بكر و عمر و منهم من روى أبا بكر و عمر،فلو كانت الرواية صحيحة لكان معنى قوله بالنصف اقتدوا بالذين من بعدي كتاب الله و العترة يا أبا بكر و عمر،و معنى قوله بالرفع اقتدوا أيّها الناس و أبو بكر و عمر بالذين من بعدي كتاب الله و العترة.
قبضت فاطمة و أنّها أوصت أن تدفن ليلا لئلاّ يشهدا جنازتها،و وجه آخر و هو أنّه إن كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم استخلفه فكيف جاز له أن يستقيل و هو يقول للأنصار قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين أبا عبيدة و عمر.
قال آخر:إنّ عمرو بن العاص قال:يا نبيّ الله من أحبّ الناس إليك من النساء؟
فقال:عائشة.
قال:من الرجال؟
فقال:أبوها.
فقال المأمون:هذا باطل من قبل أنّكم رويتم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وضع بين يديه طائر مشويّ فقال:
اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليك فكان عليّ عليه السّلام،فأي روايتكم تقبل؟
فقال آخر:فإنّ عليّا عليه السّلام قال:من فضّلني على أبي بكر و عمر جلدته حدّ المفتري.
قال المأمون:كيف يجوز أن يقول علي أجلد الحدّ من لا يجب الحدّ عليه فيكون متعدّيا لحدود الله عزّ و جلّ عاملا بخلاف أمره و ليس تفضيل من فضّله عليهما فرية و قد رويتم عن إمامكم أنّه قال:ولّيتكم و لست بخيركم،فأي الرجلين أصدق عندكم أبو بكر على نفسه أو عليّ عليه السّلام على أبي بكر مع تناقض الحديث في نفسه،و لا بدّ له في نفسه من أن يكون صادقا أو كاذبا،فإن كان صادقا فأنّى عرف ذلك أبوحي؟فالوحي منقطع أو بالنظر؟فالنظر متحيّر،و إن كان غير صادق فمن المحال أن يلي أمر المسلمين كذّاب.
قال آخر:فقد جاء أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:أبو بكر و عمر سيّدا كهول أهل الجنّة.
قال المأمون:هذا الحديث محال لأنّه لا يكون في الجنّة كهل و يروى أنّ أشجعية كانت عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:لا يدخل الجنّة عجوز فبكت فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنّ الله عزّ و جلّ يقول: إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً* فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً* عُرُباً أَتْراباً (1)فإن زعمتم أنّ أبا بكر ينشأ شابّا إذا دخل الجنّة فقد رويتم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال للحسن و الحسين إنّهما سيدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين و أبوهما خير منهما.
قال آخر:قد جاء أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:لو لم أبعث فيكم لبعث عمر.
قال المأمون:هذا محال لأنّ الله عزّ و جلّ يقول: إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ (2)و قال عزّ و جلّ: وَ إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَ مِنْكَ وَ مِنْ نُوحٍ وَ إِبْراهِيمَ3.
وَ مُوسى وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (1)فهل يجوز أن يكون من لم يؤخذ ميثاقه على النبوّة مبعوثا و من أخذ ميثاقه على النبوّة مؤخّرا؟
قال آخر:إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نظر إلى عمر يوم عرفة فتبسّم و قال إنّ الله تعالى باهى بعباده عامّة و بعمر خاصّة.
فقال المأمون:فهذا مستحيل من قبل أنّ الله تعالى لم يكن ليباهي بعمر و يدع نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيكون عمر في الخاصّة و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في العامّة و ليست هذه الرواية بأعجب من روايتكم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:
دخلت الجنّة فسمعت خفق نعلين فإذا بلال مولى أبي بكر قد سبقني إلى الجنّة و إنّما قالت الشيعة:
عليّ خير من أبي بكر،فقلتم:عبد أبي بكر خير من رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنّ السابق أفضل من المسبوق، و كما رويتم أنّ الشيطان يفرّ من حسّ عمر و ألقى على لسان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انّهنّ الغرانيق العلى ففرّ من عمر و ألقى على لسان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بزعمكم الكفر.
قال آخر:قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لو نزل العذاب ما نجا إلاّ عمر بن الخطّاب.
قال المأمون:هذا خلاف الكتاب نصّا لأنّ الله عزّ و جلّ يقول: وَ ما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ (2)فجعلتم عمر مثل الرسول.
قال آخر:فقد شهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعمر بالجنّة في عشرة من الصحابة.
فقال:لو كان هذا كما زعمت كان لا يقول لحذيفة:نشدتك بالله أمن المنافقين أنا فإن كان قد قال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أنت من أهل الجنّة و لم يصدقه حتّى زكّاه حذيفة و صدق حذيفة و لم يصدّق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فهذا على غير الإسلام و إن كان قد صدّق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم سأل حذيفة و هذان الخبران متناقضان في أنفسهما.
فقال آخر:فقد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:وضعت امّتي في كفّة الميزان و وضعت في اخرى فرجحت بهم ثمّ وضع مكاني أبو بكر فرجح بهم ثمّ عمر فرجح بهم ثمّ رفع الميزان.
فقال المأمون:هذا محال من قبل أنّه لا يخلو من أن يكون أجسامهما أو أعمالهما فإن كانت الأجسام فهو محال لأنّه لا يرجّح أجسامهم بأجسام الامّة و إن كانت أعمالهم فلم يكن بعد فلم يبن، فكيف يرجّح بما ليس.
ثمّ قال:انظروا فيما روت أئمّتكم في فضائل علي عليه السّلام و قايسوا إليها ما رووا في فضائل تمام العشرة الذين شهدوا لهم بالجنّة فإن كانت جزءا من أجزاء كثيرة فالقول قولكم و إن كانوا قد رووا في فضائل عليّ عليه السّلام أكثر فخذوا عن أئمّتكم ما رووا،فأطرق القوم جميعا فقال:ما لكم سكتّم؟3.
قالوا:قد استقصينا.
قال المأمون:فإنّي أسألكم خبّروني أيّ الأعمال كان أفضل يوم بعث الله نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قالوا؛السبق إلى الإسلام لأنّ الله تعالى يقول: اَلسّابِقُونَ السّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (1)قال:فهل علمتم أحدا أسبق من عليّ عليه السّلام إلى الإسلام؟
قالوا:إنّه سبق حدثا لم يجز عليه حكم و أبو بكر أسلم كهلا قد جرى عليه الحكم و بين هاتين الحالتين فرق.
قال المأمون:فخبّروني عن إسلام علي عليه السّلام بإلهام من قبل الله عزّ و جلّ أم بدعاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فإن قلتم:بإلهام فقد فضّلتموه على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يلهم بل أتاه جبرئيل عن الله عزّ و جلّ داعيا و معرفا.
و إن قلتم:بدعاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهل دعاه من قبل نفسه أم بأمر الله عزّ و جلّ،فإن قلتم من قبل نفسه فهذا خلاف ما وصف الله به نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قوله: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (2)و إن كان من قبل الله عزّ و جلّ فقد أمر الله سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بدعاء عليّ عليه السّلام من بين صبيان الناس ثقة به و علما بتأييد الله تعالى إيّاه.
ثمّ قال:و خلّة اخرى هل رأيتم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دعا أحدا من صبيان أهله و غيرهم فيكون اسوة بعلي عليه السّلام فإن زعمتم أنّه لم يدع غيره فهذه فضيلة له على جميع الصبيان،ثمّ قال:أيّ الأعمال أفضل بعد السبق إلى الإيمان؟
قالوا:الجهاد في سبيل الله.
قال:فهل تجدون لأحد من العشرة في الجهاد ما لعلي عليه السّلام في جميع مواقف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذه بدر قتل فيها نيفا و عشرين و أربعون لسائر الناس فقال قائل:كان أبو بكر مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عريشه يدبّرها.
فقال المأمون:لقد جئت بها عجيبة أكان يدبّر دون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو معه فيشركه أو لحاجة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى رأي أبي بكر أي الثلاث أحبّ إليك؟
فقال:أعوذ بالله من أن أزعم أنّه يدبّر دون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو يشركه أو بافتقار من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قال:فما الفضيلة في العريش فإن كانت فضيلة أبي بكر بتخلّفه عن الحرب فيجب أن يكون كلّ متخلّف فاضلا أفضل من المجاهدين و الله عزّ و جلّ يقول: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَ الْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ (3)الآية.5.
قال إسحاق:ثمّ قال لي:اقرأ هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ (1)فقرأت حتّى بلغت:
وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إلى قوله: وَ كانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً (2)،فقال:
فيمن نزلت هذه الآيات؟
قلت:في عليّ عليه السّلام.
قال:فهل بلغك أنّ عليّا عليه السّلام قال حين أطعم المسكين و اليتيم و الأسير إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء و لا شكورا.
فقلت:لا.
قال:فإنّ الله عزّ و جلّ عرف سريرة عليّ عليه السّلام و نيّته فأظهر ذلك في كتابه تعريفا لخلقه،فهل علمت أنّ الله عزّ و جلّ وصف في شيء ممّا وصف في الجنّة ما في هذه السورة.
قلت:لا،ثمّ قال:ألست يا إسحاق ممّن يشهد أنّ العشرة في الجنّة؟
فقلت:بلى.
قال:أرأيت لو أنّ رجلا قال:ما أدري أصحيح هذا الحديث أم لا كان عندك كافرا؟
قلت:لا.
قال:أفرأيت لو قال:ما أدري أهذه السورة قرآن أم لا أكان عندك كافرا؟
قلت:بلى.
قال:أرى فضل الرجل يتأكّد.
أخبرني يا إسحاق عن حديث الطائر المشوي أصحيح عندك؟
قلت:بلى.
قال:بان و الله عنادك لا يخلو هذا من أن يكون كما دعى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو يكون مردودا أو عرف الله الفاضل من خلقه و كان المفضول أحبّ إليه،أو تزعم أنّ الله لم يعرف الفاضل من المفضول فأيّ الثلاث أحبّ إليك أن تقول به؟
قال إسحاق:فأطرقت ساعة ثمّ قلت:إنّ الله عزّ و جلّ يقول في أبي بكر: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنا (3)فنسبه الله سبحانه إلى صحبة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فقال:سبحان الله ما أقلّ علمكم باللغة و الكتاب أما يكون الكافر صاحبا للمؤمن؟أما سمعت قوله تعالى: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ (4)فقد جعله له صاحبا و قال الهذلي شعر:7.
و لقد غدوت لصاحبي وحشية تحت الرداء بصيرة بالمشرق
و أمّا قوله: إِنَّ اللّهَ مَعَنا فإنّه تعالى مع البرّ و الفاجر،أما سمعت قوله عزّ و جلّ: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ (1)الآية،و أمّا قوله: لا تَحْزَنْ، فخبّرني عن حزن أبي بكر كان طاعة أو معصية فإن زعمت أنّه كان طاعة فقد جعلت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى عن الطاعة و إن زعمت أنّه معصية فأيّ فضيلة للعاصي.
و خبّرني عن قوله عزّ و جلّ: فَأَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ (2)على من؟
قلت:على أبي بكر؛لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان مستغنيا عن السكينة.
قال:فخبّرني عن قوله عزّ و جلّ: وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3).
و المراد به هنا سبعة من بني هاشم لمّا انهزم الناس يوم حنين و هم علي عليه السّلام يذب بسيفه و العبّاس آخذ بلجام بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الخمسة محدقون به خوفا من أن يناله سلاح الكفّار حتّى أعطى الله رسوله الظفر فمن كان أفضل من كان مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نزلت السكينة على النبيّ و عليه أو من كان في الغار أو من كان على مهاده و وقاه بنفسه حتّى تمّ للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما عزم عليه من الهجرة إنّ الله أمر نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يأمر عليّا بالنوم على فراشه و وقايته بنفسه فأمره بذلك فقال عليّ عليه السّلام:أتسلم إذن يا نبيّ الله؟
قال:نعم.
قال:سمعا و طاعة،ثمّ أتى مضجعه و تسجّى بثوبه و أحدق المشركون به لا يشكّون في أنّه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد أجمعوا أن يضربه من كلّ بطن من قريش رجل ضربة لئلاّ يطالب الهاشميّون بدمه و عليّ عليه السّلام يسمع ما القوم فيه من التدبير في تلف نفسه فلم يدعه ذلك إلى الجزع كما جزع أبو بكر في الغار و هو مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي عليه السّلام وحده فلم يزل صابرا محتسبا فبعث الله تعالى ملائكته تمنعه من مشركي قريش فلمّا أصبح قام فنظر القوم إليه فقالوا:أين محمّد؟
قال:و ما علمي به،قالوا:أنت غررتنا ثمّ لحق بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يزل يتزايد على الفضل خيرا حتّى قبضه الله إليه،ثمّ أطال في الإستدلال على فضيلة أمير المؤمنين عليه السّلام بالأخبار القاطعة،ثمّ أقبل على أصحاب النظر و الكلام و ناظرهم حتّى اعترفوا بالقصور إلى أن قال:أليس روت الامّة بإجماع منها أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:من كذّب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار؟5.
قالوا:بلى و رووا عنه عليه السّلام أنّه قال:من عصى الله بمعصية صغرت أو كبرت ثمّ اتّخذها دينا و مضى مصرّا عليها فهو مخلّد بين أطباق الجحيم؟
قالوا:بلى.
قال:فخبّروني عن رجل يختاره العامّة فتنصبه خليفة هل يجوز أن يقال له خليفة رسول الله و من قبل الله و لم يستخلفه الرسول فإن قلتم:نعم،كابرتم و إن قلتم:لا،وجب أنّ أبا بكر لم يكن خليفة رسول الله و أنّكم تكذبون على نبيّ الله و أنّكم متعرّضون لدخول النار،و خبّروني في أيّ قوليكم صدقتم،مضى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يستخلف أو في قولكم لأبي بكر يا خليفة رسول الله فإن كنتم صدقتم في أحدهما بطل الآخر فاتّقوا الله و دعوا التقليد.
ثمّ قال:خبّروني عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هل استخلف حين مضى أم لا؟
فقالوا:لم يستخلف.
قال:فتركه هذا هدى أم ضلال؟قالوا:هدى.
قال:فعلى الناس أن يتّبعوا الهدى و يتنكّبوا الضلالة فلم استخلف الناس بعده فإنّ أبا بكر استخلف و لم يفعله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم جعل عمر الأمر شورى بين المسلمين فخالف رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خالف صاحبه،فخبّروني أيّهما أفضل ما فعله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بزعمكم من ترك الاستخلاف أو ما صنعت طائفة من الإستخلاف و هل يجوز أن يكون تركه من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هدى و فعله من غيره هدى فيكون هدى ضدّ هدى فأين الضلال حينئذ،فسكت القوم فقال لهم:لم سكتمّ؟قالوا:لا ندري ما نقول.
قال:يكفيني هذه الحجّة عليكم ثمّ أمر بإخراجهم.
قالوا:فخرجنا متحيّرين خجلين فنظر المأمون إلى الفضل بن سهل فقال:هذا أقصى ما عند القوم فلا يظنّ ظانّ أنّ جلالتي منعتهم من النقض عليّ (1).
علل الشرائع،عن محمّد بن سنان قال:كنت عند مولاي الرضا عليه السّلام بخراسان فبينا هو قاعد مع المأمون إذ رفع إليه أنّ رجلا من الصوفية سرق فلمّا نظر إليه رأى بين عينيه آثار السجود فقال:
سوءة لهذه الآثار الجميلة و لهذا الفعل القبيح.
قال:فعلت ذلك اضطرارا حين منعتني حقّي من الفيء و الخمس و ذكر له آية الفيء و آية الخمس.
1) عيون أخبار الرضا:215/1.
فقال المأمون:أعطّل حدّا من حدود الله لأجل أساطيرك.
فقال الصوفي:ابدأ بنفسك فطهّرها ثمّ طهّر غيرك و أقم حدّ الله عليها ثمّ على غيرها.
فالتفت المأمون إلى الرضا عليه السّلام فقال:ما يقول؟
قال:يقول سرقت فسرق.
فغضب المأمون شديدا ثمّ قال للصوفي:لأقطعنّك.
فقال الصوفي:تقطعني و أنت عبد لي.
فقال المأمون:و من أين؟
قال:لأنّ امّك اشتريت من مال المسلمين فأنت عبد من في المشرق و المغرب حتّى يعتقوك و أنا لم أعتقك.
و الاخرى أنّ الخبيث لا يطهر خبيثا مثله إنّما يطهّره طاهر و من في جنبه حدّ لا يقيم الحدّ على غيره حتّى يبدأ بنفسه أما سمعت قول الله عزّ و جلّ: أَ تَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ (1).
فالتفت المأمون إلى الرضا عليه السّلام فقال:ما ترى في أمره؟
فقال:إنّ الله جلّ جلاله قال:فلله الحجّة البالغة و هي التي تبلغ الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه و الدّنيا و الآخرة قائمتان بالحجّة و قد احتجّ الرجل.
فعند ذلك أمر المأمون بإطلاق الصوفي و احتجب عن الناس و اشتغل بالرضا عليه السّلام حتّى سمّه فقتله،و قد كان قتل الفضل بن سهل و جماعة من الشيعة (2).
روى الشيخ الجليل الصّدوق رضوان الله عليه في المجلس السابع و التسعين من أماليه،و كذا الشيخ الجليل الطبرسي في الإحتجاج و ثقة الإسلام الكليني في الكافي(الوافي ص 115 م 2)رواية جامعة كافية في أمر الإمامة عن الرّضا عليّ بن موسى ثامن الأئمة الهداة المهديين تهدي بغاة الرشد للتي هو أقوم جعلناها خاتمة بحثنا ليختم بالخير ختامه مسك و في ذلك فليتنافس المتنافسون و في الأمالي:
حدثنا الشيخ الجليل أبو جعفر محمّد بن عليّ بن المتوكّل قال:حدّثنا محمّد بن يعقوب قال:
حدّثنا أبو محمّد القاسم بن العلي عن عبد العزيز بن مسلم قال:كنا في أيّام عليّ بن موسى الرّضا بمرو فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم جمعة في يدي مقدمنا فأدار النّاس أمر الإمامة،و ذكروا كثرة اختلاف النّاس فدخلت على سيّدي و مولاي الرّضا فأعلمته ما خاض النّاس فيه فتبسّم ثمّ قال:
يا عبد العزيز جهل القوم و خدعوا عن أديانهم،إنّ الله عزّ و جلّ لم يقبض نبيّه حتّى أكمل له الدّين،و أنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء بيّن فيه الحلال و الحرام،و الحدود و الأحكام و جميع ما يحتاج النّاس إليه كملا فقال عزّ و جلّ: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ (1)و أنزل فيه في حجّة الوداع و هي آخر عمره اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (2).
و أمر الإمامة من تمام الدّين و لم يمض حتّى بين لأمته معالم دينهم و أوضح لهم سبيله،و تركهم على قصد الحقّ و أقام لهم عليّا علما،و ما ترك شيئا تحتاج إليه الأمّة إلاّ بيّنه،فمن زعم أنّ الله عزّ و جلّ لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله،و من ردّ كتاب الله فهو كافر،فهل تعرفون قدر الإمامة و محلّها من الأمة فيجوز فيها اختيارهم؟
إنّ الإمامة أجلّ قدرا و أعظم شأنا و أعلى مكانا و أمنع جانبا و أبعد غورا من أن يبلغها النّاس بعقولهم،أو ينالوها برأيهم أو يقيموا إماما باختيارهم.إنّ الإمامة خصّ الله بها إبراهيم الخليل بعد النّبوة و الخلّة مرتبة ثالثة و فضيلة شرّفه الله بها فأشار بها عزّ ذكره فقال عزّ و جلّ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً (3).
قال الخليل سرورا بها و من ذرّيتي قال الله تبارك و تعالى: لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة و صارت في الصفوة.
ثمّ أكرمه الله أن جعلها في ذريته أهل الصفوة و الطهارة فقال عزّ و جلّ: وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ* وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ (4).
فلم يزل في ذريته يرثها بعض عن بعض،قرنا فقرنا حتّى ورثها النّبىّ فقال جلّ جلاله: إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (5).
فكانت له خاصّة فقلّدها النّبي عليّا بأمر ربّه عزّ و جلّ على رسم ما فرض الله،فصارت في ذرّيته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم و الإيمان بقوله عزّ و جلّ: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ (6).6.
و هي في ولد عليّ خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد فمن أين يختار هؤلاء الجهّال؟
إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء و إرث الأوصياء،إنّ الإمامة خلافة الله عزّ و جلّ و خلافة الرّسول،و مقام أمير المؤمنين و ميراث الحسن و الحسين.إنّ الإمامة زمام الدّين و نظام المسلمين و صلاح الدّنيا و عزّ المؤمنين.إنّ الإمامة أسّ الإسلام النامي و فرعه النامي.
بالإمام تمام الصّلاة و الزّكاة و الصّيام و الحجّ و الجهاد،و توفير الفيء و الصّدقات و إمضاء الحدود و الأحكام و منع الثغور و الأطراف.
الإمام يحلّ حلال الله و يحرّم حرام الله و يقيم حدود الله،و يذبّ عن دين الله و يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة و الحجّة البالغة.
الإمام كالشمس الطالعة للعالم،و هي في الأفق بحيث لا تنالها الأيدي و الأبصار.
الإمام البدر المنير و السراج الظاهر و النّور السّاطع،و النجم الهادي في غياهب الدّجى و البلد القفار و لجج البحار.
الإمام الماء العذب على الظماء و الدّال على الهدى و المنجي من الرّدى.
الإمام النّار على اليفاع الحار لمن اصطلى،و الدّليل على الملك من فارقه فهالك.
الإمام السحاب الماطر و الغيث الهاطل و الشمس المضيئة،و الأرض البسيطة و العين الغزيرة و الغدير و الروضة.
الإمام الأمين الرفيق و الوالد الرّقيق،و الأخ الشفيق و مفزع العباد في الداهية.
الإمام أمين الله في أرضه و حجّته على عباده،و خليفته في بلاده و الدّاعي إلى الله و الذابّ عن حرم الله.
الإمام المطهّر من الذنوب المبرّأ من العيوب،مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدّين و عزّ المسلمين و غيظ المنافقين و بوار الكافرين.
الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد،و لا يعادله عالم و لا يوجد به بدل،و لا له مثل و لا نظير، مخصوص بالفضل كلّه،من غير طلب منزلة و لا اكتساب،بل اختصاص من المفضل الوهاب فمن ذا الذي يبلغ بمعرفة الإمام أو يمكنه اختياره؟
هيهات هيهات ضلّت العقول و تاهت الحلوم،و حارت الألباب و حسرت العيون و تصاغرت العظماء و تحيّرت الحكماء،و تقاصرت الحلماء و حصرت الخطباء،و جهلت الألباب و كلّت الشعراء، و عجزت الأدباء و عيّت البلغاء عن وصف شأن من شأنه،أو فضيلة من فضائله فأقرّت بالعجز و التقصير.و كيف يوصف أو ينعت بكنهه أو يفهم شيء من أمره أو يوجد من يقوم مقامه و يغني غناه،
لا كيف و أين و هو بحيث النجم من أيدي المتناولين و وصف الواصفين،فأين الإختيار من هذا و أين العقول عن هذا و أين يوجد مثل هذا؟
أظنوا أن ذلك يوجد في غير آل الرّسول؟،كذبتهم و الله أنفسهم و منّتهم الأباطيل،و ارتقوا مرتقى صعبا رحضا تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم،راموا إقامة الإمام بعقول حائرة بائرة ناقصة و آراء مضلّة فلم يزدادوا منه إلاّ بعدا،قاتلهم الله أنّى يؤفكون؟لقد راموا صعبا و قالوا إفكا و ضلّوا ضلالا بعيدا،و وقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة و زين لهم الشيطان أعمالهم و صدّهم عن السبيل و كانوا مستبصرين،رغبوا عن اختيار الله و اختيار رسوله إلى اختيارهم،و القرآن يناديهم:
وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللّهِ وَ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ (1).
و قال عزّ و جلّ: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ* أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ* سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ* أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (2).
و قال عزّ و جلّ: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (3).
أم طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون،أم قالوا سمعناوهم لا يسمعون،إن شرّ الدوابّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون،و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم و لو أسمعهم لتولوا و هم معرضون،و قالوا سمعنا و عصينا،بل هو فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم.
فكيف لهم باختيار الإمام و الإمام عالم لا يجهل،راع لا ينكل معدن القدس و الطهارة، و النسك و الزهادة و العلم العبادة،مخصوص بدعوة الرسول و هو نسل المطهرة البتول لا مغمز فيه في نسب و لا يدانيه ذو حسب،في البيت من قريش و الذروة من هاشم،و العترة من الرسول و الرضا من الله شرف الأشراف و الفرع من عبد مناف نامي العلم،كامل الحلم مضطلع بالإمامة عالم للسياسة مفروض الطاعة قائم بأمر الله ناصح لعباد الله حافظ لدين الله.
إنّ الأنبياء و الأئمة يوفقهم الله عزّ و جلّ،و يؤتيهم من مخزون علمه و حلمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون عليهم (4)فوق كلّ أهل زمانهم في قوله جلّ و عزّ: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (5).
و قوله جل و عز: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (6).9.
و قوله عزّ و جل: إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (1).
و قال عزّ و جلّ لنبيّه: وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (2)
و قال عزّ و جلّ في الأئمة من أهل بيته و عترته و ذرّيته: أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً* فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً (3).
و أنّ العبد إذا اختاره الله عزّ و جلّ لأمور عباده شرح صدره لذلك،و أودع قلبه ينابيع الحكمة، و ألهمه العلم الهاما فلم يع بعده بجواب و لا يحيّر فيه عن الصّواب،و هو معصوم مؤيد موفق مسدّد، قد أمن الخطايا و الزلل و العثار،و خصّه الله بذلك ليكون حجته على عباده و شاهده على خلقه، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم.
فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدّموه،تعدّوا و بيت الله الحقّ و نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم،كأنهم لا يعلمون و في كتاب الله الهدى و الشفاء فنبذوه، و اتبعوا أهواءهم فذمهم الله و مقتهم أنفسهم فقال عزّ و جلّ: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (4)
و قال: فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (5).
و قال عزّ و جلّ: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ (6).
انتهى الحديث الشريف (7).
عن الحسن بن محمد النوفلي ثم الهاشمي يقول:لما قدم علي بن موسى الرضا عليه السّلام على المأمون أمر الفضل بن سهل أن يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق،و رأس الجالوت،
و رؤساء الصابئين (1)و الهربذ الاكبر،و أصحاب ذرهشت (2)و نسطاس الرومي و المتكلمين ليسمع كلامه و كلامهم.فجمعهم الفضل بن سهل ثم أعلم المأمون باجتماعهم،فقال المأمون:أدخلهم علي ففعل فرحب بهم المأمون.
ثم قال لهم:إني إنما جمعتكم لخير و أحببت أن تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم علي فإذا كان بكرة فاغدوا علي و لا يتخلف منكم أحد؟
فقالوا:السمع و الطاعة يا أمير المؤمنين نحن مبكرون إن شاء الله.
قال الحسن بن محمد النوفلي:فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا عليه السّلام إذ دخل علينا ياسر،و كان يتولى أمر أبي الحسن الرضا عليه السّلام فقال له:يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرؤك السلام و يقول:فداك أخوك،إنه اجتمع إلي أصحاب المقالات و أهل الاديان و المتكلمون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم،و إن كرهت ذلك فلا تتجشم و إن أحببت أن نصير إليك خف ذلك علينا.
فقال أبو الحسن عليه السّلام:أبلغه السلام و قل له قد علمت ما أردت و أنا صائر إليك بكرة إن شاء الله.
قال الحسن بن محمد النوفلي:فلما مضى ياسر التفت إلينا ثم قال لي:يا نوفلي أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة،فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك و أصحاب المقالات؟
فقلت:جعلت فداك يريد الإمتحان و يحب أن يعرف ما عندك،و لقد بنى على أساس غير وثيق البنيان،و بئس و الله ما بنى.
فقال لي:و ما بناؤه في هذا الباب؟
قلت:إن أصحاب الكلام و البدع خلاف العلماء،و ذلك أن العالم لا ينكر غير المنكر،ت.
1) الجاثليق متقدم الاساقفة.الصابؤون جمع الصابئ،و هو من انتقل إلى دين آخر،و كل خارج من دين كان عليه إلى آخر غيره سمى في اللغة صابئا.قال أبو زيد:صبا الرجل في دينه يصبؤ صبوءا:إذا كان صابئا، فكان معنى الصابئ التارك دينه الذى شرع له إلى دين غيره،و الدين الذى فارقوه هو تركهم التوحيد إلى عبادة النجوم أو تعظيمها.قال فتادة:و هم قوم معروفون و لهم مذهب ينفردون به،و من دينهم عبادة النجوم و هم يقرون بالصانع و بالمعاد و ببعض الانبياء و قال مجاهد و الحسن:الصابؤون بين اليهود و المجوس لا دين لهم،و قال السدى:هم طائفة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور،و قال الخليل:هم قوم دينهم شبيه بدين النصارى إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب حيال منتصف النهار يزعمون أنهم على دين نوح،و قال ابن زيد: هم اهل دين من الاديان كانوا بالجزيرة جزيرة الموصل يقولون:لا إله إلا الله و لم يؤمنوا برسول الله، و قال آخرون:هم طائفة من اهل الكتاب.و الفقهاء بأجمعهم يجيزون أخذ الجزية منهم،و عندنا لا يجوز ذلك لأنهم ليسوا بأهل الكتاب.قاله الطبرسي في مجمع البيان 1:126.
2) في العيون:زردشت و فى التوحيد:زردهشت.
و أصحاب المقالات و المتكلّمون و أهل الشرك أصحاب إنكار و مباهتة،إن احتججت عليهم بأن الله واحد قالوا:صحح وحدانيته،و إن قلت:إن محمدا رسول الله،قالوا:أثبت رسالته،ثم يباهتون الرجل و هو يبطل عليهم بحجته و يغالطونه حتى يترك قوله،فاحذرهم جعلت فداك.
قال فتبسم عليه السّلام ثم قال:يا نوفلي أفتخاف أن يقطعوني علي حجتي؟قلت:لا و الله ما خفت عليك قط،و إني لارجو أن يظفرك الله بهم إن شاء الله.
فقال لي:يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون؟
قلت:نعم.
قال:إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم،و على أهل الانجيل بإنجيلهم،و على أهل الزبور بزبورهم،و على الصابئين بعبر انيتهم،و على الهرابذة بفارسيتهم،و على أهل الروم بروميتهم (1)،و على أصحاب المقالات بلغاتهم،فإذا قطعت كل صنف و دحضت حجته و ترك مقالته و رجع إلى قولي علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس بمستحق له،فعند ذلك تكون الندامة منه،و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فلما أصبحنا أتانا الفضل بن سهل فقال له:جعلت فداك ابن عمك ينتظرك و قد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه؟
فقال له الرضا عليه السّلام:تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله،ثم توضأ عليه السّلام وضوءه للصلاة،و شرب شربة سويق و سقانا منه،ثم خرج و خرجنا معه حتى دخلنا على المأمون،فإذا المجلس غاص بأهله،و محمد بن جعفر في جماعة الطالبيين و الهاشميين و القواد حضور،فلما دخل الرضا عليه السّلام قام المأمون و قام محمد بن جعفر و جميع بني هاشم،فما زالوا وقوفا و الرضا عليه السّلام جالس مع المأمون حتى أمرهم بالجلوس فجلسوا،فلم يزل المأمون مقبلا عليه يحدثه ساعة.ثم التفت إلى الجاثليق فقال:يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر،و هو من ولد فاطمة بنت نبينا،و ابن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما فأحب أن تكلمه و تحاجه و تنصفه.
فقال الجاثليق:يا أمير المؤمنين كيف احاج رجلا يحتج علي بكتاب أنا منكره،و نبي لا اومن به؟
فقال له الرضا عليه السّلام:يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقربه؟
قال الجاثليق:و هل أقدر على دفع ما نطق به الانجيل.نعم و الله أقربه على رغم أنفي،فقال له الرضا عليه السّلام:سل عما بدالك و افهم الجواب.ب.
1) الهرابذة قومة بيت النار للهند،أو عظماء الهند،أو علماؤهم،أو خدم نار المجوس،الواحد كزبرج. و قال:نسطاس بالكسر علم،و بالرومية:العالم بالطب.
قال الجاثليق:ما تقول في نبوة عيسى و كتابه؟هل تنكر منهما شيئا؟
قال الرضا عليه السّلام:أنا مقر بنبوة عيسى و كتابه و ما بشر به امته و أقرب به الحواريون و كافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد صلّى الله عليه و آله و بكتابه و لم يبشر به امته.
قال الجاثليق:أليس إنما تقطع الاحكام بشاهدي عدل؟
قال:بلى.
قال:فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية،و سلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا.
قال الرضا عليه السّلام الآن جئت بالنصفة يا نصراني،ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى ابن مريم؟
قال الجاثليق:من هذا العدل؟سمه لي.
قال:ما تقول في يوحنا الديلمي؟
قال:بخ بخ،ذكرت أحب الناس إلى المسيح.
قال عليه السّلام:فأقسمت عليك هل نطق الانجيل أن يوحنا قال:إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي،و بشرني به أنه يكون من بعده فبشرت به الحواريين فآمنوا به؟
قال الجاثليق:قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح و بشر بنبوة رجل و بأهل بيته و وصيه و لم يلحظ متى يكون ذلك،و لم يسم لنا القوم فنعرفهم.
قال الرضا عليه السّلام:فإن جئناك،بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد و أهل بيته و أمته أتؤمن به؟
قال:شديدا،قال الرضا عليه السّلام:لنسطاس الرومي كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟
قال:ما أحفظني له!
ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال:ألست تقرأ الإنجيل؟
قال:بلى لعمري.
قال:فخذ علي السفر الثالث،فإن كان فيه ذكر محمد و أهل بيته و امته فاشهدوا لي،و إن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي،ثم قرأ عليه السّلام السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبي صلّى الله عليه و آله وقف،ثم قال:يا نصراني إني أسألك بحق المسيح و امه أتعلم أني عالم بالانجيل؟
قال:نعم،ثم تلا علينا ذكر محمد و أهل بيته و أمّته،ثم قال:ما تقول يا نصراني؟هذا قول عيسى ابن مريم،فإن كذبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذبت موسى و عيسى عليه السّلام و متى أنكرت هذا
الذكر وجب عليك القتل،لأنّك تكون قد كفرت بربك و بنبيك و بكتابك.
قال الجاثليق:لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل،و إني لمقربه.
قال الرضا عليه السّلام:إشهدوا على إقراره.
ثم قال:يا جاثليق سل عما بدالك.
قال الجاثليق:أخبرني عن حواري عيسى ابن مريم كم كان عدتهم؟و عن علماء الانجيل كم كانوا؟
قال الرضا عليه السّلام:على الخبير سقطت،أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلا،و كان أفضلهم و أعلمهم الوقا،و أما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال:يوحنا الاكبر بأج (1)و يوحنا بقرقيسا (2)و يوحنا الديلمي بزجار،و عنده كان ذكر النبي صلّى الله عليه و آله،و ذكر أهل بيته و امته،و هو الذي بشر امة عيسى و بني إسرائيل به.
ثم قال له:يا نصراني و الله إنا لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد صلّى الله عليه و آله و ما ننقم على عيساكم شيئا إلا ضعفه و قلة صيامه و صلاته.
قال الجاثليق:أفسدت و الله علمك،و ضعفت أمرك،و ما كنت ظننت إلا أنك أعلم أهل الاسلام.
قال الرضا عليه السّلام:و كيف ذلك؟
قال الجاثليق:من قولك:إن عيسى كان ضعيفا قليل الصيام،قليل الصلاة،و ما أفطر عيسى يوما قط،و لا نام بليل قط،و ما زال صائم الدهر،قائم الليل.
قال الرضا عليه السّلام:فلمن كان يصوم و يصلي؟
قال:فخرس الجاثليق و انقطع.
قال الرضا عليه السّلام:يا نصراني أسألك عن مسألة.
قال:فإن كان عندي علمها أجبتك.
قال الرضا عليه السّلام:ما أنكرت أن عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عزّ و جلّ؟
قال الجاثليق أنكرت ذلك من قبل أن من أحيا الموتى و أبرأ الاكمه و الابرص فهو رب مستحق لأن يعبد.
قال الرضا عليه السّلام:فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى:مشى على الماء،و أحيى الموتى،ث.
و أبرأ الأكمه و الأبرص فلم تتخذه أمته ربا،و لم يعبده أحد من دون الله عزّ و جلّ،و لقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى ابن مريم فأحيى خمسة و ثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة.
ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له:يا رأس الجالوت أتجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل في التوراة؟إختارهم بخت نصر من سبى بني إسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله تعالى عزّ و جلّ إليهم فأحياهم الله،هذا في التوراة لا يدفعه إلا كافر منكم.
قال رأس الجالوت:قد سمعنا به و عرفناه.
قال صدقت،ثم قال:يا يهودي خذ علي هذا السفر من التوراة،فتلا عليه السّلام علينا من التوراة آيات فأقبل اليهودي يتزجح (1)لقراءته و يتعجب (2).
ثم أقبل على النصراني فقال:يا نصراني أفهؤلاء كانوا قبل عيسى أم عيسى كان قبلهم؟
قال:بل كانوا قبله.
قال الرضا عليه السّلام:لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلّى اللّه عليه و آله فسألوه أن يحيي لهم موتاهم،فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السّلام فقال له:إذهب إلى الجبانة فناد بأسماء هولاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك:يا فلان،و يا فلان،و يا فلان،يقول لكم محمد رسول الله:
قوموا بإذن الله عز و جل،فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم،فأقبلت قريش تسألهم عن امورهم، ثم أخبروهم أن محمدا صلّى اللّه عليه و آله قد بعث نبيا و قالوا:وددنا إنا أدركناه فنؤمن به،و لقد أبرأ الاكمه و الابرص و المجانين،و كلمه البهائم و الطير و الجن و الشياطين،و لم نتخذه ربا من دون الله عزّ و جلّ،و لم ننكر لأحد من هؤلاء فضلهم،فمتى اتخذتم عيسى ربا جاز لكم أن تتخذوا اليسع و الحزقيل،لأنهما قد صنعا مثل ما صنع عيسى من إحياء الموتى و غيره،و إن قوما من بني إسرائيل هربوا من بلادهم من الطاعون و هم ألوف حذر الموت فأماتهم الله في ساعة واحدة،فعمد أهل تلك القرية فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا فيها حتى نخرت عظامهم و صاروا رميما،فمر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل فتعجب منهم و من كثرة العظام البالية،فأوحى الله عزّ و جلّ إليه:أتحب أن أحييهم لك فتنذرهم؟
قال:نعم يا رب،فأوحى الله عزّ و جلّ إليه:أن نادهم،فقال:أيتها العظام البالية قومي بإذن الله عزّ و جلّ،فقاموا أحياء أجمعون،ينفضون التراب عن رؤوسهم،ثم إبراهيم خليل الرحمن حين أخذ الطير فقطعهن قطعا،ثم وضع على كل جبل منهن جزءا،ثم ناداهن فأقبلن سعيا إليه،ثم موسىي.
ابن عمران و أصحابه السبعون الذين اختارهم صاروا معه إلى الجبل فقالوا له:إنك قد رأيت الله سبحانه،فأرناه كما رأيته،فقال لهم:إني لم أره.
فقالوا:لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم،و بقي موسى وحيدا فقال:يا رب إني اخترت سبعين رجلا من بني إسرائيل فجئت بهم و أرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به؟فلو شئت أهلكتهم من قبل و إياي،أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟فأحياهم الله عزّ و جلّ من بعد موتهم،و كل شيء ذكرته لك من هذا لا تقدر على دفعه،لأن التوراة و الانجيل و الزبور و الفرقان قد نطقت به،فإن كان كل من أحيى الموتى و أبرأ الأكمه و الأبرص و المجانين يتخذ ربا من دون الله فاتخذ هؤلاء كلهم أربابا،ما تقول يا يهودي؟
قال الجاثليق:القول قولك،و لا إله إلا الله ثم التفت عليه السّلام إلى رأس الجالوت فقال:يا يهودي أقبل علي أسألك بالعشر آيات التي أنزلت على موسى بن عمران،هل تجد في التوراة مكتوبا نبأ محمد و أمته:اذا جاءت الأمة الاخيرة أتباع راكب البعير يسبحون الرب جدا جدا تسبيحا جديدا في الكنائس الجدد فليفزع بنوا إسرائيل إليهم و إلى ملكهم لتطمئن قلوبهم،فإن بأيديهم سيوفا
ينتقمون بها من الامم الكافرة في أقطار الأرض،أهكذا هو في التوراة مكتوب؟
قال رأس الجالوت:نعم إنا لنجده كذلك.ثم قال للجاثليق:يا نصراني كيف علمك بكتاب شعيا؟
قال:أعرفه حرفا حرفا.
قال لهما:أتعرفان هذا من كلامه:(يا قوم إني رأيت صورة راكب الحمار لابسا جلابيب النور،و رأيت راكب البعير ضؤه مثل ضوء القمر)؟
فقالا:قد قال ذلك شعيا.
قال الرضا عليه السّلام:يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى:(إني ذاهب إلى ربكم و ربي و البار قليطا جاء،هو الذي يشهد لى بالحق كما شهدت له،و هو الذي يفسر لكم كل شيء،و هو الذي يبدي فضائح الأمم،و هو الذي يكسر عمود الكفر)؟
فقال الجاثليق:ما ذكرت شيئا في الإنجيل إلا و نحن مقرون به.
قال:أتجد هذا في الانجيل ثابتا يا جاثليق؟
قال:نعم.
قال الرضا عليه السّلام:يا جاثليق ألا تخبرني عن الانحيل الاول حين افتقدتموه عند من وجدتموه؟ و من وضع لكم هذا الانجيل؟
قال له:ما افتقدنا إلانجيل إلا يوما واحدا حتى وجدناه غضا طريا فأخرجه إلينا يوحنا و متى،
فقال له الرضا عليه السّلام:ما أقل معرفتك بسر الانجيل و علمائه؟فإن كان هذا كما تزعم فلم اختلفتم في الانجيل؟و إنما وقع الإختلاف في هذا الانجيل الذي في أيديكم اليوم،فلو كان على العهد الاول لم تختلفوا فيه،و لكني مفيدك علم ذلك،إعلم أنه لما افتقد الانجيل الاول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم:قتل عيسى ابن مريم،و افتقدنا الانجيل و أنتم العلماء فما عندكم؟
فقال لهم الوقا و مر قابوس:إن الانجيل في صدورنا و نحن نخرجه إليكم سفرا سفرا في كل أحد فلا تحزنوا عليه،و لا تخلوا الكنائس،فإنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفرا سفرا حتى نجمعه كله،فقعد الوقا و مر قابوس و يوحنا و متى فوضعوا لكم هذا الانجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الاول، و إنما كان هؤلاء الاربعة تلاميذ التلاميذ الأولين،أعلمت ذلك؟
قال الجاثليق:أما هذا فلم أعلمه،و قد علمته الآن،و قد بان لي من فضل علمك بالانجيل، و سمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق فاستزدت كثيرا من الفهم،فقال له الرضا عليه السّلام:فكيف شهادة هؤلاء عندك؟
قال:جائزة،هؤلاء علماء الانجيل،و كل ما شهدوا به فهو حق،فقال الرضا عليه السّلام للمأمون و من حضره من أهل بيته و من غيرهم:إشهدوا عليه،قالوا قد شهدنا.
ثم قال للجاثليق:بحق الابن و امه هل تعلم أن متى قال:(إن المسيح هو ابن داود بن إبراهيم بن إسحاق بن يعقوب بن يهودا بن حضرون).
و قال مرقابوس في نسبة عيسى ابن مريم:(إنه كلمة الله أحلها في الجسد الآدمي فصارت إنسانا)و قال الوقا:(إن عيسى بن مريم و امه كانا إنسانين من لحم و دم فدخل فيهما روح القدس)ثم إنك تقول من شهادة عيسى على نفسه:(حقا أقول لكم يا معشر الحواريين:إنه لا يصعد إلى السماء إلا من نزل منها إلا راكب البعير خاتم الانبياء فإنه يصعد إلى السماء و ينزل)فما تقول في هذا القول؟
قال الجاثليق:هذا قول عيسى لا ننكره.
قال الرضا عليه السّلام:فما تقول في شهادة الوقا و مر قابوس و متى على عيسى و ما نسبوه إليه؟
قال الجاثليق:كذبوا على عيسى.
قال الرضا عليه السّلام:يا قوم أليس قد زكاهم و شهد أنهم علماء الإنجيل و قولهم حق؟.
فقال الجاثليق:يا عالم المسلمين أحب أن تعفيني من أمر هؤلاء.
قال الرضا عليه السّلام:فإنا قد فعلنا،سل يا نصراني عما بدالك.
قال الجاثليق ليسألك غيري،فلا و حق المسيح ما ظننت أن في علماء المسلمين مثلك.
فالتفت الرضا عليه السّلام إلى رأس الجالوت فقال له:تسألني أو أسألك؟
فقال:بل أسألك،و لست أقبل منك حجة إلا من التوراة،أو من الانجيل،أو من زبور داود،أو بما في صحف إبراهيم و موسى.
قال الرضا عليه السّلام:لا تقبل مني حجة إلا بما تنطق به التوراة على لسان موسى بن عمران، و الانجيل على لسان عيسى بن مريم،و الزبور على لسان داود،فقال رأس الجالوت:من أين تثبت نبوة محمد؟
قال الرضا عليه السّلام:شهد بنبوته موسى بن عمران و عيسى بن مريم و داود خليفة الله عزّ و جلّ في الأرض،فقال له:ثبت قول موسى بن عمران.
قال الرضا عليه السّلام:هل تعلم يا يهودي أن موسى بن عمران أوصى بني إسرائيل فقال لهم:إنه سيأتيكم نبي من إخوانكم،فبه فصدقوا و منه فاسمعوا،فهل تعلم أن لبني إسرائيل إخوة غير ولد إسماعيل،إن كنت تعرف قرابة إسرائيل من إسماعيل،و النسب الذي بينهما من قبل إبراهيم؟
فقال رأس الجالوت:هذا قول موسى لاندفعه،فقال له الرضا عليه السّلام:هل جاءكم من إخوة بني إسرائيل نبي غير محمد؟
قال:لا.
قال الرضا عليه السّلام:أفليس قد صح هذا عندكم؟
قال:نعم و لكني احب أن تصححه لي من التوراة،فقال له الرضا عليه السّلام:هل تنكر أن التوراة تقول لكم:(قد جاء النور من جبل طور سيناء و أضاء لنا من جبل ساعير،و استعلن علينا من جبل فاران).
قال رأس الجالوت:أعرف هذه الكلمات و ما أعرف تفسيرها.
قال الرضا عليه السّلام:أنا أخبرك به،أما قوله:(جاء النور من قبل طور سيناء)فذلك وحي الله تبارك و تعالى الذي أنزله على موسى على جبل طور سيناء،و أما قوله:(و أضاء لنا من جبل ساعير) فهو الجبل الذي أوحى الله عزّ و جلّ إلى عيسى بن مريم و هو عليه،و أما قوله:(و استعلن علينا من جبل فاران)فذاك جبل من جبال مكة بينه و بينها يوم.
و قال شعيا النبي فيما تقول أنت و أصحابك في التوراة:(رأيت راكبين أضاء لهما الأرض، أحدهما على حمار،و الآخر على جمل)فمن راكب الحمار؟و من راكب الجمل؟
قال:رأس الجالوت لا أعرفهما فخبرني بهما.
قال عليه السّلام:أما راكب الحمار فعيسى،و أما راكب الجمل فمحمد،أتنكر هذا من التوراة؟
قال:لا،ما انكره.ثم قال الرضا عليه السّلام:هل تعرف حبقوق النبي؟
قال:نعم إني به لعارف.
قال عليه السّلام:فإنه قال و كتابكم ينطق به:(جاء الله بالبيان من جبل فاران،و امتلأت السماوات من تسبيح أحمد و امته،يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر،يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس)يعني بالكتاب القرآن،أتعرف هذا و تؤمن به قال رأس الجالوت:قد قال ذلك حبقوق النبي و لا ننكر قوله؟
قال الرضا عليه السّلام:فقد قال داود في زبوره و أنت تقرؤه:(اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة) فهل تعرف نبيا أقام السنة بعد الفترة غير محمد؟
قال رأس الجالوت هذا قول داود نعرفه و لا ننكره،و لكن عنى بذلك عيسى،و أيامه هي الفترة.
قال له الرضا عليه السّلام:جهلت،إن عيسى لم يخالف السنة،و كان موافقا لسنة التوراة حتى رفعه الله إليه،و في الانجيل مكتوب:إن ابن البرة ذاهب و البار قليطا جاء من بعده،و هو يخفف الآصار، و يفسر لكم كل شيء،و يشهد لي كما شهدت له،أنا جئتكم بالامثال،و هو يأتيكم بالتأويل،أتؤمن بهذا في الانجيل؟
قال:نعم،لا انكره:فقال له الرضا عليه السّلام:يا رأس الجالوت أسألك عن نبيك موسى بن عمران،فقال:سل.
قال عليه السّلام:ما الحجة على أن موسى ثبتت نبوته؟
قال اليهودي:إنه جاء بما لم يجئ به أحد من الانبياء قبله.
قال له:مثل ماذا؟
قال:مثل فلق البحر،و قلبه العصاحية تسعى،و ضربه الحجر فانفجرت منه العيون،و إخراجه يده بيضاء للناظرين،و علامات لا يقدر الخلق على مثلها.
قال له الرضا عليه السّلام:صدقت في أنه كانت حجته على نبوته أنه جاء بما لا يقدر الخلق على مثله،أفليس كل من ادعى أنه نبي ثم جاء بما لا يقدر الخلق على مثله وجب عليكم تصديقه؟
قال:لا،لأن موسى لم يكن له نظير لمكانه من ربه،و قربه منه،و لا يجب علينا الإقرار بنبوة من ادعاها حتى يأتي من الإعلام بمثل ما جاء به.
قال الرضا عليه السّلام:فكيف أقررتم بالأنبياء الذين كانوا قبل موسى و لم يفلقوا البحر،و لم يفجروا من الحجر اثنتي عشرة عينا،و لم يخرجوا بأيديهم مثل إخراج موسى يده بيضاء،و لم يقلبوا العصاحية تسعى؟
قال له اليهودي:قد خبرتك أنه متى ما جاؤوا على نبوتهم من الآيات بما لا يقدر الخلق على
مثله و لو جاؤوا بما لم يجئ به موسى أو كان على غير ما جاء به موسى وجب تصديقهم.
قال:قال الرضا عليه السّلام:يا رأس الجالوت فما يمنعك من الاقرار بعيسى ابن مريم و قد كان يحيي الموتى،و يبرئ الأكمه و الأبرص،و يخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله؟
قال رأس الجالوت:يقال:إنه فعل ذلك،و لم نشهده.
قال الرضا عليه السّلام:أرأيت ما جاء به موسى من الآيات شاهدته؟أليس إنما جاءت الاخبار من ثقات أصحاب موسى أنه فعل ذلك؟
قال:بلى.
قال:فكذلك أيضا أتتكم الاخبار المتواترة بما فعل عيسى بن مريم،فكيف صدقتم بموسى و لم تصدقوا بعيسى؟فلم يحر جوابا.
قال الرضا عليه السّلام:و كذلك أمر محمد صلّى الله عليه و آله و ما جاء به،و أمر كل نبي بعثه الله، و من آياته أنه كان يتيما فقيرا راعيا أجيرا لم يتعلم كتابا و لم يختلف إلى معلم ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الانبياء و أخبارهم حرفا حرفا،و أخبار من مضى و من بقي إلى يوم القيامة،ثم كان يخبرهم بأسرارهم و ما يعملون في بيوتهم،و جاء بآيات كثيرة لا تحصى.
قال رأس الجالوت:لم يصح عندنا خبر عيسى و لا خبر محمد؟و لا يجوز لنا أن نقر لهما بما لم يصح.
قال الرضا عليه السّلام:فالشاهد الذي شهد لعيسى و لمحمد صلّى الله عليهما شاهد زور؟فلم يحر جوابا.ثم دعى بالهربذ الاكبر فقال له الرضا عليه السّلام:أخبرني عن ذرهشت الذي تزعم أنه نبي ما حجتك على نبوته؟
قال:إنه أتى بما لم يأتنا به أحد قبله و لم نشهده و لكن الاخبار من أسلافنا وردت علينا بأنه أحل لنا ما لم يحله غيره فاتبعناه.
قال:أفليس إنما أتتكم الاخبار فاتبعتموه؟
قال:بلى.
قال:فكذلك سائر الامم السالفة أتتهم الاخبار بما أتى به النبيون و أتى به موسى و عيسى و محمد صلوات الله عليهم،فما عذركم في ترك الاقرار لهم؟إذ كنتم إنما أقررتم بزرهشت من قبل الاخبار المتواترة بأنه جاء بما لم يجئ به غيره،فانقطع الهربذ مكانه.
فقال الرضا عليه السّلام:يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام و أراد أن يسأل فليسأل غير محتشم،فقام إليه عمران الصابئ و كان واحدا من المتكلمين فقال:يا عالم الناس لو لا أنك دعوت
إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل،فلقد دخلت الكوفة و البصرة و الشام و الجزيرة و لقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته،أ فتأذن لي أن أسألك؟
قال الرضا عليه السّلام:إن كان في الجماعة عمران الصابئ فأنت هو.
قال:أنا هو.
قال:سل يا عمران و عليك بالنصفة،و إياك و الخطل و الجور.
قال:و الله يا سيدي ما اريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به فلا أجوزه.
قال:سل عما بدالك،فازدحم الناس و انضم بعضهم إلى بعض،فقال عمران الصابئ:
أخبرني عن الكائن الاول و عما خلق.
قال:سألت فافهم،أما الواحد فلم يزل واحدا كائنا لا شيء معه بلا حدود و لا أعراض، و لا يزال كذلك،ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض و حدود مختلفة،لا في شيء أقامه،و لا في شيء حده،و لا على شيء حذاه و مثله له،فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة و غير صفوة،و اختلافا و ائتلافا،و ألوانا و ذوقا و طعما،لا لحاجة كانت منه إلى ذلك،و لا لفضل منزلة لا يبلغها إلا به، و لا رأى لنفسه فيما خلق زيادة و لا نقصانا،تعقل هذا يا عمران؟
قال:نعم و الله يا سيدي.
قال:و اعلم يا عمران إنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته، و لكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق،لأن الاعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى،و الحاجة يا عمران لا يسعها لانه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه حاجة اخرى،و لذلك أقول:لم يخلق الخلق لحاجة،و لكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض،و فضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل،و لا نقمة منه على من أذل فهلذا خلق.
قال عمران:يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه؟ (1)
الأول:أن يكون المراد بالكائن الصانع تعالى،و المعنى ان الصانع تعالى هل كان معلوما في نفسه عند نفسه قبل وجوده؟فأجاب عليه السّلام بأن المعلمة قبل الشيء إنما يكون لشيء يوجده غيره فيصوره في نفسه حتى يدفع عنه ما ينافي وجوده و كماله ثم يوجده على ما تصوره و الواجب الوجود بذاته ذاته مقتض لوجوده، و لا مانع لوجوده حتى يحتاج الى ذلك،فلذلك هو أزلي غير معلول.
الثاني:أن يكون المراد بالكائن الصانع أيضا،و يكون المعنى:هل هو معلوم عند نفسه بصورة حاصلة في ذاته؟و لذا قال:في نفسه،فأجاب عليه السّلام بان الصورة الحاصلة انما تكون لشيء يشترك مع غيره في شيء من الذاتيات،و يخالفه في غيرها فيحتاج الى الصورة الحاصلة لتعينه و تشخصه و امتيازه عما يشاركه، فأما البسيط المطلق الذي تشخصه من ذاته و لم يشارك غيره في شيء من الذاتيات فلا يحتاج لمعرفة نفسه إلى حصول صورة،بل هو حاضر بذاته عند ذاته،فقوله:(و لم يكن هناك شيء يخالف)أي شيء يخالف في بعض الذاتيان فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم من ذاته بجنس و فصل و تشخص.
الثالث:أن يكون المراد بالكائن الحادث المعلول،و المراد معلوميته عند الصانع بصورة حاصلة منه فيه، و حاصل الجواب على هذا أن المخلوق إذا أراد صنع شيء يصوره أولا في نفسه لعجزه عن الإتيان بكل ما يريد،و لامكان وجود ما يخالفه و يعارضه فيما يريده،فيصوره في نفسه على وجه لا يعارضه شيء في حصول ما أراد منه و ينفي الموانع عن نفسه بتحديد ما علم منه،و أما الصانع تعالى فهو لا يحتاج إلى ذلك لكمال قدرته،و لعدم تخيل الموانع عن الايجاد ثمة،بل إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له:كن فيكون، فليس المراد نفي العلم رأسا،بل نفي العلم على الوجه الذي تخيله السائل بوجه يوافق فهمه،و ضمير(منها) راجع إلى الشيء الكائن باعتبار النفس أو إلى النفس،أي علما ناشئا من النفس.
الرابع:أن يكون المراد الحادث معلوما لنفسه عند نفسه قبل وجوده،لاكونه معلوما لصانعه،فالجواب أن الشيء بعد وجوده و تشخصه يكون معلوما لنفسه على وجه يمتاز عن غيره،و أما الاعدام ففي مرتبة عدمها لا يكون بينها تمييز حتى يحتاج كل عدم إلى العلم بامتيازه عن غيره،و الحاصل أن الامتياز العيني للشيء لا يكون إلا بعد وجوده،لا فتقار وجوده إلى التميز عن غيره مما يخالفه في ذاته و تشخصه،و أما امتيازه في علمه تعالى فليس على نحو الوجود العيني،فلا يستلزم علم كل حادث هناك بنفسه،كما يكون لذوي العقول بعد وجودها.بحار الأنوار،العلامة المجلسي:320/10.
(1) قال المجلسي:قوله عليه السّلام:(على ستة أنواع)لعل الأول ما يكون ملموسا و موزونا و منظورا إليه،و الثاني: ما لا يكون له تلك الاوصاف كالروح،و إنما عبر عنه بما لا ذوق له اكتفاء ببعض صفاته،و في بعض النسخ: (و ما لا لون له و هو الروح)و هو أظهر للمقابلة.
و الثالث:ما يكون منظورا إليه،و لا يكون ملموسا و لا محسوسا و لا موزونا و لا لون له كالهواء أو السماء، فالمراد بكونه منظورا إليه أنه يظهر للنظر بآثاره،أو قديرى و لا لون له بذاته،أو يراد به الجن و الملك و أشباههما،و الظاهر أن قوله:(و لا لون)زيد من النساخ.
و الرابع:التقدير و يدخل فيه الصور و الطول و العرض.
و الخامس:الاعراض القارة المدركة بالحواس،كاللون و الضوء،و هو الذي عبر عنه بالا عراض.
و السادس:الاعراض الغير القارة كالاعمال و الحركات التي تذهب هي و تبقى آثارها.و يمكن تصوير التقسيم بوجوه اخر تركناها لمن تفكر فيه.
1) قال العلامة المجلسي:قوله:(هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه)اقول:هذا الكلام و جوابه في غاية الاغلاق و قد خطر بالبال في حله وجوه لا يخلو كل منها من شيء:
قال الرضا عليه السّلام:إنما يكون المعلمة بالشيء لنفي خلافه،و ليكون الشيء نفسه بما نفي عنه موجودا،و لم يكن هناك شيء يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم منها،أفهمت يا عمران؟
قال:نعم و الله يا سيدي،فأخبرني بأي شيء علم ما علم؟أبضمير أم بغير ذلك؟قال الرضا عليه السّلام:أرأيت إذا علم بضمير هل تجدبدا من أن تجعل لذلك الضمير حدا تنتهي إليه المعرفة؟
قال عمران:لا بد من ذلك.
قال الرضا عليه السّلام:فما ذلك الضمير؟فانقطع عمران و لم يحر جوابا.
قال الرضا عليه السّلام:لا بأس إن سألتك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر.
فقلت:نعم أفسدت عليك قولك و دعواك،يا عمران أليس ينبغي أن تعلم أن الواحد ليس يوصف بضمير و ليس يقال له أكثر من فعل و عمل و صنع؟و ليس يتوهم مته مذاهب و تجربة كمذاهب المخلوقين و تجربتهم؟فاعقل ذلك و ابن عليه ما علمت صوابا.
قال عمران:يا سيدي ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي؟و ما معانيها؟و على كم نوع تكون؟
قال:قد سألت فافهم،إن حدود خلقه على ستة أنواع (1)
الثالث:أن يكون المراد بالكائن الحادث المعلول،و المراد معلوميته عند الصانع بصورة حاصلة منه فيه، و حاصل الجواب على هذا أن المخلوق إذا أراد صنع شيء يصوره أولا في نفسه لعجزه عن الإتيان بكل ما يريد،و لامكان وجود ما يخالفه و يعارضه فيما يريده،فيصوره في نفسه على وجه لا يعارضه شيء في حصول ما أراد منه و ينفي الموانع عن نفسه بتحديد ما علم منه،و أما الصانع تعالى فهو لا يحتاج إلى ذلك لكمال قدرته،و لعدم تخيل الموانع عن الايجاد ثمة،بل إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له:كن فيكون، فليس المراد نفي العلم رأسا،بل نفي العلم على الوجه الذي تخيله السائل بوجه يوافق فهمه،و ضمير(منها) راجع إلى الشيء الكائن باعتبار النفس أو إلى النفس،أي علما ناشئا من النفس.
الرابع:أن يكون المراد الحادث معلوما لنفسه عند نفسه قبل وجوده،لاكونه معلوما لصانعه،فالجواب أن الشيء بعد وجوده و تشخصه يكون معلوما لنفسه على وجه يمتاز عن غيره،و أما الاعدام ففي مرتبة عدمها لا يكون بينها تمييز حتى يحتاج كل عدم إلى العلم بامتيازه عن غيره،و الحاصل أن الامتياز العيني للشيء لا يكون إلا بعد وجوده،لا فتقار وجوده إلى التميز عن غيره مما يخالفه في ذاته و تشخصه،و أما امتيازه في علمه تعالى فليس على نحو الوجود العيني،فلا يستلزم علم كل حادث هناك بنفسه،كما يكون لذوي العقول بعد وجودها.بحار الأنوار،العلامة المجلسي:320/10.
:ملموس و موزون و منظور إليه:-1) -فأما البسيط المطلق الذي تشخصه من ذاته و لم يشارك غيره في شيء من الذاتيات فلا يحتاج لمعرفة نفسه إلى حصول صورة،بل هو حاضر بذاته عند ذاته،فقوله:(و لم يكن هناك شيء يخالف)أي شيء يخالف في بعض الذاتيان فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم من ذاته بجنس و فصل و تشخص.
و ما لا ذوق له و هو الروح،و منها منظور إليه و ليس له وزن و لا لمس و لا حس و لا لون و لا ذوق و التقدير و الاعراض و الصور و الطول و العرض،و منها العمل و الحركات التي تصنع الأشياء و تعملها و تغيرها من حال إلى حال و تزيدها و تنقصها،فأما الاعمال و الحركات فإنها تنطلق لانه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه،فإذا فرغ من الشيء انطلق بالحركة و بقي الاثر،و يجري مجرى الكلام الذي يذهب و يبقى أثره.
قال له عمران:يا سيدي ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شيء غيره و لا شيء معه أليس قد تغير بخلقه الخلق؟
قال له الرضا عليه السّلام:لم يتغير عزّ و جلّ بخلق الخلق،و لكن الخلق يتغير بتغييره.
قال عمران:فبأي شيء عرفناه؟
قال:بغيره.
قال:فأي شيء غيره؟
قال الرضا عليه السّلام:مشيته و اسمه و صفته و ما أشبه ذلك،و كل ذلك محدث مخلوق مدبر،قال عمران:يا سيدي فأي شيء هو؟
قال:هو نور بمعنى أنه هاد لخلقه من أهل السماء و أهل الأرض،و ليس لك علي أكثر من توحيدي إياه.
قال عمران:يا سيدي أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق ثم نطق؟
قال الرضا عليه السّلام:لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله.و المثل في ذلك أنه لا يقال للسراج:
هو ساكت لا ينطق،و لا يقال:إن السراج ليضئ فيما يريد أن يفعل بنا؟لأن الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون،و إنما هو ليس شيء غيره فلما استضاء لنا قلنا:قد أضاء لنا حتى استضأنا به، فهذا تستبصر أمرك.
قال عمران:يا سيدي فإن الذي كان عندي أن الكائن قد تغير في فعله عن حاله بخلقه الخلق.
قال الرضا عليه السّلام:أحلت يا عمران في قولك:إن الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره،يا عمران هل تجد النار يتغيرها تغير نفسها؟أو هل تجد الحرارة تحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصيرا قط رأى بصره؟
قال عمران:لم أر هذا،ألا تخبرني يا سيدي أهو في الخلق أم الخلق فيه؟
قال الرضا عليه السّلام:جل يا عمران عن ذلك،ليس هو في الخلق و لا الخلق فيه،تعالى عن ذلك،و ساعلمك ما تعرفه به و لا قوة إلا بالله،أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شيء استدللت بها على نفسك؟
قال عمران بضوء بيني و بينها.
قال الرضا عليه السّلام:هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك؟
قال:نعم.
قال الرضا عليه السّلام فأرناه،فلم يحر جوابا.
قال عليه السّلام:فلا أرى النور إلا و قد دلك و دل المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما،و لهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا،و لله المثل الاعلى.ثم التفت إلى المأمون فقال:الصلاة قد حضرت،فقال عمران:يا سيدي لا تقطع علي مسألتي فقدرق قلبي.
قال الرضا عليه السّلام:نصلي و نعود،فنهض و نهض المأمون فصلى الرضا عليه السّلام داخلا،و صلّى الناس خارجا خلف محمد بن جعفر،ثم خرجا فعاد الرضا عليه السّلام إلى مجلسه و دعا بعمران فقال:سل يا عمران.
قال:يا سيدي ألا تخبرني عن الله عزّ و جلّ هل يوحد بحقيقة أو يوحد بوصف؟
قال الرضا عليه السّلام:إن الله المبدئ الواحد الكائن الاول لم يزل واحدا لا شيء معه،فردا لا ثاني معه،لا معلوما و لا مجهولا،و لا محكما و لا متشابها،و لا مذكورا و لا منسيا،و لا شيئا يقع عليه اسم شيء من الاشياء غيره،و لا من وقت كان،و لا إلى وقت يكون،و لا بشيء قام،و لا إلى شيء يقوم،و لا إلى شيء استند،و لا في شيء استكن،و ذلك كله قبل الخلق إذ لا شيء غيره،و ما أوقعت عليه من الكل فهي صفات محدثة و ترجمة يفهم بها من فهم،و اعلم أن الابداع و المشية و الارادة معناها واحد و أسماؤها ثلاثة و كان أول إبداعه و إرادته و مشيته الحروف التي جعلها أصلا لكل شيء،و دليلا على كل مدرك،و فاصلا لكل مشكل،و بتلك الحروف تفريق كل شيء من اسم حق و باطل،أو فعل أو مفعول،أو معنى أو غير معنى،و عليها اجتمعت الامور كلها،و لم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها يتناهى و لا وجود لها لأنها مبدعة بالابداع،و النور في هذا
الموضع أول فعل الله الذي هو نور السماوات و الأرض،و الحروف هي المفعول بذلك الفعل،و هي الحروف التي عليها الكلام و العبارات كلها من الله عزّ و جلّ،علمها خلقه و هي ثلاثة و ثلاثون حرفا،فمنها ثمانية و عشرون حرفا تدل على لغات العربية،و من الثمانية و العشرين اثنان و عشرون حرفا تدل على لغات السريانية و العبرانية،و منها خمسة أحرف متحرفه في سائر اللغات من العجم لاقاليم اللغات كلها،و هي خمسة أحرف تحرفت من الثمانية و العشرين الحرف من اللغات فصارت الحروف ثلاثة و ثلاثين حرفا
فأما الخمسة المختلفة فحجج لا يجوز ذكرها أكثر مما ذكرناه،ثم جعل الحروف بعد إحصائها و إحكام عدتها فعلا منه كقوله عزّ و جلّ: (كُنْ فَيَكُونُ) و كن منه صنع،و ما يكون به المصنوع، فالخلق الاول من الله عزّ و جلّ الابداع لا وزن له و لا حركة و لا سمع و لا لون و لا حس،و الخلق الثاني الحروف لا وزن لها و لا لون و هي مسموعة موصوفة غير منظور إليها،و الخلق الثالث ما كان من الانواع كلها محسوسا ملموسا ذا ذوق منظور إليه،و الله تبارك و تعالى سابق للابداع لانه ليس قبله عز و جل شيء،و لا كان معه شيء،و لإبداع سابق للحروف و الحروف لا تدل على غير نفسها.
قال المأمون:و كيف لا تدل على غير نفسها؟
قال الرضا عليه السّلام:لأن الله تبارك و تعالى لا يجمع منها شيئا لغير معنى أبدأ،فإذا الف منها أحرفا أربعة أو خمسة أو ستة أو أكثر من ذلك أو أقل لم يؤلفها لغير معنى،و لم يك إلا لمعنى محدث لم يكن قبل ذلك شيئا.
قال عمران:فكيف لنا بمعرفة ذلك؟
قال الرضا عليه السّلام:أما المعرفة فوجه ذلك و بيانه أنك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فردا فقلت:ا ب ت ث ج ح خ حتى تأتي على آخرها،فلم تجد لها معنى غير أنفسها،فإذا ألفتها و جمعت منها أحرفا و جعلتها اسما و صفة لمعنى ما طلبت و وجه ما عنيت كانت دليلة على معانيها،داعية إلى الموصوف بها،أفهمته؟
قال:نعم.
قال الرضا عليه السّلام:و اعلم أنه لا تكون صفة لغير موصوف،و لا اسم لغير معنى،و لا حدّ لغير محدود،و الصفات و الاسماء كلها تدل على الكمال و الوجود،و لا تدل على الاحاطة،كما تدل على الحدود التي هي التربيع و التثليث و التسديس،لأن الله عزّ و جلّ تدرك معرفته بالصفات و الاسماء،و لا تدرك بالتحديد بالطول و العرض و القلة و الكثرة و اللون و الوزن و ما أشبه ذلك، و ليس يحل بالله جل و تقدس شيء من ذلك حتى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم بالضرورة التي ذكرنا، و لكن يدل على الله عز و جل بصفاته،و يدرك بأسمائه،و يستدل عليه بخلقه حتى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين و لا استماع اذن و لا لمس كف و لا إحاطة بقلب،فلو كانت صفاته جل
ثناؤه لا تدل عليه و أسماؤه لا تدعو إليه و المعلمة من الخلق لا تدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لاسمائه و صفاته دون معناه،فلو لا أن ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله،لأن صفاته و أسماءه غيره،أفهمت؟
قال:نعم يا سيدي زدني.
قال الرضا عليه السّلام:إياك و قول الجهال أهل العمى و الضلال الذين يزعمون أن الله جل و تقدس موجود في الآخرة للحساب و الثواب و العقاب،و ليس بموجود في الدنيا للطاعة و الرجاء،و لو كان في الوجود لله عزّ و جلّ نقص و اهتضام لم يوجد في الآخرة أبدا،و لكن القوم تاهوا و عموا و صموا عن الحق من حيث لا يعلمون،و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلاً (1)يعني أعمى عن الحقائق الموجودة،و قد علم ذو و الالباب أن الإستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما ههنا،من أخذ علم ذلك برأيه و طلب وجوده و إدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلا بعدا،لأن الله عزّ و جلّ جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون و يعلمون و يفهمون.
قال عمران:يا سيدي ألا تخبرني عن الابداع أخلق هو أم غير خلق؟
قال له الرضا عليه السّلام:بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون،و إنما صار خلقا لانه شيء محدث، و الله الذي أحدثه فصار خلقا له و إنما هو الله عزّ و جلّ و خلقه لا ثالث بينهما،و لا ثالث غيرهما، فما خلق الله عزّ و جلّ لم يعد أن يكون خلقه،و قد يكون الخلق ساكنا و متحركا و مختلفا و مؤتلفا و معلوما و متشابها،و كل ما وقع عليه حد فهو خلق الله عزّ و جلّ،و اعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس،و كل حاسة تدل على ما جعل الله عزّ و جل لها في إدراكها، و الفهم من القلب بجميع ذلك كله.
و اعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير و لا تحديد خلق خلقا مقدرا بتحديد و تقدير،و كان الذي خلق خلقين اثنين:التقدير و المقدر،و ليس في واحد منهما لون و لا وزن و لا ذوق فجعل أحدهما يدرك بالآخر،و جعلهما مدركين بنفسهما،و لم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه و إثبات وجوده،فالله تبارك و تعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه و لا يعضده و لا يكنه،و الخلق يمسك بعضه بعضا بإذن الله و مشيته،و انما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا و تحيروا و طلبوا الخلاص من الظلمة بالظلمة في وصفهم الله بصفة انفسهم فازدادوا من الحق بعدا،و لو وصفوا الله عزّ و جلّ بصفاته و وصفوا المخلوقين بصفاتهم لقالوا بالفهم و اليقين و لما اختلفوا،فلما طلبوا من ذلك ما تحيروا فيه ارتبكوا فيه و الله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم.2.
1) سورة الإسراء:72.
قال عمران:يا سيدي أشهد انه كما وصفت،و لكن بقيت لى مسالة.
قال:سل عما أردت.
قال:أسألك عن الحكيم في أي شيء هو؟و هل يحيط به شيء؟و هل يتحول من شيء الى شيء،أو به حاجة الى شيء؟
قال الرضا عليه السّلام:أخبرك يا عمران فاعقل ما سألت عنه فانه من أغمض ما يرد على المخلوقين في مسائلهم،و ليس يفهمهه المتفاوت عقله العازب حلمه،و لا يعجز عن فهمه أولوا العقل المنصفون،أمّا أول ذلك فلو كان خلق ما خلق لحاجة منه لجاز لقائل أن يقول:يتحول الى ما خلق لحاجته الى ذلك،و لكنه عزّ و جلّ لم يخلق شيئا لحاجة،و لم يزل ثابتا لا في شيء و لا على شيء إلا أن الخلق يمسك بعضه بعضا،و يدخل بعضه في بعض،و يخرج منه،و الله جل و تقدس بقدرته يمسك ذلك كله،و ليس يدخل في شيء و لا يخرج منه،و لا يؤوده حفظه،و لا يعجز عن امساكه،و لا يعرف احد من الخلق كيف ذلك إلا الله عزّ و جلّ،و من أطلعه عليه من رسله،و أهل سره و المستحفظين لأمره،و خزانه القائمين بشريعته،و إنما أمره كلمح بالبصر أو هو أقرب،إذا شاء شيئا فانما يقول له:كن فيكون بمشيته و ارادته،و ليس شيء من خلقه اقرب إليه من شيء،و لا شيء أبعد منه من شيء أفهمت يا عمران؟
قال:نعم يا سيدي قد فهمت،و أشهد أن الله على ما وصفته و وحدته،و أنّ محمدا عبده المبعوث بالهدى و دين الحق.ثم خر ساجدا نحو القبلة و أسلم.
قال الحسن بن محمد النوفلي فلما نظر المتكلمون الى كلام عمران الصابئ و كان جدلا لم يقطعه عن حجته احد قط لم يدن من الرضا عليه السّلام أحد منهم،و لم يسألوه عن شيء،و أمسينا،فنهض المأمون و الرضا عليه السّلام فدخلا و انصرف الناس،و كنت مع جماعة من أصحابنا إذ بعث إلىّ محمد بن جعفر فأتيته فقال لى:يا نوفلي أما رأيت ما جاء به صديقك،لا و الله ما ظننت أن علي بن موسى عليهما السّلام خاض في شيء من هذا قط و لا عرفناه به،انه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أو يجتمع إليه اصحاب الكلام؟
قلت قد كان الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم و حرامهم فيجيبهم،و ربما كلم من يأتيه يحاجه.
فقال محمد بن جعفر:يا أبا محمد إني أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمه أو يفعل به بلية فأشر عليه بالإمساك عن هذه الأشياء.
قلت إذا لا يقبل مني،و ما أراد الرجل إلا امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه عليه السّلام.
فقال لي:قل له:ان عمك قد كره هذا الباب واحب أن تمسك عن هذه الأشياء لخصال شتى.
فلما انقلبت الى منزل الرضا عليه السّلام أخبرته بما كان من عمه محمد بن جعفر فتبسم ثم قال:فلا باس،قربوا إليه دابة،فصرت الى عمران فأتيته به فرحب به و دعا بكسوة فخلعها عليه و دعا بعشرة آلاف درهم فوصله بها.
فقلت:جعلت فداك حكيت فعل جدك أمير المؤمنين عليه السّلام.
قال:هكذا يجب.ثم دعا عليه السّلام بالعشاء فأجلسني عن يمينه،و أجلس عمران عن يساره حتى إذا فرغنا قال لعمران:إنصرف مصاحبا،و بكّر علينا نطعمك طعام المدينة.فكان عمران بعد ذلك يجتمع إليه المتكلمون من أصحاب المقالات فيبطل امرهم حتى اجتنبوه،و وصله المأمون بعشرة آلاف درهم،و اعطاه الفضل مالا و حمله،و ولاه الرضا عليه السّلام صدقات بلخ فأصاب الرغائب (1).
و عن ياسر الخادم أنّ الرضا عليه السّلام أشار على المأمون بالخروج من مرو إلى العراق و أشار عليه ذو الرياستين بترك الخروج و قال له:هاهنا مشايخ قد خدموا الرشيد و عرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك مثل علي بن أبي عمران و ابن مؤنس و الجلودي و هؤلاء هم الذين نقموا بيعة الرضا عليه السّلام فحبسهم المأمون بهذا السبب،فلمّا كان من الغد جاء أبو الحسن عليه السّلام إلى المأمون و حكى له المأمون قول ذي الرياستين و دعا المأمون بهؤلاء النفر فأخرجهم من الحبس فأوّل من دخل عليه علي ابن أبي عمران فنظر إلى الرضا عليه السّلام بجنب المأمون فقال:أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تخرج هذا الأمر الذي جعله الله لكم و خصّكم به إلى أعدائكم و من كان آباؤك يقتلونهم و يشرّدونهم في البلاد.
قال المأمون له:و أنت يابن الزانية بعد على هذا،قدّمه يا حرسي اضرب عنقه فضربت عنقه.
و دخل ابن مؤنس فلمّا نظر إلى الرضا عليه السّلام بجنب المأمون قال:يا أمير المؤمنين هذا الذي بجنبك و الله صنم يعبد من دون الله.
قال المأمون:و أنت يابن الزانية بعد على هذا،يا حرسي اضرب عنقه فضربت عنقه.
ثمّ ادخل الجلودي و كان الجلودي في خلافة الرشيد لمّا خرج محمّد بن جعفر بن محمّد بالمدينة بعثه الرشيد و أمره أن يضرب عنقه إذا ظفر به و أن يغير على دور آل أبي طالب و أن يسلب نساءهم و لا يدع على واحدة منهنّ إلاّ ثوبا واحدا،ففعل الجلودي ذلك فهجم على دار الرضا عليه السّلام
1) بحار الأنوار،العلامة المجلسي:307/10-118،و التوحيد:ص 428-457.و عيون الاخبار:ص 87-100.
مع خيله فلمّا نظر إليه جعل عليه السّلام النساء كلّهن في بيت و وقف على باب البيت فقال الجلودي:لا بدّ من أن أدخل البيت فأسلبهنّ كما أمرني الرشيد.
فقال عليه السّلام:أنا أسلبهنّ لك و أحلف أنّي لا أدع عليهنّ شيئا إلاّ أخذته فلم يزل يطلب إليه و يحلف له حتّى سكن و دخل الرضا عليه السّلام فلم يدع عليهنّ شيئا حتّى أقراطهنّ و خلاخيلهنّ و أزرهنّ إلاّ أخذه منهنّ و جميع ما كان من قليل و كثير،فلمّا كان في هذا اليوم و أدخل الجلودي على المأمون قال الرضا عليه السّلام:يا أمير المؤمنين هب لي هذا الشيخ.
فقال المأمون:يا سيّدي هذا الذي فعل ببنات رسول الله ما فعل من سلبهنّ،فنظر الجلودي ورآه يكلّم المأمون و يسأله أن يعفو عنه و يهبه له فظنّ أنّه يعين عليه لما كان الجلودي فعله معه.
فقال:يا أمير المؤمنين أسألك بالله و بخدمتي الرشيد أن لا تقبل قول هذا فيّ.
فقال المأمون:يا أبا الحسن قد استعفى و نحن نبرّ قسمه.
ثمّ قال:لا و الله لا أقبل فيك قوله ألحقوه بصاحبيه فقدّم و ضرب عنقه،فلمّا قتل المأمون هؤلاء علم ذو الرياستين أنّه قد عزم على الخروج فلمّا كانوا في بعض المنازل ورد على ذي الرياستين كتاب من أخيه الحسن بن سهل إنّي نظرت في تحويل هذه السنة في حساب النجوم و وجدت فيه أنّك تذوق حرّ الحديد و حرّ النار في شهر كذا يوم الأربعاء و أرى أن تدخل أنت و الرضا و أمير المؤمنين الحمام في هذا اليوم فتحتم فيه و تصبّ الدم على بدنك لزوال نحسه عنك،فبعث الفضل إلى المأمون و سأله أن يدخل الحمّام معه و يسأل الرضا عليه السّلام ذلك فكتب المأمون إلى الرضا عليه السّلام رقعة في ذلك.
فكتب عليه السّلام إليه:لست بداخل غدا الحمّام و لا أرى لك و لا للفضل دخول الحمّام غدا.
فكتب المأمون إلى الرضا عليه السّلام:لست بداخل و الفضل أعلم بما يفعله.
قال ياسر:فلمّا غابت الشمس قال لنا الرضا عليه السّلام:قولوا:نعوذ بالله من شرّ ما ينزل في هذه الليلة و كذلك قال لنا لمّا أصبح،فلمّا قرب طلوع الشمس قال عليه السّلام:إصعد السطح فاستمع الضجّة و النحيب فأتى المأمون يقول:يا سيّدي يا أبا الحسن آجرك الله في الفضل و كان دخل الحمّام فدخل عليه قوم بالسيوف فقتلوه و كانوا ثلاثة أحدهم ابن خالة الفضل ذو القلمين قال:و اجتمع القوّاد و الجند و من كان من رجال ذي الرياستين على باب المأمون فقالوا:اغتاله و قتله فلنطلبن بدمه.
فقال المأمون للرضا عليه السّلام:يا سيّدي ترى أن تخرج إليهم و تفرّقهم؟
قال ياسر:فركب الرضا عليه السّلام فلمّا خرج من الباب نظر إليهم و قد اجتمعوا و جاؤوا بالنيران ليحرقوا الباب فصاح بهم بأن تفرّقوا فأقبل الناس يقع بعضهم على بعض و قال:إنّه لمّا قتل الفضل جاء المأمون إلى الرضا عليه السّلام و قال:هذا وقت حاجتي إليك فتنظر في الأمر و تقيني،فقال:عليك
التدبير و علينا الدعاء فلمّا خرج قال محمّد بن أبي عبادة للرضا عليه السّلام:لم أبيت أعزّك الله؟
فقال:لو آل الأمر إلى ما تقول و أنت منّي كما أنت ما كان نفقتك إلاّ في كمك و كنت كواحد من الناس (1).
عن أبي الصلت عبد السّلام بن صالح الهروي قال:سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السّلام عن قول الله عزّ و جلّ: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَ كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (2).
فقال:إن الله تبارك و تعالى خلق العرش و الماء و الملائكة قبل خلق السماوات و الأرض، فكانت الملائكة تستدل بأنفسها و بالعرش و الماء على الله عزّ و جلّ،ثم جعل عرشه على الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فتعلم أنه على كل شيء قدير،ثم رفع العرش بقدرته و نقله فجعله فوق السماوات السبع،ثم خلق السماوات و الأرض في ستة أيام و هو مستول على عرشه،و كان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين،و لكنه عزّ و جلّ خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئا بعد شيء فتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة،و لم يخلق الله العرش لحاجة به إليه،لأنه غني عن العرش و عن جميع ما خلق،لا يوصف بالكون على العرش لأنه ليس بجسم، تعالى عن صفة خلقه علوا كبيرا.
و أما قوله عزّ و جلّ: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (3)فإنه عزّ و جلّ خلق خلقه ليبلوهم بتكليف طاعته و عبادته لا على سبيل الامتحان و التجربة،لأنه لم يزل عليما بكل شيء.
فقال المأمون:فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك،ثم قال له:يا ابن رسول الله فما معنى قول الله جلّ ثناؤه: وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ* وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ (4).
فقال الرضا عليه السّلام:حدثني أبي موسى بن جعفر،عن أبيه جعفر بن محمد،عن أبيه محمد بن علي،عن أبيه علي بن الحسين،عن أبيه الحسن بن علي،عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السّلام قال:إن المسلمين قالوا لرسول الله صلّى الله عليه و آله:لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا و قوينا على عدونا،فقال رسول الله:ما كنت لالقى الله عزّ و جلّ ببدعة لم
يحدث إلي فيها شيئا و ما أنا من المتكلفين،فأنزل الله عزّ و جلّ عليه:يا محمد وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً (1)على سبيل الإلجاء و الإضطرار في الدنيا كما يؤمنون عند المعاينة و رؤية البأس في الآخرة،و لو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا و لا مدحا،و لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى و الكرامة و دوام الخلود في جنة الخلد، أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (2).
و أما قوله عزّ و جلّ: وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ (3)فليس ذلك على سبيل تحريم الايمان عليها،و لكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله،و إذنه أمره لها بالايمان ما كانت مكلفة متعبدة،و إلجاؤه إياها إلى الإيمان عند زوال التكليف و التعبد عنها.
فقال المأمون:فرجت عني يا أبا الحسن فرح الله عنك،فأخبرني عن قول الله عزّ و جلّ:
اَلَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (4).
فقال:إن غطاء العين لا يمنع من الذكر،الذكر لا يرى بالعين،و لكن الله عزّ و جلّ شبه الكافرين بولاية علي بن أبي طالب عليه السّلام بالعميان لأنّهم كانوا يسثثقلون قول النبي صلّى الله عليه و آله فيه و لا يستطيعون له سمعا،فقال المأمون:فرجت عني فرج الله عنك (5).
روى الشيخ المفيد طاب ثراه قال:روي أنّه لمّا سار المأمون إلى خراسان و كان معه الرضا عليه السّلام فقال له:يا أبا الحسن إنّي فكّرت في أمرنا و أمركم و نسبنا و نسبكم فوجدت الفضيلة واحدة و رأيت اختلاف شيعتنا في ذلك محمولا على العصبية.
فقال عليه السّلام:إنّ لهذا الكلام جوابا.فقال:قل الجواب.
قال:أنشدك الله لو أنّ تعالى بعث نبيّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فخرج علينا من وراء هذه الآكام يخطب إليك ابنتك أكنت مزوّجه إيّاها؟
فقال:أفخر بذلك.قال الرضا عليه السّلام:أفتراه كان يحلّ له أن يخطب إليّ؟
قال:فسكت المأمون.
ثمّ قال:أنتم أمسّ برسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رحما (6).
و قال يوما:أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين عليه السّلام يدلّ عليها القرآن؟
فقال قول الله جلّ جلاله: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ الآية،فدعا رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحسن و الحسين7.
فكانا إبنيه و دعا فاطمة فكانت في هذا الموضع نساءه و دعا أمير المؤمنين عليه السّلام فكان نفسه بحكم الله عزّ و جلّ و ثبت أنّه ليس أحد من خلق الله تعالى أجلّ من رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أفضل،فواجب أن لا يكون أحد أفضل من نفس رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بحكم الله عزّ و جلّ.
فقال المأمون:أليس قد ذكر الله تعالى الأبناء بلفظ الجمع و إنّما دعا رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ابنيه خاصّة و ذكر النساء بلفظ الجمع و إنّما دعا رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ابنته وحدها فألا جاز أن يذكر الدعاء لمن هو نفسه و يكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره فلا يكون لأمير المؤمنين عليه السّلام ما ذكرت من الفضل؟
فقال عليه السّلام:ليس يصحّ ما ذكرت و ذلك أنّ الداعي إنّما يكون داعيا لغيره كما أنّ الآمر آمر لغيره و لا يصحّ أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة و إذا لم يدع رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رجلا في المباهلة إلاّ أمير المؤمنين عليه السّلام فقد ثبت أنّه نفسه التي عناها الله سبحانه في كتابه و جعل حكمه ذلك في تنزيله.
فقال المأمون:إذا ورد الجواب سقط السؤال (1).
عن علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري عن الفضل بن شاذان قال:سأل المأمون علي بن موسى الرضا عليه السّلام أن يكتب له محض الإسلام على الإيجاز و الإختصار فكتب عليه السّلام:إن محض الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا أحدا صمدا قيوما سميعا بصيرا قديرا قديما باقيا،عالما لا يجهل،قادرا لا يعجز،غنيا لا يحتاج،عدلا لا يجور،و إنه خالق كل شيء، و ليس كمثله شيء،لا شبه له و لا ضد له و لا كفوله،و أنه المقصود بالعبادة و الدعاء و الرغبة و الرهبة.
و أنّ محمدا صلّى الله عليه و آله عبده و رسوله،و أمينه و صفيه،و صفوته من خلقه،و سيد المرسلين و خاتم النبيين،و أفضل العالمين،لا نبي بعده،و لا تبديل لملته،و لا تغيير لشريعته،و أنّ جميع ما جاء به محمد بن عبد الله هو الحق المبين،و التصديق به و بجميع من مضى قبله من رسل الله و أنبيائه و حججه،و التصديق بكتابه الصادق العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد،و أنه المهيمن على الكتب كلها،و أنه حق من فاتحته إلى خاتمته،نؤمن بمحكمه و متشابهه و خاصّه و عامّه و وعده و وعيده و ناسخه و منسوخه و قصصه و أخباره،لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله.
1) الفصول المختارة:16/1.
و أن الدليل بعده و الحجة على المؤمنين و القائم بأمر المسلمين و الناطق عن القرآن و العالم بأحكامه أخوه و خليفته و وصيه و وليه،الذي كان منه بمنزلة هارون من موسى علي بن أبي طالب عليه السّلام أمير المؤمنين،و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين،و أفضل الوصيين،و وارث علم النبيين، و المرسلين،و بعده الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة،ثم علي بن الحسين زين العابدين،ثم محمد بن علي باقر علم الأولين،ثم جعفر بن محمد الصادق وارث علم الوصيين،ثم موسى بن جعفر الكاظم،ثم علي بن موسى الرضا،ثم محمد بن علي،ثم علي بن محمد،ثم الحسن بن علي،ثم الحجة القائم المنتظر ولده صلوات الله عليهم أجمعين،أشهد لهم بالوصية و الإمامة.
و أن الأرض لا تخلو من حجة الله تعالى على خلقه كل عصر و أوان،و أنهم العروة الوثقى، و أئمة الهدى،و الحجة على أهل الدنيا إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.
و أن كل من خالفهم ضال مضل،تارك للحق و الهدى،و أنهم المعبرون عن القرآن، و الناطقون عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله بالبيان،من مات و لم يعرفهم مات ميتة جاهلية.
و أن من دينهم الورع و العفة،و الصدق و الصلاح،و الإستقامة و الإجتهاد،و أداء الأمانة إلى البر و الفاجر،و طول السجود،و صيام النهار،و قيام الليل،و اجتناب المحارم،و انتظار الفرج بالصبر،و حسن العزاء،و كرم الصحبة.ثم الوضوء كما أمر الله عزّ و جلّ في كتابه:غسل الوجه و اليدين إلى المرفقين.
و مسح الرأس و الرجلين مرة واحدة،و لا ينقض الوضوء إلا غائط أو بول أو ريح أو نوم أو جنابة،و إن مسح على الخفين فقد خالف الله تعالى و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و ترك فريضته و كتابه.و غسل يوم الجمعة سنة،و غسل العيدين و غسل دخول مكة و المدينة و غسل الزيارة و غسل الإحرام و أول ليلة من شهر رمضان و ليلة سبعة عشر و ليلة تسعة عشر و ليلة إحدى و عشرين و ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان هذه الاغسال سنة،و غسل الجنابة فريضة،و غسل الحيض مثله.و الصلاة الفريضة الظهر أربع ركعات،و العصر أربع ركعات،و المغرب ثلاث ركعات،و العشاء الآخرة أربع ركعات،و الغداة ركعتان،هذه سبع عشرة ركعة،و السنة أربع و ثلاثون ركعة:ثمان ركعات قبل فريضة الظهر،و ثمان ركعات قبل العصر،و أربع ركعات بعد المغرب،و ركعتان من جلوس بعد العتمة تعدان بركعة و ثمان ركعات في السحر،و الشفع و الوتر ثلاث ركعات تسلم بعد الركعتين، و ركعتا الفجر.و الصلاة في أول الوقت.
و فضل الجماعة على الفرد أربع و عشرون،و لا صلاة خلف الفاجر،و لا يقتدى إلا بأهل الولاية،و لا تصلي في جلود السباع،و لا يجوز أن تقول في التشهد الأول:السلام علينا و على عباد الله الصالحين،لأن تحليل الصلاة التسليم فإذا قلت هذا فقد سلمت.و التقصير في ثمانية فراسخ و ما زاد،و إذا قصّرت أفطرت،و من لم يفطر لم يجز عنه صومه في السفر و عليه القضاء لأنه ليس عليه
صوم في السفر،و القنوت سنة واجبة في الغداة و الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة.و الصلاة على الميت خمس تكبيرات،فمن نقص فقد خالف،و الميت يسل من قبل رجليه و يرفق به إذا أدخل قبره.و الإجهار ببسم الله الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنّة.و الزكاة الفريضة في كل مائتي درهم خمسة دراهم،و لا يجب فيما دون ذلك شيء و لا تجب الزكاة على المال حتى يحول عليه الحول،و لا يجوز أن يعطى الزكاة غير أهل الولاية المعروفين،و العشر من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب إذا بلغ خمسة أوساق،و الوسق ستون صاعا،و الصاع أربعة أمداد،و زكاة الفطر فريضة، على كل رأس صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى من الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب صاع،و هو أربعة أمداد،و لا يجوز دفعها إلا على أهل الولاية.و أكثر الحيض عشرة أيام،و أقله ثلاثة أيام، و المستحاضة تحتشي و تغتسل و تصلي،و الحائض تترك الصلاة و لا تقضي،و تترك الصوم و تقضي.
و صيام شهر رمضان فريضة،يصام للرؤية و يفطر للرؤية،و لا يجوز أن يصلى تطوع في الجماعة،لأن ذلك بدعة،و كل بدعة ضلالة،و كل ضلالة في النار،و صوم ثلاثة أيام في كل شهر سنة،في كل عشرة أيام يوم:أربعاء بين خميسين.و صوم شعبان حسن لمن صامه،و إن قضيت فوائت شهر رمضان متفرقا أجزأ.و حج البيت فريضة على من استطاع إليه سببلا،و السبيل:الزاد و الراحلة مع الصحة،و لا يجوز الحج إلا تمتعا،و لا يجوز القران و الإفراد الذي يستعمله العامة إلا لأهل مكة و حاضريها،و لا يجوز الاحرام دون الميقات.
قال الله عزّ و جلّ: وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّهِ (1)و لا يجوز أن يضحى بالخصي لأنه ناقص،و يجوز الوجئ.و الجهاد واجب مع الإمام العادل،و من قتل دون ماله فهو شهيد،و لا يجوز قتل أحد من الكفار و النصاب في دار التقية إلا قاتل أوساع في فساد،و ذلك إذا لم تخف على نفسك و على أصحابك،و التقية في دار التقية واجبة،و لا حنث على من حلف تقية يدفع بها ظلما عن نفسه.
و الطلاق للسنة على ما ذكره الله عزّ و جلّ في كتابه و سنة رسول صلّى الله عليه و آله،و لا يكون طلاق لغير السنّة،و كل طلاق يخالف الكتاب فليس بطلاق،كما أن كل نكاح يخالف الكتاب فليس بنكاح،و لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع حرائر،و إذا طلقت المرأة للعدة ثلاث مرات لم تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره.و قال أمير المؤمنين عليه السّلام:إتّقوا تزويج المطلقات ثلاثا في موضع واحد،فإنهن ذوات أزواج.
و الصلاة على النبي و آله عليهم السّلام واجبة في كل موطن و عند العطاس و الذبائح و غير ذلك.
و حب أولياء الله عزّ و جلّ واجب،و كذلك بغض أعداء الله و البراءة منهم و من أئمتهم.و بر6.
1) سورة البقرة:196.
الوالدين واجب و إن كانا مشركين،و لا طاعة لهما في معصية الخالق و لا لغيرهما،فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.و ذكاة الجنين ذكاة امه إذا أشعر و أوبر.و تحليل المتعتين اللتين أنزلهما الله عزّ و جلّ في كتابه و سنهما رسول الله عليه و على آله السّلام:متعة النساء و متعة الحج.
و الفرائض على ما أنزل الله عزّ و جلّ في كتابه،و لا عول فيها،و لا يرث مع الولد و الوالدين أحد إلا الزوج و المرأة،و ذو السهم أحق ممن لاسهم له،و ليست العصبة من دين الله عزّ و جلّ.و العقيقة عن المولود الذكر و الانثى واجبة،و كذلك تسميته،و حلق رأسه يوم السابع،و يتصدق بوزن الشعر ذهبا أو فضة،و الختان سنّة واجبة للرجال،و مكرمة للنساء.
و أنّ الله تبارك و تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها،و أنّ أفعال العباد مخلوقة لله حلق تقدير لا خلق تكوين،و الله خالق كل شيء،و لا يقول بالجبر و التفويض،و لا يأخذ الله عزّ و جلّ البري بالسقيم،و لا يعذب الله تعالى الأطفال بذنوب الآباء،و لا تزر وازرة وزر أخرى.
و أن ليس للانسان إلا ما سعى،و لله عزّ و جلّ أن يعفو و يتفضل و لا يجور و لا يظلم لأنه تعالى منزه عن ذلك،و لا يفرض الله تعالى طاعة من يعلم أنه يضلهم و يغويهم،و لا يختار لرسالته و لا يصطفي من عباده من يعلم أنه يكفر به و بعبادته و يعبد الشيطان دونه.و إنّ الإسلام غير الإيمان،و كل مؤمن مسلم،و ليس كل مسلم مؤمنا،و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن،و لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن،و أصحاب الحدود مسلمون لا مؤمنون و لا كافرون،و الله عزّ و جلّ لا يدخل النار مؤمنا و قد وعده الجنة،و لا يخرج من النار كافرا و قد أوعده النار و الخلود فيها،و لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء و مذنبوا أهل التوحيد يدخلون في النار و يخرجون منها، و الشفاعة جائزة لهم،و إن الدار اليوم دار تقية و هي دار الإسلام،لا دار كفر و لا دار إيمان،و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر واجبان إذا أمكن و لم يكن خيفة على النفس،و الإيمان هو أداء الامانة،و اجتناب جميع الكبائر،و هو معرفة بالقلب،و إقرار باللسان،و عمل بالأركان.و التكبير في العيدين واجب في الفطر في دبر خمس صلوات،و يبدأ به في دبر صلاة المغرب ليلة الفطر،و في الاضحى في دبر عشر صلوات،يبدأ به من صلاة الظهر يوم النحر و بمنى في دبر خمس عشرة صلاة.
و النفساء لا تقعد عن الصلاة أكثر من ثمانية عشر يوما،فإن طهرت قبل ذلك صلّت و إن لم تطهر حتى تجاوزت ثمانية عشر يوما اغتسلت و صلّت و عملت ما تعمل المستحاضة.و تؤمن بعذاب القبر و منكر و نكير و البعث بعد الموت و الميزان و الصراط.و البراءة من الذين ظلموا آل محمد عليهم السّلام و هموا بإخراجهم و سنوا ظلمهم و غيروا سنة نبيهم صلّى الله عليه و آله و البراءة من الناكثين و القاسطين و المارقين،الذين هتكوا حجاب رسول الله صلّى الله عليه و آله و نكثوا بيعة إمامهم و أخرجوا المرأة و حاربوا أمير المؤمنين عليه السّلام و قتلوا الشيعة رحمة الله عليهم،واجبة،و البراءة ممن
نفى الأخيار و شرّدهم و آوى الطرداء اللعناء و جعل الاموال دولة بين الأغنياء و استعمل السفهاء مثل معاوية و عمرو بن العاص لعيني رسول الله صلّى الله عليه و آله،و البراءة من أشياعهم الذين حاربوا أمير المؤمنين عليه السّلام و قتلوا الأنصار و المهاجرين و أهل الفضل و الصلاح من السابقين،و البراءة من أهل الاستئثار و من أبي موسى الأشعري و أهل ولايته الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا،أولئك الذين كفروا بآيات ربهم بولاية أمير المؤمنين و لقائه عليه السّلام، كفروا بأن لقوا الله بغير إمامته،فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا فهم كلاب أهل النار.
و البراءة من الانصاب و الازلام أئمة الضلال و قادة الجور كلهم أولهم و آخرهم،و البراءة من أشباه عاقري الناقة أشقياء الأولين و الآخرين و ممن يتولاهم.و الولاية لامير المؤمنين و الذين مضوا على منهاج نبيهم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يغيروا و لم يبدلوا مثل سلمان الفارسي،و أبي ذر الغفاري،و المقداد بن الأسود،و عمار بن ياسر،و حذيفة بن اليمان،و أبي الهيثم بن التيهان و سهل بن حنيف،و عبادة بن الصامت،و أبي أيوب الأنصاري،و خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين،و أبي سعيد الخدري و أمثالهم رضي الله عنهم،و الولاية لاتباعهم و أشياعهم و المهتدين بهداهم السالكين منهاجهم رضوان الله عليهم و رحمته.و تحريم الخمر قليلها و كثيرها،و تحريم كل شراب مسكر قليله و كثيره،و ما أسكر كثيره فقليله حرام،و المضطر لا يشرب الخمر لأنها تقتله.و تحريم كل ذي ناب من السباع،و كل ذي مخلب من الطير،و تحريم الطحال فإنه دم،و تحريم الجري و السمك الطافي و المار ما هي و الزمير و كل سمك لا يكون له فلس.و اجتناب الكبائر و هي قتل النفس التي حرم الله عزّ و جلّ، و الزنا،و السرقة،و شرب الخمر،و عقوق الوالدين،و الفرار من الزحف،و أكل مال اليتيم ظلما، و أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل لغير الله به من غير ضرورة،و أكل الربا بعد البينة، و السحت،و الميسر و هو القمار،و البخس في المكيال و الميزان،و قذف المحصنات،و اللواط، و شهادة الزور،و اليأس من روح الله،و الأمن من مكر الله،و القنوط من رحمة الله،و معونة الظالمين،و الركون إليهم،و اليمين الغموس،و حبس الحقوق من غير عسر،و الكذب،و الكبر، و الإسراف،و التبذير،و الخيانة،و الإستخفاف بالحج،و المحاربة لأولياء الله تعالى،و الإشتغال بالملاهي،و الاصرار على الذنوب.
قال المجلسي:و حدثني بذلك حمزة بن محمد بن أبي جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام قال:حدثني أبو نصر قنبر بن علي بن شاذان،عن أبيه،عن الفضل بن شاذان،عن الرضا عليه السّلام:إلا أنه لم يذكر في حديثه أنه كتب ذلك إلى المأمون،و ذكر فيه:الفطرة مدين من حنطة و صاع من الشعير و التمر و الزبيب.و ذكر فيه:أن الوضوء مرة مرة فريضة،و اثنتان إسباغ.
و ذكر فيه:أن ذنوب الأنبياء عليهم السّلام صغائرهم موهوبة.و ذكر فيه:أن الزكاة على تسعة أشياء:
على الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الابل و البقر و الغنم و الذهب و الفضة.و حديث عبد الواحد بن محمد بن عبدوس رضي الله عنه عندي أصح و لا قوة إلا بالله.
و حدثنا الحاكم أبو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان رضي الله عنه عن عمه أبي عبد الله محمد بن شاذان،عن الفضل بن شاذان،عن الرضا عليه السّلام مثل حديث عبد الواحد بن محمد بن عبدوس (1).
عن الحسن بن محمد النوفلي قال:قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه و وصله،ثم قال له:إن ابن عمي علي بن موسى قدم علي من الحجاز و هو يحب الكلام و أصحابه، فلا عليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته؟
فقال سليمان:يا أمير المؤمنين إني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم فينتقص عند القوم إذا كلمني و لا يجوز الإستقصاء عليه.
قال المأمون:إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك،و ليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجة واحدة فقط،فقال سليمان:حسبك يا أمير المؤمنين،إجمع بيني و بينه و خلني و القوم،فوجّه المأمون إلى الرضا عليه السّلام فقال:إنه قد قدم علينا رجل من أهل مرو و هو واحد خراسان من أصحاب الكلام،فإن خف عليك أن تتجشم المصير إلينا فعلت،فنهض عليه السّلام للوضوء و قال لنا:تقدموني،و عمران الصابئ معنا فصرنا إلى الباب فأخذ ياسر و خالد بيدي فأدخلاني على المأمون،فلما سلمت قال:أين أخي أبو الحسن أبقاه الله؟
قلت:خلفته يلبس ثيابه،و أمرنا أن نتقدم،ثم قلت:يا أمير المؤمنين إن عمران مولاك معي و هو بالباب،فقال:من عمران؟
قلت:الصابئ الذي أسلم على يديك.
قال:فليدخل فدخل فرحب به المأمون،ثم قال له:يا عمران لم تمت حتى صرت من بني هاشم.
قال:الحمد لله الذي شرفني بكم يا أمير المؤمنين،فقال له المأمون:يا عمران هذا سليمان المروزي متكلم خراسان.
قال عمران:يا أمير المؤمنين إنه يزعم أنه واحد خراسان في النظر و ينكر البداء!قال:فلم لا تناظره؟
1) عيون الاخبار:265-269،و بحار الأنوار،العلامة المجلسي:360/10.
قال عمران:ذاك إليه،فدخل الرضا عليه السّلام فقال:في أي شيء كنتم؟
قال عمران:يا ابن رسول الله هذا سليمان المروزي،فقال سليمان:أترضى بأبي الحسن و بقوله فيه؟
قال عمران:قد رضيت بقول أبي الحسن في البداء على أن يأتيني فيه بحجة أحتج بها على نظرائي من أهل النظر.
قال المأمون:يا أبا الحسن ما تقول فيما تشاجرا فيه؟
قال:و ما أنكرت من البداء يا سليمان؟و الله عزّ و جلّ يقول: أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً (1)و يقول عزّ و جلّ:و هو الذي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (2)و يقول: بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (3)و يقول عزّ و جلّ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ (4)و يقول: «وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ» (5)
و يقول عزّ و جلّ: وَ آخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَ إِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ (6)و يقول عزّ و جلّ: وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ (7).
قال سليمان:هل رويت فيه عن آبائك شيئا؟
قال:نعم رويت عن أبي،عن أبي عبد الله عليه السّلام أنه قال:إن لله عزّ و جلّ علمين:علما مخزونا مكنونا لا يعلمه إلا هو،من ذلك يكون البداء،و علما علمه ملائكته و رسله،فالعلماء من أهل بيت نبيك يعلمونه.
قال سليمان:أحب أن تنزعه لي من كتاب الله عزّ و جلّ.
قال:قول الله تعالى لنبيه صلّى الله عليه و آله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (8)أراد هلاكهم ثم بد الله تعالى فقال: وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (9).
قال سليمان:زدني جعلت فداك.
قال الرضا عليه السّلام لقد أخبرني أبي،عن آبائه عليهم السّلام أن رسول الله صلّى الله عليه و آله قال:إن الله عزّ و جلّ أوحى إلى نبي من أنبيائه:أن أخبر فلان الملك أني متوفيه إلى كذا و كذا،فأتاه ذلك النبي فأخبره فدعا الله الملك و هو على سريره حتى سقط من السرير و قال:يا رب أجلني حتى يشب5.
طفلي و أقضي أمري،فأوحى الله عزّ و جلّ إلى ذلك النبي:أن ائت فلان الملك فأعلمه أني قد أنسيت أجله،و زدت في عمره خمس عشرة سنة،فقال ذلك النبي:يا رب إنك لتعلم أني لم أكذب قط،فأوحى الله عزّ و جلّ إليه:إنما أنت عبد مأمور،فأبلغه ذلك و الله لا يسأل عما يفعل.ثم التفت إلى سليمان فقال:أحسبك ضاهيت اليهود في هذا الباب.
قال:أعوذ بالله من ذلك،و ما قالت اليهود؟
قال:قالت اليهود: يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ (1)يعنون أن الله تعالى قد فرغ من الأمر فليس يحدث شيئا،فقال الله عزّ و جلّ: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِما قالُوا (2)و لقد سمعت قوما سألوا أبي موسى بن جعفر عن البداء فقال:و ما ينكر الناس من البداء،و أن يقف الله قوما يرجئهم لأمره؟
قال سليمان:ألا تخبرني عن إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (3)في أي شيء انزلت؟
قال:يا سليمان ليلة القدر يقدر الله عزّ و جلّ فيها ما يكون من السنة إلى السنة من حياة أو موت أو خير أو شر أو رزق،فما قدره في تلك الليلة فهو من المحتوم.
قال سليمان:الآن قد فهمت جعلت فداك فزدني.
قال:يا سليمان إن من الامور أمورا موقوفة عند الله تبارك و تعالى يقدم منها ما يشاء و يؤخر ما يشاء،يا سليمان إن عليا عليه السّلام كان يقول:العلم علمان:فعلم علمه الله ملائكته و رسله فما علمه ملائكته و رسله فإنه يكون و لا يكذب نفسه و لا ملائكته و لا رسله،و علم عنده مخزون لم يطلع عليه أحدا من خلقه،يقدم منه ما يشاء،و يؤخر ما يشاء،و يمحو ما يشاء،و يثبت ما يشاء.
قال سليمان للمأمون:يا أمير المؤمنين لا انكر بعد يومي هذا البداء و لا اكذب به إن شاء الله.
فقال المأمون:يا سليمان سل أبا الحسن عما بدالك و عليك بحسن الإستماع و الانصاف.
قال سليمان:يا سيدي أسألك؟
قال الرضا عليه السّلام:سل عما بدالك.
قال:ما تقول فيمن جعل الإرادة إسما و صفة مثل حي و سميع و بصير و قدير؟
قال الرضا عليه السّلام:إنما قلتم:حدثت الاشياء و اختلفت لأنه شاء و أراد،و لم تقولوا:حدثت و اختلفت لانه سميع بصير،فهذا دليل على أنها ليست مثل سميع و لا بصير و لا قدير.
قال سليمان:فإنه لم يزل مريدا؟1.
قال:يا سليمان فإرادته غيره؟
قال:نعم.
قال فقد أثبت معه شيئا غيره لم يزل!قال سليمان:ما أثبت.
قال الرضا عليه السّلام:أ هي محدثة؟
قال سليمان:لا ما هي محدثة،فصاح به المأمون و قال:يا سليمان مثله يعايا (1)أو يكابر؟!
عليك بالإنصاف،أما ترى من حولك من أهل النظر؟
ثم قال:كلّمه يا أبا الحسن فإنه متكلم خراسان،فأعاد عليه المسألة فقال:هي محدثة يا سليمان،فإن الشيء إذا لم يكن أزليا كان محدثا،و إذا لم يكن محدثا كان أزليا.
قال سليمان:إرادته منه كما أنّ سمعه منه و بصره منه و علمه منه؟
قال الرضا عليه السّلام:فإرادته نفسه؟
قال:لا.
قال فليس المريد مثل السميع و البصير.
قال سليمان:إنما أراد نفسه كما سمع نفسه و أبصر نفسه و علم نفسه.
قال الرضا عليه السّلام:ما معنى أراد نفسه؟أراد أن يكون شيئا،أو أراد أن يكون حيا أو سميعا أو بصيرا أو قديرا؟
قال:نعم.
قال الرضا عليه السّلام:أفبإرادته كان ذلك؟
قال سليمان:نعم،قال الرضا عليه السّلام:فليس لقولك:أراد أن يكون حيا سميعا بصيرا معنى إذا لم يكن ذلك بإرادته.
قال سليمان:بلى قد كان ذلك بإرادته،فضحك المأمون و من حوله،و ضحك الرضا عليه السّلام ثم قال لهم:إرفقوا بمتكلم خراسان،فقال:يا سليمان فقد حال عندكم عن حاله و تغيّر عنها،و هذا ما لا يوصف الله عزّ و جلّ به،فانقطع.ثم قال الرضا عليه السّلام:يا سليمان أسألك مسألة.
قال:سل جعلت فداك.
قال:أخبرني عنك و عن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون و تعرفون أو بما لا تفقهون و لا تعرفون؟ه.
1) عايا صاحبه:ألقى عليه كلاما لا يهتدى بوجهه.
قال:بما نفقه و نعلم،قال الرضا عليه السّلام:فالذي يعلم الناس أن المريد غير الارادة و أن المريد قبل الارادة،و أن الفاعل قبل المفعول،و هذا يبطل قولكم:إن الإرادة و المريد شيء واحد.
قال:جعلت فداك ليس ذاك منه على ما يعرف الناس و لا على ما يفقهون.
قال:فأراكم ادعيتم علم ذلك بلا معرفة،و قلتم:الإرادة كالسمع و البصر و إذا كان ذلك عند كم على ما لا يعرف و لا يعقل،فلم يحر جوابا.ثم قال الرضا عليه السّلام:يا سليمان هل يعلم الله جميع ما في الجنة و النار؟
قال سليمان:نعم.
قال:فيكون ما علم الله عزّ و جلّ أنه يكون من ذلك؟
قال:نعم.
قال:فإذا كان حتى لا يبقى منه شيء إلا كان أيزيدهم أو يطويه عنهم؟
قال سليمان:بل يزيدهم.
قال:فأراه في قولك قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون.
قال جعلت فداك فالمزيد لا غاية له.
قال:فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيهما إذا لم يعرف غاية ذلك،و إذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما أن يكون،تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
قال سليمان:إنما قلت:لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا،لأن الله عزّ و جلّ وصفهما بالخلود، و كرهنا أن نجعل لهما انقطاعا.
قال الرضا عليه السّلام:ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم،لأنه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم ثم لا يقطعه عنهم،و كذلك قال عزّ و جلّ في كتابه كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ (1).
و قال لأهل الجنة: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (2)
و قال عزّ و جلّ: وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ (3)فهو جلّ و عزّ يعلم ذلك و لا يقطع عنهم الزيادة،أرأيت ما أكل أهل الجنة و ما شربوا أليس يخلف مكانه؟
قال:بلى.
قال:أفيكون يقطع ذلك عنهم و قد أخلف مكانه؟3.
قال سليمان:لا.
قال فكذلك كلما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم.
قال سليمان:بل يقطعه عنهم و لا يزيدهم.
قال الرضا عليه السّلام:إذا يبيد ما فيهما،و هذا يا سليمان إبطال الخلود و خلاف الكتاب،لأن الله عزّ و جلّ يقول: لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ (1)و يقول عزّ و جلّ: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ و يقول عزّ و جلّ: وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (2)و يقول عزّ و جلّ: خالِدِينَ فِيها أَبَداً (3)و يقول عزّ و جلّ:
وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ فلم يحر جوابا.
ثم قال الرضا عليه السّلام:يا سليمان ألا تخبرني عن الارادة فعل هي أم غير فعل قال:بلى هي فعل؟
قال:فهي محدثة،لأن الفعل كله محدث.
قال ليست بفعل.
قال:فمعه غيره لم يزل.
قال سليمان:الارادة هي الانشاء.
قال:يا سليمان هذا الذي عبتموه على ضرار و أصحابه من قولهم:إن كل ما خلق الله عزّ و جلّ في سماء أو أرض أو بحر أو بر من كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابة إرادة الله،و إن إرادة الله تحيا و تموت و تذهب و تأكل و تشرب و تنكح و تلد و تظلم و تفعل الفواحش و تكفر و تشرك، فنبرأ منها و نعاديها،و هذا حدها.
قال سليمان:إنما كالسمع و البصر و العلم.
قال الرضا عليه السّلام:قد رجعت إلى هذا ثانية،فأخبرني عن السمع و البصر و العلم أمصنوع؟
قال سليمان:لا.
قال الرضا عليه السّلام:فكيف نفيتموه؟فمرة قلتم لم يرد،و مره قلتم أراد و ليست بمفعول له؟
قال سليمان:إنما ذلك كقولنا:مرة علم،و مرة لم يعلم.
قال الرضا عليه السّلام:ليس ذلك سواء لأن نفي المعلوم ليس بنفي العلم،و نفي المراد نفي الإرادة أن تكون،لأن الشيء إذا لم يرد لم يكن إرادة،و قد يكون العلم ثابتا و إن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الإنسان بصيرا و إن لم يكن المبصر،و يكون العلم ثابتا و إن لم يكن المعلوم.7.
قال سليمان:إنها مصنوعة.
قال:فهي محدثة ليست كالسمع و البصر،لأن السمع و البصر ليسا بمصنوعين و هذه مصنوعة.
قال سليمان:إنها صفة من صفاته لم تزل.
قال:فينبغي أن يكون الإنسان لم يزل،لأن صفته لم تزل.
قال سليمان:لا،لأنه لم يفعلها.
قال الرضا عليه السّلام:يا خراساني ما أكثر غلطك!أفليس بإرادته و قوله تكون الأشياء؟
قال سليمان:لا.
قال:فإذا لم تكن بإرادته و لا مشيته و لا أمره و لا بالمباشرة فكيف يكون ذلك؟تعالى الله عن ذلك،فلم يحر جوابا.ثم قال الرضا عليه السّلام:ألا تخبرني عن قول الله عزّ و جلّ: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها (1)يعني بذلك أنه يحدث إرادة؟
قال له:نعم.
قال:فإذا أحدث إرادة كان قولك:إن الارادة هي هو أو شيء منه باطلا،لأنه لا يكون أن يحدث نفسه و لا يتغير عن حاله،تعال الله عن ذلك.
قال سليمان:إنه لم يكن عنى بذلك أنه يحدث إرادة.
قال:فما عنى به؟
قال:عنى به فعل الشيء.
قال الرضا عليه السّلام:ويلك كم تردد هذه المسألة و قد أخبرتك أن الارادة محدثة،لأن فعل الشيء محدث؟!قال:فليس لها معنى!قال الرضا عليه السّلام:قد وصف نفسه عندكم حتى وصفها بالإرادة بما لا معنى له،فإذا لم يكن لها معنى قديم و لا حديث بطل قولكم:إن الله لم يزل مريدا.
قال سليمان:إنما عنيت أنها فعل من الله لم يزل.
قال:ألا تعلم أن ما لم يزل لا يكون مفعولا و قديما حديثا في حالة واحدة؟فلم يحر جوابا.
قال الرضا عليه السّلام:لا بأس أتمم مسألتك.
قال سليمان:قلت:إنّ الإرادة صفة من صفاته.
قال الرضا عليه السّلام:كم تردد علي أنها صفة من صفاته،فصفته محدثة أو لم تزل؟
قال سليمان:محدثة.6.
1) سورة الإسراء:16.
قال الرضا عليه السّلام:الله أكبر فالارادة محدثة،و إن كانت صفة من صفاته لم تزل فلم يرد شيئا، قال الرضا عليه السّلام:إن ما لم يزل لا يكون مفعولا.
قال سليمان:ليس الاشياء إرادة،و لم يرد شيئا،قال الرضا عليه السّلام:وسوست يا سليمان،فقد فعل و خلق ما لم يزل خلقه و فعله،و هذه صفة من لا يدري ما فعل،تعالى الله عن ذلك.
قال سليمان:يا سيدي فقد أخبرتك أنها كالسمع و البصر و العلم.
قال المأمون:ويلك يا سليمان كم هذا الغلط و الترداد؟اقطع هذا وخذ في غيره إذ لست تقوى على غير هذا الرد.
قال الرضا عليه السّلام:دعه يا أمير المؤمنين لا تقطع عليه مسألته فيجعلها حجة،تكلم يا سليمان.
قال:قد أخبرتك أنها كالسمع و البصر و العلم.
قال الرضا عليه السّلام:لا بأس،أخبرني عن معنى هذه،أ معنى واحد أو معاني مختلفة؟
قال سليمان:معنى واحد،قال الرضا عليه السّلام:فمعنى الارادات كلها معنى واحد؟
قال سليمان:نعم.
قال الرضا عليه السّلام:فإن كان معناها معنى واحدا كانت إرادة القيام إرادة القعود،و إرادة الحياة إرادة الموت،إذ كانت إرادته واحدة لم يتقدم بعضها بعضا،و لم يخالف بعضها بعضا،و كان شيئا واحدا.
قال سليمان:إن معناها مختلف.
قال:فأخبرني عن المريد أهولا الإرادة أو غيرها؟
قال سليمان:بل هو الارادة.
قال الرضا عليه السّلام:فالمريد عندكم مختلف إذ كان هو الإرادة.
قال:يا سيدي ليس الإرادة المريد.
قال:فالإرادة محدثة و إلا فمعه غيره،إفهم و زد في مسألتك.
قال سليمان:فإنها إسم من أسمائه.
قال الرضا عليه السّلام:هل سمّى نفسه بذلك؟
قال سليمان:لا لم يسم نفسه بذلك.
قال الرضا عليه السّلام:فليس لك أن تسميه بما لم يسم به نفسه.
قال:قد وصف نفسه بأنه مريد.
قال الرضا عليه السّلام:ليس صفته نفسه أنه مريد إخبارا عن أنه أراده،و لا إخبارا عن أن الإرادة إسم من أسمائه.
قال سليمان:لأن إرادته علمه.
قال الرضا عليه السّلام:يا جاهل فإذا علم الشيء فقد أراده؟
قال سليمان:أجل.
قال:فإذا لم يرده لم يعلمه؟
قال سليمان:أجل.
قال:من أين قلت ذاك؟و ما الدليل على أن إرادته علمه؟و قد يعلم ما لا يريده أبدا،و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ (1)فهو يعلم كيف يذهب به،و لا يذهب به أبدا.
قال سليمان:لأنه قد فرغ من الأمر فليس يزيد فيه شيئا!قال الرضا عليه السّلام:هذا قول اليهود، فكيف قال: اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (2)؟
قال سليمان:إنما عنى بذلك أنه قادر عليه.
قال:أفيعد ما لا يفي به؟فكيف قال: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ (3)؟
و قال عزّ و جلّ: يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (4)و قد فرغ من الأمر؟فلم يحر جوابا.
قال الرضا عليه السّلام:يا سليمان هل يعلم أنّ إنسانا يكون و لا يريد أن يخلق إنسانا أبدا؟أو أن إنسانا يموت و لا يريد أن يموت اليوم؟
قال سليمان:نعم.
قال الرضا عليه السّلام:فيعلم أنه يكون ما يريد أن يكون،أو يعلم أنه يكون ما لا يريد أن يكون؟
قال:يعلم أنهما يكونان جميعا.
قال الرضا عليه السّلام:إذا يعلم أنّ إنسانا حي ميت قائم قاعد أعمى بصير في حالة واحدة،و هذا هو المحال.
قال:جعلت فداك فإنه يعلم أن يكون أحدهما دون الآخر.9.
قال:لا بأس،فأيهما يكون؟الذي أراد أن يكون؟أو الذي لم يرد أن يكون؟
قال سليمان:الذي أراد أن يكون،فضحك الرضا عليه السّلام و المأمون و أصحاب المقالات.
قال الرضا عليه السّلام:غلطت و تركت قولك:إنه يعلم أن إنسانا يموت اليوم و هو لا يريد أن يموت اليوم،و إنه يخلق خلقا و أنه لا يريد أن يخلقهم،و إذا لم يجز العلم عندكم بما لم يرد أن يكون فإنما يعلم أن يكون ما أراد أن يكون.
قال سليمان:فإنما قولي:إن الإرادة ليست هو و لا غيره.
قال الرضا عليه السّلام:يا جاهل إذا قلت:ليست هو فقد جعلتها غيره،فإذا قلت:ليست هي غيره فقد جعلتها هو.
قال سليمان:فهو يعلم كيف يصنع الشيء؟
قال:نعم.
قال سليمان:فإنّ ذلك إثبات للشيء.
قال الرضا عليه السّلام:أحلت،لأن الرجل قد يحسن البناء و إن لم يبن،و يحسن الخياطة و إن لم يخط،و يحسن صنعة الشيء و إن لم يصنعه أبدا.
ثم قال له:يا سليمان هل يعلم أنه واحد لا شيء معه؟
قال:نعم.
قال:أفيكون ذلك إثباتا للشيء.
قال سليمان:ليس يعلم أنه واحد لا شيء معه.
قال الرضا عليه السّلام:أفتعلم أنت ذاك؟
قال:نعم.
قال:فأنت يا سليمان أعلم منه إذا.
قال سليمان:المسألة محال.
قال:محال عندك أنه واحد لا شيء معه،و أنه سميع بصير حكيم قادر؟
قال:نعم،فال:فكيف أخبر عزّ و جلّ أنه واحد حي سميع بصير حكيم قادر عليم خبير و هو لا يعلم ذلك؟و هذا رد ما قال و تكذيبه،تعالى الله عن ذلك،ثم قال له الرضا عليه السّلام:فكيف يريد صنع ما لا يدري صنعه و لا ما هو؟و إذا كان الصانع لا يدري كيف يصنع الشيء قبل أن يصنعه فإنما هو متحير،تعالى الله عن ذلك.
قال سليمان:فإن الارادة:القدرة.
قال الرضا عليه السّلام:و هو عزّ و جلّ يقدر على ما لا يريده أبدا و لا بد من ذلك،لأنه قال تبارك و تعالى: وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ (1)فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته،فانقطع سليمان:قال المأمون عند ذلك:يا سليمان هذا أعلم هاشمي،ثم تفرق القوم (2).
عن صفوان بن يحيى صاحب السابري قال:سألني أبو قرة صاحب الجاثليق أن اوصله إلى الرضا عليه السّلام فاستأذنته في ذلك،فقال:أدخله علي،فلما دخل عليه قبل بساطه و قال:هكذا علينا في ديننا أن نفعل بأشراف أهل زماننا،ثم قال له:أصلحك الله ما تقول في فرقة ادعت دعوى فشهدت لهم فرقة أخرى معدلون؟
قال:الدعوى لهم.
قال:فادّعت فرقة اخرى دعوى فلم يجدوا شهودا من غيرهم؟
قال:لا شيء لهم.
قال فإنا نحن ادعينا أن عيسى روح الله و كلمته،فوافقنا على ذلك المسلمون،و ادعى المسلمون أن محمدا نبي فلم نتابعهم عليه،و ما أجمعنا عليه خير مما افترقنا فيه،فقال له الرضا عليه السّلام:ما اسمك؟
قال يوحنا.
قال:يا يوحنا إنا آمنّا بعيسى روح الله و كلمته الذي كان يؤمن بمحمد و يبشّر به و يقر على نفسه أنه عبد مربوب:فإن كان عيسى الذي هو عندك روح الله و كلمته ليس هو الذي آمن بمحمد و بشر به،و لا هو الذي أقر لله بالعبودية و الربوبية فنحن منه برآء،فأين اجتمعنا.
فقام فقال لصفوان بن يحيى:قم فما كان أغنانا عن هذا المجلس؟! (3)
و عن صفوان بن يحيى قال:سألني أبو قرة المحدث صاحب شبرمة أن أدخله إلى أبي الحسن الرضا عليه السّلام فاستأذنته فأذن له،فدخل فسأله عن أشياء من الحلال و الحرام و الفرائض و الاحكام حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال له:أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى.
فقال:الله أعلم بأي لسان كلمه،بالسريانية أم بالعبرانية فأخذ أبو قرة بلسانه فقال:إنما أسألك عن هذا اللسان.
فقال أبو الحسن عليه السّلام:سبحان الله عما تقول،و معاذ الله أن يشبه خلقه أو يتكلم بمثل ما هم متكلمون،و لكنه تبارك و تعالى ليس كمثله شيء،و لا كمثله قائل فاعل.
قال:كيف ذلك؟
قال:كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق،و لا يلفظ بشق فم و لا لسان، و لكن يقول له:كن،فكان بمشيته ما خاطب به موسى من الأمر و النهي من غير تردد في نفس.
فقال أبو قرة:فما تقول في الكتب؟
فقال أبو الحسن عليه السّلام:التوراة و الانجيل و الزبور و الفرقان و كل كتاب أنزل كان كلام الله تعالى،أنزله للعالمين نورا و هدى و هي كلها محدثة و هي غير الله،حيث يقول: أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (1)و قال: ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ (2)و الله أحدث الكتب كلها التي أنزلها،فقال أبو قرة:فهل يفنى؟
فقال أبو حسن عليه السّلام:أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان و ما سوى الله فعل الله، و التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان فعل الله تعالى،ألم تسمع الناس يقولون:رب القرآن؟و إن القرآن يقول يوم القيامة:يا رب هذا فلان-و هو أعرف به-قد أظمأت نهاره،و أسهرت ليله، فشفعني فيه؟و كذلك التوراة و الانجيل و الزبور كلها محدثة مربوبة،أحدثها من ليس كمثله شيء، هدى لقوم يعقلون،فمن زعم أنهن لم يزلن فقد أظهر أن الله ليس بأول قديم و لا واحد،و أن الكلام لم يزل معه و ليس له بدء و ليس بإله.
قال أبو قرة:و إنا روينا أن الكتب كلها تجي يوم القيامة و الناس في صعيد واحد،صفوف قيام لرب العالمين،ينظرون حتى ترجع فيه،لأنها منه و هي جزء منه فإليه تصير.
قال أبو الحسن عليه السّلام:فهكذا قالت النصارى في المسيح:إنه روحه جزء منه و يرجع فيه، و كذلك قالت المجوس في النار و الشمس:إنهما جزء منه يرجع فيه،تعالى ربنا أن يكون متجزئا أو مختلفا،و إنما يختلف و يأتلف المتجزئ لأن كل متجزء متوهم و القلة و الكثرة مخلوقة دالة على خالق خلقها.
فقال أبو قرة:فإنا روينا أن الله قسم الرؤية و الكلام بين نبيين،فقسم لموسى الكلام،و لمحمد صلى الله عليه و آله الرؤية.2.
فقال أبو الحسن عليه السّلام:فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين من الجن و الإنس:إنه لا تدركه الابصار،و لا يحيطون به علما،و ليس كمثله شيء؟أليس محمد؟
قال:بلى.
قال أبو الحسن عليه السّلام:فكيف يجي رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنه جاء من عند الله،و أنه يدعوهم إلى الله بأمر الله و يقول:إنه لا تدركه الأبصار،و لا يحيطون به علما،و ليس كمثله شيء، ثم يقول:أنا رأيته بعيني،و أحطت به علما،و هو على صورة البشر؟أما تستحيون؟ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون أتى عن الله بأمر ثم يأتي بخلافه من وجه آخر!
فقال أبو قرة:فإنه يقول: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (1).
فقال أبو الحسن عليه السّلام:إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث يقول: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (2)يقول:ما كذب فؤاد محمد صلّى الله عليه و آله ما رأت عيناه،ثم أخبر بما رأت عيناه فقال: لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (3)فآيات الله غير الله.و قال: وَ لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (4)فإذا رأته الابصار فقد أحاطت به العلم و وقعت المعرفة،فقال أبو قرة فتكذب بالرواية؟.
فقال أبو الحسن عليه السّلام:إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها،و ما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما،و لا تدركه الأبصار،و ليس كمثله شيء.
و سأله عن قول الله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (5)فقال أبو الحسن:قد أخبر الله تعالى أنه أسرى به،ثم أخبر لم أسرى به فقال: لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا (6)فآيات الله غير الله،لقد أعذر و بين لم فعل به ذلك و ما رآه،فقال: فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللّهِ وَ آياتِهِ يُؤْمِنُونَ (7)فأخبر أنه غير الله.
فقال أبو قرة:فأين الله؟
فقال أبو الحسن عليه السّلام:الأين مكان،و هذه مسألة شاهد عن غائب،و الله تعالى ليس بغائب، و لا يقدمه قادم،و هو بكل مكان موجود،مدبر صانع حافظ ممسك السماوات و الأرض.
فقال أبو قرة:أليس هو فوق السماء دون ما سواها؟
فقال أبو الحسن عليه السّلام:هو الله في السماوات و في الأرض،و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله،و هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء،و هو معكم أينما كنتم،و هو الذي استوى6.
إلى السماء و هي دخان،و هو الذي استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات،و هو الذي استوى على العرش،قد كان و لا خلق،و هو كما كان إذ لا خلق،لم ينتقل مع المنتقلين.
ففال أبو قرة:فما بالكم إذا دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟
فقال أبو الحسن عليه السّلام:إن الله استعبد خلقه بضروب من العبادة،و لله مفازع يفزعون إليه و يستعبد فاستعبد عباده بالقول و العلم و العمل و التوجيه و نحو ذلك،استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة،و وجه إليها الحج و العمرة،و استعبد خلقه عند الدعاء و الطلب و التضرّع ببسط الأيدي و رفعها إلى السماء لحال الاستكانة و علامة العبودية و التذلل له.فقال أبو قرة:فمن أقرب إلى الله؟ الملائكة أو أهل الأرض؟
قال أبو الحسن عليه السّلام:إن كنت تقول بالشبر و الذراع فإنّ الأشياء كلها باب واحد هي فعله،لا يشتغل ببعضها عن بعض،يدبر أعلى الخلق من حيث يدبر أسفله،و يدبر أوله من حيث بدبر آخره، من غير عناء و لا كلفة و لا مؤونة و لا مشاورة و لا نصب،و إن كنت تقول:من أقرب إليه في الوسيلة؟ فأطوعهم له،و أنتم تروون أن أقرب ما يكون العبد إلى الله و هو ساجد،و رويتم أن أربعة أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق،و أحدهم من أسفل الخلق،و أحدهم من شرق الخلق،و أحدهم من غرب الخلق،فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال:من عند الله،أرسلني بكذا و كذا،ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه و التمثيل.فقال أبو قرة:أتقر أن الله تعالى محمول؟
فقال أبو الحسن عليه السّلام:كل محمول مفعول و مضاف إلى غيره محتاج،فالمحمول اسم نقص في اللفظ،و الحامل فاعل،و هو في اللفظ ممدوح،و كذلك قول القائل:فوق و تحت و أعلى و أسفل،و قد قال الله تعالى: وَ لِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها (1)و لم يقل في شيء من كتبه أنه محمول،بل هو الحامل في البر و البحر،و الممسك للسماوات و الأرض،و المحمول ما سوى الله، و لم نسمع أحدا آمن بالله و عظمه قط قال في دعائه:يا محمول.
قال أبو قرة:أفتكذب بالرواية:إن الله إذا غضب إنما يعرف غضبه،إن الملائكة الذين يحملون العرش يجدون ثقله على كواهلهم فيخرون سجدا،فإذا ذهب الغضب خف فرجعوا إلى مواقفهم؟
فقال عليه السّلام:أخبرني عن الله تبارك و تعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا و إلى يوم القيامة غضبان هو على إبليس و أوليائه أو راض عنهم؟فقال:نعم هو غضبان عليه.
قال فمتى رضي فخفف و هو في صفتك لم يزل غضبانا عليه و على أتباعه؟!
ثم قال:ويحك كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال،و أنه يجري عليه ما0.
1) سورة الأعراف:180.
يجري على المخلوقين؟سبحانه لم يزل مع الزائلين،و لم يتغير مع المتغيرين.
قال صفوان:فتحير أبو قرة و لم يحر جوابا حتى قام و خرج (1).
و في كتاب الصفواني أنه قال الرضا عليه السّلام لابن قرة النصراني:ما تقول في المسيح؟
قال:يا سيدي إنه من الله،فقال:و ما تريد بقولك:(من)و(من)على أربعة أوجه لا خامس لها،أتريد بقولك:(من)كالبعض من الكل فيكون مبعضا،أو كالخل من الخمر فيكون على سبيل الاستحالة،أو كالولد من الوالد فيكون على سبيل المناكحة،أو كالصنعة من الصانع فيكون على سبيل المخلوق من الخالق،أو عندك وجه آخر فتعرّفناه؟فانقطع (2).
روى ابن جرير بن رستم الطبري،عن أحمد الطوسي،عن أشياخه في حديث أنه انتدب للرضا عليه السّلام قوم يناظرون في الإمامة عند المأمون فأذن لهم،فاختاروا يحيى بن الضحاك السمرقندي فقال:سل يا يحيى،فقال يحيى:بل سل أنت يا ابن رسول الله لتشرفني بذلك.
فقال عليه السّلام:يا يحيى ما تقول في رجل ادعى الصدق لنفسه و كذب الصادقين؟أيكون صادقا محقا في دينه أم كاذبا؟فلم يحر جوابا ساعة.
فقال المأمون:أجبه يا يحيى،فقال:قطعني يا أمير المؤمنين،فالتفت إلى الرضا عليه السّلام فقال:
ما هذه المسألة التي أقر يحيى بالانقطاع فيها؟
فقال عليه السّلام:إن زعم يحيى أنه صدق الصادقين فلا إمامة لمن شهد بالعجز على نفسه فقال على منبر الرسول:(وليتكم و لست بخيركم)و الامير خير من الرعية،و إن زعم يحيى أنه صدق الصادقين فلا إمامة لمن أقر على نفسه على منبر الرسول الله صلّى الله عليه و آله:(إن لي شيطانا يعتريني) و الإمام لا يكون فيه شيطان،و إن زعم يحيى أنه صدق الصادقين فلا إمامة لمن أقر عليه صاحبه فقال:(كانت إمامة أبي بكر فلتة وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه).
فصاح المأمون عليهم فتفرقوا،ثم التفت إلى بني هاشم فقال لهم:ألم أقل لكم أن لا تفاتحوه و لا تجمعوا عليه فإن هؤلاء علمهم من علم رسول الله صلّى الله عليه و آله (1).
أبو إسحاق الموصلي:إن قوما من ما وراء النهر سألوا الرضا عليه السّلام عن الحور العين مم خلقن؟و عن أهل الجنة إذا دخلوها ما أول ما يأكلون؟و عن معتمد رب العالمين أين كان و كيف كان إذ لا أرض و لا سماء و لا شيء؟
فقال عليه السّلام:أما الحور العين فإنهن خلقن من الزعفران و التراب لا يفنين،و أما أول ما يأكل أهل الجنة فإنهم يأكلون أول ما يدخلونها من كبد الحوت التي عليها الأرض،و أما معتمد الرب عزّ و جلّ فإنه أيّن الاين،و كيف الكيف،و إنّ ربي بلا أين و لا كيف،و كان معتمده على قدرته سبحانه و تعالى (2).
عن الصقر بن دلف قال:سألت الرضا عليه السّلام عن التوحيد و قلت له:إنّي أقول بقول هشام بن الحكم فغضب عليه السّلام.
ثمّ قال:ما لكم و لقول هشام إنّه ليس منّا من زعم أنّ الله عزّ و جلّ جسم و نحن منه برآء في الدّنيا و الآخرة (3).
عن محمّد بن الفضل الهاشمي في حديث طويل جاء فيه:قال الجاثليق للإمام الرضا عليه السّلام:
إسم من أسماء الله و لا يجوز لنا أن نظهره.
قال عليه السّلام:فإن قررتك أنّه إسم محمّد و ذكره و أقرّ به عيسى و أنّه بشّر بني إسرائيل بمحمّد لتقرّ به و لا تنكر به.
قال الجاثليق:إن فعلت أقررت.
قال عليه السّلام:فخذ علي السفر الثالث الذي فيه ذكر محمّد و بشارة عيسى بمحمّد.
قال الجاثليق:هات.
فأقبل الرضا عليه السّلام يتلو ذلك السفر من الإنجيل حتّى بلغ ذكر محمّد فقال:يا جاثليق من هذا الموصوف؟
قال:صفه.
قال:لا أصفه إلاّ بما وصفه الله هو صاحب الناقة و العصا و الكساء اَلنَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ (1).
يهدي إلى الطريق الأقصد و المنهاج الأعدل و الصراط الأقوم سألتك يا جاثليق بحقّ عيسى روح الله و كلمته هل تجدون هذه الصفة في الإنجيل لهذا النبيّ؟
فأطرق الجاثليق مليّا و علم أنّه إن جحد الإنجيل كفر.
فقال:نعم هذه الصفة في الإنجيل و قد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النبيّ و لم يصحّ عند النصارى أنّه صاحبكم.
فقال الرضا عليه السّلام:أمّا إذا لم تكفر بجحود الإنجيل و أقررت بما فيه من صفة محمّد فخذ عليّ في السفر الثالث فإنّي أوجدك ذكره و ذكر وصيّه و ذكر ابنته فاطمة و ذكر الحسن و الحسين.
فلمّا سمع الجاثليق و رأس الجالوت ذلك علما أنّ الرضا عليه السّلام عالم بالتوراة و الإنجيل فقالا:
و الله قد أتى بما لا يمكننا ردّه إلاّ بجحود التوراة و الإنجيل و الزبور و لقد بشّر به موسى و عيسى جميعا و لكن لم يتقرّر عندنا بالصحّة أنّه محمّد هذا فأمّا اسمه فمحمّد فلا يجوز لنا أن نقرّ لكم بنبوّته و نحن شاكّون أنّه محمّدكم أو غيره.
فقال الرضا عليه السّلام:احتججتم بالشكّ فهل بعث الله قبل أو بعد من ولد آدم إلى يومنا هذا نبيّا اسمه محمّد أو تجدونه في شيء من الكتب الذي أنزلها الله على جميع الأنبياء غير محمّد؟
فأحجموا عن جوابه و قالوا:لا يجوز لنا أن نقرّ لك بأنّ محمّدا هو محمّدكم لأنّا إن أقررنا لك بمحمّد و وصيّه و ابنته و ابنيها على ما ذكرتم أدخلتمونا في الإسلام كرها.
فقال الرضا عليه السّلام:أنت يا جاثليق آمن في ذمّة الله و ذمّة رسوله انّه لا يبدءك منّا شيء تكرهه.
قال:أمّا إذا آمنتني فإنّ هذا النبيّ الذي اسمه محمّد و هذا الوصيّ الذي اسمه علي و هذه7.
1) سورة الأعراف:157.
البنت التي اسمها فاطمة و هذان السبطان اللّذان اسمهما الحسن و الحسين في التوراة و الإنجيل و الزبور.
فلمّا أخذ عليه السّلام إقرار الجاثليق بذلك قال لرأس الجالوت:فاسمع الآن يا رأس الجالوت السفر الفلاني من زبور داود.
قال:هات بارك الله عليك و على من ولدك فتلا عليه السّلام السفر الأوّل من الزبور حتّى انتهى إلى ذكر محمّد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين فقال لرأس الجالوت:سألتك بالله هذا في زبور داود و لك منّي الأمان و الذمّة و العهد ما قد أعطيته الجاثليق.
فقال:نعم هذا بعينه في الزبور بأسمائهم.
قال الرضا عليه السّلام:بحقّ العشر الآيات التي أنزلها الله على موسى بن عمران هل تجد في التوراة صفة محمّد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين منسوبين إلى العدل و الفضل؟
قال:نعم.
قال:فخذ الآن في سفر كذا من التوراة.
فأقبل الرضا عليه السّلام ليتلو التوراة و رأس الجالوت يتعجّب من تلاوته و بيانه و فصاحته حتى إذا بلغ ذكر محمّد.
قال رأس الجالوت:نعم هذا احماد واليا و بنت احماد و شبير و شبّر و تفسيرها بالعربية محمّد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين،فلمّا فرغ من تلاوته قال رأس الجالوت:و الله يابن محمّد لو لا الرئاسة التي حصلت لي على جميع اليهود لآمنت بأحمد و اتّبعت أمرك فما رأيت أقرأ للتوراة و الإنجيل و الزبور منك.
فلم يزل الرضا عليه السّلام معهم إلى وقت الزوال فقال:أنا اصلّي و أصير إلى المدينة للوعد الذي وعدت والي المدينة ليكتب جواب كتابه و أعود إليكم بكرة إن شاء الله،فصلّى و انصرف.
فلمّا كان من الغد عاد إلى مجلسه فأتوه بجارية رومية فكلّمها بالرومية و الجاثليق يسمع فقال الرضا عليه السّلام بالرومية أيّما أحبّ إليك عيسى أم محمد؟فقالت:كان فيما مضى عيسى أحب الي حين لم أكن،عرفت محمّدا فبعد أن عرفته صار أحبّ إليّ من كلّ نبيّ فدخلت في دين محمّد.
ثمّ قال الجاثليق:يابن محمّد هذا رجل سندي نصراني صاحب احتجاج و كلام بالسندية فاحضره و تكلّم معه بالسندية فحاجّه و نقله من شيء إلى شيء في النصرانية فسمعناه يقول:ثبطي ثبطله.
فقال الرضا عليه السّلام:قد وحّد الله بالسندية ثمّ كلّمه في عيسى و مريم فدرجه من حال إلى حال.
إلى أن قال بالسندية:أشهد أن لا إله إلاّ الله و أنّ محمّدا رسول الله و قطع الرضا عليه السّلام زناره بيده.
و قال لمحمّد بن الفضل الهاشمي:خذ السندي إلى الحمّام و طهّره و اكسه و عياله و احملهم جميعا إلى المدينة،فلمّا فرغ من كلام القوم.
قال:قد صحّ عندكم صدق ما كان محمّد بن الفضل يقول:فلمّا أصبح ودّع الجماعة و أوصاني بما أراد و مضى و تبعته حتّى إذا صرنا في وسط القرية عدل عن الطريق.
ثمّ قال عليه السّلام:غمّض طرفك فغمضته ثمّ قال:افتح عينيك ففتحتها فإذا أنا على باب منزلي بالبصرة و لم أر الرضا عليه السّلام (1).
عن محمّد بن الفضل الهاشمي قال:أوصاني الإمام الرضا عليه السّلام في وقت منصرفه من البصرة أن قال لي:صر إلى الكوفة فاجمع الشيعة هناك و اعلمهم أنّي قادم عليهم.
فصرت إلى الكوفة و أعلمت الشيعة أنّ الرضا عليه السّلام قادم عليكم.فرأيت يوما سلاما خادم الرضا عليه السّلام فعلمت أنّه قد قدم فبادرت إليه فقال لي:احتشد من طعام تصلحه للشيعة.
فقلت:قد فعلت،فجمعنا الشيعة فلمّا أكلوا قال:يا محمّد أنظر من بالكوفة من المتكلّمين و العلماء فأحضرناهم فقال لهم:إنّي اريد أن أجعل لكم حظّا من نفسي كما جعلته لأهل البصرة و أنّ الله قد علّمني كلّ كتاب أنزله ثمّ أقبل على الجاثليق و كان معروفا بالجدل و العلم و الإنجيل فقال:يا جاثليق هل تعرف لعيسى صحيفة فيها خمسة أسماء يعلّقها في عنقه إذا كان بالمغرب فأراد المشرق فتحها فأقسم على الله باسم واحد من الخمسة الأسماء أن تطوى له الأرض فيصير من المغرب إلى المشرق و من المشرق إلى المغرب في لحظة.
فقال الجاثليق:لا علم لي فيها،و أمّا الأسماء الخمسة فقد كانت معه يسأل الله بها أو بواحد منها يعطيه الله ما يسأله.
قال عليه السّلام:الله أكبر إذ لم تنكر الأسماء،فأمّا الصحيفة فلا يضرّ أقررت بها أم أنكرتها اشهدوا على قوله.
ثمّ قال:يا معاشر الناس أليس أنصف الناس من حاجّ خصمه بملّته و كتابه و نبيّه و شريعته؟
1) الخرائج و الجرائح:348/1 ح 6،و البحار:79/49.
قالوا:نعم.
قال عليه السّلام:فاعلموا أنّه ليس بإمام بعد محمّد إلاّ من قام بما قام به محمّد حين يفضي الأمر إليه و لا يصلح للإمامة إلاّ من حاجّ الامم بالبراهين للإمامة.
فقال رأس الجالوت:و ما الدليل على الإمام؟
قال:أن يكون عالما بالتوراة و الإنجيل و الزبور و القرآن الحكيم فيحاجّ أهل التوراة بتوراتهم و أهل الإنجيل بإنجيلهم و أهل القرآن بقرآنهم و أن يكون عالما بجميع اللغات حتّى لا يخفى عليه لسان واحد فيحاجّ كلّ قوم بلغتهم ثمّ يكون مع هذه الخصال تقيّا نقيّا من كلّ دنس طاهرا من كلّ عيب عادلا منصفا حكيما رؤوفا رحيما غفورا عطوفا صادقا مشفقا بارّا طاهرا أمينا مأمونا راتقا فاتقا (1).
و روي أن نصر بن مزاحم قال للإمام الرضا عليه السّلام:ما تقول في جعفر بن محمّد؟
فقال:ما أقول في إمام شهدت أمّة محمّد قاطبة بأنّه كان أعلم أهل زمانه.
قال:فما تقول في موسى بن جعفر؟
قال:كان مثله قال:فإنّ الناس قد تحيّروا في أمره.
قال:إنّ موسى بن جعفر عمّر برهة من الزمان فكان يكلّم الناس بلغاتهم و كتبهم فلمّا نفدت مدّته و كان وقت وفاته أتاني مولى له برسالته يقول:يا بني إنّ الأجل قد نفد و المدّة قد انقضت و أنت وصيّ أبيك فإنّ رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا كان وقت وفاته دعى عليا و أوصاه و دفع إليه الصحيفة التي كان فيها الأسماء التي خصّ الله بها الأنبياء و الأوصياء ثمّ قال:يا علي أدن منّي فغطّى رأس علي عليه السّلام ثمّ قال له:أخرج لسانك فأخرجه فختمه بخاتمه ثمّ قال:يا علي إجعل لساني في فمك فمصّه و أبلغ عنّي كلّ ما تجد في فيك،ففعل عليّ ذلك فقال:إنّ الله قد فهمك ما فهّمني و بصّرك ما بصّرني و أعطاك من العلم ما أعطاني إلاّ النبوّة فإنّه لا نبيّ بعدي،ثمّ كذلك إمام بعد إمام فلمّا مضى موسى علمت كلّ لسان و كلّ كتاب (2).
عيون الأخبار عن ابن أبي عبدون عن أبيه قال:لمّا جيء بزيد بن موسى أخي الرضا عليه السّلام إلى المأمون و قد خرج في البصرة و أحرق دور العبّاسيّين فسمّي زيد النار قال له المأمون:يا زيد خرجت بالبصرة و تركت أن تبدأ بدور أعدائنا من اميّة و ثقيف و آل زياد و قصدت دور بني عمّك؟
فقال و كان مزّاحا:أخطأت يا أمير المؤمنين من كلّ جهة و إن عدت بدأت بأعدائنا.
فضحك المأمون و بعث به إلى أخيه الرضا عليه السّلام و قال:قد وهبت جرمه لك فلمّا جاؤوا به عنّفه و خلّى سبيله و حلف أن لا يكلّمه أبدا ما عاش (1).
و في حديث آخر أنّه لمّا ادخل على الرضا عليه السّلام قال له:يا زيد أغرّك قول سفلة أهل الكوفة،إنّ فاطمة أحصنت فرجها فحرّم الله ذرّيتها على النار و الله ما ذاك إلاّ للحسن و الحسين و ولد بطنها خاصّة.و إن كنت ترى أنّك تعصي الله و تدخل الجنّة،و موسى بن جعفر أطاع الله و دخل الجنّة فأنت إذا أكرم على الله من موسى بن جعفر.
فقال له زيد:أنا أخوك و ابن أبيك.
فقال:أنت أخي ما أطعت الله إنّ نوحا قال: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَ إِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَ أَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (2)فقال: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فأخرجه الله من أن يكون من أهله بمعصيته.
و كان عليّ بن الحسين عليه السّلام يقول:لمحسننا كفلان من الأجر و لمسيّئنا ضعفان من العذاب (3).
و روي الكشي في كتابه أنّ الإمام الرضا عليه السّلام دخل على عليّ بن عبيد الله بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب عليه السّلام فلمّا خرج و كانت أمّ سلمة امرأة علي بن عبيد الله من وراء الستر تنظر إليه خرجت و انكبّت على الموضع الذي كان أبو الحسن عليه السّلام فيه جالسا تقبّله و تتمسّح به.
قال سليمان الجعفري:فأخبرت الرضا عليه السّلام بما صنعت أمّ سلمة.
فقال:يا سليمان إنّ علي بن عبيد الله و امرأته و ولده من أهل الجنّة.
يا سليمان إنّ ولد عليّ و فاطمة إذا عرّفهم الله هذا الأمر لم يكونوا كالناس (1).
و في كتاب مناقب الأبرار أنّ معروف الكرخي كان من موالي علي بن موسى الرضا عليه السّلام و كان أبواه نصرانيين سلّما معروفا إلى المعلم و هو صبي فكان المعلّم يقول له:قل ثالث ثلاثة و هو يقول بل هو الواحد فضربه المعلّم ضربا مبرحا فهرب و مضى إلى الرضا عليه السّلام و أسلم على يده ثمّ إنّه أتى داره فدقّ الباب فقال أبوه:من بالباب؟
فقال:معروف.
فقال عليه السّلام:على أيّ دين؟
قال:على دين الحنفي فأسلم أبوه ببركات الرضا عليه السّلام.
قال معروف:فعشت زمانا ثمّ تركت كلّما كنت فيه إلاّ خدمة مولاي علي بن موسى الرضا عليه السّلام (2).
و عن الريّان بن الصلت قال:قلت للرضا عليه السّلام:إنّ العبّاسي أخبرني أنّك رخّصت في سماع الغناء؟
فقال عليه السّلام:كذب الزنديق ما هكذا كان إنّما سألني عن سماع الغناء فأخبرته أنّ رجلا أتى أبا جعفر محمّد بن علي بن الحسين عليه السّلام فسأله عن سماع الغناء.
فقال له عليه السّلام:أخبرني إذا ميّز الله تبارك و تعالى بين الحقّ و الباطل مع أيّهما يكون الغناء؟
فقال الرجل:مع الباطل.
فقال له أبو جعفر عليه السّلام:حسبك فقد حكمت على نفسك فهكذا كان قولي له (3).
في كشف الغمّة من كتاب نثر الدرّ قال:دخل على الرضا عليه السّلام بخراسان قوم من الصوفية فقالوا له:إنّ أمير المؤمنين المأمون نظر فيما ولاّه الله من الأمر فرآكم أهل البيت أولى الناس فرأى أن يرد هذا الأمر إليك و الامّة تحتاج إلى من يأكل الجشب و يلبس الخشن و يركب الحمار و يعود المريض.
قال:و كان الرضا عليه السّلام متّكئا فاستوى جالسا ثمّ قال عليه السّلام:كان يوسف نبيّا يلبس أقبية الديباج المزرّرة بالذهب و يجلس على متكئات آل فرعون و يحكم إنّما يراد من الإمام قسطه و عدله إذا قال صدق و إذا حكم عدل و إذا وعد أنجز،إنّ الله لم يحرّم لبوسا و لا مطعما و تلى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ (1)(2).
في كتاب الاختصاص للمفيد طاب ثراه قال:ذكر محمّد بن جعفر المؤدّب أنّ صفوان بن يحيى كان من أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث و كان يصلّي كلّ يوم خمسين و مائة ركعة و يصوم في السنة ثلاثة أشهر و يخرج زكاة ماله في كلّ سنة ثلاث مرّات و ذلك أنّه اشترك هو و عبد الله بن جندب و علي بن النعمان في بيت الله الحرام فتعاقدوا جميعا إن مات واحد منهم صلّى من بقي منهم صلاته و يصوم عنه و يحجّ عنه و يزكّي عنه ما دام حيّا فمات صاحباه و بقي صفوان بعدهما و كان يفى لهما بذلك يصلّي عنهما و يزكّي عنهما و يحجّ عنهما و كلّ شيء من البرّ و الصلاح يفعله لنفسه كذلك يفعله لصاحبيه (3).
و قال بعض جيرانه من أهل الكوفة بمكّة:يا أبا محمّد تحمل لي إلى المنزل دينارين فقال له:
إنّ جمالي[مكراة قف]حتّى أستأمر فيه جمّالي (4)(5).
و عن عبد الله بن جندب و كان وكيلا للكاظم و الرضا عليهما السّلام قال:دخلت على أبي جعفر الثاني عليه السّلام فسمعته يقول:جزى الله محمّد بن سنان عنّي خيرا فقد وفى لي (1).
و عن علي بن الحسين بن داود قال:سمعت أبا جعفر الثاني عليه السّلام يقول:رضى الله عن محمّد ابن سنان برضاي عنه فما خالفني و لا خالف أبي قط (2).
و قال أبو جعفر عليه السّلام فيما رواه عبد الله بن الصلت القمي قال:دخلت على أبي جعفر عليه السّلام فسمعته يقول:جزى الله محمّد بن سنان عنّي خيرا فقد وفى لي (3).
و قال عليه السّلام:رضى الله عن محمّد بن سنان برضاي عنه فما خالفني و لا خالف أبي قط (4).
و في الكافي عن الحسن الأنباري قال:كتبت إلى الرضا عليه السّلام أربع عشرة رسالة أستأذنه في عمل السلطان فلمّا كان في آخر كتاب كتبته إليه أذكر أنّي أخاف على خيط عنقي و أنّ السلطان يقول:
إنّك رافضي و لسنا نشكّ في أنّك تركت العمل للسلطان للترفّض.
فكتب إلي أبو الحسن عليه السّلام قد فهمت كتبك و ما ذكرت من الخوف على نفسك فإن كنت تعلم أنّك إذا ولّيت عملت في عملك بما أمر به رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ يصير أعوانك و كتابك أهل ملّتك فإذا صار إليك شيء واسيت به فقراء المؤمنين حتّى يكون واحدا منهم كان ذا بدا و إلاّ فلا (5).
الاحتجاج عن أبي الهذيل العلاّف أنّه قال:دخلت الرقة فذكر لي أنّ الدير فيه مجنون حسن الكلام فأتيته فإذا أنا برجل حسن الهيئة جالسا على و سادة يسرّح رأسه و لحيته فسلّمت عليه و ردّ عليّ،ثمّ قال لي:ممّن يكون الرجل؟
قلت:من أهل العراق.
قال:نعم أهل الطرب و الأدب.
قال:من أيّها أنت؟
قلت:من أهل البصرة.
قال:أهل التجارب و العلم،و قال:أيّهم أنت؟
قلت:أبو الهذيل العلاّف.
قال:المتكلّم؟
قلت:بلى،فوثب عن و سادته و أجلسني عليها ثمّ قال:ما تقول في الإمامة؟
قلت:أيّ الإمامة تريد؟
قال:من تقدّم بعد النبيّ عليه السّلام؟
قلت:من قدّمه رسول الله.
قال:و من هو؟
قلت:أبو بكر.
قال:و لم قدّمتموه؟
قلت:لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:قدّموا خيركم و ولّوا أفضلكم و تراضى الناس به جميعا.
قال:يا أبا الهذيل هاهنا وقعت،أمّا قولك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:قدّموا خيركم فإنّي اوجدك أنّ أبا بكر صعد المنبر و قال:ولّيتكم و لست بخيركم فإن كانوا كذبوا عليه فقد خالفوا أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إن كان هو الكاذب على نفسه فمنبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يصعده الكذّابون.
و أمّا قولك إنّ الناس تراضوا به فإنّ أكثر الأنصار قالوا:منّا أمير و منكم أمير،و أمّا المهاجرون فإنّ الزبير بن العوّام قال:لا ابايع إلاّ عليّا فأمر به فكسر سيفه و جاء أبو سفيان بن حرب فقال:يا أبا الحسن إن شئت لأملانّها خيلا و رجالا يعني المدينة،فخرج سلمان فقال:كردند و نه كردند و ندانند كه چه كردند و المقداد و أبو ذرّ لم يرضوا.
أخبرني يا أبا الهذيل عن قيام أبي بكر على المنبر و قوله:إنّ لي شيطانا يعتريني فإذا رأيتموني مغضبا فاحذروني لا أقع في أشعاركم و أبشاركم فهو يخبركم على المنبر أنّي مجنون و كيف يحلّ لكم أن تولّوا مجنونا.
و أخبرني يا أبا هذيل عن قيام عمر على المنبر و قوله:وددت أنّي شعرة في صدر أبي بكر،ثمّ قام بعدها بجمعة فقال:إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرّها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه فبينا هو
يودّ أن يكون شعرة في صدر أبي بكر و بينا هو يقتل من بايع مثله.
فأخبرني يا أبا الهذيل بالذي زعم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يستخلف و أنّ أبا بكر استخلف عمر و أنّ عمر لم يستخلف فأرى أمركم بينكم متناقضا.
و أخبرني يا أبا الهذيل عن عمر حين صيّرها شورى في ستّة و زعم أنّهم من أهل الجنّة فقال:
إن خالف الاثنان الأربعة فاقتلوا الاثنين و إن خالف ثلاثة الثلاثة فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبد الرحمن بن عوف فهذه ديانة أن يأمر بقتل أهل الجنّة.
و أخبرني أبا الهذيل عن عمر لمّا طعن دخل عليه عبد الله بن العبّاس قال:فرأيته جزعا.
فقلت:يا أمير المؤمنين ما هذا الجزع؟
فقال:يابن عبّاس ما جزعي لأجلي و لكن لهذا الأمر من يليه بعدي.
قال:قلت:ولّها طلحة بن عبيد الله،قال رجل له حدّه كان النبي يعرفه فلا أولي أمور المسلمين حديدا.
قال:قلت:ولّها الزبير بن العوّام قال:رجل بخيل رأيته يماكس امرأته في كبة من غزل فلا أولي أمور المسلمين بخيلا قال:قلت:ولّها سعدا بن أبي وقّاص.
قال:رجل صاحب فرس و قوس و ليس من رجال الخلافة.
قلت:ولّها عبد الرحمن بن عوف قال:رجل ليس يحسن أن يكفى عياله.
قال:قلت:ولّها عبد الله بن عمر قال:أولّي رجلا لم يحسن أن يطلّق امرأته.
قلت:ولّها عثمان بن عفّان قال:و الله لئن ولّيته ليحملن آل أبي معيط على رقاب المسلمين و أوشك إن فعلنا أن يقتلوه قالها ثلاثا.
قال:ثمّ سكت لما أعرف من معاندته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثمّ قال لي:يابن عبّاس اذكر صاحبك قال:قلت:ولّها عليّا قال:و الله ما جزعي إلاّ لما أخذنا الحقّ من أربابه و الله لئن ولّيته ليحملنّهم على المحجّة العظمى و إن يطيعوه يدخلهم الجنّة فهو يقول هذا ثمّ صيّرها شورى بين الستّة،فويل له من ربّه.
قال أبو الهذيل:بينا هو يكلّمني إذ اختلط و ذهب عقله فأخبرت المأمون بقصّته و كان من قصّته أن ذهب بماله و ضياعه حيلة و غدرا فبعث إليه المأمون فجاء به و عالجه و كان قد ذهب عقله بما صنع به فردّ عليه ماله و ضياعه و صيّره نديما فكان المأمون يتشيّع لذلك و الحمد لله ربّ العالمين على كلّ حال (1).1.
1) مواقف الشيعة:293/1.
قال السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الفصول:سأل علي بن ميثم رحمه الله أبا الهذيل العلاف فقال:ألست تعلم أن إبليس ينهى عن الخير كله و يأمر بالشر كله.
فقال:بلى.
قال:فيجوز أن يأمر بالشر كله و هو لا يعرفه؟و ينهى عن الخير كله و هو لا يعرفه؟
قال:لا.
فقال له أبو الحسن:فقد ثبت أن إبليس يعلم الشر و الخير كله.
قال أبو الهذيل:أجل.
قال:فأخبرني عن إمامك الذي تأتم به بعد الرسول صلّى الله عليه و آله هل يعلم الخير كله و الشر كله؟
قال:لا.
قال له:فإبليس أعلم من إمامك إذا،فانقطع أبو الهذيل (1).
و قال أبو الحسن علي بن ميثم يوما آخر لأبي الهذيل:أخبرني عمن أقرّ على نفسه بالكذب و شهادة الزور هل يجوز شهادته في ذلك المقام على آخر؟
فقال أبو الهذيل:لا يجوز ذلك.
قال أبو الحسن:أفلست تعلم أن الأنصار ادعت الامرة لنفسها ثم أكذبت نفسها في ذلك المقام،و شهدت بالزور،ثم أقرت بها لابي بكر و شهدت بها له؟فكيف تجوز شهادة قوم أكذبوا أنفسهم و شهدوا عليها بالزور مع ما أخذنا رهنك من القول في ذلك؟
و قال لي الشيخ أدام الله حراسته:هذا كلام موجز في البيان،و المعنى فيه على الايضاح أنه إذا كان الدليل عند من خالفنا على إمامة أبي بكر إجماع المهاجرين عليه فيما زعمه و الأنصار و كان معترفا ببطلان شهادة الأنصار من حيث أقرت على نفسها بباطل ما ادعته من استحقاق الإمامة فقد صار وجود شهادتهم كعدمها،و حصل الشاهد بإمامة أبي بكر بعض الأمة لا كلها،و بطل ما ادّعوه من الاجماع عليها،و لا خلاف بيننا و بين خصومنا أن إجماع بعض الأمة ليس بحجة فيما ادعاه.
1) بحار الأنوار-العلامة المجلسي:370/10.
و أن الغلط جائز عليه،و في ذلك فساد الاستدلال على إمامة أبي بكر بما ادعاه القوم،و عدم البرهان عليها من جميع الوجوه (1).
و عن الشيخ أدام الله عزه قال:سأل أبو الهذيل العلاف علي بن ميثم رحمه الله عند علي بن رياح فقال له:ما الدليل على أن عليا عليه السّلام كان أولى بالامإمة من أبي بكر؟
فقال له:الدليل على ذلك إجماع أهل القبلة على أنّ عليا عليه السّلام كان عند وفاة رسول الله صلّى الله عليه و آله مؤمنا عالما كافيا،و لم يجمعوا بذلك على أبي بكر،فقال له أبو الهذيل:و من لم يجمع عليه عافاك الله؟
قال له أبو الحسن:أنا و أسلا في من قبل و أصحابي الآن.
قال له أبو الهذيل:فأنت و أصحابك ضلال تائهون!فقال له أبو الحسن:ليس جواب هذا الكلام إلا السباب و اللطام (2).
و عن الشيخ قال:جاء ضرار إلى أبي الحسن علي بن ميثم رحمه الله فقال له:يا أبا الحسن قد جئتك مناظرا.
فقال له أبو الحسن:و فيم تناظرني؟
قال:في الإمامة.
قال:ما جئتني و الله مناظرا و لكنك جئت متحكما.
قال ضرار:و من أين لك ذلك؟
قال أبو الحسن:علي البيان عنه،أنت تعلم أن المناظرة ربما انتهت إلى حد يغمض فيه الكلام فيتوجه الحجة على الخصم،فيجهل ذلك أو يعاند و إن لم يشعر بذلك منه أكثر مستمعيه بل كلهم،و لكنني أدعوك إلى منصفة في القول،اختر أحد الأمرين:إما أن تقبل قولي في صاحبي و أقبل قولك في صاحبك فهذه واحدة،فقال ضرار:لا أفعل ذلك.
قال له أبو الحسن:و لم لا تفعل؟
قال:لانني إذا قبلت قولك في صاحبك قلت لي:إنه كان وصي رسول الله صلّى الله عليه و آله،و أفضل من خلفه،و خليفته على قومه،و سيد المسلمين،فلا ينفعني بعد ذلك مثل أن أقول:
إن صاحبي كان صديقا و اختاره المسلمون إماما،لأن الذي قبلته منك يفسد علي هذا.
قال أبو الحسن:فاقبل قولي في صاحبك،و أقبل قولك في صاحبي.
قال ضرار:و هذا لا يمكن أيضا لأني إذا قبلت قولك في صاحبي قلت لي:كان ضالا مضلا ظالما لآل محمد صلّى الله عليه و آله قعد غير مجلسه،و دفع الإمام عن حقه،و كان في عصر النبي صلى الله عليه و آله منافقا،فلا ينفعني قبولك قولي فيه:إنه كان خيرا فاضلا،و صاحبا أمينا،لأنه قد انتقض بقبولي قولك فيه:إنه كان ضالا مضلا.
فقال له أبو الحسن رحمه الله:فإذا كنت لا تقبل قولك في صاحبك و لا قولي فيه فما جئتني إلا متحكما،و لم تأتني مناظرا (1).
و عن الشيخ أيده الله قال:قال أبو الحسن علي بن ميثم رحمه الله لرجل نصراني:لم علقت الصليب في عنقك؟
قال:لأنه شبه الشيء الذي صلب عليه عيسى عليه السّلام قال أبو الحسن:أفكان عليه السّلام يحب أن يمثل به؟
قال:لا.
قال فأخبرني عن عيسى أكان يركب الحمار و يمضي عليه في حوائجه؟
قال:نعم.
قال:أفكان يحب بقاء الحمار حتى يبلغ عليه حاجته؟
قال:نعم.
قال:فتركت ما كان يحب عيسى بقاءه و ما كان يركبه في حياته بمحبة منه،و عمدت إلى ما حمل عليه عسى عليه السّلام بالكره،و أركبه (2)بالبغض له فعلقته في عنقك،فقد كان ينبغي على هذا القياس أن تعلق الحمار في عنقك و تطرح الصليب و إلا فقد تجاهلت (3).
و عن الشيخ أدام الله عزه قال:سئل أبو الحسن علي بن ميثم رحمه الله فقيل له:لم صلّى أمير المؤمنين عليه السّلام خلف القوم؟
قال:جعلهم بمثل سواري المسجد.
قال السائل:فلم ضرب الوليد بن عقبة الحدبين يدي عثمان؟
فقال:لأن الحدله و إليه فإذا أمكنه إقامته أقامه بكل حيلة.
قال:فلم أشار على أبي بكر و عمر؟
قال:طلبا منه أن يحيى أحكام الله و يكون دينه القيم كما أشار يوسف على ملك مصر نظرا منه للخلق،و لان الأرض و الحكم فيها إليه،فإذا أمكنه أن يظهر مصالح الخلق فعل،و إذا لم يمكنه ذلك بنفسه توصل إليه على يدي من يمكنه طلبا منه لاحياء أمر الله تعالى.
قال:فلم قعد عن قتالهم؟
قال:كما قعد هارون بن عمران عليه السّلام عن السامري و أصحابه و قد عبدوا العجل.
قال:أفكان ضعيفا؟
قال:كان كهارون حيث يقول: قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كادُوا يَقْتُلُونَنِي (1)و كان كنوح عليه السّلام إذ قال: أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (2)و كان كلوط عليه السّلام إذ قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (3)و كان كهارون و موسى عليهما السّلام إذ قال: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَ أَخِي (4)قال:فلم قعد في الشورى؟
قال:اقتدارا منه على الحجة،و علما منه بأن القوم إن ناظروه و أنصفوه كان هو الغالب،و لو لم يفعل وجبت الحجة عليه،لانه من كان له حق فدعي إلى أن يناظر فيه فإن ثبت له الحجة اعطيه فلم يفعل بطل حقه و أدخل بذلك الشبهة على الخلق،و قد قال يومئذ:اليوم أدخلت في باب إن أنصفت فيه وصلت إلى حقي،يعني أن أبا بكر استبد بها يوم السقيفة و لم يشاور،.
قال:فلم زوج عمر بن الخطاب ابنته؟
قال:لإظهاره الشهادتين،و إقراره بفضل رسول الله صلّى الله عليه و آله،و أراد بذلك استصلاحه و كفّه عنه،و قد عرض لوط عليه السّلام بناته على قومه و هم كفار ليردهم عن ضلالهم،فقال:
هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللّهَ وَ لا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (5)(6).
و عن الشيخ أدام الله عزه قال:دخل أبو الحسن علي بن ميثم رحمه الله على الحسن بن سهل و إلى جانبه ملحد قد عظمه و الناس حوله فقال:لقد رأيت ببابك عجبا.
قال:و ما هو؟
قال:رأيت سفينة تعبر بالناس من جانب إلى جانب بلا ملاح و لا ماصر (1)!
فقال له صاحبه الملحد و كان بحضرته:إن هذا أصلحك الله لمجنون!قال:قلت و كيف ذاك؟
قال:خشب جماد لا حيلة له و لا قوة و لا حياة فيه و لا عقل كيف تعبر بالناس؟!
قال:فقال أبو الحسن:و أيما أعجب؟هذا أو هذا الماء الذي يجري على وجه الأرض يمنة و يسرة بلا روح و لا حيلة و لا قوى؟و هذا النبات الذي يخرج من الأرض؟و المطر الذي ينزل من السماء؟تزعم أنت أنه لا مدّبر لهذا كله و تنكر أن تكون سفينة تتحرك بلا مدبر و تعبر بالناس!قال:
فبهت الملحد (2).
الكشي محمّد بن مسعود عن أبي علي المحمودي عن أبيه قال:قلت لأبي الهذيل العلاّف أخبرني عن قول الله عزّ و جلّ: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (3)قال أبو الهذيل:قد أكمل لنا الدّين، فقال شيخي:فخبّرني إن سألتك عن مسألة لا تجدها في كتاب الله و لا في سنّة رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لا في قول الصحابة و لا في حيلة فقهائهم ما أنت صانع؟
فقال:هات.
فقال شيخي:خبّرني عن عشرة كلّهم وقعوا في طهر واحد بامرأة و هم مختلفوا الأمر فمنهم من وصل إلى نصف حاجته و منهم من قارب حسب الإمكان منه هل في خلق الله اليوم من يعرف حدّ الله في كلّ رجل منهم مقدار ما ارتكب من الخطيئة فيقيم عليه الحدّ في الدنيا و يطهّره منه في الآخرة و لنعلم ما يقول في أنّ الدّين قد أكمل لك.
فقال:هيهات خرج آخرها في الإمامة (4).
عن الشيخ أدام الله عزه قال:سئل أبو محمد الفضل بن شاذان النيشابوري رحمه الله فقيل له:
ما الدليل على إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام؟
فقال:الدليل على ذلك من كتاب الله عزّ و جلّ،و من سنة نبيه صلّى الله عليه و آله،و من إجماعه المسلمين.
فأما كتاب الله تبارك و تعالى فقوله عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (1)فدعانا سبحانه إلى طاعة أولي الأمر كما دعانا إلى طاعة نفسه و طاعة رسوله،فاحتجنا إلى معرفة أولي الأمر كما وجبت علينا معرفة الله تعالى،و معرفة الرسول عليه و آله السلام،فنظرنا في أقاويل الأمة فوجدناهم قد اختلفوا في أولي الأمر،و أجمعوا في الآية على ما يوجب كونها في علي بن أبي طالب عليه السّلام،فقال بعضهم:أولي الأمر هم امراء السرايا،و قال بعضهم:هم العلماء،و قال بعضهم:هم القوّام على الناس،و الآمرون بالمعروف،و الناهون عن المنكر،و قال بعضهم:هم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و الأئمة من ذريته عليهم السّلام،فسألنا الفرقة الاولى فقلنا لهم:أليس علي بن أبي طالب عليه السّلام من أمراء السرايا؟
فقالوا:بلى،فقلنا للثانية:ألم يكن عليه السّلام من العلماء؟
قالوا:بلى،فقلنا للثالثة:أليس علي عليه السّلام قد كان من القوّام على الناس بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر؟
فقالوا:بلى،فصار أمير المؤمنين عليه السّلام معينا بالآية باتفاق الأمة و اجتماعها،و تيقنا ذلك بإقرار المخالف لنا في الإمامة و الموافق عليها،فوجب أن يكون إماما بهذه الآية لوجود الاتفاق على أنه معني بها،و لم يجب العدول إلى غيره و الاعتراف بإمامته لوجود الاختلاف في ذلك و عدم الاتفاق و ما يقوم مقامه من البرهان.و أما السنة فإنا وجدنا النبي صلّى الله عليه و آله استقضى عليا عليه السّلام على اليمن،و أمره على الجيوش،و ولاه الاموال،و أمره بأدائها إلى بني جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد ظلما،و اختاره لأداء رسالات الله سبحانه و الابلاغ عنه في سورة براءة، و استخلفه عند غيبته على من خلف،و لم نجد النبي صلّى الله عليه و آله سن هذه السنن في أحد غيره،و لا اجتمعت هذه السنن في أحد بعد النبي صلّى الله عليه و آله كما اجتمعت في علي عليه السّلام، و سنة رسول الله صلّى الله عليه و آله بعد موته واجبة كوجوبها في حياته،و إنما تحتاج الأمة إلى الإمام بهذه الخصال التي ذكرناها،فإذا وجدناها في رجل قد سنها الرسول الله صلّى الله عليه و آله فيه كان أولى بالامامة ممن لم يسن النبي فيه شيئا من ذلك.
1) سورة النساء:59.
و أمّا الاجماع فإن إمامته ثبتت من جهته من وجوه:منها أنهم قد أجمعوا جميعا أن عليا عليه السّلام قد كان إماما و لو يوما واحدا،و لم يختلف في ذلك أصناف أهل الإمامة.
ثم اختلفوا فقالت طائفة:كان إماما في وقت كذا و كذا.
و قالت طائفة:بل كان إماما بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله في جميع أوقاته،و لم تجمع الأمة على غيره أنه كان إماما في الحقيقة طرفة عين،و الاجماع أحق أن يتبع من الاختلاف.و منها أنهم أجمعوا جميعا على أنّ عليا عليه السّلام كان يصلح للامامة،و أن الإمامة تصلح لبني هاشم،و اختلفوا في غيره.
و قالت طائفة:لم يكن تصلح لغير علي بن أبي طالب عليه السّلام،و لا تصلح لغير بني هاشم، و الاجماع حق لا شبهة فيه،و الاختلاف لا حجة فيه.و منها أنهم أجمعوا على أن عليا عليه السّلام كان بعد النبي صلّى الله عليه و آله ظاهر العدالة واجبة له الولاية،ثم اختلفوا فقال قوم:كان مع ذلك معصوما من الكبائر و الضلال،و قال آخرون:لم يك معصوما و لكن كان عدلا برا تقيا على الظاهر،لا يشوب ظاهره الشوائب،فحصل الاجماع على عدالته عليه السّلام،و اختلفوا في نفي العصمة عنه عليه السّلام.
ثم أجمعوا جميعا على أن أبا بكر لم يكن معصوما،و اختلفوا في عدالته فقالت طائفة:كان عدلا،و قال آخرون:لم يكن عدلا،لأنه أخذ ما ليس له،فمن أجمعوا على عدالته و اختلفوا في عصمته أولى بالامامة و أحق ممن اختلفوا في عدالته و أجمعوا على نفي العصمة عنه (1).
و عن الشيخ و كلامه قال:سئل الفضل بن شاذان رحمه الله عما روته الناصبة عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال:(لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر و عمر إلا جلدته حد المفتري)فقال:
إنما روى هذا الحديث سويدبن غفلة و قد أجمع أهل الآثار على أنه كان كثير الغلط،و بعد فإنّ نفس الحديث متناقض،لأن الأمة مجمعة على أن عليا عليه السّلام كان عدلا في قضيته،و ليس من العدل أن يجلد حد المفتري من لم يفتر،لأن هذا جور على لسان الأمة كلها،و علي بن أبي طالب عليه السّلام عندنا بريء من ذلك (2).
قال الشيخ أدام الله عزه:و أقول:إن هذا الحديث إن صح عن أمير المؤمنين عليه السّلام-و لن يصح بأدلة أذكرها بعد-فإنّ الوجه فيه أن الفاضل بينه و بين الرجلين إنما وجب عليه حد المفتري من حيث أوجب لهما بالمفاضلة ما لا يستحقانه من الفضل،لان المفاضلة لا يكون إلا بين مقاربين في الفضل،و بعد أن يكون في المفضول فضل،و إذا كانت الدلائل على أن من لا طاعة معه لا فضل له في الدين،و أن المرتد عن الاسلام ليس فيه شيء من الفضل الديني و كان الرجلان بجحدهما النص8.
قبل قد خرجا عن الايمان بطل أن يكون لهما فضل في الاسلام،فكيف يحصل لهما من الفضل ما يقارب فضل أمير المؤمنين عليه السّلام؟!و متى فضّل إنسان أمير المؤمنين عليه السّلام عليهما فقد أوجب لهما فضلا في الدين،فإنما استحق حد المفتري الذي هو كاذب،دون المفتري الذي هو راجم بالقبيح، لانه افترى بالتفضيل لامير المؤمنين عليه السّلام عليهما من حيث كذب في إثبات فضل لهما في الدين، و يجري في هذا الباب مجرى من فضل البر التقي على الكافر المرتد الخارج عن الدين،و مجرى من فضل جبرئيل عليه السّلام على إبليس،و رسول الله صلّى الله عليه و آله على أبي جهل بن هشام،في أن المفاضلة بين من ذكرناه يوجب لمن لا فضل له على وجه فضلا مقاربا لفضل العظماء عند الله تعالى،و هذا بيّن لمن تأمّله.
مع أنه لو كان هذا الحديث صحيحا و تأويله على ما ظنه القوم يوجب أن يكون حد المفتري واجبا على رسول الله صلّى الله عليه و آله،و حاشا له من ذلك،لأن رسول الله صلّى الله عليه و آله قد فضل أمير المؤمنين عليه السّلام على سائر الخلق،و آخى بينه و بين نفسه،و جعله بحكم الله في المباهلة نفسه،و سد أبواب القوم إلا بابه.
و رد أكثر الصحابة عن إنكاحهم ابنته سيدة نساء العالمين عليه السّلام و أنكحه،و قدمه في الولايات كلها و لم يؤخره،و أخبر أنه يحب الله و رسوله و يحبه الله و رسوله،و أنه أحب الخلق إلى الله تعالى، و أنه مولى من كان مولاه من الانام،و أنه منه بمنزلة هارون من موسى بن عمران،و أنه أفضل من سيدي شباب أهل الجنة،و أن حربه حربه و سلمه سلمه،و غير ذلك مما يطول شرحه إن ذكرناه.
و كان أيضا يجب أن يكون عليه السّلام قد أوجب الحد على نفسه إذ أبان فضله على سائر أصحاب الرسول الله صلّى الله عليه و آله حيث يقول:(أنا عبد الله و أخو رسول الله،لم يقلها أحد قبلي و لا يقولها أحد بعدي إلا مفتر كذاب،صليت قبلهم سبع سنين)و في قوله لعثمان و قد قال له:أبو بكر و عمر خير منك فقال:(بل أنا خير منك و منهما،عبدت الله عزّ و جلّ قبلهما و عبدته بعدهما).
و كان أيضا قد أوجب الحد على ابنه الحسن و جميع ذريته و أشياعه و أنصاره و أهل بيته،فإنه لا ريب في اعتقاد هم فضله على سائر الصحابة،و قد قال الحسن عليه السّلام صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السّلام:(لقد قبض الليلة رجل ما سبقه الاولون بعمل،و لا أدركه الآخرون)و هذه المقالة متهافتة جدا.
و قال الشيخ أيده الله:و لست أمنع العبارة بأن أمير المؤمنين عليه السّلام كان أفضل من أبي بكر و عمر على معنى تسليم فضلهما من طريق الجدل،أو على معتقد الخصوم في أن لهما فضلا في الدين،و أما على تحقيق القول في المفاضلة فإنه غلط و باطل.
قال الشيخ:و شاهد ما أطلقت من القول و نظيره قول أمير المؤمنين عليه السّلام في أهل الكوفة:
(اللهم إني قد مللتهم و ملوني،و سئمتهم و سئموني،اللهم فأبدلني بهم خيرا منهم،و أبدلهم بي شرا مني).
و لم يكن في أمير المؤمنين عليه السّلام شر،إنما أخرج الكلام على اعتقادهم فيه،و مثله قول حسان ابن ثابت و هو يعني رسول الله صلّى الله عليه و آله:
أتهجوه و لست له بكفو فخير كما لشر كما الفداء.
و لم يكن في رسول الله صلّى الله عليه و آله شر،و إنما أخرج الكلام على معتقد الهاجي فيه، و قوله تعالى: وَ إِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (1)و لم يكن الرسول على ضلال (2).
و عن الشيخ أيده الله:و قد كان الفضل بن شاذان رحمه الله استدل على إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام بقول الله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ (3)قال:و إذا أوجب الله تعالى للاقرب برسول الله صلّى الله عليه و آله الولاية و حكم بأنه أولى به من غيره وجب أن أمير المؤمنين عليه السّلام كان أولى بمقام رسول الله صلّى الله عليه و آله من كل أحد.
قال الفضل:فإن قال قائل:فإن العباس كان أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله من علي عليه السّلام قيل له:إن الله تعالى لم يذكر الأقرب بالنبي صلّى الله عليه و آله دون أن علقه بوصف فقال: اَلنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُهاجِرِينَ (4)فشرط في الأولى بالرسول الايمان و الهجرة،و لم يكن العباس من المهاجرين و لا كانت له هجرة باتفاق.
قال الشيخ رحمه الله:و أقول:إن أمير المؤمنين عليه السّلام كان أقرب إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله من العباس و أولى بمقامه منه إن ثبت أن المقام موروث،و ذلك أن عليا عليه السّلام كان ابن عم رسول الله لأبيه و أمه و العباس رحمه الله عمه لأبيه،و من تقرب بسببين كان أقرب ممن يتقرب بسبب واحد.
و أقول:إنه لو لم تكن فاطمة عليهم السّلام موجودة بعد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله لكان أمير المؤمنين أحق بتركته من العباس رحمه الله،و لو ورث مع الولد أحد غير الابوين و الزوج و الزوجة لكان أمير المؤمنين أحق بميراثه صلّى الله عليه و آله مع فاطمة عليها السّلام من العباس بما قدمت من انتظامه القرابة من جهتين،و اختصاص العباس بها من جهة واحدة (5).8.
قال الشيخ أيده الله:و لست أعلم بين أهل العلم خلافا في أن عليا عليه السّلام ابن عم رسول الله صلى الله عليه و آله لأبيه و امه،و أنّ العباس رضي الله عنه كان عمه لأبيه خاصة،و يدل على ذلك ما رواه نقلة الآثار و هو أنّ أبا طالب رحمه الله مر على رسول الله صلّى الله عليه و آله و علي عليه السّلام إلى جنبه،فلما سلّم قال:ما هذا يا ابن أخ،فقال له رسول الله صلّى الله عليه و آله:شيء أمرني به ربي يقربني إليه.
فقال لابنه جعفر:يا بني صل جناح ابن عمك،فصلى رسول الله صلّى الله عليه و آله بعلي و جعفر عليهما السّلام يومئذ،فكانت أول صلاة جماعة في الاسلام.
ثم أنشأ أبو طالب يقول:
إن عليا و جعفرا ثقتي عند ملم الزمان الكرب
و الله لا أخذل النبي و لا يخذله من بني ذو حسب
لا تخذلا و انصرا ابن عمكما أخي لامي من بينهم و أبي
و من ذلك ما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري رحمه الله قال:سمعت عليا عليه السّلام ينشد و رسول الله يسمع:
أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي معه ربيت و سبطاه ولدي
جدي وجد رسول الله منفرد و فاطمة زوجتي لا قول ذي فند
فالحمد لله شكرا لا شريك له البر بالعبد و الباقي بلا أمد
قال:فتبسم رسول الله صلّى الله عليه و آله و قال له:صدقت يا علي.
و في ذلك أيضا يقول الشاعر:
إنّ علي بن أبي طالب جدا رسول الله جداه
أبو علي و أبو المصطفى من طينة طيّبها الله (1)
***6.
1) الفصول المختارة 1:115 و 116.
ترجمة الإمام أبو الحسن عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام 5
مولد أبي الحسن الرضا عليه السّلام 7
نقش خاتم الإمام الرضا عليه السّلام 7
ألقاب الإمام الرضا عليه السّلام 8
سبب تسميته بالرضا عليه السّلام 8
ذكر أمّه عليهما السّلام 8
ولادة الإمام الرضا عليه السّلام ساجدا 10
أولاد الإمام الرضا عليه السّلام 10
عبادة الإمام الرضا عليه السّلام 10
تسبيح الإمام الرضا عليه السّلام في بطن أمه 11
دعاء الإمام الرضا عليه السّلام المستجاب 11
صفة الإمام الرضا عليه السّلام 11
تواضع الإمام الرضا عليه السّلام 12
كرم الإمام الرضا عليه السّلام 12
تصدّق الإمام الرضا عليه السّلام 13
علم الإمام الرضا عليه السّلام بالغيب 13
معرفة الإمام الرضا عليه السّلام بما في الضمائر 21
علم الإمام الرضا عليه السّلام بموته 22
غزارة علم الإمام الرضا عليه السّلام 23
أشعار أبي العلاء المعري في جفر أهل البيت 23
قدرة الإمام الرضا عليه السّلام 24
إحياء الإمام الرضا عليه السّلام للأموات 25
معرفة الإمام الرضا عليه السّلام للغة الحيوانات 25
كلامه للطيور 26
حديث الإمام الرضا عليه السّلام عن النمل الذي يحمي الذهب 27
معاجز الإمام الرضا عليه السّلام 27
أكل صورة الأسد لحميد بن مهران 29
المعجزة الكبرى 30
بركة الإمام الرضا عليه السّلام 31
أسرار أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السّلام 33
كرامة الإمام الرضا عليه السّلام عند الله 35
أثر الإستخفاف بالأئمة 36
صلاة الاستسقاء من الإمام الرضا عليه السّلام 37
عرض أعمال الشيعة على الإمام الرضا عليه السّلام 38
حضور الإمام الرضا عليه السّلام عند ميت 38
حضور محمد و آل محمد عليه السّلام عند كل ميت 39
بعض مواعظ الإمام الرضا عليه السّلام 41
ما نسب للإمام الرضا عليه السّلام من الشعر 42
مدح أبو نواس للإمام الرضا عليه السّلام 44
مدح عبد الله بن مطرف للإمام الرضا عليه السّلام 45
مدح دعبل الخزاعي للإمام الرضا عليه السّلام 45
تبرك الناس بثياب الرضا عليه السّلام 47
قصيدة دعبل الخزاعي الكاملة 49
خبر ولاية العهد و صلاة العيد 56
علة قبول الإمام الرضا عليه السّلام لولاية العهد 57
حديث الإمام الرضا عليه السّلام بنيشابور و أثره 62
كيفية البيعة 63
أسباب قبول ولاية العهد 65
وصية الإمام الرضا عليه السّلام بدفنه و ما جرى من معاجز 65
قصة الدفن برواية أبي الصلت 68
إخبار الإمام الرضا عليه السّلام بقتل المأمون له 71
إخبار أمير المؤمنين بقتله عليهما السّلام 71
المحاولة الأولى لقتل الإمام عليه السّلام 71
أسباب شهادة الإمام الرضا عليه السّلام 72
شهادة الإمام الرضا عليه السّلام 73
فضل زيارة الإمام الرضا عليه السّلام 76
قصص جرت مع زوار الإمام الرضا عليه السّلام عند ضريحه 80
حكاية غريبة 83
رثاء دعبل للإمام الرضا عليه السّلام 85
النص على الإمام أبي الحسن علي الرضا عليه السّلام 85
ذكر من عاشر من الملوك 88
مناظرة المأمون مع المخالفين في فضل علي عليه السّلام 88
بين المأمون و صوفي 95
مناظرات الإمام الرضا علي بن موسى صلوات الله عليه
احتجاج الإمام الرضا عليه السّلام على المخالفين في أمر الإمامة 96
بين الإمام الرضا عليه السّلام و المأمون و أهل الديانات 100
بين الإمام الرضا عليه السّلام و المأمون و قواد الرشيد 118
بين الإمام الرضا عليه السّلام و المأمون 120
ما كتب الرضا عليه السّلام للمأمون من محض الاسلام و شرائع الدين 122
بين الإمام الرضا عليه السّلام و سليمان المروزي 127
بين الإمام الرضا عليه السّلام و أبي قرة 137
بين الإمام الرضا عليه السّلام و ابن قرة النصراني 141
بين الإمام الرضا عليه السّلام و يحيى بن الضحاك السمرقندي 141
بين الإمام الرضا عليه السّلام و قوما من ما وراء النهر 142
بين الإمام الرضا عليه السّلام و هشام بن الحكم 142
بين الإمام الرضا عليه السّلام و الجاثليق 142
بين الإمام الرضا و رأس الجالوت و الجاثليق 145
بين الإمام الرضا عليه السّلام و نصر بن مزاحم 146
بين الإمام الرضا عليه السّلام و أخيه زيد 147
بين الإمام الرضا عليه السّلام و عليّ بن عبيد الله 147
بين الإمام الرضا عليه السّلام و معروف الكرخي 148
بين الإمام الرضا عليه السّلام و الريّان بن الصلت 148
بين الإمام الرضا عليه السّلام و الصوفية 149
ذكر أصحاب الإمام الرضا عليه السّلام
غاية الصحبة عند صفوان الجمّال 149
حال محمّد بن سنان 150
حال الحسن الأنباري 150
قصة المجنون العاقل مع أبي هذيل 150
مناظرات أصحابه و أهل زمانه صلوات الله عليه 153
بين علي بن ميثم و أبي الهذيل 153
بين علي بن ميثم و ضرار 154
بين علي بن ميثم و نصراني 155
بين علي بن ميثم و ملحد 156
بعض مناظرات أبي هذيل 157
مناظرة أبو محمد الفضل بن شاذان النيشابوري 158