ghaemiyeh.com
موسوعه اهل البیت علیهم السلام
نویسنده: السید علی عاشور
دارالنظیر عبود - بیروت - لبنان
مشخصات ظاهری: 20 ج
1427ه - 2006م
بسم الله الرحمن الرحیم
الجزء الثانى عشر
هو محمّد الباقر (1)
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أوّل هاشمي من هاشميّين و علويّ من علويّين و فاطمي من فاطميّين لأنّه أوّل من اجتمعت له ولادة الحسن و الحسين عليهم السّلام (2).
هو باقر العلم و جامعه،و شاهر علمه و رافعه،و متفوق دره و واضعه،و منمق دره و راضعه، صفا قلبه،و زكا عمله،و طهرت نفسه،و شرفت أخلاقه،و عمرت بطاعة اللّه أوقاته،و رسخت في مقام التقوى قدمه،و ظهرت عليه سمات الإزدلاف،و طهارة الإجتباء،فالمناقب تسبق إليه، و الصفات تشرف به.
قال ابن خلّكان في تاريخه:كان الباقر عالما سيّدا كبيرا،و إنّما قيل له الباقر لأنه تبقّر في العلم أي توسع و التبقر التوسع و فيه يقول الشاعر:
يا باقر العلم لأهل التقى و خير من لبى على الأجبل
أقول:ذلك الشاعر القرظي.
و قال ابن حجر في الصواعق المحرقة:أبو جعفر محمّد الباقر سمي بذلك من بقر الأرض أي شقها،و أثار مخبئآتها و مكامنها،فلذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف و حقائق الأحكام و اللّطائف،ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة،أو فساد الطوية و السريرة،و من ثم قيل:هو باقر العلم و جامعه و شاهر علمه و رافعه،صفا قلبه و زكى علمه و عمله،و طهرت نفسه و شرف خلقه، و عمرت أوقاته بطاعة اللّه،و له من الرسوخ في مقامات العارفين ما يكلّ عنه ألسنة الواصفين،و له كلمات كثيرة في السلوك و المعارف لا تحتملها هذه العجالة.
قال المفيد في الإرشاد:و لم يظهر عن أحد من ولد الحسن و الحسين من علم الدّين و الآثار و السنة و علم القرآن و السيرة و فنون الآداب،ما ظهر عن أبي جعفر.و روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة و وجوه التابعين و رؤساء فقهاء المسلمين،و صار بالفضل به علما لأهله تضرب به الأمثال،
1) انظر ترجمته و أخباره في تهذيب الكمال:73/17 و تهذيب التهذيب:225/5 و الوافي بالوفيات:102/4 و التاريخ الكبير:183/1/1 و الجرح و التعديل:26/1/4 و حلية الأولياء:180/3 و المعرفة و التاريخ البداية و النهاية طبقات ابن سعد:320/5 أعيان الشيعة العبر:142/1،و شذرات الذهب:149/1.
2) مناقب آل أبي طالب:338/3،و البحار:215/46 ح 13.
و تسير بوصفه الآثار و الأشعار،و فيه يقول القرظي:يا باقر العلم،البيت (1).
و قال مالك بن أعين الجهني يمدحه:
إذا طلب الناس علم القرآن كانت قريش عليه عيالا
و إن قيل أين ابن بنت النّبىّ نلت بذاك فروعا طوالا
نجوم تهلّل للمدلجين جبال تورث علما جبالا
و روى بإسناده عن الشريف أبي محمّد الحسن بن محمّد قال:حدّثني جدّي،قال:حدّثنا محمّد بن القاسم الشيباني قال:حدّثنا عبد الرحمن صالح الأزدي عن أبي مالك الجهني عن عبد اللّه بن عطاء المكّي قال:ما رأيت العلماء عند أحد قطّ أصغر منهم عند أبي جعفر محمّد بن علىّ بن الحسين،و لقد رأيت الحكم بن عتيبة مع جلالته في القوم بين يديه،كأنّه صبّي بين يدي معلّمه، و كان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عن محمّد بن علىّ شيئا قال:حدثني وصىّ الأوصياء و وارث علوم الأنبياء محمّد بن علىّ بن الحسين (2).
قال فيه:و روى مخول بن إبراهيم عن قيس بن الرّبيع قال:سألت أبا إسحاق السبيعي عن المسح على الخفّين فقال:أدركت النّاس يمسحون،حتّى لقيت رجلا من بني هاشم لم أر مثله قطّ، محمّد بن علىّ بن الحسين فسألته عن المسح فنهاني عنه،و قال:لم يكن علىّ أمير المؤمنين يمسح و كان يقول:سبق الكتاب المسح على الخفّين.
قال أبو إسحاق:فما مسحت منذ نهاني عنه،قال قيس بن الربيع:و ما مسحت أنا منذ سمعت أبا إسحاق.
إلى أن قال:و كان مع ما وصفناه من الفضل في العلم و السؤدد و الرّئاسة و الإمامة،ظاهر الجود في الخاصّة و العامّة،مشهور الكرم في الكافة معروفا بالفضل و الإحسان،مع كثرة عياله و توسط حاله (3).
و قد روى أبو جعفر أخبار المبتدأ و أخبار الأنبياء و كتب عنه المغازي:و أثروا عنه السنن و اعتمدوا عليه في مناسك الحج،التي رواها عن رسول اللّه و كتبوا عنه تفسير القرآن،و روت عنه الخاصة و العامّة الأخبار،و ناظر من كان يرد عليه من أهل الآراء،و حفظ عنه النّاس كثيرا من علم الكلام،و ألّف كتابا في تفسير القرآن رواه عنه أبو الجارود زياد بن المنذر رئيس الجارودية الزيديّة كذا نقل ابن النديم في الفهرست (4).2.
و قال أبو نعيم:قمر الأقمار،و سيّد الأبرار،و نور الأنوار،و قائد الأخيار،الطهر الطاهر، و النجم الزاهر،العلم الفاخر،الناسك الذاكر،الخاشع الصابر،القانت الشاكر،العالم الباقر، السيّد الوجيه،و السيّد النبيه،المدفون عند أبيه،الخيّر الولي عند العدو و الولي،أبو جعفر محمد بن عليّ،كان من سلالة النبوة،و جمع حسب الدين و الأبوّة،تكلم في العوارض و الخطرات،و سفح الدموع و العبرات،(و اشتغل بالطاعات)،و نهى عن المراء و الخصومات(و المعقلات) (1).
و قال غيره:كان الباقر محمد بن عليّ من العلم و الزهد و لسان الحكمة محل عظيم،و له في معاني الزهد و دقائق العلوم في التوحيد كلام جمّ جسيم (2).
قال ابن عساكر في التاريخ:باقر العلم (3)من أهل المدينة.
أوفده عمر بن عبد العزيز عليه حين ولي الخلافة يستشيره في بعض أموره.روى عن أبيه، و جابر بن عبد اللّه و أنس بن مالك،و أبي سعيد الخدري و عبد اللّه بن عباس،و أبي هريرة،و عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب،و عبيد اللّه بن أبي رافع،و محمّد بن الحنفية،و سعيد بن المسيب.
و يقول محمد بن المنكدر شيخ مالك بن أنس في الباقر:ما كنت أرى أنّ مثل على بن الحسين يدع خلفا يقاربه في الفضل حتى رأيت ابنه محمدا الباقر (4).
و يقول عنه الحسن البصري:ذلك الذى يشبه كلامه كلام الأنبياء (5).
روى عنه:عبد الرّحمن بن هرمز الأعرج،و هو أسنّ منه،و ابنه جعفر بن محمد،و الزهري، و عمرو بن دينار،و أبو إسحاق الهمداني.و عطاء بن أبي رباح،و ابن جريج،و ربيعة بن أبي عبد الرّحمن،و يحيى بن أبي كثير،و قرة بن خالد البصري،و حرب بن سريج،و أبيض بن ابان،و الحكم بن عتيبة،و جابر بن يزيد الجعفي،و أبان بن تغلب،و ليث بن أبي سليم و الحجاج بن أرطأة (6).
و قال البخاري (7)قال:محمّد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الهاشمي المدني القرشي،سمع جابر بن عبد اللّه،و أباه،سمع منه عمر بن دينار،و ابنه جعفر،قال لي عبد اللّه بن محمّد عن ابن عيينة عن جعفر قال:مات أبي و هو ابن ثمان و خمسين،و قال أبو نعيم:مات سنة أربع عشرة و مائة،و قال لي محمود:عن عبد الرزاق،و أنبأنا ابن جريج،عن عطاء،عن محمّد1.
1) حلية الأولياء:180/3.
2) كشف الغمة:344/2.
3) سمي بذلك لبقره العلم و توغله فيه و استنباطه الحكم و قد أشار إلى ذلك ابن كثير في البداية و النهاية:/9 309 ترجمة الإمام الباقر عليه السّلام،و ابن حجر في الصواعق:127/199.
4) الإمام جعفر الصادق عليه السّلام،عبد الحليم الجندي:140.
5) الإمام جعفر الصادق عليه السّلام،عبد الحليم الجندي:140.
6) تاريخ مدينة دمشق:268/54،و تهذيب الكمال:139/26.
7) التاريخ الكبير للبخاري:183/1/1.
بن علي بن حسين:فلقيت أنا محمّد بن علي فأخبرني أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليه عم و فرد،و قال بعضهم:
محمّد بن علي عن عمار،و توهم بعضهم أنه محمّد بن الحنفية،و الأول أصح.
و قال الحاكم قال (1):أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي المدني،و أمه أم عبد اللّه بنت حسن بن علي بن أبي طالب،سمع جابر بن عبد اللّه،و أنس بن مالك،روى عنه عطاء بن أبي رباح،و عمرو بن دينار،و الحاكم بن عتيبة.
و قال أبو نعيم في الحلية قالوا:الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم و كذلك السيّد بن السيّد بن السيّد بن السيّد محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ (2).
روى عنه الفطاحل:أخوه زيد و ابنه جعفر الصادق.ثم الأوزاعي إمام الشام.و ابن جريج إمام مكة.و أبو حنيفة.و عبد اللّه بن أبى بكر بن حزم شيخ مالك إمام المدينة.و حجاج بن أرطاة و مكحول بن راشد.و عمرو بن دينار.و يحيى بن كثير.و الزهري،و ربيعة الرأي شيخا مالك.
و الأعمش و القاسم بن محمد بن أبى بكر و أبان بن تغلب و جابر الجعفي و زرارة بن أعين (3).
قال رجب البرسي:فمن ذلك ما رواه محمد بن مسلم قال:كنت عند أبي جعفر عليه السّلام إذ وقع إليه و رشانان ثم هدلا فرد عليهما فطارا،فقلت:جعلت فداك ما هذه؟فقال:هذا طائر ظن في زوجته سوءا فحلفت له فقال لها:لا أرضى إلاّ بمولاي محمد بن علي عليه السّلام،فجاءت فحلفت له بالولاية أنّها لم تخنه فصدّقها،و ما من أحد يحلف بالولاية إلاّ صدّق إلاّ الإنسان،فإنّه حلاّف مهين (4).
و من ذلك ما رواه ميسر قال:قمت بباب أبي جعفر فخرجت جارية جلاسية فوضعت يدي على رأسها فناداني من أقصى الدار:أدخل لا أبا لك فلو كانت الجدران تحجب أبصارنا عنكم كما تحجب أبصاركم لكنّا نحن و إيّاكم سواء (5).
و من ذلك ما رواه محمد بن مسلم قال:خرجت مع أبي جعفر عليه السّلام إلى مكان يريده فسرنا،
و إذا ذئب قد انحدر من الجبل و جاء حتى وضع يده على قربوس السرج،و تطاول فخاطبه فقال له الإمام عليه السّلام:إرجع فقد فعلت،قال:فرجع الذئب مهرولا.
فقلت:يا سيدي ما شأنه؟
فقال:ذكر أن زوجته قد عسرت عليها الولادة فسأل لها الفرج و أن يرزقه اللّه ولدا لا يؤذي دواب شيعتنا،فقلت له:إذهب فقد فعلت،قال:ثم سرنا،و إذا قاع محدب يتوقّد حرّا،و هناك عصافير يتطايرون،و درن حول بغلته فرجوها،و قال:لا و لا كرامة،قال:ثم سار إلى مقصده،فلما رجعنا من الغد وعدنا إلى القاع و إذا العصافير قد طارت و دارت حول بغلته و رفرفت،فسمعته يقول:
إشربي و ارتوي،قال:فنظرت،و إذا في القاع ضحضاح (1)من الماء،فقلت:يا سيدي بالأمس منعتها و اليوم سقيتها؟
فقال:إعلم أن اليوم خالطتها القنابر فسقيتها،و لو لا القنابر لما سقيتها.
فقلت:يا سيدي،و مّا الفرق بين القنابر و العصافير؟
فقال:ويحك أما العصافير فإنّهم موالي الرجل (2)لأنهم منه،و أما القنابر فإنّهم موالينا أهل البيت،و إنّهم يقولون في صفيرهم:بوركتم أهل البيت عليهم السّلام،و بورك شيعتكم،و لعن اللّه أعداءكم.
ثم قال:عادانا من كل شيء حتى الطيور الفاختة و من الأيام الأربعاء (3).
قال رجب البرسي:في هذا الحديث رمز حسن يشير إلى أن كلاّ يميل إلى شكله و يفرح بنظيره،و ينبعث إلى طبعه،و إليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يعرف ولد الحرام بأكله للحرام.
و هذا أيضا رمز و هو أن ولد الحرام مادته من الحرام فهو يحب ما هو منه،و عدوّهم من الرجل فهو لا يحب إلاّ مادته،و محبّهم و وليّهم طينته منهم،و هي طينة خلق منها أولاد الحلال فلا يحبّهم إلاّ ولد الحلال،و ليس محبّهم إلاّ ولد الحلال.
و من ذلك ما رواه إسماعيل السندي عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال:سمعته يقول لرجل من خراسان كان قدم إليه:كيف أبوك؟
فقال الرجل:بخير.
فقال:فأخوك؟
قال:خلفته صالحا،فقال:قد هلك أبوك بعد خروجك بيومين،و أما أخوك فقتلته جاريته يوم كذا،و قد صار إلى الجنّة.ت.
فقال الرجل:جعلت فداك،إن ابني قد خلفته وجعا،فقال:أبشر فقد برىء و زوّجه عمّه ابنته و صار له غلام و سمّاه عليا،و ليس من شيعتنا،فقال الرجل:فما إليه من حيلة؟فقال:كلا قد أخذ من صلب آدم أنه من أعدائنا فلا تغرّنك عبادته و خشوعه (1).
و من ذلك ما رواه جابر بن يزيد قال:كنّا مع أبي جعفر عليه السّلام في المسجد فدخل عمر بن عبد العزيز و هو غلام،و عليه ثوبان معصفران فقال أبو جعفر عليه السّلام:لا تذهب الأيام حتى يملكها هذا الغلام،و يستعمل العدل جهرا و الجور سرّا فإذا مات تبكيه أهل الأرض و يلعنه أهل السماء (2).
و من ذلك ما رواه أبو بصير قال:قال لي مولاي أبو جعفر عليه السّلام:إذا رجعت إلى الكوفة يولد ولد تسمّيه عيسى،و يولد ولد و تسمّيه محمدا و هما من شيعتنا و أسماؤهما في صحيفتنا،و ما يولّدون إلى يوم القيامة.
قال:فقلت:و شيعتكم معكم؟
قال:نعم،إذا خافوا اللّه و اتقوه و أطاعوه (3).
و من ذلك أنه دخل المسجد يوما فرأى شابّا يضحك في المسجد فقال له:تضحك في المسجد و أنت بعد ثلاثة من أصحاب القبور؟فمات الرجل في أوّل اليوم الثالث،و دفن في آخره (4).
و من ذلك ما ورد في كتاب كشف الغمة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السّلام قال:قلت له يوما:
أنتم ذرية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قال:نعم.قلت:و رسول اللّه وارث الأنبياء؟
قال:نعم.قلت:و أنتم ورثة رسول اللّه؟
قال:نعم.قلت:فتقدر أن تحيي الموتى و تبرىء الأكمه و الأبرص و تخبر الناس بما يأكلون، و ما يدخّرون؟
قال:نعم،بأمر اللّه،ثم قال:أدن منّي،فدنوت منه فمسح يده على وجهي،فأبصرت السماء و الأرض،ثم مسح يده على وجهي فعدت كما كنت لا أرى شيئا (5).
***3.
خليفة بن خياط قال:محمّد بن علي بن حسين بن أبي طالب يكنّى أبا جعفر،أمّه أم عبد اللّه بنت حسن بن علي بن أبي طالب،توفي سنة ثمان عشرة و مائة (1).
و عن الزبير بن بي بكر قال:فولد علي الأصغر بن الحسين:حسنا،لا بقية له،و حسينا الأكبر لا بقية له،و محمّد بن علي،و هو أبو جعفر،و عبد اللّه بن علي،و أمّهم أم عبد اللّه بنت حسن بن علي بن أبي طالب،و لأم ولد،و كان يقال لمحمد بن علي بن الحسين باقر العلم،و له يقول القرظي (2):
يا باقر العلم لأهل التقى و خير من لبى على الأجبل
و له يقول مالك بن أعين الجهيني (3):
إذا طلب الناس علم القرآ ن كانت قريش عليه عيالا
و إن قيل:إنّي (4)ابن بنت الرسو ل نلت بذلك فرعا طويلا
نجوم (5)تهلّل للمدلجين جبال تورّث علما جبالا (6)
و قال محمّد بن سعد في الطبقات:قال في الطبقة الثالثة من أهل المدينة:محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب،و يكنى أبا جعفر.
قال الهيثم:توفي سنة ثمان عشرة و مائة.
قال الواقدي:سنة سبع عشرة و مائة و هو ابن ثلاث و سبعين سنة،و قال أبو نعيم:توفي سنة أربع عشرة و مائة (7).
و قال و أمه أمّ عبد اللّه بنت حسن بن علي بن أبي طالب،كان ثقة،كثير الحديث.
و عن أبي الصباح،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:كانت أمّي قاعدة عند جدار فتصدّع الجدار
1) طبقات خليفة بن خياط:444 رقم 2233.
2) سير أعلام النبلاء:4/4-4 و أخبار الدول:111 ط.بغداد.
3) سير أعلام النبلاء:404/4 و معجم الشعراء للمرزباني:366.
4) في معجم الشعراء:أين ابن بنت النبي.و في سير أعلام النبلاء:و إن قيل:ابن ابن بنت الرسول.
5) في سير أعلام النبلاء:تحوم.
6) نسب قريش للمعصب الزبيري:59-60،و ترجمة محمد بن علي الباقر من تاريخ دمشق 128:6،سر السلسلة العلوية:32،معجم الشعراء للمرزباني:268،عمدة الطالب:195،سير اعلام النبلاء 4: 404،الإتحاف:144،نور الأبصار:156،شرح الأخبار 282/3.
7) طبقات ابن سعد:320/5 و 324.
و سمعنا هدّة شديدة،فقالت بيدها:لا و حق المصطفى ما أذن اللّه لك في السقوط فبقي معلّقا في الجوّ حتى جازته فتصدّق أبي عنها بمائة دينار.
قال أبو الصباح:و ذكر أبو عبد اللّه عليه السّلام جدّته أمّ أبيه يوما فقال:كانت صدّيقة:لم تدرك في آل الحسن عليه السّلام امرأة مثلها (1).
ولد أبو جعفر عليه السّلام سنة سبع و خمسين و قبض عليه السّلام سنة أربع عشرة و مائة و له سبع و خمسون سنة و دفن بالبقيع بالمدينة في القبر الّذي دفن فيه أبوه عليّ بن الحسين عليه السّلام و كانت أمّه أمّ عبد اللّه بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلاهمام و على ذرّيّتهم الهادية (2).
و قيل كانت ولادته بالمدينة في ثالث صفر من سنة سبع و خمسين للهجرة (3)قبل قتل جده الحسين عليه السّلام بثلاث سنين،و قيل غير ذلك (4).
قال أبو نصر:و كان مولده سنة ست و خمسين،و قال الذهلي:قال يحيى بن بكير-يعني- مات سنة سبع عشرة و مائة.
و قال عمرو بن علي:مات سنة أربع عشرة و مائة،و قال بعضهم:سنة سبع عشرة و الصحيح سنة أربع عشرة.
و قال أبو عسى الترمذي:مات سنة خمس عشرة و مائة.
و قال الواقدي:مات سنة سبع عشرة و مائه.
و قال ابن سعد:قال الهيثم:توفي سنة ثمان عشرة و مائة.
و قال ابن أبي شيبة:مات سنة أربع عشرة و مائة.
و قال ابن نمير:مات سنة أربع عشرة و مائة (5).
و في أعلام الورى:ولد عليه السّلام بالمدينة سنة سبع و خمسين من الهجرة غرّة رجب.
و قيل:الثالث من صفر و قبض عليه السّلام سنة أربع عشرة و مائة في ذي الحجّة.
و قيل:في شهر ربيع الأوّل و قد تمّ عمره سبعا و خمسين سنة.
عاش مع جدّه الحسين عليه السّلام أربع سنين و مع أبيه تسعا و ثلاثين سنة و كانت مدّة إمامته ثماني عشر سنة (1).
و قيل مات في سبع عشرة و مائة (2)و قيل:غير ذلك (3)،و قد نيف على الستين،و قيل:غير ذلك (4)،أقام مع أبيه زين العابدين علي بن الحسين بضعا و ثلاثين سنة من عمره،و قبره بالمدينة بالبقيع (5)في القبر الذي فيه أبوه،و عم أبيه الحسن،بالقبة التي فيها العباس و قد تقدم ذكر ذلك.
محمد،و كنيته:أبو جعفر،و له ثلاثة ألقاب:باقر العلم،و الشاكر،و الهادي (6).
و أشهرها الباقر،و سميّ بذلك لتبقره في العلم،و هو توسّعه فيه (7).
و سمّاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الباقر،و أهدى إليه سلامه على لسان جابر بن عبد اللّه،فقال:(يا جابر إنّك تعيش حتى تدرك رجلا من أولادي إسمه إسمي يبقر العلم بقرا،فإذا رأيته فأقرئه مني السلام) (8).
و هذه منقبة لم يشركه فيها أحد من الآل و الأصحاب،بل تفرّد بها من بين الأحباب.
و للباقر عن جابر بن عبد اللّه،و أبي سعيد الخدري،و ابن عباس،و أبي هريرة،و الحسن، و الحسين رضي اللّه عنهم رواية (9).
1) البحار:212/46 ح 1،و أعلام الورى:498/1.
2) الطبقات الكبرى:324/5،مناقب آل أبي طالب:227/4،صفة الصفوة:112/2.
3) تاريخ ابن الخشاب:181،صفة الصفوة:112/2.
4) تاريخ ابن الخشاب:181،الطبقات الكبرى:324/5.
5) تاريخ ابن الخشاب:184.
6) تاريخ ابن الخشاب:184،مناقب آل أبي طالب:227/4.
7) انظر لسان العرب:74/4(بقر).
8) تاريخ ابن الخشاب:183،ترجمة محمد بن علي من تاريخ دمشق:22/134 و 26،مطالب السؤول:/2 106،تذكرة الخواص:337،الفصول المهمة:197.
9) انظر:صفة الصفوة:112/2،المنتظم:161/7،تذكرة الخواص:341.
عن عبد الرّحمن بن كثير،عن جعفر بن محمّد قال:قال أبو جعفر محمّد بن علي:أجلسني جدي الحسين بن علي في حجره و قال لي:رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرئك السلام.و قال علي بن الحسين:
أجلسني علي بن أبي طالب في حجرة و قال لي:رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرئك السلام (1).
عن أبان بن تغلب،عن محمّد بن علي قال:أتاني جابر بن عبد اللّه و أنا في الكتّاب فقال لي:
اكشف عن بطنك،فألزق بطنه ببطني و قال لي:أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن أقرئك السلام (2).
و عن أبي الزبير قال:كنا عند جابر بن عبد اللّه فدخل عليه علي بن الحسين و معه ابنه،فقال جابر من هذا يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قال:ابني محمد،فضمّه جابر إليه و بكى،ثم قال:اقترب أجلي يا محمد،رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرئك السلام،فسئل و ما ذاك؟
قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول للحسين بن علي عليه السّلاهمام:«إنه يولد لابني هذا ابن يقال له علي بن الحسين،و هو سيد العابدين،إذا كان يوم القيامة ينادي مناد:ليقم سيد العابدين،فيقوم علي بن الحسين،و يولد لعلي بن الحسين ابن يقال له:محمد،إذا رايته يا جابر فأقرئه منّي السلام.
يا جابر،إعلم أنّ المهدي من ولده،و اعلم يا جابر أن بقاءك بعده قليل» (3).
فما لبث جابر بعد ذلك اليوم إلاّ بضعة عشر يوما حتى توفي (4).
و في بشائر المصطفى عن جابر قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يوشك أن تبقى حتّى تلقى ولدا من الحسين يقال له محمّد الباقر يبقر علم الدّين بقرا فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام (5).
و في القاموس:بقره شقّه و وسعه و الباقر محمّد بن عليّ بن الحسين لتبحّره في العلم.
و في الأمالي عن الصادق عليه السّلام قال:إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال ذات يوم لجابر:إنّك ستبقى حتّى تلقى ولدي محمّد بن عليّ بن الحسين المعروف في التوراة بالباقر فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام، فدخل جابر إلى عليّ بن الحسين فوجد محمّدا بن عليّ عنده غلاما فقال له:يا غلام اقبل فأقبل ثمّ قال له:أدبر.
فقال جابر:شمائل رسول اللّه و ربّ الكعبة.
قال عليّ بن الحسين:هذا ابني محمّد الباقر،فوقع على قدميه يقبّلهما و يقول:إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرأ عليك السلام فقال:يا جابر على رسول اللّه السلام و عليك بما بلّغت (1).
و في حديث آخر أنّه لقيه في بعض سكك المدينة.
و في رواية أخرى أنّه رآه مع الصبيان في المكتب و أنّ عليّ بن الحسين عليه السّلام أمره بالاحتجاب بعد ذلك خوفا عليه من الشهرة و الحسد.
و عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي أنّه قال:كنا عند جابر بن عبد اللّه فأتاه علي بن الحسين و معه ابنه محمد و هو صبي،فقال علي لابنه محمد:(قبّل رأس عمك)فدنا محمد من جابر فقبّل رأسه.
فقال جابر:من هذا؟و كان قد كفّ بصره.
فقال علي:(هذا إبني محمد).
فضمه جابر إليه و قال:يا محمد،محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرأ عليك السلام.
فقال لجابر:كيف ذلك يا أبا عبد اللّه.
فقال:كنت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الحسين في حجره و هو يلاعبه،فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:(يا جابر يولد لابني الحسين ابن يقال له علي،إذا كان يوم القيامة نادى مناد:ليقم سيد العابدين.فيقوم علي بن الحسين،و يولد لعلي ابن يقال له محمد،يا جابر إن رأيته فأقرئه مني السلام،و اعلم أنّ بقاءك بعد رؤيته يسير) (2).
فلم يعش جابر بعد ذلك إلاّ قليلا،و مات رضي اللّه عنه.
و في كتاب الخرائج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّ جابر بن عبد اللّه كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان منقطعا إلينا أهل البيت و كان يقعد في مسجد الرسول فيقول:يا باقر يا باقر و أهل المدينة يقولون:جابر يهجر فيقول:لا و اللّه لا أهجر و لكنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:إنّك ستدرك رجلا منّي اسمه اسمي و شمائله شمائلي يبقر العلم بقرا فذلك الذي دعاني إلى ما أقول،ثمّ إنّه أدركه و أبلغه سلام جدّه و كان جابر يأتيه طرفي النهار فلم يلبث أن مضى عليّ بن الحسين عليه السّلاهمام و كان محمّد بن علي يأتيه لصحبته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فجلس الباقر يحدّثهم عن اللّه فقال أهل المدينة:ما رأينا أحدا قط أجرأ من هذا،فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال أهل المدينة:ما رأينا أحدا أكذب3.
من هذا يحدّث عمّن لم يره،فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن جابر بن عبد اللّه فصدّقوه و كان جابر و اللّه يأتيه فيتعلّم منه (1).
قال السيد نعمة اللّه الجزائري في رياض الأبرار:ينبغي أن يحمل قوله:حدّثهم عن جابر يعني عن علومه التي يحملها عن المعصومين عليهم السّلام كان يقول عن جابر و لا يقول حدّثني جابر،لأنّ كلّما كان يحدّث به عليه السّلام لم يسمعه عن جابر و يجوز أن يكون أخذ من إجازة عامة كأن يكون قال له:إنّي أحدّث عنك تلطّفا إلى تصديق الناس و هذا جائز في علم الدراية و حمله على ظاهره ممكن أيضا بأن يكون عليه السّلام سمع من جابر كلّما كان يحدّث به أوّل الأمر،و ذلك أنّ الناس من أهل المدينة و غيرهم إنّما قالوا ذلك القول في ابتداء الأمر فلمّا تحقّقوا سعة علمه و اعتراف جابر بالعجز عنه و إنّه كان يأخذ العلم عنه،أقبلوا إلى تصديقه ممّا يحكيه عن اللّه و رسوله و عن عليّ بن أبي طالب و الحسين عليه السّلاهمام.
و يرشد إليه ما رواه أبو جعفر بن بابويه في حديث طويل قال فيه:بم كان جابر يأتيه فيجلس بين يديه فيعلّم فربما غلط جابر فيما يحدّث به عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيرد عليه و يذكّره فيقبل ذلك منه و يرجع إلى قوله و كان يقول:يا باقر يا باقر أشهد باللّه إنّك قد أوتيت الحكم صبيّا (2).
و عن أبان بن تغلب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:إنّ جابر بن عبد اللّه الأنصاري كان آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان رجلا منقطعا إلينا أهل البيت و كان يقعد في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو معتجر (3)بعمامة سوداء و كان ينادي يا باقر العلم،يا باقر العلم،فكان أهل المدينة يقولون:جابر يهجر،فكان يقول:لا و اللّه ما أهجر و لكنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:إنّك ستدرك رجلا منّي إسمه إسمي و شمائله شمائلي،يبقر العلم بقرا،فذاك الّذي دعاني إلى ما أقول.
قال:فبينا جابر يتردّد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ مرّ بطريق في ذاك الطريق كتّاب،فيه محمّد بن عليّ،فلمّا نظر إليه قال:يا غلام أقبل فأقبل ثمّ قال له:أدبر فأدبر ثمّ قال:شمائل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الّذي نفسي بيده:يا غلام ما اسمك؟
قال:إسمي محمّد بن عليّ بن الحسين،فأقبل عليه يقبّل رأسه و يقول:بأبي أنت و أمّي أبوك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقرئك السّلام و يقول ذلك.
قال:فرجع محمّد بن عليّ بن الحسين إلى أبيه و هو ذعر فأخبره الخبر،فقال له:يا بنيّ و قد فعلها جابر قال:نعم قال:إلزم بيتك يا بنيّ فكان جابر يأتيه طرفي النّهار و كان أهل المدينة يقولون:ه.
وا عجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النّهار و هو آخر من بقي من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يلبث أن مضى عليّ ابن الحسين عليه السّلاهمام فكان محمّد بن عليّ يأتيه على وجه الكرامة لصحبته لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:فجلس عليه السّلام يحدّثهم عن اللّه تبارك و تعالى،فقال أهل المدينة:ما رأينا أحدا أجرأ من هذا، فلمّا رأى ما يقولون حدّثهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال أهل المدينة:ما رأينا أحدا قطّ أكذب من هذا يحدّثنا عمّن لم يره،فلمّا رأى ما يقولون،حدّثهم عن جابر بن عبد اللّه.
قال:فصدّقوه و كان جابر بن عبد اللّه يأتيه فيتعلّم منه (1).
تقدم جملة من الآيات النازلة في الإمام الباقر و غيره من الأئمة عليهم السلام في تاريخ ما تقدم من الأئمة،و روي عن سلمة بن كهيل،في قوله: لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (2)قال:كان أبو جعفر منهم (3).
و عن قيس بن النعمان:خرجت يوما إلى بعض مقابر المدينة،فإذا أنا بصبي جالس عند قبر يبكي بكاء شديدا،و إنّ وجهه ليلقي شعاعا من نور،فأقبلت عليه،فقلت:أيها الصبي،ما الذي عقلت له من الحزن حتى أفردك بالخلوة في مجالب الموتى و البكاء على أهل البلاء و أنت بغو الحداثة مشغول عن اختلاف الأزمان و حنين الأحزان،فرفع رأسه و طأطأه،و أطرق ساعة لا يحير جوابا،ثم رفع رأسه و هو يقول:
إنّ الصبي صبي العقل لا صغر أزرى بذي العقل فينا لا و لا كبر
ثم قال لي:ما هذا،إنك خليّ الذرع (4)من الفكر،سليم الأحشاء من الحرقة،أمنت تقارب الأجل بطول الأمل،إن الذي أفردني بالخلوة في مجالب أهل البلاء،يذكر قول اللّه عز و جل: فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (5).
فقلت:بأبي أنت و أمي،من أنت؟فإنّي لأسمع كلاما حسنا.
فقال:إنّ من شقاوة أهل البلاء قلّة معرفتهم بأولاد الأنبياء،أنا محمّد بن علي بن الحسين بن علي،و هذا قبر أبي،فأيّ أنس آنس من قربه،و أي وحشة تكون معه،ثم أنشأ يقول:
ما غاض دمعي عند نازلة إلاّ جعلتك للبكا سببا
إنّي أجل ثرى حللت به من أن أرى لسواك مكتئبا
فإذا ذكرتك سامحتك به منّي الدموع ففاض فانسكبا
قال قيس:فانصرفت و ما تركت زيارة القبور مذ ذاك (1).
جعفر و هو الصادق،و عبد اللّه،و إبراهيم،و أم سلمة (2).
و قيل:كان أولاده أكثر من ذلك (3).
و في اعلام الورى،كان أولاده عليه السّلام سبعة منهم أبو عبد اللّه جعفر بن محمّد و كان يكنّى به و عبد اللّه بن محمّد أمّهما أمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر،و إبراهيم و عبيد الله ماتا في حياته عليه السّلام أمّهما أمّ حكيم الثقفية و عليّ و زينب لامّ ولد و أمّ سلمة لامّ ولد (4).
و في كتاب البشائر إنّه لم يعتقد في أحد من ولد أبي جعفر الإمامة إلاّ في الصادق عليه السّلام خاصّة (5).
و كان أخوه عبد اللّه يشار إليه بالفضل و الصلاح و دخل على بعض بني أميّة فأراد قتله فقال:لا تقتلني أكن للّه عليك عونا و اتركني أكن لك على اللّه عونا يريد بذلك أنّه ممّن يشفع إلى اللّه فيشفّعه فلم يقبل ذلك منه و قال:لست هناك و سقاه السمّ.
و في المناقب له أولاد سبعة درجوا كلّهم إلاّ أولاد الصادق عليه السّلام (6).
عن أبي بصير،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قبض محمّد بن عليّ الباقر و هو ابن سبع و خمسين سنة،في عام أربع عشرة و مائة،عاش بعد عليّ بن الحسين عليه السّلاهمام تسع عشرة سنة و شهرين.
قال الصدوق:سمّه إبراهيم بن الوليد،و قال بعض أرباب السير:سمه،عند علماء الشيعة، هشام بن عبد الملك بن مروان عليه اللعنة و الخذلان (1).
و كان له حين قتل أبوه عليهما السّلام اثنتان و عشرون سنة.
قال أبو جعفر بن بابويه و السيّد ابن طاووس:سمّه إبراهيم بن الوليد (2).
و في حديث آخر سمّه هشام بن عبد الملك،و لا منافاة لأنّه يمكن أن إبراهيم سمّه بأمر الخليفة هشام عمّه عليهما لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين (3).
و في السرائر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله و كفنه و دخوله قبره قال:قلت:يا أبتاه ما أرى عليك أثر الموت؟
قال:يا بني أما سمعت عليّ بن الحسين ناداني من وراء الجدران يا محمّد تعال عجّل (4).
و في الكاف ى عنه عليه السّلام قال:إنّ أبي قال لي ذات يوم في مرضه:يا بني أدخل أناسا من قريش من أهل المدينة حتّى أشهدهم قال:فأدخلت عليه أناسا منهم فقال:يا جعفر إذا أنا متّ فغسّلني و كفّني و ارفع قبري أربع أصابع و رشّه بالماء،فلمّا خرجوا قلت:يا أبت لو أمرتني بهذا صنعته و لم ترد أن أدخل عليك قوما تشهدهم.
قال:يا بني أردت أن لا تنازع (5)يعني في سنن الغسل أو في الإمامة،لأنّ هذه الوصيّة مستلزمة لتلك الوصية.
و روي أنّه عليه السّلام أوصى بثمانمائة درهم لمأتمه و كان يرى ذلك من السنّة،لأنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:اتّخذوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا (6).
و في الكافي عن الصادق عليه السّلام قال:قال لي أبو جعفر:أوقف من مالي كذا و كذا لنوادب تندبني عشر سنين بمنى أيّام منى.
قال السيد نعمة اللّه الجزائري في رياض الأبرار:يقول مؤلّف الكتاب وفّقه اللّه تعالى:إنّ منى لمّا كانت موضعا لاجتماع الشيعة أراد عليه السّلام أن يناح و يبكى عليه في ذلك المحلّ إعزازا و احتراما له و تحصيلا للثواب لشيعته الباكين عليه و لعلّ وجه التخصيص بالعشر سنين إرادة استقصاء شيعته النائيين في البلاد لإمكانه في امتداد هذا الوقت غالبا.
و قال أبو جعفر محمّد بن علي:أوصاني أبي فقال:لا تصحبن خمسة،و لا تحادثهم و لا ترافقهم في طريق.
قال:قلت:جعلت فداك يا أبة،من هؤلاء الخمسة؟
قال:لا تصحبن فاسقا فإنه بايعك بأكلة فما دونها.
قال:قلت:يا أبة،و ما دونها.
قال:يطمع فيها ثم لا ينالها.
قال:قلت:يا أبة،و من الثاني؟
قال:لا تصحين البخيل،فإنه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه.
قال:قلت:يا أبة،و من الثالث؟
قال:لا تصحبن كذّابا فإنه بمنزلة السراب يبعد منك القريب،و يقرّب منك البعيد.
قلت:يا أبة،و من الرابع؟
قال:لا تصحبن الأحمق،فإنه يريد أن ينفعك فيضرّك.
قال:قلت:يا أبة،و من الخامس؟
قال:لا تصحبن قاطع رحم،فإني وجدته ملعونا في كتاب اللّه عزّ و جلّ في ثلاثة مواضع (1).
و عن عبد اللّه بن مسافر (2)قال:قال أبو جعفر عليه السّلام في العشيّة التي اعتلّ فيها من ليلتها-و هي الليلة التي توفّي فيها-:يا عبد اللّه،ما أرسل اللّه نبيّا من أنبيائه إلى أحد حتى أخذ عليه ثلاثة أشياء.
قلت:أيّ شيء هي يا سيّدي؟م.
قال:الإقرار له بالعبوديّة و الوحدانيّة،و أنّ اللّه تعالى يقدّم ما يشاء و يؤخّر ما يشاء،و نحن قوم أو نحن معشر إذا لم يرض اللّه لأحدنا الدنيا (1)نقلنا إليه (2).
عن هشام بن سالم،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:مرض أبو جعفر عليه السّلام مرضا شديدا فخفت (3)عليه،فقال:ليس عليّ من مرضي هذا بأس.
قال:ثمّ مكث (4)ما شاء اللّه،ثمّ اعتلّ علّة خفيفة فجعل يوصينا.
ثمّ قال:يا بنيّ،أدخل عليّ نفرا من أهل المدينة حتى أشهدهم،فقلت له:يا أبة (5)،ليس عليك بأس.
فقال:يا بنيّ،إنّ الذي جاءني فأخبرني أنّي لست بميّت في مرضي ذلك هو الذي أخبرني أنّي ميّت في مرضي هذا (6).
قال الإمام الباقر عليه السّلام قال:يا معشر الشيعة!خاصموا بسورة إنّا أنزلناه تفلحوا،فو اللّه إنّها لحجّة اللّه تبارك و تعالى على الخلق بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.و إنّها لسيّدة دينكم،و إنّها لغاية علمنا،يا معشر الشيعة خاصموا ب حم* وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ* إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ (7)فإنّها لولاة الأمر خاصّة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
يا معشر الشيعة!يقول اللّه تبارك و تعالى وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (8)قيل:يا أبا جعفر نذيرها محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قال:صدقت،فهل كان نذير و هو حيّ من البعثة في أقطار الأرض؟فقال السائل:لا.
قال أبو جعفر عليه السّلام:أرأيت بعيثه أليس نذيره كما أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بعثته من اللّه عزّ و جلّ نذير؟فقال:بلى.
قال:فكذلك لم يمت محمّد إلاّ و له بعيث نذير.
1) في نسخة:إذا تمّ لنا الدنيا.
2) أخرجه في البحار:113/4 ح 34 و ج 286/27 ح 3 عن بصائر الدرجات:481 ح 4.
3) في مدينة المعاجز:فخفنا.
4) في مدينة المعاجز:ثمّ سكت.
5) في مدينة المعاجز:فقلت:يا أبتا.
6) عنه مدينة المعاجز:79/5 ح 1484 و إثبات الهداة:109/3 ح 114.
7) الكافي:249/1 ح 6،و تأويل الآيات:824/2.
8) سورة فاطر،الآية:24.
قال:فإن قلت:لا؛فقد ضيّع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من في أصلاب الرجال من أمّته قال:و ما يكفيهم القرآن؟
قال:بلى إن وجدوا له مفسّرا.
قال:و ما فسّره رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قال:بلى قد فسّره لرجل واحد و فسّر للأمّة شأن ذلك الرّجل و هو عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
قال السائل:يا أبا جعفر كان هذا أمر خاصّ لا يحتمله العامّة.
قال:أبى اللّه أن يعبد إلاّ سرّا حتّى يأتي إبّان أجله الذي يظهر فيه دينه كما أنّه كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع خديجة مستترا حتّى أمر بالإعلان.
قال السائل:ينبغي لصاحب هذا الدّين أن يكتم؟
قال:أو ما كتم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام يوم أسلم مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى ظهر أمره؟
قال:بلى.
قال:فكذلك أمرنا حتّى يبلغ الكتاب أجله (1).
و عن ضريس الكناسي قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول-و عنده أناس من أصحابه-:عجبت من قوم يتولّونا و يجعلونا أئمّة و يصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ يكسرون حجّتهم و يخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم،فينقصونا حقّنا و يعيبون ذلك على من أعطاه اللّه برهان حقّ معرفتنا و التسليم لأمرنا،أترون أنّ اللّه تبارك و تعالى افترض طاعة أوليائه على عباده،ثمّ يخفي عنهم أخبار السماوات و الأرض و يقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم؟!فقال له حمران:جعلت فداك أرأيت ما كان من أمر قيام عليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين عليهم السّلام و خروجهم و قيامهم بدين اللّه عزّ ذكره و ما أصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم و الظفر بهم حتّى قتلوا و غلبوا؟فقال أبو جعفر عليه السّلام:يا حمران إنّ اللّه تبارك و تعالى قد كان قدّر ذلك عليهم و قضاه و أمضاه و حتمه على سبيل الإختيار ثمّ أجراه.
فبتقدّم علم إليهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قام عليّ و الحسن و الحسين عليهم السّلام:و بعلم صمت من صمت منّا و لو أنّهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من أمر اللّه عزّ و جلّ و إظهار الطواغيت عليهم سألوا اللّه عزّ و جلّ أن يدفع عنهم ذلك و ألحّوا عليه في طلب إزالة ملك الطواغيت و ذهاب ملكهم، إذا لأجابهم و دفع ذلك عنهم،ثمّ كان انقضاء مدّة الطواغيت و ذهاب ملكهم أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدّد،و ما كان ذلك الذي أصابهم يا حمران لذنب اقترفوه،لا لعقوبة معصية خالفوا اللّه2.
1) الكافي:250/1 ح 6،و البحار:73/25 ح 62.
فيها،و لكن لمنازل و كرامة من اللّه أراد أن يبلغوها،فلا تذهبنّ بك المذاهب فيهم (1).
عن أبي الجارود قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:فرض اللّه عزّ و جلّ على العباد خمسا، أخذوا أربعا و تركوا واحدا.
قلت:أتسمّيهنّ لي جعلت فداك؟فقال:الصلاة،و كان الناس لا يدرون كيف يصلّون،فنزل جبرئيل عليه السّلام فقال:يا محمّد أخبرهم بمواقيت صلاتهم،ثمّ نزلت الزكاة فقال:يا محمّد أخبرهم من زكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم،ثمّ نزل الصّوم فكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا كان يوم عاشوراء بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم فنزل[صوم]شهر رمضان بين شعبان و شوّال،ثمّ نزل الحجّ فنزل جبرئيل عليه السّلام فقال:أخبرهم من حجّهم ما أخبرتهم من صلاتهم و زكاتهم و صومهم،ثمّ نزلت الولاية و إنّما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة،ثمّ أنزل اللّه عزّ و جلّ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي و كان كمال الدّين بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال عند ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أمّتي حديثو عهد بالجاهلية و متى أخبرتهم بهذا في ابن عمّي يقول قائل و يقول قائل-فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني-فأتتني عزيمة من اللّه عزّ و جلّ بتلة (2)أو عدني إن لم أبلّغ أن يعذّبني،فنزلت: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ،إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (3)فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيد علي عليه السّلام فقال:
[يا]أيّها الناس إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلاّ و قد عمّره اللّه،ثمّ دعاه فأجابه، فأوشك أن أدعى فأجيب و أنا مسؤول و أنتم مسؤولون،فماذا أنتم قائلون؟
فقالوا:نشهد أنّك قد بلّغت و نصحت و أدّيت ما عليك فجزاك اللّه أفضل جزاء المرسلين، فقال:اللهمّ اشهد-ثلاث مرّات-ثمّ قال:يا معشر المسلمين هذا وليّكم من بعدي فليبلّغ الشاهد منكم الغائب (4).
قال أبو جعفر عليه السّلام:كان و اللّه[علي عليه السّلام]أمين اللّه على خلقه و غيبه و دينه الذي ارتضاه لنفسه،ثمّ إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حضره الذي حضره فدعا عليّا فقال:يا عليّ إنّي أريد أن أئتمنك على ما إئتمنني اللّه عليه من غيبه و علمه و[من]خلقه و من دينه الذي ارتضاه لنفسه،فلم يشرك و اللّه فيها-يا زياد-أحدا من الخلق،ثمّ إنّ عليّا عليه السّلام حضره الذي حضره فدعا ولده و كانوا اثني عشر ذكرا فقال لهم:يا بنيّ إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أبى إلاّ أن يجعل فيّ سنّة من يعقوب و إنّ يعقوب دعا ولده و كانوا اثني عشر ذكرا،فأخبرهم بصاحبهم،ألا و إنّي أخبركم بصاحبكم،ألا إنّ هذين ابنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم5.
الحسن و الحسين عليه السّلاهمام فاسمعوا لهما و أطيعوا و وازروهما فإنّي قد إئتمنتهما على ما إئتمنني عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ممّا إئتمنه اللّه عليه من خلقه و من غيبه و من دينه الذي ارتضاه لنفسه،فأوجب اللّه لهما من عليّ عليه السّلام ما أوجب لعليّ عليه السّلام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يكن لأحد منهما فضل على صاحبه إلاّ بكبره و إنّ الحسين كان إذا حضر الحسن عليه السّلاهمام لم ينطق في ذلك المجلس حتّى يقوم.
ثمّ إن الحسن عليه السّلام حضره الذي حضره فسلّم ذلك إلى الحسين عليه السّلام،ثمّ إنّ حسينا حضره الذي حضره فدعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين عليه السّلام فدفع إليها كتابا ملفوفا و وصيّة ظاهرة و كان عليّ بن الحسين عليه السّلاهمام مبطونا لا يرون إلاّ أنّه لما به،فدفعت فاطمة الكتاب إلى عليّ بن الحسين ثمّ صار و اللّه ذلك الكتاب إلينا (1).
في الكافي عن أبي علي الأشعري،عن عبد اللّه بن موسى،عن الحسن بن علي الوشاء قال:
سمعت الرضا عليه السّلام يقول:إنّ لكل إمام عهدا في عنق أوليائه و شيعته و إنّ من تمام الوفاء بالعهد و حسن الأداء زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم و تصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة (2).
الكليني،عن محمّد بن يحيى،عن محمّد بن الحسين،عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع،عن صالح بن عقبة،عن زيد الشحام.
قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:ما لمن زار أحدا منكم؟
قال:كمن زار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (3).
الصدوق رفعه إلى الصادق عليه السّلام انّه قال:من زار واحدا منّا كان كمن زار الحسين عليه السّلام (4).
الطوسي بإسناده،عن محمّد بن أحمد بن داود،عن أحمد بن محمّد بن سعيد،عن أحمد بن يوسف،عن هارون بن مسلم،عن أبي عبد اللّه الحراني قال قلت:لأبي عبد اللّه عليه السّلام ما لمن زار قبر الحسين عليه السّلام؟
قال:من أتاه و زاره و صلى عنده ركعتين كتب له حجة مبرورة فإن صلى عنده أربع ركعات كتب له حجة و عمرة.
قلت:جعلت فداك و كذلك لكلّ من زار إماما مفترضة طاعته؟
قال:و كذلك كلّ من زار إماما مفترضة طاعته (1).
الطوسي رفعه إلى الصادق عليه السّلام انّه قال:من زارني غفرت له ذنوبه و لم يمت فقيرا (2).
الطوسي رفعه إلى أبي محمّد الحسن بن علي العسكري عليه السّلاهمام أنّه قال:من زار جعفرا أو أباه عليه السّلاهمام لم يشتك عينه و لم يصبه سقم و لم يمت مبتلى (3).
عيون الأخبار و الأمالي عن الرضا عليه السّلام:كان نقش خاتم الحسين عليه السّلام:إنّ اللّه بالغ أمره، و كان عليّ بن الحسين يتختّم بخاتم أبيه الحسين عليه السّلام و كان محمّد بن عليّ يتختّم بخاتم الحسين عليه السّلام.
و عنه عليه السّلام في عيون الأخبار كان على خاتم محمّد بن عليّ عليه السّلاهمام:ظنّي باللّه حسن و بالنبي المؤتمن و بالوصيّ ذي المنن و بالحسين و الحسن.
و في التهذيب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:نقش خاتم أبي«العزّة للّه جميعا».
و عن محمّد بن جعفر قال أبي جعفر بن محمّد قال:كان نقش خاتم أبي محمّد بن علي:القوة للّه جميعا (4).
و نقل الثعلبي في تفسيره أنّ الباقر عليه السّلام كان نقش خاتمه هذه:
ظني باللّه حسن و بالنبي المؤتمن
و بالوصي ذي المنن و بالحسين و الحسن
رواها بسنده في تفسيره متصلا إلى إبنه الصادق (5).
في فصول المهمّة:كان عليه السّلام أسمر معتدلا (1).
قال السيد نعمة اللّه الجزائري في رياض الأبرار:تقدّم في تضاعيف أبواب هذا الكتاب أنّ الإمام يجب أن يكون أصبح الناس و أحسنهم خلقا و خلقا و هذه السمرة إمّا أنّها لا تنافي الحسن الفائق و إمّا أن يكون راجعا إلى ما سبق تحقيقه في الأخبار من أنّ أغلب الناس كانوا يشاهدونه على هذه الصفة لحكم و مصالح و الواقع غير هذا كما سيأتي في حديث الجواد عليه السّلام مع زوجته أمّ الفضل بنت المأمون (2).
في البصائر عن الصادق قال:لمّا حضر عليّ بن الحسين الموت أخرج السفط أو الصندوق عنده فقال:يا محمّد إحمل هذا الصندوق فحمل بين أربعة فلمّا توفّي جاء اخوته يدّعون في الصندوق،فقالوا:أعطنا نصيبا من الصندوق،فقال:و اللّه ما لكم فيه شيء و كان في الصندوق سلاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كتبه (3).
و في كتاب النصوص مسندا إلى عليّ بن الحسين عليه السّلاهمام إنّه قال في مرض موته:و اعلم يا بني إنّ صلاح الدّنيا بحذافيرها في كلمتين إصلاح شأن المعائش ملء مكيال ثلثاه فطنة و ثلثه تغافل،لأنّ الإنسان لا يتغافل إلاّ عن شيء قد عرفه ففطن له (4).
الأمالي،كان رجل من أهل الشام يختلف إلى أبي جعفر عليه السّلام و يقول:يا محمّد لا ترى أنّي أتى مجلسك حبّا لك و لا أقول أنّ أحدا في الأرض أبغض إليّ منكم أهل البيت و اعلم أنّ طاعة اللّه و رسوله و أمير المؤمنين في بغضكم و لكن أراك رجلا فصيحا لك أدب و حسن لفظ فإنّما اختلافي إليك لهذا.
و كان أبو جعفر عليه السّلام يقول له خيرا فلم يلبث الشامي حتّى مرض فلمّا ثقل دعى وليّه و قال له:
إذا أنا متّ فأت محمّد بن عليّ و سله أن يصلّي عليّ و أعلمه أنّي أمرتك بذلك.
فلمّا كان نصف الليل مات و برد جسده فلمّا أصبح أتى إليه و قال:يا أبا جعفر إنّ فلان الشامي قد مات و سألك أن تصلّي عليه فقال:كلاّ،إنّ بلاد الشام باردة و الحجاز بلاد حرّ فلا تعجلن حتّى آتيكم فصلّى ركعتين ثمّ دعى اللّه تعالى ثمّ سجد حتّى طلعت الشمس،ثمّ قام إلى منزل الشامي فدعاه فأجابه ثمّ أجلسه و دعى له بسويق فسقاه و قال لأهله:إملأوا جوفه و برّدوا صدره بالطعام البارد ثمّ انصرف فعوفي الشامي فأتى أبا جعفر عليه السّلام فقال:أخلني فأخلاه،فقال:أشهد أنّك حجّة اللّه على خلقه و من أتى غيرك خسر و ضلّ،أشهد أنّي عهدت بروحي و عاينت بعيني و سمعت مناديا ينادي ردّوا عليه روحه فقد سألنا ذلك محمّد بن عليّ.
فقال له:أما علمت أنّ اللّه يحبّ العبد و يبغض عمله و يبغض العبد و يحبّ عمله.
قال:فصار بعد ذلك من أصحاب أبي جعفر عليه السّلام (1).
و في الخرائج،روى ابن عتيبة قال:كنت عند أبي جعفر عليه السّلام فدخل رجل فقال:أنا من أهل الشام أتولاّكم و أبي كان يتولّى بني أميّة و كان له مال كثير و لم يكن له غيري و كان مسكنه بالرملة و كان له مكان يتخلى فيه فلمّا مات طلبت المال و لم أظفر به و لا شكّ أنّه دفنه و أخفاه منّي.
قال عليه السّلام:أتحبّ أن تراه و تسأله أين موضع ماله؟
قال:إي و اللّه إنّي لفقير محتاج،فكتب عليه السّلام كتابا و ختمه بخاتم ثمّ قال:إنطلق الليلة إلى البقيع ثمّ ناد يا درجان فإنّه يأتيك رجل معتمّ فادفع كتابي و قل أنا رسول محمّد بن عليّ فإنّه سيأتيك فسله عمّا بدا لك،فانطلق بالكتاب فلمّا كان من الغد أتيت أبا جعفر عليه السّلام لأنظر ما حال الرجل فرأيت الرجل على الباب فدخلنا جميعا فقال الرجل:إنطلقت البارحة و فعلت ما أمرت فأتاني الرجل فقال:لا تبرح من موضعك حتّى آتيك به فأتاني برجل أسود فقال:هذا أبوك؟
قلت:ما هو أبي.
قال:غيّره اللهب و دخّان الجحيم و العذاب الأليم.
قلت:أنت أبي؟
قال:نعم كنت أتولّى بني أميّة فعذّبني اللّه بذلك و كنت أنت تتولّى بأهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكنت أبغضك على ذلك و حرمتك مالي فزويته عنك و أنا من النادمين،فانطلق يا بني إلى بستاني و احفر تحت الزيتونة و خذ المال مائة ألف درهم و ادفع إلى محمّد بن عليّ خمسين ألفا و الباقي لك و أنا6.
1) أمالي الطوسي:410 ح 71،و البحار:233/46.
منطلق حتّى آخذ المال و آتيك بمالك،فلمّا كان من قابل أتى بخمسين ألف درهم أنفقها عليه السّلام على نفسه و على أهل الحاجة من أهل البيت (1).
في كتاب الخرائج عن الأسد بن سعيد قال:كنت عند أبي جعفر عليه السّلام فقال:نحن حجّة اللّه و نحن وجه اللّه و نحن عين اللّه في خلقه و نحن ولاة أمر اللّه في عباده ثمّ قال:إنّ بيننا و بين كلّ أرض ترا (2)مثل ترّ البناء فإذا أمرنا على الأرض بأمر أخذنا ذلك التر فأقبلت إلينا الأرض بكلتيها و أسواقها و كورها (3)حتّى ننفذ فيها من أمر اللّه ما أمرنا و أنّ الريح كما كانت مسخّرة لسليمان فقد سخّرها اللّه لمحمّد و آله (4).
و في البصائر،عن ابن حنظلة قال:قلت لأبي جعفر عليه السّلام:إنّ لي إليك حاجة.
قال:و ما هي؟
قلت:تعلّمني الإسم الأعظم قال:و تطيقه؟
قلت:نعم.
قال:فدخل البيت فوضع يده على الأرض فأظلمّ البيت فأرعدت فرائص عمر بن حنظلة فقال:
ما تقول أعلّمك؟
فقال:لا،فرفع يده فرجع البيت كما كان (5).
البصائر،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:نزل أبو جعفر عليه السّلام بواد خباه و خرج يمشي حتّى انتهى إلى نخلة يابسة فحمد اللّه عندها بمحامد لم أسمع بمثلها ثمّ قال:أيّتها النخلة أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك.
قال:فتساقط رطب أحمر و أصفر فأكل و معه أبو أميّة الأنصاري فأكل منه و قال:هذه الآية فينا كالآية في مريم إذ هزّت إليها بجذع النخلة فتساقط عليها رطبا جنيّا (6).
و في حديث آخر ثمّ انحنت النخلة فأخذ منها رطبا فيكون أرجح من آية مريم عليه السّلام (1).
عن أبي بصير قال:دخلت على أبي جعفر عليه السّلام فقلت له:أنتم ورثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قال:نعم:قلت:رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وارث الأنبياء علم كلّ ما علموا:قال لي:نعم.
قلت:فأنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى و تبرؤا الأكمه و الأبرص؟
قال:نعم بإذن اللّه،ثمّ قال لي:أدن منّي يا أبا محمّد.فدنوت منه فمسح على وجهي و على عيني فأبصرت الشمس و السّماء و الأرض و البيوت و كلّ شيء في البلد،ثمّ قال لي:أتحبّ أن تكون هكذا و لك ما للنّاس و عليك ما عليهم يوم القيامة أو تعود كما كنت و لك الجنّة خالصا؟
قلت:أعود كما كنت،فمسح على عيني فعدت كما كنت.
قال:فحدّثت ابن أبي عمير بهذا،فقال:أشهد أنّ هذا حق كما أنّ النّهار حقّ (2).
و عن جابر عن أبي جعفر عليه السّلام قال:دخلت عليه فشكوت إليه الحاجة فقال:يا جابر ما عندنا درهم فلم ألبث أن دخل عليه الكميت فأنشده قصيدة فقال:يا غلام أخرج من ذلك البيت بدرة فادفعها إلى الكميت ثمّ أنشده قصيدة أخرى فأمر له ببدرة ثمّ أنشده قصيدة ثالثة فأمر له ببدرة من ذلك البيت.
فقال الكميت:جعلت فداك ما أحبّكم لغرض الدّنيا و ما أردت بذلك إلاّ صلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فدعا له أبو جعفر عليه السّلام ثمّ قال:يا غلام ردّها مكانها فوجدت في نفسي.و قلت:قال ليس عندي درهم و أمر للكميت بثلاثين ألف درهم.فخرج الكميت و قلت له:كيف قلت ما عندي درهم و أمرت للكميت بثلاثين ألف درهم؟
فقال:يا جابر قم و ادخل البيت فدخلت فلم أجد شيئا فخرجت إليه فقال:يا جابر ما سترنا عنكم أكثر ممّا أظهرنا لكم فأخذ بيدي و أدخلني البيت و ضرب برجله الأرض فإذا شبه عنق البعير قد خرجت من ذهب ثمّ قال:أنظر إلى هذا و لا تخبر به أحدا إلاّ من تثق به من إخوانك إنّ اللّه أقدرنا على ما نريد و لو شئنا أن نسوق الأرض بأزمّتها لسقناها (3).
و في كتاب الإختصاص عن سدير قال:قال أبو جعفر عليه السّلام:يا أبا الفضل إنّي لأعرف رجلا من أهل المدينة أخذ قبل مطلع الشمس و قبل مغربها إلى البقية الذين قال اللّه: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ (4)لمشاجرة كانت بينهم فأصلح فيما بينهم و رجع و لم يقعد فمر بنطفكم-9.
يعني الفرات-فشرب منه و مرّ على بابك فدق عليك حلقة بابك ثمّ رجع إلى منزله و لم يقعد (1).
و عن أبي الصباح الكناني قال:صرت يوما إلى دار أبي جعفر عليه السّلام فقرعت الباب فخرجت إليّ وصيفة ناهد يعني ارتفع ثديها فضربت بيدي على رأس ثديها فقلت لها:قولي لمولاك إنّي بالباب فصاح من آخر الدار أدخل لا أمّ لك،فدخلت و قلت:و اللّه ما قصدت ريبة.
فقال:صدقت لئن ظننتم أنّ هذه الجدران تحجب أبصارنا كما تحجب أبصاركم إذا لا فرق بيننا و بينكم فإيّاك أن تعاود لمثلها (2).
و في المناقب في حديث جابر الجعفي أنّه لمّا شكت الشيعة إلى زين العابدين عليه السّلام ما يلقونه من بني أميّة دعى الباقر عليه السّلام و أمره أن يأخذ الخيط الذي نزل به جبرئيل إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يحرّكه تحريكا فمضى إلى المسجد فصلّى و دعى و أخرج من كمّه خيطا دقيقا يفوح منه رائحة المسك و أعطاني طرفا منه فمشيت رويدا فقال:قف يا جابر فحرّك الخيط تحريكا خفيفا ثمّ قال:اخرج فانظر ما حال الناس،فخرجت و إذا صياح و صراخ من كلّ ناحية و إذا زلزلة شديدة قد أخربت عامّة دور المدينة و هلك تحتها أكثر من ثلاثين ألف إنسان فلمّا خرجنا من المسجد قال:هذا الخيط من بقيّة ما ترك آل موسى و هارون تحمله الملائكة و يضعه جبرائيل لدينا (3).
و عن أبي بصير قال:قلت للباقر عليه السّلام:ما أكثر الحجيج و أعظم الضجيج.
فقال:بل ما أكثر الضجيج و أقلّ الحجيج،أتحبّ أن تعلم صدق ما أقوله و تراه عيانا؟فمسح يده على عينيه فعاد بصيرا فقال:أنظر فنظرت فإذا أكثر الناس قردة و خنازير و المؤمن منهم مثل الكوكب اللاّمع في الظلماء.
فقال:صدقت يا مولاي ثمّ دعا فعاد ضريرا فقال:ما بخلنا عليك و إن كان اللّه تعالى ما ظلمك و إنّما خار لك و خشينا فتنة الناس بنا و أن يجهلوا فضل اللّه علينا و يجعلونا أربابا من دون اللّه و نحن له عبيد لا نستكبر عن عبادته (4).
و عن جابر بن يزيد قال:سألت أبا جعفر عليه السّلام عن قوله تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ (5)فدفع عليه السّلام بيده و قال:إرفع رأسك فرفعت فوجدت السقف متفرّقا و رمق ناظري في ثلمة حتّى رأيت نورا حاد عنه بصري فقال:هكذا رأى إبراهيم ملكوت السماوات،و أنظر إلى الأرض ثمّ ارفع رأسك فلمّا رفعته رأيت السقف كما كان ثمّ أخذ بيدي و أخرجني من الدار و ألبسني5.
ثوبا و قال:غمض عينيك ساعة ثمّ قال:أنت في الظلمات التي رآها ذو القرنين ففتحت عيني فلم أر شيئا ثمّ تخطّا خطا و قال:أنت على رأس عين الحياة للخضر ثمّ خرجنا من ذلك العالم حتّى تجاوزنا خمسه فقال:هذه ملكوت الأرض.
ثمّ قال:غمض عينيك و أخذ بيدي فإذا نحن في الدار التي كنّا فيها و خلع عنّي ما كان ألبسنيه.
فقلت:جعلت فداك كم ذهب من اليوم؟
فقال:ثلاث ساعات (1).
في الخرائج،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:كان زيد بن الحسن يخاصم أبي في ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يقول:أنا من ولد الحسن و أولى بذلك لأنّي من ولد الأكبر فقاسمني ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فخاصمه إلى القاضي إلى أن قال:فقال أبي:يا زيد إنّ معك سكّينة قد أخفيتها أرأيتك إن نطقت هذه السكّينة فشهدت أنّي أولى بالحقّ منك فتكفّ؟
قال:نعم،و حلف له فقال أبي:أيّتها السكّينة إنطقي بإذن اللّه فوثبت السكّينة من يد زيد على الأرض ثمّ قالت:يا زيد أنت ظالم و محمّد أحقّ منك و لئن لم تكفّ لأقتلنّك فخرّ زيد مغشيّا عليه فأخذ أبي بيده فأقام ثمّ قال:يا زيد إن نطقت الصخرة التي نحن عليها أتقبل؟
قال:نعم،فنطقت الصخرة و قالت:يا زيد أنت ظالم و محمّد أولى بالأمر منك فكفّ عنه و إلاّ قتلتك فخرّ زيد مغشيّا عليه فأخذ أبي بيده فأقامه ثمّ قال:يا زيد أرأيت إن نطقت هذه الشجرة أتكفّ؟
قال:نعم،فدعى أبي الشجرة فأقبلت تخد (2)الأرض حتّى أظلّتهم ثمّ قال:يا زيد أنت ظالم و محمّد أحقّ بالأمر منك فكفّ عنه و إلاّ قتلتك فغشي على زيد فأقامه أبي و انصرفت الشجرة إلى موضعها فحلف زيد أن لا يتعرّض لأبي و لا يخاصمه (3).
و عن أبي بصير قال:قلت لأبي جعفر عليه السّلام:أنا مولاك و من شيعتك،ضعيف ضرير،فاضمن لي الجنّة.
قال:أولا أعطيك علامة الأئمّة أو غيرهم؟
قلت:و ما عليك أن تجمعها لي؟
قال:و تحبّ ذلك؟
قلت:كيف لا أحبّ.5.
فما زاد أن مسح على بصري،فأبصرت جميع ما في السقيفة التي كان فيها جالسا،(ثمّ) (1)قال:يا أبا محمّد مدّ بصرك،فانظر ماذا ترى بعينك؟
قال:فوالله ما أبصرت إلاّ كلبا و خنزيرا و قردا!قلت:ما هذا الخلق الممسوخ؟
قال:هذا الذي ترى،هو (2)السواد الأعظم،لو كشف الغطاء للناس ما نظر الشيعة إلى من خالفهم إلاّ في هذه الصور.
ثمّ قال:يا أبا محمّد إن أحببت تركتك على حالك هذا(و حسابك على اللّه) (3)،و إن أحببت ضمنت لك على اللّه الجنّة،ورددتك إلى حالك الأوّل (4)؟
قلت:لا حاجة لي في النظر إلى هذا الخلق المنكوس.ردّني إلى حالتي فما للجنّة عوض، فمسح يده على عيني،فرجعت كما كنت (5).
و قال أبو جعفر عليه السّلام:في قوله تعالى وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كشطت له السماوات السبع حتّى نظر إلى السماء السابعة و ما فيها،و الأرضين السبع حتّى نظر إليهنّ و ما فيهنّ،و فعل بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما فعل بإبراهيم عليه السّلام،و إنّي لأرى صاحبكم قد فعل به مثل ذلك و الأئمّة عليه السّلام من بعده مثل ذلك (6)
و أخرجه في البحار:116/26 ح 20 و 21 عن بصائر الدرجات:108 ح 6 و 7،و في البحار:73/12 ذح 18 و البرهان:534/1 ح 7 و تفسير الصافي:132/2 و إثبات الهداة:383/1 ح 562 عن تفسير العيّاشي:363/1 ح 34.
.و البرق و الرعد و الريح و عين القطر
و التصرف بالدنيا و سوق الأرض و الجبال و الماء و طي الأرض و تثبيتها
1) ليس في الخرائج،و في الخرائج:ماذا ترى بعينيك.
2) في الخرائج و البحار:هذا السواد.
3) في الخرائج:«هكذا»بدل«هذا».
4) في الخرائج:حالتك الأولى.
5) الخرائج و الجرائح:821/2 ح 35،و عنه البحار:30/27 ح 3 و مدينة المعاجز:187/5 ح 1554 و إثبات الهداة:57/3 ح 54.و أخرجه في البحار:284/46 ح 88 و العوالم:164/19 ح 1 عن كتابنا هذا.
6) الخرائج و الجرائح:867/2 ح 83.
-فعن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال:سأله رجل عن الإمام فوض اللّه إليه كما فوض إلى سلمان عليه السّلام.
فقال عليه السّلام:«نعم،و ذلك إنه...» (1).
-و في رواية:«كان سليمان عنده إسم اللّه الأكبر الذي إذا سأله أعطى،و إذا دعا به أجاب، و لو كان اليوم لاحتاج إلينا» (2).
و قد فوّض اللّه لسليمان الريح و عين القطر،بل و آتاه من كل شيء قال تعالى: وَ لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَ رَواحُها شَهْرٌ وَ أَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَ مِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ- و قال: يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (3).
فكل ما ثبت لسليمان بهذه الآية يثبت لآل محمد عليهم السّلام.
-و عن علي بن الحسين عليه السّلام قال:«ما أعطى اللّه نبيا شيئا قط إلاّ أعطاه محمدا،و أعطاه ما لم يكن عندهم،و كل ما كان عند رسول اللّه فقد أعطاه أمير المؤمنين عليه السّلام» (4).
و قريب منه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام (5).
-و عن الإمام علي عليه السّلام عن رسول اللّه في وصف القائم(عج):«لأملّكنّه مشارق الأرض و مغاربها،و لأسخرن له الرياح،و لأذللن له السحاب الصعاب،و لأرقينّه في الأسباب» (6).
و قال الإمام الصادق عليه السّلام:«إنّ الريح كما كانت مسخّرة لسليمان فقد سخّرت لمحمد و آله» (7).
-و في كرامات الإمام الرضا عليه السّلام قال بعض بني العباس:يا قوم هذا رجل له عند اللّه منزلة، و لله به عناية،ألم تروا أنكم لما لم ترفعوا له الستر أرسل اللّه الريح و سخّرها لرفع الستر كما سخّرها لسليمان (8).
و في الباب عن علي بن الحسين عليه السّلام و تسخير الريح لحمله (9).
و عن القائم المنتظر و تسخير الريح له (10).2.
1) أصول الكافي:438/1 باب في معرفتهم أوليائهم ح 3،و بحار الأنوار:329/25 باب نفي الغلو.
2) بصائر الدرجات:211 باب أنهم أعطوا الاسم الأعظم.
3) سورة سبأ،الآية:12،و سورة النمل،الآية:16.
4) بصائر الدرجات:270 باب أنهم يحيون الموتى.
5) بصائر الدرجات:382 باب التفويض إلى الرسول.
6) عيون أخبار الرضا:206/1 باب 25 ح 22.
7) الخرائج و الحرائج:256 باب 6.
8) كشف الغمة:50/3 ذكر الإمام الرضا،و جامع كرامات الأولياء:257/2،و الأنوار النعمانية:85/4.
9) دلائل الإمامة:81 معاجزه.
10) الأنوار النعمانية:93/2.
و هو المشهور عن أمير المؤمنين في قصة أصحاب الكهف (1).
-و عن الصادق عليه السّلام قال:«إنّ اللّه تبارك و تعالى خيّر (2)
و قد يقال إن هذا التخيير للامتحان ليرى الله ماذا يختار.
نعم في رواية اخرى:«إن ذا القرنين خيّر السحابين فاختار الذلول»البصائر:409.
ذا القرنين السحابتين الذلول و الصعب فاختار الذلول،و هو ما ليس فيه برق و لا رعد،و لو اختار الصعب لم يكن له ذلك،لأنّ اللّه ادّخره للقائم» (3).-و قريب منه عن الإمام الكاظم عليه السّلام (4).
و قال الإمام الصادق في حق الإمام الكاظم عليه السّلاهمام:«بلغ ما بلغه ذو القرنين و جازه أضعافا مضاعفة فشاهد كل مؤمن و مؤمنة» (5).
قال تعالى في ذي القرنين: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ... إِنّا مَكَّنّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً... (6).
فما ثبت لذي القرنين ثابت لآل محمد عليهم السّلام.
-و عنه قال عليه السّلام:«اما إنّه ما كان من هذا الرعد و من هذا البرق فإنّه من أمر صاحبكم».
قلت:من صاحبنا؟
قال:أمير المؤمنين عليه السّلام» (7).
-و عن أمير المؤمنين في خبر طويل جاء فيه:«لقد فتحت لي السبل و أجري لي السحاب» (8).
*أقول:و في ذلك روايات كثيرة (9).
و عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام:«إنّ الدنيا تمثل للإمام في مثل فلقة الجوز،فلا يعزب عنه منها شيء،و إنّه ليتناولها من أطرافها كما يتناول أحدكم من فوق مائدته ما يشاء» (10).م.
1) الهداية الكبرى:112.
2) كذا في المصدرين،و فيه نوع تشويش اذ كيف يخيره الله ثم لا يكون له ذلك؟!
3) الاختصاص:326/12 غرائب أحوالهم،و بصائر الدرجات:409.
4) بصائر الدرجات:408 باب في ركوب أمير المؤمنين السحاب،و الهداية الكبرى:270.
5) الهداية الكبرى:270.
6) سورة الكهف،الآية:84-96.
7) الاختصاص:327/12.
8) بصائر الدرجات:201 باب إنهم جرى لهم ما جرى للرسول.
9) بصائر الدرجات:408 باب في ركوب أمير المؤمنين السحاب،و الهداية الكبرى:270،و الأنوار النعمانية:214/1،و 100/2-101.
10) الاختصاص:217/12 قدرة الأئمة عليهم السّلام،و بحار الأنوار:367/25 باب غرائب افعالهم،و بصائر الدرجات:408 باب قدرتهم.
-و في رواية:«إنّ منا أهل البيت لمن الدنيا عنده مثل هذه-و عقد بيده عشرة-» (1).
-و عن أبي جعفر عليه السّلام:«إنّ بيننا و بين كل أرض ترا مثل ترّ البناء،فاذا أمرنا في الأرض بأمر جذبنا ذلك الترّ،فأقبلت الأرض إلينا بقليبها و أسواقها و دورها حتى ننفذ فيها ما نؤمر به من أمر اللّه تبارك و تعالى» (2).
-و قريب منه عن الإمام الرضا عليه السّلام (3).
-و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث طويل:«يا جابر ما سترنا عنكم أكثر مما أظهرنا لكم...
إن اللّه قد أقدرنا على ما نريد فلو شئنا أن نسوق الأرض بأزمتها لسقناها» (4).
-و عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام:«إنّ المؤمن لو قال لهذه الجبال أقبلي أقبلت.
قال:فنظرت إلى الجبال قد أقبلت فقال لها:على رسلك إني لم أردك» (5).
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في قصة زيادة ماء الفرات و أخذه القضيب بيده اليمنى و حرّك شفتيه بكلام لا يفهمه أحد،و ضرب به الماء ضربة فهبط نصف ذراع،فقال لهم:يكفي هذا؟
فقالوا:لا يا أمير المؤمنين عليه السّلام،ثم ضرب ثانية فهبط نصف ذراع آخر...» (6).
و قريب منه قصة ارتفاع البئر للإمام الكاظم عليه السّلام (7)،و قدرة القائم المنتظر(عج)على إنباع الماء (8).
و عنه في الزلزلة العظيمة التي أصابت الناس في عهد أبي بكر حتى لجأوا إليه فضرب الأرض بيده،ثم قال:ما لك أسكني فسكنت فعجبوا من ذلك» (9).
و قريب منه في زمن الإمام زين العابدين و الإمام الباقر عليه السّلاهمام حيث حرّك الأرض فزلزت و رجفت (10)،و كذا في زمن الإمام الهادي عليه السّلام (11).
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في قصته مع اليوناني إنّه ضرب بيده على أسطوانة عظيمة على رأسها2.
1) الاختصاص:326/12 غرائب أحوالهم،و بحار الأنوار:367/25،و بصائر الدرجات:408.
2) الاختصاص:324/12 غرائب أحوالهم،و بحار الأنوار:366/25،و بصائر الدرجات:408،و الخرائج و الجرائح:256،و الهداية الكبرى:242 باب 7.
3) بصائر الدرجات:408.
4) الاختصاص:272/12 معجزة لأمير المؤمنين عليه السّلام.
5) الاختصاص:325/12 غرائب أحوالهم.
6) فضائل ابن شاذان:106 و 107 خبر ضرب الماء،و الخرائج و الجرائح:167 باب 2.
7) جامع كرامات الأولياء:407/2.
8) مجموعة ورام:623.
9) دلائل الإمامة:2،و بحار الأنوار:379/25 باب غرائب أفعالهم.
10) مشارق أنوار اليقين:89،و الهداية الكبرى:227-228 باب 6.
11) الهداية الكبرى:322 باب 12.
سطح مجلسه الذي هو فيه و فوقه حجرتان فاحتملها مع الحيطان فغشي على اليوناني...» (1).
و في قصة بيعة أمير المؤمنين عليه السّلام للخليفة الأول جاءت فاطمة الزهراء عليها السّلام إلى المسجد و أرادت أن تدعو على القوم فيقول سلمان:لقد رأيت حيطان المسجد ارتفعت حتى لو أنّ رجلا يريد أن ينفذ لنفذ» (2).
و من هذا الباب قلع أمير المؤمنين عليه السّلام لباب خيبر حتى قال:«و الله ما قلعت باب خيبر و رميت به خلف ظهري أربعين ذراعا بقوة جسدية و لا حركة غذائية،لكن أيّدت بقوة ملكوتية و نفس بنور ربها مضيئة،و أنا من أحمد كالضوء من الضوء» (3).
و قد تواتر قلع أمير المؤمنين لباب خيبر (4).
و روي أن ضربته لمرحب كادت أن تشق الأرض نصفين (5).
و عن حذيفة و كعب الاحبار في قدرة المهدي عليه السّلام:«فيكبّر المهدي سبع تكبيرات فيخر كل سور منها[القسطنطينية]» (6).
و قال عليه السّلام لمن سأله عن معاوية و مجلسه:«لو أقسمت على اللّه أن أتي به قبل أن أقوم من مجلسي هذا و من قبل أن يرتد إلى أحدكم طرفه لفعلت،و لكنا كما وصف اللّه عز من قائل: عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (7).
و في قصة الإمام الكاظم مع علي البزاز و احضار الإمام للكتاب من الكوفة إلى مكة ما يدل على ذلك (8).
و في قصة أمير المؤمنين عليه السّلام مع سلمان ما يشهد لتصرف الأمير بالدنيا و ما فيها (9).
*أقول:يأتي التصريح في الطائفة السادسة من النحو الثاني إطاعة كل شيء لأهل البيت عليهم السّلام بسبب إعطائهم الإسم الأعظم فكن من ذلك على ذكر.
و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:«...إن وصيي لأفضل الأوصياء...و من ولده الأئمة الهداة بعدي،بهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه،و بهم يمسك الجبال أن تميد بهم...
أولئك أولياء اللّه حقا...» (10).ة.
1) مناقب آل أبي طالب:301/2 معجزات أمير المؤمنين.
2) وفاة الزهراء:63،و الاحتجاج:56،و المسترشد للطبري:382،و مشارق أنوار اليقين:85.
3) أمالي الصدوق:415 مجلس 77 ح 10 و الطرائف:519.
4) شرح نهج البلاغة لابن ميثم:88/1،و أعلام الورى:183.
5) مشارق أنوار اليقين:110.
6) عقد الدرر:180-181 الباب التاسع.
7) الهداية الكبرى:125.
8) الهداية الكبرى:268 الباب 9.
9) الأنوار النعمانية:238/4.
10) الاختصاص:224/12 حديث في الأئمة.
-و في الزيارة المطلقة لأبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام التي رواها ابن قولويه بإسناد صحيح عن الصادق عليه السّلام:«...و بكم تسبّح الأرض التي تحمل أبدانكم و تستقرّ جبالها على مراسيها...إرادة الرب في مقادير أموره تهبط إليكم و تصدر من بيوتكم» (1).
-و في الزيارة الجامعة:«..و بكم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه» (2).
-و عن أبي جعفر عليه السّلام:«جعلهم اللّه أركان الأرض أن تميد بأهلها» (3).
-و عن أمير المؤمنين عند ما زلزلت الأرض قال:«كأنكم قد هالكم،و حرك شفتيه و ضرب الأرض بيده،ثم قال:مالك أسكني فسكنت...» (4).
و عن المهلب أنه رأى الإمام الصادق عليه السّلام يمشي على الماء (5).
-و عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال:«إنّ الأوصياء لتطوى لهم الأرض،و يعلمون ما عند أصحابهم» (6).
*أقول:روايات طيّ الأرض للأئمة عليهم السّلام جميعا من الروايات المتواترة فمن أراد الإطمئنان فليراجع الهامش (7).
عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال:كنت عنده يوما إذ وقع عليه زوج ورشان فهدلا هديلهما (8)فرد عليهما كلامهما ثمّ نهضا فلمّا صارا على الحائط هدل الذكر على الانثى ساعة ثمّ نهضا.
فقلت:جعلت فداك ما حال هذا الطير؟
1) كامل الزيارات:200 الباب 79.
2) بحار الأنوار:144/102.
3) بصائر الدرجات:199 باب أنه جرى لهم ما جرى للرسول.
4) بحار الأنوار:379/25 باب غرائب أفعالهم،و دلائل الإمامة:2.
5) دلائل الإمامة:114 معاجزه.
6) الاختصاص:316/12 طي الأرض لهم.
7) الاختصاص:315/12 إلى 325،و بحار الأنوار:368/25،و بصائر الدرجات:397 إلى 402 باب ما أعطوا من القدرة في السير في الأرض،و أعلام الورى:332،و الهداية الكبرى:239-266،و فضائل ابن شاذان:91،و دلائل الإمامة:211-114 معاجز الرضا،و الخرائج و الجرائح:342-343 باب 10،و الأنوار النعمانية:93/2 طي الأرض للمهدي عج.
8) الهديل صوت الحمام يقال:هدل القمري يهدل هديلا مثل يهدر إذا صوت و لعل هديلهما كان من بعد نزولهما من الحائط إلى مجلس أبي جعفر عليه السّلام بقرينة قوله:فلما طارا على الحائط مع احتمال أن يراد بهذا الحائط حائط آخر.
فقال:يابن مسلم كلّ شيء خلقه اللّه من طير و بهيمة أو شيء فيه روح هو أطوع لنا من ابن آدم.إنّ هذا الورشان (1)جاء الذكر يتّهم أنثاه بالسوء فحلفت له ما فعلت فلم يقبل فقالت:ترضى بمحمّد بن عليّ فرضيا بي و أخبرته أنّه لها ظالم فصدّقها (2).
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:مرّ أبو جعفر عليه السّلام بالهجين و معه أبو أميّة الأنصاري زميله في محمله فنظر و إذا ورشان في جانب المحمل فرفع يده ليذبّه عنه فقال:يا أبا أميّة إنّ هذا طائر جاء يستجير بنا أهل البيت و أنّي دعوت اللّه فانصرفت عنه حيّة كانت تأتيه كلّ سنة فتأكل فراخه (3).
و عن محمّد بن مسلم قال:كنت مع أبي جعفر عليه السّلام بين مكّة و المدينة إذ أقبل ذئب حتّى دنى إليه و وضع يده على قربوس السرج و مدّ عنقه إلى أذنه ساعة ثمّ قال له:امض فقد فعلت،فرجع مهرولا قال:أتدري ما قلت؟
قلت:لا.
قال:قال لي:يابن رسول اللّه زوجتي في ذلك الجبل قد تعسّر عليها ولادتها فادع اللّه أن يخلّصها و لا يسلّط أحدا من نسلي على أحد من شيعتكم.
فقلت:قد فعلت فمرّ عليه السّلام فمكث في ضيعته شهرا فلمّا رجع فإذا هو بالذئب و زوجته و جرو عووا في وجهه عليه السّلام فأجابهم بمثل عوائهم بكلام يشبهه ثمّ قال لنا عليه السّلام:قد ولد له جرو ذكر و كانوا يدعون اللّه لي و لكم بحسن الصحبة و دعوت لهم بمثل ما دعوا لي و أمرتهم أن لا يؤذوا لي وليّا و لا لأهل بيتي ففعلوا و ضمنوا لي ذلك (4).
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:إنّ أبي كان قاعدا في الحجر و معه رجل يحدّثه فإذا هو بوزغ يولول بلسانه فقال أبى للرجل:أتدري ما يقول هذا الوزغ؟
فقال الرجل:لا علم لي بما يقول.
فقال:يقول:و اللّه لئن ذكرت الثالث لأسبنّ عليّا حتّى يقوم من هاهنا (5).
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:كان في دار أبي جعفر عليه السّلام فاختة فسمعها و هي تصيح فقال:
تدرون ما تقول هذه الفاختة؟1.
و عن سعد الإسكاف قال:طلبت الإذن على أبي جعفر عليه السّلام فقيل لي:لا تعجل فعنده قوم من إخوانكم فلم ألبث أن خرج إثنا عشر رجلا يشبهون الزط (2)عليهم أقبية طيبات و بتوت (3)و خفاف فسلّموا و مرّوا فدخلت على أبي جعفر عليه السّلام فقلت:ما أعرف هؤلاء الذين خرجوا.
فقال:هؤلاء أقوام من إخوانكم الجنّ.
قلت:و يظهرون لكم؟
قال:هم يفدون علينا في حلالهم و حرامهم كما تفدون (4).
و عن أبي بكر الحضرمي قال:لمّا حمل أبو جعفر عليه السّلام إلى الشام إلى هشام و صار ببابه فقال لأصحابه:إذا سكت عن توبيخه فوبّخوه أنتم،فلمّا دخل عليه قال بيده:السلام عليكم فعمّهم بالسلام ثمّ جلس و لم يسلّم عليه بالخلافة و جلس بغير إذنه فازداد هشام حنقا فقال:يا محمّد بن علي لا تزال تدّعي الإمامة سفها و قلّة علم ثمّ وبّخه القوم.
فلمّا سكتوا نهض قائما فقال:أين تذهبون و أين يراد بكم؟
بنا هدى اللّه أوّلكم و بنا يختم آخركم فإن يكن لكم ملك معجل فإنّ لنا ملكا مؤجّلا و ليس بعد ملكنا ملك لأنّا أهل العاقبة يقول اللّه عزّ و جلّ: وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (5).
فأمر به إلى الحبس فلمّا صار بالحبس تكلّم فلم يبق فيه أحد إلاّ ترشفه (6)فحكوا لهشام فأمر به
و بأصحابه بأن يحمل على البريد (1)ليردّ إلى المدينة و أمر أن لا تخرج لهم الأسواق و حال بينهم و بين الطعام و الشراب فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما و لا شرابا حتّى انتهوا إلى باب المدينة فأغلق باب المدينة دونهم فشكى أصحابه العطش و الجوع فصعد جبلا أشرف عليهم فقال بأعلى صوته:يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقيّة اللّه خير لكم إن كنتم مؤمنين و ما أنا عليكم بحفيظ.
و كان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال:يا قوم هذه و اللّه دعوة شعيب عليه السّلام و اللّه لئن لم تخرجوا إلى هذا الرجل بالأسواق لتؤخذن من فوقكم و من تحت أرجلكم فصدّقوني هذه المرّة و أطيعوني و كذّبوني فيما تستأنفوني فإنّي ناصح لكم فبادروا و أخرجوا له الأسواق (2).
في الإختصاص،عن جابر الجعفي قال:حدّثني أبو جعفر عليه السّلام سبعين ألف حديث لم أحدّث بها أحدا قط و لا أحدّث بها أحدا.
فقلت له:جعلت فداك إنّك حملتني وقرا عظيما بما حدّثتني به من سرّكم الذي لا أحدّث به أحدا و ربما جاش في صدري حتّى يأخذني منه شبه الجنون.
قال:يا جابر فإذا كان ذلك فاخرج إلى الجبّانة و احفر حفيرة و دل رأسك فيها ثمّ قل:حدّثني محمّد بن علي بكذا و كذا.
و في حديث الكافي:ثمّ طمّه فإنّ الأرض تستر عليك.
قال جابر:ففعلت ذلك فخفّف عنّي ما كنت أجده (3).
و قال عبد اللّه بن عطاء:ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علما منهم عند أبي جعفر،لقد رأيت الحكم عنده متعلّم (4).
1) قال الرمخشري في الفائق:البريد الرسول و يجمع على برد بضم الباء و الراء،و قد تسكن الراء للتخفيف كرسل و رسل و البريد في الأصل البغل و هي كلمة فارسية أصلها بريده دم أي محذوفة الذنب لأنّ بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت و خففت بحذف الآخر و فتح الأول ثم سمى الرسول الذي يركبه بريد أو المسافة التي بين السكتين بريدا،و السكة الموضع الذي كان يسكنه الفيوح المرتبون من رباط أو قبة أو بيت أو نحو ذلك و بعد ما بين السكتين فرسخان و كان يرتب في كل سكة بغال و كتب في الحاشية:قيل و الصواب أربعة فراسخ،و نقل هذا القول صاحب النهاية أيضا.
2) الكافي:472/1 ح 5،و مناقب آل أبي طالب:323/3.
3) الكافي:157/8،و البحار:344/46.
4) حلية الأولياء 186/3،صفة الصفوة 110/2.
و عن جابر بن يزيد،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:إنّا أهل بيت من علم اللّه علمنا،و من حكمه أخذنا،و من قول الصادق سمعنا،فإن تتّبعونا تهتدوا (1).
و روي عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام أنه سئل عن قول اللّه عزّ و جلّ: إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (2).فقال عليه السّلام:يوكّل اللّه تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم،و يؤدّون إليه تبليغهم الرّسالة،و وكلّ بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ملكا عظيما منذ فصل عن الرضاع يرشده إلى الخيرات و مكارم الأخلاق،و يصدّه عن الشرّ و مساوئ الأخلاق،و هو الذى كان يناديه:السّلام عليك يا محمّد يا رسول اللّه و هو شابّ لم يبلغ درجة الرسالة بعد،فيظنّ أنّ ذلك من الحجر و الأرض،فيتأمّل فلا يرى شيئا (3).
عن جابر الجعفي قال:كنّا عند الباقر عليه السّلام نحوا من خمسين رجلا فدخل عليه كثير النوا و كان من المغيرية فجلس و قال:إنّ المغيرة بن عمران عندنا بالكوفة يزعم أنّ معك ملكا يعرّفك الكافر من المؤمن و شيعتك من أعدائك؟
قال:ما حرفتك؟
قال:أبيع الحنطة.
قال:كذبت.
قال:و ربما أبيع الشعير.
قال:ليس كما قلت،بل تبيع النوا.
قال:من أخبرك بهذا؟
قال:الملك الذي يعرّفني شيعتي من عدوّي لست تموت إلاّ نايها يعني فاسد العقل،فلمّا صرنا إلى الكوفة مات بعد ثلاثة (4).
و عن أبي بصير قال:كنت مع الباقر في المسجد إذ دخل عمر بن عبد العزيز متّكئا على مولى
له فقال عليه السّلام:ليلينّ هذا الغلام فيظهر العدل و يعيش أربع سنين ثمّ يموت فيبكي عليه أهل الأرض و يلعنه أهل السماء،يجلس مجلس لا حقّ له فيه ثمّ ملك و أظهر العدل جهده (1).
و عن محمّد بن مسلم قال:قال لي أبو جعفر عليه السّلام:هل ظننتم انّا لا نراكم و لا نسمع كلامكم لبئس ما ظننتم؟
قلت:أرني بعض ما أستدلّ به.
قال:وقع بينك و بين زميلك بالربذة حتّى عيّرك بنا و بحبّنا و معرفتنا.
قلت:إي و اللّه لقد كان ذلك.
قلت:من يحدّثكم بما نحن عليه قال:أحيانا ينكث في قلوبنا و يوقر في آذاننا و مع ذلك فإنّ لنا خدما من الجنّ مؤمنين و هم لنا شيعة و هم لنا أطوع منكم،قلنا:مع كلّ رجل واحد منهم؟
قال:نعم يخبرنا بجميع ما أنتم عليه (2).
و في البصائر،عن سدير قال:كنت عند أبي جعفر عليه السّلام فمرّ بنا رجل من أهل اليمن فقال له:
هل تعرف دار كذا و كذا؟
فقال:نعم،و رأيتها.قال:هل تعرف صخرة عندها في موضع كذا و كذا؟
قال:نعم و رأيتها،فلمّا قام قال لي أبو جعفر عليه السّلام:تلك الصخرة التي غضب موسى فألقى الألواح فما ذهب من التوراة التقمته الصخرة فلمّا بعث اللّه رسوله أدّته إليه و هي عندنا (3).
و عن علي بن أبي حمزة و أبو بصير قالا:كان لنا موعد مع أبي جعفر عليه السّلام فدخلنا عليه فقال:
يا سكينة هلمي بالمصباح هلمي بالسفط الذي في موضع كذا،فأتت بسفط هندي أو سندي ففضّ خاتمه ثمّ أخرج منه صحيفة صفراء فأخذ يدرجها من أعلاها و ينشرها من أسفلها حتّى إذا بلغ ثلثها أو ربعها نظر إليّ فأرعدت فرائصي فقال:لا بأس عليك ثمّ قال:أدن،فدنوت فقال لي:ما ترى؟
قلت:إسمي و إسم أبي و أسماء أولاد لي لا أعرفهم.
فقال لي:يا عليّ لو لا لك عندي ما ليس لغيرك ما أطلعتك،أما أنّهم سيزدادون على عدد ما هاهنا.
قال عليّ بن أبي حمزة:فمكثت بعد ذلك عشرين سنة ثمّ ولد لي الأولاد بعدد ما رأيت بعيني في تلك الصحيفة (4).3.
و في الكافي عن النعمان بن بشير قال:كنت مزاملا لجابر الجعفي فلمّا أن كنّا بالمدينة دخل على أبي جعفر عليه السّلام فودّعه،و خرج من عنده و هو مسرور حتّى قربنا الكوفة فإذا نحن برجل طوال أدم معه كتاب فناوله جابرا فقبّله و وضعه على عينيه،فإذا هو من محمّد بن علي إلى جابر بن يزيد و عليه طين أسود رطب فقال له:متى عهدك بسيّدي؟
قال:الساعة بعد الصلاة.ففكّ الخاتم و أقبل يقرأه و يقبض وجهه حتّى أتى على آخره فما رأيته ضاحكا حتّى دخل الكوفة فبتّ ليلتي فأصبحت و أتيته و قد خرج إليّ و في عنقه كعاب علّقها و قد ركب قصبة و هو يقول:أجد منصور بن جمهور أميرا غير مأمور و أبياتا من نحو هذا فنظر و نظرت إليه و أقبلت أبكي و قد اجتمع علينا الصبيان و الناس و أقبل يدور مع الصبيان و الناس يقولون جنّ جابر.
فوالله ما مضت الأيّام حتّى ورد كتاب هشام بن عبد الملك إلى و اليه أن أنظر رجلا يقال له جابر الجعفي فابعث إليّ برأسه.
فقال لجلسائه:من جابر؟
قالوا:كان رجلا له علم و فضل و هو ذا مع الصبيان يلعب و قد جنّ فأشرف عليه و قال:الحمد للّه الذي عافاني من قتله و لم تمض الأيّام حتّى دخل منصور بن جمهور الكوفة و صنع ما كان يقول جابر و لمّا مات هشام رجع إلى حاله الأوّل من العلم و الصلاح (1).
و عن محمّد بن مسلم،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:جاء أعرابيّ حتى قام على باب مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتوسّم الناس (2)،فرأى أبا جعفر عليه السّلام،فعقل ناقته،و دخل وجثا على ركبتيه،و عليه شملة، فقال له أبو جعفر عليه السّلام:من أين جئت يا أعرابيّ؟
قال:جئت من أقصى البلدان.
فقال أبو جعفر عليه السّلام:البلدان أوسع من ذلك،فمن أين جئت؟
قال:[جئت]من الأحقاف (3).
قال:أبو جعفر أحقاف عاد؟
قال:نعم.
قال:أفرأيت(ثمّة)سدرة إذا مرّ التجّار بها استظلّوا بفيئها؟
قال:و ما علمك بذلك؟!».
قال:هو عندنا في كتاب.
و أيّ شيء رأيت أيضا؟
قال:رأيت واديا مظلما فيه الهام و البوم لا يبصر قعره.
قال:أو تدري ما ذلك الوادي؟
قال:لا و اللّه ما أدري.
قال:ذاك برهوت فيه نسمة كلّ كافر.
ثمّ قال (1):أين بلغت؟
[قال: (2)فقطع الأعرابيّ فقال:بلغت قوما جلوسا في منازلهم ليس لهم طعام و لا شراب إلاّ ألبان أغنامهم،فهي طعامهم و شرابهم،ثمّ نظر إلى السماء فقال:الّلهمّ العنه،فقال له جلساؤه:من هو جعلنا اللّه فداك؟
قال:هو قابيل،يعذّب بحرّ الشمس و زمهرير البرد.
ثمّ جاءه رجل آخر فقال(له) (3):رأيت لي جعفرا؟
فقال الأعرابيّ:و من جعفر[هذا]الذي يسأل عنه؟
قالوا:ابنه.
فقال:سبحان اللّه!ما أعجب هذا الرجل يخبرنا عن أهل السماء و لا يدري (4)أين ابنه! (5).
عن ضريس الكناسي قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول-و عنده أناس من أصحابه و هم حوله-:
إنّي لأعجب من قوم يتولّونا،و يجعلونا أئمّة،و يصفون بأنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة اللّه،ثمّ يكسرون (6)حجّتهم!و يخصّمون أنفسهم لضعف قلوبهم،فينقصونا حقّنا،و يعيبون ذلك على من أعطاه اللّه برهان حقّ معرفتنا،و التسليم لأمرنا.
أيرون (7)أنّ اللّه افترض طاعة أوليائه على عباده،ثمّ يخفي عنهم أخبار السماوات و الأرض، و يقطع عنهم موادّ العلم فيما يرد عليهم ممّا فيه قوام دينهم؟!
فقال له حمران:يابن رسول اللّه،أرأيت ما كان من قيام أمير المؤمنين و الحسن و الحسين عليه السّلامه.
1) كذا في المدينة و البصائر و البحار،و في نسخ الأصل:كلّ كافر و أين بلغت؟.
2) من المدينة و البصائر و البحار.
3) في المدينة:رأيت جعفرا؟.
4) في المدينة:و لا يعلم.
5) عنه مدينة المعاجز:55/5 ح 1476،و في البحار:242/46 ح 30 و العوالم:114/19 ح 2 عنه و عن بصائر الدرجات:508 ح 9.
6) في الأصل:ثمّ ينكرون.
7) في البحار:أترون الله.
و خروجهم و قيامهم بدين اللّه و ما أصيبوا به من قبل الطواغيت،و الظفر بهم حتّى قتلوا و غلبوا؟
فقال أبو جعفر عليه السّلام:[يا حمران إنّ اللّه تبارك و تعالى قد كان قدّر ذلك عليهم و قضاه و أمضاه و حتّمه على سبيل الإختيار،ثمّ أجراه عليهم،فبتقدّم علم إليهم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قام عليّ و الحسن و الحسين عليهم السّلام،و بعلم صمت من صمت منّا] (1).
و لو أنّهم يا حمران حيث نزل بهم ما نزل من ذلك سألوا اللّه تعالى أن يرفع (2)ذلك عنهم، و ألحّوا عليه في إزالة ملك الطواغيت عنهم،[إذا لأجابهم و دفع ذلك عنهم،ثمّ كان انقضاء مدّة الطواغيت] (3)و ذهاب ملكهم(لكان ذلك) (4)أسرع من سلك منظوم انقطع فتبدّد،و ما كان الذي أصابهم لذنب اقترفوه،و لا لعقوبة معصية خالفوه فيها،و لكن لمنازل و كرامة من اللّه تعالى أراد أن يبلغوها،فلا تذهبنّ بكم المذاهب[فيهم] (5)(6)
و أخرجه في البحار:276/44 ح 5 و العوالم:518/17 ح 1 عن بصائر الدرجات:124 ح 3،و في ينابيع المعاجز:92 ح 2 عن الكافي:261/1 ح 4 و البصائر،و في البحار:479/22 ح 28 عن الكافي: 281/1 ح 3 قطعة منه.
و عن أبي بصير قال:كنت مع أبي جعفر عليه السّلام جالسا في المسجد إذ أقبل داود بن علي و سليمان بن خالد و أبو جعفر عبد اللّه بن محمد أبو الدوانيق فقعدوا ناحية من المسجد فقيل لهم:
هذا محمد بن علي جالس،فقام إليه داود بن علي و سليمان بن خالد و قعد أبو الدوانيق مكانه حتى سلّموا على أبي جعفر عليه السّلام فقال لهم أبو جعفر عليه السّلام:ما منع جباركم من أن يأتيني.
فعذروه عنده فقال عند ذلك أبو جعفر محمد بن علي عليها السلام:أما و اللّه لا تذهب الليالي و الايام حتى يملك ما بين قطريها،ثم ليطأن الرجال عقبه ثم لتذلن له رقاب الرجال ثم ليملكن ملكا شديدا،فقال له داود بن علي:و إن ملكنا قبل ملككم؟
قال:نعم يا داود إنّ ملككم قبل ملكنا و سلطانكم قبل سلطاننا،فقال له داود:أصلحك اللّه فهل له من مدّة؟
فقال:نعم يا داود و اللّه لا يملك بنو أمية يوما إلا ملكتم مثليه و لا سنة إلا ملكتم مثليها و ليتلقفها الصبيان منكم كما يتلقف الصبيان الكرة.
فقام داود بن علي من عند أبي جعفر عليه السّلام فرحا يريد أن يخبر أبا الدوانيق بذلك فلما نهضاه.
جميعا هو و سليمان بن خالد ناداه أبو جعفر عليه السّلام من خلفه يا سليمان بن خالد لا يزال القوم في فسحة من ملكهم ما لم يصيبوا منا دما حراما-و أومأ بيده إلى صدره-فإذا أصابوا ذلك الدم فبطن الارض خير لهم من ظهرها فيومئذ لا يكون لهم في الارض ناصر و لا في السماء عاذر،ثم انطلق سليمان بن خالد فأخبر أبا الدوانيق فجاء أبو الدوانيق إلى أبي جعفر عليه السّلام فسلم عليه ثم أخبره بما قال له داود بن علي و سليمان بن خالد،فقال له:نعم يا أبا جعفر دولتكم قبل دولتنا و سلطانكم قبل سلطاننا،سلطانكم شديد عسر لا يسر فيه.و له مدة طويلة و اللّه لا يملك بنو أمية يوما إلا ملكتم مثليه و لا سنة إلا ملكتم مثليها ليتلقفها صبيان منكم فضلا عن رجالكم كما يتلقف الصبيان الكرة أفهمت؟ ثم قال:لا تزالون في عنفوان الملك ترغدون فيه ما لم تصيبوا منا دما حراما فإذا أصبتم ذلك الدم غضب اللّه عز و جل عليكم فذهب بملككم و سلطانكم و ذهب بريحكم و سلّط اللّه عز و جل عليكم عبدا من عبيده أعور (1)-و ليس بأعور من آل أبي سفيان-يكون استئصالكم على يديه و أيدي أصحابه ثم قطع الكلام (2).
و روي عن أبي بصير قال:دخلت المسجد مع أبي جعفر عليه السّلام و الناس يدخلون و يخرجون فقال لي:سل الناس هل يرونني؟فكل من لقيته قلت له:أرأيت أبا جعفر؟
يقول:لا،و هو واقف حتى دخل أبو هارون المكفوف.
قال:سل هذا،فقلت:هل رأيت أبا جعفر؟
فقال:أليس هو بقائم.
قال:و ما علمك؟
قال:و كيف لا أعلم و هو نور ساطع.
قال:و سمعته يقول لرجل من أهل إفريقية:ما حال راشد؟
قال:خلفته حيا صالحا يقرئك السلام قال:رحمه اللّه قال:مات؟
قال:نعم.قال:متى؟
قال:بعد خروجك بيومين.8.
1) أعور:أي الدني الأصل،السييء الخلق و هو اشارة إلى هلاكوخان.قال الجزري:فيه:لما اعترض أبو لهب على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند إظهاره الدعوة قال له أبو طالب:يا أعور ما أنت و هذا لم يكن أبو لهب أعور لكن العرب تقول لمن ليس له أخ من أبيه و أمه:أعور و قيل:إنهم يقولون للردي من كل شيء من الأمور و الأخلاق:أعور و للمؤنث عوراء.و قوله:«ليس بأعور من آل أبي سفيان»،أي ليس ذلك الاعور من آل أبي سفيان بل من طائفة الترك.
2) الكافي للشيخ الكليني:210/8.
قال:و اللّه ما مرض و لا كان به علة!قال:و إنما يموت من يموت من مرض و علة.
قلت:من الرجل؟
قال:رجل لنا موال و لنا محب ثم قال:أترون أنّ ليس لنا معكم أعين ناظرة،و أسماع سامعة،بئس ما رأيتم،و اللّه لا يخفى علينا شيء من أعمالكم،فاحضرونا جميعا و عودوا أنفسكم الخير،و كونوا من أهله تعرفوا فإني بهذا آمر ولدي و شيعتي (1).
و عن الفضيل بن يسار قال:قلت لأبي جعفر عليه السّلام:جعلت فداك إنا نتحدث أن لآل جعفر راية،و لآل فلان راية،فهل في ذلك شي؟
فقال:أما لآل جعفر فلا،و أما راية بني فلان فان لهم ملكا مبطأ يقرّبون فيه البعيد و يبعدون فيه القريب،و سلطانهم عسر،ليس فيه يسر،لا يعرفون في سلطانهم من أعلام الخير شيئا،يصيبهم فيه فزعات ثم فزعات،كل ذلك يتجلى عنهم،حتى إذا أمنوا مكر اللّه،و أمنوا عذابه،و ظنّوا أنهم قد استقروا صيح فيهم صيحة لم يكن لهم فيها مناد يسمعهم و لا يجمعهم،و ذلك قول اللّه حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها إلى قوله لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (2)ألا إنه ليس أحد من الظلمة إلا و لهم بقيا إلا آل فلان فإنهم لا بقيا لهم.
قال:جعلت فداك أليس لهم بقيا؟
قال:بلى و لكنهم يصيبون منا دما فبظلمهم نحن و شيعتنا فلا بقيا لهم (3).
و عن حمدويه قال:سألت أبا الحسن أيوب بن نوح عن سليمان بن خالد النخعي أثقة هو؟
فقال:كما يكون الثقة.قال:حدثني عبد اللّه بن محمد قال:حدّثني أبي عن إسماعيل بن أبي حمزة،عن أبيه قال:ركب أبو جعفر عليه السّلام يوما إلى حائط له من حيطان المدينة،فركبت معه إلى ذلك الحائط و معنا سليمان بن خالد،فقال له سليمان بن خالد:جعلت فداك يعلم الإمام ما في يومه؟فقال:يا سليمان و الذي بعث محمدا بالنبوة و اصطفاه بالرسالة إنه ليعلم ما في يومه و في شهره و في سنته.ثم قال:يا سليمان أما علمت أن روحا ينزل عليه في ليلة القدر،فيعلم ما في تلك السنة إلى ما في مثلها من قابل،و علم ما يحدث في الليل و النهار و الساعة ترى ما يطمئن إليه قلبك؟
قال:فو الله ما سرنا إلا ميلا و نحو ذلك حتى قال:الساعة يستقبلك رجلان قد سرقا سرقة قد أضمرا عليها.فو الله ما سرنا إلا ميلا حتى استقبلنا الرجلان فقال أبو جعفر عليه السّلام لغلمانه:عليكم بالسارقين،فاخذا حتى اتي بهما،فقال:سرقتما؟فحلفا له باللّه أنهما ما سرقا،فقال:و اللّه لئن6.
أنتما لم تخرجا ما سرقتما لا بعثن إلى الموضع الذي وضعتما فيه سرقتكما،و لا بعثن إلى صاحبكما الذي سرقتماه حتى يأخذكما و يرفعكما إلى و الي المدينة فرأيكما؟
فأبيا أن يردا الذي سرقاه،فأمر أبو جعفر عليه السّلام غلمانه أن يستوثقوا منهما.
قال:فانطلق أنت يا سليمان إلى ذلك الجبل-و أشار بيده إلى ناحية من الطريق-فاصعد أنت و هؤلاء الغلمان فان في قلة الجبل كهفا فادخل أنت فيه بنفسك تستخرج ما فيه و تدفعه إلى مولى هذا فان فيه سرقة لرجل آخر و لم يأت و سوف يأتي،فانطلقت و في قلبي أمر عظيم مما سمعت،حتى انتهيت إلى الجبل فصعدت إلى الكهف الذي وصفه لي،فاستخرجت منه عيبتين وقر رجلين حتى أتيت بهما أبا جعفر عليه السّلام فقال:يا سليمان إن بقيت إلى غد رأيت العجب بالمدينة مما يظلم كثير من الناس.
فرجعنا إلى المدينة فلما أصبحنا أخذ أبو جعفر عليه السّلام بأيدينا فأدخلنا معه على والي المدينة و قد دخل المسروق منه برجال براء فقال:هؤلاء سرقوها،و إذا الوالي يتفرسهم فقال أبو جعفر عليه السّلام:إن هؤلاء براء و ليس هم سراقه و سراقه عندي ثم قال لرجل ما ذهب لك؟
قال:عيبة فيها كذا و كذا فادعى ما ليس له و ما لم يذهب منه،فقال أبو جعفر عليه السّلام:لم تكذب؟فقال:أنت أعلم بما ذهب مني؟فهم الوالي أن يبطش به حتى كفه أبو جعفر عليه السّلام ثم قال لغلام:ائتني بعيبة كذا و كذا فأتى بها ثم قال للوالي:إن ادعى فوق هذا فهو كاذب مبطل في جميع ما ادّعى و عندي عيبة أخرى لرجل آخر و هو يأتيك إلى أيام و هو رجل من أهل بربر فإذا أتاك فأرشده إلي فإن عيبته عندي،و أما هذان السارقان فلست ببارح من ههنا حتى تقطعهما فاتي بالسارقين فكانا يريان أنه لا يقطعهما بقول أبي جعفر عليه السّلام فقال أحدهما:لم تقطعنا و لم نقر على أنفسنا بشئ؟
قال:ويلكما شهد عليكما من لو شهد على أهل المدينة لاجزت شهادته.فلما قطعهما قال أحدهما:و اللّه يا أبا جعفر لقد قطعتني بحق و ما سرني أن اللّه جل و علا أجرى توبتي على يد غيرك و أنّ لي ما حازته المدينة،و إني لأعلم أنك لا تعلم الغيب و لكنكم أهل بيت النبوة،و عليكم نزلت الملائكة،و أنتم معدن الرحمة،فرق له أبو جعفر عليه السّلام و قال له:أنت على خير،ثم التفت إلى الوالي و جماعة الناس فقال:و اللّه لقد سبقته يده إلى الجنة بعشرين سنة.فقال سليمان بن خالد لابي حمزة:يا أبا حمزة رأيت دلالة أعجب من هذا؟
فقال أبو حمزة:العجيبة في العيبة الأخرى،فو اللّه ما لبثنا إلا هنيئة،حتى جاء البربري إلى الوالي و أخبره بقصتها،فأرشده الوالي إلى أبي جعفر عليه السّلام فأتاه فقال له أبو جعفر:ألا أخبرك بما في عيبتك قبل أن تخبرني؟
فقال البربري:إن أنت أخبرتني بما فيها علمت أنك إمام فرض اللّه طاعتك،فقال له أبو جعفر عليه السّلام:ألف دينار لك و ألف دينار لغيرك،و من الثياب كذا و كذا.
قال:فما اسم الرجل الذي له الألف دينار؟
قال محمد بن عبد الرحمان:و هو على الباب ينتظرك،تراني أخبرك إلا بالحق؟!فقال البربري:آمنت باللّه وحده لا شريك له،و بمحمد عليه السّلام و أشهد أنكم أهل بيت الرحمة الذين أذهب اللّه عنكم الرجس و طهركم تطهيرا،فقال أبو جعفر عليه السّلام:رحمك اللّه،فخرّ يشكر.فقال سليمان بن خالد:حججت بعد ذلك عشر سنين و كنت أرى الأقطع من أصحاب أبي جعفر عليه السّلام (1).
و عن عيسى بن عبد الرّحمن،عن أبيه قال:دخل ابن عكاشة بن محصن الأسدي على أبي جعفر عليه السّلام و كان أبو عبد اللّه عليه السّلام قائما عنده،فقدّم إليه عنبا فقال:حبّة حبّة يأكله الشيخ الكبير و الصبيّ الصغير و ثلاثة و أربعة يأكله من يظنّ أنّه لا يشبع و كله حبّتين حبّتين فإنّه يستحبّ.
فقال لأبي جعفر عليه السّلام:لأيّ شيء لا تزوّج أبا عبد اللّه فقد أدرك التزويج؟
قال:و بين يديه صرّة مختومة،فقال:أما إنّه سيجيء نخّاس من أهل بربر (2)فينزل دار ميمون، فنشتري له بهذه الصرّة جارية.
قال:فأتى لذلك ما أتى،فدخلنا يوما على أبي جعفر عليه السّلام فقال:ألاّ أخبركم عن النخّاس الّذي ذكرته لكم قد قدم،فأذهبوا فاشتروا بهذه الصرّة منه جارية.
قال:فأتينا النخّاس فقال:قد بعت ما كان عندي إلاّ جاريتين مريضتين إحديهما أمثل من الاخرى.
قلنا:فأخرجهما حتّى ننظر إليهما فأخرجهما فقلنا:بكم تبيعنا هذه المتماثلة؟
قال:بسبعين دينارا.
قلنا:أحسن.
قال:لا أنقص من سبعين دينارا.
قلنا له:نشتريها منك بهذه الصرّة ما بلغت و لا ندري ما فيها و كان عنده رجل أبيض الرأس و اللّحية.
قال:فكّوا و زنوا،فقال النخّاس:لا تفكّوا فإنّها إن نقصت حبّة من سبعين دينارا لم أبايعكم.
فقال الشيخ:أدنوا فدنونا و فككنا الخاتم و وزنّا الدنانير فإذا هي سبعون دينارا لا تزيد و لا تنقص،فأخذنا الجارية فأدخلناها على أبي جعفر عليه السّلام و جعفر قائم عنده فأخبرنا أبا جعفر بما كان، فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال لها:ما اسمك؟ب.
قالت:حميدة،فقال:حميدة في الدّنيا،محمودة في الآخرة،أخبريني عنك أبكر أنت أم ثيّب؟
قالت:بكر.
قال:و كيف و لا يقع في أيدي النخّاسين شيء إلاّ أفسدوه.
فقالت:قد كان يجيئني فيقعد منّي مقعد الرّجل من المرأة فيسلّط اللّه عليه رجلا أبيض الرأس و اللّحية فلا يزال يلطمه حتّى يقوم عنّي،ففعل بي مرارا و فعل الشيخ به مرارا فقال:يا جعفر خذها إليك.
فولدت خير أهل الأرض موسى بن جعفر عليه السّلاهما (1).
في كتاب البشائر عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:إنّ محمّد بن المنكدر قال:أردت أن أعظ محمّد بن علي فوعظني؛إنّي خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيت محمّد بن علي و كان رجلا بدينا و هو متّك على غلامين أسودين فقلت في نفسي:شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذا الحال في طلب الدّنيا لأعظنّه،فسلّمت عليه و قد تصبّب عرقا فقلت:اللّه أصلحك اللّه شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذا الحال في طلب الدّنيا لو جاءك الموت و أنت على هذا الحال؟
فقال:لو جاءني الموت و أنا على هذا الحال جاءني و أنا في طاعة من طاعات اللّه تعالى كفّ بها نفسي عنك و عن الناس و إنّما كنت أخاف الموت لو جاءني و أنا على معصية من معاصي اللّه.
فقلت:يرحمك اللّه أردت أن أعظك فوعظتني (2).
و عن أبي جعفر محمّد بن علي قال:قال أبو جعفر:ما استوى رجلان في حسب و دين قط إلاّ كان أفضلهما عند اللّه آدبهما.
قال:قلت:جعلت فداك،قد علمت فضله عند الناس و في النادي و المجالس،فما فضله عند اللّه جلّ جلاله؟
قال:بقراءته القرآن من حيث أنزل،و دعائه اللّه عزّ و جلّ من حيث لا يلحن،و ذلك الرجل ليلحن فلا يصعد إلى اللّه عزّ و جلّ (3).
و عن الوصافي قال:كنا عند أبي جعفر محمّد بن علي يوما فقال لنا:يدخل أحدكم يده في كمّ أخيه،أو قال:في كيسه يأخذ حاجته؟
قال:قلنا:لا.
قال:ما أنتم بإخوان (1).
قال جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام:(كان أبي يقول فى جوف الليل:أمرتني فلم أأتمر، و زجرتني فلم أزدجر،هذا عبدك بين يديك،و لا أعتذر) (2).
و عن أبي حمزة،عن أبي جعفر محمّد بن علي قال:ما من عبادة أفضل من عفّة بطن أو فرج، و ما من شيء أحب إلى اللّه من أن يسأل،و ما يدفع القضاء إلاّ الدعاء،و إن أسرع الخير ثوابا البرّ، و إن أسرع الشر عقوبة البغي،و كفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه،و أن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه،و أن يؤذي جليسه بما لا يعنيه (3).
و عن سفيان الثوري عن أبيه قال:إشتكى بعض ولد محمّد بن علي فجزع عليه جزعا شديدا، ثم أخبر بموته،فسري عنه،فقيل له:ما ذاك؟
فقال:ندعو اللّه تبارك و تعالى فيما نحب،فإذا وقع ما نكره لم نخالف اللّه فيما أحب (4).
و عن أبي حمزة أنّ عمر بن عبد العزيز لما ولي بعث إلى الفقهاء فقرّبهم،و كانوا أخصّ الناس به،بعث إلى محمّد بن علي بن حسين أبي جعفر،و بعث إلى عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود و كان من عبّاد أهل الكوفة و فقهائهم،فقدم عليه،و بعث إلى محمّد بن كعب القرظي و كان من أهل المدينة من أفاضلهم و فقائهم،فلما قدم أبو جعفر محمّد بن علي على عمر بن عبد العزيز و أراد الانصراف إلى المدينة قال:بينما هو جالس في الناس ينتظرون الدخول على عمر إذ أقبل ابن حاجب عمر و كان أبوه مريضا،فقال:أين أبو جعفر ليدخل؟فأشفق محمّد بن علي أن يقوم فلا يكون هو الذي دعا به،فنادى ثلاث مرات.
قال:لم يحضر يا أمير المؤمنين.
قال:بلى،قد حضر،حدّثني بذلك الغلام.
قال:فقد ناديته ثلاث مرات.
قال:كيف قلت؟4.
قال:قلت:أين أبو جعفر؟
قال:ويحك أخرج،فقل:أين محمّد بن علي؟فخرج،فقام فدخل فحدّثه ساعة،و قال:إنّي أريد الوداع يا أمير المؤمنين.
قال عمر:فأوصني يا أبا جعفر.
قال:أوصيك بتقوى اللّه،و اتّخذ الكبير أبا،و الصغير ولدا،و الرجل أخا.
فقال:رحمك اللّه،جمعت لنا و اللّه ما إن أخذنا به و أماتنا اللّه عليه،استقام لنا الخير إن شاء اللّه،ثم خرج.
فلما انصرف إلى رحله أرسل إليه عمر:إني أريد أن آتيك فاجلس في إزار و رداء،فبعث إليه:
لا،بل أنا آتيك،فأقسم عليه عمر،فأتاه عمر،فالتزمه و وضع صدره على صدره و أقبل يبكي،ثم جلس بين يديه،ثم قام و ليس لأبي جعفر حاجة سأله إياها إلاّ قضاها له،و انصرف فلم يلتقيا حتى ماتا جميعا،رحمهما اللّه (1).
و عن قيس بن النعمان:خرجت يوما إلى بعض مقابر المدينة،فإذا أنا بصبي جالس عند قبر يبكي بكاء شديدا،و ان وجهه ليلقي شعاعا من نور،فأقبلت عليه،فقلت:أيها الصبي،ما الذي عقلت له من الحزن حتى أفردك بالخلوة في مجالب الموتى و البكاء على أهل البلاء و أنت بغو الحداثة مشغول عن اختلاف الأزمان و حنين الأحزان،فرفع رأسه و طأطأه،و أطرق ساعة لا يحير جوابا،ثم رفع رأسه و هو يقول:
إنّ الصبي صبي العقل لا صغر أزرى بذي العقل فينا لا و لا كبر
ثم قال لي:ما هذا،إنك خليّ الذرع (2)من الفكر،سليم الأحشاء من الحرقة،أمنت تقارب الأجل بطول الأمل،إن الذي أفردني بالخلوة في مجالب أهل البلاء،يذكّر قول اللّه عزّ و جلّ: فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (3).
فقلت:بأبي أنت و أمي،من أنت؟فإنّي لأسمع كلاما حسنا.
فقال:إنّ من شقاوة أهل البلاء قلة معرفتهم بأولاد الأنبياء،أنا محمّد بن علي بن الحسين بن علي،و هذا قبر أبي،فأيّ أنس آنس من قربه،و أي وحشة تكون معه،ثم أنشأ يقول:
ما غاض دمعي عند نازلة إلاّ جعلتك للبكا سببا
إنّي أجلّ ثرىّ حللت به من أن أرى لسواك مكتئبا1.
فإذا ذكرتك سامحتك به منّي الدموع ففاض فانسكبا
قال قيس:فانصرفت و ما تركت زيارة القبور مذ ذاك (1).
و عن المدائني قال:بينما محمّد بن علي بن الحسين في فناء الكعبة فإذا أعرابي فقال له:هل رأيت اللّه حيث عبدته؟فأطرق و أطرق من كان حوله،ثم رفع رأسه إليه فقال:ما كنت لأعبد شيئا لم أره،فقال:و كيف رأيته؟
قال:لم تره الأبصار بمشاهدة العيان،و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان،لا يدرك بالحواس،و لا يقاس بالناس،معروف بالآيات،منعوت بالعلامات،لا يجوز في قضيته،بان من الاشياء و بانت الأشياء منه، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (2)،ذلك اللّه لا إله إلاّ هو.
فقال الأعرابي:اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته (3).
عن المنهال بن عمرو،عن محمّد بن علي قال:أذكروا من عظمة اللّه ما شئتم،و لا تذكرون منه شيئا إلاّ و هي أشدّ منه،و اذكروا من الجنّة ما شئتم و لا تذكرون منها شيئا إلاّ و هي أفضل منه (4).
و قال رضي اللّه عنه لإبنه جعفر:(يا بني:إصبر للنوائب و لا تتعرض للحتوف،و لا تعط نفسك ما ضرّه عليك أكثر من نفعه لغيرك،يا بني إنّ اللّه تعالى رضيني لك فحذّرني فتنتك،و لم يرضك لي فأوصاك بي) (5).
و قال عبيد اللّه بن الوليد:قال لنا أبو جعفر يوما:(يدخل أحدكم يده في كم صاحبه يأخذ منه ما يريد؟)
قلنا:لا.
قال:(فلستم إخواننا كما تزعمون) (6).
و قال:(إعرف المودة في قلب أخيك بماله في قلبك) (7).
و منها:ما رواه جابر الجعفي قال:قال لي محمد بن علي يوما:(يا جابر إنّي لمشتغل القلب).
قلت له:و ما شغل قلبك؟
قال:(يا جابر إنّه من دخل قلبه دين اللّه الخالص شغله عمّا سواه،يا جابر ما الدنيا و ما عسى أن تكون؟2.
هل هي إلاّ مركب ركبته،أو ثوب لبسته،أو إمرأة أصبتها.
يا جابر إنّ المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا بالبقاء (1)فيها،و لم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم،و لم يصمّهم عن ذكر اللّه تعالى ما سمعوه بآذانهم من الفتنة،و لم يعمهم عن نور اللّه ما رأوا بأعينهم من الزينة،ففازوا بثواب الأبرار.
إنّ أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة،و أكثرهم لك معونة،إن نسيت ذكروك،و إن ذكرت أعانوك،قوالين لحق اللّه،قوّامين لأمر اللّه،فاجعل الدنيا كمنزل نزلت به و إرتحلت منه،أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت و ليس معك منه شيء،و احفظ اللّه تعالى فيما استرعاك من دينه و حكمته) (2).
و قال عليه السّلام:(الغنى و العز يجولان في قلب المؤمن،فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل إستوطناه) (3)
و قال زيد بن خيثمة:سمعت أبا جعفر يقول:(الصواعق تصيب المؤمن و غير المؤمن،و لا تصيب الذاكر) (4).
و روى عمر مولى غفرة قال:قال أبو جعفر:(ما دخل قلب إمرء شيء من الكبر إلاّ نقص من عقله مثل ما دخله في ذلك،قلّ أو كثر) (5).
و كان أبو جعفر يقول:(سلاح اللئام قبيح الكلام) (6).
و روى أبو بكر بن عياش عن سعد الإسكاف أنّه سمع أبا جعفر يقول:(و اللّه موت عالم أحب إلى إبليس من موت تسعين عابدا) (7).
و قال سعد الإسكاف:سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول:(عالم ينتفع بعلمه أفضل من ألف عابد) (8).3.
1) في نسخة(ط):لبقاء.
2) حلية الأولياء:182/3،صفة الصفوة:108/2،البداية و النهاية:310/9،سير أعلام النبلاء:405/4، ترجمة محمد الباقر من تاريخ دمشق:41/145.
3) البداية و النهاية:311/9،الفصول المهمة:213،تذكرة الخواص:303،حلية الأولياء:181/3،صفة الصفوة:108/2.
4) حلية الأولياء:181/3،البداية و النهاية:310/9،سير أعلام النبلاء:408/4.
5) حلية الأولياء:180/3،صفة الصفوة:108/2.
6) حلية الأولياء:183/3،صفة الصفوة:109/2.
7) حلية الأولياء:183/3،صفة الصفوة:109/2 و فيهما سبعين بدل تسعين،البداية و النهاية:312/9، الفصول المهمة:213.
8) حلية الأولياء:183/3،الفصول المهمة:213.
و قال جابر الجعفي:قال محمد بن علي:(شيعتنا من أطاع اللّه) (1).
و قال عليه السّلام في قوله: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا (2)قال:(الغرفة الجنّة بما صبروا على الفقر في الدنيا) (3).
و قال رضي اللّه عنه:أشدّ الأعمال ثلاثة:ذكر اللّه على كلّ حال،و انصافك من نفسك،و مواساة الأخ في المال (4).
و قال عليه السّلام:سلام اللئام قبيح الكلام (5).
و قال أبو حمزة الثمالي عنه إنه قال في قوله عزّ و جلّ: وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (6).
قال عليه السّلام:(بما صبروا على الفقر و مصائب الدنيا) (7).
و نقل عنه عليه السّلام أنّه قال:(ما من عبادة أفضل من عفّه بطن أو فرج،و ما من شيء أحبّ إلى اللّه تعالى من أن يسأل،و ما يدفع القضاء إلاّ الدعاء،و إنّ أسرع الخير ثوابا البر،و أسرع الشر عقوبة البغي،و كفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عنه من نفسه،و أن يأمر بما لا يفعله،و أن ينهى الناس عما لا يستطيع التحول عنه،و أن يؤذي جليسه بما لا يعنيه) (8).
و قال خالد بن هيثم:قال أبو جعفر محمد بن علي:(ما اغرورقت عين بمائها إلاّ حرّم اللّه عزّ و جلّ وجه صاحبها على النار،فإن سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر و لا ذلة،و ما من شيء إلاّ له جزاء إلاّ الدمعة فإنّ اللّه يكفّر بها بحور الخطايا،و لو أنّ باكيا بكى في امّة لحرّم اللّه تلك الأمّة على النار) (9).
و في الكافي عن رجل من بني حنيفة من أهل سجستان قال:رافقت أبا جعفر عليه السّلام في السنة التي حجّ فيها أوّل خلافة المعتصم فقلت له:إنّ و الينا جعلت فداك رجل يتولاّكم أهل البيت و يحبّكم2.
1) حلية الأولياء:184/3،البداية و النهاية:311/9،الفصول المهمة:213.
2) سورة الفرقان،الآية:75.
3) حلية الأولياء:182/3،البداية و النهاية:310/9،الفصول المهمة:215.
4) حلية الأولياء:183/3،معاني الأخبار:3/192،كشف الغمة:127/2 و 133.
5) حلية الأولياء:183/3،صفة الصفوة:109/2،مطالب السؤول:100/2،تذكرة الخواص:338، الإتحاف:145،نور الأبصار:159،سير أعلام النبلاء:408/4.
6) سورة الإنسان،الآية:12.
7) حلية الأولياء:183/3،الفصول المهمة:215.
8) ترجمة محمد الباقر من تاريخ دمشق:57/159،تذكرة الخواص:305،البداية و النهاية:312/9،جمع الجوامع:820/2،حلية الأولياء:188/3،صفة الصفوة:111/2.
9) تنبيه الخواطر:202/2،صفة الصفوة:109/2.
و عليّ في ديوانه خراج فإن رأيت جعلني اللّه فداك أن تكتب إليه بالإحسان إليّ،فقال:لا أعرفه.
فقلت:جعلت فداك هو على ما ذكرت من محبّته لكم فأخذ القرطاس فكتب:بسم اللّه الرحمن الرحيم أمّا بعد فإنّ موصل كتابي هذا ذكر عنك مذهبا جميلا و أنّ مالك من عملك ما أحسنت فيه فأحسن إلى اخوانك و اعلم أنّ اللّه عزّ و جلّ سائلك عن مثاقيل الذرّ و الخردل.
فلمّا ورد سجستان سبق الخبر إلى الحسين بن عبد اللّه النيشابوري و هو الوالي فاستقبلني على فرسخين من المدينة فدفعت إليه الكتاب فقبّله و وضعه على عينيه و قال لي:حاجتك.
قلت:خراج عليّ في ديوانك،فأمر بطرحه عنّي و قال:لا تؤدّ خراجا ما دام لي عمل.
ثمّ سألني عن عيالي فأخبرته عنهم فأمر لي و لهم بما يقوتنا و فضلا فما أدّيت في عمله خراجا و لا قطع عنّي صلته حتّى مات (1).
و في الأمالي عن المنهال بن عمر قال:جاء رجل إلى الباقر عليه السّلام فقال:و اللّه إنّي لأحبّكم أهل البيت.
قال:فاتّخذ للبلاء جلبابا فواللّه إنّه لأسرع إلينا و إلى شيعتنا من السيل و بنا يبدأ البلاء ثمّ بكم و بنا يبدأ الرخاء ثمّ بكم (2).
و في الكافي،عن الحكم بن عتيبة قال:بينا أنا مع أبي جعفر عليه السّلام و البيت غاصّ بأهله إذ أقبل شيخ يتوكّأ على عنزه فقال:السلام عليك يابن رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته.
فقال أبو جعفر عليه السّلام:و عليك السلام و رحمة اللّه و بركاته،ثمّ أقبل على أهل البيت و قال:
السلام عليكم فردّوا عليه السّلام.ثمّ قال:يابن رسول اللّه أدنني منك جعلني اللّه فداك فو اللّه إنّي لأحبّكم و أحبّ من يحبّكم و أبغض عدوّكم و أحلّ حلالكم و أحرّم حرامكم و أنتظر أمركم فهل ترجو لي جعلني اللّه فداك.
فأقعده إلى جنبه ثمّ قال إنّ أبي عليّ بن الحسين أتاه رجل فسأله عن مثل هذا فقال:إن تمت ترد على رسول اللّه و على عليّ و الحسن و الحسين و على عليّ بن الحسين و يثلج قلبك و يبرد فؤادك و تقرّ عينك و تستقبل بالروح و الريحان مع الكرام الكاتبين لو قد بلغت نفسك هاهنا،و أهوى بيده إلى حلقه،و إن تعش ترى ما يقرّ اللّه به عينك و تكون معنا في السنام الأعلى يعني أهل الجنّة.
فقال الشيخ:كيف قلت يا أبا جعفر؟فأعاد عليه الكلام فأقبل الشيخ ينتحب هاهاها حتّى لصق بالأرض و أقبل أهل البيت ينتحبون لما يرون من حال الشيخ و أقبل أبو جعفر عليه السّلام يمسح دموع الشيخ5.
بإصبعه ثمّ رفع رأسه فقال:يابن رسول اللّه ناولني يدك جعلني اللّه فداك فناوله يده فقبّلها و وضعها على عينه و خدّه ثمّ حسر عن بطنه و صدره فوضع يده عليهما ثمّ قام فقال:السلام عليكم.
و أقبل أبو جعفر عليه السّلام ينظر في قفاه و هو مدبر فقال:من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا،فقال الحكم:لم أر مأتما قط يشبه ذلك المجلس (1).
و روي عنه في قوله: وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (2)(أي بما صبروا على الفقر و مصائب الدنيا) (3).
و قال رضي اللّه عنه لابنه جعفر:(يا بني إنّ اللّه عزّ و جلّ خبّأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء:خبّأ رضاه في طاعته فلا تحقرنّ من الطاعة شيئا فلعلّ رضاه فيه،و خبّأ سخطه في معصيته فلا تحقرنّ من المعصية شيئا فلعلّ سخطه فيه،و خبّأ أولياءه في خلقه فلا تحقرنّ أحدا من خلقه فلعلّه ذلك الولي) (4).
و قال عليه السّلام:(الإيمان ثابت في القلب و اليقين خطرات،فيمرّ اليقين بالقلب فيصير كأنّه زبر الحديد،و يخرج كأنّه خرقة بالية) (5).
و قال عليه السّلام:(الغنى و العزّ يجولان في قلب المؤمن،فإن وصلا إلى مكان فيه التوكّل أوطناه) (6).
و قال عليه السّلام:(الصواعق تصيب المؤمن و غير المؤمن،و لا تصيب الذاكر للّه تعالى على الحقيقة و الصدق) (7).
و كان يقول عليه السّلام:(يا عجبا لقوم حبس أوّلهم على آخرهم ثم نودوا بالرحيل و هم يلعبون) (8).
و قال عليّ بن موسى الرضا:(سمعت موسى بن جعفر يقول:سمعت جعفرا الصادق يقول:
سمعت محمد بن عليّ الباقر عليه السّلام يقول:كمال المرء بخصال ثلاث:مشاورة أهل الرأي و الفضيلة، و مداراة الناس بالمخالطة الجميلة،و اقتصاد من غير بخل في القبيلة،فذو الثلاث سائق،و الإثنين7.
1) الكافي:77/8 ح 30،و البحار:362/46 ح 3.
2) سورة الإنسان،الآية:12.
3) حلية الأولياء:183/3،مطالب السؤول:102/2،الفصول المهمة:215،نور الأبصار:159.
4) نثر الدر:343/1،كشف الغمة:148/2،الإتحاف:145،نور الأبصار:160،التذكرة الحمدونية: 216/110،الفصول المهمة:216.
5) حلية الأولياء:180/3،كشف الغمة:131/2.
6) حلية الأولياء:181/3،صفة الصفوة:108/2،مطالب السؤول:101/2،تذكرة الخواص:337،نور الأبصار:160.
7) حلية الأولياء:181/3،مطالب السؤول:101/2،تذكرة الخواص:337،سير اعلام النبلاء:408/4، نور الأبصار:160،و لم يرد ذيل الرواية في المصادر.
8) مجموعة ورّام:30/2،الزهد:77.
و الواحدة لاحق،و من لم يكن فيه واحدة من الثلاث لم يسلم له صديق،و لم يتحنن عليه شفيق،و لم يسعد به رفيق).
و قال عليه السّلام:(أوصاني أبي و قال:لا تصحبنّ خمسة و لا ترافقهم في طريق:لا تصحبنّ فاسقا، فإنّه يبيعك بأكلة فما دونها.
قلت:يا أبه و ما دونها؟
قال:يطمع فيها ثمّ لا ينالها.
و لا تصحبن البخيل،فإنّه يقطعك في ماله أحوج ما تكون إليه،و لا تصحبنّ كذّابا،فإنّه بمنزلة السراب يبعّد منك القريب و يقرّب منك البعيد،و لا تصحبنّ أحمقا،فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك،و لا تصحبنّ قاطع رحم فإنّي وجدته ملعونا في كتاب اللّه في ثلاثة مواضع) (1).
و روى أبو حمزة الثمالي أنّه عليه السّلام كان يقول لولده:(يا بني إذا أصابتكم مصيبة من الدنيا،أو نزلت بكم فاقة،فليتوضأ الرجل و يحسن وضوءه،و ليصلّ أربع ركعات أو ركعتين،فإذا انصرف من صلاته فليقل:يا موضع كلّ شكوى،يا سامع كلّ نجوى،يا شافي كلّ بلاء،يا عالم كلّ خفيّة،و يا كاشف ما يشاء من بليّة،يا نجي موسى عليه السّلام،و يا مصطفي محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و يا خليل إبراهيم عليه السّلام، أدعوك دعاء من اشتدّت فاقته،و ضعفت قوّته،و قلّت حيلته،دعاء الغريب الغريق الفقير،الذي لا يجد لكشف ما هو فيه إلاّ أنت يا أرحم الراحمين،لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين).
و قال:(قال عليّ بن الحسين عليه السّلام:لا يدعو بها رجل أصابه بلاء إلاّ فرّج اللّه عنه بكرمه) (2).
و قال لابنه جعفر عليه السّلام:(يا بني إيّاك و الكسل و الضجر،فانّهما مفتاح كلّ شرّ؛إنّك إن كسلت لم تؤد حقا،و إن ضجرت لم تصبر على حق) (3).
و قال عليه السّلام:(إيّاكم و الخصومات،فإنّها تفسد القلب و تورث النفاق) (4).
و قال في قوله تعالى: وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (5)(هم أصحاب الخصومات) (6).2.
1) ترجمة الإمام الباقر عليه السّلام من تاريخ دمشق:55/158،صفة الصفوة:101/2،إحياء علوم الدين:/2 249،مختصر تاريخ دمشق:254/17،حلية الأولياء:184/3،الإتحاف:138.
2) كشف الغمة:554/1 و 582.
3) حلية الأولياء:183/3،صفة الصفوة:109/2،مطالب السؤول:103/2،تذكرة الخواص:339.
4) حلية الأولياء:198/3،تذكرة الحفاظ:67/1 و فيهما(تشغل)بدل(تفسد).
5) سورة الأنعام،الآية:68.
6) الطبقات الكبرى:985/246/5،حلية الأولياء:184/3،كشف الغمة:120/2.
و كان إذا ضحك يقول:(اللهم لا تمقتني) (1).
و عن سعد بن طريف،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:كنّا عنده ثمانية رجال،فذكرنا رمضان،فقال:
لا تقولوا:هذا رمضان،و لا ذهب رمضان،و لا جاء رمضان،فإنّ رمضان إسم من أسماء اللّه تعالى لا يجيء و لا يذهب،و إنّما يجيء و يذهب الزائل،و لكن قولوا:شهر رمضان،فالشهر المضاف إلى الإسم(و الإسم)إسم اللّه،و هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن،جعله اللّه(مثلا)وعيدا.
ألا و من خرج في شهر رمضان من بيته في سبيل اللّه-و نحن سبيل اللّه الذي من دخل فيه يطاف بالحصن،و الحصن هو الإمام،فليكبّر(عند) (2)رؤيته-كانت له يوم القيامة صخرة في ميزانه أثقل من السماوات السبع،و الأرضين السبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ و ما تحتهنّ.
فقلت (3):يا أبا جعفر و ما الميزان؟فقال:إنّك قد ازددت قوّة و نظرا يا سعد،رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الصخرة،و نحن الميزان،و ذلك قول اللّه في الإمام لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ (4).
قال:و من كبّر بين يدي الإمام عليه السّلام و قال:لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،كتب اللّه له رضوانه الأكبر،و من يكتب اللّه له رضوانه الأكبر،يجمع بينه و بين إبراهيم و محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المرسلين في دار الجلال.
فقلت (5):و ما دار الجلال؟فقال:نحن الدار،و ذلك قول اللّه: تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (6)،(فنحن العاقبة يا سعد،و أمّا مودّتنا فللمتّقين) (7).فيقول اللّه: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ (8)جلال اللّه و كرامته الّتي أكرم اللّه-تبارك و تعالى-العباد بطاعتنا (9).
و عن أبي عبيدة الحذّاء قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:إنّ أحبّ أصحابي إليّ أفقههم و أورعهم و أكتمهم لحديثنا،و إنّ أسوأهم عندي حالا(و)أمقتهم إليّ الذي إذا سمع الحديث ينسب إلينا و يروى عنّا،فلم يحتمله قلبه،و اشمأزّ (10)منه جحده و أكفر من دان به،و لا يدري لعلّ الحديث».
1) حلية الأولياء:185/3،صفة الصفوة:110/2،مطالب السؤول:104/2.
2) في البرهان:فيكبّر.
3) في البرهان:قلت.
4) سورة الحديد،الآية:25.
5) في البرهان:قلت.
6) سورة القصص،الآية:83.
7) ليس في البرهان،و فيه:«قال اللّه»بدل«فيقول اللّه».
8) سورة الرحمن،الآية:78.
9) عنه البرهان:238/3 ح 2 و 298/4 ح 2،و فيه:بطاعتهم،و في البحار:396/24 ح 116 عنه و عن بصائر الدرجات:311 ح 12.
10) الشمز:نفور النفس ممّا تكره،و تشمّز وجهه:تمعّر و تقبّض،و اشمأزّ:انقبض و اقشعرّ،أو ذعر،و الشيء كرهه«تاج العروس».
من عندنا خرج و إلينا أسند،فيكون بذلك خارجا من ديننا (1)(2)
و أخرجه في البحار:186/2 ح 12 و العوالم:513/3 ح 5 عن بصائر الدرجات:537 ح 1 و مستطرفات السرائر:79 ح 8،و في ج 176/68 ح 33 و مستدرك الوسائل:80/1 ح 27 عن التمحيص:67 ح 160،و في البحار:76/75 ح 24 عن الكافي:223/2 ح 7،و في الوسائل:61/18 ح 39 عن الكافي و مستطرفات السرائر.
.قال أبو جعفر عليه السّلام:ولاية اللّه أسرّها إلى جبرئيل عليه السّلام،و أسرّها جبرئيل عليه السّلام إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أسرّها محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى عليّ عليه السّلام،و أسرّها عليّ-صلوات اللّه عليه-إلى من شاء اللّه،ثمّ أنتم تذيعون ذلك من الذي أمسك حرفا سمع به!
و قال أبو جعفر عليه السّلام(في حكمة آل داود):ينبغي للمسلم أن يكون مالكا لنفسه،مقبلا على شأنه،عارفا بأهل زمانه،فاتّقوا اللّه و لا تذيعوا علينا (3)،فلولا أنّ اللّه يدافع عن أوليائه،و ينتقم من أعدائه لأوليائه،أما رأيت ما صنع اللّه بآل برمك؟و ما انتقم لأبي الحسن عليه السّلام منهم؟و قد كان بنو الأشعث على خطر عظيم،فدفع اللّه عنهم بولايتهم لأبي الحسن عليه السّلام،و أنتم بالعراق ترون أعمال هؤلاء الفراعنة،و ما أمهل اللّه لهم،فعليكم بتقوى اللّه،و لا تغرّنّكم الدنيا،و لا تغترّوا بمن أمهل اللّه له،فكأنّ الأمر قد صار إليكم (4)
قال المجلسي(رحمه اللّه)في البحار ج 75:«و أخذ»بصيغة المجهول عطفا على«كان»أو على صيغة التفضيل،عطفا على شرّ،أو نسبة الأخذ إلى الإعطاء إسناد إلى السبب،و«صاحب هذا الأمر»الإمام عليه السّلام. «ولاية اللّه»أي:الإمامة و شؤونها و أسرارها و علومها ولاية اللّه و إمارته و حكومته،و قيل:المراد تعيين أوقات الحوادث،و لا يخفى ما فيه.«إلى من شاء اللّه»أي:الأئمّة عليهم السّلام.
«ثمّ أنتم»ثمّ للتعجّب و قيل:إستفهام إنكاريّ.«من الذي أمسك»الاستفهام للإنكار أي:لا يمسك أحد من أهل هذا الزمان حرفا لا يذيعه،فلذا لا نعتمد عليهم أو لا تعتمدوا عليهم.«في حكمة آل داود»أي:الزبور أو الأعمّ منه أي داود و آله.«مالكا لنفسه»أي:مسلّطا عليها يبعثها إلى ما ينبغي و يمنعها عمّا لا ينبغي،أو مالكا لأسرار نفسه لا يذيعها.«مقبلا على شأنه»أي:مشتغلا باصلاح نفسه،متفكّرا فيما ينفعه فيجلبه و فيما يضرّه فيجتنبه.«عارفا بأهل زمانه»فيعرف من يحفظ سرّه و من يذيعه،و من تجب مودّته أو عداوته،و من ينفعه مجالسته و من تضرّه.«فلو لا»الفاء للبيان،و جزاء الشرط محذوف أي:لانقطعت سلسلة أهل البيت و شيعتهم بترككم التقيّة أو نحو ذلك.
«أما رأيت ما صنع اللّه بآل برمك»أقول:دولة البرامكة و شوكتهم و زوالها عنهم معروفة في التواريخ.«و ما انتقم لأبي الحسن»أي:الكاظم عليه السّلام،أي من البرامكة.«و ترون أعمال هؤلاء الفراعنة»أي:بني عبّاس و أتباعهم،و الحاصل أنّه تعالى قد ينتقم لأوليائه من أعدائه،و قد يمهلهم إتماما للحجّة عليهم،فاتّقوا اللّه في الحالتين،و لا تذيعوا سرّنا،و لا تغترّوا بالدنيا و حبّها،فيصير سببا للإذاعة للأغراض الباطلة،أو للتوسّل بالمخالفين لتحصيل الدنيا،أو باليأس عن الفرج استبطاء.«فكأنّ الأمر قد وصل إليكم»بشارة بقرب ظهور أمر القائم عليه السّلام و بيان لتيقّن وقوعه.
.1) في أغلب المصادر:من ولايتنا.
2) عنه البحار:365/25 ح 6 و صحيفة الأبرار:10/1 و 55.
3) في الكافي و الوسائل و البحار:و لا تذيعوا حديثنا.
4) أخرجه في البحار:77/75 ح 27 عن الكافي:224/2 ح 10،و في ج 249/48 ح 58 و الوسائل:/11 492 ح 1 و العوالم:427/21 ح 1 قطعة منه،و في البحار:110/52 ح 16 عن قرب الإسناد:380 ح 1340 و 1341 مختصرا.
و عن زرارة،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:لو علم الناس كيف ابتدأ الخلق ما اختلف اثنان:
إنّ اللّه قبل أن يخلق الخلق قال:كن ماء عذبا أخلق منك جنّتي و أهل طاعتي،و كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري و أهل معصيتي،ثمّ أمرهما فامتزجا،فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر و الكافر المؤمن،ثمّ أخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا فاذا هم كالذرّ يدبّون،فقال لأصحاب اليمين:إلى الجنّة بسلام،و قال لأصحاب الشمال:إلى النار و لا أبالي.
ثمّ أمر نارا فأسعرت،فقال لأصحاب الشمال:أدخلوها فهابوها،و قال (1)لأصحاب اليمين:
أدخلوها فدخلوها،فقال:كوني بردا و سلاما،فكانت بردا و سلاما.
فقال أصحاب الشمال:يا ربّ أقلنا.
قال:قد أقلتكم فادخلوها،فذهبوا فهابوها.فثمّ ثبتت الطاعة و المعصية،فلا يستطيع هؤلاء أن يكونوا من هؤلاء،و لا هؤلاء من هؤلاء (2).
و عن يحيى بن عقبة الأزدي،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قال أبو جعفر عليه السّلام:مثل الحريص على الدّنيا كمثل دودة القزّ،كلّما إزدادت على نفسها لفّا كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمّا.
قال:و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:كان فيما وعظ به لقمان إبنه:يا بنيّ إنّ النّاس قد جمعوا قبلك لأولادهم فلم يبق ما جمعوا و لم يبق من جمعوا له،و إنّما أنت عبد مستأجر قد أمرت بعمل و وعدت عليه أجرا فأوف عملك و استوف أجرك و لا تكن في هذه الدّنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر فأكلت حتّى سمنت فكان حتفها عند سمنها،و لكن إجعل الدّنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها و تركتها و لم ترجع إليها آخر الدّهر،أخربها و لا تعمرها.فإنّك لم تؤمر بعمارتها،و اعلم أنّك ستسأل غدا إذا وقفت بين يدي اللّه عزّ و جلّ عن أربع:شبابك فيما أبليته و عمرك فيما أفنيته و مالك ممّا إكتسبته و فيما أنفقته،فتأهّب لذلك و أعدّ له جوابا،و لا تأس على ما فاتك من الدّنيا،فإنّ قليل الدّنيا لا يدوم بقاؤه و كثيرها لا يؤمن بلاؤه،فخذ حذرك،و جدّ في أمرك و اكشف الغطاء عن وجهك و تعرّض لمعروف ربّك و جدّد التوبة في قلبك و اكمش فيه فراغك قبل أن يقصد قصدك و يقضى قضاؤك و يحال بينك و بين ما تريد (3).9.
و قال في البحار:نقلت من كتاب جمعه الوزير السعيد مؤيد الدين أبو طالب محمد بن أحمد بن محمد بن العلقمي رحمه اللّه تعالى قال:ذكر الأجلّ أبو الفتح يحيى بن محمد بن حياء الكاتب قال حدّث بعضهم قال:كنت بين مكة و المدينة فإذا أنا بشبح يلوح من البرية يظهر تارة و يغيب أخرى،حتى قرب مني فتأملته فإذا هو غلام سباعي أو ثماني،فسلم علي فرددت عليه،و قلت من أين؟
قال:من اللّه،فقلت:و إلى أين؟فقال:إلى اللّه.
قال فقلت:فعلام؟فقال:على اللّه،فقلت:فما زادك؟
قال:التقوى
فقلت:ممن أنت؟
قال:أنا رجل عربي،فقلت:أبن لي؟
قال:أنا رجل قرشي فقلت:أبن لي؟فقال أنا رجل هاشمي،فقلت:أبن لي؟
فقال:أنا رجل علوي ثم أنشد:
فنحن على الحوض ذواده نذود و يسعد ورّاده
فما فاز من فاز إلا بنا و ما خاب من حبنا زاده
فمن سرنا نال منا السرور و من ساءنا ساء ميلاده
و من كان غاصبنا حقنا فيوم القيامة ميعاده
ثم قال:أنا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب،ثم التفت فلم أره،فلا أعلم هل صعد إلى السماء أم نزل في الارض (1).
عن جابر يعني الجعفي قال:قال لي محمّد بن علي يا جابر إنّي لمحزون،و إني لمشتغل القلب.
قلت:و ما حزنك و شغل قلبك؟
قال عليه السّلام:يا جابر إنّه من دخل قلبه صافي خالص دين اللّه شغله عما سواه،يا جابر ما الدنيا
1) البحار:270/46.
و ما عسى أن تكون،هل هو إلاّ مركب ركبته،أو ثوب لبسته،أو امرأة أصبتها؟
يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها،و لم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم،و لم يصمهم عن ذكر اللّه ما سمعوا بأذانهم من الفتنة،و لم يعمهم عن نور اللّه ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب الأبرار،إنّ أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة،و أكثرهم لك معونة،و إن نسيت ذكروك،و إن ذكرت أعانوك،قوّالين بحق اللّه،قوّامين بأمر اللّه،قطعوا محبتهم بمحبة اللّه،و نظروا إلى اللّه و إلى محبته بقلوبهم،و توحشوا من الدنيا لطاعة مليكهم،و علموا أن ذلك منظور اليهم من شأنهم،فأنزل الدنيا بمنزل نزلت به فارتحلت منه،أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت و ليس معك منه شيء،و احفظ للّه ما استرعاك من دينه و حكمته (1).
و عن يونس بن يعقوب عن بعض أصحابنا قال:كان قوم أتوا أبا جعفر عليه السّلام فوافقوا صبيّا له مريضا فرأوا منه اهتماما و غمّا و جعل لا يقرّ فقالوا:و اللّه لئن أصابه شيء إنّا لنتخوّف أن نرى منه ما نكره فما لبثوا أن سمعوا الصياح عليه فإذا هو قد خرج عليهم منبسط الوجه في غير الحالة التي كان عليها فقالوا له:قد كنّا نخاف ممّا نرى منك ما يغمّنا فقال:إنّا لنحبّ أن نعافى فيمن نحبّ فإذا جاء أمر اللّه سلّمنا فيمن نحبّ (2).
و قال له نصراني:أنت بقر.
قال:لا،أنا باقر،فقال:أنت ابن الطبّاخة.
قال:ذاك حرفتها.
قال:أنت ابن السوداء الزنجية البذيّة.
قال:إن كنت صدقت غفر اللّه لها و إن كنت كذبت غفر اللّه لك.
قال:فأسلم النصراني (3).
و كان يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون حتّى يطعمهم الطعام الطيّب و يكسوهم الثياب الحسنة و يهب لهم الدراهم و يقول:ما حسنة الدّنيا إلاّ صلة الإخوان و المعارف و كان يجيز بالخمسمائة إلى الألف و قال:إعرف المودّة لك في قلب أخيك بما له في قلبك و كان لا يسمع من داره يا سائل بورك فيك و لا يا سائل خذ هذا و كان يقول سمّوهم بأحسن أسمائهم (1).
و قالت سلمى مولاة أبي جعفر:كان يدخل عليه أصحابه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيّب،و يكسوهم الثياب الحسنة،و يهب لهم الدراهم،فأقول له في ذلك ليقلّ منه.
فيقول:(يا سلمى ما حسنة الدنيا إلاّ صلة الإخوان و المعارف)و كان يجيز بالخمسمائة و الستمائة إلى الألف،و كان لا يملّ من مجالسة إخوانه (2).
و قال الأسود بن كثير:شكوت إلى أبي جعفر الحاجة،و جفاء الإخوان.فقال:(بئس الأخ أخ يرعاك غنيا و يقطعك فقيرا)ثم أمر غلامه فأخرج كيسا فيه سبعمائة درهم،فقال:(إستنفق هذه، فإذا فرغت فأعلمني) (3).
أبو يعقوب البزاز عبد اللّه بن يحيى قال:رأيت على أبي جعفر محمّد بن علي إزارا أصفرا،و كان يصلّي كلّ يوم و ليلة خمسين ركعة بالمكتوبة (4).
عن أفلح مولى محمّد بن علي قال:خرجت مع محمّد بن علي حاجا،فلما دخل المسجد الحرام نظر إلى البيت فبكى حتى علا صوته،فبكى الناس لبكائه،فقيل له:لو رفقت بنفسك قليلا، فقال لهم:أبكي لعل اللّه ينظر إليّ منه برحمة فأفوز بها غدا.
قال:ثم طاف بالبيت حتى جاء فركع عند المقام،فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتلا كلّه من دموعه (5).
و قال أفلح مولى أبي جعفر:خرجت مع محمد بن علي حاجا،فلمّا دخل المسجد،نظر إلى
البيت فبكى حتى علا صوته فقلت:بأبي أنت و أمي إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفعت بصوتك قليلا فقال لي:(ويحك يا أفلح و لم لا أبكي لعلّ اللّه أن ينظر إليّ منه برحمة فأفوز بها عنده غدا)ثم طاف بالبيت ثم جاء حتى ركع عند المقام،فرفع رأسه من سجوده فإذا موضع سجوده مبتل من دموعه (1).
و كان إذا ضحك قال:(اللهم لا تمقتني) (2).
و روى عنه ولده جعفر عليه السّلام قال:كان أبي يقول في جوف اللّيل في تضرّعه:(أمرتني فلم أءتمر،و نهيتني فلّم أنزجر،فها أنا عبدك بين يديك و لا أعتذر) (3).
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:أعتق أبو جعفر عليه السّلام من غلمانه عند موته شرارهم و أمسك خيارهم فقلت:يا أبة تعتق هؤلاء و تمسك هؤلاء؟
فقال:إنّهم قد أصابوا منّي ضربا فيكون هذا بهذا (4).
و عن أبي عبيدة قال:كنت زميل أبي جعفر عليه السّلام و كنت أبدأ بالركوب ثمّ يركب هو فإذا استوينا سلّم و سأل مسائله من لا عهد له بصاحبه فقلت:يابن رسول اللّه إنّك لتفعل شيئا ما يفعله من قبلنا و إن فعل مرّة فكثير فقال:أما علمت ما في المصافحة إنّ المؤمنين يلتقيان فيصافح أحدهما صاحبه فما تزال الذنوب تتحاب عنهما كما تتحات الورق عن الشجر و اللّه ينظر إليهما حتّى يفترقا (5).
روي أنّ أبا جعفر محمد بن عليّ الباقر عليه السّلام.قال لبعض أصحابه:يا فلان،ما لقينا من ظلم قريش إيانا،و تظاهرهم علينا،و ما لقى شيعتنا و محبونا من الناس!إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبض و قد
أخبر أنّا أولى الناس بالناس،فتمالأت علينا قريش حتى أخرجت الأمر عن معدنه،و احتجّت على الأنصار بحقّنا و حجّتنا.
ثم تداولتها قريش،واحد بعد واحد،حتى رجعت إلينا،فنكثت بيعتنا،و نصبت الحرب لنا، و لم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود،حتى قتل،فبويع الحسن ابنه و عوهد ثم غدر به،و سالم، و وثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه،و نهبت عسكره،و عولجت خلاليل أمّهات أولاده،فوادع معاوية و حقن دمه و دماء أهل بيته،و هم قليل حقّ قليل.
ثم بايع الحسين عليه السّلام من أهل العراق عشرون ألفا،ثم غدروا به،و خرجوا عليه،و بيعته في أعناقهم و قتلوه،ثم لم نزل-أهل البيت-نستذلّ و نستضام،و نقصى و نمتهن،و نحرم و نقتل، و نخاف و لا نأمن على دمائنا و دماء أوليائنا،و وجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم و جحودهم موضعا يتقرّبون به إلى أوليائهم و قضاة السوء و عمال السوء في كلّ بلدة،فحدّثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة،و رووا عنّا ما لم نقله و ما لم نفعله،ليبغّضونا إلى النّاس،و كان عظم ذلك و كثرته زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السّلام،فقتلت شيعتنا بكل بلدة،و قطعت الأيدى و الأرجل على الظّنّة،و كان من يذكر بحبّنا و الإنقطاع إلينا سجن أو نهب ماله،أو هدمت داره.
ثم لم يزل البلاء يشتدّ و يزداد،إلى زمان عبيد اللّه بن زياد قاتل الحسين عليه السّلام،ثم جاء الحجاج فقتلهم كلّ قتلة،و أخذهم بكلّ ظنّة و تهمة،حتى إنّ الرجل ليقال له:زنديق أو كافر، أحبّ إليه من أن يقال:شيعة عليّ،و حتى صار الرّجل الذي يذكر بالخير-و لعلّه يكون ورعا صدوقا-يحدّث بأحاديث عظيمة عجيبة،من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة،و لم يخلق اللّه تعالى شيئا منها،و لا كانت و لا وقعت و هو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممّن لم يعرف بكذب و لا بقلّة ورع (1).
عن حمران،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:إنّ اللّه-تبارك و تعالى-حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا و ماء مالحا أجاجا فامتزج الماءان،و أخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا.
فقال لأصحاب اليمين و هم كالذرّ يدبّون:إلى الجنّة بسلام،و قال لأصحاب الشمال:إلى النار و لا أبالي،ثم قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ (2).
ثم أخذ الميثاق على النبيّين،فقال:«ألست بربّكم»و أنّ هذا محمّد رسولي،و أنّ هذا عليّ أمير المؤمنين؟«قالوا:بلى»،فثبتت لهم النبوّة.
و أخذ الميثاق على أولي العزم أنّني ربّكم،و محمّد رسولي،و عليّ أمير المؤمنين و أوصياؤه عليهم السّلام من بعده ولاة أمري،و خزّان علمي،و أنّ المهديّ أنتصر به لديني،و أظهر به دولتي، و أنتقم به من أعدائي،و أعبد به طوعا و كرها.قالوا:أقررنا يا ربّ و شهدنا (1).
عن حبيب السجستانيّ قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:إنّ اللّه لمّا أخرج ذرّيّة آدم من ظهره، ليأخذ الميثاق بالربوبيّة له،و بالنبوّة لكلّ نبيّ،فكان أوّل من أخذ له عليهم الميثاق بنبوّة محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
ثمّ قال اللّه لآدم:أنظر ماذا ترى؟
قال:فنظر آدم عليه السّلام إلى ذرّيّته و هم ذرّ قد ملأوا السماء،فقال آدم عليه السّلام:يا ربّ،ما أكثر ذرّيّتي؟!و لأمر ما خلقتهم؟!فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم؟
قال اللّه:يعبدونني و لا يشركون بي شيئا،و يؤمنون برسلي و يتّبعونهم.
قال آدم:يا ربّ،فما لي أرى بعض الذرّيّة أعظم من بعض؟و بعضهم له نور كثير؟و بعضهم له نور قليل؟و بعضهم ليس له نور أصلا؟
فقال اللّه:كذلك خلقتهم لأبلوهم في كلّ حالاتهم.
قال آدم عليه السّلام:يا ربّ،فتأذن لي في الكلام فأتكلّم؟
قال اللّه:(له) (2):تكلّم فإنّ روحك من روحي،و طبيعتك خلاف كينونتي.
قال آدم عليه السّلام:فلو كنت خلقتهم على مثال واحد،و قدر واحد،و طبيعة واحدة،و جبلّة واحدة، و ألوان واحدة،و أعمار واحدة،و أرزاق سواء،لم يبغ بعضهم على بعض،و لم يك بينهم تحاسد و لا تباغض،و لا اختلاف في شيء من الأشياء.
قال اللّه:يا آدم،بروحي نطقت،و بضعف طبيعتك تكلّمت ما لا علم لك به،و أنا الخالق العليم،بعلمي خالفت بين خلقهم،و بمشيئتي يمضي فيهم أمري،و إلى تدبيري و تقديري صائرون، و لا تبديل لخلقي،إنّما خلقت الجنّ و الإنس ليعبدوني (3)،و خلقت الجنّة لمن عبدني و أطاعني منهم و اتّبع رسلي و لا أبالي،و خلقت النار لمن كفر بي و عصاني،و لم يتّبع رسلي و لا أبالي.ن.
و خلقتك و خلقت ذرّيّتك من غير فاقة بي إليك و إليهم،و إنّما خلقتك و خلقتهم لأبلوك و أبلوهم أيّكم أحسن عملا في[دار]الدنيا في حياتكم و قبل مماتكم،و لذلك خلقت الدنيا و الآخرة،و الحياة و الموت،و الطاعة و المعصية،و الجنّة و النار.
و كذلك أردت في تقديري و تدبيري،و بعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم و أجسامهم، و ألوانهم و أعمارهم،و أرزاقهم،و طاعتهم و معصيتهم،فجعلت منهم الشقيّ و السّعيد،و البصير و الأعمى،و القصير و الطويل،و الجميل و الدميم،و العالم و الجاهل،و الغنيّ و الفقير،و المطيع و العاصي،و الصحيح و السقيم،و من به الزمانة،و من لا عاهة به.
فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة،فيحمدني على عافيته،و ينظر الذي به العاهة إلى الصحيح فيدعوني و يسألني أن أعافيه،و يصبر على بلائي فأثيبه جزيل عطائي،و ينظر الغنيّ إلى الفقير فيحمدني و يشكرني،و ينظر الفقير إلى الغنيّ فيدعوني و يسألني،و ينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته (1).
فلذلك خلقتهم لأبلوهم في السرّاء و الضرّاء،و فيما أعافيهم،و فيما أبتليهم،و فيما أعطيهم، و فيما أمنعهم،و أنا اللّه الملك القادر،ولي أن أمضي جميع ما قدّرت على ما دبّرت،ولي أن أغيّر من ذلك ما شئت إلى ما شئت،و أقدّم من ذلك ما أخّرت،و أؤخّر من ذلك ما قدّمت،و أنا اللّه الفعّال لما أريد،لا أسأل عمّا أفعل،و أنا أسأل خلقي عمّا هم فاعلون (2).
و عن حمران،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:إنّ اللّه-تبارك و تعالى-حيث خلق الخلق خلق ماء عذبا و ماء مالحا(أجاجا)فامتزج الماءان،فأخذ طينا من أديم الأرض فعركه عركا شديدا،فقال لأصحاب اليمين و هم كالذرّ يدبّون:إلى الجنّة بسلام،و قال لأصحاب الشمال و هم كالذرّ يدبّون:
إلى النار و لا أبالي،ثمّ قال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ.
قال:ثمّ أخذ الميثاق على النبيّين فقال: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ثمّ قال:و إنّ هذا محمّد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و إنّ هذا عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام؟
قالوا:بلى،فثبتت لهم النبوّة،و أخذ الميثاق على أولي العزم أنّي ربّكم و محمّد رسول اللّه و عليّ أمير المؤمنين و أوصياؤه من بعده ولاة أمري و خزّان علمي،و أنّ المهديّ أنتصر به لديني و أظهر به دولتي و أنتقم به من أعدائي و أعبد به طوعا و كرها.
قالوا:أقررنا و شهدنا يا ربّ،و لم يجحد آدم و لم يقرّ،فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في8.
المهديّ،و لم يكن لآدم عزم على الإقرار به و هو قوله: وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (1).
قال:إنّما يعني فترك.
ثمّ أمر نارا فأجّجت،فقال لأصحاب الشمال:أدخلوها،فهابوها،و قال لأصحاب اليمين:
أدخلوها فدخلوها،فكانت عليهم بردا و سلاما،فقال أصحاب الشمال:يا ربّ أقلنا،فقال:قد أقلتكم اذهبوا فادخلوها،فهابوها،فثمّ ثبتت الطاعة و المعصية و الولاية (2).
و روي عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة:«قال و كان الخالق قبل المخلوق و لو كان أوّل ما خلق من خلقه الشيء من الشيء إذا لم يكن له انقطاع أبدا و لم يزل اللّه إذا و معه شيء ليس هو يتقدّمه،و لكنّه كان إذ لا شيء غيره و خلق الشيء الذي جميع الأشياء منه و هو الماء الذي خلق الأشياء منه فجعل نسب كل شيء إلى الماء و لم يجعل للماء نسبا يضاف إليه،و خلق الريح من الماء ثم سلّط الريح على الماء،فشققت الريح متن الماء حتى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء أن يثور فخلق من ذلك الزبد أرضا بيضاء نقيّة ليس فيها صدع و لا نقب و لا صعود و لا هبوط و لا شجرة،ثم طواها فوضعها فوق الماء،ثم خلق اللّه النار من الماء فشقّقت النار متن الماء حتى ثار من الماء دخان على قدر ما شاء اللّه أن يثور فخلق من ذلك الدخان سماء صافية نقيّة ليس فيها صدع و لا نقب و ذلك قوله أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها وَ أَغْطَشَ لَيْلَها وَ أَخْرَجَ ضُحاها
قال«و لا شمس و لا قمر و لا نجوم و لا سحاب ثم طواها فوضعها فوق الأرض ثم نسب الخليقتين فرفع السماء قبل الأرض فذلك قوله عزّ ذكره وَ الْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها يقول بسطها» (3).
و قال بعض الأفاضل:مقتضى الروايات أنه خلق الماء قبل الأرض و هذا ممّا شهد به البرهان العقلي فإنّ الماء لما كان حاويا لأكثر الأرض كان سطحه الباطن المماس لسطحها الظاهر مكانا و ظاهر أن للمكان تقدّما باعتبار ما على المتمكّن فيه و ان كان اللفظ يعطي تقدّم خلق الماء على الأرض تقدّما زمانيا (4).
عن محمّد بن سالم،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:إنّ ناسا تكلّموا في هذا القرآن بغير علم و ذلك
أنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ الآية (1)فالمنسوخات من المتشابهات،و المحكمات من الناسخات،إنّ اللّه عزّ و جلّ بعث نوحا إلى قومه أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ (2)ثمّ دعاهم إلى اللّه وحده و أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا.
ثمّ بعث الأنبياء عليهم السّلام على ذلك إلى أن بلغوا محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فدعاهم إلى أن يعبدوا اللّه و لا يشركوا به شيئا و قال: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (3)فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه و الإقرار بما جاء[به]من عند اللّه فمن آمن مخلصا و مات علي ذلك أدخله الجنّة بذلك،و ذلك أنّ اللّه ليس بظلاّم للعبيد،و ذلك أنّ اللّه لم يكن ليعذّب عبدا حتّى يغلّظ عليه في القتل و المعاصي الّتي أوجب اللّه عليه بها النار لمن عمل بها،فلمّا استجاب لكلّ نبيّ من استجاب له من قومه من المؤمنين،جعل لكلّ نبيّ منهم شرعة و منهاجا و الشرعة و المنهاج سبيل،و السنّة و قال اللّه لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ (4).
و أمر كلّ نبي بالأخذ بالسبيل و السنّة،و السبيل الّتي أمر اللّه عزّ و جلّ بها موسى عليه السّلام أن جعل اللّه عليهم السبت و كان من أعظم السبت و لم يستحلّ أن يفعل ذلك من خشية اللّه،أدخله اللّه الجنّة، و من استخفّ بحقّه و استحلّ ما حرّم اللّه عليه من عمل الذي نهاه اللّه عنه فيه،أدخله اللّه عزّ و جلّ النار،و ذلك حيث استحلّوا الحيتان و احتبسوها و أكلوها يوم السبت،غضب اللّه عليهم من غير أن يكونوا أشركوا بالرّحمن و لا شكّوا في شيء ممّا جاء به موسى عليه السّلام.
قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ثمّ بعث اللّه عيسى عليه السّلام بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه و الإقرار بما جاء به من عند اللّه و جعل لهم شرعة و منهاجا فهدمت السبت الّذي أمروا به أن يعظّموه قبل ذلك و عامّة ما كانوا عليه من السبيل و السنّة الّتي جاء بها موسى فمن لم يتّبع سبيل عيسى أدخله اللّه النّار و إن كان الذي جاء به النبيّون جميعا أن لا يشركوا باللّه شيئا.
ثمّ بعث اللّه محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو بمكّة عشر سنين فلم يمت بمكّة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رسول اللّه إلاّ أدخله اللّه الجنّة باقراره و هو إيمان التصديق و لم يعذّب اللّه أحدا ممّن مات و هو متّبع لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على ذلك إلاّ من أشرك بالرّحمن.3.
و تصديق ذلك أنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكّة وَ قَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً -إلى قوله تعالى- إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أدب و عظة و تعليم و نهي خفيف و لم يعد عليه و لم يتواعد على اجتراح شيء ما نهي عنه.
و أنزل نهيا عن أشياء حذّر عليها و لم يغلظ فيها و لم يتواعد عليها و قال: وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً. وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلاً. وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً. وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً. وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلاً. وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً.
وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً. كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً. ذلِكَ مِمّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً و أنزل في وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشى : فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّى. لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى اَلَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّى فهذا مشرك.
و أنزل في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ : وَ أَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ، فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً، وَ يَصْلى سَعِيراً. إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً .إنّه ظنّ أن لن يحور بلى فهذا مشرك.و أنزل في[سورة] تبارك:«كلّما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير.قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذّبنا و قلنا ما نزّل اللّه من شيء»فهؤلاء مشركون.
و أنزل في الواقعة: وَ أَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ. فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ. وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ فهؤلاء مشركون.
و أنزل في الحاقّة. وَ أَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ. وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ -إلى قوله- إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللّهِ الْعَظِيمِ فهذا مشرك.و أنزل في طسم: وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ .
و قيل لهم: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ. فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ. وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ جنود إبليس ذرّيّته من الشياطين.و قوله: وَ ما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتّبعوهم على شركهم و هم قوم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليس فيهم من اليهود و النّصارى أحد و تصديق ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ليس فيهم اليهود الذين قالوا:عزير ابن اللّه و لا النصارى الّذين قالوا:المسيح ابن اللّه،سيدخل اللّه اليهود و النصاري النّار و يدخل كلّ قوم بأعمالهم،و قولهم:
وَ ما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك قول اللّه عزّ و جلّ فيهم حين جمعهم إلى النّار قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ .
و قوله: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعاً برىء بعضهم من بعض و لعن بعضهم بعضا،يريد بعضهم أن يحجّ بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم،و ليس بأوان بلوى و لا اختبار و لا قبول معذرة و لا حين نجاة،و الآيات و أشباههنّ ممّ انزل به بمكّة و لا يدخل النّار إلاّ مشركا،فلمّا أذن اللّه لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الخروج من مكّة إلى المدينة بني الإسلام على خمس:شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عبده و رسوله و إقام الصّلاة و إيتاء الزّكاة و حجّ البيت و صيام شهر رمضان و أنزل عليه الحدود و قسمة الفرائض،و أخبره بالمعاصي الّتي أوجب اللّه عليها و بها النّار لمن عمل بها،و أنزل في بيان القاتل وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً و لا يلعن اللّه مؤمنا قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ اللّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً. خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً.
و كيف يكون في المشيئة و قد ألحق به-حين جزاه جهنّم-الغضب و اللّعنة و قد بيّن ذلك من الملعونون في كتابه و أنزل في مال اليتيم من أكله ظلما إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً و ذلك أنّ آكل مال اليتيم يجيء يوم القيامة و النّار تلتهب في بطنه حتّى يخرج لهب النّار من فيه حتّى يعرفه كلّ أهل الجمع أنّه آكل مال اليتيم.
و أنزل في الكيل: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ و أنزل في العهد إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ و الخلاق:النصيب،فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأيّ شيء يدخل الجنّة،و أنزل بالمدينة اَلزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فلم يسم اللّه الزّاني مؤمنا و لا الزّانية مؤمنة.
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ليس يمتري فيه أهل العلم أنّه قال:لا يزني الزّاني حين يزني هو مؤمن و لا يسرق السارق حين يسرق و هو مؤمن فانّه إذا فعل ذلك خلع عنه الإيمان كخلع القميص،و نزل بالمدينة اَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ* إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فبرأه اللّه ما كان مقيما على الفرية من أن يسمّى بالإيمان.
قال اللّه عزّ و جلّ: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ و جعله اللّه منافقا.
قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ و جعله عزّ و جلّ من أولياء إبليس.
قال: إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ و جعله ملعونا فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ. يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.
و ليست تشهد الجوارح على مؤمن إنّما تشهد على من حقّت عليه كلمة العذاب،فأمّا المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال اللّه عزّ و جلّ: فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً.
و سورة النور أنزلت بعد سورة النساء و تصديق ذلك أنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل عليه في سورة النّساء وَ اللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً و السبيل الّذي قال اللّه عزّ و جلّ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَ فَرَضْناها وَ أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. اَلزّانِيَةُ وَ الزّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
و عن أبي جعفر عليه السّلام قال:بني الإسلام على خمسة أشياء:على الصلاة و الزكاة و الحجّ و الصوم و الولاية.
قال:زرارة:فقلت:و أيّ شيء من ذلك أفضل؟فقال:الولاية أفضل،لأنّها مفتاحهنّ و الوالي هو الدّليل عليهنّ.
قلت:ثمّ الّذي يلي ذلك في الفضل؟الصلاة إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:«الصلاة عمود دينكم»
قال:قلت:ثمّ الّذي يليها في الفضل؟
قال:الزكاة لأنّه قرنها بها و بدأ بالصلاة قبلها و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:الزكاة تذهب الذنوب.
قلت:و الّذي يليها في الفضل؟
قال:الحجّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«لحّجة مقبولة خير من عشرين صلاة نافلة و من طاف بهذه البيت طوافا أحصى فيه أسبوعه و أحسن ركعتيه غفر اللّه له»و قال في يوم عرفة و يوم المزدلفة ما قال:قلت:فماذا يتبعه؟
قال:الصوم.
قلت:و ما بال الصوم صار آخر ذلك أجمع؟
قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«الصوم جنّة من النّار».
قال:ثمّ قال:إنّ أفضل الأشياء ما إذا أنت فاتك لم تكن منه توبة دون أن ترجع إليه فتؤدّيه بعينه،إنّ الصلاة و الزكاة و الحجّ و الولاية ليس يقع شيء مكانها دون أدائها و إنّ الصوم إذا فاتك أو قصّرت أو سافرت فيه أدّيت مكانه أيّاما غيرها و جزيت ذلك الذّنب بصدقة و لا قضاء عليك و ليس من تلك الأربعة شيء يجزيك مكانه غيره.
قال:ثمّ قال:ذروة الأمر و سنامه و مفتاحه و باب الأشياء و رضا الرّحمن الطاعة للإمام بعد معرفته،إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ وَ مَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً
أما لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدّق بجميع ماله و حجّ جميع دهره و لم يعرف ولاية وليّ اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه ما كان له على اللّه عزّ و جلّ حقّ في ثوابه و لا كان من أهل الإيمان،ثمّ قال:أولئك و المحسن منهم يدخله اللّه الجنّة بفضل رحمته (1).
و عن حمران بن أعين،عن أبي جعفر عليه السّلام قال:سمعته يقول:«الإيمان ما استقرّ في القلب و أفضى به إلى اللّه عزّ و جلّ و صدّقه العمل بالطاعة للّه و التسليم لأمره.و الإسلام ما ظهر من قوله أو فعله و هو الّذي عليه جماعة النّاس من الفرق كلّها و به حقنت الدّماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح و اجتمعوا على الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ،فخرجوا بذلك من الكفر و أضيفوا إلى الإيمان،و الإسلام لا يشرك الإيمان و الإيمان يشرك الإسلام و هما في القول و الفعل يجتمعان،كما صارت الكعبة في المسجد و المسجد في الكعبة و كذلك الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان و قد قال اللّه عزّ و جلّ: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
فقول اللّه عزّ و جلّ أصدق القول.
قلت:فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل و الأحكام و الحدود و غير ذلك؟
فقال:لا،هما يجريان في ذلك مجرى واحدا و لكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما و ما يتقرّبان به إلى اللّه عزّ و جلّ.
قلت:أليس اللّه عزّ و جلّ يقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها و زعمت أنّهم مجتمعون على الصّلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ مع المؤمن؟
قال:أليس قد قال اللّه عزّ و جلّ: فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً فالمؤمنون هم الذين يضاعف اللّه عزّ و جلّ لهم حسناتهم لكلّ حسنة سبعون ضعفا،فهذا فضل المؤمن و يزيده اللّه في حسناته على قدر صحّة إيمانه أضعافا كثيرة و يفعل اللّه بالمؤمنين ما يشاء من الخير.
قلت:أرأيت من دخل في الإسلام أليس هو داخلا في الإيمان؟فقال:لا و لكنّه قد أضيف إلى الإيمان و خرج من الكفر و سأضرب لك مثلا تعقل به فضل الإيمان على الإسلام،أرأيت لو أبصرت رجلا في المسجد أكنت تشهد أنّك رأيته الكعبة؟
قلت:لا يجوز لي ذلك.2.
1) البحار:90/66،و الكافي:32/2.
قال:فلو أبصرت رجلا في الكعبة أكنت شاهدا أنّه قد دخل المسجد الحرام؟
قلت:نعم.
قال:و كيف ذلك؟
قال:إنّه لا يصل إلى دخول الكعبة حتّى يدخل المسجد،فقال:قد أصبت و أحسنت،ثمّ:
كذلك الإيمان و الاسلام (1).
الكليني،عن محمّد بن يحيى،عن أحمد بن محمّد بن عيسى،عن الحسن بن محبوب،عن بعض أصحابه قال:كتب أبو جعفر عليه السّلام في رسالة إلى بعض خلفاء بني أمية و من ذلك:ما ضيع الجهاد الذي فضله اللّه على الأعمال و فضل عامله على العمال تفضيلا في الدرجات و المغفرة و الرحمة لأنّه ظهر به الدين و به يدفع عن الدين و به اشترى اللّه من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بالجنة بيعا مفلحا منجحا،اشترط عليهم فيه حفظ الحدود و أوّل ذلك الدعاء إلى طاعة اللّه من طاعة العباد و إلى عبادة اللّه من عبادة العباد و إلى ولاية اللّه من ولاية العباد،فمن دعي إلى الجزية فأبى قتل و سبي أهله و ليس الدعاء من طاعة عبد إلى طاعة عبد مثله،و من أقر بالجزية لم يتعد عليه و لم تخفر ذمته و كلف دون طاقته و كان الفىء للمسلمين عامة غير خاصة و إن كان قتال و سبي سير في ذلك بسيرته و عمل في ذلك بسنته من الدين ثمّ كلف الأعمى و الأعرج الذين لا يجدون ما ينفقون على الجهاد بعد عذر اللّه إيّاهم،و يكلف الذين يطيقون ما لا يطيقون و إنّما كانوا أهل مصر يقاتلون من يليه يعدل بينهم في البعوث فذهب ذلك كله حتى عاد الناس رجلين اجير مؤتجر بعد بيع اللّه و مستأجر صاحبه غارم و بعد عذر اللّه،و ذهب الحج فضيع و افتقر الناس فمن أعوج ممن عوج هذا و من أقوم ممن أقام هذا فرد الجهاد على العباد و زاد الجهاد على العباد إنّ ذلك خطأ عظيم (2).
و ذلك من طرق:
*الطريق الاول:أنه أفضل أهل زمانه و أعبدهم و أعلمهم و أشجعهم (3).
و قد ثبت بدلالة العقول تقديم الأفضل على المفضول و العالم على الجاهل.
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لجابر:«يوشك أن تبقى إلى أن تلقى ولدا لي من الحسين يقال له محمد يبقر علم الدين يهب اللّه له النور و الحكمة فاذا لقيته فأقرئه مني السلام» (1).
و قال أبو زرعة:...و لعمري ان أبا جعفر عليه السّلام لمن أكبر العلماء (2).
و قال ابن المكندر:ما كنت ارى أنّ مثل علي بن الحسين عليه السّلام يدع خلفا يقارنه في الفضل حتى رأيت ابنه محمد بن علي عليه السّلام (3).
و كتب المنصور لمحمد بن عبد اللّه:و ما كان فيكم بعده(علي بن الحسين)مثل محمد بن علي بن الحسين (4).
و مناظراته العلمية أشهر من أن تذكر (5).
و قالت حبابة الوالبية:رأيت رجلا بمكة أصيلا (6)بالملتزم أو بين الباب و الحجر على صعدة من الأرض و قد حزم وسطه على المئزر بعمامة خز و الغزالة (7)تخال على ذلك الجبال كالعمائم على قمم الجبال و قد صاعد كفه و طرفه نحو السماء و يدعو،فلما انثال الناس عليه يستفتونه عن المعضلات و يستفتحون أبواب المشكلات فلم يرم حتى أفتاهم في ألف مسألة.
ثم نهض يريد رحله و منادي ينادي بصوت صهل:ألا أن هذا النور الأبلج المسرج و النسيم الأرج و الحق المرج،و آخرون يقولون:من هذا؟
فقيل الباقر،علم العلم و الناطق عن الفهم محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السّلام.
و في و راية أبي بصير:«ألا إنّ هذا باقر علم الرسل،و هذا مبين السبل،و هذا خير من رسخ في أصلاب أصحاب السفينة،هذا ابن فاطمة الغرّاء العذراء الزهراء،هذا بقية اللّه في أرضه،هذاس.
1) أعلام الورى:262-263،و الصواعق المحرقة:201 ط.مصر و ط.بيروت 304،و الفصول المهمة: 201-204 ط.الأضواء و 211 ط.النجف طهران.
2) الإرشاد للمفيد:163/2،و المناقب لابن شهر آشوب:178/4.
3) الفصول المهمة:202 ط.الأضواء و 213 ط.النجف و طهران.
4) أنساب الأشراف:101/3 خروج محمد بن عبد اللّه بن حسن و مقتله ط.دار التعارف بيروت.
5) يراجع الإرشاد:163/2-164-165،و مناقب آل أبي طالب:189/4-198-201،و الاحتجاج: 321-326،و الفصول المهمة:203 ط.الأضواء و 214 ط.النجف و طهران.
6) الأصيل:وقت العصر و بعده.
7) الغزالة:الشمس.
ناموس الدهر،هذا ابن محمد و خديجة و علي و فاطمة،هذا منار الدين القائم» (1).
و مدحه ابن عربي بقوله:
(صلوات اللّه...على باقر العلوم،و شخص العالم و المعلوم،ناطقة الوجود نسخة الموجود...حافظ المعارج اليقين،وارث علوم المرسلين،حقيقة الحقائق الظهورية،دقيقة الدقائق النورية...) (2).
*الطريق الثاني:وجوب الإمامة في كل زمان عقلا و نقلا،و فساد دعوى كل من ادعى الإمامة دونه لعدم أهلية من سواه لها.
على أنّه مشروط بالإمام العصمة و عصمة من سواه مقطوعة العدم،أما عصمته فثابتة بنص آية التطهير على ما تقدم.
و هو من الأحاديث المتواترة عن جابر الأنصاري(رض)الذي أوصل سلام رسول اللّه إلى الإمام الباقر عليه السّلام.
قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«يا جابر لعلك أن تبقى حتى تلقى رجلا من ولدي يقال له محمد بن علي بن الحسين،يهب اللّه له النور و الحكمة فأقرئه مني السلام» (3).
و تقدم هذا الحديث بأسانيده المتعددة في قسم النصوص التفصيلية (4).
و عن جعفر بن أحمد المصري (5)،عن عمّه الحسن بن عليّ،عن أبيه،عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد،عن أبيه الباقر،عن أبيه ذي الثفنات (6)سيّد العابدين،عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين عليهم السّلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-في الليلة التي كانت فيها وفاته-لعليّ عليه السّلام:
يا أبا الحسن،أحضر صحيفة و دواة،فأملى (7)رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وصيّته حتى انتهى إلى هذا الموضع،فقال:
1) مناقب آل أبي طالب:182/4.
2) وسيلة الخادم إلى المخدوم:295.
3) الإرشاد:158/2،و كمال الدين:253/1،و علل الشرائع:233/1،و أعلام الورى:263،و نهج الحق:257 مع مصادره-مع اختلاف في المضامين.
4) و راجع أعلام الورى:262،و إثبات الوصية:150.
5) هو:جعفر بن أحمد بن عليّ بن بيان بن زيد بن سيّابة،أبو الفضل الغافقي المصري،و يعرف بابن أبي العلاء،مات سنة 304«لسان الميزان».
6) سمي عليه السّلام بذلك لكثرة سجوده بحيث صارت مواضع سجوده ذا ثفنة.
7) في«نسخة»:فأملاه.
يا عليّ،إنّه سيكون بعدي إثنا عشر إماما،و من بعدهم إثنا عشر مهديّا،فأنت يا عليّ أوّل الإثني عشر إماما سمّاك اللّه تعالى في سمائه (1)عليّا المرتضى،و أمير المؤمنين،و الصدّيق الأكبر، و الفاروق الأعظم،و المأمون و المهديّ،فلا تصلح (2)هذه الأسماء لأحد غيرك.
يا عليّ،أنت وصيّي على أهل بيتي حيّهم و ميّتهم،و على نسائي،فمن ثبّتّها لقيتني غدا،و من طلّقتها فأنا بريء منها،لم ترني و لم أرها في عرصات (3)القيامة،و أنت خليفتي على أمّتي من بعدي.
فإذا حضرتك الوفاة فسلّمها إلى ابني الحسن البرّ الوصول (4)،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابني الحسين الشهيد[الزكي] (5)المقتول،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه سيّد العابدين ذي الثفنات عليّ،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمّد الباقر (6)،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه جعفر الصادق،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه موسى الكاظم،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه عليّ الرضا،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه محمّد الثقة التقيّ،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه عليّ الناصح،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه الحسن الفاضل،فإذا حضرته الوفاة فليسلّمها إلى ابنه م ح م د المستحفظ من آل محمّد-صلّى اللّه عليه و عليهم-.
فذلك إثنا عشر إماما.ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهديّا،(فإذا حضرته الوفاة) (7)فليسلّمها إلى ابنه أوّل المهديّين (8)،له ثلاثة أساماء:إسم كاسمي و إسم أبي و هو عبد اللّه و أحمد،و الإسم الثالث:المهديّ،و هو أوّل المؤمنين (9)
و في الايقاظ من الهجعة:393 و البحار:147/53 ح 6 مختصرا.
.قال مالك بن أعين الجهني:أوصى علي بن الحسين ابنه محمد بن علي فقال:بني إني جعلتك خليفتي من بعدي لا يدعي فيما بيني و بينك أحد إلا قلّده اللّه يوم القيامة طوقا من نار (10).
و روي عن عثمان بن عثمان بن خالد عن أبيه قال:مرض علي بن الحسين عليه السّلام مرضه الذي
1) في البحار:في السماء.
2) في الغيبة و العوالم:فلا تصحّ.
3) في الغيبة و البحار و العوالم:عرصة.
4) الوصول:كثير الإعطاء.
5) من الغيبة و البحار و العوالم و الرجعة.
6) في البحار و العوالم:باقر العلم.
7) ليس في البحار.
8) في الغيبة و البحار:المقرّبين،و في العوالم:المقرّين.
9) غيبة الطوسي:150 ح 111،و عنه الرجعة:189 ح 108 و البحار:260/36 ح 81 و إثبات الهداة:/1 549 ح 376 و العوالم 15،ج 236/3 ح 227 و غاية المرام:56 ح 58 و ص 189 ح 106.
10) البحار:231/46،كفاية الأثر:240-241.
توفي فيه فجمع أولاده محمد و الحسن و عبد اللّه و عمر و زيد و الحسين و أوصى إلى ابنه محمد،و كناه بالباقر و جعل أمرهم اليه (1).
و في كتاب النصوص عن الظهري قال:دخلت على عليّ بن الحسين عليه السّلام في المرض الذي توفّي فيه إذ قدّم إليه طبق فيه الخبز و الهندباء فقال لي:كله و ما من ورقة من الهندباء إلاّ عليها قطرة من ماء الجنّة فيه شفاء من كلّ داء.
ثمّ رفع الطعام و أتى بدهن البنفسج فقال:إدهن إنّ فضله على سائر الأدهان كفضل الإسلام على سائر الأديان ثمّ دخل عليه محمّد ابنه فحدّثه طويلا.
ثمّ قال:هذا وصيّي و وارثي و عيبة علمي باقر العلم يختلف إليه خلّص شيعتي و يبقر العلم عليهم بقرا.
و نحو ذلك من النصوص (2).
قال عبد الحليم الجندي:أتيح للباقر أن يبلور اتجاه أهل البيت إلى العلم و التعليم،و يبرز فيه العناية بفقه العبادات و المعاملات.و كثر ترديد اسمه مصاحبا لاسم ابنه الإمام الصادق في كتب الفقه الشيعي.و إليه يرجع أصحاب الكلام في العقائد الشيعية،كثير من الفقه المستنبط من القرآن و السنة.
روى عنه جابر الجعفي أكثر من خمسين ألف حديث و روى عنه محمد بن مسلم ثلاثين ألفا.
و كان عبد الملك بن مروان يعرف له حقه،و هو في صدر شبابه،في حياة أبيه إليك أمثالا لفكره في السياسة و الفقه و التفسير.
و كان نشر التشيع لأهل البيت همّه.
قال سعد الإسكافي:قلت لأبي جعفر الباقر:إني أجلس فأقص و أذكر حقكم و فضائلكم قال:
وددت لو أنّ على كل ثلاثين ذراعا قاصا مثلك (3).
و حج هشام بن عبد الملك في أيام ملكه فرأى الباقر بالمسجد يعلم الناس في مهابة و جلال، تعاليم الإسلام و آدابه و فرائضه و أحكامه و الناس خشع في مجلسه.و غلبت هشاما غريزة المعاجزة
لأهل البيت.فبعث إليه من يسأله:ما طعام الناس و شرابهم يوم المحشر؟
و أجابه الإمام الباقر عليه السّلام بآيات الكتاب الكريم.و استطرد في تعليمه و تعليم من أرسله (1).
و حقيقة هذا العلم من المسائل التي يجب أن تبين و تحقق،و سوف نتعرض هنا لبعض ذلك، تاركين بعضها الآخر لبقية الأجزاء.
عن فضيل الرسّان،عن أبي جعفر عليه السّلام:أنّ رجلا قال (2)لعليّ عليه السّلام:يا أمير المؤمنين لو أريتنا ما نطمئنّ إليه (3)ممّا أنهى إليك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قال:لو رأيتم عجيبة من عجائبي لكفرتم و قلتم(إنّي) (4)ساحر كذّاب و كاهن،و هو(من) أحسن قولكم.
قالوا:ما منّا أحد إلاّ و هو يعلم أنّك ورثت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صار إليك علمه.
قال:علم العالم شديد،لا (5)يحتمله إلاّ مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان،و أيّده بروح منه،ثمّ قال:(أمّا)إذا أبيتم إلاّ أن أريكم بعض عجائبي،و ما آتاني اللّه من العلم فاتّبعوا أثري إذا صلّيت العشاء الآخرة.فلمّا صلاّها أخذ طريقه إلى ظهر الكوفة،فاتّبعه سبعون رجلا كانوا في أنفسهم خيار الناس من شيعته.
فقال لهم عليّ عليه السّلام:إنّي لست أريكم شيئا حتّى آخذ عليكم عهد اللّه و ميثاقه أن لا تكفّروني (6)و لا ترموني بمعضلة،فو اللّه ما أريكم إلاّ ما علّمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فأخذ عليهم العهد و الميثاق أشدّ ما أخذ اللّه (7)على رسله من عهد و ميثاق.ثمّ قال:حوّلوا وجوهكم عنّي حتّى أدعوا بما أريد،فسمعوه (8)جميعا يدعو بدعوات لا يعرفونها.ثمّ قال:حوّلوا (وجوهكم) (9).
فحوّلوها،فإذا بجنّات (1)و أنهار و قصور من جانب،و السعير تتلظّى من جانب،حتّى أنّهم ما شكوا أنّهما (2)الجنّة و النار.
فقال أحسنهم قولا:إنّ هذا لسحر عظيم!و رجعوا كفّارا إلاّ رجلين.
فلمّا رجع مع الرجلين قال لهما:قد سمعتما مقالتهم،و أخذي العهود و المواثيق عليهم، و رجوعهم يكفّرونني (3)،أما و اللّه إنّها لحجّتي عليهم غدا عند اللّه،فإنّ اللّه ليعلم أنّي لست بساحر و لا كاهن،و لا يعرف هذا لي و لا لآبائي،و لكنّه علم اللّه و علم رسوله،أنهاه(اللّه)إلى رسوله، و أنهاه إليّ رسوله،و أنهيته إليكم،فإذا رددتم عليّ،رددتم على اللّه،حتّى إذا صار إلى(باب) (4)مسجد الكوفة دعا بدعوات يسمعان،فإذا حصى المسجد درّ و ياقوت.
فقال لهما:ما الذي (5)تريان؟
فقالا:هذا درّ و ياقوت.
فقال:صدقتما،لو أقسمت على ربّي فيما هو أعظم من هذا (6)لأبرّ قسمي،فرجع أحدهما كافرا،و أمّا الآخر فثبت.
فقال عليّ عليه السّلام:إن أخذت شيئا ندمت،و إن تركت ندمت.
فلم يدعه حرصه حتّى أخذ درّة فصرّها (7)في كمّه،حتّى إذا أصبح نظر إليها،فاذا هي درّة بيضاء لم ينظر الناس إلى مثلها قطّ.
فقال:يا أمير المؤمنين إنّي أخذت من ذلك الدرّ واحدة،و هي معي.
قال:و ما دعاك إلى ذلك؟
قال (8):أحببت أن أعلم أحقّ هو أم باطل.
قال:إنّك إن رددتها إلى موضعها الذي أخذتها منه،عوّضك اللّه منها الجنّة،و إن أنت لن تردّها عوّضك اللّه منها النار.
فقام الرجل فردّها إلى موضعها الذي أخذها منه،فحوّلها اللّه حصاة كما كانت،فبعضهم قال (9):كان هذا ميثم التمّار،و بعضهم قال:كان عمرو بن الحمق الخزاعيّ (10)
و أخرج نحوه في مدينة المعاجز:47/2 ح 394 عن مشارق أنوار اليقين:82.
.1) في الخرائج و البحار:جنّات.
2) في الأصل:أنّها.
3) في الأصل و البحار:يكفّرون.
4) ليس في الخرائج.
5) في نسخة:ماذا.
6) في نسخة:من ذلك.
7) صرّ الشيء:وضعه في صرّة و شدّ عليه.
8) في نسخة:فقال.
9) في نسخة:قال بعض الناس.
10) الخرائج و الجرائح:862/2 ح 79 و عنه البحار:259/41 ح 20 و مدينة المعاجز:508/1 ح 328 و إثبات الهداة:462/2 ح 212،و في صحيفة الأبرار:11/2 عنه و عن كتابنا هذا.
سوف نبحث هنا و بإجمال غير مخلّ بالجهات التالية:
1-علم آل محمّد و أقسامه.
2-زمان علم آل محمّد.
3-ماهية علم آل محمّد.
إضافة إلى أن معرفة علم الإمام من الامور الواجبة شرعا و عقلا من باب أن نصب الإمام واجب عقلا(من باب اللطف)و نقلا،و كذلك معرفة الإمام،كما حقّق في العقائد.
و معرفة الإمام هي معرفته بكل خصوصياته و صفاته و التي منها العلم.
و ذلك لأن العقل عندما يحكم بوجوب معرفة إمام الزمان عليه السّلام لا يحكم على شخصه فقط دون مشخصاته،لوضوح أن الحكم بمعرفته من أجل أنها معرفة للّه أو لا أقل تؤدي إلى معرفة اللّه،اضافة إلى أنها تقرب العبد من طاعة مولاه.
و هذا لا يعني القول بعدم وجود الأثر لمعرفة شخص الإمام.كيف؟و نفس وجود الإمام-بلا معرفته-يعتبر أمانا للأمة كما يأتي.
*و كذلك الروايات عندما تخبر عن معرفة الإمام تشير إلى مشخصاته كالمروي عن أمير المؤمنين عليه السّلام:«من عرفني و عرف حقي فقد عرف اللّه» (1).
و معلوم معرفة شخص الإمام لا تؤدي لمعرفة اللّه تعالى،لا أقل لعامة الناس.
و عن أبي الحسن عليه السّلام قال:«من شك في أربعة فقد كفر بجميع ما أنزل اللّه تبارك و تعالى أحدها:معرفة الإمام في كل زمان بشخصه و نعته» (2).
و معلوم أن معرفة نعت الإمام معرفة لكل صفاته عليه السّلام.
و عن الإمام الصادق عليه السّلام قال:قال أمير المؤمنين عليه السّلام:«..و بعد معرفة الإمام الذي به يأتم بنعته و صفته و اسمه في حال العسر و اليسر» (3).
و معرفة نعت الإمام و صفته غير معرفة اسمه عليه السّلام.
و تقدم في الكتاب الكلام حول وجوب معرفة آل محمد عليهم السّلام و أثاره.
و لكن هل يجب الاعتقاد به على التفصيل أم يكفي الإجمال؟
و هل الاعتقاد بالعلم ضروري،بحيث إن من أنكره أنكر ضرورة من ضروريات الدين أم لا؟
أمّا بالنسبة للأول،فالمسألة مربوطة بالإمامة،إذ ما هو القدر الذي يجب معرفته من علم الإمام بحيث لا يكون معه جاهلا لإمامه عليه السّلام،و لا يشمله حديث«من لم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية».
فإذا قلنا أن المعرفة الإجمالية لعلم الإمام كافية في معرفة الإمام بصفاته،كان الواجب هو العلم الإجمالي.و إلاّ كان الواجب العلم التفصيلي بعلوم الإمام.
و الذي يقوى في النفس التفصيل بين أهل العلم القادرين على المعرفة التفصيلية،و بين العوام الذين لا يقدرون على تلك المعرفة.
فأمّا العوام فالواجب عليهم المعرفة الإجمالية.
و أمّا أهل العلم و القدرة فلا يكتفى منهم بالإجمالية،لأنّ معرفة الإمام منهم تقتضي المعرفة التفصيلية،فإذا قصّروا في معرفة علمه التفصيلي كانوا مقصّرين في نفس معرفة الإمام لمكان قدرتهم العلمية.
و إن شئت قلت:معرفة العلم التفصيلي للإمام واجب عيني،إلاّ إنّه منوط بالقدرة،فيخرج عامة الناس لعدم تحقق القدرة العلمية فيهم.
على أنّه يجب أن يكون الإمام أفضل أهل زمانه من كل الجهات و التي من أهمّها العلم، فكيف نريد أن نحكم عليه بأنّه الأفضل بلا المعرفة التفصيلية لعلمه؟!
إن قيل:يكفي ما نقل لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنهم؟
قلنا:الواجب الشرعي و العقلي على كل إنسان أن يعرف إمام زمانه،و إلاّ مات ميتة جاهلية، كما في الأحاديث (1)،و هذا الواجب يجب تحصيله على كل فرد بنفسه لا بنقل ناقل.
على أننا ننقل الكلام للنبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هل يجب معرفة علمه تفصيلا أم إجمالا؟
فلا بدّ من معرفة كون النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أفضل أهل زمانه من ناحية العلم و غيره.7.
1) المعجم الكبير:289/10 ح 10687،و المعجم الأوسط:243/4 ح 3429،و الشريعة للآجري:9،و كنز العمال:207/1 ح 1035،و الكافي:377/1 ح 3،و عيون أخبار الرضا:58/2 باب 7،و كمال الدين: 412/2-668 باب 39،و غيبة النعماني:80-84 باب 7.
و عليه فالنبوّة و الإمامة متوقفة على معرفة الأعلم،نعم ثبوت النبوة يحصل بالمعجزة.
و لا يمكن معرفة الأعلم إلاّ بعد الاطّلاع على كل علومه و علوم الآخرين.
لأنّ كل من ثبت أنه أعلم فهو نبي أو وصي لوجوب تقديم الأفضل على المفضول كما دلت عليه العقول و النقول (1).
إن قيل:كان الخضر أعلم من موسى عليه السّلام.
قلنا:أولا:لا نسلم كونه أعلم،و ذلك لما حققناه أن الأعلم أعلم في كل شيء، و الخضر عليه السّلام لم يكن أعلما من جميع الجهات،فموسى كان أعلم منه بالرسالة السماوية التي أرسله اللّه ليبلغها للناس،و إلاّ لكان الواجب إرسال الخضر عوضا عنه.
ثانيا:علم النبوة المشروط في الباب هو العلم الذي يحتاج إليه الناس في حياتهم،أو الذي يجب على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم معرفته،و معلوم أنّ علم الخضر لم يكن كذلك،إنما كان علما بالأمور الباطنية.
*و أمّا كون علم الإمام من الضروريات:فإنّ معرفة الإمام ضرورة من ضروريات الدين،فلابد أن يكون العلم-كصفة مهمة من صفات الإمام بل المعرفة قد تتوقّف عليه-أيضا ضرورة من ضروريات الدين.
نعم على ما تقدّم من الفرق بين أهل العلم و العوام فإن العوام لا يقدرون على المعرفة لعدم تحقق القدرة فيهم،فقد لا تكون بالنسبة إليهم ضرورة،نعم لو التفتوا إليها لعلموا ببداهتها.
قد يقال أن أكثر الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السّلام و القليل منها عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فما سبب ذلك،و هل يراد أن يثبت لآل محمد ما لم يثبت للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،أم أنّهم سواء في كل شيء؟
و في معرض الجواب نقول:
*أولا:هناك روايات تفيد أنّهم سواء في كل شيء (2)،و لا أقل هناك روايات كثيرة تفيد أنّهم في العلم سواء،كالمروي عن أبي الحسن عليه السّلام قال:«نحن في العلم و الشجاعة سواء».
و في رواية:«لا يكون آخرهم أعلم من أوّلهم».
و في رواية:«أوّلنا كآخرنا و آخرنا كأوّلنا» (1).
و نحو ذلك من الروايات الآتية في ذيل الكتاب (2).
*ثانيا:أن آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أيضا كما يأتي كانوا يخفون كثيرا من علومهم،حتى أخبروا أنفسهم بالعلّة و هي عدم الكتمان،فعن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«و اللّه لو أن على أفواههم أوكية لأخبرت كل رجل منهم ما لا يستوحش إلى شيء،و لكن فيكم الإذاعة،و اللّه بالغ أمره» (3).
و عن الإمام الباقر عليه السّلام:«لو كان لألسنتكم أوعية لحدثت كل امرىء بما له و عليه» (4).
و قال الإمام زين العابدين عليه السّلام:
إني لأكتم من علمي جواهره كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا
و قد تقدّم في هذا أبو حسن إلى الحسين و وصّى قبله الحسنا
يا ربّ جوهر علم لو أبوح به لقيل لي:أنت ممّن يعبد الوثنا
و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا (5)
و قال الإمام الصادق عليه السّلام لمن سأله عن سبب رفع النبي عليّا عليه السّلام على كتفه؟
فقال:«ليعرف الناس مقامه و رفعته.
فقال:زدني؟
فقال عليه السّلام:«ليعلم الناس انّه أحق بمقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فقال:زدني؟
فقال:«ليعلم الناس إنه إمام بعده و العلم المرفوع.
فقال:زدني؟
فقال:«هيهات،و اللّه لو أخبرتك بكنه ذلك لقمت عنّي و أنت تقول إنّ جعفر بن محمد كاذب في قوله أو مجنون» (6).7.
1) راجع لذلك:بحار الأنوار:357/25 ح 7 و 13 و 17.
2) بحار الأنوار:353/25 ح 2-3-17-14-15-9،و كتاب سليم:188.
3) بحار الأنوار:141/26 ح 13 باب أنه لا يحجب عنهم شيء.
4) بحار الأنوار:149/26 ح 34 باب أنه لا يحجب عنهم شيء.
5) الأصول الأصيلة:167،و غرر البهاء الضوي:318،و مشارق أنوار اليقين:17،و جامع الأسرار:35 ح 66.
6) مشارق أنوار اليقين:17.
و قال الإمام الصادق عليه السّلام:«خالطوا الناس بما يعرفون،و دعوهم مما ينكرون،و لا تحملوا على أنفسكم و علينا؛إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان (1).
و قال عليه السّلام:«لا تذيعوا سرّنا و لا تحدّثوا به عند غير أهله فإن المذيع سرّنا أشدّ علينا من عدوّنا» (2).
و قد بيّن الإمام العسكري عليه السّلام علّة عدم إخبارهم بالامور الغيبية بقوله لموسى الجوهري:
«ألسنا قد قلنا لكم لا تسألونا عن علم الغيب،فنخرج ما علمنا منه إليكم،فيسمعه من لا يطيقه استماعه فيكفر» (3).
*ثالثا:الظروف التي كان يعيشها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كذلك بعض الأئمّة كانت مختلفة فرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان في بداية الدعوة الإسلامية و قريب عهد بالجاهلية.
بينما أمير المؤمنين عليه السّلام جاء بعده بسنوات،و هكذا الأئمة واحدا بعد واحد.
و إذا أردنا أن نبرم هذا الكلام فلا بأس بنقل كلام لسماحة الشيخ محمد الحسين المظفر الذي يصلح أن يكون جوابا عن هذا المطلب:قال بعد أن ذكر توقف الرسالة على علم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكل الأشياء:فعلم الرسول بالعالم و إحاطته بما يحدث فيه و قدرته على تعميم الاصلاح للداني و القاصي و الحاضر و الباد؛من أسس تلك الرسالة العامة و قاعدة لزومية لتطبيق تلك الشريعة الشاملة.
غير أن الظروف لم تسمح لصاحب هذه الرسالة صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يظهر للأمّة تلك القوى القدسية و العلم الربّاني الفيّاض.و كيف يعلن بتلك المواهب و الأسلام غضّ جديد،و الناس لم تتعرّف تعاليم الإسلام الفرعية بعد؟!
فكيف تقبل أن يتظاهر بتلك الموهبة العظمى و تطمئن إلى الإيمان بذلك العلم.بل و لم يكن كل قومه الذين انضووا تحت لوائه من ذوي الإيمان الراسخ،و ما خضع البعض منهم للسلطة النبوية إلاّ بعد اللتيا و التي و بعد الترهيب و الترغيب» (4).
أقول:عدم إفصاح النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن كنه علمه كان بالنسبة لعامّة الناس.
و إلاّ فقد أفصح لخاصة أصحابه عن كنه حقيقته و حقيقة علمه،بل و في بعض الأحيان كان يفصح للكثير من الصحابة عن بعض الامور الغيبية أو الغامضة الجديدة،كما تقدّم في كثير من الأحاديث حول عالم الأنوار،و أنّه كان حول العرش هو و آله،و أنّه كان نبيا و آدم بين الطين و الماء.0.
إضافة إلى أحاديث أمير المؤمنين عليه السّلام في وصف النبيّ الأعظم و علمه و انّه علّمه ألف باب من العلم يفتح منه ما أراد،و الذي يشعر بأنّه ليس تعليما كسبيا،بل إشارة إلى المنحة الربّانية التي أفاضها النبي على آل محمد عليهم السّلام.
و سوف يأتي في كلام الغزالي ما يشير إلى ذلك.
علم آل محمّد عليهم السّلام و أقسامه
تقدّم في الأحاديث أنّ الإنسان مهما حاول أن يذكر من الفضائل لآل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فانّه لن يبلغ هذه الحقيقة.
كيف؟و رسول البشرية يقول في الحديث الصحيح:
«يا علي ما عرف اللّه إلاّ أنا و أنت،و ما عرفني إلاّ اللّه و أنت،و ما عرفك إلاّ اللّه و أنا» (1).
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مخاطبا عليا عليه السّلام:«هذا رجل لا يعرفه إلاّ اللّه و رسوله» (2).
و كيف يعرف علي عليه السّلام و هو القائل:«بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة» (3).
و يصف الإمام الصادق عليه السّلام هذا العلم ليقول:«إنّ عندنا و اللّه سرّا من سرّ اللّه و علما من علم اللّه،و اللّه ما يحتمله ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل و لا مؤمن إمتحن قلبه للإيمان،و اللّه ما كلّف اللّه ذلك أحدا غيرنا،و لا استعبد بذلك أحدا غيرنا.
و إنّ عندنا سرّا من سرّ اللّه و علما من علم اللّه،أمرنا بتبليغه فبلّغناه عن اللّه عزّ و جلّ ما أمرنا بتبليغه» (4).
أقول:في هذه الرواية أنّ علمهم لا يحتمله أحد حتى الأنبياء،و في الذيل أنّهم أمروا أن يبلّغوا هذا العلم فبلّغوه،فقد يقال:ما فائدة تبليغه مع انّه لا يحتمله أحد؟!و للجواب عن هذا الإشكال لا بدّ من تقسيم علم أهل البيت عليهم السّلام.
علم أهل البيت عليهم السّلام في حقيقته على مراتب:
1-مرتبة لم يؤمروا بالكشف عنها و لا بتبليغها لعدم احتماله و فهمه على حقيقته،أو لشيء أخفي عنّا.
و هذا ما دلّت عليه طائفة من الروايات منها الرواية المتقدّمة (1).
و في بعض الروايات لم يوصف العلم بأنه لا يحتمل،بل وصف بأنّ«أمرهم جسيم مقنّع لا يستطاع ذكره» (2).
و هذا العلم هو ما يوصف بالعلم اللدني-كما يأتي تفصيله-و الذي كان الأئمة يشيرون إليه إشارة إجمالية،كما روي عن الإمام الصادق عليه السّلام في قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً.
قال:«و ربّ الكعبة و رب البنية(البيت)ثلاث مرّات،لو كنت بين موسى و الخضر لأخبرتهما انّي أعلم منهما،و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما» (3).
و في أحاديث الإسم الأعظم الآتية إشارة إجمالية أيضا لهذا العلم.
2-و مرتبة من علمهم أمروا بتبليغه،كما دلّت عليه الرواية المتقدّمة في مطلع البحث و هو أيضا على قسمين:
أ-قسم أمر أهل البيت عليهم السّلام بتبليغه لكافة الناس،و هو كل علم صدر منهم و وصل إلى عامة الناس،و هو المبثوث في كتبهم و كتب شيعتهم.
ب-و قسم أمروا أن يبلّغوه لخواصّ الناس،و من يقدر على فهمه و تحمله،أو عدم افشائه.
و يدلّ عليه:حديث أمير المؤمنين عليه السّلام مع ميثم التمّار عندما سأله عن معنى عدم احتمال الملك و النبي لعلم آل محمّد،فأخذ الأمير بشرح معنى عدم احتماله.و الحديث طويل (4).
و ما روي عنه عليه السّلام أيضا عندما سئل عن وجه اللّه.
قال:«أنا وجه اللّه».
بينما قال للبعض الآخر عندما سأله:«أوقدوا نارا،فسألهم أين وجه النار؟
قالوا:كل النار وجه النار.
قال عليه السّلام:«كل شيء وجه اللّه» (1).
و ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«انّي لأعلم ما في السموات و ما في الأرض،و أعلم ما في الجنّة و أعلم ما في النار،و أعلم ما كان و ما يكون».
قال:ثم مكث هنيهة فرأى أن ذلك كبر على من سمعه منه،فقال:«علمت ذلك من كتاب اللّه أن اللّه عزّ و جلّ يقول:«فيه تبيان كلّ شيء» (2).
و في رواية مشابهة عن حمّاد قال:«فبهتّ انظر إليه فقال:«يا حمّاد إن ذلك من كتاب اللّه، ثلاث مرّات» (3).
و نحو ذلك من الروايات التي لم يكن فيها أهل البيت عليهم السّلام يصرّحون بكل شيء لأصحابهم، إلاّ من امتحن اللّه قلبه للإيمان،و سوف يأتي بعضها.
نعم؛كما قال صادق آل محمّد عليهم السّلام:«لو تدبّر القرآن شيعتنا لما شكّوا في فضلنا» (4).
*و من هذا الباب الطائفة التي تقول:
«إنّ حديثنا صعب مستصعب لا يعرفه إلاّ ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للايمان» (5).
و منها بلفظ:أنّ أمرهم صعب مستصعب.و هي روايات كثيرة (6).
و بذلك يرتفع التناقض بين الطائفتين:
1-الاولى التي تقول:«إنّ حديثهم صعب-لا يحتمله لا ملك مقرّب و لا نبي» (7).
2-و الثانية التي تقول:«إنّ حديثهم صعب-لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبي مرسل».
و هذا أحد الوجوه لرفع التناقض،و خلاصته:أن تحمل الطائفة الاولى على أعلى مراتب علمهم،و الطائفة الثانية على مرتبة أخرى و هي التي أمروا بتبليغها للخواص.
و هناك وجوه أخرى منها:8.
1) يراجع بصائر الدرجات:61،و إرشاد القلوب:310-317-318،و جامع الأسرار:211 ح 404.
2) الكافي:261/1 ح 2،و بصائر الدرجات:128 باب علمهم بما في السموات و الآية في المصحف: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ النحل:98.
3) بصائر الدرجات:128.
4) الهداية الكبرى:419 باب 14.
5) بشارة المصطفى:148،و الهداية الكبرى:129 باب 2،و الكافي:401/1 ح 1،و بصائر الدرجات:21 ح 1.
6) بصائر الدرجات:26 ح 1-2 و ما بعدهما.
7) راجع إضافة لما تقدم الوسائل:16/18 ح 33285،و معاني الأخبار:188.
*الوجه الثاني:أن تحمل الطائفة الاولى على عدم الإيمان و الإعتقاد به على الحقيقة.
و يشهد له ألسنة الروايات القائلة:«صعب مستصعب لا يؤمن به نبي» (1).
«لا يعرفه» (2)«لا يقرّ به» (3)«لا يعمل به» (4)«لا يصبر عليه» (5).
فمن الناس من يقرّ به و يحتمله و منهم من لا يقرّ به،و لكن يحتمله على إجماله.
*الوجه الثالث:أن تحمل الطائفة الاولى على عدم معرفة و إدراك باطن أحاديثهم،و تحمل الثانية على ادراك و معرفة ظاهرها،و يشهد له روايات أنّ لحديثنا«ظهرا و بطنا»،أو لحديثنا«سبعين وجها» (6).
*الوجه الرابع:أن تحمل الاولى على أنّ:أمرهم لا يحتمل،و الثانية أنّ حديثهم يحتمل و يراد بالأمر الأعظم من الحديث.
خاصة بلحاظ أنّ بعض الروايات تعبّر:«انّ أمرنا هذا مستور مقنّع بالميثاق من هتكه أذلّه اللّه» (7).
و في رواية:«أمر آل محمد جسيم مقنّع لا يستطاع ذكره» (8).
*الوجه الخامس:أن تحمل الأولى على عدم إمكان احتمال الأنبياء و الملائكة و الناس لكامل وجوه أحاديثهم.
و تحمل الثانية على احتمال الأنبياء لبعض أو أكثر وجوه أحاديثهم.
*و من هنا يتّضح ما ورد في تفاوت علم الصحابة،كالمروي عن الإمام الصادق عليه السّلام قال:
«و اللّه لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله،و لقد آخا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بينهما فما ظنّكم بسائر الخلق» (9).
نعم أوّل السيّد المرتضى الحديث بأنّ معنى:«لقتله»أي من شدّة الحبّ (10).
و فيه تكلّف زائد،لأنّ الحديث جاء في تفسير الإمام لروايات«حديثنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ نبي مرسل».
خاصة أنّ هناك حديثا فيه:«لقال:رحم اللّه قاتل سلمان».
و هنا كلام للمحدّث علي بن زين الدين العاملي مفيد في دره المنثور فليراجع (1).
زمان علم آل محمّد عليهم السّلام
قد يقال أنّ الروايات التي تحدّد زمن اتّصاف آل محمّد بالعلم قليلة،باستثناء التي تأتي في طي الأبحاث الآتية.
و لعلّ هذا البحث مرتبط بالأبحاث الآتية،ذلك أنّ في الجهة الثالثة في ماهية علم آل محمّد عليهم السّلام إذا قلنا أنّ علمهم كسبي،فزمانه عند التعلّم،و هو يختلف باختلاف أحوال أهل البيت عليهم السّلام.
بينما إذا قلنا انّه لدني-كما هو الأرجح-فإنّه لا يخضع لسنين التعلّم،بل يكون زمانه هو زمان ولادة الإمام المعصوم في الظاهر،أو زمان وجوده في الواقع كما يأتي.
و إذا قلنا أنّه مربوط بالمشيئة،بمعنى أنّه إذا شاؤوا أن يعلموا علموا،فإن زمان العلم يكون عند كل إرادة لهم.
هذا كلّه في الجهة الثالثة-ماهية العلم-.
و كذلك في الجهة الرابعة:مصدر حصوله،فإنّه إذا رجحنا كونه بواسطة الوحي أو جبرائيل أو المحدّث أو الإلهام أو الروح الأمرية أو مباشرة من اللّه،فإنّ زمان العلم يكون عند اتصاف الإمام بالإمامة أو عند الإختيار الإلهي عزّ و جلّ.
و انّ شئت قلت:عند احتياج الإمام للعلم،لا بمعنى تصدّيه لإجابة الناس؛بل بمعنى أن خلو الإمام منه يعدّ نقصا،فعند وجود الإمام في لوح الواقع إذا وجد خاليا من العلم الرباني،فهو محتاج إلى هذا العلم.
على أنّه يحتمل أن يكون زمان العلم عالم الأنوار،خاصة إذا اخترنا أنّ المصدر الروح الأمرية أو المباشرة من اللّه تعالى،كما هو الصحيح.
أمّا إذا اخترنا-في الجهة الرابعة-أن المصدر القرآن أو العامود النوراني،أو أنّه وراثة من
1) الدر المنثور للشهيد:47/1 حديث لو علم أبو ذر.
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،أو من ليلة القدر،فإن زمان العلم يكون بحسب الإختيار هناك،فإذا اخترنا ليلة القدر فزمان علمهم هو وقت نزولها،و هكذا إذا اخترنا غيرها.
و على كل حال سوف ننتظر الإختيار في الأبحاث الآتية.
*هذا و وردت بعض الروايات الصريحة في زمان علمهم منها:
منها ما عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في خبر طويل في كيفية ولادة الإمام و انعقاد نطفته جاء فيه:«فإذا استقرّت في الرحم أربعين ليلة نصب اللّه له عمودا من نور في بطن أمّه ينظر منه مدّ بصره،فإذا تمّت له في بطن أمّه أربعة أشهر أتاه ملك يقال له حيوان و كتب على عضده الأيمن: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فإذا وقع من بطن أمّه وقع واضعا يديه على الأرض رافعا رأسه إلى السماء،فإذا وضع يديه إلى الأرض فإنّه يقبض كل علم أنزله اللّه من السماء إلى الأرض».
إلى أن قال:«فإذا قالها (1)أعطاه اللّه علم الأوّل و علم الآخر و استوجب زيارة الروح في ليلة القدر» (2).
و الروايات بهذا المضمون كثيرة (3).
و في رواية أخرى:«فإذا مضت عليه أربعون يوما سمع الصوت و هو في بطن أمّه،فإذا ولد أوتي الحكمة...و زين بالعلم و الوقار و ألبسه الهيبة» (4).
*أقول:فهذه الروايات و أشباهها تثبت أنّ زمان علم آل محمد هو عند ولادة كل إمام،و لكن على ما يأتي في الأبحاث الآتية فإنّ هذا الزمان لا يتناسب مع ما نرجحه هناك.
خاصة أنه يمكن تأويل هذه الروايات بأن الإمام كان لديه هذه العلوم،و لكن عند الولادة يجدد أو يؤكد للامام ذلك،كما قد يستفاد من لفظة«يقبض».
على أنه قد كذب الناس بحصول العلم للإمام في زمن الولادة،أو في الصغر،فكيف يصدّقون أنّ علمهم منذ عالم الأنوار!!
فنحملها على اختلاف مستوى الصحابة.
-و منها ما ورد في الحديث المتواتر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:3.
1) أي قوله تعالى: شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ.
2) بصائر الدرجات:441-442 باب النوادر من عامود النور ح 4.
3) بصائر الدرجات:431 ح 1 و ما بعده باب أنّهم تعرض عليهم الأعمال في أمر العامود،و الهداية الكبرى: 101 باب 2.
4) بصائر الدرجات:432 ح 4-10 و 440 ح 3.
«نبئت و آدم بين الروح و الجسد»«وجبت النبوّة لي و آدم بين الروح و الجسد»«كنت نبيّا و آدم بين الروح و الجسد» (1).
فكونه نبيّا ينبأ في غاية الوضوح و الدلالة على تلقيه العلوم في ذلك العالم؛اذ يستحيل أن اللّه اتخذه نبيا و نبأه و هو فاقد للعلم.
و هذا يدلّ أن علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان قبل الخلق و في زمان عالم الأنوار و الأظلّة.
و هكذا أهل البيت عليهم السّلام كما تقدّم في بعض روايات عالم الأنوار من تسبيحهم للّه و تقديسهم له تعالى.
و من المعلوم أن تحمّل النبوّة و عبادة اللّه و تقديسه لا تكون إلاّ بعد العلم.
و الأصرح منه ما روي عن الإمام الباقر عليه السّلام:«إنّ اللّه أوّل ما خلق خلق محمّدا و عترته الهداة المهديين،فكانوا أشباح نور بين يدي اللّه».
قلت:و ما الأشباح؟
قال:«ظلّ النور أبدان نورانية بلا أرواح،و كان مؤيدا بروح واحدة هي روح القدس» (2).
و عن الإمام العسكري عليه السّلام:«هذا روح القدس الموكل بالأئمة عليهم السلام يوفقهم و يسددهم و يزينهم بالعلم» (3).
و سوف يأتي روايات أنّ علمهم من روح القدس،و هذا صريح أنّ زمان علمهم كل علمهم هو عالم الأنوار قبل خلق الخلق.
و في حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام قال فيه:«فلما أراد أن يخلق الخلق نشرهم بين يديه فقال لهم من ربكم؟
فكان أول من نطق رسول اللّه و أمير المؤمنين و الأئمة صلوات اللّه عليهم،فقالوا:أنت ربنا، فحمّلهم العلم و الدين،ثم قال للملائكة:هؤلاء حملة علمي و ديني و أمنائي في خلقي و هم المسؤولون» (4).م.
1) فضائل ابن شاذان:34،كنز العمال:426/12 ح 35584 و 409/11-450 ح 32115 و 31917، و الشريعة للآجري:416-421-عدّة أحاديث-،و مصابيح السنّة:38/4 ح 4479،و الشفاء:166/1، و سنن الترمذي:585/5،و المعجم الكبير:353/20،و الطبقات الكبرى:42/7 و:118/1، و الفردوس بمأثور الخطاب:284/3 ح 4854.
2) أصول الكافي:442/1 ح 10 مولد النبي.
3) الأنوار النعمانية:18/2.
4) بحار الأنوار:16/15 باب بدء خلق النبي ح 22،و:277/26 ح 19 باب تفضيلهم على الأنبياء، و التوحيد للصدوق:319 باب معنى:(و كان عرشه على الماء)ح 1(باب 49)ط.قم.
و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث جاء فيه:«ثم جعلنا عن يمين العرش،ثم خلق الملائكة فهللنا فهللت الملائكة،و كبّرنا فكبّرت الملائكة،و كان ذلك من تعليمي و تعليم علي،و كان ذلك في علم اللّه السابق أن الملائكة تتعلّم منّا التسبيح و التهليل،و كل شيء يسبّح للّه و يكبّره و يهلّله بتعليمي و تعليم علي» (1).
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«يا علي نحن أفضل(من الملائكة)خير خليقة اللّه على بسيط الأرض و خيرة اللّه المقرّبين،و كيف لا نكون خيرا منهم؟و قد سبقناهم إلى معرفة اللّه و توحيده؟!فبنا عرفوا اللّه و بنا عبدوا اللّه و بنا اهتدوا السبيل إلى معرفة اللّه» (2).
و عن الإمام الصادق عليه السّلام:«نحن شجرة النبوّة و معدن الرسالة،و نحن عهد اللّه و نحن ذمّة اللّه، لم نزل أنوارا حول العرش نسبّح فيسبّح أهل السماء لتسبيحنا،فلما نزلنا إلى الأرض سبّحنا فسبّح أهل الأرض؛فكل علم خرج إلى أهل السموات و الأرض فمنّا و عنّا» (3).
*أقول:معرفة اللّه و توحيده أفضل العلوم و أشرفها،بل هي أصل العلم و أصوله.
و قال الإمام الصادق عليه السّلام:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«إنّ اللّه مثّل لي أمّتي في الطين و علمت الأسماء كما علم آدم الأسماء كلّها» (4).
و في رواية عن الإمام الباقر عليه السّلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«إنّ ربي مثّل لي أمّتي في الطين و علّمني أسماء الأنبياء-و في نسخة-الأشياء،كما علّم آدم الأسماء كلّها فمر بي أصحاب الرايات، فاستغفرت لعلي و شيعته» (5).
و عن الحسين بن علي عليهما السّلام عن أبيه أنّه قرأ عليه أصبغ بن نباتة: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الآية.
قال:«فبكى علي عليه السّلام و قال:انّي لأذكر الوقت الذي أخذ اللّه تعالى عليّ فيه الميثاق» (6).
و قال الإمام الجواد عليه السّلام:«أنا محمّد بن علي الرضا أنا الجواد،أنا العالم بأنساب الناس في الأصلاب،أنا أعلم بسرائركم فظواهركم،و ما أنتم صائرون إليه،علم منحنا به من قبل خلق الخلق9.
1) بحار الأنوار:345/26 باب فضل النبي و آله ح 18،و مشارق أنوار اليقين:40،و الأنوار النعمانية:/1 22.
2) بحار الأنوار:349/26-350 ح 33.
3) مشارق أنوار اليقين:45.
4) بصائر الدرجات:85 باب أنّه عرف ما رأى في الأظلة ح 7.
5) بصائر الدرجات:86 باب انه عرف ما رأى في الأظلة ح 15.
6) مناقب ابن المغازلي:175 ط.الحياة،و ط.طهران:272 ح 319.
أجمعين (1)،و بعد فناء السموات و الأرضين،و لو لا تظاهر أهل الباطل و دولة أهل الضلالة،و وثوب أهل الشكّ؛لقلت قولا تعجب منه الأوّلون و الآخرون».
ثم وضع يده الشريفة على فيه و قال:«يا محمّد أصمت كما صمت آباؤك من قبل» (2).
و روى صاحب بستان الكرامة أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان جالسا و عنده جبرائيل عليه السّلام فدخل علي عليه السّلام فقام له جبرائيل عليه السّلام.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«أتقوم لهذا الفتى.فقال له عليه السّلام:نعم انّ له عليّ حق التعليم.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:كيف ذلك التعليم يا جبرائيل؟
فقال:لمّا خلقني اللّه تعالى سألني من أنت و ما اسمك و من أنا و ما اسمي؟
فتحيّرت في الجواب و بقيت ساكتا،ثم حضر هذا الشاب في عالم الأنوار و علّمني الجواب، فقال:«قل:أنت ربّي الجليل و اسمك الجليل و أنا العبد الذليل و اسمي جبرائيل».و لهذا قمت له و عظّمته» (3).
*أقول:ممّا لا شك فيه أن الرسول كان يعلم بتعليم علي عليه السّلام لجبرائيل؛انّما أراد أن يبيّن فضل أمير المؤمنين عليه السّلام من لسان جبرائيل،و تقدّم في الكتاب ما يدلّ على ذلك.
و روى الصفوري قول أمير المؤمنين عليه السّلام:«سلوني قبل أن تفقدوني عن علم لا يعرفه جبرائيل و ميكائيل» (4).
و قد أشار محيي الدين ابن عربي في خطبة الفتوحات المكية إلى ذلك بقوله:«الحمد للّه الذي جعل الإنسان الكامل معلّم الملك و أدار سبحانه و تعالى تشريفا و تنويها بأنفاسه طبقات الفلك» (5).
و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما حدّث عنه سلمان الفارسي في حديث خلقهم أنوارا قبل السماء و الأرض:«ثم خلق منّا و من صلب الحسين تسعة أئمّة و دعاهم فأطاعوه قبل أن يخلق اللّه سماء مبنية و أرضا مدحية،و هواء و ماء و ملكا،و أشركنا بعلمه» (6).
و في حديث الإمام الصادق عليه السّلام مع المفضّل بعد ذكر الإمام رجعة أصحاب الكساء و شكايتهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما حلّ بهم قال:قال أمير المؤمنين عليه السّلام لفضّة:«يا فضّة لقد عرفه رسول اللّه4.
1) في الهداية الكبرى:علما أورثناه اللّه قبل الخلق أجمعين.
2) مشارق أنوار اليقين:98 الفصل الحادي عشر،و الهداية الكبرى:296 باب 11.
3) الأنوار النعمانية:15/1.
4) نزهة المجالس:129/2 ط.التقدم العلمية بمصر 1330 ه،و 144/2 ط.بيروت المكتبة الشعبانية المصورة عن مصر الأزهرية 1346 ه.
5) شرح الأسماء الحسن:49/2.
6) الهداية الكبرى:375 باب 14.
و عرف الحسين اليوم بهذا الفعل(ضرب فاطمة و إسقاط المحسن عليه السّلام)و نحن في نور الأظلّة أنوار عن يمين العرش» (1).
هذا و روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله:«في قاب قوسين علّمني اللّه القرآن و علّمني اللّه علم الأولين» (2).
ماهية علم آل محمّد عليهم السّلام
و يتردّد هذا البحث بين ثلاثة احتمالات:
1-أن يكون علم آل محمد عليهم السّلام علما كسبيا،و يراد به أنّ علمهم بالتعلّم المتعارف بين الناس،و إن شئت سمّيته بالعلم الحصولي.
2-أن يكون علم آل محمّد عليهم السّلام علما لدنيا غير كسبي،بمعنى أنّ اللّه أعطاهم هذا العلم بلا تكسب و تجهد،هذا بغضّ النظر عن كيفية الاعطاء،و الذي هو الجهة الرابعة الآتية.
و هذا العلم يسمّى بالعلم الحضوري.
3-أن يكون علم آل محمّد عليهم السّلام علما متعلقا بالمشيئة و الإرادة،فمتى شاؤوا أن يعلموا علموا أو أعلموا.
و هذا البحث أيضا يخضع لما يأتي من أبحاث كما سوف نبيّن ذلك.
العلم الكسبي الحصولي
و يدل عليه طوائف:
منها ما تواتر عن أمير المؤمنين عليه السّلام:«علّمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ألف باب» (3).
و منها:روايات الإزدياد الآتية في الجهة الخامسة كقول الإمام الصادق عليه السّلام:
«ما من ليلة جمعة إلاّ و لأولياء اللّه فيها سرور».
قلت:كيف ذلك؟
قال:«إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم العرش و وافى الأئمّة عليهم السّلام و وافيت معهم،فما أرجع إلاّ بعلم مستفاد،و لو لا ذلك لنفذ ما عندي» (1).
و في رواية:«إنّه ليحدث لوليّ الأمر سوى ذلك كل يوم(من)علم اللّه الخاص و المكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر» (2).
و نحوها من الروايات (3).
و منها:الروايات الآتية في الجهة الرابعة أنّ منبع علمهم من القرآن أو من ليلة القدر أو إنّ علمهم وراثة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
كل ذلك يدل في ظاهره أنّ علمهم كسبي بالتعلم.
العلم اللدني
و يدل عليه آيات و روايات:
و يدلّ عليه من الآيات:
وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ (4).
قال الإمام الغزالي:(إعلم أنّ العلم يحصل من طريقين:أحدهما التعلم الإنساني،و الثاني التعلّم الربّاني.
الطريق الثاني:إلقاء الوحي،و هو أنّ النفس إذا كملت ذاتها يزول عنها دنس الطبيعة و درن الحرص و الأمل الفانية،و تقبل بوجهها على بارئها و منشئها،و تتمسّك بجود مبدعها و تعتمد على
إفادته و فيض نوره،و اللّه تعالى بحسن عنايته يقبل على تلك النفس إقبالا كليّا،و ينظر إليها نظرا إلهيا و يتخذ منها لوحا،و من النفس الكلي قلما و ينقش فيها جميع علومه،و يصير العقل الكلّي كالمعلّم و النفس القدسية كالمتعلّم،فيحصل جميع العلوم لتلك النفس،و ينتقش فيها جميع الصور،من غير تعلّم و تفكّر،و مصداق هذا قوله تعالى لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ (1).
إلى آخر كلامه،و يأتي بعضه في الفرق بين العلم اللدني و الحصولي.
و روي عن قتادة في قوله تعالى: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ قال:«علّمه اللّه بيان الدنيا و الآخرة» (2).
و عن الضحاك قال:«علّمه الخير و الشرّ» (3).
و قال العلاّمة الطباطبائي: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ليس هو الذي علّمه بوحي الكتاب و الحكمة فقط،فإنّ مورد الآية قضاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الحوادث الواقعة و الدعاوي التي ترفع إليه برأيه الخاص،و ليس ذلك من الكتاب و الحكمة بشيء،و ان كان متوقفا عليهما،بل رأيه و نظره الخاص به.
و من هنا إنّ المراد بالإنزال و التعليم في قوله: وَ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ :نوعان اثنان من العلم:
أحدهما التعليم بالوحي و نزول الروح الأمين على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و الآخر:التعليم بنوع من الإلقاء في القلب و الإلهام الخفي الإلهي،من غير إنزال الملك.
و هذا هو الذي تؤيّده الروايات الواردة في علم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و على هذا،فالمراد بقوله: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ اتاك نوعا من العلم لو لم يؤتك إيّاه من لدنه لم يكفك في إتيانه الأسباب العادية،التي تعلّم الإنسان ما يكتسبه من العلوم)انتهى (4).
*أقول:ظاهر كلامه أنّ إيتاء الكتاب و الحكمة بواسطة الوحي الخاص(جبرائيل)إيتاء كسبي غير لدني،و إنّ علم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مصدره شيئان:
1-الوحي بالكتاب و الحكمة.
2-الإلهام أو القذف بالقلب.ة.
*و الذي يقوى في النظر أنّ إيتاء الكتاب و الحكمة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إن كان المراد به تذكير جبرائيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالآيات القرآنية و الحكم الإلهية،فهو كما قال علم كسبي،و لكنّه لا ينبىء عن حقيقة علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالكتاب و الحكمة.
و إنّ كان المراد به نزول القرآن جملة واحدة على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فممنوع لأنّه نزول غير كسبي،و كيف يكون كسبيا و هو من اللّه تعالى بالمباشرة كما يأتي.
إن قيل:نزوله تدريجا كان بواسطة جبرائيل،و نزوله جملة واحدة كان أيضا بواسطته.
قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ (1).
قلنا:
أوّلا:هذا مبنيّ على تفسير هذه الآية بنزوله جملة واحدة،و إلاّ فقد يكون المعنى:أن الروح الأمين نزل به تدريجا على قلبك،و لا تفسر الآية أصلا بالنزول جملة واحدة.
و الخلاصة:لا نسلم أنّ نزول القرآن جملة واحدة على قلب الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،كان بواسطة جبرائيل؛إمّا لعدم الدليل عليه،و إمّا لعدم الحاجة إليه،و امّا لما يأتي من أنّ زمن علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالقرآن و غيره،هو عرش الرحمن و قبل خلق جبرائيل و غيره من الخلق،و إمّا لما تقدم و يأتي من الدليل على معرفة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للقرآن قبل خلق جبرائيل.
ثانيا:لو سلمنا أنّ الآية تشير إلى نزوله جملة واحدة بواسطة جبرائيل كما استدل بها العلامة، فانّا لا نسلّم أن هذا النزول كسبيّ،فصحيح أنّ جبرائيل يكون الواسطة في انتقال القرآن إلى قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و لكن ليس هو المعلم له و لتفاصيله و آياته،انّما اللّه هو المعلم الحقيقي و علم اللّه لنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غير كسبي،حيث أن العلوم الكسبية غير ثابة و متغيرة كما يأتي.
أمّا قوله أنّ مصدر علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو الكتاب و الحكمة،إضافة إلى الإلهام و القذف.
فبغضّ النظر عن ما يأتي في مصدر علم آل محمّد عليهم السّلام،فإنّا نقول:هذا التفصيل حول العلم يتنافى مع حقيقة العلم الذي هو نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء.
على انّه يتنافى أيضا مع حقيقة علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و زمان حصوله و كيفية ذلك.
فإنّ الحكمة و القرآن هي قسم من العلوم الإلهية التي علّمها اللّه لنبيّه بقوله: وَ عَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ،أو حتى قوله فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى.
فليس المراد أنّ العلم قسمان:قسم لأحكام القرآن و الحكمة الإلهية،و قسم لبقيّة الأمور.
لأنّه:3.
1) الشعراء:193.
أوّلا:الآية مطلقة ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ فكل ما لا يعلمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قام اللّه عزّ و جلّ بتعليمه إيّاه مباشرة،و بلا توسط مخلوق،فكان لدنيا،و هو شامل لأحكام القرآن من حلال و حرام و قصص و مواعظ،و حكم و معارف إلهية،و أمور غيبية،و ما شابه ذلك.
قال الشيخ الطبرسي في الآية:(ما لم تعلمه من الشرائع و أنباء الرسل الأوّلين،و غير ذلك من العلوم) (1).
ثانيا:هذا ينافي صريح القرآن الكريم و إنّه فيه تبيان كل شيء (2)كما يأتي في كثير من الروايات.
و الخلاصة:علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علم واحد لا يتجزأ،و هو علم لدني بكل شيء،الشامل للقرآن و الحكمة و الأمور الغيبية و نحوهم.
و لا يلزم لغوية نزول القرآن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،لما قلنا أن المراد بالنزول هو التدريجي،اما لمؤانسة النبي الاعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-نظير نزوله على فاطمة عليها السّلام-،و اما لتذكيره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالآيات،لا لتعليم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المستتبع لجهله،و أعلمية جبرائيل عليه،و لو بالواسطة.
و مرادنا بالتذكير ليس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد نسي آيات القرآن و الحكمة،انّما كما قدّمنا سابقا أنه لإبراز حقيقة الوحي التي كانت عند الأنبياء السابقين،و التي اعتاد الناس عليها في الأنبياء و صحّة دعوتهم،خاصة في المجتمع الجاهلي الذي لم يصدّق بنبوّة الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فلم يستطع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلاّ أن يبرز لهم الوحي و صفاته و أسماءه و آثاره كما تقدّم و يأتي.
و أمّا النزول الدفعي للقرآن،فهو أيضا ليس معناه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يجهل أحكامه و ابرامه و آياته،و ذلك كما قدّمناه من أن علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الواحد من الواحد لا يتجزأ،و زمانه قبل زمان جبرائيل كما يأتي.و الذي من ضمنه أحكام القرآن الكريم و الحكم الإلهية،فلا تغفل.
هذا و روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله:«في قاب قوسين علّمني اللّه القرآن و علّمني اللّه علم الأولين» (3).
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ، تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (4).
و الشجرة الطيبة كما تواتر في الأحاديث هي آل محمّد و الأئمة منهم عليهم صلوات المصلين (1).
و قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ فسرت بعلم الإمام و ما يفتي به من الحلال و الحرام.
قال الإمام الصادق عليه السّلام: تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ فقال:«ما يخرج إلى الناس من علم الإمام في كل حين يسأل عنه» (2).
و عن الإمام الباقر عليه السّلام:«هو ما يخرج من الإمام من الحلال و الحرام في كل سنة إلى شيعته» (3).
آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً (4).
فعن الإمام الصادق عليه السّلام:«قال:علينا عين؟»
فالتفتنا يمنة و يسرة فلم نر أحدا،فقلنا:ليس علينا عين.
فقال:«و ربّ الكعبة و ربّ البنية-ثلاث مرّات-لو كنت بين موسى و الخضر لأخبرتهما انّي أعلم منهما و لأنبأتهما بما ليس في أيديهما» (5).
و من المعلوم أن علم الخضر لدني بقوله تعالى: ...آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَ عَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً و لا يصحّ كون آل محمد عليهم السّلام علمهم كسبيا في حال كونهم أعلم من الخضر و أفضل.
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ...
فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (6).
و هي الآية من آيات عديدة تصف عروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ربّه حتى كان قاب قوسين أو أدنى.
و الروايات كثيرة أنّ النبي هو الذي دنا فتدلّى و كان قاب قوسين أو أدنى رواها الفريقان من طرق (7).
1) راجع بحار الأنوار:138/24 إلى 143 ح 2 و ما بعده باب أنّهم الشجرة الطيبة،و الفردوس بمأثور الخطاب:52/1 ح 135،و تلخيص المتشابه:309/1 رقم الترجمة 485.
2) بحار الأنوار:140/24-139 ح 4 و 6.
3) المصدر السابق.
4) سورة الكهف،الآية:65.
5) الكافي:261/1 ح 1 باب أنهم يعلمون ما كان و يكون،و بصائر الدرجات:129.
6) سورة النجم،الآية:5-8.
7) راجع تفسير الدر المنثور:123/6-124 مورد الآية،و تفسير الميزان:33/19-36 مورد الآية،و نور الثقلين:145/5 إلى 158 موردها،و الشفا 34/1-37 إلى 39 الفصل الخامس و 203/1-204، و إرشاد القلوب:409/2-411،و لوامع أنوار الكوكب الدريّ:117/1-118،و مناقب آل أبي طالب: 315/4،و تاريخ الخميس:311/1 ذكر المعراج.
منها:ما روي عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال:«أنا ابن من علا فاستعلى فجاز سدرة المنتهى فكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى» (1).
و منها:ما عن الإمام الصادق عليه السّلام قال:«و ذلك أنّه يعني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أقرب الخلق إلى اللّه تعالى،و كان بالمكان الذي قال له جبرائيل لما أسري به إلى السماء:تقدّم يا محمّد فقد و طأت موطئا لم يطأه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل،و لو لا أنّ روحه و نفسه كان من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه،و كان من اللّه عزّ و جلّ كما قال اللّه عزّ و جلّ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى أي:بل أدنى» (2).
و عنه عليه السّلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«كنت من ربي كقاب قوسين أو أدنى» (3).
و في تفسير القمّي في قوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال:«وحي مشافهة» (4).
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«إنّ هذه الآية مشافهة اللّه لنبيّه لمّا أسري به إلى السماء.
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنتهيت إلى سدرة المنتهى» (5).
و منها الحديث المستفيض:قول جبرائيل للنبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:تقدّم.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«في هذا الموضع تفارقني».
فقال جبرائيل:لو دنوت أنملة لاحترقت (6).
و في رواية:«يا جبرائيل لما تخلّفت عني؟
قال:و ما منّا إلاّ له مقام معلوم،لو دنوت أنملة لاحترقت،و في هذه الليلة بسبب احترامك وصلت إلى هذا المقام،و إلاّ فمقامي المعهود عند السدرة» (7).
1) تفسير الميزان:33/19-35،مورد الآية،و نور الثقلين:151/5 مورد الآية.
2) تفسير الميزان:33/19 مورد الآية.
3) تفسير الميزان:33/19-35 مورد الآية،و نور الثقلين:151/5 مورد الآية.
4) تفسير القمي:334/2 مورد الآية،و تفسير الميزان:34/19،و نور الثقلين:152/5.
5) الدر المنثور:148/5،149 مورد الآية.
6) راجع تفسير الميزان:35/19،و تفسير نور الثقلين:155/5،و عيون الأخبار:205/1 باب 26 ح 22، و ينابيع المودة:583/2،و كمال الدين:255/1 و بحار الأنوار:337/26،و تاريخ الخميس:311/1 ذكر المعراج.
7) تاريخ الخميس:311/1 ذكر قصة المعراج.
و في رواية أخرى قال له:«تقدّم أمامك فو اللّه لقد بلغت مبلغا لم يبلغه أحد من خلق اللّه قبلك» (1).
و عن ابن عبّاس في قوله: ثُمَّ دَنا قال:«هو محمد دنا إلى ربّه» (2).
و نحوه عن محمد بن كعب و الإمام جعفر الصادق عليه السّلام و أنس (3).
و عن أبي سعيد قال:«لما أسري بالنبي إقترب من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى» (4).
و عن الإمام زين العابدين عليه السّلام في قوله تعالى دَنا فَتَدَلّى قال:«ذاك رسول اللّه دنى من حجب النور» (5).
و من العجيب ما روي أنّ القصة في جبرائيل،و إنّه هو الذي دنا فتدلى،و العجب فيه أنّ اللّه تعالى إذا يريد أن يدني جبرائيل منه لماذا يحضر النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
و هل يراد بالإسراء و الآيات مدح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تبيين فضله أم مدح جبرائيل و تبيين فضله؟!
مع أن البعض منع و نفى ركوب جبرائيل مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على البراق لاختصاصه بشرف الإسراء (6).
هذا إضافة إلى أنّ الآيات كلّها في سياق واحد: ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى إلى آخر الآيات.
امّا قوله تعالى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى فقيل أن الذي علم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هو جبرائيل،و قيل إن معلّمه هو اللّه تعالى (7).
و لكن بقرينة قوله تعالى: فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى و التي فيها أن اللّه هو الموحي لعبده بالمباشرة و المشافهة؛يتعيّن كون المعلّم هو اللّه تعالى،و علم اللّه لا يكون إلاّ لدنيا،اذ الكسبي زائل متغير كما يأتي،و هو المطلوب.
و يؤيّده،إضافة لما مرّ من روايات خاصة،و روايات تخلف جبرائيل الدالة على أن جبرائيل لم يكن موجودا معهما عند تعليم اللّه ذلك العلم الشديد القوي:ة.
1) تفسير الميزان:33/19،35،مورد الآية،و نور الثقلين:151/5 مورد الآية.
2) الدر المنثور:123/6 مورد الآية.
3) الشفا:204/1-205 فصل في قوله:فأوحى إلى عبده.
4) الدر المنثور للسيوطي:123/6 مورد الآية.
5) الدر المنثور:148/5،149 مورد الآية.
6) تاريخ الخميس:310/1 ذكر قصة المعراج.
7) راجع تفسير الميزان:27/19 مورد الآية.
ما روي عن الإمام الصادق عليه السّلام قال: ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى ... فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى قال:
«فدفع إليه كتاب أصحاب اليمين و أصحاب الشمال،فأخذ كتاب أصحاب اليمين بيمينه و فتحه فنظر إليه فإذا فيه أسماء أهل الجنّة و أسماء آبائهم،ثم طوى الصحيفة فأمسكها بيمينه و فتح صحيفة أصحاب الشمال فإذا فيها أسماء أهل النار و أسماء آبائهم و قبائلهم،ثم نزل معه الصحيفتان فدفعهما إلى علي» (1).
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:«حتى انتهى إلى ساق العرش فدنى بالعلم فتدلّى» (2).
و عن الحسن قال:«دنا من عبده محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتدلّى فقرب منه فأراه ما شاء أن يريه من قدرته و عظمته» (3).
فهذا يدل على أن اللّه تعالى أوحى له وحي مشافهة،كما تقدّم في لسان الرواية السابقة،بغير توسّط جبرائيل؛لأنّه لم يتقدّم معه و إلاّ لاحترق-كما تقدّم أيضا و إن ما أوحي إليه هو من العلوم و المعارف.
قال جعفر بن محمّد عليه السّلام:«إنقطعت الكيفية عن الدنو،ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه و دنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة و الإيمان،فتدلّى بسكون قلبه إلى ما أدناه،و زال عن قلبه الشك و الارتياب» (4).
و عنه عليه السّلام أنّه قال:«أوحى اللّه إليه بلا واسطة» (5).
و نحوه عن الواسطي (6).
و قال القاضي عياض:إعلم أن ما وقع من إضافة الدنو و القرب هنا من اللّه أو إلى اللّه،فليس بدنو مكان و لا قرب مدى،بل كما ذكرنا عن جعفر بن محمّد الصادق ليس بدنو حدّ،و إنّما دنو النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ربّه و قربه منه،أبانه عظيم منزلته و تشريف رتبته،و إشراق أنوار معرفته و مشاهدة أسرار غيبه و قدرته،و من اللّه تعالى مبرّة و تأنيس و بسط و إكرام (7).
و في رواية عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:«فسمع النداء يقول:أدن يا محمّد فدنا،فقطرت عليه من1.
العرش قطرة ما أخطأت فمه،فوقعت على لسانه فكانت أحلى من كل شيء،فأراه اللّه بها علم الأوّلين و الآخرين» (1).
و يشير اليه ما روي عن ابن عباس ضمن حديث طويل عن رسول اللّه قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«... ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى قال:و سألني ربي فلم أستطع أن أجيبه فوضع يده بين كتفي بلا تكييف و لا تحديد فوجدت بردها بين ثديي فأورثني علم الأولين و الآخرين و علمني علوما شتى...
و علمني القرآن فكان جبرائيل عليه السّلام يذكرني به» (2).
و تقدم الحديث الشريف«في قاب قوسين علّمني اللّه القرآن و علّمني اللّه علم الأولين» (3).
فيتبين أنّ الوحي إلى النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان وحيا من قبل اللّه مباشرة،و وحي اللّه لا يكون إلاّ لدنيا.
اَلرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ (4).
و هي أصرح في الدلالة من الآية السابقة،في كون النبي الاعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد تعلم القرآن من اللّه تعالى لا بتوسط أحد،و مما لا شك فيه أنّ تعليم اللّه لا يكون إلاّ لدنيا.
وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً؛
وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ (5).
فقد ورد أنّهم المرادون بهذه الآية (6).
منها:ما روي عن أبي جعفر عليه السّلام قال في قوله تعالى: وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا قال أبو جعفر عليه السّلام:«يعني الأئمّة من ولد فاطمة يوحى إليهم بالروح في صدورهم» (7).
و هي واضحة الدلالة أنّ اللّه تعالى هو الذي يوحي اليهم.
وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ.
1) تاريخ الخميس:313/1 قصة المعراج.
2) المواهب اللدنية:381/2-382 بحث الإسراء و المعراج-الربع الأخير منه،و سوف يأتي الحديث بتمامه،و لوامع أنوار الكوكب الدري:118/1.
3) لوامع أنوار الكوكب الدري:117/1-118.
4) سورة الرحمن،الآية:1.
5) سورة الأنبياء،الآية:73.
6) راجع بحار الأنوار:157/24-158 باب انّهم خير أمّة أخرجت للناس ح 16-17-19-20.
7) بحار الأنوار:158/24 ح 21.
فعن أبي حمزة قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن العلم أهو علم يتعلّمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه؟
قال عليه السّلام:«الأمر أعظم من ذلك و أوجب،أما سمعت قوله تعالى: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ ...بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب و لا الإيمان حتى بعث اللّه تعالى الروح التي ذكر في الكتاب،فلما أوحاها إليه علم بها العلم و الفهم،و هي الروح التي يعطيها اللّه تعالى من شاء فإذا أعطاها عبدا علّمه الفهم» (1).
و سوف يأتي عدة روايات حول الروح الأمرية.
وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (2).
قال الإمام الباقر عليه السّلام في تفسيرها:«علم الإمام و وسع علمه الذي هو من علمه كل شيء» (3).
و هذا أيضا صريح في أنّ علم الإمام عليه السّلام من اللّه تعالى المتعيّن كونه لدنيّا.
وَ لَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَ سُلَيْمانَ عِلْماً (4)
قال بعض المفسرين:ذلك هو الإسم الأعظم تركّب من الحروف الواردة في فواتح السور، و كان مكتوبا على خاتم سليمان بن داود،و به لان الحديد لداود،و سخر الجن لسليمان،و طوى الارض للخضر و به تعلم العلم اللدني،و به أوتي عرش بلقيس،و به يحيي عيسى الطير (5).
و عن علي أمير المؤمنين عليه السّلام في قصته مع عمار في تحويل الحجر إلى ذهب فقال عليه السّلام:«أدع اللّه بي حتى تلين،فإنّه إسمي ألان اللّه الحديد لداود» (6).
منها روايات اعطائهم علم الكتاب و تفضيلهم على الذين عندهم علم من الكتاب.
و منها ما تقدم ضمن تفسير الآيات المتقدمة على العلم اللدني.
و قال الإمام الرضا عليه السّلام:«علمت كل لسان و كل كتاب و ما كان و ما سيكون بغير تعلّم،و هذا سرّ الأنبياء أودعه اللّه فيهم،و الأنبياء أودعوه إلى أوصيائهم،و من لم يعرف ذلك و يتحققه فليس هو على شيء،و لا قوّة إلاّ باللّه» (1).
و من الروايات أيضا:روايات إعطاء الإمام العلم بواسطة النور،كالمروي عن أبي جعفر عليه السّلام قال:«إن الإمام يسمع الكلام في بطن أمّه...حتى إذا شبّ رفع اللّه له عمودا من نور يرى فيه الدنيا و ما فيها،لا يستر عنه منها شيء» (2).
و في رواية:«إذا أراد علم شيء نظر في ذلك النور فعرفه» (3).
و نحو ذلك من روايات عامود النور الآتية (4).
و ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله:«ليس العلم بكثرة التعلّم انّما هو نور يقذفه اللّه في قلب من يريد اللّه أن يهديه» (5).
و في الأثر:«العلم نور و ضياء يقذفه اللّه في قلوب أوليائه و أنطق به على لسانهم» (6).
و في آخر:«ما من عبد إلاّ و لقلبه عينان و هما غيب يدرك بهما الغيب» (7).
و في ثالث:«فإذا أراد اللّه بعبد خيرا فتح عيني قلبه،فيرى ما هو غائب عن بصره» (8).
و في الحديث القدسي في وصف الأولياء:«أقبل عليهم بوجهي؛أترى من واجهته بوجهي يعلم أحد أي شيء أريد أن أعطيه،ثم قال عزّ و جلّ:أوّل ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عنّي كما أخبر عنهم» (9).
و من روايات العلم اللدني روايات كونهم معدن العلم و ورثته (10).
و منها روايات كون عندهم جميع العلوم (11).م.
1) الخرائج و الجرائح:316 الباب التاسع.
2) بصائر الدرجات:435 ح 3 باب أنّه يرى ما بين المشرق و المغرب.
3) بصائر الدرجات:440 ح 2.
4) بصائر الدرجات:431 إلى 443 عدّة أبواب في عرض الأعمال بواسطة العامود.
5) المحجة البيضاء:45/5 كتاب شرح عجائب القلب.
6) المصدر السابق.
7) المصدر نفسه.
8) المصدر نفسه.
9) المحجة البيضاء:39/5 كتاب شرح عجاب القلب.
10) الكافي:221/1-222 باب أنّهم معدن العلم و ورثته.
11) الكافي:255/1-256 باب أنّهم يعلمون جميع العلوم.
و منها ما يأتي في الجهة السادسة من علمهم بالكتاب و القرآن،و هو فيه تبيان كلّ شيء.
و كذلك روايات علمهم بما كان و يكون،و ما شابه من هذه الروايات.
و منها ما يأتي من علمهم للغيب.
و منها:ما يأتي في الجهة الرابعة من أنّ علمهم بإيحاء من اللّه مباشرة،أو أنّه قذف و نقر في القلوب،أو انّه تحديث.
فإنّ هذا كلّه يدلّ على كون علمهم لدنيا و يأتي توضيح الإستدلال بها في الترجيح بين الإحتمالات.
هذا إضافة إلى الدليل العقلي الدال على علمهم اللدني و ذلك بعدة تقاريب:
العلم الحضوري للإمام أكمل في اللطف
أنّ ارسال الرسل و الأئمّة لطف من اللّه تعالى كما هو مبيّن في العقائد.
و اللطف هو كل ما يبعد العبد عن المعصية،و إن شئت قلت هو ما دعا إلى فعل الطاعة (1).
و عليه؛فأوّلا:أنّه من حسن الظن باللّه أن يجعل حججه على أكمل وجه و أصبغ نعمة،و هذا هو الأنسب مع حكمة اللّه.
و معلوم أنّ العلم اللدني أكمل من الكسبي.
ثانيا:علم الناس بأنّ علم الإمام لدني حاضرا في كل حال و لكل شيء؛رادع لهم عن ارتكاب المعصية و البعد عنها و مقرب لهم إلى فعل الطاعة،لخوفهم من تأنيب الإمام لهم على المعصية، و لفرحهم من مدحه لهم على الطاعات.
و في الروايات ما يؤكد ذلك.
العلم اللدني أنفع للأمّة
فإنّ الإمام كلّما كان علمه محيطا بكل الأشياء،و على أكمل وجه من العلم و الإحاطة،و كأن
1) الذخيرة:186 باب الكلام في اللطف.
يعلم بما مضى و ما سوف يأتي،و علمه بخلفيات و أسرار الكلام؛فإنّ كل ذلك يكون أنفع للأمّة و لمصالحها الدينية و السياسية و الإجتماعية،الفردية و النوعية.
لأنّ الإمام عليه السّلام بعلمه اللدني لا ينخدع،و لا تحصل عليه المنقصة لاحتياجه إلى السؤال فيما لو فرض ان علمه غير لدني،و لما علم المنافقين و المخادعين و حيلهم.
و في التاريخ شواهد جمّة ان الإمام أو الخليفة إذا لا يعلم ما في الصدور كيف ينخدع و يصبح سخرية للرعية.بينما لو كان عالما بخفايا الأمور كيف تجده يبرم الأمور إبراما.
العلم اللدني أكمل للإمام
و العلم اللدني أكمل و أفضل للامام عليه السّلام و عدمه منقصة،اذ لو لم يكن علمه لدنيا لوجد من هو أعلم منه،و الأعلم أفضل،و الإمام يجب أن يكون أعلم الموجودين و أفضلهم.
على أنّ العرف و العقل يحكمان بأنّ الإمام و الخليفة يجب أن يكونا أكمل المخلوقات، و يحكمان أيضا أنّ العلم اللدني أكمل من الكسبي الحصولي التدريجي.
العلم الحصولي علم متغير لا يفيد اليقين
العلم اللدني كما يأتي قريبا علم شريف من اللّه تعالى يؤدي إلى اليقين بالمعلوم،أمّا العلم الحصولي الكسبي فإنّه لا يفيد اليقين الجازم بالقضية.
و معلوم أنّ العقل يحكم بوجوب كون الاخبار الصادرة عن الإمام عليه السّلام أخبارا يقينية،و إلاّ لما أفاد الإطمئنان عند الناس،و لما وجب التصديق به.
للعلم بالأشياء طريقان:أن يتوصل إلى الشيء بواسطة الخواص و العوارض أو الشبح و الظل و آثار الأشياء و لوازمها،و هذا يسمّى بالعلم الحصولي.
و هناك طريق آخر و هو أن يتوصل للشيء من خلال معرفة مبادئه و أسبابه،و هذا ما يسمّى بالعلم الحضوري أو اللدني،و الذي من آثاره هو الاطّلاع على أسرار و غيب العالم،كما حصل مع الخضر و موسى عليه السّلام.
قال المتأله السبزواري في اللآلي:العلم حصولي و حضوري،و الحصولي هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل.
و الحضوري هو العلم الذي هو عين المعلوم لا صورته و نقشه،كعلم المجرّد بذاته،أو بمعلوله كعلم الحق تعالى بمعلولاته عند المحققين،و ليس بتصور و لا بتصديق لأنّ مقسمهما العلم الحصولي) (1).
و قال العلاّمة الطباطبائي:(و للرواية«من عرف نفسه عرف ربّه»معنى آخر أدق مستخرج من نتائج الأبحاث الحقيقية في علم النفس،و هو أنّ النظر في الآيات الآفاقية و المعرفة الحاصلة من ذلك نظر فكري و علم حصولي،بخلاف النظر في النفس و قواها و أطوار وجودها و المعرفة المتجلية منها فانّه نظر شهودي و علم حضوري.
و التصديق الفكري يحتاج في تحقّقه إلى نظم الأقيسة و استعمال البرهان،و هو باق ما دام الإنسان متوجّها إلى مقدّماته غير ذاهل عنها و لا مشتغل بغيرها،و لذلك يزول العلم بزوال الاشراف على دليله و تكثر فيه الشبهات و يثور فيه الإختلاف.
و هذا بخلاف العلم النفساني بالنفس و قواها و أطوار وجودها فإنّه من العيان،فاذا اشتغل الإنسان بالنظر إلى آيات نفسه و شاهد فقرها إلى ربّها و حاجتها في جميع أطوار وجودها وجد أمرا عجيبا،وجد نفسه متعلّقة بالعظمة،و الكبرياء متصلة في وجودها و حياتها و علمها و قدرتها و سمعها و بصرها و إرادتها و حبّها و سائر صفاتها و أفعالها،بما لا يناهى بهاء و سناء و جمالا و جلالا و كمالا من الوجود و الحياة و العلم و القدرة و غيرها من كل كمال) (2).
و قال صدر المتألهين في شرح أصول الكافي(شرح الحديث العاشر):
(إعلم أنّ العلم بالأشياء الجزئية على وجهين:
أحدهما:أن يعلم الأشياء من الأشياء،بحسّ أو تجربة أو سماع خبر أو شهادة أو اجتهاد، و مثل هذا العلم لا يكون إلاّ متغيّرا فاسدا محصورا متناهيا غير محيط،فإنّه يلزم أنّ يعلم في زمان وجودها علما،و قبل وجودها علما آخر،ثم بعده علما آخر.
فإذا سئل العالم بهذا العلم عن حادث ما،كالكسوف مثلا حين وجوده يجيب بجواب فيقول مثلا:إنكسفت الشمس،و إذا سئل عنه قبل حدوثه يجيب بجواب آخر فيقول:سيكون الكسوف،ثم إذا سئل بعده فيقول:قد كان الكسوف.فعلمه بشيء واحد تارة كان و تارة كائن و تارة سيكون،فيتغيّر علمه.
و مثل هذا العلم الإنفعالي متغيّر فاسد ليس بيقين إذ العلم اليقيني ما لا يتغيّر أصلا.
و ثانيهما:أن لا يعلم الأشياء من الأشياء؛بل يعلم بمبادئها و أسبابها،فيعلم أوائل الوجودي.
و ثوانيها،و هكذا إلى أن ينتهي إلى الجزئيات،علما واحدا و عقلا بسيطا محيطا بكليات الأشياء، و جزئياتها على وجه عقلي غير متغيّر،فمن عرف المبدأ الأوّل بصفاته اللاّزمة و عرف أنّه مبدأ كل وجود و فاعل كل فيض وجود عرف أوائل الموجودات عنه،و ما يتولّد عنها على الترتيب السببي و المسبّبي،كما يتولد مراتب العدد من الواحد على الترتيب،و ما من شيء من الأشياء يوجد إلاّ و قد صار من جهة ما يكون واجبا بسببه و سبب سببه إلى أن ينتهي إليه تعالى.فتكون هذه الأسباب بمصادماتها تتأدّى إلى أن يوجد عنها الأمور الجزئية) (1).
فتحصل:أنّ العلم الحصولي الكسبي علم بظواهر الأشياء و جزئياتها من طريق نفس الأشياء يتغير و لا يفيد اليقين،و هذا العلم يتنزّه عنه الأولياء فضلا عن آل محمّد عليهم السّلام.
و إنّ العلم الشهودي الحضوري علم بواقع الأشياء و أسبابها-و الذي يغني عن العلم بجزئياتها- و إنّه هو علم الأولياء فضلا عن أولي الأمر من آل محمّد عليهم السّلام.
و آثار هذا العلم إضافة إلى أنّها شهودية لعين الواقع و صقع الأمر،أنّه يؤهّل العالم به أن يطّلع على أسرار الكون و الملكوت،و يعطيه الأهلية لقدرة التصرّف فيه،منتظرا منح القدرة من اللّه العزيز المتعال.
قال الإمام الغزالي بعد تعريف الوحي و الإلهام و العلم الحاصل منهما:(و العلم الحاصل عن الوحي يسمّى علما نبويا،و الذي يحصل عن الإلهام يسمّى علما لدنيا،و العلم اللدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس و بين الباري،و إنّما هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف،و ذلك أنّ العلوم كلّها حاصلة معلومة في جوهر النفس الكلية الأولى،الذي هو في الجواهر المفارقة الأوّلية المحضة بالنسبة إلى العقل الأوّل كنسبة حواء إلى آدم عليه السّلام.
و قد بيّن أنّ العقل الكلي أشرف و أكمل و أقوى و أقرب إلى الباري تعالى من النفس الكليّة، و النفس الكليّة أعزّ و ألطف و أشرف من سائر المخلوقات،فمن إفاضة العقل الكلّي يتولّد الإلهام(كذا -و الصحيح الوحي)و من إشراق النفس الكليّة يتولّد الإلهام،فالوحي حلية الأنبياء،و الإلهام زينة الأولياء (2).
و قال القسطلاني:و العلم اللدني الرحماني هو ثمرة العبودية و المتابعة لهذا النبي الكريم عليه أزكى الصلاة و أتمّ التسليم،و به يحصل الفهم في الكتاب و السنّة بأمر يختص به صاحبه،كما قال علي بن أبي طالب عليه السّلام و قد سئل:هل خصّكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بشيء دون الناس؟5.
فقال:«لا،إلاّ فهما يؤتيه اللّه عبدا في كتابه» (1).
و قال الفيض الكاشاني:و ليعلم أنّ علوم الأئمّة عليهم السّلام ليست إجتهادية و لا سمعية أخذوها من جهة الحواس،بل لدنية أخذوها من اللّه سبحانه ببركة متابعة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).
الإحتمال الثالث:أنّ علم آل محمد عليهم السّلام علم إرادي.
و يراد به أنّ علم آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم متوقفا على إرادتهم لهذا العلم متى احتاجوا إليه،و هذا ليس علما كسبيا لأنّه لا يحتاج إلى التكسّب،و ليس علما للأشياء من الأشياء،انّما هو علم منوط بإرادة و مشيئة كل إمام،و هذا هو فرقه عن العلم اللدني إذ ليس علم الإمام حاضرا في كل آن آن.
و يدل على هذا الإحتمال عدّة روايات:
منها ما عن الإمام الصادق عليه السّلام:«إنّ الإمام عليه السّلام إذا شاء أن يعلم أعلم» (3).
و في رواية:«إذا شاء أن يعلم علم» (4).
و في ثالثة عن عمّار الساباطي:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الإمام يعلم الغيب؟
فقال:«لا،و لكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه اللّه ذلك» (5).
و نحوها ذلك من الروايات (6).
و قد تقدّم روايات:«قلوبنا أوعية لمشيئة اللّه فإذا شاء شئنا» (7).
الخالية عن باب العلم.
1) المواهب اللدنية:493/2 في وجوب محبته و اتباع سنّته-الفصل الأول،و الحديث في المحجّة البيضاء: 43/5.
2) الأصول الأصيلة:30-31 الأصل الثاني-وصل-.
3) أصول الكافي:258/1 باب أنّهم إذا شاؤوا اعلموا ح 2.
4) بصائر الدرجات:315 باب أنّه إن شاء علم ح 2.
5) الكافي:257/1 ح 4 باب نادر في الغيب،و بصائر الدرجات:315 ح 4،و بحار الأنوار:57/26 ح 119.
6) بحار الأنوار:56/26-57 ح 116 و ما بعده.
7) الهداية الكبرى:359 باب 14.
أمّا الإحتمال الأوّل:فأولا يكفي لسقوطه معارضة الإحتمال الثاني و الثالث له بل و نفيه.
ثانيا:تقدّم في الدليل العقلي أنّ العلم الكسبي لا يليق بالإمام المعصوم المفترض الطاعة،بل قد يعد نقصا،و ذلك لعدم إفادته اليقين القطعي.
ثالثا:لا يتناسب مع حالات آل محمد المختلفة زمانا و مكانا،ذلك انّ العلم الكسبي يحتاج إلى الزمان و المكان،بل هو خاضع في كثرته و قلّته لهما،فالزمان الذي قضاه أمير المؤمنين في التعلّم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو من القرآن أكثر من الزمان الذي قضاه الحسن و الحسين عليه السّلام،و هكذا في باقي الأئمّة عليهم السّلام،و المسألة أوضح في خاتم الأئمّة الحجّة القائم عليه السّلام.
فروايات الازدياد أن كان المراد منها زيادة التكسّب،فإنّها تجعل التفاوت بين علم النبي و الأئمّة عليهم السّلام أو هم فيما بينهم،و تقدّم انّهم سواء.
على أنّ ذلك ينافي أصل علم الأئمة عليهم السّلام حيث أنّ بعض الأئمة-على الأقل-كان منذ صغره يعلم علم ما كان و ما يكون،كمّا روي عن حذيفة قال:سمعت الحسين بن علي عليه السّلام يقول:«و اللّه ليجتمعن على قتلي طغاة بني أمية و يقدمهم عمر بن سعد،و ذلك في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم».
فقلت له:أنبأك بهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قال عليه السّلام:«لا».
قال:فأتيت النبي فأخبرته.
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«علمي علمه و علمه علمي،لأنّا نعلم الكائن قبل كينونته» (1).
و الروايات كثيرة في ذلك يأتي بعضها.
و عليه:فروايات الإزدياد لا بدّ أن تفسّر:
إمّا بأن الإمام يريد أن يبيّن ارتباطه باللّه أو بالعرش-على حسب لسانها-و إن علمه من علم اللّه تعالى.
و إمّا يريد عليه السّلام أن يخبر عن حالاته الغيبية مع اللّه تعالى و لقائه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عن عروجه إلى العرش.
و إمّا كون الإمام في مجلس لا يستطيع أن يصرّح بأكثر من ذلك إمّا للتقية و إمّا لتفاوت أصحابه -كما يأتي توضيحه-.
هذا،و يمكن من بعض ألسنتها جعلها دليلا على العلم اللدني،و ذلك أن الازدياد يرجع في
1) بحار الأنوار:186/44.
الواقع إلى العطاء المباشر من اللّه تعالى،خاصة في الرواية التي عبرت عن العلم المستفاد«بالعلم الخاص المكنون العجيب».
نعم تبقى مسألة تكرار العروج إلى اللّه للازدياد و أنه كل ليلة جمعة،الذي ظاهره التعلم التدريجي،و لكن يجاب عنه بما تقدم أنه للتأكيد على ارتباط آل محمد عليهم السّلام بالعرش و أنّ علمهم من اللّه تعالى مباشرة.
على أنّه لو صحّ لكان غير مضر،لأنّ العروج و إن كان ظاهره التدرج،إلاّ أنه في النهاية علم من اللّه تعالى و علم اللّه ليس كسبيا.
و أما روايات أمير المؤمنين عليه السّلام:«علّمني رسول اللّه ألف باب»فإنها كانت في مقام تبيين أنّه أعلم من الخلفاء،و أنّه أقرب منهم إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان يغذّيه بالعلم.
و إمّا تحمل على عدم تحمّل الناس لأكثر من ذلك،خاصة و أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام مع كل هذه التصريحات و أنّ علمه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ادّعوا له الربوبية.
هذا و يمكن تفسير هذه الروايات لتدلّ على العلم اللدني أيضا،و إليه أشار الإمام الغزالي؛ قال:(و قال أمير المؤمنين عليه السّلام«إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أدخل لسانه في فمي فانفتح في قلبي ألف باب من العلم و فتح لي من كل باب ألف باب».
و هذه المرتبة لا تنال بمجرّد التعلّم،بل يتمكن المرء في هذه المرتبة بقوّة العلم اللدني،و كذا قال عليه السّلام لما حكى عن عهد موسى عليه السّلام أنّ شرح كتابه كان أربعين حملا:«لو أذن اللّه تعالى و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأشرح في شرح الفاتحة حتى يبلغ أربعين وقرا».
قال:و هذه الكثرة و السعة و الإفتتاح في العلم لا يكون إلاّ من لدن إلهي سماوي) (1).
خاصة بعد ملاحظة أنّه ورد الحديث و من طرق بلفظ:«علّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليّا حرفا يفتح ألف حرف كل حرف منها يفتح ألف حرف» (2).
و في رواية:«علّم رسول اللّه عليا كلمة تفتح ألف كلمة» (3).
فهذا يدل على أنه ليس حصوليا.
أمّا الإحتمال الثالث:فإنّه يكفي ما تقدّم من أدلّة في الإحتمال الثاني لردّه أو تأويله و ذلك:
أنّ آل محمّد عليهم السّلام و بسبب الغلوّ فيهم أو بسبب الحفاظ على شيعتهم،لم يكونوا يصرّحون بكلم.
العلوم التي كانوا يعلمونها إلاّ في المجالس الخاصة،كما تقدّم عن الإمام الصادق عليه السّلام عندما قال:
«علينا عين».
فقلنا:ليس علينا عين.
فقال:«و ربّ الكعبة و ربّ البنية لو كنت بين الخضر و موسى لأخبرتهما أنّي أعلم منهما و لأنبّئهما بما ليس في أيديهما» (1).
و في رواية طويلة تقدّم طرفها قال فيها الإمام الصادق عليه السّلام:«يا عجبا لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب،ما يعلم الغيب إلاّ اللّه،لقد هممت بضرب جاريتي فلانة فهربت منّي فما علمت في أي بيوت الدار هي».
قال سدير:فلما أن قام عن مجلسه صار في منزله و أعلمت،دخلت أنا و أبو بصير و ميسر و قلنا له:جعلنا اللّه فداك سمعناك أنت تقول كذا و كذا في أمر خادمتك،و نحن نزعم أنّك تعلم علما كثيرا،و لا ننسبك إلى علم الغيب (2).
و في رواية قال عليه السّلام:«إنّي لأعلم ما في السموات و ما في الأرض،و أعلم ما في الجنّة و أعلم ما في النار،و أعلم ما كان و ما يكون».
قال:ثم مكث هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه.
فقال:«علمت ذلك من كتاب اللّه» (3).
و نحو ذلك من الروايات كثير (4).
هذا و يكمن أن يقال:أنّ روايات توقّف علم الإمام على المشيئة ترجع إلى الإحتمال الثاني أيضا،لأنّها ليست في صدد نفي العلم اللدني للإمام و لا سلب العلم عن الإمام في بعض الأزمنة، إنّما هي بصدد تبيين غزارة علمهم و إنّه لا يخفى عليهم شيء في السموات و الأرض،و إنّهم يعلمون كل شيء متى أرادوا.
و إن شئت قلت:آل محمد في عيش دائم مع اللّه،و إرادتهم دوما مع اللّه تعالى،و لا تفكّر إلاّ باللّه و آياته و عباداته،فلابدّ للإمام أن لا يخرج عن هذا العيش إلاّ للضرورة-كما تقدّم-فإذا احتاج إلى علم ما لحلّ خصومة أو نحو ذلك استدعى علمه المخزون بإرادته و مشيئته.
و هذا لا يستلزم النقص،لأنّه إنّما غاب عن هذه العلوم(علوم تصريف الأمور)للإنشغال بعلومت.
أفضل و أشرف،لأنّ عيش الإمام مع اللّه هو التفكّر في آياته و علم اللّه و العلم بصفاته و أسمائه،و هذا أشرف العلوم و أكملها.
و عليه:فهذا تفصيل بين علمين للإمام:علم لا ينفك عن الإمام،و هو العلم الشريف باللّه و بآياته،و ليس مربوطا بالإرادة بل إرادة الإمام كلّها متّجهة لهذا العلم تستدعيه في كل آن آن،و تعيشه لحظة بعد أخرى.
و علم لا يرتبط بهذا الأمر،بل يرتبط بتصريف أمور الملك و الخلافة لعامة الناس،فإنّ هذا العلم يستدعيه الإمام وقت الحاجة،و هو المتوقف على الإرادة بهذا المعنى.
على أنّ توقّف علم الإمام على الإرادة إذا فسّر بما لا يرجع للعلم اللدني،فإنّه يستلزم النقص على الإمام،لأنّه في حالة عدم إرادته للعلم يكون جاهلا و العياذ باللّه،و يكون غيره في تلك الفترة أعلم منه،و لو بالنسبة،فتأمل.
أو لا أقل يوجب عدم الكمال،ذلك لما تقدّم من أدلة عقلية على العلم اللدني و أنه أكمل للإمام و أقرب للّطف.
أعترض على العلم اللدني لآل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ببعض الآيات و الروايات.
أمّا الآيات،فبقوله تعالى:
1- وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللّهُ (1)لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ (2).
2- سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلاّ ما شاءَ اللّهُ (3).
3- وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ (4).
4- ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لاَ الْإِيمانُ (1).
5- قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ (2).
6- لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (3)وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (4).
و من الروايات:
1-ما تقدّم من قول الإمام الصادق عليه السّلام:يا عجبا لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب.و نحوها من الروايات النافية للغيب.
2-ما ورد في سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و نومه عن صلاة الصبح.
3-ما ورد في إقدامهم على القتل و شرب السم.
4-ما ورد في نفي الغلو عنهم و تقريع القائل به.
5-ما ورد في أفعال الأئمة الظاهرية كبقية الناس.
فيجاب عن الجميع أوّلا:بأنّ هناك كثير من الآيات القرآنية نزلت من باب(إيّاك أعني و اسمعي يا جارة)سواء التي ذكرت في باب العلم كالمتقدّم منها،أم التي وردت في مختلف المواضيع،و إليك نموذجا منها:
قوله تعالى: إِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (5).
و نقطع أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وحده على الهدى و الكفّار على الضلال،كما بيّنته كثير من الآيات.
إلا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أراد مجاراة الكفار لمصلحة ما.
و قوله تعالى: ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا بِكُمْ (6).
و لا يشك مؤمن أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يدري ما يفعل به بل الآيات الاخرى مصرّحة بذلك،و نحن ندري ما يفعل بهم أيضا.
و قوله تعالى: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ (1).
و لا يتوهّم مسلم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شك في يوم من الأيام،و أين قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ (2).
ثانيا:فرق بين النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بين آل محمّد عليهم السّلام و ذلك لكون زمن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم زمن تأسيس الإسلام و تركيز دعائمه الأساسية و هم قريبوا عهد بالجاهلية،و يدل عليه ما روي عن الإمام الكاظم عليه السّلام قال:«إنّ علي بن الحسين عليه السّلام كان يقرأ القرآن فربّما مرّ المار فصعق من حسن صوته،و إنّ الإمام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس».
قيل له:ألم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يصلّي بالناس و يرفع صوته بالقرآن؟.
فقال عليه السّلام:«إنّ رسول اللّه كان يتحمّل من خلفه ما يطيقونه» (3).
و رواه الكليني بسند آخر (4).
*و يجاب عن الآيات الاولى النافية لعلم الغيب:بأنّه لا يراد إثبات علم الغيب لآل محمّد عليهم السّلام بالإستقلال أو بعرض علم اللّه تعالى الغيبي،فإنّ المنفي من الآيات هو علم الغيب الذي يكون بعرض علم اللّه تعالى،لذا قال تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ (5).
و قال: لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ (6).
فالآيات لا تنفي أن يمنح و يمنّ اللّه عزّ و جلّ بعلمه كلّه أو بعضه على من يشاء كيفما يشاء و أينما يشاء،انّما هي تنفي الغيب الذي يؤدّي بصاحبه إلى الألوهية أو الشريك لله.
و سوف يأتي زيادة توضيح عند ذكر الآيات الدالة على علم للنبي الاعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للغيب.
*و يجاب عن الآية الثانية:أنّها عامّة لكل الناس إنّما خوطب النبي بها لأنّه القارىء الأوّل للقرآن،و المعنيّ بمسألة القرآن أكثر من غيره،و إلاّ فرسول اللّه مطهّر من هذه النواقص بآية التطهير.
على أنّ الآية تثبت عدم نسيان النبي للقرآن،و الإستثناء ليس إثبات لنسيانه إنّما هو لبقاء قدرة اللّه على إطلاقها،نظير قوله تعالى في أهل الجنة: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (7).8.
*و يجاب عن الآية الثالثة:بحملها على أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالاستقلال لا يعلم المنافقين،فاللّه يريد أن ينفي علم النبي بالمنافقين بعرض علمه تعالى،أمّا أنّ اللّه أعلمه بأسمائهم فالآية لا تنفيه،بل هو مثبت بآيات أخرى و أحاديث متعدّدة،و كيف لا يعلم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالمنافقين،و كان يعلم خبر السماء و الأرض؟!
و كيف لا يعلمهم و كان بعض صحابته يعلمهم كما هو معروف عن حذيفة (1)؟!
هذا إضافة إلى تصريح أهل البيت عليهم السّلام بعلمهم التفصيلي للمنافقين ظاهرهم و باطنهم (2).
و معلوم أنّ ما علمه الأئمة عليهم السّلام علمه الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالأولوية و قد تقدم قريبا أنّ علمه علمهم عليهم السّلام.
*و يجاب عن الآية الرابعة:بأنها واضحة في إرادة التفريق بين حالتين؛الحالة الأولى قبل إعطاء اللّه الروح الأمرية،و الحالة الثانية بعد هذا العطاء،لذا جاء قوله تعالى: وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا قبل هذه الآية.
نعم الآية لا تشير إلى زمن إعطائه الروح الآمرية قبل النبوّة أم بعدها و تقدّم مفصلا أنّها قبل النبوّة،بل في عالم الأنوار و الأظلّة.
و يجاب عن الآية الخامسة:أنها متعلّقة بقول الكافرين: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ فكأنّ الكفّار حاولوا أن يعتذروا من الإيمان بأننا لا نفهم ما تقول،فجاء الجواب:إنّما أنا بشر،أتكلّم بنفس الكلام الذي تتكلّمون فيه و بنفس المنطق،و ما أخبركم به ليس من عندي إنّما هو من عند اللّه تعالى.
و كونه بشرا لا ينافي اعطاءه العلم اللدني،لذا كان أمير المؤمنين يصرّح بذلك فيقول:«أنا بشر مثلكم أجرى اللّه على يدي المعاجز» (3).
*و يجاب عن الآية السادسة:بما فسّرها الإمام الباقر عليه السّلام بقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فالذي أبداه فهو للناس كافّة،و الذي لم يحرّك به لسانا أمر اللّه تعالى أن يخصّنا به دون غيرنا،فلذلك كان يناجي به أخاه عليّا دون أصحابه» (4).
فتكون الآية مؤيدة للعلم اللدني لا نافية له.
قال الشيخ الطبرسي في الآية:لا تحرك به لسانك لتعجل قراءته بل كرّرها عليهم ليتقرر فير.
قلوبهم فإنهم غافلون عن الأدلّة،ألهاهم حبّ العاجلة فاحتاجوا إلى زيادة تنبيه و تقرير (1).
على أنّ الآية ظاهرة في علم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للقرآن قبل تعليم جبرائيل له،كما تقدم في آية: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (2).
فالرواية الأولى و أمثالها النافية لعلمهم للغيب واضحة أنّها كانت تريد أن ترد على الغلاة،فهم ينفون الغيب المساوق للغلو،لا علم الغيب الذي يكون من اللّه تعالى.
على أنّ الروايات هذه تحمل-كما تقدّم-على اختلاف مستوى الصحابة،فلم يكونوا يستطيعون التصريح بكل ما يعلمون،و قد تقدّم توضيح ذلك قريبا.
-أمّا الطائفة الثانية:و هي روايات نسيان النبي و نومه عن صلاة الصبح،فردها من أمور:
أولا:أنّ هذه الروايات و إن كان بعضها مرضي السند،إلاّ أنّ القطع بصحّتها مشكل،مع ما ورد من طوائف من الروايات تؤكد عصمة آل محمّد عن الخطأ،و تثبت لهم العلم بكل الأحكام الشرعية،و أنّ علمهم سواء فيه،و لا تستثنى النسيان لمصلحة ما،كالتعليم و عدم الغلو و ما شابه ذلك من أسباب النسيان.
ثانيا:إثبات النسيان للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو لآل محمّد عليهم السّلام ينافي مضمون آية التطهير و آية: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى فمن أثبت النسيان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقد أثبته على الوحي الموحي إليه من اللّه تعالى بنصّ هذه الآية.
ثالثا:إثبات النسيان أو ترك الصلاة الواجبة فيه نوع شين و نقص عند العرف العام و الخاص، فأهل الصلاة في كل عصر و مكان إذا ناموا عن صلاة الصبح يعتبرون أنفسهم مذنبين مقصّرين، و يستغفروا اللّه و يعتبروا أنّ الشيطان بال في آذانهم-كما في بعض الروايات- (3).
و إذا سئل البعض يحاول إخفاء هذا الأمر حياء لما فيه من المنقصة و المهانة بترك الواجب، و هذا شيء مسلّم،و من ينكر ذلك فعليه أن يجرّب و ينام عن صلاته ثم يعرضها أمام الناس.
فكيف يريدونا أن نتعقّل ذلك في نبيّنا نبيّ الهدى و آل بيته الأطهار المصطفين الأخيار.
و لمن أراد مزيد بيان فليراجع رسالة الشيخ المفيد(قده)في عدم سهو النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (4).
رابعا:إنّ اثبات السهو أو الإسهاء يبطل نبوّة النبي الأعظم و إمامة الأئمّة الطاهرين عليهم السّلام،ذلك أنّ النبي و الإمام يجب أن يكون أفضل و أعلم الموجودين في كل أمر و في طيلة نبوّته و إمامته،و لو وجد من هو أفضل منه للحظة واحدة؛لوجب عقلا و شرعا أن يكون هو النبي و الإمام دونه.و عليه فإذا ثبت السهو على النبي و الإمام عليه السّلام فانّه في تلك الفترة الزمنية غيره أفضل منه في صلاته مثلا، لعدم صدق السهو في حقّه.
إن قيل:المعتبر في الأفضلية على نحو المجموع.
قلنا:إن تعقلنا ذلك في غير المعصوم،فإنا لا نحتمله فيه عليه السّلام؛ذلك لما حققناه مفصلا في النص على أمير المؤمنين عليه السّلام (1)،من أنّ الأفضل أفضل في كل شيء؛ففي العلم يجب أن يكون أعلم الناس،و في الفقه أفقه الناس،و في السياسة أسيس الناس،و في القضاء أقضى الناس،و هكذا في بقية صفات التفاضل،كما تقدم مفصلا.
*و قد سمعت من بعض مراجع التقليد أنّه كان يتوقّف في استمرار مرجعيته على الناس فيما لو دخل في الغيبوبة أو الإغماء المتعمّد منه كمرحلة العلاج،و غير المتعمّد.مع أنّ العرف قد يتساهل في هذه اللحظات.
خامسا:مسألة الإسهاء و هي أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا يسهو،و لكن اللّه بقدرته أسهاه،فهي و إن كانت أقل محذور من السهو،إلاّ أنّها أيضا بالنتيجة تؤدي لأن يكون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نام عن صلاته الواجبة، و احتاج إلى من يذكّره في صلاته.
على أنّ اللّه عزّت آلاؤه كيف يتعقّل أنّه من أجل نفي الغلو عن النبي أو من أجل مصلحة التشريع،يفرض على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المختار أفضل المخلوقين ترك واجب يورث عليه النقص أو لا أقل عدم الكمال،و يعدّ عند الناس من المعاصي الكبيرة،و هل يعبد اللّه من حيث يعصى!؟
سادسا:إنّ الإمام لا يحتاج إلى أحد،بل كل الناس محتاجة إليه،سواء في الامور الدينية أم الدنيوية،أمّا الدينية فلوضوح اشتراط الإخلاص في الأعمال العبادية خاصّة من آل محمّد عليهم السّلام،و قد حكم البعض ببطلان الوضوء إذا كان بمساعدة الغير.
و أمّا الدنيوية فللنهي الوارد من أهل البيت عليهم السّلام في الإعتماد على غير اللّه،لأنّ الإستعانة بالغير في الامور الدنيوية تنافي التوكّل على اللّه من أئمّة المسلمين.
على أنّ الحاجة للناس تجعل صاحب الحاجة مفضولا في مقابل الفاعل.
و قد أنّب اللّه نبيّه يوسف عليه السّلام عندما قال لرفيق سجنه: اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ (2)أي سيّدك.2.
هذا و قال الإمام الصادق عليه السّلام:«إنّ عندنا ما لا نحتاج إلى الناس و إنّ الناس ليحتاجون إلينا» (1).
و عليه فإذا قلنا بسهو أو إسهاء النبي و الإمام لاحتاجا إلى من يذكّرهما بصلاتهما و أفعالهما، و لذهب الوثوق بصحة صلاتهما،لاحتمال أنّ كل صلاة يؤدينها يحتمل فيها السهو و الغلط،و كفى بذلك منقصة أو عدم كمال.
سابعا:أنّه وردت روايات كثيرة أنّ الإمام لا يسهو و لا ينسى،كالمروي عن الإمام الصادق عليه السّلام قال:«قال أمير المؤمنين عليه السّلام:و الإمام المستحق للإمامة له علامات:فمنها أن يعلم أنّه معصوم من الذنوب كلّها صغيرها و كبيرها لا يزل في الفتيا،و لا يخطئ في الجواب و لا يسهو و لا ينسى» (2).
ثامنا:إثبات السهو على الإمام يعني عدم علم الإمام بما يأتي به،و هو ينافي ما تقدّم و ما يأتي من سعة علمه و شموله لكل شيء،و ما ورد من روايات تثبت السهو لا تقوم في مقابل تلك الروايات المستفيضة.
-أمّا الرواية الثالثة:و هي روايات إقدامهم على القتل و تناول السمّ،و هذا لا ينافي علمهم اللدني،إذ وردت طائفة من الروايات تثبت علمهم الإجمالي و التفصيلي بموتهم (3)،و سوف نذكر بعضها في الخاتمة.
بل هو يؤكّد علمهم اللدني،نعم يبقى محذور إقدامهم مع العلم،و جوابه الإجمالي أنّهم كانوا يخيّرون بين البقاء في عالم المادة و الهداية،و بين العروج إلى القرب المطلق من اللّه.
و إن شئت قلت:بين الصعود و النزول،فكانوا يختارون العروج و الصعود إلى القرب المطلق، لأنّه أقرب إلى واقعهم و حالاتهم.
و لك أن تدّعي أنّ مهمّة الإمام المعصوم كانت هداية البشر-و تقدّم أنّ سبب نزولهم إلى عالم المادّة هو ذلك-،فلما انتهت مهمّة هذا الإمام إمّا بانتهاء مرحلته و إمّا لفسح المجال أمام الإمام اللاحق،ليكمل مهمّته و يعود إلى حيث أتى.
على أن الموت قد خطّ على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة،فلا محال سوف تأتي5.
اللحظة لانتقال الإمام من حياته الدنيوية،إنّما الخلاف في زمانها،فيكون الإمام المعصوم و لتلطف اللّه به قد أعطي إختيار زمان العروج.
و سوف يأتي تفصيل الكلام في علم الإمام المعصوم بموته عليه السّلام ورد الشبهات فلا تغفل.
-أمّا الرواية الرابعة:و هي نفي الغلو و تقريع صاحبه،فهي تجري مجرى الرواية الأولى،إذ من الطبيعي أن تكثر الرواية ضد من يدّعي الربوبية لآل محمّد عليهم السّلام،و العلم اللدني ليس فيه ادعاء الربوبية،بل إنّما قال به من قال لتنزيه آل محمد عن النقص،مع اعترافه أنّهم عباد اللّه تعالى،و أنّه هو الذي أعطاهم هذا العلم الرباني.
-أمّا الرواية الخامسة:و هي روايات تعاملهم مع الناس كأنّهم منهم،فهذا من باب تواضعهم مع الناس،و من باب عدم ادعاء الربوبية لهم أيضا.
على أنّ بعض التصرّفات كانت واردة مورد التقيّة،أو لاختلاف مستوى صحابتهم كما تقدّم مرارا.
الإمام الباقر و مناظراته معهم
كان في أيّام إمامته بقيّة ملك الوليد بن عبد الملك و ملك سليمان بن عبد الملك و عمر بن عبد العزيز و يزيد بن عبد الملك و هشام بن عبد الملك و توفّى في ملكه (1).
و هم أربعة من أبناء عبد الملك و عمر بن عبد العزيز زوج ابنته.
إضافة للعلماء من مختلف الأديان الذين عاصرهم،و كانوا يترددون عليه و يستفيدون من علمه و حكمته و حكمه،و بعضهم من اليهود و النصارى و كانوا كثيرا ما يسلمون على يديه.
هذا إضافة إلى مناظراته صلوات اللّه عليه لأصحاب الديانات و المذاهب المختلفة كما سوف تعرف.
و سوف نذكر أيضا مناظرات أصحابه رضوان اللّه عليهم مع المخالفين و أصحاب الآراء و الديانات المختلفة.
1) البحار:212/46 ح 1،و أعلام الورى:259.
عن الحسن العباس بن الحريش (1)عن أبي جعفر الثاني عليه السّلام قال:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:بينا أبي عليه السّلام يطوف بالكعبة إذا رجل معتجر (2)قد قيض له فقطع عليه أسبوعه (3)حتى أدخله إلى دار جنب الصفا،فأرسل الي فكنا ثلاثة فقال:مرحبا يا ابن رسول اللّه ثم وضع يده على رأسي و قال بارك اللّه فيك يا أمين اللّه بعد أبائه يا أبا جعفر ان شئت فأخبرني و إن شئت فأخبرتك و إن شئت سلني و إن شئت سألتك و إن شئت فأصدقني و إن شئت صدقتك؟
قال:كل ذلك أشاء.
قال:فإياك أن ينطق لسانك عند مسألتي بأمر تضمر لي غيره قال:إنما يفعل ذلك من في قلبه علمان يخالف أحدهما صاحبه و أنّ اللّه عز و جل أبى أن يكون له علم فيه اختلاف قال:هذه مسألتي و قد فسّرت طرفا منها.أخبرني عن هذا العلم الذي ليس فيه اختلاف،من يعلمه؟
قال:أما جملة العلم فعند اللّه جل ذكره،و أمّا ما لا بد للعباد منه فعند الأوصياء.
قال:ففتح الرجل عجيرته (4)و استوى جالسا و تهلل وجهه،و قال:هذه أردت و لها أتيت زعمت أنّ علم ما لا إختلاف فيه من العلم عند الأوصياء،فكيف يعلمونه؟
قال:كما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعلمه إلا أنهم لا يرون ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يرى،لأنّه كان نبيا و هم محدّثون،و أنه كان يفد إلى اللّه عز و جل فيسمع الوحي و هم لا يسمعون،فقال:صدقت يا ابن رسول اللّه سآتيك بمسألة صعبة.أخبرني عن هذا العلم ماله لا يظهر؟كما كان يظهر مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟
قال:فضحك أبي عليه السّلام و قال:أبى اللّه عز و جل أن يطلع على علمه إلا ممتحنا للإيمان به كما قضى على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يصبر على أذى قومه،و لا يجاهدهم،إلا بأمره،فكم من اكتتام قد اكتتم به حتى قيل له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (5).
و أيم اللّه أن لو صدع قبل ذلك لكان آمنا،و لكنه إنما نظر في الطاعة،و خاف الخلاف فلذلك كف،فوددت أنّ عينك تكون مع مهدي هذه الأمّة،و الملائكة بسيوف آل داود بين السماء و الارض تعذب أرواح الكفرة من الأموات،و تلحق بهم أرواح أشباههم من الأحياء.
1) بالحاء المهملة المفتوحة و الراء المهملة المكسورة و الياء المثناة من تحت الساكنة و الشين المعجمة و قيل هو مصغر على وزن زبير.
2) الاعتجار التنقب ببعض العمامة.و قيض له أي جيء به من حيث لا يحتسب.
3) قطع أسبوعه أي طوافه.
4) أي اعتجاره أو طرف العمامة الذى اعتجر به،و التهلل:الاضاءة و التلالؤ بالسرور.
5) سورة الحجر،الآية:94.
ثم أخرج سيفا ثم قال:ها إن هذا منها.
قال:فقال:أبي إي و الذي اصطفى محمدا على البشر.
قال:فردّ الرجل اعتجاره و قال:أنا إلياس،ما سألتك عن أمرك و بي منه جهالة غير أني أحببت أن يكون هذا الحديث قوة لأصحابك و سأخبرك بآية أنت تعرفها إن خاصموا بها فلجوا.
قال:فقال له أبي:إن شئت أخبرتك بها؟
قال:قد شئت.
قال:إنّ شيعتنا إن قالوا لأهل الخلاف لنا:إنّ اللّه عز و جل يقول لرسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إلى آخرها-فهل كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعلم من العلم-شيئا لا يعلمه-في تلك الليلة أو يأتيه به جبرئيل عليه السّلام في غيرها؟فإنهم سيقولون:لا،فقل لهم:فهل كان لما علم بد من أن يظهر؟فيقولون:لا،فقل لهم:فهل كان فيما أظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من علم اللّه عزّ ذكره اختلاف؟ فإن قالوا:لا،فقل لهم:فمن حكم بحكم اللّه فيه اختلاف فهل خالف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟فيقولون:
نعم-فإن قالوا:لا،فقد نقضوا أول كلامهم-فقل لهم:ما يعلم تأويله إلا اللّه و الراسخون في العلم.فإن قالوا:من الراسخون في العلم؟فقل:من لا يختلف في علمه،فإن قالوا فمن هو ذاك؟
فقل:كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صاحب ذلك،فهل بلّغ أو لا؟فإن قالوا:قد بلغ فقل:فهل مات صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الخليفة من بعده يعلم علما ليس فيه اختلاف؟فإن قالوا:لا،فقل:إنّ خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مؤيد و لا يستخلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلا من يحكم بحكمه و إلا من يكون مثله إلا النبوّة،و إن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يستخلف في علمه أحدا فقد ضيّع من في أصلاب الرجال ممن يكون بعده.
فإن قالوا لك فإن علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان من القرآن فقل: حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ ، إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ فِيها... إلى قوله-: إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ (1).
فإن قالوا لك:لا يرسل اللّه عز و جل إلا إلى نبي فقل:هذا الامر الحكيم الذي يفرق فيه هو من الملائكة و الروح التي تنزل من سماء إلى سماء،أو من سماء إلى أرض؟فإن قالوا:من سماء إلى سماء،فليس في السماء أحد يرجع من طاعة إلى معصية،فإن قالوا:من سماء إلى أرض- و أهل الارض أحوج الخلق إلى ذلك-فقل:فهل لهم بد من سيد يتحاكمون إليه؟
فإن قالوا:فإنّ الخليفة هو حكمهم فقل: اَللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ -إلى قوله- خالِدُونَ (2).
لعمري ما في الارض و لا في السماء ولي للّه عز ذكره إلا و هو مؤيد،و من أيد لم يخط،و ما8.
في الارض عدو للّه عز ذكره إلا و هو مخذول،و من خذل لم يصب،كما أن الامر لا بد من تنزيله من السماء يحكم به أهل الارض،كذلك لا بد من وال،فإن قالوا:لا نعرف هذا فقل لهم:قولوا ما أحببتم،أبى اللّه عز و جل بعد محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يترك العباد و لا حجة عليهم.
قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:ثم وقف فقال:ههنا يابن رسول اللّه باب غامض أرأيت إن قالوا:
حجة اللّه:القرآن؟
قال:إذن أقول لهم:إنّ القرآن ليس بناطق يأمر و ينهى،و لكن للقرآن أهل يأمرون و ينهون، و أقول:قد عرضت لبعض أهل الارض مصيبة ما هي في السنة و الحكم الذي ليس فيه اختلاف، و ليست في القرآن،أبى اللّه لعلمه بتلك الفتنة أن تظهر في الارض،و ليس في حكمه راد لها و مفرج عن أهلها.فقال:ههنا تفلجون يابن رسول اللّه،أشهد أن اللّه عز ذكره قد علم بما يصيب الخلق من مصيبة في الارض أو في أنفسهم من الدين أو غيره،فوضع القرآن دليلا قال:فقال الرجل:هل تدري يا ابن رسول اللّه دليل ما هو؟
قال أبو جعفر عليه السّلام:نعم فيه جمل الحدود،و تفسيرها عند الحكم فقال:أبى اللّه أن يصيب عبدا بمصيبة في دينه أو في نفسه أو في ماله ليس في أرضه من حكمه قاض بالصواب في تلك المصيبة.
قال:فقال الرجل:أمّا في هذا الباب فقد فلجتهم بحجة إلا أن يفتري خصمكم على اللّه فيقول:ليس للّه جل ذكره حجة و لكن أخبرني عن تفسير لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ؟مما خص به علي عليه السّلام وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (1).
قال:في أبي فلان و أصحابه واحدة مقدمة و واحدة مؤخرة لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ مما خص به علي عليه السّلام وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ من الفتنة التي عرضت لكم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فقال الرجل:أشهد أنكم أصحاب الحكم الذي لا اختلاف فيه ثم قام الرجل و ذهب فلم أره (2).
و عن أبي حمزة الثمالي قال:كنت جالسا في مسجد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ أقبل رجل فسلم فقال:
من أنت يا عبد اللّه؟
قلت:رجل من أهل الكوفة،فقلت:ما حاجتك فقال لي:أتعرف أبا جعفر محمد بن علي عليه السّلام؟
فقلت:نعم فما حاجتك إليه قال:هيّأت له أربعين مسألة أسأله عنها فما كان من حق أخذته و ما كان من باطل تركته.1.
قال أبو حمزة:فقلت له:هل تعرف ما بين الحق و الباطل؟
قال:نعم،فقلت له:فما حاجتك إليه إذا كنت تعرف ما بين الحق و الباطل فقال لي:يا أهل الكوفة أنتم قوم ما تطاقون إذا رأيت أبا جعفر عليه السّلام فأخبرني،فما انقطع كلامي معه حتى أقبل أبو جعفر عليه السّلام و حوله أهل خراسان و غيرهم يسألونه عن مناسك الحج فمضى حتى جلس مجلسه و جلس الرجل قريبا منه.
قال أبو حمزة:فجلست حيث أسمع الكلام و حوله عالم من الناس فلما قضى حوائجهم و انصرفوا إلتفت إلى الرجل فقال له:من أنت؟
قال:أنا قتادة بن دعامة البصري فقال له أبو جعفر عليه السّلام:أنت فقيه أهل البصرة؟
قال:نعم،فقال له أبو جعفر عليه السّلام:ويحك يا قتادة إنّ اللّه جل و عز خلق خلقا من خلقه فجعلهم حججا على خلقه فهم أوتاد في أرضه،قوام بأمره،نجباء في علمه،اصطفاهم قبل خلقه أظلة عن يمين عرشه.
قال:فسكت قتادة طويلا ثم قال:أصلحك اللّه و اللّه لقد جلست بين يدي الفقهاء و قدام ابن عباس فما اضطرب قلبي قدام واحد منهم ما اضطرب قدامك قال له أبو جعفر عليه السّلام:ويحك أتدري أين أنت أنت بين يدي بيوت أذن اللّه أن ترفع و يذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال رجال لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه و إقام الصلوة و إيتاء الزكاة فأنت ثم و نحن أولئك.
فقال له قتادة:صدقت و اللّه جعلني اللّه فداك و اللّه ما هي بيوت حجارة و لا طين.
قال قتادة:فأخبرني عن الجبن قال:فتبسّم أبو جعفر عليه السّلام ثم قال:رجعت مسائلك إلى هذا؟
قال:ضلت علي،فقال:لا بأس به،فقال:إنه ربما جعلت فيه أنفحة الميت قال:ليس بها بأس إنّ الأنفحة ليس لها عروق و لا فيها دم و لا لها عظم إنما تخرج من بين فرث و دم،ثم قال:
و إنّما الأنفحة بمنزلة دجاجة ميتة أخرجت منها بيضة فهل تؤكل تلك البيضة،فقال قتادة:لا،و لا آمر بأكلها فقال له أبو جعفر عليه السّلام:و لم؟فقال:لأنها من الميتة.
قال له فإن حضنت تلك البيضة فخرجت منها دجاجة أتأكلها؟
قال:نعم.
قال:فما حرم عليك البيضة و حلل لك الدجاجة،ثم قال عليه السّلام:فكذلك الانفحة مثل البيضة فاشتر الجبن من أسواق المسلمين من أيدي المصلّين و لا تسأل عنه،إلا أن يأتيك من يخبرك عنه (1).6.
1) الكافي-الشيخ الكليني:256/6.
و عن محمد بن سليمان الديلمي،عن أبيه،عن أبي عبد اللّه.
قال:دخل عبد اللّه بن قيس الماصر على أبي جعفر عليه السّلام فقال:أخبرني عن الميت لم يغسل غسل الجنابة؟فقال له أبو جعفر عليه السّلام:لا أخبرك.فخرج من عنده فلقي بعض الشيعة،فقال له:
العجب لكم يا معشر الشيعة توليتم هذا الرجل و أطعتموه فلو دعاكم إلى عبادته لأجبتموه و قد سألته عن مسألة فما كان عنده فيها شي.
فلما كان من قابل دخل عليه أيضا فسأله عنها،فقال:لا اخبرك بها.فقال عبد اللّه بن قيس لرجل من أصحابه:إنطلق إلى الشيعة فاصحبهم و أظهر عندهم موالاتك إياهم و لعنتي و التبري مني، فإذا كان وقت الحج فأتني حتى أدفع إليك ما تحتج به،و اسألهم أن يدخلوك على محمد بن علي، فإذا صرت إليه فاسأله عن الميت لم يغسل غسل الجنابة؟
فانطلق الرجل إلى الشيعة فكان معهم إلى وقت الموسم فنظر إلى دين القوم فقبله بقبوله،و كتم ابن قيس أمره مخافة أن يحرم الحج.
فلما كان وقت الحج أتاه فأعطاه حجة و خرج،فلما صار بالمدينة قال له أصحابه:تخلف في المنزل حتى نذكرك له و نسأله ليأذن لك.
فلما صاروا إلى أبي جعفر عليه السّلام قال لهما:أين صاحبكم؟ما أنصفتموه.
قالوا:لم نعلم ما يوافق من ذلك فأمر بعض من يأتيه به،فلما دخل على أبي جعفر عليه السّلام قال له:مرحبا كيف رأيت ما أنت فيه اليوم مما كنت فيه قبل؟فقال:يا ابن رسول اللّه لم أكن في شي، فقال:صدقت أما إن عبادتك يومئذ كانت أخف عليك من عبادتك اليوم لانّ الحق ثقيل و الشيطان موكل بشيعتنا،لانّ سائر الناس قد كفوه أنفسهم،إني سأخبرك بما قال لك ابن قيس الماصر قبل أن تسألني عنه و أصير الأمر في تعريفه إياه إليك إن شئت أخبرته و إن شئت لم تخبره،إن اللّه عزّ و جلّ خلق خلاقين،فإذا أراد أن يخلق خلقا أمرهم فأخذوا من التربة التي قال في كتابه: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (1)فعجن النطفة بتلك التربة التي يخلق منها بعد أن أسكنها الرحم أربعين ليلة،فإذا تمت له أربعة أشهر،قالوا يا رب تخلق ماذا؟فيأمرهم بما يريد من ذكر أو أنثى،أبيض أو أسود،فإذا خرجت الروح من البدن خرجت هذه النطفة بعينها منه كائنا ما كان صغيرا أو كبيرا،ذكرا أو أنثى،فلذلك يغسل الميت غسل الجنابة.
فقال الرجل:يا ابن رسول اللّه لا باللّه لا أخبر ابن قيس الماصر بهذا أبدا فقال:ذاك إليك (2).
***4.
روى أبو الحسن اليشكري،عن عمرو بن العلا،عن يونس النحوي اللغوي،قال:حضرت مجلس الخليل بن أحمد العروضي قال:حضرت مجلس الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان و قد اسحنفر في سب علي و اثعنجر في ثلبه إذ خرج عليه أعرابي على ناقة له و ذفراها يسيلان لإغذاذ السير دما،فلما رآه الوليد-لعنه اللّه-في منظرته قال:ائذنوا لهذا الاعرابي فإني أراه قد قصدنا،و جاء الأعرابي فعقل ناقته بطرف زمامها،ثم أذن له فدخل،فأورده قصيدة لم يسمع السامعون مثلها جودة قط،إلى أن انتهى إلى قوله:
و لمّا أن رأيت الدهر ألى علي ولح في إضعاف حالي
و فدت إليك أبغي حسن عقبى أسد بها خصاصات العيال
و قائلة إلى من قد رآه يؤم و من يرجى للمعالى
فقلت إلى الوليد أزم قصدا وقاه اللّه من غير الليالي
هو الليث الهصور شديد بأس هو السيف المجرد للقتال
خليفة ربنا الداعي علينا و ذو المجد التليد أخو الكمال
قال:فقبل مدحته و أجزل عطيته،و قال له:يا أخا العرب قد قبلنا مدحتك و أجزلنا صلتك، فاهج لنا عليا أبا تراب.
فوثب الأعرابي يتهافت قطعا و يزأر حنقا و يشمذر شفقا،و قال:و اللّه إنّ الذي عنيته بالهجاء لهو أحق منك بالمديح،و أنت أولى منه بالهجاء،فقال له جلساؤه:اسكت نزحك اللّه.
قال:علام ترجوني؟و بم تبشروني؟و لما أبديت سقطا،و لا قلت شططا،و لا ذهبت غلطا، على أنني فضلت عليه من هو أولى بالفضل منه،علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه،الذي تجلبب بالوقار،و نبذ الشنار و عاف العار،و عمد الإنصاف،و أبد الأوصاف و حصن الأطراف،و تألف الأشراف،و أزال الشكوك في اللّه بشرح ما استودعه الرسول من مكنون العلم الذي نزل به الناموس وحيا من ربه و لم يفتر طرفا،و لم يصمت ألفا،و لم ينطق خلفا،الذي شرفه فوق شرفه،و سلفه في الجاهلية أكرم من سلفه،لا تعرف الماديات في الجاهلية إلا بهم،و لا الفضل إلا فيهم،صفة من اصطفاه اللّه و اختارها.فلا يغتر الجاهل بأنه قعد عن الخلافة بمثابرة من ثابر عليها،و جالد بها و السلال المارقة،و الاعوان الظالمة،و لئن قلتم ذلك كذلك إنما استحقّها بالسبق.
تالله ما لكم الحجة في ذلك،هلا سبق صاحبكم إلى المواضع الصعبة،و المنازل الشعبة و المعارك المرة،كما سبق إليها علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه،الذي لم يكن بالقبعة و لا
الهبعة،و لا مضطغنا آل اللّه،و لا منافقا رسول اللّه.كان يدرؤ عن الإسلام كل أصبوحة و يذب عنه كل أمسية،و يلج بنفسه في الليل الديجور المظلم الحلكوك،مرصدا للعدو.هو ذل تارة و تضكضك أخرى.
و يا رب لزبة آتية قسية و أوان آن أرونان قذف بنفسه في لهوات و شيجة،و عليه زغفة ابن عمّه الفضفاضة،و بيده خطيّة عليها سنان لهذم،فبرز عمرو بن ود القرم الأود،و الخصم الألدّ،و الفارس الأشد،على فرس عنجوج،كأنما نجر نجره باليلنجوج،فضرب قونسه ضربة قنع منها عنقه،أو نسيتم عمرو بن معدي كرب الزبيدي إذ أقبل يسحب ذلاذل درعه،مدلا بنفسه،قد زحزح الناس عن أماكنهم و نهضهم عن مواضعهم،ينادي أين المبارزون يمينا و شمالا؟فانقض عليه كسوذنيق أو كصيخودة منجنيق،فوقصه وقص القطام بحجره الحمام،و أتى به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كالبعير الشارد، يقاد كرها و عينه تدمع،و أنفه ترمع،و قلبه يجزع.
هذا و كم له من يوم عصيب برز فيه إلى المشركين بنية صادقة،و برز غيره و هو أكشف أميل أجم أعزل،ألا و إني مخبركم بخبر على أنه مني بأوباش كالمراطة بين لغموط و حجابه و فقامه و مغذمر و مهزمر،حملت به شوهاء شهواء في أقصى مهيلها،فأتت به محضا بحتا،و كلهم أهون على علي من سعدانة بغل،أفمثل هذا يستحق الهجاء،و عزمه الحاذق،و قوله الصادق،و سيفه الفالق، و إنما يستحق الهجاء من سامه إليه،و أخذ الخلافة،و أزالها عن الوارثة،و صاحبها ينظر إلى فيئه، و كأن الشبادع تسلبه،حتى إذا لعب بها فريق بعد فريق،و خريق بعد خريق،اقتصروا على ضراعة الوهز،و كثرة الأبز،و لو ردّوه إلى سمت الطريق و المرت البسيط،و التامور العزيز،ألفوه قائما، واضعا الأشياء في مواضعها،لكنهم انتهزوا الفرصة،و اقتحموا الغصة،و باؤا بالحسرة.
قال:فاربدّ وجه الوليد و تغير لونه،و غص بريقه،و شرق بعبرته،كأنما فقئ في عينه حب المض الحاذق،فأشار عليه بعض جلسائه بالإنصراف و هو لا يشك أنه مقتول به،فخرج فوجد بعض الأعراب الداخلين،فقال له:هل لك أن تأخذ خلعتي الصفراء و آخذ خلعتك السوداء و أجعل لك بعض الجائزة حظا؟
ففعل الرجل و خرج الأعرابي فاستوى على راحلته،و غاص في صحرائه،و توغل في بيدائه، و اعتقل الرجل الآخر فضرب عنقه،و جيئ به إلى الوليد،فقال:ليس هو هذا بل صاحبنا،و أنفذ الخيل السراع في طلبه فلحقوه بعد لاي،فلما أحس بهم أدخل يده إلى كنانته يخرج سهما سهما يقتل به فارسا،إلى أن قتل من القوم أربعين و انهزم الباقون،فجاؤا إلى الوليد فأخبروه بذلك، فأغمي عليه يوما و ليلة أجمع قالوا:ما تجد؟
قال:أجد على قلبي غمّة كالجبل من فوت هذا الأعرابي فلله دره (1).4.
1) بحار الأنوار،العلامة المجلسي:323/64.
عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قال أبي لجابر بن عبد اللّه الأنصاري:إنّ لي إليك حاجة فمتى يخفّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟
فقال له جابر:أيّ الأوقات أحببته،فخلا به في بعض الأيّام فقال له:يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمّي فاطمة عليها السّلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما أخبرتك به أمّي أنّه في ذلك اللوح مكتوب؟
فقال جابر:أشهد باللّه أنّي دخلت على أمّك فاطمة عليها السّلام في حياة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فهنّيتها بولادة الحسين و رأيت في يديها لوحا أخضر،ظننت أنّه من زمرّد و رأيت فيه كتابا أبيض،شبه لون الشمس،فقلت لها:بأبي و أمّي يا بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما هذا اللوح؟
فقالت:هذا لوح أهداه اللّه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه إسم أبي و إسم بعلي و إسم ابنيّ و اسم الأوصياء من ولدي و أعطانيه أبي ليبشّرني بذلك.
قال جابر:فأعطتنيه أمّك فاطمة عليها السّلام فقرأته و استنسخته،فقال له أبي:فهل لك يا جابر أن تعرضه عليّ؟
قال:نعم،فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق،فقال:يا جابر انظر في كتابك (1)لأقرأ[أنا]عليك،فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفا،فقال جابر:
فأشهد باللّه أنّي هكذا رأيته في اللوح مكتوبا:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
هذا كتاب من اللّه العزيز الحكيم لمحمد نبيّه و نوره و سفيره و حجابه و دليله نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين،عظّم يا محمد أسمائي و اشكر نعمائي و لا تجحد آلائي،إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا قاصم الجبارين و مديل المظلومين و ديان الدين إنّي أنا اللّه لا إله إلاّ أنا،فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي،عذّبته عذابا لا أعذّب به أحدا من العالمين فإيّاي فاعبد،و عليّ فتوكّل.
إنّي لم أبعث نبيا فأكملت أيّامه و انقضت مدّته إلاّ جعلت له وصيّا و إنّي فضّلتك على الأنبياء و فضّلت وصيّك على الأوصياء و أكرمتك بشبليك و سبطيك حسن و حسين،فجعلت حسنا معدن علمي
1) قوله«يا جابر انظر في كتابك»قالوا:إنه قد كف بصره في آخر عمره و مات سنة 74 و روي أنه كان في زيارة الأربعين مكفوفا و كان ملاقاة الباقر عليه السّلام له بعد ذلك قطعا حين انتقل جابر من الكوفة إلى المدينة آخر عمره و توفي بالمدينة و لا ريب أنّ هذا الخبر ضعيف إسنادا و لكن لا ينحصر رواية جابر في هذا الإسناد كما يأتي إن شاء اللّه و ليس فيه شيء ينكر.
بعد انقضاء مدّة أبيه،و جعلت حسينا خازن وحيي و أكرمته بالشهادة و ختمت له بالسعادة.فهو أفضل من استشهد و أرفع الشهداء درجة،جعلت كلمتي التامّة معه و حجتي البالغة عنده،بعترته أثيب و أعاقب،أوّلهم علي سيد العابدين و زين أوليائي الماضين و ابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي و المعدن لحكمتي سيهلك المرتابون في جعفر،الرّاد عليه كالراد عليّ،حق القول مني لاكرمنّ مثوى جعفر و لاسرّنه في أشياعه و أنصاره و أوليائه،أتيحت (1)بعده موسى فتنة عمياء حندس (2)لأنّ خيط فرضي لا ينقطع و حجّتي لا تخفى و أنّ أوليائي يسقون بالكأس الأوفى،من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي،و من غيّر آية من كتابى فقد افترى عليّ،ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدّة موسى عبدي و حبيبي و خيرتي في علي ولييّ و ناصري و من أضع عليه أعباء النبوة و امتحنه بالإضطلاع بها،يقتله عفريت مستكبر،يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شرّ خلقي،حقّ القول مني لاسرّنّه بمحمد ابنه و خليفته من بعده و وارث علمه،فهو معدن علمي و موضع سري و حجّتي على خلقي،لا يؤمن عبد به إلاّ جعلت الجنّة مثواه و شفّعته في سبعين من أهل بيته كلّهم قد استوجبوا النار،و أختم بالسعادة لابنه علي وليي و ناصري و الشاهد في خلقي و أميني على وحيي،أخرج منه الداعي إلى سبيلي و الخازن لعلمي الحسن و أكمل ذلك بابنه«م ح م د»رحمة للعالمين،عليه كمال موسى و بهاء عيسى و صبر أيوب فيذل أوليائي في زمانه و تتهادى رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك و الدّيلم فيقتلون و يحرقون و يكونون خائفين،مرعوبين و جلين،تصبغ الأرض بدمائهم و يفشوا الويل و الرّنّة في نسائهم أولئك أوليائي حقا،بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس و بهم أكشف الزّلازل و أدفع الآصار و الأغلال أولئك عليهم صلوات من ربّهم و رحمة و أولئك هم المهتدون (3).
عن محمّد بن إسحاق قال:إنّ عبد اللّه الديصانيّ سأل هشام بن الحكم فقال له:ألك ربّ؟ فقال:بلى،قال أقادر هو؟
قال:نعم قادر قاهر.
قال:يقدر أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا تكبر البيضة و لا تصغر الدّنيا؟
قال هشام:النظرة فقال له:قد أنظرتك حولا،ثمّ خرج عنه،فركب هشام إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام فاستأذن عليه فأذن له:فقال له:يا ابن رسول اللّه أتاني عبد اللّه الديصانيّ بمسألة ليس
المعوّل فيها إلاّ على اللّه و عليك،فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:عمّا ذا سألك؟فقال:قال لي كيت و كيت،فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام يا هشام كم حواسّك؟
قال:خمس.
قال:أيّها أصغر؟
قال:الناظر.
قال:و كم قدر الناظر؟
قال:مثل العدسة أو أقلّ منها فقال له:يا هشام!فانظر أمامك و فوقك و أخبرني بما ترى، فقال:أرى سماء و أرضا و دورا و قصورا و براري و جبالا و أنهارا،فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:إنّ الّذي يدخل الذي تراه العدسة أو أقلّ منه قادر أن يدخل الدّنيا كلها البيضة لا تصغر الدّنيا و لا تكبر البيضة.
فأكبّ هشام عليه و قبّل يديه و رأسه و رجليه و قال:حسبي يا ابن رسول اللّه و انصرف إلى منزله.
و غدا عليه الديصانيّ فقال له:يا هشام إنّي جئتك مسلّما و لم أجئك متقاضيا للجواب فقال له هشام:
إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب.فخرج الديصاني عنه حتّى أتى باب أبي عبد اللّه عليه السّلام فاستأذن عليه فأذن له فلمّا قعد قال له؟يا جعفر بن محمد!دلّني على معبودي؟
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:ما اسمك؟فخرج عنه و لم يخبره فقال له أصحابه:كيف لم تخبره باسمك؟
قال:لو كنت قلت له عبد اللّه كان يقول:من هذا الّذي أنت له عبد،فقالوا:له عد إليه و قل له:يدلك على معبودك و لا يسألك عن اسمك،فرجع إليه فقال له:يا جعفر بن محمّد دلّني على معبودي و لا تسألني عن اسمي؟
فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:إجلس،و إذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:ناولني يا غلام البيضة فناوله إيّاها فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام:يا ديصاني،هذا حصن مكنون له جلد غليظ و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة و فضّة ذائبة فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضّة الذائبة و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذّهبة المائعة فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها و لا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها لا يدرى للذكر خلقت أم للأنثى،تنفلق عن مثل ألوأن الطواويس،أترى لها مدبّرا؟
قال:فأطرق مليّا ثمّ قال:أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّك إمام و حجّة من اللّه على خلقه و أنا تائب ممّا كنت فيه (1).5.
1) الكافي:80/1 ح 74 و البحار:32/3 ح 5.
عن عبد الرّحمن بن عبد اللّه الزهري قال:حجّ هشام بن عبد الملك،فدخل المسجد الحرام متكئا على يد سالم مولاه،و محمّد بن علي بن حسين جالس في المسجد،فقال:يا أمير المؤمنين هذا محمّد بن علي بن حسين.
فقال له هشام:المفتون به أهل العراق؟
فقال:نعم.
قال له:اذهب إليه فقل له:يقول لك أمير المؤمنين:ما الذي يأكل الناس و يشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟
فقال له محمد:يحشر الناس على مثل قرصة النقي (1)فيها الأنهار مفجرة،فرأى هشام أنه قد ظفر به،فقال:اللّه أكبر،إذهب إليه فقل له:ما أشغلهم عن الأكل و الشرب يومئذ،ففعل.
فقال له محمّد بن علي:قل له:هم في النار أشغل،و لم يشغلوا أن قالوا: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ.
قال:فظهر عليه محمّد بن علي (2).
و روى السيّد ابن طاووس رحمه اللّه في كتاب أمان الأخطار مسندا إلى الصادق عليه السّلام قال:حجّ هشام بن عبد الملك و كان قد حجّ تلك السنة محمّد بن علي الباقر و ابنه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام فقال جعفر بن محمّد:الحمد للّه الذي بعث محمّدا بالحقّ نبيّا و أكرمنا به فنحن صفوة اللّه على خلقه و خيرته من عباده و خلفاؤه،فالسعيد من اتّبعنا و الشقيّ من عادانا و خالفنا.
فسمعه مسلمة أخو هشام فأخبر هشام فلمّا انصرف إلى دمشق أرسل إلى عالم المدينة بإشخاص أبي و إشخاصي،فلمّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثا ثمّ أذن لنا فدخلنا و هو على سرير الملك و جنده و خواصّه وقوف على أرجلهم سماطان متسلّحان و قد نصب الغرض حذاه و أشياخ قومه يرمون فقال:يا محمّد إرم مع أشياخ قومك،فقال أبي:قد كبرت عن الرمي فهل رأيت أن تعفيني.
فقال:لا أعفيك ثمّ أومى إلى شيخ من بني أميّة:أعطه قوسك فأعطاه،و أخذ منه سهما و رمى
وسط الغرض فنصبه فيه ثمّ رمى فيه الثانية فشقّ فواق سهمه إلى نصله ثمّ تابع الرمي حتّى شقّ تسعة أسهم بعضا في جوف بعض و هشام يضطرب في مجلسه فقال:أجدت يا أبا جعفر و أنت أرمى العرب و العجم.
ثمّ أدركته ندامة على ما قال فهمّ بأبي و أطرق إلى الأرض يتروّى و أنا و أبي واقف حذاه فلمّا طال وقوفنا غضب أبي و كان إذا غضب نظر إلى السماء نظر غضبان يرى الناظر الغضب في وجهه، فلمّا نظر هشام إلى ذلك من أبي قال:إليّ يا محمّد.
فصعد أبي السرير و أنا أتبعه فقام إليه و اعتنقه و أقعده عن يمينه ثمّ اعتنقني و أقعدني عن يمين أبي ثمّ قال:يا محمّد لا تزال العرب و العجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك للّه درّك من علّمك هذا الرمي و في كم تعلّمته؟
فقال أبي:قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيّام حداثتي ثمّ تركته فلمّا أراد منّي أمير المؤمنين ذلك عدت فيه.
فقال له:ما رأيت مثل هذا الرمي قط منذ عقلت و ما ظننت أنّ أحدا في الأرض مثل هذا الرمي أيرمي جعفر مثل رميك؟
فقال:إنّا نحن نتوارث الكمال و التمام اللذين أنزلهما اللّه على نبيّه في قوله: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي (1)و الأرض لا تخلو ممّن يكمل هذه الأمور التي يقصر غيرنا عنها.
فانقلبت عين هشام الحولاء و احمرّ وجهه و كان ذلك علامة غضبه ثمّ أطرق هنيهة و رفع رأسه فقال لأبي:ألسنا بنوا عبد مناف نسبنا و نسبكم واحد؟
فقال أبي:نحن كذلك و لكنّ اللّه خصّنا من مكنون سرّه و خالص علمه بما لم يخصّ به أحدا به غيرنا.
فقال:أليس اللّه جلّ ثناؤه بعث محمّدا إلى كافّة الخلق فمن أين ورثتم ما ليس لغيركم من العلم؟
فقال:من قوله تعالى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ (2)الذي لم يحرّك به لسانه لغيرنا أمره اللّه أن يخصّنا به فلذلك ناجى عليّا من دون أصحابه فأنزل اللّه بذلك: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (3)فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:سألت اللّه أن يجعلها أذنك يا علي،فلذلك قال علي بالكوفة:علّمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم2.
ألف باب من العلم ففتح كلّ باب ألف باب فكما خصّ اللّه نبيّه عليه السّلام خصّ نبيّه أخاه عليّا من مكنون سرّه فتوارثناه من دون أهلنا.
فقال هشام:إنّ عليّا كان يدّعي علم الغيب و اللّه لم يطلع على غيبه أحدا فمن أين ادّعى ذلك؟
فقال أبي:إنّ اللّه جلّ ذكره أنزل على رسوله كتابا بيّن فيه ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ و في قوله: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (1)و في قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ (2)و أوحى اللّه إلى نبيّه أن لا يبقي في غيبه و سرّه و مكنون علمه شيئا إلاّ يناجي به عليّا و أمره أن يؤلف القرآن من بعده و يتولّى تجهيز موته و قال لأصحابه:عليّ بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله و لم يكن عند أحد تأويل القرآن بتمامه إلاّ عند عليّ و لذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أقضاكم عليّ يعني قاضيكم.و قال عمر:لولا عليّ لهلك عمر.
فأطرق هشام طويلا ثمّ رفع رأسه فقال:سل حاجتك.
فقال:خلّفت أهلي و عيالي مستوحشين لخروجي.
فقال:قد آنس اللّه وحشتهم برجوعك إليهم و لا تقم أكثر من يومك فنهض أبي و نهضت معه و خرجنا إلى بابه؛إذا ميدان ببابه و في آخر الميدان أناس قعود،عدد كثير فقال أبي:من هؤلاء؟
قيل:القسيسون و الرهبان و هذا عالم لهم يقعد لهم في كلّ سنة يوما واحدا يستفتونه فيفتيهم فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه و فعلت أنا مثل أبي فأقبل حتى قعد نحوهم و رفع ذلك الخبر إلى هشام فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي،فأقبل عدد من المسلمين أحاطوا بنا و أقبل عالم النصارى قد شدّ حاجبيه بخرقة صفراء حتّى توسطنا فقام إليه جميع القسيسين و الرهبان مسلّمين عليه فجاء إلى صدر المجلس و قعد فيه و أحاط به أصحابه و أبي و أنا بينهم فأدار نظره ثمّ قال:أمنّا أم من هذه الامّة المرحومة.
فقال:من الامّة المرحومة؟
فقال:أمن علمائها أم من جهّالها؟
فقال:لست من جهّالها فاضطرب اضطرابا شديدا ثمّ قال له:أسألك قال أبي:سل.
فقال:من أين ادّعيتم أنّ أهل الجنّة يطعمون و يشربون و لا يحدثون و لا يبولون و ما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل.
فقال أبي:الجنين في بطن أمّه يطعم و لا يحدث فاضطرب النصراني فقال:هلاّ زعمت أنّك لست من علمائها؟8.
فقال له أبي:و لا من جهّالها.
فقال:أسألك عن مسألة أخرى.
فقال أبي:سل.
فقال:من أين ادّعيتم أنّ فاكهة الجنّة أبدا غضّة طرية موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنّة و ما الدليل عليه من مشاهد لا يجهل؟
فقال له أبي:دليل ما ندّعي أنّ سراجنا أبدا يكون غضّا طريّا موجود غير معدوم عند جميع أهل الدّنيا لا ينقطع فاضطرب اضطرابا شديدا.
فقال له:أسألك عن مسألة فقال له:سل.
فقال:أخبرني عن ساعة لا من ساعات الليل و لا من ساعات النهار؟
فقال له أبي:هي الساعة التي بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس يهدأ فيها المبتلى و يرقد فيها الساهر و يفيق المغمى عليه جعلها اللّه في الدّنيا رغبة للرّاغبين و في الآخرة للعاملين.
فصاح النصراني صيحة فقال:بقيت مسألة واحدة لا يهتدى إلى الجواب عنها أبدا قال له أبي:
سل.
فقال:أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد عمر أحدهما خمسون سنة و عمر الآخرة مائة و خمسون سنة في دار الدّنيا.
فقال له أبي:ذلك عزير و عزيرة ولدا في يوم واحد فلمّا بلغا مبلغ الرّجال خمسة و عشرين عاما مرّ عزير راكبا على حماره على قرية بإنطاكية و هي خاوية على عروشها فقال:أنّى يحيي هذه اللّه بعد موتها و قد كان اصطفاه و هداه فلمّا كان قال ذلك القول غضب اللّه عليه فأماته مائة عام سخطا عليه بما قال ثمّ بعثه على حماره بعينه و طعامه و شرابه و عاد إلى داره و عزيرة أخوه لا يعرفه فاستضافه فأضافه و بعث إليه ولد عزيرة و ولد ولده و قد شاخوا و عزير شاب في سنّ خمس و عشرين سنة فلم يزل عزير يذكّر أخاه و ولده و هم يذكرون ما يذكّرهم و يقولون:ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون و الشهور حتّى تعارفا.
فقال:يا عزيرة أنا عزير سخط اللّه عليّ فأماتني مائة سنة ثمّ بعثني لنزداد بذلك يقينا إنّ اللّه على كلّ شيء قدير و ها هو هذا حماري و طعامي و شرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده اللّه تعالى كما كان،فعندها أيقنوا فأعاشه اللّه بينهم خمس و عشرين سنة ثمّ قبضه اللّه و أخاه في يوم واحد فنهض عالم النصارى عند ذلك قائما و قام النصارى على أرجلهم.
فقال لهم عالمهم:جئتموني بأعلم منّي و أقعدتموه معكم حتّى هتكني و فضحني و أعلم المسلمين بأنّ لهم من أحاط بعلومنا و عنده ما ليس عندنا لا و اللّه لا كلّمتكم من رأسي كلمة واحدة و لا قعدت لكم إن عشت سنة فتفرّقوا و أبي قاعد مكانه.
و رفع الخبر إلى هشام فأمرنا أن ننصرف إلى المدينة من ساعتنا،لأنّ الناس ماجوا و خاضوا فيما دار بين أبي و بين عالم النصارى فركبنا و قد سبقنا بريد من هشام إلى عامل المدينة على طريقنا إنّ ابني أبي تراب الساحرين محمّد بن علي و جعفر بن محمّد الكذّابين فيما يظهران من الإسلام مالا إلى الرهبان من النصارى و مرقا من الإسلام إلى الكفر فكرهت أن أنكّل بهما لقرابتهما فإذا قرأت كتابي فناد في الناس برئت الذمّة ممّن يشاريهما أو يبايعهما أو يسلّم عليهما فإنّهما ارتدّا عن الإسلام.
فورد البريد (1)إلى مدينة مدين (2)فلمّا شارفناها قدّم أبي غلمانه ليرتادوا لنا منزلا و يشروا لدوابنا علفا و لنا طعاما فأغلقوا الباب في وجوهنا و شتمونا و قالوا:أنتم مرتدّون فكلّمهم أبي و قال لهم:إتّقوا اللّه فلسنا كما بلغكم إفتحوا الباب في وجوهنا و بايعونا كما تبايعون الكفّار،فقالوا:و لا كرامة لكم حتّى تموتوا على ظهور دوابّكم جياعا.
فصعد أبي الجبل المطلّ على مدينة مدين ينظرون إليه ما يصنع فلمّا صار في أعلاه استقبل المدينة و وضع إصبعيه في أذنيه ثمّ نادى بأعلى صوته وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ إلى قوله: بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (3).
نحن و اللّه بقيّة اللّه في أرضه.
فأمر اللّه ريحا سوداء مظلمة فهبّت و احتملت صوت أبي فطرحته في أسماع الرّجال و النساء فصعدوا السطوح و صعد فيهم شيخ من أهل مدين فنظر إلى أبي على الجبل فنادى بأعلى صوته:اتّقوا اللّه يا أهل مدين فإنّه وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب عليه السّلام حين دعى على قومه فإن أنتم لم تفتحوا الباب جاءكم من اللّه العذاب ففزعوا و فتحوا الباب و أنزلونا.
و كتب جميع ذلك إلى هشام فكتب هشام إلى عامل مدين بقتل الشيخ فقتله و كتب إلى عامل6.
1) قال الزمخشري في الفائق:البريد الرسول و يجمع على برد بضم الباء و الراء،و قد تسكن الراء للتخفيف كرسل و رسل و البريد في الأصل البغل و هي كلمة فارسية أصلها بريده دم أي محذوفة الذنب لأنّ بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فاعربت و خففت بحذف الآخر و فتح الأول ثم سمى الرسول الذي يركبه بريد أو المسافة التي بين السكتين بريدا،و السكة الموضع الذي كان يسكنه الفيوح المرتبون من رباط أوقبة أو بيت أو نحو ذلك و بعد ما بين السكتين فرسخان و كان يرتب في كل سكة بغال و كتب في الحاشية:قيل و الصواب أربعة فراسخ،و نقل هذا القول صاحب النهاية أيضا.
2) قيل:هي قرية شعيب النبيّ،قيل:منها إلى الشام ثلاثة منازل،و قال علي بن إبراهيم:هي قرية على طريق الشام.
3) سورة هود،الآية:86.
مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعام أو شراب فمضى هشام و لم يتهيّأ في أبي من ذلك شيء (1).
في الخرائج،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:كان زيد بن الحسن يخاصم أبي في ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يقول:أنا من ولد الحسن و أولى بذلك لأنّي من ولد الأكبر فقاسمني ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فخاصمه إلى القاضي إلى أن قال:فقال أبي:يا زيد إنّ معك سكّينة قد أخفيتها أرأيتك أن نطقت هذه السكّينة فشهدت أنّي أولى بالحقّ منك فتكفّ؟
قال:نعم،و حلف له فقال أبي:أيّتها السكّينة إنطقي بإذن اللّه فوثبت السكّينة من يد زيد على الأرض ثمّ قالت:يا زيد أنت ظالم و محمّد أحقّ منك و لئن لم تكفّ لأقتلنّك فخرّ زيد مغشيّا عليه فأخذ أبي بيده فأقام ثمّ قال:يا زيد إن نطقت الصخرة التي نحن عليها أتقبل؟
قال:نعم،فنطقت الصخرة و قالت:يا زيد أنت ظالم و محمّد أولى بالأمر منك فكفّ عنه و إلاّ قتلتك،فخرّ زيد مغشيّا عليه فأخذ أبي بيده فأقامه ثمّ قال:يا زيد أرأيت إن نطقت هذه الشجرة أتكفّ.
قال:نعم،فدعى أبي الشجرة فأقبلت تخدّ الأرض حتى أظلّتهم،ثمّ قال:يا زيد أنت ظالم و محمّد أحقّ بالأمر منك فكفّ عنه و إلا قتلتك،فغشي على زيد فأقامه أبي و انصرفت الشجرة إلى موضعها فحلف زيد أن لا يتعرّض لأبي و لا يخاصمه.
و خرج زيد من يومه إلى عبد الملك و قال:أتيتك من عند ساحر كذّاب لا يحلّ لك تركه و قصّ ما رأى و كتب عبد الملك إلى عامل المدينة أن ابعث إليّ محمّد بن عليّ مقيّدا و قال لزيد:أرأيتك إن ولّيتك قتله قتلته؟
قال:نعم،فلمّا انتهى الكتاب إلى العامل أجاب أنّ الرجل الذي أردته ليس على وجه الأرض أعفّ منه و لا أزهد و لا أورع و كرهت لأمير المؤمنين التعرّض له،فلمّا ورد الكتاب على عبد الملك سرّ بما أنهى إليه الوالي و علم أنّه قد نصحه فدعى بزيد بن الحسن فأقرأه الكتاب فقال:أعطاه و أرضاه فقال عبد الملك:فهل تعرف أمرا غير هذا؟
قال:نعم عنده سلاح رسول اللّه و سيفه و درعه و خاتمه و عصاه و تركته فاكتب إليه فيه فإن هو لم
1) البحار:312/46،و مدينة المعاجز:76/5.
يبعث به وجدت إلى قتله سبيلا،فكتب عبد الملك إلى العامل أن احمل إلى محمّد بن علي ألف ألف درهم وليعطك ما عنده من ميراث رسول اللّه،فأتى العامل منزل أبي فأقرأه الكتاب فقال:
أجّلني أيّاما.
قال:نعم،فهيّأ أبي متاعا ثمّ حمله و دفعه إلى العامل فبعث به إلى عبد الملك و سرّ به سرورا شديدا فأرسل إلى زيد فعرض عليه فقال زيد:و اللّه ما بعث إليك من متاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قليلا و لا كثيرا،فكتب عبد الملك إلى أبي:أنّك أخذت مالنا و لم ترسل إلينا بما طلبنا فكتب إليه أبي:إنّي قد بعثت إليك بما قد رأيت،فصدّقه عبد الملك و أهل الشام و قالوا:هذا متاع رسول اللّه ثمّ أخذ زيدا و قيّده و بعث به و قال:لو لا أنّي أريد أن لا أبتلي بدم أحد منكم لقتلتك،و كتب إلى أبي:بعثت إليك بابن عمّك فأحسن أدبه،فلمّا أتى به قال له أبي:ويحك يا زيد ما أعظم ما تأتي به.
و قال:إنّ عبد الملك بعث إلى الباقر عليه السّلام سرجا مسموما فركب عليه و نزل متورّما فأمر بأكفان له و مات بعد ثلاثة أيّام و ذلك السرج عند آل محمّد معلّق (1).
في الإختصاص عن أبي حمزة قال:دخل سعد بن عبد الملك-و كان أبو جعفر عليه السّلام يسمّيه سعد الخير و هو من ولد عبد العزيز بن مروان-على أبي جعفر عليه السّلام فبينا هو ينشج كما تنشج النساء قال له أبو جعفر عليه السّلام:ما يبكيك يا سعد؟
قال:كيف لا أبكي و أنا من الشجرة الملعونة في القرآن.
فقال له:لست منهم أنت أموي منّا أهل البيت أما سمعت قول اللّه عزّ و جلّ يحكي عن إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي (2)(3).
في المناقب قال الباقر عليه السّلام لكثير:إمتدحت عبد الملك؟
فقال:ما قلت له يا إمام الهدى و إنّما قلت يا أسد و الأسد كلب و يا جبل و إنّما هو حجر أصمّ،فتبسّم عليه السّلام و أنشأ الكميت بين يديه شعر:
من لقلب متيّم مستهام غير ما صبوة و لا أحلام
فلمّا بلغ إلى قوله:
أخلص اللّه لي هواي فما أغرق نزعا و لا تطيش سهامي
فقال عليه السّلام:فقد أغرق نزعا و ما تطيش سهامي.
فقال:يا مولاي أنت أشعر منّي في هذا المعنى (1).
قال السيد نعمة الجزائري في الرياض:معناه جعل اللّه محبّتي خالصة لكم فما أبالغ في المدح و لا تخطي سهامي فيه،يقال:أغرق النازع في القوس إذا استوفى مدّها ثمّ يقال لكلّ من بالغ في شيء قيل إنّما غيّر عليه السّلام شعره لإبهامه التقصير و عدم الإعتناء بمدحهم عليهم السّلام،على أنّ المعنى اللطيف هو ما قصده عليه السّلام و ذلك أنّ المادح إذا غرق في المدح تجاوز الحدّ و ارتكب الكذب و طاشت سهامه عن الهدف،أمّا الذي يمدحهم عليهم السّلام فكلّما بالغ و استغرق في مدحهم يكون به صادقا و سهامه صائبة للشيخ كما قال عليه السّلام:قولوا ما شئتم فينا إلاّ الربوبيّة (2).
عن بكر بن صالح أنّ عبد اللّه بن المبارك أتى أبا جعفر عليه السّلام فقال:إنّي رويت عن آبائك عليهم السّلام إنّ كلّ فتح بضلال فهو للإمام.
فقال:نعم.
قلت:جعلت فداك إنّهم أتوا بي من بعض فتوح الضلال و قد تخلّصت ممّن ملكوني بسبب و قد أتيتك مسترقا مستعبدا.
قال عليه السّلام:قد قبلت ثمّ أعتقه و كتب له كتابا:بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا كتاب محمّد بن عليّ الهاشمي العلوي لعبد اللّه بن المبارك فتاه إنّي أعتقتك لوجه اللّه و الدار الآخرة لا ربّ لك إلاّ اللّه و ليس عليك سيّد (3).
في الكافي عن الأسدي و محمّد بن مبشر أنّ عبد اللّه بن نافع الأزرق كان يقول:لو أنّي علمت أنّ بين قطريها أحدا تبلغني إليه المطايا يخصمني أنّ عليّا قتل أهل النهروان و هو غير ظالم لهم لرحلت إليه،فقيل له ولده فقال في ولده عالم،فقيل:هذا أوّل جهلك،عالمهم اليوم محمّد بن عليّ ابن الحسين بن علي،فرحل إليه في صناديد أصحابه إلى المدينة فاستأذن عليه فقيل له:هذا عبد اللّه ابن نافع.
فقال:و ما يصنع بي و هو يبرأ منّي و من أبي طرفي النهار.
فقيل له:جاء مناظرا فقال:يا غلام أخرج فحط رحله و قل له:إذا كان الغد فأتنا.
فلمّا أصبح غدا في أصحابه و بعث أبو جعفر عليه السّلام إلى جميع أبناء المهاجرين و الأنصار فجمعهم ثمّ خرج إلى الناس في ثوبين أحمرين كأنّه فلقة قمر فخطب و قال في خطبته:يا معشر أبناء المهاجرين و الأنصار من كانت عنده منقبة لعليّ بن أبي طالب فليقم و ليتحدّث،فقام الناس:فسردوا تلك المناقب.
فقال عبد اللّه:أنا أروى لهذه المناقب من هؤلاء،و إنّما أخذت عليه الكفر بعد تحكيمه الحكمين،حتّى انتهوا في المناقب إلى حديث خيبر:لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله كرّار غير فرّار لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه.
فقال عليه السّلام:ما تقول في هذا الحديث؟
فقال:هو حقّ لا شكّ فيه و لكن أحدث الكفر بعد.
فقال:ثكلتك أمّك أخبرني عن اللّه عزّ و جلّ أحبّ عليّ بن أبي طالب يوم أحبّه و هو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم؟
قال:فإن قلت:لا،كفرت.
قال:فقال:قد علم.
قال:فأحبّه اللّه على أن يعمل بطاعته أو يعمل بمعصيته؟
فقال:على أن يعمل بطاعته.
فقال عليه السّلام:فقم مخصوما.
فقام و هو يقول:حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر،اللّه أعلم حيث يجعل رسالته (1).
1) الكافي:351/8 ح 548،و البحار:185/10 ح 8.
عن زيد الشحّام قال:دخل قتادة على أبي جعفر عليه السّلام فقال:يا قتادة أنت فقيه أهل البصرة؟
فقال:هكذا يزعمون.
قال:بلغني أنّك تفسّر القرآن؟
قال:نعم أفسّره بعلم.
قال:أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ في قصّة سبأ وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيّاماً آمِنِينَ (1)؟
قال قتادة:ذاك من خرج من بيته بزاد و راحلة و كرا حلال يريد هذا البيت كان آمنا حتّى يرجع إلى أهله،فقال عليه السّلام:هل تعلم أنّه قد يخرج الرجل من بيته بزاد حلال و كرا حلال يريد هذا البيت فيقطع عليه الطريق و تذهب نفقته و يضرب مع ذلك ضربة فيها هلاكه؟
فقال قتادة:نعم.
فقال:ويحك يا قتادة من خرج من بيته بزاد و راحلة و كرا حلال يروم هذا البيت عارفا بحقّنا يهوانا قلبه كما قال اللّه عزّ و جلّ: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ (2)فنحن دعوة إبراهيم من هوانا قلبه قبلت حجّته و إلاّ فلا،فإذا كان ذلك أمن من عذاب جهنّم يوم القيامة.
قال قتادة:و اللّه لا فسّرتها إلاّ هكذا.
فقال:ويحك يا قتادة إنّما يعرف القرآن من خوطب به (3).
في الاحتجاج للطبرسي قال:كان مولانا الباقر عليه السّلام جالسا في الحرم إذ أقبل طاووس اليماني في جماعة من أصحابه فقال لأبي جعفر عليه السّلام:إئذن لي في السؤال.
قال:أذنا لك.
قال:متى هلك ثلث الناس؟
قال:و همت يا شيخ أردت أن تقول ربع الناس و ذلك يوم قتل قابيل هابيل كانوا أربعة آدم
و حوّى و قابيل و هابيل فهلك ربعهم فقال:و همت أنا،فأيّهما كان أبا الناس القاتل أو المقتول؟
قال:لا واحد منهما بل أبوهم شيث بن آدم قال:فلم سمّي آدم؟
قال:لأنّه رفعت طينته من أديم الأرض السفلى.
قال:فلم سمّيت حوّى؟
قال:لأنّها خلقت من ضلع حيّ يعني ضلع آدم.
قال:فلم سمّي إبليس؟
قال:لأنّه آيس من رحمة اللّه فلم يرحوها.
قال:فلم سمّي الجنّ جنّا؟
قال:لأنّهم استجنّوا فلم يروا.
قال:فأخبرني عن أوّل كذبة كذبت من صاحبها؟
قال:إبليس حين قال:أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين.
قال:فأخبرني عن قوم شهدوا شهادة الحقّ و كانوا كاذبين؟
قال:المنافقون حين قالوا:نشهد أنّك لرسول اللّه فأنزل اللّه إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ إلى قوله:
وَ اللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ.
قال:فأخبرني عن طير طار مرّة و لم يطر قبلها و لا بعدها ذكره اللّه في القرآن ما هو؟
قال:طور سيناء أطاره اللّه على بني إسرائيل حين أظلّهم يحتاج منه فيه ألوان العذاب حتّى قبلوا التوراة و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ إِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ الآية.
قال:فأخبرني عن رسول بعثه اللّه تعالى ليس من الجنّ و لا من الإنس و لا من الملائكة ذكره اللّه في كتابه.فقال:الغراب حين بعثه اللّه ليرى قابيل كيف يواري سوأة أخيه هابيل حين قتله قال اللّه عزّ و جلّ: فَبَعَثَ اللّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ.
قال:أخبرني عمّن أنذر قومه ليس من الجنّ و لا من الإنس و لا من الملائكة ذكره اللّه في كتابه؟
قال:النملة حين قالت: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَ جُنُودُهُ (1).
قال:فأخبرني من كذب عليه ليس من الجنّ و لا الإنس و لا الملائكة ذكره اللّه في كتابه؟
قال:الذئب الذي كذب عليه إخوة يوسف.8.
1) سورة النمل،الآية:18.
قال:فأخبرني عن شيء قليله حلال و كثيره حرام ذكره اللّه عزّ و جلّ في القرآن؟
قال النهر الذي قال: إِلاّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ (1).
قال:أخبرني عن صلاة مفروضة تصلّى بغير وضوء و عن صوم لا يحجز عن أكل و شرب؟
قال:أمّا الصلاة بغير وضوء فالصلاة على النبيّ و آله عليه و عليهم السلام،و أمّا الصوم فقوله عزّ و جلّ: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (2).
قال:فأخبرني عن شيء يزيد و لا ينقص و عن شيء ينقص و لا يزيد؟
فقال عليه السّلام:أمّا الشيء الذي يزيد و ينقص فهو القمر و الشيء الذي يزيد و لا ينقص فهو البحر و الشيء الذي ينقص و لا يزيد فهو العمر (3).
المناقب،قال الأبرش الكلبي لهشام مشيرا إلى الباقر عليه السّلام:من هذا الذي احتوشه أهل العراق؟
قال:هذا نبي الكوفة و هو يزعم أنّه ابن رسول اللّه و باقر العلم و مفسّر القرآن فاسأله مسألة لا يعرفها،فأتاه و قال:يابن عليّ كم الفترة التي كانت بين محمّد و عيسى عليه السّلام؟
قال:أمّا في قولنا فسبعمائة سنة،و أمّا في قولك فستّمائة سنة.
قال:فأخبرني عن قوله تعالى: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ (4)ما الذي يأكل الناس و يشربون إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟
قال:يحشر الناس على مثل قرصة التقى فيها أنهار منفجرة يأكلون و يشربون حتّى يفرغ من الحساب.
قال هشام:قل له:ما أشغلهم عن الأكل و الشرب يومئذ؟
قال:هم في النار أشغل و لم يشغلوا عن أن قالوا:أن أفيضوا علينا من الماء أو ممّا رزقكم اللّه،فنهض الأبرش و هو يقول:أنت ابن بنت رسول اللّه حقّا.
ثمّ صار إلى هشام فقال:دعونا منكم يا بني أميّة فإنّ هذا أعلم أهل الأرض فهذا ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (5).
و روي في البحار بلفط:عن محمد بن مسلم قال دخلت أنا و أبو جعفر عليه السّلام المسجد الحرام فإذا طاوس اليماني يقول لأصحابه:تدرون متى قتل نصف الناس؟فسمعه أبو جعفر عليه السّلام يقول:
نصف الناس.1.
قال:إنما هو ربع الناس،إنّما هو آدم،و حواء،و قابيل،و هابيل.
قال:صدقت يا ابن رسول اللّه.
قال:أتدري ما صنع بالقاتل؟
قال:لا.
قال محمد بن مسلم:قلت في نفسي هذه و اللّه مسألة.
قال:فغدوت إليه في منزله فلبس ثيابه و أسرج له قال:فبدأني بالحديث قبل أن أسأله فقال:يا محمد بن مسلم إنّ بالهند أو بتلقاء الهند رجل يلبس المسوح مغلولة يده إلى عنقه،موكل به عشرة رهط،تفنى الناس و لا يفنون،كلما ذهب واحد جعل مكانه آخر،يدور مع الشمس حيث ما دارت، يعذب بحر الشمس و زمهرير البرد حتى تقوم الساعة.
قال:و قلت:و من ذا جعلني اللّه فداك؟
قال:ذاك قابيل (1).
قال أبو جعفر عليه السّلام لأبي حنيفة:أنت رجل مشهور و لا أحبّ أن تجلس إليّ فلم يلتفت و جلس فقال لأبي جعفر:أنت الإمام؟
قال:لا.
قال:فإنّ قوما بالكوفة يزعمون إنّك إمام؟
قال:فما أصنع بهم؟
قال:تكتب إليهم تخبرهم.
قال:لا يطيعون إنّما نستدلّ على من غاب عنّا بمن حضر قد أمرتك أن لا تجلس فلم تطعني و كذلك لو كتبت إليهم ما أطاعوني فلم يقدر أبو حنيفة أن يدخل في الكلام (2).
في كشف اليقين،روى أنّ عبد اللّه الليثي قال لأبي جعفر عليه السّلام:بلغني أنّك تفتي في المتعة؟
قال:أحلّها اللّه في كتابه و سنّها رسول اللّه و عمل بها أصحابه،فقال:قد نهى عنها عمر؟
قال:فأنت على قول صاحبك و أنا على قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قال عبد اللّه:فيسرّك أنّ نساؤك فعلن ذلك؟
قال:و ما ذكر النساء هنا يا أحمق إنّ الذي أحلّها في كتابه و أباحها أغير منك و ممّن نهى عنها تكلفا بل يسرك أنّ بعض حرمك تحت حائك من حاكة يثرب نكاحا؟
قال:لا.
قال:فلم تحرّم ما أحلّ اللّه؟
قال:لا أحرّم و لكن الحائك ما هو لي بكفؤ.
قال:فإنّ اللّه ارتضى عمله و رغّب فيه و زوّجه حورا أفترغب عمّن رغب اللّه فيه و تستنكف عمّن هو كفؤ لحور الجنان كبرا و عتوّا،فضحك عبد اللّه و قال:ما أحسب صدوركم إلاّ منابت أشجار العلم فصار لكم ثمره و للناس ورقه (1).
عن أبي بكر الحضرمي قال:لمّا حمل أبو جعفر عليه السّلام إلى هشام بن عبد الملك و صار ببابه قال لأصحابه و من كان بحضرته من بني أميّة:
إذا رأيتموني قد و بّخت محمّد بن عليّ ثمّ رأيتموني قد سكتّ فليقبل عليه كلّ رجل منكم فليوبّخه ثمّ أمر أن يؤذن له،فلمّا دخل عليه أبو جعفر عليه السّلام قال بيده:السلام عليكم،فعمّهم جميعا بالسلام ثمّ جلس فازداد هشام عليه حنقا بتركه السلام عليه بالخلافة،و جلوسه بغير إذن،فأقبل يوبّخه و يقول فيما يقول له:يا محمّد بن عليّ لا يزال الرّجل منكم قد شقّ عصا المسلمين و دعا إلى نفسه و زعم أنّه الإمام سفها و قلّة علم.و وبّخه بما أراد أن يوبّخه،فلمّا سكت أقبل عليه القوم رجل بعد رجل يوبّخه حتّى انقضى آخرهم،فلمّا سكت القوم نهض عليه السّلام قائما ثمّ قال:أيّها النّاس أين تذهبون و أين يراد بكم،بناهدى اللّه أوّلكم و بنايختم آخركم،فإن يكن لكم ملك معجّل فإنّ لنا ملكا مؤجّلا و ليس بعد ملكنا ملك لأنّا أهل العاقبة يقول اللّه عزّ و جلّ: وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (2).
فأمر به إلى الحبس فلمّا صار إلى الحبس تكلّم فلم يبق في الحبس رجل إلاّ ترشّفه و حنّ إليه
فجاء صاحب الحبس إلى هشام فقال:يا أمير المؤمنين إنّي خائف عليك من أهل الشام أن يحولوا بينك و بين مجلسك هذا؛ثمّ أخبره بخبره،فأمر به فحمل على البريد (1)هو و أصحابه ليردّوا إلى المدينة و أمر أن لا يخرج لهم الأسواق و حال بينهم و بين الطعام و الشراب فساروا ثلاثا لا يجدون طعاما و لا شرابا حتّى انتهوا إلى مدين (2)،فأغلق باب المدينة دونهم فشكا أصحابه الجوع و العطش قال:فصعد جبلا ليشرف عليهم فقال بأعلى صوته:يا أهل المدينة الظالم أهلها أنا بقيّة اللّه،يقول اللّه: بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَ ما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (3).
قال:و كان فيهم شيخ كبير فأتاهم فقال لهم:يا قوم هذه و اللّه دعوة شعيب النبيّ (4)و اللّه لئن لم تخرجوا إلى هذا الرّجل بالأسواق لتؤخذنّ من فوقكم و من تحت أرجلكم فصدّقوني في هذه المرّة و أطيعوني و كذّبوني فيما تستأنفون فإنّي لكم ناصح.
قال:فبادروا فأخرجوا إلى محمّد بن عليّ و أصحابه بالأسواق،فبلغ هشام بن عبد الملك خبر الشيخ فبعث إليه فحمله فلم يدر ما صنع به (5).
كان عمر يتردد على الإمام الباقر عليه السّلام يستنصحه.و الباقر يوصيه بالمسلمين أجمعين-فيقول له بين ما يقول:أوصيك أن تتخذ صغير المسلمين ولدا.و أوسطهم أخا.و أكبرهم أبا.فارحم ولدك.
وصل أخاك.و بر والدك.فإذا صنعت معروفا فربه أي تعهده (6).
1) قال الزمخشري في الفائق:البريد الرسول و يجمع على برد بضم الباء و الراء،و قد تسكن الراء للتخفيف كرسل و رسل و البريد في الأصل البغل و هي كلمة فارسية أصلها بريده دم أي محذوفة الذنب لأنّ بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت و خففت بحذف الآخر و فتح الأول ثم سمى الرسول الذي يركبه بريد أو المسافة التي بين السكتين بريدا،و السكة الموضع الذي كان يسكنه الفيوح المرتبون من رباط أو قبة أو بيت أو نحو ذلك و بعد ما بين السكتين فرسخان و كان يرتب في كل سكة بغال و كتب في الحاشية:قيل و الصواب أربعة فراسخ،و نقل هذا القول صاحب النهاية أيضا.
2) قيل:هي قرية شعيب النبيّ،قيل:منها إلى الشام ثلاثة منازل،و قال علي بن إبراهيم(؛):هي قرية على طريق الشام.
3) سورة هود،الآية:86.
4) كما قال اللّه عز شأنه: وَ لَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَ أَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ.
5) الكافي:472/1 ح 5،و مدينة المعاجز:79/5.
6) الإمام جعفر الصادق عليه السّلام،عبد الحليم الجندي:140.
فعن هشام بن معاذ قال:كنت جليسا لعمر بن عبد العزيز حيث دخل المدينة فأمر مناديه فنادى من كانت له مظلمة أو ظلامة فليأت الباب،فأتى محمد بن علي يعنى الباقر عليه السّلام فدخل إليه مولاه مزاحم فقال:إن محمد بن علي بالباب فقال له:أدخله يا مزاحم قال:فدخل و عمر يمسح عينيه من الدموع فقال له محمد بن علي عليه السّلام:ما أبكاك يا عمر؟
فقال:هشام أبكاني كذا و كذا يا ابن رسول اللّه.
فقال محمد بن علي عليه السّلام:يا عمر إنما الدنيا سوق من الأسواق منها خرج قوم بما ينفعهم، و منها خرجوا بما يضرّهم،و كم من قوم قد غرّتهم بمثل الذي أصبحنا فيه،حتى أتاهم الموت فاستوعبوا،فخرجوا من الدنيا ملومين لما لم يأخذوا لما أحبوا من الآخرة عدة،و لا مما كرهوا جنة،قسم ما جمعوا من لا يحمدهم،و صاروا إلى من لا يعذرهم،فنحن و اللّه محقوقون،أن ننظر إلى تلك الأعمال التي كنا نغبطهم بها،فنوافقهم فيها،و ننظر إلى تلك الاعمال التي كنا نتخوف عليهم منها،فنكّف عنها.فاتق اللّه و اجعل في قلبك اثنتين،تنظر الذي تحب أن يكون معك إذا قدمت على ربك فقدمه بين يديك،و تنظر الذي تكرهه أن يكون معك إذا قدمت على ربك فابتغ به البدل،و لا تذهبن إلى سلعة قد بارت على من كان قبلك،ترجو أن تجوز عنك و اتق اللّه يا عمر و افتح الأبواب و سهل الحجاب،و انصر المظلوم ورد المظالم.
ثم قال:ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان باللّه،فجثا عمر على ركبتيه و قال:إيه يا أهل بيت النبوة.
فقال:نعم يا عمر من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل،و إذا غصب لم يخرجه غضبه من الحق،و من إذا قدر لم يتناول ما ليس له.فدعا عمر بدواة و قرطاس و كتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما ردّ عمر بن عبد العزيز ظلامة محمد بن علي عليه السّلام فدك (1).
ذكر الدميري الشافعي في حياة الحيوان:في ترجمة عبد الملك بن مروان،قصة جرت بينه و بين ملك الروم،و فيه:أنّ الملك هدده في كتابه إليه،و كان فيه:و لآمرن بنقش الدنانير و الدراهم، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي،-و لم تكن الدراهم و الدنانير نقشت في الاسلام-فينقش عليها شتم نبيك-إلى أن قال-...
فلما قرأ عبد الملك الكتاب،صعب عليه الامر و غلظ،و ضاقت به الارض،و قال:أحسبني
1) بحار الأنوار،العلامة المجلسي:326/64.
أشأم مولود ولد في الاسلام،لأني جنيت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،من شتم هذا الكافر ما يبقى من غابر الدهر،و لا يمكن محوه من جميع مملكة العرب،إذا كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم و دراهمهم،فجمع أهل الإسلام و استشارهم،فلم يجد عند أحد منهم رأيا يعمل به.فقال له روح بن زنباع:إنك لتعلم المخرج من هذا الأمر،و لكنك تتعمد تركه،فقال:ويحك من؟
فقال:عليك بالباقر من أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قال:صدقت،و لكنه ارتج علي الرأي فيه،فكتب إلى عامله بالمدينة:أن أشخص إلي محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام،مكرما و متّعه بمائة ألف درهم لجهازه،و بثلثمائة ألف درهم لنفقته،و أرح عليه في جهازه و جهاز من يخرج معه من أصحابه،و حبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي عليه السّلام،فلما و افاه أخبره الخبر،فقال له محمد عليه السّلام:لا يعظم هذا عليك،فإنه ليس بشي من جهتين:إحداهما أنّ اللّه عزّ و جلّ،لم يكن ليطلق ما يهدد به صاحب الروم في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و الأخرى وجود الحيلة.
فقال:و ما هي؟
قال عليه السّلام:تدعو هذه الساعة بصنّاع،فيضربون بين يديك سككا للدراهم و الدنانير،و تجعل النقش عليها سورة التوحيد و ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،احدهما في وجه الدرهم و الدينار،و الآخر في الوجه الثاني،و تجعل في مدار الدرهم و الدينار،ذكر البلد الذي يضرب فيه،و السنة التي يضرب فيها تلك الدراهم و الدنانير،و تعمد إلى وزن ثلاثين درهما عددا من الأصناف الثلاثة،التي العشرة منها وزن عشرة مثاقيل،و عشرة منها وزن ستة مثاقيل،و عشرة منها وزن خمسة مثاقيل،فتكون أوزانها جميعا واحدا و عشرين مثقالا،فتجزئها من الثلاثين،فتصير العدّة من الجميع وزن سبعة مثاقيل،و تصب صنجات (1)من قوارير لا يستحيل إلى زيادة و لا نقصان،فتضرب الدراهم على وزن عشرة،و الدنانير على وزن سبعة مثاقيل.
و كانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسروية،التي يقال لها اليوم بغلية،لأنّ رأس البغل ضربها لعمر بسكة كسروية في الإسلام،مكتوب عليها صورة الملك،و تحت الكرسي مكتوب بالفارسية نوش خور،أي:كل هنيئا،و كان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالا،و الدراهم التي كان وزن العشرة منها ستة مثاقيل هي السمرية الخفاف،و نقشها نقش فارس.
و أمره محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام،أن يكتب السكك في جميع بلدان الإسلام، و أن يتقدم إلى الناس في التعامل بها،و أن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهمج.
1) الصنجة:صنجة الميزان معرب،مجمع البحرين-صنج.
و الدنانير و غيرها،و أن تبطل و ترد إلى مواضع العمل،حتى تعاد إلى السكك الإسلامية،ففعل عبد الملك ذلك..إلى آخر ما قال (1).
و عن أبي بصير،يرويه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:كان زيد بن الحسن يخاصم أبي في ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يقول:أنا من ولد الحسن و أولى بذلك منك،لأني من ولد الأكبر،فقاسمني ميراث رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-و ادفعه الي.فأبى أبي فخاصمه إلى القاضي فكان يختلف معه إلى القاضي،فبينما هم كذلك ذات يوم في خصومتهم،إذ قال زيد بن الحسن لزيد بن علي:أسكت يابن السندية.
فقال زيد بن علي:أف لخصومة تذكر فيها الامهات.و اللّه لا كلمتك بالفصيح من رأسي أبدا حتى أموت.
و انصرف إلى أبي،فقال:يا أخي إني حلفت بيميني ثقة بك،و علمت أنك لا تكرهني و لا تخيّبني (2)،حلفت أن لا أكلم زيد بن الحسن،و لا أخاصمه،و ذكر ما كان بينهما.و أعفاه أبي، و اغتنمها زيد بن الحسن فقال:يلي خصومتي مع محمد بن علي فاعتبه و أؤذيه فيعتدي علي.فعدا على أبي فقال:بيني و بينك القاضي،فقال:قم بنا.فلما أخرجه قال أبي:يا زيد إنّ معك لسكينة قد أخفيتها أرأيتك إن نطقت هذه السكينة التي تسترها مني،فشهدت أني أولى بالحق منك أفتكف عني؟
قال:نعم.و حلف له بذلك.
فقال أبي:أيتها السكينة إنطقي باذن اللّه تعالى.فوثبت السكينة من يد زيد بن الحسن على الأرض ثم قالت:يا زيد أنت ظالم،و محمد بن علي أحق منك و أولى،و إن لم تكف لألين قتلك.
فخر زيد مغشيا عليه فأخذه بيده فأقامه،ثم قال:يا زيد إن نطقت هذه الصخرة التي نحن عليها أتقبل؟
قال:نعم و حلف له علي ذلك فرجفت الصخرة التي مما يلي زيد حتى كادت أن تنفلق،و لم ترجف مما يلي أبي،ثم قالت:يا زيد أنت ظالم،و محمد أولى بالأمر منك،فكف عنه و إلا وليت قتلك فخر زيد مغشيا عليه،فأخذ أبي بيده و أقامه،ثم قال:يا زيد أرأيت إن نطقت هذه الشجرة أتكف؟
قال:نعم.
فدعا أبي الشجرة،فأقبلت تخد الارض حتى أظلتهم،ثم قالت:يا زيد أنت ظالم و محمد أحق بالأمر منك،فكف عنه و إلا قتلتك فغشي على زيد،فأخذ أبي بيده و أقامه و قال:يا زيد أرأيت هذا؟و انصرفت الشجرة إلى موضعها.فحلف زيد أن لا يعرض لأبي و لا يخاصمه،و انصرف،ي.
و خرج زيد من يومه قصد عبد الملك بن مروان فدخل عليه،و قال له:أتيتك من عند ساحر كذاب لا يحل لك تركه،و قص عليه ما رأى.فكتب عبد الملك إلى عامل المدينة:أن ابعث الي محمد بن علي مقيدا.و قال لزيد:أرأيتك إن وليتك قتله قتلته؟
قال:نعم.فلما انتهى الكتاب إلى العامل أجاب العامل عبد الملك ليس كتابي هذا خلافا عليك يا أمير المؤمنين،و لا أرد أمرك،و لكن رأيت أن أراجعك في الكتاب نصيحة لك،و شفقة عليك،و إنّ الرجل الذي أردته ليس اليوم على وجه الارض أعف منه،و لا أزهد و لا أورع منه و إنه ليقرأ في محرابه،فتجتمع الطير و السباع تعجبا بصوته،و إن قراءته كشبه مزامير آل داود،و إنه من أعلم الناس و أرقّهم و أشدّهم اجتهادا و عبادة،و كرهت لامير المؤمنين التعرض له:فإنّ اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
فلما ورد الكتاب على عبد الملك سر بما أنهى إليه الوالي و علم أنه قد نصحه،فدعا بزيد بن الحسن فاقرأه الكتاب.
قال:أعطاه و أرضاه.
فقال عبد الملك:فهل تعرف أمرا غير هذا؟
قال:نعم،عنده سلاح رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سيفه و درعه و خاتمه و عصاه و تركته،فاكتب إليه فيه، فإن هو لم يبعث به فقد وجدت إلى قتله سبيلا.فكتب عبد الملك إلى العامل:أن احمل إلى أبي جعفر محمد بن علي ألف ألف درهم وليعطيك ما عنده من ميراث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.فأتى العامل منزل أبي جعفر بالمال و أقرأه الكتاب،فقال:أجلني أياما؟
قال:نعم.فهيأ أبي متاعا مكان كل شيء ثم حمله و دفعه إلى العامل،فبعث به إلى عبد الملك،فسر به سرورا شديدا،فأرسل إلى زيد فعرضه عليه،فقال زيد:و اللّه ما بعث إليك من متاع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقليل و لا كثير.فكتب عبد الملك إلى أبي:إنك أخذت مالنا،و لم ترسل لنا بما طلبنا.
فكتب إليه أبي:إني قد بعثت إليك بما قد رأيت،و إن شئت كان ما طلبت و إن شئت لم يكن، فصدّقه عبد الملك و جميع أهل الشام،و قال:هذا متاع رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-قد أتيت به،ثم أخذ زيدا و قيّده و بعث به إلى أبي و قال له:لو لا أني لا أريد أن أبتلى بدم أحد منكم لقتلتك.
و كتب إلى أبي إني قد بعثت إليك بابن عمك فأحسن أدبه.فلما أتي به أطلق عنه و كساه،ثم إن زيدا ذهب إلى سرج فسمه،ثم أتى به إلى أبي فناشده إلا ركبت هذا السرج.
فقال أبي:ويحك يا زيد ما أعظم ما أتاني به،و ما يجري على يديك،إني لأعرف الشجرة التي نتجت منها،و لكن هكذا قدّر فويل لمن أجرى اللّه على يده الشر.فأسرج له،فركب أبي و نزل
الطريق متورما،فأمر بأكفان له و كان فيها ثوب أبيض أحرم فيه،و قال:إجعلوه في أكفاني و عاش ثلاثا،ثم مضى عليه السّلام لسبيله،و ذلك السرج عند آل محمد عليهم السّلام معلق.
ثم إن زيد بن الحسن بقي بعده أياما،فعرض له داء،لم يزل يتخبط به و يهذي و ترك الصلاة حتى مات (1).
سأل سائل عبد اللّه بن عمر في مسجد الرسول فأشار إلى حيث يجلس الباقر و قال:إذهب إلى هذا الغلام و سله و أعلمنى عما يجيبك.
فلما عاد إليه بالجواب قال:إنهم أهل بيت مفهمون (2).
عن عمرو بن عبد اللّه الثقفي قال أخرج هشام بن عبد الملك أبا جعفر محمد بن علي عليه السّلام من المدينة إلى الشام،و كان ينزله معه،فكان يقعد مع الناس في مجالسهم،فبينا هو قاعد و عنده جماعة من الناس يسألونه إذ نظر إلى النصارى يدخلون في جبل هناك فقال:ما لهؤلاء القوم؟ألهم عيد اليوم؟
قالوا لا يا ابن رسول اللّه،ولكنهم يأتون عالما لهم في هذا الجبل في كل سنة في هذا اليوم فيخرجونه و يسألونه عما يريدون و عما يكون في عامهم.
قال أبو جعفر:و له علم؟فقالوا:من أعلم الناس،قد أدرك أصحاب الحواريين من أصحاب عيسى عليه السّلام.
قال:فهلم أن نذهب إليه،فقالوا:ذلك إليك يا ابن رسول اللّه.
قال فقنع أبو جعفر رأسه بثوبه و مضى هو و أصحابه فاختلطوا بالناس حتى أتوا الجبل.
قال:فقعد أبو جعفر وسط النصارى هو و أصحابه،فأخرج النصارى بساطا ثم وضعوا الوسائد،ثم دخلوا فأخرجوا عالمهم ثم ربطوا عينيه فقلب عينيه كأنهما عينا أفعى،ثم قصد نحو أبي جعفر عليه السّلام فقال له:أمنا أنت أو من الأمة المرحومة؟
فقال أبو جعفر عليه السّلام:من الامة المرحومة.
قال:أفمن علمائهم أنت أو من جهالهم؟
قال:لست من جهالهم.
قال النصراني أسألك أو تسألني؟
قال أبو جعفر عليه السّلام:سلني فقال:يا معشر النصارى رجل من أمة محمد يقول:سلني!إنّ هذا لعالم بالمسائل.ثم قال:يا عبد اللّه أخبرني عن ساعة ما هي من الليل و لا هي من النهار أي ساعة هي؟
قال أبو جعفر عليه السّلام:ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
قال النصراني:فإذا لم يكن من ساعات الليل و لا من ساعات النهار فمن أي الساعات هي؟
فقال أبو جعفر عليه السّلام:من ساعات الجنة و فيها تفيق مرضانا،فقال النصراني:أصبت،فأسألك أو تسألني؟
قال أبو جعفر عليه السّلام:سلني.
قال:يا معاشر النصارى إن هذا لملي بالمسائل أخبرني عن أهل الجنة كيف صاروا يأكلون و لا يتغوطون أعطني مثله في الدنيا،فقال أبو جعفر عليه السّلام:هو هذا الجنين في بطن أمّه يأكل مما تأكل امه و لا يتغوط.
قال النصراني:أصبت،ألم تقل:ما أنا من علمائهم؟
قال أبو جعفر عليه السّلام:إنما قلت لك:ما أنا من جهالهم.
قال النصراني:فأسألك أو تسألني؟.
قال:يا معشر النصارى و اللّه لأسألنّه يرتطم فيها كما يرتطم الحمار في الوحل،فقال:إسأل.
قال:أخبرني عن رجل دنا من امرأته فحملت بإبنين جميعا،حملتمها في ساعة واحدة و ما تا في ساعة واحدة،و دفنا في ساعة واحدة في قبر واحد،فعاش أحدهما خمسين و مائة سنة،و عاش الآخر خمسين سنة،من هما؟
قال أبو جعفر عليه السّلام.هما عزير و عزره،كان حمل أمّهما ما وصفت،و وضعتهما على ما وصفت،و عاش عزره و عزير،فعاش عزره و عزير ثلاثين سنة،ثم أمات اللّه عزيرا مائة سنة و بقي عزره يحيا،ثم بعث اللّه عزيرا فعاش مع عزره عشرين سنة.
قال النصراني يا معشر النصارى ما رأيت أحدا قط أعلم من هذا الرجل،لا تسألوني عن حرف و هذا بالشام،ردوني،فردّوه إلى كهفه و رجع النصارى مع أبي جعفر عليه السّلام (1).2.
1) تفسير القمي:89،و أخرجه الكليني بالإسناد في كتاب الروضة:122.
و رويت عن الصادق عليه السّلام بلفظ آخر:أن عبد الملك بن مروان كتب إلى عامله بالمدينة في رواية هشام بن عبد الملك:أن وجّه إلي محمد بن علي،فخرج أبي و أخرجني معه فمضينا حتى أتينا مدين شعيب،فإذا نحن بدير عظيم و على بابه أقوام عليهم ثياب صوف خشنة،فألبسني والدي و لبس ثيابا خشنة،فأخذ بيدي حتى جئنا و جلسنا عند القوم فدخلنا مع القوم الدير،فرأينا شيخا قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر،فنظر إلينا فقال لأبي:أنت منا أم من هذه الأمة المرحومة؟
قال:لابل من هذه الأمة المرحومة.
قال:من علمائها أو من جهالها؟
قال أبي:من علمائها.
قال:أسألك عن مسألة؟
قال:سل.
قال:أخبرني عن أهل الجنة إذا دخلوها و أكلوا من نعيمها هل ينقص من ذلك شي؟
قال:لا.
قال الشيخ:ما نظيره؟
قال أبي:أليس التوراة و الانجيل و الزبور و الفرقان يؤخذ منها و لا ينقص منها شي؟
قال:أنت من علمائها.ثم قال:أهل الجنة هل يحتاجون إلى البول و الغائط؟
قال أبي:لا.
قال و ما نظير ذلك؟
قال أبي:أليس الجنين في بطن أمّه يأكل و يشرب و لا يبول و لا يتغوط؟قال:صدقت.
قال:و سأل عن مسائل فأجاب أبي.
ثم قال الشيخ:أخبرني عن توأمين ولدا في ساعة واحة،و ماتا في ساعة واحدة،عاش أحدهما مائة و خمسين سنة،و عاش الآخر خمسين سنة،من كانا؟و كيف قصتهما؟
قال أبي:هما عزير و عزره،أكرم اللّه تعالى عزيرا بالنبوة عشرين سنة،و أماته مائة سنة،ثم أحياه فعاش بعده ثلاثين سنة،و ماتا في ساعة واحدة،فخر الشيخ مغشيا عليه،فقال:فقام أبي و خرجنا من الدير،فخرج إلينا جماعة من الدير و قالوا:يدعوك شيخنا.
فقال أبي:مالي بشيخكم من حاجة،فإن كان له عندنا حاجة فليقصدنا،فرجعوا ثم جاؤوا به و اجلس بين يدي أبي فقال:ما اسمك؟
قال عليه السّلام:محمد.
قال:أنت محمد النبي؟
قال لا أنا ابن بنته؟
قال:ما اسم امك؟
قال:أمّي فاطمة.
قال:من كان أبوك؟
قال:اسمه علي.
قال:أنت ابن إليا بالعبرانية و علي بالعربية؟
قال:نعم.
قال:ابن شبر أو شبير؟
قال:إني ابن شبير.
قال الشيخ:أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أنّ جدّك محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رسول اللّه.
ثم ارتحلنا حتى أتينا عبد الملك،فنزل من سريره و استقبل أبي و قال:عرضت لي مسألة لم يعرفها العلماء فأخبرني إذا قتلت هذه الأمة إمامها المفروض طاعته عليهم أي عبرة يريهم اللّه في ذلك اليوم؟
قال أبي:إذا كان كذلك لا يرفعون حجرا إلا و يرون تحته دما عبيطا،فقبّل عبد الملك رأس أبي و قال:صدقت،إن في يوم قتل فيه أبوك علي بن أبي طالب عليه السّلام كان على باب أبي مروان حجر عظيم فأمر أن يرفعوه فرأينا تحته دما عبيطا يغلي،و كان لي أيضا حوض كبير في بستاني و كان حافته حجارة سوداء فأمرت أن ترفع و يوضع مكانها حجارة بيض،و كان في ذلك اليوم قتل الحسين عليه السّلام، فرأيت دما عبيطا يغلي تحتها.أتقيم عندنا و لك من الكرامة ما تشاء أم ترجع؟
قال أبي:بل أرجع إلى قبر جدي،فأذن له بالإنصراف فبعث قبل خروجنا بريدا يأمر أهل كل منزل أن لا يطعمونا شيئا و لا يمكنونا من النزول في بلد حتى نموت جوعا،فكلما بلغنا منزلا طردونا و فنى زادنا حتى أتينا مدين شعيب،و قد أغلق بابه فصعد أبي جبلا هناك مطلا على البلد أو مكانا مرتفعا عليه فقرأ: وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَ لا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ* وَ يا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)ثم رفع صوته و قال:و اللّه أنا بقية اللّه.6.
1) سورة هود،الآية:86.
فأخبروا الشيخ بقدومنا و أحوالنا فحملوه إلى أبي و كان لهم معهم من الطعام كثير فأحسن ضيافتنا،فأمر الوالي بتقييد الشيخ فقيدوه ليحملوه إلى عبد الملك لانه خالف أمره.
قال الصادق عليه السّلام:فاغتممت لذلك و بكيت،فقال والدي:و لا بأس من عبد الملك بالشيخ و لا يصل إليه فإنه يتوفى أول منزل ينزله،و ارتحلنا حتى رجعنا إلى المدينة بجهد (1).
قال الأبرش الكلبي لأبي جعفر عليه السّلام:بلغني أنك قلت في قول اللّه يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ (2)إنها تبدل خبزة،فقال أبو جعفر عليه السّلام صدقوا،تبدل الارض خبزة نقيه في الموقف يأكلون منها،فضحك الأبرش،و قال:أما لهم شغل بماهم فيه عن أكل الخبز؟!
فقال:ويحك في أي المنزلتين هم أشد شغلا و أسوأ حالا،إذا هم في الموقف أو في النار يعذبون؟
فقال:لا في النار،فقال:ويحك و إن اللّه يقول: لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ* فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ* فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ* فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (3).
قال:فسكت.
و في خبر آخر عنه فقال:و هم في النار لا يشغلون عن أكل الضريع و شرب الحميم و هم في العذاب،كيف يشغلون عنه في الحساب؟ (4).
محمد بن إسماعيل،عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير،عن عبد الرحمن بن الحجاج،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:أن محمد بن المنكدر كان يقول:ما كنت أرى أن علي بن الحسين يدع خلفا أفضل منه حتى رأيت ابنه محمد بن علي،فأردت أن أعظه فوعظني،فقال له أصحابه:بأي شيء وعظك؟
قال:خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيني،أبو جعفر محمد بن علي عليه السّلام و كان رجلا بادنا ثقيلا و هو متكئ على غلامين أسودين أو موليين،فقلت في نفسي:سبحان اللّه شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا!أما لأعظنه،فدنوت فسلمت عليه فرد على السلام بنهر و هو يتصاب عرقا فقلت:أصلحك اللّه شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا!؟أرأيت لو جاء أجلك و أنت على هذه الحال ما كنت تصنع؟
فقال:لو جاءني الموت و أنا على هذه الحال جاءني و أنا في طاعة اللّه عزّ و جل (1).
عن أبي الربيع قال:حججت مع أبي جعفر عليه السّلام في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك، و كان معه نافع بن الازرق مولى عمر بن الخطاب فنظر نافع إلى أبي جعفر في ركن البيت و قد اجتمع عليه الناس،فقال لهشام:يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتكافأ عليه الناس؟
فقال:هذا نبي أهل الكوفة!هذا محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم أجمعين.
قال نافع:لآتينه و لأسألنّه عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي أو وصي نبي أو ابن وصي نبي.
فقال هشام:فاذهب إليه فسله فلعلك أن تخجله.
فجاء نافع فاتكأ على الناس ثم أشرف على أبي جعفر عليه السّلام فقال:يا محمد بن علي إني قد قرأت التوراة و الإنجيل و الزبور و الفرقان،و قد عرفت حلالها و حرامها قد جئت أسألك عن مسائل لا يجيبني فيها إلا نبي،أو وصي نبي،أو ابن وصي نبي فرفع إليه أبو جعفر عليه السّلام رأسه فقال:سل.
فقال:أخبرني كم بين عيسى و محمد من سنة؟
قال:أخبرك بقولي أم بقولك؟
قال:أخبرني بالقولين جميعا.
قال:أما بقولي فخمسمائة سنة،و أما بقولك فستمائة سنة.
قال:فأخبرني عن قول اللّه تعالى:(و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون)من الذي سأل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان بينه و بين عيسى خمسمائة سنة؟
قال:فتلا أبو جعفر عليه السّلام هذه الآية: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى
1) الكافي:74/5 ح 1،و البحار:157/10 ح 5.
اَلْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا (1)فكان من الآيات التي أراها اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين أسرى به إلى بيت المقدس أن حشر اللّه الأولين و الآخرين من النبيين و المرسلين،ثم أمر جبرئيل عليه السّلام فأذّن شفعا و أقام شفعا ثم قال في إقامته:حي على خير العمل،ثم تقدم محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فصلّى بالقوم،فأنزل اللّه تعالى عليه وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَ جَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (2).
فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:علام تشهدون؟و ما كنتم تعبدون؟
قالوا:نشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له،و أنك رسول اللّه،أخذت على ذلك مواثيقنا و عهودنا.
قال نافع:صدقت يا ابن رسول اللّه يا أبا جعفر،أنتم و اللّه أوصياء رسول اللّه و خلفاؤه في التوراة،و أسماؤكم في الإنجيل و في الزبور و في القرآن،و أنتم أحق بالأمر من غيركم (3).
تكلم بعض رؤساء الكيسانية مع الباقر عليه السّلام في حياة محمد بن الحنفية قال له:ويحك ما هذه الحماقة؟أنتم أعلم به أم نحن؟قد حدثني أبي علي بن الحسين عليه السّلام أنه شهد موته و غسّله و كفّنه و الصلاة عليه و إنزاله في قبره.
فقال:شبه على أبيك كما شبه عيسى ابن مريم على اليهود.
فقال له الباقر عليه السّلام:أفنجعل هذه الحجة قضاء بيننا و بينك؟
قال:نعم.
قال عليه السّلام:أرأيت اليهود الذين شبه عيسى عليه السّلام عليهم كانوا أولياءه أو أعداءه؟
قال:بل كانوا أعداءه.
قال عليه السّلام:فكان أبي عدو محمد ابن الحنفية فشبه له؟
قال:لا،و انقطع و رجع عما كان عليه (4).
جاءه رجل من أهل الشام و سأله عن بدء خلق البيت،فقال عليه السّلام:إن اللّه تعالى لما قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (1)فردوا عليه بقولهم: أَ تَجْعَلُ فِيها و ساق الكلام إلى قوله تعالى: وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (2)فعلموا أنهم وقعوا في الخطيئة فعاذوا بالعرش فطافوا حوله سبعة أشواط،يسترضون ربهم عزّ و جلّ فرضي عنهم،و قال لهم:اهبطوا إلى الارض فابنوا لي بيتا يعوذ به من أذنب من عبادي و يطوف حوله كما طفتم أنتم حول عرشي فأرضى عنه كما رضيت عنكم فبنوا هذا البيت،فقال له الرجل:صدقت يا أبا جعفر،فما بدؤ هذا الحجر؟
قال:إن اللّه تعالى لما أخذ ميثاق بني آدم أجرى نهرا أحلى من العسل و ألين من الزبد،ثم أمر القلم استمد من ذلك و كتب إقرارهم و ما هو كائن إلى يوم القيامة،ثم ألقم ذلك الكتاب هذا الحجر فهذا الاستلام الذي ترى إنما هو بيعة على إقرارهم،و كان أبي إذا استلم الركن قال:اللهم أمانتي أديتها،و ميثاقي تعاهدته ليشهد لي عندك بالوفاء.
فقال الرجل:صدقت يا أبا جعفر.
ثم قام فلما ولى قال الباقر عليه السّلام لابنه الصادق عليه السّلام:أردده علي،فتبعه إلى الصفا فلم يره، فقال الباقر عليه السّلام:أراه الخضر عليه السّلام (3).
و عن ثوير بن أبي فاختة قال:خرجت حاجا فصحبني عمر بن ذر القاضي و ابن قيس الماصر و الصلت بن بهرام و كانوا إذا نزلوا منزلا قالوا:انظر الآن فقد حررنا أربعة آلاف مسألة نسأل أبا جعفر عليه السّلام منها عن ثلاثين كل يوم،و قد قلّدناك ذلك.
قال ثوير:فغمّني ذلك حتى إذا دخلنا المدينة فافترقنا فنزلت أنا على أبي جعفر فقلت له:
جعلت فداك إنّ ابن ذر و ابن قيس الماصر و الصلت صحبوني و كنت أسمعهم يقولون:قد حررنا أربعة آلاف مسألة نسأل أبا جعفر عليه السّلام عنها فغمّني ذلك فقال أبو جعفر عليه السّلام:ما يغمك من ذلك؟فإذا جاؤوا فأذن لهم.فلما كان من غددخل مولى لأبي جعفر عليه السّلام فقال:جعلت فداك إنّ بالباب ابن ذر و معه قوم.
فقال لي أبو جعفر عليه السّلام:يا ثوير قم فأذن لهم،فقمت فأدخلتهم،فلما دخلوا سلموا و قعدوا و لم يتكلموا،فلما طال ذلك أقبل أبو جعفر عليه السّلام يستفتيهم الأحاديث و أقبلوا لا يتكلمون،فلما رأى ذلك أبو جعفر عليه السّلام قال لجارية له يقال لها سرحة:هاتي الخوان.فلما جاءت به فوضعته قال أبو
جعفر عليه السّلام الحمد للّه الذي جعل لكل شيء حدا ينتهي إليه حتى أنّ لهذا الخوان حدا ينتهي إليه، فقال ابن ذر:و ما حده؟
قال:إذا وضع ذكر اسم اللّه،و إذا رفع حمد اللّه.
قال:ثم أكلوا ثم قال أبو جعفر عليه السّلام:إسقيني فجاءته بكوز من أدم فلما صار في يده قال:
الحمد للّه الذي جعل لكل شيء حدا ينتهي إليه حتى أن لهذا الكوز حدا ينتهي إليه.
فقال ابن ذر:و ما حده؟
قال:يذكر اسم اللّه عليه إذا شرب،و يحمد اللّه عليه إذا فرغ،و لا يشرب من عند عروته،و لا من كسر إن كان فيه.قال:فلما فرغوا أقبل عليهم يستفتيهم الأحاديث فلا يتكلّمون،فلما رأى ذلك أبو جعفر عليه السّلام قال:يا ابن ذر ألا تحدّثنا ببعض ما سقط إليكم من حديثنا؟
قال:بلى يا ابن رسول اللّه.
قال:إني تارك فيكم الثقلين،أحدهما أكبر من آخر:كتاب اللّه،و أهل بيتي،إن تمسكتم بهما لن تضلوا.
فقال أبو جعفر عليه السّلام:يا ابن ذر إذا لقيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:ما خلفتني في الثقلين؟فماذا تقول؟
قال:فبكى ابن ذر حتى رأيت دموعة تسيل على لحيته،ثم قال:أما الأكبر فمز قناه،و أما الأصغر فقتلناه،فقال أبو جعفر عليه السّلام:إذا تصدقه يا ابن ذر لا و اللّه لا تزول قدم يوم القيامة حتى يسأل عن ثلاث:عن عمره فيما أفناه،و عن ماله أين اكتسبه و فيما أنفقه،و عن حبنا أهل البيت.
قال:فقاموا و خرجوا.
فقال أبو جعفر عليه السّلام لمولى:إتبعهم فانظر ما يقولون.
قال:فتبعهم ثم رجع فقال:جعلت فداك قد سمعتهم يقولون لابن ذر:ما على هذا خرجنا معك فقال:ويلكم أسكتوا ما أقول إنّ رجلا يزعم أنّ اللّه يسألني عن ولايته،و كيف أسأل رجلا يعلم حدّ الخوان و حدّ الكوز (1).
عن بكير بن أعين قال:جاء رجل إلى أبي جعفر عليه السّلام فقال له:يا أبا جعفر:ما تقول في امرأة
1) بحار الأنوار،العلامة المجلسي:159/10.
تركت زوجها و إخوتها لأمها و أختها لأبيها؟فقال أبو جعفر عليه السّلام للزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة أسهم،و للأخوة من الأم الثلث سهمان من ستة،و للأخت من الأب ما بقي و هو السدس سهم من ستة.
فقال له الرجل:فإن فرائض زيد و فرائض العامة و القضاة على غير ذلك يا أبا جعفر،يقولون:
للأخت من الأب ثلاثة أسهم من ستة إلى ثمانية،فقال له أبو جعفر،عليه السّلام:و لم قالوا ذلك؟
قال:لأن اللّه تعالى يقول: إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَ لَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ (1).
فقال أبو جعفر عليه السّلام:فإن كان الأخت أخا؟
قال:ليس له إلا السدس،فقال أبو جعفر عليه السّلام:فمالكم نقصتم الأخ إن كنتم تحتجون للأخت بأن اللّه تعالى قد سمى لها النصف فإن اللّه تعالى قد سمى للأخ أيضا الكل،و الكل أكثر من النصف.
قال اللّه تعالى: فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَ هُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ (2)فلا تعطون الذي جعل اللّه له الجميع في فرائضكم شيئا،و تعطونه السدس في موضع،و تعطون الذي جعل اللّه تعالى له النصف تاما؟!
فقال الرجل:و كيف نعطي الأخت أصلحك اللّه النصف و لا نعطي الأخ شيئا؟
فقال أبو جعفر عليه السّلام:تقولون في أم و زوج و إخوة لأم و أخت لأب فتعطون الزوج النصف ثلاثة أسهم من ستة تعول إلى تسعة،و الأم السدس،و الأخوة من الأم الثلث و الأخت من الأب النصف ثلاثة يرتفع من ستة إلى تسعة،فقال:كذلك يقولون،فقال:إن كانت الأخت أخا لأب؟
قال:ليس له شي.
فقال الرجل لأبي جعفر عليه السّلام:فما تقول أنت رحمك اللّه؟
قال عليه السّلام:فليس للأخوة من الأب و الأم و لا للأخوة من الأم و لا للأخوة من الأب مع الأم شي (3).0.
هو محمّد الباقر 5
في أسرار أبي جعفر الباقر عليه السّلام 8
ذكر أمه عليهما السّلام 11
مولد أبي جعفر محمد بن علي عليهما السّلام 12
أسماء الإمام الباقر عليه السّلام 13
النبي يقرء الباقر السلام من اللّه 14
الآيات النازلة في الإمام الباقر عليه السّلام 17
ما نسب للإمام الباقر عليه السّلام من الشعر 17
أولاد الإمام الباقر عليه السّلام 18
شهادة الإمام الباقر عليه السّلام 19
وصايا الإمام الباقر عليه السّلام 19
وصيّة الإمام الباقر عليه السّلام للشيعة 21
فضل زيارة محمّد بن علي الباقر عليه السّلام 24
نقش خواتيمه عليه السّلام 25
صفة الإمام الباقر عليه السّلام 26
وصيّة الإمام زين العابدين للباقر عليهما السّلام 26
إحياء الإمام الباقر عليه السّلام للأموات 26
قدرة الإمام الباقر عليه السّلام 28
إحاطته عليه السّلام بكل شيء 32
قدرة آل محمد على تسخير السحاب و البرق و الرعد و الريح و عين القطر 32
معرفة الإمام الباقر عليه السّلام للغة الحيوانات 37
معرفة الإمام الباقر عليه السّلام للغة الجن 39
دعاء الإمام الباقر عليه السّلام المستجاب 39
علم الإمام الباقر عليه السّلام 40
علم الإمام الباقر عليه السّلام للغيب 41
مواعظ الإمام الباقر عليه السّلام 50
موعظته عليه السّلام لجابر 62
تسليمه عليه السّلام لأمر اللّه 63
حلمه عليه السّلام 63
كرم الإمام الباقر عليه السّلام 64
عبادة الإمام الباقر عليه السّلام 64
رحمة الإمام الباقر عليه السّلام بعبيده 65
رحمته عليه السّلام بأصحابه و عطفه عليهم 65
تظلّم الإمام الباقر عليه السّلام 65
حديث الإمام الباقر عليه السّلام في ابتداء الخلق 66
حديث الإمام الباقر عليه السّلام في أساس الإسلام و الإيمان 69
رسالة الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السّلام 75
النص على الإمام محمد بن علي الباقر عليه السّلام 75
مدرسة الإمام الباقر عليه السّلام 79
حقيقة علم آل محمد عليهم السّلام 80
بحث حول علوم آل محمد صلوات اللّه عليهم 82
تمهيد:وجوب معرفة علم الإمام 82
سبب إخفاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للعلم الربّاني 84
الجهة الأولى:علم آل محمّد عليهم السّلام و أقسامه 87
مراتب علم آل محمد عليهم السّلام و أقسامه 88
وجوه الجمع بين أحاديثهم الصعبة 90
الجهة الثانية:زمان علم آل محمّد عليهم السّلام 91
الجهة الثالثة:ماهية علم آل محمّد عليهم السّلام 96
*الإحتمال الأوّل:العلم الكسبي الحصولي 96
*الإحتمال الثاني:العلم اللدني 97
الآيات الدالة على العلم اللدني 97
الأحاديث الدالة على العلم اللدني 106
الدليل العقلي على العلم اللدني 108
التقريب الاول:العلم الحضوري للإمام أكمل في اللطف 108
التقريب الثاني:العلم اللدني أنفع للأمّة 108
التقريب الثالث:العلم اللدني أكمل للإمام 109
التقريب الرابع:العلم الحصولي علم متغير لا يفيد اليقين 109
الفرق بين العلم اللدني الحضوري و الكسبي الحصولي 109
العلم الإرادي 112
تمحيص الإحتمالات 113
شبهات حول العلم اللدني 116
ردّ الشبهات 117
أمّا الروايات:120
الملوك و الحكام الذين عاصرهم الإمام الباقر و مناظراته معهم 123
مناظرات محمد بن علي الباقر و احتجاجاته عليه السّلام 124
ذكر الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان 129
بين الإمام الباقر عليه السّلام و جابر 131
بين هشام بن الحكم و الديصاني 132
بين الإمام الباقر عليه السّلام و هشام بن عبد الملك 134
بين الإمام الباقر و هشام 134
بين الإمام الباقر عليه السّلام و زيد بن الحسن 139
بين الإمام الباقر عليه السّلام و سعد بن عبد الملك 140
بين الإمام الباقر عليه السّلام و كثير 140
بين الإمام الباقر عليه السّلام و عبد اللّه بن المبارك 141
بين الإمام الباقر عليه السّلام و عبد اللّه الأزرق 142
بين الإمام الباقر عليه السّلام و قتادة 143
بين الإمام الباقر عليه السّلام و طاوس اليماني 143
بين الإمام الباقر عليه السّلام و أبي حنيفة 146
بين الإمام الباقر عليه السّلام و عبد اللّه الليثي 146
بين الإمام الباقر و هشام بن عبد الملك 147
بين الإمام الباقر و عمر بن عبد العزيز 148
بين الإمام الباقر عليه السّلام و عبد الملك بن مروان 149
بين الإمام الباقر و عبد اللّه بن عمر 153
بين الإمام الباقر و نصراني 153
بين الإمام الباقر عليه السّلام و الأبرش الكلبي 157
بين الإمام الباقر عليه السّلام و محمد بن المنكدر 157
بين الإمام الباقر و نافع بن الأزرق 158
بين الإمام الباقر عليه السّلام و الكيسانية 159
بين الإمام الباقر عليه السّلام و ابن ذر 160
بين الإمام الباقر عليه السّلام و رجل 161