ghaemiyeh.com
موسوعه اهل البیت علیهم السلام
نویسنده: السید علی عاشور
دارالنظیر عبود - بیروت - لبنان
مشخصات ظاهری: 20 ج
1427ه - 2006م
بسم الله الرحمن الرحیم
الجزء الثامن
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
هو الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ،أبو محمّد الهاشمي.
أمه فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصّي.
سبط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ريحانته و أحد سيديّ شباب أهل الجنّة.ولد للنصف من شعبان سنة ثلاث من الهجرة.
روى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحاديث و عن أبيه علي بن أبي طالب عليهما السّلام.
روى عنه:ابنه الحسن بن الحسن،و المسيّب بن نجبة،و سويد بن غفلة،و العلاء بن عبد الرحمن،و الشعبي،و هبيرة بن يريم،و الأصبغ بن نباته،و جابر بن (1)خالد،و أبو الحوراء،و عيسى بن مأمون بن زرارة و يقال ابن المأموم،و أبو يحيى عمير بن سعيد النّخعي،و أبو مريم قيس الثقفي، و طحرب العجلي،و إسحاق بن يسار والد محمّد بن إسحاق،و عبد الرّحمن بن عوف،و سفيان بن الليل،و عمرو بن قيس الكوفيون.
1) كذا و في ترجمته عن ابن عساكر تحقيق الشيخ المحمودي:«جابر أبو خالد».
في الكافي و التهذيب:ولد الحسن بن عليّ عليهم السّلام في شهر رمضان في سنة بدر،سنة إثنين بعد الهجرة،و روي أنّه ولد في سنة ثلاث و مضى عليه السّلام في شهر صفر في آخره من سنة تسع و أربعين.
و مضى و هو ابن سبع و أربعين سنة و أشهر.و أمّه فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و روي أنّه ولد سنة ثلاث و مضى آخر صفر سنة تسع و أربعين و عمره سبع و أربعون سنة و أشهر.
و في الدروس أنّه ولد منتصف شهر رمضان.
و عن محمّد بن عمر:ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السّلام في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة (1).
عن قتادة،قال:ولدت فاطمة الحسن بعد أحد بسنتين،و كان بين وقعة أحد و بين مقدم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سنتان و ستة أشهر و نصف،فولدته لأربع سنين و تسعة أشهر و نصف،من التاريخ.
و عقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنه يوم سابعه بكبش،و أمر أن يحلق رأسه و أن يتصدّق بزنته فضّة (2).
و عن سودة بنت مسرح قالت:كنت فيمن حضر فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين ضربها المخاض قلت:فأتانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:«كيف هي؟كيف هي ابنتي فديتها»؟
قالت:قلت:إنها لتجهد يا رسول اللّه.
قال:«فإذا وضعت،فلا تسبقيني به بشيء»قالت:فوضعته فسررته و لففته في خرقة صفراء، فجاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:«ما فعلت ابنتي فديتها،و ما حالها؟و كيف هي»؟
فقلت:يا رسول اللّه وضعته و سررته و لففته في خرقة صفراء فقال:«لقد عصيتني»قالت:قلت:
أعوذ باللّه من معصية اللّه و معصية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سررته يا رسول اللّه و لم أجد من ذلك بدا،قال:
«ائتني به»قالت:فأتيته به فألقى عنه الخرقة الصفراء و لفّه في خرقة بيضاء،و تفل في فيه و ألباه بريقه قالت:فجاء علي فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«ما سميته يا علي»،قال:سميته جعفرا يا رسول اللّه قال:
«لا و لكنه حسن،بعده حسين،و أنت أبو الحسن و الحسين» (3).
محمّد بن علي عليه السّلام،عن علي بن أبي طالب عليه السّلام أنه سمى ابنه الأكبر حمزة،و سمي حسينا
بعمه جعفر،قال:فدعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليا فقال:«إني قد غيّرت اسم ابنيّ هذين،قال:اللّه و رسوله أعلم،فسمّى حسنا و حسينا» (1).
عن عبد اللّه بن محمّد بن عقيل أنّ عليا لما ولد ابنه الأكبر سمّاه بعمه حمزة ثم ولد ابنه الآخر فسمّاه بعمه جعفر،قال:فدعاني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:«إني قد أمرت أن أغير اسم ابني هذين»،قال:
قلت:اللّه و رسوله أعلم،قال:فسمّاهما حسنا و حسينا (2).
و عن علي عليه السّلام قال:لما ولد الحسن جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:«أروني ابني ما سميتموه»؟ قلت:سميته حربا،قال:«بل هو حسن».
فلمّا ولد الحسين قال:«أروني ابني ما سمّيتموه»؟
قلت:سميته حربا قال:«بلى هو حسين».
فلما ولد (3)الثالث جاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:«أروني ابني ما سميتموه»؟قلت:سميته حربا قال:
«هو محسن» (4).
ثم قال:«إنّي سميتهم بأسماء ولد هارون:شبّر و شبير و مشبّر»،و في حديث ابن الحصين و ابن السبط:«فلما ولدت الثالث» (5).
و قال الزّبير:و روت زينب بنت أبي رافع،قالت:أتت فاطمة عليها السّلام بابنيها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في شكوه (6)الذي توفّى فيه،فقالت:يا رسول اللّه،هذان ابناك،فورّثهما شيئا؛فقال:أمّا الحسن فإنّ له هيبتي و سؤددي،و أما الحسين فإن له جرأتي و جودي.
و في كتاب الأمالي و غيره عن عليّ بن الحسين عليهم السّلام قال:لمّا ولد الحسن عليه السّلام قالت فاطمة لعليّ عليه السّلام:سمّه،فقال:ما كنت لأسبق باسمه رسول اللّه،فجاء صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأخرج إليه في خرقة صفراء فقال:أ لم أنهكم أن تلفّوه في خرقة صفراء،فرمى بها و لفّه في خرقة بيضاء،فقال لعليّ:هل سمّيته؟
قال:ما كنت لأسبقك باسمه.
فقال:و ما كنت لأسبق باسمه ربّي عزّ و جلّ،فأوحى تبارك و تعالى إلى جبرئيل عليه السّلام إنّه قد ولد لمحمّد ابن فاهبط فاقرئه السلام و هنّه و قل له:إنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى فسمّه باسم ابن هارون شبّر،قال:لساني عربيّ.قال:سمّه الحسن.ض.
فلمّا ولد الحسين عليه السّلام أوحى اللّه تبارك و تعالى إلى جبرئيل عليه السّلام انّه قد ولد لمحمّد ابن فاهبط إليه و هنّه و قل له:إنّ عليّا منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون شبير قال:لساني عربيّ،قال:سمه الحسين فسمّاه به.
قال السيد الجزائري في الرياض (1)في القاموس شبّر كبقم و شبير كقمير و مشبر كمحدث أبناء هارون عليه السّلام،قيل و بأسمائهم سمّي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحسن و الحسين و المحسن.
و عن عليّ بن الحسين عليه السّلام إنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عقّ عن الحسن يوم سابعه بكبشين أملحين و الملحة بياض يخالطه سواد،و أعطى القابلة فخذا و دينارا و حلق رأسه و تصدّق بوزن الشعر ورقا و طلى رأسه بالخلوق و هو طيب معروف مركّب يتّخذ من الزعفران و غيره تغلب عليه الحمرة أو الصفرة و قال:إنّ الدم فعل الجاهلية و كذلك فعل بالحسين عليه السّلام.
و في كتاب البشائر:كنية الحسن أبو محمّد ولد بالمدينة[ليلة]النصف من[شهر] (2)رمضان سنة ثلاث من الهجرة و الحسين عليه السّلام ولد بالمدينة لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة.
و في مسند أحمد و أبي يعلا قال:لمّا ولد الحسن سمّاه حمزة،فلمّا ولد الحسين سمّاه جعفرا قال عليّ:فدعاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:إنّي أمرت[أن]أغيّر اسم هذين فسمّاهما حسنا و حسينا.
و في كتاب المناقب قال:حكى أبو الحسين النسّابة:كان اللّه عزّ و جلّ حجب هذين الإسمين عن الخلق يعني حسنا و حسينا حتّى تسمّى بهما ابنا فاطمة عليهم السّلام فإنّه لا يعرف أنّ أحدا من العرب تسمّى بهما في قديم الأيّام إلى عصرهما،و إنّما يعرف فيها«حسن»بسكون السين،و«حسين»بوزن حبيب،فأمّا حسن بفتح الحاء و السّين و لا نعرفه إلاّ اسم جبل معروف.
و في الكتاب عن برة الخزاعي قال:لمّا حملت فاطمة بالحسن خرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بعض وجوهه فقال لها:إنّك ستلدين غلاما فلا ترضعيه حتّى أصير إليك،فلمّا وضعته بقي ثلاثة أيّام ما أرضعته فأدركتها رقّة الامّهات فأرضعته.
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أبى اللّه عزّ و جلّ إلاّ ما أراد،فلمّا حملت بالحسين قال:إنّك ستلدين غلاما قد هنّأني به جبرئيل فلا ترضعيه حتّى أجيء إليك و لو أقمت شهرا و خرج في بعض وجوهه فولدت الحسين عليه السّلام،فمّا أرضعته حتّى جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأخذه فجعل يمصّ إبهامه و فيه غذاؤه،و يقال:
بل كان يدخل لسانه في فيه فيزقّه كما يزقّ الطير فرخه و قال:إيها حسين إيها حسين أبى اللّه إلاّ ما يريد بل هي فيك يعني الإمامة.
و في عيون المعجزات للمرتضى:روي أنّ فاطمة ولدت الحسن و الحسين من فخذها الأيسر.ر.
و روي أنّ مريم ولدت المسيح من فخذها الأيمن و حديث هذه الحكاية في كتاب الأنوار و في كتب كثيرة.
و عن أمّ الفضل زوجة العبّاس إنّها قالت:يا رسول اللّه صلّى اللّه عليك رأيت في المنام كأنّ عضوا من أعضائك في حجري فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:تلد فاطمة غلاما إن شاء اللّه فتكفليه فوضعت فاطمة الحسن عليه السّلام فدفعه إليها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأرضعته بلبن قثم بن العبّاس.
و في كتاب الأمالي مسندا إلى الصادق عليه السّلام قال:أقبل جيران أمّ أيمن إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالوا:إنّ أمّ أيمن لم تنم البارحة من البكاء فطلبها و قال لها:يا أمّ أيمن لا أبكى اللّه عينك إنّ جيرانك أخبروني إنّك لم تزلي الليل تبكين.
قالت:يا رسول اللّه رأيت رؤيا عظيمة فبكيت رأيت كأنّ بعض أعضائك ملقى في بيتي فقال:يا أمّ أيمن تلد فاطمة الحسين فتربيّنه و تلينه فتكون بعض أعضائي في بيتك،فلمّا ولد الحسين و كان يوم السابع أقبلت به أمّ أيمن إلى رسول اللّه فقال:مرحبا بالحامل و المحمول،يا أمّ أيمن هذا تأويل رؤياك.
و روي أنّ فاطمة عليها السّلام كانت ترقّص ابنها حسنا و تقول شعر:
أشبه أباك يا حسن و اخلع عن الحقّ الرّسن
و أعبد إلها ذا منن و لا توال ذا الإحن
قال ابن عساكر في ترجمة الإمام الحسن عليه السّلام:ولد الحسن محمّد الأكبر و به كان يكنّى.
[و ولد الحسن بن علي عليهم السّلام محمّدا الأصغر و جعفرا و حمزة،و فاطمة درجوا.و أمهم أم كلثوم بنت الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم.
و[أيضا ولد الحسن]محمّدا الأكبر-و به يكنى-و الحسن و امرأتين هلكتا و لم تبرزا.
و أمهم خولة بنت منظور بن زيان بن سيار بن عمرو بن....عقيل بن هلال بن سمي بن مازن بن فزارة بن ذبيان بن يغيض[بن]مرة بن غطفان] (1).
و في كتاب البشائر:أولاد الحسن بن علي خمسة عشر ذكر و أنثى،زيد بن الحسن و أختاه أمّ الحسن و أمّ الحسين و أمّهم بنت أبي مسعود الخزرجية،و الحسن بن الحسن أمّه خولة الفزارية،
1) مستدرك من أول ترجمة الإمام الحسن عليه السلام من الطبقات الكبرى.
و عمرو بن الحسن و أخواه القاسم و عبد الرحمن أمّه أمّ ولد،و الحسين بن الحسن الملقّب بالأثرم و أخوه طلحة و أخته فاطمة أمّهم أمّ إسحاق التيمية،و أمّ عبد اللّه و فاطمة و أمّ سلمة و رقية لأمّهات شتّى.
فأمّا زيد بن الحسن فكان يلي صدقات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان جليل القدر كثير البرّ و مدحه الشعراء و قصده الناس من الآفاق لطلب فضله،و لمّا تولّى الخلافة سليمان بن عبد الملك عزله عن الصدقات ثمّ ردّها عليه ابن عبد العزيز و خرج زيد من الدّنيا و له تسعون سنة و لم يدع الإمامة و لا ادّعاها له أحد،لأنّه كان مسالما لبني أميّة.
و أمّا الحسن بن الحسن فكان جليلا فاضلا و ربما كان يلي صدقات أمير المؤمنين عليه السّلام و سار يوما الحجّاج و هو أمير المدينة،فقال للحسن:أدخل عمر بن علي عمّك معك في الصدقات،فقال الحسن:لا أغيّر شرط علي و لا أدخل فيه من لم يدخله.
فقال الحجّاج:أنا أدخله معك فسار الحسن إلى باب عبد الملك فمرّ به يحيى بن أمّ الحكم و سأله عمّا جاء به ثمّ قال له سأنفعك عند عبد الملك،فلمّا دخل الحسن على عبد الملك رحّب به و كان الحسن قد أسرع إليه الشيب.
فقال له عبد الملك:لقد أسرع إليك الشيب.
فقال يحيى:و ما يمنعه شيبه و يأتيه الركب من أهل العراق يمنّونه الخلافة فقال له الحسن:بئس الرفد رفدت ليس كما قلت.
فقال له عبد الملك:هلمّ ما وفدت له فأخبره بقول الحجّاج فقال:ليس ذلك له و كتب له كتابا و وصله،فلمّا خرج من عنده لقيه يحيى فعاتبه الحسن على سوء محضره.
فقال له يحيى:إيها عنك فو الله لا يزال يهابك و لو لا هيبتك ما قضى لك حاجة و ما ألوتك رفدا.
و كان الحسن حضر مع عمّه الطفّ،فلمّا قتل الحسين عليه السّلام و أسر الباقون جاءه أبو حسّان خاله فانتزعه من بين الأسارى.
و روي أنّه خطب إلى عمّه الحسين عليه السّلام إحدى ابنتيه فقال له:اختر يا بنيّ أيّهما أحبّ إليك، فلم يتكلّم حياء فقال له الحسين عليه السّلام:اخترت لك ابنتي فاطمة فهي أكثرهما شبها بفاطمة أمّي، و قبض الحسن بن الحسن و له خمس و ثلاثون سنة،و لمّا مات ضربت زوجته فاطمة على قبره فسطاطا و كانت تقوم الليل و تصوم النهار و كانت تشبّه بالحور العين لجمالها،فلمّا كان رأس السنة أمرت ليلا برفع الفسطاط فسمعت صوتا يقول:هل وجدوا ما قعدوا،فأجابت بل يئسوا فانقلبوا،و لم يدع الإمامة و لا ادّعاها له أحد.
و أمّا عمر و القاسم و عبد اللّه،فإنّهم قتلوا بين يدي عمّهم الحسين عليه السّلام،و عبد الرحمن بن الحسن خرج مع عمّه الحسين عليه السّلام إلى الحجّ فتوفّي بالأبواء و هو محرم.
و روي أنّه خطب الحسن بن علي عليهما السّلام إلى عبد الرحمن بن الحارث ابنته فأطرق ثمّ قال:و اللّه ما على وجه الأرض أعزّ عليّ منك،و لكن تعلم أنّ ابنتي بضعة منّي و أنت مطلاق فأخاف أن تطلّقها فيتغيّر قلبي عليك فإن شرطت أن لا تطلّقها زوجتك فقال عليه السّلام:ما أراد عبد الرحمن إلاّ أن يجعل ابنته طوقا في عنقي.
و روي أنّ يزيد لعنه اللّه رأى امرأة عبد اللّه بن عامر فهام بها و شكى ذلك إلى أبيه،فلمّا حضر عبد اللّه عند معاوية قال:لقد عقدت لك على ولاية البصرة و لو لا أنّ لك زوجة لزوّجتك رملة فمضى عبد اللّه و طلّق زوجته طمعا في رملة،فأرسل معاوية أبا هريرة يخطبها ليزيد و بذل لها ما أرادت من الصّداق فاطّلع عليه الحسن و الحسين و عبد اللّه بن جعفر فاختارت الحسن فتزوّجها (1).
و ذكر ابن سعد في طبقاته ضمن ترجمة الإمام الحسن عليه السّلام:أنّ له من النساء ستّا،و أربعا من أمهات الأولاد.
و ذكر المدائني أنّ أزواجه عشر.
و ذلك من طرق:
*الطريق الأول:أنه كان أفضل أهل زمانه و أعلمهم و أشجعهم و أورعهم (2).
قال توفيق أبو علم:كان الحسن أعبد و أزهد و أفضل أهل زمانه (3).
و مما يدل على فضلهما(الحسن و الحسين)الى من سواهم قضية المباهلة و لو وجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أفضل منهما و من أبويهما لباهل بهم.
قال تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (1)
مصادر المباهلة
السنن الكبرى:63/7،و إمتاع الأسماع:502/1،و الشفاء:48/2،و الجواهر:195-288 الباب الأول و السادس عن الكاظم و سعد،و فرائد السمطين:205/2 باب 40 ح 484 عن ابن عباس و سعد و ابن جريح،و شرح الأخبار:171/1 باب 22 عن سعد،و رشفة الصادي:25-27 الباب الأول،و فضائل الصحابة:776/2 ح 1374 عن الحسن،و المصنف لابن أبي شيبة:381/6 ح 32175 عن الشعبي كتاب الفضائل فضائل الحسن و الحسين،و فرائد سمطين:23/2 عن جابر باب 4 و 205 باب 40 ح 484 عن ابن عباس و سعد و ابن جريح،و مشكاة المصابيح:1731/3 ح 6126،و فضائل علي و مصابيح السنة:182/4 ح 4795 سعد،و لوامع أنوار الكوكب الدري:74/2،و كتاب معرفة علوم الحديث:50 نوع 17 و قال إنه متواتر فيهم.
صحيح مسلم:17/15 كتاب الفضائل ح 6170،و ينابيع المودة:8/1-52-299 ط.استانبول 1301 ه و 8-57-359 ط.النجف-المقدمة و باب 7-59،و كفاية الطالب:141،و أسباب النزول للواحدي: 67،و أسد الغابة:26/4،و المسند:185/1 ط.م و 302 ط.ب،و الدر المنثور:38/2-39 من طرق، و الفصول المهمة:24-120-227 عن جابر و علي بن عيسى و الشعبي و ابن عباس و البراء و سعد و الكاظم،و مقتل الحسين:2/1 المقدمة عن سعد،و ترجمة الحسين:29-30،و ذخائر العقبى:25 عن أبي سعيد،و نور الأبصار:164 ط.الهند و 301-223 ط.قم الباب الثاني-الفصل 10 ذكر مناقب الكاظم،إرشاد القلوب:262/2 عن أبي ذر،تاريخ السيوطي:169 الاحاديث الواردة في فضله عن مسلم عن سعد.المسند:185/1 ط.م و 302/1 ط.ب ح 1611 عن سعد.
و كفاية الطالب:54-85-142 عن سعد الباب الأول و العاشر و الثاني و الثلاثون،و الصواعق:121 و 145 ط.مصر و ط.بيروت 187-224-238 باب 9 فصل 2 و باب 11 الفصل 1 عن سعد.
و الكامل في التاريخ:646/1 ذكر وفد نجران،و أسد الغابة:26/4 ترجمة علي-فضائله عن سعد، و جلاء الأفهام:152 المسألة الثانية معنى الذرية،و الاختصاص:144،و حقائق التاويل:229، و الطرائف:42/1،و دلائل النبوة:297-298-299 قصة السيد و العاقب،أخبار الدول:102 باب 2 فصل 4،و ترجمة الحسين من تاريخ دمشق:177 ح 161 عن علي،ترجمة علي من تاريخ دمشق:29/1 ح 28 و 227 ح 271 عن سعد،و شواهد التنزيل:155/1 إلى 166 و 182 ح 168 إلى ح 176-194 عن سعد بن معاذ و ابن عباس و جابر الأنصاري و سعد بن أبي وقاص و حذيفة بن اليمان و عطاء بن السائب عن أبي البختري.
ترجمة علي من تاريخ دمشق:116/3 ح 1140 عن عمرو بن واثلة مناشدته يوم الشورى لهم.
و مناقب ابن المغازلي:196 و 171 ط.بيروت و ط.طهران 318 ح 362 عن ابن عباس و 263 ح 310 عن جابر،و المستدرك:150/3 عن سعد و صححه مناقب الال،و روضة الواعظين:164،و كنز الفوائد:16 رسالة في وجوب الإمامة،و تذكرة الخواص:23-27 الباب الثاني عن جابر و سعد،و تفسير الطبري:/3 211-213 عن عامر الشعبي و زيد بن علي و السدي و قتادة و ابن زيد و علباء بن أحمر البشكري.
و تفسير الكشاف:434/1 مورد الآية،و الدر المنثور:38/2-39 عن سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده و جابر و ابن عباس و الشعبي و سعد بن أبي وقاص و علباء بن أحمر.
.ر.1) سورة آل عمران،الآية:61،و نزولها فيهم من المتواترات:
قال الحاكم في المعرفة:قد تواترت الأخبار في التفاسير أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخذ يوم المباهلة بيد علي و حسن و حسين و جعلوا فاطمة وراءهم ثم قال:«هؤلاء أبناؤنا و أنفسنا و نساؤنا فهلّموا أنفسكم و أبناءكم و نساءكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين» (1).
و في الآية قال الزمخشري:و فيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (2).
و مناظراته العلمية مع العلماء و الخلفاء خير مدلل على علو فضله على من عاصره (3).
و قال أبو صالح عن ابن عباس في قوله تعالى قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَ سَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى .
قال:هم أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علي بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين و أولادهم الى يوم القيامة،هم صفوته و خيرته من خلقه (4).
و قال رسول اللّه في حقّه:«أمّا الحسن فإنّ له هيبتي و سؤددي و أمّا الحسين فانّ له جودي [جرأتي]و شجاعتي» (5).
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«الحسن و الحسين خير أهل الأرض بعدي و بعد أبيهما» (6).
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«الحسن و الحسين سبطان من الأسباط» (7).
و ورد:«أنّ الحسن بن علي أعطي من الفضائل مالم يعط احد من ولد آدم» (8).
و أخرجه الديلمي عن حذيفة بلفظ:«الحسين بن علي أعطي من الفضل ما لم يعط أحد من ولد آدم خلا يوسف» (9).ي.
1) معرفة علوم الحديث:50 ذكر النوع السابع عشر.
2) تفسير الزمخشري:434/1 مورد الآية.
3) الاحتجاج:285/2-288-292-298،و المحاسن و المساوىء:55 محاسن الحسنين.
4) البحار:279/43.و الاية من آل عمران:61.
5) تهذيب تاريخ ابن عساكر:214/4،و ذخائر العقبى:129 ذكر أنهما سيدا شباب أهل الجنة،و شرح النهج:10/16 الكتاب 29-ترجمة الحسن-،و كفاية الطالب:424 باب أولاد علي،و الصواعق المحرقة:191 ط.مصر و ط.بيروت 290،و مقتل الحسين:105/1 الفصل السادس فضائل الحسنين، و كنز العمال:117/12 ح 34272 فضائل الحسن و الحسين 670/13 ح 37709 من الإكمال كتاب الفضائل،و ربيع الأبرار:583/3 باب القرابات و الأنساب،و أعلام الورى:210،و البحار:263/43.
6) عيون أخبار الرضا:62/2 باب 31 ح 252.
7) الصواعق المحرقة:191 ط.مصر و ط.بيروت 291،و أسد الغابة:19/2،و مقتل الحسين:130/1، و كفاية الأثر:63-76-80-117.
8) كنزل العمال:124/12 ح 34306 فضائل الحسن من الإكمال.
9) الفروس بمأثور الخطاب:159/2 ح 2806 ط.دار الكتب العلمية و 258 ح 2629 ط.دار الكتاب العربي.
و قال المدائني و ابن قدامة:و كان سيدا سخيا حليما خطيبا[كان من أجود الناس كفا و أسخاهم نفسا و أحسنهم كلاما و أكثرهم صوابا] (1).
و قال ابن عمر:ألا أخبركم بأحب أهل الأرض الى أهل السماء؟
قالوا:بلى.
قال:هو هذا الماشي ما كلّمني كلمة منذ ليالي صفّين و لئنن يرضى عني أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم (2).
و تواتر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كونهما:«سيدا شباب أهل الجنة» (3)
تهذيب الكمال:229/6 ترجمة الحسن،و المعجم الأوسط:104/3 ح 2211 عن أبي سعيد،و مجمع الزوائد:184/9 و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد 292/9 إلى 294 و 324،و فضائل صحابة:/2 779 ح 1384 صحيح و 788 ح 1406 صحيح عن أبي سعيد،و الفردوس:343/4 ح 6993،و الفردوس: 134/4 ط.كتب و 76/5 ح 7227 ط كتاب عن أنس،و 158/2 ح 2801 ط.كتاب،و 256 ح 2624 ط كتاب عن أبي سعيد،و المصنف لابن أبي شيبة:381/6 ح 32167 و ما بعده،و عن أبي سعيد و حذيفة و علي باب الفضائل فضائل الحسن و الحسين،و مصابيح السنّة:193/4 ح 4827 أبو سعيد كتاب المناقب مناقب آل بيت النبي،و ترتيب صحيح ابن حبان:55/9 ح 6920 و 6921،و المقاصد الحسنة:200 ح 407 و بين طرقه.
و في التيسير عن السيوطي أنه متواتر عن نظم المتناثر من الحديث المتواتر:208 ح 235 و قال:أورده في الأزهار من طريق ستة عشر نفسا،و الأزهار المتناثرة 77 ح 105،و إتحاف ذوي الفضائل:169 ح 219. و كنز العمال:725/5 ح 14243 خلافة عثمان و 96/12-119-115-112-120 ح 34246- 34259-34282-34285-34158 عن الحويرث و البراء و عمر و الخدري و جابر و أبي امامة و ابن عباس و ابن عمر و ابن مسعود و 756/11 ح 33682 عن عائشة و 573 ح 32713 و 640/13-665-661- 675 ح 37617 عن حذيفة و ح 37682 عن علي و ح 37693-37727 عن أنس وجهم.
الفتوح لابن أعثم:182/2 كتاب عبيد الله ليزيد عن أبي بريدة الاسلمي،و العقد الفريد:251/4-292 عن أبي هريرة كتاب الخلافة خلافة أبي بكر-وفاته و خلافة علي،و ترجمة علي من تاريخ دمشق:117/3- 119 ح 1140 عن واثلة محتجا،و 260/1 ح 303 عن علي الهلالي،و الكامل في التاريخ:562/2 عن الحسين حوادث سنة 61،و ترجمة الحسين من تاريخ دمشق:62-64 ح 62 ابن يثيع عن علي و الحارث و 66 إلى 86 عن ابن عباس و عمر بن الخطاب و ابن عمر و ابن مسعود و مالك بن الحويرث.
و خصائص النسائي:118-119-124 ح 126-127-137-138-139 عن أبي سعيد و أبي هريرة، و صفة الصفوة:321/2،و ترجمة الحسين من تاريخ دمشق:73 عن حذيفة بن اليمان و أبي سعيد و جابر و انس،و المعجم الكبير:35/3 إلى 40 و 58 ح 2598 و ما بعده ترجمة الحسن-بقية أخباره-عن عمر و الحارث و ابن يحيى عن علي و أبي هريرة و حذيفة و أبي سعيد و جابر و ابن قرة و اسامة بن زيد الهلالي و 292/19 ترجمة مالك بن الحويرث الليثي،و صحيح الترمذي:656/5-661 ط.دار الحديث،و كنوز الحقائق:400-435،و سنن ابن ماجه:44 من المقدمة باب فضائل اصحاب الرسول،و مناقب الأمير للكوفي:223/2-238-513-595-257-250-245 ح 687 عن أبي سعيد و ح 1014 عن علي بن الحسين عن جده و ح 1100 عن سليمان الأعمش و ح 716 عن الحويرث،و كفاية الطالب:341-342 باب 97 عن ابن عمر و علي و عمر و حذيفة و جابر و أبي هريرة و أبي سعيد و أسامة بن زيد و ابن قرة باب الثامن بعد المائة عن حذيفة و ابن عمر.
و نور الأبصار:126 ط.الهند و 231 ط.قم باب 2 ذكر مناقبهما من طرق،و تاريخ الخلفاء للسيوطي: 189 فضل الحسن عن أبي سعيد،و مناقب الخوارزمي:106-290-294-199 فصل 9-16-19 ح 111-240-279-283 عن بريدة و عمار و سليمان الأعمش و الرضا،و الفصول المهمة:138-163 عن حذيفة و ابن عمر،و الصواعق:191 ط.مصر و ط.بيروت 284-290 الفصل الثاني و الثالث من الخاتمة عن حذيفة و عمر و أبي سعيد و علي و جابر و أبي هريرة و أسامة و البراء و ابن مسعود.
و مقتل الحسين للخوارزمي:65/1-81-92-130-139-140 و 253 الفصل 5-6--11 عن الرضا و حذيفة و أبي بكر و أبي هريرة و ابن الحنفية و الحسين.
و شرح العقائد النسفية:104،و ترجمة الحسين من الطبقات الكبرى:28 ح 211 عن أبي سعيد،و الجامع الصغير:254/1،و أسد الغابة:9/2-18 ترجمة الحسن و الحسين،و إرشاد القلوب:431/2-419 عن سلمان الفارسي و سلمان الأعمش.
و كمال الدين:257/1-258-260-263 باب 24 النص على القائم عن جابر و الرضا و سلمان.
و البحار:228/36-254-263-272-289-319،و مائة منقبة:44 منقبة 2 عن ابن عباس عن علي،و الطرائف:201/1،و كشف اليقين:325،و نهج الحق:513-392-255،و غيبة النعماني: 39 عن الحسين بن الحسن البصري يرفعه باب 4،و كفاية الأثر:38-10-102-124-222-144 عن ابن عباس و أبي ذر و زيد و عمار و علي،و عيون أخبار الرضا:26/2 32 باب 31 ح 128 و 56 عن الرضا و 120 باب 35 ح 1 عن الرضا.
و كشف الغمة:78/2-147-152 و 159-177-222-225-و 258/3.
ينابيع المودة 153/1-164 إلى 168-214-222-227 ط.استانبول 1301 ه و 180-193-194- 196 252-262-269 ط.النجف باب 54 عن أبي سعيد و حذيفة و الحويرث و ابن عمر و 261-309- 310 ط.استانبول 1301 ه و 311-371-373 ط.النجف باب 58-59 عن معاذ و حذيفة و عمر و علي و جابر و أبي هريرة و أسامة و البراء و ابن مسعود،و المسند:369/3-473-469-502 ط.ب عن أبي سعيد ح 10616-11224-11368 و 542/6 ط.ب عن حذيفة و 3/3-62-64-82 ط.م و 391/5- 292-62-82-64 ط.م،و ذخائر العقبة:129-136 عن عمر و ابن عمر و أبي بكر و أبي سعيد و حذيفة و الهلالي.
و الصواعق:137 ط.مصر و ط.بيروت 211 عن أبي سعيد الفصل الثاني من الباب العاشر،و شرح النهج: 14/16 كتاب 31 عن أبي هريرة،و كمال الدين 669/2 عن الاصبغ بن نباته عن علي باب 58 ح 14.
و الرواة هم:أبو سعيد و حذيفة بن اليمان-مالك بن الحويرث-و ابن عمر-عمر بن الخطاب-علي و جابر -أبو هريرة-قرة ابن اياس-أسامة-البراء-ابن قرة-و الحارث و الهلالي و أنس و ابن عباس و الحسين بن علي و أبو امامة و جهم و أبو بريدة الأسلمي-واثلة و علي بن الحسين و سليمان الأعمش و عمار و علي بن موسى الرضا و أبو بكر و ابن الحنفية-أبو ذر و زيد بن أرقم و سلمان الفارسي-و مالك بن الحويرث-و ابن مسعود.
.ليو جاء في وصف الحسن بن علي عليهما السّلام الدال على كونه أفضل أهل زمانه:بن
(علم منثور و در منثور من مزرع الزهراء،في أهل العباء و الكسا،معدن السخاء،شجرة الصفاء،اشبه الخلق بالمصطفى،قبلة العارفين و علم المتهدين،و ثاني الخمسة الميامين،الذي افتخر بهم الروح الامين و باهل بهم اللّه المباهلين،و منبع الحكمة اجلّ الخلائق في زمانه و افضلهم و اعلاهم حسبا و نسبا و علما..) (1).
و صلى عليه ابن عربي بقوله:(على سر الأسرار و مشرق الأنوار الظاهر بالبرهان و الباطن بالقدرة و الشأن،فاتحة مصحف الوجود،بسملة كتاب الموجود،حقيقة نقطة البائية،المتحقق بالمراتب الانسانية،حيدر إمام الأبداع،الكرار في معارك الاختراع،النير الجلي و النجم الثاقب إمام الأئمة الحسن بن علي بن أبي طالب) (2).
*الطريق الثاني:انه صلوات اللّه عليه دعا الناس الى بيعته و القول بإمامته لعدم خلو الأرض من الحجة،و هو محق في ذلك للقطع بعدالته و عصمته بآية التطهير و حديث الثقلين.
*الطريق الثالث:النص عليه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
جاء في خطبة الغدير بعد تنصيب عليّ إماما:«إنهما لسيدا شباب أهل الجنة و انهما لإمامان بعد أبيهما علي» (3).
و اشتهر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«الحسن و الحسين إمامان قاما أو قعدا» (4)كمال الدين:260/1 ح 6 من الباب 24.(5).
و في لفظ:«بأبي أنتما من امامين صالحين اختاركما اللّه مني و من أبيكما و أمكما و اختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة» (6).
و عن علي بن موسى الرضا عن آبائه:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«الحسن و الحسين إماما أمتي بعد أبيهما و سيدا شباب أهل الجنة» (6).
و منها قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حقهما:«...و أما الحسن فانه ابني و ولدي و بضعة مني و قرة عيني و ضياء4.
1) مناقب آل أبي طالب:4/4.
2) وسيلة الخادم و المخدوم:293.
3) روضة الواعظين:98 مجلس في ذكر الإمامة.
4) أهل البيت لتوفيق أبو علم:195 ذكر أولاده-و صرح بأنه متواتر،و الطرائف:196/1،و مناقب آل أبي طالب:368/3،و الإرشاد:30/2،و أعلام الورى:208،و كفاية الأثر:38-117،و كشف الغمة: 159/2،و العوالم:174/15،روضة الواعظين:156 مجلس في ذكر إمامتهما،و البحار:
5) 325/- 289-319.
6) أعلام الورى:382.
قلبي و ثمرة فؤادي و هو سيد شباب أهل الجنة و حجة اللّه على الأمة،أمره أمري و قوله قولي من تبعه فإنه مني و من عصاه فليس مني.
و أما الحسين فإنه مني و هو ابني و ولدي و خير الخلق بعد أخيه و هو إمام المسلمين و مولى المؤمنين و خليفة رب العالمين و غياث المستغيثين و كهف المستجيرين.
و حجة اللّه على خلقه أجمعين و هو سيد شباب أهل الجنة و باب نجاة الأمة أمره امري و طاعته طاعتي من تبعه فانه مني و من عصاه فليس مني..» (1).
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«و الذي بعثني بالحق نبيا ان الحسين بن علي في السماء اكبر منه في الأرض و إنه مكتوب على يمين عرش الله:مصباح هاد و سفينة نجاة و امام غير و هن و عز و فخر و علم و ذخر» (2).
و روي عن أبي سعيد عقيصا عن الحسن قوله:«ألا تعلمون أني إمامكم و مفترض الطاعة عليكم واحد سيدي شباب أهل الجنة بنص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليّ؟»
قالوا:بلى (3).
*الطريق الرابع:النص عليه من أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام:
و النص من الإمام السابق مما أجمع عليه الفريقان انه يثبت الإمامة (4).
منها ما في كتاب الإمام الحسن الى معاوية:قال عليه السّلام:«و بعد...فإن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لما نزل به الموت و لاني هذا الأمر بعده» (5).
و في لفظ آخر:«ان عليا لما مضى لسبيله ولاّني المسلمون الأمر بعده» (6).
و قال في إثبات الوصية:إن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:«إني أوصي إلى الحسن و الحسين فاسمعوا لهما و أطيعوا أمرهما» (7).
و نص المدائني على ذلك في حديث ابن عباس:«إن أمير المؤمنين عليه السّلام توفّي و قد ترك خلفا فإن أحببتم خرج إليكم» (8).8.
1) أمالي الصدوق:100،و إرشاد القلوب:296/2،و فرائد السمطين:35/2.
2) أعلام الورى:378.
3) كفاية الأثر:225.
4) كما صرح بذلك القاضي اللايجي في مواقفه المقصد الثالث عنه الغدير:141/7 و كذلك الروزبهان كما في إحقاق الحق:336/2.
5) مناقب آل أبي طالب:31/4،و شرح النهج للمعتزلي:36/16-40 ط.مصر.
6) مقاتل الطالبين:66،و شرح النهج لابن أبي الحديد:34/16 كتاب 29 ترجمة الحسن.
7) إثبات الوصية:131.
8) شرح النهج لابن أبي الحديد:22/16 كتاب 29 ترجمة الحسن،و جواهر المطالب:195/2 باب 68.
قال ابن قدامة و غيره:و عهد اليه أبوه حين ضرب،فلما مات علي رضي اللّه عنه بايع الحسن أكثر من أربعين ألفا (1).
و قال في مروج الذهب و أنساب الأشراف:و قد ذكرت طائفة من الناس أن عليا أوصى الى ابنه الحسن و الحسين لأنهما شريكاه في آية التطهير،و هذا قول كثير ممن ذهب الى القول بالنص (2).
و قال عليه السّلام:«أنتما إمامان بعدي سيدا شباب أهل الجنة و المعصومان حفظكما اللّه و لعنة اللّه على من عاداكما» (3).
و قال سليم بن قيس الهلالي (4):شهدت أمير المؤمنين حين أوصى الى ابنه الحسن عليه السّلام و أشهد على وصيته الحسين عليه السّلام و محمدا و جميع ولده و رؤساء شيعته و أهل بيته ثم دفع إليه الكتاب و السلاح و قال له:
«يا بني إنه أمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن أوصي إليك و أدفع إليك كتبي و سلاحي كما أوصى إليّ و دفع إليّ كتبه و سلاحه،و أمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين عليه السّلام» (5).
و في حديث الأصبغ بن نباتة:قال خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و هو يقول:«...إن خير الخلق بعدي و سيدهم إبني هذا إمام كل مسلم و ولي كل مؤمن بعد وفاتي،ألا و إنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و خير الخلق و سيدهم بعد الحسن ابني الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول بأرض كربلاء» (6).
و في رواية:«الحسن و الحسين من عترتي و أوصيائي و خلفائي» (7).
و نحو ذلك من النصوص (8).
و مما يناسب ذكره و يفيد لما يأتي تحديد معنى البيعة.
تطرح البيعة في عصر النص لمن لا يؤمن به،و إلا مع التسليم للنص على الخلفاء لا معنى لها.
1) التبيين في أنساب القرشيين:105 الحسن بن علي،و تاريخ دمشق:261/13 ترجمة هشام.
2) مروج الذهب:42/2 ط.مصر 1346 و 413/2 ط.الأندلس-بيروت،و أنساب الأشراف:504/2- 497 أمر ابن ملجم و قتل علي مع تفاوت و عدم ذكر الحسين.
3) كفاية الأثر:221.
4) رورى عن جابر عن الباقر.
5) أعلام الورى:207.
6) أعلام الورى:377.
7) كفاية الأثر:221،و إثبات الهداة:139/5.
8) راجع أصول الكافي:297/1-300.
و هي الإتفاق التعاقدي القائم على ركنين:
أ-ركن الإيجاب و يتمثل في:أهل الحل و العقد أو أهل الإختيار.
ب-ركن القبول و يتمثل في المرشح للخلافة.
و عند عقد الإيجاب و صفق يد المبايع على المبايع له يصبح الثاني أميرا أو خليفة أو وليا، و يجب على الطرف الأول الإلتزام بأوامره.
و البيعة كانت متداولة في عصر النبي الأعظم و الأئمة الأطهار فوردت عنهم بعض الروايات حولها و نزلت بها بعض الآيات كما يأتي.
و هي على معاني و أقسام:
و هذا المعنى من المعاني الثابتة،و المراد به تجرّد الإنسان و انسلاخه عن كل شيء ليبيع نفسه للّه تعالى و يسلّم أمره لوليه،و مصداقها بيعة الرضوان أو بيعة الشجرة (1)و غيرهما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
و قال: لَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (2).
و قال عزّ من قائل إِنَّ اللّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (3).
فهذا التعهد و الإلتزام القلبي و المعاملة الرابحة مع اللّه تعالى نابع من القلب السليم للإنسان المؤمن الذي رضي اللّه عنه و أيّده و أيّد بيعته.
و من التاريخ بل الصحيح أنه أشرف بيعة قلبية،بيعة أصحاب الإمام الحسين ليلة عاشوراء- و نحن في اليوم العاشر-فإنهم بايعوا الإمام الحسين على الطاعة و الإلتزام القلبي قبل العملي،بايعوه مع معرفتهم أنها بيعة موت أو بيعة حبّ و فناء في أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام و حتى أصبح أحدهم يقف أمام الإمام و هو يصلّي و السهام تغرس في صدره.
و أيضا هناك بيعة في آخر الزمان لإمامنا المفدى المهدي عليه السّلام من قبل حزب اللّه الغالبون الذين وعد اللّه بهم يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ (4)أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ... أُولئِكَ حِزْبُ اللّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5).
جعلنا اللّه من أصحاب بيعة القلوب لإمامنا المهدي عليه السّلام تلك البيعة التي تنتظرها ألوية حزب اللّه المفلحون أناء الليل و أطراف النهار،و تدعو بتعجيل الفرج من أجلها.
جاء في دعاء العهد:اللهم بلّغ مولاي صاحب الزمان صلوات اللّه عليه عن جميع المؤمنين و المؤمنات في مشارق الأرض و مغاربها و برها و بحرها و سهلها و جبلها حيّهم و ميتهم عني و عن والدي و ولدي من الصلوات و التحيات زنة عرش اللّه و مداد كلماته و منتهى رضاه و عدد ما أحصاه كتابه و أحاط به علمه.
اللّهم إني أجدد له في هذا اليوم و في كل يوم عهدا و عقدا و بيعة في رقبتي... (1).
و هذا المعنى للبيعة لا يتنافى مع الولاية بل هو شرط في كمالها و شرفها.
و هي أن نلزم من يعتقد أنّ البيعة هي الموجبة لصيرورة الشخص خليفة على قاعدة(ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) (2)و مصداقها بيعة أمير المؤمنين عليه السّلام بعد موت عثمان،فالقوم كانوا معتقدين لذلك فوافق الأمير لإلزامهم بها،قال عليه السّلام لمعاوية:«إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان على ما بايعوهم عليه،فلم يكن للشاهد أن يختار و لا للغائب أن يرد» (3).
و قال له:«إنّ بيعتي لزمتك و أنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر و عمر و عثمان» (4).
و هذا المعنى لا يعني أنّ الخلافة لم تكن ثابتة قبل البيعة،إذ خلافة الأمير ثابتة قبلها،نعم هي ملزمة لمعاوية و أصحابه المعتقدين لصحة مثل هذه البيعة.
و الأمر كذلك في الولاية في عصر الغيبة فكل من يعتقد أنّ تصدّي الفقيه للامور السياسية أو مبايعة أهل الحل و العقد موجبا لصيرورته قائدا،حتى لو لم يكن يؤمن بولاية الفقيه العامة؛ملزم بقبول الولاية و أحكامها.
لذا على رأي كثير من فقهاء السنّة فإنهم ملزمون بإمامة ولي الفقيه الفعلي في زماننا،لأنّهم يرون صحة عقد الإمامة بواحد من أهل الحل كما صرح به إمام الحرمين الجويني (5)،و القرطبي (6)، و أبي الحسن الأشعري (7)،و قيل:تنعقد برجلين (8)و قيل بخمسة (9).
1) مفاتيح الجنان:891،دعاء العهد،و بحار الأنوار:96/53.
2) وسائل الشيعة:485/17 ح 5،و الفصول المهمة للحر العاملي:479/2 ح 2316.
3) نهج البلاغة 366 ط صبحي الكتاب 6.
4) وقعة صفين:290.
5) الإرشاد في أصول الاعتقاد:424 ط مصر.
6) تفسير القرطبي:269/1 ط.مصر.
7) أصول الدين للبزدوي:189.
8) أصول الدين للبغدادي 381.
9) الملل و النحل لابن حزم:167/4 ط مصر 1321 ه.
و هذا المعنى من البيعة ثابت أيضا كسابقه،نعم تفترق عن المعنى الأول بأنها ليست نابعة من القلب و لا تحمل صفاته،و كذلك تفترق عن المعاني الأخرى الآتية من جهة أنها مختصة بمن يؤمن بمثلها فتلزمه و إن كان مخالفا للمبايع له،فليست هي بيعة تأكيد لأنهم لا يؤمنون بإمامته،و لا بيعة تأسيس لأنهم ما أرادوها.
و هي الإيمان بثبوت الخلافة أو الإمامة و الولاية سابقا ثم تأكيد و تجديد العهد بواسطة البيعة، و هذا المعنى ثابت بل هو معنى شريف مطلوب من كل إنسان،لأنه يعبّر عن الرضى و استمراره بالطاعة و الولاء و بيع النفوس و الإموال للّه تعالى وحده لا شريك له،و تجسيد ذلك بالإلتزام بأوامر الخليفة أو الولي،و تعتبر البيعة بهذا المعنى من متممات الإمامة و الولاية.
و مصداقها الأساسي بيعة الغدير،فقد كان النبي ثبّت ولاية الأمير منذ اليوم الأول يوم نزول قوله تعالى وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (1)،و لكن أخذ يؤكّد عليها طيلة حياته،بقوله:أنت مني بمنزلة هارون من موسى (2)،و بحديث الثقلين (3)،إلى أن وصل إلى غدير خم فنصّبه علما للناس و أمر الناس أن يبايعوه على الطاعة و الولاية في ذلك المكان الجامع الحار الغريب ليكون التأكيد أبلغ لا ينسى بمرّ الزمن و تغير الأحوال،و ليكون تجديد العهد في كل عام من السنة بحلول عيد الغدير فيستحب للإنسان تجديد تلك البيعة.
و قد أيّدت الآية النازلة في غدير خم حيث قال تعالى قبل عقد البيعة لأمير المؤمنين: اَلنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ (4).
ثم قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم الغدير:أ لست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟قالوا:بلى،قال:فمن كنت مولاه فعلي مولاه (5).
و مصداقها الآخر بيعة الإمام المهدي في كل يوم كما ورد في دعاء العهد:(اللهم إني أجدد له في هذا اليوم و في كل يوم عهدا و عقدا و بيعة في رقبتي) (6).
فروحي فداه ثبتت طاعته و إمامته و قيادته في أعناقنا منذ بدء إمامته منتظرين لخروجه المبارك،
إنما نجدد له في كل يوم بيعة له في أعناقنا للتأكيد على الطاعة،و بيع النفس و الأموال من أجله أرواح العالمين له الفدى.
و من مصداقها بيعة الولي الفقيه،لما ثبت في محلّه (1)أن الأدلّة على ولايته ثابتة بالأدلة الخاصة من أهل البيت عليهم السّلام،و لكن ينبغي تأكيد هذا الثبوت بالبيعة له لتوثيق الإلتزام و طاعة ولي أمر المسلمين.
بل ينبغي تجديد هذه البيعة في كل عام لما فيها من مصالح جمّة،كتوحيد الصفوف و إرهاب الأعداء بوحدة الكلمة و الثبات على الإلتزام بقيادة الولي،و بتنفيذ جميع أوامره للدفاع عن المقدّسات الإسلامية و حماية المستضعفين في جميع أقطار العالم،و مساعدتهم في نيل حقوقهم المشروعة.
قال تعالى: وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَ عَدُوَّكُمْ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ (2).
و مما لا شك فيه أنّ تجديد البيعة لولي أمر المسلمين إرهاب لعدو اللّه و عدونا بل لفئة آخرين لا يعلمهم إلاّ اللّه،لما فيها من قوة و عزة و منعة للمسلمين و الإسلام.
قال تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا (3)وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ (4).
و قال رسول اللّه:«يد اللّه مع الجماعة» (5)أو«على الجماعة» (6)و مراده بالجماعة الجماعة في البيعة قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللّهَ يَدُ اللّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (7).
و قد وجدنا أثر هذه البيعة في إيران الإسلام لولي الأمر و كيف كان الاستكبار يرهب منها و يحسب لها ألف حساب،و هكذا في لبنان بتجديد البيعة للمجاهدين،تلك البيعة المستمدة و التابعة لبيعة ولي الأمر،لما فيها من إرهاب العدو و نظم الصفوف و تشجيع المجاهدين على المضي في عقيدتهم.
و مرادنا منها أنّ الخلافة ثابتة من قبل و لكن فعليتها و خروجها من حيّز النظرية إلى التطبيق متوقف على البيعة،فيجب على الناس مبايعة الخليفة أو الإمام و الولي لتصح منهم الطاعة و تسقط عنهم تكاليف الولاية.
و يعبّر عنها البعض ببيعة العقد،أي هناك عاقد و معقود له و يجب على العاقد تنفيذ العقد.
و هذا المعنى للبيعة من المعاني المنفية،إما لعدم الدليل عليه،و إما لتنافيه مع الآراء المطروحة في النبوة و الإمامة و الخلافة،إذ من يؤمن بالنص لا يرتضيه،و كذا من يؤمن بالشورى و الإنتخاب كما يأتي،و هكذا من يؤمن بالولاية.
و نعني بها أنّ البيعة شرط لإنشاء الولاية،و لا ولاية و لا إمامة و لا خلافة قبل البيعة،و هذا المعنى من المعاني المنفية أيضا بل هو أخطرها،و لم يذهب إليه أحد من المتقدمين و لا المتأخرين، نعم استحسنه إستحسانا بعض المعاصرين،و هو مبتني على أمور:
1-إنكار كون أدلّة ولاية الفقيه تدل على عموم النصب،أي ليس لكل فقيه ولاية.
2-عموم النصب يؤدي إلى الهرج الغريب في المجتمع.
3-أنّ الشارع أو كل أمر الإختيار إلى الناس أنفسهم في هذا العصر.
4-أنه المتّبع في الجمهورية الإسلامية في إيران.
5-أنها الطريقة المألوفة عند العقلاء.
ثم طرح أدلّة على هذا المعنى إعترف نفسه بعدم صلاح سندها،و إن كانت أيضا الدلالة غير صالحة (1).
و أمّا الأمر الأول فوقع خلط فيه،إذ الفقهاء عند ما يقولون أنّ الأدلّة تدل على عموم النصب و أنّ لكل فقيه ولاية لا يقفون عند هذا الحّد ليعترض أنّ الفقيه في نفس الوقت يكون وليا و مولّى عليه.
إنما يشترطون الأعلمية و التصدي كدليل عقلي على تقديم بعض الفقهاء،ليصبح الفقيه الأعلم و الأفضل و الأقدر المتصدي وليا على الجميع،و إلاّ فحتى على البيعة التأسيسية سوف يكون الفقيه وليا و متولى عليه قبل البيعة،فالأعلمية و التصدي لا أقل تعتبر كالبيعة المزعومة.
أما الأمر الثاني:أن عموم النصب يؤدي إلى الهرج،فأولا:ذكرنا أن عموم النصب مشروط بالتصدّي فلا يؤدي إلى الهرج،بل يؤدي إلى إلغاء الهرج و توحيد الصفوف و رفع الظلم كما حصل عند تصدي الإمام الراحل الخميني(قدس سره).
ثانيا:تعدد ولاية الفقهاء ليست كتعدد الزعامات،ففقهاؤنا أعزهم اللّه لا يحكمون إلاّ بما أنزل اللّه تعالى،نعم وحدة الولاية أمر مطلوب كما ذكرناه مفصلا في كتاب الولاية،لكن لا للزوم الهرج المذكور.
1) راجع ولاية الآمر للشيخ الآصفي:95.
و الأمر الثالث:من كون الشارع أوكل الإختيار للإنسان،فهو واضح البطلان إما للأدلة الخاصة التي تنص أن تولية الولي من قبل المعصومين عليه السّلام،و إما للزومه اختلاف الناس على اختلاف آرائهم و توجهاتهم.
و الأمر الرابع:فيه خلط،فليس المتبع في إيران الإسلام أنّ الولي الفقيه يبايع من قبل الناس أو ينتخب،نعم أوضحنا في محلّه أنّ دستور الجمهورية يشترط تعين الولي من قبل الخبراء و هذا غير ثبوت الولاية العامة.
و الأمر الخامس:كسابقيه فليس ديدن العقلاء على البيعة بهذا المعنى في الأمور الخطيرة كالولاية و الإمامة،بل نجد العقلاء على تقديم الأعلم و الأفضل بالتعيين و النص،نظير لو وجد عدة أطباء بنفس التخصص فإننا لا نجد عاقلا يقول إنتخبوا أحدهم أو تعالوا لنبايع أحدهم،بل نجدهم و بلا تردد يعينون الأعلم و الأجدر منهم،نعم إذا كانت البيعة بالمعنى الأول و الثالث صحّ.
إلاّ إذا قدمت المصالح الشخصية فعندها على العقول السليمة السلام.
و من الشواهد على بطلان البيعة بهذا المعنى الإنتخاب و الشورى بناء على تماميتها،كما ذكرناه في محلّه.
و الخلاصة ما قيل في البيعة التأسيسية غير سليم و لا دليل معتبر عليه،بل لعله من الأفكار المتسربة من التاريخ الدخيل العامّي إذ ما زالوا ينادون بالبيعة و ألّفوا فيها الكتب لإلغاء النص المتبع عند مذهب أهل بيت العصمة و الطهارة عليه السّلام.
نعم،للبيعة بهذا المعنى مصداق وقع في صدر الإسلام و هو البيعة التي حصلت في سقيفة بني ساعدة بقوة الإرهاب و الرشوة و قد أوضحنا ذلك في كتابنا هذا،فهذه البيعة التي حصلت في السقيفة أنشأت خلافة مزعومة إستمرت سنتين،إلاّ أنها بيعة باطلة لمخالفتها لنص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على الخليفة الحقيقي الإمام علي بن أبي طالب عليه السّلام.
و بطلانها يتبين من تصريحات الصحابة أنفسهم منذ انعقاد هذه البيعة،فإنهم صرّحوا أنّ أمير المؤمنين أولى من غيره لأعلميته و أفضليته و لنص النبي عليه،كتصريح:معاوية،و سلمان،و العباس، و أبو سفيان،و ابن عباس،و المقداد كما تقدم في سيرة أمير المؤمنين عليه السّلام (1).
-و هناك عدة آيات و روايات تنفي توكيل أمر الأمة للإنسان نحو:
ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ (1).
أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ (2).
وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (3).
و من الروايات ما يأتي في روايات الشورى نحو قول أمير المؤمنين لابن عباس:«عليك أن تشير عليّ فإذا خالفتك فأطعني» (4).
و في النهج:«لك أن تشير علي و أرى فإن عصيتك فأطعني» (5).
و عن الإمام الرضا عليه السّلام:«إنّ رسول اللّه كان يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يريد اللّه» (6).
هذا و قد صرح أمير المؤمنين أن بيعة العامة لا أساس لها إنما الميزان في اختيار الخليفة و القائد هو كونه أعلم بأمر اللّه و أقواهم عليه قال:«أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه و أعلمهم بأمر اللّه فيه،فإن شغب شاغب استعتب،فإن أبى قوتل.و لعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل و لكن أهلها يحكمون على من غاب عنها» (7).
و نحو ذلك من الروايات (8).
فعلم أنّ المعاني الثلاثة الأولى ثابتة في البيعة دون الأخيرتين.
و منه يعلم أنّ حرمة نقض البيعة مختص بالمعاني الثلاثة الاولى،فيجب على المبايع الوفاء ببيعته على حسب مراتبها،قال أمير المؤمنين عليه السّلام:«أيها الناس إنّ لي عليكم حقا و لكم عليّ حق، فأمّا حقكم عليّ فالنصيحة لكم و توفير فيئكم،و تعليمكم كيلا تجهلوا،و تأديبكم كيما تعملوا،و أمّا حقي عليكم فالوفاء بالبيعة،و النصيحة في المشهد و المغيب و الإجابة حين أدعوكم و الطاعة حين آمركم» (9).
و قال إمامنا الصادق عليه السّلام:«من فارق جماعة المسلمين و نكث صفقة الإمام جاء إلى اللّه عزّ و جلّ أجذم» (10).1.
1) سورة الأحزاب،الآية:36.
2) سورة النساء،الآية:59.
3) سورة النساء،الآية:83.
4) الوسائل:428/8 عن نهج البلاغة.
5) نهج البلاغة 76/4(محمد عبده)رقم 322.
6) بحار الأنوار:101/72 ح 23.
7) نهج البلاغة:الخطبة:171.
8) راجع بحار الأنوار 98/72 إلى 125 ح 1 إلى 41.
9) نهج البلاغة:79 الخطبة 34.
10) أصول الكافي 405/1.
و نكث صفقة الإمام أي نكث البيعة (1)و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«ثلاث موبقات:نكث الصفقة و ترك السنّة و فراق الجماعة (2).
فمن ذلك:أنه لما قدم من الكوفة جاءت النسوة يعزينه في أمير المؤمنين عليه السّلام،و دخلت عليه أزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقالت عائشة:يا أبا محمد ما مثل فقد جدّك إلاّ يوم فقد أبوك،فقال لها الحسن:
نسيت نبشك في بيتك ليلا بغير قبس بحديدة،حتى ضربت الحديدة كفك فصارت جرحا إلى الآن فأخرجت جردا أخضر فيه ما جمعته من خيانة حتى أخذت منه أربعين دينارا عددا لا تعلمين لها وزنا ففرقتيها في مبغضي علي صلوات اللّه عليه من تيم و عدي،و قد تشفيت بقتله،فقالت:قد كان ذلك (3).
و من ذلك:أنّ معاوية لمّا أراد حرب علي عليه السّلام و جمع أهل الشام،سمع بذلك ملك الروم فقيل له:رجلان قد خرجا يطلبان الملك،فقال:من أين؟
فقيل له:رجل بالكوفة و رجل بالشام،فقال:(فسألهم عن صفتهما،فوصفوهما له،ثم قال لخزان بيوت خزائنه:أخرجوا إلى الأصنام،فنظر إليها فقال:الشامي ضال و الكوفي هاد) (4)ثم كتب إلى معاوية أن ابعث إلي أعلم أهل بيتك،و بعث إلى أمير المؤمنين عليه السّلام إبعث إلي أعلم أهل بيتك، حتى أجمع بينهما و أنظر في الإنجيل من أحق بالملك منكما و أخبركما،فبعث إليه معاوية ابنه يزيد، و بعث إليه أمير المؤمنين الحسن عليه السّلام،فلما دخل يزيد أخذ الرومي يده فقبّلها،و لما دخل الحسن عليه السّلام قام الرومي فانحنى على قدميه فقبلهما،فجلس الحسن عليه السّلام لا يرفع بصره،فلما نظر ملك الروم إليهما أخرجهما معا،ثم استدعى يزيد وحده،و أخرج له من خزانته 113 صنما تماثيل الأنبياء و صورهم و قد زيّنت بكل زينة،فأخرج صنما فعرضه على يزيد فلم يعرفه،ثم عرض آخر فلم يعرفه،ثم سأله عن أرزاق العباد و عن أرواح المؤمنين،و أرواح الكفار،أين تجمع بعد الموت؟فلم يعرف،فدعا الحسن بن علي عليه السّلام و قال:إنّما بدأت بهذا حتى يعلم أنّك تعلم ما لا يعلم،و أن أباك يعلم لا أبوه و أن أباك ربّانيّ هذه الامّة،و قد نظرت في الإنجيل فرأيت الرسول محمدا و الوزير عليا و نظرت إلى الأوصياء فرأيت أباك فيها وصي محمد.
فقال للرومي:سلني عمّا بدا لك من علم التوراة،و الإنجيل و الفرقان،أخبرك،فدعا الأصنام،فأوّل صنم عرضه عليه على صفة القمر.
فقال الحسن عليه السّلام:هذه صفة آدم أبي البشر،ثم عرض عليه آخر في صفة الشمس،فقال:هذه صفة حواء أمّ البشر،ثم عرض آخر،فقال:هذا عليه صفة شيث بن آدم،و هذا أوّل من بعث و كان عمره في الدنيا 1540 سنة،ثم عرض عليه آخر فقال:هذه صفة نوح صاحب السفينة،و كان عمره في الدنيا 2500 سنة و لبث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاما،ثم عرض عليه آخر،فقال:هذه صفة إبراهيم عريض الصدر طويل الجبهة،ثم عرض عليه آخر،فقال:هذه صفة موسى بن عمران و كان عمره 245 سنة و كان بينه و بين إبراهيم 500 سنة،ثم عرض عليه آخر،فقال:هذه صفة إسرائيل و هو يعقوب الحزين،ثم عرض عليه آخر،فقال:هذه صفة إسماعيل،ثم عرض عليه آخر، فقال:هذه صفة يوسف بن يعقوب،ثم عرض عليه آخر،فقال:هذه صفة داود صاحب الجراب، ثم عرض عليه آخر فقال:هذه صفة شعيب،ثم زكريا،ثم عيسى ابن مريم روح اللّه و كلمته،و كان عمره في الدنيا 23 سنة ثم رفعه اللّه إليه ثم يهبط إلى الأرض بدمشق و يقتل الدجّال،ثم عرضت عليه أصنام الأوصياء،و الوزراء،فأخبر بأسمائهم،ثم عرضت عليه أصنام في صفة الملوك و قال له ملك الروم:هذه أصنام لم نجد صفتها في التوراة و الإنجيل.
فقال الحسن عليه السّلام:هذه صفة الملوك،فقال ملك الروم عند ذاك:أشهد لكم يا آل محمد أنكم أوتيتم علم الأوّلين و الآخرين،و علم التوراة و الإنجيل،و صحف إبراهيم و ألواح موسى،و إنّا نجد في الإنجيل أن أوّل فتنة هذه الامّة وثوب شيطانها الضليل على ملك نبيّها و اجتراؤه على ذريته،ثم قال للحسن عليه السّلام:أخبرني عن سبعة أشياء خلقها اللّه تعالى،لم تركض في رحم.
فقال الحسن عليه السّلام:آدم و حواء،و كبش إبراهيم،و ناقة صالح،و إبليس و الحية و الغراب الذي ذكر في القرآن.
ثم سأله عن أرزاق الخلائق فقال الحسن عليه السّلام:في السماء الرابعة تنزل بقدر و تبسيط،و سأله عن أرواح المؤمنين أين تكون؟فقال:تجتمع عند صخرة بيت المقدس في كل ليلة جمعة و هي العرش الأدنى و منها يبسط اللّه الأرض و إليها يطويها و إليها المحشر.ثم سأله عن أرواح الكفّار فقال:تجتمع في وادي حضرموت عند مدينة في اليمن ثم يبعث اللّه نارا من المشرق و نارا من المغرب و يتبعها ريح شديد فيحشر الناس عند صخرة بيت المقدس فأهل الجنة عن يمينها،و أهل النار عن يسارها في تخوم الأرض السابعة،فتحشر الناس عند الصخرة،فمن وجبت له الجنة دخلها و من وجبت له النار دخلها،و ذلك قوله:فريق في الجنة و فريق في السعير.
فالتفت الملك إلى يزيد و قال:هذا بقيّة الأنبياء و خليفة الأوصياء،و وارث الأصفياء و ثاني النقباء،و رابع أصحاب الكساء،و العالم بما في الأرض و السماء،أفقياس هذا بمن طبع على قلبه
و هو من الضّالين،ثم كتب إلى معاوية:من آتاه اللّه العلم و الحكمة بعد نبيّكم و حكم التوراة و الإنجيل و أخبار الغيب،فالحق و الخلافة له،و من نازعه فإنّه ظالم،ثم كتب إلى أمير المؤمنين عليه السّلام إنّ الحق لك و الخلافة فيك و في ولدك إلى يوم القيامة،فقاتل من قاتلك يعذّبه اللّه بيدك،فإنّ من عصاك و حاربك عليه لعنة اللّه و الملائكة و الناس أجمعين (1).
و من ذلك من كراماته ما روي عن مولانا الباقر عليه السّلام أنّ جماعة من أهل الكوفة قالوا للحسن عليه السّلام:يابن رسول اللّه ما عندك من عجائب أسرار أمير المؤمنين عليه السّلام الذي كان يرينا أي شيء نريد يرينا إيّاه؟
فقال:هل تعرفون أمير المؤمنين عليه السّلام؟فقالوا:نعم،فرفع سترا كان على باب البيت،و قال:
أنظروا،فنظروا فإذا أمير المؤمنين،فقالوا:نعم،هذا أمير المؤمنين لا نشك فيه و نشهد أنك خليفته حقا و صدقا (2).
و كان الحسن رضي اللّه عنه يشبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما بين الصدر إلى الرأس،و الحسين يشبه ما كان أسفل من ذلك (3).
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام:من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما بين عنقه إلى وجهه و شعره فلينظر إلى الحسن بن علي،و من سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول اللّه ما بين عنقه إلى كعبه خلقا و لونا فلينظر إلى الحسين بن علي عليه السّلام (4).
و عن عقبة بن الحارث قال:صلى بنا أبو بكر العصر ثم خرج و علي يمشيان فرأى الحسن يلعب مع الغلمان فأخذه فحمله على عنقه قال:ثم قال:
بأبي شبه النبي [غير]شبيه بعلي
[قال:]و علي يتبسّم أو يضحك.رواه البخاري عن أبي عاصم[أيضا] (5).
1) بحار الأنوار:237/33 ح 517 و الحديث طويل جدّا اختصر هنا.
2) مدينة المعاجز:76/3-512.
3) صحيح الترمذي:/659/5ح 3776،و مطالب السؤول:15/2.
4) صحيح الترمذي:/660/5ح 3779،و المعجم الكبير:/98/3ح 3768.
5) مسند الإمام أحمد 1:8،و في صحيح البخاري في باب صفة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ج 4:227 من طريق أبي عاصم، و فيه: بأبي شبيه النبي لا شبيه بعلي و علي يضحك.
و عن مصعب بن عبد اللّه قال:ذكر عن[عبد اللّه]البهيّ مولى الزبير قال:تذاكرنا من أشبه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أهله (1)فدخل علينا عبد اللّه بن الزبير فقال:أنا أحدّثكم بأشبه أهله إليه،و أحبّهم إليه الحسن بن علي.رأيته يجيء و هو ساجد فيركب رقبته-أو قال:ظهره-فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل،و لقد رأيته يجيء و هو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر (2).
و عن أنس بن مالك قال:لم يكن منهم أحد أشبه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من الحسن بن علي (3).
و عن أبي جحيفة قال:رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبيض قد شاب و كان الحسن بن علي عليه السّلام يشبهه (4).
و عن علي عليه السّلام،قال:الحسن أشبه برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما بين الصدر إلى الرأس و الحسين أشبه الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما كان أسفل من ذلك (5).
و يروى أنّ وجه الحسن كان يشبه وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان جسد الحسين يشبه جسد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم(6).
عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام قال:لما ثقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مرضه الذي قبض فيه،كان رأسه في حجري و البيت مملوء من أصحابه من المهاجرين و الأنصار،و العباس بين يديه يذبّ عنه بطرف ردائه،فجعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يغمى عليه ساعة و يفيق أخرى،ثمّ وجد خفة فأقبل على العباس فقال:يا عباس يا عمّ النبيّ إقبل وصيتي في أهلي و في أزواجي و اقض ديني و أنجز عداتي و أبرىء ذمّتي.
فقال العباس:يا نبي اللّه أنا شيخ ذو عيال كثير غير ذي مال ممدود و أنت أجود من السحاب الهاطل و الريح المرسلة فلو صرفت ذلك عني إلى من هو أطوق له مني،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أما
1) في نسب قريش:«من أشبه الناس بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فدخل...».
2) في كتاب نسب قريش للمصعب الزبيري:23.
3) مصنف عبد الرزاق ح 20984،و سنن الترمذي:196/13 مناقب الحسن و الحسين.
4) صحيح مسلم،كتاب الفضائل،الباب(29)،حديث رقم 2343.
5) أخرجه الترمذي في المناقب ح 3781 و حسنّه،و صححه ابن حبّان ح 2235.
6) صحيح الترمذي:/659/5ح 3777،و مطالب السؤول:14/2.
إني سأعطيها من يأخذها بحقها و من لا يقول مثل ما تقول،يا عليّ هاكها خالصة لا يحاقك فيها أحد،يا عليّ إقبل وصيتي و أنجز مواعيدي و أدّ ديني،يا عليّ اخلفني في أهلي و بلّغ عني من بعدي.
قال عليّ عليه السّلام:فلمّا نعى إليّ نفسه رجف فؤادي و ألقي عليّ لقوله البكاء،فلم أقدر أن أجيبه بشي،ثمّ عاد لقوله فقال:يا عليّ أو تقبل وصيتي؟
قال:فقلت:و قد خنقتني العبرة و لم أكد أن أبيّن:نعم يا رسول اللّه.
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا بلال ائتني بسوادي إئتني بذي الفقار و درعي ذات الفضول إئتني بمغفري ذي الجبين،و رايتي العقاب،إئتني بالعنزة و الممشوق (1)فأتى بلال بذلك إلاّ درعه كانت يومئذ مرتهنة، ثمّ قال:إئتني بالمرتجز و العضباء و اليعفور و الدلول (2)،فأتى بهما فوقفهما في الباب،ثمّ قال:إئتني بالأتحمية و السحاب،فأتاه بهما فلم يزل يدعو بشيء شيء فافتقد عصابة كان يشد بها بطنه في الحرب فطلبها فأتي بها و البيت غاصّ يومئذ بمن فيه من المهاجرين و الأنصار،ثمّ قال:يا عليّ قم فاقبض هذا،و مدّ اصبعه و قال:في حياة مني و شهادة من في البيت لكيلا ينازعك أحد من بعدي،فقمت و ما أكاد أمشي على قدم حتّى استودعت ذلك جميعا منزلي،فقال:يا عليّ أجلسني،فأجلسته و أسندته إلى صدري،قال عليّ عليه السّلام:فلقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إن رأسه ليثقل ضعفا و هو يقول:
يسمع أقصى أهل البيت و أدناهم:إنّ أخي و وصيي و وزيري و خليفتي في أهلي عليّ بن أبي طالب يقضي ديني و ينجز موعدي،يا بني هاشم يا بني عبد المطلب لا تبغضوا عليّا و لا تخالفوا عن أمره فتضلّوا،و لا تحسدوه و ترغبوا عنه فتكفروا،أضجعني يا عليّ،فأضجعته فقال:يا بلال إئتني بولدي الحسن و الحسين،فانطلق،فجاء بهما فأسندهما إلى صدره فجعل صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يشمهما،قال عليّ عليه السّلام:
فظننت أنهما قد غمّاه-قال الجارودي يعني أكرباه-فذهبت لآخذهما عنه،فقال:دعهما يا عليّ يشمّاني و أشمّهما و يتزوّدا منّي و أتزود منهما فسيلقيان من بعدي[زلزلا] (3)و أمرا عضالا فلعن اللّه من يخيفهما اللّهمّ إنّي استودعكهما و صالح المؤمنين (4).
عن أبي أسامة،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:خرج الحسن بن عليّ عليهم السّلام إلى مكّة سنة ماشيا،
فورمت قدماه،فقال له بعض مواليه:لو ركبت لسكن عنك هذا الورم،فقال:كلاّ إذا أتينا هذا المنزل فإنّه يستقبلك أسود و معه دهن فاشتر منه و لا تماكسه،فقال له مولاه:بأبي أنت و أمّي ما قدمنا منزلا فيه أحد يبيع هذا الدواء.
فقال له:بلى إنّه أمامك دون المنزل،فسارا ميلا فإذا هو بالأسود،فقال الحسن عليه السّلام لمولاه:
دونك الرّجل،فخذ منه الدّهن و أعطه الثّمن.
فقال الأسود:يا غلام لمن أردت هذا الدّهن؟فقال:للحسن بن عليّ.
فقال:إنطلق بي إليه،فانطلق فأدخله إليه فقال له:بأبي أنت و أمّي لم أعلم أنّك تحتاج إلى هذا أو ترى ذلك و لست آخذ له ثمنا،إنّما أنا مولاك و لكن أدع اللّه أن يرزقني ذكرا سويّا يحبّكم أهل البيت؛فإنّي خلّفت أهلي تمخض،
فقال عليه السّلام:انطلق إلى منزلك فقد وهب اللّه لك ذكرا سويّا و هو من شيعتنا (1).
نقل ابن شاذان بإسناده عن أبي هريرة قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«خير هذه الامّة من بعدي عليّ بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فمن قال غير هذا فعليه لعنة اللّه» (2).
و يروى أنّ عمرو بن العاص لما أقبل الحسن بن علي رضي اللّه عنه قال:هذا أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء (3).
عن مصعب بن عبد اللّه قال:ذكر عن[عبد اللّه]البهيّ مولى الزبير قال:تذاكرنا من أشبه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من أهله (4)فدخل علينا عبد اللّه بن الزبير فقال:أنا أحدثكم بأشبه أهله إليه،و أحبّهم إليه الحسن بن علي.رأيته يجيء و هو ساجد فيركب رقبته-أو قال:ظهره-فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل،و لقد رأيته يجيء و هو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.
و قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«إنه ريحانتي من الدنيا و إنّ إبني هذا سيد و عسى اللّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» (5).
و قال:«اللهم إني أحبّه فأحبّه و أحبّ من يحبّه».
و عن أسامة،قال:كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يأخذني و الحسن بن علي عليه السّلام فيقول:«اللهمّ أحبهما فإني أحبّهما (1).
عن أسامة بن زيد،قال:كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يأخذني فيقعد[ني]على فخذه و يقعد الحسن على فخذه الآخر فيقول:«اللهمّ ارحمهما فإني أرحمهما» (2).
عن أبي هريرة قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«من أحبّ الحسن و الحسين فقد أحبني و من أبغضهما فقد أبغضني» (3).
عن أبي هريرة،قال:سمعت أذناي هاتان و أبصرت عيناي هاتان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو آخذ بكفيه جميعا يعني حسنا أو حسينا و قدماه على قدم رسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يقول:«حزّقة حزّقة ترقّ عين بقة» فيرقأ الغلام حتى يضع قدميه على صدر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثم قال له:«إفتح فاك»ثم قبّله ثم قال:
«اللّهمّ أحبّه فإني أحبّه» (4).
عن علي عليه السّلام أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أخذ بيد حسن و حسين فقال:«من أحبّني و أحبّ هذين و أباهما و أمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة» (5).
عن ابن عباس،قال:جاء العباس يعود النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مرضه فرفعه فأجلسه على السرير فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«رفعك اللّه يا عم»ثم قال العباس:هذا علي يستأذن قال:فدخل و دخل معه الحسن و الحسين عليهم السّلام فقال العباس:هؤلاء ولدك يا رسول اللّه قال:«و هم ولدك يا عم»فقال:
«أتحبّهم»؟فقال:[إني أحبهم.قال:]«أحبّك اللّه كما أحبّهم» (6).
زهير بن الأقمر،قال:بينما الحسن بن علي عليه السّلام يخطب بعدما قتل علي إذ قام رجل من الأزد آدم طوال،فقال:لقد رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم واضعه في حبونة يقول:«من أحبني فليحبه،فليبلّغ الشاهد الغائب و لو لا عزمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما حدّثتكم» (7).
و عن عائشة أمّ المؤمنين قالت:خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذات غداة و عليه مرط مرحّل من شعر أسود فجلس،فأتت فاطمة فأدخلها فيه،ثم جاء علي،فأدخله فيه،ثمّ جاء الحسن فأدخله فيه،ثم5.
1) صحيح البخاري في فضائل اصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم باب ذكر أسامة بن زيد 7:70 و أحمد في مسنده 5:210.
2) صحيح البخاري:30/5 ذكر أسامة.
3) تاريخ بغداد:141/1.
4) مجمع الزوائد:176/9.
5) سنن الترمذي،مناقب علي بن أبي طالب(باب 13)(ح 3734)،و سير أعلام النبلاء 254/3.
6) المعجم الصغير:90/1 و مجمع الزوائد:173/9.
7) المسند:366/5.
جاء حسين فأدخله فيه،ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).
و عن أمّ سلمة حدّثته قالت:بينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بيتي إذ قالت الخادم:إن عليا و فاطمة بالسّدّة.
قالت:فقال لي:«قومي فتنحّي لي عن أهل بيتي»قالت:فقمت فتنحيت في البيت قريبا، فدخل علي و فاطمة و معهما الحسن و الحسين و هما صبيان صغيران،فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره،فقبّلهما و اعتنق عليا بإحدى يديه و فاطمة باليد الأخرى،فقبّل فاطمة و قبّل عليا فأغدف عليهم خميصة سوداء فقال:«اللهمّ إليك لا إلى النار أنا و أهل بيتي»قالت:فقلت:و أنا يا رسول اللّه.
فقال:«و أنت» (2).
و عن أمّ سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لفاطمة:«ائتني بزوجك و ابنيك»فجاءت بهم فألقى عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كساء كان تحتي خيبريا أصبناه من خيبر ثم قال:«اللّهمّ هؤلاء آل محمّد،فاجعل صلواتك و بركاتك على آل محمّد كما جعلتها على آل إبراهيم».و قال الشحامي:
على إبراهيم-«إنك حميد مجيد»قالت أمّ سلمة:فرفعت الكساء-و في حديث الشحامي:أحسبه قال:فأخذت بطرف الكساء-لأدخل معهم فجذبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-زاد ابن المقرىء و الشحامي:من يدي،-و قالوا:و قال:«إنّك على خير» (3).
عن حذيفة،قال:قالت لي أمّي:متى عهدك بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟فقلت:مالي به عهد مذ كذا و كذا فنالت مني،قلت لها:دعيني فإني آتيه و أصلي معه المغرب و أسأله أن يغفر لي[و لك]قال:فأتيته و هو يصلي المغرب فقال:«ما رأيت العارض الذي عرض لي»قلت:بلى..
قال:«فذاك ملك لم يهبط إلى الأرض قبل السّاعة،استأذن ربّه عزّ و جلّ في السّلام علي فسلّم عليّ،و بشّرني بأنّ الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة و أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنّة» (4).
عن جابر،قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«من سرّه أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي» (5).
عن الحسن قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للحسن بن علي:«إن ابني هذا سيّد و يصلح اللّه به بين فئتين من المسلمين» (6).1.
و في كتاب اللوامع لما صالح الحسن عليه السّلام معاوية قال:«يا أيّها الناس لو أنكم طلبتم من جابلق إلى جابلس رجلا جدّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما وجدتم غيري و غير أخي».
و في رواية أنّه قيل لمعاوية:لو أمرت الحسن أن يخطب،فإنّه حديث السنّ لم يتعوّد الخطب، فيجتمع الناس إليه فيحضر فيكون في ذلك ما يصغّره في أعين الناس.
فقال كما قال لهم أوّل مرّة،فقالوا:إنّه قد شمخ أنفا و رفع رأسا و اشرأبت إليه قلوب الناس بالثقة و المقة فمره بذلك حتّى ترى فأرسل إليه معاوية فأمره أن يخطب؛فلمّا صعد المنبر و قد جمع معاوية كهول قريش و شبّانها،حمد اللّه تعالى و أثنى عليه و صلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ قال:أيّها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب،أنا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما بين جابلقا و جابرصا،ما أحد جدّه نبيّ غيري،أنا ابن نبي اللّه،أنا ابن رسول اللّه،أنا ابن البشير النذير،أنا ابن السراج المنير،أنا ابن بريد السماء،أنا ابن من بعث رحمة للعالمين،أنا ابن من بعث للجنّ و الإنس،أنا ابن من قابلت معه الملائكة،أنا ابن من جعلت له الأرض مسجدا و طهورا، أنا ابن من أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا،فلمّا سمع معاوية ذلك أراد أن يسكته و يخلط عليه مخافة أن يبلغ به المنطق ما يكرهه،فقال له:يا حسن إنعت لنا الرطب فقال:يا سبحان اللّه أين هذا من هذا ثمّ قال:الحرّ ينضّجه،و الليل يبرّده و الريح تلقّحه.
ثمّ استفتح كلامه الأوّل و قال:-أنا ابن من كان مستجاب الدعوة،أنا ابن الشفيع المطاع أنا ابن أوّل من تنشقّ عنه الأرض و ينفض رأسه من التراب،أنا ابن أوّل من يقرع باب الجنّة،أنا ابن من رضاه رضى الرحمان و سخطه سخط الرحمان،أنا ابن من لا يسامى كرما،فقال له قومه:
حسبك يا أبا محمد ما أعرفنا بفضل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال الحسن:يا معاوية إنّما الخليفة من سار بسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عمل بطاعته،و ليس الخليفة من دان بالجور و عطّل السنن،و اتّخذ الدنيا أمّا و أبا لكن ذاك ملك تمتّع في ملكه و كان قد انقطع و انقطعت لذّته و بقيت بيعته،ثمّ قال:و إن أدري لعلّه فتنة لكم و متاع إلى حين ثمّ نزل عن المنبر عليه السّلام (1).
قيل:جابلس بفتح اللام بلد بالمشرق ليس وراءه شيء و جابلق بلد بالمغرب.و في المغرب قالوا:جابلقا و جابلسا قريتان إحداهما بالمغرب و الأخرى بالمشرق،و لا يبعد أن تكون المدينتان هاتين القريتين.
و روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:إنّ من وراء اليمن واديا يقال له وادي برهوت لا يجاوز ذلكث.
1) أخرجه البيهقي و المحبّ الطبري،كما في الغدير في مسند المناقب و مرسلها بتغيير يسير،غير أن في أوّله: أنّ عمرو بن العاص هو الذي قال لمعاوية ذات يوم:ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر،فلعلّه يحصر فيكون ذلك ممّا نعته به.الحديث.
الوادي إلاّ الحيات السود،و خلف ذلك الوادي قوم يقال لهم الذريح،لما بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صاح عجل لهم فيه و ضرب بذنبه فنادى فيهم:يا آل ذريح بصوت فصيح أتى رجل بتهامة يدعو إلى شهادة أن لا اله إلاّ اللّه،قالوا لأمر ما أنطق اللّه هذا العجل،فنادى فيهم ثانية فعزموا على أن يبنوا سفينة فبنوها و نزل فيها سبعة منهم و حملوا من الزاد ما قذف اللّه في قلوبهم ثم رفعوا شراعا و سيّبوها في البحر فما زالت تسير بهم حتى رمت بجدة،فأتوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال لهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أنتم أهل الذريح نادى فيكم العجل قالوا نعم،قالوا:أعرض علينا يا رسول اللّه الدين و الكتاب،فعرض عليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الدين و الكتاب و السنن و الفرائض و الشرائع كما جاء به من عند اللّه و ولى عليهم رجلا من بني هاشم سيّره معهم فما بينهم اختلاف حتى الساعة.و لا يبعد أن تكون هذه إحدى هاتين المدينتين (1).
و للسهروردي تأويل في جابلق و جابلس ذكره في كتابه حكمة الإشراق تركناه تحرزا من الإطناب.
و في هامش شرح الكافي للمازندراني:قوله«و للسهروردي تأويل»أوّله شارحه قطب الدين بعالم المثال و أصل الخبر على ما في معجم البلدان و اللوامع لا يحتاج إلى تأويل كما قلنا،و أما في الكتاب فمشتمل على غرائب من المبالغات التي تسري الأخبار على ما هو معهود في نقل الوقائع لأنّ ألف ألف مصراع يقتضي كون محيط البلد أعظم من محيط كرة الأرض خمس مرات إن فرض بين كل باب و باب آخر أربعمائة ذراع فقط و محيط الأرض لا يزيد على ستة آلاف فرسخ،و المقدار المذكور يناهز ثلاثين ألف فرسخ.و أيضا سبعون ألف ألف لغة يقتضى على فرض كون المتكلّم بكل لغة ألف إنسان على الأقل-إذ لا يتصور لأقل من هذا العدد لغة مستقلة-أن يكون عدة نفوس تلك المدينة سبعين ألف ألف إنسان و أهل الأرض كلها في زماننا جزء من ثلاثين جزءا من هذا العدد، و بالجملة فهذه الأمور مما أوجبت على عقلاء الناس إما تأويله بعالم المثال أو ردّه بجهالة حال الرواة لئلا يستهزىء الملاحدة بالأخبار المنسوبة إلى المعصومين عليهم السّلام و لا يطغوا فيها فكم شكّكوا ضعفاء العقول من المؤمنين بهذا الخبر و أمثاله،و الإصرار في تصحيح الخبر و حمله على ظاهره مفسدة للدين و منفرة للمؤمنين و لا حاجة إليه بعد الشك في صدوره من المعصوم أو اليقين بعدم صدوره(ش) (2).
و في كتاب كشف اليقين عن إسحاق بن سليمان الهاشمي عن أبيه قال:كنّا عند أمير المؤمنين هارون الرشيد فتذاكروا عليّ بن أبي طالب،فقال هارون:تزعم العوام إنّي أبغض عليّا و ولديه حسنا و حسينا و لا و اللّه ما ذلك كما يظنّون و لكن ولده هؤلاء طالبونا بدم الحسين فثرنا معهم حتّى قتلنا قتلته ثمّ أفضى هذا الأمر إلينا فحسدونا و خرجوا علينا فحلوا قطيعتهم،و اللّه لقد حدّثني أبي المهدي7.
عن أبيه المنصور عن محمّد بن علي عن عبد اللّه بن عبّاس قال:بينما نحن عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ أقبلت فاطمة تبكي قالت:إنّ الحسن و الحسين خرجا فما أدري أين سلكا،فقال:لا تبكي فداك أبوك فإنّ اللّه أرحم بهما ثمّ قال:اللّهمّ احفظهما و سلّمهما في البرّ و البحر.
فهبط جبرئيل فقال:يا أحمد لا تحزن هما فاضلان في الدّنيا و الآخرة و أبوهما خير منهما و هما في حظيرة بني النجّار نائمين و قد وكّل اللّه بهما ملكا يحفظهما،فقام و قمنا معه إلى الحظيرة، فإذا هما متعانقان فإذا الملك غطّاهما بأحد جناحيه فحمل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحسن و أخذ الحسين الملك و الناس يرون أنّه حاملهما ثمّ قال:و اللّه لأشرفنّهما اليوم بما شرّفهما اللّه،فخطب فقال:أيّها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدّا و جدّة؟
قالوا:بلى يا رسول اللّه.
قال:الحسن و الحسين جدّهما رسول اللّه و جدّتهما خديجة بنت خويلد،ألا أخبركم أيّها الناس بخير الناس أبا و أمّا؟
قالوا:بلى يا رسول اللّه.
قال:الحسن و الحسين أبوهما عليّ بن أبي طالب و أمّهما فاطمة بنت محمّد،ألا أخبركم أيّها الناس بخير النّاس عمّا و عمّة؟
قالوا:بلى يا رسول اللّه.
قال:الحسن و الحسين عمّهما جعفر بن أبي طالب و عمّتهما أمّ هاني بنت أبي طالب،ألا أخبركم بخير الناس خالا و خالة؟
قالوا:بلى يا رسول اللّه.
قال:الحسن و الحسين خالهما القاسم بن رسول اللّه و خالتهما زينب بنت رسول اللّه ألا أنّ أباهما في الجنّة و أمّهما في الجنّة و جدّهما في الجنّة و جدّتهما في الجنّة و خالهما في الجنّة و خالتهما في الجنّة و عمّهما في الجنّة و عمّتهما في الجنّة و هما في الجنّة و من أحبّهما في الجنّة.
أبو المفضل الشيباني في أماليه و ابن الوليد في كتابه بالإسناد عن جابر قال:كان الحسن بن علي قد ثقل لسانه و أبطأ كلامه،فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عيد من الأعياد و خرج معه الحسن بن علي،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:اللّه أكبر يفتتح الصلاة،فقال الحسن:اللّه أكبر،فسرّ بذلك رسول اللّه،فلم يزل يكبّر و الحسن معه يكبّر حتّى كبّر سبعا فوقف الحسن عند السابعة فوقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عندها ثمّ قام إلى الركعة الثانية فكبّر الحسن حتّى بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمس تكبيرات،فوقف الحسن عند
الخامسة و وقف رسول اللّه عند الخامسة فصار ذلك سنّة في تكبير العيدين (1).
و عن علي بن جعفر قال:سألت أبا الحسن عليه السّلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ (2)قال:«المشكاة فاطمة عليها السّلام،و المصباح الحسن.و الحسين الزجاجة كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ (3)قال:كانت فاطمة كوكبا دريا من نساء العالمين يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ (4)الشجرة المباركة إبراهيم لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ (5)لا يهودية و لا نصرانية يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ(6)وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ (7)قال:فيها إمام بعد إمام يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (8)قال:يهدي اللّه عزّ و جلّ لولايتنا من يشاء» (9).
عن الأصبغ بن نباتة قال:خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام ذات يوم و يده في يد إبنه الحسن عليه السّلام و هو يقول:«خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذات يوم و يدي في يده هكذا و هو يقول:
خير الخلق بعدي (10)و سيدهم بعد الحسن إبني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه،المقتول في أرض كربلاء،أما إنه و أصحابه من سادات الشهداء يوم القيامة،و من بعد الحسين تسعة من صلبه خلفاء اللّه في أرضه و حججه على عباده،و أمناؤه على وحيه،و أئمة المسلمين،و قادة المؤمنين،و سادة المتّقين،تاسعهم القائم الذي يملأ اللّه عزّ و جلّ به الأرض نورا بعد ظلمتها،و عدلا بعد جورها، و علما بعد جهلها،و الذي بعث أخي محمدا بالنبوة و اختصني بالإمامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح الأمين جبرائيل،و لقد سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-و أنا عنده-عن الأئمة بعده فقال للسائل: وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (11)عددهم بعدد البروج،و رب الليالي و الأيام و الشهور إن عدّتهم كعدّة الشهور (12).
فقال السائل:فمن هم يا رسول الله؟فوضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يده على رأسي فقال:أولهم هذا و آخرهم المهدي،من والاهم فقد والاني،و من عاداهم فقد عاداني،و من أحبهم فقد أحبني و من أبغضهم فقد أبغضني،و من أنكرهم فقد أنكرني،و من عرفهم فقد عرفني،بهم يحفظ اللّه عزّ و جلّر.
1) رياض الأبرار:
2) سورة النور،الآية:36.
3) سورة النور،الآية:36.
4) سورة النور،الآية:36.
5) سورة النور،الآية:36.
6) في المصدر:قال:يكاد العلم أن ينطق منها.
7) سورة النور،الآية:36.
8) سورة النور،الآية:36.
9) المناقب لابن المغازلي:316-317.
10) في المصدر:خير الخلق بعدي و سيدهم أخي هذا،و هو إمام كل مسلم،و مولى كل مؤمن بعد وفاتي.ألا و إني أقول:خير الخلق بعدي و سيدهم ابني هذا،و هو إمام كل مؤمن،و مولى كل مؤمن بعد وفاتي،ألا و إنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خير الخلق و سيدهم بعد الحسن.الحديث.
11) سورة البروج،الآية:1.
12) في المصدر:إن عددهم كعدد الشهور.
دينه،و بهم يعمر بلاده،و بهم يرزق عباده،و بهم ينزل القطر من السماء،و بهم يخرج بركات الأرض،هؤلاء أصفيائي و خلفائي و أئمة المسلمين و موالي المؤمنين» (1).
عن أبي سلمى راعي (2)رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«ليلة أسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ جلاله: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قلت: وَ الْمُؤْمِنُونَ (3)قال:صدقت يا محمد من خلفت في أمتك؟قلت:خيرها،قال:علي بن أبي طالب؟
قلت:نعم يا رب.
قال:يا محمد إني اطلعت إلى الأرض إطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسما من اسمائي فلا أذكر في موضع إلا ذكرت معي،فأنا المحمود و أنت محمد،ثم اطلعت الثانية فاخترت منها عليا و شققت له إسما من أسمائي فأنا الأعلى و هو علي،يا محمد إني خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولده من نوري (4)و عرضت ولايتكم على أهل السماوات و الأرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين،و من جحدها كان عندي من الكافرين.
يا محمد لو أن عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثم أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقرّ بولايتكم،يا محمد تحب أن تراهم؟قال:قلت:نعم يا رب فقال لي:إلتفت عن يمين العرش فالتفت فإذا أنا بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمد بن علي و علي بن محمد و الحسن بن علي و المهدي في ضحضاح من نور قيام يصلّون و هو في وسطهم«يعني المهدي»كأنه كوكب دري.فقال:يا محمد هؤلاء الحجج و هو الثائر من عترتك،و عزّتي و جلالي إنّه الحجّة الواجبة لأوليائي و المنتقم من أعدائي» (5).
و نقل الشيخ الطوسي في(مصابيح الأنوار)عن أنس بن مالك قال:صلّى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بعض الأيام صلاة الفجر،ثم أقبل علينا بوجهه الكريم فقلت:يا رسول اللّه إن رأيت أن تفسر لنا قول اللّه عزّ و جلّ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (6).
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«أمّا النبيّون فأنا،و أما الصديقون فأخي علي بن أبي طالب،و أما الشهداء فعمي حمزة،و أما الصالحون فابتني فاطمة و ولداها الحسن و الحسين».
قال:و كان العباس حاضرا فوثب و جلس بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال:ألسنا أنا و أنت و علي و فاطمة و الحسن و الحسين من نبعة واحدة؟قال:«و كيف ذلك يا عم»؟.قال العباس:لأنك تعرّف بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين دوننا.
فتبسّم النبي و قال:«أما قولك يا عم ألسنا من نبعة واحدة فصدقت و لكن يا عم،إنّ اللّه خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق اللّه آدم حيث لا سماء مبنية و لا أرض مدحية و لا ظلمة و لا نور،و لا جنة و لا نار،و لا شمس و لا قمر».
قال العباس:و كيف كان بدؤ خلقكم يا رسول اللّه؟
قال:«يا عم لمّا أراد اللّه أن يخلقنا تكلم بكلمة خلق منها نورا ثم تكلم بكلمة فخلق منها روحا فمزج النور بالروح فخلقني و أخي عليا و فاطمة و الحسن و الحسين فكنا نسبّحه حين لا تسبيح، و نقدّسه حين لا تقديس،فلما أراد اللّه أن ينشئ الصنعة فتق نوري فخلق منه العرش،فالعرش من نوري و نوري من نور اللّه،و نوري أفضل من العرش.
ثم فتق نور أخي علي بن أبي طالب فخلق منه الملائكة فالملائكة من نور علي و نور علي من نور اللّه،و علي أفضل من الملائكة.
ثم فتق نور إبنتي فاطمة فخلق منه السماوات و الأرض فالسماوات و الأرض من نور إبنتي و نور إبنتي فاطمة من نور اللّه عزّ و جلّ،و إبنتي فاطمة أفضل من السماوات و الأرض.
ثم فتق نور ولدي الحسن و خلق منه الشمس و القمر،فالشمس و القمر من نور ولدي الحسن، و نور ولدي الحسن من نور اللّه،و الحسن أفضل من الشمس و القمر،ثم فتق نور ولدي الحسين فخلق منه الجنة و الحور العين فالجنة و الحور العين من نور ولدي الحسين،و نور ولدي الحسين من نور اللّه،و ولدي أفضل من الجنة و الحور العين.
ثم أمر اللّه الظلمات أن تمر بسحائب الظلم فأظلمت السماوات على الملائكة فضجّت الملائكة بالتسبيح و التقديس و قالت:إلهنا و سيدنا مذ خلقتنا و عرّفتنا هذه الأشباح لم نر بؤسا فبحق هذه الأشباح إلا ما كشفت عنا هذه الظلمة،فأخرج اللّه من نور إبنتي فاطمة قناديل فعلّقها في بطنان العرش فأزهرت السماوات و الأرض،ثم أشرقت بنورها،فلأجل ذلك سميّت الزهراء.
فقالت الملائكة:إلهنا و سيدنا لمن هذا النور الزاهر الذي أشرقت به السماوات و الأرض؟ فأوحى اللّه إليها هذا نور اخترعته من نور جلالي لأمتي فاطمة بنت حبيبي،و زوجة وليي،و أخ نبيّي، و أب حججي على عبادي،أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثواب تسبيحكم و تقديسكم لهذه المرأة و شيعتها و محبّيها إلى يوم القيامة».
فلما سمع العباس من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وثب قائما و قبّل ما بين عيني علي عليه السّلام و قال:و اللّه أنت يا علي الحجّة البالغة لمن آمن باللّه و اليوم الآخر (1).
و عن جابر بن يزيد الجعفي،عن الإمام العالم موسى بن جعفر الكاظم عليه السّلام قال:«إن اللّه تبارك و تعالى خلق نور محمد من نور اخترعه من نور عظمته (2)و جلاله و هو نور لاهوتيته الذي تبدّى من لاه،أي من إلهيته من إنيّته الذي تبدأ منه)و تجلّى لموسى عليه السّلام في طور سيناء،فما استقر له و لا أطاق موسى لرؤيته،و لا ثبت له حتى خر صعقا مغشيا عليه،و كان ذلك النور نور محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلما أراد أن يخلق محمدا منه قسم ذلك النور شطرين:فخلق من الشطر الأول محمدا،و من الشطر الآخر علي بن أبي طالب،و لم يخلق من ذلك النور غيرهما،خلقهما اللّه بيده و نفخ فيهما بنفسه لنفسه،و صوّرهما على صورتهما و جعلهما أمناء له،و شهداء على خلقه،و خلفاء على خليقته،و عينا له عليهم،و لسانا له إليهم،قد استودع فيهما علمه،و علمهما البيان،و استطلعهما على غيبه،و جعل أحدهما نفسه و الآخر روحه و لا يقوم أحدهما بغير صاحبه،ظاهرهما بشرية،و باطنهما لاهوتية، ظهروا للخلق على هياكل الناسوتية،حتى يطيقوا رؤيتهما،و هو قوله تعالى: وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ فهما مقام رب العالمين،و حجابا لخالق الخلائق اجمعين،بهما فتح بدء الخلائق؛و بهما يختم الملك و المقادير.ثم اقتبس من نور محمد فاطمة ابنته،كما اقتبس نوره من نوره،و اقتبس من نور فاطمة و علي الحسن و الحسين كاقتباس المصابيح هم خلقوا من الأنوار،و انتقلوا من ظهر الى ظهر،و من صلب إلى صلب،و من رحم إلى رحم في الطبقة العليا من غير نجاسة،بل نقلا بعد نقل،لا إنه ماء مهين،و لا نطفة خشرة كسائر خلقه،بل أنوار انتقلوا من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات،لأنهم صفوة الصفوة،اصطفاهم لنفسه،و جعلهم خزّان علمه،و بلغاء عنه إلى خلقه،أقامهم مقام نفسه،لأنه لا يرى و لا يدرك و لا تعرف كيفية إنيته،فهؤلاء الناطقون المبلغون عنه،المتصرفون في أمره و نهيه،فيهم يظهر قوته،و منهم ترى آياته و معجزاته،و بهم و منهم عرف عباده نفسه،و بهم يطاع أمره،و لولاهم ما عرف اللّه،و لا يدرى كيف يعبد الرّحمن،فاللّه يجري أمره كيف يشاء،فيما يشاء،لا يسأل عما يفعل و هم يسألون» (3).
و عن أنس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«لما خلق اللّه عزّ و جلّ آدم نظر إلى سرادق العرش فرأى مكتوبا لا إله إلاّ اللّه محمد رسول اللّه و أسماء أربعة فقال آدم عليه السّلام:يا إلهي خلقت خلقا من إنس قبلي؟فقال:لا،فقال:و ما هذه الأسماء التي أراها؟فقال:يا آدم هؤلاء خيرتي من خلقي، و صفوتي،يا آدم لو لا هؤلاء[ما خلقتك و لو لا هؤلاء]ما خلقت الجنّة و لا النار،إياك أن تنظر إليهمن.
بعين الحسد يا آدم،فلما أكل آدم عليه السّلام من الشجرة و أخرج من الجنة و نال الخطيئة و أراد التوبة قال في توبته و تضرعه إلى ربه:إلهي بحق الخمسة الذين على سرادق العرش إلا غفرت لي فأوحى اللّه تعالى إليه:يا آدم قد غفرت لك فكان ذلك في سابق علمي فيك يا آدم،فقال آدم:إلهي بحق هؤلاء الخمسة و بحق المغفرة إلا عرفتني من هؤلاء؟قال تعالى يا آدم هؤلاء الخمسة من ولدك شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي العظام،فأنا المحمود و هذا أحمد،و أنا العالي و هذا علي،و أنا الفاطر و هذه فاطمة،و أنا المحسن و هذا الحسن،و أنا الإحسان و هذا حسين» (1).
و عن أبي هريرة،عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال:«لما خلق اللّه تعالى آدم أبو البشر،و نفخ فيه من روحه،إلتفت آدم يمنة العرش فإذا في النور خمسة أشباح سجّدا و ركّعا قال آدم:يا رب هل خلقت أحدا من طين قبلي؟قال:لا يا آدم،قال:فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي و صورتي؟ قال:هؤلاء خمسة من ولدك،لولاهم ما خلقتك،هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي،لولاهم ما خلقت الجنة،و لا النار،و لا العرش،و لا الكرسي،و لا السماء و لا الأرض، و لا الملائكة،و لا الانس،و لا الجن،فأنا المحمود و هذا محمد،و أنا العالي و هذا عليّ،و أنا الفاطر و هذه فاطمة،و أنا الإحسان و هذا الحسن،و أنا المحسن و هذا الحسين،آليت بعزتي أنه لا يأتني أحد بمثقال حبة من خردل من بغض أحدهم إلا أدخلته ناري و لا أبالي،يا آدم هؤلاء صفوتي بهم أنجيهم (2)و بهم أهلكهم،فإذا كان لك إلي حاجة فبهؤلاء توسل.فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:نحن سفينة النجاة من تعلق بها نجى و من حاد عنها هلك،فمن كان له إلى اللّه حاجة فليسأل بنا أهل البيت» (3).
و عن سلامة عن أبي سلمى راعي إبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«ليلة أسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ جلاله آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قلت:
و المؤمنون،قال صدقت يا محمد،قال:من خلّفت في أمتك؟قلت:خيرها،قال:عليّ بن أبي طالب؟قلت:نعم يا رب قال:يا محمد إني اطلعت إلى الأرض اطّلاعة فاخترتك منها و شققت لك اسما من أسمائي،فلا أذكر في موضع إلاّ ذكرت معي،فأنا المحمود و أنت محمد،ثم اطّلعت الثانية فاخترت منها عليا و شققت له إسما من أسمائي فأنا الأعلى و هو عليّ،يا محمد إني خلقتك و خلقت عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة من ولده من شبح نوري،و عرضت ولايتكم على أهل السموات و أهل الأرض فمن قبلها كان عندي من المؤمنين و من جحدها كان عندي من الكافرين.
يا محمد لو أنّ عبدا من عبيدي عبدني حتى يتقطع أو يصير كالشن البالي،ثم أتاني جاحدا1.
لولايتكم ما غفرت له حتى يقرّ بولايتكم،يا محمد تحبّ أن تراهم؟قلت:نعم يا رب،فقال لي:
التفت عن يمين العرش،فالتفتّ فإذا بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين و عليّ بن الحسين و محمد بن عليّ و جعفر بن محمد و موسى بن جعفر و عليّ بن موسى و محمد بن عليّ و عليّ بن محمد و الحسن بن عليّ و المهدي،في ضحضاح من نور قياما يصلون و هو في وسطهم-يعني المهدي-كأنّه كوكب درّي و قال:يا محمد هؤلاء الحجج و هو الثائر من عترتك،و عزّتي و جلالي إنّه الحجّة الواجبة لأوليائي و المنتقم من أعدائي» (1).
ابن بابويه قال:حدّثني محمد بن موسى بن المتوكل قال:حدّثني يحيى بن أحمد عن العباس بن معروف عن بكر بن محمد قال:حدّثني أبو سعيد المدايني يرفعه في قول اللّه عز و جل فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ (2)قال:سأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين. (3)
العياشي في تفسيره بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:إنّ اللّه تبارك و تعالى عرض على آدم في الميثاق ذريّته،فمرّ به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو متّكئ على علي عليه السّلام،و فاطمة عليها السلام تتلوهما،و الحسن و الحسين عليهما السّلام يتلوان فاطمة،فقال الله:يا آدم إياك أن تنظر إليهم بحسد أهبطك من جواري.
فلمّا أسكنه اللّه الجنّة مثل له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي و فاطمة و الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهم، فنظر إليهم بحسد،ثم عرضت عليه الولاية فأنكرها فرمته الجنة بأوراقها،فلمّا تاب إلى اللّه من حسده و أقرّ بالولاية و دعا بحق الخمسة محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين صلوات اللّه عليهم غفر اللّه له،و ذلك قوله فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ (4)الآية (5).
في الأمالي عن الصادق عليه السّلام قال:مرض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المرضة التي عوفي منها فعادته فاطمة و معها الحسن و الحسين عليهم السّلام فقعد الحسن عليه السّلام على جانبه الأيمن و الحسين عليه السّلام على جانبه الأيسر، فأقبلا يغمزان بدن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فما أفاق من نومه فقالت:إرجعا حتّى يفيق و ترجعان إليه فلم
يقبلا فاضطجع الحسن على عضده الأيمن و الحسين على عضد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الأيسر فانتبها قبل أن ينتبه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد كانت فاطمة لمّا ناما إنصرفت إلى منزلها فقالا لعائشة:ما فعلت أمّنا؟
قالت:رجعت إلى منزلها،فقاما و خرجا في ليلة ظلماء ذات رعد و برق فسطع لهما نور فمشيا حتّى أتيا حديقة بني النجّار فبقيا لا يعلمان أين يأخذان.
فقال الحسن:ننام حتّى نصبح فاضطجعا متعانقين فانتبه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من النوم فطلبهما في منزل فاطمة و افتقدهما فقال:إلهي و سيّدي هذان شبلاي خرجا من المجاعة،اللّهم أنت وكيلي عليهما، فسطع له نور و مشى في ذلك النور إلى حديقة بني النجّار فإذا هما نائمان متعانقان و قد تقشّعت السماء فوقهما كطبق و هي تمطر و لم تمطر عليهما،و قد اكتنفتهما حية لها شعرات كأجام القصب و جناحان،جناح غطّت به الحسن و جناح غطّت به الحسين عليهما السّلام،فلمّا أن بصر بهما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تنحنح فانسابت الحيّة و هي تقول:اللّهم إنّي أشهدك إنّي قد حفظت شبلي نبيّك و دفعتهما إليه سالمين فقال لها:أيّتها الحيّة من أنت؟
قالت:أنا رسول الجنّ إليك نسينا آية من كتاب اللّه فبعثوني إليك لتعلّمنا ما نسينا،فلمّا بلغت هذا الموضع سمعت مناديا ينادي:أيّتها الحيّة هذان شبلا رسول اللّه فاحفظيهما فأخذت الآية و انصرفت،فوضع الحسن على عاتقه الأيمن و الحسين على الأيسر.
فقال أبو بكر:إدفع إليّ بأحد شبليك أخفّف عنك فقال:إمض فقد سمع اللّه كلامك و عرف مقامك.
و قال لعمر مثل ما قال لأبي بكر،فتلقّاه عليّ عليه السّلام فقال:ادفع إليّ أحد شبليك أخفّف عنك فقال للحسن:هل تمض إلى كتف أبيك؟
فقال:يا جدّاه إنّ كتفك لأحبّ إليّ من كتف أبي،و قال له الحسين مثل قول أخيه فأقبل إلى منزل فاطمة و قد ادّخرت لهما تميرات فأكلا و شبعا و فرحا.فقال لهما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛قوما الآن فاصطرعا فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا حسن شدّ على الحسين فاصرعه.
فقالت فاطمة:يا أبه و اعجباه أتشجّع الكبير على الصغير،فقال:يا بنيّة هذا جبرئيل يقول:يا حسين شدّ على الحسن فاصرعه (1).
و في كتاب البصائر عن الصادق عليه السّلام قال:خرج الحسن عليه السّلام في بعض عمره و معه رجل من ولد الزبير كان يقول بإمامته فنزلوا تحت نخل يابس فقال الزبيري:لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه فرفع الحسن عليه السّلام يده إلى السماء و دعى اللّه سبحانه بكلام لم يفهمه الزبيري،فاخضرّت النخلة ثمّ عادت إلى حالها فأورقت و حملت رطبا فقال الجمّال:سحر و اللّه،فقال الحسن:ويلك9.
1) البحار:107/39.
ليس بسحر و لكن دعوة ابن النبيّ مجابة فصعدوا النخلة و صرموا ممّا كان فيها (1).
و في الخرائج عن الصادق عليه السّلام:إنّ الحسن عليه السّلام خرج من مكّة ماشيا إلى المدينة فتورّمت قدماه فقيل له:لو ركبت ليسكن عنك هذا الورم فقال:كلاّ،و لكنّا إذا أتينا المنزل فإنّه يستقبلنا أسود معه دهن يصلح لهذا الورم فاشتروا منه،و ساروا أميالا،فإذا الأسود معه الدّهن فأرادوا أن يشتروه فقال:يابن رسول اللّه أنا عبدك لا آخذ له ثمنا و لكن ادع اللّه أن يرزقني ولدا سويّا ذكرا يحبّكم أهل البيت فإنّي خلّفت امرأتي تمخض،فقال:انطلق إلى منزلك فإنّ اللّه تعالى قد وهب لك ذكرا سويّا، فرجع فإذا امرأته قد ولدت غلاما،فمسح عليه السّلام رجليه بذلك الدهن فزال الورم من ساعته (2).
و من كتاب مولد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تأليف الشيخ المفيد رحمه اللّه بإسناده إلى الباقر عليه السّلام قال:جاء الناس إلى الحسن بن عليّ عليه السّلام فقالوا:أرنا من عجائب أبيك التي كان يرينا،فقال:و تؤمنون بذلك؟
قالوا:نعم.
قال:أ و ليس تعرفون أبي؟
قالوا:بل نعرفه،فرفع لهم جانب الستر فإذا أمير المؤمنين عليه السّلام قاعد قالوا:هذا أمير المؤمنين و نشهد أنّك الإمام من بعده و لقد أريتنا أمير المؤمنين بعد موته كما أرى أبوك أبا بكر رسول اللّه في مسجد قبا بعد موته،فقال الحسن:ويحكم أما سمعتم قول اللّه عزّ و جلّ: وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ فإن كان هذا نزل فيمن قتل في سبيل اللّه ما تقولون فينا؟
قالوا؛آمنّا و صدّقنا يابن رسول اللّه (3).
و عن أبي هريرة،قال:كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في صلاة العشاء فكان إذا سجد ركب الحسن و الحسين على ظهره،فإذا رفع رأسه رفعا رفيقا،ثم إذا سجد عادا،فإذا قضى صلاته أقعدهما في حجره.
فقال أبو هريرة:فقمت إليه فقلت:يا رسول اللّه ألا أذهب بهما إلى أمّهما؟قال:فبرقت برقة فلم يزالا في ضوئها حتى دخلا على أمهما (4).
و عن ابن شداد قال:خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في إحدى صلاتي العشاء[أو]الظهر أو العصر و هو حامل حسنا أو حسينا فتقدم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فوضعه،ثم كبّر في الصّلاة فسجد بين ظهري صلاته3.
سجدة أطالها فقال أبي:فرفعت رأسي فإذا الصّبي على ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو ساجد،فرجعت في سجودي فلما قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الصّلاة قال الناس:يا رسول اللّه إنك سجدت بين ظهري صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر،و أنه يوحى إليك.قال:«كل ذلك لم يكن و لكن،إن ابني ارتحلني،فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته».و هذا لفظ حديث يزيد بن هارون (1).
عن جابر قال:دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الحسن و الحسين على ظهره و هو يمشي بهما على أربع و هو يقول:«نعم الجمل جملكما،و نعم العدلان أنتما» (2).
عن جابر،قال:دخلت على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو يمشي على أربع و على ظهره الحسن و الحسين عليهما السّلام و هو يقول:«نعم الحمل حملكما و نعم العدلان أنتما».
عن أبي هريرة،قال:نظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-و في حديث ابن الحصين:النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة فقال:«أنا حرب لمن حاربكم،سلم لمن سالمكم» (3).
عن المقدام بن معدي كرب قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«الحسن مني و الحسين من علي» (4).
و عن البرّاء بن عازب،قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للحسن أو الحسين:«هذا مني و أنا منه،و هو يحرم عليه ما يحرم عليّ» (5).
و عن إسحاق بن أبي حبيبة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،عن أبي هريرة:أنّ مروان بن الحكم أتى أبا هريرة في مرضه الذي مات فيه فقال مروان لأبي هريرة:ما وجدت عليك في شيء منذ اصطحبنا إلاّ في حبك الحسن و الحسين قال:فتحفّز أبو هريرة فجلس فقال:أشهد لقد خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى إذا كنا ببعض الطريق،سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صوت الحسن و الحسين عليهما السّلام و هما يبكيان-و هما مع أمّهما-فأسرع السّير حتى أتاهما فسمعته يقول:«ما شأن ابنيّ؟»
فقالت:العطش.قال:فأخلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى شنّة (6)يتوضّأ بها فيها ماء،و كان الماء يومئذ أغدارا و النّاس يريدون الماء فنادى:«هل أحد منكم معه ماء»؟فلم يبق أحد إلاّ أخلف يده إلى كلاله يبتغي الماء في شنّه فلم يجد أحدهم قطرة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«ناوليني أحدهما»فناولته إيّاه من تحت الخدر،فرأيت بياض ذراعيهما حين ناولته فأخذه فضمه إلى صدره و هو يصغو ما يسكت).
فأدلع له لسانه فجعل يمصّه حتى هدأ و سكن فلم أسمع له بكاء،و الآخر يبكي كما هو ما يسكت فقال:«ناوليني الآخر»فناولته إيّاه ففعل به كذلك،فسكت فلم أسمع لهما صوتا،ثم قال:«سيروا» فصدعنا يمينا و شمالا عن الظعائن حتى لقيناه على قارعة الطريق،فأنا لا أحبّ هذين؟و قد رأيت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟ (1).
أبو سعيد الخدري،أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دخل على ابنته فاطمة و ابناها إلى جانبها و علي نائم، فاستسقى الحسن فأتى[رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم]ناقة لهم تحلب فحلب منها،ثم جاء به فنازعه الحسين أن يشرب قبله حتى بكى فقال:«يشرب أخوك ثم تشرب».
فقالت فاطمة:كأنه آثر عندك منه؟
قال:«ما هو بآثر عندي منه،و إنهما عندي بمنزلة واحدة،و إنّك و هما و هذا المضطجع معي في مكان واحد يوم القيامة». (2)
عن ابن مسعود:أنه كان مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ مرّ الحسن و الحسين و هما صبيان،فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«هاتوا ابنيّ أعوّذهما بما عوّذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل و إسحاق».
فضمّهما إلى صدره و قال:«أعيذكما بكلمات اللّه التامة من كل شيطان و هامّة،و من كل عين لامّة» (3)(4).
عن ابن عمر،قال:كان على الحسن و الحسين تعويذان فيهما زغب من زغب جناح جبريل عليه السّلام (5).
و عن أنس بن مالك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«لا يقومنّ أحد من مجلسه إلاّ للحسن أو الحسين أو ذرّيتهما» (6).
و عن علي عليه السّلام،قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«أنا و فاطمة و الحسن و الحسين مجتمعون:هذه فاطمة و هذان الحسن و الحسين و من أحبّهما يوم القيامة في الجنة يأكل و يشرب حتى يفرّق بين العباد» (7).
و عن أبي فاختة قال:كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي و فاطمة و الحسن و الحسين في بيت،فاستسقى8.
1) المعجم الكبير:43/3.
2) البحار:72/37 ح 39.
3) الهامّة:من طير الليل و هو الصدى.و اللامّة:العين المصيبة بسوء.
4) المعجم الوسيط:399/5.
5) الذرية الطاهرة:ح 145 و ميزان الإعتدال:37/1 رقم 107 ترجمة إبراهيم بن سليمان و قد وثقه ابن حبان.
6) ترجمة الإمام الحسن عليه السّلام:116 ح 188.
7) ترجمة الإمام الحسن عليه السّلام:117 ح 188.
الحسن فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جوف الليل فسقاه،فسأله الحسين فأبى أن يسقيه فقيل:يا رسول اللّه كأن حسنا أحبّ إليك من حسين؟قال:«لا و لكنه استسقاني قبله»ثم قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«يا فاطمة أنا و أنت و هذين و هذا الراقد-لعلي-في مقام واحد يوم القيامة» (1).
و عن عقبة بن عامر،قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«لما استقرّ أهل الجنّة في الجنة،قالت الجنة:
يا ربّ أ ليس وعدتني أن تزيّني بركنين من أركانك؟قال:ألم أزينك بالحسن و الحسين؟قال:
فماست الجنّة ميسا؟كما تميس العروس» (2).
و عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:«ألا إنّ الحسن بن علي قد أعطي الفضل ما لم يعط أحد من ولد آدم ما خلا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل اللّه» (3).
و عن ابن عباس قال:صلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلاة العصر فلما كان في الرابعة أقبل الحسن و الحسين عليهما السّلام حتى ركبا على ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلمّا سلّم وضعهما بين يديه،و أقبل الحسن فحمله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على عاتقه الأيمن و الحسين على عاتقه الأيسر،ثم قال:«أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدّا و جدّة ألا أخبركم بخير الناس عمّا و عمّة؟
ألا أخبركم بخير الناس خالا و خالة؟ألا أخبركم بخير الناس أبا و أما؟الحسن و الحسين جدهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جدّتهما خديجة بنت خويلد،و أمّهما فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أبوهما علي بن أبي طالب و عمّهما جعفر بن أبي طالب،و عمّتهما أمّ هاني بنت أبي طالب،و خالهما القاسم بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خالاتهم زينب و رقية و أمّ كلثوم بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،جدّهما في الجنّة، و أبوهما في الجنة،و أمّهما في الجنّة،و عمّهما في الجنة،و عمّتهما في الجنّة،و خالاتاهما في الجنة،و هما في الجنّة و من أحبّهما في الجنّة» (4).
قال عمر بن الخطاب:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«إنّ فاطمة و عليا و الحسن و الحسين في حظيرة القدس في قبّة بيضاء سقفها عرش الرّحمن» (5).
و عن إبراهيم بن علي الرفعي،عن أبيه،عن جدته زينب بنت أبي رافع قالت:رأيت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أتت بإبنيها إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في شكواه الذي توفي فيه فقالت:يا رسول اللّه هذان ابناك فورّثهما فقال:«أمّا الحسن فإنّ له هيبتي و سؤددي،و أمّا الحسين فإن له جرأتي و جودي» (6).0.
و عن مدرك أبو زياد قال:كنا في حيطان ابن عباس فجاء ابن عباس و الحسن و الحسين فطافوا في البستان فنظروا ثم جاؤوا الى ساقية فجلسوا على شاطئها فقال لي الحسن:يا مدرك أعندك غداء؟
قلت:قد خبزنا.
قال:ائت به.قال:فجئته بخبز و شيء من ملح جريش و طاقتي بقل فأكل ثم قال:يا مدرك، ما أطيب هذا؟ثم أتي بغدائه-و كان كثير الطعام طيّبه-فقال:يا مدرك اجمع لي غلمان البستان قال:
فقدّم إليهم فأكلوا و لم يأكل فقلت:ألا تأكل؟فقال:ذاك أشهى عندي من هذا،ثم قاموا فتوضأوا ثم قدّمت دابّة الحسن فأمسك له ابن عباس بالركاب و سوّى عليه،ثم جيء بدابّة الحسين فأمسك له ابن عباس بالركاب و سوّى عليه،فلما مضيا قلت:أنت أكبر منهما تمسك لهما و تسوّي عليهما؟
فقال:يا لكع أتدري من هذان؟هذان إبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أ و ليس هذا مما أنعم اللّه عليّ به أن أمسك لهما و أسوّي عليهما؟ (1)
و عن أبي سعيد قال:رأيت الحسن و الحسين صلّيا مع الإمام العصر،ثم أتيا الحجر فاستلماه ثم طافا سبعا و صليا ركعتين،فقال الناس:هذان إبنا بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،قال:فحطمهما الناس حتى لم يستطيعا أن يمضيا و معهما رجل من الركانات و أخذ الحسن بيد الركاني و ردّ الناس عن الحسين-و كان يجله و ما رأيتهما مرّا بالركن الذي يلي الحجر من جانب الحجر إلاّ استلماه قال:
قلت لأبي سعيد:فلعله بقي عليهما بقية من سبوع قطعته الصلاة؟
قال:لا بل طافا أسبوعا تاما (2).
و عن عبد الرزاق،قال:قال لي عبد اللّه بن مصعب:كان رجل عندنا قد انقطع في العبادة، فإذا ذكر عبد اللّه بن الزبير بكى،و إذا ذكر عليا نال منه،قال:فقلت:ثكلتك أمّك لروحة من علي أو غدوة[منه]في سبيل اللّه خير من عمر عبد اللّه بن الزبير حتى مات.لقد أخبرني أبي أن عبد اللّه بن عروة أخبره قال:رأيت عبد اللّه بن الزبير قعد إلى الحسن بن علي عليه السّلام في غداة من الشتاء باردة قال:فو اللّه ما قام حتى تفسّخ جبينه عرقا فغاظني ذلك،فقمت إليه فقلت:يا عم!قال:ما تشاء؟
قال:قلت:رأيتك قعدت إلى الحسن بن علي عليه السّلام فأقمت حتى تفسّخ جبينك عرقا قال:يابن أخي إنه ابن فاطمة،لا و اللّه ما قامت النساء عن مثله (3).
و عن أبي عثمان،قال:سمعت أبا الحسن المدائني يقول:قال معاوية-و عنده عمرو بن8.
العاص و جماعة من الأشراف-من أكرم الناس أبا و أما و جدا و جدّة و خالا و خالة و عما و عمّة؟فقام النعمان بن العجلان الزرقي فأخذ بيد الحسن فقال:هذا أبوه علي و أمه[فاطمة]و جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و جدته خديجة،و عمّه جعفر،و عمته أمّ هاني بنت أبي طالب،و خاله القاسم،و خالته زينب.فقال عمرو بن العاص:أحبّ من بني (1)هاشم دعاك إلى ما عملت؟قال ابن العجلان،يابن العاصي (2)أما علمت أنّ من التمس رضى مخلوق بسخط الخالق حرّمه اللّه أمنيته و ختم له بالشقاء في آخر عمره؟بنو هاشم أنضر قريش عودا و أقعدها سلما (3)و أفضل أحلاما (4).
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:خرج الحسن بن عليّ عليهم السّلام في بعض عمرة و معه رجل من ولد الزبير،كان يقول بإمامته،فنزلوا في منهل (5)من تلك المناهل تحت نخل يابس،قد يبس من العطش،ففرش للحسن عليه السّلام تحت نخلة و فرش للزبيري بحذاه تحت نخلة أخرى،قال:فقال الزبيري و رفع رأسه:لو كان في هذا النخل رطب لأكلنا منه،فقال له الحسن:و إنّك لتشتهي الرّطب؟فقال الزبيري:نعم،قال:فرفع يده إلى السّماء فدعا بكلام لم أفهمه،فاخضرّت النخلة ثمّ صارت إلى حالها فأورقت و حملت رطبا،فقال الجمّال الّذي اكتروا منه:سحر و الله،قال:فقال الحسن عليه السّلام:ويلك ليس بسحر و لكن دعوة ابن نبيّ مستجابة،قال:فصعدوا إلى النخلة فصرموا ما كان فيه فكفاهم.
قال المازندراني في شرح الحديث:ينبغي أن يعلم أنّ الأمر الخارق للعادة من حيث إنه دال على صدق من أتى به و حقيقته يسمى آية و علامة و بيّنة،و من حيث إنه دال على أنّ صاحبه مكرم من عند اللّه تعالى يسمى كرامة و من حيث إنه دال على تصديقه تعالى إياه يسمى معجزة،و من ثم قال ابن التلمساني شرط المعجزة أن يكون إخبار النبي بأنه نبي للتحدّي بها،و الفرق بينهما و بين الآية أنّ المعجزة ما وقع التحدي بها فإن كان المدعي نبيا دلت على صدق نبوته و إن كان وليا دلت على صدق ولايته (6).
***7.
1) في الجليس الصالح:فحبّ بني هاشم.
2) في الجليس:يابن العاص.
3) في الجليس الصالح:سلفا.
4) المحاسن و المساوىء للبيهقي:82،و الجليس الصالح الكافي 15/3.
5) قال الجوهري:المنهل المورد،و هو عين ماء ترده الإبل في المراعي و تسمى المنازل التي في المفاوز على طرق السقاء مناهل لأنّ فيها ماء.
6) شرح أصول الكافي للمازندراني:227/7.
إضافة لما تقدم في تاريخ علي و فاطمة و الحسين:
روى ابن شهر اشوب من طريق الخاصة و العامة روى ذلك عن ابن عباس و ابن مسعود و جابر و البراء و أنس و أمّ سلمة و السدي و ابن سيرين و الباقر عليه السّلام في قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَ صِهْراً قال:«هو محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام و في رواية«البشر الرسول و النسب فاطمة و الصهر علي» (1).
و نقل المالكي في(الفصول المهمة)عن محمد بن سيرين في قوله تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً الآية،أنها نزلت في النبي و علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و زوج ابنته فاطمة فكان نسبا و صهرا (2).
و عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال:قال أبي:دفع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الراية يوم خيبر إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ففتح اللّه تعالى على يده و أوقفه يوم غدير خم فأعلم الناس أنه مولى كل مؤمن و مؤمنة و قال له:«أنت منّي و أنا منك»و قال له:«تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل»و قال له:«أنت مني بمنزلة هارون من موسى»و قال له:«أنا سلم لمن سالمك و حرب لمن حاربك»و قال له:«أنت العروة الوثقى»و قال له:«أنت تبيّن لهم ما اشتبه عليهم من بعدي»و قال له:«أنت إمام كل مؤمن و مؤمنة و ولي كل مؤمن و مؤمنة بعدي»و قال له:«أنت الذي أنزل اللّه فيه وَ أَذانٌ مِنَ اللّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ (3).
و قال له:«أنت الآخذ بسنّتي و الذاب عن ملّتي»و قال له:«أنا أول من تنشق الأرض عنه و أنت معي»و قال له:«أنا عند الحوض و أنت معي»و قال له:«أنا أول من يدخل الجنّة و أنت معي تدخلها و الحسن و الحسين و فاطمة»و قال له:«إن اللّه تعالى أوحى إلي بأن أقوم بفضلك فقمت به في الناس و بلّغتهم ما أمرني اللّه تعالى بتبليغه»و قال له:«إتق الضغائن التي لك في صدور من لا يظهرها إلاّ بعد موتي أولئك يلعنهم اللّه و يلعنهم اللاعنون»ثم بكى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقيل له:مم بكاؤك يا رسول الله؟
قال:«أخبرني جبرئيل عليه السّلام أنهم يظلمونه و يمنعونه حقه و يقاتلونه و يقتلون ولده و يظلمونهم بعده،و أخبرني جبرائيل عليه السّلام عن اللّه عزّ و جلّ أن ذلك الظلم يزول إذا قام قائمهم و علت كلمتهم و اجتمعت الامة على محبتهم و كان الشانيء لهم قليلا و الكاره لهم ذليلا و كثر المادح لهم،و ذلك حين تغيّر البلاد و ضعف العباد و اليأس من الفرج فعند ذلك يظهر القائم فيهم».
قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم«اسمه كإسمي،هو من ولد ابنتي فاطمة يظهر اللّه الحق بهم و يخمد الباطل بأسيافهم و تتبعهم الناس[بين] (1)راغب إليهم و خائف[منهم]» (2).
قال:و سكن البكاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثم قال:«معاشر المسلمين إبشروا بالفرج فإن وعد اللّه لا يخلف،و قضاءه لا يردّ و هو الحكيم الخبير،و إن فتح اللّه قريب اللهم إنهم أهلي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا،اللهم اكلأهم و ارعهم و كن لهم و انصرهم و أعزهم و لا تذلهم و اخلفني فيهم إنك على ما تشاء قدير» (3).
و عن بشر بن حبيب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام إنه سئل عن قول اللّه عز و جل وَ بَيْنَهُما حِجابٌ قال:«سور بين الجنّة و النار عليه قائم آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي و الحسن و الحسين و فاطمة و خديجة الكبرى فينادون أين محبونا أين شيعتنا؟فيقبلون إليهم فيعرفونهم بأسمائهم و أسماء أبائهم و ذلك قوله عز و جل: يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ أي بأسمائهم فى أخذون بأيديهم فيجوزون بهم على الصراط و يدخلونهم الجنة» (4).
و نقل الشيخ الطوسي في(مصابيح الأنوار)عن أنس بن مالك قال:صلى بنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في بعض الأيام صلاة الفجر،ثم أقبل علينا بوجهه الكريم فقلت:يا رسول اللّه ان رأيت أن تفسر لنا قول اللّه عزّ و جلّ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (5)فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«أمّا النبيون فأنا،و أما الصديقون فأخي علي بن أبي طالب، و أما الشهداء فعمي حمزة،و أما الصالحون فابنتي فاطمة و ولداها الحسن و الحسين».
قال:و كان العباس حاضرا فوثب و جلس بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال:أ لسنا أنا و أنت و علي و فاطمة و الحسن و الحسين من نبعة واحدة؟قال:«و كيف ذلك يا عم»؟.قال العباس:لأنك تعرّف بعلي و فاطمة و الحسن و الحسين دوننا فتبسم النبي و قال:«أما قولك يا عم أ لسنا نبعة واحدة فصدقت و لكن يا عم،إن اللّه خلقني و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين قبل أن يخلق اللّه آدم حيث لا سماء مبنية و لا أرض مدحية و لا ظلمة و لا نور،و لا جنة و لا نار،و لا شمس و لا قمر» (6).
و قال تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً .
عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه (7)،قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلم:«نزلت هذه الآية
في خمسة:فيّ و في علي و حسن،و حسين،و فاطمة: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1)
ص:135 باب من اسمه الحسن ح:62،و تاريخ دمشق ترجمة الإمام الحسين عليه السّلام:108-109 ح 108-109.
.و عن أنس رضي اللّه عنه،أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلم كان يمر ببيت فاطمة عليها السلام ستة أشهر كلما خرج إلى الصلاة فيقول:«الصلاة أهل البيت إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (2)
ص:402 ترجمة فاطمة عليها السّلام،و أسد الغابة 521/5-ترجمة فاطمة عليها السّلام،و صحيح الترمذي:352/5-ح:3206 كتاب المناقب-باب التفسير ط.مصر دار الحديث-و ج 29/2 ط.بولاق 1292،و مسند أحمد 259/3-285 ط.م،و ج 157/4-202 ط.ب،و ذخائر العقبى:25،و تحفة الأحوذي(ت)ير سورة الأحزاب الحديث 3259،ج 67/9-68.
.و من حديث زيد،عن شهر بن حوشب،عن أم سلمة رضي اللّه عنها،قالت:كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلم عندي،و علي،و فاطمة،و الحسن،و الحسين،فجعلت لهم خزيرة (3)فأكلوا،و ناموا،و غطى عليهم كساء أو قطيفة.
ثمّ قال:«الّلهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا» (4).
و عن أبي نعيم الفضل بن دكين قال:حدثنا عبد السلام بن حرب،عن كلثوم المحاربي عن أبي عمار قال:إني لجالس عند واثلة بن الأسقع إذ ذكروا عليا رضي اللّه عنه؛فشتموه،فلما قاموا، قال:اجلس حتى أخبرك عن هذا الذي شتموه؛اني عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلم إذ جاءه علي و فاطمة و حسن و حسين عليهم السّلام،فألقى عليهم كساء له،ثمّ قال:«اللهم هؤلاء أهل بيتي،اللهم أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا».
قلت:يا رسول اللّه و أنا؟.
قال:«و أنت».
قال:فو اللّه إنها لمن أوثق عمل عندي (5).
1) تفسير الطبري:5/22 مورد الآية،و شواهد التنزيل 41/2-44-135،و كفاية الطالب:376 باب المائة،و المعجم الكبير 327/23 ترجمة أم سلمة رواية حكيم بن سعد عنها،و 56/3 ترجمة الإمام الحسن عليه السّلام،و المعجم الصغير للطبراني 65/1،باب من اسمه أحمد ح:64،و
2) معجم الطبراني:56/3 ترجمة الحسن عليه السّلام،و ج 200/22 ترجمة أبي الحمراء،و
3) الخزيرة،و الخزير:اللحم يؤخذ فيقطع قطعا صغيرة ثمّ يطبخ و يذر عليه الدقيق،و لا تكون الخزيرة إلاّ و فيها لحم،فإذا لم يكن فيها لحم فهي العصيدة.راجع اللسان مادة:خزر.
4) تفسير الطبري:6/22.بحث الآية.
5) تفسير الطبري:6/22،مورد الآية،و المعجم الكبير للطبراني:66/22 ترجمة واثلة ما روى شداد عنه، و ج 55/3 ترجمة الحسن عليه السّلام،و فيه:«..عمل في نفسي»،و شواهد التنزيل:64/2-71-73،ح: 686-691-693.
و عن واثلة بن الأسقع يحدّث قال:[سألت]عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في منزله؟
فقالت فاطمة رضي اللّه عنها:قد ذهب يأتي برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلم،إذ جاء،فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلم،و دخلت فجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلم على الفراش،و أجلس فاطمة عن يمينه،و عليا عن يساره،و حسنا،و حسينا رضوان اللّه عليهم بين يديه،فلفع عليهم بثوبه،و قال: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً .«اللهم هؤلاء أهلي،اللهم أهلي أحق».
قپپپال واثلة:فقلت من ناحية البيت:و أنا يا رسول اللّه من أهلك.
قال:«و أنت من أهلي».
قال واثلة:إنها لمن أرجى ما أرتجي (1).
و عن شهر بن حوشب عن أم سلمة رضي اللّه عنها،قالت:لمّا نزلت هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً .دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلم عليا،و فاطمة، و حسنا،و حسينا فجلّل عليهم (2)بكساء خيبريّ (3)،و قال:«اللهم هؤلاء أهل بيتي،اللهم أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا».
قالت أم سلمة:أ لست منهم؟
قال:«أنت إلى خير» (4).
و قال تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (5)(6)
مصادر نزول آية المودة في علي و فاطمة و أولادهما عليهم السّلام
صحيح البخاري:37/6 كتاب التفسير مورد الآية،و فتح الباري بشرح البخاري:652/6 ح 3497 و /8 724 ح 4818،و كنز العمال:290/2 ح 4030 باب فضل القرآن و 498 ح 4592 باب التفسير،و النور المشتعل:207 و 208،و المعجم الكبير:47/3 ترجمة الحسن عليه السّلام و 72/12 ترجمة ابن عباس حديث الشعبي عنه و 197 ترجمة ابن عباس حديث علي بن أبي طلحة عنه،و كفاية الطالب:(1)-93 باب 11، و مناقب الخوارزمي:200-307 ح 352 و فصل 15 عن ابن عباس،و تفسير الطبري:16/25 عن علي بن الحسين،و تفسير الكشاف:467/3،و فتح القدير:534/4 و 356 مورد الآية فيهم،و الذرية الطاهرة: 108 عن الحسن،و الفصول المهمّة:152 عن الحسن-ذكر الحسن عليه السّلام-،و مقتل الحسين للخوارزمي: 57/1 فصل 5،و ذخائر العقبى:25-138،و تفسير الثعالبي:108/4 مورد الآية،و الصواعق المحرقة: 110 ط.مصر-و ط.بيروت:169-170-227-ط.مصر و 258-259-340-341 ط.بيروت الآيات النازلة فيهم آية 14 عن ابن عباس و الحسن و زين العابدين عليهما السّلام،و شواهد التنزيل:189/2 إلى 211 من ح 822 إلى 844،و تفسير نور الثقلين:570/4 إلى 576،و تفسير الرازي:164/27،و تفسير الدر المنثور:5/6 و 6،و مجمع البيان:43/9،و مستدرك الصحيحين:172/3 كتاب المعرفة فضائل الحسن،و فضل آل البيت للمقريزي:75 الآية الخامسة،و ينابيع المودة:106/1 ط.تركيا و ط.النجف: 123 باب 32 عن ابن عباس و سعيد بن جبير و زاذان عن علي و الباقر و الحسين و الرضا،و مستدرك الصحيحين:444/2،و مناقب كوفي:117/1 و 137،و الإسعاف:113،و نزل الأبرار:31 و 111 الباب الثالث و الأول و الرابع عن أبي سعيد و ابن عباس،و شرح الأخبار:172/1 عن ابن عباس، و المعجم الأوسط:88/3 ح 2176 عن الحسن،و مجمع الزوائد:103/7 ط.مصر و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد:229/7 ح 11326 عن ابن عباس و 168/9-172 ط.مصر و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد:226/9-272 ح 14982-15007 عن الحسن و ابن عباس،و فضائل صحابة:669/2 ح 1141 (ا)عباس،و إحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف:239-245-269 عن ابن جبير و ابن عباس و الحسن و أبي سعيد،و أمالي الشجري:144/1-148 عن ابن عباس الحديث السادس،و لوامع أنوار الكوكب الدري:64/2 ابن عباس،و المواهب اللدنية:527/2 و 537،و تاريخ اصبهان:134/2 رقم 1309،و الإلمام:302،و رشفة الصادي:21-22 الباب الأول،و فرائد السمطين:13/2 ح 359، و الفتوح لابن أعثم:183/2 ذكر كتاب عبد الله إلى يزيد و بعثه برأس الحسين،و ترجمة علي من تاريخ دمشق:148/1-149،و نور الأبصار:101 ط.مصر 1322.
.1) مسند الإمام أحمد:107/4،و مجمع الزوائد:167/9 ط.مصر و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: 263 ح 14973،و المعجم الكبير:66/22 ترجمة واثلة ما روى شداد عنه،و ج 55/3 ترجمة الحسن عليه السّلام و فيه:«لأرجى ما أرجوه»،و فتح القدير:279/4-280 مورد الآية،و ينابيع المودة:108/1-229- 294 ط.اسلامبول و ط.النجف:126-271-353،و ذخائر العقبى:24،و أسد الغابة:20/2 ترجمة الحسن عليه السّلام،و كنز العمال:92/7 ط.دكن 1312.
2) جلل عليهم:غطاهم.
3) نسبة إلى خيبر.
4) تفسير الطبري:7/22 مورد الآية،و تاريخ دمشق ترجمة الحسين عليه السّلام:96 ح 95-96.
5) الشورى:23.
6) المصادر كثيرة منها:
و عن السدي عن أبي الديلم قال:لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا،و أقيم على درج (1)دمشق قام رجل من أهل الشام،فقال:الحمد للّه الذي قتلكم،و استأصلكم،و قطع قرن الفتنة.
فقال له علي:«أقرأت القرآن؟»
قال:نعم.
قال:قرأت«آل حم»؟
قال:قرأت القرآن،و لم أقرأ«آل حم».
قال:ما قرأت: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ؟
قال:فإنكم لإياهم (2)؟
قال:نعم (3).ر.
و عن ابن عباس رضي اللّه عنه،قيل:يا رسول اللّه من قرابتك الذين أمرنا بمودتهم؟
فقال:«علي و فاطمة و ابناهما» (1).
و عن علي عليه السّلام:فينا في آية حم أنه لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ثم قرأ: قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ (2).
قال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ .
و قد تواترت الروايات على نزولها بأصحاب العباء و أن المراد ب«نسائنا»فاطمة بنت محمد فقط،من ذلك ما رواه ابن طلحة الشافعي و غيره قال:أمّا آية المباهلة:فقد نقل الرواة الثقات و النقلة الأثبات،أنّ سبب نزول آية المباهلة هي قوله تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (3)إنّه قدم وفد نجران على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و معهم راهبان مقدمان يقال لأحدهما العاقب و الآخر السيد،فدعاهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الإسلام.
فقال الراهبان:قد أسلمنا قبلك.
فقال:«كذبتما إنّه يمنعكما من الإسلام ثلاثة:عبادتكم الصليب،و أكلكم الخنزير،و قولكم للّه ولد».
قالا:هل رأيت ولدا بغير أب،فمن أبو عيسى؟فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا الآية.
فلمّا نزلت هذه الآية مصرحة بالمباهلة،دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وفد نجران إلى المباهلة،و تلا عليهم الآية قالوا له:حتى ننظر في أمرنا ثم نأتيك غدا.
1) فضائل الصحابة لأحمد:187/1 ح 263،و المعجم الكبير للطبراني:47/3 ح 2614 ترجمة الحسن عليه السّلام،و مقتل الحسين للخوارزمي:57/1 الفصل الخامس،و قال في مجمع الزوائد:168/9 ط. مصر و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد 266 ح 14982«رواه الطبراني و فيه جماعة ضعفاء و قد وثقوا»، و الدر المنثور:7/6،و فتح القدير:537/4.
2) تفسير آية المودة:51،و كنز العمال:208/1 الطبعة الاولى.
3) -كتاب عبيد الله إلى يزيد و بعث رأس الحسين عليه السّلام،و مقتل الحسين للخوارزمي:61/2-62 الفصل الخامس،و الدر المنثور:7/6،و تقدم الحديث في آية التطهير.
فلمّا خلا بعضهم ببعض،قالوا للعاقب-و كان ذا رأيهم و صاحب مشورتهم-:ما ترى من الرأي؟
فقال لهم:و اللّه لقد عرفتم يا معاشر النصارى أنّ محمّدا نبي مرسل،و لقد جاءكم بالفصل فو الله ما لاعن قوم قط نبيّا إلاّ هلكوا،فإن أبيتم إلاّ الإقامة على دينكم فوادعوا الرجل و انصرفوا.
فلمّا أصبحوا جاؤوا إلى رسول اللّه فخرج إليهم محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن و فاطمة خلفه و علي خلفهما يقول:«اللهم هؤلاء أهلي»قال الشعبي:قوله تعالى: أَبْناءَنا الحسن و الحسين عليهما السّلام وَ نِساءَنا فاطمة وَ أَنْفُسَنا علي فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«إذا أنا دعوت فأمنوا»فلمّا رأى وفد نجران ذلك،و سمعوا قوله قال لهم كبيرهم:يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله،فلا تبتهلوا فتهلكوا و لا يبقى منكم على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة،فاقبلوا الجزية.فقبلوها و انصرفوا.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«و الذي نفسي بيده إنّ العذاب قد تدلّى على أهل نجران،و لو تلاعنوا لمسخوا قردة و خنازير،و لاضطرم الوادي عليهم نارا،و لاستأصل اللّه نجران و أهله حتى الطير على الشجر،و لما حال الحول على النصارى حتى هلكوا» (1).
قوله تعالى: اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ (2).
رواه الشافعي ابن المغازلي باسناده قال:سألت أبا الحسن عليه السّلام عن قوله عزّ و جلّ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الآية،قال:«المشكاة»فاطمة عليها السّلام«و المصباح»الحسن و الحسين اَلزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ قال:كانت فاطمة كوكبا دريا من نساء العالمين.
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ الشجرة المباركة إبراهيم.
لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ لا يهودية و لا نصرانية.
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ قال:يكاد العلم أن ينطق منها.
وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ،نُورٌ عَلى نُورٍ قال:فيها إمام بعد إمام.
يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ قال:يهدي اللّه لولايتنا من يشاء (1).
و قال جابر بن عبد اللّه الأنصاري:دخلت إلى مسجد الكوفة و أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه يكتب باصبعه و تبسم.
فقلت له:يا أمير المؤمنين ما الذي يضحكك؟
فقال عليه السّلام:«عجبت لمن يقرأ هذه الآية و لم يعرفها حق معرفتها».
فقلت له:أي آية يا أمير المؤمنين؟.
فقال عليه السّلام:«قوله تعالى: اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيها مصباح، أنا مصباح في زجاجة،الزجاجة الحسن و الحسين،كأنها كوكب دري و هو علي بن الحسين،يوقد من شجرة مباركة محمد بن علي،زيتونة جعفر بن محمد،لا شرقية موسيبن جعفر،و لا غربية علي بن موسى الرضا يكاد زيتها يضيء محمد بن علي و لو لم تمسسه نار علي بن محمد،نور على نور الحسن بن علي،يهدي اللّه لنوره من يشاء القائم المهدي عليهم السّلام وَ يَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثالَ لِلنّاسِ وَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (2).
و قال تعالى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (3).
فعنّ الإمام الصادق عليه السّلام في قوله مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ،قال:عليّ و فاطمة بحران عميقان لا يبغي أحدهما على صاحبه.
و في رواية بَيْنَهُما بَرْزَخٌ رسول اللّه يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ الحسن و الحسين عليهما السّلام (4).
و قيل:بحر النبوّة من فاطمة و بحر الفتوّة من عليّ بينهما حاجز من التقوى فلا تبغي فاطمة على عليّ[بدعوى]و لا يبغي عليّ على فاطمة[بشكوى] (5).ه.
1) مناقب ابن المغازلي:195 ط.بيروت و 317 ح 361 ط.بيروت،و بحار الأنوار:416/23،و رشفة الصادي:29 ط.مصر،و جواهر العقدين:244 الباب الرابع من القسم الثاني.
2) عوالم العلوم:21/15-22 ح 13،و البرهان 136/2 ح 16،و إلزام الناصب:78/1.
3) سورة الرحمن،الآية:19-20.
4) بحار الأنوار:32/43،و مناقب ابن المغازلي:339،ح 390،و الدرّ المنثور:142/6،و مقتل الحسين للخوارزمي:113/1،و تذكر الخواص:212 عن الثعلبي.
5) نزهة المجالس:229/2،باب مناقب الحسن و الحسين،و الإلمام بالأعلام:301/5،في التشفّي من أعداء الملوك و ما بين معكوفين منه.
و قال تعالى وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ (1).
عن أبي جعفر،عن أبيه عليهما السّلام في قول اللّه عزّ و جلّ: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها (2).
قال:«نزلت في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين،كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يأتي باب فاطمة كلّ سحر،فيقول:السلام عليكم أهل البيت و رحمة اللّه و بركاته،الصلاة يرحمكم اللّه إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً » (3).
قال تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها (4).
سئل الإمام الباقر عليه السّلام عنها فقال:«الشجرة رسول اللّه نسبه ثابت في بني هاشم و فرع الشجرة عليّ و عنصر الشجرة فاطمة و أغصانها الأئمّة» (5).
و في رواية:غصنها فاطمة و ثمرها أولادها (6).
و ورد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أنا شجرة و فاطمة فرعها و علي لقاحها و الحسن و الحسين ثمرها (7).
و أخرجه ابن عساكر بلفظ:أنا شجرة و فاطمة حملها،و في حديث آخر:و فاطمة أصلها (8).
و قال تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ (9).
فعن عكرمة:هم النبيّ و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (10).
قال تعالى: وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ ... وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ (11).
فعن ابن عباس:البصير عليّ.. وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ عليّ و حمزة و جعفر و حسن و حسين و فاطمة و خديجة (12).
1) سورة طه،الآية:132.
2) سورة طه،الآية:132.
3) بحار الأنوار:219/35،و قريب منه في تفسير القمّي:67/2 ذيل السورة.
4) سورة إبراهيم،الآية:14.
5) بصائر الدرجات:79،ح 2،الباب الثاني.
6) معاني الأخبار:400،ح 61.
7) شواهد التنزيل:408/1،ح 430.
8) تاريخ دمشق:168/14.
9) سورة الإسراء،الآية:57.
10) شواهد التنزيل:446/1،ح 474.
11) سورة فاطر،الآية:19-20.
12) شواهد التنزيل:154/2،ح 781،و تأويل الآيات:480/2،ح 5.
قال تعالى كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (1).
فعن ابن عباس:نزلت في عليّ و الحسن و الحسين و فاطمة عليهم السّلام: (2).
قال تعالى أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (3).
عن أبي سعيد الخدري قال:كنّا جلوسا مع رسول اللّه إذ أقبل إليه رجل فقال:يا رسول اللّه أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ لإبليس: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ،فمن هم يا رسول اللّه الذين هم أعلى من الملائكة؟
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أنا و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين كنّا في سرادق العرش نسبّح اللّه و تسبّح الملائكة بتسبيحنا قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام،فلمّا خلق اللّه آدم أمر الملائكة أن يسجدوا له و لم يأمرنا بالسجود فسجدت الملائكة كلّهم إلاّ إبليس فإنّه أبى أن يسجد،فقال اللّه تبارك و تعالى أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ،أي من هؤلاء الخمس المكتوب أسماؤهم في سرادق العرش (4).
قال تعالى وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (5).
روي ابن عباس أنّها نزلت أيضا في عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام (6).
و عن أبي هريرة أنّ النبيّ أتى فاطمة فأعلمها بجوع رجل.
فقالت:ما عندنا إلاّ قوت الصبية و لكنّا نؤثر به ضيفنا.
فقال عليّ عليه السّلام:نوّمي الصبية و أطفي السراج فلمّا أصبح غدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فنزلت هذه الآية: وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ (7).
و روي غير ذلك من القصّة و فيها نزولها في عليّ و فاطمة (8).
قال تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (9).
فعن أنس أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:يا أنس هي في وجوهنا بني عبد المطّلب أنا و علي و حمزة و جعفر و الحسن و الحسين و فاطمة،نخرج من قبورنا و نور وجوهنا كالشمس الضاحية يوم القيامة،
قال اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ،يعني مشرقة بالنور في أرض القيامة، ضاحِكَةٌ فرحانة برضاء اللّه عنّا مُسْتَبْشِرَةٌ ،بثواب اللّه الذي وعدنا (1).
قال تعالى إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (2).
أخرج الطبراني عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«و إنّي و أنت و الحسن و الحسين و فاطمة و عقيلا و جعفرا في الجنّة إخوانا على سرر متقابلين،أنت معي و شيعتك في الجنّة،ثمّ قرأ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ينظر أحدهم في قفا صاحبه» (3).
و قال تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ (4).
فعن ابن عباس قال:نزلت في النبيّ و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام (5).
و قال تعالى وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ (6).
قال الإمام الباقر عليه السّلام في الآية:كلمات في محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة من ذرّيتهم» (7).
قوله تعالى وَ بَيْنَهُما حِجابٌ (8).
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام إنه سئل عن قول اللّه عز و جل وَ بَيْنَهُما حِجابٌ قال:«سور بين الجنّة و النار عليه قائم:محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي و الحسن و الحسين و فاطمة و خديجة الكبرى فينادون أين محبونا أين شيعتنا؟فيقبلون إليهم فيعرفونهم بأسمائهم و أسماء آبائهم و ذلك قوله عز و جل: يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ أي بأسمائهم فيأخذون بأيديهم فيجوزون بهم على الصراط و يدخلونهم الجنّة» (9).
قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ .
عن عليّ بن محمد بن مخلد عن جعفر بن حفص عن سواد بن محمد عن عبد اللّه بن نجيع عن محمد بن مسلم البطايخي عن محمد بن يحيى الأنصاري عن عمّه حارثة عن يزيد بن عبد اللّه بن مسعود عن أبيه قال:دخلت يوما على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقلت:يا رسول اللّه أرني الحق حتى أتبعه فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«يابن مسعود لج المخدع فانظر ما ذا ترى».فولجت فرأيت أمير المؤمنين عليه السّلام راكعا
و ساجدا و هو يقول عقيب صلاته:اللهم بحرمة محمد عبدك و رسولك إغفر للخاطئين من شيعتي، قال ابن مسعود:فخرجت لأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بذلك فوجدته راكعا و ساجدا و هو يقول:«اللهم بحرمة عبدك عليّ إغفر للخاطئين من أمّتي»قال ابن مسعود:فأخذني الهلع حتى غشى عليّ فرفع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رأسي و قال:«يابن مسعود أكفر بعد إيمان؟»
فقلت:معاذ اللّه و لكني رأيت عليا يسأل اللّه تعالى بجاهك،و نظرت إليك و أنت تسأل اللّه تعالى بجاهه،فلا أعلم أيّكما أوجه عند اللّه من الآخر فقال:«يابن مسعود إنّ اللّه خلقني و عليا و الحسن و الحسين من نور عظمته قبل الخلق بألفي عام حين لا تسبيح و لا تقديس،و فتق نوري فخلق منه السموات و الأرض،و أنا أفضل من السموات و الأرض،و فتق نور عليّ فخلق منه العرش و الكرسي و عليّ أجلّ من العرش و الكرسي،و فتق نور الحسن فخلق منه اللوح و القلم،و الحسن أجلّ من اللوح و القلم،و فتق نور الحسين فخلق منه الجنان و الحور العين،و الحسين أفضل منهما، فأظلمت منهما المشارق و المغارب،فشكت الملائكة إلى اللّه عزّ و جلّ الظلمة و قالت:اللهم بحق هؤلاء الأشباح الذي خلقت إلاّ ما فرّجت عنا هذه الظلمة،فخلق اللّه عزّ و جلّ روحا و قرنها بأخرى فخلق منهما نورا ثم أضاف النور إلى الروح فخلق منها الزهراء عليها السّلام،فمن ذلك سمّيت الزهراء، فأضاء منها المشرق و المغرب.
يابن مسعود إذا كان يوم القيامة يقول اللّه عزّ و جلّ لي و لعلي:أدخلا النار من شئتما و ذلك قوله تعالى: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ فالكفار من جحد نبوّتي،و العنيد من عاند عليا و أهل بيته و شيعته» (1).
قوله تعالى: وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (2).
الشيخ الطوسي في كتاب مصابيح الأنوار بإسناده عن رجاله مرفوعا إلى المفضّل بن عمر قال دخلت على الصادق عليه السّلام ذات يوم فقال لي:«يا مفضّل عرفت محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين كنه معرفتهم».
قلت:يا سيدي و ما كنه معرفتهم؟
قال:«يا مفضّل تعلّم أنهم في طير عن الخلائق بجنب الروضة الخضرا فمن عرفهم كنه معرفتهم كان معنا في السنام الأعلى».
قال:قلت:عرّفني ذلك يا سيدي.
قال:«يا مفضّل تعلّم أنهم علموا ما خلق اللّه عزّ و جلّ و ذرأه و برأه و أنهم كلمة التقوى و خزناء السماوات و الأرضين و الجبال و الرمال و البحار،و عرفوا كم في السماء من نجم و ملك،و وزن الجبال وكيل ماء البحار و أنهارها و عيونها و ما تسقط من ورقة إلاّ علموها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (1)و هو في علمهم و قد علموا ذلك».
فقلت:يا سيدي قد علمت ذلك و أقررت به و آمنت.
قال:«نعم يا مفضّل يا مكرم نعم يا طيّب نعم يا محبور،طبت و طابت لك الجنّة و لكل مؤمن بها» (2).
قوله تعالى فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ (3).
قال:سأله بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (4).
عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ :إنّ الكلمات التي تلقّاها آدم من ربه:اللهم بحق محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين إلاّ تبت عليّ،فتاب اللّه عليه (5).
قوله تعالى: وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (6).
عن يونس بن ظبيان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«إذا كان ليلة الجمعة أهبط الربّ تبارك و تعالى ملكا إلى سماء الدنيا فإذا طلع الفجر جلس ذلك الملك على العرش فوق البيت المعمور و نصب لمحمد و عليّ و الحسن و الحسين منابر من نور،فيصعدون عليها و يجمع لهم الملائكة و النبيّون و المؤمنون،و يفتح أبواب السماء فإذا زالت الشمس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا رب ميعادك الذي أوعدته في كتابك و هو هذه الآية وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية،و يقول الملائكة و النبيّون مثل ذلك ثم يخرّ محمد و عليّ و الحسن و الحسين سجّدا ثم يقولون:يا رب اغضب،يا رب اغضب،يا رب اغضب،فإنّه انتهك حريمك و قتل أصفياؤك و أذلّ عبادك الصالحون» (7).
عن محمّد بن علي قال:قال الحسن بن علي عليه السّلام:إني أستحيي من ربي عزّ و جلّ أن ألقاه و لم أمش إلى بيته[قال:]فمشى عشرين مرة من المدينة على رجليه.
قال عبد اللّه بن عباس:ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلاّ أني[لم]أحج ماشيا،و لقد حج الحسن بن علي عليه السّلام خمسا و عشرين مرة ماشيا و إنّ النجائب لتقاد معه،و لقد قاسم اللّه ماله ثلاث مرات،حتى أنه يعطي الخفّ و يمسك النعل (1).
و عن علي بن زيد بن جدعان التيمي قال:حج الحسن بن علي عليه السّلام خمس عشرة مرة ماشيا، و خرج من ماله مرتين،و قاسم اللّه ماله ثلاث مرات حتى أنّه كان ليعطي نعلا و يمسك نعلا،و يعطي خفا و يمسك خفا (2).
و عن أمّ موسى،قالت:كان الحسن بن علي عليه السّلام إذا أوى إلى فراشه بالليل أتي بلوح [منقوش]فيه سورة الكهف فيقرأها (3)قالت:فكان يطاف بذلك اللوح معه حيث طاف من نسائه.
و في الأمالي بإسناده إلى الصادق عليه السّلام:إنّ الحسن بن عليّ كان إذا ذكر الموت بكى،و إذا ذكر القبر بكى و إذا ذكر البعث و النشور بكى و إذا ذكر الممرّ على الصراط بكى،و إذا ذكر العرض على اللّه تعالى شهق شهقة يغشى عليه منها،و كان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّ و جلّ و كان إذا ذكر الجنّة و النار اضطرب اضطراب السليم و إذا قرأ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (4)قال:لبّيك اللّهمّ لبّيك.
و عن الرافعي عن أبيه عن جدّه قال:رأيت الحسن و الحسين عليهما السّلام يمشيان إلى الحجّ فلم يمرا براكب إلاّ نزل يمشي فثقل ذلك على بعضهم،فقالوا لسعد بن أبي وقّاص:قد ثقل علينا المشي و لا نستحسن أن نركب و هذان السيّدان يمشيان فقال سعد للحسن:يا أبا محمّد إنّ المشي قد ثقل على جماعة ممّن معك و الناس إذا رأوكما تمشيان لم تطلب أنفسهم أن يركبوا فلو ركبتما.
فقال الحسن عليه السّلام:لا نركب قد جعلنا على أنفسنا المشي إلى بيت اللّه الحرام[على أقدامنا] (5)و لكنّا نتنكّب الطريق فأخذا جانبا من الناس (6).
عن شيخ من بني جمح،عن رجل من أهل الشام قال:قدمت المدينة فرأيت رجلا جهري كحالة فقلت:من هذا؟قالوا:الحسن بن علي.فحسدت و اللّه عليا أن يكون له ابن مثله قال:فأتيته فقلت:أنت ابن أبي طالب؟
قال:أبي ابنه.فقلت:بك و بأبيك و بك و بأبيك.
قال:و أزم (1)لا يردّ شيئا ثم قال:أراك غريبا فلو استحملتنا حملناك و إن استرفدتنا رفدناك، و إن استعنت بنا أعنّاك.قال:فانصرفت و اللّه عنه و ما في الأرض أحد أحبّ إلي منه (2).
و عن أبي صالح بن سليمان،قال:قدم رجل من المدينة و كان يبغض عليا فقطع به فلم يكن له زاد و لا راحلة فشكا ذلك إلى بعض أهل المدينة،فقال له:عليك بحسن بن علي،فقال له الرجل:
ما لقيت هذا إلاّ في الحسن و أبي الحسن؟
فقيل له:فإنك لا تجد خيرا[إلاّ]منه فأتاه فشكا إليه،فأمر له بزاد و راحلة.
فقال الرجل:اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته (3).
و عن أبي جعفر،قال:جاء رجل إلى الحسين بن علي فاستعان به على حاجة فوجده معتكفا فقال:لو لا اعتكافي خرجت معك فقضيت حاجتك.
ثم خرج من عنده فأتى الحسن بن علي عليه السّلام فذكر له حاجته فخرج معه لحاجته،فقال:أما إني قد كرهت أن أستعينك في حاجتي و لقد بدأت بحسين،فقال:لو لا اعتكافي لخرجت معك.فقال الحسن:لقضاء حاجة أخ لي في اللّه أحبّ إليّ من اعتكاف شهر (4).
و عن علي بن الحسين عليه السّلام،قال:خرج الحسن يطوف بالكعبة فقام إليه رجل فقال:يا أبا محمّد إذهب معي في حاجتي إلى فلان.فترك الطواف و ذهب معه فلما ذهب خرج إليه رجل حاسد للرجل الذي ذهب معه،فقال:يا أبا محمّد تركت الطواف و ذهبت مع فلان إلى حاجته؟
قال:فقال له الحسن عليه السّلام:و كيف لا أذهب معه؟و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:«من ذهب في حاجة أخيه المسلم فقضيت حاجته كتبت له حجّة و عمرة،و إن لم تقض له كتبت له عمرة»فقد اكتسبت حجة و عمرة و رجعت إلى طوافي (5).
و عن أبي بكر الأصم،قال:قال الحسن بن علي عليه السّلام ذات يوم لأصحابه:إني أخبركم عن أخ لي و كان من أعظم الناس في عيني،و كان رأس ما عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينه.
كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد،و لا يكثر إذا وجد،و كان خارجا من سلطان فرجه فلا يستخف له عقله و لا رأيه.و كان خارجا من سلطان الجهلة فلا يمد يدا إلاّ على ثقة المنفعة.كان لا يسخط و لا يتبرّم.
و كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكّلم.كان إذا غلب عليه الكلام لم يغلب على الصّمت كان أكثر دهره صامتا فإذا قال بذّ القائلين.كان لا يشارك في دعوى و لا يدخل في مراء،و لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا.كان يقول ما يفعل،و يفعل ما لا يقول تفضلا و تكرما.
كان لا يغفل عن إخوانه و لا يختص بشيء دونهم.كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله.
كان إذا ابتدأه أمران لا يدري أيهما أقرب إلى الحق،نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه.
و قد يروى أنّ عائشة قالت:دخل رجل من أهل الشام المدينة فرأى رجلا راكبا على بغلة حسنة قال:لم أر أحسن منه،فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل لي:إنّه الحسن بن علي بن أبي طالب.فامتلأ قلبي غيظا و حنقا و حسدا أن يكون لعلي ولد مثله،فقمت إليه فقلت:أنت ابن أبي طالب؟
فقال:(أنا ابنه).
فقلت:أنت ابن من و من و من،و جعلت أشتمه و أنال منه و من أبيه و هو ساكت،حتى إستحييت منه فلمّا إنقضى كلامي ضحك و قال:(أحسبك غريبا شاميّا).
فقلت:أجل.
فقال:(فمل معي،إن إحتجت إلى منزل أنزلناك و إلى مال أرفدناك و إلى حاجة عاوناك).
فاستحييت و اللّه منه و عجبت من كرم خلقه فانصرفت و قد صرت أحبه ما لا أحب غيره (1).
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:إنّ الحسن عليه السّلام قال:إنّ للّه مدينتين إحداهما بالمشرق و الاخرى بالمغرب؛عليهما سور من حديد و على كلّ واحد منهما ألف ألف مصراع و فيها سبعون ألف ألف
1) الكامل للمبرد 1:325،ربيع الأبرار 2:19،مناقب ابن شهرآشوب 4:23.
لغة،يتكلّم كلّ لغة صاحبها و أنا أعرف جميع اللّغات و ما فيهما و ما بينهما،و ما عليهما حجّة غيري و غير الحسين أخي (1).
و عن الحارث الأعور:أنّ عليا عليه الصلاة و السّلام سأل ابنه الحسن عن أشياء من أمر المروءة-و قال ابن كادش:من المروءة-فقال:
يا بني ما السّداد؟قال:يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف.قال:فما الشرف؟قال:اصطناع العشيرة و حمل الجريرة،قال:فما المروءة؟قال:العفاف و إصلاح المرء ماله.قال:فما الدقّة؟
قال:النظر في اليسير و منع الحقير.قال:فما اللؤم؟قال:إحراز المرء نفسه و بذله عرسه من اللؤم.قال:فما السماحة؟قال:البذل في اليسر و العسر.
قال:فما الشحّ؟قال:أن ترى ما في يديك شرفا و ما أنفقته تلفا.
قال:فما الإخاء؟قال:الوفاء في الشدّة و الرخاء.
قال:فما الجبن؟
قال:الجرأة على الصديق و النكول عن العدو.قال:فما الغنيمة؟قال الرغبة في التقوى و الزهادة في الدنيا هي الغنيمة الباردة.قال:فما الحلم؟قال:كظم الغيظ و ملك النفس.قال:فما الغنى؟قال:رضا النفس بما قسم اللّه جلّ و عزّ لها و إن قل فإنما الغنى غنى النفس.قال:فما الفقر؟
قال:شره النفس في كل شيء.
قال:فما المنفعة؟قال:شدّة البأس و مقارعة أشدّ الناس.قال:فما الذل؟
قال:الفزع عن المصدوقة.قال:فما الجرأة؟قال:موافقة الأقران.قال:فما الكلفة؟قال:
كلامك فيما لا يعنيك.قال:فما المجد؟قال:أن تعطي في الغرم و أن تعفو عن الجرم.
قال:فما العقل؟قال:حفظ القلب كل ما استرعيته.
قال:فما الخرق؟
قال:معاداتك لإمامك و رفعك عليه كلامك.قال:فما السناء؟قال:إتيان الجميل و ترك القبيح.قال:فما الحزم؟قال:طول الأناة و الرفق بالولاة و الإحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم.
قال:فما الشرف؟قال:موافقة الإخوان و حفظ الجيران.قال:فما السفه؟قال:اتّباع الدناءة و مصاحبة الغواة؟قال:فما الغفلة؟قال:تركك المسجد و طاعتك المفسد.قال:فما الحرمان؟5.
1) بصائر الدرجات:359،و الكافي:462/1 ح 5.
قال:تركك حظك و قد عرض عليك.قال:فما السيد؟قال:السيد الأحمق في المال المتهاون في عرضه،يشتم فلا يجيب،المتخزن بأمر عشيرته هو السيد.
قال:ثم قال علي عليه السّلام:يا بني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«لا فقر أشد من الجهل،و لا مال أعود من العقل،و لا وحدة أوحش من العجب،و لا مظاهرة أوثق من المشاورة،و لا عقل كالتدبير،و لا حسب كحسن الخلق،و لا ورع كالكفّ،و لا عبادة كالتفكر،و لا إيمان كالحياء و الصبر.و آفة الحديث الكذب،و آفة العلم النسيان،و آفة الحلم السّفه،و آفة العبادة الفترة،و آفة الظرف الصلف،و آفة الشجاعة البغي،و آفة السّماحة المن،و آفة الجمال الخيلاء،و آفة الحسب الفخر».
يا بني لا تستخفّنّ برجل تراه أبدا فإن كان أكبر منك فعدّ أنه أبوك،و إن كان مثلك (1)فهو أخوك،و إن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك.
فهذا ما ساءل علي بن أبي طالب ابنه الحسن عن أشياء من المروءة و أجابه الحسن،و اللفظ لرواية ابن كادش و زاد:قال:قال القاضي أبو الفرج:في هذا الخبر من جوابات الحسن أباه عما ساءله عنه من الحكمة و جزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه و حفظه،و وعاه و عمل به،و أدّب نفسه بالعمل عليه،و هذبها بالرجوع إليه،و تتوفر فائدة بالوقوف عنده.و فيما رواه في أضعافه أمير المؤمنين رضي اللّه عنه،عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما لا غنى بكل لبيب عليم و مدرك حليم عن حفظه و تأمّله، و المسعود من هدي لتقبّله،المحمود من وفّق لامتثاله و تقبّله (2).
و روى الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي رضي اللّه عنه،في تفسيره المسمى بالوسيط ما يرفعه بسنده:أنّ رجلا قال:دخلت مسجد المدينة،فإذا أنا برجل يحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الناس حوله فقلت:أخبرني عن شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ (3).
فقال:نعم،أمّا الشاهد فيوم الجمعة،و أمّا المشهود فيوم عرفة،فجزته إلى آخر يحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فقلت:أخبرني عن شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ .
فقال:نعم،أمّا الشاهد فيوم الجمعة،و أمّا المشهود فيوم النحر،فجزتهما إلى غلام آخر كأنّ وجهه الدينار و هو يحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقلت:أخبرني عن شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ.3.
فقال:نعم،أمّا الشاهد فمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و أمّا المشهود فيوم القيامة،أما سمعته يقول: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (1)و قال تعالى: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (2).
فسألت عن الرجل الأول فقالوا:ابن عباس،و(سألت)عن الثاني فقالوا:ابن عمر،و سألت عن الثالث فقالوا:الحسن بن عليّ بن أبي طالب،و كان قول الحسن أحسن (3).
و كتب ملك الروم إلى معاوية يسأله عن ثلاث عن مكان بمقدار وسط السماء،و عن أوّل قطرة دم وقعت على الأرض و عن مكان طلعت فيه الشمس مرّة،فلم يعلم ذلك فاستغاث بالحسن بن علي فقال:ظهر الكعبة و دم حوّاء و أرض البحر حين ضربه موسى.
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«كان في ذوابة سيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صحيفة صغيرة و أن عليّا دعا ابنه الحسن فدفعها إليه فدفع إليه سكينا و قال له:افتحها،فلم يستطع فتحها ففتحها له ثمّ قال:إقرأ، فقرأ الحسن الألف و الياء و السين و اللام و الحرف بعد الحرف قال:ثمّ طواها و رفعها إلى ابنه الحسين عليه السّلام فلم يقدر على فتحها،ففتحها له علي فقال:اقرأ فقرأها كما قرأ الحسن فدفعها إلى محمّد بن الحنفية فلم يقدر على ان يفتحها ففتحها له فقال له:إقرأ فلم يستخرج منها شيئا فأخذها و طواها ثمّ علقها في ذوابة السيف قال:فقلت لأبي عبد اللّه:و أي شيء كان في تلك الصحيفة؟ قال:هي الأحرف التي يفتح كل حرف ألف حرف».
قال أبو بصير:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:«فما خرج منها إلاّ حرفان حتّى الساعة» (4).
و نقل الشيخ الطوسي في كتاب مصابيح الأنوار بإسناده عن رجاله مرفوعا إلى المفضل بن عمر قال دخلت على الصادق عليه السّلام ذات يوم فقال لي:«يا مفضل عرفت محمّدا و عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام كنه معرفتهم».
قلت:يا سيدي و ما كنه معرفتهم؟
قال:«يا مفضل تعلم أنهم في طير عن الخلائق بجنب الروضة الخضرا فمن عرفهم كنه معرفتهم كان معنا في السنام الاعلى»
قال:قلت:عرّفني ذلك يا سيدي.
قال:«يا مفضل تعلم أنهم علموا ما خلق اللّه عزّ و جلّ و ذرأه و برأه و أنهم كلمة التقوى و خزناء السماوات و الأرضين و الجبال و الرمال و البحار،و عرفوا كم في السماء نجم و ملك،و وزن الجبال7.
وكيل ماء البحار و أنهارها و عيونها و ما تسقط من ورقة إلاّ علموها وَ لا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (1).
و هو في علمهم و قد علموا ذلك»
فقلت:يا سيدي قد علمت ذلك و أقررت به و آمنت.
قال:«نعم يا مفضّل يا مكرم نعم يا طيّب نعم يا محبور،طبت و طابت لك الجنّة و لكل مؤمن بها» (2).
عن عيسى بن سليمان،عن أبيه،قال:قال معاوية يوما في مجلسه إذا لم يكن الهاشمي سخيا لم يشبه حسبه،و إذا لم يكن الزّبيري شجاعا لم يشبه حسبه،و إذا لم يكن المخزومي تائها لم يشبه حسبه،و إذا لم يكن الأموي حليما لم يشبه حسبه.
فبلغ ذلك الحسن بن علي عليه السّلام فقال:و اللّه ما أراد الحق و لكنه أراد أن يغري بني هاشم بالسخاء فيفنوا أموالهم و يحتاجون إليه،و يغري آل الزبير بالشجاعة فيفنوا بالقتل،و يغري بني مخزوم بالتيه فيبغضهم الناس،و يغري بني آمية بالحلم فيحبهم الناس (3).
و في الكافي عن الصادق عليه السّلام:لمّا عرّج برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نزل بالصلاة[عشر ركعات] (4)ركعتين ركعتين فلمّا ولد الحسن و الحسين زاد في الصلاة سبع ركعات شكرا للّه فأجاز اللّه له ذلك (5).
و عن عائشة قالت:كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جائعا لا يقدر على ما يأكل فقال:هاتي ردائي فقلت:
أين تريد؟
قال:إلى فاطمة إبنتي فأنظر إلى الحسن و الحسين فيذهب بعض ما بي من الجوع فدخل على فاطمة فقال:أين إبناي؟
فقالت:خرجا من الجوع يبكيان فخرج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في طلبهما فرأى أبا الدرداء فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا عويمر هل رأيت إبنيّ؟
قال:نعم يا رسول اللّه نائمان في ظلّ حائط بني جدعان فانطلق إليهما فضمّهما و هما يبكيان و هو يمسح الدموع عنهما ثمّ قال:و الذي بعثني بالحقّ نبيّا لو قطر قطرة في الأرض لبقيت المجاعة في أمّتي إلى يوم القيامة،فحملهما و هما يبكيان و هو يبكي فجاء جبرئيل فقال:ربّك يقرئك السلام و يقول:ما هذا الجزع؟
فقال:ما أبكي جزعا من ذلّ الدّنيا.
فقال جبرئيل:إنّ اللّه تعالى يقول:أيسرّك أن أحوّل لك أحدا ذهبا و لا ينقص لك ممّا عندي شيء؟
قال:لا لأنّ اللّه تعالى لم يحبّ الدّنيا و لو أحبّها ما جعل المكاره أكملها.
فقال جبرئيل:أدع بالجفنة التي في ناحية البيت،فدعى بها فإذا فيها ثريد و لحم كثير فقال:كل يا محمّد و أطعم إبنيك و أهل بيتك فأكلوا و شبعوا و هي على حالها فأرسل بها إليّ فأكلوا و شبعوا.
ثمّ قال:ما رأيت جفنة أعظم بركة منها فرفعت عنهم.
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:و الذي بعثني بالحقّ لو سكت لتداولها فقراء أمّتي إلى يوم القيامة (1).
و في عيون المحاسن عن الزوياني أنّ الحسن و الحسين عليهما السّلام مرّا على شيخ يتوضّأ و لا يحسن، فأخذا في التنازع يقول كلّ واحد منهما:أنت لا تحسن الوضوء فقالا عليهما السّلام:أيّها الشيخ كن حكما بيننا يتوضأ كلّ واحد منّا فتوضّآ ثمّ قالا عليهما السّلام:أيّنا أحسن؟
قال:كلاكما تحسنان الوضوء و لكن هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يحسن،و قد تعلّم الآن منكما و تاب على أيديكما ببركتكما و شفقتكما على أمّة جدّكما (2).
و عن أمّ سلمة قالت؛رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يلبس ولده الحسين حلّة ليست من ثياب الدّنيا فقلت:يا رسول اللّه ما هذه الحلّة؟
فقال:هذه هدية أهداها إلي ربّي للحسين و إنّ لحمتها من زغبة جناح جبرئيل،و ها أنا ألبسه إيّاها و أزيّنه بها فإنّ اليوم يوم الزينة و إنّي أحبّه (1).
و روى المفيد عن الرضا عليه السّلام قال:عري الحسن و الحسين عليهما السّلام و أدركهما العيد فقالا لامّهما:
قد زيّنوا صبيان المدينة إلاّ نحن فما لك[أن] (2)تزيّنينا؟
فقال:إنّ ثيابكما عند الخيّاط[فإذا أتاني زيّنتكما] (3)،فلمّا كانت ليلة العيد أعادا القول على أمّهما فبكت و رحمتهما،فلمّا أخذ الظلام قرع الباب قارع فقال:يا بنت رسول اللّه أنا الخيّاط جئت بالثياب،ففتحت الباب فإذا رجل و معه من لباس العيد فناولها منديلا مشدودا فإذا فيه قميصان و دراعتان و سروالان و رداءان و عمامتان و خفّان أسودان معقبان بحمرة،فألبستهما و دخل رسول اللّه و هما مزيّنان فحملهما و قبّلهما ثمّ قال:رأيت الخيّاط؟
قالت:نعم يا رسول اللّه قال:يا بنيّة ما هو خيّاط إنّما هو رضوان خازن الجنان ما عرج حتّى جاءني و أخبرني (4).
و روى الحسن البصري و أمّ سلمة:إنّ الحسن و الحسين دخلا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بين يديه جبرئيل فجعلا يدوران حوله يشبّهانه بدحية الكلبي فتناول جبرئيل تفّاحة و سفرجلة و رمّانة فناولهما ففرحا و سعيا إلى جدّهما فشمّهما و قال:سيرا إلى أمّكما و أبيكما،فلم يأكلوا حتّى صار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إليهم فأكلوا جميعا فلم يزل كلّما أكل منه عاد إلى مكانه حتّى قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قال الحسين عليه السّلام:فلم يلحقه التغيير حتّى توفّيت فاطمة ففقدنا الرمّان،فلمّا توفّى أمير المؤمنين فقدنا السفرجل و بقيت التفاحة إلى الوقت الذي حوصرت من الماء،فكنت أشمّها إذا عطشت فيسكن لهب عطشي،فلمّا اشتدّ عليّ العطش عضضتها و أيقنت بالفناء.
قال عليّ بن الحسين عليه السّلام:سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة،فلمّا قضى نحبه وجد ريحها في مصرعه فالتمست فلم ير لها أثر و بقي ريحها بعد الحسين عليه السّلام و لقد زرت قبره فوجدت ريحها يفوح من قبره فمن أراد بذلك من شيعتنا الزائرين ليعتبر فليلتمس ذلك أوقات السحر فإنّه يجده إذا كان مخلصا.
و في أمالي أبو الفتح عن ابن عبّاس قال:كنّا جلوسا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ هبط عليه جبرئيل و معه جام من البلور الأحمر مملوّ مسكا و عنبرا فقال:السلام يقرئك السلام و يحيّيك بهذه التحيّة و يأمرك أن تحيّي بها عليّا و ولديه،فلمّا صارت في كفّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هلّلت ثلاثا و كبّرت ثلاثا و قالت:بسم اللّه الرحمن الرحيم طه* ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (1)فشمّها (2)و حيّا بها عليّا،فلمّا صارت في كفّه قالت:بسم اللّه الرحمن الرحيم إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (3)،فاشتمّها علي و حيّا بها الحسن،فلمّا صارت في كفّ الحسن قالت:بسم اللّه الرحمن الرحيم عَمَّ يَتَساءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (4)الآية،فاشتمّها[الحسن] و حيّا بها الحسين،فلمّا صارت في كفّه قالت:بسم اللّه الرحمن الرحيم قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (5)ثمّ ردّت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالت: اَللّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ (6)فلم أدر أعلى السماء صعدت أم في الأرض نزلت (7).
و في كتاب المعالم أنّ ملكا نزل من السماء فقعد على يد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سلّم عليه بالنبوّة و على يد عليّ فسلّم عليه بالوصيّة و على يد الحسن و الحسين فسلّم عليهما بالخلافة،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لم لا تقعد على يد فلان؟
فقال:أنا لا أقعد على يد عصي عليها اللّه فكيف أقعد على يد عصت اللّه أربعين عاما؟ (8).
و عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام كان نقش خاتم الحسن عليه السّلام:العزّة للّه و كان نقش خاتم الحسين عليه السّلام:إنّ اللّه بالغ أمره.
و عنه عليه السّلام:كان في خاتم الحسن و الحسين عليهما السّلام الحمد للّه.
و عن الرضا عليه السّلام:كان نقش خاتم الحسن عليه السّلام:العزّة لله،و خاتم الحسين عليه السّلام:العزّة للّه (9).
و في كتاب الأمالي عن ابن عمر قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛إذا كان يوم القيامة[زين عرش ربّ العالمين بكل زينة،ثم] (1)يؤتى بمنبرين من نور طولهما مائة ميل فيوضع أحدهما عن يمين العرش و الآخر عن يسار العرش فيؤتى بالحسن و الحسين عليهما السّلام فيقوم الحسن على أحدهما و الحسين على الآخر يزيّن الربّ تبارك و تعالى بهما عرشه كما يزيّن المرأة قرطاها.
و فيه أيضا عن أبي نعيم قال:شهدت ابن عمر و أتاه رجل فسأله عن دم البعوضة فقال:ممّن أنت؟
قال:من أهل العراق.
قال:انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوّضة و قد قتلوا ابن رسول اللّه و سمعت رسول اللّه يقول:الحسن و الحسين ريحانتاي من الدّنيا (2).
و عن جابر الأنصاري قال:خرج علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم آخذا بيد الحسن و الحسين عليهما السّلام فقال:
إنّ ابني هذين سألت اللّه لهما ثلاثا فأعطاني اثنتين و منعني واحدة سألت اللّه أن يجعلهما طاهرين مطهّرين زكيّين فأجابني إلى ذلك،و سألت اللّه أن يقيهما و ذريّتهما و شيعتهما النّار فأعطاني ذلك و سألت اللّه أن يجمع اللّه الامّة على محبّتهما.
فقال:يا محمّد إنّي قضيت قضاء و قدّرت قدرا،و إنّ طائفة من أمّتك ستفي لك بذمّتك في اليهود و النصارى و المجوس و سيخفرون ذمّتك في ولدك،فإنّي أوجبت إلى نفسي لمن فعل ذلك إلاّ أنظر إليه بعين رحمتي يوم القيامة (3).
و عن عبد اللّه بن عباس قال:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«أنا و علي و الحسن و الحسين و تسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون» (4).
و عن محمّد بن يزيد:حمل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحسن و حمل جبرئيل الحسين عليه السّلام فكانا بعد ذلك يفتخران فيقول الحسن:حملني خير أهل الأرض و يقول الحسين حملني خير أهل السماء (1).
و في كتاب مناقب آل أبي طالب:أذنب رجل ذنبا في حياة رسول اللّه فتغيّب حتّى وجد الحسن و الحسين في طريق خال فاحتملهما على عاتقيه و أتى بهما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:يا رسول اللّه إنّي مستجير باللّه و بهما فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى ردّ يده إلى فمه ثمّ قال للرجل اذهب فأنت طليق،و قال لحسن و حسين:قد شفعتكما فيه فأنزل اللّه تعالى: وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً (2)(3).
و في حديث مدرك بن أبي زيد:قلت لابن عبّاس-و قد أمسك للحسن ثمّ الحسين بالركاب و سوى عليهما-:أنت أسنّ منهما تمسك لهما بالركاب فقال:يالكع و ما تدري من هذان،هذان ابنا رسول اللّه أوليس ممّا أنعم اللّه عليّ به أن أمسك لهما و أسوي عليهما (4).
و عن محمد بن إبراهيم النعماني عن محمد بن همام قال:حدّثني جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي قال:حدّثني محمد بن أحمد عن محمد بن سنان عن يونس بن ظبيان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«إذا كان ليلة الجمعة أهبط الربّ تبارك و تعالى ملكا إلى سماء الدنيا فإذا طلع الفجر جلس ذلك الملك على العرش فوق البيت المعمور و نصب لمحمد و عليّ و الحسن و الحسين منابر من نور،فيصعدون عليها و يجمع لهم الملائكة و النبيّون و المؤمنون،و يفتح أبواب السماء فإذا زالت الشمس قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا رب ميعادك الذي أوعدته في كتابك و هو هذه الآية وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الآية،و يقول الملائكة و النبيّون مثل ذلك ثم يخرّ محمد و عليّ و الحسن و الحسين سجّدا ثم يقولون:يا رب اغضب،يا رب اغضب،يا رب اغضب،فإنّه انتهك حريمك و قتل أصفياؤك و أذلّ عبادك الصالحون» (5).
في كتاب أعلام الورى عن سليم بن قيس قال:شهدت أمير المؤمنين عليه السّلام حين أوصى إلى ابنه الحسن و أشهد عليه أولاده و خواص شيعته و دفع إليه الكتاب و السلاح و قال:يا بنيّ أمرني رسول اللّه أن أوصي إليك و أدفع إليك كتبي و سلاحي كما أوصى إليّ و دفع إليّ كتبه و سلاحه،و أمرني أن إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين،ثمّ أقبل على ابنه الحسين فقال:و أمرك رسول اللّه أن تدفعها إلى ابنك هذا ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين و قال:أمرك رسول اللّه أن تدفعها إلى إبنك محمّد بن عليّ فاقرأه من رسول اللّه و منّي السلام. (1)
و عن ابن حوشب أنّ عليّا عليه السّلام،لمّا سار إلى الكوفة استودع أمّ سلمة كتبه و الوصيّة فلمّا رجع الحسن دفعتها إليه (2).
و في كتاب المناقب أنّه استغاث الناس إلى الحسن عليه السّلام من زياد فرفع يده و قال:اللّهم خذ لنا و لشيعتنا من زياد بن أبيه و أرنا فيه نكالا عاجلا إنّك على كلّ شيء قدير،فخرج خرّاج في إبهام يمينه يقال لها السلعة و ورم إلى عنقه فمات.
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال بعضهم للحسن بن علي في احتماله الشدائد من معاوية فقال عليه السّلام:لو دعوت اللّه تعالى لجعل العراق شاما و الشام عراقا و جعل المرأة رجلا و الرجل امرأة، فقال الشامي:و من يقدر على ذلك؟
فقال عليه السّلام:إنهضي ألا تستحين أن تقعدي بين الرجال فوجد الرجل نفسه امرأة.
ثمّ قال:و صارت عيالك رجلا و تقاربك و تحمل منها و تلد ولدا خنثى فكان كما قال عليه السّلام ثمّ إنّهما تابا و جاءا إليه فدعى اللّه فعادا إلى الحالة الاولى (3).
و عنه عليه السّلام قال الحسن عليه السّلام لأهل بيته:يا قوم إنّي أموت بالسمّ كما مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال له أهل بيته:و من الذي يسمّك؟
قال؛جاريتي و امرأتي فقالوا له:أخرجها من ملكك عليها لعنة اللّه.
فقال:هيهات من إخراجها و منيّتي على يدها و لو أخرجتها يقتلني غيرها كان قضاء مقضيّا،فما ذهبت الأيّام حتّى بعث معاوية إلى امرأته فقال الحسن:هل عندك من شربة لبن فأعطته و فيه ذلك السمّ،فلمّا شربه و جد مسّ السمّ في جسده.
فقال:يا عدوّة اللّه قتلتيني قاتلك اللّه،أما و اللّه لا تصيبين من الفاسق عدوّ اللّه خيرا (1).
و كان كنا قال عليه السلام.
و من كتاب الدلائل عن ابن عبّاس قال:مرّت بالحسن بن علي بقرة فقال:هذه حبلى بعجلة أنثى لها غرّة في جبينها و رأس ذنبها أبيض،فانطلقنا مع القصّاب حتّى ذبحها فوجدنا العجلة كما وصف،فقلنا:أ و ليس اللّه يقول وَ يَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ (2)فكيف علمت؟
فقال:ما يعلم المخزون المكنون الذي لم يطّلع عليه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل غير محمّد و ذرّيته.
أقول:ردّ عليه السّلام الإعتراض على أحسن الوجوه و أكملها،و له في الأخبار عنهم عليهم السّلام معنى آخر و هو أنّه لا يعلم ما في الأرحام أحد إلاّ بتعليم اللّه تعالى و وحيه و إلهامه و أنّهم عليهم السّلام يعلمون ذلك بالوحي و الإلهام.
و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:لمّا صالح الحسن عليه السّلام معاوية جلسا بالنخيلة فقال:يا أبا محمّد بلغني أنّ رسول اللّه كان يخرص النخل،فهل عندك من ذلك علم فإنّ شيعتكم يزعمون أنّه لا يعزب عنكم علم شيء في الأرض و لا في السماء؟
فقال الحسن عليه السّلام:إنّ رسول اللّه كان يخرص كيلا و أنا أخرص عددا،فقال معاوية:كم في هذه النخلة؟
فقال عليه السّلام:أربعة آلاف بسرة و أربع بسرات،فأمر معاوية بها فصرمت و عدّت فجاءت أربعة آلاف و ثلاث بسرات.
فقال:و اللّه ما كذبت و لا كذّبت فنظر فإذا في يد عبد اللّه بن عامر بسرة (1).
و في كتاب الخرائج و الجرائح أنّ الحسن عليه السّلام و عبد اللّه بن العبّاس كانا على مائدة فجاءت جرادة[و وقفت]على المائدة فقال عبد اللّه للحسن:أيّ شيء مكتوب على جناح الجرادة؟
فقال عليه السّلام:مكتوب عليه:أنا اللّه لا إله إلاّ أنا ربّما أبعث الجراد لقوم جياع ليأكلوه و ربّما أبعثها نقمة على قوم لتأكل أطعمتهم.
فقام عبد اللّه:و قبّل رأس الحسن و قال:هذا من مكنون العلم (2).
و من قوله عليه السّلام شعر:
ذري كدر الأيّام إنّ صفاءها تولي بأيام السرور الذواهب
و كيف يعزّ الدهر من كان بينه و بين الليالي محكمات التجارب
و له أيضا:
قل للمقيم بغير دار إقامة حان الرحيل فودّع الأحبابا
إنّ الذين لقيتهم و صحبتهم صاروا جميعا في القبور ترابا
و له أيضا:
يا أهل لذّات دنيا لا بقاء لها إنّ المقام بظلّ زائل حمق
و له:
لكسرة من خسيس الخبز تشبعني و شربة من قراح الماء تكفيني
و تمرة من رقيق الثوب تسترني حيّا و إن متّ تكفيني لتكفيني (3)
و جاء بعض الأعراب فقال:أعطوه ما في الخزانة فوجد فيها عشرون ألف درهم فدفعها إليه،
فقال الأعرابي:يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي و أنشر مدحتي فأنشأ الحسن عليه السّلام شعر:
نحن أناس نوالنا خضل يرتع فيه الرّجاء و الأمل
نجود قبل السؤال بأنفسنا خوفا على ماء وجه من يسل
لو علم البحر فضل نائلنا لغاض من بعد فيضه خجل (1)
روى المبرّد أنّ شاميّا رآه راكبا فجعل يلعنه و الحسن لا يرد،فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه السّلام فسلّم عليه و ضحك فقال:أيّها الشيخ أظنّك غريبا و لعلّك شبّهت فلو سألتنا أعطيناك و لو استرشدتنا أرشدناك و لو استحملتنا حملناك و إن كنت جائعا أشبعناك و إن كنت عريانا كسوناك و إن كنت محتاجا أغنيناك و إن كنت طريدا آويناك و إن كان لك حاجة قضيناها لك فلو نقلت رحلك إلينا و كنت ضيفا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك،لأنّ لنا موضعا رحبا و جاها عريضا و مالا كثيرا.
فلمّا سمع الرجل كلامه بكى و قال:أشهد أنّك خليفة اللّه في أرضه،اللّه أعلم حيث يجعل رسالته و كنت أنت و أبوك أبغض خلق اللّه إليّ و حوّل رحله إليه و كان ضيفه إلى أن ارتحل و صار معتقدا لمحبّتهم.
و روي أنّ غلاما له جنى جناية توجب العقاب فأمر به أن يضرب،فقال:يا مولاي و العافين عن الناس.
قال:عفوت عنك.
قال:يا مولاي و اللّه يحبّ المحسنين.
قال:أنت حرّ لوجه اللّه و لك ضعف ما كنت أعطيك (2).
و من سخائه و كرم طباعه رضي اللّه عنه ما روي أنّ رجلا دفع إليه رقعة في حاجة فقال له:حاجتك مقضية،فقيل له يابن رسول الله:لو نظرت في رقعته ثمّ رددت الجواب على قدر ذلك؟فقال:
أخشى أن يسألني اللّه عن ذلّ مقامه بين يدي حتّى أقرأ رقعته (1).
و يروى أنّ رجلا آخر سأله حاجة فقال له:يا هذا حقّ سؤالك إيّاي معظّم لدي،و معرفتي بما يجب لك يكبر عليّ،و يدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله،و الكثير في ذات اللّه قليل،و ما في يدي وفاء بشكرك،فإن قبلت المسيور و رفعت عنّي مؤونة الإحتيال و الإهتمام لما أتكلّف من واجبك فعلت،فقال:يابن رسول اللّه أقبل و أشكر العطية و أعذر على المنع،فدعا الحسن عليه السّلام وكيله و جعل يحاسبه على نفقاته حتّى استقصاها فقال له:هات الفاضل فأحضر خمسين ألفا،ثمّ قال:ما فعلت الخمس مائة دينار؟قال:هي عندي قال:أحضرها فأحضرها فدفع الحسن الدنانير و الدراهم إلى الرجل و قال:هات من يحملها لك فأتى بحمّالين فدفع الحسن عليه السّلام إليهما رداءه لكرى الحمل و قال:هذا أجرة حملكما و لا تأخذا منه شيئا فقال له موالوه:و اللّه ما عندنا درهم فقال:لكنّي أرجو أن يكون لي عند اللّه أجر عظيم (2).
و روي أنّه عليه السّلام سمع رجلا يسأل اللّه في سجوده عشرة آلاف درهم فانصرف الحسن إلى منزله و بعث بها إليه (3).
و روي أنّ رجلا كتب إليه يسأله بهذه الأبيات:
غربة تتبع قلّة إنّ في الفقر مذلّة
يا ابن خير الناس أمّا يا ابن أكرمهم جبلّة
لا يكن جودك لي بل يكن جودك لله
فأعطاه الحسن عليه السّلام دخل العراق سنة،فقيل له:يابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تعطي دخل العراق سنة على ثلاث أبيات من الشعر فقال:أما سمعتم ما قال:
لا يكن جودك لي بل يكن جودك لله
فلو كانت الدنيا كلّها لي و أعطيتها إيّاه كانت في ذات اللّه قليلة.
و عن إبراهيم بن إسحاق المعروف بالحربي قال:و قد سألوا عن حديث عباس البقال فقال:- خرجت إلى الكبش (4)و وزنت لعباس البقال دانقا إلاّ فلسا فقال لي:يا أبا إسحاق حدّثني حديثا في السخاء،فلعلّ اللّه عزّ و جلّ يشرح صدري فأعمل شيئا.قال:فقلت له:نعم.
روى عن الحسن بن علي عليه السّلام أنه كان مارا في بعض حيطان المدينة فرأى أسود بيده رغيفي.
يأكل لقمة و يطعم الكلب لقمة إلى أن شاطره الرغيف،فقال له الحسن:ما حملك على أن شاطرته فلم تغابنه فيه بشيء؟فقال:إستحيت عيناي من عينه (1)أن أغابنه فقال له:غلام من أنت؟
قال:غلام أبان بن عثمان.فقال:و الحائط؟فقال لأبان بن عثمان،فقال له الحسن:أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك.فمرّ فاشترى الغلام و الحائط و جاء إلى الغلام،فقال:يا غلام قد اشتريتك فقام قائما فقال:السّمع و الطاعة للّه و لرسوله و لك يا مولاي.قال:فقد اشتريت الحائط و أنت[حرّ]لوجه اللّه و الحائط هبة مني إليك.قال:فقال الغلام:يا مولاي قد وهبت الحائط للذي و هبتني له.
قال:فقال عباس البقال:الحسن و اللّه يا أبا إسحاق.لأبي إسحاق دانق إلاّ فلسا،أعطه بدانق ما يريد.
قلت:و اللّه لا أخذت إلاّ بدانق إلاّ فلسا (2).
و قال عبد اللّه بن عباس:ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلاّ أني[لم]أحج ماشيا،و لقد حج الحسن بن علي عليه السّلام خمسا و عشرين مرة ماشيا و إنّ النجائب لتقاد معه،و لقد قاسم اللّه ماله ثلاث مرات،حتى أنه يعطى الخفّ و يمسك النعل (3).
و عن أبي صالح بن سليمان،قال:قدم رجل من المدينة و كان يبغض عليا فقطع به فلم يكن له زاد و لا راحلة فشكا ذلك إلى بعض أهل المدينة،فقال له:عليك بحسن بن علي،فقال له الرجل:
ما لقيت هذا إلاّ في الحسن و أبي حسن؟فقيل له:فإنك لا تجد خيرا[إلاّ]منه فأتاه فشكا إليه،فأمر له بزاد و راحلة،فقال الرجل:اللّه أعلم حيث يجعل رسالته.
و عن أبي هارون،قال:إنطلقنا حجّاجا فدخلنا المدينة فقلنا:لو دخلنا على ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحسن فسلّمنا عليه فدخلنا عليه فحدّثناه بمسيرنا و حالنا،فلما خرجنا من عنده بعث إلى كل رجل منا بأربع مائة أربع مائة،فقلنا للرسول:إنا أغنياء و ليس بنا حاجة،فقال:لا تردّوا عليه معروفه.
فرجعنا إليه فأخبرناه بيسارنا و حالنا فقال:لا تردّوا علي معروفي فلو كنت على غير هذه الحال كان هذا لكم يسيرا أما إني مزوّدكم:إن اللّه يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة فيقول:عبادي جاؤوني شعثا يتعرّضون لرحمتي فأشهدكم أنّي قد غفرت لمحسنهم و شفّعت محسنهم في مسيئهم و إذا كان يوم الجمعة فمثل ذلك.
قال أنس:جاءت جارية إلى الحسن بن عليّ عليهما السّلام بطاقة ريحان فقال لها:أنت حرّة لوجه3.
اللّه،فقلت له في ذلك فقال:أدّبنا اللّه تعالى فقال: إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها (1)و كان أحسن منها إعتاقها.
و له عليه السّلام شعر:
إنّ السخاء على العباد فريضة لله يقرأ في كتاب محكم
وعد العباد الأسخياء جنانه و أعدّ للبخلاء نار جهنّم
من كان لا تندى يداه بنائل للرّاغبين فليس ذاك بمسلم
و في المناقب:إنّ معاوية قدم المدينة فجلس في داره يوما يعطي من يدخل عليه من خمسة آلاف إلى مائة ألف،فدخل عليه الحسن بن علي عليهما السّلام في آخر الناس فقال:أبطأت يا أبا محمّد [فلعلك] (2)أردت أن تبخلني عند قريش فانتظرت[أن] (3)يفنى ما عندنا،يا غلام أعط الحسن مثل جميع ما أعطينا في يومنا هذا و أنا ابن هند،فقال الحسن عليه السّلام:لا حاجة لي فيها يا أبا عبد الرحمن،ورددتها و أنا ابن فاطمة بنت محمّد رسول اللّه.
و قال المبرد في الكامل:قال مروان بن الحكم:إنّي مشغوف ببغلة الحسن بن عليّ فقال له ابن أبي العتيق:إذا دفعتها إليك تقضي لي ثلاثين حاجة؟
قال:نعم،قال:إذا اجتمع القوم فإنّي آخذ في مدائح قريش و أمسك عن مآثر الحسن فلمني على ذلك،فلمّا حضر القوم أخذ في مآثر قريش فقال مروان:ألا تذكر أولية أبي محمّد و له في هذا ما ليس لأحد؟
قال:إنّما كنّا في ذكر الأشراف و لو كنّا في ذكر الأنبياء لقدّمنا ذكره،فلمّا خرج الحسن عليه السّلام ليركب اتبعه ابن أبي عتيق فقال له الحسن و تبسّم:ألك حاجة؟
قال:نعم ركوب البغلة فنزل الحسن عليه السّلام و دفعها إليه و قال:إنّ الكريم إذا خادعته انخدعا.
و في كتاب كشف الغمّة أنّ رجلا جاء إلى الحسن عليه السّلام و سأله حاجة فقال:حقّ سؤالك يعظم لديّ و معرفتي بما يجب لك يكبر لدي و يدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله و الكثير قليل في ذات اللّه عزّ و جلّ و ما في ملكي وفاء لشكرك،فإن قبلت الميسور رفعت عنّي الإهتمام بما أتكلّفه من واجبك فعلت،فقال:يابن رسول اللّه أقبل القليل و أشكر العطية،فدعى الحسن عليه السّلام بوكيله و قد بقي عنده خمسين ألفا و خمسمائة دينار فدفعها إلى الرجل و قال:هات من يحملها لك فأتاه بحمّالين فدفع الحسن عليه السّلام إليه رداءه لكرى الحمّالين فقال مواليه:ما عندنا درهم.
فقال:لكنّي أرجو أن يكون لي عند اللّه أجر عظيم.ر.
و روى أبو الحسن المدائني قال:خرج الحسن و الحسين و عبد اللّه بن جعفر عليه السّلام حجّاجا ففاتهم أثقالهم فجاعوا و عطشوا فمرّوا بعجوز في خباء لها فقالوا:هل من شراب؟
فقالت:نعم.فأناخوا بها و ليس إلاّ شويهة في كسر الخيمة فقالت:إحلبوها و اشربوا لبنها ففعلوا ذلك و قالوا لها:هل من طعام؟
قالت:لا إلاّ هذه الشاة فليذبحها أحدكم حتّى أهيّئ لكم شيئا تأكلون،فقام إليها أحدهم فذبحها فهيّأت لهم طعاما فأكلوا ثمّ أقاموا عندها حتّى أبردوا،فلمّا ارتحلوا قالوا لها:نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فألمّي بنا فإنّا صانعون إليك خيرا ثمّ ارتحلوا و أقبل زوجها و أخبرته عن القوم و الشاة،فغضب الرّجل فقال:ويحك تذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم،ثمّ بعد مدّة ألجأتهم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها و جعلا ينقلان البعر إليها و يبيعانه و يعيشان منه، فمرّت العجوز في بعض سكك المدينة و الحسن عليه السّلام على باب داره جالس فعرف العجوز و هي له منكرة فبعث غلامه فردّها و قال لها:يا أمة اللّه تعرفيني؟
قالت:لا.
قال عليه السّلام:أنا ضيفك يوم كذا فقالت العجوز:بأبي أنت و أمّي فأمر عليه السّلام فاشترى لها من [شياه]الصدقة ألف شاة و أمر لها بألف دينار و بعث بها إلى أخيه الحسين عليه السّلام فقال:بكم
وصلك أخي الحسن؟
فقالت:بألف شاة و ألف دينار فأمر لها بمثل ذلك ثمّ بعث بها مع غلامه إلى عبد اللّه بن جعفر فأخبرته فأمر لها عبد اللّه بألفي شاة و ألفي دينار،و قال:لو بدأتي بي لأتعبتهما،فرجعت العجوز إلى زوجها بذلك (1).
من كتاب الفنون:مرّ الحسن بن علي عليهما السّلام على فقراء و قد وضعوا كسيرات على الأرض و هم قعود يلتقطونها و يأكلونها فقالوا له:هلم يابن بنت رسول اللّه إلى الغذاء فنزل و قال:إنّ اللّه لا يحبّ المستكبرين،و جعل يأكل معهم حتّى اكتفوا و الزاد على حاله ببركته عليه السّلام ثمّ دعاهم إلى ضيافته و أطعمهم و كساهم (2).
و عن نجيح قال:رأيت الحسن بن علي يأكل و بين يديه كلب كلّما أكل لقمة طرح للكلب لقمة فقلت له:يابن رسول اللّه ألا أرجم هذا الكلب عن طعامك؟
قال:دعه إنّي لأستحي من اللّه عزّ و جلّ أن يكون ذو روح ينظر في وجهي و أنا آكل ثمّ لا أطعمه (1).
قال أبو الفرج:و دس معاوية رجلا من حمير إلى الكوفة،و رجلا من بني القين إلى البصرة يكتبان إليه بالأخبار،فدلّ على الحميريّ (2)و على القينيّ،فأخذا و قتلا (3).
و كتب الحسن عليه السّلام إلى معاوية:
أمّا بعد؛فإنّك دسست اليّ الرجال،كأنك تحبّ اللقاء؛لا أشك في ذلك فتوقّعه إن شاء اللّه.
و بلغنى أنك شمتّ بما لم يشمت به ذو الحجى؛و إنّما مثلك في ذلك كما قال الأول:
فإنّا و من قد مات منّا لكالّذى يروح فيمسى في المبيت ليغتدى (4)
فقل للّذى يبغى خلاف الّذى مضى تجهّز لأخرى مثلها فكأن قد
فأجابه معاوية:
أما بعد،فقد وصل كتابك،و فهمت ما ذكرت فيه؛و لقد علمت بما حدث فلم أفرح و لم أحزن،و لم أشمت و لم آس،و إن عليّا أباك لكما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
فأنت الجواد و أنت الّذى إذا ما القلوب ملان الصّدورا
جدير بطعنة يوم اللّقا ء يضرب منها النّساء النّحورا
و ما مزيد من خليج البحا ر يعلو الإكام و يعلو الجسورا
بأجود منه بما عنده فيعطى الألوف و يعطى البدورا (5)
قال أبو الفرج:و كتب عبد اللّه بن العباس من البصرة إلى معاوية:
أما بعد،فإنّك ودسّك أخا بني القين إلى البصرة،تلتمس من غفلات قريش بمثل ما ظفرت به من يمانيّتك،لكما قال أميّة بن أبي الأسكر (1):
لعمرك إنّي و الخزاعيّ طارقا كنعجة عاد حتفها تتحقّر
أثارت عليها شفرة بكراعها فظلّت بها من آخر الليل تنحر
شمتّ بقوم من صديقك أهلكوا أصابهم يوم من الدّهر أصفر (2)
فأجابه معاوية:
أمّا بعد،فإن الحسن بن علي،قد كتب إليّ بنحو ممّا كتبت به،و أنبأنى بما لم يحقّق سوء ظنّ (3)و رأي فيّ،و إنك لم تصب مثلي و مثلكم،و إنما مثلنا كما قال طارق الخزاعي يجيب أميّة عن هذا الشعر:
فو الله ما أدرى و إنّى لصادق إلى أيّ من يظّنّنى أتعذّر
قال أبو الفرج:و كان أوّل شيء أحدثه الحسن عليه السّلام أنّه زاد المقاتلة مائة مائة،و قد كان عليّ عليه السّلام فعل ذلك يوم الجمل،و فعله الحسن حال الإستخلاف،فتبعه الخلفاء من بعده في ذلك (4).
قال:و كتب الحسن عليه السّلام إلى معاوية مع حرب بن عبد اللّه الأزديّ (5).
من الحسن (6)بن عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان،سلام عليك،فإنى أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو،أما بعد فإن اللّه جلّ جلاله بعث محمدا رحمة للعالمين،و منّة للمؤمنين، و كافّة للناس أجمعين، لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (7)،فبلّغ رسالات اللّه، و قام بأمر اللّه حتى توفّاه اللّه غير مقصّر و لا و ان،و بعد أن أظهر اللّه به الحقّ و محق به الشّرك، و خص به قريشا خاصّة فقال له: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ (8).فلما توفّى تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش:نحن قبيلته و أسرته و أولياؤه،و لا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمد و حقّه،فرأت العرب أنّ القول ما قالت قريش،و أنّ الحجة في ذلك لهم على من نازعهم أمر محمد،فأنعمت (9)».
1) كذا في الأغاني و مقاتل الطالبيين و هو الصواب،و في ب:«أمية بن أبي الصلت».
2) في الأغاني:«أعسر».
3) مقاتل الطالبيين:«بما لم يحقق سوء ظن و رأي فيّ».
4) مقاتل الطالبيين 55.
5) مقاتل الطالبيين:«مع جندب بن عبد الله الأزدي».
6) مقاتل الطالبيين:«بسم الله الرحمن الرحيم،من الحسن...».
7) سورة يس،الآية:70.
8) سورة الزخرف،الآية:44.
9) أنعمت لهم؛أي قالت لهم:«نعم».
لهم،و سلّمت إليهم.ثم حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاججت به العرب،فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها،إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالإنتصاف و الاحتجاج،فلمّا صرنا أهل بيت محمد و أولياءه إلى محاجّتهم،و طلب النّصف (1)منهم باعدونا و استولوا بالإجماع على ظلمنا و مراغمتنا (2)و العنت منهم لنا،فالموعد اللّه،و هو الوليّ النّصير؟
و لقد كنّا تعجّبنا لتوثّب المتوثبين علينا في حقنا و سلطان نبيّنا،و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الإسلام،و أمسكنا عن منازعتهم مخافة على الدين أن يجد المنافقون و الأحزاب (3)في ذلك مغمزا يثلمونه به،أو يكون لهم بذلك سبب إلى ما أرادوا من إفساده،فاليوم فليتعجّب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله،لا بفضل في الدين معروف،و لا أثر في الإسلام محمود، و أنت ابن حزب من الأحزاب،و ابن أعدى قريش لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لكتابه،و اللّه حسيبك،فستردّ فتعلم لمن عقبى الدار،و باللّه لتلقينّ عن قليل ربّك،ثم ليجزينّك بما قدّمت يداك،و ما اللّه بظلام للعبيد.
إنّ عليا لما مضى لسبيله-رحمة اللّه عليه يوم قبض و يوم منّ اللّه عليه بالإسلام،و يوم يبعث حيّا-ولاّني المسلمون الأمر بعده،فأسأل اللّه ألاّ يؤتينا في الدنيا الزائلة شيئا ينقصنا به في الآخرة مما عنده من كرامة،و إنّما حملني على الكتاب إليك الإعذار فيما بيني و بين اللّه عزّ و جلّ في أمرك، و لك في ذلك إن فعلته الحظّ الجسيم،و الصلاح للمسلمين،فدع التمادي في الباطل،و ادخل فيما دخل فيه النّاس من بيعتي،فإنك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند اللّه و عند كلّ أوّاب حفيظ،و من له قلب منيب.و اتّق اللّه ودع البغي،و احقن دماء المسلمين،فو الله ما لك خير في أن تلقى اللّه من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به،و ادخل في السّلم و الطاعة،و لا تنازع الأمر أهله و من هو أحقّ به منك،ليطفىء اللّه النائرة (4)بذلك،و يجمع الكلمة،و يصلح ذات البين،و إن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيّك سرت (5)إليك بالمسلمين فحاكمتك،حّتى يحكم اللّه بيننا و هو خير الحاكمين.
فكتب معاوية إليه (6):
من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى الحسن بن علي،سلام اللّه عليك،فإنّي أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلاّ هو،أمّا بعد،فقد بلغني كتابك،و فهمت ما ذكرت به محمدا رسول اللّه من الفضل، و هو أحق الأوّلين و الآخرين بالفضل كلّه قديمه و حديثه،و صغيره و كبيره،و قد و اللّه بلّغ و أدّى،».
1) سورة الزخرف،الآية:44.
2) راغمهم:نابذهم و عاداهم.
3) الأحزاب:هم الذين تحزبوا و تظاهروا على قتال رسول الله من قريش و غطفان و بني مرة و بني أشجع و بني سليم و بني أسد في غزوة الخندق.
4) النائرة:العدواة و الشحناء.
5) مقاتل الطالبيين:«نهدت».
6) في مقاتل الطالبيين:«بسم الله الرحمن الرحيم،من عبد الله...».
و نصح و هدى؛حتى أنقذ اللّه به من الهلكة،و أنار به من العمى،و هدى به من الجهالة و الضلالة، فجزاه اللّه أفضل ما جزى نبيّا عن أمته؛و صلوات اللّه عليه يوم ولد و يوم بعث و يوم قبض،و يوم يبعث حيّا!
و ذكرت وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تنازع المسلمين الأمر بعده،و تغلّبهم على أبيك،فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق و عمر الفاروق و أبي عبيدة الأمين و حواريي (1)رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و صلحاء المهاجرين و الأنصار،فكرهت ذلك لك؛إنّك امرؤ عندنا و عند الناس غير الظّنين (2)و لا المسيء،و لا اللئيم، و أنا أحبّ لك القول السديد،و الذكر الجميل.
إنّ هذه الأمة لمّا اختلفت بعد نبيّها لم تجهل فضلكم و لا سابقتكم،و لا قرابتكم من نبيّكم، و لا مكانكم في الإسلام و أهله،فرأت الأمّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيّها، و رأى صلحاء النّاس من قريش و الأنصار و غيرهم من سائر الناس و عوامّهم أن يولّوا هذا الأمر من قريش أقدمها إسلاما،و أعلمها باللّه،و أحبّها له،و أقواها على أمر اللّه،فاختاروا أبا بكر،و كان ذلك رأي ذوي الدين و الفضل،و الناظرين للأمة،فأوقع ذلك في صدوركم لهم التّهمة،و لم يكونوا متّهمين،و لا فيما أتوا بالمخطئين،و لو رأى المسلمون أنّ فيكم من يغني غناءه،و يقوم مقامه، و يذبّ عن حريم الإسلام ذبّه،ما عدلوا بالأمر إلى غيره رغبة عنه،و لكنهم علموا في ذلك بما رأوه صلاحا للإسلام و أهله،و اللّه يجزيهم عن الإسلام و أهله خيرا.
و قد فهمت الّذي دعوتني إليه من الصلح،و الحال فيما بيني و بينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فلو علمت أنّك أضبط مّني للرعيّة،و أحوط على هذه الأمّة،و أحسن سياسة،و أقوى على جمع الأموال،و أكيد للعدوّ،لأجبتك إلى ما دعوتني إليه، و رأيتك لذلك أهلا،و لكن قد علمت أنّي أطول منك ولاية،و أقدم منك بهذه الأمّة تجربة،و أكبر منك سنّا،فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني،فادخل في طاعتي،و لك الأمر من بعدي،و لك ما في بيت مال العراق من مال بالغا ما يبلغ،تحمله إلى حيث أحببت،و لك خراج أيّ كور العراق شئت؛معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك و يحملها إليك في كل سنة؛و لك ألاّ نستولي عليك بالإساءة،و لا نقضي دونك الأمور،و لا نعصي في أمر أردت به طاعة اللّه.أعاننا اللّه و إيّاك على طاعته إنه سميع مجيب الدعاء.و السّلام.
قال جندب:فلما أتيت الحسن بكتاب معاوية،قلت له:إنّ الرجل سائر إليك،فابدأه بالمسير حتى تقاتله في أرضه و بلاده و عمله،فأمّا أن تقدّر أنه ينقاد لك؛فلا و اللّه حتى يرى منّا أعظم من يوم صفّين.».
فقال:أفعل،ثم قعد عن مشورتي و تناسى قولي (1).
قالوا:و كتب معاوية إلى الحسن:
أما بعد (2)،فإنّ اللّه يفعل في عباده ما يشاء،لا معقّب لحكمه و هو سريع الحساب،فاحذر أن تكون منيّتك على أيدي رعاع من الناس،و ايئس من أن تجد فينا غميزة (3)،و إن أنت أعرضت عمّا أنت فيه و بايعتني وفيت لك بما وعدت،و أجريت لك ما شرطت،و أكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة:
و إن أحد أسدى إليك أمانة فأوف بها تدعى إذا متّ وافيا
و لا تحسد المولى إذا كان ذا غنى و لا تجفه إن كان في المال فانيا
ثم الخلافة لك من بعدي،فأنت أولى الناس بها.و السّلام.
فأجابه الحسن:
أما بعد (4)فقد وصل إليّ كتابك،تذكر فيه ما ذكرت،فتركت جوابك خشية البغي[منّي] عليك،و باللّه أعوذ من ذلك،فاتبع الحقّ تعلم أنّي من أهله،و عليّ إثم أن أقول فأكذب.و السّلام.
فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية قرأه،ثم كتب إلى عمّاله على النواحي بنسخة واحدة.
من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين إلى فلان ابن فلان (5)و من قبله من المسلمين.سلام عليكم.
فإنّي أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلاّ هو.أمّا بعد،فالحمد للّه الذي كفاكم مؤونة عدوّكم و قتل خليفتكم،إنّ اللّه بلطفه،و حسن صنعه،أتاح لعليّ بن أبي طالب رجلا من عباده،فاغتاله فقتله، فترك أصحابه متفرّقين مختلفين؛و قد جاءتنا كتب أشرافهم وقادتهم يلتمسون الأمان لأنفسهم و عشائرهم؛فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم و جندكم و حسن عدّتكم،فقد أصبتم بحمد اللّه الثأر،و بلغتم الأمل،و أهلك اللّه أهل البغي و العدوان.و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته (6).
قال:فاجتمعت العساكر إلى معاوية،فسار بها قاصدا إلى العراق.و بلغ الحسن خبره و مسيره نحوه؛و أنّه قد بلغ جسر منبج،فتحرّك عند ذلك،و بعث حجر بن عديّ فأمر العمال و النّاس بالتهيّؤ للمسير،و نادى المنادي:الصلاة جامعة!فأقبل الناس يثوبون و يجتمعون.و قال الحسن:إذا رضيت0.
جماعة النّاس فأعلمني؛و جاءه سعيد بن قيس الهمدانيّ،فقال له:أخرج،فخرج الحسن عليه السّلام، و صعد المنبر،فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:أمّا بعد؛فإنّ اللّه كتب الجهاد على خلقه،و سمّاه كرها (1)،ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين:إصبروا إنّ اللّه مع الصابرين،فلستم أيّها الناس نائلين ما تحبّون إلاّ بالصبر على ما تكرهون.
بلغني أنّ معاوية بلغه أنّا كنا أزمعنا على المسير إليه؛فتحرّك لذلك،أخرجوا رحمكم اللّه إلى معسكركم بالنّخيلة حتى ننظر و تنظروا،و نرى و تروا.
قال:و إنّه في كلامه ليتخوّف خذلان الناس له،قال:فسكتوا فما تكلّم منهم أحد،و لا أجابه بحرف.
فلمّا رأى ذلك عديّ بن حاتم قام فقال:أنا ابن حاتم!سبحان الله!ما أقبح هذا المقام!ألا تجيبون إمامكم و ابن بنت نبيّكم!أين خطباء مضر[أين المسلمون؟أين الخواضون من أهل المصر] (2)الذين ألسنتهم كالمخاريق (3)في الدّعة،فإذا جدّ الجدّ فروّاغون كالثعالب،أما تخافون مقت اللّه و لا عيبها و عارها.
ثم استقبل الحسن بوجهه،فقال:أصاب اللّه بك المراشد،و جنّبك المكاره و وفّقك لما يحمد ورده و صدره.
قد سمعنا مقالتك،و انتهينا إلى أمرك،و سمعنا لك و أطعناك فيما قلت و ما رأيت،و هذا وجهي إلى معسكري،فمن أحبّ أن يوافيني فليواف.
ثم مضى لوجهه،فخرج من المسجد و دابته بالباب،فركبها و مضى إلى النّخيلة،و أمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه.و كان عديّ بن حاتم أوّل الناس عسكر (4).
و قام قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ و معقل بن قيس الرياحيّ و زياد بن صعصعة التّيمي، فأنّبوا النّاس و لاموهم و حرّضوهم،و كلّموا الحسن عليه السّلام بمثل كلام عديّ بن حاتم في الإجابة و القبول،فقال لهم الحسن عليه السّلام:صدقتم رحمكم اللّه!ما زلت أعرفكم بصدق النيّة و الوفاء و القبول و المودّة الصحيحة،فجزاكم اللّه خيرا ثم نزل.
و خرج النّاس فعسكروا،و نشطوا للخروج،و خرج الحسن إلى العسكر،و استخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب،و أمره باستحثاث النّاس و إشخاصهم إليه، فجعل يستحثّهم و يستخرجهم حتى يلتئم العسكر.».
و سار (1)الحسن عليه السّلام في عسكر عظيم و عدّة حسنة،حتى نزل دير عبد الرحمن،فأقام به ثلاثا حتى اجتمع الناس،ثم دعا عبيد اللّه بن العباس بن عبد المطلب،فقال له:يابن عمّ،إني باعث إليك اثنا عشر ألفا من فرسان العرب و قرّاء المصر،الرجل منهم يزيد (2)الكتيبة،فسر بهم،و ألن لهم جانبك،و ابسط لهم وجهك،و افرش لهم جناحك،و أدنهم من مجلسك،فإنّهم بقية ثقات أمير المؤمنين،و سر بهم على شطّ الفرات حتى تقطع بهم الفرات،ثم تصير إلى مسكن،ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية،فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك،فإنّي على أثرك وشيكا،و ليكن خبرك عندي كلّ يوم،و شاور هذين-يعني قيس بن سعد و سعيد بن قيس-و إذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك،فإن فعل فقاتله،و إن أصبت فقيس بن سعد على الناس،و إن أصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على النّاس (3).
فسار عبيد اللّه حتى انتهى إلى شينور (4)،حتى خرج إلى شاهى (5)،ثم لزم الفرات و الفلّوجة (6):حتى أتى مسكن (7)،و أخذ الحسن على حمّام عمر حتى أتى دير كعب،ثم بكّر فنزل ساباط دون القنطرة،فلمّا أصبح نادى في الناس:الصّلاة جامعة!فاجتمعوا،فصعد المنبر فخطبهم فقال:الحمد للّه كلّما حمده حامد،و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه كلّما شهد له شاهد،و أشهد أن محمدا رسول اللّه،أرسله بالحق،و ائتمنه على الوحى،صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.أما بعد،فو اللّه إنّى لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد اللّه و منّه و أنا أنصح خلقه لخلقه،و ما أصبحت محتملا على مسلم ضغينة،و لا مريد له بسوء و لا غائلة.ألا و إنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبّون في الفرقة؛ألا و إنّي ناظر لكم خيرا من نظركم لأنفسكم،فلا تخالفوا أمري،و لا تردّوا عليّ رأيي.غفر اللّه لي و لكم، و أرشدني و إيّاكم لما فيه محبّته (8)و رضاه،إن شاء الله!ثم نزل.
قال:فنظر الناس بعضهم إلى بعض،و قالوا:ما ترونه يريد بما قال؟قالوا:نظنّه يريد أن يصالح معاوية،و يكل الأمر إليه،كفر و اللّه الرجل!ثم شدّوا على فسطاطه.فانتهبوه حتى أخذوا مصلاّه من تحته؛ثم شدّ عليه عبد الرحمن بن عبد اللّه بن جعال الأزديّ،فنزع مطرفه عن عاتقه، فبقي جالسا متقلّدا سيفا بغير رداء،فدعا بفرسه فركبه،و أحدق به طوائف من خاصّته و شيعته، و منعوا منه من أراده،و لاموه و ضعّفوه لما تكلّم به؛فقال:ادعوا إليّ ربيعة و همدان،فدعوا له،».
1) مقاتل الطالبيين:«ثم إن الحسن...».
2) في نسخة:«يزن».
3) بعدها في مقاتل الطالبيين:«ثم أمره بما أراد».
4) شينور:صقع بالعراق،و في ب«سينور»تحريف.
5) شاهى:موضع قرب القادسية.
6) ياقوت:«فلاليج السواد:قراها،واحدها الفلوجة،و الفلوجة الكبرى،و الفلوجة الصغرى:قريتان كبيرتان من سواد بغداد و الكوفة قرب عين التمر».
7) مسكن:موضع على نهر دجيل.
8) مقاتل الطالبيين:«لما فيه المحبة و الرضا».
فأطافوا به،و دفعوا الناس عنه،و معهم شوب (1)من غيرهم،فلمّا مرّ في مظلم ساباط (2)،قام إليه رجل من بني أسد،ثم من بني نضر بن قعين يقال له جراح بن سنان،و بيده معول،فأخذ بلجام فرسه،و قال:اللّه أكبر!يا حسنأشرك أبوك،ثم أشركت أنت (3).و طعنه بالمعول،فوقعت في فخذه،فشّقته حتى بلغت أربيّته (4)،و سقط الحسن عليه السّلام إلى الأرض بعد أن ضرب الذي طعنه بسيف كان بيده،و اعتنقه،فخرّا جميعا إلى الأرض؛فوثب عبد اللّه بن الأخطل (5)الطائيّ،و نزع المعول من يد جراح بن سنان،فخضخضه (6)به،و أكبّ ظبيان بن عمارة عليه،فقطع أنفه،ثم أخذا له الآجر فشدخا رأسه،و وجهه حتى قتلوه.
و حمل الحسن عليه السّلام على سرير إلى المدائن،و بها سعيد (7)بن مسعود الثقفيّ واليا عليها من قبله،و قد كان عليّ عليه السّلام ولاّه المدائن فأقرّه الحسن عليه السّلام عليها،فأقام عنده يعالج نفسه.فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل قرية يقال لها الحلوبية (8)بمسكن،و أقبل عبيد اللّه بن عباس حتى نزل بإزائه؛ فلما كان من غد وجّه معاوية بخيله إليه فخرج إليهم عبيد اللّه فيمن معه فضربهم حتى ردّهم إلى معسكرهم؛فلما كان الليل أرسل معاوية إلى عبيد اللّه بن عباس أنّ الحسن قد راسلنى في الصلح؛ و هو مسلّم الأمر إليّ،فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا،و إلاّ دخلت و أنت تابع،و لك إن أجبتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم،أعجّل لك في هذا الوقت نصفها؛و إذا دخلت الكوفة النّصف الآخر؛فانسلّ عبيد اللّه إليه ليلا،فدخل عسكر معاوية فوفّى له بما وعده،و أصبح الناس ينتظرون عبيد اللّه أن يخرج فيصلّي بهم؛فلم يخرج حتى أصبحوا،فطلبوه فلم يجدوه،فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة،ثم خطبهم فثبّتهم (9)،و ذكر عبيد اللّه فنال منه،ثم أمرهم بالصبر و النّهوض».
1) الشوب:الأخلاط من الناس.
2) مظلم ساباط:مضاف إلى ساباط التى قرب المدائن:موضع هناك،قال ياقوت:«و لا أدري لم سمي بذلك».
3) في مقاتل الطالبيين:«يا حسن،أشركت كما أشرك أبوك من قبل».
4) الأربية:أصل الفخذ.
5) مقاتل الطالبيين:«الخطل».
6) في نسخة:«فحصحصه».
7) مقاتل الطالبيين:«سعد».
8) في نسخة:«الحيوضة».
9) في مقاتل الطالبيين:«أيها الناس،لا يهولنكم و لا يعظمن عليكم ما صنع هذا الرجل الوله الورع«أي الجبان».إن هذا و أباه و أخاه لم يأتوا بيوم خير قط؛إن أباه عم رسول الله صلّى الله عليه و سلم خرج يقاتل ببدر،فأسره أبو الميسر كعببن عمرو الأنصاري،فأتى به رسول الله صلّى الله عليه و سلم،فأخذ فداءه فقسمه بين المسلمين،و إن أخاه ولاه علي أمير المؤمنين على البصرة،فسرق مال الله و مال المسلمين، فاشترى به الجواري؛و زعم أنّ ذلك له حلال؛و أنّ هذا ولاه على اليمن.فهرب من بسر بن أرطاة،و ترك ولده حتى قتلوا،و صنع الآن هذا الذي صنع.قال:فتنادى الناس:الحمد لله الذى أخرجه من بيننا،فانهض بنا إلى عدونا،فنهض بهم».
إلى العدوّ،فأجابوه بالطاعة و قالوا له:إنهض بنا إلى عدوّنا على إسم اللّه،فنزل فنهض بهم.
و خرج إليه بسر بن أرطاة فصاح إلى أهل العراق:ويحكم!هذا أميركم عندنا قد بايع و إمامكم الحسن قد صالح،فعلام تقتلون أنفسكم!
فقال لهم قيس بن سعد:إختاروا إحدى اثنتين؛إمّا القتال مع غير إمام،و إما أن تبايعوا بيعة ضلال،فقالوا:بل نقاتل بلا إمام،فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردّوهم إلى مصافّهم.
فكتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه و يمنّيه،فكتب إليه قيس:لا و لا تلقاني أبدا إلاّ بيني و بينك الرّمح.فكتب إليه معاوية حينئذ لما يئس منه:
أما بعد؛فإنّك يهوديّ ابن يهوديّ،تشقي نفسك و تقتلها فيما ليس لك؛فإن ظهر أحبّ الفريقين إليك نبذك و غدرك،و إن ظهر أبغضهم إليك نكّل بك و قتلك:و قد كان أبوك أوتر غير قوسه،و رمى غير غرضه؛فأكثر الحزّ و أخطأ المفصل،فخذله قومه،و أدركه يومه،فمات بحوران طريدا غريبا.و السّلام.
فكتب إليه قيس بن سعد:
أما بعد؛فإنما أنت وثن ابن وثن،دخلت الإسلام كرها،و أقمت فيه فرقا،و خرجت منه طوعا؛و لم يجعل اللّه لك فيه نصيبا،لم يقدم إسلامك،و لم يحدث نفاقك؛و لم تزل حربا للّه و لرسوله،و حزبا من أحزاب المشركين،و عدوّا للّه و لنبيه و للمؤمنين من عباده-و ذكرت أبي، فلعمرى ما أوتر إلاّ غرضه،فشغب عليه من لا يشقّ غباره،و لا يبلغ كعبه؛و زعمت أنّي يهوديّ ابن يهودي،و قد علمت و علم الناس أنّي و أبي أعداء الدّين الذي خرجت منه،و أنصار الدين الذي دخلت فيه،و صرت إليه.و السّلام.
فلما قرأ معاوية كتابه غاظه،و أراد إجابته،فقال له عمرو:مهلا،فإنك إن كاتبته أجابك بأشدّ من هذا؛و إن تركته دخل فيما دخل فيه الناس.فأمسك عنه.
قال:و بعث معاوية عبد اللّه بن عامر و عبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح،فدعواه إليه، فزهّداه في الأمر،و أعطياه ما شرط له معاوية،و ألا يتبع أحد بما مضى،و لا ينال أحد من شيعة عليّ بمكروه،و لا يذكر عليّ إلاّ بخير،و أشياء شرطها الحسن.فأجاب إلى ذلك،و انصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة،و انصرف الحسن أيضا إليها،و أقبل معاوية قاصدا نحو الكوفة،و اجتمع إلى الحسن عليه السّلام وجوه الشيعة و أكابر أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام يلومونه،و يشكون إليه جزعا مما فعله (1).
قال أبو الفرج:فحدّثني محمد بن أحمد بن عبيد،قال:حدثنا الفضل بن الحسن البصري7.
1) مقاتل الطالبيين 64-67.
قال:حدّثنا ابن عمرو،قال:حدّثنا مكّي بن إبراهيم،قال:حدّثنا السريّ بن إسماعيل،عن الشعبيّ،عن سفيان بن أبي ليلى.قال أبو الفرج:و حدّثني به أيضا محمد بن الحسين الأشناندانيّ، و عليّ بن العباس المقانعي (1)،عن عباد بن يعقوب،عن عمرو بن ثابت،عن الحسن بن الحكم، عن عديّ بن ثابت،عن سفيان بن أبي ليلى،قال:أتيت الحسن بن عليّ حين بايع معاوية،فوجدته بفناء داره،و عنده رهط،فقلت:السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين؛قال:و عليك السّلام يا سفيان، و نزلت فعقلت راحلتي،ثم أتيته فجلست إليه،فقال:كيف قلت يا سفيان؟
قلت:السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين!فقال:لم جرى هذا منك إلينا؟قلت:أنت و اللّه بأبي و أمي أذللت رقابنا حيث أعطيت هذا الطاغية البيعة،و سلّمت الأمر إلى اللعين ابن آكلة الأكباد، و معك مائة ألف كلّهم يموت دونك،فقد جمع اللّه عليك أمر الناس.فقال:يا سفيان،إنّا أهل بيت إذا علمنا الحقّ تمسّكنا به،و إني سمعت عليا يقول:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«لا تذهب الليالي و الأيام حتى يجتمع أمر هذه الأمة على رجل واسع السّرم (2)،ضخم البلعوم،يأكل و لا يشبع،لا ينظر اللّه إليه،و لا يموت حتى لا يكون له في السماء عاذر،و لا في الأرض ناصر»،و إنه لمعاوية، و إني عرفت أن اللّه بالغ أمره.
ثم أذّن المؤذّن،فقمنا على حالب نحلب ناقته،فتناول الإناء،فشرب قائما،ثم سقاني، و خرجنا نمشي إلى المسجد،فقال لي:ما جاء بك يا سفيان؟
قلت:حبّكم و الذي بعث محمدا بالهدى و دين الحق!قال:فأبشر يا سفيان،فإنّي سمعت عليا يقول؟سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:يرد عليّ الحوض أهل بيتي و من أحبّهم من أمتي كهاتين-يعني السبّابتين،أو كهاتين يعني السبّابة و الوسطى-إحداهما تفضل على الأخرى،أبشر يا سفيان؛فإنّ الدنيا تسع البرّ و الفاجر؛حتى يبعث اللّه إمام الحقّ من آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (3).
قلت:قوله:«و لا في الأرض ناصر»،أي ناصر ديني؛أي لا يمكن أحدا أن ينتصر له بتأويل ديني يتكلف به عذرا لأفعاله القبيحة.
فإن قلت:قوله:«و إنه لمعاوية»من الحديث المرفوع،أو من كلام عليّ عليه السّلام،أو من كلام الحسن عليه السّلام؟قلت:الظاهر أنه من كلام الحسن عليه السّلام،فإنه قد غلب على ظنّه أنّ معاوية صاحب هذه الصفات،و إن كان القسمان الأولان غير ممتنعين.
فإن قلت:فمن هو إمام الحقّ من آل محمد؟قلت:أمّا الإمامية فتزعم صاحبهم الذي يعتقدون أنه الآن حيّ في الأرض؛و أمّا أصحابنا فيزعمون أنه فاطميّ يخلقه اللّه في آخر الزمان.8.
قال أبو الفرج:و سار معاوية حتى نزل النّخيلة،و جمع الناس بها فخطبهم قبل أن يدخل ما انتهى إلينا منها (1).
فأمّا الشعبيّ فإنه روى أنه قال في الخطبة:ما اختلف (2)أمر أمة بعد نبيها إلاّ و ظهر أهل باطلها على أهل حقها،ثم انتبه فندم فقال:إلاّ هذه الأمة فإنها و إنها...
و أما أبو إسحاق السّبيعيّ فقال:إنّ معاوية قال في خطبته بالنّخيلة:ألا إنّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن عليّ تحت قدميّ هاتين لا أفي به.
قال أبو إسحاق؛و كان و اللّه غدّارا.
و روى الأعمش عن عمرو بن مرّة؛عن سعيد بن سويد،قال:صّلى بنا معاوية بالنّخيلة الجمعة،ثم خطبنا،فقال:و اللّه إني ما قاتلتكم لتصّلوا،و لا لتصوموا،و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا، إنكم لتفعلون ذلك،و إنما قاتلتكم لأتأمّر عليكم،و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم كارهون.
قال:و كان عبد الرحمن بن شريك إذا حدّث بذلك،يقول:هذا و اللّه هو التهتّك.
قال أبو الفرج:و حدّثني أبو عبيد محمّد بن أحمد،قال:حدثني الفضل بن الحسن البصرى، قال:حدثني يحيى بن معين قال:حدّثني أبو حفص اللّبان،عن عبد الرحمن بن شريك،عن إسماعيل بن أبي خالد،عن حبيب بن أبي ثابت،قال:خطب معاوية بالكوفة حين دخلها،و الحسن و الحسين عليهما السّلام جالسان تحت المنبر،فذكر عليا عليه السّلام فنال منه،ثم نال من الحسن،فقام الحسين عليه السّلام ليردّ عليه،فأخذه الحسن بيده فأجلسه،ثم قام فقال:أيّها الذاكر عليّا؛أنا الحسن، و أبي عليّ،و أنت معاوية و أبوك صخر،و أميّ فاطمة و أمّك هند،و جدّي رسول اللّه و جدّك عتبة بن ربيعة،و جدّتي خديجة و جدّتك قتيلة،فلعن اللّه أخملنا ذكرا،و ألأمنا حسبا،و شرّنا قديما و حديثا، و أقدمنا كفرا و نفاقا فقال طوائف من أهل المسجد:آمين.
قال الفضل:قال يحيى بن معين:و أنا أقول:آمين.
قال أبو الفرج:قال أبو عبيد:قال الفضل:و أنا أقول«آمين»،و يقول عليّ بن الحسين الأصفهاني (3):آمين.
قال ابن أبي الحديد:قلت:و يقول عبد الحميد بن أبي الحديد مصنف هذا الكتاب:آمين (4).
و قال المدائنيّ:فقال المسيّب بن نجبة للحسن عليه السّلام،ما ينقضي عجبي منك!بايعت معاوية و معك أربعون ألفا،و لم تأخذ لنفسك وثيقة و عقدا ظاهرا،أعطاك أمرا فيما بينك و بينه،ثم قال ما1.
قد سمعت،و اللّه ما أراد بها غيرك،قال.فما ترى؟قال:أرى أن ترجع إلى ما كنت عليه،فقد نقض ما كان بينه و بينك.فقال:يا مسيّب،إني لو أردت بما فعلت الدّنيا لم يكن معاوية بأصبر عند اللّقاء،و لا أثبت عند الحرب مّني،و لكني أردت صلاحكم،و كفّ بعضكم عن بعض؛فارضوا بقدر اللّه و قضائه،حتى يستريح برّ،أو يستراح من فاجر.
قال المدائنيّ و دخل عبيدة بن عمرو الكنديّ على الحسن عليه السّلام-و كان ضرب على وجهه ضربة و هو مع قيس بن سعد بن عبادة-فقال:ما الذي أرى بوجهك؟قال:أصابني مع قيس.فالتفت حجر بن عديّ إلى الحسن،فقال:لوددت أنك كنت متّ قبل هذا اليوم،و لم يكن ما كان،إنّا رجعنا راغمين بما كرهنا،و رجعوا مسرورين بما أحبّوا.فتغيّر وجه الحسن،و غمز الحسين عليه السّلام حجرا،فسكت،فقال الحسن عليه السّلام:يا حجر،ليس كلّ الناس يحبّ ما تحبّ و لا رأيه كرأيك،و ما فعلت إلاّ إبقاء عليك،و الله كلّ يوم في شأن.
قال المدائنيّ:و دخل عليه سفيان بن أبي ليلى النّهديّ،فقال له:السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين!فقال الحسن:إجلس يرحمك اللّه،إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رفع له ملك بني أميّة،فنظر إليهم يعلون منبره واحدا فواحدا،فشقّ ذلك عليه،فأنزل اللّه تعالى في ذلك قرآنا قال له: وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ (1).
و سمعت عليّا أبي يقول:سيلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم،كبير البطن،فسألته:من هو؟فقال:معاوية.
و قال لي:إنّ القرآن قد نطق بملك بني أميّة و مدّتهم،قال تعالى: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (2)،قال أبي:هذه ملك بني أمية.
قال المدائني:فلمّا كان عام الصلح،أقام الحسن عليه السّلام بالكوفة أيّاما،ثم تجهّز للشخوص إلى المدينة،فدخل عليه المسيّب بن نجبة الفزاريّ و ظبيان بن عمارة التيميّ ليودّعاه،فقال الحسن:
الحمد للّه الغالب على أمره؛لو أجمع الخلق جميعا على ألاّ يكون ما هو كائن ما استطاعوا.فقال أخوه الحسين عليه السّلام:لقد كنت كارها لما كان،طيّب النفس على سبيل أبي حتى عزم عليّ أخي، فأطعته،و كأنما يجذّ أنفي بالمواسي،فقال المسيّب:إنه و اللّه ما يكبر علينا هذا الأمر إلاّ أن تضاموا و تنتقصوا،فأمّا نحن،فإنهم سيطلبون مودّتنا بكل ما قدروا عليه،فقال الحسين:يا مسيّب،نحن نعلم أنك تحبّنا،فقال الحسن عليه السّلام:سمعت أبي يقول:سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:«من أحبّ قوما كان معهم»،فعرض له المسيّب و ظبيان بالرجوع،فقال:ليس[لي]إلى ذلك سبيل،فلمّا كان من غد خرج،فلمّا صار بدير هند نظر إلى الكوفة،و قال:3.
و لا عن قلّى فارقت دار معاشرى هم المانعون حوزتى و ذمارى
ثم سار إلى المدينة.
قال المدائنيّ:فقال معاوية يومئذ للوليد بن عقبة بن أبي معيط بعد شخوص الحسن عليه السّلام:يا أبا وهب،هل رمت؟قال:نعم،و سموت.
قال المدائنيّ:أراد معاوية قول الوليد بن عقبة يحرّضه على الطلب بدم عثمان:
ألا أبلغ معاوية بن حرب فإنّك من أخي ثقة مليم (1)
قطعت الدّهر كالسّدم المعنّى تهدّر في دمشق و لا تريم (2)
فلو كنت القتيل و كان حيّا لشمّر لا ألفّ و لا سئوم
و إنّك و الكتاب إلى عليّ كدابغة و قد حلم الأديم (3)
و روى المدائنيّ،عن إبراهيم بن محمد،عن زيد بن أسلم،قال:دخل رجل على الحسن عليه السّلام بالمدينة،و في يده صحيفة،فقال له الرجل:ما هذه؟قال:هذا كتاب معاوية،يتوعّد فيه على أمر كذا،فقال الرجل:لقد كنت على النّصف،فما فعلت؟
فقال له الحسن عليه السّلام:أجل،و لكنّي خشيت أن يأتي يوم القيامة سبعون ألفا أو ثمانون ألفا، تشخب أوداجهم دما،كلّهم يستعدي اللّه فيم هريق دمه!
قال أبو الحسن:و كان الحصين بن المنذر الرقاشيّ يقول:و اللّه ما وفى معاوية للحسن بشيء ممّا أعطاه؛قتل حجرا و أصحاب حجر (4)،و بايع لابنه يزيد،و سمّ الحسن.
قال المدائنيّ:و روى أبو الطفيل،قال:قال الحسن عليه السّلام لمولى له:أتعرف معاوية بن خديج؟
قال:نعم،قال:إذا رأيته فأعلمني؛فرآه خارجا من دار عمرو بن حريث،فقال:هو هذا! فدعاه،فقال له:أنت الشّاتم عليّا عند ابن آكلة الأكباد!أما و اللّه لئن وردت الحوض و لم ترده لترينّه مشمرا عن ساقيه،حاسرا عن ذراعيه،يذود عنه المنافقين.
قال أبو الحسن:و روى هذا الخبر أيضا قيس بن الربيع،عن بدر بن الخليل،عن مولى الحسن عليه السّلام.ي.
1) المليم:من أتى من الأمر ما يلام عليه.
2) في اللسان:«السدم:الذي يرغب عن فحلته فيحال بينه و بين ألافه و يقيد إذا هاج فيرعى حوالى الدار،و إن صال جعل له حجام يمنعه عن فتح فمه،و منه قول الوليد بن عقبة...و استشهد بالبيت.
3) الحلم،بالتحريك:فساد الجلد؛قال صاحب اللسان في شرح البيت:«يقول أنت تسعى في إصلاح أمر قد تم فساده؛كهذه المرأة التي تدبغ الأديم الحلم الذي وقعت فيه الحلمة فنقبته و أفسدته فلا ينتفع به».
4) و هو حجر بن عدي.
قال أبو الحسن:و حدّثنا سليمان بن أيّوب،عن الأسود بن قيس العبدّي أنّ الحسن عليه السّلام لقى يوما حبيب بن مسلمة فقال له:يا حبيب،ربّ مسير لك في غير طاعة الله!فقال:أمّا مسيرى إلى أبيك فليس من ذلك،قال:بلى و الله؛و لكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة،فلئن قام بك في دنياك،لقد قعد بك في آخرتك،و لو كنت إذ فعلت شرّا قلت خيرا،كان ذلك،كما قال عزّ و جلّ:
خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً (1)،و لكنك كما قال سبحانه: كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (2).
قال أبو الحسن:طلب زياد رجلا من أصحاب الحسن،ممن كان في كتاب الأمان،فكتب إليه الحسن:
من الحسن بن عليّ إلى زياد؛أمّا بعد؛فقد علمت ما كنّا أخذنا من الأمان لأصحابنا،و قد ذكر لي فلان أنك تعرّضت له،فأحبّ ألاّ تعرض له إلاّ بخير.و السّلام.
فلما أتاه الكتاب،و ذلك بعد ادّعاء معاوية إياه غضب حيث لم ينسبه إلى أبي سفيان،فكتب إليه:
من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن؛أما بعد،فإنه أتاني كتابك في فاسق تؤويه الفسّاق من شيعتك و شيعة أبيك،و أيم اللّه لأطلبنّه بين جلدك و لحمك،و إنّ أحبّ الناس إليّ لحما أن آكله للحم أنت منه[و السّلام].
فلما قرأ الحسن عليه السّلام الكتاب،بعث به إلى معاوية،فلما قرأه غضب و كتب:
من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد.أمّا بعد،فإنّ لك رأيين:رأيا من أبي سفيان و رأيا من سميّة،فأمّا رأيك من أبي سفيان فحلم و حزم،و أمّا رأيك من سميّة فما يكون من مثلها.إنّ الحسن بن عليّ عليه السّلام كتب إليّ بأنّك عرضت لصاحبه،فلا تعرض له،فإني لم أجعل[لك]عليه سبيلا؛و إنّ الحسن ليس ممّن يرمي به الرّجوان (3)،و العجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه أو إلى أمّه،فالآن حين اخترت له،و السّلام.
و قيل:خرج الحسن إلى الناس و عليه ثياب سود،ثم وجّه عبد اللّه بن عباس و معه قيس بن سعد بن عبادة مقدّمة له في إثني عشر ألفا إلى الشام،و خرج و هو يريد المدائن،فطعن بساباط و انتهب متاعه؛و دخل المدائن؛و بلغ ذلك معاوية،فأشاعه؛و جعل أصحاب الحسن الذين وجّههم مع عبد اللّه يتسلّلون إلى معاوية،الوجوه و أهل البيوتات.فكتب عبد اللّه بن العباس بذلك إلىك.
الحسن عليه السّلام فخطب الناس و وبّخهم،و قال:خالفتم أبي حتى حكّم و هو كاره،ثم دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم،فأبيتم حتى صار إلى كرامة اللّه،ثم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني،و تحاربوا من حاربني؛و قد أتاني أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية،و بايعوه؛فحسبي منكم،لا تغرّوني في ديني و نفسي.
و أرسل عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب-و أمه هند بنت أبي سفيان بن حرب-إلى معاوية يسأله المسالمة،و اشترط عليه العمل بكتاب اللّه و سنة نبيّه،و ألاّ يبايع لأحد من بعده،و أن يكون الأمر شورى،و أن يكون الناس أجمعون آمنين.
و كتب بذلك كتابا،فأبى الحسين عليه السّلام،و امتنع؛فكلّمه الحسن حتى رضي،و قدم معاوية إلى الكوفة.
قال أبو الحسن:و حدّثنا أبو بكر بن الأسود،قال:كتب ابن العباس إلى الحسن:
أمّا بعد فإن المسلمين ولّوك أمرهم بعد عليّ عليه السّلام،فشمّر للحرب،و جاهد عدوّك،و قارب أصحابك،و اشتر من الظّنين (1)دينه بما لا يثلم (2)لك دينا (3)،و وال أهل البيوتات و الشّرف، تستصلح به عشائرهم،حتى يكون الناس جماعة؛فإنّ بعض ما يكره الناس-ما لم يتعد الحقّ؛ و كانت عواقبه تؤدي إلى ظهور العدل و عزّ الدين-خير من كثير مما يحبّه الناس اذا كانت عواقبه تدعو إلى ظهور الجور و ذلّ المؤمنين،و عزّ الفاجرين.و اقتد بما جاء عن أئمّة العدل،فقد جاء عنهم أنه لا يصلح الكذب إلاّ في حرب أو إصلاح بين الناس؛فإنّ الحرب خدعة؛و لك في ذلك سعة إذا كنت محاربا،ما لم تبطل حقّا.
و اعلم أنّ عليّا أباك إنّما رغب الناس عنه إلى معاوية،أنّه أساء بينهم في الفيء،و سوّي بينهم في العطاء،فثقل عليهم؛و اعلم أنّك تحارب من حارب اللّه و رسوله في ابتداء الإسلام؛حتى ظهر أمر اللّه،فلمّا وحّد الرب،و محق الشرك،و عزّ الدين،أظهروا الإيمان و قرأوا القرآن مستهزئين بآياته،و قاموا إلى الصلاة و هم كسالى،و أدّوا الفرائض و هم لها كارهون؛فلما رأوا أنه لا يعزّ في الدّين إلاّ الأتقياء الأبرار،توسّموا بسيماء الصّالحين،ليظنّ المسلمون بهم خيرا،فما زالوا بذلك حتى شركوهم في أماناتهم،و قالوا:حسابهم على الله؛فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين،و إن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين،و قد منيت بأولئك و بأبنائهم و أشباههم و اللّه ما زادهم طول العمر الاّ غيّا و لا زادهم ذلك لأهل الدين إلاّ مقتا؛فجاهدهم و لا ترض دنيّة،و لا تقبل خسفا (4)فإنّ عليا لم يجب إلى الحكومة حتى غلب على أمره فأجاب؛و إنهم يعلمون أنّه أولىا.
بالأمر إن حكموا بالعدل،فلمّا حكموا بالهوى،رجع إلى ما كان عليه حتى أتى عليه أجله،و لا تخرجنّ من حق أنت أولى به،حتى يحول الموت دون ذلك.و السّلام.
قال المدائنيّ:و كتب الحسن عليه السّلام إلى معاوية:
من عبد اللّه الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.أما بعد فإنّ اللّه بعث محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رحمة للعالمين،فأظهر به الحقّ،و قمع به الشّرك،و أعزّ به العرب عامّة،و شرّف به قريشا خاصّة، فقال: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ (1)فلمّا توفاه اللّه تنازعت العرب في الأمر بعده،فقالت قريش:
نحن عشيرته و أولياؤه،فلا تنازعونا سلطانه،فعرفت العرب لقريش ذلك؛و جاحدتنا قريش ما عرفت لها العرب،فهيهات!ما أنصفتنا قريش و قد كانوا ذوي فضيلة في الدّين،و سابقة في الإسلام؛و لا غرو (2)إلاّ منازعته إيّانا الأمر بغير حق في الدنيا معروف،و لا أثر في الإسلام محمود،فاللّه الموعد،نسأل اللّه ألاّ يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينقصنا عنده في الآخرة.إنّ عليا لمّا توفّاه اللّه ولاّني المسلمون الأمر بعده،فاتق اللّه يا معاوية و انظر لأمة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما تحقن به دماءها،و تصلح به أمرها.و السّلام.
و بعث بالكتاب مع الحارث بن سويد التيميّ،تيم الرّباب،و جندب الأزديّ،فقدما على معاوية فدعواه إلى بيعة الحسن عليه السّلام فلم يجبهما،و كتب جوابه:
أمّا بعد،فقد فهمت ما ذكرت به رسول اللّه،و هو أحقّ الأوّلين و الآخرين بالفضل كلّه، و ذكرت تنازع المسلمين الأمر بعده،فصرّحت بتهمة أبي بكر الصديق و عمر و أبي عبيدة الأمين، و صلحاء المهاجرين،فكرهت لك ذلك؛إنّ الأمّة لمّا تنازعت الأمر بينها رأت قريشا أخلقها به؛ فرأت قريش و الأنصار و ذوو الفضل و الدين من المسلمين أن يولّوا من قريش أعلمها باللّه،و أخشاها له؛و أقواها على الأمر،فاختاروا أبا بكر و لم يألوا،و لو علموا مكان رجل غير أبي بكر يقوم مقامه و يذبّ عن حرم الإسلام ذبّه ما عدلوا بالأمر إلى أبي بكر،و الحال اليوم بيني و بينك على ما كانوا عليه،فلو علمت أنّك أضبط لأمر الرعيّة،و أحوط على هذه الأمة،و أحسن سياسة،و أكيد للعدوّ، و أقوى على جمع الفيء،لسلّمت لك الأمر بعد أبيك؛فإنّ أباك سعى على عثمان حتى قتل مظلوما، فطالب اللّه بدمه؛و من يطلبه اللّه فلن يفوته.ثم ابتزّ الأمّة أمرها،و فرّق جماعتها،فخالفه نظراؤه من أهل السابقة و الجهاد و القدم في الإسلام،و ادّعى أنهم نكثوا بيعته،فقاتلهم فسفكت الدماء؛ و استحلّت الحرم،ثم أقبل إلينا لا يدّعى علينا بيعة؛و لكنه يريد أن يملكنا اغترارا،فحاربناه و حاربنا،ثم صارت الحرب إلى أن أختار رجلا و اخترنا رجلا ليحكما بما تصلح عليه الأمّة و تعود به الجماعة و الألفة،و أخذنا بذلك عليهما ميثاقا و عليه مثله و علينا مثله،على الرضا بما حكما، فأمضى الحكمان عليه الحكم بما علمت،و خلعاه،فو الله ما رضي بالحكم،و لا صبر لأمر الله؛ب.
فكيف تدعوني إلى أمر إنّما تطلبه بحق أبيك،و قد خرج منه!فانظر لنفسك و لدينك.و السّلام.
قال:ثم قال للحارث و جندب:إرجعا فليس بيني و بينكم إلاّ السيف؛فرجعا و أقبل إلى العراق في ستين ألفا؛و استخلف على الشام الضحّاك بن قيس الفهريّ و الحسن مقيم بالكوفة،لم يشخص حتى بلغه أنّ معاوية قد عبر جسر منبج،فوجّه حجر بن عديّ يأمر العمال بالإحتراس،و يذبّ الناس،فسارعوا.فعقد لقيس بن سعد بن عبادة على اثنى عشر ألفا،فنزل دير عبد الرحمن، و استخلف على الكوفة المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب،و أمر قيس بن سعد بالمسير، و ودّعه و أوصاه،فأخذ على الفرات و قرى الفلّوجة،ثم إلى مسكن.و ارتحل الحسن عليه السّلام متوجّها نحو المدائن،فأتى ساباط فأقام بها أيّاما،فلما أراد أن يرحل إلى المدائن قام فخطب الناس، فقال:أيّها الناس؛إنكم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت و تحاربوا من حاربت،و إني و اللّه ما أصبحت محتملا على أحد من هذه الأمة ضغينة في شرق و لا غرب،و لما تكرهون في الجماعة و الألفة و الأمن،و صلاح ذات البين خير مما تحبّون في الفرقة،و الخوف و التباغض و العداوة،و إنّ عليا أبي كان يقول:لا تكرهوا إمارة معاوية؛فإنكم لو فارقتموه لرأيتم الرؤوس تندر (1)عن كواهلها كالحنظل.ثم نزل.
فقال الناس:ما قال هذا القول إلاّ و هو خالع نفسه و مسلّم الأمر لمعاوية،فثاروا به فقطعوا كلامه،و انتهبوا متاعه،و انتزعوا مطرفا كان عليه،و أخذوا جارية كانت معه،و اختلف الناس فصارت طائفة معه؛و أكثرهم عليه،فقال:اللهمّ أنت المستعان،و أمر بالرّحيل،فارتحل الناس، و أتاه رجل بفرس،فركبه و أطاف به بعض أصحابه،فمنعوا الناس عنه و ساروا،فتقدّمه سنان بن الجرّاح الأسديّ إلى مظلم ساباط،فأقام به؛فلما دنا منه تقدّم إليه يكلّمه،و طعنه في فخذه بالمعول (2)طعنة كادت تصل إلى العظم،فغشي عليه و ابتدره أصحابه،فسبق إليه عبيد اللّه الطائيّ، فصرع سنانا و أخذ ظبيان بن عمارة المعول من يده،فضربه به فقطع أنفه،ثم ضربه بصخرة على رأسه فقتله؛و أفاق الحسن عليه السّلام من غشيته،فعصبوا جرحه و قد نزف و ضعف،فقدموا به المدائن و عليها سعد بن مسعود،عمّ المختار بن أبي عبيد،و أقام بالمدائن حتى بري من جرحه.
و عن يونس بن أبي إسحاق،عن أبيه،و عن أبي السفر و غيرهم قالوا:بايع أهل العراق بعد علي بن أبي طالب الحسن بن علي،ثم قالوا له:سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا اللّه و رسوله و ارتكبوا العظيم،و ابتزّوا الناس أمورهم فإنا نرجو أن يمكن اللّه منهم.
فسار الحسن إلى أهل الشام و جعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في اثني عشر ألفا و كانوا يسمّون شرطة الخميس.ر.
و قال غيره:وجّه إلى الشام عبيد اللّه بن العباس و معه قيس بن سعد،فسار فيهم قيس حتى نزل مسكن و الأنبار و ناحيتها،و سار الحسن حتى نزل بالمدائن،و أقبل معاوية في أهل الشام يريد الحسن حتى نزل جسر منبج،فبينا الحسن بالمدائن إذ نادى مناد في عسكره:ألا إنّ قيس بن سعد قد قتل، قال:فشدّ الناس على حجرة الحسن فانتهبوها حتى انتهبت بسطه و جواريه،و أخذوا رداءه من ظهره و طعنه رجل من بني أسد يقال له:ابن أقيصر،بخنجر مسموم في إليته فتحوّل من مكانه الذي انتهب فيه متاعه و نزل الأبيض-قصر كسرى-و قال:عليكم لعنة اللّه من أهل قرية فقد علمت أنه لا خير فيكم قتلتم أبي بالأمس و اليوم تفعلون بي هذا.
ثم دعا عمرو بن سلمة الأرحبي فأرسله و كتب معه إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله الصّلح و يسلّم له الأمر على أن يسلم له ثلاث خصال:
يسلّم له بيت المال فيقضي منه دينه و مواعيده التي عليه و يتحمل منه هو من[معه]عيال أهل أبيه و ولده و أهل بيته و لا يسبّ علي و هو يسمع.
و أن يحمل إليه خراج فسا (1)و دار ابجرد (2)من أرض فارس كل عام إلى المدينة ما بقي، فأجابه معاوية إلى ذلك و أعطاه ما سأل و يقال:بل أرسل الحسن بن علي عبد اللّه بن الحارث بن نوفل إلى معاوية حتى أخذ له ما سأل،و أرسل معاوية عبد اللّه بن عامر بن كريز و عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد الشمس فقدما المدائن إلى الحسن فأعطاه ما سأل و ما أراد و وثّقا له.
فكتب إليه الحسن أن أقبل.فأقبل من جسر منبج إلى مسكن في خمسة أيام و قد دخل يوم السادس فسلم إليه الحسن الأمر و بايعه ثم سارا جميعا حتى قدما الكوفة فنزل الحسن القصر و نزل معاويه النخيلة.فأتاه الحسن في عسكره غير مرة،و وفى معاوية للحسن ببيت المال و كان فيه يومئذ سبعة آلاف درهم،و احتملها الحسن،و تجهّز بها هو و أهل بيته إلى المدينة،و كفّ معاوية عن سبّ علي و الحسن يسمع.
و دسّ معاوية إلى أهل البصره فطردوا وكيل الحسن و قالوا:لا تحمل فيأنا إلى غيرنا-يعنون خراج فسا و داربجرد-فأجرى معاوية على الحسن كل سنة ألف ألف درهم و عاش الحسن عليه السّلام بعد ذلك عشر سنين (3).
و قيل:أقام الحسن بن علي عليه السّلام بالكوفة بعد مقتل أبيه شهرين كاملين لا ينفذ إلى معاوية أحدا، و لا ذكر المسير إلى الشام فورد عليه كتاب من ابن عباس و مما جاء فيه:«يابن رسول اللّه فإنّ4.
المسلمين ولّوك أمرهم بعد أبيك-رضي اللّه عنه-و قد أنكروا قعودك عن معاوية و طلبك لحقّك فشمّر للحرب و جاهد عدوك».
فبعث الحسن بكتاب إلى معاوية-بعد بيعته-يدعوه إلى طاعته و بيعته فكتب إليه معاوية برفض ما طلبه منه ثم جمع الناس و خرج في ستين ألفا يريد العراق،عندئذ سار الحسن من الكوفة إلى مسكن و تجهّز و عبّأ الجيش،و جرت في عسكره مشاحنات حتى أنهم نفروا بسرادقة،و نهبوا متاعه، و تفرق الأمر عنه،فكتب إلى معاوية في الصلح وفق شروط.
و كان ذلك بعد أن رأى الحسن نفسه أمام ظروف دقيقة-حتّمت عليه-بعد موقف الحيرة الذي وجد نفسه فيه اتخاذ الموقف الجريء الواضح و الذي لم يرض أن يهراق في أمره محجمة دم، فكانت خطّة حقن الدماء التي أقرّها و قرّرها.
و أمّا الظروف التي أملت عليه اتخاذ هذا الموقف فهي:
1-خطة الحرب النفسية و الدعائيّة التي شنّها معاوية و التي قضى من ورائها تدمير مقاومة الجيش و صموده في مسكن.
2-نشر الشائعات في جيش الحسن،و كانوا من أغرار الناس المتأرجحين بين الطاعة و العصيان و المتأهبين للفتنة و الإضطرابات في كل حين.
3-تهديم معنويات جيش الحسن.
هذا ما أدّى إلى نهب سرادق الحسن و متاعه و عامة أثقاله و تفرّق أصحابه.و مما أدّى إلى تطاول سنان بن الجراح الأسدي على الحسن و مهاجمته و جرحه جراحة كادت تأتي عليه.و ما همّ به المختار بن أبي عبيد في إقناع عمه باستيثاق الحسن و أن يستأمن به من معاوية،و انخزال القبائل قبيلة بعد قبيلة إلى معاوية.
أمام هذا...كله وقف الحسن متأملا،غير عابىء بما يدور حوله،و وضع خطته فيما يريده اللّه و ما يؤثره من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما يجب لصيانة المبدأ،أمّا ما يقوله الناس،فلم يكن ذلك مما يعنيه كثيرا (1).
و مما اشترطه الحسن على معاوية:
1-أن يعمل معاوية بالمؤمنين بكتاب اللّه و سنة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سيرة الخلفاء الصالحين من بعده.
2-ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده عهدا بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين.
3-الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه شامهم و عراقهم و تهامهم و حجازهم.1.
1) عن هامش الإمامة و السياسة:184/1.
4-أصحاب علي و شيعته آمنون على انفسهم و أموالهم و نسائهم و دمائهم و على معاوية عهد اللّه و ميثاقه.
و ذكر أنه اتفق بينهما على معاهدة صلح وقّعها الفريقان:و صورتها كما أخذناها من مصادرها حرفيا:
تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب اللّه و سنّة رسوله و بسيرة الخلفاء الصالحين (1).
يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن و له خراج دارابجرد
و يحمل لأخيه الحسين في كل عام ألفي ألف،و يفضل بني هاشم في العطاء و الصلات على بني عبد شمس (4).
أن لا يأخذ أحدا من أهل العراق بإحنة،
و أن يؤمن الأسود و الأحمر و يحتمل ما يكون من هفواتهم،و على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه في شامهم و عراقهم و تهامهم و حجازهم (5)
و عن الزهري،قال:فكاتب الحسن لما طعن معاوية و أرسل يشرط شرطه فقال:إن أعطيتني هذا فإني سامع مطيع و عليك أن تفي به.فوقعت صحيفة الحسن في يد معاوية،و قد أرسل معاوية إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها و كتب إليه:أن اشترط في هذه ما شئت فما اشترطت فهو لك.فلما أتت حسنا جعل يشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك و أمسكها عنده، و أمسك معاوية صحيفة الحسن التي كتبت إليه يسأله ما فيها.
1) شرح النهج:8/4،و النصائح الكافيه:156.
2) تاريخ الخلفاء للسيوطي:194 و الإصابة 2:12-13 و دائرة معارف و جدي 3:443.
3) مقاتل الطالبين:26 و شرح النهج 4:15 و قال آخرون إنه أجابه على أن لا يشتم عليا و هو يسمع:و قال ابن الأثير:ثم لم يف به أيضا.
4) تاريخ الطبري:2/6،و في الأخبار الطوال:218.
5) فتوح ابن الأعثم:160/4،و الأخبار الطوال:218.
فلما التقيا و بايعه الحسن سأل الحسن معاوية أن يعطيه الشروط التي اشترط في السجل الذي ختم معاوية على أسفله و أبى معاوية أن يعطيه ذلك،و قال:لك ما كنت كتبت إليّ تسألني أن أعطيك،فإني قد أعطيتكها حين جاءني.فقال له الحسن:و أنا قد اشترطت عليك حين جاءني سجلك و أعطيتني العهد على الوفاء بما فيه.فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن من الشرط شيئا (1).
و عن أنس-يعني-ابن سيرين،قال:قال الحسن بن عليّ عليه السّلام يوم كلّم معاوية:ما بين جابرس (2)
و في معجم البلدان:و جابرس مدينة بأقصى المشرق،و جابلق:مدينة بأقصى المغرب.و الخبر في المعجم الكبير:120/30 في ترجمة الإمام الحسن.
و جابلق رجل جدّه نبيّ غيري،و إني رأيت أن أصلح بين أمة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و كنت أحقّهم بذلك،ألا و إنّا قد بايعنا معاوية وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (3).و عن محمّد،قال:لما كان زمن ورود معاوية الكوفة و اجتمع الناس عليه و تابعه الحسن بن علي عليهما السّلام،قال:قال أصحاب معاوية لمعاوية:عمرو بن العاص و الوليد بن عقبة و أمثالهما من أصحابه-:إنّ الحسن بن عليّ عليه السّلام مرتفع في أنفس الناس لقرابته من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنّه حديث السن عييّ،فمره فليخطب فإنه سيعيى في الخطبة،فيسقط من أنفس الناس فأبى عليهم فلم يزالوا به حتى أمره فقام الحسن بن علي عليه السّلام على المنبر دون معاوية فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
و اللّه لو ابتغيتم بين جابلق و جابلس رجلا جدّه نبيّ غيري و غير أخي لم تجدوه و إنّا قد أعطينا بيعتنا معاوية و رأينا أنّ حقن دماء المسلمين خير فما إهراقها؟و اللّه ما أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين.
قال:و أشار بيده إلى معاوية.قال:فغضب معاوية فخطب بعده خطبة عيية فاحشة ثم نزل، و قال:ما أردت بقولك فتنة لكم و متاع إلى حين؟قال:أردت بها ما أراد اللّه بها (4).
و في كتاب العلل عن الحسن عليه السّلام:علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لبني ضمرة و بني أشجع و لأهل مكّة حين انصرف من الحديبيّة،أولئك كفّار بالتنزيل و معاوية و أصحابه
كفّار بالتأويل،يا أبا سعيد إذا كنت إماما من قبل اللّه تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة و إن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا.ألا ترى الخضر لمّا خرق السفينة و قتل الغلام و أقام الجدار سخط موسى عليه السّلام فعله لاشتباه وجه الحكمة فيه حتّى أخبره فرضي،هكذا أنا، سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه و لو لا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلاّ قتل.
و ذكر يوسف بن مازن أنّ الحسن عليه السّلام بايع معاوية على أن لا يسمّيه أمير المؤمنين و لا يقيم عنده شهادة و على أن لا يتعتّب على شيعة عليّ شيئا و على أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل و أولاد من قتل مع أبيه بصفّين ألف ألف درهم،و أن يجعل ذلك من خراج دار بجرد قال:
و ما ألطف حيلة الحسن عليه السّلام في إسقاطه إيّاه عن إمرة المؤمنين،و ما و فى معاوية للحسن بن علي بشيء عاهده عليه (1).
و عن أبي سعيد قال:لمّا صالح الحسن عليه السّلام معاوية دخل عليه الناس فلامه بعضهم فقال:
و يحكم و اللّه الّذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت الشمس عليه أو غربت أما علمتم أنّه ما منّا أحد إلاّ و يقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم الذي يصلّي خلفه عيسى،فإنّ اللّه يغيب ولادته و يخفي شخصه لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة ذاك التاسع من ولد أخي الحسين يطيل اللّه عمره في غيبته ثمّ يظهر بقدرته في صورة شاب ابن دون أربعين سنة.
و عن زيد الجهني قال:لمّا طعن الحسن عليه السّلام بالمدائن أتيته و هو متوجّع فقلت:ما ترى يابن رسول اللّه،فإنّ الناس متحيّرون؟
فقال:أرى و اللّه معاوية خير لي من هؤلاء،يزعمون أنّهم شيعتي ابتغوا قتلي و انتهبوا ثقلي و أخذوا مالي و اللّه لأن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي و آمن به في أهلي خير أن يقتلونني فيضيع أهل بيتي،و اللّه لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتّى يدفعوني إليه سلما،فو الله لأن أسالمه و أنا عزيز خير من أن يقتلني و أنا أسيره أو يمنّ عليّ فيكون سبّة على بني هاشم آخر الدهر،و معاوية لا يزال يمنّ بها و عقبه على الحيّ منّا و الميّت.
قال:قلت:أتترك يابن رسول اللّه شيعتك كالغنم ليس لهم راع؟
قال عليه السّلام:و اللّه إنّ أمير المؤمنين قال لي ذات يوم و قد رآني فرحا:أتفرح يا حسن كيف بك إذا رأيت أباك قتيلا؟أم كيف بك إذا ولّي هذا الأمر بنو أميّة و أميرها الرحب البلعوم يأكل و لا يشبع تدين له العباد و يطول ملكه يسنّن بسنن البدع و الضلال يقتل من ناوأه على الحقّ حتّى يبعث اللّه رجلا في آخر الزمان و كلب من الدّهر يؤيّده اللّه بملائكته و يظهره على الأرض حتّى يدينوا له طوعا و كرها4.
1) علل الشرائع:212/1،و البحار:3/44.
حتّى لا يبقى كافر إلاّ آمن و لا طالح إلاّ صلح و تصطلح في ملكه السباع،تظهر له الكنوز،يملك ما بين الخافقين أربعين عاما فطوبى لمن أدرك أيّامه و سمع كلامه (1).
و في كتاب أعلام الدّين للديلمي قال:خطب الحسن بن علي بعد وفاة أبيه فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:أما و اللّه ما ثنانا عن قتال أهل الشام ذلّة و لا قلّة و لكن كنّا نقاتلهم بالسلامة و الصبر فشيب السلامة بالعداوة و الصبر بالجزع و كنتم تتوجّهون معنا و دينكم أمام دنياكم و قد أصبحتم الآن و دنياكم أمام دينكم،و كنّا لكم و كنتم لنا و قد صرتم اليوم علينا ثمّ أصبحتم تدّعون قتيلين قتيلا بصفّين تبكون عليهم،و قتيلا بالنهروان يطلبون بثأرهم،فأمّا الباكي فخاذل و أمّا الطالب فثائر،و إنّ معاوية قد دعى إلى أمر ليس فيه عزّ و لا نصفة فإن أردتم الحياة قبلناه منه و أغضضنا على القذى و إن أردتم الموت بذلناه في ذات اللّه،فنادى القوم بأجمعهم:بل التقيّة (2).
و روى الكشّي عن الصادق عليه السّلام قال:جاء رجل من أصحاب الحسن عليه السّلام يقال له:سفير بن ليلى فدخل على الحسن عليه السّلام فقال:السلام عليك يا مذلّ المؤمنين،فقال عليه السّلام:لا تعجل و ما علمك بذلك؟
قال:عمدت إلى أمر الامّة فخلعته من عنقك و قلّدته هذا الطاغية يحكم بغير ما أنزل اللّه، فقال عليه السّلام:فعلت ذلك لأنّي سمعت أبي يقول:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لن تذهب الأيّام و الليالي حتّى يلي أمر هذه الامّة رجل واسع البلعوم يأكل و لا يشبع و هو معاوية فلذلك فعلت.
و قال السيّد المرتضى طاب ثراه في تنزيه الأنبياء:فإن قال قائل ما العذر له عليه السّلام في خلع نفسه من الإمامة و تسليمها إلى معاوية مع ظهور فجوره،ثمّ في أخذ عطائه و صلاته مع توفّر أنصاره و مبايعة من كان يبذل عنه دمه و ماله حتّى سمّوه مذلّ المؤمنين و عابوه في وجهه؟
قلنا:قد ثبت أنّه عليه السّلام الإمام المعصوم،فلا بدّ من التسليم لجميع أفعاله و حملها على الصحّة و إن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل و كان له ظاهر ربما نفرت النفس عنه مع أنّ الذي جرى منه عليه السّلام كان السبب فيه ظاهرا لأنّ المجتمعين له من الأصحاب كانت قلوبهم مائلة إلى دنيا معاوية من غير مساترة فأظهروا له عليه السّلام النصرة و حملوه على المحاربة طمعا في أن يورّطوه و يسلّموه فأحسّ بذلك منهم قبل التلبّس فتحرّز من المكيدة في سعة من الوقت.
و قد صرّح عليه السّلام بهذا في مواقف كثيرة،و قال عليه السّلام:إنّما هادنت حقنا للدماء و إشفاقا على نفسي و أهلي،فكيف لا يخاف أصحابه و يتّهمهم و هو لمّا كتب إلى معاوية يعلمه أنّ الناس قد بايعوه بعد أبيه و يدعوه إلى طاعته فأجابه معاوية:لو كنت أعلم أنّك أضبط للناس لبايعتك لأنّي أراك لكلّ8.
خير أهلا،ثمّ خطب أصحابه بالكوفة يحضّهم على الجهاد و أمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم فما أجابه أحد.
فقال لهم عدي بن حاتم:سبحان اللّه ألا تجيبون إمامكم؟أين خطباء مصر؟فقام قيس بن سعد و فلان و فلان فبذلوا الجهاد و أحسنوا القول.و نحن نعلم أنّ من ضمن بكلامه أولى بأن يضن بالفعال أوليس أحدهم طعنه بساباط بمعول أصاب فخذه و شقّه إلى العظم فحمل إلى المدائن و عليها سعد بن مسعود عمّ المختار من قبل أمير المؤمنين عليه السّلام فأشار المختار على عمّه أن يوثقه و يسير به إلى معاوية طمعا في عطائه فقال للمختار:قبّح اللّه رأيك،ثمّ أتاه بطبيب داواه فمن ذا الذي يرجو السلامة بين هؤلاء فضلا عن النصرة.
و قد أجاب حجر بن عدي لمّا قال له:سوّدت وجوه المؤمنين،فقال له عليه السّلام:ما كلّ أحد يحبّ ما تحبّ و لا رأيه كرأيك و إنّما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم (1).
و قد روي أنّه لمّا طالبه معاوية بأن يتكلّم على الناس و يعلمهم ما عنده في هذا الباب قام و قال بعد الحمد لله:أيّها الناس لو طلبتم بين جابلق و جابرس رجلا جدّه رسول اللّه ما وجدتموه غيري و غير أخي،و أنّ معاوية نازعني حقّا هو لي فتركته لصلاح الامّة و حقن دمائها.و كلامه في هذا الباب الذي يصرّح في جميعه بأنّه مقهور ملجأ إلى التسليم و دافع بالمسالمة الضرر العظيم أشهر من الشمس.
فأمّا قول السائل:إنّه خلع نفسه من الإمامة فمعاذ اللّه لأنّ الإمامة بعد حصولها للإمام لا تخرج عنه بقوله:و عند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة إن خلع الإمام نفسه لا يؤثّر في خروجه من الإمامة و إنّما ينخلع من الإمامة عندهم بالإحداث و الكبائر،و لو كان خلع نفسه مؤثرا لكان إنّما يؤثر إذا وقع اختيارا مع أنّه يسلّم الأمر إلى معاوية بل كفّ عن المحاربة لفقد الأعوان.
فأمّا البيعة فإن أريد بها الصّفقة و الكفّ عن المنازعة فقد كان ذلك،لكنّا بيّنا السّبب فيه و لا حجّة كما لم يكن في مثله حجّة على أبيه صلوات اللّه عليهما لمّا بايع المتقدّمين و كفّ عن نزاعهم، و إن أريد بالبيعة الرّضا و طيب النفس فالحال شاهد بخلاف ذلك.
فأمّا أخذ العطاء فبيّنا أنّ أخذه من يد الجائر المتغلّب جائز.
فأمّا أخذ الصّلات فجائز بل واجب،لأنّ كلّ ما في يد الجائر المتغلّب على أمر الامّة يجب على الإمام و على جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن بالطوع و الإكراه و وضعه في مواضعه فإذا لم يتمكّن من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال اللّه و أخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة فواجب عليه أن يتناوله من يده و يأخذ منه حقّه و يقسمه على مستحقّه،لأنّ التصرّف في ذلك4.
1) البحار:27/44.
المال بحقّ الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلاّ له عليه السّلام و ليس لأحد أن يقول إنّ ما كان يأخذه من معاوية ما كان يخرجه إلاّ على نفسه لأنّ هذا ممّا لا يمكن القطع عليه،و لا شكّ أنّه عليه السّلام كان ينفق منها لأنّ فيها حقّه و حقّ عياله و أهله و لا بدّ أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقّين حقوقهم و كيف يظهر ذلك و هو عليه السّلام كان يقصد ستره لمكان التقيّة و هو عليه السّلام كان متصدقا بكثير من أمواله و يصل المحتاجين و لعلّ في جملة ذلك هذه الحقوق.
فأمّا إظهار موالاته فما أظهر من ذلك شيئا و كلامه فيه بمشهد معاوية معروف ظاهر،و لو فعل ذلك خوفا و استصلاحا لكان واجبا فقد فعل أبوه عليه السّلام مثله مع المتقدّمين عليه،انتهى كلامه ملخّصا (1).
و في كتاب العلل أنّه دسّ معاوية إلى عمرو بن حريث و الأشعث بن قيس و شبث بن ربعي دسيسا أفرد كلّ واحد منهم[بعين] (2)من عيونه إنّك إن قتلت الحسن بن عليّ فلك مائتا ألف درهم و جند من أجناد الشام و بنت من بناتي،فبلغ الحسن عليه السّلام فلبس درعا تحت ثيابه و كان يحترز و لا يتقدّم الصلاة بهم إلاّ كذلك فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لمكان الدرع،فلمّا صار في مظلم ساباط ضربه أحدهم بخنجر مسموم فعمل فيه الخنجر ثمّ عالجه مسعود عمّ المختار حتّى طاب،فقال لهم:إنّ معاوية لا يفي لأحد منكم بما ضمنه في قتلي و إنّي أظنّ أنّي إن وضعت يدي في يده فأسالمه لم يتركني أدين بدين جدّي،و لكنّي كأنّي أنظر إلى بناتكم واقفين على أبواب أبنائهم يستسقونهم و يستطعمونهم بما جعله اللّه لهم فلا يسقون و لا يطعمون فجعلوا يعتذرون بما لا عذر لهم،فكتب الحسن عليه السّلام ذلك من فوره إلى معاوية و قبل منه المصالحة.
فإن قال قائل:إنّ الحسن عليه السّلام أخبر بأنّه حقن دما أنت تدّعي أنّ عليّا كان مأمورا بإراقتها بقوله عليه السّلام:أمرت بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين و الحاقن لما أمر اللّه و رسوله بإراقته من الحاقن عصيان؟
قلنا:إنّ الامّة التي ذكر الحسن عليه السّلام أمّتان و فرقتان و طائفتان هالكة و ناجية و باغية و مبغي عليها،فإذا لم يمكن حقن دماء المبغي عليها إلاّ بحقن دماء الباغية لأنّهما إذا اقتتلا و ليس للمبغي عليها قوام بإزالة الباغية حقن دم المبغي عليها و إراقة دم الباغية مع العجز عن ذلك إراقة لدم المبغي عليها لا غير،فهذا هذا.
فإن قلت:البغاة على الإمام كالناكثين و القاسطين و المارقين ما تسمّيهم؟
قلت:إختلف فيهم علماء الإسلام فذهب نادر إلى أنّهم مؤمنين مع أنّهم يسمّونهم باغين،و قالر.
قوم:إنّهم مشركون،و صار ثالث إلى أنّهم كفّار غير مشركين.
و قال واصل بن عطاء:فسّاق مخلّدون في النار.و الأصحّ عندنا أنّهم كفّار مخلّدون في النار و الأحاديث دالّة عليه (1).
و في كتاب الخرائج:روى عن الحرث الهمداني قال:لمّا مات عليّ عليه السّلام جاء الناس إلى الحسن و قالوا:أنت خليفة أبيك و وصيّه و نحن السامعون لك،فمرنا بأمرك.
فقال الحسن عليه السّلام:كذبتم ما وفيتم لمن كان خيرا منّي،فكيف تفون لي إن كنتم صادقين فموعد ما بيني و بينكم معسكر المدائن فوافوا إلى هناك،فركب و ركب معه من أراد الخروج و تخلّف عنه كثير فما وفوا و غرّوه كما غرّوا أمير المؤمنين ثمّ وجّه إلى معاوية قائدا من كندة في أربعة آلاف، فلمّا نزل الأنبار بعث إليه معاوية رسلا و كتب إليه:أقبل إليّ،و أرسل إليه دراهم كثيرة فصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصّته فبلغ الحسن عليه السّلام فقام خطيبا و قال:هذا الكندي توجّه إلى معاوية و غدر بي و بكم و قد أخبرتكم أنّكم عبيد الدّنيا و أنا موجّه مكانه رجلا آخر و أعلم أنّه يغدر مثل صاحبه،فبعث رجلا من مراد في أربعة آلاف و أخذ عليه العهود.
فلمّا توجّه إلى الأنبار أرسل معاوية إليه رسلا و كتب إليه مثل ما كتب إلى صاحبه و بعث إليه خمسة آلاف درهم فأخذ طريقه إلى معاوية و بلغ الحسن عليه السّلام،فقام خطيبا و ذكر لهم غدر المرادي، ثمّ كتب معاوية إلى الحسن عليه السّلام:يابن عم لا يقطع الرحم الذي بينكم و بيني،فإنّ الناس قد غدروا بك و بأبيك فقالوا:إن خانك الرجلان و غدروا فإنّا مناصحون لك.
فقال لهم الحسن عليه السّلام:لأعودنّ هذه المرّة و إنّي أعلم أنّكم لغادرون إنّ معسكري بالنخيلة، فوافوا هناك،فعسكر عشرة أيّام فلم يحضره إلاّ أربعة آلاف فانصرف إلى الكوفة و خطب فقال:يا عجبا من قوم لا حياء لهم و لا دين و كتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية إنّا معك و إن شئت أخذنا الحسن و بعثناه إليك ثمّ أغاروا على فسطاطه و ضربوه بحربة و أخذ مجروحا،ثمّ كتب جوابا لمعاوية:
إنّما هذا الأمر لي و الخلافة لي و لأهل بيتي و إنّها لمحرّمة عليك و على أهل بيتك و لو وجدت صابرين عارفين بحقّي ما سلّمت لك و لا أعطيتك ما تريد و انصرف إلى الكوفة (2).
و في كتاب البشائر إنّه لمّا بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين عليه السّلام و بيعة الناس لابنه الحسن دسّ رجلا إلى البصرة و رجلا إلى الكوفة ليكتبا إليه بالأخبار و يفسدا على الحسن أموره فعرف ذلك عليه السّلام و أمر بقتلهما،و كتب إلى معاوية فأجابه و جرت بينهما الكتب و الرسائل و سار معاوية نحو العراق ليغلب عليه،فلمّا بلغ جسر مفيح تحرّك الحسن عليه السّلام و أمر العمّال بالمسير و استنفر الناس للجهاد4.
فتثاقلوا عنه فخرج معه أخلاط من الناس بعضهم شيعة أبيه و بعضهم أهل أطماع و غنائم و بعضهم أصحاب عصبية حتّى نزل ساباط،فلمّا أصبح أراد أن يمتحن أصحابه فأمر بالصلاة جامعة و صعد المنبر و خطب و قال في خطبته:إنّ ما تكرهون في الجماعة خير لكم ممّا تحبّون في الفرقة،ألا و انّي ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري.
فنظر الناس بعضهم إلى بعض و قالوا:يريد أن يصالح معاوية و يسلّم الأمر إليه،فقالوا:كفر و اللّه الرجل،ثمّ شدّوا على فسطاطه و انتهبوه حتّى أخذوا مصلاّه من تحته و نزعوا مطرفه عن عاتقه فركب فرسه و أحدق به شيعته و سار حتّى بلغ مظلم ساباط فبدر إليه رجل من بني أسد يقال له الجراح بن سنان فقال:أشركت يا حسن كما أشرك أبوك من قبل ثمّ طعنه في فخذه فوثب إليه جماعة من شيعته فقتلوه.
و حمل الحسن عليه السّلام على سرير إلى المدائن يعالج جرحه و كتب جماعة من رؤساء القبائل إلى معاوية بالسمع و الطاعة استحثّوه على المسير و ضمنوا له تسليم الحسن عليه السّلام عند دنوّهم من عسكره و الفتك به،فبلغ الحسن عليه السّلام ذلك و ورد عليه كتاب قيس بن سعد و كان قد أنفذه مع عبيد اللّه بن العبّاس عند مسيره من الكوفة ليلقى معاوية و يردّه عن العراق و جعله أميرا على الجماعة و قال:إن أصيب فالأمير قيس بن سعد،فوصل كتاب قيس يخبره أنّهم نازلوا معاوية و أنّ معاوية أرسل إلى عبيد الله يرغّبه في المسير إليه و ضمن له ألف ألف درهم فانسلّ في الليل إلى عسكر معاوية فأصبح الناس و قد فقدوا أميرهم فصلّى بهم قيس و نظر في أمورهم فازدادت بصيرة الحسن عليه السّلام بخذلان القوم له،و كتب إليه معاوية في الهدنة و الصلح و أنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له الفتك به، فاشترط لنفسه في الصلح شروطا كثيرة و كان يعلم أنّه لا يفي بها غير أنّه لم يجد بدّا من إجابته إلى ترك الحرب من جهة أنّ جماعة من أصحابه استحلّوا دمه،و ممّا اشترط عليه:أن لا يسبّ أمير المؤمنين و لا يقنت عليه في الصلوات و أن لا يتعرّض لشيعته بسوء فحلف له معاوية على ذلك،فلمّا استتمت الهدنة سار معاوية حتّى نزل بالنخيلة،و ذلك يوم الجمعة فصلّى بالناس ثمّ خطبهم و قال:
إنّي ما قاتلتكم لتصلّوا و لا تصوموا و إنّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم له كارهون،و إنّي كنت منّيت الحسن و أعطيته أشياء و جميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها.
ثمّ دخل الكوفة و خطب الناس و ذكر أمير المؤمنين عليه السّلام و نال منه و نال من الحسن عليه السّلام و كان الحسن و الحسين عليهما السّلام حاضرين،فقام الحسين عليه السّلام ليرد عليه فأخذ بيده الحسن و أجلسه ثمّ قام فقال:أيّها الذاكر عليّا أنا الحسن و أبي علي و أنت معاوية و أبوك صخر و أمّي فاطمة و أمّك هند و جدّي رسول اللّه و جدّك حرب و جدّتي خديجة و جدّتك[فتيلة]،فلعن اللّه أخملنا ذكرا و ألأمنا حسبا و شرّنا قدما و أقدمنا كفرا و نفاقا،فقالت طوائف من أهل المسجد:آمين آمين (1).4.
1) مناقب آل أبي طالب:198/3،و البحار:49/44.
و روي أنّ معاوية طلب البيعة من الحسين عليه السّلام فقال الحسن عليه السّلام:يا معاوية لا تكرهه،فإنّه لن يبايع أبدا أو يقتل و لن يقتل حتّى يقتل أهل الشام (1).
و في كتاب كشف الغمّة:و من كلامه عليه السّلام ما كتبه في كتاب الصلح الذي استقرّ بينه و بين معاوية حيث رأى حقن الدماء و هو:بسم اللّه الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان على أن يسلّم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و سيرة الخلفاء الصالحين و ليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهدا بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين،و على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض اللّه في شامهم و عراقهم و حجازهم و يمنهم و على أنّ أصحاب عليّ و شيعته آمنون على أنفسهم و أموالهم و نسائهم و أولادهم،و على أنّ على معاوية بن أبي سفيان عهد اللّه و ميثاقه و ما أخذ اللّه على أحد من خلقه بالوفاء و بما أعطى اللّه من نفسه،و على أن لا يبغي للحسن بن عليّ و لا لأخيه الحسين و لا لأحد من أهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غائلة سرّا و لا جهرا و لا يخيف أحدا منهم في أفق من الآفاق شهد عليه بذلك،و كفى باللّه شهيدا شهد فلان و فلان و السلام (2).
و نقل المفيد كلاما للحسن عليه السّلام بعد السبب في قبول الإمام الحسن المجتبى الهدنة و الصلح من معاوية ما هذا لفظه:فتوثّق لنفسه من معاوية بتوكيد الحجة عليه و الإعذار فيما بينه و بينه عند اللّه تعالى و عند كافة المسلمين و اشترط عليه ترك سب أمير المؤمنين و العدول عن القنوت عليه في الصّلاة،و أن يؤمّن شيعته رضي اللّه عنهم و لا يتعرّض لأحد منهم بسوء و يوصل إلى كلّ ذي حقّ منهم حقه.
فأجابه معاوية إلى ذلك كله و عاهده عليه و حلف له بالوفاء به،فلمّا استتمّت الهدنة على ذلك سار معاوية حتّى نزل بالنخيلة و كان ذلك يوم الجمعة فصلّى بالناس ضحى النهار فخطبهم و قال في خطبته:و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا،إنكم لتفعلون ذلك و لكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم و قد أعطاني اللّه ذلك و أنتم له كارهون،ألا و إنّي كنت منّيت الحسن أشياء و أعطيته أشياء و جميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له.
ثمّ سار حتّى دخل الكوفة فأقام بها أيّاما فلمّا استتمّت البيعة له من أهلها صعد المنبر فخطب
الناس و ذكر أمير المؤمنين و نال منه و نال من الحسن ما نال،و كان الحسن و الحسين حاضرين،فقام الحسين ليردّ عليه فأخذ بيده الحسن و أجلسه،ثمّ قام فقال:أيّها الذاكر عليّا أنا الحسن و أبي عليّ و أنت معاوية و أبوك صخر،و أمّي فاطمة و أمّك هند،و جدّي رسول اللّه و جدّك حرب،و جدّتي خديجة و جدّتك فتيلة،فلعن اللّه أخملنا ذكرا و ألأمنا حسبا و شرّنا قدما و أقدمنا كفرا و نفاقا،فقالت طوائف من أهل المسجد:آمين آمين،انتهى قوله قدّس سره (1).
و روى قريبا منه المحدّث القمّي رضوان اللّه عليه في مادّة حسن من سفينة البحار عن الشعبي، و قال الفاضل الشارح المعتزلي:إنّ هذا الحديث نقله الفضل بن الحسن المصري عن يحيى بن معين قال:و قال الفضل:قال يحيى:آمين،و قال الفضل:أنا أقول آمين،و قال عليّ بن الحسين الأصفهاني آمين،و قال الشارح المذكور أنا أقول آمين،و كذلك كاتب هذه الأحرف الحسن بن عبد اللّه الطبري الآملي يقول آمين،آمين و يرحم اللّه تعالى عبدا قال آمين آمين (2).
و في كتاب الإحتجاج عن الشعبي و أبي مخنف و يزيد بن حبيب قالوا:لم يكن في الإسلام يوم في مشاجرة قوم اجتمعوا في محفل أكثر ضجيجا و لا أشدّ مبالغة في قول من يوم اجتمع فيه عند معاوية عمرو بن عثمان بن عفّان و عمرو بن العاص و عتبة بن أبي سفيان و الوليد بن عتبة (3)بن أبي معيط و المغيرة بن شعبة،و قد تواطأوا على أمر واحد فقال عمرو بن العاص لمعاوية:ألا تبعث إلى الحسن بن علي فتحضره فقد أحيا سيرة أبيه و خفقت النعال خلفه فأحضره حتّى نسبّه و نسبّ أباه و نصغّر من قدره،فقال معاوية:أخاف أن يقلدكم قلايد يبقى عليكم عارها إلى القبور،و اللّه ما رأيته إلاّ وهبت عتابه و إنّي إن بعثت إليه لأنصفنّه منك.
قال ابن العاص:أتخاف أن يتسامى باطله على حقّنا؟
قال:لا،قال:فابعث إذا إليه،فقال عتبة:هذا رأي لا أعرفه،و اللّه لا تستطيعون أن تلقوه بأعظم ممّا في أنفسكم عليه و لا يلقاكم إلاّ بأعظم ممّا في نفسه عليكم،فبعثوا إليه فقال له الرّسول:
يدعوكم معاوية و عنده فلان و فلان و سمّاهم،فقال عليه السّلام:ما لهم خرّ عليهم السقف من فوقهم و أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون،فلبس ثيابه،ثمّ قال:اللّهم إنّي أدرأ بك في نحورهم و أعوذ بك من شرورهم و أستعين بك عليهم فأكفنيهم ممّا شئت و أنّى شئت من حولك و قوّتك يا أرحم الراحمين،
و قال للرسول:هذا كلام الفرج،فلمّا أتى معاوية رحّب به و صافحه و قال:إنّ هؤلاء بعثوا إليك و عصوني ليقرّروك أنّ عثمان قتل مظلوما و أنّ أباك قتله فاسمع منهم ثمّ أجبهم و لا يمنعك مكاني من جوابهم فقال عليه السّلام بعد كلام:إنّ اللّه عزّ و جلّ وليّي فليقولوا و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.
فقال عمرو بن عثمان:ما سمعت ان بقي من عبد المطّلب على وجه الأرض أحد بعد قتل الخليفة عثمان،و كان الفاضل في الإسلام منزلة و الخاص برسول اللّه سفكوا دمه طلبا للفتنة،فيا ذلاّه أن يكون حسن و سائر بني عبد المطّلب قتلة عثمان أحياء على مناكب الأرض و عثمان مضرّج بدمه مع أنّ لنا فيكم تسعة عشر دما بقتلى بني أميّة ببدر.
ثمّ تكلّم عمرو بن العاص فقال:يا حسن بعثنا إليك لنقرّرك أنّ أباك سمّ أبا بكر الصدّيق و أشرك في قتل عمر الفاروق و قتل عثمان ذو النورين مظلوما فادّعى ما ليس له بحقّ،ثمّ أنت يا حسن ليس لك عقل و لا رأي،و تركت أحمق في قريش و ذلك لسوء عمل أبيك و إنّما دعوناك لنسبّك و أباك،ثمّ أنت لا تستطيع أن تعتب علينا و لا أن تكذّبنا و اللّه لو قتلناك ما كان في قتلك إثم و لا عيب.
ثمّ تكلّم عتبة بن أبي سفيان فقال:يا حسن إنّ أباك كان شرّ قريش لقريش أقطعه لأرحامها و أسفكه لدمائها و إنّك لمن قتلة عثمان و في الحقّ أن نقتلك به،و أنّ عليك القود في كتاب اللّه فإنّا قاتلوك،و أمّا رجاؤك للخلافة فلست منها لا في قدحة زندك و لا في رجحة ميزانك..
ثمّ تكلّم الوليد بن عقبة بن أبي معيط بنحو من كلام أصحابه،ثمّ تكلّم المغيرة بن شعبة و كان كلامه وقوعا في عليّ عليه السّلام و ذكر أنّ عليّا عليه السّلام أشرك في دم عثمان و قتل أبا بكر بالسمّ و أنّ معاوية وليّ المقتول بغير حقّ،فيجب أن يقتل الحسن و الحسين قصاصا.
فلمّا فرغ تكلّم الحسن عليه السّلام و قال:الحمد للّه الذي هدى أوّلكم بأوّلنا و آخركم بآخرنا و قال:
بك أبدأ يا معاوية لعمر اللّه يا أزرق ما شتمني غيرك و ما هؤلاء شتموني و سبّوني عدوانا و حسدا علينا و عداوة لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لو كنت أنا و هؤلاء في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حولنا المهاجرون و الأنصار ما قدروا أن يتكلّموا بمثل ما تكلّموا فاسمعوا منّي و لا تكتموا حقّا علمتموه،و لا أقول فيك يا معاوية إلاّ دون ما فيك:أنشدكم باللّه هل تعلمون الرجل الذي شتمتموه صلّى القبلتين و أنت تعبد اللاّت و العزّى و بايع البيعتين بيعة الرضوان و بيعة الفتح و أنت يا معاوية بالأولى كافر و بالاخرى ناكث و لقيكم مع رسول اللّه يوم بدر و معه راية النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و معك يا معاوية راية المشركين ترى حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرضا واجبا؟
ثمّ أنشدكم باللّه هل تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حاصر قريظة و بني النضير،ثمّ بعث عمر بن الخطّاب و معه راية المهاجرين،فرجع يجبّن أصحابه،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لأعطينّ الراية غدا
رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله كرّارا غير فرّار لا يرجع حتّى يفتح اللّه عليه،فأعطاها عليّا فلم يرجع حتّى فتح اللّه عليه و أنت يومئذ بمكّة عدوّ للّه و لرسوله ثمّ أقسم باللّه ما أسلم قلبك بعد و لكن اللّسان خائف فهو يتكلّم بما ليس في القلب،ثمّ أنشدكم باللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه استخلفه على المدينة في غزوة تبوك و قال له:أنت وصيّي و خليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى؟
أنشدكم باللّه أتعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال في حجّة الوداع:أيّها الناس قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لم تضلّوا بعده كتاب اللّه فاعملوا به و عترتي فانصروهم على من عاداهم ثمّ دعى و هو على المنبر عليّا فقال:اللّهمّ من عادى عليّا.....و لا تجعل له في الأرض مقعدا و لا في السماء مصعدا و اجعله في أسفل درك من النار؟
أتعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال له:أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله و ذكر من مناقب أبيه عليه السّلام كثيرا.
ثمّ قال:أنشدكم باللّه هل تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعث إليك فقال له الرسول هو يأكل، فأعاد الرسول إليك ثلاث مرّات كلّ ذلك يقول:هو يأكل،فقال:اللّهمّ لا تشبع بطنه فهي و اللّه في أكلك إلى يوم القيامة.
ثمّ قال:أ تعلمون إنّك يا معاوية كنت تسوق بأبيك على جمل أحمر و يقوده أخوك هذا القائد و هذا يوم الأحزاب،فلعن رسول اللّه الرّاكب و القائد و السائق فكان أبوك الراكب و أنت يا أزرق السائق و أخوك هذا القائد؟
ثمّ أنشدكم باللّه هل تعلمون أنّ رسول اللّه لعن أبا سفيان في سبعة مواطن ثمّ عدّد المواطن و قال:أنشدكم باللّه هل تعلمون أنّ أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:يابن أخي هل علينا من عين؟
فقال:لا،فقال أبو سفيان:تداولوا الخلافة فتيان بني أميّة،فو الذي نفس أبي سفيان بيده ما من جنّة و لا نار،و منها أنّك صددت أباك عن الإسلام بأشعار معروفة،و منها أنّ عمر بن الخطّاب ولاّك الشام فخنت به و ولاّك عثمان فتربّصت به ريب المنون،و أعظم من ذلك إنّك قاتلت عليّا عليه السّلام و قد عرفت سوابقه و فضله على من هو أولى منك،فهذا لك يا معاوية و ما تركت أكثر ممّا ذكرت.
و أمّا أنت يا عمرو بن عثمان فلم يكن حقيقا لحمقك أن تتبع هذه الامور،فإنّما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة استمسكي فإنّي أريد أن أنزل عليك فقالت لها النخلة:و ما شعرت بوقوعك فكيف يشقّ علي نزولك،و إنّي و اللّه ما شعرت أنّك تحسن أن تعادي لي فيشق عليّ ذلك،و أمّا قولك:إنّ لكم فينا تسعة عشر دما بقتلى مشركي بني أميّة ببدر فإنّ اللّه قتلهم،و لعمري ليقتلنّ من بني هاشم تسعة عشر و ثلاث بعد تسعة عشر ثمّ يقتل من بني أميّة تسعة عشر و تسعة عشر في موطن واحد سوى من قتل من بني أميّة لا يحصي عددهم إلاّ اللّه.
ثمّ قال بعد كلام:و أمّا أنت يا عمرو بن العاص الشانئ اللّعين الأبتر،فإنّ أوّل أمرك أنّ أمّك بغت و أنّك ولدت على فراش مشترك فتحاكمت فيك رجال قريش منهم أبو سفيان و الوليد بن المغيرة و عثمان بن الحرث و النضر بن الحارث و العاص بن وائل كلّهم يزعم أنّك ابنه فغلبهم عليك من بني قريش ألأمهم حسبا و أخشنهم منصبا ثمّ قمت خطيبا و قلت:أنا شانئ محمّد.
و قال العاص بن وائل:إنّ محمّدا رجل أبتر لا ولد له فلو قد مات انقطع ذكره فأنزل اللّه تعالى: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (1).
و كنت في كلّ مشهد عدوّ رسول اللّه ثمّ كنت في أصحاب السفينة الذين أتوا النجاشي تحرّضه على قتل جعفر بن أبي طالب فحاق المكر السيّئ بك و لسنا نعاتبك على حبّنا و أنت عدوّ لبني هاشم في الجاهلية و الإسلام،و قد هجوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بسبعين بيتا من شعر،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
اللّهم إنّي لا أحسن الشعر و لا ينبغي أن أقوله فالعن عمرو بن العاص بكلّ بيت لعنة.
و أمّا أنت يا وليد بن عقبة فما ألومك أن تبغض عليّا و قد جلدك في الخمر ثمانين و قتل أباك صبرا بيده يوم بدر،أم كيف تسبّه و قد سمّاه اللّه مؤمنا في عشر آيات من القرآن و سمّاك فاسقا و هو قول اللّه عزّ و جلّ: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً (2)و ما أنت و ذكر قريش،و إنّما أنت ابن علج من أهل صقورية يقال له ذكوان و لو سألت أمّك من أبوك إذ تركت ذكوان فألصقتك بعقبة بن أبي معيط لعرفت نفسك و لقد قالت لك و اللّه أمّك:يا بني أبوك أخبث من عقبة.
و أمّا أنت يا عتبة بن أبي سفيان فما أنت عاقل فأعاتبك و أنّ اللّه تعالى لك و لأخيك و أمّك و أبيك بالمرصاد،و أنت و ذرية آبائك الذين ذكرهم اللّه في القرآن فقال: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ* تَصْلى ناراً حامِيَةً* تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (3)إلى قوله: مِنْ جُوعٍ ،و أمّا وعيدك إيّاي بقتلي،فهلاّ قتلت الذي وجدته على فراشك مع حليلتك و قد غلبك على فرجها و شركك في ولدها حتّى ألصق بك ولدا ليس لك؟ويلا لك لو شغلت نفسك بطلب ثأرك منه كنت جديرا و لا ألومك أن تسبّ عليا و قد قتل أخاك مبارزة و اشترك هو و حمزة في قتل جدّك حتّى ذاقا العذاب الأليم.
و أمّا أنت يا مغيرة بن شعبة فأنت الزاني و قد وجب عليك الرجم و شهد عليك العدول،فأخّر رجمك و دفع الحقّ بالباطل،و أنت[الذي]ضربت فاطمة بنت رسول اللّه حتّى ألقت ما في بطنها انتهاكا لحرمة رسول اللّه.
و أمّا قولك و أصحابك في الملك الذي ملكتموه فقد ملك فرعون مصر أربعمائة سنة و موسى و هارون نبيّان مرسلان يلقيان ما يلقيان و هو ملك اللّه يعطيه البرّ و الفاجر قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِنْ5.
أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (1)و قال: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (2)،ثمّ قام الحسن فنفض ثيابه و هو يقول: اَلْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ (3)هم و اللّه يا معاوية أنت و أصحابك و شيعتك وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ (4)هم عليّ بن أبي طالب و أصحابه و شيعته ثمّ خرج و هو يقول:ذق و بال ما كسبت يداك و ما جنيت.
فقال معاوية لأصحابه:و أنتم فذوقوا و بال ما جنيتم ألم أقل لكم إنّكم لن تنتصفوا من الرجل فقد فضحكم،و اللّه ما قام حتّى أظلم عليّ البيت.
و سمع مروان بن الحكم بما لقي معاوية و أصحابه المذكورون من الحسن بن عليّ فأتاهم، فقال:هلاّ أحضرتموني فو الله لأسبنّه سبّا تغنّي به الإماء و العبيد.
فقال معاوية:لم يفتك شيء،فقال مروان:أرسل إليه يا معاوية،فأرسل إليه فأقبل عليه السّلام و جلس مع معاوية على السرير فقال:إنّ مروان أرسل إليك،فقال:و ما الذي أردت يا مروان؟
قال:و اللّه لأسبنّك و أباك سبّا تغنّي به الإماء و العبيد.
فقال عليه السّلام:يا مروان ما أنا سببتك و لا سببت أباك،و لكن اللّه عزّ و جلّ لعنك و لعن أباك و أهل بيتك و ذرّيتك و ما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة على لسان نبيّه محمّد و ما زادك بما خوّلك إلاّ طغيانا كبيرا صدق اللّه و صدق رسوله يقول: وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً (5).
و أنت يا مروان و ذريّتك الشجرة الملعونة في القرآن عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فوضع معاوية يده على فم الحسن عليه السّلام و قال:يا أبا محمّد ما كنت فحّاشا،فقام الحسن عليه السّلام و تفرّق القوم بحزن و سواد الوجه،انتهى ملخّصا (6).
و من كتاب العقد أنّ مروان بن الحكم قال للحسن بن عليّ عليهما السّلام بين يدي معاوية:أسرع الشيب إلى شاربك يا حسن و يقال:إنّ ذلك من الخرق،فقال عليه السّلام:ليس كما بلغك و لكنّا معشر بني هاشم طيّبة أفواهنا عذبة شفاهنا فنساؤنا يقبلن علينا بأنفاسهنّ و أنتم معشر بني أميّة فيكم بخر شديد فنساؤكم يصرفن أفواههنّ و أنفاسهنّ إلى أصداغكم فإنّما يشيب منكم موضع العذاب من أجل ذلك، قال مروان:أما إنّ فيكم يا بني هاشم غلمة شبق،قال:نعم،نزعت من نسائنا و وضعت في رجالنا و نزعت الغلمة من رجالكم و وضعت في نسائكم،فما قام لأمويّة إلاّ هاشمي (7).3.
و في بعض كتب المناقب القديمة:أنّ معاوية كتب إلى مروان و هو عامله على المدينة أن يخطب ليزيد بنت عبد اللّه بن جعفر على حكم أبيها في الصداق و قضاء دينه بالغا ما بلغ و على صلح الحيين بني هاشم و بني أميّة،فبعث مروان إلى عبد اللّه بن جعفر يخطب إليه فقال:إنّ أمر نسائنا إلى الحسن بن عليّ فاخطب إليه،فأتى إلى الحسن خاطبا فقال له الحسن عليه السّلام:إجمع من أردت فجمع بني هاشم و بني أميّة فتكلّم مروان و قال:إنّ أمير المؤمنين معاوية يأمرني أن أخطب زينب بنت عبد اللّه بن جعفر على يزيد بن معاوية على حكم أبيها في الصداق و قضاء دينه و على صلح الحيّين بني هاشم و بني أميّة و يزيد كفؤ من لا كفؤ له،و لعمري لمن يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبط يزيد بكم و يزيد ممّن يستسقى الغمام بوجهه ثمّ سكت.
فتكلّم الحسن عليه السّلام فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:أمّا ما ذكرت من حكم أبيها في الصداق فإنّا لم نكن لنرغب في سنّة رسول اللّه في أهله و بناته.
و أمّا قضاء دين أبيها فمتى قضت نساؤنا ديون آبائهنّ.
و أمّا صلح الحيّين فإنّا عاديناكم في اللّه فلا نصالحكم للدّنيا.
و أمّا قولك:من يغبطنا بيزيد أكثر ممّن يغبط بنا،فإن كانت الخلافة فاقت النبوّة فنحن المغبوطون به،و إن كانت النبوّة فاقت الخلافة فهو المغبوط بنا.
و أمّا قولك:إنّ الغمام يستسقى بوجه يزيد فإنّ ذلك لم يكن إلاّ لآل رسول اللّه،و قد رأينا أن نزوّجها ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر و قد زوجتها منه و جعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة و كان معاوية أعطاني بها عشرة آلاف دينار و لها فيها غنى و كفاية فقال مروان:أغدرا يا بني هاشم، فقال الحسن عليه السّلام:واحدة بواحدة.و كتب مروان بذلك إلى معاوية فقال معاوية:خطبنا إليهم فلم يفعلوا و لو خطبوا إلينا لما رددناهم.
و قال الشّيخ إبراهيم بن محمد البيهقي في كتاب المحاسن و المساويء قيل:و أتى الحسن بن عليّ معاوية بن أبي سفيان و قد سبقه ابن عباس فأمر معاوية فأنزل،فبينا معاوية مع عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و زياد بن أبي سفيان يتحاورون في قديمهم و حديثهم و مجدهم،فقال معاوية:
أكثرتم الفخر فلو حضركم الحسن بن علي و عبد اللّه بن العباس لقصّرا من أعنّتكما ما طال،فقال زياد:و كيف ذلك يا أمير المؤمنين ما يقومان لمروان بن الحكم في غريب منطقه و لا لنا في بواذخنا؟ فابعث إليهما في غد حتى نسمع كلامهما.
فقال معاوية لعمرو:ما تقول؟قال هذا:فابعث إليهما في غد،فبعث إليهما معاوية ابنه يزيد، فأتياه و دخلا عليه و بدأ معاوية فقال:إنّي أجلّكما و أرفع قدركما عن المسامرة بالليل و لا سيّما أنت يا أبا محمد فإنّك ابن رسول اللّه و سيّد شباب أهل الجنّة فشكّرا له،فلمّا استويا في مجلسهما و علم
عمرو أن الحدّة ستقع به قال:و اللّه لا بدّ أن أقول،فإن قهرت فسبيل ذلك و إن قهرت أكون قد ابتدأت.
فقال:يا حسن إنّا تفاوضنا فقلنا:إنّ رجال بني أميّة أصبر عند اللقاء و أمضى في الوغى، و أوفى عهدا،و أكرم خيما،و أمنع لما وراء ظهورهم من بني عبد المطلّب.
ثمّ تكلّم مروان فقال:و كيف لا نكون كذلك و قد قارعناكم فغلبناكم و حاربناكم فملكناكم،فإن شئنا عفونا و إن شئنا بطشنا.
ثمّ تكلّم زياد فقال:ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله و يجحدوا الخير في مظانه،نحن أهل الحملة في الحروب و لنا الفضل على سائر الناس قديما و حديثا.
فتكلّم الحسن فقال:ليس من العجز أن يصمت الرجل عند إيراد الحجّة،و لكن من الإفك أن ينطق الرجل بالخنا و يصوّر الباطل بصورة الحقّ،يا عمرو افتخارا بالكذب و جرأة على الإفك!ما زلت أعرف مثالبك الخبيثة أبديها مرّة و أمسك عنها أخرى فتأبى إلاّ انهماكا في الضلالة،أتذكر مصابيح الدّجى و أعلام الهدى و فرسان الطراد و حتوف الأقران و أبناء الطعام و ربيع الضيفان و معدن النبوّة و مخبط العلم و زعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم و قد تبيّن ذلك يوم بدر حين نكصت الأبطال و تساورت الأقران و اقتحمت الليوث و اعتركت المنيّة و قامت رحاؤها على قطبها و فرّت عن نابها و طار شرار الحرب فقتلنا رجالكم و منّ النبي على ذراريكم فكنتم لعمري في هذا اليوم غير مانعين لما وراء ظهوركم من بني عبد المطلب!.
ثمّ قال:و أمّا أنت يا مروان فما أنت و الإكثار في قريش و أنت طليق و أبوك طريد يتقلّب من خزاية إلى سوءة و لقد جي بك إلى أمير المؤمنين فلمّا رأيت الضّرغام قد دميت براثنه و اشتبكت أنيابه كنت كما قال:
ليث إذا سمع اللّيوث زئيره بصبصن ثمّ قذفن بالأبعار
و يروى:رمين بالأبعار.
فلمّا منّ عليك بالعفو و أرخى خناقك بعد ما ضاق عليك و غصصت بريقك لا تقعد معنا مقعد أهل الشكر و لكن تساوينا و تجارينا و نحن ممّن لا يدركنا عار و لا يلحقنا خزاية!
ثمّ التفت إلى زياد فقال:و ما أنت يا زياد و قريشا لا أعرف لك فيها أديما صحيحا و لا فرعا نابتا و لا قديما ثابتا و لا منبتا كريما بل كانت أمّك بغيّا تداولها رجال قريش و فجّار العرب فلمّا ولدت لم تعرف لك العرب والدا فادّعاك هذا-يعني معاوية-بعد ممات أبيه،مالك افتخار،تكفيك سميّة و يكفينا رسول اللّه،و أبي عليّ بن أبي طالب سيّد المؤمنين الّذي لم يرتدّ على عقبيه،و عمّي حمزة سيّد الشهداء و عمي جعفر الطيّار و أنا و أخي سيّدا شباب أهل الجنّة!ثمّ التفت إلى ابن عبّاس
فقال:يابن العمّ إنّما هي بغاث الطير انقضّ عليها أجدل،فأراد ابن عبّاس أن يتكلّم فأقسم عليه معاوية أن يكفّ فكفّ ثمّ خرجا.
فقال معاوية:أجاد عمرو الكلام لو لا أنّ حجّته دحضت و تكلّم مروان لو لا أنّه نكص.
ثمّ التفت إلى زياد و قال:ما دعاك إلى محاورته؟ما كنت إلا كالحجل في كفّ البازي،فقال أفاخر رجلا رسول اللّه جدّه و هو سيّد من مضى و من بقي و أمّه فاطمة الزّهراء السّواء،فقال عمرو:
لقد أبقى عليك و لكنه طحن مروان طحن الرّحى بثفالها يأبى إلاّ الإغراء بيننا و بينهم،لا جرم و اللّه لا شهدت مجلسا يكونان فيه إلاّ كنت معهما على من فاخرهما.
فخلا ابن عبّاس بالحسن فقبّل بين عينيه و قال:أفديك يابن عم،و اللّه ما زال بحرك يزخر و أنت تصول حتّى شفيتني من أولاد البغايا (1).
و روى المدائنيّ عن زيد بن أرقم:قال:خرج الحسن عليه السّلام و هو صغير،و عليه برده و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخطب،فعثر فسقط،فقطع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الخطبة،و نزل مسرعا إليه،و قد حمله الناس، فتسلّمه و أخذه على كتفه،و قال:إنّ الولد لفتنة،لقد نزلت إليه و ما أدرى!ثم صعد فأتمّ الخطبة.
و روى المدائنيّ،قال:لقي عمرو بن العاص الحسن عليه السّلام في الطواف،فقال له:يا حسن، زعمت أنّ الدين لا يقوم إلاّ بك و بأبيك،فقد رأيت اللّه أقامه بمعاوية،فجعله راسيا بعد ميله،و بيّنا بعد خفائه،أفرضي اللّه بقتل عثمان؛أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطّحين، عليك ثياب كغرقىء (2)البيض،و أنت قاتل عثمان،و للّه إنه لألمّ للشّعث،و أسهل للوعث،أن يوردك معاوية حياض أبيك.
فقال الحسن عليه السّلام:إنّ لأهل النار علامات يعرفون بها،إلحادا لأولياء الله؛و موالاة لأعداء اللّه،و اللّه إنّك لتعلم أنّ عليا لم يرتب في الدين،و لم يشكّ في اللّه ساعة و لا طرفة عين قطّ،و أيم اللّه لتنتهينّ يابن أم عمرو أو لأنفذنّ حضنيك (3)بنوافذ أشدّ من القعضبيّة (4):فإيّاك و التهجّم عليّ،
فإني من قد عرفت؛لست بضعيف الغمزة،و لا هشّ المشاشة (1)و لامرىء المأكلة،و إنّي من قريش كواسطة القلادة،يعرف حسبي،و لا أدعى لغير أبي،و أنت من تعلم و يعلم الناس،تحاكمت فيك رجال قريش،فغلب عليك جزّارها،ألأمهم حسبا،و أعظمهم لؤما،فإياك عنّي،فإنّك رجس، و نحن أهل بيت الطهارة،أذهب اللّه عنا الرّجس و طهّرنا تطهيرا.فأفحم عمرو و انصرف كئيبا (2).
و كتاب الشيرازي عن ابن عبّاس في قوله: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ (3)أنه جلس الحسن بن علي و يزيد بن معاوية يأكلان الرطب فقال يزيد:يا حسن إني منذ كنت أبغضك.
قال الحسن عليه السّلام:إعلم يا يزيد أن إبليس شارك أباك في جماعه فاختلط الماءان فأورثك ذلك عدواني،لأن اللّه تعالى يقول: وَ شارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ .
و شارك الشيطان حربا عند جماعة فولد له صخر،فلذلك كان يبغض جدّي رسول اللّه.
و شارك الشيطان صخر عند جماعه فولد له أبوك معاوية،فلذلك كان يبغض أبي (4).
و لنعم ما قال الشاعر:
كم من مولود أبوه و أمه قد شاركا في حمله الشيطانا
و مطهر لم يجعل الرحمن لل شيطان في شرك به سلطان (5)
ثم إنّ الحسن غاب أيّاما ثمّ رجع حتّى دخل على معاوية و عنده عبد اللّه بن الزبير،فقال معاوية:يا أبا محمد إنّي أظنك تعبا نصبا فأت المنزل فأرح نفسك فيه،فقام الحسن فلمّا خرج قال معاوية لعبد اللّه بن الزبير:لو افتخرت على الحسن فإنك ابن حواريّ رسول اللّه و ابن عمّته،و لأبيك في الإسلام نصيب وافر،فقال ابن الزبير:أنا له!فرجع و هو يطلب ليلته الحجج فلمّا أصبح دخل
على معاوية و جاء الحسن فحيّاه معاوية و سأله مبيته،فقال:خير مبيت و أكرم مستفاض،فلمّا استوى في مجلسه قال ابن الزبير:
لو لا أنّك خوّار في الحرب غير مقدام ما سلّمت لمعاوية الأمر و كنت لا تحتاج إلى اختراق السهوب و قطع المفاوز تطلب معروفه و تقوم ببابه،و كنت حريّا أن لا تفعل ذلك و أنت ابن عليّ في بأسه و نجدته،فما أدري ما الّذي حملك على ذلك أضعف رأى أم و هن نحيزة،فما أظنّ لك مخرجا من هاتين الخلّتين،أما و اللّه لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أنّي ابن الزبير و أنّي لا أنكص عن الأبطال و كيف لا أكون كذلك و جدّتي صفيّة بنت عبد المطّلب،و أبي الزبير حواريّ رسول اللّه و أشدّ النّاس بأسا و أكرمهم حسبا في الجاهليّة و أطوعهم لرسول اللّه.
فالتفت إليه الحسن و قال:و أما و اللّه لو لا أنّ بني أميّة تنسبني إلى العجز عن المقال لكففت عنك تهاونا،و لكن سأبيّن ذلك لك لتعلم أنّي لست بالعيّ و لا كليل اللّسان،إيّاي تعيّر و عليّ تفتخر و لم يكن لجدّك بيت في الجاهليّة و لا مكرمة فزوّجته جدّتي صفيّة بنت عبد المطلب،فبذخ على جميع العرب بها و شرف بمكانها،فكيف تفاخر من هو من القلادة واسطتها و من الأشراف سادتها نحن أكرم أهل الأرض زندا،لنا الشرف الثاقب و الكرم الغالب.
ثمّ تزعم أنّي سلّمت الأمر لمعاوية فكيف يكون ذلك ويحك كذلك و أنا ابن أشجع العرب، و قد ولدتني فاطمة سيّدة نساء العالمين و خير الإماء؟لم أفعل ذلك ويحك جبنا و لا ضعفا و لكنّه بايعني مثلك و هو يطلبني ببرّه و يداجيني المودّة و لم أثق بنصرته لأنكم أهل بيت غدر،و كيف لا يكون كما أقول،و قد بايع أبوك أمير المؤمنين ثمّ نكث بيعته و نكص على عقبيه و اختدع حشيّة من حشايا رسول اللّه ليضلّ بها النّاس،فلمّا دلف نحو الأعنّة و رأى بربق الأسنّة قتل مضيعة لا ناصر له و أتي بك أسيرا قد وطئتك الكماة بأظلافها و الخيل بسنابكها و اعتلاك الأشتر فغصصت بريقك و أقعيت على عقبيك كالكلب إذا احتوشته اللّيوث،فنحن ويحك نور البلاد و أملاكها و بنا تفخر الأمّة و إلينا تلقى مقاليد الأزمّة،أنصول و أنت تختدع النّساء ثمّ تفتخر على بني الأنبياء؟لم تزل الأقاويل منا مقبولة و عليك و على أبيك مردودة.دخل الناس في دين جدّي طائعين و كارهين،ثمّ بايعوا أمير المؤمنين فسار إلى أبيك و طلحة حين نكثا البيعة و خدعا عرس رسول اللّه فقتل أبوك و طلحة و أتي بك أسيرا،فبصبصت بذنبك و ناشدته الرحم أن لا يقتلك فعفا عنك،فأنت عتاقة أبي و أنا سيّدك و سيّد أبيك،فذق و بال أمرك.
فقال ابن الزبير:أعذر يا أبا محمد فإنّما حملني على محاورتك هذا،و أحبّ الإغراء بيننا فهلاّ إذا جهلت أمسكت عنّي فإنّكم أهل بيت سجيّتكم الحلم و العفو.
فقال الحسن:يا معاوية أنظر هل أكيع عن محاورة أحد؟ويحك أتدري من أيّ شجرة أنا و إلى من أنتمي؟إنته قبل أن أسمك بميسم تتحدّث به الركبان في الآفاق و البلدان.
فقال ابن الزبير:هو لذلك أهل،فقال معاوية:أما إنّه قد شفى بلابل صدري منك و رمى مقتلك فصرت كالحجل في كفّ البازي يتلاعب بك كيف أراد فلا أراك تفتخر على أحد بعدها.
و ذكروا أنّ الحسن بن علي دخل على معاوية فقال متمثلا:
فيم الكلام و قد سبقت مبرّزا سبق الجواد من المدى و المقيس
فقال معاوية:إيّاي تعني؟أما و اللّه لأنبئنّك بما يعرفه قلبك و لا ينكره جلساؤك:أنا ابن بطحاء مكة،أنا ابن أجودها جودا و أكرمها جدودا و أوفاها عهودا،أنا ابن من ساد قريشا ناشئا و كهلا.
فقال الحسن:أجل إيّاك أعني،أفعليّ تفتخر يا معاوية؟أنا ابن ماء السماء و عروق الثّرى و ابن من ساد أهل الدّنيا بالحسب الثابت و الشرف الفائق و القديم السابق،أنا ابن من رضاه رضى الرّحمن و سخطه سخط الرّحمن،فهل لك أب كأبي و قديم كقديمي؟فإن قلت:لا،تغلب،و إن قلت:نعم، تكذب.
فقال معاوية:أقول لا تصديقا لقولك،فقال الحسن:
الحقّ أبلج ما تخون سبيله و الصدق يعرفه ذوو الألباب.
و قال معاوية ذات يوم و عنده أشراف الناس من قريش و غيرهم:أخبروني بخير الناس أبا و أمّا و عمّا و خالا و خالة و جدّا و جدّة.
فقام مالك بن العجلان فأومأ إلى الحسن فقال:ها هو ذا أبوه عليّ بن أبي طالب رضوان اللّه عليهم و أمه فاطمة بنت رسول اللّه،و عمّه جعفر الطيّار في الجنان،و عمّته أمّ هاني بنت أبي طالب، و خاله القاسم بن رسول اللّه،و خالته بنت رسول اللّه زينب،و جدّه رسول اللّه،و جدّته خديجة بنت خويلد.
فسكت القوم و نهض الحسن،فأقبل عمرو بن العاص على مالك فقال:أحبّ بني هاشم حملك على أن تكلّمت بالباطل؟فقال ابن العجلان:ما قلت إلاّ حقّا و ما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق بمعصية الخالق إلاّ لم يعط أمنيّته في دنياه و ختم له بالشفاء في آخرته،بنو هاشم أنضرهم عودا و أوراهم زندا،كذلك يا معاوية؟قال:اللهمّ نعم.
قيل:و استأذن الحسن بن علي على معاوية و عنده عبد اللّه بن جعفر و عمرو بن العاص،فأذن له،فلمّا أقبل قال عمرو:قد جاءكم الأفة العييّ الّذي كان بين لحييه عبلة،فقال عبد اللّه بن جعفر:
مه فو الله لقد رمت صخرة ململمة تنحطّ عنها السيول و تقصر دونها الوعول و لا تبلغها السهام،فإياك و الحسن إيّاك،فإنّك لا تزال راتعا في لحم رجل من قريش و لقد رميت فما برح سهمك و قدحت فما أورى زندك.
فسمع الحسن الكلام فلمّا أخذ الناس مجالسهم قال:يا معاوية لا يزال عندك عبد راتعا في
لحوم الناس،أما و اللّه لو شئت ليكوننّ بيننا ما تتفاقم فيه الأمور و تحرّج منه الصدور ثمّ أنشأ يقول:
أتأمر يا معاوي عبد سهم بشتمي و الملأ منّا شهود
إذا أخذت مجالسها قريش فقد علمت قريش ما تريد
قصدت إليّ تشتمني سفاها لضغن ما يزول و ما يبيد
فما لك من أب كأبي تسامي به من قد تسامي أو تكيد
و لا جدّ كجدّي يابن هند رسول اللّه إن ذكر الجدود
و لا أمّ كأمّي من قريش إذا ما يحصل الحسب التليد
فما مثلي تهكّم يابن هند و لا مثلي تجاريه العبيد
فمهلا لا تهج منّا أمورا يشيب لها معاوية الوليد
و ذكروا أنّ عمرو بن العاص قال لمعاوية ذات يوم:إبعث إلى الحسن بن عليّ فمره أن يخطب على المنبر فلعلّه يحصر فيكون ذلك ممّا نعيّره به،فبعث إليه معاوية فأصعده المنبر و قد جمع له الناس فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:
يا أيّها الناس من عرفني فأنا الّذي يعرف و من لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عمّ النّبي،أنا ابن البشير النذير السراج المنير،أنا ابن من بعث رحمة للعالمين و سخطا للكافرين، أنا ابن من بعث إلى الجنّ و الإنس،أنا المستجاب الدّعوة،أنا ابن الشفيع المطاع،أنا ابن أوّل من ينفض رأسه من التراب،أنا ابن أوّل من يقرع باب الجنّة،أنا ابن من قاتلت معه الملائكة و نصر بالرّعب من مسيرة شهر.فأفتنّ في هذا الكلام و لم يزل حتّى أظلمت الدّنيا على معاوية فقال:يا حسن قد كنت ترجو أن تكون خليفة و لست هناك.
فقال الحسن:إنما الخليفة من سار بسيرة رسول اللّه و عمل بطاعة اللّه و ليس الخليفة من دان بالجور و عطّل السنن و اتّخذ الدّنيا أبا و أمّا،و لكنّ ذاك ملك أصاب ملكا يمتّع به قليلا و كان قد انقطع عنه و استعجل لذّته و بقيت عليه تبعته فكان كما قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (1)ثمّ انصرف.
فقال معاوية لعمرو:و اللّه ما أردت إلاّ هتكي،ما كان أهل الشام يرون أنّ أحدا مثلي حتّى سمعوا من الحسن ما سمعوا.
قيل:و قدم الحسن بن عليّ رضوان اللّه عليه على معاوية فلمّا دخل عليه وجد عنده عمرو بن العاص و مروان بن الحكم و المغيرة بن شعبة و صناديد قومه و وجوه اليمن و أهل الشام،فلمّا نظر إليه1.
1) سورة الأنبياء،الآية:111.
معاوية أقعده على سريره و أقبل عليه بوجهه يريه السرور بمقدمه،فلمّا نظر مروان إلى ذلك حسده و كان معاوية قال لهم:لا تحاوروا هذين الرجلين فلقد قلّداكم العار و فضحاكم عن أهل الشام-يعني الحسن بن علي،و عبد اللّه بن العبّاس.
فقال مروان:يا حسن لو لا حلم أمير المؤمنين و ما قد بنى له آباؤه الكرام من المجد و العلاء ما أقعدك هذا المقعد و لقتلك و أنت له مستوجب بقودك الجماهير فلمّا أحسست بنا و علمت أن لا طاقة لك بفرسان أهل الشام و صناديد بني أميّة أذعنت بالطاعة و احتجرت بالبيعة و بعثت تطلب الأمان،أما و اللّه لو لا ذلك لأريق دمك،و علمت أنّا نعطي السيوف حقّها عند الوغى،فاحمد اللّه إذ ابتلاك بمعاوية فعفا عنك بحلمه ثمّ صنع بك ما ترى.
فنظر إليه الحسن فقال:ويحك يا مروان لقد تقلّدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها و المخاذلة عند مخالطتها،نحن-هبلتك الهوابل-لنا الحجج البوالغ و لنا إن شكرتم عليكم النعم السوابغ،ندعوكم إلى النجاة و تدعوننا إلى النّار فشتّان ما بين المنزلتين،تفخر ببني أميّة و تزعم أنّهم صبّر في الحروب أسد عند اللقاء-ثكلتك أمّك-أولئك البهاليل السادة و الحماة الذادة و الكرام القادة بنو عبد المطلب،أما و اللّه لقد رأيتم و جميع من في هذا البيت ما هالتهم الأهوال و لم يحيدوا عن الأبطال كاللّيوث الضارية الباسلة الحنقة،فعندها ولّيت هاربا و أخذت أسيرا فقلّدت قومك العار لأنّك في الحروب خوّار،أيراق دمي زعمت؟أفلا أرقت دم من وثب على عثمان في الدار فذبحه كما يذبح الجمل و أنت تثغو ثغاء النعجة و تنادي بالويل و الثبور كالأمة اللّكعاء،ألا دفعت عنه بيد أو ناضلت عنه بسهم؟لقد ارتعدت فرائصك و غشي بصرك فاستغثت بي كما يستغيث العبد بربّه، فأنجيتك من القتل و منعتك منه ثمّ تحثّ معاوية على قتلي و لو رام ذلك معك لذبح كما ذبح ابن عفّان،أنت معه أقصر يدا و أضيق باعا و أجبن قلبا من أن تجسر على ذلك،ثمّ تزعم أنّي ابتليت بحلم معاوية أما و اللّه لهو أعرف بشأنه و أشكر لما ولّيناه هذا الأمر فمتى بدا له فلا يغضينّ جفنه على القذى معك،فو الله لأثخنن أهل الشام بجيش يضيق عنها فضاؤها،و يستأصل فرسانها ثمّ لا ينفعك عند ذلك الهرب و الرّوغان و لا يردّ عنك الطلب تدريجك الكلام فنحن ممّن لا يجهل آباؤنا القدماء الأكابر و فروعنا السادة الأخيار،أنطق إن كنت صادقا.
فقال عمرو:ينطق بالخنى و تنطق بالصدق،ثمّ أنشأ يقول:
قد يضرط العير و المكواة تأخذه لا يضرط العير و المكواة في النار
ذق و بال أمرك يا مروان،و أقبل عليه معاوية فقال:قد نهيتك عن هذا الرجل و أنت تأبى إلاّ انهماكا فيما لا يعنيك،إربع على نفسك فليس أبوك كأبيه و لا أنت مثله،أنت ابن الطريد الشريد و هو ابن رسول اللّه الكريم و لكن ربّ باحث عن حتفه و حافر عن مديته،فقال مروان:إرم من دون بيضتك و قم بحجّة عشيرتك،ثمّ قال لعمرو:طعنك أبوه فوقيت نفسك بخصيّيك فلذلك تحذره و قام
مغضبا فقال معاوية:لا تجار البحور فتغمرك،و لا الجبال فتبهرك و استرح من الإعتذار.
قيل:و لقي عمرو بن العاص الحسن بن علي في الطّواف فقال:يا حسن أزعمت أنّ الدّين لا يقوم إلاّ بك و بأبيك؟فقد رأيت اللّه جلّ و عزّ أقامه بمعاوية فجعله راسيا بعد ميله و بيّنا بعد خفائه، أفرضي اللّه قتل عثمان أم من الحقّ أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطّحين؟عليك ثياب كغرقي البيض و أنت قاتل عثمان،و اللّه إنّه لألمّ للشعث و أسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك.
فقال الحسن:إنّ لأهل النّار علامات يعرفون بها و هي الإلحاد لأولياء اللّه و الموالاة لأعداء اللّه،و اللّه إنّك لتعلم أنّ عليّا لم يرتب في الأمر و لم يشكّ في اللّه طرفة عين،و أيم اللّه لتنتهينّ يابن أمّ عمرو أو لأقرعنّ جبينك بكلام تبقى سمته عليك ما حييت،فإيّاك و الإبراز عليّ فإنّي من قد عرفت لست بضعيف الغمزة،و لا بهشّ المشاشة،و لا بمري المأكلة،و إنّي من قريش كأوسط القلادة، يعرف حسبي و لا أدعى لغير أبي،و قد تحاكمت فيك رجال قريش فغلب عليك ألأمهم نسبا و أظهرهم لعنة،فإياك عنّي فإنك رجس،و إنما نحن بيت الطّهارة،أذهب اللّه عنّا الرجس و طهّرنا تطهيرا.
قيل:و اجتمع الحسن بن علي و عمرو بن العاص،فقال الحسن:قد علمت قريش بأسرها أنّي منها في عزّ أرومتها لم أطبع على ضعف و لم أعكس على خسف،أعرف بشبهي و أدعى لأبي.
فقال عمرو:قد علمت قريش أنّك من أقلّها عقلا و أكثرها جهلا،و أنّ فيك خصالا لو لم يكن فيك إلاّ واحدة منهنّ لشملك خزيها كما شمل البياض الحالك،لعمر اللّه لتنتهينّ عمّا أراك تصنع أو لأكبسنّ لك حافة كجلد العائط أرميك من خللها بأحرّ من وقع الأثافي أعرك منها أديمك عرك السلعة،فإنّك طالما ركبت صعب المنحدر و نزلت في أعراض الوعر التماسا للفرقة و إرصادا للفتنة و لن يزيدك اللّه فيها إلاّ فظاعة.
فقال الحسن:أما و اللّه لو كنت تسمو بحسبك و تعمل برأيك ما سلكت فجّ قصد و لا حللت رابية مجد،و أيم اللّه لو أطاعني معاوية لجعلك بمنزلة العدوّ الكاشح فإنّه طالما طويت على هذا كشحك و أخفيته في صدرك و طمح بك الرجاء إلى الغاية القصوى الّتي لا يورق بها غصنك و لا يخضرّ لها مرعاك،أما و اللّه ليوشكنّ يابن العاص أن تقع بين لحيي ضرغام من قريش قويّ متمنّع فروس ذي لبد يضغطك ضغط الرحى للحبّ لا ينجيك منه الرّوغان إذا التقت حلقتا البطان.انتهى ما أتى به البيهقي في المحاسن و المساوىء في المقام.
و في محاسن البرقي:قال عمرو بن العاص للحسين:ما بال أولادنا أكثر من أولادكم؟فقال:
بغاث الطير أكثرها فراخا و أمّ الصقر مقلاة نزور
فقال:ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع منه إلى شواربكم؟فقال:إنّ نساءكم نساء بخرة فإذا دنا أحدكم من امرأته نهكته في وجهه فشاب منه شاربه،فقال:ما بال لحاكم أوفر من لحائنا؟فقال:
وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً (1).
فقال معاوية:بحقّي عليك إلاّ سكت فإنّه ابن عليّ بن أبي طالب،فقال:إن عادت العقرب عدنا له و كانت النعل لها حاضرة
قد علم العقرب و استيقنت أن لا لها دنيا و لا آخرة
و روى ابن شهرأشوب و غيره عن أبان الأحمر أنّ شريك بن الأعور دخل على معاوية،فقال له معاوية:و اللّه إنك لشريك و ليس للّه لشريك و أنك لابن الأعور و البصير خير من الأعور،و أنك لدميم،و الجيد خير من الدميم فكيف سدت قومك؟فقال له شريك:إنّك لمعاوية و ما معاوية إلاّ كلبة عوت و استعوت الكلاب،و إنّك لابن صخر و السهل خير من الصخر،و إنّك لابن حرب و السلم خير من الحرب،و إنّك لابن أميّة و ما أميّة إلاّ أمة صغرت فاستصغرت فكيف صرت أمير المؤمنين؟ فغضب معاوية و خرج شريك و هو يقول:
أيشتمني معاوية بن صخر و سيفي صارم و معي لساني
فلا تبسط علينا يابن هند لسانك إن بلغت ذرى الأماني
و إن تك للشقاء لنا أميرا فإنّا لا نقرّ على الهوان
و إن تك في أميّة من ذراها فأنا في ذري عبد المدان
و روي أنّ معاوية أرسل إليه أي إلى أبي الاسود الدؤلي هدية منها حلواء،يريد بذلك ستمالته و صرفه عن حبّ عليّ بن أبي طالب،فدخلت إبنة صغيرة له خماسي أو سداسي عليه فأخذت لقمة من تلك الحواء و جعلتها في فمها،فقال لها أبو الأسود:يا بنتي ألقيه فإنه سمّ،هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنين و يردّنا عن محبّة أهل البيت،فقالت الصبيّة:قبّحه اللّه يخدعنا عن السيّد المطهّر بالشّهد المزعفر تبّا لمرسله و آكله.فعالجت نفسها حتّى قاءت ما أكلتها ثمّ قالت:
أبا الشّهد المزعفر يابن هند نبيع عليك أحسابا و دينا
معاذ الله كيف يكون هذا و مولانا أمير المؤمنينا
و يشبه هذا ما روي أنه دخل أبو أمامة الباهلي على معاوية فقرّبه و أدناه ثمّ دعى بالطعام فجعل يطعم أبا أمامة بيده،ثمّ أوسع رأسه و لحيته طيبا بيده و أمر له ببدرة من دنانير فدفعها إليه،ثمّ قال:يا أبا أمامة باللّه أنا خير أم عليّ بن أبي طالب؟فقال أبو أمامة:نعم و لا كذب و لو بغير اللّه سألتني لصدقت،عليّ و اللّه خير منك و أكرم و أقدم إسلاما و أقرب إلى رسول اللّه قرابة و أشدّ في المشركين نكاية و أعظم عند الأمّة عناء،أتدري من عليّ يا معاوية؟ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و زوج ابنته سيّدة8.
1) سورة الأعراف،الآية:58.
نساء العالمين،و أبو الحسن و الحسين سيّدي شباب أهل الجنّة،و ابن أخي حمزة سيّد الشهداء، و أخو جعفر ذي الجناحين،فأين تقع أنت من هذا يا معاوية؟أظننت أنّي سأختارك على علي بألطافك و طعامك و عطائك فأدخل إليك مؤمنا،و أخرج عنك كافرا بئسما سوّلت لك نفسك يا معاوية ثمّ نهض و خرج من عنده فأتبعه بالمال،فقال:لا و اللّه لا أقبل منك دينارا واحدا.
قال تقي الدّين أبو بكر بن علي الحموي في ثمرات الأوراق في المحاضرات:قلت:و أمّا الأجوبة الهاشميّة و بلاغتها فهي في المحل الأرفع،فمن ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص و الوليد بن عقبة و عتبة بن أبي سفيان و المغيرة بن شعبة،فقالوا:يا أمير المؤمنين إبعث إلى الحسن بن علي فقال لهم:فيم؟
فقالوا:كي نوبّخه و نعرّفه أنّ أباه قتل عثمان،فقال لهم:إنّكم لا تنتصفون منه و لا تقولون شيئا إلاّ كذّبكم الناس،و لا يقول لكم شيئا ببلاغته إلاّ صدّقه الناس،فقالوا:أرسل إليه فإنا سنكفيك أمره.
فأرسل إليه معاوية فلمّا حضر قال:يا حسن إنّي لم أرسل إليك و لكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع مقالتهم و أجب و لا تحرمني.
فقال الحسن:فليتكلّموا و نسمع،فقام عمرو بن العاص فحمد اللّه و أثنى عليه قال:هل تعلم يا حسن أن أباك أوّل من أثار الفتنة و طلب الملك فكيف رأيت صنع اللّه به؟.
ثمّ قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فحمد اللّه و أثنى عليه ثمّ قال:يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان بن عفان فنعم الصّهر كان يفضّلكم و يقرّبكم ثم بغيتم عليه فقتلتموه،و لقد أردنا يا حسن قتل أبيك فأنقذنا اللّه منه و لو قتلناه بعثمان ما كان علينا من اللّه ذنب.
ثمّ قام عتبة فقال:تعلم يا حسن أنّ أباك بغى على عثمان فقتله حسدا على الملك و الدّنيا فسلبها،و لقد أردنا قتل أبيك حتّى قتله اللّه تعالى.
ثمّ قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه كلّه سبّا لعليّ و تعظيما لعثمان.
فقام الحسن فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه و قال:بك أبدأ يا معاوية لم يشتمني هؤلاء،و لكن أنت تشتمني بغضا و عداوة و خلافا لجدّي،ثمّ التفت إلى الناس و قال:أنشدكم اللّه أتعلمون أنّ الرّجل الّذي شتمه هؤلاء كان أوّل من آمن باللّه و صلّى القبلتين،و أنت يا معاوية يومئذ كافر تشرك باللّه،و كان معه لواء النّبي يوم بدر،و مع معاوية و أبيه لواء المشركين.
ثمّ قال:أنشدكم اللّه و الإسلام،أتعلمون أنّ معاوية كان يكتب الرسائل لجدّي فأرسل إليه يوما فرجع الرسول و قال:هو يأكل،فردّ الرسول إليه ثلاث مرّات كلّ ذلك و هو يقول:هو يأكل،فقال النبي:لا أشبع اللّه بطنه،أما تعرف ذلك في بطنك أما تعرف ذلك في بطنك يا معاوية؟
ثمّ قال:و أنشدكم اللّه،أتعلمون أنّ معاوية كان يقود بأبيه على جمل و أخوه هذا يسوقه،فقال رسول الله:لعن اللّه الجمل و قائده و راكبه و سائقه هذا كله لك يا معاوية.
و أمّا أنت يا عمرو فتنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك شبه ألأمهم حسبا و شرّهم منصبا ثمّ قمت وسط قريش فقلت:أتى شانئ محمد،فأنزل اللّه على نبيّه إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (1).
ثمّ هجوت محمدا بثلاثين بيتا من الشعر،فقال النبيّ:اللهمّ إنّي لا أحسن الشعر و لكن إلعن عمرو بن العاص بكلّ بيت لعنة ثمّ انطلقت إلى النجاشي بما علمت و عملت فأكذبك اللّه و ردّك خائبا فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهليّة و الإسلام فلم نلمك على بغضك.
و أمّا أنت يابن أبي معيط،فكيف ألومك على سبّك لعليّ و قد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطا،و قتل أباك صبرا بأمر جدّي،و قتله جدّي بأمر ربّي،و لمّا قدمه للقتل قال:من للصبية يا محمد،فقال:لهم النار،فلم يكن لكم عن النبي إلاّ النّار،و لم يكن لكم عند عليّ غير السيف و السوط.
و أمّا أنت يا عتبة فكيف تعد أحدا بالقتل،لم لا قتلت الّذي وجدته في فراشك مضاجعا لزوجتك ثمّ أمسكتها بعد أن بغت.
و أمّا أنت يا أعور ثقيف ففي أيّ ثلاث تسبّ عليّا؟أفي بعده من رسول اللّه؟أم في حكم جائر؟أم في رغبة في الدّنيا؟فإن قلت شيئا من ذلك فقد كذبت و أكذبك الناس،و إن زعمت أنّ عليّا قتل عثمان فقد كذبت و أكذبك الناس،و أمّا وعيدك فإنما مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة، فقالت لها:استمسكي فإني أريد أن أطير،فقالت لها النخلة:ما علمت بوقوفك فكيف يشقّ عليّ طيرانك،و أنت فما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبك؟ثم نفض ثيابه و قام،فقال لهم معاوية:
ألم أقل لكم إنكم لا تنتصفون منه،فو الله لقد أظلم عليّ البيت حتّى قام فليس فيكم بعد اليوم خير.
انتهى.
قال سبط ابن الجوزي في التذكرة:قال أهل السير:و لمّا سلم الحسن الأمر إلى معاوية أقام يتجهز إلى المدينة فاجتمع إلى معاوية رهط من شيعته منهم عمرو بن العاص و الوليد ابن عقبة و هو أخو عثمان بن عفّان لأمّه و كان عليّ قد جلده في الخمر،و عتبة و قالوا:نريد أن تحضر الحسن على سبيل الزيارة لنخجّله قبل مسيره إلى المدينة،فنهاهم معاوية و قال:إنّه ألسن بني هاشم.فألحّوا عليه،فأرسل إلى الحسن فاستزاره فلمّا حضر شرعوا فتناولوا عليّا و الحسن ساكت فلمّا فرغوا حمد الحسن اللّه و أثنى عليه و صلّى على رسوله محمد و قال:
إنّ الّذي أشرتم إليه قد صلّى إلى القبلتين و بايع البيعتين و أنتم بالجميع مشركون و بما أنزل اللّه3.
1) سورة الكوثر،الآية:3.
على نبيّه كافرون،و أنّه حرّم على نفسه الشهوات و امتنع على اللّذات حتّى أنزل اللّه فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ (1).
و أنت يا معاوية ممّن قال رسول اللّه في حقّه:اللهمّ لا تشبعه أو لا أشبع اللّه بطنك،أخرجه مسلم عن ابن عبّاس.
و بات أمير المؤمنين يحرس رسول اللّه من المشركين،و فداه بنفسه ليلة الهجرة حتّى أنزل اللّه فيه: وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ (2).
و وصفه بالإيمان فقال: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (3).
و المراد به أمير المؤمنين،و قال له رسول الله:أنت منّي بمنزلة هارون من موسى و أنت أخي في الدّنيا و الآخرة،و أنت يا معاوية نظر النّبي إليك يوم الأحزاب فرأى أباك على جمل يحرّض النّاس على قتاله و أخوك يقود الجمل و أنت تسوقه فقال:لعن اللّه الراكب و القائد و السائق،و ما قابله أبوك في موطن إلاّ و لعنه و كنت معه،ولاّك عمر الشام فخنته،ثمّ ولاّك عثمان فترّبصت عليه و أنت الّذي كنت تنهى أباك عن الإسلام حتّى قلت مخاطبا له:
يا صخر لا تسلمنّ طوعا فتفضحنا بعد الّذين ببدر أصبحوا مزقا
لا تركننّ إلى أمر تقلّدنا و الرّاقصات بنعمان به الحرقا
و كنت يوم بدر و أحد و الخندق و المشاهد كلّها تقاتل رسول اللّه و قد علمت الفراش الذي ولدت عليه.
ثمّ التفت إلى عمرو بن العاص و قال:أما أنت يابن النابغة فادّعاك خمسة من قريش غلب عليك ألأمهم و هو العاص و ولدت على فراش مشترك و فيك نزل: إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (4).
و كنت عدو اللّه و عدو رسوله و عدو المسلمين و كنت أضرّ عليهم من كل مشرك،و أنت القائل:
و لا أنثني عن بني هاشم بما اسطعت في الغيب و المحضر
و عن عائب اللاّت لا أنثني و لو لا رضى اللاّت لم تمطر
و أمّا أنت يا وليد فلا ألومك على بغض أمير المؤمنين فإنّه قتل أباك صبرا و جلّدك في الخمر لمّا صلّيت بالمسلمين الفجر سكرانا و قلت أزيدكم،و فيك يقول الحطيئة:
شهد الحطيئة حين يلقى ربّه أنّ الوليد أحقّ بالعذر
نادى و قد تم صلاتهم أ أزيدكم سكرا و ما يدري3.
ليزيدهم أخرى و لو قبلوا لأتت صلاتهم على العشر
فأتوا أبا وهب و لو قبلوا لقرنت بين الشفع و الوتر
حبسوا عنانك إذ جريت و لو تركوا عنانك لم تزل تجري
و سمّاك اللّه في كتابه فاسقا،و سمّى أمير المؤمنين مؤمنا في قوله: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (1).
و فيك يقول حسان بن ثابت و في أمير المؤمنين:عليه السّلام
أنزل اللّه ذو الجلال علينا في عليّ و في الوليد قرانا
ليس من كان مؤمنا عمرك الله كمن كان فاسقا خوّانا
سوف يدعى الوليد بعد قليل و عليّ إلى الجزاء عيانا
فعليّ يجزى هناك جنانا و وليد يجزى هناك هوانا
و أمّا أنت يا عتبة فلا ألومك في أمير المؤمنين فإنّه قتل أباك يوم بدر و اشترك في دم ابن عمّك شيبة،و هلا أنكرت على من غلب على فراشك و وجدته نائما مع عرسك حتى قال فيك نصر بن حجّاج:
نبّئت عتبة هيّأته عرسه لصداقة الهذلي من الحيّان
ألقاه معها في الفراش فلم يكن فحلاّ و أمسك خشية النسوان
لا تعتبن يا عتب نفسك حبّها إنّ النساء حبائل الشيطان
ثمّ نفض الحسن ثوبه و قام،فقال معاوية:
أمرتكم أمرا فلم تسمعوا له و قلت لكم لا تبعثنّ إلى الحسن
فجاء و ربّ الرّاقصات عشيّة بركبانها يهوين من سرّة اليمن
أخاف عليكم منه طول لسانه و بعد مداه حين إجراره الرسن
فلمّا أبيتم كنت فيكم كبعضكم و كان خطابي فيه غبنا من الغبن
فحسبكم ما قال ممّا علمتم و حسبي بما ألقاه في القبر و الكفن (2)
***4.
و في كتاب الإحتجاج عن سليم بن قيس قال:قدم معاوية في خلافته حاجّا و استقبله أهل المدينة فإذا ليس فيهم قرشي فقال:ما بال الأنصار لم يستقبلوني؟فقيل له:ليس لهم دواب،فقال:
و أين نواضحهم؟
قال قيس بن سعد بن عبادة سيّد الأنصار:أفنوها يوم بدر و أحد و ما بعدهما من مشاهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين ضربوك و أباك على الإسلام حتّى ظهر أمر اللّه و أنتم كارهون.
ثمّ إنّ معاوية مرّ بحلقة من قريش فقاموا له غير عبد اللّه بن العبّاس فقال:ما منعك من القيام جدتك من قتالي لكم بصفّين فلا تحزن من ذلك فإنّ عثمان قتل مظلوما.
قال ابن عبّاس:فعمر بن الخطّاب قد قتل مظلوما.
قال:عمر قتله كافر و عثمان قتله المسلمون؟
قال:فذاك أدحض لحجّتك قال:فإنّا كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ و أهل بيته فكفّ لسانك.
قال:يا معاوية أتنهانا عن قراءة القرآن؟
قال:لا،قال:أتنهانا عن تأويله؟
قال:نعم،قال:نقرأ القرآن و لا نسأل عمّا عنى اللّه به فأيّهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟
قال:العمل به.
قال:كيف نعمل به و لا نعلم ما عنى اللّه؟
قال:سل عن ذلك من يتأوّله على غير ما تتأوّله أنت و أهل بيتك.
قال:إنّما نزل القرآن على أهل بيتي أنسأل عنه أبا سفيان.
قال:إقرأوا القرآن و تأوّلوه و لا ترووا شيئا ممّا أنزل اللّه فيكم و ارووا ما سوى ذلك.
قال:إنّ اللّه يقول: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (1).
ثمّ نادى منادي معاوية:أن برئت الذمّة ممّن روى حديثا في مناقب عليّ،و كان أشدّ الناس بليّة أهل الكوفة لكثرة ما بها من الشيعة فاستعمل زياد بن أبيه و ضمّ إليه العراقين الكوفة و البصرة، فجعل يتتبّع الشيعة و هو بهم عارف يقتلهم تحت كلّ حجر و مدر و يقطع منهم الأيدي و الأرجل و يصلبهم و نفاهم عن العراق (2).
روى الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات؛قال:اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص،و الوليد بن عقبة بن أبي معيط،و عتبة بن أبي سفيان بن حرب،و المغيرة بن شعبة،و قد كان بلغهم عن الحسن بن عليّ عليه السّلام قوارص،و بلغه عنهم مثل ذلك،فقالوا:يا أمير المؤمنين إنّ الحسن قد أحيا أباه و ذكره،و قال فصدّق،و أمر فأطيع،و خفقت له النعال،و إنّ ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه،و لا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا.
قال معاوية:فما تريدون؟قالوا:إبعث عليه فليحضر لنسبّه و نسبّ أباه،و نعيّره و نوبّخه، و نخبره أن أباه قتل عثمان و نقرّره بذلك،و لا يستطيع أن يغيّر علينا شيئا من ذلك.
قال معاوية:إني لا أرى ذلك و لا أفعله؛قالوا:عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلنّ؛فقال:
ويحكم لا تفعلوا!فو اللّه ما رأيته قطّ جالسا عندي إلاّ خفت مقامه و عيبه لي،قالوا:إبعث إليه على كلّ حال؛قال:إن بعثت إليه لأنصفنّه منكم.
فقال عمرو بن العاص:أتخشى أن يأتى باطله على حقنا،أو يربى قوله على قولنا!قال معاوية:أما إني إن بعثت إليه لآمرنّه أن يتكلّم بلسانه كلّه،قالوا:مره بذلك.
قال:أما إذ عصيتموني،و بعثتم إليه و أبيتم إلاّ ذلك فلا تمرضوا (1)له في القول،و اعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب،و لا يلصق بهم العار؛و لكن اقذفوه بحجره؛تقولون له:إنّ أباك قتل عثمان،و كره خلافة الخلفاء من قبله.
فبعث إليه معاوية،فجاءه رسوله،فقال:إن أمير المؤمنين يدعوك.
قال:من عنده؟فسمّاهم له؛فقال الحسن عليه السّلام:ما لهم خرّ عليهم السقف من فوقهم،و أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون.
ثم قال:يا جارية،أبغيني (2)ثيابي،اللهم إني أعوذ بك من شرورهم،و أدرأ بك في نحورهم، و أستعين بك عليهم،فاكفنيهم كيف شئت و أنّى شئت،بحول منك و قوة يا أرحم الراحمين!
ثم قام،فلما دخل على معاوية،أعظمه و أكرمه،و أجلسه إلى جانبه،و قد ارتاد القوم، و خطروا خطران الفحول،بغيا في أنفسهم و علوّا،ثم قال:يا أبا محمد؛إنّ هؤلاء بعثوا إليك و عصوني.
فقال الحسن عليه السّلام:سبحان الله!الدّار دارك،و الإذن فيها إليك،و اللّه إن كنت أجبتهم إلى ما
أرادوا و ما في أنفسهم إني لأستحيي لك من الفحش،و إن كانوا غلبوك على رأيك إني لأستحيي لك من الضعف؛فأيهما تقرّر،و أيهما تنكر؟أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطّلب،و ما لي أن أكون مستوحشا منك و لا منهم!إن وليّي اللّه،و هو يتولّى الصالحين.
فقال معاوية:يا هذا،إنّي كرهت أن أدعوك،و لكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، و إنّ لك منهم النّصف و منّي،و إنما دعوناك لنقرّرك أنّ عثمان قتل مظلوما،و أن أباك قتله،فاستمع منهم ثم أجبهم،و لا تمنعك وحدتك و اجتماعهم أن تتكلم بكلّ لسانك.
فتكلم عمرو بن العاص،فحمد اللّه و صلى على رسوله،ثم ذكر عليّا عليه السّلام،فلم يترك شيئا يعيبه به إلاّ قاله،و قال:إنّه شتم أبا بكر و كره خلافته،و امتنع من بيعته،ثم بايعه مكرها،و شرك في دم عمر،و قتل عثمان ظلما.و ادّعى من الخلافة ما ليس له.
ثم ذكر الفتنة يعيّره بها،و أضاف إليه مساوئ؛و قال:إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن اللّه ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء،و استحلالكم ما حرّم اللّه من الدماء،و حرصكم على الملك، و إتيانكم ما لا يحلّ.
ثم إنك يا حسن،تحدّث نفسك أنّ الخلافة صائرة إليك،و ليس عندك عقل ذلك و لا لبّه، كيف ترى اللّه سبحانه سلبك عقلك،و تركك أحمق قريش،يسخر منك و يهزأ بك،و ذلك لسوء عمل أبيك!و إنما دعوناك لنسبّك و أباك،فأما أبوك فقد تفرّد اللّه به و كفانا أمره،و أما أنت فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال،و لو قتلناك ما كان علينا إثم من اللّه،و لا عيب من الناس،فهل تستطيع أن تردّ علينا و تكذّبنا؟فإن كنت ترى أنّا كذبنا في شيء فأردده علينا فيما قلنا،و إلاّ فاعلم أنك و أباك ظالمان.
ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط،فقال:يا بني هاشم،إنّكم كنتم أخوال عثمان؛فنعم الولد كان لكم؛فعرف حقكم،و كنتم أصهاره فنعم الصّهر كان لكم،يكرمكم فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلما،لا عذر له و لا حجة،فكيف ترون اللّه طلب بدمه،و أنزلكم منزلتكم!و اللّه إنّ بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية،و إن معاوية خير لك من نفسك.
ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان،فقال:يا حسن،كان أبوك شرّ قريش لقريش،أسفكها لدمائها، و أقطعها لأرحامها،طويل السيف و اللسان،يقتل الحيّ و يعيب الميت،و إنك ممّن قتل عثمان، و نحن قاتلوك به،و أما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا،و لا في ميزانها راجحا،و إنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان،و إنّ في الحق أن نقتلك و أخاك به؛فأمّا أبوك فقد كفانا اللّه أمره و أقاد منه، و أما أنت،فو الله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم و لا عدوان.
ثم تكلم المغيرة بن شعبة،فشتم عليا،و قال:و اللّه ما أعيبه في قضية يخون،و لا في حكم يميل،و لكنه قتل عثمان.ثم سكتوا.
فتكلم الحسن بن عليّ عليه السّلام؛فحمد اللّه و أثنى عليه،و صلى على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،ثم قال:أما بعد يا معاوية،فما هؤلاء شتموني و لكنك شتمتني،فحشا ألفته؛و سوء رأي عرفت به،و خلقا سيئا ثبتّ عليه،و بغيا علينا؛عداوة منك لمحمد و أهله،و لكن إسمع يا معاوية،و اسمعوا فلأقولنّ فيك و فيهم ما هو دون ما فيكم.
أنشدكم اللّه أيها الرّهط،أتعلمون أنّ الذي شتمتموه هذا اليوم،صلّى القبلتين كلتيهما و أنت يا معاوية بهما كافر؛تراها ضلالة،و تعبد اللات و العزى غواية!
و أنشدكم اللّه هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما:بيعة الفتح و بيعة الرضوان،و أنت يا معاوية بإحداهما كافر و بالأخرى ناكث!
و أنشدكم اللّه هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا،و أنك يا معاوية و أباك من المؤلفة قلوبهم تسرّون الكفر،و تظهرون الإسلام،و تستمالون بالأموال!
و أنشدكم اللّه،ألستم تعلمون أنّه كان صاحب راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم بدر،و أنّ راية المشركين كانت مع معاوية و مع أبيه،ثم لقيكم يوم أحد و يوم الأحزاب،و معه راية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و معك و مع أبيك راية الشّرك؛و في كلّ ذلك يفتح اللّه له و يفلج حجّته،و ينصر دعوته،و يصدّق حديثه، و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في تلك المواطن كلّها عنه راض،و عليك و على أبيك ساخط!و أنشدك اللّه يا معاوية،أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر،و أنت تسوقه،و أخوك عتبة هذا يقوده،فرآكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛فقال:«اللهم العن الراكب و القائد و السائق!».
أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لما همّ أن يسلم،تنهاه عن ذلك:
يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا بعد الذين ببدر أصبحوا فرقا
خالي و عمّي و عمّ الأمّ ثالثهم و حنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
لا تركننّ إلى أمر تكلّفنا و الرّاقصات به في مكة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة:لقد حاد ابن حرب عن العزّى إذا فرقا (1)
و اللّه لما أخفيت من أمرك أكبر مما أبديت.
و أنشدكم اللّه أيّها الرهط؛أتعلمون أن عليّا حرّم الشهوات على نفسه بين أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنزل فيه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ (2)،و أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا،فبعث عليّا بالراية،فاستنزلهم على حكم اللّه و حكم رسوله،و فعل في خيبر مثلها!7.
ثم قال:يا معاوية أظنّك لا تعلم أنّي أعلم ما دعا به عليك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا أراد أن يكتب كتابا إلى بني خزيمة،فبعث إليك[ابن عباس،فوجدك تأكل،ثم بعثه إليك مرة أخرى فوجدك تأكل، فدعا عليك الرسول بجوعك] (1)و نهمك إلى أن تموت.
و أنتم أيها الرّهط:نشدتكم اللّه،ألا تعلمون أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها:
أوّلها:يوم لقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خارجا من مكّة إلى الطائف،يدعو ثقيفا إلى الدّين،فوقع به و سبّه و سفّهه و شتمه و كذّبه و توعّده،و همّ أن يبطش به،فلعنه اللّه و رسوله و صرف عنه.
و الثانية يوم العير؛إذ عرض لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هي آتية من الشام،فطردها أبو سفيان، و ساحل بها،فلم يظفر المسلمون بها،و لعنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دعا عليه،فكانت وقعة بدر لأجلها.
و الثالثة يوم أحد،حيث وقف تحت الجبل،و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في أعلاه،و هو ينادي:اعل هبل!مرارا،فلعنه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عشر مرات و لعنه المسلمون.
و الرابعة يوم جاء بالأحزاب و غطفان و اليهود،فلعنه رسول اللّه و ابتهل.
و الخامسة يوم جاء أبو سفيان في قريش فصدّوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن المسجد الحرام«و الهدى معكوفا أن يبلغ محلّه»ذلك يوم الحديبية،فلعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبا سفيان،و لعن القادة و الأتباع، و قال:«ملعونون كلّهم،و ليس فيهم من يؤمن»،فقيل:يا رسول اللّه،أفما يرجى الإسلام لأحد منهم فكيف باللعنة؟
فقال:«لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع،و أمّا القادة فلا يفلح منهم أحد».
و السادسة يوم الجمل الأحمر.
و السابعة يوم وقفوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في العقبة ليستنفروا ناقته،و كانوا إثني عشر رجلا،منهم أبو سفيان.
فهذا لك يا معاوية؛و أما أنت يابن العاص؛فإنّ أمرك مشترك،وضعتك أمك مجهولا؛من عهر و سفاح،فتحاكم فيك أربعة من قريش،فغلب عليك جزّارها،ألامهم حسبا،و أخبثهم منصبا؛ ثم قام أبوك فقال:أنا شانئ محمّد الأبتر،فأنزل اللّه فيه ما أنزل.
و قاتلت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في جميع المشاهد،و هجوته و آذيته بمكّة و كدته كيدك كلّه،و كنت من أشدّ النّاس له تكذيبا و عداوة.م.
1) زيادة يقتضيها السياق،أخذت عن قصة جاءت في ترجمة معاوية في أسد الغابة 386/4 نقلها عن صحيح مسلم.
ثم خرجت تريد النّجاشيّ مع أصحاب السفينة،لتأتي بجعفر و أصحابه إلى أهل مكة،فلما أخطأك ما رجوت و رجعك اللّه خائبا،و أكذبك واشيا،جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشيّ،حسدا لما ارتكب مع حليلتك،ففضحك اللّه و فضح صاحبك.
فأنت عدوّ بني هاشم في الجاهليّة و الإسلام.ثم إنك تعلم و كلّ هؤلاء الرّهط يعلمون أنّك هجوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بسبعين بيتا من الشّعر،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«اللّهمّ إني لا أقول الشّعر و لا ينبغي لي،اللّهمّ العنه بكل حرف ألف لعنة»؛فعليك إذا من اللّه ما لا يحصى من اللعن.
و أما ما ذكرت من أمر عثمان،فأنت سعّرت عليه الدّنيا نارا،ثم لحقت بفلسطين فلمّا أتاك قتله،قلت:أنا أبو عبد اللّه إذا نكأت قرحة أدميتها.ثم حبست نفسك إلى معاوية،و بعت دينك بدنياه،فلسنا نلومك على بغض،و لا نعاتبك على ودّ،و باللّه ما نصرت عثمان حيّا و لا غضبت له مقتولا،ويحك يابن العاص!أ لست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشيّ:
تقول ابنتي أين هذا الرحيل و ما السّير منّي بمستنكر
فقلت:ذريني فإني امرؤ أريد النجاشيّ في جعفر
لأكويه عنده كيّة أقيم بها نخوة الأصعر
و شانئ أحمد من بينهم و أقولهم فيه بالمنكر
و أجري إلى عتبة جاهدا و لو كان كالذّهب الأحمر
و لا أنثني عن بني هاشم و ما اسطعت في الغيب و المحضر
فإن قبل العتب منّى له و إلاّ لويت له مشفري
فهذا جوابك،هل سمعته!
و أما أنت يا وليد؛فو الله ما ألومك على بغض عليّ،و قد جلدك ثمانين في الخمر،و قتل أباك بين يدي رسول اللّه صبرا،و أنت الذي سمّاه اللّه الفاسق،و سمّى عليا المؤمن،حيث تفاخرتما فقلت له:أسكت يا عليّ،فأنا أشجع منك جنانا،و أطول منك لسانا،فقال لك عليّ:أسكت يا وليد فأنا مؤمن و أنت فاسق؛فأنزل اللّه تعالى في موافقة قوله: أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ (1)،ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (2).
ويحك يا وليد!مهما نسيت،فلا تنس قول الشاعر فيك و فيه:
أنزل اللّه و الكتاب عزيز في عليّ و في الوليد قرآنا
فتبوّأ الوليد اذ ذاك فسقا و عليّ مبوّأ إيمانا6.
ليس من كان مؤمنا-عمرك اللّه- كمن كان فاسقا خوّانا
سوف يدعى الوليد بعد قليل و عليّ إلى الحساب عيانا
فعليّ يجزى بذاك جنانا و وليد يجزى بذاك هوانا
ربّ جدّ لعقبة بن أبان لا بس في بلادنا تبّانا (1)
و ما أنت و قريش؟إنما أنت علج من أهل صفّورية،و أقسم باللّه لأنت أكبر في الميلاد،و أسنّ ممّن تدعى إليه.
و أما أنت يا عتبة؛فو الله ما أنت بحصيف فأجيبك،و لا عاقل فأحاورك و أعاتبك،و ما عندك خير يرجى،و لا شرّ يتقى،و ما عقلك و عقل أمتك إلاّ سواء،و ما يضرّ عليّا لو سببته على رؤوس الأشهاد!
و أمّا وعيدك إيّاى بالقتل،فهلاّ قتلت اللّحيانيّ إذ وجدته على فراشك!أما تستحيى من قول نصر بن حجاج فيك:
يا للرجال و حادث الأزمان و لسبّة تخزى أبا سفيان
نبّئت عتبة خانه في عرسه جبس لئيم الأصل من لحيان
و بعد هذا،ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه؛فكيف يخاف أحد سيفك،و لم تقتل فاضحك! و كيف ألومك على بغض عليّ،و قد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر،و شرك حمزة في قتل جدّك عتبة،و أوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد!
و أما أنت يا مغيرة؛فلم تكن بخليق أن تقع في هذا و شبهه،و إنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة:استمسكي؛فإني طائرة عنك.
فقالت النخلة:و هل علمت بك واقعة عليّ فأعلم بك طائرة عني!
و الله ما نشعر بعداوتك إيّانا،و لا اغتممنا إذ علمنا بها،و لا يشقّ علينا كلامك،و إنّ حدّ اللّه في الزّنا لثابت عليك،و لقد درأ عمر عنك حقا؛الله سائله عنه!
و لقد سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها؟فقال:«لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا»،لعلمه بأنك زان.
و أما فخركم علينا بالإمارة:فإن اللّه تعالى يقول: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (2).6.
ثم قام الحسن فنفض ثوبه،و انصرف؛فتعلّق عمرو بن العاص بثوبه،و قال:يا أمير المؤمنين، قد شهدت قوله فيّ و قذفه أمّي بالزنا،و أنا مطالب له بحدّ القذف.
فقال معاوية:خلّ عنه لا جزاك اللّه خيرا.فتركه.
فقال معاوية:قد أنبأتكم أنه ممّن لا تطاق عارضته،و نهيتكم أن تسبّوه فعصيتمونى،و اللّه ما قام حتى أظلم عليّ البيت،قوموا عنّي،فلقد فضحكم اللّه و أخزاكم بترككم الحزم،و عدولكم عن رأى النّاصح المشفق؛و اللّه المستعان (1).
كتب معاوية إلى جميع عمّاله:أن لا تجيزوا لأحد من شيعة عليّ شهادة و انظروا شيعة عثمان و محبّيه و الذين يروون فضله فأدنوا مجالسهم و قرّبوهم و اكتبوا إليّ بذلك،ففعلوا حتّى كثرت الرواية في عثمان و افتعلوها للصلات و الخلع و القطائع فكثر في كلّ مصر،ثمّ كتب إلى عمّاله إنّ الحديث في عثمان قد كثر فادعوا الناس إلى الرواية في معاوية و فضله فإنّ ذلك أحبّ إلينا و أدحض لحجّة أهل هذا البيت فقرأ كلّ أمير و قاض كتابه على الناس،فأخذوا في الروايات في فضائل معاوية في كلّ كورة و كلّ مسجد و ألقوا ذلك إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا ذلك صبيانهم كما يعلّمونهم القرآن حتّى علّموه بناتهم و نساءهم و حشمهم فلبثوا بذلك ما شاء اللّه.
و كتب زياد ابن أبيه في حقّ الحضرميّين:أنّهم على دين عليّ،فكتب إليه:أقتل كلّ من كان على دين عليّ و رأيه فاقتلهم و مثّل بهم،و كتب معاوية إلى جميع البلدان:أنظروا من اتهمتوه بأنّه شيعة عليّ فاقتلوه على التّهمة و الشبهة تحت كلّ حجر و كان الرجل يرمى بالزندقة و الكفر و لا يتعرّض له بمكروه و الرجل من الشيعة لا يأمن على نفسه في بلد من البلدان سيما الكوفة و البصرة،حتّى أنّ الرجل يخاف خادمه و مملوكه فلا يحدّثه إلاّ بعد أن يأخذ عليه الأيمان المغلّظة،ثمّ لا يزداد الأمر إلاّ شدّة حتّى كثرت أحاديثهم الكاذبة حتّى نشأ عليه الصبيان و كان أشدّ الناس في ذلك القرّاء المتصنّعون فانتحلوا الأحاديث و ولدوها طمعا في الأموال و القطائع،فصارت أحاديثهم في أيديهم حقّا و صدقا فأحبّوا عليها و أبغضوا من شكّ فيها فاجتمعت على ذلك جماعتهم و صارت في يد المتديّنين منهم الذين لا يستحلّون الإفتعال لمثلها فقبلوها و هم يرون أنّها حقّ،و لو علموا بطلانها لأعرضوا عن روايتها فصار الصدق كذبا و الكذب صدقا.
فلمّا مات الحسن عليه السّلام ازداد البلاء و الفتنة،فلم يبق للّه وليّ إلاّ خائف أو مقتول أو طريد.
فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين حجّ الحسين عليه السّلام و عبد اللّه بن جعفر و عبد اللّه بن عبّاس و قد
1) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي عليه السّلام:226/2.
جمع الحسين عليه السّلام بني هاشم رجالهم و نساءهم و مواليهم و شيعتهم من حجّ و من لم يحجّ،ثمّ لم يدع أحدا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و التابعين إلاّ جمعهم فاجتمع بمنى أكثر من ألف رجل فقام خطيبا و قال بعد الحمد و الثناء:إنّ هذا الطاغية قد صنع بنا و بشيعتنا ما قد علمتم و إنّي أريد أن أسألكم عن أشياء فإن صدقت فصدّقوني،إسمعوا مقالتي و اكتموا قولي ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم و قبائلكم من أمنتم و وثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ،فما ترك الحسين عليه السّلام شيئا أنزل اللّه فيهم من القرآن إلاّ قاله و فسّره و لا شيئا قاله الرسول في أهل بيته إلاّ رواه و كلّ ذلك يقول الصحابة:اللّهمّ نعم قد سمعناه و شهدناه،و يقول التابعون قد حدّثناه من نصدّقه،ثمّ قال:
أنشدكم باللّه إلاّ رجعتم و حدّثتم به من تثقون به فنزل و تفرّق الناس.
و في كتاب الأمالي عن ابن ثعلبة قال:لمّا استوثق الأمر لمعاوية أنفذ بسر بن ارطأة إلى الحجاز في طلب شيعة أمير المؤمنين عليه السّلام و كان على مكّة عبيد الله بن العبّاس فلم يقدر عليه،فأخبر أنّ له و لدين صبيّين فأخرجهما و لهما ذؤابتان فأمر بذبحهما فذبحا،فاجتمع من بعد عبيد الله و بسر بن ارطأة عند معاوية فقال معاوية لعبيد الله:أتعرف هذا الشيخ قاتل الصبيّين؟
قال بسر:نعم أنا قاتلهما فمه قال عبيد الله:لو أنّ لي سيفا:قال بسر:فهاك سيفي و أومى إلى سيفه فزبره معاوية و قال:أف لك من شيخ ما أحمقك تعمد إلى رجل قتلت إبنيه فتعطيه سيفك كأنّك لا تعرف أكباد بني هاشم،و اللّه لو دفعته إليه قتلك و ثنّى بي،فقال عبيد الله:بل و اللّه كنت أبدأ بك و أثنّي به.
و في كتاب الاحتجاج عن صالح بن كيسان قال:لمّا قتل معاوية حجر بن عدي و أصحابه حجّ ذلك العام فلقي الحسين عليه السّلام فقال:يا أبا عبد اللّه هل بلغك ما صنعنا بحجر و أصحابه و شيعة أبيك؛ قتلناهم و كفّناهم و صلّينا عليهم.
فضحك الحسين عليه السّلام و قال:خصمك القوم يا معاوية،لكنّنا لو قتلنا شيعتك ما كفّناهم و لا صلّينا عليهم و لا أقبرناهم،الحديث (1).
روي:أنّ عليّا عليه السّلام كان في الرحبة فقام إليه رجل فقال:أنا من رعيّتك و أهل بلادك قال:
لست من رعيّتي و لا أهل بلادي،و أنّ ابن الأصفر(يعني ملك الروم)بعث إلى معاوية مسائل لم يعرفها و أرسلك إليّ لأجلها.
1) الاحتجاج:19/2،و البحار:129/44.
قال:صدقت يا أمير المؤمنين أرسلني إليك خفية.
قال:اسأل ابني الحسن،فقال له الحسن عليه السّلام:جئت تسأل كم بين الحقّ و الباطل و كم بين السماء و الأرض و كم بين المشرق و المغرب و ما قوس قزح و ما المخنّث و ما عشرة أشياء بعضها أشدّ من بعض؟
قال:نعم.
قال الحسن عليه السّلام:بين الحقّ و الباطل أربع أصابع ما رأيته بعينك فهو حقّ و قد تسمع بإذنك باطل،و بين السماء و الأرض دعوة المظلوم و مدّ البصر،و بين المشرق و المغرب مسيرة يوم الشمس، و قزح إسم الشيطان و هو قوس اللّه و علامة الخصب و أمان لأهل الأرض من الغرق،و أمّا المخنّث فهو الذي لا يدرى أذكر أم أنثى فإنه ينتظر به فإن كان ذكرا احتلم و إن كان أنثى حاضت و بدا ثديها و إلاّ قيل له:بل،فإن أصاب بوله الحائط فهو ذكر و إن انتكص بوله على رجليه كالبعير فهو أنثى، و أمّا عشرة أشياء بعضها أشدّ من بعض فأشدّ شيء خلقه اللّه الحجر،و أشدّ منه الحديد يقطع به الحجر،و أشدّ من الحديد النار تذيب الحديد،و أشدّ منها الماء و أشدّ من الماء السحاب،و أشدّ من السحاب الريح تحمل السحاب،و أشدّ من الريح الملك الذي يردها،و أشدّ من الملك ملك الموت الذي يميت الملك،و أشدّ من ملك الموت الموت الذي يميت ملك الموت،و أشدّ من الموت أمر اللّه الذي يدفع الموت (1).
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّه الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن صخر.
أمّا بعد،فإنّ اللّه تعالى بعث محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رحمة للعالمين،فأظهر به الحق و قمع به الباطل، و أذلّ أهل الشرك و أعزّ به العرب عامّة،و شرّف به من شاء منهم خاصة،فقال تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ (2)فلما قبضه اللّه تعالى تنازعت العرب الأمر من بعده،فقالت الأنصار:منّا أمير و منكم أمير،فقالت قريش:نحن أولياؤه و عشيرته فلا تنازعوا سلطانه،فعرفت العرب ذلك لقريش، و نحن الآن أولياؤه و ذو القربى منه و لا غرو أنّ منازعتك إيّانا بغير حق في الدين معروف،و لا أثر في الإسلام محمود،و الموعد اللّه تعالى بيننا و بينك،و نحن نسأله تبارك و تعالى أن لا يؤتينا في هذه الدنيا شيئا ينتقصنا به في الآخرة.
و بعد،فإنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمه اللّه لمّا نزل به الموت،ولاّني هذا الأمر من بعده،فاتق اللّه يا معاوية و انظر لامة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما تحقن به دماءهم،و تصلح به أمورهم و السلام (1).
عن المفيد،عن محمّد بن محمّد بن طاهر،عن ابن عقده،عن أحمد بن يوسف،عن الحسن بن محمّد،عن أبيه،عن عاصم بن عمر،عن محمّد بن مسلم قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:
كتب إلى الحسن بن علي عليه السّلام قوم من أصحابه يعزّونه عن ابنة له فكتب إليهم:أمّا بعد فقد بلغني كتابكم تعزّوني بفلانة فعند اللّه أحتسبها تسليما لقضائه و صبرا على بلائه،فإن أوجعتنا المصائب و فجعتنا النوائب بالأحبة المألوفة التي كانت بنا حفية،و الإخوان المحبين الذين كان يسر بهم الناظرون و تقربهم العيون أضحوا قد اخترمتهم الأيّام و نزل بهم الحمام فخلقوا الخلوف و أودت بهم الحتوف فهم صرعى في عساكر الموتى،متجاورون في غير محلّة التجاور و لا صلات بينهم و لا تزاور و لا يتلاقون عن قرب جوارهم،أجسامهم نائية من أهلها خالية من أربابها قد أخشعها إخوانها فلم أر مثل دارها دارا و لا مثل قرارها قرارا،في بيوت موحشة و حلول مضجعة قد صارت في تلك الديار الموحشة و خرجت عن الدار المؤنسة ففارقتها من غير قلي فاستودعتها للبلى و كانت أمة مملوكة سلكت سبيلا مسلوكة صار إليها الأوّلون و سيصير إليها الآخرون و السلام (2).
و عن الحرمازي،قال:خطب الحسن بن علي عليه السّلام بالكوفة فقال:إعلموا يا أهل الكوفة أنّ الحلم زينة،و الوفاء مروءة و العجلة سفه،و السفه ضعف،و مجالسة أهل الدناءة شين،و مخالطة أهل الفسوق ريبة.
و عن صدقة بن المثنى،عن جده رياح بن الحارث قال:كنت عند منبر الحسن بن علي عليه السّلام و هو يخطب الناس بالمدائن فقال:ألا إن أمر اللّه واقع إذ لا له دافع و إن كره الناس،إني ما أحببت أن ألي من أمّة محمّد مثقال حبة من خردل يهراق فيه محجمة (3)من دم،قد علمت ما ينفعني ممّا يضرني فالحقوا بطيّتكم (4)(5).
و عن الزهري قال:فكان عمرو بن العاص حين اجتمعا بالكوفة كلّم معاوية أن يأمر الحسن بن
علي عليه السّلام فيخطب فكره ذلك معاوية و قال:ما أريد أن يخطب الناس،قال عمرو:نريد أن يبدو عيّه في الناس فإنه يتكلم في أمور لا يدري ماهي حينئذ،فقال له:قم فكلّم الناس،فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه،فخرج معاوية فخطب الناس،ثم أمر رجلا فنادى الحسن بن علي عليه السّلام فقال:
قم يا حسن فكلّم الناس،فقام الحسن فتشهّد في بديهة أمر لم يروّ فيه ثم قال:أما بعد أيها الناس فإنّ اللّه عزّ و جلّ هداكم بأوّلنا و حقن دماءكم بآخرنا،و إنّ لهذا الأمر مدّة و إنّ الدنيا دول و إنّ اللّه قال لنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَ يَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ، وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (1)فلما قالها أجلسه معاوية،ثم خطب معاوية ثم الناس،فلم يزل صرما على عمرو بن العاص،و قال (2):هذا من فعل رأيك (3).
و عن ابن شهاب،قال:كان عمرو بن العاص حين اجتمعوا بالكوفة كلّم معاوية و أمره أن يأمر الحسن بن علي عليه السّلام أن يقوم ليخطب الناس فكره ذلك معاوية و قال:ما أريد أن يخطب
فقال عمرو:لكني أريد أن يبدو عيّه في الناس فإنه يتكلم في أمور لا يدري ما هي،فلم يزل بمعاوية حتى أطاعه،فخرج معاوية فخطب الناس و أمر رجلا فنادى الحسن بن علي عليه السّلام فقال:قم يا حسن فكلّم الناس (4)،فقام الحسن فتشهد في بديهة أمر لم يروّه (5)فقال:أمّا بعد أيها الناس فإنّ اللّه هداكم بأوّلنا و حقن دماءكم بآخرنا،إنّ لهذا الأمر مدّة و الدنيا دول و إنّ اللّه تعالى قال لنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (6)فلما قالها،قال له معاوية:إجلس ثم إجلس،ثم خطب معاوية و لم يزل صبرا على عمرو،و قال:هذا عن رأيك (7).
و عن الشعبي،أنّ الحسن بن علي عليه السّلام خطب فحمد اللّه و أثنى عليه و تشهّد ثم قال:
إنّ أكيس الكيس التّقي و إنّ أحمق الحمق الفجور و إنّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا و معاوية إما أن يكون[حق]امرىء كان أحقّ به مني،أو كان حقا لي تركته التماسا لصلاح أمر هذه الأمة وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ (8).
و في رواية أنّه قيل لمعاوية:لو أمرت الحسن أن يخطب،فإنّه حديث السنّ لم يتعوّد الخطب،1.
1) سورة الأنبياء،الآية:109-110.
2) في أسد الغابة 492/1 و قال:ما أردت إلاّ هذا.
3) تاريخ مدينة دمشق:177/13.
4) في أسد الغابة 492/1 فكلم الناس فيما جرى بيننا.
5) في أسد الغابة:لم يروّ فيه.
6) سورة الأنبياء،الآية:111.
7) ذكر في العقد الفريد تفصيل هذه المحاورات:323/2 كتاب الأجوبة.
8) سورة الأنبياء،الآية:111.
فيجتمع الناس إليه فيحصر فيكون في ذلك ما يصغّره في أعين الناس.
فقال كما قال لهم أوّل مرّة،فقالوا:إنّه قد شمخ أنفا و رفع رأسا و اشرأبت إليه قلوب الناس بالثقة و المقة فمره بذلك حتّى ترى فأرسل إليه معاوية فأمره أن يخطب؛فلمّا صعد المنبر و قد جمع معاوية كهول قريش و شبّانها،حمد اللّه تعالى و أثنى عليه و صلّى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ قال:أيّها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب،أنا ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما بين جابلقا و جابرصا،ما أحد جدّه نبيّ غيري و غير أخي،أنا ابن نبي اللّه،أنا ابن رسول اللّه،أنا ابن البشير النذير،أنا ابن السراج المنير،أنا ابن بريد السماء،أنا ابن من بعث رحمة للعالمين،أنا ابن من بعث للجنّ و الإنس،أنا ابن من قابلت معه الملائكة،أنا ابن من جعلت له الأرض مسجدا و طهورا،أنا ابن من أذهب اللّه عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا،فلمّا سمع معاوية ذلك أراد أن يسكته و يخلط عليه مخافة أن يبلغ به المنطق ما يكرهه،فقال له:يا حسن إنعت لنا الرطب فقال:يا سبحان اللّه أين هذا من هذا ثمّ قال:الحرّ ينضّجه،و الليل يبرّده و الريح تلقّحه.
ثمّ استفتح كلامه الأوّل و قال:-أنا ابن من كان مستجاب الدعوة،أنا ابن الشفيع المطاع أنا ابن أوّل من تنشقّ عنه الأرض و ينفض رأسه من التراب،أنا ابن أوّل من يقرع باب الجنّة،أنا ابن من رضاه رضى الرحمان و سخطه سخط الرحمان،أنا ابن من لا يسامى كرما،فقال له قومه:
حسبك يا أبا محمد ما أعرفنا بفضل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال الحسن:يا معاوية إنّما الخليفة من سار بسيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عمل بطاعته،و ليس الخليفة من دان بالجور و عطّل السنن،و اتّخذ الدنيا أمّا و أبا لكن ذاك ملك تمتّع في ملكه و كان قد انقطع و انقطعت لذّته و بقيت بيعته،ثمّ قال:و إن أدري لعلّه فتنة لكم و متاع إلى حين ثمّ نزل عن المنبر عليه السّلام (1).
و عن صدقة بن المثنى،حدّثني جدّي:أنّ الناس اجتمعوا إلى الحسن بن علي عليه السّلام بالمدائن بعد قتل علي فخطبهم فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال:
أما بعد إنّ كلّ ما هو آت قريب،و إنّ أمر اللّه واقع إذلاله و إن كره الناس-يعني-دافع و إني و اللّه ما أحببت،قال محمّد بن عبيد:هذه الكلمة:أن ألي من أمر أمة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما يزن مثقال حبة خردل تهراق فيها محجمة من دم،فقد عقلت ما ينفعني مما يضرّني فالحقوا بطيّتكم.
و عن هلال بن يساف،قال:سمعت الحسن بن علي عليه السّلام و هو يخطب الناس بالكوفة فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على محمّد ثم قال:يا أهل الكوفة اتّقوا اللّه فينا فإنّا أمراؤكم و نحن ضيفانكمث.
1) أخرجه البيهقي و المحبّ الطبري،كما في الغدير في مسند المناقب و مرسلها بتغيير يسير،غير أن في أوّله: أنّ عمرو بن العاص هو الذي قال لمعاوية ذات يوم:ابعث إلى الحسن بن علي فمره أن يخطب على المنبر،فلعلّه يحصر فيكون ذلك ممّا نعته به.الحديث.
و نحن أهل البيت الذين قال اللّه عزّ و جلّ عنهم: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).
قال هلال:فما سمعت يوما قطّ كان أكثر باكيا و مسترجعا من يومئذ (2).
و عن ميسرة بن أبي جميلة،عن الحسن بن علي عليه السّلام أنه بينما هو ساجد إذ و جأه إنسان في وركه فمرض منها شهرين،فلما برىء خطب الناس بعدما قتل علي فقال:أيّها الناس إنما نحن أمراؤكم و ضيفانكم و نحن أهل البيت الذي قال اللّه عزّ و جلّ:«إنما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا».
فكرّرها حتى ما بقي أحد في المسجد إلاّ و هو يجد بكاء (3).
و عن أبي بكر بن دريد،قال:قام الحسن بعد موت أبيه أمير المؤمنين فقال بعد حمد اللّه جلّ و عزّ:إنا و اللّه ما ثنانا عن أهل الشام شك و لا ندم،و إنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة و الصبر، فشيبت السلامة بالعداوة و الصبر بالجزع،و كنتم في مبتدئكم (4)إلى صفّين،و دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم و دنياكم أمام دينكم،ألا و إنا لكم كما كنا و لستم لنا كما كنتم،ألا و قد أصبحتم بعد قتيلين:قتيل بصفّين تبكون له،و قتيل بالنهروان تطلبون بثأره،فأمّا الباقي فخاذل،و أما الباكي فثائر، ألا و إنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ و لا نصفة،فإن أردتم الموت رددناه عليه و حاكمناه إلى اللّه جل و عز بظبا (5)السيوف،و إن أردتم الحياة قبلناه و أخذنا لكم الرّضا.
فناداه القوم من كل جانب:البقية البقية (6).فلما أفردوه،أمضى الصلح (7).
و قال عليه السّلام:أيّها الناس إنّ أكيس الكيس التّقى،و إنّ الحمق الفجور،و إنّكم لو طلبتم ما بين جابلق و جابرس رجلا جده رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما وجدتموه غيري و غير أخي الحسين،و قد علمتم إنّ اللّه تعالى هداكم بجدي محمد فأنقذكم به من الضلالة،و رفعكم به من الجهالة،و أعزّكم به بعد الذلة،و كثّركم به بعد القلة،و إنّ معاوية نازعني حقا هو لي دونه،فنظرت لصلاح الامة،و قطع الفتنة،و قد كنتم بايعتموني على أن تسالموا من سالمت،و تحاربوا من حاربت،فرأيت أن أسالم معاوية و أضع الحرب بيني و بينه،و قد بايعته و رأيت أن حقن الدماء خير من سفكها،و لم أرد بذلك).
1) سورة الأحزاب،الآية:33.
2) سير أعلام النبلاء:270/3 و المستدرك:172/3 و المعجم الأوسط:88/3 ح 2176.
3) المعجم الكبير:96/3 و مجمع الزوائد:172/9،بتفاوت.
4) في أسد الغابة و السير:منتدبكم.
5) ظبا السيف جمع ظبة و هو حدّه.
6) في سير الأعلام:التقية.
7) خطبته في أسد الغابة 491/1 و سير أعلام النبلاء 269/3،و كتاب المجتنى:45 ط.الهند).
إلاّ صلاحكم و بقاءكم،و إن أدري لعله فتنة لكم و متاع إلى حين (1).
و عنه عليه السّلام إنّه قال:لا أدب لمن لا عقل له،و لا مرؤة لمن لا همّة له،و لا حياء لمن لا دين له،و رأس العقل معاشرة الناس بالجميل و بالعقل تدرك الداران جميعا و من حرم العقل خسرهما جميعا (2).
و قال عليه السّلام:علّم الناس علمك،و تعلّم علم غيرك،فتكون قد أنفقت علمك(و علمت ما لم تعلم).
و سئل عن الصمت،فقال:هو ستر العيّ،و زين العرض،و فاعله في راحة و جليسه آمن (3).
و قال عليه السّلام:
هلاك الناس في ثلاث:الكبر،و الحرص،و الحسد؛فالكبر هلاك الدين و منه لعن إبليس، و الحرص عدو النفس و منه أخرج آدم من الجنة،و الحسد رائد الجوع و منه قتل قابيل هابيل (4).
و قال عليه السّلام:لا تأت رجلا إلاّ أن ترجو نواله،أو تخاف يده،أو تستفيد من علمه،أو ترجو بركته و دعاءه،أو تصل رحما بينك و بينه (5).
و قال عليه السّلام:دخلت على أمير المؤمنين و هو يجود بنفسه لمّا ضربه ابن ملجم فجزعت لذلك، فقال لي أتجزع!
فقلت:و كيف لا أجزع و أنا أراك في حالك هذه.
فقال:ألا أعلّمك خصالا أربعا إن أنت حفظتهن نلت بهن النجاة،و إن أنت ضيعتهن فاتك الداران؛يا بني لا غنى أكبر من العقل،و لا فقر مثل الجهل،و لا وحشة أشدّ من العجب،و لا عيش ألذ من حسن الخلق (6).
فهذه سمعت من الحسن يرويها عن أبيه تصلح أن تورد في مناقب أمير المؤمنين عليه السّلام و تصلح أن0.
1) الفتوح لابن أعثم 4:295،أنساب الأشراف 50/43/3،حلية الأولياء 37/2،الاستيعاب 374/1، ترجمة الإمام الحسن عليه السّلام من تاريخ دمشق 312/187/1،و كذا:316/189،مناقب ابن شهرآشوب /4 39.
2) في بعض المصادر:و من حزم العقل خيرهما.
3) الفصول المهمة:159.
4) الفصول المهمة:159.
5) الفصول المهمة:159.
6) ربيع الأبرار 412/3،البداية و النهاية 40/8،حلية الأولياء 36/2،تهذيب الكمال 239/6،الفصول المهمة:160.
تورد في مناقب الحسن عليه السّلام فاوردهما في باب أيهما شئت.
و قال عليه السّلام:ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد.
و قال:إجعل ما طلبت من الدنيا فلم تظفر به بمنزلة ما لم يخطر ببالك،و اعلم أنّ مروءة القناعة و الرضا أكبر من مروءة الإعطاء،و تمام الصنيعة خير من إبتدائها.
و سئل عن الذل و اللؤم فقال:من لا يغضب من الجفوة،و لا يشكر على النعمة.
و سئل عن العقوق فقال:أن تحرّمها (1).
و نقل أنّ إعرابيا دخل المسجد الحرام فوقف على الحسن عليه السّلام و حوله حلقة فقال لبعض جلساء الحسن:من هذا الرجل؟فقال له:الحسن بن علي بن أبي طالب.
فقال:الأعرابي:إياه أردت.
فقال له:و ما تصنع به يا أعرابي؟فقال:بلغني إنهم يتكلمون فيعربون في كلامهم،و إني قطعت بواديا و قفارا و أودية و جبالا و جئت لأطارحه الكلام،و أسأله عن عويص العربية.
فقال له جليس الحسن:إن كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب.و أومى إلى الحسين عليه السّلام فوقف عليه و سلّم فرد عليه السّلام ثمّ قال:(و ما حاجتك يا إعرابي؟).
فقال:إني جئتك من الهرقل و الجعال و الأينم و الهمم.
فتبسم الحسين عليه السّلام و قال:(يا إعرابي لقد تكلمت بكلام ما يعقله إلاّ العالمون).
فقال الأعرابي:و أقول أكثر من هذا،فهل أنت تجيبني على قدر كلامي؟
فقال له الحسين عليه السّلام:(قل ما شئت فاني مجيبك عنه).
فقال الأعرابي:إني بدوي و أكثر مقالي الشعر،و هو ديوان العرب.
فقال له الحسين عليه السّلام:(قل ما شئت فاني مجيبك عليه).
فأنشأ يقول:
هفا قلبي إلى اللهو و قد ودّع شرخيه و قد كان أنيقا(عفريه)تجراري ذيليه
علالات و لذات فيا سقيا لعصريه فلما عمّم الشيب من الرأس نطاقيه
و أمسى قد عناني منه تجديد خضابيه تسليت عن اللهو و ألقيت قناعيه
و في الدهر أعاجيب لمن يلبس حاليه فلو يعمل ذو رأي أصيل فيه رأييه
لألفى عبرة منه له في كل عصريه1.
1) وردت كلها في كشف الغمة 572/1.
فقال له الحسين عليه السّلام:(يا إعرابي قد قلت فاسمع مني)ثم إنه عليه السّلام قال أبياتا سيأتي ذكرها في الباب المختص به المعقود لمناقبه إن شاء اللّه.
فقال الأعرابي لمّا سمعها:ما رأيت كاليوم قط مثل هذا الغلام أعرب منه كلاما،و أدرب لسانا،و أفصح منه منطقا،فقال له الحسن:يا أعرابي:
هذا غلام كرّم الرحمن بالتطهير جدّيه كساه القمر القمقام من نور سنائيه
و لو عدّد طمّاح نفحنا عن عداديه و قد أرضيت من شعري و قوّمت عروضيه
فلمّا سمع الأعرابي قول الحسن قال:بارك اللّه عليكما مثلكما نجلته الرجال،و عن مثلكما قامت النساء،فو الله لقد انصرفت و أنا محب لكما راض عنكما فجزاكما اللّه خيرا و انصرف (1).
و في الأمالي بإسناده إلى حبيب بن عمر قال:لمّا توفّي أمير المؤمنين عليه السّلام و كان الغد قام الحسن عليه السّلام خطيبا فقال بعد حمد اللّه و الثناء عليه:أيّها الناس في هذه الليلة نزل القرآن و في هذه الليلة رفع عيسى ابن مريم و في هذه الليلة قتل يوشع بن نون و في هذه الليلة مات أمير المؤمنين عليه السّلام، و اللّه لا يسبق أبي أحد كان قبله من الأوصياء إلى الجنّة و ان كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليبعثه في السرية فيقاتل جبرئيل عن يمينه و ميكائيل عن يساره و ما ترك صفراء و لا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه كان يجمعها ليشتري بها خادما لأهله.و بويع عليه السّلام بعد أبيه يوم الجمعة الحادي و العشرين من شهر رمضان في سنة أربعين و كان عمره لمّا بويع سبعا و ثلاثين سنة.
و لقد قيل لمعاوية ذات يوم:لو أمرت الحسن يخطب ليظهر للناس نقصه،فقال له:عظنا، فصعد المنبر و حمد اللّه و قال:أيّها الناس من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا الحسن بن علي و ابن سيّدة النساء،أنا ابن خير خلق اللّه،أنا ابن رسول اللّه،أنا صاحب الفضائل،أنا ابن صاحب المعجزات و الدلائل،أنا ابن أمير المؤمنين،أنا المدفوع عن حقّي،أنا و أخي سيّدا شباب أهل الجنّة،أنا ابن الركن و المقام،أنا ابن مكّة و منى،أنا ابن المشعر و عرفات.
فقال له معاوية:خذ في نعت الرطب و دع هذا،فقال:الريح تنفخه و الحرّ ينضجه و البرد يطيبه ثمّ عاد في كلامه فقال:أنا إمام خلق اللّه و ابن محمّد رسول اللّه فخشي معاوية أن يتكلّم بعد ذلك بما يفتتن به الناس،فقال:يا أبا محمّد إنزل فقد كفى ما جرى فنزل.
و روى أبو الحسن المدائنيّ:قال:سأل معاوية الحسن بن عليّ بعد الصلح أن يخطب الناس، فامتنع،فناشده أن يفعل،فوضع له كرسيّ،فجلس عليه،ثم قال:الحمد للّه الذي توحّد في ملكه، و تفرّد في ربوبيته،يؤتي الملك من يشاء،و ينزعه عمّن يشاء.و الحمد للّه الذي أكرم بنا مؤمنكم،2.
1) الصراط المستقيم 172/2.
و أخرج من الشرك أوّلكم،و حقن دماء آخركم،فبلاؤنا عندكم قديما و حديثا أحسن البلاء،إن شكرتم أو كفرتم.
أيّها الناس،إنّ ربّ عليّ كان أعلم بعليّ حين قبضه إليه،و لقد اختصّه بفضل لم تعتادوا مثله، و لم تجدوا مثل سابقته،فهيهات هيهات!طالما قلبتم له الأمور حتى أعلاه اللّه عليكم و هو صاحبكم،و عدوكم في بدر و أخواتها،جرّعكم رنقا،و سقاكم علقا،و أذلّ رقابكم،و أشرقكم بريقكم،فلستم بملومين على بغضه.و أيم اللّه لا ترى أمة محمد خفضا ما كانت سادتهم و قادتهم في بني أمية،و لقد وجّه اللّه إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم،و انضوائكم إلى شياطينكم،فعند اللّه أحتسب ما مضى و ما ينتظر من سوء دعتكم،و حيف حكمكم.
ثم قال:يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي اللّه،صائب على أعداء اللّه،نكال على فجّار قريش،لم يزل آخذا بحناجرها،جاثما على أنفاسها؛ليس بالملومة في أمر اللّه،و لا بالسّروقة لمال اللّه،و لا بالفروقة في حرب أعداء اللّه،أعطى الكتاب خواتمه و عزائمه،دعاه فأجابه، و قاده فاتّبعه،لا تأخذه في اللّه لومة لائم،فصلوات اللّه عليه و رحمته.ثم نزل.
فقال معاوية:أخطأ عجل أو كاد؛و أصاب مثبت أو كاد،ما ذا أردت من خطبة الحسن!
و روي أنّ الحسن بن عليّ صلوات اللّه عليهما خطب الناس فقال:أيها الناس أنا أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني،و كان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه،كان خارجا من سلطان بطنه،فلا يشتهي ما لا يجد،و لا يكثر إذا وجد.كان خارجا من سلطان فرجه فلا يستخفّ له عقله و لا رأيه،كان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمدّ يده إلاّ على ثقة لمنفعة،كان لا يتشهّى و لا يتسخّط و لا يتبرّم،كان أكثر دهره صمّاتا فإذا قال بزّ القائلين،كان لا يدخل في مراء و لا يشارك في دعوى و لا يدلي بحجّة حتّى يرى قاضيا،و كان لا يغفل عن إخوانه و لا يخصّ نفسه بشي دونهم،كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجدّ كان ليثا عاديا،كان لا يلوم أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا،كان يفعل ما يقول و لا يفعل ما لا يقول،كان إذا ابتزّه أمران لا يدري أيهما أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه،كان لا يشكو وجعا إلاّ عند من يرجو عنده البرء، و لا يستشير إلاّ من يرجو عنده النصيحة،كان لا يتبرّم و لا يتسخّط و لا يتشكّى و لا يتشّهى و لا ينتقم و لا يغفل عن العدو،فعليكم بمثل هذه الأخلاق الكريمة إن أطقتموها،فإن لم تطيقوها كلّها فأخذ القليل خير من ترك الكثير،و لا حول و لا قوّة إلاّ بالله (1).
و عن الأصبغ بن نباته قال:قال علي عليه السّلام للحسن عليه السّلام:«يا حسن قم فاصعد المنبر فتكلم بكلام لا تجهلك قريش بعدي فيقولون:إنّ الحسن لا يحسن شيئا،قال الحسن:يا ابة كيف أصعدب.
1) الكافي:176/2 من المعرب.
و أتكلم و أنت في الناس تسمع و ترى؟قال له:بأبي و أمّي أواري نفسي عنك و أسمع و أرى و لا تراني»فصعد عليه السّلام المنبر فحمد اللّه بمحامد بليغة شريفة و صلى على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و آله صلاة موجزة ثمّ قال:«أيها الناس سمعت جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:أنا مدينة العلم و علي بابها و هل تدخل المدينة إلاّ من بابها؟»
ثمّ نزل فوثب إليه علي عليه السّلام فحمله و ضمه إلى صدره ثمّ قال للحسين عليه السّلام:«يا بني قم فاصعد و تكلم بكلام لا تجهلك قريش من بعدي فيقولون:إنّ الحسين بن علي لا يبصر شيئا،و ليكن كلامك تبعا لكلام أخيك».
فصعد المنبر عليه السّلام فحمد اللّه و أثنى عليه و صلى على نبيه صلاة واحدة موجزة ثمّ قال:«معاشر الناس سمعت جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:إنّ عليّا مدينة هدى فمن دخلها نجا و من تخلف عنها هلك».
فوثب إليه علي عليه السّلام و ضمه إلى صدره فقبله ثمّ قال:«معاشر الناس إشهدوا أنهما فرخا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و وديعته التي استودعنيها أستودعكموها معاشر الناس،و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سائلكم عنهما» (1).
يستنفر الناس إلى أبيه عليهما السّلام
الحمد للّه العزيز الجبّار،الواحد القهّار،الكبير المتعال،سواء منكم من أسرّ القول و من جهر به و من هو مستخف باللّيل و سارب بالنهار،أحمده على حسن البلاء و تظاهر النعماء،و على ما أحببنا و كرهنا من شدّة و رخاء،و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،و أنّ محمّدا عبده و رسوله امتنّ علينا بنبوّته،و اختصّه برسالته،و أنزل عليه وحيه،و اصطفاه على جميع خلقه،و أرسله إلى الإنس و الجنّ حين عبدت الأوثان،و أطيع الشيطان،و جحد الرّحمن،فصلّى اللّه عليه و على آله، و جزاه أفضل ما جزى المسلمين!
أمّا بعد؛فإنّي لا أقول لكم إلاّ ما تعرفون أنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب أرشد اللّه أمره، و أعزّ نصره،بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب،و إلى العمل بالكتاب،و الجهاد في سبيل اللّه،و إن كان في عاجل ذلك ما تكرهون،فإنّ في آجله ما تحبّون إن شاء اللّه،و لقد علمتم أنّ عليّا صلّى مع رسول اللّه وحده و أنّه يوم صدق به لفي عاشرة من سنّه،ثم شهد مع رسول اللّه جميع مشاهده و كان من اجتهاده في مرضاة اللّه و طاعة رسوله و آثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم و لم يزل رسول اللّه
1) الاختصاص:238،نور البراهين:155/2.
راضيا عنه حتّى غمضه بيده،و غسله وحده و الملائكة أعوانه و الفضل ابن عمّه ينقل إليه الماء،ثمّ أدخله حفرته،و أوصاه بقضاء دينه و عداته و غير ذلك من أموره،كلّ ذلك من منّ اللّه عليه،ثمّ و اللّه ما دعا إلى نفسه،و لقد تداكّ الناس عليه تداكّ الإبل الهيم العطاش ورودها،فبايعوه طائعين،ثمّ نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه،و لا خلاف أتاه،حسدا له و بغيا عليه فعليكم عباد اللّه بتقوى اللّه و طاعته،و الجدّ و الصبر و الإستعانة باللّه،و الخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين و إيّاكم بما عصم به أولياءه و أهل طاعته،و ألهمنا و إيّاكم تقواه،و أعاننا و إيّاكم على جهاد أعدائه،و أستغفر اللّه العظيم لي و لكم.
ثمّ مضى إلى الرحبة فهيأ منزلا لأبيه أمير المؤمنين.
قال جابر:فقلت لتميم:كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه؟
فقال:و لما سقط عنّي من قوله أكثر و لقد حفظت بعض ما سمعت (1).
و روي عن موسى بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى،عن أبيه أنّه لما دخل الحسن و عمّار الكوفة إجتمع إليهما الناس فقام الحسن فاستنفر الناس،فحمد اللّه و صلّى على رسوله ثمّ قال:
أيّها الناس إنّا جئنا ندعوكم إلى اللّه و إلى كتابه و سنّة رسوله و إلى أفقه من تفقّه من المسلمين، و أعدل من تعدّلون،و أفضل من تفضّلون،و أوفى من تبايعون،من لم يعيه القرآن،و لم تجهله السنّة، و لم تقعد به السابقة،إلى من قرّبه اللّه تعالى و رسوله قرابتين:قرابة الدّين و قرابة الرّحم،إلى من سبق الناس إلى كلّ مأثرة،إلى من كفى اللّه به رسوله و الناس متخاذلون،فقرّب منهم و هم متباعدون، و صلى معه و هم مشركون،و قاتل معه و هم منهزمون،و بارز معه و هم محجمون و صدّقه و هم يكذّبون؛إلى من لم تردّ له راية،و لا تكافأ له سابقة،و هو يسألكم النصر،و يدعوكم إلى الحقّ، و يأمركم بالمسير إليه لتوازروه و تنصروه على قوم نكثوا بيعته و قتلوا أهل الصلاح من أصحابه،و مثّلوا بعمّاله،و انتهبوا بيت ماله،فاشخصوا إليه،رحمكم اللّه،فمروا بالمعروف و انهوا عن المنكر و احضروا بما يحضر به الصّالحون (2).
قال أمير المؤمنين لولده الحسن قبل حرب الجمل:قم يا بنيّ فاخطب،فقام خطيبا فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:
أيّها الناس قد بلغتنا مقالة ابن الزبير و قد كان و اللّه يتجنّى على عثمان الذنوب،و قد ضيّق عليه البلاد حتى قتل،و أنّ طلحة راكز رايته على بيت ماله و هو حيّ،و أمّا قوله:إنّ عليّا ابتزّ النّاس أمرهم فإنّ أعظم الناس حجّة لأبيه زعم أنّه بايعه بيده و لم يبايعه بقلبه،فقد أقرّ بالبيعة و ادّعى الوليجة،فليأت على ما ادّعاه ببرهان و أنّى له ذلك،و أمّا تعجّبه من تورّد أهل الكوفة على أهل البصرة فما عجبه من أهل حقّ تورّدوا على أهل الباطل،و لعمري و اللّه ليعلمنّ أهل البصرة و ميعاد ما بيننا و بينهم،اليوم نحاكمهم إلى اللّه تعالى،فيقضي اللّه بالحقّ و هو خير الفاصلين.
فلمّا فرغ الحسن من كلامه قام رجل يقال له عمر بن محمود و أنشد شعرا يمدح الحسن.
فلمّا بلغ طلحة و الزبير خطبة الحسن و مدح المادح له قام طلحة خطيبا في أصحابه و حرّض الناس على إثارة الفتنة و ألّب و أجلب على أمير المؤمنين النّاس (1).
عن أبي بكر الحضرمي قال:إنّ جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سمّت الحسن بن عليّ (2)و سمّت مولاة له،فأمّا مولاته فقاءت السمّ و أمّا الحسن فاستمسك في بطنه ثم انتفط به فمات.
و قد سمّته بإغواء معاوية و مروان بن الحكم طريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعنهما اللّه.
عن أبي بصير،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قبض الحسن بن عليّ عليهما السّلام و هو ابن سبع و أربعين سنة في عام خمسين،عاش بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أربعين سنة (3).
و قيل توفي الحسن بن علي عليه السّلام سنة خمسين أو نحوها قاله البخاري.و قيل:سنة تسع و أربعين،و قيل،سنة ثمان و خمسين،و قال الهيثم بن عدي:سنة أربع و أربعين.
و قال الزبير بن بكّار،قال:توفي الحسن بن علي عليه السّلام في سنة تسع و أربعين،و هو ابن ست و أربعين سنة (4).
قال أبو الحسن المدائني:و كانت وفاته في سنة تسع و أربعين،و كان مرضه أربعين يوما،و كان سنّه سبعا و أربعين سنة،دسّ إليه معاوية سمّا على يد جعدة بنت الأشعث بن قيس زوجة الحسن، و قال لها:إن قتلتيه بالسّمّ فلك مائة ألف،و أزوّجك يزيد ابني.فلما مات وفى لها بالمال،و لم
يزوّجها من يزيد.قال:أخشى أن تصنع بابني كما صنعت بابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. (1)
قال ابن أبي الحديد:قال أبو الفرج:فحدّثني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار،عن عيسى بن مهران،عن عبيد بن الصبّاح الخرّاز،عن جرير،عن مغيرة،قال:أرسل معاوية إلى بنت الأشعث بن قيس-و هي تحت الحسن-فقال لها:إنّي مزوّجك يزيد ابني على أن تسمّى الحسن (2)،و بعث إليها بمائة ألف درهم.ففعلت،و سمّت الحسن،فسوّغها المال و لم يزوّجها منه،فخلف عليها رجل من آل طلحة،فأولدها؛فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيّروهم،و قالوا:يا بني مسمّة الأزواج (3).
قال:حدّثني أحمد،قال:حدّثني يحيى بن بكير،عن شعبة،عن أبي بكر بن حفص،قال:
توفّى الحسن بن عليّ و سعد بن أبي وقاص في أيّام متقاربة؛و ذلك بعد ما مضى من ولاية إمارة معاوية عشر سنين؛و كانوا يروون أنه سقاهما السمّ (4).
قال أبو الفرج:فأمّا يحيى بن الحسن صاحب كتاب«النسب»،فإنه روى أنّ عائشة ركبت ذلك اليوم بغلا و استنفرت بنو أميّة مروان بن الحكم و من كان هناك منهم و من حشمهم و هو قول القائل:
فيوما على بغل و يوما على جمل (5)
و عن عبد اللّه بن سنان،عمّن سمع أبا جعفر عليه السّلام يقول:لمّا حضرت الحسن عليه السّلام الوفاة بكى، فقيل له:يابن رسول اللّه تبكي و مكانك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الّذي أنت به؛و قد قال فيك ما قال؛و قد حججت عشرين حجّة ماشيا،و قد قاسمت مالك ثلاث مرّات حتّى النعل بالنعل؟فقال:إنّما أبكي لخصلتين،لهول المطّلع و فراق الأحبّة (6).
و عن عباد بن عبد اللّه بن الزبير،قال:سمعت عائشة تقول يومئذ:هذا الأمر لا يكون أبدا يدفن ببقيع الغرقد و لا يكون لهم رابعا،و اللّه إنه لبيتي أعطانيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حياته،و ما دفن فيه عمر و هو خليفة إلاّ بأمري،و ما آثر عليّ عندنا بحسن (7).
و عن عائشة بنت سعد،قالت:حدّت نساء بني هاشم على الحسن بن علي عليه السّلام سنة (8).
و نقل الشيخ محبّ الدين بن النجار رضي اللّه عنه أنّ الحسن رضي اللّه عنه دفن بجنب أمّه فاطمة و معه في القبر ابن أخيه علي بن الحسين،و محمد بن علي الباقر،و ابنه جعفر الصادق (9).
هذا هو المشهور و المعروف،و إلى جانبه أيضا قبر العبّاس بن عبد المطّلب عمّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،1.
و كانت قد بنيت عليها قبّة عالية البناء قديمة،بناها بعض خلفاء بني العبّاس قلعتها يد أعداء الدين.
و عن عمرو بن نعجة،قال:أول ذلّ دخل على العرب موت الحسن بن علي.
مساور مولى بني سعد بن بكر،قال:رأيت أبا هريرة قائما على مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم مات الحسن بن علي عليه السّلام و يبكي و ينادي بأعلى صوته:يا أيها الناس مات اليوم حبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فابكوا (1).
و عن عمر بن علي بن أبي طالب،قال:لما قبض الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السّلام و وقف على قبره أخوه محمّد بن علي فقال:
يرحمك اللّه أبا محمّد فإن عزّت حياتك لقد هدّت وفاتك،و لنعم الروح روح تضمّنه بدنك (2)، و لنعم البدن بدن تضمّنه كفنك،و كيف لا يكون هكذا و أنت سليل (3)الهدى و حليف (4)أهل التقى، و خامس أصحاب الكساء،غذّتك أكفّ الحق،و ربيّت في حجور (5)الإسلام،و رضعت ثدي (6)الإيمان،و طبت حيا و ميتا،إن كانت أنفسنا غير طيبة (7)بفراقك،فلا نشكّ في الخير لك يرحمك اللّه،ثم انصرف عن قبره.
و قال المفيد رحمه اللّه:قبض مسموما يوم الخميس سابع صفر لسنة تسع و أربعين أو سنة خمسين من الهجرة (8).
و في كتاب المناقب[أنّ عمره لمّا] (9)بويع سبعا و ثلاثين سنة فبقي في خلافته أربعة أشهر و ثلاثة أيّام و وقع الصلح بينه و بين معاوية سنة إحدى و أربعين و خرج إلى المدينة فأقام بها عشر سنين،و كان بذل معاوية لجعدة بنت الأشعث الكندي و هي ابنة أمّ فروة أخت أبي بكر بن أبي قحافة عشرة آلاف دينار و اقطاع عشرة ضياع من سواد الكوفة على أن تسمّ الحسن عليه السّلام و كان أشبه الناس برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و روى الحافظ في الحلية بإسناده إلى عمر بن إسحاق قال:دخلت أنا و رجل على الحسن بن علي نعوده فقال:يا فلان سلني.ا.
1) سير أعلام النبلاء 3:277.
2) في تاريخ اليعقوبي 2:225:عمّر به بدنك.
3) في مروج الذهب 477/2:عقبة الهدى.
4) مروج الذهب:«و خلف أهل التقوى»و في تاريخ اليعقوبي:«حلف».
5) مروج الذهب و اليعقوبي:حجر الإسلام.
6) مروج الذهب و اليعقوبي:«و أرضعك»و في اليعقوبي:ثديا.
7) مروج الذهب:«غير سخية»،و في اليعقوبي:و إن كانت أنفسنا غير قالية لحياتك،و لا شاكة في الخيار لك.
8) البحار:134/44 ح 2،و الكافي:461/1.
9) في بعض المصادر:كان عمره لمّا.
قال:حتّى يعافيك اللّه،قال:سلني قبل أن لا تسألني فإنّي ألقيت طائفة من كبدي و إنّي قد سقيت السمّ مرارا فلم أسق مثل هذه المرّة ثمّ دخلت عليه من الغد و هو يجود بنفسه و الحسين عليه السّلام عند رأسه.
فقال:يا أخي من تتّهم؟
قال:لم لتقتله؟
قال:نعم،قال:إن يكن الذي أظنّ فإنّه أشدّ بأسا و أشدّ تنكيلا و لا يكن فما أحبّ أن يقتل بي بريء و قبض عليه السّلام.
و روي أنّ الحسن عليه السّلام لمّا أشرف على الموت قال له الحسين:أريد أن أعلم حالك يا أخي، فقال الحسن عليه السّلام:سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:لا يفارق العقل منّا أهل البيت ما دام الروح فينا فضع يدك في يدي حتّى إذا عاينت ملك الموت أغمز يدك فوضع يده في يده،فلمّا كان بعد ساعة غمزه غمزا خفيفا فقرّب الحسين عليه السّلام أذنه فقال:قال لي ملك الموت:إبشر فإنّ اللّه عنك راض وجدّك شافع (1).
و في كتاب المناقب:إنّ بني أميّة بأمر عائشة و مروان رموا جنازته عليه السّلام حتّى سلّ منها سبعون نيلا.
و في ربيع الأبرار للزمخشري أنّه لمّا بلغ معاوية موت الحسن عليه السّلام سجد و سجد من حوله و كبّروا.
و في كتاب النصوص عن جنادة قال:دخلت على الحسن عليه السّلام في مرضه و بين يديه طشت يقذف عليه الدم و يخرج عليه كبده قطعة قطعة من السمّ الذي أسقاه معاوية،فقلت:يا مولاي لم لا تعالج نفسك؟
فقال:يا عبد اللّه بما ذا أعالج الموت؟
قلت:إنّا للّه و إنّا إليه راجعون،ثمّ قال:لقد عهد إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ هذا الأمر يملكه إثنا عشر إماما من ولد علي و فاطمة،ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول،ثمّ رفع الطشت و بكى (2).
و في كتاب عيون المعجزات للمرتضى أنّ سبب مفارقة أبي محمّد الحسن عليه السّلام الدّنيا أنّ معاوية بذل لجعدة و بعث إليها سمّا فجعلته في طعام،فلمّا وضعته بين يديه قال:إنّا للّه و إنّا إليه راجعون و الحمد للّه على لقاء سيّد المرسلين و أبي سيّد الوصيّين و أمّي سيّدة نساء العالمين و عمّي جعفر الطيّار و حمزة سيّد الشهداء صلوات اللّه عليهم أجمعين.3.
و دخل عليه أخوه الحسين فقال:كيف تجد نفسك؟
قال:أنا في آخر يوم من الدّنيا و أوّل يوم من الآخرة على كره منّي لفراقك و فراق إخوتي ثمّ أوصى إليه و سلّم إليه الأعظم و مواريث الأنبياء التي سلّمها إليه أمير المؤمنين عليه السّلام.
ثمّ قال:يا أخي إذا متّ فجهّزني و احملني إلى جدّي حتّى تلحدني إلى جانبه فإن منعت من ذلك فاردد جنازتي إلى البقيع حتّى تدفني مع أمّي،فلمّا أراد دفنه مع جدّه ركب مروان بن الحكم طريد رسول اللّه بغلته و أتى عائشة فقال:يا أمّ المؤمنين إنّ الحسين يريد أن يدفن أخاه مع رسول اللّه،و اللّه إن دفن معه ليذهبنّ فخر أبيك و صاحبه إلى يوم القيامة فنزل عن بغلته و ركبتها و كانت تحرّض بني أميّة على المنع.فلمّا وصلت إلى القبر رمت بنفسها من البغلة و قالت:لا يدفن الحسن هاهنا أبدا أو يجزّ شعرها فأراد بنو هاشم المجادلة فقال الحسين عليه السّلام:اللّه الله لا تضيّعوا وصيّة أخي و اعدلوا به إلى البقيع.
فقام ابن عبّاس و قال:يا حميراء أ ليس يومنا منك بواحد يوم على الجمل و يوم على البغلة أما كفاك أن يقال يوم الجمل حتّى يقال يوم البغل؟
فقالت له:إليك عنّي و أف لك و لقومك (1).
و في الكافي عن الصادق عليه السّلام:إنّ الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين عليه السّلام و ابنته جعدة سمّت الحسن عليه السّلام و محمّد ابنه أشرك في دم الحسين عليه السّلام.
و فيه أيضا عن الباقر عليه السّلام:أنّ عائشة خرجت ذلك اليوم مبادرة على بغل بسرج فكانت أوّل امرأة ركبت في الإسلام سرجا فقالت:نحّوا إبنكم عن بيتي و لا يهتك على رسول اللّه حجابه.
فقال لها الحسين عليه السّلام:قديما هتكت أنت و أبوك حجاب رسول اللّه و أدخلت بيته من لا يحبّ قربه،يا عائشة إنّ أخي أمرني أن أقرّبه من أبيه رسول اللّه ليحدث به عهدا و هو أعلم بتأويل كتاب اللّه من أن يهتك على رسول اللّه ستره لأنّ اللّه تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (2)و قد أدخلت بيت رسول اللّه الرّجال بغير إذنه و قد قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى (3).
و لعمري لقد دخل أبوك و فاروقه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقربهما منه الأذى و ما رعيا من حقّه ما أمرهما اللّه على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّ اللّه حرّم من المؤمنين أمواتا ما حرّم منهم أحياء،يا عائشة لو كان هذا الذي كرهتيه من دفن الحسن عند أبيه جائزا فيما بيننا و بين اللّه لعلمت أنّه سيدفن و إن رغم معطسك ثمّ تكلّم محمّد بن الحنفيّة و قال:يا عائشة يوما على جمل و يوما على بغل.3.
فقالت:يابن الحنفيّة هؤلاء الفواطم يتكلّمون فما كلامك؟
فقال لها الحسين عليه السّلام:و أنّى تبعدين محمّدا من الفواطم،فو الله لقد ولدته ثلاث فواطم.
ثمّ قالت:نحّوا ابنكم[و اذهبوا به] (1)فأنتم قوم خصمون.
و في كتاب البشائر عن حريز قال:أرسل معاوية إلى جعدة بأن يزوّجها يزيد إذا سمّت الحسن عليه السّلام.
فلمّا قتل عليه السّلام لم يف معاوية لها و تزوّجها رجل من آل طلحة فأولدها و كان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش عيّروهم و قالوا:يا بني مسمّة الأزواج (2).
و في الكافي عن الحضرمي أنّ جعدة بنت الأشعث سمّت الحسن بن علي و سمّت مولاة له، فأمّا مولاته فقاءت السمّ و أمّا الحسن فاستمسك في بطنه (3).
و في كتاب بحار الأنوار لشيخنا المعاصر أبقاه اللّه تعالى نقلا من كتب علمائنا:أنّ الحسن عليه السّلام لمّا دنت وفاته و جرى السمّ في بدنه تغيّر لونه و اخضرّ،فقال له الحسين عليه السّلام:مالي أرى لونك مائلا إلى الخضرة،فبكى الحسن و قال:يا أخي لقد صحّ حديث جدّي فيّ و فيك فاعتنقا و بكيا.
قال:أخبرني جدّي قال:دخلت ليلة المعراج في روضات الجنان فرأيت قصرين متجاورين على صفة واحدة إلاّ أنّ أحدهما من الزبرجد الأخضر و الآخر من الياقوت الأحمر،فقلت:يا جبرئيل لمن هذان القصران؟
فقال:أحدهما للحسن و الآخر للحسين،فقلت:يا جبرئيل لم لا يكونا على لون واحد فسكت و لم يردّ جوابا،فقلت:لم لا تتكلّم؟
قال:حياء منك،فقلت له:سألتك باللّه إلاّ ما أخبرتني،فقال:أمّا خضرة قصر الحسن فإنّه يموت بالسمّ و يخضرّ لونه عند موته،و أمّا حمرة قصر الحسين فإنّه يقتل و يحمرّ وجهه بالدمّ فعند ذلك ضجّ الحاضرون بالبكاء (4).
و في كتاب الاحتجاج عن ابن أبي الجعد قال:حدّثني رجل منّا قال:أتيت الحسن عليه السّلام فقلت:يابن رسول اللّه أذللت رقابنا بتسليمك الأمر لهذا الطاغية فقال:لو وجدت أنصارا لقاتلته ليلا و نهارا و أهل الكوفة قلوبهم معنا و سيوفهم علينا،فتنخّع الدم و هو يكلّمني فدعا بطشت و ملأه من الدّم فقلت:ما هذا يابن رسول اللّه؟3.
قال:دسّ إليّ هذا الطاغية من سقاني سمّا فقد وقع على كبدي فهو يخرج قطعا كما ترى.
قلت:أفلا تتداوى؟
قال:قد سقاني مرّتين و هذه الثالثة لا أجد لها دواء،و لقد كتب إليّ أنّه كتب إلى ملك الروم يسأله أن يوجّه إليه السمّ القتّال شربة فكتب إليه ملك الروم إنّه لا يصلح في ديننا أن نعين على قتال من لا يقاتلنا،فكتب إليه:إنّ هذا الرجل الذي خرج بأرض تهامة قد خرج يطلب ملك أبيه و أنا أريد أن أدسّ إليه من يسقيه ذلك فأريح العباد و البلاد منه و وجّه إليه بهدايا و ألطاف فوجّه إليه ملك الروم بهذه الشربة التي سقيتها و اشترط عليه في ذلك شروطا (1).
و روي أنّ معاوية دفع السمّ إلى جعدة و قال:إسقيه السمّ فإذا مات زوّجتك ابني يزيد فلمّا سقته السمّ و مات جاءت إلى معاوية فقالت:زوّجني يزيد فقال:إذهبي فإنّ امرأة لا تصلح للحسن بن علي لا تصلح لابني يزيد (2).
و في الأمالي عن ابن عبّاس قال:إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان جالسا ذات يوم إذ أقبل الحسن عليه السّلام، فلمّا رآه بكى ثمّ أجلسه على فخذه و قال:إنّه حجّة اللّه على الامّة و لمّا نظرت إليه تذكّرت ما يجري عليه من الهوان بعدي و لا يزال الأمر به حتّى يقتل بالسمّ ظلما و عدوانا،فعند ذلك تبكي عليه الملائكة و السبع الشداد و يبكيه كلّ شيء حتّى الطير في جوّ السماء و الحيتان في جوف الماء فمن بكاه لم تعم عينه يوم تعمى العيون و من حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب،و من زاره في بقيعه ثبت قدمه على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام (3).
و فيه أيضا عن ابن عبّاس إنّه لمّا جيء بالحسن عليه السّلام إلى قبر جدّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قالت عائشة:لقد اجترأتم عليّ تؤذونني مرّة بعد أخرى تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أهوى و لا أحبّ.
فقلت:و اسوأتاه يوم على جمل و يوم على بغل،إنصرفي فقد رأيت ما سرّك.
فنادت بأعلى صوتها:أو ما نسيتم الجمل يابن عبّاس إنّكم لذو أحقاد.
فقلت:و اللّه ما نسيته أهل السماء فكيف تنساه أهل الأرض،فانصرفت و هي تقول شعر:
فألقت عصاها و استقرّ بها النوى كما قرّ عينا بالإياب المسافر
و في كتاب الخرائج عن الصادق عليه السّلام إنّ الحسن عليه السّلام قال لأهل بيته:إنّي أموت بالسمّ كما مات رسول اللّه قالوا:و من يفعل ذلك؟
قال:امرأتي جعدة فإنّ معاوية يدسّ إليها و يأمرها بذلك،قالوا:أخرجها من منزلك.8.
قال:لم تفعل بعد شيئا و لو أخرجتها ما قتلني غيرها و كان لها عذر عند الناس فما ذهبت الأيّام حتّى بعث إليها معاوية مالا جسيما و شربة سمّ فأتى وقت الإفطار و كان صائما فأخرجت شربة لبن قد ألقت فيها ذلك السمّ فشربها و قال:يا عدوّة اللّه قتلتيني فمكث يومان و مضى.
و فيه أيضا:إنّه لمّا منعت عائشة من دفن الحسن عليه السّلام قال لها ابن عبّاس:يوما تجمّلت و يوما تبغّلت و إن عشت تفيّلت،فأخذه الشاعر البغدادي و قال شعر:
يا بنت أبا بكر لا كان و لا كنت لك التسع من الثمن و بالكلّ تملّكت (1)
و قوله:لك التسع من الثمن،إنّما كان في مناظرة فضال بن الحسن مع أبي حنيفة قال له فضّال قول اللّه تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (2)منسوخ أو غير منسوخ؟
قال:هذه الآية غير منسوخة.قال:ما تقول في خير الناس بعد رسول اللّه أبو بكر و عمر أم عليّ بن أبي طالب؟
قال:أما علمت أنّهما ضجيعا رسول اللّه في قبره،فأيّ حجّة تريد في فضلهما أفضل من هذه؟
فقال له فضّال:لقد ظلما إذ أوصيا بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حقّ،و إن كان الموضع لهما فوهباه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لقد أساءا إذ رجعا في هبتهما و قد أقررت أنّ قوله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ (3)غير منسوخة.
فأطرق أبو حنيفة ثمّ قال:لم يكن له و لا لهما خاصّة و لكنّهما نظرا في حقّ عائشة و حفصة فاستحقّا الدفن في ذلك الموضع لحقوق ابنتيهما.
فقال له فضّال:أنت تعلم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مات عن تسع و كان لهنّ الثمن لمكان ابنته فاطمة فإذن لكلّ واحدة منهنّ تسع الثمن،ثمّ نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر و الحجرة كذا و كذا طولا و عرضا فكيف يستحقّ الرجلان أكثر من ذلك؟
و بعد فما بال عائشة و حفصة يرثان رسول اللّه و فاطمة ابنته منعت الميراث فالمناقضة في ذلك ظاهرة من وجوه كثيرة؟
فقال أبو حنيفة:نحّوه عنّي فإنّه و اللّه رافضي خبيث (4).
قال أبو الحسن المدائنيّ:وصل نعي الحسن عليه السّلام إلى البصرة في يومين و ليلتين،فقال الجارود بن أبي سبرة:
إذا كان شرّ سار يوما و ليلة و إن كان خير أخّر السّير أربعا
إذا ما بريد الشرّ أقبل نحونا بإحدى الدّواهي الرّبد سار و أسرعا
و في الحسن عليه السّلام يقول سليمان بن قتّة يرثيه،و كان محبّا له:
يا كذّب اللّه من نعى حسنا ليس لتكذيب نعيه ثمن (1)
كنت خليلى و كنت خالصتى لكلّ حيّ من أهله سكن
أجول في الدّار لا أراك و في ال دّار أناس جوارهم غبن
بدّلتهم منك ليت أنّهم أضحوا و بيني و بينهم عدن
الصدوق رفعه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السّلام انّه قال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا أبتاه ما جزاء من زارك؟فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا بنيّ من زارني حيّا أو ميّتا أو زار أباك أو زار أخاك كان حقّا عليّ أن أزوره يوم القيامة و أخلّصه من ذنوبه (2).
الصدوق رفعه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انّه قال لعلي عليه السّلام:يا علي من زارني في حياتي أو بعد مماتي أو زارك في حياتك أو بعد مماتك أو زار إبنيك في حياتهما أو بعد مماتهما ضمنت له يوم القيامة أن أخلّصه من أهوالها و شدائدها حتى أصيّره معي في درجتي (3).
الصدوق،عن ابن موسى الأسدي،عن النخعي،عن النوفلي،عن ابن البطايني،عن أبيه، عن ابن جبير،عن ابن عباس،عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:...من زاره(الحسن عليه السّلام)في بقيعه ثبتت قدمه على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام،الحديث (4).
المفيد،عن ابن قولويه،عن سعد بن عبد اللّه،عن أحمد بن محمّد بن عيسى،عن محمّد بن خالد،عن القاسم بن يحيى،عن جده الحسن بن راشد،عن عبد اللّه بن سنان،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام
(قال:بينا)الحسن عليه السّلام في حجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ رفع رأسه فقال:يا أبه ما لمن زارك بعد موتك؟ قال:يا بنيّ من زارني بعد موتي فله الجنة.و من أتى أباك زائرا بعد موته فله الجنّة.و من أتى أخاك زائرا بعد موته فله الجنّة.و من أتاك زائرا بعد موتك فله الجنّة (1).
السيّد المرتضى عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انّه قال للحسن عليه السّلام في حديث:تزورك طائفة من أمّتي يريدون به برّي وصلتي،فإذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف و أخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله و شدائده (2).
الطوسي بإسناده إلى الحسن بن علي عليهما السّلام انّه قال:يا رسول اللّه ما لمن زارنا؟قال:من زارني حيّا أو ميّتا أو زار أباك حيّا أو ميتا أو زار أخاك حيّا أو ميتا أو زارك حيّا أو ميتا كان حقا عليّ أن أستنقذه يوم القيامة (3).
الطوسي بإسناده إلى أبي عبد اللّه عليه السّلام انّه قال:بينا الحسين بن علي عليه السّلام في حجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ رفع رأسه فقال:يا أبه ما لمن زارك بعد موتك؟
فقال:يا بنيّ من أتاني زائرا بعد موتي فله الجنّة و من أتى أباك زائرا بعد موته فله الجنّة.و من أتى أخاك زائرا بعد موته فله الجنّة و من أتاك زائرا بعد موتك فله الجنّة (4).
الحميري بإسناده عن أبي البحتري،عن جعفر،عن أبيه عليهما السّلام:إنّ الحسين بن علي كان يزور قبر الحسن عليه السّلام في كلّ عشية جمعة (5).
من الوالد الفان،المقرّ للزّمان،المدبر العمر،المستسلم للدّهر،الذّامّ للدّنيا،السّاكن مساكن الموتى،الظّاعن عنها غدا.
إلى المولود المؤمّل ما لا يدرك،السّالك سبيل من هلك؛غرض الأسقام،و رهينة الايّام، و رميّة المصائب،و عبد الدّنيا،و تاجر الغرور،و غريم المنايا،و أسير الموت،و حليف الهموم، و قرين الاحزان،و نصب الآفات،و صريع الشّهوات،و خليفة الأموات.
أمّا بعد؛فإنّ فيما تبيّنت من إدبار الدّنيا عنّي،و جموح الدّهر عليّ،و إقبال الآخرة إليّ،ما
يزعنى (1)عن ذكر من سواي،و الاهتمام بما ورائي،غير أنّى حيث تفرّد بي دون هموم النّاس همّ نفسي-فصدّقني رأيي،و صرفني عن هواي،و صرّح لى محض أمري،
فأفضى بى إلى جدّ لا يكون فيه لعب،و صدق لا يشوبه كذب-وجدتك بعضى،بل وجدتك كلّي،حتّى كأنّ شيئا لو أصابك أصابني،و كأنّ الموت لو أتاك أتاني،فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي،فكتبت إليك كتابي هذا مستظهرا به إن أنا بقيت لك أو فنيت.
فإنّي أوصيك بتقوى الله-أي بنيّ-و لزوم أمره؛و عمارة قلبك بذكره،و الاعتصام بحبله،و أيّ سبب أوثق من سبب بينك و بين الله؛إن أنت أخذت به!
أحي قلبك بالموعظة،و أمته بالزّهادة،و قوّه باليقين،و نوّره بالحكمة،و ذلّله بذكر الموت؛ و قرّره بالفناء،و بصّره فجائع (2)الدّنيا؛و حذّره صولة الدّهر و فحش تقلّب اللّيالي و الأيّام؛و أعرض عليه أخبار الماضين،و ذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين.
و سر في ديارهم و آثارهم،فانظر فيما فعلوا،و عمّا انتقلوا،و أين حلّوا و نزلوا!فإنّك تجدهم انتقلوا عن الأحبّة،و حلّوا دار الغربة؛و كأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم.
فأصلح مثواك،و لا تبع آخرتك بدنياك؛و دع القول فيما لا تعرف و الخطاب فيما لم تكلّف؛ و أمسك عن طريق إذا خفت ضلالته،فإنّ الكفّ عند حيرة الضّلال خير من ركوب الأهوال.
و أمر بالمعروف تكن من أهله،و أنكر المنكر بيدك و لسانك،و باين من فعله بجهدك،و جاهد في الله حقّ جهاده،و لا تأخذك في الله لومة لائم.
و خض الغمرات إلى حيث كان،و تفقّه في الدّين،و عوّد نفسك الصّبر على المكروه؛و نعم الخلق التّصبّر في الحقّ!
و ألجئ نفسك في أمورك كلّها إلى إلهك،فإنّك تلجئها إلى كهف حريز،و مانع عزيز.
و أخلص في المسألة لربّك؛فإنّ بيده العطاء و الحرمان،و أكثر الاستخارة،و تفهّم وصيّتى، و لا تذهبنّ عنك صفحا،فإنّ خير القول ما نفع،و اعلم أنّه لا خير في علم لا ينفع،و لا ينتفع بعلم لا يحقّ تعلّمه.
أي بنيّ،إنّي لمّا رأيتني قد بلغت سنّا،و رأيتني أزداد وهنا،بادرت بوصيّتي إليك،و أوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلي دون أن أفضي إليك بما في نفسي،أو أن أنقص في رأيي كما نقصت فى جسمي،أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى و فتن الدّنيا،فتكون كالصّعب النّفور.ا.
و إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته؛فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك،و يشتغل لبّك،لتستقبل بجدّ رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التّجارب بغيته و تجربته، فتكون قد كفيت مئونة الطّلب،و عوفيت من علاج التّجربة،فأتاك من ذلك ما قد كنّا نأتيه،و استبان لك ما ربّما أظلم علينا منه.
أي بنيّ،إنّي و إن لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي،فقد نظرت في أعمالهم،و فكّرت في أخبارهم،و سرت في آثارهم؛حتّى عدت كأحدهم؛بل كأنّى بما انتهى إليّ من أمورهم؛قد عمرت مع أوّلهم إلى آخرهم؛فعرفت صفو ذلك من كدره،و نفعه من ضرره؛فاستخلصت لك من كلّ أمر جليله،و توخّيت لك جميله،و صرفت عنك مجهوله،و رأيت حيث عنانى من أمرك ما يعني الوالد الشّفيق،و أجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك و أنت مقبل العمر و مقتبل الدّهر،ذو نيّة سليمة، و نفس صافية،و أن أبتدئك بتعليم كتاب الله عزّ و جلّ و تأويله و شرائع الإسلام و أحكامه،و حلاله و حرامه،لا أجاوز ذلك بك إلى غيره.ثمّ أشفقت أن يلتبس عليك ما اختلف النّاس فيه من أهوائهم و آرائهم،مثل الّذي التبس عليهم،فكان إحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحبّ إليّ من إسلامك أمر لا آمن عليك فيه الهلكة،و رجوت أن يوفّقك الله فيه لرشدك،و أن يهديك لقصدك، فعهدت إليك وصيّتي هذه.
و اعلم يا بنيّ أنّ أحبّ ما أنت آخذ به إليّ من وصيّتي تقوى الله و الإقتصار على ما فرضه الله عليك،و الأخذ بما مضى عليه الأوّلون من آبائك،و الصّالحون من أهل بيتك،فإنّهم لم يدعوا أن نظروا لانفسهم كما أنت ناظر،و فكّروا كما أنت مفكّر،ثمّ ردّهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا، و الإمساك عمّا لم يكلّفوا،فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا؛فليكن طلبك ذلك بتفهّم و تعلّم،لا بتورّط الشّبهات،و علق الخصومات.
و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالإستعانة بإلهك و الرغبة إليه في توفيقك،و ترك كلّ شائبة أولجتك في شبهة،أو أسلمتك إلى ضلالة،فإن أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع،و تمّ رأيك فاجتمع،و كان همّك في ذلك همّا واحدا،فانظر فيما فسّرت لك؛و إن أنت لم يجتمع لك ما تحبّ من نفسك؛ و فراغ نظرك و فكرك،فاعلم أنك إنّما تخبط العشواء،و تتورّط الظّلماء،و ليس طالب الدّين من خبط أو خلط،و الإمساك عن ذلك أمثل.
فتفهّم يا بنيّ وصيّتي،و اعلم أنّ مالك الموت هو مالك الحياة،و أنّ الخالق هو المميت، و أنّ المفنى هو المعيد،و أنّ المبتلى هو المعافي،و أنّ الدّنيا لم تكن لتستقرّ إلاّ على ما جعلها الله عليه من النّعماء و الابتلاء و الجزاء فى المعاد،أو ما شاء ممّا لا تعلم،فإن أشكل عليك شىء من ذلك فاحمله على جهالتك فإنّك أوّل ما خلقت به جاهلا ثم علّمت و ما أكثر ما تجهل من الأمر و يتحيّر فيه رأيك،و يضلّ فيه بصرك،ثمّ تبصره بعد ذلك!
فاعتصم بالّذى خلقك و رزقك و سوّاك،فليكن له تعبّدك،و إليه رغبتك،و منه شفقتك.
و اعلم يا بنيّ أنّ أحدا لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأ عنه نبيّنا صلّى اللّه عليه و سلّم؛فارض به رائدا،و إلى النّجاة قائدا،فإنّي لم آلك نصيحة،و إنّك لن تبلغ في النّظر لنفسك،و إن اجتهدت مبلغ نظري لك.
و اعلم يا بنيّ أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله،و لرأيت آثار ملكه و سلطانه،و لعرفت أفعاله و صفاته،و لكنّه إله واحد كما وصف نفسه،لا يضادّه في ملكه أحد،و لا يزول أبدا و لم يزل، أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة،و آخر بعد الأشياء بلا نهاية،عظم أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر.
فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره،و قلّة مقدرته،و كثرة عجزه، و عظيم حاجته إلى ربّه،في طلب طاعته،و الرّهينة من عقوبته،و الخشية من عقوبته،و الشّفقة من سخطه،فإنّه لم يأمرك إلاّ بحسن،و لم ينهك إلاّ عن قبيح.
يا بنيّ،إنّي قد أنبأتك عن الدّنيا و حالها،و زوالها و انتقالها،و أنبأتك عن الآخرة و ما أعدّ لأهلها،و ضربت لك فيهما الأمثال،لتعتبر بها،و تحذر عليها.
إنّما مثل من خبر الدّنيا كمثل قوم سفر،نبا بهم منزل جديب،فأمّوا منزلا خصيبا،و جنابا مريعا،فاحتملوا و عثاء الطّريق،و فراق الصّديق،و خشونة السّفر،و جشوبة المطعم؛ليأتوا سعة دارهم،و منزل قرارهم،فليس يجدون لشىء من ذلك ألما،و لا يرون نفقة فيه مغرما.و لا شىء أحبّ إليهم ممّا قرّبهم من منزلهم و أدناهم إلى محلّتهم.
و مثل من اغترّ بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب،فنبا بهم إلى منزل جديب،فليس شىء أكره إليهم،و لا أفظع عندهم،من مفارقة ما كانوا فيه؛إلى ما يهجمون عليه،و يصيرون إليه.
يا بنيّ اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك،فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك،و اكره له ما تكره لها،و لا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم،و أحسن كما تحبّ أن يحسن إليك،و استقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك،و ارض من النّاس بما ترضاه لهم من نفسك،و لا تقل ما لا تعلم و إن قلّ ما تعلم،و لا تقل ما لا تحبّ أن يقال لك.
و اعلم أنّ الإعجاب ضدّ الصّواب،و آفة الألباب؛فاسع في كدحك،و لا تكن خازنا لغيرك، و إذا أنت هديت لقصدك،فكن أخشع ما تكون لربّك.
و اعلم أنّ أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة،و مشقّة شديدة،و أنّه لا غنى بك فيه عن حسن الإرتياد،و قدر بلاغك من الزّاد،مع خفّة الظّهر،فلا تحملنّ على ظهرك فوق طاقتك،فيكون ثقل ذلك و بالا عليك،و إذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلى يوم القيامة،فيوافيك به غدا حيث تحتاج إليه فاغتنمه و حمّله إيّاه،و أكثر من تزويده و أنت قادر عليه،فلعلّك تطلبه فلا تجده.
و اغتنم من استقرضك في حال غناك،ليجعل قضاءه لك في يوم عسرتك.
و اعلم أنّ أمامك عقبة كئودا،المخفّ فيها أحسن حالا من المثقل،و المبطئ عليها أقبح أمرا من المسرع،و أنّ مهبطها بك لا محالة؛إمّا على جنّة أو على نار،فارتد لنفسك قبل نزولك،و وطّئ المنزل قبل حلولك،فليس بعد الموت مستعتب،و لا إلى الدّنيا منصرف.
و اعلم أنّ الّذى بيده خزائن السّموات و الأرض قد أذن لك في الدّعاء،و تكفّل لك بالإجابة، و أمرك أن تسأله ليعطيك،و تسترحمه ليرحمك،و لم يجعل بينه و بينك من يحجبك عنه،و لم يلجئك إلى من يشفع لك إليه،و لم يمنعك إن أسأت من التّوبة،و لم يعاجلك بالنّقمة،و لم يفضحك حيث تعرّضت للفضيحة،و لم يشدّد عليك في قبول الإنابة،و لم يناقشك بالجريمة،و لم يؤيسك من الرّحمة،بل جعل نزوعك عن الذّنب حسنة،و حسب سيّئتك واحدة،و حسب حسنتك عشرا.و فتح لك باب المتاب،و باب الإستعتاب؛فإذا ناديته سمع نداك،و إذا ناجيته علم نجواك،فأفضيت إليه بحاجتك،و أبثثته ذات نفسك،و شكوت إليه همومك،و استكشفته كروبك،و استعنته على أمورك، و سألته من خزائن رحمته ما لا يقدر على إعطائه غيره،من زيادة الأعمار،و صحّة الأبدان،و سعة الأرزاق.
ثمّ جعل في يديك مفاتيح خزائنه،بما أذن لك فيه من مسألته؛فمتى شئت استفتحت بالدّعاء أبواب نعمته،و استمطرت شآبيب رحمته،فلا يقنطنّك إبطاء إجابته،فإنّ العطيّة على قدر النّيّة، و ربّما أخّرت عنك الإجابة ليكون ذلك أعظم لاجر السّائل،و أجزل لعطاء الآمل.و ربّما سألت الشّيء فلا تعطاه،و أوتيت خيرا منه عاجلا أو آجلا،أو صرف عنك لما هو خير لك،فلربّ أمر قد طلبته فيه هلاك دينك لو أوتيته،فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله،و ينفى عنك و باله؛فالمال لا يبقى لك،و لا تبقى له.
و اعلم يا بنيّ أنّك إنّما خلقت للآخرة لا للدّنيا،و للفناء لا للبقاء،و للموت لا للحياة؛و أنّك في منزل قلعة،و دار بلغة،و طريق إلى الآخرة؛و أنّك طريد الموت الّذى لا ينجو هاربه،و لا يفوته طالبه،و لا بدّ أنّه مدركه،فكن منه على حذر أن يدركك و أنت على حال سيّئة؛قد كنت تحدّث نفسك منها بالتّوبة،فيحول بينك و بين ذلك،فإذا أنت قد أهلكت نفسك.
يا بنيّ،أكثر من ذكر الموت و ذكر ما تهجم عليه،و تفضى بعد الموت إليه،حتّى يأتيك و قد أخذت منه حذرك،و شددت له أزرك،و لا يأتيك بغتة فيبهرك.
و إيّاك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهل الدّنيا إليها،و تكالبهم عليها،فقد نبّأك الله عنها،
و نعتت لك نفسها،و تكشّفت لك عن مساوئها،فإنّما أهلها كلاب عاوية،و سباع ضارية،يهرّ بعضها على بعض،و يأكل عزيزها ذليلها،و يقهر كبيرها صغيرها.
نعم معقّلة،و أخرى مهملة،قد أضلّت عقولها،و ركبت مجهولها.
سروح عاهة بواد وعث،ليس لها راع يقيمها،و لا مسيم يسيمها.سلكت بهم الدّنيا طريق العمى،و أخذت بأبصارهم عن منار الهدى،فتاهوا في حيرتها،و غرقوا في نعمتها،و اتّخذوها ربّا فلعبت بهم و لعبوا بها،و نسوا ما وراءها.
رويدا يسفر الظّلام،كأن قد وردت الأظعان!يوشك من أسرع أن يلحق!
و اعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل و النّهار،فإنّه يسار به و إن كان واقفا،و يقطع المسافة و إن كان مقيما وادعا.
و اعلم يقينا أنّك لن تبلغ أملك،و لن تعدو أجلك،و أنّك في سبيل من كان قبلك.
فخفّض في الطّلب،و أجمل في المكتسب،فإنّه ربّ طلب قد جرّ إلى حرب؛و ليس كلّ طالب بمرزوق،و لا كلّ مجمل بمحروم.
و أكرم نفسك عن كلّ دنيّة و إن ساقتك إلى الرّغائب،فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا.و لا تكن عبد غيرك و قد جعلك الله حرّا.و ما خير خير لا ينال إلاّ بشرّ،و يسر لا ينال إلاّ بعسر.
و إيّاك أن توجف بك مطايا الطّمع،فتوردك مناهل الهلكة.و إن استطعت ألاّ يكون بينك و بين الله ذو نعمة فافعل،فإنّك مدرك قسمك،و آخذ سهمك،و إنّ اليسير من الله سبحانه أكرم و أعظم من الكثير من خلقه و إن كان كلّ منه.
و تلافيك ما فرط من صمتك أيسر من إدراكك ما فات من منطقك،و حفظ ما في الوعاء بشدّ الوكاء،و حفظ ما في يديك أحبّ إليّ من طلب ما في يدي غيرك،و مرارة الياس خير من الطّلب إلى النّاس،و الحرفة مع العفّة خير من الغنى مع الفجور،و المرء أحفظ لسرّه،و ربّ ساع فيما يضرّه!
من أكثر أهجر،و من تفكّر أبصر.
قارن أهل الخير تكن منهم،و باين أهل الشّرّ تبن عنهم.
بئس الطّعام الحرام!و ظلم الضّعيف أفحش الظّلم!
إذا كان الرّفق خرقا،كان الخرق رفقا.
ربّما كان الدّواء داء،و الدّاء دواء،و ربّما نصح غير النّاصح،و غشّ المستنصح.
و إيّاك و الاتّكال على المنى فإنّها بضائع النّوكى.و العقل حفظ التّجارب،و خير ما جرّبت ما وعظك.بادر الفرصة قبل أن تكون غصّة.ليس كلّ طالب يصيب و لا كلّ غائب يئوب،و من الفساد إضاعة الزّاد و مفسدة المعاد.و لكلّ أمر عاقبة،سوف يأتيك ما قدّر لك.
التّاجر مخاطر،و ربّ يسير أنمى من كثير!
لا خير في معين مهين،و لا في صديق ظنين.
ساهل الدّهر ما ذلّ لك قعوده،و لا تخاطر بشئ رجاء أكثر منه،و إيّاك أن تجمح بك مطيّة اللّجاج.
أحمل نفسك من أخيك عند صرمه على الصّلة،و عند صدوده على اللّطف و المقاربة؛و عند جموده على البذل،و عند تباعده على الدّنوّ،و عند شدّته على اللّين،و عند جرمه على العذر،حتّى كأنّك له عبد،و كأنّه ذو نعمة عليك.
و إيّاك أن تضع ذلك في غير موضعه،أو أن تفعله بغير أهله.
لا تتّخذنّ عدوّ صديقك صديقك فتعادي صديقك،و امحض أخاك النّصيحة؛حسنة كانت أو قبيحة،و تجرّع الغيظ فأنّي لم أر جرعة أحلى منها عاقبة؛و لا ألذّ مغبّة.و لن لمن غالظك فإنّه يوشك أن يلين لك،و خذ على عدوّك بالفضل فإنّه أحد الظّفرين،و إن أردت قطيعة أخيك فاستبق له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوما ما.و من ظنّ بك خيرا فصدّق ظنّه،و لا تضيعنّ حقّ أخيك اتّكالا على ما بينك و بينه،فإنّه ليس لك بأخ من أضعت حقّه.و لا يكن أهلك أشقى الخلق بك.و لا ترغبنّ فيمن زهد عنك،و لا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته،و لا تكوننّ على الإساءة أقوى منك على الإحسان.و لا يكبرنّ عليك ظلم من ظلمك،فإنّه يسعى في مضرّته و نفعك،و ليس جزاء من سرّك أن تسوءه.
و اعلم يا بنيّ أنّ الرّزق رزقان:رزق تطلبه،و رزق يطلبك،فإن أنت لم تأته أتاك.
ما أقبح الخضوع عند الحاجة،و الجفاء عند الغنى!
إنّما لك من دنياك،ما أصلحت به مثواك،و إن كنت جازعا على ما تفلّت من يديك،فاجزع على كلّ ما لم يصل إليك.
إستدلّ على ما لم يكن بما قد كان،فإنّ الأمور أشباه؛و لا تكوننّ ممّن لا تنفعه العظة إذا بالغت في إيلامه،فإنّ العاقل يتّعظ بالآداب،و البهائم لا تتّعظ إلاّ بالضّرب.
إطّرح عنك واردات الهموم بعزائم الصّبر و حسن اليقين.
من ترك القصد جار.و الصّاحب مناسب،و الصّديق من صدق غيبه،و الهوى شريك العمى، و ربّ بعيد أقرب من قريب،و قريب أبعد من بعيد،و الغريب من لم يكن له حبيب.
من تعدّى الحقّ ضاق مذهبه،و من اقتصر على قدره كان أبقى له،و أوثق سبب أخذت به سبب بينك و بين الله سبحانه.و من لم يبالك فهو عدوّك.
قد يكون اليأس إدراكا،إذا كان الطّمع هلاكا.
ليس كلّ عورة تظهر،و لا كلّ فرصة تصاب،و ربّما أخطأ البصير قصده،و أصاب الأعمى رشده.
أخّر الشّرّ فإنّك إذا شئت تعجّلته،و قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل.
من أمن الزّمان خانه،و من أعظمه أهانه.
ليس كلّ من رمى أصاب.
إذا تغيّر السّلطان،تغيّر الزّمان.
سل عن الرّفيق قبل الطّريق،و عن الجار قبل الدّار.
إيّاك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا،و إن حكيت ذلك عن غيرك.
و إيّاك و مشاورة النّساء فإنّ رأيهنّ إلى أفن،و عزمهنّ إلى وهن،و اكفف عليهنّ من أبصارهنّ بحجابك إيّاهنّ،فإنّ شدّة الحجاب أبقى عليهنّ،و ليس خروجهنّ بأشدّ من إدخالك من لا يوثق به عليهنّ،و إن استطعت ألاّ يعرفن غيرك فافعل.
و لا تملّك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها،فإنّ المرأة ريحانة،و ليست بقهرمانة.و لا تعد بكرامتها نفسها،و لا تطمعها في أن تشفع لغيرها.
و إيّاك و التّغاير في غير موضع غيرة،فإنّ ذلك يدعو الصّحيحة إلى السّقم،و البريئة إلى الرّيب.
و اجعل لكلّ إنسان من خدمك عملا تأخذه به،فإنّه أحرى ألاّ يتواكلوا في خدمتك.
و أكرم عشيرتك،فإنّهم جناحك الّذى به تطير،و أصلك الّذى إليه تصير،و يدك الّتى بها تصول.
إستودع الله دينك و دنياك،و اسأله خير القضاء لك في العاجلة و الآجلة،و الدّنيا و الآخرة.
و السّلام (1).4.
1) نهج البلاغة:38/3،و البحار:199/74.
عن المفضّل بن عمر عن أبي عبد اللّه قال:لمّا حضرت الحسن بن عليّ عليه السّلام الوفاة قال:يا قنبر انظر هل ترى من وراء بابك مؤمنا من غير آل محمد فقال:اللّه و رسوله و ابن رسوله أعلم منّي قال:ادع لي محمّد بن عليّ فأتيته فلمّا دخلت عليه قال:هل حدث إلا خير،قلت:أجب أبا محمّد فعجل على شسع نعله فلم يسوّه و خرج معي يعدو فلمّا قام بين يديه سلّم،فقال له الحسن بن علي عليهما السّلام:اجلس فإنّه ليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات و يموت به الأحياء:
كونوا أوعية العلم و مصابيح الهدى فإنّ ضوء النّهار بعضه أضوء من بعض،أما علمت أنّ اللّه تبارك و تعالى جعل ولد إبراهيم أئمّة و فضّل بعضهم على بعض و أتى داود زبورا و قد علمت بما استأثر اللّه به محمّدا،يا محمّد بن عليّ إنّي أخاف عليك الحسد و إنّما وصف اللّه به الكافرين فقال اللّه عزّ و جلّ: كُفّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ (1).
و لم يجعل اللّه للشّيطان عليك سلطانا،يا محمّد بن عليّ ألا أخبرك بما سمعت من أبيك فيك؟ قال:بلى،قال:سمعت أباك يقوم يوم الظلة (2)من أحبّ أن يبرّني في الدّنيا و الآخرة فليبرّ محمّدا ولدي،يا محمّد بن عليّ لو شئت أن أخبرك و أنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك،يا محمّد بن عليّ أما علمت أنّ الحسين بن علي بعد وفاة نفسي و مفارقة روحي جسمي إمام من بعدي و عند اللّه جلّ اسمه في الكتاب وراثة من النبيّ أضافها اللّه عزّ و جلّ له في وراثة أبيه و أمّه صلى اللّه عليهم،فعلم اللّه أنكم خيرة خلقه فاصطفى منكم محمّدا و اختار محمّد عليّا و اختارني عليّ بالإمامة و اخترت أنا الحسين.
فقال له محمّد بن عليّ:أنت إمام و أنت وسيلتي إلى محمّد و اللّه لوددت أن نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام ألا و إنّ في رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء و لا تغيّره نقمة الرّياح كالكتاب المعجم في الرّق المنمنم أهم بإبدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل أو ما جاءت (3)به الرّسل و أنّه الكلام يكلّ به لسان الناطق و يد الكاتب حتّى لا يجد قلما و يؤتوا بالقرطاس جما فلا يبلغ فضلك و كذلك يجزي اللّه المحسنين و لا قوّة إلا بالله.
الحسين أعلمنا علما و أثقلنا حلما و أقربنا من رسول اللّه رحما كان فقيها قبل أن يخلق،و قرأ الوحي قبل أن ينطق،و لو علم اللّه في أحد خيرا غير محمّد ما اصطفى اللّه محمّدا فلمّا اختار اللّه محمّدا و اختار محمّد عليا و اختارك عليّ إماما و اخترت الحسين،سلمنا و رضينا من هو بغيره يرضى و من كنا نسلم به من مشكلات أمرنا (4).
تمهيد 5
مولد الحسن عليه السّلام 6
أولاد الحسن عليه السّلام 9
النص على الإمام الحسن عليه السّلام 11
البيعة و معانيها 18
أسرار الحسن بن علي عليه السّلام 26
شباهة الحسن بالنبي عليه السّلام 28
توديع النبي للحسن عليهما السّلام 29
إخبار الحسن عليه السّلام بالغيب 30
فضائل الحسن عليه السّلام 31
نور الحسن و فضله عليه السّلام 38
توسل آدم بالحسن عليهما السّلام 42
كرامات و معاجز الحسن عليه السّلام 42
الآيات النازلة في الحسن عليه السّلام 50
عبادة الحسن عليه السّلام 63
أخلاق الحسن عليه السّلام 64
علم الحسن عليه السّلام 65
فطنة الحسن عليه السّلام 69
بركة الحسن عليه السّلام 69
آدب الحسن عليه السّلام 70
هدية اللّه للحسن عليه السّلام 71
نقش خاتمه عليه السّلام 72
درجات الحسن عليه السّلام يوم القيامة 73
عصمة الحسن عليه السّلام 73
عظمة الحسن على اللّه و رسوله 74
وصية أمير المؤمنين عند وفاته للحسن عليهما السّلام 75
دعاء الحسن عليه السّلام المستجاب 75
إخباره عليه السّلام عن شهادته 76
علم الحسن عليه السّلام للغيب 76
شعر الحسن عليه السّلام 77
حلم الحسن عليه السّلام 78
كرم الحسن عليه السّلام 78
تواضع الحسن عليه السّلام و جلوسه مع الفقراء 82
صلح الحسن عليه السّلام 83
علّة مصالحة الحسن عليه السّلام معاوية لعنه الله 103
صورة كتاب الصلح 110
إحتجاجات الحسن على معاوية و عمرو 111
بين الحسن و عمرو بن العاصي 118
احتجاج الحسن عليه السّلام على يزيد 119
بين الحسن عليه السّلام و ابن الزبير 119
إحتجاج ابن عباس على معاوية 130
مفاخرة بين الحسن بن عليّ و رجالات من قريش 131
ظلم معاوية و تتبعه شيعة علي عليه السّلام 137
سؤالات معاوية للحسن عليه السّلام 138
كتابه إلى معاوية بعد وفاة أمير المؤمنين 139
خطب السبط الأكبر الإمام الحسن بن علي عليه السّلام 140
خطبة الحسن بن علي في الكوفة يستنفر الناس إلى أبيه عليهما السّلام 148
خطبة الحسن في الجمل 149
شهادة الحسن عليه السّلام 150
نعي الحسن عليه السّلام 158
فضل زيارة الإمام أبي محمّد الحسن بن علي عليه السّلام 158
وصيّة علي للحسن عليه السّلام 159
وصية الحسن لأخيه محمد ابن الحنفية 167