ghaemiyeh.com
موسوعه اهل البیت علیهم السلام
نویسنده: السید علی عاشور
دارالنظیر عبود - بیروت - لبنان
مشخصات ظاهری: 20 ج
1427ه - 2006م
بسم الله الرحمن الرحیم
الجزء السابع
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
«السلام على الجوهرة القدسيّة في تعين الإنسيّة،صورة النفس الكليّة،جواد العالم العقليّة،بضعة الحقيقة النبويّة،مطلع الأنوار العلويّة،عين عيون الإسراء.
الناجية لمحبّيها من النار،ثمرة شجرة اليقين،سيّدة نساء العالمين،المعروفة بالقدر،المجهولة بالقبر،قرّة عين الرسول،الزهراء العذراء البتول-صلوات اللّه عليها-.
تقدّم دور فاطمة في مكّة المكرّمة في حياة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دفاعها عنه و مساعدتها إيّاه في بداية الدعوة،و تقدّم مجيء أبو سفيان زعيم قريش آنذاك إليها لتجير في جميع قريش قبيل غزوة فتح مكّة، و رفضها لذلك،مع معرفتها أنّها لو أجارت بين الناس في مكّة لأخذت سيادة النساء و الرجال في مكّة و لكان حديث الناس فيها،و لوافق عليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأنّها بضعته و الناطقة عنه كما تقدّم،و لكنّها لوعيها السياسي و معرفتها بآثار ذلك رفضت أن تجير بين أهل مكّة،كما و رفضت أن يجير الحسن و الحسين عليهما السّلام.
-و قد شاركت في كثير من الحروب و الغزوات كما تقدّم،و شاركت في بيعة النساء،و في مباهلة النصارى ذلك الموقف الذي كان يمثّل الإسلام و المسلمين فخرجت مع أبيها و بعلها و بنيها منتصرة،و هكذا في كثير من الآيات (1).
-و كانت من الأوائل الذين دعاهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الإسلام كما في الحديث المتّفق عليه عند المؤرّخين عند نزول آية وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (2)يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من النار...
يا بني عبد مناف يا عبّاس بن عبد المطّلب..يا صفّية عمّة رسول اللّه...يا فاطمة بنت محمّد ...» (3).
هذا بعض ما كان في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
أمّا ما كان بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
بعد وفاة النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حزنت الزهراء حزنا شديدا و بكت بكاء كثيرا و قالت فيما روي عنها:يا أبتاه بقيت والهة وحيدة و حيرانة فريدة فقد انخمد صوتي و انقطع ظهري و تنغّص عيشي و تكدّر دهري...يا أبتاه انقطعت بك الدّنيا بأنوارها،و زوت زهرتها و كانت ببهجتك زاهرة فقد اسودّ نهارها...فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل و أيّ حزن بعدك عليك لا يتّصل و أيّ جفن بعدك بالنوم يكتحل.. (4).
ثمّ إنّ من خلال استدامة بكائها و حزنها و خروجها من بيتها إلى القبر الشريف للبكاء أو زيارة القبر الشريف،فيه تجديد العهد بالنبيّ الكريم و تذكير به و بأقواله و أفعاله،خاصّة بملاحظة أنّ القبر الشريف في المسجد،مسجد الخلافة و مقرّ تجمّع الخليفة الأوّل و الثاني.
فعندما يريد الخليفة الأوّل أن يجتمع برعيّته أو يخطب بهم أو يستقبل وفود البلاد و المعزّين أو يتلقّى التهنئة بالخلافة الجديدة،سوف يرى هؤلاء جميعا إبنة صاحب هذا الدين التي كانت عزيزة عليه شاركته في الدعوة و الجهاد و المهمّات،سوف يرونها تبكي و تصرّح بكلام مخالف للقوم و لخلافتهم المزعومة،فكان هذا الحزن و البكاء ثورة هادئة صامتة،لذا انزعج القوم من بكائها و طلب من عليّ بن أبي طالب أن تقلّل من حزنها أو تبكي ليلا أو نهارا،أو تمتنع عن ذلك،فبنى لها أمير المؤمنين عليه السّلام بيتا صغيرا يعرف ببيت الأحزان.
و كانت عليها السّلام أثناء بثّ حزنها تطالب بحقّها و حقّ الأمير عليه السّلام في الخلافة،من ذلك قولها:
...يا أبتاه من للأرامل و المساكين،و من للامّة إلى يوم الدين،يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين،يا أبتاه أصبحت الناس عنّا معرضين...فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل..فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك و أثكل أبو الحسن المؤتمن،أخوك و وليّك،و أحلى أحبّائك و أصحابك إليك من كان منهم سابقا و مهاجرا و ناصرا..
و أنشأت تقول:
و بكاك الإسلام إذ صار في النا س غريبا من سائر الغرباء
لو ترى المنبر الذي كنت تعلو ه علاه الظلام بعد الضياء
كلّ ذلك كان في المسجد قرب القبر الشريف و الناس تسمع البكاء (1).
و ممّا قالته قبل وفاتها:
إبكني و ابك لليتامى و لا تنس قتيل العدى بطفّ العراقي
فارقوا فأصبحوا يتامى حيارى يحلف اللّه فهو يوم الفراق (2)
فتأمّل كلمات الزهراء و تذكيرهم بمهمّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أعماله و سيرته،و كلامها حول إعراض الناس عنهم،و تذكيرهم أنّ أحبّ الناس للنبي عليّ عليه السّلام و هو وليّه و ناصره،و تصريحها أنّ منبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علاه الظلمة.
و تذكير الأمير بقتيل الطفّ في كربلاء للإشارة إلى أنّ ما حصل في السقيفة سوف يؤدّي إلى استخلاف يزيد و قتل الحسين عليه السّلام كما قال الشاعر:9.
لو لا اعتداء رعية ألقى سياستها الخليفة
لنشرت من أسرار آل محمّد جملا طريفة
و أريتكم أنّ الحسين أصيب في يوم السقيفة (1)
و تقدّم في خطبتها التصريح في كلّ ذلك،و أنّهم غصبوا حقّها في فدك و العوالي و حقّ علي في الخلافة،و أنّهم لا أهليّة لهم لقيادة الامّة لأنّهم لا علم لهم و لا حكمة و لا دين و لا فضل.
فتأمّل في قولها:«ويحهم أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة و قواعد النبوّة و مهبط الوحي الأمين و الطبين (2)بأمر الدّنيا و الدين،ألا ذلك هو الخسران المبين،و ما نقموا من أبي الحسن، نقموا و اللّه منه نكير سيفه و شدّة وطئه و نكال وقعته و تنمّره في ذات اللّه عزّ و جلّ...استبدلوا الذنابى و اللّه بالقوادم و العجز بالكاهل...» (3).
و هكذا فيما يأتي من مطالبتها بفدك (4)كمورد مالي قوي فيه ضغط على حكومة الخليفة الأوّل في بداية خلافته و قبل بسط يده.
قال الإمام الكاظم في حدود فدك:حدّها الأوّل عرش مصر،و الحدّ الثاني دوحة الجندل (5)، و الحدّ الثالث تيما،و الحدّ الرابع جبال أحد من المدينة (6).
و في رواية:الحدّ الأوّل عدن و الثاني سمرقند و الثالث إفريقيا و الرابع سيف البحر (7).
و هذا يعني أنّ المطالبة بفدك مطالبة بالخلافة.
خلافة اللّه تعالى و خليفته في الأرض ظلّه الذي يستظلّ به الناس فيحميهم و يدافع عنهم و يحكم فيهم بما يريه اللّه تعالى،و حماية هذه الخلافة و الدفاع عن الخليفة مسؤولية الجميع و واجب إلهي عن الامّة،و كانت فاطمة بنت محمّد دوما المدافع الأوّل عن خلافة اللّه في الأرض في زمن أبيها و استمرّت على ذلك إلى زمن بعلها عليه السّلام.فعندما فوجئت بتكالب القوم على الخلافة و أبيها لم يدفن بعد،بل نسوا أنّه توفّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما قالت عائشة:«ما علمنا[شعرنا]بدفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
حتّى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل» (1).
عرفوا بعد الإنتهاء من الدفن الشريف.حزنت حزنين حزن على وفاة أبيها و حزن على إعراض القوم عن بدنه الشريف،فخرجت تدور على بيوت الأنصار تذكّرهم بفضائل علي و سوابقه و نصوص النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليه و لكن دون جدوى،و غاية ما قالوا:يا بنت رسول اللّه قد مضت بيعتنا لهذا الرجل و لو أنّ زوجك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به.
فقال علي عليه السّلام:أفكنت أدع رسول اللّه في بيته لم أدفنه و أخرج أنازع الناس سلطانه؟!
فقالت فاطمة:ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم...
لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول اللّه جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا و لم تردّوا لنا حقّا...» (2).
و تقدّم في خطبتها ما يصرّح بذلك فراجعه.
هكذا يجب أن تكون المرأة المسلمة تدافع عن خلافة اللّه و ولايته،و تحمى حمى الإسلام و المسلمين،تعمل من أجل ذلك و تعلّم من لا يعرف،و تربّي أولادها على ذلك،خاصّة في هذه الأزمنة،أزمنة البعد عن الخلافة الحقيقيّة و آثارها،أزمنة تناسي العالم للخلفاء الربّانيّين،و بعده عن صاحب الولاية و مقام الخلافة القائم المنتظر أرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء.
فعلى كلّ امرأة أن تعيش هذا الهمّ و المسؤولية و تعيّشه لأبنائها و أخواتها،تعرّفهم معنى الخلافة و الولاية و أثرها على الامّة جمعاء في ظلّ حكومتها (3).
كنت فاطمة بنت محمّد صلوات الرحمن عليها من النساء المجاهدات في سبيل اللّه تعالى منذ بدء الدعوة الإسلامية في مكّة المكرّمة،ثمّ جهادها و صبرها في شعب أبي طالب،ثمّ في هجرتها إلى المدينة لتنطلق منها إلى ساحات المعركة فشاركت في معركة أحد بما يتناسب مع جهاد النساء، و شاركت في معركة الخندق و شاركت في الحديبية و أخيرا كان الحنين إلى الوطن إلى قبلة المسلمين
مكة،فمنحها اللّه شرف المشاركة في نصر اللّه و الفتح فدخلت في دين اللّه الجديد فسبّحت بحمد ربّها و استغفرته إنّه كان توّابا رحيما.
هذه أهمّ الحروب التي خاضها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكانت فاطمة إلى جانب أبيها و بعلها عليهم السّلام.
ثمّ ما زالت في طاعة اللّه و عبادته و الدفاع عن الإسلام المحمّدي حتّى قضت نحبها شهيدة مظلومة في سبيل اللّه و الدفاع عن دين أبيها و خلافته.
فسلام اللّه عليها حين كانت حول عرش ربّها و حين كانت في بطن أمّها و حين ولدت و حين عاشت و حين استشهدت و حين تبعث حيّة.
كانت في بداية الدعوة الإسلامية إلى جانب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هي و ابن عمّها علي و خديجة أمّها، فسرعان ما توفّيت أمّها خديجة عليها السّلام فكانت الوحيدة المسؤولة عن رعاية أمور النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في مكّة، فكانت عينه التي تأتيه بالأخبار التي تحاك ضدّه،فروى سعيد بن منصور عن ابن عبّاس أنّ قريشا عند ما تعاهدت باللاّت و العزّى و مناة الثالثة ليقتلن محمّدا بلغ ذلك فاطمة فجاءت و أخبرت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم به فدعا بماء فتوضّأ و خرج إليهم،و قال:شاهت الوجوه،و رماهم بالحصى فمن أصابته قتل يوم أحد (1).
ثمّ لمّا اجتمعت قريش لتحاصر النبي و أصحابه لا تشتري منهم و لا تبيعهم قرّر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دخول الشعب-شعب أبي طالب-فدخل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمون و معهم فاطمة إلى الشعب فعاشوا فيه مدّة ثلاث سنين في جهاد و حصار إقتصادي و سياسي لا طعام و لا شراب إلاّ ما يسدّ رمقهم و يبقيهم على الحياة،فكانت فاطمة كبقيّة المسلمين تربط الحجر على بطنها من شدّة الجوع،و استمرّ ذلك حّى فرّج اللّه عليهم بنقض صحيفة قريش كما هو معروف في كتب التاريخ.
1) سنن سعيد بن منصور:305/2 ح 2847.
لمّا هاجر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى المدينة لم يدخلها منتظرا عليّا و فاطمة بنت أسد و فاطمة ابنته،فبقي بقباء حتّى جاءت فاطمة،و في تفاصيل هجرتها أنّ عليّا سار بالنسوة و هو يقول:
ليس إلاّ اللّه فارفع ظنكا يكفيك ربّ الناس ما أهمّكا
و عند ما وصلوا إلى ضحنان أدركهم فرسان قريش فقصدوا النسوة فحال علي بينهما و تصدّى لهم فقتل فارسا منهم مع فرسه و هجم على البقيّة و هو يرتجز:
خلّوا سبيل الجاهد المجاهد آليت لا أعبد غير الواحد
فتفرّق القوم هربا،فتابعوا السير يذكرون اللّه في مسيرهم و يعبدونه حتّى قدموا قباء و قد نزلت بهم قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ (1)إلى قوله تعالى: فَاسْتَجٰابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاٰ أُضِيعُ عَمَلَ عٰامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىٰ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هٰاجَرُوا وَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أُوذُوا فِي سَبِيلِي وَ قٰاتَلُوا وَ قُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئٰاتِهِمْ وَ لَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ ثَوٰاباً مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوٰابِ (2).
فاستقبلهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قباء و دخلوا المدينة سويّا فنزلت فاطمة عند أمّ أيّوب الأنصارية منزلا كريما (3).
قال الواقدي:قالوا:و خرجت فاطمة-إلى أحد-في نساء و قد رأت الذي بوجهه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاعتنقته و جعلت تمسح الدم عن وجهه،و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:اشتدّ غضب اللّه على قوم أدموا وجه رسوله، و ذهب علي عليه السّلام يأتي بماء من المهراس،و قال لفاطمة:أمسكي هذا السيف غير ذميم.فأتى بماء في مجنّة،فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يشرب منه و كان قد عطش،فلم يستطع،و غسلت فاطمة الدم عن أبيها،و كن قد جئن أربع عشرة امرأة،منهن فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يحملن الطعام و الشراب على ظهورهنّ،و يسقين الجرحى و يداوينهم.فلمّا رأت فاطمة الدم لا يرقأ-و هي تغسل الدم،و علي عليه السّلام يصبّ الماء عليها بالمجن،أخذت قطعة حصير فأحرقته حتّى صار رمادا،ثمّ ألصقته بالجرح فاستمسك الدم.
و يقال:إنّها داوته بصوفة محترقة (1).
فروي عن علي عليه السّلام قال:كنّا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حفر الخندق إذ جاءته فاطمة بكسرة من خبز فرفعتها إليه فقال:ما هذه يا فاطمة؟.
قالت عليها السّلام:من قرص اختبزته لإبنيّ جئتك منه بهذه الكسرة.
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا بنية أمّا إنّها لأوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام (2).
و كان خاتمة جهاد فاطمة إلى جانب أبيها في فتح مكّة،و ذلك بعد نقض قريش لصلح الحديبية جاء أبو سفيان إلى المدينة لمّا سمع أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سوف يدخل مكّة فلم يجده،فدخل على الصدّيقة الزهراء فاطمة قائلا:أجيري بين الناس!فقالت:إنّما أنا امرأة،قال:إنّ جوارك جائز،قد أجارت أختك أبا العاص بن الربيع فأجاز ذلك محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قالت فاطمة:ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أبت ذلك عليه.
فقال:مري أحد بنيك يجير بين الناس...،فأبت عليه (3).
فسار النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أصحابه و نساؤه و معه فاطمة المجاهدة متوجّهين إلى مكّة القبلة المكرّمة لفتحها،فدخلوها منتصرين محلّقين رؤوسهم كما وعدهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قالت أمّ سلمة:تزوّجني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و فوّض أمر إبنته إليّ فكنت أؤدّبها و كانت و اللّه آدب (4)
منّي و أعرف بالأشياء كلّها (1).
تأدّبت و تعلّقت فاطمة بأخلاق أبيها صلوات اللّه عليه الذي كان خلقه القرآن،كانت أشبه الناس بالنبيّ في المشي و الكلام و الحديث و المنطق و الفعل،أخذت عنه مكارم الأخلاق التي جاء ليتمّها في هذه الامة.
قال توفيق أبو علم:كانت رضي اللّه عنها كريمة الخليقة،شريفة الملكة،نبيلة النفس،جليلة الحسّ،سريعة الفهم،مرهفة الذهن،جزلة المروءة،غرّاء المكارم،فيّاحة نفّاحة،جريئة الصدر، رابطة الجأش،حمية الأنف،نائية عن مذاهب العجب،لا يحدّدها مادّي الخيلاء،و لا يثني أعطافها الزهو و الكبرياء.
و كانت سبطة الخليقة في سماحة و هوادة إلى رحابة صدر و سعة أناة،في وقار و سكينة،و رفق و رزانة و زكانة و رصانة و عفّة و صيانة.
عاشت قبل وفاة أبيها متهلّلة العزّة،وضّاحة المحيا،حسنة البشر،باسمة الثغر،و لم تغرب بسمتها إلاّ منذ وفاة أبيها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و كانت رضي اللّه عنها لا يجري لسانها بغير الحقّ،و لا تنطق إلاّ بالصدق،لا تذكر أحدا بسوء فلا غيبة و لا نميمة،و لا همز و لا لمز،تحفظ السرّ،و تفي بالوعد، و تصدق النصح،و تقبل العذر،و تتجاوز عن الإساءة،فكثيرا ما أقالت العثرة و تلقّت الإساءة بالحلم و الصفح،عزوفة عن الشرّ ميّالة إلى الخير.
و كانت رضي اللّه عنها صدوقا في قولها صادقة في نيّتها صادقة في وفائها.
و كانت رضي اللّه عنها أمينة،حافظة للسرّ،لا ترضى لنفسها أن تذيع لأحد سرّا،أو تفشي له أمرا،و كانت في الذروة العالية من العفاف و التصادق،طاهرة الذيل،عفيفة المئزر،عفيفة الطرف، لا يميل بها هواها،بل إنّها في حصانة و صيانة و طهر فهي من آل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي قال اللّه في حقّهم: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (2).
هذه فاطمة بنت محمّد قدوة للنساء،فينبغي لكلّ امرأة أن تقرأ هذه الكلمات و تعيدها مرّة بعد أخرى،و تتأمّل فيها كلّ فترة لترى كيف يجب أن تكون أخلاق النساء الصالحات،في بيتهنّ و مع أزواجهنّ و أبنائهنّ و آبائهنّ،و في المجتمع مع جيرانهنّ و إخوانهنّ و في عملهنّ.
***5.
إشتهر عن عائشة الإعتراف بفضل فاطمة و أخلاقها حيث قالت:ما رأيت أحدا قطّ أصدق من فاطمة غير أبيها،قال:و كان بينهما شيء،فقالت عائشة:يا رسول اللّه سلها فإنّها لا تكذب (1).
و ليس هذا من عائشة على سبيل المبالغة لما كان بينها و بين بنت محمّد،إذ أنّ حبّ النبي لفاطمة عليها السّلام ممّا لم تكن تحتمله عائشة،و قد صرّحت يوما للنبيّ بذلك قائلة و بصوت مرتفع:لقد علمت أنّ فاطمة و علي أحبّ إليك منّي و من أبي.
كان هذا من عائشة اعترافا لما شاهدته من صدق فاطمة و سلوكها مع الناس،و اعترافها بالحقّ لأصحابه مهما كان و على أيّ حساب كان،الشيء الذي لم تكن تملكه عائشة و لا غيرها.
الصدق من أهمّ الأخلاق و أنفعها و قد علّق عليه الإيمان في حديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حيث قال:
لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم و صومهم و كثرة الحجّ و المعروف و طنطنتهم بالليل،و لكن أنظروا إلى صدق الحديث و أداء الأمانة (2).
لا تغترّوا بصلاتهم و لا بصيامهم فإنّ الرجل ربما لهج بالصلاة و الصوم حتّى لو تركه استوحش و لكن اختبروهم عند صدق الحديث و أداء الأمانة (3).
فكانت هذه الصفة من الصفات البارزة في فاطمة بنت محمّد الصادق الأمين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،الصفة التي تعطي المرأة موقعا خاصّا في الامّة حتّى وجدنا أنّ الأعداء و المخالفين لم يستطيعوا أن ينكروا هذه الفضيلة لفاطمة،و نتذكّر في هذا المجال ابن فاطمة سماحة السيّد حسن نصر اللّه حفظه اللّه كيف أنّ الصهاينة الغزاة أصبحوا من جرّاء ما لمسوه من هذا السيّد الجليل يصدّقون كلّ أقواله و أفعاله و يأخذونها على محمل الجدّ،بل نراهم يقدّمون قول الصادق الأمين على قول زعيمهم و رئيسهم الخؤون.
ما ذلك إلاّ لأنّ الصدق في المجتمع يؤدّي بصاحبه إلى عليّين في الدّنيا و الآخرة.
فعلى أجيال هذا الزمان-نساء و رجالا-أن يتحلّوا بالصدق و الأمانة اقتداء بسيّد الصادقين محمّد الأمين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و اقتداء بفاطمة بضعته و قلبه الذي بين جنبيه،تاركين وسوسة الشيطان جانبا فإنّه لا يأمر إلاّ بالفحشاء و المنكر و عصيان الباري عزّت آلاؤه.
و ليس بعيدا عن هذا السيد الجليل مثل ذلك و هو ابن هذه الصادقة المعصومة.
عفّة فاطمة،و من يستطيع أن يتكلّم خلاف ذلك و هي بنت النبوّة و ربيبة جبرائيل عليه السّلام.
و هي الطاهرة المطهّرة في كتاب اللّه نصّا بقوله تعالى: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1)،فقد كانت منذ الأزل طاهرة مطهّرة طهارة مادّية و معنوية بإرادة اللّه التكوينية و قد فصّلنا ذلك في كتاب طهارة آل محمّد عليهم السّلام.
من كفاطمة في العفّة و الشرف و الكبرياء و العظمة.ما كانت تخرج من بيتها إلاّ متستّرة ملتفّة بعباءتها أو عباءة النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،حتّى أنّه عند ما خرجت من بيتها بعد وفاة أبيها إلى مجلس أبي بكر أمرت أن ينصب لها ستار بينها و بين أبي بكر و حضوره و خاطبتهم بما تقدّم.
و هكذا كانت إذا تكلّمت مع أيّ إنسان قصدها لحاجة أو لمسألة كانت تحتجب عنه عفّة و صيانة.
و قد تقدم الحديث عن احتجابها عن الرجل الأعمى الذي دخل على أبيها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قائلة:إنه يشم الريح.
روت لنا أسماء أنّ فاطمة بنت محمّد عليهما السّلام قالت لها:إنّي أستقبح ما يصنع بالنساء يطرح على المرأة الثوب فيصفها.
قالت:يا ابنة رسول اللّه ألا أريك شيئا رأيته بالحبشة؟فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثمّ طرحت عليها ثوبا،فقالت فاطمة:ما أحسن هذا و أجمله!إذا متّ فغسّليني أنت و عليّ عليه السّلام و لا يدخلن أحد عليّ.
قال ابن عبد البر:هي أوّل من غطّي نعشها في الإسلام (2).
و قال ابن سعد:قال ابن عبّاس:فاطمة أوّل من جعل لها النعش عملته لها أسماء (3).
-أقول:رؤية أسماء لذلك في الحبشة لا يلزم منه أنّه كان يستعمل لحمل النساء بعد موتهن،
بل لعلّها رأته يصنع لأغراض أخرى فلمّا وصفته لفاطمة أو صنعته اتّخذته فاطمة نعشا،و يؤيّد ذلك قول ابن عبّاس:إنّ أوّل من جعل لها النعش فاطمة لا غيرها،و يمكن أن يقال:إنّ أوّل من جعل له نعشا في الإسلام فاطمة،فلا ينافي وجوده في الحبشة.
أبت غيرة فاطمة و عفّتها حيّة و ميّتة أن يرى أحد لا يحلّ له النظر إليها شخصها.
بل لم تحبّ فاطمة أن ينظر لشخصها أحد يوم المرور على الصراط كما تقدّم،حيث يأمر اللّه- عفّة و صيانة لمقام فاطمة-جميع الخلق بأن يغضّوا أبصارهم و ينكّسوا رؤوسهم لتمرّ العفيفة فاطمة أشرف بنات الأنبياء على الإطلاق،فتمرّ عليها السّلام كالبرق الخاطف.
و في يوم من الأيّام دخل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رجل أعمى فحجبته فاطمة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لها:
لم حجبتيه و هو لا يراك؟فقالت:إن لم يكن يراني فإنّي أراه و هو يشمّ الريح،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
أشهد أنّك بضعة منّي (1).
ذكرنا في كتاب الولاية التكوينيّة لآل محمد عليهم السّلام (2)الفرق بين المعجزة و الكرامة و الدعاء المستجاب و الولاية التكوينيّة،و هنا سوف نذكر بعض كرامات فاطمة مع عدم التفريق بين ذلك.
فعن جابر قال:إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أقام أيّاما و لم يطعم طعاما حتّى شقّ ذلك عليه فطاف في ديار أزواجه فلم يصب عند إحداهنّ شيئا فأتى فاطمة فقال:يا بنيّة هل عندك شيء آكله،فإنّي جائع؟
قالت:لا و اللّه بنفسي و أخي،فلمّا خرج عنها بعثت جارية لها رغيفين و بضعة لحم فأخذته و وضعته تحت جفنة و غطّت عليها،و قالت:و اللّه لأوثرنّ بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على نفسي و غيري و كانوا محتاجين إلى شبعة طعام،فبعثت حسنا و حسينا إلى رسول اللّه فرجع إليها،فقالت:قد أتانا اللّه بشيء فخبّأته لك.
فقال:هلّمي عليّ يا بنيّة،فكشفت الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا و لحما فلمّا نظرت إليه بهتت و عرفت أنّه من عند اللّه فحمدت اللّه و صلّت على نبيّه أبيها و قدّمته إليه فلمّا رآه حمد اللّه و قال:من أين لك هذا؟
قالت:هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب (3).
و روي ذلك بغير هذا التفصيل،فإنّ هذا فيه زيادة الطعام الذي جي لها،و روي عن الإمام الباقر عليه السّلام أنّ فاطمة كانت تصلّي فوجد رسول اللّه جفنة مغطّاة خلفها جزاء صدقة علي عليه السّلام فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:مثلك مثل زكريّا إذ دخل على مريم المحراب فوجد عندها رزقا قال: يٰا مَرْيَمُ أَنّٰى لَكِ هٰذٰا قٰالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ بِغَيْرِ حِسٰابٍ، فأكلوا منها شهرا و هي الجفنة التي يأكل منها القائم و هي عندنا (1).
أقول:و سوف يأتي مزيد تفصيل عن ذلك في الآيات النازلة في فاطمة عليها السّلام فارتقبه.
و عن أبي جعفر عليه السّلام قال:قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لفاطمة عليها السّلام:يا فاطمة قومي فأخرجي تلك الصحفة فقامت فأخرجت صحفة فيها ثريد و عراق يفور.فأكل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين ثلاثة عشر يوما،ثمّ إنّ أمّ أيمن رأت الحسين معه شيء فقالت له:من أين لك هذا؟
قال:إنّا لنأكله منذ أيّام فأتت أمّ أيمن فاطمة فقالت:يا فاطمة إذا كان عند أمّ أيمن شيء فانّما هو لفاطمة و ولدها و إذا كان عند فاطمة شيء فليس لامّ أيمن منه شيء؟فأخرجت لها منه فأكلت منه أمّ أيمن و نفدت الصحفة،فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أما لو لا أنّك أطعمتها لأكلت منها أنت و ذرّيّتك إلى أن تقوم السّاعة.
ثمّ قال أبو جعفر عليه السّلام:و الصحفة عندنا يخرج بها قائمنا عليه السّلام في زمانه (2).
و روي أنّ فاطمة عليها السّلام سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خاتما فقال:إذا صلّيت صلاة الليل فاطلبي من اللّه خاتما ففعلت فإذا بهاتف يقول:يا فاطمة الذي طلبتي تحت المصلّى فإذا الخاتم ياقوت لا قيمة له فجعلته في إصبعها و فرحت،فلمّا نامت من ليلتها رأت كأنّها في الجنّة فرأت ثلاثة قصور لم تر في الجنّة مثلها قالت:لمن هذه القصور؟
قالوا:لفاطمة بنت محمّد فكأنّها دخلت قصرا من ذلك فرأت سريرا قد مال على ثلاث قوائم فقالت:ما لهذا السرير قد مال على ثلاث؟
قالوا:لأنّ صاحبته طلبت من اللّه خاتما فنزع أحد القوائم و صيغ لها خاتما و بقي السرير على ثلاث قوائم،فلمّا أصبحت دخلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قصّت القصّة فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:معاشر آل عبد المطّلب ليس لكم الدّنيا إنّما لكم الآخرة و ميعادكم الجنّة و الدّنيا زائلة غرّارة،فأمرها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن تردّ الخاتم تحت المصلّى فردّت،ثمّ نامت على المصلّى فرأت في المنام أنّها دخلت الجنّة فدخلت ذلك القصر فرأت السرير على أربع قوائم فسألت عن حاله فقالوا:ردّت الخاتم و رجع السرير إلى هيئته (3).6.
و في كتاب المهج بإسناده إلى عبد اللّه بن سلمان الفارسي عن أبيه قال:خرجت من منزلي بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلقيني عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال:يا سلمان جفوتنا بعد رسول اللّه.
فقلت:يا أبا الحسن إنّ حزني على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طال فهو الذي منعني من زيارتكم.
فقال:ائت منزل فاطمة تريد أن تتحفك بتحفة قد أتحفت بها من الجنّة.
قال سلمان:فهرولت إلى منزل فاطمة،فإذا هي جالسة و عليها قطعة عباءة إذا خمرت رأسها انجلى ساقها و إذا غطّت ساقها انكشفت رأسها،فلمّا نظرت إليّ اعتجرت قالت:يا سلمان إنّي كنت بالأمس جالسة و أنا أتفكّر في انقطاع الوحي عنّا فإذا قد دخل عليّ ثلاث جوار لم أر مثلهنّ فسألتهنّ عن أحوالهنّ فقلن:نحن جوار من الحور العين أرسلنا ربّ العزّة إليك يا بنت محمّد فقلت للذي أظنّ أنّها أكبرهنّ سنّا ما اسمك؟
قالت:اسمي مقدودة خلقت للمقداد بن الأسود،و قلت للثانية:ما اسمك قالت:ذرّة خلقت لأبي ذرّ الغفاري،فقلت للثالثة:ما اسمك؟
قالت:سلمى أنا لسلمان الفارسي،ثمّ أخرجت لي رطبا أبيض من الثلج و أطيب ريحا من المسك،فقالت:يا سلمان إفطر عليه عشيّتك.
ثمّ قالت:يا سلمان هذا نخل غرسه اللّه في دار السلام بكلام علمنيه أبي كنت أقوله غدوة و عشية و إن سرّك أن لا تمسّك الحمى ما عشت فواظب عليه و هو:بسم اللّه النوربسم اللّه نور النور بسم اللّه نور على نوربسم اللّه هو مدبّر الاموربسم اللّه الذي خلق النور من النور،الحمد للّه الذي خلق النور من النور و أنزل النور من النور على الطور في كتاب مسطور في رقّ منشور بقدر مقدور على نبيّ محبور،الحمد للّه الذي هو بالعزّ مذكور و بالفخر مشهور و على السرّاء و الضرّاء مشكور و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.
قال سلمان:فو الله لقد علّمتهن أكثر من ألف نفس من أهل المدينة و مكّة ممّن بهم الحمى، فكلّ برئ من مرضه بإذن اللّه تعالى (1).
و روى أبو القاسم القشيري في كتابه قال بعضهم:انقطعت في البادية عن القافلة فوجدت امرأة فقلت لها:من أنت؟
قالت:و قل سلام فسوف تعلمون،فسلّمت عليها فقلت لها:ما تصنعين؟
قالت:من يهد اللّه فلا مضلّ له،فقلت:أمن الجنّ أم من الإنس؟
قالت: يٰا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ9.
1) بحار الأنوار:68/43 ح 59.
فقلت:من أين أقبلت؟
قالت: يُنٰادَوْنَ مِنْ مَكٰانٍ بَعِيدٍ.
فقلت:أين تقصدين؟
قالت: وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، فقلت:متى انقطعت؟
قالت: وَ لَقَدْ خَلَقْنَا السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ.
فقلت:تشتهين طعاما؟
فقالت: وَ مٰا جَعَلْنٰاهُمْ جَسَداً لاٰ يَأْكُلُونَ الطَّعٰامَ، فأطعمتها ثمّ قلت:هرولي و لا تعجلي، فقالت: لاٰ يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا
فقلت:أردفك،قالت؛ لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا، فنزلت فأركبتها.
فقالت: سُبْحٰانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنٰا هٰذٰا، فلمّا أدركنا القافلة قلت:هل لك أحد فيها؟
قالت: يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ، يٰا يَحْيىٰ خُذِ الْكِتٰابَ، يٰا مُوسىٰ إِنِّي أَنَا اللّٰهُ فصحت بهذه الأسماء فإذا أنا بأربعة شباب متوجّهين إليها فقلت:
من هؤلاء منك؟
قالت: اَلْمٰالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا، فلمّا أتوها قالت: يٰا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فكافؤني بأشياء.
فقالت: وَ اللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ فزادوا عليّ،فسألتهم عنها.
فقالوا:هذه أمّنا فضّة جارية الزهراء عليها السّلام ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلاّ بالقرآن (1).
و في الكافي عن الصادق عليه السّلام قال:ليس على وجه الأرض بقلة أنفع من[الفرقح] (2)و هو بقلة فاطمة صلوات اللّه عليها،لعن اللّه بني أميّة سمّوها بقلة الحمقى بغضا لنا و عداوة لفاطمة عليها السّلام.
و عنه عليه السّلام:بقلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الهندباء و بقلة أمير المؤمنين عليه السّلام الباذروج و بقلة فاطمة عليها السّلام [الفرقح] (3)(4).
***0.
قد فصّلنا قدرة و ولاية آل محمد التكوينيّة في كتاب آل محمد بين قوسي النزول و الصعود، و نزيد هنا ما رواه الشيخ الطوسي عن الإمام الصادق عليه السّلام و عن سلمان الفارسي أنّه لما أستخرج أمير المؤمنين عليه السّلام من منزله خرجت فاطمة حتّى انتهت إلى القبر فقالت:خلّوا عن ابن عمّي فو الذي بعث محمّدا بالحقّ لئن لم تخلّوا عنه لأنشرنّ شعري و لأضعنّ قميص رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على رأسي و لأصرخنّ إلى اللّه فما ناقة صالح بأكرم على اللّه من ولدي.
قال سلمان:فرأيت و اللّه أساس حيطان المسجد تقلّعت من أسفلها حتّى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها نفذ،فدنوت منها و قلت:
يا سيّدتي و مولاتي إنّ اللّه تبارك و تعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة،فرجعت الحيطان حتّى سطعت الغبرة من أسفلها،فدخلت في خياشيمنا (1).
و أخرجه البرسي بتفاوت و أنّ أمير المؤمنين هو الذي قال لها فأمسك يدها و قال:«يا بقيّة النبوّة و شمس الرسالة و معدن العصمة و الحكمة إنّ أباك كان رحمة للعالمين فلا تكوني عليهم نقمة أقسم عليك بالرؤوف الرحيم،فعادت إلى مصلاّها» (2).
أقول:قولها سلام اللّه على أنوارها،«لأنشرنّ شعري»لا يعني ذلك أمام القوم و في المسجد العام،إنّما هو تهديد بأن تدخل إلى حجرتها و مصلاّها و تدعو عليهم خاصّة بملاحظة أنّ حجرتها في داخل المسجد.
و اختلاف القائل لها بين سلمان و أمير المؤمنين عليه السّلام يحمل على أنّ أمير المؤمنين أمر سلمان بأن يذهب إليها و يقول ذلك.
تقدّم مجي جبرائيل-و هو رئيس الملائكة-لتعزيتها و تطييب نفسها.
و تقدّم في أحاديث نطفتها و يأتي في أحاديث زواجها خدمة ملائكة السماء لها و نثرهم الدرّ و الياقوت في عرسها.
و روي عن أبي ذرّ قال:بعثني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أدعو عليّا فأتيت بيته فناديته فلم يجبني فعدت
فأخبرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال لي:عد إليه أدعه فإنّه في البيت،قال:فعدت أناديه فسمعت صوت رحى تطحن فشارفت فإذا الرحى تطحن و ليس معها أحد فناديته فخرج إليّ منشرحا فقلت له:إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يدعوك،فجاء ثمّ لم أزل أنظر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ينظر إليّ،ثمّ قال:يا أبا ذرّ ما شأنك؟
فقلت:يا رسول اللّه عجيب من العجب رأيت رحى تطحن في بيت علي و ليس معها أحد يرحى!!
فقال:يا أبا ذر إنّ للّه ملائكة سيّاحين في الأرض و قد وكّلوا بمؤنة آل محمد.
أخرجه الملا و أحمد في المناقب (1).
و روي بلفظ:«...إنّ ابنتي فاطمة ملأ اللّه قلبها و جوارحها إيمانا و يقينا و إنّ اللّه علم ضعفها فأعانها على دهرها و كفاها،أما علمت أنّ للّه ملائكة موكّلين بمعونة آل محمد» (2).
و روي بغير هذا التفصيل عن ميمونة بنت الحارث أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لها:إذهبي بهذا الصاع إلى فاطمة تطحنه فبينما هي تطحن إذ غلبتها عينها فذهب بها النوم فقال نبي اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:قد أبطأ علينا طعامنا فانظري ما حبسها،فذهبت ميمونة فاطّلعت من الباب فإذا الرحى تدور و إذا فاطمة نائمة فرجعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقالت:رأيت فاطمة نائمة و الرحى تدور!!
فقال:ما أحد يديرها.
قالت:ما أحد يديرها.
فقال:رحم اللّه أمته حيث رأى ضعفها فأوحى اللّه إلى الرحى فدارت فجاءت ميمونة إلى طعامها و قد فرغ الرحى من طحنه (3).
و في الخرائج عن سلمان أنّ فاطمة عليها السّلام كان قدّامها رحى تطحن بها الشعير و على عمود الرحى دم سائل و الحسين في ناحية الدار يتضوّر من الجوع،فقلت:يا بنت رسول اللّه دبّرت كفاك و هذه فضة،فقالت:أوصاني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن تكون الخدمة لها يوما فكان أمس يوم خدمتها.
قال سلمان:إنّي مولى عتاقة(هكذا بنسخة البحار)،إمّا أن أطحن الشعير أو أسكت الحسين لك،فقالت:أنا بتسكينه أرفق و أنت تطحن الشعير،فطحنت شيئا من الشعير و إذا أنا بالإقامة فمضيت و صلّيت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فلمّا فرغت قلت لعليّ:ما رأيت،فبكى و خرج ثمّ عاد فتبسّم فسأله عن ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:دخلت على فاطمة و هي مستلقية لقفاها و الحسين نائم علىس.
صدرها و قدّامها رحى تدور من غير يد فقال:يا علي أما علمت أنّ للّه ملائكة سيّارة في الأرض يخدمون محمّد و آل محمّد إلى أن تقوم الساعة (1).
أقول:اختلاف الألفاظ و القصّة لا يعني تناقضها بل أنّ الإعانة و خدمة الملائكة تكرّرت أكثر من مرّة،خاصّة أنّ الراوي الذي أرسله النبيّ مختلف،و خاصّة أنّه في الحديث الأخير قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ هذه الخدمة إلى يوم الساعة.
قال توفيق أبو علم:أخذت السيّدة الزهراء عن أبيها الكثير من الأحاديث،بما تسمعه منه،أو ما كان يأمر بكتابته لها،و قد أخذ عنها إبناها الحسن و الحسين و أبوهما علي و حفيدتهما فاطمة بنت الحسين مرسلا و عائشة و أمّ سلمة و أنس بن مالك و سلمى و أمّ رافع رضي اللّه عنهم.
و قد ساعدها على ذلك أنّها ألمّت بكثير من علوم القرآن،و أحاطت بأمور من الشرائع السابقة، و كانت تعرف القراءة و الكتابة،و قد فطمها اللّه بالعلم،و كان أبوها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يستكتب لها الصحف التي تسترشد بها في أمر دينها،و تبصّرها بأمور دنياها.فالسيّدة فاطمة من أهل بيت اتّقوا اللّه و علّمهم اللّه (2).
و إليك تصديق ذلك:
قال عمّار لسلمان:أخبرك عجبا،قلت:حدّثني يا عمّار،قال:نعم شهدت علي بن أبي طالب و قد ولج على فاطمة عليهما السّلام فلمّا أبصرت به نادت:أدن لأحدّثك بما كان و بما هو كائن و بما لم يكن إلى يوم القيامة حين تقوم الساعة.
قال عمّار:فرأيت أمير المؤمنين عليه السّلام يرجع القهقرى فرجعت برجوعه إذ دخل على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال له:أدن يا أبا الحسن،فدنا فلمّا اطمأنّ به المجلس قال له:تحدّثني أم أحدّثك؟قال:
الحديث منك أحسن يا رسول اللّه،فقال:كأنّي بك و قد دخلت على فاطمة و قالت لك كيت و كيت فرجعت،فقال علي عليه السّلام:نور فاطمة من نورنا؟فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أ و لا تعلم،فسجد علي شكرا للّه تعالى.
قال عمّار:فخرج أمير المؤمنين عليه السّلام و خرجت لخروجه فولج على فاطمة عليها السّلام و ولجت معه فقالت:كأنّك رجعت إلى أبي عليه السّلام فأخبرته بما قلته لك؟
قال:كان كذلك يا فاطمة.
فقالت:إعلم يا أبا الحسن أنّ اللّه تعالى خلق نوري و كان يسبّح اللّه جلّ جلاله ثمّ أودعه شجرة من شجر الجنّة فأضاءت،فلمّا دخل أبي الجنّة أوحى اللّه تعالى إليه إلهاما أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة و أدرها في لهواتك،ففعل فأودعني اللّه سبحانه صلب أبي عليه السّلام ثمّ أودعني خديجة بنت خويلد فوضعتني،و أنا من ذلك النور أعلم ما كان و ما يكون و ما لم يكن،يا أبا الحسن المؤمن ينظر بنور اللّه تعالى (1).
و عن روضة الشهداء للحسين الكاشفي عن كتاب الستّين و الجامع للطائف البساتين:أنّ رجلا من المنافقين عيّر أمير المؤمنين في تزويج فاطمة فقال:يا عليّ إنّك أفضل العرب و أشجعها و قد تزوّجت بعائلة لا تملك قوت يومها،و لو تزوّجت ببنتي لملأت ما بين داري و دارك من نوق موقرة بأجهزة نفيسة.
فقال علي:إنّا قوم نرضى بما قدّر اللّه و لا نريد إلاّ رضا اللّه و فخرنا بالأعمال لا بالأموال، فحمد اللّه ذلك منه،و إذا بهاتف ينادي يا علي إرفع رأسك و لتنظر إلى جهاز بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فرفع أمير المؤمنين رأسه و إذا هو بحجب من نور إلى العرش العظيم فضاء واسعا مملوء من نوق الجنّة عليها أحمال الدرّ و الجواهر و المسك و العنبر و على كلّ ناقة جارية كالشمس الضاحية،و زمام كلّ ناقة بيد غلام كالبدر في الكمال ينادون:هذا جهاز بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قال:ففرح عليّ من ذلك فرحا شديدا فترك ذلك المنافق و دخل على فاطمة الزهراء ليخبرها بما رأى،فلمّا أبصرته فاطمة قالت:يا علي تخبرني أم أخبرك؟قال:بل أخبريني،فأخبرته فاطمة عليها السّلام بكلّ ما جرى بينه و بين ذلك المنافق و ما رآه أمير المؤمنين من جهازها عند ربّ العالمين (2).
و تقول أمّ سلمة:تزوّجني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و فوّض أمر ابنته إليّ فكنت أؤدّبها و أدلّها و كانت و اللّه آدب منّي و أعرف بالأشياء كلّها (3).
و قال في حقّها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أنا ميزان العلم و علي كفّتاه و الحسن و الحسين خيوطه و فاطمة علاقته و الأئمّة من أمّتي عموده (1).
و سأل رسول اللّه أصحابه يوما عن أيّ شيء خير للمرأة؟فلم يدر أحد بذلك،فقالت عليها السّلام:أن لا ترى رجلا و لا يراها رجل،فضمّها إليه و قال:ذريّة بعضها من بعض،فاطمة بضعة منّي (2).
فعن محمد بن أبي بكر قال:قلت لعلي عليه السّلام:و هل يحدّث الملائكة إلاّ الأنبياء؟
قال:«إنّ مريم لم تكن نبيّة و كانت محدّثة،و أمّ موسى بن عمران كانت محدّثة و لم تكن نبيّة، و سارة إمرأة إبراهيم قد عاينت الملائكة فبشّروها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب و لم تكن نبيّة، و فاطمة بنت رسول اللّه كانت محدّثة و لم تكن نبيّة» (3).
و دلّ حديث الإمام جعفر بن محمد الصادق على إتيان جبرائيل إلى فاطمة قال:«إنّ فاطمة مكثت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمسة و سبعين يوما و قد كان دخلها حزن شديد على أبيها و كان جبرائيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها و يطيّب نفسها و يخبّرها عن أبيها و مكانته و يخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها و كان عليّ عليه السّلام يكتب ذلك» (4).
و في روايات مصحف فاطمة الآتية أنّه كان من إملاء اللّه و إيحائه إليها (5).
قال الإمام الباقر عليه السّلام في حديث:...و خلّفت فاطمة مصحفا ما هو قرآن و لكنّه كلام من كلام اللّه أنزل عليها إملاء رسول اللّه و خطّ علي عليه السّلام (6).
1) مقتل الحسين للخوارزمي:107/1 فضائل الحسنين.
2) فاطمة الزهراء لتوفيق:116،و البحار:84/43 ح 7،و مقتل الحسين للخوارزمي:62/1 الفصل الخامس،و مجمع الزوائد:203/9.
3) البحار:79/43،ح 66،و بصائر الدرجات:372 الجزء الثامن،ح 16 بتفاوت.
4) الكافي:241/1،ح 6 و البحار:79/43،ح 67 و 195،ح 22،و البصائر:154.
5) البصائر:152،الجزء 3،ح 3.
6) بصائر الدرجات:156 باب 14 ح 15 من الجزء الثالث.
و في رواية عن الصادق عليه السّلام:فإنّ فيه وصيّة فاطمة (1).
و في رواية ثالثة:أمّا إنّه ليس فيه الحلال و الحرام و لكن فيه علم ما يكون (2).
و عنه:إنّ فاطمة مكثت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمسة و سبعين يوما و قد كان دخلها حزن شديد على أبيها و كان جبرائيل يأتيها فيحسن عزاها على أبيها و يطيّب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانه و يخبرها بما يكون بعدها في ذرّيتها و كان علي يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة (3).
أقول:هذا لا ينافي ما تقدّم فإنّ هذا من مصحف فاطمة و ما تقدّم منه أيضا و كأنّه مجموع ذلك ما كان في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بعد وفاته كلّه يسمّى مصحفها.
و عن أمير المؤمنين عليه السّلام:«...و لقد أعطيت زوجتي مصحفا فيه من العلم ما لم يسبقها إليه أحد خاصّة من اللّه و رسوله» (4).
و قال الإمام الباقر عليه السّلام:و إنّ عندنا لمصحف فاطمة عليها السّلام و ما يدريهم ما مصحف فاطمة،قال:
مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات،و اللّه ما فيه من قرآنكم حرف واحد إنّما هو شيء أملاها اللّه و أوحى إليها.
قال:قلت:هذا و اللّه هو العلم.
قال:إنّه لعلم و ليس بذاك قال:ثمّ سكت ساعة ثمّ قال:إنّ عندنا لعلم ما كان و ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة.
قال:قلت:جعلت فداك هذا و اللّه هو العلم قال:إنّه لعلم و ما هو بذاك،قال:قلت:جعلت فداك فأيّ شيء هو العلم؟قال:ما يحدث بالليل و النهار الأمر بعد الأمر و الشيء بعد الشيء إلى يوم القيامة (5).
و في بصائر الدرجات عن الصادق عليه السّلام قال:الجفر جلد ثور مملوؤ علما و الجامعة صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها ما يحتاج إليه الناس حتّى أرش الخدش،و أمّا مصحف فاطمة،فإنّها مكثت بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خمسة و سبعون يوما و قد دخلها حزن شديد على أبيها و كان جبرئيل عليه السّلام يأتيها فيحسن عزاها على أبيها و يطيب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانه و ما يكون بعدها في ذرّيتها و قال لها أمير المؤمنين عليه السّلام:إذا سمعت صوته فاعلميني فأعلمته،فجعل يكتب كلّما سمع حتّى أثبت من ذلك2.
مصحفا أمّا إنّه ليس من الحلال و الحرام و لكن فيه علم ما يكون (1).
امتازت شخصية الزهراء بأنّها شخصية جامعة لكلّ شؤون الحياة،فهي الطاهرة المحدّثة صاحبة الكرامات،البنت البارّة و الزوجة الصالحة و الامّ الحنونة و المربّية العالمة العابدة المجاهدة الشهيدة.
و هي صاحبة القرار السياسي الحكيم و الإجتماعي المناسب كما يأتي،و هي التي لا تأخذها في دين اللّه لومة لائم،هكذا تكون المرأة المسلمة جامعة كاملة لا يفوتها من الكمال شيء،و لا تترك واجباتها.
لم تكن فاطمة لتحابي في دين اللّه تعالى،و لم تكن لتسكت عن انتهاك أيّ شخص لحدود اللّه حتّى لو كان ذلك الشخص من أتباعها أو محبّيها،يحدّثنا التاريخ (2)أنّ جارية لفاطمة عليها السّلام انتهكت بعض الأحكام الشرعية فقامت فاطمة بنت محمّد و حدّتها،التزاما بتعاليم اللّه و تنفيذا لأحكامه،لأنّها إبنة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي أنزل عليه وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ (3).
من ذلك نستفيد أنّ النساء لا بدّ و أن يكون لهنّ دور مهم في المجتمع،من أجل إحياء شعائر اللّه تعالى،و تنفيذ أحكامه،يسعون في المجتمع لتوعية أفراده و تعليم أجياله وجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر،و زرع التوعية الإسلامية في نفوسهم،و طرد الثقافة الغربية من وجدانهم،التي أصبحت تسيطر على كيانهم.
لا بدّ للنساء العمل من أجل زرع تنفيذ الأحكام الإسلامية في أذهان الصغار،لكي ينشأوا على مجتمع إسلامي يؤمن بوجوب إقامة حكومة إسلامية على أساس مذهب أهل البيت عليهم السلام، و إلاّ تكون المرأة قد تخلت عن إنتسابها إلى بضعة المصطفى و عن دينه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
القائل: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ.
قال أبو محمّد العسكري عليه السّلام:حضرت امرأة عند الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السّلام فقالت:إنّ لي والدة ضعيفة و قد لبس عليها في أمر صلاتها شيء،و قد بعثتني إليك أسألك،فأجابتها فاطمة عليها السّلام عن ذلك،فثنّت فأجابت ثمّ ثلّثت إلى أن عشّرت فأجابت ثمّ خجلت من الكثرة فقالت:لا أشقّ عليك يا ابنة رسول اللّه.
قالت فاطمة:هاتي و سلي عمّا بدا لك،أرأيت من اكترى يوما يصعد إلى سطح بحمل ثقيل و كراه مائة ألف دينار يثقل عليه؟فقالت:لا.
فقالت:اكتريت أنا لكلّ مسألة بأكثر من ملء ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤا فأحرى أن لا يثقل عليّ،سمعت أبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:إنّ علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم و جدّهم في إرشاد عباد اللّه حتّى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور ثمّ ينادي منادي ربّنا عزّ و جلّ:أيّها الكافلون لأيتام آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،الناعشون لهم عند انقطاعهم عن آبائهم الذين هم أئمّتهم،هؤلاء تلامذتكم و الأيتام الذين كفلتموهم و نعشتموهم فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدّنيا،فيخلعون على كلّ واحد من أولئك الأيتام على قدر ما أخذوا عنهم من العلوم، حتّى أنّ فيهم-يعني في الأيتام-لمن يخلع عليه مائة ألف خلعة و كذلك يخلع هؤلاء الأيتام على من تعلّم منهم،ثمّ إنّ اللّه تعالى يقول:أعيدوا على هؤلاء العلماء الكافلين للأيتام حتّى تتمّوا لهم خلعهم،و تضعفوها لهم فيتمّ لهم ما كان لهم قبل أن يخلعوا عليهم،و يضاعف لهم،و كذلك من يليهم ممّن خلع على من يليهم.
و قالت فاطمة عليها السّلام:يا أمة اللّه إنّ سلكة من تلك الخلع لأفضل ممّا طلعت عليه الشمس ألف ألف مرّة و ما فضل فإنّه مشوب بالتنغيص و الكدر.
بيان:نعشه أي رفعه.و يقال:ينغص اللّه عليه العيش أي كدّره (1).
و قال ابن مسعود:جاء رجل إلى فاطمة عليها السّلام فقال:يا بنت رسول اللّه،هل ترك رسول اللّه شيئا تطرفينيه؟
فقالت:يا جارية هاتي تلك الجريدة،فطلبتها فلم تجدها فقالت:ويحك اطلبيها فإنّها تعدل عندي حسنا أو حسينا،فطلبتها فإذا هي:قال محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه.من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يؤذ جاره،و من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت،إنّ اللّه عزّ و جلّ يحبّ الحليم المتعفّف و يبغض الفاحش السآل الملحف،إنّ الحياء من
1) بحار الأنوار:3/2 ح 3.
الإيمان و الإيمان من الجنّة و إنّ الفحش من البذاء و البذاء في النار (1).
و عن أبي محمّد عليه السّلام،قال:قالت فاطمة عليها السّلام-و قد اختصم إليها امرأتان فتنازعتا في شيء من أمر الدين،إحداهما معاندة،و الاخرى مؤمنة،ففتحت على المؤمنة حجّتها فاستظهرت على المعاندة ففرحت فرحا شديدا-فقالت فاطمة عليها السّلام:إنّ فرح الملائكة باستظهارك عليها أشدّ من فرحك،و إن حزن الشيطان و مردته بحزنها أشدّ من حزنها،و إنّ اللّه تعالى قال لملائكته:أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف ممّا كنت أعددت لها، و اجعلوا هذه سنّة في كلّ من يفتح على أسير مسكين فيغلب معاندا مثل ألف ألف ما كان معدّا له من الجنان (2).
و عن محمّد بن محمّد بن الأشعث قال:حدّثني موسى بن إسماعيل حدّثنا أبي عن أبيه عن جدّه جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه عليّ بن الحسين[عن أبيه عن جدّه عليّ عليه السّلام]أنّ فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم استأذن عليها أعمى فحجبته فقال لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:لم حجبتيه و هو لا يراك؟فقالت:يا رسول اللّه إن لم يكن يراني فأنا أراه،و هو يشمّ الرّيح.
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أشهد أنّك بضعة منّي (3).
و بإسناده عن جعفر بن محمّد عن أبيه أنّ فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليهما دخل عليها عليّ عليه السّلام و به كآبة شديدة فقالت:ما هذه الكآبة؟فقال:سألنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن مسألة لم يكن عندنا لها جواب،فقالت:و ما المسألة؟
قال:سألنا عن المرأة ما هي؟قلنا:عورة،قال:فمتى تكون أدنى من ربّها فلم ندر[ما نقول؟]
قالت:إرجع إليه فأعلمه أنّ أدنى ما تكون من ربّها أن تلزم قعر بيتها،فانطلق فأخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:هذا من تلقاء نفسك يا عليّ،فأخبره أنّ فاطمة عليها السّلام أخبرته،فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:صدقت إنّ فاطمة بضعة منّي عليه السّلام (4).
و في روض الأفكار:جاءت فاطمة رضي اللّه عنها تطلب شيئا من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقال لها:
«و الذي نفسي بيده،ما اقتبس آل محمّد نارا منذ ثلاثين يوما،ألا أعلّمك خمس كلمات علمنياهنّ جبريل؟قالت:نعم،قال:قولي:يا أوّل الأوّلين و يا آخر الآخرين،و يا ذا القوّة المتين،و يا أرحم الراحمين،أغننا و اقض حاجتنا» (1).
و قالت فاطمة رضي اللّه عنها:رغّب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الجهاد،و ذكر فضله،فسألته الجهاد فقال:
ألا أدلّك على شيء يسير و أجره كبير،ما من مؤمن و لا مؤمنة يسجد عقب الوتر سجدتين و يقول في كلّ سجدة:سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الروح،خمس مرّات لا يرفع رأسه حتّى يغفر اللّه ذنوبه كلّها،و استجاب اللّه دعاءه و إن مات في ليلته مات شهيدا (2).
و قالت السيّدة الزهراء عليها السّلام لسلمان:إن أردت أن تلقى اللّه عزّ و جلّ و هو عليك غير غضبان فواظب على هذا الدعاء و هو:«بسم اللّه الرحمن الرحيم،باسم اللّه النور،باسم اللّه الذي يقول للشيء كن فيكون،باسم اللّه الذي يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور،باسم اللّه الذي خلق النور من النور،باسم اللّه الذي هو بالمعروف مذكور،باسم اللّه الذي أنزل النور على السطور،بقدر مقدور في كتاب مسطور على نبيّ محبور» (3).
و من دعاء علّمته ولدها الحسن رضي اللّه عنه:«الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره،و لا يخيب من دعاه،و لا يقطع رجاء من رجاه»ثمّ يسأل اللّه عزّ و جلّ ما يريد (4).
هذه فاطمة العالمة و المعلّمة،علّمت من اللّه و رسوله،فعملت بما تعلّمت،و علّمت ما تعلّمت إلى نساء زمانها،لم تجلس في بيتها و تترك نساء المسلمين محتاجين إلى من يفقّههم،بل كانت تقصدهم لتعلّمهن الإسلام و أحكامه،أو تجلس في مسجدها لتأتي النساء إليها فيتعلّمن ما يجهلنه، و يتقاضون عندها فتحكم بينهن،و تحلّ مشاكلهن.
هكذا يجب أن تكون النساء اللآتي يقتدين بفاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،يبحثن عن ضالّة المؤمنات فيأخذونها أينما وجدوها،يتعلّمن الأحكام الشرعية و التعاليم الإسلامية-الأخلاق و الأدب و الفقه و السياسة و علم النفس و علم الإجتماع-يتعلّمن ذلك ليخرجن من الجهل إلى نور العلم«العلم نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء» (5)،و ليعملن بما علمن لزيادة الثواب و القرب من اللّه تعالى.1.
1) الدعوات للراوندي:48.
2) صحيفة الزهراء:46.
3) دلائل الإمامة:108 ح 35.
4) -هلاّ قلت خير لهنّ أن لا يرين الرجال و لا يرونهنّ»و هكذا أخرجه الخوارزمي في مقتل الحسين 63 و ابن الأثير في مناقب الأخيار:56 و الذهبي في الكبائر:71،و أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد:202/9 و: 255/4 قال رواه البزار.
5) راجع تفسير القرآن للسيّد مصطفى الخميني:389/1،و البحار:224/1.
و من ثمّ ينتشرون بين نساء فاطمة ليعلّموهن ما تعلّمن،و في ذلك ثواب من اللّه عظيم كما تقدّم عن فاطمة عليها السّلام للمرأة التي جاءت تسألها.
قال توفيق أبو علم:و المشهور عن السيّدة الزهراء رضي اللّه عنها أنّها كانت قويّة العارضة، خطيبة بارعة إذا ما انتبرت المنابر هزّت القلوب و المشاعر،و إنّ خطبتها على جمهرة من المهاجرين و الأنصار آية على ثبت بديهيتها و حضور ذهنها...و لا غرابة في فصاحتها لأنّها نشأت في بيت النبوّة تسمع كلام أبيها أبلغ البلغاء ثمّ انتقلت إلى بيت زوجها فعاشت سنين تسمع الكلام من الإمام علي رضي الله عنه الذي لم يختلف على بلاغته محبّ أو عدوّ و سمعت القرآن يرتّل في بيتها في الصلوات و في سائر الأوقات...» (1).
أقول:تقدّم ما يدلّ على ذلك خاصّة قول عائشة بشباهة فاطمة لأبيها بالحديث و المنطق و الكلام.
و لمن يريد المزيد من بلاغتها فليتأمّل في خطبتها الآتية و معانيها و قد اعتنى جملة من العلماء بشرحها و ما بلغوا (2).
قال أبو الفضل:ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم كلام فاطمة عليها السّلام عند منع أبي بكر إيّاها فدك (3)و قلت له إنّ هؤلاء (4)يزعمون أنّه مصنوع و أنّه من كلام أبي العيناء«الخبر منسوق البلاغة على الكلام» (5).
فقال لي:رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم و يعلّمونه أبناءهم و قد حدّثنيه أبي عن جدّي يبلغ به فاطمة عليها السّلام على هذه الحكاية و رواه مشايخ الشيعة و تدارسوه بينهم قبل أن يولد جدّ أبي
1) فاطمة الزهراء:164-166.
2) راجع فاطمة الزهراء لتوفيق:167-180،و بحار الأنوار:162/43-170،و الدرّة البيضاء في شرح خطبة الزهراء.
3) أي إرثها من فدك و هي قرية كان للنبي نصفها فلمّا توفّي صلوات الله عليه أرادت فاطمة أن تأخذ نصيبها في الإرث منها فمنع أبو بكر الخليفة دون ذلك محتجّا بقول النبيّ:«نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة».
4) يشير إلى قوم في عصره كانوا يغضون من قدر آل البيت.
5) يعني أنّ الطعن هو في نسبة هذا الكلام البليغ إلى فاطمة أمّا نفس الواقعة و هي منع الإرث فهي صحيحة و مثبوتة في كتب التاريخ.
العيناء،و قد حدّث به الحسن بن علوان عن عطية العوفي أنّه سمع عبد اللّه بن الحسن يذكره عن أبيه،ثمّ قال أبو الحسين:و كيف يذكر هذا من كلام فاطمة فينكرونه و هم يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة يتحقّقونه لو لا عداوتهم لنا أهل البيت ثمّ ذكر الحديث.
قال:لمّا أجمع أبو بكر على منع فاطمة بنت رسول اللّه-صلى اللّه عليه و عليها-فدكا و بلغ ذلك فاطمة لاثت خمارها (1)على رأسها و أقبلت في لمّة من حفدتها (2)تطأ ذيولها ما نخرم (3)من مشية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا حتّى دخلت على أبي بكر و هو في حشد (4)من المهاجرين و الأنصار فنيطت (5)دونها ملاءة ثمّ أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء و ارتجّ المجلس،فأمهلت حتّى سكن نشيج (6)القوم و هدأت فورتهم،فافتتحت الكلام بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فعاد القوم في بكائهم،فلمّا أمسكوا عادت في كلامها فقالت:لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم،فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم (7)و أخا ابن عمّي دون رجالكم فبلغ النذارة (8)صادعا بالرسالة (9)مائلا على مدرجة (10)المشركين ضاربا لثجنهم (11)آخذا بكظمهم يهشم الأصنام و ينكث الهام (12)حتّى هزم الجمع و ولّوا الدبر و تغرّى الليل عن صبحه (13)و أسفر الحقّ عن محضه و نطق زعيم الدين و خرست شقاشق (14)الشياطين[و تمّت كلمة الإخلاص]و كنتم على شفا (15)حفرة من النار مذقة الشارب و نهزة الطامع و قبسة العجلان (16)س.
1) اللوث عصب العمامة و الخمار ما يستر به الإنسان و في نسخة و اشتملت بجلبابها.
2) اللمة:الصاحب أو الأصحاب في السفر و المؤنس للواحد و الجمع و الحفدة أبناء الابن.
3) أي ما تترك و يروى ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
4) جماعة.
5) علقت.
6) من نشج الباكي غصّ بالبكاء في حلقه،و يروى فأمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم الخ.
7) و يروى فإن تعزوه«أي تنسبوه»تجده أبي دون نسائكم.
8) الإنذار من أنذره حذّره و خوّفه في إبلاغه و صادعا أي مجاهرا.
9) في الطرائف:فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة.
10) المدرج:المسلك.
11) في الطرائف:بثجنهم.
12) الثبج وسط الشيء و معظمه و ما بين الكاهل إلى الظهر و الكظم مخرج النفس أو الفم و ينكث يروى في نسخة و يجذ و الجذّ:القطع المستأصل،و تروى هذه الجملة في نسخة هكذا«ضاربا لثبجهم يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة و الموعظة الحسنة آخا بأكظام المشركين يهشّم الأصنام و يفلق الهام»و قولها على الرواية الأولى ينكث الهام لعلّه ينكس الهام من نكسه قلبه على رأسه.
13) أي أسفر.
14) الشقاشق شقشقة شيء كالرئة يخرجه البعير من فمه إذا هاج.
15) حرف.
16) المذقة الجرعة و النهزة الفرصة و القبسة ما تقبضه بيدك-تريد أنّهم كانوا ضعافا مهانين يتخطّفهم الناس.
و موطئ الأقدام،تشربون الطرق (1)و تقتاتون الورق (2)أذلّة خاشعين (3)تخافون أن يتخطّفكم الناس من حولكم فأنقذكم اللّه برسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد اللتيا و التي و بعدما مني بهم (4)(5)و ذؤبان العرب(و مردة أهل الكتاب) (6)كلّما حشوا (7)نارا للحرب أطفأها و نجم قرن (8)للضلال و فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها فلا ينكفئ (9)حتّى يطأ صماخها بأخمصه و يخمد لهبها (10)بحدّه مكدودا (11)في ذات اللّه قريبا من رسول اللّه سيّدا في أولياء اللّه و أنتم في بلهنية (12)و ادعون (13)آمنون.
حتّى إذا اختار اللّه لنبيّه دار أنبيائه ظهرت خلّة النفاق و سمل (14)جلباب الدين و نطق كاظم الغاوين و نبغ خامل الآفلين و هدر فنيق (15)المبطلين،فخطر في عرصاتكم (16)و أطلع الشيطان رأسه من مغرزه (17)صارخا بكم فوجدكم (18)لدعائه مستجيبين و للغرّة فيه ملاحظين (19)فاستنهضكم فوجدكم خفافا و أجمشكم (20)فألفاكم غضابا فوسمتم (21)غير إبلكم و أوردتموها غير شربكم (22).
هذا و العهد قريب و الكلم (23)رحيب و الجرح لمّا يندمل (24)بدار[إنما]زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا (25)و أنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين.م.
1) الطرق:الماء الذي خاضته الإبل و بالت فيه،و يروى:تقتاتون القد.
2) في الطرائف:القذ.
3) خاسئين.
4) في الطرائف:ببهم.
5) و يروى و بعد أن مني منهم الرجال الخ.و بهم الرجال شجعانهم جمع بهمة و ذؤبان العرب لصوصهم و مردتهم.
6) هكذا في بعض النسخ.
7) أوقدوا.
8) نجم أي ظهر.
9) فغرفاه فتحه و أوسعه،و اللهوات جمع اللها و هي أقصى الحلق،و ينكفي يرجع.
10) و يروى يطفىء عادية لهبها بسيفه و الصماخ داخل الأذان و الأخمص اصبع القدم.
11) مكدودا من كدّ جدّ و تعب.
12) البلهنية:غضاضة العيشة و نعيمها.
13) في الطرائف:زفاهية فكهون.
14) أي خلق ورث.
15) الفنيق:الجمل البازل القوي.
16) العرصات:ساحات الدور.
17) من رقدته يقال:هو غارز رأسه في سنة.
18) و يروى:«فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين».
19) أي مغترّين فيه.
20) و يروى:فأحثّكم.
21) من الوسم و هو العلامة.
22) الشرب بالكسر مكان الشرب بالضمّ تريد أنّهم أخذوا ما ليس لهم و اغتصبوا حقوق غيرهم.
23) الجرح،و رحيب واسع.
24) يلتئم.
25) تشير إلى ما كان منهم عند وفاة النبيّ فإنّهم انصرفوا عن غسله إلى تنصيب خليفة عليهم يلي أمورهم بعد النبي و لم يشتغل بتكفينه إلاّ آل البيت و آخرين معهم.
فهيهات منكم و أنّى بكم و أنّى تؤفكون (1)و هذا كتاب اللّه بين أظهركم و زواجره بيّنة و شواهده لائحة و أوامره واضحة،أرغبة عنه تدبرون أم بغيره تحكمون بئس للظالمين بدلا و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين.
ثمّ لم تريثوا (2)إلاّ ريث أن تسكن نغرتها تشربون حسوا و تسرّون في ارتغاء و نصبر منكم على مثل حزّ المدى و أنتم الآن تزعمون أنّ لا إرث لنا أفحكم الجاهلية تبغون و من أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون.
ويها معشر المهاجرين أ أبتزّ إرث أبي (3)أفي الكتاب أن ترث أباك و لا أرث أبي لقد جئت شيئا فريّا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم اللّه و الزعيم محمّد و الموعد القيامة و عند الساعة يخسر المبطلون و لكلّ نبأ مستقرّ و سوف تعلمون.
ثمّ انحرفت (4)إلى قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هي تقول:
قد كان بعدك أنباء و هنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب (5)
إنّا فقدناك فقد الأرض و إبلها و اختلّ قومك فاشهدهم و لا (6)تغب (7)
قال:فما رأينا يوما كان أكثر باكيا و لا باكية من ذلك اليوم (8).
و عن جعفر بن محمد رجل من أهل ديار مصر لقيته بالرافقة قال:حدّثني أبي،قال:أخبرنا موسى بن عيسى قال:أخبرنا عبد اللّه بن يونس،قال:أخبرنا جعفر الأحمر عن زيد ابن علي رحمة اللّه عليه عن عمّته زينب بنت الحسين عليهما السّلام قالت:لمّا بلغ فاطمة عليها السّلام إجماع أبي بكر على منعها فدكا لاثت خمارها و خرجت في حشدة نسائها و لمّة من قومها (9)تجرّ أذراعها (10)ما تخرم (11)منك.
1) أنّى:كيف،و الافك:أشنع الكذب.
2) تريثوا تبطئوا و يروى«لم تريثوا اختها الا ريث الخ»،و يروى:لم يلبثوا إلا ريث-أي لم تبطئوا عن منع الإرث عنّا إلاّ ريثما تمّ لكم أمر الخلافة دوننا فبدأتم بهذه و لمنيتم بتلك.
3) و يروى:أيها المسلمة المهاجرة ابتز إرث أبي أبا لله في الكتاب يا ابن أبي قحافة-تريد أبا بكر الخليفة-أن ترث أباك و لا أرث أبي و في رواية:ابتزّ إرث أبيه.
4) و يروى:ثمّ انكفأت أي رجعت.
5) الهنبثة:الأمور الشديدة و الاختلاط في القول،و الخطب:الخطوب أي الأمور العظيمة.
6) في الطرائف:فقد نكبوا.
7) الوابل المطر الغزير.
8) راجع الطرائف لابن طاووس:379/1،و شرح ابن أبي الحديد:249/16-251،و التذكرة الحمدونية: 255/6،ح 628،و عيون الأثر:340/2،و بحار الأنوار:196/43،و كشف الغمّة:480/2،و فاطمة الزهراء للعقّاد:159.
9) سبق تفسير هذه الألفاظ اللغوية.
10) لعلّه أذيالها و يروى«أدراعها»ج درع و درع المرأة قميصها.
11) ما تترك.
مشية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا حتّى وقفت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار فأنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء فلمّا سكنت فورتهم (1)قالت:أبدأ بحمد اللّه ثمّ أسبلت بينها و بينهم سجفا (2)ثمّ قالت:الحمد للّه على ما أنعم و له الشكر على ما ألهم و الثناء بما قدّم من عموم نعم ابتدأها و سبوغ آلاء أسداها (3)و إحسان منن والاها،جمّ (4)عن الإحصاء عددها و نأى عن المجازاة أمدها (5)و تفاوت (6)عن الإدراك آمالها و استثن الشكر بفضائلها (7)و استحمد إلى الخلائق بأجزالها و ثنى بالندب إلى أمثالها (8).
و أشهد أن لا إله إلاّ اللّه كلمة جعل الإخلاص تأويلها و ضمن القلوب موصولها (9)و أنّى في الفكرة معقولها (10)الممتنع من الأبصار رؤيته و من الأوهام الإحاطة به.إبتدع الأشياء لا من شيء قبله و احتذاها بلا مثال (11)لغير فائدة زادته إلاّ إظهارا لقدرته و تعبّدا لبريّته و إعزازا لدعوته،ثمّ جعل الثواب على طاعته و العقاب على معصيته زيادة (12)لعباده عن نقمته و جياشا (13)لهم إلى جنّته.
و أشهد أنّ أبي محمّدا عبده و رسوله اختاره قبل أن يجتبله (14)و اصطفاه قبل أن ابتعثه و سمّاه قبل أن استنجبه (15)إذ الخلائق بالغيوب مكنونة و بستر الأهاويل (16)مصونة و بنهاية العدم مقرونة، علما من اللّه عزّ و جلّ بمآيل الأمور (17)و إحاطة بحوادث الدهور و معرفة بمواضع المقدور،ابتعثه اللّه تعالى عزّ و جلّ إتماما لأمره و عزيمة على إمضاء (18)حكمه،فرأى الامم فرقا في أديانها عكّفا (19)على نيرانها عابدة لأوثانها منكرة للّه مع عرفانها،فأنار اللّه عزّ و جلّ بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ظلمها و فرّج عن القلوب بهمها (20)و جلى عن الأبصار غمّها (21)،ثمّ قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبض رأفة و اختيار رغبة بأبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن هذه الدار موضوع عنه العبء و الأوزار،محتفّ (22)بالملائكة الأبرار،و مجاورةط.
1) أي روعهم من البكاء.
2) أي أرخت سترا.
3) سبوغ النعم اتساعها و الإسداء الإحسان.
4) جم:كثر.
5) غايتها.
6) تباعد ما بينهما.
7) يروى بأفضالها و استثنه استحقّه.
8) و الندب من ندبه إلى الأمر دعاه و حثّه.
9) موصول كلمة لا إله إلاّ الله توحيده و خشيته.
10) أنّى أي بلغ غايته.
11) أي قدرها بلا شبيه.
12) أي دفعا لهم.
13) أي إقبالا.
14) يخلقه.
15) ابتعثه أي أرسله بالنبوّة و استنجبه اختاره.
16) الأهاويل:جمع أهوال واحدها هول و هي المخافة من الأمر لا يدري و كأنّها صلّى الله عليها تكنّي بذلك عن حيرة الناس قبل ظهور نور النبوّة.
17) بمصيرها.
18) إنفاذ.
19) من عكف عليه أقبل عليه مواظبا.
20) شبهها.
21) ظلمها.
22) العبء:الثقل،محتفّ:محاط.
الملك الجبّار و رضوان (1)الربّ الغفّار صلّى اللّه على محمّد نبي الرحمة و أمينه على وحيه و صفّيه من الخلائق و رضيّه و رحمة اللّه و بركاته.
ثمّ أنتم عباد اللّه(تريد أهل المجلس)نصب أمر اللّه (2)و نهيه و حملة دينه و وحيه و أمناء اللّه على أنفسكم و بلغاؤه إلى الامم،زعمتم حقّا لكم اللّه فيكم عهد (3)قدّمه إليكم و نحن بقيّة إستخلفنا عليكم و معنا كتاب اللّه بيّنة بصائره (4)و آي فينا (5)منكشفة سرائره،و برهان منجلية ظواهره،مديم البرية أسماعه،قائد إلى الرضوان أتباعه،مؤدّ إلى النجاة استماعه،فيه بيان حجج اللّه المنوّرة و عزائمه المفسّرة،و محارمه المحذّرة،و تبيانه الجالية (6)و جمله الكافية،و فضائله المندوبة (7)و رخصه (8)الموهوبة،و شرائعه المكتوبة.ففرض اللّه الإيمان تطهيرا لكم من الشرك،و الصلاة تنزيها عن الكبر، و الصيام تثبيتا للإخلاص،و الزكاة تزييدا في الرزق،و الحجّ تسلية للدين،و العدل تنسّكا للقلوب، و طاعتنا نظاما،و إمامتنا أمنا من الفرقة،و حبّنا عزّا للإسلام،و الصبر منجاة،و القصاص حقّنا للدماء (9)،و الوفاء بالنذر تعرّضا للمغفرة،و توفية المكاييل و الموازين تعبيرا للنحسة (10)،و النهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس،و قذف المحصنات اجتنابا للعنة،و ترك السرق إيجابا للعفّة (11)، و حرّم اللّه عزّ و جلّ الشرك إخلاصا له بالربوبية،فاتّقوا اللّه حقّ تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون و أطيعوه فيما أمركم به و نهاكم عنه فإنّه إنّما يخشى اللّه من عباده العلماء.
ثمّ قالت:أيّها الناس أنا فاطمة و أبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أقولها عودا على بدء لقد جاءكم رسول من أنفسكم.
ثمّ ساق الكلام على ما رواه زيد بن علي عليه السّلام في رواية أبيه،ثمّ قالت في متّصل كلامها:
أفعلى محمّد (12)تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول اللّه تبارك و تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ و قال اللّه عزّ و جلّ فيما قصّ من خبر يحيى بن زكريا ربّ هب لي من لدنك وليّا (13)يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ و قال عزّ ذكره: وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِا.
1) رضاء.
2) أي مستقبلين له.
3) أي زعمتم أنّ لكم حقّا في الخلافة أو في منعنا الإرث فأين عهد الله لكم بذلك.
4) حججه.
5) تشير إلى ما نزل في القرآن عناية بآل البيت ببيت النبيّ.
6) أي صفاحته المبيّنة.
7) المستحبّة.
8) و هو ما أباحه الشارع تيسيرا للناس.
9) تشير إلى قوله تعالى: (وَ لَكُمْ فِي الْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي الْأَلْبٰابِ) .
10) تعبيرا من عبر الدرهم أو المتاع نظر ما وزنها،و النحسة:مبلغ أصل الشيء.
11) لزوما لها.
12) أي من أجل ما تركه إرثا لنا.
13) أي إبنا.
و قال: يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلاٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ و قال: إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ.
و زعمتم أن لا حقّ و لا إرث لي من أبي و لا رحم (1)بيننا،أفخصّكم اللّه بآية أخرج نبيّه عليها السّلام منها،أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثون،أولست أنا و أبي من أهل ملّة واحدة لعلّكم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
أ أغلب على إرثي جورا و ظلما وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.
و ذكر أنّها لمّا فرغت من كلام أبي بكر و المهاجرين عدلت إلى مجلس الأنصار فقالت:معشر البقية (2)و أعضاد الملّة (3)و حصون الإسلام ما هذه الغميرة (4)في حقّي و السنة (5)عن ظلامتي،أما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:المرء يحفظ في ولده،سرعان (6)ما أجدبتم فأكديتم و عجلان ذا إهانة (7)تقولون:مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فخطب جليل استوسع وهيه (8)و استنهر فتقه (9)و بعد وقته،و أظلمت الأرض لغيبته،و اكتأبت خيرة اللّه (10)لمصيبته،و خشعت الجبال و أكدت الآمال (11)و أضيع الحريم و أذيلت الحرمة (12)عند مماته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (13)و تلك (14)نازل علينا بها كتاب اللّه في أفنيتكم (15)في ممساكم و مصبحكم يهتف بها في أسماعكم و قبله حلّت بأنبياء اللّه عزّ و جلّ و رسله وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اللّٰهُ الشّٰاكِرِينَ.
إيها بني قيلة أ أهضم تراث أبيه (16)و أنتم بمرأى و مسمع،تلبسكم الدعوة،و تمثلكم (17)م.
1) الرحم:القرابة.
2) المعشر الجماعة و البقية الفئة.
3) أنصارها.
4) من غمره في حقّه دفعه عنه.
5) السنة أوّل النوم و يروى بعدها أما كان لرسول الله أن يحفظ في ولده سرعان ما أجدبتم و يروى لسرع ما أحدثتم إلخ.
6) أي ما أسرعكم إلى كذا الخ،و أكديتم منعتم.
7) أي ما أعجلكم في إهانتكم إيّاي بما فعلتم معي.
8) الوهي:الخرق الواسع.
9) استنهر:استوسع.
10) اكتأبت:اغتمّت،و خيرة:الله أي الأفاضل عنده.
11) أي قلّ خيرها.
12) المهابة.
13) لعلّها تشير إلى ما فعلوه عند وفاته من الانصراف إلى أمر الخلافة و تركهم آل البيت يغسّلون النبي و يكفّنونه.
14) أي وفاته.
15) مجتمعاتكم أو دوركم.
16) إيها:كلمة إغراء،و بني قيلة:تريد الأوس و الخزرج أنصار النبي،أ أهضم:و يروى أ أهتضم من هضمه غصبه أو ظلمه،و التراث:المبرّات،و الهاء في(أبيه)هاء السكت،و في البحار أبي.
17) تأكلكم.
الحيرة،و فيكم العدد و العدّة،و لكم الدار،و عندكم الجن (1)،و أنتم الألى نخبة اللّه التي انتخب لدينه،و أنصار رسوله و أهل الإسلام،و الخيرة التي اختار لنا أهل البيت،فباديتم العرب (2)، و ناهضتم (3)الامم،و كافحتم البهم (4)،لا نبرح نأمركم و تأمرون (5)حتّى دارت لكم بنا رحا الإسلام،و درّ حلب الأنام،و خضعت نعرة (6)الشرك،و باخت (7)نيران الحرب،و هدأت دعوة الهرج،و استوسق (8)نظام الدين،فأنّى (9)حرتم بعد البيان،و نكصتم (10)بعد الإقدام،و أسررتم بعد الإعلان،[تعسا]لقوم نكثوا (11)إيمانهم أتخشوهم فاللّه أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين،ألا و قد أرى أن أخلدتم إلى الخفض (12)و ركنتم إلى الدعّة،فعجتم (13)عن الدين،و بحجتم الذي وعيتم، و دسعتم (14)الذي سوغتم (15)،فإن تكفروا أنتم و من في الأرض جميعا فإنّ اللّه لغنيّ حميد.
ألا و قد قلت الذي قلته على معرفة منّي بالخذلان الذي خامر (16)صدوركم،و استشعرته قلوبكم،و لكن قلته فيضة (17)النفس،و نفثة (18)الغيظ،و بثّة (19)الصدر،و معذرة (20)الحجّة، فدونكموها (21)فاحتقبوها (22)مدبرة الظهر،ناكبة (23)الحقّ،باقية العار،موسومة بشنار الأبد، موصولة بنار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة،فبعين اللّه ما تفعلون،و سيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون،و أنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد،فاعلموا إنّا عاملون و انتظروا إنّا منتظرون (24).
قال أبو الفضل:و قد ذكر قوم أنّ أبا العيناء ادّعى هذا الكلام و قد رواه قوم و صحّحوه و كتبناه على ما فيه.1.
1) الوقايات.
2) جاهرتم بعداوتهم انتصارا للنبي حين كذّبوه و آذوه.
3) قاومتم.
4) في نسخة:بهمة،و هو الشجاع اليقظ.
5) لعلّه و تأتمرون.
6) النعرة الكبر و الخيلاء.
7) سكنت.
8) اجتمع.
9) كيف.
10) أحجمتم.
11) نقضوا.
12) اطمأننتم إلى لين المعيشة.
13) ملتم.
14) منعتم.
15) أعطيتم.
16) خالط.
17) من فاض الماء كثر حتّى سال.
18) نفخة.
19) من البث و هو شكوى الحزن.
20) إنصاف.
21) الضمير يرجع للأشياء التي هي من حقّ فاطمة و زوجها علي و منعوها عنهما كالإرث و الخلافة.
22) ادخروها.
23) مدبرة من الإدبار ضدّ الإقبال،و ناكبة من نكبه نحّاه و أبعده.
24) بحار الأنوار:245/29،و مواقف الشيعة:484/1.
و حدّثني عبد اللّه بن أحمد العبدي عن حسين بن علوان عن عطية العوفي أنّه سمع أبا بكر يومئذ يقول لفاطمة عليها السّلام:يا ابنة رسول اللّه لقد كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالمؤمنين رؤوفا رحيما و على الكافرين عذابا أليما و إذا عزوناه (1)كان أباك دون النساء و أخا ابن عمّك (2)دون الرجال آثره على كلّ حميم (3)و ساعده على الأمر العظيم (4)لا يحبّكم إلاّ العظيم السعادة و لا يبغضكم إلاّ الرديء الولادة و أنتم عترة اللّه (5)الطيّبون و خيرة اللّه المنتخبون،على الآخرة أدلّتنا و باب الجنّة لسالكنا.
و أمّا منعك ما سألت فلا ذلك لي (6)و أمّا فدك (7)و ما جعل لك أبوك فإن منعتك فأنا ظالم، و أمّا الميراث فقد تعلمين أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:لا نورث ما أبقيناه صدقة (8).
قالت:إنّ اللّه يقول عن نبيّ من أنبيائه يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ (9)و قال: وَ وَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ (10)فهذان نبيّان و قد علمت أنّ النبوّة لا تورث و إنّما يورث ما دونها،فما لي أمنع إرث أبي أ أنزل اللّه في الكتاب إلاّ فاطمة بنت محمّد فتدلّني عليه فأقنع به فقال:يا بنت رسول اللّه أنت عين الحجّة و منطق الرسالة لا يد لي بجوابك (11)و لا أدفعك عن صوابك و لكن هذا أبو الحسن بيني و بينك (12)هو الذي أخبرني بما تفقدت (13)و أنبأني بما أخذت و تركت.
قالت:فإن يكن ذلك كذلك فصبرا لمرّ الحقّ و الحمد للّه إله الخلق.
قال أبو الفضل:ما وجدت هذا الحديث على التمام إلاّ عند أبي حفان (14).
و عن هارون بن مسلم بن سعدان عن الحسن بن علوان عن عطية العوفي قال:لمّا مرضت فاطمة عليها السّلام المرضة التي توفّيت بها دخل النساء عليها فقلن:كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله؟
1) نسبناه إلى أحد.
2) أي علي أمير المؤمنين.
3) أي فضله على كلّ قريب.
4) الجهاد في نصرة الدين.
5) أي أولياءه.
6) لعلّه يشير إلى تعريضها بالخلافة فإنّ ذلك ليس بيده بل الأمر شورى بين المسلمين.
7) سبق تفسيرها و المراد الميراث.
8) و يروى نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة.
9) سورة مريم:6.
10) سورة النمل:16.
11) أي لا يحتجّ عليه.
12) يريد عليا زوجها عليهما السلام.
13) طلبت.
14) بلاغات النساء:26-33 كلام فاطمة،و راجع البحار:158/43-159-161 ح 8.
قالت:أصبحت و اللّه عائفة (1)لدنياكم،قالية (2)لرجالكم،لفظتهم بعد أن عجمتهم (3)، و شنأتهم بعد أن سبرتهم (4)،فقبحا لفلول الحدّ (5)،و خور القنا (6)،و خطل الرأي (7)،و بئسما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط اللّه عليهم و في العذاب هم خالدون.لا جرم (8)لقد قلّدتهم ربقتها (9)و شنّت (10)عليهم عارها،فجدعا و عقرا (11)و بعدا للقوم الظالمين.
ويحهم أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة و قواعد النبوّة و مهبط الروح الأمين الطبن (12)بأمور الدّنيا و الدين،ألا ذلك هو الخسران المبين،و ما الذي نقموا (13)من أبي الحسن نقموا و اللّه منه نكير (14)سيفه و شدّة وطأته و نكال (15)وقعته و تنمّره في ذات اللّه (16)و يا لله لو تكافؤوا (17)على زمام نبذه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لسار بهم سيرا سجحا (18)لا يكلّم خشاشة (19)و لا يتعتع (20)راكبه،و لأوردهم منهلا رويّا فضفاضا (21)تطفح ضفّتاه،و لأصدرهم بطانا (22)قد تحرّى بهم الري غير متجل منهم بطائل،بعمله الباهر وردعه سورة الساغب (23)و لفتحت عليهم بركات من السماء و سيأخذهم اللّه بما كانوا يكسبون.
ألا هلمن (24)فأسمعن و ما عشتن أراكنّ الدهر عجبا إلى أيّ لجأ لجأوا و أسندوا و بأيّ عروة تمسّكوا (25)و لبئس المولى (26)و لبئس العشير،استبدلوا و اللّه الذنابي بالقوادم (27)و العجز بالكاهلر.
1) كارهة.
2) مبغضة.
3) نبذتهم بعد أن جرّبتهم.
4) أبغضتهم بعد أن اختبرتهم.
5) تثلمه.
6) ضعفه أو كسره.
7) فساده.
8) أصله لا بدّ أو لا محالة ثمّ كثر استعماله حتّى تحوّل إلى معنى القسم.
9) أي مسؤوليتها و الضمير راجع للخلافة.
10) صبّت.
11) الجدع:قطع الأنف،و العقر:ضرب قوائم البعير بأسيف و نحوه.و الجملة دعاء على من أرادت.
12) تريد كيف زحزحوها عن آل بيت النبي أو بالأحرى عن علي الطبن بأمور الدّنيا و الدين أي الخبير بها.
13) كرهوا.
14) شديد.
15) من التنكيل.
16) أي غضبه لله.
17) استروا.
18) سجحا:سهلا،و يروى:لو تكافؤوا على زمام نبذه إليه رسول الله(ص)لاعتقله و لسار بهم سيرا سجحا.
19) لا يجرح جانبه،و الخشاش:عود يجعل في أنف البعير يشدّ به الزمام.
20) أي من غير أن يصيبه أذى،و منه الحديث الشريف(يؤخذ للضعيف حقّه غير متعتع).
21) يفيض منه الماء.
22) أي شبعانين.
23) حدة الجائع.
24) تعال مركّبة من هاء التنبيه و من لم أي ضمّ نفسك إليها و النون فيها هنا نون النسوة.
25) عروة الكوز أو الدلو مقبضه مستعارة هنا.
26) الصاحب و الجار.
27) الذنابي:الذنب،و القوادم:ريش في مقدّم الجناح،و المراد أنّهم استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، و العجز:مؤخّر الشيء،و الكاهل:مقدّم الظهر.
فرغما لمعاطس قوم (1)يحسبون أنّهم يحسنون صنعا ألا إنّهم هم المفسدون و لكن لا يشعرون ويحهم أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاٰ يَهِدِّي إِلاّٰ أَنْ يُهْدىٰ 2فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.
أما لعمر الهكن (2)لقد لقّحت فنظرة ريثما تنتج ثمّ احتلبوا (3)طلاع القعب (4)دما عبيطا (5)و ذعافا ممقرا (6)هنالك يخسر المبطلون و يعرف التالون غب (7)ما أسّس الأوّلون ثمّ أطيبوا (8)عن أنفسكم نفسا و طامنوا للفتنة جأشا (9)و ابشروا بسيف صار و بقرح شامل (10)و استبداد من الظالم يدع فيكم زهيدا و جمعكم حصيدا،فيا حسرة لكم و أنّى بكم و قد عميت عليكم أنلزمكموها و أنتم لها كارهون.ثمّ أمسكت عليها السّلام (11).
عبادة فاطمة لخالقها و بارئها كثيرة و لها معان جميلة،فكلّ خلقها عبادة عبدت اللّه و هي نور حول عرشه،و عبدته و هي في بطن أمّها،و عبدته عند ولادتها،و عبدته طيلة حياتها في هذا العالم، و عبدته عند وفاتها بل توفّيت و هي ساجدة عابدة للّه عزّ و جلّ كما ولدت.
و لا زالت فاطمة بنت محمّد تعبد اللّه إلى هذه اللحظة و حتى قيام الساعة بل سوف تعبده في جنّاته و حول عرشه كما بدأت بعبادته من العرش و في العرش و إلى العرش: كَمٰا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (12).
1-عبادة فاطمة حول العرش:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«لمّا أراد اللّه أن يخلقنا تكلّم بكلمة خلق منها نورا ثمّ تكلّم بكلمة فخلق منها روحا ثمّ مزج النور بالروح فخلقني و خلق عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين،فكنّا نسبّحه حين لا تسبيح و نقدّسه حين لا تقديس...» (13).
1) أي ذلاّ لأنوفهم،مجاز عن ذلّ أنفسهم.
2) أي أما و حق بقائه.
3) لقحت:حبلت،و النظرة:التأخير في الأمر،و ربث:أي مقدار،و تنتج:تلد.
4) أي ملؤه.
5) طريا.
6) يروى:و زعافا،و يقال:سم ذعاف،أي معجل إلى الموت،و الممقر:المرّ.
7) أي عاقبة و يروى«عين ما أسّس الأوّلون».
8) طيبوا.
9) نفسا.
10) القرح الدمل كناية عن فساد الأمور و يروى«بهرج شامل».
11) بلاغات النساء:26-33 كلام فاطمة،و راجع البحار:158/43-159-161 ح 8.
12) سورة الأعراف:29.
13) بحار الأنوار:10/15 ح 11.
و عنه صلوات المصلّين عليه و على آله:إنّ آدم رفع طرفه نحو العرش فإذا هو بخمسة سطور مكتوبات قال آدم:يا ربّ من هؤلاء؟قال اللّه عزّ و جلّ له:هؤلاء الذين إذا تشفّع بهم إلي خلقي شفّعتهم،فقال آدم:يا ربّ بقدرهم عندك ما اسماؤهم؟
قال:أمّا الأوّل فأنا المحمود و هو محمّد،و الثاني:فأنا العالي الأعلى و هذا عليّ،و الثالث:
فأنا الفاطر و هذه الفاطمة،و الرابع:فأنا المحسن و هذا حسن،و الخامس:فأنا ذو الإحسان و هذا حسين،كلّ يحمد اللّه عزّ و جلّ» (1).
و عن أبي سعيد الخدري قال:كنّا جلوسا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ أقبل إليه رجل فقال:يا رسول اللّه أخبرني عن قول اللّه عزّ و جلّ لإبليس: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعٰالِينَ (2)فمن هم يا رسول اللّه الذين هم أعلى من الملائكة؟
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أنا و علي و فاطمة و الحسن و الحسين كنّا في سرادق العرش نسبّح اللّه و تسبّح الملائكة بتسبيحنا قبل أن يخلق اللّه آدم بألفي عام...» (3).
و عن سلمان الفارسي:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا سلمان خلقني اللّه من صفوة نوره و دعاني فأطعته،و خلق من نوري نور عليّ عليه السّلام فدعاه إلى طاعته فأطاعه،و خلق من نوري و نور علي فاطمة عليها السّلام فدعاها فأطاعته،و خلق منّي و من علي و فاطمة:الحسن و الحسين فدعاهما فأطاعاه فسمّانا اللّه عزّ و جلّ بخمسة أسماء من أسمائه... (4).
و أخرج الخوارزمي حديثا طويلا في إسراء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاء فيه:فقال لي الربّ:إلتفت عن يمين العرش فالتفتّ فإذا أنا بعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمد بن علي و جعفر بن محمّد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمّد بن علي و عليّ بن محمّد و الحسن بن علي و المهدي في ضحضاح من نور قياما يصلّون و هو في وسطهم كأنّه كوكب درّيّ (5).
و في حديث عند ما سألوه:لماذا سمّيت حوراء إنسية؟قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:خلقها اللّه عزّ و جلّ من نوره قبل أن يخلق آدم إذ كانت الأرواح.
قيل:يا نبيّ اللّه و أين كانت فاطمة؟
قال:كانت في حقّة تحت ساق العرش،قالوا:يا نبيّ اللّه فما كان طعامها؟قال:التسبيحس.
و التقديس و التهليل و التحميد... (1).
2-عبادة فاطمة في بطن أمّها:أخرجه البرسي في أسرار فاطمة عند الحديث عن ولادتها، قال:و كانت تحدّث خديجة في الأحشاء و تؤنسها بالتسبيح و التقديس (2).
3-عبادة فاطمة عند ولادتها:ففي ذخائر العقبى للطبري عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ حوّاء و آسية و أخت موسى و مريم خدموا خديجة عند ولادة فاطمة،قال:فولدت فاطمة فوقعت حين وقعت على الأرض ساجدة رافعة إصبعها (3).
و عن الإمام الصادق عليه السّلام:فوضعت خديجة فاطمة طاهرة مطهّرة فلمّا سقطت إلى الأرض أشرق منها نور.....فنطقت فاطمة عليها السّلام بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سيّد الأنبياء و أنّ بعلي سيّد الأوصياء و أنّ ولدي سادة الأسباط... (4).
4-عبادة فاطمة في الحياة الدّنيا:قال إمامنا الحسن عليه السّلام:ما كان في هذه الامّة أعبد من فاطمة كانت تقوم حتّى تورّمت قدماها (5).
و قيل:إنّ هذا سبب حبّ النبيّ لفاطمة أنّها كانت زاهدة عابدة (6).
و من شدّة احتياطها في عبادتها كانت تضع من يراقب لها أوقات الصلاة و غروب الشمس فيعلمها بذلك خاصّة عصر يوم الجمعة الذي فيه أعمال مستحبّة كثيرة (7).
و عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السّلام قال:رأيت أمّي فاطمة عليها السّلام قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتّى اتّضح عمود الصبح،و سمعتها تدعو للمؤمنين و المؤمنات و تسمّيهم و تكثر الدعاء لهم،و لا تدعو لنفسها بشيء،فقلت لها:يا أمّاه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟فقالت:يا بني!الجار ثمّ الدار (8).
و عن موسى بن جعفر،عن أبيه،عن آبائه عليهم السّلام قال:كانت فاطمة عليها السّلام إذا دعت تدعو للمؤمنين و المؤمنات و لا تدعو لنفسها،فقيل لها:يا بنت رسول اللّه إنّك تدعين للناس و لا تدعين3.
1) بحار الأنوار:4/43 ح 3.
2) مشارق أنوار اليقين:133 الفصل الثالث.
3) ذخائر العقبى:45.
4) بحار الأنوار:80/16-81 ح 20،و 3/43 ح 1،و مشارق أنوار اليقين:133 الفصل الثالث.
5) ربيع الأبرار:104/2،و مقتل الحسين للخوارزمي:80/1 الفصل الخامس.
6) راجع أخبار الدول للقرماني:87 الفصل الأربعون ط بغداد 1282 ه.
7) راجع رسالة سرّ العالمين للغزالي:36،و فاطمة الزهراء لتوفيق:104.
8) علل الشرائع:182/1 ح 1،و بحار الأنوار:82/43 ح 3.
لنفسك،فقالت:الجار ثمّ الدار (1).
و عن ابن عبّاس في خبر طويل قد أثبتناه في باب ما أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بظلم أهل البيت قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
و أمّا ابنتي فاطمة فإنّها سيّدة نساء العالمين،من الأوّلين و الآخرين و هي بضعة منّي،و هي نور عيني، و هي ثمرة فؤادي،و هي روحي التي بين جنبيّ و هي الحوراء الإنسية،متى قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض،و يقول اللّه عزّ و جلّ لملائكته:يا ملائكتي أنظروا إلى أمتي فاطمة سيّدة إمائي قائمة بين يدي،ترتعد فرائصها من خيفتي،و قد أقبلت بقلبها على عبادتي،أشهدكم أنّي قد أمّنت شيعتها من النار (2).
5-عبادة فاطمة قبل وفاتها:أخرج الخوارزمي أنّها قبيل وفاتها قامت مقام رسول اللّه في بيتها فصلّت ركعتين ثمّ جلّلت وجهها بطرف ردائها و قضت نحبها (3).
6-عبادة فاطمة عند وفاتها:و هو ما أخرجه الخوارزمي أيضا أنّها صلّت قبيل وفاتها ركعتين في بيتها و توفّيت في سجدتها (4).
عن ابن عباس في خبر طويل أخبر فيه النبي بظلم أهل البيت،قال:و أما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين،و هي بضعة مني،و هي نور عيني،و هي ثمرة فؤادي، و هي روحي التي بين جنبي،و هي الحوراء الأنسية متى ما قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض،و يقول اللّه عز و جل لملائكته:يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يديّ ترتعد فرائصها من خيفتي و قد أقبلت بقلبها على عبادتي أشهدكم أني قد أمّنت شيعتها من النار.
و إني لما رأيتها ذكرت ما صنع بها بعدي كأنّي بها و قد دخل الذل بيتها و انتهكت حرمتها و غصبت حقها و منعت إرثها و كسر جنبها و أسقطت جنينها و هي تنادي:يا محمداه،فلا تجاب و تستغيث فلا تغاث،فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة و تتذكر فراقي أخرى و تستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن،ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت أيام أبيها عزيزة،فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالى ذكره بالملائكة فنادتها
بما نادت به مريم بنت عمران،فتقول:يا فاطمة إنّ اللّه اصطفاك و طهرك و اصطفاك على نساء العالمين،يا فاطمة اقنتي لربك و اسجدي و اركعي مع الراكعين.
ثم يبتدىء بها الوجع،فتمرض،فيبعث اللّه عز و جل إليها مريم بنت عمران تمرّضها و تؤنسها في علّتها فتقول عند ذلك:يا رب إني قد سئمت الحياة و تبرّمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي،فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي،فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة،فأقول عند ذلك:
الّلهم العن من ظلمها و عاقب من غصبها و ذلّل من أذلّها،و خلّد في نارك من ضرب جنينها حتى ألقت ولدها،فتقول الملائكة عند ذلك:آمين (1).
و من كتاب زهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأبي جعفر القمّي لمّا نزلت وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ* لَهٰا سَبْعَةُ أَبْوٰابٍ لِكُلِّ بٰابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ بكى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بكت أصحابه لبكائه و لم يدروا ما نزل، و كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا رأى فاطمة فرح فانطلق سلمان إلى باب بيتها فوجد بين يديها شعيرا تطحنه و تقول:
وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ فأخبرها ببكاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فالتفّت بشملة لها خلقة قد خيطت إثني عشر مكانا بسعف النخل،فلمّا خرجت نظر سلمان إلى الشملة و بكى و قال:وا حزناه إنّ قيصر و كسرى لفي السندس و الحرير و ابنة محمّد عليها هذه الشملة،فلمّا دخلت على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قالت:إنّ سلمان يعجب من لباسي،و الذي بعثك بالحقّ مالي و لعلي منذ خمس سنين إلاّ مسك كبش نعلف عليه بالنهار بعيرنا،فإذا كان الليل إفترشناه و إنّ مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا سلمان إنّ ابنتي لفي الخيل السوابق.
ثمّ قالت:يا أبه فديتك ما الّذي أبكاك،فذكّرها ما نزل به جبرئيل من الآيتين فسقطت على وجهها و هي تقول:الويل ثمّ الويل لمن دخل النار فسمعها سلمان فقال:يا ليتني كنت كبشا لأهلي فأكلوا لحمي و مزّقوا و لم أسمع بذكر النّار.و قال أبو ذرّ:يا ليت أمّي كانت عاقرا و لم تلدني و لم أسمع بذكر النّار.
و قال عمّار:يا ليتني كنت طائرا في القفار و لم يكن عليّ حساب و لا عقاب.
و قال عليّ عليه السّلام:يا ليت السباع مزّقت لحمي و ليت أمّي لم تلدني.ثمّ وضع عليّ عليه السّلام يده على رأسه و جعل يبكي و يقول:وا بعد سفراه وا قلّة زاداه في سفر القيامة[يذهبون في النار و يتخطفون] (2)مرضى لا يعاد سقيمهم و جرحى لا يداوى جرائحهم و أسرى لا يفكّ[أسيرهم] (3)من النار يأكلون و منها يشربون و بين طبقاتها يتقلّبون و بعد لبس القطن مقطّعات النار يلبسون و بعد معانقة الأزواج مع الشياطين مقرنون (4).5.
ذكر ابن طاووس في جمال الأسبوع عن الإمام الصادق عليه السّلام قال:كانت لامّي فاطمة عليها السّلام ركعتان تصلّيهما علّمهما جبرائيل،ركعتان تقرأ في الأولى الحمد مرّة و إنّا أنزلناه في ليلة القدر مائة مرّة،و في الثانية الحمد مرّة و مائة مرّة قل هو اللّه أحد،فإذا سلّمت سبّحت بهذا التسبح و هو:
سبحان ذي العزّ الشامخ المنيف سبحان ذي الجلال الباذخ العظيم سبحان ذي الملك الفاخر القديم، سبحان من لبس البهجة و الجمال،سبحان من تردّى بالنور و الوقار،سبحان من يرى أثر النمل في الصفاء،سبحان من يرى وقع الطير في الهواء،سبحان من هو هكذا لا هكذا غيره (1).
و أخرج العيّاشي عن الصادق عليه السّلام قال:من صلّى أربع ركعات في كلّ ركعة خمسين مرّة (قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ) كانت صلاة فاطمة عليها السّلام و هي صلاة الأوّابين (2).
علّم النبيّ فاطمة-و هي العالمة غير المعلّمة-وردا فيه مدد إلهي و لقّنها رياضة نفسية تتقوّى بها على الصعاب و محن الدّنيا و تفوز به في دار القرار،فالتزمت به طيلة حياتها عقيب كلّ صلاة و قبل النوم،و التزم به أمير المؤمنين كذلك فلم يتركه حتّى في حرب صفّين و ليلة الهرير،و التزم به كافّة الأئمّة المعصومين عليهم السّلام من إمامنا الحسن إلى القائم المنتظر،و كانوا يعلّمونه أولادهم و أصحابهم و محبّيهم و يحثّونهم على عدم تركه مهما حصل لما فيه من فوائد جمّة.
نحن الآن مدعوون لإحياء هذا التسبيح رجالا و نساء،تسبيح فاطمة و ما أدراك ما تسبيح فاطمة؟!
تسبيح ورد الحثّ عليه في الروايات لفضله و آثاره،منها ما رواه إمامنا الصادق عليه السّلام قال:إنّا نأمر صبياننا بتسبيح فاطمة عليها السّلام كما نأمرهم بالصلاة فالزمه فإنّه لم يلزمه عبد فشقي (3).
و عنه:من سبّح تسبيح فاطمة فقد ذكر اللّه الذكر الكثير (4).
و عنه:تسبيح الزهراء فاطمة في دبر كلّ صلاة أحبّ إليّ من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم (5).
و روي أنّه يبعد الشيطان و يغفر اللّه له و يوجب له الجنّة (1).
و كيفيّته أن يبدأ بتكبير اللّه أربعة و ثلاثين مرّة،ثمّ يحمد اللّه ثلاثة و ثلاثين ثمّ يسبّح اللّه ثلاثة و ثلاثين كما جاءت بذلك الروايات (2).
كانت فاطمة كثيرة العبادة لربّها كثيرة التسبيح كثيرة الدعاء و التضرّع،و كانت تدعو لجيرانها قبل نفسها و للمؤمنين و المؤمنات كما تقدّم.
كانت تؤثرهم على نفسها حتّى في الدعاء لشدّة تقرّبها من ربّها.
و وردت الروايات أنّ اللّه كان يستجيب لها ما تطلبه منه،ففي حديث نزول مائدة السماء جاء فيه:...ثمّ و ثبت فاطمة حتّى دخلت إلى مخدع لها فصفّت قدميها فصلّت ركعتين ثمّ رفعت باطن كفّيها إلى السماء،و قالت:إلهي و سيّدي هذا محمّد نبيّك و هذا علي ابن عمّ نبيّك و هذان الحسن و الحسين سبطا نبيّك،إلهي أنزل علينا مائدة من السماء كما أنزلتها على بني إسرائيل،أكلوا منها و كفروا بها،اللّهمّ أنزلها علينا فإنّا بها مؤمنون (3).
قال ابن عبّاس:و اللّه ما استتمّت الدعوة فإذا هي بصحيفة من ورائها يفور قتارها و إذا قتارها أزكى من المسك الأذفر... (4).
و أخرج ابن حبّان عن عبد اللّه قال:بينما رسول اللّه ساجد و حوله ناس إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور فقذفه على ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة فأخذته من ظهره و دعت على من صنع ذلك و قالت:اللّهمّ عليك الملأ من قريش أبا جهل بن هشام و عتبة بن ربيعة و شيبة و عقبة و أميّة بن خلف،قال:فلقد رأيتهم يوم بدر و ألقوا في بئر غير أنّ أميّة تقطّعت أوصاله فلم يلق في البئر (5).
و يؤيّد هذه الروايات ما قالته النصارى عند ما جاء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي و الحسن و الحسين و فاطمة عليهم السّلام للمباهلة قال كبيرهم:يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوها لو سألت اللّه تعالى أن يزيل
جبلا لأزاله،لا تباهلوا فتهلكوا و لا يبق على وجه الأرض نصراني منكم إلى يوم القيامة (1).
و روي أنّ الحسن و الحسين عليهما السّلام كان عليهما ثياب خلق و قد قرب العيد فقالا لامّهما:إنّ بني فلان خيطت لهما الثياب الفاخرة أفلا تخيطين لنا ثيابا للعيد يا أمّاه،فقالت:يخاط لكما إن شاء اللّه [فلما إن جاء العيد]جاء جبرئيل عليه السّلام بقميصين من حلل الجنّة و أخبر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقول فاطمة للحسن و الحسين ثمّ قال جبرئيل:قال اللّه تعالى لمّا سمع قولها لا نستحسن أن نكذّب فاطمة بقولها:يخاط لكما إن شاء اللّه (2).
سبحان ذي العزّ الشامخ المنيف،سبحان ذي الجلال الباذخ العظيم،سبحان ذي الملك الفاخر القديم،سبحان من لبس البهجة و الجمال،سبحان من تردّى بالنور و الوقار،سبحان من يرى أثر النمل في الصفاء،سبحان من يرى وقع الطير في الهواء،سبحان من هو هكذا و لا هكذا غيره.
و في رواية:سبحان ذي الجلال الباذخ العظيم،سبحان ذي العزّ الشامخ المنيف،سبحان ذي الملك الفاخر القديم،سبحان ذي البهجة و الجمال،سبحان من تردّى بالنور و الوقار،سبحان من يرى أثر النمل في الصفا و وقع الطير في الهواء (3).
سبحان من استنار بالحول و القوّة،سبحان من احتجب في سبع سماوات،فلا عين تراه، سبحان من أذلّ الخلائق بالموت،و أعزّ نفسه بالحياة،سبحان من يبقى و يفنى كلّ شيء سواه، سبحان من استخلص الحمد لنفسه و ارتضاه،سبحان الحيّ العليم،سبحان الحليم الكريم،سبحان الملك القدّوس،سبحان العليّ العظيم،سبحان اللّه و بحمده (4).
اللّهمّ بعلمك الغيب و قدرتك على الخلق،أحيني ما علمت الحياة خيرا لي،و توفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي،اللّهمّ إنّي أسألك كلمة الإخلاص،و خشيتك في الرضا و الغضب،و القصد في
الغنى و الفقر،و أسألك نعيما لا ينفد،و أسألك قرّة عين لا تنقطع،و أسألك الرضا بالقضاء، و أسألك بردّ العيش بعد الموت،و أسألك النظر إلى وجهك،و الشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرّة و لا فتنة مظلمة،اللّهم زيّنا بزينة الإيمان،و اجعلنا هداة مهديّين،يا ربّ العالمين (1).
اللّهمّ قنّعني بما رزقتني،و استرني و عافني أبدا ما أبقيتني،و اغفر لي و ارحمني إذا توفّيتني، اللّهمّ لا تعينّي في طلب ما لم تقدّر لي،و ما قدّرته فاجعله ميسّرا سهلا،اللّهمّ كاف عنّي والديّ و كلّ من له نعمة عليّ خير مكافاة،اللّهمّ فرّغني لما خلقتني له،و لا تشغلني بما تكفّلت لي به،و لا تعذّبني و أنا أستغفرك،و لا تحرمني و أنا أسألك،اللّهمّ ذلّل نفسي،و عظّم شأنك في نفسي،و ألهمني طاعتك،و العمل بما يرضيك،و التجنّب لما يسخطك،يا أرحم الراحمين (2).
عن فاطمة عليها السّلام:رغّب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الجهاد و ذكر فضله،فسألته الجهاد،فقال:ألا أدلّك على شيء يسير و أجره كبير،ما من مؤمن و لا مؤمنة يسجد عقيب الوتر سجدتين و يقول في كلّ سجدة:سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الروح خمس مرّات،لا يرفع رأسه حتّى يغفر اللّه ذنوبه كلّها و استجاب اللّه دعاءه و إن مات في ليلته مات شهيدا (3).
سبحان ذي العزّ الشامخ المنيف،سبحان ذي الجلال الباذخ العظيم،سبحان ذي الملك الفاخر القديم،و الحمد للّه الذي بنعمته بلغت ما بلغت من العلم به و العمل له،و الرغبة إليه و الطاعة لأمره.
و الحمد للّه الذي لم يجعلني جاحدا لشيء من كتابه،و لا متحيّرا في شيء من أمره،و الحمد للّه الذي هداني لدينه،و لم يجعلني أعبد شيئا غيره.
اللّهمّ إنّي أسألك قول التوّابين و عملهم،و جهاد المجاهدين و ثوابهم،و تصديق المؤمنين و توكّلهم،و الراحة عند الموت،و الأمن عند الحساب،و اجعل الموت خير غائب أنتظره،و خير مطّلع يطّلع عليّ،و ارزقني عند حضور الموت و عند نزوله،و في غمراته،و حين تنزل النفس من بين التراقي،و حين تبلغ الحلقوم،و في حال خروجي من الدّنيا،و تلك الساعة التي لا أملك لنفسي فيها ضرّا و لا نفعا،و لا شدّة و لا رخاء،روحا من رحمتك،و حظّا من رضوانك،و بشرى من كرامتك، قبل أن تتوفّى نفسي،و تقبض روحي،و تسلّط ملك الموت على إخراج نفسي،و ببشرى منك يا ربّ
ليست من أحد غيرك،تثلج بها صدري،و تسرّ بها نفسي،و تقرّ بها عيني،و يتهلّل بها وجهي،و يسفر بها لوني،و يطمئن بها قلبي،و يتباشر بها على سرائر جسدي،يغبطني بها من حضرني من خلقك، و من سمع بي من عبادك،تهوّن بها عليّ سكرات الموت،و تفرّج عنّي بها كربته،و تخفّف بها عنّي شدّته،و تكشف عنّي بها سقمه،و تذهب عنّي بها غمّه و حسرته،و تعصمني بها من أسفه و فتنه، و تجيرني بها من شرّه و شرّ ما يحضر أهله،و ترزقني بها خيره و خير ما يحضر عنده،و خير ما هو كائن بعده.ثمّ إذا توفّيت نفسي و قبضت روحي،فاجعل روحي في الأرواح الرائحة،و اجعل نفسي في الأنفس الصالحة،و اجعل جسدي في الأجساد المطهّرة،و اجعل عملي في الأعمال المتقبّلة.
ثمّ ارزقني من خطّتي من الأرض،و موضع جنّتي،حيث يرفت لحمي،و يدفن عظمي،و أترك وحيدا لا حيلة لي.قد لفظتني البلاد و تخلّى منّي العباد،و افتقرت إلى رحمتك،و احتجت إلى صالح عملي،و ألقى ما مهّدت لنفسي،و قدّمت لآخرتي،و عملت في أيّام حياتي،من رحمتك، و ضياء من نورك،و تثبيتا من كرامتك،بالقول الثابت في الحياة الدّنيا و الآخرة،إنّك تضلّ الظالمين و تفعل ما تشاء.
ثمّ بارك لي في البعث و الحساب،إذا انشقّت الأرض عنّي،و تخلّى العباد منّي،و غشيتني الصيحة،و أفزعتني النفخة،و نشرتني بعد الموت،و بعثتني للحساب،فابعث معي يا ربّ نورا من رحمتك،يسعى بين يديّ و عن يميني تؤمنني به،و تربط به على قلبي،و تظهر به عذري،و تبيّض به وجهي،و تصدّق به حديثي،و تفلج به حجّتي،و تبلغني به العروة القصوى من رحمتك،و تحلّني الدرجة العليا من جنّتك،و ترزقني به مرافقة محمّد النبيّ عبدك و رسولك،في أعلى الجنّة درجة، و أبلغها فضيلة،و أبرّها عطيّة،و أرفعها نفسة،مع الذين أنعمت عليهم من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين،و حسن أولئك رفيقا.
اللّهمّ صلّ على محمّد خاتم النبيّين،و على جميع الأنبياء و المرسلين،و على الملائكة أجمعين،و على آله الطيّبين الطاهرين،و على أئمّة الهدى أجمعين،آمين ربّ العالمين.
اللّهمّ صلّ على محمّد كما هديتنا به،و صلّ على محمّد كما رحمتنا به،و صلّ على محمّد كما عززتنا به،و صلّ على محمّد كما فضّلتنا به،و صلّ على محمّد كما شرّفتنا به،و صلّ على محمّد كما نصرتنا به،و صلّ على محمّد كما أنقذتنا به من شفا حفرة من النار.
اللّهمّ بيّض وجهه،و اعل كعبه،و افلج حجّته،و أتمم نوره،و ثقّل ميزانه،و عظّم برهانه، و افسح له حتّى يرضى،و بلّغه الدرجة و الوسيلة من الجنّة،و ابعثه المقام المحمود الذي وعدته، و اجعله أفضل النبيّين و المرسلين عندك منزلة و وسيلة،و اقصص بنا أثره،و اسقنا بكأسه،و أوردنا حوضه،و احشرنا في زمرته،و توفّنا على ملّته،و اسلك بنا سبله،و استعملنا بسنّته،غير خزايا و لا نادمين،و لا شاكّين و لا مبدّلين،يا من بابه مفتوح لداعيه،و حجابه مرفوع لراجيه،يا ساتر الأمر
القبيح و مداوي القلب الجريح،لا تفضحني في مشهد القيامة بموبقات الآثام.
يا غاية المضطرّ الفقير،و يا جابر العظم الكسير،هب لي موبقات الجرائر،و اعف عن فاضحات السرائر،و اغسل قلبي من وزر الخطايا،و ارزقني حسن الإستعداد لنزول المنايا،يا أكرم الأكرمين و منتهى أمنية السائلين،أنت مولاي،فتحت لي باب الدعاء و الإنابة،فلا تغلق عنّي باب القبول و الإجابة،و نجّني برحمتك من النار،و بوّئني غرفات الجنان،و اجعلني متمسّكا بالعروة الوثقى،و اختم لي بالسعادة،و أحيني بالسلامة يا ذا الفضل و الكمال،و العزّة و الجلال،و لا تشمّت بي عدوّا و لا حاسدا،و لا تسلّط عليّ سلطانا عنيدا و لا شيطانا مريدا،برحمتك يا أرحم الراحمين، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم،و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم تسليما (1).
سبحان من يعلم جوارح القلوب،سبحان من يحصي عدد الذنوب،سبحان من لا يخفى عليه خافية في الأرض و لا في السماء،و الحمد للّه الذي لم يجعلني كافرا لأنعمه،و لا جاحدا فضله، فالخير فيه و هو أهله.و الحمد للّه على حجّته البالغة على جميع من خلق،ممّن أطاعه و ممّن عصاه، فإن رحم فمن منه،و إن عاقب فبما قدّمت أيديهم،و ما اللّه بظلاّم للعبيد.الحمد للّه العليّ المكان، و الرفيع البنيان،الشديد الأركان،العزيز السلطان،العظيم الشأن،الواضح البرهان،الرحيم الرحمان،المنعم المنّان.الحمد للّه الذي احتجب عن كلّ مخلوق يراه بحقيقة الربوبية و قدرة الوحدانية،فلم تدركه الأبصار،و لم تحط به الأخبار،و لم يعينه مقدار،و لم يتوهّمه اعتبار،لأنّه الملك الجبّار.
اللّهمّ قد ترى مكاني و تسمع كلامي،و تطّلع على أمري،و تعلم ما في نفسي،و ليس يخفى عليك شيء من أمري،و قد سعيت إليك في طلبتي،و طلبت إليك في حاجتي،و تضرّعت إليك في مسألتي،و سألتك لفقر و حاجة،و ذلّة و ضيقة،و بؤس و مسكنة.و أنت الربّ الجواد بالمغفرة،تجد من تعذّب غيري،و لا أجد من يغفر لي غيرك،و أنت غنيّ عن عذابي،و أنا فقير إلى رحمتك.
فأسألك بفقري إليك و غناك عنّي،و بقدرتك عليّ و قلّة امتناعي منك،أن تجعل دعائي هذا دعاء وافق منك إجابة،و مجلسي هذا مجلسا وافق منك رحمة،و طلبتي هذه طلبة وافقت نجاحا،و ما خفت عسرته من الامور فيسّره،و ما خفت عجزه من الأشياء فوسّعه،و من أرادني بسوء من الخلائق كلّهم فاغلبه،آمين يا أرحم الراحمين.و هوّن عليّ ما خشيت شدّته،و اكشف عنّي ما خشيت كربته،و يسّر لي ما خشيت عسرته،آمين ربّ العالمين.
اللّهمّ انزع العجب و الرياء،و الكبر و البغي،و الحسد و الضعف و الشك،و الوهن و الضرّ
1) فلاح السائل:173.
و الأسقام،و الخذلان و المكر و الخديعة،و البلية و الفساد،من سمعي و بصري و جميع جوارحي، و خذ بناصيتي إلى ما تحبّ و ترضى،يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و اغفر ذنبي،و استر عورتي،و آمن روعتي،و اجبر معصيتي، و اغن فقري،و يسّر حاجتي،و أقلني عثرتي،و اجمع شملي،و اكفني ما أهمّني،و ما غاب عنّي و ما يضرّني،و ما أتخوّفه منك،يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ فوّضت أمري إليك،و ألجأت ظهري إليك،و أسلمت نفسي إليك بما جنيت عليها،فرقا منك و خوفا و طمعا،و أنت الكريم الذي لا يقطع الرجاء،و لا يخيّب الدعاء.فأسألك بحقّ إبراهيم خليلك،و موسى كليمك،و عيسى روحك،و محمّد صفيّك و نبيّك،ألاّ تصرف وجهك الكريم عنّي، حتّى تقبل توبتي،و ترحم عبرتي،و تغفر لي خطيئتي،يا أرحم الراحمين،و يا أحكم الحاكمين.
اللّهمّ اجعل ثاري على من ظلمني،و انصرني على من عاداني،اللّهمّ لا تجعل مصيبتي في ديني،و لا تجعل الدّنيا أكبر همّي و لا مبلغ علمي،إلهي أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري و أصلح لي دنياي التي فيها معاشي،و أصلح لي آخرتي التي إليها معادي،و اجعل الحياة زيادة لي من كلّ خير،و اجعل الموت راحة لي من كلّ شرّ.
اللّهمّ إنّك عفوّ تحبّ العفو فاعف عنّي،اللّهمّ أحيني ما علمت الحياة خيرا لي،و توفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي،و أسألك خشيتك في الغيب و الشهادة،و العدل في الغضب و الرضا،و أسألك القصد في الفقر و الغنى،و أسألك نعيما لا يبيد،و قرّة عين لا ينقطع،و أسألك الرضا بعد القضاء، و أسألك لذّة النظر إلى وجهك.
اللّهمّ إنّي أستهديك لإرشاد أمري،و أعوذ بك من شرّ نفسي،اللّهمّ عملت سوء و ظلمت نفسي،فاغفر لي إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت،اللّهمّ إنّي أسألك تعجيل عافيتك،و صبرا على بليّتك،و خروجا من الدّنيا إلى رحمتك.
اللّهمّ إنّي أشهدك و أشهد ملائكتك و حملة عرشك،و أشهد من في السماوات و من في الأرض،أنّك أنت اللّه لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك،و أنّ محمّدا عبدك و رسولك،و أسألك بأنّ لك الحمد لا إله إلاّ أنت،بديع السماوات و الأرض،يا كائن قبل أن يكون شيء،و المكوّن لكلّ شيء،و الكائن بعدما لا يكون شيء.اللّهمّ إلى رحمتك رفعت بصري،و إلى جودك بسطت كفّي،فلا تحرمني و أنا أسألك،و لا تعذّبني و أنا أستغفرك،اللّهمّ فاغفر لي فإنّك بي عالم،و لا تعذّبني فإنّك عليّ قادر،برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ ذا الرحمة الواسعة و الصلاة النافعة الرافعة،صلّ على أكرم خلقك عليك،و أحبّهم إليك،و أوجههم لديك،محمّد عبدك و رسولك،المخصوص بفضائل الوسائل،أشرف و أكمل و أرفع
و أعظم و أكرم ما صلّيت على مبلّغ عنك،مؤتمن على وحيك.اللّهمّ كما سددت به العمى،و فتحت به الهدى،فاجعل مناهج سبله لنا سننا،و حجج برهانه لنا سببا،نأتمّ به إلى القدوم عليك.
اللّهمّ لك الحمد ملأ السماوات السبع،و ملأ طباقهنّ،و ملأ الأرضين السبع،و ملأ ما بينهما، و ملأ عرش ربّنا الكريم و ميزان ربّنا الغفّار،و مداد كلمات ربّنا القهّار،و ملأ الجنّة و ملأ النار،و عدد الماء و الثرى،و عدد ما يرى و ما لا يرى.
اللّهمّ و اجعل صلواتك و بركاتك،و منّك و مغفرتك،و رحمتك و رضوانك،و فضلك و سلامتك، و ذكرك و نورك،و شرفك و نعمتك و خيرتك على محمّد و آل محمّد،كما صلّيت و باركت و ترحّمت على إبراهيم و آل إبراهيم،إنّك حميد مجيد.
اللّهمّ اعط محمّدا الوسيلة العظمى،و كريم جزائك في العقبى،حتّى تشرّفه يوم القيامة،يا إله الهدى.
اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،و على جميع ملائكتك و أنبيائك و رسلك،سلام على جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل،و حملة العرش و ملائكتك المقرّبين،و الكرام الكاتبين و الكروبيين، و سلام على ملائكتك أجمعين.
و سلام على أبينا آدم و على أمّنا حوّاء،و سلام على النبيّين أجمعين،و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين،و سلام على المرسلين أجمعين،و الحمد للّه ربّ العالمين،و لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم،و حسبي اللّه و نعم الوكيل،و صلّى اللّه على محمّد و آله و سلّم كثيرا (1).
الحمد للّه الذي لا يحصي مدحه القائلون،و الحمد للّه الذي لا يحصي نعماءه العادّون، و الحمد للّه الذي لا يؤدّي حقّه المجتهدون،و لا إله إلاّ اللّه الأوّل و الآخر،و لا إله إلاّ اللّه الظاهر و الباطن،و لا إله إلاّ اللّه المحيي المميت،و اللّه أكبر ذو الطول،و اللّه أكبر ذو البقاء الدائم.
و الحمد للّه الذي لا يدرك العالمون علمه و لا يستخفّ الجاهلون حلمه،و لا يبلغ المادحون مدحه، و لا يصف الواصفون صفته،و لا يحسن الخلق نعته.
و الحمد للّه ذي الملك و الملكوت،و العظمة و الجبروت،و العزّ و الكبرياء،و البهاء و الجلال، و المهابة و الجمال،و العزّة و القدرة،و الحول و القوّة،و المنّة و الغلبة،و الفضل و الطول،و العدل و الحقّ،و الخلق و العلاء،و الرفعة و المجد،و الفضيلة و الحكمة،و الغناء و السعة،و البسط و القبض، و الحلم و العلم،و الحجّة البالغة،و النعمة السابغة،و الثناء الحسن الجميل و الآلاء الكريمة،ملك
1) فلاح السائل:202.
الدّنيا و الآخرة و الجنّة و النار،و ما فيهنّ تبارك و تعالى.
الحمد للّه الذي علم أسرار الغيوب،و اطّلع على ما تجن القلوب،فليس عنه مذهب و لا مهرب،و الحمد للّه المتكبّر في سلطانه،العزيز في مكانه،المتجبّر في ملكه،القويّ في بطشه، الرفيع فوق عرشه،المطّلع على خلقه،و البالغ لما أراد من علمه.
الحمد للّه الذي بكلماته قامت السماوات الشداد،و ثبتت الأرضون المهاد،و انتصبت الجبال الرواسي الأوتاد،و جرت الرياح اللواقح،و سار في جوّ السماء السحاب،و وقفت على حدودها البحار،و وجلت القلوب من مخافته،و انقمعت الأرباب لربوبيّته،تباركت يا محصي قطر المطر و ورق الشجر،و محيي أجساد الموتى للحشر،سبحانك يا ذا الجلال و الإكرام،ما فعلت بالغريب الفقير إذا أتاك مستجيرا مستغيثا،ما فعلت بمن أناخ بفنائك و تعرّض لرضاك،و غدا إليك،فجثا بين يديك،يشكو إليك ما لا يخفى عليك،فلا يكوننّ يا ربّ حظّي من دعائي الحرمان،فلا يكون نصيبي ممّا أرجو منك الخذلان،يا من لم يزل،و لا يزول كما لم يزل،قائما على كلّ نفس بما كسبت،يا من جعل أيّام الدّنيا تزول،و شهورها تحول،و سنيّها تدور،و أنت الدائم لا تبليك الأزمان،و لا تغيّرك الدهور.
يا من كلّ يوم عنده جديد،و كلّ رزق عنده عتيد،للضعيف و القوي و الشديد،قسّمت الأرزاق بين الخلائق،فسوّيت بين الذرّة و العصفور.
اللّهمّ إذا ضاق المقام بالناس،فنعوذ بك من ضيق المقام،اللّهمّ إذا طال يوم القيامة على المجرمين،فقصّر ذلك اليوم علينا كما بين الصلاة إلى الصلاة.
اللّهمّ إذا أدنيت الشمس من الجماجم،فكان بينها و بين الجماجم مقدار ميل،و زيد في حرّها حرّ عشر سنين،فإنّا نسألك أن تظلّنا بالغمام،و تنصب لنا المنابر و الكراسي نجلس عليها،و الناس ينطلقون في المقام،آمين ربّ العالمين.
أسألك اللّهمّ بحقّ هذه المحامد،إلا غفرت لي و تجاوزت عنّي،و ألبستني العافية في بدني، و رزقتني السلامة في ديني،فإنّي أسألك و أنا واثق بإجابتك إيّاي في مسألتي،و أدعوك و أنا عالم باستماعك دعوتي،فاستمع دعائي و لا تقطع رجائي،و لا ترد ثنائي،و لا تخيب دعائي،أنا محتاج إلى رضوانك،و فقير إلى غفرانك،و أسألك و لا آيس من رحمتك،و أدعوك و أنا غير محترز من سخطك.يا ربّ و استجب لي و امنن عليّ بعفوك،و توفّني مسلما و ألحقني بالصالحين،ربّ لا تمنعني فضلك يا منّان،و لا تكلني إلى نفسي مخذولا يا حنّان.
ربّ ارحم عند فراق الأحبّة صرعتي،و عند سكون القبر وحدتي،و في مفازة القيامة غربتي، و بين يديك موقوفا للحساب فاقتي.ربّ أستجير بك من النار فأجرني،ربّ أعوذ بك من النار
فأعذني،ربّ أفزع إليك من النار فأبعدني،ربّ أسترحمك مكروبا فارحمني.ربّ أستغفرك لما جهلت فاغفر لي،ربّ قد أبرزني الدعاء للحاجة إليك فلا تؤيسني،يا كريم ذا الآلاء و الإحسان و التجاوز.
سيّدي يا برّ يا رحيم،استجب بين المتضرّعين إليك دعوتي،و ارحم بين المنتحبين بالعويل عبرتي،و اجعل في لقائك يوم الخروج من الدّنيا راحتي،و استر بين الأموات يا عظيم الرجاء عورتي،و اعطف عليّ عند التحوّل وحيدا إلى حفرتي،إنّك أملي و موضع طلبتي،و العارف بما أريد في توجيه مسألتي.فاقض يا قاضي الحاجات حاجتي،فإليك المشتكى و أنت المستعان و المرتجى، أفرّ إليك هاربا من الذنوب فاقبلني،و ألتجىء من عدلك إلى مغفرتك فأدركني،و ألتاذ بعفوك من بطشك فامنعني،و استروح رحمتك من عقابك فنجّني،و أطلب القربة منك بالإسلام فقرّبني،و من الفزع الأكبر فآمنّي،و في ظلّ عرشك فظلّلني،و كفلين من رحمتك فهب لي،و من الدّنيا سالما فنجّني،و من الظلمات إلى النور فأخرجني،و يوم القيامة فبيّض وجهي،و حسابا يسيرا فحاسبني، و بسرائري فلا تفضحني،و على بلائك فصبّرني،و كما صرفت عن يوسف السوء و الفحشاء فاصرفه عنّي،و ما لا طاقة لي به فلا تحمّلني،و إلى دار السلام فاهدني،و بالقرآن فانفعني،و بالقول الثابت فثبّتني،و من الشيطان الرجيم فاحفظني،و بحولك و قوّتك و جبروتك فاعصمني،و بحلمك و علمك وسعة رحمتك من جهنّم فنجّني،و جنّتك الفردوس فأسكنّي،و النظر إلى وجهك فارزقني،و بنبيّك محمّد فألحقني،و من الشياطين و أوليائهم و من شرّ كلّ ذي شرّ فاكفني.
اللّهمّ و أعدائي و من كادني إن أتوا برا فجبّن شجعهم،فضّ جموعهم،كلّل سلاحهم،عرقب دوابهم،سلّط عليهم العواصف و القواصف أبدا حتّى تصليهم النار،أنزلهم من صياصيهم،و أمكّنا من نواصيهم،آمين ربّ العالمين.
اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،صلاة يشهد الأوّلون مع الأبرار و سيّد المرسلين،و خاتم النبيّين،و قائد الخير و مفتاح الرحمة.
اللّهمّ ربّ البيت الحرام و الشهر الحرام،و ربّ المشعر الحرام،و ربّ الركن و المقام،و ربّ الحل و الإحرام،بلّغ روح محمّد منّا التحيّة و السلام.
سلام عليك يا رسول اللّه،سلام عليك يا أمين اللّه،سلام عليك يا محمّد بن عبد اللّه،السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته،فهو كما وصفته بالمؤمنين رؤوف رحيم.
اللّهمّ اعطه أفضل ما سألك،و أفضل ما سئلت له،و أفضل ما أنت مسؤول له إلى يوم القيامة، آمين يا ربّ العالمين (1).8.
1) البحار:102/83 ح.8.
سبحان من تواضع كلّ شيء لعظمته،سبحان من ذلّ كلّ شيء لعزّته،سبحان من خضع كلّ شيء بأمره و ملكه،سبحان من انقادت له الامور بأزمّتها.
الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره،الحمد للّه الذي لا يخيب من دعاه،الحمد للّه الذي من توكّل عليه كفاه،الحمد للّه سامك السماء،و ساطح الأرض،و حاصر البحار،ناضد الجبال،و بارئ الحيوان،و خالق الشجر،و فاتح ينابيع الأرض،و مدبّر الامور،و مسيّر السحاب،و مجري الريح و الماء و النار من أغوار الأرض،متسارعات في الهواء،و مهبط الحرّ و البرد،الذي بنعمته تتمّ الصالحات،و بشكره تستوجب الزيادات،و بأمره قامت السماوات،و بعزّته استقرّت الراسيات، و سبّحت الوحوش في الفلوات و الطير في البركات.
الحمد للّه رفيع الدرجات،منزل الآيات،واسع البركات،ساتر العورات،قابل الحسنات، مقيل العثرات،منفّس الكربات،منزل البركات،مجيب الدعوات،محيي الأموات،إله من في الأرض و السماوات.
الحمد للّه على كلّ حمد و ذكر،و شكر و صبر،و صلاة و زكاة،و قيام و عبادة،و سعادة و بركة، و زيادة و رحمة،و نعمة و كرامة،و فريضة،و سرّاء و ضرّاء،و شدّة و رخاء،و مصيبة و بلاء،و عسر و يسر،و غناء و فقر،و على كلّ حال،و في كلّ أوان و زمان،و كلّ مثوى و منقلب و مقام.
اللّهمّ إنّي عائذ بك فأعذني،و مستجير بك فأجرني،و مستعين بك فأعنّي،و مستغيث بك فأغثني،و داعيك فأجبني،و مستغفرك فاغفر لي،و مستنصرك فانصرني،و مستهديك فاهدني، و مستكفيك فاكفني،و ملتجيء إليك فآوني،و مستمسك بحبلك فاعصمني،و متوكّل عليك فاكفني.
و اجعلني في عياذك و جوارك،و حرزك و كهفك،و حياطتك و حراستك،و كلاءتك و حرمتك،و أمنك و تحت ظلّك و تحت جناحك،و اجعل عليّ جنّة واقية منك،و اجعل حفظك و حياطتك،و حراستك و كلاءتك من ورائي و أمامي،و عن يميني و عن شمالي،و من فوقي و من تحتي،و حواليّ،حتّى لا يصل أحد من المخلوقين إلى مكروهي و أذاي،بحقّ لا إله إلاّ أنت،أنت المنّان بديع السماوات و الأرض،ذو الجلال و الإكرام.
اللّهمّ اكفني حسد الحاسدين،و بغي الباغين،و كيد الكائدين،و مكر الماكرين،و حيلة المحتالين،و غيلة المغتالين،و ظلم الظالمين،و جور الجائرين،و اعتداء المعتدين،و سخط المسخطين،و تشحب المتشحّبين،و صولة الصائلين،و اقتسار المقتسرين،و غشم الغاشمين،و خبط الخابطين،و سعاية الساعين،و نميمة النامّين،و سحر السحرة و المردة و الشياطين،و جور السلاطين، و مكروه العالمين.
اللّهمّ إنّي أسألك باسمك المخزون الطيّب الطاهر،الذي قامت به السماوات و الأرض، و أشرقت له الظلم و سبّحت له الملائكة،و وجلت منه القلوب،و خضعت له الرقاب،و أحييت به الموتى،أن تغفر لي كلّ ذنب أذنبته في ظلم الليل و ضوء النهار،عمدا أو خطأ،سرّا أو علانية.
و أن تهب لي يقينا و هديا،و نورا و علما و فهما،حتّى أقيم كتابك،و أحلّ حلالك و أحرّم حرامك، و أؤدّي فرائضك،و أقيم سنّة نبيّك محمّد.
اللّهمّ ألحقني بصالح من مضى،و اجعلني من صالح من بقي،و اختم لي عملي بأحسنه،إنّك غفور رحيم.
اللّهمّ إذا فنى عمري،و تصرّمت أيّام حياتي،و كان لا بدّ لي من لقائك،فأسألك يا لطيف أن توجب لي من الجنّة منزلا،يغبطني به الأوّلون و الآخرون.
اللّهمّ اقبل مدحتي و التهافي،و ارحم ضراعتي و هتافي،و إقراري على نفسي و اعترافي،فقد أسمعتك صوتي في الداعين،و خشوعي في الضارعين،و مدحتي في القائلين،و تسبيحي في المادحين.و أنت مجيب المضطرّين،و مغيث المستغيثين،و غياث الملهوفين،و حرز الهاربين، و صريخ المؤمنين،و مقيل المذنبين،و صلّى اللّه على البشير النذير و السراج المنير،و على الملائكة و النبيّين.
اللّهمّ داحي المدحوّات،و بارئ المسموكات،و جبال القلوب على فطرتها،شقيّها و سعيدها، إجعل شرائف صلواتك و نوامي بركاتك و كرائم تحيّاتك،على محمّد عبدك و رسولك و أمينك على وحيك،القائم بحجّتك،و الذابّ عن حرمك،و الصادع بأمرك،و المشيّد لآياتك،و الموفي لنذرك.
اللّهمّ فأعطه بكلّ فضيلة من فضائله،و نقيبة من مناقبه،و حال من أحواله و منزلة من منازله، رأيت محمّدا لك فيها ناصرا،و على مكروه بلائك صابرا،و لمن عاداك معاديا،و لمن والاك مواليا، و عمّا كرهت نائيا،و إلى ما أحببت داعيا،فضائل من جزائك،و خصائص من عطائك و حبائك، تسني بها أمره،و تعلي بها درجته،مع القوّام بقسطك،و الذابّين عن حرمك،حتّى لا يبقى سناء و لا بهاء،و لا رحمة و لا كرامة،إلاّ خصصت محمّدا بذلك و أتيته منك الذرى،و بلّغته المقامات العلى، آمين ربّ العالمين.
اللّهمّ إنّي أستودعك ديني و نفسي و جميع نعمتك عليّ،فاجعلني في كنفك و حفظك،و عزّك و منعك،عزّ جارك،و جلّ ثناؤك،و تقدّست أسماؤك،و لا إله غيرك،حسبي أنت في السرّاء و الضرّاء،و الشدّة و الرخاء،و نعم الوكيل.
ربّنا عليك توكّلنا و إليك أنبنا و إليك المصير،ربّنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا،و اغفر لنا ربّنا إنّك أنت العزيز الحكيم.ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم،إنّ عذابها كان غراما،إنّها ساءت مستقرّا
و مقاما،ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحقّ،و أنت خير الفاتحين.
ربّنا إنّنا آمنّا فاغفر لنا ذنوبنا،و كفّر عنّا سيّئاتنا،و توفّنا مع الأبرار،ربّنا و آتنا ما وعدتنا على رسلك،و لا تخزنا يوم القيامة،إنّك لا تخلف الميعاد.
ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا،ربّنا و لا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا،ربّنا و لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به،و اعف عنّا و اغفر لنا و ارحمنا،أنت مولانا،فانصرنا على القوم الكافرين.ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة،و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار،و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد النبيّ و آله الطاهرين و سلّم تسليما (1).
سبحان اللّه-عشرا.الحمد للّه-عشرا.اللّه أكبر-عشرا.
الله أكبر-أربعا و ثلاثين.الحمد للّه-ثلاثا و ثلاثين.سبحان اللّه-ثلاثا و ثلاثين.لا إله إلاّ اللّه-مرّة واحدة (2).
اللّهمّ إنّي أصبحت أشهدك و كفى بك شهيدا،و أشهد ملائكتك و حملة عرشك،و سكّان سماواتك و أرضيك،و أنبياءك و رسلك،و الصالحين من عبادك و جميع خلقك.بأنّك أنت اللّه لا إله إلاّ أنت،وحدك لا شريك لك،و أنّ كلّ معبود من دون عرشك إلى قرار الأرضين السابعة السفلى باطل ما خلا وجهك الكريم.فإنّه أعزّ و أكرم و أجلّ من أن يصف الواصفون كنه جلاله،أو تهتدي القلوب لكلّ عظمته.
يا من فاق مدح المادحين فخر مدحه،و عدا وصف الواصفين مآثر حمده،و جلّ عن مقالة الناطقين تعظيم شأنه-تقول ذلك ثلاثا.ثمّ تقول:لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له،له الملك و له الحمد،يحيي و يميت،و هو حيّ لا يموت،بيده الخير و هو على كلّ شيء قدير-تقول ذلك أحد عشر مرّة.
ثمّ تقول؛سبحان اللّه،و الحمد لله،و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر،ما شاء اللّه،لا حول و لا قوّة إلاّ باللّه،الحليم الكريم،العليّ العظيم،الرحمان الرحيم،الملك الحقّ المبين،عدد خلق اللّه، وزنة عرشه،و ملء سماواته و أرضه،و عدد ما جرى به قلمه،و أحصاه كتابه،و رضا نفسه-تقول ذلك أحد عشر مرّة.
ثمّ تقول:اللّهمّ صلّ على محمّد و أهل بيته المباركين،و صلّ على جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و حملة عرشك،و الملائكة المقرّبين،صلّ اللّهمّ عليهم حتّى تبلغهم الرضا،و تزيدهم بعد الرضا، ممّا أنت أهله،يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ صلّ على ملك الموت و أعوانه،و رضوان و خزنة الجنان،و صلّ على مالك و خزنة النيران،اللّهمّ صلّ عليهم حتّى تبلغهم الرضا،و تزيدهم بعد الرضا،ممّا أنت أهله،يا أرحم الراحمين،اللّهمّ و صلّ على الكرام الكاتبين،و السفرة الكرام البررة،و الحفظة لبني آدم،و صلّ على ملائكة السماوات العلى،و ملائكة الأرضين السابعة السفلى و ملائكة الليل و النهار،و الأرضين و الأقطار،و البحار و الأنهار،و البراري و القفار،و صلّ على ملائكتك،الذين أغنيتهم عن الطعام و الشراب بتقديسك.اللّهمّ صلّ عليهم حتّى تبلغهم الرضا و تزيدهم بعد الرضا ممّا أنت أهله،يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ و صلّ على أبي آدم و أمّي حوّاء،و ما ولدا من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصالحين، صلّ اللّهمّ عليهم حتّى تبلغهم الرضا و تزيدهم بعد الرضا ممّا أنت أهله،يا أرحم الراحمين،اللّهمّ صلّ على محمّد و على أهل بيته الطيّبين،و على أصحابه المنتجبين و أزواجه المطهّرين،و على ذرّية محمّد و على كلّ نبيّ بشّر بمحمّد،و على كلّ نبيّ ولد محمّدا،و على كلّ امرأة صالحة كفلت محمّدا،و على كلّ من صلاتك عليه رضا لك و رضا لنبيّك محمّد.صلّ اللّهمّ عليهم حتّى تبلغهم الرضا و تزيدهم بعد الرضا ممّا أنت أهله،يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،و بارك على محمّد و آل محمّد،و ارحم محمّدا و آل محمّد، كما صلّيت و باركت و رحمت،على إبراهيم و آل إبراهيم إنّك حميد مجيد،اللّهمّ اعط محمّدا الوسيلة و الفضل و الفضيلة و الدرجة الرفيعة.
اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد كما أمرتنا أن نصلّي عليه،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، بعدد من صلّى عليه،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد بعدد كلّ صلاة صلّيت عليه.
اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد بعدد كلّ حرف في صلاة صلّيت عليه،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد بعدد شعر من صلّى عليه،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد بعدد شعر من لم يصلّ عليه.اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد بعدد نفس من صلّى عليه،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد بعدد نفس من لم يصلّ عليه،اللّهمّ صلّ على سكون من صلّى عليه،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد بعدد حركة من صلّى عليه،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد بعدد حركاتهم و دقائقهم و ساعاتهم،و عدد زنة ذرّ ما عملوا أو لم يعملوا،أو كان منهم أو يكون إلى يوم القيامة.
اللّهمّ لك الحمد و الشكر،و المنّ و الفضل،و الطول و النعمة،و العظمة و الجبروت،و الملك و الملكوت،و القهر و الفخر،و السؤدد و السلطان،و الإمتنان و الكرم،و الجلال و الجبر،و التوحيد
و التمجيد،و التهليل و التكبير،و التقديس و العظمة،و الرحمة و المغفرة و الكبرياء،و لك ما زكي و طاب من الثناء الطيّب،و المدح (1)الفاخر و القول الحسن الجميل،الذي ترضى به عن قائله و ترضى به ممّن قاله،و هو رضاك.فتقبّل حمدي بحمد أوّل الحامدين،و ثنائي بثناء أوّل المثنين، و تهليلي بتهليل أوّل المتهلّلين،و تكبيري بتكبير أوّل المكبّرين،و قولي الحسن الجميل بقول أوّل القائلين المجملين المثنين على ربّ العالمين،متّصلا ذلك كذلك من أوّل الدهر إلى يوم القيامة.
و بعدد زنة ذرّ الرمال و التلال و الجبال،و عدد جرع ماء البحار،و عدد قطر الأمطار،و ورق الأشجار،و عدد النجوم،و عدد زنة ذلك،و عدد الثرى و النوى و الحصى،و عدد زنة ذرّ السماوات و الأرض،و ما فيهنّ و ما بينهنّ و ما تحتهنّ،و ما بين ذلك،و ما فوق ذلك،من لدن العرش إلى قرار الأرض السابعة السفلى.و عدد حروف ألفاظ أهلهنّ،و عدد أزمانهم (2)و دقائقهم و سكونهم و حركاتهم و أشعارهم (3)و أبشارهم،و عدد زنة ما عملوا أو لم يعملوا،أو كان منهم أو يكون إلى يوم القيامة.
أعيذ أهل بيت محمّد صلّى اللّه عليه و آله،و نفسي و مالي و ذرّيتي و أهلي و ولدي و قراباتي و أهل بيتي،و كلّ ذي رحم لي دخل في الإسلام و جيراني و إخواني،و من قلّدني دعاء أو أسدى إليّ برّا، أو اتّخذ عندي يدا من المؤمنين و المؤمنات،باللّه و بأسمائه التامّة الشاملة الكاملة،الفاضلة المباركة، المتعالية و الزكية،الشريفة المنيعة،الكريمة العظيمة،المكنونة المخزونة،التي لا يجاوزهنّ برّ و لا فاجر،و بأمّ الكتاب و خاتمته و ما بينهما،من سورة شريفة و آية محكمة،و شفاء و رحمة،و عوذة و بركة،و بالتوراة و الإنجيل و الزبور،و بصحف إبراهيم و موسى،و بكلّ كتاب أنزل اللّه،و بكلّ رسول أرسل اللّه،و بكلّ حجّة أقامها اللّه،و بكلّ برهان أظهره اللّه،و بكلّ نور أناره اللّه،و بكلّ آلاء اللّه و عظمته.
أعيذ و أستعيذ باللّه من شرّ كلّ ذي شرّ و من شرّ ما أخاف و أحذر،و من شرّ ما ربي تبارك و تعالى منه أكبر،و من شرّ فسقة الجنّ و الإنس،و الشياطين و السلاطين،و إبليس و جنوده و أشياعه و أتباعه،و من شرّ ما في النور و الظلمة.و من شرّ ما دهم أو هجم،و من شرّ كلّ همّ و غمّ و آفة و ندم،و من شرّ ما ينزل من السماء و ما يعرج فيها،و من شرّ ما يلج في الأرض و ما يخرج منها، و من شرّ كلّ دابّة ربّي آخذ بناصيتها،إنّ ربّي على صراط مستقيم،فإن تولّوا فقل حسبي اللّه لا إله إلاّ هو عليه توكّلت،و هو ربّ العرش العظيم (4).2.
يا حيّ يا قيّوم،برحمتك أستغيث،فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين،و أصلح لي شأني كلّه (1).
يا أعزّ مذكور،و أقدمه قدما في العزّ و الجبروت،يا رحيم كلّ مسترحم،و مفزع كلّ ملهوف إليه،يا راحم كلّ حزين يشكو بثّه و حزنه إليه،يا خير من سئل المعروف منه و أسرعه إعطاء،يا من يخاف الملائكة المتوقّدة بالنور منه،أسألك بالأسماء التي يدعوك بها حملة عرشك،و من حول عرشك بنورك يسبّحون شفقة من خوف عقابك،و بالأسماء التي يدعوك بها جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل إلاّ أجبتني،و كشفت يا إلهي كربتي،و سترت ذنوبي.
يا من أمر بالصيحة في خلقه،فإذا هم بالساهرة محشورون،و بذلك الإسم الذي أحييت به العظام و هي رميم،أحيي قلبي،و اشرح صدري،و أصلح شأني،يا من خصّ نفسه بالبقاء،و خلق لبريّته الموت و الحياة و الفناء،يا من فعله قول،و قوله أمر،و أمره ماض على ما يشاء.
أسألك بالإسم الذي دعاك به خليلك حين ألقي في النار،فدعاك به،فاستجبت له و قلت: يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاٰماً عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ (2)،و بالإسم الذي دعاك به موسى من جانب الطور الأيمن، فاستجبت له،و بالإسم الذي خلقت به عيسى من روح القدس،و بالإسم الذي وهبت به لزكريا يحيى،و بالإسم الذي كشفت به عن أيّوب الضرّ،و بالإسم الذي تبت به على داود،و سخّرت به لسليمان الريح تجري بأمره،و الشياطين،و علّمته منطق الطير،و بالاسم الذي خلقت به العرش، و بالإسم الذي خلقت به الكرسي،و بالاسم الذي خلقت به الروحانيين،و بالإسم الذي خلقت به الجنّ و الإنس،و بالإسم الذي خلقت به جميع الخلق،و بالإسم الذي خلقت به جميع ما أردت من شيء،و بالإسم الذي قدرت به على كلّ شيء،أسألك بحقّ هذه الأسماء،إلاّ ما أعطيتني سؤلي و قضيت حوائجي يا كريم (3).
يا ربّ الأوّلين و الآخرين،و يا خير الأوّلين و الآخرين،يا ذا القوّة المتين،و يا راحم المساكين،و يا أرحم الراحمين.
و في رواية:يا أوّل الأوّلين،و يا آخر الآخرين،و يا ذا القوّة المتين،و يا أرحم الراحمين، اغننا و اقض حاجتنا (4).
الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره،و لا يخيب من دعاه،و لا يقطع رجاء من رجاه.
ثمّ يسأل اللّه عزّ و جلّ ما يريد (1).
اللّهمّ ربّنا و ربّ كلّ شيء،منزل التوراة و الإنجيل و الفرقان،فالق الحبّ و النوى،أعوذ بك من شرّ كلّ دابّة أنت آخذ بناصيتها.أنت الأوّل فليس قبلك شيء،و أنت الآخر فليس بعدك شيء، و أنت الظاهر فليس فوقك شيء،و أنت الباطن فليس دونك شيء،صلّ على محمّد و على أهل بيته عليه و عليهم السلام،واقض عنّي الدين،و اغنني من الفقر،و يسّر لي كلّ الأمر،يا أرحم الراحمين.
و في رواية:اللّهمّ ربّ السماوات السبع و ربّ العرش العظيم،ربّنا و ربّ كلّ شيء،منزل التوراة و الإنجيل و الفرقان،فالق الحبّ و النوى،أعوذ بك من كلّ شيء أنت آخذ بناصيته.
أنت الأوّل فليس قبلك شيء،و أنت الآخر فليس بعدك شيء،و أنت الظاهر فليس فوقك شيء،و أنت الباطن فليس دونك شيء،اقض عنّي الدين و اغنني من الفقر.
و في رواية:اللّهمّ ربّ السماوات و ربّ الأرضين و ربّ كلّ شيء،فالق الحبّ و النوى،و منزل التوراة و الإنجيل و القرآن،أعوذ بك من كلّ ذي شرّ أنت آخذ بناصيته.أنت الأوّل فليس قبلك شيء،و أنت الآخر فليس بعدك شيء،و الظاهر فليس فوقك شيء،و الباطن فليس دونك شيء، اقض عنّي الدين و اغنني من الفقر (2).
روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علّم عليّا و فاطمة عليهما السّلام هذا الدعاء و قال لهما:إن نزلت بكما مصيبة أو خفتما جور السلطان أو ضلّت لكما ضالّة،فأحسنا الوضوء و صلّيا ركعتين و ارفعا أيديكما إلى السماء و قولا:
عالم الغيب و السرائر،يا مطاع يا عليم،يا اللّه يا اللّه يا اللّه،يا هازم الأحزاب لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، يا كائد فرعون لموسى،يا منجي عيسى من الظلمة،يا مخلّص قوم نوح من الغرق،يا راحم عبده يعقوب،يا كاشف ضرّ أيّوب،يا منجي ذي النون من الظلمات،يا فاعل كلّ خير،يا هاديا إلى كلّ خير،يا دالاّ على كلّ خير،يا آمرا بكلّ خير،يا خالق الخير،يا أهل الخيرات،أنت اللّه رغبت إليك فيما قد علمت و أنت علاّم الغيوب،أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد.ثمّ اسألا الحاجة تجاب إن شاء اللّه تعالى (3).
بحقّ يس و القرآن الحكيم،و بحقّ طه و القرآن العظيم،يا من يقدر على حوائج السائلين،يا من يعلم ما في الضمير،يا منفّسا عن المكروبين،يا مفرّجا عن المغمومين،يا راحم الشيخ الكبير،يا رازق الطفل الصغير،يا من لا يحتاج إلى التفسير،صلّ على محمّد و آل محمّد و افعل بي كذا و كذا (1).
روي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علّم عليّا و فاطمة عليهما السّلام و قال:يصلّي أحدكما ركعتين،يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب و آية الكرسي-ثلاث مرّات،و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» -ثلاث مرّات،و آخر الحشر-ثلاث مرّات،من قوله: لَوْ أَنْزَلْنٰا هٰذَا الْقُرْآنَ عَلىٰ جَبَلٍ إلى آخره،فإذا جلس فليتشهّد و ليثن على اللّه و ليصلّ على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ليدع للمؤمنين و المؤمنات،ثمّ يدعو على إثر ذلك فيقول:اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ كلّ اسم هو لك،يحقّ عليك فيه إجابة الدعاء إذا دعيت به،و أسألك بحقّ كلّ ذي حقّ عليك، و أسألك بحقّك على جميع ما هو دونك أن تفعل بي كذا و كذا (2).
عن الصادق عليه السّلام:كان لامّي فاطمة عليها السّلام صلاة تصلّيها علّمها جبرئيل،ركعتان تقرأ في الاولى الحمد مرّة،و «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ» ،و في الثانية:الحمد مرّة و مائة مرّة «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» فإذا سلّمت سبّحت تسبيح الطاهرة عليها السّلام،و هو التسبيح الذي تقدّم (3)،و تكشف عن ركبتيك و ذراعيك على المصلّى،و تدعو بهذا الدعاء،و تسأل حاجتك تعطها إن شاء اللّه تعالى،و الدعاء:[أن]ترفع يديك بعد الصلاة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تقول:اللّهمّ إنّي أتوجّه إليك بهم،و أتوسّل إليك بحقّهم،الذي لا يعلم كنهه سواك،و بحقّ من حقّه عندك عظيم،و بأسمائك الحسنى و كلماتك التامّات التي أمرتني أن أدعوك بها.و أسألك باسمك العظيم الذي أمرت إبراهيم عليه السّلام أن يدعو به الطير فأجابته،و باسمك العظيم الذي قلت للنار كوني بردا و سلاما على إبراهيم،فكانت.و بأحبّ أسمائك إليك،و أشرفها عندك،و أعظمها لديك،و أسرعها إجابة،و أنجحها طلبة،و بما أنت أهله و مستحقّه و مستوجبه.
و أتوسّل إليك،و أرغب إليك،و أتصدّق منك،و أستغفرك،و أستمنحك (4)،و أتضرّع إليك و أخضع بين يديك،و أخشع لك،و أقرّ لك بسوء صنيعتي،و أتملّق و ألحّ عليك،و أسألك بكتبك التي أنزلتها على أنبيائك و رسلك،صلواتك عليهم أجمعين،من التوراة و الإنجيل و القرآن العظيم،من أوّلها إلى آخرها،فإنّ فيها إسمك الأعظم،و بما فيها من أسمائك العظمى أتقرّب إليك،و أسألك أن
تصلّي على محمّد و آله،و أن تفرّج عن محمّد و آله،و تجعل فرجي مقرونا بفرجهم،و تقدّمهم في كلّ خير و تبدأ بهم فيه،و تفتح أبواب السماء لدعائي في هذا اليوم،و تأذن في هذا اليوم،و هذه الليلة بفرجي،و إعطائي سؤلي في الدّنيا و الآخرة.فقد مسّني الفقر،و نالني الضرّ،و سلمتني الخصاصة، و ألجأتني الحاجة،و توسّمت بالذلّة،و غلبتني المسكنة،و حقّت عليّ الكلمة،و أحاطت بي الخطيئة.
و هذا الوقت الذي وعدت أولياءك فيه الإجابة،فصلّ على محمّد و آله و امسح ما بي بيمينك الشافية،و انظر إليّ بعينك الراحمة،و أدخلني في رحمتك الواسعة،و أقبل إليّ بوجهك،الذي إذا أقبلت به على أسير فككته،و على ضالّ هديته،و على غائب (1)أدّيته،و على مقتر أغنيته،و على ضعيف قوّيته،و على خائف أمنته،و لا تخلّني لقاء عدوّك و عدوّي،يا ذا الجلال و الإكرام،يا من لا يعلم كيف هو،و حيث هو و قدرته إلاّ هو،يا من سدّ الهواء بالسماء،و كبس الأرض على الماء، و اختار لنفسه أحسن الأسماء،يا من سمّى نفسه بالإسم الذي به يقضي حاجة كلّ طالب يدعوه به.
و أسألك بذلك الإسم،فلا شفيع أقوى لي منه و بحقّ محمّد و آله محمّد،أسألك أن تصلّي على محمّد و أن تقضي لي حوائجي،و تسمع محمّدا و عليّا و فاطمة،و الحسن و الحسين،و عليا و محمّدا، و جعفرا و موسى،و عليّا و محمّدا و عليّا،و الحسن و الحجّة صلواتك عليهم و بركاتك و رحمتك، صوتي،فيشفعوا لي إليك و تشفعهم فيّ،و لا تردّني خائبا،بحقّ لا إله إلاّ أنت،و بحقّ محمّد و آل محمّد،و افعل بي كذا و كذا يا كريم (2).
روي أنّ رجلا كان محبوسا بالشام مدّة طويلة مضيّقا عليه،فرأى في منامه كأنّ الزهراء عليها السّلام أتته،فقالت له:أدع بهذا الدعاء،فتعلّمه و دعا به،فتخلّص و رجع إلى منزله،و هو:اللّهمّ بحقّ العرش و من علاه،و بحقّ الوحي و من أوحاه،و بحقّ النبيّ و من نبّأه،و بحقّ البيت و من بناه،يا سامع كلّ صوت،و يا جامع كلّ فوت،يا بارئ النفوس بعد الموت،صلّ على محمّد و أهل بيته، و آتنا و جميع المؤمنين و المؤمنات،في مشارق الأرض و مغاربها،فرجا من عندك عاجلا.بشهادة أن لا إله إلاّ اللّه،و أنّ محمّدا عبدك و رسولك،صلّى اللّه عليه و على ذرّيته الطيّبين الطاهرين و سلّم تسليما (3).
بسم اللّه الرحمن الرحيم يا حيّ يا قيوم،برحمتك أستغيث فأغثني،و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين،و أصلح لي شأني كلّه.
و في رواية:يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث،اللّهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين،و أصلح لي شأني كلّه (1).
بسم اللّه الرحمن الرحيم،بسم اللّه النور،بسم اللّه نور النور،بسم اللّه نور على نور،بسم اللّه الذي هو مدبّر الأمور،بسم اللّه الذي خلق النور من النور.
الحمد للّه الذي خلق النور من النور،و أنزل النور على الطور،في كتاب مسطور في رقّ منشور،بقدر مقدور،على نبيّ محبور.الحمد للّه الذي هو بالعزّ مذكور،و بالفخر مشهور،و على السراء و الضراء مشكور،و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين.
و في رواية:بسم اللّه الرحمن الرحيم،بسم اللّه النور،بسم اللّه الذي يقول للشيء كن فيكون، بسم اللّه الذي يعلم خائنة الأعين و ما تخفي الصدور.بسم اللّه الذي خلق النور من النور،بسم اللّه الذي هو بالمعروف مذكور،بسم اللّه الذي أنزل النور على الطور،بقدر مقدور،في كتاب مسطور، على نبيّ محبور (2).
اللّهمّ لا إله إلاّ أنت العليّ العظيم،ذو السلطان القديم،و المنّ العظيم،و الوجه الكريم،لا إله إلاّ أنت العليّ العظيم،وليّ الكلمات التامّات،و الدعوات المستجابات،حلّ ما أصبح بفلان (3).
و له ما سكن في الليل و النهار و هو السميع العليم،يا أمّ ملدم (4)إن كنت آمنت باللّه العظيم و رسوله الكريم،فلا تهشمي العظم،و لا تأكلي اللحم،و لا تشربي الدم،اخرجي من حامل كتابي هذا إلى من لا يؤمن باللّه العظيم و رسوله الكريم و آله،محمّد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السّلام (5).
اللّهمّ افتح لنا خزائن رحمتك،وهب لنا اللّهمّ رحمة لا تعذّبنا بعدها في الدّنيا و الآخرة، و ارزقنا من فضلك الواسع رزقا حلالا طيّبا،و لا تحوجنا و لا تفقرنا إلى أحد سواك،و زدنا لك شكرا،و إليك فقرا وفاقة،و بك عمّن سواك غنى و تعفّفا.
اللّهمّ وسّع علينا في الدّنيا،اللّهمّ إنّا نعوذ بك أن تزوي وجهك عنّا في حال و نحن نرغب إليك فيه.
اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،و أعطنا ما تحبّ،و اجعله لنا قوّة فيما تحب يا أرحم الراحمين (1).
اللّهمّ اجعل أوّل يومي هذا فلاحا،و آخره نجاحا،و أوسطه صلاحا،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،و اجعلنا ممّن أناب إليك فقبلته،و توكّل عليك فكفيته،و تضرّع إليك فرحمته (2).
اللّهمّ إنّي أسألك قوّة في عبادتك،و تبصّرا في كتابك،و فهما في حكمك،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،و لا تجعل القرآن بنا ماحلا،و الصراط زائلا،و محمّد صلّى اللّه عليه و آله عنّا مولّيا (3).
اللّهمّ اجعل غفلة الناس لنا ذكرا،و اجعل ذكرهم لنا شكرا،و اجعل صالح ما نقول بألسنتنا نيّة في قلوبنا،اللّهمّ إنّ مغفرتك أوسع من ذنوبنا،و رحمتك أرجى عندنا من أعمالنا،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،و وفّقنا لصالح الأعمال و الصواب من الفعال (4).
اللّهمّ احرسنا بعينك التي لا تنام،و ركنك الذي لا يرام،و بأسمائك العظام،و صلّ على محمّد و آله،و احفظ علينا ما لو حفظه غيرك ضاع،و استر علينا ما لو ستره غيرك شاع،و اجعل كلّ ذلك لنا مطواعا،إنّك سميع الدعاء،قريب مجيب (5).
اللّهمّ إنّي أسألك الهدى و التقى،و العفاف و الغنى،و العمل بما تحبّ و ترضى،اللّهمّ إنّي أسألك من قوّتك لضعفنا،و من غناك لفقرنا وفاقتنا،و من حلمك و علمك لجهلنا،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،و أعنّا على شكرك و ذكرك،و طاعتك و عبادتك،برحمتك يا أرحم الراحمين (6).
اللّهمّ اجعلنا من أقرب من تقرّب إليك،و أوجه من توجّه إليك،و أنجح من سألك و تضرّع
إليك،اللّهمّ اجعلنا ممّن كأنّه يراك إلى يوم القيامة الذي فيه يلقاك،و لا تمتنا إلاّ على رضاك،اللّهمّ و اجعلنا ممّن أخلص لك بعمله،و أحبّك في جميع خلقك،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، و اغفر لنا مغفرة جزما حتما لا نقترف بعدها ذنبا،و لا نكتسب خطيئة و لا إثما،اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد،صلاة نامية دائمة زاكية متتابعة،متواصلة مترادفة،برحمتك يا أرحم الراحمين (1).
روي عن صفوان أنّه قال:دخل محمّد بن علي الحلبي على أبي عبد اللّه عليه السّلام في يوم الجمعة، فقال له:تعلّمني أفضل ما أصنع في هذا اليوم،فقال:يا محمّد ما أعلم أنّ أحدا كان أكبر عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من فاطمة،و لا أفضل ممّا علّمها أبوها محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:من أصبح يوم الجمعة فاغتسل وصفّ قدميه و صلّى أربع ركعات مثنى مثنى،يقرأ في أوّل ركعة فاتحة الكتاب و «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» خمسين مرّة،و في الثانية فاتحة الكتاب و العاديات خمسين مرّة،و في الثالثة فاتحة الكتاب و «إِذٰا زُلْزِلَتِ» خمسين مرّة،و في الرابعة فاتحة الكتاب و «إِذٰا جٰاءَ نَصْرُ اللّٰهِ وَ الْفَتْحُ» خمسين مرّة-و هذه سورة النصر و هي آخر سورة نزلت-فإذا فرغ منها دعا فقال:إلهي و سيّدي من تهيّأ أو تعبّأ،أو أعد أو استعدّ،لوفادة مخلوق رجاء رفده و فوائده و نائله،و فواضله و جوائزه،فإليك يا إلهي كانت تهيأتي و تعبأتي،و إعدادي و استعدادي،رجاء فوائدك و معروفك،و نائلك و جوائزك،فلا تخيبني من ذلك،يا من لا تخيّب عليه مسألة السائل،و لا تنقصه عطيّة نائل،فإنّي لم آتك بعمل صالح قدّمته،و لا شفاعة مخلوق رجوته.أتقرّب إليك بشفاعته إلاّ شفاعة محمّد و أهل بيته صلواتك عليه و عليهم،أتيتك أرجو عظيم عفوك،الذي عدت به على الخاطئين عند عكوفهم على المحارم، فلم يمنعك طول عكوفهم على المحارم أن جدّت عليهم بالمغفرة،و أنت سيّدي العوّاد بالنعماء،و أنا العوّاد بالخطاء،أسألك بحقّ محمّد و آله الطاهرين أن تغفر لي ذنبي العظيم،فإنّه لا يغفر العظيم إلاّ العظيم،يا عظيم يا عظيم،يا عظيم يا عظيم،يا عظيم يا عظيم (2).
عن الرضا عليه السّلام في حديث:معاشر شيعتي إذا طلع هلال شهر رمضان فلا تشيروا إليه بالأصابع،و لكن استقبلوا القبلة و ارفعوا أيديكم إلى السماء،و خاطبوا الهلال و قولوا:ربّنا و ربّك اللّه ربّ العالمين،اللّهمّ اجعله علينا هلالا مباركا،و وفّقنا لصيام شهر رمضان و سلّمنا فيه،و تسلّمنا منه،في يسر و عافية،و استعملنا فيه بطاعتك،إنّك على كلّ شيء قدير.
ثمّ قال:و لقد كانت فاطمة سيّدة نساء العالمين عليها السّلام،تقول ذلك سنة،فإذا طلع هلال شهر
رمضان،فكان نورها يغلب الهلال و يخفى،فإذا غابت عنه ظهر (1).
الحمد للّه الكافي،سبحان اللّه الأعلى،حسبي اللّه و كفى،ما شاء اللّه قضى،سمع اللّه لمن دعا و ليس من اللّه ملجأ،و لا وراء اللّه ملجأ،توكّلت على اللّه ربّي و ربّكم،ما من دابّة إلاّ هو آخذ بناصيتها،إنّ ربّي على صراط مستقيم.الحمد للّه الذي لم يتّخذ ولدا،و لم يكن له شريك في الملك،و لم يكن له وليّ من الذلّ،و كبّره تكبيرا (2).
روي عنها عليها السّلام أنّها قالت:دخل عليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد افترشت فراشي للنوم،فقال:يا فاطمة لا تنامي إلاّ و قد عملت أربعة؛ختمت القرآن و جعلت الأنبياء شفعاءك و أرضيت المؤمنين عن نفسك و حججت و اعتمرت-إلى أن قالت:-قال:إذا قرأت «قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ» ثلاث مرّات فكأنّك ختمت القرآن،و إذا صلّيت عليّ و على الأنبياء قبلي كنّا شفعاؤك يوم القيامة،و إذا استغفرت للمؤمنين رضوا كلّهم عنك،و إذا قلت:سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر،فقد حججت و اعتمرت (3).
الله أكبر-أربعا و ثلاثين.الحمد للّه-ثلاثا و ثلاثين.سبحان اللّه-ثلاثا و ثلاثين.
عن الصادق عليه السّلام قال:شكت فاطمة عليها السّلام إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما تلقاه في المنام،فقال لها:
إذا رأيت شيئا من ذلك فقولي:
أعوذ بما عاذت به ملائكة اللّه المقرّبون،و أنبياء اللّه المرسلون،و عباد اللّه الصالحون،من شرّ رؤياي التي رأيت،أن تضرّني في ديني و دنياي.و اتفلي على يسارك ثلاثا (4).
عن عليّ عليه السّلام:إنّ فاطمة عليها السّلام شكت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الأرق،فقال لها:قولي يا بنية:يا مشبع البطون الجائعة،و يا كاسي الجسوم العارية،و يا ساكن العروق الضاربة،و يا منوّم العيون الساهرة،سكّن عروقي الضاربة،و أذن لعيني نوما عاجلا (5).
قالت عليها السّلام في وصيّتها إليه عليه السّلام:إذا أنا متّ فغسّلني بيدك،و حنّطني و كفّني،و ادفني ليلا،و لا يشهدني فلان و فلان و لا زيادة عندك في وصيّتي إليك،و أستودعك اللّه تعالى حتّى ألقاك،جمع اللّه بيني و بينك في داره و قرب جواره (1).
روي أنّها عليها السّلام قالت لأسماء:إنّي نحلت و ذهب لحمي،ألا تجعلين لي شيئا يسترني-إلى أن قالت:-فدعت بسرير فأكبّته لوجهه،ثمّ دعت بجرائد فشددته على قوائمه،ثمّ جلّلته ثوبا، فقالت عليها السّلام:إصنعي لي مثله،أستريني،سترك اللّه من النار (2).
اللّهمّ إليك نشكوا فقد نبيّك و رسولك و صفيّك و ارتداد أمّته،و منعهم إيّانا حقّنا الذي جعلته لنا في كتابك المنزل على نبيّك بلسانه (3).
عن الصادق عليه السّلام قال:لمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جلس أبو بكر مجلسه،بعث إلى وكيل فاطمة عليها السّلام فأخرجه من فدك إلى أن ذكر شهادة علي عليه السّلام و أمّ أيمن فقال عمر:أنت امرأة و لا نجيز شهادة امرأة وحدها،و أمّا علي فيجرّ إلى نفسه،قال:فقامت مغضبة و قالت:اللّهمّ إنّهما ظلما إبنة محمّد نبيّك حقّها،فاشدد وطأتك عليهما (4).
عن جابر:لمّا قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دخل إليها رجلان من الصحابة،فقالا لها:كيف أصبحت يا بنت رسول اللّه؟
قالت:أصدقاني،هل سمعتما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فاطمة بضعة منّي فمن آذاها فقد آذاني؟ قالا:نعم،و اللّه لقد سمعنا ذلك منه،فرفعت يديها إلى السماء و قالت:اللّهمّ إنّي أشهدك أنّهما قد آذياني و غصبا حقّي.
و في رواية:اللّهمّ إنّهما قد آذياني،فأنا أشكوهما إليك و إلى رسولك،لا و اللّه لا أرضى
عنكما أبدا حتّى ألقى أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و أخبره بما صنعتما،فيكون هو الحاكم فيكما (1).
قالت عليها السّلام لهما:أنشدكما باللّه هل سمعتما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:فاطمة بضعة منّي و أنا منها،من آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي؟
قالا:اللّهمّ نعم.
فقالت:الحمد لله،اللّهمّ إنّي أشهدك فاشهدوا يا من حضرني أنّهما قد آذياني في حياتي و عند موتي،و اللّه لا أكلّمهما من رأسي كلمة حتّى ألقى ربّي،فأشكوكما إليه بما صنعتما بي و ارتكبتما منّي (2).
روي عن محمّد بن مسلم الثقفي أنّه قال:سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول:لفاطمة عليها السّلام وقفة على باب جهنّم،فإذا كان يوم القيامة كتب بين عينيّ كلّ رجل مؤمن أو كافر،فيؤمر بمحبّ قد كثرت ذنوبه إلى النار،فتقرأ فاطمة عليها السّلام بين عينيه محبّا،فتقول:إلهي و سيّدي سمّيتني فاطمة،و فطمت بي من تولاّني و تولّى ذرّيتي من النار،و وعدك الحقّ،و أنت لا تخلف الميعاد.فيقول اللّه عزّ و جلّ:
صدقت يا فاطمة،إنّي سمّيتك فاطمة و فطمت بك من أحبّك و تولاّك و أحبّ ذرّيتك و تولاّهم من النار،و وعدي الحقّ،و أنا لا أخلف الميعاد-إلى أن قال:-فمن قرأت بين عينيه مؤمنا،فخذي بيده و أدخليه الجنّة (3).
روي أنّه إذا كان يوم القيامة يبعث إليها ملك،لم يبعث إلى أحد قبلها و لا يبعث إلى أحد بعدها،فيقول:إنّ ربّك يقرؤك السلام يقول:سليني أعطك،فتقول:قد أتمّ نعمته و هنّأني كرامته و أباحني جنّته،أسأله ولدي و ذرّيتي و من ودّهم.
و في رواية:قد أتمّ عليّ نعمته،و أباحني جنّته،و هنّأني كرامته،و فضّلني على نساء خلقه، أسأله أن يشفّعني في ولدي و ذرّيتي و من ودّهم بعدي و حفظهم بعدي.فيعطيها اللّه ذرّيتها و ولدها و من ودّهم لها و حفظهم فيها،فتقول:الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن و أقرّ عيني (4).
عن عليّ عليه السّلام:دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذات يوم على فاطمة عليها السّلام و هي حزينة،فقال لها:ما حزنك يا بنية؟قالت:يا أبت ذكرت المحشر و وقوف الناس عراة يوم القيامة،قال:يا بنية أنّه ليوم عظيم-إلى أن قال:-ثمّ يقول جبرئيل:يا فاطمة سلي حاجتك؟فتقولين:يا رب أرني الحسن و الحسين.فيأتيانك و أوداج الحسين عليه السّلام تشخب دما-إلى أن قال:-ثمّ يقول جبرئيل:يا فاطمة سلي حاجتك،فتقول:يا ربّ شيعتي،فيقول اللّه عزّ و جلّ:قد غفرت لهم،فتقولين:يا ربّ شيعة ولدي،فيقول الله:قد غفرت لهم،فتقولين:يا ربّ شيعة شيعتي،فيقول الله:إنطلقي فمن اعتصم بك فهو معك في الجنّة (1).
عن الإمام السجّاد عليه السّلام:إذا كان يوم القيامة نادى مناد:لا خوف عليكم اليوم و لا أنتم تحزنون-إلى أن قال-:ثمّ ينادى:هذه فاطمة عليها السّلام بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تمرّ بكم هي و من معها إلى الجنّة،ثمّ يرسل اللّه لها ملكا فيقول:يا فاطمة سليني حاجتك،فتقول:يا ربّ حاجتي أن تغفر لي و لمن نصر ولدي (2).
عن الباقر عليه السّلام قال:سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري يقول:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إذا كان يوم القيامة تقبل ابنتي فاطمة على ناقة من نوق الجنّة-إلى أن قال:-فتسير حتّى تحاذي عرش ربّها جلّ جلاله،فتنزخ بنفسها عن ناقتها،و تقول:إلهي و سيّدي أحكم بيني و بين من ظلمني،اللّهمّ احكم بيني و بين من قتل ولدي.فإذا النداء من قبل اللّه جلّ جلاله:يا حبيبتي و ابنة حبيبي،سليني تعطي و اشفعي تشفعي،فوعزّتي و جلالي لا جازني ظلم ظالم،فتقول:إلهي و سيّدي ذرّيتي و شيعتي، و شيعة ذرّيتي و محبّي و محبّي ذرّيتي.فإذا النداء من قبل اللّه جلّ جلاله:أين ذرّية فاطمة و شيعتها و محبّوها و محبّوا ذرّيتها،فيقبلون و قد أحاط بهم الرحمة،فتقدمهم فاطمة عليها السّلام حتّى تدخلهم الجنّة (3).
عن عليّ عليه السّلام،عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش:يا أهل القيامة أغمضوا أبصاركم لتجوز فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع قميص مخضوب بدم الحسين عليه السّلام،فتحتوي على ساق العرش فتقول:أنت الجبّار العدل،إقض بيني و بين من قتل ولدي.فيقضي اللّه لابنتي
و ربّ الكعبة،ثمّ تقول:اللّهمّ شفّعني فيمن بكى على مصيبته.فيشفّعها اللّه فيهم (1).
عن الصادق عليه السّلام:إذا كان يوم القيامة جمع اللّه الأوّلين و الآخرين في صعيد واحد-إلى أن قال:-فتأتي فاطمة عليها السّلام فتأخذ قميص الحسين بن علي عليهما السّلام بيدها مضمّخا بدمه و تقول:يا ربّ هذا قميص ولدي و قد علمت ما صنع به.فيأتيها النداء من قبل اللّه عزّ و جلّ:يا فاطمة لك عندي الرضا،فتقول:يا ربّ انتصر لي من قاتله،فيأمر اللّه تعالى عنقا من النار،فتخرج من جهنّم فتلتقط قتلة الحسين بن علي عليهما السّلام كما يلتقط الطير الحبّ،ثمّ يعود العنق بهم إلى النار،فيعذّبون فيها بأنواع العذاب (2).
عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:تحشر ابنتي فاطمة عليها السّلام يوم القيامة و معها ثياب مصبوغة بالدماء،تتعلّق بقائمة من قوائم العرش،تقول:يا عدل،أحكم بيني و بين قاتل ولدي.
و في رواية:يا عدل،يا جبّار،أحكم بيني و بين قاتل ولدي.
و في رواية:يا حكم،أحكم بيني و بين قاتل ولدي.فيحكم اللّه لابنتي و ربّ الكعبة (3).
قال جابر لأبي جعفر عليه السّلام:جعلت فداك يابن رسول اللّه،حدّثني بحديث في فضل جدّتك فاطمة،إذا أنا حدّثت به الشيعة فرحوا بذلك-إلى أن قال عليه السّلام:فيقول اللّه تعالى:يا أهل الجمع إنّي قد جعلت الكرم لمحمّد و علي و الحسن و الحسين و فاطمة،يا أهل الجمع طأطئوا الرؤوس و غضّوا الأبصار،فإنّ هذه فاطمة تسير إلى الجنّة-إلى أن قال:فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت، فيقول الله:يا بنت حبيبي ما التفاتك و قد أمرت بك إلى جنّتي،فتقول:يا ربّ أحببت أن يعرف قدري في هذا اليوم.فيقول الله:يا بنت حبيبي،ارجعي فانظري من كان في قلبه حبّ لك أو لأحد من ذرّيتك،خذي بيده فأدخليه الجنّة (4).
روي أنّ في جملة ما أوصته الزهراء عليها السّلام إلى عليّ عليه السّلام:إذا دفنتني أدفن معي هذا الكاغذ الذي في الحقّة-إلى أن قالت عليها السّلام:-فرجع جبرئيل،ثمّ جاء بهذا الكتاب مكتوب فيه:شفاعة أمّة
محمّد صداق فاطمة عليها السّلام،فإذا كان يوم القيامة أقول:إلهي هذه قبالة شفاعة أمّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (1).
روي أنّها عليها السّلام لمّا دخلت الجنّة و نظرت إلى ما أعدّ اللّه لها من الكرامة،قرأت:بسم اللّه الرحمن الرحيم،الحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن إنّ ربّنا لغفور شكور،الذي أحلّنا دار المقامة من فضله،لا يمسّنا فيها نصب و لا يمسّنا فيها لغوب.فيوحي اللّه عزّ و جلّ إليها:يا فاطمة سليني أعطك و تمنّي عليّ أرضك.
فقالت:إلهي أنت المنى و فوق المنى،أسألك أن لا تعذّب محبّي و محبّ عترتي بالنار.
فيوحي اللّه عزّ و جلّ إليها:يا فاطمة و عزّتي و جلالي و ارتفاع مكاني،لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السماوات و الأرض بألفيّ عام،أن لا أعذّب محبّيك و محبّي عترتك (2).
روي عن ابن عبّاس في حديث طويل أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دخل على فاطمة عليها السّلام فنظر إلى صفار وجهها و تغيّر حدقتيها،فقال لها:يا بنية،ما الذي أراه من صفار وجهك و تغيّر حدقتيك؟
فقالت:يا أبه إنّ لنا ثلاثا ما طعمنا طعاما،إلى أن قال:ثمّ و ثبت حتّى دخلت إلى مخدع لها فصفّت قدميها فصلّت ركعتين،ثمّ رفعت باطن كفّيها إلى السماء و قالت:إلهي و سيّدي هذا محمّد نبيّك،و هذا علي ابن عمّ نبيّك،و هذان الحسن و الحسين سبطا نبيّك،إلهي انزل علينا مائدة من السماء كما أنزلتها على بني إسرائيل،أكلوا منها و كفروا بها،اللّهمّ انزلها علينا فإنّا بها مؤمنون.
و في رواية:اللّهمّ إنّ فاطمة بنت نبيّك قد أضرّ بها الجوع،و هذا علي بن أبي طالب ابن عمّ نبيّك قد أضرّ به الجوع،فأنزل اللّهمّ علينا مائدة من السماء كما أنزلتها على بني إسرائيل فكفروا و إنّا مؤمنون.قال ابن عبّاس:و اللّه ما استتمت الدعوة،فإذا هي بصحفة من ورائها-الخبر (3).
أعوذ باللّه من سخط اللّه و سخط رسوله (4).
أعوذ بك يا ربّ من الحور بعد الكور (5).
روي عنها عليها السّلام أنّها قالت:علّمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صلاة ليلة الأربعاء،فقال:من صلّى ستّ
ركعات،يقرأ في كلّ ركعة الحمد و قُلِ اللّٰهُمَّ مٰالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشٰاءُ -إلى قوله:- بِغَيْرِ حِسٰابٍ (1)فإذا فرغ من صلاته قال:جزى اللّه محمّدا ما هو أهله.غفر اللّه له كلّ ذنب إلى سبعين سنة،و أعطاه من الثواب ما لا يحصى (2).
عن الباقر عليه السّلام قال:إنّ فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مكثت بعد رسول اللّه ستين يوما،ثمّ مرضت فاشتدّت عليها،فكان من دعائها في شكواها:يا حيّ يا قيّوم،برحمتك أستغيث فأغثني، اللّهمّ زحزحني عن النار،و أدخلني الجنّة،و الحقني بأبي محمّد صلّى اللّه عليه و آله (3).
روي عن عليّ عليه السّلام أنّه قال:فلمّا كانت الليلة التي أراد اللّه أن يكرمها و يقبضها إليه أقبلت تقول:و عليكم السلام،و هي تقول لي:يابن عمّ قد أتاني جبرئيل مسلّما-إلى أن قال:-فسمعناها تقول:و عليك السلام يا قابض الأرواح،عجّل بي و لا تعذّبني،ثمّ سمعناها تقول:إليك ربّي،لا إلى النار.ثمّ غمضت عينيها و مدّت يديها و رجليها،كأنّها لم تكن حيّة قط (4).
عن أسماء بنت عميس قالت:رأيتها عليها السّلام في مرضها جالسة إلى القبلة،رافعة يديها إلى السماء،قائلة:
إلهي و سيّدي أسألك بالذين اصطفيتهم،و ببكاء ولدي في مفارقتي،أن تغفر لعصاة شيعتي و شيعة ذرّيتي (5).
يا ربّ إنّي سئمت الحياة،و تبرّمت بأهل الدّنيا،فألحقني بأبي (6).
يا إلهي عجّل وفاتي سريعا،فلقد تنغّصت الحياة (7).
67-دعاؤها عليها السّلام عند وفاتها:اللّهمّ إنّي أسألك بمحمّد المصطفى و شوقه إليّ،و ببعلي علي المرتضى و حزنه عليّ،و بالحسن المجتبى و بكائه عليّ،و بالحسين الشهيد و كآبته عليّ،و ببناتي
الفاطميات و تحسّرهن عليّ،إنّك ترحم و تغفر للعصاة من أمّة محمّد و تدخلهم الجنّة،إنّك أكرم المسؤولين،و أرحم الراحمين (1).
روي عن عبد اللّه بن الحسن عن أبيه،عن جدّه عليه السّلام أنّ فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا احتضرت نظرت نظرا حادّا.
ثمّ قالت:السلام على جبرئيل،السلام على رسول اللّه،اللّهمّ مع رسولك،اللّهمّ في رضوانك و جوارك و دارك دار السلام.
ثمّ قالت:أترون ما أرى؟
فقيل لها:ما تري؟
قالت:هذه مواكب أهل السماوات،و هذا جبرئيل و هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:يا بنية أقدمي فما أمامك خير لك (2).
قال علي عليه السّلام:نكحت ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما لنا فراش ننام عليه إلاّ جلد شاة ننام عليه بالليل و نعلف عليه الناضح بالنهار (3).
و عن أسماء قالت:جهّزت فاطمة إلى علي و ما كان حشو فراشهما و وسائدهما إلاّ الليف.
و عن الباقر عليه السّلام:كان فراش فاطمة و علي إهاب كبش إذا أرادا أن يناما قلباه على صوفه، و وسادتهما من أدم حشوها ليف (4).
و في حديث:إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بكى بكاء شديدا و لم يستطع أحد أن يكلّمه و كان إذا رأى فاطمة فرح بها فانطلق بعض أصحابه إلى باب بيتها فوجد بين يديها شعيرا و هي تطحنه و تقول: وَ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ وَ أَبْقىٰ فسلّم عليها و أخبرها بخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بكائه فنهضت و التفّت بشملة لها خلقة قد خيّطت إثنا عشر مكانا بسعف النخل،فلمّا خرجت نظر سلمان الفارسي إلى الشملة و بكى،و قال:
وا حزناه إنّ قيصر و كسرى لفي السندس و الحرير و ابنة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليها شملة صوف خلقة قد خيطت
في إثني عشر مكانا،فلمّا دخلت فاطمة على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قالت:يا رسول اللّه إنّ سلمان تعجّب من لباسي فو الذي بعثك بالحقّ ما لي و لعليّ منذ خمس سنين إلاّ مسك كبش نعلف عليها بالنهار فإذا كان الليل افترشناه،و إن مرفقتنا لمن أدم حشوها ليف.
فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا سلمان إنّ ابنتي لفي الخيل السوابق (1).
و تقدّم في خدمة فاطمة في بيتها أنّها كانت تعمل كلّ شيء في بيتها و بالأسباب البسيطة.
و عن عمران بن حصين قال:أتيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسلّمت عليه فقال:يا عمران إنّ لك منّا منزلة و جاها فهل لك في عيادة فاطمة؟قلت:نعم يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي،فقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قمت معه حتّى وقف على باب فاطمة فقال:السلام عليك يا بنيّة أ أدخل؟فقالت:أدخل يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي،قال:أنا و من معي؟قالت:و من معك يا رسول الله؟قال:معي عمران بن الحصين الخزاعي،قالت:و الذي بعثك بالحقّ نبيّا ما عليّ إلاّ عباءة لي،فقال:يا بنيّة إصنعي بها هكذا و هكذا،و أشار بيده،فقالت:يا رسول اللّه بأبي أنت و أمّي هذا جسدي قد واريته فكيف لي برأسي؟ فألقى إليها ملاءة له خلقة فقال:شدّي هذه على رأسك ثمّ أذنت له فدخلت معه،فقال:كيف أصبحت يا بنيّة؟
قالت:أصبحت و اللّه وجعة يا رسول اللّه و زادني على ما بي من الوجع الجوع،لست أقدر على طعام آكله،فقد أهلكني الجوع،فبكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بكت فاطمة معه ثم قال:أبشري يا فاطمة و قرّي عينا و لا تحزني،فو الذي بعثني بالنبوّة حقّا إن كنت ذقت طعاما منذ ثلاث و إنّي لأكرم على اللّه منك،و لو شئت أن أظلّ عند ربّي يطعمني و يسقيني لفعلت،و لكنّي آثرت الآخرة على الدّنيا،يا بنيّة لا تجزعي فو الذي بعثني بالنبوّة حقّا إنّك سيّدة نساء العالمين،فوضعت يدها على رأسها و قالت:يا أبه!فأين آسية بنت مزاحم امرأة فرعون؟و مريم بنت عمران؟
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:آسية سيّدة نساء عالمها،و مريم سيّدة نساء عالمها،و خديجة سيّدة نساء عالمها، و أنت فاطمة سيّدة نساء عالمك،إنّكنّ في بيوت من قصب لا أذى فيه و لا نصب.
قلت:يا رسول اللّه و ما بيوت من قصب؟
قال:درّ مجوّف من قصب لا أذى فيه و لا صخب،قال:ثمّ ضرب بيده على منكبها و قال:
يا بنيّة و الذي بعثني بالحقّ نبيّا لقد زوّجتك سيّدا في الدّنيا و سيّدا في الآخرة (2).ى.
1) البحار:303/8 ح 62.
2) أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء:42/2 عن عمران بن حصين و أخرجه ابن عبد البرّ في الاستيعاب:750/2 و أخرجه العلاّمة الطحاوي في مشكل الآثار:48/1 و أخرجه المحبّ الطبري في ذخائر العقبى 43 و قال:خرجه أبو عمر،قال:و خرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي في فضل فاطمة عن عمران مستوفى.
هذه صفة فاطمة و أهل بيتها،و هذا ما أخبر به الرسول الأعظم محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا فاطمة أما علمت أنّا أهل بيت اختار اللّه لنا الآخرة على الدّنيا (1).
و عن جابر قال:دخل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على فاطمة و هي تبكي و تطحن بالرحى و عليها كساء من أجلّة الإبل فلمّا رآها بكى و قال لها:يا فاطمة يا فاطمة تجرّعي مرارة الدّنيا لنعيم الآخرة غدا (2).
و تقدّم في تسبيح فاطمة عليها السّلام رضاها بدل الخادم التسبيح و التهليل و الدعاء.
و في حديث مساراة النبيّ لها عند وفاته أنّها بكت عند ما أخبرها أنّه مقبوض،ثمّ ضحكت لمّا أخبرها أنّها أوّل من يلحقه إلى الرفيق الأعلى و جوار اللّه تعالى لحبّها للقاء اللّه تعالى (3).
و هكذا ينبغي لكلّ مؤمنة مقتدية بفاطمة،تقدّم الآخرة على الدّنيا تقدّم لقاء اللّه و رضوانه،لأنّ الدّنيا بنظر فاطمة و أبيها دار ممرّ إلى دار المقرّ الأبدي،و هذا لا يعني ذمّ الدّنيا و تركها إنّما التزوّد منها للآخرة.
بيت فاطمة بيت الطهر و الطهارة،بيتها الذي كان ينزل فيه جبرائيل على زمن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما في قصّة نزول آية التطهير (4)،و بعد وفاته ليؤنسها،كما تقدّم في مطلع الكتاب.
هو بيت الوحي و الرسالة و مختلف الملائكة،و الذي كان مزارا لها،بيت فاطمة الذي كان ينطق منه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى مهمّاته و أسفاره و حروبه فيعود ظافرا فيبدأ أيضا ببيت فاطمة عليها السّلام.
بيت فاطمة الذي كان يأتيه النبي و باستمرار ليزيل همومه و أتعابه عند ابنته أو أمّه أو شريكة همومه و أحزانه و أفراحه.
بيتها مصلاّها و محرابها الذي كانت تحيي الليل فيه و تتورّم قدماها فيه كما تقدّم.
و باب دار فاطمة ذلك الباب الذي كان يأتيه النبي كلّ يوم ليأخذ بعضادتيه و يقول الصلاة
الصلاة: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1)ذلك الباب الذي كانت الصحابة تتبرّك بموضع يدي الرسول الكريم إلى حين مدّة من ذلك الزمن،إلى حين قصد الخؤون حرق ذلك الباب أو التهديد بذلك،كان يريد أن يحرق لمسات الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بركاته،أو آثاره و معالمه التي تذكّر بشخصه و بآله عليهم السّلام،أو كان يريد أن يحرق ابنة الرسول الأعظم و بضعته بدل التبرّك منها و من بابها و دارها،كما يتبرّكون بمنبره و مصلاّه و ما شابه ذلك.
هذا بيت فاطمة المعنوي الذي امتدحه اللّه تعالى في كتابه بقوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ (2)كما تقدّم في الآيات النازلة في فاطمة.
أمّا بيت فاطمة المتواضع،فلم يكن قصرا كقصور الدّنيا و لا صرحا ممردا و مشيّدا،و لا كان داخل الحدائق و لا بين الأنهار و لا يطلّ على البحار،كان مجرّد حجرة بسيطة في داخل المسجد النبوي من حجارة و طين و جريد النخل مسقوفا بالجريد.
و كان ارتفاعه كطوله و عرضه كما يحدّثنا الحسن بن فاطمة عليهما السّلام فيقول:كنت أدخل بيوت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنا غلام مراهق فأنال السقف بيدي (3).
هذا هو بيت سيّدة نساء العالمين من الأوّلين و الآخرين،و تقدّم أثاث بيتها و هو جلد كبش.
فأين بيوتنا من بيت فاطمة عليها السّلام،و أين أثاث بيتنا من أثاث بيتها؟!؟
جميل من المرأة أن تتأسّى بفاطمة و ببيتها و لكنّه صعب كما أشار أمير المؤمنين و أمرنا أن نعينه بعفّة و سداد،قال عليه السّلام:«ألا و إنّ لكلّ مأموم إماما يقتدي به و يستضيء بنور علمه ألا و أنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (4)و من طعمه بقرصيه،ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك و لكن أعينوني بورع و اجتهاد و عفّة و سداد،فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا و لا ادّخرت من غنائمها وفرا (5)و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا (6).
إنّ اقتناء ما زاد عن الحاجة،و التفكير بأنواع اللباس و الطعام و الزينة يبعّد المرأة عن ربها و طاعته،و بقدر ما تتقرب المرأة من الدنيا بقدر ما تبعد عن ربها و الآخرة،لأنهما ضدان،قال أمير المؤمنين عليه السّلام:مرارة الدنيا حلاوة الآخرة،و حلاوة الدنيا مرارة الآخرة (7).
***9.
أخرج ابن الجوزي أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم صنع لفاطمة قميصا جديدا ليلة عرسها و زفافها و كان لها قميص مرقوع،و إذا بسائل على الباب يقول:أطلب من بيت النبوّة قميصا خلقا،فأرادت أن تدفع إليه القميص المرقوع فتذكّرت قوله تعالى: لَنْ تَنٰالُوا الْبِرَّ حَتّٰى تُنْفِقُوا مِمّٰا تُحِبُّونَ (1)فدفعت إليه الجديد،فلمّا قرب الزفاف نزل جبرائيل و قال:يا محمّد إنّ اللّه يقرئك السلام و أمرني أن أسلّم على فاطمة و قد أرسل لها معي هدية من ثياب الجنّة من السندس الأخضر،فلمّا بلّغها السلام و ألبسها القميص الذي جاء به لفّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالعباءة و لفّها جبرائيل عليه السّلام بأجنحته حتّى لا يأخذ نور القميص بالأبصار،فلمّا جلست بين النساء الكافرات و مع كلّ واحدة شمعة و مع فاطمة رضي اللّه عنها سراج رفع جبرائيل جناحه و رفع العباءة و إذا بالأنوار قد طبقت المشرق و المغرب،فلمّا وقع النور على أبصار الكافرات خرج الكفر من قلوبهنّ و أظهرن الشهادتين (2).
روحي فداها لو أنّ الفقير لم يطلب القميص الخلق لما همّت بإعطائه إيّاه و لناولته الجديد مباشرة،و لكن لسماعها قوله و رغبته بالقميص الخلق تبادر ذهنها إليه،ثمّ كانت من الذين آمنوا اَلَّذِينَ إِذٰا ذُكِرَ اللّٰهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ (3)فذكرت قول اللّه و هي الحافظة للقرآن لَنْ تَنٰالُوا الْبِرَّ فأعطت ما تحبّ لما تحبّ و هو مرضاة اللّه تعالى.
و أخرج ابن الأثير بيع فاطمة لسلسلة من ذهب و شراء غلام و إعتاقه في سبيل اللّه (4).
و عن جابر الأنصاري قال:صلّى بنا رسول اللّه صلاة العصر،فلمّا انفتل جلس في قبلته و الناس حوله فبينما هم كذلك إذ أقبل إليه شيخ من مهاجرة العرب[عليه] (5)سمل قد تهلّل (6)و أخلق (7)،و هو لا يكاد يتمالك كبرا و ضعفا (8)،فأقبل عليه رسول اللّه يستجليه (9).فقال الشيخ:يا نبيّ اللّه أنا جائع الكبد فأطعمني و عاري الجسد فاكسني و فقير فأرشيني.
فقال:ما أجد لك شيئا و لكن الدالّ على الخير كفاعله،إنطلق إلى منزل من يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله يؤثر اللّه على نفسه،إنطلق إلى حجرة فاطمة،و كان بيتها ملاصق بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي ينفرد به لنفسه من أزواجه.
1) سورة آل عمران:92.
2) نزهة المجالس:226/2 مناقب فاطمة 3.
3) سورة الحجّ:35.
4) جامع الاصول:727/4 ح 2845.
5) من البحار.
6) السمل-بالتحريك-الثوب الخلق،قوله:قد تهلّل أي الرجل،من قولهم:تهلّل وجهه إذا استنار و ظهر فيه آثار السرور،أو الثوب كناية عن انخراقه-البحار.
7) في«ط»:اختلق.
8) في«ط»:ضعفا و كبرا.
9) في البحار:يستحثّه،و هو بمعنى يسأله الخير و يحثّه و يرغبه على ذكر أحواله.
و[قال] (1):يا بلال قم فقف به على منزل فاطمة،فانطلق الأعرابي مع بلال فلمّا وقف على باب فاطمة نادى بأعلى صوته:السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة و مختلف الملائكة و مهبط جبرئيل الروح الأمين بالتنزيل من عند ربّ العالمين،فقالت فاطمة:و عليك السلام،من أنت يا هذا؟قال:
شيخ من العرب أقبلت على أبيك سيّد البشر مهاجرا من شقّة بعيدة،و أنا يا بنت محمّد عاري الجسد جائع الكبد فواسيني رحمك اللّه.و كان لفاطمة و علي و رسول اللّه (2)صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثلاثا ما طعموا فيها طعاما،و قد علم رسول اللّه ذلك من شأنهما،فعمدت فاطمة إلى جلد كبش مدبوغ بالقرظ (3)كان ينام عليه الحسن و الحسين،فقالت:خذ هذا أيّها الطارق فعسى اللّه أن يرتاح لك (4)ما هو خير منه.
فقال الأعرابي:يا بنت محمّد شكوت إليك الجوع فناولتني جلد كبش ما أنا صانع به مع ما أجد من السغب (5).قال:فعمدت عليها السّلام لمّا سمعت هذا من قوله إلى عقد كان في عنقها أهدته لها فاطمة بنت عمّها حمزة بن عبد المطّلب،فقطعته من عنقها و نبذته إلى الأعرابي،فقالت:خذه و بعه فعسى اللّه أن يعوّضك به ما هو خير منه.
فأخذ الأعرابي العقد و انطلق إلى مسجد رسول اللّه،و النبي جالس في أصحابه،فقال:
يا رسول اللّه أعطتني فاطمة بنت محمّد هذا العقد و قالت:بعه فعسى أن يصنع اللّه لك،قال:فبكى النبيّ و قال:و كيف لا يصنع اللّه (6)لك و قد أعطتك (7)فاطمة بنت محمّد سيّدة بنات آدم.فقام عمّار بن ياسر رحمه اللّه فقال:يا رسول اللّه أتأذن لي بشراء هذا العقد؟قال:إشتره يا عمّار فلو اشترك فيه الثقلان ما عذّبهم اللّه بالنار،فقال عمّار:بكم هذا العقد يا أعرابي؟
قال:بشبعة من الخبز و اللحم،و بردة يمانية أستر بها عورتي و أصلّي فيها لربّي و دينار يبلغني إلى أهلي،و كان عمّار قد باع سهمه الذي نقله رسول اللّه من خيبر و لم يبق منه شيئا،فقال:لك عشرون دينارا و مائتا درهم هجرية و بردة يمانية و راحلتي تبلغك(إلى) (8)أهلك و شبعة من خبز البرّ و اللحم.
فقال الأعرابي:ما أسخاك بالمال[أيّها الرجل] (9)،و انطلق به عمّار فوفاه ما ضمن له.و عاد الأعرابي إلى رسول اللّه فقال له رسول الله:أشبعت و اكتسيت؟قال الأعرابي:نعم،و استغنيت (10)بأبي أنت و أمّي،قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فأجز فاطمة بصنيعها،فقال الأعرابي:اللّهمّ إنّك إله ما استحدثناك و لات.
إله لنا نعبده سواك،و أنت رازقنا على كلّ الجهات،اللّهمّ اعط فاطمة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت،فأمّن النبيّ على دعائه (1).و أقبل على أصحابه فقال:إنّ اللّه قد أعطى فاطمة في الدّنيا ذلك:أنا أبوها و ما أحد من العالمين مثلي،و علي بعلها و لو لا علي ما كان لفاطمة كفوا أبدا، و أعطاها الحسن و الحسين و ما للعالمين مثلهما سيّدا شباب أسباط الأنبياء و سيّدا أهل الجنّة-و كان بإزائه مقداد و عمّار و سلمان رضي اللّه عنهم-فقال:و أزيدكم؟
فقالوا:نعم يا رسول اللّه.قال:أتاني الروح الأمين-يعني جبرئيل-إنّها إذا هي قبضت و دفنت يسألها الملكان في قبرها:من ربّك؟فتقول:اللّه ربّي،فيقولان:من نبيّك؟فتقول:أبي، فيقولان:فمن وليّك؟فتقول:هذا القائم على شفير قبري عليّ بن أبي طالب،ألا و أزيدكم من فضلها إنّ اللّه قد وكّل بها رعيلا (2)من الملائكة يحفظونها من بين يديها و من خلفها و عن يمينها و عن شمالها و هم معها في حياتها و عند قبرها بعد موتها يكثرون الصلاة عليها و على أبيها و بعلها و بنيها، فمن زارني بعد وفاتي فكأنّما زارني في حياتي،و من زار فاطمة فكأنّما زارني،و من زار علي بن أبي طالب فكأنّما زار فاطمة،و من زار الحسن و الحسين فكأنّما زار عليّا،و من زار ذرّيتهما فكأنّما زارهما.فعمد عمّار إلى العقد و طيّبه بالمسك و لفّه في بردة يمانية و كان له عبد إسمه سهم،إبتاعه من ذلك السهم الذي أصابه بخيبر،فدفع العقد إلى المملوك و قال له:خذ هذا العقد فادفعه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنت له،فأخذ(المملوك) (3)العقد فأتى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أخبره بقول عمّار رحمه اللّه فقال النبي:إنطلق إلى فاطمة فادفع إليها العقد و أنت لها،فجاء المملوك بالعقد و أخبرها بقول رسول اللّه،فأخذت فاطمة العقد و أعتقت المملوك فضحك الغلام،فقالت فاطمة عليها السّلام:ما يضحكك يا غلام؟
فقال:أضحكني عظم بركة هذا العقد،أشبع جائعا و كسى عريانا و أغنى فقيرا و أعتق عبدا و رجع إلى ربّه (4).
و في حديث طويل عن النبي فيه مجيء أعرابي يطلب صدقة جاء فيه:ثمّ التفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:من يزوّد الأعرابي و أضمن له على اللّه عزّ و جلّ زاد التقوى.قال:فوثب إليه سلمان الفارسي،فقال:فداك أبي و أمّي ما زاد التقوى؟
قال:يا سلمان إذا كان آخر يوم من الدّنيا لقنّك اللّه عزّ و جلّ قول شهادة أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ3.
محمّدا رسول اللّه فإن أنت قلتها لقيتني و لقيتك،و إن أنت لم تقلها لم تلقني و لم ألقك أبدا.قال:
فمضى سلمان حتّى طاف تسعة أبيات من بيوت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يجد عندهنّ شيئا،فلمّا أن ولّى راجعا نظر إلى حجرة فاطمة عليها السّلام فقال:إن يكن خير فمن منزل فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقرع الباب فأجابته من وراء الباب:من بالباب؟فقال لها:أنا سلمان الفارسي فقالت له:يا سلمان و ما تشاء؟ فشرح قصّة الأعرابي و الضبّ مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،قالت له:يا سلمان و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالحقّ نبيّا إنّ لنا ثلاثا ما طعمنا،و إنّ الحسن و الحسين قد اضطربا عليّ من شدّة الجوع،ثمّ رقدا كأنّهما فرخان منتوفان،و لكن لا أرد الخير إذا نزل الخير ببابي.يا سلمان خذ درعي هذا ثمّ امض به إلى شمعون اليهودي و قل له:تقول لك فاطمة بنت محمّد:أقرضني عليه صاعا من تمر و صاعا من شعير أردّه عليك إن شاء اللّه تعالى.
قال:فأخذ سلمان الدّرع ثمّ أتى به إلى شمعون اليهودي فقال له:يا شمعون هذا درع فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تقول لك:أقرضني عليه صاعا من تمر و صاعا من شعير أردّه عليك إن شاء اللّه.
قال:فأخذ شمعون الدرع ثمّ جعل قلبه في كفّه و عيناه تذرفان بالدموع و هو يقول:يا سلمان هذا هو الزهد في الدّنيا هذا الذي أخبرنا به موسى بن عمران في التوراة أنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله،فأسلم و حسن إسلامه.
ثمّ دفع إلى سلمان صاعا من تمر و صاعا من شعير فأتى به سلمان إلى فاطمة فطحنته بيدها و اختبزته خبزا ثمّ أتت به إلى سلمان فقالت له:خذه و امض به إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،قال:فقال لها سلمان:يا فاطمة خذي منه قرصا تعللين به الحسن و الحسين،فقالت:يا سلمان هذا شيء أمضيناه للّه عزّ و جلّ لسنا نأخذ منه شيئا.قال:فأخذه سلمان فأتى به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلمّا نظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى سلمان قال له:يا سلمان من أين لك هذا؟
قال:من منزل ابنتك فاطمة،قال:و كان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يطعم طعاما منذ ثلاث.قال:فوثب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى ورد إلى حجرة فاطمة،فقرع الباب و كان إذا قرع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الباب لا يفتح له الباب إلاّ فاطمة فلمّا أن فتحت له الباب نظر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى صفار وجهها و تغيّر حدقتيها،فقال لها:يا بنية ما الذي أراه من صفار وجهك و تغيّر حدقتيك؟فقالت:يا أبه إنّ لنا ثلاثا ما طعمنا طعاما و إنّ الحسن و الحسين قد اضطربا عليّ من شدّة الجوع ثمّ رقدا كأنّهما فرخان منتوفان.
قال:فأنبههما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأخذ واحدا على فخذه الأيمن و الآخر على فخذه الأيسر و أجلس فاطمة بين يديها و اعتنقها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و دخل علي بن أبي طالب عليه السّلام فاعتنق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من ورائه،ثمّ رفع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم طرفه نحو السماء فقال:إلهي و سيّدي و مولاي هؤلاء أهل بيتي اللّهمّ أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا.قال:ثمّ وثبت فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى دخلت إلى مخدع لها فصفّت قدميها فصلّت ركعتين ثمّ رفعت باطن كفّيها إلى السماء و قالت:إلهي و سيّدي هذا محمّد نبيّك،
و هذا علي ابن عمّ نبيّك،و هذان الحسن و الحسين سبطا نبيّك،إلهي أنزل علينا مائدة من السماء كما أنزلتها على بني إسرائيل أكلوا منها و كفروا بها،اللّهمّ أنزلها علينا فإنّا بها مؤمنون.
قال ابن عبّاس:و اللّه ما استتمت الدعوة فإذا هي بصحفة من ورائها يفور قتارها و إذا قتارها أزكى من المسك الأذفر،فاحتضنتها ثمّ أتت بها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و علي و الحسن و الحسين،فلمّا أن نظر إليها علي بن أبي طالب عليه السّلام قال لها:يا فاطمة من أين لك هذا؟و لم يكن عهد عندها شيئا، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:كل يا أبا الحسن و لا تسأل،الحمد للّه الذي لم يمتني حتّى رزقني ولدا مثلها مثل مريم بنت عمران كُلَّمٰا دَخَلَ عَلَيْهٰا زَكَرِيَّا الْمِحْرٰابَ وَجَدَ عِنْدَهٰا رِزْقاً قٰالَ يٰا مَرْيَمُ أَنّٰى لَكِ هٰذٰا قٰالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشٰاءُ بِغَيْرِ حِسٰابٍ (1)(2).
هذا إيثار فاطمة و تقديمها الآخرة على حطام الدنيا،فأين نحن منها؟و أين النساء اللآتي يقتدين بفاطمة عليها السّلام،أين اللآتي يتصدقن بما يملكن من طعام و ذهب و جواهر؟
أين اللآتي يهتممن بالفقراء و المساكين من أهل بلدهم أو جيرانهم؟
قال ابن طاووس:و من الطرائف العجيبة ما تجدّدت على فاطمة عليها السّلام بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم من الأذى و الظلم و كسر حرمتها و حرمة أبيها و الإستخفاف بتعظيمه لها و تزكيتها،كما تقدّمت رواياتهم عنه في حقّها من الشهادة بطهارتها و جلالتها و شرفها على سائر النسوان و أنّها سيّدة نساء أهل الجنّة (3).
فذكر أصحاب التواريخ في ذلك رسالة طويلة تتضمّن صورة الحال أمر المأمون الخليفة العباسي بإنشائها و قراءتها في موسم الحج.و قد ذكرها صاحب التاريخ المعروف بالعبّاسي و أشار الروحي الفقيه صاحب التاريخ إلى ذلك في حوادث سنة ثماني عشرة و مائتين جملتها:
أنّ جماعة من ولد الحسن و الحسين عليه السّلام رفعوا قصة إلى المأمون الخليفة العباسي من بني العبّاس يذكرون أنّ فدك و العوالي كانت لامّهم فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم،و أنّ أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حق،و سألوا المأمون إنصافهم و كشف ظلامتهم،فأحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز و العراق و غيرهم و هو يؤكّد عليهم في أداء الأمانة و اتّباع الصدق،و عرّفهم ما ذكره ورثة فاطمة في قضيتهم و سألهم عمّا عندهم من الحديث الصحيح في ذلك.
فروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد و الواقدي و بشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم لما فتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود،فنزل عليه جبرائيل عليه السّلام بهذه الآية وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ (1).
فقال محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:و من ذو القربى و ما حقّه؟
قال:فاطمة عليها السّلام تدفع إليها فدك،فدفع إليها فدك (2).
ثم أعطاها العوالي بعد ذلك،فاستغلّتها حتى توفي أبوها محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلمّا بويع أبو بكر منعها منها،فكلّمته فاطمة عليها السّلام في ردّ فدك و العوالي عليها و قالت له:إنها لي و إن أبي دفعها إليّ.
فقال أبو بكر:و لا أمنعك ما دفع إليك أبوك.
فأراد أن يكتب لها كتابا فاستوقفه عمر بن الخطاب و قال:إنها امرأة فادعها بالبيّنة على ما ادّعت،فأمر أبو بكر أن تفعل،فجاءت بأمّ أيمن و أسماء بنت عميس مع علي بن أبي طالب عليه السّلام فشهدوا لها جميعا بذلك،فكتب لها أبو بكر،فبلغ ذلك عمر فأتاه فأخبره أبو بكر الخبر،فأخذ الصحيفة فمحاها (3)فقال:إنّ فاطمة امرأة و علي بن أبي طالب زوجها و هو جار إلى نفسه و لا يكون بشهادة امرأتين دون رجل.
فأرسل أبو بكر إلى فاطمة عليها السّلام فأعلمها بذلك،فحلفت باللّه الذي لا إله إلاّ هو أنّهم ما شهدوا إلاّ بالحق.
فقال أبو بكر:فلعل أن تكوني صادقة و لكن أحضري شاهدا لا يجر إلى نفسه.
فقالت فاطمة:ألم تسمعا من أبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قول:أسماء بنت عميس و أم أيمن من أهل الجنّة؟
فقالا:بلى.
فقالت:امرأتان من الجنة تشهدان بباطل!فانصرفت صارخة تنادي أباها و تقول:قد أخبرني أبي بأنّي أوّل من يلحق به،فو الله لأشكونّهما،فلم تلبث أن مرضت فأوصت عليا أن لا يصلّيا عليها و هجرتهما فلم تكلّمهما حتى ماتت،فدفنها علي عليه السّلام و العباس ليلا.
فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه ذلك اليوم،ثم أحضر في اليوم الآخر ألف رجل من أهل8.
1) الاسراء:26.
2) سوف يأتي الحديث عن جملة من الحفّاظ و رواه القندوزي في الينابيع:119 ط.تركيا-و ط.النجف: 140.
3) ذكره في السيرة الحلبية:362/3 ط.بيروت المكتبة الاسلامية و مصر 1320 ه نعم بلفظ:شق عمر الكتاب.و في بعض الروايات بلفظ:مزّقها عمر،راجع وفاة الزهراء:78.و في بعضها أنه أحرقها،راجع الهداية الكبرى:178.
الفقه و العلم و شرح لهم الحال و أمرهم بتقوى اللّه و مراقبته،فتناظروا و استظهروا ثم افترقوا فرقتين، فقالت طائفة منهم:الزوج عندنا جار إلى نفسه فلا شهادة له،و لكنّا نرى يمين فاطمة قد أوجبت لها ما ادّعت مع شهادة الامرأتين،و قالت طائفة:نرى اليمين مع الشهادة لا توجب حكما و لكن شهادة الزوج عندنا جائزة و لا نراه جارّا إلى نفسه،فقد وجب بشهادته مع شهادة الإمرأتين لفاطمة عليها السّلام ما ادّعت،فكان اختلاف الطائفتين إجماعا منهما على استحقاق فاطمة عليها السّلام فدك و العوالي.
فسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعلي بن أبي طالب عليه السّلام،فذكروا منها طرفا جليلة قد تضمّنه رسالة المأمون،و سألهم عن فاطمة عليها السّلام فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة،و سألهم عن أمّ أيمن و أسماء بنت عميس فرووا عن نبيّهم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انّهما من أهل الجنّة،فقال المأمون:أيجوز أن يقال أو يعتقد أن علي بن أبي طالب مع ورعه و زهده يشهد لفاطمة بغير حق؟
و قد شهد اللّه تعالى و رسوله بهذه الفضائل له،أو يجوز مع علمه و فضله أن يقال إنّه يمشي في شهادة و هو يجهل الحكم فيها؟
و هل يجوز أن يقال إن فاطمة مع طهارتها و عصمتها و إنها سيّدة نساء العالمين و سيّدة نساء أهل الجنّة كما رويتم تطلب شيئا ليس لها،تظلم فيه جميع المسلمين و تقسم عليه باللّه الذي لا إله إلاّ هو؟
أو يجوز أن يقال عن أمّ أيمن و أسماء بنت عميس انّهما شهدتا بالزور و هما من أهل الجنّة؟ إنّ الطعن على فاطمة و شهودها طعن على كتاب اللّه و إلحاد في دين اللّه،حاشا اللّه أن يكون ذلك كذلك.
ثم عارضهم المأمون بحديث رووه أنّ علي بن أبي طالب عليه السّلام أقام مناديا بعد وفاة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم ينادي:من كان له على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دين أو عدّة فليحضر،فحضر جماعة فأعطاهم علي بن أبي طالب عليه السّلام ما ذكروه بغير بيّنة،و إنّ أبا بكر أمر مناديا بمثل ذلك فحضر جرير بن عبد اللّه و ادّعى على نبيّهم عدّة فأعطاها أبو بكر بغير بيّنة،و حضر جابر بن عبد اللّه و ذكر أنّ نبيّهم وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال البحرين،فلما قدم مال البحرين بعد وفاة نبيّهم أعطاه أبو بكر الثلاث الحثوات بدعواه بغير بيّنة.
ثم قال ابن طاووس في الطرائف:(قال عبد المحمود):و قد ذكر الحميدي هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع من أفراد مسلم من مسند جابر و أنّ جابرا قال:فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال أبو بكر خذ مثليها (1).م.
1) صحيح مسلم:1807/4 كتاب الفضائل ح 4278،و فتح الباري بشرح البخاري:598/4 ح 2296 كتاب الكفالة باب من تكفل عن يتيم.
قال رواة رسالة المأمون:فتعجّب المأمون من ذلك و قال:أما كانت فاطمة و شهودها يجرون مجرى جرير بن عبد اللّه و جابر بن عبد اللّه،ثم تقدّم بسطر الرسالة المشار إليها و أمر أن تقرأ بالموسم على رؤوس الأشهاد،و جعل فدكا و العوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السّلام يعمرها و يستغلّها و يقسم دخلها بين ورثة فاطمة بنت محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم (1).
و ذكر أبو هلال العسكري في كتاب أخبار الأوائل أنّ أوّل من ردّ فدكا على ورثة فاطمة عليها السّلام عمر بن عبد العزيز،و كان معاوية أقطعها لمروان بن الحكم و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية و جعلها بينهم أثلاثا،ثم قبضت من ورثة فاطمة فردّها عليهم السفاح،ثم قبضت فردّها عليهم المهدي،ثم قبضت فردّها عليهم المأمون كما تقدّم شرحه (2).
و من غير كتاب أبي هلال العسكري بل في تواريخ متفرّقة أنها قبضت منهم بعد المأمون فردّها عليهم الواثق،ثم قبضت فردّها عليهم المستعين،ثم قبضت فردّها عليهم المعتمد،ثم قبضت فردّها المعتضد،ثم قبضت فردّها عليهم الراضي (3).
و من طرائف صحيح الأجوبة في ترك علي بن أبي طالب عليه السّلام لاستعادة فدك لمّا بويع له بالخلافة:
ما ذكره ابن بابويه في أوائل كتاب العلل في باب العلّة التي من أجلها ترك أمير المؤمنين عليه السّلام فدكا لمّا ولي الناس بإسناده إلى أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام يعني جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام قال:قلت له لم لم يأخذ أمير المؤمنين عليه السّلام فدكا لمّا ولي الناس و لأيّ علّة تركها؟
فقال عليه السّلام:لأنّ الظالم و المظلومة قد كانا قدما على اللّه عزّ و جلّ،و أثاب اللّه المظلومة و عاقب الظالم،فكره أن يسترجع شيئا قد عاقب اللّه عليه غاصبه و أثاب عليه المغصوبة.
و ذكر أيضا في الباب المذكور جوابا آخر،و رواه بإسناده إلى إبراهيم الكرخي قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام فقلت له:لأيّ علّة ترك أمير المؤمنين فدكا لمّا ولي الناس؟
فقال عليه السّلام:للإقتداء برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا فتح مكة و قد باع عقيل بن أبي طالب داره،فقيل له:
يا رسول اللّه ألا ترجع إلى دارك؟3.
1) ذكر بعض هذه الامور المسعودي في مروج الذهب:402/2 ط.مصر و 51/4 ط.بيروت،و السقيفة و فدك:103-146.
2) الأوائل:188 الباب الخامس ح 185 و 186.
3) أمر فدك بين الردّ و الأخذ يراجع:مروج الذهب:402/2 ط.مصر 1346 ه،و ط.بيروت 51/4،و علي و مناوؤه:50،و السقيفة و فدك:103 و 146،و الأوائل:188 ح 185-186،و وفاء الوفا:998/3.
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:و هل ترك عقيل لنا دارا،إنّا أهل بيت لا نسترجع شيئا يؤخذ منّا ظلما،فلذلك لم يسترجع فدكا لما ولي.
و ذكر أيضا في الباب المذكور جوابا ثالثا بإسناده إلى علي بن فضال عن أبيه عن أبي الحسن يعني موسى بن جعفر الكاظم عليهما السّلام قال:سألته عن أمير المؤمنين لم لم يسترجع فدكا لما ولي الناس؟
فقال:لأنّا أهل بيت لا نأخذ حقوقنا ممّن ظلمنا إلاّ هو(يعني إلاّ الله)و نحن أولياء المؤمنين إنّما نحكم لهم و نأخذ حقوقهم ممّن ظلمهم و لا نأخذ لأنفسنا (1).
قال ابن طاووس:ما زلت أسمع علماء أهل البيت عليهم السّلام يتألّمون من أبي بكر و عمر بأخذ فدك من أمّهم و قد وقفت على كتب لهم و روايات كثيرة عن سلفهم حتى أنهم يراعون حفظ حدود فدك كما يراعي المظلوم حفظ حدود ضيعته و ملكه إذا غصب منه.
و من ذلك ما رواه علي بن اسباط أنه سأل موسى بن جعفر عليه السّلام عن حدود فدك فقال:حدّها الأول عرش مصر و الحد الثاني دومة الجندل و الحدّ الثالث تيما و الحدّ الرابع جبال أحد من المدينة (2).
و من ذلك ما رواه علي بن أسباط رفعه إلى الرضا عليه السّلام أنّ رجلا من أولاد البرامكة عرض لعلي بن موسى الرضا عليه السّلام فقال له:ما تقول في أبي بكر و عمر؟
قال:سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر،فألحّ السائل عليه في كشف الجواب.
فقال عليه السّلام:كانت لنا أم صالحة ماتت و هي عليهما ساخطة و لم يأتنا بعد موتها خبر أنّها رضيت عنهما (3).
و قال ابن طاووس:و علماء أهل البيت عليهم السّلام لا يحصي عددهم و عدد شيعتهم إلاّ اللّه تعالى، و ما رأيت و لا سمعت عنهم أنّهم يختلفون في أنّ أبا بكر و عمر ظلما أمّهم فاطمة عليها السّلام ظلما عظيما.
و ذكر أبو هلال العسكري في كتاب أخبار الأوائل أنّ أوّل من ردّ فدكا على ورثة فاطمة عليها السّلام عمر بن عبد العزيز،و كان معاوية أقطعها لمروان بن الحكم و عمرو بن عثمان و يزيد بن معاوية و جعلها بينهم أثلاثا،ثم قبضت من ورثة فاطمة فردّها عليهم السفاح،ثم قبضت فردّها عليهم9.
المهدي،ثم قبضت فردّها عليهم المأمون كما تقدّم شرحه (1).
و من غير كتاب أبي هلال العسكري بل في تواريخ متفرّقة أنها قبضت منهم بعد المأمون فردّها عليهم الواثق،ثم قبضت فردّها عليهم المستعين،ثم قبضت فردّها عليهم المعتمد،ثم قبضت فردّها المعتضد،ثم قبضت فردّها عليهم الراضي (2).
و قال:و من طريف ما رأيت من المناقضة في ذلك ان أبا بكر و عمر يردان شهادة علي بن أبي طالب عليه السّلام و يقولان إنه يجرّ إلى نفسه،و قد عرف أهل الملل و العارفون بأحوال الإسلام أنّ علي بن أبي طالب عليه السّلام ما كان طالبا للدنيا و لا راغبا فيها و لا متّكلا عليها،كما فعل أبو بكر و عمر حتى يقال إنه يجرّ إلى نفسه.
و من طريف ذلك أن يكون اللّه العالم بالسرائر يشهد لعلي بن أبي طالب عليه السّلام على لسان رسولهم على ما ذكروه في صحاحهم و قد تقدّم بعضه أنّ علي بن أبي طالب عليه السّلام ممدوح مزكّى في الحياة و بعد الوفاة و أنّه أفضل الصحابة (3)،فإن جاز الشك في علي عليه السّلام الموصوف بتلك الصفات فإنّما هو شك فيمن أسندوا إليه تلك الروايات و تكذيب لأنفسهم فيما صحّحوه،و نقص للإسلام الذي مدحوه.
و من طريف ذلك أن تسقط شهادة علي عليه السّلام بدعوى أنه يجرّ إلى نفسه،و يشهد أبو بكر أنّ ميراث محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للمسلمين،فإذا كان أبو بكر من المسلمين فله في ميراثه حصّة و لكل من وافقه في الشهادة بذلك،فكيف لا يكونون جارّين الى أنفسهم؟
و كيف لا تبطل شهادة أبي بكر و هو في تلك الحال يزعم أنه وكيل المسلمين و شاهد لهم و شاهد لنفسه و مدّع لثبوت يده على فدك و العوالي،و لا يكون بعض هذه الأمور القادحة في الشهادات مبطلا لشهادته و لا جارّا إلى نفسه و لا مسقطا لروايته.إنّ ذلك من طرائف ما ادّعاه المسلمون و عجائب السلف الماضين.
و من طريف مناقضاتهم ما رووه في كتبهم الصحيحة عندهم برجالهم عن مشايخهم حتى أسندوه عن سيد الحفّاظ يعنون ابن مردويه قال:أخبرنا محيي السنّة أبو الفتح عبدوس بن عبد اللّه الهمداني إجازة قال:حدّثنا القاضي أبو نصر شعيب بن علي قال:حدّثنا موسى بن سعيد قال:حدّثنا الوليد بن علي قال:حدّثنا عباد بن يعقوب عن ابن عبّاس عن فضيل عن عطية عن أبي سعيد قال:لمّاي.
نزلت هذه الآية وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ (1)دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاطمة فأعطاها فدكا (2).
قال ابن طاووس:فهل ترى عذرا في منع فاطمة عليها السّلام من فدك؟
و هل تراهم إلاّ قد شهدوا بتصديقها ثم منعوها و كذّبوها؟
و هل ترى شكا فيما ترويه الشيعة من ظلمها و دفعها من حقّها؟
و من طريف مناقضتهم أيضا في ذلك و إقرارهم بظهور حجّة اللّه و حجّة رسوله و حجّة فاطمة عليهم،و مبالغتهم في اعترافهم ببطلان أعذارهم في منع فاطمة عليها السّلام من فدك.
ما ذكره المسمّى صدر الأئمّة عندهم فخر خوارزم موفق بن أحمد المكّي في كتابه قال ما هذا لفظه:و ممّا سمعت في المقادير باسنادي عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا علي إنّ اللّه تعالى زوّجك فاطمة و جعل صداقها الأرض،فمن مشى عليها مبغضا لها مشى حراما (3).
و قال:فإذا كان الأمر كما قالوه و إنّ الأرض صداقها أفما كان يحسن أن تعطى من جملة صداقها فدكا؟و هل رواياتهم لمثل هذا إلاّ زيادة في الحجّة عليهم؟
فإنّ من قد شهدّتم أنّ الأرض صداقها فكيف جاز أن تكذب و تمنع من فدك،إنّ هذا من عجائب ما نقلوه و مناقض ما قالوه.
و من طريف مناقضتهم أيضا ما رواه أبو بكر بن مردويه في كتابه باسناده قال:نابت أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نائبة فجمعهم عمر فقال لعلي عليه السّلام:تكلّم فأنت خيرهم و أعلمهم.هذا لفظ الحديث (4).
و من طريف مناقضتهم أيضا في ذلك روايتهم في صحاحهم بأنّ عليا أقضاهم و أعلمهم.
و قد ذكر الحميدي في كتاب الجمع بين الصحيحين في الحديث الأوّل من أفراد البخاري في مسند أبي بن كعب طرفا من ذلك (5).
و رووا في كتبهم كان عمر يقول:لا عاش عمر لمعضلة ليس لها أبو الحسن-يعني7.
1) الإسراء:26.
2) ذكره العسقلاني في المطالب العالية:367/3 ح 3725،و مسند أبي يعلى:334/2 و 534 ح 1075 و 1409،و الدر المنثور:66/1 مورد الآية عن ابن مردويه،و كنز العمّال:158/2 ط.مصر،و مجمع الزوائد:49/7 ط.مصر 1352 و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد:139 ح 11125،و أسباب النزول للسيوطي:167.
3) الخوارزمي في مقتل الحسين:66/1،و الفردوس:319/5 ح 8310،و اللآلىء المصنوعة:369/1، و بحار الأنوار:141/43.
4) كنز العمّال:832/5 ح 14508 قسم الأقضية.
5) فتح الباري بشرح البخاري:211/8 ح 4481 كتاب التفسير باب 7.
عليّا عليه السّلام (1).و أن:لو لا علي لهلك عمر (2).
فكيف يقال عن علي عليه السّلام و هو بهذا العلم و هذه الأوصاف و قد بلغ من الأمانة و الورع و الزهادة إلى الغايات،بأنّه يترك زوجته المعظّمة في الإسلام تطلب حكما و شيئا لا يثبت لها،و لا تقبل فيه شهادة شهودها،و أنّه ممّن لا يقبل شهادته في ذلك،ثم يشهد لها ثم يوافقها و يعاضدها في الحياة و يزكّيها بعد الوفاة.
و من طريف الأمور الدالّة على تهوينهم بفاطمة بنت نبيّهم و بوصايا أبيها فيها و عدم طلبهم لمراضيها:أنّها تبقى ستّة أشهر على ما تقدّمت الرواية عنهم في صحاحهم هاجرة لأبي بكر،فلا يقع توصل في رضاها،و قد كان يمكن أبو بكر إذا عجز عن كل شيء أن يهب لها ما يخصّها من الحصة التي ادّعاها بشهادة في ميراث أبيها و يستوهب لها باقي فدك و العوالي من المسلمين أو يشتري ذلك منهم،أ فما كان لحق أبيها و حقّها ما يوجب عليه و على المسلمين أن يؤثروها بذلك،أو يبعثوا من يشتري لها ذلك.
و من طريف ما رأيت من اعتذارهم لأبي بكر في ظلم فاطمة عليها السّلام بنت نبيّهم أن محمود الخوارزمي ذكر في كتاب الفائق في الأصول لما استدلّوا عليه بأنّ فاطمة صادقة (3)و أنّها من أهل الجنّة،فكيف يجوز الشك في دعواها لفدك؟و كيف يجوز أن يقال عنها أنّها أرادت ظلم جميع0.
1) أقول له ألفاظ:-«لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابا حسن-اعوذ من معضلة»-راجع تذكرة الخواص: 137 و 134 الباب السادس،و مقتل الحسين:45/1 فصل 4-ابن المسيب،و نور الأبصار:161 فصل 14 مناقب علي،و تاريخ الخلفاء:171 الاحاديث الواردة في فضل علي،و كفاية الطالب:217-219 باب 57 ح 722،و ما بعده،و الفصول المهمة:34 علوم امير المؤمنين،و شرح النهج:18/1،و ذخائر العقبى:82 عن محمد بن الزبير و ابن زياد،و شعب الإيمان:451/3 ح 4040 باب المناسك فضيلة الحجر،و الصواعق المحرقة:127-179 ط.مصر-و ط.بيروت:196 و 272 في فضائل علي،و مقامات العلماء:165،و مناقب الخوارزمي:96 و 97 و 101 فصل 7،و الطبقات الكبرى:258/2 ترجمة علي، و صفة الصفوة:121/1،تاريخ الذهبي:638/3-عهد الخلفاء،و ترجمة علي من تاريخ دمشق:50/3، و 54،و كنز العمال:831/5،و 834،و 832 ح 14508،و ما بعده.-«أعوذ بالله ان اعيش في يوم لست فيه يا ابا الحسن»و جواهر العقدين:386 الباب الثالث عشر،و ذخائر العقبى:82 عن أبي سعيد.«لا ابقاني الله بعدك يا علي»:ذخائر العقبى:82 عن يحيى بن عقيل.
2) ينابيع المودة:70/1 ط.تركيا و ط.النجف:80،و كفاية الطالب:227 باب 59،و 334 باب 64 عن مسروق،و شرح النهج:18/1 الخطبة الاولى،و ذخائر العقبى:82،و الفصول المهمة:34 علوم امير المؤمنين،و فتح الملك العلي:71 عن ابن المسيب،و الكوكب الدري الرفيع:125،الفضائل الخمسة: 309/2-325-321-312-320،مناقب الخوارزمي:81 فصل 7.
3) كما اعترفت عائشة بذلك حيث قالت:«ما رأيت أصدق من فاطمة فانّها لا تكذب»المطالب العالية:/4 70،و المعجم الأوسط:349/3 ح 2742،و حلية الأولياء:42/2 ترجمة فاطمة(133)،و مستدرك الصحيحين:160/3،و مسند أبي يعلى:153/8 ح 4700.
المسلمين و أصرّت على ذلك إلى الوفاة؟
فقال الخوارزمي ما هذا لفظه:إنّ كون فاطمة صادقة في دعواها و أنّها من أهل الجنّة لا توجب العمل بما تدعيه إلاّ ببيّنة.
قال الخوارزمي:و إنّ أصحابه يقولون لا يكون حالها أعلى من حال نبيّهم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و لو ادّعى نبيّهم محمّد مالا على ذمّي و حكم حكما ما كان للحكم أن يحكم له لنبوّته و كونه من أهل الجنّة إلاّ ببيّنة (1).
قال ابن طاووس:أما تضحك العقول الصحيحة من هذا الكلام!كيف يعدّون هؤلاء من أهل الإسلام و يزعمون أنّهم قد صدّقوا نبيّهم في التحريم و التحليل و العطاء و المنع و كل شيء ذكره لنفسه أو لغيره،و يكذّبونه أو يشكّون في صدقه في الدعوى على ذمّي حتى يقوم ببيّنة،إنّ هذا عقل ضعيف و دين سخيف.
و من طريف ذلك أنّ البيّنة ما عرفوا ثبوتها و صحّة العمل بها إلاّ من نبيّهم و يكون ثبوت صدقه الآن في الدعوى على الذمّي بالبيّنة.
و من طريف ما تجدّد في هذا المعنى أنّ فاطمة بنت نبيّهم المشهود لها بالفضائل و أنّها سيّدة نساء أهل الجنّة (2)،يكذّبونها و يكذّبون شهودها و يطعنون فيهم و فيها مع ما تقدّم في رواياتهم من مدائح اللّه و رسوله لهم،و يدّعي بنو صهيب مولى بني جزعان ببيتين و حجرة من بيوت نبيّهم و حجراته و يطلبون ذلك بعد وفاته بمدّة طويلة تقتضي أن لو كان لهم حق فيما ادعوه لظهر،فيعطون ذلك بشهادة عبد اللّه بن عمر وحده،و لا ينكر ذلك مسلم منهم،و لا يجري عند هؤلاء الأربعة المذاهب حال فاطمة و شهودها مجرى عبد اللّه بن عمر وحده.و قد روى الحديث في ذلك جماعة.
و رواه الحميدي في مسند عبد اللّه بن عمر في الحديث الثامن و الستّين من أفراد البخاري من كتاب الجمع بين الصحيحين بهذه الألفاظ:إنّ بني صهيب مولى بني جزعان ادّعوا ببيتين و حجرة أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أعطى ذلك صهيبا.
فقال مروان:من يشهد لكم على ذلك؟
قالوا:عبد اللّه بن عمر،فشهد لهم بذلك،فقضى مروان بشهادته وحده لهم (3).
و من طريف ما تجدّد لفاطمة عليها السّلام منهم أنها لمّا رأت تكذيبهم لها و شكّهم فيها و في شهودها بأنّ أباها وهبها ذلك في حياته أرسلت إلى أبي بكر و رووا أنها حضرت بنفسها تطلب فدكا بطريق1.
ميراث أبيها،لأنّ المسلمين لا يختلفون في أن فدكا كانت لأبيها محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فمنعها أيضا أبو بكر من ميراثها و هان عليه ظلمها و تكذيبها،و ادّعى في منعها قولا من أبيها لو كان قد قاله ما كان خفي عنها و عن جماعة من أهل الإسلام،و آذاها و قبّح ذكر صدقها و أساء الخلافة لأبيها فيها،و طعن في تزكيته لها فهجرته حتّى ماتت.
فمن الرواية في ذلك ما ذكره البخاري في صحيحه في الجزء الخامس من أجزاء ثمانية في رابع كرّاس من أوّله من النسخة المنقول منها باسناده عن عائشة ان فاطمة عليها السّلام بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدكا و ما بقي من خمس خيبر،فقال أبو بكر:إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمّد من هذا المال،و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه و لأعملن فيها بما عمل به رسول اللّه،فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا،فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفيت،و عاشت بعد رسول اللّه ستّة أشهر،فلمّا توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا،و لم يؤذن بها أبا بكر و صلّى عليها علي-الخبر (1).
و من الرواية في ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في الجزء الثالث من أجزاء ستة في أواخره على نحو ثلاث كراريس من النسخة المنقول منها باسناده أنّ فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول اللّه ممّا أفاء اللّه عليه بالمدينة و فدكا و ما بقي من خمس خيبر،فقال أبو بكر:إنّ رسول اللّه قال:لا نورث ما تركناه صدقة،إنّما يأكل آل محمد من هذا المال،و إني و اللّه لا أغيّر شيئا من صدقة رسول اللّه عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول اللّه و لأعملن فيها بما عمل رسول اللّه،فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا،فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت و عاشت بعد رسول اللّه ستّة أشهر،فلمّا توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا و لم يؤذن بها أبا بكر و صلّى عليها علي عليه السّلام (2).
قال ابن طاووس:في هذين الحديثين عدّة طرائف:
فمن طريف ذلك أنّهم نسبوا محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم إلى أنّه أهمل أهل بيته الذين قال اللّه تعالى عنهم وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (3).
و قال في كتابهم يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ نٰاراً وَقُودُهَا النّٰاسُ وَ الْحِجٰارَةُ (4).6.
و مع هذا ينقلون أنّه لم ينذر عشيرته و لا وقى أهله و لا عرّفهم أنّهم لا يرثونه و لا عرّف عليا عليه السّلام و لا العبّاس و لا أحدا من بني هاشم و لا أزواجه،و لا سمعوا و لا أحد منهم بذلك مدّة حياة نبيّهم و لا بعد وفاته،حتى خرج بعضهم يطلب ميراثه و بعضهم يرضى بذلك الطلب،و تبذّلوا و تبذّلت ابنته فاطمة المعظّمة سيّدة نساء العالمين فطلبت على قولهم ظلم جميع المسلمين.
لا سيما و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند أبي بكر من المتّفق عليه في الحديث السادس أنّ فاطمة عليها السّلام و العبّاس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و هما حينئذ يطلبان أرضه من فدك و سهمه من خيبر-الخبر (1).
و روى أيضا الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند عائشة في الحديث الثالث و الأربعين من المتفق عليه أنّها قالت:إنّ أزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين توفي رسول اللّه،أردن أن يبعثن عثمان بن عفّان إلى أبي بكر فيسألنه ميراثهن-الحديث (2).
و قال:كيف تقبل العقول و تقتضي العوائد أنّ نبيّهم يعلم أنه لا يورّث و يكتم ذلك عن ورّاثه و نسائه،و خاصّته أنّ ذلك دليل واضح على أنّه قد كان موروثا على اليقين،و أنهم دفعوا فاطمة عليها السّلام و ورّاثه بالمحال الذي لا يخفى على أهل البصائر و الدين.
و من طريف ذلك أن يكون بنو هاشم و أزواجه و ابنته مشاركين لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم في سرّه و جهره و مطّلعين على أحواله،و يستر عنهم أنّهم لا يستحقّون ميراثه و يعلم ذلك أبو بكر و من وافقه من الأباعد،و ليس لهم ما لبني هاشم من الإختصاص به و المخالطة له ليلا و نهارا و سرّا و جهرا،إنّ ذلك من طرائف ما يقال عن هؤلاء القوم من ارتكاب المحال.
و من طريف ذلك أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم يبلغ الغايات من الشفقة على الأباعد و قد تضمّن كتابهم لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (3)فيصفه اللّه بهذه الرأفة و الرحمة و يشهدون بتصديق ذلك،فكيف يقال عن هذا الشفيق الرؤوف الرحيم أنه ترك الشفقة على مثل ابنته و عمّه و أزواجه و بني هاشم و لم يعرفهم أنّهم لا يستحقون ميراثه و يعرّف بذلك الأباعد حتى يجري ما جرى،إن ذلك من عجيب المناقضات و طريف المقالات.
و من طريف ذلك أنّ أبا بكر قد أقسم في الحديثين المذكورين أنه لا يغيّر ما كان من ذلك على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.8.
و قد روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين من مسند جبير بن مطعم في الحديث الثالث من افراد البخاري قال:جاء جبير بن مطعم و عثمان بن عفان إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يكلّمانه فيما فيه من خمس خيبر من بني هاشم و بني عبد المطّلب،فقالا:يا رسول اللّه قسمت لإخواننا بني عبد المطلب و لم تعطنا شيئا،و قرابتنا مثل قرابتهم بهما،فقال رسول الله:إنّما أرى هاشما و عبد المطلب شيئا واحدا؟
قال جبير:و لم يقسم رسول اللّه لبني عبد شمس و لا لبني نوفل من ذلك الخمس شيئا.
و زاد حرملة عن ابن وهب عن يونس قال ابن شهاب:و كان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم غير أنّه لم يكن يعطي قرابة رسول اللّه كما كان رسول اللّه يعطيهم.
ثم رأيت في نسخة الحميدي و أنّ هذا صورتها ثم قال:أظنّه كان يزيدهم،قال ابن شهاب:
و كان عمر يعطيهم منه و عثمان بعده (1).
قال ابن طاووس:و قد استطرفت و استعظمت يمين أبي بكر و دفعه لفاطمة عليها السّلام أنّه يعمل في خمس خيبر كما عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنه لا يغيّر ذلك،ثم شهادتهم على أبي بكر في هذا الحديث الصحيح أنه غيّر ذلك و ما كان يقسم خمس خيبر بعد نبيّهم محمّد في قرابته كما كان يقسمها نبيّهم في حياته،و هذا من عظائم الأمور التي تدل على سوء أحوال الفاعلين و الراضين بالامور المذكورة.
و من طريف ذلك اعتذار الحميدي لأبي بكر و قوله«أظنّه كان يزيدهم»،فهب أنه كان يزيدهم أما ذلك خلاف ما كان يفعل رسول اللّه في خمس خيبر،ثم إن كان لأبي بكر أن يفعل ذلك فهلاّ أعطى لفاطمة عليها السّلام فدكا و العوالي بالحجّة التي يزيد بها قرابة نبيّهم بعد وفاته و غيّر ما ذكر أنه لا يغيّره من عاداته،أما لهؤلاء المسلمين عقول يفكّرون في مناقضات هذا المنقول.
و من طريف الحديثين المذكورين و ما رووه و صحّحوه في ضد ذلك.
ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في الحديث الحادي و الثلاثين من المتفق عليه من مسند عبد اللّه بن عبّاس،في جواب ما كتب إليه نجدة بن عامر الحروري و هو من رؤساء الخوارج، قال:و كتبت تسألني عن الخمس لمن هو؟
و إنّا كنّا نقول:هو لنا،فأبى علينا قومنا ذلك (2).
و قال:فهذه شهادة عبد اللّه بن عباس فيما صحّحوه ان فاطمة و عليا و الحسنين عليهم السّلام قد منعوا من الخمس،و في ذلك ما فيه لمن كان له قلب عاقل و نظر فاضل.7.
و من طريف الحديثين المذكورين انهما قد تضمّنا ان فاطمة بنت نبيّهم هجرت أبا بكر و إنّه أغضبها (1)
المعجم الكبير:108/1 ح 182 ذيل ترجمة علي و بالهامش:«في هامش الاصل:هذا حديث صحيح الاسناد و روي من طرق عن علي رواه الحارث عن علي و روي مرسلا،و هذا الحديث أحسن شيء رأيته و أصح اسناد قرأته»و 401/22 ترجمة فاطمة-مناقبها،و جواهر العقدين:350 الباب الحادي عشر، و مجمع الزوائد:203/9 ط.مصر 1352 و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد:328/9 ح 15204 كتاب المناقب و قال اسناده حسن.
و ذيل تاريخ بغداد لابن النجار:140/17 ترجمة عثمان بن الحسين برقم 426،و أخبار الدول للقرماني: 87 ط.بغداد 1282 ه،و تهذيب التهذيب:442/12 ط حيدرآباد الاولى،و مقتل الحسين للخوارزمي: 52/1 الفصل الخامس،و مناقب ابن المغازلي:220 ط.بيروت،و ط.طهران:351 ح 401-402، و ذخائر العقبى:39 و قال:أخرجه أبو سعيد في شرف النبوة و ابن المثنى في معجمه،و مستدرك الصحيحين:153/3 كتاب معرفة الصحابة-مناقب فاطمة،و أسد الغابة:522/5 ترجمة فاطمة،و كفاية الطالب:364 باب 99،و ميزان الاعتدال:72/2 ط.مصر-السعادة-سنة 1325،و الذرية الطاهرة: 166 ح 226،و تذكرة الخواص:279 باب 11 فضائلها.
و التدوين في أخبار قزوين:11/3 باب الذال-ترجمة أبو ذر بن رافع،و مسند شمس الأخبار:109/1 الباب التاسع عن ابن المغازلي و عن كتاب الذكر لمحمد بن منصور و بالهامش:أخرجه الديلمي،و الكامل لابن عدي:351/2 ترجمة الحسين بن زيد بن علي برقم 381،و أهل البيت لتوفيق أبو علم:120 القسم الثاني-خصائص فاطمة-عن ابن سعد في شرف النبوة،و المدهش لابن الجوزي:134 الفصل السادس و العشرون-في تزويج علي بفاطمة عليهما السلام،و تهذيب الكمال:247/35 ترجمة فاطمة،و فرائد السمطين:46/2 ح 378،و ينابيع المودة:263/1-305 ط.اسلامبول و ط.النجف:314-366، و كنز العمال:111/12 ح 34237 و 674/13 ح 37725 ط.بيروت و 291/6 و 111/7 ط.الهند و قال: أخرجه ابن النجار و الديلمي و أبو يعلى و الطبراني و أبو نعيم في الفضائل،و غرر البهاء الضوي:283 عن شرف النبوة،و در السحابة:277 مناقب فاطمة ح 20 و قال أخرجه أبو يعلى و الطبراني و الحاكم،و الثغور الباسمة:30 ح 42 و قال:بسند حسن.
قال السيد السمهودي بعد ايراده هذا الحديث:(فمن آذى شخصا من أولاد فاطمة أو أبغضه فقد جعل نفسه عرضة لهذا الخطر العظيم،و بضده من تعرض لمرضاتها في حبهم و اكرامهم كما يؤخذ مما تقدم)جواهر العقدين:351 الباب 11.
*و قال السهيلي:(هذا الحديث يدل على ان من سبها كفر و من صلى عليها فقد صلى على أبيها)المواهب اللدنية:533/2 الفصل الثاني من المقصد السابع.
.و تأذّت بذلك و بقيت على هجرانها له ستّة أشهر حتّى ماتت.
و قد روى مسلم في صحيحه في الجزء الرابع في ثلثه الأخير بإسناده قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
إنّما فاطمة بضعة منّي،يؤذيني ما آذاها.
و روى مسلم في صحيحه في الجزء الرابع على حدّ كراسين في آخره من باب مناقب فاطمةع.
1) من الاحاديث الثابتة قول النبي:يا فاطمة ان الله يغضب لغضبك و يرضى لرضاك.
باسناده أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:فاطمة بضعة منّي،فمن أغضبها أغضبني (1).
و روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين هذين الحديثين باسناده إلى نبيّهم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).
و روى صاحب كتاب الجمع بين الصحاح الستّة في الجزء الثالث من أجزائه الثلاثة في باب مناقب فاطمة بإسناده عن نبيّهم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؛فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني (3)
مصادر حديث البضعة
المصنف لابن أبي شيبة:391/6 ح 32259 كتاب الفضائل-فضائل فاطمة.و الفردوس بمأثور الخطاب: 232/1 ح 887 ط.دار الكتب العلمية،و 282 ح 886 ط.دار الكتاب العربي.
و صحيح البخاري:83/5 ح 232 كتاب الفضائل-مناقب قرابة الرسول و 73/7 كتاب النكاح باب(110) ذب الرجل عن ابنته في الغيرة و الانصاف ح 159،و صحيح مسلم:221/16 ح 6257 كتاب الفضائل- فضائل الصحابة-فاطمة،و الفردوس بمأثور الخطاب:145/3 ح 4389 ط.دار الكتب العلمية و 161 ح 4282 ط.دار الكتاب العربي.
و مناقب ابن المغازلي:180 ط.بيروت-و ط.طهران:282 ح 327،و ترجمة علي من تاريخ دمشق:/3 69 ح 1099.و مناقب الخوارزمي:353 الفصل 20،و جواهر العقدين:350-351 الباب الحادي عشر، و الطبقات الكبرى:206/8 ترجمة جويرية بنت أبي جهل(4205)،و التبصير في الدين للاسفرايني:111 الباب الخامس عشر،و أهل البيت لتوفيق أبو علم:124 خصائص فاطمة،و المعجم الكبير:18/20 ترجمة المسور ح 18 و ما بعده منه،و مسند أحمد:5/4-323-332-328 ط.م و 423/5-435- 430 و 571/4 ط.ب ح 18428-18451.
و فضائل الصحابة لاحمد:755/2-756 ح-1317-1328-1323-1324 مناقب علي،و مستدرك الصحيحين:158/3-159 كتاب معرفة الصحابة ذكر مناقب فاطمة صححه و أقره الذهبي،و التبصرة لابن الجوزي:452/1 مجلس 31،و البيان و التعريف في أسباب ورود الحديث:116/2 ح 721،و المعجم الكبير:404/22-405 ترجمة فاطمة-مناقبها و 26/20 ترجمة المسور ما روى عنه عبد الله بن أبي رافع،و خصائص النسائي:121-122 ح 132-130،و ذخائر العقبى:37 ذكر غيرته،و تاريخ الخميس:412/1،و تذكرة الخواص:279 باب 11 فضائل فاطمة،و مصابيح السنة:185/4 ح 4799 مناقب أهل البيت،و مشكاة المصابيح:1732/3 ح 6130 مناقب أهل البيت،و الاحسان بترتيب صحيح ابن حبان:53/9 ح 6916،و نوادر الأصول للحكيم الترمذي:184/3 الأصل الثاني و الاربعون بعد المائة،و مجمع الزوائد:203/9 ط.مصر 1352 و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد:328/9 ح 15203 كتاب المناقب.
.و أنّه قال:فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة.
و روى صاحب كتاب الجمع بين الصحاح الستّة أيضا في الجزء الثالث من جزئين من الكراسب.
الخامس من النسخة المنقول منها من باب مناقب فاطمة من صحيح أبي داود بإسناده أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أشار إلى فاطمة فقال:ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الامّة أو نساء العالمين.
قالت:يا أبة فأين مريم ابنة عمران و آسية امرأة فرعون؟
فقال:مريم سيّدة نساء عالمها و آسية سيّدة نساء عالمها.
و روى البخاري في صحيحه في الجزء الرابع في مناقب فاطمة باسناده قال:قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة (1).
و روى مسلم في صحيحه في الجزء الرابع على حدّ كراسين في آخره من النسخة المنقول منها باسناده عن عائشة أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّهم قال:ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين،أو سيّدة نساء هذه الامّة (2).
و رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى: وَ إِنِّي سَمَّيْتُهٰا مَرْيَمَ (3).
ثم قال ابن طاووس في الطرائف:انني لأعجب و يحق لي أن أعجب من شهادة هؤلاء الأربعة المذاهب بصحّة هذه الروايات،ثم يهوّنون ما جرى على فاطمة عليها السّلام من المظالم الهائلات!.
فليتهم حيث هان عندهم تألّمها و ظلمها كانوا تركوا الروايات بتزكيتها أو ليتهم حيث صحّحوا ما رووه في تعظيمها في الدنيا و الآخرة كانوا قد استعظموا ظلمها (4).
قد تقدم في زهدها عليها السّلام ما يدل على ذلك.
و قال الإمام الجواد عليه السّلام:«يا ممتحنة امتحنك اللّه الذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة..» (5).
المحن التي مرّت على الزهراء فاطمة كثيرة جدّا لا تتحمّلها عادة امرأة مهما كان وضعها،و قد أشارت إلى ذلك بقولها عليها السّلام:
صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيّام صرن لياليا (6)
هذه المحن و المصائب ابتدأت منذ طفولتها بوفاة أمّها خديجة ثمّ بمحاربة قريش لأبيها ثمّ بحصارها في شعب أبي طالب ثلاث سنوات،ثمّ بوفاة أبي طالب الحامي و المدافع لها و لأبيها ثمّ في هجرتها ثمّ في عيشها و مشقّة الدّنيا،ثمّ في وفاة أبيها،ثمّ في سلبها إرثها،ثمّ ضربها وراء الباب و إسقاط جنينها،ثمّ إحراق بابها أو التهديد به،ثمّ غصب خلافة عليّ عليه السّلام و تهديده بالقتل.
1-فاطمة اليتيمة:لمّا توفّيت خديجة جعلت فاطمة تلوذ برسول اللّه و تدور حوله و تقول:يا أبه أين أمّي (1).
2-فاطمة في مكّة:تقدّم دفاعها عن أبيها في قريش و صبرها على أذيته صلوات اللّه عليه.
و تقدّم حصارها في الشعب و كيف كانت تربط الحجر على بطنها من شدّة الجوع و كان الشعب بمثابة الحبس في هذه الأزمنة،و جميع الناس يعلم أثر الحبس و تأثيره خاصّة على أهل بيت النبوّة صلوات اللّه عليهم،الذين يعتبرون حجج اللّه في الأرض و المالكون الحقيقيون لهذه الدنيا.
و ازداد هذا الظلم على فاطمة بوفاة شيخ قريش و سيّدها عمّها أبو طالب حامي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المدافع عنه و عنها،فزاد اضطهاد فاطمة و أبيها لقلّة الناصر،حتّى اضطرّت أن تهاجر من مكّة القبلة الطاهرة إلى المدينة مع صعوبة الطريق و كثرة الأعداء كما تقدّم.
3-فاطمة في المدينة:انتقلت فاطمة يتيمة الامّ مهاجرة إلى المدينة التي هبّت لاستقبال بنت النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فنزلت على أمّ أيّوب الأنصارية،و مع تلطّف أمّ أيّوب و رعايتها لحقّ فاطمة إلاّ أنّ فاطمة اعتادت على العيش في بيت النبوّة تستقبل النساء و تقوم بخدمتهنّ،فكانت في بداية الأمر غريبة المنزل،ثمّ بنى النبيّ الأعظم المسجد الشريف و بيوتات حوله فكان لفاطمة و أبيها منزلا متواضعا في داخل المسجد،ثمّ بعد زواجها المبارك من النور المبارك عليّ عليه السّلام انتقلت إلى بيتها الجديد و كان أيضا في المسجد إلى جانب حجرة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و كانت الحياة الزوجية لفاطمة شاقّة صبرت عليها احتسابا لأجر الآخرة،و ممّا روي في صبرها و تجمّلها على ذلك ما أخرجه أحمد في الفضائل عن علي عليه السّلام أنّه قال:«..فجرت بالرحى حتّى أثّر الرحى بيدها و استقت بالقربة حتّى أثّرت القربة بنحرها،و قمّت البيت حتّى اغبرّت نقابها و أوقدت القدر حتّى دنست ثيابها فأصابها من ذلك ضرّ...» (2)فصبرت عليه،سلام اللّه عليها.
و أخرج الطبراني في الصغير قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأبي أيّوب بعد إعطائه طعاما:أبلغ بهذا فاطمة فإنّها لم تصب مثل هذا منذ أيّام (3).
و كان يقول لها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند ذلك:يا فاطمة اصبري على مرارة الدّنيا لنعيم الآخرة غدا (4).0.
و هناك كثير من هذه الروايات و شدّة الدّنيا على فاطمة و صبرها (1)تقدّم بعضه في زهد فاطمة.
فهذه بنت محمّد الصبورة على مرارة الدّنيا،و التي كانت تستطيع أن تعيش عيشة الملوك، و لكنّها قدّمت نعيم الآخرة،فصبرت على الفقر و ضيق المعيشة و صغر البيت و قلّة الطعام من أجل القرب من اللّه،لأنّ اللّه قريب من الفقراء و المتواضعين و الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا للّه و إنّا إليه راجعون.
فينبغي لأبناء فاطمة أن يقتدين،بها أن يزهدوا في هذه الدّنيا الزائلة الفانية من أجل نعيم الآخرة أو القرب من اللّه تعالى.
5-صبر فاطمة على وفاة أبيها:تعلّقت البضعة الطاهرة بأبيها منذ طفولتها خاصّة بعد فقد أمّها عليهما السّلام،و قويت هذه العلاقة بمرور الزمن و بفعل فاطمة البارّ مع أبيها فكانت الإبنة الصالحة الحنونة،بل كانت الامّ الحنونة لأبيها كما تقدّم في«فاطمة أمّ أبيها»و كانت هذه العلاقة متبادلة بين فاطمة و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و زادت عند زواجها من ابن عمّ الرسول و أخيه و خليفته و وليّه،و بولادة الحسن و الحسين عليهم السّلام بلغت هذه العلاقة ذروتها،فكانت تعطف على النبي و كان هو صلوات اللّه عليه يعطف عليها (2)،كانت تؤثره على أولادها كما تقدّم،و كان يؤثرها على بقيّة أولاده،بل فدى الحسين عليه السّلام بولده إبراهيم،حيث جاء جبرائيل و خيّره بين إبراهيم و الحسين فقال النبيّ:بفقد الحسين سوف تحزن فاطمة عليه أكثر من حزني و من حزنها على إبراهيم (3).
فكانت أحبّ الخلق إليه هي و زوجها و كان هو أحبّ الخلق إليها و إلى زوجها،لذا عند ما توفي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان أشدّ المتأثّرين بذلك فاطمة و عليّ عليهما السّلام فحزنا عليه أشدّ الحزن لهذه العلاقة الوثيقة و للظلم الذي حلّ بهما بعد وفاته،فصبرا على فقدان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما صبرا على الظلم الذي لحق بهما.
و في حزنها على أبيها قالت:
أمسى بخدي للدموع رسوم أسفا عليك و في الفؤاد كلوم
و الصبر يحسن في المواطن كلّها إلاّ عليك فإنّه معدوم
لا عتب في حزني عليك لو أنّه كان البكاء لمقلتي يدوم (4).
1) راجع مقتل الحسين للخوارزمي:62/1 الفصل الخامس.
2) راجع عمدة الأخبار:152 باب 4 فقد ورد أنّه كان يمسح دموع فاطمة بيده عند بكائها على رقية،و راجع البحار:51/43 ح 47 فقد ورد أنّه كان يطحن عنها الحب.
3) راجع تاريخ بغداد:200/2 ترجمة محمّد بن الحسن النقّاش رقم 635.
4) برد الأكباد عند وفاة الأولاد:43-44 ط.مصر 1361 ه.
و وقفت على قبر أبيها فقالت:
قد كان بعدك أنباء و هنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
إنّا فقدناك فقد الغيث و إبلها و اختلّ قومك فاشهدهم و قد نكبوا
و كلّ أهل له قربى و منزلة عند الإله على الأدنين مقترب
أبدت رجال لنا نجوى صدورهم لمّا مضيت و حالت دونك الترب
تجهمتنا رجال و استخفّ بنا لمّا فقدت و كلّ الإرث مغتصب
و كنت بدرا و نورا يستضاء به عليك تنزل من ذي العزّة الكتب
و كان جبريل بالآيات يؤنسنا فقد فقدت فكلّ الخير محتجب
فليت قبلك كان الموت صادفنا لمّا مضيت و حالت دونك الكتب
إنّا رزينا بما لم يرز ذو شجن من البرية لا عجم و لا عرب
سيعلم المتولّي ظلم حامتنا يوم القيامة أنّى سوف ينقلب
و سوف نبكيك ما عشنا و ما بقيت له العيون بتهمال له سكب
و قد رزينا به محضا خليقته صافي الضرائب و الأعراق و النسب
فأنت خير عباد اللّه كلّهم و أصدق الناس حين الصدق و الكذب
و كان جبريل روح القدس زائرنا فغاب عنّا فكلّ الخير محتجب
ضاقت عليّ بلاد بعد ما رحبت و سيم سبطاك خسفا فيه لي نصب
و قالت صلوات اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها:
ماذا على من شمّ تربة أحمد أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيّام عدن لياليا
و قالت عليها الرضوان و الرحمة:
إغبرّ آفاق السماء و كوّرت شمس النهار و أظلم العصران
و الأرض من بعد النبيّ كئيبة أسفا عليه كثيرة الأحزان
فليبكه شرق البلاد و غربها و لتبكه مضر و كلّ يمان
و ليبكه الطّواد الأشمّ و جوّه و البيت ذو الأستار و الأركان
6-صبر فاطمة على غصبها حقّها و حقّ عليّ و إحراق دارهما عليهما السّلام:و بعد وفاة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قست قلوب أصحابه،الذين فنى النبي عمره في هدايتهم و تربيتهم و الإنفاق عليهم،فما أن علمت الصحابة-جلّ الصحابة-بموت أو قتل محمّد قست أفئدة قوم ظالمين و قبل أن يكفّن و يدفن نبيّهم و لعلّه قبل أن يصلّى عليه.
و مهما برّر القوم في هذا الجفاء،و مهما قيل عن المصلحة التي دعت هؤلاء إلى الإغارة على بيت فاطمة و إحراقه أو التهديد به عند قوم،مهما قيل في ذلك و مهما حصل آنذاك كيف تجرؤ تلك الجماعة على توجيه هذه الإهانة إلى بنت نبيّهم،أ و ليس المرء يحفظ في ولده كما علّمهم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كيف رضيت الصحابة بذلك؟هل انتزعت الرحمة من قلوبهم؟و إذا غطّى الشيطان رأفة قلوبهم أين كانت عروبتهم و غيرتهم؟!أين نساء المهاجرين و الأنصار؟أم أين رجالهم و أبناؤهم؟!فهل صحيح ما يقال أنّه ارتدّ الناس جميعا إلاّ نفر قليل؟!
إعلمي أختي العزيزة-و إن شاء اللّه أنت من أهل العلم-أنّ جبرائيل سفير اللّه تعالى استأذن عند ما نزل إلى الأرض على أصحاب الكساء عليهم السّلام عند ما أراد أن يدخل تحت الكساء،قال جبرائيل:يا ربّ أتأذن لي أن أهبط إلى الأرض لأكون معهم سادسا؟.
فقال اللّه عزّ و جلّ:قد أذنت لك،فهبط الأمين جبرئيل،و قال لأبي:«السلام عليك يا رسول اللّه،العليّ الأعلى يقرئك السلام،و يخصّك بالتحيّة و الإكرام،و يقول لك:و عزّتي و جلالي إنّي ما خلقت سماء مبنيّة،و لا أرضا مدحيّة،و لا قمرا منيرا،و لا شمسا مضيئة،و لا فلكا يدور،و لا بحرا يجري،و لا فلكا تسري،إلاّ لأجلكم و محبّتكم».
و قد أذن لي أن أدخل معكم،فهل تأذن لي أنت يا رسول اللّه؟
فقال أبي:و عليك السلام يا أمين وحي اللّه،نعم قد أذنت لك،فدخل جبرائيل معنا تحت الكساء.
فقال جبرائيل لأبي:إنّ اللّه أوحى إليكم يقول: إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (1).
و اعلم أيضا أنّ جبرائيل استأذن مع ملك الموت فاطمة الزهراء عليها السّلام مرّة أخرى عند وفاة النبيّ الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،لكي يدخل الدار،فرفضت فاطمة في المرّة الاولى.
ثمّ أعاد الإستئذان فرفضت،و في الثالثة قال:السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة،أ أدخل؟فلا بدّ من الدخول.ة.
1) إحقاق الحق:555/2،و المنتخب للطريحي:259 ط.لبنان و 186 ط.الثالثة.
فأذنت له صلوات اللّه عليها (1).
و عن ابن عبّاس:أنّ ملك الموت استأذن عليا عليه السّلام فقال:السلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته؟
فقال له عليّ:إرجع فإنّا مشاغيل عنك.
فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«هذا ملك الموت،أدخل راشدا.فبلغني أنّ ملك الموت لم يسلّم على أهل بيت قبل و لا يسلّم بعده» (2).
هذا جبرائيل الأمين و ملك الموت،فلماذا لم يستأذن الخؤون عند ما اقتحم الدار.
جبرائيل أمين اللّه على وحيه،و سلطان الملائكة العظام،و خير أهل السماء،المنزّه عن المعاصي تكوينا،و البعيد عن الشهوات،مع ذلك يطلب الإذن من فاطمة و أبيها و بعلها و بنيها صلوات المصلّين عليهم ما طلع نجم و أفل آخر.
يستأذن مع أنّ مجيئه كان لإيصال البركات إليهم من قبل اللّه تعالى.
بينما نجد أجلاف الصحراء و عديمي الرحمة،يقتحمون الدار بلا استئذان،و هدفهم كسر الباب و إهانة المقدّسات.
ذلك الباب الذي كان يقف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يستأذن للدخول منه،و يتلو آية التطهير و الرحمة و هو يمسك بجنبتي بابه كما تقدّم.
و العجب ليس من عدم الرحمة في بعض قلوب هؤلاء فمنهم من قطع شجرة الرضوان و منهم من هجر ابنه (3)و منهم من كان يضرب امرأته (4).
إنّما العجب من عدم حيائهم و فعلهم الشنيع أمام النّاس و الصحابة؛الذين شاهدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأمّ أعينهم يحترم هذا الباب و من فيه و يقدّرهم عليهم السّلام.
و رأوه و هو يتلو آية العصمة و الطهارة على هذا الباب ستّة أشهر،أو تسعة،أو طيلة وجوده المبارك في المدينة.
و لكن أين الحياء من رجال كنّ يبلن أمام النّاس و يمسحنه بالتراب (5).
-و قد ينقضي العجب إذا ما سمعنا بفعل بعضهم في الإسلام من اعتراضه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،1.
1) درة الناصحين في الوعظ و الإرشاد للخويري:68 المجلس 16،و المعجم الكبير للطبراني:62/3 ح 2676،و مجمع الزوائد:35/9 ط.مصر و بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد:602/8 ح 14253.
2) المواهب اللدنية:388/3-387 الفصل الأول من المقصد العاشر.
3) ربيع الأبرار:469/1،و شرح النهج:178/1 شرح الخطبة الثالثة.
4) المنتخب من مسند عبد بن حميد:43 ح 37.
5) المعجم الأوسط:295/5 ح 4581.
و في عدّة أماكن،و من وصف نبيّ الرحمة صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالهجر و الهذيان.
و لا بد و أن نسجّل أيضا موقفا على هؤلاء الصحابة الذين رضوا بهذا الفعل الشنيع،و الذين يعتبرون مشاركين له في هذا الفعل،لرضاهم به.
و زاد ذلك الظلم ظلم زوجها و تهديده بالقتل و سلبه حقّه و خلافة اللّه تعالى.
صبرت فاطمة على كلّ ذلك،و صبرت أيضا على سقوط جنينها خلف الباب من جراء ضربة اللعين الخؤون.
سلام عليك يا فاطمة،ما هذا القلب الصبور الذي تحمّل كلّ هذه المحن و البلاءات التي لو صبّت على الأيّام صرن لياليا،و أين صبر نساء هذا الزمان على الظلم و القهر و المحن المحيطة بالدّنيا أعدّ اللّه تعالى للصابرين ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر اَلَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ (1).
لنا أن نلخّصها في ثلاثة أمور إضافة لما تقدّم:
1-إحراق الدار.
2-إخراج علي من الدار.
3-سقوط المحسن.
و مجمل القول في ذلك ما يلي:
من هفوات عمر فعلته الشنيعة مع صاحبه و نديمه في الإغارة على بيت الطهر،ذلك البيت الذي كان يتلو رسول اللّه آية التطهير على بابه مدة من الزمن كما تقدم.
*قال المسعودي في مروج الذهب:و كان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد اللّه في حصر بني هاشم في الشعب و جمعه الحطب ليحرقهم،و يقول:انما أراد بذلك ان لا تنتشر الكلمة و لا يختلف المسلمون،و أن يدخلوا في الطاعة فتكون الكلمة واحدة.كما فعل عمر بن الخطاب ببني هاشم لما تأخّروا عن بيعة أبي بكر فإنه أحضر الحطب ليحرّق عليهم الدار (2).
هذا ما جاء في شرح النهج.
*أما في مروج الذهب المطبوع و المحرّف فقال المسعودي:«و حدّث النوفلي في كتابه في الأخبار عن ابن عائشة عن أبيه عن حماد بن سلمة قال:كان عروة بن الزبير يعذر أخاه اذا جرى ذكر بني هاشم و حصره اياهم في الشعب و جمعه الحطب لتحريقهم و يقول إنما أراد بذلك إرهابهم ليدخلوا في طاعته،كما أرهب بنو هاشم و جمع لهم الحطب لإحراقهم إذا هم أبوا البيعة فيما سلف،و هذا الخبر لا يحتمل ذكره هنا و قد أتينا على ذكره في كتابنا في مناقب أهل البيت و أخبارهم المترجم بكتاب حدائق الأذهان»أنتهى (1).
فحذف إسم عمر منها.
*و قال أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة:عن سلمة بن عبد الرحمن قال:«لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي و الزبير و ناس من بني هاشم في بيت فاطمة فجاء عمر اليهم فقال:و الذي نفسي بيده لتخرجنّ الى البيعة أو لأحرقنّ البيت عليكم»!.
و في رواية سعد بن أبي وقاص:كان معهم المقداد أيضا،و لكن فيه:«و خرجت فاطمة عليها السّلام تبكي و تصيح» (2).
*و قال الطبري:عن زياد بن كليب قال:أتى عمر بن الخطاب منزل علي و فيه طلحة و الزبير و رجال من المهاجرين فقال:و اللّه لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ الى البيعة» (3).
*و قال توفيق أبو علم:بعد ذكر رواية الطبري:و في رواية أخرى أنّه عمر قال لعلي إن لم تبايع أبا بكر لأحرقن دارك.
قال علي:أو تحرقها و فيها بنت رسول اللّه!!
قال:أحرقها و فيها بنت رسول اللّه!،و استشهد بأبيات شاعر النيل حافظ ابراهيم» (4).ل.
1) مروج الذهب:72-تحت عنوان:(ذكر أيام معاوية بن يزيد...و عبد الله بن الزبير)-من الطبعة الاولى بالمطبعة الازهرية المصرية سنة 1303 ه،و 77/3 ط.المصورة في ايران-دار الهجر 1404 ه.
2) -و 147/20 من الطبعة الاولى سنة 1961/1378 للحلبي بمصر بتحقيق محمد أبو الفضل،و ذكر بالهامش: مروج الذهب:86/3 مما يشعر بأنه وقف على نسخة الكتاب غير المحرفة.
3) تاريخ الطبري:198/3-200 أوائل حوادث سنة 11 من الطبعة الحسينية الاولى بمصر سنة 1326،و /2 443 من طبعة الاستقامة بالقاهرة سنة 1357 ه،الموافقة للمصورة بايران.
4) أهل البيت:238 موقف الامام بعد وفاة الرسول.
*و نقل المدائني عن ابن عون:إنّ أبا بكر أرسل الى علي يريد البيعة فلم يبايع،فجاء عمر و معه فتيلة فتلقّته فاطمة على الباب فقالت:يا ابن الخطاب أتراك محرّقا عليّ بابي؟
قال:نعم و ذلك أقوى فيما جاء به أبوك» (1).
*و قال اليعقوبي(و بعض المؤرخين):«و بلغ أبا بكر و عمر أنّ جماعة من المهاجرين و الأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار،فخرج علي و معه السيف،فلقيه عمر فصارعه عمر فصرعه و كسر سيفه،و دخلوا الدار، فخرجت فاطمة فقالت:و اللّه لتخرجنّ أو لأكشفنّ شعري و لأعجنّ الى اللّه!
فخرجوا (2).
*و قال في الملل و النحل عن ابراهيم النّظام:أنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها،و كان يصيح أحرقوا دارها بمن فيها و ما كان في الدار غير علي و فاطمة و الحسنين (3).
*و أخرج الحموي بسنده الى ابن عباس:و أما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين،و هي بضعة مني،و هي نور عيني،و هي ثمرة فؤادي،و هي روحي التي بين جنبي،و هي الحوراء الأنسية..و إنّي لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي،كأنّي و قد دخل الذل بيتها و انتهكت حرمتها و غصب حقها و منعت إرثها و كسر جنبها و أسقطت جنينها و هي تنادي يا محمداه فلا تجاب و تستغيث فلا تغاث....اللهم العن من ظلمها،و عاقب من غصبها،و ذلل من أذلّها،و خلد في النار من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها،فتقول الملائكة عند ذلك آمين (4).
*و عن جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام في حديث مفصل عن خروج الإمام المهدي الموعود (عج)جاء فيه:«ثم يقص عليهم أفعالهما...و إشعال النار على باب أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين لإحراقهم بها و ضرب يد الصدّيقة الكبرى فاطمة بالسوط و رفس بطنها و إسقاطها محسنا» (5).ر.
1) أنساب الأشراف:586/1 ح 1184 حديث الشورى،ط.دار المعارف-القاهرة الطبعة الثالثة.
2) تاريخ اليعقوبي:126/2 ذيل خبر السقيفة،و بيعة ابي بكر،و أهل البيت لتوفيق أبو علم:238 و قال: ذكرها اليعقوبي و غيره من المؤرخين.
3) الملل و النحل:83 باب 1 فصل 1-ذكر المعتزلة-فرقة النظامية-من ط.مصر،،و ج 73/1 ط.مصر الاولى 1317،و 57 من ط.دار الفكر-بيروت.
4) فرائد السمطين:35/2 الباب السابع ح 371.
5) الرجعة للاسترآبادي:120 ح 77 حديث المفضل بن عمر.
*و عن أبي بصير عن جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام قال:«و كان سبب وفاتها أنّ قنفذا مولى الرجل لكزها بنعل السيف بأمره،فأسقطت محسنا و مرضت من ذلك مرضا شديدا،و لم تدع أحدا ممن آذاها يدخل عليها» (1).
*و قال ابن قتيبة:إنّ أبا بكر تفقّد قوما تخلّفوا عن بيعته عند علي كرم اللّه وجهه فبعث عمر فجاء فناداهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا،فدعا بالحطب و قال:و الذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنّها على من فيها.
قيل له:يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة عليها السّلام؟
فقال:و إن!!.
فوقفت فاطمة رضي اللّه عنها على بابها فقالت:«لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم تركتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جنازة بين أيدينا و قطعتم أمركم بينكم،لم تستأمرونا و لم تردّوا لنا حقا».
فانصرفوا.
ثم قام عمر فمشى معه جماعة حتى أتوا باب فاطمة فدقّوا الباب فلما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها:«يا أبت يا رسول اللّه ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن ابي قحافة».ثم قال:
فقال عمر لأبي بكر:إنطلق بنا الى فاطمة فإنّا أغضبناها،فانطلقا جميعا فاستأذنا على فاطمة فلم تأذن لهما،فأتيا عليا فكلّماه فأدخلهما عليها،فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها الى الحائط فسلّما عليها فلم ترد عليهما السلام.
فقالت:«أ رأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تعرفانه و تفعلان به؟».
قالا:نعم.
فقالت:«نشدتكما اللّه ألم تسمعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:رضا فاطمة من رضاي و سخط فاطمة من سخطي،فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني و من أرضى فاطمة فقد أرضاني و من أسخط فاطمة فقد أسخطني».
قالا:نعم سمعناه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قالت:فإني أشهد اللّه و ملائكته أنكما أسخطماني و ما أرضيتماني و لئن لقيت النبي لأشكونّكما إليه.
فقال أبو بكر:أنا عائذ باللّه تعالى من سخطه و سخطك يا فاطمة،ثم انتحب يبكي حتى كادت نفسه تزهق.ن.
1) دلائل الإمامة:45 خبر الوفاة و الدفن.
و هي تقول:«و اللّه لأدعونّ اللّه عليك في كل صلاة أصليها» (1).
و روى الجوهري بعض هذا الكلام في خطبة فاطمة في مجلس أبي بكر اختصره ابن أبي الحديد،جاء فيه:«و الله لا كلمتك أبدا!و اللّه لأدعونّ اللّه عليك» (2).
*و قال محمد الحفناوي في كتابه(أبو سفيان):و أشهر الروايات في تخلف علي و بني هاشم، و أكثرها ذيوعا ما أورده ابن قتيبة في الإمامة و السياسة،و ذكر الخبر بطوله» (3).
*و قال ابن عبد البر الأندلسي:الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر:علي و العباس و الزبير و سعد بن عبادة،فأمّا علي و العباس و الزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بعث إليهم عمر بن الخطاب ليخرجوا من بيت فاطمة،و قال له:«إن أبوا فقاتلهم».
فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار،فلقيته فاطمة فقالت:«يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا»!؟
قال:نعم،أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة! (4).
*و في رواية:«و لمّا رأى منهم الإمتناع أضرم النار في الحطب،و دفع الباب و كانت ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خلفه فمانعته من الدخول،فركل الباب برجله و ألصقها الى الجدار،ثم لطمها على خدها من ظاهر الخمار حتى تناثر قرطها،و ضرب كفّها بالسوط،فندبت أباها و بكت بكاء عاليا.
يقول عمر:«لما سمعت لها زفيرا عاليا كدت أن ألين و أنقلب،لو لا أن تذكرت كيد محمد و ولوغ علي في دماء صناديد العرب،فعصرتها ثانيا الى الجدار فنادت:يا أبتاه هكذا يفعل بحبيبتك، و استغاثت بفضة جاريتها» (5)
و أخرج الطبري الإمامي:و كان سبب وفاتها أنّ قنفذا مولى الرجل لكزها بنعل السيف بأمره فأسقطت محسنا (6).5.
1) الإمامة و السياسة:13/1 تحت عنوان:«كيف كانت بيعة علي»من طبعة الفتوح:الادبية بمصر سنة 1344، و ج 18/1-19 من طبعة الحلبي بالقاهرة بتحقيق الدكتور طه الزيني سنة 1378 ه،و 30/1 من الطبعة المصورة في ايران عن طبعة مصر بتحقيق علي شيري.،و كتاب سليم:254،و البحار:204/43،و علل الشرائع:186/1 باب 129 ح.
2) شرح النهج:214/16 كتاب 45 كتابه الى عثمان بن الاحنف.
3) أبو سفيان لمحمد الحفناوي:169 الطبعة الاولى-دار الزيني بمصر سنة 1959/1378.
4) العقد الفريد:259/4-260 كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء تحت عنوان:«الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر»من طبعة القاهرة الطبعة الثانية 1962 م،و 250/2 ط،مصر 1293 ه،و 247/4 ط،دار إحياء التراث العربي ببيروت.
5) وفاة الصديقة الزهراء:61 عن البحار:231/8 الطبع القديم عن الجزء الثاني دلائل الإمامة.
6) دلائل الإمامة:45.
و أخرج الخصيبي(334 ه)عن أمير المومنين عليه السّلام أنّ فاطمة قالت له في وصيتها:«فجمعوا الحطب ببابنا و أتوا بالنار ليحرقوا البيت فأخذت بعضادتي الباب و قلت:ناشدتكم اللّه و بأبي رسول اللّه أن تكفوا عنا و تنصرفوا.
فأخذ عمر السوط من قنفذ مولى أبي بكر فضرب به عضدي فالتوى السوط على يدي حتى صار كالدملج،و ركل الباب برجله فرده عليّ و أنا حامل فسقطت لوجهي و النار تسعر،و صفق وجهي بيده حتى انتثر قرطي من أذني،و جاءني المخاض فأسقطت محسنا قتيلا بغير جرم،فهذه أمّة تصلي عليّ!!و قد تبرّأ اللّه و رسوله منها و تبرأت منها» (1).
و أخرج في حديث رجعة فاطمة عليها السّلام و شكايتها لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما فعل بها عمر و أبي بكر:من سب عمر لها،و إضرامه النار على الباب،و أخذ النار في الخشب،و ضرب عمر لها بسوط أبي بكر على عضدها،و إسقاط المحسن،و صفقه على خدّها (2).
و زيد في رواية قول فاطمة عليها السّلام:«فرفع سوطه و ضربني به فكسر يدي،و عصر الباب على بطني فأسقط مني ولدي المحسن» (3).
و في كتاب سليم بن قيس عن سلمان و ابن عبّاس قالا:توفّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يوضع في حفرته حتّى ارتدّ الناس و أجمعوا على الخلاف و اشتغل عليّ عليه السّلام برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى فرغ من غسله و وضعه في حفرته،ثمّ أقبل على تأليف القرآن و شغل عنهم بوصيّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال عمر لأبي بكر أنّ:الناس بايعوك ما خلا هذا الرجل و أهل بيته فابعث إليه فقال:يا قنفذ إنطلق إلى عليّ فقل أجب خليفة رسول اللّه فأبى أن يأتي فوثب عمر غضبا و نادى خالد بن الوليد و قنفذا فأمرهما أن يحملا حطبا و نارا ثمّ أقبل حتّى انتهى إلى باب عليّ،و فاطمة قاعدة خلف الباب فضرب عمر الباب ثمّ نادى يابن أبي طالب إفتح الباب.
فقالت فاطمة:يا عمر ما لنا و لك لا تدعنا و ما نحن فيه قال:افتحي الباب و إلاّ أحرقناه عليكم،فقالت:يا عمر أما تتّقي اللّه عزّ و جلّ تهجم على داري،ثمّ دعى عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب،ثمّ دفعه عمر فاستقبلته فاطمة و قالت:يا أبتاه يا رسول اللّه،فرفع السيف و هو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت يا أبتاه،فوثب عليّ بن أبي طالب فأخذ بتلابيب عمر فصرعه و وجأ أنفه و رقبته و همّ بقتله فذكر قول رسول اللّه و ما أوصاه به من الصبر و الطاقة،فقال:يابن الصهّاك لو لا كتاب من اللّه سبق لعلمت أنّك لا تدخل بيتي،فأرسله.
عمر يستغيث فأقبل الناس حتّى دخلوا الدار فكاثروه و ألقوا في عنقه حبلا،فحالت بينهم و بينه فاطمة عند باب البيت فضربها قنفذ بالسوط فماتت حين ماتت و أنّ في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه اللّه فألجأها إلى عضادة بيتها و دفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنينا من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتّى ماتت[من ذلك] (1)شهيدة،الحديث (2).
و في كتاب المصباح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه قال له رجل:هل تشيّع الجنازة بنار و يمشى معها بمجمرة و قنديل أو غير ذلك ممّا يضاء به؟فاستوى جالسا ثمّ قال:إنّه جاء شقيّ من الأشقياء إلى فاطمة بنت محمّد فقال:أما علمت أنّ عليّا قد خطب بنت أبي جهل؟
فقالت:حقا ما تقول؟
قال:حقّا ما أقول ثلاث مرّات فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها،و ذلك أنّ اللّه تعالى كتب على النساء غيرة و كتب على الرجال جهاد،فاشتدّ غمّ فاطمة من ذلك و بقيت متفكّرة حتّى أمست فحملت الحسن على عاتقها الأيمن و الحسين على عاتقها الأيسر و أخذت بيد أمّ كلثوم ثمّ تحوّلت إلى حجرة أبيها،فجاء عليّ فلم ير فاطمة فعظم ذلك عليه و لم يعلم القصّة ما هي فاستحى أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد و جمع شيئا من الكثيب فاتّكأ عليه،فلمّا رأى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما بفاطمة من الحزن دخل المسجد و دعى اللّه أن يذهب ما بفاطمة من الحزن و ذلك أنّه خرج من عندها و هي تتقلّب و تتنفّس الصعداء،فلمّا رآها النبيّ لا يهنها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اليوم قال لها:قومي يا بنيّة،و حمل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الحسن و حملت فاطمة الحسين و أخذت بيد أمّ كلثوم فانتهى إلى عليّ و هو نائم فوضع رجله على رجله و قال:قم يا أبا تراب فكم ساكن أزعجته أدع لي أبا بكر و عمر و طلحة فاجتمعوا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:يا علي أما علمت أنّ فاطمة بضعة منّي و أنا منها فمن آذاها فقد آذاني و من آذاها بعد موتي كان كمن آذاها في حياتي.
فقال علي:بلى يا رسول اللّه قال:فما دعاك إلى ما صنعت؟
فقال:و الذي بعثك بالحقّ نبيّا ما كان منّي ممّا بلغها شيء و لا حدّثت بها نفسي،فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:صدقت صدقت،ففرحت فاطمة عليها السّلام بذلك و تبسّمت حتّى يرى ثغرها فقال أحدهما لصاحبه:إنّه لعجب ما دعاه إلى ما دعانا هذه الساعة فأخذ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بيد علي و أدخله مع فاطمة و أولادها البيت و وضع عليهم قطيفة و خرج.ل.
فلمّا مرضت فاطمة عليها السّلام أتاها أبو بكر و عمر عايدين و استأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما،فلمّا رأى ذلك أبو بكر أعطى اللّه عهدا لا يظلّه سقف بيت حتّى يدخل على فاطمة و يتراضاها فبات ليلة في الصقيع (1)ما أظلّه شيء،ثمّ إنّ عمر أتى عليّا فقال:إنّ أبا بكر شيخ رقيق القلب و قد كان مع رسول اللّه في الغار فله صحبة و قد أتينا فاطمة مرارا نتراضاها فلم تأذن،فإن رأيت أن تستأذن لنا عليها فافعل فدخل عليها عليّ عليه السّلام و قال:يا بنت رسول اللّه قد كان من أمر هذين الرجلين ما قد رأيت و قد سألاني أن أستأذن لهما عليك.
فقالت:و اللّه لا آذن لهما و لا أكلّمهما كلمة من رأسي حتّى ألقى أبي فأشكوهما إليه.
قال عليّ:فإنّي ضمنت لهما ذلك.
قالت:إن كنت قد ضمنت فالبيت بيتك فأذن لمن أحببت فأذن لهما فدخلا و سلّما عليها فلم ترد عليهما و حوّلت وجهها عنهما فتحوّلا إلى الجانب الآخر و هكذا مرارا فقال أبو بكر:إنّما أتيناك نسألك أن تصفحي عنّا فالتفتت إلى عليّ فقالت:لا أكلّمهما حتّى أسألهما عن شيء سمعاه من رسول اللّه فإن صدقاني رأيت رأيي فقالا لها ذلك.
فقالت:أنشدكما باللّه هل سمعتما النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:فاطمة بضعة منّي من آذاها فقد آذاني و من آذاني فقد آذى اللّه؟
قالوا:اللّهم نعم.
فقالت:اللّهم إنّي أشهدك فاشهدوا يا من حضر أنّهما قد آذياني في حياتي و عند موتي و اللّه لا أكلّمهما حتّى ألقى ربّي فأشكوهما إليه فدعا أبو بكر بالويل و الثبور و قال:ليت أمّي لم تلدني.
فقال عمر:عجبا للناس كيف ولّوك أمورهم و أنت شيخ قد خرفت تجزع لغضب امرأة و تفرح برضاها و قاما و خرجا،فلما نعي إلى فاطمة نفسها قالت:يا عليّ إذا قضيت نحبي فأخرجني أيّ ساعة من ليل أو نهار و لا يحضرنّ من أعداء اللّه و رسوله للصلاة عليّ أحد،فلمّا قضت نحبها أخذ في جهازها من ساعته في جوف اللّيل و أشعل النار في جريد النخل و مشى مع الجنازة بالنار حتّى صلّى عليها و دفنها ليلا،فلمّا أصبح أبو بكر و عمر عادوا عايدين فاطمة فقالوا لرجل:من أين أقبلت؟
قال:عزّيت عليّا بفاطمة فإنّها ماتت و دفنت في جوف الليل،فجزعا ثمّ أقبلا على عليّ فقالا:
ما تركت شيئا من غوايلنا و ما هذا إلاّ من شيء في صدرك علينا،و هل هذا إلاّ كما غسّلت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دوننا و كما علّمت إبنك أن يصيح بأبي بكر أن انزل عن منبر أبي.ء.
1) الصقيع:شبيه الثلج يسقط من الماء.
فقال لهما:أتصدّقاني إن حلفت لكما؟
قالا:نعم،فحلف فقال:إنّ رسول اللّه أمر أن لا يطّلع أحد على عورته إلاّ ابن عمّه فكنت أغسله و الملائكة تقلّبه و الفضل بن العبّاس يناولني الماء و هو مربوط العينين بالخرقة و لقد أردت أن أنزع القميص فصاح بي صائح:لا تنزع القميص،فأدخلت يدي من تحت القميص و غسّلته ثمّ قدّم إليّ الكفن فكفّنته ثمّ نزعت القميص بعدما كفّنته.
و أمّا الحسن إبني فقد تعلمان و يعلم أهل المدينة أنّ الحسن كان يسعى إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو ساجد فيركب ظهره فيقوم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يده على ظهر الحسن و الاخرى على ركبته حتّى تتمّ الصلاة، قالا:نعم علمنا ذلك ثمّ قال:و تعلمان أنّه كان يركب على رقبة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يدلي الحسن رجليه على صدر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى يرى بريق خلخاليه من أقصى المسجد و النبي يخطب و لا يزال على رقبته حتّى يفرغ،فلمّا رأى الصبيّ على منبر أبيه غيره شقّ عليه ذلك و اللّه ما أمرته بذلك.
و أمّا فاطمة فهي المرأة التي استأذنت لكما عليها و لقد رأيتما ما كان و لقد أوصتني أن لا تحضرا جنازتها و لا الصلاة عليها و ما كنت الذي أخالف أمرها فقال عمر:دع عنك هذه الهمهمة أنا أمضي إلى المقابر فأنبشها حتى أصلّي عليها،فقال عليّ عليه السّلام:لو ذهبت تروم شيئا من ذلك لكنت لا أعاملك إلاّ بالسيف قبل أن تصل إلى شيء من ذلك،فوقع بينهما كلام و اجتمع المهاجرون و الأنصار ثمّ تفرّقا،انتهى ملخّصا (1).
و في كتاب الاحتجاج فيما احتجّ به الحسن عليه السّلام على معاوية و أصحابه إنّه قال لمغيرة بن شعبة:أنت ضربت فاطمة بنت رسول اللّه حتّى أدميتها و ألقت ما فيها انتهاكا لحرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).
دوّن الشعرء هذه القضية المأساوية لما فيها من غرابة و جرأة على اللّه و رسوله و آل بيته الأطهار عليهم السّلام فمما جاء في ذلك:
*قال حافظ ابراهيم:تحت عنوان:«عمر و علي»
و قولة لعلي قالها عمر أكرم بملقيها أعظم بملقيها (3)
حرّقت دارك لا أبقى عليك بها إن لم تبايع و بنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص يفوه بها أمام فارس عدنان و حاميها
فاذكرهما و ترحم كلما ذكروا أعاظما ألهوا في الكون تأليها (1)
قال المحقق في هامش الديوان:يشير بهذه الأبيات الى امتناع علي عن البيعة لابي بكر يوم السقيفة و تهديد عمر إياه بإحراق بيته اذا استمر على امتناعه و كان فيه زوجة علي فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).
*و قال السيد القزويني:
يا عجبا يستأذن الأمين عليهم و يهجم الخؤون
قال سليم قلت يا سلمان هل هجم القوم و لا استئذان
فقال أي و عزة الجبار و ما على الزهراء من خمار
لكنّها لاذت وراء الباب رعاية للستر و الحجاب
فمذ رأوها عصروها عصرة كادت بنفسي أن تموت حسرة
تصيح يا فضة أسنديني فقد وربي قتلوا جنيني (3).
*و قال الشيخ الاصفهاني:
و ما أصابها من المصاب مفتاح بابه حديث الباب
إنّ حديث الباب ذو شجون ممّا به جنت يد الخؤن
أيهجم العدى على بيت الهدى و مهبط الوحي و منتدى الندى
أيضرم النار بباب دارها و آية النور على منارها
و بابها باب نبي الرحمة و باب أبواب نجاة الأمة
بل بابها باب العلي الأعلى فثم وجه اللّه قد تجلى
ما اكتسبوا بالنار غير العار و من ورائه عذاب النار
ما أجهل القوم فإن النار لا تطفىء نور اللّه جلّ و علا
و إن كسر الضلع ليس ينجبر إلاّ بصمصمام عزيز مقتدر.
اذ رض تلك الأضلع الزكية رزية لا مثلها رزية
و من نبوع الدم من ثدييها يعرف عظم ما جرى عليها
و جاوز الحد بلطم الخد شلّت يد الطغيان و التعدي
فاحمرّت العين و عين المعرفة تذرف بالدمع على تلك الصفة
و لا تزيل حمرة العين سوى بيض السيوف يوم ينشر اللوا
و للسياط رنّة صداها في مسمع الدهر فما أشجاها
و الأثر الباقي كمثل الدملج في عضد الزهراء أقوى الحجج
و من سواد متنها اسودّ الفضا يا ساعد اللّه الإمام المرتضى
و وكز نعل السيف في جنبيها أتى بكل ما أتى عليها
و لست أدري خبر المسمار سل صدرها خزانة الاسرار
و في جنين المجد ما يدمي الحشا و هل لهم إخفاء أمر قد فشا
و الباب و الجدار و الدماء شهود صدق ما له خفا
لقد جنى الجاني على جنينها فاندكّت الجبال من حنينها
أهكذا يصنع بابنة النبي حرصا على ملك فيا عجبا!!! (1)
*و قال الشيخ حسن الحلي:
أبضعة الطهر طاه نصب أعينهم بالباب يعصرها الطاغي و ما غصبوا
رضّوا أضلاعها أجروا مدامعها أدموا نواظرها ميراثها غصبوا
لبيتها و هي حسرى في مدامعها عدوا فلاذت وراء الباب تحتجب
فألموا عضديها في سياطها و أسقطوا حملها و المرتضى سحبوا
و وشحوا متنها بالسوط فاكفأت لدارها و حشاها ملؤه عطب (2)
و اعلم أنه استمر غضب الزهراء عليهما حتى توفيت عليها السّلام مهاجرة لهما،فلم تزل مهاجرته على ما في رواية عائشة و غيرها.أخرج ذلك جملة من الحفاظ (3).2.
1) وفاة الصديقة الزهراء:129-130،و الأنوار القدسية:35-36.
2) وفاة الصديقة الزهراء:137.
3) راجع مسند أحمد:6/1 و 9 ط.م و 13 و 18 ط.ب ح 26 و 56،و الطبقات الكبرى:23/8 ذكر بنات الرسول-فاطمة برقم 4097.،و صحيح البخاري:504/4 ح 1265 من كتاب الخمس:فرضه،و كتاب المغازي ذيل باب غزوة خيبر:252/5 ح 704،و تاريخ الخميس:174/2 ذكر ميراث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-،و شرح النهج:218/16 الكتاب 45 عن كتاب الجوهري،و الوفا:995/3 فصل 2.
و سببه هو اقتحام بيتها و الإغارة عليه على حد تعبير ابن أبي الحديد (1).
و تهديد عمر فاطمة بإحراق دارها من المتسالم عليه رواه الطبري و ابن قتيبة و ابن عبد ربه و أبي الفداء و ابن أبي الحديد و المتّقي الهندي و الكراجكي و اليعقوبي و البلاذري (2).
قال علي عليه السّلام على قبر فاطمة:ستخبرك إبنتك بما لقينا بعدك فاحفها بالسؤال (3).
فماذا لقيت فاطمة و علي عليه السّلام من القوم يا ترى؟!
و روى ابن طيفور قولها عليها السّلام لأبي بكر:«لقد جئت شيئا فريا» (4).
فما هو هذا الشيء؟!
و قالت عليها السّلام:
و بكاك الإسلام اذ صار في الناس غريبا من سائر الغرباء
لو ترى المنبر الذي كنت تعلو ه علاه الظلام بعد الضياء (5)
و قالت سلام اللّه عليها:
و إنّا فقدناك فقد الأرض و إبلها و اجتث أهلك مذ غبت و اغتصبوا
أبدت رجال لنا فحوى صدورهم لما نابت و حالت بيننا الكثب[الكتب]
تهجمتنا ليال و استخفّ بنا دهر فقد أدركوا منّا الذي طلبوا (6)
و قالت روحي فداها:
إنّا فقدناك فقد الأرض و إبلها اغتيل أهلك لما اغتالك الترب
و قد رزينا بما لم يرزه أحد من البرية لا عجم و لا عرب (7)ا.
1) شرح النهج لابن أبي الحديد:47/6 و 49 الخطبة 66.
2) تاريخ الطبري:443/2 حوادث سنة 11 ذكر الأخبار في اليوم الذي توفي الرسول فيه،و الإمامة و السياسة: 30/1 كيف كانت بيعة علي،و تاريخ ابي الفداء 156/1 ط.مصر المطبعة الحسينية،و العقد الفريد:63/3 ط.مصر،و 247/4 ط.بيروت كتاب الخلفاء-خلافة ابي بكر،و كنز العمال:651/5 ح 14138 مسند عمر،و كنز الفوائد:364،و شرح النهج:48/6 الخطبة 66،و 45/2 الخطبة 26.
3) بلاغات النساء:28 كلام فاطمة في مجلس ابي بكر.
4) بلاغات النساء:28 كلام فاطمة في مجلس ابي بكر.
5) البحار:177/43.
6) دلائل الإمامة:35 حديد فدك،و شرح النهج:214/16 كتاب 45 كتابه الى عثمان بن الاحنف عن الجوهري.
7) تذكرة الخواص:287 باب 11 ذكر مرضها.
تجهمتنا رجال و استخف بنا اذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب (1)
أقول:هذا البيت ليس لفاطمة بل هي تمثلت به،و هو لصفية عمة النبي و قد رواه ابن قدامة بدل:الخطب:الحطب.
قال:لما قبض النبي خرجت صفية متلفعة بثوبها و هي تقول:
قد كان بعدك أنباء و هنبثة*لو كنت شاهدا لم يكثر[يكن]الحطب (2)
لهف نفسي و على مث لك فلتبك البواكي
كيف لم تقطع يد مدّ اليك ابن صهاك
فرحوا يوم أهانو ك بما ساء أباك
و لقد أخبرهم إن رضاه في رضاك
دفعا النص على إر ثك لما دفعاك
و تعرضت لقدر تافه و انتهراك (3)
و ختم جهاد فاطمة بالشهادة في سبيل اللّه عزّ و جلّ،قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام:
قبضت فاطمة عليها السّلام في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة، و كان سبب وفاتها أنّ قنفذا مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره فأسقطت محسنا و مرضت من ذلك مرضا شديدا (4).
و عن عليّ بن جعفر،عن أخيه أبي الحسن عليه السّلام قال:إنّ فاطمة عليها السّلام صدّيقة شهيدة و إنّ بنات الأنبياء لا يطمثن.
-و في حديث عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جاء فيه:...ذكرت ما يصنع بها بعدي كأنّي بها و قد دخل الذلّ بيتها،و انتهكت حرمتها،و غصبت حقّها،و منعت إرثها،و كسر جنبها،و أسقطت جنينها،و هي
تنادي:يا محمّداه،فلا تجاب،و تستغيث فلا تغاث،فلا تزال بعدي محزونة،مكروبة،باكية، تتذكّر انقطاع الوحي عن بيتها مرّة،و تتذكّر فراقي أخرى،و تستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجّدت بالقرآن،ثمّ ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيّام أبيها عزيزة.
فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالى ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول:يا فاطمة إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفٰاكِ عَلىٰ نِسٰاءِ الْعٰالَمِينَ (1).
يا فاطمة اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَ اسْجُدِي وَ ارْكَعِي مَعَ الرّٰاكِعِينَ (2).
ثمّ يبتدىء بها الوجع فتمرض فيبعث اللّه عزّ و جلّ إليها مريم بنت عمران تمرّضها و تؤنسها في علّتها،فتقول عند ذلك:يا ربّ إنّي قد سئمت الحياة و تبرّمت بأهل الدّنيا،فألحقني بأبي،فيلحقها اللّه عزّ و جلّ بي،فتكون أوّل من يلحقني من أهل بيتي،فتقدم عليّ محزونة،مكروبة،مغمومة، مغصوبة،مقتولة،فأقول عند ذلك:اللّهمّ العن من ظلمها،و عاقب من غصبها،و ذلّل من أذلّها، و خلّد في نارك من ضرب جنبيها حتّى ألقت ولدها،فتقول الملائكة عند ذلك:آمين (3).
عن عائشة قالت:إجتمع نساء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي ما تخطىء مشيتها مشية أبيها صلوات اللّه و سلامه عليه،فقال:«مرحبا بابنتي» فأقعدها عن يمينه أو عن شماله فسارّها بشيء،فبكت،فسارها بشيء فضحكت،فقلت لها:خصّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من بيننا بالسرار فتبكين،فلما قام فقلت لها:أخبريني بما سارّك فقالت:ما كنت لأفشي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم سرّه.
فلما توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قلت لها:أسألك بما لي عليك من حق لما أخبرتيني[بما سارّك] فقالت:أمّا الآن فنعم.فقالت:سارّني«أنّ جبريل عليه الصلاة و السلام كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة،و إنّه عارضني العام مرتين،و لا أرى ذلك إلاّ عند اقتراب الأجل،فاتّقي اللّه و اصبري، فنعم السلف أبا لك»فبكيت،ثم سارّني فقال:«أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين؟أو قال:
سيدة هذه الأمة».انتهى (4).
و روى ورقة بن عبد اللّه قال:بينمنا أنا أطوف و إذا أنا بجارية سمراء مليحة الوجه عذبة الكلام و هي تنادي:اللّهمّ ربّ الكعبة الحرام و ربّ محمّد خير الأنام أن تحشرني مع ساداتي الكرام، فقلت:يا جارية إنّي لأظنّك من موالي أهل البيت عليهم السّلام؟
فقالت:أجل أنا فضّة أمة الزهراء صلّى اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها،فقلت لها:مرحبا بك يا فضّة أخبريني عن الزهراء عند وفاتها.
فلمّا سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدّموع فقالت:هيّجت عليّ حزنا ساكنا يا ورقة.
لمّا مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كثر عليه البكاء و لم يكن أعظم عليه حزنا من فاطمة الزهراء فجلست سبعة أيّام لا يسكن أنينها،فلمّا كان اليوم الثالث أبدت ما كتمت من الحزن و صرخت و ضجّ الناس بالبكاء و خيل إلى[النسوان] (1)أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد قام من قبره و هي تنادي:وا أبتاه وا محمّداه أمن للقبلة و المصلّى و من لابنتك الثكلى،ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها و لا تبصر شيئا من عثرتها حتّى دنت من قبر أبيها،فلمّا نظرت إلى الحجرة علا بكاؤها إلى أن أغمي عليها فنضحن النساء الماء عليها حتّى أفاقت،فلمّا أفاقت و هي تقول:رفعت قوّتي و خانني جلدي و شمت بي عدوّي و الحزن قاتلي يا أبتاه،بقيت والهة وحيدة و حيرانة فريدة تنغصت عيشتي و تكدّر دهري بعدك فقد فني بعدك محكم التنزيل و مهبط جبرئيل و محلّ ميكائيل إنقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب و تغلّقت دوني الأبواب ثمّ قالت شعر:
إنّ حزني عليك حزن جديد و فؤادي و اللّه صب عتيد
إنّ قلبا عليك بألف صبرا أو عزاء فإنّه لجليد
ثمّ نادت:يا أبتاه اسودّت بعدك الدّنيا،يا أبتاه زال نومي منذ وقع الفراق،يا أبتاه أي دمعة لفراقك لا تهمل و أيّ حزن عليك لا يتّصل و أي جفن بعدك بالنوم يكتحل؟
و كيف لا تتزلزل الأرض بعدك؟.
يا أبتاه منبرك بعدك مستوحش و محرابك خال من مناجاتك و قبرك فرح بموالاتك و الجنّة مشتاقة إليك،يا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا إليك.
ثمّ زفرت زفرة و قالت:
قلّ صبري و بان عنّي عزائي بعد فقدي لخاتم الأنبياء
قد بكتك الجبال و الوحش جمعا و الطير و الأرض بعد بكى السماء
1) في المصدر:النسوة.
يا إلهي عجّل وفاتي سريعا قد تنغّصت بالحياة يا مولاي
ثمّ رجعت إلى منزلها و أخذت بالبكاء ليلها و نهارها،و اجتمع شيوخ أهل المدينة إلى أمير المؤمنين فقالوا؛إنّ فاطمة تبكي الليل و النهار فلا أحد منّا يتهنّا بالنوم و العيش،فإمّا أن تبكي ليلا أو نهارا.
فأخبرها أمير المؤمنين عليه السّلام بما قالوا فقالت:يا أبا الحسن ما أقلّ مكثي بينهم فو الله لا أسكت ليلا و لا نهارا حتّى ألحق بأبي،فبنى لها بيتا في البقيع خارج المدينة يسمّى بيت الأحزان، و كانت إذا أصبحت قدّمت الحسن و الحسين أمامها و خرجت إلى البقيع باكية بين القبور،فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين عليه السّلام و ساقها بين يديه إلى منزلها و لم تزل على ذلك إلى أن مضى بها بعد موت أبيها سبعة و عشرون يوما فاعتلّت فبقيت إلى يوم الأربعين و قد صلّى أمير المؤمنين عليه السّلام الظهر و أقبل إلى المنزل فاستقبله الجواري باكيات حزينات فقالوا:أدرك بنت عمّك الزهراء و ما نظنّك تدركها فدخل عليها مسرعا و هي ملقاة على فراشها تتقلّب يمينا و شمالا فألقى العمامة عن رأسه و أخذ رأسها و ناداها يا بنت محمّد المصطفى فلم تكلّمه ثمّ قال:يا فاطمة كلّميني ففتحت عينها و نظرت إليه و بكت و بكى فقال:فما الذي تجدينه؟
قالت:يابن العمّ أجد الموت و أنا أعلم إنّك بعدي لا تصبر عن التزويج،فإذا تزوّجت امرأة اجعل لها يوما و ليلة و اجعل لأولادي يوما و ليلة و لا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين، فإنّهما بالأمس فقدا جدّهما و اليوم يفقدان أمّهما ثمّ قالت شعرا:
إبكني إن بكيت يا خير هادي و أسبل الدمع فهو يوم فراق
إبكني و ابك لليتامى و لا تنسى قتيل العدى بطف العراق
فقال لها:فمن أين لك يا بنت رسول اللّه هذا الخبر و الوحي قد انقطع عنّا؟
قالت:رقدت الساعة فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في قصر من الدرّ الأبيض،فلمّا رآني قال:هلمّي يا بنية فإنّي إليك مشتاق فقلت و اللّه إنّي لأشدّ شوقا فقال:أنت الليلة عندي و هو الصادق المصدّق فإذا أنت قرأت يس أكون قد قضيت نحبي فغسّلني و لا تكشف عنّي فإنّي طاهرة مطهّرة و ليصلّ عليّ من أهلك الأدنى فالأدنى فادفنّي ليلا في قبري.
قال عليّ عليه السّلام:فلمّا غسّلتها و كفنتها و أردت عقد الرداء ناديت:يا أمّ كلثوم يا زينب يا سكينة يا فضّة يا حسن يا حسين هلمّوا تزوّدوا من أمّكم،فهذا الفراق و اللقاء في الجنّة.
فأقبل الحسن و الحسين يناديان وا حسرة لا تنطفئ أبدا من فقدنا جدّنا محمّد و أمّنا فاطمة الزهراء يا أمّنا إذا لقيت جدّنا فاقرأيه منّا السلام و قولي له[بقينا]بعدك يتيمين في دار الدّنيا.
فقال أمير المؤمنين:إنّها قد حنّت و أنّت و مدّت يديها و ضمّتهما إلى صدرها مليا و إذا بهاتف
ينادي من السماء يا أبا الحسن إرفعهما عنها فلقد أبكيا ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب قال:فرفعتهما عن صدرها و أقبل بها إلى قبر أبيها و نادى:السلام عليك يا رسول اللّه منّي و من ابنتك النازلة عليك و إنّ الوديعة قد استردّت و الرهينة قد أخذت،فوا حزناه على الرسول و من بعده على البتول و لقد اسودّت عليّ الغبراء و بعدت عنّي الخضراء،فوا حزناه ثمّ وا أسفاه.
ثمّ عدل بها على الروضة فصلّى عليها في أهله و أصحابه،فلمّا ألحدها في لحدها قال شعر:
أرى علل الدّنيا عليّ كثيرة و صاحبها حتّى الممات عليل
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة و إنّ بقائي بعدكم لقليل
و إنّ افتقادي فاطم بعد أحمد دليل على أن لا يدوم خليل (1)
و في المناقب:قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لها يومئذ ثماني عشرة سنة و سبعة أشهر و عاشت بعده إثنان و سبعون يوما و قيل أربعة أشهر و قيل أربعين يوما توفّيت ليلة الأحد ثلاث عشر ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشر من الهجرة و مشهدها بالبقيع و قالوا:إنّها دفنت في بيتها و قيل بين القبر و المنبر (2).
و روي أنّها ما زالت بعد أبيها معصّبة الرأس ناحلة الجسم باكية العين محترقة القلب يغشى عليها ساعة بعد ساعة،و يقول لولديها:أين أبوكما الذي كان يكرمكما و يحملكما ثمّ مرضت ودعت أمّ أيمن و أسماء بنت عميس و عليّ بن أبي طالب و أوصت عليّ بثلاث؛أن يتزوّج أمامة بنت أختها زينب لحبّها لأولادها،و أن يتّخذ لها نعشا لأنّها كانت رأت الملائكة فصوّرت لها صورته،و أن لا يشهد أحد جنازتها ممّن ظلمها و لا يصلّي عليها أحد منهم (3).
و روى الواقدي أنّ فاطمة لمّا حضرتها الوفاة أوصت عليّا أن لا يصلّي عليها أبو بكر و عمر، فعمل بوصيّتها و سوّى قبرها مع الأرض مستويا و سوّى حواليها قبورا مزوّرة سبعة أو أربعين حتّى لا يعرف قبرها فيصلّوها عليها (4).
و سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام:من غسّل فاطمة؟
فقال:غسّلها أمير المؤمنين لأنّها كانت صدّيقة لم يكن ليغسّلها إلاّ صدّيق و المراد بالصدّيق هنا المعصوم عليه السّلام (5).4.
و في الكافي بإسناده إلى الحسين عليه السّلام قال:لمّا قبضت فاطمة عليها السّلام دفنها أمير المؤمنين عليه السّلام سرّا و حوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قال:السلام عليك يا رسول اللّه،السلام عليك من ابنتك و زائرتك و البائتة في الثرى ببقعتك و المختار اللّه لها سرعة اللحاق بك،قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري و عفى عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي على أنّ في التأسّي لي بسنّتك في فرقتك موضع تعزّ، فلقد و سدّتك في ملحودة قبرك و فاضت نفسك بين نحري و صدري إنّا للّه و إنّا إليه راجعون،قد استرجعت الوديعة و أخذت الرهينة و اختلست الزهراء فما أقبح الخضراء و الغبراء يا رسول اللّه،أمّا حزني فسرمد و أمّا ليلي فمسهّد و همّ لا يبرح قلبي أو يختار اللّه لي دارك التي أنت فيها مقيم كمد مقيح وهمّ مهيج سرعان ما فرّق بيننا (1)،و إلى اللّه أشكو و ستنبّؤنك ابنتك بتظافر أمّتك على هضمها، فاحفها السؤال و استخبرها الحال،فكم من عليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلا و ستقول و يحكم اللّه و هو خير الحاكمين،و السلام عليكما سلام مودّع لا قال و لا سائم فإن أنصرف فلا عن ملالة و إن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصابرين واها واها و الصبر أيمن و أجمل فبعين اللّه تدفن ابنتك سرّا و تهضم حقّها و تمنع إرثها و لم يتباعد العهد و لم يخلق منك الذكر،و إلى اللّه يا رسول اللّه المشتكى و فيك يا رسول اللّه أحسن العزاء صلّى اللّه عليك و عليها السلام و الرضوان (2).
روى في(كشف الغمة)عن أبي عبد اللّه قال:البكاؤون خمسة:آدم،و يعقوب و يوسف، و فاطمة بنت محمد،و علي بن الحسين.
فأما آدم فبكى على الجنّة حتى صار في خدّيه مثل الأودية.
و أما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره.
و أما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذّى به أهل السجن فقالوا:إمّا أن تبكي بالنهار و تسكت بالليل،و إمّا أن تبكي بالليل و تسكت بالنهار،فصالحهم على واحدة منهما.
و أما فاطمة فبكت على رسول اللّه حتى تأذّى بها أهل المدينة فقالوا لها:قد آذيتنا بكثرة بكائك،فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها و تنصرف.
و أما علي بن الحسين فبكى على الحسين عشرين سنة أو أربعين و ما وضع بين يديه طعام قط إلا بكى حتى قال له مولى له:جعلت فداك يا ابن رسول اللّه إني أخاف عليك أن تكون من
الهالكين،قال:إنما أشكو بثّي و حزني إلى اللّه و أعلم من اللّه ما لا تعلمون،إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك العبرة (1).
و في(البحار)من الأمالي عن الدقاق عن الأسدي عن النخعي عن النوفلي عن البطائي عن أبيه عن ابن جبير عن ابن عباس في خبر طويل أخبر فيه النبي بظلم أهل البيت،قال و أما ابنتي فاطمة فإنّها سيدة نساء العالمين من الأولين و الآخرين،و هي بضعة مني،و هي نور عيني،و هي ثمرة فؤادي،و هي روحي التي بين جنبي،و هي الحوراء الأنسية متى ما قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض،و يقول اللّه عز و جل لملائكته:يا ملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يديّ ترتعد فرائصها من خيفتي و قد أقبلت بقلبها على عبادتي أشهدكم أني قد أمّنت شيعتها من النار.
و إني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي كأنّي بها و قد دخل الذل بيتها و انتهكت حرمتها و غصبت حقها و منعت إرثها و كسر جنبها و أسقطت جنينها و هي تنادي:يا محمداه،فلا تجاب و تستغيث فلا تغاث،فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة و تتذكر فراقي أخرى و تستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن،ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت أيام أبيها عزيزة،فعند ذلك يؤنسها اللّه تعالى ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران،فتقول:يا فاطمة إن اللّه اصطفاك و طهّرك و اصطفاك على نساء العالمين،يا فاطمة اقنتي لربك و اسجدي و اركعي مع الراكعين.
ثم يبتدئ بها الوجع،فتمرض،فيبعث اللّه عز و جل إليها مريم بنت عمران تمرّضها و تؤنسها في علّتها فتقول عند ذلك:يا رب إني قد سئمت الحياة و تبرّمت بأهل الدنيا فألحقني بأبي،فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي،فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة،فأقول عند ذلك:
اللّهم العن من ظلمها و عاقب من غصبها و ذلّل من أذلّها،و خلّد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها،فتقول الملائكة عند ذلك:آمين (2).
و عن أبان بن أبي عياش عنه عن سلمان و عبد اللّه بن العباس قالا:توفّي رسول اللّه يوم توفي فلم يوضع في حفرته حتى نكث الناس و ارتدّوا و أجمعوا على الخلاف،و اشتغل علي برسول اللّه حتى فرغ من غسله و تكفينه و تحنيطه و وضعه في حفرته،ثم أقبل على تأليف القرآن و شغل عنهم
بوصية رسول اللّه،فقال عمر لأبي بكر:يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل و أهل بيته فابعث إليه،فبعث إليه ابن عم لعمر يقال له:قنفذ،فقال:يا قنفذ إنطلق إلى علي فقل له:
أجب خليفة رسول اللّه.
فبعثا مرارا و أبى عليّ أن يأتيهم فوثب عمر غضبانا و نادى خالد بن الوليد و قنفذا فأمرهم أن يحملا حطبا و نارا.
ثم أقبل حتى انتهى إلى باب عليّ و فاطمة عليها السّلام قاعدة خلف الباب قد عصبت رأسها و نحل جسمها في وفاة رسول اللّه،فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى:يا ابن أبي طالب إفتح الباب، فقالت فاطمة عليها السّلام خلف الباب:ما لنا و لك لا تدعنا و ما نحن فيه؟،قال:إفتحي الباب و إلا أحرقنا عليكم،فقالت:يا عمر،أما تتّقي اللّه تدخل على بيتي و تهجم على داري بغير إذني،فأبى أن ينصرف.
ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب،ثم دفعه عمر فدخل فاستقبلته فاطمة و صاحت:يا أبتاه يا رسول اللّه،فرفع عمر السيف و هو في غمده فوجأ به جنبها فصرخت:يا أبتاه، فرفع السوط فضرب به ذراعها و نادت:يا رسول اللّه بئس ما خلفك أبو بكر و عمر.
فوثب عليّ بن أبي طالب فأخذ بتلابيب عمر فصرعه و وجأ أنفه و رقبته و همّ بقتله فذكر قول رسول اللّه و ما أوصاه به من الصبر و الطاعة،فقال:و الذي أكرم محمدا بالنبوة يا ابن صهّاك لو لا كتاب من اللّه سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي (1).
فأرسل عمر يستغيث فأقبل الناس حتى دخلوا الدار فكاثروه و ألقوا في عنقه حبلا فحالت بينهم و بينه فاطمة عند باب البيت فضربها قنفذ الملعون بالسوط،فماتت حين ماتت،و أنّ في عضدها كمثل الدّملج من ضربته لعنه اللّه،فألجأها إلى عضادة بيتها و دفعها فكسر ضلعها من جنبها فألقت جنينها من بطنها،فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت صلّى اللّه عليها من ذلك شهيدة-و ساق الحديث إلى أن قال-:قال ابن عباس:ثم إن فاطمة بلغها أن أبا بكر قبض فدكا،فخرجت في نساء بني هاشم حتى دخلت على أبي بكر فقالت:يا أبا بكر أتريد أن تأخذ مني أرضا جعلها لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟.
فدعا أبو بكر بدواة ليكتب به لها فدخل عمر لعنه اللّه فقال:يا خليفة رسول اللّه لا تكتب لها حتى تقيم البيّنة بما تدّعي،فقالت فاطمة:عليّ و أم أيمن يشهدان بذلك.
فقال عمر:لا تقبل شهادة امرأة أعجمية لا تفصح،و أما علي فيجرّ النار إلى قرصته،فرجعت فاطمة مغتاظة فمرضت.0.
1) الأمالي للصدوق:176،و المختصر:110.
و كان علي يصلّي في المسجد الصلوات الخمس،فلما صلى قال له أبو بكر و عمر:كيف بنت رسول الله؟إلى أن ثقلت فسألا عنها و قالا:و قد كان بيننا و بينها ما قد علمت فإن رأيت أن تأذن لنا لنعتذر إليها من ذنبنا،قال:ذاك إليكما،فقام فجلسا في الباب.
فدخل عليّ على فاطمة فقال:أيّتها الحرّة فلان و فلان في الباب يريدان أن يسلّما عليك فما تريدين؟قالت:البيت بيتك و الحرّة زوجتك و افعل ما تشاء،فقال:شدّي قناعك،فشدّت قناعها و حوّلت وجهها إلى الحائط،فدخلا و سلما و قالا:إرضي عنّا رضي اللّه عنك،فقالت:ما دعاكما إلى هذا؟
فقالا:اعترفنا بالإساءة و رجونا أن تعفي عنا،فقالت:إن كنتما صادقين فأخبراني عما أسألكما عنه فإنّي لا أسألكما عن أمر إلا و أنا عارفة بأنّكما تعلمانه،فإن صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما،قالا:سل عما بدا لك،قالت:نشدتكما باللّه هل سمعتما رسول اللّه يقول:
فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني؟
قالا:نعم،قال:فرفعت يدها إلى السماء فقالت:اللهم إنّهما قد أذياني فأنا أشكوهما إليك و إلى رسولك لا و اللّه لا أرضى عنكما أبدا حتى ألقى أبي رسول اللّه و أخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما.
قال:فعند ذلك دعى أبو بكر بالويل و الثبور و جزع جزعا شديدا،فقال عمر له:تجزع يا خليفة رسول اللّه من قول امرأة؟
قال:فبقيت فاطمة بعد وفاة أبيها أربعين ليلة فلما اشتدّ بها الأمر دعت عليّا و قالت:يا ابن عم،ما أراني إلا لما بي و إني أوصيك أن تتزوج بأمامة بنت أختي زينب تكون لولدي مثلي،و اتخذ لي نعشا فإنّي رأيت الملائكة يصفونه لي،و أن لا يشهد أحد من أعداء اللّه جنازتي و لا دفني و لا الصلاة عليّ (1).
عن عبد اللّه بن عبّاس قال:لمّا حضرت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الوفاة بكى،فقيل له في ذلك،فقال:
أبكي لذرّيتي و ما يصنع بهم شرار أمّتي من بعدي كأنّي بابنتي فاطمة و قد ظلمت من بعدي و هي تنادي يا أبتاه فلا يعينها أحد من أمّتي،فسمعت ذلك فاطمة فبكت فقال:لا تبكين يا بنيّة.
1) بحار الأنوار:304/28،و اللمعة البيضاء:872.
فقالت:لست أبكي لما يصنع بي بعدك و لكنّي أبكي لفراقك يا رسول اللّه.
فقال:أبشري فإنّك أوّل من يلحق بي من أهل بيتي.
و في حديث آخر:لا تبكين بعدي إلاّ إثنين و سبعين يوما و نصف يوم.و في حديث آخر:
خمس و سبعين يوما.
و في كتاب دلائل الإمامة للطبري بإسناده إلى الصادق عليه السّلام قال:قبضت فاطمة عليها السّلام جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون من سنة إحدى عشر من الهجرة و كان سبب وفاتها أنّ قنفذا مولى عمر لكزها بنصل السيف بأمره فأسقطت محسنا و مرضت من ذلك (1).
و عن عبد اللّه بن المؤمّل عن أبي الزبير أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لفاطمة:«أنت أول أهلي لحوقا بي» فلم تمكث بعده إلاّ شهرين (2).
و عن عائشة قالت:كان بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بين فاطمة شهران.
و عن سفيان قال:قال عمرو عن الزّهري:ماتت بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بثلاثة أشهر يعني فاطمة.
و عن أبي جعفر قال:ماتت بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بستة أشهر (3).
و عن عمرو بن دينار قال:توفيت-يعني فاطمة بعد أبيها بثمانية أشهر،قال:و حدثنا خليفة [حدّثنا]أبو عاصم:عن كهمس بن الحسن عن ابن بريدة،قال:عاشت سبعين[من]يوم و ليلة بعد أبيها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (4).
عن محمد بن علي قال:لبثت بعد أبيها ستة أشهر.و قال ابن شهاب:لبثت بعده ثلاثة أشهر.
و لبثت بعده ستة أشهر (5).
عن جرير،عن يزيد بن أبي زياد،عن عبد اللّه بن الحارث قال:توفيت بعد أبيها بثمانية [أشهر] (6).
قال:و حدّثنا خليفة:و قال المدائني ماتت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة و هي ابنة تسع و عشرين سنة،ولدت قبل النبوة بخمس سنين (7).
سفيان،عن عمرو بن دينار،عن ابن شهاب قال:ماتت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بثلاثة أشهر.2.
و عن عبد اللّه بن الحارث قال:عاشت فاطمة بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمانية أشهر.
و عن ابن شهاب قال:مكثت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم]ثلاثة أشهر.
و عن الزّهري،عن عروة،عن عائشة قالت:توفيت فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لستة أشهر، و دفنت ليلا.
و عن ابن شهاب قال:توفيت فاطمة بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بستة أشهر،و هي بنت عثمان و عشرين سنة،و كان مولدها و قريش تبني الكعبة و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ابن خمس و ثلاثين سنة (1).
و قال محمد بن عمر:توفيت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة، و هي بنت تسع و عشرين سنة أو نحوها (2).
و قد اختلفت الأخبار جدا في مدة بقائها بعد أبيها.
قال أبو الفرج في(مقاتل الطالبيين):كانت وفاة فاطمة بعد وفاة النبي بمدة يختلف في مبلغها، فالمكثر يقول:ثمانية أشهر؛و المقلّل يقول:أربعين يوما إلا أنّ الثابت في ذلك ما روي عن أبي جعفر محمد بن علي أنّها توفيت بعده بثلاثة أشهر،حدّثني بذلك الحسن بن علي عن الحرث عن ابن سعد عن الواقدي عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي (3).
و في(كشف الغمة)و نقلت من كتاب الذريّة الطاهرة للدولابي في وفاتها ما نقله عن رجاله قال:لبثت فاطمة عليها السّلام بعد النبي ثلاثة أشهر (4).
و قال ابن شهاب ستة أشهر و قال الزهري ستة أشهر و مثله عن عائشة و مثله عن عروة بن الزبير (5).
و عن أبي جعفر محمد بن علي:خمسا و تسعين ليلة في سنة إحدى عشرة،و قال ابن قتيبة في (معارفه):مائة يوم،و قيل:ماتت في سنة إحدى عشرة ليلة الثلاثاء لثلاث ليال من شهر رمضان المبارك و هي بنت تسع و عشرين سنة أو نحوها. (6).
و في(البحار)عن الكفعمي في الثالث من جمادي الآخرة.
و في(الكافي)بسنده عن أبي عبيدة عن أبي عبد اللّه قال:إن فاطمة مكثت بعد رسول اللّه خمسة و سبعين يوما و كان دخلها حزن شديد على أبيها و كان يأتيها جبرئيل فيحسن عزاها على أبيها و يطيّب نفسها و يخبرها عن أبيها و مكانه و يخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها،و كان علي يكتب ذلك (1).
كانت وفاة الصّديقة سنة إحدى عشرة.
قال في(البحار)بعد نقله الأخبار على كثرة اختلافها:
أقول:لا يمكن التطبيق بين أكثر تواريخ الولادة و الوفاة و مدّة عمرها الشريف،و لا بين تواريخ الوفاة و بين ما مرّ في الخبر الصحيح أنها عاشت بعد أبيها خمسة و سبعين يوما،إذ لو كان وفاة الرسول في الثامن و العشرين من صفر كان على هذا وفاتها في أواسط جمادى الأولى،و لو كان في ثاني عشر ربيع الأول كما ترويه العامة كان وفاتها في أواخر جمادى الأولى،و ما رواه أبو الفرج عن الباقر:من كون مكثها بعده ثلاثة أشهر يمكن تطبيقه على ما هو المشهور من كون وفاتها في ثالث جمادى الآخرة،هذا (2).
قيل في البقيع كما روي عن ابن عباس في حديث وفاتها قال:فلمّا أرادوا أن يدفنوها نودوا من بقعة من البقيع:إليّ إليّ،فقد رفع ترابها(البحار و اللمعة:تربتها)منّي،فنظروا فإذا هم بقبر محفور،فحملوا السرير إليها فدفنوها،أو في بيتها و هو المشهور (3).
روى في(البحار)من المناقب قال:قال أبو جعفر الطوسي:الأصوب أنّها مدفونة في دارها أو في الروضة يؤيد قوله قول النبي:إنّ بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة (4).
و في(البخاري)بين بيتي و منبري،قالوا:حد الروضة ما بين القبر إلى المنبر إلى الأساطين التي تلي صحن المسجد (5).
و عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال:سألت أبا الحسن الرضا عن قبر فاطمة،فقال:دفنت
في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد (1).
و عن أبي عبد اللّه الحسين بن عليّ عليهم السّلام قال:لمّا قبضت فاطمة عليها السّلام دفنها أمير المؤمنين سرّا و عفا على موضع قبرها،ثمّ قام فحوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال:السلام عليك يا رسول اللّه عنّي و السلام عليك عن ابنتك و زائرتك و البائتة في الثرى ببقعتك و المختار اللّه لها سرعة اللّحاق بك،قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري و عفا عن سيّدة نساء العالمين تجلّدي،إلاّ أنّ لي في التأسّي بسنّتك في فرقتك موضع تعزّ فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك و فاضت نفسك بين نحري و صدري،بلى و في كتاب اللّه[لي]أنعم القبول إنّا للّه و إنّا إليه راجعون،قد استرجعت الوديعة و أخذت الرهينة و أخلست الزهراء فما أقبح الخضراء و الغبراء يا رسول اللّه،أمّا حزني فسرمد و أمّا ليلي فمسهّد،و همّ لا يبرح من قلبي أو يختار اللّه لي دارك الّتي أنت فيها مقيم،كمد مقيّح و همّ مهيّجّ سرعان ما فرق بيننا و إلى اللّه أشكو و ستنبّئك ابنتك بتظافر أمّتك على هضمها فاحفها السؤال و استخبرها الحال،فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلا و ستقول و يحكم اللّه و هو خير الحاكمين سلام مودّع لا قال و لا سئم،فإن أنصرف فلا عن ملالة و إن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصابرين،واه واها و الصبر أيمن و أجمل و لو لا غلبة المستولين لجعلت المقام و اللّبث لزاما معكوفا و لأعولت إعوال الثكلى على جليل الرّزيّة،فبعين اللّه تدفن ابنتك سرّا و تهضم حقّها و تمنع إرثها و لم يتباعد العهد و لم يخلق منك الذكر و إلى اللّه يا رسول اللّه المشتكى،و فيك يا رسول اللّه أحسن العزاء صلّى اللّه عليك و عليها السلام و الرضوان.
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:من غسّل فاطمة؟قال:ذاك أمير المؤمنين -و كأنّي استعظمت ذلك من قوله-فقال:كأنّك ضقت بما أخبرتك به؟
قال:فقلت:قد كان ذلك جعلت فداك؟قال:فقال:لا تضيقنّ فإنّها صدّيقة و لم يكن يغسّلها إلاّ الصدّيق أما علمت أنّ مريم لم يغسّلها إلاّ عيسى.
عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال:سألت الرّضا عليه السّلام عن قبر فاطمة عليها السّلام فقال:دفنت في بيتها فلمّا زادت بنو أميّة في المسجد صارت في المسجد.
قال ابن بابويه رحمه اللّه اختلفت الروايات في موضع قبر فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السّلام فمنهم من روى أنها دفنت في البقيع و منهم من روى أنّها دفنت بين القبر و المنبر.و أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنّما قال:«ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنّة»لأنّ قبرها بين القبر و المنبر.و منهم من روى أنها دفنت في بيتها فلمّا زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد،و هذا هو الصحيح عندي و بيتها عليها السّلام على ما ذكره رحمه اللّه من عند الإسطوانة التي تدخل إليها من باب جبرئيل عليه السّلام إلى مؤخر الحظيرة التي فيها7.
1) المبسوط:386/1،و البحار:191/97.
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بحيث إذا قمت عند الحظيرة و جعلت يسارك إليها و ظهرك إلى القبلة استقبلت إلى بيتها بوجهك.
عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهم السّلام قالا:إنّ فاطمة عليها السّلام لمّا أن كان من أمرهم ما كان أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثمّ قالت:أما و اللّه يا ابن الخطّاب لو لا أنّي أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أنّي سأقسم على اللّه ثمّ أجده سريع الإجابة (1).
التلابيب جمع التلبيب و هو ما في موضع اللبب من ثياب الرجل تقول:أخذت بتلبيب فلان إذا جمعت عليه ثوبه الذي هو لابسه و قبضت عليه تجرّه و كان ذلك حين مزق كتابها الذي كتبه أبو بكر في رد فدك إليها بعد إكمال الحجة عليه فآذاها
و لمّا توفّيت أخرجها أمير المؤمنين عليه السّلام إلى البقيع في الليل و صلّى عليها و دفنها بالروضة و أعمى موضع قبرها و أصبح البقيع ليلة دفنت و فيه أربعون قبرا جددا،و لمّا علم المسلمون بوفاتها جاؤوا إلى البقيع فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور فضجّ الناس و تلاوموا و قالوا:لم يخلف نبيّكم فيكم إلاّ بنتا واحدة تموت و تدفن و لم تحضروها و لا الصلاة عليها و لا تعرفوا قبرها.
فقال ولاة الأمر منهم:هاتوا من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتّى نجدها و نصلّي عليها.
فبلغ ذلك أمير المؤمنين فخرج مغضبا قد احمرّت عيناه و عليه قباه الأصفر الذي كان يلبسه في كلّ كريهة و هو متوكّل على سيفه ذي الفقار حتّى ورد البقيع فخاف الناس و قالوا:قد أقسم لئن حوّل من هذه القبور حجر ليضعنّ السيف فيكم،فتلقّاه عمر و أصحابه و قالوا:و اللّه لننبشنّ قبرها و لنصلّينّ عليها فضرب عليّ عليه السّلام إلى جوامع ثوبه فهزّه ثمّ ضرب به الأرض و قال له:يابن السوداء أمّا حقّي فقد تركته مخافة أن يرتدّ الناس عن دينهم و أمّا قبر فاطمة فلئن رمت و أصحابك شيئا من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم،فتلقّاه أبو بكر فقال:يا أبا الحسن بحقّ رسول اللّه إلاّ خلّيت عنه فإنّا غير فاعلين شيئا تكرهه،فخلّى عنه و تفرّق الناس و لم يعودوا إلى ذلك (2).
و الأخبار فيه مختلفة:ففي(الكافي):ولدت فاطمة بعد مبعث رسول اللّه بخمس سنين، و توفيت و لها ثمان عشرة سنة و خمسة و سبعون يوما،و بقيت بعد أبيها خمسة و سبعين يوما (3).
و نحوه في البحار من عيون المعجزات للسيد المرتضى قال:روي أن فاطمة توفيت و لها ثمان عشرة سنة و شهران،و أقامت بعد النبي خمسة و سبعين يوما،و روي أربعين يوما (1).
و في(البحار)من بعض كتب المناقب القديمة عن سيد الحفاظ أبي منصور الديلمي بإسناده أن عبد اللّه بن الحسن دخل على هشام بن عبد الملك و عنده الكلبي فقال هشام لعبد اللّه بن الحسن:يا أبا محمد كم بلغت فاطمة بنت رسول اللّه من السن؟فقال:بلغت ثلاثين،فقال الكلبي:ما تقول؟ قال:بلغت خمسا و ثلاثين،فقال هشام لعبد اللّه:ألا تسمع ما يقول الكلبي؟فقال عبد اللّه:يا أمير المؤمنين سلني عن أمي فأنا أعلم بها،و سل الكلبي عن أمه فهو أعلم بها (2).
و عن العاصمي بإسناده عن محمد بن عمر قال:توفيت فاطمة بنت محمد لثلاث ليال خلون من شهر رمضان و هي بنت تسع و عشرين أو نحوها،و قال محمد بن إسحاق توفيت و لها ثمان و عشرون سنة،و قيل:سبع و عشرون سنة.
و في رواية أنها ولدت على رأس سنة إحدى و أربعين من مولد النبي فيكون سنّها على هذا ثلاثا و عشرين،و الأكثر على أنها كانت بنت تسع و عشرين أو ثلاثين،و اللّه العالم بحقائق الوقائع (3).
و من كتاب(دلائل الإمامة)للطبري بالإسناد عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه قال:قبضت فاطمة في جمادي الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة،و كان سبب وفاتها أنّ قنفذا مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره فأسقطت محسنا و مرضت من ذلك مرضا شديدا و لم تدع أحدا ممن آذاها يدخل عليها (4).
و في(البحار)من مناقب ابن شهر آشوب عن ابن جبير عن ابن عباس قال:أوصت فاطمة عليها السّلام أن لا يعلم إذا ماتت أبو بكر و لا عمر،و لا يصليا عليها.
قال:فدفنها علي ليلا و لم يعلمهما بذلك (5).
و عن(الأصبغ)بن نباتة أنه سأل أمير المؤمنين عن دفنها ليلا.
فقال:إنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها و حرام على من يتولاهم أن يصلي على أحد من ولدها (1).
و قيل:قالت فاطمة لأسماء حين توضأت وضوءها للصلاة:هاتي طيبي الذي أتطيّب به، و هاتي ثيابي التي أصلي فيها،فتوضأت ثم وضعت رأسها فقالت لها:إجلسي عند رأسي فإذا جاء وقت الصلاة فأقيميني فإن قمت و إلا فارسلي إلى عليّ.
فلما جاء وقت الصلاة قالت:الصلاة يا بنت رسول اللّه،فإذا هي قد قبضت،فجاء علي فقالت له:قد قبضت ابنة رسول اللّه،قال علي:متى؟قالت:حين أرسلت إليك،قال:فأمر أسماء فغسّلتها و أمر الحسن و الحسين يدخلان الماء،و دفنها ليلا و سوّى قبرها،فعوتب على ذلك فقال:
بذلك أمرتني (2).
قال ابن عباس:فقبضت فاطمة عليها السّلام من يومها،فارتجّت المدينة بالبكاء من الرجال و النساء، و دهش الناس كيوم قبض فيه رسول اللّه فأقبل أبو بكر و عمر يعزّيان عليا و يقولان له:يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول اللّه.
فلما كان الليل دعا عليّ العباس و الفضل و المقداد و سلمان و أبا ذر و عمارا فقدّم العباس و صلى عليها و دفنوها ليلا.
فلما أصبح الناس أقبل أبو بكر و عمر و الناس يريدون الصلاة على فاطمة فقال المقداد:قد دفنا فاطمة البارحة،فالتفت عمر إلى أبي بكر فقال:ألم أقل لك إنهم سيفعلون؟فقال العباس:إنها أوصت أن لا تصليا عليها،فقال عمر:لا تتركون يا بني هاشم حسدكم القديم لنا أبدا،إن هذه الضغائن التي في صدوركم لن تذهب،و اللّه لقد هممت أن أنبشها فأصلي عليها،فقال علي:و اللّه لو
رمت ذلك يا ابن صهاك لا رجعت إليك يمينك،لئن سللت سيفي لا أغمدته دون إزهاق نفسك، فانكسر عمر و سكت و علم أنّ عليّا إذا حلف صدق.
ثم قال عليّ:يا عمر أ لست الذي همّ بك رسول اللّه و أرسل إليّ فجئت متقلدا سيفي ثم أقبلت نحوك لأقتلك فأنزل اللّه عز و جل: فَلاٰ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمٰا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (1)(2).
و روي أنه سو قبرها مع الأرض مستويا و قالوا:سوّي حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبر لها (3).
و روي أنه رشّ أربعين قبرا حتى لا يبين قبرها من غيره من القبور،فيصلّوا عليها (4).
و في(البحار)قال:وجدت في بعض الكتب خبرا في وفاتها عليها السّلام فأحببت إيراده،و إن لم آخذه من أصل يعوّل عليه........ (5).
و سبب ذلك خوف الأمير عليه السّلام أن يحاول القوم نبش القبر الشريف،فإن من لا يقيم للزهراء إحتراما في حياتها فيهتك بابها أحرى به أن لا يقيم ذلك فيهتك قبرها.
و يحتمل قويا أن الإخفاء أيضا من أجل عدم نسيان الأمم الآتية لظلم الزهراء صلوات اللّه تعالى عليها و ما جرى عليها بعد وفاة النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
روى ورقة بن عبد اللّه الأزدي قال:خرجت حاجّا إلى بيت اللّه الحرام راجيا لثواب اللّه ربّ العالمين،فبينما أنا أطوف و إذا أنا بجارية سمراء مليحة الوجه عذبة الكلام و هي تنادي بفصاحة منطقها و تقول:اللهم ربّ الكعبة الحرام و الحفظة الكرام و زمزم و المقام و المشاعر العظام و ربّ محمد خير الأنام البررة الكرام أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين و أبنائهم الغرّ المحجلين الميامين،
ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج و المعتمرين أنّ موالي خيرة الأخيار و صفوة الأبرار الذين علا قدرهم على الأقدار و ارتفع ذكرهم في سائر الأمصار المرتدين بالفخار.
قال ورقة بن عبد اللّه،فقلت:يا جارية إني لأظنك من موالي أهل البيت؟فقالت:أجل، قلت:و من أنت من مواليهم؟
قالت:أنا فضة أمة فاطمة الزهراء،ابنة محمد المصطفى صلّى اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها،فقلت لها:مرحبا بك و أهلا و سهلا فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك و منطقك فأريد منك الساعة أن تجيبيني عن مسألة أسألك فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك و أنت مثابة مأجورة،فافترقنا في الطواف.
فلما فرغت من الطواف و أردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام و إذا بها جالسة في معزل عن الناس،فأقبلت إليها و اعتزلت بها و أهديت إليها هدية و لم أعتقد أنها صدقة،ثم قلت لها:يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء عليها السّلام و ما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد؟
قال ورقة:فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادبة و قالت:يا ورقة بن عبد اللّه هيجت عليّ حزنا ساكنا و أشجانا في فؤادي كانت كامنة،فاسمع الآن ما شاهدت منها.
إعلم أنه لما قبض رسول اللّه افتجع له الصغير و الكبير و كثر عليه البكاء و قلّ العزاء و عظم رزؤه على الأقرباء و الأصحاب و الأولياء و الأحباب و الغرباء و الأنساب،و لم تلق إلا كل باك و باكية و نادب و نادبة،و لم يكن في أهل الأرض و الأصحاب و الأقرباء أشد حزنا و أعظم بكاء و انتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء،و كان حزنها يتجدد و يزيد،و بكاؤها يشتد فجلست سبعة أيام لا يهدأ لها أنين و لا يسكن منها حنين،و كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول.
فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن فلم تطق صبرا إذ خرجت و صرخت فكأنّها من فم رسول اللّه تنطق،فتبادرت النسوان و خرجت الولائد و الولدان،و ضجّ الناس بالبكاء و النحيب،و جاء الناس من كل مكان،و أطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء،و خيّل إلى النسوان أنّ رسول اللّه قد قام من قبره،و صار الناس في دهشة و حيرة لما قد رهقهم،و هي تنادي و تندب:أباه وا أبتاه وا صفياه وا محمداه وا أبا القاسماه وا ربيع الأرامل و اليتامى آه من للقبلة و المصلّى،و من لابنتك الوالهة الثكلى.
ثم أقبلت تعثر في أذيالها و هي لا تبصر شيئا من عبرتها من تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها و دام نحيبها و بكاها إلى أن أغمي عليها،فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها و على صدرها و جبينها حتى أفاقت و هي تقول:
رفعت قوتي،و خانني جلدي،و شمت بي عدوي،و الكمد قاتلي،يا أبتاه بقيت والهة وحيدة و حيرانة فريدة فقد انخمد صوتي،و انقطع ظهري،و تنغّص عيشي؛و تكدّر دهري،فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي،و لا رادا لدمعتي،و لا معينا لضعفي،فقد فنى بعدك محكم التنزيل،و مهبط جبرئيل،و محل ميكائيل،إنقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب،و تغلّقت دوني الأبواب،فأنا للدنيا بعدك قالية،و عليك ما ترددت أنفاسي باكية،و لا ينفد شوقي إليك،و لا حزني عليك.
ثم نادت:يا أبتاه وا لبّاه.
ثم قالت:
إنّ حزني عليك حزن جديد و فؤادي و اللّه صبّ عنيد
كلّ يوم يزيد فيه شجوني و اكتئابي عليك ليس يبيد
جلّ خطبي فبان عني عزائي فبكائي كل وقت جديد
إنّ قلبا عليك يألف صبرا أو عزاء فإنه لجليد
ثم نادت:يا أبتاه إنقطعت بك الدنيا بأنوارها،وزوت زهرتها و كانت ببهجتك زاهرة قد اسودّ نهارها،فكان يحكي حنادسها رطبها و يابسها،يا أبتاه لا زلت آسفة عليك إلى التلاق،يا أبتاه زال غمضي منذ حقّ الفراق،يا أبتاه من للأرامل و المساكين،و من للأمة إلى يوم الدين،يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين،يا أبتاه أصبحت الناس عنا معرضين،و لقد كنا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين،فأي دمعة لفراقك لا تنهمل،و أي حزن بعدك عليك لا يتصل،و أي جفن بعدك بالنوم يكتحل،و أنت ربيع الدين،و نور النبيين،فكيف للجبال لا تمور،و للبحار بعدك لا تغور،و الأرض كيف لم تتزلزل،رميت يا أبتاه بالخطب الجليل،و لم يكن الرزيّة بالقليل،و طرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم،و بالفادح المهول،بكتك يا أبتاه الأملاك،و وقفت الأفلاك،فمنبرك بعدك مستوحش، و محرابك خال من مناجاتك،و قبرك فرح بمواراتك،و الجنة مشتاقة إليك و إلى دعائك و صلاتك،يا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك،فوا أسفا عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك،و الكل أبو الحسن المؤتمن أبو ولديك الحسن و الحسين و أخوك و وليك و حبيبك و من ربّيته صغيرا و آخيته كبيرا،و أحلى أحبابك و أصحابك من كان منهم سابقا و مهاجرا و ناصرا،و الثكل شاملنا،و البكاء قاتلنا،و الأسى لازمنا.
ثم زفرت زفرة و أنّت أنّة كادت روحها أن تخرج.
ثم قالت:
قلّ صبري و بان عني عزائي بعد فقدي لخاتم الأنبياء
عين يا عين اسكبي الدمع سحّا ويك لا تبخلي بفيض الدماء
يا رسول الإله يا خيرة اللّه و كهف الأيتام و الضعفاء
قد بكتك الجبال و الوحش جمعا و الطير و الأرض بعد بكى السماء
و بكاك الحجون و الركن و المشعر يا سيدي مع البطحاء
و بكاك المحراب و الدّرس للقرآن في الصبح معلنا و المساء
و بكاك الإسلام إذ صار في النا س غريبا من سائر الغرباء
لو ترى المنبر الذي كنت تعلوه علاه الظلام بعد الضياء
يا إلهي عجّل وفاتي سريعا قد نغصت الحياة يا مولائي
قالت:ثم رجعت إلى منزلها و أخذت بالبكاء و العويل ليلها و نهارها و هي لا ترقى دمعتها،و لا تهدأ زفرتها.
و اجتمع شيوخ أهل المدينة و أقبلوا إلى أمير المؤمنين علي فقالوا له:يا أبا الحسن إنّ فاطمة تبكي الليل و النهار فلا أحد منّا يتهنأ بالنوم في الليل على فراشنا و لا بالنهار قرار على أشغالنا و طلب معايشنا،و إنّا نخيّرك أن تسألها إما أن تبكي ليلا أو نهارا،فقال:حبّا و كرامة.
فأقبل أمير المؤمنين حتى دخل على فاطمة و هي لا تفيق من البكاء،و لا ينفع فيها العزاء،فلما رأته سكتت هيمنة له فقال لها:يا بنت رسول اللّه إنّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إمّا أن تبكين أباك ليلا و إمّا نهارا،فقالت:يا أبا الحسن ما أقلّ مكثي بينهم و ما أقرب مغيبتي من بين أظهرهم، فو الله لا أسكت ليلا و لا نهارا أو ألحق بأبي رسول اللّه،فقال لها علي:إفعلي يا بنت رسول اللّه ما بدا لك.
ثم إنّه بنى لها بيتا في البقيع نازحا من المدينة يسمّى بيت الأحزان و كانت إذا أصبحت قدّمت الحسن و الحسين أمامها و خرجت إلى البقيع فلا تزال بين القبور باكية،فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين إليها و ساقها بين يديه إلى منزلها.
و لم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد أبيها سبعة و عشرون يوما،و اعتلّت العلّة التي توفيت فيها،فبقيت إلى يوم الأربعين و قد صلّى أمير المؤمنين صلاة الظهر و أقبل يريد المنزل إذ استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهن:ما الخبر و ما لي أراكن متغيرات الوجوه و الصور؟فقلن:يا أمير المؤمنين أدرك ابنة عمك الزهراء و ما نظنك تدركها.
فأقبل أمير المؤمنين مسرعا حتى دخل عليها و إذا بها ملقاة على فراشها و هو من قباطي مصر و هي تقبض يمينا و تمدّ شمالا،فألقى الرداء عن عاتقه و العمامة عن رأسه و حلّ أزراره.
و أقبل حتى أخذ رأسها و تركه في حجره و ناداها:يا زهراء،فلم تكلّمه،فناداها:يا بنت رسول اللّه،فلم تكلّمه،فناداها:يا بنت من حمل الزكاة في أطراف ردائه و بذلها على الفقراء،فلم
تكلّمه،فناداها:يا ابنة من صلّى بالملائكة في السماء مثنى مثنى،فلم تكلّمه،فناداها:يا فاطمة كلميني فأنا ابن عمك علي ابن أبي طالب.
قالت:ففتحت عينيها في وجهه و نظرت إليه و بكت و بكى،و قال:ما الذي تجدينه فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب،فقالت:يا ابن العم إنّي أجد الموت الذي لا بد منه و لا محيص عنه، و أنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلّة التزويج،فإن أنت تزوجت امرأة إجعل لها يوما و ليلة و اجعل لأولادي يوما و ليلة،و لا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين،فإنّهما بالأمس فقدا جدّهما و اليوم يفقدان أمهما،فالويل لأمة تقتلهما و تبغضهما،ثم أنشأت تقول:
إبكني إن بكيت يا خير هادي و اسبل الدمع فهو يوم الفراق
يا قرين البتول أوصيك بالنّسل فقد أصبحا حليف الإشتياق
ابكني و ابك لليتامى و لا تنسى قتيل العدى بطفّ العراق
فارقوا فأصبحوا يتامى حيارى يخلف اللّه فهو يوم الفراق.
قالت:فقال علي:من أين لك يا بنت رسول اللّه هذا الخبر و الوحي قد انقطع عنا؟فقالت:يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول اللّه في قصر من الدرّ الأبيض،فلما رآني قال:هلمي إليّ يا بنية فإني إليك مشتاق،فقلت:و اللّه إني لأشدّ شوقا منك إلى لقائك،فقال:أنت الليلة عندي و هو الصادق لما وعد و الموفي لما عاهد،فإذا أنت قرأت(يس)فاعلم أني قد قضيت نحبي، فغسّلني و لا تكشف عني فإني طاهرة مطهرة،و ليصلّ عليّ معك من أهلي الأدنى فالأدنى و من رزق أجري و ادفني ليلا في قبري،بهذا أخبرني حبيبي رسول اللّه.
فقال علي:و اللّه لقد أخذت في أمرها و غسلتها في قميصها و لم أكشفه عنها،فو الله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهّرة،ثم حنّطتها من فضلة حنوط رسول اللّه و كفّنتها و أدرجتها في أكفانها.
فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت:يا أم كلثوم،يا زينب،يا سكينة،يا فضة،يا حسن،يا حسين،هلموا تزودوا من أمكم فهذا الفراق و اللقاء في الجنّة،فأقبل الحسن و الحسين و هما يناديان:وا حسرتاه لا تنطفى أبدا من فقد جدّنا محمد المصطفى و أمّنا فاطمة الزهراء،يا أم الحسن يا أم الحسين إذا لقيت جدّنا محمد المصطفى فأقرئيه منّا السلام و قولي له:إنّا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.
فقال أمير المؤمنين علي:إني أشهد اللّه أنها قد حنّت و أنّت و مدّت يديها و ضمتهما إلى صدرها مليا و إذا بهاتف من السماء ينادي:يا أبا الحسن ارفعهما عنها فلقد أبكيا و اللّه ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب.
فقال:فرفعتهما من صدرها و جعلت أعقد الرداء و أنا أنشد بهذه الأبيات:
فراقك أعظم الأشياء عندي و فقدك فاطم أدهى الثكول
سأبكي حسرة و أنوح شجوا على خلّ مضى أسناء سبيل
ثم حملها على يده و أقبل بها إلى قبر أبيها و نادى:
السلام عليك يا رسول اللّه،السلام عليك يا حبيب اللّه،السلام عليك يا نور اللّه،السلام عليك يا صفوة اللّه منّي السلام عليك و التحية منّي واصلة إليك و لديك،و من ابنتك النازلة عليك بفنائك،و إنّ الوديعة قد استردّت،و الرهينة قد أخذت،فوا حزناه على الرسول،ثم من بعده على البتول،و لقد اسودّت عليّ الغبراء،و بعدت عني الخضراء،فوا حزناه ثم وا أسفاه.
ثم عدل بها على الروضة فصلّى عليها في أهله و أصحابه و مواليه و أحبائه و طائفة من المهاجرين و الأنصار،فلما واراها و ألحدها في لحدها أنشد بهذه الأبيات يقوله:
أرى علل الدنيا على كثيرة و صاحبها حتى الممات عليل
لكل اجتماع من خليلين فرقة و إنّ بقائي عندكم لقليل
و إنّ افتقادي فاطما بعد أحمد دليل على أن لا يدوم خليل (1)
أقول:و في الديوان المنسوب إليه عليه الصلاة و السلام أنّه أنشد عند وفاة فاطمة صلوات اللّه و سلامه عليها بهذه الأبيات:
ألا هل إلى طول الحياة سبيل و أنّى و هذا الموت ليس يحول
و إنّي و إن أصبحت بالموت موقنا فلا أمل من دون ذاك طويل
و للدهر ألوان تروح و تغتدي و إنّ نفوسا بينهن تسيل
و منزل حقّ لا معرّج دونه لكل امرء منها إليه سبيل
قطعت بأيام التعزز ذكره و كل عزيز ما هناك ذليل
أرى علل الدنيا على كثيرة و صاحبها حتى الممات عليل
و إنّي لمشتاق إلى من أحبه فهل لي إلى من قد هويت سبيل
و إنّي و إن شطت بي الدهر نازحا و قد مات قبلي بالفراق جميل
فقد قال في الأمثال في البين قائل أضرّ به يوم الفراق رحيل
لكل اجتماع من خليلين فرقة و كل الذي دون الفراق قليل
و إنّ افتقادي فاطما بعد أحمد دليل على أن لا يدوم خليل5.
1) البحار:180/43 ح 15.
و كيف هناك العيش من بعد فقدهم لعمرك شي ما إليه سبيل
سيعرض عن ذكري و تنسى مودتي و يظهر بعدي للخليل عديل
و ليس خليلي بالملول و لا الذي إذا غبت يرضاه سواي بديل
و لكن خليلي من يدوم وصاله و يحفظ سرّي قلبه و دخيل
إذا انقطعت يوما من العيش مدّتي فإنّ بكاء الباكيات قليل
يريد الفتى أن لا يموت حبيبه و ليس إلى ما يبتغيه سبيل
و ليس جليلا رزء مال و فقده و لكنّ رزء الأكرمين جليل
لذلك جنبي لا يواتيه مضجع و في القلب من حرّ الفراق غليل (1)
قال أمير المؤمنين عند دفن فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها:السّلام عليك يا رسول اللّه عنّي و عن ابنتك النّازلة في جوارك،و السّريعة اللّحاق بك،قلّ يا رسول اللّه عن صفيّتك صبري،ورقّ عنها تجلّدي،إلاّ أنّ لي في التّأسي بعظيم فرقتك،و فادح مصيبتك،موضع تعزّ،فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك،و فاضت بين نحري و صدري نفسك.
إنّا للّه و إنّا إليه راجعون،فلقد استرجعت الوديعة،و أخذت الرّهينة،أمّا حزني فسرمد،و أمّا ليلي فمسهّد،إلى أن يختار اللّه لي دارك الّتي أنت بها مقيم،و ستنبّئك ابنتك بتظافر أمّتك على هضمها،فأحفها السّؤال،و استخبرها الحال،هذا و لم يطل العهد،و لم يخل منك الذّكر،و السّلام عليكما سلام مودّع،لا قال و لا سئم،فإن أنصرف فلا عن ملالة،و إن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد اللّه الصّابرين (2).
عن أبي عبد اللّه الحسين بن علي قال:لما قبضت فاطمة سلام اللّه عليها دفنها أمير المؤمنين سرّا و عفى على موضع قبرها ثم قام فحوّل وجهه إلى قبر رسول اللّه فقال:
السلام عليك يا رسول اللّه عنّي و السلام عليك عن ابنتك و زائرتك و البائتة في الثرى ببقعتك، و لقد اختار اللّه لها سرعة اللحاق بك،قلّ يا رسول اللّه عن صفيتك صبري،و عفي عن سيدة نساء العالمين تجلّدي،إلا أنّ في التأسي لي بسنّتك في فرقتك موضع تعزّ،فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك،و فاضت نفسك بين نحري و صدري،بلى و في كتاب اللّه لي أنعم القبول إنا للّه و إنا إليه راجعون،قد استرجعت الوديعة و أخذت الرهينة،و أخلست (1)الزهراء،فما أقبح الخضراء و الغبراء يا رسول اللّه.
أما حزني فسرمد و أما ليلي فمسهّد،و همّ لا يبرح من قلبي أو يختار اللّه لي دارك التي أنت فيها مقيم،كمد مقيّح،و هم مهيّج،سرعان ما فرّق بيننا،و إلى اللّه أشكو،و ستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هضمها،فأحفها السؤال،و استخبرها الحال،فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلا،و ستقول و يحكم اللّه و هو خير الحاكمين،سلام مودّع لا قال و لا سئم فإن أنصرف فلا عن ملالة،و إن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد اللّه الصابرين،واه واها و الصبر أيمن و أجمل،و لو لا غلبة المستولين لجعلت المقام و اللبث لزاما معكوما،و لأعولت أعوال الثكلى على جليل الرزية،فبعين اللّه تدفن ابنتك سرّا و تهضم حقها و تمنع إرثها،و لم يتباعد العهد و لم يخلق منك الذكر،و إلى اللّه يا رسول اللّه المشتكى،و فيك يا رسول اللّه أحسن العزاء،صلى اللّه عليك،و عليها السلام و الرضوان (2).
عن معاوية بن وهب قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:هل قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما بين بيتي و منبري روضة من رياض الجنة؟فقال:نعم و قال:بيت علي و فاطمة عليهما السّلام ما بين البيت الذي فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى الباب الذي يحاذي الزقاق إلى البقيع.قال:فلو دخلت من ذلك الباب و الحائط مكانه أصاب منكبك الأيسر ثمّ سمى سائر البيوت و قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:الصلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة في غيره إلاّ المسجد الحرام فهو أفضل (3).
و عن القاسم بن سالم قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:إذا دخلت من باب البقيع فبيت علي صلوات اللّه عليه على يسارك قدر ممرّ عنز من الباب و هو إلى جانب بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و باباهما جميعا مقرونان (4).
و عن جميل بن دراج قال:سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:ما بين منبري و بيوتي روضة من رياض الجنة و منبري على ترعة من ترع الجنة و صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلاّ المسجد الحرام،قال جميل:قلت له:بيوت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و بيت علي عليه السّلام منها؟قال:نعم و أفضل (1).
و عن يونس بن يعقوب قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:الصلاة في بيت فاطمة عليها السّلام أفضل أو في الروضة؟قال:في بيت فاطمة عليها السّلام (2).
و عن جميل بن دراج قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:الصلاة في بيت فاطمة عليها السّلام مثل الصلاة في الروضة؟قال:و أفضل (3).
و عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:سألت الرضا عليه السّلام عن قبر فاطمة عليها السّلام فقال:دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد (4).
و عن ابن أبي عمير،عن بعض أصحابنا،عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:قال رسول اللّه:ما بين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبري و منبري روضة من رياض الجنّة و منبري على ترعة من ترع الجنة لأنّ قبر فاطمة صلوات اللّه عليها بين قبره و منبره و قبرها روضة من رياض الجنّة و إليه ترعة من ترع الجنّة (5).
و عن يزيد بن عبد الملك،عن أبيه،عن جده قال:دخلت على فاطمة عليها السّلام فبدأتني بالسلام ثمّ قالت:ما غدا بك؟
قلت:طلب البركة (6)قالت:أخبرني أبي و هو ذا هو انّه من سلّم عليه و عليّ ثلاثة ايّام أوجب اللّه له الجنّة،قلت لها:في حياته و حياتك؟قالت:نعم و بعد موتنا (7).
و روى المجلسي نقلا من مصباح الأنوار،عن أمير المؤمنين عليه السّلام عن فاطمة قالت:قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يا فاطمة من صلى عليك غفر اللّه له و ألحقه بي حيث كنت من الجنّة (8).
و روى أيضا المجلسي نقلا من مصباح الأنوار،عن جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام عن آبائه عليهم السّلام قال:من زار قبر الطاهرة فاطمة فقال:السلام عليك يا سيدة نساء العالمين،السلام عليك يا والدة الحجج على الناس أجمعين،السلام عليك ايتها المظلومة الممنوعة حقها ثمّ قل:اللهم صلّ على أمتك و ابنة نبيّك و زوجة وصي نبيك صلاة تزلفها فوق زلفى عبادك المكرمين من أهل السموات و أهل الأرضين،ثمّ استغفر اللّه غفر اللّه له و أدخله في الجنّة (9).2.
فعن الإمام الباقر عليه السّلام قال:«لفاطمة وقفة على باب جهنّم فإذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كلّ رجل مؤمن أو كافر،فيؤمر بمحبّ قد كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ بين عينيه محبّا فتقول:إلهي و سيّدي سمّيتني فاطمة و فطمت بيّ من تولاّني و تولّى ذرّيتي من النار و وعدك الحقّ و أنت لا تخلف الميعاد،فيقول اللّه عزّ و جل:صدقت يا فاطمة إنّي سمّيتك فاطمة و فطمت بك من أحبّك و تولاّك و أحبّ ذرّيّتك و تولاهم من النار و وعدي الحقّ و أنا لا أخلف الميعاد،و إنّما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفّعك ليتبيّن لملائكتي و أنبيائي و رسلي و أهل الموقف موقفك منّي و مكانك عندي فمن قرأت بين عينيه مؤمنا فجذبت بيده و أدخلته الجنّة» (1).
و روي بلفظ:إنّ لفاطمة وقفة على باب جهنّم فإذا كان يوم القيامة كتب بين عيني كلّ رجل مؤمن أو كافر فيؤمر بمحب كثرت ذنوبه إلى النار فتقرأ فاطمة بين عينيه محبّا فتقول:إلهي سمّيتني فاطمة و فطمت من تولاّني من النار و وعدك الحقّ فيقول:صدقت يا فاطمة و وعدي الحقّ،و إنّما أمرت بعبدي هذا إلى النار لتشفعي فيه فأشفّعك و ليظهر لملائكتي و أنبيائي مكانك عندي،فمن قرأت بين عينيه محبّا[فخذي]بيده إلى الجنّة (2).
و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فأيّما امرأة صلّت في اليوم و الليلة خمس صلوات و صامت شهر رمضان و حجّت بيت اللّه الحرام و زكّت مالها و أطاعت زوجها و والت عليّا بعدي دخلت الجنّة بشفاعة ابنتي فاطمة و إنّها سيّدة نساء العالمين (3).
و قد روي في الخبر أنّها لمّا سمعت بأنّ أباها زوّجها و جعل الدرهم مهرا لها فقالت يا رسول اللّه إنّ بنات الناس يتزوّجن بالدرهم فما الفرق بيني و بينهنّ،أسألك أن تردّها و تدعو اللّه تعالى أن يجعل مهري الشفاعة في عصاة أمّتك،فنزل جبريل عليه السّلام و معه بطاقة من حرير مكتوب فيها:جعل اللّه مهر فاطمة الزهراء شفاعة المذنبين من أمّة أبيها.
فلمّا احتضرت أوصت بأن توضع تلك البطاقة على صدرها تحت الكفن فوضعت و قالت:إذا أحشرت يوم القيامة رفعت تلك البطاقة بيدي و تشفّعت في عصاة أمّة أبي،و لمّا احتضرت اغتسلت بنفسها و أوصت أن لا يغسّلها أحد فدفنها عليّ عليه السّلام بغسلها ذلك،كذا من كشف الغمّة للشيخ عبد الوهاب الشعراني:
بمحمّد و ببنته و ببعلها و ابنيهما السبطين أعلام الهدى
فرّج عن المكروب و اكشف غمه يا خير من رفع العباد له يدا (1)
و تقدّم في توسّل قسّ بن ساعدة المروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله:«...بحقّ محمد و الثلاثة المحاميد معه و العليين و فاطم و الحسنين الأبرعة...أولئك النقباء الشفعة...و بهم تنال الشفاعة...» (2).
و عن أبي أيوب:عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش:«يا أهل الجمع نكّسوا رؤوسكم و غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطمة على الصراط،قيل:حتّى لا يراها قاتل الحسين فيتعلّق بها فتعفو عنه و قد قضى اللّه عليه بالعذاب...» (3).
و عن عليّ قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للحسن و الحسين و فاطمة:يا حسن و يا حسين أنتما كفّتا الميزان و فاطمة لسانه و لا تعتدل الكفّتان إلاّ باللسان و لا يقوم اللسان إلاّ على الكفّتين،أنتما الإمامان و لامّكما الشفاعة...» (4).
و قال النسفي:سألت فاطمة-رضي اللّه عنها-النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يكون صداقها شفاعة لأمّته يوم القيامة،فإذا صارت على الصراط طلبت صداقها (5).
و مما يؤيد ذلك:
ما جاء في الحديث:«ليس أحد من أهل بيت النبيّ إلاّ له شفاعة»أخرجه ابن أبي الدنيا عن كعب الأحبار (6).
و أخرجه أبو الفرج الأصبهاني من طريق عمر بن عبد العزيز في قصّته مع عبد اللّه بن الحسن بلفظ:إنّه ليس أحد من بني هاشم إلاّ و له شفاعة (7).
و أخرجه أحمد مختصرا عن شعبة بن زياد عن عمر بن عبد العزيز (8).
***ر.
1) أخبار الدول للقرماني:88،الفصل الأربعون.
2) مناقب آل أبي طالب:287/1،و كنز الفوائد:257.
3) نزهة المجالس:226/2 مناقبها.
4) نزهة المجالس:228/2.
5) ضوء الشمس:97/1،مطلب فيما جاء في فضل ذرّيته المكرمين.
6) الطبقات الكبرى:16/5،و ينابيع المودّة:304،ط.تركيا و 364 النجف،و حلية الأولياء:42/6.
7) جواهر العقدين:297-298،الباب التاسع.
8) الزهد لأحمد:361،زهد عمر.
عن المفضّل في حديث طويل مع الصادق عليه السّلام قال حول رجعتها عليها من اللّه السلام:
«..و يحضر السيّد الأكبر رسول اللّه و الصدّيق الأعظم أمير المؤمنين و فاطمة» (1).
و لم ترد روايات تفصيلية حول الرجعة لأهل البيت عليهم السّلام فيما لدينا من مصادر،نعم بالجملة ورد تسالم رجعة أصحاب الكساء،بل ادّعى البعض عليه الإجماع.
و قيل برجعة كل الأئمة عليهم السلام.
و في بعض الروايات أن اللّه تعالى يرجع من محض الإيمان محضا و محض الكفر محضا، و للبحث تفاصيل ليس هنا محل بحثها (2).
الحسن بن علي الأكبر،و حسين بن علي،و هو المقتول بالعراق بالطفّ،و زينب و أم كلثوم.
و يقال لها زينب الصّغرى و المحسن درج سقطا.
فهذا ما ولدت فاطمة من علي (3).
أما زينب فتزوجها عبد اللّه بن جعفر فماتت عنده،و قد ولدت له علي بن عبد اللّه و جعفر و أخا له آخر يقال له عون.
أمّا أم كلثوم فتزوّجها عمر بن الخطاب فولدت له زيد بن عمر ضرب ليالي قتال بن مطيع ضربا لم يزل ينهمّ منه-و قال الشحامي:له-حتى توفي،ثم خلف على أم كلثوم بعد عمر عون بن جعفر، فلم تلد له شيئا حتى مات،ثم خلف على أم كلثوم بعد عون بن جعفر محمد فولدت له جارية يقال لها[بثنية] (4).
و قال هؤلاء:نعشت من مكة إلى المدينة على سرير فلما قدمت-و قال ابن منده:أنت قدمت -المدينة توفيت ثم خلف على أم كلثوم بعد عمر بن الخطاب و عون بن جعفر و محمد بن جعفر عبد اللّه بن جعفر فلم تلد له شيئا حتى ماتت عنده (5).
هي زينب ابنة علي و فاطمة حفيدة رسول اللّه و أخت الحسن و الحسين عليهم السّلام،صاحبت المفاخر و المناقب و المواقف المشهودة،تزوجها عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب فماتت عنده و قد ولدت له علي بن عبد اللّه و أخا له آخر يقال له عون.
حدثنا أحمد بن عبد الجبار حدثنا يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق قال:و كانت زينب ابنة علي من فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تحت عبد اللّه بن جعفر ابن أبي طالب فولدت له علي بن عبد اللّه و أم أبيها فتزوج أم أبيها عبد الملك بن مروان فطلقها فتزوجها علي بن عبد اللّه بن عباس.
و أخبرني أبو موسى عن يحيى بن الحسن و أخبرني طاهر بن يحيى بن الحسن عن أبيه قال:
زينب الكبري بنت علي ابن أبي طالب أمها فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لها:لها علي و جعفر و عون و عباس و أم كلثوم بنو عبد اللّه بن جعفر... (1).
و قد قتلوا صلوات اللّه عليهم جميعا في كربلاء مع الإمام الحسين عليه السّلام.
و قال ابن عساكر:زينب الكبرى بنت علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف امرأة جزلة كانت مع أخيها الحسين بن علي حين قتل و قدم بها على يزيد بن معاوية مع أهلها و حدثت عن أمها فاطمة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أسماء ابنة عميس مولى للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اسمه طهمان أو ذكوان روى عنها محمد بن عمرو و عطاء بن السائب و بنت أخيها فاطمة بنت الحسين بن علي... (2)
لا يستطيع أي كاتب أن يكتب عن النساء و شرفهن و جهادهن و صبرهن و عفّتهن و لا يأتي على ذكر السيّدة زينب الكبرى،بل لا يقبل أيّ قارئ أن يقرأ عن حياة النساء و لا يتحف نظره بكلمات تصف زينب بنت علي و تحكي سيرتها صغيرة و كبيرة.
حياة زينب كبيرة جدّا بكبر قلبها و عقلها،الكلام عن زينب طويل بطول صبر زينب،عن أيّ منعطف سوف نتكلّم عن حزنها و بكائها؛فهي التي شاهدت وفاة جدّها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شهادة أخيها المحسن في يوم واحد،ثمّ قتل أمّها الزهراء بعد أيّام حتى قضت شهيدة،و بعدها شهادة أبيها علي و من بعده شهادة أخيها الحسن،حتّى جاءت كربلاء فكانت شهادة أولادها و أخيها العبّاس و إخوته
الثلاثة،و علي و عبد اللّه أبناء عمّها الحسن،و ختمت هذا الحزن و البكاء بقتل سيّد الشهداء الحسين أخيها،لا بل بدأ حزنها من يوم عاشوراء،لأنّه بشهادة الحسين و قتله قتل النبيّ و المحسن و فاطمة و على و الحسن و علي و عبد اللّه و جعفر و كلّ شهداء أهل البيت عليهم السّلام،هذا حزن زينب و بكاؤها،و هل فارقها؟!
و من يستطيع أن يصف صبر زينب،و هل يخطر ببال أحد أنّ امرأة تصبر على قتل كلّ أحبّتها في يوم واحد،أخيها و أيّ أخ و أبنائها الثلاثة،أم كيف تصبر على سبي أخواتها و نساء بني هاشم، أم على رؤية كبد الحسن أمامها قبل شهادته،أم على رؤية رأس الحسين معلّقا على رمح مع رؤوس بني هاشم،أم على رؤية كفّي أبي الفضل العبّاس؟!
لا أدري إن كان هناك زمن لم تمرّ فيه زينب بمحن حتّى لا تصبر عليه،إنّ المصائب التي صبّت على زينب تجعلها في تصبّر دائم.
فإن كانت أمّها قالت:
صبّت عليّ مصائب لو أنّها صبّت على الأيّام صرن لياليا (1)
فقد زادت البنت على أمّها كما قال الشاعر:
يا قلب زينب ما لاقيت من محن فيك الرزايا و كلّ الصبر قد جمعا
فلو كان ما فيك من صبر و من محن في قلب أقوى جبال الأرض لانصدعا
يكفيك صبرا قلوب الناس كلّهم تفطّرت للذي لاقيته جزعا (2)
هنيئا لزينب و لكلّ امرأة تصبر على المصائب و المحن و تلتزم بتعاليم ربّها اَلَّذِينَ إِذٰا أَصٰابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قٰالُوا إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ (3).
و قال العلاّمة المحقّق المطّلع الشيخ محمد علي الاردوبادي في قصيدة قالها في رثاء الصدّيقة زينب و هي طويلة:
قد عاد مصر للحفيظة مغربا فسنا ذكاها واضح لن يغربا
بمليكة حسبا زكت فيه و لم يعقد عليه غير صنويها الحبا
و من النبوّة؟وجهها بلج كمثل الشمس يجلو الغيهبا
و تضوع منها للخلافة عبقة تطوى عليها الصحاصح و الربى
بجلال أحمد في مهابة حيدر قد أنجبت أمّ الأئمّة زينبا
فيجمع الشرفين بضعة فاطم حصلت على أكرومة عظمت نبا (1)
فهي تالية أمّها الزهراء عليها السّلام و كانت تقضي عامّة لياليها بالتهجّد و تلاوة القرآن،ففي مثير الأحزان للعلاّمة الشيخ شريف الجواهري(قدس سره):قالت فاطمة بنت الحسين عليه السّلام:و أمّا عمّتي زينب فإنّها لم تزل قائمة في تلك الليلة-أي العاشرة من المحرّم-في محرابها،تستغيث إلى ربّها، فما هدأت لنا عين و لا سكنت لنا رنّة.
و عن الفاضل النائيني البروجردي:أنّ الحسين لمّا ودّع أخته زينب وداعه الأخير قال لها:يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل،و هذا الخبر رواه هذا الفاضل عن بعض المقاتل المعتبرة.
و قال بعض ذوي الفضل:إنّها صلوات اللّه عليها ما تركت تهجّدها للّه تعالى طول دهرها حتّى ليلة الحادي عشر من المحرّم.
و روي عن زين العابدين عليه السّلام أنّه قال:رأيتها تلك الليلة تصلّي من جلوس.
و روى بعض المتبقّين عن الإمام زين العابدين عليه السّلام أنّه قال:إنّ عمّتي زينب كانت تؤدّي صلواتها من الفرائض و النوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام من قيام،و في بعض المنازل كانت تصلّي من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت:أصلّي من جلوس لشدّة الجوع و الضعف منذ ثلاث ليال،لأنّها كانت تقسّم ما يصيبها من الطعام على الأطفال لأنّ القوم كانوا يدفعون لكلّ واحد منّا رغيفا واحدا من الخبز في اليوم و الليلة.
و عن الفاضل النائيني البروجردي المتقدّم ذكره عن بعض المقاتل المعتبرة عن مولانا السجّاد عليه السّلام أنّه قال:إنّ عمّتي زينب مع تلك المصائب و المحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت[تهجّدها]لليلة.انتهى كلامه (2).
فإذا تأمّل المتأمّل إلى ما كانت عليه هذه الطاهرة من العبادة للّه تعالى و الإنقطاع إليه،يكاد
يتيقّن بعصمتها(صلوات اللّه عليها)و أنّها كانت من القانتات اللواتي وقفن حركاتهن و سكناتهن و أنفاسهن للباري تعالى،و بذلك حصلن على المنازل الرفيعة و الدرجات العالية التي حكت رفعتها منازل المرسلين و درجات الأوصياء(عليهم الصلاة و السلام).
و أمّا زهدها عليها السّلام:فيكفي في إثباته ما روي عن الإمام السجّاد من أنّها عليه السّلام ما ادّخرت شيئا من يومها لغدها أبدا (1).
ذلك الجهاد الذي لم تصبر عليه الرجال،جهاد مصيره معلوم و هو الشهادة و السبي،خرجت زينب من المدينة المنوّرة إلى مكّة ثمّ إلى العراق مع علمها بما ستؤول إليه الامور،لأنّ اللّه شاء للحسين عليه السّلام أن يراه قتيلا و شاء لزينب أن يراها مسبيّة مع أخواتها.
كانت زينب في معركة كربلاء مسؤولة عن النساء و الأطفال عن طعامهم و شرابهم و تهدئتهم من خوفهم،و عن التفكير بما سوف يحدث بعد شهادة الحسين و أهل بيته عليهم السّلام.
كانت مهمّة صعبة يعجز عن تحمّلها الأبطال،قد يسهل على المرء أن يخطّط لحرب أو أن يحمل سيفا و يقاتل فيه لتحقيق أهدافه،و لكن يصعب على جيش بكامله أن يسكت الأطفال و النساء و يحميهم مع جوعهم و عطشهم و مع رؤية آبائهم قتلى بلا رؤوس.
كيف استطاعت زينب أن تسكت بكاء النساء و الأطفال،و أن تجمعهم في مكان واحد بعد فرارهم في الصحراء من حريق الخيام،كيف تحمّل جسد زينب المثكولة بأخويها الحسين و العبّاس و أولادها و أهل بيتها،زينب الجائعة العطشى المتعبة من سفر مجهول،كيف استطاع ذلك الجسد الشريف أن يتحمّل كلّ ذلك.
ثمّ جاءت مهمّة حماية الأطفال و النساء في مسيرهم إلى الشام و رؤوس أهل بيتها أمامهم تحت حرّ الشمس و بلباس يصعب وصفه،جاءت زينب لتثبت قدرة المرأة على تحمّل الصعاب و المشاق، لتقول لكلّ امرأة إنّ همم النساء قد تفوق همم الرجال التي تزيل الجبال.
تستطيع كلّ امرأة أن تتحمّل ما تحمّلته زينب عليها السّلام بالتوكّل على اللّه و التسليم لأمره،تعلّمنا زينب أنّ الجهاد واجب على المرأة،و أنّ على كلّ امرأة التواجد مع زوجها أو أخيها في ساحة الجهاد،إذا كان في وجودها مصلحة للإسلام و المسلمين،تستطيع المرأة أن تشارك في الجهاد بما
1) وفيّات الأئمّة:440.
يتناسب مع وضعها و كرامتها كما كانت فاطمة و زينب تشاركان في الجهاد،بتضميد الجرحى و مساعدتهم و تهيئة الطعام و الشراب للمجاهدين.
نعم،يختلف الأمر من زمن إلى زمن و من مكان إلى آخر و من معركة إلى أخرى،و تشخيص ذلك خارج هذه الأبحاث.
لم تستنكف زينب و لا أخواتها و زوجات أهل بيتها أن يكنّ في ساحة المعركة مع أطفالهم الرضّع،و ما ذلك إلاّ ليكوننّ قدوة للنساء إذا ساقتهم الظروف إلى ذلك،قد يجب على الإنسان أن يقدّم كلّ ما يملك و يعرّض نساءه للسبي إذا كان ذلك يخدم الإسلام و المسلمين و يحمي دين محمّد من الضياع،هذا كان سبب خروج زينب من خدرها إلى الجهاد،و هذا ما يجب على كلّ امرأة فعله أن لا يكون خروجها من خدرها و مخدعها إلاّ لأمر واجب فيه مصلحة للامّة الإسلامية أو لأولادها و زوجها.
سلام اللّه عليك يا زينب و على النساء المسبيّات الذين خرجنّ دفاعا عن الكرامة و حفظ الدين المحمّدي الأصيل.
شجاعة نابعة عن تعقّل و تدبّر كما كانت شجاعة أمّها من قبل،و زادت البنت على أمّها،لأنّ الموقف اختلف ليس من ناحية الأشخاص إنّما من ناحية الظروف،سجّل التاريخ شجاعة لفاطمة بنت محمّد أعقبها خطبة تاريخية غنيّة بالعقائد و السياسة و الأخلاق،خطبة علّمت شيوخ قريش الفقه و التفسير و الحكم،خطبة في مجلس الخليفة الأوّل و بحضور فقهاء قريش و رجالها وساستها و حكمائها،ثمّ أتبعتها أمّ أبيها بخطبة عتاب و توعية لنساء قريش و بناتها.
و كذلك سجّل التأريخ لزينب بنت علي و محمّد عليهم السّلام خطبا كثيرة ابتداء بكربلاء من على التلّ الزينبي-و كانت خطبة في الشجاعة و الجهاد-و انتهت بالشام في مجلس يزيد و فقهائه و رجاله و عسكره،و كان فيما بين ذلك خطبتها في مجلس الطاغية ابن زياد و خطبتها في أهل الكوفة،أبدت زينب بنت علي في هذه المجالس شجاعة و بلاغة تعلّمتهما من أمّها و أبيها-و هي العالمة غير المعلّمة -شجاعة بعد قهر و قتل و جوع و عطش و سبيّ،شجاعة لم تستطع أن تحتجب زينب العفيفة عن مجلس ابن زياد و يزيد كما احتجبت أمّها من قبل في مجلس الأوّل فكلّمتهم من وراء الستار.
هذه الشجاعة التي تعطينا دروسا و دروسا،في تحمّل المشاق و عدم الإنهيار أمام المحن و السبي و القهر،تعطينا شجاعة زينب أن نتحمّل الجوع و العطش في صحراء كربلاء مرورا ببلاد الشام
إذا كان الشبع و الإرواء فيه مذلّة أو إهانة أو جرح كرامة طفل فضلا عن غيره.
تعطينا شجاعة زينب بنت فاطمة أن نقف جميعا نساء و رجالا و اقتداء بزينب أمام الطغاة و الظلمة و هم في عروشهم لنوجّه لهم كلمة الحقّ و نصرّح لهم بظلمهم و عدوانهم أمام حاشيتهم و رجالهم.
شجاعة زينب لا توصف،لأنّنا لا نستطيع أن ندرك و نعيش الظروف التي أظهرت بها زينب هذه الشجاعة،فقد تخطب النساء في مجالس الرجال و ببلاغة و طلاقة و لكن هل تجرؤ امرأة أن تخاطب قاتل أخيها و أبنائها و هي جائعة و عطشى و بلباس لم تعتد على لبسه أمام الأجانب و قد عوّدها عليّ عليه السّلام أن لا يخرجها من بيتها إلاّ في هودج عن يمينها الحسن و عن شمالها الحسين؟!
ما كان مثل زينب بنت علي إلاّ فاطمة بنت محمّد لأنّ عليّا أخ محمّد.نعم،خطبت الزهراء في مجلس أبي بكر و هي مريضة مظلومة قد قتل أبوها و أسقط ولدها و ضرب زوجها و أحرق بابها و هتك بيتها.
و لندع الكلام لزينب و خطبها لنرى الشجاعة و البلاغة و النصح و العلم:
روى الشيخ الصدوق من مشايخ بني هاشم و غيره من الناس:أنّه لمّا دخل علي بن الحسين عليه السّلام و حرمه على يزيد،و جيء برأس الحسين عليه السّلام و وضع بين يديه في طست،فجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده،و هو يقول:
لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء و لا وحي نزل
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا و استهلّوا فرحا و لقالوا يا يزيد لا تشل
فجزيناه ببدر مثلا و أقمنا مثل بدر فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل
قالوا:فلمّا رأت زينب ذلك فأهوت إلى حبيبها فشقّت،ثمّ نادت بصوت حزين تقرع القلوب:
يا حسيناه!يا حبيب رسول الله!يابن مكّة و منى!يابن فاطمة الزهراء سيّدة النساء!يابن محمّد المصطفى.
قال:فأبكت و اللّه كلّ من كان،و يزيد ساكت،ثمّ قامت على قدميها،و أشرفت على المجلس،و شرعت في الخطبة،إظهارا لكمالات محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و إعلانا بأنّا نصبر لرضاء اللّه،لا لخوف و لا دهشة،فقامت إليه زينب بنت علي و أمّها فاطمة بنت رسول اللّه و قالت:الحمد للّه ربّ العالمين،و الصلاة على جدّي سيّد المرسلين،صدق اللّه سبحانه كذلك يقول: ثُمَّ كٰانَ عٰاقِبَةَ الَّذِينَ أَسٰاؤُا السُّواىٰ أَنْ كَذَّبُوا بِآيٰاتِ اللّٰهِ وَ كٰانُوا بِهٰا يَسْتَهْزِؤُنَ أ ظننت يا يزيد حين أخذت علينا أقطار
الأرض،و ضيّقت علينا آفاق السماء،فأصبحنا لك في أسار،نساق إليك سوقا في قطار،و أنت علينا ذو اقتدار أنّ بنا من اللّه هوانا و عليك منه كرامة و امتنانا،و أنّ ذلك لعظم خطرك،و جلالة قدرك،فشمخت بأنفك،و نظرت في عطفك (1)تضرب اصدريك فرحا (2)و تنقض مذرويك مرحا (3)حين رأيت الدّنيا لك مستوسقة (4)و الامور لديك متّسقة (5)و حين صفا لك ملكنا،و خلص لك سلطاننا،فمهلا مهلا لا تطش جهلا أنسيت قول اللّه عزّ و جلّ: وَ لاٰ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدٰادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ.
أمن العدل يابن الطلقاء؟!تخديرك حرائرك و إمائك،و سوقك بنات رسول اللّه سبايا،قد هتكت ستورهن،و أبديت وجوهنّ،تحدوا بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد،و تستشرفهن المناقل (6)يتبرزن لأهل المناهل (7)و يتصفّح وجوهنّ القريب و البعيد،و الغائب و الشهيد،و الشريف و الوضيع، و الدني و الرفيع،ليس معهنّ من رجالهنّ وليّ،و لا من حماتهنّ حمي،عتوا منك على اللّه (8)و جحودا لرسول اللّه،و دفعا لما جاء به من عند اللّه،و لا غرو منك و لا عجب من فعلك،و أنّى يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الشهداء،و نبت لحمه بدماء السعداء،و نصب الحرب لسيّد الأنبياء، و جمع الأحزاب،و شهر الحراب،و هزّ السيوف في وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،أشدّ العرب جحودا، و أنكرهم له رسولا،و أظهرهم له عدوانا،و أعتاهم على الرب كفرا و طغيانا،ألا إنّها نتيجة خلال الكفر،و صبّ يجرجر في الصدر لقتلى يوم بدر،فلا يستبطئ في بغضنا أهل البيت من كان نظره إلينا شنفا و إحنا و أظغانا،يظهر كفره برسول اللّه،و يفصح ذلك بلسانه،و هو يقول:-فرحا بقتل ولده و سبي ذرّيته،غير متحوب و لا مستعظم-:لأهلّوا و استهلّوا فرحا و لقالوا يا يزيد لا تشل،منحنيا على ثنايا أبي عبد اللّه-و كانا مقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-ينكتها بمخصرته،قد التمع السرور بوجهه، لعمري لقد نكأت القرحة (9)و استأصلت الشأفة،بإراقتك دم سيّد شباب أهل الجنّة،و ابن يعسوب الدين العرب،و شمس آل عبد المطّلب،و هتفت بأشياخك،و تقرّبت بدمه إلى الكفرة من أسلافك، ثمّ صرخت بندائك و لعمري لقد ناديتهم لو شهدوك!و وشيكا تشهدهم،و لن يشهدوك و لتود يمينك كما زعمت شلّت بك عن مرفقها و جدّت،و أحببت أمّك لم تحملك و أباك لم يلدك،أو حين تصير إلى سخط اللّه و مخاصمك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
اللّهمّ خذ لنا بحقّنا،و انتقم من ظالمنا،و احلل غضبك على من سفك دماءنا و نقض ذمارنا،أ.
و قتل حماتنا،و هتك عنّا سدولنا،و فعلت فعلتك التي فعلت،و ما فريت إلاّ جلدك،و ما جززت إلاّ لحمك،و سترد على رسول اللّه بما تحمّلت من دم ذرّيته،و انتهكت من حرمته،و سفكت من دماء عترته و لحمته،حيث يجمع به شملهم،و يلمّ به شعثهم،و ينتقم من ظالمهم،و يأخذ لهم بحقّهم من أعدائهم فلا يستفزنّك الفرح بقتلهم، وَ لاٰ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ.
و حسبك باللّه وليّا و حاكما،و برسول اللّه خصما،و بجبرئيل ظهيرا،و سيعلم من بوّأك و مكّنك من رقاب المسلمين أن بئس للظالمين بدلا،و أيّكم شرّ مكانا و أضلّ سبيلا،و ما استصغاري قدرك، و لا استعظامي تقريعك (1)توهّما لانتجاع الخطاب فيك (2)بعد أن تركت عيون المسلمين به عبرى، و صدورهم عند ذكره حرّا،فتلك قلوب قاسية،و نفوس طاغية،و أجسام محشوّة بسخط اللّه و لعنة الرسول،قد عشش فيه الشيطان،و فرّخ،و من هناك مثلك ما درج،فالعجب كلّ العجب لقتل الأتقياء،و أسباط الأنبياء،و سليل الأوصياء،بأيدي الطلقاء الخبيثة،و نسل العهرة الفجرة،تنطف أكفهم من دمائنا (3)و تنحلب أفواههم من لحومنا تلك الجثث الزاكية على الجيوب الضاحية،تنتابها العواسل (4)و تعفرها أمّهات الفواعل (5)فلئن اتخذتنا مغنما لتجد بنا و شيكا مغرما حين لا تجد إلاّ ما قدّمت يداك،و ما اللّه بظلاّم للعبيد فإلى اللّه المشتكى و المعوّل،و إليه الملجأ و المؤمّل،ثمّ كد كيدك،و اجهد جهدك فو الله الذي شرّفنا بالوحي و الكتاب،و النبوّة و الإنتخاب،لا تدرك أمدنا،و لا تبلغ غايتنا،و لا تمحو ذكرنا،و لا يرحض (6)عنك عارنا،و هل رأيك إلاّ فند،و أيّامك إلاّ عدد، و جمعك إلاّ بدد،يوم يناد المنادي ألا لعن اللّه الظالم العادي.و الحمد للّه الذي حكم لأوليائه بالسعادة،و ختم لأصفيائه بالشهادة،ببلوغ الإرادة،نقلهم إلى الرحمة و الرأفة،و الرضوان و المغفرة، و لم يشق بهم غيرك،و لا ابتلي بهم سواك،و نسأله أن يكمل لهم الأجر،و يجز لهم الثواب و الذخر، و نسأله حسن الخلافة،و جميل الإنابة،إنّه رحيم ودود (7).
و عن حذيم بن شريك الأسدي (8)قال:لمّا أتى علي بن الحسين زين العابدين بالنسوة من كربلاء،و كان مريضا،و إذا نساء أهل الكوفة ينتدبن مشقّقات الجيوب،و الرجال معهنّ يبكون.ن.
فقال زين العابدين عليه السّلام-بصوت ضئيل و قد نهكته العلّة-:إنّ هؤلاء يبكون علينا فمن قتلنا غيرهم، فأومت زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما السّلام إلى الناس بالسكوت.
قال حذيم الأسدي:لم أر و اللّه خفرة قط أنطق منها،كأنّها تنطق و تفرغ على لسان عليّ عليه السّلام، و قد أشارت إلى الناس بأن أنصتوا فارتدّت الأنفاس و سكنت الأجراس،ثمّ قالت-بعد حمد اللّه تعالى و الصلاة على رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-:أمّا بعد يا أهل الكوفة يا أهل الختل (1)و الغدر،و الخذل!!ألا فلا رقأت العبرة (2)و لا هدأت الزفرة،إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا (3)تتّخذون أيمانكم دخلا بينكم (4)هل فيكم إلاّ الصلف (5)،و الشنف (6)و الكذب،و ملق الإماء و غمز الأعداء (7)أو كمرعى على دمنة (8)أو كفضّة على ملحودة (9)ألا بئس ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط اللّه عليكم و في العذاب أنتم خالدون.
أتبكون أخي؟!أجل و اللّه فابكوا فإنّكم أحرى بالبكاء فابكوا كثيرا،و اضحكوا قليلا،فقد أبليتم بعارها،و منيتم بشنارها (10)و لن ترحضوا أبدا (11).
و أنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوّة و معدن الرسالة،و سيّد شباب أهل الجنّة،و ملاذ حربكم،و معاذ حزبكم و مقرّ سلمكم،و أسى كلمكم (12)و مفزع نازلتكم،و المرجع إليه عند مقاتلتكم و مدرة حججكم (13)و منار محجّتكم،ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم،و ساء ما تزرون ليوم بعثكم، فتعسا تعسا!و نكسا نكسا!لقد خاب السعي،و تبّت الأيدي،و خسرت الصفة،و بؤتم بغضب من اللّه،و ضربت عليكم الذلّة و السكنة.
أ تدرون ويلكم أيّ كبد لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فريتم؟!و أيّ عهد نكثتم؟!و أيّ كريمة له أبرزتم؟!و أيّ حرمة له هتكتم؟!و أيّ دم له سفكتم؟!لقد جئتم شيئا ادّا تكاد السماوات يتفطرن منه و تنشق الأرض و تخرّ الجبال هدّا!لقد جئتم بها شوهاء صلعاء،عنقاء،سوداء،فقماء خرقاء (14)كطلاع الأرض (15)،أو ملأ السماء.أفحسبتم أن تمطر السماء دما،و لعذاب الآخرة أخزى و هم لاا.
1) الختل:الخداع.
2) رقأت:جفّت.
3) أي:حلّته و أفسدته بعد إبرام.
4) أي:خيانة و خديعة.
5) الصلف:الذي يمتدح بما ليس عنده.
6) الشنف:البغض بغير حقّ.
7) الغمز:الطعن و العيب.
8) الدمنة:المزبلة.
9) الفضّة:الجص،و الملحودة:القبر.
10) الشنار:العار.
11) أي لن تغسلوها.
12) أي:دواء جرحكم.
13) المدرّة زعيم القوم و لسانهم المتكلم عنهم.
14) الشوهاء:القبيحة.و الفقماء:إذا كانت ثناياها العليا إلى الخارج فلا تقع على السفلى.الخرقاء:الحمقاء.
15) طلاع الأرض:ملؤها.
ينصرون،فلا يستخفنّكم المهل فإنّه عزّ و جلّ لا يحفزه البدار و لا يخشى عليه فوت الثار،كلاّ إنّ ربّك لنا و لهم بالمرصاد،ثمّ أنشأت تقول عليها السّلام:
ماذا تقولون إذا قال النبي لكم ماذا صنعتم و أنتم آخر الامم
بأهل بيتي و أولادي و تكرمتي منهم أسارى و منهم ضرّجوا بدم
ما كان ذاك جزائي إذ نصحت لكم أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم
إنّي لأخشى عليكم أن يحلّ بكم مثل العذاب الذي أودى على إرم
ثمّ ولّت عنهم.
قال حذيم:فرأيت الناس حيارى قد ردّوا أيديهم في أفواههم،فالتفتّ إلى شيخ في جانبي يبكي و قد اخضلّت لحيته بالبكاء،و يده مرفوعة إلى السماء،و هو يقول:بأبي و أمّي كهولهم خير كهول،و نساؤهم خير نساء،و شبابهم خير شباب و نسلهم نسل كريم،و فضلهم فضل عظيم،ثمّ أنشد:
كهولكم خير الكهول و نسلكم إذا عدّ نسل لا يبور و لا يخزى
فقال علي بن الحسين عليه السّلام:يا عمّة أسكتي ففي الباقي من الماضي اعتبار،و أنت بحمد اللّه عالمة غير معلمة،فهمة غير مفهّمة،إنّ البكاء و الحنين لا يردّان من قد أباده الدهر،فسكتت.ثمّ نزل عليه السّلام و ضرب فسطاطه،و أنزل نساءه و دخل الفسطاط (1).
ذلك السبي الذي لم يكن قبل كربلاء و لن يكون بعدها،سبي بعد قتل الأعزّة و الأحبّة،الأبناء و الآباء و الأزواج،بعد الجوع و العطش،سبي طويل المسافة من كربلاء إلى الشام،مع بعد المسافة و عظم المصيبة و رؤوس الأحبّة و الأعزّة أمامهم،سبي ليس لبنات الروم و قيصر،و لا لبنات اليهود و النصارى،هو سبي من نوع جديد،سبي بنات الأنبياء و الأئمّة صلوات اللّه عليهم أجمعين.
لم يحدّثنا التاريخ قبل ذلك عن سبي بنات الرسالات و لن يأتي زمن نسمع فيه ذلك إلاّ ما كان من يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
من يتحمّل ما تحمّلته زينب،تساق من بلد إلى بلد كما تساق....،يعجز الإنسان عن وصف زينب بنت علي في تلك الحالة.و فعلا سبي زينب ممّا يقرح القلب.
1) الاحتجاج:29/2-30.
تعتبر زينب بنت علي شريكة الحسين عليهم السّلام،شاركته في المسير إلى كربلاء،و في محنة كربلاء، عطشت كما عطش الحسين و جاعت كما جاع،و تألّمت كما تألّم و ضربت كما ضرب عليه السّلام،نعم لم تقتل كما قتل بيد أنّها سبيت و لم يسب!!
ثمّ إنّ زينب كان لها دور فعّال في تبليغ رسالة الحسين عليه السّلام،تلك الرسالة التي كان ثمنها شهادة إمام الزمان و ابن بنت النبيّ المصطفى صلوات اللّه عليهم،رسالة لإصلاح دين جدّه محمّد لا أشرا و لا بطرا،رسالة الكرامة و العطاء و الشهادة،و أنّ دماء الشهداء ترخص و تبذل من أجل حفظ الدين و إصلاحه،من أجل إعلاء كلمة اللّه تعالى و اضمحلال كلمة الباطل تقدّم الأنفس و الأبناء.
من أجل الدفاع عن الخلافة الإسلامية و التصدّي للامور العامّة من الحكم و السياسة و الإقتصاد،يجب تقديم الشهداء و سبي النساء،بل و تقديم الرضّع لتكون الحجّة أعظم.
إنّ الإمام الحسين بن علي عليهما السّلام لم يخرج لطلب ملك و لا للتزعّم على الناس و لا للتصدّي للفتوى بين الناس،إذ يزيد رجل فاسق لا علم له بالفقه و لم يدّع ذلك و لا ادّعاه أحد له،إنّما خروج الإمام الحسين و الذي هو خروج الحقّ ضدّ الباطل-من أجل استلام الحكم و الخلافة التي من خلالها فعل يزيد المحرّمات و هتك المقدّسات و استباح المخدّرات،من يملك المال و الرجال و تربّع على عرش الملك يستطيع أن يفعل ما يريد،ما لم يخرج له حسين في كلّ عصر.
إن الولاية و الخلافة ليس تأثيرها فقط على المجتمع و أهدافه و مساره،بل لها تأثير حتى على العبادات و الطاعات،لذا كانت الولاية أهم في حديث(بني الإسلام على خمس):فعن الإمام الباقر عليه السّلام:«بني الإسلام على خمس:على الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الولاية و لم يناد بشيء كما نودي بالولاية،فأخذ الناس بأربع و تركوا هذه-يعني الولاية» (1).
و عن زرارة في رواية أخرى فقلت:و أي شي من ذلك أفضل؟
فقال عليه السّلام:«الولاية أفضل لأنها مفتاحهنّ و الوالي هو الدليل عليهن».
إلى أن قال عليه السّلام:«أما لو أنّ رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه و يكون جميع أعماله بدلالته إليه،ما كان له على اللّه جل و عز حق في ثوابه و لا كان من أهل الإيمان» (2).
و شاهد ذلك أن الولي إذا لم يكن مواليا للّه تعالى فإنه يضيع الصلوات كما فعل معاوية فإنه
صلى صلاة الجمعة يوم الاربعاء.
و كما ضيع عثمان أموال الزكاة و وزّعها على أقربائه.
فلذالك ثار الحسين عليه السّلام و صرّح أنه خرج للدفاع عن دين محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كل الدين.
كانت زينب لتحكي لنا عن تصريحات الحسين عليه السّلام و أقواله و مواعظه في حماية الرسالة المحمّدية،لتبلغ كلام الحسين و أصحابه و حزن الحسين و بكاءه على أمّته،كانت زينب لتبلّغ عطش النساء و الأولاد و ضرب المخدّرات و إحراق بيوتهم و سبيهم من أجل ماذا؟!من أجل أنّ إمامهم خرج لإصلاح الدين المحمّدي و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
لو لا زينب-و إمامنا زين العابدين عليهما السّلام-لما وصلت لنا رسالة الحسين الحقيقيّة و لا عشنا بتفاصيل معركة كربلاء و آثارها و ما حصل من معاجز و كرامات.
كانت زينب بمثابة الوسائل الإعلامية في هذه الأزمنة،فإنّ أيّ ثورة أو حركة لا يكتب لها النجاح إذا لم يكن لديها ما يوصل أفكارها و أهدافها إلى الناس ثمّ إلى الامّة،لأنّ الإعلام المضلّل للأعداء ينقل الأحداث و الوقائع على خلاف الواقع ليستفيد منها لمصالحه أو مظلوميّته.
فكانت زينب تنشر ثورة الحسين عليه السّلام و أهدافها كما هي حتّى وصلت إلينا بأحسن صورة فأثمرت و لله الحمد و استفاد منها الشيعة على مرّ العصور،مستفيدين من كلّ كلمة للحسين و حركة، لكلّ موقف يتعرّضوا له.
و سوف يبقى تبليغ زينب لبركات ثورة الحسين النور الذي يضيء في سماء الأرض المظلمة ليتمّ نور اللّه الذي وعد به المتّقين.
فمن زينب نستفيد أن نحافظ على الثورة و نحمي قواعدها و بنيانها،من زينب نأخذ الدروس لنحمل الأهداف السامية و ننشرها في المجتمعات.
على كلّ امرأة أن تقتدي بزينب من أجل إعلاء كلمة الحقّ،أن تعلّم أطفالها كيف يكون الدفاع عن الخلافة و الحكم و ليس في زمن الحسين بل في كلّ زمن لأنّ كلّ يوم عاشوراء و كلّ أرض كربلاء،لكلّ عصر حسين و لكلّ عصر يزيد،و لكلّ عصر زينبيات يبلّغن الإسلام و يدافعن عن الحقّ أينما كان.
أختي العزيزة:قولك يا ليتنا كنا مع زينب،ليس معناه أن يعود الزمان فتكوني معها فتصبري و تواسيها،معنى قولك:أن تقفي حيث وقفت زينب،و تدافعي عن الحق كما دافعت زينب،و أن تضحّي بكل شيء كما ضحّت زينب،من أجل الدفاع عن الدين و حمايته من الإستعمار اليزيدي و غيره.
كانت زينب عليها السّلام تمتلك من الوعي و القيادة الحكيمة ما يجعلها تحكم في أمّة كبيره،تلك القيادة التي تعلّمتها من أبيها علي بن أبي طالب طيلة معاشرته للخلفاء الثلاثة و في ظلّ حكومته بعدهم،و في حروبه مع أعداء الإسلام و التي كانت زينب عليها السّلام تستفيد من خبرة أبيها و قيادته للمستقبل.
و زادت هذه الخبرة بما تعلّمته من أخيها الحسن سواء في حروبه مع معاوية أم في صلحه معه.
ذلك الوعي الذي نشأت عليه زينب و تربّت عليه من أمّها الصدّيقة الطاهرة و من أبيها عليهم السّلام.
الوعي الذي أهّلها لخوض معركة كربلاء و من بعدها تبليغ رسالة الحسين عليه السّلام كما أراد النبيّ و كما أراد الحسين،و نجحت زينب بذلك لما تملكه من وعي و حسن تدبير و حكمة و قيادة.
و قد نقل الصدوق أنّها كانت لها نيابة خاصّة عن الحسين و كان الناس يرجعون إليها في الحلال و الحرام حتّى برئ زين العابدين عليه السّلام (1).
و زاد ذلك ما تملكه الحوراء زينب من علم ربّاني أفاضه اللّه عليها لقربها من اللّه و التزامها بتعاليمه،و قد أشار إلى ذلك إمامنا عليّ بن الحسين عليهما السّلام حيث خاطب عمّته زينب قائلا:و أنت بحمد اللّه عالمة غير معلّمة فهمة غير مفهّمة (2).
استفادت زينب عليها السّلام من وعيها و علمها و قيادتها لخدمة الإسلام و الدفاع عن مقدّساته،متحمّلة الأذى و المحن و العطش و السبي،كلّ ذلك من أجل مرضاة اللّه تعالى و إمام زمانها.
تعلّمنا زينب كيف تكون المرأة الواعية في المجتمع،تكون حامية للمقدّسات مهما كان ثمن ذلك،مدافعة عن المسلمين،جنديّة في خدمة الإسلام تحت ظلّ راية العدل و ما ذلك إلاّ لمرضاة اللّه الذي أمر بإطاعة أولي الأمر.
وعي زينب و قيادتها كان نموذجا للإلتزام بخط القيادة و المشي على تعاليم وليّ الأمر،نفّذت زينب عليها السّلام وصيّة الخليفة الحسين بن علي و من بعده تعاليم وليّ أمرها عليّ بن الحسين،فنجحت زينب في مهمّتها و أوصلت ثورة الحسين و ما جرى في كربلاء إلى الامّة كلّ الامّة،و في كلّ عصر و زمان،أصبحت الأيّام كلّها عاشوراء بفضل زينب و وعي زينب و علم زينب،و أصبحت كلّ أرض كربلاء بالتزام زينب بتعاليم إمامها و وليّها.بل و كلّ امرأة مؤمنة واعية حكيمة.
فهنيئا للزينبيّات اللواتي يلتزمن بالقيادة و الولاية و يستفدن من وعيهنّ و علمهنّ للدفاع عن
الإسلام و نشر الدعوة الإسلامية في البلاد،و قد بشّرهنّ اللّه بفوز منه و رضوان.
قال السيّد مهدي:
قد أسروا من خصّها بآية التطهير ربّ العرش في كتابه
إن ألبست في الأسر ثوب ذلّة تجمّلت للعزّ في أثوابه
ما خطبت إلاّ رأوا لسانها أمضى من الصمصام في خطابه
و جلببت في أسرها آسرها عارا رأى الصغار في جلبابه
و الفصحاء شاهدوا كلامها مقال خير الرسل في صوابه (1)
و يظهر من الفاضل الدربندي و غيره أنّها عليها السّلام كانت تعلم علم المنايا و البلايا،كجملة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السّلام،منهم ميثم التمّار،و رشيد الهجري و غيرهما،بل جزم في أسراره أنّها صلوات اللّه عليها أفضل من مريم بنت عمران و آسية بنت مزاحم و غيرهما من فضليات النساء،و ذكر (قدس سره)عند كلام السجّاد عليه السّلام لها:«يا عمّة أنت بحمد اللّه عالمة غير معلّمة،و فهمة غير مفهّمة».
إنّ هذا الكلام حجّة على أنّ زينب بنت أمير المؤمنين عليه السّلام كانت محدّثة أي ملهمة،و أنّ علمها كان من العلوم اللدنية و الآثار الباطنية.
و من نظر في كتاب أسرار الشهادة رأى فيه من الأدلّة و التحقيقات في حقّ زينب(صلوات اللّه عليها)ما هو أكثر ممّا ذكرناه.
و في(الطراز المذهّب)أنّ شؤونات زينب الباطنية و مقاماتها المعنوية كما قيل فيها أنّ فضائلها و فواضلها،و خصالها،و جلالها،و علمها،و عملها،و عصمتها،و عفّتها،و نورها،و ضياءها، و شرفها،و بهاءها،تالية أمّها و ثانيتها.
و قال ابن عنبة في(أنساب الطالبيين):زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليه السّلام كنيتها أمّ الحسن، تروي عن أمّها فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قد امتازت بمحاسنها الكثيرة و أوصافها الجلّية و خصالها الحميدة و شيمها السعيدة و مفاخرها البارزة و فضائلها الطاهرة.
و قال العلاّمة الفاضل السيّد نور الدين الجزائري في كتابه الفارسي المسمّى ب(الخصائص الزينبية)ما ترجمته عن بعض الكتب:أنّ زينب كان لها مجلس في بيتها أيّام إقامة أبيها عليه السّلام في الكوفة،و كانت تفسّر القرآن للنساء،ففي بعض الأيّام كانت تفسّر(كهيعص)للنساء إذ دخل أمير المؤمنين عليه السّلام،فقال لها:يا نور عيني سمعتك تفسرّين(كهيعص)للنساء،فقالت:نعم،فقال عليه السّلام:0.
1) وفيّات الأئمّة:460.
هذا رمز لمصيبة تصيبكم عترة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ثمّ شرح لها المصائب فبكت بكاء عاليا صلوات اللّه عليها.
و في كتاب(بلاغات النساء)لأبي الفضل أحمد بن أبي طاهر طيفور قال:حدّثني أحمد بن جعفر سليمان الهاشمي،قال:كانت زينب بنت علي عليه السّلام تقول:من أراد أن لا يكون الخلق شفعاؤه إلى اللّه فليحمده،ألم تسمع إلى قولهم سمع اللّه لمن حمده فخف اللّه لقدرته عليك و استح منه لقربه منك (1).
زينب إسم إنتخبه اللّه تعالى لابنة سيّدة نساء العالمين حيث أرسل سبحانه جبرائيل لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأن سمّيها زينب (2).
و في كتاب(جنّات الخلود)ما معناه:و كانت زينب الكبرى في البلاغة،و الزهد،و التدبير، و الشجاعة،قرينة أبيها و أمّها،فإنّ انتظام أمور أهل البيت بل الهاشميّين بعد شهادة الحسين عليه السّلام كان برأيها و تدبيرها.
و عن النيسابوري في رسالته العلوية:كانت زينب بنت علي في فصاحتها و بلاغتها و زهدها و عبادتها كأبيها المرتضى عليه السّلام،و أمّها الزهراء عليها السّلام.و لله درّ النقدي حيث يقول:
عقيلة أهل بيت الوحي بنت الوصي المرتضى مولى الموالي
شقيقة سبطي المختار من قد سمت شرفا على هام الهلال
حكت خير الأنام على و فخرا و حيدر في الفصيح من المقال
و فاطم عفّة و تقى و مجدا و أخلاقا و في كرم الخلال
ربيبة عصمة طهرت و طابت و فاقت في الصفات و في الفعال
فكانت كالأئمّة في هداها و إنقاذ الأنام من الضلال
و كان جهادها بالليل أمضى من البيض الصوارم و النصال
و كانت في المصلّى إذ تناجي و تدعو اللّه بالدمع المذال
ملائكة السماء على دعاها تؤمن في خضوع و ابتهال
ورثت عن أمّها الزهراء علوما بها وصلت إلى حدّ الكمال
مقاما لم يكن تحتاج فيه إلى تعليم علم أو سؤال
و نالت رتبة في الفخر عنها تأخّرت الأوامر و الأوالي
فلو لا أمّها الزهراء سادت نساء العالمين بلا جدال (1)
و قال الأصفهاني أعلى اللّه مقامه:
وليّت وجهي شطر قبلة الورى و من بها تشرّفت أمّ القرى
قطب محيط عالم الوجود في قوسي النزول و الصعود
ففي النزول كعبة الرزايا و في الصعود قبلة البرايا
بل هي باب حطّة الخطايا و موئل الهبات و العطايا
أم الكتاب في جوامع العلا أم المصاب في مجامع البلا
رضيعة الوحي شقيقة الهدى ربيبة الفضل خليفة الندى
ربّة خدر القدس و الطهارة في الصون و العفاف و الخفارة
فإنّها تمثّل الكنز الخفيّ بالسرّ و الحياء و التعفّف
تمثّل الغيب المصون ذاتها تعرب عن صفاته صفاتها
مليكة الدّنيا عقيلة النسا عديلة الخامس من أهل الكسا
شريكة الشهيد في مصائبه كفيلة السجّاد في نوائبه
بل هي ناموس رواق العظمة سيّدة العقائل المعظّمة
ما ورثته من الرحمة جوامع العلم أصول الحكمة
سرابها في علوّ الهمّة و الصبر في الشدائد الملمّة
ثباتها ينبئ عن ثباته كان فيها كلّ مكرماته
لها من الصبر على المصائب ما جلّ أن يعدّ في العجائب
بل كاد أن يلحق بالمعاجز لأنّه حرفة كلّ عاجز
فإنّها سلالة الولاية ولاية ليس لها نهاية
بيانها يفصح عن بيانه كأنّها تفرغ عن لسانه2.
1) وفيّات الأئمّة:442.
ناهيك فيه الخطب المأثورة فإنّها كالدرر المنثورة
بل هي لو لا الحطّ من مقامها كاللؤلؤ المنضود في نظامها
فإنّها وليدة الفصاحة والدها فارس تلك الساحة
و ما أصاب أمّها من البلا فهو تراثها بطف كربلا
لكنّها عظيمة بلواها من الحرب شاهدت دهاها
رأت هجوم الخيل بالنار على خبائها أو محور السبع العلى
و أسلبوا يا ويلهم قرارها مذ سلبوا إزارها خمارها
و سبيهم ودائع المختار عار على الإسلام أيّ عار
يكاد أن يذهب بالعقول سبي بنات الوحي و التنزيل
و ما رأت بالطف من أهوالها جلّ عن الوصف بيان حالها
و من يطيق وصف سوء حالها مذ رأت السبط على رمالها
معفّر الخدّ مضرّجا بدم لهفي على جمال سلطان القدم
و حولها فتيانه على الثرى كالشهب الزهر تحفّ القمرا
واها على كواكب السعود عقد نظام الغيب و الشهود
كيف هوت و انتثرت أشلاؤها بأيّ ذنب سفكت دماؤها
و شاهدت ريحانة الرسول تدوسها حوافر الخيول
فأصبحت خزانة اللاهوت حلبة خيل الجبت و الطاغوت
صدر تربّى فوق صدر المصطفى ترضّه الخيل على الدّنيا العفى
ترى العوالي مركز المعالي مدرجة لذروة الكمال
و هي عرش و عليه التاج أو أنّها البراق و المعراج
نال من العروج ما تمنّى كقاب قوسين دنا أو أدنى
حتّى تجلّى قائلا إنّي أنا من شجر القناة في طور القنا
لسان حاله لسلطان القدم سعيا على الرأس إليك لا القدم
و سوقها إلى يزيد الطاغية أشجى فجيعة و أدهى داهية
و ما رأته في دمشق الشام يذهب بالعقول و الأحلام
أمامها رأس الإمام الزاكي و خلفها النوائح البواكي
أو الكتاب الناطق المبين حفّ به الحنين و الأنين
و أفظع الكلّ دخول الطاهرة حاسرة على ابن هند العاهرة
و ما لها و مجلس الشراب و هي ابنة السنّة و الكتاب
أتوقف الحرّة من آل العبا بين يدي طليقها وا عجبا
يشتمها طاغية الإلحاد و هي سلالة النبي الهادي
بل سمعت من ذلك اللعين سبّ أبيها و هو أصل الدين
أتنسب الطاهرة الصدّيقة للكذب و هي أصدق الخليقة
و احرّ قلباه لقلب الحرّة فما رأته لا أطيق ذكره
شلّت يد مدّت بقرع العود إلى ثنايا العدل و التوحيد
تلك الثنايا مرشف الرسول و ملثم الطاهرة البتول
و ما حناه باللسان أعظم و كفره المكنون منه يعلم
و قد أبانت كفر ذاك الطاغي بأحسن البيان و البلاغ
حنّت بقلب موجع محترق على أخيها فأجابها الشقي
يا صيحة تحمد من صوائح ما أهون النوح على النوائح (1)
قال السيد السمهودي في كتابه«جواهر العقدين»:من العجب أن أبا المحاسن نصر اللّه بن عنين الشاعر توجه الى مكة المشرّفة و معه مال و قماش،فخرج عليه بعض الأشراف من بني داود المقيمين بالصفراء،فأخذوا ما كان معه و جرحوه،فكتب قصيدة الى الملك العزيز طغتكين بن أيوب يحرضه على المذكورين مطلعها:
أعبت صفات نداك المصقع اللسنا و حزت في الجود حد الجود و الحسنا
و منها:
فإن أردت جهادا روّ سيّفك من قوم أضاعوا فروض اللّه و السننا
1) وفيّات الأئمّة:474.
و لا تقل انّهم أولاد فاطمة لو ادركوا ال حرب حاربوا الحسنا
فلما نظم هذه القصيدة رأى في المنام فاطمة رضي اللّه عنها و هي تطوف بالبيت،فسلّم عليها، فلم تجبه،فتضّرع إليها و تذلل و سألها عن ذنبه الذي أوجب ذلك فأنشدته:
حاشا بني فاطمة كلهم من خسة تعرض أو من خنا
و إنّما الأيام في غدرها و فعلها السيء ساءت بنا
أ إن ساء من ولدي واحد تجعل كل السب عمدا لنا
فتب الى اللّه فمن يقترف إثما بنا يأمن مما جنا
أكرم لعين المصطفى أحمد و لا تهن من آله أعينا
فكل ما نالك منهم غدا تلقى بها في الحشر منّا المنا
قال أبو المحاسن:فانتبهت من منامي فزعا،و قد اكمل اللّه تعالى عافيتي من الجراح و المرض،فكتبت الأبيات و حفظتها و تبت الى اللّه تعالى مما قلت،و قطعت تلك القصيدة و قلت:
عذرا الى بنت نبي الهدى تصفح عن ذنب محب جنا
و توبة تقبلها من أخي مقالة توقعه في العنا
و الله لو قطعني واحد منهم بسيف البغي أو بالقنا
لم ار ما يفعله شيأ بل إنّه في الفعل قد أحسنا
انتهى مع اختصار (1).
روي أنّ تاجرا من تجار اليمن سافر بمال الى مكة،فلما وصل إليها أخذ منه حسن بن عجلان الشريف الحسيني سلطان مكة،العشور المعتاد الذي يؤخذ من التجار المسافرين،فصار ذلك يتكلم عليه حيث جار عليه،و ينسبه الى الظلم و عدم الخوف من اللّه تعالى.
فلما كان ليلة من الليالي رأى ذلك التاجر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم معرضا عنه،فقصده التاجر ليصافحه فدفعه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في صدره.
فقال:ما ذنبي يا رسول اللّه،و قصده ثانيا ليصافحه،فكان ما كان منه أولا،و قال له بعد
1) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب:130-132 ط.النجف و 109-110 ط.الهند الثانية و القصة طويلة اختصرها المصنف،و جواهر العقدين:355 الباب 11 و ذكر أن القصة مشهورة و موجودة في ديوان ابن عنين و كتاب الدر النظيم.
ذلك:إرض فاطمة،و كانت رضي اللّه عنها بقربه،و لم يرض عنه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى ذهب الى ابنته فاطمة و قال لها:ما ذنبي.
فقالت له:إبني عجلان حيث شتمته و وبّخته على شتمه (1).
حكي أنّه حصل غلاء شديد بمكة المشرفة حتى أكل الناس فيه الجلود،فورد على القاضي سراج الدين أربعة عشر قطعة دقيقا ففرّق العشر،و أخذت زوجته الأربع،و كانوا ثمانية عشر نفسا، و قالت له:تريد أن تقتلنا من الجوع،فلما كان الليل قام من منامه مرعوبا قال:
رأيت فاطمة الزهراء و هي تقول:يا سراج أتأكل البر و أولادي جياع.
و نهض الى القطع الباقية و فرقها على الأشراف،و ما كان أهله يقدرون على القيام من الجوع (2).
ذكر العلامة أحمد بن حجر الهيتمي في الصواعق قال:حكى التقي الفاسي عن بعض الأئمة أنّه كان يبالغ في تعظيم أشراف المدينة النبوية على مشرفهم و مشرفها أفضل الصلاة و السلام،و سبب تعظيمه لهم أنّه كان منهم شخص إسمه مطير مات،فتوقف عن الصلاة عليه لكونه كان يلعب بالحمام،فرأى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في النوم و معه فاطمة إبنته الزهراء رضي اللّه عنها،فأعرضت عنه فاستعطفها حتى أقبلت عليه و عاتبته قائلة له:أما يسع جاهنا مطيرا» (3).
1) غرر البهاء الضوي:554 تتمة تتضمن عناية الله بهم.
2) الصواعق المحرقة:243 ط.مصر و 362 ط.بيروت،و جواهر العقدين:371 الباب 12،و غرر البهاء الضوي:546 تتمة تتضمن عناية الله بهم عن كتاب المنتقى.
3) الصواعق المحرقة:242 ط.مصر و 361 ط.بيروت خاتمة في أمور مهمة،و غرر البهاء الضوي:550 تتمة في أمور تتضمن عناية الله بهم و 498 الفصل الثامن،و جواهر العقدين:352 الباب 11 و بالهامش:العقد الثمين:39/2.
نقل في الصواعق أيضا قال:و حكي-أعني التقي الفاسي-في ترجمة صاحب مكة الشريف أبي نمى بن أبي سعيد حسن بن علي بن قتادة الحسني أنّه لما مات امتنع الشيخ عفيف الدين الدلاصي من الصلاة عليه،فرأى في المنام فاطمة رضي اللّه عنها و هي بالمسجد الحرام و الناس يسلّمون عليها،و إنّه رام السلام عليها فأعرضت عنه ثلاث مرات،فتحامل عليها و سألها عن سبب إعراضها عنه،فقالت:يموت ولدي و لا تصلّي عليه،فتأدّب و اعترف بظلمه بعدم الصلاة (1).
عن بعض الأشراف من آل أبي علوي رضي اللّه عنهم قال:زرت أنا و أحد الأشراف بني علوي قبر الشيخ سعيد بن عيسى العمودي رحمة اللّه عليه،ثم قفلنا راجعين،فمررنا على بعض قرى دوعن،فإذا نحن برجل صالح من حملة القرآن فقال:رأيت البارحة فاطمة الزهراء رضي اللّه عنها و هي تقول:غدا يقدم عليك إثنان من ولدي.
فأخبرناه إنّا من بني علوي،فبكى لذلك فرحا (2).
تمهيد 5
دور فاطمة عليها السّلام السياسي و شأنها الاجتماعي 6
بكاء فاطمة عليها السّلام ثورة 6
دفاع فاطمة عن خلافة علي عليهما السّلام 8
جهاد فاطمة عليها السّلام 9
فاطمة عليها السّلام في مكّة 10
فاطمة عليها السّلام في الشعب 10
هجرة فاطمة عليها السّلام 11
فاطمة عليها السّلام في أحد 11
فاطمة عليها السّلام في حرب الخندق 12
فاطمة عليها السّلام في فتح مكّة 12
أخلاق فاطمة عليها السّلام 12
صدق فاطمة عليها السّلام 14
عفّة فاطمة عليها السّلام و حجابها 15
فاطمة عليها السّلام أوّل من تعفّفت بالنعش 15
كرامات و معاجز فاطمة عليها السّلام 16
قدرتها التكوينيّة 20
الملائكة تخدم فاطمة عليها السّلام 20
علم فاطمة عليها السّلام 22
علمها عليها السّلام بما كان و يكون 22
علم فاطمة عليها السّلام بالمغيبات 23
فاطمة عليها السّلام محدّثة 24
صحيفة فاطمة عليها السّلام 24
فاطمة عليها السّلام الداعية إلى سبيل الله 26
فاطمة عليها السّلام تحدّ جاريتها 26
فاطمة عليها السّلام تعلّم النساء و الرجال 27
فاطمة عليها السّلام تقضي بين النساء 28
بلاغة فاطمة و خطبتها عليها السّلام 30
خطبة فاطمة في مرضها 38
عبادة فاطمة عليها السّلام 40
خشوع فاطمة عليها السّلام 43
صلاة فاطمة عليها السّلام من تعليم جبرائيل 45
تسبيح فاطمة عليها من اللّه السلام 45
دعاء فاطمة عليها السّلام المستجاب 46
أدعية فاطمة الزهراء عليها السّلام 47
زهد فاطمة عليها السّلام 74
فاطمة عليها السّلام تقدّم الآخرة على الدّنيا 76
بيت فاطمة عليها السّلام 76
إيثار فاطمة و كرمها عليها السّلام 78
في منع فاطمة من فدك 82
صبر فاطمة عليها السّلام 96
مأساة الزهراء عليها السّلام 102
هتك بيت الزهراء عليها السّلام 102
هتك بيت الزهراء عليها السّلام في الشعر 110
شهادة فاطمة عليها السّلام 114
نعي النبي نفسه لفاطمة عليها السّلام 115
حزن فاطمة على أبيها صلّى اللّه عليه و آله و سلّم 116
بكاء فاطمة عليها السّلام 119
مرضها و ظلمها بعد أبيها عليهما السّلام 120
تاريخ وفاتها عليها السّلام 122
بقاؤها بعد أبيها عليها السّلام 124
مدفنها عليها السّلام 125
مدة عمرها عليها السّلام 127
وقت وفاتها عليها السّلام 128
وصيتها عليها السّلام 128
ما قبيل الوفاة 129
يوم قبضت فيه و دفنها سرا عليها السّلام 129
إخفاء قبرها عليها السّلام 130
قصة كيفية وفاتها عليها السّلام عن فضة 130
نعي علي لفاطمة عليها السّلام 136
ما قال علي عند قبرها عليهما السّلام بعد الدفن 136
فضل زيارة فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها 137
شفاعة فاطمة عليها السّلام 139
رجعة فاطمة عليها السّلام 141
أولاد فاطمة عليهم السلام 141
ترجمة زينب عليها السّلام 142
زينب بنت علي و فاطمة عليهما السّلام 142
صبر زينب عليها السّلام 143
عبادة زينب و زهدها عليها السّلام 144
جهاد زينب عليها السّلام 145
شجاعة زينب و خطبتها عليها السّلام 146
سبي زينب عليها السّلام 151
تبليغ زينب لرسالة الحسين عليهما السّلام 152
وعي زينب عليها السّلام و علمها و قيادتها 154
مناقب زينب عليها السّلام 156
قصص في إكرام فاطمة و ذريتها 159
إعراض فاطمة عن مبغض أولادها 159
غضب النبي و فاطمة لشتم ابنها 160
تأنيب الزهراء لمانع رزق أولادها 161
إعراض فاطمة الزهراء عن تارك الصلاة على الشريف 161
هجر فاطمة الزهراء لتارك الصلاة على ولدها 162
أمر فاطمة باكرام الأشراف 162