الوسیط فی اصول الفقه کتاب یبحث عن الادلة اللفظیة و العقلیة بین الایجاز و الاطناب جلد 1

ghaemiyeh.com

اشارة

عنوان قراردادی:الوسیط فی اصول‌الفقه: کتاب یبحث عن‌الادلةاللفظیة و العقلیة بین‌الایجاز و الاطناب

عنوان و نام پديدآور:الوسیط فی اصول‌الفقه/ تالیف جعفر السبحانی

مشخصات نشر:دارالجواد(ع) - بیروت - لبنان

مشخصات ظاهری:2ج.

شابک:160000 ریال: ج.1‌978-600-316-066-8 : ؛ 160000 ریال: ج.2‌978-600-316-067-5 : ؛ 250000 ریال(ج.2،چاپ سوم)

وضعیت فهرست نویسی:فاپا

يادداشت:فارسی- عربی.

يادداشت:ج.2 (چاپ اول: 1392).

يادداشت:ج.2(چاپ سوم : 1395).

يادداشت:عنوان دیگر: الوسیط فی اصول‌الفقه.

یادداشت:کتابنامه.

عنوان دیگر:الوسیط فی اصول‌الفقه.

موضوع:اصول فقه شیعه

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (1)) التوبة: 122


1) سوره 9 - آیه 122

مقدمة المؤلف

اشارة

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الحمد للّه ربّ العالمين، و الصّلاة و السلام على أفضل خليقته، و أشرف بريّته، و خاتم رسله، محمّد و على آله حفظة سننه، و عيبة علمه، و خزنة سره، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج، و الأرض ذات فجاج.

أمّا بعد، فقد ألّفتُ في سالف الزمان كتاب »الموجز في أُصول الفقه« للمبتدئين في دراسة هذا الفن، توخّيت منه التعرض لأهمّ المسائل الأُصولية بنحو موجز يتلاءم مع روح العصر و قد انكبَّ عليه الدارسون بالبحث و المطالعة حتى غدا محور الدراسة في الجامعات الإسلامية.

و لمّا كانت الغاية من تأليفه هو بيان أُمّهات المسائل الأُصولية على وجه الايجاز، فقد أوجزت الكلام في بعض المسائل، و تركت التعرّض لبعضها الآخر رعاية لحال الدارسين،فدعا الأمر إلى تأليف كتاب آخر يتميز عن سابقه بميزتين:

1.

تبسيط ما أوجز في الكتاب الأوّل.

2.

طرح المسائل الأُصولية التي لم نتعرض إليها في الموجز.

و ربما مست الحاجة إلى تكرار بعض ما ذكرناه في »الموجز« حفظاً لنظام البحث و تسلسله و ليعلم انّ المتن الدراسي يتميز عن غيره بمزية خاصة و هي انّه يأخذ على عاتقه التعبير عن المطالب و المحتويات بأقصر العبارات و أوجزها،

خالية من التعقيد و الغموض.

و على ذلك جرى ديدن القدماء في تأليف المتون الدراسية و قد راعينا هذا الأُسلوب في كتابنا، و احترزنا عن الاسهاب و الاطناب كما احترزنا عن التعقيد و حرصنا على أن تكون لغته على مستوى اللغة الدارجة في الحوزة العلمية.

و اسميته ب»الوسيط« لتوسطه بين الايجاز و التبسيط.

و نستهلُّ البحث بنبذة موجزة عن تاريخ علم الأُصول و كيفية نشوئه و تكامله و الأدوار التي مرّ بها و الجهود التي بُذلت بغية ارساء قواعده.

و ختاماً أرجو من اللّه سبحانه أن ينتفع به رواد هذا العلم و ينير لهم الدرب في تذليل الصعوبات التي تعترض سبيلهم.

إلماع إلى تاريخ علم الأُصول

الإسلام عقيدة و شريعة; فالعقيدة هي الإيمان باللّه سبحانه و صفاتِه و التعرّفُ على أفعاله، و الشريعة هي الأحكام و القوانين الكفيلة ببيان وظيفة الفرد و المجتمع في حقول مختلفة تجمعها العبادات، و المعاملات، و الإيقاعات، و السياسات.

فالمتكلِّم الإسلامي مَن تكفّل ببيانِ العقيدة و برهَن على الإيمان باللّه سبحانه و صفاتِه الجمالية و الجلالية، و أفعاله من لزوم بعث الأنبياء و الأوصياء لهداية الناس و حشرهم يوم المعاد.

كما أنّ الفقيه من قام ببيان الأحكام الشرعية الكفيلة بإدارة الفرد و المجتمع، و التنويه بوظيفتهما أمام اللّه سبحانه و وظيفة كلّ منهما بالنسبة إلى الآخر.

بيد أنّ لفيفاً من العلماء أخذوا على عاتقهم بكلتا الوظيفتين، فهم في مجال العقيدة أبطال الفكر و سنامه، و في مجال التشريع أساطين الفقه و أعلامه، و لهم الرئاسة التامّة في فهم الدين على مختلف الأصعِدة.

إنّ علم أُصول الفقه يعرّف لنا »القواعدَ الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية و ما ينتهي إليه المجتهد في مقام العمل«، و قد سُمِّي بهذا الاسم لصلته الوثيقة بعلم الفقه، فهو أساس ذلك العلم و ركنه، و عماد الاجتهاد و سناده.

الاجتهاد: عبارة عن بذل الوسع في استنباط الأحكام الشرعية، أو الوظائف

العمليّة من مصادرها، و هو رمز خلود الدين و حياته، و جعله غضّاً طريّاً، مصوناً عن الاندراس عبْر القرون و مغنياً المسلمينَ عن التطفّل على موائد الأجانب، و يتّضح ذلك من خلال أُمور:

1. انّ طبيعة الدين الإسلامي أي كونه خاتم الأديان إلى يوم القيامة تقتضي فتح باب الاجتهاد لما سيواجه الدين في مسيرته من أحداث و تحدّيات مستجدَّة، و موضوعات جديدة لم يكن لها مثيل أو نظير في عصر النص، فلا محيص عن معالجتها إمّا من خلال بذل الجهود الكافية في فهم الكتاب و السنّة و غيرهما من مصادر التشريع و استنباط حكمها، و إمّا باللجوء إلى القوانين الوضعية، أو عدم الفحص عن حكمها و إهمالها.

و الأوّل هو المطلوب، و الثاني يكوّن نقصاً في التشريع الإسلامي، و هو سبحانه قد أكمل دينه بقوله:

( اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)) (2)و الثالث لا ينسجم مع طبيعة الحياة و نواميسها.

2. لم يكن كل واحد من أصحابِ النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) متمكناً من دوامِ الحضورِ عنده(صلى الله عليه و آله و سلم) لأخذ الأحكام عنه، بل كان في مدّة حياته يحضره بعضهم دون بعض، و في وقت دون وقت، و كان يسمع جواب النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) عن كلّ مسألة يسأل عنها بعض الأصحاب و يفوت عن الآخرين، فلمّا تفرّق الأصحاب بعد وفاته(صلى الله عليه و آله و سلم) في البلدان، تفرّقت الأحكام المروية عنه(صلى الله عليه و آله و سلم) فيها، فتُروى في كلّ بلدة منها جملة، و تُروى عنه في غير تلك البلدة جُملة أُخرى، حيث إنّه قد حضر المدنيّ من الأحكام، ما لم يحضره المصري، و حضر المصريّ ما لم يحضره الشاميّ، و حضر الشاميّ ما لم يحضره البصري، و حضر البصري ما لم يحضره الكوفي إلى غير ذلك، و كان كل منهم3.

1) سوره 5 - آیه 3

2) . المائدة:3.

يجتهد فيما لم يحضره من الأحكام. (1)

إنّ الصحابي قد يسمع من النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) في واقعة، حكماً و يسمع الآخر في مثلها خلافه، و تكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين غفل أحدهما عن الخصوصية، أو التفت إليها و غفل عن نقلها مع الحديث، فحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً، و لا تنافي واقعاً; و من هذه الأسباب و أضعافِ أمثالها احتاج حتى الصحابة الذين فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام إلى الاجتهاد و النظر في الحديث، و ضمّ بعضه إلى بعض، و الالتفات إلى القرائن الحالية، فقد يكون للكلام ظاهر، و مراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة في المقام، و الحديث نُقِلَ و القرينة لم تنقل.

و كلُّ واحد من الصحابة، ممّن كان من أهل الرأي و الرواية، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث، للسامع من بعيد أو قريب، فهو في هذا الحال راو و محدث، و تارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية، أو الروايات بحسب نظره و اجتهاده فهو في هذا الحال، مفت و صاحب رأي. (2)

3.

و هناك وجه ثالث و هو انّ صاحبَ الشريعة ما عُني بالتفاصيل و الجزئيات لعدم سنوح الفرص ببيانها، أو تعذر بيان حكم موضوعات لم يكن لها نظير في حياتهم، بل كان تصوّرها لعدم وجودها أمراً صعباً على المخاطبين، فلا محيص لصاحبِ الشريعةِ عن إلقاء أُصول كلية ذات مادة حيويّة قابلة لاستنباط الأحكام وفقاً للظروفِ و الأزمنة.

4.

انّ حياة الدين مرهونة بمدارسته و مذاكرته و لو افترضنا أنّ النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) ذكرة.


1) . المقريزي: الخطط:2/333.

2) . أصل الشيعة و أُصولها: 147، طبعة القاهرة.

التفاصيل و الجزئيات و أودعها بين دفّتي كتاب ، لاستولى الركود الفكري على عقلية الأُمة، و لانحسر كثير من المفاهيم و القِيَم الإسلامية عن ذهنيّتها، و أوجب ضياع العلم و تطرق التحريف إلى أُصوله و فروعه حتى إلى الكتاب الذي فيه تلك التفاصيل.

على هذا، لم تقم للإسلام دعامة،و لا حُفِظَ كِيانُه و نظامه، إلاّ على ضوء هذه البحوث العلمية و النقاشات الدارجة بين العلماء، أو ردّ صاحب فكر على ذي فكر آخر بلا محاباة.

تاريخ أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية

اشارة

لم يكن علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه في عصر الأئمّة(عليهم السلام) ، فقد أملى الإمام الباقر (عليه السلام) و أعقبه الإمام الصادق(عليه السلام)على أصحابهما قواعد كلّية في الاستنباط، رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث أُصول الفقه.

و ممن ألّف في ذلك المضمار:

1. المحدّث الحرّ العاملي(المتوفّى 1104ه)

مؤلف كتاب :»الفصول المهمة في أُصول الأئمّة« و هذا الكتاب يشتمل على القواعد الكلية المنصوصة في أُصول الفقه و غيرها.

2. السيد العلاّمة الشبّر عبد اللّه بن محمد الرضا الحسيني الغروي(المتوفّى 1242ه)

له كتاب »الأُصول الأصلية«.

3. السيد الشريف الموسوي، هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني، له كتاب: »أُصول آل

الرسول«، و قد وافته المنيّة عام 1318 ه.

فهذه الكتب الحاوية على النصوص المروية عن أئمة أهل البيت في القواعد و الأُصول الكلية في مجال أُصول الفقه، تعرِبُ عن العناية التي يوليها أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لهذا العلم.

و قد تبعهم أصحابهم، منهم:

اشارة

1. يونس بن عبد الرحمن(المتوفّى 208ه)

يقول النجاشي: كان يونس بن عبد الرحمن وجهاً في أصحابنا، متقدّماً، عظيم المنزلة، روى عن أبي الحسن موسى و الرضا(عليهما السلام). فقد صنف كتابَ: »اختلاف الحديث و مسائله« (1)و هو قريب من باب التعادل و الترجيح في الكتب الأُصولية.

2. أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي(237 311ه)

يقول النجاشي :كان شيخ المتكلمين من أصحابنا و غيرهم، له جلالة في الدنيا و الدين، إلى أن قال: له كتاب »الخصوص و العموم«،و »الأسماء و الأحكام«. (2)

و يقول ابن النديم: هو من كبار الشيعة، و كان فاضلاً عالماً متكلّماً، و له مجلس يحضره جماعة من المتكلّمين، إلى أن قال: له كتاب »إبطال القياس«. (3)

3. الحسن بن موسى النوبختي

عرّفه النجاشي بقوله: شيخنا المتكلّم، المبرّز على نظرائه في زمانه قبل الثلاثمائة و بعدها. و ذكر من كتبه»خبر الواحد و العمل به«. (4)

يقولُ ابن النديم: الحسن بن موسى ابن اخت أبي سهل بن نوبخت، متكلّم فيلسوف، كان يجتمع إليه جماعة من النقَلة لكتب الفلسفة. (5)


1) . رجال النجاشي:2/420 برقم 1209.

2) . رجال النجاشي:1/121 برقم 67.

3) . الفهرست: 225.

4) . رجال النجاشي:1/179 برقم 146.

5) . الفهرست: 225.

يقول ابن حجر: الحسن بن موسى النوبختي، أبو محمد من متكلّمي الإمامية، و له تصانيف كثيرة. (1)

أُصول الفقه و أدواره

اشارة

اجتاز علم الأُصول من لدن تأسيسه إلى زماننا هذا مرحلتين، و لكلّ منهما أدوار، و امتازت المرحلة الثانية بالإبداع و الابتكار و طرح مسائل مستجدّة لم تكن مذكورة في كتب الفريقين.

المرحلة الأُولى: مرحلة النشوء و الازدهار
اشارة

ابتدئتْ المرحلةُ الأُولى منذُ أوائل القرن الثالث إلى عصر العلاّمة الحلي(726648) و قد اجتازت أدواراً ثلاثة.

الدور الأوّل:(دور النشوء)

و قد بُدئ هذا الدور بإفراد بعض المسائل الأُصولية بالتأليف دون أن يعمَّ كافّة المسائل المعنونة في هذا العلم يومذاك، و لم نقف في هذا الدور على كتاب عام يشمل جميع مسائله، و قد عرفت أنّ يونس بن عبد الرحمن صنَّف كتابَ »علل الحديث« ، و أبا سهل النوبختي كتابَ »الخصوص و العموم« و »إبطال القياس«، و الحسن بن موسى النوبختي كتاب »خبر الواحد و العمل به« و بالرغم من ذلك فقد ازدهرتْ حركة الاستنباط و الاجتهاد بين أصحابنا في هذا الدور، فهذا هو »الحسن بن علي العماني« شيخ فقهاء الشيعة، المعاصر للشيخ الكليني(المتوفّى 329 ه) ألّف كتاب »المتمسِّك بحبل آل الرسول«.


1) . لسان الميزان:2/258، برقم 175.

يقول النجاشي: أبو محمد العماني، فقيه متكلّم، ثقة، له كتب في الفقه و الكلام، منها كتاب »المتمسّك بحبل آل الرسول « كتابٌ مشهورٌ في الطائفة.

و قيل: ما ورد الحاج من خراسان إلاّ طلَب و اشترى منه نسخاً. (1)

كما ألّف الشيخ الكبير أبو علي الكاتب الإسكافي(المتوفّى381ه) كتاب »تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة« في الفقه، و هو كتابٌ كبيرٌ جامعٌ، ذكر فهرس كتبه، الشيخ النجاشي في رجاله، و له كتاب »الأحمدي في الفقه المحمدي«.

يقول النجاشي: وجهٌ في أصحابنا، ثقةٌ، جليلُ القدرِ، صنّف فأكثر. (2)

الدور الثاني:(دور النمو)
اشارة

إنّ حاجة المستنبط في علم الأُصول لم تكن مقصورة على عصر دون عصر، بل كلّما تقدّمتْ عجلة الحضارة نحوَ الإمام، ازدادت الحاجة إلى تدوين قواعد الاستنباط للإجابة على الحوادث المستجدّة و ملابساتها التي كان الفقهاء يواجهونها طيّ الزمان، مما ترك تأثيراً إيجابياً على علم الأُصول و ساهم في نموّه، فأفردوا جميع المسائل(بدل البعض كما في الدور الأوّل) بالتأليف، و قد تحمّل ذلك العبء ثلّة من أساطين العلم و سنامه، منهم:

4. محمد بن محمد بن النعمان المفيد(336 413ه)

هو شيخنا و شيخ الأُمّة محمد بن محمد بن النعمان المشهور بالمفيد، صنف كتاباً باسم »التذكرة بأُصول الفقه« و طبع في ضمن مصنّفاته (3)و نقل خلاصته شيخنا الكراجكي(المتوفّى 449ه) في كتابه »كنز الفوائد«.


1) . رجال النجاشي:1/153.

2) . رجال النجاشي:2/306: برقم 1048.

3) . المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفيّة لوفاة الشيخ المفيد، المصنّفات: 9/5.

5. الشريف المرتضى(355 436ه)

هو السيد الشريف علي بن الحسين المعروف بالمرتضى.

قال عنه النجاشي: حاز من العلوم ما لم يدانه أحد في زمانه، و سمع من الحديث فأكثر، و كان متكلماً، شاعراً، أديباً، عظيم المنزلة في العلم و الدين و الدنيا، و عدّ من كتبه »الذريعة« (1)و قد طبع الكتاب في جزءين طباعة منقّحة، و قد عثرت على نسخة خطية منها في مدينة »قزوين« جاء في آخرها انّ المؤلف فرغ من تأليفها عام 400ه، و قد نقل عنه جلُّ من تأخّر من السنّة و الشيعة.

6. سلاّر الديلمي(المتوفّى 448 ه)

هو سلاّر بن عبد العزيز الديلمي. يعرّفه العلاّمة بقوله: شيخنا المقدّم في الفقه و الأدب و غيرهما، كان ثقة وجهاً ألّف »التقريب في أُصول الفقه«، ذكره في الذريعة. (2)

7. الشيخ الطوسي(385 460ه)

هو محمد بن الحسن المعروف بالشيخ الطوسي.

يقول عنه النجاشي: أبو جعفر، جليل من أصحابنا، ثقةٌ، عينٌ، من تلامذة شيخنا أبي عبد اللّه المفيد، و عدَّ من كتبه كتاب »العدّة في أُصول الفقه« (3)، و قد طُبِع غير مرّة، و هو كتابٌ مفصلٌ مبسوطٌ يحتوى على الآراء الأُصولية المطروحة في عصره.


1) . رجال النجاشي: 1/102 برقم 706.

2) . الذريعة: 365 4/ و ذكر أنّه توفّي في السفر سنة 448.

3) . رجال النجاشي:2/332 برقم 1069.

الدور الثالث:(دور الازدهار)
اشارة

بدأ هذا الدور منذ أواخر القرن السادس إلى أواسط القرن الثامن، و قد صنف أصحابنا كتباً خاصّة في أُصول الفقه تعرب عن الإنجازات الضخمة، و المنزلة الراقية التي بلغها علمُ الأُصول من خلال دراسة مسائله باسهاب و دقّة و إمعان أكثر، و من المصنّفين في هذا الحقل:

8. ابن زهرة الحلبي(511 558ه)

هو الفقيه البارع السيد حمزة بن علي بن زهرة الحلبي مؤلف كتاب »غنية النزوع إلى علمي الأُصول و الفروع« و كتابه هذا يدور على محاور ثلاثة، العقائد و المعارف، أُصول الفقه، و الفروع.و قد طبع الكتاب محقّقاً في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في جزءين، و الناظر في قسم أُصول الفقه يرى فيه التفتح و الازدهار بالنسبة إلى ما سبقه.

9. سديد الدين الحمصي(المتوفّى نحو 600 ه)

هو الشيخ سديد الدين محمود بن علي بن حسن الحمصي الرازي و قد صنف »كتابه المنقذ من التقليد، و المرشد إلى التوحيد« عام 581ه في الحلة الفيحاء عند منصرفه من زيارة الحرمين بالحجاز. (1)

قال منتجب الدين الرازي: الشيخ الإمام سديد الدين علاّمة زمانه في الأُصوليين، ورع ثقة، و ذكر مصنّفاته الّتي منها: »المصادر في أُصول الفقه« و »التبيين و التنقيح في التحسين و التقبيح«. (2)


1) . لاحظ المنقذ من التقليد: 17، مقدّمة المؤلف.

2) . الفهرست: برقم 389.

10. نجم الدين الحلي(602 676ه)

هو نجم الدين جعفر بن الحسن بن أبي زكريا الهذلي الحلي، المكنّى بأبي القاسم، الملقّب بنجم الدين، و المشتهر بالمحقّق.

قال ابن داود في رجاله:جعفر بن الحسن، المحقّق المدقّق، الإمام، العلاّمة، واحد عصره كان ألسَنَ أهل زمانه، و أقومهم بالحجة، و أسرعهم استحضاراً، قرأت عليه و ربّاني صغيراً، و كان له عليّ إحسان عظيم،و ذكر من تآليفه:»المعارج في أُصول الفقه« (1)و قد طبع غير مرّة، و هو و إن كان صغير الحجم، لكنّه كثير المعنى شأنُ كلِّ ما جادت به قريحتُه في عالم التأليف، فهذا كتابه»شرائع الإسلام« عكف عليه العلماء في جميع الأعصار، و كتبوا عليه شروحاً و تعاليق و قد طبع في إيران و لبنان.

و قال في أعيان الشيعة: و من كتبه »نهج الوصول إلى معرفة علم الأُصول«. (2)

11. العلاّمة الحلّي(648 726ه)

الحسن بن يوسف المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي و هو غنيٌّ عن التعريف، برع في المعقول و المنقول، و تقدَم على العلماء الفحول و هو في عصر الصبا، أخذ عن فقيه أهل البيت الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن، خاله، و من أبيه سديد الدين يوسف بن مطهر الحلّي، و أخذ العلوم العقلية عن نصير الدين الطوسي و غيره.


1) . رجال ابن داود: 83.

2) . أعيان الشيعة:4/92. لاحظ الذريعة: 24/426.

و قد ألّف في غير واحد من الموضوعات: النقلية و العقلية، كما ألّف في أُصول الفقه تصانيف عديدة ذكرها السيد الأمين في »أعيان الشيعة« نشير إليها:

1.

النكت البديعة في تحرير الذريعة للسيد المرتضى.

2.

غاية الوصول و إيضاح السبل في شرح مختصر منتهى الوصول لابن الحاجب.

3.

»مبادئ الوصول إلى علم الأُصول« مطبوع في ذيل المعارج للمحقّق.

4.

»نهاية الوصول إلى علم الأُصول« في أربعة أجزاء. (1)

5.

»تهذيب الوصول في علم الأُصول« صنّفه باسم ولده فخر الدين، و هو مطبوع.

و قد كتب عليه شروح و تعاليق مذكورة في أعيان الشيعة. (2)

12. عميد الدين الأعرجي(المتوفّى عام 754 ه)

عبد المطلب بن أبي الفوارس بن محمد بن علي الأعرجي الحسيني ابن أُخت العلاّمة الحلّي.

وصفه الشهيد الأوّل بقوله: السيد، الإمام، فقيه أهل البيت(عليهم السلام) في زمانه، عميد الحقّ و الدين، أبو عبد اللّه عبد المطلب بن الأعرج الحسيني.

كما وصفه غيره بقوله: درّة الفخر و فريد الدهر، مولانا الإمام الرباني و هو ابن أُخت العلاّمة الحلّي (رحمه الله) و قد ألّف كتباً كثيرة في الفقه و غيره، كما ألّف في أُصول الفقه كتابه »منية اللبيب في شرح التهذيب« (3)لخاله العلاّمة الحلي و قد فرغ منه في


1) . نحتفظ بنسخة منها في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قم المقدّسة.

2) . أعيان الشيعة:5/404.

3) . نحتفظ بنسخة من هذا الكتاب في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قم المقدّسة. و ربما ينسب المنية لأخيه ضياء الدين الأعرجي و النقول في تهذيب الأُصول لعميد الدين.

الخامس عشر من رجب سنة 740ه. (1)

13. ضياء الدين الأعرجي

هو السيد ضياء الدين عبد اللّه بن أبي الفوارس ابن أُخت العلاّمة الحلّي فقد شرح كتاب تهذيب الأُصول لخاله و أسماه »النقول في تهذيب الأُصول«، و قام الشهيد بالجمع بين الشرحين و أسماه »جامع البين الجامع بين شرحي الأخوين«.

14. فخر المحقّقين(682 771ه)
اشارة

هو محمد بن الحسن نجل العلاّمة الحلّي، فقد شرح تهذيب والده و أسماه »غاية السئول في شرح تهذيب الأُصول«.

كان الأمل أن يواكب التأليفُ تقدّمَ العصر و لكن الركب توقف عن متابعة هذا التطور و أخلد إلى الركود، فلا نكاد نعثر على تصانيف أُصولية بعد شيخنا عميد الدين إلاّ ما ندر كمقدّمة المعالم للمحقّق الشيخ حسن صاحب المعالم، نجل الشهيد الثاني(المتوفّى 1011 ه). قد صار محور الدراسة قرابة أربعة قرون و عكف عليه العلماء بالتعليقة و الشرح.

نعم انصبّت الجهود على تدوين القواعد الفقهية و تنظيمها بشكل بديع نستعرض بعضها:

1. محمد بن مكي المعروف ب»الشهيد الأوّل«(786734ه) قد ألّف كتاب »القواعد و الفوائد« و قد استعرض فيه 302 قاعدة، و مع الاعتراف بفضله و تقدّمه في التأليف، لم يفصل القواعد الفقهية عن الأُصولية أو العربية، كما لم

1) . السيد الخوانساري: روضات الجنات: 261.

يرتِّب القواعد الفقهية على أبواب الفقه المشهورة ممّا حدا بتلميذه المقداد عبد اللّه السيوري بترتيب تلك القواعد كما سيوافيك.

2.

الفقيه المتبحر و الأُصولي المتكلّم مقداد بن عبد اللّه السيوري(المتوفّى 826ه) من أكابر رجال العلم و التحقيق، فقد قام بترتيب كتاب القواعد لشيخه الشهيد و سمّاه ب »نضد القواعد الفقهية على مذهب الإمامية« و قد طبع محقّقاً عام(1404ه).

3.

الشيخ الأجل زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد المعروف ب»الشهيد الثاني« (966911ه)، ولد في عائلة نذرت نفسها للدين و العلم، و قد ألّف في غير واحد من الموضوعات و من آثاره كتابه:»تمهيد القواعد« جمع في هذا الكتاب بين فني تخريج الفروع على الأُصول و تخريج الفروع على القواعد العربية، و هو كتاب قلّ نظيره عظيم المنزلة ، طبع مرّة مع كتاب الذكرى للشهيد الأوّل، كما طبع أخيراً محقّقاً في مشهد الإمام الرضا استعرض المؤلِّف فيه مائتي قاعدة و فرغ منها في مستهل عام 958ه.


عصر النكسة و الركود

ظهرت الأخبارية في أواخر القرن العاشر و بداية القرن الحادي عشر على يد الشيخ محمد أمين الاسترابادي(المتوفّى1033 ه) فشنَّ حملة شعواء على الأُصول و الأُصوليّين و زيّف مسلك الاجتهاد المبني على القواعد الأُصولية، و زعم انّ طريقة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)و أصحابه تخالف ذلك المسلك، فممّا قاله في ذم الاجتهاد:

و أوّل من غفل عن طريقة أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) و اعتمد على فن الكلام، و على أُصول الفقه المبنيّين على الأفكار العقلية المتداولة بين العامة، محمد بن أحمد ابن الجنيد العامل بالقياس، و حسن بن علي بن أبي عقيل العماني المتكلم، و لما أظهر الشيخ المفيد حسنَ الظن بتصانيفهما بين أصحابه منهم السيد الأجل المرتضى، و شيخ الطائفة شاعت طريقتهما بين متأخري أصحابنا، حتى وصلت النوبة إلى العلاّمة الحلّي، فالتزم في تصانيفه أكثرَ القواعد الأُصولية من العامة، ثمّ تبعه الشهيدان و الفاضل الشيخ علي رحمهم اللّه تعالى. (1)

أقول: الأخبارية منهج مبتدع، و لم يكن بين علماء الشيعة إلى زمان ظهورها منهجان متقابلان متضادان في مجال الفروع باسم المنهج الأُصولي و الأخباري حتى يكون لكل منهج مبادئ مستقلة يناقض أحدهما الآخر، بل كان الجميع على خطّ واحد، و كان الاختلاف في لون الخدمة و كيفية أداء الوظيفة.

يقول شيخنا البحراني: إنّ العصر الأوّل كان مملوءاً من المجتهدين و المحدّثين مع أنّه لم يرتفع بينهم مثل هذا الخلاف و لم يطعن أحد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه الأوصاف و إن ناقش بعضهم بعضاً في جزئيات المسائل. (2)

و العجب انّ الشيخ الاسترابادي(رحمه الله) استدلّ على انقسام علماء الإمامية إلى أخباريّين و أُصوليّين بأمرين:

1. ما ذكره شارح المواقف، حيث قال:

كانت الإمامية أوّلاً على مذهب أئمّتهم حتى تمادى بهم الزمان فاختلفوا و تشعّب متأخّروهم إلى المعتزلة و إلى الأخباريين، و ما ذكره الشهرستاني في أوّلة.


1) . الفوائد المدنيّة: 44، الطبعة الحجريّة.

2) . الحدائق الناضرة: 1701/167، المقدمة الثانية عشرة.

كتاب الملل و النحل: من أنّ الإمامية كانوا في الأوّل على مذهب أئمّتهم في الأُصول ثمّ اختلفوا في الروايات عن أئمّتهم حتى تمادى بهم الزمان، فاختارت كلّ فرقة طريقة، فصارت الإمامية بعضها معتزلة إمّا وعيدية و إمّا تفضيلية، بعضها أخبارية مشبِّهة و إمّا سلفية.

2. ما ذكره العلاّمة في »نهاية الوصول إلى علم الأُصول« عند البحث عن جواز العمل بخبر الواحد، فقال:

أمّا الإمامية فالأخباريون منهم لم يعولوا في أُصول الدين و فروعه إلاّ على أخبار الآحاد، و الأُصوليّون منهم كأبي جعفر الطوسي و غيره وافقوا على خبر الواحد و لم ينكره سوى المرتضى و أتباعه.

لكن كلا الشاهدين أجنبيان عمّا يرومه الأمين.

أمّا الشاهد الأوّل: فقد نقله بالمعنى، و لو نقل النصّ بلفظه لظهر للقارئ الكريم ما رامه شارح المواقف، و إليك نصه:...و تشعب متأخّروهم إلى »المعتزلة«: إمّا وعيدية أو تفضيلية(ظ.تفضلية) و إلى »أخبارية« يعتقدون ظاهر ما ورد به الأخبار المتشابهة، و هؤلاء ينقسمون إلى »مشبّهة« يجرون المتشابهات على أنّ المراد بها ظواهرها، و »سلفية« يعتقدون أنّ ما أراد اللّه بها حقّ بلا تشبيه كما عليه السلف و إلى ملتحقة بالفرقة الضالة«.

و بالتأمل في نصّ كتاب المواقف يظهر فساد الاستنتاج، و ذلك لأنّ مسلك الأخبارية الذي ابتدعه الشيخ الأمين ليس إلاّ مسلكاً فقهياً قوامه عدم حجّية ظواهر الكتاب أوّلاً، و لزوم العمل بالأخبار قاطبة من دون إمعان النظر في الاسناد، و علاج التعارض بالحمل على التقية و غيرها ثانياً، و عدم حجّية العقل في استنباط الأحكام ثالثاً.

و ما ذكره شارح »المواقف« و »الشهرستاني« من تقسيم الشيعة إلى أخبارية و غيرها راجع إلى المسائل العقائدية دون الفقهية، فعلى ما ذكراه فالشيعة تشعّبت في تفسير الصفات الخبرية كاليد و الاستواء و الوجه و غير ذلك ممّا ورد في الأخبار بل الآيات إلى طوائف ثلاث:مشبِّهة، و سلفية، و ملتحقة بالفرق الضالة.

و الحكم بأنّ ما ذكره شارح المواقف راجع إلى المسلك الذي ابتدعه الاسترآبادي عجيب جداً مع اختلافهما في موضوع البحث، فأين العمل بظواهر الأخبار في صفاته سبحانه، عن الأخبارية التي ابتدعها الأمين الاسترآبادي في سبيل استخراج الأحكام الشرعية من الكتاب و السنة، مضافاً إلى أنّ مسلكه مبني على أسس و قوائم لم تكن معروفة عند غيره.

و أمّا الشاهد الثاني أعني ما ذكره العلاّمة، فهو أيضاً لا يمتُّ بصلة إلى مسلك الأخبارية المبتدَع، بل هو راجع إلى مسألة خلافية بين علماء الإمامية منذ زمن بعيد، و هو هل الخبر الواحد حجّة في الأُصول كما هو حجّة في الفروع أو لا؟ فالمحدّثون و الذين سبروا غور الأخبار، ذهبوا إلى القول الأوّل، و الأُصوليون الذين حكَّموا العقل في مجال العقائد قالوا بالثاني.

فالأخباري في كلام العلاّمة هو ما يمارس الخبر و يدوّنه شأن كل محدّث، لا من يسلك مسلك الأخباريّين في استنباط الأحكام الشرعية.

إنّ هذه الفكرة الخاطئة الشاذة عن الكتاب و السنّة و إجماع الأصحاب الأوائل شغلت بال العلماء من أصحابنا ما يقرب من قرنين، و أضحت تلك البرهة فترة ركود الأُصول و تألق نجم الأخبارية، فترى أنّ أكثر مؤلّفاتهم تعلو عليها صبغة الأخبارية، و هم بين متطرِّف كالأمين الاسترابادي، و معتدل كالشيخ يوسف البحراني(المتوفّى 1186ه) صاحب الحدائق الناضرة.

و من سوء الحظ انّ النزاع بين أصحاب المسلكين لم يقتصر على نطاق المحافل العلمية، بل تسرّب إلى الأوساط العامة و المجتمعات، فأُريقت دماء طاهرة و هتكت أعراض من جرّاء ذلك، و قتل فيها الشيخ أبو أحمد الشريف محمد بن عبد النبي المحدِّث النيسابوري المعروف بميرزا محمد الأخباري (12331178ه) لمّا تجاهر بذمِّ الأُصوليين قاطبة و النيل منهم، فلقي حتفه عند هجوم العامة عليه عن عمر يناهز 55 عاماً.

بالرغم من الهجوم العنيف الذي شنّه الأمين الأسترآبادي و أتباعه على الحركة الأُصولية، نرى أنّ هناك من أخذ بزمام الحركة بتأليف كتب استطاعت حينها أن تصمد بوجه الأخبارية و تذود عن كيانها و قاموا بمحاولات:

15. الفاضل التوني(المتوفّى 1071 ه)

هو عبد اللّه بن محمد التوني البشروي. وصفه الحر العاملي بقوله: عالم، فاضل، ماهر، فقيه، صنّف »الوافية« في أُصول الفقه فرغ منها عام 1059 ه، و قد طبعت و انتشرت و له حاشية على معالم الأُصول.

16. حسين الخوانساري(المتوفّى 1098 ه)

هو المحقّق الجليل السيد حسين بن محمد الخوانساري مؤلّف كتاب »مشارق الشموس في شرح الدروس« و كتابه هذا يشتمل على أغلب القواعد الأُصولية و الضوابط الاجتهادية، طرح فيه أفكاراً أُصولية بلون فلسفي.

17. محمد الشيرواني(المتوفّى 1098ه)

هو محمد بن الحسن الشيرواني.

له تعاليق على »المعالم« و مصنّفات جمة، مثل حاشية على »شرح المطالع«

و أُخرى على »شرح المختصر« للعضدي.

18. جمال الدين الخوانساري(المتوفّى عام 1121 ه أو 1125)

هو المحقق الكبير جمال الدين محمد بن الحسين الخوانساري، له تعليقة على شرح مختصر الأُصول للعضدي كما هو مذكور في ترجمته.

و هذه الكتب المؤلفة في فترة انقضاض الحركة الأخبارية على المدرسة الأُصولية مهّدت لظهور حركة أُصولية جديدة تبنّاها المحقّق الوحيد البهبهاني(1118 1206 ه) الذي فتح بأفكاره آفاقاً جديدة في علم الأُصول.

إلى هنا تمت المرحلة الأُولى التي طواها علم الأُصول و حان استعراض المرحلة الثانية التي هي مرحلة الإبداع و الابتكار.

المرحلة الثانية مرحلة الإبداع و الابتكار
اشارة

ابتدأت هذه المرحلة من عصر المحقّق البهبهاني و امتدت إلى يومنا هذا، مع ما لها من أدوار مختلفة، و إليك بيانها:

19. المحقق البهبهاني(1118 1206ه)

كان للأُستاذ الأكبر الشيخ محمد باقر الوحيد البهبهاني دور فعال في إخماد نائرة الفتنة، بالرد القاطع على الأخباريين، و تزييف أفكارهم، و تربية جيل من العلماء و المفكّرين على أُسس مستقاة من الكتاب و السنّة و العقل الصريح، و اتّفاق الأصحاب، و استطاع أن يشيِّدَ للأُصولِ أركاناً جديدةً، و دعامات رصينة، فنهض بالأُصول من خموله الذي دام قرنين، مذعناً بانتهاء عصر الركود و ابتداء عصر التطور و الابتكار.

و بلغت تصانيفه 103 ما بين رسائل مختصرة و كتب مفصّلة، منها: الرسائل الأُصولية، إبطال القياس; إثبات التحسين و التقبيح العقليين; الاجتهاد و التقليد، و الفوائد الحائرية، و غيرها.

و بذر البذرة الأُولى لهذه المرحلة التي تلقّفها العلماء بعده بالرعاية حتى أينعت و أثمرت ثمارها على أيدي أساطين من العلماء في غضون الأدوار: و بها امتازت هذه المرحلة عمّا سبقها من المرحلة الأُولى:

الدور الأوّل:(دور الانفتاح)
اشارة

ابتدأ هذا الدور بنخبة من تلامذة الوحيد البهبهاني و في طليعتهم:

20. جعفر كاشف الغطاء(1156 1228ه)

هو الشيخ الأكبر جعفر بن خضر بن يحيى النجفي المعروف بكاشف الغطاء، تلمّذ عند: الشيخ محمد مهدي الفتوني، و المحقّق البهبهاني.

قال عنه شيخنا الطهراني :و هو من الشخصيات العلمية النادرة المثيل، و انّ القلم لقاصر عن وصفه و تحديد مكانته و إن بلغ الغاية في التحليل، و في شهرته و سطوع فضله غنى عن إطراء الواصفين.

و من جملة تصانيفه »كشف الغطاء«، و »غاية المأمول في علم الأُصول«. (1)

21. أبو القاسم القمي(1151 1231ه)

هو أبو القاسم محمد حسن الجيلاني القمي، تلمّذ عند: المحقّق البهبهاني، و الشيخ محمد مهدي الفتوني، و محمد باقر الهزار جريبي.


1) . الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة:1/248 برقم 506.

حطّ الرحال في قم، و عكف فيها على التدريس و التصنيف حتى أصبح من كبار المحقّقين و أعاظم الفقهاء المتبحّرين، و اشتهر أمره و طار صيته و لقب بالمحقّق القمي.

من تصانيفه الأُصولية »القوانين«.

22. السيد علي الطباطبائي(12311161ه)

هو السيد علي بن محمد بن علي الطباطبائي، يعرفه الرجالي الحائري بقوله: ثقة، عالم، جليل القدر، وحيد العصر، و من تآليفه في الأُصول: »رسالة في الإجماع و الاستصحاب«، و تعليقة على معالم الدين، و تعليقة على مبادئ الوصول إلى علم الأُصول. (1)

الدور الثاني:(دور النضوج)
اشارة

ابتدأ هذا الدور بتلاميذ خرّيجي مدرسة البهبهاني، فقاموا بوضع صياغة جديدة للأُسس الأُصولية من منظار جديد و على رأسهم:

23. محمد تقي بن عبد الرحيم الاصفهاني(المتوفّى 1248ه)

هو محمد تقي بن عبد الرحيم الطهراني الاصفهاني عالم جليل، محقّق، له: »شرح الوافية«، و »شرح طهارة الوافي« من تقرير أُستاذه بحر العلوم، و »حاشية على المعالم«. (2)

24. شريف العلماء(المتوفّى 1245 ه)

هو الشيخ الجليل محمد شريف الآملي المازندراني المعروف بشريف العلماء،


1) . راجع ترجمته في مقدّمة كتاب »رياض المسائل« الذي طبع عام 1412ه.

2) . أعيان الشيعة:9/198.

و كفى به فخراً انّ الشيخ مرتضى الأنصاري ذلك النجم اللامع في سماء الأُصول، ممّن استسقى من فيّاض علمه، و قد بقيت من آثاره العلمية رسالة »جواز أمر الأمر مع العلم بانتفاء الشرط«.

25. محمد حسين بن عبد الرحيم الاصفهاني(المتوفّى 1261ه)

الفقيه الأُصولي الشهير، أخذ عن أخيه الشيخ محمد تقي صاحب هداية المسترشدين، و عن الشيخ علي بن الشيخ جعفر، قطن كربلاء فرحل إليه الطلاب.

له مؤلفات في الأُصول، منها: »الفصول« و هو من كتب القراءة في هذا الفن، أورد فيه مطالب القوانين و حلّها و اعترض عليها، و هو مشهور. (1)

الدور الثالث:(دور التكامل)
اشارة

بلغ فيه علم الأُصول الذروةَ في التحقيق و التعميق و البحث و تطرّقت إليه مسائل جديدة لم تكن مألوفة فيما سبق، و يُعتبر الشيخ مرتضى الأنصاري هو البطل المِقْدام في هذا الحقل حيث استطاع بعقليّته الفذّة أن يشيّد أركاناً جديدة لعلم الأُصول بلغ بها قمةَ التطور و التكامل.

و أنت إذا قارنت المؤلفات الأُصولية في هذه البرهة مع ما ألّف في المرحلة الأُولى و حتى مستهلّ المرحلة الثانية تجد بينهما بوناً شاسعاً يُتراءى في بادئ النظر كعلمين، و ما هذا إلاّ بفضل التطور و التكامل الذي طرأ على بِنْية الأُصول بيد هذا العبقري الفذّ و لم يزل ينبوعه فيّاضاً إلى يومنا هذا.


1) . أعيان الشيعة:9/233.

26. مرتضى الأنصاري(1214 1281ه)

هو مرتضى بن محمد أمين الدزفولي الأنصاري، مؤسس النهضة الأُصولية المعاصرة، قرأ أوائل عمره على عمّه الشيخ حسين من وجوه علماء دزفول، ثمّ مكث في كربلاء و تلمّذ عند السيد محمد المجاهد و شريف العلماء، ثمّ عزم على الطواف في البلاد للقاء علمائها، فخرج إلى خراسان مارّاً بكاشان حيث فاز بلقاء النراقي صاحب المناهج و تلمذ عنده نحو ثلاث سنين، ثمّ إلى أصفهان، ثمّ إلى دزفول، و منها إلى النجف، فحط الرحال فيها، و قد انتهت الرئاسة العلمية فيها آنذاك إلى الشيخ علي بن الشيخ جعفر و صاحب الجواهر، فتلمذ عندهما إلى أن انتهت إليه الرئاسة الإمامية العامة بعد وفاتهما، و كان مجلس درسه يغص بالفقهاء، و قد تخرّج به أكثر الفحول من بعده، مثل: الميرزا الشيرازي، و الميرزا الرشتي، و السيد حسين الكوهكمري، و المامقاني، و الخراساني. و قد ذاع صيته و انتشرت آثاره في الآفاق.

أمّا مصنّفاته الأُصولية فيعد كتابه »فرائد الأُصول« من أهم الكتب الأُصولية التي عوّل عليها قاطبة الأُصوليين من الإمامية في كلّ زمان و مكان، و هذا الكتاب يضم في طياته خمس رسائل أُصولية هي:

1. أحكام القطع.

2.رسالة حجّية الظنّ.

3.

أصل البراءة و الاشتغال.

4.

الاستصحاب.

5.

التعادل و الترجيح.

و قد طبعت مراراً، و علق عليها مشاهير العلماء بعده، أخص منهم بالذكر:

موسى التبريزي، و الشيخ حسناً الآشتياني، و الشيخ محمد حسن المامقاني، و الشيخ محمد كاظم الخراساني، و الشيخ محمد رضا الهمداني. (1)

إنّ عصر الشيخ الأنصاري كوّن منعطفاً رائعاً في تاريخ علم الأُصول، و قد تخرّج في مدرسته مئات المحقّقين، و أُلّفت عشرات الكتب في الأُصول التي تحمل في طياتها الفكر الأُصولي الذي صاغه الأنصاري، و هذه الكتب بين تأليف مستقل أو تعليقة أو تحشية على فرائد الشيخ الأنصاري، أو على كفاية الأُصول لتلميذه المحقّق الخراساني، أو بين تقرير يمليه الأُستاذ و يكتبه التلميذ أثناء الدرس أو خارجه.

و بما انّ الإفاضة في هذا المجال على ما هو حقّه تورث الإطناب، فلنقتصر على سرد أسماء المشاهير من الأُصوليين في هذا العصر اعتماداً على ما فصلنا ترجمتهم و ترجمة تلاميذهم إلى نهاية القرن الرابع عشر في آخر موسوعة طبقات الفقهاء.

و خرج من مدرسته العديد من الفطاحل و العباقرة، و أخص بالذكر منهم:

27. السيد المجدّد الشيرازي(1224 1312ه)

هو السيد محمد حسن بن محمود بن إسماعيل الحسيني الشيرازي، كان فقيهاً، عالماً، ماهراً، محقّقاً، مدقّقاً، ورعاً، تقياً، انتهت إليه رئاسة الإمامية العامة في عصره، و طار صيته و اشتهر ذكره و وصلت رسائله التقليدية و فتاواه إلى جميع الأصقاع.

من مؤلّفاته الأُصولية:رسالة في اجتماع الأمر و النهي، و تلخيص إفادات


1) . أعيان الشيعة:10/117 118.

أُستاذه الأنصاري، و رسالة في المشتق. (1)

28. محمد كاظم الخراساني(1255 1329ه)

هو المحقّق الكبير الشيخ محمّد كاظم الخراساني الهروي، مؤلّف كتاب »كفاية الأُصول« و يُعدّ كتابه هذا محور البحوث الأُصولية في الحوزات العلمية إلى يومنا هذا.

و قد تخرّج على يديه، نخبة من رجال الفكر و العلماء البارعين في علم الأُصول.

29. الميرزا حسين النائيني(13551274ه)

المحقّق البارع الميرزا حسين النائيني له محاضرات قيّمة في الأُصول و قد دوّن آراءه تلميذه البارع الشيخ محمد علي الكاظمي(1309 1365ه) و قد نشرت باسم »فوائد الأُصول«، كما دوّن تلك الآراء أيضاً تلميذه الآخر المرجع الديني السيد أبو القاسم الخوئي و نشرت باسم »أجود التقريرات«.

30. عبد الكريم الحائري(1274 1355ه)

هو الشيخ الكبير عبد الكريم بن محمد جعفر الحائري اليزدي مؤسس الحوزة العلمية في قم المحمية، و شيخنا هذا ضمّ إلى عمله و فقهه الجمّ حصافة في العقل و دراية في الحياة، مؤلّف كتاب »درر الفوائد« و كان محوراً لمحاضراته التي كان يلقيها على طلاب الحوزة العلمية، و تخرج على يديه نخبة من الفطاحل و جيل من الأعاظم لو قام باحث بتدوين أسمائهم و سيرتهم لخرج بكتاب مفرد كبير.


1) . أعيان الشيعة:5/304.

31.ضياء الدين العراقي(13611278ه)

الأُستاذ الكبير الشيخ ضياء الدين العراقي صاحب كتاب »المقالات في علم الأُصول« و قد دون أفكاره العلاّمة الحجّة الشيخ محمد تقي البروجردي و نشرها تحت عنوان »نهاية الأفكار« طبعت في ثلاثة أجزاء، و العالم البارع الشيخ هاشم الآملي(14121322ه) في كتاب »بدائع الأفكار«.

32. محمد حسين الاصفهاني(13611296ه)

المحقّق الكبير الشيخ محمّد حسين الأصفهاني من أعاظم تلاميذ المحقّق الخراساني، و قد تخرّج عليه طليعة من العلماء، منهم: المحقّق العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي(14011321ه) و السيد المحقّق محمد هادي الميلاني(13951313ه) و من مصنفاته كتاب »نهاية الدراية في التعليقة على الكفاية« طبعت في أجزاء ثلاثة.

33. السيّد محمد الحجّة الكوهكمري(1301 1372ه)

أُستاذنا الكبير و الفقيه البارع السيد محمّد الحجّة الكوهكمري تخرج على أعلام عصره في النجف الأشرف كالسيد الطباطبائي اليزدي و شيخ الشريعة الاصفهاني و المحقّق النائيني. لعب دوراً كبيراً في تنشيط حوزتي النجف و قم و تخرّج على يده العديد من الفقهاء و المجتهدين. و دوّن غير واحد من تلاميذه آراءه و أفكاره و أخصّ بالذكر سماحة آية اللّه الحاج علي الصافي الكلبايكاني فقد نشر ما تلقى عنه تحت عنوان »المحجة في تقريرات الحجّة«.

34. السيد حسين البروجردي(1392 1380ه)

هو السيد حسين البروجردي الطباطبائي سيد مشايخنا العظام تخرج على أعلام عصره في النجف الأشرف و تردد كثيراً إلى أندية دروس المحقّق الخراساني و نال منه إجازة الاجتهاد(عام 1328ه) ، و للسيّد البروجردي دور كبير في تنقيح مباني الاجتهاد و أُصول الفقه و الرجال، و قد حضرنا درسه سنين طوالاً و كتبنا شيئاً من تقريراته و له تعليقة على كفاية الأُصول في جزءين لم تر النور.

35. السيّد روح اللّه الموسوي الخميني(1320 1409ه)

المجاهد الكبير قائد الثورة الإسلامية المباركة و الذاب عن حياض الإسلام بقلمه و لسانه و ما أُوتي من حول و قوة السيّد روح اللّه بن السيد مصطفى الخميني فقد ربى جيلاً كبيراً في الجامعة الإسلامية و درّس الأُصول دورة بعد دورة. و قد برز بقلمه الشريف »مناهج الوصول إلى علم الأُصول« في المباحث اللفظية ، و »الرسائل« في المباحث العقلية، إلى غير ذلك و قد قمنا بتدوين محاضراته الأُصولية و نشرناها تحت عنوان »تهذيب الأُصول« عام 1375 1383.و له على الإسلام و المسلمين أياد بيضاء تشكر.

36. السيد أبو القاسم الخوئي(1317 1411ه)

هو السيّد أبو القاسم بن السيد علي أكبر الخوئي أحد المراجع العظام و زعيم الحوزة العلمية في النجف الأشرف.تخرج على يديه جيل كبير من الفضلاء و المحقّقين، و قد ألقى محاضرات في الأُصول سنين عديدة حتى تجاوزت دوراته عن الخمس. و دوّنت آراؤه عن طريق تلامذته و انتشرت بعنوانات مختلفة، و قد تألّق نجمه في علم الأُصول منذ شبابه إلى أوان رحيله.

هذه إلماعة عابرة إلى تاريخ أُصول الفقه عند الشيعة الإمامية و قد اقتصرنا في ذلك على أعلام العصر في كلّ قرن، و لو قمنا بترجمة كلّ من له دور في تنشيط هذا العلم لأحوج الأمر إلى تأليف مفرد.

و في الختام أرفع أسمى آيات الاعتذار إلى المشايخ الّذين لعبوا دوراً فعالاً في تصعيد نشاط الحركة الأُصولية و لم أُوفق لذكر أسمائهم و تقدير جهودهم و العذر عند كرام الناس مقبول.

*** ثمّ إنّ كتابنا هذا يشتمل على مقدمة و مقاصد، و المقدّمة على أُمور ،و إليك الخوض فيها واحداً تلو الآخر:

الوسيط في أُصول الفقه كتاب يبحث عن الأدلة اللفظية و العقلية بين الايجاز و الاطناب تأليف جعفر السبحاني كتاب دراسي أُعِدَّ لطلبة الحوزة العلمية، السنة الخامسة

مقدمة الكتاب:و فيها أمور تسعة:

الأمر الأوّل: في تعريف علم الأُصول و بيان موضوعه و مسائله و غايته

قد جرى ديدن العلماء في مقدّمة الكتاب على التعرض لأُمور أربعة:

1. تعريف العلم، 2. بيان موضوعه، 3. الإلماع إلى مسائله، 4. و الإشارة إلى غايته.

أمّا الأوّل: فقد عُرّف علم الأُصول بتعاريف أدقّها هي: »القواعد الآليّة التي يمكن أن تقع كبرى لاستنباط الأحكام الكلية الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية«.

و المراد ب»القواعد الآلية« هو ما ينظر بها إلى الحكم الشرعي و تكون ذريعة إلى استنباطه; فخرجت القواعد الفقهية، فانّها تتضمن نفس الحكم الشرعي، و لا ينظر بها إلى حكم شرعي آخر بل هي ممّا ينظر فيها. (1)

كما أنّه دخل بقولنا:»يمكن« الظنون غير المعتبرة كالقياس و الاستحسان


1) . و الأوّل كقولنا: خبر الواحد حجّة، فيقع ذريعة لاستنباط الحكم الشرعي بخبر زرارة على وجوب شيء أو حرمته. و الثاني كقولنا: كلّ شيء طاهر حتّى تعلم انّه قذر و هو يتضمن نفس الحكم الشرعي و سيوافيك التفصيل في الأمر الثاني.

و الظن الانسدادي، فإنّ الجميع قواعد أُصولية تصلح لأن تقع في طريق الاستنباط، لكن أحجم الشارع عن إعمالها.

و خرج بقولنا: »تقع كبرى« مسائلُ سائر العلوم التي ليس لها هذا الشأن.

كما دخل بقولنا:»الوظيفة العملية« ما إذا انتهى المجتهد إلى استنباط الوظيفة الفعلية، لا استنباط الحكم الشرعي، كما هو الحال في حكم العقل بالبراءة عند الشك في أصل التكليف، و حكمه بالاحتياط عند العلم بالتكليف و الشك في المكلّف به فكلا الحكمين، أعني: البراءة و الاحتياط في الموردين وظيفة عملية لدى الشك، لا حكم شرعيّ.

بقي في المقام علم اللغة الذي ربما يقع في طريق الاستنباط كالعلم بمعنى »الصعيد« و»المفازة« و »الوطن«، فربما يقال: إنّه يخرج بقيد الآليّة، فإنّه ليس آلة للاستنباط و إن كان ربما يترتب عليه فانّ الغاية من علم اللغة أوسع من ذلك بكثير.

و يمكن أن يقال بعدم دخوله في التعريف حتّى يحتاج إلى الخروج إذ ليس في علم اللغة »قواعد« كلّية بل هو علم كافل لبيان معاني المفردات، و لا يوصف مثل ذلك بالقواعد.

و بما انّ مضامين سائر القيود المأخوذة في التعريف واضحة نترك البحث فيها روماً للاختصار.

و أمّا الثّاني: فقد اختلفت كلمة الأُصوليّين في بيان موضوع ذلك العلم، و النظر الحاسم عندنا هو انّ موضوعه: »الحجّة في الفقه«.

فنقول إيضاحاً: قد اشتهر بينهم انّ موضوع كلّ علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.

فالشيء الذي يبحث في العلم عن خصائصه و آثاره المطلوبة منه، هو

الموضوع، و الخصائص و الآثار المترتبة على ذلك الشيء هي العوارض و إليك بعض الأمثلة:

1.انّ موضوع علم الطب هو البدن، و الخصائص و الآثار المطلوبة منه هي عوارضه من الصحة و المرض.

2.

انّ موضوع علم النحو هو الكلمة و الكلام، و الآثار المترتبة عليه من الرفع و النصب و الجر هي العوارض المترتبة عليها.

3.

انّ موضوع العلم الطبيعي هو الجسم و الآثار المترتبة عليه، أعني: الحركة و السكون، و الحرارة و البرودة و غيرهما هي العوارض الطارئة عليه. إلى غير ذلك من العلوم.

و على ضوء ذلك فعلم الأُصول كسائر العلوم له موضوع، و موضوعه هو الحجّة في الفقه، و يمكن استكشاف ذلك(كون موضوعه هو الحجّة في الفقه) من امعان النظر في الغرض المطلوب من ذلك العلم، فانّ الغاية القصوى للفقيه هو معرفة الحجج الشرعية أو العقلية سواء أ كانت حجّة شرعية للحكم الشرعي أم حجّة للوظيفة العملية كما في مورد الأُصول فيصبح موضوع ذلك العلم هو الحجّة في الفقه.

و أمّا عوارضه أي الخصائص و الآثار المترتبة عليه فهي عبارة عن البحث عن تفاصيلها و حدودها و خصوصياتها، حيث إنّ الفقيه يعلم بوجود حجّة بينه و بين ربّه لكن لا يعلم بخصوصياتها على وجه التفصيل فيبحث عن تشخّص »الحجّة في الفقه« بخبر الواحد أو بالشهرة أو بالإجماع أو بالسيرة أو بالأُصول العملية، فتعيناتها و خصوصياتها هي عوارضها، و البحث فيها يتكفله علم الأُصول.

و بالجملة العلم بالحجّة الإجمالية بيننا و بين ربّنا لا يُسمن و لا يغني من جوع

ما لم تُعلم حدودها و تعيّناتها، فالعلم الذي يقوم بهذه المهمّة هو علم الأُصول حيث يُحدِّد و يعيِّن حدودَ ذلك الموضوع و خصوصياته و تعيّناته بإحدى الحجج ، كما أنّه ربما ينفي تعيّنها و تحددها بأُمور أُخرى كالقياس و الاستحسان.

فتلخص من ذلك انّ الموضوع هو »الحجّة في الفقه« بوجه مطلق غير متعيّن الحدود و الخصوصيات، و أمّا العوارض فهي ما يُخرج الموضوع عن الإطلاق و يحدده و يقيده بإحدى الخصوصيات.

و أنت إذا تفحّصت المسائل الأُصولية تقف على أنّ روح البحث في جميعها يرجع إلى تعيين الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية، و ما من مسألة من المسائل الأُصولية إلاّ و يحتج بها على أحد الأمرين بنحو من الاحتجاج.

و أمّا الثالث أعني مسائله فقد تبين ممّا ذكرنا، فإنّها عبارة عن المحمولات(العوارض) التي تعرض للموضوع أي الحجّة في الفقه على وجه الإطلاق، فالخصوصيات المحمولة على الموضوع من كونها خبر الواحد أو الاستصحاب أو غير ذلك هي مسائل ذلك العلم. (1)

و إن شئت قلت: انّ الحجّة في الفقه بوصف الإطلاق هي الموضوع، و تعيناتها و تشخصاتها بإحدى الخصوصيات هي المسألة.

و أمّا الرابع أعني غايته فقد تبين ممّا ذكرنا فانّ غاية ذلك العلم هي تحصيل ملكة استنباط الحجج على الأحكام أو الوظيفة العمليّة.ه.


1) . فانّ الحق انّ المسائل عبارة عن نفس المحمولات المنتسبة إلى موضوعاتها في مقابل من يقول بانّها عبارة عن المركب من الموضوع و المحمول و النسبة. و التفصيل موكول إلى محلّه.

الأمر الثاني: الفرق بين المسألة الأُصولية و القاعدة الفقهية

قد عرفت أنّ المسألة الأُصولية عبارة عن القاعدة الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية أو الوظيفة العملية، و على هذا فالمسألة الأُصولية تتميّز بالخصوصيات التالية:

1.

انّها تقع في طريق استنباط الأحكام الشرعية أو الوظيفة العملية.

2.

أنّها لا تختص بباب دون باب، كحجية خبر الواحد التي يُستند إليها في عامّة الأبواب.

3.

انّها لا تتضمّن حكماً شرعياً و لا وظيفة عملية، بل يستنبط منها الحكم الشرعي و الوظيفة العملية.

و أمّا القاعدة الفقهية فهي تمتاز بميزتين:

1. انّها تشتمل على حكم شرعي كلّي أو منتزع من عدّة أحكام، و الأوّل كقاعدة الطهارة و الثاني كقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
2. لا تجري في عامة الأبواب بل تختص بباب أو بأبواب معدودة، كقاعدة الطهارة و قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده.

و هذه الميزة الثانية هي الغالبة خرجت منها قاعدتا نفي الضرر و الحرج فانّهما تعمّان جميع أبواب الفقه.

و أمّا المسألة الفقهية فهي ما يبحث فيها عن أحكام الموضوعات الخاصة كطهارة الماء و نجاسة الدم، و ربما يبحث فيها عن ماهية الموضوعات كماهية الصلاة و أجزائها و موانعها و شرائطها.

هذا هو المختار عندنا و ربما تذكر هنا ضابطتان أُخريان:

إحداهما للشيخ الأنصاري، و الأُخرى للمحقّق العراقي تطلبان من محلّهما. (1)3.


1) . و من أراد التفصيل فليرجع إلى المحصول:1/43.

الأمر الثالث: في الوضع

اشارة

لا شكّ انّ الإنسان العارف باللسان، إذا سمع لفظ »الماء« ينتقل إلى معناه، أعني: الجسم السيّال الرطب، إنّما الكلام في سبب الانتقال، فهنا احتمالان:

1.

وجود الرابطة الذاتية بين اللفظ و المعنى التي تكون سبباً لحضور المعنى. لكنّه احتمال ساقط إذ لازم ذلك، حضور المعنى لكلّ من سمع اللفظ سواء كان عارفاً باللسان أم لا.

2.

انّ سبب الحضور، هو وضع الواضع اللفظ للمعنى، و بما انّ الوضع أمر اعتباري تكون العلقة الحاصلة بين اللفظ و المعنى كذلك غير انّهم اختلفوا في تفسير حقيقة ذلك الأمر الاعتباري.

فذهب المحقّق النهاوندي(المتوفّى 1317ه) إلى أنّ حقيقة الوضع ليس إلاّ التعهد بذكر اللفظ عند إرادة تفهيم المعنى، و تبعه عدّة من الأعلام منهم المحقّق الخوئي، قال: الوضع عبارة عن الالتزام النفسي بإبراز المعنى الذي تعلّق قصد المتكلّم بتفهيمه بلفظ مخصوص. (1)

يلاحظ عليه :مضافاً إلى استلزامه أن يكون كلّ مستعمل واضعاً لصدق


1) . أجود التقريرات:1/12 و لاحظ المحاضرات:1/48.

حدّه عليه:أنّ التّعهد، أو الالتزام النفسي غير داخل في حقيقة الوضع، بل هو من دواعيه، الخارجة عن حقيقة الشيء، فيكفي في تحقّق الوضع »جعل اللّفظ في مقابل المعنى« بداعي الانتقال إليه عند التكلّم كما هو الحال في سائر الدوال كالعلامات الرائجة لإدارة المرور، فلا فرق بين وضع الألفاظ و نصب العلامة على رأس الفرسخ، فالوضع في الجميع على نسق واحد، فليس عمل ناصب العلامة على رأس الفرسخ إلاّ وضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه من دون تعهّد منه.

و يدلّ على ذلك انّ الملموس في المجامع العلمية المختصة لوضع الألفاظ للمعاني المستحدثة، غير ذاك فانّ الأخصّائيّين من علماء اللغة، ليس لهم شأن إلاّ تعيين الألفاظ في مقابل المعاني، و لا يخطر ببالهم عند الوضع غير هذا، و أمّا التزام الواضع بأنّه متى أراد تفهيم المعنى، يتكلّم بهذا اللّفظ فهو من دواعي الوضع و ليس نفسَه و لا جزءه.

فالحقّ أن يقال: إنّ وضع الألفاظ للمعاني، أمر اعتباري يُعلم كنهه من حال سائر العلامات و الدوال التي تضعها إدارة المرور للانتقال إلى وظائف خاصة، ككون الدخول في الشارع مجازاً أو ممنوعاً، فإنّ ماهية جعل تلك الدوال ليس إلاّ جعلها للانتقال إلى مقاصد خاصة، فيكون وضع الألفاظ أيضاً من هذه المقولة، و يعرف بأنّها »جعل اللفظ في مقابل المعنى« بداعي الانتقال إليه عند سماعه; أو تعينه علامة على المعنى بسبب كثرة الاستعمال. و الأوّل كما في الوضع التعييني،و الثاني كما في الوضع التعيّني.

ثمّ إنّ وضع اللفظ في مقابل المعنى أو استعماله فيه بداعي الوضع كما إذا قال: ائتني بولدي الحسن بداعي تسميته به عمل اختياري صادر من الفاعل المختار الذي لا يرجِّح أحد الطرفين إلاّ بمرجّح.

و امّا ما هو المرجّح لاختيار لفظ

خاص على سائر الألفاظ فيختلف حسب اختلاف المقامات.

لكن التتبع يكشف عن انّه يُستند في تسمية الحيوانات إلى أصواتها كالهدهد، و البوم، و الحمام، و العصفور، و الهرة.كما يستند في حكاية الأفعال و الحركات إلى أصواتها كالدقّ و الدكّ و الشقّ و الكسْر، و الصرير، و الدَّويّ و النهيق. و لأجل ذلك يمكن أن يقال: إنّ كلّ إنسان في الأدوار السالفة، كان ينتخب لإبراز ما في ضميره ألفاظاً يرى مناسبة خيالية أو وهمية بينها و بين معانيها، كالمشابهة في الشكل و الهيئة و غير ذلك من المناسبات ، فها هو لفظ الهيولى يستعمله العرف الخاص في الموجود المُخيف و المَهيب لمناسبة يرى بين اللّفظ و المعنى.

و قد جرّبنا ذلك في بعض الأطفال فرأيناهم يخترعون لبعض الأشياء و المعاني عند الحكاية عنها ألفاظاً مهملة، لمناسبة خيالية بينهما عندهم، و ربما يكون هذا هو السرّ لتكثّر الألفاظ و تكامل اللغة من دون أن يكون هناك وضع تعييني، و لعلّ هذا هو مقصود من قال بوجود العلقة بين اللفظ و المعنى لا ما هو المعروف عن قائلها من رابطة ذاتيّة بينهما فلاحظ.

في أقسام الوضع

اشارة

إذا كان الوضع بمعنى »جعل اللّفظ في مقابل المعنى« فلا بدّ حينَه من تصوّر اللفظ أوّلاً، و المعنى ثانياً، أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فله أقسام:

1. الوضع العام و الموضوع له العام

و هو أن يتصوّر المعنى الكلّي بلا واسطة و يضع اللّفظ عليه، كوضع لفظ الإنسان للحيوان الناطق.

2. الوضع الخاص و الموضوع له الخاص

و هو أن يتصوّر المعنى الجزئي مباشرة و يضع اللّفظ عليه كما في الأعلام.

3. الوضع العام و الموضوع له الخاص

و هو أن يتصوّر المعنى الجزئي من خلال العنوان الكلّي المنطبق عليه، كتصوّر المعاني الجزئية للابتداء من خلال تصوّر مفهوم الابتداء الكلّي و يضع اللّفظ على مصاديقه.

4. الوضع الخاص و الموضوع له العام

و هو أن يتصوّر المعنى الكلّي من خلال تصوّر الفرد و يضع اللّفظ على المعنى الكلّي.

لا شكّ في وقوع الأوّلين، إنّما الكلام في الثالث و الرابع فقد ذهب المحقّق الخراساني إلى إمكان الثالث و امتناع الرابع، و قال في وجههما ما هذا توضيحه:

إنّ العام باعتبار انّه كلي يصلح لأن يكون مرآة لأفراده و آلة للحاظ مصاديقه لوضوح كون العام حاكياً عن المصاديق التي تحته و عندئذ يصحّ أن يتصور الواضع المفهوم العام و يجعله مرآة لأفراده التي يشملها ثمّ يضع اللفظ بإزاء تلك الأفراد.

مثلاً: إذا تصوّر الواضع »المفرد المذكر« على النحو الكلّي من دون لحاظ الخصوصيات و مشخصات الأفراد، ثمّ وضع لفظ »هذا« لكلّ فرد و مصداق من ذلك الكلي فعندئذ يكون الوضع عاماً لكون الملحوظ عاماً و الموضوع له خاصاً لانّ المفروض انّه عبارة عن الأفراد الخارجية و المصاديق العينيّة.

هذا في الوضع العام و الموضوع له الخاص، و أمّا القسم الآخر أي الوضع الخاص و الموضوع له العام، فوجه امتناعه انّ الملحوظ إذا كان خاصاً(كزيد) فهو بما انّه متشخص بخصوصيات، لا يصدق إلاّ على مصداق واحد و لا يحكي عن المعنى العام، حتّى يوضع اللفظ بإزاء ذلك المعنى العام.

مثلاً: إذا تصوّر الواضع مفهوم »زيد« الذي هو علم لشخص معيّن فلا يتصور أن يضع لفظ الإنسان إزاء المعنى العام كالحيوان الناطق بواسطة ذلك

الملحوظ الخاصّ لانّه لا يحكي عن المعنى العام حتّى يوضع اللفظ له، و من المعلوم انّ الواضع ما لم يتصور الموضوع له بنحو من الأنحاء لا يمكن له أن يضع اللفظ بإزائه.

يلاحظ عليه: بانّ الخاص بما هو خاص كما لا يكون مرآة للعام و لا يمكن تصوره من خلال تصور الخاص، كذلك لا يمكن تصور الخاص من خلال تصوّر العام و ذلك لأنّ العام لم يوضع إلاّ لنفس الحقيقة المعرّاة من كلّ قيد و شرط، فعندئذ كيف يمكن أن يكون مرآة للخصوصيات و الجزئيات؟ فإنّ المرآتية فرع الوضع و المفروض انّه وضع للمعرّاة عن الخصوصية.

و بذلك ظهر انّه لا فرق بين الثالث و الرابع في امتناع الحكاية و المرآتية، فالعام لسعته لا يحكي عن الجزئيات، و الخاص لضيقه لا يحكي عن الحقيقة المجرّدة المعرّاة عن كلّ قيد.

و الحقّ أن يقال: إنّ القسمين مشتركان في الامتناع على وجه و في الإمكان على نحو آخر، فلو قلنا بأنّه يشترط أن يكون الملحوظ عند الوضع حاكياً عن الموضوع له، و مرآة له فهو غير ممكن في القسمين لما عرفت انّ عنوان العام كالإنسان لا يحكي إلاّ عن حيثية الإنسانية دون ما يقارنها من العوارض و الخصوصيات لخروجها عن حريم المعنى الكلي، و الحكاية فرع الدخول في الموضوع له.

كما انّ عنوان الخاص كزيد بما انّه متشخّص في فرد خاص لا يمكن أن يكشف عن الماهية المعرّاة المجرّدة.

و أمّا لو قلنا بأنّه يكفي في الوضع، الانتقال إلى الموضوع له بأي نحو تحقّق فالظاهر إمكان كليهما، فإنّ الانتقال من تصوّر العام إلى تصوّر مصاديقه أو بالعكس أمر ممكن، فإنّ التداعي ليس رهن الحكاية بل ربما ينتقل الإنسان من

الضدّ إلى الضدّ الآخر.

و الظاهر انّه لا يتوقف الوضع على الحكاية و المرآتية بل يكفي العنوان الإجمالي المشير إلى الموضوع له فيكون القسمان كالأوّلين من الأقسام الممكنة.

انقسام الوضع إلى شخصيّ و نوعيّ

قد تقدّم انّ الوضع يتوقّف على لحاظ اللّفظ أوّلاً و لحاظ المعنى ثانياً، و قد عرفت الثاني على وجه التفصيل، و أمّا الأوّل فربما يكون اللّفظ ملحوظاً بشخصه، فيكون الوضع شخصياً كوضع الأعلام، و ربما يكون ملحوظاً بعنوان كلّي ينطبق عليه و على غيره فيكون الوضع نوعياً و هذا كأسماء الفاعلين و المفعولين و غيرهما. فانّ هيئة الفاعل وضعت لمن قام به الفعل بنحو من الأنحاء، و لكن الموضوع ليس هو الهيئة الشخصية القائمة بمادة »فعل« بل الهيئة النوعية المتحقّقة فيها و في غيرها، و ذلك لأنّ إحضار تمام المواد عند وضع الهيئة أمر صعب للغاية فتوضع الهيئة في ضمن مادة خاصة كفاعل و نحوه و لكن يراد منه كلّ ما كان على هذه الهيئة في ضمن أيّة مادّة تحققت.

الأمر الرابع: في المعاني الحرفية

يقع الكلام في الحروف في موضعين:

1. ما هو معانيها و مفاهيمها؟ 2. في كيفية وضعها.

أمّا الأوّل فقد عُرِّف المعنى الحرفي بما ذكره ابن الحاجب في »كافيته« حيث قال: الاسم ما دلّ على معنى في نفسه، و الحرف ما دلّ على معنى في غيره.

و المراد من قوله»ما دلّ« هو اللفظ، و الضمير في كلّ من: »في نفسه« و »في غيره« يرجع إلى المعنى، و انّه في حدّ ذاته على قسمين:

قسم يكون مفهوماً محصَّلاً في نفسه، لا يتوقّف تصوّره في الذهن إلى معنى آخر.

و قسم يكون مفهوماً متحقّقاً في الذهن بتبع غيره.

»فمعاني الأسماء معان مستقلة ملحوظة بذواتها، و معاني الحروف معان آلية حيث إنّها تلحظ بنحو الآلية و المرآتية لملاحظة غيرها«.

توضيحه: إنّ الغاية من وضع الألفاظ سواء أ كان بالوضع التعييني أو التعيّني، هي رفع الحاجة و إظهار ما يقوم في النفس من المفاهيم و المعاني التي ينتقل إليها الذهن من طرق الحواس و غيرها من أدوات المعرفة و لمّا كانت النشأة

الخارجية على أقسام، كانت المفاهيم المتّخذة منها على غرارها، ذاتَ أقسام.

إنّ الإنسان إذا أجال نظره في صحيفة الوجود يجد انّ ثمّة أقساماً من الحقائق:

الأوّل: ما هو مستقل ذاتاً و ماهية، كما هو مستقل خارجاً و وجوداً، كالجواهر كلّها. و هذا ما يعبر عنه ب »ما وجوده في نفسه لنفسه« و يشير قولهم:» في نفسه« إلى كونها ذات مفاهيم مستقلة، كما يشير قولهم:»لنفسه« إلى كونها غير ناعتة على خلاف الأعراض المتأصّلة.

الثاني: ما هو مستقل ذاتاً و ماهية، غير مستقل خارجاً و وجوداً و هذا كالأعراض مثل البياض و السواد، فانّ لكلّ مفهوماً مستقلاً، فيعرّف الأوّل بأنّه نور مفرّق لنور البصر، و الثاني بأنّه نور قابض لنور البصر لكنّه غير مستقل في عالم الوجود حيث لا يوجد إلاّ في الموضوع.

الثالث: ما هو غير مستقل ذاتاً و وجوداً، فهو اندكاكيّ المعنى كما هو اندكاكيّ الوجود، فمفهومه فان في غيره كما أنّ وجوده في الخارج كذلك. و هذا ما يسمّى ب»الوجود الرابط« و»المعنى الحرفي« فهو لا يتصوّر إلاّ تبعاً للمعنى الاسمي، كما لا يتحقّق إلاّ مندكاً في الغير، و هذا نظير قولنا: زيد في الدار، فكلّ من »زيد« و»الدار« من المعاني الاسمية أمّا كونه فيها من المعاني الحرفية، إذ لا يتصوّر الكون إلاّ مضافاً إلى زيد و الدار، كما لا يتحقّق إلاّ بهما، فالكون قائم بهما تصوّراً و خارجاً، و لو أردنا إضفاء الاستقلالية لهذا المعنى الحرفي لزم انسلاخه عن حقيقته، فالمعنى الحرفي من أضعف مراتب الوجود.

و بما انّ وضع لفظ لمعنى يتوقف على تصوّره، و المعاني الحرفية لا يمكن تصوّرها و إلاّ لا نسلخ عن المعنى الحرفي و انقلب إلى المعنى الاسمي، فيُحتال في مقام الوضع، بملاحظة المعاني الاسمية كالابتداء و الانتهاء و يوضع اللّفظ لا

بإزائها بل بإزاء مصاديقها الخارجية التي هي معان حرفية.

فلفظة »مِن« موضوعة لمصداق الابتداء لا لمفهوم الابتداء الكلّي و إلاّ ينقلب المعنى الحرفي اسمياً، فالمحكيّ بلفظة »من« في قولك: »سرت من الكوفة إلى البصرة« ليس هو مفهوم الابتداء بل مصداقه الخارجي الذي لا يتحقّق إلاّ بطرفيها، أعني: »السير«و »الكوفة«. (1)

نعم هناك حروف ربما لا تنطبق عليها ما ذكرنا من الضابطة، و هذا نحو »واو« الاستئناف و»تاء« التأنيث في »ضربتْ« و »قد« في الفعل الماضي، فالأولى عدّها علامات لا حروفاً.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

و أمّا الثاني، أعني كيفية وضعها، فقد ظهر ممّا ذكرنا انّ وضع الحروف من قبيل الوضع العام و الموضوع له الخاص، فانّ الواضع لاحظ المعنى الاسمي، فوضع اللّفظ بإزاء مصاديقه التي هي معان حرفية.

فإن قلت: إذا كان الملحوظ معنى اسمياً فلا بدّ أن يكون مصداقه أيضاً كذلك، فحينئذ كيف يصحّ أن يقال»انّ الواضع لاحظ المعنى الاسمي و وضع اللفظ بإزاء مصاديقه التي هي معان حرفية مع انّ مصداق كلّ شيء بحسبه.

قلت: انّ المعاني الاسمية على قسمين:

1. ما يتمتع بالاستقلال تصوراً و مصداقاً، لحاظاً و تطبيقاً و ذلك كاسماء الأجناس مثل الإنسان فله مفهوم مستقل كما انّ له مصداقاً كذلك عند التطبيق على الخارج.2.

1) . و ما ذكرناه هو المعروف بين الأُدباء في معاني الحروف، و هناك نظريات أُخرى كنظرية المحقّق الرضي في شرح الكافية:10، ط مصر، التي اختارها المحقّق الخراساني، و نظرية المحقّق صاحب الحاشية، و نظرية المحقّق النائيني و تلميذه المحقّق الخوئي و قد بسطنا الكلام في نقد هذه النظريات في محاضراتنا المدونة باسم »المحصول«:681/62.

2. ما يتمتع بالاستقلال في مقام التصور و اللحاظ دون التطبيق على الخارج و ذلك كمفهوم الابتداء أو الانتهاء فانّهما من المفاهيم الاسمية فيخبر عنهما كما يخبر بهما و يقال: الابتداء خبر من الانتهاء، و لكنّهما عند التطبيق لا ينطبقان إلاّ على الموجود القائم بالغير المندك فيه، من السير و القراءة و الكتابة و غيرها و هذه خصيصة هذا القسم من المعاني الاسمية.

فالابتداء عند اللحاظ و التصور يتجلى بصورة مفهوم اسمي و عند التطبيق على الخارج يتحقّق في معنى قائم بالغير، كالابتداء المندك في السير إلى البصرة و غيره.

إذا عرفت ذلك فاعلم إذا حاول الواضع أن يضع لفظاً لمصاديق الابتداء و الانتهاء فلا محيص له من تصور تلك المصاديق و لو إجمالاً فعندئذ يلاحظ تلك المصاديق من خلال ذينك المفهومين الاسميين و يقول:

وضعت لفظة »مِن« أو لفظة «إلى« لما ينطبق عليه لفظ الابتداء أو يصدق عليه الانتهاء في الخارج.

فاتضح بما ذكرنا أمران:

1.

انّه ربما يكون المفهوم اسمياً، و ما ينطبق عليه معنى حرفياً.

2.

انّ الواضع في وضع الحروف يلاحظ الحقائق الحرفية من خلال المفاهيم الاسمية.

ثمّ إنّ المعاني الحرفية على قسمين:

1. معان حاكية. 2. معان ايجادية.

فالقسم الأوّل يحكي عن معنى متحقق في الخارج، مثل قولك: سر من البصرة إلى الكوفة.

و القسم الثاني موجد للمعنى بنفس الاستعمال، كالنداء و الخطاب في قولك: يا زيد أو قوله سبحانه:

( إِيّاكَ نَعْبُدُ (1)).


1) سوره 1 - آیه 5

الأمر الخامس: في علامات الوضع

اشارة

ذكر المشهور لتمييز الحقيقة عن المجاز علامات نذكر منها ما يلي:

الأوّل: التبادر

إنّ سبق المعنى من اللّفظ إلى الذهن بلا قرينة ، دليل على أنّه هو الموضوع له، و المعنى المجازي و إن كان ينسبق إليه أحياناً لكنّه يتبادر بمعونة القرينة.

و قد أُشكِل على كون التبادر علامة الوضع بالدور و حاصله:

انّ العلم بالوضع متوقّف على التبادر، و هو متوقّف على العلم بالوضع، إذ لو لا العلم بأنّ اللّفظ موضوع لذلك المعنى، لما تبادر.

و الجواب: انّ المراد من التبادر في المقام، هو التبادر عند المستعلم الذي هو من أهل اللسان و قد نشأ بينهم منذ نُعومة أظفاره إلى أنّ شبّ و شاب، و عندئذ العلم التفصيلي بالوضع موقوف على التبادر عند ذاك الشخص، و لكنّ التبادر عنده غير موقوف على ذلك العلم التفصيلي، بل يكفي العلم الإجمالي الارتكازي للوضع حيث إنّ المستعلم من أهل اللغة، له علم بالوضع منذ نشأ بين أهل اللّسان و إن لم يكن ملتفتاً إلى علمه هذا و بالجملة: العلم التفصيلي بالوضع موقوف على التبادر، و التبادر موقوف على العلم الارتكازي الحاصل للإنسان

الناشئ بين أهل اللغة من لدن صباه و إن كان غير ملتفت إلى علمه بالوضع.

و هذا النوع من العلم الإجمالي لا صلة له بالعلم الإجمالي المبحوث عنه في باب البراءة و الاشتغال.

هذا إذا كانت الحجّة للمستعلم تبادرَ نفسه الذي هو من أهل اللسان و أمّا إذا كانت الحجّة للمستعلم، تبادرَ الغير فهو كما إذا كان المستعلم من غير أهل اللسان و رأى أنّه كلّما يطلق الماء يتبادر عند بعض أهل اللسان، الرطب السيّال، فهو أيضاً غير مستلزم للدور، لأنّ العلم التفصيلي للمستعلم متوقّف على التبادر بين بعض أهل اللسان، و التبادر لديه يتوقّف على علمه الارتكازي بكون اللّفظ موضوعاً لذلك المعنى. و يحصل ذلك العلم الارتكازي له بنشوئه بين أهل اللسان منذ صباه. (1)

الثاني: صحة الحمل

إنّ من علامات الوضع صحّة الحمل، توضيحه:


1) . و ربما يجاب عن الدور بأنّه لا محل له أساساً، لأنّه مبني على افتراض انّ انتقال الذهن إلى المعنى من اللّفظ فرع العلم بالوضع مع أنّه فرع نفس الوضع أي وجود عملية القرن الأكيد بين تصوّر اللّفظ و تصوّر المعنى في ذهن الشخص، فالطفل الرضيع الذي اقترنت عنده كلمة »ماما« برؤية أُمّه، يكفي نفس هذا الاقتران الأكيد ليتصوّر أُمّه عند ما يسمع كلمة »ماما« مع أنّه ليس عالماً بالوضع إذ لا يعرف معنى الوضع.1 يلاحظ عليه: أنّه ليس شيئاً جديداً بل هو عبارة أُخرى عن العلم الارتكازي بالوضع، فإنّ مرجع اقتران كلمة »ماما« برؤية الأُمّ، في حياته إلى علمه الارتكازي بالوضع فانّ التقارن الممتد بين لفظ »ماما« و رؤية الأُمّ، يورث الملازمة بينهما عند الطفل فإذا سمع الأوّل من دون الرؤية ينتقل إلى الثانية بلا اختيار، و هذا هو المراد من العلم الارتكازي بالوضع. 1. دروس في علم الأُصول، الحلقة الثانية: 86.

إنّ الحمل على قسمين:

1.

حمل أوّلي ذاتي، و هو عبارة عن الوحدة بين المحمول و الموضوع مفهوماً، كما إذا قيل: الحيوان الناطق إنسان.

2.

حمل شائع صناعي، و هو عبارة عن اختلاف الموضوع و المحمول مفهوماً و الاتحاد مصداقاً و وجوداً، كما إذا قلنا: زيد إنسان.

إذا أردنا أن نتعرف على أنّ لفظ الإنسان هل هو موضوع للحيوان الناطق، فنجعل المعنى موضوعاً، و اللّفظ الذي بصدد استعلام حاله محمولاً، فنقول: الحيوان الناطق إنسان، فنستكشف عن صحّة الحمل مفهوماً، كون الثاني موضوعاً للمعنى المفروض، أعني: الحيوان الناطق. و بعبارة أُخرى: نجعل ما نتصوّر انّه معنى، موضوعاً للقضية و ننظر إليه بما انّه معنى محض ليس معه لفظ، و نجعل اللّفظ الذي نريد تبيين معناه محمولاً، فيقال: الحيوان المفترس، أسد.

هذا إذا كان اللّفظ و المعنى متميّزين كما في المثالين، و أمّا إذا لم يكن كذلك كما في المترادفات التي يصلح أن يكون كلّ مبيّناً و موضحاً للآخر، فيجعل المعلوم موضوعاً و المبهم محمولاً، و يقال: المطر هو الغيث و إن جاز العكس.

فكما أنّ صحّة الحمل آية الوضع، فكذلك صحّة السلب آية عدمه، كما إذا قال: الرجل الشجاع ليس بأسد.

هذا كلّه حول الحمل الأوّلي، و أمّا الحمل الشائع الصناعي فيجعل المصداق موضوعاً و اللفظ الذي بصدد استعلام حاله محمولاً و يقال:زيد إنسان، لكنّه لا يثبت به كون الموضوع هو الموضوع له للمحمول، و إنّما يُثبت كونه من مصاديق المعنى الذي وضع له المحمول.

فتحصل من ذلك انّ الحمل الأوّلي يثبت كون المعنى هو الموضوع له، لكن الحمل الثاني يثبت انّه مصداق للمعنى الذي وضع له اللّفظ.

ثمّ إنّه أورد على كون صحّة الحمل علامة بأُمور نذكر منها أمرين أحدهما في المتن و الآخر في الهامش:

الأوّل: انّ الاستكشاف و الاستعلام حاصل من التبادر الحاصل من تصوّر الموضوع السابق على الحمل، فيكون إسناده إلى الحمل في غير محلّه. (1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه إنّما يرد إذا كان المستعلم عن طريق صحّة الحمل من أهل اللسان، فيتقدم التبادر عنده على صحّة الحمل دون ما إذا لم يكن من أهله فليس عنده تبادر حتى يتقدم على صحة الحمل، و من صحّ عنده الحمل، بما انّه ليس بصدد استكشاف المعنى، غافل عن تبادره.

و ثانياً: سلمنا انّ المستعلم من أهل اللسان لكنّه إنّما يرد إذا كان زمان الاستكشاف مقارناً لزمان الحمل فيسبقه التبادر و يغني عن غيره.و أمّا إذا كان زمان الحمل مقدماً على زمان الاستكشاف كما إذا ألقى محاضرة و اشتملت على أحد الحملين من دون أن يكون بصدد استكشاف المعنى الموضوع له، ثمّ صار بصدد الاستكشاف فرجع إلى خطاباته و محاضراته و رأى أنّ حمل المحمول بما له من المعنى الارتكازي على الموضوع متلائم جداً، فيستكشف انّ الموضوع الذي حمل عليه اللّفظ، هو المعنى الحقيقي. (2)7.


1) . تهذيب الأُصول: 1/58.

2) . الثاني: ما يقال انّ صحّة الحمل إنّما تكون علامة على كون المحمول عليه، هو نفس المعنى المراد في المحمول أو مصداق المعنى المراد، امّا انّ هذا المعنى المراد في جانب المحمول هل هو معنى حقيقي للّفظ أو مجازي؟ فلا سبيل إلى تعيين ذلك عن طريق صحّة الحمل، بل لا بدّ أن يرجع الإنسان إلى مرتكزاته لكي يعيّن ذلك.(1) يلاحظ عليه: هذا الشرط أنّ كون المعنى المراد في جانب المحمول معنى حقيقي، حاصل و ذلك من خلال كون الحمل عارياً عن كلّ شرط و يكفي هذا في كون المعنى حقيقياً، بخلاف المعنى المجازي فلا يصحّ الحمل إلاّ مع شرطين: الأوّل: وجود الادّعاء المصحّح للاستعمال، و انّ هذا هذا أو من مصاديقه. الثاني: كون المقام مناسباً لإعمال الادّعاء دون ما إذا لم يكن. و هذان الشرطان متوفران في قوله سبحانه:( وَ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ )(يوسف:31) حيث تخيّل للنساء الجالسات انّ فتى امرأة العزيز قد ارتقى من الجمال بمكان صيَّره ملكاً. و بما انّ المفروض كون الحمل فاقداً لكلّ من الشرطين يثبت كون المعنى المراد في جانب المحمول معنى حقيقياً. 1. دروس في علم الأُصول: الحلقة الثانية: 87.

الثالث: الاطراد

الاطراد هو العلامة الثالثة و قد قرر بالنحو التالي:

إذا اطرد استعمال لفظ في أفراد كلّي بحيثية خاصة، كرجل باعتبار الرجولية في زيد و عمرو مع القطع بعدم تعدّد الوضع، استكشف منه وجود علاقة الوضع بينها و بين ذاك الكلّي، و علم أنّه موضوع للطبيعي من المعنى.

و احتمال كونه مجازاً لأجل وجود العلاقة، مدفوع بعدم الاطراد في علائق المجاز، فانّ علاقة الجزء و الكلّ ليست مطردة بشهادة انّه يصحّ استعمال »العين« في المراقب و لا يصحّ استعمال الشعر فيه، و يصحّ استعمال اللسان في الوكيل دون الصدر فيه و غير ذلك.

و أورد عليه المحقّق الخراساني بما هذا توضيحه:

1. انّ المجاز و إن لم يطرد في نوع علائقه و مطلق المشابهة، إلاّ أنّه في خصوص ما يصحّ معه الاستعمال في المجاز مطرد كالحقيقة، فاستعمال الجزء في الكلّ مطرد في خصوص ما إذا كان للجزء دور خاص في المورد، كالمراقبة في العين، و التبيين في اللسان، و العمل في اليد. (1)

1) . كفاية الأُصول: 1/28 29.

يلاحظ عليه: أنّ المجاز غير مطرد حتى في صنف العلاقة الذي وصفه لما عرفت من أنّ صحّة المجاز وراء العلاقة قائمة بأمرين:

أ. حسن الادّعاء.

ب. كون المقام مناسباً لإظهار هذا الادّعاء.

و على ذلك فالمجاز غير مطرد حتى في صنف العلائق بل يتوقّف مضافاً إلى صنف العلاقة على توفُّر الشرطين المذكورين و لذا لا يصحّ استعمال الأسد في الرجل الأبخر لعدم حسن الادّعاء، كما لا يصحّ نداء الرجل الشجاع بلفظ يا أسد إذا لم يكن المقام مناسباً لإظهار الادّعاء كما إذا كان النداء لأجل تناول وجبة طعام.

هذا كلّه حول تقرير القوم.

و لكنّ التحقيق انّ العلامة المفيدة التي يدور عليها كشف الحقيقة و تمييزها عن المجاز هو هذه العلامة و لكنّ القوم أنار اللّه برهانهم لم يعطوا للمسألة حق النظر، و لو أمعنوا فيها لأذعنوا بأنّه من أنجع العلائم و أشملها، و ذلك انّ الجاهل باللغة إذا أراد أن يعرف معاني اللغات الأجنبية من أهل اللسان، فليس له طريق إلاّ الاستماع في مقامات مختلفة لمحمولات عديدة على موضوع واحد، كما إذا رأى أنّ الفقيه يقول: الماء طاهر و مطهّر، أو قليل أو كثير، و الكيمياوي يقول: الماء رطب سيال، و الفيزياوي يقول: الماء لا لون له، و رأى اطراده في الموضوع الخاص، يحدس انّ اللفظ موضوع على ما استعمل فيه في هذه الموارد، لأنّ المصحّح:

إمّا الوضع أو العلاقة، و الثاني لا اطراد فيه و المفروض انّه مطرد فتعين الأوّل.

و هذا هو الطريق الرائج في تحصيل معاني اللغات، و على ذلك بُني منهج التفسير البياني في تحقيق كلمات الذكر الحكيم، حيث يتتبَّع موارد استعمال اللفظ

في القرآن إلى استخراج المعنى الحقيقي له.

و قد ذكرنا لذلك مثالاً في الموجز (1)فلاحظ.

الرابع: تنصيص أهل اللغة

قد ذكروا انّ تنصيص أهل اللغة من أسباب التعرّف على الوضع و تمييز الحقيقة عن المجاز.

و قد استشكل عليه بانّ ديدن أهل اللغة بيان المستعمل فيه لا الموضوع له، فترى أنّهم يذكرون للفظة القضاء معاني عشرة و للوحي معاني كثيرة مع أنّهما ليسا من المشترك اللفظي، فلا يكون تنصيص أهل اللغة علامة للوضع.

أقول: إنّ علماء الأُصول لم يُولوا هذا الموضوع أهمية نظيره في الاطراد، و يعلم ذلك من خلال النقاط التالية:

1.

انّ المعاجم و القواميس ليست على نحو واحد، فليس الجميع على ما وصفوه من ذكر موارد الاستعمال، بل هناك مَنْ تطرّق إلى تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي، و المعنى الأصلي عن المعاني المتفرعة منه، و قد ألّف على هذا المنوال كتاب المقاييس لأحمد بن زكريا(المتوفّى 395ه) و أساس البلاغة للزمخشري(المتوفّى 538ه)، فالكتابان يعدّان من أحسن ما أُلّف في هذا الباب.

2.

انّ الإمعان في المعاجم المعروفة المتداولة التي تتكفل لبيان موارد الاستعمال ربما يوصل الإنسان الذكي إلى تمييز المعنى الحقيقي عن المجازي شريطة أن يكون له ذوق لغوي و فطانة خاصة، مثلاً: إذا رجع إلى »القاموس« يرى انّه ذكر للفظ القضاء معاني عشرة و للوحي معاني متنوعة، لكن لو أمعن النظر


1) . الموجز:1312.

يقف على أنّ الجميع صور مختلفة لمعنى واحد و هو إتقان العمل، في مورد القضاء، و الإفهام بخفاء في مورد الوحي، و الباقي صور لهذين المعنيين، و لذلك يجب على الفقيه، ممارسة المعاجم و مطالعتها مع ما فيها من الخلل كمطالعة الكتب الفقهية و الأُصولية حتى يخالط علمُ اللغة دمَه و لحمَه، عندئذ يتسنّى له القضاء في اللغة و يميّز المعنى الحقيقي عن المجازي كما هو ديدن الأوائل من علمائنا كالصدوق و المفيد و المرتضى و الطوسي و الطبرسي، فكانوا ذوي باع طويل في اللغة قبل أن يكونوا فقهاء.

3. انّ الأوائل من مدوني اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي(المتوفّى 170ه) و الجوهري(المتوفّى 299ه) قد أخذوا كثيراً من المعاني من ألسن سكّان البوادي الذين قطنوا الجزيرة العربية، فإذا أخبر الخليل في كتاب العين عما سمعه من سكان البوادي، يُصدَّق كما يصدَّق قوله في النحو و الصرف و العروض و غيرها من العلوم العربية.

الأمر السادس: الجمل الإخبارية و الإنشائية

ذهب مشاهير الأُدباء و الأُصوليين إلى أنّ دور الصيغ الإنشائية هو دور الإيجاد لمعانيها فإذا قال:

زوّجت، فقد أوجد علقة الزوجية بين الزوجين، و إذا قال: بعت بقصد الإنشاء، فقد أوجد علقة الملكية بين البائع و المشتري، و إذا قال: هل قام زيد؟ فقد أنشأ استفهاماً بالحمل الشائع، إلى غير ذلك من الجمل الإنشائية بخلاف الجمل الإخبارية فإنّها بصدد الإخبار عن واقع المعاني المتحقّقة مع قطع النظر عن اللّفظ من دون أن تكون فيها رائحة الإنشاء و الإيجاد.

و إن أردت التشبيه فلاحظ معاني الحروف فانّ قسماً منها حاك عن معنى متحقّق في الخارج، كما إذا قال: سرت من البصرة إلى الكوفة، فالحرفان مشيران إلى الابتداء و الانتهاء الآليين المتحقّقين في الخارج قبل تكلمه.

كما أنّ قسماً منها موجد للمعنى من دون أن يكون له واقع وراء الاستعمال كما هو الحال في الخطاب و النداء، فإذا قال: يا زيد، فقد أوجد نداءً و خطاباً بنفس الاستعمال. و هكذا الجمل فهي بين إخبارية تحكي عن شيء وراء الاستعمال، و إنشائية موجدة للمعنى بنفس النطق بها.

هذا هو المشهور، و لأجل المزيد من التوضيح، نقول:

إنّ الزوجية و الملكية و الرئاسة مفاهيم اجتماعية تدور عليها رحى الحياة، إنّما الكلام في كيفية اعتبارها أوّلاً، ثمّ إنشائها و إيجادها في عالم الاعتبار ثانياً.

نقول: إنّ الإنسان إذا نظر إلى صحيفة الوجود رأى أنّ هناك أشياء مزدوجة يُعدّ كل منها عدلاً للآخر تكويناً ، كالعينين و الأُذنين و الرجلين ، هذا من جانب و من جانب آخر رأى انّ بين الرجل و المرأة تجاذباً جنسيّاً و عاطفيّاً على نحو تقتضي حالهما أن يجعل كلٌّ عِدلاً للآخر.

و هذا ما يدعو المقنِّن إلى تصوير الرجل و المرأة كالزوجين التكوينيين يتساهمان في الحياة. لكن الزوجية الاعتبارية كالزوجية التكوينية بحاجة إلى جعل متناسب لها، فالزوجية التكوينية لها عامل تكويني يؤثر في خلق الأُذنين و اليدين و أمّا الزوجية الاعتبارية فلا بدّ لها من عامل اعتباري يُضفي للرجل و المرأة وصف الزوجية انشاءً و اعتباراً و لها أسباب و أدوات، أوضحها هي الألفاظ التي يستعان بها على الجعل و الإيجاد في ظرف الاعتبار.

و منه يعلم حال سائر الأُمور الاعتبارية التي تنشأ بالألفاظ، فمثلاً انّ الملكية الاعتبارية استنساخ للملكية التكوينية للإنسان بالنسبة إلى سائر أعضائه فيرى نفسه مالكاً لأعضائه ملكية تكوينيّة فتكون مبدأً لاعتبارها في غير واحد من الموارد، كاعتبار المقنّن كون البائع مالكاً للثمن مقابل ما دفع إلى المشتري من المثمن.

و بالعكس غير انّ هذا الاعتبار، أمر ذهني لا يعتبر عند العقلاء إلاّ بإيجادها في خارج الذهن بسبب من الأسباب أوضحها قولهما: بعت و اشتريت.

و بذلك يعلم أنّ الأُمور الاعتبارية المنشأة لها جذور في التكوين فيقتبس المقنِّن ما هو الموجود في التكوين و يعتبره في عالم الاعتبار بين الزوجين أو بين

المالين، و هكذا سائر الأُمور الاعتبارية.

كما يعلم أنّ الإنشائيات لا توصف بالصدق أو الكذب، و ذلك لأنّ الجمل الإنشائية وضعت للإيجاد اعتباراً بالاستعمال و المفروض تحقق السبب و يتلوه المسبب.

و ما ذكرناه هي النظرية المعروفة ، و هناك نظريّات أُخرى في الفرق بين الإخبار و الإنشاء موكولة إلى دراسات عليا.

الأمر السابع: في الحقيقة الشرعية

إنّ ألفاظ الصلاة و الصوم و الزكاة و الحجّ كانت حقائق لغوية في الدعاء و الإمساك و النمو و القصد، غير انّ المتبادر منها في عصر الصادقين(عليهما السلام) بل قبله أيضاً هو المعاني الخاصة، فيقع الكلام في كيفية كونها حقائق في هذه المعاني الثانية، فهناك أقوال أربعة:

القول الأوّل: ذهب أبو بكر الباقلاني(المتوفّى403ه) من أكابر الأشاعرة إلى نفي موضوع البحث، و هو انّ هذه الألفاظ باقية في معانيها اللغويّة و قد استعملت فيها و طُبِّقت على مصاديق، كشف عنها الشارع، فالصلاة بالهيئة المخصوصة من مصاديق الدعاء، و الصوم بالنحو المعين من مصاديق الإمساك و أمّا سائر الخصوصيات فقد علمت من دوال أُخر، فهذه النظرية لا تعدّ في الحقيقة قولاً في المسألة لأنّها نافية للموضوع من أساسه.

مضافاً إلى أنّ ادّعاء بقاء الألفاظ في نفس المعاني و انّ المصاديق الفعلية من جزئياتها، من السخافة بمكان، إذ أين الدعاء من الصلاة؟ و اشتمالها على الدعاء لا يجعلها من مصاديق الدعاء. و مثلها سائر الألفاظ.

القول الثاني: إنّما نقلت في لسان النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) من معانيها اللغوية إلى المعاني

الشرعية بالوضع التعييني أو التعيّني فصارت حقائق في تلك المعاني في عصره.

ثمّ إنّ صيرورتها حقائق شرعية في لسانه يتصوّر لها وجوه ثلاثة:

أ: أن يقوم الشارع بوضعها لها بالوضع التعييني و يخبر الناس بها، و هو بعيد جداً.

ب: حصول الوضع التعيّني بكثرة الاستعمال في عصر الرسول، و هو أمر غير بعيد لطول زمان الرسالة.

ج: الاستعمال بداع الوضع كما إذا احتفلت الأُسرة بتسمية المولود الجديد و الكل ينظرون إلى كبيرهم، فإذا هو يقول: ائتوني بولدي الحسن، فهو بنفس هذا الاستعمال يسمّيه حسناً، و لعل النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)عند ما قال: صلّوا كما رأيتموني أُصلّي، قام بنفس هذا العمل.

و بالجملة انّ القول الثاني على الوجهين الأخيرين أمر قريب لو لم يكن هناك وجه أصح.

القول الثالث: إنّها استعملت في لسان النبي في تلك المعاني مجازاً ثمّ صارت حقائق فيها في لسان المتشرّعة بعد رحيل الرسول، فهي حقائق متشرعية لا شرعية.

يلاحظ عليه: أنّ عصر الرسالة لم يكن عصراً قصيراً، فقد كان المسلمون في المدينة المنوّرة يصلّون مع النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) في أوقات خمسة و المؤذِّن ينادي في كلّ نهار و ليل بقوله:(حيّ على الصلاة) فهل يمكن لنا عدّ هذه الاستعمالات مجازاً مع طول الزمان؟ فتحصّل من ذلك إنّ القول الأوّل لا يعتدّ به، و القول الثاني أي كونها حقائق شرعيه في عصره أقرب من القول الثالث، و لكنّ هناك قولاً رابعاً هو أقوى

الأقوال و أسدِّها بل هو المتعيّن، و إليك بيانه.

القول الرابع: إنّ هذه الألفاظ كما كانت حقائق في المعاني اللغوية كذلك كانت حقائق في هذه المعاني الشرعية أيضاً قبل بعثة النبي و نزول القرآن عليه، و ذلك لأنّ هذه العبادات لم تكن من ابتكارات الرسول(صلى الله عليه و آله و سلم)، بل كانت موجودة في الشرائع السابقة، و من البعيد جدّاً أن لا يكون في لغة العرب لفظ يعبر عن هذه المعاني و قد كان في الجاهليّة حنفاء يصلّون و يحجّون.

و يشهد على ذلك أي كون تلك الحقائق موجودة في الشرائع السابقة الآيات التالية:

قال تعالى:( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1)). (2)

و قال تعالى:( وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (3)). (4)

و قال تعالى:( قالَ إِنِّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا* وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (5)). (6)

و قال تعالى:( وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَ كانَ رَسُولاً نَبِيًّا* وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ كانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (7)). (8)

نعم وجود تلك الماهيات قبل البعثة غير كاف إلاّ إذا انضمّ إليه أنّ العرب قبل عصر الرسالة كانت عارفة بها و كانت تعبّر عنها بهذه الألفاظ، إذ من البعيد5.


1) سوره 2 - آیه 183

2) . البقرة:183.

3) سوره 22 - آیه 27

4) . الحج:27.

5) سوره 19 - آیه 30

6) . مريم:3130.

7) سوره 19 - آیه 54

8) . مريم:54و55.

أن لا يكون لها لفظ تشير به إليها.

و يؤيد ذلك انّ النبي كان يعبّر عن هذه الماهيات بهذه الألفاظ في بدء البعثة، و ذلك لأنّ لفظ الصلاة ورد في السور المكية 35 مرة، و كان تشريع الصلاة ليلة المعراج في العام العاشر من البعثة و قد نزلت كثير من الآيات المشتملة على هذه الألفاظ في أوائل البعثة قبل المعراج، كقوله سبحانه في سورة القيامة:

( فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلّى * وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّى (1)) (2). و في سورة المدثر( قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (3)) (4)، و في سورة العلق( أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلّى (5)) (6)و في سورة الأعلى( وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى (7)) (8)، و في سورة الكوثر:( إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (9)) (10)إلى غير ذلك من الآيات الواردة في بدء البعثة، الشاملة للصلاة و الزكاة الحاكية عن تبادر المعاني الشرعية منها منذ صدع النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)بالرسالة.

و أمّا الثمرة فتظهر في الألفاظ الواردة على لسان النبي بلا قرينة، كما إذا قال: إذا رأيتم الهلال فصلّوا، فعلى القول الثاني يحمل على الحقيقة المعروفة بخلافه على القول الثالث.

و أمّا على القول الرابع فالثمرة معدومة، لأنّها تحمل على الماهية الشرعية على كلّ حال و إنّما طرحنا المسألة لأجل إيقاف القارئ على سير التشريع على وجه الإجمال.2.


1) سوره 75 - آیه 31

2) . القيامة:31و32.

3) سوره 74 - آیه 43

4) . المدثر:43.

5) سوره 96 - آیه 9

6) . العلق:9و10.

7) سوره 87 - آیه 15

8) . الأعلى:15.

9) سوره 108 - آیه 1

10) . الكوثر:1و2.

الأمر الثامن: هل أسماء العبادات و المعاملات

اشارة

موضوعة للصحيح أو للأعم؟

و يقع الكلام في مقامين: الأول في اسماء العبادات:

و قبل الخوض في المقصود، نقدم أُموراً:

الأوّل: في إمكان جريان النزاع على عامّة الآراء

إنّ عنوان البحث يعرب عن أنّ الهدف تعيين ما هو الموضوع له لأسماء العبادات عند الشارع فيصح البحث على أحد المبنيين:

أ: ثبوت الحقيقة الشرعية في لسان الشارع(القول الثاني) في المبحث السابق.

ب: ثبوت الحقيقة العرفية لهذه الألفاظ في الماهيات الشرعية قبل البعثة(القول الرابع).

و أمّا على القول باستعمالها في لسان الشارع مجازاً و صيرورتها حقائق متشرعة فلا ينطبق عليه عنوان البحث. إلاّ إذا تغيّر عنوانه بأن يقال:هل لاحظ الشارع في استعماله، العلاقة بين المعاني اللغوية، و الماهيات الشرعية الصحيحة أو لاحظ العلاقة بينها و بين الأعمّ من هذه الماهيات.

كما أنّه يجب تغيير عنوان البحث على القول ببقاء الألفاظ على معانيها اللغوية و انّ إرادة الخصوصيات حصلت عن طريق الدوال الأُخر،(كما هو خيرة الباقلاني (1)بأن يقال: انّ القرينة التي نصبها الشارع لإفادة الخصوصيات هل كانت دالّة على إرادة المعنى الصحيح أو الأعمّ و يكون الأصل في الاستعمال هو المعنى الذي نُصِبت عليه القرينة في هذا الاستعمال بحيث تحتاج إرادة المعنى الآخر إلى القرينة.

فتلخّص من ذلك انّ عنوان البحث إنّما يصحّ على القولين الأوّلين دون الأخيرين إلاّ بتغيير عنوانه.

الثاني: في تفسير الصحّة لغة و شرعاً

قد تطلق الصحّة و يراد بها أحد المعنيين:

1. ما يقابل السقم و المرض، فيقال: صحيح و مريض. و على هذا فهما أمران وجوديّان، و كيفيّتان عارضتان للشيء باعتبار اتّصافه بكيفية ملائمة أو منافرة.

فالصحيح بهذا المعنى يقابله في العبادات و المعاملات الفاسد.

2. ما يقابل المعيب، فيقال: صحيح و معيب، و على هذا تكون الصحة أمراً وجودياً و ما يقابلها أمراً عدمياً. و الصحّة بهذا المعنى يقابلها النقص لا الفساد، هذا هو تفسير الصحّة حسب اللغة.

و أمّا حسب الاصطلاح، فالصحّة تارة تقع وصفاً للعبادة أو المعاملة


1) . هو أبو بكر محمد الطيب بن محمد القاضي المعروف ب»ابن الباقلاني« وليد البصرة، و ساكن بغداد، متكلم على مذهب أبي الحسن الأشعري معاصر للشيخ المفيد، توفي عام 403ه و له كتاب »اعجاز القرآن« و»التمهيد« و »الانصاف« لاحظ ترجمته في كتابنا »بحوث في الملل و النحل«:3142/311.

المتحقّقة، فتكون نتيجة الصحّة كون العمل الخارجي مطابقاً لما اعتبره الشارع فيهما و يترتب عليه إسقاط القضاء و الإعادة في العبادات، و لزوم الوفاء في المعاملات; و أُخرى تقع وصفاً للعنوان الكلّي منهما ،فيقال: ألفاظ العبادات و المعاملات وضعت للصحيح منهما فيكون مفادها في العبادات كون ألفاظها موضوعاً لما تمّت أجزاؤها و كملت شروطها، و في المعاملات على القول بوضعها للأسباب(العقود) كون ألفاظها موضوعة للأسباب الحاوية لتمام الأجزاء و الشرائط.

و أمّا على القول بوضع ألفاظها للمعاني المسببية كالملكية و الزوجية فيرجع النزاع إلى كونها موضوعة للماهية الاعتباريّة بحيث لو وجدت في الخراج لَوُصِفَت بالصحة شرعاً. (1)

الثالث:لزوم وجود جامع على القولين

يجب على كلّ من القولين تصوير جامع منطبق على الأفراد المختلفة، فعلى الصحيحي أن يصور جامعاً شاملاً لجميع أفراد الصلاة على اختلافها في الأجزاء و الشرائط قلّة و كثرة.

أقول: انّ تصوير الجامع على القول بالصحيح أمر مشكل، لأنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء القليلة هو جواز الاكتفاء بها أوّلاً، و كون الأجزاء الأُخر أمراً


1) . و من ذلك يعلم ضعف ما ربما يقال من عدم إمكان تصوير النزاع على القول بأنّ المعاملات موضوعة للمسببات، و ذلك لأنّها من الأُمور البسيطة التي يدور أمرها بين الوجود و العدم فلا يتأتى على هذا الفرض النزاع السابق، لأنّ الملكية إمّا موجودة أو غير موجودة، و الزوجية إمّا متحقّقة أو غير متحقّقة، فلا معنى للزوجية أو الملكية الفاسدتين. وجه الضعف فإنّ المتصوّر الذهني للمسبب و إن كان أمره دائراً بين الوجود و العدم، لكن الكلام في أمر آخر، و هو:هل ذلك المعنى البسيط بعد الاتيان به على نحو ينطبق عليه عنوان الصحيح شرعاً، أو ينطبق عليه الأعم منه و من الفاسد.

خارجاً عنها ثانياً، كما أنّ لازم كونها موضوعة للأجزاء الكثيرة خروج المشتمل على الأجزاء القليلة عن تحت الصلاة. فلا يكون للصحيح إلاّ مصداق واحد.

و أمّا على القول بالأعم فتصوير الجامع أمر سهل جدّاً إذ في وسعه أن يقول: بانّه موضوع للأركان، و أمّا الباقي فهو اجزاء للمأمور به و ليست جزءاً للمسمى.

و بذلك يعلم أنّ الصحيحي لا محيص له إلاّ عن جعل الجميع جزء المسمّى و هو أمر غير ممكن في بادئ النظر لاختلاف الصحيح حسب اختلاف حالات المكلّف من حيث الأجزاء و الشرائط، و هذا بخلافه على القول بالأعم، فالأجزاء الثابتة(الأركان)على كلّ حال من أجزاء المسمّى و الباقي من أجزاء المأمور به.

و قد بذل القوم جهودهم لتصوير الجامع على القول بالصحيح الذي يصدق على جميع المراتب. و ذكروا تقريبات حول تصوير الجامع أوضحها ما ذكره السيد الإمام الخميني، و هذا خلاصته:

المركبات الاعتبارية على قسمين:

قسم يكون الملحوظ فيه كثرة معينة، كعدد العشرة فإنّها على وجه لو فقد منها جزء تنعدم العشرة.

و قسم يكون على نحو لم تلحظ فيه كثرة معينة في ناحية المواد و لا صورة معينة في جانب الهيئة.

أمّا في جانب المواد فيصدق اللّفظ ما دامت هيئتها و صورتها موجودة قلّت موادها أو كثرت، و هذا نظير لفظ الدار و البيت، فانّ الميزان للصدق هي هيئة الدار و صورتها، و أمّا من حيث المادة، كيفية و كمية فهي لا بشرط، و لذلك يصدق البيت على ما أخذت موادها من الطين أو الآجر أو الحجر أو الحديد أو الاسمنت.

أمّا في جانب الهيئة فلم تلحظ هيئة معيّنة فيصدق سواء بُنيت على هيئة

مربعة أو مثلثة، بنيت على طبقة واحدة أو طبقات، فهو موضوع لهيئة مخصوصة غير معينة، فهو لا بشرط من جانب المادة و الهيئة.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّ لفظ الصلاة موضوعة لنفس الهيئة اللابشرط، الموجودة في الفرائض و النوافل قصرها و تمامها، و ما وجب على الصحيح أو المريض بأقسامها، فيكفي في صدقها، وجود هيئة بمراتبها إلاّ بعض المراتب التي لا تكون صلاة كصلاة الغرقى، لعدم وجود مواد من ذكر و قرآن و سجود و ركوع. (1)

المقام الأوّل: في وضع أسماء العبادات للصحيح

استدلّ للقول بوضع أسماء العبادات للصحيح بوجوه:

1.تبادر الصحيح.

2.

صحّة السلب عن الفاسد بسبب الإخلال ببعض أجزاء العبادة.

3.

الأخبار الظاهرة في إثبات بعض الخواص و الآثار للمسمّيات كقوله: الصلاة عمود الدين أو معراج المؤمن ممّا يترتب على الصحيح.

و قد نوقشت هذه الأدلّة بوجوه لا حاجة لذكرها.

و الأولى أن يستدلّ عليه بأنّ الصلاة ماهية اعتبارية، اعتبرها المعتبر لأغراض خاصة وردت في الكتاب و السنّة، و تلك الأغراض إنّما تترتّب على الصحيح منها دون الأعمّ.


1) . تهذيب الأُصول: 781/77.

و إن شئت قلت: إنّ الشارع لمّا أراد تهذيب الإنسان و تربيته، من جانب، و من جانب آخر انّ ذلك الغرض، إنّما يترتب على العبادة الصحيحة. و من المعلوم انّ الفعل يُتحدّد من ناحية العلة الغائية فلا يكون العمل أوسع من الغرض و الغاية المحرِّكة، و المعلول الوضع يتضيق من ناحية علته الغائية.

و بعبارة أُخرى:انّ طبيعة الحال تقتضي أن يضع اللّفظ لما تعلق به غرضه و يفي به و هو الصحيح لا الأعم، فانّ الداعي للاعتبار هو الداعي للوضع، فوضع اللفظ للأوسع من الغرض يحتاج إلى داع آخر غير موجود.

نعم الإتيان بما يتعلق به الغرض يقتضي وجود قسم آخر و هو الفاسد، فيطلق عليه الاسم(الصلاة) عناية. و مقتضى ذلك أن يكون الموضوع له هو ما يترتّب عليه الغرض، و استعماله في الفاسد من باب العناية و المجاز.

المقام الثاني: في وضع اسماء المعاملات للصحيح

انّ العبادات من مخترعات الشارع فيصحّ فيها البحث عن انّ ألفاظها هل هي موضوعة في الشرع للصحيح أو للأعم منها، و أمّا المعاملات فهي من مخترعات العقلاء و هم الذين وضعوا ألفاظ المعاملات في مقابل ما اعتبروه بيعاً أو نكاحاً أو إجارة و ليس للشارع فيها دور سوى تحديدها بحدود و قيود فعلى ذلك فلا بدّ من تخصيص النزاع في كونها موضوعة للصحيح فحسب أو الأعم عند العرف.

و مع القول بامكان وضعها للأعم عند العرف لكن الدليل السالف الذكر

في ألفاظ العبادات هو الدليل أيضاً على انّ ألفاظ المعاملات عند العرف موضوعة للصحيح لما عرفت من انّ الغرض يُحدِّد فعل الإنسان فلا يصدر عن الإنسان الحكيم فعل أوسع من غرضه.و بما انّ المصالح التي تدور عليها رحى الحياة قائمة بالمعاملات الصحيحة و هم أيضاً قد اعتبروها لتلك الغايات فلا بدّ أن يُحدَّد عملهم(وضع الألفاظ) بما يناسب الغاية و هو الوضع للقسم الصحيح دون الأعم.

إذا عرفت أنّ اسماء العبادات و المعاملات اسماء للصحيح منها لا للأعم، يقع الكلام في ثمرات النزاع.

ثمرات النزاع

اشارة

قد ذكر للنزاع أربع ثمرات نذكرها، واحدة بعد الأُخرى:

الأُولى: عدم صحّة التمسّك بالإطلاق على الصحيح
اشارة

قد اشتهر انّ ثمرة البحث هو عدم صحّة التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في جزئية شيء على القول بالوضع للصحيح، و صحّة التمسك به على القول بالأعم.

توضيحها: انّه إنّما يصحّ التمسّك بالإطلاق فيما إذا أحرز صدق الموضوع على المورد و شك في مدخلية شيء آخر وراء صدقه، كما إذا أمر المولى بعتق رقبة، و شك في اعتبار الإيمان فيها، فحينئذ يتمسّك بالإطلاق في رفع احتمال اعتبار الإيمان، إذ لو كان الإيمان دخيلاً في غرض المولى وراء صدق الرقبة لكان اللازم ذكره و أمّا إذا لم يكن الموضوع محرزاً و صار الشكّ في مدخلية الأمر المشكوك سبباً للشكّ في صدق الموضوع فلا يصحّ حينئذ التمسك به، كما إذا أمر المولى بالتيمّم

على الصعيد و شكّ في معناه و أنّه هل هو خصوص التراب، أو مطلق وجه الأرض من الحجر و الجص و النورة و غيرها؟ ففي مثله لا يمكن التمسّك بالإطلاق لدفع احتمال مدخلية التراب، و لا يصحّ لنا القول بأنّه لو كان التراب دخيلاً في صحّة التيمم كان على الشارع بيانه لاحتمال انّ الشارع قد بيّن مدخلية التراب في موضوع حكمه باستخدامه لفظ الصعيد.

و يتّضح على ضوء هذين المثالين:انّه لو شكّ في اعتبار السورة في صدق الصلاة، فعلى القول بالصحيح و أنّها موضوعة للماهية الجامعة للأجزاء و الشرائط، يكون المورد من قبيل المثال الثاني، حيث يشكّ المصلي في أنّ ما أتى به هل هو صلاة أو ليس بصلاة؟ لانّها موضوعة للصحيحة و الشكّ في الصحّة يلازم الشكّ في صدق الموضوع.

و أمّا على القول الآخر أي وضعها للأعم من الصحيح فيكون من قبيل المثال الأوّل، لأنّ الموضوع (الصلاة) محرز بحكم كونها موضوعة للأعمّ، سواء أ كانت السورة دخيلة في الفريضة أم لا، فإذا لم يدلّ على وجوبها دليل يُتمسك بالإطلاق و ينفى وجوبه.

فصارت الثمرة عدم جواز التمسّك بالإطلاق عند الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته للعبادة على القول بالصحيح و جوازه على القول بالأعم.

نقد الثمرة في العبادات

لكن يمكن أن يقال بصحّة التمسّك على القول بوضعها للصحيح و ذلك انّ لفظة الصلاة موضوعة لنفس الهيئة اللابشرط الموجودة في الفرائض و النوافل قصرها و تمامها، و في ما وجب على الصحيح أو المريض بأقسامها فيكفي في صدقها، وجودُ هيئة الصلاتيّة بإحدى مراتبها إلاّ بعض المراتب التي لا تكون

صلاة كصلاة الغرقاء.

كما أنّها من حيث المادة لم تؤخذ فيها كثرة معينة بل أخذت لا بشرط، و يكفي فيها التكبير و الركوع و السجود و الطهور و تصدق على الميسور من كلّ واحد منها، و من المعلوم انّ هذا المقدار من الموضوع محرز عند الشكّ في جزئية شيء كالسورة أو شرطيته، فلا يكون الشكّ فيهما شكّاً في صدق الموضوع بل الموضوع محرز و إنّما الكلام في وجوب الجزء الزائد على الموضوع و هكذا الشرط.

هذا كلّه في العبادات، و أمّا المعاملات فربما يقال بنفس الثمرة و انّ التمسّك بالإطلاق إنّما هو على القول بالأعم دون الصحيح.

توضيح ذلك إذا قال الشارع:( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)) (2)، فلو قلنا بأنّ الألفاظ موضوعة للأسباب التامة من حيث اجتماع الأجزاء و الشرائط، و مع ذلك شكّ في جزئية شيء أو شرطيته للأسباب، كتقدّم الإيجاب على القبول و عدمه، فعلى القول بالصحيح لا يصحّ التمسّك بالإطلاق لأنّ مرجع الشكّ فيه إلى الشكّ في صدق الموضوع.

و من المعلوم انّ التمسّك بالإطلاق فرع إحراز الموضوع، بخلافه على القول بالأعم فانّ الإيجاب إذا تأخّر يتحقّق البيع أو النكاح قطعاً، و إنّما يشكّ في مدخلية التقدم في صحّته لا في صدقه و كونه جزءاً للمسمّى و عندئذ يتمسك بالإطلاق و تنفى شرطية التقدّم.

نقد الثمرة في المعاملات

و يمكن أن يقال بصحّة التمسّك بالإطلاقات حتى على القول بوضعها


1) سوره 5 - آیه 1

2) . المائدة:1.

للصحيح و يكفي في صحّة التمسّك إحراز الموضوع عرفاً، و ذلك لأنّ المعاملات مخترعات عرفية، و قد أمضاها الشارع بما لها من المعنى العرفي، غير انّه أضاف شروطاً أو اعتبر موانع من الصحّة، فعلى ذلك فيمكن استكشاف ما هو المؤثر عند الشارع من خلال ما هو المؤثر عند العرف(إلاّ إذا دلّ الدليل على عدم التطابق). إذ لو كان المؤثر عنده غير ما هو المؤثر عند العرف لزمه البيان لئلاّ يلزم نقض الغرض و لغوية الأدلّة الإمضائيّة.

و بعبارة أُخرى: انّ أسماء المعاملات التي وقعت مورد الإمضاء سواء أ كانت اسماً للسبب كما في قوله:( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1))أم كانت اسماً للمسبب أي العلقة الحاصلة من الايجاب و القبول كما في قوله سبحانه :( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (2)) (3)و قوله: »الصلح جائز بين المسلمين« (4)ألفاظ واضحة المعاني عند العرف غير انّ الشارع تصرّف فيها بإضافة قيد أو شرط أو غير ذلك، فإذا كان كذلك يكون الفهم العرفي في هذه الألفاظ طريقاً شرعياً إلى ما هو المعتبر عند الشارع إلاّ ما خرج و ذلك أخذاً بمقتضى الإطلاق، إذ لو كان ما هو السبب المؤثر عنده غير ما هو المرتكز في أذهان العرف كما في بيع المنابذة (5)، أو كان المسبب المعتبر عنده غير المعتبر عند العرف كما في نكاح الشغار. (6)كان عليه البيان و إلاّ تلزم لغوية هذه الإمضاءات التي تصبح مجملات.2.


1) سوره 5 - آیه 1

2) سوره 2 - آیه 275

3) . البقرة:275.

4) . الوسائل: الجزء 13، الباب 3 من أبواب كتاب الصلح، الحديث 2.

5) . و هو بيع القاء الحجر أو بيع الحصاة فيحضر الرجل قطيع الغنم فينبذ الحصاة و يقول لصاحب الغنم انّ ما أصاب الحجر فهو لي بكذا.

6) . نكاح الشغار: أن يزوج الرجل ابنته أو أُخته و يتزوج ابنة المتزوج أو أُخته و لا يكون بينهما مهر غير التزويجين لاحظ الوسائل: الجزء 14، الباب 27 من أبواب عقد النكاح الحديث2.

و إلى هذا الوجه يشير الشيخ الأنصاري في آخر تعريف البيع حيث يقول:

»و أمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلّة البيع و نحوه، فلأنّ الخطابات لما وردت على طبق العرف حمل لفظ البيع و شبهه في الخطابات الشرعية على ما هو الصحيح المؤثر عند العرف فيستدل بإطلاق الحكم بحله أو بوجوب الوفاء، على كونه مؤثراً في نظر الشارع. (1)

الثانية:عدم صحّة التمسّك بالبراءة على الصحيح

انّ الثمرة الثانية للبحث هي انّ الفقيه إذا شكّ في شرطية شيء أو جزئيّته للمسمّى، فعلى القول بالوضع للصحيح يكون الشكّ في شرطية شيء أو جزئيته ملازماً للشكّ في صدق المسمّى، و معه يجب الاحتياط حتى يعلم أنّه أتى بالمسمّى. بخلاف ما إذا قلنا بالوضع للأعمّ فإنّ الفاقد للمشكوك يكون مصداقاً للمسمّى و يعود الشكّ إلى الشكّ في شرطية شيء زائد على المسمى أو جزئيته، فيكون الشكّ من قبيل الشكّ في تكليف أمر زائد. و يقع مجرى للبراءة،و هذا بخلاف ما إذا قلنا بالوضع للصحيح.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ إذا كان الموضوع له أمراً بسيطاً حاصلاً من الأجزاء و الشرائط كعنوان »الناهي عن الفحشاء« فعندئذ يرجع الشكّ في جزئية شيء أو شرطيته إلى صدق الناهي عن الفحشاء و عدمه، و أمّا إذا كان الموضوع له أمراً مركباً ذا أجزاء و شرائط و ذا مراتب كما مرّ فيصدق الجامع على الفاقد من الجزء المشكوك و يكون الشكّ في وجوب أمر زائد و المرجع عندئذ البراءة.

و الحاصل انّه إذا كان الجامع ذا أبعاض و كان تعلّق التكليف بالمقدار المتيقن معلوماً و بغيره مشكوكاً ، يكون المرجع هو البراءة لانحلال العلم الإجمالي.


1) . المتاجر: آخر تعريف البيع.

الثالثة: صدق الوفاء بالنذر على الأعم

إذا نذر الرجل أن يعطي درهماً للمصلّي فعلى القول بوضعها للصحيح لا يُجزى و لا تبرأ ذمّته إلاّ باعطائه لمن صلّى صلاة صحيحة، بخلافه على القول بالأعم فيجزى مطلقاً، كانت صلاته صحيحة أم فاسدة.

يلاحظ عليه: انّ الاجزاء و براءة الذمة تابع لكيفية النذر، لا للوضع فلو نذر أن يعطى لمن صلّى صلاة صحيحة فلا يجزى الدفع لغيره و إن كان الوضع للأعم، و لو نذر أن يعطى الأعم ممّن صلّى صلاة صحيحة، يجزى و إن كان الوضع للصحيح.

الرابعة: صحّة صلاة الرجل عند المحاذاة مع المرأة

ربما يقال: انّه تظهر الثمرة فيما إذا ورد النهي عن محاذاة المرأة للرجل في حال الصلاة و علمنا بفساد صلاة المرأة، فعلى القول بوضعها للصحيح، تصحّ صلاة الرجل و لا يشملها النهي، بخلاف ما إذا قلنا بأنّها للأعم، فيشملها النهي. (1)و مثلها إقامة صلاتي جمعة في أقلّ من فرسخ مع بطلان إحداهما.

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ النهي في هذه المقامات منصرف إلى الصلاة الصحيحة، سواء كان لفظ الصلاة موضوعاً للصحيح منها أو للأعمّ أنّه ليس ثمرة للمسألة الأُصولية إذ غاية ذلك هو البحث عن إمكان تطبيق الحكم الكلّي، على هذا المورد و ليس ذلك ثمرة لها.

و منه تظهر حال الثمرة الثالثة أيضاً فلاحظ.


1) . المحاضرات:1/193.

الأمر التاسع: المشتق

اشارة

اختلفت كلمة الأُصوليّين في أنّ المشتق حقيقة في المتلبس بالمبدإ أو الأعم منه و ما انقضى عنه المبدأ، مثلاً:

مثلاً إذا قيل لا تتوضأ بالماء المسخَّن بالشمس، فهل يختص بالموصوف بالمبدإ بالفعل، أو يعمّ ما زال عنه المبدأ و بَرَدَ الماء؟ و يرجع النزاع إلى بيان تحديد مفهوم المشتق من حيث السعة و الضيق و انّ الموضوع له، هل هو خصوص الذات المتلبّسة بالمبدإ أو الأعمّ من تلك الذات المنقضي عنها المبدأ؟ فعلى القول بالأخص، يكون مصداقه منحصراً في الذات المتلبّسة، و يختص النهي بالمسخّن بالفعل و على القول بالأعمّ يكون مصداقه أعمّ من هذه و مما انقضى عنها المبدأ. و يعمّ النهي المسخّن بالفعل و غيره.

و بعبارة ثانية: انّ العقل يرى جامعاً حقيقياً بين الأفراد المتلبّسة بالمبدإ، و لا يرى ذاك الجامع الحقيقي للأعمّ منها و ممّا انقضى عنها المبدأ و إنّما يرى بينها جامعاً انتزاعياً. فالنزاع في أنّ الموضوع له هو ذاك الجامع الحقيقي أو جامع انتزاعي آخر.

فعلى القول بالأخصّ فالموضوع في قولك: صلّ خلف كلّ عالم عادل، مَنْ

متلبّساً بالمبدإ الذي بين مصاديقه جامع حقيقي دون من كان متلبّساً و زال عنه المبدأ، الذي ليس بين مصاديقه إلاّ جامع انتزاعي.

و هذا بخلاف القول بالأعم فالموضوع هو الأعم منه و ما انقضى عنه المبدأ. و يكفي وجود نسبة ما بين الذات و المبدأ.

دليل القول بوضع المشتق للمتلبّس

اشارة

و قد استدلّ على القول بوضعه للمتلبّس بوجوه، ذكرنا بعضها في الموجز (1)غير انّ أمتن الأدلّة هي ما يلي:

انّ مفهوم المشتق ليس هو تلوُّن الذات(زيد) بأنحاء النسب حتى يكون الركن الوطيد هو الذات سواء أبقي المبدأ أم انقضى، بل مفهومه هو تلوّن المبدأ بأنحاء النسب و انّ المشتقات عامة منتزعة عن المبدأ باعتبار الوان النسب الحاصلة بينه و بين الذات ، فتارة يلاحظ المبدأ بما انّه منتسب إلى الذات بالصدور عنها(كاسم الفاعل)، و أُخرى بالوقوع عليها(كاسم المفعول)، و ثالثة بالثبوت فيها كما في الصفة المشبهة، و رابعة بكونها واقعاً فيها له زماناً و مكاناً، و على ذلك فالمشتق هو المبدأ الملحوظ مع الذات بنسبة خاصة و مضاف إليها نحو إضافة، و ما هذا شأنه يكون هو المحور، لا الذات، فالنسب المختلفة المتداولة تصاغ من المبدأ عند الإضافة إلى الذات.

و إن شئت قلت: إنّ واقع الصيغ المختلفة عبارة عن جعل المبدأ في قوالب مختلفة، فكأنّ المعاني تتوارد على المبدأ، و هو الذي يتجلّى بصور أشكال مختلفة و ليس واقعُ الصيغ جعلَ الذات في أشكال مختلفة، فإذا كان هذا هو واقع الصيغ


1) . الموجز:28، 29.

فكيف يمكن أن تصدق الصيغة مع عدم المبدأ؟ و يدلّ على ذلك انّ علماء الصرف و الاشتقاق يحولون المبدأ(المصدر) إلى صور لا الذات إلى صيغ.

و على ذلك فلا مناص من التحفظ على المبدأ في صدق الصيغة.

نعم لما كان المبنى عند المشهور هو تلوّن الذات و تلبسها بأنواع النسب أخذوا يستدلّون عليها بالتبادر و صحّة السلب عمّن انقضى عنه المبدأ. و الأولى إقامة البرهان حسب ما عرفت.

استدلّ القائل بالأعم بوجوه ثلاثة:

الأوّل التبادر

المتبادر من المشتق مطلق من تلبس بالمبدإ سواء أ كان باقياً أم لا.

يلاحظ عليه :أنّ المتبادر هو المتلبّس لا الأعم، فإذا قيل لا تصلِّ خلف الفاسق، يتبادر المتلبس به حين الاقتداء لا من كان متلبّساً و انقضى عنه المبدأ قبل الاقتداء.

الثاني: صحّة الحمل

نرى بالوجدان انّه يصحّ حمل المقتول و المضروب على من قتل و ضرب و انقضى عنه المبدأ ثانياً.

يلاحظ عليه: بأنّ هذه الصفات تحمل على الذات باعتبار اتحادها مع المبدأ في ظرف من الظروف.

و بتعبير آخر انّ الحمل بلحاظ حال التلبّس و الجري خصوصاً في المقتول، فإنّ عدم كونه قابلاً للتكرار قرينة على أنّ الإطلاق بلحاظ حال التلبّس و الجري،

و مثله السارق و الزاني فانّ عدم كونهما قابلين للاستمرار قرينة على أنّ الإطلاق بهذا اللحاظ.

الثالث: استدلال الإمام(عليه السلام)

استدل الإمام بقوله سبحانه:( لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ (1)) (2)على عدم صلاحية من عبد وثناً أو صنماً أو أشرك باللّه طرفة عين للخلافة و الإمامة و إن أسلم بعد ذلك. و قال(عليه السلام):الظلم وضع الشيء في غير موضعه و أعظم الظلم الشرك باللّه، قال اللّه تعالى:( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (3)) (4)«. (5)

ثمّ إنّ الاستدلال مبني على صغرى مسلّمة و كبرى قرآنية.

أمّا الصغرى:هؤلاء كانوا ظالمين عند التصدّي.

و أمّا الكبرى: و الظالمون لا تنالهم الإمامة.

فينتج:هؤلاء لا تنالهم الإمامة.

و إنّما تصحّ الصغرى إذا قلنا بوضع المشتق للأعمّ، حتّى يصحّ عدّهم من الظالمين حين التصدّي للخلافة و إلاّ تبقى الكبرى بلا صغرى.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال على عدم الصلاحية للإمامة يصحّ على كلا القولين.

أمّا على الأعم فواضح، لأنّهم على هذا القول ظالمون عند التصدّي حقيقة.

و أمّا على القول الثاني، فوجه الاستدلال ليس مبنيّاً على كونهم من مصاديق الظالمين حين التصدّي، بل على أساس آخر و هو انّ الإمامة منصب إلهي خطير،


1) سوره 2 - آیه 124

2) . البقرة:124.

3) سوره 31 - آیه 13

4) . لقمان:13.

5) . البرهان في تفسير القرآن:1/149.

لأنّ صاحبها يتصرّف في النفوس و الأعراض و الأموال، فالمتصدّي لهذا المنصب يجب أن يبتعد عن ألوان الشرك و قبائح الأعمال طيلة عمره، لأنّ الناس يتنفّرون من مقترفي هذه الأعمال و إن طابوا و طهروا.

فالاستدلال ليس مبنياً على الظهور الوضعي بل مبني بقرينة المقام و عظمة المنصب على أنّ الممنوع هو المتلبّس بالظلم آناً ما سواء أ بَقي عليه أم لا.

ثمّ إنّ هناك تحليلاً دقيقاً لبعض أساطين العلم و حاصله: انّ الناس بحسب التقسيم العقلي على أربعة أقسام:

من كان ظالماً في جميع عمره، و من لم يكن ظالماً في جميع عمره، و من هو ظالم في أوّل عمره دون آخره،و من هو بالعكس.

هذا و إبراهيم أجلّ شأناً من أن يسأل الإمامة للقسم الأوّل و الرابع من ذرّيته، فيبقى القسمان الآخران، و قد نفى اللّه أحدهما، و هو الذي يكون ظالماً في أوّل عمره دون آخره، فبقي الآخر و هو الذي يكون غير ظالم في جميع عمره.

تطبيقات

إنّ البحث عن كون المشتق موضوعاً للمتلبّس أو للأعم ليس عديم الثمرة، و إليك بعض ما يترتب عليه.

1.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام):»لا يصلّينّ أحدكم خلف المجذوم و الأبرص و المجنون و المحدود و ولد الزنا، و الأعرابي لا يؤم المهاجرين«. (1)

2.

عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):في المرأة إذا ماتت و ليس معها امرأة تغسّلها، قال:


1) . الوسائل: 5، الباب 15 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 6.

»يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسّلها إلى المرافق«. (1)فلو قلنا بكون المشتق حقيقة في المنقضي يجوز للزوج المطلق لها، التغسيل عند فقد المماثل.

و ربما يمثل كما مرّ في صدر البحث بالماء المشمَّس أو المسخّن،و لكن الوارد في لسان الأدلّة، التعبير عنه بصيغة الفعل لا بصيغة المشتق، فقد ورد عن رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم): »الماء الذي تسخّنه الشمس لا تتوضّئوا به،و لا تغتسلوا به و لا تعجنوا به، فإنّه يورث البرص«. (2)

*** هذه أُمور تسعة بحث فيها علماء الأُصول في مقدّمة كتبهم، و بما انّها كانت ذات فوائد حجة، تعرضت لها بمزيد من التفصيل.

و أمّا البحث في المجاز و الاشتراك و الترادف أو البحث في بساطة مفهوم المشتق و تركّبه، فقد ضربنا عنها صفحاً، لما تقدّم بعضها في الموجز، و عدم مساس بعض آخر كالأخير بفن الاستنباط. فمن أراد التفصيل فليرجع إلى محاضراتنا. (3)ل.


1) . الوسائل: 2، الباب 24 من أبواب غسل الميت، الحديث 8.

2) . الوسائل: 1، الباب 6 من أبواب الماء المضاف، الحديث 2.

3) . راجع المحصول: الجزء الأوّل.

المقصد الأوّل: في الأوامر

اشارة

التشريع الإسلامي في الكتاب و السنّة يدور حول الأوامر و النواهي، و قد أولى الأُصوليون لهما أهمية خاصة و عقدوا لكلّ منهما مقصداً خاصاً، و بما انّا قد استوفينا البحث في بعض ما يرجع إليهما في الموجز، نأتي في المقام ما أوجزناه فيه أو لم نتعرض له و يأتي كلّ ذلك في ضمن فصول:

الفصل الأوّل: في دلالة صيغة الأمر على الوجوب الفصل الثاني: دلالة الجملة الخبرية على الوجوب الفصل الثالث: أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر الفصل الرابع: في دوران مفاد صيغة الأمر بين الأمرين الفصل الخامس: الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء الفصل السادس: في المقدّمة، أقسامها و أحكامها الفصل السابع: في ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري الفصل الثامن: في تقسيم الواجب إلى مطلق و مشروط الفصل التاسع: في تقسيم الواجب المطلق إلى منجَّز و معلَّق الفصل العاشر: في اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه الفصل الحادي عشر: متعلّق الأوامر الفصل الثاني عشر: التخيير بين الأقلّ و الأكثر

الفصل الأوّل: في دلالة صيغة الأمر على الوجوب

من البحوث المهمة هي تحقيق مفاد صيغة الأمر و انّها هل هي موضوعة للوجوب أو للأعم منه و من الندب؟ و المشهور عند الأُصوليّين دلالتها على الوجوب على نحو يأتي، و لتحقيق ذلك نقدّم بحثاً في تبيين حقيقة الوجوب و الندب و الآراء المطروحة في هذا الصدد.

لا شكّ انّ الوجوب و الندب من أقسام البعث الإنشائي ، و إنّما الكلام فيما يحصل به امتياز أحدهما عن الآخر، فقيل فيه وجوه:

أ: الوجوب هو البعث الإنشائي مع المنع من الترك، و الندب هو البعث الإنشائي لا مع المنع من الترك.

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الوجوب و الندب هو الحتمية و عدمها، و ما ذكره تحليل عقلي لهذين المعنيين البسيطين و ليسا بموضوع له لهذين اللفظين.

ب: الوجوب هو الطلب الموجب لاستحقاق العقوبة عند مخالفته، و الاستحباب هو الطلب غير الموجب له.

يلاحظ عليه: أنّ الاستحقاق و عدمه من آثارهما بعد تحقّقهما، و الكلام في المقام في مقوّماتها، و المقوّم يجب أن يكون مقارناً لا متأخّراً.

ج: الوجوب هو البعث المسبوق بالإرادة الشديدة، و الندب هو البعث المسبوق بإرادة غير شديدة، و ذلك انّ البعث الإنشائي فعل اختياري للنفس فلا بدّ في تحقّقه من سبق إرادة تكوينية، فهي تختلف شدّة و قوّة حسب اختلاف الغايات و الأغراض و المصالح في لزوم إحرازها و عدمه. فالذي يميّز الوجوب عن الندب المشتركين في البعث، إنّما هو نشوء البعث عن الإرادة الشديدة أو الضعيفة، و هذا هو المختار.

هذا كلّه في امتيازهما حسب الثبوت، و أمّا امتيازهما حسب الإثبات فإنّما يحصل بالمقارنات، فإذا كان إنشاء البعث مقروناً بصوت عال و حركات خاصة تدلّ على عدم رضا المولى بتركه فينتزع منه الوجوب، و إذا كان مقارناً بما يفيد عكس ذلك ينتزع منه الندب.

إلى هنا تبيّن مفاد الوجوب و الندب ثبوتاً و إثباتاً و انّ التفاوت بينهما ثبوتاً يرجع إلى شدّة الإرادة و ضعفها، و إثباتاً إلى المقارنات الحاكية عن أحدهما.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى صلب الموضوع، أي دلالة الصيغة على الوجوب، فنقول:

إذا تبيّن أحد الأمرين من خلال المقارنات في مقام الإثبات فيُتبع، إنّما الكلام فيما إذا لم يتبيّن أحد الأمرين، و كان الكلام مجرّداً عن المقارنات فالمعروف هو تبادر الوجوب، و اختلفت كلمتهم في سبب التبادر.

1. ذهب بعضهم إلى أنّ الصيغة تدلّ على الوجوب دلالة لفظية.

يلاحظ عليه: أنّ الهيئة وضعت لإنشاء البعث و هو مشترك بين الوجوب و الندب، فكيف تدلّ على الوجوب دلالة لفظية.

2.

انصراف صيغة الأمر إلى الوجوب يلاحظ عليه: أنّ الانصراف إمّا لكثرة الوجود أو لكثرة الاستعمال، و كلا الأمرين موجودان في جانب الندب أيضاً.

3.

كون الصيغة كاشفة عند العقلاء عن الإرادة الحتمية.

يلاحظ عليه: أنّ الكشف لا يمكن أن يكون إلاّ بملاك، و الملاك إمّا كونه موضوعاً للوجوب، أو الانصراف، أو كونه مقتضى مقدّمات الحكمة; و الأوّلان غير تامّين كما عرفت، و الثالث يعود إلى الوجه الرابع الذي نتلوه عليك.

4. انّ مقتضى مقدّمات الحكمة هو حمل الصيغة على الوجوب و حاصله: انّ الإرادة الوجوبية تفترق عن الإرادة الندبية بالشدة، فانّها ليست شيئاً سوى الإرادة، و أمّا الإرادة الندبية فهي تفترق عن الوجوبية بالضعف و هو غير الإرادة، فالإرادة الوجوبية إرادة خالصة، بخلاف الإرادة الندبية فإنّها محدودة بحدّ خاص (الضعف) فتكون الإرادة الندبية أمراً ممزوجاً منها و من غيرها، و على هذا فإطلاق الكلام كاف في مقام الدلالة على الإرادة الوجوبية إذ لا حدّ لها ليفتقر المتكلّم في مقام إفادته إلى بيان ذلك الحدّ، بخلاف الإرادة الندبية فانّ الحدّ ليس من سنخ المحدود فيفتقر إلى تقييد الكلام به. (1)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره غفلة عن حقيقة التشكيك، فهي عبارة عمّا يكون ما به التفاوت نفس ما به الاشتراك، و على ذلك فالضعف أيضاً مثل الشدة من سنخ المحدود(الإرادة) و ليس الضعف أمراً وجوديّاً منضمّاً إلى النور كما أنّ4.


1) . بدائع الأفكار:1/214.

الشدّة كذلك، بل النور الضعيف مثل النور القوي، نور، لا انّه نور و ضعف، كما أنّ القوي ليس نوراً و قوة، فصار القيدان على منوال واحد في لزوم البيان إذا كان المتكلّم في مقامه.

5. كون مطلق الأمر موضوعاً لوجوب الإطاعة عند العقل، و استحقاق العقوبة عند الترك ما لم يحرز كون الطلب ندبياً. و هذا معنى كون الأمر ظاهراً في الوجوب.

و بعبارة أُخرى: وظيفة المولى هي إنشاء البعث و إصدار الأمر، و أمّا بيان أنّه للوجوب أو الندب فهو ليس من وظائفه. بل على العبد السعي، فإن تبيّن له أحدهما عمل على طبق ما تبيّن، و إلاّ عمل على مقتضى حكم العقل و هو أنّ أمر المولى لا يترك بلا جواب، و هذا هو المختار في وجه حمل الأمر على الوجوب.

الفصل الثاني: دلالة الجملة الخبرية على الوجوب

ربما تستعمل الجملة الخبرية في مقام الطلب و البعث، يقول سبحانه:( وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (1)). (2)

و قال سبحانه:( وَ لِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (3)). (4)

و قال سبحانه:( وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ (5)). (6)

و نرى مثل ذلك في الروايات حيث ورد في أبواب الطهارة و الصلاة، قولهم(عليهم السلام):»يغتسل«، »يعيد الصلاة«، »يستقبل القبلة« فالجمل الخبرية في هذه الموارد استعملت لداعي البعث، و إنّما الكلام في كيفية دلالتها على الوجوب و كونها آكد في الدلالة على الوجوب من الأمر بالصّيغة.

توضيحه: انّ الإخبار عن وجود الشيء في المستقبل بداع البعث يكشف عن شدّة رغبة المولى بالمراد إلى حدّ يراه موجوداً و محققاً في الخارج حيث يخبر عن وجوده فيكون حاكياً عن الوجوب و الإرادة الحتمية.

و أمّا عدم كونها كذباً فانّ ظاهر الكلام و إن كان هو الإخبار، و لكن جلوس المولى على منصَّة التكليف قرينة على أنّه بصدد البعث واقعاً لا بصدد الإخبار.


1) سوره 2 - آیه 228

2) . البقرة:228.

3) سوره 2 - آیه 241

4) . البقرة:241.

5) سوره 2 - آیه 233

6) . البقرة:233.

الفصل الثالث: أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر

أخذ قصد الامتثال في متعلّق الأمر(1)

إنّ الواجب ينقسم إلى توصلي و تعبّدي، و انّ التعبّدي يفسر بوجوه ثلاثة:

1.

التقرّب بقصد امتثال أمره.

2.

الإتيان للّه تبارك و تعالى.

3.

الإتيان بداع التقرّب إليه سبحانه، لكون الفعل محبوباً له.

و يقابله التوصّلي، فإذا علمنا أنّ الواجب تعبّدي أو توصّلي فيمتثل على النحو الذي عُلم، إنّما الكلام فيما إذا شكّ في واجب انّه توصّلي أو تعبّدي، فهل ثمة أصل لفظي يعوّل عليه كالشكّ في وجوب ردّ السلام حيث إنّ أمره يدور بين كونه توصلياً أو تعبدياً، يجب قصد أمره حتّى يصدق الامتثال.

مثلاً إذا قال سبحانه:( وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها (2)). (3)

فهل مقتضى الإطلاق هو كونه توصّلياً أو لا؟ و هناك أمر يجب إلفات النظر إليه، و هو انّ التمسّك بالإطلاق إنّما يصحّ إذا


1) . هذا الفصل جزء من الفصل الآتي و يعبّر عنه في الكتب الأُصولية كالتالي: إذا دارت صيغة الأمر بين كونه تعبديّاً أو توصليّاً فما هو مقتضى القاعدة؟ و بما أنّه طويل الذيل أفردناه بالبحث.

2) سوره 4 - آیه 86

3) . النساء:86.

أمكن أخذ الشيء المشكوك اعتباره في متعلّق الأمر، فإذا خلا منه متعلّقه، يحكم بعدم اعتباره فيه، مثلاً إذا شكّ في وجوب السورة في الصلاة فبما أنّه يمكن أخذها في متعلّق الأمر بأن يقول: صلِّ مع السورة، فيصحّ التمسّك بالإطلاق اللّفظي إذا خلا منها متعلّق الأمر عند الشكّ.

و أمّا إذا تعذّر أخذ المشكوك في متعلّق الأمر فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق، لأنّ التمسّك به فرع إمكان أخذه فيه و المفروض أنّه متعذّر.

ثمّ إنّ الأُصوليّين اختلفوا في إمكان أخذ التعبديّة في المتعلّق و عدمه، فلو أمكن أخذها في متعلّق الأمر، يصحّ التمسّك بإطلاقه إذا خلا منها، و إلاّ فلا.

فذهب الأكثر إلى إمكان أخذ التعبديّة في متعلّق الأمر، فإذا شكّ في اعتبارها في المتعلّق يتمسّك بإطلاقه ويحكم بالتوصلية.

و ذهب الشيخ الأنصاري إلى امتناع أخذها في متعلّق الأمر، فلا يمكن التمسّك بإطلاق المتعلّق و إثبات التوصّلية، فانّ من شرائط التمسّك بالإطلاق، إمكان الإتيان بالقيد في متعلّقه و المفروض عدم إمكان أخذ القيد فيه.

ثمّ إنّ محلّ الخلاف في إمكان الأخذ إنّما هو التعبدية بالتفسير الأوّل أي »قصد امتثال الأمر« ، و أمّا التفسيران الآخران للتعبدية، أعني: الإتيان للّه تبارك و تعالى، أو الإتيان لأجل محبوبية الفعل، فأخذهما فيه بمكان من الإمكان.

و بعبارة أُخرى: انّ محلّ الخلاف في إمكان الأخذ و عدمه هو أن يأمر المولى بالنحو التالي:

صلّ صلاة الظهر بقصد امتثال أمرها، و أمّا إذا قال: صلِّ صلاة الظهر للّه تبارك و تعالى، أو لكونها محبوبة للّه، فأخذهما في المتعلّق ممّا لا شبهة فيه.

استدلّ القائلون بامتناع أخذ قصد امتثال الأمر في متعلّقه بأُمور نذكر

واحداً منها و هو »انّ ما لا يتأتّى إلاّ من قبل الأمر يمتنع أخذه في المتعلّق شطراً أو شرطاً«.

توضيحه: انّ ما يتصوّر أخذه في المتعلّق على نحوين:

النحو الأوّل: ما لا صلة للقيد بالأمر، فسواء أ كان هناك أمر أو لا، يمكن تصوّر القيد، و تقييد المتعلّق به و هذا كالإيمان في الرقبة، و يمكن إيجاده مع القيد في الخارج بلا توقّف على الأمر و هذا كالسورة و القنوت في الصلاة فيصحّ في الجميع أخذ القيد بأن يقول: أعتق رقبة مؤمنة، أو صلّ مع السورة و القنوت، فإذا أطلق المولى و لم يأخذ القيد في المتعلّق، استكشف منه عدم مدخليته في الواجب.

النحو الثاني: ما لا يتأتّى إلاّ بعد تعلّق الأمر به، و هذا كقصد امتثال الأمر، فما لم يكن هناك أمر من المولى لا يمكن للمكلّف إيجاد متعلّقه في الخارج بقصد امتثال أمره.

و هذا النحو من القيد بما أنّه لا يتأتّى إلاّ من قبل الأمر لا يمكن أخذه في المتعلّق و لا يُستكشف من عدم أخذه، عدم مدخليّته في المتعلّق.

بعبارة أُخرى: أنّ الأمر يتعلّق بالشيء المقدور قبل الأمر و »الصلاة مع قصد امتثال الأمر« ليست بمقدورة قبل تعلّق الأمر بها، لكي يتعلّق بها الأمر و يقول: »صلّ مع قصد الأمر«. و يُستكشف من عدم أخذه، عدمُ مدخليته.

يلاحظ عليه: أوّلاً:أنّ اللازم في صحّة الأمر كون المتعلّق مقدوراً في ظرف الامتثال لا قَبْل الأمر و لا حينه، و امتثال قصد الأمر و إن كان غير مقدور قبل البعث، و لكنّه أمر مقدور بعد تعلّق الأمر و في ظرف الامتثال، فيصحّ تعلّق الأمر به، و يستكشف من عدم تعلّقه، و عدمُ مدخليته و على ذلك فمقتضى الإطلاق اللفظي كون الأصل هو التوصّلية إلاّ إذا دلّ دليل على خلافها.

و ثانياً:أنّ مقتضى الإطلاق المقامي أيضاً هو التوصلية.

توضيحه: إنّ الإطلاق على قسمين: إطلاق لفظي، و إطلاق مقامي.

الإطلاق اللّفظي: عبارة عن خلوّ المتعلّق من القيد، فيحتج بخلوّ المتعلّق عن القيد على عدم مدخليّته في الواجب، فمصبُّ الإطلاق اللّفظي هو متعلّق الأمر مع إمكان تقييده. و هذا هو الذي مرّ بيانه و أمّا الإطلاق المقامي: فحاصله أنّ القيد المشكوك اعتباره في المأمور به إذا كان ممّا يغفل عنه أكثر الناس يجب على المولى التنبيه عليه إذا كان دخيلاً في الغرض، إمّا بالأخذ في المتعلّق، أو بالتنبيه عليه بدليل منفصل، فلو افترضنا امتناع الأوّل، فإمكان الثاني بمرحلة من الوضوح، فسكوته حينئذ دليل على عدم المدخليّة.

ثمّ إنّ بعض المحقّقين استدلّ على امتناع أخذ قصد الأمر في المتعلّق بأنّ قصد الأمر إذا دخل في الواجب كان نفس الأمر قيداً من قيود الواجب، لأنّ القصد المذكور مضاف إلى نفس» الأمر«، و إذا لاحظنا الأمر وجدنا انّه ليس اختيارياً للمكلّف (1)كما هو واضح، و قد ثبت في محلّه انّ القيود المأخوذة في الواجب يجب أن تكون اختيارية. (2)

يلاحظ عليه:بالنقض أوّلاً: مثلاً إذا قال المولى: صلّ إلى القبلة، فتكون نفس القبلة من قيود الواجب، و هي خارجة عن اختيار المكلّف مع انّه جائز بالاتّفاق.5.


1) . لأنّه من فعل المولى لا المكلّف، هذا ما فهمناه من عبارته، و لعلّ كلامه ناظر إلى ما نقلناه سابقاً من القائلين بالمنع.

2) . دروس في علم الأُصول: الحلقة الثانية: 265.

و ثانياً بالحلّ، لأنّ قيد الواجب هو القصد المضاف إلى الأمر على نحو يكون التقيّد داخلاً و القيد خارجاً، فليس نفس الأمر قيداً للواجب، بل القيد، القصد المضاف إليه و هو باختيار المكلّف بعد صدور الأمر من المولى. اللّهمّ إلاّ أن يريد قبل صدوره من المولى فيرجع إلى الوجه السابق.

إلى هنا تبين انّ مقتضى الأصل اللّفظي و الإطلاق المقامي هو التوصّلية إلاّ أن يدلّ دليل على كون الواجب قُربياً.

مقتضى الأصل العقلي و الشرعي قد ظهر ممّا ذكرنا من جواز التمسّك بالإطلاق اللّفظي أو المقامي ، مقتضى الأصل العملي إذا لم يكن إطلاق لفظي و دليل اجتهادي، و ذلك لأنّ هذا الشرط يقع في عداد سائر الشروط فيجري فيه أصل البراءة العقلية و الشرعية كما يجري في غيره.

بل يمكن أن يقال بأنّ المرجع هو البراءة حتّى على القول بامتناع أخذه في المتعلّق، و ذلك لإمكان بيانه بدليل مستقل آخر كما ذكرنا، فإنّ الممتنع هو البيان في ضمن الأمر الأوّل لا في ضمن الأمر الثاني كما عرفت.

فخرجنا بالنتائج التالية:

1.

انّ مقتضى الأصل اللّفظي و الإطلاق المقامي هو التوصّلية.

2.

انّ مقتضى الأصل العقلي و الشرعي عند عدم وجود الإطلاق هو البراءة العقلية و الشرعية.

الفصل الرابع: في دوران مفاد صيغة الأمر بين الأمرين

ينقسم مفاد صيغة الأمر إلى كونه نفسياً و غيرياً، و عينياً و كفائياً، و تعيينياً و تخييرياً (1)، فإذا دار الأمر بين أحد القسمين، فما هو مقتضى الأصل؟ و إليك الأمثلة:

أ: إذا قال: اغتسل للجنابة، و دار أمر الغسل بين كونه واجباً نفسياً أو غيرياً للصلاة و الصوم.

ب: إذا قال :قاتل في سبيل اللّه، و دار أمر القتال بين كونه واجباً عينياً و عدم سقوطه بقتال الآخرين أو كفائياً ساقطاً بقتال الآخرين.

ج: إذا قال:( فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللّهِ (2)) الذي أُريد منه فريضة الجمعة و دار أمرها بين التعييني و عدم عِدْل له أو التخييري بوجود عِدْل له يسقط بالظهر مثلاً، فيقع الكلام في مقتضى القاعدة ، و لنأخذها بالبحث و التمحيص.

ذهب بعض المحقّقين إلى أنّ مقتضى الإطلاق اللّفظي هو الحمل على النفسي و العيني و التعييني، و ذلك لأنّ كلاً من الغيرية و الكفائية و التخييرية يحتاج إلى قيد بخلاف مقابلاتها.


1) . أو تعبديّاً أو توصلياً و قد مرّ البحث عنه في الفصل السابق و قد أوضحنا حال الأقسام في الموجز فلا نعيد.

2) سوره 62 - آیه 9

توضيحه: انّ أحد القسمين يحتاج إلى بيان زائد دون الآخر، فالنفسي غني عن البيان الزائد دون الغيري، و ذلك لأنّ الوجوب النفسي لمّا كان نابعاً من مصالح كامنة في المتعلّق، كفى إلقاء الحكم على وجه الإطلاق، و يكون البيان وافياً بما أراد. و أمّا لو كان غيرياً فبما أنّ وجوبه منبعث عن وجوب غيره، فيجب تقييده بما يفيد ذلك.

و بعبارة أُخرى: أنّ الواجب النفسي في متلقّى العرف هو الإيجاب بلا قيد، بخلاف الغيري فإنّه الإيجاب مع تقييده بأنّه واجب لغيره، فلو فرضنا كون المتكلم في مقام بيان تلك الخصوصية ، فالإطلاق كاف في تفهيم الأوّل، دون الثاني.

و منه تظهر الحال في دوران الأمر بين العيني و الكفائي، فانّه يكفي في بيان الواجب العيني، الأمرُ بالشيء و السكوت عن أيّ قيد بخلاف الواجب الكفائي فلا يكفي في بيانه، الأمر به مع السكوت عن القيد بل يحتاج إلى القيد نظير: ما لم يقم به الآخر، فالقتال في سبيل اللّه لو كان واجباً عينياً كفى فيه قول المولى: قاتل في سبيل اللّه، و لو كان كفائياً فلا يكفيه ذلك إلاّ أن ينضم إليه قيد آخر، أعني: ما لم يقاتل غيرك.

و إن شئت قلت: إنّ العيني هو الواجب بلا قيد و لا حدّ، بخلاف الكفائي فانّه الواجب المقيّد المحدود، فالعيني في متلقّى العرف بلا قيد، و الكفائي مقيّد، فإذا أمر و لم يأت بالقيد، يكون كافياً في إفادة المقصود العيني.

و منه تظهر حال القسم الثالث أي دوران الأمر بين كون الواجب تعيينياً أو تخييرياً.

فالواجب التعييني هو الواجب بلا أن يكون له عدل،كالفرائض اليومية، و الواجب التخييري هو الواجب الذي يكون له عدل كخصال كفّارة الإفطار

العمدي في يوم شهر رمضان، حيث إنّ المفطِر مخيّر بين عتق رقبة وصوم شهرين متتابعين و إطعام ستين مسكيناً.

و هناك بيان آخر لوجوب الحمل على النفسية و العينية و التعيينية، و هو انّ أمر المولى لا يُترك بلا عذر، و مقتضى ذلك هو الحمل على ما ذكر إذ فيه امتثال لأمر المولى على كلّ تقدير بخلاف ما إذا حمل على مقابلاتها فلا علم فيه بالامتثال كما لا علم بترك الامتثال عن عذر.

كلّ ذلك إذا كان المتكلّم في مقام بيان الجهات المختصّة كالنفسية و الغيرية، و العينية و الكفائية، و التعيينية و التخييرية، و إلاّ يكون الأمر مجملاً من الناحية المشكوكة.

هذا كلّه حول الأصل اللّفظي، و أمّا مقتضى الأصل العملي إذا قصرت اليد عن الأصل اللّفظي فسوف يوافيك بيانه في مبحث البراءة و الاشتغال. (1)م.


1) . فقد أخّرنا بيانه تبعاً للقوم.

الفصل الخامس: الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء

اشارة

قد عنونت مسألة الإجزاء في كتب الأُصوليّين بعنوانات مختلفة و ما ذكرناه من العنوان هو المختار عند أغلب الأُصوليين، و المراد من قولهم »على وجهه« هو الكيفية المعتبرة شرعاً و قد عرفت أنّ قصد الأمر من هذه الكيفية.

و هذه المسألة غير مسألة دلالة الأمر على المرة و التكرار فانّ هناك مسألتين بملاكين، فالبحث في المسألة الثانية عن مقدار مفاد الأمر و انّه هل هو نفس الطبيعة أو الطبيعة المقيدة بإحداهما؟ و أمّا المقام فالكلام فيه بعد الفراغ عن المفاد فيقال هل الإتيان بالمأمور به سواء أ كان الطبيعة المطلقة أو المقيدة بالمرّة أو التكرار يقتضي الإجزاء أو لا.

كما أنّ هذه المسألة غير مسألة كون القضاء بأمر جديد أو بنفس الأمر الأوّل و ذلك لاختلاف المسألتين من حيث الموضوع، فإنّ موضوع مسألتنا هو الإتيان بالمأمور به بنحو من الأنحاء و الموضوع لمسألة تبعية القضاء للأداء هو فوت المأمور به في وقته فكيف تكونان مسألة واحدة؟ على أنّ النسبة بينهما من حيث المورد عموماًً من وجه، فلو أتى بالمأمور به على وجهه الواقعي، يقع الكلام فيه في الإجزاء، و لا موضوع لمسألة التبعية كما أنّه إذا فاته الواقع، و لم يأت بالواجب أصلاً، فلا موضوع للإجزاء. و يجتمعان فيما إذا

أتى بالواجب بأمر اضطراري أو ظاهري، فيصحّ البحث عنه من الجهتين، و معه يصحّ عقد المسألتين، فلاحظ.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في مقامات ثلاثة:

الأوّل: في إجزاء امتثال كلّ أمر عن التعبد به ثانياً

إنّ إجزاء امتثال الأمر عن التعبّد به ثانياً من أوضح القضايا و أبدهها، و الوجه في ذلك أنّه لو لم يسقط، فإمّا أن يبقي ملاك الأمر، أو لا. و الأوّل خلاف الفرض، إذ لا معنى لبقاء الملاك مع الإتيان بالمأمور به، لأنّ إتيان المأمور به محصِّل لغرض المولى، بلا زيادة و لا نقيصة، و لولاه لما أمر به، و مع ذلك كيف يمكن القول ببقاء الغرض و عدم حصوله؟و الثاني أوضح فساداً لاستلزامه ثبوت الإرادة الجزافية للمولى، إذ لا يأمر إلاّ لتحصيل الغرض، و قد حصل بالامتثال الأوّل، فلا معنى لبقاء الغرض ثانياً، و هل هذا إلاّ كبقاء المعلول مع زوال علّته.

و إن شئت قلت: إنّ عدم السقوط ، سببه أُمور كلّها محكومة بالبطلان، فعدم السقوط إمّا:

لأجل تعدّد المأمور به، و المفروض عدمه، إذ هو نفس الطبيعة.

أو لأجل عدم حصول الغرض. و هو خلف أيضاً، لأنّ المفروض انّ المأتي به علّة، لحصوله و إلاّ لما أمر به.

أو لأجل بقاء الأمر مع حصول الغرض، و هذا يستلزم الإرادة الجزافية.

فإن قلت: إنّ أبا هاشم(المتوفّى321ه) و القاضي عبد الجبار(المتوفّى 415ه) المعتزليَّين ذهبا إلى أنّ الإتيان بالمأمور به على وجهه لا يقتضي الإجزاء، و استدلاّ عليه بما إذا أفسد المكلّف حجَّه بالجماع فتجب عليه الإعادة كلّما تمكّن.

قلت: إنّ الحجّ إمّا أن يكون فاسداً، كما إذا جامع عن علم; أو صحيحاً،

كما إذا كان جاهلاً بالحكم على القول بالصحّة في هذه الصورة فكلتا الصورتين خارجتان عن محطّ البحث.

أمّا إذا كان فاسداً، فلأنّه لم يأت بالمأمور به على ما هو عليه، و البحث فيما إذا أتى به على النحو المطلوب.

و أمّا إذا كان صحيحاً فالأمر الثاني من باب العقوبة لا لعدم الإجزاء، و قد ورد به التصريح في رواياتنا.

قال زرارة: قلت: فأي الحَجَّتين لهما؟ قال: »الأُولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، و الأُخرى عليهما عقوبة«. (1)

و على ذلك فهناك أمران: أمر بنفس الحجّ بما انّه واجب عباديّ ماليّ و قد امتثله، و أمر به بما انّه عقوبة و كفّارة لما أحدثا في أثناء العبادة من الجماع.

فإن قلت: ربما يجوز تبديل امتثال بامتثال آخر، كما إذا طلب المولى ماءً ليشربه فأحضره، فانّ للعبد تبديل هذا الامتثال بامتثال أفضل، كما إذا أتى ثانياً بماء حلو أكثر، أو وعاء انظف قبل أن يقضي المولى حاجته بالشرب.

قلت: إنّ الأمر الأوّل قد سقط بإحضار الماء و ليس المقام من قبيل تبديل امتثال بامتثال آخر، بل من قبيل تبديل فرد من المأمور به إلى فرد آخر أحلى منه، و الفرق بينهما واضح فانّ تبديل الفرد لا يتوقف على بقاء الأمر بل يصحّ و إن كان الأمر ساقطاً، بخلاف تبديل الامتثال فانّه فرع بقاء الأمر حتى يصدق عليه انّه تبديل امتثال بآخر.

فإن قلت: إذا أحضر الماء و أُهرق و اطّلع العبد عليه وجب عليه إتيانه ثانياً.

قلت: إنّ الأمر الأوّل قد سقط بالامتثال، و أمّا الأمر الثاني فهو امتثال آخر0.


1) . الوسائل: 9، الباب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع، الحديث 10.

للغرض غير الحاصل للمولى لأجل إهراق الماء، فكأنّ هناك أمرين: أحدهما تعلّق باحضار الماء و قد امتثل، و الثاني تعلّق بحكم العقل بتحصيل غرض المولى و هو بعد لم يُمتثل.

و الحاصل انّ العلم بالغرض القطعي موضوع عند العقل بوجوب الامتثال و إن لم يكن هناك أمر ظاهري من المولى كما إذا غرق ابن المولى أو احترق البيت و وقف عليه العبد، دون المولى، ففي هذه المقامات العلم بالغرض موضوع تام للامتثال و تحصيل غرض المولى.

و بما ذكرنا تقف على ما ورد من إعادة الصلاة في أبواب الكسوف (1). أو إذا وجد جماعة و قد صلى فرادى (2)، أو صلّى مع المخالف (3)و وجد فرصة للإعادة. إذ ليس الامتثال الثاني من باب تبديل الامتثال الأوّل بآخر حتى يكون الثاني بداعي الأمر الأوّل، بل من باب استحباب الإعادة بأمر ثان استحبابي لا بملاك الأمر الوجوبي الأوّل.

الثاني: إجزاء امتثال الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي

إذا كان المكلّف فاقداً للطهارة المائية فيجب عليه الصلاة بالطهارة الترابية، فالفرد الأوّل فرد اختياري، و الفرد الثاني فرد اضطراري، و مثله ما إذا ابتلى بالتقية و لم يتمكّن من الامتثال بالفرد الاختياري، كان عليه الامتثال بالفرد الاضطراري كغسل الرجلين مكان مسحهما، إلى غير ذلك من الأمثلة، فهل يجزي الامتثال بالفرد الاضطراري عن الامتثال بالفرد الاختياري عند ما زال الاضطرار؟


1) . الوسائل: 5، الباب 8 من أبواب صلاة الكسوف، الحديث 1.

2) . الوسائل: 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.

3) . الوسائل: 5، الباب 54 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1.

أقول: ظاهر عنوان المسألة انّ هنا أمرين: أمراً بالفرد الواقعي، و أمراً بالفرد الاضطراري، و الكلام في إجزاء الامتثال الثاني عن الامتثال الأوّل. و يظهر ذلك من أكثر المتأخّرين الذين عكفوا على دراسة هذه المسألة بعد الشيخ الأنصاري(قدس سره).

و لكن الحقّ انّ هنا أمراً واحداً و خطاباً فارداً لعامة المكلّفين من دون فرق بين المختار و المضطر، و هو قوله سبحانه:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ (1)) (2)، غير انّ امتثال ذلك الأمر يختلف حسب اختلاف حالات المكلّفين من صحة و سقم، و قدرة و عجز، فيصلي السليم المتمكن، قائماً بالطهارة المائية كما يصلّي السقيم العاجز قاعداً بالطهارة الترابية، فالاختلاف يرجع إلى كيفية امتثال الأمر الواحد بالنسبة إلى اختلاف حالات المكلّفين، و نظير الآية السابقة قوله سبحانه:( إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ (3)) (4)حيث إنّ ظاهر الآية وحدة الأمر في الحاضر و المسافر غير انّ المسافر يجوز له أن يُقصِّر تلك الصلاة و يجعلها ركعتين من دون أن يختلف أمر الحاضر و المسافر.

و مثل الآيتين قوله سبحانه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (5)) (6)إلى أن قال:( أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (7)(8)، فالآية ظاهرة في أنّ كلاّ من الواجد و الفاقد للماء يقصد أمراً واحداً لكنّهما يختلفان في كيفية إيجاد الجامع الصادق على الفردين، فأحدهما يأتي بها بالطهارة المائية و الآخر يأتي بها بالطهارة الترابية، فكلا الفردين من مصاديق الصلاة التي أمر بها جميع المكلّفين على اختلاف حالاتهم.

و المبرِّر لوحدة الأمر مع اختلاف المتعلّق في الكيفية هو كون الطبيعة ذات6.


1) سوره 17 - آیه 78

2) . الإسراء:78.

3) سوره 4 - آیه 101

4) . النساء:101.

5) سوره 5 - آیه 6

6) . المائدة:6.

7) سوره 5 - آیه 6

8) . المائدة:6.

عرض عريض و ذات مراتب مختلفة. و قد مرّ في مبحث الصحيح و الأعم (1)انّ الصلاة بمعنى واحد تصدق على جميع المراتب المختلفة من دون أن يكون اللفظ مشتركاً لفظيّاً بين المراتب.

فعلى هذا الأساس يتجلّى الإجزاء بصورة واضحة، لأنّ المفروض انّ الأمر واحد و الطبيعة المتعلّقة للأمر، صادقة على فعل المتمكّن و المضطر و ينطبق على كليهما عنوان الصلاة و عند ذاك لا وجه لعدم الإجزاء بعد تمامية المقدّمات.

ثمّ إنّ القول بوحدة الأمر إنّما يوجب الإجزاء في صورتين:

أ: إذا كان العذر مستوعِباً لتمام الوقت فامتثل الأمر بالفرد الاضطراري الموجب للإجزاء.

ب: إذا لم يكن العذر مستوعباً و لكن دلّ الدليل على كفاية العذر غير المستوعب في البدار إلى امتثال الأمر بالفرد الاضطراريّ و عدم اشتراط العذر المستوعب، فإذا كان الامتثال بإذن من الشارع و انطبق عليه عنوان الطبيعة سقط الأمر قطعاً، و لا يبقى لعدم الإجزاء وجه.

نعم لو كان العذر غير مستوعب و لم يدلّ دليل على جواز البدار إلى الامتثال بالفرد الاضطراري فلا وجه للقول بالإجزاء، لأنّ المقام يكون من قبيل الشكّ في سقوط الواجب بالفرد المشكوك فتجب عليه الإعادة في الوقت، و القضاء خارجه، و لو لم يُعِد و الوقت باق فعليه القضاء.

هذا كلّه على القول بوحدة الأمر ، و أمّا على القول بتعدد الأمر و انّ هناك أمراً بالفرد الاختياري، و أمراً بالفرد الاضطراري، فإثبات الإجزاء على عاتق الدراسات العليا.1.


1) . لاحظ صفحة 71.

الثالث: اجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي

اشارة

الثالث: اجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي (1)

إنّ العمل بالأمارات و الأُصول تارة يكون لأجل استكشاف أصل التكليف و الوظيفة، كالأمارة القائمة على كون الواجب هو صلاة الجمعة في ظهرها، أو الاستصحاب الدالّ على كونها الواجب.

و أُخرى لاستكشاف كيفية التكليف، كما إذا قامتا على عدم كون شيء شرطاً أو جزءاً أو مانعاً، أو على كونه شرطاً أو جزءاً أو مانعاً.

فيقع الكلام في موردين:

الأوّل: العمل بالأمارات أو الأُصول لاستكشاف كيفية التكليف، سواء أ كانت الشبهة حكمية أو موضوعية.

الثاني: العمل بهما لاستكشاف أصل التكليف.

فلنقدم البحث في الأمارة على الأُصول
اشارة

كما تقدم إعمالها لاستكشاف الكيفيّة، على استكشاف أصل التكليف.

الف: العمل بالأمارة في استكشاف كيفية التكليف

لو صلّى إنسان أو توضّأ أو اغتسل أو حجّ على وفق ما أخبر به الثقة اعتماداً على حجّية قوله لدى الشارع ثمّ بان خطأ الراوي، فهل يكون العمل مجزياً أو لا؟ حكى سيّد مشايخنا البروجردي(قدس سره) تسالم القدماء على الإجزاء في الأمارات و الأُصول في استكشاف كيفية التكليف، و إنّما طرأ القول بعدم الإجزاء من عصر الشيخ الأنصاري(1212 1281ه).

و يمكن أن يُستدلّ على الإجزاء بوجود الملازمة العرفية بين الأمر بالعمل بها


1) . الحكم الواقعي هو كلّ لم يؤخذ في موضوعه الشكّ في حكم، مثل الغنم حلال. الحكم الظاهري هو كلّ حكم أخذ في موضوعه الشكّ في حكم شرعي نظير كلّ شيء حلال حتّى تعلم انّه حرام و سيوافيك تفصيلهما عند البحث في الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي في ج 2.

في موردها، و إجزائه في مقام الامتثال مطلقاً، وافقت الواقع أم خالفت، مثلاً إذا قال الإمام: »العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعني يؤدّي، و ما قال لك عني، فعني يقول، فاسمع له و أطع، فانّه الثقة المأمون«. (1)

و هو يعلم انّ العمري إنسان غير معصوم ربما يخطأ و مع ذلك يأمر بالعمل بقوله على وجه الإطلاق. فيكون معنى هذا انّ المولى قد رضي في امتثال أوامره و نواهيه، و تحصيل أغراضه و مقاصده، على حدّما، أدّت إليه الأمارة، التي تكون مطابقة للواقع بدرجة كبيرة، فكون الأمارة محصِّلة للمقاصد بهذا المقدار صحَّحَ الأمر بالعمل بقوله مطلقاً و بالتالي أوجب رفع اليد عن أغراضه فيما إذا أخطأ، كلّ ذلك لمصلحة عالية و هو تسهيل الأمر على المكلّفين.

و ما استظهرنا من الملازمة بين الأمر بالعمل بقول الثقة، و الإجزاء مطلقاً سواء أ وافق الأمر أم لا، هو المتفاهم في العرف في هذه الموارد. مثلاً:

لو أمر المولى عبده بأن يهيِّئ له دواء ليتداوى به و أمره بأن يسأل صيدليّاً معيّناً عن نوعيّة أجزائه و كمّية و كيفية تركيبه، فاتبع العبد إرشادات الصيدليّ الذي جعل قوله حجّة في هذا الباب، ثمّ ظهر أنّ الصّيدليّ قد أخطأ في مورد أو موردين، فانّ العرف يعدّون العبد ممتثلاً لأمر مولاه، و يرون عمله مسقطاً للتكليف، من دون ايجابه بالقيام مجدّداً بتهيئة الدواء، اللّهمّ إلاّ أن يأمره المولى مجدّداً.

و هذه الارتكازات تدلّ على الملازمة بين الأمر بالرجوع إلى الثقات و الخبراء، و الاكتفاء في امتثال الأمر بما أتاه بإرشادهم و هدايتهم، و هذا يعطي أنّ الشارع اكتفى في دائرة المولوية و العبودية فيما يرجع إلى مقاصده، بما يؤديه إخبار الثقة، و لو بان الخلاف، فهو يرفع اليد عن مقاصده، تسهيلاً للأمر على العباد.

فإن قلت: فأي فرق بين هذا القول و بين القول بالتصويب، فانّ رفع اليد4.


1) . الوسائل: 18، الباب 11 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 4.

عن الحكم الواقعي في حقّ الجاهل كما هو المفروض تصويب و إنكار للحكم المشترك بين عامة الناس.

قلت: التصويب عبارة عن اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم و عدم شمولها للجاهل من رأس، و هذا بخلاف المقام، فانّ الأحكام الواقعية على هذا القول تشمل جميع الناس من دون تفاوت بين العالم و الجاهل، و لكنّه سبحانه و تعالى تسهيلاً للأمر على العباد اكتفى في امتثال أوامره بإخبار الثقات، لمطابقتها للواقع بنسبة عالية، فأوجبت المصلحةُ التسهيلية عدمَ فعلية هذه الأحكام في موارد التخلّف.

و بالجملة فرق بين عدم جعل الحكم على الجاهل و بين عدم فعليته في حقّه، لأجل قيام الأمارة على خلاف الواقع.

فإن قلت: إنّ العبد و إن كان معذوراً في ترك الواقع و لكن غرض المولى بعدُ لم يستوف فتجب الإعادة و القضاء لذلك.

قلت: لو علم المكلّف بأنّ غرض المولى بعدُ لم يُستوف كما إذا أمر بإحضار الماء للتوضّؤ فأتى به ثمّ تلف يجب عليه تجديد الامتثال لأجل حفظ الغرض، و أمّا المقام فليس هناك علم بعدم استيفاء الغرض و ذلك لما عرفت من أنّ المصلحة التسهيليّة سبَّبت لأن يتضيّق غرض المولى بما أدّت إليه الأمارة التي تطابق الواقع بدرجة كبيرة، فليس له إلاّ هذا المقدار من الغرض.

نعم لو لا المصلحة التسهيلية لربما يتعلّق غرضه باستيفائه في عامة الموارد وافقت الأمارة للواقع أو خالف. و عندئذ يقوى القول بعدم الإجزاء.

و بالجملة رفع الحرج عن المكلّفين و إيجاد الرغبة للناس إلى الدين من الأُمور التي صارت سبباً لتضييق غرضه و تحدّده بما توصل إليه الأمارة و غض النظر عمّا إذا لم يُستوفَ.

هذا هو المختار عندنا و لكن المتأخرين كالشيخ الأنصاري و المحقّق الخراساني و غيرهما من الأعلام ذهبوا إلى عدم الإجزاء في الأمارات القائمة على كيفية التكليف.

ب:العمل بالأمارة لاستكشاف أصل التكليف

إذا قامت الأمارة على أصل التكليف، كما إذا قام على أنّ الواجب هو صلاة الظهر و كان الواجب هو صلاة الجمعة، فالحقّ عدم الإجزاء و ذلك لوجود الفرق بين قيام الأمارة على كيفية التكليف و قيامها على أصل التكليف.

ففي الصورة الأُولى أتى بالمكلّف به و انطبق عليه عنوان الصلاة و لكنّه كان ناقصاً غير تام، فيمكن ادّعاء الملازمة العرفية بين الأمر بالعمل بالأمارة و الإجزاء في صورة التخلّف، و أمّا إذا لم يمتثل أصلاً، كما لو أمره المولى بخياطة ثوبه فاخبرت الثقة بانّ الواجب هو طبخ الطعام فلا وجه للامتثال.

فالملازمة العرفية التي اعتمدنا عليها مختصة بما إذا كان هناك امتثال لأمره، غاية الأمر لم يكن المأتيّ به مطلوباً تاماً، و أمّا إذا لم يمتثل أبداً، و لم ينطبق عليه عنوان المأمور به، يبقى الغرض على ما كان عليه، فلا وجه لاجزاء امتثال أمر موهوم عن أمر حقيقي.

هذا كلّه حول العمل بالأمارة في كلا الموردين، و إليك البحث في العمل بالأُصول.

العمل بالأُصول العملية لاستكشاف كيفية التكليف

إذا امتثل الواجبَ، بالأُصول الشرعية كما إذا صلّى المكلّف في الثوب المتنجس اعتماداً على قاعدة الطهارة أو استصحابها فهل يحكم بالإجزاء أو لا،

فالظاهر هو الحكم بالإجزاء لوجهين:

الأوّل: ما ذكرنا من حديث الملازمة بين الأمر بالعمل بالشيء لاستكشاف كيفية التكليف، و الإجزاء و قد مرّ مفصّلاً فلا نطيل.

الثاني: هو حكومة أدلّة الأُصول بالنسبة إلى أدلّة الأجزاء و الشرائط، فإذا قال: صلّ في ثوب طاهر، ثمّ قال: إذا شككت في كون شيء طاهراً أو لا فهو طاهر، فالظاهر منه هو حكومة دليل الأصل على أدلّة الأجزاء و الشّرائط حيث إنّ الدليل الأوّل يدعو إلى إيقاعها في ثوب طاهر، و الدليل الثاني يُثبت انّ هذا المشكوك طاهر و مصداق للدليل الأوّل، فتكون نتيجة الحكومة هو كون الشرط للصلاة هو الأعمّ من الطّهارة الواقعية أو الظّاهرية، وعليه إذا صلّى في ثوب محكوم بالطهارة، فقد صلّى في ثوب حاصل للشرط واقعاً، إذ المفروض بعد الحكومة انّ الشرط هو الأعمّ من الواقعية و الظاهرية، و عندئذ ينطبق عليه عنوان الصلاة فيسقط الأمر، لما عرفت من أنّ الإتيان بالمأمور به يلازم الإجزاء.

فإن قلت: إنّ الامتثال بالثوب المحكوم بالطهارة ظاهراً، و النجس واقعاً يوجب الإجزاء بالنسبة إلى الحكم الظاهري، و أمّا الحكم الواقعي المتعلّق بالثوب الطاهر واقعاً فهو باق.

قلت: إنّ الإشكال مبني على تعدد الأمر و انّ هناك أمرين:

أمر بالصلاة بالطهارة الظاهرية، و أمر بها بالطهارة الواقعية، فالامتثال الأوّل لا يغني من الثاني، و أمّا على ما ذهبنا إليه من أنّ هناك أمراً واحداً متعلّقاً بالصلاة حسب اختلاف الحالات و حسب ما للصلاة من العرض العريض من الأفراد فليس هناك إلاّ أمر واحد و المفروض انّه امتثله بشهادة كون الفعل حائزاً لما هو الشرط فيه و بالتالي انطباق عنوان الصلاة عليه و معه لا يبقى أمر.

و بذلك يعلم الحال في سائر الأُصول كقاعدة الحلية و البراءة و التجاوز، فلو انّ القوم قاموا بدراسة واقع التشريع و وحدة الأمر مكان تعدده لسهل عليهم القول بالإجزاء في عامة المراتب إلاّ إذا لم يكن هناك أيُّ امتثال.

و بذلك يعلم حال الصورة الثانية من العمل بالأُصول و هو ما إذا قام الأصل على أصل التكليف و بان الخلاف كما إذا استصحب وجوب الجمعة و كان الواجب في الواقع هو الظهر فعدم الإجزاء هو المحكم لما مرّ في مورد الأمارات.

تنبيه: في تبدّل القطع

لو قطع المكلّف بشيء ثمّ بان خلافه من غير فرق بين تعلّق قطعه بكيفية العمل أو أصله، فلا ينبغي الشكّ في عدم الإجزاء، و ذلك لأنّه لم يكن هناك أمر من المولى بالمقطوع به حتى يستدلّ بالملازمة على الإجزاء. إذ القطع حجّة عقلية، و الآمر بتطبيق العمل على وفقه هو العقل لا الشرع، و من جانب آخر لم يُستوف غرض المولى، فهو بعد باق، فلا وجه للإجزاء.

تطبيقات

1. لو صلّى اعتماداً على يقينه بدخول الوقت فبان الخلاف، لاعاد صلاته لعدم الأمر الشرعي بها.

نعم لو صلّى اعتماداً على البيّنة الشرعية فمقتضى القاعدة(الملازمة العرفية) هو الإجزاء لو لا قاعدة »لا تعاد« حيث إنّ الوقت أحد الأُمور الخمسة التي تعاد الصلاة في فوتها مطلقاً.

2. لو دخل الصبي في الصلاة و هو غير بالغ فبلغ في أثنائها، فيجب عليه إكمال الصلاة و الاجتزاء بها لما عرفت من أنّ البالغ و غير البالغ يقصدان أمراً واحداً

و هو( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ (1)) (2). غير انّ الدليل الخارجي دلّ على شدّة الإرادة في البالغ و ضعفها في غيره.و هذا لا يكون سبباً لتعدد الأمر، و عندئذ فقد امتثل الأمر المتعلق بالصلاة، و انطبق عنوان الصلاة على المأتي به فلا وجه لبقاء الأمر.

نعم ذهب صاحب الجواهر إلى لزوم الإعادة عملاً بتعدد الأمر، و قال: فيكون اللّذان تواردا على الصبي في الفرض أمرين: ندبياً و إيجابياً و مع المعلوم عدم إجزاء الأوّل عن الثاني. (3)

3.

إذا انحصر الثوب في النجس و لم يتمكن من غسله و نزعه لبرد و صلّى فيه، فإن كان العذر مستوعباً فلا كلام في الإجزاء، و إن كان غير مستوعب كما إذا تمكّن من الغسل أو النزع في فترة من الوقت فالاجتزاء به يتوقف على إطلاق في دليل الاضطرار. بأن كان العذر غير المستوعب مجوزاً للبدار و إقامة الصلاة في النجس و إلاّ فالمرجع هو الاحتياط للشكّ في سقوط الأمر الواحد.

4.

لو دفع الزكاة إلى شخص على أنّه فقير فبان غنياً، ارْتجعت مع التمكّن، فإن تعذّر ارتجاعها كان في ذمّة الآخذ، إنّما الكلام في براءة ذمّة الدافع فإن اعتمد في الفحص عن حاله على حجّة شرعية كالبيّنة أو خبر العادل بناء على حجّيته في الموضوعات أو الاستصحاب أجزأ ، لقاعدة الملازمة العرفية و يكون الموضوع لبراءة الذمة، الدفع لمن ظهر منه الفقر لا الفقر الواقعي.

5.

إذا قلّد من يقول بصحّة الصلاة بلا سورة أو بصحّة العقد باللغة الفارسية أو بجواز ذبح الحيوان بغير الحديد ثمّ مات المقلَّد و قلد مجتهداً آخر يقول فيها بخلاف ما قال الأوّل، فيقع الكلام في عباداته و معاملاته و التفصيل في مباحث الاجتهاد و التقليد.2.


1) سوره 17 - آیه 78

2) . الإسراء:78.

3) . الجواهر:7/262.

الفصل السادس : في المقدّمة: أقسامها و أحكامها

اشارة

عُرِّفت المقدّمة بأنّها ما يتوصّل بها إلى شيء آخر على وجه لولاه لما أمكن تحصيله، و قد قسّموا المقدّمة إلى داخلية و خارجية، إلى عقلية و شرعية و عادية، إلى مقدّمة الوجود و الصحّة، إلى مقدمة الوجوب و العلم، إلى السبب و الشرط و المعد و المانع، إلى المقدّمة المفوّتة و غير المفوّتة، و إلى العبادية و التوصلية، و قد بحثنا في هذه الأُمور في كتاب الموجز (1)فلا نعيد.

و الذي تجب الإشارة إليه في المقام هو تقسيم الشرط إلى شرط التكليف و شرط الوضع، و شرط المأمور به.

فشرط التكليف كالأُمور العامّة، مثل: العقل، و البلوغ، و القدرة.

و شرط الوضع كشرط الصحّة مثلاً نظير الإجازة في بيع الفضولي، إذ لولاها لما وصف العقد الصادر من الفضولي بالصحّة التامّة.

و شرط المأمور به كالطهارة من الحدث و الخبث.


1) . الموجز:4845.

تقسيم الشرط إلى متقدّم و مقارن و متأخّر

قسَّم الأُصوليون الشرطَ إلى متقدّم و مقارن و متأخر، و إليك أمثلته:

أ: ما هو متقدّم في وجوده زماناً على المشروط، كالوضوء و الغسل بالنسبة إلى الصلاة و نحوها، بناء على أنّ الشرط نفس الأفعال لا أثرها الباقي إلى حين الصلاة.

ب: ما هو مقارن للمشروط للزوم وجوده طول العمل، كالاستقبال و طهارة اللباس.

ج: ما هو متأخّر عن المشروط في وجوده زماناً، كالاغتسال في الليل للمستحاضة، الذي هو شرط لصحّة صوم النهار السابق، و كإجازة المالك التي هي شرط لصحّة بيع الفضولي من أوّل إنشائه على القول بأنّ الإجازة كاشفة لا من حين صدور الإجازة(على القول بأنّ الإجازة ناقلة) و إلاّ يكون من قبيل المقارن.

دليل القائل بوجوب المقدّمة

اشتهر القول بأنّ مقدّمة الواجب واجبة، و مقدّمة الحرام حرام. و لنقدّم الكلام في حكم الأُولى، فنقول:

قد استدلّ على وجوب المقدّمة بوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراساني، حيث قال: إنّ الوجدان أقوى شاهد على أنّ الإنسان إذا أراد شيئاً له مقدّمات أراد تلك المقدّمات لو التفت إليها، بحيث ربّما يجعلها في قالب الطلب مثله، و يقول مولوياً: ادخل السوق و اشتر اللحم مثلاً.

بداهة أنّ الطلب المنشأ بخطاب ادخل، مثل المنشأ بخطاب »اشتر« في كونه

بعثاً مولوياً و أنّه حيث تعلّقت إرادته بإيجاد عبده الاشتراء ترشحت منها له إرادة أُخرى بدخول السوق بعد الالتفات إليه و أنّه مقدّمة له. (1)

يلاحظ عليه: أنّ الوجدان يشهد على خلافه، و انّه ليس هنا إلاّ بعث واحد، و الأمر بالمقدّمة إمّا إرشاد إلى المقدمية، أو تأكيد لذيها، و يشهد على ذلك أنّه لو سئل المولى عن وحدة بعثه و تعدّده، لأجاب بوحدته و إن هنا بعثاً واحداً متعلقاً بالمطلوب الذاتي.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق النائيني، و حاصله انّه لا فرق بين الإرادة التكوينية و التشريعية في جميع لوازمها، غير انّ التكوينية تتعلّق بفعل نفس المريد، و التشريعية تتعلّق بفعل غيره; و من الضروري انّ تعلّق الإرادة التكوينية بشيء يستلزم تعلّقها بجميع مقدّماته قهراً.

نعم لا تكون هذه الإرادة القهرية فعلية، فيما إذا كانت المقدمية مغفولاً عنها، إلاّ انّ ملاك تعلّق الإرادة بها، و هو المقدّمية على حاله. فإذا كان هذا حال الإرادة التكوينية، فتكون الإرادة التشريعية مثلها أيضاً. (2)

يلاحظ عليه: بالفرق بين الإرادة التكوينية و الإرادة التشريعية، و ذلك لانّ الإرادة التكوينية تتعلّق بنفس الفعل الصادر من المريد، و لا يصدر الفعل من الفاعل إلاّ بعد تعلّق الإرادة التكوينية بمقدّماته، فيريد كلّ مقدّمة بارادة خاصة.

و أمّا الإرادة التشريعية فلا تتعلق بنفس الفعل الصادر من الغير، من دون فرق بين نفس الفعل و مقدمته، لأنّ الإرادة تتعلق بما هو واقع تحت اختيار المريد، و فعل الغير نفسه و مقدّماته غير واقع تحت اختيار المريد، و عندئذ فإرادة4.


1) . كفاية الأُصول: 1/200.

2) . أجود التقريرات:1/231، و لاحظ فوائد الأُصول: 1/284.

المريد(الآمر) تتعلّق بما هو تحت اختياره و هو الأمر و البعث لا فعل الغير.

و قد صار تصوّر إمكان تعلّق إرادة الآمر بفعل الغير سبباً لإشكالات كثيرة نبهنا عليها في موضعها.

هذا كلّه حول دراسة أدلّة القائلين بالوجوب و قد ذكرنا بعض أدلّتهم، و أمّا دليل القائل بعدم الوجوب فأمتنه ما يلي:

دليل القائل بعدم وجوب المقدّمة

و هو انّ الغرض من الإيجاب المولوي هو جعل الداعي و إحداثه في ضمير المكلّف، لينبعث و يأتي بالمتعلّق، مع أنّ وجوبها إمّا غير باعث، أو غير محتاج إليه، فإنّ المكلّف إن كان بصدد الإتيان بذي المقدّمة، فالأمر النفسي الباعث إلى ذيها، باعث إليها أيضاً، و معه لا يحتاج إلى باعث آخر بالنسبة إليها. و إن لم يكن بصدد الإتيان بذيها و كان مُعرضاً عنه، لما حصل له بعث بالنسبة إلى المقدّمة.

و الحاصل: انّ الأمر المقدمي يدور أمره بين اللغوية إذا كان المكلّف بصدد الإتيان بذيها و عدم الباعثية و إحداث الداعوية أبداً ، إذا لم يكن بصدد الإتيان بذيها.

ما هو الواجب من المقدّمة؟

ثمّ إنّ القائلين بوجوب المقدّمة اختلفوا فيما هو الواجب:

1.

الواجب هو نفس المقدّمة من حيث هي هي، و هذا القول هو المشهور.

2.

الواجب هو المقدّمة الموصلة، و هو خيرة صاحب الفصول.

3.

الواجب هو المقدّمة بقصد التوصل إلى ذيها، و هو خيرة الشيخ الأنصاري.

استدلّ صاحب الفصول على مختاره: بأنّ الحاكم بالملازمة بين الوجوبين هو العقل، و لا يرى العقل إلاّ الملازمة بين وجوب الشيء و وجوب ما يقع في طريق حصوله و سلسلة وجوده، و فيما سوى ذلك لا يدرك العقل أيّة ملازمة بينهما.

و أُورد عليه: بأنّ العقل الحاكم بالملازمة دلّ على وجوب مطلق المقدّمة لا خصوص ما إذا ترتب عليها الواجب، لثبوت مناط الوجوب أعني التمكن من ذيها في مطلقها و عدم اختصاصه بالمقيّد بذلك منها.

و لكن الحقّ انّه لو قلنا بوجوب المقدّمة لاختصّ الوجوب بالموصلة منها، و ذلك لأنّ الغاية تُحدِّد حكم العقل و تضيّقه، و ذلك لأنّ التمكّن من ذي المقدّمة و إن كان غاية لوجوبها لكنّها ليست تمامها، و الغاية التامة هي كون المقدّمة الممكِّنة، موصلة لما هو المطلوب، و إلاّ فلو لم تكن موصلة، لما أمر بها، لأنّ المفروض أنّ المقدّمة ليست مطلوبة و إنّما تطلب لأجل ذيها.

و إن شئت قلت: إنّ المطلوب الذاتي هو التوصّل خارجاً، دون التوقّف، فلو فرض إمكان التفكيك بينهما، لكان الملاك هو التوصّل خارجاً دون التوقف.

و بما انّ المقدّمة في متن الواقع على قسمين يتعلّق الوجوب بالقسم الموصل في الواقع و نفس الأمر دون غيره.

و تظهر الثمرة بين القولين فيما إذا توقّف إنقاذ النفس المحترمة على إتلاف مال الغير إذا كان أقلّ أهمية منها، و لو افترضنا أنّه أتلفه و لم ينقذ الغريق، فعلى القول بوجوب مطلق المقدّمة لم يرتكب الحرام، لامتناع اجتماع الوجوب و الحرمة في شيء واحد، بخلاف ما إذا قلنا بوجوب المقدّمة الموصلة، فبما أنّها لم يكن موصلة لم تكن واجبة بل باقية على حرمتها.

و استدلّ على القول الثالث: بأنّ قصد التوصّل قيد للواجب، فالواجب هو خصوص ما أوتي به بقصد التوصّل.

يلاحظ عليه: أنّه دعوى بلا برهان، فإنّ ملاك الوجوب هو التوقّف إذا لم نقل بوجوب المقدّمة الموصلة و هو متحقّق فيما قصد به التوصّل و ما لم يقصد، و لا معنى لأخذ ما لا دخالة له في موضوع الوجوب.

فخرجنا بالنتائج التالية:

أ. عدم وجوب المقدّمة على الإطلاق.

ب. على فرض وجوبها فالواجب هو المقدّمة الموصلة.

ج. على القول بالملازمة بين الوجوبين يترتّب عليها وجوب المقدّمة في الواجبات و حرمتها في المحرمات، و بذلك تكون المسألة(وجوب المقدّمة) من المسائل الأُصولية لوقوعها كبرى لاستنباط حكم شرعي كما في الموارد التالية:

1.

إذا تعلّق النذر بالواجب، فلو قلنا بوجوب المقدّمة يكفي في الامتثال الإتيان بكلّ واجب غيري، و إلاّ فلا بدّ من الإتيان بواجب نفسي.

2.

إذا أمر شخص ببناء بيت، فأتى المأمور بالمقدّمات، ثمّ انصرف الآمر، فعلى القول بأنّ الأمر بالشيء أمر بمقدّمته يصير الآمر ضامناً لها، فيجب عليه دفع أُجرة المقدّمات و إن انقطع العمل.

3.

لو قلنا بوجوب المقدّمة شرعاً، يحرم أخذ الأُجرة عليها، كما إذا أخذ الأُجرة على تطهير الثوب الذي يريد الصلاة فيه، لما تقرر في محلّه من عدم جواز أخذ الأُجرة على الواجبات.

4.

لو كان لواجب واحد مقدّمات كثيرة، كالحجّ من أخذ جواز السفر، و تذكرة الطائرة، يحصل الفسق بترك هذين الأمرين على وجه لا يمكن تداركهما، لصدق الإصرار على الصغيرة إذا كانت مخالفة الأمر المقدّمي معصية صغيرة، و لا يتوقف حصول الفسق على ترك ذيها.

5. إذا كانت المقدّمة أمراً عبادياً، كالطهارات الثلاث، فلو قلنا بأنّ قصد الأمر الغير يكفي في كون الشيء عبادة، فعلى القول بوجوب المقدّمة يكفي قصد الأمر الغيري في عباديّتها، و إلاّ فلا بدّ في تصحيح عبادية الطهارات الثلاث من محاولة أُخرى مذكورة في محلّها.

في حكم مقدّمة المستحب و المكروه و الحرام

لو قلنا بوجوب مقدّمة الواجب تكون مقدّمة المستحب مستحبة، كالمشي إلى زيارة الرسول(صلى الله عليه و آله و سلم) ، إنّما الكلام في مقدّمة المكروه فالظاهر انّها مكروهة بعامة أجزائها كالمشي إلى الطلاق، لأنّ لكلّ جزء مدخلية في تحقّق المبغوض فيسري إليها البغض كسريان الحبّ إليها في مقدّمة الواجب.

و يمكن أن يقال بكراهة الجزء الأخير من العلّة التامة لموضوع المكروه.

و منه يظهر حال مقدّمة الحرام، فإذا كان الملاك للحرمة هو المدخلية فيحرم كلّ مقدّمة من مقدّمات الحرام، شرطاً كان أو معدّاً.

و هناك احتمال آخر و هو حرمة الجزء الأخير من العلّة التامة الذي لا ينفك عنه وجود المبغوض و على كلّ تقدير فالجميع فروض على أساس غير محقّق و هو وجوب المقدّمة أو حرمتها.

مميّزات الوجوب الغيري

ثمّ إنّه إذا قلنا بالوجوب الغيري فهو يتميز عن النفسي عند المشهور بوجوه:

1.

انّ الوجوب الغيري لا يوجد إلاّ بعد افتراض الوجوب النفسي، لكونه معلولاً له.

2.

انّ الوجوب الغيري لا يترتب على مخالفته العقاب لوضوح انّ العقاب

لا يتعدد، حسب تعدد مقدّمات الواجب النفسي.

3. الوجوب الغيري لا يكون مقصوداً بالذات في مقام الامتثال، و إنّما يكتسب المحبوبية من ناحية الوجوب النفسي الّذي يتوقف امتثاله على امتثال الواجب الغيري.

الفصل السابع: في ترتّب الثواب على امتثال الواجب الغيري

لا إشكال في أنّ ترك الواجب النفسي يستوجب العقاب، لأنّه تمرّد و طغيان على المولى، و خروج عن رسم العبوديّة و زيّ الرقية، و هو قبيح عقلاً و شرعاً، فيستوجب اللوم و العقاب.

كما لا إشكال في أنّ ترك الواجب الغيري بما هو هو لا يستوجب العقاب، غير أنّه لمّا كان تركه ملازماً لترك الواجب النفسي، فالعقاب إنّما هو على ترك النفسي لا على مقدّمته.

كما لا إشكال في أمر ثالث، و هو ترتّب الثواب على امتثال الواجب النفسي إذا قصد القربة و أتى به للّه سبحانه.

إنّما الكلام في أمر رابع و هو ترتّب الثواب على الواجب الغيري إذا أتى به بقصد التوصّل، و عدم ترتّبه عليه، و قبل الخوض في المقصود، نشير إلى مسألة كلامية، و هي:

هل ترتّب الثواب على امتثال التكليف على وجه الاستحقاق أو على وجه التفضّل؟ قولان: ذهب إلى الأوّل المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد و تبعه العلاّمة الحلّي في كشف المراد و مال إليه المحقّق الخراساني في الكفاية، و ذهب إلى الثاني الشيخ المفيد على ما نقل عنه.

أقول: أمّا الأوّل فالظاهر عدم ثبوته بل ثبوت خلافه، و ذلك لأنّ من عرف ربّه و عظمته، و عرف فقر نفسه، و أنّ ما يملكه من حول و قوة، و جارحة و جانحة، و ما يصرفه في طريق الطاعة، كلّه مفاض منه تعالى إليه، و ليس ملكاً للعبد، بل ملك له سبحانه، صدّق القول بعدم الاستحقاق، لأنّ القائل بالاستحقاق ذهب إلى أنّه يجب عليه سبحانه القيام به، و عَدّ تركه ظلماً منه للعباد، و هو لا يجتمع مع القول بأنّ المالك هو اللّه سبحانه على الإطلاق، لا غير، و أنّ جميع شئون العبد و حوله و قوّته و إرادته و فعله ملك للّه تعالى، فما أتى به العبد ليس سوى ما أعطاه إيّاه تعالى.

و إن شئت قلت: إنّ مثَل المخلوق إلى خالقه، مثَل المعنى الحرفي إلى الاسمي فلا يملك المعنى الحرفي لنفسه شيئاً سوى كونه موجوداً غير مستقل في ذاته و فعله، و عند ذلك كيف يستحقّ شيئاً في ذمة المولى، بحيث لو لم يؤدّه يكون ظالماً في حقّه؟! و إلى ذلك يشير قوله سبحانه:( يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (1)). (2)

و أمّا التّعبير في بعض الآيات »بالأجر« الظاهر في الاستحقاق كقوله سبحانه:( وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ (3)). (4)

و قوله سبحانه:( وَ اصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (5)) (6)إلى غير ذلك من الآيات، فإنّما هو من باب المشاكلة نظير التعبير بالاستقراض في قوله سبحانه:( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (7)). (8)1.


1) سوره 35 - آیه 15

2) . فاطر:15.

3) سوره 35 - آیه 7

4) . فاطر:7.

5) سوره 11 - آیه 115

6) . هود:115.

7) سوره 57 - آیه 11

8) . الحديد: 11.

و أمّا على القول الثاني أي كون الثواب تفضّلاً من اللّه سبحانه فيكون الثواب و العقاب بالجعل و المواضعة فله أن يتفضّل على العباد بالوعد كما أنّ له أن لا يتفضّل عليهم به.

نعم بعد ما وعد يمتنع عليه التخلّف لاستلزامه الكذب الذي هو قبيح على الحكيم.

و على ضوء ذلك يظهر حكم المسألة أي ترتّب الثواب على الواجب الغيري، فلو قلنا بأنّ الثواب على نحو الاستحقاق يكون المدار هو إطاعة أمر المولى، سواء أ كان المأمور به نفسياً أم غيرياً خصوصاً إذا أتى العبد بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى الواجب فيعد مطيعاً و المطيع مستحق للثواب من غير فرق بين إطاعة أمر دون أمر و لا بين كون الواجب محبوباً بالذات أو لا، لأنّ ملاك الاستحقاق هو أن يكون فعل العبد لأجل امتثال أمره سبحانه من دون أن ينبعث عن أهواء نفسية و كون المتعلّق غير محبوب بالذّات كما في الواجب الغيري لا يؤثر في صدق الطاعة و كون الفعل للمولى المستتبع للثواب.

و أمّا لو قلنا بأنّ الثواب بالجعل و المواضعة فيتبع مقدار الجعل و حدوده، و الظاهر من الكتاب هو الأعم و انّ الثواب يترتب على مقدّمة الواجب أيضاً كما في قوله سبحانه:( ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَ لا نَصَبٌ وَ لا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَ لا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَ لا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (1)) (2)فقد قدّر لطيّ الأرض و السفر إلى أرض المعركة، و ما يصيبهم في أثناء ذلك من ظمأ و تعب0.


1) سوره 9 - آیه 120

2) . التوبة:120.

و مشقة، أجراً، مع أنّها واجبات مقدمية غيرية ، و مثل ذلك ما ورد من ترتّب الثواب على كلّ خطوة يخطوها المؤمن المتوجّه لزيارة الإمام الطاهر الحسين بن علي(عليهما السلام). (1)3.


1) . لاحظ كامل الزيارات: 133.

الفصل الثامن : في تقسيم الواجب إلى مطلق و مشروط

اشارة

الفصل الثامن : في تقسيم الواجب إلى مطلق و مشروط (1)

إذا كان وجوب الشيء مشروطاً بوجود شيء، سواء أ كان أمراً خارجاً عن الاختيار كدلوك الشمس بالنسبة إلى وجوب صلاة الظهر، أم داخلاً في الاختيار كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ ، يطلق عليه الواجب المشروط.

و أمّا إذا كان وجوب الشيء غير مشروط بوجود الشيء بل يجب، سواء أ كان هذا الشيء موجوداً أو لا، يطلق عليه الواجب المطلق، و ذلك كوجوب الصلاة بالنسبة إلى الوضوء، فإنّ وجوبها ليست مشروطة بالوضوء على نحو لو لم يتوضأ لم تجب عليه الصلاة، بل الوجوب مطلق غاية الأمر انّ الوضوء شرط الصحة.

و بذلك يعلم أنّ الإطلاق و التقييد من الأُمور الإضافية كالأُبوّة و البنوّة و لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة و يجتمعان فيه من جهتين، مثلاً وجوب الصلاة بالنسبة إلى دلوك الشمس وجوب مشروط و هو بالنسبة إلى الوضوء وجوب مطلق، و تظهر ثمرة كون الوجوب مطلقاً أو مشروطاً في خصوص المقدّمات الاختيارية، فإن كان الوجوب مطلقاً بالنسبة إلى أمر مثلاً كالوضوء لزم تحصيل


1) . عقدنا الفصلين: الثامن و التاسع بعد فصل مقدمة الواجب لوجود صلة بينهما باعتبار انّ الشرط و المعلق عليه يعدان من المقدمات.

الوضوء و بذل المال لشراء ماء الوضوء، و أمّا إذا كان وجوبه مشروطاً به، فالوجوب لا يتحقّق إلاّ بعد وجود الشرط فلا وجه لوجوب تحصيله.

و منه يعلم أنّ المقسم هو تقسيم الوجوب إلى المطلق و المشروط و وصف الواجب بهما من قبيل الوصف بحال المتعلّق.

نظرية الشيخ الأنصاري في الواجب المشروط

ذهب المشهور إلى أنّ الوجوب في الواجب المشروط مقيّد بالقيود المأخوذة في لسان الدليل، فالوجوب غير حاصل ما لم تحصل هذه القيود. و أمّا المادّة التي تلبّست بها الهيئة، فهي باقية على إطلاقها. و معنى قوله سبحانه:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ (1)) هو تجب عند دلوك الشمس الصلاة، فالوجوب مقيّد بدلوكها و إن كانت المادة أعني: نفس الصلاة باقية على إطلاقها. فالقيد راجع إلى الهيئة.

و خالف في ذلك الشيخ الأعظم في تقريراته (2)فاختار انّ القيود كلّها من خصوصيات المادة و أمّا الهيئة فهي باقية على إطلاقها. وعليه يصير معنى الآية المذكورة: تجب الصلاة المقيدة بالدلوك، كما أنّه يصير محصل قولك: »أكرم زيداً إن جاء« أنّه يجب الإكرام المقيد بالمجيء.

و عند ذلك تختلف النتيجة، فعلى المشهور، لا وجوب ما لم يتحقّق القيد أي الدلوك. و على قول الشيخ الوجوب حاليّ، و إن كان ظرف العمل استقبالياً.

يلاحظ على نظرية الشيخ بأنّ القيود بحسب اللب و الواقع على قسمين، و لا معنى لجعلهما قسماً واحداً.

فإنّ قسماً منها يرجع إلى مادة الواجب كما إذا ترتبت المصلحة على الصلاة


1) سوره 17 - آیه 78

2) . مطارح الأنظار:4645.

في المسجد و الطواف حول البيت لا على نفس الصلاة و الطواف المطلق. فلا شكّ انّ القيد »في المسجد«، »حول البيت« من قيود الصلاة فلأجل ذلك يجب عليه تحصيل المسجد لإقامة الصلاة فيه و شدّ الرحال إلى مكة المكرّمة للطواف.

و أنّ قسما منها يكون مؤثراً في ظهور الإرادة و بعث المولى بحيث لو لا الشرط لما كان هناك بعث و لا طلب فلا شكّ انّه من قيود الهيئة، فإذا قال: إن أفطرت فكفِّر و إن ظاهرت فأعتق، فانّ تعلّق إرادة المولى بالتكفير بصورة الإيجاب، رهن صدور عمل محرم من العبد كالإفطار في شهر رمضان و الظهار بحيث لولاهما لما صدر منه بعث إلى التكفير و لا أمر بالعتق فيكون »الافطار« في قوله: »إن أفطرت فكفِّر« قيداً للبعث الحاكي عن الإرادة.

و لنمثِّل مثالاً آخر: انّ حجّ المتسكع ذو مصلحة، كما أنّ أداء الزكاة قبل بلوغ النصاب لا يخلو من مصلحة غير انّ إرادة المولى أو بعثه مشروطة بالاستطاعة و بلوغ الغلة حدّ النصاب، و ما ذلك إلاّ للزوم الحرج و الضيق على المكلّفين لو لم يقيد الوجوب بالاستطاعة و بلوغ النصاب.

فإذا كانت ماهية الشروط على قسمين مختلفين فلا وجه لجعلها قسماً واحداً كما عليه المحقّق الأنصاري.

الفصل التاسع: في تقسيم الواجب المطلق إلى منجَّز و معلَّق

اشارة

إنّ صاحب الفصول قد قسّم الواجب المطلق إلى قسمين: منجز و معلّق، فقال:

إذا تعلّق الوجوب بالمكلّف به كمعرفة اللّه و لم يتوقّف حصول الواجب على أمر غير مقدور يسمّى منجزاً، و إن تعلّق به و توقّف حصول الواجب في الخارج على أمر غير مقدور كالوقت في الحج يسمى معلّقاً فانّ وجوبه يتعلّق بالمكلف من أوّل زمان الاستطاعة أو خروج الرفقة و يتوقف فعله على مجيء وقته و هو غير مقدور. (1)

و حاصله: أنّه إذا لم يكن وجوب الواجب، و لا امتثال نفس الواجب، متوقفين على حصول أمر غير مقدور، فهو الواجب المنجز كالمعرفة.

و إن كان وجوبه غير متوقف على شيء لكن كان امتثال الواجب متوقفاً على حصول أمر غير مقدور، فهو الواجب المعلّق، أي عُلِّق الإتيان به على مجيء زمنه، كما هو الحال في المستطيع عند وجود جميع المقدّمات قبل حلول أيّام الحجّ.

فالوجوب في كلتا الصورتين فعليّ، غير انّ الواجب في الأوّل(المعرفة) فعلي دون الثاني، فانّ الواجب فيه استقبالي.


1) . الفصول: 81 بتلخيص.

ثمرة التقسيم إلى المنجز و المعلّق

ثمّ إنّ الداعى إلى هذا التقسيم هو دفع الإشكال عن المقدّمات المفوِّتة حيث إنّ المشهور هو انّ فعلية وجوب المقدّمة يتبع فعلية وجوب ذيها، و مع ذلك نرى في الشريعة الإسلامية موارد توهم خلاف ذلك حيث وجبت المقدّمة قبل وجوب ذيها و ذلك في الموارد التالية:

أ: وجوب الاحتفاظ بالماء قبل الوقت لواجده إذا علم عدم تمكّنه منه بعد دخول الوقت.

ب: وجوب الغسل ليلة الصيام قبل الفجر للجنب و المستحاضة.

ج: وجوب تحصيل المقدّمات الوجودية بعد الاستطاعة قبل فوت الحجّ.

د: وجوب تعلّم الأحكام للبالغ قبل مجيء وقت الوجوب إذا ترتّب على ترك التعلّم فوت الواجب في ظرفه.

ففي هذه الموارد تنهدم القاعدة المعروفة من »انّ فعليّة وجوب المقدّمة يتبع فعلية وجوب ذيها« لوجوب المقدّمة فيها قبل وجوب ذيها.

هذا هو الإشكال و قد تخلّص منه صاحب الفصول بتقسيم الواجب المطلق إلى المنجز و المعلّق، و القول بأنّ الواجب في هذه الموارد من قبيل الواجب المعلّق، فالوجوب فعلي قبل الوقت و إن كان الواجب استقبالياً، فلا يلزم انهدام القاعدة. لأنّ وجوب المقدّمة المفوّتة في هذه الموارد لأجل فعلية وجوب ذيها و لا تنافي استقبالية الواجب لوجوب المقدّمة بالفعل.

ثمّ إنّ من أنكر تقسيم الواجب المطلق إلى المنجز و المعلّق، تخلص من الإشكال في هذه الموارد بوجوه أُخرى مذكورة في دراسات عليا.

الفصل العاشر: في اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه

اشارة

اختلفت كلمة الأُصوليّين في اقتضاء وجوب الشيء لحرمة ضدّه، و الضدّ على قسمين:

أحدهما: الضدّ العام و هو بمعنى النقيض، فلو أمر بالصّلاة يكون تركها محرماً.

ثانيهما: الضدّ الخاص و هو الفعل الوجودي الذي لا يجتمع مع الفعل الواجب، كما إذا أمر بإزالة النجس عن المسجد فوراً و قد دخل وقت الصلاة، فلو قلنا بالاقتضاء يكون الأمر بالإزالة نهياً عن الصلاة.

في حكم الضدّ العام

أمّا الضدّ العام فلا يخلو إمّا أن يكون الاقتضاء بالدلالة المطابقية بأن يكون الأمر بالشيء عين النّهي عن تركه، أو بالدلالة التضمنية بأن يكون الأمر بالشيء بمعنى طلب ذلك الشيء و المنع عن تركه، فالوجهان لا يرجعان إلى شيء لما عرفت من أنّ مفاد الأمر هو البعث إلى الشيء و ليس فيه أيّ دلالة على حكم الترك فضلاً عن كون النّهي عنه على نحو العينية أو الجزئية، و أمّا الدّلالة على النّهي بنحو الدلالة الالتزامية فهي تتصور على نحوين:

الأوّل: الالتزام بنحو اللّزوم البين بالمعنى الأخص بأن يكون نفس تصوّر

الوجوب كافياً في تصوّر المنع عن الترك.

الثاني: الالتزام بنحو اللّزوم البيّن بالمعنى الأعم بأن يكون تصوّر الطرفين(الأمر بالشيء و النهي عن الضدّ العام) و النسبة كافياً في التصديق بالاقتضاء.

أمّا الأوّل فواضح الانتفاء، إذ كيف يصحّ ادّعاء الدلالة الالتزامية بهذا النحو، مع أنّ الإنسان كثيراً ما يأمر بشيء و هو غافل عن الترك فضلاً عن النّهي عنه؟ و أمّا الثّاني: ففيه انّ هذا النحو من النهي يدور أمره بين عدم الحاجة و اللغوية ، و ذلك لأنّ الأمر بالشيء إذا كان باعثاً نحو المطلوب يكون النّهي عن الترك غير محتاج إليه إلاّ إذا كان تأكيداً للأمر و لكنّه خارج عن محط البحث، و إذا لم يكن باعثاً نحو المطلوب، يكون النهي عن الترك لغواً لعدم ترتّب الفائدة عليه.

هذا كلّه حول الضد العام.

أمّا الضدّ الخاص، فقد استدلّ عليه بوجهين:

أحدهما:مسلك المقدمية.

الثاني: مسلك الملازمة.

أمّا الأوّل فهو مبني على تسليم أُمور ثلاثة:

1.

انّ ترك الضدّ كالصلاة مقدّمة للمأمور به كالإزالة.

2.

انّ مقدّمة الواجب واجبة فيكون ترك الصلاة واجباً بهذا الملاك.

3.

انّ الأمر بالشيء(و هو في المقام قوله: اترك الصلاة) يقتضي النهي عن ضدّه العام، أعني: نقيض المأمور به و هو هنا نفس الصلاة.

و أنت خبير بعدم صحّة واحد من هذه الأُمور.

أمّا الأمر الأوّل أي كون ترك الضد مقدّمة للمأمور به فغير صحيح، إذ لا

مقدّمية لترك أحد الفعلين لإيقاع الفعل الآخر، فلا ترك الصلاة مقدّمة للإزالة و لا ترك الإزالة مقدّمة للصّلاة، بل غاية الأمر انّ بينهما منافرة و معاندة لا يجتمعان في زمان واحد. و أمّا كون أحد التركين مقدّمة للآخر فلا، لأنّ السبب الحقيقي لتحقّق كلّ واحد من الضدّين، هو إرادة المكلّف و اختياره، فإذا وقع امام الضدين و رأى انّ الجمع بينهما أمر غير ممكن، يختار واحداً منهما ، و يترك الآخر، حسب اقتضاء غرضه، من دون أن يكون ترك أحدهما مقدّمة لفعل الآخر.

و يمكن إبطاله أيضاً بوجه آخر و هو انّ جعل العدم موقوفاً عليه غفلة عن حقيقة العدم، فإنّ العدم أمر ذهني لا وجود له في الخارج كما هو واضح، و ما هو هذا شأنه لا يكون مؤثّراً و لا متأثّراً و لا موقوفاً و لا موقوفاً عليه.

و أمّا الأمر الثاني، أي وجوب المقدّمة التي هي »ترك الصلاة« فقد عرفت ضعفه لما عرفت من أنّ وجوب المقدّمة دائر بين ما لا حاجة إليه أو كونه لغواً.

و أمّا الأمر الثالث أي كون الأمر بالشيء حتّى الأمر المقدّمي مثل »اترك الصلاة«، يقتضي النهي عن ضدّه العام و نقيضه أي الصلاة ففيه انّ هذا النهي(لا تصلّ) امّا غير محتاج إليه إذا كان الأمر بالترك باعثاً، أو لغو إذا كان الأمر بالترك غير باعث.

إلى هنا تمّ الكلام في اقتضاء وجوب الشيء حرمة ضدّه سواء أُريد منه الضدّ العام أو الخاص من باب المقدمية.

و أمّا المسلك الثاني، أي مسلك الملازمة فقد أوضحنا حاله في الموجز (1)فلا نطيل فلاحظ.6.


1) . الموجز:5756.

الثمرة الفقهية للمسألة

تظهر الثمرة الفقهية للمسألة في بطلان العبادة إذا ثبت الاقتضاء، فإذا كان الضدّ عبادة كالصلاة، و قلنا بتعلقّ النهي بها بأحد المسلكين السابقين تقع فاسدة، لأنّ النهي يقتضي الفساد، فلو اشتغل بالصلاة حين الأمر بالإزالة تقع صلاته فاسدة، أو اشتغل بها، حين طلب الدائن دينه.

ثمّ إنّ شيخنا بهاء الدين العاملي أنكر الثمرة، و قال: إنّ الصلاة باطلة سواء أقلنا باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه أم لم نقل.

أمّا على الصورة الأُولى فلأجل النهي، و أمّا على الصورة الثانية فلأجل سقوط الأمر بالصلاة، لأنّ الأمر بالشيء و إن لم يستلزم النهي عن الضدّ و لكن يستلزم سقوط الأمر بالضدّ في ظرف الأمر بالإزالة لئلا يلزم الأمر بالضدين في وقت واحد، فنفس عدم الأمر كاف في البطلان و ان لم يتعلّق بها النهي.

فالمسألة فاقدة للثمرة على كلّ حال، لأنّ الصلاة باطلة إمّا لكونها محرّمة على القول بالاقتضاء، أو غير واجبة على القول بإنكار الاقتضاء، و معنى عدم وجوبها، عدم تعلّق الأمر بها و هو يلازم البطلان.

ثمّ إنّ المتأخّرين من الأُصوليّين حاولوا إثبات صحّة الصلاة مع سقوط أمره من طريقين:

الأوّل: صحّة الصلاة لأجل وجود الملاك في الضدّ المبتلى به.

الثاني: الأمر بالضدّ على نحو الترتّب، أي بشرط عصيان الأمر بالأهم، كأن يقول: أزل النجاسة و إن عصيت فصلِّ.

أمّا الوجه الأوّل، فقد اختاره المحقّق الخراساني، و ذلك لأنّ تعلّق النهي يلازم فساد العبادة لا عدم تعلّق الأمر، و المقام من قبيل الثاني لا الأوّل. فإذا

كانت العبادة غير منهية عنها يكون محكوماً بالصحّة و إن لم يكن هناك أمر و ذلك لكفاية الملاك و الرجحان الذاتي فيها، إذ الفرد المزاحِم للعبادة و غير المزاحِم سيان في الملاك و المحبوبية الذاتية، إذ غاية ما أوجبه الابتلاء بالأهم هو سقوط أمره و أمّا ملاكه فهو بعدُ باق عليه.

هذا هو حال الوجه الأوّل، و أمّا حال الوجه الثاني فهو المعروف بمسألة الترتّب يطلب من دراسات عليا.

الفصل الحادي عشر: متعلّق الأوامر

اشارة

هل الأوامر و النواهي تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟ فنقول: المراد من الطبيعة: هو المفهوم الكلي من غير فرق بين أن يكون من الماهيات الحقيقية، كالأكل و الشرب; أو الماهيات المخترعة، كالصلاة و الصوم.

و المراد من الأفراد: هي الطبيعة مع اللوازم التي لا تنفك عنها لدى وجودها و لا يمكن إيجادها في الخارج منفكة عنها، فوقع النزاع في أنّ متعلّق الأمر هل هو نفس الطبيعة الصرفة بحيث لو قدر المكلّف على الإتيان بها مجرّدة عن المشخصات الفردية لكان ممتثلاً لأوامر المولى، أو أنّ متعلّقه هو الطبيعة مع اللوازم الفردية ؟ و على ذلك، فالمراد من الطبيعة هو ذات الشيء بلا ضم المشخّصات، كما أنّ المراد من الفرد ذاك الطبيعي منضماً إلى المشخّصات الفردية الكلية، مثلاً:

إذا قال: المولى أكرم العالم، فهل متعلّق الأمر هو نفس ذلك المفهوم الكلي أي إكرام العالم أو هو مع المشخّصات الملازمة للمأمور به، كالإكرام في زمان معين، أو مكان معين، و كون الإكرام بالضيافة، أو بإهداء الهدية إلى غير ذلك من العوارض.

إذا وقفت على معنى الطبيعة و الأفراد في عنوان البحث، فنقول:

الحق أنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة دون الفرد، لأنّ البعث و الطلب لا يتعلّقان إلاّ بما هو دخيل في الغرض و يقوم هو به، و لا يتعلّقان بما هو أوسع ممّا يقوم به الغرض و لا بما هو أضيق منه، و ليس هو إلاّ ذات الطبيعة دون مشخّصاتها، بحيث لو أمكن للمكلّف الإتيان بذات الطبيعة بدونها لكان ممتثلاً.

و على هذا فالطبيعة بما هي هي متعلّقة للطلب و البعث.

و بذلك يعلم أنّ متعلّق الزجر في النهي هو نفس متعلّق الأمر أي الطبيعة.

و الحاصل: أنّ محصّل الغرض هو المحدِّد لموضوع الأمر، و قد عرفت أنّ المحصّل هو نفس الطبيعة لا المشخّصات، كالزمان و المكان و سائر عوارض الطبيعة.

ثمرة المسألة

تظهر الثمرة في باب الضمائم، كما إذا توضأ في الصيف بماء بارد و قصد القربة في أصل الوضوء لا في الضمائم، فلو قلنا بتعلّق الأمر بالطبائع لكفى وجود القربة في أصل الوضوء بالماء و إن لم يقصد القربة في الضمائم، و أمّا لو قلنا بتعلّقه مضافاً إلى الطبيعة بالأفراد أي اللوازم لبطل الوضوء لعدم قصد القربة فيها بل لأجل التبريد مثلاً.

تفسير خاطئ للفرد في المقام

نعم ربّما يفسر الفرد، بالفرد الخارجي أو المصداق من الطبيعة و يقال: هل الأمر يتعلّق بالمفهوم الكلي كالصلاة، أو يتعلّق بالفرد الخارجي الذي يمتثل به المكلّف؟

لكنّه تفسير خاطئ، لأنّ الفرد بهذا المعنى لا يتحقّق إلاّ في الخارج و هو ظرف سقوط التكليف، و ليس ظرفاً لعروضه، و البحث إنّما هو في معروض التكليف لا فيما يسقط به، بل المراد من الفرد في المقام هو الطبيعة مع العوارض و المشخّصات كما مثلنا، و هما كالطبيعة من الأُمور الكليّة.

نعم، المراد من الفرد في مبحث اجتماع الأمر و النهي عند القائل بالامتناع هو الفرد الخارجي، و المصداق المعين من الطبيعة، فاحفظ ذلك لئلاّ يختلط الاصطلاحان في المقامين عليك.

الفصل الثاني عشر: التخيير بين الأقلّ و الأكثر

لا إشكال في التخيير بين المتباينين كما هو الحال في خصال الكفّارة إنّما الإشكال في جوازه بين الأقلّ و الأكثر، كتخيير المصلّي بين تسبيحة واحدة أو ثلاث تسبيحات، و ذلك لأنّ الأقل يحصل دائماً قبل الأكثر فيسقط به الأمر، و لا تصل النوبة إلى الامتثال بالأكثر، و لأجل ذلك حمل الزائد على التسبيحة الواحدة على اجتماع الواجب مع المستحب.

و قد قام بعض المحقّقين بتصحيح التخيير بينهما بالبيان التالي و هو:

إذا كان الأثر مترتباً على الفرد التام من الأقل و الفرد التام في الأكثر يصحّ التخيير بين الفرد الأقل و الفرد الأكثر، و ذلك لأنّ الأقلّ الموجود في ضمن الأكثر لا يكون مصداقاً للواجب الأقلّ و إنّما يكون مصداقاً له إذا وجد بحده و بصورة فرد مستقل و هو لا يتحقّق إلاّ بفصله عن الزائد، و أمّا إذا وجد متصلاً معه فلا يكون فرداً للأقل المأمور به و إن كان مصداقاً لذات الأقل.

نعم لو كان الأثر مترتباً على مطلق الأقل الأعم من أن يكون مستقلاً أو موجوداً في ضمن الأكثر فلا يصحّ التخيير إذ لا تصل النوبة في مقام الامتثال إلى الامتثال بالأكثر، لأنّ المأتي به لا يخلو إمّا أن يكون فرداً مستقلاً للأقل فيسقط الأمر به، أو يكون في ضمن الأكثر فيتحقّق قبل تحقّق الأكثر.

و بعبارة أُخرى يصحّ التخيير بين الفرد بشرط لا، و الفرد بشرط شيء و لا يصحّ التخيير بين الفرد اللابشرط و البشرطشيء ، لأنّ الأقل يتحقّق دائماً قبل الأكثر.

يلاحظ عليه: أنّ التخيير بين الفرد »بشرط لا« و الفرد »بشرط شيء« ليس من قبيل التخيير بين الأقل و الأكثر بل من قبيل التخيير بين المتباينين. و ذلك لأنّ الأقل الموجود بحده و بصورة »بشرط لا« لا يعدُّ أقلّ بالنسبة إلى الأكثر، بل هو فرد مباين للأكثر، فعندئذ يصبح التخيير بين المتباينين و هو خارج عن الفرض.

و أمّا التخيير بين ذات الأقل اللابشرط و الأكثر فهو كما أفاده أمر غير صحيح لوجود الأقلّ في ضمن الأكثر فيسقط الأمر بالإتيان بالأقل من دون حاجة إلى الأكثر، و على ضوء هذا فالخط القصير المحدود بحد، و الطويل المحدود بحد، و إن كان يصحّ التخيير بينهما، لكنّهما ليسا من قبيل الأقلّ و الأكثر بل من قبيل المتباينين.

و أمّا ذات الخط القصير الأعمّ من المحدود، و الموجود في ضمن الأكثر، فهو و إن كان بالنسبة إلى الأكثر من قبيل الأقل و الأكثر، لكنّه لا يصحّ التخيير بينهما لسقوط الأمر مطلقاً بالأقل الأعم من المحدود، أو الموجود في ضمن الأكثر.

و مثله التسبيحات الأربع، فانّ الغرض إذا كان مترتباً على التسبيحة الواحدة المقيّدة بالوحدة بحيث تخرج عن قابلية لحوق الزائد عليها بها، و إن صحّ التخيير لكنّه تخيير بين المتباينين. أمّا التخيير بين ذات الأقل و الأكثر فقد عرفت لغوية الأمر بهذا النحو.

قد تمّ الكلام في الأوامر ضمن اثني عشر فصلاً و يليه البحث في النواهي

المقصد الثاني: في النواهى

اشارة

الكلام في النّواهي على غراره في الأوامر، فيبحث فيها تارة عن مفاد مادة النّهي، و أُخرى عن مفاد هيئته، و ثالثة عن دلالتها على المرة أو التكرار، إلى غير ذلك ممّا يمتُّ إليها بصلة. و بما انّا أشبعنا الكلام في هذه المقامات في »الموجز« عند البحث في الأوامر فلا نرى حاجة إلى التكرار في المقام. فلنعطف عنان الكلام إلى تبسيط ما أوجزناه أو ما لم نتعرض له فيه. و يتم الكلام في هذين الأمرين ضمن فصول:

الفصل الأوّل: في اجتماع الأمر و النّهي الفصل الثاني: في اقتضاء النهي في العبادات للفساد الفصل الثالث: في اقتضاء النهي في المعاملات للفساد

الفصل الأوّل: في اجتماع الأمر و النّهي

و قبل الخوض في صلب الموضوع نقدّم أُموراً:

1. في عنوان البحث

هل يجوز اجتماع الأمر و النّهي على عنوانين متصادقين على واحد في الخارج أو لا؟ كما إذا أمر بالصّلاة على وجه الإطلاق و نهى عن الغصب كذلك فتصادقا في الصلاة في الدار المغصوبة، فيقع الكلام في أنّه هل يمكن الأخذ بإطلاق الدليلين في مورد التصادق أو لا ؟ لا شكّ انّه يجب الأخذ بكلّ من الأمر و النهي في موردي الافتراق إنّما الكلام في إمكان الأخذ بكلا الإطلاقين في مورد التصادق بأن يكون للمولى فيه أمر و نهي، بعث و زجر، أو لا. فيه قولان: قول بجواز الاجتماع، و قول بامتناعه.

فالقائل بجواز الاجتماع يأخذ بإطلاق كلا الدليلين و يُعدُّ المصلّي في الدار المغصوبة، ممتثلاً من جهة، و عاصياً من جهة أُخرى و القائل بالامتناع يقول بلزوم الأخذ بأحد الإطلاقين و رفض الإطلاق الآخر في مورده.

و بما ذكرنا ظهر انّ متعلّق التكليف هو الطبيعتان المختلفتان باسم الصلاة و الغصب، و أمّا الواحد فهو ما يتصادق عليه المتعلّقان و يتمَّثلان فيه. فيرجع روح

النزاع إلى إمكان حفظ الإطلاقين في ذلك المورد و عدم حفظه، فالقائل بالاجتماع يحتفظ بهما دون القائل بالامتناع فيأخذ بأحدهما إمّا الأمر و إمّا النهي.

كما ظهر انّ النزاع كبروي و هو جواز الأخذ بالإطلاقين في مورد التصادق و عدمه.

2. الفرق بين المسألتين

قد ذكرنا في الموجز (1)انّ الفرق بين هذه المسألة و ما سيأتي من دلالة النهي في العبادات و المعاملات على الفساد واضح جدّاً، لأنّ المسألتين تفترقان موضوعاً و محمولاً، و ما كان كذلك يكون غنيّاً عن بيان الفرق، فأين هذه المسألة(هل يجوز اجتماع الأمر و النهي على عنوانين متصادقين على واحد في الخارج أولاً) من قولنا: »هل النهي في العبادات أو المعاملات يدل على الفساد أو لا؟« فليس بينهما وجه اشتراك حتى نبحث عن وجه الامتياز.

3. الفرق بين المقام و ما يأتي في باب التعارض

ربما يتبادر إلى الذهن أنّ البحث في المقام يُشبه البحث في حكم العامين من وجه في باب التعادل و الترجيح، توضيحه:

إذا تعلّق الأمر بعنوان، و النهي بعنوان آخر و كان بين العنوانين عموم و خصوص من وجه كما إذا قال: أكرم العلماء ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق، فتصادقا في العالم الفاسق، فقد عدّ الأُصوليّون المسألة في مورد الاجتماع من أقسام التعارض مع أنّ هذا المقام يماثله إلى حدّ كبير، حيث إنّ الأمر تعلّق بالصلاة و النهي بالغصب و بين العنوانين عموم و خصوص من وجه و تصادقا في مورد واحد، فيقع


1) . الموجز:72.

الكلام فيما هو الفرق بين المقام و المذكور في باب التعادل و الترجيح حيث جعلوا الثاني من قبيل المتعارضين، دون الأوّل.

و الجواب وجود الفرق بين المسألتين و هو: انّه إذا كان لكلّ من العنوانين مناط و ملاك في مورد التصادق فهو من هذا الباب كما في المثال المعروف حيث إنّ الصلاة في الدار المغصوبة ذات مصلحة كما أنّها ذات مفسدة، و لذلك يعبر عنه بالمتزاحمين كانقاذ الغريقين، و هذا بخلاف ما ورد في باب التعادل و الترجيح حيث لم يحرز المناط إلاّ لأحد العنوانين دون الآخر، فالعالم الفاسق أمّا ذو مصلحة بلا مفسدة أو على العكس و لذلك يعبر عنهما بالمتعارضين، بل يحتمل أن لا يكون لواحد منهما ملاك لاحتمال كذب كلا الخبرين واقعاً، و إن كانا حجّتين في الظاهر. (1)

إذا عرفت هذه الأُمور فلنرجع إلى ذكر أدلّة الطرفين، و لنقدم دليل القائل بالجواز ثمّ نردفه بذكر دليل القائل بالامتناع.

دليل القائل بجواز الاجتماع

قد استدلّ للقول بالجواز بوجوه ستة (2)نذكر وجهاً واحداً و هو أمتنها:

لو كان متعلّق الأمر و النهي شيئاً واحداً كان للامتناع وجه، كما إذا أمر بانجاز أمر في زمان خاص ثمّ نهى عنه في نفس ذلك الزمان ،فمن المعلوم انّه


1) . ما ذكرناه هو خيرة المحقّق الخراساني في الكفاية، و قد بسط الكلام فيه تحت عنوان الأمر الثامن و التاسع بتفصيل لا يخلو من تعقيد.

2) . من أراد الوقوف على تلك الوجوه فعليه الرجوع إلى محاضراتنا: المحصول في علم الأُصول: 2/208 235، و ما ذكرناه في المتن هو عصارة ما ذكره سيد مشايخنا البروجردي و شيَّد أركانه السيد الإمام الخميني(قدس سرهما) لكن بتوضيح و تحقيق منّا.

محال، لأنّه تكليف بالمحال بل يمكن أن يقال انّه تكليف محال. (1)

و أمّا إذا كان مختلفاً كالصلاة و الغصب فلا مانع من تعلّق الأمر بحيثية و النهي بحيثية أُخرى و إن تصادق المتعلّقان في مقام الامتثال في شيء واحد شخصي، لأنّ الحيثية التي تجعله مصداقاً للمأمور به غير الحيثية التي تجعله مصداقاً للمنهي عنه. هذا هو إجمال الدليل.

توضيحه: انّ الأمر لا يتعلّق إلاّ بما هو المحبوب دون الخصوصيات التي لا دخل لها فيه، سواء أ كانت ملازمة أو مفارقة، و هكذا النهي لا يتعلق إلاّ بما هو المبغوض و فيه الملاك دون اللوازم و الخصوصيات، و على ذلك فما هو المأمور به هو الحيثية الصلاتية و إن قارنت الغصب في مقام الإيجاد، و ما هو المنهي عنه هو الحيثية الغصبية و إن قارنت الصلاة في الوجود الخارجي، فالخصوصيات الملازمة (كاستدبار الجدي عند الصلاة إلى القبلة) أو المفارقة(كالغصب بالنسبة إلى الصلاة في المقام) كلّها خارجة عن حريم الأمر و النهي و لو تعلّق الأمر أو النهي بها لكان من قبيل تعلّق الارادة بشيء لا ملاك فيه و ليس دخيلاً في الغرض و هو محال على الحكيم.

و إن شئت قلت: إنّ الإرادة التشريعية كالإرادة التكوينية فكما أنّ الثانية لا تتعلّق حسَب اللبّ إلاّ بما هو الدخيل في الغرض، المحصِّل له. و لا تسري إلى ما لا مدخلية له فيه فهكذا الإرادة التشريعية لا تتعلّق إلاّ بما هو المحصِّل لغرض المريد دون ما لا دخل له فيه، فالمتعلّق في كليهما واحد. و قد عرفت أنّ المحقِّق للغرض هو الحيثية الصلاتية في الأمر، و مثل الارادة التشريعية، الزجر التشريعي فانّه يتعلّق بالحيثية الغصبية لانّها المبغوضة من دون أن يتجاوز الزجر من الحيثية الغصبية إلى الحيثية الصلاتيّة.ر.


1) . الفرق بينهما واضح، ففي الأوّل الموصوف بالمحال هو المكلّف به، و في الثاني نفس التكليف و ظهور إرادتين مختلفين في ذهن الآمر.

نعم فرق بين الخصوصية المتلازمة و الخصوصية المفارقة، فانّ الأُولى كالزوجية بالنسبة إلى الأربعة لا يمكن أن يكون حكمها(لكونها خصوصية ملازمة) مضاداً للملزوم، فلو أمر بإيجاد الأربعة يمتنع عليه أن ينهى عن الزوجية. و هذا بخلاف ما إذا كانت الخصوصية(كالغصب بالنسبة إلى الصلاة في الدار المغصوبة) مفارقة فيمكن أن يكون الخصوصية محرّمة و نفس الفعل واجباً كما في المقام. و لا يلزم أي محذور فيه كالتكليف بالمحال إذ في وسع المكلّف امتثال المأمور به في غير المكان المغصوب، لكنّه إذا أتى به في المكان المغصوب فقد جاء بالواجب منضماً إلى الحرام الذي له فيه مندوحة. و لكلّ حكمه، فلو كان الواجب توصلياً برأت ذمة المكلّف و لو كان تعبدياً كما في المقام يتوقف الامتثال على تمشّي قصد القربة كما في الجاهل.

فقد خرجنا بالنتيجة التالية:انّه لا مانع من حفظ إطلاق كلا الدليلين: »صلّ و لا تغصب« في مورد التصادق الذي جمع المكلف بين المأمور به و المنهي عنه في مصداق واحد بسوء اختياره، فالوجوب سائد غير ساقط كما أنّ النهي كذلك و أنّ البعث و النهي في زمان واحد لا يستلزم الأمر بالمحال لما عرفت من أنّ الخصوصية، مفارقة لا ملازمة، و لا يشترط في المفارق عدم التضاد في الحكم و إنّما يشترط في الخصوصية الملازمة.

و لك أن تقرر هذا الدليل بوجه آخر، و هو انّ محذور الامتناع أحد أُمور ثلاثة:

أ: أن يكون هناك تضاد في مقام الجعل و التشريع.

ب: أن يكون هناك تضاد في مبادئ الأحكام.

ج: أن يكون تضاد في ملاكات الأحكام.

د: أن يكون تضاد في مقام الامتثال.

و من حسن الحظ انّه ليس هناك أيُّ تضاد في واحد من هذه المقامات.

أمّا مقام الجعل و التشريع فقد عرفت أنّ الحكم يتعلّق بما هو دخيل في تحصيل الغرض و لا يسري إلى الخصوصيات الملازمة أو المقارنة، فالوجوب يتعلّق بالصلاة بما هي هي، و الحرمة بالغصب بما هو هو، و أمّا الأمر الخارج عن تينك الطبيعتين فلا يكون متعلقاً للأمر و لا للنهي.

و أمّا مبادئ الأحكام الّتي يراد بها الحب و البغض و المصلحة و المفسدة فيجتمعان بلا تضاد فيها. حيث إنّ الحب يتعلّق بالصلاة بما هي هي و الكراهة بالغصب بما هو هو، فالمحبوب هو الحيثية الصلاتية كما أنّ المبغوض هو الحيثية الغصبية.

و أمّا ملاكات الأحكام فالمصلحة قائمة بالصلاة، و المفسدة قائمة بالغصب، و العمل بما هو صلاة، ذو مصلحة و بما هو غصب ذو مفسدة، و بما انّ العمل ليس أمراً بسيطاً، فلا مانع من أن يكون ذا مصلحة و مفسدة لحيثيتين مختلفتين، نظير إطعام اليتيم في الدار المغصوبة فلا تضاد في ملاكات الأحكام.

و أمّا عدم لزوم المحذور(التكليف بغير المقدور) في مقام الامتثال فتوضيحه يتم ببيان أمرين:

1.

إنّ تعلّق الوجوب بالحيثية الصلاتية، و تعلّق الحرمة بالحيثية الغصبية و تصادقهما في الصلاة في الدار المغصوبة، لا يوجد مشكلاً أبداً، و لا يدفعنا إلى الأخذ بأحد الإطلاقين و رفع اليد عن الإطلاق الآخر و ذلك لانّها لو كانت الحيثية الثانية من اللوازم غير المنفكة، كان لتوهم »التكليف بغير المقدور« مجال، إذ كيف يمكن أن يأمر بالصلاة و هي لا تنفك دائماً عن الغصب المبغوض، و أمّا إذا كانت الحيثية الثانية من الأُمور المقارنة، التي كثيراً ما تنفك عن الأُخرى فلا يلزم المحال في مقام الامتثال إذ في وسع المكلّف امتثال الواجب في مكان مباح.

2.

انّ تصادق العنوانين على الحركة الواحدة لا يستلزم اجتماع حكمين

متضادين في أمر واحد لما عرفت من انّ الأحكام لا تتعلق بالخارج بل تتعلّق بالعناوين الكلية، فالواجب و الحرام هما عنوانا الصلاة و الغصب الكليين، و معنى اجتماع الوجوب و الحرمة في الصلاة في الدار المغصوبة هو بقاء الحكمين الكليين على عنوانيهما في نفس المورد من دون إخراج المورد عن تحت أحدهما و إدخاله تحت الآخر.

و أمّا الحركة في الدار فمع انّها ليست متعلّقة للأحكام لكنّها بما انّها مصداق للعنوان الواجب يتحقّق بها الطاعة و بما انّها مصداق للعنوان المحرم يتحقّق به العصيان، فكونها محقّقة للطاعة و العصيان ليس بمعنى كونها محلاً لتوارد الوجوب و الحرمة عليها لما عرفت انّهما يتواردان على العنوانات الكلية.

دليل القائل بالامتناع

اشارة

استدلّ القائل بالامتناع بوجوه أتقنها و أوجزها ما أفاده المحقّق الخراساني بترتيب مقدّمات نذكر المهم منها:

أ: تضاد الأحكام بعضها مع بعض.

ب: انّ متعلق الأحكام هي الأفعال الخارجية.

دليل المحقّق الخراساني
أمّا المقدّمة الأُولى:

فتوضيحها: انّ الأحكام الخمسة متضادة في مقام فعليتها و بلوغها إلى مرتبة البعث و الزجر، ضرورة ثبوت المنافاة و المعاندة التامة بين البعث إلى شيء في زمان، و الزجر عنه في نفس ذلك الزمان، فاستحالة اجتماع الأمر و النهي في زمان واحد من قبيل التكليف المحال، أي يمتنع ظهور إرادتين جدّيتين مختلفتين في ذهن الآمر.

و أمّا المقدّمة الثانية:

فتوضيحها: انّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف و ما يصدر عنه في الخارج لا ما هو اسمه و عنوانه، و إنّما يؤخذ العنوان في متعلّق الأحكام للإشارة إلى مصاديقها و أفرادها الحقيقية.

ثمّ استنتج و قال: إنّ المجمع حيث كان واحداً وجوداً و ذاتاً يكون تعلّق الأمر و النهي به محالاً، و إن كان التعلّق به بعنوانين لأنّ الموضوع الواقعي للتكليف هو فعل المكلف بحقيقته و واقعيته لا عنواناته و أسمائه.

و على ذلك فليس للقائل بالامتناع إلاّ الأخذ بأحد الحكمين و أقواهما ملاكاً، و هو إمّا النّهي كما هو المعروف أو الأمر.

يلاحظ على المقدّمة الأُولى: بأنّ الضدّين أمران وجوديان حقيقيان كالسواد و البياض، و الأحكام الإنشائية من الأُمور الاعتبارية التي لا محل لها إلاّ في عالم الاعتبار بحسب المواضعة فلا توصف بالتضاد ما دام الحال كذلك.

و إن أُريد من تضاد الأحكام تضاد مبادئها في نفس الأمر من الحبّ في الأمر و البغض في النهي فقد عرفت أنّ الحبّ يتعلّق بالصلاة المجردة، عن كلّ قيد و البغض بالغصب كذلك فمتعلّق كلّ غير الآخر، و هكذا الأمر في المصلحة و المفسدة.

و إن أُريد من التضاد، التضاد في مقام الامتثال فقد عرفت عدم المطاردة في ذلك المقام إذ بإمكان المكلف الجمع بين الفعل و الترك.

هذا كلّه حول المقدّمة الأُولى.

و أمّا المقدّمة الثانية فهي مبنيّة على تعلّق الأحكام بالأفراد أوّلاً، و تفسيره في قولهم(هل الأمر متعلّق بالطبائع أو الافراد) بالفرد الخارجي (1)ثانياً، و قد عرفت أنّ الخارج ظرف الثبوت لا العروض فكيف يمكن أن يتعلّق التكليف به.

و إن شئت قلت: إن أريد من تعلّق الأحكام بالفرد الخارجي هو تعلّقه بهد.


1) . تقدّم في ص 134 انّ مصطلح المحقّق الخراساني في الفرد هو المصداق الخارجي خلافاً لما هو المعروف بين المشايخ في تفسير الفرد.

قبل وجوده أو حين وجوده، فهذا نفس القول بتعلّق التكليف بالعنوانات و إن أُريد بتعلّقه به بعد الوجود فقد عرفت أنّه ظرف السقوط.

نعم بقي هنا سؤال، و هو انّه ربما يتبادر إلى الأذهان انّ العنوانات و الماهيات بما أنّها ليست إلاّ هي، لا تسمن و لا تغني من جوع، فكيف يمكن أن تقع متعلّقة للأمر و النهي؟ و الجواب عنه واضح لأنّ متعلق الأمر هي الطبيعة المعرّاة من كلّ عارض و لاحق، المنسلخة عن كلّ شيء لكن لغاية إيجادها، و الإيجاد غاية للبعث و ليس متعلّقاً له.

فالقوة المقننة إنما تنظر إلى واقع الحياة، عن طريق المفاهيم و العنوانات الكلية، و يبعث إليها، لغاية الإيجاد أو الترك، فيكون متعلّق كلّ في الأمر و النهي، مفهوماً فاقداً لكلّ شيء، إلاّ نفسه، لكن يبعث إليه لغاية الإيجاد، و كون الإيجاد غاية، غير كونه متعلّقاً للحكم، و على ذلك لا يكون عندئذ أيُّ مطاردة في مقام العمل، لأنّه بوجوده الواحد، مصداق للامتثال، و مصداق للعصيان لكن كلاّ بحيثية خاصة.

إلى هنا تبيّن ما هو الحقّ في المسألة، و بذلك استغنينا عن ذكر سائر الأدلّة للطرفين.

ثمرة المسألة

أ: حصول الامتثال مطلقاً على القول بالاجتماع.

إنّ القائل بجواز الاجتماع يحكم بحصول الامتثال في المقام عبادياً كان العمل أو توصلياً، إذ لا مانع من أن يتقرب المكلَّف بالمأتي به من حيثية دون حيثية، و إن كان المحبوب و المبغوض موجودين بوجود واحد، كما إذا مسح رأس

اليتيم في الدار المغصوبة، أو أطعمه فيها لأجل رضاه سبحانه، فيكون متقرّباً من جهة و عاصياً من جهة أُخرى، و هكذا الأمر في المقام.

و مع ذلك فالحكم بصحّة العبادة أمر مشكل و ذلك لعدم إمكان التقرب بعمل يعدّ تمرّداً على المولى، و طغياناً عليه، و تغاير الحيثية الصلاتية للحيثية الغصبية إنّما يصحح إمكان اجتماع الأمر و النهي،و الحفظ بالإطلاقين كما مرّ و لا يبرر التقرب إلى اللّه سبحانه بعمل يبغضه المولى.

و لذلك كان سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي قائلاً ببطلان الصلاة في الدار المغصوبة مع القول بجواز اجتماع الأمر و النهي.

ب. حصول الامتثال على القول بالامتناع و تقديم جانب الأمر:

قد عرفت أنّه ليس على القول بالاجتماع إلاّ صورة واحدة، و أمّا على القول بالامتناع فله صور مختلفة، فتارة يُقدَّم الأمر على النهي و يقال: بأنّ الحكم الفعلي هو الوجوب، فيحكم بالصحة لأنّها مأمور بها و ليست بمنهيّ عنها ، و أُخرى يقدّم النهي على الوجوب و هو الذي سيأتيك بيانه في الفقرات التالية.

ج. حصول الامتثال على القول بالامتناع، و تقديم جانب النهي مع الجهل القصوري:

إذا قيل بالامتناع مقدِّماً جانب النهي على الأمر، و كان المكلّف جاهلاً بالحكم أو الموضوع جهلاً عن قصور فيحكم بالصحة، لعدم فعلية الحرمة لأجل الجهل بها فلا يكون العمل مصداقاً للتمرّد و الطغيان، و الأمر و إن كان مرفوعاً حسب الفرض(تقديم الحرمة على الأمر) لكن يكفي في صحّة العبادة، التقرب بالملاك و هو كون العمل في هذه الحالة محبوباً للمولى.

د. بطلان العمل على القول بالامتناع و تقديم جانب النهي مع الجهل التقصيري:

إذا قيل بالامتناع مقدِّماً جانب النهي و كان الفاعل جاهلاً بالحرمة أو الموضوع عن تقصير فالحكم هو البطلان; و ذلك لأنّ الصحة معلول أحد شيئين: إمّا الأمر و هو مفروض الانتفاء لتقديم جانب النهي على الأمر و فعليته، و إمّا الملاك، و هو غير معلوم الوجود للفرق بين العمل الصادر عن جهل قصوري للفاعل، و العمل الصادر عن جهل تقصيري له و إحرازه فرع الأمر و المفروض عدمه.

و منه يعلم حال الناسي المقصِّر، فلا يحكم بصحة صلاته إذا نسي الحكم أو الموضوع عن تقصير.

ه.بطلان العمل على القول بالامتناع و تقديم جانب النهي مع العلم بالحرمة:

إذا قيل بالامتناع مقدِّماً جانب النهي و كان الفاعل عالماً بالحرمة لا جاهلاً و لا ناسياً فالحكم هو البطلان، لأنّ الصحّة رهن أحد شيئين: إمّا الأمر و هو مفروض الانتفاء، و إمّا الملاك و هو غير معلوم، لما مرّ من انّ احرازه فرع الأمر و هو منتف.

هذا تمام الكلام في جواز الاجتماع و عدمه.

تنبيهان:

الأوّل: حكم الاضطرار لا بسوء الاختيار

كان النزاع في المسألة السابقة فيما إذا ارتكب الحرام بسوء الاختيار، فقد عرفت أنّ فيها قولين: جواز الاجتماع و عدمه، و أمّا إذا اضطرّ لا بسوء الاختيار إلى أحد الأمرين: امّا ترك الواجب أو ارتكاب الحرام، فالقولان متفقان في تقديم ما هو الأقوى من الحكمين، مثلاً:

إذا اضطر الإنسان ، للتصرف في ملك الغير لأجل إنقاذ غريق فيكون تصرفه في الأرض واجباً من جهة إنقاذ الغريق، و حراماً من جهة التصرف في ملك الغير، ففي هذا الفرض يقع التزاحم بين الواجب و الحرام في مقام الامتثال، و بما انّ ارتكاب الحرام ليس بسوء اختياره، فيُرجع إلى أقوى الملاكين فإن كان ملاك الأمر أقوى كما هو الحال في المثال المذكور قُدِّم جانب الأمر و يسقط النهي عن الفعلية، و إن كان ملاك النهي أقوى قُدِّم جانب النهي كما إذا توقّف إنقاذ حيوان محترم على هلاك إنسان.

و منه تظهر صحة العبادة إذا اضطر إليها في تلك الصورة، كما إذا ضاق الوقت و لم يتمكن من الصلاة أداءً إلاّ في ملك الغير فتصح الصلاة لوجود الأمر دون النهي لسقوطه لأجل الاضطرار، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): »رفع عن أُمّتي تسعة:... و ما اضطروا إليه...« (1).

الثاني: حكم الاضطرار بسوء الاختيار

إذا كان الاضطرار بسوء الاختيار، كمن دخل بيتاً مغصوباً متعمداً فبادر إلى الخروج تخلّصاً من استمرار الغصب، فإنّ الخروج يعدّ تصرفاً في البيت، لكنّه


1) . الخصال: 2/417، باب التسعة.

مضطرٌّ إلى ارتكابه للتخلّص من استمرار فعل الحرام و إن كان اضطراره إليه باختياره إذ دخل البيت غاصباً، و هذه المسألة هي المعنونة في لسان المتأخّرين ب»التوسط في الأرض المغصوبة« فيقع الكلام فيها في أمرين:

1.

في حرمة التصرّف الخروجي أو وجوبه.

2.

في صحة الصلاة المأتي بها حال الخروج إذا ضاق الوقت.

أمّا الأمر الأوّل، فالخروج محكوم بأحكام ثلاثة:

1.

محرّم بالنهي السابق.

2.

النهي ساقط بعد حدوث الاضطرار.

3.

العقل حاكم بالخروج.

أمّا أنّه محرم، فلأنّ قوله: لا تغصب، شامل لأنحاء الغصب كلّها، و منها الخروج و هو من مصاديق الغصب، و قد كان في وسعه ترك هذا الفرد بترك الدخول.

و أمّا كون النهي السابق، ساقطاً فلعدم إمكان امتثاله حيث إنّ ترك التصرف في المغصوب و لو بمقدار الخروج غير ممكن.فالخروج بما أنّه تصرف في المغصوب غير مقدور الترك و معه لا يكون الخطاب فعلياً.

و أمّا حكم العقل بالخروج، فإنّما هو لدفع أشدّ المحذورين بارتكاب أخفّ القبيحين.

و أمّا الأمر الثاني، أعني: حكم الصلاة فيها بقاءً و خروجاً.

فلو قلنا بجواز اجتماع الأمر و النهي، فمقتضى القاعدة، الصحة مطلقاً سواء أضاق الوقت أم اتّسع، و أمّا على القول بالامتناع فتختلف النتيجة حسب اختلاف ما هو المقدَّم، فإن قدّم الأمر فالصحة هي المحكَّمة، و لو قدّم النهي

فاللازم هو البطلان، لأنّه حين الصلاة إمّا عالم بالحرمة أو جاهل مقصّر أو ناس كذلك، و قد عرفت أنّ الحكم فيها على الامتناع هو البطلان، و أمّا الجهل القصوري فهو خارج عن محط البحث.

الفصل الثاني: في اقتضاء النهي في العبادات للفساد

اشارة

الكلام في دلالة النهي في العبادات على الفساد، يقع في مواضع:

الأوّل: النهي المولوي التحريمي

إنّ تعلّق النهي التحريمي بالعبادات يتصوّر على أنحاء:

1. أن يتعلّق النهي بنفس العبادة كالنّهي عن الصيام في العيدين، فهذا النوع من النهي يدلّ على الفساد لوجهين:

الأوّل: انّ النهي يكشف عن المبغوضية، و لا يمكن أن يكون المبغوض مقرِّباً.

الثاني: انّ الصحّة بمعنى مطابقة المأتي به للمأمور به فرع وجود الأمر، و من المعلوم أنّه إذا تعلّق النهي بشيء لا يتعلّق به الأمر لاستلزامه اجتماع الأمر و النهي في متعلّق واحد، و مع انتفاء الأمر لا يصدق كون المأتي به مطابقاً للمأمور به لعدم الأمر و بالتالي لا يكون مسقطاً للواجب كما لو صام يوم الفطر قضاءً.

و لو قلنا بأنّ الصحّة فرع أحد الأمرين إمّا الأمر أو الملاك، فالعبادة أيضاً فاسدة لعدم استكشاف وجود الملاك فيه بعد عدم الأمر لأجل تعلّق النهي بها.

و اعلم أنّ هذه الصورة تتميّز عن الصور التالية بوجود النهي فيها دون

الأمر، فلذلك اتّفقوا على بطلان العبادة لعدم الأمر بها و عدم إحراز الملاك.

و أمّا الصور التالية فقد اجتمع فيها الأمر و النهي مع تغاير متعلّقهما و لذلك أشبه بمسألة اجتماع الأمر و النهي، مثلاً: إذا تعلّق الأمر بنفس العبادة و النهي بجزئها أو شرطها أو وصفها، فيقع الكلام في أنّ فساد الجزء العبادي باعتبار تعلّق النهي به هل يستلزم فساد المركب أو لا؟ و هذه الجهة هي التي يجب أن يركز البحث عليها دون سائر الجهات.

إذا علمت ذلك، فإليك بيان سائر الصور.

2. أن يتعلّق النهي بجزء العبادة كالنهي عن قراءة سور العزائم في الصلاة فلا شكّ في انّه يقتضي فساد الجزء للوجهين الماضيين(لكشف النهي عن المبغوضية و المبغوض لا يكون مقرباً، و عدم إحراز الملاك لعدم الأمر). و لكن فساد الجزء لا يكون دليلاً على فساد الكلّ إلاّ إذا اقتصر على ذلك الجزء المبغوض، و إلاّ فلو أتى بفرد آخر من ذلك الجزء غير منهيّ عنه يكون الكلّ محقّقاً، كما إذا قرأ بعدها سورة أُخرى من غير العزائم.

نعم ربما يكون الإتيان بفرد آخر موجباً للفساد، لأجل طروء عنوان آخر و هو الزيادة في الصلاة، أو استلزامه القرآن بين السورتين و لكن الفساد من هاتين الجهتين غير مطروح لنا في هذا المقام.

3. أن يتعلّق النهي بشرط العبادة كالنهي عن الطهارة المائية عند ما كانت مضرة و لا شكّ انّ الشرط يكون فاسداً للوجهين السابقين(المبغوض لا يكون مقرباً و عدم إحراز الملاك لعدم الأمر) إنّما الكلام في سراية فساد الشرط إلى فساد المشروط، فالحقّ انّه كالجزء لا يوجب بطلان المشروط إذا أمكن التدارك و إلاّ فيكون المشروط فاسداً لا لتعلّق النهي بالشرط بل لفقدانه الشرط.
4.

أن يتعلّق النهي بالوصف اللازم كالجهر بالنسبة إلى القراءة، و المراد من الوصف اللازم ما لا يمكن سلبه مع بقاء موضوعه حيث إنّه تنعدم القراءة الشخصية بانعدام وصفها فيكون المقام من قبيل اجتماع الأمر و النهي، و حيث إنّ القراءة تتحد وجوداً مع الجهر المحرّم فتفسد لأجل عدم إمكان قصد القربة على ما مرّ.

5.

أن يتعلّق النهي بالوصف المفارق كالغصبية بالنسبة إلى الصلاة، فقد عرفت حكمه فيما سبق.

الثاني: النهي المولويّ التنزيهي

إذا كان النهي التنزيهي متضمناً حكماً شرعيّاً و مُنْشَأ بداعي الردع و الزجر فهو أيضاً يلازم الفساد، فإنّه و إن لم يكشف عن كونه مبغوضاً للمولى و موجباً للعقوبة، لكن يكشف عن عدم حبِّه و استحسانه، و من المعلوم امتناع التقرب بشيء مزجور أو بأمر مرغوب عنه.

نعم يختلف النهي التحريمي عن التنزيهي بشدة الكراهة و ضعفها و لكن الجميع يكشف عن كون المتعلَّق مرغوباً عنه غير محبوب للمولى.

و الحاصل انّه إذا أحرز انّ النهي متضمن لحكم شرعي أُنشئ بداعي الردع و الزجر و إن كان على وجه لا يبغضه المولى و لا يعاقب عليه و لكنّه لا يجبه و لا يستحسنه، فهذا يلازم الفساد لامتناع التقرب بالأمر غير المرغوب.

و صرّح المحقّق النائيني بما ذكرنا و قال: »لو تعلّق النهي التنزيهي بذات ما يكون عبادة لكان لدعوى اقتضائه الفساد مجال من جهة انّ ما يكون مرجوحاً ذاتاً لا يصلح أن يتقرّب به. (1)


1) . الفوائد الأُصولية: 1/456.

نعم انّ هذا النوع من النهي التنزيهي قليل جداً و الغالب في النواهي التنزيهية هو الإرشاد إلى قلّة الثواب مع كون العمل محبوباً في ذاته لو أتى به، ففي مثله لا يكون النهي مسوقاً لبيان الحكم التكليفي بداعي الزجر و الردع عنه، بل يكون مسوقاً لبيان قلّة الثواب و لأجل ذلك أفتى المشهور بصحّة الصلاة عند طلوع الشمس و غروبها أو الصلاة في مرابض الخيل و البغال و الحمير، و معاطن الإبل، أو الصلاة على الطرق و الأرض السبخة و المالحة، أو في بيت فيه خمر أو مسكر، و ما هذا إلاّ لأنّ النهي في هذه الموارد إرشاد إلى قلّة الثواب و ليس متضمناً لحكم شرعي كاشف عن كونه مرغوباً عنه.

هذا كلّه حول النهي المولوي سواء أ كان تحريمياً أم كان تنزيهياً(كراهية) فقد عرفت دلالة النهي فيهما على الفساد للوجهين الماضيين.

الثالث: النهي الإرشادي

إنّ النهي كالأمر ينقسم إلى مولوي و إرشادي، أمّا المولوي كقوله سبحانه:( وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلاً (1)) (2)و أمّا الإرشادي كقوله سبحانه:( وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ (3)) (4)على القول بانّ النهي فيه إرشاد إلى الفساد.

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ القضاء في دلالة النهي الإرشادي على الفساد يتوقّف على تعيين المرشد إليه للنهي، إذ له أقسام:

أ: أن يكون إرشاداً إلى الفساد كقوله: »دعي الصلاة أيّام أقرائك« فانّ معناه أيّتها المكلّفة لا تصلّ، لأنّ الصلاة في هذه الحالة لا تكون صحيحة.


1) سوره 17 - آیه 32

2) . الاسراء:32.

3) سوره 4 - آیه 22

4) . النساء:22.

ب: أن يكون إرشاداً إلى مانعية متعلّقه كما في قوله: »لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه« الدالّ على مانعية لُبْس ما هو مأخوذ ممّا لا يؤكل لحمه.

ج: أن يكون إرشاداً إلى شرطية متعلّقة كقوله: »لا تبع بلا كيل« الدالّ على شرطية الكيل. ففي الموردين الأخيرين أيضاً يلازم النهيُ الفسادَ باعتبار إرشاده إلى المانعية أو الشرطية، و من الواضح انّ المركب يختل بوجود المانع أو فقدان الشرط.

د: أن يكون إرشاداً إلى قلّة الثواب، كما في قوله: »لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد«. (1)فانّه بحكم الإجماع على صحّة الصلاة لو صلّى في غيره، إرشاد إلى قلّة الثواب لا الكراهة المصطلحة.

الرابع: النهي إذا جهل حاله

إذا دار أمر النهي بين كونه نهياً مولوياً أو إرشادياً كما إذا قال: »لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه« (2)فلا يحكم عليه بشيء من الفساد و عدمه فلو كان مولوياً فهو يستلزم الفساد مطلقاً سواء أ كان تحريمياً أو تنزيهياً، بخلاف ما إذا كان إرشادياً، ففيه التفصيل المذكور من استلزامه الفساد إذا كان إرشاداً إلى الجزئية و المانعية، و عدمه إذا كان إرشاداً إلى قلّة الثواب.

و الحاصل انّه إذا دار أمر النهي بين الوجوه الثلاثة، لا يحكم عليه بشيء. اللّهمّ إلاّ أن يقال بظهوره في هذه المقامات في الإرشاد إلى المانعية كما إذا قال الطبيب: اشرب هذا الدواء، و لا تمزجه بالماء فعند ذاك يستلزم الفساد.


1) . الوسائل: 3، الباب 2من أبواب أحكام المساجد، الحديث 2.

2) . الوسائل: 3، الباب 2 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.

الفصل الثالث: في اقتضاء النهي في المعاملات للفساد

اشارة

المراد من المعاملات في عنوان البحث ما لا يعتبر فيه قصد القربة، كالعقود و الإيقاعات.

ثم إنّ النهي الوارد في المعاملات على أقسام أربعة كالعبادات:

و إليك البحث في كلّ واحد منها:

القسم الأوّل: إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بنفس المعاملة:

فهي على أنحاء:

1.

إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بالسبب بما هو فعل مباشريّ، كالعقد الصادر عن المُحْرِم في حال الإحرام بأن يكون المبغوض صدور عقد النكاح في هذه الحالة، من دون أن يكون نفس العمل(عقد النكاح) بما هو هو مبغوضاً و مزجوراً عنه، فهل يدلّ على الفساد أو لا ؟ الظاهر عدم الاقتضاء، لأنّ غاية النهي هي مبغوضية نفس العمل(العقد) في هذه الحالة و هو لا يلازم الفساد و ليس العقد أمراً عبادياً حتى لا يجتمع مع النهي الكاشف عن المبغوضيّة.

2.

إذا تعلّق النهي المولوي التحريمي بالمسبّب، كالنهي عن بيع المصحف

و العبد المسلم من الكافر، فإنّ الحرام ليس هو صدور العقد من المالك، و انّما المحرّم هو مضمون المعاملة و مسبَّبها، أي مالكية الكافر لهما التي هي فعل تسبيبي لا مباشري، و مبغوض لأجل انّه يعدّ سبيلاً على المسلم و سلطة عليه، فهل يدلّ على الفساد أو لا؟ الكلام في هذه الصورة فيما إذا كان العقد واجداً لشرائطه من سائر الجهات، كشرائط العوضين و المتعاقدين و ليس في البين إلاّ كون نفس العمل مبغوضاً حيث إنّه سبحانه لا يرضى بسلطة الكافر على المسلم و المصحف، فهل يدلّ نفس النهي الكاشف عن المبغوضية على الفساد أو لا؟ و التحقيق انّه لا يدلّ، و ذلك لأنّ المبغوضية أعم من الفساد في باب المعاملات لا العبادات.

و بما ذكرنا تقف على وجود الفرق بين المقام و سائر المعاملات المنهية عنها كالنهي عن بيع السفيه و المجنون و الصغير، أو النهي عن بيع الخمر و الميتة، لأنّ الأوّل فاقد لشرائط المتعاقدين لشرطية العقل و البلوغ في البائع، كما أنّ الثاني فاقد لشروط العوضين لاشتراط إباحة المبيع و التمكّن من التصرّف فيه، ففي جميع تلك الصور يلازم النهيُ الفسادَ، لأنّه إرشاد إلى فقدان الشرط في هذه الموارد، و البحث في المقام إنّما هو في الجامع للأجزاء و الشرائط غير أنّه تعلّق النهي بمضمون المعاملة.

3. إذا تعلّق النهي بالتسبب أي لا بالسبب و لا بالمسبب، بل تعلّق بالتوصّل به إلى المسبب كتملك الزيادة عن طريق البيع الربوي، و التملّك عن طريق الحيازة بالآلة المغصوبة، و التسبب إلى الطلاق بقوله:

»أنت خلية«. فليس السبب و لا المسبب بما هما من الأفعال بحرام و إنّما الحرام هو التوصل بهذا السبب إلى المسبب.

و الكلام في هذا القسم نفس الكلام في القسمين السابقين، فلا منافاة بين مبغوضية التسبب و حصول الأثر بعده.

نعم ما ذكرنا من عدم الدلالة في هذه الأقسام الثلاثة إنّما هو فيما إذا كان النهي مولوياً تحريمياً لا إرشاداً إلى الشرطية و الجزئية و المانعية، و بالتالي إلى الفساد عند الاختلال و إلاّ فيدخل في القسم الثالث الآتي.

4. إذا تعلّق النهي بالأثر المترتب على المسبب، كما إذا تعلّق النهي بالتصرف في الثمن و المثمن فهذا النوع عند العرف يساوق الفساد، فلا معنى لصحّة المعاملة إلاّ ترتب هذه الآثار عليها، فإذا كانت تلك الآثار مسلوبة في الشرع فتكشف عن فساد المعاملة.

و إن شئت قلت: إنّ الصحّة لا تجتمع مع الحرمة المطلقة في التصرف في الثمن الذي دفعه المشتري أو المثمن الذي دفعه البائع.

القسم الثاني: إذا تعلّق النهي المولوي التنزيهي بالمعاملة:

إذا تعلّق النهي المولوي التنزيهي بالمعاملة بأحد الأنحاء الأربعة الماضية فلا يدل على الفساد، و يُعْلم وجهه ممّا ذكرنا عند بيان أنحاء القسم الأوّل، فإنّ عدم المحبوبية في المعاملات لا يلازم الفساد، فالمعاملات المكروهة صحيحة حتى على النحو الرابع، أي إذا تعلّق النهي بالأثر المطلوب من المعاملة كالتصرف في المبيع.

القسم الثالث: إذا كان النهي إرشاداً إلى الفساد :

إذا ورد النهي بداعي بيان فساد المعاملة كما في قوله تعالى:( وَ لا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ (1)) (2)فلا كلام في الدلالة على الفساد.


1) سوره 4 - آیه 22

2) . النساء:22.

القسم الرابع: إذا كان النهي مردّداً بين كونه مولوياً أو إرشادياً إلى الفساد :

إذا ورد النهي و لم يعلم حاله من المولوية و الإرشادية، فالظاهر انّه يحمل على الإرشاد إلى الفساد و عدم ترتّب الآثار عليه، فإذا قيل »لا تبع ما ليس عندك« فهو إرشاد إلى عدم إمضاء ذلك البيع و لما ذكرنا يستدلّ الفقهاء بالنواهي المتعلّقة بالمعاملات على الفساد، و ما ذلك إلاّ لأجل كونها ظاهرة في الإرشاد إلى الفساد، و أنّ المعاملة فاقدة للشرط أو واجدة للمانع.

و قد عرفت أنّ محط البحث هو القسمان الأوّلان، و أمّا الأخيران فلوضوح حكمهما خارجان عنه.

تمّ الكلام في المقصد الثاني

المقصد الثّالث: في المفاهيم

اشارة

و تحقيق الكلام ضمن فصول:

الفصل الأوّل: في مفهوم الشرط الفصل الثاني: في مفهوم الوصف الفصل الثالث: في مفهوم الغاية الفصل الرابع: في مفهوم اللقب و أمّا مفهوم الحصر و العدد فقد استوفينا الكلام فيهما في »الموجز« فلا نعيد.

تمهيد: في تعريف المفهوم

اشارة

نذكر في المقام أُموراً:

1. وصف المعنى بما هو هو و وصفه بما هو مدلول

ما يقع وصفاً للمعنى على قسمين:

أ: ما يكون وصفاً له بما هو هو كتقسيم المفهوم إلى كلي و جزئي سواء دلّ عليه اللفظ أم لا مثلاً الإنسان المتصوَّر في الذهن كلي، كما انّ زيد المتصوّر فيه جزئي، فالكلية و الجزئية في هذه الحالة من أوصاف المعنى بما هو هو، من دون نظر إلى دلالة لفظ عليهما و عدمها.

ب: ما يكون وصفاً للمعنى لكن بما هو واقع في إطار الدلالة و دلّ عليه اللفظ، و هذا كوصف المعنى بكونه معنى مطابقياً أو تضمنياً فانّه فرع كون المعنى مدلولاً للّفظ، فالحيوان الناطق بما هو مدلول لفظ الإنسان، يوصف بالمطابقية.

انّ وصف المعنى بكونه منطوقاً أو مفهوماً من قبيل القسم الثاني، لانّ قسماً من المدلول لوضوح دلالة اللفظ عليه يوصف بكونه مدلولاً منطوقياً. و كأنّ المتكلّم نطق به في عالم المحاورة، و قسم منه، يوصف بكونه مدلولاً مفهومياً، يفهم من كلام المتكلّم، و إن لم ينطق به في ذلك الظرف.

و بذلك يعلم انّهما وصفان للمعنى بما انّه مدلول اللفظ و واقع في إطار الدلالة و ليسا وصفين له بما هو هو.

ربما يقال »انّهما من أوصاف الدلالة حيث تقسم الدلالة إلى الدلالة المنطوقية و الدلالة المفهومية«.

أقول: انّ وصف الدلالة بهما باعتبار كون المدلول موصوفاً بأحدهما فالوصف للمدلول بالحقيقة و للدلالة بالعناية و المجاز.

و لذلك نرى أنّ الحاجبي يُعرِّف المنطوق بقوله: ما دلّ عليه اللّفظ في محلّ النطق، كما يُعرِّف المفهوم بقوله ما دلّ عليه اللّفظ في غير محل النطق. (1)

2. تعريف المفهوم

عرّف المحقّق الخراساني المفهومَ بانّه:»حكم إنشائي أو إخباري تستتبعه خصوصية المعنى الّذي أُريد من اللّفظ بتلك الخصوصية، فالمفهوم حكم غير مذكور لا انّه حكم لغير مذكور«. (2)

توضيحه: إذا قال القائل: إن أكرمك زيد فأكرمه، يكون إكرام زيد منوطاً بخصوصية معيّنة تستفاد من الجملة الشرطية، إذ لزيد حالتان:

أ: حالة إكرامه المخاطب هذه هي الخصوصية التي تستتبع المفهوم.

ب: حالة عدم إكرامه إيّاه.

فقد دلّ بمنطوقه على أنّه يُكْرم عند إكرام المخاطب.

كما دلّ بمفهومه على ارتفاع الحكم أي وجوب الإكرام عند عدم تكريم


1) . منتهى الوصول و الأمل: 147، المعروف بمختصر الحاجبي، و قد شرحه العضدي و غيره و اشتهر بشرح المختصر.

2) . كفاية الأُصول: 1/301.

المخاطب.

فالموضوع في الحالتين واحد و هو زيد، و الحكم مختلف حسب اختلاف حالاته. و المفهوم كالمنطوق حكم انشائى: أي إذا لم يكرمك زيد فلا يجب إكرامه.

3. في الشرط المحقّق للموضوع

إنّ النزاع في وجود المفهوم في القضايا الشرطية إنّما هو فيما إذا عُدَّ القيد شيئاً زائداً على الموضوع و تكون الجملة مشتملة على موضوع، و محمول،و شرط، فيقع النزاع حينئذ في دلالة القضية الشرطية على انتفاء المحمول عن الموضوع، عند انتفاء الشرط و عدمها مثل قوله(عليه السلام):»إذا كان الماء قدر كرّ لم يُنجّسه شيء« فهناك موضوع و هو الماء، و محمول و هو العاصمية(لم ينجسه) و شيء آخر باسم الشرط، أعني: الكرية، فعند انتفاء الشرط يبقى الموضوع(الماء) بحاله بخلاف القضايا التي يعد الشرط فيها محقّقاً للموضوع من دون تفكيك بين الشرط و الموضوع بل يكون ارتفاع الشرط ملازماً لارتفاع الموضوع، فهي خارجة عن محلّ النزاع، كقوله: إن رزقت ولداً فاختنه، فهذه القضايا فاقدة للمفهوم. فإنّ الرزق هنا ليس شيئاً زائداً على نفس الولد.

فخرجنا بالنتائج التالية:

1.

يكون الشيء تارة وصفاً للمعنى بما هو هو، و أُخرى وصفاً له بما هو مدلول و المنطوق و المفهوم من أوصاف المعنى المدلول لا المعنى بما هو هو، إذ المدلول باعتبار ظهوره و خفائه ينقسم إلى ما نُطق به و إلى ما فُهم منه 2.المفهوم قضية اخبارية أو انشائية، يستفاد من الخصوصية الواردة في الكلام.

2.

الشرط المحقِّق للموضوع فاقد للمفهوم.

الفصل الأوّل: في مفهوم الشرط

مسلك القدماء في استفادة المفهوم

إنّ مسلك القدماء في استفادة المفهوم من القضايا الشرطيّة بل مطلقاً يختلف مع مسلك المتأخرين، فإنّ دلالة الخصوصية المذكورة في الكلام من الشرط أو الوصف أو الغاية أو اللقب أو نحوها على الانتفاء عند القدماء ليست دلالة لفظية، بل هي من باب بناء العقلاء على حمل الفعل الصادر عن الغير على كونه صادراً لغاية و الغاية المنظورة عند العقلاء من نفس الكلام، حكايته لمعناه، كما أنّ الغاية من خصوصياته، دخالتها في المطلوب فإذا قال المولى: إن أكرمك زيد فأكرمه، حكم العقلاء بمدخلية إكرام زيد في وجوب إكرامه، قائلاً بأنّه لو لا دخله فيه لما ذكره المتكلّم و كذا سائر القيود، و على ذلك فاستفادة المفهوم ليست مبنية على دلالة الجملة على الانتفاء عند الانتفاء، بل مبنيّة على أنّ الأصل في فعل الإنسان أن لا يكون لاغياً بل يكون، صادراً لغايته الطبيعية و الغاية من إتيان القيد هي مدخليته في الحكم.

و لما كان مسلكهم على الاستدلال بفعل المتكلّم و انّه لو لا المفهوم تلزم لغوية القيد، أجاب عنه السيد المرتضى في ذريعته، بقوله: بأنّ تأثير الشرط إنّما هو تعليق الحكم به و ليس يمتنع أن يخلفه و ينوب منابه شرط آخر، يجري مجراه

و لا يخرج عن كونه شرطاً، فانّ قوله سبحانه:( وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ (1)) (2)يمنع من قبول الشاهد الواحد حتّى ينضم إليه شاهد آخر فانضمام الثاني إلى الأوّل شرط في القبول، ثمّ علمنا أنّ ضم امرأتين إلى الشاهد الأوّل شرط في القبول كما في نفس الآية، أعني قوله سبحانه:( فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ (3)) (4)ثمّ علمنا انّ ضمّ اليمين يقوم مقامه أيضاً فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى. (5)

و حاصل كلام السيّد في ردّ مسلكهم: انّ غاية ما يدلّ عليه فعل العقلاء، انّ للقيد دخلاً في شخص الحكم،و أمّا انّه ليس له بديل يقوم مقامه بحيث ينتفي بانتفائه سنخ الحكم فلا يستفاد من فعلهم و تشهد عليه الآيات المذكورة.

و بعبارة أُخرى: انّ ما تثبته صيانة فعل العقلاء عن اللغوية هو كون القيد احترازيّاً ، لا كونه ذا مفهوم و قد أوضحنا في الموجز (6)الفرق بين القيدين فلاحظ.

مسلك المتأخّرين في استفادة المفهوم

و أمّا مسلك المتأخّرين فهو مبني على دلالة القضية الشرطية على الأُمور الثلاثة التالية :

1.

دلالة القضية على الملازمة بين المقدّم و التالي فيخرج ما يفقد الملازمة.

2.

دلالة القضية على أنّ التالي معلّق على المقدّم و مترتّب عليه على وجه يكون المقدّم سبباً و التالي مسبباً، فخرج قوله: إن طال الليل قصر النهار إذ فيه ملازمة و ليس فيه ترتب لكونهما معلولين لعلّة ثالثة.

3.

دلالتها زيادة على ما تقدم ،على انحصار السببية و انّ ما وقع بعد حرف


1) سوره 2 - آیه 282

2) . البقرة:282.

3) سوره 2 - آیه 282

4) . البقرة:282.

5) . الذريعة: 1/406.

6) . الموجز:91.

الشرط هو السبب المنحصر للجزاء حتى يدلّ على ارتفاع الجزاء بارتفاع السبب المنحصر.

لا شكّ في دلالة الجملة الشرطية على الأمرين الأوّلين، إنّما الكلام في تبادر الانحصار من الجملة الشرطية.

و قد استدل عليه بوجوه:

الأوّل: التبادر

انّ المتبادر كون اللزوم و الترتّب بين الشرط و الجزاء بنحو الترتّب على العلّة المنحصرة.

يلاحظ عليه: أنّ ادّعاء تبادر اللّزوم و الترتّب العِلّي لا غبار عليه إلاّ أن تبادر كون الشرط علّة منحصرة ممنوع لوجهين:

1.

لو كانت الهيئة موضوعة للعلّة المنحصرة، يلزم أن يكون استعمالها في غير صورة الانحصار مجازاً و محتاجاً إلى إعمال العناية كسائر المجازات و ليس كذلك.

2.

لو كان كذلك، يجب الأخذ بالمفهوم حتّى في مقام المخاصمات و الاحتجاجات و عدم القبول من المتكلّم إذا قال: ليس لكلامي مفهوم مع أنّه خلاف المفروض.

الثاني: انصراف القضية إلى أكمل أفرادها و هو كون الشرط علّة منحصرة.

يلاحظ عليه: أنّ الانحصار لا يوجب أكملية الفرد، فلو كانت للعاصمية علّة واحدة و هي الكرية أو عللاً متعدّدة مثل المطر و الجريان فلا يتفاوت الحال في العليّة و ليس نصيب العلّة المنحصرة من العلية أشدّ من نصيب غيرها، على أنّ سبب الانصراف إمّا كثرة الوجود أو كثرة الاستعمال و ليست العلة المنحصرة أكثر من غيرها و لا القضية الشرطية أكثر استعمالاً فيها من غيرها.

الثالث: التمسّك بالإطلاق

و قد قرّره المحقّق الخراساني بوجوه ثلاثة و نحن نقرره بوجه واحد:

انّه لو كان هناك سبب آخر للجزاء يقوم مقام الشرط لكان على المتكلّم عطفه عليه بمثل لفظة »أو« بأن يقول: إن أكرمك زيد أو أكرم أخاك فأكرمه. غير انّ اقتصاره على السبب الأوّل دليل على أنّه السبب المنحصر و ليس له بديل و لا عِدْل، و إلاّ لوجب على الحكيم بيانه.

و هذا الوجه متين جدّاً بشرط أن يحرز انّ المتكلّم في مقام بيان كلّ ما هو سبب للجزاء، فإذا أطلق الشرط و لم يعطف عليه شيئاً بواو العطف يعلم أنّه سبب تام، كما أنّه إذا لم يعطف عليه ب »أو« العاطفة نعلم أنّه سبب منحصر لا بديل له و لا عِدْل غير انّ إحراز كون المتكلّم في ذلك المقام يحتاج إلى قرينة.

هذا و لكن الظاهر من المتفاهمات العرفية هو دلالة الجملة الشرطية على المفهوم بل يظهر من بعض الروايات كونه أمراً مسلماً بين الإمام و السائل.

روى أبو بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الشاة تذبح فلا تتحرك، و يُهرق منها دم كثير عبيط، فقال: »لا تأكل، إنّ علياً كان يقول: إذا ركضت الرّجْل أو طرفت العين فكل«. (1)

ترى أنّ الإمام(عليه السلام) يستدلّ على الحكم الذي أفتى به بقوله »لا تأكل« بكلام علي(عليه السلام) ، و لا يكون دليلاً عليه إلاّ إذا كان له مفهوم، و هو إذا لم تركض الرجل و لم تطرف العين(كما هو مفروض الرواية) فلا تأكل.

و على ذلك فالقول بدلالة القضية الشرطية على المفهوم من خلال إثبات السبب المنحصر أمر غير بعيد بين العقلاء.


1) . الوسائل: 16/264، الباب 12 من أبواب الذبائح، الحديث1.

تنبيهان

1. في تداخل الأسباب و المسبّبات
اشارة

إذا تعدّد الشرط و اتّحد الجزاء على نحو يقبل التكرار كما إذا قال: إذا بُلْت فتوضأ و إذا نمت فتوضأ، فيقع الكلام في تداخل الأسباب تارة، و تداخل المسببات أُخرى، و المراد من تداخل الأسباب، اقتضاء كلّ سبب وجوباً خاصاً غير ما يقتضيه السبب الآخر، كما أنّ المراد من تداخل المسببات بعد القول بعدم تداخل الأسباب إجزاء امتثال واحد، لكلا الوجوبين و عدمه. فيقع الكلام في موضعين:

تداخل الأسباب و عدمه

استدلّ القائل بعدم التداخل بأنّ ظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء(الوجوب) عند حدوث الشرط (النوم أو البول) و لازم ذلك هو حدوث الوجوبين لا الوجوب الواحد، و قد عرفت أنّ معنى عدم تداخل الأسباب هو تعدّد التكليف و الاشتغال، و أنّ ظاهر كل قضية أنّ الشرط علّة تامة لحدوث الجزاء، أعني: الوجوب مطلقاً، سواء وجد الشرط الآخر معه أو قبله أو بعده أو لم يوجد، و ليس لعدم تداخل الأسباب معنى سوى تعدّد الوجوب.

دليل القائل بالتداخل

إنّ القائل بالتداخل يعترف بهذا الظهور(حدوث الجزاء عند حدوث الشرط) إلاّ أنّه يقول: لا يمكن الأخذ به، لأنّ متعلّق الوجوب في كلا الموردين شيء واحد و هو »طبيعة الوضوء«، و من المعلوم أنّه يمتنع أن يقع الشيء الواحد متعلّقاً لوجوبين و موضوعاً لحكمين متماثلين، و المفروض أنّ متعلّق الوجوب في كليهما طبيعة الوضوء لا طبيعة الوضوء في أحدهما و الوضوء الآخر في الثاني حتى يصح تعلّق الوجوبين بتعدّد المتعلّق، فإطلاق الجزاء(متعلق الوجوب)، بمعنى أنّ الوضوء بما هو هو موضوع لا هو مع قيد كلفظ »آخر«، يقتضي التداخل.

إلى هنا تبيّن دليل القولين; فالقائل بعدم التداخل يتمسّك بظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند كل شرط، و هو يلازم عدم التداخل في الأسباب; و القائل بالتداخل يتمسّك بوحدة المتعلّق و كون الموضوع للوجوبين هو نفس الطبيعة التي تقتضي وحدة الحكم و لا تقبل تعدّده، فلا بد من رفع اليد عن أحد الظهورين.

و الظاهر تقديم ظهور القضية الشرطية في حدوث الجزاء عند كلّ شرط، على إطلاق الجزاء في وحدة المتعلَّق، فتكون قرينة على تقدير لفظ مثل »فرد آخر« أو لفظ »مرّة أُخرى« في متعلّق أحد الجزاءين، و عندئذ يكون الموضوع للوجوب في إحدى القضيتين، هو الطبيعة، كما يكون الموضوع للوجوب في القضية الأُخرى، الفرد الآخر.

و لعل العرف يساعد لتقديم ظهور الصدر على ظهور الذيل بالتصرف في الثاني بتقدير لفظ »آخر« لقوة ظهور الصدر.

و يمكن توجيه تقديم ظهور الصدر على إطلاق الذيل بالارتكاز العرفي، إذ

المرتكز في الأذهان هو أنّ كل سبب تكويني يطلب معلولاً خاصّاً، فكل من النار و الشمس تُفيض حرارة مستقلّة من غير فرق بين أن تتقارنا أو تتقدّم إحداهما على الأخرى، فإذا كان هذا هو المرتكز في الأذهان، و سمع صاحب هذا الارتكاز من المعصوم قوله: إذا نمت فتوضأ، و إذا بلت فتوضأ، ينتقل إلى أنّ كلاً من النوم و البول يطلب وجوباً مستقلاً، و أن أثر كل واحد غير أثر الآخر، و الارتكاز الموجود في الأذهان يوجب انعقاد ظهور خاص للقضية، و هو حدوث الوجوب عند حدوث كل شرط مستقلاً مطلقاً.

و بهذا يقدّم ظهور الصدر على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق الآبية عن تعلّق الوجوبين، و ليس هذا من قياس التشريع على التكوين حتى يقال بأنّه أمر باطل، بل هو من باب جعل الارتكاز العرفي في العلل التكوينية قرينة على انتقال العرف إلى مقتضى مثلها في العلل التشريعية.

و بذلك ظهرت قوّة الوجه الأوّل و ضعف الوجه الثاني.

هذا كلّه حول التداخل و عدمه في الأسباب، و إليك البحث في تداخل المسببات.

في تداخل المسببات

إذا ثبت في البحث السابق عدم التداخل، و أنّ كل سبب، علّة لوجوب مستقل، فحينئذ يقع الكلام في مقام آخر، و هو إنّ تعدّد الوجوب هل يقتضي تعدّد الواجب أو لا؟ و بعبارة أُخرى :إنّ تعدّد السبب كما يقتضي تعدد الوجوب، فهل يقتضي تعدد الامتثال أيضاً، أو لا يقتضي، بل يكفي في امتثال كلا الوجوبين، الإتيان بمصداق واحد نظير امتثال قول القائل: أكرم العالم و اكرم الهاشمي بضيافة العالم

الهاشمي؟ الظاهر عدم ظهور القضية في أحد الطرفين، أي كفاية امتثال واحد و عدم كفايته، فتصل النوبة بعد اليأس عن الدليل الاجتهادي إلى الأصل العمليّ و هو أنّ الأصل عدم سقوط الواجبات المتعددة بفعل واحد و لو كان ذلك بقصد امتثال الجميع، في غير ما دل الدليل على سقوطها به، و بعبارة أُخرى: الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، و هي رهن تعدّد الامتثال.

نعم دلّ الدليل على سقوط أغسال متعددة بغسل الجنابة أو بغسل واحد نوى به سقوط الجميع.

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ مقتضى الأصل العملي هو عدم سقوط الواجبات المتعددة ما لم يدلّ دليل بالخصوص على سقوطها.

و يستثنى من ذلك ما إذا كانت النسبة بين الواجبين عموماً و خصوصاً من وجه، كما في قضية أكرم عالماً و أكرم هاشمياً، فإنّ إكرام العالم الهاشمي يكون مسقطاً لكلا الخطابين و لا يعتبر في تحقّق الامتثال إلاّ الإتيان بما ينطبق عليه متعلّق الأمر. (1)

2. ما هو مفهوم القضية السالبة الكلية؟

اختلفت كلمة الأُصوليين في مفهوم القضية السالبة الكلية، و هل مفهومها هو الموجبة الجزئية، أو الموجبة الكلية؟ فمثلاً قوله(عليه السلام): »إذا كان الماء قدر كر لا ينجّسه شيء« (2)فهل مفهومه إذا لم يكن الماء قدر كرّ، ينجسه شيء، أو أنّ مفهومه إذا لم يكن الماء قدر كر، ينجسه كل شيء؟


1) . اقتباس ممّا ذكره الأُستاذ الكبير السيد الإمام الخميني(قدس سره) في دروسه الشريفة.

2) . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 21.

ذهب الشيخ محمد تقي الاصفهاني صاحب الحاشية على المعالم إلى الأوّل، و أُيّد قوله بما ذكره المنطقيون من أنّ نقيض السالبة الكلية هو الموجبة الجزئية.و اختار الشيخ الأنصاري القولَ الثاني و سيوافيك دليله:

و تظهر الثمرة فيما دل الدليل على طهارة ماء الاستنجاء إذا كان قليلاً دون الكرّ، فعلى القول بأنّ المفهوم هو الموجبة الجزئية لا تنافي بينهما، إذ لا منافاة بين المفهوم أي قولنا :»ينجسه شيء« و»لا ينجسه شيء آخر« كالاستنجاء، بخلاف ما إذا كان مفهومه، الموجبة الكلية فلا بد من علاج التنافي بالتخصيص أو التقييد أو غيرهما.

و بما أنّ دليل القول الأوّل واضح، لانّ نقيض الموجبة الكلّية التي هي المنطوق هو السالبة الجزئية، فالمهم في المقام تبيين ما اعتمد عليه الشيخ الأنصاري فيما اختاره من النظر.

و حاصله: أنّ المفهوم عبارة عن انتفاء الحكم المذكور في المنطوق عند انتفاء الشرط، و يعتبر في المفهوم أمران:

أ. انتفاء الشرط عند انتفاء الجزاء.

ب. وحدة القضية المنطوقية و المفهومية في الموضوع و القيود الموجودة في المنطوق، إلاّ في السلب و الإيجاب، فلو قال: إن سلّم عليك زيد يوم الجمعة فأكرمه، فمفهومه إن لم يسلِّم عليك في ذلك اليوم فلا تكرمه، و أمّا في غيره من أيام الاسبوع فالقضيتان ساكتتان عنه، فهما متحدتان في جميع الأُمور إلاّ في السلب و الإيجاب، أعني: الكيف.

و لو كان القيد المأخوذ في المنطوق، هو العموم و الشمول فلا بد أن يكون محفوظاً في جانب المفهوم أيضاً، مثلاً إذا قال: إن جاء زيد فأكرم العلماء، أي كل واحد، فمفهومه أنّه إن لم يجئ زيد فلا تكرم العلماء، أي كل واحد منهم.

و بذلك يظهر أنّ أساس المفهوم هو الحفاظ على جميع الخصوصيات إلاّ كيف القضية من السلب و الإيجاب.

ثم إنّه(قدس سره) رَتب على ذلك البيان بأنّ المنطوق لما كان قضية كلّية فلا بد من الحفاظ عليه في جانب المفهوم أيضاً أخذاً بالضابطة في باب المفهوم، فقوله(عليه السلام):»إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجسه شيء« قضية سالبة كلية، فلا بد أن يكون المفهوم موجبة كلية أيضاً، فلا يكون هناك أي اختلاف إلاّ في السلب و الإيجاب، فيكون المفهوم هو قوله: إذا لم يكن الماء قدر كر ينجسه كل شيء.

يلاحظ على ما ذكره: بأنّ ما ذكره من الضابطة إنما يتمّ في الخصوصيات المذكورة في المنطوق كيوم الجمعة في المثال الأوّل، و استغراق جميع الأفراد في المثال الثاني(إن جاء زيد فاكرم العلماء).

و أمّا إذا كانت الخصوصية مستفادة من السياق في المنطوق فلا يمكن الحفاظ عليه عند انقلاب القضية إلى كيف آخر، و ذلك كالاستغراق في قوله: »إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء« فإنّه مستفاد من سياق الكلام، أي من وقوع النكرة بعد النفي، فبما أنّ المفهوم على طرف النقيض من المنطوق في جهة الكيف يكون المفهوم حكماً إيجابياً، فينتفي وقوع النكرة في سياق النفي، و معه لا يستفاد منه العموم فمثلاً:

إذا قال: إن جاءك زيد لا تكرم أحداً، لا يكون مفهومه إذا لم يجئ زيد »أكرم كل أحد« و ما هذا إلاّ لأنّ العموم كان مستفاداً من سياق الكلام، و قد تبدّل سياقه من النفي إلى الإثبات و من السلب إلى الإيجاب، فكيف يمكن حفظ العموم في جانب المفهوم مع زوال السياق؟ فإذا زال ما يدل على العموم عند الأخذ بالمفهوم، كيف يمكن الأخذ بمعلوله و أثره؟

الفصل الثاني: في مفهوم الوصف

عرّفه المحقّق القمي بقوله: هل تعليق الحكم بالصفة يدلّ على انتفائه لدى انتفائها أو لا. (1)و المراد من الوصف في كلامه ما يعم النعت و الحال و التمييز و غيرها ممّا يكون قيداً لموضوع التكليف.

و بذلك(كونه قيداً لموضوع التّكليف) يعلم أنّ النزاع مختص بما إذا كان الوصف معتمداً على موصوف كما إذا قال: أكرم رجلاً عالماً حتى ينطبق عليه تعريف المفهوم من ثبوت الموضوع و ارتفاع القيد، و أمّا إذا كان الوصف نفسُه موضوعاً كما في قوله سبحانه:( وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (2)) (3)فهو داخل في مفهوم اللقب الآتي.

و بذلك يعلم خروج الصورتين التاليتين أيضاً عن محط النزاع.

أ: أن يكون الوصف مساوياً للموصوف كالإنسان المتعجّب، أو يكون الوصف أعمّ من الموضوع كالإنسان الماشي. إذ لا يتصوّر فيه ارتفاع الوصف مع بقاء الموضوع، فانحصر البحث في موردين:

1.

إذا كان الوصف أخص من الموضوع، كما إذا قال: أكرم الإنسان الكريم في مقابل اللئيم، فهو داخل في محلّ النزاع.

2.

إذا كانت نسبة الوصف إلى الموصوف عموماً و خصوصاً من وجه، كما إذا


1) . القوانين: 1/178 بتصرّف يسير.

2) سوره 5 - آیه 38

3) . المائدة:38.

قال في الغنم السائمة زكاة. يقع الكلام فيما إذا بقي الموضوع(الغنم) و ارتفع الوصف فصارت الغنم معلوفة، و أنّه هل يدلّ انتفاء الوصف على عدم وجوب الزكاة فيها أو لا؟ هذا كلّه إذا كان الافتراق من جانب الوصف، و أمّا إذا كان الافتراق من جانب الموصوف مع بقاء الوصف، فلا يدلّ على شيء كما في البقر و الإبل السائمتين لما عرفت من أنّ أخذ المفهوم رهن بقاء الموصوف و ارتفاع الوصف، و في هذه الصورة، الأمر على العكس.

إذا عرفت ذلك فقد استدلّ على دلالة الوصف على المفهوم بوجوه:

1. التبادر الكاشف عن وضع الهيئة الوصفية للانتفاء عند الانتفاء.

يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يتبادر هو مدخلية الوصف في شخص الحكم، و أمّا مدخليته في سنخ الحكم و انّه لا نائب له، فغير ثابت.و المطلوب في باب المفاهيم انتفاء سنخ الحكم، لا شخص الحكم الوارد في القضية فإنّه منتف بانتفاء القيد سواء أقلنا بالمفهوم أم لا.

2. التمسّك بالإطلاق على الوجه المقرر في دلالة الهيئة الشرطية.

يلاحظ عليه: قد عرفت أنّ أقصى ما يدلّ عليه الإطلاق، هو أنّ الوصف مع موصوفه تمام الموضوع و أمّا أنّه لا ينوب عنه شيء آخر فلا يدلّ عليه، نعم لو أحرز أنّ المتكلّم في مقام بيان كل ما له دخل في سنخ الحكم فلم يأت إلاّ بنفس الوصف وحده يكشف عن عدم ما ينوبه و هو غير محرز غالباً.

3. لو لم يدلّ على المفهوم يلزم اللغوية.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يلزم لو لم يكن له دخل في الحكم أبداً و أمّا إذا كان له دخل في شخص الحكم، و إن كان يخلفه وصف آخر أحياناً فلا، و تخصيص ذاك الوصف بالذكر دون غيره لكونه مورد السؤال أو الابتلاء للمخاطب أو للتأكيد

نحو: إياك و ظلم الطفل اليتيم، أو لدفع توهّم عدم الحرمة في مورد الوصف، كما في قوله تعالى:

( وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ (1)). (2)

و على كلّ تقدير فالذي دعا الأُصوليّين إلى عدم القول بالمفهوم في التقييد بالوصف، هو عدم انتفاء الحكم عند انتفاء القيد في النصوص الشرعية نظير قوله سبحانه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً (3)) (4)فإنّ الربا حرام مطلقاً أضعافاً كان أو لا.

و قوله سبحانه:( وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ (5)) (6)مع اتّفاقهم على جواز القضاء بشهادة شاهد واحد و يمين المدّعي.

و قوله سبحانه:( وَ رَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (7)) (8)مع حرمة الربيبة إذا دخل بأُمّها و إن لم تكن في حجره.

و قوله سبحانه:( وَ إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (9)). (10)

فالتقصير قيّد بالخوف من فتنة الكفّار مع أنّه جائز مطلقاً سواء كان هناك فتنة أو لا.

نعم خرجت عن تلك الضابطة العقود و الإيقاعات المتداولة بين الناس حتى الاقرارات و الوصايا، فإنّها لو اشتملت على قيد و وصف لأفاد المفهوم كما ذكرناه في الموجز (11)فمثلاً لو قال: »داري هذه وقف للسادة الفقراء« فمعناه خروج السادة الأغنياء عن الخطاب حيث اتّفق الفقهاء على الأخذ بالمفهوم في الاقرارات و الوصايا إذا اشتملت على قيد و وصف كما عرفت.3.


1) سوره 6 - آیه 151

2) . الأنعام:151.

3) سوره 3 - آیه 130

4) . آل عمران: 130.

5) سوره 2 - آیه 282

6) . البقرة:282.

7) سوره 4 - آیه 23

8) . النساء:23.

9) سوره 4 - آیه 101

10) . النساء:101.

11) . الموجز:93.

الفصل الثالث: مفهوم الغاية

اشارة

هل الغاية تدلّ على ارتفاع الحكم عمّا بعد الغاية أو لا؟ المشهور انّ أداة الغاية تدلّ على ارتفاع الحكم عمّا بعدها، بل ربّما يقال بأنّ دلالتها على الارتفاع أشد من دلالة القضية الشرطية على ارتفاع الحكم عند ارتفاع شرطه.

نعم ذهب السيّد المرتضى و الشيخ الطوسي إلى خلاف هذا القول و استُدلّ لقولهما بالآيات التالية:

1.( وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ (1)). (2)

2.

قوله:( كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ (3)). (4)

3.

قوله:( وَ قاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ (5)). (6)

فإنّ لفظة »حتّى« الجارة في هذه الآيات تدلّ على أنّ الوظيفة تنتهي بالوصول إلى الغاية، أعني:

تطهّر المرأة، أو تبين الخيط الأبيض، أو الإذعان بعدم طروء الفتنة.


1) سوره 2 - آیه 222

2) . البقرة:222.

3) سوره 2 - آیه 187

4) . البقرة:187.

5) سوره 2 - آیه 193

6) . البقرة:193.

و التحقيق أن يقال: إنّه لو كانت الغاية غاية للحكم فلا شكّ في الدلالة، كما في قوله: »كلّ شيء حلال حتّى تعلم انّه حرام« فانّ الغاية غاية للحكم بالحلية كما هي غاية للحكم بالطّهارة في قوله:»كلّ شيء طاهر حتى تعلم انّه قذر« فادّعاء التبادر في أمثال ذلك ممّا لا إشكال فيه.

و أمّا إذا كانت الغاية قيداً للموضوع و محدِّداً له كما في قولك: »سر من البصرة إلى الكوفة« فإنّه بمنزلة أن يقال: السير من البصرة إلى الكوفة واجب، و مثله قوله سبحانه:( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (1)) (2)فانّه بمنزلة أن يقال: غسل الأيدي إلى المرافق واجب، فالظاهر عدم الدلالة على المفهوم، إذ غاية الأمر أنّ الموضوع المقيد محكوم بالحكم، و أمّا عدم الحكم على الموضوع عند انتفاء القيد، فلا يدلّ عليه لعدم وضع لذلك، إلاّ إذا قلنا بدلالة كلّ قيد على المفهوم كمفهوم الوصف.

حكم نفس الغاية

ما ذكرناه راجع إلى حكم ما بعد الغاية، و أمّا الكلام في نفس الغاية فهل هي داخلة في حكم المغيّى أو خارجة عنه؟ فذهب المحقّق الخراساني و السيّد الإمام الخميني إلى خروجها أيضاً، ففي مثله قوله سبحانه:

( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ (3)) ، فالواجب هو دون المرفق، و أمّا نفس المرفق فهو خارج عن وجوب الغسل، اللّهمّ إلاّ لأجل تحصيل اليقين بغسل ما دون المرفق و استدلّ عليه الرضي بأنّ الغاية حدّ الشيء و حدود الشيء خارجة عنه.

و الأولى أن يستدلّ بالتبادر فانّ المتبادر من قوله:( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (4)) (5)فانّ المتبادر هو


1) سوره 5 - آیه 6

2) . المائدة:6.

3) سوره 5 - آیه 6

4) سوره 97 - آیه 4

5) . القدر:54.

خروج مطلع الفجر عن الحكم السابق الوارد في الآية كما هو الحال في قوله:( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ (1)) فالليل خارج عن حكم المغيى.

ثمّ إنّ البحث عن دخول الغاية في حكم المغيى و عدمه محدّد بشرطين نوّهنا بهما في الموجز أيضاً (2)و هما:

1.

إذا كان هناك قدر مشترك أمكن تصويره تارة داخلاً في حكم المغيى، و أُخرى داخلاً في حكم ما بعد الغاية كالمرفق فإنّه يصلح أن يكون محكوماً بحكم المغيى(الأيدي) و حكم ما بعد الغاية(كالعضد) و أمّا إذا لم يكن كذلك، فلا موضوع للبحث كما إذا قال: اضربه إلى خمس ضربات، فالضربة السادسة من أفراد ما بعد الغاية، و الضربة الخامسة داخلة في أجزاء المغيّى حسب التبادر فليس هنا شيء آخر يبحث عن دخوله في حكم المغيى و عدمه.

2.

انّ البحث مركز في »حتّى« الخافضة و أمّا »حتّى« العاطفة فلا شكّ في دخول الغاية في حكم المغيى كما في قولك: جاء الحجاج حتى المشاة. قال الشاعر:

ألقى الصحيفة كي يخفف رحله و الزاد حتّى نعله ألقاها

مات الناس حتّى الأنبياء.

فخرجنا بالنتائج التالية:

أ: دلالة الجملة على خروج ما بعد الغاية عن حكم المغيى إذا كانت قيداً للحكم.

ب: عدم دلالة الجملة على خروج الغاية عن حكم المغيى إذا كانت قيداً للموضوع.

ج: عدم دخول الغاية في حكم المغيّى.

إنّ البحث مركَّز في »حتّى« الخافضة لا العاطفة و إلاّ فلا شكّ في الدخول.5.


1) سوره 2 - آیه 187

2) . الموجز:94 95.

الفصل الرابع: مفهوم اللقب

المراد من مفهوم اللقب ما يجعل أحد أركان الكلام و القيود الراجعة إليه كالفاعل و المفعول و المبتدأ و الخبر و الظروف الزمانية و المكانية، فذهب الدقّاق و الصيرفي و أصحاب أحمد بن حنبل إلى ثبوت المفهوم، و المشهور إلى عدمه و استدلّ المشهور بأنّه لا دلالة لقولك زيد موجود على أنّه تعالى ليس بموجود، و قولك:

»موسى رسول اللّه« لا يدلّ على أنّ محمّداً ليس رسول اللّه.

و منه يظهر عدم المفهوم في باب الوقف و النذر و العهد، فإذا قال: هذا وقف لأولادي أو نذر لطلبة البلدة المعيّنة، فلا شكّ أنّه لا يشمل الجيران و لا طلبة غير تلك البلدة، و لكن عدم الشمول لا من باب أنّ الجملة تدلّ على ذلك و إنّما هو لأجل قصور الإنشاء و عدم شموله لغير موردهما فعدم الشمول من باب فقد الدال و الدلالة، لا الدلالة على العدم.

و الحاصل أنّ هنا حكماً واحداً شخصياً و هو مترتّب على موضوع و عدم شموله لموضوع آخر لا يسمّى مفهوماً.

تمّ الكلام في المقصد الثالث

المقصد الرابع: في العام و الخاص

اشارة

و فيه فصول:

الفصل الأوّل: في المخصص المتصل و المنفصل الفصل الثاني: في أنّ التخصيص لا يوجب المجازية الفصل الثالث: في أنّ العام حجّة في الباقي الفصل الرابع: إجمال المخصِّص مفهوماً الفصل الخامس: إجمال المخصِّص مصداقاً الفصل السادس: التمسك بالعام قبل الفحص عن المخصّص الفصل السابع: تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده الفصل الثامن: تخصيص العام بالمفهوم الموافق و المخالف الفصل التاسع: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد الفصل العاشر: دوران الأمر بين التخصيص و النسخ خاتمة المطاف: الخطابات الشفاهية

تمهيد

اشارة

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأمر الأوّل: انّ العام من المفاهيم المشهورة الغنيّة عن التعريف،

و يقابله الخاصّ. و مع ذلك فقد عُرّف بوجوه أوضحها: كون اللّفظ بحيث يشمل مفهومه لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفهوم الواحد، فلفظة العلماء عامّ لكونها شاملة لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه مفهوم الواحد أعني: »العالم« و يقابله الخاص.

الأمر الثاني: انّ العام ينقسم إلى استغراقي و مجموعي و بدلي،

و هل انقسامه إلى هذه الأقسام الثلاثة باعتبار ذات العام و لحاظه بوجوه مختلفة مع قطع النظر عن الحكم و كونه موضوعاً، أو أنّ هذا التقسيم باعتبار تعلّق الحكم عليه؟ ذهب المحقّق الخراساني إلى الثاني، قائلاً بأنّ الاختلاف باعتبار اختلاف كيفية تعلّق الأحكام به، و إلاّ فالعموم في الجميع بمعنى واحد، و هو شمول الحكم لجميع ما يصلح أن ينطبق عليه، غاية الأمر انّ تعلّق الحكم به تارة بنحو يكون كلّ فرد موضوعاً على حدة للحكم، و أُخرى بنحو يكون الجميع موضوعاً واحداً، بحيث لو أخلّ بإكرام واحد في »أكرم كلّ فقيه« مثلاً لما امتثل أصلاً، بخلاف الصورة الأُولى فانّه أطاع و عصى، و ثالثة بنحو يكون كلّ واحد موضوعاً على البدل بحيث لو أكرم واحداً منهم لما أطاع و امتثل كما يظهر لمن أمعن النظر و تأمّل. (1)


1) . كفاية الأُصول: 1/332.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره إنّما يتمّ لو لم يكن هناك ألفاظ موضوعة لخصوص هذه الأقسام الثلاثة ، و إلاّ يكون التقسيم بلحاظ ذاته، مثلاً انّ لفظ »الكل« و»التمام«و»الجميع« دال على العام الاستغراقي و انّ كلّ فرد ملحوظ مستقلاً كما أنّ لفظ »المجموع« دال على العام المجموعي و أنّ الأفراد ملحوظة بنعت الاجتماع، كما أنّ لفظ »أيّ« دالّ على العام البدلي و أنّ كلّ فرد من الأفراد ملحوظ على البدل مثل قوله تعالى:( قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (1)). (2)

و على ذلك فدلالة كلّ واحد من هذه الألفاظ على كيفية الموضوع، بنفسها، لا باعتبار تعلّق الحكم به.

الأمر الثالث: انّ الإطلاق ينقسم إلى الشمولي(الاستغراقي) و البدلي كانقسام العام إليهما

، فالإطلاق في مثل قوله:( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (3))شمولي كما أنّه في قوله: »أكرم عالماً« بدلي و الفرق انّ استفادة الشمولي و البدلي في العام بالدلالة اللّفظية الوضعية، و أمّا المطلق فإنّما هو بالقرائن الحافّة و مقدّمات الحكمة.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام ضمن فصول:


1) سوره 27 - آیه 38

2) . النمل:38.

3) سوره 2 - آیه 275

الفصل الأوّل: في المخصّص المتصل و المنفصل

إنّ تخصيص العام يتصوّر على وجهين:

الأوّل: أن يقترن المخصص بنفس العام في مقام الإلقاء كقولك: أكرم »العلماء العدول« فيسمّى مخصِّصاً متصلاً لاتّصاله بالعام في الكلام و يكون قرينة على عدم إرادة العموم.

الثاني: أن لا يقترن المخصص بالعام في نفس الكلام بل يأتي قبل العام أو بعد ورود العام فتكون قرينة على انّ المتكلّم أراد ما عدا الخاصّ، و كلّ من المخصصَين حجّة و قرينة على المراد إلاّ أنّه إذا كان المخصّص متصلاً لا ينعقد للعام ظهور في العموم، بل ينعقد الظهور من بدء الأمر في الخصوص و أمّا إذا كان منفصلاً فبما انّه غير مقترن بالعام، ينعقد للعام ظهور في العموم و إذا وقف المخاطب على المخصص المنفصل و كان ظهوره أقوى من ظهور العام فهو لا يزاحم ظهور العام في عمومه لانعقاد الظهور له في العموم قبل العثور على المخصّص و إنّما يزاحم حجّيته في العموم، فإذا قال: أكرم العلماء ثمّ ورد بعد شهر و قبل وقت العمل لا تكرم فسّاق العلماء، فالكلام الثاني لا يزاحم ظهور الكلام الأوّل في العموم بعد انعقاده فيه.

نعم العثور على المخصص و كونه أقوى من العام يكون قرينة على

أنّ العموم ليس بمراد، و هذا ما يقال من أنّ المخصص المنفصل لا يزاحم ظهور العموم و إنّما يزاحم حجّيته في العموم.

و إن شئت قلت: إنّه إذا كان المخصص متصلاً لا ينعقد للعام ظهور إلاّ في الخصوص، و هذا بخلاف ما إذا كان المخصص منفصلاً فينعقد للكلام ظهور في العموم، و العثور على الخاص لا ينافي انعقاد ظهوره في العموم و إنّما يزاحم حجّيته فيه فيكون من باب تقديم الأظهر أو النصّ على الظاهر.

الفصل الثاني: في أنّ التخصيص لا يوجب المجازية

كان المعروف بين الأُصوليّين هو انّ تخصيص العام يوجب المجازية أي استعمال العام في غير ما وضع له أعني الخصوص لكن الحقّ كما عليه المتأخّرون كونه حقيقة و إن خصِّص، سواء كان المخصص متصلاً أم منفصلاً.

أمّا المتّصل فلأنّ كلاً من لفظي الأمر و متعلقه في قولك: »أكرم العلماء العدول« استعمل في نفس معناه فأطلق العلماء و أُريد منه كلّهم، كما أطلق العدول و أُريد منهم الموصوفون بالعدالة. فاللفظان مستعملان في معناهما و إن كان ظهور الكلام منعقداً في الخصوص، فالمورد من قبيل تعدد الدالّ و المدلول.

و أمّا المخصص المنفصل فلأنّ المتكلم يستعمل العام في معناه اللغوي بالإرادة الاستعمالية، فإذا كانت الإرادة الجدية مطابقة للإرادة الاستعمالية يَقتصر على العام و لا يكون أيّ حاجة للخاصّ، و أمّا إذا كانت الإرادة الجدية من حيث السعة مخالفة للإرادة الاستعمالية فيشير المتكلم إلى من لم تتعلّق به الإرادة الجدّية بالمخصص حتى يدل على أنّ متعلّق الإرادة الجدية أضيق من متعلّق الإرادة الاستعمالية.

فلا يكون العثور على المخصص أيضاً سبباً لاستعمال اللّفظ في غير ما وضع له.

و إن أردت مزيد توضيح فنقول: إنّ التخصيص بالمنفصل إنّما يوجب مجازية العام المخصَّص إذا استعمله المتكلّم في غير معناه العام من أوّل الأمر، كأن يريد بقوله: أكرم العلماء، »العلماء غيرَ الفساق« و لكنّه أمر غير معهود، فالمتكلّم يستعمله في نفس ما وضع له، بالإرادة الاستعمالية، أو قل بالإرادة التفهيمية.

ثمّ إنّه لو كان المراد بالإرادة الاستعمالية نفسَ المراد بالإرادة الجدية لسكت، و لم يعقبه بشيء، و أمّا إذا كان المراد بالإرادة الاستعمالية غير المراد بالإرادة الجدية من حيث السعة و الضيق لأشار إلى إخراج بعض ما ليس بمراد جداً، و يقول: لا تكرم فساق العلماء، و هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على ضيق الإرادة الجديّة من أوّل الأمر، و أمّا الإرادة الاستعمالية فتبقى على شموليتها للمراد الجدي و غيره، و هذا رائج في المحاورات العرفية و الملاك في كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً هي الإرادة الأُولى، و المفروض أنّ العام حسب تلك الإرادة مستعمل في نفس ما وضع له و إذا ورد التخصيص فإنّما يرد على ما هو المراد بالإرادة الجدية.

فخرجنا بهذه النتيجة: انّ العام المخصَّص سواء أ كان التخصيص متصلاً أم منفصلاً، حقيقة و ليس بمجاز، و يجمع كلا التخصيصين كونُ العام و الخاص من قبيل تعدّد الدال و المدلول.

سؤال: لما ذا لا يستعمل المتكلّم العامَّ في الخاص من أوّل الأمر أي فيما هو متعلّق الإرادة الجدية، بل يستعمله منذ بدء الأمر في العموم ثمّ يشير بدليل ثان إلى التخصيص.

الجواب: إنّما يستعمله كذلك لضرب القاعدة و إعطاء الضابطة فيما إذا شكَّ المخاطبُ في خروج بعض الأفراد، حتى يتمسك بالعام إلى أن يثبت المخصص، و ذلك لأنّ الأصل هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الجديّة إلاّ إذا قام الدليل على المخالفة.

و هذا لا يتم إلاّ باستعماله من أوّل الأمر في العموم بخلاف ما إذا استعمله في الخصوص و في غير معناه الحقيقي فلا يمكن للمخاطب التمسّك بعموم العام في موارد الشكّ، لأنّ للمعنى المجازي مراتب (1)مختلفة، و لا نعلم أيّ مرتبة من تلك المراتب هي المرادة، فيصير الكلام مجملاً في صورة الشك.ل.


1) . و حيث يحتمل انّه استعمله في تمام الباقي كما يحتمل استعماله في بعض الباقي، و للبعض الباقي أصناف مختلفة، مثلاً العلماء غير القرّاء ، العلماء غير النحاة، العلماء غير الفقهاء، فالكل يعدّ من المجاز حيث إنّ اللّفظ فيها ليس بحقيقة فتعيين أحدها يحتاج إلى دليل.

الفصل الثالث: في أنّ العام حجّة في الباقي

قد خرجنا في الفصل السابق بنتيجتين:

الأُولى: انّ العام مستعمل في معناه، و انّ التّخصيص لا يوجب المجازية.

الثانية: انّ الأصل بين العقلاء هو تطابق الإرادة الاستعمالية مع الإرادة الجدّيّة إلاّ إذا قام الدّليل على المخالفة في مورد التّخصيص.

ثمّ إذا شككنا في ورود التّخصيص على العام أو في ورود تخصيص زائد فمقتضى الأصلين هو حجّية العام في مدلوله، و ذلك لأنّ مقتضى كون اللّفظ مستعملاً في معناه بالإرادة الاستعمالية و كونها مطابقة للجدّ ما لم يدلّ دليل على خلافه، هو كون ما وقع تحت العام محكوماً بحكمه و انّه حجّة فيه ما لم يدلّ دليل قطعي على الخلاف.

الفصل الرابع: إجمال المخصِّص مفهوماً

اشارة

كان البحث في الفصل السابق منصبّاً على حجية العام في الباقي بعد افتراض كون المخصص مبيَّناً لا إجمال فيه، و إنّما كان الشكّ في تخصيص زائد بمعنى احتمال أن يكون هناك تخصيص وراء التخصيص الأوّل، فقد قلنا بحجّية العام في الباقي ما لم يثبت تخصيص آخر.

و أمّا البحث في هذا الفصل فهو فيما إذا كان المخصص مجملاً مفهوماً و صار إجماله سبباً للشك في بقاء مورد، تحت العام، أو داخلاً تحت الخاص، و على هذا فالفصلان مختلفان موضوعاً و محمولاً، و إن كانا يشتركان في تعلّق الشكّ ببقاء فرد أو عنوان تحت العام، لكن منشأ الشك في الفصل السابق، احتمال طروء تخصيص زائد على العام و في المقام وجود الإجمال في المخصِّص فالمسألتان متغايرتان.

ثمّ إنّ إجمال المخصص مفهوماً على قسمين: فتارة يكون مفهوم المخصص مردّداً بين الأقل و الأكثر، و أُخرى يكون مفهومه مردّداً بين المتباينين. و إليك توضيح القسمين بذكر بعض الأمثلة.

أمّا المخصص المردّد مفهومه بين الأقل و الأكثر، فإليك مثالين:

أ. إذا قال: كلّ ماء طاهر إلاّ ما تغيّر طعمُه أو لونُه أو رائحته، فإنّ المخصِّص مردّد بين كون المراد خصوص التغيّر الحسي، أو ما يعمّه و التغيّر التقديريّ، كما إذا مزج الماء الذي وقعت فيه النجاسة، بالطيب على فرض لولاه لظهر التغيّر بإحدى صوره الثلاث، فالمخصص(إلاّ ما تغير) مردّد بين الأقل و هو التغير الحسّي، و الأكثر و هو شموله له و للتقديري.

ب. إذا قال: أكرم العلماء إلاّ الفسّاق و تردّد مفهوم الفاسق بين كونه خصوص مرتكب الكبيرة، أو الأعم منه و من مرتكب الصغيرة، فهو مردّد بين الأقل و هو مرتكب الكبيرة ، و الأكثر و هو مرتكب الكبيرة و الصغيرة.

و أمّا المخصص المردّد مفهومه بين المتباينين.

فكما إذا قال المولى: أكرم العالم إلاّ سعداً، و تردّد بين سعد بن زيد و سعد ابن بكر، فالإجمال في المفهوم صار سبباً لتردّد المخصّص بين المتباينين.

إذا وقفت على إجمال المفهوم بقسميه، فاعلم أنّ الصور المتصوّرة في المقام أربع. لأنّ المخصّص المجمل إمّا متصل أو منفصل و إجمال كلّ، إمّا لدورانه بين الأقل و الأكثر، أو بين المتباينين، و إليك أحكام الصور الأربع:

الصورة الأُولى: المخصص المتّصل الدائر مفهومه بين الأقل و الأكثر

إذا كان العام مقروناً من أوّل الأمر بمخصص مجمل مفهوماً مردّد أمره بين الأقل و الأكثر كما عرفت في المثالين، فلا شكّ في أمرين:

1.

انّ الخاص حجّة في الأقل أعني: التغيّر الحسّي و مرتكب الكبيرة و ليس العام حجّة فيهما بلا كلام.

2.

انّ الخاص ليس حجّة في المصداق المشكوك، أي التغير التقديري و مرتكب الصغيرة.

إنّما الكلام في أمر ثالث، و هو هل العام حجّة في هذا الفرد المشكوك أو لا؟ و المسألة مبنية على سريان إجمال المخصص إلى العام فلا يكون حجّة فيه، و عدمه فيكون حجّة.

التحقيق انّه يسري، لأنّ المخصص المتّصل من قبيل القرائن المتصلة بالكلام، و ما هذا شأنه يوجب »عدم انعقاد ظهور للعام إلاّ فيما عدا الخاص« فإذا كان الخاص مجملاً، سرى إجماله إلى العام، لأنّ ما عدا الخاص غير معلوم فلا يحتج بالعامّ في مورد الشكّ.

و إن شئت قلت: إنّ التخصيص بالمتصل أشبه شيء بالتقييد حيث يعود الموضوع مركباً من العام و عنوان »غير الفاسق« فلا بدّ في الحكم بوجوب الإكرام(حكم العام) من إحراز كلا الجزءين، أعني: كونه عالماً و كونه غير فاسق، و الأوّل و إن كان محرزاً بالوجدان، و لكن الثاني(غير فاسق) غير محرز، لأنّه لو كان الفاسق موضوعاً لمرتكب الكبيرة، فالموضوع محرز، لأنّ مرتكب الصغيرة غير فاسق، و لو كان موضوعاً للأعم فهو فاسق، فلا ينطبق عليه عنوان العام المخصَّص(العالم غير الفاسق)، و بما انّه لم يحرز عندئذ الجزء الآخر(غير الفاسق)، فلا يصحّ التمسّك بالعام.

الصورة الثانية: المخصص المتّصل الدائر مفهومه بين المتباينين

إذا ورد العام منضماً إلى مخصص دائر مفهومه بين أمرين متباينين ليس بينهما قدر مشترك حتى يدور الأمر بين الأقل و الأكثر، كما إذا قال: أكرم العالم إلاّ سعداً، و كان مردّداً بين سعد بن زيد و سعد بن بكر، فلا يمكن التمسّك بالعام في واحد منهما للبيان السابق حيث إنّ العام حجّة فيما عدا الخاص، فيجب إحراز

كلا الجزءين:الأوّل: انّه(عالم) و الثاني انّه(ليس سعداً)، و بما أنّ سعداً مردّد مفهوماً بين الفردين، فلا يكون موضوع العام محرزاً بتمامه في أيّ واحد من الفردين.

الصورة الثالثة: المخصص المنفصل الدائر مفهومه بين الأقلّ و الأكثر

إذا ورد العام مجرداً عن المخصص ثمّ لحقه مخصص منفصل دائر مفهومه بين الأقل و الأكثر، كما إذا قال: أكرم العلماء، و قال بعد فترة:لا تكرم فسّاق العلماء، فلا شكّ أنّ العام ليس بحجّة في مرتكب الكبيرة و يقع الكلام في كونه حجّة في مرتكب الصغيرة.

المشهور بين المحقّقين كونه حجّة في مورد الصغيرة، و يقع الكلام في بيان ما هو الفرق بين المتصل و المنفصل حيث إنّ إجمال المخصص المتصل يسري إلى العام عند دورانه بين الأقل و الأكثر و لا يسري إليه إجمال المخصص المنفصل إذا دار أمره بينهما، و إليك بيان الفرق:

إنّ اتصال المخصص يوجب عدم انعقاد ظهور للعام من أوّل الأمر إلاّ في العنوان المركب(العالم غير الفاسق)، فلا يكون هنا إلاّ دليل واحد و له ظهور واحد.

و هذا بخلاف ما إذا كان المخصص منفصلاً، فإنّه ينعقد للعام ظهور في العموم، و يعمّ قوله: أكرم العلماء، مرتكبَ الصغيرة و الكبيرة معاً في بدء الأمر و يكون حجّة فيهما.

ثمّ إذا لحقه المخصص المنفصل فهو لا يزاحم ظهوره، لأنّ ظهوره انعقد في العموم، و إنّما يزاحم حجّيته في العموم، لأنّ ظهور الخاص أقوى، و بما انّ المخصص المنفصل ليس حجّة إلاّ في مرتكب الكبيرة دون الصغيرة، بل كان فيها مشكوك الحجية فلا يزاحم حجيّة العام فيه فيتمسك بالعام الذي انعقد ظهوره

في العموم و كان حجّة فيه ما لم يكن هناك حجّة أُخرى و المفروض عدمها.

و بعبارة أُخرى: العام المنفصل عن المخصص ينعقد ظهوره في العموم، فيكون حجّة في وجوب إكرام العالم أعم من مرتكب الصغيرة أو الكبيرة، و هذا الظهور حجّة ما لم يكن هناك دليل أقوى، و المفروض أنّ الدليل الأقوى مجمل مردّد بين الأقل و الأكثر، فلا يكون حجّة في المشكوك أي الأكثر فلا ترفع اليد عن الحجّة السابقة إلاّ بمقدار ما ثبتت حجّية الخاصّ فيه، و ليس هو إلاّ مرتكب الكبيرة فيتمسك في مورد الصغيرة، بالعام.

هذا هو المعروف و هناك رأي آخر يطلب من دراسات عليا.

الصورة الرابعة: المخصص المنفصل الدائر مفهومه بين المتباينين

إذا ورد العام مجرداً عن المخصص، ثمّ لحقه المخصص بعد فترة و لكن دار أمره بين متباينين، كما إذا قال: »أكرم العالم«، ثمّ قال بعد فترة: »لا تكرم سعداً« و كان سعد مردّداً مفهوماً بين »سعد بن زيد و سعد بن بكر« فالإجمال في المصداق و تردّده بين الشّخصين لأجل الإجمال في المفهوم بحيث لو أزيل الإجمال المفهومي لما كان هناك إجمال في المصداق ، فهل يكون العام حجّة في واحد منهما؟ التحقيق: انّه لا يكون العام حجّة بل يسري إجمال المخصص و إن كان منفصلاً إلى العام و وجه ذلك مع أنّه يشترك مع الصورة الثالثة في انفصال المخصص، و لكن يفارقه في شيء آخر، و هو انحلال العلم الإجمالي في الصورة الثالثة في مورد مرتكب الصغيرة فيكون الشكّ فيه شكاً بدوياً بخلاف المقام، فإنّ هنا علماً إجمالياً بحرمة أو عدم وجوب إكرام أحد العنوانين، و مع هذا العلم كيف يمكن التمسك بظهور العام و إن انعقد ظهوره قبل لحوق المخصص المنفصل به في العموم بل يسقط العام عن الحجية في كلّ واحد منهما.

فخرجنا بالنتائج التالية:

1.

يسري إجمال المخصص المتصل الدائر أمره بين الأقل و الأكثر إلى العام.

2.

يسري إجمال المخصص المتصل الدائر أمره بين المتباينين إلى العام.

3.

يسري إجمال المخصص المنفصل الدائر أمره بين المتباينين إلى العام. (1)

4.

لا يسري إجمال المخصص المنفصل الدائر أمره بين الأقل و الأكثر إلى العام.ن.


1) . هذه هي الصورة الرابعة قدّمناها في المقام لمساواة حكمها مع القسمين الأوّلين.

الفصل الخامس: إجمال المخصص مصداقاً

كان البحث في الفصل السابق فيما إذا شكّ في كون فرد داخلاً تحت العام أو الخاص و كان منشأ الشك إجمال المخصص مفهوماً و أمّا إذا كان المخصص مبيناً مفهوماً، لكن وقع الشكّ في بقاء فرد من أفراد ما ينطبق عليه العام تحته أو خروجه عنه و دخوله تحت المخصِّص، فمثلاً، قال رسول اللّه(صلى الله عليه و آله و سلم): »على اليد ما أخذت حتى تؤدي« و هو عام يشمل اليد العادية و اليد الأمينة، ثمّ لحقه المخصص فأخرج اليد الأمينة.

و لو تلف مال تحت يد إنسان مردّدة مصداقاً بين كونها يد عادية أو يد أمانة، فالإجمال ليس في مفهوم العام و لا في مفهوم الخاص، و إنّما الإجمال في المصداق و الأمر الخارجي حيث إنّ كيفية اليد مردّدة بين كونها باقية تحت العام أو كونها خارجة عنه، فهل يجوز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للخاص، أو لا؟ ربما ينسب إلى القدماء صحّة التمسك و لذلك أفتوا في مثال اليد المشكوكة، بالضمان، و لكن الحقّ خلافه.

بيانه: انّ الخاص(اليد الأمينة) و إن لم يكن دليلاً في الفرد المشتبه، كما في المقام لتردّده بينها و بين غيرها، و لكنّه يوجب اختصاص حجيّة العام في غير

عنوان المخصص، فكأنّه(صلى الله عليه و آله و سلم) قال: على اليد »إذا كانت عادية« ما أخذت حتى تؤدي، فالاحتجاج بالعام في مورد الشبهة مبني على إحراز كلا العنوانين:

أ. استيلاؤه على العين، و هو محرز بالوجدان.

ب. استيلاؤه على وجه العدوان و انّ اليد عادية، و هو مشكوك.

و مع الشكّ في صدق الجزء الثاني على المورد كيف يتمسك بالعام و يحكم بالضمان؟ و إلى ما ذكرنا يرجع قول العلماء: »إنّ الخاص و إن لم يكن حجّة في مورد المشتبه، لكنّه يجعل العام السابق حجّة في غير عنوان الخاص فيجب على المتمسك إحراز كلا العنوانين«. (1)

و قد خرجنا بالنتيجة التالية:

و هي انّ العام ليس حجّة في الشبهة المصداقية للمخصص.

سؤال: إذا كان هذا هو مقتضى القاعدة، فلما ذا أفتى المشهور بضمان اليد المشكوكة المردّدة بين كونها يد ضمان، أو يد أمانة مع أنّه من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص؟ الجواب: انّ الإفتاء بالضمان ليس من هذا الباب، بل لأجل ضابطة فقهية سارية في أمثالها و هي:

إذا كان طبع العمل مقتضياً للفساد و كانت الصحّة حالة طارئة، عليه فلا2.


1) . ثمّ إنّ الصور المتصوّرة في المقام(إجمال المخصص مصداقاً) أربعة كإجماله مفهوماً، و ذلك لأنّ المخصص المجمل مصداقاً إمّا أن يكون متصلاً، أو يكون منفصلاً و على كلّ تقدير، كل من الإجمالين تارة يكون على وجه التباين و أُخرى على نحو الأقل و الأكثر و على كلّ تقدير فالعام ليس حجّة في الشبهة المصداقيّة للمخصّص مطلقاً. و لأجل الاختصار اكتفينا في هذا القسم بالإشارة. لاحظ المحصول: الجزء2.

تجري فيه أصالة الصحّة بل يحكم عليه بالفساد ما لم يحرز مسوغ الصحّة. و التصرف في مال الغير يقتضي الضمان بطبعه، و عدم الضمان أمر طارئ استثنائي، فاللازم هو الأخذ بمقتضى طبيعة الموضوع إلى أن يثبت خلافه، و إليك نظائرها:

1.

إذا باع غير الولي مال اليتيم و احتمل كون بيعه مقروناً بالمسوِّغ، فلا يحكم عليه بالصحّة إلاّ بالعلم و البيّنة على وجوده، لأنّ طبع العمل(بيع مال اليتيم) محكوم بالفساد، فهو محكوم بمقتضى الطبع إلى أن يعلم خلافه.

2.

إذا باع المتولي، الوقف فلا يحكم عليه بالصحة إلاّ بإحراز أحد المسوغات، لأنّ طبع بيع الوقف يقتضي الفساد و الصحّة أمر طارئ عليه، فيحكم بمقتضى الطبع إلى أن يعلم خلافه.

3.

إذا تردّدت المرأة بين كونها ممّن يجوز النظر إليها و غيرها، فلا يجوز النظر إليها، لأنّ مقتضى طبع العمل في المقام هو حرمة النظر و جواز النظر أمر طارئ على مطلق المرأة، فيحكم بحرمة النظر إلى أن يعلم المسوّغ.

الفصل السادس: التمسّك بالعام قبل الفحص عن المخصّص

نزل الوحي الإلهي على قلب سيّد المرسلين نجوماً على سبيل التدريج و قد بيّن سبحانه وجه ذلك بقوله:

( وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَ رَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (1)) (2)فجعل تثبيت فؤاد النبي دليلاً على نزول القرآن تدريجاً.

ثمّ إنّ نزول القرآن نجوماً، صار سبباً لتدريجية التشريع القرآني، فربما نزل العام في فترة، و الخاص في فترة أُخرى فلا يُحتج بالعام القرآني إلاّ بعد الفحص عن خاصّه فيه.

و نظيره السنّة النبويّة فقد كان التشريع فيها أمراً تدريجياً، فربما ورد العام في لسان النبي(صلى الله عليه و آله و سلم)في فترة، و الخاص في فترة أُخرى، فلا يحتج بعموم السنة النبويّة إلاّ بعد الفحص عن مخصصه فيها.

ثمّ إنّ هناك أحكاماً كثيرة شُرّعَت لكن حال الأجل بين الرسول و إبلاغه للأُمّة لكنّه صلوات اللّه عليه جعلها مخزونة عند العترة الطاهرة وصفهم أعدالاً للقرآن الكريم و قال: »إنّي تاركٌ فيكُمُ الثقلين كتاب اللّه و عِترتي«، فقاموا ببيان الأحكام المخزونة: عمومها و خصوصها، مطلقها و مقيّدها في فترة تقرب من 250


1) سوره 25 - آیه 32

2) . الفرقان:32.

سنة، فجاء العام في لسان إمام و الخاص في لسان إمام آخر أو روى الراوي العام من دون أن يروي الخاص و عكس الآخر، و بالتالي طرأ الفصل على المخصصات و المقيدات، و هذا هو السبب التّام لوجوب الفحص عن المخصص قبل العمل بالعام.

و ليس هذا من خصيصة التشريع الإسلامي بل التشريع الوضعي(البشري) يتمتع بذلك أيضاً فربما يذكر العمومات و المطلقات في قائمة، و المخصصات و المقيدات في قائمة أُخرى و ما ذلك إلاّ لكون التشريع أمراً غير دفعي.

نعم لا يجب الفحص عن المخصص المتصل، لأنّ سقوطه عن كلام الراوي على خلاف الأصل لأنّ سقوطه عمداً تنفيه وثاقة الراوي، و سهواً يخالفه الأصل العقلائي المجمع عليه.

ثمّ إنّ الفحص في المقام يغاير ماهية عن الفحص عن الدليل الاجتهادي عند العمل بالأُصول العملية فانّ الفحص هنا فحص عن متمم الحجّية، لأنّ موضع الأُصول العملية هو الشكّ في ظرف عدم البيان فما لم يتحقّق الفحص لا يحرز موضوع الأصل(عدم البيان) و لا يحصل المقتضي بخلاف المقام فانّه فحص عن الدليل الأقوى ظهوراً.

و أمّا مقدار الفحص فاللازم هو حصول الاطمئنان الشخصي على عدم المخصص، و هذا النوع من الاطمئنان حجّة عقلائيّة لم يردع عنها الشارع بل هو علم عرفي.

ثمّ إنّ القوم استدلّوا على وجوب الفحص بدلائل مختلفة أشرنا إليها في التعليقة. (1)م.


1) . أ. عدم حصول الظن الشخصي بالتكليف قبل الفحص. ب. وجود العلم الإجمالي بالمخصص و هو مانع عن التمسك بالعام.

الفصل السابع: تعقيب العام بضمير يرجع إلى بعض أفراده

إذا كان هناك عام يتعقّبه ضمير يرجع إلى بعض أفراده، فهل يوجب ذلك تخصيص العام أو لا؟ مثاله قوله سبحانه:( وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً... (1)). (2)

فقد دلّ الدليل على أنّه ليس كلّ بعل أحقّ باسترجاع مطلّقته، و إنّما يستحق إذا كان الطلاق رجعياً لا بائناً، فيقع الكلام في أنّه يوجب ذلك، تخصيصَ العام و اختصاص التربص أيضاً(كالاسترجاع) للرجعيات، أو يبقى العام على عمومه سواء أ كانت رجعية أم بائنة و يتصرف في الضمير فقط. وجهان:

توضيحه: انّ هنا حكمين:

1.

حكم العام، أعني قوله:( وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ (3))و ظاهره عموم حكم التربّص لعامة المطلّقات رجعيّة كانت أو بائنة.

2.

حكم الضمير الراجع إلى العام، أعني: حقّ الرجوع في قوله: »» بُعُولَتهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِن) فقوله:

»»(أَحَقُّ) لا يشمل كل بعل بل البعض أي المطلِّق رجعياً.


1) سوره 2 - آیه 228

2) . البقرة:228.

3) سوره 2 - آیه 228

فعندئذ يقع التنافر بين استعمال المرجع في العموم، و استعمال الضمير الراجع إليه في الخصوص فإنّ الأصل هو رجوع الضمير إلى نفس ما أُريد من المرجع لا إلى بعض ما أُريد منه فلا بدّ من علاجه بإحدى الصور التالية:

أ. التصرّف في المرجع بإخراج البائنة عن حكمه، و ذلك لأجل أنّ الحكم الحديث الثاني يرجع إلى بعض المطلقات، فيصير قرينة على أنّ الحكم الأوّل(التربص) به لبعض الأفراد، فيحصل التطابق بين المرجع و الضمير.

ب. التصرّف في الضمير بارتكاب الاستخدام فيه بعوده إلى خصوص المطلقة الرجعية، و إبقاء حكم العام على عمومه.

ج. عدم التصرّف في واحد من المرجع و الضمير، و التصرّف في الإسناد، و ذلك بإسناد الحكم(أحقّ بردّهنّ) المسند إلى البعض(الرجعية) إلى الكل(مطلق المطلقة) توسعاً و تجوزاً ، فيكون مجازاً في الإسناد، بلا تصرف في المرجع و لا في الضمير.

و هناك وجه رابع، و هو عدم الحاجة إلى التصرف مطلقاً، و ذلك لأنّه يمكن أن يقال إنّ الحكمين باقيان على عمومهما.

1.

فالمطلقات كلهنّ يتربصن بلا استثناء ، و الإرادة الاستعمالية فيها مطابقة للجدية.

2.

و بعولتهن مطلقاً رجعياً كان الطلاق أو بائناً أحقّ بردهنّ بلا استثناء لكن بالإرادة الاستعمالية، و أمّا الإرادة الجدية فقد تعلّقت بخصوص الرجعية، و ذلك بشهادة الدليل القطعي على خروج بعض الأصناف كما إذا كان الطلاق بائناً عنه.

و تظهر صحّة ما ذكرنا ممّا تقدّم في الفصل الثاني من هذا المقصد(عدم

استلزام التخصيص المجاز في العام) فالعلم بتخصيص الحكم الثاني بالمطلّقة رجعيّة لا يستلزم استعمال الضمير في بعض ما يراد من العام حتى يدور الأمر بين أحد المجازات، بل من الجائز أن يستعمل الضمير في المعنى العام أيضاً غاية الأمر علمنا بدليل خارجي اختصاص الحكم بالرجعية.و أقصى ما يلزم من ذلك تخصيص الإرادة الجدية في جانب الضمير لا الاستعمالية كما هو الضابطة في كلّ تخصيص.

الفصل الثامن: تخصيص العام بالمفهوم الموافق و المخالف

لا شكّ انّ العام كما يخصص بمنطوق القضية، كذلك يخصص بمفهومها.

مثلاً لو افترضنا ورد عام يأمر باطاعة الوالدين في كلّ ما يأمران به و قال: أطعهما في كلّ ما يأمران.

ثمّ ورد قوله سبحانه:( إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما (1)). (2)

فمنطوق الآية ناظر إلى الشرك في العبادة فيخصص العام المتقدّم بهذا المنطوق.

ثمّ إنّ الآية تدلّ على حرمة اطاعتهما إذا جاهدا أن يشرك الولد، في الخالقية و الربوبية، بطريق أولى(المفهوم الموافق) فيخصص به أيضاً، العام السابق.

وجه الاتفاق على جواز التخصيص هو انّ المفهوم الموافق من مقولة الدلالة اللفظية عند العرف، فكما يخصص العام بمنطوق الآية فهكذا يخصص بمفهومها الموافق لأنّهما في درجة واحدة لو لم يكن الموافق أعلى منزلة.

إنّما الكلام في تخصيص العام بالمفهوم المخالف، فربما يتصوّر عدم الجواز لأجل انّ الدلالة المفهومية أضعف من الدلالة المنطوقية ، فصار ذلك سبباً لعقد


1) سوره 31 - آیه 15

2) . لقمان:15

هذا الفصل.

ثمّ إنّ العام و ما يكون له المفهوم إمّا يقعان في كلام أو كلامين على نحو يصلح أن يكون كلّ منهما قرينة متصلة على التصرف في الآخر و دار الأمر بين تخصيص العموم أو إلغاء المفهوم، فيعمل بالأظهر منهما، و هذا كما في قوله سبحانه:( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (1)). (2)

فانّ الصدر ظاهر في المفهوم، و هو عدم وجوب التثبُّت عند خبر العادل و لكن الذيل عام (3)يدلّ على لزومه عند كلّ خبر غير علمي سواء كان المخبر فاسقاً أو عادلاً، لأنّ الجهالة بمعنى عدم العلم موجود في كلا القسمين، فعندئذ يقدم الأظهر منهما على الآخر و إلاّ فيتساقطان، و أمّا ما هو الأظهر فقد اختلفت فيه أنظارهم.

فهناك من يقدّم المفهوم على العام و هناك من يعكس، و التّحقيق موكول إلى محلّه.

هذا كلّه إذا كان العام و ما يدلّ على المفهوم في كلام واحد، و أمّا إذا كان منفصلين فهل يخصّص العام بالمفهوم أو لا؟ فالظاهر انّه إذا لم تكن قوّة لأحد الدليلين في نظر العرف على الآخر يعود الكلام مجملاً، و أمّا إذا كان أحدهما أظهر من الآخر فيقدم الأظهر. فربما يكون المفهوم أظهر من حكم العام و إليك المثال:

أ. روى محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):انّه سئل عن الماء يبول فيه الدواب و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال(عليه السلام):»إذا كان الماء قدر كرّ لم..


1) سوره 49 - آیه 6

2) . الحجرات:6.

3) . لوقوع النكرة(بجهالة) في سياق النفي أي لئلاّ يصيبوا...

ينجسه شيء«.

فالرواية تحمل المفهوم و هو أنّ الماء إذا لم يكن قدر كرّ يتنجس بالنجس. و في مقابله عام كقوله:»الماء كلّه طاهر« قابل لتخصيصه بمفهوم هذا الحديث. وجه الأظهرية هو أنّ العام متعرض لحكم طبيعة الماء، و المفهوم متعرض لحكم حال من أحواله و هو إذا كان الماء قليلاً و لاقى النجاسة، فيقدم على الأوّل إذ لا منافاة بين أن يكون الماء القليل بما هو هو طاهراً و عند الملاقاة بالنجس نجساً.

و ربما يكون على العكس فيكون العام أظهر من المفهوم لكونه معللاً غير قابل للتخصيص عرفاً كالمثال التالي:

ب. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا(عليه السلام) قال: »ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلاّ أن يتغيّر ريحُه أو طعمُه، فيُنزَحُ حتى يذهبَ الريحُ و يطيب طعمُه، لأنّ له مادة«. (1)

و هو يدلّ على اعتصام ماء البئر و عدم انفعاله بالملاقاة سواء أ كان كراً أو غير كر، و بما انّه معلل يقدم على المفهوم المستفاد من قوله: »إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء« فيحكم بطهارة ماء البئر القليل إذا لاقى نجساً، و بالجملة الملاك هو الأظهرية فتارة يكون الأظهر هو المفهوم و أُخرى يكون العام.

و التصديق الفقهي في الموردين و نظائرهما موكول إلى محلّه في كتاب الطهارة.1.


1) .1 . الوسائل: 1، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحديث 1.

الفصل التاسع: تخصيص الكتاب بالخبر الواحد

لا شكّ انّ الكتاب حجّة قطعية و أمّا الخبر الواحد فهو و إن كان ظنياً لكنّه ثبتت حجّيته بالدليل القطعي، فيقع الكلام في موردين:

الأوّل: تبيين مجملات القرآن و مبهماته بالخبر الواحد لا شكّ انّ كثيراً من الآيات الواردة حول الصلاة و الزكاة و الصوم و غيرها واردة في مقام أصل التشريع و لذلك تحتاج إلى البيان، و الخبر الواحد بعد ثبوت حجّيته يكون حجّة مبينة لمجملاته و موضحاً لمبهماته و لا يعد مثل ذلك مخالفاً للقرآن و معارضاً له، بل يكون في خدمة القرآن و الغاية المهمة من وراء حجّية خبر الواحد هو ذلك.

إنّما الكلام في تخصيص القرآن الكريم بخبر الواحد، بمعنى إخراج ما شمله القرآن بعمومه، فذهب المتأخرون إلى جواز تخصيص الكتاب بالخبر الواحد، كتخصيص قوله:( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (1)) (2)بما ورد في السنّة »لا ميراث للقاتل«. (3)

و نظيره قوله سبحانه:( وَ أُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ (4)) (5)حيث خصص بما ورد في السنة:المرأة لا تزوّج على عمّتها و خالتها. (6)


1) سوره 4 - آیه 11

2) .1 . النساء:11.

3) .2 . الوسائل: 17، الباب 7 من أبواب موانع الإرث، الحديث 1.

4) سوره 4 - آیه 24

5) .3 . النساء:24.

6) .1 . الوسائل: 14، الباب 30 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ونحوها.

و مع أنّ المشهور بين المتأخرين هو جواز التخصيص لكن ذهب الشيخ الطوسي إلى عدم الجواز، و تبعه المحقّق و قالا: بأنّا لا نسلّم انّ خبر الواحد دليل على الإطلاق، لأنّ الدلالة على العمل به، هو الإجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة فإذا وجدت الدلالة القرآنية سقط وجوب العمل به. (1)

و حاصل استدلاله هو أنّ أدلّة حجّية خبر الواحد قاصرة عن شمولها لما إذا كان في المورد دلالة قرآنية. فالكلام ليس في أصل حجّية الخبر الواحد بل في سعته. و أمّا التّخصيص بما عرفت من الروايات فلاتّفاق الأُمّة عليه فلعلّها كانت محفوفة بالقرائن.

و حاصل الكلام انّ كون الكتاب حجّة ليس ككون خبر الواحد حجّة بل هو من الحجج القطعية التي لا يعادله شيء إلاّ نفس كلام المعصوم(عليه السلام) لا الحاكي عنه الذي يحتمل أن يكون كلامَه أو كلام غيره، كيف و قد سمّى النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) القرآن في حديث الثقلين، بالثقل الأكبر و العترة الطاهرة بالثقل الأصغر،و عندئذ كيف يمكن رفع حكمه بمجرّد قول الثقة هذا و لا يعدّ ذلك خلفاً في حجّية خبر الواحد فانّ الكلام ليس في أصلها بل في سعتها.

ثمّ لو قلنا بجواز تخصيص القرآن بخبر الواحد لا نجيز نسخه به، لأنّ الكتاب قطعيُّ الثبوت و خبر الواحد ظنّي الصدور، فكيف يسوغ نسخ القطعي بالظنّي خصوصاً إذا كان النسخ كلياً لا جزئياً أي رافعاً للحكم من رأسه؟ و إليك المثال:

قال سبحانه:( كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (2)). (3)8.


1) .2 . ع--دة الأُصول: 1 / 344، بتلخيص ; معارج الأُصول:114.

2) سوره 2 - آیه 180

3) .1 . البقرة:18.

يدلّ لحن الآية على أنّ الوصية أمر قطعي لا تزول عبْر الزمان بشهادة قوله:( كُتِبَ عَلَيْكُمُ (1)) الحاكي عن الثبوت و اللزوم، كما أنّ تذييل الآية بقوله:( حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (2)) دليل على أنّه حقّ ثابت على خصوص المتّقين و ما هو حقّ لهم لا يُغيّر.

و مع ذلك فقد ذهب أكثر فقهاء السنة إلى أنّه منسوخ بخبر الواحد، أي ما روي عنه(صلى الله عليه و آله و سلم): »لا وصية لوارث«.

و قد بسطنا الكلام فيه في بعض مسفوراتنا الفقهية.


1) سوره 2 - آیه 178

2) سوره 2 - آیه 180

الفصل العاشر: دوران الأمر بين التّخصيص و النسخ

إذا ورد عام و خاص، و تردّد الخاص بين كونه مخصِّصاً أو ناسخاً أو منسوخاً، فللمسألة صور:

1.

إذا ورد العام و الخاص متقارنين.

2.

إذا ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام.

3.

إذا ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام.

4.

إذا ورد العام بعد الخاص و قبل حضور وقت العمل بالخاص.

5.

إذا ورد العام كذلك لكن بعد حضور وقت العمل بالخاص.

6.

إذا جهل ورود الخاص، و أنّه هل ورد قبل حضور وقت العمل بالعام أو بعد حضوره؟ و إليك تفاصيلها:

7.

إذا ورد العام و الخاص متقارنين فلا شكّ في أنّ الخاص مخصِّص لا ناسخ، لأنّ النسخ إنّما يتصوّر بعد حضور وقت العمل بالعام، و ورود الخاص حينه أو بعده و المفروض أنّهما وردا معاً.

8.

إذا ورد الخاص قبل حضور وقت العمل بالعام، كما إذا قال المولى يوم الأربعاء: أكرم العلماء يوم الجمعة، و قال يوم الخميس: لا تكرم فساقهم في ذلك

اليوم، فهو مخصص لوروده قبل حضور وقت العمل بالعام.

3. إذا ورد الخاص بعد حضور وقت العمل بالعام، كما إذا ورد العام في الكتاب أو على لسان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و ورد الخاص على لسان الأئمّة(عليهم السلام) فمثلاً قال سبحانه:( وَ لَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ (1)). (2)

و مقتضى الآية أنّهنّ يرثْنَ من جميع ما تركه الزوج حتى العقار، و لكن ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: »لا ترث النساء من عقار الدور شيئاً«. (3)

فمقتضى القاعدة هو كون الخاص ناسخاً، لأنّه ورد بعد حضور وقت العمل بالعام أزيد من قرن و لكنّه يشكل من وجهين:

الأوّل: إجماع الأُمّة على أنّ النسخ مختص بعصر الرسول(صلى الله عليه و آله و سلم) و أنّ ما لم يُنسخ فهو باق مستمرّ إلى يوم القيامة، و هذا هو الوجه في عدم كونه ناسخاً.

الثاني: انّه اشتهر »انّه ما من عام إلاّ و قد خُصّ« فجعل المخصصات الكثيرة في لسان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ناسخة يستلزم نسخ أكثر الأحكام و لو في بعض مدلولها.

سؤال: إذا قلنا بأنّ الخاص المتأخر مخصِّص يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فقد كانت الآية الشريفة(آية الميراث) رائدة الأُمة أزيد من قرن مع أنّ المقصود الجدي كان على خلافه.

الجواب: انّ المصلحة أوجبت بيان الأحكام تدريجاً، فالأحكام كلّها كانت مشروعة في عصر الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) نازلة عليه، غير أنّه(صلى الله عليه و آله و سلم)بَيّن ما بَيّن و أودع ما لم يُبيّن7.


1) سوره 4 - آیه 12

2) .1 . النساء:12.

3) .2 . الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 7.

إمّا لعدم وجود الفرصة السانحة للبيان أو لوجود المصلحة في تأخيره عند أوصيائه و الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)بعده، و ليس تأخير البيان أمراً قبيحاً بالذات حتى لا يغيّر حكمه و إنّما هو بالنسبة إلى القبح، كالمقتضي، نظير الكذب، فلو كان هناك مصلحة غالبة كنجاة المؤمن كان أمراً حسناً.

هذا هو الحقّ الذي يدركه من سبر سيرة النبي(صلى الله عليه و آله و سلم) و المجتمع الإسلامي.

فأقصى ما في تأخير البيان وقوع المكلّف في المشقة أو تفويت المصلحة، و كلّها هيّنة إذا اقتضت المصلحة الكبرى تأخير البيان.

4. إذا ورد العام بعد الخاص و قبل حضور وقت العمل بالخاص.

كما إذا قال في أوّل شهر شعبان: لا تكرم العالم الفاسق في شهر رمضان، ثمّ قال في اليوم الثامن و العشرين من شهر شعبان:أكرم العلماء في شهر رمضان، ففي هذه الصورة يتعيّن كون الخاص المتقدّم مخصّصاً للعام المتأخر، و لا وجه للنسخ، أي كون العام المتأخر ناسخاً للخاص المتقدّم لما عرفت من عدم جواز النسخ قبل حضور وقت العمل بالمنسوخ(الخاص).

أضف إلى ذلك أنّه يلزم لغوية حكم الخاص في المقام، و هو لا يصدر من الحكيم العالم بعواقب الأُمور.

5. إذا ورد العام كذلك لكن بعد حضور وقت العمل بالخاص، كما إذا ورد قوله: أكرم العلماء في أثناء شهر رمضان، فمقتضى القاعدة كون العام المتأخّر ناسخاً للخاص المتقدّم لورود العام بعد حضور وقت العمل بالخاص، و لا يلزم منه اللغوية لفرض العمل به مدّة نصف شهر.

إلاّ أنّه يمكن أن يقال إنّ قلّة النسخ و كثرة التخصيص يجرّنا إلى القول بأنّه من قبيل التخصيص.

ثمّ الثمرة بين القولين واضحة، إذ على القول بكون العام ناسخاً يكرم العالم الفاسق في باقي شهر رمضان، و على القول الآخر لا يكرم في النصف الآخر كالنصف الأوّل.

6. إذا جُهل ورود الخاص، و أنّه هل ورد قبل حضور وقت العمل بالعام أو بعد حضوره؟ الظاهر عدم ترتّب ثمرة على القولين، لأنّه على كلا التقديرين يعمل بالخاص في المستقبل سواء أ كان ناسخاً أم مخصصاً.

و أكثر ما ذكرناه فروض علمية ليس بأيدينا من الأدلّة ما يصلح للتمثيل بها، و لذلك تركنا ذكر بعض الصور الأُخرى.

خاتمة المطاف: الخطابات الشفاهية

اشارة

هل الخطابات الشفاهية تختص بالحاضرين في مجلس التخاطب، أو تعمّ غيرهم من الغائبين و المعدومين؟ فمثلاً قوله سبحانه:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1)) (2). هل يختص الخطاب فيه بالحاضرين في مجلس التخاطب، أو يعم الغائبين و المعدومين أيضاً؟ إنّ محلّ النزاع يمكن أن يكون إحدى الجهات التالية:

الجهة الأُولى: هل يصحّ تعلّق التكليف بالمعدومين كتعلّقه بالموجودين سواء كان التكليف وارداً عن طريق الخطاب أو لا؟ الجهة الثانية: هل تصحّ مخاطبة المعدوم أو الغائب عن محل الخطاب بالألفاظ الموضوعة له، أو بنفس توجيه الكلام إليه أو لا؟ الجهة الثالثة: هل الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب تعمّ المعدوم و الغائب أو لا؟ و البحث على الأُوليين عقلي، و على الثالثة لغويّ، فلنأخذ كلّ واحدة بالبحث.


1) سوره 2 - آیه 183

2) . الوسائل: 17، الباب 6 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 7.

الجهة الأُولى: في صحّة تكليف المعدوم

لا شكّ أنّ المعدوم من حيث إنّه معدوم لا يصحّ تكليفه بتوجيه البعث و الزجر الفعليين إليه، و هذا من القضايا التي قياساتها معها.

نعم يمكن إنشاء التكليف على العنوان(لا على الأفراد) الشامل للموجود و الغائب و المعدوم إنشاءً بلا بعث و لا زجر فعليّ ليُصبح فعلياً بعد ما وجدت الشرائط و فقدت الموانع بلا حاجة إلى إنشاء جديد.

و على هذا فلا مانع من صحّة تكليف المعدوم و شمول التكاليف القرآنية لعامة المكلّفين عَبْرَ القرون.

الجهة الثانية: إمكان خطاب المعدوم

لا شكّ انّه لا يصحّ خطاب المعدوم خطاباً حقيقيّاً لغاية التفهيم و التفهم، و لكن يمكن تصحيح خطاب المعدوم على النحو الذي مرّ في صحّة تكليف المعدوم، و ذلك بتعلّق الخطاب انشاءً بالعنوان لا بالأفراد، ففي قوله سبحانه:( يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1)) (2)تعلّق الخطاب بعنوان الناس و له مصاديق كثيرة عبر الزمان، فمن كان واجداً للشرائط عند الخطاب يكون الخطاب في حقّه فعليّاً، و من كان فاقداً لها يكون الخطاب في حقّه إنشائيّاً، و سيُصبح فعلياً عند توفّر الشرائط.

و على ذلك فلا مانع من شمول الخطابات القرآنية لعامة المكلّفين على النحو الذي حرّرناه.


1) سوره 2 - آیه 21

2) .1 . البقرة: 21.

الجهة الثالثة: عمومية الألفاظ الواقعة عقيب أداة الخطاب

و هذا البحث لغوي، و لكنّه متفرع على كون الخطاب حقيقياً أو إنشائياً.

فعلى الأوّل يختص بالموجودين، و على الثاني يعمّ الموجودين و المعدومين، و على ذلك فقوله سبحانه:( يا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (1)) (2)يعم الموجودين و المعدومين على النحو الذي بيّناه.

ثمرة البحث

تظهر ثمرة البحث في صحّة التمسّك بإطلاقات الكتاب، فلو شككنا في شرطية شيء أو جزئيته، فعلى القول باختصاص الخطاب بالحاضرين المشافهين لا يصح لغير المشافه التمسّك بالإطلاق الوارد في الخطاب، لأنّه أجنبي عنه، فلا يمكن له الاحتجاج على المولى بإطلاق الخطاب و عدم تقيّده بالجزء و الشرط، و هذا بخلاف ما إذا كان الخطاب عامّاً للمشافه، و غير المشافه فهما سيّان في مقام التخاطب، فكما يصحّ للمشافه الاحتجاج بالإطلاق كذلك يصحّ لغيره أيضاً.

تمّ الكلام في المقصد الرابع و الحمد للّه


1) سوره 4 - آیه 1

2) .1 . النساء: 1 .

المقصد الخامس

اشارة

و فيه فصول:

الفصل الأوّل: في تحديد المطلق و المقيّد

الفصل الثاني: المطلق عقيب التقييد، حقيقة

الفصل الثالث: في مقومات الإطلاق أو مقدّمات الحكمة

الفصل الرابع: في حمل المطلق على المقيّد الفصل

الخامس: في المجمل و المبين

الفصل الأوّل: في تحديد المطلق و المقيّد

قد عُرّف المطلق في ألسنة القدماء من الأُصوليين بانّه: ما دلّ على شائع في جنسه; و المقيّد بخلافه.

و المراد من الموصول في قولهم »ما دلّ« هو اللفظ.

كما انّ المراد من قولهم: »على شائع« هو الفرد الشائع، المتوفَّر وجودُه من ذلك الجنس، فخرج العام الاستغراقي و المجموعي حيث إنّ العام يدلّ على جميع الأفراد بنحو العموم و الشمول، كما خرجت الأعلام فانّها لا تدلّ إلاّ على الفرد المعيّن.

يلاحظ على التعريف: بانّه ربما يكون مدلول المطلق، الماهيةَ المطلقة من دون أن تكون فيه رائحة الفرد فضلاً عن كونه متوفراً في جنسه كما في قوله سبحانه:( أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا (1)) (2). فليس التعريف جامعاً.

و لأجل ذلك عدل الشهيد الثاني إلى تعريفه بشكل آخر و قال: إنّه اللفظ الدالّ على الماهية من حيث هي لا بقيد وحدة و لا تعدد. (3)

يلاحظ عليه: بانّه غير جامع أيضاً لخروج النكرة عن تعريفه إذ ليس مفادها الماهية بما هي هي كما في قوله: جئني برجل.


1) سوره 2 - آیه 275

2) .1 . البقرة:275.

3) .2 . تمهيد القواعد: 1/222.

و اعتذر المحقّق الخراساني عن هذه الإشكالات بانّها تعاريف شرح الاسم و ليست تعاريف حقيقية.

و يمكن أن يقال انّه لا مساس لهذه التعاريف بالمطلق في علم الأُصول لانّها مبنيّة على كون الإطلاق من المداليل اللفظية فعادوا يفسّرونه بما عرفت; و لكن الحقّ انّ الإطلاق من المداليل العقلية و ذلك لوجود الفرق بين العام و المطلق، فانّ العام مع قطع النظر عن تعلّق الحكم بموضوع، على أقسام ثلاثة. فتارة يدلّ لفظه على الشمول على نحو الاستغراق، و أُخرى على نحو العام المجموعي، و ثالثة على نحو العام البدلي، كلّ ذلك استلهاماً من اللفظ الموضوع و إن لم يتعلّق به الحكم. و على ذلك فالعام بأقسامه الثلاثة من المداليل اللفظية.

و أمّا المطلق فيعتمد في استنباطه على كون المتكلّم حكيماً غير ناقض لغرضه، إذ لو كان هناك قيد و كان المتكلّم في مقام البيان لجاء به، و على ذلك يكون البحث عن الإطلاق في مباحث الألفاظ بحثاً استطراديّاً لكون مصبِّه هو اللفظ.

إذا عرفت ذلك فالأولى تعريف الإطلاق و التقييد بما يرجع إلى الحكم المتعلّق باللفظ، و يقال: إذا كان ما وقع تحت دائرة الحكم، تمامَ الموضوع للحكم بلا حيثية أُخرى فهو مطلق لكونه مرسلاً عن القيد في موضوعيته، و إلاّ فهو مقيد.

فإذا كان هذا هو معنى الإطلاق، فالمقوم للإطلاق و التقييد هو كون الشيء تمامَ الموضوع للحكم و عدمه، سواء أ كان الموضوع، دالاّ على الماهية المطلقة، أو على الفرد المتوفَّر وجوده من ذلك الجنس، أو على الفرد المعين(العلم) إذا كان له أحوال و أوضاع، كما هو الحال في البيت العتيق و مشاهد الحجّ كعرفات و المزدلفة و الصفا و المروة حيث يصحّ التمسّك بإطلاق أدلّة هذه الموضوعات الشخصية.

و بذلك يتبين أنّ الإطلاق و التقييد أمران إضافيان حيث يمكن أن يكون

الحكم مطلقاً من جانب و مقيّداً من جانب آخر، كما إذا قال: أكرم إنساناً في المسجد، فبما انّ الموضوع نفس الإنسان من دون تقييده بصنف فهو مطلق، و بما انّ الإكرام مقيّد بكونه في المسجد فهو مقيد.

فإذا كان الميزان في الإطلاق و التقييد كون ما وقع تحت دائرة الحكم، تمام الموضوع من دون فرق بين كونه دالاً على الطبيعة أو الفرد المنتشر أو العلم الشخصي فنحن في غنى عن البحث في مفاهيم »اسم الجنس« و»علمه« و»النكرة« إلى غير ذلك من المباحث التي تطرّق إليها الأُصوليون (1)في ذلك المقام لما عرفت من وجود الفرق بين العموم و الإطلاق، فالعموم مستفاد من اللفظ، و الإطلاق مستفاد بحكم العقل من خلال كون الشيء تمام الموضوع، سواء أ كان الموضوع هو اسم الجنس أو علمه أو النكرة أو العلم الشخصي.

ثمّ إنّ الكلام في اسم الجنس جرّ القوم إلى البحث عن الماهيات و أقسامها الثلاثة المعروفة من »لا بشرط« و »بشرط شيء« و »بشرط لا«، لكنها بحوث فلسفية خارجة عن نطاق البحث الأُصولي، و البحث فيها إنّما يوجب التطويل بلا داع.

و قد بسطنا الكلام فيها في محاضراتنا الأُصولية. (2)0.


1) .1 . كالمحقّق الخراساني ومن جاء بعده وكان الجميع فيما حققوه عيالاً على نجم الأئمّة الرضي الاسترابادي في شرح الكافية، فلاحظ.

2) .2 . المحصول في علم الأُصول: 2 / 593 - 600.

الفصل الثاني: المطلق عقيب التقييد، حقيقة

عرّفوا المطلق بانّه موضوع للفرد الشائع في جنسه على وجه يكون الشيوع مأخوذاً في مفهومه، و بذلك يترتّب عليه أمران:

1.

انّ الإطلاق عندهم من أقسام الدلالة اللفظية، و لا يحتاج في استفادة الإطلاق إلاّ إلى عدم القرينة على التقييد كما هو الحال في عامة الدلالات اللفظية.

2.

انّ المطلق بعد التقييد يكون مجازاً، لزوال الشيوع الذي هو مدلول لفظي للمطلق بعد التقييد.

و استقر رأي المشهور على هذا إلى عصر سلطان العلماء (1)و هو أوّل من خالفهم و ذهب إلى انّ المطلق موضوع للماهية المبهمة من جميع الجهات إلاّ ذاتها و ذاتياتها، و ليس الشيوع و السريان جزءاً لمدلول المطلق، بحيث يدلّ عليه بالدلالة اللفظية، و يترتب على ذلك أمران على طرف النقيض من الأمرين السابقين أعني:

أ. كون المطلق عقيب التقييد حقيقة لعدم أخذ الشمول في معناه حتى


1) . هو الحسين بن رفيع الدين محمد بن محمود بن علي المرعشي الحسيني الآملي الأصل، الأصفهاني المنشأ، الوزير المعروف بسلطان العلماء و بخليفة السلطان أحد أعيان الإمامية في القرن الحادي عشر، ولد عام 1001 و توفي عام 1064 و له مؤلفات كثيرة لاحظ طبقات الفقهاء: 11/94 96 برقم 3371.

يستعمل في غير موضوعه.

ب. انّ الدلالة الإطلاقية دلالة عقلية تعتمد على فعل المتكلّم الحكيم إذ لو كان هناك قيد لما تركه.

أقول: إنّ استعمال المطلق بعد التقييد حقيقة و إن قلنا بمذهب المشهور و أخذ الشمول و السريان في مدلوله، لما عرفت في مبحث العام و الخاص انّ المقام من قبيل تعدد الدالّ و المدلول و انّ كلّ لفظ مستعمل بالإرادة الاستعمالية في معناه، فإذا قال القائل: اعتق رقبة مؤمنة، فالرقبة استعملت في معناها الحقيقي الذي استبطن معنى الشمول و السريان حسب مسلكهم و تقييده بالمؤمنة لا يوجب استعمالها في غير الشمول أي الرقبة المؤمنة، و قد عرفت تفصيل ذلك عند البحث في كون العام حقيقة بعد التخصيص. (1)

فإذا كان هذا حال التقييد المتصل فكيف الحال في التقييد المنفصل؟! و يرد على مسلك سلطان العلماء أنّه و إن أصاب في نفي الشمول و السريان عن الإطلاق و اكتفى بكون المطلق هو الماهية المبهمة من جميع الجهات إلاّ ذاتها و ذاتياتها، لكنّك عرفت انّ دائرة المطلق أوسع ممّا ذكره، بل ربّما يكون النكرة و العلم الشخصي موضع مصبّ الإطلاق.

فالأولى هو حذف البحث عن مفاد المطلق و انّه هل هو الماهية بشرط السريان و الشمول أو الماهية المبهمة. و التركيز على واقع المطلق و هو أن يكون ما وقع تحت دائرة الطلب تمام الموضوع للحكم سواء أ كان الموضوع ماهية ملحوظاً فيها الشمول و السريان أو ماهية مبهمة أو علماً.ص.


1) .1 . لاحظ: الفصل الثاني من المقصد الرابع أعني العام والخاص.

الفصل الثالث: في مقومات الإطلاق أو مقدّمات الحكمة

اشارة

قد عرفت ممّا ذكرنا أنّ الدلالة الإطلاقية دلالة عقلية و ليست دلالة لفظية، و على ذلك لا يستقل العقل بكون ما وقع تحت دائرة الإطلاق تمام الموضوع إلاّ إذا ثبتت مقدمات ثلاث:

المقدّمة الأُولى: كون المتكلّم في مقام البيان

توضيحها: انّ المتكلّم قد يكون في مقام بيان تشريع حكم من الأحكام من دون نظر إلى خصوصيات موضوعه و شرائطه و عندئذ لا يعدّ الاخلال ببيان الشرائط مخلاً بالغرض و منافياً للحكمة.

و هذا نظير ما إذا قال الطبيب للمريض الذي رآه في الشارع و رأى فيه انحراف الصحة: »يجب عليك أن تشرب الدواء« فهو بصدد بيان لبّ غرضه، لا خصوصياته و جزئياته، و أمّا ما هو ذاك الدواء و ما خصوصياته؟ فهو موكول إلى وقت آخر، و لا يتحقق ذلك إلاّ باجراء الفحص و المعاينة و كتابة الوصفة، و في هذه الصورة لا يتمّ التمسّك بالإطلاق، إذ لا يعدّ الترك مخالفاً للغرض.

و على ذلك لا يصحّ التمسّك بإطلاق قوله: »الغنم حلال« على حلية الجلاّل منه، و لا المغصوب، و لا الموطوء، لانّ الدليل بصدد بيان حكم الطبيعة من حيث هي هي لا حكمها باعتبار عوارضها، فعدم ذكرها في المقام لا يخلّ بالمقصود.

و قد يكون في مقام بيان الحكم مع ما لموضوعه من الخصوصيات، فترك ذكر القيد عند ذاك آية كونه مطلقاً كما في قوله: لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة: الطهور، و الوقت، و القبلة، و الركوع و السجود. (1)فعدم ذكر شيء وراء الخمسة، آية عدم كونه مخلاً عند النسيان.

المقدّمة الثانية: انتفاء القرينة

القرينة إمّا متّصلة أو منفصلة، فالمتصلة تمنع من انعقاد الإطلاق، و في الحقيقة يعد عدمها من مقوماته و محققاته، بخلاف القرينة المنفصلة فانّها لا تمنع عن انعقاد الإطلاق لأجل انفصالها، و إنّما تمنع عن حجية الإطلاق، و قد أوضحنا ذلك في المخصص المنفصل و المتّصل.

ثمّ إنّ عدم انصراف اللفظ إلى معنى خاص من شعب هذه المقدّمة فانّ الانصراف على قسمين بدويّ يزول بالتأمّل، و استمراري لا يزول به.

أمّا الأوّل فلا يمنع عن انعقاد الإطلاق و لا عن حجّية ظهوره لافتراض زواله بالتأمّل.

و أمّا الثاني فبما انّ الانصراف بحكم القرينة المنفصلة فعدمها من مقدّمات حجّية الإطلاق، كما إذا صار اللفظ لأجل كثرة استعماله في المعنى منصرفاً إليه كما


1) .1 . الوسائل: 4، الباب10 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث4.

في قوله(عليه السلام):»انّ الصلاة في وبر كلّ شيء حرام أكله فالصلاة في وبره و شعره و جلده و بوله و روثه و كلّ شيء منه فاسد«.

فاللفظ(حرام أكله) و إن كان يشمل الإنسان لحرمة أكل لحمه لكنّه منصرف عند العرف إلى الحيوان غير الإنسان، فمنصرف كلام الإمام هو تقسيم الحيوان العرفي إلى قسمين لا الحيوان بالمعنى اللغوي الذي يشمل كلّ ذي روح.

المقدّمة الثالثة: انتفاء قدر المتيقّن في مقام التخاطب

لو كان في الكلام قدر متيقّن في مقام التخاطب بحيث يصحّ للمتكلّم أن يعتمد عليه في عدم الإتيان بالقيد يكون مخلاً بحجّية الإطلاق أو انعقاده. (1)

نعم فرق بين وجوده في مقام التخاطب فيخلُّ، و كونه في خارج مقام التخاطب فلا يخل; و ذلك لانّه لو كان القدر المتيقن بالمعنى الثاني مخلاً بالإطلاق لزم عدم صحّة التمسّك بالإطلاق في مورد من الموارد إذ ما من مورد يكون للكلام قدر متيقّن في خارج مقام التخاطب.


1) . الوسائل:الجزء4، الباب10 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث4.

الفصل الرابع: في حمل المطلق على المقيّد

اشارة

انّ المهم في المقام تمييز الموارد التي يجب هناك حمل المطلق فيها على المقيد عما لا يجب.

فنقول: إذا ورد مطلق و مقيّد يكون بينهما تناف، كما إذا قال: »إن ظاهرت فاعتق رقبة، ثمّ قال: إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة«. حيث إنّ الأوّل يدلّ على كفاية عتق مطلق الرقبة، و الثاني على لزوم كونها مؤمنة يقع الكلام في كيفية رفع التنافي بينهما لانّ الحكم الواحد لا يمكن أن يكون له موضوعان مختلفان من حيث السعة و الضيق، فالمطلوب الأكيد الذي لا يعدل عنه المولى عند حصول الظهار إمّا هو عتق مطلق الرقبة أو خصوص المؤمنة، و المشهور بين العلماء هو رفع التنافي بحمل المطلق على المقيّد.

و من هنا يعلم انّ الداعي إلى حمله عليه هو وجود التنافي بين الحكمين، الذي هو وليد إحراز وحدة الحكم، فيقال انّ الحكم الواحد لا بدّ له من موضوع واحد، و هو يتحقّق بحمل المطلق على المقيّد.

فإذا كان المدار للحمل هو إحراز وحدة الحكم فنقول: إنّ للمسألة صوراً يختلف حكمه حسب اختلاف إحراز وحدة الحكم و عدمه، و إليك بيان الصور:

الصورة الأُولى: إذا كان السبب مذكوراً في كلا الدليلين، و كان السبب واحداً كما في المثال السابق، فيحمل المطلق على المقيّد، لانّ وحدة السبب كاشفة

عن وحدة الحكم، و لا يعقل لحكم واحد إلاّ موضوع واحد.

فإن قلت: إنّ هناك طريقاً آخر و هو حمل المقيّد على أفضل الأفراد، و التخيير في مقام الامتثال بين عتق المؤمنة و الكافرة، و إن كان الأفضل هو عتق المؤمنة.

قلت: إنّ الرائج في دائرة التقنين هو فصل المقيّدات عن المطلقات، و المخصصات عن العمومات، إمّا لأجل قصور العلم و العثور على لزوم التخصيص و التقييد بعد مضي زمن كما هو الحال في المجالس التقنينية البشرية، أو قيام المصلحة على بيان الأحكام على وجه التدريج كما هو الحال في التشريعات السماوية، فهذه قرينة تدعم كون حمل المطلق على المقيّد أرجح من حمل المقيد على أفضل الأفراد.

الصورة الثانية: إذا كان السبب مذكوراً في كلا الدليلين، و كان السبب في كلّ منهما مغايراً للآخر، كما إذا قال: إن أفطرت فاعتق رقبة مؤمنة، و إن ظاهرت فاعتق رقبة، فلا وجه للحمل لعدم وحدة الحكم المستلزم لعدم التنافي بين الحكمين، لإمكان أن يكون لكلّ حكم موضوع خاص.

الصورة الثالثة: إذا كان السبب مذكوراً في واحد منها، سواء ذكر السبب في المطلق أو في المقيد، كما إذا قال: أعتق رقبة، و قال: إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة، فالحقّ عدم الحمل لعدم إحراز المنافاة، لاحتمال أن يكون هناك واجبان مستقلان أحدهما بعد الظهار و الآخر مطلقاً، سواء أ ظاهر أم لا.

الصورة الرابعة: إذا لم يذكر فيه السبب، و لها أقسام ثلاثة:

القسم الأوّل: أن يكون الدليلان مثبتين، كما إذا قال: اعتق رقبة و اعتق رقبة مؤمنة.

القسم الثاني: أن يكونا نافيين، كما إذا قال: لا تشرب المسكر، و لا تشرب الخمر.

القسم الثالث: أن يكون أحدهما مثبتاً و الآخر نافياً، كما إذا قال: اعتق رقبة، و لا تعتق رقبة كافرة.

و إليك الكلام في الأقسام الثلاثة:

أمّا الأوّل: فإن أحرزت وحدة الحكم بأيّ سبب أمكن، يحمل المطلق على المقيّد بلا كلام، و إن كان إحراز وحدتها بلا ذكر السبب أمراً مشكلاً، لكن المفروض هو إحراز و حدّة الحكم.

و أمّا إذا لم تحرز وحدة الحكم فإنّ هناك وجوهاً ثلاثة:

أ:حمل المطلق على المقيّد و امتثال التكليفين بفعل واحد أي بعتق الرقبة المؤمنة.

ب: حمل المقيّد على أفضل الأفراد، و التخيير في مقام الامتثال بين عتق المؤمنة و الكافرة و إن كان الأفضل هو عتق المؤمنة.

ج: التحفّظ على الوجوبين و القول بأنّ هنا تكليفين إلزاميين،و مقتضى ذلك وجوب القيام بعتق رقبتين يكفي في أحدهما عتق مطلق الرقبة، و يلزم في الثاني عتق رقبة مؤمنة.

فمقتضى القاعدة هو العمل بالوجه الثالث، لأنّ المكلّف بعد عتق الرقبة المؤمنة إذا قلنا في مقام الجمع بالوجه الأوّل، أو بعد عتق مطلق الرقبة إذا قلنا في مقام الجمع بالوجه الثاني، يشك في سقوط التكليف المعلوم في البين، و لا تحرز البراءة إلاّ بالعمل على الوجه الثالث أي عتق رقبتين يشترط في أحدهما الإيمان دون الآخر.

و أمّا الثاني: أعني إذا كان الدليلان نافيين، كقوله: لا تشرب الخمر و لا تشرب المسكر فلا وجه لحمل المطلق على المقيد بعد عدم إحراز وحدة الحكم،

فيبقى كلّ بحاله و لا تلزم اللغوية بعد حمل النهي على شرب الخمر على الحرمة المغلّظة.

و أمّا الثالث: و له نوعان:

النوع الأوّل: أن يكون المطلق نافياً و المقيد مثبتاً فلا محيص عن حمل المطلق على المقيد لوجود التنافي بين الحكمين، نظير قولنا: لا تعتق رقبة، و اعتق رقبة مؤمنة.

النوع الثاني: أن يكون المطلق مثبتاً و المقيد نافياً، كما إذا قال: اعتق رقبة و لا تعتق رقبة كافرة فيحمل المطلق على المقيد أيضاً بنفس الدليل، أي لوجود التنافي بين الحكمين.

تنبيهان

الأوّل: المطلق و المقيد في الأحكام الوضعية

إنّ الملاك في حمل المطلق على المقيد هو إحراز وحدة الحكم و بالتالي وجود التنافي بين المطلق و المقيد من دون فرق بين التكليفية و الوضعية.

أمّا التكليفية فقد مرّ البحث فيها.

و أمّا الوضعية فربما لا يحرز التنافي كما إذا جعل المانع في أحد الدليلين مطلقَ أجزاء ما لا يؤكل لحمه، و في دليل آخر خصوص وبره، فلا يحمل لعدم التنافي بين أن يكون الوبر مانعاً و كون مطلق أجزائه أيضاً مثله.

و ربما يحرز التنافي، كما إذا قال: لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه ثمّ قال:

صلّ في وبر الأسد. لوجود التنافي بين مانعية مطلق وبر ما لا يؤكل لحمه و عدم مانعية خصوص وبر الأسد.

الثاني: حكم المستحبات

ذهب المشهور في المستحبات إلى عدم الحمل بمعنى عدم كون المقيد مقوِّماً للعمل الاستحبابي، و قد ذكروا له وجهين:

الوجه الأوّل: الغالب في المستحبات هو اختلاف درجات أفرادها من حيث الفضيلة فالمطلق و المقيد كلاهما مطلوبان لكن الفرد المقيد أفضل فيجوز الأخذ بالمطلق على إطلاقه، و المقيد بقيده و لكلّ مرتبة فضلها.

الوجه الثاني: ثبوت التسامح في أدلّة السنن و كأنّ عدم رفع اليد من دليل استحباب المطلق بعد مجيء دليل المقيد، و حمله على تأكّد استحبابه، من التسامح فيها.

و الأولى أن يقال: انّ الأمر الاستحبابي في المقيّد لو كان ناظراً إلى الشرطية أو المانعية أو القاطعية وجب التقييد، كما أنّه إذا علم تعدّد المطلوب و كثرة المراتب فلا يجب و إلاّ فيتوقّف و لا محيص إلاّ من العمل بالاحتياط في مقام العمل، فمن نذر أن يزور الحسين(عليه السلام)في عرفة، و قد ورد دليل على زيارته تحت السماء فدار أمر القيد بين الأمرين فلا يسقط التكليف إلاّ بزيارته تحت السماء.

الفصل الخامس: المجمل و المبين

اشارة

عرّف المجمل بأنّه ما لم تتضح دلالته و يقابله المبين.

و المقصود من المجمل ما جهل فيه مراد المتكلّم و مقصوده إذا كان لفظاً، أو جهل فيه مراد الفاعل إذا كان فعلاً.

و على ذلك فالمجمل هو اللّفظ أو الفعل الذي لا ظاهر له، و المبيّن ما له ظاهر يدلّ على مقصود قائله أو فاعله.

و بذلك تظهر صحّة تقسيم المجمل إلى اللفظ و الفعل، و لأجل صحّة هذا التقسيم قالوا: إنّ فعل المعصوم في القربيّات يدلّ على الاستحباب، و في العاديات على الجواز، و لا يدلّ على الوجوب، فلو صلّى مع سورة كاملة، أو جلسة الاستراحة، يكشف ذلك عن استحباب العمل لا عن وجوبه.

ثمّ إنّ لإجمال الكلام أسباباً كثيرة منها:

1. إجمال مفرداته كاليد الواردة في آية السرقة، قال سبحانه:( وَ السّارِقُ وَ السّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (1)) (2)، فانّ اليد تطلق على خصوص الأصابع، و على الكف إلى الزند ،و عليه إلى المرفق، و عليه إلى المنكب، فالآية مجملة، فتعيين واحد من تلك المصاديق بحاجة إلى دليل.

1) سوره 5 - آیه 38

2) .1 . المائدة: 38 .

2. الإجمال في متعلّق الحكم المحذوف كما في كلّ مورد تعلّق الحكم بالأعيان كقوله سبحانه:( أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ (1)) (2)فهل المتعلّق هو الأكل، أو البيع، أو جميع التصرفات؟ و منه يعلم وجود الإجمال في قوله سبحانه:( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَ الْمُنْخَنِقَةُ وَ الْمَوْقُوذَةُ وَ الْمُتَرَدِّيَةُ وَ النَّطِيحَةُ وَ ما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَ ما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ (3)). (4)

فهل المحرم أكلها، أو بيعها، أو الانتفاع منها بكل طريق؟ 3. تردّد الكلام بين الادّعاء و الحقيقة كما في قوله:»لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب« فهل المراد نفي الصلاة بتاتاً، أو نفي صحّتها، أو كمالها تنزيلاً للموجود بمنزلة المعدوم؟ و منه يظهر وجود الإجمال في مثل قوله: »لا صلاة إلاّ بطهور« أو »لا بيع إلاّ في ملك«.

و يمكن أن يكون بعض ما ذكرنا مجملاً عند فقيه و مبيّناً عند فقيه آخر، و بذلك يظهر أنّ المجمل و المبين من الأوصاف الإضافية.

تتميم

إذا وقفت على معنى المجمل و المبين، فلنذكر سائر العنوانات:

النص: و هو ما لا يحتمل سوى معنى واحد، فلو حاول المتكلّم حمله على غير ذلك المعنى لا يقبل منه و يعد متهافتاً متناقضاً، مثل قوله سبحانه:( يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (5)) (6)، فإنّ دلالة الآية على كون


1) سوره 5 - آیه 1

2) .1 . المائدة:1.

3) سوره 5 - آیه 3

4) .2 . النساء:11.

5) سوره 4 - آیه 11

6) . المائدة: 3.

نصيب الذكر ضعف نصيب الأُنثى ممّا لا تحتمل وجهاً آخر.

الظاهر: ما يتبادر منه معنى خاص، لكن على وجه لو حاول المتكلّم تأويله لقبل منه، و هذا كالعام الظاهر في العموم القابل للتخصيص و إرادة خلاف الظاهر منه و ربّما يعدّ منه ظهور صيغة الأمر في الوجوب، فلو أُريد منها الندب بقرينة جاز فالتأويل في النص غير مقبول، و في الظاهر مقبول.

المحكم: هو الذي وصفه سبحانه بانّه أُمّ الكتاب كما قال :( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ (1)). (2)

و على هذا فالمحكم هو الذي يرجع إليه في فهم المتشابه، كالآيات الدالّة على الأُصول العقائدية و الأخلاقية التي لا يمسّها النسخ و التخصيص، نظير الآيات النازلة في تنزيهه سبحانه و صفاته و أفعاله.

المتشابه: ما احتمل أكثر من معنى.و ليس ظاهراً في واحد منها، أو هو الذي خفي المراد منه في بادئ النظر. و يظهر المراد بارجاعه إلى الحكم.

المؤوّل: و هو ما أُريد منه خلاف ظاهره في بدء النظر، كقوله سبحانه:( وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (3)) (4).و المراد هو مجيء أمره سبحانه و ظهور عظمته لقوله سبحانه في آية أُخرى:( إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (5)) (6)إلى غير ذلك من الآيات الرافعة للإجمال.

تمّ الكلام بحمد اللّه في الجزء الأوّل من كتابنا الوسيط بقلم مؤلّفه جعفر السبحاني 12 جمادى الآخرة من شهور عام 1421ه2.


1) سوره 3 - آیه 7

2) .2 . آل عمران:7.

3) سوره 89 - آیه 22

4) .3 . هود: 76.

5) سوره 11 - آیه 76

6) .1 . الفجر:22.