اخلاقیات الامام علی امیر المومنین علیه السلام جلد 2

ghaemiyeh.com

اشارة

پدیدآوران: مدرسی، هادی (نویسنده)

اخلاقيات الامام علي امیر‌المومنين(علیه السلام)

عنوان‌های دیگر: قراءة في تعاملات الإمام من موقع المؤمن الصادق و المعارض المخلص، و الحاکم العادل

ناشر: دار العلوم

مکان نشر: بیروت - لبنان

سال نشر: 1431 ق یا 2010 م

چاپ:1

موضوع: اخلاق اسلامی

علی بن ابیطالب(ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق. - اخلاق

علی بن ابیطالب(ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق. - خطبه‌ها

زبان: عربی

تعداد جلد:3ج

کد کنگره: BP 37/4 /م‌4‌الف‌3

اشارة

أخلاقيات الإمام علي أمير المؤمنين عليه السّلام

قراءة في تعاملات الإمام من موقع المؤمن الصادق و المعارض المخلص، و الحاكم العادل

هادي المدرّسي

الجزء الثاني

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)

اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضّالِّينَ (7)

أخلاقيات الحاكم

اعتماد الشورى في الحكم

ينقسم المجتمع البشري، بشكل عام، إلى فئتين: حاكمين و محكومين، أئمة و أمم، أمراء و شعوب، و العلاقة الممكنة بين الطرفين لا تتعدّى تصوّرات ثلاث:

إمّا الاستبداد، و إمّا الفوضى، و إمّا الشورى.

فإذا كانت العلاقة تقوم على أساس أن للحاكم امتيازات من دون أن تكون عليه التزامات، و إن له حقوقا، و ليست عليه واجبات، و أن من حقوقه أن يقرّر، و من واجب الناس أن يطيعوه، كانت العلاقة حينئذ مثل العلاقة بين مجموعة من «القاصرين» و بين «قيمهم».. و كان الاستبداد!

أمّا إذا كانت العلاقة بدون أسس بين الطرفين، فهي الفوضى.

و فيما إذا بنيت الأسس برضا الطرفين، و ضمن حدود «تقابل الحقوق و الواجبات» فهي الشورى.

و في الحق.. لا بديل عن الاستبداد.. إلاّ الشورى.

و لا بديل عن الفوضى.. إلاّ الشورى.

و لا بديل عن الشورى.. إلاّ الفوضى أو الاستبداد.

فالشورى هي الملجأ، و هي الحلّ، و غيرها باطل الأباطيل، و قبض الريح.. فمن استبدّ برأيه هلك(1)

و «الاستشارة عين الهداية»، و قد خاطر من استغنى برأيه(2)

وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ (3)لأنه «ما تشاور قوم إلاّ هدوا إلى رشدهم»(4).

و إذا كان «حق على العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العقلاء و يضمّ إلى علمه علوم الحكماء في الأمور الشخصية، و القضايا العادية فكيف في الأمور العامّة، و قضايا الناس»(5)؟.

و لقد وضّح الإمام علي عليه السّلام رأيه الصريح في هذه المسألة قائلا: «ما هلك امرؤ عن مشورة، و نعم المؤازرة المشاورة، و من استقبل وجوه الآراء عرف مواضع الخطأ: «و قد قال


1) غرر الحكم و درر الكلم.

2) النهاية في غريب الحديث: ج 3، ص 421.

3) سورة الشورى، الآية: 38.

4) نور الثقلين: ج 4، ص 584.

5) غرر الحكم و درر الكلم.

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما ندم من استشار». فاعلموا أن الخطأ مع الاستشارة خير من الصواب مع الاستبداد. فتعوّذّوا من سكرات الاستبداد بصحوات الاستشارة، و اعلموا أن الرأي يسد ثلم السيف، و السيف لا يسد ثلم الرأي. فلا يرفع أحدكم صوته بغير حجّة على أحد، و اعلموا أن الظفر لمن احتجّ، لا لمن لجّ»(1).

ثم إنه عليه السّلام بيّن علّة الأمر بالمشاورة فقال: «إنّما حضّ على المشاورة لأن رأي المشير هدف، و رأي المستشير مشوب بالهوى(2)، و لقد جاء في التوراة: «من لا يستشير يندم»(3).

إذن «من شاور ذوي العقول، تأمن من الزلل و الندم»(4).

و جاء في حديث للإمام قال: «قلت يا رسول اللّه.. إن عرض لي أمر لم ينزل فيه قضاء في أمره، و لا سنّة فكيف تأمرني؟

قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «تجعلونه شورى بين أهل الفقه و العابدين من المؤمنين و لا تقضي فيه برأي خاصة»(5)و يقول أيضا: «بعثني


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 34.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) بحار الأنوار: ج 75، ص 100.

4) غرر الحكم و درر الكلم.

5) كنز العمّال: خ 14456.

رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى اليمن، فقال و هو يوصيني: «يا عليّ: ما حار من استخار، و لا ندم من استشار»(1).

و قد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوله: «إذا كان أمراؤكم خياركم، و أغنياؤكم سمحاؤكم، و أموركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها»(2).

و روي عنه أيضا: «من جاءكم يريد أن يفرّق الجماعة، و يغصب الأمّة أمرها، و يتولّى من غير مشورة فاقتلوه، فإن اللّه قد أذن ذلك»(3).

«و المراد المشورة في التصدّي لأصل الولاية لا المشورة في أعمالها لأن الأمر في الآية الشريفة «و أمرهم». و في الروايات ينصرف إلى الحكومة(4).

و هكذا فإن الدولة في الإسلام مبنية على الشورى في كل شؤونها، و من الضروري تحكيم الشورى في الدولة الإسلامية، و في العالم أجمع، فيجب أن تكون كل الأمور من القرية إلى العاصمة و مرورا بالمعمل و المصنع و المطار


1) بحار الأنوار: ج 75، ص 100.

2) تحف العقول: ص 36.

3) عيون أخبار الرضا: ج 2، ص 62.

4) دراسات في ولاية الفقيه: ص 497.

و اتحاد الطلبة و المدارس و الجامعات و غيرها مبنية على الشورى(1). «فالشورى تنتهي بالمجتمع إلى القمّة، و الاستبداد ينزل به إلى الحضيض»(2).

و السؤال الآن هو: علام تقوم الشورى؟ و ما هي مفرداتها؟

و الجواب: إن حكم الشورى يعتمد على أسس أربعة:

الأول - تأمين الحريات، بما فيها حرية إبداء الرأي، و حرية الاجتماع، و حرية التنظيم، و حرية المعارضة(3).

الثاني - حاكمية الناس. و حقّهم في اختيار الوالي، و حقّهم في تقرير مصائرهم في الحرب و السّلام، و ضرورة خضوع الأقلية للأكثرية.

الثالث - قداسة القانون، و مساواة الناس أمامه حاكمين و محكومين.

الرابع - احترام حقوق الإنسان، باعتبار أن اللّه جعل الإنسان «خليفة» في الأرض، بما في ذلك حقوق الإنسان الاقتصادية، و الاجتماعية و الشخصية..

تلك هي الأسس التي اعتمدها الإمام علي عليه السّلام في


1) الصياغة الجديدة: ص 479.

2) المصدر السابق.

3) نهج البلاغة: الخطب، ص 216.

حكمه. و سنرى فيما يلي كيف اعتمد الإمام علي عليه السّلام هذه الأسس ليس من خلال الحديث و القول، بل من خلال العمل و الموقف..


حقوق متبادلة:

المبدأ الأساسي الذي بنى عليه الإمام علي عليه السّلام حكمه هو مبدأ «الترابط بين الحق و الواجب». فالحاكم ليس سيدا على الناس، لأن سيدهم هو اللّه تعالى فحسب، و اللّه وحده هو الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفوءا أحد»، فأي «حق» للحاكم، يقابله «واجب» عليه يساويه في الأهميّة، إذ ليس الحكم «منحة» من أحد لأحد، بل هو موقع يحتله أكفأ الناس، لكي يؤدّي حقوق الناس بأفضل مما يمكن أن يؤدّيه غيره..

يقول الإمام علي عليه السّلام في خطبة له عليه السّلام خطبها بين أصحابه: «أمّا بعد فقد جعل اللّه سبحانه لي عليكم حقّا بولاية أمركم، و لكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم.. فالحقّ أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، و لا يجري عليه إلاّ جرى له، و لو كان لأحد أن يجري له و لا يجري عليه لكان ذلك خالصا للّه سبحانه

دون خلقه، لقدرته على عباده، و لعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه، و لكنّه جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه و توسّعا بما هو من المزيد أهله.

ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض».

و أعظم ما افترض [اللّه] سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعيّة، و حقّ الرعيّة على الوالي، فريضة فرضها اللّه سبحانه لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لإلفتهم و عزّا لدينهم.

فليست تصلح الرعية إلاّ بصلاح الولاة و لا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعيّة، فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه و أدّى الوالي إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، و قامت مناهج الدين، و اعتدلت معالم العدل، و جرت على أذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان و طمع في بقاء الدولة، و يئست مطامع الأعداء.

و إذا غلبت الرعيّة و اليها أو أجحف الوالي برعيّته اختلفت هنالك الكلمة، و ظهرت معالم الجور، و كثر الإدغال في الدين، و تركت محاجّ السنن، فعمل بالهوى و عطّلت الأحكام، و كثرت علل النفوس؛ فلا يستوحش لعظيم حقّ

عطّل، و لا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذلّ الأبرار و تعزّ الأشرار، و تعظم تبعات اللّه سبحانه عند العباد.

فعليكم بالتناصح في ذلك و حسن التعاون عليه، فليس أحد - و إن اشتدّ على رضا اللّه حرصه، و طال في العمل اجتهاده - ببالغ حقيقة ما اللّه سبحانه أهله من الطاعة له.

و لكن من واجب حقوق اللّه سبحانه على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم، و التعاون على إقامة الحقّ بينهم.

و ليس امرؤ - و إن عظمت في الحق منزلته، و تقدّمت في الدين فضيلته - بفوق أن يعان على ما حمله اللّه من حقّه، و لا امرؤ - و إن صغّرته النفوس، و اقتحمته العيون - بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه»(1).

و ما يمكن استخلاصه من هذه الخطبة يؤكد ما يلي:

أولا: إن هنالك تقابلا بين الحقوق و الواجبات فالحق «لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، و لا يجري عليه إلاّ جرى له». و هذا مبدأ ثابت بين العباد. أمّا بينهم و بين اللّه، فهو و إن لم يكن جاريا كواجب إلا أنه جار كلطف من اللّه تعالى حيث جعل اللّه «حقه على العباد أن يطيعوه، و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه و توسّعا».


1) نهج البلاغة: الخطب، ص 216.

ثانيا: إن الحقوق المتبادلة بين العباد هي أمور مقدسة، ليس لأحد مصادرتها من أحد، لأنها من حقوق اللّه تعالى، فقد «جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض».

ثالثا: إن الحقوق متكافئة، فإذا أدّى أحد الأطراف ما عليه كان له أن يطالب بجزائه، أمّا إذا لم يؤدّ ما عليه، فليس له أن يطالب بحقه. فكل حق يوجب حقا، و إذا لم يكن هنالك حق فلا يوجب شيئا. «فجعلها تتكافأ في وجوهها، و يوجب بعضها بعضا، و لا يستوجب بعضها إلاّ ببعض».

رابعا: إن حق الحاكم على الناس، يقابله حق الناس على الحاكم، «و أعظم ما افترض اللّه سبحانه من تلك الحقوق: حق الوالي على الرعية، و حق الرعيّة على الوالي». و هي «فريضة فرضها اللّه سبحانه لكل» طرف «على كل» طرف.

و هذا التبادل في الحقوق هو «النظام» الذي يمنع الفوضى، و التمزّق، «فجعلها نظاما لإلفتهم، و عزّا لدينهم»، فإذا أدّى كل طرف ما عليه للطرف الآخر، قامت الدولة على الحق، و تحقق العدل «فإذا أدّت الرعية إلى الوالي حقّه، و أدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحق بينهم، و قامت مناهج الدين، و اعتدلت معالم العدل و جرت على إذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، و طمع في بقاء الدولة و يئست الأعداء»،

و واضح أنّ أداء الحقوق من الأطراف يؤدّي إلى التماسك الداخلي، و الذي بدوره يجعل العدوّ الخارجي ضعيفا أمامه.

أمّا إذا لم يؤدّ الطرفان: الحاكم و المحكومين، حقوق الطرف الآخر، فإنه يظهر الخلاف، و يختلّ ميزان العدل.

«و إذا غلبت الرعيّة و اليها، و أجحف الوالي برعيّته، اختلفت هنالك الكلمة و ظهرت معالم الجور، و كثر الإدغال في الدّين، و تركت محاجّ السّنن، فعمل بالهوى، و عطّلت الأحكام، و كثرت علل النفوس».

إذ إن كل طرف يتآمر على الطرف الآخر، و حينما تدخل الدولة في دائرة التآمر المتقابل بين الرعية و الراعي، ينسحب الطيبون و ينجح الأشرار. «فهنالك تذلّ الأبرار، و تعزّ الأشرار، و تعظم تبعات اللّه سبحانه عند العباد».

خامسا: إن الحقوق المتبادلة بين الحاكم و المحكومين، لا تستثني أحدا فليست الشورى عند الإمام خاصة بفئة دون أخرى، و لا الحاكم - مهما كانت مكانته في العلم و الكفاءة و المقدرة الإدارية - ممّن يجوز أن تسلم إليه مقاليد الأمور من غير ما تعاون جاد بينه و بين الناس.

«فليس أحد - و إن اشتدّ على رضا اللّه حرصه، و طال في العمل اجتهاده - ببالغ حقيقة ما اللّه سبحانه أهّله من الطاعة له،

و لكن من واجب حقوق اللّه سبحانه على العباد النصيحة بمبلغ جهدهم، و التعاون على إقامة الحق بينهم».

«و ليس امرؤ و إن عظمت في الحق منزلته، و تقدّمت في الدين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمّله اللّه من حقّه».

«و لا امرؤ و إن صغّرته النفوس و اقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك، أو يعان عليه».

أما ما هي «حقوق الراعي» و ما هي «حقوق الرعية».

فقد ذكرها الإمام علي عليه السّلام في كلماته التالية: «أيّها الناس إن لي عليكم حقّا، و لكم عليّ حق، فأمّا حقّكم عليّ فالنصيحة لكم، و توفير فيئكم عليكم، و تعليمكم كيلا تجهلوا، و تأديبكم كيما تعلموا».

«و أمّا حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة، و النصيحة في المشهد و المغيب، و الإجابة حين أدعوكم، و الطاعة حين آمركم»(1).

و واضح أن «العدل» و النصيحة للناس، هو الحق الأول الذي يجب على الراعي رعايته، ثم يأتي توفير الفيء، و التعليم و التربية كحقوق للرعية، و في المقابل «الوفاء بالبيعة» و النصيحة و الإجابة، و الطاعة هي حقوق الراعي.

إنما كل ذلك في ظل القانون، فالوالي ليس هو من يعمل


1) نهج البلاغة: الخطب 34.

بالهوى و على الناس إطاعته، فليس من حقّه أن يكون مشرّعا، و تحوّل أوامره إلى قوانين، و أهواؤه إلى دساتير.. كما ليس من حقه أن يصادر حرّيات الناس في أي مجال من المجالات لأن ذلك ينفي عنه العدل، و بذلك يسقط حقّه في الطاعة..

فالحقوق متكافئة بين الطرفين..


اساسات حكم الشورى

الأوّل - تأمين الحرّيات:

توضيح

أساسا يولد الإنسان حرّا، و ميّزته على الكائنات الأخرى هي «حريته» فلا يجوز له أو لغيره أن يتجاهلها، لأن الحرية ليست حقا، بل هي واجب و لذلك كان الإنسان مسؤولا في الحياة..

يقول الإمام علي عليه السّلام: «لا تكن عبد غيرك، و قد جعلك اللّه سبحانه حرا(1)، و يقول: «لا تكوننّ عبد غيرك فقد جعلك اللّه سبحانه حرا، فما خير خير لا ينال بشر، و يسر لا ينال إلاّ لعسر»(2).

و يقول «أيها الناس.. إنّ آدم لم يلد عبدا، و لا أمة، و أن الناس كلهم أحرار»(3).


1) غرر الحكم و درر الكلم.

2) المصدر السابق.

3) نهج السعادة، ج 1، ص 198.

و يقول: «الناس كلهم أحرار، إلاّ من أقرّ على نفسه بالعبوديّة»(1).

إنّ ربنا لم يقرر لأنبيائه مصادرة حرية الناس، فهو القائل:

وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ (2)، و القائل: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22)(3)، و القائل: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ (4)..

فهل يجوز لغيرهم ذلك؟! ثم إن الحريات للإنسان، ليست محدّدة، بل تشمل كل جوانب حياته، و الأصل في كل أموره هو «الحرية» أمّا الاستثناء فهو يرجع إلى حقّ الآخرين في الحرية ذاتها.

فكل إنسان حرّ، و لكنه ليس حرّا في مصادرة حرّيات الآخرين.

و كل إنسان حرّ في أن يعمل ما يريد، و لكنه ليس حرّا في التجاوز على حقوق الآخرين..

ثم إن «الحرّيات العامة تشمل: الحريّة الفكرية، فلكل


1) الصياغة الجديدة: ص 310.

2) سورة ق، الآية: 45.

3) سورة الغاشية، الآيتان: 21-22.

4) سورة البقرة، الآية: 256.

إنسان الحق في أن يؤمن بما يعتقد به، و الحرية الاقتصادية، و الحريّة السياسية»(1).

و الذي يهمّنا الآن هي الحريات السياسية و التي تشمل الأمور التالية:

1 - حرية إبداء الرأي.

2 - حريّة الاجتماع و التنظيم.

3 - حريّة المعارضة.

الحريات السياسية

أولا - حرية إبداء الرأي:

لم يكن الإمام علي عليه السّلام يسمح لأحد بإبداء رأيه فحسب، بل كان يطلب منه ذلك معتبرا إياه جزءا من العلاقة بين الحاكم و المحكوم، و واجبا من واجبات الرعيّة تجاه الراعي..

يقول عليه السّلام: «فلا تكفّوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل، فإنّي لست في نفسي بفوق أن أخطىء، و لا آمن ذلك من فعلي، إلاّ أن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به منّي فإنما أنا و أنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره، يملك منّا ما لا، نملك من أنفسنا».

«و لا تظنّوا بيّ استثقالا في حقّ قيل لي، و لا التماس


1) الصياغة الجديدة: ص 313.

إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحقّ أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه»(1).

و هكذا فإنّ «إبداء الرأي» حق أساسي للرعيّة في أمورهم، و ربما يكون واجبا من واجباتهم تجاه الراعي.. «فلا تكفّوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل»(2).

و لقد عوّد الإمام أصحابه على «إبداء الرأي» على عكس ما كان يفعله أعداؤه.. فمثلا معاوية بن أبي سفيان كان يمنع الناس عن إبداء آرائهم فهو «الآمر» و هم «المأمورون». و هو الحاكم و هم المحكومون. و هو الذي يفكر و يقرّر، و عليهم السّمع و الطاعة.

و قد روي في ذلك أن الحجاج بن الضمّة دخل على معاوية في بداية تمرّده على الإمام فقال له: «إني أخبرك يا أمير المؤمنين إنك تقوى على عليّ بدون ما يقوى به عليك، لأن معك قوما لا يقولون إذا قلت، و لا يسألون إذا أمرت. و إن مع عليّ قوما يقولون إذا قال، و يسألون إذا أمر، فقليل ممّن معك خير من كثير ممّن معه»(3)!.

إنّ «للرأي» قدسيته، و إن الموت دونه من أجل الحقّ،


1) نهج البلاغة: الخطب، ص 216.

2) المصدر السابق.

3) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 3.

يجعل صاحبه شهيدا لأن «من قتل دون حقه فهو شهيد، و من مات دون مظلمة فهو شهيد، و من مات دون كلمة الحق فهو شهيد، و أفضل من ذلك كلمة حق عند إمام جائر» - كما يقول الحديث الشريف -.

ثانيا - حرّية الاجتماع و التنظيم:

فيما يرتبط بعمل الخير، و السعي لمصلحة الناس، فإن التنظيم ليس جائزا فحسب، بل هو مستحب أيضا. يقول اللّه تعالى:

وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)(1).

و يقول: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (2).

«فحق التجمع و التنظيم و تشكيل الجمعيات و المنظمات و الأحزاب مكفول في الإسلام، فقد جعل الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم المهاجرين و الأنصار جماعتين.. و يستفاد من أحاديث متعددة أنه كلما ضغطت عليه جماعة منهما كان يلتجىء إلى الجماعة


1) سورة آل عمران، الآية: 104.

2) سورة التوبة، الآية: 122.

الأخرى، ففي حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: «لو سلك الناس واديا، و سلك الأنصار واديا..»(1).

و لقد بقي كل من الأنصار و المهاجرين كحزبين إلى عصر أمير المؤمنين عليه السّلام، و كان لهما مظاهر حزبين مستقلين حتى في الحروب «فكانت راية الأنصار يوم صفّين بيد «قرظة» و هو من صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم»(2).

و إذا كان التنظيم مشروعا، فهل يبقى «الاجتماع» محرما؟

ثالثا - حرية المعارضة:

سنرى فيما بعد أن انتخاب الحاكم هو حق من حقوق الناس و من ثم فإنّ عزله أيضا حق من حقوقهم.. و لا شك أن ذلك لا يمكن أن يتمّ إلاّ إذا كان حق المعارضة مكفولا..

و إلاّ كيف يتمّ عزل الحاكم لو لم تسبقه المعارضة؟

إلاّ أنّ المعارضة بحدّ ذاتها مشروعة، و قد مارسها المسلمون الأولون بكلّ حرية. فابتداء من أمير المؤمنين عليه السّلام الذي رفض البيعة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى ما بعد وفاة فاطمة الزهراء عليهم السّلام، و مرورا بأبي ذرّ الذي رفع راية المعارضة، و انتهاء بسماح الإمام عليه السّلام لمعارضته من قبل الخوارج، كل


1) الصياغة الجديدة: ص 338.

2) الصياغة الجديدة: ص 339.

ذلك يدلّ على مشروعية المعارضة، للأفراد و للجماعات معا..

الثاني - حاكمية الناس:

الحكم، أي حكم، هو للناس، لا عليهم. فالحاكمية لهم دون غيرهم. و لا يجوز تقرير مصائر الناس من دون رضاهم، و لا تعيين والي من غير اختيارهم.

فحكم الشورى، يعني حق الناس اختيار الحاكم، و النظام الذي يحكمهم كما يعني حقّهم في عزل الحاكم، و تغيير النظام الذي يحكمهم، ضمن إطار القانون..

و حكم الشورى يعني أيضا مشاركة الناس في إدارة أنفسهم، و في تقرير مصيرهم في السلم و الحرب و في كل ما يمسّ شؤونهم..

و نظرا إلى أنّ معنى حرية الناس في التنظيم و حقّهم في المعارضة أن يختلفوا، فإن من غير المتوقع إجماع الناس دائما على أمر واحد، و رأي واحد، فإنّ «رأي الأكثرية» سيكون هو المرجّح، و من هنا ضرورة خضوع الأقلية للأكثرية في الشؤون العامة، أمّا في الشؤون الخاصّة فلكل إنسان رأيه و حقّه الخاص به.

يقول الإمام علي عليه السّلام: «الواجب في حكم اللّه و حكم

الإسلام على المسلمين، بعدما يموت إمامهم، أو يقتل ضالاّ أو مهديا، أن لا يعملوا عملا، و لا يقدموا يدا و لا رجلا قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما عفيفا، عالما، ورعا، عارفا بالقضاء و السّنّة يجبي فيئهم و يقيم حجمهم، و جمعهم، و يجبي صدقاتهم(1).

فالمسلمون هم الّذين يختارون إمامهم، و لا يفرض عليهم فرضا، و لقد جاء اختيار المسلمين للإمام عليه السّلام عن رغبة و حرية كاملة.. فعندما جاؤوا إليه بعد مقتل عثمان قال لهم: «دعوني و التمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان، لا تقوم له القلوب، و لا تثبت عليه العقول و إن الآفاق قد أغامت، و الحجّة قد تنكّرت. و اعلموا أنّي إن أجبتكم، ركبت بكم ما أعلم (أي طبقت فيكم الحق بلا تمييز) و لم أصغ إلى قول القائل، و عتب العاتب، و إن تركتموني، فأنا كأحدكم، و لعلّي أسمعكم و أطوعكم لمن ولّيتموه أمركم، و أنا لكم وزيرا خير لكم منّي أميرا»(2).

و في طريقة البيعة للإمام ذكر المؤرّخون أنه بعد مقتل الثالث جاءه المسلمون، و فيهم زعماء أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من المهاجرين و الأنصار، و الذين اتّبعوهم بإحسان، و الذين


1) كتاب سليم بن قيس: ص 182.

2) الكامل: ج 3، ص 193.

جاؤوا من مصر و الكوفة و البصرة و غيرها، فقالوا يا أبا الحسن هل نبايعك؟ فقال عليه السّلام: لا حاجة لي في أمركم، فقالوا: ما نختار غيرك فاختلفوا إليه مرارا و تكرارا، و أصرّوا عليه إصرارا، و خرج عليه السّلام إلى السوق فاتبعه الناس و أصرّوا عليه، فدخل حائط بني عمرو و قال لأبي عمرة: اغلق الباب فجاء الناس فقرعوا فدخلوا و فيهم طلحة و الزبير، فقالا: يا علي ابسط يدك فبايعه طلحة و الزبير و ثم الآخرون(1).

و لقد قال الإمام فيما بعد:

«و اللّه ما كانت لي في الخلافة رغبة، و لا في الولاية إربة و لكنكم دعوتموني إليها، و حملتموني عليها، فلما أفضت إليّ نظرت إلى كتاب اللّه و ما وضع لنا، و أمرنا بالحكم به فاتّبعته، و ما استنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاقتديته»(2).

و قال أيضا: «إني ما أكرهت أحدا على البيعة»(3).

فقد رفض البيعة عبد اللّه بن عمر، و جماعة أخرى من أمثاله فلم يجبرهم الإمام على البيعة، بل تركهم و شأنهم(4).


1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 429.

2) نهج البلاغة: الخطب، ص 205.

3) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 270.

4) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 431.

و هكذا كان الإمام يرى مشروعية حكمه بانتخاب الناس له، لا فرضه عليهم..

و هذا يعني أن الأصل هنا هو رأي الناس في انتخاب الحاكم، و حقّهم في تعيين الوالي، و الخليفة، دون غيرهم..


و كما للناس حقّ اختيار «الوالي» و «الإمام»، فإن لهم حق المشاركة في الحكم، عبر الأخذ بآرائهم فيما يرتبط بمصائرهم من أمور هامّة تترك الأثر على حياتهم..

و لقد اعتاد الإمام علي عليه السّلام على استشارة الناس في مثل تلك الأمور، معتبرا ذلك حقا من حقوق الرعية، و هو القائل:

«ألا و إن لكم عندي (أي حقّكم عليّ) ألاّ أحتجز دونكم سرا إلاّ في حرب، و لا أطوي (أمنع) دونكم أمرا إلاّ في حكم، و لا أؤخّر لكم حقا عن محله، و لا أقف به دون مقطعه»(1).

و لكم يجد الباحث موارد في حياة الإمام علي عليه السّلام أيام خلافته كان الإمام يستشير فيها أصحابه، و يخضع لمشاوراتهم و آرائهم، بالرغم من أنه عليه السّلام كان له رأي آخر، و بالرغم من أن رأيه كان الأصوب، حسب النتائج.


1) نهج البلاغة: الكتب، 50 - الأمالي: ج 1، ص 221.

فمثلا قبيل معركة صفّين جمع الإمام من كان معه من المهاجرين و الأنصار، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: «أما بعد فإنكم ميامين الرأي، مقاويل بالحق، أهل الحلم، مباركو الفعل و الأمر، و قد أردنا المسير إلى عدوّنا و عدوّكم فأشيروا علينا برأيكم».

فقام عمار بن ياسر فقال بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه: «يا أمير المؤمنين إن استطعت ألاّ تقيم يوما واحدا فافعل، اشخص بنا قبل استعار نار الفجرة و اجتماع رأيهم على العدوان و الفرقة، و ادعهم إلى رشدهم، فإن قبلوا سعدوا، فإن أبوا إلاّ حربنا فو اللّه إن سفك دماءهم، و الجدّ في جهادهم لقربة عند اللّه».

فقال الإمام: «للّه درّك يا عمّار. سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: إن عمارا ملئ إيمانا إلى مشاشه (رؤوس العظام كالمرفقين و المنكبين و الركبتين). و كان عمار إذا استأذن على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: ائذنوا له. فإذا دخل استقبله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقوله:

مرحبا بالطيب المطيب».

فلما فرغ الإمام من الثناء على عمار، قام سعد بن قيس بن عبادة فقال: «يا أمير المؤمنين. عجّل بنا إلى عدوّنا، فو اللّه لجهادهم أحب إليّ من جهاد الترك و الروم لإدهانهم في دين

اللّه، و استذلالهم أولياء اللّه من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من المهاجرين و الأنصار و التابعين بإحسان! إذا غضبوا على رجل حبسوه أو ضربوه أو حرموه أو سيّروه (نفوه)، و فيئنا لهم في أنفسهم حلال، و نحن لهم فيما يزعمون قطين (أي رقيق و عبيد)».

ثم قام سهل بن حنيف فقال: «يا أمير المؤمنين. نحن سلم لمن سالمت و حرب لمن حارب. و رأينا رأيك. و نحن كفّ يمينك، و قد رأينا أن تقوم بهذا الأمر في أهل الكوفة، فتأمرهم بالشخوص، و تخبرهم بما صنع اللّه لهم في ذلك من الفضل، فإنهم هم أهل البلد و هم الناس. فإن استقاموا لك استقام لك الذي تريد و تطلب. و أما نحن صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فليس عليك منّا خلاف، متى دعوتنا أجبناك، و متى أمرتنا أطعناك»(1).

و بعد أخذ وردّ، اتفق رأي الأكثرية منهم على المسير إلى الشام، و هكذا كان..

فلم يصدر الإمام أمرا «ملكيا» أو «جمهوريا» أو «إماميا» بإعلان الحرب، و يفرض على أصحابه الخضوع له، و يعاقب بالإعدام كل من يخالف.


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 12-13.

إنّ الحرب فيها مصائر الناس، فكيف يمكن إعلانها بدون أخذ آرائهم فيها، و مشورتهم حولها؟

و الغريب أن الإمام بالرغم من رأيه الشخصي في الحرب مع معاوية، و بالرغم من رأي الأكثرية من أصحابه معه، إلاّ أنه تريّث في ذلك لكي يتم الحجّة على معاوية، حتى إذا أبطأ عن ذلك، اجتمع إليه عليه السّلام بعض أصحابه، و جرت بينهم المداولة التالية:

قال رجل من أهل الكوفة: «متى يقودنا أمير المؤمنين لنغزو الشام قبل أن يغزونا معاوية»؟.

و قال آخر: «تعلّمنا من الإمام أنه ما غزي قوم في دارهم قطّ إلاّ ذلّوا..»؟.

فأجابه شيخ: «دع الأمر للإمام فهو أدرى بالأمر منّا».

فارتفع صوت: «لا و اللّه لا يصنع بنا كما يصنع معاوية بأصحابه: يأمرهم فيطيعون، دون أن يفقهوا! إن لنا في الأمر رأيا، و قد علّمنا أمير المؤمنين أنه ما خاب من استشار، و أن من استشار الرجال شاركهم في عقولهم. لا و اللّه لا يبرم أمرا دوننا أبدا»(1). يعني ذلك أن أصحاب الإمام قد تعوّدوا بسبب


1) المصدر السابق: ص 20.

ما، أن لهم الحقّ في الأخذ بآرائهم، و لهم الحق في رفض القرار إذا لم يؤخذ بها! فلم يجبرهم الإمام على ذلك..

و قد حدث أكثر من مرّة أن بعض من كان معه، لم يكن له رأي موافق مع الحرب، فكان ينوي الاعتزال فلم يجبره الإمام.. من ذلك، «أن جماعة لم تحب الخروج معه إلى الشام و قد أفصحت عن ذلك، فسمح لهم الإمام بأن يعتزلوا الأمر» ثم شعر عليه السّلام أن جماعة أخرى لا تحب الخروج و لكنها لا تفصح عمّا في أعماقها تحرّجا و حياء منه. فذهب إليهم، و قال لهم: «خذوا عطاءكم، و اخرجوا إلى الدّيلم» فحمدوا اللّه إليه، و هكذا أرسل الجماعات التي لا تريد أن تنغمس في القتال، إلى حدود البلاد ليحموا الثغور مع حماتها مما عسى أن يتهدّدها من الأعداء. و لم يغاضب أحدا لأنه أبى الخروج معه..»(1).

إن ترسيخ دعائم الشورى، كانت عند الإمام أهمّ بكثير من إحراز الانتصار. ذلك أن «الشورى» مبدأ من مبادىء الحكم و قيمة من القيم الدينية، و «مثل» من المثل الإنسانية، بينما الانتصار قضية ماديّة وقتية.. فكان الإمام يقدّم القيم على حسابه الشخصي مهما كانت النتائج..


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 24.

لقد كان الإمام فعلا بحاجة إلى الرجال، فلم يكن خروج جماعة بالذي لا يؤثر على جيشه، و لكنه لم يكن يجبر الناس على مصائرهم..

لقد خضع الإمام لرأي أصحابه مرات و مرات، حتى قال عليه السّلام قولته الشهيرة: «أفسدتم عليّ رأيي حتى قالت قريش:

إن ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب.

للّه أبوّهم! و هل أحد منهم أشدّ لها مراسا، و أقدم فيها مقاما منّي؟ لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين، و ها أنا ذا قد ذرفت على الستّين. و لكن لا رأي لمن لا يطاع»(1).


و لقد خضع الإمام لآراء أصحابه في الظروف الصعبة و العادية معا إلى درجة أن ذلك أدّى إلى تطاولهم عليه، و تمزّق صفوف جيشه، غير أن الإمام لم يتراجع عن الأخذ بمشورتهم، و التنازل لمواقفهم، كما لم يصدر أمرا بمنع مناقشتهم له، و ضرورة خضوعهم لتعليماته، بل بقي مخلصا لمبدأ قبول آراء الأكثرية، و ضرورة المناقشة المستمرة، و الحوار الدائم مع أهل الحلّ و العقد منهم..

و لقد حدث في معارك صفّين أن الإمام لاحظ «أن معاوية


1) مروج الذهب: ج 2، ص 403.

يقف على التل تحت الترس الذهبي، يتفقّد طريق مؤخرته إلى الشام، لينسحب إذا ما لم يجد حيلة إلاّ الانسحاب..

و شاهد الإمام تدفّق الإمدادات و الميرة من الشام إلى مؤخرة جيش معاوية، فنظر الإمام في الأمر، فوجد أن معاوية كلما حوصر و نفدت منه الميرة جاءه مدد ضخم من الشام، فالطريق إليها مفتوح.. و إذن، فلا سبيل إلى الانتصار الحاسم على جيش الشام و معاوية ما بقي طريق الميرة و الإمداد مفتوحا و مؤمّنا.

و أصدر الإمام عليّ أمره إلى أحد أصحابه: «سر في بعض هذه الخيل فاقطع الميرة عن معاوية، و لا تقتل إلاّ من يحل لك قتله، وضع السيف موضعه».

و بلغ ذلك معاوية، فدعا أقوى أمراء جيشه و أمره أن يخرج بفرسانه لتأمين الطريق، و لكنه عاد منهزما بعد حين، و قطع الإمام الميرة عن جيش الشام.

فجمع معاوية رؤوس جند الشام و أصحابه و قال لهم:

«أتاني خبر من ناحية من نواحي فيه أمر شديد» فقالوا جميعا:

«يا أمير المؤمنين ليس لنا رأي في شيء مما أتاك، إنما علينا السمع و الطاعة».

و أراد الإمام عليّ أن يعرف رأي أصحابه من أهل العراق،

فقال: «أيها الناس، إنه أتاني خبر من ناحية من نواحيّ» فقال بعضهم: «الرأي لك» و قال آخرون: «يا أمير المؤمنين، إن لنّا في كل أمر رأيا، فما أتاك فأطلعنا عليه حتى نشير عليك» فقال علي عليه السّلام: «ظفر و اللّه ابن هند باجتماع أهل الشام له و اختلافكم عليّ، و اللّه ليغلبنّ باطله حقكم إنما أتاني أن بعض خيلنا قطعت الميرة عن معاوية، و ظفرت بفرسانه، و أتى معاوية نبأ هزيمة أصحابه فقال: «يا أهل الشام، إني أتاني أمر شديد»، فقلّدوه أمرهم، و اختلفتم عليّ»(1)!.

[يقول أحدهم عن طريقة الإمام في التعامل مع أصحابه «كان همّ الإمام أن يعود بالناس إلى شجاعة الرأي، و صدق النصيحة، كما كانوا أيام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فالشورى واجبة شرعا، و لا خيار لولي الأمر فيها، بل إنها لتلزمه، و إلاّ استبدّ برأيه على الناس، و هذا الاستبداد هو ما يأباه اللّه و رسوله، هو الذي لعنّا مقترفيه»!!

إلا أن المستشار مؤتمن كما نصّ الحديث الشريف، فمن واجب من يستشار أن يحسن المشورة، و يخلص فيها و يصدق، و لا يبتغي بها إلاّ وجه اللّه و مصلحة الأمّة فحسب.

«و في الحق أن أمير المؤمنين عليه السّلام استشار حتى أسرف


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 90-91.

عليه المشيرون، و تطوّع آخرون بالمشورة و الرأي دون سؤال..

و عوّدهم الإمام على الرغم من هيبته أن يبدوا له حتى هواجس النفوس، و رأى أن هذا أجدى من القمع و من كبت الرأي»!

«و كان من همّ الإمام أن يحضّ الناس على التفكير و التدبّر، و على ألاّ يطيعوا بلا فهم كالأنعام، و ألاّ يخرّوا على آيات اللّه إذا ذكّروا بها صمّا و عميانا و إلاّ كانوا شرّ الدواب»!.

«و إن اللّه خلق لهم الحواسّ و المشاعر و العقل ليروا و يسمعوا و يتدبّروا.. فيعرفوا الحسن و القبيح بذاته، و بالعقل، و هو هكذا يعرف قبل أن يحدده الشرع»!

«فالإمام همّه أن يرتفع بمستوى العقل و الإرادة في الإنسان».

«و أمير المؤمنين همّه أن تقوم الإمرة على العدل، و الورع و التقوى، و أن يتساوى الناس كل و عمله، و اللّه يبلوهم ليعرف أيّهم أحسن عملا، و لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالتقوى.

و قد قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ (1)»..

«و الإمام كما قال مرارا و كرّر تكرارا لم يجد في القرآن و لا في السّنّة و لا فيما يقرأ من كتب الأولين، و لا فيما علّمه الرسول من علم، أن للعرب من أولاد إسماعيل فضلا على


1) سورة الحجرات، الآية: 13.

غيرهم من أولاد أخيه إسحاق، و كلاهما كان رسولا نبيا، و كلاهما ولد إبراهيم».

«من أجل ذلك أحبّ الموالي و أهل الذمة الإمام كرّم اللّه وجهه، كما أحبّه أهل الورع و أهل التقوى من العرب».

و كان جيش أمير المؤمنين مؤلفا في أغلبه من أهل الورع و التقوى و ممّن عوّدهم الإمام حرية التفكير، و أخذهم بالصراحة في التعبير عن الرأي فكان كل مقاتل في هذا الجيش يجد لنفسه حق مجادلة القائد.. لكل منهم رأيه المستقلّ، و كأنّه أمة وحده!.. و ما من أحد منهم يذعن للأمر أو النهي إلاّ إذا عرف علّته و حكمته و اقتنع بجدواه، على خلاف ما هو مألوف في الجيوش في ذلك الزمان. و في كل زمان و مكان!..

«من الحق أنهم اجتمعوا في حب اللّه و رسوله، دفاعا عن العدل، و عن حق الإنسان في المساواة و الكرامة و الحياة الكريمة، تحت راية الإمام علي.. و لكنّهم على الرغم من ذلك تعوّدوا ألاّ يمضوا خطوة، و ألاّ يأخذوا شيئا أو يدعوا شيئا، إلاّ إذا اقتنعوا و فقهت عقولهم ما يفعلون!.. هم يفعلون ما يؤمرون على أن يفهموا سبب الأمر و مغزاه»!!(1).


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 262.

و في مسألة «التحكيم» في صفّين حينما رفع أصحاب معاوية المصاحف على الرماح داعين إلى كتاب اللّه، كانت المعارك على مشارف أن تنتهي بانتصار الإمام، و كان الأشتر على قاب قوسين من موقع معاوية، و لقد كان رأي الإمام الاستمرار في الحرب حتى النصر، و قد كان يلوح في الأفق فعلا. إلاّ أن أصحابه رأوا غير ذلك، و لقد حاول الإمام إقناعهم بما يراه، و حاججهم، و ناقشهم، و بيّن لهم، و لكنّهم أصرّوا على القبول. فتنازل لهم الإمام بالرغم من أنه كان بإمكانه أن يصمّ أذنيه عن مقالتهم، و يصدر أوامره بالتصدّي لكلّ من يخالفه الرأي، و يحرز النصر و ينهي الأمر كله. و لكن لم يكن انتصاره، انتصارا للشورى، بل انتصارا للحاكم وحده.. و بقرار منفرد منه.. و على رغم قرار الناس.. و قد آثر الإمام «التحكيم» بالرغم عنه لكي يكون قد نزل على رأي أصحابه، يقول مصعب بن الزبير، و كان مع الإمام حينئذ فروى الحادثة كما يلي:

«كنت عنده حين بعث إلى الأشتر أن يأتيه، و قد كان الأشتر أشرف على معسكر معاوية ليدخله، فأرسل إليه علي يزيد بن هانىء: أن ائتني..

فأتاه فبلغه فقال الأشتر: «ائت أمير المؤمنين فقل له: ليس

هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي. إني قد رجوت اللّه أن يفتح لي فلا تعجلني».

فرجع يزيد بن هانىء إلى عليّ فأخبره.

فما هو أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج و علت الأصوات من قبل الأشتر، و ظهرت دلائل الفتح و النصر لأهل العراق، و دلائل الخذلان، و الإدبار على أهل الشام.

فقال له القوم: و اللّه ما نراك إلاّ أمرته بقتال القوم.

قال: «أرأيتموني ساررت رسولي إليه؟! أ ليس إنما كلّمته على رؤوسكم علانية و أنتم تسمعون؟

قالوا: «فابعث إليه فليأتك، و إلاّ فو اللّه اعتزلناك».

قال: «ويحك يا يزيد بن هانىء. قل للأشتر أقبل إليّ فإن الفتنة قد وقعت.

فأتاه فأخبره، فقال الأشتر: ألرفع هذه المصاحف؟!

قال: نعم.

قال: أما و اللّه لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع اختلافا و فرقة! إنها مشورة ابن النابغة - يعني ابن العاص - ثم قال ليزيد:

ويحك! ألا ترى إلى ما يلقون؟ ألا ترى إلى الذي يصنع اللّه لنا؟ أينبغي أن ندع هذا و ننصرف عنه؟! فقال له يزيد: أتحب أنك ظفرت ها هنا و أن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يسلّم إلى

عدوّه؟. قال: سبحان اللّه! لا و اللّه ما أحب ذلك. فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم فصاح فيهم: يا أهل الذلّ و الوهن، أحين علوتم على القوم فظنّوا أنكم لهم قاهرون، و رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟! قد و اللّه تركوا ما أمر اللّه به فيها و تركوا سنّة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم أمهلوني فواقا (ما بين الحلبتين للناقة) فإني قد أحسست بالفتح.

قالوا: لا.

قال: فأمهلوني عدوة الفرس فإني قد طمعت في النصر.

قالوا: لا، إذن ندخل معك في خطيئتك.

قال: فحدّثوني عنكم - و قد قتل أماثلكم و بقي أراذلكم - متى كنتم محقّين؟ أحين كنتم تقتلون أهل الشام؟ فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال مبطلون؟ أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقّون؟ فقتلاكم إذن الّذين لا تنكرون فضلهم و كانوا خيرا منكم، في النار!

قالوا: دعنا منك يا أشتر. قاتلناهم في اللّه و ندع قتالهم في اللّه. إنّا لسنا نطيعك فاجتنبنا.

قال: خدعتم و اللّه فانخدعتم، و دعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم. يا أصحاب الجباه السود، كنّا نظن أن صلاتكم زهادة في الدنيا و شوق إلى لقاء اللّه، فلا أرى فراركم إلاّ إلى الدنيا

من الموت، ألا فقبحا لكم، ما أنتم برائين بعدها عزّا أبدا، فابعدوا كما بعد القوم الظالمون.

فسبّوه و سبّهم، و ضربوا بسياطهم وجه دابته، و ضرب بسوطه وجوه دوابهم، فصاح بهم عليّ فكفّوا.

و قال الأشتر: يا أمير المؤمنين احمل الصف على الصف يصرع القوم و هكذا كان أصحابه يختلفون و يتصايحون و يتناقشون و يتضاربون و كأن برلمانهم مفتوح على الطبيعة في ميدان الحرب كما في حالات السّلام و أخيرا يخضعون لأكثرية الآراء!

و في عزّ المعارك جاء أحد أصحاب الإمام و سأله: ما رأي أمير المؤمنين؟

فقال: «لم يزل أمري معكم على ما أحب إليّ أن أخذت منكم الحرب. قد و اللّه أخذت منكم و تركت، و أخذت من عدوّكم فلم تترك. و إنها فيكم أنكى و أنهك. ألا إني أمس أميرا للمؤمنين، فأصبحت اليوم مأمورا، و كنت ناهيا فأصبحت منهيا. و قد أحببتم البقاء و ليس لي أن أحملكم على ما تكرهون». إذن للإمام رأي استمرار الحرب، و لكنهم لا يرغبون في ذلك و هو لا يجوّز لنفسه (حيث يقول ليس لي) أن يجبرهم على ذلك (أن أحملكم على ما تكرهون). فليس قبول

الإمام للتحكيم لعجزه و لا لخوفه من تهديد أحد، لأنه لم يخف في حياته قطّ إلا من اللّه تعالى. و ليس لأنه خاف الشقاق في أصحابه، و قد وقع الشقاق على كل حال، بل لأنه يؤمن بأن للناس رأيهم في مصائرهم و يجب أن يحترم هذا الرأي و إن كان خاطئا.

... و مع إصرارهم قبل الإمام إيقاف القتال، فتصايحوا:

إن عليّا أمير المؤمنين قد قبل الحكومة و قد رضي بحكم القرآن، قال الأشتر: إن كان أمير المؤمنين قد قبل و رضي، فقد رضيت بما رضي أمير المؤمنين. فأقبل الناس يقولون قد رضي أمير المؤمنين، قد قبل أمير المؤمنين، و أمير المؤمنين ساكن لا يبضّ (لا ينبس) بكلمة، مطرق إلى الأرض.

فقطع الأشعث الصمت بقوله: «يا أمير المؤمنين إن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد». قال الإمام في سأم: «ذلك إليك، فافعل ما شئت».

فلما جاء الأشعث إلى معاوية رحّب به! و قال له: «نرجع نحن و أنتم إلى كتاب اللّه و إلى ما أمر به في كتابه، تبعثون رجلا منكم ترضونه و تختارونه، و نبعث برجل و نأخذ عليهما العهد أن يعملا بما في كتاب اللّه، و ننقاد جميعا لما اتفقا عليه من حكم اللّه».

ثم أرسل معاوية إلى عليّ كتابا قال فيه: كل واحد منّا

يرى أنه على الحق فيما يطلب من صاحبه، و قد قتل بيننا خلق كثير، و لن يعطي أحد منّا طاعة للآخر، و إني أتخوّف أن يكون ما بقي أشدّ ممّا مضى.

فهل لك في أمر لنا و لك في حياة و عذر و براءة أن يحكم بيننا حكمان رضيان، أحدهما من أصحابي و الآخر من أصحابك، فيحكمان بما في كتاب اللّه بيننا، فإنه خير لي و لك و أقطع لهذه الفتن، و ارض بحكم القرآن إن كنت من أهله».

فكتب إليه الإمام «من عبد اللّه أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان أما بعد، فإن أفضل ما شغل به المرء نفسه اتّباع ما يحسن به فعله، و يستوجب فضله، و يسلم من عيبه، و إن البغي و الزور يزريان بالمرء في دينه و دنياه.. فاحذر الدنيا! لا فرح في شيء وصلت إليه منها، و قد علمت أنك غير مدرك ما قضى فواته. و قد رام قوم أمرا بغير الحقّ فتأوّلوا على اللّه تعالى، فأكذبهم، و متّعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ، فاحذر يوما يغتبط فيه من أحمد عاقبة عمله، و يندم فيه من أمكن الشيطان من قياده و لم يحاده، فغرّته الدنيا و اطمأن إليها.

ثم إنّك دعوتني إلى حكم القرآن، و لقد علمت أنك لست من أهل القرآن، و لست حكمه تريد، و اللّه المستعان. و قد

أجبنا القرآن إلى حكمه و لسنا إياك أجبنا، و من لم يرض بحكم القرآن فقد ضلّ ضلالا بعيدا».

فلما عاد الأشعث بكلام معاوية إلى الإمام، قال أكثر أصحابه: «رضينا و قبلنا و سمعنا و أطعنا».

و أشار الأشعث على الإمام بأن يبعث عنه أبا موسى الأشعري.

فقال الإمام: «قد عصيتموني في أول هذا الأمر فلا تعصوني الآن، إني لا أرى أن أولي أبا موسى الأشعري»!.

فقال الأشعث و من خرج على الإمام من القرّاء المتطرفين: «لا نرضى إلا بأبي موسى»!.

قال الإمام: «ويحكم! هو ليس لي بثقة! لقد فارقني و خذل الناس عنّي، ثم إنه هرب شهورا إلى مكة حتى أمنته، لكن هذا عبد اللّه بن عباس أولّيه ذلك».

قال الأشعث و الخوارج على الإمام: «و اللّه لا يحكم فيها مضريان» فابن العاص و ابن عباس من قريش فهما مضريان، أما الأشعث و أغلب الخوارج فمن قحطان، و بين مضر و قحطان عداء قديم و تنافس منذ الجاهلية!!

و عند ما رفضوا مرشّحه لم يجبرهم على ذلك بل قال: «إن أبيتم ابن عباس، فالأشتر» (و هو قحطاني مثلهم).

قالوا: «و هل سعر الأرض، و هاج هذا الأمر، و أشعل ما

نحن فيه إلاّ الأشتر؟ لا نرضى بغير أبي موسى الأشعري..

فإنه حذّرنا ما وقعنا فيه». قال عليّ: «إن معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه في نظره من عمرو بن العاص، و إنّه لا يصحّ للقرشي إلاّ مثله. فعليكم بعبد اللّه بن عباس فارموا به، فإن عمرو بن العاص لا يعقد عقدة إلاّ حلها عبد اللّه، و لا يحلّ عقدة إلاّ عقدها» فقال الأشعث: «اجعله رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من مضر» قال الإمام ساخرا: «أخاف أن يخدع يمنيكم فإن عمرو بن العاص ليس من اللّه في شيء إذا كان له في أمر هوى» قال الأشعث: «و اللّه لأن يحكما ببعض ما نكره و أحدهما من أهل اليمن، أحبّ إلينا من أن يكون بعض ما نحبّ في حكمهما و هما مضريان».

فقال الأحنف بن قيس: «يا أمير المؤمنين، إنك قد رميت بحجر الأرض (الداهية من الرجال)، و من حارب اللّه و رسوله في أول الإسلام و إني عجمت أبا موسى و حلبت أشطره، فوجدته كليل الشفرة و أنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلاّ رجل يدنو منهم حتى يكون في أكفّهم، و يتباعد عنهم حتى يكون بمنزلة النجم منهم».

فقال الناس: «لا يكون إلاّ أبا موسى». لقد قبل الإمام رأي أصحابه في قبول الهدنة رغم النصر الذي كان يلوح له في الأفق، و ها هو يريد أن يعيّن مبعوثا من قبله و لكن أصحابه لا

يقبلون، فلا يقول لهم: ما لكم و الدخول بين السلاطين.. و لا يجبرهم على ذلك، بل يقبل منهم النقاش و يحاول إقناعهم برأيه، فهو لا يريد أبا موسى ممثلا له، و لجبهته، فهو يتذكر ما كان من أبي موسى الأشعري، عند ما أرسل إليه ليخرج معه إلى معركة الجمل، و كان أبو موسى إذ ذاك أميرا على الكوفة فأبى و منع الناس من الانضمام لعلي، و قال للناس إنه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، و القائم خير من الماشي، و الماشي خير من الراكب».

فظلّ أبو موسى ينصح الناس ألاّ يخرجوا مع الإمام، حتى جاءه الأشتر أميرا على الكوفة فاحتلّ قصر الإمارة و طرده، فهرب أبو موسى إلى الحجاز، و خرج الناس مع عمّار و الأشتر و الحسن بن عليّ فوافوا الإمام قبل معركة الجمل!

لم يمرّ من الأعوام ما يكفي للنسيان!! ما مرّ إلاّ عامان فحسب. و ها هو ذا الإمام يضطر إلى أن ينيب عنه أبا موسى الأشعري.

أمضّ الإمام أنهم يصرّون على رأيهم الخاطىء فقال:

«أعصى و يطاع معاوية»!!

و حاول أن يبصرهم بما هم صائرون إليه، و لكن بلا جدوى فقال لهم و قد قبل رأيهم..

«اصنعوا الآن ما أردتم، و افعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه»!

فأرسلو إلى أبي موسى الأشعري في مكة، فقالوا له: «إن الناس قد اصطلحوا». فقال: «الحمد للّه» قالوا له: «و قد جعلوك حكما» قال: «إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ». هكذا عوّد الإمام أصحابه أن يكون لهم في شؤونهم رأيا، كما عوّدهم أن يحاول إقناعهم بما هو مقتنع به، و أن يجادلهم، و أن يوضح لهم ما يجب توضيحه، و لكنه لم يعوّدهم أن يصدر الأوامر إليهم، و يحملهم على الطاعة بالرغم عنهم.

لقد غرست تعاليمه في قلوبهم، أن لا يخرّوا صمّا و عميانا إذا تليت عليهم آيات ربهم، بل عليهم أن يتدبّروا فيها، ليفقهوها، ليعبدوا اللّه عن بصيرة، و عوّدهم أن يتفكّروا، في كل أمر يصدره حتى في اللحظات الحاسمة من الحرب، و أن يقرروا، حتى عند ما يجب على الجند عادة أن يطيعوا ما يؤمرون..

بينما عوّد معاوية أصحابه أن يسلّموا إليه القياد، و أن يغلقوا على أنفسهم باب الوعي و الفهم، و أن يطيعوه و لا يناقشوه، لقد مشى معهم على قاعدة «أطع و لا تناقش» فقد «استخفّ قومه فأطاعوه» كما فعل فرعون من قبل.

أما الإمام الذي قام حكمه على الشورى، و الذي لم يقطع

أمرا دون أصحابه، إلاّ في أحكام اللّه و شريعته، و الذي لم يخف عنهم سرا إلاّ ما يتعلّق بأسرار الحرب، فقد أصرّ على أتباع الشورى، حتى و إن أدّى ذلك إلى الهزيمة في القتال..

كان رأيه غير رأيهم، و كان الأفق واضحا أمامه، يرى من بعيد إلى ما ينتهي هذا الأمر، و لكنه لم يكن المستبد برأيه، و لم يرد أن يصادر آراء الناس و يجبرهم على تغيير توجهاتهم..

و لنستمع مرة أخرى إلى ما يذكره المؤرخون في هذا المجال..

«روي أنه بعد كتابة صحيفة التحكيم، دعي الشهود من الطرفين ليوقعوا على الصحيفة: من كل جانب عشرة، فلما دعوا الأشتر قال: لا صحبتني يميني و لا نفعتني بعدها الشمال إن كتب لي في هذه الصحيفة اسم على صلح أو موادعة. أو لست على بيّنة من ربي، و يقيني من ضلالة عدوي؟! أو لستم قد رأيتم الظفر إن لم تجمعوا على الخور؟!

فوثب الأشعث بن قيس، فقال محتدا: «إنك و اللّه ما رأيت ظفرا و لا خورا، هلمّ فاشهد على نفسك، و أقرر بما كتب في هذه الصحيفة، فإنه لا رغبة بك عن الناس».

قال الأشتر: «بلى و اللّه إن لي لرغبة عنك في الدنيا للدنيا،

و في الآخرة للآخرة، و لقد سفك اللّه بسيفي هذا دماء رجال ما أنت بخير منهم عندي، و لا أحرم دما».

فقال الأشعث: «و لكن قد رضيت بما صنع علي أمير المؤمنين، و دخلت فيما دخل فيه، و خرجت مما خرج منه، فإنه لا يدخل إلاّ في هدى و صواب».

و الأشتر فارس اشتهر بأنه عظيم الصولة، صارم القلب، شديد الإقدام و هو خواض غمرات.

قآثر الأشعث أن لا يجادله أو يخاصمه، و ذهب و معه عصابة من القرّاء إلى علي، فقال الأشعث: «يا أمير المؤمنين الأشتر لا يقرّ بما في الصحيفة، و لا يرى إلاّ القتال».

و حاولوا أن يصوروا الأشتر مخالفا للإمام كارها لما رضيه القوم. فقال الإمام: «و أنا و اللّه ما رضيت و لا أحببت أن ترضوا، فإذا أبيتم إلاّ أن ترضوا فقد رضيت، و إذ رضيت فلا يصلح الرجوع بعد الرضا و لا التبديل بعد الإقرار، إلاّ أن يعصى اللّه و يتعدّى كتابه، فتقاتلوا من ترك أمر اللّه.

و أما الذي ذكرتم من تركه أمري و ما أنا عليه فليس من أولئك و لست أخافه على ذلك. يا ليت فيكم مثله اثنين! يا ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوي ما أرى! إذن لخفت عليّ مؤنتكم، و رجوت أن يستقيم لي بعض أودكم (الأود: العوج).

و قد نهيتكم فعصيتموني، فكنت أنا و أنتم كما قال أخو هوازن (دريد بن الصمة الشاعر الجاهلي):

و هل أنا إلاّ من غزية إن غوت غويت و إن ترشد غزية أرشد

و اللّه لقد فعلتم فعلة ضعضعت قوة، و أسقطت منه (قوة)، و أورثت و هنا و ذلّة، و لمّا كنتم الأعلين، و خاف عدوّكم الاجتياح، و استحرّ بهم القتل، و وجدوا ألم الجراح، رفعوا المصاحف فدعوكم إلى ما فيها ليفتنوكم عنهم، و يقطعوا الحرب، و يتربّصوا بكم ريب المنون، خديعة و مكيدة، فأعطيتموهم ما سألوا و أبيتم إلاّ أن تهنوا و تغيروا و أيم اللّه، ما أظنّكم بعدها توفقون لرشد، و لا تصيبون باب حزم»(1).

فالإمام لم يرض بالتحكيم، تماما كما لم يرض الأشتر، و لكنه حينما رأى أصحابه يرضون رضي به «فإذا أبيتم إلاّ أن ترضوا فقد رضيت».

إنه الشورى في الحكم، و النتائج قد لا تكون مرضية، و لكن لا بدّ من قبولها لأن التراجع عن الشورى تراجع عن المبدأ، أمّا النتائج فهي لا تتعدّى أمور الدنيا هذه. و كان عليّ عليه السّلام زاهدا فيها.



1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 132-134.

و نجد مثالا آخر لتدخّل أصحاب الإمام في الشؤون التي تهمهم من أمور الدولة، في مناقشات «التحكيم» فعندما اقترب موعد اجتماع الحكمين، فقد أرسل الإمام وفدا من أربعمائة رجل على رأسهم عبد اللّه بن عباس، و شريح بن هانىء، و معهم أبو موسى الأشعري.

و أرسل معاوية وفدا من أربعمائة رجل و معهم عمرو بن العاص.

و التقوا جميعا في (دومة الجندل) بين العراق و الشام.

و كانت الرسائل تتردّد بين معاوية في دمشق و عمرو في دومة الجندل، فلا يعرف أحد من وفد الشام ما بعث به معاوية و لا ما ردّ به عمرو، و لا يحاول أحد أن يسأل، فقد ألفوا أن يتركوا الأمر جميعا لمعاوية منذ بايعوه على السمع و الطاعة..

أما وفد العراق فكانوا إذا علموا أن كتابا وصل من عليّ وثبوا على ابن عباس يسألونه: «ما الذي كتب به إليك أمير المؤمنين»؟

فإذا كتم عنهم شغبوا عليه و صاحوا غاضبين: «لماذا كتمتنا ما كتب به أمير المؤمنين؟ أتراه كتب في كذا أو في كذا»؟.

و ضاق ابن عباس بإلحاحهم و أخذ يؤنبهم: «أما تعقلون؟!

إذا جاء رسول أمير المؤمنين قلتم بأي شيء جاء؟ فإذا كتمتكم قلتم لم تكتمنا. أجاء بكذا و كذا؟ و ما تزالون تظنون حتى تصيبوا، فليس لكم سر..! ألا ترون رسول معاوية يجيء و يرجع لا يعلم أحد بما جاء و رجع، و لا يسمع لهم صياح و لا لغط، و أنتم عندي كل يوم تظنون!؟ أما تعقلون»؟(1).


و لقد قال الإمام رأيا صريحا في سبب قبوله للتحكيم حينما ناقش الخوارج - فيما بعد - قبيل معركة النهروان - حيث أوضح أن السبب هو «رأيهم» هم فقال:

«قد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة، فأبيتم عليّ إباء المنابذين، حتى صرفت رأيي إلى هواكم، و أنتم معاشر أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام»(2).

فالإمام صرف رأيه إلى أهوائهم، بالرغم من علمه بأنهم أخفّاء الهام و سفهاء أحلام، فهم على كل حال هم البشر، - بما فيهم من علاّت - الّذين يحكمهم الإمام، و إذا أخذنا الشورى كمبدأ فلا بدّ من قبول آرائهم، مع قطع النظر عن النتائج، حيث إن النتائج يتحمّلون وزرها هم دون الإمام ثم إنه


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 145.

2) الموفقيات: للزبير بن بكار، ص 350.

إذا كان من حق الناس انتخاب القيادة، و من حقّهم التدخّل في ما يرتبط بمصائرهم، فإن لهم أيضا أمران:

الأوّل - حقّ مراقبة الحاكم.

الثاني - حقّ عزله.

فللناس حق محاسبة الحاكمين، و مراقبتهم لكيلا يشطّوا عن السبيل. و هو ليس مجرد حق، بل ربما كان واجبا، و عليه الأجر و الثواب، و ذلك ضمن إطار «الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر» و الذي يشمل الحاكم كما يشمل المحكوم..

و قد جاء في الحديث: «و هل الدين إلاّ النصيحة؟».

قيل: لمن؟

قال: «لأئمة المسلمين» (1)«و النصيحة هنا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و إعطاء المشورة و التقويم و المحاسبة و غير ذلك. و ليس الأمر مجرد حق، بل إن الإنسان سيسأل عنه يوم القيامة، قال اللّه تعالى: وَ إِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)(2).

و الذي نرى أن حق مراقبة الحاكم، يسبقه واجب على


1) الصياغة الجديدة: ص 325.

2) سورة الأعراف، الآية: 164.

الحاكم، و هو واجب كشف أموره للناس، و شرح مواقفه و أسباب ذلك، و توضيح ما يجب توضيحه.

يقول الإمام علي عليه السّلام في عهده إلى مالك الأشتر: «و إن ظنت الرّعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك، و اعدل عنك ظنونهم بأصحارك، فإن في ذلك رياضة منك لنفسك، و رفقا برعيّتك، و أعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق»(1).

و أمّا حق عزل الحاكم، فهو مجرد حق، إذا لم يرتكب الحاكم ما يوجب عزله، فلو أن أكثرية الناس لم يرغبوا لأي سبب من الأسباب في استمرار الحاكم في إدارة شؤونهم فإن لهم انتخاب غيره، ضمن إطار من القانون و الشرعية.

أمّا إذا ارتكب الحاكم الموبقات، فإن هذا «الحق» يتبدّل إلى «واجب» فلو ظلم الحاكم رعيته، فلا بدّ من تقويمه، و إن لم ينفع معه التقويم فلا بدّ من عزله..

يقول الإمام علي عليه السّلام: «أيها المؤمنون.. من رأى عدوانا يعمل به، و منكرا يدعى إليه فأنكره بقلبه فقد سلم و برىء، و من أنكره بلسانه فقد أجر، و هو أفضل من صاحبه، و من أنكره بالسيف لتكون كلمة اللّه هي العليا، و كلمة الظالمين السفلى


1) نهج البلاغة: الحق، ص 53.

فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، و قام على الطريق، و نور في قلبه اليقين(1).

و يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «سيكون عليكم أئمة يملكون أرزاقكم، يحدّثونكم فيكذبونكم، و يعملون فيسيؤون العمل، لا يرضون منكم حتى تحسنوا قبيحهم، و تصدّقوا كذبهم فأعطوهم الحق ما رضوا به فإذا تجاوزوا فمن قتل على ذلك فهو شهيد»(2).

و يقول الإمام علي عليه السّلام: «أخذ اللّه على العلماء، أن لا يقارّوا على كظة ظالم و لا سغب مظلوم»(3).

و في النقاش الذي جرى بين الإمام علي عليه السّلام و بين كل من طلحة و الزبير قال الإمام لهما في جواب قولهما: «كرهناك..

نحن ثلاثة. أنت واحد و نحن اثنان».

فقال عليّ: «أ لم تعلم أني ما أكرهت أحدا على البيعة؟ الآن ليس لكما غير ما رضيتما به! كان لكما أن تكرهاني، و ألا ترضيا بي قبل الرضى، و قبل البيعة، إلاّ أن تخرجاني


1) الوسائل: ج 11، ص 405.

2) كنز العمال: ج 6، الحديث: 14876.

3) نهج البلاغة: الخطب، ص 3.

مما بويعت عليه بحدث، فإن كنت أحدثت حدثا فسمّوه لي!»(1).

و هكذا فإن الحاكم إذا خالف القانون، و لم تنفع معه النصيحة «وجب إسقاطه»(2)و إعلان العصيان ضدّه إذ «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»(3)و قد ورد في كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أهل البحرين عند ما ولّي عليهم «العلاء بن الحضرمي»، قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «و أنا أشهد اللّه تعالى على من وليته شيئا - قليلا أو كثيرا - من أمور المسلمين فلم يعدل فيهم، أنه لا طاعة له، و هو خليع مما ولّيته، و قد برئت ذمم المسلمين معه»(4).

و فيما يرتبط بقضية احترام الأقلية لرأي الأكثرية و ضرورة خضوعهم في الأمور العامة لهم.. فإنه لأمر يحكم به العقل.. حيث إن البديل عن ذلك سيكون العكس، أي خضوع الأكثرية للأقلية، أو الفوضى و لا شك «أن سيرة العقلاء في جميع الأعصار و الأصقاع جرت على تغليب الأكثرية على الأقلّية»(5).


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 2.

2) المعتبر: للمحقق الحلي.

3) الصياغة الجديدة: ص 326.

4) المصدر السابق.

5) دراسات في ولاية الفقيه: ص 553.

و قد روي عن أمير المؤمنين قوله: «الزموا السواد الأعظم، فإن يد اللّه مع الجماعة، و إيّاكم و الفرقة.. فإن الشاذّ من الناس للشيطان! كما أن الشاذّ من الغنم للذئب»(1).

و روي عنه أيضا قوله: «و لعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامّة الناس فما إلى ذلك سبيل. و لكن أهلها يحكمون على من غاب عنها. ثم ليس للشاهد أن يرجع، و لا للغائب أن يختار»(2).

و روي عنه أيضا قوله: «إنه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر، و عمر، و عثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، و لا للغائب أن يردّ، و إنما الشورى للمهاجرين و الأنصار (و كانوا يشكّلون الأكثرية حينذاك) فإن اجتمعوا على رجل و سمّوه إماما كان ذلك للّه رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه. فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، و ولاّه اللّه ما تولّى»(3).


1) معدن الجواهر: ص 226.

2) تحف العقول: ص 130.

3) الإمامة و السياسة: ج 1، ص 93.

الثالث - قداسة القانون:

الشريعة قانون المجتمع الإسلامي، و قداستها تعني تساوي الأفراد أمامها، و تعني تطبيقها على كل أفراد المجتمع، مع قطع النظر عن مواقعهم، و مسؤولياتهم و المساواة أمام القانون، هي أجلى مظاهر حاكميته و قدسيته..

و الرجوع إليه في المشتبهات هو نتيجة تلك الحاكمية.

و إجراء أحكامه على الجميع، و أن يكون الحق لمن يتقيّد به، و على من يخالفه كل ذلك من مظاهر حاكمية القانون و قدسيته..

و في الحقيقة فلا يمكن تصوّر ديمقراطية حقيقية من دون وجود ثوابت قانونية، تكون مرجعا للناس، بحيث يكون الضعيف و القوي متساويين أمامه..

فكيف كان الإمام علي عليه السّلام؟

لقد أوضح الإمام مرّات عديدة أنّه لا يفرّق بين الناس في الحق، بل إن ذلك هو من أظهر مواقفه على الإطلاق إبّان خلافته فلقد صرّح بذلك قولا و كتابة فقال:

«ألا و إنّ لكم عندي أن لا أؤخر لكم حقا عن محلّه، و لا

أقف به دون مقطعه، و أن تكونوا عندي في الحقّ سواء، فإذا فعلت ذلك وجبت للّه عليكم النعمة، ولي عليكم الطاعة»(1).

فجعل عليه السّلام المساواة أمام القانون شرطا عليه لهم، و ربطها بطاعتهم له، فإذا فعل هو ذلك، وجبت عليهم الطاعة و إلاّ فلا..

و قال في رسالة له إلى بعض عمّاله، و قد بلغه أنّه تصرّف في أموال العامّة، و أثرى على حسابهم، و صادر ما في بيت المال، فكتب إليه رسالة شديدة اللهجة جاء في بعض مقاطعها:

«أيّها المعدود - كان - عندنا من أولي الألباب، كيف تسيغ شرابا و طعاما، و أنت تعلم أنك تأكل حراما، و تشرب حراما، و تبتاع الإماء و تنكح النساء، من أموال اليتامى و المساكين، و المؤمنين و المجاهدين الّذين أفاء اللّه عليهم هذه الأموال، و أحرز بهم هذه البلاد، فاتّق اللّه و اردد إلى هؤلاء القوم أموالهم، فإنك إن لم تفعل ثم أمكنني اللّه منك لأعذرنّ إلى اللّه فيك، و لأضربنّك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلاّ دخل النار..

«و واللّه، لو أن الحسن و الحسين فعلا مثل الذي فعلت ما كانت لهما عندي هوادة، و لا ظفرا منّي بإرادة حتى آخذ الحق منهما، و أزيح الباطل عن مظلمتهما»(2).


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 50.

2) أنساب الأشراف: ج 2، ص 174.

و في عهده إلى مالك الأشتر يؤكد عليه حاكمية القانون، فيقول: «و الزم الحقّ من لزمه من القريب و البعيد، و كن في ذلك صابرا محتسبا، واقعا ذلك من قرابتك و خاصّتك حيث وقع، و ابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإنّ مغبّة ذلك محمودة»(1).

و يقول له أيضا في مسألة الرجوع إلى الشريعة في موارد الخلاف و الشبهة: «و اردد إلى اللّه و رسوله ما يضلعك من الخطوب، و يشتبه عليك من الأمور، فقد قال اللّه تعالى لقوم أحبّ إرشادهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَ الرَّسُولِ (2)فالردّ إلى اللّه: الأخذ بمحكم كتابه، و الردّ إلى الرسول: الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة»(3).

و لقد أدّت المساواة بين الناس أمام القانون، ببعض الملأ من أصحاب الإمام إلى الهرب إلى معاوية، حيث كان يسمح للنخبة منهم بالاستئثار بما الناس فيه أسوة، و الإثراء غير المشروع و نقض القانون..

فقد كتب الإمام عليه السّلام إلى عثمان بن حنيف عامله على


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

2) سورة النساء، الآية: 59.

3) المصدر السابق.

المدينة بعد فرار بعض الرجال إلى معاوية، هربا من مساواة الإمام للناس يقول له:

«أمّا بعد.. فقد بلغني أن رجالا ممّن قبلك يتسلّلون إلى معاوية، فلا تأسف على ما يفوتك من عددهم، و يذهب عنك من مددهم، فكفى لهم غيّا و لك منهم شافيا: فرارهم من الهدى و الحق، و إيفادهم إلى العمى و الجهل، و إنما هم أهل دنيا مقبلون عليها، و مهطعون إليها، و قد عرفوا الحق و رأوه، و سمعوه و وعوه، و علموا أن الناس عندنا في الحق أسوة، فهربوا إلى الأثرة، فبعدا لهم و سحقا»(1).

و على كل حال فإن مما يكفل الحرية في دساتير عالم اليوم هو «سيادة القانون» في علاقة السلطة بالشعب، و علاقة الشعب بالسلطة، فالقانون هو السيّد، لا القدرة، و المال و العشيرة و ما أشبه. و من الواضح أن منبع الدساتير الإسلامية القرآن الحكيم، و سنّة رسول اللّه، و الروايات الواردة عن الأئمة الطاهرين، و في كل ذلك نجد لزوم سيادة القانون يقول اللّه تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (2)، و يقول: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (3)،


1) التاريخ: لابن واضح، ج 2، ص 192.

2) سورة المائدة، الآية: 44.

3) سورة المائدة، الآية: 47.

و يقول: فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ (1). و حتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على عظمته فهو محكوم بالقانون، قال اللّه سبحانه: وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ (2)(3).

الرابع - احترام حقوق الإنسان:

إن اللّه وضع الأرض للأنام(4). و الناس فيها مسلّطون على أموالهم و أنفسهم(5)و «ما من شيء أكرم على اللّه من ابن آدم، حتى الملائكة»(6)فحقوقه الشخصية، و الاجتماعية، و الاقتصادية كحقوقه السياسية، مصانة و محترمة، و لا يجوز مصادرتها.. لأن «كل المسلم على المسلم حرام: دمه و ماله و عرضه»(7)و «لا تبطل حقوق المسلمين فيما بينهم»(8)كما «لا يبطل حق امرىء مسلم»(9).


1) سورة المائدة، الآية: 45.

2) سورة الإسراء، الآيتان: 74، 75.

3) الصياغة الجديدة: ص 333.

4) مضمون قوله تعالى وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ، سورة الرحمن، الآية: 10.

5) الصياغة الجديدة: ص 333.

6) كنز العمّال: خ 34621.

7) الصياغة الجديدة: ص 334.

8) الوسائل: ج 14، ص 210.

9) الوسائل: ج 19، ص 65.

و هكذا فإن اللّه «شدّ بالإخلاص و التوحيد حقوق المسلمين في معاقدها فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده - إلاّ بالحق - و لا يحلّ أذى المسلم - إلا بما يجب» - بل إنه (1)«جعل اللّه سبحانه حقوق عباده مقدمة على حقوقه، فمن قام بحقوق عباد اللّه كان ذلك مؤديا إلى القيام بحقوق اللّه»(2).

و من هنا فلا يجوز للحاكمين و غيرهم مصادرة أي حق من حقوق الإنسان و هي أكثر من مائة حق، بما فيها حقوقه الاقتصادية، و الشخصية و الاجتماعية»(3).

تلك هي الأصول الأربعة للشورى، التي اعتمدها الإمام علي عليه السّلام في حكمه، و هي الأصول التي حرّم اللّه المساس بها، و التي أمر باتباعها قائلا: وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ (4)على أساس أن الشورى، هو الأمر المتصوّر الوحيد للتعامل بين المسلمين، دون غيره..


1) الخصائص: ص 87.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) راجع الصياغة الجديدة: ص 316-321.

4) سورة الشورى، الآية: 38.

الاعتراف بحق المعارضة

مشروعية المعارضة، تأتي من مشروعية وجود الإنسان ذاته، فما دام أن اللّه تعالى خلق كل إنسان بذوق خاص، و عقل خاص، و شهوات و رغبات مختلفة عن غيره، و لم يفرض على الناس وحدة الفكر و الذوق، فإن من حق الناس أن يتصرفوا في شؤونهم الخاصة بالشكل الذي يعجبهم، و أن يتّخذوا المواقف التي يختارونها، و أن يعبروا عمّا يؤمنون به، إنما في حدود معقولة، و ضمن إطار لا يؤدّي إلى الفوضى، و لا إلى إلغاء حقوق الآخرين.

إن ربنا هو الذي خلقنا أَطْواراً (1)فهل يجوز لنا أن «نوحّد» الجميع و نلغي أطوارهم؟..

و إن اللّه هو الذي خلق الناس أحرارا فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ


1) سورة نوح، الآية: 14.

وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ (1)و هل تبقى لحريتهم من معنى، لو منعناهم من ممارستها عمليا؟..

و إن اللّه هو الذي ركّب فينا الرغبات و الشهوات، و العقل و الضمير و زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ (2)فهل يمكن توحيد الرغبات و الأهواء؟

و إن اللّه هو الذي فتح أمام الناس طريقين: طريق الهداية، و طريق الضلال، طريق الخير و طريق الشر. طريق الحلال و طريق الحرام إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمّا كَفُوراً (3)

فهل يجب علينا إغلاق أحدهما لكي يمشي الجميع في طريق واحد بالإكراه و الإجبار؟..

إن اللّه جعل ابتلاءه للعباد على أساس حرّيتهم، و قدرتهم على الطاعة و المعصية معا. و لم يشأ لهم أن يحملهم على الطاعة، و إلاّ لفعل.. وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ (4). وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى (5).


1) سورة الكهف، الآية: 29.

2) سورة آل عمران، الآية: 14.

3) سورة الإنسان، الآية: 3.

4) سورة المائدة، الآية: 48.

5) سورة الأنعام، الآية: 35.

و قد سمح اللّه تعالى لمن شاء أن يكفر قُلِ اللّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ (1)مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها (2)وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ (3)، لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ (4)، وَ لَوْ شاءَ اللّهُ ما أَشْرَكُوا وَ ما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (5)، فهل علينا أن نجبرهم على الهداية؟..

و إن اللّه تعالى أراد للناس أن يكونوا أمما مختلفة، و ليس أمة واحدة بالإجبار.. وَ لَوْ شاءَ اللّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً (6)

فهل يمكن توحيدهم في أمّة واحدة؟.

و هكذا فإن سنّة اللّه تعالى قائمة على التعددية، لا الأحاديّة، و أي إلغاء للمعارضة هو إلغاء للتطوّر، و تجميد للحياة.

ثمّ إن اللّه تعالى سمح لإبليس بالمعارضة، و سجّل كلامه، و حواره معه في الكتب التي أنزلها على أنبيائه قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ


1) سورة الزمر، الآيتان: 14-15.

2) سورة الإسراء، الآية: 18.

3) سورة النحل، الآية: 93.

4) سورة البقرة، الآية: 272.

5) سورة الأنعام، الآية: 107.

6) سورة الشورى، الآية: 8.

لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (17)(1).

فهل هنالك من هو أعلى و أجلّ من رب العالمين، و هل هنالك من هو أخسّ و أرذل من إبليس، و قد عارض اللّه و لا يزال، و هو من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم؟


ثم إنّ الشورى في الحكم يتطلب السماح للمعارضة، بشرط أن لا يتحوّل إلى تمرّد، و أن يخضع الأقلية للأكثرية، مع السماح للأقلية بالنشاط البنّاء غير المخرّب، و بحريّة العمل لكسب التأييد من الناس، و التحوّل من أقليّة معارضة، إلى أكثرية لها القرار، إن استطاعت..

و لقد كان الإمام علي عليه السّلام قد ابتلي بمن عارضه كأفراد، كما ابتلي بمن عارضوه كجماعات.. فكثيرون عارضوه منذ أن بويع بالخلافة فرفضوا مبايعته منهم سعد بن أبي وقاص، و عبد اللّه بن عمر، و حسان بن ثابت، و زيد بن ثابت، و محمد بن مسلمة، فلم يجبرهم على البيعة، بل تركهم و شأنهم.

.. و منهم من رفض الخروج معه في حروبه مع أعدائه،


1) سورة الأعراف، الآيات: 15-17.

و منهم من خذّل عنه الناس، و منهم من أخذ يبثّ الدعايات ضدّه، و مع ذلك فإن الإمام - و هو على حق، و هم على باطل - لم يقم بما يلي:

أولا - لم يكمّ الأفواه.

ثانيا - لم يمنع المعارضين من التجمّع، و عقد الاجتماعات.

ثالثا - لم يضيّق الخناق على المعارضة بأيّ شكل من الأشكال، فأعطاهم حقوقهم التالية:

1 - حق الكلام.

2 - حقّ الفيء.

3 - حق التردد.

لقد بنى الإمام عليه السّلام حكمه على أساس الشورى و الحوار، و لم يتراجع عن هذين الأمرين في أحلك الظروف، بالرغم من أنّ كثيرا من الّذين عارضوه كانوا ينطلقون، ليس من خلاف في الرأي، بل من طمع في الحكم، أو حقه في النفس، أو حب في الاثرة، أو فرار من عدل، أو رغبة في الدنيا..

و لكن للمعارضة حقوق، و لا بدّ من مراعاتها، مع قطع النظر عمّن يكونوا، و عمّا ذا يريدون، و ماذا تكون منطلقاتهم.

و لذا فيما يلي نماذج من مواقف الإمام مع معارضيه..

الذي ابتلي الإمام بثلاث فئات منهم:

1 - الناكثون، و هم الّذين بايعوه ثم نقضوا البيعة مثل أصحاب الجمل.

2 - المارقون، و هم الّذين تمرّدوا عليه و هم أصحاب معاوية.

3 - القاسطون، و هم الّذين ظلموه و خرجوا عليه، و هم أصحاب النهروان.

و لقد كان تعامل الإمام معهم، قبل أن يشنّوا الحرب عليه تعاملا إنسانيا رفيع المستوى. فقد سمح لهم بالعمل كأفراد، و كجماعات، و حاور معهم طويلا، و لم يبدأهم بقتال و لا مرة واحدة..

فمثلا مع طلحة و الزبير، اعتمد أسلوب السماح. فقد جاءاه و قالا له: «نريد العمرة»، فقال: «بل تريدان الغدرة» و لم يمنعهما من الخروج من المدينة، مع علمه بأنهما ينويان الغدرة و حينما جمعا الجيوش، و ألبّا عليه، و قتلا بعض أصحابه، و طردا عامله «عثمان بن حنيف» حاول معهما أسلوب الهداية، و كان يسمح لهما بالعمل كمعارضين، و لذلك حاججهم طويلا، و حاول إقناعهم بالعدول عن العدوان و الاكتفاء بالمعارضة، و قد صرّح الإمام بذلك قبل الخروج إليهم..

فقد روي أن رجلا سأل الإمام و هم في الطريق إلى البصرة فقال: «يا أمير المؤمنين أي شيء نريد»؟.

قال الإمام: «أما الذي نريد و ننوي فإصلاح إن قبلوا منّا».

قال: «فإن لم يقبلوا»؟

قال الإمام: «ندعوهم و نعطيهم من الحق ما نرجو أن يرضوا به».

قال: «فإن لم يرضوا»؟

قال أمير المؤمنين: «ندعهم ما تركونا».

قال الرجل: «فإن لم يتركونا»؟

قال: «نمتنع عنهم»(1).

و عند ما واجه أصحاب الجمل و قد بيّتوا النيّة لقتال الإمام، و باشروه في طريقهم إلى البصرة، نادى الزبير، و كان الإمام قد كتب إليه، و إلى طلحة كتابا جاء فيه:

«أما بعد، فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني، و لم أبايعهم حتى بايعوني، و إنكما لممّن أرادني و بايعني، و أن العامة لم تبايعني لسلطان غالب و لا لعرض حاضر.

فإن كنتما بايعتماني كارهين فقد جعلتما لي عليكما


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 264.

السبيل، بإظهاركما الطاعة، و إسراركما المعصية، و إن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا، و توبا إلى اللّه.

إنك يا زبير لفارس رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حواريه، و إنك يا طلحة لشيخ المهاجرين، و إن دفاعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا فيه، كان أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به، و قد زعمتما للناس هنا أني قتلت عثمان، فبيني و بينكما فيه بعض من تخلّف عنّي و عنكما من أهل المدينة. بل أنت يا طلحة من ألّب عليه، و أنت يا زبير خذلت عنه!.. و زعمتما للناس هنا أني آويت قتلة عثمان، فهؤلاء بنو عثمان معكم، فليدخلوا في طاعتي ثم يخاصموا إلى قتلة أبيهم. و ما أنتما و عثمان إن كان قتل ظالما أو مظلوما؟! و قد بايعتماني، و أنتما بين خصلتين قبيحتين: نكث بيعتكما، و إخراج أمّكما عائشة أم المؤمنين»(1)!.

ثم قال الإمام للزبير: «ما أخرجك أنت يا زبير»؟

فقال الزبير: «أنت..»!

فقال له الإمام «تذكر يا ابن العمّة يوم مررت مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فنظر إليّ، فضحك و ضحكت. فقلت أنت:


1) المقامات في مناقب أمير المؤمنين: أبو جعفر الإسكافي.

«لا يدع ابن أبي طالب زهوه». فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّه ليس بزهو، و لتقاتلنه يا زبير و أنت له ظالم»(1).

فتذكر الزبير، و هزّه ضميره فقال: «و لكن كيف أرجع الآن؟.. هذا و اللّه هو العار الذي لا يغسله الدهر»!

فقال له الإمام: «يا زبير، ارجع بالعار، خير من أن ترجع بالعار و النار»(2).

و كم من حوار جرى بينه و بين أصحاب الجمل، حتى بعد انتصاره عليهم، حيث كان في مقدوره أن يبطش بهم، حتى لا تسمع منهم نأمة، غير أنه بالعكس من ذلك حيث نراه يستقبل وجوه القوم الّذين حاربوه، و عفا عنهم و يتحاور معهم..

فقد روي أنه اجتمع نفر من أهل قريش فيهم مروان بن الحكم، و كانوا كلهم أسرى أطلقهم الإمام علي، فقال بعضهم لبعض: «و اللّه لقد ظلمنا عليّا، لقد بايعناه و نكثنا بيعته من غير حدث، و لقد أظهره اللّه علينا. فما رأينا أكرم سيرة منه، و لا أحسن عفوا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. تعالوا حتى ندخل و نعتذر إليه فيما صنعناه».

و شفّعوا عنده ابن عمّه عبد اللّه بن عباس، فلما استقبلهم


1) عبقرية الإمام علي عليه السّلام: ص 24.

2) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 271.

أمير المؤمنين، جعل متكلمهم يتكلم فيتعثّر من الحرج، فقال الإمام لهم: «أنصتوا أكفكم!.. إنما أنا بشر مثلكم، فإن قلت حقّا فصدقوني، و إن قلت باطلا فردّوا عليّ، أنشدكم اللّه أتعلمون أن رسول اللّه قبض و أنا أولى الناس به، و بالناس من بعده»؟.

قالوا: «اللّهمّ نعم».

قال: «فعدلتم عني و بايعتم أبا بكر، فأمسكت و لم أحبّ أن أشقّ عصا المسلمين، و أفرّق بين جماعاتهم، ثم إن أبا بكر جعلها لعمر من بعده فكففت، و لم أهج الناس، و قد علمت أني كنت أولى الناس باللّه و رسوله و مقامه، فصبرت، فلما قتل عمر و جعلني سادس ستة، لم أحبّ أن أفرق بين المسلمين، ثم بايعتم عثمان، فطغيتم عليه، و قتل عثمان، و أنا جالس في بيتي، فأتيتموني و بايعتموني كما بايعتم أبا بكر و عمر، و لكنكم وفيتم لهما و لم تفوا لي! فما الذي منعكم من نكث بيعتهما و دعاكم إلى نكث بيعتي»؟.

قالوا: «يا أمير المؤمنين كن كالعبد الصالح يوسف إذ قال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ (1).


1) سورة يوسف، الآية: 92.

فقال الإمام علي ضاحكا و هو يشير إلى مروان بن الحكم: «لا تثريب عليكم اليوم، و إن فيكم رجلا لو بايعني بيده مائة مرة لنكث بإسته!.. و لكن لا بأس بهؤلاء إذا تابوا إلى اللّه توبة نصوحا، و أخلصوا و استقاموا و أصلحوا»(1).

لقد اعتمد الإمام لغة الحوار، و مقارعة الحجّة بالحجّة، و المنطق بالمنطق في تعامله مع المعارضة، كما اعتمد لغة السن بالسنّ و الجروح قصاص في تعامله مع الّذين قاتلوه و حاربوه.

و لم يجرّد الإمام سيفه قط لمواجهة منطق، و لا ردّ كلاما قط بالعنف.. و كان ينصح الّذين يحاولون مواجهة المنطق بالقوة، بقوله: «إن الطيش لا يقوم به حجج اللّه..».

فقد روي أنه خطب أمير المؤمنين عليه السّلام ذات مرة، فقال:

«سلوني فإني لا أسأل عن شيء دون العرش إلاّ أجبت فيه، لا يقولها بعدي إلاّ جاهل مدّع، أو كذّاب مفتر».

فقام رجل من جانب مجلسه و في عنقه كتاب كأنه مصحف - و هو رجل آدم ضرب، أي: خفيف اللحم، طوال جعد الشعر كأنه من مهودة العرب، فقال رافعا صوته لعليّ عليه السّلام: «أيها المدّعي ما لا يعلم، و المقلّد ما لا يفهم، أنا السائل فأجب»!


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 286.

فوثب إليه أصحاب الإمام من كل ناحية فهمّوا به.

فنهرهم عليّ عليه السّلام، و قال لهم: دعوه و لا تعجلوه فالطيش لا يقوم به حجج اللّه، و لا به تظهر براهين اللّه.

ثم التفت عليه السّلام إلى الرجل و قال له:

«سل بكل لسانك و ما في جوانحك فإني أجيبك».

فسأله الرجل عن مسائل فأجابه، فأطرق برأسه هنيئة ثم قال:

• «أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، و أن محمدا رسول اللّه»(1).

و روي في ذلك أيضا: أن الحريث بن راشد السامي كان عدوا للإمام، فجاءه قائلا له:

«و اللّه لا أطعت أمرك، و لا صلّيت خلفك».

فلم يغضب لذلك، و لم يبطش به، و لم يأمر به بالسجن أو العقوبة، و إنما دعاه إلى أن يناظر، حتى يظهر أيّهما على الحق، و يبيّن له وجه الحق لعلّه يتوب، فقال له الحريث أعود إليك غدا، فقبل منه الإمام فانصرف الرجل إلى قومه، و لم يعد(2).

ثم إن الإمام تعامل مع معاوية في المرحلة الأولى،


1) سفينة البحار: ج 1، ص 586.

2) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 449.

كمعارض له، فكم من رسالة بعثها إليه، و كم مبعوث أرسله له ينصحه، نصيحة الشفيق الذي يريد مصلحته، و يدعوه إلى الحق. كما أنه عليه السّلام لم يترك رسالة من رسائل معاوية إلاّ أجاب عليها..

و يجد الباحث في «نهج البلاغة» و غيره عشرات من رسائل الإمام إلى معاوية، أو إلى بعض قادة جيشه..

أما في المرحلة الثانية، حينما بدأ معاوية يجهّز للحرب، و يشنّ الغارات فقد اختلف الوضع، فواجه الإمام سيفه بالسيف و حربه بالحرب، و رجاله بالرجال..


أما مع الّذين رفضوا الخروج معه في حروبه، و هم من أصحابه و مع جماعته فقد تساهل معهم، فمثلا رفض جماعة من أتباع عبد اللّه بن مسعود الخروج مع الإمام جاؤوه عليه السّلام فقال قائلهم: «يا أمير المؤمنين إنّا نخرج معكم و لا ننزل عسكركم، و نعسكر على حدة حتى ننظر في أمركم و أمر أهل الشام، فمن رأيناه أراد ما لا يحلّ له، أو بدا منه بغي كنّا عليه».

فتبسّم الإمام قائلا: «مرحبا و أهلا»(1).


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 23.

و لقد ظهر موقف الإمام العظيم من المعارضة ضد تشدّد مسؤوليه معهم، بعد انتصاره على أعدائه.. فبعد معركة الجمل خطب الإمام في أصحابه و قال:

«الحمد للّه الذي نصر وليّه، و خذل عدوّه، و أعزّ الصادق المحق، و أذلّ الناكث المبطل، عليكم بتقوى اللّه، و طاعة اللّه، و أطيعوا أهل بيت نبيكم الّذين هم أولى بطاعتكم فيما أطاعوا اللّه فيه، من المنتحلين المدّعين المغالين الّذين يتفضّلون بفضلنا، و يجاحدوننا أمرنا، و ينازعوننا حقّنا، و يدافعوننا عنه، فقد ذاقوا و بال ما اجترحوا، فسوف يلقون غيا، ألا إنه قد قعد عن نصرتي رجال منكم أنا عليهم عاتب، فاهجروهم و أسمعوهم ما يكرهون حتى يعتبوا أو نرى منهم ما نرضى».

فقام إليه صاحب الشرطة فقال: «يا أمير المؤمنين، إني و اللّه لأرى الهجر و إسماع المكروه لهم قليلا، و اللّه لئن أمرتنا لنقتلنّهم».

فعجب الإمام و قال لصاحب شرطته: «سبحان اللّه! جزت المدى، و عدوت الحدّ، و أغرقت في النزع!!» فقال صاحب الشرطة: «يا أمير المؤمنين بعض الغشم (الظلم) أبلغ في أمور تصيبك من مهادنة الأعادي». فقال: «ليس هكذا

قضى اللّه. قال تعالى: اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ. فما بال الغشم؟! و قال تعالى: وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (1). و الإسراف في القتل أن تقتل غير قاتلك. و ذلك هو الغشم، و قد نهى اللّه عنه»!

فقام إليه رجل من الأزد ممّن تخلّف عنه فقال: «أمير المؤمنين، أ رأيت القتلى حول عائشة و الزبير و طلحة بم قتلوا»؟ قال: «بما قتلوا من شيعتي و عمّالي، و قتلوا أخا ربيعة رحمه اللّه في عصابة المسلمين لأنهم قالوا لهم: لا ننكث كما نكثتم و لا نغدر كما غدرتم! فوثبوا عليهم فقتلوهم. فسألتهم أن يدفعوا إليّ قتلة إخواني أقتلهم بهم، ثم كتاب اللّه حكم بيني و بينهم، فأبوا عليّ، فقاتلوني و في أعناقهم بيعتي و دماء ألف رجل من إخواني، فقاتلتهم بهم. أفي شك أنت من ذلك؟» قال: «قد كنت في شكّ فأما الآن فقد عرفت و استبان لي خطأ القوم، و إنك أنت المهديّ المصيب».

أمّا بالنسبة إلى الخوارج، و هم أبرز المعارضين لحكم الإمام فقد واجههم بالأسلوب الذي يليق بهم، حيث لم يصادر أي حق من حقوقهم، فسمح لهم بأن يقولوا ما يريدون،


1) سورة الإسراء، الآية: 33.

و يتّهموا الإمام بما يرون، و يتجمعوا كما يشاؤون. و أجرى لهم أعطياتهم من بيت المال(1).

فقد روي أن عليّا عليه السّلام، كان يخطب، فقام أحد الخوارج و قطع كلامه و قال: «الحكم للّه لا لك يا عليّ».

فسكت عليّ عليه السّلام حتى أتمّ الرجل كلامه.

ثم بدأ يتكلّم فقطع كلامه مرة أخرى و قال: «الحكم للّه لا لك يا علي» فسكت علي عليه السّلام حتى أتمّ كلامه.

و في الثالثة، قال الإمام عليه السّلام: «كلمة حق يراد بها باطل».

فلمّا كثروا. قال لهم الإمام عليه السّلام:

«إن لكم علينا أن لا نبدأكم بقتال، و أن لا نقطع عنكم الفيء، و أن لا نمنعكم مساجد اللّه»(2).

و بذلك بيّن لهم حقوق المعارضة و هي ثلاث:

الأول - حق إبداء الرأي، من غير الصدّ بالقوّة.

الثاني - حقّ الفيء، و ما لهم على الدولة من رواتب و نصيبهم من الغنائم و الصدقات.

الثالث - حقّ التردّد إلى مساجد اللّه، و التي كانت حينئذ


1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 452.

2) دراسات في ولاية الفقيه: ج 2، ص 806.

مراكز الحكم. فمنها كانت تصدر القرارات صلحا أو حربا، و فيها كان القضاة يحكمون في المرافعات..

و مع أن من المفترض أن يبيّن الإمام حقوق الطرفين:

المعارضة و الحكم معا، كما هو متّبع عادة في الدول المختلفة، إلاّ أن الإمام لم يفعل ذلك فقد اكتفى بأن بيّن لهم ما لهم عليه، أما ما له عليهم فلم يقل عنه شيئا، و كأنّه ليس للحكم شيء على المعارضة، إلاّ اللّهمّ المحافظة على أمن الناس، فإذا بدأت المعارضة بإيذائهم، أو بقتالهم كان للحكم أن يردّ السيف بالسيف. و هذا كل ما في الأمر..

أمّا «كمّ الأفواه» فهو أمر لم يكن واردا عند الإمام، فكم من مرّة سمع من المعارضة كلاما قاسيا، و لكنه لم يرد عليه إلاّ جميلا.

من ذلك ما روي «أن الإمام علي» عليه السّلام كان في صلاة الصبح، فقرأ ابن الكوّاء (و كان من الخوارج): وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (65) (1)(معرضا بالإمام، و كان بعض قد أشرك بقبوله التحكيم، كما كان هكذا رأي الخوارج) فأنصت عليّ عليه السّلام لقراءة القرآن اتباعا لقوله تعالى: وَ إِذا قُرِئَ


1) سورة الزمر، الآية: 65.

اَلْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا (1)حتى فرغ ابن الكوّاء من الآية، ثم عاد ابن الكوّاء في قراءتها، فأنصت الإمام أيضا، ثم قرأ الإمام فأعاد ابن الكوّاء المرة الثالثة فأنصت علي عليه السّلام.

.. ثم لم يزد على أن يتلو الآية المباركة: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (60)(2). ثم أتم السورة و ركع(3).

و لقد وضع الإمام أسس التعامل مع المعارضة، في كلام له مع أصحابه، حينما أراد أولئك قتال الخوارج، بادىء الأمر، فقد أبى الإمام عليه السّلام عليهم ذلك و أنكره، و قال: «إن سكتوا تركناهم، و إن تكلّموا حاججناهم، و إن أفسدوا قاتلناهم»(4).

فإذا عارضوا، فلا ضير و لا كلام ضدهم، و لكن إذا تكلموا فالردّ هو بالكلام وحده، أمّا إذا بدأوا الإفساد، فشأنهم شأن غيرهم من الناس لا بدّ من ردعهم.. هذا كل ما في الأمر..


1) سورة الأعراف، الآية: 204.

2) سورة الروم، الآية: 60.

3) بحار الأنوار: ج 41، ص 48.

4) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 453.

و كم من نقاش حاد جرى بين الإمام و بين الخوارج، لم يكن الإمام يتّخذ موقفا غير موقف المحاور معهم، رغم اتهاماتهم الرخيصة له..

من ذلك ما روي أنه: جاء إلى الإمام فتيان منهم فقالا:

«لا حكم إلاّ للّه يا عليّ».

فقال عليّ: «لا حكم إلاّ للّه».

قال أحدهما و اسمه حرقوص: «تب من خطيئتك، و ارجع عن قضيتك، و ارجع بنا إلى عدوّنا نقاتلهم حتى نلقى ربّنا».

قال الإمام: «قد أردتكم على ذلك فعصيتموني، و قد كتبنا بيننا و بين القوم كتابا، و شرطنا شروطا، و أعطينا عليها عهودا» و قد قال اللّه تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذا عاهَدْتُمْ» (1).

فقال الفتى الثاني و اسمه زرعة بن برج: «ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه يا عليّ».

قال الإمام: «ما هو ذنب و لكنه عجز من الرأي، و قد نهيتكم».

قال الفتى لأمير المؤمنين عليه السّلام: «يا عليّ، لئن لم تدع تحكيم الرجال لأقاتلنّك أطلب وجه اللّه».


1) سورة النحل، الآية: 91.

قال الإمام: «بؤسا لك! ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح»!.

قال الفتى: «وددت لو كان ذلك»!(1).

إنّ حديث المعارضة مهما كان قاسيا، لا يجوز ردّه إلاّ بحديث مثله فالكلمة هي الردّ على الكلمة، و المنطق هو الردّ على المنطق، و لا يمكن للسيف أن يردّ منطقا، كما لا يمكن للمنطق أن يردّ سيفا..

و لقد اعتاد الإمام على ردّ المعارضين بمحاولة الإقناع، بالرغم من تطاول هؤلاء عليه، و تعرّضهم له بالتهمة، و السبّ، و ليس مجرد النقاش الهادف، أو الإعلام المضاد..

و فيما يلي بعض كلامه مع الخوارج، و كان ذلك بعد نصف نهار من الخطاب فيهم و الذي ترك على أثره نصفهم مواقف الخلاف و انضمّوا إلى صفوف الإمام..

فقد سأل الإمام عن ابن الكوّاء - الذي سبق ذكره، و كان من أشدّ المعارضين، و من قادة الخوارج -، و كان ذلك قبيل معركة النهروان. أي إن المعارضة كانت قد تحوّلت إلى الحالة القتالية، فأصبحت في خانة «العدوّ» لا في موقع «المعارض» و مع ذلك فقد رأى الإمام أن يحاججهم أولا، فسأل عن ابن


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 154.

الكوّاء «أهو فيمن انصرف راشدا أم ما زال في الخوارج»، فلما علم أنه ما زال في الخوارج ناداه، فبرز له، و أتباعه الخوارج قد اصطفوا بقيادة عبد اللّه بن وهب، و تهيأوا للقتال، و رجل منهم يمشي بين الصفوف يحرّضهم على القتال، و صوته كالفحيح، و ريحه منتنة!!

قال الإمام: «يا ابن الكوّاء ما أخرجكم بعد رضاكم بالحكمين و مقامكم بالكوفة؟!!» فقال ابن الكوّاء «قاتلت بنا عدوا لا نشكّ في جهاده، فزعمت أن قتلانا في الجنّة و قتلاهم في النار، فبينما نحن كذلك إذ أرسلت منافقا، و حكمت كافرا»؟

فقال رجلا من الخوارج: «بل قل له يا عليّ إنك كفرت و نافقت»!

فلم يحفل به ابن الكوّاء، و استمرّ يقول للإمام: «و كان مما شكّك في أمر اللّه أن قلت للقوم حين دعوتهم: كتاب اللّه بيني و بينكم، فإن قضى عليّ بايعتكم و إن قضى عليكم بايعتموني، فلو لا شكك لم تفعل هذا و الحق في يدك».

فقال الإمام: «يا ابن الكوّاء، إنما الجواب بعد الفراغ، أفرغت فأجيبك»؟.

قال: «نعم».

و قال أمير المؤمنين: «أما قتالك معي عدوا لا نشكّ في جهاده، فصدقت، و لو شكّكت فيهم لم أقاتلهم. و أما قتلانا و قتلاهم، فقد قال اللّه في ذلك ما يستغنى به عن قولي، و أما إرسالي المنافق و تحكيمي كافرا فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا (أي في برنسه، و البرنس ثياب النسك)، و معاوية حكّم عمرو بن العاصّ، أي (ما هما بمنافق و كافر). أنت أتيت بأبي موسى مبرنسا فقلت لا نرضى إلاّ أبا موسى، فهلاّ قام إليّ رجل منكم فقال: يا علي، لا نعطي هذه الدنية فإنها ضلالة؟! و أما قولي لمعاوية إن جرني إليك كتاب اللّه تبعتك، و إن جرّك إليّ تبعتني، و زعمت أني أعطي ذلك من شكّ، فحدّثني ويحك عن اليهودي و النصراني و مشركي العرب، أهم أقرب إلى كتاب اللّه أم معاوية و أهل الشام»؟.

قال: «بل معاوية و أهل الشام أقرب».

قال الإمام: «أفرسول اللّه كان أوثق بما في يديه من كتاب اللّه أو أنا»؟.

قال: «بل رسول اللّه».

فسكت الإمام مبتسما، ثم قال: «مرحى يا ابن الكوّاء،

أفرأيت اللّه تبارك و تعالى حين يقول: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (49)(1)أما كان رسول اللّه يعلم أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى ممّا في يديه»؟.

قال: «بلى».

قال الإمام: «فلم أعطي رسول اللّه القوم ما أعطاهم»؟!.

قال: «إنصافا و حجّة».

قال: «فإني أعطيت القوم ما أعطاه رسول اللّه».

قال ابن الكوّاء و قد تفتّح عقله و قلبه: «فإني أخطأت. هذه واحدة. زدني».

قال أمير المؤمنين: «فما أعظم ما نقمتم عليّ»؟.

قال: «تحكيم الحكمين، نظرنا في أمرهما فوجدنا تحكيمهما شكّا و تبذيرا».

قال الإمام: «فمتى سمّي أبو موسى حكما: حين أرسل أو حين حكّم»؟.

قال ابن الكوّاء: «حين أرسل».

قال: «أ ليس قد سار و هو مؤمن و أنت ترجو أن يحكم بما أنزل اللّه»؟!.


1) سورة القصص، الآية: 49.

قال: «نعم».

قال الإمام: «فلا أرى الضلال في إرساله».

فقال ابن الكوّاء: «بل سمّي حكما حين حكم».

قال: «نعم، إذن فإرساله كان عدلا. أ رأيت يا ابن الكوّاء لو أن رسول اللّه بعث رجلا إلى قوم مشركين يدعوهم إلى كتاب اللّه، فارتدّ على عقبه كافرا، كان يضرّ نبيّ اللّه شيئا»؟!

قال: «لا».

قال: «فما ذنبي إن كان أبو موسى ضلّ؟ هل رضيت حكومته حين حكم أو قوله إذا قال»؟.

قال: «لا».

و أدرك ابن الكوّاء أن الإمام سيبهته و يقيم عليه الحجّة، و كان ما يزال في نفسه شيء من العناد في أمر الحكمين، فهو يرى أن أبا موسى منافق و أن ابن العاص كافر، و قد أوشك الإمام أن يقنعه بأن أبا موسى ربما ذهب إلى التحكيم و هو مؤمن، و لكنه ضلّ في عمله فلا ذنب لمن أرسله، أما عمرو فهو مخادع، و ما يحمل وزر خديعته غير الذي أرسله.

فقال له كأنه يريد أن يفلت من حجّة الإمام عليه: «و لكنك جعلت مسلما و كافرا يحكمان في كتاب اللّه»!

قال: «يا ابن الكوّاء هل بعث عمرو بن العاص غير

معاوية؟! و كيف و حكمه على ضرب عنقي؟ إنما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك، و قد يجتمع المسلم و غير المسلم يحكمان في أمر اللّه؟ أ رأيت لو أن رجلا مسلما تزوّج يهوديّة أو نصرانية فخافا شقاق بينهما، ففزع الناس إلى كتاب اللّه، و في كتاب اللّه: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها (1)فجاء رجل من اليهود أو رجل من النصارى و رجل من المسلمين الّذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب اللّه، فحكما».

و لم يجد ابن الكوّاء ردّا، فتنهّد و قال: «و هذه أيضا، أمهلنا حتى ننظر».

فجعل ابن الكوّاء يناجي أصحابه، و الإمام ينتظر نهاية نجواهم، و إذ بجماعات يقودها عبد اللّه بن وهب و حرقوص بن زهير و غيرهما تصيح: «إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ »!.

و اختفى ابن الكوّاء، و تقدّمت صفوفهم بالحراب المشرعة..

فقال لهم الإمام: «إنكم أنكرتم عليّ أمرا أنتم دعوتموني إليه، فنهيتكم عنه فلم تقبلوا، و ها أنذا و أنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه، و لا ترتكبوا محارم اللّه، فإنكم قد سوّلت لكم


1) سورة النساء، الآية: 35.

أنفسكم أمرا تقتلون عليه المسلمين، و اللّه لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند اللّه، فكيف بدماء المسلمين؟ فيا أيتها العصابة التي أخرجها المراء و اللجاجة، و صدّها عن الحق الهوى، و طمع بها النزق، و أصبحت في الخطب العظيم! إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا الوادي بغير بيّنة من ربكم و لا برهان مبين.

ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، و نبأتكم أنها مكيدة، و أن القوم ليسوا بأصحاب دين، فعصيتموني؟ فلما قبلت شرطت و استوثقت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن و يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا و خالفا حكم الكتاب و السّنّة، فنبذنا أمرهما و نحن على الأمر الأول. فمن أين أتيتم؟»!.

فقال الرجل ذو الرائحة المنتنة و الصوت الذي يشبه الفحيح: «إنّا حكمنا فلما حكمنا أثمنا، و كنا بذلك كافرين، و قد تبنا، فإن تبت فنحن معك و منك، و إن أبيت فإنا منابذوك على سواء (منذروك بالحرب)».

فقال الإمام: «أبعد إيماني برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و هجرتي معه و جهادي في سبيل اللّه أشهد على نفسي بالكفر؟! لقد ضللت و ما أنا من المهتدين! لقد أنبأتكم أن القوم إنما طلبوا الحكومة (التحكيم) مكيدة و وهنا، فأبيتم عليّ إباء المخالفين، و عندتم

عناد النكداء العاصين، حتى صرفت رأيي إلى رأيكم، رأي معاشر و اللّه أخفّاء الهام (الرؤوس) سفهاء الأحلام، فلم آت لا أبالكم هجرا! و اللّه ما ختلتهم عن أموركم، و لا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم.. فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا و الخروج عن جماعتنا و تضعون أسيافكم على عواتقكم ثم تستعرضون الناس تضربون أعناقهم؟! إن هذا لهو الخسران المبين»!.

فأوبوا شرّ مآب و ارجعوا على أثر الأعقاب، أمّا إنكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا، و سيفا قاطعا، و أثرة يتّخذها الظالمون فيكم سنّة(1). فقال رجل من الخوارج: «لا تكلموه و اندفع بهم إلى جسر النهر».

كل هذا الكلام الطويل، و النقاش الموضوعي مع جماعة ترى أنه عليه السّلام على باطل، و تنوي القتال معه.. و فعلا فقد وقعت المعركة بعد ذلك مباشرة و كانت فيها هزيمة الخوارج..


هذا.. و لم يكتف الإمام عليه السّلام بالعدل مع الخوارج، و منحهم حقوقهم كاملة إبان الشورى، بل أوصى بهم خيرا بعد وفاته.. فقال قولته الشهيرة: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي،


1) المسترشد: للطبري، ص 162.

فإنه ليس من طلب الحق، فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه»(1).

كما أنّ قضاته عليه السّلام استشاروه و هم من البصرة، في القضاء بشهادة الخوارج أي من أهل البصرة أو عدم قبول شهادتهم، فأمرهم عليه السّلام بقبولها(2).

و لقد أدّى التعامل الأخلاقي الرصين هذا مع المعارضة إلى أن يأبى المعارضون لأخذ حقوقهم، و أعطياتهم من الإمام مباشرة.. و لا يرون في معارضتهم ما يتناقض مع ذلك.. فقد روي «أن عبد اللّه بن عمر و سعد بن أبي وقاص و المغيرة بن شعبة، جاؤوا إلى الإمام عليه السّلام يطلبون عطاءهم، و كانوا جميعا قد اعتزلوا، فلم يشهدوا الجمل و لا صفّين».

و كان الإمام قد تركهم و شأنهم منذ اعتزلوا و لم يبايعوه، و لكن عطاءهم كان يصلهم في منازلهم.

سألهم معاتبا: «ما أخّركم عنّي؟ ألستم تعلمون أن اللّه عزّ و جلّ قد أمركم أن تأمروا بالمعروف و تنهوا عن المنكر.

فقال وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ (3)؟


1) علل الشرائع: للصدوق، ص 201.

2) ما لا يجوز فيه الخلاف بين المسلمين: ص 121.

3) سورة الحجرات، الآية: 9.

فقال سعد بن أبي وقاص: «إنّا عارفون بفضلك يا أمير المؤمنين و لكن أعطني سيفا يعرف الكافر من المؤمن..!..

أخاف أن أقتل مؤمنا فأدخل النار».

قال الإمام: «إن عثمان كان إماما بايعتموه على السمع و الطاعة، فعلام خذلتموه إن كان محسنا، و كيف لم تقاتلوه إن كان مسيئا؟! فإن كان عثمان أصاب بما صنع فقد ظلمتم إذ لم تعينوا من أمر بالمعروف و نهى عن المنكر، و قد ظلمتم إذ لم تقوموا بيننا و بين عدوّنا بما أمركم اللّه، فإنه قال: فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللّهِ» (1).

فلم يرد أحد منهم.. و ما زاد الإمام على ما قاله لهم(2).


1) سورة الحجرات، الآية: 9.

2) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 142-143.

الالتزام بالعدل

لو حذفنا العدالة من الحياة، لم يبق للكون وجود، لأن «العدل أساس به قوام العالم»(1)، ففي البدء كانت الكلمة و وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ (2).

فالعدالة سنّة اللّه في الحياة و أساسها «أقوى أساس»(3)، لأن «العدل ميزان اللّه الذي وضعه للخلق و نصبه لإقامة الحقّ»(4)و أي تخطّ عنه هو مخالفة لميزانه و معارضة لسلطانه.

و إذا كان العدل مطلوب في كل شيء، و من كل أحد، و في كل المواقع لأنه «فضيلة الإنسان»(5)و من دونه يفقد الإنسان إنسانيته، فإنه مطلوب من الولاة أكثر من أي شيء


1) بحار الأنوار: ج 78، ص 83.

2) سورة الأنعام، الآية: 115.

3) غرر الحكم و درر الكلم.

4) ميزان الحكمة: ج 6، ص 78.

5) غرر الحكم و درر الكلم.

آخر، لأن «العدل قوام الرعية و جمال الولاة»(1)و هو «فضيلة السلطان»(2)و «جنّة الدول»(3)و «نظام الأمر»(4).

إن الناس لا يريدون الحاكم لأمواله، و لا لأولاده، و لا لهيئته، و جمال منظره، و لا حتى لزهده و عبادته و تقواه، بل يريدونه لعدله، و مراعاة لحقوقهم، و تأمينه لحاجاتهم. «فاللّه عزّ و جلّ، جعل العدل قواما للأنام، و تنزيها من المظالم و الآثام، و تسنية للإسلام»(5).

من هنا فإن «عدل السلطان خير من خصب الزمان»(6).

و قد سئل أمير المؤمنين عليه السّلام «أيّهما أفضل: العدل أو الجود»؟

فقال: «العدل يضع الأمور مواضعها، و الجود يخرجها عن جهتها. و العدل سائس عام، و الجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما(7). و قال عليه السّلام: «حسبكم دلالة على فضيلة العدل أن الجور الذي هو ضدّه لا يقوم إلاّ به، و ذلك أن


1) المصدر السابق.

2) ميزان الحكمة: ج 6، ص 80.

3) غرر الحكم و درر الكلم.

4) المصدر السابق.

5) ميزان الحكمة: ج 6، ص 78.

6) بحار الأنوار: ج 78، ص 10.

7) نهج البلاغة: الحكم، 437.

اللّصوص إذا أخذوا الأموال و اقتسموها بينهم، احتاجوا إلى استعمال العدل في اقتسامهم، و إلاّ أضرّ ذلك بهم»(1).

و في الحقيقة فإن «الأرض لتزين في أعين الناس إذا كان عليها إمام عادل، و تقبح إذا كان عليها إمام جائر»(2).

و قديما قيل: «لا سلطان إلاّ بالرجال، و لا رجال إلاّ بالمال، و لا مال إلاّ بالعمارة، و لا عمارة إلاّ بالعدل(3)إذن «ما عمرت البلاد بمثل العدل»(4).

و هكذا فإن العدالة تشتمل على كل الفضائل، و هي الحقيقة المتحركة، التي تحرّك البشرية كلها، في كل العصور.. و لذلك فإن «عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة، قيام ليلها و صيام نهارها، و جور ساعة في حكم، أشدّ عند اللّه من معاصي ستين سنة(5).

ذلك أنّ العدل يبني، و الجور يهدم.

و العدل يصنع الحضارات، و الجور يبيدها.

و العدل يجمع، و الجور يفرّق.


1) قاموس الحكم و الأمثال: ص 433.

2) المصدر السابق: ص 433.

3) قاموس الحكم و الأمثال: ص 432.

4) مستدرك الوسائل: ج 2، ص 310.

5) بحار الأنوار: ج 75، ص 352.

و العدل يزين البلاد، و يريّح العباد، و الجور يقبّح، و يتعب، و يفسد.

و العدل امتحان اللّه للحكّام، و بلاؤهم في الحياة، و عليه الحساب يوم القيامة.. و لذلك «يجب على السلطان أن يلتزم العدل في ظاهر أفعاله لإقامة أمر سلطانه، و في باطن ضميره لإقامة أمر دينه، فإذا فسدت السياسة ذهب السلطان، و مدار السياسة كلها على العدل و الإنصاف، فلا يقوم سلطان لأهل الإيمان و الكفر إلاّ بهما، و الإمام العادل كالقلب بين الجوارح تصلح الجوارح بصلاحه، و تفسد بفساده»(1).

و لأن للعدل هذا الموقع الحسّاس في النظام الإنساني فإنّ اللّه تعالى أمر أن: وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (2). فهو تعالى يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ (3)و أي تخطّ عن العدل يوجب زوال النعم، و عقاب اللّه تعالى فإنه «من ولّى عشرة فلم يعدل فيهم جاء يوم القيامة و يداه و رجلاه و رأسه في ثقب فأس»(4).

و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أن أوّل من يدخل النار أمير


1) قاموس الحكم و الأمثال: ص 433.

2) سورة النساء، الآية: 58.

3) سورة النحل، الآية: 90.

4) بحار الأنوار: ج 75، ص 345.

متسلّط لم يعدل»(1)و «هو رابع أربعة، من أشدّ الناس عذابا يوم القيامة: إبليس، و فرعون، و قاتل النفس، و رابعهم الأمير الجائر»(2).

و أي شيء أهمّ من العدل و هو أساس النظام، و به القوام، و عليه الحساب، و له الثواب، و به يبنى، و بدونه يهدم، و عنه يصدر العباد، و به تصلح البلاد؟.

ثم إن أولياء اللّه كانوا يعملون لأجل العدل، و يعتبرونه ثمينا يستحق أن يدفعوا حياتهم لأجله، فهم يجاهدون الظالمين لإشاعة العدل، فإذا حكموا عملوا من أجله، من غير أن تأخذهم في ذلك لومة لائم..

هذا أمير المؤمنين عليه السّلام قال في أوّل خطبة ألقاها بعد مبايعة الناس له، إنه سيلتزم بالعدل، و إنه يعيد الأمور إلى نصابها، عملا بالعدل، و مقاومة للظلم الذي لحق بالناس..

يقول عليه السّلام:

«أيها الناس الدنيا دار حق و باطل، و لكلّ أهل، ألا و لئن غلب الباطل فقديما كان و فعل، و لئن قل الحق فلربما و لعل!! و لقلّما أدبر شيء و أقبل! و لئن ردّ عليكم أمركم إنكم لسعداء.


1) بحار الأنوار: ج 75، ص 340.

2) ميزان الحكمة: ج 6، ص 90.

إن اللّه عزّ و جلّ أدب هذه الأمة بالسيف و السوط فاستتروا في بيوتكم، و أصلحوا ذات بينكم، فإن التوبة من ورائكم، و ما عليّ إلاّ الجهد».

ألا و إن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها و خلعت لجمها، فتقحمت بهم إلى النار.

ألا و إن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها و أعطوا أزمّتها، فأوردتهم الجنّة، و فتحوا لهم أبوابا، و وجدوا ريحها و طيبها و قيل لهم: اُدْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (1).

اليمين و الشمال مضلّة و الطريق الوسطى هي الجادة عليها يأتي الكتاب و آثار النبوّة، إن على الإمام الاستقامة، و على الرعية التسليم. ليس أمري و أمركم واحدا، و إني أريدكم للّه و أنتم تريدونني لأنفسكم! و أيم اللّه لأنصحن للخصم، و لأنصفنّ للمظلوم.. ذمّتي بما أقول رهينة و أنا به زعيم، إن من صرّحت له العبر عمّا بين يديه من المثلاّت، حجزته التقوى عن تقحّم الشبهات»(2).

«ألا و إن كل ما أقطعه عثمان من مال اللّه مردود إلى بيت مال المسلمين، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، و و اللّه لو


1) سورة الحجر، الآية: 46.

2) البيان و التبيين: ج 2، ص 65.

وجدته تفرّق في البلدان و تزوّج به النساء و ملك به الإماء، لرددته! فإن في العدل سعة، و من ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق، أقول قولي هذا و أستغفر اللّه لي و لكم»(1). فكان «العدل» هو البيان الأول الذي أذاعه الإمام في خلافته، و كان السبب في ذلك ميلان ميزان العدل في عهد عثمان بن عفّان لمصلحة حفنة من المتزلّفين الّذين ظلموا العباد، و أشاعوا الفساد، و صادروا أموال العامّة، «فإن عثمان بن عفّان لما ولي أمر المسلمين أطلق أيدي الأقارب و الأعوان في كلّ مورد من موارد الجاه و الثروة، منقادا بذلك إلى آراء بطانة السوء»(2).

و لقد حاول الإمام مع عثمان تصحيح ميلان الميزان، و لكنه لم يفلح..

فقد روى الواقدي عن ابن عباس (رضي اللّه عنه) قال:

«شهدت عتاب عثمان لعلي عليه السّلام يوما فقال له في بعض ما قاله:

«نشدتك باللّه يا أبا الحسن، أن تفتح للفرقة بابا»!.

فقال علي عليه السّلام: «أمّا الفرقة فمعاذ اللّه أن أفتح لها بابا، و أسهّل إليه سبيلا، و لكنّي أنهاك عمّا ينهاك اللّه و رسوله عنه، ألا تنهى سفهاء بني أمية عن إعراض المسلمين و أبشارهم،


1) دعائم الإسلام: ج 1، ص 396.

2) عليّ و حقوق الإنسان: ص 89.

و أموالهم.. و اللّه لو ظلم عامل من عمّالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركا بينه و بينك».

قال ابن عباس، فقال عثمان: «لك العتبى، و افعل و اعزل من عمّالي كل من تكرهه و يكرهه المسلمون». ثم افترقا فصدّه مروان بن الحكم عن ذلك، و قال: يجترىء عليك الناس فلا تفعل و لا تعزل أحدا. ففعل عثمان ما أوصاه به مروان، لا ما أوصاه علي عليه السّلام(1).

من هنا فإن محور حياة الإمام علي عليه السّلام في أيام خلافته، كان أن يردّ الحق إلى نصابه، و يصدّ الظلم و العدوان، اللذين استشريا في حياة المسلمين، آنذاك..

و لذلك فإن وصايا الإمام و رسائله إلى الولاة تكاد تدور حول محور واحد هو: العدل.. و ما تواطأ عليه مناوئوه، من أباعد و أقارب، إلاّ لأنه عليه السّلام كان ميزان العدالة الذي لا يميل إلى قريب، و لا يساير نافذا، و لا يجوز فيه إلاّ الحق..

و لقد كان من أوائل ما ألقاه من الخطب بعد البيعة، خطبته التي يقول فيها: «إنّ اللّه عزّ و جلّ أنزل كتابا هاديا يبيّن فيه الخير و الشر، فخذوا بالخير و دعوا الشر.

الفرائض أدّوها إلى اللّه سبحانه يؤدّكم إلى الجنة.


1) شرح نهج البلاغة: ج 9، ص 15-16.

إن اللّه حرّم حرما غير مجهولة، و فضل حرمة المسلم على الحرم كلها، و شدّ بالإخلاص و التوحيد المسلمين، و المسلم من سلم الناس من لسانه و يده إلاّ بالحق، لا يحلّ أذى المسلم إلاّ بما يجب. بادروا أمر العامة..

اتّقوا اللّه عبادة في عباده و بلاده. إنكم مسؤولون حتى عن البقاع و البهائم، أطيعوا اللّه عزّ و جلّ و لا تعصوه، و إذا رأيتم الخير فخذوا به، و إذا رأيتم الشرّ فدعوه، و اذكروا إذ أنتم قليلون مستضعفون في الأرض..»(1).

يقول أحدهم: إن شعار علي عليه السّلام كان «لا ظالم، و لا مظلوم». و كانت تلك إرادة ابن أبي طالب، بالرغم من أن زمانه كان يأباه! و يتخلّف عن مسايرته في هذه الإرادة، حتى المظلومين أنفسهم لخوف قديم ألمّ بهم، فباتوا يخشون معاندة ظالميهم. أو لجهل حملوا به على قبول الرشوّة، إلاّ من خلق ربك من كبار القلوب».

«و لكن ابن أبي طالب عليه السّلام لن يتراجع عن محاربة البغي، و لن يضعف و في الأرض عزيز يضطهد ذليلا، و كبير يقهر صغيرا، لن يضعف و لن يتراجع و في قلبه من الحنان و المحبة، ما يكفل له الثبوت في الصراع بين العدل و الظلم و الحق و الباطل».


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 238.

«إن الحنان العميق الذي يكنّه علي عليه السّلام للناس كان يحمله على أن لا يهادن من أساء للناس و لو كانت حياته الثمن لذلك. و أنه ليجهل حقيقة الطبائع من يظن أن من شروط الحنان و الرّقة القعود عن الثورة على الظالمين، و أن من مظاهر العاطفة و الودّ الاستسلام دون التمرّد، و دون العنف في هذا التمرّد، فالحنان و العطف يحملانك دون تردد على أن تتمرّد و تثور على الظالم تخليصا لمن تعطف عليهم مما يرسفون به من قيود، و إن العطف و الحنان و الحب للناس هي التي قد تدفعك في بعض الحالات إلى العنف حتى أقصى حدوده ضد الظالمين»(1).

و كان الإمام يؤمن إيمانا وطيدا بأنه «لا بدّ من إمام يؤخذ به للضعيف من القوي و للمظلوم من الظالم حتى ليستريح برّ، و يستراح من فاجر» و «إن اللّه قد أعاذ الناس من أن يجور عليهم»(2)فكيف يجور عليه الجائرون و أنه تعالى «امتحن الأمراء بالجور» فإذا ظلموا انتهى أمرهم لأنّه: «لئن أمهل الظالم فلن يفوت أخذه و هو له بالمرصاد على مجاز طريقه»(3)! و عند ذاك يكون «يوم العدل على الظالم أشدّ من


1) عليّ و حقوق الإنسان: ص 232.

2) المصدر السابق: ص 233.

3) حلية الأولياء: ج 1، ص 76.

يوم الجور على المظلوم»(1). و لقد كان عليه السّلام يقول: «أمرتكم بالشدّة على الظالم»(2)، و يقول: «خذوا على يد الظالم السفيه»(3).

لقد خاض الإمام معركته الأساسية ضد الظلم، و من أجل العدل:

أولا - لأن العدل واجب، و الظلم حرام.

ثانيا - لأنه كوال على المسلمين كان عليه أن يقيم الحق، و يدحض الباطل، و الباطل هو الظلم و الحق هو العدل. و هو القائل: «و أيم اللّه لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، و لآخذنّ الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق و إن كان كارها»(4)، و القائل: «ما ضعفت و لا جبنت! فلأنقبنّ الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته»(5).

إن الذنب الذي لا يترك في نظره كان «ظلم العباد بعضهم بعضا»(6). كما أن «ظلم الضعيف أفحش الظلم»(7).


1) الغرر و الدرر: ص 40.

2) عليّ و حقوق الإنسان: ص 233.

3) المصدر السابق.

4) النهاية لابن الأثير، ج 3، ص 467.

5) تحف العقول: ص 52.

6) الكافي: ج 2، ص 331.

7) بحار الأنوار: ج 77، ص 227.

لقد حارب الإمام الظالمين، و ربما كان ذلك هدفه الأساسي من قبول الخلافة لنفسه، و «بقيت بقية من أهل البغي، و لئن أذن اللّه في الكرّة عليهم لأديلّن منهم إلاّ ما يتشذّر في أطراف البلاد تشذّرا»(1).

لقد كان تنفّر الإمام من الظلم، بمقدار حبه للعدل، و كانت حروبه مع الجائرين، بقوّة نصرته للمظلومين..

كان عليه السّلام يرى أن «الظلم أم الرذائل»(2)لأن «الظلم في الدنيا بوار، و في الآخرة دمار»(3)و هو «يزل القدم، و يسلب النعم، و يهلك الأمم» (4)وَ اللّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ (5). و يرى أن «من ظلم عباد اللّه كان اللّه خصمه دون عباده»(6).. و لذلك كان يطلب من أصحابه أن يختاروا خسارة الدنيا على خسران الآخرة و يقول: «أقدموا على اللّه مظلومين، و لا تقدموا عليه ظالمين»(7). و يعتبر «بئس الزاد إلى المعاد: العدوان على


1) الذريعة: ج 7، ص 204.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) ميزان الحكمة: ج 5، ص 595.

4) غرر الحكم و درر الكلم.

5) سورة البقرة، الآية: 258.

6) غرر الحكم و درر الكلم.

7) الطراز: ج 1، ص 334.

العباد»(1)، لأن «الظلم أكبر المعاصي»(2)و لذلك فإنه «ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة اللّه و تعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإن اللّه سميع دعوة المضطهدين، و هو للظالمين بالمرصاد»(3).

فالظلم نوع من أنواع الإلحاد وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (4)ف «كل الظلم فيه إلحاد، حتى ضرب الخادم من غير ذنب»(5).

و لقد سئل الإمام مرّة: أي ذنب أعجل عقوبة؟ فقال: «من ظلم من لا ناصر له، إلاّ اللّه، و جاور النعمة بالتقصير، و استطال بالبغي على الفقير»(6).

و روى عليه السّلام: «أن اللّه تعالى قال و عزّتي و جلالي، لا يجوزني ظلم ظالم، و لو كفّ بكف، و لو مسحة بكف، و نطحة ما بين الشاة القرناء إلى الشاة الجمّاء فيقتصّ اللّه للعباد بعضهم


1) بحار الأنوار: ج 77، ص 239.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) نهاية الأرب: ج 6، ص 19.

4) سورة الحج، الآية: 25.

5) نور الثقلين: ج 3، ص 483.

6) بحار الأنوار: ج 75، ص 320.

من بعض حتى لا يبقى لأحد عند أحد مظلمة ثم يبعثهم اللّه للحساب»(1).

فالحساب يوم القيامة، بعد التقاص عن الظلم، لأن العدالة هناك على عجلة من أمرها، لا تؤخر الظالمين من بعد النشور، إلى وقت المحاسبة!

إن أمر الظلم وخيم، إلى درجة أن الراضي به، حتى من دون المشاركة فيه، له حصة من العقاب، و كما يقول الإمام:

«العامل بالظلم، و المعين عليه، و الراضي به شركاء ثلاثة»(2).

فمن يرضى بالظلم اليوم، قد يعين عليه غدا، و ربما يشارك فيه بعد غد، فلا بدّ من أن يكون ردع الظلم عميقا، و عنيفا، و شاملا لأن الظلم يدمّر البلاد، و يفسد العباد.. ف «من أعان ظالما على ظلمه جاء يوم القيامة و على جبهته مكتوب آيس من رحمة اللّه»(3)و «من مشى مع ظالم ليعينه و هو يعلم أنه ظالم فقد خرج من الإسلام»(4).

من هنا فقد كان البند الثابت تقريبا في خطب الإمام علي عليه السّلام و رسائله إلى عمّاله، الابتعاد عن الظلم، و الالتزام


1) المصدر السابق: ص 314.

2) ميزان الحكمة: ج 5، ص 612.

3) كنز العمال: خ 14950.

4) المصدر السابق: خ 14955.

بالعدل، ليس بالنسبة إلى المسلمين فحسب، بل بالنسبة إلى الجميع.

فقد اشتكى لبعض الموالي، من غير المسلمين، إلى الإمام أحد عمّاله، و كان لا يتورّع عن إلحاق بعض الظلم بهم. فكتب الإمام إلى و اليه يقول:

«اتقّ اللّه، و لا تبغ على أهل القبلة، و لا تظلم أهل الذمة، فإن اللّه لا يحب المتكبرين، و اعلم أن من آذى إنجيليا فقد آذاني»(1).

و لقد كان التزام الإمام بالعدل، هو الذي دفع عدوّه إلى أن يطمئن إليه، فكان أعداؤه لا يخافون جوره، بينما كان أصحابه يخافون جور أعدائه.. فقد روي أنه في ليلة «الهرير» في معاركه مع معاوية بصفّين، حيث كاد أصحاب الإمام أن ينتصروا على جيش معاوية، في تلك الليلة كان معاوية يضع رجله في ركاب فرسه ليفرّ و ينجو بنفسه.. فنزل و قال: «يا عمرو، إنما هي الليلة حتى يغدو علينا بالفيصل! فما ترى»؟.

قال عمرو و قد برحت به الهزيمة: «إن رجالك لا يقومون لرجاله. و لست مثله! هو يقاتله على أمر و أنت تقاتله على


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 34.

غيره. أنت تريد البقاء و هو يريد الفناء، و أهل العراق يخافونك إن ظفرت بهم، و أهل الشام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم»(1).

فلا أحد كان يخاف الإمام إلاّ أهل الأثرة، و الظلم، و طلاّب الدنيا، و عبدة الشهوات لأن الإمام كان عادلا، لا يظلم الأعداء، و لا يتحامل على الأصدقاء..

لقد جاءه أحد أصحابه فرآه، مفترشا الأرض، في فناء حائط، في الكوفة، و لا أحد يحرسه، فقال له: عدلت فاطمأننت!.

إنّ الظالم هو الذي يخاف من ظلّه، أما العادل، فلا يخاف بل هو مطمئن البال، و الناس منه في راحة..

ثم إن عدالة الإمام لم تكن لتشمل الآدميين وحدهم بل كانت لتشمل كل ما في الوجود من حيوان و إنسان و نبات و حجر و مدر.. فالعدالة لا تتجزأ.. فمن لا يظلم البشر لا يظلم الحيوان أيضا..

يقول عليه السّلام: «و اللّه.. لئن أبيت على حسّك السعدان مسهّدا، أو أجرّ في الأغلال مصفدا، أحبّ إليّ من أن ألقى اللّه و رسوله يوم القيامة، ظالما لبعض العباد، و غاصبا لشيء


1) المصدر السابق: ص 102.

من الحطام، و كيف أظلم أحدا لنفس إلى البلي قفولها، و يطول في الثرى حلولها».

«و اللّه.. لو أعطيت الأقاليم السبعة - بما تحت أفلاكها - على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته»..

«ما لعليّ و لنعيم يفنى، و لذة لا تبقى»؟.

«نعوذ باللّه من سبات العقل، و قبّح الزلل و به نستعين»(1).

و كما يقول أحدهم فإن الإمام: «ليس في هذا المجال قائلا، ثم عاملا، بل هو القول يجري من طبيعة العمل الذي يعمل، و الشعور الذي يحسّ، و الحياة التي يحيا، فعلي أكرم الناس مع الناس، و أبعد الخلق عن أن ينال الخلق بأذى، و أقربهم إلى بذل نفسه في سبيلهم، أو ليست حياته كلها سلسلة معارك في سبيل المظلومين و المستضعفين»(2).


مفردات العدل

اشارة

و قد يتساءل البعض: ما هي مفردات العدل؟

و الجواب: أن العدل قبل كل شيء تجنّب البغي، و العدوان، و إعطاء كل ذي حقّ حقّه. و مفرداته هي:

• التزام العدل في تقسيم الأموال العامة.

1) ربيع الأبرار: باب الخير و الصلاح.

2) علي و حقوق الإنسان: ص 85.

•

إنصاف المظلومين.

•

الامتناع عن التعدّي و البغي.

•

الامتناع عن التكبّر.

•

التشدّد مع المسؤولين لمصلحة العامّة.

•

الاهتمام بحاجات الناس، و طلبات الولاة.

•

مساعدة الجميع، و اللطف بهم.

•

المساواة، و عدم التمييز.

•

مجازاة المسيء، و الإحسان إلى المحسنين.

•

الاهتمام بعامة الناس لا الخاصة فحسب.

•

التزام الحق في جباية الضرائب.

تلك هي بعض مفردات العدالة المطلوبة من الحاكمين، باعتبارهم أمناء على أمور الناس، و أرزاقهم، و دمائهم..

و لنستعرض فيما يلي بعض كلمات الإمام عليّ، و مواقفه، و أعماله في كل واحدة من ذلك..


أولا: التزام العدل في تقسيم أموال العامة و هو يعني أمرين:

الأول - بذل المال لمن يستحقّ.

الثاني - منعه عمّن لا يستحقّ.

فأموال الدولة ليست ملك الحاكم، بل هي للمحكومين، و ليس الحاكم إلاّ أمينا على جبايتها، و إيصالها لأهلها..

لقد كتب الإمام علي عليه السّلام لأحد ولاته يقول:

«انظر إلى ما اجتمع عندك من مال اللّه، فاصرفه إلى من قبلك (عندك) من ذوي العيال و المجاعة، مصيبا به مواضع الفاقة و الخلاّت (الحاجات) و ما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا»(1).

و روي أنه جاء عليا «فيء» كثير ملأ بيت المال مرة بعد مرة، ثم مرة ثالثة، فقام فوزّعه بالسوية بين المسلمين كما تعوّد، و أخذ هو نصيبه كواحد منهم.. ثم جاءه مال آخر كثير من أصبهان فخطب الناس فقال: «اغدوا إلى عطاء رابع، فو اللّه ما أنا لكم بخازن» و بعد أن وزّع الأموال كنس بيت المال و صلّى فيه.. كما تعوّد.. ثم تمدّد على أرضه، فأغفى..»(2)، فالمال لا قيمة له إن لم يرفع حاجة الناس، و لم يبذل لمن يستحقه.

غير أنه لا بدّ أيضا من منعه عمّن لا يستحق كَيْ لا يَكُونَ


1) فقه القرآن للقطب الراوندي.

2) عليّ إمام المتّقين: ج 2، ص 308.

دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ (1)فلا يجوز العطاء من غير استحقاق، أو لشراء الضمائر، أو للتوزيع على الأقرباء و الأنساب..

يقول الإمام علي عليه السّلام في كتاب له إلى عامله على إحدى الولايات، و اسمه مصقلة بن هبيرة الشيباني: «بلغني عنك أمر، إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك، و عصيت إمامك: إنك تقسّم فيء المسلمين الذي حازته رماحهم و خيولهم، و أريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك (اختارك) من أعراب قومك»؟!

«فو الذي فلق الحبة، و برأ النسمة، لئن كان ذلك حقّا لتجدنّ لك عليّ هوانا، و لتخفّن عندي ميزانا، فلا تستهن بحق ربّك، و لا تصلح دنياك بمحق دينك، فتكون من الأخسرين أعمالا»..

«ألا و إنّ حق من قبلك و قبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء يردّون عندي عليه، و يصدرون عنه»(2).

و حينما سأله عبد اللّه بن زمعة مالا قال: «إنّ هذا المال ليس لي و لا لك، و إنّما هو فيء للمسلمين و جلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظّهم، و إلاّ فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم»(3).


1) سورة الحشر، الآية: 7.

2) التاريخ لابن واضح، ج 2، ص 190.

3) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 312.

و جاء إليه عاصم بن ميثم و هو يقسّم مالا، فقال: يا أمير المؤمنين إنّي شيخ كبير مثقل.

قال: و اللّه ما هو بكدّ يدي و لا بتراثي عن والدي، و لكنّها أمانة أوعيتها.

ثمّ قال للمسلمين: «رحم اللّه من أعان شيخا كبيرا مثقلا»(1).

و كتب إلى زياد ابن أبيه، و كان عامله على البصرة و فارس:

«و إني أقسم باللّه صادقا، لئن بلغني أنك خنت من فيء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا لأشدنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر و السّلام»(2).

و كم له من مواقف رفض فيها الإمام أن يعطي أقرب الناس إليه فوق ما يستحقّ من قسمته، لأنه لا يجوز حرمان غيره من أجله؟.. هذا عقيل أخوه قدم عليه من المدينة فقال له: «ما أقدمك يا أخي»؟

قال: «تأخّر العطاء عنّا، و غلاء السعر ببلدنا، و ركبني دين عظيم، فجئت لتصلني».


1) المصدر السابق: ص 312.

2) المحاسن و المساوىء: ج 2، ص 201.

فقال عليّ: «و اللّه ما لي مما ترى شيئا إلاّ عطائي، فإذا خرج فهو لك».

قال عقيل: «أشخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك؟ و ماذا يبلغ مني عطاؤك؟! و ما يدفع من حاجتي»؟.

فقال الإمام: «هل تعلم لي مالا غيره؟ أم تريد أن يحرقني اللّه في نار جهنم في صلتك بأموال المسلمين؟ و ما بقي من نفقتنا في ينبع غير دراهم مضرورة. و اللّه يا أخي إني لأستحي من اللّه أن يكون ذنب أعظم من عفوي أو جهل أعظم من حلمي، أو عورة لا يواريها ستري، أو خلّة لا يسدّها جودي».

فلما ألحّ عقيل عليه، قال لرجل: «خذ بيد أخي عقيل و انطلق به إلى حوانيت أهل السوق، فقل له: دق هذه الأقفال. و خذ ما في هذه الحوانيت». فقال عقيل: «أتأمرني أن أكسر صناديق قوم قد توكّلوا على اللّه و جعلوا فيها أموالهم، أتريد أن تتخذني سارقا»؟!

فقال الإمام: أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأعطيك أموالهم و قد توكّلوا على اللّه و أقفلوا عليها؟ و أنت تريد أن تتّخذني سارقا؟! أن آخذ من أموال المسلمين، فأعطيكها دونهم». و أضاف الإمام: «و إن شئت أخذت سيفي و أخذت

سيفك و خرجنا جميعا إلى الحيرة فإن بها تجّارا مياسير فدخلنا على بعضهم فأخذنا ماله».

فقال عقيل: أو سارقا جئت؟.

فقال له الإمام: «تسرق من واحد خير لك من أن تسرق من المسلمين جميعا»(1).

فقال: «و اللّه لأخرجنّ إلى رجل هو أوصل لي منك.

لآتيّن معاوية».

فقال الإمام: «أنت و ذاك، راشدا مهديا»!.

فلما قدم على معاوية، رحّب به و قال: «مرحبا و أهلا بك يا عقيل بن أبي طالب، ما أقدمك عليّ»؟!.

قال: «قدمت عليك لدين عظيم ركبني، فخرجت إلى أخي ليصلني فزعم أنه ليس له مما يلي إلاّ عطاؤه، فلم يقع ذلك مني موقعا، و لم يسدّ مني مسدا، فأخبرته أني سأخرج إلى رجل هو أوصل منه لي، فجئتك».

فازداد معاوية فيه رغبة، و قال للناس: «يا أهل الشام هذا سيد قريش و ابن سيّدها، عرف الذي فيه أخوه من الغواية و الضلالة، فجاءني، و لكني أزعم أن جميع ما تحت يدي لي، فما أعطيت فقربة إلى اللّه، و ما أمسكت فلا جناح لي عليه».


1) بحار الأنوار: ج 41، ص 116.

ثم قال لعقيل: «يا عقيل بن أبي طالب: هذه مائة ألف تقضي بها ديونك، و مائة ألف تصل بها رحمك، و مائة ألف توسّع بها على نفسك».

فوقف عقيل فقال: «صدقت، لقد خرجت من عند أخي على هذا القول، و قد عرفت من في عسكره، لم أفقد و اللّه رجلا من أهل بدر و لا المهاجرين و الأنصار، و لا و اللّه ما رأيت في معسكر معاوية رجلا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم».

و أضاف: «أيها الناس، إني أردت أخي عليّا على دينه فاختار دينه، و إني أردت معاوية على دينه، فاختارني على دينه»(1)..

ثانيا - إنصاف المظلومين

من غير الممكن إزالة الظلم من على وجه الأرض تماما، فأينما تذهب سيكون هنالك، ظالم و مظلوم، و جزّار و ضحيّة، و واجب المؤمن الوقوف إلى جانب المظلوم، و مقاومة الظالم.

فإن «أحسن العدل إعانة المظلوم»(2). و لذلك «إذا رأيت مظلوما فأعنه على الظالم»(3)فإنه «ما من مؤمن يعين مؤمنا


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 39.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) ميزان الحكمة: ج 5، ص 615.

مظلوما، إلاّ كان أفضل من صيام شهر و اعتكافه في المسجد الحرام، و ما من مؤمن ينصر أخاه و هو يقدر على نصرته إلاّ نصره اللّه في الدنيا و الآخرة، و ما من مؤمن يخذل أخاه و هو يقدر على نصرته إلاّ خذله اللّه في الدنيا و الآخرة»(1).

و جاء في وصية الإمام لولديه الحسن و الحسين عليهم السّلام قوله:

«كونا للظالم خصما، و للمظلوم عونا»(2).

و لم يحدد الإمام أي ظالم، و لا أي مظلوم، و هكذا أوصاهما بأن يكونا للظالم خصما و لو كان ذا قربى، و أن يكونا للمظلوم عونا، و لو كان من أقاصي البلاد..

بل لا بدّ أن ننصف المظلومين حتى من أنفسنا و أهلينا..

يقول عليه السّلام: «أنصف الناس من نفسك و من خاصة أهلك، و من لك فيه هوى من رعيتك فإنك إن لم تفعل تظلم»(3).

و تلك مهمة الحاكم، أن يأخذ حق المظلومين، و هي فلسفة وجود «الحكومة». إذ ما قيمة نظام لا يأخذ حق المستضعفين، و لا يضرب على أيدي الظالمين؟ و ما ضرورة وجود الحكومة، إن لم يكن ذلك مهمتها الرئيسية؟


1) بحار الأنوار: ج 75، ص 20.

2) بحار الأنوار: ج 100، ص 90.

3) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لن تقدّس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القوي غير متعتع»(1).


ثالثا - الامتناع عن التعدّي و البغي:

كما أن آفة الغنى الاستعلاء، فإن آفة القوة البغي، و كما أن المال يغري بالفساد، فإن القدرة تغري بالعدوان. فما دام الحاكم قويا فإن الشيطان يزيّن له البطش، و التنكيل، و مصادرة أموال الناس، و ظلم الرعيّة، حيث لا يهاب من قانون، و لا يخشى من عقاب..

و لكن لا بدّ للحاكم أن يتذكّر قدرة اللّه، و بطشه، فإن أخذ اللّه قد يأتي بطيئا، و لكنّه حتما سيكون رهيبا.

يقول الإمام علي عليه السّلام: «إذا حدّثتك القدرة على ظلم الناس فاذكر قدرة اللّه سبحانه على عقوبتك، و ذهاب ما أتيت إليهم عنهم، و بقاءه عليك»(2).

و يقول: «اذكر عند الظلم عدل اللّه فيك، و عند القدرة، قدرة اللّه عليك»(3).


1) دعائم الإسلام: ج 1، ص 350.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) بحار الأنوار: ج 75، ص 322.

و يقول في عهده إلى مالك الأشتر: «و لا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق. يفرط منهم الزلل و تعرض لهم العلل، و يؤتي على أيديهم في العمد و الخطأ، فأعطهم من عفوك و صفحك مثل الذي تحب و ترضى أن يعطيك اللّه من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم و وليّ الأمر عليك فوقك، و اللّه فوق من ولاّك»(1).

و يقول: «إذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة، أو مخيلة (الخيلاء) فانظر إلى عظم ملك اللّه فوقك، و قدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك، و يكفّ عنك من غربك (نشوزك) و يفيء إليك بما غرب عنك من عقلك»(2).


رابعا - الامتناع عن الكبر، و التكبّر، و الترفّع عن الناس:

مهما كانت مكانة المرء فإنه يبقى إنسانا، لا يختلف عن الآخرين في حاجاته و قدراته و طاقاته. و لن يتحوّل أيّ شخص


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

2) المصدر السابق.

إلى إله بسبب منصبه أو مقامه. فاللّه واحد أحد لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ (3) وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (1).

فلا ندّ للّه و لا نظير و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ (2).

إلاّ أن الأبهة و السلطان من جهة، و مديح المتزلفين من جهة أخرى تزين للحاكمين الكبر، و قد يدفعهم ذلك إلى التصوّر بأنهم فعلا أكبر من الناس، و أن لهم قدرات إله. قال:

«رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ » قال: أَنَا أُحْيِي وَ أُمِيتُ (3)، و هذا الإحساس قد يدفعهم إلى مساماة. اللّه في عظمته، إن لم يصرّحوا بذلك كما فعل فرعون فقال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (4)، فلربما يصدّقون في قرارة أنفسهم أنهم يختلفون عن البشر فعلا.

يقول الإمام علي عليه السّلام لمالك الأشتر: «إيّاك و مساماة اللّه في عظمته، و التشبّه به في جبروته، فإن اللّه يذلّ كل جبّار، و يهين كل مختال»..

«و إيّاك و الإعجاب بنفسك، و الثقة بما يعجبك منها،


1) سورة التوحيد، الآيتان: 3، 4.

2) سورة الشورى، الآية: 11.

3) سورة البقرة، الآية: 258.

4) سورة النازعات، الآية: 24.

و حبّ الإطراء، فإنّ ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين»(1).

إن «من اختال في ولايته أبان عن حماقته»(2). و قليل من الحكّام هم الّذين لم يبتلوا بالحمق، و لم يصدّقوا مديح المداحين، و أكاذيب المتزلفين.

ثم إنّ الابتعاد عن الكبر يتطلّب الأمور التالية:

الأول - أن لا يضيّع الحاكم نفسه.

الثاني - أن يتقيّد هو بالقانون، فلا يسمح لنفسه بما يمنعه للآخرين، و أن لا يحلّل لها ما يحرّمه على غيره.

الثالث - أن لا يفترض لنفسه من القسمة بأكثر مما يفترضه للناس.

الرابع: أن يسمح للرعية، بأن يتعاملوا معه كأحدهم.

و بكلمة واحدة أن يرى امتيازه في تقواه، و ما يكسبه من الأجر عند اللّه، و ليس فيما يحصل عليه من امتيازات مادية في الحياة الدّنيا.. إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ (3)..

لهذا كله رفض الإمام علي عليه السّلام كل مظاهر الأبّهة و السلطان، و شرّد مع نفسه و مع أقاربه فلما دخل الكوفة لم


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) سورة الحجرات، الآية: 13.

يدخل قصر الإمارة، و إنما آثر أن يسكن في بيت يشبه مساكن الفقراء(1).

و لم يكن يعطي لأقاربه زيادة عمّا يحق لهم، و إذا كان أحدهم يأخذ شيئا مهما قلّ أو كثر كان يتّخذ منه موقفا حازما..

و من ذلك ما روي أنه أهدي إليه سمن و عسل، فضمّه إلى بيت المال، و خرج يتفقّد الأسواق ليقسمه عند ما يعود.

فلما عاد وجده ناقصا، و علم أن ابنته أم كلثوم التي توفي عنها عمر بن الخطاب، قد أخذت منه، فأرسل الإمام من يقوّم ثمن ما أخذته من العسل بخمس دراهم، فبعثها وباع السمن و العسل، و قسّم الثمن على الناس(2).

و كان عليه السّلام يعطي كل ما يأتيه و لربما لم يأخذ أي شيء منه، فقد روى الشعبي قال: دخلت الرّحبة بالكوفة و أنا غلام في غلمان، فإذا أنا بعليّ عليه السّلام قائما على صرّتين من ذهب و فضّة، و معه مخفقة و هو يطرد الناس بمخفقته، ثم يرجع إلى المال فيقسّمه بين النّاس، حتى لم يبق منه شيء، ثم انصرف و لم يحمل إلى بيته قليلا و لا كثيرا.


1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 433.

2) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 298.

فرجعت إلى أبي فقلت: لقد رأيت اليوم خير النّاس أو أحمق الناس.

قال: من هو يا بنيّ؟

قلت: عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين رأيته يصنع كذا فقصصت عليه، فبكى و قال: يا بنيّ بل رأيت خير الناس(1).

و كان يتعامل مع الناس كأحدهم، و هم يتعاملون معه كأحدهم أيضا..

فقد روى ابن الأثير في التاريخ (الكامل): «أنّ عليا عليه السّلام وجد درعه عند نصراني فأقبل إلى شريح قاضيه و جلس إلى جانبه يخاصم النصراني مخاصمة رجل من رعاياه، و قال: إنها درعي لم أبع و لم أهب.

قال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين عليه السّلام؟

قال النصراني: ما الدرع إلاّ درعي، و ما أمير المؤمنين بكاذب.

فالتفت شريح إلى علي عليه السّلام يسأله يا أمير المؤمنين هل من بيّنة؟

فضحك علي عليه السّلام و قال: ما لي بيّنة، فقضى شريح بالدرع


1) بحار الأنوار: ج 41، ص 135.

للنصراني، فأخذها و مشى و أمير المؤمنين عليه السّلام ينظر إليه، إلا أن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء!.. أمير المؤمنين يدنيني إلى قاضيه، و قاضيه يقضي عليه»، و أضاف: «الدرع و اللّه درعك يا أمير المؤمنين»(1).

و في عهد الخليفة الثاني، شكا أحد الناس عليّ بن أبي طالب إلى عمر بن الخطّاب في خصومة، فكان أن أحضرهما عمر، و قال لعليّ: «يا أبا الحسن.. قف إلى جانب خصمك»!.

فبدا التأثّر على وجه عليّ!

فقال له عمر: «أكرهت يا عليّ أن تقف إلى جانب خصمك»؟.

فقال علي عليه السّلام: «لا.. و لكني رأيتك لم تسوّ بيني و بينه، إذ عظّمتني بالتكنية، و لم تكنّه..»(2)!

إن القانون الذي يجب أن يمشي عليه الحاكم، هو أن يكون سيّد القوم بتواضعه لا بتكبّره، و أن يكون أميرهم بالعطاء


1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 452.

2) عليّ و حقوق الإنسان: ص 71.

لا بالأخذ، و يكون عظيمهم، بالاهتمام بهم، لا بأن يهتموا به..

و هذا أمر واجب على الحاكم، و ليس مستحبّا..

يقول الإمام علي عليه السّلام: «إن اللّه تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا ينبيّغ بالفقير فقره»(1).

خامسا - التشدّد مع المسؤولين لمصلحة العامة:

و قد أفردنا لهذا فصلا خاصا به نظرا لأهميته..

سادسا - الاهتمام بحاجات الناس، و طلبات الولاة:

إن الولاية بالنسبة إلى الوالي مسؤولية لا ترفيه فيها فلا بد أن يعطي من راحته، و وقته، و نفسه لمصلحة الناس. و هذا يتطلّب منه المزيد من العمل، و المزيد من النشاط، و المزيد من العطاء..

و أول ما يخطر في البال في ذلك أن يكون في متناول يد الجميع، فلا يحتجب عن أحد، و لا يتقمّط بحاشية من المتزلفين، و الموظفين، و لا يضع نفسه في برج من العاج، يطلّ منه على الناس، و يلتقي بهم عبر صوره، و صوته ثم لا


1) قوت القلوب: ج 1، ص 531.

يرى الناس، و لا يرونه إلاّ في تشييع جنازته، حيث لا خدم و لا حشم!

فالاحتجاب عن الناس حرام.. و «أيما مؤمن كان بينه و بين مؤمن حجاب ضرب اللّه بينه و بين الجنّة سبعين ألف سور، ما بين السور إلى السور مسيرة ألف عام»(1)، بينما «من تولّى أمرا من أمور الناس فعدل، و فتح بابه و رفع ستره، و نظر في أمور الناس، كان حقا على اللّه، أن يؤمن روعته يوم القيامة، و يدخله الجنّة»(2).

و الحق، أن بداية فساد الحاكم، هي في احتجابه عن العامة، حيث تتلقّفه أيادي بطانة السوء، و تلفه شهواتهم، و توجّهه شهواتهم فيبتعد عن الناس و يبتعدون عنه، و يكره الناس و يكرهونه، و يكون للحاكم عالمه، و للناس عالمهم، و بينهما تناقض و تناطح، و ربما صراع و حروب..

و من هنا فإن أئمة العدل في التاريخ كانوا يتميّزون بكونهم يعيشون مع الناس، و للناس، و بين الناس. و يمنعون ولاتهم من أن تضرب بينهم و بين أحد الأستار و الكلل..

يقول أمير المؤمنين، في كتابه إلى «قثم بن العباس» و هو عامله على مكّة المكرّمة:


1) تنبيه الخواطر: ص 397.

2) المصدر السابق: ص 399.

«و لا يكن لك إلى الناس سفير إلاّ لسانك، و لا حاجب إلاّ وجهك، و لا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها، فإنها (الحاجة) إن زيدت عن أبوابك في أول وردها، لم تحمد فيما بعد على قضائها»(1).

و يقول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في عهده إلى مالك الأشتر: «أما بعد.. فلا تطولن احتجابك عن رعيتك، فإنّ احتجاب الولاة عن الرّعية شعبة من الضّيق و قلّة علم بالأمور، و الاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير، و يعظم الصغير، و يقبح الحسن، و يحسن القبيح، و يشاب الحق بالباطل، و إنما الوالي بشر لا يعرف ما تواري عنه الناس به من الأمور، و ليست على الحق سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب. و إنما أنت أحد رجلين: إمّا امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحق، ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه، أو فعل كريم تسديه، أو مبتلى بالمنع، فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك! مع أن أكثر حاجات الناس إليك مما لا مؤونة فيه عليك من شكاة مظلمة، أو طلب إنصاف في معاملة»(2).

هذا عن منع الاحتجاب..


1) مستدرك الوسائل: ج 2، ص 144.

2) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

أمّا عن أمور الولاة، و الاهتمام برسائلهم، و تقاربهم، و الإجابة عليها فقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام لمالك الأشتر أيضا: «.. ثم أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها: منها إجابة عمّالك بما يعيا (يعجز) عنه كتّابك. و منها إصدار حاجات الناس يوم ورودها عليك بما تخرج به صدور أعوانك، و امض لكل يوم عمله، فإنّ لكل يوم ما فيه»(1).

سابعا - مساعدة الجميع، و اللطف بهم:

إن الحكومة، ليست مجرد ناظمة لشؤون الناس، و الحاكم ليس مجرّد قيّم على القاصرين، أو الشرطي الذي همّه ضبط الأمور، و العسكري الذي تقع عليه مسؤولية فرض القانون. بل الحكومة أيضا مؤسسة خدماتية، واجبها تطوير شؤون المجتمع، و تنمية الكفاءات، و تقديم ما يمكن تقديمه إلى ذوي الحاجة. و الحاكم بالإضافة إلى مهماته كشرطي و كعسكري، فهو «بمنزلة الوالد» حسب تعبير الإمام علي عليه السّلام و من واجباته تقديم العون، و مساعدة الجميع..

من هنا فإنّ على الحاكم أن يملك قلبا رحيما، و ضميرا عطوفا، و خلقا كريما، حتى يكون ممّن يبحث عن المحتاجين ليقدّم لهم يد العون، لا أن يهرب منهم حتى لا يشغلوه!.


1) المصدر السابق.

و ممّن يلتذّ بمساعدة ذوي الحاجة، لا أن يطردهم حتى لا يزعجوه!.

يقول الإمام علي عليه السّلام في عهده إلى مالك الأشتر:

«و أشعر قلبك الرحمة للرعية، و المحبة لهم، و اللطف بهم»(1).

و يقول عليه السّلام في وصفه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كيف كان يبحث عن ذوي الحاجات: «طبيب دوّار بطبه، قد أحكم مراهمه، و أحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه، متتبّع بدوائه مواضع الغفلة، و مواطن الحيرة»(2).

ثم إن حاجات الناس إلى الحاكم، هي نعم اللّه التي تترى عليه، فما أحسن أن يجري الخير على يد إنسان إلى الآخرين؟ فإن «من كثرت نعم اللّه عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن قام للّه فيها بما يجب عرّضها للدّوام و البقاء، و من لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال و الفناء»(3).

من هنا كان الإمام يكتب إلى ولاته أنصفوا الناس من أنفسكم و اصبروا لحوائجهم(4)و يقول: «و لا تحمشوا أحدا


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) مجمع الأمثال: ج 2، ص 454.

4) كتاب صفّين: لنصر بن مزاحم، ص 108.

عن حاجته(1)و كان عليه السّلام يطلب منهم أن يجلسوا بشكل خاص لذوي الحاجات من الناس. فيقول في عهده إلى مالك الأشتر: «و اجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه شخصك، و تجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه للّه الذي خلقك، و تقعد (تبعّد) عنهم جندك و أعوانك من حراسك و شرطك، حتى يكلّمك متكلّمهم غير متعتع.. ثم احتمل الخرق منهم و العيّ، و نحّ عنهم الضيق و الأنف، يبسط اللّه عليك بذلك أكناف رحمته، و يوجب لك ثواب طاعته، و اعط ما أعطيت هنيئا (بلا منّة) و امنع في إجمال و إعذار»(2).

و لا شك أن حاجات الناس كثيرة و متنوّعة، و من أهمها حاجاتهم الماديّة، و التي يجب على الوالي الاهتمام بها لأنّ قضية الأرزاق هي قضية الحياة بالنسبة إليهم في الحياة الدّنيا، و لا يمكن إهمالها بحجّة أن الآخرة هي المنى، و المبتغى.

و لذلك فإن على الوالي تحمّل مسؤوليته تجاه طلبات الناس بما فيها تحمّل قضاء ديونهم. فلقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:

«ما من غريم ذهب بغريمه إلى وال من ولاة المسلمين،


1) المصدر السابق.

2) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

و استبان للوالي عسرته إلاّ برىء هذا المعسر من دينه و صار دينه على والي المسلمين فيما في يديه من أموال المسلمين»(1).

ثامنا - المساواة، و عدم التمييز:

من أهم مظاهر العدالة، المساواة بين الناس، و عدم التمييز بينهم.. و لربّما يعتبر الكثيرون المساواة هي العدالة، و العدالة هي المساواة. إذ لا معنى للعدالة من دونها..

و لعلّ من أخطر ما يبتلى به الحاكمون هو تمييزهم غير المبرّر بين أبناء البشر، و ترجيح بعضهم على حساب البعض الآخر..

صحيح أنّ الحياة فيها ترجيح و تفضيل، غير أن قانون التقادم و التفاضل يجب أن يدور عنه الحاكم حول «الحاجة».

فالمحتاج إلى الرعاية له أفضليته على غيره، فالفقير له الأفضلية على الغني، و الضعيف على القوي، و من ليست له عشيرة، على صاحب العشيرة. كما قال ذلك الرجل الذي سئل عن أحبّ أولاده إليه فقال: «صغيرهم حتى يكبر، و عائلهم حتى يغنى، و مريضهم حتى يعفى، و غائبهم حتى يعود».

و إذا عرفنا أن الوالي مع الناس بمنزلة الوالد مع أولاده فلا بدّ أن يكون ذات القانون حاكما في تصرفاته معهم..


1) تفسير علي بن إبراهيم: ج 1، ص 94.

و الحق، فإن التمييز الظالم بين البشر يقتل فيهم روح المبادرة، كما يقضي على الثقة فيما بينهم، بينما المساواة يفتح باب التنافس، و ينمّي كفاءاتهم، و لهذا يجب أن يكون الجميع متساوين أمام القانون و يجب أن يكون الوالي هو الحافظ على المساواة..

و في هذا المجال روي: «أن أمير المؤمنين قال لعمر بن الخطاب: ثلاث إن حفظتهنّ، و عملت بهنّ كفتك ما سواهنّ، و إن تركتهن لم ينفعك شيء سواهنّ»..

قال عمر: «ما هنّ يا أبا الحسن»؟.

فقال عليه السّلام: «إقامة الحدود على القريب و البعيد و الحكم بكتاب اللّه في الرضى و السخط. و القسم بالعدل بين الأحمر و الأسود».

فقال عمر: «لقد أوجزت و أبلغت»(1).

من هنا وجب على ولاة العدل، أن يبالغوا في المساواة حتى تشمل النظر، و الكلام و ما شابه..

يقول الإمام علي عليه السّلام في عهده إلى محمد بن أبي بكر حين ولاّه مصر: «فاخفض لهم جناحك، و ألن لهم جانبك، و ابسط لهم وجهك، و آس بينهم في اللحظة و النظرة، حتى لا


1) بحار الأنوار: ج 75، ص 349.

يطمع العظماء في حيفك لهم، و لا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، فإنّ اللّه تعالى يسائلكم معشر عباده، عن الصغيرة من أعمالكم و الكبيرة، و الظاهرة و المستورة»(1).

و يقول عليه السّلام لأحد ولاته: «أحبّ لعامة رعيّتك ما تحبّ لنفسك، و أهل بيتك، و اكره لهم ما تكره لنفسك، و أهل بيتك، فإن ذلك أوجب للحجّة، و أصلح للرّعية»(2).

و هكذا، فإنّ على الوالي أن يلتزم بالمساواة في مجالين:

الأول - مساواة نفسه و أهل بيته مع عامة الناس.

الثاني - مساواة أفرد المجتمع فيما بينهم.. خاصة فيما يرتبط بقضايا المال و الفيء، لأن أي تمييز فيما بينهم بالعطاء يعني ميلان ميزان العدالة، و اختلال توازن المجتمع.. و من ثم تقسيم الناس إلى آكل، و مأكول، و ظالم و مظلوم، و متخم و فقير..

و هذا ما يأباه اللّه تعالى..

و فيه الدمار و الهلاك..

يقول سبحانه: وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (16)(3).


1) مجموعة الشيخ ورام: ص 12.

2) بحار الأنوار: ج 75، ص 27.

3) سورة الإسراء، الآية: 16.

من هنا كان الإمام علي عليه السّلام قد تميّز بتشدّده في المساواة، و عدم التنازل عنه، حتى و لو على حساب سلطته، و حياته..

لقد كتب إلى بعض جنوده يقول:

«من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين. أما بعد، فإن اللّه جعلكم في الحق جميعا سواء أسودكم و أحمركم (أي العرب و غير العرب) و جعلكم من الوالي بمنزلة الولد من الوالد، و جعل الوالي منكم بمنزلة الوالد من الولد. و إن حقّكم على الوالي إنصافكم و العدل بينكم، و الكفّ عن فيئكم، فإذا فعل ذلك معكم و جبت عليكم طاعته بما وافق الحق، و نصرته في سيرته، و الدفع عن سلطان اللّه، فإنّكم وزعة اللّه في الأرض (المدافعون عمّا أمر به) فكونوا له أعوانا، و لدينه أنصارا، و لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها»(1).

فالطاعة من الناس للوالي مشروطة بإنصاف الوالي و عدله، و عدم تفضيل بعضهم على بعض.. فإذا فعل ذلك وجبت طاعته و إلاّ فلا!.


و لقد التزم في نفسه و خاصة أهله، حيث لم يميّز أحدا على أحد فيما يرتبط بالفيء..


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 18.

و من ذلك ما روي من «أن عليّا عليه السّلام كسى الناس بالكوفة، و كان في الكسوة برنس خزّ، فسأله إيّاه الحسن، فأبى أن يعطيه إيّاه، و أسهم عليه بين المسلمين فصار لفتى من همدان، فأخذه الهمدانيّ، فقيل له: إن الحسن كان سأله أباه فمنعه إيّاه، فأرسل به الهمدانيّ إلى الحسن عليه السّلام فقبله»(1).

و أصبحت المساواة، سياسة الإمام في التقسيم من غير أن تأخذه في ذلك لومة لائم، و قد سبّب له ذلك الكثير من المشاكل، حتى أن عددا من المهاجرين و الأنصار عاتبه لأنه يسوّي بين الجميع، بينما كان عمر يفضّل المهاجرين و أهل بدر و أهل السابقة في الإسلام.

فقال لهم: «ألا إنه من استقبل قبلتنا و شهد أن لا إله إلاّ اللّه و أن محمدا رسول اللّه (يعني المسلمين)، و من أكل ذبيحتنا (يعني أهل الذمّة) أجرينا عليه أحكام القرآن، و أقسام الإسلام، ليس لأحد على أحد فضل إلاّ بتقوى اللّه و طاعته، جعلنا اللّه و إياكم من المتّقين، و أوليائه و أحبائه الّذين لا خوف عليهم و لا هم يحزنون..

ألا إن هذه الدنيا التي أصبحتم تتمنونها، و ترغبون فيها، و أصبحت تغضبكم و ترضيكم، ليست بداركم و لا منزلكم الذي


1) قرب الإسناد: ص 96.

خلقتم له، و لا الذي دعيتم إليه، ألا و إنها ليست بباقية لكم، و لا تبقون عليها..

فانظروا يا معشر المهاجرين و الأنصار ما وصفتم به في كتاب اللّه و نزلتم به عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جاهدتم عليه، فيم فضّلتم؟ أبا لحسب و النسب؟ أم بعمل و طاعة، فاستتموا نعمة اللّه عليكم - رحمكم اللّه - بالصبر لأنفسكم، و المحافظة على ما استحفظكم اللّه من كتابه..

ألا و إنه لا يضرّكم تواضع شيء من دنياكم بعد حفظكم وصية اللّه و التقوى، و لا ينفعكم شيء حافظتم عليه من أمر دنياكم بعد تضييع ما أمرتم به من التقوى، فعليكم عباد اللّه بالتسليم لأمره، و الرضا بقضائه، و الصبر على بلائه».

«فأما الفيء فليس لأحد فيه على أحد أثرة، قد فرغ اللّه عزّ و جلّ من قسمه، فهو مال اللّه، و أنتم عباد اللّه المسلمون، و هذا كتاب اللّه، به أقررنا و عليه شهدنا، و له أسلمنا، و عهد نبينا بين أظهرنا، فسلّموا - رحمكم اللّه - فمن لم يرض بهذا، فليتولّ كيف شاء، فإن العامل بطاعة اللّه و الحاكم بحكم اللّه لا وحشة عليه، أولئك الّذين لا خوف عليهم، و لا هم يحزنون و أولئك هم المفلحون».

فلا يقولنّ رجال قد كانت الدنيا غرّتهم، فاتّخذوا العقار

و فجروا الأنهار، و ركبوا أفره الدواب، و لبسوا ألين الثياب، فصار ذلك عليهم عارا و شنارا إن لم يغفر لهم الغفّار فلا يقولنّ إذا منعتهم ما كانوا فيه يخوضون، و صيّرتهم إلى ما يستوجبون، فينقمون ذلك و يستنكرون، و يقولون ظلمنا ابن أبي طالب، و حرمنا و منعنا حقوقنا، فاللّه عليهم المستعان!!..

ألا و إن للمتّقين عند اللّه أفضل الثواب، و أحسن الجزاء و المآب، لم يجعل اللّه تبارك و تعالى الدنيا للمتّقين ثوبا، و ما عند اللّه خير للأبرار»(1).

و عند ما عاد بعض المهاجرين و الأنصار فألحّوا عليه أن يفضلهم في العطاء لأنهم أصحاب سابقة في الإسلام - كما كان يفعل عمر - قال لهم مؤنّبا: «إني لا أرزؤكم من فيئكم شيئا! أفترونني مانعا نفسي و ولدي و معطيكم؟!

لأسويّن بين الأسود و الأحمر.. و اللّه لقد أدركت أقواما كانوا يبيتون للّه سجّدا و قياما كأن صرير النار في آذانهم، و إذا ذكروا اللّه مادوا كما تميد الشجرة في اليوم العاصف..

إن للّه حدودا فلا تتعدّوها، و لقد فرض فروضا فلا تنقصوها، و أمسك عن أشياء لم يمسك عنها نسيانا بل رحمة


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 236-237.

من اللّه لكم فاقبلوها و لا تكلفوها. الحلال بيّن و الحرام بيّن و الشهبات بين ذلك، فمن ترك ما اشتبه عليه فهو لما استبان له أترك، و المعاصي حمى اللّه، فمن رتع حولها يوشك أن يقع فيها.. و من حام حول الحمى وقع فيه»(1)!.

و تعوّد أن يوزّع كل مال يجيئه و لا يبقى منه شيئا في بيت المال.. و بعد أن يفرغ من توزيع المال يذهب إلى بيت المال فيكنسه، و يصلّي فيه..

و كان سبب ابتعاد بعض الصحابة عنه، و التمرّد عليه من قبلهم فيما بعد هو رفضه أن يفضّلهم على غيرهم من المسلمين.. فقد روي أنه جاءه مال كثير من الخراج، فقال الإمام علي عليه السّلام: «اعدلوا فيه بين المسلمين جميعا، و لا تفضّلوا أحدا على أحد لقرابة أو لسابقة». و كان قد جعل عمار بن ياسر على بيت المال.

فدفع عمار و مساعدوه إلى كل واحد ثلاثة دنانير، لم يفرّقوا بين عربي و لا أعجمي، فجاء طلحة و الزبير، فسألا عمّارا و مساعديه: «ليس هكذا كان يعطينا عمر! فهذا منكم أم أمر صاحبكم»؟.

قال عمّار: «هكذا أمرنا أمير المؤمنين».


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 238.

فمضيا إليه، فوجداه قائما في الشمس، و معه أجيره، و قد أمسك كل منهما بأدوات الزراعة، و هو يغرس نخلا. فقالا له: «يا أمير المؤمنين ألا ترى أن ترتفع بنا إلى الظلّ»؟.

فجاءهما حيث أويا إلى الظل، فقالا: «إنّا أتينا إلى عمّالك على قسمة هذا الفيء فأعطوا كلّ واحد منّا مثل ما أعطوا سائر الناس».

قال: «و ما تريدان»؟.

قالا: «ليس كذلك كان يعطينا عمر».

قال الإمام: «فما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يعطيكما»؟.

فسكتا.. فقال: «أ ليس كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقسّم بالسوية بين المسلمين من غير زيادة»؟. فسكتا. قال: «أسنّة رسول اللّه أولى بالاتّباع أم سنّة عمر»؟.

قالا: «بل سنّة رسول اللّه. و لكن يا أمير المؤمنين لنا سابقة و غناء (نفع) و قرابة فإن رأيت ألاّ تسوينا بالناس فافعل».

قال: «سابقتكما أسبق أم سابقتي؟ و قرابتكما أم قرابتي؟ و غناؤكما أعظم أم غنائي»؟.

قالا: «بل أنت يا أمير المؤمنين أعظم غناء و قرابتك أقرب و سابقتك أسبق».

قال: «فو اللّه ما أنا و أجيري هذا في هذا المال إلاّ بمنزلة واحدة».

قالا: «جئنا لهذا و لغيره فأنت تحرمنا حقوقنا»!.

فقال لهما: «ألا تخبراني أي شيء لكما فيه حق دفعتكما عنه؟ أم أي قسم استأثرت عليكما به؟ أم أي حقّ رفعه إلي أحد من المسلمين ضعفت عنه أم جهلته، أم أخطأت بابه، و اللّه ما كانت لي في الخلافة رغبة، و لا في الولاية إربة (حاجة)، و لكنكم دعوتموني إليها، و حملتوني عليها، فلما أفضت إليّ نظرت إلى كتاب اللّه و ما وضع لنا، و أمرنا بالحكم به فاتبعته، و ما استسن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاقتديته، فلم أحتج في ذلك إلى رأيكما، و لا رأي غيركما، و لا وقع حكم جهلته، فأستشير كما و إخواني المسلمين، و لو كان ذلك لم أرغب عنكما و لا عن غيركما».

و أما ما ذكرتما من أمر الأسوة (التسوية بين المسلمين في قسمة الأموال) فإن ذلك أمر لم أحكم فيه برأيي، و لا وليته هوى مني، بل وجدت أنا و أنتما ما جاء به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد فرغ منه، فلم أحتج إليكما فيما قد فرغ اللّه من قسمه، و أمضى فيه حكمه، فليس لكما و اللّه عندي و لا لغيركما في هذا عتبى، أخذ اللّه بقلوبنا و قلوبكم إلى الحق، و ألهمنا و إياكم الصبر.

رحم اللّه من رأى حقا فأعان عليه أو رأى جورا فردّه، و كان عونا بالحق على صاحبه»(1).

و انصرفا عنه مغضبين، و توجّس في نفسه خيفة منهما، و هجس في نفسه خاطرا أفزعه أيمكن أن ينقضا البيعة؟ و يلحقا بمعاوية؟!.

و أمر بأن يحتشد الناس في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثم خطب الناس فقال:

«أيها الناس إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، و إنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإن بايعوا فلا خيار لهم، و إن على الإمام الاستقامة و على الرعيّة التسليم، و هذه بيعة عامة من رغب عنها، رغب عن دين الإسلام و اتّبع غير سبيل أهل هذا الدين»(2)!!

و فرح المساكين و الفقراء و عامة الناس فرحا عظيما بالتسوية في القسمة، و بما أحياه أمير المؤمنين من سنّة الرسول في هذا الأمر.. و فرح الموالي خاصة، و لكن بعض العرب داخل نفوسهم شيء من هذا الأسلوب في توزيع المال!

و لكن الإمام لم يعبأ بذلك و بقي يساوي بين الناس حتى


1) بحار الأنوار: ج 41، ص 116.

2) المصدر السابق.

مع أقرب الصحابة إليه. فقد روي أنه لمّا قام سهل بن حنيف فأخذ بيد عبده فقال: يا أمير المؤمنين قد أعتقت هذا الغلام، فأعطاه علي عليه السّلام ثلاثة دنانير مثل ما أعطى سهل بن حنيف.

و سأله بعض مواليه مالا فقال: يخرج عطائي فأقاسمكه.

فقال: لا أكتفي بذلك..

و خرج إلى معاوية فوصله، فكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بما أصاب من المال.

فكتب إليه أمير المؤمنين عليه السّلام: أمّا بعد فإنّ ما في يدك من المال قد كان له أهل قبلك، و هو سائر إلى أهل من بعدك، فإنّما لك ما مهّدت لنفسك، فآثر نفسك على أحوج ولدك، فإنّما أنت جامع لأحد رجلين: إمّا رجل عمل فيه بطاعة اللّه فسعد بما شقيت، و إمّا رجل عمل فيه بمعصية اللّه فشقي بما جمعت له، و ليس من هذين أحد بأهل أن تؤثره على نفسك، و لا تبرد له على ظهرك، فارج لمن مضى رحمة اللّه، وثق لمن بقي برزق اللّه(1).


لقد اتخذ موقفا حازما ضد التفرقة، حتى بالنسبة إلى أولاده، فقد روي أنه دخلت عليه أخته أم هانىء بنت أبي


1) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 314.

طالب، فدفع إليها عشرين درهما، فسألت أم هانىء مولاتها الفارسية: «كم دفع إليك أمير المؤمنين»؟

فقالت: «عشرين درهما».

فطلبت من أخيها أن ينصفها فيميّزها فقال لها: «يا أختاه انصرفي رحمك اللّه. ما وجدنا في كتاب اللّه فضلا لآل إسماعيل على آل إسحاق»(1)!.

و جاءه ذات مرة، أخوه عقيل يطالبه بالمزيد، فكان موقفه أشدّ و أعنف. و ها هو أمير المؤمنين يروي الحادث..

يقول عليه السّلام:

«و اللّه لقد رأيت عقيلا، و قد أملق (افتقر) حتى استماحني (استعطاني) من برّكم (قمحكم) صاعا، و رأيت صبيانه شعّث الشعور غبّر الألوان من فقرهم، كأنّما سوّدت وجوههم بالعظلم (نبات يصبغ به) و عاودني مؤكدا، و كرّر عليّ القول مرددا، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، و اتبع قياده مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضجّ ضجيج ذي دنف (مرض) من ألمها و كاد أن يحترق من ميسمها (مكواتها)..

فقلت له: «ثكلتك الثواكل يا عقيل!. أتئنّ من حديدة


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 237.

أحماها إنسانها للعبه، و تجرّني إلى نار سجرها جبارها لغضبه؟!

أتئنّ من الأذى، و لا تئنّ من لظى»؟!(1).

و كما كان يرفض تفضيل أحد من قراباته على الآخرين، كان عليه السّلام يرفض أن يفضّله الآخرون، فيقدمون له الهدايا، و ما شابه ذلك لكسبه إلى جانبهم..

و يرى في ذلك رشوة سافلة و يرفضها بأشدّ ما يكون..

يقول عليه السّلام: «.. و أعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة (حلوى) في وعائها، و معجونة شنئتها، كأنما عجنت بريق حية، أو قيئها.. فقلت: أصلة، أم زكاة، أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت.

فقال: «لا ذا، و لا ذاك، و لكنّها هدية»!.

فقلت: «هبلتك الهبول (ثكلتك الثواكل) أعن دين اللّه أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أنت، أم ذو جنّة، أم تهجر»؟(2).

و جاءته امرأتان فقالتا: «يا أمير المؤمنين، نحن امرأتان مسكينتان». فقال لهما: «قد وجب حقكما علينا و على كل ذي سعة من المسلمين إن كنتما صادقتين». فلما تبيّن له صدقهما


1) تذكرة الخواص: ص 155.

2) الأمالي للصدوق: ص 369.

قال لأحد أصحابه: «انطلق بهما إلى السوق فاشتر لكلّ واحدة منهما طعاما و ثلاثة أثواب، و اعط كل واحدة منهما من عطائي مائة درهم».

فلما ولّتا عادت إحداهما فقالت: «يا أمير المؤمنين بما فضلّك اللّه به و شرّفك»؟.

فقاطعها و قال: «و بماذا فضّلني اللّه و شرّفني»؟. قالت:

«برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم».

قال: «صدقت، و ما أنت»؟.

قالت: «امرأة من العرب و هذه من الموالي أ فلا فضّلتني عنها»؟.

فقال: «قرأت ما بين الدّفتين فلم أجد لولد إسماعيل (العرب) على ولد إسحق فضلا و لا جناح بعوضة»(1).

و بعد أيام جاءه خراج جديد، فقال: «أيها الناس إن آدم لم يلد عبدا و لم يلد أمة، و إن الناس كلهم أحرار، فمن كان له بلاء فصبر في الخير فلا يمنّ به على اللّه عزّ و جلّ، ألا و قد حضر شيء و نحن مسوّون فيه بين الأسود و الأحمر».

و لقد استغل أعداء الإمام و مناوئوه، مساواته للجميع في إثارة من شملتهم مساواته فبدأ معاوية مثلا بتوزيع الأموال


1) بحار الأنوار: ج 41، ص 137.

لشراء الضمائر، حتى من بين قادة جيش الإمام.. و كان منهم واحد اسمه «خالد بن معمّر» و كان من قادة رهط من الفرسان و قد زحف إلى معسكر الشام حتى كاد أن يفضي إلى سرداق معاوية و يزيل قبّته العالية، فإذا بمعاوية يهرب منهزما و يختفي.. ليرسل إلى خالد يسأله ألاّ يتقدم بعد، و ألا يغامر بحياته. فما عساه يكسب من عليّ»؟!.

إن معاوية ليعده بأن يولّيه خراسان إن هو توقف عن الزحف!! و إن معاوية ليهدي خالدا من التبر ما لا يستطيع أن يحصل على ذرّة منه من أبي تراب!!

و يتوقف خالد عن الزحف!!

و هكذا كان معاوية يملك مال اللّه يوزّعه على من يبيع ضميره.

أما الإمام عليّ فما عساه يملك؟!!

إنه لا يملك غير العدل في القسمة بين الناس!!

ما يملك إلاّ التقوى، و ما عساها تجدي مع الرجال الّذين يصطنعهم معاوية، من الّذين قال عنهم هو نفسه: «إنهم لا يعرفون غير المال»(1). و لكنه لن يتراجع عن الحق، و لا يتجاوز العدل.


1) علي إمام المتّقين: ج 2.

و لقد ذكر الّذين جاؤوا من الشام أن معاوية قد اصطنع أهل الشام جميعا، و كلهم حديث عهد بالإسلام، و كلهم لا يعرف إلاّ معاوية، و ما يغدقه معاوية، ثم إنه ليصطنع رؤساء القبائل العربية، فيجزل لهم في العطاء أضعافا مضاعفة؛ من أجل ذلك نكث الولاة الّذين خافوا الإمام على ما كسبوه بغير حق و فروا إلى معاوية!

فقال أصحاب الإمام له: «يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال، و فضّل هؤلاء الأشراف من العرب و من قريش على الموالي و العجم، و استمل من تخاف خلافه من الناس».

فقال لهم متعجبا منكرا: «أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟!.. لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف و إنما المال مال اللّه؟!.. ألا و إن إعطاء المال في غير حقه تبذير و إسراف، و هو يرفع صاحبه في الدنيا، و يضعه في الآخرة، و يكرمه في الناس، و يهينه عند اللّه و لم يضع امرؤ ماله في غير حقه، و لا عند غير أهله إلاّ حرمه اللّه شكرهم و كان لغيره ودّهم، فإن زلّت به النعل يوما فاحتاج إلى خدمتهم فشر خدين و ألأم خليل!.. إنه لا يسعنا أن نعطي أحدا أكثر من حقّه.. إن هذا المال ليس لي و ليس لكم، و لكنه مال اللّه يقسم بين الناس بالسوية فلا فضل لأحد على أحد»(1).


1) المجالس: ص 95.

فقال أحدهم: «يا أمير المؤمنين أنت تنصف الوضيع من الشريف، فليس للشريف عندك فضل منزلة على الوضيع، فضجّت طائفة ممّن معك من الحق إذ عملوا به، و اغتموا من العدل إذ صاروا فيه، و رأوا صنائع معاوية من أهل الغنى فباعوا أنفسهم و أكثرهم يشتري الباطل. فإن تبذل المال يملّ إليك أعناق الرجال و يستخلص ودهم».

فردّ الإمام: «أما ما ذكرت من عملنا و مسيرتنا بالعدل فإن اللّه عزّ و جلّ يقول: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (1). و أنا من أن أكون مقصرا فيما ذكرت أخوف. و أما ما ذكرت أن الحق ثقل عليهم ففارقونا، فعلم اللّه أنهم لم يفارقونا عن جور، و لا لجأوا إذا فارقونا إلى عدل! و أما ما ذكرت من بذل الأموال و اصطناع الرجال فإنه لا يسعنا أن نؤتي أحدا من المال فوق حقّه».


يقول فضيل بن الجعد، و قد كان من المعاصرين للإمام:

آكد الأسباب كان في تقاعد العرب عن أمير المؤمنين عليه السّلام أمر المال، فإنه لم يكن يفضّل شريفا على مشروف و لا عربيّا على عجميّ، و لا يصانع الرؤساء و أمراء القبائل كما يصنع


1) سورة فصلت، الآية: 46.

الملوك، و لا يستميل أحدا إلى نفسه، و كان معاوية بخلاف ذلك، فترك النّاس عليّا و التحقوا بمعاوية، فشكا علي عليه السّلام إلى الأشتر تخاذل أصحابه و فرار بعضهم إلى معاوية.

فقال الأشتر: يا أمير المؤمنين إنّا قاتلنا أهل البصرة بأهل الكوفة و أهل الشام بأهل البصرة و أهل الكوفة و رأي الناس واحد و قد اختلفوا بعد و تعادوا، و ضعفت النيّة و قلّ العدد، و أنت تأخذهم بالعدل و تعمل فيهم بالحق، و تنصف الوضيع من الشّريف، فليس للشّريف عندك فضل منزلة، فضجّت طائفة ممّن معك من الحق إذ عموا به، و اغتمّوا من العدل إذ صاروا فيه، و رأوا صنائع معاوية عند أهل الغناء و الشّرف، فتاقت أنفس النّاس إلى الدّنيا، و قلّ من ليس للدّنيا بصاحب، و أكثرهم يحتوي الحقّ و يشتري الباطل، و يؤثر الدّنيا.

فإن تبذل المال يا أمير المؤمنين تملّ إليك أعناق الرجال، و تصفو نصيحتهم، و يستخلص ودّهم، صنع اللّه لك يا أمير المؤمنين، و كبت أعداءك و فضّ جمعهم و أوهن كيدهم، و شتّت أمورهم إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (1).

فقال علي عليه السّلام: «أمّا ما ذكرت من عملنا و سيرتنا بالعدل فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ


1) سورة هود، الآية: 111.

فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ (1)و أنا من أن أكون مقصّرا فيما ذكرت أخوف؛ و أمّا ما ذكرت من أنّ الحق ثقيل عليهم ففارقونا بذلك فقد علم اللّه أنّهم لم يفارقونا من جور، و لا لجأوا إذ فارقونا إلى عدل، و لم يلتمسوا إلاّ دنيا زائلة عنهم كانوا قد فارقوها، و ليسألنّ يوم القيامة: للدّنيا أرادوا أم للّه عملوا؛ و أمّا ما ذكرت من بذل الأموال، و اصطناع الرّجال فإنّه لا يسعنا أن نوفي أحدا من الفيء أكثر من حقّه، و قد قال اللّه سبحانه و قوله الحقّ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَ اللّهُ مَعَ الصّابِرِينَ (2).

و قد بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وحده و كثّره بعد القلّة و أعزّ فئته بعد الذلّة، و إن يردّ اللّه أن يولّينا هذا الأمر يذلّل لنا صعبه، و يسهّل لنا حزنه، و أنا قابل من رأيك ما كان للّه عزّ و جلّ رضى و أنت من آمن النّاس عندي و أنصحهم لي و أوثقهم في نفسي إن شاء اللّه»(3).

تاسعا - مجازاة المسيء، و الإحسان إلى المحسنين:

بمقدار ما يجب الإحسان إلى المحسنين، تجب معاقبة


1) سورة فصلت، الآية: 46.

2) سورة البقرة، الآية: 249.

3) بحار الأنوار: ج 41، ص 134-135.

المسيئين. و الحاكم العادل هو الذي يحب الجمال بمقدار ما يكره القبح، و يقرّب الطيبين بمقدار ما يبّعد الخبثاء، و ينفر من الجور بمقدار ما يطلب العدل.

أمّا إذا لم يجاز المحسن على إحسانه، و لم يعاقب المسيء على إساءته، فإن المحسنين يزهدون في إحسانهم، كما أن المسيئين يزيدون في إساءتهم..

يقول الإمام علي عليه السّلام: «و لا يكونن المحسن و المسيء عندك بمنزلة سواء، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان، في الإحسان، و تدريبا لأهل الإساءة على الإساءة، و الزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه(1).

و قد روي: ثلاثة تجب على السلطان للخاصة و العامّة:

• «مكافأة المحسن بالإحسان ليزدادوا رغبة فيه».

«و تغمد ذنوب المسيء ليتوب و يرجع عن غيّه».

«و تألفهم جميعا بالإحسان و الإنصاف»(2).

صحيح أن للحاكم أن يعفو عن المسيء، و لكن يجب أن يكون القانون واضحا في أن للإساءة جزاءها العادل، كما أن للإحسان جائزته العادلة..


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

2) تحف العقول: ص 235.

عاشرا - الاهتمام بعامة الناس دون الخاصة منهم:

في كل مجتمع هنالك مجموعة من أهل الخاصة، و هم الّذين يمتلكون بعض القدرات و الطاقات و المواقع الاجتماعية المرموقة.. و هم عادة قلة قليلة، بينما الأكثرية من الناس، يعيشون في مستوى أقل من الخاصة..

و مهمة الحاكم العادل أن يهتمّ بعامة الناس، لا بالخاصة.

كما أن من مهمته أن يبعد عن نفسه بطانة السوء، و التي تتكوّن هي الأخرى كطبقة خاصة حول الحاكم، فتجره إلى مستنقع شهواتها و رغباتها، و تمنعه من التوجّه نحو العامة..

يقول الإمام علي عليه السّلام لمالك الأشتر حين ولاّه مصر: «إن للوالي خاصة و بطانة، فيهم استئثار و تطاول و قلّة إنصاف في معاملة، فاحسم مادة أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، و لا تقطعنّ لأحد من حاشيتك و حامتك قطيعة، و لا يطمّعن منك في اعتقاد عقدة، تضرّ بمن يليها من الناس، في شر، أو عمل مشترك، يحملون مؤونته على غيرهم، فيكون مهنأ ذلك لهم دونك، و عيبه عليك في الدنيا و الآخرة»(1).

و الحق، فإن إبعاد بطانة السوء ضروري للتواصل مع عامة الناس، إذ من غير الممكن العمل لأجل الأكثرية، و العطاء


1) نهج البلاغة: الكتب، 53.

لهم، مع وجود مجموعة من المتزلفين و أصحاب المصالح الخاصة. و لذلك فلا بد من إبعادهم أولا، ثم التوجّه نحو الناس بالعطاء.

يقول الإمام علي عليه السّلام لمالك الأشتر أيضا: «و ليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحق، و أعمّها في العدل، و أجمعها لرضى الرعية فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، و أن سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة. و ليس أحد من الرعية أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء. و أقلّ معونة له في البلاء، و أكره للإنصاف، و أسأل بالإلحاف، و أقلّ شكرا عند الإعطاء.

و أبطأ عذرا عند المنع، و أضعف صبرا عند ملمات الدّهر، من أهل الخاصة.

و إنما عماد الدين، و جماع المسلمين، و العدّة للأعداء:

العامة من الأمّة، فليكن صغوك لهم، و ميلك معهم، و ليكن أبعد رعيتك منك، و أشنأهم عندك، أطلبهم لمعاتب الناس»(1).

الحادي عشر - التزام الحق في جباية الضرائب:

و قد أفردنا له فصلا خاصا لأهميته..


1) المصدر السابق.

التشدد مع النفس

التشدد مع النفس..

و التشدّد مع الأقرباء..

و التشدّد مع المسؤولين.. من سمات حكّام العدل، كما أن التساهل مع الأقرباء و التراخي مع المسؤولين، و إعطاء النفس هواها، من سمات حكام الجور..

ذلك أن «السلطة» عند حكّام العدل، فرصة للمزيد من الجهاد و العمل في سبيل اللّه، و كسب رضاه، بينما هي عند حكّام الجور فرصة لإشباع الرغبات و الشهوات و التمتّع بالملذات..

فهي عند حكّام العدل مسؤولية. و عند حكّام الجور ملهاة..

و إذا عرفنا أن أعدى أعداء الإنسان نفسه التي بين جنبيه، لأنها لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي (1)، فإن أصحاب


1) سورة يوسف، الآية: 53.

الإيمان ينصبون العداء لها عند الاستغناء، و يتّهمونها عند الحكومات، و يعتبرون «الولايات مضامير الرجال»(1)..

بينما حكّام الجور يرون فيها المنى، و المبتغى و تحقيق الأماني..

و في الحق.. «إن النفس لأمارة بالسوء و الفحشاء، فمن ائتمنها خانته، و من استنام إليها أهلكته، و من رضي عنها أوردته شرّ المورد»(2)و المشكلة هنا أن النفس «تتملّق تملّق المنافق، و تتصنّع بشيمة الصدّيق الموافق، حتى إذا خدعت و تمكّنت، تسلّطت تسلّط العدو، و تحكّمت تحكّم العتو فأوردت موارد السوء»(3).

و من ثمّ، فإن ذروة الغايات لا ينالها إلاّ ذوو التهذيب و المجاهدات(4)الّذين يقاومون أهواءهم كما يقاومون أعداءهم، و يعتبرون جهاد النفس هو الجهاد الأكبر، و يعتبرون «أن أنصح الناس، أنصحهم لنفسه، و أطوعهم لربّه»(5)بينما «من أهمل نفسه ضيّع أمره»(6)، و «من سامح نفسه فيما يحب


1) غرر الحكم و درر الكلم.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) ميزان الحكمة: ج 10، ص 130.

4) غرر الحكم و درر الكلم.

5) المصدر السابق.

6) ميزان الحكمة: ج 10، ص 58.

أتعبته فيما يكره»(1)، و لذلك فإن «صلاح النفس مجاهدة الهوى»(2).

ثم إنّ أولى الناس بمجاهدة النفس، و التشدّد معها هم الحكّام، حيث تجد نفوسهم المجال واسعا للفساد و الإفساد..

يقول الإمام علي عليه السّلام: «من نصّب نفسه للناس إماما فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، و ليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، و معلّم نفسه و مؤدبها أحق بالإجلال من معلم الناس و مؤدبهم»(3).

أمّا كيف يكون ذلك، فبمخالفة الهوى، ذلك أن «دواء النفس الصوم عن الهوى، و الحمية عن لذّات الدّنيا(4)فلا بدّ من اتّهام النفس، و مخالفتها، و الإدبار عنها لكي نصلحها..

يقول الإمام علي عليه السّلام: «اقبل على نفسك بالإدبار عنها»(5)أمّا «من لم يتدارك نفسه بإصلاحها أعضل داءه و أعيا شقاءه، و فقد الطبيب»(6)و حينئذ كيف يمكن لمريض أن يعالج غيره؟ و كيف


1) غرر الحكم و درر الكلم.

2) المصدر السابق.

3) المستطرف: ج 1، ص 20.

4) غرر الحكم و درر الكلم.

5) ميزان الحكمة: ج 10، ص 144.

6) المصدر السابق: ص 145.

يمكن لضال أن يهدي الناس؟ و «كيف يصلح غيره من لا يصلح نفسه و كيف ينصح غيره من يغشّ نفسه»(1)، و «كيف يعدل في غيره من يظلم نفسه»(2).

من هنا كان الإمام علي عليه السّلام يشدّد مع نفسه، خاصة فيما يرتبط بقضايا المال، و الجاه، و الطعام. فقد روي عن جعفر بن محمّد عليهما السّلام قال: ما اعتلج على علي عليه السّلام أمران في ذات اللّه تعالى إلاّ أخذ بأشدّهما، و لقد كان في الكوفة يأكل من ماله بالمدينة(3).

و جاءه غلامه قنبر ذات مرة و قال له: «قم يا أمير المؤمنين فقد خبأت لك خبيئا».

قال: و ما هو ويحك؟

قال: قم معي، فقام فانطلق به إلى بيته فإذا بغرارة مملوءة من جامات ذهبا و فضّة، فقال: يا أمير المؤمنين رأيتك لا تترك شيئا إلاّ قسمته فادّخرت لك هذا من بيت المال!

فقال علي عليه السّلام: «ويحك يا قنبر لقد أحببت أن تدخل بيتي نارا عظيمة؟!».

ثمّ سلّ سيفه و ضربها ضربات كثيرة، فانتثرت من بين إناء


1) غرر الحكم و درر الكلم.

2) المصدر السابق.

3) بحار الأنوار: ج 41، ص 137.

مقطوع نصفه و آخر ثلثه و نحو ذلك، ثم دعا بالنّاس فقال:

اقسموه بالحصص.

ثمّ قام إلى بيت المال فقسّم ما وجد فيه، ثمّ رأى في البيت أبزار سمل (الإبرة و الخيط) فقال: و ليقسّموا هذا، فقالوا: لا حاجة لنا فيه. فضحك و قال: لتأخذن شرّه مع خيره(1).

و لقد كانت نفسه عليه السّلام، شأنه في ذلك شأن غيره من الناس تتوق إلى الملذّات، و لكنه كان يجاهدها.. و هو القائل: «و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل و لباب هذا القمح، و نساج هذا القزّ و لكن هيهات أن يغلبني هواي، و يقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص، أو لا عهد له في الشبع»(2).

فكان يواسي شعبه، فيجوع نفسه، لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في قرص، أو لا عهد له في شبع: و كان يأكل اللحم كل سنة مرة في عيد الأضحى، و يقول: إني أعلم أن الكل يأكلون اللحم في هذا اليوم، فكان تركه للّحم لمواساة المسلمين و سائر من في بلاده(3).


1) المصدر السابق: ص 135.

2) روضة الواعظين: ص 127.

3) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 438.

و كان عليه السّلام إذا أعجبه شيء تركه، فقد اشترى ثوبا، فأعجبه فتصدّق به(1).

و كان عليه السّلام يمتنع من أخذ شيء من بيت المال حتى يبيع سيفه، و لا يكون له إلاّ قميص واحد في وقت الغسل لا يجد غيره، و رأى عقيل بن عبد الرحمن الخولانيّ عليا عليه السّلام جالسا على برذعة [ما يوضع على الحمار لركوبه] حمار مبتلّة، فقال لأهله في ذلك، فقالت: لا تلومنّي فو اللّه ما يرى شيئا ينكره إلاّ أخذه فطرحه في بيت المال(2).

و كان يصبر على الجوع، و لا يقبل أن ترتهن نفسه عند أحد.

و من ذلك ما روي: أن أمير المؤمنين مرّ بقصّاب فقال له:

يا أمير المؤمنين.. هذا اللحم سمين، اشتر منه..

فقال عليه السّلام: «ليس الثمن حاضرا».

فقال القصّاب: «أنا أصبر على الثمن، يا أمير المؤمنين».

فقال الإمام علي عليه السّلام: «و أنا أصبر على اللحم»(3).

و كان عليه السّلام يطعم الناس الخبز و اللحم، بينما كان هو يأكل الثريد بالزيت(4).


1) مسند الموصلّي.

2) إحياء العلوم: للغزالي.

3) لآلئ الأخبار: ص 127.

4) بحار الأنوار: ج 41، ص 137.

التشدد مع الأقرباء

تحت عباءة الزعيم، يحاول أقرباؤه الحصول على مآربهم بأية طريقة ممكنة، و يعتبرون حظوتهم لديه حقا من حقوقهم لا يجوز لأحد تنافسهم عليه.

و من جهته فإن الزعيم يميل بطبعه إلى قراباته، بحكم المحبة من جهة، و بحكم المعرفة و الصداقة من جهة أخرى، و لربّما يرى - بمرور الزمن - باطلهم حقا و حق غيرهم باطلا، فيمنحهم ما ليس لهم، و يعطيهم ما يمنعه عن الآخرين..

و هكذا تتحوّل عشيرة الرّجل إلى طبقة تتحكّم في مصائر البلاد، و تصبح قراباته آفة تأكل خيرات العباد، و يخسر الناس حقوقهم الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية لتحكم هؤلاء فيها، و احتكارهم لها..

فإذا لم يضع حكّام العدل، منذ البداية حدّا لتصرفات القرابات فسرعان ما يبتلي بهم، محيطين به كإحاطة السوار

بالمعصم و يجرّونه ذات اليمين و ذات الشمال، حتى يوردونه موارد الهلاك و ينتهون بأمره إلى الدمار..

من هنا فقد وجدنا الأنبياء و الصالحين، يقفون بحزم أمام الأقرباء، و لا يسمحون لهم التعدّي على القانون، و يأخذونهم بالشدّة، لربما أكثر من غيرهم..

لقد قال أحدهم لقريب له: «إن الحسن من كل أحد حسن، و منك أحسن. و إن القبيح من كل أحد قبيح، و منك أقبح لقربك منّا».

و لقد روى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الحديث القدسي فقال:

«يقول اللّه تعالى خلقت الجنّة لمن أطاعني و لو كان عبدا حبشيا و خلقت النار لمن عصاني و لو كان سيدا قرشيا».

و قال لابنته فاطمة الزهراء عليهم السّلام: «يا بنيّة.. لا يخدعنّك الناس، يقولون ابنة محمد، فإني لا أكفيك من اللّه شيئا».

و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقدّم أقرباءه في الحروب، و يتّقي بهم الموت عن صحابته..

يقول الإمام علي عليه السّلام: «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا احمرّ البأس (اشتدّ القتال)، و أحجم الناس، قدّم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه حرّ السيوف و الأسنّة، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر، و قتل حمزة يوم أحد، و قتل جعفر يوم مؤتة، و أراد من لو

شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من الشهادة، و لكن آجالهم عجّلت، و منيّته أجّلت»(1).

و لقد كان الإمام يوصي ولاته، و أصحابه ليس بعدم السماح للقرابات بتعدّي الحدود، بل بعدم الانشغال بالأهل و الأقرباء عن الواجبات و أمور العامة..

و يقول لأحدهم: «لا تجعلنّ أكثر شغلك بأهلك و ولدك، فإن يكن أهلك و ولدك من أولياء اللّه، فإن اللّه لا يضيّع أولياءه، و أن يكونوا أعداء اللّه، فما همّك و شغلك بأعداء اللّه»(2).

و كم من مرّة منع الإمام أقربائه من الحصول على شيء بسيط من المال أو أي شيء يرجع إلى عامّة المسلمين..

من ذلك ما روي أنه خرج ابن للحسن بن عليّ عليه السّلام (حفيد الإمام) - و عليّ في الرحبة، و عليه قميص خزّ و طوق من ذهب.

فقال: ابني هذا؟

قالوا: نعم، فطلبه الإمام فشقّ القميص الذي عليه، و أخذ الطوق منه فجعله قطعا قطعا(3).

و من ذلك ما روي أنه نزل بابنه الحسن ضيف، فاشترى الحسن خبزا و احتاج لإدام، فطلب من قنبر غلام أبيه أن يفتح


1) العيون و المحاسن: ج 2، ص 76.

2) ربيع الأبرار: ص 311.

3) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 304.

له زقا من زقاق عسل، جاءتهم هدية من اليمن، فأخذ منها ما أطعم به الضيف.

فلما جاء أمير المؤمنين، و طلب الزقاق ليفحصها قال:

«يا قنبر أظن أنه حدث بهذا الزق حدث»! فأخبره، فغضب و سأل الحسن: «ما حملك على أن أخذت منه قبل القسمة».

قال الحسن: «إن لنا فيه حقا فإذا أعطيناه رددناه».

قال الإمام: «و إن كان لك حق فليس لك أن تنتفع به قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم».

ثم دفع إلى قنبر درهما، و قال: «اشتر به خير عسل تقدر عليه، ليقسم مع ما في الزقاق».

قال الراوي: فكأني أنظر إلى يدي علي عليه السّلام على فم الزّق، و قنبر يقلّب العسل فيه ثم شدّه، و قال: «اللّهمّ اغفرها للحسن فإنه لا يعرف»(1).

و روي أيضا أن عبد اللّه بن جعفر الطيّار، ابن أخيه، و صهره على ابنته زينب الكبرى عليهم السّلام. و كان رجلا صالحا، مؤمنا، من سادات بني هاشم، كريما يطعم الناس و له سفرة مفتوحة صيفا و شتاء، و ليلا و نهارا.

ضاقت عليه الدنيا ذات مرة فجاء إلى عمّه أمير


1) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 312.

المؤمنين عليه السّلام و قال: يا أمير المؤمنين لو أمرت لي بمعونة أو نفقة فو اللّه ما لي نفقة إلاّ أن أبيع دابّتي.

فقال عليه السّلام له: لا و اللّه ما أجد لك شيئا، إلا أن تأمر عمّك أن يسرق فيعطيك(1)وروت إحدى زوجاته و هي أم عثمان فقالت: «جئت عليا و بين يديه قرنفل مكتوب في الرحبة، فقلت: يا أمير المؤمنين هب لابنتي من هذا القرنفل قلادة، فقال: هاك ذا و نفذ بيده إليّ درهما - فإنما هذا للمسلمين أولا، فاصبري حتى يأتنا حظّنا منه، فنهب لابنتك قلادة»(2).

و روي أيضا أنه أتي بأترجّ، فذهب الحسن أو الحسين يتناول أترجّة، فنزعها الإمام من يده، ثمّ أمر به فقسّم بين الناس(3).

و روي أنّ رجلا من خثعم رأى الحسن و الحسين عليهما السّلام يأكلان خبزا و بقلا و خلاّ فقلت لهما: أتأكلان من هذا و في الرحبة ما فيها؟

فقالا: ما أغفلك عن أمير المؤمنين عليه السّلام(4).

و كان شديدا في مراقبة أهله، حتى لا يأخذوا أكثر مما


1) شرح نهج البلاغة: ج 1، ص 215.

2) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 312.

3) بحار الأنوار: ج 41، ص 113.

4) المصدر السابق.

لهم من الحق، و قد روي في ذلك «أن أمير المؤمنين سمع صوت مقلى في بيته، فنهض و هو يقول:

«في ذمة علي بن أبي طالب مقلى الكراكر؟ (و هو صدر البعير، و قيل إحدى نفثاته).

ففزع عياله، و قالوا: يا أمير المؤمنين، إنها امرأتك فلانة، نحر جزور في حيّها، فأعطي لها نصيب منه..

فقال: «فكلوا هنيئا مريئا».

فقد خاف أن يكون ذلك من بيت المال، أو هديّة من بعض الرعيّة، يمكن أن تستخدم كرشوة مثلا(1).

و روي أيضا عن عليّ بن أبي رافع قال: كنت على بيت مال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و كاتبه، و كان في بيته عقد لؤلؤ كان قد أصابه يوم البصرة فأرسلت إليّ بنت عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقالت لي: بلغني أنّ في بيت مال أمير المؤمنين عقد لؤلؤ و هو في يدك، و أنا أحبّ أن تعيرنيه أتجمّل به في أيام عيد الأضحى.

فأرسلت إليها و قلت: عارية مضمونة يا ابنة أمير المؤمنين.


1) الاختصاص: ص 154.

فقالت: نعم عارية مضمونة مردودة بعد ثلاثة أيام، فدفعته إليها.

ثم إنّ أمير المؤمنين رآه عليها فعرفه، فقال لها: من أين صار إليك هذا العقد؟

فقالت: استعرته من ابن أبي رافع، خازن بيت مال أمير المؤمنين لأتزيّن به في العيد ثمّ أردّه.

فبعث إليّ أمير المؤمنين عليه السّلام فجئته فقال: أتخون المسلمين يا ابن أبي رافع؟

فقلت له: معاذ اللّه أن أخون المسلمين.

فقال: كيف أعرت بنت أمير المؤمنين العقد الذي في بيت مال المسلمين بغير إذني و رضاهم؟

فقلت: يا أمير المؤمنين إنّها ابنتك، و سألتني أن أعيرها إيّاه تتزيّن به، فأعرتها إياه عارية مضمونة مردودة، و ضمنته في مالي و عليّ أن أردّه مسلّما إلى موضعه.

فقال: «ردّه من يومك، و إيّاك أن تعود لمثل هذا فتنالك عقوبتي، ثم أولى لابنتي لو كانت أخذت العقد على غير عارية مضمونة مردودة لكانت إذن أوّل هاشمية قطعت يدها في سرقة».

فبلغ مقالته ابنته فقالت له: يا أمير المؤمنين أنا ابنتك و بضعة منك فمن أحقّ بلبسه منّي؟

فقال لها أمير المؤمنين عليه السّلام: «با بنت عليّ بن أبي طالب لا تذهبي بنفسك عن الحقّ، أكلّ نساء المهاجرين تتزيّن في هذا العيد بمثل هذا»؟. و أضاف عليه السّلام:

«ليس إلى ذلك سبيل حتى لا تبقى امرأة من المسلمين إلاّ و لها مثل ما لك» فقبضته و رددته إلى موضعه(1).

و روي أيضا: «أن عليّا عليه السّلام استعمل عمرو بن مسلمة على أصبهان، فقدم و معه مال كثير و زقاق فيها عسل و سمن فأرسلت إحدى بنات علي إلى عمرو تطلب منه سمنا و عسلا، فأرسل إليها ظرف عسل و ظرف سمن.

فلما كان الغد خرج علي و أحضر المال و السمن و العسل، ليقسم فعدّ الزقاق فنقصت زقّين، فسأله عنهما فكتمه، و قال:

«نحن نحضرهما»، فعزم عليه ألاّ ذكرهما له فأخبره، فأرسل عليّ إلى ابنته فأخذ الزقّين منها فرآهما قد نقص منهما شيء فأمر التجّار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، فأرسل إلى ابنته فأخذها منها ثم قسّم الجميع»(2).


1) تنبيه الخواطر: ج 2، ص 3-4.

2) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 434.

و جاءه عقيل - أخوه - فلمّا حضر العشاء فإذا هو خبز و ملح، فقال عقيل: ليس إلاّ ما أرى؟

فقال: أو ليس هذا من نعمة اللّه و له الحمد كثيرا.

فقال: أعطني ما أقضي به ديني و عجّل سراحي حتى أرحل عنك.

قال: فكم دينك يا أبا يزيد؟

قال: مائة ألف درهم.

قال: لا و اللّه ما هي عندي و لا أملكها، و لكن اصبر حتّى يخرج عطائي فأواسيكه و لو لا أنّه لا بدّ للعيال من شيء لأعطيتك كلّه.

فقال عقيل: بيت المال في يدك و أنت تسوفني إلى عطائك؟ و كم عطاؤك؟ و ما عساه يكون و لو أعطيتنيه كلّه؟

فقال: ما أنا و أنت فيه إلاّ بمنزلة رجل من المسلمين، و مع إصرار عقيل، قال له أمير المؤمنين: «تقيم إلى يوم الجمعة فأرى في ذلك فأقام عقيل عنده، فلمّا صلّى أمير المؤمنين الجمعة قال لعقيل: ما تقول فيمن خان هؤلاء أجمعين؟

قال: بئس الرجل ذاك.

قال: فأنت تأمرني أن أخون هؤلاء و أعطيك(1).


1) بحار الأنوار: ج 41، ص 116.

التشدّد مع المسؤولين

مراقبة المسؤولين في الدولة..

و محاسبتهم على أقل انحراف..

و عزلهم، بسبب الفساد..

و التشدّد معهم فيما يرتبط بحقوق الناس..

و إصدار التعليمات اليومية إليهم لمراعاة العامة..

مسؤولية أساسية من مسؤوليات حكّام العدل، ذلك أن الولاة، و أعوانهم يشكّلون من غير شكّ الوسيط بين الرأس في المجتمع، و هو الحاكم، و بين الأعضاء، و هم الناس، و بصلاحهم يصلح الرأس، و يصلح الأعضاء، و بفسادهم ينتقل الفساد إليه، و إليهم..

و الذي يجب فعله في هذا المجال أمران:

الأول - اختيار الولاة، من خيرة أفراد المجتمع.

الثاني - الاستمرار معهم فيما سبق، من المراقبة و المحاسبة و التوجيه الدائم..

و لا يجوز الاكتفاء، بأحدهما دون الآخر، فلا يصحّ انتخاب شخص جيد لمسؤولية الولاية، ثم تركه اعتمادا على ما فيه من الصفات الحسنة، لأنّ موقع المسؤولية، قد تفسد الصالح كما أنه يزيد الفاسد فسادا.. و الشيطان على كل حال يتصيّد الرجال في «الولايات و التي هي بالطبع مضامير الرجال»(1)..

من هنا كان لا بدّ من أن يكون الولاة.. الّذين يعيّنهم الحاكم متحلّين بالأخلاق الفاضلة، بالإضافة إلى صفات الإيمان، و العقل، و العدالة و غيرها..

فلا بدّ من الحذر - كل الحذر - قبل تعيين أي مسؤول، حتى لا تبتلي الأمة فيما بعد بوال تعجز عن تغييره..

فأول ما يجب على الحاكم العادل في هذا المجال، هو عزل الظالمين منهم، و اختيار أفضل الناس كمسؤولين في الدولة.. و لا بدّ من الإحجام عن تعيين أي فرد بمجرد ظهور أول شك في أمانته، أو حتى مجرّد رغبته في أن يصبح مسؤولا.


1) مجمع الأمثال: ج 2، ص 453.

و هذا ما فعله الإمام علي عليه السّلام الذي قام بعزل الولاة الّذين ركبوا رقاب الناس، و استبدلوا بالحكم في العهد السابق، وردّ ما أخذوه بغير حق من أموال و ضياع..

ثم رفض تعيين أي شخص يشكّ في أمانته، حتى و إن كان من كبار الصحابة..

و قد ذكر المؤرخون في هذا المجال أنه أتى طلحة و الزبير أمير المؤمنين فقالا: «هل تدري علام بايعناك يا أمير المؤمنين»؟.

قال: «نعم. على السمع و الطاعة. و على ما بايعتم عليه الخلفاء من قبلي أبا بكر و عمر و عثمان».

فقالا: «و لكنا بايعناك على أنّا شريكاك في الأمر».

قال: «لا، و لكنكما شريكان في القول و الاستقامة و العون».

فقال طلحة: «استعملني على البصرة فأكون لك عدّة و قوة».

و قال الزبير: «ولّني الكوفة فأكون على الخيل معك و على عدوّك».

فقال الإمام علي: «حتى أنظر ذلك».

و كان ابن عباس حاضرا، فلما خرجا قال: «يا أمير المؤمنين أعط طلحة و الزبير ما يطلبان». فذكّره أمير المؤمنين

بما تعلّمه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن الولاية لا تعطى لمن يطلبها و لا لمن يحرص عليها!

و لكن عبد اللّه بن عباس، و كان الإمام قد استوزره عاد يلحّ في أمر طلحة و الزبير قائلا: «أرى أنهما أحبا الولاية، فإن كنت عازلا عاملي عثمان على البصرة و الكوفة، فاستعمل بدلا منهما الزبير واليّا على البصرة، و طلحة على الكوفة».

فغضب الإمام علي، و قال لوزيره: «ويحك يا عبد اللّه بن عباس: إن العراقين بهما الرجال و الأموال، و متى تملّكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع؛ و يضربا الضعيف بالبلاء، و يقويا على القوي بالسلطان! و لو لا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية، لكان لي فيهما رأي و لو كنت مستعملا أحدا لضرّه أو نفعه لاستعملت معاوية على الشام».

فقال ابن عباس: «يا أمير المؤمنين، إن معاوية و أصحابه و عصبته و أقرباءه من بني أمية أهل دنيا! إن أبقيتهم في مناصبهم و أبقيت في أيديهم أموالهم و ضياعهم، فلن يبالوا من ولي هذا الأمر! و إن تعزلهم، و تستردّ منهم ما تحت أيديهم ليقولنّ:

أخذها بغير شورى، و هو الذي قتل صاحبنا، و لا آمن طلحة و الزبير أن ينضما إليهم»(1).


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 230-231.

و كما رفض تعيين طلحة و الزبير نظرا لشكّه في أمانتهما، و مراعاة حقوق الناس فقد رفض المساومة في التعيينات مع أفراد آخرين كان يخشى منهم على حكمه، فقد روي أنه جاء ثلاثة نفر من قريش، هم وجوه بني أميّة، و هم: مروان، و سعيد بن العاص، و الوليد بن عقبة، فقال الوليد بن عقبة:

«إنك و ترتنا جميعا: أما أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر، و أما سعيد فقتلت أباه يوم بدر؛ و أما مروان فقد شتمت أباه و عبت على عثمان حين ضمّه إليه. و نحن إخوتك و نظراؤك من بني عبد مناف فنبايعك على أن تترك لنا ما أصبنا من إمارة و ما في أيدينا من أموال و ضياع، و تقتل قتلة صاحبنا».

فغضب الإمام علي من هذه المساومة، و أبى أن يعدهم شيء، و رفض بيعتهم و شروطها، و قال: «أما ما ذكرت يا وليد من و تري إياكم فالحق و تركم! و أما أن أضع عنكم ما في أيديكم فليس لي أن أضع حق اللّه عنكم أو عن غيركم، و أما إعفائي عمّا في أيديكم فما كان للّه و للمسلمين فالعدل يسعكم و أما قتلي قتلة عثمان، فلو لزمني قتلهم اليوم لقتلتهم بالأمس، و لكن لكم أن أحملكم على كتاب اللّه و سنّة نبيه، فمن ضاق عليه الحق فالباطل عليه أضيق، و إن شئتم فالحقوا بملاحقكم».

فقال مروان: «بل نبايعك و نقيم معك فترى و نرى»!..

و لكنهم فرّوا إلى مكة جميعا..

فخرج الإمام إلى الناس يقول عن بني أميّة: «و اللّه لا يزالون حتى لا يدعوا للّه محرما إلاّ استحلّوه، و لا عقدا إلاّ حلّوه! و حتى لا يبقى بيت مدر و لا وبر إلاّ دخله ظلمهم (بيت مدر أي مبني من الطوب أو الحجر أو نحوه، و بيت الوبر هو الخيمة)، و حتى يقوم الباكيان يبكيان: باك يبكي لدينه، و باك يبكي لدنياه. و حتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده إذا شهد أطاعه، و إذا غاب اغتابه، و حتى يكون أعظمكم فيها عناء أحسنكم باللّه ظنّا، فإن أتاكم اللّه بعافية فاقبلوا و إن ابتليتم فاصبروا، فإن العاقبة للمتّقين»(1)..


و هكذا فإن على الحاكم العادل أن يكون حذرا في تعيين الولاة، و أن يهتم بأخلاقهم، و حرصهم على إجراء العدالة، كما يهتم بدينهم، فمثلا «لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج و الدماء و المغانم و الأحكام و إمامة المسلمين:

البخيل، فتكون في أموالهم نهمته. و لا الجاهل فيضلّهم بجهله. و لا الجافي (الخشن) فيقطعهم بجفائه. و لا الهاتف للدّول (الظالم في تقسيم الأموال) فيتّخذ قوما دون قوم. و لا


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 231-232.

المرتشي في الحكم، فيذهب بالحقوق، و يقف بها دون المقاطع، و لا المعطّل للسنّة فيهلك الأمّة»(1).

و في وصيته لمالك الأشتر يقول الإمام علي عليه السّلام: «فول من جنودك أنصحهم في نفسك للّه و لرسوله، و لإمامك، و أتقاهم جيبا (طاهر الصدر و القلب) و أفضلهم حلما، ممّن يبطىء عن الغضب، و ليستريح إلى العذر و يرأف بالضعفاء، و ينبو عن الأقوياء، و ممّن لا يثيره العنف، و لا يقعد به الضعف. ثم ألصق بذوي المروءات و الأحساب، و أهل البيوتات الصالحة، و السوابق الحسنة، ثم أهل النجدة و الشجاعة، و السخاء و السماحة.. فإنهم جماع من الكرم»(2).

فالأخلاق الحسنة بمجملها شرط ضروري من شروط تعيين الولاة و المسؤولين على الناس.. و لكن لا يمكن أن نستريح إلى الولاية و المسؤولين لمجرّد أنهم كانوا حين تعيينهم ممّن اجتمعت الشروط اللازمة فيهم، بل لا بدّ من المراقبة الدائمة، و المحاسبة المستمرة..

و بمقدار ما يجب أن يكون الحاكم حسن الظن بالناس لا بدّ أن يكون حذرا مع المسؤولين.


1) دعائم الإسلام: ص 531.

2) نهج البلاغة: الكتب، 53.

و لقد كان الإمام علي عليه السّلام ليسأل الناس عن حال الولاة، و يهتمّ بما يقولون عنهم، و يقرّر بناء على حكمهم، لأنه «إنما يستدلّ على الصالحين بما يجري اللّه لهم على ألسن عباده»(1).

بل و كان الإمام يسأل الناس عن أعوان الولاة، فمرة سأل بعض الناس عن أعوان الولاة، فعلم أن الولاة لا يحاسبونهم فقال: «يجب على الوالي أن يتعهّد أموره، و يتفقّد أعوانه، حتى لا يخفى عليه إحسان محسن و لا إساءة مسيء، ثم لا يترك أحدهما بغير جزاء، فإنه إذا ترك أعوانه تهاون المحسن و اجترأ المسيء، و فسد الأمر»(2). و كان عليه السّلام يتّهم المسؤولين و الأعوان، و يحذّر منهم، و يطلب تعيينهم أولا للامتحان و الاختبار، و يطالب بمراقبتهم سرا، و التجسّس عليهم، في إجراء العدل، و أداء الأمانة. لأن المسؤولين إذا تركوا و شأنهم يظلمون الناس ثمّ يزينون الظلم و الفساد للحاكم..

يقول الإمام عليه السّلام لمالك الأشتر: ثم انظر في أمور عمّالك، فاستعملهم اختبارا، و لا تولّهم محاباة (للميل إليهم) و أثرة (بدون مشورة)، فإنهما جماع من شعب الجور و الخيانة.

«و توخّ منهم أهل التجربة و الحياء، من أهل البيوتات


1) المصدر السابق.

2) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 33.

الصالحة و القدم في الإسلام المتقدمة، فإنهم أكرم أخلاقا، و أصحّ إعراضا، و أقلّ في المطامع إشراقا، و أبلغ في عواقب الأمور نظرا، ثم أسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم، و غنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، و حجّة عليهم، إن خالفوا أمرك، أو ثلموا أمانتك».

«ثمّ تفقّد أعمالهم. و ابعث العيون (الجواسيس) من أهل الصدق و الوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السرّ لأمورهم، حدوة لهم، على استعمال الأمانة، و الرفق بالرّعية»..

«و تحفّظ من الأعوان، فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، و أخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلّة، و رسمته بالخيانة، و قلّدته عار التهمة»(1).

فبالإضافة إلى ضرورة الاختيار الجيد، لا بد من المراقبة الجيدة، ثم إذا خان أحدهم، أو لم يراع الناس لا بد من عقابه عقابا شديدا و عدم المسامحة معه.

كل هذا، في الوقت الذي يجب المسامحة مع عامة الناس. أي إن المعادلة الصحيحة للحكم العادل تقوم على


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

مراعاة حالة العامة و المسامحة معهم من جهة، و التشدّد مع المسؤولين من جهة أخرى. و ليس العكس كما هو ديدن ولاة الجور!

و لقد كان الإمام يرى أن المناصب مسؤوليات، و ليست مغانم، و كان يؤكد هذا المعنى للمسؤولين دائما.. فقد كتب لأحدهم يقول له:

«إن عملك ليس لك بطعمة، و لكنه في عنقك أمانة، و أنت مسترعي لمن فوقك، ليس لك أن تفتات في رعية و لا تخاطر إلاّ بوثيقة، و في يديك مال من مال اللّه عزّ و جلّ، و أنت من خزانه حتى تسلّمه إليّ»(1).

كان رقيبا على سير الولاة، حريصا على عدلهم بين الناس، و أدائهم للأمانة التي في أعناقهم للمستضعفين منهم.

شديدا عليهم إذا خانوا، أو ظلموا..

كتب إلى أحد ولاته بعد أن عرف بخيانته يقول له:

«أمّا بعد.. فإني كنت أشركتك في أمانتي، و جعلتك شعاري و بطانتي، و لم يكن رجل من أهلي أوثق منك في نفسي لمواساتي، و مؤازرتي و أداء الأمانة إليّ، فلما رأيت الزمان على ابن عمّك قد كلب، و العدوّ قد حرب، و أمانة الناس قد


1) عيون الأخبار: ج 1، ص 151.

خزيت، و هذه الأمّة قد نكثت، و شغرت: قلبت لابن عمّك ظهر المجن. ففارقته مع الفارقين، و خذلته مع الخاذلين، و خنته مع الخائنين، فلا ابن عمك آسيت، و لا الأمانة أدّيت!

«و كأنك لم تكن اللّه تريد بجهادك، و كأنك لم تكن على بيّنة من ربك»؟.

«و كأنّك إنما كنت تكيد هذه الأمّة عن دنياهم، و تنوي غرّتهم عن فيئهم؟.. فلما أمكنتك الشدّة في خيانة الأمّة أسرعت الكرة، و عاجلت الوثبة، و اختطفت ما قدرت عليه من أموالهم المصونة لأراملهم، و أيتامهم، اختطاف الذئب الأزل دامية المعزى الكسيرة، فحملته إلى الحجاز رحيب الصدر بحمله، غير متأثم من أخذه، كأنك - لا أبا لغيرك - حدرت إلى أهلك تراثك من أبيك و أمك؟!».

«فسبحان اللّه! أما تؤمن بالمعاد؟ أو ما تخاف نقاش الحساب»؟.

«أيها المعدود - كان - عندنا من أولي الألباب، كيف تسيغ شرابا و طعاما، و أنت تعلم أنك تأكل حراما، و تشرب حراما، و تبتاع الإماء، و تنكح النساء من أموال اليتامى و المساكين، و المؤمنين و المجاهدين، الّذين أفاء اللّه عليهم هذه الأموال، و أحرز بهم هذه البلاد»..

«فاتّق اللّه، و اردد إلى هؤلاء أموالهم، فإنّك إن لم تفعل، ثم أمكنني اللّه منك لأعذرنّ إلى اللّه فيك، و لأضربنّك بسيفي الذي ما ضربت به أحدا إلاّ دخل النار»..

«و و اللّه، لو أن الحسن و الحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة و لا ظفرا منّي بإرادة، حتى آخذ الحق منهما، و أزيح الباطل عن مظلمتهما»!.

«و أقسم باللّه رب العالمين ما يسرّني أن ما أخذته من أموالهم حلال لي، أتركه ميراثا لمن بعدي.. فضح رويدا، فكأنك قد بلغت المدى، و دفنت تحت الثرى، و عرضت عليك أعمالك بالمحلّ الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، و يتمنى المضيع فيه الرجعة، ولات حين مناص»(1).

و لقد كان موقف الإمام الشديد هذا مع عمّاله، قد دفع بعضهم إلى الهروب منه و الالتحاق بأهل الغدر عند معاوية، إلاّ أن الإمام لم يكن يأبه لذلك و يقول: «و اللّه لا أراهن في ديني». و كان عليه السّلام يضع بموقفه هذا منهجا للحكّام من أهل العدل..

لقد عاتب أحدهم على استئثاره بالأموال التي هي للمسلمين، فكتب إليه عامله:


1) رجال الكشي: ص 58، و نهج البلاغة: الكتب، ص 41.

«أما بعد، فقد بلغني كتابك عن الذي أصبت من بيت المال، و لعمري إن حقّي في بيت مال اللّه أكثر من الذي أخذت، و السّلام».

فكتب إليه علي: «أما بعد، فإن العجب كل العجب منك، إذ ترى لنفسك في بيت مال اللّه أكثر مما لرجل من المسلمين!! و قد أفلحت إن كان تمنّيك الباطل و ادعاؤك ما لا يكون ينجّيك من الإثم، و يحلّ لك ما حرّم اللّه عليك: عمرك اللّه! إنك لأنت البعيد (يعني البعيد عن الصواب)، قد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا، و ضربت بها عطنا (مرابض الغنم و الإبل و الأنعام) تشتري المولدات من المدينة و الطائف، و تختارهن على عينك، و تعطي بهنّ مال غيرك».

فكتب إليه ذلك العامل: «و اللّه، لئن لم تدعن من أساطيرك، لأحملنّ المال إلى معاوية يقاتلك به»(1)و كان يهتم بأقل مخالفة، و يعاتب على أقل تجاوز، و يحاسب أصغر زلّة.

من ذلك ما روي أنّ شريح بن الحارث قاضي أمير المؤمنين عليه السّلام اشترى على عهده دارا بثمانين دينارا. فبلغه ذلك فاستدعاه و قال له: «بلغني أنّك ابتعت دارا بثمانين دينارا و كتبت لها كتابا و أشهدت فيه شهودا؟».


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 351.

فقال له شريح: قد كان ذلك يا أمير المؤمنين.

فنظر إليه نظر المغضب ثم قال: «يا شريح أما إنّه سيأتيك من لا ينظر في كتابك، و لا يسألك عن بيّنتك، حتى يخرجك منها شاخصا، و يسلّمك إلى قبرك خالصا، فانظر يا شريح لا تكون ابتعت هذه الدار من غير مالك أو نقدت الثمن من غير حلالك، فإذا أنت قد خسرت دار الدنيا و دار الآخرة.

أما إنّك لو كنت أتيتني عند شرائك ما اشتريت لكتبت لك كتابا على هذه النسخة فلم ترغب في شراء هذه الدار بدرهم فما فوق.

و النسخة هذه: هذا ما اشترى عبد ذليل من ميّت قد أزعج للرحيل.. اشترى منه دارا، من دار الغرور من جانب الفانين و خطّة الهالكين.

و تجمع هذه الدار حدود أربعة: الحدّ الأول - ينتهي إلى دواعي الآفات، و الحدّ الثاني - ينتهي إلى دواعي المصيبات، و الحدّ الثالث - ينتهي إلى الهوى المردي، و الحدّ الرابع - ينتهي إلى الشيطان المغوي و فيه يشرع باب هذه الدّار، اشترى هذا المغترّ بالأمل من هذا المزعج بالأجل، هذه الدار بالخروج من عزّ القناعة و الدخول في ذلّ الطلب و الضراعة، فما أدرك هذا المشتري فيما اشترى من درك، فعلى مبلبل

أجسام الملوك، و سالب نفوس الجبابرة، و مزيل ملك الفراعنة مثل كسرى و قيصر، و تبع و حمير، و من جمع المال على المال فأكثر، و من بنى و شيّد و زخرف و نجّد، و ادّخر و اعتقد، و نظر بزعمه للولد، إشخاصهم جميعا إلى موقف العرض و الحساب و موضع الثواب و العقاب: إذا وقع الأمر بفصل القضاء وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (1).. شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى و سلم من علائق الدنيا(2).

و حينما سمع الإمام عليه السّلام أن أحد أخلص عماله، و هو عثمان بن حنيف قد دعي إلى وليمة قوم من أهل البصرة الأغنياء، فلبّى الدعوة، كتب إليه رسالة مفصّلة جدا، يعاتبه على ذلك عتابا شديدا، و ينصحه أن لا يعود لمثل ذلك، ما دام الفقراء و المعوزون لا يجدون مثل ذلك، و قد جاء في مقدمة تلك الرسالة ما يلي:

«أما بعد، يا ابن حنيف، فقد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، يستطاب لك الألوان، و تنقل إليك الجفان، و ما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ و غنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا


1) سورة غافر، الآية: 78.

2) دستور معالم الحكم: للقصاعي، ص 135.

المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، و ما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه، فاتّق اللّه يا ابن حنيف و لتكفك أقراصك ليكون من النار خلاصك»(1)لقد كان كثير الكتابة إلى عماله، ينصحهم من جهة، و يوجههم من جهة أخرى، و يحاسبهم على أخطائهم من جهة ثالثة، كل ذلك بروح دينية، تذكّرهم الآخرة، و محاسبة اللّه يوم القيامة..

فقد كتب لأحد ولاته يقول: «أما بعد، فإن دهاقين بلدك شكوا منك غلظة و قسوة، و احتقارا و جفوة.. و لهم في ذمّتنا عهد، فامزج لهم بين التقريب و الإدناء، و الإبعاد و الإقصاء إن شاء اللّه»(2).

و كتب لثالث: «بلغني أنك تعمر دنياك بآخرتك، و تصل عشيرتك بقطيعة دينك، لئن كان الذي بلغني عنك حقا، لجمل أهلك و شسع نعلك خير منك، و من كان بصفاتك فليس بأهل أن يشرك في أمانة، أو يؤمن على جباية، فأقبل إليّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء اللّه»(3).

و كتب لرابع: «بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت إلهك، و أغضبت إمامك، أنك تقسم في المسلمين الذي حازته


1) ربيع الأبرار: ص 216.

2) التاريخ: لابن واضح، ج 2، ص 19.

3) أنساب الأشراف: ج 2، ص 13.

رماحهم و خيولهم، و أريقت عليه دماؤهم، فيمن اعتامك (اختارك) من أعراب قومك.. لئن كان ذلك حقا، لتجدنّ بك عليّ هوانا، و لتخفن عندي ميزانا. فلا تستهن بحق ربك، و لا تصلح دنياك بمحق آخرتك، فتكون من الأخسرين أعمالا».

ألا و إن حق من قبلك و قبلنا من المسلمين في قسمة هذا الفيء سواء، يردّون عندي عليه و يصدرون عنه(1).

و كتب لعامل غيره: «أمّا بعد، فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت ربك، و عصيت إمامك و أخزيت أمانتك بلغني أنّك جرّدت الأرض، فأخذت ما تحت قدميك، و أكلت ما تحت يديك، فارفع إليّ حسابك و اعلم أن حساب اللّه أعظم من حساب الناس و السّلام»(2).

و كتب لجميع عماله على أهل البلاد المفتوحة (أهل البلاد المفتوحة هم الموالي): «انظروا في حال تشتتهم و تفرّقهم، ليالي كانت الملوك و الأكاسرة و الأباطرة أربابا لهم فتركوهم عالة مساكين»(3)!

و كتب إلى أحد عماله: «أترجو أن يعطيك اللّه أجر المتواضعين و أنت من المتكبرين؟!، أتطمع و أنت متمرّغ في


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 43.

2) العقد الفريد: ج 4، ص 355.

3) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 35.

النعيم، تستأثر فيه على الجار المسكين و الضعيف الفقير و الأرملة و اليتيم، أن يجب لك أجر الصالحين المتصدّقين؟ فماذا لو أكلت طعامك مرة و أطعمت الفقير الجائع مرة؟! إنما المرء يجزى بما أسلف، و السّلام»(1).

و كتب إلى آخر: «أمّا بعد فلا يكن حظّك في ولايتك مالا تستفيده، و لا غيظا تشتفيه، و لكن إماتة باطل و إحياء حقّ»(2).


إن الإمام كان يهتم بالنظام، و بأدواته، و منها الجيش، و لكن ليس على حساب الناس، فكان يوصي الجيش بالناس خيرا، و يطلب من الناس مجازاة من يسيء إليهم من الجيش..

لقد سيّر جيشا إلى أحد المناطق، و كتب إلى أمراء بلاده التي سيمرّ بها الجند كتابا كان قد تعوّد أن يرسله كلّما سيّر جندا: «من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى من مرّ به الجيش من جباة الضرائب و عمّال البلاد: أما بعد، فإني سيّرت جنودا هي مارّة بكم إن شاء اللّه، و قد أوصيتهم بما يجب عليهم من كفّ الأذى، و صرف الشذى (الشر). و أنا أبرأ إليكم و إلى ذمّتكم من معرة (أذى) الجيش إلاّ من جوعة المضطرّ الذي لا


1) أنساب الأشراف: ج 2، ص 169.

2) بحار الأنوار: ج 40، ص 328.

يجد عنها مذهبا إلى شبعه فنكلوا (عاقبوا) من تناول منهم شيئا ظلما عن ظلمهم، و كفّوا أيدي سفهائكم عن مضارتهم و التعرّض لهم فيما استثنيناه منهم،.. و أنا بين أظهر الجيش فارفعوا إليّ مظالمكم، و ما عراكم مما يغلبكم أمرهم، و ما لا تطيقون دفعه إلاّ باللّه، و بي، فأنا أغيّره بمعونة اللّه، إن شاء اللّه(1).

و هكذا كان الإمام حريصا على حماية حقوق كل فرد من أفراد الرعية، و على ضبط الأمور، و لكنه كان لحقوق الناس أكثر حرصا من حقوق العمال و الولاة، و أفراد الجيش، فقد بيّن للناس الحدود التي رسمها للجيش حتى لا يتعدّوه، و سمح لهم التنكيل بأفراد الجيش الّذين قد يخالفون أوامره بحقّهم، و لم يكشف بذلك بل طالبهم بأن يكتبوا إليه مظالمهم و ما قد يغلبون عليه، و وعدهم بأن يقف إلى جانبهم، و يغيّر ما يجب تغييره من أمر الجيش إذا تعرّضوا للناس بظلم.

و لقد بلغ من حرصه على الناس، أنه عزل قاضيه أبا الأسود الدؤلي مع علمه و عدالته و فضله، و علله بأنه يعلو صوته صوت الخصمين، فإنه لما عزل أبا الأسود جاءه، و قال يا أمير المؤمنين: لم عزلتني و ما خنت و ما جنيت.


1) كتاب صفين: لنصر بن مزاحم، ص 125.

فقال عليه السّلام: «نعم ما خنت و ما جنيت، و لكن صوتك يعلو صوت الخصمين»(1).

و كان عليه السّلام ربّما يؤلّب العلماء على الأمراء الّذين يظلمون الناس. فقد روي أنه «جاءه بعض الموالي من أهل الكوفة يشكون الولاة و أعوانهم، فقال لهم: «و أين علماؤكم؟! لقد أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقرّوا ظالما و لا يسكتوا عن مظلوم»(2)...


1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 432.

2) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 32.

مواجهة المتكبرين بالحزم

يولد الطاغوت، كما يولد غيره، على الفطرة، و لكنه يتمرّد عليها فيما بعد حينما يسلك الطريق الحرام، و لا يجد من يقف في وجهه، و يثنيه عن طغيانه.

و إذا كانت «كل نفس أضمرت ما أضمر فرعون»(1)، كما يقول الحديث الشريف فإن إمكانية أن يتحوّل أي شخص إلى طاغوت، أمر وارد و طبيعي، إذا توفّرت له الظروف الموضوعية.. إنما ضمانة منع الطغيان هي في مواجهة المجتمع و المسؤولين فيه من أهل الحل و العقد، لكلّ من تسوّل له نفسه ذلك، قبل أن يستفحل أمره، و يحصل على الأزلام و الجلاوزة..

و بداية الطغيان هو الكبر.. و الاعتزاز بالنفس.. و تحقير الآخرين، ف «الكبر أن تغمص الناس، و تسفه الحق»(2)و هو


1) راجع كتب الحديث.

2) بحار الأنوار: ج 73، ص 217.

يظهر في البوادر الأولى على الشخص كطريقة مشيه، أو كلامه مع الناس، و تعامله مع العامة. فقد مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على جماعة فقال: «على م اجتمعتم؟ فقالوا: يا رسول اللّه هذا مجنون يصرع، فاجتمعنا عليه.

فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ليس هذا بمجنون و لكنه المبتلى» و أضاف:

«ألا أخبركم بالمجنون حق الجنون؟» قالوا: بلى يا رسول اللّه! فقال: «المتبختر في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرّك بمنكبيه، يتمنّى على اللّه جنّته و هو يعصيه، الذي لا يؤمن شرّه، و لا يرجى خيره، فذلك المجنون، و هذا المبتلى»(1).

فمن تبختر في مشيه و نظر في عطفيه، و حرّك منكبيه، فهو متكبّر لا بدّ من الحذر منه.. و الاجتماع ضده و الابتعاد عنه..

ف «إياكم و الكبر، فإن الكبر يكون في الرجل و أن عليه العباءة» (2)(سائر) فلا بدّ من كشفه في مراحله الأولى، و منع تفاقمه، لأن «الكبر رأس الطغيان، و معصية الرحمن»(3).

لقد كان الإمام يرفض مهادنة الطغاة، و التغاضي عن المتكبرين، مهما كلّفه من أمر، فكم كان في غنى عن


1) بحار الأنوار: ج 73، ج 233.

2) كنز العمّال: خ 7735.

3) غرر الحكم و درر الكلم.

المشاكل، و الحروب التي خاضها لو قبل السكوت عن المتكبرين، و التغاضي عنهم..

و لقد دخل عليه المغيرة، بعد مبايعته بالخلافة. فقال له:

يا أمير المؤمنين إن لك عندي نصيحة. قال: «و ما هي»؟ فقال: «إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة على الكوفة، و الزبير على البصرة، و ابعث لمعاوية بعهدة على الشام حتى تلزمه طاعتك، فإذا استقرّت لك الخلافة فادرأهم كيف شئت برأيك».

فقال علي: «أما طلحة و الزبير فسأرى رأيي فيهما، و أما معاوية فلا يراني اللّه مستعملا له و لا مستعينا به ما دام على حاله، و لكني أدعوه إلى الدخول فيما دخل فيه المسلمون، فإن أبى حاكمته إلى اللّه تعالى».

فانصرف المغيرة عن الإمام مغضبا لما لم يقبل منه النصيحة. ثم أصبح فجاءه قائلا: «يا أمير المؤمنين، نظرت فيما قلت بالأمس و ما جاوبتني به، فوجدت أنك قد وفّقت للخير و طلبت الحق».

و انصرف فلقيه الحسن بن علي عليه السّلام و هو خارج، فسأل أباه عمّا قال المغيرة، قال علي: «أتاني أمس بكذا، و أتاني اليوم بكذا».

قال الحسن: «نصحك و اللّه أمس، و خدعك اليوم».

فقال له علي: «إن أقررت معاوية على ما في يده كنت متّخذ المضلّين عضدا، و لا يراني اللّه كذلك أبدا».

و قال المغيرة في ذلك:

نصحت عليّا في ابن هند نصيحة فردّت فلا يسمع لها الدهر ثانيه

و قلت له: أرسل إليه بعهده على الشام حتى يستقيم معاويه

و يعلم أهل الشام أن قد ملكته فأم ابن هند بعد ذلك هاويه

و تحكم فيه ما تريد فإنه لداهية - فارفق به - و ابن داهيه

فلم يقبل النصح الذي جئته به و كانت له تلك النصيحة كافيه


و قال له عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنه: «يا أمير المؤمنين أنا أشير عليك أن تثبّت معاوية وحده فإن فيه جرأة، فإن بايع لك فعليّ أن أقلعه من منزله».

فقال علي: «و اللّه لا أعطيه إلاّ السيف» ثم تمثّل بقول الأعشى:

و ما ميتة إن مهّا غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس غولها

فقال عبد اللّه بن عباس: «يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع: أما و اللّه لئن أطعتني لأصدرنّهم بعد ورد، و لأتركنّهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها، في غير نقصان عليك و لا إثم لك».

و لكن الإمام رفض أن يكيد كما يكيد معاوية.

فلما رآه ابن عباس سيعالج المكر بشجاعة الصراحة و نبالتها، و لن يردّ على الكيد بالكيد قال له: «أطعني، و الحق بمالك بينبع، و اغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولة تضطرب و لا تجد غيرك. فإنك و اللّه لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنّك الناس دم عثمان غدا»!.

قال الإمام: «تشير عليّ و أرى. فإذا عصيتك فأطعني».

قال: «افعل، إن أيسر ما لك عند الطاعة».

فقال الإمام: «تسير إلى الشام فقد ولّيتها».

فقال ابن عباس: «ما هذا برأي، معاوية رجل من بني أمية، و هو ابن عم عثمان و عامله، و لست آمن أن يضرب عنقي بعثمان. و إن أدنى ما هو صانع أن يحبسني فيتحكّم عليّ لقرابتي منك. إن كل ما حمل عليك حمل عليّ، و لكن اكتب إلى معاوية فمنّه وعده».

فقال الإمام: «لا و اللّه لا كان هذا أبدا».

و عزل أمير المؤمنين عمّال عثمان.. لم يثبّت منهم غير أبي موسى الأشعري على الكوفة.. فولّى على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري، و أخاه سهل بن حنيف الأنصاري على الشام. و قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على مصر..

و فرح الأنصار بهذا الاختيار..

و بعث عبيد اللّه بن العباس أخا عبد اللّه بن العباس إلى اليمن..

فأما عامل عثمان على البصرة و هو ابن خاله عبد اللّه بن عامر فقد أخذ ما في بيت المال و فرّ به إلى مكة حيث كان بنو أمية الّذين فرّوا من المدينة ينتظرون!

و وافاهم عامل عثمان على اليمن أبو يعلى بن أمية و معه ما نهبه من بيت المال، و هو مال كثير و نحو ستمائة بعير، و توافى عليهم في مكة من خلعهم عليّ من عمال عثمان. كلّ منهم بما نهبه من بيت مال ولايته!!

و أرسل أبو موسى الأشعري بيعة أهل الكوفة، كما أرسل قيس بن سعد بن عبادة بيعة أهل مصر، إلاّ قليلا لزموا قرية في إقليم البحيرة اسمها خربتّا و اعتزلوا فيها.. فتركهم قيس آمنين..

أما سهل بن حنيف الذي ولاّه الإمام على الشام فقد لقيه

جماعة من فرسان الشام بتبوك بين وادي القرى و الشام، فهددوه بالقتل إن هو دخل الشام، و ردّوه إلى المدينة.

فلما عاد إلى المدينة دعا عليّ كبار الصحابة و فيهم طلحة و الزبير فقال: «إن الأمر الذي كنت أحذّركم منه قد وقع..

و إنها فتنة كالنار، كلما سعّرت ازدادت اضطراما و استثارت» فقال طلحة و الزبير: «ائذن لنا نخرج من المدينة، فأما أن نكاثر و إما أن تدعنا». فقال: «سأمسك الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدّا فآخر الدواء الكيّ»(1).

إن مواجهة المتكبرين، واجب شرعي مهما كلّف الأمر، لأن المواجهة وحدها هي التي تنفع معهم، و هي وحدها تمنع المجتمع من نموّ الطغيان فيه.

و في ذلك يجب أن لا نهادن، و لا تأخذنا لومة لائم.

يقول الإمام علي عليه السّلام: «و لعمري، ما عليّ من قتال من خالف الحق، و خابط الغي من ادهان، و لا إيهان، فاتقوا اللّه عباد اللّه، و فرّوا إلى اللّه من اللّه، و امضوا في الذي نهجه لكم، و قوموا بما عصبه لكم، فعليّ ضامن لفلجكم آجلا، إن لم تمنحوه عاجلا»(2).


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 240-243.

2) النهاية: ج 3، ص 244.

الاحتياط في إراقة الدماء

إراقة الدماء، من عادة الطغاة، لا من شيمة المصلحين في الحياة. ذلك أن المصلح يريد الناس أحياء ليقوم بإصلاحهم، فإذا أماتهم فما يصلح حينئذ؟

أمّا الطغاة فملهاتهم القتل، و ديدنهم الفساد، و لذتهم التنكيل.. و لربّما يعتبرون ذلك وسيلة لتقوية سلطانهم.

غير أن للحياة البشرية قدسيّتها التي لا تدانيها قدسية أخرى، فقد خلق اللّه الأرض، و الشمس، و القمر للإنسان فهو أغلى من هذه جميعا، و لذلك فلا يجوز سفك دمه، و التوسّل بقتله من غير أن يكون ذلك في مصلحة الحياة نفسها..

يقول ربّنا: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً (1).


1) سورة المائدة، الآية: 32.

و لقد عيّر اللّه بني إسرائيل لأنهم كانوا يسفكون الدماء، بعد أن كان قد أخذ منهم المواثيق أن لا يفعلوا ذلك فقال سبحانه:

وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (1).

و لا شك أنّ من يتجرأ على قتل الناس، هو طاغ زنيم ذلك أن: «أعتى الناس من قتل غير قاتله، أو ضرب غير ضاربه»(2).

إن القتل لأمر عظيم عند اللّه، «فلو أن السماء و الأرض اجتمعوا على قتل رحل مسلم لعذبهم اللّه بلا عدد و لا حساب»(3)، بل إن «من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة، لقي اللّه يوم القيامة مكتوبا بين عينيه: آيس من رحمة اللّه»(4). حتى «إن الرجل ليدفع عن باب الجنّة أن ينظر إليها بمحجمة من دم


1) سورة البقرة، الآيتان: 84-85.

2) الأمالي: للمفيد، ص 126.

3) كنز العمال: خ 39952.

4) ميزان الحكمة: ج 8، ص 41.

يريقه من مسلم بغير حق»(1)، و هكذا فإن «زوال الدنيا أهون على اللّه من دم يسفك بغير حق»(2).

و قد أوحى اللّه إلى موسى بن عمران: «أن يا موسى.. قل للملأ من بني إسرائيل: إياكم و قتل النفس الحرام بغير حق، فإن من قتل منكم نفسا في الدنيا، قتلته مائة ألف قتلة مثل قتل صاحبه»(3).

من هنا كان من وصايا أمير المؤمنين عليه السّلام للناس أن: «من استطاع منكم أن يلقى اللّه تعالى و هو نقيّ الراحة من دماء المسلمين و أموالهم، سليم اللسان من أعراضهم، فليفعل(4).

و لربما يظن البعض أن عليّا الذي دخل الحرب و لمّا يبلغ العشرين، و استمر يخوض المعارك، حتى ذرف على السبعين كانت الدماء بالنسبة إليه سهلة، و سفكها أمرا عاديا، غير أن قليلا من التدقيق يكشف عن ورع شديد عند الإمام في سفك الدماء.. فهو الذي كاد أن يخسر معارك عديدة لأنه رفض أن يبدأ مناوئيه بقتال..

ففي معركة الجمل مثلا ناشد الإمام كلاّ من عائشة و طلحة


1) كنز العمّال: خ 39921.

2) الترغيب و الترهيب: ج 3، ص 396.

3) الوسائل: ج 19، ص 6.

4) نهج البلاغة: الخطب، ص 176.

و الزبير أكثر من مرة أن يحقنوا الدماء، بالرغم من أنهم بدأوا ذلك، و كانت دعوته إلى حقن الدماء قد تكررت «حتى أوشك أصحابه أن يسأموا، و حتى خشوا أن يظن عدوّهم بهم الضعف»(1).

و عاد يكرر: «لا تبدأوا أنتم بالقتال! لا ترموا بسهم، و لا تطعنوا برمح، و لا تضربوا بسيف، و اعذروا». و امتثل أصحابه لما يسمعون.

لكم يشقّ على الإمام أن يرى مسلما يرفع السيف في وجه أخيه، أو عربيا يقتل عربيا!!.. كل هذا بشع و آثم وزري!! و سيفتح باب الخلاف بين المسلمين، و تأتي عصور كقطع الليل المظلمة.. ظلمات من فوقها ظلمات، فإذا الواحد منهم يشرب دم أخيه، و يقتات بأشلائه، و إذا الإنسان الذي شرّفه اللّه، و خلقه على صورته، و جعله خليفته في الأرض، قد أصبح إمّا وحشا مفترسا، أو فريسة ممزقة!!


و أوشك بعض أصحاب عائشة أن يلقوا السلاح، و إذ بسهم يقتل أحد أصحاب علي.. فيقول الإمام: «اللّهمّ


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 276.

فاشهد!.. لا ترموا بسهم و لا تطعنوا برمح و لا تضربوا بسيف.. و اعذروا»(1).

و يقتل من أصحاب الإمام رجل ثان و ثالث، و الإمام يصبر و يصابر و يحتسب و يقول لأصحابه: «اعذروا إلى القوم».

و يكلف أحد فتيانه بأن يرفع القرآن الكريم و يدعو أصحاب عائشة إلى كتاب اللّه، فتنهال السهام على الفتى، و يسقط صريعا يخضب دمه كتاب اللّه.

و تتوالى السهام، فيقول محمد بن أبي بكر: «إلى متى نعذر يا أمير المؤمنين؟! لقد و اللّه أعذرنا و أعذرت، و إنهم ليرموننا بالسهام، و يقتلوننا رجلا رجلا، و اللّه لتأذنن لنا في لقاء القوم أو لتنصرفنّ قبل أن تقتلنا سهامهم و نحن ننظر»!.

و نظر الإمام فوجد السهام تنهمر على أصحابه، فأعطى الراية ابنه محمد ابن الحنفية، و أذن بالقتال، و اندفع إلى الأعداء صائحا في رجاله: «تقدّموا»...


و بالرغم من أن معركة الجمل كانت معركة شرسة، و غير سهلة فإن الإمام كان يؤثر انسحاب المقاتلين من أصحابه على


1) المصدر السابق: ص 277.

تزايد عددهم و الذي كان يؤدّي بلا شك إلى زيادة إراقة الدماء من كلا الطرفين..

و قد روي أن «المغيرة» قال للإمام:

«اختر مني واحدة من اثنتين: إما أن أقاتل معك بأربعة آلاف رجل، و إما أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف».

فقال الإمام: «اكفف عنا عشرة آلاف سيف».

فنادى المغيرة حلفاءه من معسكر عائشة، و قومه من جيش علي، فلم يبق أحد إلاّ أجابه، و اعتزل بهم، فلما انتهى القتال، بايعوا كلهم عليّا..(1).

و في معركة صفّين استبطأ أصحابه إذنه لهم في القتال، حتى أن بعضهم اتهمه عليه السّلام بأنه يخشى الموت.. فقال لهم:

«أمّا قولكم: أكل ذلك كراهية للموت؟ فو اللّه ما أبالي دخلت إلى الموت، أو خرج الموت إليّ، و أمّا قولكم شكّا في أهل الشام فو اللّه ما دفعت الحرب يوما إلاّ و أنا أطمع أن تلحق بي طائفة فتهتدي بي، و تعشو إلى ضوئي، و ذلك أحبّ إليّ من أن أقتلها على ضلالها، و إن كانت تبوء بآثامها(2).

فهو إذن مصلح يريد هداية الناس، حتى الأعداء، و لا


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 276.

2) نهج البلاغة: الخطب، ص 55.

يريد قتلهم، و إن كانوا يستحقون ذلك.. «و لقد أجمع الرواة و المؤرخون أن عليا كان يأنف القتال إلاّ إذا حمل عليه، فكان يسعى أن يسوّي الأمور مع أخصامه و من يبادره بالعداوة على وجوه سليمة تحقن الدم و تحول دون النزال»(1).

نعم حينما تقع الواقعة، و يحاول أهل الشر أن يهلكوا الحرث و النسل، فإن الإمام كان يقاتلهم من غير هوادة، و هذا هو القصاص العادل بحق الّذين يحاربون اللّه و رسوله و يسعون في الأرض فسادا.

فالسيف هو جواب السيف.

و القتل هو جزاء القتل.

و لكن إراقة الدماء أمر آخر.. فالقتال لأجل مبادىء العدل، و الحق، و الحرية، و استتباب الأمن يختلف عن القتل لأجل تقوية السلطة مثلا، و لذلك فإن الإمام كان يوصي ولاته بالتورّع عن إراقة الدماء فيقول لمالك الأشتر، حين ولاّه مصر:

«إياك و الدماء و سفكها بغير حلّها، فإنه ليس شيء أدنى لنقمة، و لا أعظم تبعة، و لا أحرى بزوال نعمة، و انقطاع مدّة من سفك الدماء بغير حقها، و اللّه سبحانه مبتدىء بالحكم بين العباد، فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوّين سلطانك


1) علي و حقوق الإنسان: ص 82.

بسفك دم حرام، فإن ذلك ممّا يضعفه و يوهنه، بل يزيله و ينقله، و لا عذر لك عند اللّه و لا عندي في قتل العمد، لأن فيه قود البدن، و إن ابتليت بخطأ و أفرط عليك سوطك، أو سيفك أو يدك بالعقوبة، فإنّ في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّي إلى أولياء المقتول حقهم»(1).

فلم يكتف الإمام بنصيحة واليه حول إراقة الدماء، و مواعظته في ذلك و تذكيره بيوم الحساب، بل و أعلمه أن سفك الدماء يوهن السلطان، و يأتي بعكس النتائج التي قد يرجوها الحاكمون من ذلك، ثم هدّده بأنه لا عذر له، إن قتل نفسا عن عمد، و سيقتصّ منه بلا مبالاة لوجاهته و مقامه «لأن فيه القود» و القصاص، و ذكّره بأنّ في قتل الخطأ أيضا الديّة التي يجب أن يعطيها لأهل المقتول مع الاعتذار إليهم و الاعتراف بخطئه..

لقد كان الإمام يرى: «أن لكل دم ثائرا(2)، و أن هذا الثأر سوف يؤخذ به إن عاجلا أو آجلا، فلا يجوز الشرع في إراقة الدم».

و حتى مع الأعداء، إذا لم تكن هنالك الضرورة القصوى فلم يكن الإمام يريق دماءهم. و قد روي عن يزيد بن بلال، قال: «شهدت مع عليّ عليه السّلام «صفّين» فكان إذا أتي له بالأسير


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

2) المصدر السابق: الخطب، ص 105

قال: «لن أقتلك صبرا، إني أخاف اللّه ربّ العالمين» و كان يأخذ سلاحه و يحلّفه أن لا يقاتله، و يعطيه أربعة دراهم»(1).

و طلب عليه السّلام من أصحابه بصفّين، أن يطلبوا من اللّه حقن دماء الطرفين بقولهم: «اللّهمّ احقن دماءنا و دماءهم»(2).

و أوصى أقرباءه و أصحابه، أن لا يسفكوا الدماء باسم الثأر من أجله، و ذلك بعد أن ضربه ابن ملجم.. و قال:

«يا بني عبد المطّلب.. لا ألفيّنكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلنّ بي إلاّ قاتلي»(3). و حسب ما ذكره بعض المحققين فإن الإمام لم يقتل من الّذين هم في بلاده الواسعة، الّذين أجرموا أكثر من مائة شخص في مدة حكمه البالغ زهاء خمس سنوات (باستثناء الّذين قتلوا في معاركه الثلاثة)(4).

و كان عليه السّلام يقول لولده الحسن عليه السّلام: «لا تدعون إلى مبارزة، فإن دعيت إليها فأجب، فإن الداعي إليها باغ و الباغي مصروع»(5).


1) كنز العمال: خ 31703.

2) نهج البلاغة: الخطب، ص 206.

3) المصدر السابق: الكتب، ص 47.

4) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 450.

5) نهج البلاغة: الحكم، ص 233.

إنصاف العدو

تظهر أخلاق الرجال الحقيقية في التعامل مع العدوّ، أكثر مما تظهر في التعامل مع الصديق. إذ من الطبيعي أن يتعامل المرء مع أصدقائه بالعدل و الإنصاف. و لكن ماذا عن الأعداء؟

كثيرون هم الّذين يسمحون لأنفسهم، في التعامل مع العدوّ، ما لا يسمحون لها في التعامل مع الصديق، فكأن الأمر حينما يتعلّق بالمناوئين يجوز فيه ما لا يجوز في غيره، من التنكيل، و البطش، و الافتراء، و الدسّ، و الوقيعة، و الفتك. و الغدر..

بينما «أعدل الناس من أنصف من ظلمه»(1)، كما أن «أجور الناس من ظلم من أنصفه»(2).

فالالتزام بقواعد السلوك الإنساني، إنما تكون له قيمته،


1) غرر الحكم و درر الكلم.

2) المصدر السابق.

إذا كان نابعا من القدرة على تجاهلها، لا من الضعف، و الاضطرار إلى ذلك.. من هنا فإن «أعدل الناس من أنصف عن قوّة»(1)، ذلك أنّ «أعدى عدوّ للمرء غضبه و شهوته فمن ملكهما علت درجته، و بلغ غايته»(2).

فالذي يملك غضبه مع عدوّه، و يتجاوز هواه فيه، و لا يظلم من له هوى في ظلمه، هو صاحب الخلق الرفيع حقا..

أما من يصبّ غضبه على من يعاديه، و لا يرعى فيه إلاّ و لا ذمّة، فلا يمكن اعتباره من الملتزمين بالأخلاق، لأنه ينطلق حينئذ من الحقد، أو الغضب و كلاهما من الأخلاق الذميمة..

إن أصحاب الرسالات يختلفون عن غيرهم، في أنّهم ينظرون إلى العدوّ باعتباره من يجب إصلاحه، و لذلك فإن لمعاداتهم حدودا، و لقتالهم حدودا و هم يرغبون في الدرجة الأولى إصلاح العدوّ لا القضاء عليه.

يقول الإمام علي عليه السّلام: «الاستصلاح للأعداء بحسن المقال، و جميل الأفعال، أهون من ملاقاتهم و مغالبتهم بمضيض القتال»(3).


1) ميزان الحكمة: ج 6، ص 88.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) المصدر السابق.

و على كل حال فإنّ أهمّ ما يجب التمتّع به هو العدل مع العدوّ، و عدم الانجرار وراء الغضب، في مواجهته..

يقول الإمام في وصية له إلى ولده الحسن عليه السّلام: «أوصيك بتقوى اللّه في الغنى و الفقر.. و بالعدل على الصديق و العدوّ»(1).

و في وصية أخرى يقول: «أوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها.. و العدل في الرضى و الغضب»(2).

و نعم كلام اللّه الذي يقول: وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (3).

فلو افترضنا أن العدوّ لا يلتزم بأصول العدل، فإنّ علينا أن نلتزم بها حيث إن ذلك جزء من احترامنا لقيمنا و تعاليم ديننا. فلا تجاوز للعدل حتى مع العدوّ، و لا تنازل عن الأخلاق حتى في مواجهة من يدوس عليها ف «كفى بنصر اللّه لك، أن ترى عدوّك يعمل بمعاصي اللّه فيك»(4).


لقد أوصى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليّا ذات مرة فقال:


1) بحار الأنوار: ج 77، ص 236.

2) بحار الأنوار: ج 42، ص 203.

3) سورة المائدة، الآية: 8.

4) بحار الأنوار: ج 78، ص 136.

ينبغي للمؤمن أن تكون فيه ستّ خصال:

«وقور عند الهزاهز».

«صبور عند البلاء».

«شكور عند الرخاء».

«لا يتحامل على الأصدقاء».

«و لا يظلم الأعداء».

«الناس منه في راحة».

«و بدنه منه في تعب».

فكانت هذه الوصيّة، منهج الإمام في الحياة، فلم يتزلزل في مواجهة العدو، و لا تزعزع عند البلاء، و لم ينس الشكر عند الرخاء، و لا تحامل على صديق، و لم يظلم عدوّا. و كان بدنه منه في تعب لزهده و تقواه، و شدّة تتمرّه في ذات اللّه، و الناس كانوا منه في راحة لعدله و إنصافه.

و قد وضع الإمام، بكلامه و مواقفه أصول التعامل مع العدوّ، و ذلك في النقاط التالية:

أولا - لا مواجهة مع العدوّ إلاّ بعد إتمام الحجّة عليه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (1).

ففي كل مواجهة بينه و بين عدوّه، كان يدعوه إلى الحق،


1) سورة الأنفال، الآية: 42.

و يطلب منه الأوبة إلى الرشد، ابتداء من عمرو بن ودّ العامري، و انتهاء بمعاوية بن أبي سفيان.. و مرورا بطلحة و الزبير و عائشة و عمرو بن العاص، و غيرهم من مناوئيه و أعدائه..

فلقد دعا، قبيل معركة الجمل كلاّ من طلحة و الزبير، لكي يناقشهما، و يتمّ الحجّة عليهما، فخرج الزبير على فرسه في عدّة الحرب، فقال الإمام: «أما إنه لأحرى الرجلين إن ذكّر باللّه أن يذّكر»!.

و خرج طلحة، فخرج إليهما علي، فدنا منهما فقال:

«لعمري لقد أعددتما سلاحا و خيلا و رجالا!! لا تكونا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً (1)! ألم أكن أخاكما في دينكما تحرّمان دمي و أحرّم دماءكما: فهل من حدث أحل دمي»؟!. فقال طلحة: «الانتظار على دم عثمان».

فدهمت المرارة قلب الإمام.. أهو طلحة الذي يقول هذا أمام الناس، و ما من أحد يجهل أنه قد حرّض على قتل عثمان؟!..

قال الإمام و وجهه تغشاه ابتسامة ساخرة مشفقة: «يا طلحة! أهو أنت من يطلب دم عثمان؟! فلعن اللّه قتلة عثمان!


1) سورة النحل، الآية: 92.

يا طلحة، أتيت بامرأة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تقاتل بها، و خبّأت امرأتك في البيت!».

و أضاف: «إنكما ممن أرادني و بايعني، فإن كنتما بايعتماني طائعين فارجعا و توبا إلى اللّه من قريب، و إن كنتما بايعتماني كارهين، فقد جعلتما لي عليكما السبيل، بإظهاركما الطاعة، و إسراركما المعصية».

«و لعمري ما كنتما بأحق المهاجرين بالتقية و الكتمان، و إن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان أوسع عليكما، من خروجكما منه، بعد إقراركما به».

«و قد زعمتما أني قتلت عثمان، فبيني و بينكما من تخلّف عنّي و عنكما من أهل المدينة، ثم يلزم كل امرىء بقدر ما احتمل، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما فإن الآن أعظم (ما يترتّب على رجوعكما) العار، من قبل أن يجتمع العار و النار».

و قال لهما أيضا: «استحلفا عائشة بحق اللّه و بحق رسوله على خصال أن تصدّق فيها: هل تعلم رجلا من قريش أولى مني باللّه و رسوله؟ و إسلامي قبل كافّة الناس أجمعين؟ و كفايتي رسول اللّه كفار العرب بسيفي و رمحي، و على براءتي من دم

عثمان، و على أني لم أستكره أحدا على بيعة، و على أنّي لم أكن أحسن قولا في عثمان منكما»(1).

إن الحجّة الوحيدة التي التجأ إليها مناوئو الإمام لتبرير تمرّدهم عليه كانت التهمة بالمشاركة، أو السكوت على مقتل عثمان، و كان الإمام في ذلك الأبرأ منهم جميعا. و كانوا يعرفون هذا الأمر جيدا. غير أن الإمام لم يشأ أن يبقي لهم عذرا يوم القيامة، و لذلك ما فتئ يتبرأ من قتل عثمان، و يلقي عليهم الحجّة تلو الحجّة، ليكونوا على بيّنة من أمرهم، و تكون معذرة للإمام عند اللّه يوم يلقاه.

يقول عليه السّلام في رسالة له إلى معاوية: «أما بعد.. فإن اللّه سبحانه قد جعل الدّنيا لما بعدها، و ابتلى فيها أهلها، ليعلم أيّهم أحسن عملا، و لسنا للدنيا خلقنا، و لا بالسعي فيها أمرنا، و إنّما وضعنا فيها لنبتلى بها. و قد ابتلاني اللّه بك، و ابتلاك بي، فجعل أحدنا حجّة على الآخر، فعدوت على الدّنيا بتأويل القرآن، فطلبتني بما لم تجن يدي و لا لساني، و عصيته أنت و أهل الشام بي، و ألبّ عالمكم جاهلكم، و قائمكم قاعدكم. فاتّق اللّه في نفسك، و نازع الشيطان قيّادك، و اصرف إلى الآخرة وجهك، فهي طريقنا و طريقك.


1) الإمامة و السياسة: ج 1، ص 70.

و احذر أن يصيبك اللّه منه بعاجل قارعة تمسّ الأصل، و تقطع الدابر»(1).

و كما فعل مع طلحة و الزبير و معاوية فعل مع الخوارج، أتمّ الحجّة عليهم أكثر من مرّة، و كان مما قال لهم في إحداها: «.. ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة (التحكيم)، و أخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن و مكيدة لكم، و نبّأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، و أني أعرف بهم منكم، عرفتهم أطفالا و رجالا، فهم أهل المكر و الغدر، و إنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم، فعصيتموني، حتى أقررت بأن حكّمت، فلما فعلت شرطت و استوثقت، فأخذت على محكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، و أن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا و خالفا حكم الكتاب و السّنّة، فنبذنا أمرهما، و نحن على أمرنا الأوّل. فما الذي بكم، و من أين أتيتم؟.

يا هؤلاء.. إن أنفسكم قد سوّلت لكم فراق هذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها، و سألتموها و أنا لها كاره، فأبيتم عليّ إباء المخالفين، و عدلتم عنّي عدول النكداء العاصين حتى صرفت رأيي إلى رأيكم.. فلم آت لا أبا لكم حراما، و اللّه ما خبلتكم عن أموركم، و لا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم..


1) الطراز: ج 2، ص 393.

فبيّنوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا و الخروج عن جماعتنا، أن تضعوا أسيافكم على عواتقكم، ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم، و تسفكون دماءهم إن هذا لهو الخسران المبين»(1).

و أضاف عليه السّلام: «فإن أبيتم إلاّ أن تزعموا أني أخطأت و ضللت، فلم تضلّلون عامّة أمة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بضلالي، و تأخذونهم بخطئي، و تكفّرونهم بذنوبي، سيوفكم على عواتقكم تضعونها مواضع البرّ و السقم، و تخلطون من أذنب بمن لم يذنب، و قد علمتم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رجم الزاني المحصن، ثم صلّى عليه، ثم ورّثه أهله. و قتل صلّى اللّه عليه و آله و سلّم القاتل و ورّث ميراثه أهله. و قطع السارق و جلد الزاني غير المحصن، ثم قسّم عليهما من الفيء و نكحا المسلمات، فأخذهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بذنوبهم، و أقام حق اللّه فيهم، و لم يمنعهم سهمهم من الإسلام، و لم يخرج أسماءهم من بين أهله.. ثم أنتم شرار الناس، و من رمى به الشيطان مراميه، و ضرب به تيهه، و سيهلك فيّ صنفان: محبّ مفرط يذهب به الحب إلى غير الحق، و مبغض مفرط يذهب به البغض إلى غير الحق، و خير الناس فيّ حالا النّمط الأوسط فالزموه..»(2).


1) تاريخ الطبري: ج 5، ص 85.

2) معدن الجواهر: للكراجكي، ص 226.

و هكذا كان الإمام لا يقاتل أحدا إلاّ بعد إتمام الحجّة عليه، و لم يكن يستخفّ بعدوّه من أن يكلّمه، و ينبذ إليه على سواء.. و قد قال عليه السّلام في ذلك قولا صريحا، و بيّن طريقته بشكل لا لبس فيه، و ذلك حينما جاء رجل فقال: «يا أمير المؤمنين: في أصحابك رجال قد خشيت أن يفارقوك فما ترى فيهم»؟.

فقال عليه السّلام: «إني لا آخذ على التهمة، و لا أعاقب على الظنّ، و لا أقاتل إلاّ من قاتلني، و ناصبني و أظهر لي العداوة، و لست مقاتله حتى أدعوه، و أعذر إليه، فإن تاب و رجع إلينا قبلنا منه، و هو أخونا، و إن أبى إلاّ الاعتزام على حربنا استعنا عليه اللّه، و ناجزناه»(1).


ثانيا - ردّ التهديد بمثله، و قبول طلب الصلح بمثله أيضا.

فلا يجوز التنازل لتهديدات العدوّ، كما لا يجوز ردّ الصلح معه..

فلا ضعف أمام الأعداء، و لا تحامل عليهم.

أمّا عن قبول طلب الصلح فيقول الإمام عليه السّلام في عهده إلى مالك الأشتر: «و لا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوّك، و للّه فيه رضا، فإن في الصلح دعة لجنودك، و راحة من همومك، و أمنا


1) الإمام القائد: ص 191.

لبلادك، و لكنّ الحذر كل الحذر من عدوّك بعد صلحه، فإن العدوّ ربما قارب ليتغفّل»(1).

و أما عن رد التهديد بمثله، فنجد نموذجا له في الرسالة التالية التي أرسلها الإمام إلى معاوية، ردّا على رسالة يتهدّد فيها الإمام بالحرب..

«يا معاوية إن الدنيا مشغلة عن غيرها، و لم يصب صاحبها منها شيئا إلاّ فتحت له حرصا عليها، و لن يستغني صاحبها بما نال فيها عمّا لم يبلغه منها، و من وراء ذلك فراق ما جمع، و نقض ما أبرم! و لو اعتبرت بما مضى، حفظت ما بقي.

و أما تمييزك بين الشام و البصرة و ذكرك طلحة و الزبير رحمهما اللّه، فلعمري ما الأمر إلاّ واحد! و أما ولوعك بي في أمر عثمان فو اللّه ما قلت ذلك عن حق العيان، و لا عن يقين الخبر. و أما فضلي في الإسلام، و قرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و شرفي في قريش، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته!.

و أقسم باللّه أنه لو لا بعض الاستبقاء، لوصلت إليك مني قوارع تقرع العظم و تهلس اللحم (أي تذيبه).

و اعلم أن الشيطان قد ثبطك عن أن تراجع أحسن أمورك، و تأذن لمقال نصيحتك. فكيف أنت صانع إذا انكشفت عنك


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 53.

جلاليب ما أنت فيه من دنيا قد تبهّجت بزينتها، و خدعت بلذتها، و قادتك فاتبعتها، و أمرتك فأطعتها؟. خذ أهبّة الحساب، و شمّر لما نزل بك، و لا تمكّن الغواة من سمعك، فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه، و بلغ فيك أمله، و جرى منك مجرى الروح و الدم!..

و متى كنتم يا معاوية ساسة الرعية، و ولاة أمر الأمة، بغير قدم سابق، و لا شرف باسق. و نعوذ باللّه من لزوم سوابق الشقاء!؟ أحذرك أن تكون متماديا في غرة الأمنية، مختلف العلانية و السريرة.

و قد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانبا، و اخرج إليّ، و اعف الفريقين من القتال، ليعلم أيّنا المرين عن قلبه، المغطّى على بصره، فأنا أبو حسن قاتل جدّك عتبة و خالك الوليد و أخيك حنظلة شدخا يوم بدر، و ذلك السيف معي، و بذلك القلب ألقى عدوي! ما استبدلت دنيا، و لا استحدثت نجيا، و إني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين، و دخلتم فيه كارهين!

يا معاوية كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذا احمرّ البأس، و أحجم الناس، قدم أهل بيته، فوقى بهم أصحابه حرّ الأسنّة و السيوف فقتل ابن عمه عبيدة بن الحارث يوم بدر، و قتل حمزة يوم

أحد، و قتل جعفر بن أبي طالب يوم مؤتة، و أراد من شئت ذكرت اسمه مثل الّذين أرادوا من الشهادة، (يعني نفسه) و لكن آجالهم عجلت، و منيتهم أجلت فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي، و لم تكن له كسابقتي!

لقد خبأ الدهر لنا منك عجبا! فارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته، لقد ابتلاني اللّه بك، و ابتلاك اللّه بي، و أرى نفسك قد أولجتك شرا، و أقحمتك غيّا، و أوردتك المهالك، و أوعرت عليك المسالك، فاتّق اللّه في نفسك، و نازع الشيطان قيادّك، و اصرف إلى الآخرة وجهك، فهي طريقنا و طريقك، فانزع عن غيّك و شقاقك».

«أما إصرارك على أنه ليس لي و لأصحابي عندك إلاّ السيف، فلقد أضحكت بعد استعبار! و متى ألفيت بني عبد المطلب عن الأعداء ناكلين، و بالسيف مخوّفين!؟..

فسيطلبك من تطلب، و يقرب منك ما تستبعد.

و أنا مرفل (مسرع) نحوك في جحفل من المهاجرين و الأنصار، و التابعين لهم بإحسان، شديد زحامهم، ساطع قتالهم، متسربلين سربال الموت، أحب اللقاء إليهم لقاء ربهم، قد صحبتهم ذرية بدرية، و سيوف هاشمية، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك و خالك و جدك و أهلك (و ما هي من

الظالمين ببعيد).. و السّلام لأهله. السّلام على من اتّبع الهدى»(1).

إن الردّ على تهديدات العدوّ، لا تعني ظلمه، بل هو العدل بعينه لأنّ العدل أساسا لا يتجزّأ، فإذا اعتدى أحد عليه، و بدأ يرعد و يزبد ليخوّف أهل الحق فلا بدّ من ردّه بالشكل المناسب له..

و لقد ردّ الإمام، في رسالة أخرى، تهديدات معاوية، بفضحه و فضح بني أميّة في الجاهلية و الإسلام.. فقال له فيها:

«.. إنك لذهّاب في التيه، روّاغ عن القصد، ألا ترى - غير مخبر لك و لكن بنعمة اللّه أحدّث - إن قوما استشهدوا في سبيل اللّه تعالى من المهاجرين و الأنصار، و لكلّ فضل حتى إذا استشهد شهيدنا قيل: «سيّد الشهداء» و خصّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه، أو لا ترى أن قوما قطّعت أيديهم في سبيل اللّه - و لكل فضل - حتى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم قيل: «الطيّار في الجنة ذو الجناحين»، و لو لا ما نهى اللّه عنه من تزكية المرء نفسه، لذكر ذاكر فضائل جمّة، تعرفها قلوب المؤمنين، و لا تمجّها آذان السامعين، فدع عنك


1) صبح الأعشى: ج 1، ص 229.

من مالت به الرّمية، فإنّا صنائع ربّنا، و الناس بعد صنائع لنا..

لم يمنعنا قديم عزّنا، و لا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا فنكحنا و أنكحنا فعل الأكفاء، و لستم هناك. و أنى يكون ذلك و منّا النبي، و منكم المكذّب! و منّا أسد اللّه و منكم أسد الأحلاف! و منّا سيدا شباب أهل الجنة، و منكم صبية النار! و منّا خير نساء العالمين، و منكم حمّالة الحطب، في كثير مما لنا عليكم..»(1).

«فإني أولي (أحلف) لك باللّه إلية غير فاجرة، لئن جمعتني و إيّاك جوامع الأقدار لا أزال بباحتك حتى يحكم اللّه بيننا، و هو خير الحاكمين»(2).

ثالثا - الالتزام بمبادىء الفروسية، و أصول الأخلاق، في القتال، و الصلح معا. أمّا في القتال مع البغاة فقد أمر الإمام بما يلي:

1 - منع قتل الجرحى.

2 - منع تعقيب الفارين.

3 - منع الكشف عن العورات.

4 - منع التمثيل بالقتلى.


1) نهاية الإرب: ج 7، ص 233.

2) نهج البلاغة: الكتب، 55.

5 - منع هتك الأستار.

6 - منع توزيع أموال الأعداء، إلاّ ما كان في معسكرهم.

7 - اعتبار من يلقي سلاحه آمنا، و كذلك من يمتنع عن المشاركة في القتال.

لقد خطب الإمام في رجاله قبل معركة الجمل، فقال: «يا أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح، و لا تتبعوا موليا، و لا تطلبوا مدبرا، و لا تكشفوا عورة، و لا تمثلوا بقتيل، و لا تهتكوا سترا، و لا تفرّقوا شيئا من أموالهم إلاّ ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع (الدواب) أو عبد أو أمة، و ما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم. و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن».

و أمّا في الصلح، و حالات السّلام مع العدو، فقد أمر الإمام بما يلي:

1 - الالتزام ببنود الصلح، و عدم مخالفتها.

2 - الابتعاد عن الغدر و الفتك و نقض العهود.

3 - مراعاة الأمانة، و الابتعاد عن الإدغال و المدالسة.

4 - عدم المطالبة بفسخ العهود بغير الحق.

يقول عليه السّلام في عهده إلى الأشتر: «.. إن عقدت بينك و بين

عدوّك عقدة، أو ألبسته منك ذمّة، فحطّ عهدك بالوفاء، و ارع ذمّتك بالأمانة، و اجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت، فإنّه ليس من فرائض اللّه شيء، الناس أشدّ عليه اجتماعا، مع تفرّق أهوائهم و تشتت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرنّ بذمّتك، و لا تخيّسن بعهدك، و لا تختلن عدوّك، فإنّه لا يجترىء على اللّه إلاّ جاهل شقيّ. و قد جعل اللّه عهده و ذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، و حريما يسكنون إلى منعته، و يستفيضون إلى جواره، فلا إدغال، و لا مدالسة، و لا خداع فيه»(1).


رابعا: تجنب إيذاء العوائل، من النساء و الأطفال: فلا ذنب لهم، و لا يجوز بأي حال من الأحوال التعرّض لهم، و تهييجهم.

و قد روي أن بعض النسوة في حروب الإمام علي عليه السّلام بدأن يسببن أصحابه و يسبونه و كان بعض أصحابه قد حاول أن ينال من النسوة اللائي سببنه فقال: «لا تؤذوا النساء و إن شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم و صلحاءكم، فالنساء ضعيفات، و لقد كنّا ننهى عنهن و هنّ مشركات، و كان الرجل ليضرب


1) نهج البلاغة: الكتب، 53.

المرأة بالهراوة، فيعيّر بها هو و ولده من بعده، كان هذا و هنّ مشركات، فكيف و هنّ مؤمنات؟!

لقد حاربنا الرجال فحاربناهم، و أما النساء و الذراري فلا سبيل لنا عليهم، لأنهنّ مسلمات، و في دار هجرة، فليس لكم عليهن سبيل.

فأما ما أجلبوا عليكم به و استعانوا به على حربكم، و ضمّه عسكرهم و حواه فهو لكم، و ما كان في دورهم فهو ميراث على فرائض اللّه لذراريهم فليكن هذا سنّة لمن يأتي من بعدنا»(1).

و روي أنه قيل لعلي عليه السّلام بعد معركة الجمل: إن رجلين وقفا على باب عائشة يغلظان لها القول. فأمر الإمام بهما فجلد كل واحد منهما ثمانين جلدة(2)!.

خامسا - تحريم سبي النساء و الذراري في الحروب مع المسلمين:

روي أنه حينما تراءى الجمعان و اقتربا في قبيل معركة الجمل قال الأحنف بن قيس لعلي عليه السّلام و كان قد بايعه بالمدينة: «إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظفرت عليهم قتلت رجالهم و سبيت نساءهم»! فقال عليه السّلام: «ما مثلي يخاف


1) مروج الذهب: ج 2، ص 731.

2) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 284.

هذا منه! و هل يحلّ هذا إلاّ لمن تولّى و كفر؟ و هم قوم مسلمون»؟!.

و بعد الحرب، و انتصار الإمام منع عليه السّلام أصحابه أن يسبوا النساء و الذراري و قال: «ليس على الموجودين سبي و لا يغنم من أموال إلاّ ما قاتلوا به أو عليه، فدعوا ما لا تعرفون.

و الزموا ما تؤمرون»!. فراجعوه، و أكثروا عليه فقال ضيّقا بهم: «هاتوا أسهمكم و اضربوا أيها المؤمنون على أمّكم عائشة، أيكم يأخذها»؟!.

فنزعوا قائلين: «نستغفر اللّه».

فتنفّس الصعداء قائلا: «و أنا أستغفر اللّه»(1).


سادسا - معالجة الجرحى من الأعداء:

حينما يجرح أحد أفراد العدو، و يقع في الأسر، فلا بدّ من معالجته، لأنه حينئذ ليس عدوا، بل هو أسير.. و للأسرى احترامهم، و حقوقهم..

و قد كان الإمام عليّ يراعي تلك الحقوق، و يحترم الأسرى، و من ذلك ما روي أنه عليه السّلام دعا الإمام إليه محمد بن


1) المصدر السابق: ص 268.

أبي بكر فقال: «انظر هل وصل إلى أم المؤمنين شيء من مكروه»؟(1).

فجاءها فضرب الهودج بيده فقالت: «من أنت»!.

قال: «أقرب الناس منك قرابة، و أبغضهم إليك! أنا محمد أخوك! يقول لك أمير المؤمنين هل أصابك شيء»؟

قالت: «ما أصابني إلاّ سهم لم يضرّني».

فقال لها: «أما سمعت الرسول يقول: عليّ مع الحق، و الحق مع عليّ؟ ثم خرجت تقاتلينه».

قالت: «فليغفر اللّه لي»!.

و قال لها عمّار بن ياسر: «أين أنت اليوم يا أم المؤمنين و العهد الذي عهد إليك»؟

فقالت: «إنك و اللّه قوّال بالحق»!(2).


ثم إن أمير المؤمنين لم يكتف بالتعامل الإنساني العادل، مع أعدائه، بل إنّه أضاف العنصر الأخلاقي إليه، فلم يرض مثلا أن يسبّ أعداءه، أو يتّهموا بما ليس فيهم.. فقد روي أن الإمام بعد معركة الجمل لم يقل في أعدائه إلاّ «أنهم ذاقوا


1) الكامل في التاريخ: ج 3، ص 133.

2) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 281.

وبال أمرهم» و حدث أن رجلا من أصحابه وثب فقال متقرّبا للإمام متوددا إليه: «أي و اللّه يا أمير المؤمنين الحمد للّه الذي نصرك على الباغين الظالمين الكافرين المشركين».

فقال له الإمام غاضبا: «ثكلتك أمك! ما أقواك بالباطل، و أجرأك على أن تقول ما لا تعلم! ليس القوم كما تقول!.. لو كانوا كافرين مشركين، لسبينا نساءهم، و غنمنا أموالهم، و لما صاهرناهم و لا أورثناهم»(1). و هكذا رفض أن ينعتوا بما ليس فيهم، و ينسبوا إلى الكفر و هم منه براء.

ثم إنه عليه السّلام اهتمّ بقتلى أعدائه، كما اهتم بأصحابه، فصلى على القتلى من الجانبين، و بكى أعداءه كما بكى أحبّائه.

فقد روى سفيان الثوري فقال: «لما انقضى يوم الجمل خرج علي بن أبي طالب في ليلة ذلك اليوم و معه مولاه و بيده شمعة يتصفّح وجوه القتلى، حتى وقف على طلحة بن عبيد اللّه في بطن واد متعفرا، فجعل يمسح الغبار عن وجهه و يقول:

أعزز عليّ يا أبا محمد أن أراك متعفرا تحت نجوم السماء و في بطون الأودية، إنّا للّه و إنّا إليه راجعون»(2).


1) المصدر السابق: ص 293.

2) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 338.

و أضاف: لقد كنت كارها لهذا.. أنت و اللّه كما قال القائل:

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا هو ما استغنى و يبعده الفقر

كأن الثريا علقت في يمينه و في خده الشعرى، و في الآخر البدر

و وجد الإمام جثمان محمد بن طلحة فقال: «أما و اللّه لقد قتلك برّك بأبيك! رحمك اللّه يا محمد.. لقد كنت في العبادة مجتهدا»(1).


و كان عليه السّلام يقبل الحق في الأمور الصغيرة كما يقبله في الأمور الكبيرة، و كان يقبل من عدوّه الحق الذي له، كما يقبل من أصحابه ذلك..

فقد قبل أن تمحى من اسمه لقب «أمير المؤمنين» و هو اللّقب الذي منحه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له في حياته، لأن عدوّه رفض الاعتراف بكونه أميرا للمؤمنين، و ذلك في كتابة وثيقة التحكيم في حرب صفّين، فقد روي، أنه عليه السّلام، و بحضور جمع من الطرفين، فيهم عمرو بن العاص، أخذ يملي وثيقة


1) المصدر السابق.

التحكيم، فأملى عليه السّلام: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين..» فقال عمرو للكاتب: «بل اكتب اسمه و اسم أبيه، هو أميركم و ليس أميرنا».

فقال الأحنف للإمام: «لا تمح اسم أمير المؤمنين فإني أتخوّف إن محوتها ألاّ ترجع إليك أبدا».

فقال الإمام: «اللّه أكبر! سنة بسنّة! و اللّه إني لكاتب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم الحديبية، فكتبت: محمد رسول اللّه، فقال سهيل بن عمر مبعوث كفار قريش إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: لو كنت رسول اللّه لاتّبعناك، و لكن اكتب اسمك و اسم أبيك.

فأمرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بمحوه، فقلت: لا أستطيع! فقال: يا عليّ إني لرسول اللّه، و إني لمحمد بن عبد اللّه، و لن يمحو عنّي الرسالة كتابي إليهم من محمد بن عبد اللّه. و إنك ستدعى إلى مثلها فتجيب!».

فقلت لسهيل بن عمرو مبعوث كفار قريش: إنه لرسول اللّه و إن رغم أنفك.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا علي اكتب محمد بن عبد اللّه.

إن لك مثلها ستعطيها و أنت مضطهد»!.

و سكت عليّ ثم أضاف: «فاليوم أكتبها إلى أبنائهم كما كتبها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى آبائهم سنة و مثلا».

فقال عمرو: «سبحان اللّه، تشبّهنا بالكفّار و نحن مؤمنون»؟!، و أضاف: «لا يجمع بيني و بينك مجلس أبدا بعد هذا اليوم».

فقال له الإمام: «و إني لأرجو أن يطهّر اللّه عزّ و جلّ مجلسي منك و من أشباهك»(1).

و لقد ظهر عدل الإمام كأروع ما يكون مع قاتله عبد الرحمن بن ملجم قبل أن يرتكب جريمته، و بعدها أيضا..

فلقد كان الإمام يتنبأ بأنه سيتعرّض لعملية اغتيال على يد ابن ملجم، و كان كلّما رآه يقول:

أريد حياته، و يريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد(2)

و لقد صرّح لبعض أصحابه، بأنه يتوقع أن يغتاله ابن ملجم، فقيل له: «يا أمير المؤمنين.. دعنا نقتله..».

فقال: «أترون أن أقتل رجلا لم يصنع بي شيئا»(3).

كان ذلك قبل أن يرتكب الرجل جريمته.. أمّا بعد أن اغتال الإمام بسيف مسموم، ضربه و هو عليه السّلام في محراب عبادته، و الصلاة بين شفتيه، ضربة قال عنها: «إنها لو كانت بأهل مصر جميعا لأتت عليهم»؟؟.


1) تاريخ الطبري: ج 5، ص 54-55.

2) الاستيعاب: ج 3، ص 127.

3) الطبقات الكبرى: ج 3، ص 34.

فقد أخذوه إلى الإمام مخفورا، فنظر في وجهه مليا، ثم قال و كأنه عليه السّلام يذكره بماضي عطاياه له:

«أبئس الإمام كنت لك»؟

فقال المرادي - الذي كان مدفوعا، في عمله الجبان ذاك بحقد الخوارج و غرام قطام -:

«أفأنت تنقذ من في النار، يا علي؟!»(1).

فأمر الإمام أن يؤخذ معه إلى داره، و أوصى به خيرا فقال:

«أطيبوا طعامه، و لينوا فراشه»(2)!.

و كان عليه السّلام كلّما شرب اللبن، الذي أوصى به الطبيب لدفع السم يبقي منه نصفه، و يقول لولده:

«أطعموه أسيركم..»، و يقصد ابن ملجم(3).

حتى إذا جيء له في أواخر لحظات حياته، بشربة قليلة فشربها كلها، قال:

«اعلموا، أن هذا آخر رزقي من الدّنيا، و قد شربت الجميع، و لم يبق لأسيركم..».

ثم التفت إلى ولده الحسن عليه السّلام، و قال:


1) عليّ من المهد إلى اللّحد.

2) مقاتل الطالبيين: ص 38.

3) المعمرون و الوصايا: ص 149.

«بحقي عليك يا بني، الاّ ما سقيته مثل ما شربت..».

و أضاف: «يا بنيّ، أنت وليّ الأمر من بعدي، و وليّ دمي، فإن عفوت فلك، و إن قتلت فضربة مكان ضربة..»(1).

و التفت إلى من كان معه في الحجرة فقال:

«يا بني عبد المطّلب، لا ألفينّكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون: قتل أمير المؤمنين، ألا لا يقتلنّ بي إلاّ قاتلي.

انظروا إذا أنا متّ من ضربتي هذه، فاضربوه ضربة بضربة، و لا يمثّل بالرجل، فإني سمعت رسول اللّه يقول: «إيّاكم و المثلة، و لو بالكلب العقور..»(2).

و أضاف: «ارفقوا به، و أطعموه مما تأكلون، و اسقوه مما تشربون»(3).


1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 448.

2) المعارف: ج 2، ص 178.

3) غزوات أمير المؤمنين: ص 225.

العفو مع الاقتدار

الأهم من الانتصار هو العفو مع الاقتدار.

فالانتصار عملية مادية، تتحدّد بالزمان و المكان، أمّا العفو فهو عمل إنساني عظيم يستعصي على الحدود، و يتجاوز الزمان لأن «العفو زكاة الظفر»(1).

و الحقيقة فإن «أولى الناس بالعفو، أقدرهم على العقوبة»(2). بينما «قلة العفو، أقبح العيوب و التسرّع إلى الانتقام أعظم الذنوب»(3)، و لا شك أن «شر الناس من لا يعفو عن زلّة، و لا يستر العورة»(4)، و حتما فإن «من لم يحسن العفو أساء بالانتقام»(5).


1) نهج البلاغة: الحكم، 211.

2) شرح نهج البلاغة: ج 18، ص 183.

3) غرر الحكم و درر الكلم.

4) المصدر السابق.

5) ميزان الحكمة: ج 6، ص 370.

و هكذا فإن «العفو تاج المكارم»(1).

بالإضافة إلى «أن اللّه تعالى عفوّ يحب العفو»(2)، و قد ذخر للعافين ثوابا عظيما «فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد يسمعه أهل الحشر»، فيقول: «أين أهل الفضل؟ فيقوم عنق من الناس، فتستقبلهم الملائكة»، فيقولون: «ما فضلكم هذا الذي نوديتم به»؟ فيقولون: «كنّا يجهل علينا في الدنيا فنحلم. و يساء إلينا فنعفو». فينادي مناد من اللّه تعالى: «صدق عبادي خلّوا سبيلهم، ليدخلوا الجنة بغير حساب»(3).

و قد يظن بعض الحكّام أنّ الانتقام يمدّه بالسلطان أكثر من العفو، لأنه يظن أن في العفو ضعفا. غير أنّ التاريخ يثبت أن «عفو الملك أبقى للملك»(4)، و «العفو لا يزيد العبد إلاّ عزا»(5)، بل إنه من «حق من ساءك أن تعفو عنه، و إن علمت أن العفو يضرّ انتصرت». قال اللّه تعالى: وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41)(6)(7).



1) غرر الحكم و درر الكلم.

2) كنز العمّال، خ 7005.

3) الفقه: الاجتماع، ص 545.

4) الوسائل: ج 8، ص 519.

5) كنز العمّال: خ 7012.

6) سورة الشورى، الآية: 41.

7) بحار الأنوار: ج 74، ص 9.

لقد كان الإمام أمير المؤمنين يوصي كل واحد من أصحابه فيقول: «إذا قدرت على عدوّك، فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه»(1).

و يقول: «العفو أعظم الفضيلتين»(2).

و يقول: «شيئان لا يوزن ثوابهما: العفو و العدل»(3).

و يقول: «أحسن المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر»(4)

و كان هو متخلقا بأخلاق اللّه عظيم العفو حسن التجاوز..

و لربما يظهر من كلام له قبل موته، أنه كان ينوي العفو عن قاتله «عبد الرحمن بن ملجم» فقد قال:

«إن ابق، فأنا وليّ دمي، و إن أفن فالفناء ميعادي، و إن أعف فالعفو لي قربة، و هو لكم حسنة، فاعفوا، ألا تحبون أن يغفر اللّه لكم»(5)؟.

لقد انتصر الإمام في بعض المعارك، فاستولى على كثير من أعدائه الّذين ظلموه و قاتلوه، فأسرهم، و لكن لم يقم بأية


1) لباب الآداب: ص 335.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) المصدر السابق.

4) ميزان الحكمة: ج 6، ص 371.

5) إثبات الوصية: ص 103.

تصفيات، أو حتى إلغاء مناصب مخالفيه، أو مصادرة أموالهم، بل أطلق سراحهم و عفا عنهم و أعطاهم الأموال..

فلقد جيء إليه بموسى بن طلحة بن عبيد اللّه فقال له الإمام:

«قل: أستغفر اللّه و أتوب إليه ثلاث مرات». و لما قالها خلّى سبيله، و قال له: «اذهب حيث شئت، و ما وجدت لك في عسكرنا من سلاح أو كراع فخذه، و اتّق اللّه فيما تستقبله من أمرك، و اجلس في بيتك»(1).

و كان عليه السّلام إذا أخذ أسيرا في حروب الشام، أخذ سلاحه و دابّته، و استحلفه أن لا يعين عليه، و يتركه و شأنه(2). و كان يفعل ذلك رجاء ثواب اللّه أ ليس هو القائل «ما المجاهد الشهيد في سبيل اللّه بأعظم أجرا ممّن قدر فعفّ.. لكاد العفيف أن يكون ملكا من الملائكة»(3).

و لقد ظهر عفوه عليه السّلام كأعظم ما يكون في معركة الجمل، و هي من أخطر المعارك التي خاضها، لأنها فتحت عليه باب التمرّد، و أضعفت جبهته الداخلية، و لولاها لم تكن معركة صفّين و النهروان..


1) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 317.

2) بحار الأنوار: ج 41، ص 50.

3) نهج البلاغة: الحكم، 474.

و قد قتل في تلك المعركة عشرة آلاف، نصفهم كانوا من أصحابه و كانت «عائشة بنت أبي بكر» هي المحور، و هي المسؤولة عنها، مع كل من طلحة و الزبير، و كان من المفترض أن الإمام حينما ينتصر عليهم، أن يضع السيف في رقابهم، و ينكّل بمن تبقّى منهم ليغلق على نفسه باب التمرّد و المعارضة.

و لكنه عليه السّلام لم يفعل..

بل صفح و عفا «فآمن الأسود و الأحمر»(1)على حدّ تعبير اليعقوبي في تاريخه.

و حينما واجه «عائشة» بادرته بقولها:

«ملكت فاسجح»، أي قدرت فاعفو.

فعفا عنها، فطلبت منه أن يعفو عن عبد اللّه بن الزبير، و هو الذي دفع أبيه إلى التمرّد على الإمام حتى قال عليه السّلام: «ما زال الزبير رجلا منّا أهل البيت حتى نشأ ابنه المشؤوم عبد اللّه»(2)، و هو الذي كان يؤلّب الناس على الإمام في المعركة و يقول عنه: «قد جاءكم الوغد اللئيم علي بن أبي


1) تاريخ اليعقوبي: ج 2، ص 159.

2) نهج البلاغة: الحكم، ص 453.

طالب». تشفّعت له عائشة فقبل شفاعتها فيه، و لم يزد على قوله له: «اذهب فلا أرينّك»(1).

ثم أمر مناديه أن ينادي في أقطار المعسكر:

«ألا لا يتّبع مولّ، و لا يجهز على جريح، و لا يقتل مستأسر. و من ألقى سلاحه فهو آمن، و من تحيّز إلى عسكري فهو آمن»(2).

و لم يأخذ الإمام أثقالهم، و لا سبى ذراريهم، و لا غنم شيئا من أموالهم، بل أبى إلاّ العفو و الصفح، و قال: «مننت على أهل البصرة، كما منّ رسول اللّه على أهل مكة»(3).

ثم إن الإمام عمد إلى بيت المال فقسّم ما وجد فيه على الناس بالسواء، من دون أن يمنع أصحاب الجمل منه شيئا، كما سار إلى عائشة وزارها في دار عبد اللّه بن خلف حيث كانت تقيم فيه، فأمرها بالانصراف إلى المدينة لتقرّ في بيتها كما أمرها اللّه تعالى في قوله: وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى (4).

و جهّزها الإمام بخير جهاز من مركب وزاد و متاع، و بعث


1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 441.

2) المصدر السابق: ص 442.

3) المصدر السابق.

4) سورة الأحزاب، الآية: 33.

معها كل من نجا ممّن خرج معها، إلاّ من آثر البقاء في البصرة و انضم إلى الإمام.

و شيّعها الإمام عليّ أميالا، و سرّح أبناءه معها يوما.. كل ذلك تكريما لها و إعزازا.

و اختار لها أربعين سيدة من شريفات نساء البصرة و مقاتلاتها، ألبسهنّ ملابس الرجال، و سلّحهن بالسيوف و الدروع، و أمرهنّ أن يلزمنها، و سيّر معها أخاها محمد بن أبي بكر، و كانت عائشة تظن طوال الطريق، أن تلك النسوة رجال، و لذلك كانت تتأفف قائلة: «هتك عليّ ستري، و وكّل بي الرجال» و لكنهنّ لم يكشفن عن وجوههن إلاّ بعد الوصول إلى المدينة، و حينئذ ألقين عمائمهنّ، و قلن لها:

«إنما نحن نسوة يا عائشة، و لم يهتك عليّ سترك، بل هتك سترك من أخرجك من دارك»(1).

لقد كان الإمام عظيم العفو، و قد جعل الآية الكريمة:

وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ (40)(2). نصب عينيه في كل موقف انتصر فيه على عدوّه.


1) عليّ من المهد إلى اللّحد.

2) سورة الشورى، الآية: 40.

و من ذلك أنه بعد معركة الجمل، و انتهاء ذيولها، و فيما كان يهمّ بالخروج، وقف على فرسه و نادى في أهل البصرة قائلا:

«يا أهل البصرة: دخلت بلادكم بأشمالي هذه و رحلي و راحلتي ها هي، فإن أنا خرجت منها بأكثر مما دخلت فإني من الخائنين»(1)!

و أضاف و هو يشير إلى القميص الذي عليه:

«يا أهل البصرة.. ما تنقمون مني.. إن هذا من غزل أهلي»(2).

فلم يكتف بأن عفا عنهم، و قسّم بينهم بيت المال، و نهى تعقيبهم، و إنما طلب منهم «وثيقة براءة» لنفسه أيضا»!


و من عفوه أيضا ما روي: أن رجلا اسمه «لبيد بن عطارد» التميمي، كان مطلوبا من قبل الإمام، لما كان يبثّه من روح سلبية و تثبيط للعزائم، فمرّ به الإمام في «بني أسد». فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسديّ فأفلته، فبعث إليه أمير المؤمنين عليه السّلام فأتوه به، و أمر به أن يضرب فقال لبيد للإمام:


1) بحار الأنوار: ج 40، ص 325.

2) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 305.

نعم و اللّه إن المقام معك لذلّ، و إنّ فراقك لكفر.

فلما سمع ذلك منه قال:

قد عفونا عنك إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ (1)أما قولك: إن المقام معك لذلّ فسيئة اكتسبتها، و أمّا قولك إن فراقك لكفر فحسنة اكتسبتها، فهذه بهذه(2).


و من عفوه، ما روي عن رجل من مراد قال: كنت واقفا عند أمير المؤمنين يوم البصرة إذ أتاه ابن عباس بعد القتال فقال: «إن لي حاجة»، فقال عليه السّلام: «ما أعرفني بالحاجة التي جئت فيها، تطلب الأمان لابن الحكم»؟.

فقال ابن عباس: «نعم، أريد أن تؤمنه»..

فقال عليه السّلام: «آمنته، و لكن اذهب و جئني به و لا تجئني به إلا رديفا فإنه أذلّ له».

فجاء به ابن عباس ردفا خلفه كأنه قرد.

فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: أتبايع»؟.

قال: نعم، و في النفس ما فيها.


1) سورة المؤمنون، الآية: 96.

2) بحار الأنوار: ج 41، ص 49.

قال عليه السّلام: «اللّه أعلم بما في القلوب»..

فلما بسط يده ليبايعه سحب كفه عن كف مروان فنترها قائلا:

«لا حاجة لي فيها، إنها كف يهودية لو بايعني بيده عشرين مرّة لنكث بإسته»، ثم قال عليه السّلام: هيه..! يا ابن الحكم خفت على رأسك أن تقع في هذه المعمعمة؟(1)


و من عفوه عليه السّلام أنه «كان إذا أخذ أسيرا في حروب الشام، صادر منه سلاحه، و دابّته، و استحلفه أن لا يعين عليه، و عفا عنه، و تركه».

و من عفوه: و دعا عليه السّلام غلاما له مرارا فلم يجبه، فخرج فوجده على باب البيت، فقال: ما حملك على ترك إجابتي؟ قال: كسلت عن إجابتك و أمنت عقوبتك، فقال: الحمد للّه الذي جعلني ممّن يأمنه خلقه، امض فأنت حرّ لوجه اللّه»(2).


و هكذا فإن العفو عنده كان هو الأصل، لا العقوبة، إذ لم يكن عليه السّلام ينطلق من الحب، أو البغض الشخصي في مواقفه،


1) بحار الأنوار، ج 41، ص 298.

2) المصدر السابق: ص 50.

بل من القيم و المبادىء التي آمن بها و جاهد من أجلها، و كان يرى أن «العفو مع القدرة جنّة من عذاب اللّه سبحانه»(1)، إذ «عند كمال القدرة تظهر فضيلة العفو»(2)، و إلا ما قيمة عفو ينطلق من عجز؟

يقول الإمام عليه السّلام: «متى أشفي غيظي إذا غضبت؟ أحين أعجز عن الانتقام فيقال لي: لو صبرت؟ أم حين أقدر عليه فقال لي: لو عفوت»(3)؟

و لكنه كان إذا قدر يعفو، بل إنه عفا عمّن بيّت النيّة لقتله و حاول، و لكنّه انكشف أمره، فاعتقل وجيء به إلى الإمام عليه السّلام فعفا عنه، و فيما يلي قصته:

«حاول معاوية بن أبي سفيان مرارا قتل أمير المؤمنين عليه السّلام فقد أسرّ إلى بعض خاصته أن من يقتل عليا، فله عشرة آلاف دينار، و انبرى لذلك أحدهم، و لكنه تراجع في اليوم التالي، معتذرا منه، و قال: «أسير إلى ابن عم رسول اللّه، و أبي ولديه، و أقتله؟. لا و اللّه.. لا أفعل»!

فزيّد معاوية الأجر، فجعله عشرين ألف دينار، فقبله أحدهم، و لكنه - هو الآخر - تراجع و امتنع.


1) غرر الحكم و درر الكلم.

2) المصدر السابق.

3) نهج البلاغة: الحكم، ص 194.

فزيّده إلى ثلاثين ألف، فقبل المهمة رجل من «حمير»، و خرج من الشام قاصدا الكوفة، فجاء حتى دخل على أمير المؤمنين في الكوفة، و عليه ثياب السفر. فقال له الإمام:

«من أين الرجل»؟.

قال: «من الشام».

و كانت عند الإمام أخباره، فاستنطقه، فاعترف، فقال له الإمام:

«فما رأيك الآن؟ أتمضي إلى ما أمرت به؟ أم ماذا»؟

فقال الرجل: «لا.. و لكني أنصرف».

فقال الإمام لقنبر:

«يا قنبر. أصلح راحلته، و هيىء له زاده، و أعطه نفقته»(1)!

تلك كانت عينات من عفو الإمام مع أعدائه، و خصمائه أما مع الرعيّة، فكان لهم أبا رحيما، يعطف على صغيرهم و يواسي كبيرهم، و يعفو عن مذنبهم.

و كان يوصي ولاته بذلك أيضا.

هذا مالك الأشتر، يقول له في عهده إليه، حين ولاّه مصر:


1) السياسة من واقع الإسلام: ص 171-172.

«و أشعر قلبك الرحمة للرعيّة، و المحبّة لهم، و اللطف بهم، و لا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، و تعرض لهم العلل و يؤتى على أيديهم في العمد و الخطأ، فأعطهم من عفوك و صفحك مثل الذي تحب و ترضى أن يعطيك اللّه من عفوه و صفحه، فإنك فوقهم و والي الأمر عليك فوقك و اللّه فوق من ولاّك. و قد استكفاك أمرهم، و ابتلاك بهم، و لا تنصبنّ نفسك لحرب اللّه فإنّه لا يد لك بنقمته، و لا غنى بك عن عفوه و رحمته. و لا تندمن على عفو.

و لا تبجحن بعقوبة، و لا تسرعنّ إلى بادرة وجدت منها مندوحة»(1).

إذن القاعدة الأساسية كانت عند الإمام: فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (2).

غير أن الإمام كان يستثني منها أمرين:

الأول - العفو عن اللئيم.. و هم على كل حال قلّة قليلة من أهل الذنوب. يقول الإمام عليه السّلام: «العفو يفسد من اللئيم، بقدر إصلاحه من الكريم»(3).


1) نهج البلاغة: الكتب، 53.

2) سورة الحجر، الآية: 85.

3) الاحتجاج: ج 78، ص 93.

الثاني - العفو الذي يؤدي إلى وهن سلطان الإسلام، و ثلم الدين، يقول عليه السّلام: «جاز بالحسنة و تجاوز عن السيئة ما لم يكن ثلما في الدين، أو وهنا في سلطان الإسلام»(1).

أما الميزان في تشخيص ذلك فهو سيرة الإمام نفسه، و ما فعله مع خصمائه، و أعدائه، أو مع عامة الناس..


1) غرر الحكم و درر الكلم.

الرفق في جباية الخراج

موارد الدولة في الإسلام، لا تتعدّى الخراج، و الجزية و بعض الحقوق الشرعية، و ما قد تضطر إليه في حالات استثنائية محدودة جدا.

و هذه إذ تؤخذ من الناس، فليس لكي تتحول الدولة إلى جهاز بديل عنهم، أو قيّم عليهم. فليس الوالي إلاّ بمنزلة الوالد إلى أولاده الكبار، ينظم شؤونهم، و يرعى حقوق ضعيفهم، و يدافع عن مظلومهم.. و ليس بديلا عنهم.

فالدولة لا تتورّط، بمواردها المحدودة، في الزراعة، و التجارة، و الشؤون الأخرى.. فذلك شأن الناس.

و إنما هي تضع القانون العادل، و تشرف على تنفيذه.

و لعمري إن ذلك لا يتطلب موارد مالية كثيرة بأي شكل من الأشكال..

و القاعدة الذهبية، في استيفاء ما للدولة على الناس هي:

عدالة في التحصيل، و عدالة في التوزيع.. فبمقدار ما يجب الاهتمام باستيفاء الحق العام، فلا بد من التورّع عن مصادرة حقوق الأفراد..

ف «أعظم الخطايا اقتطاع مال امرؤ مسلم بغير حق»(1)كما أن «شر الأموال ما لم يخرج منه حق اللّه سبحانه»(2)و حق اللّه هنا هو حق الناس، بلا شك!

و على كل حال، فإن للاستيفاء قيودا، و آدابا لا بد من مراعاتها في التحصيل، حتى لا يتحوّل تحصيلها إلى سطوة للحكم، و مورد من موارد الظلم و التعدّي، كما هو شأن الظالمين، الّذين يظلمون الناس في حقوق الدولة عليهم، و يظلمونهم في توزيعها كذلك..

و الحق، فإن «الناس يستغنون إذا عدل بينهم، و تنزل السماء رزقها، و تخرج الأرض بركتها بإذن اللّه»(3).

و تتطلب العدالة هنا، أن يهتم الولاة بأمور الأرض، و أصحاب الأموال، و مصانعهم و معاملهم و مزارعهم، أكثر من اهتمامهم بالخراج نفسه.. فلا يجوز إرهاق أحد، و لا إتلاف أمواله باسم الصالح العام.


1) بحار الأنوار: ج 78، ص 55.

2) غرر الحكم و درر الكلم.

3) الصياغة الجديدة: ص 474.

يقول الإمام علي عليه السّلام في عهده إلى مالك الأشتر:

«.. و تفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإنّ في صلاحه و صلاحهم، صلاحا لمن سواهم، و لا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم، لأن الناس كلّهم عيال على الخراج و أهله..».

«و ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، و من طلب الخراج بغير عمارة، أخرب البلاد، و أهلك العباد، و لم يستقم أمره إلاّ قليلا.. و إنما يأتي خراب الأرض من اعواز أهلها، و إنما يعوز أهلها لأشراف أنفس الولاة على الجمع، و سوء ظنّهم بالبقاء، و قلّة انتفاعهم بالعبد»(1).

إذن، فلا بد أن يكون الهدف ليس جباية الخراج، بل إصلاح الأرض، و إغناء أهلها. بالرغم من أن نفسية الولاة الضيقة الأفق تتوجّه نحو جمع الخراج..

ثم أنه لا بدّ و أن يراعي الولاة الأخلاق في طريقة الاستيفاء فلا قيمة لمال يجمع بظلم و عدوان..

و لقد كان الإمام علي عليه السّلام يوصي كل عامل يوليه على الخراج بقوله:

«لا تضربنّ رجلا سوطا في جباية درهم، و لا تتبعنّ لهم


1) نهج البلاغة: الكتب، 53.

رزقا، و لا كسوة شتاء و لا صيف و لا دابة يعملون عليها، و لا تقيمن رجلا قائما في طلب درهم» فقال له أحد عمّاله: «يا أمير المؤمنين إذن أرجع إليك كما ذهبت من عندك»؟.

قال الإمام: «أمرنا نأخذ منهم الفضل (ما زاد عن الحاجة)»(1).

عن رجل من ثقيف قال: استعملني عليّ بن أبي طالب عليه السّلام على بانقيا و سواد من سواد الكوفة، فقال لي و الناس حضور: انظر خراجك فجدّ فيه، و لا تترك منه درهما، و إذا أردت أن تتوجّه إلى عملك فمرّ بي.

فأتيته فقال لي: «إنّ الذي سمعت منّي خدعة، إيّاك أن تضرب مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم خراج، أو تبيع دابّة عمل في درهم، فإنّما أمرنا أن نأخذ منهم العفو»(2).

و روي أنه «بعث أمير المؤمنين عليه السّلام مصدّقا من الكوفة إلى باديتها، فقال: يا عبد اللّه انطلق و عليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له، و لا تؤثرنّ دنياك على آخرتك، و كن حافظا لما ائتمنتك عليه، مراعيا لحقّ اللّه فيه، حتّى تأتي نادي بني فلان،


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 40.

2) فروع الكافي: ج 3، ص 540.

فإذا قدمت فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثم امض إليهم بسكينة و وقار حتّى تقوم بينهم فتسلّم عليهم.

ثم قل لهم: يا عباد اللّه أرسلني إليكم وليّ اللّه لآخذ منكم حقّ اللّه في أموالكم، فهل للّه في أموالكم من حقّ فتؤدّوه إلى وليّه؟

فإن قال لك قائل: لا فلا تراجعه، و إن أنعم لك منهم منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلاّ خيرا، فإذا أتيت ماله فلا تدخله إلاّ بإذنه فإنّ أكثره له، فقل: يا عبد اللّه أتأذن لي في دخول مالك؟ فإن أذن لك فلا تدخل دخول متسلّط عليه فيه، و لا عنف به، فاصدع المال صدعين، ثمّ خيّره أي الصدعين شاء، فأيّهما اختار فلا تعرّض له، ثم اصدع الباقي صدعين، ثم خيّره فأيّهما اختار فلا تعرّض له و لا تزال كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ اللّه تبارك و تعالى في ماله، فإذا بقي ذلك فاقبض حقّ اللّه منه، و إن استقالك فأقله، ثم أخلطهما و اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حقّ اللّه في ماله، فإذا قبضته فلا توكل به إلاّ ناصحا شفيقا أمينا حفيظا، غير معنّف بشيء منها.

ثم اجلب كل ما اجتمع عندك من كلّ ناد إلينا نصيره حيث أمر اللّه عزّ و جلّ، فإذا انحدر فيها رسولك فأوعز إليه أن لا

يحول بين ناقة و بين فصيلها، و لا يفرّق بينهما، و لا يمصرنّ لبنها فيضرّ ذلك بفصيلها، و لا يجهد بها ركوبا، و ليعدل بينهنّ في ذلك، و ليوردهنّ كلّ ماء يمرّ به، و لا يعدل بهنّ عن نبت الأرض إلى جوادّ طريق في الساعة التي فيها تريح و تغبق، و ليرفق بهن جهده حتى يأتينا بإذن اللّه سحاحا سمانا غير متعبات و لا مجهدات، فنقسّمهنّ بإذن اللّه على كتاب اللّه و سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على أولياء اللّه فإنّ ذلك أعظم لأجرك و أقرب لرشدك، ينظر اللّه إليها و إليك و إلى جهدك و نصيحتك لمن بعثك و بعثت في حاجته، فإنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: ما ينظر اللّه إلى وليّ له يجهد نفسه بالطاعة و النصيحة له و لإمامه إلاّ كان معنا في الرفيق الأعلى»(1).

إن مراعاة حقوق الناس، كمراعاة حقوق الدولة، واجب شرعي و إنساني فالدولة و الناس يكمل أحدهما الآخر، و ليس كل واحد منهم عدوا، أو منافسا للثاني، و لا بدّ من أن يراعي كل واحد منهما الثاني. و هنا الدولة أكثر مسؤولية، لأنها الأقوى، فهي المطالبة أولا بمراعاة حقوق الناس.


و كما في أمر الخراج، كذلك في أمر الجزية من غير


1) المصدر السابق: ص 536-538.

المسلمين، الّذين وضع عنهم أداء الحقوق، و في المقابل كان عليهم أداء الجزية، إزاء الخدمات التي تقدم لهم ضمن حدود الدولة في الإسلام، فلا بدّ من مراعاة حقوق الأفراد، و الامتناع عن أخذ ما يرهقهم..

فلقد كان أمير المؤمنين يأخذ منهم الشيء القليل، و «قلّة الضرائب هذه كانت السبب وراء أن حكم المسلمين كان أحب إلى أهل الذمة من حكم بني دينهم فإن الجزية التي تؤخذ من الكفّار قليلة جدا(1).

و من ذلك ما روي عن مصعب بن يزيد الأنصاري، قال:

استعملني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام على أربعة رساتيق، و أمرني أن أضع على كل جريب زرع غليظ: درهما و نصفا. و على كل جريب وسط: درهما. و على كل جريب زرع رقيق: ثلثي درهم. و على كل جريب كرم: عشرة دراهم.

و على كل جريب نخل: عشرة دراهم. و على كل جريب البساتين التي تجمع النخل و الشجر: عشرة دراهم».

«و أمرني أن ألقي كل نخل شاذ عن القرى (بعيد عنها) لمارّة الطريق و ابن السبيل، و لا آخذ منه شيء».

«و أمرني أن أضع على الدهاقين الّذين يركبون البراذين،


1) الصياغة الجديدة: ص 473.

و يتختّمون بالذهب على كل رجل منهم: ثماني و أربعين درهما، و على أوساطهم من التجار على كل رجل منهم: أربع و عشرين درهما، و على فقرائهم: اثني عشر درهما على كل واحد منهم»(1).

و إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل ذلك، إنما هو في العام الواحد و ليس في الشهر أو الأسبوع، تبيّن كم كان قليلا، و هو كل ما كان ليجيبه أمير المؤمنين من أهل الذمّة..

و حينما نضيف إلى ذلك العدالة في التوزيع، و عدم احتكار الدولة للخراج و الجزية و الحقوق تظهر العدالة في الحكم الإسلامي.


1) المصدر السابق: ص 474.

الاهتمام الشخصي بالأيتام

لا يكتب النجاح لمجتمع إلاّ إذا كان متماسكا..

و لا يكون المجتمع متماسكا، إلاّ إذا حصل فيه من لا معين له و لا معيل، كالأرمل و اليتيم، الرعاية اللاّزمة و الاهتمام الكبير.

فالمجتمع الذي لا يضيع فيه اليتيم و الأرمل، مكتوب له النجاح، و التقدّم و الازدهار.

أما المجتمع الذي يضيع فيه اليتيم و الأرمل، و تهضم فيه حقوقهم، فإن عاقبته إلى بوار. ليس لأن اللّه يرزق العباد بضعفائهم فحسب - كما يقول رسول اللّه -، بل لأن فقدان التكافل الاجتماعي، و التراحم الإنساني يؤدّي - إن عاجلا أو آجلا - إلى تفكّك المجتمع و انهياره.

فاليتيم - إذن - عنصر «شدّ» للمجتمع إذا تمّت رعايته.

و هو عنصر «فكّ» له إذا فقد الرعاية.

و لذلك فإن كل القيم الروحية، و المثل الأخلاقية، تدعو إلى الاهتمام بمن يفتقد الاهتمام.. و إلى الرعاية لمن يفتقد الرعاية.. و إلى العطاء لمن يحتاجه.. و إلى التربية لمن ليس له مربّي. و أي شخص أكثر من اليتيم هو بحاجة إلى ذلك؟ و أي عنصر أكثر من الأرمل يحتاج إلى العطاء و الرعاية؟

و إذا افترضنا أن القيم الأخلاقية، في مجتمع ما، تعرّضت للإهمال و الانتقاص فهل تستطيع القوانين أن تسدّ الخلل؟

فمثلا لو لم يجد الأيتام من يرعاهم و يربيهم، و يرزع فيهم حب الناس، ثم تحوّلوا فيما بعد إلى مجرمين و قتلة، أفهل تكفي العقوبات لدرء المجتمع أخطار الجرائم؟

لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ الإجرام ينمو في أوساط المهملين في طفولتهم، كما أنّ العلماء و العباقرة، و العظماء هم من ذوي الأصول الحسنة ممّن كانوا في رعاية جيدة في عهد الطفولة..

فاليتيم الذي يجد العطف و الحنان الّلازمين، سيعطي للناس فيما بعد أفضل ما يمكن لإنسان أن يعطيه..

أ لم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يتيما و قد تكفّله أبو طالب، و رعاه أفضل رعاية و هو صغير، ثم وقف معه وقفة الأبطال

حينما نزل عليه الوحي، و تعرّض للظلم و العدوان من كفّار قريش؟

إن رعاية الأيتام، عدل الإحسان إلى الوالدين، و هما واجبان كعبادة اللّه وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ ذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ قُولُوا لِلنّاسِ حُسْناً (1).

و كما يحتاج اليتيم إلى الرعاية و الإحسان، فهو بحاجة إلى الحفاظ على أمواله و أملاكه، لو كان له ذلك وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ (2). كما هو بحاجة إلى أن لا يتعرّض لظلم، أو عدوان: وَ آتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (3)، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (10)(4).

و ليس أفضل من الإنفاق على الأيتام، فمن كان غنيا وَ آتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينَ (5)،


1) سورة البقرة، الآية: 83.

2) سورة الأنعام، الآية: 152.

3) سورة النساء، الآية: 2.

4) سورة النساء، الآية: 10.

5) سورة البقرة، الآية: 177.

فإنه أجرا كبيرا، ذلك لأن ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى (1).

و لليتيم حقوق واجبة على أعناق ذوي اليسر، و المجاهدين في سبيل اللّه، فلهم حصتهم من الغنيمة كما أن لهم حصتهم في أموال الأغنياء وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى (2).

ثم إن الأيتام منطقة الخطر، وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ (3).

و كما يجب على ولاة الأمر أن يتعهّدوا الأيتام و الأرامل، فإن ذلك واجب أيضا على أحاد الناس كذلك.

يقول الإمام علي عليه السّلام: «اللّه، اللّه في الأيتام، فلا تغبّوا أفواههم، و لا يضيّعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: من عال يتيما حتى يستغني، أوجب اللّه عزّ و جلّ له الجنّة، كما أوجب لآكل مال اليتيم النار»(4).

و قد كان الإمام يوصي ولاته بقوله: «تعهّد أهل اليتيم و ذوي الرّقة في السنّ ممّن لا حيلة له، و لا ينصب للمسألة


1) سورة البقرة، الآية: 215.

2) سورة الأنفال، الآية: 41.

3) سورة النساء، الآية: 3.

4) فروع الكافي: ج 7، ص 51.

نفسه، و ذلك على الولاة ثقيل، و الحق كله ثقيل، و قد يخفّفه اللّه على أقوام طلبوا العافية فصبّروا أنفسهم، و وثقوا بصدق موعود اللّه لهم»(1).

و كان الإمام عليه السّلام يتعهّد شخصيا الأيتام، و الأرامل، و يقوم بخدمتهم..

فقد روي: «أن عليا عليه السّلام كان يدعو اليتامى فيطعمهم العسل، حتى قال بعض أصحابه: لوددت أني كنت يتيما، و كان ذلك منه اقتداء برسول اللّه، حيث كان الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لا تخلو داره على صغرها من يتيم، و كان يقول: «خير بيوتكم بيت فيه يتيم». و يقول: «أنا و اليتيم كهاتين في الجنّة» - و يشير إلى السبابة و الوسطى من أصابعه» -(2).

أ ليس الإمام هو القائل: «ما من مؤمن و لا مؤمنة يضع يده على رأس يتيم إلاّ كتب اللّه له بكل شعرة مرّت يده عليها حسنة»(3). و القائل: «أحسنوا في عقب غيركم، تحسنوا في أعقابكم»(4).


1) نهج البلاغة: الكتاب، ص 53.

2) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 435.

3) بحار الأنوار: ج 75، ص 13.

4) بحار الأنوار: ج 75، ص 4.

اعتماد لغة الرحمة في القضاء

الاحتكام إلى الشرع و العقل و الخلق الإنساني الرفيع في حلّ المشاكل السياسية، و القضايا الاجتماعية، بدل الاحتكام إلى الأهواء، و دوافع الحب و البغض الشخصيين، كان ديدن بطل العقل و القلب و الضمير: علي بن أبي طالب عليه السّلام..

فلقد واجهت الإمام، الكثير من المشاكل الاجتماعية و المسائل القضائية المعقّدة، التي لم تواجه أحدا من قبل، و كان يحتكم في حلّها إلى الأصول التي التزم بها في مواجهة المشاكل السياسية، و هي «الشرع» و «العقل» و «الأخلاق».

و لكم أعيت المشاكل الخلفاء الّذين عاصرهم، فحلّها لهم في إطار الشرع، بكل سهولة و يسر حتى قال أبو بكر أكثر من مرّة: «لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن»، و قال

عمر بن الخطاب: «لو لا عليّ لهلك عمر»؟ و قال عثمان بن عفّان أيضا: «لو لا عليّ لهلك عثمان»(1).

و لكم وضع الإمام، في حل تلك المشاكل، أسسا راسخة أصبحت - فيما بعد - مصدرا من مصادر التشريع.

و لكن أثارت طريقته، من كوامن الخير، في نفوس الناس، وردعت العصاة، و أهل الفساد من دون استعمال القوة و العسف؟.

و على كل حال فإن «الرّوح الإنسانية هي قوام الأحكام التي أصدرها الإمام في مختلف المجالات - كما يقول العقّاد -»(2).

و إليكم نماذج من أحكامه و قضاياه في شتّى الأمور، و هي نماذج تكشف ليس فقط عن علم الإمام، و فهمه العميق لأحكام الشرع فحسب، بل عن أخلاقه العظيمة أيضا..


1) «الغدير»: للأميني، ج 8، ص 214.

2) عبقرية الإمام علي: ص 171.

لا حكم على من لا يعرف الحكم

إن أحكام العقوبات هي للردع، فإذا لم يكن مرتكب المعصية عالما بأوامر الشريعة فلا يجوز عقابه.. هذا ما كان يقوله الإمام. فقد رفعت امرأة إلى عمر بن الخطاب قد زنت.

فسألها عن ذلك. فقال في يسر: «نعم يا أمير المؤمنين».

و أعادت ذلك و أيّدته، كأنها لم تقترف ذنبا!. و عليّ يسمع و يتأمل!..

فقال علي عليه السّلام: «إنها لتستهلّ به استهلال من لا يعلم أنه حرام».

فأعلماها بحرمة الزنا، و درأ عنها الحدّ(1).


و في عهد أبي بكر، شرب رجل الخمر، فرفع إلى الخليفة فقال له: «أشربت خمرا»؟.


1) علي إمام المتّقين: ص 108.

قال: نعم.

قال: و لم و هي محرّمة؟

فقال الرجل: إني أسلمت و حسن إسلامي و منزلي بين ظهراني قوم يشربون الخمر و يستحلّونها و لو علمت أنّها حرام اجتنبتها. فالتفت أبو بكر إلى عمر فقال: ما تقول في أمر هذا الرجل؟

فقال عمر: معضلة و ليس لها إلاّ أبو الحسن.

فقال أبو بكر: ادع لنا عليّا: فقال عمر: يؤتى الحكم في بيته، فقاما و الرجل معهما و من حضرهما من الناس حتّى أتوا أمير المؤمنين عليه السّلام، فأخبراه بقصّة الرجل و قصّ الرجل قصّته.

فقال الإمام: ابعثوا معه من يدور به على مجالس المهاجرين و الأنصار من كان تلا عليه آية التحريم فليشهد عليه، ففعلوا ذلك فلم يشهد عليه أحد بأنّه قرأ عليه آية التحريم، فخلّى عنه و قال له: إن شربت بعدها أقمنا عليك الحدّ(1).


1) فروع الكافي: ج 7، ص 216-217.

إلغاء الحدّ مع الاضطرار

قد يضطر الإنسان إلى ارتكاب المعصية، و حينئذ فلا حدّ عليه.. هكذا كان حكم الإمام علي عليه السّلام، فقد أفتى بأن كل من يستكره على ذنب، يعفى من العقاب، و يعاقب من أكرهه..

فإذا اضطر أجير على السرقة لأنه لم يجد ما يأكله، لم تقطع يده، و إنما قطعت يد الذي استأجره و لم يعطه أجره، فهو الذي أكرهه على السرقة.. أو بالقليل وجب عليه التعويض مضعفا!(1)..

و قد روي في ذلك أنّ امرأة شهد عليها الشهود أنّهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها ليس ببعل لها، و كانت ذات بعل فأمر عمر بن الخطاب برجمها بعد اعتراف الشهود عليها.

فقالت: اللّهمّ إنّك تعلم أنّي بريئة.


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 108.

فغضب عمر و قال: و تجرح الشهود أيضا؟

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: «ردّوها و اسألوها فلعلّ لها عذرا».

فردّت و سئلت عن حالها، فقالت:

كان لأهلي إبل، فخرجت في إبل أهلي و حملت معي ماء، و لم يكن في إبل أهلي لبن، و خرج معي خليطنا و كان في إبله لبن، فنفد مائي فاستسقيته، فأبى أن يسقيني حتى أمكّنه من نفسي، فأبيت، فلمّا كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرها.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: اللّه أكبر فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ (1).

فلما سمع ذلك عمر خلّى سبيلها(2).


1) سورة البقرة، الآية: 173.

2) الإرشاد - للمفيد - ص 98-99.

إثارة الوجدان و الضمير للتراجع عن الرجل

قد يرتكب الإنسان ذنبا، و يصرّ عليه، إلاّ أن ضميره يبقى حيا، يمكن إثارته، للردع عن الذنب، و التوبة من الاستمرار فيه هذا ما فعله الإمام علي عليه السّلام في الحادثة التالية:

روي عن عاصم بن ضمرة السلوليّ قال: سمعت غلاما بالمدينة و هو يقول: يا أحكم الحاكمين احكم بيني و بين أمّي.

فقال له عمر بن الخطّاب: يا غلام لم تدعو على أمّك؟

فقال يا أمير المؤمنين: إنّها حملتني في بطنها تسعا و أرضعتني حولين كاملين، فلمّا ترعرعت و عرفت الخير من الشرّ و يميني عن شمالي طردتني و انتفت منّي، و زعمت أنّها لا تعرفني.

فقال عمر: أين تكون الوالدة؟

قال: في سقيفة بني فلان.

فقال عمر: عليّ بأمّ الغلام: فأتوا بها مع أربعة إخوة لها و أربعين قسامة يشهدون لها أنّها لا تعرف الصبي، و أنّ هذا الغلام مدّع ظلوم غشوم يريد أن يفضحها في عشيرتها، و أن هذه جارية من قريش لم تتزوّج قطّ، لأنّها بختام ربّها.

فقال عمر: يا غلام ما تقول؟

فقال: يا أمير المؤمنين هذه و اللّه أمّي حملتني في بطنها تسعا و أرضعتني حولين كاملين، فلمّا ترعرعت و عرفت الخير و الشرّ و يميني من شمالي طردتني و انتفت منّي، و زعمت أنها لا تعرفني.

فقال عمر: يا هذه ما يقول الغلام؟

فقالت: يا أمير المؤمنين و الذي احتجب بالنور فلا عين تراه و حقّ محمّد ما أعرفه و لا أدري من أيّ الناس هو، و إنّه غلام يريد أن يفضحني في عشيرتي، و أنا جارية من قريش لم أتزوّج قطّ، و إنّي بخاتم ربّي.

فقال عمر: ألك شهود؟

فقالت: نعم هؤلاء، فتقدّم الأربعون قسامة فشهدوا عند عمر أنّ الغلام مدّع يريد أن يفضحها في عشيرتها، و أنّ هذه جارية من قريش لم تتزوّج قطّ، و أنّها بخاتم ربّها.

فقال عمر: خذوا بيد الغلام و انطلقوا به إلى السجن حتّى نسأل عن الشهود، فإن عدلت شهادتهم جلدته حدّ المفتري.

فأخذوا بيد الغلام و انطلقوا به إلى السجن فتلقّاهم أمير المؤمنين عليه السّلام في بعض الطريق، فنادى الغلام: يا ابن عمّ رسول اللّه إنّي غلام مظلوم، فأعاد عليه الكلام الذي تكلّم به عمر، ثم قال: و هذا عمر قد أمر بي إلى السجن.

فقال عليّ عليه السّلام: ردّوه إلى عمر، فلمّا ردّوه قال لهم عمر:

أمرت به إلى السجن فرددتموه إليّ؟

فقالوا: يا أمير المؤمنين أمرنا علي بن أبي طالب أن نردّه إليك، فسمعناك تقول: أن لا تعصوا لعليّ أمرا.

فبينا هم كذلك إذ أقبل علي عليه السّلام فقال: عليّ بأمّ الغلام، فأتوا بها، فقال علي عليه السّلام: يا غلام ما تقول؟ فأعاد الكلام على علي عليه السّلام، فقال علي عليه السّلام لعمر: أتأذن لي أن أقضي بينهم؟ فقال عمر: سبحان اللّه و كيف لا و قد سمعت المجتمع يقول:

أعلمكم علي بن أبي طالب عليه السّلام؟

فقال عليّ للمرأة: يا هذه المرأة ألك شهود؟ قالت: نعم.

فتقدّم الأربعون قسامة فشهدوا بالشهادة الأولى.

فقال علي عليه السّلام: لأقضينّ اليوم بينكم بقضيّة هي مرضاة الربّ من فوق عرشه، علّمنيها حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

ثم قال لها: أ لك وليّ؟ قالت: نعم هؤلاء إخوتي.

فقال لإخوتها أمري فيكم و في أختكم جائز؟

قالوا: نعم يا ابن عمّ محمّد أمرك فينا و في أختنا جائز.

فقال علي عليه السّلام: أشهد اللّه و أشهد من حضر من المسلمين أنّي قد زوّجت هذا الغلام من هذه الجارية بأربعمائة درهم و النقد من مالي.

ثم نادى يا قنبر عليّ بالدراهم، فأتاه قنبر بها فصبّها في يد الغلام، قال الإمام للغلام: خذها فصبّها في حجر امرأتك، و لا تأتنا إلاّ و بك أثر العرس - يعني الغسل -، فقام الغلام فصبّ الدراهم في حجر المرأة ثمّ تلبّبها و قال لها: قومي.

فنادت المرأة: النار النار يا ابن عمّ محمّد أتريد أن تزوّجني من ولدي؟ هذا و اللّه ولدي زوّجني إخوتي هجينا فولدت منه هذا، فلمّا ترعرع و شبّ أمروني أن أنتفي منه و أطرده، و هذا و اللّه ولدي، و فؤادي يتغلّى أسفا على ولدي، ثمّ أخذت بيد الغلام و انطلقت، و نادى عمر: «لو لا عليّ لهلك عمر»(1).


1) التهذيب: ج 2، ص 92-93.

اعتماد الحقائق العلمية في المسائل القضائية

مما لا شكّ فيه أن حياة الفرد، تتأثر بأعمال والديه، قوة و ضعفا. فالأطفال الّذين يولدون من زوجين شابّين يختلفون عن الأطفال الّذين يولدون من زوجين جاوزا مرحلة الشباب إلى الشيخوخة(1).

كما أن الأطفال الّذين يولدون من زوجين في ريعان الشباب يعيشون، عادة، أطول من الّذين يولدون من زوجين يقتربان من مرحلة الشيخوخة، و بذلك فاحتمال زيادة مدى حياة الأبناء تقلّ تبعا لزيادة الترتيب الميلادي للطفل، أي إن مدى حياة الطفل الأول، أكبر من مدى حياة الطفل الأخير،


1) Baujat.P.-comment de PrePar a la Retraite 1963.

و نسبة الأطفال المشوّهين و المعتوهين، تزداد تبعا لزيادة عمر الأم.. أيضا(1).

و من هنا فإن الوهن يدبّ في الطفل الذي يكون أحد أبويه طاعنا في السن، أكثر من أترابه الّذين يكون آباؤهم في ريعان الشباب.

و لقد استخدم الإمام علي عليه السّلام هذه الحقيقة لدرء الحدّ عن امرأة اتهمت بالزنى في عهد عمر.

و إليكم قصتها حسب نصها التاريخي:

أتي عمر بامرأة تزوجها شيخ، فلمّا أن واقعها مات على بطنها، فجاءت بولد، فادّعى بنوه أنّها فجرت، و تشاهدوا عليها، فأمر بها عمر أن ترجم.

فمرّ بها علي عليه السّلام فقالت:

يا ابن عمّ رسول اللّه إنني لست بزانية، ولي على ذلك حجّة.

فقال: هاتي حجّتك، فدفعت إليه كتابا فقرأه فقال:

هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوّجها و يوم واقعها زوجها، و كيف كان جماعه لها، ردّوا المرأة.


1) الأسس النفسية للنموّ: ص 65.

فلمّا كان من الغد دعا بصبيان أتراب و دعا بالصبيّ معهم، فقال لهم:

العبوا، حتّى إذا ألهاهم اللعب فقال لهم: اجلسوا، حتى إذا تمكّنوا صاح بهم بأن قوموا، فقام الصبيان و قام الغلام فأتّكأ على راحتيه، فدعا به عليّ عليه السّلام فورّثه من أبيه و جلد إخوته حدّ المفتري.

فقال له عمر: كيف صنعت؟

قال: عرفت ضعف الشيخ (أي أبوه) في اتّكاء الغلام على راحتيه(1).


1) التهذيب: ج 2، ص 93.

التشدّد مع المحتالين و الذين يؤذون الناس

في كل مجتمع هنالك من يرضى لنفسه بأن يعيش على الاحتيال و كسب المال عن طريق الدّجل، و الخديعة، و الفساد.

و كما يجب أن نكون رحماء مع الناس، فلا بد أن نكون أشدّاء مع المحتالين، لأن التساهل مع أمثالهم يؤدّي إلى يأس المحسن و تشجيع المسيء..

فلا بد من إيذاء، من يؤذي الناس، و الضرب بيد من حديد لكل من تسوّل له نفسه الاحتيال، و العيش على حساب الآخرين..

و هكذا كان الإمام(1)علي عليه السّلام و من ذلك ما روي أن


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 75.

رجلين، احتالا على الناس، فأصابا منهم أموالا طائلة و ذلك أن كل واحد منهما كان يبيع الآخر على أنه عبد، ثم يهربان من بلد إلى بلد، يكرران الفعل نفسه، فحكم الإمام بقطع أيديهما، لأنهما سارقان لأموال الناس!..

و من ذلك أيضا ما روي: إنّ رجلا قال لرجل - في عهد أمير المؤمنين عليه السّلام:

إنّي احتلمت بأمّك.

فرفعه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام قال: إنّ هذا افترى على أمّي.

فقال له الإمام:

و ما قال لك؟

قال: زعم أنّه احتلم بأمّي.

فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: في العدل إن شئت أقمته لك في الشمس فاجلد ظلّه، فإنّ الحلم مثل الظلّ، و لكنّا سنضربه حتّى لا يعود يؤذي المسلمين.

و في رواية أخرى أن الإمام ضربه ضربا وجيعا(1).


إن إيذاء الناس، و إهانتهم، و الاحتيال عليهم أمور


1) فروع الكافي: ج 7، ص 263.

محرّمة، و عليها العقاب فأعراض الناس محترمة، كما هي دماؤهم، و أموالهم.. وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَ إِثْماً مُبِيناً (1)، فلا يحل لمسلم أن يروّع مؤمنا(2). بل إن «من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه بها أخافه اللّه تعالى يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه»(3). و «من أحزن مؤمنا ثم أعطاه الدّنيا لم يكن ذلك كفّارته و لم يؤجر عليه»(4)لأن «المؤمن نفسه منه في تعب و الناس منه في راحة»(5)، بينما «أذلّ الناس من أهان الناس»(6).

و لقد كان الإمام شديدا مع من يؤذي.

و من ذلك ما روي: أن أمير المؤمنين توضأ مع الناس في ميضأة المسجد، فزحمه رجل، فرمى به.

فأخذ الدرة فضربه، ثم قال له: «ليس هذا لما صنعت بي، و لكن يجيء من هو أضعف مني فتفعل به مثل هذا فتضمن»(7).


1) سورة الأحزاب، الآية: 58.

2) بحار الأنوار: ج 75، ص 148.

3) الوسائل: ج 8، ص 614.

4) بحار الأنوار: ج 75، ص 150.

5) المصدر السابق، ص 53.

6) بحار الأنوار: ج 78، ص 192.

7) السياسة من واقع الإسلام: ص 179.

و من ذلك أيضا ما روي أن امرأة تزوّجت في عصر الإمام، فلما كانت ليلة زفافها أدخلت صديقها مخدعها سرا، و دخل الزوج المخدع فوجد العشيق فاقتتلا، فقتل الزوج غريمه فقتلت المرأة زوجها. فقضى الإمام عليه السّلام حينما رفعت القضية إليه بقتل المرأة اقتصاصا لزوجها الذي قتلته، و قضى بإعطاء الديّة لأهل العشيق على المرأة، لأنها هي التي عرّضته لأن يقتله زوجها فهي المتسببة في قتله، أما الزوج فإنما قتل غريمه دفاعا عن العرض. فهو قتل مشروع لا عقاب عليه و لا ديّة و لا تعويض(1).


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 75.

الاقتصاص من الباطل

كان شديدا في الاقتصاص من الباطل، و هو القائل:

«و أيم اللّه لأبقرنّ الباطل حتى أخرج الحق من خاصرته»(1)فلم يكن يسمح لأحد أن يظلم أحدا ثمّ يهرب من القصاص..

و كان يتدخل في أي صراع لينصر المظلوم، و ينتقم من الظالم..

من ذلك ما نقله الطبري عن بعض الأسانيد حيث قال:

رأيت عليّا عليه السّلام خارجا من همدان، فرأى فتيين يقتتلان، ففرّق بينهما، ثم مضى فسمع صوتا: «يا غوثاه باللّه..» فخرج عليه السّلام يركض نحوه حتى سمعت خفق نعله، و هو يقول: «أتاك الغوث». فإذا رجل يلازم رجلا (يمسك به) فقال للإمام:

«يا أمير المؤمنين.. بعت هذا ثوبا بتسعة دراهم،


1) نهج البلاغة: الخطب 104.

و شرطت عليه ألاّ يعطيني مغموزا و لا مقطوعا، فأتيته بهذه الدراهم يبدّلها لي فأبى، فلزمته، فلطمني».

فقال الإمام لغريمه: «ابدله له».

ثم سأل المشتكي: «أين بيّنتك على اللطمة»؟ فأتى الرجل بها.

فقال له الإمام: «دونك، فاقتص»!

قال المشتكي: «يا أمير المؤمنين.. قد عفوت عنه».

فقال له الإمام: «إنّما أردت أن أحتاط في حقك.

فاذهب».

و فيما كان الرجل يهمّ بالذهاب، رفع الإمام درّته، و بدأ يضرب غريمه تسع درّات.

فقال المشتكي: «يا أمير المؤمنين، ألم أعف عنه».

قال الإمام عليه السّلام: «بلى.. و لكنك عفوت عن حق الرعيّة، و هذا حق الرّاعي»(1).

ففي ظل دولة الحق، لا يجوز أن يلطم رجل صاحبه على باطل ثم تحت الخوف منه، يعفو عنه، و لا يجد عقابا..

إن حق الراعي هنا أن يمنع وقوع مثل ذلك بتسع سياط من درّته.



1) عبقرية الإمام علي عليه السّلام، ص 173.

و «من ذلك أيضا أن رجلا فرّ من رجل يريد قتله، فأمسكه له آخر حتى أدركه فقتله، و كان بقربه رجل ينظر إليهما، و هو يقدر على إنقاذه، و لكنه وقف ينظر.

فأفتى الإمام علي عليه السّلام بأن يقتل القاتل، و يحبس الذي أمسك به حتى مكّن القاتل من قتله، حتى يموت، و تفقأ عين الناظر الذي وقف ينظر إلى الجريمة، و لم يمنع وقوعها و هو قادر على ذلك بلا حرج!»(1).

إن الظالم يجب أن يعاقب على ظلمه، حتى لا يصاب المظلومون باليأس، و يتشجّع الظالمون على ظلمهم..

يقول الإمام عليه السّلام: «و أيم اللّه، لأنصفنّ المظلوم من ظالمه، و لأقودنّ الظالم بخزامته (شعره) حتى أورده مناهل الحق و إن كان كارها»(2).

و يقول: «فلأنقّبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه»(3).


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 75.

2) الإرشاد: ص 142.

3) الخصائص: ص 70.

ثلاث نساء و ثلاث قضايا

اشارة

كان الإمام علي عليه السّلام يوصي بالنساء خيرا، و يقول: «إن المرأة ريحانة و ليست بقهرمانة»(1).

و يقول: «و لا تهيجوا النساء بأذى و إن شتمن أعراضكم و سببن أمراءكم».

و يقول: «اللّه.. اللّه في النساء، فإن آخر ما تكلّم به نبيّكم أن قال: «أوصيكم بالضعيفين: المرأة و اليتيم»(2).

و كما يقول أحدهم: «كانت للإمام فطرة الفارس المطبوع في آداب الفروسية، و منها التلطّف بالمرأة و الصفح عن عدوانها، فما انتقم قطّ من امرأة لأنها أساءت إليه، و لا غفل قط عن الوصية بها في موطن يستدعي هذه الوصيّة، بالرغم من


1) نهج البلاغة: الكتب، ص 31.

2) الفتوح: ج 3، ص 44.

أن الإمام واجه حربا ضروسا من امرأة و هي عائشة، كما كانت حياته الغالية مهرا لامرأة و هي قطام»(1).

و لقد كانت مواقفه مع المرأة، مواقف متميّزة، متواضعة، معطاءة.

ثلاث نماذج من مواقفه مع المرأة

اشارة

و فيما يلي ثلاث نماذج منها:

الأولى - مع شاكية.

و الثانية - مع أرملة.

و الثالثة - مع زانية.

أمّا الأولى اي‌

مع شاكية

فتتلخّص، من أن امرأة شكت إلى الإمام أمر أحد ولاته الكبار، و هو والي صدقاته على الأهواز، و كانت تحت سلطته منطقة واسعة جدا، و بالرغم من أن ما اشتكت منه لا يعتبر في أي منطق جريمة كبرى يعاقب عليها بالعزل من منصبه، إلاّ أن الإمام لم يتردّد أبدا في إصدار أمر العزل له، و قد سلّم كتاب عزله إلى نفس المرأة التي اشتكت منه، بعد أن اعتذر إلى اللّه تعالى من فعله..

و لنستمع إلى صاحبة الشكاية، و قد روت القصة لألدّ أعداء الإمام، و هو «معاوية»، و ذلك بعد مقتل الإمام و فيما يلي النص التاريخي:


1) عبقرية الإمام علي عليه السّلام: ص 212.

«دخلت سودة بنت عمارة الهمدانيّة على معاوية بعد موت عليّ، فجعل يؤنّبها على تحريضها عليه أيّام صفّين، و آل أمره إلى أن قال:

ما حاجتك؟

قالت: إنّ اللّه مسائلك عن أمرنا و ما افترض عليك من حقّنا، و لا يزال يقدم علينا من قبلك من يسمو بمكانك، و يبطش بقوّة سلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، و يدوسنا دوس الحرمل، يسومنا الخسف، و يذيقنا الحتف، هذا «بسر بن أرطأة» قدم علينا فقتل رجالنا، و أخذ أموالنا، و لو لا الطاعة لكان فينا عزّ و منعة، فإن عزلته عنّا شكرناك و إلاّ كفّرناك.

فقال معاوية: إيّاي تهدّدين بقومك يا سودة؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشوس فأردّك إليه فينّفذ فيك حكمه.

فأطرقت سودة ساعة، ثمّ قالت:

صلّى الإله على روح تضمّنها قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا فصار بالحقّ و الإيمان مقرونا

فقال معاوية:

من هذا يا سودة؟

قالت: هو و اللّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب.

و اللّه لقد جئته في رجل كان قد ولاّه صدقاتنا فجار علينا، فصادفته قائما يصلّي، فلمّا رآني انفتل من صلاته! ثمّ أقبل عليّ برحمة و رفق و رأفة و تعطّف. و قال:

ألك حاجة؟

قلت: نعم، فأخبرته الخبر، فبكى ثمّ قال:

اللّهمّ أنت الشاهد عليّ و عليهم، و أنّي لم آمرهم بظلم خلقك و لا بترك حقك، ثم أخرج قطعة جلد فكتب فيها:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَ الْمِيزانَ وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)، فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من علمنا حتّى يقدم عليك من يقبضه منك، و السّلام».

ثم دفع الرقعة إليّ، فو اللّه ما ختمها بطين و لا خزمها فجئت بالرّقعة إلى صاحبه فانصرف عنّا معزولا.

فقال معاوية: اكتبوا لها كما تريد، و اصرفوها إلى بلدها غير شاكية(2).


1) سورة الأعراف، الآية: 85.

2) كشف الغمّة: ص 50.

أما مع الأرملة:

فقد كان الإمام علي عليه السّلام بالرغم من قوة شخصيته، و جلالة سلطانه، و عظمة مكانه، لا يتمالك نفسه أمام امرأة محتاجة، فيترك كل أموره ليرفع حاجتها و يسدّ عوزها، بل و يبكي إذا واجه موقفا من أمثال ذلك..

و كما وصفه «حريث» فقد كان علي عليه السّلام بشره دائم، و ثغره باسم، غيّث لمن رغب، و غيّاث لمن ذهب، مآل الآمل، و ثمال الأرامل، يتعطّف على رعيته، و يتصرف للمحتاج على مشيته، و يكفيه مهجته»(1).

و فيما يلي قصة امرأة أرملة، رآها الإمام صدفة في الطريق و هي تحمل على كتفها قربة ماء، فهاله منظرها، فحمل عنها القربة، و بدأ يسألها عن أحوالها، و هي لم تكن تعرف الإمام شخصيا فسمع منها كلاما قاسيا، و لكنه لم يزدد إلاّ تعطّفا عليها، و خدمة لها.

و لنستمع إلى النصّ التاريخي في ذلك..

نظر علي عليه السّلام إلى امرأة على كتفها قربة ماء، فأخذ منها القربة فحملها إلى موضعها. و سألها عن حالها فقالت:

بعث عليّ بن أبي طالب صاحبي إلى بعض الثغور فقتل،


1) بحار الأنوار: ج 41، ص 52.

و ترك عليّ صبيانا يتامى، و ليس عندي شيء، فقد ألجأتني الضرورة إلى خدمة الناس.

فانصرف عنها الإمام عليه السّلام و بات ليلته قلقا، فلمّا أصبح حمل زنبيلا فيه طعام.

فقال بعضهم: أعطني أحمله عنك.

فقال: من يحمل وزري عنّي يوم القيامة؟

فأتى و قرع الباب.

فقالت: من هذا؟

قال: أنا ذلك العبد الذي حمل معك القربة، فافتحي فإنّ معي شيئا للصبيان.

فقالت: رضي اللّه عنك و حكم بيني و بين عليّ بن أبي طالب!.

فدخل و قال:

إنّي أحببت اكتساب الثواب، فاختار بين أن تعجنين و تخبزين و بين أن تعلّلين الصبيان لأخبز أنا.

فقالت: أنا بالخبز أبصر و عليه أقدر، و لكن شأنك و الصبيان، فعلّلهم حتّى أفرغ من الخبز.

فعمدت إلى الدقيق فعجنته، و عمد عليّ عليه السّلام إلى اللّحم

فطبخه، و جعل يلقّم الصبيان من اللّحم و التمر و غيره، فكلّما ناول الصبيان من ذلك شيئا قال له:

يا بني اجعل علي بن أبي طالب في حلّ ممّا مرّ من أمرك.

فلمّا اختمر العجين قالت:

يا عبد اللّه أسجر التنّور.

فبادر الإمام لسجره فلمّا أشعله و لفح في وجهه جعل يقول:

ذق يا عليّ هذا جزاء من ضيّع الأرامل و اليتامى.

فرأته امرأة تعرفه فقالت للأرملة:

ويحك هذا أمير المؤمنين.

فبادرت المرأة إلى الإمام و هي تقول:

و احيائي منك يا أمير المؤمنين.

فقال: بل و احيائي منك يا أمة اللّه فيما قصّرت في أمرك(1).

أمّا الزانية:

فهي امرأة متزوجة، زنت، فندمت، فأرادت أن تتطهّر من فعلتها، فجاءت إلى الإمام تعترف له بما فعلت و لكن الإمام تمنّى مرارا أن يدرأ عنها الحدّ. فكان يحوّل أمرها إلى «عمل


1) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 317-319.

ما» معتبرا اعترافها في كل مرة تأتي إليه، شهادة واحدة، و الأمر يتطلب بالطبع أربع شهادات..

و مرّت أكثر من ثلاث سنوات منذ الشهادة الأولى، حتى أجرى الإمام الحدّ عليها بعد إصرارها المتكرّر، و اكتمال الشهادات أربعا.

و فيما يلي النص التاريخي لقصتها:

أتت امرأة مجحّ أمير المؤمنين عليه السّلام، فقالت:

يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني طهّرك اللّه، فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الذي لا ينقطع.

فقال لها: ممّا أطهّرك؟

فقالت: إنّي زنيت.

فقال لها: أو ذات بعل أنت أم غير ذلك؟ قالت: بل ذات بعل.

فقال لها: أفحاضرا كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم غائبا كان عنك؟

فقالت: بل حاضرا.

فقال لها: انطلقي فضعي ما في بطنك ثمّ ائتني أطهّرك.

فلمّا ولّت عنه المرأة فصارت حيث لا تسمع كلامه قال:

اللّهمّ إنّها شهادة.

فلم يلبث أن أتته فقالت:

قد وضعت فطهّرني.

فتجاهل عليها، فقال:

أطهّرك يا أمة اللّه ممّاذا؟

فقالت: إنّي زنيت فطهّرني.

فقال: أو ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟

قالت: نعم، قال: أفكان زوجك حاضرا أم غائبا؟

قالت: بل حاضرا.

قال: فانطلقي فأرضعيه حولين كاملين كما أمرك اللّه.

فانصرفت المرأة، فلما صارت منه حيث لا تسمع كلامه قال:

اللّهمّ إنّها شهادتان.

فلمّا مضى حولان أتت المرأة فقالت:

قد أرضعته حولين فطهّرني يا أمير المؤمنين.

فتجاهل عليها و قال:

أطهّرك ممّاذا؟

قالت: إنّي زنيت فطهّرني.

فقال: أو ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟

فقالت: نعم.

قال: أو كان بعلك غائبا إذ فعلت ما فعلت أو حاضرا؟

قالت: بل كان حاضرا.

قال: انطلقي فاكفليه حتّى يعقل أن يأكل و يشرب و لا يتردّى من سطح و لا يتهوّر في بئر.

فانصرفت و هي تبكي، فلمّا ولّت فصارت حيث لا تسمع كلامه قال:

اللّهمّ إنّها ثلاث شهادات.

فاستقبلها عمرو بن حريث المخزوميّ فقال لها:

ما يبكيك يا أمة اللّه و قد رأيتك تختلفين إلى عليّ تسألينه أن يطهّرك؟

فقالت: إنّي أتيت أمير المؤمنين عليه السّلام فسألته أن يطهّرني فقال:

اكفلي ولدك حتى يعقل أن يأكل و يشرب و لا يتردّى من سطح و لا يتهوّر في بئر، و قد خفت أن يأتي عليّ الموت و لم يطهّرني.

فقال لها عمرو بن حريث: ارجعي إليه فأنا أكفله.

فرجعت فأخبرت أمير المؤمنين عليه السّلام بقول عمرو، فقال لها أمير المؤمنين عليه السّلام و هو متجاهل عليها:

و لم يكفل عمرو ولدك؟

فقالت: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني.

فقال: أو ذات بعل أنت إذ فعلت ما فعلت؟

قالت: نعم.

قال: أفغائبا كان بعلك إذ فعلت ما فعلت أم حاضرا؟

فقالت: بل حاضرا.

فرفع رأسه علي عليه السّلام إلى السماء و قال:

«اللّهمّ إنه قد ثبت لك عليها أربع شهادات، و إنّك قد قلت لنبيّك صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيما أخبرته به من دينك: «يا محمّد من عطّل حدّا من حدودي فقد عاندني، و طلب بذلك مضادّتي» اللّهمّ فإنّي غير معطّل حدودك و لا طالب مضادّتك، و لا مضيّع لأحكامك بل مطيع لك و متّبع سنّة نبيّك.

فنظر إليه عمرو بن حريث و كأنّما الرّمان يفقأ في وجهه فلمّا نظر إلى ذلك عمرو قال:

يا أمير المؤمنين إنّني إنما أردت أن أكفله إذ ظننت أنّك تحبّ ذلك، فأمّا إذا كرهته فإنّي لست أفعل.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام: «أبعد أربع شهادات؟ و اللّه لتكفلنّه و أنت صاغر».

ثم أن الإمام قال لقنبر: يا قنبر ناد في الناس: الصلاة جامعة.

فنادى قنبر في الناس، فاجتمعوا حتّى غصّ المسجد بأهله، و قام أمير المؤمنين عليه السّلام فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

أيّها الناس إن إمامكم خارج بهذه المرأة إلى ظهر الكوفة ليقيم عليها الحدّ إن شاء اللّه، فعزم عليكم أمير المؤمنين لمّا خرجتم و أنتم متنكّرون و معكم أحجاركم لا يتعرّف منكم أحد إلى أحد حتّى تنصرفوا إلى منازلكم إن شاء اللّه.

فلمّا أصبح الناس بكرة خرج بالمرأة، و خرج الناس متنكّرين متلثّمين بعمائمهم و بأرديتهم، و الحجارة في أرديتهم و في أكمامهم حتّى انتهى بها، و الناس معه إلى الظهر بالكوفة، فأمر أن يحفر لها حفيرة، ثمّ دفنها فيها، ثم ركب بغلته و أثبت رجله في غرز الركاب، ثم وضع إصبعيه السبّابتين في أذنيه، ثم نادى بأعلى صوته:

يا أيها الناس إنّ اللّه تبارك و تعالى عهد إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عهدا عهده محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إليّ بأنه لا يقيم الحدّ من للّه عليه حدّ، فمن كان للّه عليه مثل ما له عليها فلا يقيم عليها الحدّ.

فانصرف الناس يومئذ كلّهم ما خلا أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (صلوات اللّه عليهم)، فأقام هؤلاء الثلاثة عليها الحدّ يومئذ و ما معهم غيرهم(1).


1) فروع الكافي: ج 7، ص 187.

التدقيق في الشهود للاحتياط في إجراء الحدود

إجراء أحكام اللّه تعالى في الموبقات يجب أن يتم في منتهى الحيطة و الحذر حتى لا يعاقب البريء فإفلات المذنب أفضل من معاقبة من لا يستحقها..

و لذلك كان لا بدّ من شهود.

و لا بد أن يكتمل العدد.

و لا بدّ أن تتّفق شهاداتهم.

و لا بدّ أن يكونوا صادقين، يعرف ذلك منهم سلفا.

و لا بدّ من الاطمئنان إلى شهاداتهم.

فاتهام الشهود خير من إجراء الحدود على الأبرياء.

و يظهر من حوادث كثيرة وقعت في عهد الإمام علي عليه السّلام أنه كان «يتّهم الشهود» و لا يأخذ بشهادتهم إلاّ بعد تمحيص

كبير، و تدقيق في شهاداتهم، حتى لا يعاقب بريئا في حدّ من حدود اللّه تعالى.

و فيما يلي نموذج من ذلك، حيث استخدم عليه السّلام أسلوب التفريق بين الشهود لكشف الحقيقة..

أتي عمر بن الخطاب بجارية قد شهدوا عليها أنها بغت، و كان من قصّتها أنها كانت يتيمة عند رجل، و كان الرجل كثيرا ما يغيب عن أهله، فشبّت اليتيمة فتخوّفت المرأة أن يتزوّجها زوجها، فدعت بنسوة حتى أمسكنها فأخذت عذرتها بإصبعها، فلمّا قدم زوجها من غيبته رمت المرأة اليتيمة بالفاحشة، فأقامت البيّنة من جاراتها اللاّتي ساعدنها على ذلك.

فرفع ذلك إلى عمر فلم يدر كيف يقضي فيها، ثم قال للرجل: ائت علي بن أبي طالب و اذهب بنا إليه، فأتوا عليّا عليه السّلام و قصّوا عليه القصّة، فقال لامرأة الرجل: ألك بيّنة أو برهان؟

قالت: لي شهود هؤلاء جاراتي يشهدون عليها بما أقول، و أحضرتهنّ.

فأخرج علي عليه السّلام السيف من غمده فطرح بين يديه، و أمر بكلّ واحدة منهنّ فأدخلت بيتا، ثمّ دعا امرأة الرجل فأدارها

بكلّ وجه فأبت أن تزول عن قولها فردّها إلى البيت الذي كانت فيه، و دعا إحدى الشهود و جثا على ركبتيه، ثم قال:

«تعرفيني؟ أنا علي بن أبي طالب، و هذا سيفي، و قد قالت امرأة الرجل ما قالت، و رجعت إلى الحقّ، فأعطيتها الأمان، و إن لم تصدّقيني لأمكنّن السيف منك».

فالتفتت إلى عمر فقالت: يا أمير المؤمنين الأمان على الصدق.

فقال لها علي عليه السّلام: فاصدقي.

فقالت: لا و اللّه إن اليتيمة ما فعلت فاحشة إلاّ أن زوجة الرجل رأت فيها جمالا و هيئة فخافت فساد زوجها، فسقتها المسكر و دعتنا فأمسكناها، فافتضتها بإصبعها.

فقال عليّ عليه السّلام: اللّه أكبر أنا أوّل من فرّق بين الشهود إلاّ دانيال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

و ألزمهنّ جميعا العقر، و جعل عقرها أربع مائة درهم، و أمر المرأة أن تنفى من الرجل و يطلّقها زوجها، و زوّجه الجارية و ساق عنه عليّ عليه السّلام المهر..

فقال عمر: يا أبا الحسن فحدّثنا بحديث دانيال عليه السّلام.

قال: إنّ دانيال كان يتيما لا أمّ له و لا أب، و إنّ امرأة من بني إسرائيل عجوزا كبيرة ضمّته فربّته، و إنّ ملكا من ملوك بني

إسرائيل كان له قاضيان، و كان لهما صديق، و كان رجلا صالحا و كانت له امرأة بهية جميلة و كان يأتي الملك فيحدّثه، فاحتاج الملك إلى رجل يبعثه في بعض أموره، فقال للقاضيين اختارا رجلا أرسله في بعض أموري فأشارا إليه بشخص، فوجّهه الملك.

فقال الرجل للقاضيين: أوصيكما بامرأتي خيرا، فقالا:

نعم، فخرج الرجل، فكان القاضيان يأتيان باب الصديق، فعشقا امرأته فراوداها عن نفسها فأبت.

فقالا لها: و اللّه لئن لم تفعلي لنشهدنّ عليك عند الملك بالزنى، ثم ليرجمنّك.

فقالت: افعلا ما أحببتما.

فأتيا الملك فأخبراه و شهدا عنده أنّها بغت فدخل الملك من ذلك أمر عظيم و اشتدّ بها غمّه، و كان بها معجبا، فقال لهما: إنّ قولكما مقبول و لكن ارجموها بعد ثلاثة أيّام، و نادى في البلد الذي هو فيه: احضروا قتل فلانة العابدة فإنّها قد بغت. و إنّ القاضيين قد شهدا عليها بذلك، و أكثر الناس في ذلك.

و قال الملك لوزيره: ما عندك في هذا من حيلة؟ فقال: ما

عندي في ذلك من شيء، فخرج الوزير يوم الثالث و هو آخر أيّامها فإذا هو بغلمان عراة يلعبون و فيهم دانيال و هو لا يعرفه.

فقال دانيال: يا معشر الصبيان تعالوا حتّى أكون أنا الملك، و تكون أنت يا فلان العابدة و يكون فلان و فلان القاضيين الشاهدين عليها، ثمّ جمع ترابا و جعل سيفا من قصب، و قال للصبيان: خذوا بيد هذا فنحّوه إلى مكان كذا و كذا، و خذوا بيد هذا فنحّوه إلى مكان كذا و كذا، ثم دعا بأحدهما فقال له: قل حقّا فإنّك إن لم تقل حقّا قتلتك، بم تشهد؟ - و الوزير قائم يسمع و ينظر - فقال: أشهد أنها بغت، قال متى؟ قال: يوم كذا و كذا. قال: مع من؟ قال: مع فلان ابن فلان، قال: و أين؟ قال: موضع كذا و كذا. قال: ردّوه إلى مكانه و هاتوا الآخر، فردّوه إلى مكانه و جاؤوا بالآخر، فقال له: بم تشهد؟ قال: أشهد أنّها بغت، قال: متى؟ قال:

يوم كذا و كذا، قال: مع من؟ قال: مع فلان ابن فلان، قال:

و أين؟ قال: موضع كذا و كذا، فخالف كلامه كلام صاحبه، فقال دانيال: اللّه أكبر شهدا بزور، يا فلان ناد في الناس إنّما شهدا على فلانة بزور، فاحضروا قتلهما، فذهب الوزير إلى الملك مبادرا فأخبره الخبر، فبعث الملك إلى القاضيين و فرّق بينهما ثم أخذ شهادتهما فاختلفا في الشهادة كما اختلف

الغلامان، فنادى الملك في الناس يعلمهم خبر القاضيين و كذبهما و أمر بقتلهما(1).


و في حادثة أخرى مشابهة فرّق الإمام بين الشهود و دقّق في أمورهم حتى كشف الحقيقة.. و هذا نصّها التاريخي:

روي «أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام دخل ذات يوم المسجد فوجد شابا حدثا يبكي و حوله قوم، فسأل أمير المؤمنين عليه السّلام عنه فقال:

إنّ شريحا قضى عليّ قضية لم ينصفني فيها.

فقال: و ما شأنك؟

قال: إنّ هؤلاء النفر - و أومأ إلى نفر حضور - أخرجوا أبي معهم في سفر فرجعوا و لم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله الذي استصحبه فقالوا: ما نعرف له مالا.

فاستحلفهم شريح و تقدّم إليّ بترك التعرّض لهم.

فقال أمير المؤمنين عليه السّلام لقنبر: اجمع القوم و ادع لي شرطة الخميس ثمّ جلس و دعا النفر و الشاب معهم، ثم سأله عمّا قال، فأعاد الدعوى و جعل يبكي و يقول:


1) التهذيب: ج 2، ص 93-94.

أنا و اللّه أتّهمهم على أبي يا أمير المؤمنين، فإنّهم احتالوا عليه حتّى أخرجوه معهم، و طمعوا في ماله.

فسأل أمير المؤمنين عليه السّلام القوم فقالوا له - كما قالوا لشريح -:

مات الرجل و لا نعرف له مالا.

فنظر في وجوههم ثمّ قال:

ماذا تظنّون؟ أتظنّون أنّي لا أعلم ما صنعتم بأب هذا الفتى إنّي إذا لقليل العلم؟

ثمّ أمر بهم أن يفرّقوا، ففرّقوا في المسجد، و أقيم كلّ رجل منهم إلى جانب أسطوانة من أساطين المسجد، ثم دعا عبيد اللّه بن أبي رافع كاتبه يومئذ فقال له: اجلس، ثمّ دعا واحدا منهم فقال له:

أخبرني و لا ترفع صوتك: في أيّ يوم خرجتم من منازلكم و أبو هذا الغلام معكم؟

فقال: في يوم كذا و كذا.

فقال لعبيد اللّه: اكتب، ثم قال له:

في أيّ شهر كان؟ قال:

في شهر كذا، قال: اكتب.

ثمّ قال: في أيّ سنة؟

قال: في سنة كذا، فكتب عبيد اللّه ذلك كله.

قال: فبأيّ مرض مات؟

قال: بمرض كذا.

قال: في أيّ منزل مات؟

قال: في موضع كذا.

قال: من غسّله و كفّنه؟

قال: فلان.

قال: فبم كفّنتموه؟

قال: بكذا.

قال: فمن صلّى عليه؟

قال: فلان.

قال: فمن أدخله القبر؟

قال: فلان.

و عبيد اللّه بن أبي رافع يكتب ذلك كلّه.

فلما انتهى إقراره إلى دفنه كبّر أمير المؤمنين عليه السّلام تكبيرة سمعها أهل المسجد ثمّ أمر بالرجل فردّ إلى مكانه، و دعا بآخر من القوم فأجلسه بالقرب منه، ثم سأله عمّا سأل الأوّل عنه، فأجاب بما خالف الأوّل في الكلام كلّه، و عبيد اللّه بن أبي رافع يكتب ذلك.

فلمّا فرغ من سؤاله كبّر تكبيرة سمعها أهل المسجد، ثم أمر بالرجلين جميعا أن يخرجا من المسجد نحو السجن فيوقف بهما على بابه، ثم دعا بالثالث فسأله عمّا سأل الرجلين، فحكى خلاف ما قالا، و أثبت ذلك عنه، ثم كبّر و أمر بإخراجه نحو صاحبيه، و دعا برابع القوم فاضطرب قوله و تلجلج فوعظه و خوّفه، فاعترف أنّه و أصحابه قتلوا الرجل و أخذوا ماله، و أنّهم دفنوه في موضع كذا و كذا بالقرب من الكوفة، فكبّر أمير المؤمنين عليه السّلام و أمر به إلى السجن، و استدعى واحدا من القوم و قال له:

زعمت أنّ الرجل مات حتف أنفه و قد قتلته أصدقني عن حالك و إلاّ نكّلت بك، فقد وضح الحقّ في قضيّتكم.

فاعترف من قتل الرجل بما اعترف به صاحبه، ثم دعا الباقين فاعترفوا عنده بالقتل و سقط في أيديهم، و اتّفقت كلمتهم على قتل الرجل و أخذ ماله.

فأمر من مضى معهم إلى موضع المال الذي دفنوه، فاستخرجوه منه و سلّموه إلى الغلام ابن الرجل المقتول.

ثم قال له: ما الذي تريد؟ قد عرفت ما صنع القوم بأبيك.

قال: أريد أن يكون القضاء بيني و بينهم بين يديّ اللّه:

عزّ و جلّ، و قد عفوت عن دمائهم في الدنيا فدرأ عنهم أمير المؤمنين عليه السّلام حدّ القتل و أنهكهم عقوبة.

فقال شريح: يا أمير المؤمنين كيف هذا الحكم؟

فقال له: إنّ داود عليه السّلام مرّ بغلمان يلعبون و ينادون بواحد منهم يا «مات الدين» و الغلام يجيبهم، فدنا داود عليه السّلام منهم فقال له:

يا غلام ما اسمك؟

فقال: اسمي «مات الدين».

قال له داود: من سمّاك بهذا الاسم؟

قال: أمّي.

فقال داود: أين أمّك؟

قال: في منزلها.

قال داود: انطلق بنا إلى أمّك، فانطلق به إليها فاستخرجها من منزلها، فخرجت، فقال لها:

يا أمة اللّه ما اسم ابنك هذا؟

قالت: اسمه «مات الدين».

قال لها داود عليه السّلام: و من سمّاه بهذا الاسم؟

قالت: أبوه.

قال لها: و ما كان سبب ذلك؟

قالت: إنّه خرج في سفر له و معه قوم و أنا حامل بهذا الغلام، فجاء القوم و لم يأت زوجي معهم، فسألتهم عنه؟

قالوا: مات.

فسألتهم عن ماله؟ قالوا: ما ترك مالا.

فقلت لهم فهل أوصاكم بوصيّة؟

قالوا: زعم أنّك حبلى، فإن ولدت جارية أو غلاما فسمّيه «مات الدين» فسمّيته كما وصّى و لم أحبّ خلافه.

فقال لها داود عليه السّلام: فهل تعرفين القوم؟

قالت: نعم.

قال: انطلقي مع هؤلاء - يعني قوما بين يديه - فاستخرجيهم من منازلهم.

فلمّا حضروا حكم فيهم بهذه الحكومة، فثبت عليهم الدم و استخرج منهم المال.

ثمّ قال لها: يا أمة اللّه سمّي ابنك هذا بعاش الدين(1).


1) بحار الأنوار: ج 40، ص 259-260.

التوبة في البيت أفضل من إقامة الحدّ على الملأ

ليست الحدود في الإسلام انتقاما من العصاة، بل هي وسيلة لمنع ارتكاب الجرائم و المعاصي من قبل الناس، و زجرهم عن الانحراف، و من هنا كان الاعتراف بالمعصية أمام الملأ حراما، و أمّا عند القاضي، فإن التوبة في البيت أفضل بكثير من الاعتراف له لإجراء الحدّ..

هذا بالإضافة إلى أن الحدود تدرأ بالشبهات..

فالتوبة باب مفتوح لكل العصاة لكي يلجوه، و يتخلّصوا من عذاب اللّه في القيامة، و من العقاب في الدنيا قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً (1)«و ما كان اللّه ليفتح باب التوبة و يغلق عنه


1) سورة الزمر، الآية: 53.

باب المغفرة»(1)و «من أعطي التوبة لم يحرم القبول»(2)، «فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه و استفتح التوبة و أماط الحوبة»(3).

و لهذا كله كانت التوبة أفضل من الاعتراف بالذنب، و تلقّي العقاب.

هكذا كان يرى الإمام علي عليه السّلام فقد روي: «أن عليّا أمير المؤمنين عليه السّلام أتاه رجل بالكوفة فقال له:

يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني قال: ممّن أنت؟

قال: من مزينة.

قال: أتقرأ من القرآن شيئا؟

قال: بلى.

قال: فاقرأ، فقرأ فأجاد.

فقال: أبك جنّة؟

قال: لا.

قال: فاذهب حتّى نسأل عنك فذهب الرجل ثم رجع إليه بعد فقال: يا أمير المؤمنين إنّي زنيت فطهّرني.

فقال: ألك زوجة؟


1) نهج البلاغة: الحكم، 435.

2) تذكرة الخواص: ص 633.

3) شرح نهج البلاغة: ج 3، ص 23.

قال: بل.

قال: فمقيمة معك في البلد؟

قال: نعم.

فأمره أمير المؤمنين عليه السّلام فذهب و قال: حتى نسأل عنك.

فبعث إلى قومه فسأل عن خبره، فقالوا: يا أمير المؤمنين صحيح العقل، فرجع إليه الثالثة فقال له مثل مقالته.

فقال له: اذهب حتى نسأل عنك، فرجع إليه الرابعة، فلمّا أقرّ قال أمير المؤمنين عليه السّلام لقنبر: احتفظ به، ثمّ غضب ثمّ قال:

ما أقبح بالرجل منكم أن يأتي بعض هذه الفواحش فيفضح نفسه على رؤوس الملأ: أ فلا تاب في بيته؟ فو اللّه لتوبته فيما بينه و بين اللّه أفضل من إقامتي عليه الحدّ، ثم أخرجه و نادى في الناس: «يا معشر الناس اخرجوا ليقام على هذا الرجل الحدّ و لا يعرفنّ أحدكم صاحبه، فأخرجه إلى الجبّانة فقال: يا أمير المؤمنين أنظرني أصلّي ركعتين.

فصلّى ركعتين ثم وضعه في حفرته، و استقبل الناس بوجهه فقال:

يا معاشر المسلمين إنّ هذا حق من حقوق اللّه فمن كان للّه

في عنقه حقّ فلينصرف، و لا يقيم حدود اللّه من في عنقه للّه حدّ.

فانصرف الناس و بقي هو و الحسن و الحسين عليهم السّلام، فأخذ حجرا فكبّر ثلاث تكبيرات ثمّ رماه بثلاثة أحجار في كلّ حجر ثلاث تكبيرات، ثمّ رماه الحسن مثل ما رماه أمير المؤمنين، ثم رماه الحسين فمات الرجل، فأخرجه أمير المؤمنين عليه السّلام فأمر فحفر له و صلّى عليه و دفنه، فقيل:

يا أمير المؤمنين ألا تغسّله؟

فقال: قد اغتسل بما هو طاهر إلى يوم القيامة. لقد صبر على أمر عظيم(1).


و في حادثة أخرى روي أنه بينا أمير المؤمنين عليه السّلام في ملأ من أصحابه إذ أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنّي أوقبت على غلام فطهّرني.

فقال له: يا هذا امض إلى منزلك لعلّ مرارا هاج بك.

فلمّا كان من غد عاد إليه فقال له: يا أمير المؤمنين إنّي أوقبت على غلام فطهّرني.


1) فروع الكافي: ج 7، ص 188-189.

فقال له: يا هذا امض إلى منزلك لعلّ مرارا هاج بك حتّى فعل ذلك ثلاثا بعد مرّته الأولى، فلمّا كان في الرابعة قال له:

يا هذا إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حكم في مثلك بثلاثة أحكام فاختر أيهنّ شئت.

قال: و ما هنّ يا أمير المؤمنين؟

قال: ضربة بالسيف في عنقك بالغة ما بلغت، أو دهداه من جبل مشدود اليدين و الرجلين، أو إحراق بالنار.

فقال: يا أمير المؤمنين أيهنّ أشدّ عليّ؟

قال: الإحراق بالنار.

قال: فإنّي قد اخترتها يا أمير المؤمنين.

قال: فخذ لذلك أهبتك.

فقال: نعم.

فقام فصلّى ركعتين، ثمّ جلس في تشهّده فقال: اللّهمّ إنّي قد أتيت من الذنب ما قد علمته، و إنّني تخوّفت من ذلك فجئت إلى وصيّ رسولك و ابن عمّ نبيّك فسألته أن يطهّرني، فخيّرني بين ثلاثة أصناف من العذاب، اللّهمّ فإنّي قد اخترت أشدّها، اللّهمّ فإنّي أسألك أن تجعل ذلك كفّارة لذنوبي، و أن لا تحرقني بنارك في آخرتي.

ثمّ قام و هو باك، ثم جلس في الحفرة التي حفرها له أمير المؤمنين عليه السّلام و هو يرى النار تتأجّج حوله.

فبكى أمير المؤمنين عليه السّلام و بكى أصحابه جميعا، فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: قم يا هذا فقد أبكيت ملائكة السماء و ملائكة الأرض، فإنّ اللّه قد تاب عليك، فقم لا تعاودنّ شيئا ممّا قد فعلت(1).


1) فروع الكافي: ج 7، ص 201-202.

العفو عن القائل لنجاته بريئا باعترافه

روي أنه جاؤوا الإمام علي عليه السّلام برجل وجد في خربة بيده سكين ملطخة بالدم، و بين يديه قتيل غارق في دمه، فسأله أمير المؤمنين علي عليه السّلام فقال الرجل: «أنا قتلته».

قال: «اذهبوا به فاقتلوه».

فلما ذهبوا به، أقبل رجل مسرعا، فقال:

«يا قوم لا تعجلوا ردّوه إلى أمير المؤمنين، فردّوه».

فقال الرجل: «يا أمير المؤمنين: ما هذا صاحبه، أنا قتلته».

فقال عليّ للرجل الأوّل: «ما حملك على أن قلت، أنا قاتله، و لم تقتله».

قال: «يا أمير المؤمنين، و ما أستطيع أن أصنع و قد وقف العسس على الرجل يتشحّط في دمه، و أنا واقف، و في يدي سكين، و فيها أثر الدم، و قد أخذت في خربة؟.. ألا يقبل مني

و أضرب على ذلك ثم أقتل فاعترفت بما لم أصنع، و احتسبت نفسي عند اللّه»!

فقال عليّ: «بئسما صنعت. فكيف كان حديثك»؟.

قال الرجل: «إني رجل قصّاب، خرجت إلى حانوتي في الغلس، فذبحت بقرة و سلختها، فبينما أنا أسلخها و السكّين في يدي أخذني البول، فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها، فقضيت حاجتي، وعدت أريد حانوتي، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحّط في دمه فراعني أمره، فوقفت أنظر إليه و السكين في يدي فلم أشعر إلاّ بأصحابك قد وقفوا عليّ، فأخذوني. فقال الناس: هذا قتل هذا ما له قاتل سواه، فأدركت أنك لا تترك قولهم لقولي، فاعترفت بما لم أجنه».

فسأل عليّ الرجل الثاني الذي أقرّ بالقتل: «فأنت كيف كانت قصتك»؟.

قال: «أغواني إبليس، فقتلت الرجل طمعا في ماله، ثم سمعت حسّ العسس فخرجت من الخربة، و استقبلت هذا القصّاب على الحال التي وصف، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس، فأخذوه و أتوك به فلما أمرت يا أمير المؤمنين بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا، فاعترفت بالحق».

فقال عليّ لابنه الحسن: «ما الحكم في هذا»؟.

فقال الحسن: «يا أمير المؤمنين إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا. و قد قال اللّه تعالى: وَ مَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً (1).

فأقرّ الإمام الحكم، و خلّى عن الرجلين، و أخرج ديّة القتيل من بيت المال»(2).


1) سورة المائدة، الآية: 32.

2) فروع الكافي: ج 7، ص 289-290.

التوسل باللاشعور للكشف عن الحقيقة

روي «أنّ رجلا أقبل على عهد علي عليه السّلام من الجبل حاجّا و معه غلام له، فأذنب فضربه مولاه، فقال: ما أنت مولاي بل أنا مولاك.

فما زال كل واحد منهما يتواعد الآخر و يقول: كما أنت حتّى نأتي الكوفة يا عدوّ اللّه فأذهب بك إلى أمير المؤمنين عليه السّلام.

فلمّا أتيا الكوفة أتيا أمير المؤمنين عليه السّلام فقال الذي ضرب الغلام:

أصلحك اللّه إنّ هذا غلام لي و إنّه أذنب فضربته، فوثب عليّ.

و قال الآخر: هو و اللّه غلام لي أرسلني أبي معه ليعلّمني، و إنّه وثب عليّ يدّعيني ليذهب بمالي.

فأخذ هذا يحلف و هذا يحلف، و ذا يكذّب هذا و ذا يكذّب هذا.

فقال علي عليه السّلام: فانطلقا فتصادقا في ليلتكم هذه، و لا تجيئاني إلاّ بحقّ.

فلمّا أصبح أمير المؤمنين عليه السّلام قال لقنبر: اثقب في الحائط ثقبين - و كان إذا أصبح عقّب حتّى تصير الشمس على رمح - فجاء الرجلان و اجتمع الناس، فقالوا: لقد وردت علينا قضيّة ما ورد علينا مثلها لا يخرج منها، فقال لهم أمير المؤمنين عليه السّلام:

قوما فإنّي لست أراكما تصدقان، ثمّ قال لأحدهما:

أدخل رأسك في هذا الثقب، و قال للآخر: أدخل رأسك في ذلك الثقب ثمّ قال: يا قنبر عليّ بسيف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عجّل اضرب رقبة العبد منهما، قال: فأخرج الغلام رأسه مبادرا و مكث الآخر في الثقب، فقال علي عليه السّلام للغلام:

أ لست تزعم أنّك لست بعبد؟

قال: بلى و لكنّه ضربني و تعدّى عليّ!

فتوثّق له (أخذ منه المواثيق) أمير المؤمنين و دفعه إليه(1).


1) قضاء أمير المؤمنين: ص 7. و الجدير بالذكر أن بعض الحكّام في العصور المتأخرة أخذ هذا الحكم عن أمير المؤمنين عليه السّلام، فقد ترافع إليه في قتيل، و التهمة موجّهة إلى جماعة، و لم يتمكّن من تشخيص القاتل من بينهم، مع كثرة المرافعات، و في آخر جلسة، صرخ فيهم جميعا: «لقد برأتكم المحكمة فاذهبوا إلى بيوتكم»، و فيما هم يهمّون بالخروج، صاح فيهم: القاتل يقف. فتوقّف أحدهم، و أخيرا اعترف بالحقيقة.

التوسّل بعاطفة الأمومة لمعرفة الحقيقة

روي أن امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادّعته كلّ واحدة منهما ولدا لها بغير بيّنة، و لم ينازعهما فيه غيرهما، فالتبس الحكم في ذلك على عمر، و فزع فيه إلى أمير المؤمنين عليه السّلام، فاستدعى المرأتين و وعظهما و خوّفهما فأقامتا على التّنازع و الاختلاف.

فقال عليه السّلام عند تماديهما في النزاع:

«ائتوني بمنشار».

فقالت المرأتان: و ما تصنع؟

فقال: أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه، فسكتت إحداهما، و قالت الأخرى:

اللّه اللّه يا أبا الحسن، إن كان لا بدّ من ذلك فقد سمحت به لها.

فقال: اللّه أكبر هذا ابنك دونها، و لو كان ابنها لرقّت عليه و أشفقت.

فاعترفت المرأة الأخرى أنّ الحق مع صاحبتها و الولد لها دونها، فسري عن عمر و دعا لأمير المؤمنين عليه السّلام بما فرّج عنه في القضاء(1).


1) الإرشاد: ص 96.

تشريعات لأصحاب الحيوانات

لم تكن قد وضعت أية تشريعات، أو أصول قانونية فيما يرتبط بإتلاف حيوان يملكه شخص، لحيوان آخر، أو لممتلكات الآخرين، و كانت الذهنية العامة تعتقد أن الحيوان، حيوان فلا يترتّب على عمله أي شيء. أفهل يعقل مثلا حبس حيوان، أو مقاضاته على تصرّفاته؟.

كان الأمر كذلك، حينما وقعت الحادثة التالية:

«كان رسول اللّه جالسا مع عليّ و جماعة من الصحابة فجاء خصمان فقال أحدهما: «يا رسول اللّه إن لي حمارا، و إن لهذا بقرة، و إن بقرته قتلت حماري».

فقال رجل من الحاضرين: «لا ضمان على البهائم».

فقال النبي: «اقض بينهما يا عليّ».

فقال عليّ لهما: «أكانا مرسلين أم مشدودين أم كان أحدهما مشدودا و الثاني مرسلا»؟.

فقالا: «كان الحمار مشدودا و البقرة مرسلة و صاحبها معها».

فقال عليّ: «على صاحب البقرة ضمان الحمار» (أي تعويضه).

فأقرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حكمه و أمضى قضاءه. و قال:

«أقضاكم عليّ»(1).


1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 74.

أحكام صائبة و أخلاقيات رفيعة

كانت للإمام علي عليه السّلام أحكام صائبة، في قضايا كثيرة من الأمور المشكلة و القضايا الصعبة، و بعضها كان في حدّ ذاته طريفا.

و في الحق، فإن أحكام الإمام و قضاءه، هو الحق الذي لا لبس فيه، ألم يقل فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «عليّ مع الحق و الحق مع عليّ يدور معه حيثما دار»(1).

و إذا كان البعض يرى قضاء الإمام «اجتهادا» في الرأي من قبله، فهو بلا شك اجتهاد قائم على كتاب اللّه و سنّة نبيّه و العقل الحصيف و الأخلاق الرفيعة.

نماذج من الاحكام الصائبة و الاخلاقيات الرفيعة

و فيما يلي نماذج من ذلك..


1) كلمة الرسول الأعظم.

1

«حين قاد خالد بن الوليد أحد جيوش الفتح كتب إلى الخليفة أبي بكر: «وجدت في بعض ضواحي العرب رجلا ينكح كما تنكح المرأة فما عقابه»؟.. و لم يجد أبو بكر نصّا في القرآن و لا في السّنّة عن جزاء هذه الجريمة.. فجمع نفرا من الصحابة فسألهم، و فيهم عليّ بن أبي طالب، و كان أشدّهم يومئذ قولا. قال: «إن هذا ذنب لم تعص به أمة من قبل إلاّ قوم لوط، فعمل بها ما قد علمتم فأحرقهم اللّه تعالى و أحرق ديارهم. أرى أن تحرقوه بالنار».

فكتب أبو بكر إلى خالد «أحرقه بالنار»(1).

2

سئل الإمام علي عليه السّلام عن فداء أسرى المسلمين الجرحى من أيدي المرتدّين فقال: «نفادي من كانت جراحاته بين يديه دون من كانت من ورائه، فإنه فار»(2).

3

جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليّ يومئذ باليمن فقال الرجل: «شهدت عليّا أتى في ثلاثة نفر ادّعوا ولد امرأة.


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 74.

2) المصدر السابق: ص 75.

فطلب عليّ من كل واحد منهم أن يدع الولد للآخر، فأبوا جميعا قال: أنتم شركاء مشاكسون، و سأقرع بينكم فأيّكم أصابته القرعة فهو له و عليه ثلثا الديّة». فضحك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى بدت نواجذه، و قال: «ما أعلم فيها إلاّ ما قاله عليّ»(1).

4

«جاؤوا برجل إلى عمر بن الخطاب سأله جماعة من الناس: كيف أصبحت؟».

فقال: «أصبحت أحب الفتنة، و أكره الحق، و أصدق اليهود و النصارى، و أؤمن بما لم أره، و أقرّ بما لم يخلق».

فأرسل عمر إلى علي عليه السّلام، فلما جاءه أخبره بمقالة الرجل.

فقال عليّ ضاحكا: «صدق الرجل. قال اللّه تعالى:

إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ (2)فهو يحب المال و البنين. و هو يكره الحق يعني الموت. قال تعالى: وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (3). و يصدق اليهود


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 74.

2) سورة التغابن، الآية: 15.

3) سورة ق، الآية: 19.

و النصارى وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْ‌ءٍ وَ قالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْ‌ءٍ (1)و هو يؤمن بما لم يره أي يؤمن باللّه عزّ و جلّ، و يقرّ بما لم يخلق يعني الساعة».

فضحك عمر و أطلق سراح الرجل!(2).

5

روي «أنه أتي عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلّقت بشاب من الأنصار، و كانت تهواه فلما لم يساعدها احتالت عليها، فأخذت بيضة فألقت صفرتها، و صبّت البياض على ثوبها و بين فخذيها.. ثم جاءت بالشاب إلى عمر صارخة، فقالت:

«هذا الرجل غلبني على نفسي و فضحني في أهلي و هذا أثر فعاله».

فسأل عمر النساء فقلن له: «إن ببدنها و ثوبها أثر المني».

فهمّ عمر بعقوبة الشاب، فجعل الشاب يستغيث و يقول:

«يا أمير المؤمنين، تثبّت في أمري، فو اللّه ما أتيت بفاحشة، و لا هممت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت». فقال


1) سورة البقرة، الآية: 113.

2) المصدر السابق: ص 110.

عمر (رضي اللّه عنه) لعليّ بن أبي طالب عليه السّلام: «يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما»؟

فنظر علي عليه السّلام إلى المرأة يقرأ صفحة وجهها، و نظر إلى ما على الثوب، ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصبّه على الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه و اشتمّه و ذاقه، فعرف رائحة البيض و طعم القلي، و زجر المرأة فاعترفت! فأطلق الشاب البريء، و أقيم عليها حدّ القذف(1)..

6

سئل أمير المؤمنين عن رجل ضرب رجلا على هامته، فادّعى المضروب أنه لا يبصر شيئا، و لا يشمّ رائحة، و أنه قد ذهب لسانه..

فقال الإمام: «إن صدق فله ثلاث ديّات».

فقيل له: «و كيف نعلم صدقه، يا أمير المؤمنين»؟.

فقال: «أما ما ادّعاه أنه لا يشمّ رائحة، فإنه يدنى منه الحراق، فإن كان كما يقول فلن يفعل شيئا، و ألاّ ينحّي رأسه و تدمع عيناه. و أمّا ما ادّعاه في عينه، فإنه يقابل بعينيه الشمس، فإن كان كاذبا لم يتمالك حتى يغمض عينيه، و إن


1) فروع الكافي: ج 7، ص 422.

كان صادقا بقيتا مفتوحتين. و أمّا ما ادّعاه في لسانه، فإنه يضرب على لسانه بإبرة فإن خرج الدمّ أحمر فقد كذب، و إن خرج الدم أسود فقد صدق(1).

7

جاء رجلان إلى امرأة من قريش، فاستودعاها مائة دينار و قالا: «لا تدفعيها إلى واحد منّا، دون صاحبه حتى نجتمع».

فلبثا عاما ثم جاء أحدهما إليها، و قال: «إن صاحبي قد مات فادفعي إليّ الدنانير»، فأبت المرأة. فثقل الرجل بأهلها، فلم يزالوا بها حتى دفعتها إليه.

ثم لبث عام آخر، فجاء الرجل الثاني، و قال لها: «ادفعي إليّ الدنانير»!.

فقالت: «إن صاحبك جاءني، و زعم أنك قد متّ، فدفعتها إليه».

فاختصما إلى عمر بن الخطاب، فأراد أن يقضي عليها بالضمان فقد قال لها: «ما أراك إلاّ ضامنة».

فقالت: «أنشدك اللّه أن لا تقضي بيننا، و ارفعنا إلى عليّ بن أبي طالب» فرفعهما إلى علي عليه السّلام فعرف الإمام أنهما قد مكرا بها.


1) الوسائل: ج 19، ص 279.

فقال للرجل: «أ ليس قلتما، لا تدفعيها إلى واحد منّا دون صاحبه»؟.

قال الرجل: «بلى، فلم دفعتها إلى صاحبي»؟.

فقال الإمام: «إن مالك عندنا، فاذهب فجئ بصاحبك حتى ندفعه لكما».

فبلغ قضاء الإمام إلى عمر فقال: لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن(1).

8

روي: «أن رجلين اصطحبا في سفر، فلما أرادا الغداء، أخرج أحدهما من زاده خمسة أرغفة، و أخرج الآخر ثلاثة أرغفة، فمرّ بهما عابر سبيل، فدعوه إلى طعامهما. فأكل الرّجل معهما حتى لم يبق شيء، فلمّا فرغوا، أعطاهما الضيف ثمانية دراهم، ثواب ما أكله من طعامهما.

فقال صاحب الثلاثة أرغفة لصاحبه: «اقسمها نصفين بيني و بينك».

و قال صاحب الخمسة: «لا. بل يأخذ كل منّا من الدراهم على عدد ما أخرج من الزاد».

فأتيا أمير المؤمنين عليه السّلام في ذلك، فلمّا سمع مقالتهما قال


1) ذخائر العقبى: ص 80.

لهما: «اصطلحا، فإن قضيّتكما دنيّة. فقالا: بل اقض بيننا بالحق.

فقضى الإمام لصاحب الخمسة أرغفة بسبعة دراهم، بينما قضى لصاحب الثلاثة أرغفة بدرهم واحد! و لما سألاه عن السبب في هذا الحكم قال عليه السّلام:

«أ ليس أخرج أحدكما من زاده خمسة أرغفة، و أخرج الآخر ثلاثة؟».

قالا: «نعم».

قال عليه السّلام: «أ ليس أكل ضيفكما معكما، مثل ما أكلتما»؟، قالا: «نعم».

قال عليه السّلام: «أ ليس أكل كل واحد منكما ثلاثة أرغفة غير ثلث»؟، قالا: «نعم».

قال عليه السّلام: «أ ليس أكلت أنت يا صاحب الثلاثة، ثلاثة أرغفة إلاّ ثلثا، و أكلت أنت يا صاحب الخمسة، ثلاثة أرغفة إلاّ ثلثا، و أكل الضيف مثلكما، ثلاثة أرغفة إلاّ ثلثا؟ أ ليس قد بقي لك يا صاحب الثلاثة أرغفة، ثلث رغيف من زادك، و بقي لك يا صاحب الخمسة، رغيفان و ثلث، و أكلت ثلاثة أرغفة إلا ثلثا. فأعطاكما لكل ثلث رغيف درهما، فأعطى صاحب

«الرغيفين و ثلث» سبعة دراهم، و أعطى صاحب الثلاثة أرغفة، و حصّته مما أكل منه الثلث: درهما واحدا(1).

9

جاءت امرأة إلى الإمام فقالت: «إن زوجي وقع على جاريتي بغير أمري».

فقال للرجل: «ما تقول»؟.

قال: «ما وقعت عليها إلاّ بأمرها».

فقال علي: «إن كنت صادقة رجمته، و إن كنت كاذبة جلدتك حدّ القذف» (ثمانين جلدة)!..

و أقيمت الصلاة، فقام عليّ كرّم اللّه وجهه ليصلّي.

و فكّرت المرأة، فلم تر لها فرجا في أن يرجم زوجها، و لا في أن تجلد، فولّت هاربة، و لم يسأل عليّ عنها!(2)..

10

يروى أن عليّا عليه السّلام كان في مجلس يعلّم الناس بالمسجد، إذ سمع ضجة، فلما سأل عنها قيل له: «رجل سرق و معه من يشهد عليه».


1) أئمتنا: ص 75.

2) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 108.

فشهد شاهدان عليه أنه سرق، فجعل الرجل يبكي، و يناشد عليّا أن يتثبّت في أمره.

فخرج الإمام إلى الناس بالسوق، فدعا بالشاهدين، فناشدهما اللّه و خوّفهما، فأقاما على شهادتهما، فلما رآهما لا يرجعان دعا بالسكين و قال: «ليمسك أحدكما يده و يقطع الآخر». فتقدّما ليقطعاه، فهاج الناس، و اختلط بعضهم ببعض.

و قام عليّ من مكانه، فترك الشاهدان الرجل، و هربا.

و عاد عليّ فقال: «من يدلّني على الشاهدين الكاذبين»؟ فلم يعثر الناس لهما على أثر.

و قد قال عليّ: «يبدأ الشهود بالرجم إذا شهدوا بالزنى، فإن كانوا كاذبين، لم يستطيعوا أن يرجموا»(1).

11

كان عمر يتمشّى في الأسواق و الأزقّة ذات ليلة، فسمع امرأة تتوجّع في فراشها مهمهمة:

لقد طال هذا الليل و ازورّ جانبه و ليس إلى جنبي خليل ألاعبه


1) المصدر السابق: ص 109.

فو اللّه لو لا اللّه تخشى عواقبه لزلزل من هذا السرير جوانبه

مخافة ربي و الحياء يعفني و إكرام بعليّ أن تنال مراتبه

و تألم عمر مما سمع!!

فلما أصبح الصباح، حكى لعلي ما سمعه، فلم يجد عليّ فيما قالته المرأة ما يستوجب العقاب، و إن كان فيه ما يعاب!

و رأى عمر أن يرسل إلى المرأة فيسألها عمّا سمعه البارحة.. فأشار عليّ بأن يسأل عنها، قبل أن يروّعها بسؤالها عن همهمتها.

فسأل عنها فقالوا: «هي امرأة فلان و له في الغزاة ثمانية أشهر». فسأل بعض نساء بيته عن أقصى ما تستطيع المرأة أن تصبر عن زوجها من غير عنت أو تكلّف، فقلن له: «أربعة أشهر».

فأمر ألاّ يغيب الرجل عن زوجته أكثر من أربعة أشهر..(1).

12

و رفعت إلى عمر قضية امرأة ولدت لستة أشهر، فأمر


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 122.

برجمها فجاءت أختها إلى عليّ تستصرخه. فذهب إلى عمر و قال: «إن اللّه عزّ و جلّ يقول: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ (1). و قال تعالى: وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً (2).

فالفصال أربعة و عشرون شهرا و الحمل ستة أشهر، تلك ثلاثون شهرا».

فخلّى عمر سبيلها و قال: «أعوذ باللّه من معضلة ليس لها أبو الحسن»(3).

13

و بلغ عمر بن الخطاب أن امرأة بغية يدخل عليها الرجال، فبعث إليها رسولا فأتاها الرسول فقال لها: «أجيبي أمير المؤمنين». ففزعت المرأة فزعا شديدا، فأجهضها الفزع، و أسقطت حملها ميتا، فحزن عمر و أرسل إلى بعض الصحابة، فقصّ عليهم ما كان من أمره و أمر المرأة فقالوا: «ما نرى عليك شيئا يا أمير المؤمنين، إنما أنت معلم و مؤدّب». فسأل عليّا، فقال عليّ: «إن كانوا قاربوك في الهوى فقد أثموا، و إن


1) سورة البقرة، الآية: 223.

2) سورة الأحقاف، الآية: 15.

3) قضاء أمير المؤمنين.

كان هذا جهد رأيهم فقد أخطأوا. و أرى عليك الديّة». فقال عمر: «صدقت يا أبا الحسن».

ثم عاد يكرر: «و اللّه لو لا عليّ لهلك عمر. أعوذ باللّه من معضلة لا عليّ لها»(1).

14

و جاؤوا عمر بامرأة حامل قد اعترفت بالفجور، فأمر برجمها، فقال له علي: «هذا سلطانك عليها فما سلطانك على ما في بطنها»؟ فأطلقها عمر حتى تضع حملها.

و جاؤوا عمر بامرأة أجهدها العطش، فمرّت على راع فاستسقته فأبى إلاّ أن تمكّنه من نفسها، ففعلت فشاور الناس في رجمها فقال عليّ: «هذه مضطرة، فخلّ سبيلها». و أشار برجم الراعي وحده. و أخذ عمر بهذا الرأي(2).

15

استشار عمر عليا في رجل و امرأة مرّ بهما عمر في دجى الليل، فوجد بينهما ما بين الرجل و زوجته، و في الصباح علم أنهما ليسا زوجين، فأمر بأن يحدّا.

و لكن عليا عليه السّلام قال له: «أجئت عليهما بأربعة شهداء».


1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 110.

2) المصدر السابق: ص 104.

فقال عمر إنه هو الذي شهدهما وحده، فأفتاه علي عليه السّلام بأنه لا يحقّ له أن يحكم بعلمه هو وحده. فعسى أن يكون قد شبّه له، أو أخطأ، فلا بد من الشهداء كما نصّ القرآن و جرت السّنّة(1).

16

روي «أن عمر استشار عددا من الصحابة في امرأة قد زنت، و شهد عليها أربعة شهداء عدول، فأجمعوا على رجمها، فلما ذهبوا ليرجموها، مرّ بهم الإمام علي عليه السّلام فقال:

«ما شأن هذه»؟. قالوا: «مجنونة بني فلان زنت فأمر بها أن ترجم».

فانتزعها عليّ من أيديهم، و ردّهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: «ما ردّكم»؟. قالوا: «ردّنا عليّ».

فقال عمر: «ما فعل أبو الحسن هذا إلاّ لشيء قد علمه».

فجاء عليّ شبه غاضب، فسأله عمر: «ما بالك قد رددت هؤلاء»؟. فقال عليّ: «أما سمعت قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يبرأ، و عن النائم حتى يستيقظ، و عن الصبيّ حتى يعقل»؟.

قال عمر: «بلى».


1) المصدر السابق: ص 102.

فقال الإمام: «فهذه مبتلاة (مجنونة) بني فلان، فلعله أتاها الرجل و هو (الجنون) بها».

قال عمر: «لا أدري».

فقال الإمام: «و أنا لا أدري»!

فترك رجمها للشكّ في عقلها حين الزنى(1).


1) عبقرية الإمام علي عليه السّلام: ص 171.

الفهرس

أخلاقيات الحاكم 7

اعتماد الشورى في الحكم 9

حقوق متبادلة 14

الأوّل - تأمين الحرّيات 20

أولا - حرية إبداء الرأي 22

ثانيا - حرّية الاجتماع و التنظيم 24

ثالثا - حرية المعارضة 25

الثاني - حاكمية الناس 26

الثالث - قداسة القانون 59

الرابع - احترام حقوق الإنسان 63

الاعتراف بحق المعارضة 65

الالتزام بالعدل 94

أولا: التزام العدل في تقسيم أموال العامة و هو يعني أمرين 111

ثانيا - إنصاف المظلومين 117

ثالثا - الامتناع عن التعدّي و البغي 119

رابعا - الامتناع عن الكبر، و التكبّر، و الترفّع عن الناس 120

خامسا - التشدّد مع المسؤولين لمصلحة العامة 126

سادسا - الاهتمام بحاجات الناس، و طلبات الولاة 126

سابعا - مساعدة الجميع، و اللطف بهم 129

ثامنا - المساواة، و عدم التمييز 132

تاسعا - مجازاة المسيء، و الإحسان إلى المحسنين 151

عاشرا - الاهتمام بعامة الناس دون الخاصة منهم 153

الحادي عشر - التزام الحق في جباية الضرائب 154

التشدد مع النفس 155

التشدّد مع الأقرباء 161

التشدّد مع المسؤولين 170

مواجهة المتكبرين بالحزم 190

الاحتياط في إراقة الدماء 197

إنصاف العدو 206

العفو مع الاقتدار 232

الرفق في جباية الخراج 246

الاهتمام الشخصي بالأيتام 254

اعتماد لغة الرحمة في القضاء 259

لا حكم على من لا يعرف الحكم 261

إلغاء الحدّ مع الاضطرار 263

إثارة الوجدان و الضمير للتراجع عن الرجل 265

اعتماد الحقائق العلمية في المسائل القضائية 269

التشدّد مع المحتالين و الذين يؤذون الناس 272

الاقتصاص من الباطل 276

ثلاث نساء و ثلاث قضايا 279

أما مع الأرملة 283

أمّا الزانية 285

التدقيق في الشهود للاحتياط في إجراء الحدود 291

التوبة في البيت أفضل من إقامة الحدّ على الملأ 302

العفو عن القائل لنجاته بريئا باعترافه 308

التوسل باللاشعور للكشف عن الحقيقة 311

التوسّل بعاطفة الأمومة لمعرفة الحقيقة 313

تشريعات لأصحاب الحيوانات 315

أحكام صائبة و أخلاقيات رفيعة 317