ghaemiyeh.com
پدیدآوران: مدرسی، هادی (نویسنده)
اخلاقيات الامام علي امیرالمومنين(علیه السلام)
عنوانهای دیگر: قراءة في تعاملات الإمام من موقع المؤمن الصادق و المعارض المخلص، و الحاکم العادل
ناشر: دار العلوم
مکان نشر: بیروت - لبنان
سال نشر: 1431 ق یا 2010 م
چاپ:1
موضوع: اخلاق اسلامی
علی بن ابیطالب(ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق. - اخلاق
علی بن ابیطالب(ع)، امام اول، 23 قبل از هجرت - 40ق. - خطبهها
زبان: عربی
تعداد جلد:3ج
کد کنگره: BP 37/4 /م4الف3
اخلاقيات الامام علي امیرالمومنين(علیه السلام)
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (1)
اَلْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) اَلرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اِهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لاَ الضّالِّينَ (7)
الحمد للّه رب العالمين و الصلاة على محمد سيد المرسلين و على أهل بيته الطيبين الطاهرين.
و ما هو النموذج الأفضل لنظامنا؟
و ما هو الميزان؟
تلك هي بعض الأسئلة التي يحاول هذا الكتاب الإجابة عليها، من خلال استعراض مواقف الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و كلماته و حكمه. باعتبارها منهجا متكاملا للحياة، و نموذجا فريدا للاقتداء..
ذلك أنّ هذا الكتاب ليس سردا تاريخيا لحياة الإمام، و لا محاولة لتسليط الضوء على أبعاد شخصيته الكريمة، و تراثه المجيد، لأنه لا يتحدّث عن الماضي برجاله و تاريخه للهروب من الحاضر و التراجع إلى الوراء، بل يتحدث عن الماضي لإعادته إلى الحاضر، و الانطلاق به إلى المستقبل..
إنه محاولة لتصوّر الإمام حاضرا بيننا، يمشي معنا في الأسواق، و يتعامل مع الناس، و يصدر تعليماته لهم و يبيّن رؤاه، لكي نتبيّن على ضوئها مواقع أقدامنا، و واجبات أمّتنا في الوقت الحاضر..
و لقد أعتمدت في تأليف هذا الكتاب، على الاستفادة من كلمات الإمام و استشراف بصائره حول كل موضوع، و ذكر مواقفه عليه السّلام، ليس من خلال سياقها التاريخي، لأن الجوهر الذي انصب التأليف عليه كان توضيح الجانب الأخلاقي في حياة الإمام الفردية، و الاجتماعية و السياسية باعتباره النموذج الصالح للعبد المؤمن، و الحاكم العادل، و المعارض الحكيم.. و آثرت أن أذكر النص التاريخي من غير تدخل فيه أو تصرف، مع ذكر المصدر، و ثبت الصفحات..
و قسّمت الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أخلاقيات المؤمن.
القسم الثاني: أخلاقيات المعارضة.
القسم الثالث: أخلاقيات الحاكم.
و من اللّه أستمد التوفيق، إنه من وراء القصد.
هادي المدرّسي
1410/6/10 ه - 1990/1/7 م
تتمحور حياة النّاس عادة حول إحدى محاور ثلاثة:
الأول: محور الإيمان باللّه، و ما يتعلق به من قضايا العبادة و الأخلاق، و الالتزام بالأحكام..
الثاني: محور «قضية» معيّنة ترتبط بقيمة من القيم، أو مصلحة من المصالح العامة.
الثالث: محور الذّات، و ما يتعلّق بها من الشهوات و الملّذات و المصالح.
و غالبية النّاس عادة هم من الّذين تدور حياتهم حول المحور الثالث، ذلك لأنه زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَ الْبَنِينَ وَ الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ وَ الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَ الْأَنْعامِ وَ الْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ اللّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (1).
1) سورة آل عمران، الآية: 14.
و قلّة هم الّذين يتحملون قضية معيّنة، و يناضلون من أجلها كتحرير بلدانهم، أو تحقيق العدالة فيها، أو الاستقلال لها أو ما شابه.
أمّا الأقلون فهم المؤمنون الّذين تدور حياتهم حول الإيمان باللّه.. و من ثم العمل من أجل الآخرة.
و هؤلاء هم الّذين قال عنهم ربّنا: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (1)...
و هم المتّقون الّذين يشفقون من أمر ربّهم، و هم «أهل الفضائل»(2).
و يميّزهم عن غيرهم أن «منطقهم الصواب، و ملبسهم الاقتصاد و مشيهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم اللّه عليهم، و وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم. نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء، و لو لا الأجل الّذي كتب اللّه عليهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين، شوقا إلى الثواب، و خوفا من العقاب. عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دون ذلك في أعينهم»(3).
أمّا فيما يرتبط بالحياة الدنيا، فهم لا ينسون نصيبهم منها،
و لكن قلوبهم متعلقة بالآخرة «فهم و الجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، و هم و النار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون.
قلوبهم محزونة و شرورهم مأمونة، و أجسادهم نحيفة، و حاجاتهم خفيفة، و أنفسهم عفيفة»(1).
«صبروا أياما قصيرة، أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة يسّرها لهم ربهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، و أسرتهم ففدوا أنفسهم منها»(2).
تلك هي من أقوى ميزات أهل التقوى، فالدنيا التي يريدها أصحاب الملذّات و المصالح، و يركضون وراءها، أرادتهم و لكنهم لم يريدوها و قصدتهم و لكنهم رفضوها، لأنهم أرادوا الآخرة و ما فيها من النعيم المقيم. و حينما أسرتهم الدنيا، فدوا أنفسهم بمجاهدة النفس و العبادة و الطاعة و الخشوع..
«أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن يرتّلونها ترتيلا يحزّنون به أنفسهم و يستثيرون به دواء دائهم»(3).
غير أنّ تلاوتهم للقرآن ليست تلاوة ألفاظ، بل تلاوة تفاعل و تأمل و عمل «فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها
طمعا و تطلّعت نفوسهم إليها شوقا، و ظنّوا أنها نصب أعينهم.
و إذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، و ظنّوا أن زفير جهنم و شهيقها في أصول آذانهم»(1).
إن العبادة بالنّسبة إليهم عمل مستقلّ، و ليس مقدمة لحاجة أخرى، فلا يراؤون بعبادتهم، و لا يتظاهرون بها.. «فهم حانون على أوساطهم، مفترشون لجباههم، و أكفّهم، و ركبهم، و أطراف أقدامهم، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم»(2).
و لا يعني ذلك أنّهم يعبدون اللّه تعالى بالصلاة وحدها، بل يعبدونه بكل وجودهم، بالنشاط، و الجهاد، و العلم و الحلم و كثرة العمل، فهم في اللّيل - حيث الآخرون يغطون في النوم - يعبدون ربهم «و أمّا في النهار فحلماء، علماء، أبرار، أتقياء.
قد براهم الخوف بري القداح ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، و ما بالقوم من مرض. و يقول لقد خولطوا، و لقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم القليل، و لا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متّهمون، و من أعمالهم مشفقون»(3).
و لذلك فإنّهم متواضعون جدا، بعيدون عن الزهو و الخيلاء: «إذا زكّى أحد منهم خاف مما يقال له فيقول: أنا أعلم بنفسي من غيري، و ربّي أعلم بي منّي بنفسي. اللّهمّ لا تؤاخذني بما يقولون، و اجعلني أفضل مما يظنون و اغفر لي ما لا يعلمون»(1).
و لا شكّ أن رجالا من هذا الطراز يتمتعون بصفات شخصية عالية إذ «من علامة أحدهم أنك ترى له قوة في دين، و حزما في لين، و إيمانا في يقين، و حرصا في علم، و علما في حلم، و قصدا في غنى، و خشوعا في عبادة، و تجمّلا في فاقة، و صبرا في شدّة، و طلبا في حلال، و نشاطا في هدى، و تحرّجا عن طمع، يعمل الأعمال الصالحة و هو على وجل، يمسي و همّه الشكر، و يصبح و همّه الذكر. يبيت حذرا، و يصبح فرحا، حذرا لما حذر من الغفلة، و فرحا بما أصاب من الفضل و الرّحمة»(2).
و هؤلاء أشدّاء مع النفس، فلا يسلسون القياد لذواتهم فيما تحب أو تكره. فإن أحدهم «إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحب»(3).
و هم لهذا زهّاد في أمور الدنيا، حريصون على أعمال الآخرة، فترى أحدهم «قرة عينه فيما لا يزول، و زهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، و القول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه منزورا أكله، سهلا أمره، حريزا دينه، ميتة شهوته مكظوما غيظه»(1).
أ ترى أن من كان الإيمان باللّه محور حياته، هل يؤذي أحدا؟ و هل يترك عملا صالحا؟ و هل يتعامل بالأحقاد؟
لا شك أن مثل هذا النموذج «الخير منه مأمول، و الشرّ منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، و إن كان في الذاكرين، لم يكتب في الغافلين. يعفو عمّن ظلمه، و يعطي من حرمه، و يصل من قطعه، بعيدا فحشه، لينا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شرّه، في الزلازل وقور، و في المكاره صبور، و في الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، و لا يأثم فيمن يحب، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا يضيع ما استحفظ و لا ينسى ما ذكّر، و لا ينابز بالألقاب و لا يضار بالجار، و لا يشمت بالمصائب و لا يدخل في الباطل، و لا يخرج من الحق، إن صمت لم يغمّه صمته، و إن ضحك لم يعل صوته، و إن بغي عليه صبر حتى يكون اللّه هو الذي ينتقم له،
1) المصدر السابق.
نفسه منه في عناء و الناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته و أراح الناس من نفسه، بعده عمّن تباعد عنه زهد و نزاهة، و دنوّه ممّن دنا منه لين و رحمة، ليس تباعده بكبر و عظمة و لا دنوّه بمكر و خديعة..»(1).
و حياة علي أمير المؤمنين عليه السّلام تطبيق دقيق لهذه المواصفات: محورها رضا اللّه، و هدفها عبادته، و مفرداتها العمل الصالح في كل مواقفه.
و لا شك أن من لا يفهم «تقوى الإمام» يحتار في تفسير كثير من مواقفه، و قد يتساءل كما تساءل بعض معاصريه: هل للإمام علم بأصول السياسة أو كما قال بعضهم: «إن ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب»(2).
إنّ كثيرا من الخطط الممكنة، و الخطوات التي نصحه البعض بها لإحراز الانتصار كانت في الحقيقة تصطدم بإيمان الإمام عليه السّلام، و التزامه بالأخلاق، و تعهّده للرسالة، و زهده في الحياة الدنيا.
إنّ نقّاد التاريخ ربما نظروا إلى المسائل من خلال عينيّ السياسي، و ليس من خلال عيني المؤمن.. لأن البوصلة في قلب السياسي ربما تتّجه نحو النجاح بأي ثمن، و لكن بوصلة
المؤمن تتجّه نحو الإيمان و الالتزام بالقيم، و الحفاظ على التقوى.
و من هنا فإنّ العبادة عند الإمام - و هو رئيس دولة - لم تصبح «فرعا» بل بقيت «أصلا» و الخشوع للّه لم يتحوّل إلى قضية هامشية، لانشغاله بأمور الدولة مثلا.. فأي شيء أهم من عبادة اللّه، و كسب رضاه؟
لقد أوصى الإمام «محمد بن أبي بكر» حين ولاّه مصر، بقوله: «لا تسخط اللّه برضى أحد من خلقه، فإن في اللّه خلفا من غيره، و ليس من اللّه خلف في غيره».
و أضاف: «صلّ الصلاة لوقتها المؤقت لها، و لا تعجّل وقتها لفراغ، و لا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال، و اعلم أن كل شيء من عملك تبع لصلاتك»(1).
حقا كان الإمام ممّن قال عنهم ربنا رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ (2).
فلقد «كان أمير المؤمنين أعبد الناس و أكثرهم صلاة و صوما، و منه تعلّم الناس صلاة الليل و ملازمة الأوراد و قيام النافلة، و ما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على عبادته أن يبسط له قطع ما بين الصفّين ليلة الهرير فيصلّي عليه، و يؤدّي ورده
بينما السهام تقع بين يديه تمرّ على صماخيه يمينا و شمالا فلا يرتاع لذلك، و لا يقوم حتّى يفرغ من وظيفته.
«و ما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده، و أنت إذا تأمّلت دعواته و مناجاته، و وقفت على ما فيها من تعظيم اللّه سبحانه و إجلاله، و ما يتضمّنه من الخضوع لهيبته و الخشوع لعزّته و الاستحذاء له، عرفت ما ينطوي عليه من الإخلاص، و فهمت من أيّ قلب خرجت و على أيّ لسان جرت»(1).
و حينما قال له أحدهم ليلة الهرير: «يا أمير المؤمنين..
أ لا تؤجلها، أي الصلاة؟».
قال: «ويلك!. و على م نقاتلهم؟».
إن التقوى عند الإمام هي المحور، لا السياسة.. و الصلاة عنده الأهم لا الزعامة.. و الخشوع عنده الأساس لا الانتصار.. و هو إذ يقاتل مناوئيه فلكي يؤمنوا باللّه، و يعبدوه، لا لكي يتأمّر عليهم.. كما كان مناوئوه يفعلون!
كان الإمام يرى «الصلاة قربان كل تقي»(2)و «معراج كل مؤمن» و لذلك فإنه كان يكثر منها.. و هو العارف بحقيقة الصلاة..
كان يعلم أن العبادة ليست مظهرا، إنما قيمتها بمقدار ما تضيء في القلب من نور التقوى و كان يقول: «ليست الصلاة قيامك و قعودك و إنما الصلاة إخلاصك»(1).
و لإخلاصه و إيمانه و تقواه، كان إذا حضر وقت الصلاة، يتلون وجهه عليه السّلام و يتزلزل فيقال له: ما لك؟
فيقول: «جاء وقت أمانة عرضها اللّه تعالى على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها، و حملها الإنسان في ضعفه، فلا أدري أحسن إذا ما حملت أم لا؟(2).
يقول حفيده الإمام علي بن الحسين عليه السّلام: «صلّى أمير المؤمنين عليه السّلام الفجر، ثم لم يزل في موضعه حتى صارت الشمس على قدر رمح، و أقبل على الناس بوجهه فقال: «و اللّه لقد أدركت أقواما يبيتون لربّهم سجدا و قياما يخالفون بين جباههم و ركبهم، كأنّ زفير النار في آذانهم، إذا ذكر اللّه عندهم مادوا كما يميد الشجر»!.
ثم قام، فما رئي ضاحكا حتى قبض(3).
و كما كان يقيم الصلاة، فإنه كان يطلب من المؤمنين أن يتعاهدوا أمرها. و كان يقول عليه السّلام: «تعاهدوا أمر الصلاة،
و حافظوا عليها و استكثروا منها، و تقرّبوا بها فإنها كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (1)أ لا تسمعون إلى جواب أهل النار حين سئلوا ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (2)و إنها لتحتّ الذنوب حتّ الورق و تطلقها إطلاق الربق، و شبهها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالحمّة تكون على باب الرجل، فهو يغتسل منها في اليوم و الليلة خمس مرات، فما عسى أن يبقى عليه من الدّرن؟ و قد عرف حقّها رجال من المؤمنين الّذين لا تشغلهم عنها زينة متاع، و لا قرّة عين من ولد و لا مال. يقول اللّه سبحانه: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ (3). و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نصبا بالصلاة بعد التبشير له بالجنّة لقول اللّه سبحانه: وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها (4). فكان يأمر بها أهله، و يصبر عليها نفسه(5).
فلا الإمارة، و لا الزعامة، و لا الحروب، و لا الأموال، و لا النساء و لا الأولاد شغلت عليا عليه السّلام عن الصلاة، و العبادة، و البكاء من خشية جبّار السموات و الأرضين.
و قد روي في ذلك أن ضرار بن ضمرة دخل على معاوية، فقال له معاوية: صف لي عليّا؟
فقال: أو تعفيني من ذلك؟
فقال: لا أعفيك!
فقال: «كان و اللّه بعيد المدى، شديد القوى، يقول فضلا و يحكم عدلا، يتفجّر العلم من جوانبه، و تنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدّنيا و زهرتها، و يستأنس باللّيل و وحشته.. كان و اللّه غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلّب كفّيه، و يخاطبه نفسه، و يناجي ربّه، يعجبه من اللّباس ما خشن، و من الطعام ما جشب.. كان و اللّه فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه، و يجيبنا إذا سألناه و كان مع دنوّه منّا و قربنا منه لا نكلّمه لهيبته، و لا نرفع عيننا لعظمته، فإن تبسّم فعن مثل اللّؤلؤ المنظوم، يعظّم أهل الدين، و يحب المساكين، لا يطمع القويّ في باطله، و لا ييأس الفقير من عدله».
فقال معاوية: زدني في صفته.
فقال ضرار: «رحم اللّه عليا عليه السّلام كان و اللّه طويل السهاد، قليل الرقاد، يتلو كتاب اللّه أناء الليل و أطراف النهار، و يجود اللّه بمهجته، و يبوء إليه بعبرته لا تغلق له الستور، و لا يدّخر عنّا البدور، و لا يستلين الاتكاء، و لا يستخشن الجفاء، فأشهد
باللّه لقد رأيته في بعض مواقفه و قد أرخى اللّيل سدوله، و غارت نجومه و هو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم و يبكي بكاء الحزين، فكأنّي الآن أسمعه و هو يقول:
«يا دنيا أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري لا حاجة لي فيك، قد طلّقتك ثلاثا لا رجعة لي فيها، فعمرك قصير و خطرك يسير و أملك حقير، آه، آه، من قلّة الزّاد و بعد السّفر، و وحشة الطّريق و عظيم المورد».
فسالت دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمّه، ثم قال:
«كان و اللّه أبو الحسن كذلك، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟»
قال ضرار: «صبر من ذبح واحدها على صدرها، فهي لا ترقى عبرتها و لا تسكن حسرتها، ثمّ قام و خرج و هو باك»(1).
ثم إن العبادة لم تكن عند الإمام مجرد خشية من النار، أو رغبة في الجنة، بل كانت عبادة من يعرف حق مولاه، و عظمة سيّده، و يريد أن يؤدّي ذلك الحق.. و هو القائل:
«إنّ قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجّار، و إنّ قوما
1) إرشاد القلوب: ص 13-14.
عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار»(1).
و القائل: «إلهي.. ما عبدتك إذ عبدتك خوفا من نارك، و لا طمعا في جنّتك، بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك».
و لقد كان الإمام يتمتع بذلك الإخلاص الذي لا يوصف، لأنه كان موقرا في قلبه، ساريا في خلجات روحه، شاغلا لبّه..
و كيف يمكن أن نزن مدى إخلاص الإمام لربّه؟ و كيف يمكننا الإحاطة ببحر حبّه؟
لقد قال مرة: «عباد اللّه.. إنّ أنصح الناس لنفسه أطوعهم لربّه، و إنّ أغشّهم لنفسه أعصاهم لربّه، و المغبون من غبن نفسه و المغبوط من سلم له دينه. و اعلموا أنّ يسير الرياء شرك(2).
فلم يكن الإمام يعمل للناس، و لا يعبد اللّه لرياء!..
و كان كما قال عن «المؤمن لا يمسي و لا يصبح إلاّ و نفسه ظنون عنده»(3).
و لذلك كان يعمل للّه، و يعطي للّه، و هو مع ذلك لا يرى ما فعله كافيا.. فقد روي أنّه:
«قيل لعليّ عليه السّلام: كم تتصدّق؟ كم تخرج من مالك؟ ألاّ تمسك؟
فقال: «إنّي و اللّه لو أعلم أن اللّه تعالى قبل منّي فرضا واحدا لأمسكت، و لكنّي و اللّه لا أدري أقبل سبحانه منّي شيئا، أم لا»(1).
و مع كل ما أثر عنه من العبادة، و الجهاد، و الطاعة، و العمل الصالح، و الزهد و التقوى، فهو لم يزل يتّهم نفسه، و يخشى أن لا تقبل عبادته..
و هذا لعمري هو الإخلاص بعينه، و الخضوع للحق بعينه، و الصدق مع اللّه بعينه..
و الحق أن من يعرف اللّه حقّ قدره، لا يتوانى عن عبادته، و أن من يخشى اللّه في سرّه تتجافى جنوبه عن المضاجع لمناجاته.. و هكذا كان أمير المؤمنين عليه السّلام. فقد روي عن حبّة العرني قال: «رأيت عليا عليه السّلام ليلة في «رحبة القصر» واضعا يده على الحائط شبيه الواله، و هو يقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ
1) بحار الأنوار: ج 41، ص 138.
اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (1).. و أخذ يقرأ هذه الآية و يكررها، و يمرّ شبه الطائر عقله!.
فقال لي: «يا حبّة: أ راقد أنت أم رامق؟
قلت: بل رامق.. يا أمير المؤمنين، أنت هكذا فكيف نحن؟
فأرخى عينيه و بكى، ثم قال: «يا حبّة.. إن اللّه أقرب إليّ و إليك من حبل الوريد، يا حبّة إنه لن يحجبني و لا إياك عن اللّه شيء»..
ثم قال: «إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من اللّه تعالى، قرّت عيناك غدا بين يدي اللّه عزّ و جلّ. إنّه ليس قطرة قطرت من عين رجل من خشية اللّه إلاّ أطفأت بحارا من النيران، و إنه ليس من رجل أعظم منزلة عند اللّه من رجل بكى من خشية اللّه، و أحبّ في اللّه، و أبغض في اللّه، إنه من أحبّ في اللّه لم يستأثر على محبّته، و من أبغض في اللّه لم ينل ببغضه إلاّ خيرا».
ثم جعل يمرّ و هو يقول: «ليت شعري في غفلاتي أ معرض أنت عنّي أم ناظر إليّ؟ و ليت شعري في طول منامي و قلّة شكري في نعمك عليّ، ما حالي؟»(2).
و لقد كانت عبادة الإمام متميزة عند صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فبمقدار ما كان يقينه باللّه عظيما كان اجتهاده في عبادته شديدا. و كان يعبد اللّه كأنه يراه، و يخشاه و كأنه في حفرته، و يتهيّبه و كأنّه معه.. لقد كان كما قال لأصحابه: «لا يرجونّ أحد منكم إلاّ ربّه، و لا يخافنّ إلاّ ذنبه»(1)أو كما قال:
«من أصلح سريرته أصلح اللّه علانيته»(2). فقد انشغل بإصلاح سريرته، و رجا ربه، و خاف ذنبه فكان أكثر الناس عبادة و خشوعا للّه تعالى..
و قد روى في ذلك عروة بن الزبير قال: «كنّا جلوسا في مجلس في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فتذاكرنا أعمال أهل بدر و بيعة الرضوان.
فقال أبو الدّرداء: «يا قوم أ لا أخبركم بأقلّ القوم مالا و أكثرهم ورعا و أشدّهم اجتهادا في العبادة؟
قالوا: من؟
قال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام.
قال عروة: «فو اللّه إن كان في جماعة أهل المجلس إلاّ معرض عنه بوجهه، ثمّ انتدب له رجل من الأنصار فقال له: يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها أحد منذ أتيت بها.
فقال أبو الدّرداء: «يا قوم إنّي قائل ما رأيت، و ليقل كلّ قوم منكم ما رأوا، شهدت عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بشويحطات النجّار، و قد اعتزل عن مواليه و اختفى ممّن يليه، و استتر بمغيلات النخل، فافتقدته و بعد عليّ مكانه، فقلت: لحق بمنزله، فإذا أنا بصوت حزين و نغمة شجيّ و هو يقول: «إلهي، كم من موبقة حلمت عن مقابلتها بنقمتك؟، و كم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك؟ إلهي إن طال في عصيانك عمري و عظم في الصحف ذنبي فما أنا مؤمّل غير غفرانك، و لا أنا براج غير رضوانك».
فشغلني الصّوت و اقتفيت الأثر، فإذا هو عليّ عليه السّلام بعينه، فاستترت له و أخملت الحركة، فركع ركعات في جوف اللّيل الغابر، ثمّ فرغ إلى الدّعاء و البكاء و البثّ و الشكوى، فكان ممّا به اللّه ناجاه أن قال: «إلهي، أفكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثمّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليّ بليّتي».
ثم قال: «آه إن أنا قرأت في الصّحف سيّئة أنا ناسيها و أنت محصيها!، فتقول: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (1)فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشيرته، و لا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ إذا أذن فيه بالنّداء.
1) سورة الحاقة، الآية: 7.
ثمّ قال: «آه.. من نار تنضج الأكباد و الكلى، آه.. من نار نزّاعة للشّوى، آه من غمرة من ملهبات لظى».
ثمّ أنعم في البكاء فلم أسمع له حسّا و لا حركة، فقلت:
غلب عليه النوم لطول السّهر، أوقظه لصلاة الفجر، فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته فلم يتحرّك، و زويته فلم ينزو، فقلت: إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (1)مات و اللّه عليّ بن أبي طالب:
فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت زوجته: يا أبا الدّرداء ما كان من شأنه و من قصّته؟ فأخبرتها الخبر.
فقالت: هي و اللّه يا أبا الدّرداء الغشية الّتي تأخذه من خشية اللّه.
ثمّ أتوه بماء فنضحوه على وجهه فأفاق، و نظر إليّ و أنا أبكي، فقال: ممّا بكاؤك يا أبا الدّرداء؟
فقلت: ممّا أراه تنزله بنفسك.
فقال: «يا أبا الدّرداء فكيف و لو رأيتني، و دعي بي إلى الحساب، و أيقن أهل الجرائم بالعذاب، و احتوشتني ملائكة غلاظ و زبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار، قد
1) سورة البقرة، الآية: 156.
أسلمني الأحبّار، و رحمني أهل الدنيا، لكنت أشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية».
فقال أبو الدّرداء: فو اللّه ما رأيت ذلك لأحد من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم(1).
و لقد كانت تقوى الإمام عليه السّلام منذ صغره تقوى العارف باللّه، و الخاشع لجبروته، فقد روي أنه حينما وقف يصلي مع رسول اللّه علنا، و هو ابن عشر سنوات، قال له بعض المشركين: هل استشرت أباك حينما عبدت اللّه؟
فأجاب عليه السّلام: «و هل استشار اللّه أبي حينما خلقني»؟.
و حينما كان لا يزال شابا، و من أصغر صحابة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جلس مع رسول اللّه و بعض الصحابة في المسجد، و كان أحدهم يقرأ القرآن حتى بلغ الآية: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً (2)قال الرسول و هو يحاور صحابته: «قولوا الآن قولكم: ما أول نعمة رغبكم اللّه تعالى فيها و بلاكم بها»؟ فذكروا نعمة اللّه أنعم عليهم بها من العافية، و المال و الذرية و الأزواج، فقبل منهم الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
ما قالوه، و لم يستزد واحدا منهم إلاّ عليا عليه السّلام. فقد التفت النّبي إلى علي بن أبي طالب، و كان أصغرهم سنا و قال:
«يا أبا الحسن قل، فقد قال أصحابك».
فقال: «و كيف لي بالقول فداك أبي و أمي و إنما هدانا اللّه بك»؟!.
قال: «و مع ذلك فهات، قل ما أول نعمة بلاك اللّه عزّ و جلّ و أنعم عليك بها؟
قال: «أن خلقني جلّ ثناؤه و لم أك شيئا مذكورا». و لم يكتف الرسول بهذا الجواب بل قال: «صدقت فما الثانية»؟
قال: «أن أحبّني إذ خلقني فجعلني حيا لا ميتا».
قال: «صدقت فما الثالثة»؟
قال: «أن أنشأني - فله الحمد - في أحسن صورة و أعدل تركيب».
قال: «صدقت فما الرابعة»؟
قال: «أن جعلني متفكرا راغبا، لا ساهيا».
قال: «صدقت فما الخامسة»؟
قال: «أن جعل لي مشاعر أدرك بها ما ابتغيت و جعل لي سراجا منيرا (أي عقلا يكشف الحق و الباطل و الحسن و القبح)».
قال: «صدقت فما السادسة»؟
قال: «أن هداني لدينه و لم يضلّني عن سبيله».
قال: «صدقت فما السابعة»؟
قال: «أن جعل لي مردّا في حياة لا انقطاع لها».
قال: «صدقت فما الثامنة»؟
قال: «أن جعلني ملكا مالكا لا مملوكا».
قال: «صدقت فما التاسعة»؟
قال: «أن سخّر لي سماءه و أرضه و ما فيهما و ما بينهما من خلقه».
و قال: «صدقت فما العاشرة»؟
فأطرق عليّ قليلا ثم قال في دعابة: «أن خلقني ذكرا و لم يخلقني أنثى». فضحكوا حتى بدت نواجذهم.
قال الرسول: «و ما بعد هذا»؟
قال: «كثرت نعم اللّه يا نبي اللّه فطابت، وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّهِ لا تُحْصُوها (1).
فتبسّم رسول اللّه في رضا عنه و قال: «ليهنئك الحكمة، ليهنئك العلم يا أبا الحسن. أنت وارث علمي و المبين لأمّتي ما اختلفت فيه بعدي. من أحبّك لدينك و أخذ بسبيلك فهو
1) سورة إبراهيم، الآية: 34.
ممّن هدي إلى صراط مستقيم. و من رغب عن هداك و أبغضك لقي اللّه يوم القيامة لا خلاق له»(1).
و في الحقيقة فإن التقوى عن الإمام، كانت محور حياته، و منها تشعّبت صفاته العظيمة، و أخلاقه الكريمة، و لو أردنا أن نشبّه تقواه بشيء فلا بد أن نقول إن حياة الإمام كانت مثل شجرة باسقة، جذورها التقوى، و جذعها الإخلاص، و أغصانها الأعمال الصالحة، و ثمارها الأخلاق الفاضلة..
و كما قال «التقى رئيس الأخلاق»(2)فإن تقواه كانت منبع أخلاقه، و ما من موقف وقفه في عمره الكريم كله إلاّ و كان للتقوى فيه أثر واضح.. و كان في ذلك ينافس أنبياء اللّه العظام، في الوقت الذي كان الآخرون يتنافسون فيما بينهم على الدنيا و زينتها و زبرجها..
و لذلك «كان إذا بدهه أمران ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فيخالفه(3)و لقد «أحيا عقله، و أمات نفسه حتى دقّ جليله، و لطف غليظه»(4).
كان يرى التقوى هي المنار، و هي المنجاة، و هي الوسيلة، و هي الهدف.. فكان يقول: «أوصيكم عباد اللّه، بتقوى اللّه، التي هي الزاد، و بها المعاذ: زاد مبلغ و معاذ منجح. دعا إليها أسمع داع، و وعاها خير واع، فأسمع داعيها، و فاز واعيها»(1).
فالتقوى الحرز هنا، و الحرز يوم القيامة. كان عليه السّلام يقول: «عباد اللّه! أوصيكم بتقوى اللّه، فإنها حق اللّه عليكم، و الموجبة على اللّه حقّكم، و أن تستعينوا بها على اللّه. فإن التقوى في اليوم الحرز و الجنّة، و في غد الطريق إلى الجنة»(2).
و هكذا فإن «التقوى» هي وصيته الرئيسية و الأساسية التي يبدأ بها أكثر خطبه، و رسائله، و نصائحه..
و لربما كان ينصح أحد ولده بوصايا كثيرة، ثم يقول له:
«و اعلم يا بني، إن أحبّ ما أنت آخذ به، من وصيتي: تقوى اللّه.. و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك، و الرغبة إليه في توفيقك»(3).
و كان يرى التقوى عملا يوميا، يجب أن يلتزم به المؤمن في سرّه و علانيته، و في إيمانه و عمله، و في كل صغيرة و كبيرة
من أعماله. و كان يقول لبعض أصحابه: «اتّق اللّه فيما لديك»(1)و يقول: «اتّق اللّه في كل صباح و مساء»(2).
و يطالب المؤمن، و لو ببعض التقوى، و يقول: «اتّق اللّه ببعض التقى، و إن قلّ، و اجعل بينك و بين اللّه سترا و إنّ رقّ»(3).
فالتقوى شيء عظيم، و أمر جليل، حتى أنه «لا يقلّ عمل مع التقوى، و كيف يقل ما يتقبّل»(4)؟.
فلا بدّ من الحفاظ على هذه الجوهرة الثمينة، و التي بها تحرز الجنّة، و عليها الحساب يوم نلقى اللّه.. لأنها جوهر العبادات، و لباب الطاعات، و رادعة الموبقات، و ماحية السيئات..
يقول الإمام عليه السّلام: «أيقظوا بها (التقوى) نومكم، و اقطعوا بها يومكم، و أشعروها قلوبكم، و أرحضوا بها ذنوبكم، و داووا بها الأسقام، و بادروا بها الحمام»(5).
و قد يسأل البعض ما هي التقوى؟
و الجواب: أن نرى اللّه تعالى حاضرا في كل مكان، و شاهدا في كل موقع، فلا نعمل ما لا يرضاه، و لا نرتكب ما نهى عنه، و لا نترك ما أوجبه.. و نصلح سرائرنا كما نحاول أن نصلح علانيّتنا..
يقول الإمام عليه السّلام: «اتّقوا معاصي اللّه في الخلوات، فإن الشاهد هو الحاكم»(1).
و يقول: «طوبى لمن ذلّ (للّه) في نفسه، و طاب كسبه، و صلحت سريرته»(2).
و يقول: «و لا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم»(3)
إذن، فإن «من لم يختلف سرّه و علانيته، و فعله و مقالته فقد أدّى الأمانة، و أخلص العبادة»(4).
فإصلاح السريرة، و إخلاص النيّة، و تطهير الدوافع، و تزكية النفس، هي الخطوة الأولى في التقوى، و المدخل إلى إصلاح العمل، لأن «من أصلح ما بينه و بين اللّه، أصلح اللّه ما بينه، و بين الناس»(5)، «و من أصلح أمر آخرته، أصلح اللّه له
أمر دنياه(1)لأن وَ مَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2)من الفتن، و نورا من الظّلم»(3).
و لكن مجرد إصلاح السريرة لا يكفي، بل لا بدّ من العمل بمقتضى التقوى، فالطاعة في الواجبات و المحرّمات، جزء من التقوى.. و الصبر في الحق جزء آخر.
يقول الإمام عليه السّلام: «استتموا نعمة اللّه عليكم بالصبر على طاعة اللّه، و المحافظة على ما استحفظكم من كتابه»(4).
و يقول: «عوّد نفسك التصبّر على المكروه، و نعم الخلق و التصبّر في الحق»(5).
و كذلك الجهاد في سبيل اللّه، فإن «الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه اللّه لخاصّة أوليائه، و هو لباس التقوى»(6)«و جاهد في اللّه حق جهاده، و خض الغمرات للحق»(7).
و كما الجهاد، كذلك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و مواجهة الظالمين، من أعداء الداخل و الخارج،
يقول الإمام عليه السّلام: «ما أعمال البرّ كلها و الجهاد في سبيل اللّه، عند الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر، إلاّ كنفثة في بحر لجّي»(1)«و أفضل من ذلك كلّه كلمة عدل عند إمام جائر»(2).
و على أية حال «فإنّ التقوى دار حصن عزيز، و الفجور دار حصن ذليل، لا يمنع أهله، و لا يحرز من لجأ إليه، و بالتقوى تقطع حمّة الخطايا، و باليقين تدرك الغاية القصوى»(3).
إن من يفكر بشكل صحيح، لا يملك إلاّ أن يتّقي اللّه، و يعمل من أجله، لأن اللّه قهر عباده بالموت و الفناء، و الناس مجموعون لربّهم، و هم مجزّيون بأعمالهم إن خيرا فخير و إن شرا فشرّ.. و ليس غير التقوى ما ينفع هناك.. لقد روي أن الإمام عليه السّلام في رجوعه من صفّين، مرّ بالقبور بظاهر الكوفة فوقف يخاطبها، بقوله:
«يا أهل الديار الموحشة، و المحال المفقرة، و القبور المظلمة»..
«يا أهل التربة، يا أهل الغربة، يا أهل الوحدة، يا أهل الوحشة»..
«أنتم لنا فرط سابق، و نحن لكم تبع لا حق.. أمّا الدور
فقد سكنت، و أمّا الأزواج فقد نكحت، و أما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم»؟
ثم إن الإمام التفت إلى أصحابه و قال: «أما لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم، إنّ خير الزاد التقوى»(1).
و لقد حمل الإمام هذا الزاد معه، فكانت التقوى نورا في قلبه، و عملا صالحا في جوارحه، و أخلاقا كريمة في مواقفه، و علما و حكمة في بيانه، و جهادا في يده، و زهدا في دنياه، و صبرا على البلاء، و شكرا في الرخاء.
و لذلك فحينما دنا أجله، و كانت لحظاته الأخيرة من الدنيا، رأوه ينظر إلى زاوية من الغرفة، و يقول: «و عليكم السّلام يا ملائكة ربي..» ثم يتوجّه لمن حوله و يقول: «لمثل هذا فليعمل العاملون» و يغمض جفنيه، و يسلّم نفسه لبارئها، بعد أن صبر أياما قليلة، ليعقبها راحة طويلة في ملك دائم، و نعيم قائم..
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1، ص 114.
إن حدود الشخصية العظيمة ترسمها الأخلاق. فسموّ الذات إنما هو بسموّ المعنى، و علوّ المكانة هي في تلك الأصول الأخلاقية التي يلتزم بها الرجال، و هي المقياس في تقييم أعمالهم و أفعالهم.
و من دون الأخلاق، فإن أكبر الانتصارات في التّاريخ يمكن أن تتحوّل إلى هزائم إذا كان أصحابها يتوسلون للنيل بها إلى الغدر و الخيانة و المكر و الخداع. لأنه «ما ظفر من ظفر الإثم به، و الغالب بالشر مغلوب»(1).
فقيمة الإنسان بإنسانيته..
و قيمة العمل بمحتواه.
و قيمة الدين بالترفّع عن الدنايا.
و ميزان البطولة هو الأخلاق.
1) سراج الملوك، ص 384.
ف «الخلق وعاء الدين»(1)و هو «عنوان صحيفة المؤمن»(2).
و «ما يوضع في ميزان امرىء يوم القيامة أفضل من حسن الخلق»(3).
و «حسن الخلق رأس كل برّ»(4)و هو «من أفضل القسم و أحسن الشيم»(5).
من هنا فإنه «لا قرين كحسن الخلق»(6)و «لا عيش أهنأ من حسن الخلق»(7).
لأن «من حسنت خليقته طابت عشيرته»(8)و على كل حال فإن «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا»(9)«فالأخلاق من ثمار العقل»(10).
صحيح أن في داخل كل إنسان كوامن خيّرة، تدعوه إلى
الالتزام بالأخلاق، و العمل الصالح، و كوامن شرّيرة تدعوه إلى الفساد و الشرّ و مناوئة الصالحين، غير أن العقل و العلم و الدين إذا كانت في امرىء فإنها تثير كوامنه الخيّرة، و تقمع كوامنه الشريرة، فيكون ملتزما بالأخلاق.
يقول الإمام علي عليه السّلام: «رأس العلم: التمييز بين الأخلاق، و إظهار محمودها و قمع مذمومها»(1)و يقول: «ابذل في المكارم جهدك تخلص من المآثم و تحرز المكارم»(2)
و يقول: «عليكم بمكارم الأخلاق فإنها رفعة، و إياكم و الأخلاق الدنيئة فإنها تضع الشريف و تهدم المجد»(3).
و بمقدار ما تكون الأخلاق الحسنة مطلوبة، فإن «سوء الخلق» مذموم حيث إن «الخلق السّيئ يفسد العمل كما يفسد الخلّ العسل»(4). ف «سوء الخلق شر قرين»(5)و هو «نكد العيش و عذاب النفس»(6)كما أنّه «ذنب لا يغفر»(7)لأن
«صاحب الخلق السّيئ إذا تاب من ذنب، وقع في أعظم من الذنب الذي تاب منه»(1).
و لهذا فقد سئل الإمام علي عليه السّلام عن أدوم الناس غما، فقال عليه السّلام: «أسوأهم خلقا»(2)لأن «من ساء خلقه عذّب نفسه»(3)و «من ضاقت ساحته، قلّت راحته»(4)و «ملّه أهله»(5)و هو حتما «كثير الطيش منغّص العيش»(6).
و قد يتساءل البعض ما هي الأخلاق الحسنة، و ما هي الأخلاق السيئة؟
و الجواب أن الأخلاق الحسنة و التي قد يعبّر عنها بمكارم الأخلاق هي في بعض مفرداتها: «صدق البأس، و صدق اللسان، و أداء الأمانة و صلة الرّحم. و إقراء الضّيف، و إطعام السائل، و المكافأة على الصنائع. و التذمم للجار، و التذمم للصاحب. و رأسهن الحياء»(7)و «الصبر. و الشكر. و الحلم.
و السخاء، و الغيرة. و الشجاعة. و المروءة»(1)و «الصفح عن الناس. و مواساة الرجل أخاه في ماله»(2)و «العدل.
و الورع»(3)و «تجنّب الحرام»(4)و «الإيثار»(5)و «قضاء اللوازم»(6)و «العفو عمّن ظلمك، و صلة من قطعك، و إعطاء من حرمك، و قول الحق و لو على نفسك»(7).
و إذا كانت تلك هي الأخلاق الحسنة، فإن أضدادها تكون هي الأخلاق السيئة..
و ما يميّز الصادقين عن غيرهم هو مقدار ترفّعهم عن شرار صفات الرجال، و تمسّكهم بخيار صفاتهم. أمّا الكاذبون فهم من يتوسّل لنيل مقاصده بكل ما يستطيع، من غير أن يلزم نفسه بحدود، أو يلزمها بأخلاق.. معتبرا النجاح، لا الالتزام، ميزان العمل..
و لقد كان الإمام علي عليه السّلام إلى جانب إيمانه و حكمته، و علمه، و بلاغته في القمّة من الناحية الخلقية، و ذلك من
أسباب تميّزه على مناوئيه على مرّ التاريخ.. فقد كان صورة حيّة للمروءة، و الصدق، و الوفاء، و كرم النفس، و الصراحة، و الشجاعة و العطف، و النبل، و الصّبر، و نكران الذات..
و على العكس كان مناوئوه الّذين كانوا نموذجا للإثرة، و الأنانية و الملق، و الدجل، و المكر، و الانحدار في الأخلاق..
و بالرغم من أن العصر الذي عاش فيه، كان عصر حب الدنيا و الإقبال عليها، و عصر الذهب و الفضة، و المداورة، و المؤامرة و الزيف و الحيف، فإن الإمام رفض أن ينتصر على حساب أخلاقه، و كان يقول لمن كان يوصّيه بخلاف ذلك:
«أ تأمروني أن أطلب النصر بالجور، و اللّه لا أطور به ما سمر سمير و ما أمّ نجم في السماء نجما»(1).
فالإمام علي عليه السّلام - كما يقول أحدهم - «لا يرضى الدنية في دينه أو دنياه، يعرف طريق الغدر و لا يسلكه، الخدعة عنده لا تجوز إلاّ في الحرب و لا يمارسها، أما في زمن السلم فهي لون من الخيانة و الكذب، و مسلك زري لا يجمل بالإنسان التقي..
هو قدوة: له قيمه العليا و مثله السامية التي يتمسّك بها و لا
1) نهج البلاغة: الخطب 126.
يتنازل عنها لأنه تربّى عليها، و لأنها وحدها هي الجديرة - في رأيه - بإصلاح الناس..
يعرف ما يرضي الناس - كما قال لهم - و لكنه لا يأتيه، لأنه يرى فيه ظلما لآخرين، و إغضابا للّه!.
الإمام عليّ رجل دولة بصير بسياسة أمور الرعية، و لكنه يريد أن يقيم سياسته على دعائم من مكارم الأخلاق، و لا يضيره ما يعاني و هو يشقّ الطريق الوعر إلى الحقيقة، ليقيم العدل، و يحقق للناس المساواة، و يدفع الظلم، و لو أنه عدل عن نهجه السوي لحظة، لتهدّمت قيم نبيلة، و انهارت مثل عليا».
«الإمام عليّ يرى أن صلاح الغاية لا يتم إلاّ بصلاح الوسيلة، و غايته مصلحة الأمة، و صلاحها.
و لأن يخسر أمنه، و راحته، خير من أن يهدر قيمه.. و لأن يهدي به اللّه رجلا واحدا، خير له من الدنيا و ما فيها!!
الإمام علي استقى من منبع النبوّة، و تربّى بخلق النبوة، فكان رباني هذه الأمة»(1).
ذات مرة سأل معاوية أحد رؤساء العرب: «لم أحببت عليا؟
1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 330.
فقال - «لثلاث خصال: حلمه إذا غضب، و صدقه إذا قال، و عدله إذا حكم».
و هكذا كان الإمام كريم النفس، عظيم الصدق، كثير الوفاء، فلم تكن القضايا التافهة - بما فيها الدنيا و ما فيها - لتسلبه القدرة على ضبط النفس، و العمل بالحلم، و العفو..
لقد جاءته فرصة ذهبية للتخلّص من أحد ألدّ أعدائه، و هو عمرو بن العاص، الذي كان المخطط الأول لمعاوية، و لكنه عليه السّلام فوّتها على نفسه لحيائه..
و خلاصة ذلك أن عليا عليه السّلام بعد أن كثر القتل و القتال في الناس في صفّين علا فوق التل، و نادى بأعلى صوته: يا معاوية، فأجابه معاوية، فقال الإمام: «علام يقتتل الناس؟ ابرز إليّ ودع الناس فيكون الأمر لمن غلب»!.
فقال عمرو بن العاص لمعاوية: «أنصفك الرجل».
فضحك معاوية و قال: «طمعت فيها (الخلافة) يا عمرو؟» - و يقصد أنه إن هو بارز عليا فهو مقتول لا محالة، فعند ذاك يحصل عمرو على مطمعه في الخلافة.
فقال عمرو: «و اللّه.. ما أراه يجمل بك، إلاّ أن تبارزه».
فقال معاوية: «و اللّه ما أراك إلاّ مازحا. نلقاه بجمعنا»
يريد بذلك أن عليا لا يجرؤ الأفراد على مبارزته، بل الجماعات.
و بعد أن تكرّرت دعوة الإمام لمعاوية بالمبارزة، و إحجامه عن الإجابة و مجادلته مع عمرو بن العاص الذي كان يصرّ على معاوية أن يبارز الإمام، أخذت عمرا العزّة بالإثم فقال في إحداها: «أ تجبن عن عليّ، و تتّهمني في نصيحتي إليك؟، و اللّه لأبارزنه و لو متّ ألف موتة».
و بارز عمرو عليا، فما هي إلاّ لحظات حتى طعنه عليّ فصرعه، ثم و مض سيفه كشعلة من النار فوق هامته فأدرك عمرو أنه هالك فكشف عن عورته و هو يتخبّط على الأرض - فصرف الإمام وجهه عنه، و تركه يسرع هاربا. و كان الإمام لا ينظر إلى عورة أحد حياء أو تكرّما.
فقال بعض أصحاب الإمام: «أفلت الرجل يا أمير المؤمنين..» فقال عليه السّلام: «تلقّاني بعورته، فصرفت وجهي عنه»(1)!.
و روى عمرو ما حدث له مع الإمام، فقال له معاوية:
«احمد اللّه، و عورتك»! ثم قال شعرا يزري بعمرو، فقال عمرو: «ما أشدّ تعظيمك عليا في أمري هذا. و هل هو إلاّ
1) علي و عصره: ج 4، ص 258.
رجل لقيه ابن عمه فصرعه! فترى أن السماء قاطرة لذلك دما»؟.
قال معاوية: «لا.. و لكنّها معقبة لك خزيا»..
و بالرغم من أن مصرع عمرو بن العاص - لو كان يتمّ - كان ربما يغير معادلة الحرب كلها لمصلحة الإمام لما كان يسبّبه من الذعر في جيش الشام، بالإضافة إلى أن ذلك كان يعني القضاء على الساعد الأيمن لمعاوية، و صاحب الحيلة الأولى في أصحابه، فإن الإمام التزم بكرم النفس، و لم يلتزم بإحراز النصر..
ثم إنه شاع خبر الطريقة التي تخلّص بها عمرو من سيف ذي الفقار فاتبعها أشخاص آخرون من قادة جيش معاوية منهم «بسر بن أرطأة» و هو من أقوى فرسان معاوية، حيث إنه تقدّم لعلي عليه السّلام و كان الإمام في الدروع و الزرود لا يتبيّن منه إلاّ عيناه فلم يعرف «بسر» أنه علي عليه السّلام فتصدّى له، فلما تلقّى أول ضربة منه، في الصراع، أدرك من ثقل الضربة أنها لعلي! فقد أوقعته من على ظهر فرسه، فما كان من «بسر» - و قد أدرك خطورة الموقف - إلاّ أن قلّد عمرو، و كشف عن عورته. و كان موقف عليّ منه كما كان مع عمرو، فكشح بوجهه عنه و تركه يفلت هاربا..
إنه كريم النفس، و هو إذ يفعل ما يفعل فهو لا يتكلّف ذلك لأنه ملتزم بالأخلاق و لا يرضى لنفسه إلاّ أن يلتزم بها..
أو ليس هو القائل: لو كنّا لا نرجو جنّة، و لا نخشى نارا، و لا ثوابا و لا عقابا، لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق فإنها مما تدلّ على سبيل النجاح»(1)؟
و أين تظهر مكارم أخلاق الرجل؟ أ ليس حينما تتناقض مصالحه مع مبادئه، و قيمه مع رغبته؟
ثم إن الإمام كان يعفو، و يصفح عن عدوّ و يعرف سلفا أنه لو كان هو المنتصر لم يكن ليصفح عنه أو يعف، أو يرحم!
من ذلك أنه عليه السّلام حينما صرع عمرو بن عبد ودّ العامري في معركة الخندق رفض أن يسلبه درعه، بعد أن قال له عمرو - و الإمام على صدره ينوي قتله -:
«لا تكشف سوأة ابن عمك و لا تسلبه سلبه».
فقال له الإمام: «ذاك أهون عليّ!»
و حينما عاد إلى رسول اللّه منتصرا، قال له عمر بن الخطاب: «هلاّ سلبت درعه، فإنها تسوى ثلاثة آلاف، و ليس للعرب مثلها؟!
فقال الإمام: «إني استحيت أن أكشف ابن عمّي».
1) مستدرك الوسائل: ج 2، ص 283.
و لكرم النفس هذا روي أنه حينما جاءت أخت عمرو و رأته غير مسلوب، قالت: «إنما قتله كريم»(1).
و لقد قال الإمام فيما ينسب إليه من الشعر عن عفّته في سلب عمرو:
و عففت عن أثوابه لو إنّني كنت المقطّر بزّني أثوابي
هذا و كان الإمام يوصي قنبرا خادمه بقوله: «يا قنبر لا تعرّ فرائسي» و يقصد بذلك أن لا تسلب قتلاي(2).
لقد كان عليه السّلام عظيما في شخصيته، و لم يكن يستمدّ شخصيته من مظاهر القوة الفارغة من البطش و التنكيل، و ما شابه ذلك. و لم يكن ممّن يغريه سلطانه، و قوّته الجسدية، أن يأخذ أحدا بأكثر مما يستحق، أو أن تسمح له سلطاته الواسعة تجاوز مفردة واحدة من مفردات الأخلاق الرفيعة.. بل كان يردّ البذاءة الشخصية بالعفو و الصفح، و الردّ الجميل.
من ذلك ما روي أنه بعد ثلاثة شهور من مبايعة الناس له، و طلب الإمام من معاوية الدخول في الطاعة، و لزوم الجماعة، و معاوية لا يردّ على رسائل الإمام أرسل معاوية رجلا من بني عبس و معه كتاب، فلما فضه عليّ وجده خاليا من الكتابة! فقال للرسول: «ما وراءك»؟!:
قال: «و أنا آمن»؟
قال الإمام: «إن الرسل لا تقتل».
قال: «تركت قوما لا يرضون إلاّ بالقود».
قال الإمام: «ممّن»؟
قال العبسي: «من خيط رقبتك! و تركت ستّين ألف شيخ كلهم يبكي تحت قميص عثمان، و هو منصوب لهم قد ألبسوه منبر دمشق»!
قال الإمام: «أمنّي يطلبون دم عثمان؟ أ لست موتورا بترة عثمان؟ اللّهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان! نجا و اللّه قتلة عثمان إلاّ أن يشاء اللّه، فإنه إذا أراد أمرا أصابه. أخرج».
قال العبسي: «و أنا آمن»؟
قال الإمام: «و أنت آمن».
و حاول بعض أصحاب الإمام أن يفتكوا بالعبسي، فأنقذه الإمام و حماه... ثم أمر بعض أصحابه أن يحسنوا إليه، فما زالوا به حتى انضمّ إليهم و هجر معاوية، و كشف لهم خطة معاوية للقتال، و للزحف على المدينة، و ما يدور بين معاوية و بين خصوم الإمام من مراسلات...(1)
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 244.
إن كرم النفس عند الإمام و التزامه بالأخلاق الحسنة كانت تدعوه إلى الصفح و العفوّ حتى لألدّ أعدائه و الحرب لا تزال قائمة..
و من ذلك ما روي عن إطلاق سراح أسرى جيش الشام، من غير فدية، أو عقاب. بالرغم من أن خصمه معاوية أو شك أن يقتل الأسرى من جيش الإمام عليه السّلام ذلك أن هذا الأخير كان قد أسر بعض أصحاب الإمام، فقال عمرو لمعاوية: «اقتلهم»، و همّ معاوية بذلك.
فقال له أحد الأسرى، و هو من قبيلة الأزد: «لا تقتلني فإنك خالي».
قال معاوية: «من أين أنا خالك و لم يكن بيننا و بين أزد مصاهرة؟» قال الأزدي: «إن أخبرتك فهو أماني عندك»؟
قال معاوية: «نعم».
قال: «أ ليست أختك أم حبيبة بنت أبي سفيان زوجة النبي»؟
قال: «بلى».
قال: «أ ليست هي أم المؤمنين؟ فأنا ابنها، و أنت أخوها، فأنت خالي».
فأعجب معاوية بدهاء الأزدي، و سرّ بحسن حيلته،
و صفّق طربا، و قال: «ما له! للّه أبوه! أما كان في هؤلاء الأسرى من يفطن لها غيره»؟ و أطلقه.
فأشار عمرو عليه أن يقتل الأسرى الآخرين.
و إن معاوية ليوشك أن يقتل الأسرى من أصحاب علي، إذ بأصحاب معاوية الّذين كان قد أسرهم عليّ يعودون، فيشيدون بحسن المعاملة التي لقوها، و يحملون إلى معاوية و من معه فتوى الإمام: «إن أسير أهل القبلة لا يفادى، و لا يقتل».
فأطلق معاوية الأسرى من أصحاب علي، و هو يقول لعمرو مؤنبا: «يا عمرو، لو أطعناك في هؤلاء الأسرى لوقعنا في قبيح من الأمر»(1).
كان الإمام يقاتل أعداءه، و لكنه كان خصما يلتزم بمبادىء الشرف و الفروسية و لا يتجاوز حدود ما أنزل اللّه، فلم يكن ينطلق من البغضاء و الشحناء بل من مبدأ مقاومة الظلم و العدوان.
فمع أنه كان يقاتل أعداءه، فإنه لم يكن ليسمح لأصحابه بأن يشتموهم و يلعنوهم.. فللّعدو احترامه، بالرغم من أنّه يجوز قتله..
1) المصدر السابق: ج 2، ص 99.
فقد روي «أن الإمام عليا خرج إلى النّاس فوجدهم يشتمون و يلعنون معاوية و من تبعه، فزجرهم الإمام:
فقال الأشتر: «ألسنا محقّين»؟
قال: «بلى».
قال حجر بن عدي: «أ ليسوا مبطلين»؟
قال: «بلى».
فقال الناس: «فلم تمنعنا عن شتمهم»؟
قال: «إني أكره لكم أن تكونوا سبّابين، و لكنكم لو وصفتم أعمالهم و ذكرتم حالهم، كان أصوب في القول و أبلغ في العذر. فإن قلتم مكان سبّكم إيّاهم: «اللّهمّ احقن دماءنا و دماءهم، و أصلح ذات بيننا و بينهم، و اهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق منهم من جهله، و يرعوي عن الغي و العدوان من لهج به» كان هذا أحبّ إليّ، و خيرا لكم».
فقال الأشتر و حجر بن عدي: «يا أمير المؤمنين نقبل عظتك. و نتأدّب بأدبك»(1).
و من ذلك أيضا ما روي أن أصحابه سألوه عن الخوارج:
«أ مشركون هم يا أمير المؤمنين».
قال: «من الشرك فرّوا».
قالوا: «أ منافقون»؟.
1) كتاب صفّين: لنصر بن مزاحم، ص 103.
قال: «إن المنافقين لا يذكرون اللّه إلاّ قليلا»!.
قالوا: «فمن هم يا أمير المؤمنين»؟
قال: «إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم على بغيهم. فاذكروا عني إذا لقيتموهم من بعدي أنهم طلبوا الحق فأخطأوه، أما القاسطون فقد طلبوا الباطل فأصابوه»!(1).
فهو يقاتلهم، و لكنه يأبى أن يتّهمهم بما ليس فيهم!
ثم إن القتال عنده له أصوله أيضا، فليس الغدر قتالا، و لا المباغتة من دون الأعذار جائزا عنده، بل لا بد من الالتزام بالأصول الأخلاقية. و من هنا فإن الإمام حينما أرسل الأشتر في مقدمة الجيش إلى مناوئيه أوصاه قائلا:
إيّاك أن تبدأ بقتال إلاّ أن يبدأوك، حتى تلقاهم فتدعوهم و تسمع منهم، و لا يحملك بغضهم على قتالهم قبل دعائهم و الإعذار إليهم مرة بعد مرة، و اجعل على ميمنتك زيادا و على ميسرتك شريحا، و لا تدن منهم دنوّ من يريد أن ينشب الحزب، و لا تتباعد عنهم تباعد من يهاب البأس. حتى أقدم إليك حثيث المسير في إثرك إن شاء اللّه تعالى»(2).
و أوصى معطل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام في ثلاثة آلاف كمقدمة لجيشه، قائلا:
«اتق اللّه الذي لا بدّ لك من لقائه، و لا منتهى لك دونه، و لا تقاتلن إلاّ من قاتلك... فإذا لقيت العدو فقف من أصحابك وسطا، و لا تدن من القوم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب، و لا تباعد عنهم تباعد من يهاب البأس، حتى يأتيك أمري، و لا يحملنّك شنآئهم على قتالهم قبل دعائهم و الاعذار إليهم»(1).
لقد كان الإمام يتمتّع بصفة التورّع عن البغي، و المرونة مع الخصم سواء كان خصمه قويا أم ضعيفا، كما كان يتمتع بصفة سلامة الصدر من الضغن على العدوّ بعد الفراغ من القتال..
فمن تورّعه عن البغي، مع قوّته البالغة و شجاعته المعروفة، أنه لم يبدأ أحدا قط بقتال و له مندوحة عنه. كان لا يدعو إلى مبارزة، و لكنه إذا دعي إليها يهرول إليها هرولة الولهان..
لقد علم أنّ الخوارج بدأوا يفارقون عسكره ليحاربوه، و قد قيل له: «إنهم يبيّتون النية للخروج عليك فبادرهم قبل أن يبادروك» فقال: «لا أقاتلهم حتى يقاتلوني. و سيفعلون»(2).
و كذلك فعل قبل وقعة الجمل، و قبل وقعة صفّين، و قبل كل المعارك صغرت أم كبرت، سواء كانت نية العدو واضحة في العدوان أم غير واضحة، كان يدعوهم إلى السّلام، و ينهى أصحابه عن المبادأة بالشّر، فما رفع يده بالسيف قطّ إلاّ و قد بسطها للسلام من ذي قبل.
و لقد أصاب المقتل من أعدائه عدّة مرات، فلم يهتم بالفرصة السانحة بين يديه، لأنّه كان ملتزما بأخلاقيات المقاتل المؤمن، و كان يريد أن ينتصر على عدوّه انتصار الشريف، لا انتصار الأنذال، و لم يكن يريد قط أن يستلب الغلبة قصاصا أو تشفيا..
ففي معركة الجمل، لاحت له فرصة أن يمنع أعداءه الماء، فأبى أن ينتهزها كما فعل ذلك فيما بعد معه أصحاب معاوية..
و بعد المعركة، منع الإمام أصحابه أن يستبيحوا السّبي، و يأخذوا غنائم منهم، فغضب بعض أصحابه من ذلك فقالوا له: «يا أمير المؤمنين.. أ تراه تحلّ لنا دماءهم، و تحرّم علينا أموالهم؟».
فقال عليه السّلام: «إنما القوم أمثالكم.. من صفح عنّا فهو منّا
و نحن منه، و من لجّ فقتاله منّي حتى يصاب على الصدر و النحر»(1).
و كان عليه السّلام لا يتّبع منهزما، و لم يكن يجهز على جريح(2)و كان يوصي أصحابه بذلك أيضا. فقد قال قبيل معاركه مع أهل الشام:
«لا تقاتلوهم حتى يقاتلوكم. و أنتم - بحمد اللّه - على حجّة، و ترككم قتالهم حتى يبدأوكم حجّة أخرى لكم عليهم، فإذا هزمتموهم بإذن اللّه فلا تقتلوا مدبرا، و لا تصيبوا معورا و لا تجهزوا على جريح، و لا تكشفوا عورة، و لا تمثلوا بقتيل، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، و لا تدخلوا دارا إلاّ بإذن، و لا تأخذوا شيئا من أموالهم إلاّ ما وجدتم في عسكرهم من عدّة الحرب و أدواتها(3).
و كان مع عدوّه رحيما.. يريد له الخير، و ينصحه لعلّه يؤوب عن ذنبه، و يخلّص نفسه من نار جهنم. لقد خرج عليه طلحة و الزبير فوقف معهما الإمام ينصحهما طويلا، حتى استطاع أن يؤثّر على الزبير فاعتزل عن القتال، و لكن أحدهم
تعقّبه طمعا في بعض المغنم فقتله، ثم جاء بسيفه إلى الإمام، و هو يظن أنه عليه السّلام سيثمن عمله، و يمنحه الجائزة على ذلك، فغضب الإمام، و قال و هو يقلّب سيف الزبير:
«سيف طالما كشف الكرب عن وجه رسول اللّه»!.
كان متأثرا مما آل إليه أمر الزبير، فإذا بالزبير يجرّد سيفه الذي كشف به الكرب عن وجه رسول اللّه، في وجه وصيّه فتأثر الإمام لمقتله، و بكاه..
ثم التفت إلى قاتله و قال:
و طرده من محضره!
لقد كان الإمام يتمنّى على طلحة و الزبير أن يعودا إلى رشدهما، و لكم حذّرهما من مغبّة تسعير نار الحرب. و فتح باب الفتنة.
و لكن الشيطان غلبهما من قبل، فوقع ما وقع، و قد قال لهما و لرجالهما، قبيل اندلاع المعارك: «.. إن الأمر الذي كنت أحذّركم منه قد وقع، و الذي وقع لا يدرك، و إنّها لفتنة كالنار، كلّما سعرت ازدادت اضطراما. و سأمسك الأمر ما استمسك، فإذا لم أجد بدا، فآخر الدواء الكيّ»(1).
1) التاريخ - للطبري: ج 5، ص 158.
و وقعت الحرب، و تساقط القتلى على الجانبين، عشرات عشرات ثم مئات و مئات، و أحيط بطلحة، و أوشك أن يقتل فصاح الإمام بأصحابه: «إياكم و صاحب البرنس!. إياكم و طلحة!. إياكم أن تقتلوه»!(1).
و لكن طلحة قتل فيما بعد بسهم مروان بن الحكم فأصاب مقتله..
و استعرت المعركة من جديد، و خاضت الخيل في دماء الرجال، و رأى الإمام أنه ما من سبيل لحقن الدماء بعد..
فالجنون و الغيظ و الاحتدام و الانفعالات المدمرة هي التي تحرّك سواعد الرجال!! و رآهم يتساقطون صرعى حول الجمل، فصاح: «اعقروا الجمل، فإنه إن عقر تفرّقوا». و لم يقل عليه السّلام: اقتلوا صاحبة الجمل، و لا اقتلوا الرجال من حولها، بل قال: «اعقروا الجمل» ليحقن الدّماء!
و بعد المعارك.. بكى أعداءه لدخولهم النار، كما بكى أصحابه لمقتلهم ظلما و عدوانا، و صلّى عليهم صلاة الجنازة و دفنهم!.
يقول أحدهم:
«لقد كان رضاه من الآداب في الحرب و السلم رضا الفروسية العزيزة من جميع آدابها و مأثوراتها.
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 279.
فكان يعرف العدوّ عدوا حيثما رفع السيف لقتاله. و لكنه لا يعادي امرأة، و لا رجلا مولّيا، و لا جريحا عاجزا عن نضال، و لا ميّتا ذهبت حياته و لو ذهبت في مواجهته.. بل لعلّه يذكر له ماضيه يومئذ فيقف على قبره ليبكيه و يرثيه و يصلّي عليه»(1).
كان يعاقب على قدر الذنب، و يأخذ على قدر الاستحقاق.
فبالرغم مما كان بينه و بين معاوية و جنوده من اللدد في العداء فإنّه لم يكن ينازلهم و لا يأخذ من ثاراته و ثارات أصحابه عندهم إلاّ بمقدار ما استحقوه في موقف السّاعة: ففي يوم من أيام صفّين اتفق أن خرج من أصحاب معاوية رجل يسمى «كريز بن الصباح الحميري» فصاح بين الصفين: من يبارز؟..
فخرج إليه رجل من أصحاب علي فقتله و وقف عليه و نادى: من يبارز؟
فخرج إليه آخر فقتله و ألقاه على الأوّل، ثم نادى: من يبارز؟
فخرج إليه الثالث فصنع به صنيعه بصاحبيه.
1) عبقرية الإمام علي: ص 38.
ثم نادى رابعة: من يبارز؟. فأحجم الناس و رجع من كان في الصفّ الأول إلى الصف الذي يليه.
و خاف عليّ أن يشيع الرّعب بين صفوفه فخرج إلى ذلك الرجل المدّل بشجاعته و بأسه فصرعه ثم نادى نداءه من يبارز؟ حتى أتمّ ثلاثة قتلهم جميعا صنع بهم صنيعه بأصحابه فكلما خرج أحد أصحاب معاوية، صرعه الإمام و نادى من يبارز؟ حتى أتمّ الثلاثة، ثم قال مسمعا الصفوف:
يا أيها الناس. إن اللّه عزّ و جلّ يقول: «الشهر الحرام بالشهر الحرام و الحرمات قصاص و لو لم تبدأونا ما بدأناكم».
و رجع إلى مكانه!(1).
.. و كانت للّرحم عنده حرمة خاصة، يأمر باحترامها و يعتبرها مهما إلى جانب الإيمان، و الجهاد، و الإخلاص، و الصلاة و الصوم، كما كان يعتبر صلة الرحم «مثراة في المال و منسأة في الأجل»(2)فحتى في حالة الحرب كان يأمر أن يحترم الرحم، ففي صفّين «تبارز رجلان، فصرع أحدهما الآخر، فسقطت خوذة المغلوب، فإذا هو شقيق الغالب،
فتوقّف حتى استأذن الإمام في أمره، فأمره الإمام أن يدع أخاه و يعفو عنه»(1).
و في حالات السّلم «كان للناس أبا رحيما» - حسب تعبير أحد أصحابه - و لقد ظهرت أخلاقه الكريمة، و التزامه بالأصول الإنسانية في كثير من المواقف و الأعمال نكتفي فيما يلي ببعضها..
1
بالرغم من أنه عليه السّلام كان يحكم بلادا شاسعة، فإنه كان يمشي وحده من غير حرس أو حاشية، و ذات يوم شاهد في الطريق المشترك بين البصرة و الكوفة، رجلا فسأله عن وجهته فقال إنه يقصد البصرة و في المقابل كان الإمام يقصد الكوفة.
و بعد أن سأله الإمام عن اسمه و قبيلته تبيّن أنه ليس مسلما بل هو ذمّي. كان الطريق مشتركا، و حينما وصلا إلى المفترق انصرف الرجل نحو طريق البصرة ففوجىء بالإمام ينصرف معه في ذات الطريق.
فقال للإمام - و لم يكن يعرفه بعد -: «ألم تقل إنك تقصد الكوفة؟
1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 64.
قال الإمام: بلى.
فقال الرجل:.. و لكن هذا طريق البصرة.
قال الإمام: «قد عرفت. و لكن نبيّنا أمرنا أن نشيّع أصحابنا أربعين خطوة.
فقال الرجل: و هل أصبحت صاحبك؟
قال الإمام: نعم.. أنت صاحبي في هذا الطريق.
فسأل الإمام عن اسمه، فتبيّن له أنه أمير المؤمنين. فأسلم على يديه و قال: «و اللّه إنها أخلاق الأنبياء»(1).
2
بلغ من عمق تأثير أخلاق الإمام علي بن أبي طالب على الناس أنه اشترى عبدا، فعلّمه الإسلام و أعتقه، لكن العبد لزمه.. حتى إذا مات النجاشي ملك الحبشة، و اضطربت الأمور من بعده، اكتشف الملأ من الحبشة أن هذا العبد هو ابن للنجاشي قد خطفه تجّار الرقيق و هو غلام و باعوه في مكة!!
فجاءه الملأ من الحبشة يعرضون عليه ملك الحبشة خلفا
1) الإسلام في مواجهة الجاهلية: ص 157.
لأبيه النجاشي، لكنه رفض الملك و آثر البقاء على الإسلام في صحبة علي!!(1).
3
جاء رجل إلى عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فقال له: يا أمير المؤمنين إنّ لي إليك حاجة.
فقال: اكتبها في الأرض فإنّي أرى الضرّ فيك بيّنا.
فكتب في الأرض: أنا فقير محتاج.
فقال عليّ عليه السّلام: يا قنبر اكسه حلّتين.
فأنشأ الرجل يقول:
كسوتني حلّة تبلى محاسنها فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا
إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة و لست تبغي بما قد نلته بدلا
إنّ الثناء ليحيي ذكر صاحبه كالغيث يحيي نداه السهل و الجبلا
لا تزهد الدهر في عرف بدأت به فكلّ عبد سيجزى بالّذي فعلا
فقال عليه السّلام: أعطوه مائة دينار.
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 17.
فقيل له: يا أمير المؤمنين، حلّة و مائة دينار؟ لقد أغنيته!
فقال: إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «أنزلوا النّاس منازلهم».
ثمّ قال عليه السّلام: إنّي لأعجب من أقوام يشترون المماليك بأموالهم و لا يشترون الأحرار بمعروفهم(1).
4
يروى أنّ أعرابيا جاء الإمام فقال: يا أمير المؤمنين إنّي مأخوذ بثلاث علل: علّة النفس، و علّة الفقر، و علّة الجهل.
فأجابه أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله: يا أخا العرب علّة النفس تعرض على الطبيب، و علّة الجهل تعرض على العالم، و علّة الفقر تعرض على الكريم.
فقال الأعرابيّ: يا أمير المؤمنين أنت الكريم، و أنت العالم، و أنت الطبيب، فأمر أمير المؤمنين عليه السّلام بأن يعطى له من بيت المال ثلاثة آلاف درهم، و قال: تنفق ألفا بعلّة النفس، و ألفا بعلّة الجهل، و ألفا بعلّة الفقر(2).
5
لقد هاله ترك علماء الشام مسؤولياتهم الأخلاقية فأرسل
إلى بطانة معاوية من علماء الشام، الّذين زعموا أن انضمامهم لمعاوية ضد أمير المؤمنين قضاء من اللّه و قدره: «أما بعد..
أ تأمرون الناس بالتقوى و بكم ضلّ المتّقون؟!، و تنهون النّاس عن المعاصي و بكم ظهر العاصون؟!
هل منكم إلاّ مفتر على اللّه يحمل إجرامه عليه و ينسبه علانية إليه؟!..
و هل منكم إلاّ من السيف قلادته، و الزور على اللّه شهادته؟
خالفتم أهل الحق حتى ذلّوا و قلّوا، و أعنتم أهل الباطل حتى عزوا و كثروا، فأنيبوا إلى اللّه و توبوا، و تاب اللّه على من تاب، و قبل من أناب»(1).
و هكذا كان الإمام عصاميا في تمسكّه بالأخلاق لا يتنازل عنها مهما كلّفه من أمر، و هكذا يجب أن يكون المؤمنون في كل موقع و مورد.
و تلك هي وصيته للناس: أن تعصبوا للأخلاق الكريمة..
فهو القائل: «إن كان لا بد من العصبيّة، فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال، و محامد الأفعال، و محاسن الأمور التي تفاضلت فيها المجداء و النجداء من بيوتات العرب، و يعاسيب
1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 367.
القبائل بالأخلاق الرغيبة، و الأحلام العظيمة، و الأخطار الجليلة، و الآثار المحمودة.
فتعصّبوا لخلال الحمد: من الحفظ للجوار و الوفاء بالذمام. و الطاعة للبرّ. و المعصية للكبر. و الأخذ بالفضل.
و الكفّ عن البغي. و الإعظام للقتل. و الإنصاف للخلق.
و الكظم للغيظ. و اجتناب الفساد في الأرض..
و احذروا ما نزل بالأمم قبلكم من المثلات بسوء الأفعال، و ذميم الأعمال، فتذكروا في الخير و الشرّ أحوالهم، و احذروا أن تكونوا أمثالهم»(1).
1) أعلام النبوّة - للمارودي: ص 97.
زاد العاملين في مواجهة الصعاب ثلاث: الاعتزاز باللّه تعالى و الثقة بالنفس، و اليقين. فإذا اجتمعت في امرىء فلا بد أن يشفع علمه بعمله، و يقينه بإقدامه.
فبمجرد أن تعلموا فلا بد أن تعملوا.
و بمجرد أن تتيقّنوا فلا بدّ أن تقدموا..
و إذا بدأتم فلا بد من مواصلة المسير من غير ما تردد أو تخاذل أو تراجع..
ف «لا تجعلوا يقينكم شكا و لا علمكم جهلا، فإذا علمتم فاعلموا، و إذا تيقّنتم فأقدموا»(1).
إن اليقين قد ينقلب إلى شك إذا انفصل عن العمل،
1) غرر الحكم و درر الكلم.
فمشاكل الحياة و ضغوط الأعداء و أهواء النفس، قد تحمل الشخص على التشكيك في معتقداته، و التردّد في مواقفه، و التراجع عن حقوقه..
و هنا تبرز قيمة «اليقين» في العمل، و ضرورة الإصرار على الموقف في الممارسة، ف «باليقين تدرك الغاية القصوى»(1)و «كفى باليقين غنى»(2)لأنّ «من أيقن أفلح»(3)و «ما أعظم سعادة من بوشر قلبه باليقين»(4). و هكذا فإن «اليقين رأس الدين»(5)و «عماد الإيمان»(6).
و لقد كان أمير المؤمنين عليه السّلام يطلب من الناس أن يسألوا اللّه تعالى اليقين و يقول: «أيها الناس.. سلوا اللّه اليقين، و ارغبوا إليه في العافية فإن أجلّ النعمة العافية، و خير ما دام في القلب اليقين، و المغبون من غبن دينه، و المغبوط من غبط يقينه»(7).
و نظرا إلى ما لليقين من الدور الهائل فقد قال عليه السّلام: «نوم على يقين خير من صلاة على شك»(1)و قال: «يحتاج الإيمان إلى إيقان»(2)..
و في الحقيقة فإن يقين الفرد هو الذي يدفعه إلى الجهاد و الصمود، فإن «من يستيقن يعمل جاهدا»(3)كما أنّه سبب الحزم و مجاهدة النفس، فإن «الموقن أشدّ الناس حزما على نفسه»(4)إذ «يستدلّ على اليقين بقصر الأمل، و إخلاص العمل، و الزهد في الدنيا» فإن «المؤمن يرى يقينه في عمله، و إن المنافق يرى شكّه في عمله»(5).
و لهذا كله كان «الصبر أول لوازم الإيقان»(6)فهو الدافع للاستقامة تماما كما أن «سبب الإخلاص من اليقين»(7)و هو سبب الاستهانة بالمصائب. يقول الإمام علي عليه السّلام في وصيته لابنه الحسن عليه السّلام: «اطرح عنك واردات الهموم بعزائم الصّبر
و حسن اليقين.. و أحي قلبك بالموعظة، و أمته بالزهادة، و قوّة باليقين، و نوّره بالحكمة»(1).
و لقد كان الإمام عليه السّلام على اليقين من أمره، و الثقة بدينه، و الاعتزاز باللّه و هذه الصفات هي وراء عظمة شخصيته، حيث إنه لم يشك و لا لحظة واحدة في أنه على حق، و أن مناوئيه على باطل.
و كما يقول أحدهم «كانت لديه الثقة التي تتراءى مكشوفة في صراحتها و استقامتها، لأن صاحبها لم يتكلّف مداراتها، و لم يحسّ أنه يحتاج إلى مداراتها، و لأنه يعقدها و لا يتعمّد إبداءها، و لقد كانت فيه ثقة أصيلة لم تفارقه منذ حبا و درج، و قبل أن يبلغ مبلغ الرّجال فما منعته الطفولة الباكرة يوما أن يعلم أنه شيء في هذه الحياة الدنيا، و أنه قوة لها جوار يركن إليه المستجير. و لقد كان في العاشرة أو نحوها يوم أحاط القروم القرشيون بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ينذرونه و ينكرونه و هو يقلّب عينيه في وجوههم و يسأل عن النصير و لا نصير. فلو كان بعليّ أن يرتاع في مقام نجدة أو مقام عزيمة لارتاع يومئذ بين أولئك الشيوخ الّذين رفعتهم الوجاهة و رفعتهم آداب القبيلة البدوية
1) تحف العقول: ص 52.
إلى مقام الخشية و الخشوع. و لكنه كان عليا في تلك السن المبكّرة، كما كان عليا و هو في الخمسين أو الستين. فما تردّد - و هم صامتون مستهزئون - أن يصيح صيحة الواثق الغضوب:
أنا نصيرك! فضحكوا منه ضحك الجهل و الاستكبار. و علم القدر وحده في تلك اللحظة أن تأييد ذلك الغلام أعظم و أقوم من حرب أولئك القروم»(1).
و من شواهد هذه الثقة بالنفس، أنه حملها من ميدان الشجاعة إلى ميدان العلم و الرأي حين كان يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني فو الذي نفسي بيده لا تسألوني في شيء فيما بينكم و بين الساعة، و لا عن فئة تهدي مائة و تضلّ مائة، إلاّ أنبأتكم بناعقها و قائدها و سائقها، و مناخ ركابها و محط رحالها..»!.
و من شواهدها أنه كان يقول - و الخارجون عليه يرجمونه بالمروق -: «ما أعرف أحدا من هذه الأمّة عبد اللّه بعد نبيّنا غيري، عبدت اللّه قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة تسع سنين»(2).
لقد كان الإمام على يقين من إيمانه، و علمه، و موقفه،
و صدق عزيمته و هو القائل: «إني على يقين من ربّي، و غير شبهة من ديني»(1).
و لقد قال له أحدهم: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟
فقال: «ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره».
قال: و كيف رأيته؟
قال: «ويلك لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، و لكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»(2).
لقد عبد اللّه تعالى عبادة من يراه، و هو القائل: «ما رأيت شيئا، إلاّ و رأيت اللّه قبله، و معه، و بعده»!.
و كما في العبادة، كذلك في المواقف السياسية كان على يقين من أمره، فقد جاءه أحد رجاله فقال: «يا أمير المؤمنين، ما أرى عائشة و طلحة و الزبير اجتمعوا إلاّ على حق».
فقال: «إن الحق و الباطل لا يعرفان بالناس، و لكن اعرف الحق تعرف أهله، و اعرف الباطل تعرف من أتاه».
فقال الرجل: فهلا أكون كعبد اللّه بن عمر و سعد فأعتزلكم جميعا؟
فقال الإمام: «إنهما خذلا الحق، و لم ينصرا الباطل. متى كانا إمامين في الخير يتبعهما الناس»!!
فأقسم الرجل أن يتبع أمير المؤمنين وحده!(1).
و إذا كان الإمام عليه السّلام يجادل أعداءه فلكي يهديهم الطريق و يرشدهم السبيل، و إلاّ فلم تكن به حاجة إلى ذلك فيما يرتبط بيقينه فهو على بصيرة من دينه، و بيّنة من ربه، لم يكذب و لم يكذّب، و هو القائل: «ما كذبت و لا كذّبت، و لا ضللت و لا ضلّ بي»(2)و القائل: «فو الذي لا إله إلاّ هو إني لعلى جادة الحق، و إنهم (الأعداء) لعلى مزلة الباطل»(3).
و قال قبيل معركة الجمل - بعد أن استيأس من أن عائشة و طلحة و الزبير سيجيبونه إلى السّلام، و حقن الدماء، و رأى ما صنعوا آنفا بعامله على البصرة عثمان بن حنيف، و قتلهم أنصاره، و لما رجعت رسله من عند عائشة و طلحة و الزبير يؤذنونه بالحرب لا محالة!.. قال عند ذلك:
«إني قد راقبت هؤلاء القوم كي يرعووا، أو يرجعوا، و وبّختهم بنكثهم، فلم يستحيوا، و أخرجوا ابن حنيف عاملي
على البصرة بعد الضرب المبرح، و العقوبة الشديدة، و قتلوا رجالا صالحين، ثم تتبعوا منهم من نجا، و قتلوهم صبرا! ما لهم قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون؟! و قد بعثوا إليّ أن أبرز للطعان، و اصبر للجلاد هبلتهم الهبول، لقد كنت و ما أهدّد بالحرب و لا أرهب بالضرب. فليرعووا فقد رأوني قديما، و عرفوا نكايتي، فكيف رأوني»؟!(1)..
«أنا أبو الحسن الذي فللت حدّ المشركين، و فرّقت جماعتهم! و بذلك القلب ألقى اليوم عدوّي، و إني لعلى ما وعدني ربي من النصر و التأييد، و على يقين من ربّي، و في غير شبهة من ديني».
«أيها الناس إن الموت لا يفوته المقيم، و لا يعجزه الهارب، ليس عن الموت محيد و لا محيص. من لم يقتل مات، و الذي نفس عليّ بيده لألف ضربة بالسيف أهون من ميتة على الفراش»(2).
و قال عن طلحة و الزبير - بعد الاحتجاج معهما: - «إن شأنهما مختلف، فأما الزبير فما أحسبه يقاتلنا و إن قاده اللجاج! و أما طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل، و لقيته
باليقين، فلقيني بالشكّ، فو اللّه ما نفعه حقي، و لا ضرّني باطله، و هو مقاتل غدا فمقتول في الرعيل الأول»(1)!
لقد قال الإمام ذات مرة: «ما شككت في الحق منذ أريته، لم يوجس موسى عليه السّلام خيفة على نفسه، بل أشفق من غلبة الجهّال و دول الضلال، اليوم تواقفنا على سبيل الحق و الباطل... من وثق بماء لم يظمأ»(2).
فقال له بعض من سمعه: «يا أمير المؤمنين ما سمعنا قبل اليوم مثل هذا!! إنه أفضل تفسير لقوله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (3)و أفضل تبرئة لنبي اللّه من الشكّ في أمره»!
و لأنه عليه السّلام ما شكّ في الحق منذ رآه، فإنه كان مستعدا للمواجهة مع الباطل - بعد الاحتجاج عليه، و إتمام الحجّة له - مهما كانت النتائج بما في ذلك الهزيمة. و لقد قال: «ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكّا في دينه، و لا مرتابا بيقينه»(4).
و حينما أغار أحد أصحاب معاوية - و اسمه الضحّاك -
برجاله على الحيرة و اليمامة، فنهبوا بيت المال، و هربوا إلى الشام. أرسل إليه أخوه عقيل بن أبي طالب كتابا ينبئه فيه بأمر هذه الغارة، و يعرض عليه أن يخرج إليه ليؤيده. فردّ عليه الإمام علي عليه السّلام برسالة جاء فيها: «... إن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك، اجتماعها على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قبل اليوم.
و جهلوا حقي، و جحدوا فضلي، و نصبوا لي الحرب و جدّوا في إطفاء نور اللّه، اللّهمّ فأجز قريشا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي و ظاهرت علي».
أما ما ذكرت من غارة الضحّاك على الحيرة و اليمامة، فهو أذلّ و ألأم من أن يكون مرّ بها، فضلا عن الغارة، و لكنه جاء في خيل، فسرّحت إليه جند المسلمين، فلما بلغه ذلك ولّى هاربا، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق. حين همّت الشمس للإياب، فاقتتلوا، و قتل من أصحابه بضعة عشر رجلا و نجا هاربا بعد أن أخذوا منه بالمخنق، و لو لا الليل ما نجا!
«و أما ما سألت أن أكتب إليك فيه، فإن رأيي الجهاد حتى ألقى اللّه، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزّة، و لا تفرّقهم عنّي وحشة، لأني محق، و اللّه مع المحقّ..».
«و ما أكره الموت على الحق، لأن الخير كله بعد الموت لمن عقل و دعا إلى الحق».
«و أما ما عرضت به من مسيرك إليّ ببنيك و بني أبيك، فلا حاجة إلى ذلك، فذرهم راشدا مهديا، فو اللّه ما أحبّ أن تهلكوا معي إن هلكت»(1).
و في المعمعة من المعارك في صفّين. خرج رجل من أهل الشام ينادي بين الصفين: «يا أبا الحسن، يا علي، ابرز إليّ».
فبرز إليه الإمام فقال: «يا علي! إن لك قدما في الإسلام و الهجرة، فهل لك في أمر أعرضه عليك يكون فيه حقن هذه الدماء»؟
قال له علي: «و ما ذاك»؟
قال: «ترجع إلى عراقك فنخلّي بينك و بين العراق، و نرجع نحن إلى شامنا فتخلّي بيننا و بين شامنا».
فقال له علي: «لقد عرفت. إنما عرضت هذا نصيحة و شفقة. و لقد أهمني هذا الأمر و أسهرني، و ضربت أنفه و عينيه، فلم أجد إلاّ القتال أو الكفر بما أنزل اللّه على محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. إن اللّه تبارك و تعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض و هم سكوت مذعنون، لا يأمرون بالمعروف و لا ينهون عن المنكر، فوجدت القتال أهون على نفسي من
1) الأغاني: ج 15، ص 44.
معالجة الأغلال في جهنم و موتات الدنيا أهون عليّ من موتات الآخرة»(1).
و لقد حاول معاوية، حينما رأى في إحدى مراحل الحرب أن الدائرة توشك أن تدور عليه، و أن عليا يوشك أن يكسب الحرب، فأراد التخلّص من ذلك بحيلة التظاهر بالمنطق و التلاعب بالألفاظ و التشكيك في حق الإمام فقال لعمرو: «قد رأيت أن أكتب لعليّ كتابا أسأله الشام - و هو الشيء الأول الذي ردّني عنه و ألقى في نفسه الشكّ و الريبة». فضحك عمرو قائلا: «أين أنت يا معاوية من خدعة علي»؟
فقال: «ألسنا بني عبد مناف»؟
قال عمرو: «بلى و لكن لهم النبوّة دونك! و إن شئت أن تكتب فاكتب».
فكتب معاوية لعليّ: «أما بعد، فإني أظنّك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت و علمنا، لم يجنها بعضنا على بعض و إنّا و إن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي لنا منها ما نندم به على ما مضى، و نصلح به ما بقي، و قد كنت سألتك الشام على ألاّ يلزمني لك طاعة و لا بيعة، فأبيت ذلك عليّ. فأعطاني اللّه ما منعت، و أنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس، فإني
1) مصباح المتهجّد: ص 429.
لا أرجو من البقاء إلاّ ما ترجو، و لا أخاف من الموت إلا ما تخاف، و قد و اللّه رقت الأجناد، و ذهبت الرجال، و نحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلاّ فضل لا يستذلّ به عزيز، و لا يسترقّ به حرّ، و السّلام».
فلما قرأ الإمام كتاب معاوية قال: «العجب لمعاوية و كتابه»!.
ثم كتب إلى معاوية: «أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت و علمنا أن الحرب تبلغ بنا و بك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض.
فأنا و إياك منها في غاية لم نبلغها. و إني لو قتلت في ذات اللّه و حييت، ثم قتلت ثم حييت سبعين مرة، لم أرجع عن الشدة في ذات اللّه، و الجهاد لأعداء اللّه.
و أما قولك أنه قد بقي من عقولنا ما نندم به على ما مضى، فإني ما نقّصت عقلي، و لا ندمت على فعلي. فأما طلبك الشام، فإني لم أكن لأعطيك اليوم ما منعتك أمس، و أما قولك: «إن الحرب قد أكلت العرب إلا حشاشات أنفس بقيت». ألا و من أكله الحق فإلى الجنة. و من أكله الباطل فإلى النار، و ما استواؤنا في الخوف و الرجاء فلست أمضى على الشكّ مني على اليقين، و ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة.
و أما قولك: «فإنّا بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل»، فلعمري إنّا بنو أب واحد، و لكن ليس أمية كهاشم، و لا حرب كعبد المطلب، و لا أبو سفيان كأبي طالب، و لا المهاجر كالطليق و لا الصريح كاللصيق، و لا المحقّ كالمبطل.
و لا المؤمن كالمدغل، و لبئس الخلف خلف يتّبع سلفا هوى في نار جهنم.
و في أيدينا بعد فضل النبوّة التي أذللنا بها العزيز، و أعززنا بها الذليل، و لما أدخل اللّه العرب في دينه أفواجا، و أسلمت له هذه الأمة طوعا و كرها، كنتم ممّن دخل في الدّين، إمّا رغبة و إمّا رهبة، على حين فاز أهل السبق بسبقهم و ذهب المهاجرون الأولون بفضلهم، فلا تجعلن للشيطان فيك نصيبا و لا على نفسك سبيلا و السّلام»(1).
فلما قرأ معاوية كتاب الإمام، أخفاه.
ثم إن عمرو بن العاص ألحّ على معاوية حتى أطلعه على كتاب الإمام، فأثنى عمرو عليه، و أغضب ذلك معاوية.. فقال لعمرو عاتبا: «أردت تسفيه رأيي و إعظام عليّ! و قد فضحك» و كان عمرو يعظم عليّا لأنه بعد أن صرعه لم يجهز عليه بل أشاح عنه بوجهه و تركه ينجو. فقال عمرو: «أما إعظامي عليّا
1) الفتوح - لابن أعثم: ج 3، ص 259.
فإنك بعظمته أشدّ معرفة مني، و لكنك تطوي ما تعرفه و أنا أنشره، و أما أنه فضحني يوم صارعته، فلم يفتضح أمرا لقي أبا الحسن»(1).
و بمقدار ما كان الإمام عليه السّلام على يقين من أمره، كان أصحابه كذلك، فهذا «عمار بن ياسر» حينما انتصر مع الإمام على عائشة في معركة الجمل جاءها معاتبا لها عمّا فعلت، فقالت له:
فقال لها عمار:
فالقضية بالنسبة إليه لم تكن قضية انتصار أو هزيمة فلو أنهم كانوا ينهزمون لكانوا على ما هم عليه: يقين بلا حدود، و إيمان بلا دخل..
و كما كان عمار بن ياسر، كذلك كان الكثيرون من صحابة الإمام.. فمثلا حينما ذاع في جند العراق أن معاوية يعد من
1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 88.
ينضم إليهم منهم بالغنى و الجاه.. جاء إلى عليّ فارس من همدان فقال له: «يا أمير المؤمنين إن أقواما طلبوا من معاوية العطاء فأغدق عليهم، فباعوا الدين بالدنيا. و إنّا رضينا بالآخرة من الدنيا، و بالعراق من الشام، و بك من معاوية.
يا أمير المؤمنين.. و اللّه لآخرتنا خير من دنياهم، و لعراقنا خير من شامهم، و لإمامنا أهدى من إمامهم، فاستفتحنا بالحرب، وثق منا بالنصر، و احملنا على الموت»(1).
هؤلاء كانوا من الّذين وصفهم عليه السّلام بقوله:
ما من نبي من أنبياء اللّه العظام، إلاّ و بشّر الناس بالآخرة و دعاهم إلى العمل من أجلها.
و ما من صالح من الأولياء، إلاّ و طلب منهم الزهد في درجات هذه الدنيا. ليس لأن هنالك تناقضا بين الدنيا و الآخرة، بل لأن الأولى خلقت للأخرى. و ليس لأن علينا أن نهمل حياتنا، بل لأن علينا أن نصلحها.. و لا صلاح للنفس إلاّ بالزهد و التقوى، و الورع و الاجتهاد، و العفّة و السداد.
و بحق أقول لكم:
إن من يعرف حقيقة الدنيا، يزهد، لا محالة فيها.
و إن من يجهل حقيقتها، يتيّم - و لا شك - بها.
فمن عرف النهاية، زهد في البداية، و من تذكر الموت و البلى عمل الخير و الهدى، و شتّان ما بين من يعمل لآخراه، و بين من يعمل لدنياه.. و بين من انشغل بالصلاح، و من انشغل باللذّات، و بين من عبد اللّه، و من اتّخذ إلهه هواه..
و الحق فإن «الزهد شيمة المتّقين(1)و هو أصل الدين»(2)و «ثمرته»(3)و «ينته»(4)و هو «مفتاح الصلاح»(5)فقد «جعل الخير كله في بيت و جعل مفتاحه الزهد في الدنيا»(6). ف «الزهد ثروة»(7)و «الزهد متجر رابح»(8)و «مع الزهد يثمر الحكمة»(9).
هذا بالإضافة إلى أن «الزهد في الدنيا: الراحة العظمى»(10)لأن «الزهد في الدنيا يريح القلب، و البدن»(11)بينما «الرغبة في الدنيا تورث الغمّ و الحزن»(12)فإن «من زهد في الدنيا استهان بالمصيبات»(13)و «أعتق نفسه و أرضى ربّه»(14).
1) غرر الحكم و درر الكلم.
2) المصدر السابق.
3) ميزان الحكم: ج 4، ص 250.
4) غرر الحكم و درر الكلم.
5) المصدر السابق.
6) بحار الأنوار: ج 73، ص 49.
7) نهج البلاغة: الحكم 4.
8) مستدرك الوسائل: ج 2، ص 332.
9) ميزان الحكمة: ج 4، ص 263.
10) كنز العمال: خ 6060.
11) بحار الأنوار: ج 78، ص 240.
12) حلية الأولياء: ج 1، ص 74.
13) غرر الحكم و درر الكلم.
14) مستدرك الوسائل: ج 2، ص 333.
و لهذا كله فإنه «ما عبد اللّه بشيء، أفضل من الزهد في الدنيا»(1)، و لذلك أيضا «ما اتخذ اللّه نبيّا إلاّ زاهدا»(2).
ثم إن
بها
فإن «أصل الزهد حسن الرغبة فيما عند اللّه»(3)، فقد أوحى اللّه إلى موسى: «أن عبادي الصالحين زهدوا فيها (الدنيا) بقدر علمهم بي، و سائرهم من خلقي، رغبوا فيها بقدر جهلهم بي، و ما من أحد من خلقي عظّمها فقرّت عينه»(4).
و هكذا فإن «زهد المرء فيما يفنى (من الدنيا) بقدر يقينه بها يبقى»(5)و إلاّ «كيف يزهد في الدنيا من لا يعرف قدر الآخرة»(6)؟
فما قدر لذة تفنى، و نعيم يزول، و راحة يعقبها التعب، و شهوة تزول و ملك لا يبقى؟
أن «من صور الموت بين عينيه، هان أمر الدنيا عليه»(1)،
و لذلك ف «إن العقلاء زهدوا في الدّنيا، و رغبوا في الآخرة، لأنّهم علموا أن الدنيا طالبة و مطلوبة، و أن الآخرة طالبة و مطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، و من طلب الدّنيا طلبته الآخرة، فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه و آخرته»(2).
و لقد مرّ أحد الأولياء على قبر، فقال: «إنّ شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوّله. و إنّ شيئا هذا أوّله لحقيق أن يخاف آخره»(3).
فهي بقدر ما تنفع تضرّ، و هي بقدر ما تفرح تحزن، و هي بمقدار ما تعطي تأخذ، و هي بمقدار ما تعافي تمرض، و هي بمقدار ما تكون لك فهي عليك فإنّ «الدهر يومان، يوم لك و يوم عليك»(4)، و هي تنقلب عليك بينما أنت تركن إليها، و تفجعك بينما أنت فرح بها.
فإنما «مثل الدنيا، كمثل الحيّة ليّن مسّها، و السّم الناقع
في جوفها، يهوى إليها الغرّ الجاهل، و يحذرها ذو اللّب العاقل»(1).
و الحق «أن الدنيا كالشبكة تلتف على من رغب فيها، و تتحرر عمّن أعرض عنها، فلا تمل إليها بقلبك، و لا تقبل عليها بوجهك، فتوقعك في شبكتها، و تلقيك في هلكتها»(2).
و هكذا فإن «.. متاع الدنيا حطام موبوء فتجنّبوا مرعاه..
قلعتها أحظى من طمأنينها، و بلغتها أزكى من ثروتها، حكم على مكثر منها بالفاقة، و أعين من غني عنها بالراحة، و من راقه زبرجها أعقبت ناظريه كمها، و من استشعر الشغف بها ملأت ضميره أشجانا، لهن رقص على سويداء قلبه، همّ يشغله و همّ يحزنه، كذلك حتى يؤخذ بكظمه فيلقى بالفضاء منقطعا أبهراه، هينا على اللّه فناؤه و على الإخوان إلقاؤه»(3).
ف «كم أكلت الأرض من عزيز جسد و أنيق لون، كان في الدنيا غذّي (يتغذّى) ترف. و ربيب شرف، يتعلل بالسرور في ساعة حزنه، و يفزع إلى السلوة إن مصيبة نزلت به... فبينما هو يضحك إلى الدنيا و تضحك الدنيا إليه في ظل عيش غفول، إذ وطىء الدهر به حسكه (نبات فيه شوك قوي)، و نقضت الأيام
قواه و نظرت إليه الحتوف من كثب... و إن الموت لغمرات.
هي أفظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول أهل الدنيا»(1).
فمن عرف قدر نفسه، روّضها بالقناعة و الكفاف، و ترك الشهوات و الملذّات، و زكّاها بالانقطاع عن تلبية سؤلها، و مقاومة طلباتها، و مجاهدة رغباتها. فإن النفس غرارة غدارة، إلاّ من أدبر عنها، و تحرّر من ربقتها..
و قد يسأل البعض: إذا كان الزهد مطلوبا فما هو؟ و أين يكون؟ و ما هي نتائجه؟
و الجواب: «إن الزهادة في الدّنيا ليست بتحريم الحلال، و لا إضاعة المال، و لكنّ الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في يد اللّه عزّ و جلّ»(2).
ف «الزهادة قصر الأمل، و الشكر عند النعم، و التورّع عن المحارم(3)و هو تركك كل شيء يشغلك عن اللّه، من غير
تأسّف على فوتها، و لا إعجاب في تركها، و لا انتظار فرج منها، و لا طلب محمدة عليها، و لا عوض منها»(1).
و هكذا فإن «الزهد كلمة بين كلمتين من القرآن: قال اللّه تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (2)«فمن لم يأس على الماضي، و لم يفرح بالآتي، فقد أخذ الزهد بطرفيه»(3).
و لذلك فإن الإمام علي عليه السّلام كان يوصي قائلا: يا بن آدم.. لا تأسف على مفقود لا يردّه إليك الفوت، و لا تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت»(4).
أما أين يكون الزهد، فأولا: فيما حرّم اللّه. و ثانيا: في الزيادة مما أحلّه اللّه.. فالزهد هو ترك الحرام مهما كانت لذّته، و منفعته.. ف «الزاهد في الدنيا من لم يغلب الحرام صبره، و لم يشغل الحلال شكره(5)فلا زهد كالزهد في الحرام»(6).
كما هو ترك الزائد من الحلال، فالزاهد هو «الذي يترك
حلالها (الدنيا) مخافة حسابه (اللّه تعالى)، و يترك حرامها مخافة عذابه»(1).
و لقد أوحى اللّه تعالى إلى نبيه ليلة أسرى به فقال: «يا أحمد.. إن أحببت أن تكون أورع الناس، فازهد في الدنيا، و ارغب في الآخرة». فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا إلهي كيف أزهد في الدنيا و أرغب في الآخرة؟».
فقال تعالى: «خذ من الدنيا خفّا من الطعام و التراب و اللباس»(2).
أما ما هي نتائج الزهد، ففي الآخرة ثواب اللّه العظيم، كما أن من نتائج حبّ الدنيا، و ترك العمل للعقبى عقاب اللّه الأليم. فَأَمّا مَنْ طَغى (37) وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (39) وَ أَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (3).
و أما في الدّنيا فالزهد هو الطريق إلى الحق، و عبادة اللّه تعالى. يقول الإمام علي عليه السّلام: «العلم يرشدك إلى ما أمرك اللّه به، و الزهد يسهّل لك الطريق إليه»(4).
و في الحقيقة لا يمكن أن يرى الإنسان نواقص الدنيا، و عيوبها إلاّ إذا زهد فيها، فإن حبّ الشيء يعمي و يصمّ. يقول الإمام عليه السّلام: «ازهد في الدنيا يبصّرك اللّه عوراتها»(1).
فالحكمة، في الفهم و العمل و الوعي، هي من نتائج الزهد ذلك أنه «ما زهد عبد في الدنيا إلاّ أنبت اللّه الحكمة في قلبه، و أنطق بها لسانه، و يبصّره عيوب الدنيا، و داءها و دواءها، و أخرجه منها سالما إلى دار السّلام»(2).
فمن يزهد في الدنيا يتحرر من الشهوات و الرغبات و العقد النفسية، و لن يتعصّب لباطل، و لا ينحاز لمعصية، و لا يرغب في مضرّة أحد.. و بذلك يرى الحقيقة كما هي و تنبت الحكمة في قلبه..
هذا بالإضافة إلى أنّ الزهد يجعل الإنسان نشيطا في العمل الصالح، قويا في تحمّل المكاره، خلوقا في التعامل مع الناس، ملتزما بالعدل و الإنصاف، لأنه لا يرغب في مصلحة حتى يظلم الآخرين من أجلها، و لا يخاف من مضرة حتى يغدر للتخلّص منها..
فالزاهد «يختار الجهد على الراحة، و الجوع على الشبع و الذكر على الغفلة»(1).
و لكل ما سبق، كان الإمام علي عليه السّلام زاهدا في دنياه، موصيا بنيه و أصحابه بالزهد، تاركا لملذات الحياة، صابرا على بلاء اللّه، طالبا أجر الآخرة، محبّا للمساكين، صديقا للفقراء، نشيطا في العمل الصالح، راغبا عن حطام الدنيا.
لقد قال فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا علي! إن اللّه تعالى قد زيّنك بزينة لم تزين العباد بزينة أحب إلى اللّه تعالى منها و هي زينة الأبرار عند اللّه عزّ و جلّ: الزهد في الدنيا، فجعلك لا ترزأ (أي تصيب) من الدنيا شيئا و لا ترزأ منك الدنيا شيئا، و وهب لك حب المساكين، فجعلك ترضى عنهم أتباعا و يرضونك إماما، فطوبى لمن أحبّك و صدق فيك، و ويل لمن أبغضك و كذب عليك. فأما الّذين أحبوك و صدقوا فيك فهم (في الآخرة) جيرانك في دارك و رفقاؤك في قصرك، و أما الّذين أبغضوك و كذّبوا عليك فحق على اللّه أن يوقفهم موقف الكذابين»(2).
فكان الإمام ينظر إلى الدنيا من منظور الآخرة، و هو القائل: «و اللّه، لدنياكم هذه، أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم»(1).
البعد الأول: الزهد للبساطة في الحياة.
البعد الثاني: الزهد لترويض النفس.
البعد الثالث: الزهد للتأسّي بالفقراء و المساكين.
البعد الرابع: الزهد للعطاء للآخرين.
البعد الخامس: الزهد لرفض الترف و السلطان و الأبّهة و الجلال.
البعد السادس: الزهد للالتزام بالعدل.
كان الإمام حريصا على أن يعيش على الكفاف، في المأكل و الملبس و كل شؤون الحياة، ففي المدينة المنوّرة حيث بويع بالخلافة كان مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مقرّ حكومته، و بيته المتواضع مسكنه، لم يغير و لم يبدّل. و في الكوفة رفض السكنى في دار الإمارة، بل بنى إلى جنبها بيتا متواضعا. من
1) نهج البلاغة: الحكم 236.
ثلاث غرف، و سكن فيه، و لا تزال آثار قصر الإمارة الضخم، و آثار بيته المتواضع إلى جنبه، موجودة في الكوفة..
و كانت فلسفته في ذلك: «و ما أصنع بفدك، و غير فدك، و النفس مظانها في غد جدث (قبر) تنقطع في ظلمته آثارها، و تغيب أخبارها، و حفرة لو زيد في فسحتها، و أوسعت يدا حافرها، لأضغطها الحجر، و المدر، و سدّ فرجها التراب المتراكم؟»(1).
و لقد حكم الناس خمس سنين ما وضع آجرة على آجرة و لا لبنة على لبنة، و لا قصبة على قصبة، و لا أورث بيضاء، و لا حمراء، إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه، أراد أن يبتاع بها لأهله خادما، و ما أطاق عمله منّا أحد، و إن كان عليّ بن الحسين عليه السّلام لينظر في كتاب من كتب عليّ عليه السّلام فيضرب به الأرض و يقول: من يطيق هذا؟(2).
و من كان يطيق أن يفترش الأرض و يلتحف السماء، و يأكل من الطعام ما جشب، و يلبس من اللباس ما خشن و هو أمير المؤمنين؟
و من قبل ذلك أيضا، عاش الزهد و هو في ريعان
الشباب، فحينما تزوج بفاطمة في ليلة زفافه جاء بالرّمل فأفرش به غرفته(1). أما فراشه فكان كما قال: «ما كان لنا إلاّ إهاب كبش (الجلد غير المدبوغ) أبيت مع فاطمة بالليل، و نعلف عليها الناضح (البعير ليستقى عليه) بالنهار»(2).
«و كان أحيانا لا يجد عملا يقتات منه إلاّ أن يملأ الدلو في بستان أحد الأغنياء من يهود المدينة، ليروي به البستان، و كان اليهودي يعطيه في كل دلو تمرة، فيعود إلى فاطمة بتمر يطعمها هي و أولادهما، و ربما أهدى منه الرسول، إذا أصابته عليه الصلاة و السّلام خصاصة.. و لكم كانت تصيبه!!..
هكذا كان يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى (18) وَ ما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (19) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (20) وَ لَسَوْفَ يَرْضى (3)و في الحق أنه كان عند ربه مرضيا»(4).
ثم إنه عليه السّلام «ما شبع من طعام قط، و كان أخشن الناس أداما و ملبسا»(5).
و ما ذا كان طعامه؟ و ما ذا كان ملبسه؟
روى النضر بن منصور، عن عقبة بن علقمة قال: دخلت على علي عليه السّلام فإذا بين يديه لبن حامض آذتني حموضته و كسرة يابسة.
فقلت: «يا أمير المؤمنين أ تأكل مثل هذا؟!»
فقال لي: «يا أبا الجنوب كان رسول اللّه يأكل أيبس من هذا، و يلبس أخشن من هذا (و أشار إلى ثيابه) و أخاف إن لم آخذ بما أخذ به، أن لا ألحق به»(1).
.. و زاره رجل من أصحابه فطلب الطعام، و لم يكن أمير المؤمنين موجودا فأخرج إليه أبناؤه قصعة فيها مرق بحبوب.
فقال: «تطعمون هذا و أنتم أمراء الناس»؟.
قالوا: «كيف لو رأيت طعام أمير المؤمنين»!؟(2).
و قال عبد اللّه بن أبي رافع «دخلت إليه يوم عيد فقدّم جرابا مختوما فوجدنا فيه خبز شعير يابسا مرصوصا، فقدّم فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين فكيف تختمه؟ قال أما إنّي لا أختمه بخلا به، و لكني خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت».
و كان ثوبه مرقوعا بجلد تارة و بليف أخرى، و نعلاه من
ليف، و كان يلبس الكرابيس الغليظة فإذا وجد كمّه طويلا قطعه بشفرة فلم يخطه، فكان لا يزال متساقطا على ذراعيه حتّى يبقى سدى لا لحمة له.
كان يأتدم إذا ائتدم بخلّ أو بملح، فإن ترقّى عن ذلك فببعض نبات الأرض، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل، و لا يأكل اللّحم إلاّ قليلا و يقول: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوانات.
و كان مع ذلك أشدّ الناس قوّة و أعظمهم يدا، لم ينقص الجوع قوّته و لم يخور الإقلال منّته و هو الذي طلّق الدنيا و كانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلاّ من الشام فكان يفرّقها و يمزّقها ثم يقول:
هذا جناي و خياره فيه إذ كلّ جان يده إلى فيه(1)
و كان عليه السّلام لا يأكل من الأموال التي تجبى إليه من العراق، بل مما يؤتى به من الحجاز، حيث كانت له مزارع زرعها بيده(2).
و روي «أنه كانت له بالكوفة امرأتان، فإذا كان يوم هذه اشترى لحما بنصف درهم، و إذا كان يوم هذه اشترى لحما
بنصف درهم. و كان ينفق هذه النفقة من شيء يأتيه من الحجاز»(1).
أمّا عن بساطة ثيابه فقد روي أنه «رأوه يحمل تمرا في ردائه، فقيل له: أعطنا نحمل عنك. فقال: و من يحمل عني أوزاري يوم القيامة؟. فانطلق للبيت، ثم رجع مرتديا الشملة ذاتها، و فيها قشور التمر، فصلّى بالناس فيها الجمعة»(2).
و كان يرقّع ثوبه عند ولده الحسن عليه السّلام و قد قال كلمته الشهيرة: «و اللّه لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها و لقد قال لي قائل: أ لا تنبذها؟ فقلت: اغرب عنّي!.
فعند الصباح يحمد القوم السرى»(3).
و قيل له: «لم ترقّع ثوبك؟
فقال: ليخشع القلب، و يقتدي به المؤمنون»(4).
و روي: أنه عليه السّلام كان يطوف الأسواق بإزار، مرتديا برداء، و معه الدّرة، كأنه أعرابي، فطاف مرة حتى بلغ سوق الكرابيس، فاشترى من غلام كان هناك قميصا بثلاثة دراهم،
فلما جاء أبوه، و عرف أن ولده باع أمير المؤمنين القميص بثلاثة دراهم، جاء إليه عليه السّلام ليدفع له درهما، فقال الإمام «ما هذا»؟
قال الرجل: يا مولاي.. إن القميص الذي باعك ابني كان يساوي درهمين.
فلم يأخذ الإمام الدرهم، و قال: «باعني برضاي، و أخذ برضاه»(1).
أمير المؤمنين، و قائد المسلمين، يلبس ثوبا بثلاثة دراهم، و ذلك حينما كانت الأمبراطوريتان الثريتان: الرومانية، و الفارسية قد سقطت بأيدي المسلمين، و كان كثير من الصحابة و التابعين، قد اغتروا بالمال و الثراء، و كانت تجبى إلى الإمام الملايين.. غير أنه يرفض ترك البساطة في الحياة، و يعتبرها قيمة من القيم.. و يقول: «ألا و إن لكلّ مأموم إماما يقتدي به و يستضيء بنور علمه، ألا و إنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، و من طعمه بقرصيه، ألا و إنّكم لا تقدرون على ذلك، و لكن أعينوني بورع و اجتهاد، و عفّة و سداد، فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا، و لا ادّخرت من غنائهما وفرا و لا أعددت لبالي ثوبي طمرا، و لا حزت من أرضها شبرا، و لا أخذت منه
1) بحار الأنوار: ج 41، ص 161.
إلاّ كقوت أتان دبرة (التي قرح ظهرها) و لهي في عيني أوهى و أهون من عفصة مقرة»(1).
لقد كان زهد الإمام، زهد الحاكم المقتدر، لا زهد المحكوم العاجز، فلو شاء لعاش - على الأقل - كسائر الناس، و ليس بشكل هم لا يقدرون على ما هو عليه: مجرد طمرين، و مجرد قرصين، و لا شبر من الأرض، و لا ادخار درهم أو دينار..
و حقا فإن الإمام عليه السّلام كان يرى البساطة مغنما، و القناعة كنزا، و عيش الكفاف فخرا و اعتزازا.
و ملخّص فلسفته في رفض الزيادة على الكفاف أنه «من رضي من الدّنيا بما يجزيه كان أيسر ما فيها يكفيه، و من لم يرض من الدّنيا بما يجزيه لم يكن فيها شيء يكفيه»(2).
النفس، و مجانبة الهوى، و مقاومة الشهوات و تزكية الذات.
فالإمام كان بشرا، تتوق نفسه إلى المسكن الهنيء، و المطعم الشهي و المركوب البهي، و الزوج المرضي، و لكنه كان يزهد فيها جميعا لكسب الأجر، فما من أجر كمثل أجر نهي النفس
عن الهوى.. و قد روي في ذلك أنه أهدي إلى علي عليه السّلام و فاطمة بعض الفالوذج، فأطعما أولادهما و لم يطعما منه، و قال علي، و قد وضعه أمامه: «إنك طيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم، و لكني أكره أن أعوّد نفسي ما لم تعتده»(1).
إنّه يريد ترويض نفسه، و هو القائل: «و إنما هي نفسي أروّضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، و تثبت على جوانب المزلق و لو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، و لباب هذا القمح و نسائج هذا القزّ، و لكن هيهات أن يغلبني هواي و يقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة... فما خلقت ليشغلني أكل الطيّبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها، أو المرسلة شغلها تقمّمها، تكترش من أعلافها و تلهو عمّا يراد بها، أو أترك سدىّ، أو أهمل عابثا، أو أجرّ بحبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة.
و كأنّي بقائلكم يقول: إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الأقران و منازلة الشجعان.
ألا و إنّ الشجرة البرّية أصلب عودا، و الرواتع الخضرة أرقّ جلودا، و النباتات البدوية أقوى وقودا و أبطأ خمودا.
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 91.
و أنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كالصنو من الصنو و الذراع من العضد، و اللّه لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها، و لو أمكنت الفرصة من رقابها لسارعت إليها، و سأجهد في أن أطهّر الأرض من هذا الشخص المعكوس و الجسم المركوس حتى تخرج المدرة من بين حبّ الحصيد.
إليك عنّي يا دنيا فحبلك على غاربك، قد انسللت من مخالبك، و أفلت من حبائلك، و اجتنبت الذهاب في مداحضك.
أين القرون الّذين غررتهم بمداعبك؟
أين الأمم الّذين فتنتهم بزخارفك؟ ها هم رهائن القبور و مضامين اللحود.
و اللّه لو كنت شخصا مرئيّا و قالبا حسّيا لأقمت عليك حدود اللّه في عباد غررتهم بالأمانيّ، و أمم ألقيتهم في المهاوي، و ملوك أسلمتهم إلى التلف، و أوردتهم موارد البلاء، إذ لا ورد و لا صدر.
هيهات من وطأ دحضك زلق و من ركب لججك غرق، و من ازورّ عن حبالك وفّق، و السالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه، و الدنيا عنده كيوم حان انسلاخه.
اعزبي عنّي فو اللّه لا أذلّ لك فتستذلّيني، و لا أسلس لك فتقوديني.
و أيم اللّه يمينا - أستثني فيها بمشيئة اللّه - لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص، إذا قدرت عليه، مطعوما، و تقنع بالملح مأدوما و لأدعنّ مقلتي كعين ماء نضب معينها، مستفرغة دموعها.
أ تمتلئ السائمة من رعيها فتبرك؟ و تشبع الربيضة من عشبها فتربض؟ و يأكل عليّ من زاده فيهجع!؟ قرّت إذن عينه، إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة و السائمة المرعيّة.
طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها، و عركت بجنبها بؤسها، و هجرت في الليل غمضها حتّى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها، و توسّدت كفّها، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم، و تجافت عن مضاجعهم جنوبهم، و همهمت بذكر ربّهم شفاههم، و تقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم، أولئك حزب اللّه، إلا أن حزب اللّه هم المفلحون»(1).
و هكذا فإنه عليه السّلام «كان يرى الزهد مكسبا للأجر، و مربحا للثواب، و طريقا إلى الجنة، بينما الترف، و التكاثر موجبا
1) روضة الواعظين: ص 127.
للضلال، و الطغيان، و هما يجرّان إلى النار.. فكان يروّض نفسه ليحيي قلبه، و يرى أن كثرة الطعام تميت القلب، كما تميت كثرة الماء الزرع»(1).
و كان عليه السّلام يريد الثواب، لا الحطام، و الجنة لا الدنيا، و رضى اللّه تعالى لا الراحة في الحياة. و لقد سأله رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوما فقال:
«يا علي! كيف أنت إذا زهد الناس في الآخرة، رغبوا في الدنيا، و أكلوا التراث أكلا لمّا، و أحبوا المال حبا جمّا»؟
فقال علي عليه السّلام: «أتركهم و ما اختاروا، و أختار اللّه و رسوله و الدار الآخرة، و أصبر على مصيبات الدنيا و بلواها حتى ألحق بك إن شاء اللّه تعالى».
فقال الرسول: «صدقت. اللّهمّ افعل ذلك به»(2).
و كان يوصي أصحابه فيقول:
«رحم اللّه رجلا نزع عن شهوته، و قمع هوى نفسه، فإن هذه النفس أبعد شيء منزعا، و إنها لا تزال تسرع إلى معصية في هوى، إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يقول: «إن الجنة حفّت بالمكاره، و إن النار حفّت بالشهوات»(3).
«التقي من ألزم نفسه العدل، فكان أول عدّته نفي الهوى عن نفسه».
«من لجّ قلبه بحب الدنيا التاط (التصق) قلبه بثلاثة: هم لا يبرحه، و حرص لا يتركه، و أمل لا يدركه»(1)..
«عباد اللّه، زنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، و حاسبوها قبل أن تحاسبوا، و تنفسوا قبل ضيق الخناق، و انقادوا قبل عنف السياق (انقادوا لما يطلب منكم قبل أن تساقوا إليه بالعنف) و اعلموا أنه من لم يعن على نفسه حتى يكون له منها واعظ و زاجر: لم يكن من غيرها زاجر و لا واعظ».
«اتقوا اللّه تقية ذي لب شغل التفكير قلبه، و أنصب الخوف بدنه، و أسهر التهجّد غرار نومه، و أرجف الذكر بلسانه».
«اتقوا تقية من سمع فخشع. و اقترف فاعترف. و وجل فعمل، و رجع فتاب، و اقتدى فاحتذى»(2).
و هكذا، فإن الزهد عند الإمام كان لقمع الهوى، و كسب الأجر، و خفة الحساب يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
أ ليس في حلال الدنيا حساب؟ و في حرامها عقاب؟ فلم لا يزهد فيها؟
ثم لماذا الاستزادة، و الحرص، و جمع الأموال؟
يقول عليه السّلام: «يا بن آدم، لا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي قد أتاك، فإنّه إن يك من عمرك يأت اللّه فيه برزقك... و اعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قوّتك و إلاّ كنت خازنا لغيرك فيه»(1).
لقد كان يجوّع نفسه متعمدا ليعلّمها القناعة، و يروّضها على طاعة اللّه، و يخشى إن لم يفعل ذلك أن يكون قد عصى اللّه تعالى.
و قد روي في ذلك أن عدي بن حاتم رآه، و بين يديه قراح ماء و كسرات خبز شعير و ملح فقال: إني لا أرى لك يا أمير المؤمنين لتظل نهارك طاويا مجاهدا، و بالليل ساهرا مكابدا، ثم يكون هذا فطورك؟ فقال عليه السّلام شعرا:
علّم النفس بالقنوع و إلاّ طلبت منك فوق ما يكفيها(2)
و روي أيضا «أنه ترصّد عمرو بن حريث غذائه فأتى له بجراب مختوم فأخرج منه خبزا متغيرا خشنا، فقال عمرو لخادمته: يا فلانة لو نخلت هذا الدقيق و طيّبته؟
قالت: كنت أفعل فنهاني، و كنت أضع في جرابه طعاما طيبا فختم جرابه.
ثم إن أمير المؤمنين فتّه في قصعة و صبّ عليه الماء، ثم ذرّ عليه الملح و أكل..
فلما فرغ من الأكل توجّه إلى عمرو قائلا: «لقد خانت هذه (و أشار إلى لحيته) و خسرت هذه، إن أدخلتها النار من أجل الطعام، و هذا يجزيني»(1).
و الحق أنه عليه السّلام كان يريد النقص في دنياه، و كان يرى في ذلك كمالا.. و هو الذي قال:
«اعلموا أن ما نقص في الدنيا و زاد في الآخرة خير مما نقص في الآخرة و زاد في الدنيا، فكم من منقوص رابح و مزيد خاسر؟
إن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه، فذروا ما قلّ لما كثر، و ما أحلّ لكم أكثر مما حرّم عليكم، و ذروا ما ضاق لما اتسع، فاللّه قد تكفّل لكم بالرزق و أمركم بالعمل. فلا يكونن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله.. فبادروا العمل، و خافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة العمر ما يرجى من رجعة الرزق، ما فات من الرزق
1) المصدر السابق.
يرجى غدا زيادته، و ما فات أمس من العمر لم يرج اليوم رجعته. الرجاء مع الجائي (ما سيجيء)، و اليأس مع الماضي، فاتقوا اللّه حق تقاته و لا تموتنّ إلاّ و أنتم مسلمون»(1).
و بمقدار ما كان عليه السّلام زاهدا في الدنيا، كان عليه السّلام شديد الإلحاح على الناس في دعوته للزهد، فحتى الصغار كان يوصيهم بالزهد، كما يوصيهم بالتقوى و العبادة..
من ذلك ما رواه الحسن البصري فقال: «كنت جالسا بالبصرة - و أنا حينئذ غلام - أتطهّر للصلاة، إذ مرّ بي رجل راكب بغلة شهباء معتمّ بعمامة سوداء، فقال لي: «يا حسن! أحسن وضوءك يحسن اللّه إليك في الدنيا و الآخرة. يا حسن! أما علمت أن الصلاة مكيال و ميزان»؟
فرفعت رأسي فتأملت فإذا هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام، فأسرعت في طهوري، و جعلت أقفو أثره إذ حانت منه التفاتة.
فقال لي: «يا غلام أ لك حاجة»؟
قلت: «نعم يا أمير المؤمنين. تفيدني كلاما ينفعني في الدنيا و الآخرة».
1) تحف العقول: ص 156.
قال: «يا غلام إنه من صدق اللّه نجا، و من أشفق من ذنبه أمن الردى، و من زهد في هذه الدنيا قرّت عيناه بما يرى من ثواب اللّه غدا». ثم قال: «يا غلام أ لا أزيدك»؟
قال: «بلى يا أمير المؤمنين».
قال: «إن سرّك أن تلقى اللّه غدا و هو عنك راض فكن في هذه الدنيا زاهدا و في الآخرة راغبا، و عليك بالصدق في جميع أمورك تنج مع الناجين غدا، يا غلام إن تضع هذا الكلام نصب عينيك، ينفعك اللّه به».
ثم أطلق عنان البغلة من يده، فجعلت أقفو أثره، إذ دخل سوقا من أسواق البصرة، فسمعته يقول: «يا أهل البصرة يا أهل تدمر، يا عبيد الدنيا و عمّال أهلها، إذا كنتم بالنهار تخدمون الدنيا، و في الليل تنامون، و في خلال ذلك عن الآخرة تغفلون، فمتى تحرزون الزاد، و تفكرون في المعاد»؟
فقام إليه رجل من السوق فقال: «يا أمير المؤمنين إنه لا بد من طلب المعاش فكيف نصنع»؟.
فقال: «أيها الرجل إن طلب المعاش من وجهه الحلال لا يشغلك عن الآخرة، فإن قلت لا بد لنا من الاحتكار، لم تكن معذورا». فتولّى الرجل و هو يبكي.
فقال أمير المؤمنين: «أقبل عليّ يا ذا الرجل أزدك تبيانا،
إنه لا بد لكل عامل من أن يوفّ يوم القيامة أجر عمله، فمن كان عمله للدنيا وحدها، فأجره النار»(1).
و المساكين،
فكثيرا ما كان الإمام يرفض مطعما معينا، أو مركبا معيّنا، أو ملبسا معيّنا لأن بعض أفراد الأمّة لا يملك مثله..
و التأسّي عند الإمام، أصل من أصول الأخلاق، خاصة عند ما كان أميرا للمؤمنين، فكان يرى الزهد فيما لا يملكه الآخرون واجبا عليه باعتباره أميرا لهم، فلا بدّ أن يعيش كأضعفهم..
يقول عليه السّلام: «و لو شئت لا هتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل، و لباب هذا القمح، و نسائج هذا القزّ، و لكن هيهات أن يغلبني هواي، و يقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص و لا عهد له بالشبع.
أو أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى و أكباد حرّى؟، أو أكون كما قال القائل:
و حسبك داء أن تبيت ببطنة و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 291-292.
أ أقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين، و لا أشاركهم في مكاره الدهر؟ أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش؟!(1).
فعليّ إمام المساكين يضرب لهم مثلا في الصبر و الاحتمال و يعيش كأحدهم، فهو زاهد ناسك، يحب من اللباس ما قصر و من الطعام ما خشن، فإن شعر بزهوّ يتسلل إلى نفسه قمعه بإذلال باطنه للّه، و اخشيشان ظاهره للناس، فهو كما قال عنه الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «مخشوشن في اللّه»!.
يقول أحد أصحابه: «دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بالخورنق، و هو يرعد تحت سمل بالي فقلت له:
فقال: «و اللّه، ما أرزأكم من أموالكم شيئا، و إن هذه لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي من المدينة، و ما عندي غيرها»(2).
و الحق، أن الإمام لم يكن ليكتفي أن يكون كأحد المسلمين، و يعيش مثلهم فحسب، بل عاش أنزل منهم درجة، و أقلّ من أضعف من فيهم..
و في ذلك روي:
«أنّه أتى البزّازين فقال لرجل: بعني ثوبين.. فقال الرجل: يا أمير المؤمنين عندي حاجتك، فلمّا عرفه مضى عنه، فوقف على غلام فأخذ ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم و الآخر بدرهمين.
فقال: يا قنبر خذ الّذي بثلاثة.
فقال قنبر: أنت أولى به، تصعد المنبر و تخطب الناس.
فقال: و أنت شابّ و لك شره الشباب، و أنا أستحيي من ربّي أن أتفضّل عليك، سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «ألبسوهم ممّا تلبسون و أطعموهم ممّا تأكلون». فأخذ قنبر الثوب الذي بثلاثة دراهم و أخذ علي الذي بدرهمين.
فلمّا لبس القميص مدّ كمّ القميص فأمر بقطعه و اتّخاذه قلانس للفقراء:
فقال الغلام: هلمّ أكفّه (أي أخيطه لك)، فقال: دعه كما هو، فإنّ الأمر أسرع من ذلك:
فجاء أبو الغلام فقال: إنّ ابني لم يعرفك، و هذان درهمان ربحهما فقال عليه السّلام: ما كنت لأفعل، قد ماكست و ماكسني و اتّفقنا على رضى»(1).
كل ذلك يفعله بنفسه، في الوقت الذي لو اتخذ أحسن
1) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 305.
ملبس و مأكل لم يكن يعترض عليه أحد، بل كثيرا ما كان البعض يطالبه بذلك، خاصة و أنّ الّذين عاصروه كانوا هم قد تزاحموا على الثراء، و المناصب و الجاه و الراحة..
«و لقد تحدّث إليه بعض الّذين لحقوا به من أتقياء أهل الشام و قرائهم عن بذخ معاوية، و عن إغداقه على من يصطنعهم.. فزعموا أن على مائدة معاوية عشرة أصناف من الحلوى وحدها، و أنه يرتدي كل يوم حلّتين، و قد اتّخذ لسيفه مقبضا من ذهب، و ما هو إلاّ أحد الولاة، فما بال أمير المؤمنين لا يملك غير إزار قصير، من غزل أهل بيته، لا يغطّي إلاّ نصف ساقه؟! و ما بال طعامه أخشن طعام، و ما باله يحمل سيفه على حبل من ليف، و قد اتّخذ من حصير المسجد سرير ملكه»؟!.
فضحك الإمام و قال لهم: «أما و اللّه ما أحبّ الفقر، و لو تمثّل لي الفقر رجلا لقتلته. و لكني و اللّه لا أرزأ من أموالكم شيئا».
و لاحظ أحد الحاضرين أن أمير المؤمنين ليس عليه ما يكفي من الثياب فسأله: «يا أمير المؤمنين ألم يجعل اللّه لك و لأهل بيتك في هذا المال نصيبا»؟.
فتبسّم قائلا: «إن مسّ الحصير كان يوجع جنب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ما شبع هو و أهله من طعام قط و قد حيزت له
الدنيا و ما فيها، و أنا على سنّته.. و لقد سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: لا يحلّ للخليفة من بعدي من مال اللّه إلاّ قصعة يأكلها هو و أهله، و قصعة يتصدّق بها، و حلّة للصيف و حلّة للشتاء! على أني أعيش على ما يأتيني من ينبع، و أستغني به عن بيت المال»(1).
فلكم عاش من دون أن يملك شيئا لأنه أعطى ما يملك لغيره؟ و لكم انشغل عن إسعاد نفسه بإسعاد الآخرين؟ و لكم شعر فى أعماق نفسه بالرضا كلّما أمكنه أن يسدّ حاجة لمحتاج، و لو بكلّ ما عنده، واثقا بما عند اللّه تعالى؟
و لعمري، إن ذلك هو زهد العارف باللّه، المتّقي له، الراغب في ثوابه..
كان يرى أنّ المساكين الذين ارتضوه إماما، إذا انقطعت بهم أسباب الرزق لعلّة، أو نحوها، فإنّ عليه دون غيره أن يكفيهم مطالب الحياة، و أن يوفّر لهم المقام الكريم في هذه الدنيا، فكان لا يكتفي بالعدل، بل يعطي من نفسه، و من حصته لكل
1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 27-28.
محتاج، حتى يضطرّ إلى بيع سيفه، ذلك السيف العظيم الذي قام عليه الإسلام، و عبد به اللّه، و انتصر به المؤمنون في الأرض.
فقد روي أنه عليه السّلام عرض ذات مرّة سيفه على البيع قائلا:
«من يشتري سيفي هذا»؟!
ثم سمعوه يقول: «فو اللّه لو كان عندي ثمن عشاء ما بعته»!
و مرّة أخرى عرض سيفه للبيع قائلا: «من يشتري سيفي هذا»؟.
ثم سمعوه يقول: «و لو كان عندي ثمن إزار ما بعته»(1)!
و روي «أن كمّه، لم يكن يتجاوز أصابعه، و يقول:
«للكمّين على اليدين فضل». و قد نظر ذات يوم إلى فقير انخرق كمّ قميصه، فخرق الإمام كمّه، و ألقاه إليه(2)!
لقد أعطى كل ما عنده للناس و لم يبق لنفسه شيئا..
و قال:
و عبارة «ما حبست»، تعني أنه أعطى كل شيء لهم، إلاّ قارورة واحدة!
و ما ادّخر هو شيئا فوق قوّته، بل إنّه كان يتصدّق بقوته إن سأله جائع، أو محروم.
ذات يوم و هو يصلّي في المسجد، سأله سائل، فلم يخرج من الصلاة، و لم ينتظر حتى يفرغ منها، بل مدّ يده للسائل و فيها خاتمه، و ما كان يملك غيره، فخلعه السائل من إصبعه.
و مضى لسبيله، و أكمل الإمام صلاته راضيا مرضيا، و أنزل اللّه تعالى قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ (1).
و السلطان و الأبّهة و الجلال..
و هو زهد ذو شقّين:
الأول: الزهد لرفض الترف، بكل أشكاله.
الثاني: زهده في السلطة و مظاهرها المختلفة.
ففي الشق الأول: يقول عليه السّلام: «انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها، الصادفين عنها، فإنّها و اللّه، عمّا قليل تزيل الثاوي الساكن، و تفجع المترف الآمن، و جلد الرجال فيها إلى
1) سورة المائدة، الآية: 55.
الضعف و الوهن، فلا تغرّنكم كثرة ما يعجبكم فيها، لقلّة ما يصحبكم منها»(1).
و يقول عليه السّلام: «إيّاك أن تغترّ بها ترى من إخلاد أهل الدنيا إليها، و تكالبهم عليها فقد نبأك اللّه عنها لك نفسها و تكشفت لك عن مساوئها فإنما أهلها كلاب عاوية، و سباع ضارية، يهرّ بعضها بعضا»(2).
و يقول: «التكاثر لهو و لعب و شغل، و استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير»(3).
و يخاطب معاوية قائلا: «فإنّك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه، و بلغ فيك أمله»(4).
و لأن الترف حرام على الحكّام، فقد رفض الإمام أي شيء فيه رائحة الترف، أو مظهر من مظاهره.
و من ذلك ما روي أنه عليه السّلام أتي بدابة دهقان ليركبها، فلمّا وضع رجله في الركاب قال:«بسم اللّه» فلما وضع يده على القربوس زلّت يده من الضفّة، فقال: «أديباج هي»؟!
قالوا: «نعم..» فلم يركبها(5)!
و من ذلك أيضا: أن خادمته أعطته في بعض الليالي قطيفة، فتعجّب من دفئها، فقام ليسأل الخادمة: ما هذه؟
قالت: «هذه من قطف الصدقة»..
فقال: «أحردتمونا، بقيّة ليلتنا»(1).
و روي عن «سويد بن غفلة» قال: «دخلت على أمير المؤمنين عليه السّلام يوم عيد، فإذا عنده فاثور (الطشت) و عليه خبز السمراء (الحنطة)، و صفحة فيها خطيفة، و ملبنة (ملعقة) فقلت: «يا أمير المؤمنين.. يوم عيد و خطيفة؟!
فقال: «إنما هذا عيد من غفر له»(2).
و روي أنّه جيء إليه بفالوذج، فأدخل فيه إصبعه، ثم سلبها، و لم يأخذ منه شيئا، فقيل له: أ تحرّمه يا أمير المؤمنين؟
فقال: «لا.. و لكن أخشى أن تتوق إليه نفسي» ثم تلا قوله تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا (3).
و روي: «أنه عليه السّلام تزوّج «ليلى» فجعلت له حجلة، فهتكها، و قال: «حسب آل عليّ، ما هم فيه(4).. و تزوج أخرى فنجدّت له بيتا، فرفض أن يدخله»(5).
و حينما تزوج من الكلابية، زفّت إليه على حمار بأكاف تحتها قطيفة، و خلفها قفّة معلقة، و لا شيء غير ذلك(1).
«و لاحظ أحد أصحابه أنه يلبس قميصا جديدا و لكنه يضع عليه رداء قديما فسأله في ذلك، فقال الإمام ضاحكا: «إنما ألبس هذا الرداء ليكون أبعد لي عن الزهو و الكبر»(2).
و روي: أنه كان يحمل التمر و الملح بيده، و كان ينشد هذا الشعر:
لا ينقص الكامل من كماله ما جرّ من نفع إلى عياله
و كان عليه الصلاة و السّلام، كما يرويه زيد بن علي، يمشي في خمسة مواضع حافيا، و يعلق نعله بيده اليسرى: يوم الفطر، و النحر، و الجمعة، و عند العيادة، و تشييع الجنازة، و يقول: «إنها أحبّ المواضع للّه، و أحبّ أن أكون فيه حافيا»(3).
و كان يكتفي ببعض الطعام، فيأكل تمرا فقط، ثم يشرب عليه الماء، و يضرب يده على بطنه، و يقول: «من أدخله بطنه النار، فأبعده اللّه» و ينشد قول الشاعر:
و إنك مهما تعط بطنك سؤله و فرجك نالا منتهى الذّم أجمعا(1)
و روي عن نوف قال: بتّ ليلة عند أمير المؤمنين عليه السّلام فكان يصلّي اللّيل كلّه و يخرج ساعة بعد ساعة فينظر إلى السماء و يتلو القرآن، فمرّ بي بعد هدء الليل فقال: يا نوف أ راقد أنت أم رامق؟
قلت: بل رامق أرمقك ببصري يا أمير المؤمنين.
قال: يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في الآخرة، أولئك الّذين اتّخذوا الأرض بساطا، و ترابها فراشا، و ماءها طيبا، و القرآن دثارا، و الدعاء شعارا، و قرّضوا من الدنيا تقريضا على منهاج عيسى ابن مريم، إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى عيسى ابن مريم: «قل للملأ من بني إسرائيل: لا يدخلوا بيتا من بيوتي إلاّ بقلوب طاهرة، و أبصار خاشعة، و أكفّ نقيّة، و قل لهم: اعلموا أنّي غير مستجيب لأحد منكم دعوة و لأحد من خلقي قبله مظلمة»(2).
و روي «أنه ذات صباح لم يجد ما يلبسه إلاّ لباسا من الصوف به خروق، فرقعه و لبسه و خرج إلى الناس، فلما لامه
نفر من أصدقائه من فتيان المهاجرين و الأنصار لم يبسط لهم عذره: إنه لم يجد غيره، و لكنه تبسّم و قال لهم: «إن لبس هذه المرقعة من الصوف تقمع في الإنسان ما قد يشعر به من كبر، و تقهره على أن يتواضع للّه، و تحمله على الخشوع حملا»(1)!
أمّا زهده في السلطة، و كل ما يمتّ إليها بصلة، فكان نابعا من إيمانه العميق بقوله تعالى: تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (2).
فلم يكن يريد السلطة في أي يوم من الأيّام، شأنه في ذلك شأن أصحاب الرسالات العظام في التاريخ، فما بالإمام - كما يقول أحدهم - «حرص على الإمارة بجاهها و سطوتها و سلطانها»(3).. و هو الذي قال حينما جاؤوه للبيعة بعد مقتل عثمان: «دعوني، و التمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه و ألوان، لا تقوم له القلوب، و لا تثبت عليه العقول، و إن الآفاق قد أغامت، و المحجّة قد تنكّرت.. و اعلموا: أني إن أجبتكم، ركبت بكم ما أعلم، و لم أصغ إلى قول القائل، و عتب العاتب، و إن تركتموني فأنا كأحدكم»(4).
و كم رفض الخلافة، و كم قبض يده فجذبوها، و كم التفوا حوله، و مشوا معه، لكي يقبل الخلافة، بمفهومه الخاص لها، و هو تحمّل المسؤولية، و إقامة الحق..
يقول عليه السّلام: «و بسطتم يدي فكففتها، و مددتموها فقبضتها، ثم تداككتم عليّ تداكّ الإبل الهميم على حياضها يوم ورودها حتى انقطع النعل و سقط الرداء و وطىء الضعيف»(1).
«فما راعني إلاّ و الناس كعرف الضبع إليّ، ينثالون عليّ من كل جانب حتى لقد وطىء الحسنان و شق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم»(2).
و عند ما تمّت له البيعة، نهض بالأمر، ليس كسلطان، يبحث عن التاج و الصولجان، بل كصاحب رسالة، و كان ما يكابده حقا، هو حرص الإمام على صياغة مجتمع فاضل على أساس وطيد من العدل، و في ظل الحرية، و الأخلاق.. من أجل ذلك كان يناضل لكي يغرس قيما نبيلة شريفة تثمر في نفوس المسلمين، و تزدهر بالفضائل، لا أن يؤسس ملكا شامخا عضوضا يمنحه الجاه و العزّة و الكبرياء.. فهو يعرف أن الكبرياء و العزّة للّه جميعا..!
و قد روي أنه: كان يخصف نعله ذات يوم بذي قار فدخل
عليه وزيره و تلميذه عبد اللّه بن عباس، فعجب ابن عباس من أن يخصف أمير المؤمنين نعله بنفسه و هو يحكم نصف الأرض التي يعرفها البشر حينئذ، و الناس قد اجتمعوا خارج خيمته ليسمعوا منه.. فقال لابن عباس: «ما قيمة هذه»؟.
قال: «لا قيمة لها».
فقال الإمام: «و اللّه لهي أحب إليّ من إمرتكم، إلاّ أن أقيم حقا أو أدفع باطلا»(1).
تلك كانت قضيته و رسالته: إقامة الحق و دفع الباطل..
و لم يكن يتنافس مع أحد من أجل غير ذلك.. و هو القائل:
«اللّهمّ إنّك تعلم أنه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان، و لا التماس شيء من فضول الحطام، و لكن لنرد المعالم من دينك، و نظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، و تقام المعطلة من حدودك»(2).
صحيح أن أعداءه، كانوا يريدون السلطان، ليحوّلوا الإمامة إلى ملك عضوض يتوارثه الابن من أبيه، و لكنّ الإمام كان يريد إحقاق الحق، و إماتة الباطل، و لذلك فإنّ رد فعله إزاء بيعته لم يكن ردّ فعل من يفوز بالانتخابات فيفرح للفوز،
و يرتاح إلى النجاح. كما أن ردّة فعله إزاء هزائمه لم تكن كردة فعل مهزوم في حرب، لأنّه كان يعمل لكي لا يتجافى عن الحق، و لا يرتكب معصية، أما بعد ذلك فكل شيء كان يهون عنده.
فعند ما قتل محمد بن أبي بكر، رضوان اللّه عليه و سقطت مصر في يد معاوية فإن الإمام لم يحزن لخسارة مصر، بالرغم من عظمتها، لأن الإمام لم يكن يرى مصر يوما غنيمة ليرى سقوطها خسارة، بل حزن لمقتل محمد بن أبي بكر و غلبة الباطل.
و لم يزد علي أن خطب خطبة موجزة ليوعّي الناس، و كتب رسالة مختصرة إلى ابن عباس يخبره بذلك..
و في ذلك يقول المؤرخون:
«جاء عليا رجلان ينعيان إليه محمد بن أبي بكر، أما أحدهما فقد جاء من مصر، يتحدث باكيا عمّا أصاب محمدا، و أما الآخر فقد جاء من الشام يروي عجبا مما رآه في الشام.
فقد صعد معاوية منبر المسجد الجامع في دمشق فأذن في فرح عظيم بقتل محمد بن أبي بكر.. و كأنها بشارة كبرى يبشّر بها أهل الشام!! بقتل محمد!! ثم قرأ كتاب عمرو إلى معاوية، و فيه: «أما بعد فإنّا لقينا محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر في جموع جمة من أهل مصر، فدعوناهم إلى الهدى و السّنّة و حكم
الكتاب، فرفضوا الحق، فجاهدناهم، و استنصرنا اللّه عليهم، فضرب اللّه وجوههم و أدبارهم، و منحونا أكتافهم، فقتل اللّه محمد بن أبي بكر و كنانة بن بشر و أماثل القوم. و الحمد للّه رب العالمين. و السّلام».
و قال صاحب الإمام الذي جاء من الشام لعلي: «و اللّه يا أمير المؤمنين قلما رأيت قط قوما أسرّ، و لا سرورا قط أظهر من سرور رأيته بالشام حين أتاهم هلاك محمد بن أبي بكر» فقال علي: «أما أن حزننا عليه على قدر سرورهم به، لا بل يزيد أضعافا»!
فأرسل عليه السّلام إلى مالك بن كعب الذي كان قد أرسله لينجد محمدا في ألفي رجل، فردّه قبل أن يبلغ مصر، و يهلك بجيشه..
ثم وقف يخطب الناس فقال: «ألا و إن مصر قد افتتحها الفجرة أولياء الجور و الظلم، الّذين صدّوا عن سبيل اللّه، و بغوا الإسلام عوجا. ألا و أن محمد بن أبي بكر قد استشهد رحمه اللّه، و عند اللّه نحتسبه، أما و اللّه لقد كان ما علمت ينتظر القضاء، و يعمل للجزاء، و يبغض شكل الفاجر، و يحب سمت المؤمن، إني و اللّه لا ألوم نفسي على تقصير و لا عجز، و إني بمقاساة لحرب لجد بصير، إني لأقدم على الحرب، و أعرف وجه الحزم، و أقوم بالرأي المصيب، فأستصرخكم معلنا،
و أناديكم مستغيثا، فلا تسمعون لي قولا، و لا تطيعون لي أمرا، حتى تصير الأمور إلى عواقب المساءة.. و دعوتكم إلى غياث إخوانكم منذ بضع و خمسين ليلة... فتثاقلتم إلى الأرض تثاقل من لا نية له في الجهاد، و لا رأي له في الاكتساب للأجر، ثم خرج إليّ منكم جنيد (تصغير جند) متذائب (مضطرب) ضعيف، كأنما يساقون إلى الموت و هم ينظرون! فأف لكم»!.
ثم عاد إلى داره(1).
و كتب إلى ابن عمه و وزيره، عامله على البصرة عبد اللّه بن عباس: «سلام عليك و رحمة اللّه و بركاته. أما بعد فإن مصر قد افتتحت، و قد استشهد محمد بن أبي بكر، فعند اللّه عزّ و جلّ نحتسبه، و قد كنت كتبت إلى النّاس، و تقدّمت إليهم في بدء الأمر، و أمرتهم بإغاثته قبل الوقعة، و دعوتهم سرا و جهرا، و عودا و بدءا، فمنهم الآتي كارها، و منهم المتعلل كاذبا، و منهم القاعد خاذلا، أسأل اللّه أن يجعل لي منهم فرجا، و أن يريحني منهم عاجلا، فو اللّه لو لا طمعي عند لقاء عدوي في الشهادة و توطين نفسي عند ذلك، لأحببت ألاّ أبقى مع هؤلاء يوما واحدا. عزم اللّه لنا و لك
1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 263-264.
على هداه و تقواه إنه على كل شيء قدير. و السّلام عليكم و رحمة اللّه و بركاته»(1).
و عزّ على عبد اللّه بن عباس أن يبلغ السأم و المضض و الأسى بأستاذه و خليله و إمامه هذا المبلغ. فكتب إليه مواسيا:
«لعبد اللّه عليّ أمير المؤمنين من عبد اللّه بن عباس، سلام على أمير المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته. أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر فيه افتتاح مصر و هلاك محمد بن أبي بكر، و أنك سألت اللّه ربك أن يجعل لك من رعيتك التي ابتليت بها فرجا و مخرجا و أنا أسأل اللّه أن يعلي كلمتك، و اعلم أن اللّه صانع لك، و معزّ دعوتك، و كابت عدوك. و أخبرك يا أمير المؤمنين أن الناس ربما تباطؤوا ثم نشطوا، فارفق بهم يا أمير المؤمنين و دارهم و منّهم. و استعن باللّه عليهم. كفاك اللّه الهم! و السّلام عليك و رحمة اللّه و بركاته».
و هكذا لم يزد ردّ فعله على خسارة مصر التي سمّى أهلها «أعظم أجنادي»(2)على خطبة قصيرة، و رسالة مختصرة إلى ابن عباس، و لم يحاول استردادها، كل ذلك زهدا في السلطان، فلقد أدّى ما عليه، و أتمّ الحجّة على من يجب إتمامها عليه، و هو زاهد في بسط النفوذ، و امتلاك البلاد.
حيث إن من طبيعة البشر الرغبة في المزيد مما لديهم، و الطمع في امتلاك أكثر مما يحتاجون إليه، و التكاثر في كل شيء، فلا يملأ عيني ابن آدم إلاّ التراب، كما يقول الحديث الشريف.
و لعمري: هذا ما يدفع البعض إلى الطغيان، و تقسيم الناس إلى غني و فقير، و جائع و متخم، و مسكين و مترف، و عادل و ظالم..
في الوقت الذي «إن اللّه فرض على أغنياء الناس في أموالهم قدر الذي يسع فقراءهم، فإذا ضاع الفقراء، أو أجهدوا، أو أعروا فبما يمنع أغنياؤهم، فإن اللّه محاسبهم بذلك يوم القيامة، و معذبهم عذابا أليما»(1).
و هذا يعني «أن اللّه سبحانه فرض في أموال الأغنياء، أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلاّ بما متّع به غنيّ، و اللّه تعالى سائلهم عن ذلك»(2).
فلو زهد الأغنياء في الدنيا، و أخذوا منها قدر حاجتهم منها لما اختلّ ميزان العدل و لا جاع فقير، في جنب غنيّ..
و لو أن أصحاب الأموال نظروا إلى الحياة، كما كان ينظر إليها أمير المؤمنين لما بخلوا بما عندهم على المحتاجين.
و ما ذا يحصل عليه البخلاء من البخل؟
أ ليس يتركون أموالهم بالرغم عنهم و يرحلون؟
«فقد رأيت من كان قبلك ممّن جمع المال، و حذّر الإقلال، و أمن العواقب، (بعد) طول أمل، و استبعاد أجل، كيف نزل به الموت فأزعجه عن وطنه و أخذه من مأمنه محمولا على أعواد المنايا، يتعاطى به الرجال الرجال، حملا على المناكب، و إمساكا بالأنامل..
أما رأيتم الّذين يأملون بعيدا، و يبنون مشيدا، و يجمعون كثيرا، كيف أصبحت بيوتهم قبورا، و ما جمعوا بورا، و صارت أموالهم للوارثين، و أزواجهم لقوم آخرين، لا في حسنة يزيدون، و لا من سيئة يستعتبون»(1)؟
لقد مرّ الإمام عليه السّلام على قذر بمزبلة، فقال: «هذا ما بخل به الباخلون»(2).
و حقا إن نهاية الأموال مزابل، و عاقبة الأشياء قاذورات، و لو أنّ الأثرياء نظروا إلى أموالهم، من خلال نهاياتها لما بخلوا بما عندهم، و لزهدوا في الاحتكار، و التكاثر..
ثم من يستطيع أن يأخذ من الدنيا أكثر من حاجته؟
فمن يستطيع أن يأكل أكثر من حجم معدته؟
و أن ينام فوق أكثر من سرير؟
و أن يسكن في أكثر من دار؟
و أن يلبس أكثر مما يحتاج؟
و أن يحمل معه من الذهب أكثر مما يستطيع حمله؟
يقول الإمام علي عليه السّلام: «يا ابن آدم.. ما كسبت فوق قوتك، فأنت فيه خازن لغيرك»(1).
و يقول: «ما يصنع بالمال من عمّا قليل يسلبه، و تبقى عليه تبعته و حسابه»(2).
إذن «فلتكن مسألتك فيما يبقى لك جماله، و ينفى عنك وباله، فالمال لا يبقى لك، و لا تبقى له»(3).
ثم إن الأموال التي لا تنفع الإنسان مضرّة، لأن «المال يفسد المال و يوسّع الآمال»(4)كما أن «المال للفتن سبب»(5)و لذلك فإنه «إذا أحب اللّه سبحانه عبدا بغّض إليه المال، و قصّر منه الآمال، و إذا أراد اللّه بعبد شرا، حبّب إليه المال، و بسّط
منه الآمال(1)حيث إن «كثرة المال تفسد القلوب، و تنسي الذنوب»(2)و هكذا فإن «المال مادة الشهوات»(3)و «المال يرفع صاحبه في الدنيا، و يضعه في الآخرة»(4).
و لهذا فإن «كثرة المال مفسدة للدّين مقساة للقلوب»(5)بينما «العلم أفضل من المال: إنه ميراث الأنبياء، و المال ميراث الفراعنة»(6).
و لا يعني كل ذلك أن الفقر مطلوب، بل يعني أن على الأغنياء أن لا يخافوا الفقر، فيمنعوا جودهم عن الفقراء، و أن لا يحبّوا المال فيترفوا فيه، يكثروا منه، و يمنعوه المساكين و المحتاجين.
و إلاّ فإن «الفقر طرف من الكفر»(7)غير أنّ الزهد في المال عند الأغنياء قد يرفع الفقر عن الفقراء. فإذا لم يفعلوا ذلك ازداد الشرّ، و قلّ الخير. و يكون الأمر كما قال الإمام علي عليه السّلام: «قد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلاّ إدبارا
و الشرّ فيه إلاّ إقبالا.. اضرب بطرفك حيث شئت من الناس فهل تبصر إلاّ فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدّل نعمة اللّه كفرا»(1).
و من هنا، فإنّ «أفضل الفعال صيانة العرض بالمال»(2)و من لا ينفقه كيف يصون عرضه به؟
و في الحق أن الإمام عليه السّلام كان زاهدا في الدنيا، لكي ينشر العدل، و كان يطالب الناس بالزهد، حتى تنتشر الفضيلة، و كان ينصح بالعطاء حتى ينشغل الناس بطلب العلم و المكارم، و يقول لأصحابه: «إنّكم إلى مكارم الأفعال أحوج منكم إلى جمع الأموال»(3).
و يقول: «إنكم إلى اكتساب الأدب أحوج منكم إلى اكتساب الفضة و الذهب»(4).
و يقول: «أنا يعسوب المؤمنين، و المال يعسوب الفجّار»(5).
و يقول: «العلم خير لك من المال: العلم يحرسك و أنت تحرس المال. و العلم تنقصه النفقة، و العلم يزكو على
الإنفاق، و صنيع المال يزول بزواله.. هلك خزّان الأموال و هم أحياء، و العلماء باقون ما بقي الدهر»(1).
فالزهد في المال مطلوب للتفرّغ للعلم، و للعطاء للناس و لبناء الحضارة. و هو الزهد الذي يشيّد العدل في المجتمع، و يمنع العوز و البؤس و المسكنة.
و هو النوع الوحيد من الزهد الذي يمكن لوليّ الأمر أن يفرضه على الأغنياء، لأنّ إقامة العدل، واجب من واجباته، فإن لم يجد الوالي في بيت المال ما يسدّ حاجة الفقراء و المساكين، و ما يبلغ بهم حدّ الكفاية، كان له أن يفرض في أموال الأغنياء حقا لهم، ففي أموال الأغنياء حقوق غير الزكاة، و إذا احتاجت الأمة فلا مال لأحد.. و قد لعن اللّه أقواما في الغابرين لأنهم كانوا يصنعون بأموالهم الخاصة ما يشاؤون لا ما يقتضيه الصالح العام، و لا ينفقون أموالهم في سبيل اللّه، و الإنفاق في سبيل اللّه، هو الإنفاق على مصالح المجتمع كله، من جهاد لتوفير أمن الأمّة، و إقامة ما يقتضيه صالح الأمة من المرافق في الصناعة و الزراعة و التعليم و الصحة و التثقيف و نحو ذلك..
1) تفسير الرازي: ج 2، ص 192.
التواضع حالة روحية لدى الفرد، تظهر نتائجها في مفردات حياته اليومية كطريقة جلوسه و مشيه، و نوعية ملبسه و مركبه، و في تعامله - بشكل عام - مع الآخرين.
و هي حالة تنبع أساسا من وعي الإنسان، و معرفته من جهة. و من عظمة روحه من جهة أخرى، فكلّما ازداد علما و رفعة في النفس ازداد تواضعه. و على العكس، كلّما عظم جهله، و حقرت نفسه ازداد تعاليا و كبرا.
من هنا، فإنه «ما تواضع إلاّ رفيع»(1)و ما تكبّر إلاّ وضيع.
تماما كما تتدلّى الأغصان و تتواضع كلّما حملت ثمارا، و لكنها ترتفع و تتعالى كلما خليت من الثمار.
فالتواضع إذن قيمة بحدّ ذاتها، كما العلم و الشجاعة
1) غرر الحكم و درر الكلم.
و الكرم و غيرها من الفضائل «فزينة الشريف التواضع»(1)و هو «زكاة الشرف»(2)و لا يوضع على شيء إلاّ زانه، كما أن الكبر لا يوضع على شيء إلاّ شانه..
و لذلك كان الأنبياء عليهم السّلام، و هم أنبل بني البشر، أكثر الناس تواضعا بعد أن «كرّه إليهم اللّه سبحانه التكابر و رضي لهم التواضع فألصقوا بالأرض خدودهم، و عفّروا في التراب وجوههم، و خفّضوا أجنحتهم للمؤمنين و كانوا قوما مستضعفين»(3).
و لقد كان الإمام علي عليه السّلام: يرى أن «التواضع من أعظم العبادة»(4)، و لا يعتبر للحسب قيمة إلاّ به إذ «لا حسب إلاّ بتواضع»(5). يراه صفة أساسية من صفات المتقين حيث إن «منطقهم الصواب، و ملبسهم الاقتصاد و مشيهم التواضع»(6).
ثم إنّ التواضع - بالإضافة إلى كل ذلك - سبب من أسباب
النجاح، و شرط من شروط حسن الإدارة حيث إنه «بخفض الجناح تنتظم الأمور»(1).
و هو يرفع المؤمن في عيون أعدائه لأن «التواضع يكسوك المهابة»(2).
أو ليس قد وصف اللّه الّذين يحبهم و يحبونه من الّذين هم أعزّة على الكافرين بأنهم أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)؟ فقدم «الذلّة على المؤمن» على «العزّة على الكافر» فلا يكون عزيزا على الكافرين إلاّ من كان ذليلا على المؤمنين و متواضعا لهم.
يقول الإمام علي عليه السّلام في خطبته المعروفة «بالقاصعة»:
«الحمد للّه الذي لبس العزّ و الكبرياء، و اختارهما لنفسه دون خلقه، و جعلهما حمى و حرما على غيره و اصطفاهما لجلاله، و جعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده، ثم اختبر بذلك ملائكته المقرّبين ليميّز المتواضعين منهم من المستكبرين، فقال سبحانه - و هو العالم بمضمرات القلوب، و محجوبات الغيوب -:
إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ
كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاّ إِبْلِيسَ (1)اعترضته الحميّة، فافتخر على آدم بخلقه، و تعصب عليه لأصله، فعدّو اللّه إمام المتعصبين و سلف المتكبرين، الذي وضع أساس العصّبية، و نازع اللّه رداء الجبريّة، و ادرع لباس التعزز، و خلع قناع التذلل، أ لا ترون كيف صغّره اللّه بتكبّره، و وضعه بترفعه، فجعله في الدنيا مدحورا و أعدّ له في الآخرة سعيرا»(2)؟
و يقول عليه السّلام: «اعتمدوا وضع التذلل على رؤوسكم، و إلقاء التعزز تحت أقدامكم، و خلع التكبّر من أعناقكم، و اتخذوا التواضع مسلحة بينكم و بين عدوّكم: إبليس و جنوده، فإن له من كل أمة جنودا و أعوانا، و رجلا و فرسانا، و لا تكونوا كالمتكبر على ابن أمّه من غير ما فضل جعله اللّه فيه سوى ما ألحقت العظمة بنفسه من عداوة الحسد، و قدحت الحميّة في قلبه من نار الغضب، و نفخ الشيطان في أنفه من ريح الكبر»(3).
بهذا كان الإمام يوصي أصحابه...
و كما أوصى كان يعمل.. فكان متواضعا مع الناس، يرفض أن يترفّع عليهم، أو يكون له ما ليس لهم..
فقد كان عليه السّلام لا يحبّ حتى المديح، و يرفضه.. فحينما
أثنى عليه أحد أصحابه و أطال في ذلك قال له الإمام: «إنّ من حقّ من عظم جلال اللّه سبحانه في نفسه و جلّ موضعه من قلبه أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كلّ ما سواه، و إنّ أحقّ من كان كذلك لمن عظمت نعمة اللّه سبحانه عليه و لطف إحسانه إليه، فإنّه لم تعظم نعمة اللّه على أحد إلاّ ازداد حقّ اللّه عليه عظما.
و إنّ من أسخف حالات الولاة، عند صالحي الناس، أن يظنّ بهم حبّ الفخر و يوضع أمرهم على الكبر، و قد كرهت أن يكون جال في ظنّكم أنّي أحبّ الإطراء و استماع الثناء، و لست بحمد اللّه كذلك، و لو كنت أحبّ أن يقال ذلك، لتركته انحطاطا للّه سبحانه عن تناول ما هو أحقّ به من العظمة و الكبرياء.
و ربّما استحلى الناس الثناء بعد البلاء، فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء لإخراجي نفسي إلى اللّه سبحانه و إليكم من البقيّة في حقوق لم أفرغ من أدائها، و فرائض لا بدّ من إمضائها.
فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة، و لا تتحفّظوا منّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة، و لا تخالطوني بالمصانعة.
و لا تظنّوا بي استثقالا في حقّ قيل لي، و لا التماس إعظام لنفسي، فإنّه من استثقل الحقّ أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه.
فلا تكفّوا عن مقالة بحقّ أو مشورة بعدل، فإنّي لست في
نفسي بفوق أن أخطىء و لا آمن ذاك من فعلي إلاّ أن يكفي اللّه من نفسي ما هو أملك به منّي.
فإنّما أنا و أنتم عبيد مملوكون لربّ لا ربّ غيره، يملك منّا ما لا نملك من أنفسنا، و أخرجنا ممّا كنّا فيه إلى ما صلحنا عليه، فأبدلنا بعد الضلالة بالهدى، و أعطانا البصيرة بعد العمى»(1).
و كما كان لا يحب المديح، كان لا يحب المشي في كبرياء و أبّهة، فقد خرج ذات مرة و هو راكب على الفرس، فمشى البعض خلفه فالتفت إليهم، و قال:
«أ لكم حاجة؟
فقالوا: لا، يا أمير المؤمنين، و لكنّا نحب أن نمشي معك».
فقال لهم: «انصرفوا، فإن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب، و مذلّة للماشي»!
و ركب مرة أخرى فمشوا خلفه فقال عليه السّلام:
و مرة أخرى و كان عليه السّلام في طريقه إلى صفّين مرّ هو
و أصحابه بمدينة الأنبار، فخفّ وجهاء المدينة و أعيانها إلى استقبال الإمام، يسوقون دوابا مطهمة حملوها أشهى الطعام هدية للإمام و جنوده.
فسألهم الإمام: «ما أردتم بهذا الذي صنعتم»؟
قالوا: «أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الأمراء: فالمطايا هدية لك، و قد صنعنا لك و للمسلمين طعاما، و هيأنا لدوابكم علفا كثيرا».
فقال عليه السّلام: «أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الأمراء، فو اللّه ما ينفع هذا الأمراء! و إنكم لتشقّون به على أنفسكم و أبدانكم، فلا تعودوا له. و أما دوابكم هذه فإن أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم.
و أما طعامكم الذي صنعتم لنا فإننا نكره أن نأكل من طعامكم شيئا إلاّ بثمن».
قالوا: «يا أمير المؤمنين نحن نقوّمه فنقبل ثمنه».
قال: «و إن غصبكم أحد فأعلمونا»(1).
و كان عليه السّلام متواضعا في الدار، كما كان متواضعا في السوق، فهو في الدار «كان يحتطب، و يستسقي، و يكنس، بينما كانت زوجته فاطمة عليها السّلام تطحن، و تعجن، و تخبر»(2).
و كان في السوق هو الذي يشتري، و يحمل ما اشتراه في طرف ردائه، و ذات مرة رآه الناس فتبادروا إليه و قالوا:
فقال: - «ربّ العيال أحق بحمله»(1).
و كثيرا ما كان يحمل التمر و الملح بيده و يقول:
لا ينقص الكامل من كماله ما جرّ من نفع إلى عياله(2)
و ربما كان يركب حمارا، و من حوله الّذين يركبون الخيل و البغال المطهمة، و يدلي رجليه من على ظهر الحمار إلى موضع واحد و يقول: «أنا الذي أهنت الدنيا»!!(3).
و ذات مرة قابله رجل في الطريق و هو يحمل التمر إلى أهله، فأفرط في الثناء عليه و كان الإمام يتّهم هذا الرجل، فقال له: «أنا دون ما قلت و فوق ما في نفسك»(4)..
و كان يمشي في خمسة حافيا و يعلّق نعليه بيده اليسرى:
يوم الفطر، و النحر، و الجمعة، و عند العيادة، و تشييع الجنازة؛ و يقول: «إنها مواضع اللّه، و أحبّ أن أكون فيها حافيا»(5).
و كان يعجبه المتواضعون، و يكره المتكبرين في التاريخ، فيمدح النبي سليمان عليه السّلام مثلا لتواضعه و يقول: «كان سليمان عليه السّلام إذا أصبح تصفّح وجوه الأغنياء و الأشراف حتى يجيء إلى المساكين و يقعد معهم، و يقول: مسكين مع المساكين»(1).
و على العكس من المتكبرين الّذين كلّما بولغ في مدحهم ازدادوا فرحا فإن الإمام أقدم على حرق من سلّم عليه بالألوهية. فقد ذكر المؤرخون أنه «أتى قوم أمير المؤمنين عليه السّلام فقالوا: السّلام عليك يا ربّنا!
فاستتابهم فلم يتوبوا، فحفر لهم حفيرة و أوقد فيها نارا، و حفر حفيرة إلى جانبها أخرى و أفضى بينهما، فلمّا لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة، و أوقد في الحفيرة الأخرى النار حتّى ماتوا»(2).
و لقد كان يؤنب كل من يفخر على الناس و يقول له:
«ما بال ابن آدم و الفخر؟ أوله نطفة، و آخره جيفة، لا يرزق نفسه، و لا يدفع حتفه»(3)!
و حينما كان حاكما على البلاد الإسلامية و أميرا للمؤمنين «ورد عليه أب و ابن، فقام إليهما و أكرمهما و أجلسهما في صدر المجلس و جلس بين أيديهما، ثم أمر بطعام فأحضر فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطشت و إبريق خشب و منديل لليبس و جاء ليصبّ على يد الرجل فقام أمير المؤمنين عليه السّلام و أخذ الإبريق ليصبّ على يد الرجل.
قال الإمام عليه السّلام: اقعد و اغسل، فإن اللّه عزّ و جلّ يراك و أخوك الذي لا يتميّز منك و لا يتفضّل عليك، يخدمك، يريد بذلك في خدمته في الجنة، مثل أضعاف عدد أهل الدنيا و على حسب ذلك في مماليكه فيها.
فقعد الرجل، فقال له الإمام علي عليه السّلام:
أقسمت بعظيم حقي الذي عرفته لما غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصابّ عليك قنبر.
ففعل الرجل ذلك، فلما فرغ ناول الإمام الإبريق إلى ولده محمد ابن الحنفية، و قال:
يا بني لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده، و لكن اللّه عزّ و جلّ يأبى أن يسوّي بين ابن و أبيه إذا
جمعهما مكان، و لكن صبّ الأب على يد الأب فليصبّ الابن على يد الابن».
فصبّ محمد ابن الحنفية على يد الابن»(1).
ثم إنه إذا كانت «آفة الرئاسة حب الفخر»(2)فإن أمير المؤمنين، لم تكن عنده ذرة منه، و إلاّ لم يقم بغسل يد ضيف عادي من عامة الناس، و هو يعتذر إليه، و يقسمه أن يغسل مطمئنا، و كأنّ قنبرا خادمه، هو الذي يقوم بخدمته.
و كما كان الإمام لا يفتخر، فإنه لم يكن يرضى الفخر لأحد.. فقد حدث أن «افتخر عند أمير المؤمنين عليه السّلام رجلان.
فقال لهما:
«إن يكن لك عقل فإن لك خلقا، و إن يكن لك تقوى فإن لك كرما، و إلاّ فالحمار خير منك، و لست بخير من أحد»(3).
و كم كان يوصي أصحابه بالتواضع، و يقول لهم على لسان
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم «إن اللّه أوحى إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، و لا يبغي أحد على أحد»(1).
و يقول عليه السّلام: «أهلك الناس اثنان خوف الفقر، و طلب الفخر»(2).
و يقول عليه السّلام: «من صنع شيئا للمفاخرة حشره اللّه يوم القيامة أسود»(3).
و كان يرى المحبة من نتائج التواضع و يقول: «ثمرة التواضع المحبّة، و ثمرة الكبر المسبّة»(4).
و يرى أن «التواضع يكسبك السلامة»(5)و أن «من تواضع قلبه للّه - تعالى - لم يسأم بدنه من طاعة اللّه»(6)و أن «بالتواضع تتم النعمة»(7)و أن «التواضع ينشر الفضيلة، و التكبّر يظهر الرذيلة»(8).
و كان عليه السّلام يقول: «ما من أحد من ولد آدم إلاّ و ناصيته بيد
ملك، فإن تكبّر جذبه بناصيته إلى الأرض و قال له: تواضع! وضعك اللّه»!
«و إن تواضع جذبه بناصيته ثم قال له: ارفع رأسك! رفعك اللّه، و لا وضعك بتواضعك اللّه»(1).
و يقول: «التواضع سلّم الشرف، و التكبّر رأس التلف»(2).
و يقول: «اتّضع ترتفع»(3).
الفرص كسحابات الصيف: غنية بالمطر، جميلة في المنظر، و لكنها سريعة في المسير. فمن أراد منها الماء فلا بد أن يبادر قبل أن يأتي السحاب، فيهيىء وسيلته، متطلعا نحو الأفق، منتظرا أخباره، فإذا هطل المطر كان له النصيب الأوفر.
أمّا من يبحث عن الوسيلة، بينما السحابات تمرّ فوق رأسه، متثاقلا في حركته، فإنه يضيّع على نفسه أمرين: الوقت و المطر معا.
و هكذا فإن «الفرصة تمرّ مرّ السحاب»(1)فهي «سريعة الفوت بطيئة العود»(2).
و كما الطيور التي تقفز في السماء، تطير بخفّة و سرعة،
فإذا أردنا اصطيادها فلا بدّ أن نهيىء السلاح مسبقا، و نفتح عيوننا جيدا حتى إذا مرّت رميناها فورا، و إلاّ فلن نحصد إلاّ الحسرات..
كذلك الفرصة، تقفز في الزمن مثل الشهاب، فمن أرادها فلا بدّ أن يتهيأ لها سلفا، فيرميها بنبال مبادرته و إلاّ فإن «إضاعة الفرصة غصّة»(1)و «من انتظر بمعالجة الفرصة مؤاجلة الاستقصاء، سلبته الأيام فرصته، لأنّ من شأن الأيام السلب، و سبيل الزمن الفوت»(2).
و نظرا إلى أن «الفرصة خلسة»(3)فإن من «أخّر الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها»(4)ذلك «أن الشمس و القمر يبليان كل جديد، و يقربان كل بعيد»(5)فالأيّام ليست ثابتة، و الزمن ليس جامدا، و لذلك فإنّ «الفرص» تظهر و تختفي على دقّات الساعات.
من هنا كانت «المبادرة» من صفات العظماء.
هذا علي بن أبي طالب عليه السّلام كان المبادر في كل خير..
فهو أوّل من آمن.
و أول من ضرب بالسيف في سبيل اللّه.
و أول من لبّى و أجاب و أعلن نصرته لرسول اللّه.
و أول من قاتل و جاهد و هاجر بعد رسول اللّه..
و كان يوصي أصحابه بالمبادرة و يقول: «أيّها الناس الآن.. الآن من قبل الندم، و من قبل أن تقول نفس يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ (1). أو تقول: لَوْ أَنَّ اللّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (2)، أو تقول حين ترى العذاب: لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (3)(4)و يقول: «بادروا الفرصة قبل أن تكون غصّة»(5)و يقول: «الجنة غاية السابقين، و النار غاية المفرّطين»(6).
و كان يخاف على المؤمنين ضياع الفرص، و ترك المبادرات، و يرى ذلك تفريطا تعقبه الندامة و الحسرة، حيث لا تنفع الحسرات. و يقول: «إياكم و التفريط فتقع الحسرة حين
لا تنفع الحسرة»(1)لأنّ «من فرّط تورّط»(2)«فطوبى لذي قلب سليم أطاع من يهديه، و بادر الهدى قبل أن تغلق أبوابه، و تقطع أسبابه»(3).
«عباد اللّه.. إن التقوى حمت أولياء اللّه، فبادروا العمل، و كذّبوا الأمل، و لاحظوا الأجل»(4).
و حقا إنّ هناك أكثر من عقبة ترصد الإنسان مثل عقبة الموت و عقبة الأمراض و عقبة الشيخوخة، و هي عقبات لا يمكن التخلّص منها، فلا بدّ من اغتنام الفرص قبل الوصول إليها.
يقول الإمام عليه السّلام: «بادروا بالأعمال عمرا ناكسا، أو مرضا جالسا»(5).
و يقول: «بادروا آجالكم بأعمالكم، فإنكم مرتهنون بما أسلفتم، و مدينون بما قدّمتم»(6). و هكذا فإن المبادرة في الخير ضرورة من ضرورات الحياة، كما أن تركها يؤدّي إلى الندم، و الخسران..
و هكذا كان الإمام علي عليه السّلام في عمل الخير، فقد روي أنه في الكرّ و الفرّ بين أصحاب الإمام و جنود الشام، كان الإمام يتجنّب إراقة الدماء لعلّ و عسى أن تنفع الموعظة في المناوئين، فيعودون عن غيّهم، و يتوبون إلى ربّهم، و لكن حينما وقعت المواجهة، كان الإمام يطالب أصحابه بأخذ المبادرة، و إلاّ ستضيع عليهم الفرص.
و لقد صدر منه أقوى أنواع التقريع و العتاب، حينما خسروا المبادرة، و أصبح لمعاوية القدرة على أن يشنّ الغارات على المناطق التي كانت تخضع لحكم الإمام، و منها الغارة التي شنّها «سفيان بن عوف الغامدي» عامل معاوية على «الأنبار» فقتلوا رجالها و انتهكوا نساءها و نهبوا أموالها حتى حلي النساء و خرجوا عائدين إلى معاوية لم يمسسهم سوء، و لم يصبهم قرح و لا تعرّض لهم أحد.. فوقف الإمام على مرتفع صنعه بيده من الأحجار، و سيفه على حمائل من ليف، فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى و سلّم على رسوله و آله ثم قال:
«أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه اللّه لخاصة أوليائه، و هو لباس التقوى، و درع اللّه الحصينة، و جنّته الوثيقة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذل، و شمله البلاء، و ديّث بالصغار و القماءة (لوّث و أصبح ديوثا لا غيرة
له)، و ضرب على قلبه بالإسهاب (و الإسهاب هو ذهاب العقل و كثرة الكلام بلا جدوى). و أديل الحق منه، بتضييع الجهاد، و سيم الخسف، و منع النصف (الإنصاف).
ألا و إني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا و نهارا، و سرا و إعلانا، و قلت لكم: اغزوهم قبل أن يغزوكم، فو اللّه ما غزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلّوا، فتواكلتم و تخاذلتم، حتى شنّت عليكم الغارات، و ملكت عليكم الأوطان.
و هذا أخو غامد (عامل معاوية)، و قد وردت خيله الأنبار، و قد قتل حسان بن حسان البكري، و أزال خيلكم عن مسالحها (المسلحة: المعسكر) و قتل رجالا و نساء كثيرين.
و قد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة، و الأخرى المعاهدة (ذات العهد: أي الذمية) و ينتزع حجلها (خلخالها) و قلبها (أساورها) و قلائدها و رعاثها (قرطها)، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع و الاسترحام. ثم انصرفوا وافرين و ما نال رجل منهم كلم (جرح)، و لا أريق لهم دم!
فلو أن امرءا مسلما مات بعد هذا أسفا، ما كان به ملوما، بل كان به عندي جديرا!
فيا عجبا! عجبا و اللّه يميت القلب، و يجلب الهمّ، من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم، و تفرّقكم عن حقكم! فقبحا
لكم و ترحا (هما و حزنا) حين صرتم غرضا يرمى، يغار عليكم و لا تغيرون، و تغزون و لا تغزون، و يعصى اللّه و ترضون!.
فإذا أمرتكم بالسير إليهم في أيام الحر قلتم: هذه حمّارة القيظ، (شدّة الحر) أمهلنا ينصرم عنا الحر، و إذا أمرتكم بالسير إليهم في الشتاء قلتم هذه صبّارة القر (شدّة البرد)، أمهلنا فينسلخ عنّا البرد، فكل هذا فرارا من الحرّ و القرّ، فإذا كنتم من الحرّ و القرّ تفرون، فأنتم و اللّه من السيف أفرّ!.
يا أشباه الرجال و لا رجال! حلوم الأطفال و عقول ربّات الحجال، لوددت أني لم أركم و لم أعرفكم، معرفة - و اللّه - جرّت ندما و أعقبت سدما (غيظا)!
قاتلكم اللّه! لقد ملأتم قلبي قيحا، و شحنتم صدري غيظا، و جرّعتموني نغب التهمام (نغب جمع نغبة كجرعة لفظا و معنى، و التهمام: الهمّ) أنفاسا، و أفسدتم عليّ رأيي بالعصيان و الخذلان، حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع و لكن لا علم له بالحرب.
للّه أبوهم! و هل أحد منهم أشدّ لها مراسا و أقدم فيها مقاما مني! لقد نهضت فيها و ما بلغت العشرين و ها أنا ذا قد ذرفت على الستين! و لكن لا رأي لمن لا يطاع»(1)!.
1) الأغاني: ج 15، ص 45.
و لا بد من توضيح نقطة هامّة، و هي أن المبادرة المطلوبة، هي المبادرة في أمر الخير، و ليس في أعمال الشرّ.. ذلك أن الشيطان يدفع بالإنسان عادة إلى استعجال الشّر، أما أعمال الخير فلا تجد من يدفع إلى استعجالها، إلاّ ضمير الإنسان و دينه..
و القاعدة التي يجب الالتزام بها هنا هي: «إذا عرض شيء من أمر الآخرة، فابدأ به، و إذا عرض شيء من أمر الدّنيا فتأنّه حتى تصيب رشدك»(1).
ف «التؤدة ممدوحة في كل شيء إلاّ في فرص الخير»(2).
و هذا يعني أنك: «إذا هممت بخير فبادر، فإنّك لا تدري ما يحدث»(3)و ذلك «أن اللّه يحب من الخير ما يعجّل»(4)
و هكذا فإن «من همّ بشيء من الخير فليعجّله، فإنّ كل شيء فيه تأخير فإنّ للشيطان فيه نظرة»(5).
و لقد أوصى الإمام علي عليه السّلام في قضاء الحوائج، بالمبادرة فقال: «لا يستقيم قضاء الحوائج إلاّ بثلاث: باستصغارها
لتعظم، و باستكتامها لتظهر، و بتعجيلها لتهنؤ»(1)ذلك أنه «ليس من عادة الكرام تأخير الإنعام»(2).
و بالطبع فإنّ المبادرة، تختلف عن العجلة، فالاستعجال هو نوع من التسرّع في غير موقعه، أو المبادرة إلى الشّر.. مثل الاستعجال إلى العقوبة قبل التثبّت، و لذلك كان «من كمال الحلم تأخير العقوبة»(3).
و لهذا أوصى الإمام ولده الحسن بقوله: «أخّر الشّر فإنك إذا شئت تعجّلته»(4).
أمّا المبادرة المطلوبة، فهي اغتنام فرص الخير، و الولوج إلى أبواب العمل الصالح فور انفتاحها، و عدم إضاعة الوقت..
من أعظم صفات الرجال: الوفاء، و من أرذلها الغدر.
ذلك أن «الوفاء أشرف الخلائق»(1)كما أنّ «الغدر شيمة اللئام»(2)و «الوفاء عنوان النبل»(3)و «الغدر أقبح الخيانتين»(4).
و ما أحوج الّذين لهم مكانة في المجتمع، من الزعماء و الحكّام و أصحاب المناصب، إلى التزام الوفاء و أداء الأمانة.
و ما أقلّهم!.
فكم من رجال في التاريخ رفعتهم الأحداث إلى مصاف العظماء، ثم غدروا بمن كان معهم، فسقطوا في حضيض المقبوحين؟ و كم من أناس مغمورين أوفوا للآخرين، فوقف لهم النّاس إجلالا و إكبارا على مرّ الزمان؟
و إذا أخذنا بعين الاعتبار أن «أقلّ الناس وفاء الملوك»(1)و من يدور في فلكهم، حيث للشيطان سلطان في قصورهم، فإن أعظم الحكّام هم أكثرهم وفاء، و التزاما بالعهد، و مجانبة للغدر..
و حقا فإن «الوفاء حصن السؤدد»(2)«و حفظ الذمام»(3)و به «يعرف الأبرار»(4)بينما «الغدر يعظّم الوزر(5)و مجانب للقرآن»(6)و «يضاعف السيئات»(7).
و الغريب أنّ كثيرا من الحكّام ابتلي بالغدر، حتى أصبح ذلك صفة من صفات الملوك و الأمراء، و عادة من عادات أصحاب التاج و الصولجان، و حقا من حقوقهم! و وسيلة مشروعة لارتقاء سلالم الحكم! معتبرين ذلك من الحيل التي يجوز التوسّل بها في الأعمال السياسية..
و يبدو أنّ ذلك كان من الأمور التي عانى منها الإمام أمير
المؤمنين عليه السّلام في عصره، كما عانى كل الصادقين منه في التاريخ.
يقول عليه السّلام: «أيّها النّاس: إن الوفاء توأم الصدق، و لا أعلم جنّة أوقى منه، و ما يغدر من علم كيف المرجع، و لقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا (شطارة)، و نسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة.
«ما لهم؟! قاتلهم اللّه!. قد يرى الحوّل القلّب (البصير بتحولات الأمور و تقلباتها) وجه الحيلة و دونها مانع من أمر اللّه و نهيه، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها، و ينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين»(1).
لقد ابتلي الإمام عليه السّلام بمناوىء يتّخذ الغدر، و الاغتيال، و شراء الضمائر وسيلته لمواجهة الإمام و هو «معاوية بن أبي سفيان» الذي كان يرفع شعار: «و اللّه لأغلبنّ بدنياي دين علي»، و كان الإمام يرى بأم عينيه كيف تنتقص أطراف مملكته شبرا شبرا بسبب الوسائل التي يستعملها معاوية، و لكنه عليه السّلام كان يرفض أن يستخدم نفس أساليبه.. و يقول: «و اللّه ما معاوية بأدهى منّي و لكنه يغدر و يفجر، و لو لا كراهية الغدر لكنت أدهى الناس، و لكن كلّ غدرة فجرة، و كل فجرة كفرة،
1) نهج البلاغة: الخطب 41 - و رسائل الجاحظ: ص 125.
و لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة! «و اللّه ما استغفل بالمكيدة، و لا أستغمز بالشديدة»(1).
كان يعرف جيدا داء النّاس و دواءهم، و لكنه كان من أهل «الوفاء»، و من أئمة العدل، و من الأبرار الأخيار الّذين كلّما قوي أعداؤه في الكذب و الدجل، كان يقوى هو في الصدق و الصراحة و الحق..
كان الإمام يقول: «و اللّه إني لأعلم بدائكم و دوائكم و لكن هيهات أن أصلحكم بخراب نفسي».
كان معاوية يستخدم الغدر و الاغتيال لقتل مناوئيه، فيضع السم في العسل و يهديه لهم ثم يضحك و يقول: «إن للّه جنودا من العسل»، و كان أمير المؤمنين يشير إلى ابن ملجم و يقول:
«هذا قاتلي»!
فيقال له أ فلا نقتله؟ فيرفض ذلك و يقول: «إذا تقتلون بي غير قاتلي»!
و كان معاوية يكتب إلى ولاته و عمّاله: «انظروا إلى من روى حديثا لأبي تراب فاقتلوه» و يقول: «خذوهم بالتهمة و اقتلوهم بالظنّة».
و كان أمير المؤمنين يكتب إلى عمّاله: «فلا تغدرنّ بذمّتك
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 10، ص 209.
و لا تخيّسن بعهدك، و لا تختّلن عدوّك، فإنه لا يجترىء على اللّه إلاّ جاهل شقي، و قد جعل اللّه عهده و ذمّته أمنا أفضاه بين العباد برحمته، و حريما يسكنون إلى منعته، و يستفيضون إلى جواره فلا ادغال، و لا مدالسة، و لا خداع فيه، و لا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد اللّه إلى طلب انفساخه بغير الحق، فإن صبرك على ضيق أمر ترجو انفراجه، و فضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، و إن تحيط بك من اللّه فيه طلبه»(1).
لقد رفض الإمام مجموعة أمور بسيطة، و منها قبول ولاية معاوية، و تثبيته على الشام، و جرّ ذلك عليه الكثير من المشاكل.. فقط لأن الإمام كان يرفض المناورات الشيطانية و الغدر، و إلاّ كان باستطاعته أن يثبت معاوية أياما ثم يغدر به بكل سهولة.
لقد جاءه المغيرة بن شعبة بعد مبايعته، فقال له:
1) نهج البلاغة: الخطب 53.
فأبى عليه السّلام و قال: «لا أداهن في ديني، و لا أعطي الدنيئة في أمري».
قال المغيرة: «فإن كنت أبيت عليّ فانزع من شئت و اترك معاوية، فإنّ في معاوية جرأة، و هو في أهل الشام يستمع له و لك حجّة في إثباته.. إذ كان عمر قد ولاّه الشام».
فقال علي عليه السّلام: «لا و اللّه.. لا أستعمل معاوية يومين»(1).
لقد كان الإمام يرفض الغدر، إلى درجة أنه يعتبر الغادر و الخائن ممّن لا يجوز الوفاء معهما، فمن كسر حرمة الوفاء، فلا بدّ من ردعه بالشدة و الحزم، لا باللين و اللطف.
يقول عليه السّلام: «الوفاء لأهل الغدر غدر عند اللّه، و الغدر بأهل الغدر وفاء عند اللّه»(2).
و يقول: «الخائن لا وفاء له»(3).
لا يمكن أن تنتصر قضية ليس أصحابها مستعدّين للتضحية من أجلها.
غير أن هنا لك فرقا بين من يبحث عن المجد الشخصي، و إحراز الانتصار على أعدائه في حياته، و بين من يمتلك قضية، و يسعى من أجل انتصارها، حتى و إنّ أدّى ذلك إلى التضحية بنفسه..
فالأول: إذا خسر، ستكون في خسارته نهايته.
و الثاني: إذا خسر، فقد تكون في خسارته نجاحه.
فالأهداف العليا، كالمثل و القيم و الدّين، ستجد من ينتصر لها يوما، و كل من يقدم حياته لها يتحوّل إلى رمز مقدس على مرّ الأيام، و لذلك فمن يموت دون قضية، يزيدها قوّة و مناعة..
فالتضحية بالنفس للقضايا.. تقوّيها.
بينما التضحية للنفس بالقضايا.. تنهيها.
و على أيّة حال فإن المغامرة من أجل الأهداف، و خوض الغمرات في الدفاع عنها، ضرورة من ضرورات العمل للحق.
و أساسا كيف نعرف صدق المدّعين إلاّ حينما يدعون إلى التضحية و الفداء؟.
إن أدعياء الحق كثيرون، و لكن المستعدين لبذل كل شيء له، هم الصادقون منهم. و هم الأقلون.
«فالناس عبيد الدنيا، و الدين لعق على ألسنتهم، يدورونها ما درت معائشهم فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الدّيانون»(1).
و يبدو أن ذلك من سنّة اللّه في الخلق حتى يميّز المجاهدين منهم عن الكاذبين. أَ حَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (3) (2).
إن الطريق إلى تحقيق المثل العليا، مليء بالأشواك كما هي الطريق إلى الجنة، فقد «حفّت الجنة بالمكاره و حفّت النار بالشهوات»(3).
و إذا كانت لنا برسول اللّه قدوة حسنة، فإن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
«خاض إلى رضوان اللّه كل غمرة، و تجرّع فيه كل غصّة و قد تلوّن له الأدنون، و تألّب عليه الأقصون، و خلعت إليه العرب أعنّتها، و ضربت إلى محاربته بطون رواحلها حتى أنزلت بساحته عدواتها، من أبعد الدار و أسحق المزار»(1).
إذن «لا تفرطوا في صلاح، و أن تخوضوا الغمرات إلى الحق»(2).
لقد أوصى الإمام ولده الحسن عليه السّلام - و هو العزيز على قلبه - أن يخوض كأبيه، الغمرات للحق قائلا: «جاهد في اللّه حق جهاده، و لا تأخذك في اللّه لومة لائم، و خض الغمرات للحق حيث كان»(3).
إن التضحية المطلوبة، لا تعني بالضرورة أن يموت الإنسان من أجل قضيته، و لكنها تعني حتما الاستعداد للمغامرة من أجلها و عدم وضع حدّ لما تتطلّبه من الغالي و الرخيص.
و هكذا كان الإمام علي عليه السّلام فقد كان دائما على استعداد للمغامرة بحياته في سبيل الرسالة، فما من غزوة إلاّ و هو
أميرها، أو بطلها، و ما من دعوة تتطلّب التضحية إلاّ و هو أول من يستجيب لها.
و فيما يلي نموذج واحد من ذلك:
روي «أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خرج ذات يوم الفجر، ثمّ قال:
معاشر الناس أيّكم ينهض إلى ثلاثة نفر قد آلوا بالّلات و العزّى ليقتلوني، و قد كذبوا و ربّ الكعبة»؟
فأحجم الناس و ما تكلّم أحد، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ما أحسب عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فيكم». فقال له عامر بن قتادة: إنّه وعك في هذه الليلة و لم يخرج يصلّي معك، فتأذن لي أن أخبره؟
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «شأنك» فمضى إليه فأخبره، فخرج أمير المؤمنين عليه السّلام كأنّه نشط من عقال، و عليه إزار قد عقد طرفيه على رقبته، فقال: يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما هذا الخبر؟ قال النبي: «هذا رسول ربّي يخبرني عن ثلاثة نفر قد نهضوا لقتلي» فقال علي عليه السّلام: يا رسول اللّه أنا لهم سريّة وحدي، هو ذا ألبس عليّ ثيابي، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «بل هذه ثيابي و هذا درعي و هذا سيفي» فدرّعه و عمّمه و قلّده و أركبه فرسه.
و خرج أمير المؤمنين عليه السّلام فمكث النبيّ ثلاثة أيّام لا يأتيه
جبرائيل بخبره و لا خبر من الأرض، و أقبلت فاطمة بالحسن و الحسين على وركيها تقول: أوشك أن ييتّم هذان الغلامان.
فأسبل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عينه، ثم قال: «معاشر الناس من يأتيني بخبر عليّ أبشّره بالجنّة»، و افترق الناس في الطلب لعظيم ما رأوا بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خرج العواتق، فأقبل عامر بن قتادة يبشّر بعليّ، و أقبل عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام معه أسيران و رأس و ثلاثة أبعرة و ثلاثة أفراس.
فسأله رسول اللّه عن قصته؟
فقال عليه السّلام: يا رسول اللّه، لمّا صرت في الوادي رأيت هؤلاء ركبانا على الأباعر فنادوني من أنت؟
فقلت: أنا عليّ بن أبي طالب ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
فقالوا: ما نعرف للّه من رسول، سواء علينا وقعنا عليك أو على محمّد، و شدّ عليّ هذا المقتول، و دار بيني و بينه ضربات فضربته، و قطعت رأسه و أخذت هذين أسيرين.
فقال له رسول اللّه: «قدّم إليّ أحد الرجلين»، فقدّمه فقال: «قل: لا إله إلاّ اللّه و اشهد أنّي رسول اللّه»، فقال: لنقل جبل أبي قبيس أحبّ إليّ من أن أقول هذه الكلمة! فقال: يا عليّ أخّره و اضرب عنقه، ثمّ قدّم الآخر فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له: «قل: أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و اشهد أنّي رسول اللّه، قال:
يا محمّد ألحقني بصاحبي فقال: صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا عليّ أخّره و اضرب عنقه، و قام أمير المؤمنين عليه السّلام ليضرب عنقه فهبط جبرائيل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السّلام و يقول: لا تقتله فإنّه حسن الخلق سخيّ في قومه.
فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «يا عليّ أمسك فإنّ هذا رسول ربّي عزّ و جلّ يخبرني أنّه حسن الخلق سخيّ في قومه».
فقال المشرك تحت السيف: هذا رسول ربّك يخبرك؟ قال: نعم، قال: و اللّه ما ملكت درهما مع أخ لي قطّ و لا قطبت وجهي في الحرب، و أنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه و أنّك رسول اللّه.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «هذا ممّن جرّه حسن خلقه و سخاؤه إلى جنّات النّعيم»(1).
1) الخصال: ج 1، ص 46-48.
العطاء سمة بارزة من سمات أولياء اللّه، فهم يعطون من أنفسهم و أموالهم و أوقاتهم، و حياتهم، من غير ما رغبة في الجزاء من أحد..
و من هنا فإنهم دائما يبحثون عن ذوي الحاجة و العوز، لا عن ذوي الثروة و المال. و يرون العطاء أصلا من أصول الحياة، و واجبا من واجباتهم، كما يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لم نبعث لجمع المال، و لكن بعثنا لإنفاقه»(1)!
فرسالتهم هي الإنفاق لا الجمع. و العطاء لا التكاثر.
و الكرم لا البخل.
و هكذا كان الإمام علي عليه السّلام يقدم الآخرين على نفسه، و يبحث عمن يعطيه و يعتبر ذلك دينا عليه، لا له، و يقول:
1) مشكاة الأنوار: ص 183.
«الكريم يرى مكارم أخلاقه دينا عليه يقضيه، و اللئيم يرى سوالف إحسانه دينا له يقتضيه»(1).
و لذلك فإنه عليه السّلام كان يبحث عن ذوي الحاجة ليعطيهم، كما يبحث أحدنا عن الدرّ و الجوهر..
و كما يقول أحدهم: «ما كان علي لينتظر حتى يسأله سائل، بل كان يبحث هو نفسه عن صاحب الحاجة، و المسكين، و اليتيم، و الفقير و المحروم، يمضي إليهم هو و يعطيهم من ماله ما يعتقد أنه حق لهم معلوم. و كان يقول:
«السخاء ما كان ابتداء أما ما كان عن مسألة فحياء و تذمم» (فرار من الذم).
هكذا كان يؤتى ماله يتزكى، و ما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى.. و لسوف يرضى! و قد جعله ربّه رضيّا.
و لشدّة ما كان يرضى إذ يسعد الآخرين!!.. و كان عند ربّه مرضيّا!.. أرضى اللّه و رسوله، فأرضاه اللّه و رسوله(2).
و حينما رزق اللّه المسلمين غنائم كثيرة و اتسع رزق المجاهدين منهم، اتخذ بعضهم المزارع، و الدور الكبيرة، و فاخر الرياض.. أما هو و نفر من كبار الصحابة، فقد كانوا
يتصدّقون بما يغنمون!، بل و لم يكن يؤخّر العطاء من الليل إلى النهار..
فعن سالم الجحدري قال:
«شهدت عليّ بن أبي طالب عليه السّلام أتي بمال عند المساء، فقال: اقتسموا هذا المال:
فقالوا: قد أمسينا يا أمير المؤمنين فأخّره إلى غد.
فقال لهم: تقبلون لي أن أعيش إلى غد؟
قالوا: ما ذا بأيدينا؟
فقال: لا تؤخّروه حتّى تقسّموه»(1).
لقد كان كريما بلا حدود، و ضد البخل بلا تحفّظ.
فالسخاء عنده «يزرع المحبة»(2)و «يثمر الصفاء»(3)و «يزين الأخلاق»(4)و «يمحّص الذنوب و يجلب محبّة القلوب»(5)و هو «ثمرة العقل»(6).
و لذلك فإنه «ما جبل اللّه وليا إلاّ على السخاء»(1)و من هنا فإنّ «سادة النّاس في الدنيا الأسخياء»(2).
أمّا البخل، فعند الإمام هو: «جامع لمساوىء العيوب، و هو زمام يقاد به إلى كل سوء»(3)إذن «البخل أذمّ الأخلاق»(4)و هو «عار»(5).
كان عليه السّلام يؤمن بالجزاء و لذلك كان يجود بالعطية.
و قد روي «أن عليا جلس في سوق المدينة المنوّرة و معه ابنه الحسن و هو صغير، و مرّ سائل مسكين، فرقّ عليّ له فقال للحسن: «اذهب إلى أمك فقل لها: تركت عندك ستة دراهم، فهات منها درهما».
فذهب الحسن إلى أمه ثم رجع إلى أبيه فقال: «أمي تقول لك إنما تركت ستة دراهم للدقيق».
فقال علي: «لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد اللّه أوثق منه بما في يده، قل لها ابعثي بالدراهم الستة جميعا».
فبعثت بها إليه فدفعها كلها إلى السائل.
و بعد لحظات مرّ به رجل معه جمل يبيعه.
فقال علي: «بكم الجمل»؟
قال الرجل: «بمائة و أربعين درهما».
قال علي للرجل إنه يشتري الجمل، و لكنه سيدفع ثمنه بعد حين!. فوافق صاحب الجمل، و تركه لعلي و مضى.
ثم أقبل رجل آخر فقال: «لمن هذا البعير»؟.
قال علي: «لي».
قال الرجل: «أ تبيعه».
قال الرجل: «بكم»؟.
قال الإمام: «بمائتي درهم». فأخذ الرجل البعير و أعطى عليا المائتين.
فأعطى صاحب الجمل - حين عاد إليه - حقه، و هو مائة و أربعون درهما. و جاء بستين درهما إلى فاطمة عليها السّلام. فقالت:
«ما هذا»؟. قال: «هذا ما وعدنا اللّه على لسان نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها»(1).
و كان عليه السّلام يعطي، و لا يتوقّع الشكر، و يقول: «إن مكرمة
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 40.
صنعتها إلى أحد من الناس، إنما أكرمت بها نفسك، و زيّنت بها عرضك فلا تطلب من غيرك شكر ما صنعت إلى نفسك»(1).
قال عنه الشعبي: «كان علي عليه السّلام أسخى الناس، كان على الخلق الذي يحبّ اللّه: السخاء و الجود، ما قال «لا» لسائل قطّ. و قال عدوّه و مبغضه الذي يجتهد في وصمه و عيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبيّ لمّا قال:
جئتك من عند أبخل النّاس.
«فقال معاوية: ويحك كيف تقول إنّه أبخل الناس و لو ملك بيتا من تبر و بيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه؟ و هو الذي كان يكنس بيوت الأموال و يصلّي فيها، و هو الذي قال: يا صفراء و يا بيضاء غرّي غيري، و هو الّذي لم يخلّف ميراثا و كانت الدنيا كلها بيده إلاّ ما كان من الشام»(2).
و روي «أنّه كان يأتي عليه وقت لا يكون عنده قيمة ثلاثة دراهم يشتري بها إزارا و ما يحتاج إليه، ثم يقسّم كلّ ما في بيت المال على النّاس، ثم يصلّي فيه فيقول: الحمد للّه الذي أخرجني منه كما دخلته»(3).
كان يكره البخل، و الباخلين، و يقول: «البخيل يذلّ مصاحبه، و يعزّ مجانبه»(1)و يقول: «البخل بالموجود سوء ظن بالمعبود»(2)، و يقول: «ليس لبخيل حبيب»(3)، و يقول:
«عجبت للشقي البخيل، يتعجّل الفقر الذي منه هرب، و يفوته الغنى الذي إياه طلب، فيعيش في الدنيا عيش الفقراء، و يحاسب في الآخرة حساب الأغنياء»(4).
و كان يوصي بالابتعاد عن البخلاء، و يقول: «إيّاك و مصادقة البخيل فإنه يقعد عنك، أحوج ما تكون إليه»(5)، و يوصي بعدم استشارته أيضا و يقول: «فلا تدخلن في مشورتك بخيلا»(6).
و كان يرى الكرم شرطا لإمامة المسلمين و يقول: «لا ينبغي إمامة المسلمين: البخيل فتكون في أموالهم نهمته»(7).
و لقد كان منبع العطاء، و مصدر الكرم، كان يعطي و هو
محتاج يقول بعض من عاصره: «كانت غلّة عليّ أربعين ألف دينار، فجعلها صدقة، و إنّه باع سيفه و قال: لو كان عندي عشاء ما بعته»(1).
و يقول ابن عباس: «إن علي بن أبي طالب عليه السّلام كان يملك أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلا و بدرهم نهارا و بدرهم سرّا و علانية، فأنزل اللّه سبحانه فيه: اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (2)(3).
كان يقول: «لا تستح من إعطاء القليل فإنّ الحرمان أقلّ منه»(4)و قد روي أنه عليه السّلام نظر إلى فقير انخرق كمّ ثوبه، فخرق عليه السّلام كمّ قميصه و ألقاه إليه(5).
و كان يعاتب من لا يشجّع على الكرم، أو يدعو إلى البخل و قد روي: «أن أمير المؤمنين عليه السّلام بعث إلى رجل بخمسة
أوساق من تمر. فقال له رجل: «و اللّه ما سألك فلان، و لقد كان يجزيه من الخمسة أوساق، وسق واحد..
فغضب عليه السّلام و قال له عليه السّلام: «لا كثّر اللّه في المؤمنين مثلك، أعطي أنا و تبخل أنت»؟(1).
لقد كان الإمام يعطي بمقدار كرمه هو، لا بمقدار حاجة من يعطيه.
من ذلك ما روي أن أعرابيا سأله شيئا، فأمر له بألف، فقال وكيله: من ذهب أو فضة؟ (أي دينار أو درهم):
فقال عليه السّلام: «كلاهما عندي حجر، أعط الأعرابي أنفعهما له»(2).
«و كان إذا أعطى شيئا حتى خطأ، فلا يسترجعه فقد ذكر المؤرخون أن عبد اللّه بن الزبير قال للإمام: إني وجدت في حساب أبي أنّ له كذا من المال؟ فقال له: إن أباك لصادق إن قال هذا، فقضى ذلك، ثم جاءه ابن الزبير قائلا: غلطت فيما قلت، إنما كان لوالدك على والدي ما ذكرته لك، فقال:
والدك في حلّ، و الذي قبضته مني هو لك»(3).
لقد أوصاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يكون معطاء حتى مع
أعدائه، فقال له: «يا علي، أ لا أدلك على خير أخلاق الأولين و الآخرين»؟.
قال: «بلى يا رسول اللّه».
قال: «تعطي من حرمك، و تعفو عمّن ظلمك، و تصل من قطعك»(1).
و عملا بهذه الوصية، لم يكن عطاء الإمام عليه السّلام يقتصر على عامة الناس، أو من له هوى فيه، بل كان يشمل حتى الأعداء.
و هذا هو الامتحان الصعب. فأنت قد تعطي من تحبّه، أمّا أن تعطي من يعاديك و تعاديه، فهو العطاء الذي لا تشوبه شائبة، و لا يمكن إلاّ أن يكون في سبيل اللّه.
و قد تجلّى ذلك في موارد كثيرة. و لكننا نقتصر على بعض النماذج، فقد روي أنّ عليا عليه السّلام كان يحارب رجلا من المشركين، فقال المشرك:
«يا ابن أبي طالب هبني سيفك»، فرماه إليه.
فقال المشرك: «عجبا يا ابن أبي طالب في مثل هذا الوقت تدفع إليّ سيفك؟!
فقال: «يا هذا إنّك مددت يد المسألة إليّ، و ليس من الكرم أن يردّ السائل».
1) كلمة الرسول الأعظم.
فرمى الكافر نفسه إلى الأرض و قال: «هذه سيرة أهل الدين، فقبّل جبهته و أسلم»(1).
و من ذلك أيضا ما جرى بينه و بين معاوية في صفّين، حينما سبق معاوية و جنده، الإمام إلى الماء. و كانت شريعة الماء التي ملكها معاوية هي المورد الوحيد على النهر إلى الماء. و لقد جعل معاوية عليه حرسا كبيرا بقيادة أبي الأعور، و أمرهم أن يمنعوا الماء عليا و جنوده. و جاء جنود علي يشربون فصدّهم جيش معاوية، و شرعوا في وجوههم الرماح و السيوف، و رشقوهم بالنبال!!
فقال له عمرو بن العاص: «يا معاوية خلّ بين القوم و بين الماء فإنهم لن يعطشوا و أنت ريان. و لكن بغير الماء فانظر فيما بينك و بينهم».
فأبى معاوية..
فقال عمرو: «يا معاوية ما ظنّك بالقوم إن منعوك الماء غدا كما منعتهم اليوم»؟. قال: «إن عليا لا يستحلّ منّا ما نستحلّ منه».
و لما أحسّ جند الإمام حرّ العطش شكوا إليه، و طلبوا منه أن يأذن لهم بقتال جند معاوية على الماء.
فأرسل الإمام إلى معاوية من يقول له: «إنّا سرنا مسيرنا
1) فضائل العشرة: أبو السعادات.
هذا و نحن نكره قتالكم قبل الإعذار إليكم، فقدمت إلينا خيلك و رجلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك، و بدأتنا بالقتال! و نحن من رأينا الكفّ حتى ندعوك و نحتجّ عليك. و هذه أخرى قد فعلتموها، منعتم الناس من الماء، و الناس غير منتهين أو يشربوا، فابعث إلى أصحابك فليخلوا بين الناس و الماء، و ليكفوا لننظر فيما بيننا و بينكم و فيما قدمنا له. فإن أردت أن نترك ما جئنا له و نقتتل على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب، فعلنا».
فقام رجل من أهل الشام فقال: «أما و اللّه لو سبقكم عليّ إلى الماء لسقاكم منه. أما تعلمون أن فيهم العبد و الأمة و الأجير و الضعيف و من لا ذنب له؟ فهذا أول الجور! يا معاوية لقد شجّعت الجبان، و بصّرت المرتاب، و حملت من لا يريد قتالك على كتفيك».
و كان الرجل صديقا لعمرو فقال له معاوية: «يا عمرو اكفني صديقك»!.
و أمر الإمام جنوده أن يحاربوا على الماء.. فاندفع بهم الأشتر و الإمام يدعو قائلا:
«اللّهمّ إن أظهرتنا على عدوّنا فجنّبنا البغي، و سدّدنا للحق، و إن أظهرتهم علينا فارزقنا الشهادة و اعصم بقية أصحابي من الفتنة».
و حمل جند الإمام حملة ضارية فانهزم جند الشام عن الماء، و صار الماء في أيدي جند الإمام، فقال رجال منهم:
«و اللّه لا نسقيهم»(1).
و خاطبوا الإمام قائلين: «امنعهم يا أمير المؤمنين من الماء، كما منعوك، و لا تسقهم منه قطرة، و اقتلهم بسيوف العطش، و خذهم قبضا بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب».
و كانت الفرصة سانحة للإمام بأن ينتصر فعلا على معاوية، و لم يكن في ذلك يفعل إلاّ ما فعله معاوية من قبل، و بحكم الآية الكريمة: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ (2)كان للإمام الحق في ذلك و لكن لم يفعل..
فقد رفض منع معاوية و جنده الماء، و قال لأصحابه: «لا أفعل ما فعله الجاهلون، و لا أكافئهم بمثل فعلهم».
و أضاف عليه السّلام: «خذوا حاجتكم من الماء و ارجعوا إلى عسكركم، و خلّوا بينهم و بين الماء، فإن اللّه قد نصركم ببغيهم و ظلمهم».
و أرسل الإمام إلى معاوية: «إنّا لا نجازيك بصنعك! هلم إلى الماء فنحن و أنتم فيه سواء».
و شعر معاوية بالخجل. و تغيظ عمرو على معاوية. فقال له معاوية: «يا عمرو، كان فلتة من رأي أعقبتني بخطئها» ثم التفت إلى بطانته و قال: «للّه درّ عمرو! ما عصيته في أمر قطّ إلاّ أخطأت فيه»!(1).
1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 453.
الشجاعة من الشروط الأساسية للنجاح، سواء على المستوى العام، للزعماء و أصحاب الرسالات، أم على المستوى الشخصي للآباء و الأمهات، أم للعاملين في الحقول المختلفة في الحياة.
و هي حجر الزاوية في صفات الفروسية. فهل يمكن تصوّر رجل عظيم جبان؟ و هل هناك شخص واحد نجح من غير إقدام؟
و حقا فإن «الشجاعة نصرة حاضرة و قبيلة ظاهرة»(1)و هي بلا شك «أحد العزّين»(2).
بينما «الجبن آفة، و العجز سخافة»(3)كما أنه «عار و منقصة»(4).
و كما أن «السخاء و الشجاعة غرائز شريفة يضعها اللّه سبحانه فيمن أحبه و امتحنه»(1)فإن «الجبن و الحرص و البخل غرائز يجمعها سوء الظن باللّه»(2).
و قد يتساءل البعض من أين تنبع الشجاعة؟ و ما هو مقدارها في الرجال؟
و الجواب أن للشجاعة مصادر شتى. منها: «الهمّة العالية» لأن «شجاعة الرجل على قدر همّته»(3).
و منها: «الحميّة» المترسخة في النفس لأن «على قدر الحميّة تكون الشجاعة»(4).
و منها: الأنفة» ف «قدر الرجل على قدر همته، و صدقه على قدر مروءته، و شجاعته على قدر أنفته»(5).
و منها: السخاء بالنفس، و الإباء من الذل، و طلب الذكر. فقد «جبلت الشجاعة على ثلاث طبائع، لكل واحدة منهن فضيلة ليست للأخرى: السخاء بالنفس. و الأنفة من الذلّ، و طلب الذكر، فإن تكاملت في الشجاع: كان البطل الذي لا يقام لسبيله،
و الموسوم بالإقدام في عصره، و إن تفاضلت فيه بعضها على بعض كانت شجاعته في ذلك الذي تفاضلت فيه أكثر و أشدّ إقداما»(1).
و لكن متى تظهر شجاعة الرجال؟
في الادعاء، ربما لا يوجد من يعترف بالجبن. و لكن في المواجهة تظهر الحقائق. حيث إن «ثلاثة لا تعرف إلاّ في ثلاثة مواطن: لا يعرف الحليم إلاّ عند الغضب. و لا الشجاع إلاّ عند الحرب. و لا الأخ إلاّ عند الحاجة»(2).
و لعل ذلك هو السبب في أن الإمام علي عليه السّلام الذي اقترن اسمه بكل صفات الفروسية، و امتزج ذكره مع الشجاعة كواحدة من أظهر و أشهر صفاته، لم يتحدّث كثيرا عن الشجاعة. لأنه عليه السّلام كان يمارسها بالفعل، و لم يكن يلهج بذكرها فحسب.. كما يفعل الكثيرون، فحديثه عن الشجاعة، هو مواقفه و أفعاله و ممارساته، و هي أصدق حديث و أقوى كلام.
إن الشجاع يعرف عند الحرب. و هكذا عرف الإمام. ففي كل موقف صعب كان هو العلم و الشاخص. فهو العون في
النوائب، و الحاضر في الصعاب، و الراية في المغازي، و الرفيق في البأساء.. يؤمن حينما يكفر الآخرون، و يصمد حينما يهرب الآخرون، و يقاتل حينما يفرّ الآخرون. كرّار غير فرّار و تلك هي الشجاعة حقا..
«و تدل أخباره - كما تدل صفاته - على قوة جسدية بالغة في المكانة و الصلابة على العوارض و الآفات. فربّما رفع الفارس بيده فجلد به الأرض غير جاهد و لا حافل، و يمسك بذراع الرجل فكأنما أمسك بنفسه فلا يستطيع أن يتنفّس، و اشتهر عنه أنه لم يصارع أحدا إلاّ صرعه، و لم يبارز أحدا إلاّ قتله، و قد يزحزح الحجر الضخم لا يزحزحه إلاّ رجال أشدّاء، و يحمل الباب الكبير الذي يعجز عن تحريكه الأشدّاء، و يصيح الصيحة فتنخلع لها قلوب الشجعان»(1).
و قد قيل عن ضرباته: «كانت لعلي عليه السّلام ضربتان: إذا تطاول قدّ، و إذا تقاصر قطّ».
و قالوا «كانت ضرباته أبكارا، إذا اعتلى قدّ و إذا اعترض قطّ، و إذا أتى حصنا هدّ».
و قالوا: «كانت ضرباته مبتكرات لا عوانا»(2).
«و كان إلى جانب قوته البالغة شجاعا لا ينهض له أحد في ميدان مناجزة، فكان لجرأته على الموت لا يهاب قرنا من الأقران بالغا ما بلغ من الصولة، و رهبة الصيت»(1).
لم يفر من معركة قط، و هو القائل: «استحيوا من الفرّ فإنه عار في الأعقاب و نار يوم الحساب»(2)و «إن في الفرار موجدة اللّه و الذل اللازم»(3)«و أيم اللّه لئن فررتم من سيف العاجلة لا تسلموا من سيف الآخرة»(4).
و قد قيل له:
فقال: «لا حاجة لي فيه، و أنا لا أفرّ ممّن كرّ عليّ، و لا أكرّ على من فرّ منّي»(5)!.
و حقا فإن الذي لا يهاب الموت لا يبالي في المواجهة، و يتمتع بشجاعة خارقة بينما ضعاف النفوس و اليقين هم الجبناء الخائفون فإن «شدّة الجبن من عجز النفس، و ضعف اليقين»(6).
و لقد كان الإمام قويا في نفسه، عظيما في يقينه، و لذلك كان شجاعا في مواجهة الموت، و هو القائل في أواخر لحظات حياته: «و اللّه ما فاجأني من الموت وارد كرهته، و لا طالع أنكرته، و ما كنت إلاّ كقارب ورد، و طالب وجد و ما عند اللّه خير للأبرار»(1).
و من كانت هذه صفته فلا يبالي بالموت، فقد روي «أن أمير المؤمنين كان يطوف بين الصفين، بصفين، في «غلالة» فقال له ولده الحسن عليه السّلام: «ما هذا زيّ الحرب»!
فقال عليه السّلام: «يا بني.. إن أباك لا يبالي وقع على الموت، أو وقع الموت عليه»(2).
و كان يقول: «و اللّه لا أبالي دخلت إلى الموت، أو خرج الموت إليّ»(3).
و يقول: «و اللّه، لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه»(4).
و قال في الصبيحة التي قتل فيها:
اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا
و لا تجزع من الموت إذا حلّ بواديكا
كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا(1)
و لقد رفض أكثر من مرة أن يتّخذ حارسا، بالرغم من أن خليفتين قبله كانا قد قتلا فعلا، و هما الخليفة الثاني «عمر بن الخطاب» و الخليفة الثالث «عثمان بن عفان». و بالرغم من أنه كان يخوض حروبا داخلية، و لربما كان يتحول صاحبه خلال ليلة واحدة إلى عدوّه. و قد قتل فيما بعد على يد واحد من أمثال هؤلاء و هو الخارجي عبد الرحمن بن ملجم..
و مع ذلك لم يتّخذ حارسا. و حينما كان البعض يتبرّع لذلك كان يرفضه..
من ذلك ما روي أنه: «كان لعلي عليه السّلام غلام اسمه قنبر، و كان يحبّ عليا حبّا شديدا، فإذا خرج عليّ خرج على أثره بالسيف.
فرآه ذات ليلة فقال: يا قنبر ما لك؟
قال: جئت لأمشي خلفك، فإنّ الناس كما تراهم يا أمير المؤمنين، فخفت عليك.
قال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟
قال: لا بل من أهل الأرض؟
1) علي من المهد إلى اللّحد.
قال: إنّ أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئا إلاّ بإذن اللّه عزّ و جلّ من السماء فارجع فرجع»(1).
و في معركة الجمل خرج إلى عدوّه للاحتجاج و هو حاسر فقال أصحابه: «أ لا نحرسك»؟ فقال: «حرس امرأ أجله».
فقالوا: «لا تخرج و أنت بقميص واحد و حاسر»!.
فقال: «لقد قاتلت مع النبي و أنا حاسر، أكثر مما قاتلت و أنا دارع. إنما أنا ذاهب إلى الزبير حواري رسول اللّه، و ابن عمته»(2)!!
و في نهايات معركة «صفّين» قرّر بعض أصحابه أن يختاروا كل ليلة عشرة منهم يبيتون بالسلاح ساهرين على حراسته دون أن يستأذنوه.. و رآهم ذات ليلة فسألهم: «ما يجلسكم»؟ قالوا: «نحرسك يا أمير المؤمنين»: فقال ساخرا: «من أهل السماء»؟! ثم قال: «إنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السماء، و إنه ليس من الناس أحد إلاّ و قد وكّل به ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خلّيا عنه، و إنه لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه»(3).
و لقد ظهرت شجاعة الإمام مبكرا، و هو بعد في العاشرة من عمره، حينما نزل الوحي على رسول اللّه و وقفت قريش في وجه الرسالة، و بدأت تؤذي النبي بشتّى الوسائل، و منها دفع الأطفال للاعتداء عليه، و رميه بالحجارة. فما كان من الإمام إلاّ و قد نصّب نفسه حارسا أمينا لرسول اللّه، فكان إذا خرج، خرج معه و أيّما طفل من أطفال قريش يحاول إيذاء النبي كان علي يصرعه على الأرض و لربما يقضم أنفه، أو يعضّ أذنه، فسمّوه «القضم» و خافوا منه خوفا شديدا، فكانوا يبتعدون عن رسول اللّه، كلما كان معه «علي» و يتجرؤون عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إن لم يكن معه..
و ليلة الهجرة بات على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليؤمّن تغطية خروج النبيّ حتى لا تعلم قريش بذلك، بعد أن عزموا على قتله..
و في المواقع التي شهدها مع رسول اللّه - فيما بعد - منذ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَ إِنَّ اللّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (1)، كانت الشجاعة تتلبسه، فإذا هو الفارس الأول، و المحور الأساسي للمعارك، و صاحب الراية في كثير منها، و قائدها في أغلب الأحيان..
«و لقد كان في نحو العشرين، يوم بدر.. و تقدم أقوى
1) سورة الحج، الآية: 39.
فرسان قريش يتحدّون المسلمين، و يستفزون محمدا، و يطلبون أقوى فرسانه للمبارزة.
فقد برز من صناديد المشركين عتبة و أخوه شيبة و ابنه الوليد فقالوا: «من يبارز»؟. فخرج من المسلمين فتية من الأنصار.
فقال عتبة: «لا نريد هؤلاء، و لكن يبارزنا من بني أعمامنا من بني عبد المطلب».
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «قم يا حمزة، قم يا عبيدة، قم يا علي».
فبرز حمزة لعتبة فقتله، و برز علي للوليد بن عتبة فقتله، و قتل عبيدة بن الحارث شيبة بمساعدة حمزة و علي، بعد أن قطع شيبة رجل عبيدة.
و نزلت في ذلك الآية الكريمة: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ (1). فالذين آمنوا هم حمزة و علي و عبيدة بن الحارث. و «المفسدون في الأرض» هم عتبة و شيبة و الوليد بن عتبة»(2).
و عند ما التحم الجمعان فعل حمزة و علي في جيش
المشركين الأفاعيل، كما أبلى المجاهدون في سبيل اللّه بلاء حسنا.
قال علي: «قاتلت يوم بدر قتالا ثم جئت إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإذا هو ساجد يقول: يا حيّ يا قيّوم. ثم ذهبت فقاتلت ثم جئت فإذا النبي ساجد يقول: يا حيّ يا قيّوم. ففتح اللّه عزّ و جلّ عليه».
و في يوم بدر قتل علي أصحاب ألوية قريش جميعا، فأبصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي:
«احمل عليهم» فحمل عليهم ففرّق جمعهم، و فرّوا، و قتل منهم سيد بني جمح. ثم أبصر الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جماعة أخرى من المشركين فقال لعلي: «احمل عليهم». فحمل عليهم ففرّقهم و قتل منهم سيد بني عامر بن لؤي.
و في يوم بدر قتل علي كثيرا من زعماء قريش(1).
أمّا في يوم أحد فقد ظهر في شجاعة الإمام، و هو لا يزال فتى يافعا، أكثر من كل الصحابة، و لو لا الإمام فلربّما كانت المعركة تنتهي إلى مقتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هزيمة المسلمين جميعا بل إنه سرت إشاعة مقتله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فعلا مما دفع الكثير من المسلمين
1) المصدر السابق: ص 42.
إلى الهرب بينما وقف الإمام، وقفة الرجال. يقول الإمام عن ذلك - «لحقني من الجزع ما لا أملك نفسي، و كنت أمامه أضرب بسيفي، فرجعت أطلبه فلم أره، فقلت: ما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليفرّ و ما رأيته في القتلى و أظنّه رفع من بيننا، فكسرت جفن سيفي و قلت في نفسي: لأقاتلنّ به حتّى أقتل، و حملت على القوم، فأفرجوا فإذا أنا برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قد وقع على الأرض مغشيا عليه، فوقفت على رأسه، فنظر إليّ و قال:
ما صنع الناس يا عليّ؟
قلت: كفروا يا رسول اللّه، ولّوا الدبر من العدوّ و أسلموك».
«ثم إنّه أبصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كتيبة معاوية فقال لعلي:
«احمل عليهم»، فحمل عليهم و فرّق جمعهم، و قتل عمرو بن عبد اللّه الجمحيّ؛ ثم أبصر كتيبة أخرى فقال لعلي: ردّ عنّي، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم، و قتل شيبة بن مالك العامريّ، ثم رأى كتيبة أخرى فقال: احمل عليهم، فحمل عليهم فهزمهم، و قتل هاشم بن أميّة المخزوميّ، فقال جبرئيل: يا رسول اللّه إنّ هذه لهي المواساة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّه منّي و أنا منه، فقال جبرئيل: و أنا منكما، فسمعوا صوتا يقول:
لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ عليّ»(1).
1) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 592.
و لقد أصابته في هذه المعركة ست عشرة ضربة، فظلّ يطعن و يتلقّى الطعنات، فيعالج و يعود للطعان، و خرج إليه طلحة بن أبي طلحة صاحب لواء المشركين فقال: «يا أصحاب محمد تزعمون أن اللّه يعجلنا بأسيافكم إلى النار، و يعجلكم بأسيافنا إلى الجنة فأيكم يبرز إليّ»؟.
فبرز إليه علي بن أبي طالب و قال: «و اللّه لا أفارقك حتى أعجلك بسيفي إلى النار». فاختلفا ضربتين، فضربه علي فسقط إلى الأرض جريحا، و بانت عورته. فتوسّل إلى علي قائلا:
«أنشد اللّه و الرحم يا ابن العم». فانصرف علي عنه.
فقال المسلمون: «يا علي هلا أجهزت عليه»؟. فقال:
«ناشدني اللّه و الرحم! و لن يعيش». و ظل طلحة ينزف حتى مات من ساعته.
و عاد من أحد بصحبة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و سيفاهما يقطران دما، فصليّا بالمسجد، ثم دفعا بسيفيهما إلى فاطمة فغسلت عنهما الدماء. و عاد الرسول إلى بيته(1).
و في غزوة الخندق، التي جنّد المشركون لها كل قواهم، مما اضطر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يتّخذ - على غير عادته - موقف الدفاع لا الهجوم، واجه الإمام علي عليه السّلام الموقف بشجاعة نادرة..
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 42.
حيث إن فارس الجزيرة العربية حينذاك «عمرو بن ودّ العامري» «الذي كان يقوّم بألف رجل»(1)و هو «مقاتل غادر فاتك من رؤوس المشركين»(2)كان قد عبر الخندق الذي حفره المسلمون، و بدأ يطلب البراز قائلا:
و كان رسول اللّه، يقول لأصحابه:
و لكن المسلمون يحجمون، لهيبة الموقف من جهة، و لما يعرفونه من «عمرو» من القوة و الشجاعة و البأس من جهة أخرى..
و الوحيد الذي وقف قائلا: «أنا يا رسول اللّه..» كان علي عليه السّلام:
فقال له النبي في المرة الأولى:
فجلس. و كرّر عمرو نداءه:
و قام النبي مرة أخرى يقول لأصحابه:
و يقول علي عليه السّلام: «أنا يا رسول اللّه..» بينما الآخرون كأن على رؤوسهم الطير.. فيقول له النبيّ: «اجلس، إنه عمرو»!.
و يصرخ «عمرو»:
و ينشد:
و لقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز
و وقفت إذ جبن الشجاع بموقف البطل المناجز
إنّي كذلك لم أزل متسرّعا نحو الهزاهز
إنّ الشجاعة و السماحة في الفتى خير الغرائز(1)
فيكرّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للمرة الثالثة قوله:
فيقول علي عليه السّلام «أنا يا رسول اللّه..».
فيقول له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «اجلس، إنه عمرو».
فيقول علي عليه السّلام: «.. و أنا علي»!
فيأذن له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يعمّمه بعمامته، فيخرج الإمام إلى عمرو، مهرولا و هو ينشد قائلا:
لا تعجلنّ فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز
1) بحار الأنوار: ج 41، ص 89.
ذو نيّة و بصيرة و الصبر منجي كلّ فائز
إنّي لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز(1)
و قد وقف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ينظر إلى عليّ، و هو يقول: «خرج الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه».
و حينما تواجها قال له علي: «يا عمرو قد كنت عاهدت اللّه لقريش ألاّ يدعوك رجل إلى إحدى خلّتين إلاّ قبلت منه إحداهما». فقال عمرو: «أجل».
فقال له علي: «فإني أدعوك إلى اللّه عزّ و جلّ و إلى رسوله، و إلى الإسلام. فقال عمرو: «لا حاجة لي في ذلك».
فقال له علي عليه السّلام: «فإنّي أدعوك إلى البراز».
فقال: «من أنت»؟.
قال علي - و لم يزد -: «أنا علي»:
قال عمرو: «ابن عبد مناف»؟
قال علي: «ابن أبي طالب».
قال عمرو: «يا ابن أخي.. من أعمامك من هو أسنّ منك فلم برزت أنت؟».
و أضاف: «أما أمن ابن عمك حيث أرسلك إليّ، أن
1) بحار الأنوار: ج 41، ص 89.
أشيلك برمحي هذا، بين السماء و الأرض، لا أنت حيّ و لا ميّت؟».
فقال علي عليه السّلام: «أرسلني ابن عمي و هو يعلم إن قتلتني كنت أنا في الجنة و أنت في النار، و إن قتلتك كنت أنت في النار و أنا في الجنة».
قال عمرو: «كلتاهما لك يا علي؟ تلك إذن قسمة ضيزى!».
و أضاف: «كان أبوك نديما لي، و إني أكره أن أهريق دمك».
فقال علي عليه السّلام: «و لكني، و اللّه لا أكره أن أهريق دمك»..
فغضب عمرو، و قال: «ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني على ذلك، ثم أهوى إليه بسيفه الذي كان يصفه البعض بقولهم كأنه شعلة من نار»(1).
و استقبل عليّ الضربة بدرقته، فقدّها السيف و أصاب رأسه، ثم ضربه عليّ على حبل عاتقه، فسقط و نهض، ثم سقط و نهض و ثار الغبار، فما انجلى إلاّ عن عمرو صريعا و علي عليه السّلام يجأر بالتكبير(2).
و سمع المسلمون صوته فصرخ رسول اللّه قائلا:
«و كأنما كانت شجاعته هذه القضاء الذي لا يؤسى على مصابه، لأنه أحجى المصائب، و أقلّها معابة ألاّ يدفع، فكانت أخت عمرو تقول في التأسّي بعد موته:
لو كان قاتل عمرو غير قاتله بكيته أبدا ما دمت في الأبد
لكنّ قاتله من لا نظير له و كان يدعى أبوه بيضة البلد
فكانت شجاعته عليه السّلام من الشجاعات النادرة التي يشرّف بها من يصيب بها، و من يصاب»(2).
و ذكر بعض المؤرخين أن عليا حينما قطع رجل عمرو رماها نحو معسكر المشركين فخاف من هيبتها رجلان و وقعا في الخندق!
و قال الطبري: و وجدوا «نوفلا» في الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة، فقال لهم: «قتلة أجمل من هذه» فنزل إليه علي عليه السّلام فطعنه في ترقوته بالسيف حتى أخرج من مراقه.. ثم خرج إليه منية بن عثمان العبدري، و خاف و هرب. فأنشأ علي عليه السّلام يقول:
و كانوا على الإسلام إلبا ثلاثة و قد فرّ من تحت الثلاثة واحد(1)
و في غزوة خيبر يروي أبو رافع مولى الرسول قال:
«خرجنا مع علي حين بعثه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم برايته، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من يهود فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن، فترّس به نفسه، فلم يزل في يده و هو يقاتل حتى فتح اللّه عليه، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر مع سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب فما نقدر»!(2).
كان على رأس هذا الحصن أحد شجعان يهود و اسمه مرحب، و هو الذي طرح الترس من يد علي، فانقضّ عليه عليه السّلام و بارزه متحصنا بباب الحصن الثقيل، و طالت المبارزة، حتى أهوى علي بسيفه على وجه مرحب، و سقط الحصن و استأسر من فيه، و غنم منه المسلمون مغانم كثيرة.
من أجل ذلك صاح نفر من المسلمين: «لا فتى إلاّ علي»!.. و كان هذا النداء يرجّ الآفاق كلما اشتبك في قتال، فيلهب منه الحماسة و يثير الحمية..
و قد شهدت أم سلمة (أم المؤمنين) غزوة خيبر فقالت:
«و سمعت وقع سيف علي بن أبي طالب في أسنان مرحب»!.
و قال علي بن أبي طالب: «و اللّه ما قلعت باب خيبر بقوة جسدية و لكن بقوة ربانية».
و في يوم حنين كان علي بن أبي طالب من أشدّ الناس قتالا بين يدي الرسول.
و عند ما حاصر الرسول بني قريظة، و كان اللواء بيد علي صاح يستحثّ جنده: «يا كتيبة الإيمان». ثم تقدّم هو و الزبير بن العوام و قال: «و اللّه لأذوقنّ ما ذاق حمزة أو لأفتحنّ حصنهم».
و فتح اللّه الحصن على يديه الكريمتين!.
و على كل حال فإن الشجاعة في الإمام، كانت من أبرز صفاته، و كان يوصي بها بنيه أن لا يخافوا في اللّه أحدا، كما كان يوصي الناس بأن لا يستشيروا جبانا. يقول عليه السّلام: «لا تشركنّ في رأيك جبانا يضعفك عن الأمر، و يعظم عليك ما ليس بعظيم»(1)، و كان يوصي ولاته بأهل الشجاعة خيرا، و يقول عليه السّلام: «ثم الصق بذوي المروءات و الأحساب، و أهل
1) غرر الحكم و درر الكلم.
البيوتات الصالحة، و السوابق الحسنة، ثم أهل النجدة و الشجاعة و السخاء و السماحة فإنهم جماع من الكرم»(1).
و لقد كان الإمام بالإضافة إلى شجاعته النادرة، مثيرا للحماسة، مديرا للمعارك مشاركا فيها على الرغم من كبر سنّه فيما بعد الرسول، أيام خلافته و كان يوصي أصحابه بوصايا الشجاعة و الثبات.
ففي صفّين نظم الإمام عليه السّلام جيشه، ثم قال لأصحابه:
«إن اللّه يحب الّذين يقاتلون في سبيله صفّا كأنهم بنيان مرصوص. فسووا صفوفكم كالبنيان المرصوص و قدّموا الدارع، و أخّروا الحاسر، و عضوا على الأضراس، فإنه أنبى للسيوف.. و غضوا الأبصار، فإنه أربط للجأش، و أسكن للقلوب. و أميتوا الأصوات، فإنه أطرد للفشل، و أولى بالوقار. راياتكم فلا تميلوها و لا تزيلوها و لا تجعلوها إلاّ بأيدي شجعانكم. و استعينوا بالصدق و الصبر، فإنه بعد الصبر ينزل النصر».
و بدأت المعركة، و استحر القتال.. و ما يسمع غير وقع الحديد على الحديد.
1) نهج البلاغة: الكتب 53.
و كان الحسن و الحسين و محمد بنو الإمام معه، و النبل يمرّ بين عاتقه و منكبه، فلما دنا منه أهل الشام و أطلقوا عليه السهام و النبال يريدون قتله، قال له الحسن أكبر بنيه: «ما ضرّك لو سعيت حتى تنتهي إلى هؤلاء القوم من صحبك فتلقوا بجمعكم أهل الشام؟» فقال: «يا بني إن لأبيك يوما لا يعدوه و لا يبطىء به عند السعي، و لا يعجل به إليه المشي، إن أباك و اللّه لا يبالي أوقع على الموت أم وقع الموت عليه»!(1).
و لربّما كان الإمام في مثل هذه المواقف بلا مثيل، حيث إن رئيس الدولة يشترك في الحرب، بل و يحمي العشيرة، و لا يدع العشيرة تحميه.
فقد رأى الإمام - بعد أن استعر الحرب، في صفّين، و اشتجرت القنا و اشتبكت الرماح و تقارعت السيوف و الحراب، رأى ابنه الحسن عليه السّلام في حومة الوغى، فقال:
«ابعدوا عني هذا الغلام لا يهدني».
و كان الإمام قد نهى بنيه و بني عمه عن الدعوة إلى المبارزة، فكان إذا دعي أحد منهم بارز الإمام عنه.. هكذا بارز عن ابن عمه عبد اللّه بن عباس و صرع متحديه، و عرض أن يبارز عن ابنه محمد ابن الحنفية، و لكن متحديه ولّى.
1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 59.
إنّه عليه السّلام يحمي العشيرة و لا يدع العشيرة تحميه.. كما ضنّ بعدد من كبار الصحابة من غير المقاتلين من أهل الزهادة و النسك فمنعهم من القتال، و قاتل هو عنهم، و اكتفى بصحبتهم يعظون المقاتلين، و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و يمجدون الجهاد في سبيل اللّه(1).
و كم ظهرت شجاعته في المواقف المختلفة؟ و المشاهد الصعبة؟ و كم شارك شخصيا في القتال، و هو رئيس الدولة؟
يقول جابر بن نمير الأنصاري: «لكأنّي أسمع عليا بعد ليلة الهرير بعد أن طحنت الرحى بأمر عظيم تشيب منه النواصي، حتّى استقلّت الشمس و قام قائم الظهيرة و عليّ عليه السّلام يقول لأصحابه:
حتى متى نخلّي بين هذين الحيّين؟ قد فنينا و أنتم وقوف تنظرون، أما تخافون مقت اللّه؟ ثمّ انفتل إلى القبلة و رفع يديه إلى اللّه عزّ و جلّ.
ثمّ نادى: يا اللّه يا رحمن يا واحد يا صمد يا اللّه يا إله محمّد، إليك اللّهمّ نقلت الأقدام، و أفضت القلوب، و رفعت الأيدي، و مدّت الأعناق، و شخصت الأبصار، و طلبت
1) المصدر السابق: ص 96.
الحوائج، اللّهمّ إنّا نشكو إليك غيبة نبيّنا، و كثرة عدوّنا، و تشتّت أهوائنا، ربّنا افتح بيننا و بين قومنا بالحقّ و أنت خير الفاتحين: سيروا على بركة اللّه» ثمّ نادى: «لا إله إلاّ اللّه و اللّه أكبر كلمة التقوى».
«فلا و الذي بعث محمدا نبيا ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق السماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب، إنّه قتل فيما ذكر العادّون زيادة على خمسة مائة من أعلام العرب، يخرج بسيفه منحنيا فيقول: معذرة إلى اللّه و إليكم من هذا، لقد هممت أن أفلقه و لكن يحجزني عنه أنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول: «لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ عليّ» و أنا أقاتل به دونه».
فكنّا نأخذه و نقوّمه، ثم يتناوله من أيدينا فيتقحّم به عرض الصفّ، فلا و اللّه ما ليث بأشدّ نكاية منه في عدوّه»(1).
و برز للإمام أربعة من أبطال الشام فصرعهم الواحد بعد الآخر.. و اشتبك الجيشان، و تساقط الناس صرعى، و عزّ ذلك على الإمام. فنادى بأعلى صوته: «ويحك يا معاوية! ابرز إليّ و لا تفن العرب بيني و بينك»!.
1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 1، ص 220.
فقال له عمرو بن العاص: «اغتنمه و هو مجهد فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة»!.
فقال له معاوية: «و اللّه لقد علمت أن عليا لم يقهر قط.
إنما أردت قتلي لتصيب الخلافة بعدي»!.
و اشتدّ القتال من جديد، و الإمام يدعو اللّه: «اللّهمّ إليك رفعت الأبصار و دعت الألسن، و أفضت القلوب.. اللّهمّ أعنّا عليهم بفتح تعجله، و نصر تعزّ به سلطان الحق و تظهره».
ثم قال لأصحابه: «قال اللّه تعالى لقوم: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً (1)، و أيم اللّه لئن فررتم من سيف الدنيا لا تسلمون من سيف الآخرة»(2).
و تضرّجت السيوف و الحراب من مهج المسلمين، و تطايرت الرؤوس و سقط القتلى.
فصاح الإمام مرة أخرى: «يا معاوية» فقال معاوية:
«اسألوه ما شأنه» قال الإمام: «أحب أن يظهر لي فأكلمه كلمة واحدة» فبرز معاوية و معه عمرو بن العاص، فقال عليه السّلام:
«يا معاوية ويحك! علام تقتيل الناس بيني و بينك؟ ابرز إليّ فأيّنا يقتل صاحبه فالأمر له».
فالتفت معاوية إلى عمرو فقال: «ما ترى أبا عبد اللّه؟ أ أبارزه»؟
فقال عمرو «اعلم أنه إن نكلت مرة أخرى لم تزل سبّة عليك و على عقبك ما بقي عربي».
قال معاوية: «يا عمرو بن العاص، ليس مثلي يخدع عن نفسه. و اللّه ما بارز ابن أبي طالب رجلا قطّ إلاّ سقى الأرض من دمه. و اللّه إن تريد إلاّ أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي».
ثم انصرف معاوية راجعا و معه عمرو، فاختبآ في آخر الصفوف.
فضحك الإمام(1).
و لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يطلب فيها الإمام علي عليه السّلام من معاوية، أو أي عدو آخر من أعدائه البراز لمواجهته. بل تكرّر ذلك مع معاوية بالذات عدّة مرات.. و في كل مرة كان هذا الأخير يتهرّب منه، للفارق الكبير بين شجاعة الإمام، و بينه..
فمثلا حينما رأى ابن الصباح و هو من رؤساء أهل الشام
1) علي إمام المتّقين: ج 2، ص 76.
فداحة الخسائر في الرجال، وقف يخاطب أصحابه قائلا:
«و اللّه إني يا أهل الشام لأظن أن اللّه قد آذن بفنائكم، ويحكم! خلوا بين علي و معاوية فليقتتلا، فأيهما قتل صاحبه ملنا معه».
فلما علم عليّ بذلك قال: «و اللّه ما سمعت بخطبة منذ وردت الشام أنا بها أشدّ سرورا من هذه».
أما معاوية فإنه لمّا سمع ابن الصباح، اندسّ في آخر الصفوف، و اختبأ، و قال لمن حوله: «إني لأظنّ ابن الصباح قد أصيب في عقله»! فقالوا له: «و اللّه إنه لأفضلنا دينا و رأيا و بأسا، و لكنك تكره مبارزة علي»(1).
و مرة أخرى لما رأى الإمام عليّ كثرة الضحايا من الجانبين، و وجد معاوية مصمما على القتال، خشي فناء العسكرين فنادى: «يا معاوية. علام يذهب الناس؟ على ملك إن نلته كان لك دونهم و إن نلته أنا كان لي دونهم؟ ابرز إليّ ودع الناس فيكون الأمر لمن غلب».
فقال عمرو بن العاص: «أنصف الرجل يا معاوية».
فقال معاوية: «ما أراك إلاّ مازحا».
1) المصدر السابق: ص 98.
فقال عمرو: «و اللّه ما أدري أشجاع أنت أم جبان»؟ قال معاوية:
شجاع إذا ما أمكنتني فرصة فإن لم تكن لي فرصة فجبان
و رفض معاوية أن يبارز عليّا.. و توقفت الحرب عند ما جاء الليل..
و مضى الإمام إلى معسكر القرّاء، فلما رأوه بلا خوذة و لا دروع قالوا مشفقين: «يا أمير المؤمنين أ تقتل أهل الشام بالغداة و تخرج في العشي بإزار و رداء»؟! فقال: «أ بالموت أخوّف؟! و اللّه ما أبالي أسقط عليّ الموت أم سقطت عليه»!(1).
و حينما حرّض معاوية عمرو بن العاص على مبارزة علي، قال له عمرو: «بارزه أنت فتكون على إحدى الحسنيين، إما أن تقتله فتكون قد قتلت قاتل الأقران و تزداد شرفا إلى شرفك، و إما أن يقتلك فتكون قد استعجلت مرافقة الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا».
فقال معاوية: «يا عمرو! الثانية شرّ من الأولى».
و كان معاوية واقفا على تل يشاهد المعركة و عليّ يفلق الهامات، و ما من أحد يقوى عليه، و الصفوف تنهزم أمامه هو و فرسان ربيعة و همدان، و جيش الشام ينهار، و صناديده يفرّون يلتمسون النجاة من عليّ و أصحابه!!
1) المصدر السابق: ص 65.
فقال معاوية و هو يتأمل كلّ ذلك: «تبا لهؤلاء الرجال و قبحا! أما فيهم من يقتل عليا مبارزة أو غيلة»؟ فقال له الوليد بن عقبة: «ابرز إليه أنت فإنك أولى الناس بمبارزته»:
فقال معاوية: «و اللّه لقد دعاني إلى البراز حتى استحييت من قريش! إني و اللّه لا أبرز إليه. و ما جعل العسكر بين يدي الرئيس إلاّ وقاية له»(1).
و بمقدار ما كان الإمام شجاعا، و صامدا، و صابرا على الشدائد، فإنّه كان يطلب من أصحابه الشجاعة و الصمود حتى بعد موته.. فقد ذكر أحد أصحابه قائلا:
«كنّا في بيت مع علي عليه السّلام و نحن خواصّه، فالتفت إلينا فلم ينكر منّا أحدا، فقال: إنّ هؤلاء القوم سيظهرون عليكم فيقطعون أيديكم و يسملون أعينكم» فقال رجل منّا: و أنت حيّ يا أمير المؤمنين؟
فقال: «أعاذني اللّه من ذلك».. فالتفّت فإذا واحد يبكي.
فقال له: «يا ابن الحمقاء أ تريد باللّذات في الدنيا الدرجات في الآخرة؟ إنّما وعد اللّه الصابرين»(2).
«إن للّه عبادا يختصّهم بالنعم لمنافع العباد، فيقرّها في أيديهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، ثم حوّلها إلى غيرهم»(1).
و هذا يعني أن «من كثرت نعم اللّه عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن قام للّه بما يجب فيها عرّضها للدوام و البقاء، و من لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال و الفناء»(2).
فقضاء حوائج الناس ليس مجرد عمل من أعمال الخير التي يجوز للناس أن يتركوه، بل هو واجب لا بد من أدائه..
ذلك أنه ضرورة لبقاء المجتمع و بناء الحضارة، لأنّ «قوام الدين و الدنيا بأربعة: عالم مستعمل علمه، و جاهل لا يستنكف أن يتعلّم، و جواد لا يبخل بمعروفة، و فقير لا يبيع آخرته
بدنياه، فإذا ضيّع العالم علمه، استنكف الجاهل أن يتعلّم، و إذا بخل الغني بمعروفه، باع الفقير آخرته بدنياه»(1).
و كما يجب أن نترك الشر، فلا بد أن نفعل الخير «فإذا رأيتم خيرا فأعينوا عليه، و إذا رأيتم شرا فاذهبوا عنه، فإن رسول اللّه كان يقول: يا بن آدم! اعمل الخير، ودع الشر، فإذا أنت جواد قاصد(2)«فليس لما وعد اللّه من الخير ترك و لا فيما نهى عنه من الشر مرغب»(3).
و في الحقيقة فإن إغاثة الملهوف، و السعي في الخيرات، و رفع الحيف عن المظلومين و قضاء حوائج الناس هي من صفات أهل المروءة، و طلاّب الحق، و صنّاع المعروف، و لها ثواب عظيم عند اللّه و على تركها يترتّب عقاب شديد... «فإن من أحب عباد اللّه إليه عبدا لا يدع للخير غاية إلاّ أمّها، و لا مظنّة إلاّ قصدها»(4)و «لا خير في الدنيا إلاّ لرجلين: رجل أذنب ذنوبا فهو يتداركها بالتوبة، و رجل يسارع في الخيرات»(5)ف «الماشي في حاجة أخيه كالساعي بين الصفا
و المروة»(1)و «من قضى لأخيه المؤمن حاجة قضى اللّه له يوم القيامة مائة ألف حاجة»(2)و «من أغاث أخاه المؤمن اللّهفان اللهثان عند جهده، فنفّس كربته، و أعانه على نجاح حاجته كتب اللّه تعالى له بذلك اثنتين و سبعين رحمة من اللّه، يعجّل له منها واحدة يصلح بها أمر معيشته، و يدّخر له إحدى و سبعين رحمة لأفزاع يوم القيامة و أهواله»(3). و «من نفّس عن مؤمن كربة، نفّس اللّه عنه كرب الآخرة و خرج من قبره و هو ثلج الفؤاد»(4)و «من سعى في حاجة أخيه المؤمن فكأنما عبد اللّه تسعة آلاف سنة صائما نهاره، قائما ليله»(5).
أمّا إذا امتنع عن ذلك «و هو يقدر عليها من عنده أو من عند غيره، حشره اللّه يوم القيامة، مغلولة يده إلى عنقه، حتى يفرغ اللّه من حساب الخلق»(6)لأنه: «ما من مؤمن يخذل أخاه، و هو يقدر على نصرته، إلا خذله اللّه في الدنيا و الآخرة»(7)و «أيما رجل مسلم أتاه رجل مسلم في حاجة و هو
يقدر على قضائها فمنعه إياها عيّره اللّه يوم القيامة تعييرا شديدا، و قال له: أتاك أخوك في حاجة - قد جعلت قضاءها في يدك - فمنعته إياها، زهدا منك في ثوابها؟! و عزّتي لا أنظر إليك في حاجة، معذبا كنت أو مغفورا»(1).
ثم إن على الإنسان أن يقوم شخصيا بعمل الخير، و إغاثة الملهوف، و رفع حاجات الناس، و خاصة رئيس الدولة، فلا يجوز أن يكتفي بعمل الموظفين و المسؤولين وحدهم لأنه كلما كان لامرىء موقع عظيم كانت مواقفه قدوة للآخرين، فهو من جهة يكسب الثواب كفرد، و هو كمسؤول يتحوّل إلى نموذج في عمل الخير..
هكذا يجب أن يكون قائد المسلمين و أميرهم..
و هكذا كان الإمام علي عليه السّلام فقد تعوّد في الحرب و السّلام، أن يأخذ بيد من يسقط أمامه، أو بالقليل يدعه فلا يجهز عليه!.. كان شعاره: «أحسن كما تحب أن يحسن الناس إليك. و من ظنّ بك خيرا فصدق ظنّه».
أمّا إغاثة الملهوف، و الرفق بالضعيف، و النجدة، و العطف على المستعطف... فكل أولئك كانت خصائص
1) بحار الأنوار: ج 75، 174.
فتوته، و أخلاقه التي لابسها و لابسته حتى أو شكت أن تكون خليقة لا تخلقا، و طبعا لا تطبعا!..
كان يقول لمن حوله: «أعينوا الضعيف، و انصروا المظلوم، و تعاونوا» و يقول: «البغي و الزور يزريان بالمرء» و يقول: «الفقر منقصة للدين داعية للمقت». و يقول: «من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف و التنفيس عن المكروب»(1).
و لقد كاد بعض هذه الفضائل أن يورده موارد الحتوف، في مواطن كثيرة مما سيستقبله من الحوادث و الرجال.. و لكنه ما نبا بهاتيك الفضائل، و لا نبت عنه!(2).
كان يفعل الخير، و يوصي أصحابه بفعله، فيقول لكميل ابن زياد:
«يا كميل.. مر أهلك أن يروحوا في كسب المكارم، و يدلجوا في حاجة من هو نائم، فو الذي وسع سمعه الأصوات، ما من أحد أودع قلبا سرورا، إلاّ و خلق اللّه له من ذلك السرور لطفا، فإذا نزلت به نائبة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الإبل»(3).
و لقد كان عليه السّلام حاكما على خمسين دولة، و مع ذلك كان يخرج إلى الطرقات يبحث عن الخير ليفعله، و عن الملهوف ليسعفه، و عن المظلوم لينصره، و عن المحتاج ليسدي إليه، و عن السائل ليعطيه..
روي أن سعيد بن القيس الهمداني رآه في شدّة الحرّ، في فناء حائط، فقال له:
فقال عليه السّلام: «ما خرجت إلاّ لأعين مظلوما أو أغيث ملهوفا»(1).
فهو يبحث عن الملهوف، و ليس ينتظر حتى يأتيه إلى داره، مع ألف حاجب و حاجب كما يفعل حكّام الجور عادة..
يقول المؤرخون إن أمير المؤمنين كان يأتي السوق كل يوم يصنع ما تعوّد أن يصنعه: يعين الحمّال على حمولته، و يرشد الضالّ، و يعظ التجّار.. و ينصح من يجده في السوق ممّن يلون أمرا من أمور المسلمين (أي الموظفين و المستخدمين) ألاّ يقبلوا الهدايا من أهل السوق، و لا من أحد من الرعية، و يحتجّ
1) الاختصاص: ص 156.
بالحديث الشريف: «من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا (راتبا)، فأخذ أكثر من رزقه فهو غلول (رشوة)»(1).
و لم يكن بين الإمام و بين الناس أستار و حجاب، كان يمشي في السوق، يحادث الناس، و يسألهم و يسألونه، و ينصح التجّار.. و يقول لهم: «بيعوا و لا تحلفوا، فإن اليمين تنفق السلعة و تمحق البركة» روى نافع بن أبي مطر قال: «خرجت من مسجد الكوفة فإذا رجل ينادي من خلفي: ارفع إزارك فإنه أنقى لثوبك، و أتقى لك، و خذ من رأسك إن كنت مسلما».
فمشيت خلفه و هو مؤتزر بإزار و مرتد برداء و معه الدرة (عصا صغيرة)، كأنه أعرابي بدوي فقلت:
من هذا؟
فقال لي رجل: أراك غريبا بهذا البلد.
فقلت: «أجل أنا رجل من أهل البصرة».
قال: هذا علي بن أبي طالب أمير المؤمنين(2).
ثم مرّ مجتازا بأصحاب التمر فقال: «يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يرب (يزد) كسبكم» ثم مرّ مجتازا و معه
المسلمون حتى انتهى إلى أصحاب السمك فقال: «لا يباع في سوقنا سمك فاسد...».
و روى أحد أصحابه: «كان علي يمشي في الأسواق وحده و هو خليفة، يرشد الضال، و يعين الضعيف، و يمر بالتجّار فيفتح القرآن و يقرأ: تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً (1). ثم يقول «نزلت هذه الآيات في أهل العدل و التواضع من الولاة و أهل القدرة من سائر الناس»(2).
و مشى في السوق، فمر ببائع يحلف فقال له:
لا تحلف. ويل للصانع و ويل للتاجر من (لا و اللّه) و (بلى و اللّه)! يا معشر التجّار، ألا إن كل يمين فاجرة تذهب بالبركة.
فاتقوا (لا و اللّه)! و (بلى و اللّه). فقد كنّا نتحدث أن التاجر فاجر و فجوره أنّه يحلّي السلعة بما ليس فيها. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«اليمين الكاذبة منفقة (مروّجة) للسلعة، ممحقة للربح! و اعلموا أن التاجر فاجر إلاّ من أخذ الحق و أعطاه». و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
«ألا إن التجار هم الفجّار، إلا من اتّقى و برّ و صدق.
و قال: يا معشر التجّار تحشرون مع الفجّار إلاّ من اتقى ربه
و صدق». كما أنه عليه الصلاة و السّلام قال: «التاجر الصدوق مع النبيين و الصدّيقين»(1).
كان عليه السّلام يوصي الحاكم بالمحكوم، و التاجر بالعامة، و الأغنياء بالفقراء و يقول لهم، معاتبا، مزمجرا، مهددا:
«قد أصبحتم في زمن لا يزداد الخير فيه إلاّ إدبارا، و الشرّ فيه إلاّ إقبالا، و الشيطان في هلاك الناس طمعا، فهذا زمان قويت عدّته (عدّة الشيطان)، و عمت مكيدته، و أمكنت (سهلت) فريسته.
اضرب بطرفك حيث شئت من الناس، هل تبصر إلاّ فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدّل نعمة اللّه كفرا، أو متمرّدا كان بأذنه عن سمع المواعظ وقرا؟
أين خياركم و صلحاؤكم؟ و أحراركم و سمحاؤكم؟ و أين المتورّعون في مكاسبهم؟ و المتنزّهون في مذاهبهم؟ أ ليسوا قد ظعنوا (رحلوا) جميعا عن هذه الدنيا الدنية و العاجلة المنغصة؟؟ و هل خلقتم إلاّ في حثالة لا تلتقي بذمهم الشفتان استصغارا لشأنهم، و ذهابا عن ذكرهم؟ ف إِنّا لِلّهِ وَ إِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ! ظهر الفساد فلا منكر متغيّر، و لا زاجر مزدجر! أ فبهذا تريدون أن تجاوروا اللّه في دار قدسه، و تكونوا أعزّ
1) المصدر السابق: ص 249.
أوليائه عنده؟! هيهات! لا يخدع اللّه عن جنته، و لا تنال مرضاته إلاّ بطاعته. لعن اللّه الآمرين بالمعروف التاركين له، و الناهين عن المنكر العاملين به.
«ألا و إن أفحش الظلم ظلم الحاكم للمحكوم، و القوي للضعيف، و المحتكر للعامة! يا معشر التجّار ألا إن التجار هم الفجّار إلاّ من اتقى ربه و صدق، و برّ، و وصل، و أدّى الأمانة، و التاجر الصدوق مع النبيين و الشهداء»(1).
و كان عليه السّلام يهتم بأصغر الحاجات، كما يهتم بأكبرها، و يقول لأصحابه:
«افعلوا الخير و لا تحقروا منه شيئا، فإن صغيره كبير، و قليله كثير، و لا يقولنّ أحدكم: إن أحدا أولى بفعل الخير منّي، فيكون - و اللّه - كذلك، إن للخير و الشر أهلا فمهما تركتموه منهما كفاكموه أهله»(2).
و كما قال فعل، فقد روي: «أن قصابا كان يبيع اللحم من جارية و كان يحيف عليها، فبكت و خرجت فرأت عليا فشكته إليه.
فمشى عليه السّلام معها نحوه، و دعاه إلى الإنصاف في حقّها،
و كان يعظه و يقول له: ينبغي أن يكون الضعيف عندك بمنزلة القوي فلا تظلم الناس»(1).
و مرّ أيضا على جارية قد اشترت لحما من قصّاب، و هي تقول: زدني.
فقال له أمير المؤمنين عليه السّلام: «زدها فإنّه أعظم للبركة»(2).
و روي «أنه عليه السّلام كان يمشي في الأسواق وحده و هو ذاك يرشد الضال، و يعين الضعيف، و يمرّ بالبياع و البقّال فيفتح عليه القرآن و يقرأ:
تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) (3).
و هكذا فإنه كان يقوم بدور الموجّه و الناصح، كما كان يقوم بدور صاحب القرار.. و كان يتفقّد ولاته و عمّاله، كما كان يتفقّد أمور عامة الناس في السوق و الطرقات، و لم يكن يكتفي ببسط العدل في المجتمع، بل كان يرعاه بنفسه، و لا يكتفي بالتقارير تصل إليه بل يتعهّد الخير في كل مكان و في هذا المجال لم يكن إلاّ مع الضعيف ضد القوي، و مع الفقير ضدّ المترف، و مع الناس ضد المحتكرين، و كان يقول: «القوي العزيز عندي
ذليل حتى آخذ الحق منه، و الضعيف الذليل عندي قوي حتى آخذ الحق له»(1).
و قد روي «أن أمير المؤمنين عليه السّلام كان كلّ بكرة يطوف في أسواق الكوفة سوقا سوقا و معه الدرّة على عاتقه، و كان لها طرفان و كانت تسمّى «السيبة»، فيقف على كل سوق فينادي:
«يا معشر التجّار قدّموا الاستخارة، و تبرّكوا بالسّهولة، و اقتربوا من المبتاعين، و تزيّنوا بالحلم، و تناهوا عن الكذب و اليمين، و تجافوا عن الظلم، و أنصفوا المظلومين، و لا تقربوا الربا أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَ الْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَ لا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (2)و كان يطوف في جميع أسواق الكوفة فيقول هذا، ثمّ يقول:
تفنى اللّذاذة ممّن نال صفوتها من الحرام و يبقى الإثم و العار
تبقى عواقب سوء في مغبّتها لا خير في لذّة من بعدها نار(3)
و في ذلك كان إذا رأى ظلما يقاومه، أو إهانة ضد أحد فيردّها له، أو يجد طالب حاجة فيرفع حاجته.. فقد حدث:
أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام مرّ بأصحاب التمر فإذا هو بجارية تبكي.
فقال: يا جارية ما يبكيك؟
فقالت: بعثني مولاي بدرهم فابتعت من هذا تمرا فأتيتهم به فلم يرضوه، فلمّا أتيته به أبى أن يقبله!
فتوسّط الإمام لها و قال للتمّار: يا عبد اللّه إنّها خادم و ليس لها أمر، فاردد إليها درهمها و خذ التمر.
فقام إليه الرجل فلكزه، فقال الناس له: ويلك هذا أمير المؤمنين»! فربا الرجل و اصفرّ و أخذ التمر و ردّ إليها درهمها ثمّ قال: يا أمير المؤمنين ارض عنّي.
فقال: «ما أرضاني عنك إن أصلحت أمرك. و وفيت الناس حقوقهم»(1).
و كما كان يرعى حقوق الضعفاء من المسلمين، فإنه كان يراعي حقوق أمثالهم من أهل الملل الأخرى، فحتى المستضعفين من النصارى و اليهود كانوا يجدون من رعايته و تفقّده ما كان سائر المسلمين يجدونه منه، بل كان يعاتب المسلمين إذا تعرّض نصراني للإهمال، و هو أهل حاجة..
فقد روي: «إن أمير المؤمنين عليه السّلام مرّ بشيخ مكفوف كبير، و هو يسأل الناس». فقال عليه السّلام: «ما هذا»؟!
قالوا: - «يا أمير المؤمنين نصراني»!
1) بحار الأنوار: ج 41، ص 48.
فقال عليه السّلام: «استعملتموه حتى إذا كبر، و عجز منعتموه»؟؟!
ثم التفت إلى مسؤولي بيت المال، و قال:
و إذا كان البعض يحجم عن عمل الخير، لأنه لا يجد التقدير عليه، فإن الإمام كان يقول له: «لا يزهدنّك في المعروف من لم يشكره، فقد يشكرك عليه من لا يستمتع بشيء منه، و قد تدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع الكافر، و اللّه يحب المحسنين»(2).
و لربما كان بعضهم يستحي من إعطاء القليل، فكان يقول له: «لا تستح من إعطاء القليل فإن الحرمان أقلّ منه»(3)و إذا كان يصل إلى بعض أصحابه شيء من المال، فإنه كان يقول له:
«من آتاه اللّه مالا فليصل به القرابة، و ليحسن منه الضيافة، و ليفكّ به الأسير و العاني، و ليعط منه الفقير و الغارم، و ليصبر نفسه على الحقوق و النوائب ابتغاء الثواب، فإن فوزا بهذه
الخصال شرف مكارم الدنيا، و درك فضائل الآخرة إن شاء اللّه»(1).
و لربما كان يتعرّض للإهانة، و هو يسدي المعروف، إلاّ أنه كان ما يطلبه من ثواب اللّه تعالى أكثر مما يتوقعه من الناس من شكر. و قد روي في المناقب عن الإمام محمد بن علي الباقر عليه السّلام قال:
إن عليا عليه السّلام رجع إلى داره في وقت القيظ فإذا امرأة قائمة تقول: «إنّ زوجي ظلمني، و أخافني، و تعدّى عليّ و حلف ليضربني!».
فقال: «يا أمة اللّه اصبري حتى يبرد النهار، ثم أذهب معك إن شاء اللّه؟».
فقالت: إذن يشتدّ غضبه عليّ!
فطأطأ رأسه ثم رفعه و هو يقول:
«لا و اللّه، أو يؤخذ للضعيف حقّه غير متعتع!» ثم التفت إليها و قال:
«أين منزلك»؟
فدلّته إليه.
1) نهج البلاغة: الخطب 142.
فمضى عليه السّلام إلى بابه فوقف فقال: «السّلام عليكم» فخرج شاب.
فقال عليّ عليه السّلام: «يا عبد اللّه، اتّق اللّه في أهلك، فإنك قد أخفتها و أخرجتها».
فقال الفتى - و هو لا يعرف أمير المؤمنين عليه السّلام: و ما أنت و ذاك، و اللّه لأحرقنّها لكلامك!
فسلّ الإمام سيفه و قال له:
فأقبل الناس من الطرق و هم يقولون: السّلام عليكم يا أمير المؤمنين:
فسقط الرجل في يديه فقال:
فأغمد علي عليه السّلام سيفه و قال: يا أمة اللّه ادخلي منزلك، و لا تلجئي زوجك إلى مثل هذا و شبهه»(1).
1) مناقب آل أبي طالب: ج 1، ص 311.
ينبغي للمؤمن أن يتّصف بثلاث فضائل:
الأول: العدل. و يعني التعامل بالمثل، فتعطي من يعطيك، و تحسن إلى من يحسن إليك، و تصل من يصلك.
الثاني: الإحسان. و يعني إعطاء الأفضل للطرف الآخر، فتعطي من يعطيك بأكثر مما أعطى، و تحسن إليه بأفضل من إحسانه، و تجازيه بأكثر مما يستحقّ.
الثالث: الإيثار. و يعني تقديم الآخرين على الذات. فتعطي لهم ما أنت أحوج إليه منهم، و تقدّم حاجتهم على حاجتك، و نفوسهم على نفسك.
أمّا العدل، فهو للتعامل مع العدوّ.
و أمّا الإحسان، فهو للتعامل مع الناس.
و أمّا الإيثار، فهو للتعامل مع المؤمنين.
يقول الإمام علي عليه السّلام: «عامل سائر الناس بالإنصاف، و عامل المؤمنين بالإيثار»(1).
و هكذا فإن «الإيثار أحسن الإحسان و أعلى مراتب الإيمان»(2)كما هو «أعلى مراتب الكرم و أفضل الشيم»(3).
و في الحقيقة فإنه من دون «الإيثار» و المخاطرة بالعطاء بلا حساب لن يستطيع أحد أن يملك قلوب الرجال إذ إن «بالإيثار تسترقّ الأحرار»(4)و به «تملك الرقاب»(5)، و ليس هنا لك من يقبل الوقوف إلى جانب رجل أناني، ليس مستعدا أن يؤثر رجاله على نفسه. أمّا القائد الذي يعطي بلا حدود، و يؤثر الآخرين على نفسه، فهو يجمع حوله أصحاب الشيم و الفضيلة.
و هكذا كان أمير المؤمنين عليه السّلام لقد اشترى ثوبا فأعجبه فتصدّق به و قال:
و لقد كانت حياته كلها إيثارا، ففي ليلة «الهجرة» آثر رسول اللّه على نفسه و نام في فراشه، و حوله أربعين سيفا متعطّشا لإراقة دمه.. و قد جاء في الحديث: «بات علي بن أبي طالب عليه السّلام على فراش رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأوحى اللّه تعالى إلى جبرئيل و ميكائيل: إني آخيت بينكما، و جعلت عمر الواحد منكما أطول من عمر الآخر، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة؟
فاختار كلاهما الحياة..
فأوحى اللّه - تعالى - إليهما: أ فلا كنتما مثل علي بن أبي طالب، آخيت بينه و بين محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فبات على فراشه، يفديه بنفسه، فيؤثره بالحياة؟
«فأنزل اللّه تعالى قوله: وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ وَ اللّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (1)(2).
و روى المفسّرون «أنّه لم يكن يملك إلاّ أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلا و بدرهم نهارا و بدرهم سرّا و بدرهم علانية،
فأنزل فيه اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً (1)(2).
كان عليه السّلام شديد المروءة، و كان يقول: «من آثر على نفسه بالغ في المروءة»(3)و يقول: «من آثر على نفسه استحق اسم الفضيلة»(4)يقول: «لا تكتمل المكارم إلاّ بالعفاف و الإيثار»(5).
و كان - كما جاء في التاريخ - «أشبه النّاس طعمة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يأكل الخبز و الخلّ و الزيت و يطعم النّاس الخبز و اللّحم»(6).
و روي عنه «إنه كان يستقى بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتّى مجلت يده، و يتصدّق بالأجرة و يشدّ على بطنه حجرا»(7).
كل ذلك ليس من أجل شيء إلاّ لكسب رضا اللّه تعالى حيث كان يرى «الإيثار أفضل عبادة و أجلّ سيادة»(8)، و من هنا عوّد أهله على ذلك فقد روي عن أبي هريرة قال:
جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فشكا إليه الجوع، فبعث رسول اللّه إلى بيوت أزواجه فقلن: ما عندنا إلاّ الماء.
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: من لهذا الرجل اللّيلة؟
فقال عليّ بن أبي طالب عليه السّلام: أنا له يا رسول اللّه.
و أتى فاطمة عليها السّلام فقال لها: ما عندك يا بنت رسول اللّه؟
فقالت: ما عندنا إلاّ قوت الصبية نؤثر ضيفنا.
فقال عليّ عليه السّلام: يا ابنة محمّد نوّمي الصبية و أطفئي المصباح ففعلت ذلك و أعطوا طعامهم للرجل..
فلمّا أصبح عليّ عليه السّلام غدا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأخبره الخبر، فلم يبرح حتّى أنزل اللّه عزّ و جلّ وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (1)(2).
و ذات مرة حدث أن مرض الحسن و الحسين و هما صبيان فعاودهما جدهما و معه بعض صحابته. و نبّه فاطمة و هو على باب دارهما أن معه غرباء، و رمى إليها بردته و هي خلف الباب لتغطّي بها من جسمها ما لا ينبغي أن يراه الغريب!
و قال أحد الصحابة لعلي: «يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا». فقال علي: «إن برئا مما بهما صمت للّه عزّ و جلّ ثلاثة أيام شكرا». و قالت فاطمة كذلك. و قال الغلامان كذلك. فلما برئا أصبح الجميع صياما و ما في الدار شيء من طعام يفطرون عليه.
فغدا علي بن أبي طالب على جار يهودي له يدعى شمعون، كان يعالج الصوف، فقال له: «هل لك أن تعطيني جزة من الصوف تغزلها لك بنت محمد بثلاثة أصوع من شعير»؟.
قال: «نعم». فأعطاه فجاء بالصوف و الشعير، فأخبر فاطمة، فقبلت و أطاعت. ثم غزلت ثلث الصوف، و أخذت صاعا من شعير فطحنته و عجنته و خبزته.. و صلّى عليّ المغرب بالمسجد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، ثم أتى منزله ليفطر، فوضع الخوان فجلسوا فأوّل لقمة كسرها علي، إذا مسكين واقف على الباب فقال: «يا أهل بيت محمد. أنا مسكين من مساكين المسلمين.. أطعموني أطعمكم اللّه من موائد الجنّة».
فدفع علي الطعام إلى المسكين. و باتوا جياعا، و أصبحوا صياما!.
و في اليوم التالي طحنت فاطمة الصاع الثاني، و خبزته،
و وضعت الطعام ليفطروا، إذ وقف بالباب يتيم من أولاد المهاجرين استشهد أبوه، فأعطوه الطعام!. و في اليوم الثالث طحنت آخر صاع و خبزته، و عند المغرب وضعت الطعام، إذ وقف بالباب أسير يقول: «السّلام عليكم يا أهل بيت النبوّة، تأسروننا و لا تطعموننا. أطعموني فأنا أسير». فأعطوه الطعام..!
و أقبل علي و معه الحسن و الحسين يرتعشان كالفرخين من شدّة الجوع على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال: «يا أبا الحسن! لشدّ ما يسوؤني ما أدرككم. انطلقوا بنا إلى ابنتي فاطمة». فانطلقوا إليها و هي في محرابها، و هي قد غارت عيناها من شدّة الجوع، فقال عليه الصلاة و السّلام: «وا غوثاه»!.. ثم ضمّها إليه.
فأنزل اللّه تعالى آيات من سورة الإنسان.. هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1). إلى وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً (2). و فيها يتحدّث سبحانه عن الأبرار:
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً (3)(4).
بدون أن يكون الإنسان حليما لا يكون عظيما.
ذلك أن «الحلم و الأناة توأمان ينتجهما علوّ الهمّة»(1)، فصاحب القلب الكبير يتحمّل الشيء الكثير، بينما أصحاب القلوب الصغيرة يغضبون و يثورون لأتفه الأشياء..
و هكذا فإن «الحلم رأس الرئاسة»(2)شأنه في ذلك، شأن سعة الصدر، فإن «من حلم ساد»(3)و الغضوب أبعد شيء عن السيادة إذ إن «أول عوض الحليم من خصلته أن الناس أعوانه على الجاهل»(4)«فبالحلم تكثر الأنصار»(5)و «من حلم من عدوّه ظفر به»(6).
و على كل حال فإن «الحلم قدام السفينة»(1)و «نور جوهرة العقل»(2)و «حجاب من الآفات»(3)و «حلية العلم و علّة السلم»(4)و «نظام أمر المؤمن»(5).
و قد يتساءل البعض: ما هو الحلم؟ و كيف يكون الإنسان حليما؟
و الجواب: «إنما الحلم كظم الغيظ و ملك النفس»(6).
فليس الحلم أن لا تثور في داخلك، بل هو أن تملك غضبك و لا تنساق معه، و تتحمّل الأذى، و لا تردّ على كل ما يقال عنك، و بكلمة فإن «الحليم من احتمل إخوانه»(7).
أمّا كيف نحصل على فضيلة الحلم، فبالتصميم على ذلك، و بذل المحاولة و التدريب «فإن لم تكن حليما فتحلّم فإنّه قلّ من تشبّه بقوم إلاّ أوشك أن يكون منهم»(8)«فمن تحلم حلم»(9)
و «من لم يتحلم لم يحلم»(1)و هكذا فإنه ليس ضروريا أن تكون حليما في داخلك، بل يكفي أن تظهر الحلم مع قطع النظر عن حالتك النفسية، و لذلك فإنه «قد يتزيّا بالحلم غير الحليم»(2).
ثم إن الحلم، و ضبط النفس لهما القيمة حين القدرة على الرّد و الانتقام، لا عند العجز عن ذلك. ف «من أحسن أفعال القادر أن يغضب فيتحلّم»(3)«فليس الحليم من عجز فهجم و إذا قدر فانتقم. إنما الحليم من إذا قدر عفا و كان الحلم غالبا على أمره»(4).
و هكذا كان أمير المؤمنين عليه السّلام و قد جاء في كتب التاريخ: «أن عليا عليه السّلام كان إذا صلّى الفجر لم يزل معقّبا إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء و المساكين و غيرهم من الناس، فيعلّمهم الفقه و القرآن، و كان له وقت يقوم فيه من مجلسه ذلك، فقام يوما فمرّ برجل، فرماه بكلمة هجا فيها الإمام: فرجع عوده على بدئه، و أمر فنودي:
الصلاة جامعة.
ثم صعد المنبر فحمد اللّه و أثنى عليه و قال:
أيّها الناس إنّه ليس شيء أحبّ إلى اللّه و لا أعمّ نفعا من حلم إمام و فقهه، و لا شيء أبغض إلى اللّه و لا أعمّ ضررا من جهل إمام و خرقه.
ألا و إنّه من لم يكن له من نفسه واعظ لم يكن له من اللّه حافظ.
ألا و إنّه من أنصف من نفسه لم يزده اللّه إلاّ عزّا.
ألا و إنّ الذلّ في طاعة اللّه أقرب إلى اللّه من التعزّز في معصيته».
ثمّ قال: أين المتكلّم آنفا؟ فلم يستطع الإنكار، فقال: ها أنا ذا يا أمير المؤمنين.
فقال: أما إنّي لو أشاء لقلت.
فقال الرجل إن تعفو و تصفح فأنت أهل لذلك؟
فقال: عفوت و صفحت(1).
و لقد تعلّم الإمام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الكثير في هذا المجال، فقد أوصاه النبي حين زوّجه ابنته فاطمة الزهراء عليها السّلام قائلا:
1) بحار الأنوار: ج 41، ص 133.
«يا علي! لا تغضب، و إذا غضبت فاقعد و تذكّر قدرة اللّه تعالى على العباد، و حلمه عنهم. و إذا قيل لك: اتّق اللّه، فاترك غضبك عنك و ارجع لحلمك»(1). و علّمه: «من كظم غيظا و هو يقدر على إنفاذه ملأه اللّه إيمانا و أمنا»(2). و علّمه:
«ثلاث من لم تكن فيه واحدة منهنّ فلا تعتدّوا بشيء من علمه:
تقوى تحجزه عن معاصي اللّه، و حلم يكفّ به السفيه، و خلق يعيش به في الناس»(3)و على هذه التعاليم التي تلقاها منذ نعومة أظفاره، عاش الإمام علي عليه السّلام و تربّى.
و لكم عفا و كظم غيظه؟
و لكم حلم و ضبط غضبه؟
و لكم واجه السفهاء بوقاره و حلمه؟
و قد روي في ذلك ذات مرة عربد عليه أحد حسّاده، فنصحه بعض أن يشكوه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فرفض ذلك و قال: «إنّي لأستحي من اللّه أن يكون هناك ذنب أعظم من عفوي، أو جهل أعظم من حلمي، أو عورة لا يداريها ستري، أو خلّة (الحاجة و الفقر) لا يسدّها جودي»(4).
و في حادثة أخرى: روي أن امرأة جميلة في الكوفة مرّت قرب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام و هو جالس مع جماعة، فرمقها بعض القوم بأبصارهم، فنهاهم أمير المؤمنين عليه السّلام عن ذلك قائلا:
«إن عيون هذه الرجال لواقح، و إن ذلك سبب هلاكها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلتمس أهله، فإنما هي امرأة كامرأة.
فقال رجل من الخوارج: «قاتله اللّه من كافر ما أفقهه» فوثب القوم إليه يريدون تأديبه، فقال عليه السّلام ناهيا لهم:
رويدا إنما هو سبّ بسبّ، أو عفو من ذنب.
ثم عفا عنه و تركه و شأنه(1).
حقا إنّ أمير المؤمنين نموذج عظيم يجب الاقتداء به من قبل كل الحكّام و الرؤساء إذا أرادوا كسب رضا اللّه تعالى.
فعدا عن عفوه العظيم، كانت له قدرة كبيرة على ضبط النفس، و الحلم عن جهل الجاهلين.. رغم قدرته على أن ينتقم و يجازي.
فبعد معركة الجمل و انتصاره على طلحة و الزبير و عائشة
1) السبيل إلى إنهاض المسلمين: ص 440.
أمر الإمام بأن توضع عائشة باحترام في بيت «عبد اللّه بن خلف الخزاعي» و كان قصرا كبيرا، له حديقة و فناء واسع، و قام بزيارتها أكثر من مرّة، في الأولى منها استقبلته «صفية بنت الحارث» بشكل غير مؤدّب فقالت له:
فلم يجبها الإمام بشيء، سوى دعائه لها بالصبر.
و حينما خرج من عند عائشة أعادت صفية كلامها البذيء السابق. فقال لها الإمام:
و حاول بعض من كان مع الإمام أن يبطش بها فزجرهم الإمام زجرا عنيفا(1).
حقا إنّ «الحلم يطفىء نار الغضب، و الحدّة تؤجج إحراقه»(2). و «كفى بالحلم ناصرا»(3).
و لهذا فإنه «ليس الخير أن يكثر مالك و ولدك و لكن الخير أن يكثر علمك و يعظم حلمك»(1).
و لقد سئل الإمام عليه السّلام: من أقوى الخلق؟ فقال الحليم»(2).
العمل اليدوي ليس عيبا بل هو مقدّس.
فالإنتاج الشخصي، و ممارسة مهنة من المهن شيمة من شيم عظماء التاريخ، فما من نبي إلاّ و كان يسترزق من كدّ يمينه و عرق جبينه، فمنهم من كان زارعا، و منهم من كان حدادا، و منهم من كان يصنع الجلود، و منهم من كان تاجرا، و كثير منهم كانوا رعاة أغنام..
نبينا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يعمل راعيا للأغنام، و أمينا على أموال خديجة، و يعمل بيديه في أكثر الأحيان. و كان يقول: «من أكل من كدّ يده نظر اللّه إليه بالرحمة، ثم لا يعذّبه أبدا»(1)و يوصي أصحابه بالاعتماد على أيديهم و يقول: «من أكل من كدّ يده كان يوم القيامة في عداد الأنبياء، و يأخذ ثواب الأنبياء»(2).
و «كان أمير المؤمنين عليه السّلام يضرب بالمر (المسحاة)، و يستخرج الأرضين، و أنه أعتق ألف مملوك من كدّ يده»(1).
و ربما «كان يخرج و معه أحمال النوى، فيقال له: يا أبا الحسن، ما هذا معك؟ فيقول: «نخل إن شاء اللّه» فيغرسه، فما يغادر منه واحدة»(2).
و كان يقول: «من لم يصبر على كدّه، صبر على الإفلاس»(3). و يقول: «إن الأشياء لمّا ازدوجت، ازدوج الكسل و العجز فنتج منهما الفقر»(4).
و روي «أن أمير المؤمنين عليه السّلام لمّا كان يفرغ من الجهاد يتفرّغ لتعليم الناس و القضاء بينهم، فإذا فرغ من ذلك اشتغل في حائط له، يعمل فيه بيديه، و هو مع ذلك ذكر اللّه تعالى»(5).
و بالإضافة إلى أن العمل اليدوي عند الإمام كان ضروريا للصحة و السلامة الجسمية، فإنّ الإمام عليه السّلام كان يعمل بيديه حتى لا يأكل من بيت المال، فهو يريد أن يعطي لا أن يأخذ، حتى بمقدار حقّه كفرد مسلم من عامة النّاس، و لذلك فإنه عليه السّلام
كثيرا ما كان ينفق سهمه في سبيل اللّه.. ثم يعمل أجيرا لدى بعض أصحاب الأراضي حتى يسترزق..
كما أنه عليه السّلام، كان يرفض أن يعيش عالة على أحد، و يقول: «استغن عمّن شئت تكن نظيره»(1)و يقول: «و إن استطعت أن لا يكون بينك و بين اللّه ذو نعمة فافعل، فإنك مدرك قسمك و آخذ سهمك»(2).
فمهما كان فإن في مقدور أي إنسان أن يكون منتجا بمقدار حاجته، و عاملا في الحياة قدر استطاعته و معمرا للأرض على قدر همّته «فإن اللّه تعالى في قوله: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها (3)أعلمنا أنه قد أمرهم بالعمارة، ليكون ذلك سببا لمعايشهم، بما يخرج من الأرض من الحبّ و الثمرات و ما شاكل ذلك مما جعله اللّه معايش للخلق(4).
و لهذا فقد جاءت الروايات تترى في ضرورة العمل اليدوي، و الإنتاج الشخصي مثل الحديث الذي يقول: «ما أكل
أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده»(1)و «أزكى الأعمال كسب المرء بيده»(2)و «ما أكل عبد طعاما أحب إلى اللّه تعالى من كدّ يده، و من بات كالاّ من عمله بات مغفورا له»(3)و «أطيب الكسب عمل الرجل بيده»(4)و «مرّ داود بإسكافي فقال: يا هذا اعمل و كل، فإن اللّه يحب من يعمل و يأكل و لا يحب من يأكل و لا يعمل»(5). و «من أكل من كدّ يده حلالا فتح اللّه له أبواب الجنّة، يدخل من أيّها شاء»(6)و «من أكل من كدّ يده نظر اللّه إليه بالرحمة ثم لا يعذّبه أبدا»(7)«و من أكل من كدّ يده يكون يوم القيامة في عداد الأنبياء و يأخذ ثواب الأنبياء»(8)و لقد تعلّم الإمام علي عليه السّلام من أستاذه العظيم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فيما تعلّم من معاني القرآن أن اللّه لا يكتفي من العبد المطيع التقي بالإيمان وحده، بل اللّه يقرن الإيمان
بالعمل.. فكلما ذكر اللّه تعالى الإيمان في آية عطف عليه العمل الصالح: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ (1).
أما الإيمان فمعروف، و فيه أداء العبادات المفروضة، و أما العمل الصالح فهو ما ينهض بأدائه و إتقانه كل إنسان في أية جماعة إنسانية من أعمال مشروعة تكفل له معاشه، و تحقق المصلحة للأمة جميعا..
لقد تعلّم عليّ من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن من يسعى في طلب الرزق كمن ينقطع للعبادة، و أن طلب العلم فريضة، و أن العمل شرف و إتقانه واجب شرعي، و أن الجهاد في سبيل اللّه و العمل لعمارة الأرض و إسعاد الناس، و الجهد في تحقيق مصالح الأمة، هي أفضل ما يتقرّب به العبد الصالح إلى اللّه، و هي الأعمال التي يحبّها اللّه.
و لذلك فقد روي «أن أمير المؤمنين كان يكدح بكدّ يده، ثم إذا جمع مالا اشترى عبدا فأعتقه في سبيل اللّه»(2).
و روي: «أن عليا عليه السّلام كان يعمل بيده، و يجاهد في سبيل اللّه، و أقام على الجهاد أيّام حياة رسول اللّه، و منذ قام بأمر الناس إلى أن
قبضه اللّه، و كان يعمل في ضياعه ما بين ذلك. فأعتق ألف مملوك، كل ذلك من كسب يده»(1).
و هكذا فإنه كان يعتبر العمل اليدوي تأسّيا بالأنبياء و يقول:
«.. و لقد كان في رسول اللّه كاف لك في الأسوة... و إن شئت ثلّثت بداود عليه السّلام صاحب المزامير، و قارىء أهل الجنّة، فلقد كان يعمل سفائف الحوض بيده، و يقول لجلسائه: أيّكم يكفيني بيعها؟ و يأكل قرص الشعير من ثمنها»(2).
هل «الدنيا و الآخرة عدوان متفاوتان، و سبيلان مختلفان، فمن أحبّ الدنيا تولاّها و أبغض الآخرة و عاداها، و هما بمنزلة المشرق و المغرب، و ماش بينهما، كلّما قرب من واحد بعد من الآخر، و هما بعد ضرّتان»(1)؟.
و هل «أن في طلب الدنيا إضرارا بالآخرة، و في طلب الآخرة إضرارا بالدنيا(2)!
و هل «طلب الجمع بينهما من خداع النفس»(3)؟
و هل هما «ككفتّي الميزان فأيّهما رجح ذهب بالآخر»(4)؟
و هل كلما فات من الدنيا غنيمة(5)؟
و هل «مرارة الدنيا حلاوة الآخرة، و حلاوة الدنيا مرارة الآخرة»(1)، و أن «ما زاد في الدنيا نقص في الآخرة، و ما نقص في الدنيا زاد في الآخرة»(2)؟
أم أن الدنيا و الآخرة وجهان لعملة واحدة و أن «الدنيا مزرعة الآخرة»(3)و «بالدنيا تحرز الآخرة»(4)و أنه «لنعم العون الدنيا على الآخرة»(5)؟
و في الحقيقة إنّ الدنيا ليست بالنسبة إلى الجميع واحدة، فهي ليست إمّا خيرا أو شرا، بل إن «الدنيا دنياوان: دنيا بلاغ، و دنيا ملعونة»(6).
فمن جعل همّه الدنيا، فأراد الدنيا لذاتها، و اعتبرها هدفا له و لا شيء وراء ذلك كانت بالنسبة إليه ملعونة، لأن في ذلك هلاكه، فهي إذن شرّ، لأنه خسر نفسه فيها و لم يربح شيئا.
أمّا من جعلها مزرعة لآخرته، و دارا بها يبلغ مبتغاه في العقبى، فهي نعم الدار. «لمن لم يرض بها دارا»، و «محلّ من
لم يوطنها محلا»(1)فالدنيا «دار الظالمين إلاّ العامل فيها بالخير فإنها له نعمت الدار»(2)«فاللّه سبحانه جعل الدنيا لما بعدها، و ابتلى فيها أهلها، ليعلم أيّهم أحسن عملا، و لسنا للدنيا خلقنا، و لا بالسعي فيها أمرنا»(3).
إن «الدنيا قنطرة»(4)و نحن فيها «كعابري سبيل»(5)و مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ (6)و «إنما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر بنا بهم منزل جديب فأمّوا منزلا خصيبا، و جنابا مريعا فاحتملوا و عثاء الطريق، و فراق الصديق، و خشونة السفر، و جشوبة المطعم ليأتوا سعة دارهم و منزل قرارهم»(7).
و ما مثل أحدنا «و مثل الدنيا إلاّ كراكب سار في يوم صائف فاستظلّ تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح و تركها»(8).
«فالدنيا أمد و الآخرة أبد»(9).
و هكذا، فإنه ليست الدنيا إلاّ لكي «يتزوّد العبد من دنياه لآخرته و من حياته لموته، و من شبابه لهرمه فإن الدنيا خلقت لكم و أنتم خلقتم للآخرة»(1).
و بهذه النظرة الصائبة إلى الدنيا، فإنها تكون للناس على نوعين:
الأول: من يغترّ بها، و يعبدها و يفنى فيها.
الثاني: من يعبر منها، و يتزوّد فيها، و يكسب بها الآخرة.
و لا شك أننا لا يمكن أن نستغني عن الحدّ الأدنى من الدنيا إذ كيف تعيش، و تعمل، و تطيع اللّه، و تنفع العباد إذا تركناها جملة و تفصيلا. و هل يمكن تصوّر ترك الدنيا كاملة إلاّ في صورة الانتحار، أو الإضراب عن الطعام و الشراب حتى الموت؟
إن الحدّ الأدنى من الدنيا ضرورة، و لذلك لا يجري الحديث حول مشروعيتها و عدمه، لأن الأمر ليس متروكا لنا، مثلما الحفاظ على الحياة ضرورة. أمّا الحدّ الأعلى منها فهو غير ضروري، بل إنه وبال على الإنسان، لأن ما يزيد عن الحاجة غنمه لغيرك و غرمه عليك.
1) تنبيه الخاطر: ص 36.
إذن، فما هو ضروري لك من الدنيا فهو واجب.
و ما هو غير ضروري لك فهو زائد..
نعم، قد يتطرّف البعض في الزهد، أو يفهمه خطأ، أو يظن أن المؤمنين مكلفون بترك الدنيا لأهل الكفر و الفسق و الفجور، أو أن الزهد في الدنيا يعني الزهد في العمل و النشاط، و إشاعة الخير. كما قد يتطرّف البعض في البحث عن الدنيا إلى درجة الطمع و الجشع و الترف و التكاثر..
فالحدّ الوسط هو أن نسعى لدنيانا من أجل آخرتنا، فنجعل ما فيها لما بعدها. لا العكس. و أن نعمل لأجل الآخرين حتى تكون لهم حياة حرة كريمة. فيكون زهدنا في الدنيا زهد المقتدر لا زهد العاجز، و زهد الذي يريد الآخرة، و يبتغي بما أتاه اللّه الدار الآخرة و لكنه لا ينسى نصيبه من الدنيا..
إننا مطالبون بالكدّ في الدنيا، و العمل لعمارتها، كما نحن مطالبون بالالتزام بالقيم و المثل و أحكام الشرع. فالمطلوب ليس هو الزهد في الدنيا بل الزهد عنها. فليس الزهد عن تعمير الأرض للآخرين و تطويرها لعباد اللّه، و بنائها للنفع العام، إلاّ زهدا في النشاط، و تركا للعمل و الطاعة، و هو زهد مرفوض.
كما أنّ الانشغال بكل ما سبق عن العبادة، و هداية الناس،
و العمل الصالح هو الولع الباطل بالدنيا، و هو رأس كل خطيئة..
إن الدنيا وسيلة.. فكيف نستخدمها بجعلها خيرا، أو شرا، صالحا أو ضارا، طاعة، أو معصية.
إن «الدنيا سوق ربح فيها قوم و خسر آخرون»(1)ربحها من نظر إليها «نظر الزاهد المفارق»(2)و خسرها من نظر إليها «نظر العاشق الوامق»(3). ربحها من يعطي منها، و خسرها من يعطي لها. ربحها من اشترى نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللّهِ (4).
و خسرها من وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (5).
إن «الناس أبناء الدنيا و لا يلام الرجل على حبّ أمه»(6)لأن الولد مطبوع على ذلك(7)، و إنما يلامون إذا نسوا الآخرة، و لم يعملوا لها، فاستعبدوا في الدنيا، و فارقوها بلا أعمال صالحة، و لا مواقف نافعة..
يقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا تسبوا الدنيا فنعمة مطيّة المؤمن
فعليها يبلغ الخير و بها ينجو من الشر. إنه إذا قال العبد: لعن اللّه الدنيا، قالت الدنيا: لعن اللّه أعصانا للرّب»(1).
إذن ف «ليس من حب الدنيا طلب ما يصلحك»(2)و قد روي أن رجلا قال للإمام: «إنّا لنحب الدنيا. فقال له الإمام:
«و ما ذا تصنع بها»؟ قال: «أتزوج منها، و أحجّ، و أنفق على عيالي و أنيل أخواني، و أتصدّق. فقال عليه السّلام: «هذا ليس من (حب) الدنيا، هذا من (حب) الآخرة»(3).
من هنا فليس الفقر خيرا. و لا البؤس فخرا، و لا الحاجة صلاحا و لا الجوع فلاحا. «لأن الفقر (هو) الموت الأكبر»(4)و قد «كاد الفقر أن يكون كفرا»(5)و ذلك لأن «الفقر يخرس الفطن عن حاجته»(6)و «الفقر في الوطن غربة(7)بينما الغنى في الغربة وطن»(8).
إن الحفاظ على التوازن بين طلب الحدّ الأدنى من الدنيا،
و العمل لأجل الحدّ الأعلى من الآخرة، هو أعلى أنواع الصلاح، ثم تتدرّج مراتبه حسب اختلال هذا التوازن. فقد يطلب أحدنا الحدّ الأعلى من الدنيا و الحد الأدنى من الآخرة، فيعيش في قضايا دينه على الحافة، و لكنه في قضايا دنياه يطلب النصيب الأعلى، فهو ليس من أهل الباطل و لكنه ليس من السابقين السابقين أولئك المقرّبون.
و على كل حال فقد روي: «إن أعظم الناس هما المؤمن: «يهتمّ بأمر دنياه و أمر آخرته»(1)و روي أيضا:
«اجعلوا لأنفسكم حظا من الدنيا بإعطائها ما تشتهي من الحلال، و ما لا يثلم المروءة، و ما لا سرف فيه، و استعينوا بذلك على أمور الدّين، فإنه روي «ليس منا من ترك دنياه لدينه، أو ترك دينه لدنياه»(2).
إن من سوء الفهم لدى البعض الإسراف في الانكباب على الدنيا متعللا بقوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ (3).. أو الإعراض عن العمل
و العزوف عن الحياة متمسحا بقوله تعالى: وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ (1).
يقول الإمام علي عليه السّلام: «ألا و إنّ من البلاء الفاقة، و أشدّ الفاقة مرض البدن، و أشدّ من مرض البدن، مرض القلب.
و أفضل من سعة المال صحّة البدن، و أفضل من صحة البدن تقوى القلب»(2).
لقد كان الإمام عليه السّلام مع الفقراء.. و لكنه عليه السّلام لم يكن يريد لهم الفقر، بل الغنى، و لم يكن يريد لهم المرض بل الصحة، فهو لم يكن يدفع الفقراء جانبا و يطردهم كما يفعل المترفون، بل كان يعيش معهم حتى يرفعوا الفقر عن أنفسهم، و يزيلوا البؤس عنها. «فالخير: الصحّة و الغنى.. و الشر: المرض و الفقر»(3)و «الحرمان خذلان»(4)و «القلّة ذلّة»(5)و لقد قال الإمام لولده محمد ابن الحنفية: «يا بني.. إني أخاف عليك
الفقر فاستعذ باللّه منه، فإنّ الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت»(1).
إن الإمام علي عليه السّلام يذمّ أهل الدنيا، ممّن غرّتهم بهارجها فنسوا الآخرة، فظن بعض أصحابه أنه يدعوهم إلى الخروج عمّا أحلّ اللّه تعالى من متاع الحياة فترك أحدهم - و هو «عاصم بن زياد» - أهله و بنيه، و لبس مرقعة، و اعتكف للعبادة، فجاء أخوه «الربيع بن زياد» إلى أمير المؤمنين و شكاه، و قال:
إنه قد غمّ أهله، و أحزن ولده بذلك، فدعاه الإمام فلمّا رآه عبس في وجهه، و قال له: أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أ ترى اللّه أحلّ لك الطيّبات و هو يكره أخذك منها؟ أنت أهون على اللّه من ذلك، أو ليس اللّه يقول:
وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (10) فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (2)؟ أو ليس يقول: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (19) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (3)إلى قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَ الْمَرْجانُ (4)
فباللّه لابتذال نعم اللّه بالفعال أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال و قد قال اللّه عزّ و جلّ: وَ أَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (1)(2).
فدع التواضع في الثياب فالله يعلم ما تجن و تكتم
تخوّفا
فرثاث ثوبك لا يزيدك زلفة عند الإله و أنت عبد مجرم
و بهاء ثوبك لا يضرّك بعد أن تخشى الإله و تتّقي ما يحرم
فاعلم رحمك اللّه أنه لا بأس بالغنى لمن اتقى، و اعلم أن الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك على الكذب حيث ينفعك، و أن لا يكون في حديثك فضل (زيادة) على عملك، و أن تتّقي اللّه في حديث غيرك... فلا تعتزل الناس، فلا رهبانيّة فى الإسلام.. و تدبّر قول الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «رهبانية أمّتي الجهاد». و تعلّم و علّم غيرك، فما أخذ اللّه على أهل الجهل أن يتعلّموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. و كفاك أدبا لنفسك اجتناب ما تكرهه لغيرك. فخذ من الدنيا ما أتاك، و تولّ عمّا تولّى عنك»(3).
فقال عاصم بن زياد:
«يا أمير المؤمنين.. تنهاني عن العزوف عن زينة الحياة
التي أحلّ اللّه لعباده و الطيبات من الرزق، فعلام اقتصرت في مطعمك على الجشوبة و في ملبسك على الخشونة؟ و تركت قصر الإمارة و نزلت منزل أفقر أهل الكوفة؟!».
فضحك الإمام سلام اللّه عليه، و قال: «إن اللّه الذي جعلني إماما لخلقه فرض عليّ التقدير في نفسي و مطعمي و مشربي و ملبسي و مسكني كضعفاء الناس» و أضاف: «ويحك إن اللّه تعالى فرض على أئمّة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيّغ بالفقير فقره».
فألقى عاصم بن زياد العباء و لبس الملاء (و هو ثوب يلبس على الفخذين)(1).
و في الحق أن العمل لإصلاح الدنيا و عمارتها لا العزوف عن العمل و اعتزال الدنيا، كان جوهر دعوة الإمام علي عليه السّلام إلى الزهد.. و العمل الصالح الذي يحضّ عليه، ليس هو أداء العبادات المفروضة فحسب، و إنما هو العمل المنتج في المعاملات.. و هو العمل الذي به عمارة الأرض، و عليه تقوم مصالح العباد..
من أجل ذلك اهتم بألوان النشاط الإنساني التي تخدم المجتمع و انشغل بها و حضّ عليها.. يدوية كانت أم فكرية!..
1) أصول الكافي: ج 1، ص 411.
إنه ينكر الانقطاع عن الدنيا زهدا فيها كما يرفض الانقطاع لها انشغالا بها.. من أجل ذلك عرف الزهد بقوله: «الزهد كلمة بين كلمتين في القرآن. قال سبحانه: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَ اللّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (1). فمن لم يأس على الماضي، و لم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه»(2)..
و يقول: «للمؤمن ثلاث ساعات، فساعة يناجي فيها ربه، و ساعة يروم فيها معاشه، و ساعة يخلي فيها بين نفسه و بين لذتها فيما يحل و يجمل.. و ليس للعاقل أن يكون شخصا إلاّ في ثلاث: مرمة لمعاش، أو خطوة في معاد، أو لذّة في غير محرم».
لقد رأى الإمام رجلا قد بنى دارا واسعة كبيرة، فقال له:
لقد اتّخذت دارا واسعة، ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا و أنت إليها في الآخرة كنت أحوج». فأجابه صاحبه في حياء و ندم: «بلى يا أمير المؤمنين».
فقال الإمام: «بلى.. إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري
بها الضيف، و تصل فيها الرحم، و تطلع منها الحقوق مطالعها.
فإذا أنت بلغت بها الآخرة»(1).
و هكذا، فإن نظرة المؤمن إلى الدنيا، ليست نظرة العازف عن الحياة بل نظرة الحكيم الذي يعرف أن وراءها هدفا، و لذلك فإن أهل التقوى يحصلون من الدنيا ما يحصل الآخرون منها مع فارق واحد هو أن المتقين يحصلون على الدنيا و الآخرة بينما غيرهم قد يحصل على الدنيا و لكن ليس له في الآخرة من نصيب.
يقول الإمام علي عليه السّلام «اعلموا - عباد اللّه - أن المتّقين ذهبوا بعاجل الدنيا و آجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، و لم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، و أكلوها بأفضل ما أكلت فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، و أخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكّبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ، و المتجر الرابح، أصابوا لذّة زهد الدنيا في دنياهم، و تيقّنوا أنهم جيران اللّه غدا في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة، و لا ينقص لهم نصيب من لذّة»(2).
ثم إن هناك من يكون زهده في الدنيا هروبا من مواجهة الصعاب، و تحمّل المشاقّ فهو عاشقها و لكنه عاجز عنها. أو أنّه يحاول أن يلقي كل المسؤولية عن تردّي أوضاع الناس، و أوضاعه على الدنيا، لتكون مسؤولية صلاح الأرض على غيره و مسؤولية الفساد على مجهول..
لقد سمع الإمام علي عليه السّلام رجلا من هذا النوع، يذمّ الدنيا هروبا من جهة و تخلّصا من المسؤولية من جهة أخرى، فقال له:
«أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك»؟
«متى استهوتك؟ أم متى غرّتك؟ أ بمصارع آبائك من البلى؟ أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى»؟
«كم علّلت بكفّيك؟ و كم مرّضت بيديك، تبتغي لهم الشفاء و تستوصف لهم الأطباء، غداة لا يغني عنهم دواؤك، و لا يجدي عليهم بكاؤك، لم ينفع أحدهم إشفاقك، و لم تسعف فيه بطلبتك، و لم ترفع عنه بقوّتك!، و قد مثّلت لك به الدّنيا نفسك، و بمصرعه مصرعك».
«إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، و دار عافية لمن فهم عنها، و دار غنى لمن تزوّد منها، و دار موعظة لمن اتّعظ بها.
مسجد أحباء اللّه، و مصلّى ملائكة اللّه، و مهبط وحي اللّه، و متجر أولياء اللّه.. اكتسبوا فيها الرّحمة، و ربحوا فيها الجنّة».
«فمن ذا يذمّها و قد آذنت ببيّنها، و نادت بفراقها، و نعت نفسها و أهلها، فمثلت لهم ببلائها البلاء، و شوّقتهم بسرورها إلى السرور؟ راحت بعافية، و ابتكرت بفجيعة ترغيبا و ترهيبا، و تخويفا و تحذيرا، فذمّها رجال غداة الندامة، و حمدها آخرون يوم القيامة. ذكّرتهم الدنيا فتذكروا، و حدّثتهم فصدّقوا، و وعظتهم فاتّعظوا»(1).
فالدنيا إذن، دار صدق لمن صدق معها، و اتّعظ بما فيها، و هي دار غرور لمن اغترّ بها. و هكذا فإن الدنيا كما سبق دنياوان دنيا بلاغ، و دنيا ملعونة. أعاذنا اللّه من شرورها و غرورها إن شاء اللّه..
1) البيان و التبيين: ج 1، ص 219.
هنا لك من يتّخذ الحياة لهوا و لعبا.
و هناك من يتّخذها شدّة و غضبا.
و كلاهما على خطأ!
ففي الحياة ساعات جدّ، لا بد أن يكون المرء فيها، كجلمود الصخر، جادا بلا حدود.. و فيها ساعات فرح فلا بد أن يتمتّع فيها بالمرح.
إن العظماء، شأنهم شأن باقي الناس، يتمتعون بقلوب ملؤها الرحمة، و العطف و الحب.. و من هنا فإنهم، كغيرهم من البشر، يحبون المرح الحق، في ساعاته، و يمارسون المزاح و الدعابة مع من حولهم، و لا يقولون إلاّ حقا..
و حدهم الجبّارون هم الّذين لا يتضاحكون، و لا يمزحون.
يقول الحديث الشريف: «المؤمن: دعب لعب، و المنافق: قطب غضب»(1).
و لذلك فإنه «ما من مؤمن إلاّ و فيه دعابة»(2).
إلاّ أن المزاح له حدود، فليس المؤمن كثير المزاح لأن «من جعل ديدنه الهزل، لم يعرف جدّه»(3)، و «من كثر مزاحه قلّ وقاره»(4).
و على كل حال «فإن اللّه يحب المداعب في الجماعة بلا رفث»(5).
و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إني لأمزح و لا أقول إلاّ حقا»(6).
و هكذا الإمام علي عليه السّلام كان مع أصحابه كأحدهم يمزح معهم حينا، و يسوقهم إلى الحق بجد أحيانا.. حتى لقد قالوا فيه بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنه أحق الناس بالخلافة، لو لا أن فيه دعابة!
و قد نشروا ذلك عنه في الشام، حتى قال عليه السّلام: «عجبا
لابن النابغة، يزعم لأهل الشام أنّ فيّ دعابة، و أني امرؤ تلعابة، أعافس و أمارس، لقد قال باطلا، و نطق آثما»(1).
فدعابة الإمام كانت في حق، لا في باطل فلم يكن عليه السّلام «تلعابة» و لم «يعافس» أو «يمارس»..
و إليكم بعض مزاحه.. كما جاء في التاريخ:
«أقبل رجلان من شيوخ القبائل يهنئان أمير المؤمنين بالعودة و بالنصر، فأراد أن يكرمهما، فألقى إليهما بوسادتين فقعد أحد الرجلين على الوسادة، و لم يقعد الآخر، بل قعد على الحصير كما يقعد أمير المؤمنين، فقال له الإمام مداعبا:
«اقعد على الوسادة يا رجل، فلا يأبى الكرامة إلاّ حمار»! و ضحكوا جميعا، و قعد الرجل، و ذهبت مثلا»(2)!.
و حينما اقتحم أصحاب الجمل دار الصحابي الجليل «عثمان بن حنيف» و نتفوا شعر لحيته و رأسه و شعر عينيه تنكيلا به، ثم تركوه ذهب «عثمان» هذا إلى أمير المؤمنين و هو يستريح في موضع على طريقه إلى البصرة، فلما رآه يبكي أراد الإمام أن يهوّن عليه فقال له مداعبا:
«ويحك يا عثمان بن حنيف، أرسلناك و أنت شيخ كثيف الشعر، فعدت إلينا بلا شعر كغلام أمرد»!(1).
و كما كان عليه السّلام يمزح مع أصحابه، كان أصحابه أيضا يمزحون معه.. أو يذكرون عنده طرائف الحكم حسب ما أوصى به رسول اللّه حين قال: «إن هذه القلوب تملّ كما تملّ الأجسام فاطلبوا لها طرائف الحكم».
فقد لا حظ «أبو الأسود» بعد معارك صفّين أن أمير المؤمنين لم يعد ضاحك السن كما عرفه من قبل، فأراد أن يسري عنه فقال له: «يا أمير المؤمنين ما زلت أعمل بنصيحتك: «سل عن الجار قبل الدار و عن الرفيق قبل الطريق» حتى ابتليت بجار حسبته صالحا، فإذا به يقذفني بالحجارة كل يوم، فبعت الدار، فعيّرني الناس بأني بعت داري، فقلت لهم:
ما بعت داري بل بعت جاري»!.
فضحك الإمام من دعابته، و ضحك معه الحاضرون(2).
قد تكون المعارضة لحكم باطل لا يشوبه حق.
و قد تكون لحق يشوبه باطل.
في الصورة الأولى، مثل معارضة الاحتلال الأجنبي، و سيادة أهل الباطل ممّن لم يأت إلى الحكم باختيار الناس بل عنوة عنهم. أو حكم الكفر الصراح، فلا بدّ أن تكون المعارضة شاملة، و بلا حدود إلاّ حدود المثل و القيم، لأن الطرف الآخر يريد القضاء عليك، و سحق شخصيتك.
و في الصورة الثانية، مثل المعارضة لحكم انتخبه الناس، و لكن عليه مآخذ مثل ممارسة بعض الظلم، و عدم تطبيق الحق بشكل كامل، فإنّه لا بدّ أن تلتزم المعارضة بحدودها الأخلاقية، و موازينها الشرعية.
و هذه الحدود تشمل - فيما تشمله - الأمور التالية:
أولا: أن لا تقع المعارضة في الأخطاء التي وقع فيها الحكم القائم، فإذا كان المأخذ الذي على الحكم هو الظلم و العدوان، فلا يجوز للمعارضة أن تمارس - هي الأخرى - الظلم بأي شكل من الأشكال، و في أي حدّ من الحدود، و بحقّ أي شخص كان.
ثانيا: أن تلتزم المعارضة بالأخلاق، مهما كانت الظروف و الأسباب التي قد تدعوها إلى خلاف ذلك. لكي تكون البديل الحضاري حقا، و لا تكون معارضتها ضمن إطار الصراع على السلطة.
ثالثا: أن لا تقف المعارضة ضد منافع الناس، و لا تقدم مصالحها على مصالحهم. و أن تقتصر مواجهتها للسلطات على ما تعارضه فيها، و لا تتعدّاه إلى غير ذلك..
إنّ الأخلاقية، هي التي تعطي للمعارضة مشروعيتها الحقيقية و هي التي تميّزها عن الأوضاع القائمة.. و أيّ تجاهل لها يسلبها مشروعيتها، و من ثمّ يبتعد عنها الناس..
لقد كانت للإمام علي عليه السّلام آراؤه الخاصة، بما جرى بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان معارضا له، كما كانت زوجته فاطمة الزهراء عليها السّلام حاملة الراية في مواجهته، و مع ذلك فإنّ الإمام لم
يخرجه غضبه عن الحق، كما لم يدخله رضاه في باطل. بقي معارضا فترة خمسة و عشرين عاما لاّ أنّه لم يتجاوز الحق، و لم يخالف الشرع، و لا ترك الالتزام بالأخلاق الفاضلة، حتى مع من كان يعارضه.
كان عليه السّلام يرى نفسه الأحق بالخلافة، و يصرّح بذلك جهارا، حتى لقد قال - بعد أن وصلت إليه أنباء السقيفة - و هو مشغول بغسل رسول اللّه، و تدفينه - «ما قالت الأنصار»؟ قالوا:
«قالت منّا أمير و منكم أمير».
فقال عليه السّلام: «فهلاّ احتججتم عليهم بأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم وصّى بهم بأن يحسن إلى محسنهم، و يتجاوز عن مسيئهم؟».
قالوا: و ما في هذه من حجّة؟
فقال عليه السّلام: «لو كانت الإمامة فيهم، لم تكن الوصيّة بهم».
ثم قال عليه السّلام: «فما ذا قالت قريش؟» قالوا: «احتجّت بأنها شجرة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم!».
فقال عليه السّلام: «احتجّوا بالشجرة، و أضاعوا الثمرة»(1)؟!
و كان يقول عليه السّلام: «أنا خليفة رسول اللّه و وزيره و وارثه. أنا
1) نهج البلاغة: الخطب 67.
أخو رسول اللّه و وصيّه و حبيبه. أنا صفيّ رسول اللّه و صاحبه.
أنا ابن عمّ رسول اللّه و زوج ابنته و أبو ولده. أنا سيّد الوصيين و وصيّ سيد النبيين، أنا الحجّة العظمى و باب النبيّ المصطفى»(1).
و كان بناء على ذلك يرى نفسه مظلوما، قد ظلم في حقه، و يروى في ذلك أنه سمع صارخا ينادي: «أنا مظلوم».
فقال له عليه السّلام: «هلمّ فلنصرخ معا، فإني ما زلت مظلوما منذ قبض رسول اللّه(2)و ما لقي أحد من الناس ما لقيت»(3).
و قال: «.. لقد علم المستحفظون من أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّي لم أردّ على اللّه، و لا على رسوله ساعة قط.
و لقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال، و تتأخّر فيها الأقدام، نجدة أكرمني اللّه بها».
«و لقد قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و إنّ رأسه لعلى صدري.
و لقد سالت نفسه في كفّي، فأمررتها على وجهي، و لقد ولّيت غسله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الملائكة أعواني، فضجّت الدار و الأقنيّة: ملأ
يهبط، و ملأ يعرج، و ما فارقت سمعي هينمة منهم، يصلّون عليه، حتى واريناه في ضريحه»..
«فمن ذا أحقّ به منّي حيا و ميتا»(1)؟؟
و لقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأصحابه: «إن تولّوا عليا تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم على الطريق المستقيم»(2).
و مع إيمان الإمام بذلك، لا تشوبه شائبة، إلاّ أنه وقف يعارض بشرف و أخلاق، بل و نصح الخلفاء و منحهم من عطفه، و ساعدهم في مشاكلهم، و علّمهم ما جهلوه، و قضى لهم فيما أشكل عليهم، و حاول مساعدة من تعرّض منهم للرفض من قبل المسلمين..
لقد كان الإمام سخي النفس حتى فيما يرتبط بالخلافة، أو ليس هو الذي قال لبعض أصحابه الذي سأله: «يا أمير المؤمنين.. كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام و أنتم أحقّ به»؟
قال عليه السّلام: «يا أخا بني أسد: إنّك لقلق الوضين، ترسل في غير سدد (استقامة) و قد استعلمت فاعلم: أمّا الاستبداد
علينا بهذا المقام و نحن الأعلون نسبا، و الأشدّون برسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نوطا (تعلّقا) فإنّها كانت إثرة (استئثار) شحّت عليها نفوس قوم، و سخّت عنها نفوس (قوم) آخرين، و الحكم للّه و المعوّد إليه القيامة»(1).
و قد لخّص الإمام موقفه العام في الخطبة المعروفة بالشقشقية و التي يقول فيها: «أما و اللّه لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، و إنه ليعلم أن محلّي منها محلّ القطب من الرّحى، ينحدر عني السيل، و لا يرقى إليّ الطير، فسدلت دونها (الخلافة) ثوبا، و طويت عنها كشحا، و طفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذاء (مقطوعة) أو أصبر على طخية (ظلمة) عمياء يهرم فيها الكبير، و يشيب فيها الصغير، و يكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه».
«فرأيت أن الصبر على هاتان أحجى (أولى) فصبرت و في العين قذى و في الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله، فأدلى بها (الخلافة) إلى فلان بعده:
شتان ما بيني على كورها و يوم حيان أخي جابر
فيا عجبا.. بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر
1) علل الشرائع: باب 119.
بعد وفاته - لشدّ ما تشطرا ضرعيها - فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها و يخشن مسّها، و يكثر العثار فيها، و الاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة (الإبل الجامحة) أن أشنق لها (شدّد لها) خرم (قطع) و أن أسلس لها تقحّم، فمني الناس (ابتلوا) بخبط و شماس (بحيرة و التباس) و تلوّن و اعتراض.
«فصبرت على طول المدّة، و شدّة المحنة، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم»..
«فيا للّه و للشورى.. متى أعترض الريب فيّ مع الأول منهم، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر»؟.
«لكنّي أسففت إذ أسفّوا، و طرت إذ طاروا.. فصغى رجل منهم لضغنه (حقده) و مال الآخر لصهره مع هن و هن. إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله (الروث) و معتلفه، و قام معه بنو أبيه يخضمون مال اللّه خضم الإبل نبتة الربيع».
«إلى أن انتكث عليه فتله، و أجهز عليه عمله، و كبت به بطنته»(1).
ذلك هو رأي الإمام فيما جرى بعد رسول اللّه، و مع ذلك فإنّه لم يبخل بكل ما في وسعه بالمساعدة مع الخلفاء لإقامة
1) فهرست ابن النديم: ص 224.
الحق و تحقيق العدل و الحفاظ على منافع العامة و هداية الناس.
و هو الذي قال: «اللّهمّ إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان، و لا التماس شيء من فضول الحطام، و لكن لنرد المعالم من دينك، و نظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك و تقام المعطلة من حدودك»(1).
و لأنّه لم يكن ينطلق من معارضته من منطلق «التنافس على السلطان» فلم يكن لديه مانع من أن يسدي النصح للحاكمين فيما يرتبط ب «رد المعالم» من دين اللّه و «الإصلاح» في البلاد، و الحفاظ على «أمن المظلومين» و «إقامة الحدود المعطلة..».
فكمّ من معضلة في عهد أبي بكر، حلّها لهم الإمام، حتى قال أبو بكر أكثر من مرة «لا أبقاني اللّه لمعضلة ليس لها أبو الحسن»؟.
و كم من مسألة استعصت على عمر بن الخطاب، فأعطى الإمام الرأي الأصوب فيها، حتى قال عمر أكثر من مرة «لو لا علي لهلك عمر»؟
و كم من محاولات بذلها لإصلاح الأوضاع في عهد
1) تذكرة الخواص: ص 120.
عثمان بن عفان، و منع تدهورها حتى قال عثمان أكثر من مرة:
«لا أبقاني اللّه في بلد ليس فيها عليّ»؟.
من ذلك ما أشار إليه في عهد عمر بن الخطاب، حينما أراد الخروج إلى قتال الروم و لكن عليا بن أبي طالب أقنعه أن في الجيوش التي كان قد أعدّها أبو بكر كفاية، و قد حقق قوادها نجاحا كبيرا، و كل ما يحتاج هؤلاء القواد هو المدد من عمر.
و لكن عمر رأى أن مسيره لا مندوحة عنه ليقود المجاهدين بنفسه، فيثير فيهم الحماسة، و يحقق اللّه به النصر المبين. فقال له علي: «إنّك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك، فتلقهم فتنكب، و لا تكن للمسلمين كانفة (أي كنف) دون أقصى بلادهم، ليس بعدك مرجع يرجعون إليه، فابعث إليهم رجلا مجربا، و احفز معه أهل البلاد النصيحة. فإن أظهره اللّه فذاك ما تحب، و إن تكن الأخرى، كنت ردءا للناس و مثابة للمسلمين»(1).
فولّى عمر أبا عبيدة على الجيش.
و فتحت جيوش المسلمين أرض العراق و الشام كلها
1) نهج البلاغة: الخطب 134.
و مصر، و هرب هرقل إلى القسطنطينية و نظر إلى آخر معاقله في سوريا فبكى و هو يقول: «سلام عليك يا سورية، سلام لا اجتماع بعده»(1).
و مرة أخرى، حينما أراد عمر بن الخطاب أن يخرج بنفسه إلى الحرب مع الفرس.. فاستشار عليا في الخروج بنفسه، فقال له الإمام: «إن هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه بكثرة و لا بقلة، و هو دين اللّه الذي أظهره و جنده الذي أعدّه و أمدّه حتى بلغ ما بلغ. و نحن على موعد مع اللّه و اللّه منجز وعده، و ناصر جنده. و مكان القيّم بالأمر مكان النظام (أي السلك) من الخرز، يجمعه و يضمّه، فإذا انقطع النظام تفرّق الخرز و ذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا.
و العرب اليوم و إن كانوا قليلا منهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع. فكن قطبا و استدر الرحى بالعرب، و أصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض، انتقضت عليك العرب من أطرافها و أقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك. إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا
1) كتاب الأموال: ص 252.
قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشدّ لكلبهم (تكالبهم) عليك، و طمعهم فيك.
فأما ما ذكرت من سير القوم لقتال المسلمين، فإن اللّه سبحانه، هو أكره لمسيرهم منك، و هو أقدر على تغيير ما يكره. و أما ما ذكرت من عددهم فإنّا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، و إنما كنّا نقاتل بالنصر و المعونة (من اللّه تعالى)(1).
و استطاع المسلمون بقيادة سعد بن أبي وقاص و سلمان الفارسي أن يفتحوا أرض فارس «المدائن» عاصمة الفرس، و اتّخذ سعد إيوان كسرى مصلى. و قرأ في صلاته قوله تعالى:
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَ عُيُونٍ (25) وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ (26) وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (27) كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ (2).
و أرسل سعد إلى عمر بالمدينة كنوز كسرى و تيجانه، و بنات كسرى، و أسيافه... و كان الفرس من قبل قد غزوا الهند و الترك. و منهم غلبت الروم في أدنى الأرض، و نهبوا جواهر ملوك الهند و الترك و أباطرة الروم، فآل كل ذلك للفاتحين3.
و أرسل سعد إلى عمر إلى جوار خمس الفيء. بساطا واحدا طوله ستون ذراعا و عرضه مثل ذلك، و قد نقش عليه بالذهب و الجواهر، طرق و أنهار و أزهار و ثمار!..
و قد نال كل جندي من جنود سعد بن أبي وقاص اثني عشر ألفا غير الدور.. و كانوا ستين ألفا.. و بلغ ما دخل بيت المال ثلاثين ألف ألف أي ثلاثين مليونا..
ثم أشار إلى الغنائم النفيسة و أقسم على عبد الرحمن بن عوف أن يقسمها فهو عليم بالجواهر، لتوزع في الوقت.
و قسم ابن عوف المتاع، و وزعه عمر على الناس، بادئا بأهل السابقة في الإسلام.
و بقي البساط المرصع بالذهب و الجواهر النادرة، و كان لا ينقسم، و سألهم عمر المشورة في أمر البساط فقال بعضهم:
«قد جعل الجند ذلك لك». و منهم من قال: «إنه لأمير المؤمنين لا يشركه فيه أحد» و زاد أحدهم: «يا أمير المؤمنين لقد أشغلناك عن أهلك و ضيعتك و تجارتك فهو لك».
فقال الإمام علي: «لا.. إنه لم يجعل اللّه علمك جهلا، و يقينك شكا. إنه ليس من الدنيا إلاّ ما أعطيت فأمضيت،
و قسمت فسويت، أو لبست فأبليت، أو أكلت فأفنيت. و إنك إن تبقه اليوم على هذا لم تعدم في غد من يستحق به ما ليس له».
قال عمر: «صدقتني و نصحتني يا أبا الحسن».
ثم قطع البساط و قسمه، فأصاب عليا منه قطعة لم تكن أجود من غيرها فباعها بعشرين ألفا. و أنفقها في سبيل اللّه!
أما بنات ملك الفرس، فقد أراد عمر أن يبيعهن كالجواري، و يضع ثمنهن في بيت المال.. و أعطاهن للدلاّل ينادي عليهن بالسوق، فكشف الدلاّل عن وجه إحداهن، فلطمته لطمة شديدة.
فصاح الرجل: «و اعمراه»! و شكا إليه، فدعاهن عمر، و أراد أن يضربهن بالعصا فقال له علي عليه السّلام: «إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: (أكرموا عزيز قوم ذل و غني قوم افتقر) إن بنات الملوك لا يبعن، و لكن قوّموهن» فقوموهن و كنّ ثلاثا، فأعطاه أثمانهن و وهبهن واحدة لمحمد بن أبي بكر، و الثانية لعبد اللّه بن عمر، و الثالثة لابنه الحسن»(1).
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 97.
كانت للإمام مآخذ كثيرة على طريقة إدارة البلاد في العهود التي سبقت خلافته و لذلك فحينما اقترح عليه أن يكون هو الخليفة بعد عمر بشرط أن يعمل بكتاب اللّه و سنّة نبيه، و سيرة الشيخين، رفض الشرط الأخير، و قال: «بل باجتهاد رأيي».
إلاّ أنه عليه السّلام كان لا يبخل على أي واحد من الخلفاء بالمشورة النافعة و الموعظة الصالحة، بما يضمن لهم السير على الطريق المستقيم.
و من ذلك ما روي من «أن عمر بن الخطاب احتاج إلى مال ليجهز الجيش، و لم تكن الفتوحات قد جاءت بالثراء العريض للدولة الجديدة بعد، و ما في بيت المال! فذكر قوم حلي الكعبة و قالوا: «ما تصنع الكعبة بالحلي يا أمير المؤمنين؟ خذ هذه الحلي فجهّز بها جيوش المسلمين يكن لك أعظم الأجر».
و همّ عمر بذلك إلا أنه رأى أن يسأل عليا. فقال له علي عليه السّلام: «إن القرآن أنزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأموال أربعة:
أموال المسلمين فقسّمها بين الورثة في الفرائض (المواريث)، و الفيء فقسّمه على مستحقيه، و الخمس، فوضعه اللّه حيث
وضعه، و الصدقات فجعلها اللّه حيث جعلها، و كان حلي الكعبة فيها يومئذ فتركه اللّه على حاله، و لم يتركه نسيانا وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (1)و لم يخف عليه مكانا، فأقرّه حيث أقرّه اللّه و رسوله»..
فقال له عمر: «لولاك لافتضحنا». و ترك الحلي بالكعبة كما هي(2).
كان الإمام في صف المعارضة، و كان يختلف مع الخليفة في قضايا داخلية كثيرة. منها تولّيه لهذا المنصب، إلاّ أن الأمر حينما كان يرتبط بهيبة الدولة، أو حسب تعبير الإمام ب «سلطان الإسلام» كان ينبري للأمر حتى يضمن سلامة توجّه الخليفة، و سلامة توجّه الدولة..
و لقد رأينا كيف أن الإمام منع عمر من أن يشخص بنفسه إلى قتال كل من الروم و الفرس، و لكن في مسألة بيت المقدس، كان للإمام رأي معاكس تماما، كل ذلك حرصا على هيبة الدولة الإسلامية، و حفاظا على مكانة الخليفة. فقد روي أنه «عند ما حاصر المسلمون بيت المقدس، و دارت حوله
معركة طاحنة، طلب أهله أن يتصالحوا مع العرب على الجزية، بشرط أن يقدم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بنفسه ليتّفق على شروط الصلح.
و جمع عمر الناس في المسجد فشاروهم، فقال عثمان:
«لا تبرح المدينة فأنت إن أقمت هنا و لم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف و لقتالهم مستعدّ، فلم يلبثوا إلاّ اليسير حتى ينزلوا على الصغار و يعطوا الجزية».
أما علي بن أبي طالب عليه السّلام فلم ير هذا الرأي، و أشار على عمر أن يذهب، و قال: «إذا أنت قدمت عليهم كان لك و للمسلمين الأمن و العافية و الصلاح و الفتح. و لست آمن أن ييأسوا منك و من الصلح، و يمسكوا حصنهم و يأتيهم المدد من بلادهم و طاغيتهم، لا سيما و بيت المقدس معظّم عندهم و إليه يحجّون».
و أخذ عمر برأي علي، و استخلفه على المدينة. و ركب إلى بيت المقدس. و كان الأمر كما قال الإمام علي عليه السّلام(1).
و في المسائل الداخلية، إذا كان الأمر يرتبط بقضايا مهمّة، مثل مسائل الولاة، و طريقة التعامل معهم، و التشدّد
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 129.
بحقّهم، و ما شابه ذلك كان الإمام يتدخّل لمصلحة الأمة، و لم يكن من أصحاب الرأي القائل دع الحاكم غيظا، و تزداد أخطاؤه و استحقاقاته، لتزيد النقمة عليه و تكسب المعارضة..
فهو لم يكن يريد «كرسي» الحكم مثل كثير من المعارضين - حتى لا تهمّه أمور الأمة و الدولة.. بل كان يريد الإصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
و من ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب كان يعمد بعض الأوقات إلى ما جمعه عمّاله فيصادر نصفه لبيت المال، و يترك لهم نصفه. إرضاء لهم من جهة، و إرضاء للعامة من جهة أخرى.. مع أن بعضهم كان يجمع الأموال خيانة، و لصوصية، مثل معاوية بن أبي سفيان، و عمرو بن العاص، و غيرهما.. و لقد أقرّ أقوام من الصحابة ما كان يفعله عمر.
أما علي عليه السّلام فقد كان يصنع ما يصنعه بهذا الصنف من الولاة رفقا لا يجوز، أو شدّة ليست من حقه!
فقد قال الإمام لعمر: «لئن كان عمّالك خونة، و كان هذا المال في أيديهم خيانة، ما حلّ لك تركه، و كان لك أن تأخذه كله، فإنه فيء للمسلمين، فما لك تأخذ نصفه و تترك نصفه؟! و لئن كانوا غير خونة. فما حلّ لك أن تأخذ أموالهم، و لا شيئا
منها قليلا أو كثيرا! و أعجب من ذلك إعادتك إياهم إلى أعمالهم!.. لئن كانوا خونة، ما حلّ لك أن تستعملهم! و إن كانوا غير خونة ما حقّت لك أموالهم»(1)!
من أجل ذلك كره هؤلاء عليا عليه السّلام، و خافوه على أطماعهم، و خشوا إن أصبح هو أميرا للمؤمنين، أن يصرفهم عمّا يفعلون بأموال العامة فيحملهم على الزهد، و التخلّي عن زينة الحياة!
لقد كان الإمام عليه السّلام يرى «أن أعظم الخيانة، خيانة الأمة و أفظع الغش غش الأئمة»(2).
فلم يكن يرضى بخيانة عمّال عمر، كما لم يكن يغشه في النصيحة.. خاصة فيما يرتبط بمحاسبة الولاة، و منعهم من نقض القانون و مخالفة الشريعة.. معتبرا التساهل مع الولاة، و السماح لهم بمخالفة الشريعة بداية و سقوط الحضارة الإسلامية، و نهاية تماسك النظام الإسلامي من ذلك ما حدث بعد أن توالت الفتوحات شرقا و غربا، فعكف بعض المجاهدين على الملذّات و الشراب.
و واجهت عمر مشكلة جماعة من خيرة فرسان المسلمين، على رأسهم «أبو محجن»، الذي أبلى أحسن البلاء في فتح العراق و بلاد الفرس، و ما وراء النهرين و أذربيجان..
أرسل أمير الجند سعد بن أبي وقاص هذه الجماعة إلى عمر، لأنهم شربوا الخمر، بعد أن أمر عمر بأن يحدّ شاربها ثمانين جلدة...
فقالوا لعمر: «ما حرّمها اللّه و لا رسوله. إن اللّه تعالى يقول في سورة المائدة: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ (1). بل حرّمتها أنت بعد أن أفتاك علي بن أبي طالب»!.
فأرسل عمر إلى عليّ ليجادلهم.
قال علي: «إن كان معنى هذه الآية كما يقولون، فينبغي أن يستحلّوا الميتة و الدم و لحم الخنزير»!.
فبهتوا و سكتوا.
فقال عمر لعلي: «فما ترى فيهم»؟. قال: «أرى إن كانوا
1) سورة المائدة، الآية: 93.
شربوها مستحلّين لها أن يقتلوا. و إن كانوا شربوها و هم يؤمنون أنها حرام أن يحدّوا ثمانين جلدة».
فسألهم عمر فقالوا: «و اللّه ما شككنا في أنها حرام، و لكننا قدرنا أن لنا نجاة فيما قلناه»!.
فأمر عمر بجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة، فلما انتهى إلى أبي محجن قام من الجلد فقال شعرا جاء فيه:
و إني لذو صبر و قد مات إخوتي و لست عن الصهباء يوما بصابر!
فقال عمر: «قد أبديت ما في نفسك و لأزيدنك عقوبة لإصرارك على شرب الخمر».
فقال له علي: «ما ذلك لك! و لا يجوز أن تعاقب رجلا قال لأفعلنّ و هو لم يفعل، و قد قال اللّه تعالى في الشعراء:
وَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (1)..».
فقال عمر: «استثنى اللّه منهم أقواما».
فقال علي:«إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ» (2).
و من ذلك أن عمر بن الخطاب أنشأ الديوان الذي يحتفظ فيه برواتب المسلمين آخذا بالنظم التي كانت سائدة عند الفرس و الروم و قد خالفه الإمام علي عليه السّلام لأن الإمام كان مخالفا لتأخير الفيء، و أموال الناس و لكن لم يعلن ذلك إلاّ فيما بعد.
غير أن عمر بن الخطاب بعد أن أنشأ الديوان و فرض للمسلمين فيئهم، جمع الناس و قال لهم:
«إني كنت امرأ تاجرا يغني اللّه عيالي بتجارتي و قد شغلتموني بأمركم، فما ذا ترون أنه يحل لي من هذا المال؟» فأكثر القوم عليه يقترحون الإغداق، و علي صامت.
فقال عمر:
«ما تقول يا أبا الحسن»؟:
فقال الإمام: «ما أصلحك و أصلح عيالك بالمعروف.
و ليس لك في هذا المال غيره».
فقال عمر: «اللّه أكبر، صدقت يا أبا الحسن، لو لا علي لهلك عمر».
و استنكف جماعة من أهل الشام من اسم الجزية، و ارتضوا أن يدفعوا بشرط تغيير اسمها، و لكن عمر صمم على أن يدفعوا الجزية صاغرين باسم الجزية، فاحتكموا إلى علي،
فأقنع عمر أن يقبل منهم الجزية باسم الصدقة تطهرهم.. فلما اقتنع عمر، دخل عدد منهم في الإسلام(1).
و اجتمع عند عمر مال، فقسّمه، فبقي منه شيء فاستشار بعض الصحابة فيما بقي قالوا: «نرى أن تمسكه فإن احتجت إلى شيء كان عندك». فسأل عليا: «ما لك لا تتكلم يا أبا الحسن»؟ قال: «قد أشار عليك القوم». قال: «و أنت فأشر».
قال: «أرى أن تقسمه». فقسمه عمر:
و قال: «يا أبا الحسن لا أبقاني اللّه لشدّة لست لها، و لا لبلد لست فيه»(2).
و حتى في المسائل الشخصية، فإن الإمام عليه السّلام كان لا يغشّ من استنصحه من الخلفاء، فهو إذا كان يعارض فلم يكن لحبه أو بغضه الشخصي إذ لم تكن لمعارضته هذه الصفة لا في كلياتها، و لا في جزئياتها..
من ذلك ما روي «أن عمر بن الخطاب أراد أن يتزوّج عاتكة بنت زيد، بعد أن قتل عنها زوجها عبد اللّه بن أبي بكر
في إحدى المعارك فقالت له: «قد كان عبد اللّه أعطاني حديقة على أن لا أتزوج بعده».
فقال لها عمر: «استفتي علي بن أبي طالب».. و لما استفته عليه السّلام قال لها الإمام: «ردّي الحديقة على أهله، و تزوّجي عمر».
و كانت عاتكة كما وصفها معاصروها: «امرأة ذات جمال، و كمال، و تمام في عقلها و منظرها، و كانت حسناء بارعة»(1).
تلك كانت بعض الأمثلة على طريقة الإمام علي عليه السّلام في المعارضة، و التزامه بالأخلاق الفاضلة فيها، في عهد عمر بن الخطاب.
أمّا في عهد «عثمان بن عفان» فإن الإمام كان أخلص من وقف معه ناصحا أمينا، ليردّه إلى الجادّة و يمنع عنه ما آل إليه، فكم من موقف ردّ الإمام عنه الثائرين عليه، أو توسّط بينهما، و لكن بعض الحاقدين الجشعين من أمثال مروان بن الحكم أفسدوا في الأمر..
1) المصدر السابق: ج 1، ص 123.
و كم من مرّة وقف الإمام مع الحق، و حاول عثمان أن لا يتجاوز حدود الشريعة في أموره الخاصة، أو العامة، و لكنه تحت تأثير بني أمية، كان يفعل ما يجب أن لا يفعله؟
من ذلك مثلا ما روي في بداية خلافة عثمان، فقد روي أن عبد الرحمن بن عوف حين رأى الخنجر الذي اغتيل به عمر و هو خنجر غريب الشكل ذو نصلين و مقبضه في وسطه، قال إنه رأى أبا لؤلؤة بالأمس يقلب هذا الخنجر و معه الهرمزان و جفينة، و اتهمهما في ذلك.
فخرج عبيد اللّه بن عمر في غضب عارم شاهرا سيفه.
فقتل الهرمزان، و هو فارسي أسلم، و جفينة، و هو نصراني من نصارى الحيرة، ثم ذهب إلى بيت أبي لؤلؤة، فقتل ابنته الصغيرة، و أراد أن يقتل كل من في المدينة من سبي رجال كانوا أو نساء، فتكاثر عليه عدد من المهاجرين و الأنصار، فنزعوا منه السيف، و وضعوه في محبس!
فلما جاؤوا بعبيد اللّه بن عمر ليحاكمه عثمان سأل عثمان جماعة من المهاجرين و الأنصار فيهم علي: «أشيروا عليّ في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق».
و سكت الجميع فما يدرون بم يشيرون!
فقال الإمام: «ما من العدل تركه، و أرى أن تقتله، فقد قتل رجلا مسلما يصلي، و قتل صبية صغيرة، و قتل رجلا نصرانيا من ذمّة رسول اللّه»!.
فقال أحد الحاضرين من أقرباء عثمان، إن أبناء عمر كانوا ثائرين جميعا لمقتل أبيهم، و هم الّذين شجّعوا عبيد اللّه على ما فعل.. حتى حفصة بنت عمر ممّن شجّع عبيد اللّه على قتلهم!
و عاد الإمام يؤكد أن القصاص لولي الأمر، فما من حق أبناء عمر أن يقيموا الحدّ أو يقضوا، فهذا لأمير المؤمنين وحده، أما أولياء الدم، فليس لهم إلاّ أن يعفوا إذا شاؤوا. ثم إن عبيد اللّه لو لم يقتل هؤلاء لأمكن أن تعرف أسرار ما حدث.
و لم يرتح عثمان لهذا الرأي!
و قال بعض الحاضرين: «أ يقتل عمر أمس، و يقتل ابنه اليوم»؟!
و لم يعقب الإمام علي!..
و كان عمرو بن العاص حاضرا في مجلس عثمان، فقال:
«يا أمير المؤمنين إن اللّه قد أعفاك من هذا الحدث، فقد كان
قبل البيعة لك، و ليس لك على المسلمين سلطان. تلك قضية لم تكن في أيامك فدعها عنك».
و ضاق به الإمام عليه السّلام و استشعر الأسى حيث إن أحكام الشريعة تنتقص للعواطف، و تراق دماء بريئة من غير ذنب ثم يعفى عن القاتل.
و أخيرا قال عثمان: «أنا ولي الّذين قتلهم عبيد اللّه بن عمر. و قد جعلتها دية، و احتملتها في مالي»(1).
و حدث حادث آخر، و حاول الإمام مرة أن يمنع الخليفة من الانسياق وراء بني أميّة. و حذّره بأشدّ ما يكون في ذلك.
فقد روي أن عثمان بن عفان حجّ بالناس، فزيّن له بعض قرابته من بني أمية أن يقيم مخيما كبيرا يليق «بأمير المؤمنين»، فكان أول من ضرب فسطاطا بمنى. و أتمّ الصلاة بمنى و بعرفة، و السّنّة قصر الصلاة بهما.
فقال له علي: «ما حدث أمر، و لا قدم عهد، و لقد عهدت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أبا بكر و عمر يصلّون ركعتين، و أنت صدرا من خلافتك» فقال: «رأي رأيته».
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص 147.
و جاء قوم إلى عليّ يشكون عثمان، و ينكرون عليه أمورا، و اشتدوا في النكير.
فجاءه علي فقال: يا أمير المؤمنين أ لا تنهى سفهاء بني أميّة عن أعراض المسلمين و أبشارهم و أموالهم؟! و اللّه لو ظلم عامل من عمّالك حيث تغرب الشمس لكان إثمه مشتركا بينه و بينك. فارجع إلى اللّه. فحتى متى و إلى متى»؟(1)!.
و حينما بدأت مظاهر التذمّر من عامة المسلمين و خاصتهم تزداد من تصرفات بني أميّة و غيرهم من ولاة عثمان، جاءه الإمام ناصحا له، و هو يريد أن يبعده من الّذين استخدموا عباءته لنيل ملذاتهم، و ينقذه من ثورة و شيكة، و كان الإمام قد نصحه قبل ذلك مرات عديدة و كانت هذه في الأواخر.. فقال له الإمام:
و و اللّه ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئا تجهله، و لا أدلّك على أمر لا تعرفه. إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنجرّك عنه، و لا خلونا بشيء فنبلغكه، و قد رأيت كما رأينا، و سمعت كما سمعنا، و صحبت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كما
1) علي إمام المتّقين: ج 1، ص151
صحبنا.. فاللّه.. اللّه.. في نفسك، فإنك و اللّه ما تبصر من عمى، و لا تعلّم من جهل، و إن الطرق لواضحة، و إنّ أعلام الدين لقائمة.
«فاعلم أن أفضل عباد اللّه، عند اللّه: إمام عادل هدي و هدى فأقام سنّة معلومة، و أمات بدعة مجهولة، و إن السنن لنيّرة، لها أعلام و إنّ البدع لظاهرة لها أعلام. و إن شرّ الناس عند اللّه: إمام جائر ضلّ و ضلّ به، فأمات سنّة مأخوذة، و أحيا بدعة متروكة. و إني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول:
«يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر، و ليس معه نصير و لا عاذر، فيلقى في نار جهنم فيدور فيها كما تدور الرحى، ثم يرتبط في قعرها».
«و إني أنشدك اللّه ألاّ تكون إمام هذه الأمّة المقتول، فإنه كان يقال: يقتل في هذه الأمة إمام يفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة، و يلبس أمورها عليها، و يبثّ الفتن فيها، فلا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، و يمرجون فيها مرجا».
«فلا تكونن لمروان (بن الحكم) سيّقة، ليسوقك حيث شاء بعد جلال السّن، و تقضي العمر!».
فقال عثمان للإمام: «كلّم الناس في أن يؤجلوني، حتى أخرج إليهم من مظالمهم..
فقال علي عليه السّلام: «ما كان بالمدينة فلا أجل فيه، و ما غاب فأجله وصول أمرك إليه»(1).
و لقد بقي الإمام ناصحا لعثمان بالرغم من أن عثمان نفى الإمام إلى خارج المدينة، ثم عند ما اشتدت المعارضة عليه طلب الإمام للتوسّط بينه و بين الناس، و تهدئتهم، ثم حينما ازداد هتاف الناس باسم الإمام للخلافة، طلب عثمان من عبد اللّه بن عباس أن يوصل إلى الإمام رسالة من عثمان و هو محصور في دار الإمارة يأمره عليه السّلام بالخروج من المدينة إلى «ينبع» ليقل هتاف الناس باسمه.. فقال الإمام:
«و اللّه لقد دفعت عنه حتى خشيت أن أكون آثما»(2).
و بعد مقتل عثمان، كتب الإمام رسالة إلى أهل الكوفة يخبرهم بما جرى و ذكر فيه: «أما بعد فإني أخبركم عن أمر عثمان، حتى يكون سمعه كعيانه، إن الناس طعنوا عليه، فكنت رجلا من المهاجرين أكثر استعتابه، و أقلّ عتابه».
المقدمة 7
أخلاقيات المؤمن 9
التقوى و الإخلاص 11
الالتزام بالأخلاق الفاضلة 40
اليقين 70
الزهد 86
التواضع 137
المبادرة 150
الوفاء 159
التضحية 165
العطاء 171
الشجاعة 185
قضاء حوائج الناس 214
الإيثار 230
الحلم 237
العمل اليدوي 245
التوازن بين الدنيا و الآخرة 251
الدعابة 267
أخلاقيات المعارضة 271